{"ً":{"ٌ":750,"ٍ":"استنباطات الشوكاني في تفسيره فتح القدير","َ":4,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: استنباطات الشوكاني في تفسيره «فتح القدير» جمعا ودراسة\nرسالة: دكتوراة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين قسم القرآن وعلومه\nإعداد: خلود شاكر فهيد العبدلي\nإشراف: يوسف بن عبد العزيز الشبل\nالعام الجامعي: ١٤٣٤ - ١٤٣٥ هـ\nعدد الصفحات: ٥٦٥\n[كتاب إلكتروني بترقيم الشاملة]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2999,"ٕ":3,"ٖ":1780758731,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":3},{"title":"أهمية الموضوع","level":2,"page":4},{"title":"أسباب اختيار الموضوع","level":2,"page":4},{"title":"أهداف البحث","level":2,"page":4},{"title":"حدود البحث","level":2,"page":4},{"title":"الدراسات السابقة","level":2,"page":5},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":7},{"title":"منهج البحث","level":2,"page":8},{"title":"التمهيد","level":1,"page":11},{"title":"أولا: تعريف الاستنباط، ونشأته.","level":2,"page":11},{"title":"أ - تعريف الاستنباط","level":3,"page":11},{"title":"تنبيهات","level":4,"page":13},{"title":"ب - نشأة الاستنباط","level":3,"page":15},{"title":"ثانيا: أهمية الاستنباط وعلاقته بالتفسير.","level":2,"page":17},{"title":"أ - أهمية الاستنباط","level":3,"page":17},{"title":"ب - علاقة الاستنباط بالتفسير","level":3,"page":20},{"title":"أولا: وجه الشبه","level":4,"page":20},{"title":"ثانيا: أوجه الاختلاف","level":4,"page":21},{"title":"ثالثا: التعريف بالشوكاني ﵀.","level":2,"page":22},{"title":"اسمه، ونسبه","level":3,"page":22},{"title":"مولده","level":3,"page":23},{"title":"نشأته وطلبه العلم","level":3,"page":23},{"title":"عقيدته","level":3,"page":24},{"title":"وقد وافق الشوكاني السلف في جميع أركان الإيمان الستة، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر، ولم يخالفهم إلا في مسائل قليلة،","level":4,"page":25},{"title":"أولا: في توحيد الألوهية","level":5,"page":25},{"title":"ثانيا: في أسماء الله تعالى","level":5,"page":25},{"title":"ثالثا: في صفات الله تعالى","level":5,"page":25},{"title":"رابعا: في نواقض التوحيد","level":5,"page":27},{"title":"خامسا: في النبوات","level":5,"page":27},{"title":"مذهبه","level":3,"page":28},{"title":"الاجتهاد والتقليد عند الشوكاني","level":4,"page":28},{"title":"شيوخه","level":3,"page":33},{"title":"أعماله","level":3,"page":35},{"title":"١) اشتغاله بالتدريس","level":4,"page":35},{"title":"٢) مباشرته للإفتاء","level":4,"page":35},{"title":"٣) قيامه بالدعوة الإصلاحية","level":4,"page":36},{"title":"٤) توليه القضاء العام","level":4,"page":36},{"title":"آثاره العلمية ومؤلفاته","level":3,"page":36},{"title":"شعره وأدبه","level":3,"page":37},{"title":"زهده","level":3,"page":38},{"title":"وفاته","level":3,"page":38},{"title":"رابعا: التعريف بتفسير (فتح القدير) للشوكاني.","level":2,"page":38},{"title":"المنهج العام الذي اتبعه الشوكاني في تفسير الآيات","level":3,"page":39},{"title":"تقديم الدراية على الرواية","level":3,"page":39},{"title":"الشوكاني ليس معارضا للمناسبة، بل هو من المؤيدين لها، ويدل على هذا أمور","level":3,"page":40},{"title":"الأول: أنه اعتنى في تفسيره كثيرا بأنواع المناسبات الداخلية، والخارجية، ومن هذه الأنواع","level":4,"page":40},{"title":"١) مناسبة اختيار لفظة","level":5,"page":40},{"title":"٢) المناسبة بين المقسم والمقسم به","level":5,"page":40},{"title":"٣) مناسبة ختم الآية","level":5,"page":41},{"title":"أولا: الأمثلة على مناسبة ختم الآية باسم من أسماء الله الحسنى","level":6,"page":41},{"title":"ثانيا: مناسبة ختم الآية بخاتمة تناسب موضوعها.","level":6,"page":42},{"title":"٤) المناسبة بين الآيات","level":5,"page":42},{"title":"٥) المناسبة بين سورتين (مناسبة آخر سورة بفاتحة التي تليها)","level":5,"page":43},{"title":"الثاني: أنه دعا إلى استخراج المناسبة،","level":4,"page":43},{"title":"الثالث: أنه أثنى في كتابه (البدر الطالع) على كتاب البقاعي (نظم الدرر)","level":4,"page":44},{"title":"ومن الأمثلة على المناسبات التي يأباها الشوكاني","level":3,"page":45},{"title":"الباب الأول: منهج الشوكاني في الاستنباط من خلال تفسيره \"فتح القدير\"","level":1,"page":48},{"title":"الفصل الأول: أقسام الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره.","level":2,"page":48},{"title":"المبحث الأول: الاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط","level":3,"page":49},{"title":"المطلب الأول: الاستنباطات في التفسير","level":4,"page":50},{"title":"أمثلة على الاستنباطات في التفسير","level":5,"page":50},{"title":"المثال الأول","level":6,"page":50},{"title":"المثال الثاني","level":6,"page":51},{"title":"المثال الثالث","level":6,"page":51},{"title":"المطلب الثاني: الاستنباطات في علوم القرآن","level":4,"page":52},{"title":"أولا: الاستنباطات في المناسبات","level":5,"page":52},{"title":"الاستنباطات في المناسبات الداخلية (داخل السورة)","level":6,"page":53},{"title":"١ - مناسبة اللفظ","level":7,"page":53},{"title":"٢ - مناسبة ختم الآية","level":7,"page":53},{"title":"٣ - المناسبة بين أجزاء الآية الواحدة","level":7,"page":53},{"title":"- المناسبة بين الآيات (بين آيتين أو أكثر). وهذا النوع هو الأكثر ورودا عند الشوكاني.","level":7,"page":54},{"title":"أمثلة ذلك","level":8,"page":54},{"title":"٥ - المناسبة بين المقسم والمقسم به","level":7,"page":55},{"title":"٦ - مناسبة خاتمة السورة لآخر موضوعاتها.","level":7,"page":55},{"title":"الاستنباطات في المناسبات الخارجية (بين السور)","level":6,"page":55},{"title":"ثانيا: الاستنباطات في قصص القرآن.","level":5,"page":56},{"title":"أمثلة على الاستنباطات في قصص القرآن","level":6,"page":56},{"title":"المثال الأول","level":7,"page":56},{"title":"المثال الثاني","level":7,"page":56},{"title":"المثال الثالث","level":7,"page":56},{"title":"ثالثا: الاستنباطات في معاني التكرار.","level":5,"page":57},{"title":"أمثلة على الاستنباطات في معاني التكرار","level":6,"page":57},{"title":"المثال الأول","level":7,"page":57},{"title":"المثال الثاني","level":7,"page":57},{"title":"المثال الثالث","level":7,"page":57},{"title":"المطلب الثالث: الاستنباطات العقدية","level":4,"page":58},{"title":"أمثلة على الاستنباطات العقدية","level":5,"page":58},{"title":"المثال الأول","level":6,"page":58},{"title":"المثال الثاني","level":6,"page":58},{"title":"المثال الثالث","level":6,"page":58},{"title":"المطلب الرابع: الاستنباطات الأصولية","level":4,"page":59},{"title":"أمثلة على الاستنباطات الأصولية","level":5,"page":59},{"title":"المثال الأول","level":6,"page":59},{"title":"المثال الثاني","level":6,"page":59},{"title":"المثال الثالث","level":6,"page":60},{"title":"المطلب الخامس: الاستنباطات الفقهية","level":4,"page":61},{"title":"أولا: أمثلة على الاستنباط في القواعد الفقهية","level":5,"page":61},{"title":"المثال الأول","level":6,"page":61},{"title":"المثال الثاني","level":6,"page":62},{"title":"ثانيا: أمثلة على الاستنباطات الفقهية","level":5,"page":62},{"title":"المثال الأول","level":6,"page":62},{"title":"المثال الثاني","level":6,"page":63},{"title":"المثال الثالث","level":6,"page":63},{"title":"المطلب السادس: الاستنباطات اللغوية استنبط الشوكاني عددا من الاستنباطات اللغوية وذلك في ثمانية مواضع","level":4,"page":64},{"title":"أمثلة على الاستنباطات اللغوية","level":5,"page":64},{"title":"المثال الأول","level":6,"page":65},{"title":"المثال الثاني","level":6,"page":65},{"title":"المثال الثالث","level":6,"page":65},{"title":"المطلب السابع: الاستنباطات في الرقائق.","level":4,"page":66},{"title":"أمثلة على الاستنباطات في الرقائق","level":5,"page":66},{"title":"المثال الأول","level":6,"page":66},{"title":"المثال الثاني","level":6,"page":66},{"title":"المثال الثالث","level":6,"page":67},{"title":"المطلب الثامن: الاستنباطات التربوية السلوكية.","level":4,"page":68},{"title":"أمثلة على الاستنباطات التربوية السلوكية","level":5,"page":68},{"title":"المثال الأول","level":6,"page":68},{"title":"المثال الثاني","level":6,"page":68},{"title":"المثال الثالث","level":6,"page":69},{"title":"موضوعات أخرى للاستنباط","level":5,"page":69},{"title":"أمثلة للاستنباط في هذه الموضوعات","level":6,"page":69},{"title":"الدعوات والذكر","level":7,"page":69},{"title":"الأخلاق","level":7,"page":70},{"title":"الدعوة","level":7,"page":70},{"title":"السيرة النبوية","level":7,"page":71},{"title":"الطب","level":7,"page":72},{"title":"التأريخ","level":7,"page":72},{"title":"الخلاصة","level":7,"page":73},{"title":"تنبيه","level":5,"page":73},{"title":"يتنبه إلى أنه لا يلزم أن يكون موضوع الاستنباط واحدا،","level":5,"page":73},{"title":"من الأمثلة على ذلك","level":6,"page":73},{"title":"المبحث الثاني: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط منه وخفائه","level":3,"page":75},{"title":"أولا: الاستنباط من نص ظاهر المعنى.","level":4,"page":75},{"title":"أمثلة على الاستنباط من نص ظاهر المعنى","level":5,"page":76},{"title":"المثال الأول","level":6,"page":76},{"title":"المثال الثاني","level":6,"page":76},{"title":"المثال الثالث","level":6,"page":76},{"title":"ثانيا: الاستنباط من نص خفي.","level":4,"page":77},{"title":"أمثلة أخرى على الاستنباط من نص خفي","level":5,"page":78},{"title":"المثال الأول","level":6,"page":78},{"title":"المثال الثاني","level":6,"page":78},{"title":"المثال الثالث","level":6,"page":78},{"title":"المبحث الثالث: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب.","level":3,"page":79},{"title":"أولا: الاستنباط باعتبار الإفراد.","level":4,"page":79},{"title":"أمثلة على الاستنباط باعتبار الإفراد.","level":5,"page":79},{"title":"المثال الأول","level":6,"page":79},{"title":"المثال الثاني","level":6,"page":79},{"title":"المثال الثالث","level":6,"page":80},{"title":"ثانيا: الاستنباط باعتبار التركيب.","level":4,"page":80},{"title":"أمثلة على الاستنباط باعتبار التركيب.","level":5,"page":80},{"title":"المثال الأول","level":6,"page":80},{"title":"المثال الثاني","level":6,"page":81},{"title":"المثال الثالث","level":6,"page":81},{"title":"الفصل الثاني: دلالات وطرق الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره.","level":2,"page":83},{"title":"قليلا ما كان الشوكاني يصرح بذكر دلالة الاستنباط أو طريقه. ومن الأمثلة على المواضع التي صرح فيها","level":3,"page":83},{"title":"المثال الأول: (دلالة الالتزام)","level":4,"page":83},{"title":"المثال الثاني: (دلالة النص أو مفهوم الموافقة \"فحوى الخطاب\")","level":4,"page":84},{"title":"المثال الثالث: (دلالة النص أو مفهوم الموافقة \"فحوى الخطاب ولحنه\")","level":4,"page":84},{"title":"المثال الرابع: (دلالة الاقتران)","level":4,"page":84},{"title":"المبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص (مفهوم الموافقة)","level":3,"page":85},{"title":"تعريف مفهوم الموافقة","level":4,"page":85},{"title":"أمثلة لاستنباط الشوكاني بدلالة مفهوم الموافقة","level":4,"page":85},{"title":"المثال الأول","level":5,"page":85},{"title":"المثال الثاني","level":5,"page":85},{"title":"المثال الثالث","level":5,"page":86},{"title":"المبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم (مفهوم المخالفة) ...","level":3,"page":86},{"title":"تعريف مفهوم المخالفة","level":4,"page":86},{"title":"أمثلة لاستنباط الشوكاني بدلالة مفهوم المخالفة","level":4,"page":86},{"title":"المثال الأول: (بمفهوم الشرط)","level":5,"page":86},{"title":"المثال الثاني: (بمفهوم التقسيم)","level":5,"page":87},{"title":"المثال الثالث: (بمفهوم الحصر)","level":5,"page":87},{"title":"المثال الرابع: (بمفهوم القيد أو الصفة، ويشمل الصفة، والحال وغيرهما).","level":5,"page":87},{"title":"المبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام","level":3,"page":88},{"title":"تعريف دلالة الالتزام","level":4,"page":88},{"title":"أمثلة لاستنباط الشوكاني بدلالة الالتزام","level":4,"page":88},{"title":"المثال الأول","level":5,"page":88},{"title":"المثال الثاني","level":5,"page":88},{"title":"المثال الثالث","level":5,"page":89},{"title":"المبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن","level":3,"page":89},{"title":"تعريف دلالة التضمن","level":4,"page":89},{"title":"المبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران","level":3,"page":91},{"title":"تعريف دلالة الاقتران","level":4,"page":91},{"title":"أمثلة لاستنباط الشوكاني بدلالة الاقتران","level":4,"page":91},{"title":"المثال الأول","level":5,"page":91},{"title":"المثال الثاني","level":5,"page":92},{"title":"المثال الثالث","level":5,"page":92},{"title":"المبحث السادس: الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن","level":3,"page":93},{"title":"المقصود بدلالة المطرد من أساليب القرآن","level":4,"page":93},{"title":"أمثلة لاستنباط الشوكاني بدلالة المطرد من أساليب القرآن","level":4,"page":93},{"title":"المثال الأول","level":5,"page":93},{"title":"المثال الثاني","level":5,"page":93},{"title":"الاستنباط بدلالة الاقتداء","level":5,"page":93},{"title":"أولا: الاقتداء بأفعال الله","level":6,"page":93},{"title":"ثانيا: الاقتداء بأفعال الأنبياء","level":6,"page":94},{"title":"ثالثا: الاعتبار بقصص السابقين.","level":6,"page":95},{"title":"ومن دلالات الاستنباط بأساليب القرآن","level":5,"page":95},{"title":"١ - دلالة استعمال القرآن.","level":6,"page":95},{"title":"٢ - دلالة التقديم.","level":6,"page":96},{"title":"٣ - دلالة وضع الظاهر موضع المضمر.","level":6,"page":96},{"title":"٤ - دلالة تغيير النظم.","level":6,"page":96},{"title":"٥ - دلالة التكرار.","level":6,"page":97},{"title":"٦ - دلالة التأكيد.","level":6,"page":97},{"title":"ومن دلالات علوم القرآن أيضا دلالة الربط، وهي أنواع","level":5,"page":97},{"title":"أ - الربط: بين آيتين أو أكثر","level":6,"page":97},{"title":"ب - الربط بين أجزاء الآية","level":6,"page":98},{"title":"ت - الربط بين الآية وخاتمتها","level":6,"page":99},{"title":"دلالات عامة","level":5,"page":99},{"title":"١ - دلالة عدم الذكر. ولم يستنبط بها سوى مرة واحدة.","level":6,"page":99},{"title":"٢ - السياق.","level":6,"page":100},{"title":"٣ - دلالة التركيب.","level":6,"page":100},{"title":"قواعد الاستنباط","level":5,"page":101},{"title":"الفصل الثالث: القيمة العلمية لاستنباطات الشوكاني وفيه مبحثان","level":2,"page":103},{"title":"المبحث الأول: تأثر الشوكاني باستنباطات المفسرين قبله، وموقفه منها.","level":3,"page":103},{"title":"الأول: الاستنباطات التي نقلها دون أن يظهر معها ما يدل على موافقته أو رده لها.","level":4,"page":103},{"title":"ومن أمثلة ذلك","level":5,"page":103},{"title":"الثاني: الاستنباطات التي ردها ردا صريحا.","level":4,"page":104},{"title":"ومن أمثلة ذلك","level":5,"page":104},{"title":"الثالث: الاستنباطات التي تأثر فيها بمن سبقه. وهذه على قسمين","level":4,"page":105},{"title":"أمثلة لتأثر الشوكاني باستنباطات من قبله","level":5,"page":106},{"title":"تأثره باستنباطات الصحابة","level":5,"page":106},{"title":"تأثره باستنباطات التابعين","level":5,"page":106},{"title":"وأمثلة ذلك","level":6,"page":106},{"title":"تأثره باستنباطات المفسرين","level":5,"page":107},{"title":"ترتيب المفسرين حسب الأكثر تأثيرا في الشوكاني","level":5,"page":108},{"title":"أولا: القرطبي","level":6,"page":108},{"title":"ثانيا: أبو السعود","level":6,"page":109},{"title":"ثالثا: الرازي","level":6,"page":111},{"title":"رابعا: البيضاوي","level":6,"page":112},{"title":"خامسا: ابن عطية","level":6,"page":114},{"title":"سادسا: البقاعي","level":6,"page":114},{"title":"سابعا: الزجاج.","level":6,"page":116},{"title":"تأثيره في المفسرين بعده","level":5,"page":116},{"title":"المبحث الثاني: مميزات استنباطات الشوكاني","level":3,"page":119},{"title":"تميزت استنباطات الشوكاني بميزات هي","level":4,"page":119},{"title":"الباب الثاني جمع ودراسة استنباطات الشوكاني في تفسيره من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس","level":1,"page":126},{"title":"سورة الفاتحة","level":2,"page":126},{"title":"١ - العبادة وسيلة إلى الاستعانة","level":3,"page":126},{"title":"الدراسة","level":4,"page":126},{"title":"سورة البقرة","level":2,"page":129},{"title":"٢ - الإرشاد إلى ترك الإسراف","level":3,"page":129},{"title":"الدراسة","level":4,"page":129},{"title":"٣ - تكرير اسم الإشارة ﴿أولئك﴾ لمزيد الثناء على المتقين،","level":3,"page":131},{"title":"الدراسة","level":4,"page":131},{"title":"٤ - وجوب استعمال الحجج وترك التقليد","level":3,"page":132},{"title":"الدراسة","level":4,"page":132},{"title":"٥ - الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل","level":3,"page":139},{"title":"الدراسة","level":4,"page":139},{"title":"٦ - مناسبة إثبات الله أنه بكل شيء عليم بعد أن ذكر خلقه الأرض والسموات؛","level":3,"page":144},{"title":"الدراسة","level":4,"page":144},{"title":"٧ - لما كان سؤال الملائكة عن الخليفة في الأرض واقعا على صفة تستلزم إثبات شيء من العلم لأنفسهم؛ ناسب أن يجيبهم الله سبحانه بقوله: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون (٣٠)﴾","level":3,"page":146},{"title":"الدراسة","level":4,"page":146},{"title":"٨ - في النهي عن القرب من الشجرة سد للذريعة وقطع للوسيلة.","level":3,"page":149},{"title":"الدراسة","level":4,"page":149},{"title":"٩ - من أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به، أو إثبات باطل نهى الله عنه؛ فقد اشترى بآيات الله ثمنا قليلا","level":3,"page":150},{"title":"الدراسة","level":4,"page":150},{"title":"١٠ - كفر اليهود كفر عناد لا كفر جهل، وقوله: ﴿وأنتم تعلمون (٤٢)﴾ لا يفيد جواز اللبس والكتمان مع الجهل","level":3,"page":151},{"title":"الدراسة","level":4,"page":152},{"title":"١١ - الإرشاد إلى شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد","level":3,"page":153},{"title":"الدراسة","level":4,"page":154},{"title":"١٢ - مناسبة تخصيص اسم الله البارئ بالذكر في صفة توبة الله على بني إسرائيل الإشارة إلى عظيم جرمهم","level":3,"page":156},{"title":"الدراسة","level":4,"page":156},{"title":"١٣ - مناسبة تقييد قتل اليهود النبيين بأنه كان بغير الحق لنعي هذا الأمر عليهم، وأنه ظلم بحت؛ لأن قتلهم النبيين ليس بحق في اعتقادهم الباطل","level":3,"page":158},{"title":"الدراسة","level":4,"page":159},{"title":"١٤ - ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص وإن لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم؛ سدا للذريعة ودفعا للوسيلة وقطعا لمادة المفسدة والتطرق إليه","level":3,"page":160},{"title":"الدراسة","level":4,"page":160},{"title":"١٥ - تكلم أهل العلم والدراسة لكتب الله بما ليس عليه برهان أشد قبحا وأفظع جرما من تكلم غيرهم به","level":3,"page":163},{"title":"الدراسة","level":4,"page":163},{"title":"١٦ - ثبوت عذاب القبر","level":3,"page":164},{"title":"الدراسة","level":4,"page":165},{"title":"١٧ - جواز كتمان ما ليس من الهدى والبينات","level":3,"page":165},{"title":"الدراسة","level":4,"page":165},{"title":"ويجوز الكتمان في مواطن، منها","level":4,"page":167},{"title":"١ - إذا خاف على نفسه.","level":5,"page":167},{"title":"٢ - إن رأى العالم مفسدة ظاهرة جلية تفوق مصلحة ظهور ما لديه","level":5,"page":168},{"title":"١٨ - أول ما يجب بيانه، ويحرم كتمانه هو أمر التوحيد","level":3,"page":170},{"title":"الدراسة","level":4,"page":170},{"title":"وقد تلمس العلماء مناسبات أخرى، منها","level":4,"page":171},{"title":"١٩ - كل ما لم يرد فيه نص أو ظاهر من الأعيان الموجودة في الأرض فأصله الحل حتى يرد دليل يقتضي تحريمه","level":3,"page":174},{"title":"الدراسة","level":4,"page":174},{"title":"٢٠ - قبح التقليد وذم المقلدين","level":3,"page":176},{"title":"الدراسة","level":4,"page":176},{"title":"٢١ - مناسبة ذكر الرأفة بعد ذكره سبحانه البائعين أنفسهم ابتغاء مرضاته ﷿؛ أنه أوجب عليهم ما أوجبه ليجازيهم ويثيبهم عليه فكان ذلك رأفة بهم","level":3,"page":178},{"title":"الدراسة","level":4,"page":179},{"title":"٢٢ - لا يبطل عمل من ارتد إلا إذا مات على الكفر","level":3,"page":180},{"title":"الدراسة","level":4,"page":180},{"title":"٢٣ - لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ","level":3,"page":182},{"title":"الدراسة","level":4,"page":182},{"title":"٢٤ - تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة","level":3,"page":184},{"title":"الدراسة","level":4,"page":185},{"title":"٢٥ - في معاشرة المشركين ومصاحبتهم من الخطر العظيم ما لا يجوز للمؤمنين أن يتعرضوا له","level":3,"page":187},{"title":"الدراسة","level":4,"page":188},{"title":"٢٦ - إذا لم يحصل للزوجين الظن بإقامة حدود الله فلا يجوز الدخول في النكاح لأنه مظنة لمعصية لله والوقوع فيما حرمه الله على الزوجين","level":3,"page":188},{"title":"الدراسة","level":4,"page":188},{"title":"٢٧ - مدة تمام الرضاع حولين حقيقة، لا تقريبا","level":3,"page":190},{"title":"الدراسة","level":4,"page":190},{"title":"٢٨ - لا تجب المتعة للمطلقة بعد التسمية وقبل الدخول","level":3,"page":192},{"title":"الدراسة","level":4,"page":193},{"title":"٢٩ - الغرفة من الماء تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش","level":3,"page":196},{"title":"الدراسة","level":4,"page":197},{"title":"٣٠ - يقال للماء طعام","level":3,"page":198},{"title":"الدراسة","level":4,"page":198},{"title":"٣١ - محاجة الذي حاج إبراهيم -﵇- كفر","level":3,"page":201},{"title":"الدراسة","level":4,"page":201},{"title":"٣٢ - فساد قول من قال: إن الصرع لا يكون من جهة الجن، وإن الشيطان لا يسلك في الإنسان، ولا يكون منه مس","level":3,"page":203},{"title":"الدراسة","level":4,"page":204},{"title":"إبطال أدلة المنكرين من عدة وجوه","level":4,"page":206},{"title":"٣٣ - أموال المرابين مع عدم التوبة حلال لمن أخذها من الأئمة، ونحوهم ممن ينوب عنهم","level":3,"page":208},{"title":"الدراسة","level":4,"page":208},{"title":"٣٤ - وعد الله لمن اتقاه أن يعلمه","level":3,"page":210},{"title":"الدراسة","level":4,"page":211},{"title":"سورة آل عمران","level":2,"page":215},{"title":"٣٥ - مناسبة ذكر الله رأفته بعباده بعد أن حذرهم نفسه؛ للجمع بين الترهيب والترغيب","level":3,"page":215},{"title":"الدراسة","level":4,"page":215},{"title":"٣٦ - مشروعية صلاة الجماعة","level":3,"page":218},{"title":"الدراسة","level":4,"page":218},{"title":"٣٧ - أبناء البنات يسمون أبناء","level":3,"page":220},{"title":"الدراسة","level":4,"page":220},{"title":"٣٨ - من كان أمينا في الكثير فهو في القليل أمين، ومن كان خائنا في القليل فهو في الكثير خائن","level":3,"page":226},{"title":"الدراسة","level":4,"page":227},{"title":"٣٩ - لا يستقل العمل بدخول صاحبه الجنة، بل لا بد من رحمة الله","level":3,"page":228},{"title":"الدراسة","level":4,"page":228},{"title":"٤٠ - تناهي عداوة المنافقين فبمجرد أن تمس المسلمين حسنة يحصل به المساءة للمنافقين، ولا يفرحون إلا بإصابة السيئة","level":3,"page":230},{"title":"الدراسة","level":4,"page":230},{"title":"٤١ - لم تباشر الملائكة القتال يوم بدر، وإنما كان الإمداد بهم بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب فحسب","level":3,"page":234},{"title":"الدراسة","level":4,"page":234},{"title":"٤٢ - سبقت رحمة الله غضبه","level":3,"page":237},{"title":"الدراسة","level":4,"page":238},{"title":"٤٣ - الإيمان يزيد وينقص","level":3,"page":239},{"title":"الدراسة","level":4,"page":239},{"title":"٤٤ - قول اليهود: ﴿إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ بمكان يعدل قتل الأنبياء","level":3,"page":241},{"title":"الدراسة","level":4,"page":241},{"title":"سورة النساء","level":2,"page":243},{"title":"٤٥ - لا حق للمملوكات في القسم","level":3,"page":243},{"title":"الدراسة","level":4,"page":243},{"title":"٤٦ - حرمة أخذ شيء من مهر الزوجة دون رضاها","level":3,"page":244},{"title":"٤٧ - عدم اعتبار ما يصدر من النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك","level":3,"page":244},{"title":"الدراسة","level":4,"page":244},{"title":"٤٨ - إفراد ذكر النساء بعد ذكر الرجال في الميراث للإيذان بأصالتهن في هذا الحكم","level":3,"page":247},{"title":"الدراسة","level":4,"page":247},{"title":"٤٩ - الاقتصار في ميراث البنتين على الثلثين","level":3,"page":249},{"title":"الدراسة","level":4,"page":249},{"title":"٥٠ - الإخوة لأم إذا استكملت بهم المسألة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين أو لأب","level":3,"page":251},{"title":"الدراسة","level":4,"page":252},{"title":"٥١ - كل وصية من العباد تخالف وصية الله فهي مسبوقة بوصية الله","level":3,"page":257},{"title":"الدراسة","level":4,"page":257},{"title":"٥٢ - مناسبة ذكر التغليظ على من يأتين الفاحشة من النساء بعد الأمر بالإحسان إلى النساء؛ لئلا يتوهمن أنه يسوغ لهن ترك التعفف","level":3,"page":259},{"title":"الدراسة","level":4,"page":259},{"title":"٥٣ - مناسبة ختم الآية بقوله تعالى: ﴿إن الله كان عليا كبيرا (٣٤)﴾","level":3,"page":261},{"title":"الدراسة","level":4,"page":261},{"title":"٥٤ - مناسبة تخصيص ذم المختال الفخور بعد الأمر بعبادة الله والإحسان إلى الخلق؛ لأن هاتين الصفتين تحملان صاحبهما على الأنفة مما ندب الله إليه","level":3,"page":263},{"title":"الدراسة","level":4,"page":263},{"title":"٥٥ - مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئاته","level":3,"page":265},{"title":"الدراسة","level":4,"page":266},{"title":"٥٦ - من حبسه العذر عن الجهاد يعطى مثل أجر المجاهد","level":3,"page":267},{"title":"الدراسة","level":4,"page":268},{"title":"٥٧ - الحث على الهجرة","level":3,"page":271},{"title":"الدراسة","level":4,"page":271},{"title":"٥٨ - تأكيد أمر الهجرة","level":3,"page":272},{"title":"الدراسة","level":4,"page":273},{"title":"٥٩ - مناسبة قوله تعالى: ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض﴾ بعد ذكر اتخاذ الله إبراهيم -﵇- خليلا؛ لبيان أنه سبحانه اتخذ إبراهيم -﵇- خليلا؛ لطاعته، لا لحاجته، ولا للتكثير به، والاعتضاد بمخاللته","level":3,"page":274},{"title":"الدراسة","level":4,"page":274},{"title":"سورة المائدة","level":2,"page":277},{"title":"٦٠ - جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة","level":3,"page":277},{"title":"الدراسة","level":4,"page":277},{"title":"٦١ - ما يأخذه المسلمون من أهل الكتاب من أعواض الطعام -أي ثمن بيع اللحم- حلال لهم","level":3,"page":279},{"title":"الدراسة","level":4,"page":280},{"title":"٦٢ - مناسبة إيراد قصة ابني آدم -﵇- في سياق الحديث عن مفاسد بني إسرائيل وظلمهم","level":3,"page":281},{"title":"الدراسة","level":4,"page":281},{"title":"٦٣ - توبة المحارب بعد القدرة عليه لا تسقط بها عقوبة الحرابة","level":3,"page":285},{"title":"الدراسة","level":4,"page":285},{"title":"٦٤ - مناسبة الشروع في بيان أحكام المرتدين بعد بيان أن موالاة الكافرين من المسلم كفر؛ لأن موالاتهم نوع من أنواع الردة","level":3,"page":286},{"title":"الدراسة","level":4,"page":287},{"title":"٦٥ - العلماء التاركون للأمر بالمعروف ونهي العصاة عن المنكر أشد حالا، وأعظم وبالا من العصاة","level":3,"page":288},{"title":"الدراسة","level":4,"page":289},{"title":"٦٦ - من سبقت له العناية من علماء هذه الأمة يعصمه الله من الناس إن قام ببيان حجج الله وإيضاح براهينه","level":3,"page":290},{"title":"الدراسة","level":4,"page":290},{"title":"٦٧ - دفع المفاسد أهم من جلب المصالح","level":3,"page":292},{"title":"الدراسة","level":4,"page":292},{"title":"ولتعارض المصالح مع المفاسد حالات","level":4,"page":293},{"title":"فأولها: تعارض مصالح غالبة أو راجحة على المفاسد،","level":5,"page":293},{"title":"وثانيهما: تعارض مفاسد غالبة أو راجحة مع تحصيل مصالح مرجوحة وجلبها،","level":5,"page":293},{"title":"٦٨ - الغلو في الحق بإبلاغ كلية الجهد في البحث عنه، واستخراج حقائقه ليس بمذموم","level":3,"page":294},{"title":"الدراسة","level":4,"page":294},{"title":"٦٩ - من حرم على نفسه شيئا مما أحله الله له فلا يحرم عليه ولا تلزمه كفارة","level":3,"page":296},{"title":"الدراسة","level":4,"page":297},{"title":"٧٠ - من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليس بمهتد","level":3,"page":300},{"title":"الدراسة","level":4,"page":301},{"title":"سورة الأنعام","level":2,"page":302},{"title":"٧١ - للمسلم أن يحمد الله تعالى على هلاك الظلمة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون","level":3,"page":302},{"title":"الدراسة","level":4,"page":302},{"title":"٧٢ - مناسبة ذكر الفقه عند الحديث عن إنشاء الأنفس من نفس واحدة، وجعل بعضها مستقرا، وبعضها مستودعا","level":3,"page":303},{"title":"الدراسة","level":4,"page":304},{"title":"٧٣ - الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد كان الترك أولى به، بل كان واجبا عليه","level":3,"page":305},{"title":"الدراسة","level":4,"page":305},{"title":"٧٤ - حجية قاعدة سد الذرائع","level":3,"page":307},{"title":"الدراسة","level":4,"page":307},{"title":"٧٥ - المطيع من الجن في الجنة، والعاصي في النار","level":3,"page":307},{"title":"الدراسة","level":4,"page":308},{"title":"٧٦ - رحمة الله بعباده مع الغنى عنهم هي غاية التفضل والتطول","level":3,"page":311},{"title":"الدراسة","level":4,"page":311},{"title":"٧٧ - الدم غير المسفوح معفو عنه، كالدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح، ومنه الكبد، والطحال، وهكذا ما يتلطخ به اللحم من الدم","level":3,"page":312},{"title":"الدراسة","level":4,"page":312},{"title":"سورة الأعراف","level":2,"page":313},{"title":"٧٨ - كل من تردى برداء الاستكبار عوقب بلبس رداء الهوان والصغار، ومن لبس رداء التواضع ألبسه الله رداء الترفع","level":3,"page":313},{"title":"الدراسة","level":4,"page":313},{"title":"٧٩ - المهارة في علم الخير سبب للفوز بالسعادة","level":3,"page":314},{"title":"الدراسة","level":4,"page":315},{"title":"٨٠ - مناسبة تخصيص هارون -﵇- الأم بالإضافة في مناداته لموسى -﵇- مع كونه أخاه من أبيه وأمه؛ لأنها كلمة لين وعطف، وللتنبيه على أن أمهما كانت مؤمنة","level":3,"page":315},{"title":"الدراسة","level":4,"page":316},{"title":"سورة الأنفال","level":2,"page":318},{"title":"٨١ - الملائكة لم تقاتل ببدر","level":3,"page":318},{"title":"الدراسة","level":4,"page":318},{"title":"٨٢ - الفرار من الزحف من الكبائر الموبقة","level":3,"page":319},{"title":"الدراسة","level":4,"page":319},{"title":"٨٣ - وجوب ترك التقيد بالمذاهب المخالفة لما في الكتاب والسنة","level":3,"page":322},{"title":"الدراسة","level":4,"page":323},{"title":"٨٤ - الأقلون من كفار قريش يعلمون أنهم ليسوا أولياء المسجد الحرام ولكنهم يعاندون","level":3,"page":323},{"title":"الدراسة","level":4,"page":323},{"title":"٨٥ - مشروعية الذكر في جميع الأحوال","level":3,"page":324},{"title":"الدراسة","level":4,"page":325},{"title":"٨٦ - انسلاخ الكفار من الإنسانية، ودخولهم في جنس غير الناس من أنواع الحيوان؛ لعدم تعقلهم لما فيه رشادهم","level":3,"page":326},{"title":"الدراسة","level":4,"page":326},{"title":"سورة التوبة","level":2,"page":329},{"title":"٨٧ - الوفاء بالعهد، والاستقامة عليه من أعمال المتقين","level":3,"page":329},{"title":"الدراسة","level":4,"page":329},{"title":"٨٨ - حسم أطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم","level":3,"page":330},{"title":"الدراسة","level":4,"page":330},{"title":"٨٩ - على العباد أن يقولوا إن شاء الله في كل ما يتكلمون به مما له تعلق بالزمن المستقبل، كما عليهم ألا يفتروا عن دعاء الله والتضرع إليه","level":3,"page":331},{"title":"الدراسة","level":4,"page":331},{"title":"٩٠ - لم يتخذ اليهود عزيرا ربا معبودا","level":3,"page":333},{"title":"الدراسة","level":4,"page":333},{"title":"٩١ - الزجر عن التقليد","level":3,"page":334},{"title":"الدراسة","level":4,"page":335},{"title":"٩٢ - لا اعتبار بما عند العجم والروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها","level":3,"page":335},{"title":"الدراسة","level":4,"page":336},{"title":"٩٣ - جواز الاجتهاد من النبي -ﷺ-","level":3,"page":337},{"title":"الدراسة","level":4,"page":337},{"title":"٩٤ - مشروعية الاحتراز عن العجلة والاغترار بظواهر الأمور","level":3,"page":340},{"title":"الدراسة","level":4,"page":340},{"title":"٩٥ - (وعد) يقال في الشر","level":3,"page":341},{"title":"الدراسة","level":4,"page":341},{"title":"٩٦ - من الكفار من يكون عدلا في دينه","level":3,"page":342},{"title":"الدراسة","level":4,"page":342},{"title":"٩٧ - جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم لينزجروا عن المعاصي","level":3,"page":343},{"title":"الدراسة","level":4,"page":343},{"title":"٩٨ - حصل للثلاثة الذين خلفوا ما حصل من توبة الله عليهم بالصدق","level":3,"page":344},{"title":"الدراسة","level":4,"page":345},{"title":"سورة يونس -﵇-","level":2,"page":347},{"title":"٩٩ - جبل الخلق على الرجوع إلى الله في الشدائد","level":3,"page":347},{"title":"الدراسة","level":4,"page":347},{"title":"١٠٠ - المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرا","level":3,"page":348},{"title":"الدراسة","level":4,"page":348},{"title":"١٠١ - مناسبة قول الله تعالى: ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (٤٤)﴾ بعد ذكر عدم اهتداء الكفار بأسماعهم وأبصارهم","level":3,"page":350},{"title":"الدراسة","level":4,"page":350},{"title":"١٠٢ - كل قول لا دليل عليه ليس هو من العلم من شيء بل من الجهل المحض","level":3,"page":351},{"title":"الدراسة","level":4,"page":351},{"title":"١٠٣ - كان لمن آمن بموسى -﵇- اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم","level":3,"page":352},{"title":"الدراسة","level":4,"page":352},{"title":"١٠٤ - الخير من الله للناس فضل منه لا استحقاق لهم به","level":3,"page":354},{"title":"الدراسة","level":4,"page":354},{"title":"١٠٥ - تقديم الإرشاد إلى الاستغفار على التوبة لكونه وسيلة إليها","level":3,"page":355},{"title":"الدراسة","level":4,"page":355},{"title":"١٠٦ - مناسبة ذكر أن الله لا يغفل عن كل حيوان باعتبار ما قسمه له من الرزق بعد ذكر علمه سبحانه بما يسره الكفار وما يعلنونه أنه لما كان لا يغفل عن رزق كل حيوان فكيف يغفل عن أحوالهم وأقوالهم وأفعالهم","level":3,"page":356},{"title":"الدراسة","level":4,"page":357},{"title":"١٠٧ - بعض أشراف قوم نوح -﵇- لم يكونوا كفرة","level":3,"page":357},{"title":"الدراسة","level":4,"page":358},{"title":"١٠٨ - لا يجوز للإنسان أن يدعو بما لا يعلم مطابقته للشرع","level":3,"page":359},{"title":"الدراسة","level":4,"page":359},{"title":"سورة يوسف -﵇-","level":2,"page":361},{"title":"١٠٩ - لم يكن إخوة يوسف -﵇- أنبياء حين آذوا يوسف -﵇-","level":3,"page":361},{"title":"الدراسة","level":4,"page":361},{"title":"١١٠ - جواز أن يوحي الله إلى من كان صغيرا ويعطيه النبوة","level":3,"page":367},{"title":"الدراسة","level":4,"page":367},{"title":"١١١ - يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق، ويهدم ما أمكنه من الباطل، طلب ذلك لنفسه","level":3,"page":370},{"title":"الدراسة","level":4,"page":370},{"title":"١١٢ - جواز أن يصف الإنسان نفسه بالأوصاف التي لها","level":3,"page":372},{"title":"الدراسة","level":4,"page":372},{"title":"١١٣ - يجوز لمن وثق من نفسه بالقيام بالحق تولي الأعمال من جهة السلطان الجائر بل الكافر","level":3,"page":373},{"title":"الدراسة","level":4,"page":374},{"title":"١١٤ - الإحسان المعتد به هو الإيمان والتقوى","level":3,"page":375},{"title":"الدراسة","level":4,"page":376},{"title":"١١٥ - جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعا ثابتا","level":3,"page":377},{"title":"الدراسة","level":4,"page":377},{"title":"١١٦ - جواز الشكوى عند الضرورة","level":3,"page":378},{"title":"الدراسة","level":4,"page":378},{"title":"١١٧ - الموصوفون بالتقوى موصوفون بصفة الإحسان","level":3,"page":380},{"title":"الدراسة","level":4,"page":380},{"title":"١١٨ - لم يبعث الله نبيا من النساء ولا من الجن","level":3,"page":381},{"title":"الدراسة","level":4,"page":381},{"title":"سورة الرعد","level":2,"page":386},{"title":"١١٩ - مناسبة ختم ذكر اختلاف مذاق الثمرات وتفاضل بعضها مع كونها من تربة واحدة، وتسقى بماء واحد بقوله: ﴿إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (٤)﴾","level":3,"page":386},{"title":"الدراسة","level":4,"page":386},{"title":"١٢٠ - لا يلحق بالصالحين في الجنة من أقاربهم إلا من كان صالحا، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح","level":3,"page":387},{"title":"الدراسة","level":4,"page":387},{"title":"سورة إبراهيم -﵇-","level":2,"page":389},{"title":"١٢١ - طلب الأمن مقدم على سائر المطالب؛ لأنه إذا انتفي الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا","level":3,"page":389},{"title":"الدراسة","level":4,"page":389},{"title":"سورة الحجر","level":2,"page":391},{"title":"١٢٢ - في ذكر مد الله للأرض رد على من زعم أنها كالكرة","level":3,"page":391},{"title":"الدراسة","level":4,"page":391},{"title":"سورة النحل","level":2,"page":396},{"title":"١٢٣ - ركوب الخيل والبغال والحمير هو المعتبر في المقصود، بخلاف التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود بالذات","level":3,"page":396},{"title":"الدراسة","level":4,"page":396},{"title":"١٢٤ - وصف السمك بالطراوة للإشعار بلطافته، والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد بسرعة","level":3,"page":398},{"title":"الدراسة","level":4,"page":398},{"title":"١٢٥ - مناسبة ختم ذكر كثرة النعم والقصور عن إحصائها بمغفرة الله ورحمته؛ لبيان أن الله لا يؤاخذ بالغفلة عن شكر نعمه، والقصور عن إحصائها","level":3,"page":399},{"title":"الدراسة","level":4,"page":399},{"title":"١٢٦ - أمر الله بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهيه عن الفحشاء والمنكر والبغي دليل على وجوب الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر","level":3,"page":400},{"title":"الدراسة","level":4,"page":400},{"title":"١٢٧ - عمل الكافر لا اعتداد به","level":3,"page":400},{"title":"الدراسة","level":4,"page":401},{"title":"١٢٨ - مناسبة ذكر الاستعاذة عقب العمل الصالح والجزاء عليه","level":3,"page":402},{"title":"الدراسة","level":4,"page":402},{"title":"١٢٩ - الاستعاذة عند كل عمل آكد من الاستعاذة عند قراءة القرآن","level":3,"page":404},{"title":"الدراسة","level":4,"page":404},{"title":"١٣٠ - مناسبة ذكر السبت، وما كان من خبر اليهود فيه عقب الحديث عن إبراهيم -﵇- بيان أن الله لم يجعله على إبراهيم -﵇-","level":3,"page":405},{"title":"الدراسة","level":4,"page":405},{"title":"سورة الإسراء","level":2,"page":407},{"title":"١٣١ - عطاء الله إنما هو بمحض التفضل","level":3,"page":407},{"title":"الدراسة","level":4,"page":407},{"title":"١٣٢ - نهي الولد عن سائر ما يؤذي والديه من فعل، أو قول كان مساويا لكلمة (أف)، أو أشد منها","level":3,"page":408},{"title":"الدراسة","level":4,"page":409},{"title":"١٣٣ - المبذر كفور","level":3,"page":409},{"title":"الدراسة","level":4,"page":410},{"title":"١٣٤ - في النهي عن قربان الزنى بمباشرة مقدماته نهى عنه بالأولى","level":3,"page":410},{"title":"الدراسة","level":4,"page":410},{"title":"١٣٥ - إنكار الكفار أن يكون الرسول بشرا ليس إلا مجرد قول قالوه بأفواههم لا دليل عليه ولا برهان","level":3,"page":411},{"title":"الدراسة","level":4,"page":412},{"title":"١٣٦ - التعرض في أثناء الحمد لصفات جليلة؛ للإيذان بأن المستحق للحمد من له هذه الصفات","level":3,"page":412},{"title":"الدراسة","level":4,"page":413},{"title":"سورة الكهف","level":2,"page":415},{"title":"١٣٧ - أقبح أنواع الكفر نسبة الولد إلى الله سبحانه","level":3,"page":415},{"title":"الدراسة","level":4,"page":415},{"title":"١٣٨ - إمساك الإنسان بعض ما يحتاج إليه لا ينافي التوكل على الله","level":3,"page":416},{"title":"الدراسة","level":4,"page":417},{"title":"١٣٩ - القول بأن أصحاب الكهف سبعة وثامنهم كلبهم أقرب إلى الصواب بدلالة عدم إدخالهم في سلك الراجمين بالغيب","level":3,"page":418},{"title":"الدراسة","level":4,"page":418},{"title":"١٤٠ - المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب","level":3,"page":420},{"title":"الدراسة","level":4,"page":420},{"title":"١٤١ - جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة","level":3,"page":421},{"title":"الدراسة","level":4,"page":422},{"title":"سورة مريم","level":2,"page":424},{"title":"١٤٢ - المدة التي جعلها الله تعالى آية لزكريا -﵇- لا يكلم الناس فيها هي ثلاثة أيام ولياليهن","level":3,"page":424},{"title":"الدراسة","level":4,"page":424},{"title":"١٤٣ - احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء","level":3,"page":425},{"title":"الدراسة","level":4,"page":426},{"title":"١٤٤ - الفاحشة من ذرية الصالحين مما لا ينبغي أن تكون","level":3,"page":427},{"title":"الدراسة","level":4,"page":427},{"title":"١٤٥ - النبوة هي من باب الرحمة","level":3,"page":428},{"title":"الدراسة","level":4,"page":428},{"title":"سورة طه","level":2,"page":430},{"title":"١٤٦ - مناسبة مناداة هارون -﵇- موسى -﵇- بنسبته إلى أمهما مع كونه أخاه لأبيه وأمه استعطافا له، وترقيقا لقلبه","level":3,"page":430},{"title":"الدراسة","level":4,"page":430},{"title":"سورة الأنبياء","level":2,"page":431},{"title":"١٤٧ - إرشاد العباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به","level":3,"page":431},{"title":"الدراسة","level":4,"page":431},{"title":"١٤٨ - جواز إطلاق الجمع على الاثنين","level":3,"page":431},{"title":"الدراسة","level":4,"page":431},{"title":"سورة الحج","level":2,"page":433},{"title":"١٤٩ - مناسبة فاتحة سورة الحج لخواتيم سورة الأنبياء","level":3,"page":433},{"title":"الدراسة","level":4,"page":433},{"title":"١٥٠ - القربان لا يكون إلا من الأنعام دون غيرها","level":3,"page":434},{"title":"الدراسة","level":4,"page":434},{"title":"١٥١ - مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير عند الذبح","level":3,"page":434},{"title":"الدراسة","level":4,"page":435},{"title":"سورة المؤمنون","level":2,"page":437},{"title":"١٥٢ - تحريم نكاح المتعة","level":3,"page":437},{"title":"الدراسة","level":4,"page":438},{"title":"١٥٣ - تعدى فعل الإرسال بفي للدلالة على أن هذا الرسول المرسل إليهم نشأ فيهم بين أظهرهم يعرفون مكانه ومولده ليكون سكونهم إلى قوله أكثر من سكونهم إلى من يأتيهم من غير مكانهم","level":3,"page":439},{"title":"الدراسة","level":4,"page":440},{"title":"١٥٤ - الأقل من كفار قريش كانوا لا يكرهون الحق ولكنهم لم يظهروا الإيمان خوفا من الكارهين له","level":3,"page":441},{"title":"الدراسة","level":4,"page":441},{"title":"١٥٥ - نفي الشريك عن الله يدل على نفي الولد لأن الولد ينازع أباه في ملكه","level":3,"page":442},{"title":"الدراسة","level":4,"page":443},{"title":"١٥٦ - مناسبة ختم سورة المؤمنون بالأمر بطلب مغفرة الله ورحمته","level":3,"page":443},{"title":"الدراسة","level":4,"page":444},{"title":"سورة النور","level":2,"page":445},{"title":"١٥٧ - نهي المؤمنات عن إبداء مواضع الزينة منهن","level":3,"page":445},{"title":"الدراسة","level":4,"page":445},{"title":"١٥٨ - المرأة لا تنكح نفسها","level":3,"page":447},{"title":"الدراسة","level":4,"page":447},{"title":"١٥٩ - المملوك لا يزوج نفسه وإنما يزوجه مالكه","level":3,"page":450},{"title":"الدراسة","level":4,"page":450},{"title":"١٦٠ - وجوب الإجابة إلى القاضي العالم بحكم الله، العادل في حكمه","level":3,"page":451},{"title":"الدراسة","level":4,"page":451},{"title":"١٦١ - الاستئذان في التخلف عن النبي -ﷺ- عن أمر جامع إن كان لعذر مسوغ فلا يخلو عن شائبة تأثير أمر الدنيا على الآخرة","level":3,"page":452},{"title":"الدراسة","level":4,"page":453},{"title":"سورة الفرقان","level":2,"page":455},{"title":"١٦٢ - دفع الضر أهم من جلب النفع","level":3,"page":455},{"title":"الدراسة","level":4,"page":455},{"title":"١٦٣ - انطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر","level":3,"page":456},{"title":"الدراسة","level":4,"page":456},{"title":"١٦٤ - الحي هو الذي يوثق به في المصالح، ولا حياة على الدوام إلا لله سبحانه دون الأحياء المنقطعة حياتهم","level":3,"page":457},{"title":"الدراسة","level":4,"page":457},{"title":"سورة الشعراء","level":2,"page":458},{"title":"١٦٥ - قد يحصل الخوف مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء","level":3,"page":458},{"title":"الدراسة","level":4,"page":458},{"title":"١٦٦ - رعاية الأدب مع الرب سبحانه","level":3,"page":459},{"title":"الدراسة","level":4,"page":459},{"title":"سورة النمل","level":2,"page":460},{"title":"١٦٧ - نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها على عباده","level":3,"page":460},{"title":"الدراسة","level":4,"page":460},{"title":"١٦٨ - عقوبة المذنب على قدر ذنبه لا على قدر جسده","level":3,"page":461},{"title":"الدراسة","level":4,"page":461},{"title":"١٦٩ - على المرء البحث عن الأخبار والكشف عن الحقائق وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم واعتمادا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه","level":3,"page":462},{"title":"الدراسة","level":4,"page":462},{"title":"١٧٠ - من ذم علما من العلوم الشرعية، أو ذم علما هو مقدمة من مقدماتها ووسيلة يتوسل بها إليها فهو مذموم","level":3,"page":463},{"title":"الدراسة","level":4,"page":464},{"title":"سورة القصص","level":2,"page":465},{"title":"١٧١ - كانت الإجارة مشروعة عند أهل مدين","level":3,"page":465},{"title":"الدراسة","level":4,"page":466},{"title":"١٧٢ - مشروعية عرض ولي المرأة لها على الرجل","level":3,"page":466},{"title":"الدراسة","level":4,"page":467},{"title":"١٧٣ - للرجل أن يذهب بأهله حيث شاء","level":3,"page":467},{"title":"الدراسة","level":4,"page":468},{"title":"سورة العنكبوت","level":2,"page":469},{"title":"١٧٤ - النظر في حال الدواب مما يعين على الصبر والتوكل","level":3,"page":469},{"title":"الدراسة","level":4,"page":469},{"title":"سورة الروم","level":2,"page":471},{"title":"١٧٥ - مشروعية الجمع بين الحمد التسبيح","level":3,"page":471},{"title":"الدراسة","level":4,"page":471},{"title":"سورة السجدة","level":2,"page":474},{"title":"١٧٦ - تعذيب الكفار ليس لمجرد سبق القول من الله عليهم فحسب بل للتنبيه على استحقاقهم العذاب","level":3,"page":474},{"title":"الدراسة","level":4,"page":474},{"title":"سورة الأحزاب","level":2,"page":476},{"title":"١٧٧ - العدة حق للرجال","level":3,"page":476},{"title":"الدراسة","level":4,"page":476},{"title":"١٧٨ - الإيذان بشرف الهجرة، وشرف من هاجر","level":3,"page":477},{"title":"الدراسة","level":4,"page":477},{"title":"١٧٩ - جواز الجمع بين ذكر الله وذكر غيره في ضمير واحد","level":3,"page":478},{"title":"الدراسة","level":4,"page":479},{"title":"١٨٠ - الأذية للمؤمن والمؤمنة بما كسبوه ليست من الأذية المحرمة شرط ألا تجاوز ما شرعه الله","level":3,"page":480},{"title":"الدراسة","level":4,"page":480},{"title":"١٨١ - الزجر عن التقليد","level":3,"page":481},{"title":"الدراسة","level":4,"page":482},{"title":"سورة فاطر","level":2,"page":483},{"title":"١٨٢ - سرعة دخول أهل الجنة إلى الجنة","level":3,"page":483},{"title":"الدراسة","level":4,"page":483},{"title":"سورة يس","level":2,"page":485},{"title":"١٨٣ - الحب معظم ما يؤكل، وأكثر ما يقوم به المعاش","level":3,"page":485},{"title":"الدراسة","level":4,"page":485},{"title":"سورة الصافات","level":2,"page":487},{"title":"١٨٤ - البشارة لإبراهيم -﵇- ببقاء الغلام المبشر به حتى يكبر ويصير حليما","level":3,"page":487},{"title":"الدراسة","level":4,"page":487},{"title":"سورة الزمر","level":2,"page":488},{"title":"١٨٥ - تبشير المؤمنين بأعظم ما يرجونه من دفع الضرر عنهم","level":3,"page":488},{"title":"الدراسة","level":4,"page":488},{"title":"١٨٦ - نهي المذنبين غير المسرفين عن القنوط","level":3,"page":489},{"title":"الدراسة","level":4,"page":490},{"title":"سورة غافر","level":2,"page":491},{"title":"١٨٧ - مناسبة الجمع بين إظهار الآيات وإنزال الأرزاق أن بإظهار الآيات قوام الأديان وبالأرزاق قوام الأبدان","level":3,"page":491},{"title":"الدراسة","level":4,"page":491},{"title":"سورة الزخرف","level":2,"page":493},{"title":"١٨٨ - التنعم هو سبب إهمال النظر","level":3,"page":493},{"title":"الدراسة","level":4,"page":493},{"title":"١٨٩ - بطلان التقليد وقبحه","level":3,"page":493},{"title":"الدراسة","level":4,"page":495},{"title":"سورة الأحقاف","level":2,"page":496},{"title":"١٩٠ - حق الأم آكد من حق الأب","level":3,"page":496},{"title":"الدراسة","level":4,"page":496},{"title":"١٩١ - ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من الدعاء بقول: ﴿رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني","level":3,"page":497},{"title":"الدراسة","level":4,"page":497},{"title":"١٩٢ - حكم الجن كحكم الإنس في الثواب، والعقاب، والتعبد بالأوامر والنواهي","level":3,"page":498},{"title":"الدراسة","level":4,"page":498},{"title":"سورة الفتح","level":2,"page":499},{"title":"١٩٣ - مناسبة تقديم إدخال المؤمنين الجنة على تكفير سيئاتهم مع أن الأمر بالعكس","level":3,"page":499},{"title":"الدراسة","level":4,"page":499},{"title":"١٩٤ - المنافقون أشد عذابا من المشركين","level":3,"page":499},{"title":"الدراسة","level":4,"page":499},{"title":"١٩٥ - على العباد ذكر المشيئة في كل كلام","level":3,"page":500},{"title":"الدراسة","level":4,"page":500},{"title":"سورة الذاريات","level":2,"page":502},{"title":"١٩٦ - مناسبة تخصيص القسم بالسماء المتصفة بالحبك","level":3,"page":502},{"title":"الدراسة","level":4,"page":502},{"title":"سورة النجم","level":2,"page":504},{"title":"١٩٧ - مخاطبة قريش بأن النبي -ﷺ- صاحبهم إشارة إلى أنهم المطلعون على حقيقة حاله","level":3,"page":504},{"title":"الدراسة","level":4,"page":504},{"title":"١٩٨ - اقتراف -مجتنب الكبائر- اللمم من الذنوب ذنب يفتقر إلى مغفرة الله","level":3,"page":505},{"title":"الدراسة","level":4,"page":505},{"title":"١٩٩ - تسمية بعض النقم آلاء لأنها مشتملة على العبر والمواعظ، ولكون فيها انتقام من العصاة وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين","level":3,"page":506},{"title":"الدراسة","level":4,"page":506},{"title":"سورة القمر","level":2,"page":508},{"title":"٢٠٠ - يوم القيامة ليس بشديد على المؤمنين","level":3,"page":508},{"title":"الدراسة","level":4,"page":508},{"title":"٢٠١ - القرآن منة عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل عن شكرها","level":3,"page":508},{"title":"الدراسة","level":4,"page":509},{"title":"سورة الرحمن","level":2,"page":510},{"title":"٢٠٢ - تهديد الله للمخالفين يعد من النعم؛ لأن به ينزجر المسيء عن إساءته، ويزداد به المحسن إحسانا","level":3,"page":510},{"title":"الدراسة","level":4,"page":510},{"title":"٢٠٣ - الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه وعملوا بفرائضه وانتهوا عن مناهيه","level":3,"page":511},{"title":"الدراسة","level":4,"page":511},{"title":"سورة الحديد","level":2,"page":513},{"title":"٢٠٤ - تعليم الله العباد تسبيحه في كل الأوقات والأزمنة","level":3,"page":513},{"title":"الدراسة","level":4,"page":513},{"title":"٢٠٥ - فضيلة الإنفاق في وقت الشدة والحاجة","level":3,"page":514},{"title":"الدراسة","level":4,"page":515},{"title":"سورة الحشر","level":2,"page":516},{"title":"٢٠٦ - من لم يستغفر للصحابة -﵃-، ويطلب رضوان الله لهم فهو مذموم","level":3,"page":516},{"title":"الدراسة","level":4,"page":516},{"title":"سورة الصف","level":2,"page":518},{"title":"٢٠٧ - مشروعية التسبيح في كل الأوقات، ماضيها، ومستقبلها، وحالها","level":3,"page":518},{"title":"الدراسة","level":4,"page":518},{"title":"٢٠٨ - مناسبة ذكر قصتي موسى -﵇-، وعيسى -﵇- بعد ذكر محبة الله للمجاهدين في سبيله","level":3,"page":519},{"title":"الدراسة","level":4,"page":519},{"title":"سورة الجمعة","level":2,"page":522},{"title":"٢٠٩ - الطاعات سبب الرزق","level":3,"page":522},{"title":"الدراسة","level":4,"page":522},{"title":"سورة الطلاق","level":2,"page":525},{"title":"٢١٠ - كمال استحقاق المطلقات للسكنى في مدة العدة","level":3,"page":525},{"title":"الدراسة","level":4,"page":525},{"title":"سورة الحاقة","level":2,"page":527},{"title":"٢١١ - حرمان المسكين من أعظم الجرائم، وأشد المآثم","level":3,"page":527},{"title":"الدراسة","level":4,"page":527},{"title":"سورة نوح -﵇-","level":2,"page":529},{"title":"٢١٢ - الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع الأرزاق","level":3,"page":529},{"title":"الدراسة","level":4,"page":529},{"title":"سورة المدثر","level":2,"page":530},{"title":"٢١٣ - الكفار مخاطبون بالشرعيات","level":3,"page":530},{"title":"الدراسة","level":4,"page":530},{"title":"سورة التكوير","level":2,"page":533},{"title":"٢١٤ - مخاطبة قريش بأن النبي -ﷺ- صاحبهم إشارة إلى أنهم عالمون بأمره","level":3,"page":533},{"title":"الدراسة","level":4,"page":533},{"title":"سورة الفجر","level":2,"page":535},{"title":"٢١٥ - ما أحله الله بقوم عاد وثمود وفرعون في الدنيا من العذاب العظيم هو قليل بالنسبة إلى ما أعده لهم في الآخرة","level":3,"page":535},{"title":"الدراسة","level":4,"page":535},{"title":"سورة البلد","level":2,"page":537},{"title":"٢١٦ - القرب الصالحة إنما تنفع مع الإيمان","level":3,"page":537},{"title":"الدراسة","level":4,"page":537},{"title":"سورة العصر","level":2,"page":539},{"title":"٢١٧ - الصبر أعظم خصال الحق","level":3,"page":539},{"title":"الدراسة","level":4,"page":539},{"title":"سورة الإخلاص","level":2,"page":540},{"title":"٢١٨ - من لم يتصف بأنه أحد صمد فهو بمعزل عن استحقاق الألوهية","level":3,"page":540},{"title":"الدراسة","level":4,"page":540},{"title":"سورة الناس","level":2,"page":541},{"title":"٢١٩ - مناسبة ذكر أن الله رب الناس وملكهم وإلههم، وترتيبها على هذا النحو","level":3,"page":541},{"title":"الدراسة","level":4,"page":541},{"title":"ووجه الاستنباط","level":4,"page":542},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":544},{"title":"التوصيات","level":2,"page":546},{"title":"ملخص الرسالة","level":1,"page":547},{"title":"أما النتائج المتوصل إليها فأهمها","level":2,"page":548},{"title":"ثبت المصادر والمراجع","level":1,"page":550},{"title":"- أ-","level":2,"page":550},{"title":"- ب-","level":2,"page":552},{"title":"- ت-","level":2,"page":553},{"title":"- ث-","level":2,"page":556},{"title":"- ج-","level":2,"page":556},{"title":"- ح-","level":2,"page":556},{"title":"- د-","level":2,"page":556},{"title":"- ر-","level":2,"page":557},{"title":"- ز-","level":2,"page":557},{"title":"- س-","level":2,"page":557},{"title":"- ش-","level":2,"page":558},{"title":"- ص-","level":2,"page":558},{"title":"- ط-","level":2,"page":559},{"title":"- ع-","level":2,"page":559},{"title":"- غ-","level":2,"page":560},{"title":"- ف-","level":2,"page":560},{"title":"- ق-","level":2,"page":560},{"title":"- ك-","level":2,"page":561},{"title":"- ل-","level":2,"page":561},{"title":"- م-","level":2,"page":561},{"title":"- ن-","level":2,"page":564},{"title":"- هـ-","level":2,"page":564},{"title":"- و-","level":2,"page":564},{"title":"الرسائل العلمية، والبحوث المحكمة","level":2,"page":564},{"title":"الشبكة المعلوماتية","level":2,"page":565}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,193":193,"1,194":194,"1,195":195,"1,196":196,"1,197":197,"1,198":198,"1,199":199,"1,200":200,"1,201":201,"1,202":202,"1,203":203,"1,204":204,"1,205":205,"1,206":206,"1,207":207,"1,208":208,"1,209":209,"1,210":210,"1,211":211,"1,212":212,"1,213":213,"1,214":214,"1,215":215,"1,216":216,"1,217":217,"1,218":218,"1,219":219,"1,220":220,"1,221":221,"1,222":222,"1,223":223,"1,224":224,"1,225":225,"1,226":226,"1,227":227,"1,228":228,"1,229":229,"1,230":230,"1,231":231,"1,232":232,"1,233":233,"1,234":234,"1,235":235,"1,236":236,"1,237":237,"1,238":238,"1,239":239,"1,240":240,"1,241":241,"1,242":242,"1,243":243,"1,244":244,"1,245":245,"1,246":246,"1,247":247,"1,248":248,"1,249":249,"1,250":250,"1,251":251,"1,252":252,"1,253":253,"1,254":254,"1,255":255,"1,256":256,"1,257":257,"1,258":258,"1,259":259,"1,260":260,"1,261":261,"1,262":262,"1,263":263,"1,264":264,"1,265":265,"1,266":266,"1,267":267,"1,268":268,"1,269":269,"1,270":270,"1,271":271,"1,272":272,"1,273":273,"1,274":274,"1,275":275,"1,276":276,"1,277":277,"1,278":278,"1,279":279,"1,280":280,"1,281":281,"1,282":282,"1,283":283,"1,284":284,"1,285":285,"1,286":286,"1,287":287,"1,288":288,"1,289":289,"1,290":290,"1,291":291,"1,292":292,"1,293":293,"1,294":294,"1,295":295,"1,296":296,"1,297":297,"1,298":298,"1,299":299,"1,300":300,"1,301":301,"1,302":302,"1,303":303,"1,304":304,"1,305":305,"1,306":306,"1,307":307,"1,308":308,"1,309":309,"1,310":310,"1,311":311,"1,312":312,"1,313":313,"1,314":314,"1,315":315,"1,316":316,"1,317":317,"1,318":318,"1,319":319,"1,320":320,"1,321":321,"1,322":322,"1,323":323,"1,324":324,"1,325":325,"1,326":326,"1,327":327,"1,328":328,"1,329":329,"1,330":330,"1,331":331,"1,332":332,"1,333":333,"1,334":334,"1,335":335,"1,336":336,"1,337":337,"1,338":338,"1,339":339,"1,340":340,"1,341":341,"1,342":342,"1,343":343,"1,344":344,"1,345":345,"1,346":346,"1,347":347,"1,348":348,"1,349":349,"1,350":350,"1,351":351,"1,352":352,"1,353":353,"1,354":354,"1,355":355,"1,356":356,"1,357":357,"1,358":358,"1,359":359,"1,360":360,"1,361":361,"1,362":362,"1,363":363,"1,364":364,"1,365":365,"1,366":366,"1,367":367,"1,368":368,"1,369":369,"1,370":370,"1,371":371,"1,372":372,"1,373":373,"1,374":374,"1,375":375,"1,376":376,"1,377":377,"1,378":378,"1,379":379,"1,380":380,"1,381":381,"1,382":382,"1,383":383,"1,384":384,"1,385":385,"1,386":386,"1,387":387,"1,388":388,"1,389":389,"1,390":390,"1,391":391,"1,392":392,"1,393":393,"1,394":394,"1,395":395,"1,396":396,"1,397":397,"1,398":398,"1,399":399,"1,400":400,"1,401":401,"1,402":402,"1,403":403,"1,404":404,"1,405":405,"1,406":406,"1,407":407,"1,408":408,"1,409":409,"1,410":410,"1,411":411,"1,412":412,"1,413":413,"1,414":414,"1,415":415,"1,416":416,"1,417":417,"1,418":418,"1,419":419,"1,420":420,"1,421":421,"1,422":422,"1,423":423,"1,424":424,"1,425":425,"1,426":426,"1,427":427,"1,428":428,"1,429":429,"1,430":430,"1,431":431,"1,432":432,"1,433":433,"1,434":434,"1,435":435,"1,436":436,"1,437":437,"1,438":438,"1,439":439,"1,440":440,"1,441":441,"1,442":442,"1,443":443,"1,444":444,"1,445":445,"1,446":446,"1,447":447,"1,448":448,"1,449":449,"1,450":450,"1,451":451,"1,452":452,"1,453":453,"1,454":454,"1,455":455,"1,456":456,"1,457":457,"1,458":458,"1,459":459,"1,460":460,"1,461":461,"1,462":462,"1,463":463,"1,464":464,"1,465":465,"1,466":466,"1,467":467,"1,468":468,"1,469":469,"1,470":470,"1,471":471,"1,472":472,"1,473":473,"1,474":474,"1,475":475,"1,476":476,"1,477":477,"1,478":478,"1,479":479,"1,480":480,"1,481":481,"1,482":482,"1,483":483,"1,484":484,"1,485":485,"1,486":486,"1,487":487,"1,488":488,"1,489":489,"1,490":490,"1,491":491,"1,492":492,"1,493":493,"1,494":494,"1,495":495,"1,496":496,"1,497":497,"1,498":498,"1,499":499,"1,500":500,"1,501":501,"1,502":502,"1,503":503,"1,504":504,"1,505":505,"1,506":506,"1,507":507,"1,508":508,"1,509":509,"1,510":510,"1,511":511,"1,512":512,"1,513":513,"1,514":514,"1,515":515,"1,516":516,"1,517":517,"1,518":518,"1,519":519,"1,520":520,"1,521":521,"1,522":522,"1,523":523,"1,524":524,"1,525":525,"1,526":526,"1,527":527,"1,528":528,"1,529":529,"1,530":530,"1,531":531,"1,532":532,"1,533":533,"1,534":534,"1,535":535,"1,536":536,"1,537":537,"1,538":538,"1,539":539,"1,540":540,"1,541":541,"1,542":542,"1,543":543,"1,544":544,"1,545":545,"1,546":546,"1,547":547,"1,548":548,"1,549":549,"1,550":550,"1,551":551,"1,552":552,"1,553":553,"1,554":554,"1,555":555,"1,556":556,"1,557":557,"1,558":558,"1,559":559,"1,560":560,"1,561":561,"1,562":562,"1,563":563,"1,564":564,"1,565":565},"ٜ":{"1":[1,565]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565"],"ٞ":{"3":[1],"4":[2,3,4,5],"5":[6],"7":[7],"8":[8],"11":[9,10,11],"13":[12],"15":[13],"17":[14,15],"20":[16,17],"21":[18],"22":[19,20],"23":[21,22],"24":[23],"25":[24,25,26,27],"27":[28,29],"28":[30,31],"33":[32],"35":[33,34,35],"36":[36,37,38],"37":[39],"38":[40,41,42],"39":[43,44],"40":[45,46,47,48],"41":[49,50],"42":[51,52],"43":[53,54],"44":[55],"45":[56],"48":[57,58],"49":[59],"50":[60,61,62],"51":[63,64],"52":[65,66],"53":[67,68,69,70],"54":[71,72],"55":[73,74,75],"56":[76,77,78,79,80],"57":[81,82,83,84,85],"58":[86,87,88,89,90],"59":[91,92,93,94],"60":[95],"61":[96,97,98],"62":[99,100,101],"63":[102,103],"64":[104,105],"65":[106,107,108],"66":[109,110,111,112],"67":[113],"68":[114,115,116,117],"69":[118,119,120,121],"70":[122,123],"71":[124],"72":[125,126],"73":[127,128,129,130],"75":[131,132],"76":[133,134,135,136],"77":[137],"78":[138,139,140,141],"79":[142,143,144,145,146],"80":[147,148,149,150],"81":[151,152],"83":[153,154,155],"84":[156,157,158],"85":[159,160,161,162,163],"86":[164,165,166,167,168],"87":[169,170,171],"88":[172,173,174,175,176],"89":[177,178,179],"91":[180,181,182,183],"92":[184,185],"93":[186,187,188,189,190,191,192],"94":[193],"95":[194,195,196],"96":[197,198,199],"97":[200,201,202,203],"98":[204],"99":[205,206,207],"100":[208,209],"101":[210],"103":[211,212,213,214],"104":[215,216],"105":[217],"106":[218,219,220,221],"107":[222],"108":[223,224],"109":[225],"111":[226],"112":[227],"114":[228,229],"116":[230,231],"119":[232,233],"126":[234,235,236,237],"129":[238,239,240],"131":[241,242],"132":[243,244],"139":[245,246],"144":[247,248],"146":[249,250],"149":[251,252],"150":[253,254],"151":[255],"152":[256],"153":[257],"154":[258],"156":[259,260],"158":[261],"159":[262],"160":[263,264],"163":[265,266],"164":[267],"165":[268,269,270],"167":[271,272],"168":[273],"170":[274,275],"171":[276],"174":[277,278],"176":[279,280],"178":[281],"179":[282],"180":[283,284],"182":[285,286],"184":[287],"185":[288],"187":[289],"188":[290,291,292],"190":[293,294],"192":[295],"193":[296],"196":[297],"197":[298],"198":[299,300],"201":[301,302],"203":[303],"204":[304],"206":[305],"208":[306,307],"210":[308],"211":[309],"215":[310,311,312],"218":[313,314],"220":[315,316],"226":[317],"227":[318],"228":[319,320],"230":[321,322],"234":[323,324],"237":[325],"238":[326],"239":[327,328],"241":[329,330],"243":[331,332,333],"244":[334,335,336],"247":[337,338],"249":[339,340],"251":[341],"252":[342],"257":[343,344],"259":[345,346],"261":[347,348],"263":[349,350],"265":[351],"266":[352],"267":[353],"268":[354],"271":[355,356],"272":[357],"273":[358],"274":[359,360],"277":[361,362,363],"279":[364],"280":[365],"281":[366,367],"285":[368,369],"286":[370],"287":[371],"288":[372],"289":[373],"290":[374,375],"292":[376,377],"293":[378,379,380],"294":[381,382],"296":[383],"297":[384],"300":[385],"301":[386],"302":[387,388,389],"303":[390],"304":[391],"305":[392,393],"307":[394,395,396],"308":[397],"311":[398,399],"312":[400,401],"313":[402,403,404],"314":[405],"315":[406,407],"316":[408],"318":[409,410,411],"319":[412,413],"322":[414],"323":[415,416,417],"324":[418],"325":[419],"326":[420,421],"329":[422,423,424],"330":[425,426],"331":[427,428],"333":[429,430],"334":[431],"335":[432,433],"336":[434],"337":[435,436],"340":[437,438],"341":[439,440],"342":[441,442],"343":[443,444],"344":[445],"345":[446],"347":[447,448,449],"348":[450,451],"350":[452,453],"351":[454,455],"352":[456,457],"354":[458,459],"355":[460,461],"356":[462],"357":[463,464],"358":[465],"359":[466,467],"361":[468,469,470],"367":[471,472],"370":[473,474],"372":[475,476],"373":[477],"374":[478],"375":[479],"376":[480],"377":[481,482],"378":[483,484],"380":[485,486],"381":[487,488],"386":[489,490,491],"387":[492,493],"389":[494,495,496],"391":[497,498,499],"396":[500,501,502],"398":[503,504],"399":[505,506],"400":[507,508,509],"401":[510],"402":[511,512],"404":[513,514],"405":[515,516],"407":[517,518,519],"408":[520],"409":[521,522],"410":[523,524,525],"411":[526],"412":[527,528],"413":[529],"415":[530,531,532],"416":[533],"417":[534],"418":[535,536],"420":[537,538],"421":[539],"422":[540],"424":[541,542,543],"425":[544],"426":[545],"427":[546,547],"428":[548,549],"430":[550,551,552],"431":[553,554,555,556,557],"433":[558,559,560],"434":[561,562,563],"435":[564],"437":[565,566],"438":[567],"439":[568],"440":[569],"441":[570,571],"442":[572],"443":[573,574],"444":[575],"445":[576,577,578],"447":[579,580],"450":[581,582],"451":[583,584],"452":[585],"453":[586],"455":[587,588,589],"456":[590,591],"457":[592,593],"458":[594,595,596],"459":[597,598],"460":[599,600,601],"461":[602,603],"462":[604,605],"463":[606],"464":[607],"465":[608,609],"466":[610,611],"467":[612,613],"468":[614],"469":[615,616,617],"471":[618,619,620],"474":[621,622,623],"476":[624,625,626],"477":[627,628],"478":[629],"479":[630],"480":[631,632],"481":[633],"482":[634],"483":[635,636,637],"485":[638,639,640],"487":[641,642,643],"488":[644,645,646],"489":[647],"490":[648],"491":[649,650,651],"493":[652,653,654,655],"495":[656],"496":[657,658,659],"497":[660,661],"498":[662,663],"499":[664,665,666,667,668],"500":[669,670],"502":[671,672,673],"504":[674,675,676],"505":[677,678],"506":[679,680],"508":[681,682,683,684],"509":[685],"510":[686,687,688],"511":[689,690],"513":[691,692,693],"514":[694],"515":[695],"516":[696,697,698],"518":[699,700,701],"519":[702,703],"522":[704,705,706],"525":[707,708,709],"527":[710,711,712],"529":[713,714,715],"530":[716,717,718],"533":[719,720,721],"535":[722,723,724],"537":[725,726,727],"539":[728,729,730],"540":[731,732,733],"541":[734,735,736],"542":[737],"544":[738],"546":[739],"547":[740],"548":[741],"550":[742,743],"552":[744],"553":[745],"556":[746,747,748,749],"557":[750,751,752],"558":[753,754],"559":[755,756],"560":[757,758,759],"561":[760,761,762],"564":[763,764,765,766],"565":[767]},"ٟ":[],"numbers":{"1":126,"2":129,"3":131,"4":132,"5":139,"6":144,"7":146,"8":149,"9":150,"10":151,"11":153,"12":156,"13":158,"14":160,"15":163,"16":164,"17":165,"18":170,"19":174,"20":176,"21":178,"22":180,"23":182,"24":184,"25":187,"26":188,"27":190,"28":192,"29":196,"30":198,"31":201,"32":203,"33":208,"34":210,"35":215,"36":218,"37":220,"38":226,"39":228,"40":230,"41":234,"42":237,"43":239,"44":241,"45":243,"46":244,"47":244,"48":247,"49":249,"50":251,"51":257,"52":259,"53":261,"54":263,"55":265,"56":267,"57":271,"58":272,"59":274,"60":277,"61":279,"62":281,"63":285,"64":286,"65":288,"66":290,"67":292,"68":294,"69":296,"70":300,"71":302,"72":303,"73":305,"74":307,"75":307,"76":311,"77":312,"78":313,"79":314,"80":315,"81":318,"82":319,"83":322,"84":323,"85":324,"86":326,"87":329,"88":330,"89":331,"90":333,"91":334,"92":335,"93":337,"94":340,"95":341,"96":342,"97":343,"98":344,"99":347,"100":348,"101":350,"102":351,"103":352,"104":354,"105":355,"106":356,"107":357,"108":359,"109":361,"110":367,"111":370,"112":372,"113":373,"114":375,"115":377,"116":378,"117":380,"118":381,"119":386,"120":387,"121":389,"122":391,"123":396,"124":398,"125":399,"126":400,"127":400,"128":402,"129":404,"130":405,"131":407,"132":408,"133":409,"134":410,"135":411,"136":412,"137":415,"138":416,"139":418,"140":420,"141":421,"142":424,"143":425,"144":427,"145":428,"146":430,"147":431,"148":431,"149":433,"150":434,"151":434,"152":437,"153":439,"154":441,"155":442,"156":443,"157":445,"158":447,"159":450,"160":451,"161":452,"162":455,"163":456,"164":457,"165":458,"166":459,"167":460,"168":461,"169":462,"170":463,"171":465,"172":466,"173":467,"174":469,"175":471,"176":474,"177":476,"178":477,"179":478,"180":480,"181":481,"182":483,"183":485,"184":487,"185":488,"186":489,"187":491,"188":493,"189":493,"190":496,"191":497,"192":498,"193":499,"194":499,"195":500,"196":502,"197":504,"198":505,"199":506,"200":508,"201":508,"202":510,"203":511,"204":513,"205":514,"206":516,"207":518,"208":519,"209":522,"210":525,"211":527,"212":529,"213":530,"214":533,"215":535,"216":537,"217":539,"218":540,"219":563,"220":563,"221":564,"222":564,"223":564,"224":564,"225":564,"226":564,"227":564,"228":564,"229":564,"230":564,"231":564,"232":564,"233":564,"234":564,"235":564,"236":565},"number_max":236,"number_pages":{"126":1,"129":2,"131":3,"132":4,"139":5,"144":6,"146":7,"149":8,"150":9,"151":10,"153":11,"156":12,"158":13,"160":14,"163":15,"164":16,"165":17,"170":18,"174":19,"176":20,"178":21,"180":22,"182":23,"184":24,"187":25,"188":26,"190":27,"192":28,"196":29,"198":30,"201":31,"203":32,"208":33,"210":34,"215":35,"218":36,"220":37,"226":38,"228":39,"230":40,"234":41,"237":42,"239":43,"241":44,"243":45,"244":47,"247":48,"249":49,"251":50,"257":51,"259":52,"261":53,"263":54,"265":55,"267":56,"271":57,"272":58,"274":59,"277":60,"279":61,"281":62,"285":63,"286":64,"288":65,"290":66,"292":67,"294":68,"296":69,"300":70,"302":71,"303":72,"305":73,"307":75,"311":76,"312":77,"313":78,"314":79,"315":80,"318":81,"319":82,"322":83,"323":84,"324":85,"326":86,"329":87,"330":88,"331":89,"333":90,"334":91,"335":92,"337":93,"340":94,"341":95,"342":96,"343":97,"344":98,"347":99,"348":100,"350":101,"351":102,"352":103,"354":104,"355":105,"356":106,"357":107,"359":108,"361":109,"367":110,"370":111,"372":112,"373":113,"375":114,"377":115,"378":116,"380":117,"381":118,"386":119,"387":120,"389":121,"391":122,"396":123,"398":124,"399":125,"400":127,"402":128,"404":129,"405":130,"407":131,"408":132,"409":133,"410":134,"411":135,"412":136,"415":137,"416":138,"418":139,"420":140,"421":141,"424":142,"425":143,"427":144,"428":145,"430":146,"431":148,"433":149,"434":151,"437":152,"439":153,"441":154,"442":155,"443":156,"445":157,"447":158,"450":159,"451":160,"452":161,"455":162,"456":163,"457":164,"458":165,"459":166,"460":167,"461":168,"462":169,"463":170,"465":171,"466":172,"467":173,"469":174,"471":175,"474":176,"476":177,"477":178,"478":179,"480":180,"481":181,"483":182,"485":183,"487":184,"488":185,"489":186,"491":187,"493":189,"496":190,"497":191,"498":192,"499":194,"500":195,"502":196,"504":197,"505":198,"506":199,"508":201,"510":202,"511":203,"513":204,"514":205,"516":206,"518":207,"519":208,"522":209,"525":210,"527":211,"529":212,"530":213,"533":214,"535":215,"537":216,"539":217,"540":218,"563":220,"564":235,"565":236}},"pages":[{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nكلية أصول الدين\nقسم القرآن وعلومه\n\nاستنباطات الشوكاني في تفسيره \"فتح القدير\"\nجمعًا ودراسة\n\nرسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في القرآن وعلومه\n\nإعداد الطالبة\nخلود شاكر فهيد العبدلي\n\nإشراف\nد. يوسف بن عبد العزيز الشبل\nالأستاذ المشارك بقسم القرآن وعلومه\n\nالعام الجامعي: ١٤٣٤/ ١٤٣٥ هـ","vol":"1","page":1},{"text":"المقدمة\nوتتضمن:\n• أهمية موضوع البحث وأسباب اختياره.\n• أهداف البحث.\n• حدود البحث.\n• الدراسات السابقة.\n• خطة البحث.\n• منهج البحث.","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>المقدمة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nرب يسر وأعن.\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه واستن بسنته إلى يوم الدين.\nأما بعد.\nفإن الاستنباط من القرآن الكريم علم جليل من علوم القرآن، وهو ثمرة لفهم كلام الله تعالى وتدبره.\nوفي المعاني المتوصل إليها بالاستنباط هدايات قرآنية عقدية، وفقهية، وأصولية، وتربوية ينتفع بها الناظر إليها والعامل بها.\nوقد ظهر هذا العلم في عهد النبي -ﷺ- فكان للصحابة الكرام -﵃- استنباطات دقيقة من القرآن الكريم. وكذا كان لمن جاء من بعدهم من التابعين وتابعيهم -﵃-.\nواستمرت عناية العلماء بالاستنباط من القرآن فظهرت في تآليفهم المختلفة عموما، وفي تفاسير القرآن خصوصا، فالمتأمل في كتب التفسير يقف على استنباطات كثيرة عند المفسرين المتقدمين منهم والمتأخرين كلٌ بحسب ما يفتح الله عليه.\nقال ابن العربي (^١) - عن المعاني المستنبطة -: (أن تستدلَّ من مدلول اللفظ على نظير المعنى، وهذا بابٌ جرى في كتب التفسير كثيرًا) (^٢).\nوقال الشوكاني: (فإن المعاني المأخوذة من كتاب الله سبحانه كثير العدد، يستخرج منها كل عالم بحسب استعداده، وقدر ملكته في العلوم) إلى أن قال: (فإن القرآن جميعه حتى قصصه، وأمثاله لا يخلو من فوائد متعلقة بالأحكام الشرعية، ولطائف لا يأتي الحصر عليها، لها مدخل في الدين) (^٣).\nوإن جمع مواضع الاستنباط من القرآن عند أحد المفسرين ممن كان ذا شهرة كبيرة، ومكانة عالية بين علماء التفسير وأصول الفقه فيه إبراز لهذا العلم من علوم القرآن من وجه، كما فيه بيان لبراعة المفسر من وجه آخر؛ لذا عقدت العزم - متوكلة على الله مستعينة به- على اختيار موضوع: استنباطات الشوكاني في تفسيره \"فتح القدير\" جمعًا ودراسة\n_________\n(^١) الحافظ أبو بكر، محمد بن عبد الله بن محمد ابن العربي، المعافري، الأندلسي، كان من أهل التفنن في العلوم، والاستبحار فيها، والجمع لها، مقدمًا في المعارف كلها، له تصانيف كثيرة حسنة منها: \"أحكام القرآن\" وغير ذلك، مات في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة للهجرة. انظر: طبقات المفسرين للسيوطي ج ١/ ص ١٠٥، ١٠٦، وطبقات المفسرين للداودي ج ٢/ ص ١٦٢ - ١٦٦.\n(^٢) قانون التأويل ص ٥٢٦.\n(^٣) أدب الطلب ص ٢٠٠، ٢٠١.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>أهمية الموضوع:</span>\n١ - القيمة العلمية لهذا الموضوع لتعلقه بعلم الاستنباط الذي هو علم من علوم القرآن وثمرة تدبر كلام الله تعالى.\n٢ - شهرة الشوكاني -﵀- ومكانته بين العلماء، فهو مفسر فقيه أصولي، له (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول)، وهذا مما يزيد من أهمية استنباطاته؛ لارتباط الاستنباط بأصول الفقه.\n٣ - مكانة تفسير الشوكاني -﵀- بين كتب التفسير، فقد أودع فيه مؤلفه دررا حقيق بطالب علم التفسير الإفادة منها.\n٤ - في دراسة استنباطات الشوكاني -﵀- تأصيل قرآني لها، وهذا مما لا تخفى أهميته.\n٥ - البحث في هذا الموضوع يستلزم الاطلاع بتوسع على عدد من العلوم الشرعية المتعلقة بأنواع الاستنباط المختلفة العقدية، والفقهية، والأصولية، والاستنباطات في علوم القرآن.\n٦ - تتيح دراسة استنباطات الشوكاني -﵀- وموازنتها باستنباطات المفسرين التعرف على مناهج وطرق العلماء في الاستنباط، وتسهم في بناء شخصية الباحث في هذا العلم من علوم القرآن.\n\n<span data-type='title' id=toc-3>أسباب اختيار الموضوع:</span>\n١ - أهميته السابق ذكرها وهذه الأهمية من أهم أسباب اختيار الموضوع.\n٢ - أن في بحث هذا الموضوع ودراسته تدبرًا لكتاب الله.\n٣ - الإسهام في إثراء المكتبة القرآنية بكتاب مستقل يضم كل ما يتعلق بالاستنباط عند الشوكاني -﵀- في تفسيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-4>أهداف البحث:</span>\n١ - جمع ودراسة استنباطات الشوكاني من القرآن الكريم من خلال تفسيره.\n٢ - دراسة منهج الشوكاني في الاستنباط.\n٣ - … إبراز هذا العلم من علوم القرآن من وجه، وإبراز براعة المفسر فيه من وجه آخر.\n\n<span data-type='title' id=toc-5>حدود البحث:</span>\nجمع ودراسة استنباطات الشوكاني من خلال تفسيره \"فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير\".\nوبتتبع استنباطات الشوكاني في تفسيره وقفت على مائتين وتسعة عشر استنباطا.\nوالمراد بالاستنباط استخراج ما خفي من النص بإحدى الدلالات كدلالة الالتزام، أو النص ونحو ذلك، فلا يدخل في البحث ما دل عليه النص دلالة ظاهرة.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>الدراسات السابقة:</span>\nبعد البحث والسؤال في الأقسام المتخصصة بالجامعات السعودية، والمراكز العلمية تبين لي أن موضوع الاستنباط عند الشوكاني لم تسبق دراسته.\nإلا أن هناك دراسات عنيت بدراسة الاستنباط عند عدد من المفسرين غير الشوكاني. وهناك دراسات أخرى عنيت بتفسير الشوكاني دون إفراد استنباطاته بالبحث، وسيأتي بيانها.\nفأما دراسة موضوع الاستنباط عند المفسرين فقد سجل في رسائل علمية نوقش بعض منها، وبعضها لا يزال قيد الإعداد.\n١ - الاستنباط عند الإمام ابن عطية الأندلسي في تفسيره \"المحرر الوجيز\" دراسة نظرية تطبيقية، عواطف البساطي، إشراف: أ. د: أمين باشا، دكتوراه، جامعة أم القرى، ١٤٣٠ هـ. (نوقشت).\n٢ - استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن الكريم عرض ودراسة، سيف الحارثي، إشراف: أ. د: أحمد سعد الخطيب، دكتوراه، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٤٣٠ هـ. (نوقشت).\n٣ - الاستنباط قواعده وتطبيقاته عند ابن العربي المالكي في تفسيره (أحكام القرآن)، إيمان أسيد أركوبي، إشراف: د. ناصر بن محمد المنيع، ماجستير، جامعة الملك سعود، ١٤٣٠ هـ. (نوقشت).\n٤ - مجموعة رسائل في جامعة أم القرى: رسائل ماجستير في: الاستنباط عند البغوي، ومحمد الأمين الشنقيطي، وابن عثيمين. ورسائل دكتوراه في: الاستنباط عند القصاب، والبيضاوي، وأبي السعود، وابن عاشور، والقاسمي، ورسالة الاستنباط عند محمد أبي زهرة (نوقشت).\n٥ - مجموعة رسائل في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: رسائل دكتوراه عن: استنباطات ابن جزي في تفسيره (نوقشت)، واستنباطات الشربيني، واستنباطات ابن كثير، ورسالتا ماجستير إحداهما في استنباطات السمعاني، والثانية في استنباطات الدوسري.\nوجميع الرسائل السابقة -كما هو ظاهر- تبحث في استنباطات عدد من المفسرين غير الشوكاني.\nوأما الدراسات التي عنيت بتفسير الشوكاني، فمدارها حول بيان منهج الشوكاني في تفسيره، وتحقيق القراءات في تفسيره، وجمع اختياراته، وبيان الدخيل، إضافة إلى جمع علوم القرآن عنده. وتفصيلها على النحو التالي:\n١ - \"الإمام الشوكاني مفسرا\"، محمد حسن الغماري، إشراف: أ. د. السيد أحمد صقر، دكتوراه، جامعة أم القرى، ١٤٠٠ هـ.\nوهي رسالة في التعريف بالشوكاني، وبيان منهجه في التفسير.\n٢ - الإمام الشوكاني وإيراده للقراءات في تفسيره، أحمد عبدالله المقري، إشراف: عبد القادر شيبة الحمد، ماجستير، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ١٤٠٥ هـ.\nوهي رسالة في تحقيق القراءات الَّتي تعرض لها الشوكاني في تفسيره، من حيث بيان المتواتر منها والشاذ، وليس فيها شيء عن استنباطات الشوكاني في تفسيره التي هي مقصود بحثي هذا.\n٣ - اختيارات الإمام الشوكاني في التفسير من خلال كتابه فتح القدير من أول الكتاب إلى نهاية سورة الإسراء تحقيق ودراسة، علي بن حميد السناني، إشراف: أ. د. محمد بن بكر عابد، دكتوراه، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ١٤١٩ هـ.","vol":"1","page":5},{"text":"٤ - اختيارات الإمام الشوكاني في التفسير من خلال كتابه فتح القدير من أول سورة الكهف إلى آخر سوره الناس عرض ودراسة، فايز حبيب الترجمي، إشراف: د. عبد الله بن عمر الشنقيطي، دكتوراه، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ١٤٢٠ هـ.\nوهما رسالتان في جمع اختيارات الشوكاني وترجيحاته في التفسير مع دراستها.\n٥ - الدخيل في تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للإمام الشوكاني من أول فاتحة الكتاب إلى الآية ١٤١ من سوره البقرة، لولوه عبدالله بن عبدالعزيز القضيبي، أ. د. عبدالغفور محمود مصطفى، دكتوراه، كلية الآداب للبنات بالرياض، ١٤١٥ هـ.\n٦ - الدخيل في تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للإمام الشوكاني من الآية ١٤٢ من سوره البقرة إلى نهاية السورة، منيرة عبدالله بن صالح الحبيب، أ. د. هاشم عبدالفتاح جودة، دكتوراه، كلية الآداب للبنات بالرياض، ١٤١٥ هـ.\n٧ - الدخيل في تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للإمام الشوكاني تحقيق ودراسة من أول سوره آل عمران إلى قوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم) من الآيه ٩٢ من سوره آل عمران، فاطمة سليمان بن سعد العكوز، إشراف: د. لولوه عبدالله بن عبدالعزيز القضيبي، ماجستير، كلية الآداب للبنات بالرياض، ١٤٢٠ هـ.\n٨ - الدخيل في تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للإمام الشوكاني في سورة آل عمران، من قوله تعالى: كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلى نهاية السورة، دلال سليمان بن زيد المسلم، إشراف: د. لولوه عبدالله بن عبدالعزيز القضيبي، ماجستير، كلية الآداب للبنات بالرياض، ١٤٢٤ هـ.\n٩ - الدخيل في تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للإمام الشوكاني سورة النساء، فاطمة سليمان بن سعد العكوز، إشراف: أ. د. زاهر بن عواض الألمعي، دكتوراه، كلية الآداب للبنات بالرياض، ١٤٢٦ هـ.\nوهذه الرسائل عنيت بدراسة الدخيل في تفسير الشوكاني، وهو موضوع يختلف عن المقصود من بحثي هذا.\n١٠ - علوم القرآن عند الشوكاني جمعا ودراسة، إيمان بنت محمد بن فواز الصميل، إشراف: أ. د. بدر بن ناصر بن بدر البدر، ماجستير، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٤٢٨ هـ.\nوهي رسالة في استخراج الموضوعات المتعلقة بعلوم القرآن من مصنفات الشوكاني المطبوعة ودراستها، مع إبراز منهجه في علوم القرآن.","vol":"1","page":6},{"text":"١١ - \"الشوكاني ومنهجه في التفسير\"، علاء صالح القيسي، ماجستير، جامعة بغداد، كلية العلوم الإسلامية، ١٩٩١ م.\n١٢ - \"الإمام الشوكاني وأثره في الدراسات الإسلامية\"، أمينة أبو الفيال، ماجستير، جامعة محمد الخامس بالمغرب، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، ١٩٨٩ م.\nوالرسالتان الأخيرتان لم أقف عليهما - بعد البحث - لوجودهما خارج المملكة، ولا يوجد في المراكز العلمية كمركز الملك فيصل وغيره إلا المعلومات التي ذكرتها عنهما. والظاهر من عنوانيهما اختلاف موضوعيهما عن الموضوع المراد بحثه؛ إذ هذا البحث يختص بإفراد استنباطات الشوكاني في تفسيره بالجمع والدراسة وهو ما لم تخصه الرسالتان بالإفراد كما هو ظاهر من عنوانيهما، والله أعلم.\nفيتأكد مما سبق أن هذا الموضوع لم يفرد بالبحث، إذ ليس في الدراسات السابقة إفراد استنباطاته بالجمع والدراسة التي هي مقصود هذا البحث.\nوأحسب أن إفراد هذا الموضوع من موضوعات علوم القرآن بالجمع والدراسة من خلال تفسير ذي مكانة عالية كتفسير الشوكاني -﵀- إضافة أرجو أن تكون ضمن سلسلة الخدمات التي عنيت بهذا التفسير.\n\n<span data-type='title' id=toc-7>خطة البحث:</span>\nيتكون البحث من: مقدمة، وتمهيد، وبابين، تعقبهما الخاتمة، والفهارس.\nالمقدمة:\nوتتضمن:\n١ - أهمية موضوع البحث وأسباب اختياره.\n٢ - أهداف البحث.\n٣ - حدود البحث.\n٤ - الدراسات السابقة.\n٥ - خطة البحث.\n٦ - منهج البحث.\nالتمهيد:\nويشمل:\nأولًا: تعريف الاستنباط، ونشأته.\nثانيًا: أهميته، وعلاقته بالتفسير.\nثالثًا: التعريف بالشوكاني.\nرابعًا: التعريف بتفسير \"فتح القدير\" للشوكاني.\nالباب الأول: منهج الشوكاني في الاستنباط من خلال تفسيره \"فتح القدير\".\nوفيه ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: أقسام الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره.\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: الاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط.\nوفيه ثمانية مطالب:\nالمطلب الأول: الاستنباطات في التفسير.\nالمطلب الثاني: الاستنباطات في علوم القرآن.\nالمطلب الثالث: الاستنباطات العقدية.\nالمطلب الرابع: الاستنباطات الأصولية.\nالمطلب الخامس: الاستنباطات الفقهية.\nالمطلب السادس: الاستنباطات اللغوية.\nالمطلب السابع: الاستنباطات في الرقائق.\nالمطلب الثامن: الاستنباطات التربوية السلوكية.\nالمبحث الثاني: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط منه وخفائه.","vol":"1","page":7},{"text":"المبحث الثالث: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب.\nالفصل الثاني: دلالات وطرق الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره.\nوفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص (مفهوم الموافقة).\nالمبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم (مفهوم المخالفة).\nالمبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام.\nالمبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن.\nالمبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران.\nالمبحث السادس: الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن.\nالفصل الثالث: القيمة العلمية لاستنباطات الشوكاني.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: تأثر الشوكاني باستنباطات المفسرين قبله، وموقفه منها.\nالمبحث الثاني: مميزات استنباطات الشوكاني.\nالباب الثاني: جمع ودراسة استنباطات الشوكاني في تفسيره من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس.\nوفيه جمع استنباطات الشوكاني الواردة في تفسيره مرتبة حسب ترتيب الآيات المستنبط منها من أول سورة الفاتحة إلى آخر القرآن الكريم، ثم دراستها وتحليلها والحكم عليها.\nالخاتمة:\nوفيها أهم نتائج البحث، وتوصياته.\nالفهارس:\n• فهرس الآيات القرآنية.\n• فهرس المعاني المستنبطة. (مرتبة حسب ترتيب الآيات المستنبط منها).\n• فهرس الأحاديث والآثار.\n• فهرس الأعلام.\n• ثبت المصادر والمراجع.\n• فهرس الموضوعات والمسائل العلمية.\n\n<span data-type='title' id=toc-8>منهج البحث:</span>\nسلكت في هذا البحث المنهج الاستقرائي التحليلي، وذلك وفق ما يلي:\n١ - التزمت كتابة الآيات القرآنية بالرسم العثماني، مع عزوها إلى سورها بأرقام آياتها، ووضعها بين قوسين مزهرين.\n٢ - خرِّجت الأحاديث من مظانها، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما أكتفيت بذلك. وإن كان في غيرهما خرجته من مظانه، وحكمت عليه مستعينة بحكم العلماء. مع تخصيص الأحاديث بذكرها بين علامتي تنصيص \" \".\n٣ - وضعت عناوين جانبية لرؤوس الموضوعات ما دعت الحاجة لذلك.\n٤ - وثقت ما أنقله من نصوص بوضع النص المنقول بين قوسين ()، مع الإحالة إلى مصادره في الحاشية. فإن تصرفت فيه نبهت على ذلك في الحاشية.\n٥ - اكتفيت بجعل المعلومات الكاملة عن المصدر في ثبت المصادر لئلا أثقل حواشي البحث.\n٦ - عرَّفت بالفرق والأماكن.\n٧ - عزوت الأبيات الشعرية إلى قائليها، مع توثيقها.\n٨ - شرحت غريب الألفاظ.\n٩ - ترجمت ترجمة موجزة للأعلام - عند ورود ذكرهم لأول مرة - عدا المشهورين، ومن كان حيًا من العصريين إن ذكروا، والعصريون من كانت وفاتهم في حدود المائة سنة الماضية.","vol":"1","page":8},{"text":"١٠ - وضعت الفهارس الفنية المناسبة، والتي تعين القارئ على كشف مضامين البحث بيسر.\n١١ - افتتحت بعض الفصول أو المباحث أو المطالب بتمهيد إذا دعت الحاجة لذلك.\n١٢ - في جمع الاستنباطات اتبعت المنهج التالي:\nأ - جمعت كل ما ظهر في عبارة الشوكاني أنه استنباط، فإن لم يظهر فإني لا أجمعه. وذلك كالمواضع التي عزا فيها الاستنباط للعلماء ولم يظهر تأييده له.\nب - بلغت استنباطات الشوكاني مائتين وتسعة عشر (٢١٩) استنباطا، منها خمسة عشر استنباطا مكررا (^١)، وقد جمعت المكرر أيضا لأسباب:\n١) اختلاف وجه الاستنباط وطريقه أحيانا بين الموضع الأول والموضع المكرر، كما في استنباط ذم التقليد فإن وجهه وطريقه يختلف من موضع لآخر، فجمعت كل المواضع لأبين هذه الأوجه والطرق.\n٢) اختلاف القائلين بالاستنباط؛ إذ في موضع يقول به بعض المفسرين، وفي موضع آخر يقول به آخرون، فالجمع بين مواضع الاستنباط يكشف عن جميع القائلين به.\n٣) بيان ما تميز به الشوكاني من استنباط المعنى الواحد من مواضع مختلفة بطرق متعددة.\n١٣ - في دراسة استنباطات الشوكاني اتبعت المنهج التالي:\nأ - ذكر الآية المستنبط منها.\nب - ذكر استنباط الشوكاني.\nت - تحليل الاستنباط ببيانه، ثم الحكم عليه بعد موازنة قوله بأقوال غيره من العلماء (^٢).\nمع الالتزام بترتيب الاستنباطات وفق ترتيب الآيات -المستنبط منها- في المصحف.\n_________\n(^١) تكرر الاستنباط رقم: ٤ في الاستنباطات رقم: ٢٠، ٨٣، ٩١، ١٨١، ١٨٩. وتكرر الاستنباط: ٥ في الاستنباط: ١٩، وتكرر الاستنباط: ١١ في الاستنباط: ٣٦، وتكرر الاستنباط: ٤١ في الاستنباط: ٨١، وتكرر الاستنباط: ٦٧ في الاستنباط: ١٦٢، وتكرر الاستنباط: ٧٥ في الاستنباط: ١٩٢، و٢٠٣، وتكرر الاستنباط رقم: ٨٠ في الاستنباط: ١٤٦، وتكرر الاستنباط: ١١٩ في الاستنباط: ٢٠٢، وتكرر الاستنباط: ٢٠٤ في الاستنباط: ٢٠٧، وتكرر الاستنباط: ١٩٧ في الاستنباط: ٢١٤.\n(^٢) وقد اعتمدت في الموازنة على أكثر من أربعين كتابا في التفسير وآيات الأحكام. ورجعت في بعض استنباطاته إلى بعض مؤلفاته: إما التي يحيل عليها، أو التي يكون فيها مزيد توضيح لاستنباطه كنيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار، والقول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد، والسيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، وإرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الأصول، وأدب الطلب ومنتهى الأرب، وبلوغ المنى في حكم الاستمنى.","vol":"1","page":9},{"text":"وبعد:\nفالحمد لله الذي يسر البدء، وأعان على الإتمام. وله سبحانه الحمد من قبل ومن بعد.\nهذا بحثي، بدأته والحال:\nعسى ربي أن يهديني سواء السبيل.\nواليوم - بحمد الله- أتممته والحال:\nولعلي مؤمل بعض ما أبـ … لغ باللطف من عزيز حميد.\nفاللهم ما كان من صواب، وتوفيق، وتسديد فمنك وحدك.\nوما كان من خلل وتقصير وخطأ فاللهم ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.\nثم شكري، وامتناني، ودعائي للنعمة التي لا يبلغها حمدي، والديَّ الكريمين حفظهما الله ومتعهما بطاعته.\nوالشكر موصول لشيخي، وأستاذي، وموجهي، ومعيني-بعد الله- فضيلة: د. يوسف بن عبد العزيز الشبل، وإني حين أشكره أشكر فيه علما، وخلقا، وصبرا، وحلما، وتوجيها، وحرصا. شكر لا تقدر حروف النثر عليه، ولا ترتقي قصائد الشعر إليه، فليس إلا الدعاء له بأن يتولى الكريم -جل في علاه- مجازاته والإحسان إليه.\nوالشكر كل الشكر لقسم القرآن الكريم وعلومه، ولجامعة الإمام التي أويت إليها فآوتني، وعلى إتمام هذه المرحلة العلمية أعانتني.\nفكيف أشكر من أحسنوا وفادتي إليهم؟\nفاللهم اجزهم جميعا إدارة، وأساتذة، وإداريين، وعاملين خير ما تجزي به عبادك المحسنين.\nوأختم بحمد الله تعالى الذي بلغني ما آمل فجعل لي إلى الجامعة الإسلامية انتسابا كما جعل لي إلى جامعة الإمام انتسابا حيث منَّ الله تعالى على بحثي بمناقشين كريمين هما: فضيلة أ. د. محمد بن عبد العزيز العواجي وكيل كلية القرآن بالجامعة الإسلامية، وفضيلة أ. د. بدر بن ناصر البدر الأستاذ بقسم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام، فشكر الله لهما تفضلهما بقبول مناقشة هذا البحث، وأسأل جل في علاه أن يحسن إليهما كما أحسنا إلي وأن يبارك في جهدهما وعلمهما.\nوأخيرا أختم بالشكر والتقدير لجامعتي جامعة الطائف، وأخص بالشكر إدارتها، ووكيل كلية الشريعة ورئيس قسم القراءات -سابقا- فضيلة د. ناصر القثامي على جميل تعاونهم، وحسن رعايتهم.\nهذا، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>التمهيد</span>\n• أولًا: تعريف الاستنباط، ونشأته.\n• ثانيًا: أهمية الاستنباط وعلاقته بالتفسير.\n• ثالثًا: التعريف بالشوكاني ﵀.\n• رابعًا: التعريف بتفسير (فتح القدير) للشوكاني.\n\n<span data-type='title' id=toc-10>أولًا: تعريف الاستنباط، ونشأته</span>.\n\n<span data-type='title' id=toc-11>أ - تعريف الاستنباط:</span>\nتعريف الاستنباط لغة: هو الاستخراج والإظهار بعد الخفاء. ومادة \"نَبَطَ\" تدور على أصل واحد، وهو استخراج شيء (^١)، والانتهاء إليه (^٢). فأصل الاستنباط من النَّبَط، وهو الماء الذي يَنْبُطُ من قعر البئر إِذا حُفرت، وقد نَبَطَ ماؤها، يَنْبِطُ، ويَنْبُطُ نَبْطًا، ونُبُوطًا. وأَنبطنا الماءَ أَي: استنبطناه وانتهينا إِليه. وكل ما أُظهر، فقد أُنْبِط (^٣).\nومنه قوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (^٤) [النساء: من الآية ٨٣].\nقال الزجاج (^٥): (معنى يستنبطونه في اللغة: يستخرجونه، وأَصله من النبَط، وهو الماء الذي يخرج من البئر في أَوّل ما يحفر) (^٦).\nواسْتَنْبَطه، واستنبط منه علمًا، وخبرًا، ومالًا: استخرجه. واستنبَطَ الفَقِيهُ إِذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمِه (^٧).\n_________\n(^١) انظر: مقاييس اللغة ج ٥/ ص ٣٨١، ولسان العرب ج ٧/ ص ٤١٠. ومختار الصحاح ج ١/ ص ٢٦٨، ومفهوم التفسير، والتأويل، والاستنباط، والتدبر، والمفسر ص ١٥٩.\n(^٢) انظر: العين ج ٧/ ص ٤٣٩، ولسان العرب ج ٧/ ص ٤١٠، والقاموس المحيط ج ١/ ص ٨٨٩.\n(^٣) انظر: لسان العرب ج ٧/ ص ٤١٠.\n(^٤) وتمامها: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾\n(^٥) هو أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن السَّري بن سهل الزَّجاج، البغدادي، نحوي زمانه، لقب بالزجاج لاشتغاله بخرط الزجاج، مصنف: \"كتاب معاني القرآن\"، له تآليف جمة، مات سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وقيل: غير ذلك. انظر: سير أعلام النبلاء ج ١٤، ص ٣٦٠، وبغية الوعاة ج ١، ص ٣٣٨ - ٣٤٠.\n(^٦) معاني القرآن وإعرابه ج ٢/ ص ٨٣.\n(^٧) انظر: لسان العرب ج ٧/ ص ٤١٠، والقاموس المحيط ج ١/ ص ٨٨٩.","vol":"1","page":11},{"text":"قال ابن جرير الطبري (^١): (كلُّ من أخرج شيئًا كان مُستَتِرا عن إبصار العيون، أو عن معارف القلوب فهو مستنبطٌ له) (^٢).\nوالألف والسين والتاء في استنبط تدل على تطلب الشيء لأجل حصوله، وكأن فيها معنى التكلف في إعمال العقل الذي يحتاجه المستنبط حال الاستنباط (^٣).\nويستفادُ من هذه المعاني اللغوية ما يأتي (^٤):\nأولًا: الاستنباط هو الاستخراج باتفاق أهل اللغة، وهو المعنى المطابق للَّفظ.\nثانيًا: في الاستنباط نوعُ اجتهاد ومعاناة دلَّ عليه صيغة اللفظ المفتتحة بحروف الطلب الألف والسين والتاء، كما يدل عليه الجهد والعناء في استنباط الماء من البئر.\nقال ابن القيم (^٥): (الاستنباط هو: استخراج الشيء الثابت الخفي الذي لا يعثر عليه كل أحد) (^٦).\nثالثًا: الاستنباط أقرب إلى باطن الكلام منه إلى ظاهره، وأقرب إلى المعاني منه إلى الألفاظ، وهو معنى الاستتار والتواري الذي ذكره ابن جرير.\nرابعا: أن الاستنباط يطلق على المحسوسات كما في استنباط الماء من البئر، وعلى المعاني كاستنباط العلم أو الفائدة بعد التأمل.\nتعريف الاستنباط اصطلاحا: الذي يعنينا في هذا المقام بيان المعنى الاصطلاحي للاستنباط من القرآن الكريم، وهو استخراج ما خفي من النص القرآني بطريق صحيح (^٧). أي: استخراج ما خفي من المعاني، والأحكام، والحكم، والمناسبات (^٨) من القرآن بطريق صحيح (^٩).\n_________\n(^١) هو أبو جعفر، محمد بن جرير بن يزيد الآملي، الطبري، من أهل آمل بطبرستان، كان رأسًا في التفسير، إمامًا في الفقه، علامة بالتاريخ، عارفًا بالقراءات واللغة، له تصانيف عظيمة منها: \"جامع البيان عن تأويل آي القرآن\"، و\"تاريخ الأمم والملوك\"، توفي سنة عشر وثلاثمائة للهجرة. انظر: غاية النهاية في طبقات القراء ج ٢، ص ١٠٦ - ١٠٨، وطبقات المفسرين للسيوطي ص ٩٥ - ٩٧.، وطبقات المفسرين للداودي ج ٢، ص ١٠٦ - ١١٤.\n(^٢) جامع البيان ج ٧/ ص ٢٥٥.\n(^٣) انظر: مفهوم التفسير، والتأويل، والاستنباط، والتدبر، والمفسر ص ١٥٩.\n(^٤) انظر هذه المعاني في: منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص ٣٣، ومعالم الاستنباط في التفسير ص ٢٠، ٢١.\n(^٥) هو شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي، الدمشقي، الأصولي، المفسر، النحوي، المعروف بابن قيِّم الجوزية، لازم شيخ الإسلام ابن تيمية وأخذ عنه، اُمتحن وأوذي مرات، وحُبس مع شيخه بالقلعة، له تصانيف عظيمة منها: \"زاد المعاد\"، و\"التبيان في أقسام القرآن\"، توفي سنة إحدى وخمسين وسبعمائة للهجرة. انظر: بغية الوعاة ج ١، ص ٥٦، وطبقات المفسرين للداودي ج ٢، ص ٩٠ - ٩٣، وشذرات الذهب ج ٦، ص ١٦٨ - ١٧٠.\n(^٦) مفتاح دار السعادة ج ٢/ ص ١٠٤.\n(^٧) منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص ٤٥.\n(^٨) أعني هنا المناسبات الخفية؛ أما المناسبات الظاهرة فليست باستنباطات. ويمكن أن يستأنس لإثبات أن المناسبات الخفية تعد استنباطات بقول السيوطي- بعد أن عدَّد وجوها من المناسبات في سورة الأنعام-: (وجميع هذه الوجوه التي استنبطتها من المناسبات بالنسبة إلى أسرار القرآن كنقطة من بحر). تناسق الدرر في تناسب السور ص ٨٦، ٨٧.\nوقال في آخر كتابه تناسق الدرر في تناسب السور: (وهذا آخر ما منَّ الله به علي من استخراج مناسبات ترتيب السور، وكله من مستنبطاتي، ولم أعثر فيه على شيء لغيري إلا النزر اليسير …). ص ١٤٨.\n(^٩) انظر: استنباطات الشيخ السعدي من القرآن عرض ودراسة ص ١٣.","vol":"1","page":12},{"text":"ويمكن تعريف الاستنباط في استعمال المفسرين بأنه استخراج ما وراء ظواهر معاني الألفاظ من الآيات القرآنية. والمراد بظواهر معاني الألفاظ: ما يتوقف فهم القرآن عليها من المعاني المباشرة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-12>تنبيهات:</span>\n١ - لابد أن يكون في دلالة الآية على المعنى المستنبط نوع خفاء، ولا يلزم أن يكون الخفاء شديدا، بل الخفاء هنا متفاوت، فقد يكون شديدا فلا يظهر إلا بعد تأمل طويل، وتدبر كثير، وقد يكون أقل من ذلك.\nولذا نجد بعض الاستنباطات قريبة المأخذ تتضح بلا إعمال ذهن، وقد يدق مسلكها ويخفى؛ فتحتاج إلى تفهم وإعمال ذهن (^٢). والمهم هنا التنبه إلى أن قربها لا ينفي كونها استنباطات.\nفالمعاني المستنبطة تتفاوت في القرب والبعد من معنى الآية، كما تتفاوت في الظهور والخفاء، وكل ذلك بحسب المعنى المستنبط، ووجه اتصاله بالمعنى الظاهر. وهذا التفاوت في المعاني المستنبطة يستلزم التنبيه على أنه لا يمكن عد الاستنباط معنى للآية على الاستقلال مهما اشتد قربه وظهوره من المعنى المباشر؛ لأنه تابع للمعنى الأصلي، ومترتب عليه، والتفسير شرط في وجوده ولا عكس (^٣).\nويمثل للاستنباط القريب باستنباط تحريم ضرب الوالدين من قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾.\nقال السيوطي (^٤): (وأشار بالنهي عن ذكر (أف) إلى تحريم ما فوقه بطريق الأولى) (^٥).\n_________\n(^١) معالم الاستنباط في التفسير ص ٢١.\n(^٢) انظر: مفهوم التفسير، والتأويل، والاستنباط، والتدبر، والمفسر ص ١٦٥.\n(^٣) انظر: معالم الاستنباط في التفسير ص ٤٤. وفيه قال أيضا: باستعراض أيٍّ من الكتب المفردة في الاستنباطات القرآنية يتضح ذلك بلا خفاء؛ فبينما ترى استنباطا على التمام، إذ يتلوه آخر موغلا في الإبهام، ثم يمر بك استنباط في القرب والظهور كأنه المعنى المباشر للفظ، ويتبعه آخر في البعد والخفاء بما لا يكاد يسفر لك عن وجه اتصاله بالآية.\n(^٤) جلال الدين، أبو الفضل، عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر الأسيوطي، العلامة المشهور في الآفاق، حافظ، مؤرخ، أديب، صاحب المؤلفات الفائقة النافعة، له نحو ستمائة مصنف في عدة فنون منها: \"الإتقان في علوم القرآن\"، و\"الدر المنثور في التفسير المأثور\"، و\"لباب النقول في أسباب النزول\"، ختم القرآن وهو دون ثمان سنوات، توفي سنة إحدى عشرة وتسعمائة للهجرة. انظر ترجمته لنفسه في كتابه: حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة ج ١، ص ١٥٥ - ١٦١، وشذرات الذهب ج ٨، ص ٥١.\n(^٥) الإكليل ج ٢/ ص ٩١٤،","vol":"1","page":13},{"text":"وقال الشنقيطي: (فالضرب المسكوت عنه أولى بالحكم الذي هو التحريم من التأفيف المنطوق به، مع القطع بنفي الفارق) (^١). (^٢).\n٢ - لا يشترط في المعنى المستنبط أن يكون خفيا في ذاته، فالخفاء إنما هو في دلالة الآية عليه، أما المعنى المستنبط فقد يكون ظاهرا لكن دلالة الآية عليه خفية.\nويمكن أن يُمثل له بالاستنباط السابق أيضا.\n٣ - يمكن تسمية الاستنباط فائدة (^٣). فالفائدة قد تكون استدلالا، أي أن طريق الوصول إليها ظاهر، وقد تكون استنباطا، أي التوصل إليها بطريق خفي. والذي ظهر لي -والله أعلم- أن الفوائد أعم من الاستنباط، فكل استنباط فائدة.\nويخطئ من يجعل الفوائد أعم من جهة الموضوعات، فيخص موضوع الاستنباط بالفقه دون غيره. والصحيح أن الاستنباط كالفوائد يكون في الفقه، والعقيدة، واللغة، والتربية وغيرها، ولعل هذا وجه آخر لتسمية الاستنباط فائدة.\nويمكن أن يستدل على صحة ذلك بأمور:\nالأول: أن الرازي (^٤) سمى بعض الاستنباطات الخفية فوائدا، ومن ذلك: استنباطه أن يوم القيامة ليس بشديد على المؤمنين من قوله: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ [القمر: ٨]، قال: (﴿هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ وفيه فائدتان: إحداهما: تنبيه المؤمن أن ذلك اليوم على الكافر عسير فحسب، كما قال تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المدثر: ٩ - ١٠] يعني له عسر لا يسر معه …) (^٥).\n_________\n(^١) أضواء البيان ج ٣/ ص ١١٨.\n(^٢) انظر هذا الاستنباط برقم: ١٣٢.\n(^٣) قال د. مساعد الطيار: وقد يكون الاستنباط استنباط حكم فقهي، … أو فائدة علمية. مفهوم التفسير، والتأويل، والاستنباط، والتدبر، والمفسر ص ١٦١.\n(^٤) هو أبو عبد الله، محمد بن عمر بن الحسين الفخر الرازي، القرشي، البكري، المعروف بابن الخطيب الشافعي، من ذرية أبي بكر الصديق -﵁-، مفسر، متكلم، إمام عصره في العلوم العقلية، قال ابن خلكان فيه: \"فريد عصره، ونسيج وحده، شهرته تغني عن استقصاء فضائله\"، له تصانيف كثيرة منها: \"التفسير الكبير\"، و\"إعجاز القرآن\"، توفي سنة ست وستمائة للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء ج ٢١، ص ٥٠٠، ٥٠١، وطبقات المفسرين للسيوطي ج ١، ص ١١٥، ١١٦، وطبقات المفسرين للداودي ج ٢، ص ٢١٣ - ٢١٦.\n(^٥) انظر: التفسير الكبير ج ٢٩/ ص ٣١. وراجع هذا الاستنباط برقم: ٢٠٠.","vol":"1","page":14},{"text":"الثاني: تسمية الشيخ السعدي بعض الاستنباطات الخفية بالفوائد، ومثال ذلك:\nما استنبطه من قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي … ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾ [يوسف: ٤٢]، قال: (ومنها-أي الفوائد-: أنه لا بأس بالاستعانة بالمخلوق في الأمور العادية التي يقدر عليها بفعله، أو قوله، وإخباره) (^١).\nالثالث: تسمية الشيخ ابن عثيمين ما يذكره في آخر تفسيره للآية بفوائدها؛ فيذكر فوائد ظاهرة، واستنباطات خفية، وكلها يجمعها اسم فوائد. ومن الاستنباطات التي ذكرها:\nما استنبطه من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ [البقرة: ٢٤]، قال: (من فوائد الآية … أن النار موجودة الآن؛ لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ومعلوم أن الفعل هنا فعل ماض، والماضي يدل على وجود الشيء …) (^٢).\nوما استنبطه من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٨]، قال: (من فوائد الآية .... أن الأصل في العبادات أنها توقيفية) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-13>ب - نشأة الاستنباط:</span>\nلم يتأخر ظهور الاستنباط من القرآن الكريم عن وقت نزول القرآن العظيم. فللصحابة -﵃- استنباطاتهم، ومن ذلك:\n١ - استنبط علي -﵁-، وابن عباس -﵁- بدلالة التركيب بين قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (^٤) [البقرة: من الآية ٢٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (^٥) [الأحقاف: من الآية ١٥] أن المرأة قد تلد لستة أشهر (^٦).\n_________\n(^١) ص ٣٢. وطريق هذا الاستنباط: الاستدلال بشرع من قبلنا، والاقتداء بأفعال الأنبياء ﵈. انظر: منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص ١٥٩.\n(^٢) تفسير سورة البقرة ج ١/ ص ٨٥. وانظر تحليل هذا الاستنباط في منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص ١٤٥، ١٤٦.\n(^٣) تفسير سورة البقرة ج ٢/ ص ٦٤. وانظر تحليل هذا الاستنباط في منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص ١٤٧.\n(^٤) وتمامها: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾\n(^٥) وتمامها: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾.\n(^٦) انظر: جامع البيان ج ٤/ ص ٢٠٢، وتفسير القرآن العزيز ج ٥/ ص ١٥٤، وإرشاد العقل السليم ج ٨/ ص ٨٣، والدر المنثور ج ١/ ص ٦٨٨، وروح المعاني ج ٢٦/ ص ١٨، وتيسير الكريم الرحمن ص ١٠٤. وراجع تحليل هذا الاستنباط في منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص ١٣٤.","vol":"1","page":15},{"text":"قال ابن كثير (^١): (وهو استنباط قوي وصحيح) (^٢).\n٢ - استنبط ابن عباس -﵁- من سورة النصر أجل رسول الله -ﷺ- (^٣)، حيث قال: \"هو أجل\nرسول الله أعلمه إياه، ووافقه عليه عمر -﵁- بقوله: \"لا أعلم منها إلا ما تقول\" (^٤).\nقال ابن القيم: (وهذا من أدق الفهم وألطفه، ولا يدركه كل أحد) (^٥).\nولم يفترق الاستنباط عن تفسير القرآن الكريم، فلا يكاد يخلو كتاب من كتب التفسير من استنباط من الآيات، فالاستنباط من أشد علوم القرآن ارتباطا بعلم التفسير، ولشدَّة هذا الارتباط أُلحِق به في بيان علم التفسير وموضوعاته، وربما توسع بعض العلماء فسمَّاه تفسيرا، وذلك حين يرتقي هذا المعنى المستنبط الباطن في شدة قربه وظهوره من المعنى الظاهر، فمن هنا يتوجه تسميته تفسيرا لارتباطه بمعنى الآية من هذا الجانب. قال ابن عاشور: (وموضوع التفسير: ألفاظ القرآن من حيث البحث عن معانيه، وما يستنبط منه) (^٦). فالاستنباط بهذه المثابة قسيمٌ لبيان المعاني؛ وذلك بالنظر إلى جمهرة معلومات كتب التفسير التي يذكرها المفسر، وإلا فإن الاستنباط من علوم الآية التي تأتي بعد تمام التفسير الذي هو بيان المعنى.\n_________\n(^١) هو عماد الدين، أبو الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير، الدمشقي، القرشي، الشافعي، فقيه متفنن، ومحدث متقن، ومفسر نقاد، صاحب التصانيف الكثيرة منها: \"تفسير القرآن العظيم\"، \"البداية والنهاية\"، توفي سنة أربع وسبعين وسبعمائة للهجرة. انظر: طبقات المفسرين للداودي ج ١، ص ١١٠ - ١١٢، وشذرات الذهب ج ٦، ص ٢٣١، ٢٣٢.\n(^٢) تفسير القرآن العظيم ج ٦/ ص ٦٢٣.\n(^٣) وهو استنباط بدلالة الإشارة. انظر مزيد تفصيل لهذا الاستنباط في منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص ٣٠٢ - ٣٠٥.\n(^٤) وتمام الحديث: \"كان عمر بن الخطاب -﵁- يدني ابن عباس -﵃-، فقال له عبد الرحمن بن عوف -﵁-: إن لنا أبناء مثله؛ فقال: إنه من حيث تعلم، فسأل عمر ابن عباس عن هذه الآية ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١]؛ فقال: أجل رسول الله -ﷺ- أعلمه إياه؛ قال: ما أعلم منها إلا ما تعلم\". أخرجه البخاري في كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، رقم: ٣٤٢٨، ج ٣/ ص ١٣٢٧.\n(^٥) إعلام الموقعين ج ١/ ص ٣٥٣.\n(^٦) التحرير والتنوير ج ١/ ص ١٠.","vol":"1","page":16},{"text":"وقد كان الحالُ كذلك منذ أوَّلِ نشأةِ علم التفسير وظهوره، ولا تكاد تخرج تفاسير السلف عن هذين الوجهين في الأعم الأغلب. (^١).\nثم إنا نجد أن بعض العلماء أفرد علم الاستنباط في مصنفات مستقلة، مثل:\n١ - القصاب (^٢) في كتابه: (نُكت (^٣) القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام).\n٢ - … نجم الدين الطوفي (^٤) في (الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية).\n٣ - السيوطي في كتابه: (الإكليل في استنباط التنْزيل). وإن كان جمع فيه بين الاستنباط والتفسير.\nثم توالت المؤلفات. وكما اعتنى المتقدمون بإفراد هذا العلم بالتأليف اعتنى المتأخرون به كذلك، ومن ذلك: (كتاب جواهر الأفكار، ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار) لعبد القادر بن أحمد بن بدران (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-14>ثانيًا: أهمية الاستنباط وعلاقته بالتفسير</span>.\n<span data-type='title' id=toc-15>أ - أهمية الاستنباط:</span>\nلا أدل على أهمية الاستنباط من أن الله تعالى سماه علما، ومدح أهله، وأخبر أنهم أهل العلم، قال سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء: ٨٣]، ولولا أن الاستنباط علم معتبَرٌ، وحجة في الشرع، لما أمر الله تعالى عباده برَدِّ ما لم يدركوا علمه نصا إلى من يدركونه بالاستنباط من أهل العلم، فالاستنباط من أهم أسباب دَرَكِ العلوم (^٦).\n_________\n(^١) انظر: معالم الاستنباط في التفسير ص ٢٢.\n(^٢) هو الحافظ محمد بن علي الكَرَجي نسبة إلى مدينة كَرَج بين همذان وأصبهان، وسمي بالقصاب لكثرة ما قتل من الكفار في مغازيه، جمع بين الفقه، والحديث، مع المعرفة باللغة والقراءات، توفي في حدود الستين وثلاثمائة للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء ج ١٦/ ص ٢١٣، وطبقات الحفاظ للسيوطي ص ٣٨٠.\n(^٣) جمع نكتة، النَّكْتُ أن تنكت بقضيب في الأرض فتؤثر بطرفه فيها، انظر: لسان العرب ج ٢/ ص ١٠٠. قال الجرجاني: (النكتة هي مسألة لطيفة أخرجت بدقة نظر وإمعان، من نكت رمحه بأرض إذا أثر فيها، وسميت المسألة الدقيقة نكتة لتأثير الخواطر في استنباطها). التعريفات ص ٣١٦.\n(^٤) هو أبو الربيع، نجم الدين، سليمان بن عبد القوي الصَّرْصَري، نسبة إلى صرصر من نواحي بغداد، فقيه أصولي، كان فقيها حنبليا، شاعرا أديبا، له مؤلفات كثيرة منها: \"الإكسير في قواعد التفسير\"، توفي سنة سبعمائة وستة عشر للهجرة. انظر: الدرر الكامنة ج ٢/ ص ٢٤٩، وبغية الوعاة ج ٢/ ص ٤٢.\n(^٥) المتوفى سنة ١٣٤٦ هـ.\n(^٦) انظر: معالم الاستنباط في التفسير ص ٢٣، واستنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن ص ١٤.","vol":"1","page":17},{"text":"قال ابن القيم: (وقد مدح الله تعالى أهل الاستنباط في كتابه، وأخبر أنهم أهل العلم) (^١).\nومما يدل على أهمية الاستنباط أيضا أمور:\nالأول: اعتناء المفسرين به.\nفقد اعتنى العلماء بالاستنباط من القرآن عناية بالغة تدل على أهميته، ومكانته عندهم. فلا يكاد يوجد كتاب من كتب التفسير-قديما وحديثا- إلا ويتضمن عددا كبيرا من الاستنباطات (^٢).\nالثاني: تنوع المعاني المستنبطة، وانتفاع الناس بها، فالمعنى المستنبط قد يكون حكما فقهيا، أو عقديا، أو أدبا أخلاقيا، أو فائدة تربوية، أو فائدة علمية، أو غير ذلك مما ينفع الناس في دينهم ودنياهم.\nالثالث: أن الاستنباط سبيل إلى إعطاء ألفاظ القرآن حقَّها، وتوفيتها ما لها من المعاني.\nقال ابن القيم: (الواجب فيما علَّقَ عليه الشارعُ الأحكامَ من الألفاظ والمعاني أن لا يُتَجَاوَز بألفاظها ومعانيها، ولا يُقْصَر بِها، ويعطي اللفظ حقه والمعنى حقه، وقد مدح الله تعالى أهل الاستنباط في كتابه، وأخبر أنهم أهل العلم) (^٣)، ومن حق اللفظ والمعنى استيعاب المعاني الصحيحة المتعلقة بهما من جهة نِدِّ المعنى ولوازمه وأشباهه ونظائره. (^٤).\nالرابع: أن المعاني المأخوذة بالاستنباط أكثر من معاني الألفاظ المباشرة، بل إن من أحكام الحوادث ما لا يُعرَفُ بالنصِّ وإنما بالاستنباط، وكم من سر وحكم نبهت عليهما الإشارة، ولم تبينهما العبارة (^٥). فليس كل حكم يؤخذ من اللفظ، بل أكثرها تؤخذ من جهة المعاني والاستنباط من النصوص إذ الألفاظ محصورة، ومعانيها محددة، والوقائع والمناسبات متجددة، وقد أنْزل الله تعالى كتابه الكريم صالحا لكل زمان ومكان، وتبيانا لكل شيء يتوقف عليه التكليف والتعبد، وتستقيم به حياة الناس؛ من العلوم الشرعية، والحقائق العقلية، وقد أبان عن هذا ابن عاشور: -في حديثه عن المقصد الأول من مقاصد القرآن الكريم-: (كونه شريعة دائمة، وذلك يقتضي فتح أبواب عباراته لمختلف استنباط المستنبطين؛ لتؤخذ منه أحكام الأولين والآخرين) (^٦).\nوالعناية بالاستنباط واجب مطلوب. قال النووي (^٧): (فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة؛ لأن النصوص الصريحة لا تفي إلا بيسير من المسائل الحادثة، فإذا أهمل\n_________\n(^١) إعلام الموقعين ج ١/ ص ٢٢٥.\n(^٢) انظر: منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص ٨.\n(^٣) إعلام الموقعين ج ١/ ص ٢٢٥.\n(^٤) انظر: معالم الاستنباط في التفسير ص ٢٣، ٢٤.\n(^٥) انظر: روح المعاني ج ٦/ ص ١٩١.\n(^٦) التحرير والتنوير ج ٣/ ص ١٨.\n(^٧) هو الإمام، الفقيه، الحافظ، محيي الدين، أبو زكريا، يحيى بن شرف، صنف التصانيف النافعة في الحديث والفقه وغيرها، كشرح مسلم، ورياض الصالحين، مات سنة ست وسبعين وستمائة. انظر: تذكرة الحفاظ للقيسراني ج ٤/ ص ١٤٧٠، وطبقات الحفاظ للسيوطي ص ٥١٣.","vol":"1","page":18},{"text":"الاستنباط فات القضاء في معظم الأحكام النازلة أو في بعضها والله أعلم) (^١).\nوقال الجصاص (^٢): (وفي هذه الآية-يعني قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ - دلالة على وجوب القول بالقياس واجتهاد الرأي في الأحكام الحوادث؛ وذلك لأنه أمر برد الحوادث إلى الرسول -ﷺ- في حياته إذا كانوا بحضرته، وإلى العلماء بعد وفاته والغيبة عن حضرته -ﷺ-، وهذا لا محالة فيما لا نص فيه؛ لأن المنصوص عليه لا يحتاج إلى استنباطه؛ فثبت بذلك أن من أحكام الله ما هو منصوص عليه، ومنها ما هو مودع في النص قد كلفنا الوصول إلى الاستدلال عليه واستنباطه، فقد حوت هذه الآية معاني: منها أن في أحكام الحوادث ما ليس بمنصوص عليه، بل مدلول عليه، ومنها أن على العلماء استنباطه، والتوصل إلى معرفته برده إلى نظائره من المنصوص) (^٣). (^٤).\nالخامس: أن الاستنباط سبب لتحصيل العلم العظيم، قال السعدي: (لا يكون المتدبر مقتصرا على مجرد معنى اللفظ بمفرده، بل ينبغي له أن يتدبر معنى اللفظ، فإذا فهمه فهما صحيحا على وجهه؛ نظر بعقله إلى ذلك الأمر، والطرق الموصلة إليه، وما لا يتم إلا به، وما يتوقف عليه، وجزم بأن الله أراده كما يجزم أنه أراد المعنى الخاص الدال عليه اللفظ، والذي يوجب الجزم له بأن الله أراده أمران: أحدهما: معرفته، وجزمه بأنه من توابع المعنى، والمتوقف عليه. والثاني: علمه بأن الله بكل شيء عليم، وأن الله أمر عباده بالتدبر والتفكر في كتابه، وقد علم تعالى ما يلزم من تلك المعاني وهو المخبر بأن كتابه هدى ونور وتبيان لكل شيء، وأنه أفصح الكلام وأجله إيضاحا، فبذلك يحصل للعبد من العلم العظيم، والخير الكثير بحسب ما وفقه الله له. وقد كان في تفسيرنا هذا كثير من هذا منَّ به الله علينا، وقد يخفى في بعض الآيات مأخذه على غير المتأمل صحيح الفكرة) (^٥). (^٦).\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم ج ١١/ ص ٥٧، ٥٨.\n(^٢) هو أحمد بن علي، أبو بكر، الرازي الجصاص الحنفي، درس الفقه على كبار الحنفية في عصره، كان زاهدًا ورعًا جمع إلى العلم الصلاح والتقوى،. وكان جادًا في طلب العلم حتى صار إمام الحنفية في عصره ببغداد، توفي ببغداد سنة سبعين وثلاثمائة، أو ست وسبعين وثلاثمائة للهجرة. انظر: طبقات المفسرين للداودي ج ١/ ص ٥٥، وشذرات الذهب ج ٣/ ص ٧٢.\n(^٣) أحكام القرآن ج ٣/ ص ١٨٣.\n(^٤) انظر: معالم الاستنباط في التفسير ص ٢٣، ٢٤، واستنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن ص ١٤.\n(^٥) تيسير الكريم الرحمن ص ٧٣٣.\n(^٦) انظر: استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن ص ١٤.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type='title' id=toc-16>ب - علاقة الاستنباط بالتفسير:</span>\nإذا كان التفسير: هو بيان معاني القرآن الكريم (^١)؛ فإن بينه وبين الاستنباط وجه شبه، كما أن بينهما أوجه اختلاف.\n\n<span data-type='title' id=toc-17>أولا: وجه الشبه:</span>\nيُعد الاستنباط من أشد علوم القرآن ارتباطا بعلم التفسير، فهو يتفق مع التفسير في أنهما بيان للمعنى، ثم يفترقان في المعنى المُبَيَّن في كل منهما، فللتفسير المعنى الظاهر المباشر، وللاستنباط ما وراءه من المعاني الزائدة، وكلاهما من أجلِّ علوم القرآن الكريم، وألصقها بألفاظه (^٢).\nولشدَّة هذا الارتباط أُلحِق به في بيان علم التفسير وموضوعاته، فلا يكاد يخلو كتاب من كتب التفسير من استنباط من الآيات.\nوربما توسع بعض العلماء فسمَّاه تفسيرا، وذلك حين يرتقي هذا المعنى المستنبط الباطن في شدة قربه وظهوره من المعنى الظاهر، وربما أريد معه، فمن هنا يتوجه تسميته تفسيرا لارتباطه بمعنى الآية من هذا الجانب.\nقال ابن عاشور: (وموضوع التفسير: ألفاظ القرآن من حيث البحث عن معانيه، وما يستنبط منه) (^٣). فالاستنباط بهذه المثابة قسيمٌ لبيان المعاني؛ وذلك بالنظر إلى جمهرة معلومات كتب التفسير التي يذكرها المفسر.\nوالمقصود من أن المعنى المستنبط الباطن ربما يراد مع المعنى الظاهر للآية إنما هو لشدة قرب المعنى المستنبط وظهوره؛ إذ قد يرتفع المعنى الباطن البعيد فيكون مرادا مع المعنى الظاهر القريب لاشتراكهما في الصحة، والقبول، والدلالة، لكن لا يصل المعنى الباطن بحال إلى أن يكون مرادا دون المعنى الظاهر لئلا يكون الإغراق في معاني باطنة باطلة لا يقبلها نقل صحيح ولا عقل صريح، وكي لا يؤول التفسير إلى دعاوى ليست من الظاهر، ولا من الباطن الصحيح في شيء. (^٤).\nومما يدل على أن المعنى المستنبط الباطن ربما يراد مع المعنى الظاهر قول السعدي: (لا يكون المتدبر مقتصرا على مجرد معنى اللفظ بمفرده، بل ينبغي له أن يتدبر معنى اللفظ، فإذا فهمه فهما صحيحا على وجهه؛ نظر بعقله إلى ذلك الأمر، والطرق الموصلة إليه، وما لا يتم إلا به، وما يتوقف عليه، وجزم بأن الله أراده كما يجزم أنه أراد المعنى الخاص الدال عليه اللفظ، والذي يوجب الجزم له بأن الله أراده أمران: أحدهما: معرفته، وجزمه بأنه من توابع المعنى، والمتوقف عليه. والثاني: علمه بأن الله بكل شيء عليم، وأن الله أمر عباده بالتدبر والتفكر في كتابه، وقد علم تعالى ما يلزم من تلك المعاني وهو المخبر بأن كتابه هدى ونور وتبيان لكل شيء، وأنه أفصح الكلام وأجله إيضاحا) (^٥).\n_________\n(^١) أصول في التفسير لابن عثيمين ص ٢٨.\n(^٢) انظر: معالم الاستنباط في التفسير ص ٢٢، ٢٣.\n(^٣) التحرير والتنوير ج ١/ ص ١٠.\n(^٤) انظر: معالم الاستنباط في التفسير ص ٢٢ و٢٤، ٢٥.\n(^٥) تيسير الكريم الرحمن ص ٧٣٣.","vol":"1","page":20},{"text":"ويبقى الاستنباط من علوم الآية التي تأتي بعد تمام التفسير الذي هو بيان المعنى. وبيان معنى اللفظ سابق للاستنباط منه، ولا يصح استنباط إلا على معنى صحيح ثابت للفظ، فاللفظ بمنْزلة الأساس، والاستنباط بمنْزلة البنيان (^١). قال القرطبي (^٢): (والنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير أولا ليتَّقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط … ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-18>ثانيا: أوجه الاختلاف:</span>\nلا يمكن القول بأن الاستنباط والتفسير شيء واحد وإن كانت الصلة بينهما كبيرة. فيبقى بين الاستنباط والتفسير أوجه تميز كل واحد منهما، ومن هذه الأوجه:\n١) يشترط في الاستنباط الخفاء فيما يستنبط بخلاف التفسير فلا يشترط فيه ذلك.\n٢) مرجع التفسير هو اللغة وكلام السلف، ومرجع الاستنباط هو التدبر والتأمل في الآيات.\n٣) التفسير مختص بمعرفة المعاني، والاستنباط مختص باستخراج ما وراء المعاني من الفوائد والأحكام الخفية.\n٤) الاستنباط مستمر لا ينقطع، وأما التفسير للألفاظ فقد عُلم. قال الشنقيطي: (فكل آية من كتاب الله قد علم ما جاء فيها من النبي -ﷺ-، ثم من الصحابة، والتابعين، وكبار المفسرين) (^٤)، ولا يمكن لأحد ادعاء معرفة جميع ما تحمله الآية من الفوائد والأحكام. (^٥).\nتنبيه:\nلا يلزم للحكم بصحة الاستنباط أن يصح مع جميع المعاني الصحيحة لتفسير الآية، ففي بعض المواطن يصح الاستنباط على أحد المعاني الراجحة في تفسير الآية (^٦).\n_________\n(^١) انظر: معالم الاستنباط في التفسير ص ٢٢ و٤٤.\n(^٢) هو أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح القرطبى، الخزرجي، الأنصاري، المالكي، له تصانيف مفيدة تدل على إمامته، وكثرة إطلاعه، ووفور فضله، منها: تفسيره \"الجامع لأحكام القرآن\"، و\"التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة\"، توفي سنة إحدى وسبعين وستمائة للهجرة. انظر: طبقات المفسرين للسيوطي ص ٩٢، وطبقات المفسرين للداودي ج ٢، ص ٦٥، ٦٦.\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن ج ١/ ص ٦٨، ٦٩.\n(^٤) أضواء البيان ج ٥/ ص ٦٤.\n(^٥) انظر هذه الأوجه في منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص ٥٨ - ٦٠.\n(^٦) مثاله: استنباط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٣] أن فيها الإرشاد إلى ترك الإسراف. راجع هذا التفصيل في موضعه من هذا البحث.","vol":"1","page":21},{"text":"وفي مواطن أخرى يصح الاستنباط على جميع المعاني الصحيحة لتفسير الآية (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-19>ثالثًا: التعريف بالشوكاني ﵀</span>.\nقال عنه تلميذه محمد صديق خان القنوجي (^٢): (هو إمام الأئمة، ومفتي الأمة، بحر العلوم، وشمس الفهوم، سند المجتهدين الحفاظ، فارس المعاني والألفاظ، فريد العصر، نادر الدهر، شيخ الإسلام، قدوة الأنام، علامة الزمان، ترجمان الحديث والقرآن، علم الزهاد، أوحد العباد، قامع المبتدعين، آخر المجتهدين، رأس الموحدين، تاج المتبعين، صاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها، قاضي الجماعة، شيخ الرواية والسماعة، عالي الإسناد، السابق في ميدان الاجتهاد على الأكابر الأمجاد، المطلع على حقائق الشريعة ومواردها، العارف بغوامضها ومقاصدها) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-20>اسمه، ونسبه:</span>\nهو أبو عبد الله (^٤)، أو أبو علي (^٥)، بدر الدين (^٦)، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني، ثم الصنعاني. (^٧).\n_________\n(^١) مثاله: استنباط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤] أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص وإن لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم. راجع هذا التفصيل في موضعه من هذا البحث.\n(^٢) هو الأمير أبو الطيب، محمد صديق حسن خان البخاري، القنوجي نسبة إلى قنوج من بلاد الهند، من رجال النهضة الإسلامية، تنقل في طلب العلم، مشارك في أنواع من العلوم، أخذ العلم عن علماء اليمن، من تلاميذ الشوكاني، مكثر من التأليف، من مؤلفاته \"فتح البيان في مقاصد القرآن\"، توفي سنة ١٣٠٧ هـ. انظر: الأعلام ج ٦/ ص ١٦٧، ١٦٨، ومعجم المؤلفين ج ٣/ ص ٣٥٨.\n(^٣) أبجد العلوم ج ٣/ ص ٢٠١.\n(^٤) انظر: هدية العارفين ج ٣/ ص ٤٠٣، ومعجم المؤلفين ج ٣/ ص ٥٤١، ٥٤٢.\n(^٥) لم ينص على هذه الكنية أكثر من ترجم له إلا زميله وصديقه الفقيه الأديب المؤرخ إبراهيم بن عبد الله الحوثي في نفحات العنبر في تراجم أعيان وفضلاء اليمن في القرن الثاني عشر. ذكر هذا د. فايز الترجمي في رسالته: اختيارات الشوكاني في التفسير من خلال كتابه فتح القدير لـ. ص ١٦.\n(^٦) انظر: المرجع السابق ص ١٦.\n(^٧) انظر ترجمته في: البدر الطالع حيث ترجم لوالده في ج ٢/ ٥١٨، وترجم لنفسه في ج ٢/ ص ٧٦٨، والتاج المكلل للقنوجي ص ٤٣٦ - وما بعدها، وأبجد العلوم للقنوجي ج ٣/ ص ٢٠١ وما بعدها، والأعلام ج ٦/ ص ٢٩٨، وهدية العارفين ج ٣/ ص ٤٠٣ وما بعدها، ومعجم المؤلفين ج ٣/ ص ٥٤١، ٥٤٢، ومقدمة قطر الولي على حديث الولي ل. د. إبراهيم هلال ص ١٥، والشوكاني مفسرا لـ. د. حسن الغماري ص ٥٦ وما بعدها، ومقدمة تحقيق فتح القدير لـ. د. عبد الرحمن عميرة ص ١٤ - ٢١، ومنهج الإمام الشوكاني في العقيدة لـ. د. عبد الله نومسوك ص ٧١ وما بعدها.","vol":"1","page":22},{"text":"فأما الصنعاني فنسبة إلى صنعاء اليمن (^١)، وأما الشوكاني فنسبة إلى مكان عدني (^٢) هجرة شَوْكَان (^٣) -وهي هجرة بينها وبين صنعاء دون مسافة يوم- بينه وبينها جبل كبير مستطيل يقال له الهجرة؛ ولذا ذكر الشوكاني أن نسبته إلى شوكان ليست حقيقية (^٤).\nوقد ترجم الشوكاني لوالده علي بن محمد، ثم انتهى بالسلسلة إلى آدم -﵇-.\nوذكر في أثناء ذلك نسبة والده إلى قحطان بن هود بن عامر، وإذا كانت أنساب اليمن تنتهي إلى حمير وكهلان ابني سبأ بن يشجب بن قحطان؛ فإن في هذا ما يوضح نسبه العربي اليمني (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-21>مولده:</span>\nولد حسبما وُجد بخط والده، في وسط نهار يوم الاثنين الثامن والعشرين من شهر ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف للهجرة (١١٧٣ هـ) (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-22>نشأته وطلبه العلم:</span>\nنشأ بصنعاء في بيئة ميسورة الحال، حيث كان أبوه من العلماء الكبار، وكان يشغل منصب قاضي صنعاء؛ فتربى في بيئة تعينه على طلب العلم، بيئة علمية تهيئه لأن يكون عالما نابغا (^٧). وقد تكفل والده بأمور معيشته لئلا يشتغل بغير طلب العلم. قال الشوكاني عن والده: (ولقد بلغ معي إلى حد من البر والشفقة والإعانة على طلب العلم، والقيام بما أحتاج إليه مبلغا عظيما بحيث لم يكن لي شغلة بغير الطلب، فجزاه الله خيرا، وكافأه بالحسنى) (^٨).\nقرأ القرآن وجوَّده على جماعة من مشايخ القراء بصنعاء، وفي أثناء ذلك كان قد حفظ عدة مختصرات في الفقه، والنحو، والعروض، وآداب البحث، وعلوم اللغة. وطالعَ عدة كتب من كتب التاريخ والأدب.\n_________\n(^١) صنعاء منسوبة إلى جودة الصنعة في ذاتها كقولهم امرأة حسناء، وصنعاء موضعان: أحدهما ظاهرا وهي العظمى في اليمن بينها وبين عدن ثمانية وستون ميلا، والموضع الثاني قرية بالغوطة من دمشق. انظر: معجم البلدان ج ٣/ ص ٤٢٥، ٤٢٦.\n(^٢) أي جنوب شوكان؛ لأن مصطلح عدني يطلق على اتجاه الجنوب، نسبة إلى عدن عاصمة الشطر الجنوبي. انظر: الإمام الشوكاني حياته وفكره لعبد الغني الشرجي ص ١٥٠.\n(^٣) شَوْكان بالفتح ثم السكون وكاف وبعد الألف نون قرية باليمن من ناحية ذمار، قال امروء القيس: أفلا ترى أظعانهن بعاقل … كالنخل من شوكان حين صرام. انظر: معجم البلدان ج ٣/ ص ٣٧٣.\n(^٤) قاله الشوكاني في ترجمته لوالده في البدر الطالع ج ٢/ ٥١٨.\n(^٥) انظر: الإمام الشوكاني حياته وفكره لعبد الغني الشرجي ص ١٥١.\n(^٦) انظر: البدر الطالع ج ٢/ ص ٧٦٨.\n(^٧) انظر: مقدمة قطر الولي على حديث الولي ل. د. إبراهيم هلال ص ١٥.\n(^٨) انظر: البدر الطالع ج ٢/ ص ٥٢٤.","vol":"1","page":23},{"text":"ثم شرع في طلب العلم فدرس على والده، وعلى البارزين من العلماء في عصره في مختلف العلوم: الدينية، والعقلية، والفلكية، والرياضية، إذ وجد بيئة علمية زاخرة بالعلماء والأدباء. وظل كما يقول: يأخذ عن شيوخه حتى استوفى كل ما عندهم من كتب، بل زاد في قراءاته الخاصة على ما ليس عندهم. وكان طلبه للعلم في صنعاء نفسها، لم يرحل عنها على عادة طلاب العلم لعدم إذن أبويه له في الرحلة، فكان عند إذنهما (^١).\nوكثيرا ما كان يقرأ على مشايخه، فإذا فرغ من كتاب قراءةً أخذه عنه تلاميذه الذين اجتمعوا عليه، وهو لا يزال في أول الطلب، بل ربما اجتمعوا على الأخذ عنه قبل أن يفرُغ من قراءة الكتاب على شيخه؛ ولذلك كانت دروسه تبلغ في اليوم والليلة ثلاثة عشر درسا، منها ما يأخذه عن مشايخه، ومنها ما يأخذه عنه تلاميذه (^٢).\nوكان في أيام قراءته على الشيوخ وإقرائه لتلامذته يفتي أهل مدينة صنعاء، ومن وفد إليها، بل ترد عليه الفتاوى من الديار التهامية وشيوخه إذ ذاك أحياء. وكادت الفتيا تدور عليه من عوام الناس وخواصهم، واستمر يفتي من نحو العشرين من عمره فما بعد ذلك، وكان لا يأخذ على الفتيا شيئا تنزها، فإذا عوتب في ذلك قال: أنا أخذت العلم بلا ثمن فأريد إنفاقه كذلك (^٣).\nوفي الجملة، فقد درس دراسة واسعة، واطلع اطلاعًا يندر أن يحيط به غيره، فليس من المستطاع سرد ما درسه من كتب، أو استجازه من مراجع. ومن يرجع إلى كتبه يدرك مدى ما كان عليه هذا الرجل من تنوّع في الثقافة، واتساع فيها. وقد برع في كل ذلك تقريبا، وصنَّف ودرَّس فيه. ولا غرو أنْ رأينا بعض كُتَّاب التراجم (^٤) يعرِّف به فيقول: مفسر، محدث، فقيه، أصولي، مؤرخ، أديب، نحوي، منطقي، متكلم، حكيم. (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-23>عقيدته:</span>\nقرر الشوكاني مذهب السلف الصالح من هذه الأمة، وبيَّن أنه المذهب الحق الذي يجب اتباعه، فقال: لا ينبغي لعالم أن يدين بغير ما دان به السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم، من الوقوف على ما تقتضيه أدلة الكتاب والسنة، وإبراز الصفات كما جاءت، ورد علم المتشابه إلى الله سبحانه، وعدم الاعتداد بشيء من تلك القواعد المدونة في هذا العلم، المبنية على شفا جرف هار من أدلة العقل التي لا تعقل ولا تثبت إلا بمجرد الدعاوى والافتراء على العقل بما يطابق الهوى، ولا سيما إذا كانت مخالفة لأدلة الشرع الثابتة في الحديث والسنة، فإنها حينئذ حديث خرافة، ولعبة لاعب، فلا سبيل للعباد يتوصلون به إلى معرفة ما يتعلق بالرب سبحانه، وبالوعد والوعيد، والجنة والنار، والمبدأ والمعاد، إلا ما جاءت به الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامه- عن الله سبحانه (^٦).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق ج ٢/ ص ٧٦٨، و٧٧٢.\n(^٢) انظر: المصدر السابق ج ٢/ ص ٧٧١.\n(^٣) انظر: المصدر السابق ج ٢/ ص ٧٧٢.\n(^٤) مثل: هدية العارفين ج ٣/ ص ٤٠٣، ومعجم المؤلفين ج ٣/ ص ٥٤١، ٥٤٢،.\n(^٥) انظر: مقدمة قطر الولي على حديث الولي ل. د. إبراهيم هلال ص ١٦، ١٧.\n(^٦) انظر: أدب الطلب ص ١٩٨.","vol":"1","page":24},{"text":"وقال أيضا: الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة هو ما كان عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وقد كانوا - ﵏ وأرشدنا إلى الاقتداء بهم والاهتداء بهديهم-يُمرون أدلة الصفات على ظاهرها، ولا يتكلفون علم ما لا يعلمون، ولا يتأولون، وهذا المعلوم من أقوالهم، وأفعالهم، والمتقرر من مذاهبهم، لا يشك شاك في ذلك، ولا ينكره منكر، ولا يجادل فيه مجادل، وإن نزع بينهم نازع، أو نجم في عصرهم ناجم؛ أوضحوا للناس أمره؛ وبينوا لهم أنه على ضلالة، وصرحوا بذلك له في المجامع والمحافل (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-24>وقد وافق الشوكاني السلف في جميع أركان الإيمان الستة، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر، ولم يخالفهم إلا في مسائل قليلة</span>، وكان رأيه في بعضها مضطربا بين كتاب وآخر كما في بعض الصفات. وتلك المسائل هي:\n\n<span data-type='title' id=toc-25>أولا: في توحيد الألوهية:</span>\nأجاز التوسل بالذات والجاه، وجعله كالتوسل بالعمل الصالح (^٢)، وهذا مخالف لما قرره ودعا إليه في عدد من كتبه من محاربة الشرك وسد الذرائع المؤدية إليه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-26>ثانيا: في أسماء الله تعالى:</span>\nذهب إلى جواز تسمية الله بما ثبت من صفاته، سواء ورد التوقيف بها أو لم يرد، قال- عند شرح حديث\"كانت يمين النبي -ﷺ- لا ومقلب القلوب\" (^٤) -: (والمراد بتقليب القلوب تقليب أحوالها لا ذواتها، وفيه جواز تسمية الله بما ثبت من صفاته على وجه يليق به) (^٥). لكنه لم يطبق هذه القاعدة في شيء من كتبه (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-27>ثالثا: في صفات الله تعالى:</span>\n١) … أوَّل بعض الصفات في تفسيره تأويلا أشعريا. والصفات التي أولها هي:\nالوجه (^٧)، والعين (^٨)، واليد (^٩)، والعلو (^١٠)، والمجيء (^١١)،\n_________\n(^١) انظر: التحف في مذاهب السلف ص ١٧.\n(^٢) انظر: الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد ص ٤٥، ٤٦. وانظر مناقشة قوله في: منهج الشوكاني في العقيدة ص ٣١١ - ٣٣٨.\n(^٣) انظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص ٨٥٦.\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب: الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي -ﷺ-، رقم: ٦٢٥٣، ج ٦/ ص ٢٤٤٥.\n(^٥) نيل الأوطار ج ٩/ ص ١٢٢.\n(^٦) انظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص ٨٥٦.\n(^٧) قال عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ [القصص: ٨٨]: (أي إلا ذاته). فتح القدير ج ٤/ ص ١٨٩. وانظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص ٤٣٣ - ٤٣٦.\n(^٨) قال عند قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧)﴾ [المؤمنون: ٢٧]: (أي: اعمل السفينة متلبسا بأعيننا، أي: بمرأى منا، والمراد: بحراستنا لك، وحفظنا لك، وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية، والرؤية هي التي تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب). فتح القدير ج ٢/ ص ٤٩٧. وانظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص ٤٣٦ - ٤٣٩.\n(^٩) قال عند قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ … شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]: (واليد مجاز عن القدرة والاستيلاء). فتح القدير ج ٥/ ص ٢٥٨. وانظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص ٤٤٠ - ٤٤٧.\n(^١٠) قال عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ … السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥]: (والعلي: يراد به علو القدرة والمنزلة). فتح القدير ج ١/ ص ٢٧٢. وانظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص ٤٢٥ - ٤٣٣.\n(^١١) قال عند قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]: (أي: جاء أمره وقضاؤه وظهرت آياته). فتح القدير ج ٥/ ص ٤٤٠. وانظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص ٤٥٤ - ٤٦٠.","vol":"1","page":25},{"text":"والإتيان (^١)، والمحبة (^٢)، والغضب (^٣). وهذا المنهج مناقض (^٤) لمنهجه في رسالته: (التحف) في إثبات الصفات على ظاهرها من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل- وهو مذهب السلف رضوان الله عليهم- حيث قال: مذهب السلف من الصحابة -﵃- والتابعين وتابعيهم، هو إيراد أدلة الصفات على ظاهرها من دون تحريف لها، ولا تأويل متعسف لشيء منها، ولا جبر، ولا تشبيه ولا تعطيل يفضي إليه كثير من التأويل. وكانوا إذا سال سائل عن شيء من الصفات تلوا عليه الدليل، وأمسكوا عن القال والقيل، وقالوا: قال الله هكذا، ولا ندري بما سوى ذلك، ولا نتكلف، ولا نتكلم بما لا نعلمه، ولا أذن الله لنا بمجاوزته. فإن أراد السائل أن يظفر منهم بزيادة على الظاهر زجروه عن الخوض فيما لا يعنيه، ونهوه عن طلب ما لا يمكن الوصول إليه إلا بالوقوع في بدعة من البدع التي هي غير ما هم عليه وما حفظوه عن رسول الله -ﷺ-، وحفظه التابعون عن الصحابة، وحفظه من بعد التابعين عن التابعين (^٥).\n_________\n(^١) قال عند قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾ [البقرة: ٢١٠]: (هل ينتظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم من الحساب والعذاب في ظلل من الغمام والملائكة). فتح القدير ج ١/ ص ٢١٠. وانظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص ٤٥٤ - ٤٦٠.\n(^٢) قال عند قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ … تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١]: (ومحبة الله للعباد إنعامه عليهم بالغفران). فتح القدير ج ١/ ص ٣٣٣. وانظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص ٤٦٦ - ٤٧٠.\n(^٣) قال عند قوله تعالى: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)﴾ [طه: ٨٦]: (أي: يلزمكم وينزل بكم، والغضب: العقوبة والنقمة). فتح القدير ج ٣/ ص ٣٨٠. وانظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص ٤٦٦ - ٤٧٠.\n(^٤) ولعل الذي أوقعه في هذا التناقض أنه وهو ينقل في تفسيره عن غيره من المفسرين فاته أن يدقق فيما ينقل.\n(^٥) انظر: التحف في مذاهب السلف ص ١٩.","vol":"1","page":26},{"text":"٢) … نهج منهج أهل التفويض في صفة المعية-في رسالته (التحف)، فلم يفسرها بمعية العلم، بل زعم أن هذا التفسير شعبة من شعب التأويل المخالف لمذهب السلف (^١). وهذا مخالف لما ذهب إليه في تفسيره، وفي كتابه (تحفة الذاكرين) من أن هذه المعية معية العلم، ففسرها تفسير السلف (^٢). (^٣).\n٣) … في مسألة خلق القرآن لم يجزم برأي هل هو مخلوق أو غير مخلوق، قال: (والتمسك بأذيال الوقف، وإرجاع علم ذلك إلى عالمه هو الطريقة المثلى، وفيه السلامة والخلوص من تكفير طوائف من عباد الله، والأمر لله سبحانه) (^٤). (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-28>رابعا: في نواقض التوحيد:</span>\n١) … أجاز تحري الدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين باعتبارها أماكن مباركة يستجاب الدعاء فيها (^٦)، وهذا مخالف لما قرره ودعا إليه في عدد من كتبه من سد الذرائع إلى الشرك في الأموات (^٧).\n٢) … جعل الحلف بالقرآن كالحلف بمخلوق من مخلوقات الله (^٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-29>خامسا: في النبوات:</span>\nيرى التوقف في مسألة التفضيل بين الأنبياء والرسل (^٩) -﵇-.\nوقد كان الشوكاني يسلك طريقة السلف في الاستدلال لكل مسألة من مسائل العقيدة التي أثبتها، فيقدم الأدلة النقلية على العقلية، ويقدم المعنى الظاهر من النصوص على معنى المجاز منها، كما في كتابه (التحف)، إلا في مسألة المعية كما تقدم، وكذلك في تفسيره للاستواء وغيرها من الصفات التي أثبتها في تفسيره ولم يؤولها. أما ما يظهر في كتبه من اضطراب وتناقض في هذا الباب وغيره مما خالف فيه السلف فيمكن الاعتذار عنه بأنه نشأ وترعرع في بيئة زيدية (^١٠)، وكانت دراسته داخلها ولم يخرج منها، فلعل الظروف المحيطة بهذه البيئة لم يتهيأ معها الاطلاع على كتب أئمة السلف.\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق ص ٢٨.\n(^٢) انظر قول الشوكاني عند شرح حديث \"أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني\" في تحفة الذاكرين ص ١٣.\n(^٣) انظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص ٤٦١.\n(^٤) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٩٧.\n(^٥) انظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص ٨٥٧.\n(^٦) انظر قوله في تحفة الذاكرين ص ٦٣.\n(^٧) انظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص ٨٥٧.\n(^٨) انظر: المرجع السابق ص ٥٠١.\n(^٩) انظر قول الشوكاني في فتح القدير ج ١/ ص ٢٦٩، وانظر مناقشته في منهج الشوكاني في العقيدة ص ٨٥٧.\n(^١٠) فرقة شيعية تنتسب إلى زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي -﵁- (٨٠ - ١٢٢ هـ)، تأثروا بالمعتزلة فقالوا بالعدل، ونفوا خلق الله لأفعال العباد بزعم نفي الجبر، وقالوا: إن أصحاب الكبائر من الأمة يكونون مخلدين في النار. وهم يعطلون نصوص الصفات الذاتية والفعلية لله تعالى تحت دعوى التوحيد. وهذه الفرقة من أكثر فرق الشيعة اعتدالا بالنسبة لغيرهم، لكن انحرفت فرق الزيدية ما عدا الهادوية؛ فوافقوا الرافضة في رفض خلافة أبي بكر وعمر -﵃-، وتبرؤوا من عثمان صدق الله العظيم، وقالوا بعصمة الأئمة. وما زال اليمن معقل الزيود ومركز ثقلهم. انظر: الفرْق بين الفِرَق لعبد القادر البغدادي ص ٢٥ وما بعدها، والملل والنحل ج ١/ ص ١٥٥ وما بعدها، والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ص ٧٦ وما بعدها.","vol":"1","page":27},{"text":"هذا، وقد أخطأ الشوكاني فيما أخطأ، ولا يقال إلا أنه من البشر يخطئ كما يخطئون ويصيبون (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-30>مذهبه:</span>\nتخلى الشوكاني في سن مبكرة عن التمذهب، وتحلى بمنصب الاجتهاد، وأصبح لا يتقيد\nبمذهب معين، بل اعتمد اعتمادا مباشرا على الكتاب والسنة مجتهدا في فهم نصوصها، ولو خالف مذهب الزيدية، أو المذاهب الأربعة كلها (^٢).\nوقد ذكر في ترجمته لنفسه أنه ترك التقليد، واجتهد رأيه اجتهاد مطلقا غير مقيَّد وهو قبل الثلاثين (^٣). ودعا إلى مذهبه الاجتهادي، وقرر أن التقليد والانتساب إلى عالم من العلماء دون غيره، والتقيد بجميع ما جاء به من رواية ورأي، وإهمال ما عداه، من أعظم ما حدث في هذه الأمة من البدع والضلالة (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-31>الاجتهاد والتقليد عند الشوكاني:</span>\nالتقليد لغة: وضع الشيء في العنق مع الإحاطة به، ويسمى ذلك قلادة. ومنه تقليد البدن بأن يجعل في عنقها شعارا يعلم به أنها هدي (^٥).\nثم يستعمل في تفويض الأمر إلى الشخص استعارة، كأنه ربط الأمر بعنقه، كما قال لقيط الإيادي (^٦):\nوقلدوا أمركم لله دركم … رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا (^٧).\nوفي عرف الفقهاء: قبول قول الغير من غير معرفة دليله (^٨).\nأو العمل بقول الغير من غير حجة (^٩). أخذا من المعنى اللغوي، كأن المقلد يطوق المجتهد إثم ما غشه به في دينه، أي يجعله طوقا في عنقه (^١٠).\nوقد عني الشوكاني بأمر التقليد كثيرا؛ فكتب فيه كتابه: (القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد)، وكتاب: (أدب الطلب ومنتهى الأرب)، وقد أشار الشوكاني لهذين الكتابين عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ [المائدة: ١٠٤] قال: (وفي ذلك دليل على قبح التقليد والمنع منه، والبحث في ذلك يطول، وقد أفردته بمؤلف مستقل سميته: القول المفيد في حكم التقليد، واستوفي الكلام فيه في أدب الطلب ومنتهى الأرب) (^١١).\n_________\n(^١) انظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص ٨٥٧.\n(^٢) انظر: المرجع السابق ص ١١٨.\n(^٣) انظر: البدر الطالع ج ٢/ ص ٧٧٦.\n(^٤) انظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص ١١٨.\n(^٥) انظر: مادة (قلد) في لسان العرب ج ٣/ ص ٣٦٦، ٣٦٧، والقاموس المحيط ج ١/ ص ٣٩٨.\n(^٦) هو لقيط بن يعمر، شاعر جاهلي قديم، مقل، ليس يعرف له شعر غير هذه القصيدة ومطلعها: يا دار عمرة من محتلِّها الجَرَعا، وقطع من الشعر لطاف متفرقة، انظر: الأغاني ج ٢٢/ ص ٣٥٧ وما بعدها.\n(^٧) انظر: الأغاني ج ٢٢/ ص ٣٥٧.\n(^٨) انظر: البحر المحيط للزركشي ج ٦/ ص ٢٧٠، ومذكرة في أصول الفقه ص ٤٨٧.\n(^٩) انظر: روضة الناظر ج ٢/ ص ٤٩٦، والبحر المحيط للزركشي ج ٦/ ص ٢٧٠، والسيل الجرار ج ١/ ص ٦، وإرشاد الفحول ص ٥٩٧، وفتح القدير ج ٣/ ص ٣٩٩.\n(^١٠) انظر: البحر المحيط للزركشي ج ٦/ ص ٢٧٠، ونزهة الخاطر شرح روضة الناظر ج ٢/ ص ٤٩٦.\n(^١١) فتح القدير ج ١/ ص ١٦٧، ١٦٨.","vol":"1","page":28},{"text":"كما تحدث عن التقليد أيضا في مقدمة كتابه: (السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار)، وكذلك في مواطن كثيرة من تفسيره (^١)، وهو القائل: (وكم في الكتاب العزيز من التنبيه على هذا-يعني التقليد- والتحذير منه والتنفير عنه) (^٢).\nوفي حكم التقليد خلاف دائر بين الجواز والمنع، ولكل دليله (^٣).\nوقبل الحكم على ما ذهب إليه الشوكاني في حكم التقليد ينبغي التنبه إلى أمور:\nالأول: أن الشوكاني يذم التقليد المخالف للكتاب والسنة.\nفالمتتبع لكلام الشوكاني -في تفسيره- عن التقليد والمقلدين يظهر له أنه يذم التقليد المخالف للكتاب والسنة، وقد نص على هذا في مواضع كثيرة، منها:\n١ - قال الشوكاني: - عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤]- (على أنه يجب على كل مسلم إذا بلغه قول الله أو قول رسوله في حكم من الأحكام الشرعية أن يبادر إلى العمل به، كائنا ما كان، ويدع ما خالفه من الرأي، وأقوال الرجال. وفي هذه الآية الشريفة أعظم باعث على العمل بنصوص الأدلة، وترك التقيد بالمذاهب وعدم الاعتداد بما يخالف ما في الكتاب والسنة كائنا ما كان) (^٤).\n_________\n(^١) والمواضع هي: البقرة: ٢٢ (ج ١/ ص ٥٠.)، البقرة: ١٢٠ (ج ١/ ص ١٣٥)، البقرة: ١٧٠ (ج ١/ ص ١٦٧)، آل عمران: ٦٤ (ج ١/ ص ٣٤٨)، المائدة: ١٠٤ (ج ٢/ ص ٨٢)، الأعراف: ٢٨ (ج ٢/ ص ١٩٨، ١٩٩)، الأنفال: ٢٤ (ج ٢/ ص ٢٩٩)، التوبة: ٣١ (ج ٢/ ص ٣٥٣)، يونس: ٣٩ (ج ٢/ ص ٤٤٦)، يونس: ٥٩ (ج ٢/ ص ٤٥٥)، يونس: ٧٨ (ج ٢/ ص ٤٦٥)، إبراهيم: ٢٢ (ج ٣/ ص ١٠٣)، النحل: ١١٦ (ج ٣/ ص ٢٠١)، الإسراء: ٣٦ (ج ٣/ ص ٢٢٧)، الأنبياء: ٧ (ج ٣/ ص ٣٩٩)، الأنبياء: ٥٣ (ج ٣/ ص ٤١٢)، المؤمنون: ٢٤ (ج ٣/ ص ٤٨١)، المؤمنون ٨١ (ج ٣/ ص ٤٩٤)، الشعراء: ٧٤ (ج ٤/ ص ١٠٤)، الأحزاب: ٦٧ (ج ٤/ ص ٣٠٦)، لقمان: ٢١ (ج ٤/ ص ٢٤١)، والزخرف: ٢٢ (ج ٤/ ص ٥٥٢، ٥٥٣).\n(^٢) انظر: فتح القدير ج ٤/ ص ٣٠٦.\n(^٣) انظر للتوسع في ذلك: الإحكام في أصول الأحكام ج ٤/ ص ٢١٢ وما بعدها، والبحر المحيط للزركشي ج ٦/ ص ٢٧٠ وما بعدها، والمسودة في أصول الفقه ص ٣٠٤ وما بعدها، وأعلام الموقعين ج ٤/ ص ٢١٠ وما بعدها، وإرشاد الفحول ص ٥٩٦ وما بعدها، والوجيز في أصول الفقه الإسلامي ص ٣٥٤ وما بعدها.\nوينبغي التنبه لأمور في قول من قال بالجواز:\n١ - من أجاز التقليد فإنه بلا شك لم يجز التقليد المخالف للكتاب والسنة، ولا التعصب في التقليد المفضي لترك الحق، وللنزاع بين الأمة.\n٢ - قد يكون قصد من أجاز التقليد إنما عني به الاتباع أي قبول قول الغير بالدليل، فيكون الاختلاف في التسمية، فالشوكاني يسميه اتباعا وغيره يسميه تقليدا.\n٣ - من أجاز التقليد أجازه لأن الاجتهاد لا يستطيعه كل أحد، والشوكاني يتفق معهم في هذا فإنه أوجب الاجتهاد على القادر، ومنعه من التقليد، وأجاز لغير القادر اتباع قول الغير بمعرفة الدليل.\n(^٤) فتح القدير ج ٢/ ص ٢٩٩.","vol":"1","page":29},{"text":"٢ - قال الشوكاني: - عند قوله تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]- (وفي هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد عن التقليد في دين الله، وتأثير ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدي بقوله، ويستن بسنته من علماء هذه الأمة، مع مخالفته لما جاءت به النصوص، وقامت به حجج الله وبراهينه، ونطقت به كتبه وأنبياؤه؛ هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أربابا من دون الله؛ للقطع بأنهم لم يعبدوهم، بل أطاعوهم، وحرموا ما حرموا، وحللوا ما حللوا، وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة) (^١).\nالثاني: لا يلام الشوكاني في تشنيعه على التقليد؛ إذ نشأ في بيئة زيدية، ودرس وتفقه على علمائها، لكنه ترك التمذهب، واعتمد اعتمادا مباشرا على الكتاب والسنة (^٢). وكان في زمانه جماعة من المقلدة الجامدين على التعصب في الأصول والفروع، وكان الشوكاني إماما مجتهدا، ينبذ التقليد، ويحاربه محاربة شديدة؛ لذا كان شديد الإنكار على التقليد، محاربا له بلسانه، وبنانه. ولم تزل المصاولة والمقاولة بينه وبينهم دائرة، ولم يزالوا ينددون عليه في المباحث من غير حجة؛ لذا جعل كلامه في السيل الجرار في الحقيقة موجها إليهم في التنفير عن التقليد المذموم، وإيقاظهم إلى النظر في الدليل؛ لأنه يرى تحريم التقليد (^٣).\nفكأن ذمه للتقليد دعوة للبحث عن الحق، وتحذير من التعصب في التقليد، وتنبيه لما يفضي إليه من نزاع بين أفراد الأمة.\nقال الشوكاني: كان الجاهل في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم يسأل العالم عن الحكم الشرعي الثابت في كتاب الله أو بسنة رسوله -ﷺ-؛ فيفتيه به، ويرويه له لفظا أو معنى؛ فيعمل بذلك من باب العمل بالرواية لا بالرأي، وهذا هو الهدى الذي درج عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. حتى استدرج الشيطان بذريعة التقليد من استدرج، ولم يكتف بذلك حتى سول لهم الاقتصار على تقليد فرد من أفراد العلماء، وعدم جواز تقليد غيره، ثم توسع في ذلك، فخيل لكل طائفة أن الحق مقصور على ما قاله إمامها، وما عداه باطل، ثم أوقع في قلوبهم العداوة والبغضاء حتى إنك تجد من العداوة بين أهل المذاهب المختلفة ما لم تجده بين أهل الملل المختلفة (^٤).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٥٣. وانظر مثله في: فتح القدير ج ١/ ص ١٣٥، وج ٢/ ص ٨٣، وج ٢/ ص ١٩٨، وج ٣/ ص ١٠٣، وج ٤/ ص ٥٥٢.\n(^٢) مستفاد من: اختيارات الشوكاني في التفسير من خلال كتابه فتح القدير عرضا ودراسة، من أول سورة الكهف إلى نهاية سورة الناس، -رسالة دكتوراه- لـ. د. فايز حبيب الترجمي، ص ٢٠.\n(^٣) انظر: أبجد العلوم ج ٣/ ص ٢٠٣.\n(^٤) انظر: القول المفيد ص ٣٨، ٣٩.","vol":"1","page":30},{"text":"الثالث: أنه فرَّق بين التقليد والاتباع (^١). فجعل من عرف دليل من أخذه عنه متبعا لا مقلدا.\nقال الشوكاني: (وإن استروح المقلد إلى الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ … لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾ [الأنبياء: ٧]. فهو يقتصر على سؤال أهل العلم عن الحكم الثابت في كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- حتى يبينون له كما أخذ الله عليهم من بيان أحكامه لعباده، فإن معنى هذا السؤال الذي شرع الله هو السؤال عن الحجة الشرعية، وطلبها من العالم؛ فيكون راويا وهذا السائل مسترويا، والمقلد يقر على نفسه بأنه يقبل قول العالم، ولا يطالبه بالحجة. فالآية هي دليل الاتباع لا دليل التقليد) (^٢).\nولأن الآية هي دليل الاتباع لا دليل التقليد؛ رد استنباط من استنبط جواز التقليد من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ … لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾ فقال: (وقد اُستدل بالآية على أن التقليد جائز وهو خطأ، ولو سلم؛ لكان المعنى سؤالهم عن النصوص من الكتاب والسنة لا عن الرأي البحت، وليس التقليد إلا قبول قول الغير دون حجته) (^٣).\nالرابع: ليس في منعه من التقليد تكليف للأمة بما لا يطيقون، إنما مراده أن يبذل كل أحد وسعه في معرفة الحق. وعلى الجاهل الذي لا يفهم ألفاظ الكتاب والسنة أن يسأل من يفطن ذلك، وحينها يكون السائل عاملا بالكتاب والسنة بواسطة المسؤول، ويرتفع عنه وصف التقليد المذموم.\nقال الشوكاني: (على أني أقول بعد هذا (^٤) إن من كان عاطلا عن العلوم الواجب عليه أن يسأل من يثق بدينه وعلمه عن نصوص الكتاب والسنة في الأمور التي يجب عليه من عبادة أو معاملة، وسائر ما يحدث له؛ فيقول لمن يسأله: علمني أصح ما ثبت في ذلك من الأدلة حتى أعمل به، وليس هذا من التقليد في شيء؛ لأنه لم يسأل عن رأيه بل عن روايته، ولكنه لما كان لجهله لا يفطن ألفاظ الكتاب والسنة وجب عليه أن يسأل من يفطن ذلك، فهو عامل بالكتاب والسنة بواسطة المسؤول) (^٥).\n_________\n(^١) الاتباع: هو الأخذ بقول الغير بعد معرفة دليله. انظر: القول المفيد ص ٣٧، و٦٠، والوجيز في أصول الفقه الإسلامي ص ٣٥٦.\n(^٢) القول المفيد ص ٨٨.\n(^٣) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٩٩.\n(^٤) أي قوله: (والذي أدين الله به أنه لا رخصة لمن علم من لغة العرب ما يفهم به كتاب الله بعد أن يقيم لسانه بشيء من علم النحو والصرف، وشطر من مهمات كليات أصول الفقه في ترك العمل بما يفهمه من آيات الكتاب العزيز، ثم إذا انضم إلى ذلك الاطلاع على كتب السنة المطهرة التي جمعها الأئمة المعتبرون، وعمل بها المتقدمون والمتأخرون، كالصحيحين وما يلتحق بهما مما التزم فيه مصنفوه الصحة، أو جمعوا فيه بين الصحيح وغيره، مع البيان لما هو صحيح، ولما هو حسن، ولما هو ضعيف، وجب العمل بما كان كذلك من السنة، ولا يحل التمسك بما يخالفه من الرأي، سواء كان قائله واحدا أو جماعة أو الجمهور، فلم يأت في هذه الشريعة الغراء ما يدل على وجوب التمسك بالآراء المتجردة عن معارضة الكتاب أو السنة …). البدر الطالع ٦٤٠ وما بعدها.\n(^٥) البدر الطالع ص ٦٤٣. عند ترجمة محمد بن إبراهيم بن علي المرتضى.","vol":"1","page":31},{"text":"ولذا رد الشوكاني قول من قال: لو كان التقليد غير جائز؛ لكان الاجتهاد واجبا على كل فرد من أفراد العباد، وهو تكليف ما لا يطاق؛ فإن الطباع البشرية متفاوتة، وعلى فرض إنها قابلة له جميعها فوجوب تحصيله على كل فرد يؤدي إلى تبطيل المعايش التي لا يتم بقاء النوع بدونها؛ فحينئذ يشتغل الحراث والزراع والنساج والعمار ونحوهم بالعلم وتبقى هذه الأعمال شاغرة معطلة. فرد بقوله: (ويجاب عن هذا التشكيك الفاسد بأنا لا نطلب من كل فرد من أفراد العباد أن يبلغ رتبة الاجتهاد، بل المطلوب هو أمر دون التقليد، وذلك بأن يكون القائمون بهذه المعايش، والقاصرون إدراكا وفهما، كما كان عليه أمثالهم في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهم خير القرون، والذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وقد علم كل عالم أنهم لم يكونوا مقلدين، ولا منتسبين إلى فرد من أفراد العلماء، بل كان الجاهل يسأل العالم عن الحكم الشرعي الثابت في كتاب الله أو بسنة رسوله -ﷺ-؛ فيفتيه به ويرويه له لفظا أو معنى؛ فيعمل بذلك من باب العمل بالرواية لا بالرأي، وهذا أسهل من التقليد؛ فإن تفهم دقائق علم الرأي أصعب من تفهم الرواية بمراحل كثيرة، فما طلبنا من هؤلاء العوام إلا ما هو أخف عليهم مما طلبه منهم الملزمون لهم بالتقليد، وهذا هو الهدى الذي درج عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (^١).\nومما يدل أيضا على أنه لم يطالب الأمة بما لا يطيقون أنه نبه على حكم التقليد في الأصول بما لا يشق على أفراد هذه الأمة؛ فكما راعى حالهم في معرفة الفروع راعى حالهم في معرفة الأصول، فقال: -ردا على من قال: لا يكون المرء مؤمنا حتى يخرج فيها عن جملة المقلدين- (فيا لله العجب من هذه المقالة التي تقشعر لها الجلود، وترجف عند سماعها الأفئدة، فإنها جناية على جمهور هذه الأمة المرحومة، وتكليف لهم بما ليس في وسعهم، ولا يطيقونه. وقد كفى غالب الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها الإيمان الجملي، ولم يكلفهم رسول الله -وهو بين أظهرهم- بمعرفة ذلك، ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته) (^٢). ثم نبه على أن المقصود هو حصول العلم حتى يصير بحيث لا يتردد، وأن من أمعن النظر في أحوال العوام وجد في كثير منهم الإيمان في صدره كالجبال الرواسي (^٣). (^٤).\n_________\n(^١) القول المفيد ص ٣٨، ٣٩.\n(^٢) إرشاد الفحول ص ٥٩٩.\n(^٣) انظر: المصدر السابق ص ٦٠٠.\n(^٤) ويؤيد هذا الحكم في الأصول قول أبي عمرو بن الصلاح -في حديث ضمام بن ثعلبة -﵁- الذي سأل النبي عن خالق السماء والأرض، وناصب الجبال، ثم سأله عن أركان الإسلام، ثم ولى قائلا: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن، فقال النبي -ﷺ-: \"لئن صدق ليدخلن الجنة\"-: (وفيه دلالة لصحة ما ذهب إليه أئمة العلماء من أن العوام المقلدين مؤمنون، وأنه يكتفى منهم بمجرد اعتقاد الحق جزما من غير شك وتزلزل، خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وذلك أنه -ﷺ- قرر ضماما على ما اعتمد عليه في تعريف رسالته، وصدقه، ومجرد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه ذلك، ولا قال يجب عليك معرفة النظر في معجزاتي، والاستدلال بالأدلة القطعية). نقله عنه النووي في شرحه على صحيح مسلم ج ١/ ص ١٧١. وتمام الحديث: عن أنس بن مالك -﵁- قال: \"نهينا أن نسأل رسول الله -ﷺ- عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل؛ فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق. قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله، قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله، قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله التابعين بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله التابعين بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله التابعين بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا، قال: صدق، قال: ثم ولى قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن؛ فقال النبي -ﷺ-: لئن صدق ليدخلن الجنة\". أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: ما جاء في العلم وقوله تعالى: ﴿وقل رب زدني علما﴾، رقم: ٦٣، ج ١/ ص ٣٥. ومسلم -واللفظ له- في كتاب: الإيمان، باب: السؤال عن أركان الإسلام، رقم: ١٢، ج ١/ ص ٤١.","vol":"1","page":32},{"text":"فإذا تقررت هذه الأمور، وعرفت؛ تبين صواب قول الشوكاني بمنع التقليد، والله تعالى أعلم. (^١).\nومذهب الشوكاني في التقليد هو مذهب من سبقه من المجددين والمصلحين، كالأئمة الأربعة، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، وتلميذه ابن القيم، وصاحب الدعوة السلفية في نجد الإمام محمد بن عبد الوهاب (^٣)، وغيرهم (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-32>شيوخه:</span>\nتقدم أن الشوكاني نشأ في صنعاء التي كانت حينذاك مدينة علمية، تعقد في مساجدها الحلقات الدراسية التي يتولى التدريس فيها مشايخ العلم في مختلف العلوم الإسلامية والعربية.\nومن شيوخه:\n١ - أحمد بن عامر الحدائي (١١٢٧ - ١١٩٧ هـ) (^٥).\nالفقيه الفرضي، عالم عصره، تصدر لتدريس علم الفقه والفرائض في جامع صنعاء، وقد قرأ عليه الشوكاني في الفقه والفرائض.\n٢ - السيد إسماعيل بن الحسن المهدي (١١٢٠ - ١٢٠٦ هـ) (^٦).\n_________\n(^١) وانظر: مزيد توضيح لهذه المسألة عند دراسة استنباط منع التقليد في المواضع التالية -من هذا البحث-: البقرة: ٢٢ (فتح القدير ج ١/ ص ٥٠)، والبقرة: ١٧٠ (ج ١/ ص ١٦٧)، والأنفال: ٢٤ (ج ٢/ ص ٢٩٩)، والتوبة: ٣١ (ج ٢/ ص ٣٥٣)، والأحزاب: ٦٧ (ج ٤/ ص ٣٠٦»، والزخرف: ٢٢ (ج ٤/ ص ٥٥٢، ٥٥٣).\n(^٢) شيخ الإسلام، تقي الدين، أبو العباس، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمِيَّة الحراني، الحنبلي، أقبل على تفسير القرآن، وبرز فيه، وأحكم أصول الفقه، والفرائض، والحساب، والجبر، وغيرها من العلوم، تأهل للفتوى، والتدريس، وله دون العشرين سنة، له تصانيف جاوزت حد الكثرة، توفي سنة ثمان وعشرين وسبعمائة معتقلا بقلعة الشام. انظر: طبقات المفسرين للداودي ج ١، ص ٤٥ - ٤٩، وشذرات الذهب ج ٦، ص ٨٠، ٨١،.\n(^٣) المجدد محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي، درس على والده الفقه الحنبلي، والتفسير، والحديث، وعكف على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، فزادته علمًا، وبصيرة، وعزيمة على الدعوة إلى التوحيد الخالص، ونبذ الشرك ووسائله، له مصنفات أكثرها رسائل مطبوعة منها: \"كتاب التوحيد\"، \"كشف الشبهات\"، توفي سنة ١٢٠٦ هـ. انظر: الأعلام ج ٦، ص ٢٥٧، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، عقيدته السلفية، ودعوته الإصلاحية، وثناء العلماء عليه، لأحمد آل أبو طامي، ص ٢٢ - ٦١.\n(^٤) انظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص ١٢١، ١٢٢.\n(^٥) انظر: البدر الطالع ج ١/ ص ٩٣، ومقدمة تحقيق فتح القدير لعبد الرحمن عميرة ص ٢٢.\n(^٦) انظر: المصدر السابق ج ١/ ص ١٧٧، ١٧٨، ومقدمة تحقيق فتح القدير ص ٢٢.","vol":"1","page":33},{"text":"كان يسمى سيبويه عصره، وهو شيخ الشوكاني في العربية. واشتهر على الألسن أنه من افتتح طلبه عليه في علم العربية.\n٣ - عبد الرحمن بن الحسن الأكوع (١١٣٥ - ١٢٠٦ هـ) (^١).\nشيخ الفروع ومحققها، وسمع عليه الشوكاني صحيح البخاري.\n٤ - عبد القادر بن أحمد الكوكباني (١١٣٥ - ١٢٠٧ هـ) (^٢).\nالعلامة المجتهد المطلق في كل الفنون كما وصفه الشوكاني، قرأ عليه الشوكاني في مختلف الفنون، وكان بينهما مكاتبات أدبية من نظم ونثر.\n٥ - علي بن إبراهيم بن أحمد بن عامر (١١٤٣ - ١٢٠٧ هـ) (^٣).\nكان إماما في جميع الفنون، ليس له نظير في حفظ الأشعار لأهل الجاهلية والإسلام كما وصفه الشوكاني.\n٦ - الحسن بن إسماعيل المغربي (١١٤٠ - ١٢٠٨ هـ) (^٤).\nعالم النحو والصرف والمعاني والبيان والفقه والتفسير والحديث، قرأ عليه الشوكاني بعض كتب الحديث.\n٧ - القاسم بن يحيى الخولاني (١١٦٢ - ١٢٠٨ هـ) (^٥).\nقال عنه الشوكاني: شيخنا العلامة الأكبر، برع في جميع العلوم، وفاق الأقران. وقد لازمه الشوكاني وانتفع به في أوائل الطلب.\n٨ - صدِّيق علي المزجاجي الحنفي (١١٥٠ - ١٢٠٩ هـ) (^٦).\nقرأ وتفقه في الحديث حتى صار علما في هذا الفن، وحجة في علوم الحديث، وهو مع هذا محقق في فقه الحنفية، شيخ الشوكاني بالإجازة في الحديث وغيره.\n٩ - والده علي بن محمد الشوكاني (١١٣٠ - ١٢١١ هـ) (^٧).\nقرأ عليه الفقه في أيام الصغر.\n١٠ - أحمد بن محمد القابلي الحرَازي (١١٥٨ - ١٢٢٧ هـ) (^٨).\nشيخ الفروع وأستاذ الفقه والأصول، برز في الفقه والفرائض، لازمه الشوكاني في الفقه ثلاث عشرة سنة، وقرأ عليه الفرائض أيضا.\nتلاميذه:\nتتلمذ على الشوكاني جماعة كبيرة من فضلاء العلماء، وأعلام المحققين، منهم:\n١ - أخوه يحيى بن علي الشوكاني (١١٩٠ - ١٢٦٧ هـ) (^٩).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق ج ١/ ص ٣٧٣، ٣٧٤.\n(^٢) انظر: المصدر السابق ج ١/ ص ٣٩٩ - ٤٠٦، ومقدمة تحقيق فتح القدير ص ٢٢.\n(^٣) انظر: المصدر السابق ج ١/ ص ٤٥٦ - ٤٦٠، ومقدمة تحقيق فتح القدير ص ٢٣.\n(^٤) انظر: المصدر السابق ج ١/ ص ٢٣١ - ٢٣٣.\n(^٥) انظر: المصدر السابق ج ٢/ ص ٦٠٧، ٦٠٨.\n(^٦) انظر: المصدر السابق ج ١/ ص ٣٣٢، ٣٣٣، ومقدمة تحقيق فتح القدير ص ٢٢.\n(^٧) انظر: المصدر السابق ج ٢/ ٥١٨ - ٥٢٤.\n(^٨) انظر: المصدر السابق ج ١/ ١٢٥ - ١٢٧.\n(^٩) انظر: المصدر السابق ج ٢/ ٨٩١، ٨٩٢.","vol":"1","page":34},{"text":"أجازه الشوكاني إجازة عامة في جميع مؤلفاته، وجميع ما لهُ من نظم ونثر. ووصفه بأنه جيِّد النظم إلى الغاية القصوى.\n٢ - محمد بن حسين الشجني الذماري (١٢٠٠ - ١٢٨٦ هـ) (^١).\nدرس على الشوكاني، واختص به، وأجازه الشوكاني إجازة عامة.\n٣ - محمد بن أحمد بن سعد السودي (١١٧٨ - ١٢٣٦ هـ) (^٢).\nلازم الشوكاني في أول طلبه، وقرأ عليه في العربية، والأصول، والحديث.\n٤ - لطف الله بن أحمد جحاف (١١٨٩ - ١٢٢٣ هـ) (^٣).\nلازم الشوكاني دهرا طويلا، وقرأ عليه في النحو، والصرف، والمعاني، والبيان، والتفسير، والحديث، والأصول والفقه، قال عنه الشوكاني: (صار من أعيان علماء العصر وهو في سن الشباب).\n\n<span data-type='title' id=toc-33>أعماله:</span>\n<span data-type='title' id=toc-34>١) اشتغاله بالتدريس:</span>\nاشتغل الشوكاني بالتدريس في أيام الطلب، وكان في أثناء دراسته يُلقي ما يأخذه عن مشايخه إلى تلاميذه الذين اجتمعوا عليه، ولذلك كانت دروسه تبلغ في اليوم والليلة ثلاثة عشر درسا، منها ما يأخذه عن أساتذته، ومنها ما يلقيه على تلاميذه. ثم تفرغ لإفادة طلاب العلم، فكانوا يأخذون عنه في كل يوم زيادة على عشرة دروس -كما قال في ترجمته لنفسه- في فنون متعددة كالتفسير والحديث والأصول والمعاني والبيان والمنطق (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-35>٢) مباشرته للإفتاء:</span>\nبدأ الشوكاني بالإفتاء في أيام قراءته على الشيوخ وإقرائه لتلامذته، وكان في العشرين من عمره، وكان يفتي أهل مدينة صنعاء، ومن وفد إليها. ومما يدل على سعة علمه، وعلو كعبه أن الفتاوى ترد إليه وشيوخه إذ ذاك أحياء.\nوكادت الفتيا تدور عليه من عوام الناس وخواصيهم، واستمر يفتي من نحو العشرين من عمره فما بعد ذلك، وكان لا يأخذ على الفتيا شيئا تنزها، فإذا عوتب في ذلك قال: أنا أخذت العلم بلا ثمن فأريد إنفاقه كذلك (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الشوكاني مفسرا ص ٨١، ومقدمة تحقيق فتح القدير ص ٢٣.\n(^٢) انظر: البدر الطالع ج ٢/ ص ٦٥٦ - ٦٥٩.\n(^٣) انظر: المصدر السابق ج ٢/ ص ٦١٤ - ٦٢٥.\n(^٤) انظر: المصدر السابق ج ٢/ ص ٧٧١، ٧٧٢.\n(^٥) انظر: المصدر السابق ج ٢/ ص ٧٧٢.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type='title' id=toc-36>٣) قيامه بالدعوة الإصلاحية:</span>\nيمكن بيان دعوة الشوكاني التجديدية الإصلاحية في ثلاثة خطوط:\n١ - دعوته إلى الاجتهاد ونبذ التقليد.\n٢ - دعوته إلى العقيدة السلفية.\n٣ - دعوته إلى تطهير العقيدة، وتنقيتها من مظاهر الشرك الخفي (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-37>٤) توليه القضاء العام:</span>\nقال عن نفسه إنه ابتلي بالقضاء في مدينة صنعاء بعد موت من كان متوليا للقضاء الأكبر بها، وكان إذ ذاك مشتغلا بعلوم الاجتهاد، والإفتاء، والتصنيف، فلم يشعر إلا بطلاب الخليفة يطالبونه بتولي منصب القضاء؛ فتردد لفترة طويلة، ثم تلقى إلحاحا من كبار العلماء والأعيان، وأجمعوا على أن الإجابة واجبة؛ فقبل. وكان في السادسة والثلاثين من عمره (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-38>آثاره العلمية ومؤلفاته:</span>\nبذل الشوكاني في التأليف جهدا عظيما، فمع اشتغاله بالتدريس، والإفتاء لم يتوقف عن التأليف. وكان يؤلف كتبه لأهداف محددة (^٣) ذكرها بقوله: وإنما التصنيف الذي يستحق أن يقال له تصنيف، والتأليف الذي ينبغي لأهل العلم الذين أخذ الله عليهم بيانه، وأقام لهم على وجوبه عليهم برهانه، وهو أن ينصروا فيه الحق، ويخذلوا به الباطل، ويهدموا بحججه أركان البدع، ويقطعوا به حبائل التعصب، ويوضحوا فيه للناس ما نزل إليهم من البينات والهدى، ويبالغوا في إرشاد العباد إلى الإنصاف فيحببوا إلى قلوبهم العمل بالكتاب والسنة، وينفروهم من اتباع محض الرأي، وزائف المقال، وكاسد الاجتهاد (^٤).\nوذكر الشوكاني في ترجمته لنفسه عددا كبيرا من مؤلفاته بلغ عددها ستة وتسعين كتابا ورسالة (^٥)، ثم قال: (هذا ما أمكن خطوره بالبال حال تحرير هذه الترجمة، ولعل ما لم يُذكر أكثر مما ذكر) (^٦).\nواختلف الباحثون في عدد مؤلفاته، فقيل: هي مائة وواحد وخمسون (١٥١) كتابا مخطوطا\nومطبوعا (^٧)، وقيل: هي مائة وستون (١٦٠) كتابا (^٨)، وأما صاحب رسالة: (الإمام الشوكاني مفسرا) فقد حصر كتبه المخطوطة والمطبوعة، وقال: إنها مائتان وسبعة وعشرون (٢٢٧) كتابا وبحثا ورسالة (^٩). والأظهر ما ذكره صاحب كتاب: (الإمام الشوكاني حياته وفكره) من أن مؤلفاته تصل إلى مائتين وثمانية وسبعين (٢٧٨) مؤلفا مخطوطا ومطبوعا، منها: مائتان وأربعون (٢٤٠) مخطوطا، وثمانية وثلاثون (٣٨) مؤلفا مطبوعا (^١٠).\n_________\n(^١) انظر: مقدمة تحقيق قطر الولي، وفيها تفصيل هذه الخطوط ص ٢٠ - ٣٨.\n(^٢) انظر: البدر الطالع ج ٢/ ص ٧٧٧.\n(^٣) انظر: المصدر السابق ج ٢/ ص ٧٧٧.\n(^٤) انظر: أدب الطلب ١٥٩.\n(^٥) وانظر ضبط هذا العدد في الإمام الشوكاني حياته وفكره ص ١٩٣.\n(^٦) البدر الطالع ج ٢/ ص ٧٧٦.\n(^٧) انظر: مقدمة قطر الولي ص ٤٦ - ٦٢.\n(^٨) قاله د. أحمد الحكمي صاحب رسالة (الإمام الشوكاني أديبا وشاعرا). ونقله عنه مؤلف (الإمام الشوكاني حياته وفكره) ص ١٩٣، ١٩٤.\n(^٩) انظر: ص ٨٣ - ١٠٢.\n(^١٠) انظر: ص ٢٢٩. وقد اسقصاه المؤلف جميعا فذكر قائمة بأسماء مؤلفاته، وبيان ما يتعلق بها. انظر: ص ١٩٤ - ٢٢٩.","vol":"1","page":36},{"text":"ومن أشهر مؤلفاته:\n١) إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر.\n٢) أدب الطلب ومنتهى الأرب.\n٣) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الأصول.\n٤) البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع.\n٥) تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين.\n٦) التحف في الإرشاد إلى مذهب السلف.\n٧) الدرر البهية في المسائل الفقهية.\n٨) الدراري المضيئة شرح الدرر البهية.\n٩) در السحابة في مناقب الصحابة والقرابة.\n١٠) السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار.\n١١) شرح الصدور بتحريم رفع القبور.\n١٢) فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير.\n١٣) الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة.\n١٤) قطر الولي على حديث الولي.\n١٥) القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد.\n١٦) نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار. (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-39>شعره وأدبه:</span>\nالشوكاني شاعر أديب. وصف بعض نظمه بأنه اشتمل على مباحث علمية وأدبية، والقيام في نصرة الحق، وتنشيط النفس على لزوم العزة، وحفظ شرف العلم، وصيانته عن أن يبتذل أو يمتهن، والحث على الاجتهاد، والتنفير من التقليد، والحض على الإنصاف، وعدم التعصب (^٢).\nونبَّه الشوكاني إلى أنه كان ينظم الشعر في بعض المواطن، فقال في ترجمته لنفسه: (وربما قال الشعر إذا دعت لذلك حاجة، كجواب ما يكتبه إليه بعض الشعراء من سؤال، أو مطارحة أدبية، أو نحو ذلك) (^٣).\nوقد جمع ابنه أحمد (ت: ١٢٨١ هـ) شعر والده في ديوان سماه: أسلاك الجوهر، وفيه ما يربو على ٢٦٠٠ بيت (^٤).\nومن شعره قوله:\nأود بأن أعيش لنشر علم … قطعت به الشبيبة والمشيبا\nوصنفت الدفاتر فيه حتى … إذا سهم الصواب بها مصيبا\nوصارت مرجع الأعلام لما … رأوها مرتعا لهم خصيبا (^٥).\n\nوقال عن المقلدين:\nفشمِّر على اسم الله في نشر سنة … لخير الورى فاصبر على ما تكابده\nفإنك في دهر به قد تنكَّرت … من الدين فاعلم يا ابن ودي معاهده\nإذا قلت: قال الله قال رسوله … يقولون: هذا مورد ضل وارده\nفإن قلت: هذا قدَّرته مشايخ … يقولون: هذا عالم العصر واحده\nأيُنكرُ معروف ويُعرفُ منكر … ويقبل في الدين المطهر جاحده (^٦).\n\nوقال أيضا في شأن التقليد:\nقلبٌ تقلَّب في فنو … نٍ من جنون العشق طبعا\nفي ربا تلك المنازل\nيذري دموع عيونه … مُحْمَرَّة وترا وشفعا\nمن هوى ظبي الخمائل\nما العيش إلا في ذرا الـ … أحباب والأتراب قطعا\nكم على هذا دلائل\nكم بين من يقضي بما … قام الدليل عليه قطعا\nوفتى عن التحقيق عاطل\nيروي من الرأي المجر … د كل فاقرة وشنعا\nمقصوده قد قال قائل\nكم بين ذاك وبين ذا … من غاية رفعا ووضعا\nأين العقال من المعاقل (^٧).\n_________\n(^١) وفي كتابّي: الإمام الشوكاني حياته وفكره ص ١٩٤ - ٢٢٩، ومنهج الشوكاني في العقيدة ص ١٠١ - ١١٦ تفصيل لأسماء مؤلفاته المخطوطة، والمطبوعة وبيان طبعاتها.\n(^٢) أثبته له ابنه أحمد في خطبة ديوان أسلاك الجوهر. انظر: ص ٥٨.\n(^٣) البدر الطالع ج ٢/ ص ٧٧٧.\n(^٤) انظر: أسلاك الجوهر ص ٥٥.\n(^٥) المصدر السابق ص ٩٩.\n(^٦) المصدر السابق ص ١٢٩.\n(^٧) المصدر السابق ص ٢٧١، ٢٧٢.","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type='title' id=toc-40>زهده:</span>\nكان منجمعا عن بني الدنيا، لم يقف بباب أمير، ولا قاض، ولا صحب أحدا من أهل الدنيا، ولا خضع لمطلب من مطالبها، بل كان مشتغلا في جميع أوقاته بالعلم درسا، وتدريسا، وإفتاء، وتصنيفا، عائشا في كنف والده (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-41>وفاته:</span>\nتوفي الشوكاني-رحمه الله تعالى- بصنعاء في جمادى الآخرة سنة ألف ومائتين وخمسين للهجرة (١٢٥٠ هـ) عن سبع وسبعين سنة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-42>رابعًا: التعريف بتفسير (فتح القدير) للشوكاني</span>.\nتفسير الشوكاني (فتح القدير) فريد في بابه، حوى جواهر ابن جرير، وعمق القرطبي، وإيجاز ابن عطية (^٣)، وتدقيق ابن كثير، ودرر السيوطي، وألمعية الشوكاني (^٤). وهو وحيد من حيث جمعه، وترتيبه، وحسن أدائه، واستيعابه لأنواع علوم القرآن، وجمعه بين الدراية والرواية (^٥).\nوعنوان هذا الكتاب يشرح الطريقة، فلم يقتصر على التفسير بالمأثور، ولم يجعل همه العقليات بل هو تفسير يجمع بين الرواية التي هي إيراد المأثورات، والدراية التي هي إبداء الرأي بعد الفهم والتأمل في الآية (^٦).\nوأحسن ما يبين طريقة الشوكاني في تفسيره ما قاله هو عن طريقته فيه في مقدمة تفسيره، حيث قال: وطنت نفسي على سلوك طريقة هي بالقبول عند الفحول حقيقة، وها أنا أوضح لك منارها، وأبين لك إيرادها وإصدارها؛ فأقول: إن غالب المفسرين تفرقوا فريقين، وسلكوا طريقين:\nالفريق الأول: اقتصروا في تفاسيرهم على مجرد الرواية، وقنعوا برفع هذه الراية.\nوالفريق الآخر: جرَّدوا أنظارهم إلى ما تقتضيه اللغة العربية، وما تفيده العلوم الآلية، ولم يرفعوا إلى الرواية رأسا، وإن جاءوا بها لم يصححوا لها أساسا. وكلا الفريقين قد أصاب، وأطال، وأطاب، وإن رفع عماد بيت تصنيفه على بعض الأطناب، وترك منها ما لا يتم بدونه كمال الانتصاب؛ فإن ما كان من التفسير ثابتا عن رسول الله -ﷺ- وإن كان المصير إليه متعينا، وتقديمه متحتما، غير أن الذي صح عنه من ذلك إنما هو تفسير آيات قليلة بالنسبة إلى جميع القرآن، ولا يختلف في مثل ذلك من أئمة هذا الشأن اثنان، وأما ما كان منها ثابتا عن الصحابة -﵃- فإن كان من الألفاظ التي قد نقلها الشرع إلى معنى مغاير للمعنى اللغوي بوجه من الوجوه فهو مقدم على غيره، وإن كان من الألفاظ التي لم ينقلها الشرع فهو كواحد من أهل اللغة الموثوق بعربيتهم، فإذا خالف المشهور المستفيض لم تقم الحجة علينا بتفسيره الذي قاله على مقتضى لغة العرب، فبالأولى تفاسير من بعدهم من التابعين، وتابعيهم، وسائر الأئمة. وأيضا كثيرا ما يقتصر الصحابي ومن بعده من السلف على وجه واحد مما يقتضيه النظم القرآني باعتبار المعنى اللغوي، ومعلوم أن ذلك لا يستلزم إهمال سائر المعاني التي تفيدها اللغة العربية، ولا إهمال ما يستفاد من العلوم التي تتبين بها دقائق العربية وأسرارها، كعلم المعاني والبيان، فإن التفسير بذلك هو تفسير باللغة لا تفسير بمحض الرأي المنهي عنه. وأيضا لا يتيسر في كل تركيب من التراكيب القرآنية تفسير ثابت عن السلف، بل قد يخلو عن ذلك كثير من القرآن، ولا اعتبار بما لم يصح كالتفسير المنقول بإسناد ضعيف، ولا بتفسير من ليس بثقة منهم وإن صح إسناده إليه، وبهذا تعرف أنه لا بد من الجمع بين الأمرين، وعدم الاقتصار على مسلك أحد الفريقين، وهذا هو المقصد الذي وطنت نفسي عليه، والمسلك الذي عزمت على سلوكه إن شاء الله، مع تعرضه للترجيح بين التفاسير المتعارضة مهما أمكن واتضح لي وجهه، وأخذي من بيان المعنى العربي والإعرابي والبياني بأوفر نصيب، والحرص على إيراد ما ثبت من التفسير عن رسول الله -ﷺ-، أو الصحابة، أو التابعين، أو تابعيهم، أو الأئمة المعتبرين. وقد أذكر ما في إسناده ضعف إما لكون في المقام ما يقويه، أو لموافقته للمعنى العربي، وقد أذكر الحديث معزوا إلى راويه من غير بيان حال الإسناد؛ لأني أجده في الأصول التي نقلت عنها، كذلك كما يقع في تفسير ابن جرير، والقرطبي، وابن كثير، والسيوطي، وغيرهم، ويبعد كل البعد أن يعلموا في الحديث ضعفا ولا يبينونه، ولا ينبغي أن يقال فيما أطلقوه إنهم قد علموا ثبوته، فإن من الجائز أن ينقلوه من دون كشف عن حال الإسناد، بل هذا هو الذي يغلب به الظن؛ لأنهم لو كشفوا عنه فثبتت عندهم صحته لم يتركوا بيان ذلك كما يقع منهم كثيرا التصريح بالصحة أو الحسن، فمن وجد الأصول التي يروون عنها، ويعزون ما في تفاسيرهم إليها؛ فلينظر في أسانيدها موفقا إن شاء الله. واعلم أن تفسير السيوطي المسمى بالدر المنثور قد اشتمل على غالب ما في تفاسير السلف من التفاسير المرفوعة إلى النبي -ﷺ-، وتفاسير الصحابة، ومن بعدهم، وما فاته إلا القليل النادر. وقد اشتمل هذا التفسير على جميع ما تدعو إليه الحاجة منه مما يتعلق بالتفسير مع اختصار لما تكرر لفظا واتحد معنى بقولي: ومثله، أو نحوه، وضممت إلى ذلك فوائد لم يشتمل عليها وجدتها في غيره من تفاسير علماء الرواية، أو من الفوائد التي لاحت لي من تصحيح، أو تحسين، أو تضعيف، أو تعقب، أو جمع، أو ترجيح.\n_________\n(^١) انظر: البدر الطالع ج ٢/ ص ٧٧٦.\n(^٢) انظر: هدية العارفين ج ٣/ ص ٤٠٣، ومعجم المؤلفين ج ٣/ ص ٥٤١، والشوكاني مفسرا ص ٧٢.\n(^٣) القاضي أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الغرناطي، كان فقيها، عالما بالتفسير، والأحكام، والفقه، والنحو، واللغة، والأدب، كانت له يد في النظم، والنثر، له في التفسير: \"المحرر الوجيز\". توفي سنة إحدى، أو ثنتين، أو ست وأربعين وخمسمائة للهجرة. انظر: طبقات المفسرين للسيوطي ص ٦٠، ٦١، وطبقات المفسرين للداودي ج ١/ ص ٢٦٠، ٢٦١.\n(^٤) انظر: مقدمة تحقيق فتح القدير لعبد الرحمن عميرة ص ٣٨.\n(^٥) انظر: الإمام الشوكاني مفسرا ص ١٦٦.\n(^٦) انظر: مناهج المفسرين لـ. د. منيع محمود ص ٢٧٨.","vol":"1","page":38},{"text":"فهذا التفسير وإن كبر حجمه فقد كثر علمه، وتوفر من التحقيق قسمه، وأصاب غرض الحق سهمه، واشتمل على ما في كتب التفاسير من بدائع الفوائد، مع زوائد فوائد وقواعد شوارد، فإن أحببت أن تعتبر صحة هذا فهذه كتب التفسير على ظهر البسيطة، انظر تفاسير المعتمدين على الرواية، ثم ارجع إلى تفاسير المعتمدين على الدراية، ثم انظر في هذا التفسير بعد النظرين؛ فعند ذلك يسفر الصبح لذي عينين، ويتبين لك أن هذا الكتاب هو لب اللباب، وعجب العجاب، وذخيرة الطلاب، ونهاية مآرب الألباب. وقد سميته: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-43>المنهج العام الذي اتبعه الشوكاني في تفسير الآيات:</span>\nيبدأ في تفسيره للآية أو الوحدة غالبا كما يلي:\n١ - فضائل السورة.\n٢ - القراءة.\n٣ - اللغة.\n٤ - الإعراب ثم الشواهد.\n٥ - أسباب النزول.\n٦ - النسخ.\n٧ - المعنى الإجمالي، وترجيح الأقوال.\n٨ - الأحكام المستنبطة من الآية.\n٩ - الختم بالأحاديث النبوية والآثار. (^٢).\nوهو مع هذا يذكر كثيرا المناسبات بين الآيات، وغيرها من أنواع المناسبات، ويدلي بدلوه؛ فيرجح، ويستظهر، ويستنبط، ويعطي نفسه حرية واسعة في الاستنباط؛ لأنه يرى نفسه مجتهدا لا يقل عن غيره من المجتهدين (^٣). وكثيرا ما يقدم خلاصة لما تضمنته السورة قبل الشروع في تفسيرها (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-44>تقديم الدراية على الرواية:</span>\nإن قيل: كان الأولى تقديم الرواية على الدراية؛ فيمكن أن يُجاب على هذا بأن لتقديم الدراية وجوها:\nالأول: أن الرواية التي يذكرها الشوكاني لا تستوعب كل ما في الآية مما يحتاج إلى تفسير، وكذلك لا تستوعب جميع الآيات، أما الدراية فهي بخلاف ذلك.\nالثاني: أن بعض المروي ضعيف فلا يعتمد عليه.\nالثالث: أنه قد يكون من باب ذكر الشيء ثم الاستدلال عليه، فلا يفهم من تقديم الدراية على الرواية الصحيحة تقديم الرأي على المأثور.\nعناية الشوكاني بعلم المناسبات:\n_________\n(^١) انظر: فتح القدير ج ١/ ص ١٢، ١٣.\n(^٢) انظر: الإمام الشوكاني مفسرا ص ١٦٥.\n(^٣) انظر: التفسير والمفسرون للذهبي ج ٢/ ص ٢٨٨.\n(^٤) كما في سورة الفرقان. انظر: الإمام الشوكاني مفسرا ص ١٦٦.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type='title' id=toc-45>الشوكاني ليس معارضا للمناسبة، بل هو من المؤيدين لها، ويدل على هذا أمور:</span>\n<span data-type='title' id=toc-46>الأول: أنه اعتنى في تفسيره كثيرا بأنواع المناسبات الداخلية، والخارجية، ومن هذه الأنواع:</span>\n<span data-type='title' id=toc-47>١) مناسبة اختيار لفظة:</span>\nاستنبط الشوكاني مناسبة اختيار لفظة محددة دون غيرها في بعض المواضع، ومن الأمثلة على ذلك:\nأ - استنبط مناسبة اختيار لفظ البارئ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾ [البقرة: ٥٤]، فقال: (وفي ذكر البارئ إشارة إلى عظيم جرمهم، أي: فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره) (^١).\nب - استنبط مناسبة اختيار لفظ (يرجون) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ [البقرة: ٢١٨]، فقال: (وقوله: ﴿يَرْجُونَ﴾ معناه يطمعون، وإنما قال: يرجون بعد تلك الأوصاف المادحة التي وصفهم بها؛ لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-48>٢) المناسبة بين المقسم والمقسم به:</span>\nنبه الشوكاني على نوع هام من أنواع المناسبات هو التناسب والترابط بين المقسم به والمقسم عليه، إذ اختيار المقسم به تراعى فيه الصفة التي تناسب الموقف (^٣).\nومثال ذلك: في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ [الذاريات: ٧ - ٨]. حيث قال: (﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ هذا جواب القسم بالسماء ذات الحبك، أي أنكم يا أهل مكة لفي قول مختلف متناقض في محمد -ﷺ- بعضكم يقول: إنه شاعر، وبعضكم يقول: إنه ساحر، وبعضكم يقول: إنه مجنون. ووجه تخصيص القسم بالسماء المتصفة بتلك الصفة؛ تشبيه أقوالهم في اختلافها باختلاف طرائق السماء) (^٤).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ١/ ص ٨٦. وانظر: الاستنباط رقم: ١٢.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٢١٨. وانظر: الاستنباط رقم: ٢٣.\n(^٣) انظر: التفسير البياني للقرآن الكريم ج ١/ ص ٢٥.\n(^٤) فتح القدير ج ٥/ ص ٨٣. وانظر: الاستنباط رقم: ١٩٦.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type='title' id=toc-49>٣) مناسبة ختم الآية:</span>\nفللشوكاني عناية باستنباط مناسبة ختم الآية لموضوعها، والآية قد تختم باسم من أسماء الله الحسنى، أو تختم بخاتمة تناسب موضوعها.\n\n<span data-type='title' id=toc-50>أولا: الأمثلة على مناسبة ختم الآية باسم من أسماء الله الحسنى:</span>\nأ - استنبط الشوكاني مناسبة ختم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى … السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩] بأن الله بكل شيء عليم، فقال: (وإنما أثبت لنفسه سبحانه أنه بكل شيء عليم لأنه يجب أن يكون عالما بجميع ما ثبت أنه خالقه) (^١).\nب - استنبط الشوكاني مناسبة ختم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ [آل عمران: ١٢٩] بأن الله غفور رحيم، فقال: قال الشوكاني -﵀-: (وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه، وتبشير لعباده بأنه المتصف بالمغفرة والرحمة على وجه المبالغة، وما أوقع هذا التذييل الجليل، وأحبه إلى قلوب العارفين بأسرار التنزيل) (^٢).\nت - مناسبة ختم قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ … عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ [النساء: ٣٤] بأن الله علي كبير، قال الشوكاني -﵀-: (﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ … عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح، ولين الجانب، أي: وإن كنتم تقدرون عليهن؛ فاذكروا قدرة الله عليكم، فإنها فوق كل قدرة والله بالمرصاد لكم) (^٣).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ١/ ص ٦١. وانظر: الاستنباط رقم: ٦.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٣٧٨. وانظر: الاستنباط رقم: ٤٢. وهذه المناسبة مما لم يذكره البقاعي.\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ٤٦١. وانظر: الاستنباط رقم: ٥٣.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type='title' id=toc-51>ثانيا: مناسبة ختم الآية بخاتمة تناسب موضوعها</span>.\nأ - مناسبة ختم قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠] بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾، قال الشوكاني -﵀-: (ولما كان سؤالهم واقعا على صفة تستلزم إثبات شيء من العلم لأنفسهم؛ أجاب الله سبحانه عليهم بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ وفي هذا الإجمال ما يغني عن التفصيل؛ لأن من علم ما لا يعلم المخاطب له كان حقيقا بأن يسلم له ما يصدر عنه. وعلى من لا يعلم أن يعترف لمن يعلم بأن أفعاله صادرة على ما يوجبه العلم وتقتضيه المصلحة الراجحة، والحكمة البالغة) (^١).\nب - مناسبة ذكر الفقه عند الحديث عن إنشاء الأنفس من نفس واحدة، وجعل بعضها مستقرا، وبعضها مستودعا في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾ [الأنعام: ٩٧ - ٩٨]، قال الشوكاني -﵀-: (وذكر سبحانه هاهنا ﴿يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾، وفيما قبله ﴿يَعْلَمُونَ﴾؛ لأن في إنشاء الأنفس من نفس واحدة، وجعل بعضها مستقرا، وبعضها مستودعا من الغموض والدقة ما ليس في خلق النجوم للاهتداء، فناسبه ذكر الفقه؛ لإشعاره بمزيد تدقيق، وإمعان فكر) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-52>٤) المناسبة بين الآيات:</span>\nأ - مناسبة قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ بعد ذكر اتخاذ الله إبراهيم -﵇- خليلا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ … حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ … خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾ [النساء: ١٢٥ - ١٢٦]، قال: (﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فيه إشارة إلى أنه سبحانه اتخذ إبراهيم خليلا؛ لطاعته، لا لحاجته، ولا للتكثير به، والاعتضاد بمخاللته) (^٣).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ١/ ص ٦٣. وانظر: الاستنباط رقم: ٧.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ١٤٤. وانظر: الاستنباط رقم: ٧٢.\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ٥١٩. وانظر: الاستنباط رقم: ٥٩.","vol":"1","page":42},{"text":"ب - مناسبة ذكر قصتي موسى -﵇-، وعيسى -﵇- بعد ذكر محبة الله للمجاهدين في سبيله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ … بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ [الصف: ٤ - ٦]، قال: (لما ذكر سبحانه أنه يحب المقاتلين في سبيله بين أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد، وجاهدا في سبيل الله، وحل العقاب بمن خالفهم … ويجوز أن يكون وجه ذكر قصة موسى وعيسى بعد محبة المجاهدين في سبيل الله التحذير لأمة محمد -ﷺ- أن يفعلوا مع نبيهم ما فعله قوم موسى وعيسى معهما) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-53>٥) المناسبة بين سورتين (مناسبة آخر سورة بفاتحة التي تليها):</span>\nكمناسبة خاتمة سورة الأنبياء لفاتحة سورة الحج. قال الشوكاني: (لما انجر الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها؛ بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة، وأهوالها؛ حثا على التقوى التي هي أنفع زاد فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾) (^٢). (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-54>الثاني: أنه دعا إلى استخراج المناسبة</span>، وإعمال الفكر لمعرفتها. قال- عند قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣)﴾ [الأنعام: ١٤٣]-: (وينبغي أن ينظر في وجه تقديم المعز والضأن على الإبل والبقر، مع كون الإبل والبقر أكثر نفعا، وأكبر أجساما، وأعود فائدة، لا سيما في الحمولة والفرش اللذين وقع الإبدال منهما على ما هو الوجه الأوضح في إعراب ثمانية) (^٤).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٥/ ص ٢٢٠. وانظر: الاستنباط رقم: ٢٠٨.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٤٣٥. وانظر: الاستنباط رقم: ١٤٩.\n(^٣) وانظر غيرها من الأنواع في بحث: موقف الإمام الشوكاني في تفسيره من المناسبات د. أحمد الشرقاوي ص ٤٥ وما بعدها.\n(^٤) فتح القدير ج ٢/ ص ١٧١.","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type='title' id=toc-55>الثالث: أنه أثنى في كتابه (البدر الطالع) على كتاب البقاعي (^١) (نظم الدرر)</span> عند ترجمته له بقوله: (ومن أمعن النظر في كتاب المترجَم له في التفسير، الذي جعله في المناسبة بين الآي والسور؛ علم أنه من أوعية العلم، المفرطين في الذكاء، الجامعين بين علمي المعقول والمنقول. وكثيرا ما يشكل علي شيء في الكتاب العزيز فأرجع إلى مطولات التفاسير ومختصراتها، فلا أجد ما يشفي، وأرجع إلى هذا الكتاب فأجد ما يفيد في الغالب) (^٢). فهذا النص دال على أن الشوكاني أخذ عن البقاعي كثيرا، فقول الشوكاني: (فأجد ما يفيد في الغالب) دال على أنه يرتضي غالب ما عند البقاعي، لكنه يدل أيضا على أن بعض ما عند البقاعي لا يرتضيه الشوكاني ربما للتكلف فيه.\nوالشوكاني لم يكتف بالأخذ عن البقاعي بل استنبط مناسبات لم يذكرها البقاعي مما يدل على اعتنائه بذكر المناسبات. ومن المناسبات التي ذكرها الشوكاني ولم يذكرها البقاعي: مناسبة ختم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ [آل عمران: ١٢٩] بأن الله غفور رحيم. قال الشوكاني -﵀-: (وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه، وتبشير لعباده بأنه المتصف بالمغفرة والرحمة على وجه المبالغة، وما أوقع هذا التذييل الجليل، وأحبه إلى قلوب العارفين بأسرار التنزيل) (^٣).\nأما كلامه الشديد الذي ظاهره رد المناسبات، وهو قوله: (اعلم أن كثيرا من المفسرين جاءوا بعلم متكلف، وخاضوا في بحر لم يكلفوا سباحته، واستغرقوا أوقاتهم في فن لا يعود عليهم بفائدة، بل أوقعوا أنفسهم في التكلم بمحض الرأي المنهي عنه في الأمور المتعلقة بكتاب الله سبحانه، وذلك أنهم أرادوا أن يذكروا المناسبة بين الآيات القرآنية المسرودة على هذا الترتيب الموجود في المصاحف، فجاءوا بتكلفات وتعسفات يتبرأ منها الإنصاف، ويتنزه عنها كلام البلغاء فضلا عن كلام الرب سبحانه، حتى أفردوا ذلك بالتصنيف، وجعلوه المقصد الأهم من التأليف، كما فعله البقاعي في تفسيره، ومن تقدمه حسبما ذكر في خطبته، وإن هذا لمن أعجب ما يسمعه من يعرف أن هذا القرآن ما زال ينزل مفرقا على حسب الحوادث المقتضية لنزوله منذ نزول الوحي على رسول الله -ﷺ- إلى أن قبضه الله ﷿ إليه، وكل عاقل فضلا عن عالم لا يشك أن هذه الحوادث المقتضية نزول القرآن متخالفة باعتبار نفسها، بل قد تكون متناقضة كتحريم أمر كان حلالا، وتحليل أمر كان حراما، وإثبات أمر لشخص أو أشخاص يناقض ما كان قد ثبت لهم قبله، وتارة يكون الكلام مع المسلمين، وتارة مع الكافرين، وتارة مع من مضى، وتارة مع من حضر، وحينا في عبادة، وحينا في معاملة، ووقتا في ترغيب، ووقتا في ترهيب، وآونة في بشارة، وآونة في نذارة، وطورا في أمر دنيا، وطورا في أمر آخرة، ومرة في تكاليف آتية، ومرة في أقاصيص ماضية. وإذا كانت أسباب النزول مختلفة هذا الاختلاف، ومتباينة هذا التباين الذي لا يتيسر معه الائتلاف؛ فالقرآن النازل فيها هو باعتباره نفسه مختلف كاختلافها، فكيف يطلب العاقل المناسبة بين الضب والنون، والماء والنار، والملاح والحادي، وهل هذا إلا من فتح أبواب الشك، وتوسيع دائرة الريب على من في قلبه مرض، أو كان مرضه مجرد الجهل والقصور، فإنه إذا وجد أهل العلم يتكلمون في التناسب بين جميع آي القرآن، ويفردون ذلك بالتصنيف تقرر عنده أن هذا أمر لا بد منه، وأنه لا يكون القرآن بليغا معجزا إلا إذا ظهر الوجه المقتضي للمناسبة، وتبين الأمر الموجب للارتباط، فإن وجد الاختلاف بين الآيات فرجع إلى ما قاله المتكلمون في ذلك فوجده تكلفا محضا، وتعسفا بينا انقدح في قلبه ما كان عنه في عافية وسلامة. هذا على فرض أن نزول القرآن كان مترتبا على هذا الترتيب الكائن في المصحف، فكيف وكل من له أدنى علم بالكتاب، وأيسر حظ من معرفته يعلم علما يقينا أنه لم يكن كذلك، ومن شك في هذا وإن لم يكن مما يشك فيه أهل العلم رجع إلى كلام أهل العلم العارفين بأسباب النزول، المطلعين على حوادث النبوة؛ فإنه ينثلج صدره، ويزول عنه الريب بالنظر في سورة من السور المتوسطة فضلا عن المطولة؛ لأنه لا محالة يجدها مشتملة على آيات نزلت في حوادث مختلفة، وأوقات متباينة لا مطابقة بين أسبابها وما نزل فيها في الترتيب، بل يكفي المقصر أن يعلم أن أول ما نزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق: ١]، وبعده ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ … (١)﴾ [المدثر: ١] ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ [المزمل: ١] وينظر وينظر أين موضع هذه الآيات والسور في ترتيب المصحف، وإذا كان الأمر هكذا فأي معنى لطلب المناسبة بين آيات نعلم قطعا أنه قد تقدم في ترتيب المصحف ما أنزله الله متأخرا، وتأخر ما أنزله الله متقدما، فإن هذا عمل لا يرجع إلى ترتيب نزول القرآن، بل إلى ما وقع من الترتيب عند جمعه ممن تصدى لذلك من الصحابة، وما أقل نفع مثل هذا، وأنزر ثمرته، وأحقر فائدته، بل هو عند من يفهم ما يقول وما يقال له من تضييع الأوقات، وإنفاق الساعات في أمر لا يعود بنفع على فاعله، ولا على من يقف عليه من الناس. وأنت تعلم أنه لو تصدى رجل من أهل العلم للمناسة بين ما قاله رجل من البلغاء من خطبه ورسائله وإنشاءاته، أو إلى ما قاله شاعر من الشعراء من القصائد التي تكون تارة مدحا، وأخرى هجاء، وحينا نسيبا، وحينا رثاء، وغير ذلك من الأنواع المتخالفة، فعمد هذا المتصدي إلى ذلك المجموع فناسب بين فقره ومقاطعه، ثم تكلف تكلفا آخر فناسب بين الخطبة التي خطبها في الجهاد، والخطبة التي خطبها في الحج، والخطبة التي خطبها في النكاح، ونحو ذلك وناسب بين الإنشاء الكائن في العزاء، والإنشاء الكائن في الهناء، وما يشابه ذلك؛ لعد هذا المتصدي لمثل هذا مصابا في عقله، متلاعبا بأوقاته، عابثا بعمره الذي هو رأس ماله، وإذا كان مثل هذا بهذه المنزلة وهو ركوب الأحموقة في كلام البشر، فكيف تراه يكون في كلام الله سبحانه الذي أعجزت بلاغته بلغاء العرب، وأبكمت فصاحته فصحاء عدنان وقحطان، وقد علم كل مقصر وكامل أن الله سبحانه وصف هذا القرآن بأنه عربي، وأنزله بلغة العرب، وسلك فيه مسالكهم في الكلام، وجرى به مجاريهم في الخطاب، وقد علمنا أن خطيبهم كان يقوم المقام الواحد فيأتي بفنون متحالفة، وطرائق متباينة، فضلا عن المقامين، فضلا عن المقامات، فضلا عن جميع ما قاله ما دام حيا، وكذلك شاعرهم. ولنكتف بهذا التنبيه على هذه المفسدة التي تعثر في ساحاتها كثير من المحققين، وإنما ذكرنا هذا البحث في هذا الموطن؛ لأن الكلام هنا قد انتقل مع بني إسرائيل بعد أن كان قبله مع أبي البشر آدم -﵇-، فإذا قال متكلف: كيف ناسب هذا ما قبله؛ قلنا: لا كيف.\n_________\n(^١) هو برهان الدين، إبراهيم بن عمر بن حسن البقاعي، الشافعي، المفسر، المحدث، المؤرخ، صنف تصانيف كثيرة منها: \"نظم الدرر في تناسب الآيات والسور\"، توفي سنة خمس وثمانين وثمانمائة للهجرة. انظر: شذرات الذهب ج ٧/ ص ٣٣٩، ٣٤٠، ومعجم المؤلفين ج ١/ ص ٤٩.\n(^٢) البدر الطالع ج ١/ ص ٥١.\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ٣٧٨. انظر هذا الاستنباط برقم: ٤٢. وهذه المناسبة مما لم يذكره البقاعي.","vol":"1","page":44},{"text":"فدع عنك نهبا صيح في حجراته وهات حديثا ما حديث الرواحل) (^١).\nفإن قوله هذا لا يكفي للقطع بأنه من المعارضين لعلم المناسبة، كيف؟ وهو ينهج في تفسيره نهجا يشد أزر القائلين به، ولا يجد فرصة لإبراز النظام إلا وينتهزها، ويقف عندها. وإنما الذي حمله على تسجيل تلك الكلمات اللاذعة هو أن الذين تبنوا فكرة التناسب لم يتعاطوها على وجهها. فالمطلع على تلك الجهود يجدها كثيرا ما تخطئ الهدف، ويجد جزءا كبيرا منها يغلب عليه لون التكلف والتعسف، فهي أقرب إلى التكلفات منها إلى المناسبات. وهذا ما هيَّج الشوكاني وأثار حميته، وجعله يشدد القول (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-56>ومن الأمثلة على المناسبات التي يأباها الشوكاني:</span>\n١) ما ذكره البقاعي من مناسبة قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣] لما قبله، فإن فيه تكلفا يأباه الشوكاني؛ ولذا استنبط مناسبة أخرى هي أقرب للصواب (^٣).\n٢) مناسبة تخصيص الطير، والعدد أربعة بالذكر في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾ [البقرة: ٢٦٠]، قال الشوكاني: (وخص الطير بذلك قيل: لأنه أقرب أنواع الحيوان إلى الإنسان، وقيل: إن الطير همته الطيران في السماء، والخليل كانت همته العلو، وقيل غير ذلك من الأسباب الموجبة لتخصيص الطير. وكل هذه لا تسمن ولا تغني من جوع، وليست إلا خواطر أفهام، وبوادر أذهان لا ينبغي أن تجعل وجوها لكلام الله، وعللا لما يرد في كلامه. وهكذا قيل: ما وجه تخصيص هذا العدد، فإن الطمأنينة تحصل بإحياء واحد، فقيل: إن الخليل إنما سأل واحدا على عدد العبودية فأعطي أربعا على قدر الربوبية، وقيل: إن الطيور الأربعة إشارة إلى الأركان الأربعة التي منها تتركب أركان الحيوان، ونحو ذلك من الهذيان) (^٤).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ١/ ص ٧٢، ٧٣.\n(^٢) انظر: إمعان النظر في نظام الآي والسور لمحمد سبحاني ص ٣٧ و٣٩.\n(^٣) انظر قول البقاعي وموقف الشوكاني منه عند الاستنباط رقم: ١٨.\n(^٤) فتح القدير ج ١/ ص ٢٨٢.","vol":"1","page":45},{"text":"٣) مناسبة إيراد قصة ابني آدم -﵇- في سياق الحديث عن مفاسد بني إسرائيل وظلمهم في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧] فإن العلماء أطالوا فيها واختصر الشوكاني، فقال -﵀-: (وجه اتصال هذا بما قبله التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه، فالداء قديم، والشر أصيل) (^١). فهذا مثال آخر على عدم التكلف في المناسبة.\nولا يُعترض على هذا بأنه ربط بين موضوعين مختلفين؛ لأن ربطه لا تكلف فيه.\n٤) مناسبة ذكر الاستعاذة بعد ذكر العمل الصالح والجزاء في قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٧ - ٩٨]، قال الشوكاني -﵀-: (ثم لما ذكر سبحانه العمل الصالح والجزاء عليه أتبعه بذكر الاستعاذة التي تخلص بها الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية، فقال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ والفاء لترتيب الاستعاذة على العمل الصالح. وقيل: هذه الآية متصلة بقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٢) [النحل: من الآية ٨٩]، والتقدير: فإذا أخذت في قراءته فاستعذ) (^٣).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٠. وانظر هذا الاستنباط برقم: ٦٢.\n(^٢) وتمامها: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ … أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾.\n(^٣) فتح القدير ج ٣/ ص ١٩٣. وانظر هذا الاستنباط برقم: ١٢٨.","vol":"1","page":46},{"text":"والقول الثاني هو قول القرطبي (^١). ولعل مخالفة الشوكاني القرطبي في ذكر المناسبة هنا مع إفادته كثيرا من تفسيره ما يدل على أن بعض المناسبات يأباها الشوكاني. ولعل هذا يصلح لأن يكون مثالا للتكلف الذي يأباه الشوكاني في تطلب المناسبة؛ لأن القول الثاني فيه ربط للآية بآية بعيدة عنها في الترتيب، وإهمال لمناسبتها للآية المتصلة بها.\nبقي توجيه كلام الشوكاني المتقدم، والذي ظاهره أنه ينفي المناسبة، فالباحثة إيمان الصميل ذكرت أن الشوكاني بالغ في رد أمر ثم لم يستطع الانفكاك عنه، فظهر ذلك في تطبيقاته لعلم المناسبات في تفسيره (^٢).\nوالأولى أن يحمل كلامه على المناسبات التي فيها تكلف، وتطلب ربط آيات بعيدة عن بعضها في الترتيب؛ لأن في كلامه ما يدل على أنه ينفي تطلب المناسبة بين الموضوعات المختلفة، والتي يصعب الوصول إلى معرفة وجه الربط بينها. أما ما عدا هذه الصورة فهو لا يرده ولا ينكره.\nوالقول بالمناسبة بين آيات مختلفة الموضوع فيه تكلف لا يليق بالعالم، قال ابن عاشور: الانتقال من غرض إلى غرض في آي القرآن لا تلزم له قوة ارتباط؛ لأن القرآن ليس كتاب تدريس يرتب بالتبويب، وتفريع المسائل بعضها على بعض، ولكنه كتاب تذكير وموعظة … فقد يجمع به الشيء للشيء من غير لزوم ارتباط، وتفرع مناسبة (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٠/ ص ١٥٦.\n(^٢) انظر: علوم القرآن عند الشوكاني، رسالة ماجستير، ص ١٩٧.\n(^٣) انظر: التحرير والتنوير ج ٢/ ص ٤٤٣، ٤٤٤.","vol":"1","page":47},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-57> الباب الأول:\nمنهج الشوكاني في الاستنباط من خلال تفسيره \"فتح القدير</span>\"\nوفيه ثلاثة فصول:\n\n•<span data-type='title' id=toc-58> الفصل الأول: أقسام الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره</span>.\n• الفصل الثاني: دلالات وطرق الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره.\n• الفصل الثالث: القيمة العلمية لاستنباطات الشوكاني.\n\n•الفصل الأول:\nأقسام الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره.\nوفيه ثلاثة مباحث:\n• المبحث الأول: الاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط.\n• المبحث الثاني: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط منه وخفائه.\n• المبحث الثالث: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب.","vol":"1","page":48},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-59> المبحث الأول:\nالاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط</span>\nوفيه ثمانية مطالب:\n• المطلب الأول: الاستنباطات في التفسير.\n• المطلب الثاني: الاستنباطات في علوم القرآن.\n• المطلب الثالث: الاستنباطات العقدية.\n• المطلب الرابع: الاستنباطات الأصولية.\n• المطلب الخامس: الاستنباطات الفقهية.\n• المطلب السادس: الاستنباطات اللغوية.\n• المطلب السابع: الاستنباطات في الرقائق.\n• المطلب الثامن: الاستنباطات التربوية السلوكية.\nموضوعات الاستنباط عند الشوكاني.\nتنوعت موضوعات الاستنباط عند الشوكاني وتعددت، فمنها ما هو في علوم القرآن، ومنها ما هو في أصول الفقه، ومنها ما هو في العقيدة، ونحو ذلك من الموضوعات التي سيبينها هذا المبحث مفصلة. وفي هذا التنوع ما يدل على عناية الشوكاني بالاستنباط، كما فيه ما يدل على سعة علمه، وعميق فهمه.\nوتفاوتت عدد الاستنباطات في كل موضوع من الموضوعات قلة وكثرة، وكانت أكثر الاستنباطات ورودا عند الشوكاني في تفسيره هي الاستنباطات في علوم القرآن بأقسامها، ثم تلتها الاستنباطات الفقهية. وسيأتي في نهاية المبحث- بإذن الله تعالى- بيان لهذه الأنواع مرتبة حسب ورودها عند الشوكاني.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type='title' id=toc-60>المطلب الأول:\nالاستنباطات في التفسير</span>\nتقدم بيان علاقة علم التفسير بالاستنباط (^١)، والمقصود هنا بالاستنباطات في التفسير الاستنباطات الباطنة التي ترتقي في شدة قربها وظهورها من المعنى الظاهر.\nوبهذا الاعتبار يمكن عد التفسير أحد موضوعات الاستنباط عند الشوكاني، وهو من الموضوعات الأقل ورودا عنده.\nتنبيه:\nلا يعد التفسير الموضوع الأصلي للاستنباط، بل لابد أن يكون للاستنباط موضوعه الأصلي من فقه، أو عقيدة، أو تربية، أو نحو ذلك، ويكون التفسير موضوعا ثانيا للاستنباط من جهة شدة ارتباطه بمعنى الآية، فلا يستقل التفسير بأن يكون موضوعا للاستنباط.\n\n<span data-type='title' id=toc-61>أمثلة على الاستنباطات في التفسير:</span>\n<span data-type='title' id=toc-62>المثال الأول:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ [البقرة: ٢٢١] تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة (^٢)؛ فقال -﵀-: (قوله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ أي: ولرقيقة مؤمنة. وقيل: المراد بالأمة الحرة؛ لأن الناس كلهم عبيد الله وإماؤه. والأول أولى لما سيأتي؛ لأنه الظاهر من اللفظ، ولأنه أبلغ، فإن تفضيل الأمة الرقيقة المؤمنة على الحرة المشركة؛ يستفاد منه تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة بالأولى) (^٣).\n_________\n(^١) انظر التمهيد ص ٣١ - ٣٤.\n(^٢) انظر: الاستنباط رقم ٢٤.\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ٢٢٤.","vol":"1","page":50},{"text":"فموضوع هذا الاستنباط العقيدة، ويصلح أن يكون استنباطا في التفسير أيضا لشدة تعلقه بمعنى الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-63>المثال الثاني:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣] نهي الولد عن سائر ما يؤذي والديه من فعل، أو قول كان مساويا لكلمة (أف)، أو أشد منها (^١)؛ فقال﵀-: (… والحاصل أنه- يعني كلمة أف- اسم فعل ينبئ عن التضجر والاستثقال، أو صوت ينبئ عن ذلك. فنهى الولد عن أن يظهر منه ما يدل على التضجر من أبويه أو الاستثقال لهما، بهذا النهي يفهم النهي عن سائر ما يؤذيها بفحوى الخطاب، أو بلحنه كما هو متقرر في الأصول) (^٢).\nفموضوع هذا الاستنباط التربية، ويصلح أن يكون استنباطا في التفسير أيضا لشدة تعلقه بمعنى الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-64>المثال الثالث:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢] أن في النهي عن قربان الزنا بمباشرة مقدماته نهيا عنه بالأولى (^٣)؛ فقال -﵀-: (… وفي النهي عن قربانه بمباشرة مقدماته نهى عنه بالأولى؛ فإن الوسيلة إلى الشيء إذا كانت حراما كان المتوسل إليه حراما بفحوى الخطاب) (^٤).\nفموضوع هذا الاستنباط الفقه، ويصلح أن يكون استنباطا في التفسير أيضا لشدة تعلقه بمعنى الآية. (^٥)\n_________\n(^١) انظر: الاستنباط رقم ١٣٢.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٢١٨.\n(^٣) انظر: الاستنباط رقم ١٣٤.\n(^٤) فتح القدير ج ٣/ ص ٢٢٣.\n(^٥) وانظر المثال الرابع في سورة النور: ٣١، الاستنباط رقم: ١٥٧.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type='title' id=toc-65>المطلب الثاني:\nالاستنباطات في علوم القرآن</span>\nالاستنباطات في علوم القرآن هي أكثر موضوعات الاستنباط ورودا عند الشوكاني في تفسيره.\nوقد جاءت الاستنباطات في ثلاثة علوم من علوم القرآن، وترتيبها حسب الأكثر ورودا على النحو التالي: المناسبات، ثم قصص القرآن، ثم معاني التكرار.\n\n<span data-type='title' id=toc-66>أولا: الاستنباطات في المناسبات </span>(^١).\n_________\n(^١) تقدم في التمهيد في آخر الحديث عن تفسير الشوكاني الحديث عن عنايته بالمناسبات بتوسع.","vol":"1","page":52},{"text":"اعتنى الشوكاني بالمناسبات الداخلية، والخارجية؛ ولذا تنوعت الاستنباطات في المناسبات عنده إلى أنواع:\n\n•<span data-type='title' id=toc-67> الاستنباطات في المناسبات الداخلية (داخل السورة):</span>\n<span data-type='title' id=toc-68>١ - مناسبة اللفظ </span>(^١).\nومثال ذلك: مناسبة تخصيص هارون -﵇- لفظ (الأم) بالإضافة في مناداته لموسى -﵇-، مع كونه أخاه من أبيه وأمه؛ في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾ [الأعراف: ١٥٠]، قال الشوكاني: (وإنما قال ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ مع كونه أخاه من أبيه وأمه؛ لأنها كلمة لين وعطف، ولأنها كانت كما قيل مؤمنة) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-69>٢ - مناسبة ختم الآية </span>(^٣).\nومثال ذلك: قول الشوكاني - في مناسبة خاتمة قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧]-: (ووجه ذكر الرأفة هنا أنه أوجب عليهم ما أوجبه؛ ليجازيهم، ويثيبهم عليه، فكان ذلك رأفة بهم، ولطفا لهم) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-70>٣ - المناسبة بين أجزاء الآية الواحدة </span>(^٥).\nومثال ذلك: قول الشوكاني -عند قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [غافر: ١٣]-: (﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ يعني المطر فإنه سبب الأرزاق، جمع سبحانه بين إظهار الآيات وإنزال الأرزاق؛ لأن بإظهار الآيات قوام الأديان وبالأرزاق قوام الأبدان) (^٦).\n_________\n(^١) انظر أمثلة ذلك في الاستنباطات رقم: ١٢، ٨٠، ١٥٣، ١٤٦.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ٢٤٨. وانظر هذا الاستنباط برقم: ٨٠. والاستنباط رقم: ١٤٦ حيث استنبط الشوكاني مثل هذا الاستنباط من الآية ٩٤ من سورة طه.\n(^٣) انظر أمثلة ذلك في الاستنباطات رقم: ٦، ٧، ٥٣، ١١٩، ١٢٥، ١٦١.\n(^٤) فتح القدير ج ١/ ص ٢٠٩. وانظر هذا الاستنباط برقم: ٢١.\n(^٥) وانظر مثال آخر في الاستنباط رقم: ١٣٦.\n(^٦) فتح القدير ج ٤/ ص ٤٨٤. وانظر هذا الاستنباط برقم: ١٨٧.","vol":"1","page":53},{"text":"٤ -<span data-type='title' id=toc-71> المناسبة بين الآيات (بين آيتين أو أكثر) (^١). وهذا النوع هو الأكثر ورودا عند الشوكاني</span>.\nو<span data-type='title' id=toc-72> أمثلة ذلك:</span>\nأ - المناسبة بين الآيتين: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٧ - ٩٨] أن ذكر الاستعاذة بعد ذكر العمل الصالح والجزاء عليه لأن بالاستعاذة تخلص الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية، قال الشوكاني -﵀-: (ثم لما ذكر سبحانه العمل الصالح والجزاء عليه أتبعه بذكر الاستعاذة التي تخلص بها الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية، فقال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾) (^٢).\nب - المناسبة بين الآيتين: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾ [العنكبوت: ٥٩ - ٦٠]، أن النظر في حال الدواب مما يعين على الصبر والتوكل، قال الشوكاني -﵀-: (ثم وصف هؤلاء العاملين فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على مشاق التكليف وعلى أذية المشركين لهم، ويجوز أن يكون منصوبا على المدح … ثم ذكر سبحانه ما يعين على الصبر والتوكل، وهو النظر في حال الدواب. فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ … ومعنى لا تحمل رزقها: لا تطيق حمل رزقها لضعفها ولا تدخره وإنما يرزقها الله من فضله ويرزقكم، فكيف لا يتوكلون على الله مع قوتهم وقدرتهم على أسباب العيش كتوكلها على الله مع ضعفها وعجزها) (^٣).\nت - من الأمثلة على المناسبة بين الآيات: مناسبة قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء: ١٥] لما قبله من الآيات، قال الشوكاني -﵀-: (لما ذكر سبحانه في هذه السورة الإحسان إلى النساء، وإيصال صدقاتهن إليهن، وميراثهن مع الرجال ذكر التغليظ عليهن فيما يأتين به من الفاحشة؛ لئلا يتوهمن أنه يسوغ لهن ترك التعفف) (^٤).\n_________\n(^١) انظر أمثلة ذلك في الاستنباطات رقم: ٥٢، ٥٩، ٦٢، ٦٤، ١٠١، ١٠٦، ١٢٨، ١٤٥، ١٧٤، ١٩٩، ٢٠٢، ٢٠٨.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ١٩٣. وانظر هذا الاستنباط برقم: ١٢٨.\n(^٣) فتح القدير ج ٤/ ص ٢١١. وانظر هذا الاستنباط برقم: ١٧٤.\n(^٤) فتح القدير ج ١/ ص ٤٣٧. وانظر هذا الاستنباط برقم: ٥٢.","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type='title' id=toc-73>٥ - المناسبة بين المقسم والمقسم به:</span>\nومثال ذلك: في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ [الذاريات: ٧ - ٨]. حيث قال: (﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ هذا جواب القسم بالسماء ذات الحبك، أي أنكم يا أهل مكة لفي قول مختلف متناقض في محمد -ﷺ- بعضكم يقول: إنه شاعر، وبعضكم يقول: إنه ساحر، وبعضكم يقول: إنه مجنون. ووجه تخصيص القسم بالسماء المتصفة بتلك الصفة؛ تشبيه أقوالهم في اختلافها باختلاف طرائق السماء) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-74>٦ - مناسبة خاتمة السورة لآخر موضوعاتها</span>.\nومثال ذلك: مناسبة ختم سورة المؤمنون بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ … لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾ [المؤمنون: ١١٧، ١١٨]، وآخر موضوعاتها يبينه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ … هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠]، قال الشوكاني -﵀-: (ثم ختم هذه السورة بتعليم رسوله -ﷺ- أن يدعوه بالمغفرة والرحمة، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾ أمره سبحانه بالاستغفار لتقتدي به أمته. وقيل: أمره بالاستغفار لأمته. وقد تقدم بيان كونه أرحم الراحمين. ووجه اتصال هذا بما قبله أنه سبحانه لما شرح أحوال الكفار أمر بالانقطاع إليه، والالتجاء إلى غفرانه ورحمته) (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-75> الاستنباطات في المناسبات الخارجية (بين السور):</span>\nكالمناسبة بين آخر سورة وبداية السورة التي تليها.\nومثال ذلك: مناسبة خاتمة سورة الأنبياء لفاتحة سورة الحج. قال الشوكاني: (لما انجر الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها؛ بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة، وأهوالها؛ حثا على التقوى التي هي أنفع زاد فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾) (^٣).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٥/ ص ٨٣. وانظر هذا الاستنباط برقم: ١٩٦.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٥٠١. وانظر هذا الاستنباط برقم: ١٥٦.\n(^٣) فتح القدير ج ٣/ ص ٤٣٥. وانظر هذا الاستنباط برقم: ١٤٩.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type='title' id=toc-76>ثانيا: الاستنباطات في قصص القرآن</span>.\nاستنبط الشوكاني كثيرا من الاستنباطات في قصص القرآن، وهذا النوع من الاستنباطات يأتي في المرتبة الثانية من استنباطات علوم القرآن.\n\n<span data-type='title' id=toc-77>أمثلة على الاستنباطات في قصص القرآن:</span>\n<span data-type='title' id=toc-78>المثال الأول:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- من قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ [يونس: ٨٥ - ٨٦] اهتمام من آمن بموسى -﵇- بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم (^١)؛ فقال -﵀-: (ولما قدموا التضرع إلى الله سبحانه في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه بسؤال عصمة أنفسهم فقالوا: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ وفي هذا دليل على أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-79>المثال الثاني:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾ [مريم: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران: ٤١] أن المدة التي جعلها الله تعالى آية لزكريا -﵇- لا يكلم الناس فيها هي ثلاثة أيام ولياليهن (^٣)؛ فقال -﵀-: (وقد دل بذكر الليالي هنا والأيام في آل عمران أن المراد ثلاثة أيام ولياليهن) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-80>المثال الثالث:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ [الصافات: ١٠١] البشارة\nلإبراهيم -﵇- ببقاء الغلام المبشر به حتى يكبر ويصير حليما (^٥)؛ فقال -﵀-: (ومعنى حليم أن يكون حليما عند كبره، فكأنه بشر ببقاء ذلك الغلام حتى يكبر ويصير حليما؛ لأن الصغير لا يوصف بالحلم. قال الزجاج: هذه البشارة تدل على أنه مبشر بابن ذكر، وأنه يبقى حتى ينتهي في السن، ويوصف بالحلم) (^٦). (^٧).\n_________\n(^١) انظر: الاستنباط رقم: ١٠٣.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ٤٦٦.\n(^٣) انظر: الاستنباط رقم: ١٤٢.\n(^٤) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٢٤.\n(^٥) انظر: الاستنباط رقم: ١٨٤.\n(^٦) فتح القدير ج ٤/ ص ٤٠٣.\n(^٧) وانظر أمثلة أخرى في الاستنباطات رقم: ٢٩، ٩٠، ٩٧، ١٠٣، ١٤٤، ١٦٩، ٢١٢، ٢١٥.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type='title' id=toc-81>ثالثا: الاستنباطات في معاني التكرار</span>.\nهذا النوع من علوم القرآن هو أقل موضوعات علوم القرآن ورودا عند الشوكاني، فلم يرد سوى ثلاث مرات فقط.\n\n<span data-type='title' id=toc-82>أمثلة على الاستنباطات في معاني التكرار:</span>\n<span data-type='title' id=toc-83>المثال الأول:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٥] معنى تكرار لفظ (أولئك) (^١)؛ فقال -﵀-: (وفي تكرير اسم الإشارة دلالة على أن كلا من الهدى والفلاح المستقل بتميزهم به عن غيرهم، بحيث لو انفرد أحدهما لكفى تميزا على حاله) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-84>المثال الثاني:</span>\nاستنبط الشوكاني معنى تكرار قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾ [القمر: ٤٠] (^٣)؛ فقال -﵀-: (ولعل وجه تكرير تيسير القرآن للذكر في هذه السورة الإشعار بأنه منة عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل عن شكرها) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-85>المثال الثالث:</span>\nاستنبط الشوكاني معنى تكرار لفظ (الناس) في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس: ١ - ٣] (^٥)؛ فقال -﵀-: (وقوله:\n﴿مَلِكِ النَّاسِ (٢)﴾ عطف بيان جيء به لبيان أن ربيته سبحانه ليست كربية سائر الملاك لما تحت أيديهم من مماليكهم، بل بطريق الملك الكامل، والسلطان القاهر. ﴿إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ هو أيضا عطف بيان كالذي قبله؛ لبيان أن ربوبيته وملكه قد انضم إليهما المعبودية المؤسسة على الألوهية المقتضية للقدرة التامة على التصرف الكلي بالاتحاد والإعدام، وأيضا الرب قد يكون ملكا وقد لا يكون ملكا، كما يقال: رب الدار، ورب المتاع، ومنه قوله:\n﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (^٦) [التوبة: ٣١] فبين أنه ملك الناس، ثم الملك قد يكون إلها وقد لا يكون، فبين أنه إله؛ لأن اسم الإله خاص به لا يشاركه فيه أحد، وأيضا بدأ باسم الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه من أوائل عمره إلى أن صار عاقلا كاملا، فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك فذكر أنه ملك الناس، ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه، وأنه عبد مخلوق، وأن خالقه إله معبود بين سبحانه أنه إله الناس. وكرر لفظ الناس في الثلاثة المواضع؛ لأن عطف البيان يحتاج إلى مزية الإظهار، ولأن التكرير يقتضي مزيد شرف الناس) (^٧).\n_________\n(^١) انظر: الاستنباط رقم: ٣.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٣٧، ٣٨.\n(^٣) انظر: الاستنباط رقم: ٢٠١.\n(^٤) فتح القدير ج ٥/ ص ١٢٧.\n(^٥) انظر: الاستنباط رقم: ٢١٩.\n(^٦) وتمامها: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾.\n(^٧) فتح القدير ج ٥/ ص ٥٢٢.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type='title' id=toc-86>المطلب الثالث:\nالاستنباطات العقدية</span>\nاستنبط الشوكاني استنباطات كثيرة في العقيدة فجاء هذا الموضوع في المرتبة الثانية بعد الاستنباطات في علوم القرآن.\n\n<span data-type='title' id=toc-87>أمثلة على الاستنباطات العقدية:</span>\n<span data-type='title' id=toc-88>المثال الأول:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾ [يوسف: ٨٨] جواز الشكوى عند الضرورة (^١)؛ فقال -﵀-: (﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي: الجوع والحاجة. وفيه دليل على أنه تجوز الشكوى عند الضرورة إذا خاف من إصابته على نفسه كما يجوز للعليل أن يشكو إلى الطبيب ما يجده من العلة) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-89>المثال الثاني:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ … الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ [الكهف: ٢ - ٤] أن أقبح أنواع الكفر نسبة الولد إلى الله سبحانه (^٣)؛ فقال -﵀-: (﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ وهم اليهود، والنصارى، وبعض كفار قريش القائلون بأن الملائكة بنات الله. فذكر سبحانه أولا قضية كلية وهي إنذار عموم الكفار، ثم عطف عليها قضية خاصة هي بعض جزئيات تلك الكلية تنبيها على كونها أعظم جزئيات تلك الكلية؛ فأفاد ذلك أن نسبة الولد إلى الله سبحانه أقبح أنواع الكفر) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-90>المثال الثالث:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾ [الشعراء: ١٤] أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء (^٥)؛ فقال -﵀-: (… الذنب هو قتله للقبطي، وسماه ذنبا بحسب زعمهم، فخاف موسى أن يقتلوه به. وفيه دليل على أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء) (^٦). (^٧).\n_________\n(^١) انظر: الاستنباط رقم: ١١٦.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٥٠.\n(^٣) انظر: الاستنباط رقم: ١٣٧.\n(^٤) فتح القدير ج ٣/ ص ٢٦٩.\n(^٥) انظر: الاستنباط رقم: ١٦٥.\n(^٦) فتح القدير ج ٤/ ص ٩٥.\n(^٧) وانظر أمثلة أخرى في الاستنباطات رقم: ٤٣، ٥٥، ٦٤، ١٢٠، ١٦٤.","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type='title' id=toc-91>المطلب الرابع:\nالاستنباطات الأصولية</span>\nاستنبط الشوكاني عددا من الاستنباطات في أصول الفقه، كذم التقليد، وحجية سد الذرائع، ومخاطبة الكفار بفروع الشريعة، وجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، وجواز اجتهاد النبي -ﷺ-، وغيرها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-92>أمثلة على الاستنباطات الأصولية:</span>\n<span data-type='title' id=toc-93>المثال الأول:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢] وجوب استعمال الحجج وترك التقليد (^٢)؛ فقال -﵀-: (وفيه دليل على وجوب استعمال الحجج وترك التقليد) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-94>المثال الثاني:</span>\nاستنبط الشوكاني حجية سد الذرائع (^٤) من قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ [البقرة: ٣٥]؛ فقال -﵀-: (والنهي عن القرب فيه سد للذريعة وقطع للوسيلة؛ ولهذا جاء به عوضا عن الأكل. ولا يخفي أن النهي عن القرب لا يستلزم النهي عن الأكل؛ لأنه قد يأكل من ثمر الشجرة من هو بعيد عنها إذا يحمل إليه، فالأولى أن يقال: المنع من الأكل مستفاد من المقام) (^٥).\nومثله من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ [الأنعام: ١٠٨]؛ فقال -﵀-: (وهى أصل أصيل في سد الذرائع، وقطع التطرق إلى الشبه) (^٦).\n_________\n(^١) انظر أمثلة لهذا في الاستنباطات رقم: ٢٠، ٦٠، ٨٣، ٩١، ٩٣، ١٤٨، ١٨١، ١٨٩.\n(^٢) انظر: الاستنباط رقم: ٤.\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ٥٠.\n(^٤) انظر: الاستنباط رقم: ٨، ٧٤.\n(^٥) فتح القدير ج ١/ ص ٦٨.\n(^٦) فتح القدير ج ٢/ ص ١٥٠.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type='title' id=toc-95>المثال الثالث:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ … (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٦] أن الكفار مخاطبون بالشرعيات (^١)؛ فقال -﵀-: (ثم ذكر سبحانه ما أجاب به أهل النار عليهم فقال: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ أي: من المؤمنين الذين يصلون لله في الدنيا، ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ أي: لم نتصدق على المساكين. قيل: وهذان محمولان على الصلاة الواجبة والصدقة الواجبة؛ لأنه لا تعذيب على غير الواجب. وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالشرعيات) (^٢).\n_________\n(^١) انظر: الاستنباط رقم: ٢١٣.\n(^٢) فتح القدير ج ٥/ ص ٣٣٣.","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type='title' id=toc-96>المطلب الخامس:\nالاستنباطات الفقهية</span>\nاستنبط الشوكاني استنباطات كثيرة في الفقه؛ ولذا جاءت الاستنباطات الفقهية في المرتبة الثالثة من حيث الاستنباطات الأكثر ورودا عند الشوكاني.\nوكما استنبط الشوكاني استنباطات فقهية فكذلك استنبط استنباطات في القواعد الفقهية، وسأُمَثِّل لها أولا، ثم أُمَثِّل للاستنباطات الفقهية.\n\n<span data-type='title' id=toc-97>أولا: أمثلة على الاستنباط في القواعد الفقهية:</span>\nاستنبط الشوكاني استنباطين في القواعد الفقهية هما:\n\n<span data-type='title' id=toc-98>المثال الأول:</span>\nالأصل في الأشياء الإباحة (^١). (قاعدة فقهية فرعية مندرجة تحت القاعدة العامة: اليقين لا يزول بالشك).\nفاستنبط هذه القاعدة من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى … السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩]؛ فقال -﵀-: (وفيه دليل على أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل. ولا فرق بين الحيوانات وغيرها مما ينتفع به من غير ضرر. وفي التأكيد بقوله: … ﴿جَمِيعًا﴾ أقوى دلالة على هذا) (^٢).\nومن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة: ١٦٨]؛ فقال -﵀-: (… وفي هذه الآية دليل على أن كل ما لم يرد فيه نص أو ظاهر من الأعيان الموجودة في الأرض فأصله الحل حتى يرد دليل يقتضي تحريمه) (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الاستنباط رقم: ٥، ١٩.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٦٠.\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ١٦٧.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type='title' id=toc-99>المثال الثاني:</span>\nدفع المفاسد أهم من جلب المصالح (^١). (قاعدة فقهية فرعية مندرجة تحت القاعدة العامة: لا ضرر ولا ضرار)\nفاستنبط هذه القاعدة من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ [المائدة: ٧٦]؛ فقال -﵀-: (أمر الله سبحانه رسوله -ﷺ- أن يقول لهم هذا القول إلزاما لهم، وقطعا لشبهتهم، أي: أتعبدون من دون الله -متجاوزين إياه- ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا، بل هو عبد مأمور، وما جرى على يده من النفع أو دفع من الضر فهو بإقدار الله له وتمكينه منه … وقدم سبحانه الضر على النفع؛ لأن دفع المفاسد أهم من جلب المصالح) (^٢).\nومن قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾ [الفرقان: ٣]؛ فقال -﵀-: (وقدم ذكر الضر لأن دفعه أهم من جلب النفع، وإذا كانوا بحيث لا يقدرون على الدفع والنفع فيما يتعلق بأنفسهم فكيف يملكون ذلك لمن يعبدهم) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-100>ثانيا: أمثلة على الاستنباطات الفقهية:</span>\n<span data-type='title' id=toc-101>المثال الأول:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [البقرة: ٤٣] الإرشاد إلى شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد (^٤)؛ فقال -﵀-: (وقوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ فيه الإرشاد إلى شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد) (^٥).\nواستنبط هذا الاستنباط أيضا من قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣] (^٦)؛ فقال -﵀-: (قوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ظاهره ركوعها يكون مع ركوعهم، فيدل على مشروعية صلاة الجماعة) (^٧).\n_________\n(^١) انظر: الاستنباط رقم: ٦٧، ١٦٢.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ٦٥.\n(^٣) فتح القدير ج ٤/ ص ٦١.\n(^٤) انظر: الاستنباط رقم: ١١.\n(^٥) فتح القدير ج ١/ ص ٧٧.\n(^٦) انظر: الاستنباط رقم: ٣٦.\n(^٧) فتح القدير ج ١/ ص ٣٣٨.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type='title' id=toc-102>المثال الثاني:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة: ٢٣٧] أن المتعة لا تجب للمطلقة قبل الدخول وبعد التسمية (^١)؛ فقال -﵀-: (قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ … الآية. فيه دليل على أن المتعة لا تجب لهذه المطلقة؛ لوقوعها في مقابلة المطلقة قبل البناء والفرض التي تستحق المتعة) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-103>المثال الثالث:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣] أنه لا حق للمملوكات في القسم (^٣)؛ فقال -﵀-: (قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ معطوف على واحدة، أي: فانكحوا واحدة، أو انكحوا ما ملكت أيمانكم من السراري، وإن كثر عددهن، كما يفيده الموصول. والمراد نكاحهن بطريق الملك لا بطريق النكاح. وفيه دليل على أنه لا حق للمملوكات في القسم، كما يدل على ذلك جعله قسيما للواحدة في الأمن من عدم العدل) (^٤). (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الاستنباط رقم: ٢٨.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٢٥٣.\n(^٣) انظر: الاستنباط رقم: ٤٥.\n(^٤) فتح القدير ج ١/ ص ٤٢١.\n(^٥) وانظر أمثلة أخرى للاستنباطات الفقهية في الاستنباطات رقم: ٢٦، ٢٧، ٣٣، ٣٦، ٤٦، ٤٧، ٤٩، ٥٠، ٦٣، ٦٩، ٧٧، ١١١، ١١٥، ١٣٤، ١٥١، ١٥٢، ١٥٧، ١٥٨، ١٥٩، ١٦٠، ١٦٨، ١٧٧، ٢١٠.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-104>المطلب السادس:\nالاستنباطات اللغوية استنبط الشوكاني عددا من الاستنباطات اللغوية وذلك في ثمانية مواضع </span>(^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-105>أمثلة على الاستنباطات اللغوية:</span>\n_________\n(^١) انظر أمثلة لذلك في الاستنباطات رقم: ٣٠، ١٥٣، ١٦٣، ١٧٩.","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type='title' id=toc-106>المثال الأول:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨] أن وعد يقال في الشر (^١)؛ فقال -﵀-: (وفي هذه الآية دليل على أن وعد يقال في الشر) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-107>المثال الثاني:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)﴾ [الكهف: ٧٧] وقوله: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ … لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا … أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا … رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾ [الكهف: ٨٢] جواز إطلاق اسم المدينة على القرية (^٣)؛ فقال -﵀-: (﴿فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ هي القرية المذكورة سابقا، وفيه جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-108>المثال الثالث:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ [الأنبياء: ٧٨] جواز إطلاق الجمع على الاثنين (^٥)؛ فقال -﵀-: (﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: لحكم الحاكمين. وفيه جواز إطلاق الجمع على الاثنين) (^٦).\n_________\n(^١) انظر: الاستنباط رقم: ٩٥.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٧٩.\n(^٣) انظر: الاستنباط رقم: ١٤١.\n(^٤) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٠٤.\n(^٥) انظر: الاستنباط رقم: ١٤٨.\n(^٦) فتح القدير ج ٣/ ص ٤١٨.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type='title' id=toc-109>المطلب السابع:\nالاستنباطات في الرقائق</span>.\nاستنبط الشوكاني استنباطات في الرقائق، كبيان أن رحمة الله سبب دخول الجنة، وأن رحمة الله سبقت غضبه، وكالحديث عن الزهد، ونحو ذلك (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-110>أمثلة على الاستنباطات في الرقائق:</span>\n<span data-type='title' id=toc-111>المثال الأول:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ [البقرة: ٢٤٩] أن الغرفة تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش (^٢)؛ فقال -﵀-: (والمراد بهذا الابتلاء اختبار طاعتهم، فمن أطاع في ذلك الماء أطاع فيما عداه، ومن عصى في هذا وغلبته نفسه فهو بالعصيان في سائر الشدائد أحرى. ورخص لهم في الغرفة؛ ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع، وليكسروا نزاع النفس في هذه الحال. وفيه أن الغرفة تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش، الدافعين أنفسهم عن الرفاهية) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-112>المثال الثاني:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ [آل عمران: ١٢٩] أن رحمة الله سبقت غضبه (^٤)؛ فقال -﵀-: (وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه، وتبشير لعباده بأنه المتصف بالمغفرة والرحمة على وجه المبالغة، وما أوقع هذا التذييل الجليل، وأحبه إلى قلوب العارفين بأسرار التنزيل) (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الاستنباطات رقم: ٢٣، ٣٩، ٧٦، ١٠٤، ١٣١، ١٨٥، ١٩٨، ٢٠٠.\n(^٢) انظر: الاستنباط رقم: ٢٩.\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ٢٦٥.\n(^٤) انظر: الاستنباط رقم: ٤٢.\n(^٥) فتح القدير ج ١/ ص ٣٧٨.","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type='title' id=toc-113>المثال الثالث:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣)﴾ [فاطر: ٣٣] سرعة دخول أهل الجنة إلى الجنة (^١)؛ فقال -﵀-: (… وفيه إشارة إلى سرعة الدخول، فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيرا للدخول، فلما قال: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ أشار أن دخولهم على وجه السرعة) (^٢).\n_________\n(^١) انظر: الاستنباط رقم: ١٨٢.\n(^٢) فتح القدير ج ٤/ ص ٣٥٠.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type='title' id=toc-114>المطلب الثامن:\nالاستنباطات التربوية السلوكية</span>.\nاستنبط الشوكاني استنباطات تربوية سلوكية في ثمانية عشر موضعا من تفسيره (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-115>أمثلة على الاستنباطات التربوية السلوكية:</span>\n<span data-type='title' id=toc-116>المثال الأول:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤] أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص، وإن لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم؛ سدا للذريعة ودفعا للوسيلة وقطعا لمادة المفسدة والتطرق إليه (^٢)؛ فقال -﵀-: (وجه النهي عن ذلك أن هذا اللفظ كان بلسان اليهود سبًا. قيل: إنه في لغتهم بمعنى اسمع لا سمعت. وقيل: غير ذلك. فلما سمعوا المسلمين يقولون للنبي -ﷺ- راعنا طلبا منه أن يراعيهم -من المراعاة- اغتنموا الفرصة وكانوا يقولون للنبي -ﷺ- كذلك مظهرين أنهم يريدون المعنى العربي، مبطنين أنهم يقصدون السب الذي هو معنى هذا اللفظ في لغتهم. وفي ذلك دليل على أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص وإن لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم؛ سدا للذريعة ودفعا للوسيلة وقطعا لمادة المفسدة والتطرق إليه. ثم أمرهم الله بأن يخاطبوا النبي -ﷺ- بما لا يحتمل النقص ولا يصلح للتعريض فقال: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ أي: أقبل علينا، وانظر إلينا …) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-117>المثال الثاني:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ [التوبة: ١١٨] جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم؛ لينزجروا عن المعاصي (^٤)؛ فقال -﵀-: (قوله: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ معناه: أنهم أخروا عن قبول التوبة إلى هذه الغاية، وهي وقت أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت. وما مصدرية أي: برحبها لإعراض الناس عنهم وعدم مكالمتهم من كل أحد؛ لأن النبي -ﷺ- نهى الناس أن يكالموهم … وفي هذه الآية دليل على جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم؛ لينزجروا عن المعاصي) (^٥).\n_________\n(^١) انظر أمثلة لهذا في الاستنباطات رقم: ٢، ٨٧، ٩٤، ٩٨، ١٢٣، ١٣٢، ١٤٤، ١٦٦، ١٨٨، ١٩٥، ٢١٧.\n(^٢) انظر: الاستنباط رقم: ١٤.\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ١٢٤.\n(^٤) انظر: الاستنباط رقم: ٩٧.\n(^٥) فتح القدير ج ٢/ ص ٤١٣.","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type='title' id=toc-118>المثال الثالث:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾ [الكهف: ٦٦] أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب (^١)؛ فقال -﵀-: (في هذا السؤال ملاطفة، ومبالغة في حسن الأدب؛ لأنه استأذنه أن يكون تابعا له على أن يعلمه مما علمه الله من العلم … وفي الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب، وليس في ذلك ما يدل على أن الخضر أفضل من موسى، فقد يأخذ الفاضل عن الفاضل، وقد يأخذ الفاضل عن المفضول إذا اختص أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر، فقد كان علم موسى علم الأحكام الشرعية، والقضاء بظاهرها، وكان علم الخضر علم بعض الغيب، ومعرفة البواطن) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-119>موضوعات أخرى للاستنباط:</span>\nيظهر للمتأمل في استنباطات الشوكاني عنايته بموضوعات أخرى غير التي تقدم ذكرها، وهذه الموضوعات هي:<span data-type='title' id=toc-121> الدعوات والذكر</span>، والأخلاق، والدعوة، والسيرة النبوية، والطب، والتأريخ.\n\n<span data-type='title' id=toc-120>أمثلة للاستنباط في هذه الموضوعات:</span>\n• الدعوات والذكر: استنبط الشوكاني أربعة عشر استنباطا في الدعوات والذكر (^٣). وأمثلة ذلك:\n١ - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم: ١٧ - ١٨] حيث قال -﵀-: (وجملة: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ معترضة مسوقة للإرشاد إلى الحمد، والإيذان بمشروعية الجمع بينه وبين التسبيح كما في قوله سبحانه: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: من الآية ٩٨]، و﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: من الآية ٣٠]) (^٤).\n٢ - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ [الأحقاف: ١٥] حيث قال -﵀-: (وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من هذه الدعوات) (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الاستنباط رقم: ١٤٠.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٢٩٩.\n(^٣) انظر أمثلة لذلك في الاستنباطات رقم: ٧١، ٨٥، ٨٩، ١٠٠، ١٠٥، ١٠٨، ١٥١، ١٩٥، ٢٠٧، ٢١٢.\n(^٤) فتح القدير ج ٤/ ص ٢١٨، ٢١٩. وانظر هذا الاستنباط برقم: ١٧٥.\n(^٥) فتح القدير ج ٥/ ص ١٨. وانظر هذا الاستنباط برقم: ١٩١.","vol":"1","page":69},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-122> الأخلاق:</span> وهذا الموضوع قريب من موضوع التربية، لكن الفرق بين الاستنباط في التربية وفي الأخلاق أن الاستنباط التربوي فيه توجيه تربوي، أما الاستنباط في الأخلاق فهو مجرد وصف لخلق ممدوح أو مذموم، وبيان حال الناس معه. وقد استنبط الشوكاني ثلاثة استنباطات في الأخلاق. ومثال ذلك: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا … مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [آل عمران: ٧٥] حيث قال -﵀-: (ومعنى الآية: أن أهل الكتاب فيهم الأمين الذي يؤدي أمانته وإن كانت كثيرة، وفيهم الخائن الذي لا يؤدي أمانته وإن كانت حقيرة. ومن كان أمينا في الكثير فهو في القليل أمين بالأولى، ومن كان خائنا في القليل فهو في الكثير خائن بالأولى) (^١). (^٢).\n•<span data-type='title' id=toc-123> الدعوة:</span> استنبط الشوكاني استنباطين في الدعوة، هما:\n١ - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا … وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ … وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا … هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٣] حيث قال﵀-: (وقوله: … ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فيه الإرشاد إلى التوحيد، وقطع علائق الشرك. والإشارة إلى أن أول ما يجب بيانه ويحرم كتمانه هو أمر التوحيد) (^٣).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ١/ ص ٣٥٣. وانظر هذا الاستنباط برقم: ٣٨.\n(^٢) وانظر أيضا الاستنباط رقم: ٥٤، ٧٨.\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ١٦٢. وانظر هذا الاستنباط برقم: ١٨.","vol":"1","page":70},{"text":"٢ - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ … زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا … يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ [الأنعام: ١٠٨] حيث قال -﵀-: (وفي هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد كان الترك أولى به، بل كان واجبا عليه) (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-124> السيرة النبوية:</span> استنبط الشوكاني استنباطا واحدا في السيرة النبوية في موضعين فقط من القرآن، فاستنبط من قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٦] أن الملائكة لم تقاتل في بدر (^٢)؛ فقال -﵀-: (جعل الله ذلك الإمداد بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب. وفي قصر الإمداد عليهما إشارة إلى عدم مباشرة الملائكة للقتال يومئذ) (^٣). … واستنبط هذا الاستنباط أيضا من قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠] (^٤)؛ فقال -﵀-: (﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ﴾ أي: بالإمداد قلوبكم. وفي هذا إشعار بأن الملائكة لم يقاتلوا، بل أمد الله المسلمين بهم للبشرى لهم، وتطمين قلوبهم، وتثبيتها) (^٥).\n•\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٢/ ص ١٥٠. وانظر هذا الاستنباط برقم: ٧٣.\n(^٢) انظر: الاستنباط رقم: ٤١.\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ٣٧٨.\n(^٤) انظر: الاستنباط رقم: ٨١.\n(^٥) فتح القدير ج ٢/ ص ٢٩٠.","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type='title' id=toc-125>الطب:</span> والمقصود بالطب هنا ما كان فيه توجيه لنفع البدن، ووقايته من الأمراض. وقد استنبط الشوكاني استنباطين في الطب، هما:\n١ - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾ [النحل: ١٤] حيث قال -﵀-: (﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ المراد به السمك، ووصفه بالطراوة للإشعار بلطافته، والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد بسرعة) (^١).\n٢ - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا … فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ [مريم: ٢٦] حيث قال -﵀-: (﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾ أي: من ذلك الرطب وذلك الماء، أو من الرطب وعصيره. وقدم الأكل مع أن ذكر النهر مقدم على الرطب؛ لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء) (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-126> التأريخ:</span> استنبط الشوكاني استنباطا واحدا في التأريخ هو أنه لا اعتبار بما عند العجم\nوالروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها (^٣)، وذلك من قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً … كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ [التوبة: ٣٦]؛ فقال -﵀-: (وفي هذه الآية بيان أن الله سبحانه وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها على هذا الترتيب المعروف يوم خلق السموات والأرض، وأن هذا هو الذي جاءت به الأنبياء، ونزلت به الكتب، وأنه لا اعتبار بما عند العجم والروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها، ويجعلون بعضها ثلاثين يوما، وبعضها أكثر، وبعضها أقل) (^٤).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٣/ ص ١٥٣. وانظر هذا الاستنباط برقم: ١٢٤.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٢٩. وانظر هذا الاستنباط برقم: ١٤٣.\n(^٣) انظر: الاستنباط رقم: ٩٢.\n(^٤) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٥٨.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type='title' id=toc-127>الخلاصة:</span>\nتنوعت موضوعات الاستنباط عند الشوكاني حتى بلغت أربعة عشر نوعا، وهذه الأنواع متفاوتة قلة وكثرة، ويمكن ترتيبها على النحو التالي:\nجاءت الاستنباطات في علوم القرآن (^١) أولا، ثم الاستنباطات العقدية (^٢)، ثم الاستنباطات الفقهية (^٣)، ثم الاستنباطات التربوية السلوكية (^٤)، ثم الاستنباطات الأصولية والاستنباطات في الدعوات والذكر (^٥)، ثم الاستنباطات في الرقائق (^٦)، ثم الاستنباطات اللغوية (^٧)، ثم الاستنباطات في التفسير (^٨)، ثم الاستنباطات في الأخلاق (^٩)، ثم الاستنباطات في الدعوة، وفي السيرة، وفي الطب. (^١٠)، وأخيرا الاستنباطات في التأريخ (^١١).\nوما عدا هذه الأنواع يصح أن يكون استنباطا عاما، أو استنباطا لفوائد علمية.\n\n<span data-type='title' id=toc-128>تنبيه:</span>\n<span data-type='title' id=toc-129>يتنبه إلى أنه لا يلزم أن يكون موضوع الاستنباط واحدا</span>، إذ يصح أن يكون الاستنباط الواحد في موضوعين أو أكثر (^١٢).\nو<span data-type='title' id=toc-130> من الأمثلة على ذلك:</span>\n١ - استنباط في اللغة وأصول الفقه: مثل: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ [الأنبياء: ٧٨] حيث قال: -﵀-: (﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: لحكم الحاكمين. وفيه جواز إطلاق الجمع على الاثنين) (^١٣).\n٢ - استنباط في الفقه والذكر: مثل: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ … اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾ [الحج: ٣٦ - ٣٧] حيث قال -﵀-: (ومعنى ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ هو قول الناحر الله أكبر عند النحر، فذكر في الآية الأولى الأمر بذكر اسم الله عليها، وذكر هنا التكبير؛ للدلالة على مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير. وقيل: المراد بالتكبير وصفه سبحانه بما يدل على الكبرياء) (^١٤).\n_________\n(^١) بنسبة ٣٠ %.\n(^٢) بنسبة ٧٤، ٢٣ %.\n(^٣) بنسبة ٣٧، ٢٢ %.\n(^٤) بنسبة ٢١، ٨ %.\n(^٥) بنسبة ٣٩، ٦ %\n(^٦) بنسبة ٤٧، ٥ %.\n(^٧) نسبة ٧٣، ٢ %.\n(^٨) بنسبة ٨٢، ١ %.\n(^٩) بنسبة ٣٦، ١ %.\n(^١٠) بنسبة ١% تقريبا.\n(^١١) بنسبة ٤٥، ٠ %.\n(^١٢) وهذا بلا شك مؤثر في احتساب نسبة كل نوع من الأنواع.\n(^١٣) فتح القدير ج ٣/ ص ٤١٨. وانظر الاستنباط رقم: ١٤٨.\n(^١٤) فتح القدير ج ٣/ ص ٤٥٥. وانظر الاستنباط رقم: ١٥١.","vol":"1","page":73},{"text":"٣ - استنباط في الفقه وقصص القرآن: مثل: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا … يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ … (٢٦)﴾ [القصص: ٢٦] حيث قال -﵀-: (أي: استأجره ليرعى لنا الغنم. وفيه دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة) (^١).\n٤ - استنباط في القصص والتربية: مثل: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ [التوبة: ١١٨] حيث قال -﵀-: (… وفي هذه الآية دليل على جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم؛ لينزجروا عن المعاصي) (^٢).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٤/ ص ١٦٩. وانظر الاستنباط رقم: ١٧١.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ٤١٣. وانظر الاستنباط رقم: ٩٧.","vol":"1","page":74},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-131> المبحث الثاني:\nالاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط منه وخفائه</span>\nبالنظر إلى النص القرآني المستَنبط منه يمكن تقسيمه باعتبارين:\nالأول: باعتبار إفراده وتركيبه (ضمه إلى نص آخر)، وهذا ينقسم إلى: الاستنباط من الآية الواحدة، والاستنباط بالربط بين آيتين أو أكثر. وسيأتي بيانه في المبحث الثالث من هذا الفصل.\nالثاني: باعتبار ظهور معناه، وهذا ينقسم إلى: الاستنباط من النص الظاهر المعنى، والاستنباط من النص غير الظاهر. (^١). وهو موضوع هذا المبحث.\nوالمقصود هنا بالظهور والخفاء هو النص القرآني المستَنبط منه، وليس المعنى المستنبط؛ لأن المعنى المستنبط يشترط فيه الخفاء دائما.\nونصوص القرآن من حيث حاجتها إلى التفسير والبيان تنقسم إلى قسمين:\n١ - نصوص بيِّنة ظاهرة المعنى.\n٢ - نصوص غير بينة تحتاج إلى بيان وتفسير.\nقال الزركشي (^٢): (ينقسم القرآن العظيم إلى: ما هو بين بنفسه بلفظ لا يحتاج إلى بيان منه\nولا من غيره، وهو كثير، … وإلى ما ليس ببين بنفسه فيحتاج إلى بيان) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-132>أولا: الاستنباط من نص ظاهر المعنى</span>.\nالنص الظاهر المعنى هو النص البيِّن في نفسه، الذي لا يحتاج إلى بيان.\nوهذا هو الأصل؛ لأن أكثر القرآن يعود إليه؛ ولأجله صح الأمر بالتدبر كما قال تعالى: … ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]. ولو كان القرآن أكثره غير بيَّن لما جاز معه أن يُتوجه الخطاب في هذه الآية إلى جميع المكلفين؛ إذ لا يؤمر الجميع بتدبر ما يتوقف معرفة معناه على علم الخاصة (^٤).\n_________\n(^١) منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص ٩٥.\n(^٢) الإمام بدر الدين، أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن بَهادُر - وقيل: محمد بن بَهادُر بن عبد الله - الشافعي، الزركشي، كان فقيهًا أصوليًا مفسرًا أديبًا، له تصانيف كثيرة في عدة فنون منها: \"البرهان في علوم القرآن\"، و\"تفسير القرآن العظيم\" وصل فيه إلى سورة مريم، توفي سنة أربع وتسعين وسبعمائة للهجرة. انظر: طبقات المفسرين للداودي ج ٢/ ص ١٥٨، وشذرات الذهب ج ٦/ ص ٣٣٥.\n(^٣) البرهان في علوم القرآن ج ٢/ ص ٣٢١، ٣٢٢.\n(^٤) انظر: المقدمات الأساسية في علوم القرآن ص ٢٦٥.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type='title' id=toc-133>أمثلة على الاستنباط من نص ظاهر المعنى:</span>\n<span data-type='title' id=toc-134>المثال الأول:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- من قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢] وجوب استعمال الحجج وترك التقليد، قال: (وفيه دليل على وجوب استعمال الحجج وترك التقليد) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-135>المثال الثاني:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا … فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ [مريم: ٢٦] أن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء، قال﵀-: (﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾ أي: من ذلك الرطب وذلك الماء، أو من الرطب وعصيره. وقدم الأكل مع أن ذكر النهر مقدم على الرطب - أي في قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ [مريم: ٢٤ - ٢٥]-؛ لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-136>المثال الثالث:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- من قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣)﴾ [فاطر: ٣٣] سرعة دخول أهل الجنة إلى الجنة، قال: (… وفيه إشارة إلى سرعة الدخول، فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيرا للدخول، فلما قال: … ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ أشار أن دخولهم على وجه السرعة) (^٣).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ١/ ص ٥٠. وانظر هذا الاستنباط برقم: ٥.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٢٩. وانظر هذا الاستنباط برقم: ١٤٣.\n(^٣) فتح القدير ج ٤/ ص ٣٥٠. وانظر هذا الاستنباط برقم: ١٨٢.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type='title' id=toc-137>ثانيا: الاستنباط من نص خفي</span>.\nالنص الخفي هو النص الذي يحتاج إلى بيان وتفسير.\nومع هذا النص لا يصح الاستنباط إلا بعد معرفة معنى الآية وتفسيرها.\nقال القرطبي: (فمن لم يُحْكِم ظاهر التفسير، وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية؛ كثر غلطه، ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي. والنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير أولا ليتَّقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط … ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر) (^١).\nوقد يكون في تفسير الآية خلاف ينبني عليه صحة أو بطلان الاستنباط (^٢)، فقد يصح الاستنباط على معنى، ولا يصح على معنى آخر.\nومثال ذلك: استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ [الأنبياء: ٧٨] جواز إطلاق الجمع على الاثنين، قال -﵀-: (﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: لحكم الحاكمَين. وفيه جواز إطلاق الجمع على الاثنين) (^٣).\nوهذا الاستنباط يصح على أن معنى الآية: أن الله تعالى بعد أن ذكر حكم داود -﵇-، وسليمان -﵇- في قصة الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم- قال: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ فجمع مع أنهما حَكَمَان اثنان هما داود -﵇-، وسليمان -﵇-.\nوفي معنى ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ قيل: إن المراد بقوله: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ الحاكمان والمحكوم عليه (^٤).\nوقيل: إن الجمع للتعظيم (^٥).\nفعلى هذين القولين لا يصح هذا الاستنباط. (^٦).\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن ج ١/ ص ٦٨، ٦٩.\n(^٢) استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن ص ٧٦.\n(^٣) فتح القدير ج ٣/ ص ٤١٨.\n(^٤) انظر هذا القول محكيا في: الجامع لأحكام القرآن ج ١١/ ص ٢٦٩، واللباب ج ١٣/ ص ٥٥١. وهذا القول تعقبه الرازي بقوله: (جوابه أن الحكم كما يضاف إلى الحاكم فقد يضاف إلى المحكوم له، فإذا أضيف الحكم إلى المتحاكمين كان المجموع أكثر من الاثنين). التفسير الكبير ج ٢٢/ ص ١٦٩.\n(^٥) حكاه الآلوسي في روح المعاني ج ١٧/ ص ٧٤.\n(^٦) انظر تفصيل هذا الاستنباط ودراسته في موضعه من هذا البحث.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-138>أمثلة أخرى على الاستنباط من نص خفي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-139>المثال الأول:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٣] الإرشاد إلى ترك الإسراف، قال -﵀-: (… وفي المجيء بمن التبعيضية ههنا نكتة\nسرية هي الإرشاد إلى ترك الإسراف) (^١).\nفلابد من معرفة تفسير النفقة المذكورة في الآية قبل الاستنباط منها؛ لأن في معناها خلافا مؤثرا في الاستنباط (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-140>المثال الثاني:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ [آل عمران: ٦١] أن أبناء البنات يسمون أبناء، قال -﵀-: (وفيه دليل على أن أبناء البنات يسمون أبناء لكونه -ﷺ- أراد بالأبناء الحسنين) (^٣).\nفهذا الاستنباط مبني على تفسير المراد بأبناء الرسول -ﷺ- المذكورين في الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-141>المثال الثالث:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- من قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ … مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧)﴾ [النمل: ٢٧] أن على المرء البحث عن الأخبار، وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم، قال: -﵀-: (والنظر هو التأمل والتصفح. وفيه إرشاد إلى البحث عن الأخبار، والكشف عن الحقائق، وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم، واعتمادا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه) (^٤).\nوهذا الاستنباط مبني على معرفة معنى ﴿سَنَنْظُرُ﴾ في الآية.\n_________\n(^١) فتح القدير ج ١/ ص ٣٦.\n(^٢) وفي معنى النفقة خلاف راجعه في الاستنباط برقم: ٢.\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ٣٤٧. وانظر هذا الاستنباط برقم: ٣٧.\n(^٤) فتح القدير ج ٤/ ص ١٣٦. وانظر هذا الاستنباط برقم: ١٦٩.","vol":"1","page":78},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-142> المبحث الثالث:\nالاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب</span>.\nلا يقتصر الاستنباط من القرآن الكريم على التأمل في الآيات على جهة الإفراد، بل يمكن استخراج المعاني البديعة، والفوائد الدقيقة بطريق آخر لطيف ألا وهو ضم النصوص بعضها إلى بعض، وهو قسم رفيع دقيق برز فيه علم العلماء من السلف والخلف -﵏- وتبيَّن به مقدار ما وهبهم الله تعالى من ذكاء العقول وزكاء النفوس (^١).\nوقد أشار الزركشي إلى الاستنباط باعتبار الإفراد، وباعتبار التركيب بقوله: (والثاني: ما يؤخذ بطريق الاستنباط، ثم هو على قسمين:\nأحدهما: ما يستنبط من غير ضميمة إلى آية أخرى … والثاني: ما يستنبط مع ضميمة آية أخرى) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-143>أولا: الاستنباط باعتبار الإفراد</span>.\nالمراد من الاستنباط باعتبار الإفراد هو الاستنباط من النص الواحد دون الرجوع إلى نصوص أخرى. والاستنباط من نص واحد هو غالب استنباطات الشوكاني.\n\n<span data-type='title' id=toc-144>أمثلة على الاستنباط باعتبار الإفراد</span>.\n<span data-type='title' id=toc-145>المثال الأول:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾ [يوسف: ٧٦]، قال -﵀-: (وفي الآية دليل على جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعا ثابتا) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-146>المثال الثاني:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)﴾ [القصص: ٢٩]، قال -﵀-: (وسار بأهله إلى مصر، وفيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء) (^٤).\n_________\n(^١) منهج الاستنباط من القرآن ص ١٢٤.\n(^٢) البرهان في علوم القرآن ج ٢/ ص ١٣٠.\n(^٣) فتح القدير ج ٣/ ص ٤٣. وانظر هذا الاستنباط برقم: ١١٥.\n(^٤) فتح القدير ج ٤/ ص ١٦٩. وانظر هذا الاستنباط برقم: ١٧٣.","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type='title' id=toc-147>المثال الثالث:</span>\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ [الأحقاف: ١٥] أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من هذه الدعوات، قال -﵀-: (وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من هذه الدعوات) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-148>ثانيا: الاستنباط باعتبار التركيب</span>.\nالمراد من الاستنباط باعتبار التركيب هو الاستنباط بالربط بين نصين أو أكثر.\nوهذا النوع من الاستنباط من أدق أنواع الاستنباط، ولهذا يقول عنه ابن القيم: (فهذا من ألطف فهم النصوص وأدقه) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-149>أمثلة على الاستنباط باعتبار التركيب</span>.\n<span data-type='title' id=toc-150>المثال الأول:</span>\nاستنبط الشوكاني جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة، وذلك بدلالة التركيب بين قوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)﴾ [الكهف: ٧٧]، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ … لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا … أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا … رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾ [الكهف: ٨٢]، قال -﵀-: (﴿فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ هي القرية المذكورة سابقا، وفيه جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة) (^٣).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٥/ ص ١٨. وانظر هذا الاستنباط برقم: ١٩١.\n(^٢) إعلام الموقعين ج ١/ ص ٨٣.\n(^٣) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٠٤. وانظر هذا الاستنباط برقم: ١٤١.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-151>المثال الثاني:</span>\nاستنبط الشوكاني أن المدة التي جعلها الله تعالى آية لزكريا -﵇- لا يكلم الناس فيها هي ثلاثة أيام ولياليهن. وذلك بدلالة التركيب بين قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾ [مريم: ١٠] وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران: ٤١]، قال -﵀-: (وقد دل بذكر الليالي هنا -يعني في سورة مريم- والأيام في آل عمران أن المراد ثلاثة أيام ولياليهن) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-152>المثال الثالث:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- أن العلماء التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد حالا وأعظم وبالا من العصاة، وذلك بدلالة التركيب بين قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾ [المائدة: ٦٢]، وبين قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ [المائدة: ٦٣]، قال -﵀-: (… والربانيون علماء النصارى والأحبار علماء اليهود، وقيل: الكل من اليهود لأن هذه الآيات فيهم، ثم وبخ علماءهم في تركهم لنبيهم فقال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ وهذا فيه زيادة على قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾؛ لأن العمل لا يبلغ درجة الصنع حتى يتدرب فيه صاحبه، ولهذا تقول العرب سيف صنيع إذا جود عامله عمله، فالصنع هو العمل الجيد لا مطلق العمل. فوبخ سبحانه الخاصة وهم العلماء التاركون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما هو أغلظ وأشد من توبيخ فاعل المعاصي.\nفليفتح العلماء لهذه الآية مسامعهم، ويفرجوا لها عن قلوبهم، فإنها قد جاءت فيه البيان الشافي لهم بأن كفهم عن المعاصي مع ترك إنكارهم على أهلها لا يسمن ولا يغنى من جوع، بل هم أشد حالا وأعظم وبالا من العصاة، فرحم الله عالما قام بما أوجبه الله عليه من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو أعظم ما افترضه الله عليه، وأوجب ما أوجب عليه النهوض به) (^٢).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٢٤. وانظر هذا الاستنباط برقم: ١٤٢.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ٥٥، ٥٦. وانظر هذا الاستنباط برقم: ٦٥.","vol":"1","page":81},{"text":"ووجهه: أن الله تعالى وبخ العلماء التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما هو أغلظ وأشد من توبيخ فاعل المعاصي، فقال في المقدمين على الإثم والعدوان وأكل السحت: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾، وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾، والصنع أقوى من العمل؛ لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار مستقرا راسخا متمكنا، فجعل جرم العاملين ذنبا غير راسخ، وذنب التاركين للنهي عن المنكر ذنبا راسخا (^١)؛ فظهر بذلك الفرق بين ذم متعاطي الذنب، وبين تارك النهي عنه، حيث جعل ذاك عملا، وهذا صناعة (^٢)؛ فدل بدلالة التركيب بين الآيتين، وبطريق التأمل في خاتمة كلٍّ منهما على أن العلماء التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد حالا وأعظم، وبالا من العصاة.\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير ج ١٢/ ص ٣٤.\n(^٢) انظر: قطف الأزهار ج ٢/ ص ٨١٨.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-153>الفصل الثاني:\nدلالات وطرق الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره</span>.\nوفيه ستة مباحث:\n• المبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص (مفهوم الموافقة).\n• المبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم (مفهوم المخالفة).\n• المبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام.\n• المبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن.\n• المبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران.\n• المبحث السادس: الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن.\n\nدلالات وطرق الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره.\nاستنبط الشوكاني من القرآن الكريم استنباطات كثيرة بدلالات مختلفة، وطرق متنوعة، فمنها دلالات في أصول الفقه، كدلالة النص، ودلالة مفهوم المخالفة، ودلالة الالتزام، وغيرها، ومنها دلالات في علوم القرآن، كعادات القرآن ودلالاته الأسلوبية، ومنها دلالات بلاغية، وإلى غير ذلك من قواعد الاستنباط وطرقه مما سيتعرض هذا الفصل لبيانه وإيضاحه.\nوكان استخدام الشوكاني لهذه الدلالات والطرق متفاوتا، وسيأتي في نهاية هذا الفصل ترتيب هذه الدلالات حسب الأكثر استعمالا لها.\nوقبل الشروع في بيان دلالات وطرق الاستنباط عند الشوكاني يحسن تعريف الدلالة، وبيان المقصود بطريق الاستنباط.\nفأما الدلالة فهي: كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر (^١).\nوأما طريق الاستنباط فهو أعم من الدلالة؛ إذ يشمل الدلالة وغيرها من قواعد الاستنباط وأوجهه المختلفة.\nتنبيه:\n\n<span data-type='title' id=toc-154>قليلا ما كان الشوكاني يصرح بذكر دلالة الاستنباط أو طريقه (^٢). ومن الأمثلة على المواضع التي صرح فيها:</span>\n<span data-type='title' id=toc-155>المثال الأول: (دلالة الالتزام)</span>\nاستنبط الشوكاني أن ما يأخذه المسلمون من أهل الكتاب من أعواض الطعام -أي ثمن بيع اللحم- حلال لهم، وذلك من قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥]؛ فقال -﵀-: (قوله:\n_________\n(^١) انظر: التعريفات ص ١٣٩، والحدود الأنيقة ص ٧٩.\n(^٢) انظر أمثلة في الاستنباطات رقم: ٣، ٩، ٢٢، ٢٤، ٤٤، ٥٢، ٦٢، ٦٧، ١٢١، ١٣٤، ١٨٥، ٢٠٥، ٢١٧.","vol":"1","page":83},{"text":"﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ أي: وطعام المسلمين حلال لأهل الكتاب. وفيه … إخبار المسلمين بأن ما يأخذونه منهم من أعراض (^١) الطعام حلال لهم بطريق الدلالة الالتزامية) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-156>المثال الثاني: (دلالة النص أو مفهوم الموافقة \"فحوى الخطاب</span>\")\nاستنبط الشوكاني نهي المذنبين غير المسرفين عن القنوط، وذلك من قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ … الرَّحِيمُ … (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]؛ فقال -﵀-: (واعلم أن هذه الآية أرجى آية في كتاب الله سبحانه لاشتمالها على أعظم بشارة، فإنه أولا أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي والاستكثار من الذنوب، ثم عقب ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى وبفحوى الخطاب) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-157>المثال الثالث: (دلالة النص أو مفهوم الموافقة \"فحوى الخطاب ولحنه</span>\")\nاستنبط الشوكاني نهي الولد عن سائر ما يؤذي والديه من فعل أو قول كان مساويا لكلمة (أف)، أو أشد منها، وذلك من قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ فقال -﵀-: (… والحاصل أنه- يعني كلمة أف- اسم فعل ينبئ عن التضجر والاستثقال، أو صوت ينبئ عن ذلك. فنهى الولد عن أن يظهر منه ما يدل على التضجر من أبويه أو الاستثقال لهما، بهذا النهي يفهم النهي عن سائر ما يؤذيها بفحوى الخطاب، أو بلحنه كما هو متقرر في الأصول) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-158>المثال الرابع: (دلالة الاقتران)</span>\nاستنبط الشوكاني أن رحمة الله بعباده مع غناه عنهم هي غاية التفضل والتطول، وذلك من قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا … أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾ [الأنعام: ١٣٣]؛ فقال -﵀-: (قوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾ أي: عن خلقه، لا يحتاج إليهم ولا إلى عبادتهم، لا ينفعه إيمانهم، ولا يضره كفرهم. ومع كونه غنيا عنهم فهو ذو رحمة بهم، ولا يكون غناه عنهم مانعا من رحمته لهم. وما أحسن هذا الكلام الرباني وأبلغه، وما أقوى الاقتران بين الغنى والرحمة في هذا المقام، فإن الرحمة لهم مع الغنى عنهم هي غاية التفضل والتطول) (^٥).\n_________\n(^١) الصواب: (أعواض) الطعام، أي ثمنه والعوض عنه.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ١٥. وانظر: الاستنباط رقم: ٦١.\n(^٣) فتح القدير ج ٤/ ص ٤٧٠. وانظر: الاستنباط رقم: ١٨٦.\n(^٤) فتح القدير ج ٣/ ص ٢١٨. وانظر: الاستنباط رقم: ١٣٢.\n(^٥) فتح القدير ج ٢/ ص ١٦٤. وانظر: الاستنباط رقم: ٧٦.","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type='title' id=toc-159>المبحث الأول:\nالاستنباط بدلالة النص (مفهوم الموافقة)</span>\n<span data-type='title' id=toc-160>تعريف مفهوم الموافقة:</span>\nبينه الشوكاني بقوله: حيث يكون المسكوت عنه موافقا للملفوظ به، فإن كان أولى بالحكم من المنطوق به فيسمى فحوى الخطاب، وإن كان مساويا فيسمى لحن الخطاب (^١).\nفتبين أن من أسماء مفهوم الموافقة: فحوى الخطاب، ولحن الخطاب.\nويسمى أيضا: مفهوم الخطاب (^٢).\nوتنبيه الخطاب (^٣).\nودلالة الدلالة (^٤).\nوالحنفية يسمونه دلالة النص (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-161>أمثلة لاستنباط الشوكاني بدلالة مفهوم الموافقة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-162>المثال الأول:</span>\nما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ … بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾ [البقرة: ٤١] حيث قال -﵀-: (وهذه الآية وإن كانت خطابا لبني إسرائيل ونهيا لهم فهي متناولة لهذه الأمة بفحوى الخطاب أو بلحنه، فمن أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به، أو إثبات باطل نهى الله عنه، أو امتنع من تعليم ما علمه الله، وكتم البيان الذي أخذ الله عليه ميثاقه به؛ فقد اشترى بآيات الله ثمنا قليلا) (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-163>المثال الثاني:</span>\nما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا … مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [آل عمران: ٧٥] حيث قال -﵀-: (ومعنى الآية: أن أهل الكتاب فيهم الأمين الذي يؤدي أمانته وإن كانت كثيرة، وفيهم الخائن الذي لا يؤدي أمانته وإن كانت حقيرة. ومن كان أمينا في الكثير فهو في القليل أمين بالأولى، ومن كان خائنا في القليل فهو في الكثير خائن بالأولى) (^٧).\n_________\n(^١) إرشاد الفحول ص ٤٠٣. وتعريفات العلماء في ذلك متقاربة انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ج ٣، ص ٧٤، وروضة الناظر ج ٢، ص ٢٢٦، ومذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص ٣٨٢، وأمالي الدلالات ج ١، ص ١٣٦، ١٣٧.\n(^٢) العدة في أصول الفقه ج ١، ص ١٥٢.\n(^٣) العدة في أصول الفقه ج ٢، ص ٤٨٠، وروضة الناظر ج ٢، ص ٢٢٦، وأمالي الدلالات ج ١، ص ١٣٦.\n(^٤) لأن الحكم يؤخذ من معنى النص لا من لفظه. انظر: منهج الاستنباط من القرآن الكريم للدكتور فهد الوهبي ص ٣٠٦ نقلا عن موازنة بين دلالة النص والقياس للصاعدي ص ٢٨٦.\n(^٥) أصول السرخسي ج ١، ص ٢٤١، وكشف الأسرار ج ١، ص ١١٥.\n(^٦) فتح القدير ج ١/ ص ٧٤. وانظر: الاستنباط رقم: ٩.\n(^٧) فتح القدير ج ١/ ص ٣٥٣. وانظر: الاستنباط رقم: ٣٨.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type='title' id=toc-164>المثال الثالث:</span>\nما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨] حيث قال -﵀-: (وتخصيص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها؛ للتنبيه على أنها لسائر الأعمال الصالحة عند إرادتها أهم؛ لأنه إذا وقع الأمر بها عند قراءة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كانت عند إرادة غيره أولى) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-165>المبحث الثاني:\nالاستنباط بدلالة المفهوم (مفهوم المخالفة)</span> …\n<span data-type='title' id=toc-166>تعريف مفهوم المخالفة:</span>\nبينه الشوكاني بقوله: وهو حيث يكون المسكوت عنه مخالفا للمذكور في الحكم، إثباتا ونفيا، فيثبت للمسكوت عنه نقيض حكم المنطوق. ويسمى دليل الخطاب؛ لأن دليله من جنس الخطاب، أو لأن الخطاب دال عليه (^٢).\nويسمى أيضا تنبيه الخطاب (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-167>أمثلة لاستنباط الشوكاني بدلالة مفهوم المخالفة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-168>المثال الأول: (بمفهوم الشرط)</span>\nأ - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠] حيث قال -﵀-: (قوله: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ أي: حقوق الزوجية الواجبة لكل منهما على الآخر. وأما إذا لم يحصل ظن ذلك، بأن يعلما، أو أحدهما عدم الإقامة لحدود الله، أو ترددا، أو أحدهما، ولم يحصل لهما الظن؛ فلا يجوز الدخول في هذا النكاح؛ لأنه مظنة للمعصية لله، والوقوع فيما حرمه على الزوجين) (^٤).\nب - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٩] حيث قال -﵀-: (قوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ أي: من الربا، ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ تأخذونها لا تظلِمون غرماءكم بأخذ الزيادة، ولا تُظلمون أنتم من قبلهم بالمطل والنقص … وفي هذا دليل على أن أموالهم مع عدم التوبة حلال لمن أخذها من الأئمة، ونحوهم ممن ينوب عنهم) (^٥).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٣/ ص ١٩٣، ١٩٤. وانظر: الاستنباط رقم: ١٢٩.\n(^٢) إرشاد الفحول ص ٤٠٥. وانظر: العدة في أصول الفقه ج ١، ص ١٥٤، وج ٢، ٤٤٨ ومابعدها، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ج ٣، ص ٧٨، وروضة الناظر ج ٢، ص ٢٢٩، ٢٣٠، ومذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص ٣٨٣، وأمالي الدلالات ج ١، ص ١٤٠.\n(^٣) ذكره ابن بيه في أمالي الدلالات ج ١، ص ١٤٠.\n(^٤) فتح القدير ج ١/ ص ٢٣٩. وانظر: الاستنباط رقم: ٢٦.\n(^٥) فتح القدير ج ١/ ص ٢٩٧. وانظر: الاستنباط رقم: ٣٣.","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type='title' id=toc-169>المثال الثاني: (بمفهوم التقسيم)</span>\nما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة: ٢٣٧] حيث قال -﵀-: (قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ … الآية. فيه دليل على أن المتعة لا تجب لهذه المطلقة؛ لوقوعها في مقابلة المطلقة قبل البناء والفرض التي تستحق المتعة) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-170>المثال الثالث: (بمفهوم الحصر)</span>\nما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٦] حيث قال -﵀-: (جعل الله ذلك الإمداد بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب. وفي قصر الإمداد عليهما إشارة إلى عدم مباشرة الملائكة للقتال يومئذ) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-171>المثال الرابع: (بمفهوم القيد أو الصفة، ويشمل الصفة، والحال وغيرهما)</span>.\nمفهوم صفة: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩] حيث قال -﵀-: (وفي قوله: ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ دليل على أنه يجوز كتم غير ذلك …) (^٣).\nمفهوم حال: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠] حيث قال -﵀-: (أمرهم الله سبحانه بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يطلبوا من الله سبحانه أن ينزع من قلوبهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق، فيدخل في ذلك الصحابة دخولا أوليا؛ لكونهم أشرف المؤمنين، ولكون السياق فيهم، فمن لم يستغفر للصحابة على العموم، ويطلب رضوان الله لهم فقد خالف ما أمره الله به في هذه الآية، فإن وجد في قلبه غلا لهم فقد أصابه نزغ من الشيطان، وحل به نصيب وافر من عصيان الله بعداوة أوليائه، وخير أمته نبيه -ﷺ-، وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم إن لم يتدارك نفسه باللجوء إلى الله سبحانه، والاستغاثة به بأن ينزع عن قلبه ما طرقه من الغل لخير القرون، وأشرف هذه الأمة) (^٤). (^٥).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ١/ ص ٢٥٣. وانظر: الاستنباط رقم: ٢٨.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٣٧٨. وانظر: الاستنباط رقم: ٤١.\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ١٦١. وانظر: الاستنباط رقم: ١٧.\n(^٤) فتح القدير ج ٥/ ص ٢٠٢. وانظر: الاستنباط رقم: ٢٠٦.\n(^٥) وانظر أمثلة أخرى للاستنباط بمفهوم المخالفة في الاستنباطات: ٢٢، ٤٦، ٤٩، ٥٦، ٦٣، ٦٨، ٧٧، ١٠٧، ١٢٠، ١٥٠، ١٥٢، ١٥٤، ١٨٠، ٢٠٠.","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type='title' id=toc-172>المبحث الثالث:\nالاستنباط بدلالة الالتزام</span>\n<span data-type='title' id=toc-173>تعريف دلالة الالتزام:</span>\nدلالة اللفظ على معنى ليس مقصودا باللفظ في الأصل، ولكنه لازم للمقصود فكأنه مقصود بالتبع لا بالأصل (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-174>أمثلة لاستنباط الشوكاني بدلالة الالتزام:</span>\n<span data-type='title' id=toc-175>المثال الأول:</span>\nما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ [البقرة: ١٥٤] حيث قال -﵀-: (﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ أي: لا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله هم أموات، بل هم أحياء، ولكن لا تشعرون بهذه الحياة عند مشاهدتكم لأبدانهم بعد سلب أرواحهم؛ لأنكم تحكمون عليها بالموت في ظاهر الأمر بحسب ما يبلغ إليه علمكم الذي هو بالنسبة إلى علم الله كما يأخذ الطائر في منقاره من ماء البحر، وليسوا كذلك في الواقع، بل هم أحياء في البرزخ. وفي الآية دليل على ثبوت عذاب القبر … (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-176>المثال الثاني:</span>\nما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥] حيث قال -﵀-: (قوله: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ أي: وطعام المسلمين حلال لأهل الكتاب. وفيه دليل على أنه يجوز للمسلمين أن يطعموا أهل الكتاب من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمجازاة. وإخبار المسلمين بأن ما يأخذونه منهم من أعراض الطعام حلال لهم بطريق الدلالة الالتزامية) (^٣).\n_________\n(^١) انظر: إرشاد الفحول ص ٤٠٣، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ج ٣، ص ٧١، ومذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص ٣٨١، وتفسير النصوص في الفقه الإسلامي ج ١، ص ٤٧٨، وأمالي الدلالات ج ١، ص ١٣٠.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ١٥٩. وانظر: الاستنباط رقم: ١٦.\n(^٣) فتح القدير ج ٢/ ص ١٥. وانظر: الاستنباط رقم: ٦١.","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type='title' id=toc-177>المثال الثالث:</span>\nما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ … وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ … إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾ [المؤمنون: ٩١] حيث قال -﵀-: (ثم بين سبحانه ما يستلزمه ما يدعيه الكفار من إثبات الشريك فقال: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ … إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾. وفي الكلام حذف تقديره: لو كان مع الله آلهة لانفرد كل إله بخلقه، واستبد به، وامتاز ملكه عن ملك الآخر، ووقع بينهم التطالب والتحارب والتغالب. ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: غلب القوي على الضعيف، وقهره، وأخذ ملكه كعادة الملوك من بني آدم، وحينئذ فذلك الضعيف المغلوب لا يستحق أن يكون إلها. وإذا تقرر عدم إمكان المشاركة في ذلك، وأنه لا يقوم به إلا واحد؛ تعين أن يكون هذا الواحد هو الله سبحانه، وهذا الدليل كما دل على نفي الشريك؛ فإنه يدل على نفي الولد لأن الولد ينازع أباه في ملكه) (^١). (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-178>المبحث الرابع:\nالاستنباط بدلالة التضمن</span>\n<span data-type='title' id=toc-179>تعريف دلالة التضمن:</span>\nهي دلالة اللفظ على جزء المعنى الذي وضع له (^٣).\nويندر استعمال الشوكاني لهذه الدلالة، فلم أقف سوى على مثال واحد: هو ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥] حيث قال -﵀-: (وفي الآية دليل على فساد قول من قال: إن الصرع لا يكون من جهة الجن، وزعم أنه من فعل الطبائع، وقال: إن الآية خارجة على ما كانت العرب تزعمه من أن الشيطان يصرع الإنسان، وليس بصحيح، وإن الشيطان لا يسلك في الإنسان، ولا يكون منه مس. وقد استعاذ النبي -ﷺ- من أن يتخبطه الشيطان …) (^٤).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٣/ ص ٤٩٦. وانظر: الاستنباط رقم: ١٥٥.\n(^٢) وانظر أمثلة أخرى للاستنباط بدلالة الالتزام في الاستنباطات: ٥، ١٩، ٣٤، ١١٨، ١٣٣، ١٨٤، ٢٠٣.\n(^٣) انظر: روضة الناظر ج ١، ص ٥٦، ٥٧، ومباحث أصولية في تقسيمات الألفاظ ص ٣٥٢، والوجيز في أصول الفقه الإسلامي ص ١٣٧.\n(^٤) فتح القدير ج ١/ ص ٢٩٥. وانظر: الاستنباط رقم: ٣٢.","vol":"1","page":89},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله -جل ثناؤه- أخبر أن الذين يربون الربا في الدنيا، لا يقومون في الآخرة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس. يعني بذلك: يتخبله الشيطان في الدنيا، وهو الذي يتخنقه فيصرعه ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ يعني: من الجنون؛ فدل ذلك بدلالة التضمن على أن الشيطان يسلك في الإنسان فيصرعه؛ لأن من تَخَبُط الشيطان أن يسلك في الإنسان فيصرعه.\nتنبيه:\nكثيرا ما يذكر المفسرون - ومنهم الشوكاني (^١) - لفظ تضمن وهم لا يقصدون به التضمن بمعناه الأصولي. بل ربما عبَّروا عن دلالة الالتزام بلفظ التضمن. ومثال ذلك: ما استنبطه الواحدي (^٢) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا … (٢٧)﴾ [الإسراء: ٢٧] حيث قال: (وهذا يتضمن أن المنفق في السرف كفور) (^٣).\nوالأظهر أن هذا المعنى يُستنبط بدلالة الالتزام، فالله تعالى سجل على المبذرين مماثلتهم الشياطين، ثم سجل على جنس الشيطان بأنه كفور؛ فدل بدلالة الالتزام على أن المبذر كفور؛ لأنه مماثل للشيطان وله حكمه، وكل شيطان كفور.\n_________\n(^١) مثل قوله- عند قوله تعالى: (﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ [البقرة: ٤٠]-: والرهب والرهبة: الخوف، ويتضمن الأمر به معنى التهديد). فتح القدير ج ١/ ص ٧٤. ومثل قوله: (وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾ [البقرة: ١١٣] فيه أن كل طائفة تنفي الخير عن الأخرى، ويتضمن ذلك إثباته لنفسها تحجيرا لرحمة الله سبحانه). فتح القدير ج ١/ ص ١٣٠.\n(^٢) أبو الحسن، علي بن أحمد به محمد بن علي الواحدي النيسابوري، كان واحد عصره في التفسير، صنف التفاسير الثلاثة: البسيط، والوسيط، والوجيز، وأسباب النزول، وله مؤلفات كثيرة في المغازي، العربية، وغيرها، مات سنة ثمان وستين وأربعمائة. انظر: طبقات المفسرين للسيوطي ص ٧٨، وطبقات المفسرين للداودي ج/ ص ٣٨٧.\n(^٣) التفسير الوجيز ج ٢/ ص ٦٣٢.","vol":"1","page":90},{"text":"قال الرازي: (﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا … (٢٧)﴾ ومعنى كون الشيطان كفورا لربه: هو أنه يستعمل بدنه في المعاصي، والإفساد في الأرض، والإضلال للناس، وكذلك كل من رزقه الله تعالى مالا أو جاها فصرفه إلى غير مرضاة الله تعالى كان كفورا لنعمة الله تعالى، والمقصود أن المبذرين إخوان الشياطين بمعنى كونهم موافقين للشياطين في الصفة والفعل، ثم الشيطان كفور لربه؛ فيلزم كون المبذر أيضا كفورا لربه) (^١). (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-180>المبحث الخامس:\nالاستنباط بدلالة الاقتران</span>\n<span data-type='title' id=toc-181>تعريف دلالة الاقتران:</span>\nالجمع بين شيئين أو أكثر في سياق واحد (^٣).\nوفي (العدة في أصول الفقه): أن يذكر الله أشياء في لفظ واحد، ويعطف بعضها على بعض (^٤).\nويُعَرَّف أيضا بأنه: الاستدلال بالجمع بين شيئين على اتحاد حكمهما (^٥).\nوالاقتران كما يأتي في الأحكام يكون في المعاني المختلفة أيضا. قال د. خالد السبت-بعد أن تحدث عن دلالة الاقتران بمعناها الأصولي، وحكمها-: (هذا واعلم أن ما مضى إنما هو في الأحكام، أما المعاني الأخرى فيمكن أخذ شيء منها عن طريق دلالة الاقتران، وذلك كالتشريف الناتج عن الاقتران المشعر به أحيانا، أو التعظيم، أو غير ذلك من المعاني، والله أعلم) (^٦).\nوالذي ظهر لي -والله أعلم- أن الشوكاني استعمل دلالة الاقتران في المعاني فقط، كتعظيم أمر ما، والتنبيه على معنى شريف مستنبط من اقتران اسمين من أسماء الله الحسنى، ونحو ذلك (^٧). أما دلالة الاقتران بالمعنى الأصولي الدقيق -أي في الأحكام- فلم يستعملها الشوكاني.\n\n<span data-type='title' id=toc-182>أمثلة لاستنباط الشوكاني بدلالة الاقتران:</span>\n<span data-type='title' id=toc-183>المثال الأول:</span>\nما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ [آل عمران: ١٨١] حيث قال -﵀-: (قوله: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾ عطف على ﴿مَا قَالُوا﴾ أي: ونكتب قتلهم الأنبياء، أي: قتل أسلافهم للأنبياء، وإنما نسب ذلك إليهم لكونهم رضوا به. جعل ذلك القول قرينا لقتل الأنبياء تنبيها على أنه من العظم والشناعة بمكان يعدل قتل الأنبياء) (^٨).\n_________\n(^١) التفسير الكبير ج ٢٠/ ص ١٥٥.\n(^٢) وهذا من استنباطات الشوكاني وانظر دراسته في الاستنباط رقم: ١٣٣.\n(^٣) انظر: منهج الاستنباط للوهبي ص ٣٢٧ نقلا عن دلالة الاقتران وأثرها في استنباط الأحكام الشرعية لليوبي ص ٨.\n(^٤) لأبي يعلى ج ٤، ص ١٤٢٠ - ١٤٢٢.\n(^٥) انظر: منهج الاستنباط للوهبي ص ٣٢٧ نقلا عن دلالة الاقتران وأثرها في استنباط الأحكام الشرعية لليوبي ص ٨.\n(^٦) قواعد التفسير ج ٢/ ص ٦٤٦.\n(^٧) انظر أمثلة ذلك في الاستنباطات: ٣٤، ٢١٧.\n(^٨) فتح القدير ج ١/ ص ٤٠٦. وانظر: الاستنباط رقم: ٤٤.","vol":"1","page":91},{"text":"فاستنبط الشوكاني -﵀- من الآية أن قول اليهود: إن الله فقير وهم أغنياء بمكان يعدل قتل الأنبياء، وذلك بدلالة اقترانهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-184>المثال الثاني:</span>\nما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا … أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾ [الأنعام: ١٣٣]؛ حيث قال -﵀-: (قوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾ أي: عن خلقه، لا يحتاج إليهم ولا إلى عبادتهم، لا ينفعه إيمانهم، ولا يضره كفرهم. ومع كونه غنيا عنهم فهو ذو رحمة بهم، ولا يكون غناه عنهم مانعا من رحمته لهم. وما أحسن هذا الكلام الرباني وأبلغه، وما أقوى الاقتران بين الغنى والرحمة في هذا المقام، فإن الرحمة لهم مع الغنى عنهم هي غاية التفضل والتطول) (^١).\nفاستنبط الشوكاني -﵀- أن رحمة الله بعباده مع غناه عنهم هو غاية التفضل والتطول، وذلك بدلالة الاقتران بين اسمين من أسماء الله الحسنى.\n\n<span data-type='title' id=toc-185>المثال الثالث:</span>\nما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ … لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾ [الحاقة: ٣٣ - ٣٤] حيث قال -﵀-: (والمعنى: أنه لا يحث نفسه أو غيره على بذل نفس طعام المسكين، وفي جعل هذا قرينا لترك الإيمان بالله من الترغيب في التصدق على المساكين، وسد فاقتهم، وحث النفس والناس على ذلك ما يدل أبلغ دلالة، ويفيد أكمل فائدة على أن منعهم من أعظم الجرائم وأشد المآثم) (^٢).\nفاستنبط الشوكاني﵀- أن حرمان المسكين من أعظم الجرائم، وأشد المآثم بدلالة اقتران حرمان المسكين بالكفر.\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٢/ ص ١٦٤. وانظر: الاستنباط رقم: ٧٦.\n(^٢) فتح القدير ج ٥/ ص ٢٨٥. وانظر: الاستنباط رقم: ٢١١.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-186>المبحث السادس:\nالاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن</span>\n<span data-type='title' id=toc-187>المقصود بدلالة المطرد من أساليب القرآن:</span>\nما جاء على نسق واحد متتابع في القرآن الكريم بلا استثناء (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-188>أمثلة لاستنباط الشوكاني بدلالة المطرد من أساليب القرآن:</span>\nمن المطرد من أساليب القرآن: كل حكاية وردت في القرآن ولم يردها فهي صحيحة، وإن ردها فهي باطلة، وقد استنبط الشوكاني بهذه القاعدة استنباطات، منها:\n\n<span data-type='title' id=toc-189>المثال الأول:</span>\nما استنبطه الشوكاني -﵀- من قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾ [الكهف: ٢٢] حيث قال: (والرجم بالغيب هو القول بالظن والحدس من غير يقين، والموصوفون بالرجم بالغيب هم كل الفريقين القائلين بأنهم ثلاثة، والقائلين بأنهم خمسة. ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ كأن قول هذه الفرقة أقرب إلى الصواب بدلالة عدم إدخالهم في سلك الراجمين بالغيب) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-190>المثال الثاني:</span>\nما استنبطه الشوكاني -﵀- من قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٤] حيث قال: (ثم ذكر سبحانه ما أجاب به أهل النار عليهم فقال: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ أي من المؤمنين الذين يصلون لله في الدنيا، ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ أي: لم نتصدق على المساكين. قيل: وهذان محمولان على الصلاة الواجبة والصدقة الواجبة؛ لأنه لا تعذيب على غير الواجب. وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالشرعيات) (^٣).\n\nويلحق بالاستنباط بالمطرد من أساليب القرآن<span data-type='title' id=toc-191> الاستنباط بدلالة الاقتداء </span>بأفعال الله تعالى، وأقواله، وإقراره. وكذلك يلحق به الاقتداء بأفعال الأنبياء. وأيضا الاعتبار بقصص السابقين.\n\n<span data-type='title' id=toc-192>أولا: الاقتداء بأفعال الله:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- بدلالة الاقتداء بأفعال الله استنباطات (^٤)، منها:\nأ - استنبط من قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢] بدلالة الاقتداء بأفعال الله وجوب استعمال الحجج وترك التقليد؛ فقال -﵀-: (وفيه دليل على وجوب استعمال الحجج وترك التقليد) (^٥).\n_________\n(^١) استنباطات السعدي من القرآن الكريم عرضا ودراسة للدكتور سيف الحارثي ص ٧٣.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٢٧٨. وانظر: الاستنباط رقم: ١٣٩.\n(^٣) فتح القدير ج ٥/ ص ٣٣٣. وانظر: الاستنباط رقم: ٢١٣.\n(^٤) انظر أمثلة لذلك في الاستنباطات: ٨٩، ٩٧، ١٤٧، ١٧٩، ١٩٥.\n(^٥) فتح القدير ج ١/ ص ٥٠. وانظر: الاستنباط رقم: ٤.","vol":"1","page":93},{"text":"ب - استنبط من قوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٥]، حيث قال -﵀-: (قوله: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ أي: على هلاكهم. وفيه تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه سبحانه عند نزول النعم التي من أجلها هلاك الظلمة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فإنهم أشد على عباد الله من كل شديد) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-193>ثانيا: الاقتداء بأفعال الأنبياء:</span> وهذا داخل في قاعدة شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه.\nاستنبط الشوكاني -﵀- بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء استنباطات (^٢)، منها:\nأ - ما استنبطه من قوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ [يوسف: ٥٥] حيث قال -﵀-: (﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ … وفيه دليل على أنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق ويهدم ما أمكنه من الباطل، طلب ذلك لنفسه) (^٣). فاستنبط هذا المعنى بدلالة الاقتداء بفعل يوسف -﵇-.\nب - استنبط من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ … أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)﴾ [القصص: ٢٩] أن للرجل أن يذهب بأهله حيث شاء؛ فقال -﵀-: (وسار بأهله إلى مصر. وفيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء) (^٤). فاستنبط هذا المعنى بدلالة الاقتداء بفعل موسى -﵇-.\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٢/ ص ١١٦. وانظر: الاستنباط رقم: ٧١.\n(^٢) انظر أمثلة لذلك في الاستنباطات: ١١٥، ١١٦، ١٢٦، ١٤٠، ١٦٨، ١٦٩، ٢١٢.\n(^٣) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٥. وانظر: الاستنباط رقم: ١١١.\n(^٤) فتح القدير ج ٤/ ص ١٦٩. وانظر: الاستنباط رقم: ١٧٣.","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type='title' id=toc-194>ثالثا: الاعتبار بقصص السابقين</span>.\nاستنبط الشوكاني -﵀- بدلالة الاعتبار بقصص السابقين استنباطات (^١)، منها:\nأ - ما استنبطه من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة: ١٧٠] حيث قال﵀-: (وفي هذه الآية من الذم للمقلدين، والنداء بجهلهم الفاحش، واعتقادهم الفاسد ما لا يقادر قدره. ومثل هذه الآية قوله تعالى: … ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ [المائدة: ١٠٤]. وفي ذلك دليل على قبح التقليد والمنع منه) (^٢). فالله تعالى ذم الكفار في تقليد آبائهم في دينهم؛ فدل ذلك بدلالة الاعتبار بقصص السابقين على إبطال التقليد.\nب - ما استنبطه من قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)﴾ [الكهف: ١٩] حيث قال -﵀-: (وفي حملهم لهذه الورق معهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان لا ينافي التوكل على الله) (^٣). فالفتية أصحاب الكهف كانوا يحملون معهم وَرِقا، وكانت دراهم تزودوها حين خروجهم إلى الكهف لعلهم يحتاجون إليه؛ فدل بدلالة الاعتبار بقصص القرآن، والاقتداء بالصالحين على أن إمساك الإنسان بعض ما يحتاج إليه لا ينافي التوكل على الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-195>ومن دلالات الاستنباط بأساليب القرآن:</span>\n<span data-type='title' id=toc-196>١ - دلالة استعمال القرآن</span>.\nومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨] حيث قال -﵀-: (وفي هذه الآية دليل على أن (وعد) يقال في الشر) (^٤). (^٥).\n_________\n(^١) انظر أمثلة لذلك في الاستنباطات: ٧٩، ٩١، ١٠٩، ١١٠، ١٨٩.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ١٦٧، ١٦٨. وانظر: الاستنباط رقم: ٢٠.\n(^٣) فتح القدير ج ٣/ ص ٢٧٦. وانظر: الاستنباط رقم: ١٣٨.\n(^٤) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٧٩. وانظر: الاستنباط رقم: ٩٥.\n(^٥) وانظر مثال آخر في الاستنباط رقم: ٣٠.","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type='title' id=toc-197>٢ - دلالة التقديم</span>.\nومثاله: استنبط الشوكاني أن من آمن بموسى -﵇- كان اهتمامهم بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم، وذلك من قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ [يونس: ٨٥ - ٨٦]؛ فقال -﵀-: (ولما قدموا التضرع إلى الله سبحانه في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه بسؤال عصمة أنفسهم فقالوا: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ وفي هذا دليل على أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم) (^١). (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-198>٣ - دلالة وضع الظاهر موضع المضمر</span>.\nومثاله: استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ [يونس: ١٠٧] أن الخير من الله للناس فضل منه لا استحقاق لهم به؛ فقال: -﵀-: (﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ أي خير كان لم يستطع أحد أن يدفعه عنك، ويحول بينك وبينه كائنا من كان. وعبر بالفضل مكان الخير للإرشاد إلى أنه يتفضل على عباده بما لا يستحقونه بأعمالهم) (^٣). (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-199>٤ - دلالة تغيير النظم</span>.\nومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ [النحل: ٨] حيث قال -﵀-: (ولم يقل لتتزينوا بها حتى يطابق لتركبوها؛ لأن الركوب فعل المخاطبين، والزينة فعل الزائن وهو الخالق، والتحقيق فيه أن الركوب هو المعتبر في المقصود، بخلاف الزينة فإنه لا يلتفت إليه أهل الهمم العالية؛ لأنه يورث العجب، فكأنه سبحانه قال خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر، ولكنه غير مقصود بالذات) (^٥). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: ﴿وَزِينَةً﴾، ولم يقل لتتزينوا بها حتى يطابق لتركبوها؛ لأن الركوب فعل المخاطبين، والزينة فعل الزائن وهو الخالق؛ فدل ذلك بدلالة تغيير النظم على أن الركوب هو المعتبر في المقصود، بخلاف الزينة. (^٦).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٢/ ص ٤٦٦. وانظر: الاستنباط رقم: ١٠٣.\n(^٢) وانظر أمثلة أخرى في الاستنباطات رقم: ١، ٦٧، ١٠٥، ١٢١، ١٤٣، ١٦٢، ١٨٣، ١٩٣، ١٩٤، ٢٠٥.\n(^٣) فتح القدير ج ٢/ ص ٤٧٨. وانظر: الاستنباط رقم: ١٠٤.\n(^٤) وانظر أمثلة أخرى في الاستنباطات رقم: ٣١، ١١٤، ١١٧.\n(^٥) فتح القدير ج ٣/ ص ١٤٩. وانظر: الاستنباط رقم: ١٢٣.\n(^٦) وانظر مثالا آخر في الاستنباط رقم: ١٦٦.","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type='title' id=toc-200>٥ - دلالة التكرار</span>.\nومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٥] حيث قال -﵀-: (وفي تكرير اسم الإشارة دلالة على أن كلا من الهدى والفلاح المستقل بتميزهم به عن غيرهم، بحيث لو انفرد أحدهما لكفى تميزا على حاله) (^١). (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-201>٦ - دلالة التأكيد</span>.\nومثاله: استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ [البقرة: ٢٣٣] أن مدة تمام الرضاع حولين حقيقة، لا تقريبا؛ فقال -﵀-: (وقوله: ﴿كَامِلَيْنِ﴾ تأكيد للدلالة على أن هذا التقدير لا تقريبي) (^٣).\nوهذه الدلالات هي دلالات في علوم القرآن باعتبار أسلوب القرآن وعادته. وبعضها يصلح أن يُعد دلالة بلاغية كدلالة التقديم، ووضع الظاهر موضع المضمر، والتأكيد، والتكرار (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-202>ومن دلالات علوم القرآن أيضا دلالة الربط، وهي أنواع:</span>\n<span data-type='title' id=toc-203>أ - الربط: بين آيتين أو أكثر:</span>\nومثال الربط بين آيتين: استنبط الشوكاني أن النبوة هي من باب الرحمة، وذلك من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾ [مريم: ٤٩ - ٥٠]؛ فقال -﵀-: (﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ بأن جعلناهم أنبياء. وذكر هذا بعد التصريح بجعلهم أنبياء؛ لبيان أن النبوة هي من باب الرحمة …) (^٥).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ١/ ص ٣٧، ٣٨. وانظر: الاستنباط رقم: ٣.\n(^٢) وانظر أمثلة أخرى في الاستنباطات رقم: ٢٠١، ٢١٨.\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ٢٤٤، ٢٤٥. وانظر: الاستنباط رقم: ٢٧.\n(^٤) فهذه من أنواع علم المعاني الذي يُعرَّف بأنه: علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال. انظر: بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة لعبد المتعال الصعيدي ص ٢٥.\n(^٥) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٣٧. وانظر: الاستنباط رقم: ١٤٥.","vol":"1","page":97},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه وهب لإبراهيم -﵇- إسحاق -﵇-، ويعقوب -﵇-، وجعلهم أنبياء، ثم ذكر بعد جعلهم أنبياء أنه وهب لهم من رحمته؛ فدل بدلالة الربط بين الآيتين على أن النبوة هي من باب الرحمة.\nومثال الربط بين آيات: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩] حيث قال -﵀-: (قوله: … ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ هذا الأمر بالكون مع الصادقين بعد قصة الثلاثة فيه الإشارة إلى أن هؤلاء الثلاثة حصل لهم بالصدق ما حصل من توبة الله) (^١).\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بالصدق بعد أن ذكر توبته على الثلاثة الذين خلفوا؛ فدل بدلالة الربط بين هذه الآية وما قبلها من آيات أن الثلاثة الذين خلفوا حصل لهم ما حصل من توبة الله بالصدق.\n\n<span data-type='title' id=toc-204>ب - الربط بين أجزاء الآية:</span>\nومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ … الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١١] حيث قال -﵀-: (… وفي التعرض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة إيذان بأن المستحق للحمد من له هذه الصفات؛ لأنه القادر على الإيجاد وإفاضة النعم، لكون الولد مجبنة ومبخلة، ولأنه أيضا يستلزم حدوث الأب لأنه متولد من جزء من أجزائه، والمحدث غير قادر على كمال الإنعام، والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يقدر على الاستقلال به، ومن لا يقدر على الاستقلال عاجز فضلا عن تمام ما هو له فضلا عن نظام ما هو عليه، وأيضا الشركة موجبة للتنازع بين الشريكين فقد يمنعه الشريك من إفاضة الخير إلى أوليائه، ومؤدية إلى الفساد ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (^٢) [الأنبياء: ٢٢]، والمحتاج إلى ولي يمنعه من الذل وينصره على من أراد إذلاله ضعيف لا يقدر على ما يقدر عليه من هو مستغنى بنفسه) (^٣).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٢/ ص ٤١٤. وانظر: الاستنباط رقم: ٩٨.\n(^٢) وتمام الآية: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ … عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾.\n(^٣) فتح القدير ج ٣/ ص ٢٦٦. وانظر: الاستنباط رقم: ١٣٦.","vol":"1","page":98},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما أمر بحمده ذكر صفات جليلة له ﷿ دالة على تمام الكمال، والقدرة التامة على الإيجاد، وما يتفرع عليه من إضافة أنواع النعم؛ فدل بدلالة الربط بين أجزاء الآية على أن مناسبة ذكرها وكونه رتب الحمد عليها للدلالة على أنه الذي يستحق جنس الحمد؛ لأنه الكامل الذات، المنفرد بالإيجاد، المنعم على الإطلاق. وما عداه ناقص، مملوك نعمة، أو منعم عليه؛ ولذلك عطف عليه قوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-205>ت - الربط بين الآية وخاتمتها:</span>\nومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨] حيث قال -﵀-: (وما أحسن ما ختم به هذا الامتنان الذي لا يلتبس على إنسان، مشيرا إلى عظيم غفرانه وسعة رحمته فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ أي: كثير المغفرة والرحمة، لا يؤاخذكم بالغفلة عن شكر نعمه، والقصور عن إحصائها، والعجز عن القيام بأدناها، ومن رحمته إدامتها عليكم، وإدرارها في كل لحظة، وعند كل نفس تتنفسونه، وحركة تتحركون بها) (^١).\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر كثرة النعم والقصور عن إحصائها، ثم ختم ذلك بذكر مغفرته ورحمته دون غيرهما من الأسماء والصفات؛ فدل ذلك بدلالة تأمل خاتمة الآية والربط بينها وبين الآية على أن الله لا يؤاخذ بالغفلة عن شكر نعمه، والقصور عن إحصائها.\nولم يقتصر الشوكاني على الاستنباط بما تقدم في هذا الفصل من دلالات؛ إذ استنبط بقواعد ودلالات أخرى، وبيانها على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-206>دلالات عامة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-207>١ - دلالة عدم الذكر. ولم يستنبط بها سوى مرة واحدة</span>.\nومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١] حيث قال -﵀-: (قوله: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ معطوف على ﴿وَرُهْبَانَهُمْ﴾ رهبانهم، أي: اتخذه النصارى ربا معبودا. وفيه إشارة إلى أن اليهود لم يتخذوا عزيرا ربا معبودا) (^٢). ووجهه: أن الله تعالى ذكر أن اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، ثم ذكر اتخاذ النصارى عيسى -﵇- ربا معبودا؛ فدل بدلالة عدم الذكر على أن اليهود لم يتخذوا عزيرا ربا معبودا.\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٣/ ص ١٥٤. وانظر: الاستنباط رقم: ١٢٥.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٥٣. وانظر: الاستنباط رقم: ٩٠.","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type='title' id=toc-208>٢ - السياق</span>.\nومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ [النجم: ٥٥] حيث قال -﵀-: (وسمى هذه الأمور المذكورة آلاء أي نعما مع كون بعضها نقما لا نعما؛ لأنها مشتملة على العبر والمواعظ، ولكون فيها انتقام من العصاة وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين) (^١).\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ في سياق التهديد، فإن الله تعالى قبلها قال: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا … هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾، وقال بعدها: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ … (٥٨)﴾؛ فدل بدلالة السياق (^٢) على أن تسمية بعض النقم آلاء لاشتمالها على العبر والمواعظ، ولكون فيها انتقام من العصاة وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين؛ إذ لابد أن يكون بين ذكر الآلاء هنا وذكر التهديد رابط يربطهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-209>٣ - دلالة التركيب</span>.\nومثاله: استنبط الشوكاني مشروعية التسبيح في كل الأوقات والأزمنة، وذلك بدلالة التركيب بين عدد من الآيات، فالله تعالى ذكر التسبيح بفعل ماضي، ومضارع، وأمر، فذكره بفعل ماضي في قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ [الحديد: ١]، وفي قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ … (١)﴾ [الصف: ١]، وفي قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ … (١)﴾ [الحشر: ١]، وذكره بفعل مضارع في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الجمعة: ١]، وفي قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ … شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [التغابن: ١]. وذكره بالأمر في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]؛ فدل بدلالة التركيب بين هذه الآيات على تعليم الله العباد تسبيحه في كل الأوقات والأزمنة؛ لأن الماضي يدل على التسبيح في الماضي من الزمان، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان، والأمر يدل عليه في الحال (^٣). (^٤).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٥/ ص ١١٧. وانظر: الاستنباط رقم: ١٩٩.\n(^٢) لأن السباق، واللحاق تهديد، فذكر الآلاء بينهما دال على أن التهديد نعمة.\n(^٣) انظر: فتح القدير ج ٥/ ص ١٦٥، وص ٢١٩. وانظر: الاستنباطين رقم: ٢٠٤، ٢٠٧.\n(^٤) وانظر أمثلة أخرى في الاستنباطات رقم: ٥٥، ٦٥، ٧٢، ١٤١، ١٤٢، ١٥١.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type='title' id=toc-210>قواعد الاستنباط:</span>\n١ - قاعدة: الوسيلة إلى الشيء إذا كانت حراما كان المتوسل إليه حراما.\nومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢] حيث قال: -﵀-: (… وفي النهي عن قربانه بمباشرة مقدماته نهى عنه بالأولى؛ فإن الوسيلة إلى الشيء إذا كانت حراما كان المتوسل إليه حراما بفحوى الخطاب) (^١).\n٢ - قاعدة: كل فعل عتب عليه الشارع فهو دليل على المنع منه، والحث على ضده.\nومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ [التوبة: ٤٣] حيث قال -﵀-: (وفيها أيضا دلالة على مشروعية الاحتراز عن العجلة والاغترار بظواهر الأمور) (^٢).\n٣ - قاعدة: ذكر قضية كلية، ثم عطف قضية خاصة -هي بعض جزئيات تلك الكلية- عليها دال على كونها أعظم جزئيات تلك الكلية.\nومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ … الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ [الكهف: ٢ - ٤] حيث قال -﵀-: (﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ وهم اليهود، والنصارى، وبعض كفار قريش القائلون بأن الملائكة بنات الله. فذكر سبحانه أولا قضية كلية وهي إنذار عموم الكفار، ثم عطف عليها قضية خاصة هي بعض جزئيات تلك الكلية تنبيها على كونها أعظم جزئيات تلك الكلية؛ فأفاد ذلك أن نسبة الولد إلى الله سبحانه أقبح أنواع الكفر) (^٣).\nتنبيه:\nيمكن أن يكون طريق الاستنباط طريقين أو أكثر. وأمثلة ذلك:\n١ - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ [الشعراء: ٨٠] حيث قال -﵀-: (وأسند المرض إلى نفسه دون غيره من هذه الأفعال المذكورة رعاية للأدب مع الرب، وإلا فالمرض وغيره من الله سبحانه) (^٤).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٣/ ص ٢٢٣. وانظر: الاستنباط رقم: ١٣٤.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٦٥. وانظر: الاستنباط رقم: ٩٤.\n(^٣) فتح القدير ج ٣/ ص ٢٦٩. وانظر: الاستنباط رقم: ١٣٧.\n(^٤) فتح القدير ج ٤/ ص ١٠٥. وانظر: الاستنباط رقم: ١٦٦.","vol":"1","page":101},{"text":"فاستنبط الشوكاني﵀- رعاية الأدب مع الرب سبحانه بدلالة تغيير النظم، وبالاقتداء بإبراهيم -﵇-.\n٢ - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾ [يوسف: ٨٨] حيث قال -﵀-: (﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي: الجوع والحاجة. وفيه دليل على أنه تجوز الشكوى عند الضرورة إذا خاف من إصابته على نفسه كما يجوز للعليل أن يشكو إلى الطبيب ما يجده من العلة) (^١).\nفاستنبط الشوكاني﵀- من الآية جواز الشكوى عند الضرورة، وذلك بدلالتين:\nالأولى: أن يوسف -﵇- أقر إخوته على شكواهم؛ فيدل ذلك على جواز الشكوى عند الضرورة، ولو كان فعلهم غير جائز لأنكر عليهم (^٢).\nالثانية: أن الله لم يعاقبهم على شكواهم؛ فيدل ذلك على جواز الشكوى عند الضرورة (^٣).\nخاتمة الفصل: ترتيب دلالات الاستنباط عند الشوكاني حسب الأكثر استعمالا:\nيمكن ترتيب دلالات الاستنباط عند الشوكاني حسب الأكثر استعمالا كما يلي: أكثرها استعمالا دلالات علوم القرآن (^٤)، ثم دلالة مفهوم المخالفة (^٥)، ثم دلالة مفهوم الموافقة (^٦)، ثم دلالة الالتزام (^٧)، ثم دلالة التركيب (^٨)، ثم دلالة الاقتران (^٩)، ثم دلالة السياق (^١٠)، وأخيرا دلالة التضمن، ودلالة عدم الذكر (^١١).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٣/ ص ٥٠.\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص ج ٤/ ص ٣٩٣.\n(^٣) أحكام القرآن لابن الفرس ج ٣/ ص ٢٢٩.\n(^٤) بنسبة: ٤٨، ٤٧%.\n(^٥) بنسبة: ٩٥، ١٠%.\n(^٦) بنسبة: ٣٩، ٦%.\n(^٧) بنسبة: ٥ %\n(^٨) بنسبة: ٦٥، ٣%.\n(^٩) بنسبة: ٢٨، ٢%.\n(^١٠) بنسبة: ٩١، ٠%.\n(^١١) بنسبة: ٤٥، ٠%.","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type='title' id=toc-211>الفصل الثالث:\nالقيمة العلمية لاستنباطات الشوكاني وفيه مبحثان:</span>\n• المبحث الأول: تأثر الشوكاني باستنباطات المفسرين قبله، وموقفه منها.\n• المبحث الثاني: مميزات استنباطات الشوكاني.\n\n<span data-type='title' id=toc-212>المبحث الأول:\nتأثر الشوكاني باستنباطات المفسرين قبله، وموقفه منها</span>.\nيظهر للمتأمل في استنباطات الشوكاني بعد دراستها وموازنتها باستنباطات غيره من المفسرين أنه تأثر بعدد منهم في كثير من المواضع، كما أنه تأثر باستنباطات بعض الصحابة والتابعين -﵃- في مواضع قليلة، ومع هذا فإنه ينفرد باستنباطات لم يذكرها غيره.\nويمكن القول بأن موقف الشوكاني من استنباطات من سبقه يتمثل في ثلاثة مواقف:\n\n<span data-type='title' id=toc-213>الأول: الاستنباطات التي نقلها دون أن يظهر معها ما يدل على موافقته أو رده لها</span>.\n<span data-type='title' id=toc-214>ومن أمثلة ذلك:</span>\n١ - قول الشوكاني - عند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾ [آل عمران: ٤٤]-: (وقد استدل بهذا من أثبت القرعة، والخلاف في ذلك معروف، وقد ثبتت أحاديث صحيحة في اعتبارها) (^١).\n٢ - قول الشوكاني - عند قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ [إبراهيم: ١٠]-: (وبهذه الآية احتج من جوَّز زيادة من في الإثبات) (^٢).\n٣ - قول الشوكاني - عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ … لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾ [سبأ: ١٥]-: (وقيل: إنما جمع لهم بين طيب البلدة والمغفرة للإشارة إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام) (^٣).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ١/ ص ٣٣٩.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٩٨.\n(^٣) فتح القدير ج ٤/ ص ٣٢٠.","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type='title' id=toc-215>الثاني: الاستنباطات التي ردها ردا صريحا</span>.\n<span data-type='title' id=toc-216>ومن أمثلة ذلك:</span>\n١ - قول الشوكاني - عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]-: (وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على حجية الإجماع لقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولا حجة في ذلك عندي؛ لأن المراد بغير سبيل المؤمنين هنا هو الخروج من دين الإسلام إلى غيره كما يفيده اللفظ، ويشهد به السبب، فلا تصدق على عالم من علماء هذه الملة الإسلامية اجتهد في بعض مسائل دين الإسلام فأداه اجتهاده إلى مخالفة من بعصره من المجتهدين، فإنه إنما رام السلوك في سبيل المؤمنين وهو الدين القويم والملة الحنيفية، ولم يتبع غير سبيلهم …) (^١).\n٢ - قول الشوكاني - عند قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا … مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣)﴾ [النساء: ١٥٣]-: (والباء في قوله: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ للسببية أي: بسبب ظلمهم في سؤالهم الباطل لامتناع الرؤية عيانا في هذه الحالة، وذلك لا يسلتزم امتناعها يوم القيامة، فقد جاءت بذلك الأحاديث المتواترة، ومن استدل بهذه الآية على امتناع الرؤية يوم القيامة فقد غلط غلطا بينا) (^٢).\n٣ - قول الشوكاني - عند قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾ [يوسف: ٩٢]-: (عن عطاء الخراساني (^٣) قال: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها عند الشيوخ، ألم تر إلى قول يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾، وقال يعقوب: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ … هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾ [يوسف: ٩٨]؛ أقول: وفي هذا الكلام نظر؛ فإنهم طلبوا من يوسف أن يعفو عنهم بقولهم: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: من الآية ٩١]؛ فقال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾؛ لأن مقصودهم صدور العفو منه عنهم، وطلبوا من أبيهم يعقوب أن يستغفر الله لهم، وهو لا يكون إلا بطلب ذلك منه إلى الله ﷿، وبين المقامين فرق، فلم يكن وعد يعقوب لهم بخلا عليهم بسؤال الله لهم، ولا سيما إذا صح ما تقدم من أنه أخر ذلك إلى وقت الإجابة، فإنه لو طلبه لهم في الحال لم يحصل له علم بالقبول) (^٤).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ١/ ص ٥١٥.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٥٣٣.\n(^٣) هو أبو عثمان، عطاء بن أبي مسلم الخراساني، اسم أبيه ميسرة، وقيل: عبد الله، له كتاب: \"تنزيل القرآن\"، وتفسيره، وناسخه ومنسوخه، لم يصح أن البخاري أخرج له، لكن روى له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، مات سنة خمس وثلاثين ومائة للهجرة. انظر: طبقات المفسرين للداودي ج ١/ ص ٣٧٩، ٣٨٠، وشذرات الذهب ج ١/ ص ١٩٢.\n(^٤) فتح القدير ج ٣/ ص ٥٤.","vol":"1","page":104},{"text":"وهذا يدل على أن الشوكاني لا يكتفي في جزء الرواية بنقل المأثور، بل يمحص وينقد ويرد. ومثله أيضا المثال الآتي.\n٤ - قول الشوكاني - عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ … مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾ [النمل: ١٥]-: (عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب: إن الله لم ينعم على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان حمده أفضل من نعمته، لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل، قال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ … مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾ وأي نعمة أفضل مما أعطى داود وسليمان؛ أقول: ليس في الآية ما يدل على ما فهمه - ﵀- والذي تدل عليه أنهما حمدا الله سبحانه على ما فضلهما به من النعم، فمن أين تدل على أن حمده أفضل من نعمته) (^١). (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-217>الثالث: الاستنباطات التي تأثر فيها بمن سبقه. وهذه على قسمين:</span>\nأحدهما: الاستنباطات التي تأثر فيها بغيره وصرح بذكره. وهذه نادرة، ولم أقف سوى على مثال واحد هو استنباط البشارة لإبراهيم -﵇- ببقاء الغلام المبشر به حتى يكبر ويصير حليما، وذلك من قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ [الصافات: ١٠١] حيث قال﵀-: (ومعنى حليم أن يكون حليما عند كبره، فكأنه بشر ببقاء ذلك الغلام حتى يكبر ويصير حليما؛ لأن الصغير لا يوصف بالحلم. قال الزجاج: هذه البشارة تدل على أنه مبشر بابن ذكر، وأنه يبقى حتى ينتهي في السن، ويوصف بالحلم (^٣) (^٤).\nثانيهما: الاستنباطات التي تأثر فيها بغيره ولم يصرح بذكره. وهي كثيرة وسيأتي التمثيل لها.\nويتنبه إلى أن نسبة هذه الاستنباطات إلى غيره نسبة إنشاء لا ينفي جواز نسبتها إلى الشوكاني نسبة تأييد وموافقة؛ فهي بهذا الاعتبار تعد استنباطاته.\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٤/ ص ١٣٤.\n(^٢) وانظر أمثلة أخرى في فتح القدير: (ج ١/ ص ٩٨)، و(ج ١/ ص ٤٢٠)، و(ج ١/ ص ٥٣٣)، و(ج ٥/ ص ١٩٠).\n(^٣) معاني القرآن وإعرابه ج ٤/ ص ٣١٠.\n(^٤) فتح القدير ج ٤/ ص ٤٠٣. وانظر: الاستنباط رقم: ١٨٤.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type='title' id=toc-218>أمثلة لتأثر الشوكاني باستنباطات من قبله:</span>\n<span data-type='title' id=toc-219>تأثره باستنباطات الصحابة:</span>\nمثل: تأثره باستنباط ابن عمر -﵃-: \"لكل مطلقة متعة إلا التي يطلقها ولم يدخل بها وقد فرض لها، كفى بالنصف متاعا\" (^١). قال الشوكاني- عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة: ٢٣٧]-: (قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ … الآية. فيه دليل على أن المتعة لا تجب لهذه المطلقة؛ لوقوعها في مقابلة المطلقة قبل البناء والفرض التي تستحق المتعة) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-220>تأثره باستنباطات التابعين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-221>وأمثلة ذلك:</span>\n١ - تأثره باستنباط مجاهد بن جبر (^٣): الإيمان يزيد وينقص (^٤). قال الشوكاني- عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: ١٧٣]-: (وفيه دليل على أن الإيمان يزيد وينقص) (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في متعة الطلاق، رقم: ١١٨٨، ج ٢/ ص ٥٧٣، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب: الصداق، باب المتعة، رقم: ١٤٢٦٨، ج ٧/ ص ٢٥٧. وعزاه السيوطي في الدر المنثور لابن المنذر، وعبد بن حميد انظر: ج ١/ ص ٧٤٠.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٢٥٣. وانظر: الاستنباط رقم: ٢٨.\n(^٣) الإمام أبو الحجاج، مجاهد بن جَبْر المكي، المقريء، المفسر، قرأ على ابن عباس، وروى عن جماعة من الصحابة -﵃-، وقرأ عليه كثير، صح عنه أنه قال: \"عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقفه عند كل آية أسأله فيم نزلت، وكيف كانت\"، توفي سنة إحدى، أو اثنتين، أو ثلاث، أو أربع ومائة للهجرة. انظر: معرفة القراء الكبار ج ١، ص ٦٦، ٦٧، وطبقات المفسرين للداودي ج ٢، ص ٣٠٥ - ٣٠٨.\n(^٤) قال مجاهد في قوله: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾: الإيمان يزيد وينقص. انظر: تفسير ابن أبي حاتم ج ٣/ ص ٨١٨، والدر المنثور ج ٢/ ص ٣٨٩.\n(^٥) فتح القدير ج ١/ ص ٤٠٠. وانظر: الاستنباط رقم: ٩.","vol":"1","page":106},{"text":"٢ - تأثره باستنباط ابن أبي ليلى (^١)، والضحاك (^٢)، والحسن (^٣) في استنباط: المطيع من الجن في الجنة (^٤). قال الشوكاني- عند قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾ [الرحمن: ٥٦]-: (وفي هذه الآية، بل في كثير من آيات هذه السورة دليل أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه، وعملوا بفرائضه، وانتهوا عن مناهيه) (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-222>تأثره باستنباطات المفسرين:</span>\nتأثر الشوكاني في تفسيره بالزجاج، وابن عطية، والقرطبي، وتأثره بهم واضح في تفسير القرآن وبيان معانيه، لكن تأثره بهم في الاستنباط جاء متفاوتا، فالقرطبي أكثر من تأثر به، وإن كان يخالفه أحيانا، مع التنبه إلى أن نصف استنباطات الشوكاني التي تم جمعها ودراستها لم يذكرها القرطبي. أما ابن عطية فإن الشوكاني تأثر به قليلا، وأما الزجاج فإن تأثر الشوكاني به في الاستنباط يكاد يكون معدوما.\n\nويمكن\n_________\n(^١) هو الحافظ أبو عيسى، عبد الرحمن بن أبي ليلى-واسم أبي ليلى يسار- الكوفي، الفقيه، من كبار التابعين، قرأ القرآن على علي -﵃-، توفي سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين للهجرة. انظر: الثقات ج ٥/ ص ١٠٠، ١٠١. وسير أعلام النبلاء ج ٤/ ص ٢٦٢ - ٢٦٧. وانظر قوله في: تفسير ابن أبي حاتم ج ٤/ ص ١٣٨٩، والدر المنثور ج ٣/ ص ٣٦٠.\n(^٢) هو أبو القاسم أو أبو محمد الضحاك بن مزاحم الهلالي الخراساني، المفسر، من أوعية العلم، مات سنة خمس أو ست ومائة للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء ج ٤/ ص ٥٩٨ - ٦٠٠. وطبقات المفسرين للداودي ج ١/ ص ٢١٦.\n(^٣) هو أبو سعيد، الحسن بن يسار البصري، من كبار التابعين، إمام زمانه علما وعملا، دعا له عمر -﵃- بالتفقه في الدين، توفي سنة عشر ومائة للهجرة. انظر: التاريخ الكبير ج ٢/ ص ٢٨٩. وغاية النهاية ج ١/ ص ٢٣٥.\n(^٤) راجع أقوالهم في الاستنباط رقم: ٧٥.\n(^٥) فتح القدير ج ٥/ ص ١٤١. وانظر: الاستنباط رقم: ٢٠٣. والاستنباطين رقم: ٧٥، ١٩٢.","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type='title' id=toc-223>ترتيب المفسرين حسب الأكثر تأثيرا في الشوكاني </span>على النحو التالي:\n•\n\n<span data-type='title' id=toc-224>أولا: القرطبي:</span>\nتأثر الشوكاني باستنباطات القرطبي كثيرا، ويمكن القول بأن ما يقارب نصف استنباطات\nالشوكاني أفادها من القرطبي (^١)، ولذا فإني لن أتعرض لهذا النوع من الاستنباطات، بل سأمثل لاستنباطات الشوكاني التي لم يذكرها القرطبي، وهي:\n١ - استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٩] أن أموال المرابين مع عدم توبتهم حلال لمن أخذها من الأئمة، ونحوهم ممن ينوب عنهم (^٢).\n٢ - استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣] مشروعية صلاة الجماعة (^٣).\n٣ - استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ [التوبة: ٤٣] مشروعية الاحتراز عن العجلة، والاغترار بظواهر الأمور (^٤).\n٤ - استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨] أن لفظ (وعد) يقال في الشر كما يقال في الخير (^٥).\n٥ - استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)﴾ [الكهف: ١٩] أن إمساك الإنسان بعض ما يحتاج إليه لا ينافي التوكل على الله (^٦).\n٦ - استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ … مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧)﴾ [النمل: ٢٧] أن على المرء البحث عن الأخبار، والكشف عن الحقائق، وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم، واعتمادا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه (^٧).\n_________\n(^١) وأمثلة ذلك: ٦، ٩، ١٤، ٣٧، ٤٥، ٧٣، ١٠٩، ١١٣، ١٢٢، ١٦٧، ١٦٨، ١٧٢، ١٧٣.\n(^٢) انظر: فتح القدير ج ١/ ص ٢٩٧، والاستنباط رقم: ٣٣.\n(^٣) انظر: فتح القدير ج ١/ ص ٣٣٨، والاستنباط رقم: ٣٦.\n(^٤) انظر: فتح القدير ج ٢/ ص ٣٦٥، والاستنباط رقم: ٩٤.\n(^٥) انظر: فتح القدير ج ٢/ ص ٣٧٩ والاستنباط رقم: ٩٥.\n(^٦) انظر: فتح القدير ج ٣/ ص ٢٧٦ والاستنباط رقم: ١٣٨.\n(^٧) انظر: فتح القدير ج ٤/ ص ١٣٦، والاستنباط رقم: ١٦٩.","vol":"1","page":108},{"text":"وربما خالف الشوكاني القرطبي كما في الأمثلة التالية:\n١ - استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى … السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩] أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل (^١).\nوالقرطبي ممن لا يرى هذا (^٢).\n٢ - استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ … عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩)﴾ [يوسف: ١٠٩] أن الله سبحانه لم يبعث نبيا من النساء ولا من الجن، وأن في الآية ردا على من قال: إن في النساء أربع نبيات: حواء، وآسية، وأم موسى، ومريم (^٣).\nقال القرطبي: والصحيح أن مريم نبية؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحي إلى سائر النبيين. وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها دلالة واضحة بل على صديقيتها وفضلها (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-225> ثانيا: أبو السعود </span>(^٥):\nيعد أبو السعود من أكثر من تأثر به الشوكاني بعد القرطبي في الاستنباط، فقد تأثر به فيما يقارب ثلث استنباطاته، ومن أمثلة ذلك:\n١ - في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠] قال أبو السعود: (وفي قصر الإمداد عليهما إشعار بعدم مباشرة الملائكة للقتال، وإنما كان إمدادهم بتقوية قلوب المباشرين، وتكثير سوادهم، ونحوه كما هو رأي بعض السلف) (^٦).\n_________\n(^١) انظر: فتح القدير ج ١/ ص ٦٠، والاستنباط رقم: ٦.\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١/ ص ٢٩٢.\n(^٣) انظر: فتح القدير ج ٣/ ص ٦٠، والاستنباط رقم: ١١٨.\n(^٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٤/ ص ٨٤.\n(^٥) محمد (وقيل: أحمد) بن محمد بن مصطفى العمادي الرومي، الحنفي،، المفسر، الأصولي، تولى القضاء والإفتاء، توفي سنة ٩٨٢ هـ. انظر: شذرات الذهب ج ٨/ ص ٣٩٨، ومعجم المفسرين ج ٢/ ص ٦٢٥.\n(^٦) إرشاد العقل السليم ج ٤/ ص ٨.","vol":"1","page":109},{"text":"وقال الشوكاني -﵀-: (﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ﴾ أي: بالإمداد قلوبكم. وفي هذا إشعار بأن الملائكة لم يقاتلوا، بل أمد الله المسلمين بهم للبشرى لهم، وتطمين قلوبهم، وتثبيتها) (^١).\n٢ - في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١] قال أبو السعود: (﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عطف على رهبانهم، أي: اتخذه النصارى ربا معبودا بعد ما قالوا: إنه ابنه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. وتخصيص الاتخاذ به يشير إلى أن اليهود ما فعلوا ذلك بعزير) (^٢).\nوقال الشوكاني -﵀-: (قوله: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ معطوف على … ﴿وَرُهْبَانَهُمْ﴾ رهبانهم، أي: اتخذه النصارى ربا معبودا. وفيه إشارة إلى أن اليهود لم يتخذوا عزيرا ربا معبودا) (^٣).\n٣ - في قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم: ١٧ - ١٨] قال أبو السعود: (وتوسيطه بين أوقات التسبيح للاعتناء بشأنه، والإشعار بأن حقهما أن يجمع بينهما كما ينبئ عنه قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ..) (^٤).\nوقال الشوكاني -﵀-: (وجملة: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ معترضة مسوقة للإرشاد إلى الحمد، والإيذان بمشروعية الجمع بينه وبين التسبيح كما في قوله سبحانه: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: من الآية ٩٨]، و﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: من الآية ٣٠]) (^٥).\n\n•\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٢/ ص ٢٩٠. وانظر: الاستنباط رقم: ٨١.\n(^٢) إرشاد العقل السليم ج ٤/ ص ٦٠.\n(^٣) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٥٣. وانظر: الاستنباط رقم: ٩٠.\n(^٤) إرشاد العقل السليم ج ٧/ ص ٥٤.\n(^٥) فتح القدير ج ٤/ ص ٢١٨، ٢١٩. وانظر: الاستنباط رقم: ١٧٥.","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type='title' id=toc-226>ثالثا: الرازي:</span>\nتأثر الشوكاني باستنباطات الرازي كثيرا، وفي بعض الاستنباطات تكاد عبارة الشوكاني تكون هي عبارة الرازي، ومن أمثلة ذلك:\n١ - في قوله تعالى: ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ … الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ [الكهف: ٢ - ٤] قال الرازي: (اعلم أن قوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ معطوف على قوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾، والمعطوف يجب كونه مغايرا للمعطوف عليه، فالأول عام في حق كل من استحق العذاب، والثاني خاص بمن أثبت لله ولدا، وعادة القرآن جارية بأنه إذا ذكر قضية كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيها على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي، كقوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: من الآية ٩٨]، فكذا هاهنا العطف يدل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله تعالى) (^١).\nوقال الشوكاني -﵀-: (﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ وهم اليهود، والنصارى، وبعض كفار قريش القائلون بأن الملائكة بنات الله. فذكر سبحانه أولا قضية كلية وهي إنذار عموم الكفار، ثم عطف عليها قضية خاصة هي بعض جزئيات تلك الكلية تنبيها على كونها أعظم جزئيات تلك الكلية؛ فأفاد ذلك أن نسبة الولد إلى الله سبحانه أقبح أنواع الكفر) (^٢).\n٢ - في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾ [مريم: ١٠] مع وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران: ٤١] قال الرازي: (قال في آل عمران: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾، وقال ههنا: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾، وجوابه: دلت الآيتان على أن المراد ثلاثة أيام بلياليهن) (^٣).\n_________\n(^١) التفسير الكبير ج ٢١/ ص ٦٦.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٢٦٩. وانظر: الاستنباط رقم: ١٣٧.\n(^٣) التفسير الكبير ج ٢١/ ص ١٦٦.","vol":"1","page":111},{"text":"وقال الشوكاني -﵀-: (وقد دل بذكر الليالي هنا والأيام في آل عمران أن المراد ثلاثة أيام ولياليهن) (^١).\n٣ - في قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣)﴾ [فاطر: ٣٣] قال الرازي: (قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ إشارة إلى سرعة الدخول، فإن التحلية لو وقعت خارجا لكان فيه تأخير الدخول، فقال يدخلونها وفيها تقع تحليتهم) (^٢).\nوقال الشوكاني -﵀-: (… وفيه إشارة إلى سرعة الدخول، فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيرا للدخول، فلما قال: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ أشار أن دخولهم على وجه السرعة) (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-227> رابعا: البيضاوي </span>(^٤).\nومن أمثلة تأثر الشوكاني باستنباطاته:\n١ - في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة: ٢٣٧] قال البيضاوي: (﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ أي: فلهن، أو فالواجب نصف ما فرضتم لهن. وهو دليل على أن الجناح المنفي ثم تبعه المهر (^٥)، وأن لا متعة مع التشطير؛ لأنه قسيمها) (^٦).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٢٤. وانظر: الاستنباط رقم: ١٤٢.\n(^٢) التفسير الكبير ج ٢٦/ ص ٢٤.\n(^٣) فتح القدير ج ٤/ ص ٣٥٠. وانظر: الاستنباط رقم: ١٨٢.\n(^٤) هو ناصر الدين، عبد الله بن عمر البيضاوي، الشافعي، مفسر، فقيه، أصولي، عالم بالعربية والمنطق، ولي القضاء بشيراز، له مصنفات كثيرة، منها: المنهاج في الأصول، توفي سنة ٦٩١ هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى ج ٨/ ص ١٥٧، ١٥٨، وطبقات المفسرين للداودي ج ١/ ص ٢٤٢.\n(^٥) أي: لا تبعة على المطلق من مطالبة المهر إذا كانت المطلقة غير ممسوسة ولم يسم لها مهرا، إذ لو كانت ممسوسة فعليه المسمى أو مهر المثل، ولو كانت غير ممسوسة ولكن سمي لها فلها نصف المسمى. انظر: أنوار التنزيل ج ١/ ص ٥٣٣.\n(^٦) أنوار التنزيل ج ١/ ص ٥٣٤.","vol":"1","page":112},{"text":"وقال الشوكاني -﵀-: (قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ … الآية. فيه دليل على أن المتعة لا تجب لهذه المطلقة؛ لوقوعها في مقابلة المطلقة قبل البناء والفرض التي تستحق المتعة) (^١).\n٢ - في قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ [النحل: ٨] قال البيضاوي: (وتغيير النظم لأن الزينة بفعل الخالق، والركوب ليس بفعله، ولأن المقصود من خلقها الركوب، وأما التزين بها فحاصل بالعرض) (^٢).\nوقال الشوكاني -﵀-: (ولم يقل لتتزينوا بها حتى يطابق لتركبوها؛ لأن الركوب فعل المخاطبين، والزينة فعل الزائن وهو الخالق، والتحقيق فيه أن الركوب هو المعتبر في المقصود، بخلاف الزينة فإنه لا يلتفت إليه أهل الهمم العالية؛ لأنه يورث العجب، فكأنه سبحانه قال خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر، ولكنه غير مقصود بالذات) (^٣).\n٣ - في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ [الذاريات: ٧ - ٨] قال البيضاوي: (ولعل النكتة في هذا القسم تشبيه أقوالهم في اختلافها، وتنافي أغراضها بطرائق السموات في تباعدها، واختلاف غاياتها) (^٤).\nوقال الشوكاني -﵀-: (﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ هذا جواب القسم بالسماء ذات الحبك، أي أنكم يا أهل مكة لفي قول مختلف متناقض في محمد -ﷺ- بعضكم يقول: إنه شاعر، وبعضكم يقول: إنه ساحر، وبعضكم يقول: إنه مجنون. ووجه تخصيص القسم بالسماء المتصفة بتلك الصفة؛ تشبيه أقوالهم في اختلافها باختلاف طرائق السماء) (^٥).\n\n•\n_________\n(^١) فتح القدير ج ١/ ص ٢٥٣. وانظر: الاستنباط رقم: ٢٨.\n(^٢) أنوار التنزيل ج ٣/ ص ٣٨٧.\n(^٣) فتح القدير ج ٣/ ص ١٤٩. وانظر: الاستنباط رقم: ١٢٣.\n(^٤) أنوار التنزيل ج ٥/ ص ٢٣٥.\n(^٥) فتح القدير ج ٥/ ص ٨٣. وانظر: الاستنباط رقم: ١٩٦.","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-228>خامسا: ابن عطية:</span>\nلم يتأثر الشوكاني في الاستنباط بابن عطية إلا قليلا، إذ انحصر تأثره به في خمسة عشر موضعا (^١). ومن أمثلة ذلك:\n١ - في قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ [البقرة: ٣٥] قال ابن عطية: (وهذا مثال بيَّن في سد الذرائع) (^٢).\nوقال الشوكاني -﵀-: (والنهي عن القرب فيه سد للذريعة وقطع للوسيلة؛ ولهذا جاء به عوضا عن الأكل …) (^٣).\n٢ - في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾ [آل عمران: ١٢٠] قال ابن عطية: (وذكر تعالى المس في الحسنة ليبين أن بأدنى طروء الحسنة تقع المساءة بنفوس هؤلاء المبغضين، ثم عادل ذلك بالسيئة بلفظ الإصابة، وهي عبارة عن التمكن لأن الشيء المصيب لشيء فهو متمكن منه أو فيه؛ فدل هذا المنزع البليغ على شدة العداوة، إذ هو حقد لا يذهب عند الشدائد، بل يفرحون بنزول الشدائد بالمؤمنين، وهكذا هي عداوة الحسد في الأغلب، ولا سيما في مثل هذا الأمر الجسيم الذي هو ملاك الدنيا والآخرة) (^٤).\nوقال الشوكاني -﵀-: (وعبر بالمس في الحسنة، وبالإصابة في السيئة؛ للدلالة على أن مجرد مس الحسنة يحصل به المساءة، ولا يفرحون إلا بإصابة السيئة) (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-229> سادسا: البقاعي:</span>\nتأثر الشوكاني بالبقاعي في استنباط المناسبات وغيرها، وذلك فيما يقارب أربعة عشر موضعا (^٦)، ومن أمثلة ذلك:\n١ - في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ [البقرة: ٢٢١] قال البقاعي: (وأفهم هذا خيرية الحرة والحر المؤمنين من باب الأولى، مع التشريف العظيم لهما بترك ذكرهما إعلاما بأن خيريتهما أمر مقطوع به لا كلام فيه، وأن المفاضلة إنما هي بين من كانوا يعدُّونَه دَنِيَّا فشرفه الإيمان، ومن يعدُّونَه شريفا فحقره الكفران، وكذلك ذكر الموصوف بالإيمان في الموضعين ليدل على أنه وإن كان دَنِيَّا موضع التفضيل لعلو وصفه، وأثبت الوصف بالشرك في الموضعين مقتصرًا عليه؛ لأنه موضع التحقير وإن علا في العرف موصوفه) (^٧).\n_________\n(^١) انظر: الاستنباطات رقم: ١٠، ١٣، ٢٠، ٢٧، ٣٥، ٥٣، ٥٤، ٧٧، ١٠٩، ١١٣، ١٣٢، ١٥٨، ٢١٢.\n(^٢) انظر: المحرر الوجيز ص ٧٧.\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ٦٨، وانظر: الاستنباط رقم: ٨.\n(^٤) المحرر الوجيز ص ٣٤٩.\n(^٥) فتح القدير ج ١/ ص ٣٧٦، وانظر: الاستنباط رقم: ٤٠.\n(^٦) انظر أمثلة ذلك في الاستنباطات رقم: ٧، ١٢، ٢٣، ٢٥، ٢٧، ٥٤، ٧٢، ١٢٤، ١٣١.\n(^٧) المصدر السابق ج ١/ ص ٤٢٠.","vol":"1","page":114},{"text":"وقال الشوكاني -﵀-: (قوله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ أي: ولرقيقة مؤمنة. وقيل: المراد بالأمة الحرة؛ لأن الناس كلهم عبيد الله وإماؤه. والأول أولى لما سيأتي؛ لأنه الظاهر من اللفظ، ولأنه أبلغ، فإن تفضيل الأمة الرقيقة المؤمنة على الحرة المشركة؛ يستفاد منه تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة بالأولى) (^١).\n٢ - في مناسبة خاتمة سورة الأنبياء لفاتحة سورة الحج قال البقاعي: (لما ختمت التي قبلها بالترهيب من الفزع الأكبر، وطيّ السماء، وإتيان ما يوعدون، والدينونة بما يستحقون، وكان أعظم ذلك يوم الدين، افتتحت هذه بالأمر بالتقوى المنجية من هول ذلك اليوم) (^٢).\nوقال الشوكاني -﵀-: (لما انجر الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها؛ بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة، وأهوالها؛ حثا على التقوى التي هي أنفع زاد فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾) (^٣).\nويتنبه إلى أن الشوكاني استنبط أنواعا من المناسبات لم يذكرها البقاعي، مما يدل على عناية الشوكاني بالمناسبات وأنواعها، ومثال ذلك:\n١ - مناسبة ختم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ [آل عمران: ١٢٩] التنبيه إلى أن رحمة الله سبقت غضبه (^٤).\n٢ - مناسبة ذكر الرحمة بعد النبوة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾ [مريم: ٤٩ - ٥٠] أن النبوة هي من باب الرحمة (^٥).\n\n•\n_________\n(^١) فتح القدير ج ١/ ص ٢٢٤. وانظر: الاستنباط رقم: ٢٤.\n(^٢) نظم الدرر ج ٥/ ص ١٢٩.\n(^٣) فتح القدير ج ٣/ ص ٤٣٥. وانظر: الاستنباط رقم: ١٤٩.\n(^٤) انظر: فتح القدير ج ١/ ص ٣٧٨، وانظر: الاستنباط رقم: ٤٢.\n(^٥) انظر: فتح القدير ج ٣/ ص ٣٣٧،. وانظر: الاستنباط رقم: ١٤٥.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type='title' id=toc-230>سابعا: الزجاج</span>.\nلم يظهر لي أن للزجاج أثرا في استنباطات الشوكاني إلا ما ندر. ويمكن حصر تأثره به في موضع واحد:\nفي قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ [البقرة: ٢٣٣]: قال الزجاج: (وإِنما قيل: (كَامِلَيْنِ) لأن القائل يقُول: قد مضى لذلك عامان وسنتان فيجيز أن السنتين قد مضتا، ويكون أن تبقى منهما بقية، إِذا كان في الكلام دليل على إِرادة المتكلم فإِذا قال: (كَامِلَيْنِ) لم يجز أن تنقصا شيئًا) (^١).\nوقال الشوكاني -﵀-: (وقوله: ﴿كَامِلَيْنِ﴾ تأكيد للدلالة على أن هذا التقدير لا تقريبي) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-231>تأثيره في المفسرين بعده</span>\nلاشك أن للشوكاني أثرا في القنوجي الذي اعتنى بمؤلفات الشوكاني، وقد ظهر هذا جليا في تفسير فتح البيان. كما ظهر لي أن الشوكاني أثر أيضا في محمد الأمين بن عبد الله الأُرَمي الهرري الشافعي صاحب تفسير حدائق الروح والريحان.\nأما القنوجي فلم يقتصر على نقل استنباطات الشوكاني وموافقته عليها بل يستنبط أحيانا ما ليس عند الشوكاني، ومثال ذلك:\n١ - في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥] قال الشوكاني -﵀-: (وفيه … إخبار المسلمين بأن ما يأخذونه منهم من أعراض (^٣) الطعام حلال لهم بطريق الدلالة الالتزامية) (^٤). ووافقه القنوجي وزاد عليه استنباطا آخر، فقال: (وهذا يدل على أنهم مخاطبون بشريعتنا) (^٥).\n_________\n(^١) معاني القرآن وإعرابه ج ١/ ص ٣١٢.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٢٤٤، ٢٤٥. وانظر: الاستنباط رقم: ٢٧.\n(^٣) يظهر أنه: (أعواض) الطعام، أي ثمنه والعوض عنه.\n(^٤) فتح القدير ج ٢/ ص ١٥. وانظر: الاستنباط رقم: ٦١.\n(^٥) انظر: فتح البيان ج ٣/ ص ٣٥٥.","vol":"1","page":116},{"text":"٢ - في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)﴾ [الكهف: ١٩] قال الشوكاني -﵀-: (وفي حملهم لهذه الورق معهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان لا ينافي التوكل على الله) (^١). ووافقه القنوجي وزاد عليه استنباطا آخر، فقال: (فيه دليل على جواز الاجتهاد، والقول بالظن الغالب) (^٢).\nويندر أن يخالف القنوجي الشوكاني، ويمكن أن يمثل له بمثال واحد- على احتمال- في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ … الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)﴾ [الرعد: ٣] قال الشوكاني: (﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ … وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كريتها في نفسها لتباعد أطرافها) (^٣). وقال القنوجي: (قيل: وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كرويتها في نفسها لتباعد أطرافها (^٤)، وبه قال أهل الهيئة، والله أخبر أنه مد الأرض، وأنه دحاها، وبسطها، وأنه جعلها فراشا، وكل ذلك يدل على كونها مسطحة كالأكف، وهو أصدق قيلا، وأبين دليلا من أصحاب الهيئة) (^٥). وانظر بسط القول في هذا الاستنباط عند قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ … شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩)﴾ [الحجر: ١٩] (^٦).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٣/ ص ٢٧٦. وانظر: الاستنباط رقم: ١٣٨.\n(^٢) فتح البيان ج ٨/ ص ٢٧.\n(^٣) فتح القدير ج ٣/ ص ٦٤. وقد نقل الشوكاني قبله قولا للأصم، فقال: (وقال الأصم: إن المد هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه. وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كريتها في نفسها لتباعد أطرافها). فإن قيل: قد يكون الكلام كله للأصم فنقله الشوكاني؛ قلت: قول الشوكاني: (وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كريتها في نفسها لتباعد أطرافها) ليس من تمام كلام الأصم، إذ ليس موجودا في تفسيره للآية في ص ٢٤، وص ٨٢، وكذلك لم ينقله الرازي عن الأصم-مع أنه ينقل عنه كثيرا-، فلم يبق إلا أن يكون من كلام الشوكاني.\n(^٤) هذا قول النيسابوري في غرائب القرآن ورغائب الفرقان ج ٧/ ص ٢٥٢.\n(^٥) فتح البيان ج ٧، ص ١٢.\n(^٦) الاستنباط رقم: ١٢٢. وفيه يظهر أهمية الرجوع إلى تفسير القنوجي وموازنته بتفسير الشوكاني.","vol":"1","page":117},{"text":"ويندر أيضا ألا يذكر استنباطا من استنباطات الشوكاني، ولم أقف سوى على مثال واحد لم يذكره هو: في قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الرعد: ٤] إذ استنبط الشوكاني أن مناسبة ختم ذكر اختلاف مذاق الثمرات، وتفاضل بعضها مع كونها من تربة واحدة، وتسقى بماء واحد بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ لأنه ليس في نظر العقل ما يفسر ذلك إلا بالقدرة الباهرة، والصنع العجيب (^١).\nوأما الهرري: فقد ذكر في تفسيره ما يقارب ثلث استنباطات الشوكاني، ومن أمثلة ذلك:\n١ - في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ [إبراهيم: ٣٥] قال الشوكاني -﵀-: (وقدم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفي الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا) (^٢). وذكر الهرري هذا الاستنباط بعبارته دون تغيير (^٣).\n٢ - في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ … عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ [الأنبياء: ٢٢] قال الشوكاني -﵀-: (﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ … عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان أي: تنزه ﷿ عما لا يليق به من ثبوت الشريك له. وفيه إرشاد للعباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به) (^٤).\nقال الهرري: (وفيه إرشاد للعباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به) (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الاستنباط رقم: ١١٩.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ١١٢. وانظر: الاستنباط رقم: ١٢١.\n(^٣) انظر: حدائق الروح والريحان ج ١٤/ ص ٤١٦.\n(^٤) فتح القدير ج ٣/ ص ٤٠٢. وانظر: الاستنباط رقم: ١٤٧.\n(^٥) حدائق الروح والريحان ج ١٨/ ص ٣٧.","vol":"1","page":118},{"text":"وهذان الاستنباطان لم أقف عليهما عند أحد غير القنوجي والهرري.\n\n<span data-type='title' id=toc-232>المبحث الثاني:\nمميزات استنباطات الشوكاني</span>\n<span data-type='title' id=toc-233>تميزت استنباطات الشوكاني بميزات هي:</span>\n١ - ظهرت شخصية الشوكاني في الاستنباط جلية حيث انفرد بذكر أربعة عشر استنباطا لم أقف عليها عند أحد ممن سبقه فيما اطلعت عليه، وهي:\n١) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾ [البقرة: ١١٣] أن الوقوع في الدعاوى الباطلة، والتكلم بما ليس عليه برهان من أهل العلم والدراسة لكتب الله أشد قبحا، وأفظع جرما، وأعظم ذنبا (^١).\n٢) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧] أن من سبقت له العناية من علماء هذه الأمة يعصمه الله من الناس إن قام ببيان حجج الله (^٢).\n٣) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٧] أن الغلو في الحق بإبلاغ كلية الجهد في البحث عنه، واستخراج حقائقه ليس بمذموم (^٣).\n٤) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ [الأعراف: ١٣] أن كل من تردى برداء الاستكبار عوقب بلبس رداء الهوان والصغار، ومن لبس رداء التواضع ألبسه الله رداء الترفع (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الاستنباط رقم: ١٥.\n(^٢) انظر: الاستنباط رقم: ٦٦.\n(^٣) انظر: الاستنباط رقم: ٦٨.\n(^٤) انظر: الاستنباط رقم: ٧٨.","vol":"1","page":119},{"text":"٥) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا … فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥)﴾ [الأنفال: ٥٥] انسلاخ الكفار من الإنسانية، ودخولهم في جنس غير الناس من أنواع الحيوان؛ لعدم تعقلهم لما فيه رشادهم (^١).\n٦) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ … عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾ [هود: ٤٦] عدم جواز الدعاء بما لا يعلم الإنسان مطابقته للشرع (^٢).\n٧) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ [إبراهيم: ٣٥] أن تقديم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفي الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا (^٣).\n٨) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ … عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ [الأنبياء: ٢٢] إرشاد العباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به (^٤).\n٩) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ … تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ [النمل: ٨٤] أن من تصدى لذم علم من العلوم الشرعية، أو لذم علم هو مقدمة من مقدماتها ووسيلة يتوسل بها إليها فهو مذموم (^٥).\n١٠) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)﴾ [الأحزاب: ٥٠] من الآية شرف الهجرة، وشرف من هاجر (^٦).\n_________\n(^١) انظر: الاستنباط رقم: ٨٦.\n(^٢) انظر: الاستنباط رقم: ١٠٨.\n(^٣) انظر: الاستنباط رقم: ١٢١.\n(^٤) انظر: الاستنباط رقم: ١٤٧.\n(^٥) انظر: الاستنباط رقم: ١٧٠.\n(^٦) انظر: الاستنباط رقم: ١٧٨.","vol":"1","page":120},{"text":"١١) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨] أن الأذية للمؤمن والمؤمنة بما كسبوه ليست من الأذية المحرمة شرط ألا تجاوز ما شرعه الله (^١).\n١٢) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ … الرَّحِيمُ … (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣] نهي المذنبين غير المسرفين عن القنوط (^٢).\n١٣) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ [الأحقاف: ١٥] أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من الدعاء بقول: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ (^٣).\n١٤) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ٣] أن الصبر أعظم خصال الحق (^٤).\n٢ - تميز عدد كبير من استنباطات الشوكاني باستنباط المناسبات الخفية بأنواعها المختلفة، ولذا كان أكثر موضوعات الاستنباط عنده موضوع علوم القرآن عموما، واستنباط المناسبات خصوصا، وقد تقدم تفصيل القول في المبحث الأول من الفصل الأول فليراجع في موضعه.\n_________\n(^١) انظر: الاستنباط رقم: ١٨٠.\n(^٢) انظر: الاستنباط رقم: ١٨٦.\n(^٣) انظر: الاستنباط رقم: ١٩١.\n(^٤) انظر: الاستنباط رقم: ٢١٧.","vol":"1","page":121},{"text":"وإذا ما نظرنا إلى هذا العدد الكبير من استنباطات المناسبات الخفية وضممناها إلى المناسبات الظاهرة التي يعتني بها الشوكاني كثيرا في تفسيره -والتي لا تدخل ضمن الاستنباطات-؛ فيمكن عد تفسير الشوكاني مصدرا من مصادر معرفة المناسبات.\n٣ - يستنبط الشوكاني من الآية الواحدة استنباطين مثل:\nأ - استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ [البقرة: ٢٤٩] استنباطين، هما:\nالأول: أن غرفة الماء تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش، الدافعين أنفسهم عن الرفاهية (^١).\nالثاني: الماء يقال له طعام (^٢).\nب - استنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ [التوبة: ٤٣] استنباطين، هما:\nالأول: جواز اجتهاد النبي -ﷺ- (^٣).\nالثاني: مشروعية الاحتراز عن العجلة، والاغترار بظواهر الأمور (^٤).\n٤ - يستنبط المعنى الواحد أو القريب من مواضع مختلفة مثل: استنباط ذم التقليد والمنع منه من آيات مختلفة (^٥) وبدلالات متنوعة (^٦).\n_________\n(^١) انظر: الاستنباط رقم: ٢٩.\n(^٢) انظر: الاستنباط رقم: ٣٠.\n(^٣) انظر: الاستنباط رقم: ٩٣.\n(^٤) انظر: الاستنباط رقم: ٩٤.\n(^٥) انظر: البقرة: ٢٢ (ج ١/ ص ٥٠)، البقرة: ١٧٠ (ج ١/ ص ١٦٧)، الأنفال: ٢٤ (ج ٢/ ص ٢٩٩)، التوبة: ٣١ (ج ٢/ ص ٣٥٣)، الأحزاب: ٦٧ (ج ٤/ ص ٣٠٦)، والزخرف: ٢٢ (ج ٤/ ص ٥٥٢، ٥٥٣).\n(^٦) انظر: الاستنباطات رقم: ٤، ٢٠، ٨٣، ٩١، ١٨١، ١٨٩.","vol":"1","page":122},{"text":"٥ - يكرر الاستنباط للتأكيد مثل: استنباط الإرشاد إلى شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد؛ إذ استنبط هذا المعنى من قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [البقرة: ٤٣]، ومن قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣] (^١).\nوقد يؤكد على المعنى المستنبط من آية عند تفسير آية أخرى، مثل:\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ [البقرة: ٢٤٩] أن الماء يقال له طعام، وأكد هذا المعنى عند قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: من الآية ٩٣] فقال: (أي: من المطاعم التي يشتهونها، والطعم وإن كان استعماله في الأكل أكثر، لكنه يجوز استعماله في الشرب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾) (^٢). (^٣)\n_________\n(^١) انظر: الاستنباطين رقم: ١١، ٣٦.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ٧٤.\n(^٣) وأحيانا لا يكرر مثل: استنباط أن الإيمان يزيد وينقص من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: ١٧٣] فاكتفى بذكره في هذا الموضع، ولم يذكره في بقية المواطن المماثلة وهي: الأنفال: ٢، والتوبة: ١٢٤، والكهف: ١٣، والأحزاب: ٢٢، والفتح: ٤، محمد: ١٧، والمدثر: ٣١.","vol":"1","page":123},{"text":"٦ - دلت بعض الاستنباطات على صحة مذهبه العقدي، فتميزت بكونها استنباطات عقدية صحيحة مثل: استنباط أن الإيمان يزيد وينقص من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: ١٧٣] (^١).\n٧ - ظهر أثر قراءة نافع (^٢) - التي اعتمدها في تفسيره- على الاستنباط، ومثاله:\nاستنبط الشوكاني من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ [البقرة: ٢٤٩] أن غرفة الماء تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش، الدافعين أنفسهم عن الرفاهية. وفي: (غرفة) قراءتان: فقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر: غَرفة بيده، بفتح الغين، والباقون بضمها (^٣). وما كان باليد فهو غَرفة بالفتح، وما كان بإناء فهو غُرفة بالضم (^٤).\nوالغَرفة أي: مرة واحدة باليد، وهي المد، والغُرفة: ما تحمله اليد، أو المغروف (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الاستنباط رقم: ٤٣.\n(^٢) أبو رويم، نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي، مولاهم، المقرئ، أحد السبعة، مقرئ المدينة، أصله من أصبهان، قرأ على سبعين من التابعين، قال مالك: نافع إمام الناس في القراءة، مات سنة تسع وستين ومائة للهجرة. انظر: معرفة القراء الكبار ج ١، ص ١٠٧ - ١١١، وغاية النهاية ج ٢، ص ٣٣٢ - ٣٣٤.\n(^٣) انظر: النشر ج ٢/ ص ٢٣٠، وإتحاف فضلاء البشر ج ١/ ص ٢٠٧، والبدور الزاهرة ج ١/ ص ١٢٣.\n(^٤) انظر: الكتاب المختار في معاني قراءات أهل الأمصار ج ١/ ص ١١١، والحجة في القراءات السبع لابن خالويه ج ١/ ص ٩٩، وحجة القراءات لابن زنجلة ج ١/ ص ١٤٠.\n(^٥) انظر: الكتاب المختار ج ١/ ص ١١١، ومفاتيح الأغاني في القراءات والمعاني للكرماني ص ١٢٠، وحجة القراءات ج ١/ ص ١٤٠.","vol":"1","page":124},{"text":"أو الغَرفة: ما كان بيد واحدة، والغُرفة: ما كان بيدين. أو أنهما لغتان بمعنى واحد (^١).\nوهذا الاستنباط يستقيم على القراءتين؛ إذ هما دالتان على القلة، إلا أنه- والله أعلم- على قراءة الفتح أظهر، وذلك على توجيهها بأنها بالكف الواحد. لأن فيها مزيد قلة.\n_________\n(^١) انظر: الكتاب المختار ج ١/ ص ١١١، ١١٢.","vol":"1","page":125},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-234> الباب الثاني\nجمع ودراسة استنباطات الشوكاني في تفسيره\nمن أول سورة الفاتحة\nإلى آخر سورة الناس</span>\n<span data-type='title' id=toc-235>سورة الفاتحة</span>\n<span data-type='title' id=toc-236>١ - العبادة وسيلة إلى الاستعانة </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ الفاتحة: ٥.\nقال الشوكاني -﵀-: (وقدمت العبادة على الاستعانة؛ لكون الأولى وسيلة إلى الثانية، وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المطالب) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-237>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- أن العبادة وسيلة إلى الاستعانة.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى قدم العبادة على الاستعانة، وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المطالب؛ فدل التقديم على أن العبادة وسيلة للاستعانة.\nولعل مقصوده -والله أعلم- أن في العبادة خضوعا وتذللا، والاستعانة بالله حاجة للعبد، فتقديم الخضوع والتذلل على طلب الحاجة، هو كالوسيلة لتحصل الإجابة إليها.\nوأحسن منه وأدق استنباط السيوطي حيث قال: (فيه الإرشاد إلى تقديم الخضوع والتذلل على طلب الحاجة) (^٤).\n_________\n(^١) وهو استنباط فائدة علمية.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٢٣.\n(^٣) واستنبط غيره استنباطات أخرى من الآية، منها:\n١) في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ إثبات لمذهب أهل السنة إذ فيه إثبات الفعل من العبد، والتوفيق من الله كالخلق. وفيه دليل على بطلان قول الجبرية والمعتزلة. ووجه الرد على الجبرية النافين للفعل من العبد ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ففيها إثبات الفعل للعبد. أما الرد على المعتزلة فبقوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ فإثبات طلب الاستعانة يبطل قولهم بقدرة العبد على خلق أفعال نفسه. انظر: التسهيل لعلوم التنزيل ج ١/ ص ٣٣. وروح البيان ج ١/ ص ١٩، ٢٠، وتيسير الكريم الرحمن ص ٤٠.\n٢) في ذكر الاستعانة بعد العبادة مع دخولها فيها بيان لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى، فإنه إن لم يعنه الله لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر واجتناب النواهي. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٣٩.\n٣) في الالتفات إلى الخطاب في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بعد الغيبة في أول السورة إشارة إلى أن العبد إذا ذكر الله؛ تقرب منه، وحضر بين يديه. انظر: أنوار التنزيل ج ١/ ص ٦٣. والتسهيل لعلوم التنزيل ج ١/ ص ٣٣، وتفسير القرآن العظيم ج ١/ ص ٢٠٦، وفتح البيان ج ١/ ص ٤٨، وجواهر الأفكار ص ٣٨، وزهرة التفاسير ص ٦٣.\n(^٤) الإكليل ج ١/ ص ٢٩٠.","vol":"1","page":126},{"text":"وممن قال باستنباط الشوكاني: البيضاوي، وابن جزي (^١)، وأبو حيان (^٢)، والبروسوي (^٣)، والقنوجي، وابن بدران. (^٤). وأشار إليه الزمخشري (^٥).\nورأى آخرون كابن عرفة (^٦)، وابن كثير أن العبادة هي المقصد- ولذا قدمت- والاستعانة وسيلة (^٧).\n_________\n(^١) محمد بن أحمد بن محمد بن جُزَيّ الكلبي، المالكي، فقيه، حافظ، مشارك في فنون كثيرة من: عربية، وأصول، وقراءات، وحديث، وأدب، حُفظة للتفسير، مستوعبًا للأقوال، له مصنفات كثيرة منها: \"التسهيل في علوم التنزيل\"، توفي سنة إحدى وأربعين وسبعمائة للهجرة. انظر: طبقات المفسرين ج ٢، ص ٨١ - ٨٣، وغاية النهاية ج ٢، ص ٨٣.\n(^٢) أثير الدين، محمد بن يوسف بن علي بن حيَّان أبو حيان الأندلسي، الغرناطي، نحوي عصره، ولُغويه، ومُفَسِّره، ومُحَدَّثه، ومُقْرِئه، ومُؤَرِّخه، وأديبه، له من التصانيف: \"البحر المحيط\"، و\"إتحاف الأريب بما في القرآن من الغريب\"، توفي سنة خمس وأربعين وسبعمائة للهجرة. انظر: بغية الوعاة ج ١، ص ٢٣١ - ٢٣٥، وطبقات المفسرين للداودي ج ٢، ص ٢٨٦ - ٢٩١.\n(^٣) هو إسماعيل حقي بن مصطفى الحنفي، الخلْوَتي، تركي مستعرب، مفسر، متصوف، مشارك في أنواع العلوم، توفي سنة ١١٢٧ هـ. انظر: الأعلام ج ١/ ص ٣١٣، وهدية العارفين ج ١/ ص ٢٤٩.\n(^٤) انظر: الكشاف ج ١/ ص ٥٧، وأنوار التنزيل ج ١/ ص ٦٨، والتسهيل لعلوم التنزيل ج ١/ ص ٣٣، والبحر المحيط ج ١/ ص ٤١، وروح البيان ج ١/ ص ١٩، ٢٠، وفتح البيان ج ١/ ص ٤٨، وجواهر الأفكار ص ٣٨.\n(^٥) أبو القاسم، محمود بن عمر بن محمد بن عمر الزمخشري، الخوارزمي، المتكلم، المعتزلي، المفسر، النحوي، اللغوي، يلقب جار الله؛ لأنه جاور بمكة زمانا، له التصانيف الكثيرة البديعة منها: \"الكشاف\" في التفسير، و\"الفائق\" في غريب الحديث، وغير ذلك، مات ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة للهجرة. انظر: طبقات المفسرين ص ١٢٠، ١٢١، وطبقات المفسرين للداودي ج ٢، ص ٣١٤ - ٣١٦.\nوفي عبارة الزمخشري خلل حيث قال: (لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة؛ ليستوجبوا الإجابة إليها)؛ ولذا تعقبها ابن المنير بقوله: معتقد أهل السنة أن العبد لا يستوجب على ربه جزاء، والثواب عندنا- من الإعانة في الدنيا على العبادة، ومن صنوف النعيم في الآخرة- ليس بواجب على الله تعالى، بل فضل منه وإحسان. انظر: الانتصاف ج ١/ ص ٥٧.\n(^٦) هو أبو عبد الله، محمد بن محمد بن عرفة الورْغَمي المالكي، الأصولي، البياني، ولد بتونس سنة ٧١٦ هـ، له تصانيف في الحديث، والتفسير، وله المبسوط من فروع المالكية، توفى سنة ٨٠٣ هـ. انظر: طبقات المفسرين للداودي ج ٢/ ص ٢٣٥ - ٢٣٧، وهدية العارفين ج ٣/ ص ٢٠٠.\n(^٧) انظر: تفسير ابن عرفة ج ١/ ص ٩، وتفسير القرآن العظيم ج ١/ ص ٢٠٧.","vol":"1","page":127},{"text":"وكلا القولين صحيح باعتبار.\nفالأول: باعتبار أن العبادة خضوع وتذلل في اللغة، والاستعانة بالله حاجة للعبد، فتقديم الخضوع على طلب الحاجة هو كالوسيلة لوصول العبد لحاجته.\nوالثاني: باعتبار معنى العبادة شرعا، وأنها غاية العباد الّتي خلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها، ومن ثمّ يكون تقديم العبادة على الاستعانة من قبيل تقديم الغايات على الوسائل.\nلكن الثاني مقدم لأن الحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية.\nوذكر ابن القيم مناسبات أخرى للتقديم، قال: (وتقديم العبادة على الاستعانة في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل، إذ العبادة غاية العباد التي خلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها.\nولأنّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ متعلّق بألوهيّته، واسمه الله، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ متعلّق بربوبيّته، واسمه الرب؛ فقدم إِيَّاكَ نَعْبُدُ على وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ كما قدم اسم «اللّه» على الرّبّ» في أوّل السّورة.\nولأن إِيَّاكَ نَعْبُدُ قسم الرّبّ، فكان من الشّطر الأوّل، الّذي هو ثناء على اللّه تعالى، لكونه أولى به، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قسم العبد، فكان من الشّطر الّذي له، وهو اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ إلى آخر السّورة.\nولأنّ العبادة المطلقة تتضمّن الاستعانة من غير عكس، فكلّ عابد للّه عبوديّة تامّة، مستعين،\nينعكس. لأنّ صاحب الأغراض والشّهوات قد يستعين به على شهواته، فكانت العبادة أكمل وأتمّ، ولهذا كانت قسم الرب.\nولأنّ الاستعانة جزء من العبادة من غير عكس.\nولأنّ الاستعانة طلب منه سبحانه، والعبادة طلب له.\nولأنّ العبادة لا تكون إلّا من مخلص، والاستعانة تكون من مخلص ومن غير مخلص.\nولأنّ العبادة حقّ اللّه الّذي أوجبه عليك، والاستعانة طلب العون على العبادة، وهو بيان صدقته الّتي تصدّق بها عليك، وأداء حقّه أهمّ من التّعرّض لصدقته.\nولأنّ العبادة شكر نعمته عليك، واللّه يحبّ أن يشكر، والإعانة فعله بك وتوفيقه لك، فإذا التزمت عبوديّته، ودخلت تحت رقّها؛ أعانك عليها. فكان التزامها والدّخول تحت رقّها؛ سببا لنيل الإعانة، وكلّما كان العبد أتمّ عبوديّة كانت الإعانة له من اللّه أعظم. والعبودية محفوفة بإعانتين: إعانة قبلها على التزامها والقيام بها، وإعانة بعدها على عبودية أخرى. وهكذا أبدا حتى يقضي العبد نحبه.\nولأنّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ له، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ به، وماله مقدّم على ما به، لأنّ ما له متعلّق بمحبّته ورضاه وما به متعلّق بمشيئته، وما تعلّق بمحبّته، أكمل ممّا تعلّق بمجرّد مشيئته، فإن الكون كلّه متعلّق بمشيئته، والملائكة والشّياطين والمؤمنون والكفّار، والطّاعات والمعاصي. والمتعلّق بمحبّته طاعاتهم وإيمانهم. فالكفّار أهل مشيئته، والمؤمنون أهل محبّته، ولهذا لا يستقرّ في النّار شيء للّه أبدا، وكلّ ما فيها فإنّه به تعالى وبمشيئته) (^١).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ج ١/ ص ٩٧، ٩٨.","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type='title' id=toc-238>سورة البقرة</span>\n<span data-type='title' id=toc-239>٢ - الإرشاد إلى ترك الإسراف </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ البقرة: ٣.\nقال الشوكاني -﵀-: (… وفي المجيء بمن التبعيضية ههنا نكتة سرية هي الإرشاد إلى ترك الإسراف) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-240>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- من الآية الإرشاد إلى ترك الإسراف.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى أثنى على المتقين بصفات منها الإنفاق مما رزقهم الله؛ فدل مجيء من التبعيضية على التنبيه على ترك الإسراف.\nواستنباطه إنما يتأتى على القول بأن (من) تبعيضية أما على أنها بيانية فلا يتأتى.\nوقد يتأتى كذلك على القول بأن النفقة هنا عامة -وهو الأرجح (^٤) - تشمل الزكاة، وسائر النفقات، والصدقات (^٥). لكن في هذا تفصيل على النحو التالي:\n_________\n(^١) وهو استنباط تربوي.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٣٦.\n(^٣) واستنبط الشيخ محمد أبو زهرة من تقديم ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ على ﴿يُنْفِقُونَ (٣)﴾ استنباطا آخر فقال: وفي ذلك بيان أنهم لا ينفقون من كسب خالص لهم، بل إنهم ينفقون من رزق الله تعالى، فهو وحده الرزاق، إن شاء أعطى، وإن شاء منع، ولست أيها المنفق ترزق نفسك إنما يرزقك الله وحده، فأنت تعطي من عنده، وتجود على نفسك وعلى عباده من عنده. فالتقديم للقصر أولا، وللاهتمام ثانيا. انظر: زهرة التفاسير ج ١/ ص ١٠٨.\n(^٤) قال الطبري: وأولى التأويلات بالآية وأحقها بصفة القوم، أن يكونوا كانوا لجميع اللازم لهم في أموالهم مؤدين، زكاة كان ذلك، أو نفقة من لزمته نفقته من أهل وعيال وغيرهم ممن تجب عليهم نفقته بالقرابة والملك وغير ذلك؛ لأن الله جل ثناؤه عم وصفهم، إذ وصفهم بالإنفاق مما رزقهم، فمدحهم بذلك من صفتهم، فكان معلوما أنهم إذ لم يخصص مدحهم، ووصفهم بنوع من النفقات المحمود عليها صاحبها دون نوع، بخبر ولا غيره، أنهم موصوفون بجميع معاني النفقات المحمود عليها صاحبها، من طيب ما رزقهم ربهم من أموالهم، وأملاكهم، وذلك الحلال منه الذي لم يشبه حرام. انظر: جامع البيان ج ١/ ص ٢٥٠، وانظر مثله في الجامع لأحكام القرآن ج ١/ ص ٢٢٦.\nوقال ابن جزي: فيه ثلاثة أقوال: الزكاة؛ لاقترانها مع الصلاة، والثاني: أنه التطوع، والثالث العموم، وهو الأرجح؛ لأنه لا دليل على التخصيص. التسهيل لعلوم التنزيل ج ١/ ص ٣٦. وانظر توجيها آخر للقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ج ١/ ص ٢٢٦.\n(^٥) قال الرازي: يدخل في الإنفاق المذكور في الآية الإنفاق الواجب، والإنفاق المندوب. والإنفاق الواجب أقسام، أحدها الزكاة … فكل هذه الإنفاقات داخلة تحت الآية لأن كل ذلك سبب لاستحقاق المدح. انظر: التفسير الكبير ج ٢/ ص ٢٩.","vol":"1","page":129},{"text":"أولا: على القول بأن النفقة غير الصدقات والزكاة؛ فوجه الاستنباط واضح كما تقدم، وهو أن مجيء من التبعيضية للتنبيه على ترك الإسراف.\nثانيا: على القول بأن النفقة هي الزكاة -بدلالة اقترانها بالصلاة (^١) - فإن الاستنباط يصح؛ فإذا كان الله جعل في الزكاة حقا يسيرا، فمفهوم ذلك التنبيه على ترك الإسراف عموما.\nثالثا: على القول بأن النفقة هي صدقة التطوع؛ فيصح الاستنباط في حال دون حال؛ إذ في الأمر تفصيل. وللإنفاق تطوعا في سبيل الله خصوصيته، فيجوز في بعض الأحوال أن ينفق المرء جميع ماله في سبيل الله، ولا يكون ذلك تبذيرا؛ فإن الله أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة إلى ما أنفقوا، ولكن لكل مقام مقال.\nقال الشنقيطي: ولم يبين هنا القدر الذي ينبغي إنفاقه، والذي ينبغي إمساكه، ولكنه بين في مواضع أخر أن القدر الذي ينبغي إنفاقه هو الزائد على الحاجة، وسد الخلة التي لا بد منها وذلك كقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: من الآية ٢١٩] المراد بالعفو: الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها على أصح التفسيرات، وهو مذهب الجمهور … وقوله تعالى:\n﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: من الآية ٢٩] فنهاه عن البخل بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ ونهاه عن الإسراف بقوله: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فيتعين الوسط بين الأمرين، كما بينه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا … أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧] فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير، وبين البخل والاقتصاد، فالجود غير التبذير، والاقتصاد غير البخل. فالمنع في محل الإعطاء مذموم، وقد نهى الله عنه نبيه -ﷺ- بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾. والإعطاء في محل المنع مذموم أيضا وقد نهى الله عنه نبيه -ﷺ- بقوله: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ … فإن قيل: هذا الذي قررتم يقتضي أن الإنفاق المحمود هو إنفاق ما زاد على الحاجة الضرورية، مع أن الله تعالى أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة إلى ما أنفقوا، وذلك في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: من الآية ٩] فالظاهر في الجواب -والله تعالى أعلم- هو ما ذكره بعض العلماء من أن لكل مقام مقالا، ففي بعض الأحوال يكون الإيثار ممنوعا، وذلك كما إذا كانت على المنفق نفقات واجبة، كنفقة الزوجات ونحوها، فتبرع بالإنفاق في غير واجب، وترك الفرض؛ لقوله -ﷺ-: وابدأ بمن تعول (^٢). وكأن يكون لا صبر عنده عن سؤال الناس، فينفق ماله، ويرجع إلى الناس يسألهم مالهم، فلا يجوز له ذلك. وإلايثار فيما إذا كان لم يضيع نفقة واجبة، وكان واثقا من نفسه بالصبر، والتعفف، وعدم السؤال (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١/ ص ٢٢٦، والتسهيل لعلوم التنزيل ج ١/ ص ٣٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: لا صدقة إلا عن ظهر غنى، رقم: ١٣٦٠، ج ٢/ ص ٥١٨. وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن اليد العليا هي المنفقة، وأن اليد السفلى هي الآخذة. رقم الحديث: ١٠٣٣، ج ٢/ ص ٧١٧.\n(^٣) انظر: أضواء البيان ج ١/ ص ٥١. بتصرف. وانظر قريبا منه قول الشيخ ابن عثيمين في تفسير سورة البقرة ج ١/ ص ٣٣.","vol":"1","page":130},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، والبروسوي، والقنوجي، ومحمد أبو زهرة. (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-241>٣ - تكرير اسم الإشارة ﴿أولئك﴾ لمزيد الثناء على المتقين</span>، فكل من: الهدى، والفلاح مستقل، يتميزون بكل واحد منهما، فكيف وقد اجتمعا لهم (^٢).\nقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ البقرة: ٥.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي تكرير اسم الإشارة دلالة على أن كلا من الهدى والفلاح المستقل بتميزهم به عن غيرهم، بحيث لو انفرد أحدهما لكفى تميزا على حاله) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-242>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٤) -﵀- أن في قوله تعالى عن المتقين: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ ما يدل على مزيد الثناء عليهم، إذ أثنى الله عليهم بالهدى من ربهم وهو غاية المدح، وكذلك مدحهم بالفلاح، وكل من الهدى والفلاح مستقل، يتميزون به عن غيرهم، ولو مدحوا بأحدهما لكان دالا على تميزهم، فكيف وقد اجتمع لهم المدح والثناء بهما.\nووجه الاستنباط: تكرير اسم الإشارة ﴿أولئك﴾ الدال على أن كلتا الأثرتين: الهدى من الله، والفلاح جديرة بالاعتناء والتنويه، فلا تذكر إحداهما تبعا للأخرى، بل تخص بجملة (^٥). ويستحقون بذلك الاستقلال بالتمكن في الهدى، والاستبداد بالفلاح، والاختصاص بكل منهما (^٦). ويؤيده توسيط العاطف بين الجملتين (^٧).\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير ج ٢/ ص ٢٩، وروح البيان ج ١/ ص ٤٠، وفتح البيان ج ١/ ص ٨١، ٨٢، وزهرة التفاسير ج ١/ ص ١٠٨.\n(^٢) وهو استنباط في علوم القرآن (معنى التكرار).\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ٣٧، ٣٨.\n(^٤) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) أتى بالحرف على في هذا الموضع الدالة على الاستعلاء وفي الضلالة يأتي ب في كما في قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ [سبأ: من الآية ٢٤]؛ لأن صاحب الهدى مستعل بالهدى، مرتفع به، وصاحب الضلال منغمس فيه محتقر. انظر: البرهان في علوم القرآن ج ٤/ ص ١٧٥، وتيسير الكريم الرحمن ص ٤١.\n٢) على في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ لبيان تمكنهم من الهدى، واستقرارهم عليه، وتمسكهم به، فكأنهم يسيرون على طريق واضح دون شك. انظر: الكشاف ج ١/ ص ٨٥، وأنوار التنزيل ج ٢/ ص ٣٢، وإرشاد العقل السليم ج ١/ ص ٣٤، وتيسير الكريم الرحمن ص ٤١، والتحرير والتنوير ج ١/ ص ٢٣٩، وزهرة التفاسير ج ١/ ص ١١٣، وتفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج ١/ ص ٣١.\n(^٥) انظر: التحرير والتنوير ج ١/ ص ٢٤٣.\n(^٦) انظر: روح المعاني ج ١/ ص ١٢٥.\n(^٧) انظر: إرشاد العقل السليم ج ١/ ص ٣٤.","vol":"1","page":131},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والبيضاوي، وأبو السعود، والشربيني (^١)، والبروسوي، والآلوسي (^٢)، والقنوجي، وابن بدران، وابن عاشور، والهرري. (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-243>٤ - وجوب استعمال الحجج وترك التقليد </span>(^٤).\nقال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ البقرة: ٢٢.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفيه دليل على وجوب استعمال الحجج وترك التقليد) (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-244>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٦) -﵀- وجوب استعمال الحجج، وترك التقليد (^٧).\n_________\n(^١) هو شمس الدين محمد بن أحمد الخطيب الشربيني، القاهري، مفسر، من فقهاء الشافعية، درَّس وأفتى في حياة شيوخه، توفي سنة ٩٧٧ هـ. انظر: شذرات الذهب ج ٨/ ص ٣٨٤، ومعجم المفسرين ج ٢/ ص ٤٨٥.\n(^٢) هو أبو الثناء، الشهاب، محمود بن عبد الله الحسيني، شيخ علماء العراق في عصره، مفسر، محدث، فقيه، أديب، لغوي، توفي سنة ١٢٧٠ هـ. انظر: الأعلام ج ٧/ ص ١٧٦، ومعجم المفسرين ج ٢/ ص ٦٦٥.\n(^٣) انظر: الكشاف ج ١/ ص ٨٥، وأنوار التنزيل ج ١/ ص ١٣٢، وإرشاد العقل السليم ج ١/ ص ٣٤، والسراج المنير ج ١/ ص ٢٧، وروح البيان ج ١/ ص ٤٦، وروح المعاني ج ١/ ص ١٢٥، وفتح البيان ج ١/ ص ٨٧، وجواهر الأفكار ص ٥٩، والتحرير والتنوير ج ١/ ص ٢٤٣، وحدائق الروح والريحان ج ١/ ص ١٣٣.\n(^٤) وهو استنباط أصولي.\n(^٥) فتح القدير ج ١/ ص ٥٠.\n(^٦) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) استنباط تربوي من مناسبة ختم الآية بقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾، فإن الله جمع بين التوبيخ وإثارة الهمة؛ فإنه أثبت لهم علما؛ ليثير همتهم، ويلفت بصائرهم إلى دلائل الوحدانية، وهذا منزع تهذيبي عظيم، أن يعمد المربي فيجمع لمن يربيه بين ما يدل على بقية كمال فيه، حتى لا يقتل همته باليأس، فإنه إذا ساءت ظنونه في نفسه خارت عزيمته، وذهبت مواهبه. انظر: التحرير والتنوير ج ١/ ص ٣٢٩.\n٢) أنه ينبغي لمن خاطب أحدا أن يبين له ما تقوم به عليه الحجة؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾، ولقوله في صدر الآية الأولى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: من الآية ٢١]، فإن قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فيه إقامة الحجة على وجوب عبادته وحده؛ لأنه الخالق وحده. انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج ١/ ص ٨٠.\n(^٧) عني الشوكاني في تفسيره في مواضع كثيرة بذم التقليد؛ ولذا تكرر استنباطه المنع من التقليد من خمس آيات-غير هذه الآية-، هي: البقرة: ١٧٠ (ج ١/ ص ١٦٧)، الأنفال: ٢٤ (ج ٢/ ص ٢٩٩)، التوبة: ٣١ (ج ٢/ ص ٣٥٣)، الأحزاب: ٦٧ (ج ٤/ ص ٣٠٦)، والزخرف: ٢٢ (ج ٤/ ص ٥٥٢، ٥٥٣). وهذه المواضع هي التي ظهر لي تصريحه فيها باستنباط منع التقليد بعبارة صريحة دالة على الاستنباط من الآية، وإن كان الشوكاني قد تحدث في مواطن كثيرة من تفسيره عن التقليد استطرادا، انظر تفسيره للآيات: البقرة: ١٢٠ (ج ١/ ص ١٣٥)، آل عمران: ٦٤ (ج ١/ ص ٣٤٨)، المائدة: ١٠٤ (ج ٢/ ص ٨٢)، الأعراف: ٢٨ (ج ٢/ ص ١٩٨، ١٩٩)، يونس: ٣٩ (ج ٢/ ص ٤٤٦)، يونس: ٥٩ (ج ٢/ ص ٤٥٥)، يونس: ٧٨ (ج ٢/ ص ٤٦٥)، إبراهيم: ٢٢ (ج ٣/ ص ١٠٣)، النحل: ١١٦ (ج ٣/ ص ٢٠١)، الإسراء: ٣٦ (ج ٣/ ص ٢٢٧)، الأنبياء: ٧ (ج ٣/ ص ٣٩٩)، الأنبياء: ٥٣ (ج ٣/ ص ٤١٢)، المؤمنون: ٢٤ (ج ٣/ ص ٤٨١)، المؤمنون ٨١ (ج ٣/ ص ٤٩٤)، الشعراء: ٧٤ (ج ٤/ ص ١٠٤)، لقمان: ٢١ (ج ٤/ ص ٢٤١).","vol":"1","page":132},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله أمر بعبادته بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]، ثم ذكر الأدلة على وجوب عبادته وحده بأنه ربى بأصناف النعم، فخلق بعد العدم، وأنعم بالنعم الظاهرة والباطنة، فجعل الأرض فراشا يُستقر عليها، ويُنتفع بالأبنية والزراعة والحراثة، والسلوك من محل إلى محل، وغير ذلك من أنواع الانتفاع بها. وجعل السماء بناء، وأودع فيها من المنافع ما هو من الضرورات، والحاجات كالشمس والقمر والنجوم. وأنزل من السماء ماء؛ فأخرج به من الثمرات كالحبوب والثمار من نخيل وفواكه وزروع وغيرها رزقا (^١)؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الله تعالى على وجوب استعمال الحجج وترك التقليد.\nوممن قال بهذا الاستنباط: إلكيا الهراسي (^٢)، والقرطبي، وابن عادل الحنبلي (^٣)، والقنوجي (^٤).\nوالتقليد لغة: وضع الشيء في العنق مع الإحاطة به، ويسمى ذلك قلادة. ومنه تقليد البدن بأن يجعل في عنقها شعارا يعلم به أنها هدي (^٥). ثم يستعمل في تفويض الأمر إلى الشخص استعارة، كأنه ربط الأمر بعنقه، كما قال لقيط الإيادي:\nوقلدوا أمركم لله دركم رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا (^٦).\nوفي عرف الفقهاء: قبول قول الغير من غير معرفة دليله (^٧).\nأو العمل بقول الغير من غير حجة (^٨). أخذا من المعنى اللغوي، كأن المقلد يطوق المجتهد إثم ما غشه به في دينه، أي يجعله طوقا في عنقه (^٩).\n_________\n(^١) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٤٥.\n(^٢) أبو الحسن، علي بن محمد بن علي الطبري، الهرَّاسي، شيخ الشافعية، مفسر، أصولي، توفي سنة ٥٠٤ هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى ج ٧/ ص ٢٣١، ومعجم المفسرين ج ١/ ص ٣٧٦.\n(^٣) هو سراج الدين، أبو حفص، عمر بن علي بن عادل الحنبلي، له في التفسير: اللباب في علوم الكتاب، توفي سنة ٨٨٠، وقيل: ٧٧٥ هـ. انظر: الأعلام ج ٥/ ص ٥٨، ومعجم المؤلفين ج ٢/ ص ٥٦٨\n(^٤) انظر: أحكام القرآن ج ١/ ص ٨، والجامع لأحكام القرآن ج ١/ ص ٢٧٤، واللباب في علوم الكتاب ج ١/ ص ٤٢٤، وفتح البيان ج ١/ ص ١٠٥.\n(^٥) انظر: مادة (قلد) في لسان العرب ج ٣/ ص ٣٦٦، ٣٦٧، والقاموس المحيط ج ١/ ص ٣٩٨.\n(^٦) انظر: الأغاني ج ٢٢/ ص ٣٥٧.\n(^٧) انظر: البحر المحيط للزركشي ج ٦/ ص ٢٧٠، ومذكرة في أصول الفقه ص ٤٨٧.\n(^٨) انظر: روضة الناظر ج ٢/ ص ٤٩٦، والبحر المحيط للزركشي ج ٦/ ص ٢٧٠، والسيل الجرار ج ١/ ص ٦، وإرشاد الفحول ص ٥٩٧، وفتح القدير ج ٣/ ص ٣٩٩.\n(^٩) انظر: البحر المحيط للزركشي ج ٦/ ص ٢٧٠، ونزهة الخاطر شرح روضة الناظر ج ٢/ ص ٤٩٦.","vol":"1","page":133},{"text":"وقد عني الشوكاني بأمر التقليد كثيرا؛ فكتب فيه كتابه: القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد، وكتاب: أدب الطلب ومنتهى الأرب (^١)، وتحدث عنه في مقدمة كتابه: السيل الجرار. كما تحدث عن التقليد في مواطن كثيرة من تفسيره، وهو القائل: (وكم في الكتاب العزيز من التنبيه على هذا-يعني التقليد- والتحذير منه والتنفير عنه) (^٢).\nوفي حكم التقليد خلاف دائر بين الجواز والمنع، ولكل دليله (^٣). ومما يعين على الحكم على ما ذهب إليه الشوكاني في حكم التقليد؛ تأمل كلامه عن التقليد، والتنبه إلى أمور:\nالأول: أن الشوكاني يذم التقليد المخالف للكتاب والسنة.\n_________\n(^١) وقد أشار الشوكاني لهذين الكتابين عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ [المائدة: ١٠٤] قال: (وفي ذلك دليل على قبح التقليد والمنع منه، والبحث في ذلك يطول، وقد أفردته بمؤلف مستقل سميته: القول المفيد في حكم التقليد، واستوفي الكلام فيه في أدب الطلب ومنتهى الأرب) فتح القدير ج ١/ ص ١٦٧، ١٦٨.\n(^٢) انظر: فتح القدير ج ٤/ ص ٣٠٦. وتقدم في أول دراسة هذا الاستنباط المواطن التي تحدث فيها الشوكاني عن التقليد في تفسيره.\n(^٣) انظر للتوسع في ذلك: الإحكام في أصول الأحكام ج ٤/ ص ٢١٢ وما بعدها، والبحر المحيط للزركشي ج ٦/ ص ٢٧٠ وما بعدها، والمسودة في أصول الفقه ص ٣٠٤ وما بعدها، وأعلام الموقعين ج ٤/ ص ٢١٠ وما بعدها، وإرشاد الفحول ص ٥٩٦ وما بعدها، والوجيز في أصول الفقه الإسلامي ص ٣٥٤ وما بعدها.\nوينبغي التنبه لأمور في قول من قال بالجواز:\n١ - من أجاز التقليد فإنه بلا شك لم يجز التقليد المخالف للكتاب والسنة، ولا التعصب في التقليد المفضي لترك الحق، وللنزاع بين الأمة.\n٢ - قد يكون قصد من أجاز التقليد إنما عني به الاتباع أي قبول قول الغير بالدليل، فيكون الاختلاف في التسمية، فالشوكاني يسميه اتباعا وغيره يسميه تقليدا.\n٣ - من أجاز التقليد أجازه لأن الاجتهاد لا يستطيعه كل أحد، والشوكاني يتفق معهم في هذا فإنه أوجب الاجتهاد على القادر، ومنعه من التقليد، وأجاز لغير القادر اتباع قول الغير بمعرفة الدليل.","vol":"1","page":134},{"text":"فالمتتبع لكلام الشوكاني -في تفسيره- عن التقليد والمقلدين يظهر له أنه يذم التقليد المخالف للكتاب والسنة، وقد نص على هذا في مواضع كثيرة، منها:\n١ - قال الشوكاني: - عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤]- (على أنه يجب على كل مسلم إذا بلغه قول الله أو قول رسوله في حكم من الأحكام الشرعية أن يبادر إلى العمل به، كائنا ما كان، ويدع ما خالفه من الرأي، وأقوال الرجال. وفي هذه الآية الشريفة أعظم باعث على العمل بنصوص الأدلة، وترك التقيد بالمذاهب وعدم الاعتداد بما يخالف ما في الكتاب والسنة كائنا ما كان) (^١).\n٢ - قال الشوكاني: - عند قوله تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]- (وفي هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد عن التقليد في دين الله، وتأثير ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدي بقوله، ويستن بسنته من علماء هذه الأمة، مع مخالفته لما جاءت به النصوص، وقامت به حجج الله وبراهينه، ونطقت به كتبه وأنبياؤه؛ هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أربابا من دون الله؛ للقطع بأنهم لم يعبدوهم، بل أطاعوهم، وحرموا ما حرموا، وحللوا ما حللوا، وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة) (^٢). (^٣).\nالثاني: لا يلام الشوكاني في تشنيعه على التقليد؛ إذ نشأ في بيئة زيدية، ودرس وتفقه على علمائها، لكنه ترك التمذهب، واعتمد اعتمادا مباشرا على الكتاب والسنة (^٤). وكان في زمانه جماعة من المقلدة الجامدين على التعصب في الأصول والفروع، وكان الشوكاني إماما مجتهدا، ينبذ التقليد، ويحاربه محاربة شديدة؛ لذا كان شديد الإنكار على التقليد، محاربا له بلسانه، وبنانه. ولم تزل المصاولة والمقاولة بينه وبينهم دائرة، ولم يزالوا ينددون عليه في المباحث من غير حجة؛ لذا جعل كلامه في السيل الجرار في الحقيقة موجها إليهم في التنفير عن التقليد المذموم، وإيقاظهم إلى النظر في الدليل؛ لأنه يرى تحريم التقليد (^٥).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٢/ ص ٢٩٩.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٥٣.\n(^٣) وانظر أيضا: فتح القدير ج ١/ ص ١٣٥، وج ٢/ ص ٨٣، وج ٢/ ص ١٩٨، وج ٣/ ص ١٠٣، وج ٤/ ص ٥٥٢.\n(^٤) مستفاد من: اختيارات الشوكاني في التفسير من خلال كتابه فتح القدير عرضا ودراسة، من أول سورة الكهف إلى نهاية سورة الناس، -رسالة دكتوراه- لفايز حبيب الترجمي، ص ٢٠.\n(^٥) انظر: أبجد العلوم ج ٣/ ص ٢٠٣.","vol":"1","page":135},{"text":"فكأن ذمه للتقليد دعوة للبحث عن الحق، وتحذير من التعصب في التقليد، وتنبيه لما يفضي إليه من نزاع بين أفراد الأمة.\nقال الشوكاني: كان الجاهل في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم يسأل العالم عن الحكم الشرعي الثابت في كتاب الله أو بسنة رسوله -ﷺ-؛ فيفتيه به، ويرويه له لفظا أو معنى؛ فيعمل بذلك من باب العمل بالرواية لا بالرأي، وهذا هو الهدى الذي درج عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. حتى استدرج الشيطان بذريعة التقليد من استدرج، ولم يكتف بذلك حتى سول لهم الاقتصار على تقليد فرد من أفراد العلماء، وعدم جواز تقليد غيره، ثم توسع في ذلك، فخيل لكل طائفة أن الحق مقصور على ما قاله إمامها، وما عداه باطل، ثم أوقع في قلوبهم العداوة والبغضاء حتى إنك تجد من العداوة بين أهل المذاهب المختلفة ما لم تجده بين أهل الملل المختلفة (^١).\nالثالث: أنه فرَّق بين التقليد والاتباع (^٢). فجعل من عرف دليل من أخذه عنه متبعا لا مقلدا.\nقال الشوكاني: (وإن استروح المقلد إلى الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ … لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾ [الأنبياء: ٧]. فهو يقتصر على سؤال أهل العلم عن الحكم الثابت في كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- حتى يبينون له كما أخذ الله عليهم من بيان أحكامه لعباده، فإن معنى هذا السؤال الذي شرع الله هو السؤال عن الحجة الشرعية، وطلبها من العالم؛ فيكون راويا وهذا السائل مسترويا، والمقلد يقر على نفسه بأنه يقبل قول العالم، ولا يطالبه بالحجة. فالآية هي دليل الاتباع لا دليل التقليد) (^٣).\nولأن الآية هي دليل الاتباع لا دليل التقليد؛ رد استنباط من استنبط جواز التقليد من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ … لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾ فقال: (وقد اُستدل بالآية على أن التقليد جائز وهو خطأ، ولو سلم؛ لكان المعنى سؤالهم عن النصوص من الكتاب والسنة لا عن الرأي البحت، وليس التقليد إلا قبول قول الغير دون حجته) (^٤).\n_________\n(^١) انظر: القول المفيد ص ٣٨، ٣٩.\n(^٢) الاتباع: هو الأخذ بقول الغير بعد معرفة دليله. انظر: القول المفيد ص ٣٧، و٦٠، والوجيز في أصول الفقه الإسلامي ص ٣٥٦.\n(^٣) القول المفيد ص ٨٨.\n(^٤) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٩٩.","vol":"1","page":136},{"text":"الرابع: ليس في منعه من التقليد تكليف للأمة بما لا يطيقون، إنما مراده أن يبذل كل أحد وسعه في معرفة الحق. وعلى الجاهل الذي لا يفهم ألفاظ الكتاب والسنة أن يسأل من يفطن ذلك، وحينها يكون السائل عاملا بالكتاب والسنة بواسطة المسؤول، ويرتفع عنه وصف التقليد المذموم.\nقال الشوكاني: (على أني أقول بعد هذا (^١) إن من كان عاطلا عن العلوم الواجب عليه أن يسأل من يثق بدينه وعلمه عن نصوص الكتاب والسنة في الأمور التي يجب عليه من عبادة أو معاملة، وسائر ما يحدث له؛ فيقول لمن يسأله: علمني أصح ما ثبت في ذلك من الأدلة حتى أعمل به، وليس هذا من التقليد في شيء؛ لأنه لم يسأل عن رأيه بل عن روايته، ولكنه لما كان لجهله لا يفطن ألفاظ الكتاب والسنة وجب عليه أن يسأل من يفطن ذلك، فهو عامل بالكتاب والسنة بواسطة المسؤول) (^٢).\nولذا رد الشوكاني قول من قال: لو كان التقليد غير جائز؛ لكان الاجتهاد واجبا على كل فرد من أفراد العباد، وهو تكليف ما لا يطاق؛ فإن الطباع البشرية متفاوتة، وعلى فرض إنها قابلة له جميعها فوجوب تحصيله على كل فرد يؤدي إلى تبطيل المعايش التي لا يتم بقاء النوع بدونها؛ فحينئذ يشتغل الحراث والزراع والنساج والعمار ونحوهم بالعلم وتبقى هذه الأعمال شاغرة معطلة. فرد بقوله: (ويجاب عن هذا التشكيك الفاسد بأنا لا نطلب من كل فرد من أفراد العباد أن يبلغ رتبة الاجتهاد، بل المطلوب هو أمر دون التقليد، وذلك بأن يكون القائمون بهذه المعايش، والقاصرون إدراكا وفهما، كما كان عليه أمثالهم في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهم خير القرون، والذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وقد علم كل عالم أنهم لم يكونوا مقلدين، ولا منتسبين إلى فرد من أفراد العلماء، بل كان الجاهل يسأل العالم عن الحكم الشرعي الثابت في كتاب الله أو بسنة رسوله -ﷺ-؛ فيفتيه به ويرويه له لفظا أو معنى؛ فيعمل بذلك من باب العمل بالرواية لا بالرأي، وهذا أسهل من التقليد؛ فإن تفهم دقائق علم الرأي أصعب من تفهم الرواية بمراحل كثيرة، فما طلبنا من هؤلاء العوام إلا ما هو أخف عليهم مما طلبه منهم الملزمون لهم بالتقليد، وهذا هو الهدى الذي درج عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (^٣).\n_________\n(^١) أي قوله: (والذي أدين الله به أنه لا رخصة لمن علم من لغة العرب ما يفهم به كتاب الله بعد أن يقيم لسانه بشيء من علم النحو والصرف، وشطر من مهمات كليات أصول الفقه في ترك العمل بما يفهمه من آيات الكتاب العزيز، ثم إذا انضم إلى ذلك الاطلاع على كتب السنة المطهرة التي جمعها الأئمة المعتبرون، وعمل بها المتقدمون والمتأخرون، كالصحيحين وما يلتحق بهما مما التزم فيه مصنفوه الصحة، أو جمعوا فيه بين الصحيح وغيره، مع البيان لما هو صحيح، ولما هو حسن، ولما هو ضعيف، وجب العمل بما كان كذلك من السنة، ولا يحل التمسك بما يخالفه من الرأي، سواء كان قائله واحدا أو جماعة أو الجمهور، فلم يأت في هذه الشريعة الغراء ما يدل على وجوب التمسك بالآراء المتجردة عن معارضة الكتاب أو السنة …). البدر الطالع ٦٤٠ وما بعدها.\n(^٢) البدر الطالع ص ٦٤٣. عند ترجمة محمد بن إبراهيم بن علي المرتضى.\n(^٣) القول المفيد ص ٣٨، ٣٩.","vol":"1","page":137},{"text":"ومما يدل أيضا على أنه لم يطالب الأمة بما لا يطيقون أنه نبه على حكم التقليد في الأصول بما لا يشق على أفراد هذه الأمة؛ فكما راعى حالهم في معرفة الفروع راعى حالهم في معرفة الأصول، فقال: -ردا على من قال: لا يكون المرء مؤمنا حتى يخرج فيها عن جملة المقلدين- (فيا لله العجب من هذه المقالة التي تقشعر لها الجلود، وترجف عند سماعها الأفئدة، فإنها جناية على جمهور هذه الأمة المرحومة، وتكليف لهم بما ليس في وسعهم، ولا يطيقونه. وقد كفى غالب الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها الإيمان الجملي، ولم يكلفهم رسول الله -وهو بين أظهرهم- بمعرفة ذلك، ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته) (^١). ثم نبه على أن المقصود هو حصول العلم حتى يصير بحيث لا يتردد، وأن من أمعن النظر في أحوال العوام وجد في كثير منهم الإيمان في صدره كالجبال الرواسي (^٢). (^٣).\n_________\n(^١) إرشاد الفحول ص ٥٩٩.\n(^٢) انظر: المصدر السابق ص ٦٠٠.\n(^٣) ويؤيد هذا الحكم في الأصول قول أبي عمرو بن الصلاح -في حديث ضمام بن ثعلبة -﵁- الذي سأل النبي عن خالق السماء والأرض، وناصب الجبال، ثم سأله عن أركان الإسلام، ثم ولى قائلا: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن، فقال النبي -ﷺ-: \"لئن صدق ليدخلن الجنة\"-: (وفيه دلالة لصحة ما ذهب إليه أئمة العلماء من أن العوام المقلدين مؤمنون، وأنه يكتفى منهم بمجرد اعتقاد الحق جزما من غير شك وتزلزل، خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وذلك أنه -ﷺ- قرر ضماما على ما اعتمد عليه في تعريف رسالته، وصدقه، ومجرد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه ذلك، ولا قال يجب عليك معرفة النظر في معجزاتي، والاستدلال بالأدلة القطعية). نقله عنه النووي في شرحه على صحيح مسلم ج ١/ ص ١٧١. وتمام الحديث: عن أنس بن مالك -﵁- قال: \"نهينا أن نسأل رسول الله -ﷺ- عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل؛ فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق. قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله، قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله، قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله التابعين بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله التابعين بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله التابعين بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا، قال: صدق، قال: ثم ولى قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن؛ فقال النبي -ﷺ-: لئن صدق ليدخلن الجنة\". أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: ما جاء في العلم وقوله تعالى: ﴿وقل رب زدني علما﴾، رقم: ٦٣، ج ١/ ص ٣٥. ومسلم -واللفظ له- في كتاب: الإيمان، باب: السؤال عن أركان الإسلام، رقم: ١٢، ج ١/ ص ٤١.","vol":"1","page":138},{"text":"فإذا تقررت هذه الأمور، وعرفت؛ تبين صواب قول الشوكاني بمنع التقليد، والله تعالى أعلم.\nوما أحسن هذا الاستنباط، إذ فيه تنبيه وتحذير للمسلمين في كل زمان من تقديس آراء الرجال تقديسا يبعد عن الحق وقبوله. وكم من طائفة من المسلمين انحرفت عن جادة الصواب لما سلمت زمام عقلها لأقوال الرجال، دون النظر فيما في الكتاب والسنة، أو السؤال عما ورد فيهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-245>٥ - الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى … السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ البقرة: ٢٩.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفيه دليل على أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل. ولا فرق بين الحيوانات وغيرها مما ينتفع به من غير ضرر. وفي التأكيد بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ أقوى دلالة على هذا) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-246>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- من الآية أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، حتى يقوم\n_________\n(^١) وهو استنباط قاعدة فقهية فرعية مندرجة تحت القاعدة العامة (اليقين لا يزول بالشك).\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٦٠.\n(^٣) واستنبط غيره من الآيات استنباطات أخرى، منها:\n١) إثبات الأفعال لله ﷿، أي: أنه يفعل ما يشاء؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى … السَّمَاءِ﴾، و﴿اسْتَوَى﴾ فعل، فهو جل وعلا يفعل ما يشاء. انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج ١/ ص ١١١.\n٢) كل ما امتن الله علينا بخلقه؛ وجب علينا فرض كفاية، كتعلم العلم الذي نستطيع بسببه الانتفاع به، من معرفة طريق استخراجه، أو تصفيته، ونحو ذلك من ضروريات التسخير والاستثمار. انظر: صفوة الآثار والمفاهيم ج ٢/ ص ٧٣.\nواستنبط آخرون استنباطات باطلة، منها:\n٣) استنبط أهل الإباحة من المتصوفة الجهلة أن الآية دلت على الإباحة المطلقة فلا حظر ولا نهي ولا أمر، فإذا تحققت المعرفة سقطت الخدمة؛ لأن الحبيب لا يكلف حبيبه. انظر: روح البيان ج ١/ ص ٩٣، وحدائق الروح والريحان ج ١، ٢٦٣. …\n٤) استنبط بعض الاشتراكيين أنه لا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلا. أي المساواة الاقتصادية وإلغاء الملكية الفردية. وهو باطل لأنه بني على جهل بمعنى الآية وتفسيرها. انظر: منهج الاستنباط للوهبي ص ١٢١، ١٢٢.","vol":"1","page":139},{"text":"دليل يدل على النقل عن هذا الأصل، ولا فرق بين الحيوانات وغيرها مما ينتفع به من غير ضرر (^١).\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى امتن على الناس بأنه خلق لهم ما في الأرض؛ فدل هذا الامتنان بدلالة الالتزام على أن الأصل الإباحة حتى يقوم الدليل على غير ذلك؛ لأن الله لا يمتن إلا بجائز.\nويؤيد هذا الاستنباط التأكيد بلفظ ﴿جَمِيعًا﴾ مع أن ﴿مَا﴾ موصولة تفيد العموم، لكنه ﷾ أكده حتى لا يتوهم واهم بأن شيئا من أفراد هذا العموم قد خرج من الأصل (^٢).\nقال السعدي: (وفي هذه الآية العظيمة دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة، والطهارة؛ لأنها سيقت في معرض الامتنان، يخرج بذلك الخبائث؛ فإن تحريمها أيضا يؤخذ من فحوى الآية، ومعرفة المقصود منها، وأنه خلقها لنفعنا، فما فيه ضرر فهو خارج من ذلك، ومن تمام نعمته منعنا من الخبائث تنزيها لنا) (^٣).\nوممن قال باستنباط الشوكاني: الجصاص، وإلكيا الهراسي، والبيضاوي، وابن جزي، والقنوجي، وابن بدران، والمراغي، والسعدي-كما تقدم-، ومحمد أبو زهرة، والدوسري، وابن عثيمين. (^٤).\nوخالف في استنباط هذا المعنى من الآية آخرون، منهم: ابن العربي، وابن عطية، والقرطبي (^٥). فذكروا أن ﴿لَكُمْ﴾ للاعتبار؛ يدل على ذلك ما قبله وما بعده من نصب العبر: الإحياء، والإماتة، والخلق، والاستواء إلى السماء، وتسويتها، فكل هذا يستدل بها على وحدانيته ﷾.\nقال ابن العربي: (ليس لهذه الآية في الإباحة ودليلها مدخل، ولا يتعلق بها محصل) (^٦).\nوللعلماء في مسألة الأصل في الأشياء ثلاثة أقوال:\nالأول: الإباحة.\n_________\n(^١) وسيأتي مثل هذا الاستنباط عند الآية ١٦٨ من سورة البقرة.\n(^٢) انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج ١/ ص ١١٠.\n(^٣) تيسير الكريم الرحمن ص ٤٨.\n(^٤) انظر: أحكام القرآن ج ١/ ص ٣٣، وأحكام القرآن ج ١/ ص ٨، وأنوار التنزيل ج ١/ ص ٢٧٢، والتسهيل لعلوم التنزيل ج ١/ ص ٤٣، وفتح البيان ج ١/ ص ١١٩، ١٢٠، وجواهر الأفكار ص ١٤٩، وتفسير المراغي ج ١/ ص ٧٣، وتيسير الكريم الرحمن ص ٤٨، وزهرة التفاسير ج ١/ ص ١٨٨، وصفوة الآثار والمفاهيم ج ٢/ ص ٧٣، وتفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج ١/ ص ١١٠. وذكره السيوطي في الإكليل ج ١/ ص ٢٩٦.\n(^٥) انظر: أحكام القرآن ج ١/ ص ٣٥، والمحرر الوجيز ص ٦٩، والجامع لأحكام القرآن ج ١/ ص ٢٩٢.\n(^٦) أحكام القرآن ج ١/ ص ٣٥.","vol":"1","page":140},{"text":"الثاني: الحظر.\nالثالث: التوقف.\nوالحق أن هذه الأقوال الثلاثة إنما هي في مسألة الأشياء قبل ورود الشرع، أما بعده فليس إلا قولي الإباحة، والحظر.\nقال ابن رجب الحنبلي (^١): (واعلم أن هذه مسألة الأعيان قبل ورود الشرع هل هو الحظر، أو الإباحة، أو لا حكم فيها، فإن تلك المسألة مفروضة فيما قبل ورود الشرع، فأما بعد وروده فقد دلت هذه النصوص (^٢) وأشباهها على أن حكم ذلك الأصل زال، واستقر أن الأصل في الأشياء الإباحة بأدلة الشرع. وقد حكى بعضهم الإجماع على ذلك، وغلط من سوى بين المسألتين، وجعل حكمهما واحدا) (^٣).\nوقال الزركشي: الأصل في المنافع الإذن، وفي المضار المنع، خلافا لبعضهم، وهذا عندنا من الأدلة، فيما بعد ورود الشرع. أعني أن الدليل السمعي دل على أن الأصل ذلك فيهما إلا ما دل دليل خاص على خلافهما. أما قبله، فقد سبقت المسألة في أول الكتاب: \"لا حكم للأشياء قبل الشرع\"، ولم يحكموا هنا قولا بالوقف كما هناك، لأن الشرع ناقل. وقد خلط بعضهم الصورتين وأجرى الخلاف هنا أيضا. وكأنه استصحب ما قبل السمع إلى ما بعده (^٤).\n_________\n(^١) الحافظ العلامة زين الدين، أبو الفرج، عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن البغدادي، الدمشقي، الحنبلي، الشهير بابن رجب، له مصنفات منها: شرح على الترمذي، وشرح على البخاري بلغ فيه إلى كتاب الجنائز، توفي سنة ٧٩٥ هـ. انظر: الدرر الكامنة ج ٣/ ص ١٠٨، والبدر الطالع ج ١/ ص ٣٦٧.\n(^٢) ذكر ابن رجب بعض النصوص قبل كلامه، فقال: مثل قوله -ﷺ- في حديث سعد بن أبي وقاص: \"إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم؛ فحرم من أجل مسألته\". -وسيأتي تخريجه قريبا- وقد دل القرآن على مثل هذا أيضا في مواضع كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥] فهذا يدل على أن ما لم فليس بمحرم. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: من الآية ١١٩] فعنفهم على ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه، معللا بأنه قد بين لهم الحرام وهذا ليس منه؛ فدل على أن الأشياء على الإباحة، وإلا لما لحق اللوم بمن امتنع من الأكل مما لم ينص له على حكمه بمجرد كونه لم ينص. انظر: جامع العلوم والحكم ص ٢٨٣.\n(^٣) جامع العلوم والحكم ص ٢٨٣.\n(^٤) انظر: البحر المحيط في أصول الفقه، كتاب: الأدلة المختلف فيها ج ٦/ ص ١٢.","vol":"1","page":141},{"text":"وقد أفرد الشوكاني لمسألة: هل الأصل فيما وقع فيه الخلاف، ولم يرد فيه دليل يخصه، أو يخص نوعه الإباحة، أو المنع، أو الوقف؟ فصلا في آخر كتابه إرشاد الفحول، ذكر فيه الأقوال الثلاثة للعلماء (^١). إلى أن قال: وصرح الرازي في المحصول: أن الأصل في المنافع الإذن، وفي المضار المنع.\nثم ذكر أدلة القائلين بالإباحة، منها: احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: من الآية ٣٢]؛ فإنه - سبحانه - أنكر على من حرم ذلك، فوجب أن لا تثبت حرمته، وإذا لم تثبت حرمته؛ امتنع ثبوت الحرمة في فرد من أفراده؛ لأن المطلق جزء من المقيد، فلو ثبتت الحرمة في فرد من أفراده؛ لثبتت الحرمة في زينة الله، وفي الطيبات من الرزق، وإذا انتفت الحرمة بالكلية ثبتت الإباحة.\nواحتجوا أيضا بقوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: من الآية ٤] وليس المراد من الطيب الحلال، وإلا لزم التكرار، فوجب تفسيره بما يستطاب طبعا، وذلك يقتضي حل المنافع بأسرها.\nواحتجوا أيضا بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ واللام تقتضي الاختصاص بما فيه منفعة.\nواحتجوا أيضا بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فجعل الأصل الإباحة، والتحريم مستثنى.\nوبقوله سبحانه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾ [الجاثية: من الآية ١٣].\n_________\n(^١) قال الشوكاني: فذهب جماعة من الفقهاء، وجماعة من الشافعية، ونسبه بعض المتأخرين إلى الجمهور أن الأصل الإباحة.\nوذهب الجمهور إلى أنه لا يعلم حكم الشيء إلا بدليل يخصه، أو يخص نوعه، فإذا لم يوجد دليل كذلك؛ فالأصل المنع.\nوذهب الأشعري، وأبو بكر الصيرفي، وبعض الشافعية إلى الوقف، بمعنى لا يدري هل هناك حكم أم لا؟. انظر: إرشاد الفحول ص ٦٤٣.","vol":"1","page":142},{"text":"وبما ثبت في الصحيحين وغيرهما، من حديث سعد بن أبي وقاص -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم؛ فحرم من أجل مسألته\" (^١).\nواحتجوا أيضا بأنه - سبحانه - إما أن يكون خلقه لهذه الأعيان لحكمة، أو لغير حكمة، والثاني باطل؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨)﴾ [الدخان: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥]، والعبث لا يجوز على الحكمة؛ فثبت أنها مخلوقة لحكمة، ولا تخلو هذه الحكمة إما أن تكون؛ لعود النفع إليه - سبحانه - أو إلينا، والأول باطل؛ لاستحالة الانتفاع عليه - ﷿-، فثبت أنه إنما خلقها؛ لينتفع بها المحتاجون إليها، وإذا كان كذلك كان نفع المحتاج مطلوب الحصول أينما كان، فإن منع منه؛ فإنما هو يمنع منه؛ لرجوع ضرره إلى المحتاج إليه، وذلك بأن ينهى الله عنه، فثبت أن الأصل في المنافع الإباحة. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، رقم الحديث: ٦٨٥٩، ج ٦، ص ٢٦٥٨. ومسلم في كتاب الفضائل، باب توقيره -ﷺ-، وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، أو لا يتعلق به تكليف، وما لا يقع ونحو ذلك، رقم الحديث: ٢٣٥٨، ج ٤، ص ١٨٣١.\n(^٢) ثم ذكر أدلة القائلين بالمنع، ورد عليها، فقال: وقد احتج القائلون بأن الأصل المنع بمثل قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ﴾ [الأنعام: من الآية ١١٩] وهذا خارج عن محل النزاع، فإن النزاع إنما هو فيما لم ينص على حكمه، أو حكم نوعه، وأما ما قد فصل وبين حكمه، فهو كما بينه بلا خلاف.\nواحتجوا أيضا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: من الآية ١١٦] قالوا: فأخبر الله - سبحانه - أن التحريم والتحليل ليس إلينا، وإنما هو إليه فلا نعلم الحلال والحرام إلا بإذنه.\nويجاب عن هذا: بأن القائلين بأصالة الإباحة لم يقولوا بذلك من جهة أنفسهم، بل قالوه بالدليل الذي استدلوا به من كتاب الله وسنة رسوله، كما تقدم، فلا ترد هذه الآية عليهم، ولا تعلق لها بمحل النزاع.\nواستدل بعضهم بالحديث الصحيح الثابت في دواوين الإسلام عنه -ﷺ- قال: \"الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات\". [أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه، رقم الحديث: ٥٢، ج ١/ ص ٢٨. ومسلم في كتاب: المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات، رقم الحديث: ١٥٩٩، ج ٣/ ص ١٢١٩] قال: فأرشد -ﷺ- إلى ترك ما بين الحلال والحرام، ولم يجعل الأصل فيه أحدهما.\nولا يخفاك أن هذا الحديث لا يدل على مطلوبهم من أن الأصل المنع.\nفإن استدل به القائلون بالوقف؛ فيجاب عنه: بأن الله - سبحانه - قد بين حكم ما سكت عنه بأنه حلال بما سبق من الأدلة، وليس المراد بقوله: \"وبينهما أمور مشتبهات\" إلا ما لم يدل الدليل على أنه حلال طلق، أو حرام واضح، بل تنازعه أمران، أحدهما يدل على إلحاقه بالحلال، والآخر يدل على إلحاقه بالحرام، كما يقع ذلك عند تعارض الأدلة. أما ما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه.\nواستدلوا أيضا بالحديث الصحيح وهو قوله -ﷺ-: \"إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام\" الحديث [أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: قول النبي -ﷺ- رب مبلغ أوعى من سامع، رقم الحديث: ٥٢، ج ١/ ص ٣٧. ومسلم في كتاب: الحج، باب: حجة النبي -ﷺ-، رقم الحديث: ١٢١٨، ج ٢/ ص ٨٨٦.].\nويجاب عنه: بأنه خارج عن محل النزاع؛ لأنه خاص بالأموال التي قد صارت مملوكة لمالكيها، ولا خلاف في تحريمها على الغير، وإنما النزاع في الأعيان التي خلقها الله لعباده، ولم تصر في ملك أحد منهم، وذلك كالحيوانات التي لم ينص الله - ﷿ - على تحريمها، لا بدليل عام ولا خاص، وكالنباتات التي تنبتها الأرض، ما لم يدل دليل على تحريمها، ولا كانت مما يضر مستعمله بل مما ينفعه. انظر: إرشاد الفحول ص ٦٤٣ - ٦٤٦.","vol":"1","page":143},{"text":"فيظهر أن الحق-والله أعلم- ما استنبطه الشوكاني ومن قال بقوله من العلماء؛ لما تقدم من أدلة احتج بها على صحة المعنى المستنبط، ولأن استنباط هذا المعنى من الآية يصح.\nثم إن القول بأن الآية تدل على وحدانية الله لا يمنع أن يُستنبط من الآية ما ذكره الشوكاني.\n\n<span data-type='title' id=toc-247>٦ - مناسبة إثبات الله أنه بكل شيء عليم بعد أن ذكر خلقه الأرض والسموات</span>؛ أنه يجب أن يكون عالما بجميع ما ثبت أنه خالقه (^١).\nقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى … السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ البقرة: ٢٩.\nقال الشوكاني -﵀-: (وإنما أثبت لنفسه سبحانه أنه بكل شيء عليم لأنه يجب أن يكون عالما بجميع ما ثبت أنه خالقه) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-248>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- مناسبة إثبات الله لنفسه أنه بكل شيء عليم بعد أن ذكر خلقه الأرض والسموات؛ لأنه يجب أن يكون عالما بجميع ما ثبت أنه خالقه.\nووجه الاستنباط: أن الله ذكر في الآية خلقه للأرض والسموات خلقا محكما، والخالق على الوصف المذكور يجب أن يكون عالما بما فعله؛ فناسب ختم الآية بإحاطته سبحانه بكل شيء، إذ لابد من مناسبة بين الآية وختامها. ودل على ذلك دلالة الربط بين موضوع الآية وخاتمتها.\nقال ابن القيم: (إذا تأملت ختم الآيات بالأسماء والصفات؛ وجدت كلامه مختتما بذكر الصفة التي يقتضيها ذلك المقام، حتى كأنها ذكرت دليلا عليه وموجبة له) (^٣).\nوالتنبه لمناسبة الآيات لختمها بالأسماء الحسنى من أهم المهمات؛ لذا جعلها السعدي من القواعد الهامة، فقال: (ختم الآيات بأسماء الله الحسنى يدل على أن الحكم المذكور له تعلق بذلك الاسم الكريم، وهذه القاعدة لطيفة نافعة، عليك بتتبعها في جميع الآيات المختومة بها، تجدها في غاية المناسبة، وتدلك على أن الشرع والأمر والخلق كله صادر عن أسمائه وصفاته ومرتبط بها. وهذا باب عظيم في معرفة الله ومعرفة أحكامه، وهو من أجل المعارف وأشرف العلوم. فتجد آية الرحمة مختومةً بأسماء الرحمة، وآيات العقوبة والعذاب مختومة بأسماء العزة والقدرة والحكمة والعلم والقهر). ثم أشار إلى مناسبة ختم الآية بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾، فقال: (قوله تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ فذكرُ إحاطة علمه بعد ذكر خلقه للأرض والسماوات يدل على إحاطة علمه بما فيها من العوالم العظيمة، وأنه حكيم حيث وضعها لعباده، وأحكم صنعها في أحسن خلق وأكمل نظام، وأن خلقه لها من أدلة علمه، كما قال في الآية الأخرى:: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]؛ فخلقه للمخلوقات وتسويتها على ما هي عليه من إنسان وحيوان ونبات وجماد من أكبر الأدلة العقلية على علمه، فكيف يخلقها وهو لا يعلمها؟) (^٤).\n_________\n(^١) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٦١.\n(^٣) شفاء العليل ص ٢٠٠.\n(^٤) القواعد الحسان ص ٥٣.","vol":"1","page":144},{"text":"فجاءت الفاصلة ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ ممكنة لمعنى الآية (^١).\nوالتمكين أن يُمهد للفاصلة قبلها تمهيدا تأتي به الفاصلة ممكنة في مكانها، مستقرة في قرارها، مطمئنة في موضعها، غير نافذة ولا قلقة، متعلقا معناها بمعنى الكلام كله تعلقا تاما بحيث لو طرحت اختل المعنى، واضطرب الفهم (^٢).\nوعد السيوطي الفاصلة في هذه الآية مع الفاصلة في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ [آل عمران: ٢٩] من مشكلات الفواصل، فقال: (ومن خفي ذلك أيضا -أي من خفي الفواصل- قوله في سورة البقرة ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى … السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾، وفي آل عمران ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ فإن المتبادر إلى الذهن في آية البقرة الختم بالقدرة، وفي آية آل عمران الختم بالعلم).\nثم أجاب عن ذلك مبينا مناسبة كل فاصلة للآية التي ختمت بها، فقال: (والجواب أن آية البقرة لما تضمنت الإخبار عن خلق الأرض وما فيها على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم، وخلق السموات خلقا مستويا محكما من غير تفاوت، والخالق على الوصف المذكور يجب أن يكون عالما بما فعله كليا وجزئيا، مجملا ومفصلا؛ ناسب ختمها بصفة العلم. وآية آل عمران لما كانت في سياق الوعيد على موالاة الكفار، وكان التعبير بالعلم فيها كناية عن المجازاة بالعقاب والثواب؛ ناسب ختمها بصفة القدرة) (^٣).\nوفي القرآن الكريم يقرن الله كثيرا بين خلقه وعلمه، وذلك للمناسبة بينهما؛ إذ خلق الله للمخلوقات أدل دليل على علمه، وحكمته، وقدرته، وإحاطته بالجزئيات والكليات (^٤).\n_________\n(^١) ذكره الزركشي في البرهان في علوم القرآن ج ١/ ص ١٧٨.\n(^٢) المصدر السابق ص ١٧٠.\n(^٣) الإتقان ج ٢/ ص ٢٧٥، ٢٧٦.\n(^٤) انظر: أسماء الله الحسنى في خواتيم آيات سورة الفاتحة والبقرة، للدكتور علي العبيد ص ١٣.","vol":"1","page":145},{"text":"قال السعدي: (وكثيرا ما يقرن بين خلقه للخلق وإثبات علمه كما في هذه الآية - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى … السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ -، وكما في قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]؛ لأن خلقه للمخلوقات أدل دليل على علمه وحكمته وقدرته) (^١).\nوممن قال باستنباط الشوكاني: أبو حيان، والقرطبي، وكذلك السيوطي، والسعدي كما تقدم. (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-249>٧ - لما كان سؤال الملائكة عن الخليفة في الأرض واقعا على صفة تستلزم إثبات شيء من العلم لأنفسهم؛ ناسب أن يجيبهم الله سبحانه بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾</span> (^٣).\nقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ البقرة: ٣٠.\nقال الشوكاني -﵀-: (ولما كان سؤالهم واقعا على صفة تستلزم إثبات شيء من العلم لأنفسهم؛ أجاب الله سبحانه عليهم بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾.\nوفي هذا الإجمال ما يغني عن التفصيل؛ لأن من علم ما لا يعلم المخاطب له كان حقيقا بأن يسلم له ما يصدر عنه. وعلى من لا يعلم أن يعترف لمن يعلم بأن أفعاله صادرة على ما يوجبه العلم وتقتضيه المصلحة الراجحة، والحكمة البالغة) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-250>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٥) -﵀- مناسبة ختم الآية بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن ص ٤٨.\n(^٢) انظر: البحر المحيط ج ١/ ص ١٩٧، والجامع لأحكام القرآن ج ١/ ص ٣٠٢، وقطف الأزهار ج ١/ ص ٢٢٥، ٢٢٦، والإتقان ج ٢/ ص ٢٧٥، ٢٧٦، والقواعد الحسان ص ٥٣.\n(^٣) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٤) فتح القدير ج ١/ ص ٦٣.\n(^٥) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع؛ لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١/ ص ٣٠٥، وأضواء البيان ج ١/ ص ٥٨.\n٢) تخصيص سفك الدم بعد التعميم بذكر الفساد لبيان شدة مفسدة القتل. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٤٨.\n٣) إثبات القول لله ﷿، وأنه بحرف وصوت، وهذا مذهب السلف الصالح، فالله يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء. تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج ١/ ص ١١٦.\n٤) وصف الإنسان نفسه بما فيه من الخير لا بأس به إذا كان المقصود مجرد الخبر دون الفخر لقوله: (ونحن نسبح بحمدك)، ويؤيد ذلك قول النبي -ﷺ-: \"أنا سيد ولد آدم ولا فخر\"، وأما إذا كان المقصود الفخر، وتزكية النفس بهذا فلا يجوز. تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج ١/ ص ١١٨. وقد ذكر جملة من الاستنباطات النافعة.","vol":"1","page":146},{"text":"وذلك أنه لما كان سؤال الملائكة عن الخليفة في الأرض واقعا على صفة تستلزم إثبات شيء من العلم لأنفسهم؛ ناسب أن يجيبهم سبحانه بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾.\nووجه الاستنباط: أن الله أخبر الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة، فاستنكروا استخلاف بني آدم في الأرض؛ لكونهم مظنة للإفساد في الأرض؛ فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ وكأن قولهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ تعريض بأنهم أحق بذلك، أو أنهم أفضل من الخليفة بقولهم: ﴿مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (^١). وكأنهم بقولهم هذا أثبتوا شيئا من العلم لأنفسهم؛ فناسب أن يجيبهم الله بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ تحديدا دون غيره مما في إثبات علمه سبحانه. ودل على ذلك دلالة الربط بين موضوع الآية وخاتمتها.\nقال البقاعي: ولما تضمن تفرسهم هذا نسبتهم أنفسهم إلى العلم المثمر للإحسان، ونسبة الخليفة إلى الجهل المنتج للإساءة؛ أعلمنا سبحانه -لنشكره- أنه حاجَّ ملائكته عنا، فبين لهم أن الأمر على خلاف ما ظنوا بقوله- استئنافا-: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ أي من ذلك، وغيره ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (^٢).\nومما يدل على أنهم ظنوا أنهم أفضل من الخليفة أن الله قال بعدها: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾ [البقرة: ٣١] (^٣).\nقال السعدي: لما كان قول الملائكة -﵇- فيه إشارة إلى فضلهم على الخليفة الذي يجعله الله في الأرض؛ أراد الله تعالى أن يبين لهم من فضل آدم ما يعرفون به فضله، وكمال حكمة الله وعلمه فقال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. إلى أن قال﵀-: ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾ في قولكم وظنكم أنكم أفضل من هذا الخليفة (^٤).\n_________\n(^١) انظر: التحرير والتنوير ج ١/ ص ٣٩٨.\n(^٢) نظم الدرر ج ١/ ص ٨٨.\n(^٣) قال ابن عطية: وقال ابن مسعود، وابن عباس -﵃-، وناس من أصحاب النبي -ﷺ- معنى الآية: إن كنتم صادقين في أن الخليفة يفسد ويسفك. المحرر الوجيز ص ٧٣. وانظر أقوال المفسرين في أنوار التنزيل ج ١/ ص ٢٨٧، وإرشاد العقل السليم ج ١/ ص ٨٥، وروح المعاني ج ١/ ص ٢٢٥.\n(^٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٤٩.","vol":"1","page":147},{"text":"وأيضا قول الله تعالى -بعده-: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ [البقرة: ٣٢].\nقال ابن جرير الطبري في تفسيرها: وهذا خبر من الله جل ذكره عن ملائكته بالأوبة إليه، وتسليم علم ما لم يعلموه له، وتبريهم من أن يعلموا، أو يعلم أحد شيئا إلا ما علمه تعالى ذكره. إلى أن قال: ألا ترى أن الله جل ذكره رد على ملائكته قيلهم: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾، وعرَّفهم أن قيل ذلك لم يكن جائزا لهم بما عرَّفهم من قصور علمهم عند عرضه ما عرض عليهم من أهل الأسماء؛ ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾ فلم يكن لهم مفزع إلا الإقرار بالعجز، والتبري إليه أن يعلموا إلا ما علمهم بقولهم: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: البقاعي-كما تقدم-، والقنوجي، وابن بدران. (^٢).\nوفي هذا الاستنباط -خصوصا في معرفة المناسبة- تنبيه لكل أحد بأن يتأدب بين يدي الله تعالى، وبين يدي العلماء؛ لئلا يظهر بالأنانية، وإظهار العلم عندهم، فقد وعظنا الله بقوله للملائكة: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (^٣).\n_________\n(^١) جامع البيان ج ١/ ص ٥٢٧.\n(^٢) انظر: نظم الدرر ج ١/ ص ٨٨، وفتح البيان ج ١/ ص ١٢٧، وجواهر الأفكار ص ١٥٩.\n(^٣) انظر: روح البيان ج ١/ ص ٩٧.","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type='title' id=toc-251>٨ - في النهي عن القرب من الشجرة سد للذريعة (^١) وقطع للوسيلة</span>. (^٢).\n\nقال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ البقرة: ٣٥.\nقال الشوكاني -﵀-: (والنهي عن القرب فيه سد للذريعة وقطع للوسيلة؛ ولهذا جاء به عوضا عن الأكل. ولا يخفي أن النهي عن القرب لا يستلزم النهي عن الأكل؛ لأنه قد يأكل من ثمر الشجرة من هو بعيد عنها إذا يحمل إليه، فالأولى أن يقال: المنع من الأكل مستفاد من المقام) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-252>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٤) -﵀- من النهي عن القرب من الشجرة قاعدة سد الذرائع.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى علق النهي بقربان الشجرة عوضا عن الأكل، فدل ذلك بدلالة تأمل علل أفعال الله تعالى على قاعدة سد الذرائع، إذ علة النهي تدل على سد الذريعة وقطع الوسيلة.\nوالنهي عن القرب لا يفيد النهي عن الأكل، إذ ربما كان الصلاح في ترك قربها مع أنه لو حمل إليه لجاز له أكله، بل هذا الظاهر يتناول النهي عن القرب، وأما النهي عن الأكل فإنما عرف بدلائل أخرى، وهي: قوله تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾ [الأعراف: ٢٢]، ولأنه صدر الكلام في باب الإباحة بالأكل فقال: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾، فصار ذلك كالدلالة على أنه تعالى نهاهما عن أكل ثمرة تلك الشجرة، لكن النهي عن ذلك بهذا القول يعم الأكل، وسائر الانتفاعات. ولو نص على الأكل ما كان يعم كل ذلك ففيه مزيد فائدة (^٥).\n_________\n(^١) سد الذرائع يعني منع الوسائل الجائزة في الأصل التي تقرب إلى الحرام. انظر: أمالي الدلالات لابن بيه ص ٥٨٤. والذَّرَائِعُ جمع ذَّرِيعة، وهي في اللغة: الوسيلة. وقد تذَرَّعَ فلان بِذَرِيعةٍ أَي توسَّل. انظر: لسان العرب (مادة: ذرع) ج ٨/ ٩٦. وقد غلب على الفقهاء والأصوليين استعمال الذرائع بمعنى الوسائل المباحة في ظاهرها الموصلة للمحرم. قال ابن تيمية: (والذريعة ما كان وسيلة وطريقا إلى الشيء، لكن صارت في عرف الفقهاء عبارة عما أفضت إلى فعل محرم- ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن فيها مفسدة- ولهذا قيل: الذريعة: الفعل الذي ظاهره أنه مباح وهو وسيلة إلى فعل المحرم). الفتاوى الكبرى ج ٣/ ص ٢٥٦. ولذا نجد الشاطبي عرَّفها بقوله: التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة. انظر: الموافقات ج ٤/ ص ١٩٩.\nوقد جاءت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة وكذلك الآثار عن السلف الصالح على اعتبار قاعدة سد الذرائع، فسد الذرائع مقصد من مقاصد الشريعة. وسد الذرائع يدور مع المصلحة والمفسدة وجودا وعدما، فمتى كانت المصلحة غالبة أو متحققة عمل بالمصلحة، ومتى كانت المفسدة غالبة أو متحققة عمل بالمنع منها، ولا عبرة للذرائع إذا كانت تؤدي إلى مفسدة قليلة أو نادرة. انظر بحث: سد الذرائع وعلاقتها بمقاصد الشريعة للدكتور محمد المقرن ص ١٠١ - ١٠٢. وللاستزادة في قاعدة سد الذرائع ينظر: البحر المحيط للزركشي ج ٦/ ص ٨٢ - ٨٦، وإعلام الموقعين ج ٣/ ص ١٣٥ وما بعدها، وإرشاد الفحول ص ٥٥٧ - ٥٦٠.\n(^٢) وهو استنباط أصولي.\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ٦٨.\n(^٤) واستنبط بعض المفسرين من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) أن سكنى آدم -﵇- وزوجه الجنة لا تدوم. ووجهه: أن المخلد لا يؤمر، ولا ينهى، ولا يمنع من شيء. انظر: البحر المحيط ج ١، ص ٢٣٠، وجواهر الأفكار ص ١٧٣، وتفسير حدائق الروح والريحان ج ١/ ص ٣١٧.\n٢) العالِم جدير بالإكرام بالعيش الهنيء. ووجهه: أن الله أمر آدم -﵇- وزوجه بسكنى الجنة بعد أن بين سبحانه للملائكة فضل آدم -﵇- في العلم. انظر: التحرير والتنوير ج ١/ ص ٤١٣.\n٣) أن الأمر يأتي للإباحة. ووجهه: أن الله تعالى أمرهما بالأكل، ثم خيرهما أن يأكلا من أي مكان، فقال: ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾؛ فدل على أن الأمر للإباحة، وإن كان الأصل في الأمر الطلب حتى يقوم دليل على أنه للإباحة. انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج ١/ ص ١٣٠.\n٤) في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ حجة في اختصار الكلام، وإشارة للمعنى. ووجهه: لإحاطة العلم بأنهما لم ينهيا عن الدنو إنما نهيا عن الأكل منها، فلما لم يوصل للأكل إلا بالاقتراب منها؛ استغنى به من ذكر الأكل. انظر: نكت القرآن للقصاب ج ١/ ص ١٠٨، ١٠٩.\n(^٥) انظر: التفسير الكبير ج ٣/ ص ٦، واللباب في علوم الكتاب ج ١/ ص ٥٥٩.","vol":"1","page":149},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، وابن الفرس (^١)، وابن جزي، وابن عاشور. (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-253>٩ - من أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به، أو إثبات باطل نهى الله عنه؛ فقد اشترى بآيات الله ثمنا قليلا </span>(^٣).\nقال تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ … بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾ البقرة: ٤١.\nقال الشوكاني -﵀-: (وهذه الآية وإن كانت خطابا لبني إسرائيل ونهيا لهم فهي متناولة لهذه الأمة بفحوى الخطاب أو بلحنه، فمن أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به، أو إثبات باطل نهى الله عنه، أو امتنع من تعليم ما علمه الله، وكتم البيان الذي أخذ الله عليه ميثاقه به؛ فقد اشترى بآيات الله ثمنا قليلا) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-254>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٥) -﵀- من الآية أن من أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به، أو إثبات باطل نهى الله عنه؛ أو امتنع من تعليم ما علمه الله، وكتم البيان الذي أخذ الله عليه ميثاقه به فقد اشترى بآيات الله ثمنا قليلا.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى بني إسرائيل المعاصرين للنبي -ﷺ- النداء لأولاد إسرائيل -﵇- من عهد موسى -﵇-، ولكن المخاطبين هم الذين عاصروا النبي لأنهم أقروا بما كان عليه أسلافهم (^٦) - عن أخذ الرشا لكتمان أمر النبي محمد -ﷺ-، إذ الآيات هنا هي الإيمان بالنبي محمد -ﷺ-، والثمن القليل ما ينتفعون به في الدنيا من بقاء رياستهم، وأخذ الرشا على تغيير أمر محمد -ﷺ- (^٧). وهذا النهي يتناول المسلمين من هذه الأمة، ودلالة الآية عليه بمفهوم الموافقة المساوي -لحن الخطاب- لمساواتهم في الخطاب ببني إسرائيل، ولأن كل من أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به، أو إثبات باطل نهى الله عنه، أو امتنع من تعليم ما علمه الله، وكتم البيان الذي أخذ الله عليه ميثاقه به فحكمه موافق للحكم المنطوق به في الآية؛ أو أن المسلمين محذَّورون من مثله، منهيون عنه بطريق الأولى- فحوى الخطاب-؛ لأن المسلمين أولى بالكمالات النفسية. ولا سيما علماءهم فإنهم منهيون عن أن يأتوا بما نُهي عنه بنو إسرائيل من الصدف عن الحق لأغراض الدنيا، وكذلك كانت سيرة السلف ﵃ (^٨).\n_________\n(^١) هو أبو عبد الله، عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم الخزرجي، فقيه مالكي، قاضٍ، نحوي، من علماء غرناطة، توفي سنة ٥٩٩ هـ. انظر: طبقات المفسرين للداودي ج ١/ ص ٣٥٦، ومعجم المفسرين ج ١/ ص ٣٣٥،\n(^٢) انظر: المحرر الوجيز ص ٧٧، وأحكام القرآن ج ١/ ص ٥٨، والتسهيل لعلوم التنزيل ج ١/ ص ٤٤، والتحرير والتنوير ج ١/ ص ٤١٨.\n(^٣) وهو استنباط فقهي.\n(^٤) فتح القدير ج ١/ ص ٧٤.\n(^٥) واستنبط غيره من الآية أن النهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ … بِهِ﴾ عن المسابقة إلى الكفر به، ولا يقتضي إباحة الكفر في ثاني حال؛ لأن هذا مفهوم معطل، بل يقتضي الأمر بمبادرتهم إلى الإيمان به؛ لما يجدون من ذكره، ولما يعرفون من علامته. وهذا من مفهوم الخطاب الذي المذكور فيه والمسكوت عنه حكمهما واحد، فالأول والثاني وغيرهما داخل في النهي، ولكن حذروا البدار إلى الكفر به إذ على الأول كفل من فعل المقتدي. انظر: المحرر الوجيز ص ٨١، والتسهيل لعلوم التنزيل ج ١/ ص ٤٦.\n(^٦) انظر: روح المعاني ج ١/ ص ٢٤١، وزهرة التفاسير ج ١/ ص ٢٠٦، وحدائق الروح والريحان ج ١/ ص ٣٥١.\n(^٧) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل ج ١/ ص ٤٦.\n(^٨) انظر: التحرير والتنوير ج ١/ ص ٤٥١.","vol":"1","page":150},{"text":"ومما يؤيد هذا الاستنباط أن خطابات القرآن وقصصه المتعلقة بالأمم الأخرى إنما يقصد منها الاعتبار والاتعاظ.\nقال الرازي: جميع ما خاطب الله تعالى به بني إسرائيل تنبيه للعرب؛ لأن الفضيلة بالنبي -ﷺ- قد لحقتهم، وجميع أقاصيص الأنبياء تنبيه وإرشاد، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٨]، وقال:\n﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: من الآية ٥٥] وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ … فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]. ولذلك روى قتادة (^١) قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب -﵁- كان يقول: قد مضى والله بنو إسرائيل وما يغني ما تسمعون عن غيركم (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي، وابن عاشور. (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-255>١٠ - كفر اليهود كفر عناد لا كفر جهل، وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ لا يفيد جواز اللبس والكتمان مع الجهل </span>(^٤).\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ البقرة: ٤٢.\nقال الشوكاني -﵀-: (وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ جملة حالية، وفيه أن كفرهم كفر عناد لا كفر جهل، وذلك أغلظ للذنب، وأوجب للعقوبة وهذا التقييد لا يفيد جواز اللبس والكتمان مع الجهل؛ لأن الجاهل يجب عليه أن لا يقدم على شيء حتى يعلم بحكمه، خصوصا في أمور الدين، فإن التكلم فيها والتصدي للإصدار والإيراد في أبوابها إنما أذن الله به لمن كان رأسا في العلم، فردا في الفهم، وما للجهال والدخول فيما ليس من شأنهم والقعود في غير مقاعدهم) (^٥).\n_________\n(^١) التابعي، المفسر، الحافظ، قَتَادة بن دَعَامة بن عزيز السدوسي، البصري، كان من أوعية العلم، وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ، وكان رأسا في العربية، والغريب، وأيام العرب، وأنسابها، توفي سنة ثماني عشرة ومائة، وقيل: سبع عشرة ومائة للهجرة. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ج ٧، ص ٢٢٩، ٢٣٠، وطبقات المفسرين للداودي ج ٢، ص ٤٣، ٤٤.\n(^٢) التفسير الكبير ج ٣/ ص ٥٠. وانظر قريبا منه قول ابن عاشور في التحرير والتنوير ج ١/ ص ٦٨.\n(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١/ ص ٣٧٤، وفتح البيان ج ١/ ص ١٤٩، ١٥٠، والتحرير والتنوير ج ١/ ص ٤٥١.\n(^٤) وهو استنباط فائدة علمية.\n(^٥) فتح القدير ج ١/ ص ٧٥.","vol":"1","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-256>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- من التقييد: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ أمورا:\nأولها: أن كفرهم كفر عناد لا كفر جهل.\nثانيها: أن الكفر المتضمن على اللبس، والكتمان عن علم أغلظ للذنب، وأوجب للعقوبة.\nثالثها: ألا يفهم من تقييد النهي عن اللبس والكتمان بالعلم جواز اللبس والكتمان مع الجهل؛ لأن الجاهل يجب عليه أن لا يقدم على شيء حتى يعلم بحكمه، خصوصا في أمور الدين.\nووجه الاستنباط: أن الله نهى اليهود عما كانوا يتعمدونه من تلبيس الحق بالباطل، وتمويهه به، وكتمانهم الحق وإظهارهم الباطل، ثم ذكر حالهم بقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ أي: فلا يناسب من كان عالما أن يكتم الحق، ويلبسه بالباطل؛ فدل التقييد على أن كفرهم كفر عناد لا كفر جهل.\nوالحال هنا أبلغ في النهي؛ لأن صدور ذلك من العالِم أشد (^١) فلما كانوا عالمين بما في التلبيس من المفاسد كان إقدامهم عليه أقبح (^٢)؛ وعقوبتهم أشد.\nفهذه الحال وإن كان ظاهرها أنها قيد في النهي عن اللبس والكتم، فلا تدل بمفهومها على جواز اللبس والكتم حالة الجهل، وإنما فائدتها: أن الإقدام على الأشياء القبيحة مع العلم بها أفحش من الإقدام عليها مع الجهل بها (^٣).\nورأى آخرون منهم: الزمخشري، والبيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي، والهرري (^٤)، أن التقييد لزيادة تقبيح حالهم، إذ الجاهل قد يعذر.\nوما ذكروه له وجه، لكن ما ذكره الشوكاني أدق إذ نبه على أن الجاهل بما ينبغي عليه معرفته لا يعذر بجهله خصوصا في أمر الدين.\nوممن قال باستنباط الشوكاني الأول: القرطبي، والقنوجي. (^٥).\nوقال بالثاني، والثالث: ابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، والقنوجي، وابن عاشور. (^٦).\nوفي هذا الاستنباط تحذير لكل مقترف لذنب عالم بحكمه، فإن عقوبة العالم أشد.\n_________\n(^١) انظر: التحرير والتنوير ج ١/ ص ٤٥٦.\n(^٢) انظر: التفسير الكبير ج ٣/ ص ٤١.\n(^٣) انظر: البحر المحيط ج ١/ ص ٢٦٢.\n(^٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١/ ص ٣٨٢، وفتح البيان ج ١/ ص ١٥٠، ١٥١\n(^٥) انظر: الكشاف ج ١/ ص ١٦١، وأنوار التنزيل ج ١/ ص ٣١٤، وإرشاد العقل السليم ج ١/ ص ٩٦، وروح المعاني ج ١/ ص ٢٤٦، وحدائق الروح والريحان ج ١/ ص ٣٩٥.\n(^٦) انظر: المحرر الوجيز ص ٨٢، والتفسير الكبير ج ٣/ ص ٤١، والجامع لأحكام القرآن ج ١/ ص ٣٨٢، والبحر المحيط ج ١/ ص ٢٦٢، وفتح البيان ج ١/ ص ١٥٠، ١٥١، والتحرير والتنوير ج ١/ ص ٤٥٦.","vol":"1","page":152},{"text":"قال ابن عطية: (وفي هذه الألفاظ دليل على تغليظ الذنب على من واقعه على علم، وأنه أعصى من الجاهل) (^١).\nوفيه أيضا تحذير لكل جاهل إذ يجب عليه أن لا يقدم على شيء كالفتوى، ونحوها حتى يعلم بحكمه، خصوصا في أمور الدين.\n\n<span data-type='title' id=toc-257>١١ - الإرشاد إلى شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ البقرة: ٤٣.\nقال الشوكاني -﵀-: (وقوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ فيه الإرشاد إلى شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد).\nثم قال: (وقد ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما ما هو معروف. وقد أوجب حضور الجماعة بعض أهل العلم على خلاف بينهم في كون ذلك عينا أو كفاية (^٣). وذهب الجمهور إلى أنه سنة مؤكدة مرغب فيها وليس بواجب، وهو الحق للأحاديث الصحيحة الثابتة عن جماعة من الصحابة من أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة، أو بسبع وعشرين درجة (^٤). وثبت في الصحيح عنه -ﷺ- الذي يصلي مع الإمام أفضل من الذي يصلي وحده ثم ينام (^٥). والبحث طويل الذيول كثير النقول) (^٦).\n_________\n(^١) المحرر الوجيز ص ٨٢.\n(^٢) وهو استنباط فقهي.\n(^٣) صلاة الجماعة واجبة عند الحنفية، والحنابلة، ووجه عند الشافعية، وفي قول لبعض المالكية. ويرى بعض المالكية أنها سنة، كما يرى بعضهم أنها سنة مؤكدة. واتفق علماء الحنفية على أنه لا يرخص لأحد في تركها بغير عذر، ويأثم من تركها بغير عذر. ويرى عامة شيوخهم أنها واجبة، وسماها بعضهم سنة مؤكدة، لكنهم فسروها بما يفسر به الواجب، فالخلاف بينهم وبين من سماها واجبة لفظي. ولم يرخص الإمام الشافعي في ترك صلاة الجماعة لغير المعذور. وقد اختلف علماء الشافعية في تسميتها. فمنهم من سماها فرض عين، ومنهم من سماها فرض كفاية، ومنهم من سماها سنة مؤكدة، لكنهم اتفقوا على أن من ترك صلاة الجماعة فهو آثم. والمعتمد عندهم إلى أن صلاة الجماعة فرض كفاية. انظر: الأم ج ١/ ص ١٥٤، والصلاة وحكم تاركها ص ١٣٥ وما بعدها، وفتح الباري ج ٢، ص ١٢٦، ونيل الأوطار ج ٣/ ص ١٥١.\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب: الجماعة والإمامة، باب: فضل صلاة الجماعة، رقم: ٦١٩، من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله -ﷺ- قال: \"صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة\". وعن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي -ﷺ- يقول: \"صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة\"، ج ١/ ص ٢٣١.\nومسلم في كتاب: المساجد، باب: فضل صلاة الجماعة، وبيان التشديد في التخلف عنها، رقم: ٦٤٩، ٦٥٠، ج ١/ ص ٤٥٠.\n(^٥) عن أبي موسى -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم، والذي ينظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصليها ثم ينام\". وفي رواية أبي كريب: حتى يصليها مع الإمام في جماعة. أخرجه مسلم في كتاب: المساجد، باب: فضل كثرة الخطا إلى المساجد، رقم: ٦٦٢، ج ١/ ص ٤٦٠.\n(^٦) فتح القدير ج ١/ ص ٧٧.","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type='title' id=toc-258>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^١) -﵀- من الآية الإرشاد إلى شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد (^٢).\nووجه الاستنباط: أن الله أمر بالصلاة أولا ثم أمر بالركوع مع الراكعين فدلت المعية على شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد.\nأما السعدي فقد استنبط من الآية -بدلالة الالتزام- وجوب صلاة الجماعة، فقال: (وقوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ أي صلوا مع المصلين. ففيه الأمر بالجماعة للصلاة ووجوبها) (^٣).\nقال ابن القيم: (ووجه الاستدلال بالآية -على وجوب صلاة الجماعة- أنه سبحانه أمرهم بالركوع وهو الصلاة، وعبر عنها بالركوع لأنه من أركانها والصلاة يعبر عنها بأركانها وواجباتها، كما سماها الله سجودا، وقرآنا، وتسبيحا، فلا بد لقوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ من فائدة أخرى، وليست إلا فعلها مع جماعة المصلين، والمعية تفيد ذلك. إذا ثبت هذا، فالأمر المقيد بصفة أو حال لا يكون المأمور ممتثلا إلا بالإتيان به على تلك الصفة والحال) (^٤).\nوخالف ابن عثيمين -مع قوله بوجوب صلاة الجماعة- في دلالة مع في الآية على المصاحبة في الفعل، فقال: واستدل بهذه الآية بعض العلماء على وجوب صلاة الجماعة، لكن في هذا الاستدلال شيء؛ لأنه لا يلزم من المعية المصاحبة في الفعل، ولهذا قيل لمريم: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣]، والنساء ليس عليهن جماعة؛ إذا لا نسلم أن هذه الآية تدل على وجوب صلاة الجماعة، ولكن وجوب صلاة الجماعة ثابت بأدلة أخرى ظاهرة من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة (^٥).\nوالجواب عن ذلك قول ابن القيم: (فإن قيل: فهذا -أي: الاستدلال بقوله تعالى:\n﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ على وجوب صلاة الجماعة- ينتقض بقوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣] والمرأة لا يجب عليها حضور الجماعة، قيل: الآية لم تدل على تناول الأمر بذلك لكل امرأة بل مريم بخصوصها أمرت بذلك بخلاف قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ ومريم كانت لها خاصة لم تكن لغيرها من النساء، فإن أمها نذرتها أن تكون محررة لله، ولعبادته، ولزوم المسجد، وكانت لا تفارقه؛ فأمرت أن تركع مع أهله، ولما اصطفاها الله، وطهرها على نساء العالمين أمرها من طاعته بأمر اختصها به على سائر النساء، قال تعالى ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٢ - ٤٣]. فإن قيل: كونهم مأمورين أن يركعوا مع الراكعين لا يدل على وجوب الركوع معهم حال ركوعهم، بل يدل على الإتيان بمثل ما فعلوا كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩] فالمعية تقضي المشاركة في الفعل، ولا تستلزم المقارنة فيه، قيل: حقيقة المعية مصاحبة ما بعدها لما قبلها، وهذه المصاحبة تفيد زائدا على المشاركة، ولا سيما في الصلاة، فإنه إذا قيل: صل مع الجماعة، أو صليت مع الجماعة لا يفهم منه إلا اجتماعهم على الصلاة) (^٦).\n_________\n(^١) واستنبط غيره من الآية أن الركوع ركن من أركان الصلاة؛ لأنه عبر عن الصلاة بالركوع، والتعبير عن العبادة بجزئها يدل على فرضيته فيها بدلالة اللزوم. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٥١.\n(^٢) واستنبط الشوكاني مثل هذا الاستنباط من قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣]. وسيأتي بيانه في موضعه.\n(^٣) تيسير الكريم الرحمن ص ٥١.\n(^٤) الصلاة وحكم تاركها ص ١٤٠.\n(^٥) انظر: تفسير سورة البقرة ج ١/ ص ١٥٧.\n(^٦) الصلاة وحكم تاركها ص ١٤٠.","vol":"1","page":154},{"text":"واستنباط الشوكاني صحيح من حيث دلالة الآية على شهود صلاة الجماعة، والخروج إلى المساجد.\nوقد شدَّد -﵀- في الحث عليها -مع قوله بأنها سنة مؤكدة- بقوله: (ولكن المحروم من حُرِم صلاة الجماعة، فإن صلاة يكون أجرها أجر سبع وعشرين صلاة لا يعدل عنها إلى صلاة ثوابها ثواب جزء من سبعة وعشرين جزءا منها إلا مغبون، ولو رضي لنفسه في المعاملات الدنيوية بمثل هذا لكان مستحقا لحجره عن التصرف في ماله لبلوغه من السفه إلى هذه الغاية، والتوفيق بيد الرب سبحانه) (^١).\nوقوله: (وقد تقرر أن الجمع بين الأحاديث ما أمكن هو الواجب، وتبقية الأحاديث المشعرة بالوجوب على ظاهرها من دون تأويل، والتمسك بما يقتضي به الظاهر فيه إهدار للأدلة القاضية بعدم الوجوب وهو لا يجوز، فأعدل الأقوال وأقربها إلى الصواب أن صلاة الجماعة من السنن المؤكدة التي لا يخل بملازمتها ما أمكن إلاَّ محروم مشؤوم، وأمَّا أنها فرض عين، أو كفاية، أو شرط لصحة الصلاة فلا) (^٢).\nأما القول بسنية صلاة الجماعة، وكذا القول بأنها فرض كفاية فقولان معتبران لكل منهما دليله، لكن الأظهر-والله أعلم- الوجوب؛ لأدلة كثيرة، منها:\n١ - عن أبي هريرة -﵁- قال: \"أتى النبي -ﷺ- رجل أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله -ﷺ- أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة، فقال: نعم؛ قال: فأجب\" (^٣).\nوإذا لم يرخص للأعمى الذي لم يجد قائدا فغيره أولى (^٤).\n٢ - عن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: \"والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا، أو مرماتين حسنتين؛ لشهد العشاء\" (^٥). وفى رواية: \"لولا ما في البيوت من النساء والذرية\" (^٦). فبين أنه إنما يمنعه من تحريق المتخلفين عن الجماعة من في البيوت من النساء والأطفال، فإن تعذيب أولئك لا يجوز؛ لأنه لا جماعة عليهم. ومن قال: إن هذا كان في الجمعة، أو كان لأجل نفاقهم فقوله ضعيف، فان المنافقين لم يكن النبي يقتلهم لأجل النفاق، بل لا يعاقبهم إلا بذنب ظاهر، فلولا أن التخلف عن الجماعة ذنب يستحق صاحبه العقاب لما عاقبهم (^٧).\n_________\n(^١) السيل الجرار ج ١/ ص ٢٤٦.\n(^٢) نيل الأوطار ج ٣/ ص ١٥٨.\n(^٣) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد، باب: يجب إتيان المسجد على من سمع النداء، رقم: ٦٥٣، ج ١/ ص ٤٥٢.\n(^٤) المغني ج ٢/ ص ٣.\n(^٥) أخرجه البخاري في كتاب: الجماعة والإمامة، باب: وجوب صلاة الجماعة، رقم:، ج ١/ ص ٢٣١. واللفظ له. ومسلم في كتاب: المساجد، باب: فضل صلاة الجماعة، وبيان التشديد في التخلف عنها، رقم: ٦٥١، ج ١/ ص ٤٥١.\n(^٦) في مسند أحمد رقم: ٨٧٨٢، ج ٢/ ص ٣٦٧.\n(^٧) راجع مجموع الفتاوى ج ٢٣/ ص ٢٣٩، ٢٤٠، وكتاب: الصلاة وحكم تاركها لابن القيم ص ١٣٥ وما بعدها.","vol":"1","page":155},{"text":"وفي الحديث ما يدل على أنه أراد الجماعة لأنه لو أراد الجمعة لما هم بالتخلف عنها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-259>١٢ - مناسبة تخصيص اسم الله البارئ بالذكر في صفة توبة الله على بني إسرائيل الإشارة إلى عظيم جرمهم </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾ البقرة: ٥٤.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي ذكر البارئ إشارة إلى عظيم جرمهم، أي: فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-260>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٤) -﵀- أن مناسبة تخصيص اسم الله البارئ بالذكر في صفة توبة الله على بني إسرائيل الإشارة إلى عظيم جرمهم حيث عبدوا مع الله غيره.\nوالبارئ: الخالق الذي برأ الخلق فأوجدهم بقدرته (^٥).\n_________\n(^١) المغني ج ٢/ ص ٣.\n(^٢) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ٨٦.\n(^٤) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) التنبيه على أن ضرر الكفر لا يعود إلا على الكافرين؛ لأنهم ما استفادوا بذلك إلا أنهم ظلموا أنفسهم، وذلك يدل على أن جلال الله منزه عن الاستكمال بطاعة الأتقياء، والانتقاص بمعصية الأشقياء. انظر: التفسير الكبير ج ٣/ ص ٧٢.\n٢) ينبغي للداعي إلى الله أن يستعمل الأسلوب الذي يجذب إليه الناس، ويعطفهم عليه؛ لقول الله حكاية عن موسى -﵇-: ﴿يَاقَوْمِ﴾؛ فإن هذا لاشك فيه من التودد، والتلطف، والتحبب ما هو ظاهر. انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج ١/ ص ١٨٩. ووجهه: الاقتداء بأفعال الأنبياء ﵈. وقد ذكر ﵀ بعد تفسير الآية جملة من الاستنباطات النافعة انظر: ج ١/ ص ١٨٨ - ١٩٠.\n(^٥) انظر: زاد المسير ج ١/ ص ٨٢، جامع البيان ج ٢٢/ ص ٥٥٥. وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس قال له أخبرني عن قوله ﷿: إلى بارئكم، قال: خالقكم. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم، أما سمعت قول تبع:\nشهدت على أحمد أنه ........... رسول من الله باري النسم. انظر: الدر المنثور ج ١/ ص ١٦٩.\nوأخرج الطبري وابن أبي حاتم عن أبي العالية قوله: فتوبوا إلى بارئكم أي: إلى خالقكم. انظر: جامع البيان ج ١/ ص ٦٨٥، وتفسير ابن أبي حاتم ج ١/ ص ١١٠.","vol":"1","page":156},{"text":"وبرأ الخلق: فطرهم، وقيل: البرء خلق على صفة فكل مبروء مخلوق، وليس كل مخلوق مبروءًا؛ لأن البرء فيه فصل بعض الخلق عن بعض، فصورة زيد مفارقة لصورة عمرو وهكذا (^١).\nفعلى هذا يكون البرء أخص من الخلق؛ ولذا أتبع به الخالق في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ﴾ [الحشر: من الآية ٢٤] (^٢).\nووجه الاستنباط: أن الله خص بالذكر اسمه (البارئ) في هذا الموضع دون غيره من الأسماء، وهذا الاسم لم يرد في القرآن إلا ثلاث مرات: مرة بلفظ (البارئ) في سورة الحشر في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤]، ومرتين بلفظ (بارئكم) في هذه الآية، فلابد أن يكون لتخصيص هذا الاسم بالذكر هنا مناسبة للمقام، وهي: الإشعار بأنهم بلغوا من الجهالة أقصاها، ومن الغواية منتهاها حيث تركوا عبادة العليم الحكيم الذي خلقهم إلى عبادة البقر (^٣) فعرضوا أنفسهم لسخط الله تعالى، ونزول أمره حين لم يشكروا النعمة في ذلك، وغمطوها بعبادة من لا يقدر على شيء منها، ففي ذكر البارئ في هذا المقام تقريع بما كان منهم (^٤)، وتنبيه على أن من كان كذلك -أي: بارئهم- فهو أحق بالعبادة من البقر الذي يضرب به المثل في الغباوة (^٥).\nوذكر البارئ هنا تضمن الترهيب والترغيب.\nقال البقاعي: (وفي التعبير بالبارئ ترغيب لهم في طاعته بالتذكير بالإحسان، وترهيب بإيقاع الهوان) (^٦).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والطِّيْبِي (^٧)، وابن كثير، وأبو السعود، والبروسوي، والآلوسي، والقنوجي، والهرري. (^٨).\n_________\n(^١) تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص ٣٧، والنهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى ج ١/ ص ١٦٣ - ١٦٦.\n(^٢) انظر: التحرير والتنوير ج ١/ ص ٤٨٨.\n(^٣) انظر: إرشاد العقل السليم ج ١/ ص ١٠٢، وروح البيان ج ١/ ص ١٣٨، وحدائق الروح والريحان ج ١/ ص ٤١١.\n(^٤) انظر: الكشاف ج ١/ ص ١٦٩، وروح المعاني ج ١/ ص ٢٥٩، ٢٦٠.\n(^٥) انظر: التفسير الكبير ج ٣/ ص ٧٥.\n(^٦) نظم الدرر ج ١/ ص ١٣٥.\n(^٧) هو شرف الدين، الحسين بن محمد بن عبد الله، مفسر، محدث، علامة في العربية والمعاني والبيان، توفي سنة ٧٤٣ هـ. انظر: طبقات المفسرين للدوادي ج ١/ ص ١٤٣، ومعجم المفسرين ج ١/ ص ١٥٩.\n(^٨) انظر: الكشاف ج ١/ ص ١٦٩، وفتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب -من أوله لآخر الآية ١١٧ من سورة البقرة، رسالة دكتوراه بتحقيق: د. صالح الفايز- ص ٥٢٢، ٥٢٣، ونقله السيوطي عن الطيبي في قطف الأزهار ج ١/ ص ٢٥٤، وتفسير القرآن العظيم ج ١/ ص ٣٩٤، وإرشاد العقل السليم ج ١/ ص ١٠٢، وروح البيان ج ١/ ص ١٣٨، ١٣٩، وروح المعاني ج ١/ ص ٢٥٩، ٢٦٠، وفتح البيان ج ١/ ص ١٧٠، وحدائق الروح والريحان ج ١/ ص ٤١١.","vol":"1","page":157},{"text":"ولمعرفة هذا الاستنباط فائدة عملية ينتفع بها المتحدث إذ عليه التعبير بما يناسب المقام (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-261>١٣ - مناسبة تقييد قتل اليهود النبيين بأنه كان بغير الحق لنعي هذا الأمر عليهم، وأنه ظلم بحت؛ لأن قتلهم النبيين ليس بحق في اعتقادهم الباطل </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾ البقرة: ٦١.\nقال الشوكاني -﵀-: (ولم يخرج هذا مخرج التقييد حتى يقال: إنه لا يكون قتل الأنبياء بحق في حال من الأحوال لمكان العصمة، بل المراد نعي هذا الأمر عليهم وتعظيمه، وأنه ظلم بحت في نفس الأمر. ويمكن أن يقال: إنه ليس بحق في اعتقادهم الباطل، لأن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه لم يعارضوهم في مال ولا جاه، بل أرشدوهم إلى مصالح الدين والدنيا كما كان من شعيا (^٣) وزكريا ويحيى، فإنهم قتلوهم وهم يعلمون ويعتقدون أنهم ظالمون) (^٤).\n_________\n(^١) انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج ١/ ص ١٨٩.\n(^٢) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٣) (شعيا) في طبعات: دار الكتاب العربي، ودار المعرفة، ودار الوفاء. وفي طبعة دار الفكر كتبت (شعيبا) وهو خطأ.\nوشعيا هو النبي شعيا بن أمصيا، من أنبياء بني إسرائيل بعد داود وسليمان وقبل زكريا ويحيى ﵈، وهو ممن بشر بعيسى ومحمد ﵉، قُتِل نشرا. انظر: تاريخ الأمم والملوك ج ١/ ص ٣١٣ - ٣١٥، والبداية والنهاية ج ٢/ ص ٣٥٧ - ٣٥٩.\n(^٤) فتح القدير ج ١/ ص ٩٢، ٩٣. وذكر الشوكاني مثل هذا الاستنباط عند قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ … تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾ [يونس: ٢٣]، فقال: \"والبغي وإن كان ينافي أن يكون بحق، بل لا يكون إلا بالباطل، لكن زيادة بغير الحق إشارة إلى أنهم فعلوا ذلك بغير شبهة عندهم، بل تمردا وعنادا؛ لأنهم قد يفعلون ذلك لشبهة يعتقدونها مع كونها باطلة\". فتح القدير ج ٢/ ص ٤٣٥.","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type='title' id=toc-262>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- أن مناسبة تقييد قتل النبيين بأنه كان ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ نعي هذا الأمر عليهم، وتعظيمه، وأنه ظلم بحت في نفس الأمر؛ لأن قتلهم النبيين ليس بحق في اعتقادهم الباطل، فإنهم قتلوهم وهم يعلمون ويعتقدون أنهم ظالمون (^١).\nووجه الاستنباط: أن قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ لم يخرج مخرج التقييد بل هو توكيد لتعظيم الشنعة عليهم.\nويجوز أن يخرج قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ مخرج الصفة لقتلهم (^٢) بأنه ظلم في حقهم، وهو أبلغ في الشناعة والتعظيم لذنوبهم (^٣)؛ لأن التصريح بصفة فعلهم القبيح أبلغ في ذمهم.\nفهو وصف لازم وليس بقيد، فلا مفهوم له (^٤)، إذ هو لبيان الواقع (^٥)، ولم يرد على أن قتل النبيين ينقسم إلى قتل بحق، وقتل بغير حق (^٦)، بل للتشنيع عليهم إذ قتلهم النبيين لم يكن عن سوء فهم أو فساد تأويل، وإنما هو عن خبث قصد وتصميم (^٧).\nومعلوم أن الإتيان بالباطل قد يكون حقا لأن الآتي به اعتقده حقا؛ لشبهة وقعت في قلبه، وقد يأتي به مع علمه بكونه باطلا.\nولا شك أن الثاني أقبح فقوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: أنهم قتلوهم من غير أن يكون ذلك القتل حقا في اعتقادهم وخيالهم، بل كانوا عالمين بقبحه، ومع ذلك فقد فعلوه (^٨)، ولم يدَّعو في قتلهم وجهًا، يستحقون به القتل عندهم (^٩).\nوممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي (^١٠)، والسعدي، ومحمد أبو زهرة، وابن عثيمين. (^١١).\n_________\n(^١) انظر: صفوة الآثار والمفاهيم ج ٢/ ص ١٦٤.\n(^٢) انظر: تفسير القرآن للسمعاني ج ١/ ص ٨٧، ومعالم التنزيل ج ١/ ص ٧٨، والسراج المنير ج ١/ ص ٧٣، وزهرة التفاسير ص ٢٥٣.\n(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١/ ص ٤٧٠.\n(^٤) انظر: البرهان في علوم القرآن ج ٣/ ص ١٢.\n(^٥) انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج ١/ ص ٢١٤.\n(^٦) انظر: البحر المحيط ج ١/ ص ٣٤٦.\n(^٧) انظر: صفوة الآثار والمفاهيم ج ٢/ ص ١٦٤.\n(^٨) انظر: التفسير الكبير ج ٣/ ص ٩٥.\n(^٩) انظر: الكشاف ج ١/ ١٧٤، ١٧٥، والبحر المحيط ج ١/ ص ٣٤٦.\n(^١٠) هو جمال الدين محمد بن محمد بن سعيد قاسم الحلاق، عالم مشارك في أنواع من العلوم، له مصنفات منها: تفسير \"محاسن التأويل\"، و\"إصلاح المساجد من البدع والفوائد\"، توفي سنة ثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة. انظر: الأعلام ج ٢/ ص ١٣٥، ومعجم المؤلفين ج ١/ ص ٥٠٤.\n(^١١) انظر: المحرر الوجيز ص ٩٤، والجامع لأحكام القرآن ج ١/ ص ٤٧٠، والبحر المحيط ج ١/ ص ٣٤٦، وروح المعاني ج ١/ ص ٢٧٦، ٢٧٧، وفتح البيان ج ١/ ص ١٨٤، ومحاسن التأويل ج ١/ ص ٣١٥، وتيسير الكريم الرحمن ص ٥٣، وزهرة التفاسير ص ٢٥٣، وتفسير سورة البقرة ج ١/ ص ٢١٤.","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type='title' id=toc-263>١٤ - ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص وإن لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم؛ سدا للذريعة ودفعا للوسيلة وقطعا لمادة المفسدة والتطرق إليه </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ البقرة: ١٠٤.\nقال الشوكاني -﵀-: (وجه النهي عن ذلك أن هذا اللفظ كان بلسان اليهود سبًا. قيل: إنه في لغتهم بمعنى اسمع لا سمعت. وقيل: غير ذلك.\nفلما سمعوا المسلمين يقولون للنبي -ﷺ- راعنا طلبا منه أن يراعيهم -من المراعاة- اغتنموا الفرصة وكانوا يقولون للنبي -ﷺ- كذلك مظهرين أنهم يريدون المعنى العربي، مبطنين أنهم يقصدون السب الذي هو معنى هذا اللفظ في لغتهم.\nوفي ذلك دليل على أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص وإن لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم؛ سدا للذريعة ودفعا للوسيلة وقطعا لمادة المفسدة والتطرق إليه.\nثم أمرهم الله بأن يخاطبوا النبي -ﷺ- بما لا يحتمل النقص ولا يصلح للتعريض فقال: … ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ أي: أقبل علينا، وانظر إلينا …) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-264>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص، وإن\n_________\n(^١) وهو استنباط تربوي.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ١٢٤.\n(^٣) واستنبط بعض المفسرين من الآية استنباطات أخرى، منها: …\n١) في الآية دليل على سد الذرائع. ووجهه أن الله تعالى نهى عن قول راعنا: وهو قول مباح، لكنهم منعوا منه؛ لأن فيه تشبها بالمعنى الفاسد الذي قصده اليهود حيث كانوا يقولون ذلك، وهي سب بلغتهم، فلما علم الله ذلك منهم منع من إطلاق ذلك اللفظ؛ لأنه ذريعة للسب. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١/ ص ٥٦، ٥٧، وروح البيان ج ١/ ص ٢٠٠، وتيسير الكريم الرحمن ص ٦١، والتحرير والتنوير ج ١/ ص ٦٣٤، وزهرة التفاسير ج ١/ ص ٣٤٧.\n٢) تضمن النهي عن قول: \"راعنا\" النهي عن كل ما فيه استواء مع النبي -ﷺ-. انظر: البحر المحيط ج ١/ ص ٤٨٨. ووجهه: أن لفظ راعنا مفاعلة أي: أرعنا نرعك. قال الرازي: راعنا مفاعلة من الرعي بين اثنين فكان هذا اللفظ موهما للمساواة بين المخاطبين. انظر: التفسير الكبير ج ٣/ ص ٢٠٣.\nقال الشيخ عبد الرحمن الدوسري: \"لاشك أن من يعامل أستاذه ومرشده معاملة المساواة في القول والعمل؛ يقل اهتمامه له، وتزول هيبته من نفسه حتى تقل استفادته منه، أو يكون محروما من علمه، لأن المدار في التربية الدراسية على الاحترام وحسن التأسي والقدوة، وأي شخص تراه في المعلومات مثلك أو أقل؛ فإنك لا ترتضيه إماما وقدوة، أما من رأيته فوقك في العلم والكمال؛ فإنك ترغب في إمامته وأخذ العلم عنه، وحينئذ لابد من احترامه، فكيف إذا كان المعلم سيد المرسلين -ﷺ-، ولذلك نهى الله الصحابة التكلم بلفظ (راعنا) إجلالا لمقام النبوة؛ لئلا يجرهم الأنس به والطمع بكرم أخلاقه إلى تعدي حدود الأدب الواجب معه، الذي لا تكمل التربية إلا بكماله، كما نهاهم فوق ذلك عن رفع أصواتهم فوق صوته الشريف، والجهر له بالقول كجهر بعضهم لبعض، محذرا لهم من حبوط أعمالهم، والعياذ بالله\". صفوة الآثار والمفاهيم ج ٢/ ص ٣١٦.\n٣) ينبغي لمن نهى عن شيء أن يدل الناس على بدله المباح؛ فلا ينهاهم، ويجعلهم في حيرة.\nووجه: الاقتداء بأفعال الله تعالى؛ لأن الله نهى عن لفظ (راعنا) وأمر بغيره. انظر: تفسير سورة البقرة للشيخ ابن عثيمين ج ١/ ص ٣٣٩.","vol":"1","page":160},{"text":"لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم؛ سدا للذريعة ودفعا للوسيلة وقطعا لمادة المفسدة والتطرق إليه.\nووجه الاستنباط: أن الله نهى المؤمنين عن مخاطبة النبي -ﷺ- بقولهم: راعنا مع أن معناه في لغة العرب صحيح جائز (^١)، وقد لا يكون للمتكلم به إلا القصد الحسن. لكن لما كان هذا اللفظ -أو لفظ قريب منه (^٢) - في لغة اليهود سبًا؛ نهاهم عن موافقتهم في القول؛ منعا للصحيح الموافق في الصورة لشبهه من القبيح، وعوضهم منها ما لا يتطرق إليه فساد فقال: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ فأبقى المعنى وصرف اللفظ (^٣)، فدل ذلك بدلالة النص-مفهوم الموافقة- على وجوب استعمال الألفاظ التي لا تحتمل إلا الحسن، وترك الألفاظ التي فيها احتمال لأمر غير لائق (^٤)، وإن كان استعمالها في لغة العرب جائزا، وقصد المتكلم بها خيرا.\nوهذا الاستنباط كما أنه يصح على أن وجه أن النهي عن لفظ راعنا لئلا يتوهم أنه سب (^٥) كما ذكر الشوكاني؛ فإنه يصح أيضا على الأوجه الأخرى التي لأجلها كان النهي، ولا مدخل لليهود فيها. وهي:\n_________\n(^١) قال الطبري: … ولكنه جائز أن يكون كما روي عن قتادة، أنها كانت كلمة صحيحة مفهومة من كلام العرب، وافقت كلمة من كلام اليهود بغير اللسان العربي، هي عند اليهود سب، وهي عند العرب: أرعني سمعك وفرغه؛ لتفهم عني. انظر: جامع البيان ج ٢، ص ٣٨١.\nوقال قطرب: هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز ما كانوا يقولونها إلا عند الهزء والسخرية. انظر: التفسير الكبير ج ٣/ ص ٢٠٣، والبحر المحيط ج ١/ ص ٤٨٩.\n(^٢) قيل: لليهود كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه هذه الكلمة وهي راعينا، ومعناها اسمع لا سمعت.\nوقيل: لفظ قريب منه هو \"راعينا\" أي أنت راعي غنمنا. …\nأو أنهم قصدوا بالراعن اسم فاعل من الرعونة، فيحتمل أنهم أرادوا به المصدر كقولهم: عياذا بك أي: أعوذ عياذا بك، فقولهم: راعنا أي: فعلت رعونة. ويحتمل أنهم أرادوا به صرت راعنا أي: صرت ذا رعونة. انظر: معالم التنزيل ج ١/ ص ١٠٢، والتفسير الكبير ج ٣/ ص ٢٠٣، وأنوار التنزيل ج ١/ ص ٣٧٥، وإرشاد العقل السليم ج ١/ ص ١٤١.\n(^٣) انظر محاسن التأويل ج ١/ ص ٣٦٩.\n(^٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٦١.\n(^٥) ذكر المفسرون في كتبهم للنهي أوجها لا تخرج -فيما يظهر لي والله أعلم- عن الأوجه التي ذكرها الرازي. انظر: التفسير الكبير ج ٣/ ص ٢٠٣.\nوتلك الأوجه: ثلاثة منها لليهود فيها مدخل، وهي سب بلا شك. ووجهان فيهما سب، وليس لليهود فيهما مدخل، هما:\n١) راعنا وإن كانت صحيحة المعنى، إلا أن أهل الحجاز ما كانوا يقولونها إلا عند الهزء والسخرية أو عند المفر.\n٢) لا تقولوا قولا راعنًا، أي: قولا منسوبا إلى الرعونة بمعنى راعن.\nانظر: التفسير الكبير ج ٣/ ص ٢٠٣ والبحر المحيط ج ١/ ص ٤٨٩.\nفلفظ (راعنا) على هذه الأوجه الخمسة سب، سواء أكان لليهود فيها مدخل أو لم يكن؛ لذا كان النهي عنه لفظ (راعنا) مع صحته لئلا يتوهم أنه سب.","vol":"1","page":161},{"text":"١ - النهي لأن راعنا بمعنى فاعلنا، أي: أرعنا نرعك. وفي هذا جفاء أن يخاطب به أحد نبيه، وقد حض الله تعالى على خفض الصوت عنده وتعزيره وتوقيره.\n٢ - النهي لأن راعنا من أرعنا سمعك، أي: فرغ سمعك لكلامنا. وفي المخاطبة بهذا جفاء (^١).\nفلفظ (راعنا) على هذين الوجهين من الرعاية. وهذان الوجهان وإن لم يبلغ معهما لفظ (راعنا) أن يكون سبا، لكن فيهما نوع تنقص وجفاء - وإن لم يقصده المتكلم- كره الله أن يُخَاطَب به نبيه -ﷺ-؛ لذا جاء الأمر باختيار ألفاظ لا شبهة فيها، ولا تنقص.\nومما يؤكد صحة هذا الاستنباط أن القرآن حث على استعمال أحسن اللفظين الحسنين؛ فمن باب أولى حثه على استعمال الألفاظ التي لا شبهة فيها، وطرح ما كان فيه أدنى شبهة. وهذا كله موجب لسعادة الدارين.\nقال السعدي﵀-: \"وهذا من لطفه بعباده حيث أمرهم بأحسن الأخلاق والأعمال والأقوال الموجبة للسعادة في الدنيا والآخرة؛ فقال: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] وهذا أمر بكل كلام يقرب إلى الله، من قراءة، وذكر، وعلم، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وكلام حسن لطيف مع الخلق على اختلاف مراتبهم ومنازلهم، وأنه إذا دار الأمر بين أمرين حسنين؛ فإنه يأمر بإيثار أحسنهما إن لم يمكن الجمع بينهما. والقول الحسن داع لكل خلق جميل وعمل صالح؛ فإن من ملك لسانه ملك جميع أمره\" (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط الجصاص (^٣)، والسمعاني (^٤)، وابن العربي، والقرطبي، والبروسوي، والقنوجي، والسعدي، ومحمد أبو زهرة، وابن عثيمين. (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المحرر الوجيز ص ١١٩، والتفسير الكبير ج ٣/ ص ٢٠٣، والجامع لأحكام القرآن ج ١/ ص ٥٦.\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن ص ٤٦٠.\n(^٣) واستنباطه أدق إذ لم يجوز استعمال اللفظ المحتمل للخير والشر إلا إن قيد بما يفيد الخير، ففيه زيادة على استنباط الشوكاني ومن وافقه. قال: كل لفظ احتمل الخير والشر فغير جائز إطلاقه حتى يقيد بما يفيد الخير. انظر: أحكام القرآن ج ١/ ص ٧١، ٧٢.\n(^٤) أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني، الحنفي، ثم الشافعي، مفتي خراسان، صنف في الفقه والتفسير، والحديث، والأصول، توفي سنة تسع وثمانين وأربعمائة للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء ج ١٩، ص ١١٤ - ١١٩، وطبقات المفسرين للداودي ج، ٢، ص ٣٣٩، ٣٤٠.\n(^٥) انظر: تفسير القرآن العزيز ج ١/ ص ١٢٠، وأحكام القرآن ج ١/ ص ٥٣، والجامع لأحكام القرآن ج ٢، ص ٥٦، وروح البيان ج ١/ ص ١٩٩، وفتح البيان ج ١/ ص ٢٤٣، وتيسير الكريم الرحمن ص ٦١، وزهرة التفاسير ج ١/ ص ٣٤٧، وتفسير سورة البقرة ج ١/ ص ٣٣٩.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type='title' id=toc-265>١٥ - تكلم أهل العلم والدراسة لكتب الله بما ليس عليه برهان أشد قبحا وأفظع جرما من تكلم غيرهم به </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾ البقرة: ١١٣.\nقال الشوكاني -﵀-: (وقوله: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: التوراة والإنجيل، … وفي هذا أعظم توبيخ، وأشد تقريع؛ لأن الوقوع في الدعاوى الباطلة، والتكلم بما ليس عليه برهان هو وإن كان قبيحا على الإطلاق، لكنه من أهل العلم والدراسة لكتب الله أشد قبحا، وأفظع جرما، وأعظم ذنبا) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-266>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- أن الوقوع في الدعاوى الباطلة، والتكلم بما ليس عليه برهان من أهل العلم والدراسة لكتب الله أشد قبحا، وأفظع جرما، وأعظم ذنبا.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى بيَّن أن كل طائفة من اليهود والنصارى تنفي الخير عن الأخرى، ويتضمن ذلك إثباته لنفسها، ثم ذكر الله حالهم بقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾؛ فدل بدلالة التقييد على أن الوقوع في الدعاوى الباطلة، والتكلم بما ليس عليه برهان هو وإن كان قبيحا على الإطلاق، لكنه من أهل العلم والدراسة لكتب الله أشد قبحا، وأفظع جرما، وأعظم ذنبا.\nووافقه على هذا الاستنباط: القنوجي (^٣)، وابن عثيمين حيث ذكر أن من فوائد الآية: شدة قبح قول من خالف الحق وهو يعلمه، فهذه الجملة تفيد زيادة قبح ما قالوه … ولا ريب أن الذي ينكر الحق مع العلم به أعظم قبحا من الذي ينكر الحق مع الجهل به، لأن هذا معاند مكابر بخلاف الجاهل، فالجاهل ينكر الحق للجهل به، ثم إذا تبين له الحق اتبعه إذا كان المانع له من اتباعه الجهل، لكن العالم لا عذر له (^٤).\nواستنبط غيره أن مجيء الجملة الحالية للنعي عليهم في مقالتهم تلك؛ إذ الكتاب ناطق بخلاف ما يقولونه (^٥)، ولمزيد التعجب من حالهم أن يقولوا ذلك وكل فريق منهم يتلون الكتاب، وكل كتاب يتلونه مشتمل على الحق لو اتبعه أهله حق اتباعه (^٦).\n_________\n(^١) وهو استنباط تربوي.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ١٣٠.\n(^٣) انظر: فتح البيان ج ١/ ص ٢٥٦.\n(^٤) انظر: تفسير سورة البقرة ج ١/ ص ٣٧٤، ٣٧٥.\n(^٥) انظر: البحر المحيط ج ١/ ص ٥٠٨.\n(^٦) انظر: جواهر الأفكار ص ٣١٧، والتحرير والتنوير ج ١/ ص ٦٥٨.","vol":"1","page":163},{"text":"ولا يمنع أن تكون الجملة الحالية للنعي عليهم، والتعجب من حالهم، ويستفاد منها عموما التنبيه على شدة قبح قول من خالف الحق وهو يعلمه.\nوفي هذا الاستنباط تحذير لأهل العلم في كل زمان من التكلم بما ليس عليه برهان؛ فإن عقاب العالِم أشد.\n\n<span data-type='title' id=toc-267>١٦ - ثبوت عذاب القبر </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ البقرة: ١٥٤.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ أي: لا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله هم أموات، بل هم أحياء، ولكن لا تشعرون بهذه الحياة عند مشاهدتكم لأبدانهم بعد سلب أرواحهم؛ لأنكم تحكمون عليها بالموت في ظاهر الأمر بحسب ما يبلغ إليه علمكم الذي هو بالنسبة إلى علم الله كما يأخذ الطائر في منقاره من ماء البحر، وليسوا كذلك في الواقع، بل هم أحياء في البرزخ.\nوفي الآية دليل على ثبوت عذاب القبر، ولا اعتداد بخلاف من خالف في ذلك (^٢)، فقد تواترت به الأحاديث الصحيحة، ودلت عليه الآيات القرآنية (^٣). ومثل هذه الآية قوله\n_________\n(^١) وهو استنباط عقدي.\n(^٢) كالمعتزلة الذين نفوا عذاب القبر. انظر شبههم والرد عليها في معارج القبول ج ٢/ ص ٧١٣ وما بعدها.\n(^٣) من الأدلة: قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ غافر: ٤٦.\nوقوله -ﷺ-: \"إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن قالوا نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن قال تعوذوا بالله من فتنة الدجال قالوا نعوذ بالله من فتنة الدجال\". أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، ح: ٢٨٦٧، ج ٤/ ص ٢١٩٩. وللاستزادة انظر: شرح العقيدة الطحاوية ج ١/ ص ٤٤٧، وتوحيد الألوهية ج ٤/ ص ٢٨٤، ومعارج القبول ج ٢/ ص ٧١٣.","vol":"1","page":164},{"text":"تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (^١) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-268>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- من الآية ثبوت عذاب القبر.\nووجه الاستنباط: أن الآية أثبتت الحياة للشهداء، وهي بلا شك حياة في القبور قبل البعث، إذ لو كان المقصود سيحيون؛ لم يكن بين الشهداء وبين غيرهم فرق، إذ كل أحد سيحيى، وإذا كان الله تعالى يحييهم بعد الموت ليرزقهم؛ فيجوز أن يحيي الكفار ليعذبهم، ويكون فيه دليل على عذاب القبر (^٣) بدلالة الالتزام.\nوممن قال بهذا الاستنباط: الجصاص، وإلكيا الهراسي، وابن الفرس، والقرطبي، والخازن (^٤)، والقنوجي، والسعدي. (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-269>١٧ - جواز كتمان ما ليس من الهدى والبينات </span>(^٦).\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ البقرة: ١٥٩.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي قوله: ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ دليل على أنه يجوز كتم غير ذلك، كما قال أبو هريرة -﵁-: \"حفظت عن رسول الله -ﷺ- وعاءين، أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم أخرجه البخاري (^٧) (^٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-270>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٩) -﵀- من الآية جواز كتمان ما ليس من الهدى والبينات.\n_________\n(^١) آل عمران: ١٦٩.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ١٥٩.\n(^٣) انظر: أحكام القرآن للجصاص ج ١/ ص ١١٥، والجامع لأحكام القرآن ج ٢/ ص ١٦٨، ١٦٩.\n(^٤) هو علي بن محمد، عالم بالتفسير والحديث، من فقهاء الشافعية، لقب بالخازن لأجل قيامه على خزانة الكتب بدمشق، توفي سنة ٧٤١ هـ. انظر: طبقات المفسرين للداودي ج ١/ ص ٤٢٢، ومعجم المفسرين ج ١/ ص ٣٧٩.\n(^٥) انظر: أحكام القرآن للجصاص ج ١/ ص ١١٥، وأحكام القرآن للهراسي ج ١/ ص ٢٣، وأحكام القرآن لابن الفرس ج ١/ ص ١٢٠، والجامع لأحكام القرآن ج ٢/ ص ١٦٨، ولباب التأويل ج ١/ ص ١٠٣، وفتح البيان ج ١/ ص ٣١٨، وتيسير الكريم الرحمن ص ٧٥.\n(^٦) وهو استنباط فقهي، أو استنباط تربوي لتعلقه بالأدب في العلم.\n(^٧) كتاب: العلم، باب: حفظ العلم، ح: ١٢٠، ج ١/ ص ٥٦.\n(^٨) فتح القدير ج ١/ ص ١٦١.\n(^٩) واستنبط بعض المفسرين من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) قبول خبر الواحد. ووجهه: أن هذه الآيات دلت على أن إظهار هذه الأحكام واجب، ولو لم يجب العمل بها لم يكن إظهارها واجبا، وتمام التقرير فيه قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة ١٦٠] فحكم بوقوع البيان بخبرهم. انظر: أحكام القرآن للجصاص ج ١/ ص ١٢٤، وأحكام القرآن للكيا الهراسي ج ١/ ص ٢٥، وأحكام القرآن لابن الفرس ج ١/ ص ١٢٦، والبحر المحيط ج ١/ ص ٦٥٥، وروح المعاني ج ٢/ ص ٢٨.\n٢) قال السيوطي: وقد يستدل بالآية على عدم وجوب ذلك -البيان- على النساء بناء على أنهن لا يدخلن في خطاب الرجال. الإكليل ج ١/ ص ٣٣١.\n٣) منع أخذ الأجرة على بيان العلم. ووجهه: أن الآية لما دلت على وجوب البيان؛ كان أخذ الأجرة عليه أخذا للأجرة على أداء الواجب، وغير جائز استحقاق الأجر على ما يجب عليه فعله. انظر: أحكام القرآن للجصاص ج ١/ ص ١٢٥، وأحكام القرآن للكيا الهراسي ج ١/ ص ٢٥، وأحكام القرآن لابن الفرس ج ١/ ص ١٢٦، وزاد المسير لابن الجوزي ج ١/ ص ١٦٥.\n٤) جواز لعن الكافر بعد موته. انظر: فتح البيان ج ١/ ص ٣٢٣. ووجهه: أن الله تعالى قال:؛ فدل على الأمر بلعنهم.\nواستنباطات أخرى ذكرها ابن عثيمين في تفسيره ج ٢/ ص ١٩٠ - ١٩٥.","vol":"1","page":165},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله تعالى توعد الذين يكتمون ما أنزله سبحانه من البينات والهدى؛ فدل بمفهوم المخالفة -مفهوم صفة- على أن من كتم غير ذلك فلا إثم عليه.\nقال القرطبي: (لما قال: دل على أن ما كان من غير ذلك جائز كتمه، لا سيما إن كان مع ذلك خوف؛ فإنه آكد في الكتمان) (^١).\nوالكتم، والكتمان: ترك إظهار الشيء قصدا مع مساس الحاجة إليه، وذلك قد يكون بمجرد ستره وإخفائه، وقد يكون بإزالته ووضع شيء آخر في موضعه (^٢).\nفجاءت هذه الآية محذرة من الكتمان، زاجرة للكاتمين. ونظيرُ هذه الآية قوله تعالى:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾ البقرة: ١٧٤.\nوقوله ﷾: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾ آل عمران: ١٨٧. فهذه كلُّها زواجرُ عن الكتمان (^٣).\nوالآية نزلت في علماء أهل الكتاب وكتمانهم أمر محمد -ﷺ-، ونحوه (^٤). فعلى هذا يكون معنى البينات: الآيات الواضحة الدالة على أمر النبي محمد -ﷺ-. والهدى: الآيات الهادية إلى كنه أمره، ووجوب اتباعه والايمان به (^٥).\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن ج ٢/ ص ١٨٣.\n(^٢) انظر: إرشاد العقل السليم ج ١/ ص ١٨٢.\n(^٣) انظر: اللباب في علوم الكتاب ج ٣/ ص ١٠٥.\n(^٤) قال الواحدي: نزلت في علماء أهل الكتاب وكتمانهم آية الرجم، وأمر محمد -ﷺ-. أسباب نزول القرآن ص ١٥٥. وأتم منه حديث ابن عباس -﵁- قال: سأل معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وخارجة بن زيد نفرا من أحبار يهود عن بعض ما في التوراة؛ فكتموهم إياه، وأبوا أن يخبروهم؛ فأنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾. انظر: العجاب في بيان الأسباب ص ٢٢٨ - ٢٣٠، ولباب النقول ص ٣١.\n(^٥) انظر: إرشاد العقل السليم ج ١/ ص ١٨٢.","vol":"1","page":166},{"text":"لكنها وإن كانت نازلة في أهل الكتاب وما كتموا من شأن الرسول -ﷺ- وصفاته؛ فإن حكمها عام لكل من اتصف بكتمان ما أنزل الله من البينات الدالات على الحق المظهرات له، والهدى وهو العلم الذي تحصل به الهداية إلى الصراط المستقيم، ويتبين به طريق أهل النعيم من طريق أهل الجحيم (^١). فالآية عامة لأن عموم الحكم لا يأبى خصوص السبب (^٢). وفيها وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة، والهدى النافع للقلوب، من بعد ما بينه الله تعالى لعباده في كتبه التي أنزلها على رسله (^٣).\nوقد فهم الصحابة -﵃- العموم؛ لذا قال أبو هريرة -﵁-: \"إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله؛ ما حدثت حديثا، ثم يتلو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ إلى قوله الرحيم. إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله -ﷺ- بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون\" (^٤).\nوالوعيد المذكور في الآية إنما هو لقاصد كتمان العلم. فإذا قصد العالم كتمان العلم؛ عصى، وإن لم يقصده؛ لم يلزمه التبليغ إذا عرف أنه مع غيره. وأما من سئل؛ فقد وجب عليه التبليغ؛ لهذه الآية (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-271>ويجوز الكتمان في مواطن، منها:</span>\n<span data-type='title' id=toc-272>١ - إذا خاف على نفسه</span>.\nودليله حديث أبي هريرة -﵁- المتقدم-\"حفظت عن رسول الله -ﷺ- وعاءين، أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم\". (^٦)\nقال القرطبي: (وقد ترك أبو هريرة ذلك حين خاف).\nثم قال: وهذا الذي لم يبثه أبو هريرة -﵁-، وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل إنما هو مما يتعلق بأمر الفتن، والنص على أعيان المرتدين والمنافقين ونحو هذا مما لا يتعلق بالبينات والهدى (^٧).\n_________\n(^١) انظر: تيسير الكريم الرحمن ج ١/ ص ٧٧.\n(^٢) انظر: إرشاد العقل السليم ج ١/ ص ١٨٢.\n(^٣) انظر: تفسير القرآن العظيم ج ٢/ ص ٢٦.\n(^٤) رواه البخاري في كتاب: العلم، باب: حفظ العلم، ح: ١١٨، ج ١/ ص ٥٥.\n(^٥) انظر: أحكام القرآن لابن العربي ج ١، ص ٧٣، والجامع لأحكام القرآن ج ٢/ ص ١٨٢، واللباب في علوم الكتاب ج ٣/ ص ١٠٥.\n(^٦) انظر: المحرر الوجيز ص ١٤٨.\n(^٧) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٢/ ص ١٨٣.","vol":"1","page":167},{"text":"وقال ابن حجر (^١) في شرح الحديث: وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم، وقد كان أبو هريرة -﵁- يكني عن بعضه ولا يصرح به خوفا على نفسه منهم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-273>٢ - إن رأى العالم مفسدة ظاهرة جلية تفوق مصلحة ظهور ما لديه </span>(^٣).\nقال الذهبي (^٤): (هذا دال على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تحرك فتنة في الأصول أو الفروع، أو المدح والذم، أما حديث يتعلق بحل أو حرام فلا يحل كتمانه بوجه؛ فإنه من البينات والهدى. وفي صحيح البخاري قول الإمام علي -﵁-: \"حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله\" (^٥). وكذا لو بث أبو هريرة ذلك الوعاء؛ لأوذي، بل لقتل، ولكن العالم قد يؤديه اجتهاده إلى أن ينشر الحديث الفلاني؛ إحياء للسنة فله ما نوى وله أجر، وإن غلط في اجتهاده) (^٦).\n_________\n(^١) هو أبو الفضل، أحمد بن علي الشهير بابن حجر، العسقلاني الأصل، أمير المؤمنين في الحديث، حافظ عصره، له عدد من المؤلفات، صاحب \"فتح الباري بشرح صحيح البخاري\"، توفي سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة للهجرة. انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع ج ٢، ص ٣٦ - ٤٠، وشذرات الذهب ج ٧، ص ٢٧٠ - ٢٧٣\n(^٢) انظر: فتح الباري ج ١/ ص ٢١٦.\n(^٣) ومن المصلحة: ألا يذكر للمبتدئ من العلم ما هو حظ المنتهى بل يربي بصغار العلم قبل كباره، وقد فرض العلماء مسائل مما لا يجوز الفتيا بها، وإن كانت صحيحة في نظر الفقه كما ذكر عز الدين بن عبد السلام في مسألة الدور في الطلاق؛ لما يؤدى إليه من رفع حكم الطلاق بإطلاق وهو مفسدة. …\nومنها: ترك الجواب عن سؤال العوام عن علل مسائل الفقه وحكم التشريعات، وإن كان لها علل صحيحة وحكم مستقيمة؛ ولذلك أنكرت عائشة -﵂- على من قالت: لم تقضى الحائض الصوم ولا تقضى الصلاة وقالت لها: أحروية أنت؟. وقد ضرب عمر بن الخطاب -﵁- صبيغا، وشرد به لما كان كثير السؤال عن أشياء من علوم القرآن لا يتعلق بها عمل، وربما أوقع خيالا وفتنة، وإن كان صحيحا، وتلا قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس: ٣١] فقال: هذه الفاكهة فما الأب؟ ثم قال: ما أمرنا بهذا. إلى غير ذلك مما يدل على أنه ليس كل علم يبث وينشر وإن كان حقا. انظر: الموافقات ج ٤/ ص ١٩٠.\nومنه: عدم تعليم المبتدع الجدال، والحجاج، ليجادل به أهل الحق، ولا يعلم الخصم على خصمه حجَّةً، ليقتطع بها ماله، ولا السُّلطان تأويلًا يتطرَّق به على مكاره الرَّعيَّة، ولا ينشر الرُّخص من السُّفهاء، فيجعلوا ذلك طريقًا إلى ارتكاب المحظورات، وترك الواجبات، ونحو ذلك. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٢/ ص ١٨٢، واللباب في علوم الكتاب ج ٣/ ص ١٠٥.\n(^٤) أبو عبد الله، شمس الدين، الحافظ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تركماني الأصل، جمع تاريخ الإسلام فأربى فيه على من تقدم بتحرير أخبار المحدثين خصوصا، له \"سير أعلام النبلاء\"، و\"طبقات الحفاظ\"، و\"طبقات القراء\"، و\"الميزان في نقد الرجال\"، توفي سنة ٧٤٨ هـ. انظر: الدرر الكامنة ج ٥/ ص ٦٦، والبدر الطالع ج ٢/ ص ٦٦٣.\n(^٥) رواه البخاري في كتاب: العلم، باب: من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، ح: ١٢٧، ج ١/ ص ٥٩. ولفظه: \"\"حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله\".\n(^٦) سير أعلام النبلاء ج ٢/ ص ٢٩٧، ٢٩٨.","vol":"1","page":168},{"text":"ويدخل فيما في ترك بيانه مصلحة ما يشتبه على الناس، ولا تبلغه عقولهم.\nقال ابن مسعود -﵁-: \"ما أنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة\" (^١).\nوقال الحرالي (^٢): (﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ ففي إفهامه إذن في كتم ما يخفى من العلم عن عقول لم تصل إليه) (^٣).\nونبه الشاطبي (^٤) على ذلك بقوله: (ومن هذا يعلم أنه ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره، وإن كان من علم الشريعة. ومما يفيد علما بالأحكام بل ذلك ينقسم:\nفمنه: ما هو مطلوب النشر وهو غالب علم الشريعة.\nومنه: ما لا يطلب نشره بإطلاق، أو لا يطلب نشره بالنسبة إلى حال، أو وقت، أو شخص، ومن ذلك: تعيين هذه الفرق، فإنه وإن كان حقا فقد يثير فتنة كما تبين تقريره فيكون من تلك الجهة ممنوعا بثه.\nومن ذلك: علم المتشابهات والكلام فيها فإن الله ذم من اتبعها، فإذا ذكرت وعرضت للكلام فيها فربما أدى ذلك إلى ما هو مستغنى عنه، وقد جاء فى الحديث عن علي -﵁-: \"حدثوا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله\" (^٥). إلى أن قال: (وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت في ميزانها؛ فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة؛ فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم. وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ؛ فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية) (^٦).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الحرَّالي، والقرطبي، والقنوجي. (^٧).\n_________\n(^١) رواه مسلم في باب: النهي عن الحديث بكل ما سمع، ح: ٥، ج ١/ ص ١١.\n(^٢) هو أبو الحسن، علي بن أحمد بن الحسن التجيبي، مفسر، فقيه، أصولي، من علماء المغرب، فلسفي متصوف، توفي سنة ٦٣٨ هـ. انظر: طبقات المفسرين للداودي ج ١/ ص ٣٨٦، ومعجم المفسرين ج ١/ ص ٣٥٢.\n(^٣) نقله عنه البقاعي في نظم الدرر ج ١/ ص ٢٨٨. وانظر: تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي ص ٢٩٢.\n(^٤) هو إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي، حافظ ثقة، محدث، مفسر، أصولي، من أئمة فقهاء المالكية، توفي سنة ٧٩٠ هـ. انظر: الأعلام ج ١/ ص ٧٥، ومعجم المفسرين ج ١/ ص ٢٣.\n(^٥) سبق تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٦) الموافقات ج ٤/ ص ١٨٩ - ١٩١.\n(^٧) انظر: تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي ص ٢٩٢ (ونقله البقاعي عن الحرالي في نظم الدرر ج ١/ ص ٢٨٨)، والجامع لأحكام القرآن ج ٢/ ص ١٨٣، فتح البيان ج ١/ ص ٣٢٣.","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type='title' id=toc-274>١٨ - أول ما يجب بيانه، ويحرم كتمانه هو أمر التوحيد </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا … وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ … وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا … هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ البقرة: ١٥٩ - ١٦٣.\nقال الشوكاني -﵀-: (وقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فيه الإرشاد إلى التوحيد، وقطع علائق الشرك. والإشارة إلى أن أول ما يجب بيانه ويحرم كتمانه هو أمر التوحيد) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-275>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- أن أول ما يجب بيانه، ويحرم كتمانه هو أمر التوحيد.\n_________\n(^١) وهو استنباط في الدعوة وفي العقيدة أيضا.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ١٦٢.\n(^٣) واستنبط بعض المفسرين مناسبة ختم آية ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ … وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا … هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾.\nقال الرازي: (واعلم أنه سبحانه إنما خص هذا الموضع بذكر هاتين الصفتين؛ لأن ذكر الإلهية الفردانية يفيد القهر والعلو، فعقبهما بذكر هذه المبالغة في الرحمة ترويحا للقلوب عن هيبة الإلهية، وعزة الفردانية، وإشعارا بأن رحمته سبقت غضبه وأنه ما خلق الخلق إلا للرحمة والإحسان). التفسير الكبير ج ٤/ ص ١٦٠.\nوقال غيره: (﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ كالحجة عليها؛ فإنه لما كان مولى النعم كلها أصولها، وفروعها، وما سواه إما نعمة أو منعم عليه؛ لم يستحق العبادة أحد غيره). أنوار التنزيل ج ١/ ص ٤٣٥ ومدارك التنزيل ج ١/ ص ٨٢، وروح البيان ج ١/ ص ٢٦٧، وتيسير الكريم الرحمن ص ٧٨.","vol":"1","page":170},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر توحيده ﷿ بعد أن توعد الذين يكتمون ما أنزله سبحانه من البينات والهدى. وإذا كانت البينات هي الدالات على الحق المظهرات له. والهدى هو النافع للقلوب الذي تحصل به الهداية إلى الصراط المستقيم، ويتبين به طريق أهل النعيم من طريق أهل الجحيم (^١)؛ فإن أعظم ذلك كله توحيد الله تعالى؛ فدل بدلالة الربط بين الآيات على أن أول ما يجب بيانه، ويحرم كتمانه هو أمر التوحيد.\nوممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي. (^٢).\nقال القرطبي: (لما حذر تعالى من كتمان الحق؛ بين أن أول ما يجب إظهاره، ولا يجوز كتمانه أمر التوحيد. ووصل ذلك بذكر البرهان وعلم طريق النظر، وهو الفكر في عجائب الصنع؛ ليعلم أنه لا بد له من فاعل لا يشبهه شيء) (^٣).\nوقصد بقوله: (ووصل ذلك بذكر البرهان) قوله تعالى -بعدها-: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ البقرة: ١٦٤.\n\n<span data-type='title' id=toc-276>وقد تلمس العلماء مناسبات أخرى، منها:</span>\nقول البقاعي: (ولا يبعد عندي- وإن بعد المدى- أن تكون الواو في قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ عاطفة على قوله في أوائل السورة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى … السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩] قبل قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]؛ فإن التوحيد هو المقصود بالذات، وعنه تنشأ جميع العبادات، فلما قال أولًا ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: من ٢١]؛ أتبعه في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: من ٢١] إلى آخره بوصف هو دليل استحقاقه للعبادة، فلما قام الدليل قال:\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم ج ٢/ ص ٢٦، وتيسير الكريم الرحمن ج ١/ ص ٧٧.\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٢/ ص ١٨٧، وفتح البيان ج ١/ ص ٣٢٣.\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن ج ٢/ ص ١٨٧.","vol":"1","page":171},{"text":"﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ … السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢] إعلامًا بأنه لا شريك له في العبادة كما أنه قد تبين أنه لا شريك له في الخلق، ثم أتبعه بما يليق لذلك المقام مما تقدم التنبيه عليه، ثم رجع إليه قائلًا ثانيًا:\n﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: من ٢٨] إلى آخرها، فأعاد الدليل على وجه أبين من الأول وأبسط، فلما تقرر على وجه لا مطعن فيه أمر الوحدانية والإعادة كان الأنسب ما أولاه من الآيات السابقة لما ذكر فيها من غير ذلك من المهمات، إلى أن صار إلى ذكر الكاتمين والتائبين والمصرين، وذكر ما أعد لكل من الجزاء؛ فأتبع ذلك هذه الآية عاطفًا لها على ما ذكرته على وجه أصرح مما تقدم في إثبات التوحيد؛ بيانًا لما هو الحق، وإشارة إلى أنه تعالى ليس كملوك الدنيا الذين قد يحول بينهم وبين إثابة بعض الطائعين وعقوبة بعض العاصين بعض أتباعهم، فإنه واحد لا كفؤ له بل ولا مداني فلا مانع لنفوذ أمره. ولا يستنكر تجويز هذا العطف؛ لأنه جرت عادة البلغاء أن أحدهم إذا أراد إقامة الحج على شيء لأمر يرتبه عليه أن يبدأ بدليل كاف، ثم يتبعه تقريب الثمرات المجتناة منه، ثم يعود إلى تأكيده على وجه آخر؛ لتأنس به النفوس، وتسرّ به القلوب، وربما كان الدليل طويل الذيول كثير الشعب، فيشرح كل ما يحتاج إليه من ذيوله وما يستتبعه من شعبه، فإذا استوفى ذلك، ورأى أن الخصم لم يصل غلى غاية الإذعان؛ أعاد له الدليل على وجه آخر عاطفًا له على الوجوه الأول تذكيرًا بما ليس بمستنكر ذلك في مجاري عاداتهم ومباني خطاباتهم؛ ومن تأمل مناظرات الباقلاني وأضرابه من أولي الحفظ الواسع والتبحر في العلم علم ذلك) (^١).\nواستحسن ابن بدران قول البقاعي بقوله: (وهو تدقيق بديع، واستنباط حسن).\nثم نبه إلى إشارة ألطف ذكرها الحرالي -الذي أفاد منه البقاعي-، فقال- ابن بدران-: وهنا إشارة ألطف أبداها صاحب كتاب الباب المقفل، حاصلها: أنه لما كان مضمون الكتاب دعوة الخلق إلى الحق، والتعريف بحق الحق على الخلق، وإظهار مزايا من اصطفاه الله تعالى ممن شملهم أصل الإيمان من ملائكته وأنبيائه ورسله ومن يلحق بهم من أهل ولايتهم، وإظهار شواهد ذلك منهم، وإقامة الحجة بذلك على من دونهم في إلزامهم أتباعهم، وكان الضار للخلق إنما هو الشتات؛ كان النافع لهم إنما هو الوحدة، فلما أظهر لهم تعالى مرجعهم إلى وحدة أبوة آدم ﵊ في جمع الذرية، ووحدة أبوة إبراهيم ﵊ في جمع الإسلام، ووحدة أحمدية محمد -ﷺ- في جمع الدين؛ فاتضح لهم عيب الشتات والتفرق وتحقق لهم شاهد النفع في الجمع إلى وحدات؛ كان ذلك آية على أعظم الانتفاع بالرجوع إلى وحدة الإلهية في أمر الحق، وفي إفهام ذلك وحدات ما يظن في ظاهر الوحدات الظاهرة من وحدة الروح، ووحدة النفس والعقل؛ فقال تعالى: - عطفًا على ما ظهر بناؤه من الوحدات الظاهرة وما أفاده إفهامها من الوحدات الباطنة- ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فإذا قبح الشتات مع وحدة الأب الوالد، فكيف به مع وحدة أب الدّين، فكيف به مع وحدة النبي المكمل، فكيف به مع وحدة الإله الذي هو الرحمن الرحيم (^٢).\n_________\n(^١) نظم الدرر ج ١/ ص ٢٩١، ٢٩٢.\n(^٢) نقله عنه البقاعي في نظم الدرر ج ١/ ص ٢٩٢، ٢٩٣. وانظر: تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي ص ٢٩٤ - ٢٩٨. وكلامه في هذا طويل، حيث ربط الآية بمواضع كثيرة في سورة البقرة. ولعل هذا النوع من الكلام في المناسبات هو الذي يرده الشوكاني، ويراه متكلفا.","vol":"1","page":172},{"text":"ثم ختم ابن بدران كلامه بقوله: (هذا ولما اطلع البقاعي على هذه الإشارة، وزين بها كتابه، وأطال بها، أقدم على ما ذكره سابقا من العطف، وانفتح له ذلك الباب المقفل) (^١).\nوممن تلمس مناسبة الآية لما قبلها: الآلوسي، قال: (والجملة -أي: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ - معطوفة على: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ عطف القصة على القصة. والجامع أن الأولى مسوقة لإثبات نبوته -ﷺ-، وهذه لإثبات وحدانيته تعالى) (^٢).\nوقال ابن عاشور: (والمناسبة أنه لما ذكر ما ينالهم على الشرك من اللعنة والخلود في النار بين أن الذين كفروا به وأشركوا هو إله واحد) (^٣).\nوقال الهرري: (لما كان كفر معظم الكفار المستحقين اللعنة والخلود في النار؛ لاتخاذهم آلهة مع الله؛ أخبر تعالى أن الإله واحد لا يتعدد، ولا يتجزأ، ولا مثيل له في صفاته، وحصر الإلهية فيه) (^٤).\nوما ذكروه جميعا مع ما ذكره الشوكاني جائز؛ إذ المناسبات لا تتزاحم كما أن النكات لا تتزاحم. لكن يضعف قولي الحرالي والبقاعي -والله أعلم- طول الفصل بين الآيات.\nأما ما ذكره ابن عاشور، والهرري فهو ظاهر؛ لظهور اتصال الآيتين ببعضيهما.\nوالذي يظهر - والله أعلم- أن استنباط الشوكاني قريب؛ إذ هو منسجم مع سياق الآية وسباقها. لكن مع التنبه إلى أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ خطاب عام، ولا يصح اختصاصه بالكاتمين؛ فلا يفهم من وجود المناسبة بين آيتي ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ و﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أن الخطاب في الثانية للكاتمين.\nقال الآلوسي: (وقيل: الخطاب للكاتمين -أي في قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ - وفيه انتقال عن زجرهم عما يعاملون رسولهم إلى زجرهم عن معاملتهم ربهم، حيث يكتمون وحدانيته ويقولون عزير وعيسى ابنا لله ﷿. وفيه أنه وإن حسن الانتظام إلا أن فيه خروج شأن النزول عن الآية وهو باطل) (^٥).\n_________\n(^١) جواهر الأفكار ومعادن الأسرار ص ٤١٨.\n(^٢) روح المعاني ج ٢/ ص ٢٩.\n(^٣) التحرير والتنوير ج ٢/ ص ٧٣.\n(^٤) حدائق الروح والريحان ج ٣/ ص ٧٢.\n(^٥) روح المعاني ج ٢/ ص ٢٩.","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type='title' id=toc-277>١٩ - كل ما لم يرد فيه نص أو ظاهر من الأعيان الموجودة في الأرض فأصله الحل حتى يرد دليل يقتضي تحريمه </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ البقرة: ١٦٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (… وفي هذه الآية دليل على أن كل ما لم يرد فيه نص أو ظاهر (^٢) من الأعيان الموجودة في الأرض فأصله الحل حتى يرد دليل يقتضي تحريمه.\nوأوضح دلالة على ذلك من هذه الآية قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-278>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٤) -﵀- أن كل ما لم يرد فيه نص أو ظاهر من الأعيان الموجودة في الأرض الحل حتى يرد دليل يقتضي تحريمه (^٥).\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر في مقام الامتنان أنه أباح للناس أن يأكلوا مما في الأرض، في حال كونه حلالا من الله، طيبا أي: مستطابا في نفسه، غير ضار للأبدان ولا للعقول (^٦)؛ فدل ذلك بدلالة الالتزام على أن الأصل الإباحة.\n_________\n(^١) وهو استنباط قاعدة فقهية فرعية مندرجة تحت القاعدة العامة (اليقين لا يزول بالشك).\n(^٢) النص: هو ما يفيد بنفسه من غير احتمال، أو ما لا يحتمل إلا معنى واحدا. والظاهر: هو ما يسبق إلى الفهم منه عند الإطلاق معنى مع تجويز غيره، أو ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر. انظر: روضة الناظر: ج ٢/ ص ٣١ - ٣٤، وشرح الورقات للمحلي ص ١٦٢، ١٦٣، وإرشاد الفحول ص ٤٠٢، ومذكرة في أصول الفقه ص ٢٨٧.\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ١٦٧.\n(^٤) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾. انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج ٢/ ص ٢٣٥.\n٢) مناسبة الآية لما قبلها: قبلها أنه سبحانه لما بين التوحيد ودلائله، وما للتائبين والعاصين؛ أتبع ذلك بذكر إنعامه وشمول رحمته؛ ليدل على أن الكفر لا يؤثر في قطع الأنعام. انظر: البحر المحيط ج ١/ ص ٦٧٩، وروح المعاني ج ٢/ ص ٣٨. …\n٣) تقييد حل الأكل بالطيب منه يفيد تحريم النجس، كما يفيد تحريم المحرم والخبيث، وكم في النجس من جراثيم وأضرار. ويدل تقييد إباحة الأكل بالحلال والطيب على تحريم السحت كالرشوة والربا وغيره. انظر: صفوة الآثار والمفاهيم ج ٢/ ص ٥٢٦.\n(^٥) وقد تقدم مثل هذا الاستنباط عند قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى … السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾.\n(^٦) انظر: تفسير القرآن العظيم ج ٢/ ص ٣٢، وتيسير الكريم الرحمن ص ٨٠.","vol":"1","page":174},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عرفة، والقنوجي، والسعدي، والدوسري، وابن عثيمين. (^١). وأشار ابن عاشور إلى أن في الآية ما يدل على أن الأصل في المنافع الحل، وفي المضار التحريم (^٢).\nوالقول بأن الأصل في المنافع الحل، وفي المضار التحريم لا يصادم القاعدة بل هو نوع تخصيص لها، باستثناء المضار منها (^٣).\nوقد نبه الشوكاني إلى هذا التخصيص عند استنباطه من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى … السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾، فقال: (وفيه دليل على أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل. ولا فرق بين الحيوانات وغيرها مما ينتفع به من غير ضرر) (^٤).\nوهذه الآية استدل بها أيضا القائلون بأن الأصل في الأشياء على الحظر.\nووجهه: أن الأشياء ملك لله تعالى، فلابد من إذنه فيما يتناول منها، وما عدا ما لم يأذن فيه يبقى على الحظر (^٥).\nوالقول بأن الأصل الإباحة -والله أعلم- أظهر؛ لأمور:\nالأول: أن كثيرا من أدلة الكتاب والسنة تؤيده (^٦)، بل إن بعضها يكاد يكون نصا في هذه المسألة كحديث: \"الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو ما عفا عنه\" (^٧)، وأشباهه مما لا تنهض معه أدلة القائلين بالحظر.\nالثاني: أن القول بالإباحة هو الذي يوافق مقاصد الشريعة في جانب شمول أحكامها لكل الحوادث والنوازل، فلا تخلو واقعة من حكم لله تعالى، ومتى ما استحضر الإنسان أدلة اكتمال الدين وإتمام النعمة، مع تفصيل المحرمات وحصرها من قبل الشارع؛ أدرك رجحان هذا القول بلا ريب (^٨).\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن عرفة ج ١/ ص ٢١١، وفتح البيان ج ١/ ص ٣٣٤، وتيسير الكريم الرحمن ص ٨٠، وصفوة الآثار والمفاهيم ج ٢/ ص ٥٢٦، وتفسير سورة البقرة ج ٢/ ص ٢٣٥.\n(^٢) انظر: التحرير والتنوير ج ٢/ ص ١٠١. قال الزركشي: (الأصل في المنافع الإذن، وفي المضار المنع). البحر المحيط في أصول الفقه ج ٦/ ص ١٢.\n(^٣) انظر: قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة للدكتور أحمد الضويحي ص ١٢٥.\n(^٤) فتح القدير ج ١/ ص ٦٠.\n(^٥) انظر: البحر المحيط ج ١/ ص ٦٨١، وتفسير ابن عرفة ج ١/ ص ٢١١.\n(^٦) سبق بيانها عند الآية: ٢٩ من سورة البقرة.\n(^٧) أخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب: الأطعمة، باب: أكل الجبن والسمن، رقم: ٣٣٦٧، ج ٢/ ص ١١١٧، والترمذي في سننه، كتاب: اللباس، باب: ما جاء في لبس الفراء، رقم: ١٧٢٦، ج ٤/ ص ٢٢٠، ولهذا الحديث شواهد ومتابعات من طرق أخرى يتعزز بها.\n(^٨) انظر: قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة للدكتور أحمد الضويحي ص ١٢٨.","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-279>٢٠ - قبح التقليد وذم المقلدين </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ البقرة: ١٧٠.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي هذه الآية من الذم للمقلدين، والنداء بجهلهم الفاحش، واعتقادهم الفاسد ما لا يقادر قدره. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ [المائدة: ١٠٤]. وفي ذلك دليل على قبح التقليد والمنع منه) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-280>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- من الآية قبح التقليد والمنع منه، وذم المقلدين (^٣).\nووجه الاستنباط: أن الله ذم الكفار وأنكر عليهم امتناعهم من قبول الحق، وزهدهم في الإيمان بالأنبياء؛ لأجل تقليد آبائهم في ذلك؛ فكأنه نهاهم عن التقليد، وأمرهم بالتمسك بالحجة؛ فدل بمفهوم الموافقة على ذم المقلدين، والمنع من التقليد، وإبطاله.\nأو يمكن القول بأن وجه الاستنباط: أن الله تعالى ذم الكفار في تقليد آبائهم في دينهم؛ فدل ذلك بدلالة الاعتبار بقصص السابقين على إبطال التقليد (^٤).\nقال الرازي: (إنما ذكر تعالى هذه الآية عقيب الزجر عن اتباع خطوات الشيطان؛ تنبيها على أنه لا فرق بين متابعة وساوس الشيطان وبين متابع التقليد. وفيه أقوى دليل على وجوب النظر والاستدلال، وترك التعويل على ما يقع في الخاطر من غير دليل، أو على ما يقوله الغير من غير دليل) (^٥). فوجه استنباطه لمنع التقليد من المناسبة بين هذه الآية وما قبلها.\nوممن قال بإبطال التقليد: ابن عطية، وابن الفرس، والرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، والطوفي، والسيوطي، والآلوسي، والقنوجي، وابن بدران. (^٦).\n_________\n(^١) وهو استنباط أصولي.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ١٦٧، ١٦٨.\n(^٣) واستنبط مثله من عند الآية ٢٢ من سورة البقرة: ٢٢.\n(^٤) انظر: منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص ١٧٥.\n(^٥) التفسير الكبير ج ٥/ ص ٧.\n(^٦) انظر: المحرر الوجيز ص ١٥٣، وأحكام القرآن ج ١/ ص ١٣٠، والتفسير الكبير ج ٥/ ص ٧، وأنوار التنزيل ج ١/ ص ٤٤٧، والبحر المحيط ج ١/ ص ٦٨٣، والإشارات الإلهية ج ١/ ص ٣٠٥، والإكليل ج ١/ ص ٣٣٤، وروح المعاني ج ٢/ ص ٤١، وفتح البيان ج ١/ ص ٣٧٣، وجواهر الأفكار ص ٤٤٣.","vol":"1","page":176},{"text":"وربما عني بعضهم بإبطال التقليد إبطاله في العقائد خصوصا، لأن عباراتهم غير واضحة في هذا، إلا من نص على ذلك كالطوفي بقوله: (واعلم أن هذه الآية وغيرها من الآيات الذامة للتقليد إنما دلت على امتناع التقليد في أحكام الأصول والمعتقدات، أما الفروع فلا) (^١).\nوفي حكم التقليد في العقائد والأصول خلاف (^٢)، لكن الأصح- والله أعلم- أنه يجوز ما دام الإيمان راسخا لا تردد فيه ولا شك. (^٣).\nوقد نبه الشوكاني على أن المقصود هو حصول العلم حتى يصير ثابتا بحيث لا يتردد، وأن من أمعن النظر في أحوال العوام وجد في كثير منهم الإيمان في صدره كالجبال الرواسي (^٤). فقال: (وقد كفى غالب الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها الإيمان الجملي، ولم يكلفهم رسول الله -ﷺ- وهو بين أظهرهم- بمعرفة ذلك، ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته) (^٥).\nوالتقليد في الحق عند القرطبي أصل من أصول الدين، قال: (تعلق قوم بهذه الآية في ذم التقليد لذم الله تعالى الكفار بإتباعهم لآبائهم في الباطل واقتدائهم بهم في الكفر والمعصية، وهذا في الباطل صحيح، أما التقليد في الحق فأصل من أصول الدين، وعصمة من عصم المسلمين، يلجأ إليها الجاهل المقصر عن درك النظر وأما جوازه في مسائل الفروع فصحيح) (^٦).\n_________\n(^١) الإشارات الإلهية ج ١/ ص ٣٠٥\n(^٢) فيه ثلاثة أقوال: المنع، والجواز، ووجوب التقليد وتحريم النظر والبحث فيه. راجعه في: الإحكام في أصول الأحكام ج ٤/ ص ٢١٢ وما بعدها، والبحر المحيط للزركشي ج ٦/ ص ٢٧٠ وما بعدها، والمسودة في أصول الفقه ص ٣٠٤ وما بعدها، وأعلام الموقعين ج ٤/ ص ٢١٠ وما بعدها، وإرشاد الفحول ص ٥٩٦ وما بعدها، والوجيز في أصول الفقه الإسلامي ص ٣٥٤ وما بعدها.\n(^٣) قال أبو عمرو بن الصلاح -في حديث ضمام بن ثعلبة -﵁- لما سأل النبي -ﷺ- عن خالق السماء والأرض، ثم سأله عن أركان الإسلام، ثم ولى قائلا: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن، فقال النبي -ﷺ-: \"لئن صدق ليدخلن الجنة\"-: (وفيه دلالة لصحة ما ذهب إليه أئمة العلماء من أن العوام المقلدين مؤمنين، وأنه يكتفى منهم بمجرد اعتقاد الحق جزما من غير شك وتزلزل، خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وذلك أنه -ﷺ- قرر ضماما على ما اعتمد عليه في تعريف رسالته، وصدقه، ومجرد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه ذلك، ولا قال يجب عليك معرفة النظر في معجزاتي، والاستدلال بالأدلة القطعية). نقله عنه النووي في شرحه على صحيح مسلم ج ١/ ص ١٧١.\n(^٤) انظر: إرشاد الفحول ص ٦٠٠.\n(^٥) المصدر السابق ص ٥٩٩.\n(^٦) الجامع لأحكام القرآن ج ٢/ ص ٢٠٦.","vol":"1","page":177},{"text":"ولا شك أن التقليد الذي جوزه القرطبي هو الموافق للكتاب والسنة؛ بدليل أنه جعله عصمة للمسلمين، وليس في كلام الشوكاني عن التقليد ما يخالف هذا، ولكن التقليد الذي هو عصمة يسميه الشوكاني الاتباع، فإنه فرَّق بين التقليد، والاتباع، فالتقليد الذي يقصده الشوكاني في كلامه هو ما يسميه غيره تقليدا مذموما، أما ما يسميه غيره بتقليد حسن أو جائز أو غير مذموم فإن الشوكاني يسميه الاتباع أي العمل بقول الغير مع معرفة دليله (^١).\nقال الآلوسي: (وأما إتباع الغير في الدين بعد العلم بدليل ما إنه محق؛ فإتباع في الحقيقة لما أنزل الله تعالى وليس من التقليد المذموم في شيء) (^٢).\nورأى ابن عاشور أن هذه الآية ليس لها تعلق بأمر التقليد، فقال: (وليس لهذه الآية تعلق بأحكام الاجتهاد والتقليد؛ لأنها ذم للذين أبوا أن يتبعوا ما أنزل الله، فأما التقليد فهو تقليد للمتبعين ما أنزل الله) (^٣).\nومقصود الشوكاني -﵀- التحذير والتنبيه إلى أن التقليد بغير علم للدليل قد يفضي إلى مخالفة الكتاب والسنة كما حدث في عصره، فيكون التقليد الذي استنبط الشوكاني منعه وذمه هو كتقليد الكفار في تمسكهم بما عندهم دون دليل.\n\n<span data-type='title' id=toc-281>٢١ - مناسبة ذكر الرأفة بعد ذكره سبحانه البائعين أنفسهم ابتغاء مرضاته ﷿؛ أنه أوجب عليهم ما أوجبه ليجازيهم ويثيبهم عليه فكان ذلك رأفة بهم </span>(^٤).\nقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ البقرة: ٢٠٧.\nقال الشوكاني -﵀-: (ووجه ذكر الرأفة هنا أنه أوجب عليهم ما أوجبه؛ ليجازيهم، ويثيبهم عليه، فكان ذلك رأفة بهم، ولطفا لهم) (^٥).\n_________\n(^١) راجع تعريف الاتباع، والفرق بينه وبين التقليد، وتفريق الشوكاني بينهما عند الآية ٢٢ من سورة البقرة في هذا البحث.\n(^٢) روح المعاني ج ٢/ ص ٤١.\n(^٣) التحرير والتنوير ج ٢/ ص ١٠٩.\n(^٤) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٥) فتح القدير ج ١/ ص ٢٠٩.","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type='title' id=toc-282>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- من الآية مناسبة ذكر الرأفة بعد ذكره سبحانه البائعين أنفسهم ابتغاء مرضاة الله، كالجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوه، والمناسبة أنه أوجب عليهم ما أوجبه؛ ليجازيهم، ويثيبهم عليه، فكان ذلك رأفة بهم، ولطفا لهم.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر صنفين من أصناف الناس، مذموم، وممدوح.\nفالأول: منافقون يُشهدون الله على ما في قلوبهم من محبة الرسول -ﷺ- أو الإسلام، وهم كاذبون شديدو الخصومة، يدل على ذلك أنهم يسعون في الأرض فسادا، وإذا ذُكِّروا بالله حملتهم العزة على الإثم.\nوالصنف الثاني: موفقون يشرون أنفسهم، أي: يبيعونها ابتغاء مرضاة الله، كالجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nثم ذكر الله تعالى بعد الصنف الثاني أنه رؤوف بالعباد؛ فدل ذكر الرأفة هنا بدلالة الربط بين الآية وخاتمتها على أنه أوجب عليهم ما أوجبه، ومدح المستجيبين لأوامره؛ لرأفته سبحانه تعالى بهم، فمن الرأفة أن يعرضهم للثواب، ويدلهم على طرق تحصيله، وإن كان فيه مشقة ظاهرة، لكن عواقبه إلى خير.\nورأفته سبحانه كما تكون في التخفيف على العباد في حالة ضعفهم ونقص قوتهم؛ تكون في تغليظ الفرائض في حالة شدة قوتهم (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي، وأبو السعود، البروسوي، والقنوجي. (^٢).\nوذكر ابن عاشور وجها آخر، فقال: ومناسبة هذا التذييل للجملة أن المخبر عنهم قد بذلوا أنفسهم لله، وجعلوا أنفسهم عبيده، فالله رءوف بهم كرأفة الإنسان بعبده، فإن كان (مَنْ) عامًا كما هو الظاهر في كل من بذل نفسه لله، فالمعنى: والله رءوف بهم، فعدل عن الإضمار إلى الإظهار؛ ليكون هذا التذييل بمنزلة المثل مستقلًا بنفسه وهو من لوازم التذييل، وليدل على أن سبب الرأفة بهم أنهم جعلوا أنفسهم عبادا له (^٣).\nونبه الشيخ الدوسري إلى وجه ثالث لمناسبة ذكر الرأفة هنا فقال: (وفي قوله تعالى: عدة فوائد واعتبارات:\nأحدها: أنه لا يلزم من بيع الإنسان نفسه ابتغاء مرضاة الله أن يحرم نفسه من ملذات الدنيا أو يهجرها، فهذا شيء مبتدع في الدين، مخالف لرأفة الله بعباده.\nثانيها: أن من يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله لا يتهور حتى يلقي بنفسه في التهلكة، بل عليه أن يسلك الحكمة المطلوبة بتقدير الأمور مقاديرها، وتنزيلها منازلها اللائقة بها، إذ ليس المقصود من ذلك إهانة النفس وإذلالها، وإنما المراد أن يسلك بها مسالك العزة والكرامة.\n_________\n(^١) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي ج ١١/ ص ١٥٤.\n(^٢) انظر: أنوار التنزيل ج ١/ ص ٤٩٢، وإرشاد العقل السليم ج ١/ ص ٢١٢. وروح البيان ج ١/ ص ٣٢٧، وفتح البيان ج ١/ ص ٤١٨.\n(^٣) انظر: التحرير والتنوير ج ٢/ ص ٢٥٨.","vol":"1","page":179},{"text":"ثالثها: بيع النفس ابتغاء مرضاة الله لا ينافي آية الدعاء السابقة بطلب الدنيا من الوجوه الحسنة شرعا) (^١).\nوهذه المناسبات -والله أعلم- لا تتزاحم. وكلٌ ذكر ما فتح الله به عليه من أوجه المناسبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-283>٢٢ - لا يبطل عمل من ارتد إلا إذا مات على الكفر </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ البقرة: ٢١٧.\nقال الشوكاني -﵀-: (والتقييد بقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ يفيد أن عمل من ارتد إنما يبطل إذا مات على الكفر) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-284>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- أن عمل من ارتد إنما يبطل إذا مات على الكفر.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى قيَّد إحباط عمل المرتد بالموت؛ فدل مفهوم المخالفة-مفهوم الشرط- على أن عمل من ارتد إنما يبطل إذا مات على الكفر، وأنه لو رجع إلى الإسلام لم يبطل عمله.\nوممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، وأبو حيان، وأبو السعود، والسيوطي، والقنوجي، والسعدي، والشنقيطي، وابن عثيمين. (^٤).\nوخالف آخرون: منهم ابن العربي، والآلوسي. (^٥).\nوالأول قول الشافعي، والثاني قول مالك وأبي حنيفة (^٦).\n_________\n(^١) صفوة الآثار والمفاهيم ج ٣/ ٣١٤، ٣١٥.\n(^٢) وهو استنباط عقدي وفقهي.\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ٢١٨.\n(^٤) انظر: التفسير الكبير ج ٦/ ص ٣٢، والبحر المحيط ج ٢/ ص ٢٤٢، وإرشاد العقل السليم ج ١/ ص ٢١٧، وتفسير الجلالين ص ٤٣، وفتح البيان ج ١/ ص ٤٣٧، وتيسير الكريم الرحمن ص ٩٨، وأضواء البيان ج ٢/ ص ٥٠٨، وتفسير سورة البقرة ج ٣/ ص ٦١.\n(^٥) انظر: أحكام القرآن ج ١/ ص ١٨٣، وروح المعاني ج ٢/ ص ١١٠.\n(^٦) انظر: التفسير الكبير ج ٦/ ص ٣٢، والتحرير والتنوير ج ٢/ ص ٣١٦.","vol":"1","page":180},{"text":"قال ابن العربي-مبينا دليل كل منهما-: (اختلف العلماء رحمة الله عليهم في المرتد هل يحبط عمله نفس الردة أم لا يحبط إلا على الموافاة على الكفر. فقال الشافعي: لا يحبط له عمل إلا بالموافاة كافرا. وقال مالك: يحبط بنفس الردة.\nويظهر الخلاف في المسلم إذا حج ثم ارتد، ثم أسلم، فقال مالك: يلزمه الحج؛ لأن الأول قد حبط بالردة، وقال الشافعي: لا إعادة عليه؛ لأن عمله باق.\nواستظهر عليه علماؤنا -المالكية- بقول الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (^١) [الزمر: من الآية ٦٥]، وقالوا: هو خطاب للنبي -ﷺ- والمراد به أمته؛ لأنه -ﷺ- يستحيل منه الردة شرعا.\nوقال أصحاب الشافعي: بل هو خطاب للنبي -ﷺ- على طريق التغليظ على الأمة، وبيان أن النبي -ﷺ- على شرف منزلته لو أشرك لحبط عمله فكيف أنتم؟، لكنه لا يشرك؛ لفضل مرتبته كما قال الله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ (^٢) [الأحزاب: من الآية ٣٠]؛ وذلك لشرف منزلتهن وإلا فلا يتصور إتيان فاحشة منهن؛ صيانة لصاحبهن المكرم المعظم). إلى أن قال: (وقال علماؤنا: إنما ذكر الموافاة شرطا هاهنا؛ لأنه علق عليها الخلود في النار جزاء، فمن وافى كافرا؛ خلده الله في النار بهذه الآية ومن أشرك حبط عمله بالآية الأخرى، فهما آيتان مفيدتان لمعنيين مختلفين، وحكمين متغايرين. وما خوطب به النبي -ﷺ- فهو لأمته حتى يثبت اختصاصه به، وما ورد في أزواجه -ﷺ- فإنما قيل ذلك فيهن؛ ليبين أنه لو تصور؛ لكان هتكا لحرمة الدين، وحرمة النبي -ﷺ-، ولكل هتك حرمة عقاب، وينزَّل ذلك منزلة من عصى في شهر حرام، أو في البلد الحرام، أو في المسجد الحرام، فإن العذاب يضاعف عليه بعدد ما هتك من الحرمات) (^٣).\n_________\n(^١) وتمامها: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾.\n(^٢) وتمامها: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾.\n(^٣) أحكام القرآن ج ١/ ص ١٨٣.","vol":"1","page":181},{"text":"ولكل قول دليله المعتبر، لكن ما استنبطه الشوكاني ومن قال بقوله أظهر- والله أعلم- لأمرين:\nالأول: لوجوب حمل المطلق في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ على المقيد وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ (^١).\nقال الشنقيطي: (قول الشافعي ومن وافقه في هذه المسألة أجري على الأصول؛ لوجوب حمل المطلق على المقيد ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا) (^٢).\nالثاني: لأن القول بهذا الاستنباط فيه ترغيب في الرجوع إلى الإسلام بعد الارتداد (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-285>٢٣ - لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ </span>(^٤).\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ البقرة: ٢١٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (وقوله: ﴿يَرْجُونَ﴾ معناه يطمعون، وإنما قال: يرجون بعد تلك الأوصاف المادحة التي وصفهم بها؛ لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ) (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-286>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٦) -﵀- أنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ.\n_________\n(^١) انظر: البرهان في علوم القرآن ج ٢/ ص ١٤٠، وأضواء البيان ج ٢/ ص ٥٠٨.\n(^٢) أضواء البيان ج ٢/ ص ٥٠٨.\n(^٣) انظر: إرشاد العقل السليم ج ١/ ص ٢١٧.\n(^٤) وهو استنباط في الرقائق، وفي العقيدة باعتبار الرجاء من أبواب التوحيد، وهو استنباط في علوم القرآن (مناسبة لفظ).\n(^٥) فتح القدير ج ١/ ص ٢١٨.\n(^٦) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) مناسبة ختم الآية بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾، قال الحرالي: وفي الختم بالرحمة أبدًا في خواتم الآي إشعار بأن فضل الله في الدنيا والآخرة ابتداء فضل ليس في الحقيقة جزاء العمل، فكما يرحم العبد طفلًا ابتداء؛ يرحمه كهلًا انتهاء، ويبتدئه برحمته في معاده كما ابتدأه رحمته في ابتدائه. انظر: نظم الدرر ج ١/ ص ٤٠٨.\nوقال الشيخ ابن عثيمين: قد يقول قائل: ما محل ذكر اسم الله الغفور هنا مع أن هؤلاء قاموا بأعمال صالحة؟ الجواب: أن القائم بالأعمال الصالحة قد يحصل منه شيء من التفريط، والتقصير؛ ولذلك شرع للمصلي أن يستغفر الله ثلاثا بعد السلام، وأما ذكر الرحيم فواضح مناسبته؛ لأن كل هذه الأعمال التي عملوها من آثار رحمته. تفسير سورة البقرة ج ٣/ ص ٦٤، ٦٥.\n٢) مناسبة تقديم وصف المغفرة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. انظر: روح المعاني ج ٢، ص ٢٠٥.","vol":"1","page":182},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله وصف المؤمنين بصفات عالية هي: الإيمان، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، ثم ذكر حالهم بلفظ ﴿يَرْجُونَ﴾ أي يطمعون ويترقبون رحمة الله؛ إذ رحمته تفضل منه، وهم وإن كانوا عالي الرتبة، عظيمي الزلفة إلا أنهم يطمعون في رحمة الله، غير قاطعين بذلك، علمًا منهم أن له أن يفعل ما يشاء؛ لأنه الملك الأعظم فلا كفء له، وهم غير قاطعين بموتهم محسنين، قاطعون بأنه ﷾ لو أخذهم بما يعلم من ذنوبهم عذبهم؛ فدل ذلك على أنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو أطاع أقصى طاعة. فجاءت الآية لتعليم العباد -ولو بلغوا من العبادة الغاية القصوى- أن يكونوا على الرجاء الممتزج بالخوف؛ لأمرين: أحدهما: لا يدري بما يختم له، والثاني: لئلا يتكل على عمله. (^١). والذي دل على هذا المعنى مناسبة لفظ ﴿يَرْجُونَ﴾.\nوالمعنى الذي استنبطه الشوكاني من هذه الآية دل عليه الكتاب والسنة، قال تعالى: … ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون: ٦٠]. فعن عائشة -﵂- قالت: يا رسول الله في هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ يا رسول الله هو الذي يسرق، ويزني، ويشرب الخمر، وهو يخاف الله؟ قال: لا يا بنت أبي بكر، يا بنت الصديق، ولكنه الذي يصلي، ويصوم، ويتصدق، وهو يخاف الله عز جل\" (^٢).\nوقال رسول الله -ﷺ-: \"لن ينجي أحدا منكم عمله، قال رجل: ولا إياك يا رسول الله؟ قال: ولا إياي إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، ولكن سددوا\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٣/ ص ٤٩، ونظم الدرر ج ١/ ص ٤٠٧، وقطف الأزهار ج ١/ ص ٤٥٤.\n(^٢) أخرجه أحمد برقم: ٢٥٣٠٢، ج ٦/ ص ١٥٩. واللفظ له. وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الزهد، باب: التوقي على العمل، رقم: ٤١٩٨، ج ٢/ ص ١٤٠٤، والترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: تفسير سورة المؤمنون، رقم الحديث: ٣١٧٥، ج ٥/ ص ٣٢٧، والحاكم في المستدرك برقم: ٣٤٨٦، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. انظر: ج ٢/ ص ٤٢٧.\n(^٣) أخرجه مسلم في كتاب: الجنة، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله، بل برحمة الله تعالى، رقم الحديث: ٢٨١٦، ج ٤/ ص ٢١٦٩.","vol":"1","page":183},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وأبو حيان، والبقاعي، والسيوطي، وأبو السعود. (^١).\nواستنباط الشوكاني لهذا المعنى من هذه الآية دقيق. كما استنبط معنى قريبا منه من قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران: ١٠٧] فقال: \"قوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أي: في جنته ودار كرامته، عبر عن ذلك بالرحمة إشارة إلى أن العمل لا يستقل بدخول صاحبه الجنة، بل لا بد من الرحمة\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-287>٢٤ - تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة </span>(^٣).\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ البقرة: ٢٢١.\nقال الشوكاني -﵀-: (قوله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ أي: ولرقيقة مؤمنة. وقيل: المراد بالأمة الحرة؛ لأن الناس كلهم عبيد الله وإماؤه. والأول أولى لما سيأتي (^٤)؛ لأنه الظاهر من اللفظ، ولأنه أبلغ، فإن تفضيل الأمة الرقيقة المؤمنة على الحرة المشركة؛ يستفاد منه تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة بالأولى) (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٣/ ص ٤٩، والبحر المحيط ج ٢/ ص ٢٤٤، ونظم الدرر ج ١/ ص ٤٠٧، وقطف الأزهار ج ١/ ص ٤٥٤، وإرشاد العقل السليم ج ١/ ص ٢١٨.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٣٧٠.\n(^٣) وهو استنباط في العقيدة، واستنباط في التفسير؛ لشدة تعلقه بمعنى الآية.\n(^٤) يعني سبب نزول: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ الذي أورده في جزء الرواية، قال: (وأخرج الواحدى، وابن عساكر من طريق السدي عن أبي مالك، عن ابن عباس -﵃- في قوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن رواحة -﵁-، وكانت له أمة سوداء، وأنه غضب عليها فلطمها، ثم إنه فزع، فأتى النبي -ﷺ- فأخبره خبرها، فقال النبي -ﷺ- له: ما هي يا عبد الله؟ قال: تصوم، وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال: يا عبد الله هذه مؤمنة، فقال عبد الله: فو الذي بعثك بالحق لأعتقنها، ولأتزوجنها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، وقالوا: نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين، وينكحوهم؛ رغبة في أحسابهم، فأنزل الله فيهم ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾. [انظر: أسباب النزول للواحدي ص ١٨٧، ولباب النقول ص ٤٢، ٤٣، والدر المنثور ج ١/ ص ٦١٥]. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن السدي مثله. [انظر: جامع البيان ج ٣/ ص ٧١٧، وتفسير ابن أبي حاتم ج ٢/ ص ٣٩٨، والعجاب في بيان الأسباب ص ٣٦١، وعزاه إلى ابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ج ١/ ص ٦١٥]. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ قال: بلغنا أنها كانت أمة لحذيفة، سوداء، فأعتقها، وتزوجها حذيفة [انظر: تفسير ابن أبي حاتم ج ٢/ ص ٣٩٩، والعجاب في بيان الأسباب ص ٣٦٢]). فتح القدير ج ١/ ص ٢٢٥.\n(^٥) فتح القدير ج ١/ ص ٢٢٤.","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type='title' id=toc-288>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^١) -﵀- من الآية تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة.\nووجه الاستنباط: أن في الآية تفضيل الأمة الرقيقة المؤمنة على الحرة المشركة، فيستنبط بدلالة مفهوم الموافقة - مفهوم الأولى- تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة.\nإذ الأمة هنا هي المملوكة، والمشركة الحرة؛ بقرينة المقابلة بقوله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ فالكلام وارد مورد التناهي في تفضيل أقل أفراد هذا الصنف على أتم أفراد الصنف الآخر (^٢).\nوتفضيل الأمة المؤمنة على الحرة المشركة أبلغ في الدلالة على تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة إذ فيه الدلالة على تمايز الناس وتفاوت مراتبهم اعتبارا بالإيمان، فالمؤمنة مقدمة ولو كانت أمة رقيقة؛ لأن نفع الإيمان أمر ديني يرجع إلى الآخرة الباقية، فهي خير من الحرة المشركة لأن نفع نسبها ومالها وجمالها يرجع إلى الدنيا الدنية الفانية. وإنما ترك ذكر الحرة المؤمنة إعلاما بأن خيريتها أمر مقطوع به لا كلام فيه. (^٣).\n_________\n(^١) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) قال الجصاص: وقوله تعالى ولأمة مؤمنة خير من مشركة يدل على جواز نكاح الأمة [يعني المؤمنة] مع وجود الطول إلى الحرة؛ لأن الله تعالى أمر المؤمنين بتزويج الأمة المؤمنة بدلا من الحرة المشركة التي تعجبهم ويجدون الطول إليها، وواجد الطول إلى الحرة المشركة هو واجده إلى الحرة المسلمة، إذ لا فرق بينهما في العادة في المهور، فإذا كان كذلك وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ ولا يصح الترغيب في نكاح الأمة المؤمنة وترك الحرة المشركة إلا وهو يقدر على تزويج الحرة المسلمة، فتضمنت الآية جواز نكاح الأمة مع وجود الطول إلى الحرة. ويدل من وجه آخر على ذلك وهو أن النهي عن نكاح المشركات عام في واجد الطول وغير واجده، للغني والفقير منهم، ثم عقب ذلك بقوله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ فأباح نكاحها لمن حظر عليه نكاح المشركة، فكان عموما في الغني والفقير موجبا لجواز نكاح الأمة للفريقين. أحكام القرآن ج ٢/ ص ١٩، ٢٠. ونقل مثله الرازي عن الجبائي، ثم تعقبه بقوله: وهذا استدلال لطيف في هذه المسألة. انظر: التفسير الكبير ج ٦/ ص ٥٢.\nوهذا الاستنباط رده الكيا الهراسي بقوله: وهذا غلط؛ لأنه ليس في الآية نكاح الإماء، وإنما ذلك للتنفير عن نكاح الحرة المشركة؛ لأن العرب كانوا بطباعهم نافرين عن نكاح الأمة، فقال تعالى ذلك، أي إذا نفرتم عن الأمة فالمشركة أولى. أحكام القرآن ج ١/ ص ١٣٤. ثم تعقبه السيوطي بالرد في الإكليل ج ١/ ص ٣٩٨.\n٢) جواز نكاح العبد الحرة. الإكليل ج ١/ ص ٣٩٨.\n(^٢) انظر: التحرير والتنوير ج ٢/ ص ٣٤٣.\n(^٣) انظر: نظم الدرر ج ١/ ص ٤٢٠.","vol":"1","page":185},{"text":"قال البقاعي: (وأفهم هذا خيرية الحرة والحر المؤمنين من باب الأولى، مع التشريف العظيم لهما بترك ذكرهما إعلاما بأن خيريتهما أمر مقطوع به لا كلام فيه، وأن المفاضلة إنما هي بين من كانوا يعدُّونَه دَنِيَّا فشرفه الإيمان، ومن يعدُّونَه شريفا فحقره الكفران، وكذلك ذكر الموصوف بالإيمان في الموضعين ليدل على أنه وإن كان دَنِيَّا موضع التفضيل لعلو وصفه، وأثبت الوصف بالشرك في الموضعين مقتصرًا عليه؛ لأنه موضع التحقير وإن علا في العرف موصوفه) (^١).\nوهذا الاستنباط مبني على تفسير الأمة في الآية بالرقيقة (^٢) - وهو ما رجحه الشوكاني- فيكون تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة استنباطا على هذا، أما عند من فسر الأمة بمطلق المرأة حرة كانت أو مملوكة (^٣) فقد يكون تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة تفسيرا لا استنباطا؛ لأنه معنى ظاهر من الآية.\nويظهر أن ما رجحه الشوكاني- والله أعلم- هو الأولى؛ لأمور:\nالأول: أنه مؤيد بسبب النزول إذ نزلت في عبد الله بن رواحة -﵁-، وكانت له أمة سوداء، وأنه غضب عليها فلطمها، ثم إنه فزع، فأتى النبي -ﷺ- فأخبره خبرها، فقال النبي -ﷺ- له: ما هي يا عبد الله؟ قال: تصوم، وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال: يا عبد الله هذه مؤمنة، فقال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتقنها، ولأتزوجنها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، وقالوا: نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين، وينكحوهم؛ رغبة في أحسابهم، فأنزل الله فيهم ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ (^٤).\nقال الآلوسي: (والظاهر أن المراد بالأمة ما يقابل الحرة، وسبب النزول يؤيد ذلك؛ لأن العيب على من تزوج الأمة، والترغيب في نكاح حرة مشركة، ففي الآية تفضيل الأمة المؤمنة عل المشركة مطلقا ولو حرة، ويعلم منه تفضيل الحرة عليها بالطريق الأولي).\n_________\n(^١) المصدر السابق ج ١/ ص ٤٢٠.\n(^٢) ممن فسر الأمة بالرقيقة: ابن عطية في المحرر الوجيز ص ١٩٤، وأبو حيان في البحر المحيط ج ٢/ ص ٢٦٢، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم ج ١/ ص ٢٢١، والآلوسي في روح المعاني ج ٢/ ص ١١٩، والقاسمي في محاسن التأويل ج ٢/ ص ١١٦.\n(^٣) قال الزمخشري: ولامرأة مؤمنة حرة كانت أو مملوكة، وكذلك ولعبد مؤمن. الكشاف ج ١/ ص ٢٩٢. وممن وافقه: البيضاوي في أنوار التنزيل ج ١/ ص ٥٠٧، وابن جزي في التسهيل لعلوم التنزيل ج ١/ ص ٨٠.\n(^٤) تقدم تخريجه قريبا.","vol":"1","page":186},{"text":"الثاني: تقدم في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ بيان أن المشركة دون المؤمنة، فيكون تفسير الأمة بالحرة تكرارا، والتأسيس أولى من التأكيد.\nالثالث: لم يرد في كلام العرب إطلاق الأمة على مطلق المرأة إلا مقيدا بالإضافة إلى اسم الجلالة في قولهم: يا أمة الله.\nقال ابن عاشور: ووقع في الكشاف (^١) حمل الأمة على مطلق المرأة، لأن الناس كلهم إماء الله وعبيده، وهذا باطل من جهة المعنى، ومن جهة اللفظ، أما المعنى فلأنه يصير تكرارا مع قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ إذ قد علم الناس أن المشركة دون المؤمنة، وبقيت المقصود من التنبيه على شرف أقل أفراد أحد الصنفين على أشرف أفراد الصنف الآخر. وأما من جهة اللفظ؛ فلأنه لم يرد في كلام العرب إطلاق الأمة على مطلق المرأة، ولا إطلاق العبد على الرجل إلا مقيدين بالإضافة إلى اسم الجلالة في قولهم: يا عبد الله، ويا أمة الله، وكون الناس إماء الله وعبيده إنما هو نظر للحقائق لا للاستعمال، فكيف يُخَرَّج القرآن عليه (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط: البقاعي، والآلوسي، والقنوجي، وابن عاشور. (^٣). …\n\n<span data-type='title' id=toc-289>٢٥ - في معاشرة المشركين ومصاحبتهم من الخطر العظيم ما لا يجوز للمؤمنين أن يتعرضوا له </span>(^٤).\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ البقرة: ٢٢١.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي إلى الأعمال الموجبة للنار؛ فكان في مصاهرتهم ومعاشرتهم ومصاحبتهم من الخطر العظيم ما لا يجوز للمؤمنين أن يتعرضوا له ويدخلوا فيه) (^٥).\n_________\n(^١) ج ١/ ص ٢٩٢.\n(^٢) انظر: التحرير والتنوير ج ٢/ ص ٣٤٣، ٣٤٤.\n(^٣) انظر: نظم الدرر ج ١/ ص ٤٢٠، وروح المعاني ج ٢/ ص ١١٩، وفتح البيان ج ١/ ص ٤٤٥، والتحرير والتنوير ج ٢/ ص ٣٤٣.\n(^٤) وهو استنباط فقهي.\n(^٥) فتح القدير ج ١/ ص ٢٢٤.","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type='title' id=toc-290>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- من الآية عدم جواز معاشرة المشركين ومصاحبتهم؛ لأن في ذلك من الخطر العظيم ما لا يجوز للمؤمنين أن يتعرضوا له، ويدخلوا فيه.\nووجه الاستنباط: أن الله حرم مصاهرة المشركين غير أهل الكتاب مع ما قد يكون فيه من مصالح؛ فدل ذلك بدلالة مفهوم الموافقة -الأولي- عدم جواز معاشرتهم ومصاحبتهم؛ لأن مخالطة أهل الشرك مظنة الفساد.\nقال السعدي: (ويستفاد من تعليل الآية النهي عن مخالطة كل مشرك ومبتدع؛ لأنه إذا لم يجز التزوج مع أن فيه مصالح كثيرة، فالخلطة المجردة من باب أولى، وخصوصا الخلطة التي فيها ارتفاع المشرك ونحوه على المسلم كالخدمة ونحوها) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والبقاعي، والقنوجي، والسعدي. (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-291>٢٦ - إذا لم يحصل للزوجين الظن بإقامة حدود الله فلا يجوز الدخول في النكاح لأنه مظنة لمعصية لله والوقوع فيما حرمه الله على الزوجين </span>(^٣).\nقال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ البقرة: ٢٣٠.\nقال الشوكاني -﵀-: (قوله: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ أي: حقوق الزوجية الواجبة لكل منهما على الآخر. وأما إذا لم يحصل ظن ذلك، بأن يعلما، أو أحدهما عدم الإقامة لحدود الله، أو ترددا، أو أحدهما، ولم يحصل لهما الظن؛ فلا يجوز الدخول في هذا النكاح؛ لأنه مظنة للمعصية لله، والوقوع فيما حرمه على الزوجين) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-292>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٥) -﵀- من الآية أنه لا يجوز للمرأة ومطلقها الأول-بعد طلاقها من الزوج الثاني- الرجعة إذا لم يحصل لهما الظن بإقامة حدود الله، بأن يعلما، أو أحدهما عدم الإقامة لحدود الله، أو ترددا، أو تردد أحدهما؛ فلا يجوز الدخول في هذا النكاح؛ لأنه مظنة للمعصية لله، والوقوع فيما حرمه الله على الزوجين.\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن ص ٩٩. ودلالة الآية عنده القياس.\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج/ ص، ونظم الدرر ج ١/ ص ٤٢٠، وفتح البيان ج ١/ ص ٤٤٦، وتيسير الكريم الرحمن ص ٩٩.\n(^٣) وهو استنباط فقهي.\n(^٤) فتح القدير ج ١/ ص ٢٣٩.\n(^٥) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) إطلاق المراجعة على عقد النكاح.\n٢) الاكتفاء بالظن في الأمور المستقبلة؛ لأن طلب اليقين في المستقبل من باب التكليف بما لا يطاق. وغيرهما. انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج ٣/ ص ١١٨، ١١٩.","vol":"1","page":188},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله أباح لهما الرجعة بشرط أن يظنا إقامة حدود الله التي هي أمره ونهيه في الحقوق الزوجية؛ فيستنبط بمفهوم المخالفة -مفهوم الشرط- أن من لم يحقق الشرط؛ فلا تحل له الرجعة، بل وعليهما جناح إن غلب على ظنهما ألا يقيما حدود الله.\nقال السعدي: (ومفهوم الآية الكريمة أنهما إن لم يظنا أن يقيما حدود الله بأن غلب على ظنهما أن الحال السابقة باقية، والعشرة السيئة غير زائلة، أن عليهما في ذلك جناحا؛ لأن جميع الأمور إن لم يقم فيها أمر الله ويسلك بها طاعته لم يحل الإقدام عليها) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والطوفي، وأبو حيان، والقنوجي، والسعدي، وابن عثيمين، والهرري. (^٢).\nوخالف الرازي فجوز الرجعة بدون هذا الظن، إذ لم يجعله شرطا، وجعله من باب حث الزوجين وحضهما على إقامة حدود الله، قال: كلمة إن في اللغة للشرط، والمعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط، فظاهر الآية يقتضي أنه متى لم يحصل هذا الظن لم يحصل جواز المراجعة، لكن ليس الأمر كذلك، فإن جواز المراجعة ثابت سواء حصل هذا الظن أو لم يحصل، إلا أنا نقول ليس المراد أن هذا شرط لصحة المراجعة، بل المراد منه أنه يلزمهم عند المراجعة بالنكاح الجديد رعاية حقوق الله تعالى وقصد الإقامة لحدود الله (^٣).\nوقال في موضع آخر: والمعلق بإن على الشيء لا يلزم أن يكون عدما عند عدم ذلك الشيء، ويدل عليه آيات منها … قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ والمراجعة جائزة بدون هذا الظن (^٤).\nوقول الشوكاني، ومن معه أظهر-والله أعلم- لأنه ظاهر الآية، ولأن جعل ظنهما إقامة حدود الله شرطا أبلغ في زجر النفوس المتنازعة التي استوفت مرات الطلاق كلها، حتى بانت المرأة، وحرمت على زوجها، إلا بالزواج من آخر وطلاقها منه. ففي اشتراط هذا الشرط ما يستقيم به حال الزوجين، وتستقر معه الحياة الزوجية، وبغيره لا يكون إلا إعادة الخصومات (^٥)، والرجوع إلى الحال الأولى من الاختلاف، والشقاق.\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن ص ١٠٣.\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٣/ ص ١٤٦، والإشارات الإلهية ج ١/ ص ٣٣٩، والبحر المحيط ج ٢/ ص ٣٢٣، ٣٢٤، وفتح البيان ج ٢/ ص ٢٧، وتيسير الكريم الرحمن ص ١٠٣، وتفسير سورة البقرة ج ٣/ ص ١١٩، وحدائق الروح والريحان ج ٣/ ص ٣٢٠.\n(^٣) انظر: التفسير الكبير ج ٦/ ص ٩٢.\n(^٤) انظر: المصدر السابق ج ٣١/ ص ١٣١.\n(^٥) انظر: التحرير والتنوير ج ٢/ ص ٤٠٠.","vol":"1","page":189},{"text":"قال الشيخ ابن عثيمين: لا يجوز أن يتراجع الزوجان حتى يغلب على ظنهما أن يقيما حدود الله، وجه ذلك: أنهما إن تراجعا بغير هذا الشرط صار هذا العقد عبئا، وعناء، وتعبا، وخسارة مالية،؛ لأنهما لا يضمنان أن يرجعا إلى الحال الأولى (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-293>٢٧ - مدة تمام الرضاع حولين حقيقة، لا تقريبًا </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ البقرة: ٢٣٣.\nقال الشوكاني -﵀-: (وقوله: ﴿كَامِلَيْنِ﴾ تأكيد للدلالة على أن هذا التقدير لا تقريبي) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-294>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٤) أن مدة تمام الرضاع حولين حقيقة، لا تقريبا.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى بيَّن أن مدة الرضاع حولين، ثم أعقبها بقوله: ﴿كَامِلَيْنِ﴾؛ فدل ذكره كاملين بعد الحولين -مع أن فيها مستغنى عن ذكر الكاملين- بدلالة التأكيد على أن المراد بالحولين حقيقة، لا تقريبًا. وجاء التأكيد لرفع توهم أن يكون المراد حولا وبعض الثاني؛ لأن إطلاق التثنية والجمع في الأزمان والأسنان على بعض المدلول إطلاق شائع عند العرب، فيقولون: هو ابن سنتين ويريدون سنة وبعض الثانية. (^٥). ومنه قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ [البقرة: ٢٠٣] ومعلوم أن المتعجل إنما يتعجل في يوم ونصف. (^٦).\n_________\n(^١) انظر: تفسير سورة البقرة ج ٣/ ص ١١٧.\n(^٢) وهو استنباط فقهي.\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ٢٤٤، ٢٤٥.\n(^٤) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) اعتبار العرف بين الناس؛ لقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، وهذا إذا لم يخالف الشرع، فإن خالفه رد إلى الشرع.\n٢) الرد على الجبرية بقول الله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، والجبرية يسلبون الإنسان إرادته، راجع هذين الاستنباطين وغيرهما في تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج ٣/ ص ١٤٧ وما بعدها.\n(^٥) انظر: جامع البيان ج ٤/ ص ٢٠٠، والتحرير والتنوير ج ٢/ ص ٤١٠.\n(^٦) انظر: جامع البيان ج ٤/ ص ٢٠٠.","vol":"1","page":190},{"text":"وفائدة التأكيد على الحولين في مدة الرضاع بالتحقيق لا التقريب؛ إعلام بالوقت المقيد للتحريم، وقطع لتنازع الزوجين في مدة الرضاع، فتكون هذه المدة حدا عند اختلاف الزوجين في مدة الرضاع، فمن دعا منهما إلى إكمال الحولين فذلك له (^١).\nوممن قال باستنباط الشوكاني: الطبري، والزجاج، والسمرقندي (^٢)، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، وابن جزي، وأبو حيان، والبقاعي، والسيوطي، والسعدي. (^٣).\nوذكر البغوي (^٤) وجها آخر لذكر كاملين، فقال: وذكر الكمال للتأكيد كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا … رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: من الآية ١٩٦] وقيل: إنما قال كاملين لأن العرب قد تسمي بعض الحول حولا وبعض الشهر شهرا (^٥).\nفجعل البغوي التوكيد بكاملين من باب توكيد مالا يُوهم، وأنه مثل التوكيد في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا … رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط ج ٢/ ص ٣٣٨، ونظم الدرر ج ١/ ص ٤٣٩.\n(^٢) أبو الليث، نصر بن محمد بن أحمد السمرقندي، الفقيه، له تصانيف كثيرة منها: \"بحر العلوم\"، توفي سنة ثلاث أو خمس وسبعين وثلاثمائة للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء ج ١٦، ص ٣٢٢، ٣٢٣، وطبقات المفسرين للداودي ج ٢، ص ٣٤٥.\n(^٣) انظر: جامع البيان ج ٤/ ص ٢٠٠، ومعاني القرآن وإعرابه ج ١/ ص ٣١٢، وبحر العلوم ج ١/ ص ١٧٩، والمحرر الوجيز ص ٢٠٦، والتفسير الكبير ج ٦/ ص ١٠١، والجامع لأحكام القرآن ج ٣/ ص ١٥٤، والتسهيل لعلوم التنزيل ج ١/ ص ٨٣، والبحر المحيط ج ٢/ ص ٣٣٨، ونظم الدرر ج ١/ ص ٤٣٩، وقطف الأزهار ج ١/ ص ٤٧٨، وتيسير الكريم الرحمن ص ١٠٤.\n(^٤) الإمام، العلامة، الحافظ، محيي السنة، أبو محمد، الحسين بن مسعود بن محمد، المعروف بابن الفرَّاء البغوي، الشافعي، كان إماما في التفسير، والحديث، والفقه، صاحب التصانيف كـ\"شرح السنة\"، و\"معالم التنزيل\"، وغيرهما، كان زاهدا قانعا باليسير، توفي سنة ست عشرة وخمسمائة للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء ج ١٩، ص ٤٣٩ - ٤٤٢، وطبقات المفسرين للسيوطي ص ٤٩، ٥٠، وطبقات المفسرين للداودي ج ١، ص ١٥٧ - ١٥٩.\n(^٥) انظر: معالم التنزيل ج ١/ ص ٢١١.","vol":"1","page":191},{"text":"ولكن الأظهر -والله أعلم- أن يكون التوكيد كما ذكره الشوكاني، ومن قال بقوله؛ لأن لفظ الحولين موهم، إذ يدل على تمامهما كما يدل على ما دونهما.\nأما قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ فإنه لا يوهم، فالتوكيد فيه توكيد للكلام كما يقول القائل: سمعته بأذني، ورأيته بعيني (^١)، وليس الأمر كذلك في التأكيد بكاملين.\nوالتأكيد بكاملة إنما جاء لغرض الاهتمام، فجاءت كاملة صفة مؤكدة لعشرة؛ فإن الوصف قد يكون للتأكيد إذا أفاد الموصوف معنى ذلك الوصف نحو إلهين اثنين، والتأكيد إنما يصار إليه إذا كان الحكم المؤكد مما يهتم بشأنه، والمحافظة عليه، والمؤكد ههنا رعاية هذا العدد في الصوم، أكده لبيان أن رعايته من المهمات التي لا يجوز إهمالها البتة (^٢).\nأو أن قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ دل على الأمر وإن كان مخرج الكلام مخرج الخبر، والمعنى: تلك عشرة أيام فأكملوا صومها لا تقصروا عنها؛ لأنه فرض عليكم صومها (^٣).\nبينما كاملين في مدة الرضاع هي لبيان حد الرضاع، ولا يلزم إتمام الحولين؛ بدليل قوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ وليس الإتمام حتما بل هو التمام، ويجوز الاقتصار على ما دونه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-295>٢٨ - لا تجب المتعة للمطلقة بعد التسمية وقبل الدخول </span>(^٥).\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ البقرة: ٢٣٧.\n_________\n(^١) ذكر ابن جرير الطبري هذا القول ضمن خمسة أقوال - منها: كاملة من الهدي، أو كملت لكم أجر من أقام على إحرامه، ولم يحل، ولم يتمتع تمتعكم بالعمرة إلى الحج- في معنى: كاملة ثم رجح أن يكون المعنى تلك عشرة كاملة عليكم فرضنا إكمالها؛ وذلك أنه جل ثناؤه قال فمن لم يجد الهدي فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع ثم قال تلك عشرة أيام عليكم إكمال صومها لمتعتكم بالعمرة إلى الحج فأخرج ذلك مخرج الخبر ومعناه الأمر بها. انظر: جامع البيان ج ٣/ ص ٤٣٦.\n(^٢) انظر: روح البيان ج ١/ ص ٣١٥.\n(^٣) انظر: جامع البيان ج ٣/ ص ٤٣٦.\n(^٤) انظر: فتح القدير ج ١/ ص ٢٤٥.\n(^٥) وهو استنباط فقهي.","vol":"1","page":192},{"text":"قال الشوكاني -﵀-: (قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ … الآية. فيه دليل على أن المتعة لا تجب لهذه المطلقة؛ لوقوعها في مقابلة المطلقة قبل البناء والفرض التي تستحق المتعة) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-296>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٢) أن المتعة لا تجب للمطلقة بعد التسمية وقبل الدخول.\nووجه الاستنباط: أن الله ذكر المطلقة بعد التسمية وقبل الدخول عقب المطلقة قبل الدخول وقبل التسمية وهو قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ … قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ … (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]؛ فأوجب لها نصف المفروض لها من المهر، ولم يأمر لها بالمتاع، فدل بدلالة مفهوم التقسيم أن المتعة لا تجب لها (أي: للمطلقة -قبل البناء- المفروض لها).\nقال البيضاوي: (﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ أي: فلهن، أو فالواجب نصف ما فرضتم لهن. وهو دليل على أن الجناح المنفي تبعة المهر (^٣)، وأن لا متعة مع التشطير؛ لأنه قسيمها) (^٤).\nويمكن أيضا أن يقال بعدم وجوب المتعة بدلالة عدم الذكر؛ لأن الله تعالى أوجب في حقها نصف المهر ولم يذكر المتعة، ولو كانت واجبة لذكرها، فلما لم يذكرها لم تكن واجبة.\n_________\n(^١) فتح القدير ج ١/ ص ٢٥٣.\n(^٢) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) جواز هبة المشاع-وهو الشيء المشترك بين اثنين فأكثر، فلكل واحد جزء شائع، متفرق وممتزج، في جميع أجزاء هذا الشيء، ولا يتميز إلا بالقسمة- فيما ينقسم، وما لا ينقسم؛ لأن الله أباح تمليك نصف الصداق، ولم يفرق بين العين والدين وما لا يحتمل القسمة، وغيره. انظر: الإكليل ج ١/ ص ٤٣٣.\n٢) تعيين المهر إلى الزوج، لا إلى الزوجة؛ لقوله: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ﴾. انظر هذا الاستنباط وغيره في تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج ٣/ ص ١٧٣ وما بعدها.\n(^٣) أي: لا تبعة على المطلق من مطالبة المهر إذا كانت المطلقة غير ممسوسة ولم يسم لها مهرا، إذ لو كانت ممسوسة فعليه المسمى أو مهر المثل، ولو كانت غير ممسوسة ولكن سمي لها فلها نصف المسمى. انظر: أنوار التنزيل ج ١/ ص ٥٣٣.\n(^٤) أنوار التنزيل ج ١/ ص ٥٣٤.","vol":"1","page":193},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: الجصاص، وابن العربي، البيضاوي، وابن جزي، وابن كثير، وابن عادل الحنبلي، والشربيني، وابن عاشور. (^١).\nوممن خالف في ذلك: الطبري؛ إذ رجح أن لكل مطلقة متعة بدليل عموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة: ٢٤١] فقال: والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك عندي قول من قال: لكل مطلقة متعة؛ لأن الله تعالى ذكره قال: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ فجعل الله تعالى ذكره ذلك لكل مطلقة، ولم يخصص منهن بعضا دون بعض، فليس لأحد إحالة ظاهر تنزيل عام إلى باطن خاص إلا بحجة يجب التسليم لها.\nفإن قال قائل: فإن الله - تعالى ذكره- قد خصص المطلقة قبل المسيس إذا كان مفروضا لها بقوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ إذ لم يجعل لها غير النصف الفريضة، قيل: إن الله تعالى ذكره إذا دل على وجوب شيء في بعض تنزيله؛ ففي دلالته على وجوبه في الموضع الذي دل عليه الكفاية عن تكريره حتى يدل على بطول فرضه، وقد دل بقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ على وجوب المتعة لكل مطلقة، فلا حاجة بالعباد إلى تكرير ذلك في كل آية وسورة، وليس في دلالته على أن للمطلقة قبل المسيس المفروض لها الصداق نصف ما فرض لها دلالة على بطول المتعة عنه؛ لأنه غير مستحيل في الكلام لو قيل: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم والمتعة، فلما لم يكن ذلك محالا في الكلام؛ كان معلوما أن نصف الفريضة إذا وجب لها لم يكن في وجوبه لها نفي عن حقها من المتعة (^٢).\nوذكر الشنقيطي دليلا آخر على أن لها المتعة مع نصف المهر، فقال: وقد ذكر تعالى في موضع آخر ما يدل على الأمر بالمتعة للمطلقة قبل الدخول وإن كان مفروضا لها، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩]؛ لأن ظاهر عمومها يشمل المفروض لها الصداق وغيرها (^٣).\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن ج ٢/ ص ١٤٢، وأحكام القرآن لابن العربي ج ١/ ص ٢٤٩، وأنوار التنزيل ج ١/ ص ٥٣٤، والتسهيل لعلوم التنزيل ج ١/ ص ٨٥، وتفسير القرآن العظيم ج ٢/ ص ٢١٠، واللباب في علوم الكتاب ج ٤/ ص ٢١٣، ٢١٤، والسراج المنير ج ١/ ص ١٧٨، والتحرير والتنوير ج ٢/ ص ٤٤١.\n(^٢) انظر: جامع البيان ج ٤/ ص ٣٠١، ٣٠٢.\n(^٣) انظر: أضواء البيان ج ١/ ص ١٤٤.","vol":"1","page":194},{"text":"وقول المخالفين له وجه، لكن الأظهر -والله أعلم- ما استنبطه الشوكاني ومن قال بقوله؛ لأمور:\nالأول: توجيه العموم في قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ يكون من وجهين:\nأحدهما: أن متعة المطلقة قبل الدخول وبعد التسمية نصف المهر المسمى-وكفى به متاعا- إذ المتاع هو كل ما ينتفع به.\nقال ابن عمر -﵃-: لكل مطلقة متعة إلا التي يطلقها ولم يدخل بها وقد فرض لها، كفى بالنصف متاعا (^١).\nوقال الجصاص: فإن قيل قال الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ وذلك عام في سائرهن إلا ما خصه الدليل؛ قيل له: هو كذلك إلا أن المتاع اسم لجميع ما ينتفع به قال الله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾ [عبس: ٣١، ٣٢] فالمتعة والمتاع اسم يقع على جميع ما ينتفع به، فمتى أوجبنا للمطلقات شيئا مما ينفع به من مهر أو نفقة، فقد قضينا عهدة الآية فمتعة التي لم يدخل بها نصف المهر المسمى، والتي لم يسم لها على قدر حال الرجل، وللمدخول بها تارة المسمى، وتارة المثل إذا لم يكن مسمى، وذلك كله متعة، وليس بواجب إذا أوجبنا لها ضربا من المتعة أن توجب لها سائر ضروبها لأن قوله تعالى وللمطلقات متاع إنما يقتضي أدنى ما يقع عليه الاسم (^٢).\nثانيهما: أن المطلق في قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ يحمل على المقيد في قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ … قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ … (٢٣٦)﴾.\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في متعة الطلاق، رقم: ١١٨٨، ج ٢/ ص ٥٧٣، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب: الصداق، باب المتعة، رقم: ١٤٢٦٨، ج ٧/ ص ٢٥٧. وعزاه السيوطي في الدر المنثور لابن المنذر، وعبد بن حميد انظر: ج ١/ ص ٧٤٠.\n(^٢) انظر: أحكام القرآن ج ٢/ ص ١٤١، ١٤٢. وانظر مثله في أحكام القرآن لابن العربي ج ١/ ص ٢٤٩.","vol":"1","page":195},{"text":"قال السعدي: (وقيل: إن المتعة واجبة على كل مطلقة احتجاجا بعموم هذه الآية- يعني: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ -، ولكن القاعدة أن المطلق محمول على المقيد، وتقدم أن الله فرض المتعة للمطلقة قبل الفرض والمسيس خاصة) (^١).\nالثاني: أن في ذكر نصف المهر للمطلقة قبل الدخول وبعد التسمية عقب ذكر المتعة للمطلقة قبل الدخول وقبل التسمية دليلا على اختصاص المتعة بالثانية.\nقال ابن كثير: (وهذه الآية الكريمة مما يدل على اختصاص المتعة بما دلت عليه الآية الأولى حيث إنما أوجب في هذه الآية نصف المهر المفروض إذا طلق الزوج قبل الدخول فانه لو كان ثم واجب آخر من متعة لبينها، لاسيما وقد قرنها بما قبلها من اختصاص المتعة بتلك الآية والله أعلم) (^٢).\nالثالث: إذا كانت المتعة لجبر إيحاش الطلاق؛ فنصف المهر يجبره.\nولكن الأحوط الأخذ بعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾.\nقال الشنقيطي: والأحوط الأخذ بالعموم. وقد تقرر في الأصول أن النص الدال على الأمر\nمقدم على الدال على الإباحة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-297>٢٩ - الغرفة من الماء تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش </span>(^٤).\nقال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ البقرة: ٢٤٩.\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن ص ١٠٦.\n(^٢) تفسير القرآن العظيم ج ٢/ ص ٢١٠.\n(^٣) انظر: أضواء البيان ج ١/ ص ١٤٤.\n(^٤) وهو استنباط في الرقائق، وهو أيضا استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بقصص القرآن).","vol":"1","page":196},{"text":"قال الشوكاني -﵀-: (والمراد بهذا الابتلاء اختبار طاعتهم، فمن أطاع في ذلك الماء أطاع فيما عداه، ومن عصى في هذا وغلبته نفسه فهو بالعصيان في سائر الشدائد أحرى. ورخص لهم في الغرفة؛ ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع، وليكسروا نزاع النفس في هذه الحال. وفيه أن الغرفة تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش، الدافعين أنفسهم عن الرفاهية) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-298>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني أن غرفة الماء تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش، الدافعين أنفسهم عن الرفاهية.\nووجه الاستنباط: أن الله أخبر عن طالوت ملك بني إسرائيل حين خرج في جنوده، ومن أطاعه من ملأ بني إسرائيل، أنه قال: إن الله مختبركم بنهر، فمن شرب منه فليس مني أي: فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه، ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده، أي فلا بأس عليه (^٢)؛ فرخص لهم في الغرفة؛ ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع؛ فدل ذلك على أن الغرفة تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش، الدافعين أنفسهم عن الرفاهية.\nوممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، والقرطبي، والقنوجي. (^٣).\nوفي هذا الاستنباط حث على الزهد في الدنيا، وتنبيه على أن القليل منها يكفي.\nقال القرطبي: (وبين أن الغرفة كافة ضرر العطش عند الحزمة الصابرين على شظف العيش، الذين همهم في غير الرفاهية، كما قال عروة (^٤): وأحْسُو قَرَاح الماء والماء بارد (^٥). قلت: ومن هذا المعنى قوله -ﷺ-: \"حسب المرء لقيمات يقمن صلبه\") (^٦). (^٧).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ١/ ص ٢٦٥.\n(^٢) انظر: تفسير القرآن العظيم ج ٢/ ص ٢٣٥.\n(^٣) انظر: المحرر الوجيز ص ٢٢٥، والجامع لأحكام القرآن ج ٣/ ص ٢٣٩، وفتح البيان ج ٢/ ص ٧٨.\n(^٤) هو عروة بن الورد بن زيد، من شعراء الجاهلية، وفارس من فرسانها، قال الحطيئة: كنا نأتم بشعر عروة بن الورد. انظر: الأغاني ج ٣/ ص ٧٢.\n(^٥) وصدر البيت: أُقَسِّم جسمي في جسوم كثيرة .... وأحسو قراح الماء والماء بارد. قال المرزوقي في شرحه: وقوله: أُقَسِّم: أراد قوت جسمي وطعمته، لأني أوثر به الغير على نفسي، وأجتزئ بحسو الماء القراح، وهو البحت الذي لا يخالطه شيء من اللبن وغيره، والماء بارد أي: والشتاء شات والبرد متناه. انظر: شرح ديوان الحماسة، ج ٤/ ص ١٦٥٤.\n(^٦) والحديث رواه المقدام بن معد يكرب -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، حسب الآدمي لقيمات يقمن صلبه، فإن غلبت الآدمي نفسه فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس\" رواه أحمد في مسنده ج ٤/ ص ١٣٢، وابن ماجه في السنن -واللفظ له- في كتاب: الأطعمة، باب: الاقتصاد في الأكل وكراهة الشبع، رقم: ٣٣٤٩، ج ٢/ ص ١١١١. والترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في كراهية كثرة الأكل، رقم: ٢٣٨٠، ج ٤/ ص ٥٩٠، والنسائي في السنن الكبرى رقم: ٦٧٦٨، ٦٧٧٠، ج ٤/ ص ١٧٧، ١٧٨، وابن حبان في صحيحه، رقم: ٦٧٤، ج ٢/ ص ٤٤٩، وصححه الحاكم في المستدرك، رقم: ٧٩٤٥، ج ٤/ ص ٣٦٧، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(^٧) الجامع لأحكام القرآن ج ٣/ ص ٢٣٩.","vol":"1","page":197},{"text":"وفي: (غرفة) قراءتان: فقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر: غَرفة بيده، بفتح الغين، والباقون بضمها (^١). وما كان باليد فهو غَرفة بالفتح، وما كان بإناء فهو غُرفة بالضم (^٢).\nوالغَرفة أي: مرة واحدة باليد، وهي المد، والغُرفة: ما تحمله اليد، أو المغروف (^٣).\nأو الغَرفة: ما كان بيد واحدة، والغُرفة: ما كان بيدين. أو أنهما لغتان بمعنى واحد (^٤).\nوهذا الاستنباط يستقيم على القراءتين؛ إذ هما دالتان على القلة، إلا أنه- والله أعلم- على قراءة الفتح أظهر، وذلك على توجيهها بأنها بالكف الواحد. لأن فيها مزيد قلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-299>٣٠ - يقال للماء طعام </span>(^٥).\nقال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ البقرة: ٢٤٩.\nقال الشوكاني -﵀-: (وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ يقال: طعمت الشيء، أي: ذقته، وأطعمته الماء أي أذقته. وفيه دليل على أن الماء يقال له طعام) (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-300>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٧) -﵀- من الآية أن الماء يقال له طعام.\n_________\n(^١) انظر: النشر ج ٢/ ص ٢٣٠، وإتحاف فضلاء البشر ج ١/ ص ٢٠٧، والبدور الزاهرة ج ١/ ص ١٢٣.\n(^٢) انظر: الكتاب المختار في معاني قراءات أهل الأمصار ج ١/ ص ١١١، والحجة في القراءات السبع لابن خالويه ج ١/ ص ٩٩، وحجة القراءات لابن زنجلة ج ١/ ص ١٤٠.\n(^٣) انظر: الكتاب المختار ج ١/ ص ١١١، ومفاتيح الأغاني في القراءات والمعاني للكرماني ص ١٢٠، وحجة القراءات ج ١/ ص ١٤٠.\n(^٤) انظر: الكتاب المختار ج ١/ ص ١١١، ١١٢.\n(^٥) وهو استنباط لغوي.\n(^٦) فتح القدير ج ١/ ص ٢٦٥.\n(^٧) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) في الآية دليل على القول بسد الذرائع. ووجهه: أن أدنى الذوق يدخل في لفظ الطعم، فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم. انظر: المحرر الوجيز ص ٢٢٥، والجامع لأحكام القرآن ج ٣/ ص ٢٤٠. وإنما يستقيم هذا الاستنباط على تفسير يطعمه بمعنى يذقه، ولا يستقيم على تفسيره بيشربه كما هو تفسير البغوي في معالم التنزيل ج ١/ ص ٢٣١.\n٢) الرد على الجبرية؛ لقوله: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ﴾، وقوله: ﴿اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ حيث أضاف الفعل إليهم.\n٣) ينبغي للقائد أن يتفقد الجند؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ أي مشى بهم، وتدبر أحوالهم، ورتبهم. انظر هذين الاستنباطين وغيرهما من الاستنباطات النافعة في تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج ٣/ ٢٢٢ - ٢٢٨.","vol":"1","page":198},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ فجعله مطعوما؛ فدل ذلك بدلالة تسمية القرآن له مطعوما على أن الماء يقال له طعام.\nوقد أكد الشوكاني هذا المعنى المستنبط عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: من الآية ٩٣]؛ فقال: (أي: من المطاعم التي يشتهونها، والطعم وإن كان استعماله في الأكل أكثر، لكنه يجوز استعماله في الشرب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: ابن العربي، والقرطبي، وأبو حيان، والسيوطي، والقنوجي. (^٢). وأشار إليه القصاب (^٣).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٢/ ص ٧٤.\n(^٢) انظر: أحكام القرآن ج ١/ ص ٢٦٣، والجامع لأحكام القرآن ج ٣/ ص ٢٤٠، والبحر المحيط ج ٢/ ص ٤٢٢، والإكليل ج ١/ ص ٤٣٩، وفتح البيان ج ٢/ ص ٧٨.\n(^٣) عند قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣] فقال: (﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ دليل على أن من حلف أن لا يطعم شيئا لوقت، فشرب شرابا أنه يحنث؛ لأن الآية نزلت في الذين ماتوا وهم يشربون الخمر قبل تحريمها، ويؤيده قوله سبحانه -في سورة البقرة إخبارا عن طالوت-: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾). نكت القرآن ج ١/ ص ٣١٩.","vol":"1","page":199},{"text":"ومما ينبني على هذا الاستنباط قول من قال: إن في الماء الربا؛ لأنه إن كان طعاما؛ كان قوتا لبقائه واقتيات البدن به؛ فوجب أن يجري فيه الربا. وهو الصحيح من المذهب المالكي كما قال ابن العربي (^١)، وهو أحد الوجهين عند الشافعية (^٢).\nقال ابن العربي: ولمَ لا يجري فيه الربا وهو أجل الأقوات؟ وإنما هان؛ لعموم وجوده، وإنما عمم الله تعالى وجوده بفضله؛ لعظيم الحاجة إليه، ومن شرفه على سائر الأطعمة أنه مهيأ مخلوق على صفة لا صنعة لأحد فيها لا أولا ولا آخرا (^٣).\nوخالف ابن الفرس بقوله: ولا حجة في الآية؛ لأن الطعام فيها بمعنى الذوق، وإثبات الطعم له، أو نفيه عنه لا يثبت له أنه طعام (^٤).\nوكلا القولين معتبر له دليله. واستنباط الشوكاني بأن الماء طعام صحيح، ويؤيده دليلان:\nأولهما: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣]؛ فإن الآية نزلت في الذين ماتوا وهم يشربون الخمر قبل تحريمها (^٥)؛ فدل على أن الطعام يشمل الأكل والشرب معا.\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي ج ١/ ص ٢٦٣.\n(^٢) في المجموع شرح المهذب: وأما الماء إذا قلنا بالمذهب: أنه مملوك يصح بيعه، فهل يحرم فيه الربا؟ فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما، أصحهما: يحرم. هكذا صححه إمام الحرمين، والرافعي، والجمهور، وهو الصواب، ولا يغتر بتصحيح صاحب الانتصار الإباحة، فإنه شاذ ضعيف. فإن قيل: لو كان مطعوما لم يجز الاستنجاء به، قلنا: ثبتت الأحاديث في جواز الاستنجاء به؛ فصار مستثنى. انظر: ج ٩/ ص ٣٨٣.\n(^٣) انظر: أحكام القرآن ج ١/ ص ٢٦٣.\n(^٤) انظر: أحكام القرآن ج ١/ ص ٣٨٢.\n(^٥) انظر: أسباب نزول القرآن للواحدي ص ٣٦١. وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: \"كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة؛ فنزل تحريم الخمر، فأمر مناديا فنادى، فقال أبو طلحة: أخرج فانظر ما هذا الصوت، قال: فخرجت فقلت: هذا منادي ينادي ألا إن الخمر قد حرمت، فقال لي: اذهب فأهرقها، قال: فجرت في سكك المدينة، قال: وكانت خمرهم يومئذ الفضيخ، فقال بعض القوم: قتل قوم وهي في بطونهم، قال: فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ \". أخرجه البخاري في كتاب: المظالم، باب: صب الخمر في الطريق، رقم: ٢٣٣٢، ج ٢/ ص ٨٦٩، وفي كتاب: التفسير، باب: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾، رقم: ٤٣٤٤، ج ٤/ ص ١٦٨٨. وأخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: تحريم الخمر، وبيان أنها تكون من عصير العنب ومن التمر والبسر والزبيب وغيرها مما يسكر، رقم: ١٩٨٠، ج ٣/ ص ١٥٧٠.","vol":"1","page":200},{"text":"قال القصاب: (﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ دليل على أن من حلف أن لا يطعم شيئا لوقت، فشرب شرابا أنه يحنث؛ لأن الآية نزلت في الذين ماتوا وهم يشربون الخمر قبل تحريمها) (^١).\nوثانيهما: حديث ابن عمر -﵃-: أن رسول الله -ﷺ- قال: \"لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته، فتكسر خزانته، فينتقل طعامه؟ إنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه\" (^٢).\nفسمى النبي -ﷺ- اللبن طعاما وهو مشروب، فكذلك الماء (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-301>٣١ - محاجة الذي حاج إبراهيم -﵇- كفر </span>(^٤).\nقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ البقرة: ٢٥٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (وقال سبحانه: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾، ولم يقل: فبهت الذي حاج؛ إشعار بأن تلك المحاجة كفر) (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-302>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٦) -﵀- أن محاجة الذي حاج إبراهيم -﵇- كانت كفرا.\n_________\n(^١) نكت القرآن ج ١/ ص ٣١٩.\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب: اللقطة، باب: تحريم حلب الماشية بغير إذن مالكها، رقم: ١٧٢٦، ج ٣/ ص ١٣٥٢.\n(^٣) انظر: المغني ج ١٠/ ص ٥٢.\n(^٤) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بقصص الأنبياء)، ويجوز أن يكون استنباطا عقديا.\n(^٥) فتح القدير ج ١/ ص ٢٧٨.\n(^٦) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) جواز تسمية الكافر ملكا إذا آتاه الله الملك والعز والرفعة في الدنيا. انظر: أحكام القرآن للكيا ج ١/ ص ٢٢٥، والجامع لأحكام القرآن ج ٣/ ص ٢٧٣.\n٢) الآية أصل في علم الجدل والمناظرة. انظر: أحكام القرآن للكيا ج ١/ ص ٢٢٥، والجامع لأحكام القرآن ج ٣/ ص ٢٧٣، والإشارات الإلهية ج ١/ ص ٣٥٨، والإكليل ج ١/ ص ٤٤٠، والتحرير والتنوير ج ٢/ ص ٥٠٧.\n٣) الرد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان حر: يهتدي بنفسه، ويضل بنفسه. ووجه الاستنباط أن الله قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ فنسب الهداية إليه. انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج ٣/ ص ٢٨٥. …\n٤) من أخذ بالعدل كان حريا بالهداية. ووجه الاستنباط: مفهوم المخالفة في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾؛ فإذا كان الظالم لا يهديه الله؛ فصاحب العدل حري بالهداية. انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج ٣/ ص ٢٨٦. وانظر غيرها من الاستنباطات النافعة للشيخ في تفسيره ص ٢٨١ - ٢٨٦.","vol":"1","page":201},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال عن - ملك بابل (^١) - الذي حاج إبراهيم -﵇-: … ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ - يعني: انقطع، وبطلت حجته (^٢) -، ولم يقل: فبهت الذي حاج؛ فدل إيراد الكفر في حيز الصلة، وإظهار ذلك في موضع الإضمار على كون المحاجة كفرا (^٣).\nوممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، البروسوي، والآلوسي، والقنوجي، وابن عثيمين، والهرري. (^٤).\nوفائدة هذا الاستنباط: التنبيه على أن المحاجة بالباطل كفر. ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [الكهف: من الآية ٥٦]. فالذين كفروا هم الذين يحاجون بحجج باطلة. فالآية وإن كانت أصلا في جواز المجادلة، والمناظرة (^٥)، لكن التنبه لهذا المعنى المستنبط مهم للتفريق بين ما يجوز وما لا يجوز من الجدل.\n_________\n(^١) هو النُمْرُود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح. ويقال: نمرود بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. والأول قول مجاهد وغيره. انظر: جامع البيان ج ٤/ ص ٥٦٨ - ٥٧٠، وتفسير القرآن العظيم ج ٢/ ص ٢٥٤. وفي نمرود وجهان: بالمهملة، كما في تاريخ الأمم والملوك ج ١/ ص ١٧٢، والبداية والنهاية ج ١/ ص ٣٤٢. وبالمعجمة كما في لسان العرب ج ٣/ ص ٥١٦.\n(^٢) انظر تفسيرها في جامع البيان ج ٤/ ص ٥٧٠، والمحرر الوجيز ص ٢٣٤.\n(^٣) انظر: إرشاد العقل السليم ج ١/ ص ٢٥٢، وروح المعاني ج ٣/ ص ١٩، وتفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج ٣/ ص ٢٨٥.\n(^٤) انظر: إرشاد العقل السليم ج ١/ ص ٢٥٢، وروح البيان ج ١/ ص ٤١٦، وروح المعاني ج ٣/ ص ١٩، وفتح البيان ج ٢/ ص ١٠٣، وتفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج ٣/ ص ٢٨٥، وحدائق الروح والريحان ج ٤/ ص ٣٨.\n(^٥) قال القرطبي: (وتدل على إثبات المناظرة، والمجادلة، وإقامة الحجة. وفي القرآن والسنة من هذا كثير لمن تأمله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة: من الآية ١١١]، ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يونس: من الآية ٦٨] أي: من حجة. وقد وصف خصومة إبراهيم -﵇- قومه، ورده عليهم في عبادة الأوثان كما في سورة الأنبياء وغيرها، وقال في قصة -﵇-: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: من الآية ٣٢] الآيات إلى قوله: ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾ [هود: من الآية ٣٥] وكذلك مجادلة موسى -﵇- مع فرعون إلى غير ذلك من الآي، فهو كله تعليم من الله ﷿ السؤال والجواب والمجادلة في الدين؛ لأنه لا يظهر الفرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل، وجادل رسول الله -ﷺ- أهل الكتاب وباهلهم بعد الحجة على ما يأتي بيانه في آل عمران، وتحاج آدم -﵇- وموسى -﵇- فغلبه آدم -﵇- بالحجة، وتجادل أصحاب رسول الله -ﷺ- يوم السقيفة، وتدافعوا، وتقرروا، وتناظروا حتى صدر الحق في أهله، وتناظروا بعد مبايعة أبي بكر -﵁- في أهل الردة، إلى غير ذلك مما يكثر إيراده. وفي قول الله ﷿: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: من الآية ٦٦] دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح شائع لمن تدبر). الجامع لأحكام القرآن ج ٣/ ص ٢٧٣.\nوقال ابن عاشور: والآية دليل على جواز المجادلة والمناظرة في إثبات العقائد، وأما ما نهي عنه من الجدل فهو جدال المكابرة والتعصب وترويج الباطل. انظر: التحرير والتنوير ج ٢/ ص ٥٠٧.","vol":"1","page":202},{"text":"ومما ينبني على هذا الاستنباط إثبات أن من جحد الله فهو كافر، فإيراد الكفر في حيز الصلة للإشعار بعلة الحكم (^١)؛ لأجل أن نقول: كل من جادل كما جادل هذا الرجل فهو كافر (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-303>٣٢ - فساد قول من قال: إن الصرع لا يكون من جهة الجن، وإن الشيطان لا يسلك في الإنسان، ولا يكون منه مس </span>(^٣).\nقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ البقرة: ٢٧٥.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي الآية دليل على فساد قول من قال: إن الصرع لا يكون من جهة الجن، وزعم أنه من فعل الطبائع، وقال: إن الآية خارجة على ما كانت العرب تزعمه من أن الشيطان يصرع الإنسان، وليس بصحيح، وإن الشيطان لا يسلك في الإنسان، ولا يكون منه مس. وقد استعاذ النبي -ﷺ- من أن يتخبطه الشيطان كما أخرجه النسائي وغيره (^٤) (^٥).\n_________\n(^١) انظر: إرشاد العقل السليم ج ١/ ص ٢٥٢، وروح البيان ج ١/ ص ٤١٦، وروح المعاني ج ٣/ ص ١٩.\n(^٢) انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج ٣/ ص ٢٨٥.\n(^٣) وهو استنباط فائدة علمية.\n(^٤) يقصد حديث أبي اليسر كعب بن عمرو السَّلمي -﵁-، قال: \"كان رسول الله -ﷺ- يقول: \"اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم، والغرق والحريق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرًا، وأعوذ بك أن أموت لديغًا\". أخرجه النسائي في سننه، كتاب: الاستعاذة، باب: الاستعاذة من التردي والهدم، رقم الحديث: ٥٥٣١، ج ٨/ ص ٢٨٢، وأبو داود في سننه، كتاب: الصلاة، باب في الاستعاذة، رقم الحديث: ١٥٥٢، ج ٢/ ص ٩٢، وأحمد ج ٣/ ص ٤٢٧، والطبراني رقم الحديث: ٣٨١، ج ١٩/ ص ١٧٠، والحاكم في المستدرك، كتاب: الدعاء والتهليل والتسبيح والذكر، رقم الحديث: ١٩٤٨، ج ١/ ص ٧١٣، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(^٥) فتح القدير ج ١/ ص ٢٩٥.","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type='title' id=toc-304>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^١) -﵀- من الآية أن الشيطان يسلك في الإنسان، وأن الصرع يكون من جهة الجن، وأن في الآية ما يرد قول من قال بخلاف ذلك كالمعتزلة (^٢) الذين أنكروا قدرة الشيطان على أن يمس الإنسان ويصرعه (^٣).\nووجه الاستنباط: أن الله -جل ثناؤه- أخبر أن الذين يربون الربا في الدنيا، لا يقومون في الآخرة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس. يعني بذلك: يتخبله الشيطان في الدنيا، وهو الذي يتخنقه فيصرعه ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ يعني: من الجنون (^٤)؛ فدل ذلك بدلالة التضمن على أن الشيطان يسلك في الإنسان فيصرعه، والصرع يكون من جهة الجن.\n_________\n(^١) واستنبط غيره مناسبة هذه الآية لما قبلها، فقالوا: وجه مناسبتها لما قبلها التضاد بين الصدقة والربا، فهذه الآية تقدمها حديث الصدقة، والصدقة نقص من المال، والربا زيادة فيه، فالنفوس تحبه وتكره الصدقة؛ فجاءت الآية ردّا عليهم، وإشعارا بأن ذلك النقص زيادة، وتلك الزيادة نقص. انظر: التفسير الكبير ج ٧/ ص ٧٤، ٧٥، والبحر المحيط ج ٢/ ص ٥٣٤، وتفسير ابن عرفة ج ١/ ص ٣٥٤.\nويجوز أن تكون المناسبة أن ما قبلها وارد في تفضيل الإنفاق والصدقة في سبيل الله، وأنه يكون من طيب ما كسب، ولا يكون من الخبيث، فذكر نوع عليهم في الجاهلية، وهو خبيث، وهو الربا، حتى يمتنع من الصدقة بما كان من ربا. انظر: البحر المحيط ج ٢/ ص ٥٣٤.\n(^٢) المعتزلة فرقة نشأت في أواخر العصر الأموي، تعتمد على العقل المجرد في فهم العقيدة، حرروا مذهبهم في خمسة أصول: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. من عقائدهم الباطلة: استحالة رؤية الله، والقول بأن القرآن مخلوق، وأن الناس هم الذين يقدرون أكسابهم، وأنه ليس لله ﷿ في أكسابهم، ولا في أعمار سائر الحيوانات صنع ولا تقدير؛ ولأجل هذا القول سماهم المسلمون قدرية. انظر: الفرْق بين الفِرَق ص ٩٤ ومابعدها، والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ج ١/ ص ٦٤ - ٧٥.\n(^٣) قال الجبائي المعتزلي: الناس يقولون المصروع إنما حدثت به تلك الحالة لأن الشيطان يمسه ويصرعه، وهذا باطل؛ لأن الشيطان ضعيف لا يقدر على صرع الناس وقتلهم. نقله الرازي في التفسير الكبير ج ٧/ ص ٧٨.\nوقال القاضي عبد الجبار: إن مس الشيطان إنما هو بالوسوسة، ولو كان يقدر على الخبط لصرف همته إلى العلماء والزهاد وأهل العقول. انظر: تنزيه القرآن عن المطاعن ص ٥٤.\n(^٤) انظر: جامع البيان ج ٥/ ص ٣٨، ٣٩.","vol":"1","page":204},{"text":"وقد جاءت السنة بإثبات ذلك، ومن ذلك الحديث الذي استدل به الشوكاني: \"كان رسول الله -ﷺ- يقول: \"اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم، والغرق والحريق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرًا، وأعوذ بك أن أموت لديغًا\" (^١).\nفقوله -ﷺ-: \"أن يتخبطني\" فيه دلالة واضحة على المس الحقيقي.\nوكذلك التخبط المذكور في الآية هو مس حقيقي، قال ابن عاشور: (وإنما احتيج إلى زيادة قوله: ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ ليظهر المراد من تخبط الشيطان، فلا يُظن أنه تخبط مجازي بمعنى الوسوسة).\nومن أدلة السنة أيضا: قول النبي -ﷺ-: \"إن الشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم\" (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي، والقاسمي، وابن عاشور، وأبو زهرة، وابن عثيمين، والهرري. (^٣).\nوخالف الزمخشري، قال: (وتخبط الشيطان من زعمات العرب يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع) (^٤).\nوممن تبعه على هذا من المفسرين: البيضاوي، والشربيني، وأبو السعود، والمراغي. (^٥).\nواستدل المخالفون لما ذهبوا إليه بأن الشيطان ضعيف لا يقدر على صرع الناس وقتلهم، وقالوا: يدل عليه وجوه:\nأحدها: قوله تعالى: - حكاية عن الشيطان-: ﴿وَمَا كَانَ … لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: من الآية ٢٢] وهذا صريح في أنه ليس للشيطان قدرة على الصرع والقتل والإيذاء.\nوالثاني: الشيطان إما أن يقال: إنه كثيف الجسم، أو يقال: إنه من الأجسام اللطيفة، فإن كان الأول؛ وجب أن يرى ويشاهد، إذ لو جاز فيه أن يكون كثيفا ويحضر، ثم لا يرى؛ لجاز أن يكون بحضرتنا شموس ورعود وبروق وجبال، ونحن لا نراها، ولأنه لو كان جسما كثيفا فكيف يمكنه أن يدخل في باطن بدن الإنسان. وأما إن كان جسما لطيفا كالهواء فمثل هذا يمتنع أن يكون فيه صلابة وقوة، فيمتنع أن يكون قادرا على أن يصرع الإنسان ويقتله.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب: الاعتكاف، باب: زيارة المرأة زوجها في اعتكافه، رقم الحديث: ١٩٣٣، ج ٢/ ص ٧١٧، ومسلم في كتاب: السلام، باب: بيان أنه يستحب لمن رؤي خاليا بامرأة وكانت زوجة أو محرما له أن يقول: هذه فلانة؛ ليرفع ظن السوء به، رقم الحديث: ٢١٧٤، ج ٤/ ص ١٧١٢.\n(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٣/ ص ٣٣٧، وفتح البيان ج ٢/ ص ١٣٩، ومحاسن التأويل ج ٢/ ص ٢٢٠، والتحرير والتنوير ج ٢/ ٥٥٠، وزهرة التفاسير ج ٢/ ١٠٤٢، وتفسير سورة البقرة ج ٣/ ص ٣٧٦، وحدائق الروح والريحان ج ٤/ ص ١٠٣.\n(^٤) الكشاف ج ١/ ص ٣٤٧.\n(^٥) انظر: أنوار التنزيل ج ١/ ص ٥٧٤، والسراج المنير ج ١/ ص ٢١٢، وإرشاد العقل السليم ج ١/ ص ٢٦٦ وتفسير المراغي ج ٣/ ٥٩، ٦٠.","vol":"1","page":205},{"text":"الثالث: لو كان الشيطان يقدر على أن يصرع ويقتل؛ لصح أن يفعل مثل معجزات الأنبياء -﵇-، وذلك يجر إلى الطعن في النبوة.\nالرابع: أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يصرع جميع المؤمنين؟ ولم لا يخبطهم مع شدة عداوته لأهل الإيمان؟ ولم لا يغصب أموالهم، ويفسد أحوالهم، ويفشي أسرارهم، ويزيل عقولهم؟.\n\n<span data-type='title' id=toc-305>إبطال أدلة المنكرين من عدة وجوه:</span>\nالأول: السلطان المنفي في الآية الكريمة إنما هو القهر والإلجاء إلى متابعته، أو الحجة والبرهان، وليس هو التعرض للإيذاء النفسي والبدني، فهذا حاصل للإنسان من قبل الشيطان، فيكون معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ … لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾: وما كان لي من تسلط عليكم بإظهار الحجة والبرهان على ما وعدتكم به وزينته لكم إلا أن دعوتكم وأغويتكم.\nالثاني: قولهم بأن الجن أجسام لطيفة ليس فيها قوة وصلابة فلا تقدر على صرع الإنسان وقتله باطل؛ لأنه لم يدل دليل عقلي ولا نقلي على امتناع ذلك، ثم إن الجن له قدرة وسرعة على التحول والتشكل بإذن الله تعالى في صور كثيرة.\nيقول القرطبي: إذا كانت أجسام الجن رقيقة، فإن العقل لا يحيل سلوكهم في الإنسان، وإذا كانت كثافًا، فإنه يصح دخول الجن في الإنسان أيضًا كما يصح دخول الطعام والشراب في الفراغ من الجسم، وكذلك الديدان قد تكون في ابن آدم وهي أحياء (^١).\nالثالث: القول بأن الشيطان إذا كانت له قدرة على الصرع فمعنى ذلك أنه أتى مثل معجزات الأنبياء، وهذا قدح في النبوة باطل، وبيان ذلك: أن أهل الضلال والبدع تظهر على أيديهم خوارق شيطانية، ومن هؤلاء السحرة والكُهان، وهذا ثابت بالحس والمشاهدة، ولم يؤد ذلك إلى الطعن في النبوة، وإبطال المعجزة والمساواة في الحد والحقيقة بين معجزات الأنبياء وأفعال السحرة والمشعوذين أمر معلوم الفساد بالضرورة من دين الإسلام.\nالرابع: إن قول المنكرين صرع الجن للإنسان بأنه لو كان قادرًا على ذلك، لصرع جميع المؤمنين، ولصرف همته إلى العلماء والزهاد، ولسرق أموالهم وأفسد أحوالهم، باطل لأن الشيطان يصرع ويؤذي من شاء الله تعالى له ذلك، فلا يستقل في الفعل بإرادته ومشيئته، فالأمر كله بيد الله ﷿، فمن شاء الله تعالى له الضرَّ أضره الشيطان. (^٢).\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٢/ ص ٥٠.\n(^٢) انظر أدلتهم وإبطالها في: أدلة المنكرين والرد عليها في الأدلة الشرعية في إثبات صرع الشيطان للإنسان، والرد على المنكرين ص ١٦ - ٢١.","vol":"1","page":206},{"text":"والحق بلا شك ما قاله الشوكاني، ومن قال بقوله.\nقال ابن تيمية: وجود الجن ثابت بكتاب الله، وسنة رسوله -ﷺ-، واتفاق سلف الأمة وأئمتها، وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ وفي الصحيح عن النبي: أن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم (^١). وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: قلت لأبي: إن أقواما يقولون: إن الجني لا يدخل في بدن المصروع، فقال: يا بنى يكذبون، هذا يتكلم على لسانه.\nوهذا الذي قاله أمر مشهور، فإنه يصرع الرجل، فيتكلم بلسان لا يعرف معناه، ويضرب على بدنه ضربا عظيما لو ضرب به جمل لأثر به أثرا عظيما، والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب ولا بالكلام … وليس في الأدلة الشرعية ما ينفى ذلك (^٢).\nويتنبه إلى أن للصرع نوعان. قال ابن القيم: الصرع صرعان:\nصرع من الأرواح الخبيثة الأرضية\nوصرع من الأخلاط الرديئة.\nوالثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه. وأما صرع الأرواح فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه، ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة، فتدافع آثارها، وتعارض أفعالها وتبطلها. وقد نص على ذلك بقراط في بعض كتبه فذكر بعض علاج الصرع وقال: هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة، وأما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج. وأما جهلة الأطباء وسقطتهم وسفلتهم ومن يعتقد بالزندقة فضيلة فأولئك ينكرون صرع الأرواح، ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع، وليس معهم إلا الجهل، وإلا فليس في الصناعة الطيبة ما يدفع ذلك، والحس والوجود شاهد به.\nإلى أن قال: وبالجملة: فهذا النوع من الصرع وعلاجه لا ينكره إلا قليل الحظ من العلم والعقل والمعرفة، وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله تكون من جهة قلة دينهم، وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر والتعاويذ والتحصنات النبوية والإيمانية، فتلقى الروح الخبيثة الرجل أعزل لا سلاح معه، وربما كان عريانًا فيؤثر فيه هذا (^٣).\nويتنبه إلى أن قول الشوكاني: (وفي الآية دليل على فساد قول من قال: إن الصرع لا يكون من جهة الجن، وزعم أنه من فعل الطبائع) لا يلزم منه القول بأنه ينكر نوع الصرع الذي يكون من الطبائع؛ لأن قوله هذا إنما جاء في معرض الرد على المنكرين النافين بالجملة كون الصرع من جهة الجن، فاقتضى المقام إثبات ما أنكروه، ولا يلزم من ذلك نفيه للنوع الثاني من الصرع، والله أعلم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه قريبا.\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى ج ٢٤/ ص ٢٧٦، ٢٧٧.\n(^٣) انظر: زاد المعاد ج ٤/ ص ٦٦ ومابعدها.","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type='title' id=toc-306>٣٣ - أموال المرابين مع عدم التوبة حلال لمن أخذها من الأئمة، ونحوهم ممن ينوب عنهم </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ البقرة: ٢٧٩.\nقال الشوكاني -﵀-: (قوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ أي: من الربا، ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ تأخذونها لا تظلِمون غرماءكم بأخذ الزيادة، ولا تُظلمون أنتم من قبلهم بالمطل والنقص …\nوفي هذا دليل على أن أموالهم مع عدم التوبة حلال لمن أخذها من الأئمة، ونحوهم ممن ينوب عنهم) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-307>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- من الآية أن أموال المرابين مع عدم توبتهم حلال لمن أخذها من الأئمة، ونحوهم ممن ينوب عنهم.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى جعل للمرابين التائبين رؤوس أموالهم يأخذونها، لا يظلمون غرماءهم بأخذ الزيادة، ولا يظلمهم الغرماء بنقصان رؤوس أموالهم أو بالمطل؛ فدل بمفهوم المخالفة -مفهوم شرط- أنهم إن لم يتوبوا فأموالهم ليست لهم، بل هي حلال لمن أخذها من الأئمة، ونحوهم ممن ينوب عنهم.\nوفي حكم أموال المرابين حال عدم توبتهم تفصيل:\nفإن أنكروا حرمة الربا: فهم مرتدون، وما لهم المكسوب في حال الردة فيء للمسلمين عند الإمام أبي حنيفة، وكذا سائر أموالهم عند الشافعي (^٤)، فما داموا على استحلال الربا؛ كان ما لهم فيئا ليس لهم (^٥).\n_________\n(^١) وهو استنباط فقهي.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٢٩٧.\n(^٣) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) في الآية أصل كبير في أحكام الكفار إذا أسلموا، فما مضى منهم وقت الكفر فلا يفسخ، فالأنكحة التي جرت في الشرك لا تتعقب بالنقض بعد انبرامها، كما في البيع بعد الانبرام. انظر: أحكام القرآن للكيا ج ١/ ص ٢٣٦، وأحكام القرآن لابن الفرس ج ١/ ص ٤١٢، وأنوار التنزيل ج ٧/ ص ٨٦، وصفوة الآثار والمفاهيم ج ٣/ ص ٥٤٤.\n٢) القياس يهدمه النص؛ لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم تحليل الله وتحريمه، فأنكر تسويتهم. انظر: أنوار التنزيل ج ١/ ص ٥٧٥، والتسهيل لعلوم التنزيل ج ١/ ص ٩٤.\n(^٤) انظر: الأم ج ٨/ ص ٣٦٣.\n(^٥) انظر: تفسير القرآن العزيز للسمعاني ج ١/ ص ٢٨١ الكشاف ج ١/ ص ٣٥٠، وأنوار التنزيل ج ١/ ص ٥٧٧، والبحر المحيط ج ٢/ ص ٥٤٦.","vol":"1","page":208},{"text":"وقال أبو السعود، والآلوسي: وعندنا هو لورثتهم ولا شيء لهم على كل حال (^١).\nوإن اعتقدوا حرمته: فإن كان لهم شوكة -أي: امتنعوا عن الإمام-؛ فهم على شرف القتل لم يكد تسلم لهم رءوسهم، فكيف برءوس أموالهم.\nوإن لم تكن لهم شوكة؛ يستتابون وإلا قتلوا.\nقال ابن عباس -﵁- قال: \"فمن كان مقيما على الربا لا ينزع عنه، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع، وإلا ضرب عنقه\" (^٢).\n_________\n(^١) أبو السعود والآلوسي حنفيان، ولعل المقصود بقولهما: (عندنا) الأحناف. قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: سئل أبو حنيفة -رحمة الله تعالى عليه- عن المرتد عن الإسلام إذا اكتسب مالا في ردته، ثم قتل على الردة، فقال: ما اكتسب في بيت المال؛ لأن دمه حلال، فحل ماله.\nوقال أبو يوسف -رحمه الله تعالى-: ماله المرتد الذي كان في دار الإسلام، والذي اكتسب في الردة ميراث بين ورثته المسلمين، وبلغنا عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت -﵃- أنهم قالوا: ميراث المرتد لورثته المسلمين. وقال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى-: إنما هذا فيما كان له قبل الردة. وقال أبو يوسف: هما سواء، ما اكتسب المرتد في الردة، وقبل ذلك لا يكون فيئا. قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: كل ما اكتسب المرتد في ردته، أو كان له قبل الردة سواء، وهو فيء؛ لأن الله ﵎ منع الدماء بالإسلام، ومنع الأموال بالذي منع به الدماء، فإذا خرج الرجل من الإسلام إلى أن يباح دمه بالكفر كما كان يكون مباحا قبل أن يسلم، يباح معه ماله، وكان أهون من دمه؛ لأنه كان ممنوعا تبعا لدمه، فلما هتكت حرمة الدم؛ كانت حرمة المال أهتك وأيسر من الدم. انظر: الأم ج ٨/ ص ٣٦٣.\nوقال الذهبي: هذه اللفظة (وعندنا) تدل بوضوح على أن الآلوسي كان حنفي المذهب، وما أكثر مثل هذا التعبير في تفسيره، مما يجعلنا لا نميل إلى ما نقلناه سابقا من أنه كان شافعيا يقلد أبا حنيفة في كثير من المسائل). التفسير والمفسرون ج ١/ ص ٣٥٩. ومما يؤكد أن لفظة عندنا يقصد بها الأحناف أن الآلوسي لما ذكر الخلاف الدائر حول البسملة ذكر أقوال أصحاب المذاهب غير أبي حنيفة، ثم قال: ومذهبنا. انظر: منهج الشيخ الألوسي في تفسيره روح المعاني، عبد الله جنيد، ص ٢٦، ٢٧.\nولعل أبو السعود والآلوسي تبعا رأي أبي يوسف في هذه المسألة باعتبار أن منكر حرمة الربا مرتد.\n(^٢) أخرجه الطبري في جامع البيان ج ٥/ ص ٥٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ج ٢/ ص ٥٥٠، وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر في الدر المنثور ج ٢/ ص ١٠٨.","vol":"1","page":209},{"text":"وعند غيره يحبسون، ويعاقبهم الإمام بمقدار ما يستحقون من التعزير والردع، فلا يمكنون من التصرفات أصلا، فما لم يتوبوا لم يسلم لهم شيء من أموالهم، بل إنما يسلم بموتهم لورثتهم (^١). (^٢).\nومفهوم الآية دال على أن أموال المرابين حال عدم توبتهم ليست لهم، فيحل للإمام أن ينزعها، سواء جُعِل في بيت مال المسلمين، أو سلم بموتهم لورثتهم المسلمين، على الخلاف المتقدم.\nوممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي (^٣). كما أشار السمعاني، والبيضاوي إلى أن المرابين ماداموا على استحلال الربا؛ كان مالهم فيئا ليس لهم (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-308>٣٤ - وعد الله لمن اتقاه أن يعلمه </span>(^٥).\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ … الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ … وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ البقرة: ٢٨٢.\n_________\n(^١) انظر: إرشاد العقل السليم ج ١/ ص ٢٦٨، وروح المعاني ج ٣/ ص ٥٣، وروح البيان ج ١/ ص ٤٤٣.\n(^٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص ج ٢/ ص ١٩٢، وإرشاد العقل السليم ج ١/ ص ٢٦٨، وروح المعاني ج ٣/ ص ٥٣، وحدائق الروح والريحان ج ٤/ ص ١٠٨.\n(^٣) انظر: فتح البيان ج ٢/ ص ١٤٣.\n(^٤) انظر: تفسير القرآن العزيز ج ١/ ص ٢٨١، وأنوار التنزيل ج ١/ ص ٥٧٧.\n(^٥) وهو استنباط فائدة علمية.","vol":"1","page":210},{"text":"قال الشوكاني -﵀-: (﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ ما تحتاجون إليه من العلم. وفيه الوعد لمن اتقاه أن يعلمه. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: من الآية ٢٩] (^١) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-309>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- وعد الله لمن اتقاه أن يعلمه.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بتقواه ثم أعقبها بتعليمه لعباده؛ فدل اقتران الجملتين على مناسبة بينهما هي وعد الله لمن اتقاه أن يعلمه.\nقال ابن عاشور: (وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ تذكير بنعمة الإسلام … وفي عطفه على الأمر بالتقوى إيماء إلى أن التقوى سبب إفاضة العلوم) (^٤).\nأو دلت الآية على هذا المعنى بدلالة الالتزام.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فكلٌ من تعليم الرب وتقوى العبد يقارب الآخر ويلازمه ويقتضيه، فمتى علَّمه الله العلم النافع اقترن به التقوى بحسب ذلك، ومتى اتقاه زاده من العلم، وهلم جرا) (^٥).\n_________\n(^١) وتمام الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٣٠٣.\n(^٣) واستنبط غيره من الآية استنباطات كثيرة، منها:\n١) مناسبة ختم الآية بقوله: قال الطوفي: (والختم به مناسب لما تضمنته آية الدين من الأحكام الكثيرة، ولقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾؛ لأنه إذا أخبر أنه بكل شيء عليم وثقوا بتعليمه وسكنوا إليه). نقله عنه السيوطي في قطف الأزهار ج ١/ ص ٥٣٧.\n٢) جواز شهادة الإنسان فيما نسيه إذا ذُكِّر به؛ فذكر؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾. انظر: الإكليل ج ١/ ص ٤٥٣، وتيسير الكريم الرحمن ص ١١٩، وتفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج ٣/ ص ٤١٦. ودلالة هذا الاستنباط بمفهوم الموافقة.\n٣) مشروعية كون الإنسان يتعلم الأمور التي يتوثق بها المتداينون كل واحد من صاحبه؛ لأن المقصود من ذلك التوثيق والعدل؛ وما لا يتم المشروع إلا به فهو مشروع. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ١١٨. وانظر غيرها من الاستنباطات النافعة للسعدي في تفسيره ص ١١٨، ١١٩.\n(^٤) التحرير والتنوير ج ٢/ ص ٥٨٢.\n(^٥) مجموع الفتاوى ج ١٨/ ص ١٧٨.","vol":"1","page":211},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وابن كثير، والقنوجي، وابن عاشور. (^١).\nوخالفهم آخرون، منهم: ابن القيم، وابن جزي. (^٢).\nووجه مخالفتهم ذكره ابن القيم بقوله: (وأما قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ فليس من هذا الباب بل هما جملتان مستقلتان: طلبية وهي الأمر بالتقوى، وخبرية وهي قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ أي: والله يعلمكم ما تتقون. وليست جوابا للأمر بالتقوى، ولو أريد بها الجزاء؛ لأتى بها مجزومة، مجردة عن الواو، فكان يقول: واتقوا الله يعلمكم، أو إن تتقوه يعلمكم، كما قال: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ فتدبره) (^٣).\nوالمعنى الذي استنبطه الشوكاني صحيح دلت عليه الآيات. قال ابن كثير:\n(﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾، وكقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ … لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾ [الحديد: ٢٨]) (^٤). (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٣/ ص ٣٨٦، وتفسير القرآن العظيم ج ٢/ ص ٢٩٧، وفتح البيان ج ٢/ ص ١٥٤، والتحرير والتنوير ج ٢/ ص ٥٨٢.\n(^٢) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل ج ١/ ص ٩٧، ومفتاح دار السعادة ج ١/ ص ١٧٢.\n(^٣) مفتاح دار السعادة ج ١/ ص ١٧٢.\n(^٤) تفسير القرآن العظيم ج ٢/ ص ٢٩٧.\n(^٥) ونزع بعض العلماء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩] إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾. وقال عمر بن عبد العزيز: إنما قصر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرنا في العمل بما علمنا، ولو عملنا ببعض ما علمنا؛ لأورثنا علما لا تقوم به أبداننا قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾. انظر: المحرر الوجيز ص ١٤٦٩، والجامع لأحكام القرآن ج ١٣/ ص ٣٢٤، ٣٢٥.","vol":"1","page":212},{"text":"والذي يظهر -والله أعلم- أن المخالفين لم يمنعوا صحة المعنى، لكنهم رأوا أن الآية لا تدل عليه صراحة، قال ابن جزي: (ويعلمكم الله إخبار على وجه الامتنان. وقيل: معناه الوعد بأن من اتقى علمه الله وألهمه، وهذا المعنى صحيح، ولكن لفظ الآية لا يعطيه؛ لأنه لو كان كذلك؛ لجزم يعلمكم في جواب اتقوا) (^١).\nفقول المخالفين يصح إذا قلنا إن الآية لا تدل صراحة على هذا المعنى، لكن هذا لا يمنع أن تكون دلالة الآية عليه خفية؛ فيصح عندها هذا المعنى استنباطا.\nوكأن هذا المعنى المستنبط دلت عليه الآيات بدلالات متفاوتة في الظهور والخفاء. قال السعدي: (واُستدل بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ أن تقوى الله وسيلة إلى حصول العلم، وأوضح من هذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ أي: علما تفرقون به بين الحقائق، والحق والباطل) (^٢).\nومما ينبغي التنبه إليه أن التقوى لا تفيد المعرفة بذاتها، إنما تعين على حصول العلم النافع.\nقال ابن تيمية: نعم لسنا ننكر أن إماتة الشهوات قد تكون شرطا في صحة النظر مثلما تكون الصحة شرطا في صحة النظر، لا أن إماتة الشهوات هي التي تفيد المعرفة بذاتها وإن كانت شرطا فيها، كما أن الصحة شرط في العلم، وإن كانت ليست مفيدة له. ومن هذه الجهة دعا الشارع إلى هذه الطريقة -أي النظر والاعتبار- وحث عليها في جملة ما حث، أعني على العمل، لا أنها كافية بنفسها كما ظن القوم … العمل الذي أصله حب الله تعالى أمر الشرع به؛ لأنه مقصود في نفسه، وهو معين على حصول العلم النافع، كما أنه معين على حصول عمل آخر صالح، كما أن الشرع أمر بالعلم بالله تعالى؛ لأنه مقصود في نفسه وهو معين على العمل الصالح، وعلى علم آخر نافع (^٣).\nفالقول إذًا بصحة هذا الاستنباط لا يجيز قول الصوفية بأن التقوى سبب للعلم، إذ لابد للعلم من التعلم وبذل الجهد في البحث والحفظ، وهذا هو الأصل، أما التقوى فهي سبب من أسباب تحصيل العلم.\nقال الشيخ الدوسري: (واعلم أنه لا يلتفت إلى قول الصوفية وأشياعهم﵏- من أن التقوى تكون سببا للعلم، بل إن التقوى جالبة للعمل، وحسن المراقبة لله، والاستجابة لنداءاته في القرآن. أما العلم فلا يحصل إلا بالتعلم، وبذل الجهد في الحفظ والبحث، ولكن مع حسن النية يسهل الله طريقه ويبارك في معلومات صاحبه، أما زعم الصوفية الحصول على العلم الإلهي بترويض النفس على العبادة السنية والمبتدعة، وقراءة الأوراد والأحزاب؛ فهذا فيه فتح باب للدجل والشعوذة، والقول على الله بغير علم، وهو أشرك من الشرك) (^٤).\n_________\n(^١) التسهيل لعلوم التنزيل ج ١/ ص ٩٧.\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن ص ١١٩.\n(^٣) انظر: درء التعارض ج ٩/ ص ١٣٠، ١٣١.\n(^٤) صفوة الآثار والمفاهيم ج ٣/ ص ٥٦٣.","vol":"1","page":213},{"text":"والشوكاني لم يقل بأن التقوى كافية بذاتها في المعرفة، ولا أنه يستغنى بها عن الطلب وبذل الجهد، إنما عني أن التقوى مما يعين على العلم.","vol":"1","page":214},{"text":"<span data-type='title' id=toc-310>سورة آل عمران</span>\n<span data-type='title' id=toc-311>٣٥ - مناسبة ذكر الله رأفته بعباده بعد أن حذرهم نفسه؛ للجمع بين الترهيب والترغيب </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ آل عمران: ٣٠.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ دليل على أن هذا التحذير الشديد مقترن بالرأفة منه سبحانه بعباده؛ لطفا بهم) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-312>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- مناسبة ذكر رأفة الله بعباده بعد أن حذرهم -سبحانه-نفسه؛ لبيان أن هذا التحذير الشديد مقترن بالرأفة منه سبحانه بعباده؛ لطفا بهم، فيكون فيه جمع بين الترهيب والترغيب.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى قرن بين التهديد والرأفة، والترهيب والترغيب؛ فقال- مؤكدا ومهددا ومتوعدا-: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: يخوفكم عقابه، وذكر النفس؛ للإيذان بأن له عقابا هائلا (^٤) ثم قال ﷻ مرجيا لعباده؛ لئلا ييأسوا من رحمته، ويقنطوا من لطفه: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ (^٥)، والذي دل على هذا المعنى دلالة الربط بين أجزاء الآية.\n_________\n(^١) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٣٣٢.\n(^٣) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) فائدة تكرار قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ - إذ وردت هنا، وجاءت قبلها في قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾ [آل عمران: ٢٨]- لاختلاف متعلقهما، فالأول في سياق الوعيد، والثاني في سياق حذر التفويت للخير. انظر: أسرار التكرار في القرآن للكرماني ج ١/ ص ٤٧، وقطف الأزهار ج ١/ ص ٥٨٠، وحدائق الروح والريحان ج ٤/ ص ٢٦٠.\n٢) ينبغي استعمال الأسلوب المناسب للحال؛ لأن الله قال هنا: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، وفي آيات كثيرة يتحبب إلى عباده. تفسير سورة آل عمران لابن عثيمين ج ١/ ص ١٨٧.\n(^٤) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٢/ ص ٢٣.\n(^٥) انظر: تفسير القرآن العظيم ج ٢/ ص ٣٣٦، وحدائق الروح والريحان ج ٤/ ص ٢٦٠.","vol":"1","page":215},{"text":"وهذه طريقة القرآن يقرن بين أسماء الرجاء وأسماء المخافة، فأمثال هذه الآية كثير، منها: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وكقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨].\nقال ابن القيم: (ثم عقب ذلك بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ (^١) أن تتعدوا ما حد لكم؛ فإنه مطلع على ما تسرون وما تعلنون، ثم قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ لولا مغفرته وحلمه؛ لعنتم غاية العنت؛ فإنه سبحانه مطلع عليكم، يعلم ما في قلوبكم، ويعلم ما تعملون، فإن وقعتم في شيء مما نهاكم عنه؛ فبادروا إليه بالتوبة والاستغفار؛ فإنه الغفور الحليم. وهذه طريقة القرآن يقرن بين أسماء الرجاء وأسماء المخافة كقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾) (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، والبيضاوي، والنسفي (^٣)، وأبو حيان، وابن جزي، وابن كثير، والقنوجي. (^٤).\n_________\n(^١) وتمام الآية: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾.\n(^٢) جلاء الأفهام ص ١٧٤، ١٧٥.\n(^٣) المفسر أبو البركات، عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، فقيه، مفسر، أصولي، من فقهاء الحنفية، له مصنفات جليلة منها: \"مدارك التنزيل وحقائق التأويل\"، \"تأويلات القرآن\"، توفي سنة عشر وسبعمائة للهجرة. انظر: الأعلام ج ٤، ص ٦٧، ومعجم المفسرين ج ١/ ص ٣٠٤.\n(^٤) انظر: المحرر الوجيز ص ٢٩٠، وأنوار التنزيل ج ٢/ ص ٢٧، ومدارك التنزيل ج ١/ ص ٢٣٢، والبحر المحيط ج ٢/ ص ٦٨٦، والتسهيل لعلوم التنزيل ج ١/ ص ١٠٤، وتفسير القرآن العظيم ج ٢/ ص ٣٣٦، وفتح البيان ج ٢/ ص ٢١٨.","vol":"1","page":216},{"text":"ويجوز أن تكون المناسبة بيان أن التحذير رأفة (^١)، كما قال الحسن: من رأفته بهم أن حذرهم نفسه (^٢).\nوأيَّد ابن عثيمين هذه الوجه من المناسبة بقوله: (استشكل بعض العلماء إتيان قوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ بعد قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. وقال: كان مقتضى الحال أن يقال: ويحذركم الله نفسه والله شديد العقاب؛ لأن مقام التحذير يقتضي الوعيد. فأجيب عن ذلك: بأن من رأفته ﷿ بالعباد أن حذرهم نفسه، وأخبرهم بأن الأمر عظيم؛ لأن إخبار الإنسان بحقيقة الحال لا شك أنه من الرأفة به) (^٣).\nولا تزاحم بين المناسبات فكلتا المناسبتين جائز.\nقال أبو حيان: لما ذكر صفة التخويف وكررها؛ كان ذلك مزعجا للقلوب، ومنبها على إيقاع المحذور، مع ما قرن بذلك من اطلاعه على خفايا الأعمال، وإحضاره لها يوم الحساب، وهذا هو الاتصاف بالعلم والقدرة، اللذين يجب أن يحذر لأجلهما؛ فذكر صفة الرحمة; ليطمع في إحسانه، وليبسط الرجاء في أفضاله، فيكون ذلك من باب ما إذا ذكر ما يدل على شدة الأمر؛، ذكر ما يدل على سعة الرحمة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ [الأنعام: ١٦٥] (^٤) … قالوا: ويحتمل أن يكون إشارة إلى التحذير، أي: إن تحذيره نفسه، وتعريفه حالها من العلم والقدرة من الرأفة العظيمة بالعباد; لأنهم إذا عرفوه حق المعرفة وحذروا؛ دعاهم ذلك إلى طلب رضاه، واجتناب سخطه … والكلام محتمل لذلك، لكن الأظهر الأول، وهو أن يكون ابتداء إعلامه بهذه الصفة على سبيل التأنيس والإطماع؛ لئلا يفرط الوعيد على قلب المؤمن (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المحرر الوجيز ص ٢٩٠، والتفسير الكبير ج ٨/ ص ١٥، ومدارك التنزيل ج ١/ ص ٢٣٢، وروح المعاني ج ٣/ ص ١٤٢، وزهرة التفاسير ج ٢/ ص ١١٨٢، و١١٨٣.\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره ج ٥/ ص ٣٢٤، وابن أبي حاتم في تفسيره ج ٢/ ص ٦٣٢، وعزاه إلى ابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ج ٢/ ص ١٧٧.\n(^٣) تفسير سورة آل عمران ج ١/ ص ١٨٦.\n(^٤) وتمام الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ … فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾.\n(^٥) انظر: البحر المحيط ج ٢/ ص ٦٨٦.","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type='title' id=toc-313>٣٦ - مشروعية صلاة الجماعة </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ آل عمران: ٤٣.\nقال الشوكاني -﵀-: (قوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ظاهره ركوعها يكون مع ركوعهم، فيدل على مشروعية صلاة الجماعة) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-314>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- من الآية مشروعية صلاة الجماعة (^٤).\nووجه الاستنباط: أن الله لما اصطفى مريم، وطهرها على نساء العالمين؛ أمرها من طاعته بأمر اختصها به على سائر النساء، فأمرها أن تركع مع أهل المسجد، وتصلي مع المصلين في جماعة بقوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾؛ فدلت المعية على مشروعية صلاة الجماعة.\nقال ابن القيم: الآية لم تدل على تناول الأمر بذلك لكل امرأة، بل مريم بخصوصها أمرت بذلك بخلاف قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ ومريم كانت لها خاصة لم تكن لغيرها من النساء، فإن أمها نذرتها أن تكون محررة لله، ولعبادته، ولزوم المسجد، وكانت لا تفارقه؛ فأمرت أن تركع مع أهله، ولما اصطفاها الله، وطهرها على نساء العالمين؛ أمرها من طاعته بأمر اختصها به على سائر النساء، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٢ - ٤٣]. إلى أن قال: حقيقة المعية مصاحبة ما بعدها لما قبلها، وهذه المصاحبة تفيد زائدا على المشاركة، ولا سيما في الصلاة، فإنه إذا قيل: صل مع الجماعة، أو صليت مع الجماعة لا يفهم منه إلا اجتماعهم على الصلاة (^٥).\n_________\n(^١) وهو استنباط فقهي.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٣٣٨.\n(^٣) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) نكتة التعبير بذلك في هذا المقام دون واسجدي مع الساجدين الإشارة إلى أن من أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك ركعة من الصلاة. انظر: روح المعاني ج ٣/ ص ١٥٧.\n٢) أن العُبَّاد من الرجال أكثر من العُبَّاد من النساء؛ لقوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، ولم يقل مع الراكعات إشارة إلى أن الكمال في الرجال، وكثرة العمل في الرجال أظهر منها في النساء. انظر: تفسير سورة آل عمران لابن عثيمين ج ١/ ص ٢٦١.\n(^٤) تقدم استنباط الشوكاني: الإرشاد لصلاة الجماعة من قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ الآية ٤٢ من سورة البقرة.\n(^٥) انظر: الصلاة وحكم تاركها لابن القيم. ص ١٤٠. بتصرف.","vol":"1","page":218},{"text":"وقال الشيخ محمد أبو زهرة: وهذا -أي أمرها بالركوع مع الراكعين- فيه فائدة، فالصلاة مع الجماعة من تمام النسك والعبادة. فمريم البتول كانت ملازمة للمحراب منذ نشأتها في كفالة زكريا، وهي بهذا تشبه أن تكون بعزلة عن عوجاء الحياة وما فيها، وما عند الناس حتى في عباداتهم، فبينت لها الملائكة عن الله سبحانه أن تصلي جماعة مع الناس، فإن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الآلوسي، والقنوجي، ومحمد أبو زهرة، والدوسري. (^٢). وأشار إليه\nأكثر المفسرين (^٣).\nوخالف الشيخ ابن عثيمين في أن المعية هنا دالة على الصحبة والاجتماع، فرأى أنها في الآية دلت على الموافقة في الفعل فقط دون اجتماع، فقال في تفسير ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾: أي: في جملتهم، وليس المراد أن تصلي مع الجماعة؛ لأن المرأة لا تخاطب بالصلاة مع الجماعة، لكن كوني في جملة الراكعين الذين يركعون لله ﷿ (^٤).\nوقول الشيخ ابن عثيمين له وجه إذ المعية تحتمل الموافقة في الفعل فقط دون اجتماع؛ كما تحتمل الصحبة والاجتماع في إيقاع الركوع مع من يركع، فتكون مأمورة بالصلاة في جماعة (^٥)، إلا أن الثاني -والله أعلم- هو الأظهر؛ لأمور:\nالأول: أنها أمرت بذلك لخصوصيتها -كما تقدم من كلام ابن القيم-، وإظهارا لمعنى ارتفاعها عن بقية النساء الذي دل عليه سياق الثناء عليها بالاصطفاء.\nقال ابن عاشور: وقوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ إذن لها بالصلاة مع الجماعة، وهذه خصوصية لها بين نساء بني إسرائيل؛ إظهارا لمعنى ارتفاعها عن بقية النساء (^٦).\nالثاني: أن الله أمرها بقوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ بعد الأمر بالسجود الذي يهدف إلى الصلاة، فالأمر بركوعها مع الراكعين هو للتأسيس، لا للتأكيد، -لأن التأسيس أولى من التأكيد- إذ فيه زيادة أمر الركوع مع الراكعين، ويقصد به صلاتها مع الجماعة (^٧).\n_________\n(^١) انظر: زهرة التفاسير ج ٢/ ص ١٢١٥.\n(^٢) انظر: روح المعاني ج ٣/ ص ١٥٧، وفتح البيان ج ٢/ ص ٢٣٣، وزهرة التفاسير ج ٢/ ص ١٢١٥، وصفوة الآثار والمفاهيم ج ٤/ ص ١٢١.\n(^٣) قال الآلوسي: والأكثرون على أن فائدة قوله سبحانه: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ الإرشاد إلى صلاة الجماعة. انظر: روح المعاني ج ٣/ ص ١٥٧.\n(^٤) انظر: تفسير سورة آل عمران ج ١/ ص ٢٥٧.\n(^٥) انظر: البحر المحيط ج ٢/ ص ٧٣٢.\n(^٦) انظر: التحرير والتنوير ج ٣/ ص ٩٥.\n(^٧) انظر: صفوة الآثار والمفاهيم ج ٤/ ص ١٢١.","vol":"1","page":219},{"text":"الثالث: أنه قول أكثر المفسرين (^١). قال الآلوسي: والأكثرون على أن فائدة قوله سبحانه: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ الإرشاد إلى صلاة الجماعة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-315>٣٧ - أبناء البنات يسمون أبناء </span>(^٣).\nقال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ آل عمران: ٦١.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفيه دليل على أن أبناء البنات يسمون أبناء لكونه -ﷺ- أراد بالأبناء الحسنين) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-316>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٥) -﵀- أن أبناء البنات يسمون أبناء.\nووجه الاستنباط: أن قول الله تعالى ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا﴾ دال على أن للرسول -ﷺ- أبناء، ولم يكن له يومئذ إلا ابنا بنته فاطمة -﵃-؛ فدل ذلك على أن ابن البنت يسمى ابنا (^٦). ويؤيده الحديث الذي أخرجه مسلم: لما نزلت هذه الآية ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ دعا رسول الله -ﷺ- عليا، وفاطمة، وحسنا، وحسينا فقال: \"اللهم هؤلاء أهلي\" (^٧).\nوممن قال بهذا الاستنباط: إلكيا، وابن العربي، والرازي، والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي. (^٨).\n_________\n(^١) انظر مثلا: المحرر الوجيز ص ٣٠٠، وأنوار التنزيل ج ٢/ ص ٣٩، ومدارك التنزيل ج ١/ ص ١٥٤، والتسهيل لعلوم التنزيل ج ١/ ص ١٠٧، والبحر المحيط ج ٢/ ص ٧٣٢، وإرشاد العقل السليم ج ٢/ ص ٣٥، وروح البيان ج ٢/ ص ٣٤، وحدائق الروح والريحان ج ٤/ ص ٣٠٠.\n(^٢) انظر: روح المعاني ج ٣/ ص ١٥٧.\n(^٣) وهو استنباط فقهي أو لغوي.\n(^٤) فتح القدير ج ١/ ص ٣٤٧.\n(^٥) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها: أن في الآية دليلا على جواز المحاجة في أمر الدين، وأن من جادل وأنكر شيئا من الشريعة؛ جازت مباهلته اقتداء بما أمر به -ﷺ-. انظر: محاسن التأويل ج ٢/ ص ٣٣٠.\n(^٦) انظر: أحكام القرآن للكيا ج ٢/ ص ٢٨٦، والإكليل ج ٢/ ص ٤٧٠.\n(^٧) في كتاب: فضائل الصحابة -﵃-، باب: من فضائل علي بن أبي طالب -﵁-، رقم: ٢٤٠٤، ج ٤/ ص ١٨٧١.\n(^٨) انظر: أحكام القرآن ج ٢/ ص ٢٨٦، وأحكام القرآن ج ١/ ص ٣٠٣، والتفسير الكبير ج ٨/ ص ٧٢، والجامع لأحكام القرآن ج ٤/ ص ١٠٤، والإكليل ج ٢/ ص ٤٧٠، وفتح البيان ج ٢/ ص ٢٥٧.","vol":"1","page":220},{"text":"ويستدل القائلون بأن أبناء البنات أبناء بأدلة منها:\nما ثبت عنه -ﷺ- أنه قال- في الحسن بن علي -﵁-: \"إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين\" (^١).\nولأن أهل العلم قد أجمعوا على تحريم بنت البنت من قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: من الآية ٢٣] (^٢) (^٣)؛ فدل ذلك على أن بنت البنت تسمى بنتا.\nوخالف آخرون، فقالوا: إن تسمية الحسن والحسين -﵃- أبناء إنما هو من خصائصه -ﷺ- (^٤) أو أن هذه التسمية على المجاز لا الحقيقة (^٥).\nفينبغي إذا التنبه إلى أن بعض من استنبط أن أبناء البنات يسمون أبناء إنما عني بذلك تسميتهم مجازا. وينبني على هذا أن الابن من البنت لا يدخل عندهم في الوصية والحبس.\nوممن يرى ذلك ابن العربي، حيث قال -في قوله تعالى: ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا﴾ -: هذا يدل على أن الحسن والحسين ابناه، وقد ثبت عنه -ﷺ- أنه قال- في الحسن-: \"إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين\". فتعلق بهذا من قال: إن الابن من البنت يدخل في الوصية والحبس، وليس فيها حجة؛ فإنه يقال: إن هذا الإطلاق مجاز (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الصلح، باب: قول النبي -ﷺ- للحسن بن علي -﵃-: \"ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين\"، وقوله جل ذكره: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، رقم: ٢٥٥٧، ج ٢/ ص ٩٦٢.\n(^٢) وتمام الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾.\n(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٦/ ص ٧٠.\n(^٤) ذكره ابن حجر في تحفة المحتاج ج ٦/ ص ٢٦٦، ونقله إلكيا في أحكام القرآن ج ٢/ ص ٢٨٦، والسيوطي في الإكليل ج ٢/ ص ٢٨٧، والآلوسي في روح المعاني ج ٧/ ص ٢١٤.\n(^٥) انظر: أحكام القرآن لابن العربي ج ١/ ص ٣٠٣.\n(^٦) انظر: أحكام القرآن ج ١/ ص ٣٠٣.","vol":"1","page":221},{"text":"وقال في موضع آخر: (فإن قيل: فقد قال -ﷺ- أنه قال -في الحسن-: \"إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين\" قلنا: هذا مجاز، وإنما أشار به إلى تشريفه وتقديمه، ألا ترى أنه يجوز نفيه عنه فيقول الرجل في ولد بنته ليس بابني، ولو كان حقيقة ما جاز نفيه عنه؛ لأن الحقائق لا تنفى عن منتسباتها، ألا ترى أنه ينتسب إلى أبيه دون أمه، ولذلك قيل في عبد الله بن عباس -﵃- إنه هاشمي وليس بهلالي وإن كانت أمه هلالية (^١) (^٢).\nورد القرطبي هذا الاستدلال بقوله: (هذا الاستدلال غير صحيح، بل هو ولد على الحقيقة في اللغة؛ لوجود معنى الولادة فيه، ولأن أهل العلم قد أجمعوا على تحريم بنت البنت من قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿كُلٌّ … مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥)﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٥] (^٣).\nفجعل عيسى من ذريته وهو ابن بنته على ما تقدم بيانه هناك (^٤)، فإن قيل: فقد قال الشاعر:\nبنونا بنو أبنائنا وبناتنا … بنوهن أبناء الرجال الأباعد\n_________\n(^١) هي لبابة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهرم الهلالية، أم الفضل، وهي زوج العباس بن عبد المطلب، أم الفضل، وعبد الله، ومعبد، وعبيد الله، وقثم، وعبد الرحمن، وغيرهم من بني العباس، أول امرأة آمنت بعد خديجة -﵁-، ماتت في خلافة عثمان -﵁- قبل زوجها العباس -﵁-. انظر: أسد الغابة ج ٧/ ص ٢٧٤، والإصابة في تمييز الصحابة ج ٨/ ص ٢٧٦.\n(^٢) أحكام القرآن ج ٤/ ص ٧٦.\n(^٣) الآيات: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ … مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥)﴾.\n(^٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٧/ ص ٣١.","vol":"1","page":222},{"text":"قيل لهم: هذا لا دليل فيه؛ لأن معنى قوله: إنما هو ولد بنيه الذكران هم الذين لهم حكم بنيه في الموارثة والنسب، وإن ولد بناته ليس لهم حكم بناته في ذلك، إذ ينتسبون إلى غيره، فأخبر بافتراقهم بالحكم مع اجتماعهم في التسمية، ولم ينف عن ولد البنات اسم الولد؛ لأنه ابن، وقد يقول الرجل في ولده ليس هو بابني إذ لا يطيعني ولا يرى لي حقا، ولا يريد بذلك نفي اسم الولد عنه، وإنما يريد أن ينفي عنه حكمه. ومن استدل بهذا البيت على أن ولد البنت لا يسمى ولدا فقد أفسد معناه، وأبطل فائدته، وتأول على قائله ما لا يصح، إذ لا يمكن أن يسمى ولد الابن في اللسان العربي ابنا، ولا يسمى ولد الابنة ابنا؛ من أجل أن معنى الولادة التي اشتق منها اسم الولد فيه أبين وأقوى؛ لأن ولد الابنة هو ولدها بحقيقة الولادة، وولد الابن إنما هو ولده بماله مما كان سببا للولادة. ولم يخرج مالك -﵀- أولاد البنات من حبس على ولده من أجل أن اسم الولد غير واقع عليه عنده في اللسان، وإنما أخرجهم منه قياسا على الموارثة) (^١).\nقال القرطبي: ومسألة دخول ولد البنت في الوقف على الولد مسألة خلافية، فقال أبو حنيفة والشافعي: من وقف وقفا على ولده وولد ولده أنه يدخل فيه ولد ولده وولد بناته ما تناسلوا (^٢)، وقال مالك لا يدخل في ذلك ولد البنات. إلى أن قال: وحجة مالك قوله -سبحانه-: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: من الآية ١١] (^٣) فلم يعقل المسلمون من ظاهر\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن ج ١٦/ ص ٧٠.\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٧/ ص ٣١. وللاستزادة انظر: المغني ج ٦/ ص، ٨٧، وتحفة المحتاج ج ٦/ ص ٢٦٦.\n(^٣) وتمامها: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ … نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ … كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ … لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾.","vol":"1","page":223},{"text":"الآية إلا ولد الصلب، وولد الابن خاصة (^١).\nأما حجة من أدخلهم في الوقف فمنها: أن النبي -ﷺ- قال عن الحسن بن علي: \"إن ابني هذا سيد\"، فسماه ابنا؛ فدل على دخوله في الأبناء (^٢) وأشار الشوكاني إلى دليل آخر فقال-في نيل الأوطار-: حكم أولاد الأولاد حكم الأولاد، فمن وقف على أولاده دخل في ذلك أولاد الأولاد ما تناسلوا، وكذلك أولاد البنات، وفي ذلك خلاف، ومما يؤيد القول بدخول أولاد البنات حديث أبي موسى الأشعري -﵃- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"ابن أخت القوم منهم\" (^٣). (^٤).\nومما ينبغي التنبه له أن لفظ الولد في الوقف غير لفظ الابن، إذ للعلماء في هذين اللفظين ونحوهما مما يدخل في أحكام الوقف، ويترتب عليه عقود التحبيس كالذرية، والقرابة، والعقب أقوال (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٧/ ص ٣١.\n(^٢) تفسير القرآن العظيم ج ٣/ ص ٥٧٣.\n(^٣) انظر: نيل الأوطار ج ٦/ ص ١٤٠.\n(^٤) ونص الحديث: عن أنس -﵁- قال: دعا النبي -ﷺ- الأنصار فقال: أحد من غيركم؟ قالوا: لا، إلا ابن أخت لنا، فقال رسول الله -ﷺ-: \"ابن أخت القوم منهم\". أخرجه البخاري في كتاب: المناقب، باب: ابن أخت القوم، ومولى القوم منهم، رقم: ٣٣٢٧، ج ٣/ ص ١٢٩٤، ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوى إيمانه، رقم: ١٠٥٩، ج ٢/ ص ٧٣٥.\n(^٥) راجع إن شئت: أحكام القرآن لابن العربي ج ٤/ ص ٧٥ - ٧٨، والجامع لأحكام القرآن ج ١٦/ ص ٦٧ - ٧٢.\nوقد استنبط البيضاوي، وابن جزي، وابن كثير، وأبو السعود، والآلوسي، والشنقيطي وغيرهم من قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ … مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥)﴾ أن أبناء البنات من الذرية. انظر: أنوار التنزيل ج ٤/ ص ٢٢، والتسهيل لعلوم التنزيل ج ٢/ ص ١٥، وتفسير القرآن العظيم ج ٣/ ص ٥٧٣، وإرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ٢٧١، وروح المعاني ج ٧/ ص ٢١٣، وأضواء البيان ج ٤/ ص ٤٥٥.","vol":"1","page":224},{"text":"والأظهر -والله تعالى أعلم- أن تسمية أبناء البنات أبناء، وأنهم يدخلون في الوقف على البنين هو ظاهر القرآن.\nقال الشنقيطي: ظاهر الآيات الكريمة يدل على اتحاد معنى العقب والذرية والبنين لأنه قال في بعضها عن إبراهيم -﵇-: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ [إبراهيم: من الآية ٣٥] (^١)، وقال عنه في بعضها: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: من الآية ٤٠] (^٢)، وفي بعضها ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: من الآية ٣٧] (^٣) وفي بعضها ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: من الآية ١٢٤] (^٤) وفي بعضها ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: من الآية ٢٧] (^٥)، وفي بعضها ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: من الآية ٢٨] (^٦). فالظاهر المتبادر من الآيات أن المراد بالبنين، والذرية، والعقب شيء واحد؛ لأن جميعها في شيء واحد، وبذلك تعلم أن ظاهر القرآن يدل على أن من وقف وقفا، أو تصدق صدقة على بنيه، أو ذريته، أو عقبه أن حكم ذلك واحد. وقد دل بعض الآيات القرآنية على أن أولاد البنات يدخلون في اسم الذرية واسم البنين، وإذا دل القرآن على دخول ولد البنت في اسم الذرية والبنين، والفرض أن العقب بمعناهما؛ دل ذلك على دخول أولاد البنات في العقب أيضا فمن الآيات الدالة على دخول ولد البنت في اسم الذرية قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ وهذا نص قرآني صريح في دخول ولد البنت في اسم الذرية؛ لأن عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ولد بنت إذ لا أب له.\n_________\n(^١) وتمامها: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾\n(^٢) وتمامها: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠)﴾\n(^٣) وتمامها: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾\n(^٤) وتمامها: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾.\n(^٥) وتمامها: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾.\n(^٦) وتمامها: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً … بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾.","vol":"1","page":225},{"text":"ومن الآيات الدالة على دخول ولد البنت في اسم البنين قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾؛ لأن لفظ البنات في الألفاظ الثلاثة شامل لبنات البنات، وبنات بناتهن، وهذا لا نزاع فيه بين المسلمين، وهو نص قرآني صحيح في استواء بنات بنيهن وبنات بناتهن. فتحصل أن دخول أولاد البنات في الوقف على الذرية والبنين والعقب هو ظاهر القرآن، ولا ينبغي العدول عنه (^١).\nلكن الأظهر- والله أعلم- أن أبناء البنات لا يدخلون في اسم الولد.\nقال الشنقيطي: (أما لفظ الولد فإن القرآن يدل على أن أولاد البنات لا يدخلون فيه، وذلك في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ فإن قوله في أولادكم لا يدخل فيه أولاد البنات، وذلك لا نزاع فيه بين المسلمين، وهو نص صريح قرآني على عدم دخول أولاد البنات في اسم الولد. وإن كان جماهير العلماء على أن العقب والولد سواء، ولا شك أن اتباع القرآن هو المتعين على كل مسلم) (^٢).\nوقد نبه ابن جزي للفرق بين لفظ الابن، والولد بقوله: وإنما قال: ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ ولم يقل في أبنائكم؛ لأن الابن يقع على الابن من الرضاعة، وعلى ابن البنت، وعلى ابن المتبنى، وليسوا من الورثة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-317>٣٨ - من كان أمينا في الكثير فهو في القليل أمين، ومن كان خائنا في القليل فهو في الكثير خائن </span>(^٤).\nقال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ آل عمران: ٧٥.\nقال الشوكاني -﵀-: (ومعنى الآية: أن أهل الكتاب فيهم الأمين الذي يؤدي أمانته وإن كانت كثيرة، وفيهم الخائن الذي لا يؤدي أمانته وإن كانت حقيرة. ومن كان أمينا في الكثير فهو في القليل أمين بالأولى، ومن كان خائنا في القليل فهو في الكثير خائن بالأولى) (^٥).\n_________\n(^١) انظر: أضواء البيان ج ٤/ ص ٤٥٥.\n(^٢) المصدر السابق ج ٤/ ص ٤٥٦.\n(^٣) التسهيل لعلوم التنزيل ج ١/ ص ١٣١.\n(^٤) وهو استنباط في الأخلاق لتعلقه بالأمانة والخيانة.\n(^٥) فتح القدير ج ١/ ص ٣٥٣.","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type='title' id=toc-318>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^١) أن من كان أمينا في الكثير فهو في القليل أمين، ومن كان خائنا في القليل فهو في الكثير خائن.\nووجه الاستنباط: أن الآية بينت أن بعض أهل الكتاب لو اؤتمن على قنطار (^٢) فإنه يؤديه إلى من ائتمنه عليه، فدل بمفهوم الموافقة على أن هذا البعض لو اؤتمن على ما هو دون القنطار فإنه يؤديه أيضا؛ لأن العلة في تأدية القنطار هي الأمانة، وهي موجودة متحققة في تأديته لما هو دون القنطار المسكوت عنه.\nوكذلك دلت الآية على أن بعض أهل الكتاب لو اؤتمن على دينار لا يؤديه؛ فدل بمفهوم الموافقة على أنه لو اؤتمن على ما هو أكثر من الدينار فإنه لن يؤديه؛ لأن علة عدم التأدية هي الخيانة وهي موجودة في المسكوت عنه وهو ما كان فوق الدينار.\nفدلت الآية بمفهوم الموافقة على أن من كان أمينا في الكثير فهو في القليل أمين، ومن كان خائنا في القليل فهو في الكثير خائن.\nقال القرطبي: (ومن حفظ الكثير وأداه فالقليل أولى، ومن خان في اليسير، أو منعه فذلك في الكثير أكثر، وهذا أدل دليل على القول بمفهوم الخطاب، وفيه بين العلماء خلاف كثير مذكور في أصول الفقه) (^٣).\nوقال الطوفي: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ يستشهد بها على مفهوم الموافقة، وهو ما يكون المفهوم فيه أولى بالحكم من المنطوق؛ لأن من يؤدي قنطارا أولى بأداء الدينار، ومن يمنع دينارا أولى بمنع القنطار، وهو من باب: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (^٤) [الإسراء: ٢٣]. واعلم أن الحكم إما أن يستفاد من منظوم الكلام، وهو المنطوق، أو من مفهومه، وهو إما أن يكون أولى بالحكم من المنطوق وهو مفهوم الموافقة، أو لا يكون أولى به، وهو مفهوم المخالفة نحو: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥] … وإلى هذه القسمة ترجع الألقاب الكثيرة نحو مفهوم الخطاب، ودليله، وفحواه، ولحنه، وما كان من ذلك (^٥).\n_________\n(^١) واستنبط غيره من قوله تعالى: ﴿إِلَّا … مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ أن للطالب ملازمة المطلوب بالدين. انظر: أحكام القرآن للجصاص ج ٢/ ص ٢٩٩. وتعقبه ابن العربي بقوله: (تعلق به أبو حنيفة في ملازمة الغريم للمفلس، وأباه سائر العلماء، ولا حجة لأبي حنيفة فيه؛ لأن ملازمة الغريم المحكوم بعدمه لا فائدة فيها إذ لا يرجى ما عنده). أحكام القرآن ج ١/ ص ٣٠٤.\n(^٢) قال البغوي: (والقنطار عبارة عن المال الكثير، والدينار عبارة عن المال القليل). معالم التنزيل ج ١/ ص ٣١٧.\nوقال ابن عثيمين: (والقنطار المال الكثير من الذهب، حدَّه بعضهم بألف دينار، وبعضهم بملء مسك الثور، يعني جلد الثور من الدنانير). تفسير سورة آل عمران ج ١/ ص ٤٢٤.\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن ج ٤/ ص ١١٥.\n(^٤) وتمامها: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾.\n(^٥) انظر: الإشارات الإلهية ج ١/ ص ٤١١.","vol":"1","page":227},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والطوفي -كما تقدم-، وابن كثير، والقنوجي، وابن عاشور، وابن عثيمين. (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-319>٣٩ - لا يستقل العمل بدخول صاحبه الجنة، بل لا بد من رحمة الله </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ آل عمران: ١٠٧.\nقال الشوكاني -﵀-: (قوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أي في جنته ودار كرامته، عبر عن ذلك بالرحمة إشارة إلى أن العمل لا يستقل (^٣) بدخول صاحبه الجنة، بل لا بد من الرحمة، ومنه حديث: \"لن يدخل أحد الجنة بعمله\" وهو في الصحيح (^٤) (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-320>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- أن العمل لا يستقل بدخول صاحبه الجنة، بل لابد من رحمة الله تعالى.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال عمن ابيضت وجوههم أنهم في رحمته، أي في جنته (^٦) ودار كرامته، فعبر عن ذلك بالرحمة؛ فدلت مناسبة اللفظ على أن العمل لا يستقل بدخول صاحبه الجنة، فلو استغرق عمره كله في طاعة الله فإنه لن يدخل الجنة إلا برحمة الله.\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٤/ ص ١١٥، والإشارات الإلهية ج ١/ ص ٤١١، وتفسير القرآن العظيم ج ٢/ ص ٣٦٣، وفتح البيان ج ٢/ ص ٢٦٨، والتحرير والتنوير ج ٣/ ص ١٣٢، وتفسير سورة آل عمران ج ١/ ص ٤٢٤، ٤٢٥.\n(^٢) وهو استنباط في الرقائق وفي العقيدة باعتبار الرجاء والخوف من أعظم أعمال القلوب.\n(^٣) تظهر دقة الشوكاني في اختياره كلمة (لا يستقل) إذ نبه بها على أن العمل لابد منه.\n(^٤) عن عائشة زوج النبي -ﷺ- أنها كانت تقول: قال رسول الله -ﷺ-: \" سددوا، وقاربوا، وأبشروا فإنه لن يدخل الجنة أحدا عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل\". أخرجه البخاري، في كتاب: الرقاق، باب: القصد والمداومة على العمل، رقم: ٦١٠٢، ج ٥/ ص ٢٣٧٣. وأخرجه مسلم- واللفظ له- في كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله، بل برحمة الله تعالى، رقم: ٢٨١٨، ج ٤/ ص ٢١٧١.\n(^٥) فتح القدير ج ١/ ص ٣٧٠.\n(^٦) قال الطبري: في رحمة الله يعني: في جنته، ونعيمها، وما أعد الله لأهلها فيها. جامع البيان ج ٥/ ص ٦٦٧. وانظر تفسير القرآن العظيم ج ٢/ ص ٣٩٤.","vol":"1","page":228},{"text":"وقد ذكر الشوكاني هذا المعنى أيضا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأعراف: من الآية ٤٣] (^١) مستدلا عليه بآيات من كتاب الله، وبحديث رسول الله -ﷺ-، رادا على من أنكر هذا المعنى، فقال: (﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ أي: وقع النداء لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات فقيل لهم: ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ أي: ورثتم منازلها بعملكم. قال في الكشاف بسبب أعمالكم لا بالتفضل كما تقوله المبطلة (^٢) انتهى. أقول يا مسكين هذا قاله رسول الله -ﷺ- فيما صح عنه: \"سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته\"، والتصريح بسبب لا يستلزم نفي سبب آخر، ولولا التفضل من الله ﷾ على العامل بإقداره على العمل لم يكن عمل أصلا، فلو لم يكن التفضل إلا بهذا الإقدار لكان القائلون به محقة لا مبطلة، وفى التنزيل: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: من الآية ٧٠] (^٣)، وفيه: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ [النساء: من الآية ١٧٥] (^٤) (^٥). فسمى الله دخولهم الجنة فضلا منه ورحمة.\n_________\n(^١) وتمامها: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ … تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾\n(^٢) انظر قول الزمخشري في الكشاف ج ٢/ ص ١٠١. وقد تعقبه ابن المنير بقوله: (يعني بالمبطلة قوما سمعوا قوله ﵊: \"لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله، ولكن بفضل الله وبرحمته، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة\"، فقالوا: صدق رسول الله، وهؤلاء هم أهل السنة. قيل لهم: فما معنى قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ … تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢]؟، قالوا: اللّه تفضل بأن جعل الجنة جزاء العمل، فضلا منه ورحمة، لا أن ذلك مستحق عليه وواجب للعباد وجوب الديون التي لا اختيار في أدائها، جمعا بين الدليلين على وجه يطابق دليل العقل، الدال على أن اللّه تعالى يستحيل أن يجب عليه شيء، فانظر أيها المنصف، هل تجد في هذا الكلام من الباطل ما يوجب أن يلقب أصحابه بالمبطلة؟ وحاكم نفسك إليها، ثم إذا وضح لك أنهم برآء في هذا البر، فاعرضه على قوم زعموا أنهم يستحقون على اللّه تعالى حقا بأعمالهم التي لا ينتفع بوجودها، ولا يتضرر بتركها- تعالى وتقدس عن ذلك- ويطلقون القول بلسان الجرأة أن الجنة ونعيمها أقطاعهم بحق مستحق على الله تعالى لا تفضل له عليهم فيه، بل هو بمثابة دين تقاضاه بعض الناس من مديانه، وانظر أي الفريقين المذكورين أحق بلقب المبطلة، والسلام). الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال ج ٢/ ص ١٠١.\n(^٣) وقبلها: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾.\n(^٤) وتمامها: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾\n(^٥) فتح القدير ج ٢/ ص ٢٠٦.","vol":"1","page":229},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: السمرقندي، والبيضاوي، وابن عادل الحنبلي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي، والهرري. (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-321>٤٠ - تناهي عداوة المنافقين فبمجرد أن تمس المسلمين حسنة يحصل به المساءة للمنافقين، ولا يفرحون إلا بإصابة السيئة </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾ آل عمران: ١٢٠.\nقال الشوكاني -﵀-: (وعبر بالمس في الحسنة، وبالإصابة في السيئة؛ للدلالة على أن مجرد مس الحسنة يحصل به المساءة، ولا يفرحون إلا بإصابة السيئة) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-322>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- من الآية تناهي عداوة المنافقين فبمجرد أن تمس المسلمين حسنة يحصل به المساءة للمنافقين، ولا يفرحون إلا بإصابة السيئة.\nووجه الاستنباط: أن الله ذكر المس -وهو أقل تمكنا من الإصابة- في الحسنة؛ ليبين أن بأدنى طروء الحسنة تقع المساءة بنفوس هؤلاء المبغضين، ثم عادل ذلك بالسيئة بلفظ الإصابة وهي عبارة عن التمكن؛ لأن الشيء المصيب لشيء فهو متمكن منه أو فيه؛ فدل هذا المنزع البليغ -بدلالة مناسبة اللفظ- على شدة العداوة، إذ هو حقد لا يذهب عند الشدائد، بل يفرحون بنزول الشدائد بالمؤمنين (^٤).\nقال ابن المنير (^٥): (والمس أقل تمكنا من الإصابة، وكأنه أقل درجاتها، فكأن الكلام-والله أعلم-: إن تصبكم الحسنة أدنى إصابة تسؤهم ويحسدوكم عليها، وإن تمكنت الإصابة منكم وانتهى الأمر فيها إلى الحد الذي يرثى الشامت عنده منها فهم لا يرثون لكم، ولا ينفكون عن حسدهم، ولا في هذه الحالة، بل يفرحون ويسرون، والله أعلم) (^٦).\n_________\n(^١) انظر: بحر العلوم ج ١/ ص ٢٦٢، وأنوار التنزيل ج ٢/ ص ٧٧، واللباب ج ٥/ ص ٤٥٨، وإرشاد العقل السليم ج ٢/ ص ٦٩، وروح المعاني ج ٤/ ص ٢٦، وفتح البيان ج ٢/ ص ٣٠٨، ومحاسن التأويل ج ٢/ ص ٣٨٤، وحدائق الروح والريحان ج ٥/ ص ٥٩.\n(^٢) وهو استنباط فائدة علمية.\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ٣٧٦.\n(^٤) انظر: المحرر الوجيز ص ٣٤٩.\n(^٥) هو ناصر الدين، أحمد بن محمد بن منصور الإسكندري المالكي، المعروف بابن المُنَيَّر، إمام بارع في الفقه، والعربية، والبلاغة، وله باع طويل في التفسير، والقراءات، له مصنفات كثيرة منها: \"الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال\"، توفي سنة ثلاث وثمانين وستمائة للهجرة. انظر: طبقات المفسرين للداودي ج ١، ص ٨٨ - ٩٠، وشذرات الذهب ج ٥، ص ٣٨١.\n(^٦) الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال ج ١/ ص ٤٣٦.","vol":"1","page":230},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، وابن المنير-كما تقدم-، والنيسابوري (^١)، والقنوجي، والبروسوي، والدوسري، ومحمد أبو زهرة، والشعراوي. (^٢).\nلكن بعض المفسرين كالزمخشري، والبيضاوي، والنسفي (^٣) لم يفرق بين المس والإصابة، بل جعلوا المعنى واحدا، مستدلين بأن الله سوى بينهما في مواضع من كتابه، منها:\nقوله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)﴾ [التوبة: ٥٠].\nوقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩].\nوقوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ … جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ [المعارج: ٢٠ - ٢١].\nوجعل بعضهم التعبير في قوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ بالمس مع الحسنة، وبالإصابة مع السيئة لمجرد التفنن (^٤).\nوتعقب النيسابوري قول من قال: إنهما بمعنى، فقال: (ولم يفرق صاحب الكشاف ههنا بين المس والإصابة، وجعل المعنى واحدا. وأقول: يشبه أن يكون المس أقل من الإصابة، وأنه أدخل في بيان شدة العداوة، وذلك أن الحسد لا ينهض لقليل من الخير إلا أن يكون هناك كمال البغض، والشماتة قلما توجد إذا أصاب العدوّ بلية عظمى كما قيل: عند الشدائد تذهب الأحقاد إلا أن يكون ثمة غاية الحقد. وإذا كان حال القوم مع المسلمين في القضيتين بالخلاف دل ذلك على شدة بغضهم ونهاية حقدهم، وعلى هذا فلا يبعد أن يقال: التنوين في ﴿حَسَنَةٌ﴾ للتقليل وفي ﴿سَيِّئَةٌ﴾ للتعظيم) (^٥).\n_________\n(^١) هو النظام، الحسن بن محمد بن الحسين القمي، مفسر، من كبار علماء الشيعة في عصره، توفي بعد ٨٥٠ هـ. انظر: معجم المؤلفين ج ١/ ص ٥٩١، ومعجم المفسرين ج ١/ ص ١٤٥.\n(^٢) انظر: المحرر الوجيز ص ٣٤٩، والانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال ج ١/ ص ٤٣٦، وغرائب القرآن ورغائب الفرقان ج ٣/ ص ٣٨١، وفتح البيان ج ٢/ ص ٣٢٢، وروح البيان ج ٢/ ص ٨٩، وصفوة الآثار والمفاهيم ج ٤/ ص ٢٨٥، وزهرة التفاسير ج ٢/ ص ١٣٨٥، وخواطري حول القرآن الكريم للشعراوي ج ٣/ ص ١٧٢١.\n(^٣) انظر: الكشاف ج ١/ ص ٤٣٦، وأنوار التنزيل ج ٢/ ص ٨٦، ومدارك التنزيل ج ١/ ص ١٧٥.\n(^٤) انظر: روح المعاني ج ٤/ ص ٤٠، والتحرير والتنوير ج ٢/ ص ٢٠٣.\n(^٥) غرائب القرآن ورغائب الفرقان ج ٣/ ص ٣٨١.","vol":"1","page":231},{"text":"وكان الشيخ ابن عثيمين عد ما ذكره الشوكاني ومن قال بقوله وجيها، لكنه رجح أن يكون مس وأصاب بمعنى واحد فقال: (وهذا الفرق-يعني ما ذكره العلماء من أن المس هنا أخف من الإصابة، وما ينبني عليه من معنى دقيق- بالنسبة لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ وجيه، لكن بالنسبة لقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ لو قلنا بهذا الفرق لكان فرحهم بالسيئة لا يكون إلا إذا كانت شديدة، وهذا فيما يظهر خلاف حالهم، وبناء على ذلك يترجح قول بأن مس وأصاب بمعنى واحد) (^١).\nويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن رأي الشوكاني ومن قال بقوله وجيه أيضا بالنسبة لقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ من حيث إن المنافقين إذا فرحوا بأعظم المصائب مما يرثى له الشامت، ويرق الحاسد فغيره أولى. (^٢).\nومع هذا فقول من قال إنهما بمعنى واحد قول صحيح من جهة أن بين المس والإصابة قدرا مشتركا، فالمس بلا شك هو إصابة، لكنه يختلف عنه بكونه أدنى الإصابة وأقلها.\nوأما ما استدلوا به من آيات، فالجواب عنه أن يقال: إن المس إصابة.\nووجود هذا القدر المشترك هو الذي يسمح بتبادل الألفاظ، والتعبير عن اللفظة بالأخرى (^٣)، ولذلك سوى الله بينهما، فجاء في مواضع من القرآن ذكر المس، وفي أخرى ذكر الإصابة، لكن هذا لا يمنع أن يكون بين اللفظين فرق.\nومما يدل على أن المس إصابة قليلة: قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٤٦)﴾ [الأنبياء: ٤٦]. قال ابن عاشور: (والنفحة: المرة من الرضخ في العطية، يقال: نفحه بشيء إذا أعطاه. وفي مادة \" النفح \" أنه عطاء قليل نَزِر. وبضميمة بناء المرة فيها، والتنكير، وإسناد المس إليها دون فعل آخر أربع مبالغات في التقليل، فما ظنك بعذاب يدفع قليله من حل به إلى الإقرار باستحقاقه إياه، وإنشاء تعجبه من سوء حال نفسه) (^٤).\nفالأحسن والأنسب بالمقام ما قيل إنه للدلالة على إفراطهم في السرور والحزن؛ لأن المس أقل من الإصابة كما هو الظاهر، فإذا ساءهم أقل خير نالهم فغيره أولى منه، وإذا فرحوا بأعظم المصائب مما يرثى له الشامت، ويرق الحاسد فغيره أولى. وهذا من أسرار بلاغة التنزيل (^٥).\n_________\n(^١) تفسير سورة آل عمران ج ٢/ ص ١٠٤.\n(^٢) انظر: روح المعاني ج ٤/ ص ٤٠، ومحاسن التأويل ج ٢/ ص ٣٩٦.\n(^٣) انظر: الفروق اللغوية وأثرها في تفسير القرآن الكريم للدكتور محمد الشايع ص ٣٠٣.\n(^٤) التحرير والتنوير ج ١٧/ ص ٥٩.\n(^٥) انظر: روح المعاني ج ٤/ ص ٤٠، ومحاسن التأويل ج ٢/ ص ٣٩٦.","vol":"1","page":232},{"text":"أما قولهم: إنه للتفنن، فالجواب عنه أن يقال: إن التفنن في الخطاب مطلب ممدوح، لكن الكلام الصادر من حكيم لابد أن يكون لحكمة.\nقال الشعراوي: وفي الآية التي نحن بصدد الخواطر عنها تجد خلافا في الأسلوب فسبحانه يقول: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ إنه لم يورد الأمر كله مسا، ولم يورده كله إصابة إنه كلام رب حكيم، وعندما نتمعن في المعنى فإن الواحد منا يقول: هذا كلام لا يقوله إلا رب حكيم وحين يقول الحق: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ فمعنى ذلك أن الحسنة الواقعة بسيطة، وليست كبيرة إنها مجرد غنيمة أو قليل من الخير إن الحق يقول: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ إن الكافرين يفرحون لأي سوء يصيب المؤمنين، مع أنه كان مقتضي الإنسانية أن ينقلب الحاسد راحما:\nوحسبك من حادث بامرئ … ترى حاسديه له راحمينا (^١)\nيعني حسبك من حادث ومصيبة تقع على إنسان أن الذي كان يحسده ينقلب راحما له، إذن فلما تشتد إصابة المؤمنين أكانت تغير من موقف الكافرين؟ لا، كان أهل الكفر يفرحون في أهل الإيمان، وإذا جاء خير أي خير للمؤمنين يحزنون فالحق يقول: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ والحسنة هي أي خير يمسهم مسا خفيفا (^٢).\nفظهر أن استنباط الشوكاني ومن قال بقوله صحيح، بل هو الأظهر لما تقدم، والله أعلم.\n_________\n(^١) البيت للشاعر أبي عبد الرحمن العتبي من أحفاد عتبة من أبي سفيان، كان علامة راوية للأخبار، تتابعت عليه المصائب في الذكور من ولده في الطاعون الكائن بالبصرة سنة تسع وعشرين ومائتين وقبل ذلك فمات منهم ستة فرثاهم بمراث كثيرة منها قوله:\nوكنت أبا ستة كالبدور … فقد فقؤوا أعين الحاسدينا\nفمروا على حادثات الزمان .... كمر الدراهم للناقدينا\nوحسبك من حادث بامرئ … ترى حاسديه له راحمينا\nانظر: معجم الشعراء للمرزباني ص ٤٢٠.\n(^٢) انظر: خواطري حول القرآن الكريم للشعراوي ج ٣/ ص ١٧٢١، ١٧٢٢.","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type='title' id=toc-323>٤١ - لم تباشر الملائكة القتال يوم بدر، وإنما كان الإمداد بهم بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب فحسب </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ آل عمران: ١٢٦.\nقال الشوكاني -﵀-: (جعل الله ذلك الإمداد بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب. وفي قصر الإمداد عليهما إشارة إلى عدم مباشرة الملائكة للقتال يومئذ) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-324>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- من الآية أن الملائكة لم تباشر القتال يوم بدر، وإنما كان الإمداد بهم بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب فحسب (^٤).\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه ما جعل الإمداد بالملائكة إلا بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب؛ فدل بمفهوم المخالفة- مفهوم الحصر- على عدم مباشرة الملائكة للقتال يومئذ.\nوهذا الاستنباط مبني على أن الوعد بنصرة الملائكة كان يوم بدر لا يوم أحد. إذ في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤)﴾ [آل عمران: ١٢٤] خلاف بين المفسرين هل كان يوم بدر أو أحد؟ على قولين:\nأحدهما: أن هذا الوعد متعلق بقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)﴾ [آل عمران: ١٢١] وذلك يوم أحد (^٥). لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالثلاثة الآلاف، ولا بالخمسة الآلاف؛ لقوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾﴾ [آل عمران: ١٢٥] فلم يصبروا؛ فلم يمدوا بملك واحد (^٦).\n_________\n(^١) وهو استنباط في السيرة النبوية لتعلقه بغزوة بدر.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٣٧٨.\n(^٣) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) إمداد الشخص بما يعينه سبب لسروره وبشارته؛ لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾. انظر: تفسير سورة آل عمران لابن عثيمين ج ٢/ ص ١٤١.\n٢) مناسبة ختم الآية بالعزيز الحكيم؛ لأنهما أولى بالذكر في هذا المقام؛ لأن العزيز ينصر من يريد نصره، والحكيم يعلم من يستحق نصره وكيف يعطاه. انظر: التحرير والتنوير ج ٣/ ص ٢١٢.\n(^٤) وقد ذكر الشوكاني هذا الاستنباط أيضا عند قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠]، فقال: (﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ﴾ أي: بالإمداد قلوبكم. وفي هذا إشعار بأن الملائكة لم يقاتلوا، بل أمد الله المسلمين بهم للبشرى لهم، وتطمين قلوبهم، وتثبيتها\". فتح القدير ج ٢/ ص ٢٩٠.\n(^٥) قال ابن كثير: وهو قول مجاهد، وعكرمة، والضحاك، والزهري، وموسى بن عقبة، وغيرهم. انظر: تفسير القرآن العظيم ج ٢/ ص ٤١٥. ورجح ابن عثيمين أن يكون في أحد. انظر: تفسير سورة آل عمران ج ٢/ ص ١٣٨.\n(^٦) انظر: تفسير القرآن العظيم ج ٢/ ص ٤١٥.","vol":"1","page":234},{"text":"ثانيهما: أن قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ متعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣] (^١).\nقال الشوكاني: (قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ متعلق بقوله: ﴿نَصَرَكُمُ﴾) (^٢).\nوالقول بأن الوعد بنصرة الملائكة كان يوم بدر لا يوم أحد قول جمهور المفسرين (^٣)، وهو الأظهر -والله أعلم- إذ السياق دال عليه (^٤).\nقال ابن كثير: فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله في قصة بدر ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠]؟ فالجواب: أن التنصيص على الألف ها هنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها؛ لقوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بمعنى يردفهم غيرهم، ويتبعهم ألوف أخر مثلهم. وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان يوم بدر والله أعلم) (^٥).\nوممن قال باستنباط الشوكاني: أبو السعود، والقنوجي. (^٦).\n_________\n(^١) قال ابن كثير: وهذا عن: الحسن البصري، وعامر الشعبي، والربيع بن أنس، وغيرهم. واختاره ابن جرير انظر: تفسير القرآن العظيم ج ٢/ ص ٤١٤.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٣٧٨.\n(^٣) انظر: جامع البيان ج ٦/ ص ٢٠، والمحرر الوجيز ص ٣٥٢، والبحر المحيط ج ٣/ ص ٧١، وتفسير القرآن العظيم ج ٢/ ص ٤١٤، والتحرير والتنوير ج ٣/ ص ٢٠٧.\n(^٤) انظر: زاد المعاد ص ٤٩١، ومحاسن التأويل ج ٢/ ص ٤٠٥.\n(^٥) تفسير القرآن العظيم ج ٢/ ص ٤١٤.\n(^٦) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٢/ ص ٨١، وفتح البيان ج ٢/ ص ٣٢٧. وذكر السعدي أنه قول لكثير من المفسرين، فقال: (واختلف الناس هل كان هذا الإمداد حصل فيه من الملائكة مباشرة للقتال كما قاله بعضهم، أو أن ذلك تثبيت من الله لعباده المؤمنين، وإلقاء الرعب في قلوب المشركين كما قاله كثير من المفسرين، ويدل عليه قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾). تيسير الكريم الرحمن ص ١٤٦. ولعل السعدي أراد يوم بدر، وإن كان يحتمل أنه أراد يوم أحد.","vol":"1","page":235},{"text":"لكن القول بأن الملائكة باشرت القتال يومئذ هو قول جماعة من المفسرين كابن عطية، والقرطبي، وابن كثير، وابن عاشور. (^١). وهو قول ابن القيم في زاد المعاد حيث قال: (وكانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم) (^٢).\nوهذا القول -والله أعلم- هو الأظهر؛ لأن القول بمفهوم المخالفة معارض بالأدلة على أن الملائكة قاتلت ببدر، وقد تظاهرت الروايات وتظافرت على أن الملائكة حضرت بدرا وقاتلت كما قال ابن عطية والقرطبي (^٣).\nومن تلكم الأدلة:\nحديث ابن عباس -﵃- أن النبي -ﷺ- قال يوم بدر: \"هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب\" (^٤).\nوقول ابن عباس -﵃-: \"بينما رجل من المسلمين يومئذ -يعني ببدر- يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع حصول بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم كلاهما، وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله -ﷺ- فقال: صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة … الحديث\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المحرر الوجيز ص ٣٥٢، والجامع لأحكام القرآن ج ٤/ ص ١٨٨، ١٨٩، وتفسير القرآن العظيم ج ٢/ ص ٤١٤، والتحرير والتنوير ج ٣/ ص ٢٠٨.\n(^٢) انظر: زاد المعاد ص ٤٩٣.\n(^٣) انظر: المحرر الوجيز ص ٣٥٢، والجامع لأحكام القرآن ج ٤/ ص ١٨٨، ١٨٩.\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: شهود الملائكة بدرا، رقم: ٣٧٧٣، ج ٤/ ص ١٤٦٨.\n(^٥) أخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، رقم: ١٧٦٣، ج ٣/ ص ١٣٨٤. قال مسلم: حدثنا هناد بن السري، حدثنا ابن المبارك، عن عكرمة بن عمار، حدثني سماك الحنفي قال: سمعت ابن عباس يقول: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر ح، وحدثنا زهير بن حرب -واللفظ له-، حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني أبو زميل هو سماك الحنفي، حدثني عبد الله بن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: \"لما كان يوم بدر نظر رسول الله -ﷺ- إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله -ﷺ- القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه مادا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ فأمده الله بالملائكة. قال أبو زميل فحدثني بن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع حصول بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا … الحديث.","vol":"1","page":236},{"text":"وقول الربيع بن أنس (^١) -﵁-: \"كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ﵈ ممن قتلوهم، بضرب على الأعناق، وعلى البنان، مثل سمة النار قد أحرق به\" (^٢).\nويتنبه إلى أن الشوكاني نقض هذا الاستنباط عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [التوبة: ٢٦] حيث قال: (قوله: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ هم الملائكة. وقد اختلف في عددهم على أقوال: قيل: خمسة آلاف، وقيل: ثمانية آلاف، وقيل: ستة عشر ألفا، وقيل غير ذلك، وهذا لا يعرف إلا من طريق النبوة. واختلفوا أيضا هل قاتلت الملائكة في هذا اليوم أم لا؟ وقد تقدم أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر، وأنهم إنما حضروا في غير يوم بدر لتقوية قلوب المؤمنين، وإدخال الرعب في قلوب المشركين) (^٣).\nفلعله رجع عن هذا الاستنباط. أو أنه نقله ممن سبقه ولم يدقق فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-325>٤٢ - سبقت رحمة الله غضبه </span>(^٤).\nقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ آل عمران: ١٢٩.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه، وتبشير لعباده بأنه المتصف بالمغفرة والرحمة على وجه المبالغة، وما أوقع هذا التذييل الجليل، وأحبه إلى قلوب العارفين بأسرار التنزيل) (^٥).\n_________\n(^١) هو الربيع بن أنس بن زياد البكري، الخراساني، المروزي، تابعي، سمع أنس بن مالك، وأبا العالية الرياحي وأكثر عنه، والحسن البصري. وعنه: سليمان التيمي، والأعمش، والحسين بن واقد، وأبو جعفر الرازي، وعبد العزيز بن مسلم، وابن المبارك، وآخرون. وكان عالم مرو في زمانه، قال أبو حاتم: صدوق، سجن بمرو ثلاثين سنة، يقال: توفي سنة تسع وثلاثين ومائة، حديثه في السنن الأربعة. انظر: الطبقات الكبرى ج ٧/ ص ٣٦٩، والثقات ج ٤/ ص ٢٢٨، وسير أعلام النبلاء ج ٦/ ص ١٧٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ج ٥/ ص ١٦٦٨. وأورده ابن كثير في تفسيره، وقال عنه محقق التفسير-أ. د. حكمت ياسين-: أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي. انظر: تفسير القرآن العظيم ج ٤/ ص ١٧٠.\n(^٣) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٤٨.\n(^٤) وهو استنباط في الرقائق، وفي علوم القرآن أيضا (لتعلقه بمناسبة ختم الآية).\n(^٥) فتح القدير ج ١/ ص ٣٧٨.","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type='title' id=toc-326>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- من الآية أن رحمة الله سبقت غضبه.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أن الجميع ملك له، وأنه المتصرف فلا معقب لحكمه، يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، ثم ختم الآية بما يدل على المغفرة فقال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ فدل ختمه بهذين الاسمين المتضمنين صفتي المغفرة والرحمة بدلالة الربط بين الآية وخاتمتها على أن رحمة الله سبقت غضبه، إذ التذييل بهذين الاسمين مقرر لمضمون قوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ مع زيادة، وفي تخصيص التذييل به من الاعتناء بشأن المغفرة والرحمة ما لا يخفى. (^١).\nقال الرازي: (ثم ختم الكلام بقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ والمقصود بيان أنه وإن حسن كل ذلك منه، إلا أن جانب الرحمة والمغفرة غالب لا على سبيل الوجوب، بل على سبيل الفضل والإحسان) (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، والطوفي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي. (^٣).\nوذكر الهرري وجها آخر لاستنباط هذا المعنى فقال: (﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ مغفرته بفضله ورحمته، ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ تعذيبه بعدله، وتقديم المغفرة على التعذيب للإعلام بأن رحمته سبقت غضبه) (^٤).\nفوجه الاستنباط عنده تقديم ذكر المغفرة على العذاب.\nوكلا الوجهين صحيح في دلالته على المعنى المستنبط. وهو بلا شك معنى صحيح، فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي\" (^٥). ولذا جمع بعض المفسرين كالبروسوي بين الوجهين (^٦).\n_________\n(^١) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٢/ ص ٨٤، وروح المعاني ج ٤/ ص ٥٢.\n(^٢) التفسير الكبير ج ٨/ ص ١٩٣.\n(^٣) انظر: قطف الأزهار ج ١/ ص ٦٤٠ حيث نقل السيوطي قول الطوفي، وإرشاد العقل السليم ج ٢/ ص ٨٤، وروح المعاني ج ٤/ ص ٥٢، وفتح البيان ج ٢/ ص ٣٢٩، ومحاسن التأويل ج ٢/ ص ٤١٠.\n(^٤) حدائق الروح والريحان ج ٥/ ص ١١٥.\n(^٥) أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء رقم: ٦٩٨٦، ج ٦/ ص ٢٧٠٠.\n(^٦) انظر: روح البيان ج ٢/ ص ٩٥.","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type='title' id=toc-327>٤٣ - الإيمان يزيد وينقص </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ آل عمران: ١٧٣.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفيه دليل على أن الإيمان يزيد وينقص) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-328>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- من الآية أن الإيمان يزيد وينقص.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أن الإيمان يزيد؛ فدل بدلالة الالتزام على أنه ينقص أيضا؛ لأن كل ما يزيد ينقص (^٣).\nوهو استنباط صحيح على مذهب أهل السنة والجماعة أيدته الآيات والأحاديث (^٤).\nفمن الآيات: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤)﴾ [الفتح: ٤].\nومن الأحاديث الدالة عليه:\nحديث الشفاعة. وقول النبي -ﷺ-: فيه: \"فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار؛ فأنطلق فأفعل هذا\" (^٥).\n_________\n(^١) وهو استنباط عقدي.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٤٠٠.\n(^٣) انظر: أضواء البيان ج ١/ ص ٤٣٨.\n(^٤) انظر: الإبانة لابن بطة العكبري، باب: زيادة الإيمان ونقصانه ج ٢/ ص ٨٣١ - ٨٦١، واعتقاد أهل السنة لللالكائي ج ٥/ ص ٩٥١، ومنهاج السنة النبوية ج ٥/ ص ٢٠٥، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ص ٣٨٤، ومعارج القبول ج ١/ ص ٢٧٧، وج ٣/ ص ١٠٠٤.\n(^٥) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، ح ١٩٣، ج ١، ص ١٨٣. ونص الحديث: \"إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون آدم فيقولون له: اشفع لذريتك؛ فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم -﵇-؛ فإنه خليل الله، فيأتون إبراهيم، فيقول: لست لها ولكن عليكم بموسى -﵇-؛ فإنه كليم الله، فيؤتى موسى، فيقول: لست لها ولكن عليكم بعيسى -﵇-؛ فإنه روح الله وكلمته، فيؤتى عيسى، فيقول: لست لها ولكن عليكم بمحمد -ﷺ-، فأوتى، فأقول: أنا لها، فأنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي، فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن يلهمنيه الله، ثم أخر له ساجدا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل هذا\".","vol":"1","page":239},{"text":"قال النووي: (وفي هذا الحديث دلالة لمذهب السلف وأهل السنة ومن وافقهم من المتكلمين في أن الإيمان يزيد وينقص، ونظائره في الكتاب والسنة كثيرة) (^١).\nقال الآلوسي: (﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢] أي: تصديقا كما هو المتبادر؛ فإن تظاهر الأدلة، وتعاضد الحجج مما لا ريب في كونه موجبا لذلك، وهذا أحد أدلة من ذهب إلى أن الإيمان يقبل الزيادة والنقص، وهو مذهب الجم الغفير من الفقهاء، والمحدثين، والمتكلمين، وبه أقول؛ لكثرة الظواهر الدالة على ذلك من الكتاب والسنة من غير معارض لها عقلا، بل قد احتج عليه بعضهم بالعقل أيضا، وذلك أنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان؛ لكان إيمان آحاد الأمة، بل المنهمكين في الفسق والمعاصي مساويا لإيمان الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام واللازم باطل فكذا الملزوم) (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط من هذه الآية: البيضاوي، وأبو السعود، والقنوجي، والقاسمي، ومحمد أبو زهرة، وعبد الرحمن الدوسري. (^٣).\nوكذا استنبط جمع من المفسرين المعنى الذي استنبطه الشوكاني من هذه الآية، لكن استنباطهم لهذا المعنى جاء من آيات أخرى مماثلة (^٤) لهذه الآية. (^٥).\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم ج ٣/ ص ٦٣.\n(^٢) روح المعاني ج ٩/ ص ١٦٥.\n(^٣) انظر: أنوار التنزيل ج ٢/ ص ١١٧، وإرشاد العقل السليم ج ٢/ ص ١١٤، وفتح البيان ج ٢/ ص ٣٧٩، ومحاسن التأويل ج ٢، ص ٤٦١، وزهرة التفاسير ج ٣/ ص ١٥١٢، وصفوة الآثار والمفاهيم ج ٤/ ص ٤٣٥.\n(^٤) كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ الأنفال: ٢.\nوقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ التوبة: ١٢٤.\nوقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣)﴾ الكهف: ١٣.\nوقوله: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾ مريم: ٧٦.\nوقوله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾ الأحزاب: ٢٢.\nوقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤)﴾ الفتح: ٤.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ محمد: ١٧.\nوقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا … هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ … (٣١)﴾ المدثر: ٣١.\n(^٥) كاستنباط السمعاني في تفسير القرآن العزيز ج ٢/ ص ٢٤٨، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم ج ٤/ ص ١٥٧، والآلوسي في روح المعاني ج ٩/ ص ١٦٥، والسعدي في تيسير الكريم الرحمن ص ٣١٥ من آية الأنفال.\nواستنباط ابن كثير في تفسير القرآن العظيم ج ٤/ ص ٣٧٤، والسعدي في تيسير الكريم الرحمن ص ٣٥٦ من آية التوبة.\nواستنباط ابن كثير في تفسير القرآن العظيم ج ٦/ ص ١٧٠ من آية الأحزاب.","vol":"1","page":240},{"text":"قال ابن كثير- في تفسير قوله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣)﴾ [الكهف: ١٣]-: (استدل بهذه الآية وأمثالها غير واحد من الأئمة كالبخاري وغيره ممن ذهب إلى زيادة الإيمان وتفاضله، وأنه يزيد وينقص؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣)﴾، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧]، وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ [التوبة: ١٢٤]، وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-329>٤٤ - قول اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ بمكان يعدل قتل الأنبياء </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ آل عمران: ١٨١.\nقال الشوكاني -﵀-: (قوله: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾ عطف على ﴿مَا قَالُوا﴾ أي: ونكتب قتلهم الأنبياء، أي: قتل أسلافهم للأنبياء، وإنما نسب ذلك إليهم لكونهم رضوا به. جعل ذلك القول قرينا لقتل الأنبياء تنبيها على أنه من العظم والشناعة بمكان يعدل قتل الأنبياء) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-330>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- من الآية أن قول اليهود: إن الله فقير وهم أغنياء بمكان يعدل قتل الأنبياء.\nووجه الاستنباط: عطف (^٤) قتلهم الأنبياء على قولهم الفاسد، فجعل ذلك القول قرينا لقتل الأنبياء؛ فدل بدلالة الاقتران على أن قولهم بمكان يعدل قتل الأنبياء.\nوالاقتران هنا معتبر لأنه دال على معنى غير الأحكام. إذ يمكن أخذ شيء من المعاني الأخرى غير الأحكام عن طريق دلالة الاقتران، وذلك كالتشريف الناتج عن الاقتران المشعر به أحيانا، أو التعظيم، أو غير ذلك من المعاني (^٥).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم ج ٥/ ص ١٤٠. وانظر قريبا منه قول الشنقيطي في أضواء البيان ج ١/ ص ٤٣٨.\n(^٢) وهو استنباط عقدي من حيث تعظيم وصف الله بما لم يصف به نفسه فضلا عما يترفعون عنه.\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ٤٠٦.\n(^٤) من أغراض العطف بلوغ أحد الموصولين شهرة الآخر في الصفة، فأحد الموصولين هنا قد بلغ في الوصف المراد بيانه مبلغ الآخر الذي عُرف وشُهر ببلوغه الغاية في هذا الوصف. انظر: بلاغة أسلوب الفصل والوصل في القرآن ج ٢/ ص ١.\n(^٥) انظر: قواعد التفسير ج ٢/ ص ٦٤٦.","vol":"1","page":241},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، وأبو السعود، والبروسوي، والآلوسي، والقنوجي. (^١).\n_________\n(^١) انظر: الكشاف ج ١/ ص ٤٧٥، وإرشاد العقل السليم ج ٢/ ص ١٢١، وروح البيان ج ٢/ ص ١٤٠، وروح المعاني ج ٤/ ص ١٤١، وفتح البيان ج/ ٢ ص ٣٨٩.","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type='title' id=toc-331>سورة النساء</span>\n<span data-type='title' id=toc-332>٤٥ - لا حق للمملوكات في القَسْم </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ النساء: ٣.\nقال الشوكاني -﵀-: (قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ معطوف على واحدة، أي: فانكحوا واحدة، أو انكحوا ما ملكت أيمانكم من السراري، وإن كثر عددهن، كما يفيده الموصول. والمراد نكاحهن بطريق الملك لا بطريق النكاح. وفيه دليل على أنه لا حق للمملوكات في القسم، كما يدل على ذلك جعله قسيما للواحدة في الأمن من عدم العدل) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-333>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- أن المملوكات لا حق لهن في القسم.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ والمراد به العدل في القسم بين الزوجات، فأما إن خاف إظهار الميل ومجانبة العدل فعليه الاقتصار على الواحدة، وبه يزول الخوف من الميل (^٤)، ثم قال بعدها: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فجعل الإماء والحرة الواحدة عوضا من الأربع، مع خيفة الجور في ترك الخروج إليهن بحقوقهن، والقسم منها (^٥)، فاقتضى عطف ملك اليمين على الواحدة أن يكون الذي يعدل إليه خيفة الحيف وترك العدل، لا يجب فيه مراعاة العدل، وذلك ملك اليمين (^٦).\n_________\n(^١) وهو استنباط فقهي.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٤٢١.\n(^٣) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) استنبط الشافعي أن الاشتغال بنوافل العبادات أفضل من الاشتغال بالنكاح، ووجهه: أن الله خيَّر بين تزوج الواحدة والتسري، والتخيير بين شيئين مشعر بالمساواة بينهما في الحكمة المطلوبة، -خلافا لأبي حنيفة إذ عكس الأمر- والحكمة: سكون النفس بالأزواج، وتحصين الدين، ومصالح البيت، وكل ذلك حاصل بالطريقين، وأجمعنا على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري، فوجب أن يكون أفضل من النكاح؛ لأن الزائد على المتساويين يكون زائدا على المساوي الثاني لا محالة. انظر: التفسير الكبير ج ٩/ ص ١٤٤، والبحر المحيط ج ٣/ ص ٢٣٠، وصفوة الآثار والمفاهيم ج ٥/ ص ٥٤.\n٢) في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ الإشارة إلى النظر قبل النكاح؛ لأن الطيب إنما يعرف به؛ فدل باللزوم على النظر. الإكليل ج ٢/ ص ٥٠٢. …\n٣) استنبط السعدي بمفهوم المخالفة-مفهوم الصفة-أنه لا يجوز نكاح المرأة الخبيثة، فقال: (وفي قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ دليل على أن نكاح الخبيثة غير مأمور به بل منهي عنه، كالمشركة، وكالفاجرة). انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ١٦٤.\n(^٤) انظر: أحكام القرآن للكيا ج ٢/ ص ٣١٩.\n(^٥) انظر: نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام ج ١/ ص ٢٣٩.\n(^٦) انظر: أحكام القرآن للكيا ج ٢/ ص ٣٢٠.","vol":"1","page":243},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: القصاب، وإلكيا الهراسي، وابن العربي، وابن الفرس، والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي. (^١).\nوهن وإن لم يكن لهن حق في القسم؛ فإن لهن الحق في حسن المعاملة، وترك الضر (^٢)، وهو حق قائم بوجوب حسن الملكة، والرفق بالرقيق (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-334>٤٦ - حرمة أخذ شيء من مهر الزوجة دون رضاها </span>(^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-335>٤٧ - عدم اعتبار ما يصدر من النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك </span>(^٥).\nقال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ النساء: ٤.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي قوله: ﴿طِبْنَ﴾ دليل على أن المعتبر في تحليل ذلك منهن لهم إنما هو طيبة النفس، لا مجرد ما يصدر منها من الألفاظ التي لا يتحقق معها طيبة النفس، فإذا ظهر منها ما يدل على عدم طيبة نفسها؛ لم يحل للزوج ولا للولي، وإن كانت قد تلفظت بالهبة أو النذر أو نحوهما).\nثم قال: (وما أقوى دلالة هذه الآية على عدم اعتبار ما يصدر من النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك بمجردها؛ لنقصان عقولهن، وضعف إدراكهن، وسرعة انخداعهن، وانجذابهن إلى ما يراد منهن بأيسر ترغيب أو ترهيب) (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-336>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٧) -﵀- حرمة أخذ شيء من مهر الزوجة دون رضاها.\n_________\n(^١) انظر: نكت القرآن ج ١/ ص ٢٣٩، وأحكام القرآن ج ٢/ ص ٣٢٠، وأحكام القرآن ج ١/ ص ٣٤٥، وأحكام القرآن ج ٢/ ص ٥٢، والجامع لأحكام القرآن ج ٥/ ص ٢٣، والإكليل ج ٢/ ص ٥٠٢، وفتح البيان ج ٣/ ص ١٨.\n(^٢) انظر: التحرير والتنوير ج ٣/ ص ١٩.\n(^٣) انظر: أحكام القرآن لابن العربي ج ١/ ص ٣٤٥، والجامع لأحكام القرآن ج ٥/ ص ٢٣.\n(^٤) وهو استنباط فقهي.\n(^٥) وهو استنباط فقهي.\n(^٦) فتح القدير ج ١/ ص ٤٢٢.\n(^٧) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) دلت هذه الآية على جواز هبة الدين والبراءة منه كما جازت هبة المرأة للمهر وهو دين. انظر: أحكام القرآن للجصاص ج ٢/ ص ٣٥٢.\n٢) … ظاهر التبعيض في قوله تعالى: ﴿مِنْهُ﴾ فيه إشارة إلى أن ما تهبه المرأة يكون بعضا من الصداق، ففيه حث لهن على تقليل الموهوب. انظر: صفوة الآثار والمفاهيم ج ٥/ ص ٨٥. وهذا الاستنباط إنما يصح على القول بأن من هنا تبعيضية، ولا يصح على القول بأنها للجنس والبيان. انظر: التفسير الكبير ج ٩/ ص ١٤٨.","vol":"1","page":244},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أنما أباح الأخذ من مهر الزوجة على شرط رضاها؛ فدل بمفهوم المخالفة-مفهوم الشرط- حرمة أخذ شيء من مهر الزوجة دون رضاها؛ لانتفاء الشرط (^١).\nقال الشافعي: (فكان في هذه الآية إباحة أكله إذا طابت به نفسا، ودليل على أنها إذا لم تطب به نفسا لم يحل أكله) (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط أيضا القنوجي. وأشار إليه المراغي، وابن عثيمين، والهرري. (^٣).\nوالآية دالة على ضيق المسلك في هذا الباب ووجوب الاحتياط حيث بنى الشرط على طيب النفس فقال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ﴾ (^٤) وآثر لفظ طبن في النظم الكريم دون فإن وهبن لكم شيئا منه عن طيب نفس؛ إيذانا بأن العمدة في الأمر طيب النفس، وتجافيها عن الموهوب بالمرة، حيث جعل ذلك مبتدأ وركنا من الكلام لا فضلة كما في التركيب المفروض (^٥). وطيبة النفس بالعطاء أرق من الرضا به؛ لأن الرضا قد يتصور مع التورط، أما طيبة النفس فلا تتصور إلا بالسماح (^٦).\nقال بعض العلماء: إن وهبت ثم طلبت بعد الهبة علم أنها لم تطب عنه نفسا.\nوعن الشعبي (^٧) أن امرأة جاءت مع زوجها شريحا في عطية أعطتها إياه، وهي تطلب الرجوع، فقال شريح (^٨): رد عليها، فقال الرجل: أليس قد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، فقال: لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه.\n_________\n(^١) انظر: منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص ٣٢٤.\n(^٢) أحكام القرآن ج ١/ ص ٢١٦.\n(^٣) انظر: فتح البيان ج ٣/ ص ٢٢، وتفسير المراغي ج ٤/ ص ١٨٤، وتفسير سورة النساء ج ١/ ص ٣٧، وحدائق الروح والريحان ج ٥/ ٣٩٠،\n(^٤) انظر: الكشاف ج ١/ ص ٥٠٢، والتفسير الكبير ج ٩/ ص ١٤٨، وإرشاد العقل السليم ج ٢/ ص ١٤٤.\n(^٥) انظر: روح المعاني ج ٤/ ص ١٩٩، وصفوة الآثار والمفاهيم ج ٥/ ص ٨٦.\n(^٦) انظر: زهرة التفاسير ج ٣/ ص ١٥٨٨.\n(^٧) أبو عمرو عامر بن شراحيل الشَّعْبي الكوفى، علامة التابعين، أدرك خمسمائة من الصحابة -﵃-، كان إماما حافظا فقيها متفننا ثبتا متقنا، وكان يقول ما كتبت سوداء في بيضاء، ولي قضاء الكوفة، مات بعد المائة. انظر: تذكرة الحفاظ ج ١/ ص ٧٩، وتقريب التهذيب ج ١/ ص ٢٨٧، وطبقات الحفاظ ص ٤٠.\n(^٨) هو الفقيه أبو أمية شريح بن الحارث، يعد في كبار التابعين، واختلف في صحبته، توفي سنة ثمان وسبعين وهو ابن مائة سنة، وولى القضاء ستين سنة من زمن عمر إلى زمن عبد الملك بن مروان. انظر: الاستيعاب ج ٢/ ص ٧٠١، والإصابة ج ٣/ ص ٣٣٤، وسير أعلام النبلاء ج ٤/ ص ١٠٠.","vol":"1","page":245},{"text":"وروي عنه أيضا: أقيلها فيما وهبت ولا أقيله؛ لأنهن يخدعن.\nوعن عمر بن الخطاب -﵁- أنه كتب إلى قضاته: إن النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطته ثم أرادت أن ترجع فذلك لها. (^١).\nقال القاسمي: (ما رآه شريح وروي عن عمر هو الفقه الصحيح والاستنباط البديع؛ إذ الآية دلت على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط، حيث بنى الشرط على طيب النفس، ولم يقل فإن وهبن لكم إعلاما بأن المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة، وبرجوعها يظهر عدم طيب نفسها) (^٢).\nورأى آخرون بأن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت صداقها لزوجها نفذ ذلك عليها، ولا رجوع لها فيه. قال ابن العربي: (اتفق العلماء على أن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت صداقها لزوجها نفذ ذلك عليها، ولا رجوع لها فيه، إلا أن شريحا رأى الرجوع لها فيه، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ وإذا قامت طالبة له لم تطب به نفسا، وهذا باطل لأنها قد طابت وقد أكل، فلا كلام لها إذ ليس المراد صورة الأكل وإنما هو كناية عن الإحلال والاستحلال وهذا بين) (^٣).\nكما استنبط الشوكاني من الآية: عدم اعتبار ما يصدر من النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك بمجردها؛ لنقصان عقولهن، وضعف إدراكهن-لعله قصد أن عواطفهن تغلب على عقولهن- وسرعة انخداعهن، وانجذابهن إلى ما يراد منهن بأيسر ترغيب أو ترهيب.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال ﴿طِبْنَ﴾ فدل على أن المعتبر في تحليل ذلك منهن لهم إنما هو طيبة النفس، لا مجرد ما يصدر منها من الألفاظ التي لا يتحقق معها طيبة النفس؛ فدل بمفهوم الموافقة على عدم اعتبار ما يصدر من النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك بمجردها إذ لابد من طيبة النفس. فيكون لغير المهر حكم المهر في التمليك، فلا يحل إلا بطيبة النفس. وكأن الشوكاني -﵀- رأى أن في الآية تنبيها للرجال بأن يتحققوا مما يهبه لهم النساء عموما، فلا يحل لهم منه شيئا إلا إن طابت أنفسهن بذلك.\nومعنى هذا الاستنباط صحيح يؤيده عموم قوله -ﷺ-: \" لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الكشاف ج ١/ ص ٥٠٢، والتفسير الكبير ج ٩/ ص ١٤٨، والبحر المحيط ج ٣/ ص ٢٣٥، ومحاسن التأويل ج ٣/ ص ٢٧.\n(^٢) محاسن التأويل ج ٣/ ص ٢٧.\n(^٣) أحكام القرآن ج ١/ ص ٣٤٩.\n(^٤) رواه أحمد في مسنده ج ٥/ ص ٧٢، والبيهقي في شعب الإيمان، باب: في قبض اليد عن الأموال المحرمة، رقم: ٥٤٩٢، ج ٤/ ص ٣٨٧.","vol":"1","page":246},{"text":"<span data-type='title' id=toc-337>٤٨ - إفراد ذكر النساء بعد ذكر الرجال في الميراث للإيذان بأصالتهن في هذا الحكم </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ النساء: ٧.\nقال الشوكاني -﵀-: (وأفرد سبحانه ذكر النساء بعد ذكر الرجال، ولم يقل للرجال والنساء نصيب؛ للإيذان بأصالتهن في هذا الحكم، ودفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-338>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- من الآية أصالة حق النساء في الميراث، ودفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى أفرد ذكر النساء بعد ذكر الرجال، فلم يقل للرجال والنساء نصيب، بل جاء الحديث عن ميراث النساء بصيغة مساوية لنصيب الرجال مع أن نصيبهن أقل من نصيب الرجال؛ فدل ذلك على أصالتهن في هذا الحكم، ودفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء. (^٤).\n_________\n(^١) وهو استنباط فقهي من وجه، واستنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة) من وجه آخر.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٤٢٨.\n(^٣) واستنبط ابن عاشور مناسبة هذه الآية للآية قبلها: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ … غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء: ٦] والمناسبة أنهم كانوا في الجاهلية قد اعتادوا إيثار الأقوياء والأشداء بالمال، وحرمان الضعفاء، فلما أمرهم الله أن يؤتوا اليتامى أموالهم أمر عقبه بأمرهم بأن يجعلوا للرجال وللنساء نصيبا مما ترك الوالدان والأقربون، فإيتاء مال اليتيم تحقيق لإيصال نصيبه مما ترك له الوالدان والأقربون، وتوريث القرابة إثبات لنصيبهم مما ترك له الوالدان والأقربون. انظر: التحرير والتنوير ج ٤/ ص ٣٧.\n(^٤) انظر: تفسير سورة النساء لابن عثيمين ج ١/ ص ٥٠.","vol":"1","page":247},{"text":"قال أبو السعود: (إيراد حكمهن على الاستقلال دون الدرج في تضاعيف أحكامهم بأن يقال: للرجال والنساء الخ؛ للاعتناء بأمرهن، والإيذان بأصالتهن في استحقاق الإرث، والإشارة من أول الأمر إلى تفاوت ما بين نصيبي الفريقين، والمبالغة في إبطال حكم الجاهلية؛ فإنهم ما كانوا يورثون النساء والأطفال) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود -كما تقدم-، والقنوجي، والآلوسي، والدوسري، وابن عثيمين. (^٢).\nوفي هذا الاستنباط ما يدل على رعاية الإسلام لحقوق المرأة المالية. وفيه دليل على بلاغة القرآن ودقة ألفاظه في الدلالة على المراد.\nومن الأمور الدقيقة الدالة على حرص الإسلام على رعاية الإسلام لحقوق المرأة المالية، ودفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء:\n١ - بلاغة قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: من الآية ١١] في الدلالة على اعتناء الإسلام بميراث المرأة.\nقال ابن عاشور: (﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ جعل حظ الأنثيين هو المقدار الذي يقدر به حظ الذكر، ولم يكن قد تقدم تعيين حظ للأنثيين حتى يقدر به، فعلم أن المراد تضعيف حظ الذكر من الأولاد على حظ الأنثى منهم، وقد كان المراد صالحا لأن يؤدى بنحو: للأنثى نصف حظ ذكر، أو للأنثيين مثل حظ ذكر، إذ ليس المقصود إلا بيان المضاعفة، ولكن أوثر هذا التعبير لنكتة لطيفة هي الإيماء إلى أن حظ الأنثى صار في اعتبار الشرع أهم من حظ الذكر، إذ كانت مهضومة الجانب عند أهل الجاهلية فصار الإسلام ينادي بحظها في أول ما يقرع الأسماع قد علم أن قسمة المال تكون باعتبار عدد البنين والبنات) (^٣).\n٢ - أن الله تعالى أثبت فرضا للإخوة للأم في الكلالة فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ … رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: من الآية ١٢] فكان هذا إبطالا لما كان عليه أهل الجاهلية من إلغاء جانب الأمومة أصلا؛ لأنه جانب نساء (^٤).\n_________\n(^١) إرشاد العقل السليم ج ٢/ ص ١٤٦.\n(^٢) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٢/ ص ١٤٦، وفتح البيان ج ٣/ ص ٣٠، وروح المعاني ج ٤/ ص ٢١٠، وصفوة الآثار والمفاهيم ج ٥/ ص ٨٦، وتفسير سورة النساء ج ١/ ص ٥٠.\n(^٣) التحرير والتنوير ج ٤/ ص ٤٦.\n(^٤) انظر: المصدر السابق ج ٤/ ص ٥٢.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-339>٤٩ - الاقتصار في ميراث البنتين على الثلثين </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ النساء: ١١.\nقال الشوكاني -﵀-: (وللاثنتين فصاعدا الثلثان وظاهر النظم القرآني أن الثلثين فريضة الثلاث من البنات فصاعدا، ولم يسم للاثنتين فريضة؛ ولهذا اختلف أهل العلم في فريضتهما، فذهب الجمهور إلى أن لهما إذا انفردتا عن البنين الثلثين، وذهب ابن عباس -﵃- إلى أن فريضتهما النصف، احتج الجمهور بالقياس على الأختين؛ فإن الله سبحانه قال في شأنهما: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ فألحقوا البنتين بالأختين في استحقاقهما الثلثين، كما ألحقوا الأخوات إذا زدن على اثنتين بالبنات في الاشتراك في الثلثين (^٢) … ويكمن تأييد ما احتج به الجمهور بأن الله سبحانه لما فرض للبنت الواحدة إذا انفردت النصف بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ كان فرض البنتين إذا انفردتا فوق فرض الواحدة، وأوجب القياس على الأختين الاقتصار للبنتين على الثلثين) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-340>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٤) -﵀- من الآية الاقتصار في ميراث البنتين على الثلثين.\n_________\n(^١) وهو استنباط فقهي.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٤٣١.\n(^٣) المصدر السابق ج ١/ ص ٤٣٢.\n(^٤) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) أن الله أرحم بعباده من الوالدين حيث أوصى الوالدين مع كمال شفقتهم. قال ابن كثير: (وقد استنبط بعض الأذكياء من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالدة بولدها حيث أوصى الوالدين بأولادهم؛ فعُلم أنه أرحم بهم منهم …). تفسير القرآن العظيم ج ٣/ ص ٢٧.\n٢) ينبغي للإنسان أن يختار من الألفاظ الأحسن والأمثل، وإن كان المؤدى واحدا؛ فإن الله قال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ولم يقل: للأنثى نصف ما للذكر. انظر: تفسير سورة النساء لابن عثيمين ج ١/ ص ٨٤.\n٣) مشروعية الوصية؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾. انظر: الإكليل ج ٢/ ص ٥١٨.\n٤) واستنبط السعدي من هذه الآية والتي تليها حكم ميراث القاتل، والرقيق، والمخالف في الدين، والخنثى، وغيرهم، فقال: (فيه تنبيهات وإشارات دقيقة يعسر فهمها على غير المتأمل تدل على جميع المذكورات) راجعها في تيسير الكريم الرحمن ص ١٦٦ - ١٧٠.","vol":"1","page":249},{"text":"ووجه الاستنباط من جهتين:\nالأولى: أن الله تعالى فرض للبنت الواحدة إذا انفردت النصف، ومفهوم المخالفة يقتضي أن ما زاد عن الواحدة فليس لها النصف؛ فدل ذلك على أن فرض البنتين إذا انفردتا فوق فرض الواحدة، وليس بعده إلا الثلثان.\nالثانية: أن الله تعالى جعل الثلثين للأختين في قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا … اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا … إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: من الآية ١٧٦] وصلة البنتين بأبيهما أقوى من صلة الأختين بأخيهما، فدل بمفهوم الموافقة الأولي، أو القياس على أن للبنتين الثلثين.\nوممن قال بهذا الاستنباط: القصاب، والجصاص، والقنوجي، والسعدي، والشنقيطي، وابن عثيمين. (^١).\nورأى ابن عباس -﵃- أن للبنتين النصف، وكأنه لم ير لتوريثهما أكثر من التشريك في النصف محملا في الآية، ولو أريد ذلك لما قال: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ (^٢).\nوما ذهب إليه الشوكاني هو رأي الجمهور. قال الشنقيطي: (﴿فَإِنْ كُنَّ … نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن البنات إن كن ثلاثا فصاعدا فلهن الثلثان، وقوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ يوهم أن الاثنتين ليستا كذلك، وصرح بأن الواحدة لها النصف، ويفهم منه أن الاثنتين ليستا كذلك أيضا، وعليه ففي دلالة الآية على قدر ميراث البنتين إجمال. وقد أشار تعالى في موضعين إلى أن هذا الظرف-يعني: فوق- لا مفهوم مخالفة له، وأن للبنتين الثلثين أيضا: الأول: قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إذ الذكر يرث مع الواحدة الثلثين بلا نزاع، فلا بد أن يكون للبنتين الثلثان في صورة، وإلا لم يكن للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأن الثلثين ليسا بحظ لهما أصلا، لكن تلك الصورة ليست صورة الاجتماع إذ ما من صورة يجتمع فيها الابنتان مع الذكر ويكون لهما الثلثان؛ فتعين أن تكون صورة انفرادهما عن الذكر … ومما يزيده إيضاحا أنه تعالى فرعه عليه بالفاء في قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ﴾ إذ لو لم يكن فيما قبله ما يدل على سهم الإناث لم تقع الفاء موقعها كما هو ظاهر. الموضع الثاني: هو قوله تعالى في الأختين: ﴿فَإِنْ كَانَتَا … اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: من الآية ١٧٦]؛ لأن البنت أمس رحما، وأقوى سببا في الميراث من الأخت بلا نزاع، فإذا صرح تعالى بأن للأختين الثلثين علم أن البنتين كذلك من باب أولى … فالله ﵎ لما بين أن للأختين الثلثين أفهم بذلك أن البنتين كذلك من باب أولى. وكذلك لما صرح أن لما زاد على الاثنتين من البنات الثلثين فقط -ولم يذكر حكم ما زاد على الاثنتين من الأخوات- أفهم أيضا من باب أولى أنه ليس لما زاد من الأخوات غير الثلثين؛ لأنه لما لم يعط للبنات علم أنه لا تستحقه الأخوات فالمسكوت عنه في الأمرين أولى بالحكم من المنطوق به. ويزيد ما ذكرنا إيضاحا حديث جابر -﵃- قال جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله -ﷺ- فقالت: \"يا رسول الله هاتان ابنتا سعد، قتل أبوهما يوم أحد، وإن عمهما أخذ مالهما ولم يدع لهما مالا، ولا ينكحان إلا ولهما مال؛ فقال -ﷺ-: يقضي الله تعالى في ذلك؛ فنزلت آية الميراث، فبعث رسول الله -ﷺ- إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: نكت القرآن ج ١/ ص ٢٤٥، ٢٤٦، وأحكام القرآن ج ٣/ ص ٩، وفتح البيان ج ٣/ ص ٣٧، وتيسير الكريم الرحمن ص ١٦٦، وأضواء البيان ج ١/ ص ١٩١، وتفسير سورة النساء لابن عثيمين ج ١/ ص ٦٥، ٦٦.\n(^٢) انظر: التحرير والتنوير ج ٤/ ص ٤٦.\n(^٣) أخرجه أحمد في مسنده برقم: ١٤٨٤٠، ج ٣/ ص ٣٥٢، وابن ماجه في كتاب: الفرائض، باب: فرائض الصلب، رقم: ٢٧٢٠، ج ٢/ ص ٩٠٨، والترمذي في كتاب: الفرائض، باب: ما جاء في ميراث البنات، رقم: ٢٠٩٢، ج ٤/ ص ٤١٤. وأبو داود في كتاب: الفرائض، باب: ما جاء في ميراث الصلب، رقم: ٢٨٩١، ج ٣/ ص ١٢٠.","vol":"1","page":250},{"text":"ثم قال: وما روي عن ابن عباس -﵃- من أنه قال للبنتين النصف لأن الله تعالى قال:\n﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ فصرح بأن الثلثين إنما هما لما فوق الاثنتين فيه أمور:\nالأول: أنه مردود بمثله؛ لأن الله قال أيضا: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ فصرح بأن النصف للواحدة، جاعلا كونها واحدة شرطا معلقا عليه فرض النصف. وقد تقرر في الأصول أن المفاهيم إذا تعارضت قدم الأقوى منها، ومعلوم أن مفهوم الشرط أقوى من مفهوم الظرف؛ لأن مفهوم الشرط لم يقدم عليه من المفاهيم إلا ما قال فيه بعض العلماء: إنه منطوق لا مفهوم، وهو النفي والإثبات، وإنما من صيغ الحصر والغاية، وغير هذا يقدم عليه مفهوم الشرط … وبهذا تعلم أن مفهوم الشرط في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ أقوى من مفهوم الظرف في قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ … نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾.\nالثاني: دلالة الآيات المتقدمة على أن للبنتين الثلثين.\nالثالث: تصريح النبي -ﷺ- بذلك في حديث جابر المذكور آنفا.\nالرابع: أنه روي عن ابن عباس الرجوع عن ذلك. (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-341>٥٠ - الإخوة لأم إذا استكملت بهم المسألة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين أو لأب </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ … رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ النساء: ١٢.\n_________\n(^١) انظر: أضواء البيان ج ١/ ص ١٩١، ١٩٢.\n(^٢) وهو استنباط فقهي.","vol":"1","page":251},{"text":"قال الشوكاني -﵀-: (ودلت الآية على أن الإخوة لأم إذا استكملت بهم المسألة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين أو لأب، وذلك في المسألة المسماة بالحمارية (^١)، وهي إذا تركت الميتة زوجا، وأما، وأخوين لأم، وإخوة لأبوين؛ فإن للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوين لأم الثلث، ولا شيء للأخوة لأبوين. ووجه ذلك أنه قد وجد الشرط الذي يرث عنده الإخوة من الأم، وهو كون الميت كلالة (^٢)، ويؤيد هذا الحديث: \"ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر\" (^٣) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-342>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٥) -﵀- من الآية أن الإخوة لأم إذا استكملت بهم المسألة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين أو لأب (^٦)، فلا شيء للأخوة لأبوين.\n_________\n(^١) وتسمى بالمشرَّكة؛ وهي التي شرِّك فيها أحد مع أحد. وتسمى المشتركة؛ لاشتراك أولاد الأبوين مع أولاد الأم، وتسمى الحجرية، واليَمْيِّة؛ لأن الذين سألوا قالوا: اجعل أبانا حجرا في اليم. وسميت أيضا بالحمارية لأن الإخوة لأبوين قالوا: هب أبانا كان حمارا. واعترض الشيخ ابن عثيمين على هذه التسمية فقال: (وبهذا نعرف أن القضية التي تروى في كتب الفرائض وهي أن قوما ترافعوا إلى عمر -﵁- في المشرَّكة، وقالوا: يا أمير المؤمنين هب أن أبانا كان حمارا، أنا ظني أن هذه القصة مكذوبة؛ لأنهم لو قالوا لعمر: هب أن أبانا حمار لأوجعهم ضربا؛ لأن هذا من أكبر العقوق أن يقول الإنسان: هب أبي كان حمارا، ولو قالوا: هب أبانا كان معدوما لكان أهون، أما أن يقولوا أمام أمير المؤمنين عمر المعروف بشدته في دين الله: هب أبانا حمارا فلا أظن أن يكون أبدا، وهذا مما يدل على بطلان نسبتها إلى عمر -﵁-. شرح منظومة القلائد البرهانية ص ١٦٧ - ١٧٠.\n(^٢) عند الجمهور: هو الميت الذي لا ولد له ولا والد. انظر: أحكام القرآن للجصاص ج ٣/ ص ١٦، وأحكام القرآن لابن الفرس ج ٢/ ص ٩٥، وفتح القدير ج ١/ ص ٤٣٤.\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب: الفرائض، باب: ميراث الولد من أبيه وأمه، رقم: ٦٣٥١، ج ٦/ ص ٢٤٧٦، ومسلم في كتاب: الفرائض، باب: ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر، رقم: ١٦١٥، ج ٣/ ص ١٢٣٣.\n(^٤) فتح القدير ج ١/ ص ٤٣٥. وقد ذكر الشوكاني في هذا الموضع من تفسيره أنه ألف رسالة سماها: المباحث الدرية في المسألة الحمارية، وظهر لي - والله أعلم- أنها ما تزال مخطوطة لم تطبع بعد.\n(^٥) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) دل لفظ الكلالة على أن الفروع وإن نزلوا، والأصول الذكور وإن علوا يسقطون أولاد الأم؛ لأن الله لم يورثهم إلا في الكلالة فلو لم يكن يورث كلالة لم يرثوا منه شيئا اتفاقا. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ١٦٨.\n٢) الأخت مع البنت عصبة؛ لأن ليس في القرآن ما يدل على أن الأخوات يسقطن بالبنات، فإذا كان كذلك، وبقي شيء بعد أخذ البنات فرضهن؛ فإنه يعطى للأخوات، ولا يعدل عنهن إلى عصبة أبعد منهن، كابن الأخ والعم، ومن هو أبعد منهم. انظر: أحكام القرآن للكيا ج ٢/ ص ٣٦٣، وتيسير الكريم الرحمن ص ١٧٠.\n(^٦) قال ابن كثير: (وإخوة الأم يخالفون بقية الورثة من وجوه:\nأحدها: أنهم يرثون مع من أدلوا به وهي الأم.\nوالثاني: أن ذكورهم وإناثهم في الميراث سواء.\nوالثالث: لا يرثون إلا إن كان ميتهم يورث كلالة، فلا يرثون مع أب، ولاجد، ولا ولد، ولا ولد ابن.\nالرابع: أنهم لا يزادون على الثلث وإن كثر ذكورهم وإناثهم) تفسير القرآن العظيم ج ٣/ ص ٣٢.","vol":"1","page":252},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله تعالى فرض للأخوة لأم (^١) -في الكلالة- الثلث؛ فدل ذلك على أن غيرهم ساقط؛ فيصير الشقيق العاصب في المشرَّكة ليس له شيء.\nقال السعدي: (ودل قوله: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ أن الإخوة الأشقاء يسقطون في المسألة المسماة بالحمارية، وهي زوج، وأم، وإخوة لأم، وإخوة أشقاء، فللزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة للأم الثلث، ويسقط الأشقاء؛ لأن الله أضاف الثلث للإخوة من الأم، فلو شاركهم الأشقاء لكان جمعا لما فرق الله حكمه. وأيضا فإن الإخوة للأم أصحاب فروض والأشقاء عصبات وقد قال النبي -ﷺ-: \"ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر\" وأهل الفروض هم الذين قدر الله أنصباءهم، ففي هذه المسألة لا يبقى بعدهم شيء، فيسقط الأشقاء، وهذا هو الصواب في ذلك. وأما ميراث الإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب فمذكور في قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: من الآية ١٧٦] الآية، فالأخت الواحدة شقيقة أو لأب لها النصف، والثنتان لهما الثلثان، والشقيقة الواحدة مع الأخت للأب أو الأخوات تأخذ النصف، والباقي من الثلثين للأخت أو الأخوات لأب وهو السدس تكملة الثلثين، وإذا استغرقت الشقيقات الثلثين تسقط الأخوات للأب كما تقدم في البنات وبنات الابن، وإن كان الإخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين) (^٢).\nوممن قال بهذا: الجصاص، والقنوجي، والسعدي-كما تقدم-، وابن عثيمين. (^٣). (^٤).\n_________\n(^١) وقد أجمع المسلمون أن المراد هاهنا الإخوة من الأم؛ لأنه ذكر في آخر السورة أن للأختين الثلث، ففهموا أن المراد هنا الإخوة من الأم، وقد وردت فيها قراءة لأبي: ﴿وله أخ أو أخت من الأم﴾ ولسعد بن أبي وقاص -﵁-: ﴿وله أخ أو أخت من أم﴾ أو ﴿وله أخ أو أخت من لأمه﴾. انظر: بحر العلوم ج ١/ ص ٣١٣، والمحرر الوجيز ص ٤٠٩، والبحر المحيط ج ٣/ ص ٢٦٤، وتفسير سورة النساء لابن عثيمين ج ١/ ص ١٠٧.\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن ص ١٦٦.\n(^٣) انظر: أحكام القرآن ج ٣/ ص ٢٤، وفتح البيان ج ٣/ ص ٤٦، وتيسير الكريم الرحمن ص ١٦٦، وشرح منظومة القلائد البرهانية ص ١٦٧.\n(^٤) وكان علي بن أبي طالب -﵁- لا يشرك بينهم، بل يجعل الثلث لأولاد الأم، ولا شيء لأولاد الأبوين، والحالة هذه؛ لأنهم عصبة. وقال وكيع بن الجراح: لم يختلف عنه في ذلك. وهذا قول أبي بن كعب، وأبي موسى الأشعري -﵃-، وهو المشهور عن ابن عباس -﵃-، وهو مذهب الشعبي، وابن أبي ليلى، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وغيرهم. انظر: أحكام القرآن للجصاص ج ٣/ ص ٢٤، وأحكام القرآن لابن الفرس ج ٢/ ص ٩٦، ٩٧، والمغني ج ٦/ ص ١٧٢، وتفسير القرآن العظيم ج ٣/ ص ٣٢.","vol":"1","page":253},{"text":"ورأى آخرون (^١) منهم ابن العربي أنهم يشتركون مع الإخوة لأم في الثلث، فقال: (قوله: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ اتفق العلماء على أن التشريك يقتضي التسوية بين الذكر والأنثى؛ لأن مطلق اللفظ يدل عليه، كما أن الآية التي في سورة النساء في آخرها ما يقتضي التعصيب; ولذلك قلنا في مسألة الزوج، والأم، والأخ من الأم، والإخوة من الأب والأم: إن للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخ للأم السدس، وللإخوة للأب والأم السدس بحكم التعصيب) (^٢).\nولكل قول وجهه.\nفأما القول بالتشريك فبيَّن وجهه الشافعي بقوله: قلنا في المشتركة: زوج، وأم، وأخوين لأم، وأخوين لأب وأم: للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوين للأم الثلث، ويشركهم بنو الأب والأم; لأن الأب لما سقط حكمه صاروا بني أم معا، … وجدنا بني الأب والأم قد يكونون مع بني الأم فيكون للواحد منهم الثلثان وللجماعة من بني الأم الثلث، ووجدنا بني الأب والأم قد يشركهم أهل الفرائض فيأخذون أقل مما يأخذ بنو الأم، فلما وجدناهم مرة يأخذون أكثر مما يأخذون، ومرة أقل مما يأخذون فرقنا بين حكميهم، فورثنا كلا على حكمه؛ لأنا وإن جمعتهم الأم لم نعطهم دون الأب، وإن أعطيناهم بالأب مع الأم فرقنا بين حكميهم، فقلنا: إنا إنما أشركناهم مع بني الأم؛ لأن الأم جمعتهم وسقط حكم الأب، فإذا سقط حكم الأب كان كأن لم يكن، ولو صار للأب موضع يكون له فيه حكم استعملناه قل نصيبهم أو كثر، قال: فهل تجد مثل ما وصفت من أن يكون الرجل مستعملا في حال ثم تأتي حال لا يكون مستعملا فيها؟ … قلت: نعم، الأب يموت ابنه وللابن إخوة فلا يرثون مع الأب، فإذا كان الأب قاتلا ورثوا ولم يورث الأب من قبل أن حكم الأب قد زال، وما زال حكمه كان كمن لم يكن، فلم نمنعهم الميراث به، إذا صار لا حكم له كما منعناهم به إذا كان له حكم (^٣).\n_________\n(^١) قال ابن كثير: وقد وقعت هذه المسألة في زمان أمير المؤمنين عمر -﵁-، فأعطى الزوج النصف، والأم السدس، وجعل الثلث لأولاد الأم، فقال له أولاد الأبوين: يا أمير المؤمنين هب أن أبانا كان حمارا ألسنا من أم واحدة! فشرَّك بينهم. وصح التشريك عن عثمان -﵁-، وهو إحدى الروايتين عن ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس -﵃-، وبه يقول سعيد بن المسيب، وشريح القاضي، ومسروق، وطاووس، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، والثوري، وشريك، وهو مذهب مالك والشافعي. انظر: أحكام القرآن للجصاص ج ٣/ ص ٢٤، وأحكام القرآن لابن الفرس ج ٢/ ص ٩٦، ٩٧، والمغني ج ٦/ ص ١٧٢، وتفسير القرآن العظيم ج ٣/ ص ٣٢.\n(^٢) أحكام القرآن ج ١/ ص ٣٧٥.\n(^٣) انظر: الأم ج ٤/ ص ٨٨.","vol":"1","page":254},{"text":"وأما ما استنبطه الشوكاني-ومن قال بقوله- فيؤيده-كما قال الشوكاني- حديث: \"ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر\".\nوذكر الجصاص وجوها أخرى تؤيده فقال: (والدليل -على صحة القول بعدم التشريك- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ … رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ فنص على فرض الإخوة من الأم وهو الثلث، وبين أيضا حكم الإخوة من الأب والأم في قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: من الآية ١٧٦] فلم يجعل الله لهم فرضا مسمى، وإنما جعل لهم المال على وجه التعصيب، للذكر مثل حظ الأنثيين، ولا خلاف أنها لو تركت: زوجا، وأما، وأخا لأم، وإخوة وأخوات لأب وأم: أن للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخ من الأم السدس، وما بقي وهو السدس بين الإخوة والأخوات من الأب والأم للذكر مثل حظ الأنثيين، ولم يدخلوا مع الأخ من الأم في نصيبه، فلما كانوا مع ذوي السهام إنما يستحقون باقي المال بالتعصيب لا بالفرض؛ لم يجز لنا إدخالهم مع الإخوة من الأم في فرضهم؛ لأن ظاهر الآية ينفي ذلك إذ كانت الآية إنما أوجبت لهم ما يأخذونه للذكر مثل حظ الأنثيين بالتعصيب لا بالفرض، فما أعطاهم بالفرض فهو خارج عن حكم الآية، ويدل على ذلك قول النبي -ﷺ-: \"ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر\" فجعل للعصبة بقية المال بعد أخذ ذوي السهام سهامهم، فمن أشركهم مع ذوي السهام وهم عصبة فقد خالف الأثر.\nفإن قيل: لما اشتركوا في نسب الأم وجب أن لا يحرموا بالأب، قيل له: هذا غلط؛ لأنها لو تركت: زوجا، وأما، وأخا لأم، وإخوة وأخوات لأب وأم؛ لأخذ الأخ من أم السدس كاملا، وأخذ الإخوة والأخوات من الأب والأم السدس الباقي بينهم، وعسى يصيب كل واحد منهم أقل من العشر، ولم يكن لواحد منهم أن يقول قد حرمتموني بالأب مع اشتراكنا في الأم، بل كان نصيب الأخ من الأم أوفر من نصيب كل واحد منهم؛ فدل ذلك على معنيين:","vol":"1","page":255},{"text":"أحدهما: انتقاض العلة بالاشتراك في الأم.\nوالثاني: أنهم لم يأخذوا بالفرض، وإنما أخذوا بالتعصيب.\nويدل على فساد ذلك أيضا أنها لو تركت: زوجا، وأختا لأب وأم، وأختا وأخا لأب، أن للزوج النصف، وللأخت من الأب والأم النصف، ولا شيء للأخ والأخت من الأب لأنهما عصبة، فلا يدخل مع ذوي السهام، ولم يجز أن يجعل الأخ من الأب بمنزلة من لم يكن حتى تستحق الأخت من الأب سهمها الذي كانت تأخذه في حال الانفراد عن الأخ، وإنما التعصيب أخرجها عن السدس الذي كانت تستحقه، كذلك التعصيب يخرج الإخوة من الأب والأم عن الثلث الذي يستحقه الإخوة من الأم والله أعلم) (^١).\nوأطال ابن القيم في تأييد هذا القول، والرد على المخالفين. ومما قال: فإن قيل: بل ولد الأبوين منهم -أي من الإخوة لأم- إلغاء لقرابة الأب، قيل: هذا وهم؛ لأن الله سبحانه قال في أول الآية: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ فذكر حكم واحدهم وجماعتهم حكما يختص به الجماعة منهم كما يختص به واحدهم، وقال في ولد الأبوين: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا … اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا … إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فذكر حكم ولد الأب، والأبوين، واحدهم وجماعتهم، وهو حكم يختص به جماعتهم كما يختص به واحدهم، فلا يشاركهم فيه غيرهم، فكذا حكم ولد الأم، وهذا يدل على أن أحد الصنفين غير الآخرين، فلا يشارك أحد الصنفين الآخر، وهذا الصنف الثاني هو ولد الأبوين أو الأب بالإجماع، والأول هو ولد الأم بالإجماع كما فسرته قراءة بعض الصحابة (من أم) وهي تفسير وزيادة إيضاح، وإلا فذلك معلوم من السياق. ولهذا ذكر سبحانه ولد الأم في آية الزوجين وهم أصحاب فرض مقدر لا يخرجون عنه ولا حظ لأحد منهم في التعصيب، ولم يذكر فيها أحد من العصبة بخلاف ما ذكر في آية العمودين -الآية التي قبلها- فإن لجنسهم حظا في التعصيب، ولهذا قال في آية الإخوة من الأم والزوجين: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ ولم يقل ذلك في آية العمودين؛ فإن الإنسان كثيرا ما يقصد ضرار الزوج، وولد الأم؛ لأنهم ليسوا من عصبته، بخلاف أولاده وآبائه فإنه لا يضارهم في العادة، فإذا كان النص قد أعطى ولد الأم الثلث لم يجز تنقيصهم منه، وأما ولد الأبوين فهم جنس آخر وهم عصبته، وقد قال النبي -ﷺ-: \"ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر\"، وفي هذه المسألة لم تبق الفرائض شيئا فلا شيء للعصبة بالنص. وأما قول القائس: هب أن أبانا كان حمارا؛ فقول باطل حسا وشرعا؛ فإن الأب لو كان حمارا لكانت الأم أتانا، وإذا قيل: يقدر وجوده كعدمه؛ قيل: هذا باطل؛ فإن الموجود لا يكون كالمعدوم، وأما بطلانه شرعا؛ فإن الله سبحانه حكم في ولد الأبوين بخلاف حكمه في ولد الأم. فإن قيل: الأب أن لم ينفعهم لم يضرهم، قيل: بل قد يضرهم كما ينفعهم؛ فإن ولد الأم لو كان واحدا، وولد الأبوين مائة، وفضل نصف سدس انفرد ولد الأم بالسدس، واشترك ولد الأبوين في نصف السدس، وإذا جاز أن ينقصهم الأب جاز أن يحرمهم. وأيضا فالقرابة المتصلة الملتئمة من الذكر والأنثى لا تفرق أحكامها، هذه قاعدة النسب في الفرائض وغيرها، فالأخ من الأبوين لا نجعله كأخ من أب، وأخ من أم؛ فنعطيه السدس فرضا بقرابة الأم، والباقي تعصيبا بقرابة الأب (^٢).\n_________\n(^١) أحكام القرآن ج ٣/ ص ٢٤، ٢٥.\n(^٢) انظر: إعلام الموقعين ص ٣٥٥ - ٣٥٧.","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type='title' id=toc-343>٥١ - كل وصية من العباد تخالف وصية الله فهي مسبوقة بوصية الله </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ … رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ النساء: ١٢.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي كون هذه الوصية من الله سبحانه دليل على أنه قد وصى عباده بهذه التفاصيل المذكورة الفرائض، وأن كل وصية من عباده تخالفها فهي مسبوقة بوصية الله، وذلك كالوصايا المتضمنة لتفضيل بعض الورثة على بعض أو المشتملة على الضرار بوجه من الوجوه) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-344>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- مناسبة قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ التنبيه على أن كل وصية من عباده تخالفها فهي مسبوقة بوصية الله، وذلك كالوصايا المتضمنة لتفضيل بعض الورثة على بعض، أو المشتملة على الضرار بوجه من الوجوه.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر مقادير المواريث، وحذر من الضرار في الوصايا (^٣)، ثم أعقب ذلك بقوله: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ -أي: عهدا من الله إليكم فيما يجب لكم من ميراث من مات منكم-؛ فدل ذلك على أن كل وصية خالفت ما أمر الله به في تقسيم المواريث أو في الوصايا باطلة مردودة بوصية الله؛ لأنها سابقة لكل وصية يوصي بها العباد.\n_________\n(^١) وهو استنباط فقهي.\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٤٣٥.\n(^٣) الضرار في الوصية يقع على وجوه:\nأحدها: أن يوصي بأكثر من الثلث.\nوثانيها: أن يقر بكل ماله أو ببعضه لأجنبي.\nوثالثها: أن يقر على نفسه بدين لا حقيقة له دفعا للميراث عن الورثة.\nورابعها: أن يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه ووصل إليه.\nوخامسها: أن يبيع شيئا بثمن بخس، أو يشتري شيئا بثمن غال، كل ذلك لغرض أن لا يصل المال إلى الورثة.\nوسادسها: أن يوصي بالثلث لا لوجه الله لكن لغرض تنقيص حقوق الورثة. انظر: التفسير الكبير ج ٩/ ص ١٨٢.","vol":"1","page":257},{"text":"فوصية الله شاملة لكل ما ذكره الآية في قسمة المواريث.\nوقيل هي خاصة بميراث أبناء الأم، فقوله: ﴿وَصِيَّةً﴾ منصوب (^١) من قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ … رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: من الآية ١٢]. (^٢)\nوالأول أظهر والله أعلم.\nقال الطبري: وأما قوله: ﴿وَصِيَّةً﴾ فإن نصبه من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: من الآية ١١] وسائر ما أوصى به في الاثنين والذي قلناه بالصواب أولى؛ لأن الله جل ثناؤه افتتح ذكر قسمة المواريث في هاتين الآيتين بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾، ثم ختم ذلك بقوله: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾.\nأخبر أن جميع ذلك وصيةٌ منه به عبادَه. فنَصْبُ قوله: ﴿وَصِيَّةً﴾ على المصدر من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ﴾ أولى من نصبه على التفسير من قوله: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ لما ذكرنا (^٣).\n_________\n(^١) في نصب ﴿وَصِيَّةً﴾ أربعة أوجه:\nأحدها: أنه مصدر مؤكد، أي: يوصيكم اللَّهُ بذلك وصية.\nالثاني: أنها مصدر في موضع الحال، والعامل فيها ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: من الآية ١١].\nوالثَّالِثُ: أنها منصوبة على الخروج- قال الآلوسي: المراد أنه خارج عن طرفي الإسناد فهو كقولهم: فضلة فلينظر- إما من قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ … رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: من الآية ١٢]، أو من قوله: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: من الآية ١٢].\nوالرَّابعُ: أنَّها منصوبةٌ باسم الفاعل وهو ﴿مُضَارٍّ﴾، والمُضَارَّة لا تقع بالوصيَّةِ بل بالورثة، لكنَّه لَمَّا وّصَّى اللَّهُ بالورَثَة جَعَلَ المُضَارَّة الواقعة بهم كأنها واقعة بنفس الوصيّة مُبَالَغةً في ذلك، وَيُؤيَّدُ هذا التخريج القراءة الشاذة: غير مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ. انظر: الدر المصون ج ٣/ ص ٦١٢، وروح المعاني ج ٤/ ص ٢٣٢.\n(^٢) انظر: معاني القرآن للفراء ج ١/ ص ٢٥٨، وزهرة التفاسير ج ٣/ ص ١٦٠٧.\n(^٣) انظر: جامع البيان ج ٦/ ص ٤٨٧، ٤٨٨.","vol":"1","page":258},{"text":"وقيل: إن مناسبة ذكر ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ في خاتمة هذه الآية بالنظر لختم الآية السابقة بقوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أن لفظ الفرض أقوى وآكد من لفظ الوصية، فختم شرح ميراث الأولاد بذكر الفريضة، وختم شرح ميراث الكلالة بالوصية؛ ليدل بذلك على أن الكل وإن كان واجب الرعاية إلا أن القسم الأول وهو رعاية حال الأولاد أولى (^١).\nوقيل العكس، أي: الوصية أقوى من الفرض؛ لدلالة الوصية على الرغبة، وطلب سرعة الحصول؛ فختم شرح ميراث الكلالة بها؛ لأنها لبعدها ربما لا يعتني بشأنها فحرض على الاعتناء بها بذكر الوصية (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-345>٥٢ - مناسبة ذكر التغليظ على من يأتين الفاحشة من النساء بعد الأمر بالإحسان إلى النساء؛ لئلا يتوهمن أنه يسوغ لهن ترك التعفف </span>(^٣).\nقال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ النساء: ١٥.\nقال الشوكاني -﵀-: (لما ذكر سبحانه في هذه السورة الإحسان إلى النساء، وإيصال صدقاتهن إليهن، وميراثهن مع الرجال ذكر التغليظ عليهن فيما يأتين به من الفاحشة؛ لئلا يتوهمن أنه يسوغ لهن ترك التعفف) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-346>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٥) -﵀- أن مناسبة ذكر التغليظ على من يأتين الفاحشة من النساء بعد الأمر بالإحسان إلى النساء؛ لئلا يتوهمن أنه يسوغ لهن ترك التعفف.\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير ج ٩/ ص ١٨٣.\n(^٢) انظر: روح المعاني ج ٤/ ص ٢٣٢.\n(^٣) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٤) فتح القدير ج ١/ ص ٤٣٧.\n(^٥) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) إثبات الأفعال الاختيارية لله تعالى، أي: إثبات صفة الفعل المتجدد لله؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾. انظر: تفسير سورة النساء لابن عثيمين ج ١/ ص ١٢٨.\n٢) حبس المرأة في بيتها من أسباب درء الفتنة؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ لأن هذا نوع من العقوبة من وجه، وكف لأسباب الفتنة من وجه آخر. انظر المصدر السابق ج ١/ ص ١٢٧.\n٣) في الآية إشارة إلى أن منع النساء من الخروج عند الحاجة إليه لمجرد الغيرة، أو لمجرد الهوى والتحكم من الرجال لا يجوز. قاله المراغي في تفسيره ج ٤/ ص ٢٠٦، ومثله قول ابن عثيمين: (لا يجوز حبس المرأة في بيتها بحيث تمنع من الخروج، إلا إذا كان هناك فتنة وشر، وإلا فالأصل أنها لا تمنع من الخروج من البيت، ويؤيد هذا أن الله تعالى أوجب بقاء المرأة المتوفى عنها زوجها في بيتها؛ فدل ذلك على أن غيرها لا يلزمها البقاء في البيت، وهو كذلك، فالبيت ينبغي أن نرغب النساء في البقاء فيه، لكن لا نلزمهن بذلك). تفسير سورة النساء ج ١/ ص ١٢٧، ١٢٨.\n٤) يكون التعزير بالحبس، وسائر أنواع الأذى من الضرب والتعيير والتوبيخ والإهانة. قاله السيوطي في الإكليل ج ٢/ ص ٥٢١. ومثله قول السعدي: (يؤخذ منهما-أي من هذه الآية ومن قوله تعالى بعدها: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾ [النساء: ١٦]-أن الأذية بالقول والفعل والحبس قد شرعه الله تعزيرا لجنس المعصية الذي يحصل به الزجر). تيسير الكريم الرحمن ص ١٧١.","vol":"1","page":259},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بالإحسان إلى النساء؛ فذكر إيتاء صدقاتهن، وتوريثهن، ثم ذكر التغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة؛ لئلا يتوهمن أنه يسوغ لهن ترك التعفف. والدلالة على ذلك دلالة الربط بين الآيات.\nوممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي. (^١).\nوفي هذا الاستنباط الموازنة بين ما للمرأة من حقوق، وما عليها من واجب الالتزام بأمر الله. وفيه تنبيه مهم للنساء، وللداعين إلى حقوق المرأة في هذا العصر، فللمرأة أن تنال حقوقها التي كفلها لها الإسلام، على ألا تكون المطالبة بحقوقها ذريعة لترك العفاف، ولا وسيلة لتعريضها للضرر في دينها. فكما أن لها حقوقا؛ فعليها واجب الالتزام بأمر الله، فإن خالفته وجبت عليها العقوبة.\nواستنبط بعض المفسرين مناسبات أخرى، منها:\n١ - أن التغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة بعد ذكر الإحسان إليهن في الحقيقة إحسان إليهن، ونظر لهن في أمر آخرتهن؛ إذ الإحسان في الدنيا تارة يكون\nبالثواب، وأخرى يكون بالزجر والعقاب لكف العاصي عن العصيان (^٢).\n٢ - لئلا يتوهم أن من الإحسان إليهن ترك إقامة الحدود عليهن؛ فيصير ذلك سببا لوقوعهن في أنواع المفاسد والمهالك (^٣).\n٣ - بيان أن الله تعالى كما يستوفي لخلقه فكذلك يستوفي عليهم، وأنه ليس في أحكامه محاباة، ولا بينه وبين أحد قرابة، وأن مدار هذا الشرع الإنصاف والاحتراز في كل باب عن طرفي الإفراط والتفريط (^٤).\nوكلها -والله أعلم- يصح.\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٥/ ص ٧٩، وفتح البيان ج ٣/ ص ٥٢.\n(^٢) انظر: التفسير الكبير ج ٩/ ص ١٨٦، والبحر المحيط ج ٣/ ص ٢٧١، واللباب في علوم الكتاب ج ٦/ ص ٢٣٦، ونظم الدرر ج ٢/ ص ٢٢٤، وتفسير القرآن للمراغي ج ٤/ ص ٢٠٤، وصفوة الآثار والمفاهيم ج ٥/ ص ١٦١، وحدائق الروح والريحان ج ٥/ ص ٤٦١.\n(^٣) انظر: التفسير الكبير ج ٩/ ص ١٨٦، والبحر المحيط ج ٣/ ص ٢٧١، واللباب في علوم الكتاب ج ٦/ ص ٢٣٦، وصفوة الآثار والمفاهيم ج ٥/ ص ١٦١.\n(^٤) انظر: التفسير الكبير ج ٩/ ص ١٨٦، واللباب في علوم الكتاب ج ٦/ ص ٢٣٦، وصفوة الآثار والمفاهيم ج ٥/ ص ١٦١.","vol":"1","page":260},{"text":"<span data-type='title' id=toc-347>٥٣ - مناسبة ختم الآية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾</span>\nالإشارة إلى الأزواج بخفض الجناح، ولين الجانب، أي: وإن كنتم تقدرون عليهن؛ فاذكروا قدرة الله عليكم (^١).\nقال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ … عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ النساء: ٣٤.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ … عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح، ولين الجانب، أي: وإن كنتم تقدرون عليهن؛ فاذكروا قدرة الله عليكم، فإنها فوق كل قدرة والله بالمرصاد لكم) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-348>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- أن مناسبة ختم الحديث عما أباحه الله للأزواج من تأديب زوجاتهن بما أمر الله بكون الله عليا كبيرا تذكير الأزواج بقدرة الله عليهم وحثهم على خفض الجناح، ولين الجانب.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر قوامة الرجال على النساء، وفي هذا نوع استعلاء، ثم أباح للأزواج تأديب زوجاتهن بما أمر الله، ثم ختم الآية باسمين كريمين من أسمائه سبحانه هما العلي الكبير؛ فدل بدلالة الربط بين الآية وخاتمتها على وعظ الأزواج وتوجيههن بخفض الجناح، ولين الجانب، وتحذيرهم وإنذارهم بأن قدرة الله عليهم فوق قدرتهم على زوجاتهن (^٤).\nقال ابن عطية: (وهذا نهي عن ظلمهن بغير واجب بعد تقدير الفضل عليهن، والتمكين من أدبهن، وحسن معه الاتصاف بالعلو والكبر أي: قدره فوق كل قدر، ويده بالقدرة فوق كل يد، فلا يستعمل أحد على امرأته فالله بالمرصاد. وينظر هذا إلى حديث أبي مسعود (^٥): \"فصرفت وجهي فإذا رسول الله -ﷺ- يقول: اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا العبد\" (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٢) فتح القدير ج ١/ ص ٤٦١.\n(^٣) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) استنبط من قوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ بمفهوم المخالفة أنه متى عجز الزوج عن نفقة زوجته لم يكن قواما عليها، وإذا لم يكن قواما عليها كان لها فسخ العقد. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٥/ ص ١٦٦، والإكليل ج ٢/ ص ٥٥٣. ونسبه الشوكاني في فتح القدير إلى مالك والشافعي ج ١/ ص ٤٦١.\n٢) لا يجوز للمرأة أن تلي القضاء كالإمامة العظمى؛ لأنه جعل الرجال قوامين عليهن، فلم يجز أن يَقُمن على الرجال. انظر: الإكليل ج ٢/ ص ٥٥٣.\n(^٤) انظر: البحر المحيط ج ٣/ ص ٣٤٣، وقطف الأزهار ج ٢/ ص ٧٠٢.\n(^٥) هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، أبو مسعود البدري، وهو مشهور بكنيته، اتفقوا على أنه شهد العقبة، واختلفوا في شهوده بدرا، فقال الأكثر نزلها، وقيل: إنه نزل ماء ببدر فنسب إليه، وشهد أحدا وما بعدها، ونزل الكوفة، وكان من أصحاب علي، واُستخلف مرة على الكوفة، ثبت أنه أدرك إمارة المغيرة على الكوفة وذلك بعد سنة أربعين قطعا، قيل: مات بالكوفة، وقيل: مات بالمدينة. انظر: الاستيعاب ج ١/ ص ١٧٧، والإصابة ج ٤/ ص ٤٢٥.\n(^٦) وتمام الحديث: عن أبي مسعود الأنصاري قال: \"كنت أضرب غلاما لي، فسمعت من خلفي صوتا: اعلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك عليه، فالتفت فإذا هو رسول الله -ﷺ-، فقلت: يا رسول الله هو حر لوجه الله، فقال: أما لو لم تفعل للفحتك النار، أو لمستك النار\". أخرجه مسلم في كتاب: الأيمان، باب: صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده، رقم: ١٦٥٩، ج ٣/ ص ١٢٨١.\n(^٧) المحرر الوجيز ص ٤٣٢.","vol":"1","page":261},{"text":"وقال الدوسري مؤيدا: (فيه ختم مناسب لموضوع الآية، وذلك أنه لما أمر الأزواج بتأديب الزوجات وعظهم وأنذرهم بقدر ته عليهم، وأنه العلي الكبير فلا يستعلوا على أزواجهن بأي نوع من التسلط، بل ينصفوا لهن، ويراقبوا الله في وصفهن. وهاتان الصفتان يجب إثباتهما لله على ما يليق بجلاله، فهو سبحانه العلي الأعلى، له علو الذات، وعلو الصفات، وعلو الكمال، وقد أسلفنا أنه الأعلى على خلقه، دون أن تحيط به جهة، أو تحويه جهة، فإن الجهات التي تتصورها العقول بالنسبة إلى المخلوق، فأما الله الخلاق العظيم فإن الجهات عنده عديمة، لأن جميع العوالم العلوية والسفلية بالنسبة لوسع الله كالذرة الصغرى في يد أحدنا، والله أعلى وأجل، وقد فصلنا ذلك عند الكلام على آية الكرسي، وبالجملة فالله هو العلي الأعلى، له علو الذات على ما يليق بجلاله، وعلو القهر وعلو الاستعلاء المعنوي بجميع معانيه، وهو الكبير، كبير الشأن والسلطان لا يطاوله أحد إلا قصمه، ولا يستعلي عليه أحد إلا أذله، وفي ذكر الله لهذين الاسمين العظيمين في ختام هذه الآية إنذار وتهديد من الله للأزواج على ظلم زوجاتهم، والتجني عليهن بالضرب والإهانة بلا سبب، فإنهن وإن ضعفن عن دفع ظلمكم أيها الرجال، وعجزن عن الانتصاف منكم، فالله سبحانه علي قاهر كبير قادر، وهو سبحانه بالمرصاد ينتقم لهن منكم على ظلمكم إياهن، واستعلائكم عليهن بالباطل، وانتقاصكم لحقوقهن بكونكم أعلى يدا منهن وأكبر درجة، فهو الكبير المتعال، فلا يغيب عن بالكم أنه علي كبير قائم بالقسط، وينتصف من الظالم، فما أحسن مناسبة ختم هذه الآية بذلك) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية -كما تقدم-، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وأبو السعود، والقنوجي، ومحمد أبو زهرة، والدوسري كما تقدم. (^٢).\nوذكر بعض المفسرين مناسبات أخرى جمعها الرازي بقوله: (وذكر هاتين الصفتين في هذا الموضع في غاية الحسن، وبيانه من وجوه:\nالأول: أن المقصود منه تهديد الأزواج على ظلم النسوان، والمعنى: أنهن ضعفن عن دفع ظلمكم، وعجزن عن الانتصاف منكم، فالله سبحانه علي، قاهر، كبير، قادر، ينتصف لهن منكم، ويستوفي حقهن منكم؛ فلا ينبغي أن تغتروا بكونكم أعلى يدا منهن، وأكبر درجة منهن.\n_________\n(^١) صفوة الآثار والمفاهيم ج ٥/ ص ٣٠٧، ٣٠٨.\n(^٢) انظر: المحرر الوجيز ص ٤٣٢، والتفسير الكبير ج ١٠/ ص ٧٤، والجامع لأحكام القرآن ج ٥/ ص ١٦٦، والبحر المحيط ج ٣/ ص ٣٤٣، وإرشاد العقل السليم ج ٢/ ص ١٧٤، وفتح البيان ج ٣/ ص ١٠٨، وزهرة التفاسير ج ٣/ ص ١٦٧١، وصفوة الآثار والمفاهيم ج ٥/ ص ٣٠٧، ٣٠٨.","vol":"1","page":262},{"text":"الثاني: لا تبغوا عليهن إذا أطعنكم لعلو أيديكم؛ فان الله أعلى منكم، وأكبر من كل شيء، وهو متعال عن أن يكلف إلا بالحق.\nالثالث: أنه تعالى مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون، فكذلك لا تكلفوهن محبتكم؛ فإنهن لا يقدرن على ذلك.\nالرابع: أنه مع علوه وكبريائه لا يؤاخذ العاصي إذا تاب، بل يغفر له، فإذا تابت المرأة عن نشوزها فأنتم أولى بأن تقبلوا توبتها، وتتركوا معاقبتها.\nالخامس: أنه تعالى مع علوه وكبريائه اكتفى من العبد بالظواهر، ولم يهتك السرائر، فأنتم أولى أن تكتفوا بظاهر حال المرأة، وأن لا تقعوا في التفتيش عما في قلبها وضميرها من الحب والبغض) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-349>٥٤ - مناسبة تخصيص ذم المختال الفخور بعد الأمر بعبادة الله والإحسان إلى الخلق؛ لأن هاتين الصفتين تحملان صاحبهما على الأنفة مما ندب الله إليه </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ النساء: ٣٦.\nقال الشوكاني -﵀-: (وخص هاتين الصفتين لأنهما يحملان صاحبهما على الأنفة مما ندب الله إليه في هذه الآية) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-350>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- أن مناسبة ختم الآية بنفي محبته سبحانه عن المختال الفخور بعد أن أمر سبحانه بعبادته، ونهى عن الإشراك به، وأمر بالإحسان إلى الخلق؛ لأنهما صفتان تحملان صاحبهما على الأنفة مما ندب الله إليه في هذه الآية.\nووجه الاستنباط: أن الله أمر بالدخول تحت رق عبوديته، والانقياد لأوامره ونواهيه، محبة وذلا وإخلاصا له في جميع العبادات الظاهرة والباطنة، ونهى عن الشرك به، ثم أمر بالقيام بحقوق العباد الأقرب فالأقرب، فبدأ بالوالدين، ثم جميع الأقارب قربوا أو بعدوا. ثم أمر بالإحسان إلى المساكين الذين أسكنتهم الحاجة والفقر فلم يحصلوا على كفايتهم. ثم حث على الإحسان إلى الجار ذي القربى وهو الجار القريب الذي له حقان: حق الجوار، وحق القرابة، وكذلك الإحسان للجار الجنب الذي ليس له قرابة. وإلى الصاحب بالجنب وهو الصاحب مطلقا فإنه يشمل الصاحب في الحضر والسفر، ويشمل الزوجة. ثم أمر بالإحسان إلى ابن السبيل، وما ملكت الأيمان من الآدميين والبهائم، وذلك بالقيام بكفايتهم، وعدم تحميلهم ما يشق عليهم (^٤). ثم نفى سبحانه محبته ورضاه عن المختال ذو الخيلاء أي: الكبر، والفخور: الذي يعدد مناقبه كبرا، فخص هاتين الصفتين بالذكر هنا؛ لأنهما تحملان صاحبيهما على الأنفة من القريب الفقير، والجار الفقير، وغيرهم ممن ذكر في الآية فيضيع أمر الله بالإحسان إليهم (^٥). والدلالة على هذا المعنى دلالة الربط بين الآية وخاتمتها.\n_________\n(^١) التفسير الكبير ج ١٠/ ص ٧٤.\n(^٢) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة)، وهو استنباط في الأخلاق لتعلقه بالاختيال والفخر.\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ٤٦٤.\n(^٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ١٧٨.\n(^٥) انظر: زاد المسير ج ٢/ ص ٨١، الجامع لأحكام القرآن ج ٥/ ١٨٥.","vol":"1","page":263},{"text":"قال الرازي: (وإنما خص الله تعالى هذين الوصفين بالذم في هذا الموضع لأن المختال هو المتكبر، وكل من كان متكبرا فانه قلما يقوم برعاية الحقوق، ثم أضاف إليه ذم الفخور؛ لئلا يقدم على رعاية هذه الحقوق لأجل الرياء والسمعة بل لمحض أمر الله تعالى) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، وابن الجوزي (^٢)، والرازي-كما تقدم-، والقرطبي، والبقاعي، والقنوجي. (^٣).\nوقد ذكر أبو حيان هذه المناسبة في تفسيره لكنه رأى غيرها، فقال: والذي يظهر لي أن مساقهما غير هذا المساق الذي ذكروه، وذلك أنه تعالى لما أمر بالإحسان للأصناف المذكورة، والتحفي بهم وإكرامهم، كان في العادة أن ينشأ عن من اتصف بمكارم الأخلاق أن يجد في نفسه زهوا وخيلا وافتخارا بما صدر منه من الإحسان. وكثيرا ما افتخرت العرب بذلك وتعاظمت في نثرها ونظمها به، فأراد تعالى أن ينبه على التحلي بصفة التواضع، وأن لا يرى لنفسه شفوفا على من أحسن إليه، وأن لا يفخر عليه كما قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: من الآية ٢٦٤] (^٤). (^٥). إلى أن قال: إلا أن ما ذكرناه لا يتم إلا على أن يكون ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [النساء: من الآية ٣٧] (^٦) مبتدأ مقتطعا مما قبله، أما أن يكون متصلا بما قبله فيأتي المعنى الذي ذكره المفسرون.\n_________\n(^١) التفسير الكبير ج ١٠/ ص ٧٩.\n(^٢) العلامة، الحافظ، المفسر، جمال الدين، أبو الفرج، عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي، علاَّمة عصره، لقب جده بالجوزي لجوزة كانت في دارهم بواسط لم يكن بها جوزة سواها، وابن الجوزي صاحب التصانيف في التفسير، والفقه، والحديث، والتاريخ، والوعظ، والطب، من تلك المصنفات: \"الوجوه والنظائر\"، \"زاد المسير في علم التفسير\"، \"فنون الأفنان في علوم القرآن\"، توفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء ج ٢١، ص ٣٦٥، وطبقات المفسرين للسيوطي ص ٦١، وطبقات المفسرين للداودي ج ١، ص ٢٧٠ - ٢٧٤.\n(^٣) انظر: المحرر الوجيز ص ٤٣٤، وزاد المسير ص ٢٨٢، والتفسير الكبير ج ١٠/ ص ٧٩، والجامع لأحكام القرآن ج ٥/ ١٨٥، ونظم الدرر ج ٢/ ص ٢٥٦، وفتح البيان ج ٣/ ص ١١٧.\n(^٤) انظر: البحر المحيط ج ٣/ ص ٣٤٨.\n(^٥) وتمامها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ … صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾.\n(^٦) وتمامها: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧)﴾.","vol":"1","page":264},{"text":"وكلتا المناسبتين صحيح والله أعلم، فالمقصود التحذير من هاتين الصفتين سواء أكانتا مانعتين ابتداء مما ندب الله إليه، أو كانتا ناشئتين في نفس المحسن بعد إحسانه افتخارا بعمله.\nوما أشار إليه أبو حيان من انفصال قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧)﴾ عما قبله يصح. فقد تكون هذه الآية متصلة بما قبلها لبيان صفتهم، ويكون معنى الكتمان كتمان الرزق.\nوقد تكون منفصلة عنها فتكون ابتداء حديث عن اليهود الذين بخلوا بإظهار العلم من صفة النبي -ﷺ-؛ فيكون معنى الكتمان كتمانهم ذلك.\nقال ابن كثير: وقد حمل بعض السلف (^١) هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم من صفة محمد -ﷺ- وكتمانهم ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧)﴾ … ولا شك أن الآية محتملة لذلك. والظاهر أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلا في ذلك بطريق الأولى؛ فإن السياق في الإنفاق على الأقارب والضعفاء (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-351>٥٥ - مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئاته </span>(^٣).\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ النساء: ٤٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (وقد تقدم قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١] وهي تدل على أن الله سبحانه يغفر سيئات من اجتنب الكبائر؛ فيكون مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئاته) (^٤).\n_________\n(^١) كابن عباس -﵁-، ومجاهد، وسعيد بن جبير انظر: جامع البيان ج ٧/ ص ٢٢ - ٢٤، وتفسير ابن أبي حاتم ج ٣/ ص ٩٥١، والدر المنثور ج ٢/ ص ٥٣٨.\n(^٢) انظر: تفسير القرآن العظيم ج ٣/ ص ١٠٦.\n(^٣) وهو استنباط عقدي.\n(^٤) فتح القدير ج ١/ ص ٤٧٥، ٤٧٦.","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type='title' id=toc-352>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^١) -﵀- أن مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئاته.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال هنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾، وقال قبلها: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾؛ فدل بدلالة التركيب على أن مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئاته.\nوممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والقاسمي. (^٢). وأشار إليه القرطبي بقوله: فقد تعاضد الكتاب وصحيح السنة بتكفير الصغائر قطعا كالنظر وشبهه (^٣).\nولعل الشوكاني عني بذلك وعد الله تعالى بتكفير الصغائر، فقد أشار عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣١، ٣٢] إلى أن الصغائر ذنوب تفتقر إلى مغفرة الله، فقال: (وجملة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أي إن ذلك وإن خرج عن حكم المؤاخذة فليس يخلو عن كونه ذنبا يفتقر إلى مغفرة الله، ويحتاج إلى رحمته) (^٤).\nوالقول بأن الكبائر والصغائر تحت المشيئة هو الأحسن. قال ابن عثيمين: (ما دون الشرك تحت المشيئة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وليس مجزوما بمغفرته، ولا مجزوما بالمؤاخذة عليه، وإنما هو تحت المشيئة) (^٥).\nوقال: (الصغائر تقع مكفرة باجتناب الكبائر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: فإن لم يجتنب الكبائر أخذ بالصغائر، لكن الكبائر والصغائر تحت المشيئة ما لم تكن كفرا، فالفائدة من قولهم يؤخذ بها أنه إذا اجتنب الكبائر جزمنا بأن الله كفر عنه الصغائر، وإذا لم يجتنب الكبائر فهو تحت المشيئة والخطر) (^٦).\n_________\n(^١) واستنبط غيره أن في الآية ردا على المعتزلة القائلين بأن الكبائر لا تغفر، وردا على المرجئة القائلين: إن أصحاب الكبائر من المسلمين لا يعذبون؛ لقوله تعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾. انظر: الإكليل ج ٢/ ص ٥٦٣.\n(^٢) انظر: فتح البيان ج ٣/ ص ١٤٣، ومحاسن التأويل ج ٣/ ص ١٤٨.\n(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٥/ ص ١٥٢.\n(^٤) فتح القدير ج ٥/ ص ١١٣.\n(^٥) تفسير سورة النساء ج ١/ ص ٣٩٠.\n(^٦) المصدر السابق ج ١/ ص ٢٦٩.","vol":"1","page":266},{"text":"ونقل القرطبي عن الأصوليين قولهم: لا يجب على القطع تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، وإنما محمل ذلك على غلبة الظن، وقوة الرجاء، والمشيئة ثابتة، ودل على ذلك أنه لو قطعنا لمجتنب الكبائر وممتثل الفرائض تكفير صغائره قطعا لكانت له في حكم المباح الذي يقطع بألا تباعة فيه، وذلك نقض لعرى الشريعة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-353>٥٦ - من حبسه العذر عن الجهاد يعطى مثل أجر المجاهد </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ (^٣) أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ النساء: ٩٥.\nقال الشوكاني -﵀-: (وظاهر النظم القرآني أن صاحب العذر يعطى مثل أجر المجاهد. وقيل: يعطى أجره من غير تضعيف، فيفضله المجاهد بالتضعيف؛ لأجل المباشرة (^٤) (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٥/ ص ١٥٢.\n(^٢) وهو استنباط فقهي.\n(^٣) قراءة نافع -وهي القراءة التي فسَّر عليها الشوكاني- بنصب الراء من (غيرَ)، وهي قراءة ابن عامر، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف، أما الرفع فقرأ به ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، ويعقوب. انظر: النشر ج ٢/ ص ٢٥١، وإتحاف فضلاء البشر ج ١/ ص ٢٤٥.\nفمن نصب فعلى الاستثناء من القاعدين، وإن شئت من المؤمنين، وإن شئت نصبته على الحال من القاعدين أي: لا يستوي القاعدون في حال صحتهم. ومن رفع غير جعله نعتا للقاعدين؛ لأنهم غير معنيين، لم يقصد بهم قوم بأعيانهم فصاروا كالنكرة، فجاز أن يوصفوا بغير، وجاز الحال منهم؛ لأن لفظهم لفظ المعرفة، وقيل: هو بدل من القاعدين. والأحسن أن يكون الرفع في غير على البدل من القاعدين. انظر: مشكل إعراب القرآن ج ١/ ص ٢٠٦، والتبيان في إعراب القرآن ج ١/ ص ٣٨٣، والدر المصون ج ٤/ ص ٧٦.\n(^٤) هذا القول تعقبه ابن العربي -عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾ [التوبة: ١٢١]- بقوله: (وقد قال بعض الناس: إنما يكون له الأجر غير مضاعف، ويضاعف للعامل المباشر. وهذا تحكم على الله، وتضييق لسعة رحمته). أحكام القرآن ج ٢/ ص ٤٧٠.\n(^٥) فتح القدير ج ١/ ص ٥٠٣.","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type='title' id=toc-354>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^١) -﵀- من الآية أن من حبسه العذر عن الجهاد يعطى مثل أجر المجاهد.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى نفى استواء القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر؛ فدل بمفهوم المخالفة أن من قعد عن الجهاد بعذر يعطى مثل أجر المجاهد.\nقال الشنقيطي: (وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ يفهم من مفهوم مخالفته أن من خلفه العذر إذا كانت نيته صالحة يحصل ثواب المجاهد) (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والسيوطي، والقنوجي، والشنقيطي كما تقدم. (^٣).\nوخالفهم آخرون، منهم: الجصاص، وابن عطية.\nفقال الجصاص: (فإن قيل: هل في الآية دلالة على مساواة أولي الضرر للمجاهدين في سبيل الله من أجل معنى الاستثناء فيها؛ قيل له: لا دلالة فيها على التساوي؛ لأن الاستثناء ورد من حيث كان مخرج الآية تحريضا على الجهاد وحثا عليه، فاستثنى أولي الضرر إذ ليسوا مأمورين بالجهاد، لا من حيث ألحقوا بالمجاهدين) (^٤).\n_________\n(^١) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) الجهاد فرض كفاية لا فرض عين؛ لأن القاعدين لو كانوا تاركين فرضا لما ناسب ذلك وعده لهم الصادق بالحسنى وهي الجنة والثواب الجزيل. انظر: أحكام القرآن للجصاص ج ٣/ ص ٢٢٧، وتفسير القرآن العظيم ج ٣/ ص ١٩٢، ووأضواء البيان ج ١/ ص ٢٠٦.\n٢) قالت الشافعية: دلت الآية على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح؛ لأنا بينا أن الجهاد فرض على الكفاية بدليل قوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ولو كان الجهاد من فروض الأعيان لما كان القاعد عن الجهاد موعودا من عند الله بالحسنى، إذا ثبت هذا فنقول: إذا قامت طائفة بالجهاد سقط الفرض عن الباقين، فلو أقدموا عليه كان ذلك من النوافل لا محالة، ثم إن قوله: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ يتناول جميع المجاهدين سواء كان جهاده واجبا أو مندوبا، والمشتغل بالنكاح قاعد عن الجهاد؛ فثبت أن الاشتغال بالجهاد المندوب أفضل من الاشتغال بالنكاح والله أعلم. انظر: التفسير الكبير ج ١١/ ص ٩، ١٠.\n٣) الغنى أفضل من الفقر؛ لأن الله تعالى فضَّل المجاهد بماله على المجاهد بغير ماله. انظر: أحكام القرآن بن الفرس ج ٢/ ص ٢٥٧، والإكليل ج ٢/ ص ٥٨٤.\n(^٢) أضواء البيان ج ١/ ص ٢٠٦.\n(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٥/ ص ٣٢٥، والإكليل ج ٢/ ص ٥٨٤، وفتح البيان ج ٣/ ص ٢١٠، وأضواء البيان ج ١/ ص ٢٠٦.\n(^٤) أحكام القرآن ج ٣/ ص ٢٢٧.","vol":"1","page":268},{"text":"وقال ابن عطية: (لأن أولي الضرر لا يساوون المجاهدين، وغايتهم أن خرجوا من التوبيخ والمذمة التي لزمت القاعدين من غير عذر) (^١).\nوالأظهر -والله تعالى أعلم- القول بأن في القاعد من أولي الضرر تفصيلا، فلا يجوز أن يُساوى بالمجاهد مطلقًا، ولا يُنفى عنه المساواة مطلقًا، ودلالة المفهوم لا عموم لها (^٢).\n_________\n(^١) المحرر الوجيز ص ٤٧٠.\n(^٢) انظر هذا التفصيل في طريق الهجرتين ص ٥٢٨ - ٥٣٦. وفيه قال ابن القيم: وقد أشكل فهم هذه الآية على طائفة من الناس من جهة أن القاعدين الذين فضل عليهم المجاهدون بدرجات إن كانوا هم القاعدين الذي فضل عليهم أولو الضرر فيكون المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقا، وعلى هذا فما وجه استثناء أولي الضرر من القاعدين وهم لا يستوون والمجاهدين أصلا، فيكون حكم المستثنى والمستثنى منه واحدا، فهذا وجه الإشكال ونحن نذكر ما يزيل الإشكال بحمد الله.\nإلى أن قال: ولكن بقى أن يقال: إذا كان المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقًا لزم أن لا يستوي مجاهد وقاعد مطلقًا، فلا يبقى في تقييد القاعدين بكونهم من غير أُولى الضرر فائدة، فإنه لا يستوي المجاهدون والقاعدون من أُولى الضرر أيضًا. وأيضًا فإن القاعدين المذكورين في الآية الذين وقع التفضيل عليهم هم غير أولى الضرر لا القاعدون الذين هم أولوا الضرر، فإنهم لم يذكر حكمهم في الآية، بل استثناهم وبيَّن أن التفضيل على غيرهم، فاللام في \"القاعدين\" للعهد والمعهود هم غير أولى الضرر لا المضرورون، وأيضًا فالقاعد من المجاهدين لضرورة تمنعه من الجهاد له مثل أجر المجاهد، كما ثبت عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا\"، وقال -ﷺ-: \"إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا وهم معكم\" قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: \"وهم بالمدينة حبسهم العذر\".\nوعلى هذا فالصواب أن يقال: الآية دلت على أن القاعدين من غير أُولى الضرر لا يستوون هم والمجاهدون، وسكت عن القاعدين من أولى الضرر، فلم يدل على حكمهم بطريق منطوقها، ولا يدل مفهومها على مساواتهم للمجاهدين، بل هذا النوع منقسم إلى:\nمعذور من أهل الجهاد غلبه عذره، وأقعده عنه، ونيته جازمة لم يتخلف عنها مقدورها، وإنما أقعده العجز، فهذا الذي تقتضيه أدلة الشرع أن له مثل أجر المجاهد، وهذا القسم لا يتناوله الحكم بنفي التسوية، وهذا لأن قاعدة الشريعة أن العزم التام إذا اقترن به ما يمكن من الفعل أو مقدمات الفعل نزل صاحبه في الثواب والعقاب منزلة الفاعل التام. والقسم الثاني: معذور ليس من نيته الجهاد، ولا هو عازم عليه عزما تاما، فهذا لا يستوي هو والمجاهد في سبيل الله، بل قد فضل الله المجاهدين عليه وإن كان معذورا؛ لأنه لا نية له تلحقه بالفاعل التام كنية أصحاب القسم الأول.\nفلما كان القسم المعذور فيه هذا التفصيل لم يجز أن يساوي بالمجاهد مطلقا، ولا ينفي عنه المساواة مطلقا. ودلالة المفهوم لا عموم لها، فإن العموم إنما هو من أحكام الصيغ العامة.","vol":"1","page":269},{"text":"قال ابن تيمية: فصل الخطاب في الآية أن أولي الضرر نوعان:\nنوع لهم عزم تام على الجهاد، ولو تمكنوا لما قعدوا ولا تخلفوا، وإنما أقعدهم العذر، فهم كما قال النبي -ﷺ- \"إن بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم. قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر\" (^١).\nوكما في حديث أبى موسى -﵃-: \"إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل صحيحا مقيما\" (^٢). فأثبت له مثل ذلك العمل لأن عزمه تام وإنما منعه العذر.\nوالنوع الثاني من أولى الضرر: الذين ليس لهم عزم على الخروج، فهؤلاء يفضُل عليهم الخارجون المجاهدون وأولوا الضرر العازمون عزما جازما على الخروج.\nوقوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ سواء كان استثناء أو صفة دل على أنهم لا يدخلون مع القاعدين في نفي الاستواء، فإذا فصل الأمر فيهم بين العازم وغير العازم بقيت الآية على ظاهرها. ولو جعل قوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ عاما في أهل الضرر وغيرهم؛ لكان ذلك مناقضا لقوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾؛ فإن قوله لا يستوي القاعدون والمجاهدون إنما فيها نفي الاستواء، فإن كان أهل الضرر كلهم كذلك لزم بطلان قوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، ولزم أنه لا يساوي المجاهدين قاعد ولو كان من أولي الضرر، وهذا خلاف مقصود الآية (^٣).\nإذًا فما استنبطه الشوكاني إنما يصح في المعذور من أهل الجهاد الذي غلبه عذره، وأقعده عنه، ونيته جازمة.\nقال ابن القيم: (وهذا القسم لا يتناوله الحكم بنفي التسوية؛ وهذا لأن قاعدة الشريعة أن العزم التام إذا اقترن به ما يمكن من الفعل أو مقدمات الفعل نزل صاحبه في الثواب والعقاب منزلة الفاعل التام. كما دل عليه قوله: \"إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه\" (^٤) (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: نزول النبي الحجر،، رقم: ٤١٦١، ج ٤/ ص ١٦١٠. وعند مسلم من حديث -﵁- قال: كنا مع النبي -ﷺ- في غزاة فقال: \"إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض\". أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر، رقم: ١٩١١، ج ٣/ ص ١٥١٨.\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد والسير، باب: يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة، رقم: ٢٨٣٤، ج ٣/ ص ١٠٩٢.\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى ج ١٤/ ص ١٢٣، ١٢٤.\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ فسماهم المؤمنين، رقم: ٣١، ج ١/ ص ٢٠، وأخرجه مسلم في كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، رقم: ٢٨٨٨، ج ٤/ ص ٢٢١٣.\n(^٥) طريق الهجرتين ص ٥٣٢.","vol":"1","page":270},{"text":"أما المعذور الذي ليس من نيته الجهاد، ولا هو عازم عليه عزما تاما، فهذا لا يستوي هو والمجاهد في سبيل الله.\nقال السعدي: (فمن كان من أولي الضرر راضيا بقعوده، لا ينوي الخروج في سبيل الله لولا وجود المانع ولا يحدث نفسه بذلك؛ فإنه بمنزلة القاعد لغير عذر. ومن كان عازما على الخروج في سبيل الله لولا وجود المانع يتمنى ذلك، ويحدث به نفسه؛ فإنه بمنزلة من خرج للجهاد؛ لأن النية الجازمة إذا اقترن بها مقدورها من القول أو الفعل ينزل صاحبها منزلة الفاعل) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-355>٥٧ - الحث على الهجرة </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ النساء: ٩٧ - ٩٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (وإنما ذكر الولدان مع عدم التكليف لهم لقصد المبالغة في أمر الهجرة، وإيهام أنها تجب لو استطاعها غير المكلف فكيف من كان مكلفا.\nوقيل: أراد بالولدان المراهقين والمماليك) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-356>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٤) -﵀- من الآية تأكيد أمر الهجرة.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر وعيده لمن تركوا الهجرة، ثم استثنى أهل العذر المستضعفين من الرجال وضعفة النساء والولدان، فذكر الولدان مع أنهم غير مكلفين بالهجرة؛ فدل ذلك على أنها تجب لو استطاعها غير المكلف فكيف من كان مكلفا.\nوالمقصود وجوبها على من لم يكن متمكنا من إقامة الدين (^٥).\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن ص ١٩٥.\n(^٢) وهو استنباط فقهي.\n(^٣) فتح القدير ج ١/ ص ٥٠٥.\n(^٤) واستنبط السعدي من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ التنبيه على أن الدليل في الحج والعمرة ونحوهما -مما يحتاج إلى سفر- من شروط الاستطاعة، ووجهه: القياس على الهجرة. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ١٩٦.\n(^٥) ذكر ابن عاشور أن القياس على حكم هذه الآية يفتح للمجتهدين نظرا في أحكام وجوب الخروج من البلد الذي يفتن فيه المؤمن في دينه، ثم ذكر ستة أحوال:\nالحالة الأولى: أن يكون المؤمن ببلد يفتن فيه في إيمانه فيرغم على الكفر وهو يستطيع الخروج، فهذا حكمه حكم الذين نزلت فيهم الآية، وقد هاجر مسلمون من الأندلس حين أكرههم النصارى على التنصر، فخرجوا على وجوههم في كل واد تاركين أموالهم وديارهم ناجين بأنفسهم وإيمانهم، وهلك فريق منهم في الطريق وذلك في سنة ٩٠٢ وما بعدها إلى أن كان الجلاء الأخير سنة ١٠١٦.\nالحالة الثانية: أن يكون ببلد الكفر غير مفتون في إيمانه ولكن يكون عرضة للإصابة في نفسه أو ماله بأسر أو قتل أو مصادرة مال، فهذا قد عرض نفسه للضر وهو حرام بلا نزاع، وهذا مسمى الإقامة ببلد الحرب المفسرة بأرض العدو.\nالحالة الثالثة: أن يكون ببلد غلب عليه غير المسلمين إلا أنهم لم يفتنوا الناس في إيمانهم ولا في عباداتهم ولا في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ولكنه بإقامته تجري عليه أحكام غير المسلمين إذا عرض له حادث مع واحد من أهل ذلك البلد الذين هم غير مسلمين، وهذا مثل الذي يقيم اليوم ببلاد أوروبا النصرانية.\nوظاهر قول مالك أن المقام في مثل ذلك مكروه كراهة شديدة من أجل أنه تجري عليه أحكام غير المسلمين.\nالحالة الرابعة: أن يتغلب الكفار على بلد أهله مسلمون ولا يفتنوهم في دينهم ولا في عبادتهم ولا في أموالهم، ولكنهم يكون لهم حكم القوة عليهم فقط، وتجري الأحكام بينهم على مقتضى شريعة الإسلام كما وقع في بلاد غرناطة حين استولى عليها طاغية الجلالقة على شروط منها احترام دينهم، فإن أهلها أقاموا بها مدة وأقام منهم علماؤهم وكانوا يلون القضاء والفتوى والعدالة والأمانة ونحو ذلك، وهاجر فريق منهم فلم يعب المهاجر على القاطن، ولا القاطن على المهاجر.\nالحالة الخامسة: أن يكون لغير المسلمين نفوذ وسلطان على بعض بلاد الإسلام، مع بقاء ملوك الإسلام فيها، واستمرار تصرفهم في قومهم، وولاية حكامهم منهم، واحترام أديانهم وسائر شعائرهم، ولكن تصرف الأمراء تحت نظر غير المسلمين وبموافقتهم، وهو ما يسمى بالحماية والاحتلال والوصاية والانتداب. وكما وقع بتونس والمغرب الأقصى من حماية فرنسا، وكما وقع في سوريا والعراق أيام الانتداب، وهذه لا شبهة في عدم وجوب الهجرة منها.\nالحالة السادسة: البلد الذي تكثر فيه المناكر والبدع، وتجري فيه أحكام كثيرة على خلاف صريح الإسلام بحيث يخلط عملا صالحا وآخر سيئا ولا يجبر المسلم فيها على ارتكابه خلاف الشرع، ولكنه لا يستطيع تغييرها إلا بالقول، أو لا يستطيع ذلك أصلا. هذه روي عن مالك وجوب الخروج منها، غير أن ذلك قد حدث في القيروان أيام بني عبيد فلم يحفظ أن أحدا من فقهائها الصالحين دعا الناس إلى الهجرة. وحدث في مصر مدة الفاطميين أيضا فلم يغادرها أحد من علمائها الصالحين. ودون هذه الأحوال الستة أحوال كثيرة هي أولى بجواز الإقامة، وأنها مراتب. وإن لبقاء المسلمين في أوطانهم إذا لم يفتنوا في دينهم مصلحة كبرى للجامعة الإسلامية. انظر: التحرير والتنوير ج ٤/ ص ٢٣٥، ٢٣٦.","vol":"1","page":271},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، والهرري. (^١). وأشار إليه السعدي وإن لم يصرح بوجه الاستنباط، فقال: (وفي الآية دليل على أن الهجرة من أكبر الواجبات وتركها من المحرمات بل من أكبر الكبائر) (^٢).\nوهذا الاستنباط إنما هو على ترجيح أن يكون معنى الولدان الأطفال، ويؤيد هذا الترجيح حديث ابن عباس -﵃-: \"كنت أنا وأمي من المستضعفين، أنا من الولدان، وأمي من النساء\" (^٣).\nوهذا الاستنباط مما يستأنس به في ثبوت وجوب الهجرة، وقد بسط الشوكاني الأدلة الصريحة في وجوب الهجرة في نيل الأوطار (^٤).\nوقد ذكر البيضاوي وأبو السعود أن مناسبة ذكر الولدان للإشعار بأنهم لا محيص لهم عنها البتة، حتى كأنها واجبة عليهم قبل البلوغ لو استطاعوا، وأن قومهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم متى أمكنت (^٥). وذكر الآلوسي أنه للتنبيه على أن العجز ينبغي أن يكون كعجز الولدان (^٦).\nوكل عباراتهم دالة على وجوب الهجرة، والتأكيد على أمرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-357>٥٨ - تأكيد أمر الهجرة </span>(^٧).\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ النساء: ٩٧ - ٩٩.\n_________\n(^١) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٢/ ص ٢٢٣، وروح المعاني ج ٥/ ص ١٢٧، وفتح البيان ج ٣/ ص ٢١٥، ٢١٦، وحدائق الروح والريحان ج ٦/ ص ٣٠٥.\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن ص ١٩٦.\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ وهل يعرض على الصبي الإسلام، رقم/ ١٢٩١، ج ١/ ص ٤٥٥.\n(^٤) انظر: باب بقاء الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، وأن لا هجرة من دار أسلم أهلها ج ٨/ ص ١٧٦ - ١٧٩.\n(^٥) انظر: أنوار التنزيل ج ٢/ ص ٢٤٣، إرشاد العقل السليم ج ٢/ ص ٢٢٣.\n(^٦) انظر: روح المعاني ج ٥/ ص ١٢٧.\n(^٧) وهو استنباط فقهي.","vol":"1","page":272},{"text":"قال الشوكاني -﵀-: (وجيء بكلمة الإطماع لتأكيد أمر الهجرة حتى يظن أن تركها ممن لا تجب عليه يكون ذنبا يجب طلب العفو عنه) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-358>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- من الآية أن مناسبة مجيء كلمة الإطماع (عسى) لتأكيد أمر الهجرة.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى بعد أن ذكر أصحاب الأعذار المعفو عنهم في أمر الهجرة من المستضعفين من الرجال والنساء والولدان قال: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ فجاء بكلمة الإطماع؛ لتأكيد أمر الهجرة حتى يظن أن تركها ممن لا تجب عليه يكون ذنبا يجب طلب العفو عنه. فدلالة الآية على المعنى هي مناسبة لفظ عسى.\nقال البيضاوي: (ذكر بكلمة الإطماع ولفظ العفو إيذانا بأن ترك الهجرة أمر خطير، حتى إن المضطر -الذي تحقق عدم وجوبها عليه- من حقه أن لا يأمن، ويترصد الفرصة، ويعلق بها قلبه) (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والبيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي. (^٣).\nومعلوم أن عسى من الله واجبة (^٤)، باعتباره منسوبا إلى الله (^٥)، لكن المقصود هنا النظر إلى الرجاء باعتبار ما يكون في قلب المخاطَب (^٦)، ومناسبة مجيء كلمة الإطماع (عسى) في هذا المقام -وهي لا تعطي الإنسان يقينا بالوقوع- دون الألفاظ الدالة على القطع.\nواستنبط غيره مناسبة مجيء كلمة الإطماع هنا:\nفذكر السعدي أنها للدلالة على أن العبد لا يوفي العمل حق توفيته، ولا يعمله على الوجه اللائق الذي ينبغي، بل يكون مقصرا (^٧).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ١/ ص ٥٠٥.\n(^٢) وروح المعاني ج ٥/ ص ١٢٧.\n(^٣) انظر: الكشاف ج ١/ ص ٥٨٩، وأنوار التنزيل ج ٢/ ص ٢٤٣، وإرشاد العقل السليم ج ٢/ ص ٢٢٤، وروح المعاني ج ٥/ ص ١٢٧، وفتح البيان ج ٣/ ص ٢١٦.\n(^٤) قال السمعاني: (وعسى من الله واجب؛ لأنه للإطماع، والله تعالى إذا أطمع عبدا أوجب له، وأوصله إليه). تفسير القرآن العزيز ج ١/ ص ٤٧٠.\n(^٥) أي: أن الله وعدهم بأن يعفو عنهم. انظر: تفسير سورة النساء لابن عثيمين ج ٢/ ص ١٢٢.\n(^٦) المصدر السابق ج ٢/ ص ١٢٢. وقال ابن عطية: ثم رجى الله تعالى هؤلاء بالعفو عنهم، وعسى من الله واجبة؛ إما لأنها دالة على ثقل الأمر المعفو عنه، قال الحسن: عسى من الله واجبة. قال غيره: هي بمنزلة الوعد إذ ليس يخبر ب عسى عن شك ولا توقع، وهذا يرجع إلى الوجوب. قال آخرون: هي على معتقد البشر، أي: ظنكم بمن هذه حالة ترجى عفو الله عنه. انظر: المحرر الوجيز ص ٤٧٢.\n(^٧) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ١٩٦.","vol":"1","page":273},{"text":"وذكر الرازي أن المناسبة هي أن الإنسان لشدة نفرته عن مفارقة الوطن ربما ظن نفسه عاجزا عنها، مع أنه لا يكون كذلك في الحقيقة؛ فلهذا المعنى ذكر العفو بكلمة عسى لا بالكلمة الدالة على القطع (^١).\nولا تزاحم بين هذه المناسبات. وما ذكره الشوكاني يصح كاستنباط دقيق يستأنس به مع الأدلة الصريحة في وجوب الهجرة، وقد بسط الشوكاني ذكرها في كتابه: نيل الأوطار (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-359>٥٩ - مناسبة قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ بعد ذكر اتخاذ الله إبراهيم -﵇- خليلا؛ لبيان أنه سبحانه اتخذ إبراهيم -﵇- خليلا؛ لطاعته، لا لحاجته، ولا للتكثير به، والاعتضاد بمخاللته </span>(^٣).\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ … حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ … خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾ النساء: ١٢٥ - ١٢٦.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فيه إشارة إلى أنه سبحانه اتخذ إبراهيم خليلا؛ لطاعته، لا لحاجته، ولا للتكثير به، والاعتضاد بمخاللته) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-360>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٥) -﵀- أن مناسبة قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ بعد ذكر اتخاذ الله إبراهيم خليلا لبيان أنه سبحانه اتخذ إبراهيم خليلا؛ لطاعته، لا لحاجته، ولا للتكثير به، والاعتضاد بمخاللته.\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير ج ١١/ ص ١٢.\n(^٢) انظر: باب بقاء الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، وأن لا هجرة من دار أسلم أهلها ج ٨/ ص ١٧٦ - ١٧٩.\n(^٣) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٤) فتح القدير ج ١/ ص ٥١٩.\n(^٥) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) إثبات أفعال الله؛ لقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ … خَلِيلًا (١٢٥)﴾ فإن الله يفعل ما يريد، ومتى شاء. وفيه رد على من يقول: إن الله لا تقوم به الأفعال الاختيارية، ولا يتجدد له فعل، انظر: نكت القرآن ج ١/ ص ٢٧٤، وتفسير سورة النساء لابن عثيمين ج ٢/ ص ٢٧٢.\n٢) قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾ مناسب لأول الآية؛ لأن من ملك شيئا فلابد أن يحيط به علما وقدرة ليصح تصرفه فيه. انظر: قطف الأزهار ج ٢/ ص ٧٥٤.","vol":"1","page":274},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر سعة ملكه، وإحاطته بكل شيء عقب ذكر اتخاذه إبراهيم -﵇- خليلا؛ فدل ذلك بدلالة الربط بين الآيتين على أنه سبحانه لم يتخذ إبراهيم -﵇- خليلا لاحتياجه إليه في أمر من الأمور كما تكون خلة الآدميين، وكيف يعقل ذلك وله ملك السماوات والأرض، وما كان كذلك فكيف يعقل أن يكون محتاجا إلى البشر الضعيف، وإنما اتخذه خليلا بمحض الفضل، والإحسان، والكرم (^١) فهي خلة تشريف منه تعالى لإبراهيم -﵇- مع بقائه على العبودية (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط: ابن جرير الطبري، والرازي، والقرطبي، والنسفي، وأبو حيان، وابن عادل الحنبلي، والبقاعي، والآلوسي، والقنوجي، والدوسري. (^٣).\nوهذا الاستنباط على أن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ متصل بقوله تعالى- قبله-: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ … خَلِيلًا (١٢٥)﴾.\nويحتمل أن يكون متصلا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ [النساء: ١٢٤] على أنه كالتعليل لوجوب العمل (^٤)، ففيه الترغيب في طاعة الله والانقطاع إليه (^٥).\nوكلتا المناسبتين ذكرهما أبو حيان، وغيره (^٦). فقال أبو حيان: (لما تقدم ذكر عامل السوء، وعامل الصالحات أخبر بعظيم ملكه. وملكه بجميع ما في السموات وما في الأرض، والعالم مملوك له، وعلى المملوك طاعة مالكه، ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة لما ذكرناه، ولما تقدم ذكر الخلة، فذكر أنه مع الخلة عبد الله، وأن الخلة ليست لاحتياج، وإنما هي خلة تشريف منه تعالى لإبراهيم -﵇- مع بقائه على العبودية).\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير ج ١١/ ص ٤٨.\n(^٢) انظر: البحر المحيط ج ٣/ ص ٥٠٨.\n(^٣) انظر: جامع البيان ج ٧/ ص ٥٣٠، والتفسير الكبير ج ١١/ ص ٤٨، والجامع لأحكام القرآن ج ٥/ ص ٣٨٣، ومدارك التنزيل ج ١/ ص ٣٦٨، والبحر المحيط ج ٣/ ص ٥٠٨، واللباب في علوم الكتاب ج ٧/ ص ٤١، ونظم الدرر ج ٥/ ص ٤١٤، وروح المعاني ج ٥/ ص ١٥٦، وفتح البيان ج ٣/ ص ٢٥١، وصفوة الآثار والمفاهيم ج ٦/ ص ٥٣٥، ٥٣٦.\n(^٤) انظر: روح المعاني ج ٥/ ص ١٥٦.\n(^٥) انظر: الكشاف ج ١/ ص ٦٠٣، والمحرر الوجيز ص ٤٨٥.\n(^٦) انظر: التفسير الكبير ج ١١/ ص ٤٨، واللباب في علوم الكتاب ج ٧/ ص ٤١، وروح المعاني ج ٥/ ص ١٥٦، وصفوة الآثار والمفاهيم ج ٦/ ص ٥٣٥، ٥٣٦.","vol":"1","page":275},{"text":"وكلها يصح، فقد ذكر الرازي هذين الوجهين وغيرهما بقوله: في تعلق هذه الآية بما قبلها، وفيه وجوه:\nالأول: أن يكون المعنى أنه لم يتخذ الله إبراهيم خليلا لاحتياجه إليه في أمر من الأمور كما تكون خلة الآدميين، وكيف يعقل ذلك وله ملك السماوات والأرض، وما كان كذلك فكيف يعقل أن يكون محتاجا إلى البشر الضعيف.\nوالثاني: أنه تعالى ذكر من أول السورة إلى هذا الموضع أنواعا كثيرة من الأمر والنهي والوعد والوعيد فبين هاهنا أنه مالك المحدثات وموجد الكائنات والممكنات ومن كان كذلك كان ملكا مطاعا فوجب على كل عاقل أن يخضع لتكاليفه وأن ينقاد لأمره ونهيه.\nالثالث: أنه تعالى لما ذكر الوعد والوعيد، ولا يمكن الوفاء بهما إلا عند حصول أمرين:\nأحدهما: القدرة التامة.\nوالثاني: العلم التام حتى لا يشتبه عليه المطيع والعاصي، والمحسن والمسيء.\nفدل على كمال قدرته بقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، وعلى كمال علمه بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾.\nالرابع: أنه سبحانه لما وصف إبراهيم بأنه خليله بين أنه مع هذه الخلة عبد له، وذلك لأنه له ما في السماوات وما في الأرض، ويجري هذا مجرى قوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣]، ومجرى قوله: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾ [النساء: ١٧٢]. فإذا كان كل من في السماوات والأرض ملكه في تسخيره ونفاذ إلاهيته فكيف يعقل أن يقال: إن اتخاذ الله إبراهيم -﵇- خليلا يخرجه عن عبودية الله (^١).\nثم ختم ذلك بقوله: (وهذه الوجوه كلها حسنة متناسبة) (^٢).\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير ج ١١/ ص ٤٨.\n(^٢) المصدر السابق ج ١١/ ص ٤٨.","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type='title' id=toc-361>سورة المائدة</span>\n<span data-type='title' id=toc-362>٦٠ - جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾ المائدة: ١.\nقال الشوكاني -﵀-: (قوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ استثناء من قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ أي: إلا مدلول ما يتلى عليكم فإنه ليس بحلال. والمتلو هو ما نص الله على تحريمه نحو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] الآية (^٢)، ويلحق به ما صرحت السنة بتحريمه. وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون المراد به إلا ما يتلى عليكم الآن، ويحتمل أن يكون المراد به في مستقبل الزمان؛ فيدل على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ويحتمل الأمرين جميعا) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-363>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى أحل بهيمة الأنعام، ثم استثنى منه ما يتلى فقال: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: ما يقرأ عليكم في القرآن والسنة. والاستثناء يحتمل أن يكون المراد به إلا ما يتلى عليكم الآن، أو إلا ما يتلى عليكم فيما بعد من مستقبل الزمان، وكل ذلك تأخير للبيان. (^٤).\n_________\n(^١) وهو استنباط أصولي.\n(^٢) وتمامها: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾.\n(^٣) فتح القدير ج ٢/ ص ٥.\n(^٤) انظر: أحكام القرآن ج ٢/ ص ١٠، والجامع لأحكام القرآن ج ٦/ ص ٣٤.","vol":"1","page":277},{"text":"قال ابن العربي: يحتمل قوله إلا ما يتلى عليكم الآن، أو إلا ما يتلى عليكم فيما بعد من مستقبل الزمان. وفي هذا دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة، وهي مسألة أصولية، ومعناه أن الله سبحانه أباح لنا شيئا وحرم علينا شيئا استثناء منه، فأما الذي أباح لنا فسماه وبينه، وأما الذي استثناه فوعد بذكره في حين الإباحة، ثم بينه بعد ذلك في وقت واحد، أو في أوقات متفرقة على اختلاف التأويلين المتقدمين، وكل ذلك تأخير للبيان والله أعلم (^١).\nوإنما أثبتُ للشوكاني عبارة (جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة)، وإن كانت عبارته في تفسيره: (جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة)؛ لأمرين:\nالأول: أنه نص في إرشاد الفحول على أن تأخر البيان عن وقت الحاجة- وهو الوقت الذي إذا تأخر البيان عنه لم يتمكن المكلف من المعرفة لما تضمنه الخطاب، وذلك في الواجبات الفورية- لم يجز; لأن الإتيان بالشيء مع عدم العلم به ممتنع عند جميع القائلين بالمنع من تكليف ما لا يطاق. (^٢).\nثم ذكر مسألة أخرى هي: تأخير البيان عن وقت ورود الخطاب إلى وقت الحاجة إلى الفعل، وذلك في الواجبات التي ليست بفورية، وذكر فيها مذاهب (^٣)، أبرزها:\n١ - الجواز مطلقا، وبه قال الشوكاني بعد أن ذكر أدلة القول بهذا القول (^٤).\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن ج ٢/ ص ١٠.\n(^٢) انظر: إرشاد الفحول ص ٣٩٣. وقد نقل عن السمعاني قوله: لا خلاف في امتناع تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى الفعل، ولا خلاف في جوازه إلى وقت الفعل; لأن المكلف قد يؤخر النظر، وقد يخطئ إذا نظر فهذان الضربان لا خلاف فيهما.\n(^٣) راجعها في: إرشاد الفحول ص ٣٩٦ - ٣٩٧.\n(^٤) واستدلوا بقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٨ - ١٩] وثم للتعقيب مع التراخي. وقوله في قصة نوح صدق الله العظيم: وأهلك من قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾ [هود: ٤٠]، وعمومه يتناول ابنه.\nوبقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء: ٩٨]. ثم لما سأل ابن الزبعرى عن عيسى والملائكة نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١].\nوبقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ثم وقع بيانها بعد ذلك بصلاة جبريل وبصلاة النبي -ﷺ-.\nوبقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، و﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ثم وقع البيان لهذه الأمور بعد ذلك بالسنة، ونحو هذا كثير جدا. انظر: إرشاد الفحول ص ٣٩٤ - ٣٩٥.","vol":"1","page":278},{"text":"٢ - المنع مطلقا. وقد رده الشوكاني بقوله: واستدل هؤلاء بما لا يسمن ولا يغني من جوع، فقالوا: لو جاز ذلك فإما أن يكون إلى مدة معينة، أو إلى الأبد، وكلاهما باطل، أما إلى مدة معينة فلكونه تحكما، ولكونه لم يقل به أحد، وأما إلى الأبد فلكونه يلزم المحذور، وهو الخطاب والتكليف به مع عدم الفهم.\nإلى أن قال: هذا أنهض ما استدلوا به على ضعفه، وقد استدلوا بما هو دونه في الضعف، فلا حاجة لنا إلى تطويل البحث بما لا طائل تحته. (^١)\nثم نص على اختياره القول الأول وهو جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فقال: وأنت إذا تتبعت موارد هذه الشريعة المطهرة وجدتها قاضية بجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب قضاء ظاهرا واضحا، لا ينكره من له أدنى خبرة بها، وممارسة لها. (^٢).\nفعلى هذا يبعد أن يكون مراد الشوكاني جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، إلا إن قصد تأخير البيان إلى وقت الحاجة لحاجة.\nالثاني: بمراجعة كلام القرطبي في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يظهر تأثر الشوكاني به كثيرا، حيث قال القرطبي: (ويحتمل إلا ما يتلى عليكم الآن، أو ما يتلى عليكم فيما بعد من مستقبل الزمان على لسان رسول الله -ﷺ-، فيكون فيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة) (^٣). فلعل الشوكاني أراد جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة والله أعلم.\nوممن استنبط -من المفسرين- جواز تأخير البيان إلى وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة: القنوجي، والدوسري. (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-364>٦١ - ما يأخذه المسلمون من أهل الكتاب من أعواض الطعام -أي ثمن بيع اللحم- حلال لهم </span>(^٥).\nقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ المائدة: ٥.\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق ص ٣٩٥.\n(^٢) انظر: المصدر السابق ص ٣٩٧.\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن ج ٦/ ص ٣٤.\n(^٤) انظر: فتح البيان ج ٣/ ص ٣٢٤، وصفوة الآثار والمفاهيم ج ٨/ ص ٢٤.\n(^٥) وهو استنباط فقهي.","vol":"1","page":279},{"text":"قال الشوكاني -﵀-: (قوله: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ أي: وطعام المسلمين حلال لأهل الكتاب. وفيه دليل على أنه يجوز للمسلمين أن يطعموا أهل الكتاب من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمجازاة (^١). وإخبار المسلمين بأن ما يأخذونه منهم من أعراض (^٢) الطعام حلال لهم بطريق الدلالة الالتزامية) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-365>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٤) -﵀- أن ما يأخذه المسلمون من أهل الكتاب من أعواض الطعام -أي ثمن بيع اللحم- حلال لهم.\n_________\n(^١) قال ابن كثير: (أي: ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة كما ألبس النبي -ﷺ- ثوبه لعبد الله بن أبي بن سلول حين مات، ودفنه فيه، قالوا: لأنه كان قد كسا العباس حين قدم المدينة ثوبه، فجازاه النبي -ﷺ- ذلك بذلك، فأما الحديث الذي فيه: لا تصحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي فمحمول على الندب والاستحباب والله أعلم). تفسير القرآن العظيم ج ٣/ ص ٣٣٠. وقال النسفي: (فلا جناح عليكم أن تطعموهم لأنه لو كان حراما عليهم طعام المؤمنين لما ساغ لهم إطعامهم). مدارك التنزيل ج ١/ ص ٣٩٤.\n(^٢) هكذا (أعراض) بالراء فيما وقفت عليه من طبعات، والذي يظهر أنه: (أعواض) الطعام، أي ثمنه والعوض عنه؛ ليستقيم المعنى.\n(^٣) فتح القدير ج ٢/ ص ١٥.\n(^٤) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) دل قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ بمفهوم المخالفة على أن طعام من عداهم من أهل الأديان لا يحل. انظر: تفسير القرآن العظيم ج ٣/ ص ٣٣٠، والإكليل ج ٢/ ص ٦١٧.\n٢) دل قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ لأن التحليل حكم وقد علقه بهم. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٥/ ص ٧٧، والانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال ج ١/ ص ٦٤٢، وفتح البيان ج ٣/ ص ٣٥٥، وصفوة الآثار والمفاهيم ج ٨/ ص ١٣٦.\n٣) أن الأعمال داخلة في الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾، والمذكور في هذه الآية أعمال؛ فدل على أن الأعمال داخلة في الإيمان، وهذا هو ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة. تفسير سورة المائدة لابن عثيمين ج ١/ ص ٨٣.\n٤) دل قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ على الحاجة لمخالطة أهل الكتاب. قال ابن عاشور: (لم يعرج المفسرون على بيان المناسبة بذكر ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾، والذي أراه أن الله تعالى نبهنا بهذا إلى التيسير في مخالطتهم، فأباح لنا طعامهم، وأباح لنا أن نطعمهم طعامنا، فعلم من هذين الحكمين أن علة الرخصة في تناولنا طعامهم هو الحاجة إلى مخالطتهم، وذلك أيضا تمهيد لقوله بعد: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾؛ لأن ذلك يقتضي شدة المخالطة معهم لتزوج نسائهم والمصاهرة معهم). التحرير والتنوير ج/ ص ٤٦. لكن البقاعي أشار إلى هذا المعنى بقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ أي: تناوله لحاجتكم، أي: مخالطتهم للإذن في إقرارهم على دينهم بالجزية، ولما كان هذا مشعرًا بإبقائهم على ما اختاروا لأنفسهم زاده تأكيدًا بقوله: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ أي: فلا عليكم في بذله لهم، ولا عليهم في تناوله). نظم الدرر ج ٢/ ص ٣٩٨.","vol":"1","page":280},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أحل لأهل الكتاب ذبائح المسلمين؛ فيلزم من ذلك أن يباح لهم بيعها، وشراؤها من المسلمين؛ فيكون ثمن لحمها حلا للمسلمين.\nقال ابن الجوزي: (﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ أي: وذبائحكم لهم حلال، فإذا اشتروا منا شيئا كان الثمن لنا حلالا، واللحم لهم حلالا) (^١).\nوهذا الاستنباط نقله القنوجي عن الشوكاني، وزاد عليه استنباطا آخر، فقال: (وهذا يدل على أنهم مخاطبون بشريعتنا) (^٢).\nوممن أشار إلى استنباط الشوكاني: ابن الجوزي-كما تقدم-، والقرطبي، والمراغي. (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-366>٦٢ - مناسبة إيراد قصة ابني آدم -﵇- في سياق الحديث عن مفاسد بني إسرائيل وظلمهم </span>(^٤).\nقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ المائدة: ٢٧.\nقال الشوكاني -﵀-: (وجه اتصال هذا بما قبله التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه، فالداء قديم، والشر أصيل) (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-367>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- أن مناسبة إيراد قصة ابني آدم -﵇- في سياق الحديث عن مفاسد بني إسرائيل وظلمهم هي التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر ظلم اليهود، ثم ذكر قصة ابني آدم وفيها ظلم أحدهما لأخيه؛ فدل ذلك بدلالة الربط بين الآيات على أن مناسبة ذكرها التنبيه على أن ظلم اليهود، ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه.\nوممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي. (^٦).\nوفي هذا الاستنباط بيان لعناية الشوكاني بالمناسبات عموما، وبالمناسبات بين الآيات خصوصا. (^٧).\n_________\n(^١) زاد المسير ص ٣٦٠.\n(^٢) انظر: فتح البيان ج ٣/ ص ٣٥٥. وفي هذا بيان لشيء من منهج القنوجي في الاستنباط حيث يزيد أحيانا على ما عند الشوكاني.\n(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٥/ ص ٧٧، وتفسير المراغي ج ٦/ ص ٥٩.\n(^٤) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٥) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٠.\n(^٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٦/ ص ١٢٨، وفتح البيان ج ٣/ ص ٣٩٥.\n(^٧) ذكر د. أحمد الشرقاوى في بحثه: (موقف الشوكاني في تفسيره من المناسبات) هذا الموضع قائلا: من المناسبات التي أبرزها الشيخ في بعض الأحيان بيان المناسبة التي من أجلها سيقت القصة، من ذلك ما ذكره في مناسبة إيراد قصة ابني آدم -﵇- في سورة المائدة في سياق الحديث عن مفاسد بني إسرائيل وظلمهم … انظر: ص ٦٦.","vol":"1","page":281},{"text":"كما فيه بيان شيء من منهجه في المناسبات، فإن الشوكاني اختار استنباط القرطبي وعبارته دون غيرها، مما يدل على أنه لا يرتضي من المناسبات إلا ما كان بعيدا عن التكلف.\nوقد اختلف العلماء في استنباط المناسبة، فمنهم من يرى مناسبتها لما بعدها، كالسيوطي حيث قال: (وجه إيراد هذه القصة هنا؛ أن هذه الآيات لما كانت متعلقة باليهود، وقد أخبر أنه كتب عليهم في كتابهم: أن النفس بالنفس-في الآية الآتية (^١) -ناسب أن يذكر في خلال ذلك مبدأ القتل، وأول من سنه، ولهذا عقب القصة بقوله: من أجل ذلك، وهذا غاية الملاءمة والارتباط) (^٢).\nومنهم من يرى مناسبتها للقصة قبلها، وهي قصة عصيان بني إسرائيل أمر رسولهم إياهم بالدخول إلى الأرض المقدسة (^٣). وممن قال بهذا أبو حيان حيث قال: (فاشتبهت القصتان من حيث الجبن عن القتل والإقدام عليه، ومن حيث المعصية بهما) (^٤). ومثله ابن عاشور حيث قال: (والمناسبة بينها وبين القصة التي قبلها مناسبة تماثل ومناسبة تضاد. فأما التماثل فإن في كلتيهما عدم الرضا بما حكم الله تعالى؛ فإن بني إسرائيل عصوا أمر رسولهم إياهم بالدخول إلى الأرض المقدسة، وأحد ابني آدم عصى حكم الله تعالى بعدم قبول قربانه لأنه لم يكن من المتقين. وفي كلتيهما جرأة على الله بعد المعصية; فبنو إسرائيل قالوا: اذهب أنت وربك، وابن آدم قال: لأقتلن الذي تقبل الله منه. وأما التضاد فإن في إحداهما إقداما مذموما من ابن آدم، وإحجاما مذموما من بني إسرائيل، وإن في إحداهما اتفاق أخوين هما موسى وأخوه على امتثال أمر الله تعالى، وفي الأخرى اختلاف أخوين بالصلاح والفساد) (^٥).\n_________\n(^١) وهي قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥].\n(^٢) قطف الأزهار ج ٢/ ص ٨٠٣.\n(^٣) قال تعالى: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ … اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ … مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [المائدة: ٢١ - ٢٦].\n(^٤) البحر المحيط ج ٣/ ص ٦٤٠.\n(^٥) التحرير والتنوير ج ٥/ ص ٨١، ٨٢.","vol":"1","page":282},{"text":"أما الرازي فذكر مناسبة هذه القصة لمواضع مختلفة من السورة قبلها، ومنها مناسبة الآية للقصة قبلها (^١)، ثم زاد عليها أربعة وجوه:\nالأول: أنه تعالى قال فيما تقدم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾ [المائدة: ١١] فذكر تعالى أن الأعداء يريدون إيقاع البلاء والمحنة بهم، لكنه تعالى يحفظهم بفضله ويمنع أعداءهم من إيصال الشر إليهم، ثم إنه تعالى لأجل التسلية وتخفيف هذه الأحوال على القلب ذكر قصصا كثيرة في أن كل من خصه الله تعالى بالنعم العظيمة في الدين والدنيا فإن الناس ينازعونه حسدا وبغيا، فذكر أولا قصة النقباء الاثني عشر وأخذ الله تعالى الميثاق منهم، ثم إن اليهود نقضوا ذلك الميثاق حتى وقعوا في اللعن والقساوة (^٢).\n_________\n(^١) فقال: هذه القصة متعلقة بما قبلها وهي قصة محاربة الجبارين، أي: اذكر لليهود حديث ابني آدم ليعلموا أن سبيل أسلافهم في الندامة والحسرة الحاصلة بسبب إقدامهم على المعصية كان مثل سبيل ابني آدم في إقدام أحدهما على قتل الآخر. انظر: التفسير الكبير ج ١١/ ص ١٦٠.\n(^٢) يعني قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢)﴾ المائدة: ١٢. وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ المائدة: ١٣.","vol":"1","page":283},{"text":"وذكر بعده شدة إصرار النصارى على كفرهم وقولهم بالتثليث (^١) بعد ظهور الدلائل القاطعة على فساد ما هم عليه، وما ذاك إلا لحسدهم لمحمد -ﷺ- فيما آتاه الله من الدين الحق.\nثم ذكر بعده قصة موسى في محاربة الجبارين وإصرار قومه على التمرد والعصيان.\nثم ذكر بعده قصة ابني آدم أن أحدهما قتل الآخر حسدا منه على أن الله تعالى قبل قربانه.\nوكل هذه القصص دالة على أن كل ذي نعمة محسود فلما كانت نعم الله على محمد -ﷺ- أعظم النعم لا جرم لم يبعد اتفاق الأعداء على استخراج أنواع المكر والكيد في حقه، فكان ذكر هذه القصص تسلية من الله تعالى لرسوله -ﷺ- لما هم قوم من اليهود أن يمكروا به وأن يوقعوا به آفة ومحنة.\nالثاني: أن هذا متعلق بقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ [المائدة: ١٥]، وهذه القصة وكيفية إيجاب القصاص عليها من أسرار التوراة.\nالثالث: هذا متصل بقوله حكاية عن اليهود والنصارى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (^٢) [المائدة: من الآية ١٨] أي: لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينتفع ولد آدم عند معصيته بكون أبيه نبيا معظما عند الله تعالى.\n_________\n(^١) يعني قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ … شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ المائدة: ١٧.\n(^٢) وتمامها: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾","vol":"1","page":284},{"text":"الرابع: لما كفر أهل الكتاب بمحمد -ﷺ- حسدا أخبرهم الله تعالى بخبر ابن آدم، وأن الحسد أوقعه في سوء العاقبة، والمقصود منه التحذير عن الحسد (^١).\nوهذه المناسبات -والله أعلم- لا تسلم من التكلف إلا ما ذكره أبو حيان وابن عاشور؛ لقرب اتصال الآيات. أما ما ذكره السيوطي، والرازي ففيه نوع من التكلف؛ لطول الفصل بين الآيات.\n\n<span data-type='title' id=toc-368>٦٣ - توبة المحارب بعد القدرة عليه لا تسقط بها عقوبة الحرابة </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ المائدة: ٣٣ - ٣٤.\nقال الشوكاني -﵀-: (وأما التوبة بعد القدرة فلا تسقط بها العقوبة المذكورة في الآية كما يدل عليه ذكر قيد ﴿قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا﴾) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-369>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٤) -﵀- أن توبة المحارب بعد القدرة عليه لا تسقط بها عقوبة الحرابة.\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير ج ١١/ ص ١٦٠.\n(^٢) وهو استنباط فقهي.\n(^٣) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٦.\n(^٤) واستنبط غيره من الآية أن سائر الحدود كحد الزنا، والسرقة وما أشبه ذلك يلحق بحد الحرابة بقياس الأولى، فإذا أسقطت توبة المحارب قبل القدرة عليه حد الحرابة عنه على عظم جرمه؛ فما دونه من الحدود من باب أولى. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٢٣٠، وتفسير سورة المائدة لابن عثيمين ج ١/ ص ٣٢٨.\nوخالف في هذا ابن العربي، والسيوطي، وابن عاشور، وغيرهم. قال السيوطي: توبة المحارب قبل القدرة عليه تسقط العقوبة عنه بخلاف توبة غيره من العصاة. انظر: الإكليل ج ٢/ ص ٦٣٢. وقال ابن عاشور: قال جمهور العلماء: توبة السارق تسقط القطع ولو جاء تائبا قبل القدرة عليه. ويدل لصحة قولهم أن النبي قطع يد المخزومية وشك أنها تائبة) التحرير والتنوير ج ٥/ ص ١٠١. وردَّ ابن العربي هذا الاستنباط مبينا دليله بقوله: وقد قال بعض الشافعية: إن التوبة تسقط حقوق الله وحدوده، وعزوه إلى الشافعي قولا، وتعلقوا بقول الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ وذلك استثناء من الوجوب؛ فوجب حمل جميع الحدود عليه. وقال علماؤنا هذا بعينه هو دليلنا؛ لأن الله ﷾ لما ذكر حد المحارب قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ وعطف عليه حد السارق وقال فيه: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩] فلو كان مثله في الحكم ما غاير الحكم بينهما … ألم تروا إلى المحارب المستبد بنفسه المجترئ بسلاحه، الذي يفتقر الإمام معه إلى الإيجاف بالخيل والركاب كيف أسقط جزاءه بالتوبة استنزالا عن تلك الحالة كما فعل بالكافر في مغفرة جميع ما سلف استئلافا على الإسلام، فأما السارق والزاني وهم في قبضة المسلمين وتحت حكم الإمام فما الذي يسقط عنهم ما وجب عليهم! أو كيف يجوز أن يقال على المحارب وقد فرقت بينهما الحالة والحكمة. انظر: أحكام القرآن ج ٢/ ص ٧٨.","vol":"1","page":285},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر في قبول توبة المحارب قيدا هو توبته قبل القدرة عليه والظفر به؛ فدل مفهوم مخالفة- مفهوم القيد- على أن من تاب من المحاربين بعد القدرة عليه لا تسقط عنه العقوبة.\nقال البيضاوي: (وتقييد التوبة بالتقدم على القدرة يدل على أنها بعد القدرة لا تسقط الحد، وإن أسقطت العذاب. وأن الآية في قطاع المسلمين؛ لأن توبة المشرك تدرأ عنه العقوبة قبل القدرة وبعدها) (^١).\nوقال السعدي: (ودل مفهوم الآية على أن توبة المحارب - بعد القدرة عليه - أنها لا تسقط عنه شيئا، والحكمة في ذلك ظاهرة) (^٢). لأنهم متهمون بالكذب في توبتهم والتصنع فيها إذا نالتهم يد الإمام، أو لأنه لما قدر عليهم صاروا بمعرض أن يُنَكِّل بهم فلم تقبل توبتهم كالمتلبس بالعذاب من الأمم قبلنا، أو من صار إلى حال الغرغرة فتاب (^٣).\nوممن قال بهذا الاستنباط أيضا: السيوطي، والآلوسي، والقنوجي، والشنقيطي. (^٤).\nوفي اختلاف حكم المحاربين التائبين قبل القدرة عليهم عن حكم التائبين منهم بعد القدرة عليهم والظفر بهم -مع استحقاق كُلِّ للعقوبة- فتحٌ لباب التوبة، وحث المحاربين عليها؛ فإن في إسقاط العقوبة عن المحاربين التائبين قبل القدرة عليهم دعوة لهم للتوبة.\nوهذا الاستنباط فيه تأصيل لما يسمى اليوم بالتحفيز المناسب، حيث إن التحفيز أنواع، وتتوقف جدواه على معرفة ما يحتاجه المحَفَّز، وهنا تظهر حاجته إلى العفو عن الحد أكثر من أي شيء آخر (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-370>٦٤ - مناسبة الشروع في بيان أحكام المرتدين بعد بيان أن موالاة الكافرين من المسلم كفر؛ لأن موالاتهم نوع من أنواع الردة </span>(^٦).\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ المائدة: ٥١ - ٥٤.\n_________\n(^١) أنوار التنزيل ج ٢/ ص ٣٢١.\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن ص ٢٣٠.\n(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٦/ ص ١٥١.\n(^٤) انظر: (الإكليل ج ٢/ ص ٦٣٢، وتفسير الجلالين ص ١٢٢)، وروح المعاني ج ٦/ ص ١٢١، وفتح البيان ج ٣/ ص ٤١١، وأضواء البيان ج ١/ ص ٣٠٥.\n(^٥) انظر: استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن الكريم عرض ودراسة ص ٤٦٦.\n(^٦) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة) من وجه، وهو أيضا استنباط عقدي من وجه.","vol":"1","page":286},{"text":"قال الشوكاني -﵀-: (قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ وهذا شروع في بيان أحكام المرتدين بعد بيان أن موالاة الكافرين من المسلم كفر، وذلك نوع من أنواع الردة) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-371>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٢) -﵀- أن مناسبة الشروع في بيان أحكام المرتدين بعد بيان أن موالاة الكافرين من المسلم كفر؛ لأن موالاتهم نوع من أنواع الردة.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى بيَّن حكم موالاة المسلم للكافرين، وهو نوع من الردة؛ فناسب أن يشرع بعده في بيان أحكام المرتدين.\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٢/ ص ٥١.\n(^٢) واستنبط غيره من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ … الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) يفهم من هذه الآيات أن المؤمن يجب عليه أن لا يلين إلا في الوقت المناسب للين، وألا يشتد إلا في الوقت المناسب للشدة؛ لأن اللين في محل الشدة ضعف وخور، والشدة في محل اللين حمق وخرق. انظر: أضواء البيان ج ١/ ص ٣١٦.\n٢) في الآية دلالة على صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -﵃-؛ وذلك لأن الذين ارتدوا من العرب بعد وفاة النبي -ﷺ- إنما قاتلهم أبو بكر وهؤلاء الصحابة، وقد أخبر الله أنه يحبهم ويحبونه، وأنهم يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم، ومعلوم أن من كانت هذه صفته فهو ولي الله. ولم يقاتل المرتدين بعد النبي -ﷺ- غير هؤلاء المذكورين وأتباعهم، ولا يتهيأ لأحد أن يجعل الآية في غير المرتدين بعد وفاة النبي -ﷺ- من العرب، ولا في غير هؤلاء الأئمة؛ لأن الله تعالى لم يأت بقوم يقاتلون المرتدين المذكورين في الآية غير هؤلاء. انظر: أحكام القرآن للجصاص ج ٤/ ص ١٠١، والتفسير الكبير ج ١٢/ ص ١٩.\n٣) هذه الآية من أدل الدلائل على فساد مذهب الإمامية من الروافض، وتقرير مذهبهم أن الذين أقروا بخلافة أبي بكر وإمامته كلهم كفروا وصاروا مرتدين؛ لأنهم أنكروا النص الجلي على إمامة علي ﵇، فنقول لو كان كذلك لجاء الله تعالى بقوم يحاربهم ويقهرهم ويردهم ويبطل شوكتهم، فلو كان الذين نصبوا أبا بكر للخلافة كذلك لوجب بحكم الآية أن يأتي الله بقوم يقهرهم ويبطل مذهبهم، ولما لم يكن الأمر كذلك، بل الأمر بالضد، فإن الروافض هم المقهورون الممنوعون عن إظهار مقالاتهم الباطلة أبدا منذ كانوا، علمنا فساد مقالتهم ومذهبهم. انظر: التفسير الكبير ج ١٢/ ص ١٨، ١٩.","vol":"1","page":287},{"text":"وهذا الاستنباط نقله القنوجي، وأشار إليه أبو السعود، والآلوسي، والقاسمي، وابن عاشور. (^١) حيث ذكروا أن الموالاة ذريعة للردة؛ فناسب الشروع بعده في بيان أحكام المرتدين.\nقال ابن عاشور: فجملة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ الخ معترضة بين ما قبلها وبين جملة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: من الآية ٥٥] (^٢) دعت لاعتراضها مناسبة الإنذار في قوله: … ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: من الآية ٥١] (^٣) تعقيبها بهذا الاعتراض إشارة إلى أن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ذريعة للارتداد؛ لأن استمرار فريق على موالاة اليهود والنصارى من المنافقين وضعفاء الإيمان يخشى منه أن ينسل عن الإيمان فريق. وأنبأ المترددين ضعفاء الإيمان بأن الإسلام غني عنهم إن عزموا على الارتداد إلى الكفر) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-372>٦٥ - العلماء التاركون للأمر بالمعروف ونهي العصاة عن المنكر أشد حالا، وأعظم وبالا من العصاة </span>(^٥).\nقال تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ المائدة: ٦٢ - ٦٣.\n_________\n(^١) انظر: فتح البيان ج ٣/ ص ٤٥١، وإرشاد العقل السليم ج ٣/ ص ٥٠، وروح المعاني ج ٦/ ص ١٦٠، ومحاسن التأويل ج ٤/ ص ١٦٨، والتحرير والتنوير ج ٥/ ص ١٣٤.\n(^٢) وتمام الآية: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)﴾.\n(^٣) وتمام الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾.\n(^٤) التحرير والتنوير ج ٥/ ص ١٣٤.\n(^٥) وهو استنباط فائدة علمية.","vol":"1","page":288},{"text":"قال الشوكاني -﵀-: (… والربانيون علماء النصارى والأحبار علماء اليهود، وقيل: الكل من اليهود لأن هذه الآيات فيهم، ثم وبخ علماءهم في تركهم لنبيهم فقال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا … يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ وهذا فيه زيادة على قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا … يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾؛ لأن العمل لا يبلغ درجة الصنع حتى يتدرب فيه صاحبه، ولهذا تقول العرب سيف صنيع إذا جود عامله عمله، فالصنع هو العمل الجيد لا مطلق العمل. فوبخ سبحانه الخاصة وهم العلماء التاركون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما هو أغلظ وأشد من توبيخ فاعل المعاصي.\nفليفتح العلماء لهذه الآية مسامعهم، ويفرجوا لها عن قلوبهم، فإنها قد جاءت فيه البيان الشافي لهم بأن كفهم عن المعاصي مع ترك إنكارهم على أهلها لا يسمن ولا يغنى من جوع، بل هم أشد حالا وأعظم وبالا من العصاة، فرحم الله عالما قام بما أوجبه الله عليه من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو أعظم ما افترضه الله عليه، وأوجب ما أوجب عليه النهوض به) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-373>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- أن العلماء التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد حالا وأعظم، وبالا من العصاة.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى وبخ العلماء التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما هو أغلظ وأشد من توبيخ فاعل المعاصي، فقال في المقدمين على الإثم والعدوان وأكل السحت: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾، وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾، والصنع أقوى من العمل؛ لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار مستقرا راسخا متمكنا، فجعل جرم العاملين ذنبا غير راسخ، وذنب التاركين للنهي عن المنكر ذنبا راسخا (^٢)؛ فظهر بذلك الفرق بين ذم متعاطي الذنب، وبين تارك النهي عنه، حيث جعل ذاك عملا، وهذا صناعة (^٣)؛ فدل بدلالة التركيب بين الآيتين، وبطريق التأمل في خاتمة كلٍّ منهما على أن العلماء التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد حالا وأعظم، وبالا من العصاة.\nقال البقاعي: (ولما كان من طبع الإنسان الإنكار على من خالفه، كانت الفطرة الأولى مطابقة لما أتت به الرسل من قباحة الكذب وما يتبعه من الفسوق. وكان الإنسان لا ينزل عن تلك الرتبة العالية إلى السكوت عن الفاسقين فضلًا عن تحسين أحوالهم إلا بتدرب طويل، وتمرن عظيم، حتى يصير له ذلك كالصفة التي صارت بالتدريب صنعة يألفها، وملكة لا يتكلفها، فجعل ذنب المرتكب للمعصية غير راسخ؛ لأن الشهوة تدعوه إليها، وذنب التارك للنهي راسخًا؛ لأنه لا شهوة له تدعوه إلى الترك، بل معه حامل من الفطرة السليمة تحثه على النهي، فكان أشد حالًا؛ قال: ﴿لَبِئْسَ مَا﴾، ولما كان ذلك في جبلاتهم، عبر بالكون فقال: ﴿كَانُوا … يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ أي في سكوتهم عنهم وسماعهم منهم) (^٤).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٢/ ص ٥٥، ٥٦.\n(^٢) انظر: التفسير الكبير ج ١٢/ ص ٣٤،\n(^٣) انظر: قطف الأزهار ج ٢/ ص ٨١٨.\n(^٤) نظم الدرر ج ٢/ ص ٤٩٦.","vol":"1","page":289},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، وأبو السعود، والسيوطي، والآلوسي. (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-374>٦٦ - من سبقت له العناية من علماء هذه الأمة يعصمه الله من الناس إن قام ببيان حجج الله وإيضاح براهينه </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ المائدة: ٦٧.\nقال الشوكاني -﵀-: (وهكذا من سبقت له العناية من علماء هذه الأمة يعصمه الله من الناس إن قام ببيان حجج الله، وإيضاح براهينه، وصرخ بين ظهراني من ضاد الله وعانده، ولم يمتثل لشرعه كطوائف المبتدعة، وقد رأينا من هذا في أنفسنا، وسمعنا منه في غيرنا ما يزيد المؤمن إيمانا وصلابة في دين الله، وشدة شكيمة في القيام بحجة الله. وكل ما يظنه متزلزلو الأقدام ومضطربو القلوب من نزول الضرر بهم وحصول المحن عليهم فهو خيالات مختلة، وتوهمات باطلة، فإن كل محنة في الظاهر هي منحة في الحقيقة لأنها لا تأتى إلا بخير في الأولى والأخرى، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-375>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٤) -﵀- أن من سبقت له العناية من علماء هذه الأمة يعصمه الله من الناس إن قام ببيان حجج الله.\n_________\n(^١) انظر: الكشاف ج ١/ ص ٦٨٧، والتفسير الكبير ج ١٢/ ص ٣٤، وأنوار التنزيل ج ٢/ ص ٣٤٥، وإرشاد العقل السليم ج ٣/ ص ٥٧، وقطف الأزهار ج ٢/ ص ٨١٨، وروح المعاني ج ٦/ ص ١٧٩.\n(^٢) وهو استنباط فائدة علمية.\n(^٣) فتح القدير ج ٢/ ص ٦٠.\n(^٤) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) … مناسبة ختم الآية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾، قال البقاعي: ترك التبليغ يأتي لسببين: أحدهما: الخوف من القتل أو الأسر، والثاني: الخوف من عدم حصول ثمرة ذلك البلاغ، فأجاب النظم الكريم في سياق تلك الآيات عن الأول بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، وأجاب عن الثاني بقوله بعدها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾؛ أي: ليست عليك ثمرة البلاغ؛ إنما عليك واجب البلاغ في ذاته، ولو لم توجد ثمرته. نظم الدرر ج ٢/ ص ٥٠٣.\n٢) … في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ دليل على نبوته؛ لأن الله ﷿ أخبر أنه معصوم، ومن ضمن سبحانه له العصمة فلا يجوز أن يكون قد ترك شيئا مما أمره الله به. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٦/ ص ٢٢٩.","vol":"1","page":290},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر رسوله -ﷺ- بالتبليغ، ووعده بأن يعصمه، فكأن بين التبليغ والعصمة تلازما؛ فدل ذلك على أن -من سبقت له العناية من الله- من المبلغين رسالات الله يعصمهم الله.\nفيكون في الآية إشارة إلى المبلِّغين رسالات الله، ألا يخشوا أحدًا إلا الله، وفيها بشارة لهم بأن الله ينتقم من أعدائهم، ويُضِل سعيهم في إيقاف دعوتهم كما فعل الله بأعداء الرسول -ﷺ-، وأن من امتثل لأمر الخالق يعصمه الله من شر المخلوق (^١).\nواحترز الشوكاني بقوله: من سبقت له العناية من الله، أي: من كتب الله تعالى له الحفظ والعصمة.\nولأن المرء لا يدري بما كتب الله له فعليه التبليغ، فهو بين أمرين: إما أن يعصمه الله، أو أن يكون قد كتب الله له أن يناله من الأذى ما به ترتفع درجته، وتعلو عند ربه منزلته.\nوهذا الاستنباط نقله القنوجي (^٢). وأشار إليه البروسوي بقوله: (وفي الآية إشارة إلى أن من امتثل لأمر الخالق يعصمه الله من مضرة المخلوق) (^٣).\nوالتلازم بين التبليغ والعصمة يدل عليه قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾ [القصص: ٣٥]. قال ابن كثير: (﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ أي لا سبيل لهم إلى الوصول إلى أذاكما بسبب إبلاغكما آيات الله كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾) (^٤).\nوفي هذا الاستنباط باعث لكل مسلم على الجد في أمر التبليغ، وعدم الاكتراث بعداوات الأعداء وكيدهم.\n_________\n(^١) راجع مقال بعنوان: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ للدكتور عبد العزيز كامل، مجلة البيان، ص ٢٠، ٢١.\n(^٢) انظر: فتح البيان ج ٤/ ص ١٩، ٢٠.\n(^٣) روح البيان ج ٢/ ص ٤٢٤.\n(^٤) تفسير القرآن العظيم ج ٦/ ص ٢١.","vol":"1","page":291},{"text":"<span data-type='title' id=toc-376>٦٧ - دفع المفاسد أهم من جلب المصالح </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ المائدة: ٧٦.\nقال الشوكاني -﵀-: (أمر الله سبحانه رسوله -ﷺ- أن يقول لهم هذا القول إلزاما لهم، وقطعا لشبهتهم، أي: أتعبدون من دون الله -متجاوزين إياه- ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا، بل هو عبد مأمور، وما جرى على يده من النفع أو دفع من الضر فهو بإقدار الله له وتمكينه منه وقدم سبحانه الضر على النفع؛ لأن دفع المفاسد أهم من جلب المصالح) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-377>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- قاعدة: أن دفع المفاسد أهم من جلب المصالح (^٣).\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر نبيه -ﷺ- أن يقول للعابدين غير الله من سائر فرق بني آدم- ودخل في ذلك النصارى وغيرهم-: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي: لا يقدر على دفع ضر عنكم ولا إيصال نفع إليكم (^٤)، فدل بدلالة التقديم على أن دفع المفاسد أهم من جلب المصالح.\nوممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي. (^٥).\nومما يستأنس به في تأييد هذا الاستنباط أن أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معا جاء بتقديم لفظ الضر على النفع (^٦).\nوقاعدة: درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة من القواعد المتفرعة عن القاعدة الكليّة \"الضرر يزال\" (^٧)، وذلك لأنه عند الموازنة بين المصلحة والمفسدة، ودفع الضرر وإزالته لابد من التعرض للموازنة بين المصالح والمفاسد عند التعارض، وأيهما أولى بالتقديم دفعا وجلبا. ناهيك عن أن دفع المفسدة عبارة عن إزالة ضرر (^٨).\n_________\n(^١) وهو استنباط قاعدة فقهية فرعية مندرجة تحت القاعدة العامة (لا ضرر ولا ضرار).\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ٦٥.\n(^٣) واستنبط الشوكاني هذا الاستنباط من الآية ٣ من سورة الفرقان، وسيأتي بيانها.\n(^٤) انظر: تفسير القرآن العظيم ج ٣/ ص ٤٤٢.\n(^٥) انظر: أنوار التنزيل ج ٢/ ص ٣٥٤، وإرشاد العقل السليم ج ٣/ ص ٦٨، وروح المعاني ج ٦/ ص ٢١٠، وفتح البيان ج ٤/ ص ٢٩، ومحاسن التأويل ج ٤/ ص ٢١٧.\n(^٦) ذكر الكرماني أن أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معا جاء بتقديم لفظ الضر على النفع. وحيث تقدم النفع على الضر تقدم لسابقة لفظ تضمن نفعا، وذلك في ثمانية مواضع، ثلاثة منها بلفظ الاسم وهي: الأعراف: ١٨٨، والرعد: ١٦، وسبأ: ٤٢. وخمسة بلفظ الفعل وهي في: الأنعام: ٧١، وآخر في يونس: ١٠٦، وفي الأنبياء: ٦٦، والفرقان: ٥٥، وفي الشعراء: ٧٣. ثم بسط الكرماني القول في كل آية منها مبينا وجه تقديم النفع على الضر، ثم قال: (فتأمل فإنه برهان القرآن). أسرار التكرار ص ٩٢، ٩٣.\n(^٧) القواعد الخمس الكبرى هي: الأمور بمقاصدها، واليقين لا يزول بالشك، والمشقة تجلب التيسير، والعادة محكمة، والضرر يزال أو لا ضرر ولا ضرار. راجع تفصيلاتها في كتاب: القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها للدكتور صالح السدلان.\n(^٨) انظر بحث: قاعدة \"درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة\": دراسة أصوليّة فقهيّة للدكتور حسن بن إبرهيم الهنداوي ص ٣.","vol":"1","page":292},{"text":"<span data-type='title' id=toc-378>ولتعارض المصالح مع المفاسد حالات:</span>\n<span data-type='title' id=toc-379>فأولها: تعارض مصالح غالبة أو راجحة على المفاسد</span>، فحينها يطلب تحصيل المصلحة، ولا يلتفت إلى ما فيها من مفسدة.\nومثال ذلك الجهاد في سبيل الله فيه قتال ينتج عنه قتل النفس وتلفها، وهو لاشك في كونه مفسدة، ولكن كتب القتال على المؤمنين بالنظر إلى ما يترتب عليه من مصالح تربو على ما فيه من مفاسد. فالقتال في سبيل الله يحقق مصالح جمّة من أهمها حماية الدين، والدّفاع عن أرض المسلمين من أن يطأها العدوّ، وحماية أعراض المسلمين من أن تنتهك، والاعتداء على المستضعفين من النساء والرجال والولدان. فلا شكّ أن هذه المصالح تفوق مفسدة القتل وتربو عليها، ناهيك عن أنّ الجهاد متعلق بمقصد حفظ الدين، والقتل متعلق بمقصد حفظ النفس، وحفظ الدّين مغلّب على حفظ النفس عند التعارض فكانت مصلحة الدين مقدّمة على مصلحة النفس.\n\n<span data-type='title' id=toc-380>وثانيهما: تعارض مفاسد غالبة أو راجحة مع تحصيل مصالح مرجوحة وجلبها</span>، فحينها يقدّم درء المفسدة، ولا يلتفت إلى جلب المصلحة. فالمفسدة إذا كانت هي الغالبة بالنظر إلى المصلحة فرفعها هو المقصود شرعا، ولأجله وقع النهي.\nومثال ذلك ما ورد في التنزيل من تحريم الخمر دفعا لمفاسدها حيث نصت الآية النازلة في هذا الصدد على أنّ الخمر فيها منافع (مصالح) ومآثم (مفاسد)، ولكن المفاسد غالبة أو راجحة على المصالح فكان حكمها في الأخير التحريم بناء على أنّ درأ المفسدة مقدّم على جلب المصلحة. فالخمر قد تحقق منافع مثل النشوة وتحصيل المال من جراء بيعها والمتاجرة بها، ولكن هذه المصالح التي تجلبها الخمر لا تقوى أمام المفاسد المترتبة على شربها مثل إدخال الضرر على العقل، ووقوع العداوة والبغضاء والصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وتضييع الحقوق وغيرها من المفاسد التي هي أعظم بكثير من جلب ما فيها من منافع، وأنّ المصالح المجتلبة بشرب الخمر لا تعدّ شيئًا إذا ما تمّ مقابلتها بما يترتب عليها من مفاسد وأضرار.\nوالحاصل أنّ أهمّ ضابط في إعمال قاعدة \"درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة\" هو غلبة أو رجحان المفسدة المدفوعة على المصلحة المجتلبة، أو في حال تساوي المصلحة والمفسدة. (^١).\nقال الشنقيطي: فإن كان الضرر أرجح من النفع أو مساويا له فالمنع؛ لحديث: \"لا ضرر ولا ضرار\"، ولأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وإن كان النفع أرجح فالأظهر الجواز؛ لأن المقرر في الأصول أن المصلحة الراجحة تقدم على المفسدة المرجوحة.\n_________\n(^١) انظر: المرجع السابق ص ٢٧ - ٣٢.","vol":"1","page":293},{"text":"ثم مثَّل له بمثالين:\nالأول: تخليص أسارى المسلمين من أيدي العدو بالفداء مصلحة راجحة، قُدِّمت على المفسدة المرجوحة التي هي انتفاع العدو بالمال المدفوع لهم فداء للأسارى.\nالثاني: انتفاع الناس بالعنب والزبيب مصلحة راجحة على مفسدة عصر الخمر من العنب، فلم يقل أحد بإزالة العنب من الدنيا لدفع ضرر عصر الخمر منه؛ لأن الانتفاع بالعنب والزبيب مصلحة راجحة على تلك المفسدة (^١).\nويشترط في تقديم درء المفسدة ألا يؤدي إلى مفسدة أخرى، فيلغى التقديم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-381>٦٨ - الغلو في الحق بإبلاغ كلية الجهد في البحث عنه، واستخراج حقائقه ليس بمذموم </span>(^٣).\nقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ المائدة: ٧٧.\nقال الشوكاني -﵀-: (وأما الغلو في الحق بإبلاغ كلية الجهد في البحث عنه، واستخراج حقائقه فليس بمذموم) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-382>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٥) -﵀- أن الغلو في الحق بإبلاغ كلية الجهد في البحث عنه، واستخراج حقائقه ليس بمذموم.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى عن الغلو بقوله: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ فقيد الغلو المذموم بكونه بغير الحق؛ فدل بمفهوم المخالفة- مفهوم القيد- أن الغلو في الحق بإبلاغ كلية الجهد في البحث عنه، واستخراج حقائقه ليس بمذموم.\nونقل القنوجي هذا الاستنباط عن الشوكاني، كما أشار إليه القاسمي، وابن عاشور. (^٦).\nوهذا الاستنباط مبني على تفسير ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ بمعنى: غلوا غير غلو الحق. فيكون الغلو نوعين: بحق، وبغير حق.\n_________\n(^١) انظر: أضواء البيان ج ٥/ ص ٢٢٢، ٢٢٣.\n(^٢) انظر: القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة، للدكتور محمد مصطفى الزحيلي ج ١/ ص ٢٣٩.\n(^٣) وهو استنباط عقدي.\n(^٤) فتح القدير ج ٢/ ص ٦٥.\n(^٥) واستنبط ابن عثيمين من الآية: الرد على الجبرية الذين قالوا: إن ضلال الإنسان لا ينسب إليه، وأنه مجبور عليه ولا اختيار له فيه؛ لأن الآية صريحة بأنهم ضلوا وأضلوا. انظر: تفسير سورة المائدة ج ١/ ص ٢٣٢.\n(^٦) انظر: فتح البيان ج ٤/ ص ٣٠، ومحاسن التأويل ج ٤/ ص ٢١٨، والتحرير والتنوير ج ٥/ ص ١٧٨.","vol":"1","page":294},{"text":"وهو مبني أيضا على إعراب ﴿غَيْرَ﴾ على أنه منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف: أي غلوا غير غلو الحق (^١).\nورأى آخرون -منهم ابن عثيمين- أن الغلو كله ليس بحق. ويكون إعراب ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ صفة كاشفة أي هي لبيان الواقع ولا مفهوم لها (^٢). وعلى هذا المعنى والإعراب لا يستقيم ما استنبطه الشوكاني.\nويمكن توجيه هذا الخلاف بأن من جعل الغلو كله ليس بحق إنما عني بالغلو الغلو في العبادة، أو تجاوز الحق بالإعراض عن الأدلة.\nأما من قسم الغلو إلى قسمين: غلو بحق، وبغير حق، فإنه يتفق مع الفريق الأول في المقصود بالغلو الباطل. (^٣)\nويكون مقصودهم من الغلو بحق -هنا- ما كان من الاجتهاد في تحصيل الحجج، واستخراج الحقائق.\nلكن تسمية هذا الفعل غلوا فيه إشكال من وجهين:\nالأول: أن هذا الفعل وإن صحت تسميته غلوا من جهة اللغة إلا أن الشرع يحث عليه، ويثيب فاعله ما دام حقا. وإذا كان الغلو المجاوزة عن الحد، فلا مجاوزة عنه ما لم يخرج عن الدين، فهذا الفعل ليس خروجا عنه حتى يكون غلوا.\nالثاني: أن تسمية هذا الاجتهاد بالغلو قد يفتح للتأويلات الفاسدة المخالفة للحق بابا بحجة التفتيش عن أباعد المعاني، وفحص الحقائق.\nفالاستمساك بالقول بوجود غلو بالحق قد يفضى إلى جعل التعمق في المباحث الكلامية المخالفة لما عليه السلف حقا بحجة أن هذا غلو بحق، وقد فعل هذا الزمخشري حيث قال: الغلو في الدين غلوان: غلو حق وهو أن يفحص عن حقائقه، ويفتش عن أباعد معانيه، ويجتهد في تحصيل حججه كما يفعل المتكلمون من أهل العدل والتوحيد رضوان الله عليهم.\nوغلو باطل وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة، واتباع الشبه كما يفعل أهل الأهواء والبدع (^٤).\nقال الدوسري-متعقبا-: (ولا عبرة بما قاله الزمخشري في تفسير الغلو وتقسيمه، فإنه مبني على مذهب الاعتزال، ومراده بأهل العدل والتوحيد المعتزلة، ومراده بأهل الأهواء أهل السنة، فهم في عرفه أهل الأهواء والبدع حاسبه الله وعامله بما يستحق) (^٥).\n_________\n(^١) انظر: فتح القدير ج ٢/ ص ٦٥.\n(^٢) انظر: تفسير سورة المائدة لابن عثيمين ج ١/ ص ٢٢٩.\n(^٣) وذكر ابن عاشور أمثلة للغلو الذي لا ضير فيه، فقال: وأن من الغلو الذي لا ضير فيه المبالغة في الثناء على العمل الصالح من غير تجاوز لما يقتضيه الشرع … ومن الغلو الذي ليس باطلا ما هو مثل الزيادة في الوضوء على ثلاث غسلات فإنه مكروه. انظر: التحرير والتنوير ج ٥/ ص ١٧٨. فأما الأول فليس بغلو لأن ليس فيه تجاوز لما يقتضيه الشرع، وأما الثاني فهو أقرب للغلو الباطل إذ ليس بحق والله أعلم.\n(^٤) انظر: الكشاف ج ١/ ص ٦٩٩.\n(^٥) صفوة الآثار والمفاهيم ج ٩/ ص ٢٠٣.","vol":"1","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-383>٦٩ - من حرم على نفسه شيئا مما أحله الله له فلا يحرم عليه ولا تلزمه كفارة </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ المائدة: ٨٧.\nقال الشوكاني -﵀-: (قوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ أي: لا تعتدوا على الله بتحريم طيبات ما أحل الله لكم، أو لا تعتدوا فتحلوا ما حرم الله عليكم أي: تترخصوا فتحللوا حراما كما نهيتم عن التشديد على أنفسكم بتحريم الحلال. وقد ذهب جمهور العلماء (^٢) إلى أن من حرم على نفسه شيئا مما أحله الله له فلا يحرم عليه ولا يلزمه كفارة، وقال أبو حنيفة (^٣) وأحمد (^٤) ومن تابعهما إن من حرم شيئا صار محرما عليه، وإذا تناوله لزمته الكفارة. وهو خلاف ما في هذه الآية، وخلاف ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، ولعله\nيأتي في سورة التحريم ما هو أبسط من هذا إن شاء الله (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) وهو استنباط فقهي.\n(^٢) قال ابن العربي: (هذا مذهب مالك، والشافعي، وأكثر الصحابة). أحكام القرآن ج ٢/ ص ٩٩.\n(^٣) قال الجصاص: (وكذلك قال أكثر أهل العلم فيمن حرم طعاما أو جارية على نفسه أنه إن أكل من الطعام حنث، وكذلك إن وطئ الجارية لزمته كفارة يمين). أحكام القرآن ج ٤/ ص ١١٠.\n(^٤) قال السعدي: (ودلت الآية الكريمة على أنه إذا حرم حلالا عليه من طعام وشراب وسرية وأمة ونحو ذلك فإنه لا يكون حراما بتحريمه، لكن لو فعله فعليه كفارة يمين كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية. إلا أن تحريم الزوجة فيه كفارة ظهار). تيسير الكريم الرحمن ص ٢٤٢.\n(^٥) قال الشوكاني في سورة التحريم: (قال الزجاج: وليس لأحد أن يحرم ما أحل الله. قلت: وهذا هو الحق أن تحريم ما أحل الله لا ينعقد ولا يلزم صاحبه، فالتحليل والتحريم هو إلى الله سبحانه لا إلى غيره، ومعاتبته لنبيه -ﷺ- في هذه السورة أبلغ دليل على ذلك، والبحث طويل والمذاهب فيه كثيرة والمقالات فيه طويلة وقد حققناه في مؤلفاتنا بما يشفي. واختلف العلماء هل مجرد التحريم يمين يوجب الكفارة أم لا؟ وفي ذلك خلاف، وليس في الآية ما يدل على أنه يمين؛ لأن الله سبحانه عاتبه على تحريم ما أحله له ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، وقد ورد في القصة التي ذهب أكثر المفسرين إلى أنها هي سبب نزول الآية أنه حرم أولا، ثم حلف ثانيا كما قدمنا). فتح القدير ج ٥/ ص ٢٥٠.\n(^٦) فتح القدير ج ٢/ ص ٧٠.","vol":"1","page":296},{"text":"<span data-type='title' id=toc-384>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^١) -﵀- أن من حرم على نفسه شيئا مما أحله الله له فلا يحرم عليه ولا تلزمه كفارة.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى عن تحريم ما أحل لعباده؛ فدل ذلك على أن من التحريم والتحليل له سبحانه، فمن حرم على نفسه شيئا مما أحله الله له فلا يحرم عليه إذ هو تحريم لا أثر له.\nقال إلكيا: (فيه دليل على أن العبد لا يمكنه أن يحرم على نفسه ما أحله الله تعالى له بعقده وقصده) إلى أن قال: (وفيه دليل على أن ذلك منه لغو، وأبو حنيفة رأى أن ذلك صار محرما عليه، وأنه إذا تناوله لزمته الكفارة، وهو بعيد). (^٢).\nوعدم الكفارة هنا يستثنى منه تحريم النساء. قال الدوسري: (وقد ذهب بعض العلماء كالشافعي وغيره إلى أن من حرم على نفسه مأكلا أو مشربا ونحوه ما عدا النساء فإنه لا تحرم عليه، وليس عليه كفارة إلا في تحريم النساء، وذهب الإمام أحمد ومن وافقه إلى وجوب الكفارة على من حرم على نفسه حلالا؛ لأن التزم نفسه باليمين فيؤاخذ بما التزمه، ولكن هذه الآية تدل على ما ذهب إليه الشافعي إلا في تحريم النساء؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: من الآية ٢]) (^٣).\nوممن قال باستنباط الشوكاني: إلكيا الهراسي، وابن العربي، والقرطبي، وابن عاشور. (^٤).\nوخالف السعدي إذ جعل الكفارة على من حرم حلالا، فقال: (ودلت الآية الكريمة على أنه إذا حرم حلالا عليه من طعام وشراب وسرية وأمة ونحو ذلك فإنه لا يكون حراما بتحريمه، لكن لو فعله فعليه كفارة يمين كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: من الآية ١] الآية. إلا أن تحريم الزوجة فيه كفارة ظهار) (^٥).\n_________\n(^١) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) مناسبة هذه الآية لما قبلها، قال الرازي: (ظهر وجه النظم بين هذه الآية وبين ما قبلها وذلك لأنه تعالى مدح النصارى بأن منهم قسيسين ورهبانا، وعادتهم الاحتراز عن طيبات الدنيا ولذاتها، فلما مدحهم أوهم ذلك المدح ترغيب المسلمين في مثل تلك الطريقة، فذكر تعالى عقيب هذه الآية إزالة لذلك الوهم ليظهر للمسلمين أنهم ليسوا مأمورين بذلك). التفسير الكبير ج ١٢/ ص ٥٩.\n٢) استنبط من قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ تحريم إيقاع الطلاق الثلاث؛ لما فيه من تحريم المباح من المرأة. انظر: أحكام القرآن للجصاص ج ٤/ ص ١١١.\n(^٢) أحكام القرآن ج ٣/ ص ٨٧.\n(^٣) صفوة الآثار والمفاهيم ج ٩/ ص ٢٣٢.\n(^٤) انظر: أحكام القرآن ج ٣/ ص ٨٧، وأحكام القرآن ج ٢/ ص ٩٩، والجامع لأحكام القرآن ج ٦/ ص ٢٤٦، والتحرير والتنوير ج ٥، ص ١٩١.\n(^٥) تيسير الكريم الرحمن ص ٢٤٢.","vol":"1","page":297},{"text":"والأظهر-والله تعالى أعلم- أن التحريم إن كان مقترنا بيمين فعليه الكفارة (^١)، أما إن كان امتناعا بلا يمين فلا شيء عليه.\nقال ابن العربي-عند تفسير قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾ [آل عمران: ٩٣]-: (حقيقة التحريم المنع، فكل من امتنع من شيء مع اعتقاده الامتناع منه فقد حرمه، وذلك يكون بأسباب: إما بنذر كما فعل يعقوب في تحريم الإبل وألبانها، وإما بيمين كما فعل النبي -ﷺ- في العسل أو في جاريته، فإن كان بنذر فإنه غير منعقد في شرعنا. ولسنا نتحقق كيفية تحريم يعقوب هل كان بنذر أو بيمين، فإن كان بيمين فقد أحل الله لنا اليمين بالكفارة، أو بالاستثناء المتصل رخصة منه لنا ولم يكن ذلك لغيرنا من الأمم. فلو قال رجل: حرمت الخبز على نفسي أو اللحم لم يحرم ولم ينعقد يمينا. فإن قال: حرمت أهلي فقد اختلف العلماء فيه اختلافا كثيرا يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى. والصحيح أنه يلزمه تحريم الأهل إذا ابتدأ بتحريمها كما يحرمها بالطلاق، ولا يلزمه تحريم فيما عدا ذلك؛ لقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾) (^٢).\nوفي هذا الاستنباط حكمة عظيمة هي بقاء الحلال والحرام في إطار الحفظ من الأهواء والتنطعات، فربما شوه الإسلام بتنطع محرم (^٣).\n_________\n(^١) ويدل عليه قول ابن عباس -﵃- الذي أخرجه الطبري في جامع البيان ج ٨/ ص ٦١٦، والسيوطي في الدر المنثور ج ٣/ ص ١٤٩ -: لما نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ في القوم الذين كانوا حرموا النساء واللحم على أنفسهم قالوا: يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا؟ فنزلت: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: من الآية ٨٩]. فإنهم قالوا كيف نصنع بأيماننا، وهذا يدل على أن تحريمهم كان باليمين. وانظر سبب نزول الآية في لباب النقول ص ٩٦.\n(^٢) أحكام القرآن ج ١/ ص ٣١٠.\n(^٣) انظر: استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي ص ٤٧٦.","vol":"1","page":298},{"text":"كما أن الامتناع من الطيبات التي أحلها الله لا فضيلة فيه (^١). قال الشوكاني: (فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده، وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب الله عباده إليه، وعمل به رسول الله -ﷺ-، وسنه لأمته، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون إذ كان خير الهدى هدى نبينا محمد -ﷺ-، فإذا كان ذلك كذلك تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على لباس ذلك من حله، وآثر أكل الخشن من الطعام وترك اللحم وغيره حذرا من عارض الحاجة إلى النساء. فإن ظن ظان أن الفضل في غير الذي قلنا لما في لباس الخشن وأكله من المشقة على النفس، وصرف ما فضل بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة؛ فقد ظن خطأ، وذلك أن الأولى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ربها، ولا شيء أضر للجسم من المطاعم الردية؛ لأنها مفسدة لعقله ومضعفة لأدواته التي جعلها الله سببا إلى طاعته) (^٢).\nوالإسلام دين الوسطية والاعتدال، ولذا فإن المعتدل المقتصد يثاب على اعتداله مالا يثاب عليه المتنطع المتشدد ولا يشفع له أن كان مقصده التقرب إلى الله؛ لأنه خالف الطريق التي شرعها الله. قال ابن تيمية: فالمسلم المتبع لشريعة الإسلام هو المحرم ما حرمه الله ورسوله، فلا يحرم الحلال ولا يسرف في تناوله، بل يتناول ما يحتاج إليه من طعام أو لباس أو نكاح، ويقتصد في ذلك، ويقتصد في العبادة فلا يحمل نفسه مالا تطيق. فهذا تجده يحصل له من مجاهدات النفس، وقهر الهوى ما هو أنفع له من تلك الطريق المبتدعة الوعرة القليلة المنفعة التي غالب من سلكها ارتد على حافره، ونقض عهده، ولم يرعها حق رعايتها، وهذا يثاب على ذلك مالا يثاب على سلوك تلك الطريق، وتزكو به نفسه، وتسير به إلى ربه، ويجد بذلك من المزيد في إيمانه مالا يجده أصحاب تلك الطريق، فإنهم لابد أن تدعوهم أنفسهم إلى الشهوات المحرمة فإنه ما من بني آدم إلا من أخطأ، أو هم بخطيئة، وقد قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: من الآية ٢٨] (^٣).\nإلا أنه يجوز للمرء ترك تناول بعض ذلك في بعض الأوقات من غير التزام، بل لقصد التربية للنفس على التصبر على الحرمان عند عدم الوجدان. قال ابن عاشور: (والنهي إنما هو عن تحريم ذلك على النفس. أما ترك تناول بعض ذلك في بعض الأوقات من غير التزام ولقصد التربية للنفس على التصبر على الحرمان عند عدم الوجدان، فلا بأس به بمقدار الحاجة إليه في رياضة النفس. وكذلك الإعراض عن كثير من الطيبات للتطلع على ما هو أعلى من عبادة أو شغل بعمل نافع وهو أعلى الزهد، وقد كان ذلك سنة رسول الله ﷺ وخاصة من أصحابه، وهي حالة تناسب مرتبته ولا تتناسب مع بعض مراتب الناس، فالتطلع إليها تعسير، وهو مع ذلك كان يتناول الطيبات دون تشوف ولا تطلع. وفي تناولها شكر لله تعالى) (^٤) واستعانة بها على طاعة الله (^٥).\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن للجصاص ج ٤/ ص ١١٠.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ٦٩.\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى ج ١٤/ ص ٤٦٠، ٤٦١.\n(^٤) التحرير والتنوير ج ٥، ص ١٩٠.\n(^٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٢٤٢.","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type='title' id=toc-385>٧٠ - من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليس بمهتد </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ المائدة: ١٠٥.\nقال الشوكاني -﵀-: (وليس في الآية ما يدل على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (^٢)، فإن من تركه مع كونه من أعظم الفروض الدينية فليس بمهتد، وقد قال الله\n_________\n(^١) وهو استنباط عقدي.\n(^٢) بيَّن الرازي الأوجه التي تحمل عليها الآية، مجيبا عن توهم أن فيها جواز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: فإن قيل ظاهر هذه الآية يوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير واجب؛ قلنا الجواب عنه من وجوه:\nالأول: وهو الذي عليه أكثر الناس أن الآية لا تدل على ذلك، بل توجب أن المطيع لربه لا يكون مؤاخذا بذنوب العاصي، فأما وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فثابت بالدلائل.\nوالوجه الثاني في تأول الآية: ما روي عن ابن مسعود وابن عمر -﵁- أنهما قالا: قوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يكون هذا في آخر الزمان.\nوالوجه الثالث في تأويل الآية: ما ذهب إليه عبد الله بن المبارك قال: هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه قال: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ وهذا كقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: من الآية ٥٤] يعني أهل دينكم بأن يعظ بعضكم بعضا، ويرغب بعضكم بعضا في الخيرات، وينفره عن القبائح والسيئات؛ والذي يؤكد ذلك ما بينا أن قوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ معناه: احفظوا أنفسكم فكان ذلك أمرا بأن نحفظ أنفسنا، فإن لم يكن ذلك الحفظ إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان ذلك واجبا.\nوالوجه الرابع: أن الآية مخصوصة بالكفار الذين علم أنه لا ينفعهم الوعظ ولا يتركون الكفر بسبب الأمر بالمعروف، فهاهنا لا يجب على الإنسان أن يأمرهم بالمعروف، والذي يؤكد هذا القول ما ذكرنا في سبب النزول أن الآية نازلة في المنافقين حيث عيروا المسلمين بأخذ الجزية من أهل الكتاب دون المشركين.\nالوجه الخامس: أن الآية مخصوصة بما إذا خاف الإنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه، أو على عرضه، أو على ماله، فهاهنا عليه نفسه لا تضره ضلالة من ضل ولا جهالة من جهل.\nالوجه السادس: لا يضركم إذا اهتديتم فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر ضلال من ضل فلم يقبل ذلك.\nالوجه السابع: عليكم أنفسكم من أداء الواجبات التي من جملتها الأمر بالمعروف عند القدرة، فإن لم يقبلوا ذلك فلا ينبغي أن تستوحشوا من ذلك، فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم فلا يضركم ضلال غيركم. انظر: التفسير الكبير ج ١٢/ ص ٩٣، ٩٤.","vol":"1","page":300},{"text":"سبحانه: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-386>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٢) -﵀- أن من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليس بمهتد.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما قال: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ أعقبها بقوله: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، ولازم الهداية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فدل ذلك على أن من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليس بمهتد.\nقال الشنقيطي: (قد يتوهم الجاهل من ظاهر هذه الآية الكريمة عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن نفس الآية فيها الإشارة إلى أن ذلك فيما إذا بلغ جهده فلم يقبل منه المأمور وذلك في قوله: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾؛ لأن من ترك الأمر بالمعروف لم يهتد). إلى أن قال: (ومما يدل على أن تارك الأمر بالمعروف غير مهتد أن الله تعالى أقسم أنه في خسر في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]). (^٣).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الجصاص، وأبو السعود، والسعدي، والشنقيطي-كما تقدم-، وابن عثيمين. (^٤).\nوفي هذا الاستنباط تحذير من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ تركه عدم اهتداء، وإنما يجوز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أحوال قليلة.\nقال ابن عطية: (وجملة ما عليه أهل العلم في هذا أن الأمر بالمعروف متعين متى رجي القبول، أو رجي رد المظالم ولو بعنف، ما لم يخف المرء ضررا يلحقه في خاصيته، أو فتنة يدخلها على المسلمين إما بشق عصا، وإما بضرر يلحق طائفة من الناس، فإذا خيف هذا فعليكم أنفسكم محكم واجب أن يوقف عنده) (^٥)\nوقال الشوكاني: (فتحمل هذه الآية على من لا يقدر على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو لا يظن التأثير بحال من الأحوال، أو يخشى على نفسه أن يحل به ما يضره ضررا يسوغ له معه الترك) (^٦).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٢/ ص ٨٤.\n(^٢) واستنبط ابن عثيمين من الآية استنباطات أخرى، منها: ما استنبط بمفهوم المخالفة من أن المؤمنين إذا لم يهتدوا فقد يسلط عليهم أعداؤهم فيضرونهم؛ لأن الله اشترط لعدم الضرر الهداية. انظر: تفسير سورة المائدة ج ٢/ ص ٤٦١.\n(^٣) أضواء البيان ج ١/ ص ٣٤٤.\n(^٤) انظر: أحكام القرآن ج ٤/ ص ١٥٥، وإرشاد العقل السليم ج ٣/ ص ٨٨، وتيسير الكريم الرحمن ص ٢٤٦، وأضواء البيان ج ١/ ص ٣٤٤، وتفسير سورة المائدة ج ٢/ ص ٤٥٩.\n(^٥) المحرر الوجيز ص ٥٨٨.\n(^٦) فتح القدير ج ٢/ ص ٨٤.","vol":"1","page":301},{"text":"<span data-type='title' id=toc-387>سورة الأنعام</span>\n<span data-type='title' id=toc-388>٧١ - للمسلم أن يحمد الله تعالى على هلاك الظَّلَمَة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ الأنعام: ٤٥.\nقال الشوكاني -﵀-: (قوله: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ أي: على هلاكهم. وفيه تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه سبحانه عند نزول النعم التي من أجلها هلاك الظلمة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فإنهم أشد على عباد الله من كل شديد. اللهم أرح عبادك المؤمنين من ظلم الظالمين، واقطع دابرهم، وأبدلهم بالعدل الشامل لهم) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-389>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني من الآية أن للمسلم أن يحمد الله تعالى على هلاك الظلمة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى جل في علاه حمد نفسه بعد إهلاكه الظالمين؛ فدل ذلك بدلالة الاقتداء بأفعال الله تعالى على أن للمسلم أن يحمد الله تعالى على هلاك الظلمة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.\nقال الزمخشري: (﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة، وأنه من أجل النعم) (^٣).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري-كما تقدم- والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي، وابن عاشور، ومحمد أبو زهرة. (^٤).\nومما يدل على هذا المعنى المستنبط قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾ [النمل: ٥٨ - ٥٩]\nعند من يقف على قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ (^٥) فيكون الحمد على إهلاك المتقدم ذكرهم من الطاغين.\n_________\n(^١) وهو استنباط في الدعوات والذكر.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ١١٦.\n(^٣) الكشاف ج ٢/ ص ٢٤.\n(^٤) انظر: الكشاف ج ٢/ ص ٢٤، وروح المعاني ج ٧/ ص ١٥٢، وفتح البيان ج ٤/ ص ١٤٣، ومحاسن التأويل ج ٤/ ص ٣٦٢، والتحرير والتنوير ج ٦/ ص ١٠٣، وزهرة التفاسير ج ٥/ ص ٢٥٠٢.\n(^٥) قال النحاس: الوقف على ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ تمام عند نافع، وأحمد بن موسى، وأبي حاتم. انظر: القطع والائتناف ص ٣٨٢. وعند الأشموني هو وقف حسن. انظر: منار الهدى ص ٥٧٣.","vol":"1","page":302},{"text":"وهذا الوجه من الوقف رجحه القاسمي بقوله: إذا جرينا على ما هو الأسدُّ في الآي من توافق النظائر اقتضى حمل آية النمل على ما هنا (^١).\nوفي الآية وجه آخر للوقف هو الوقف على قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾ (^٢) فيكون الحمد متصلا بما بعده من إقامة البراهين على وحدانية الله تعالى.\nفعلى الوجه الأول يكون الحمد ختما، وعلى الثاني فاتحة (^٣).\nوفي هذا الاستنباط بيان لكون إهلاك الظالمين نعمة؛ إذ من لوازم الحمد أن يكون على نعمة.\nقال ابن عاشور: (في ذلك كله تنبيه على أنه يحق الحمد لله عند هلاك الظلمة؛ لأن هلاكهم صلاح للناس، والصلاح أعظم النعم، وشكر النعمة واجب. وهذا الحمد شكر لأنه مقابل نعمة. وإنما كان هلاكهم صلاحا؛ لأن الظلم تغيير للحقوق، وإبطال للعمل بالشريعة، فإذا تغير الحق والصلاح جاء الدمار والفوضى، وافتتن الناس في حياتهم، فإذا هلك الظالمون عاد العدل وهو ميزان قوام العالم) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-390>٧٢ - مناسبة ذكر الفقه عند الحديث عن إنشاء الأنفس من نفس واحدة، وجعل بعضها مستقرا، وبعضها مستودعا </span>(^٥).\nقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾ الأنعام: ٩٧ - ٩٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (وذكر سبحانه هاهنا ﴿يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾، وفيما قبله ﴿يَعْلَمُونَ﴾؛ لأن في إنشاء الأنفس من نفس واحدة، وجعل بعضها مستقرا، وبعضها مستودعا من الغموض والدقة ما ليس في خلق النجوم للاهتداء، فناسبه ذكر الفقه؛ لإشعاره بمزيد تدقيق، وإمعان فكر) (^٦).\n_________\n(^١) ومحاسن التأويل ج ٤/ ص ٣٦٢\n(^٢) ذكر الداني أنه وقف تام. انظر: المكتفى في الوقف والابتدا ص ١٥٤. وقال الأشموني: هو تام؛ لأنه آخر قصص هذه السورة، ومن قوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ ليس فيه وقف؛ لأنه جميعه داخل في الاستفهام الأول، ومتصل بعضه ببعض من جهة المعنى. منار الهدى ص ٥٧٣.\n(^٣) انظر: الانتصاف ج ٢/ ص ٢٤.\n(^٤) التحرير والتنوير ج ٦/ ص ١٠٣.\n(^٥) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٦) فتح القدير ج ٢/ ص ١٤٤.","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type='title' id=toc-391>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني مناسبة ذكر الفقه عند الحديث عن إنشاء الأنفس من نفس واحدة، وجعل بعضها مستقرا، وبعضها مستودعا؛ لما في هذا من الغموض والدقة.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما امتن بنعمة النجوم واهتداء بها ختم ذلك بقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾، ولما ذكر خلقه للأنفس من نفس واحدة، وجعل بعضها مستقرا، وبعضها مستودعا ختم ذلك بقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾؛ فدل بدلالة التركيب بين الآيتين، وطريق التأمل في خواتيم الآيات على أن الله ختم الآية الثانية بالفقه؛ لأن في خلق الأنفس من نفس واحدة من الغموض والدقة ما ليس في خلق النجوم للاهتداء.\nقال البقاعي: (ولما كان إنشاء الناس من نفس واحدة، وتصريفهم على تلك الوجوه المختلفة جدًا ألطف وأدق صنعة، فكان ذلك محتاجًا إلى تدبر، واستعمال فطنة، وتدقيق نظر؛ قال: ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾ أي لهم أهلية الفقه والفطنة) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الكرماني (^٢)، والرازي،، وابن جماعة (^٣)، وأبو حيان، والبقاعي-كما تقدم-، وابن عاشور. (^٤).\nوفي هذا الاستنباط حث على مزيد التدقيق، وإمعان الفكر في خلق الأنفس، وتصريفها على أطوار مختلفة، إذ في ذلك ما يدل على عظمة الخالق سبحانه.\n_________\n(^١) نظم الدرر ج ٢/ ص ٦٨٤.\n(^٢) هو برهان الدين، أبو القاسم، محمود بن حمزة بن نصر الكرماني، النحوي، يعرف بتاج القراء، صاحب التصانيف، منها: لباب التفسير، البرهان في توجيه متشابه القرآن أو أسرار التكرار، توفي عام ٥٠٥ هـ. انظر: غاية النهاية ج ٢/ ص ٢٩١، وبغية الوعاة ج ٢/ ص ٢٨٢.\n(^٣) هو المحدث الفقيه بدر الدين، أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني، الحموي الأصل، من علماء الشافعية، اشتغل بالعلم فحصل فنونا متعددة، وتقدم وساد أقرانه، ولى الحكم والخطابة بالقدس الشريف، ثم نقل إلى قضاء مصر، ثم قضاء الشام، له تصانيف نافعة، منها: التبيان في مبهمات القرآن، والمنهل الروي في علوم الحديث، توفي عام ٧٣٣ هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى ج ٩/ ص ١٣٩، والبداية والنهاية ج ١٨/ ص ٣٥٧، ٣٥٨، والدرر الكامنة ج ٥/ ص ٤ - ٧.\n(^٤) انظر: أسرار التكرار ص ٧٢، والتفسير الكبير ج ١٣/ ص ٨٥، وكشف المعاني ص ١١٨، والبحر المحيط ج ٤/ ص ٢٤٤، ونظم الدرر ج ٢/ ص ٦٨٤، والتحرير والتنوير ج ٦/ ص ٢٣٨.","vol":"1","page":304},{"text":"<span data-type='title' id=toc-392>٧٣ - الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد كان الترك أولى به، بل كان واجبا عليه </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ الأنعام: ١٠٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد كان الترك أولى به، بل كان واجبا عليه، وما أنفع هذه الآية، وأجل فائدتها لمن كان من الحاملين لحجج الله، المتصدين لبيانها للناس إذا كان بين قوم من الصم والبكم الذين إذا أمرهم بمعروف تركوه، وتركوا غيره من المعروف، وإذا نهاهم عن منكر فعلوه، وفعلوا غيره من المنكرات عنادا للحق، وبغضا لاتباع المحقين، وجراءة على الله سبحانه، فإن هؤلاء لا يؤثر فيهم إلا السيف، وهو الحكم العدل لمن عاند الشريعة المطهرة، وجعل المخالفة لها والتجرؤ على أهلها ديدنه وهجيراه، كما يشاهد ذلك في أهل البدع الذين إذا دعوا إلى حق وقعوا في كثير من الباطل، وإذا أرشدوا إلى السنة قابلوها بما لديهم من البدعة، فهؤلاء هم المتلاعبون بالدين، المتهاونون بالشرائع، وهم شر من الزنادقة؛ لأنهم يحتجون بالباطل، وينتمون إلى البدع، ويتظهرون بذلك غير خائفين ولا وجلين، والزنادقة قد ألجمتهم سيوف الإسلام، وتحاماهم أهله، وقد ينفق كيدهم، ويتم باطلهم، وكفرهم نادرا على ضعيف من ضعفاء المسلمين مع تكتم وتحرز وخيفة ووجل) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-393>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) أن الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد كان الترك أولى به، بل كان واجبا عليه.\n_________\n(^١) وهو استنباط في الدعوة واستنباط عقدي.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ١٥٠.\n(^٣) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) أن في الآية تأديبا لمن يدعو إلى الدين لئلا يتشاغل بما لا فائدة له في المطلوب؛ لأن وصف الأوثان بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر يكفي في القدح في إلهيتها، فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها. انظر: التفسير الكبير ج ١٣/ ص ١١٥، ١١٦.\n٢) في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ … زَيَّنَّا﴾ نكتة سرية، وهي أن كل ما يظهر في هذه النشأة من الأعيان والأعراض، فإنما يظهر بصورة مستعارة مخالفة لصورته الحقيقية التي بها يظهر في النشأة الآخرة، فإن المعاصي سموم قاتلة قد برزت في الدنيا بصورة ما تستحسنها نفوس العصاة كما نطقت به هذه الآية الكريمة، وكذا الطاعات فإنها مع كونها أحسن الأحاسن قد ظهرت عندهم بصورة مكروهة لذلك قال -ﷺ-: \"حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات\"، فأعمال الكفرة قد برزت لهم في النشأة بصورة مزينة يستحسنها الغواة ويستحبها الطغاة، وستظهر في النشأة الآخرة بصورتها الحقيقية المنكرة الهائلة، فعند ذلك يعرفون أن أعمالهم ماذا؟. فعبر عن إظهارها بصورها الحقيقية بالإخبار بها، لما أن كلا منهما سبب للعلم بحقيقتها كما هي، فليتدبر. انظر: إرشاد العقل السليم ج ٣/ ص ١٧٢.","vol":"1","page":305},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ألغى هنا اعتبار المصلحة وهي سب آلهة المشركين لاشتمالها على مفسدة أرجح منها هي سب المشركين لله؛ فدل ذلك بدلالة تأمل أفعال الله تعالى، والاقتداء به ﷿ على أن الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد كان الترك أولى به، بل كان واجبا عليه.\nقال الرازي: (تدل على أن الأمر بالمعروف قد يقبح إذا أدى إلى ارتكاب منكر، والنهي عن المنكر يقبح إذا أدى إلى زيادة منكر، وغلبة الظن قائمة مقام العلم في هذا الباب) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: السمرقندي، والرازي-كما تقدم- والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي. (^٢).\nومما يؤيد هذا المعنى المستنبط أن الشريعة مبنية على تحقيق المصالح ودرء المفاسد.\nوفيه أيضا تنبيه لكل داعية للحق بأن يُقّدِّر الأمور بقدرها، فإذا ناقض الوعظ المقصود كان تركه مقصودا.\nقال السعدي: (ينبغي أن يستعمل المُذَكِّر من الكلام ما يكون أقرب إلى حصول مقصود التقوى وفيه دليل على أنه إذا كان التذكير والوعظ مما يزيد الموعوظ شرا إلى شره كان تركه هو الواجب لأنه إذا ناقض المقصود كان تركه مقصودا) (^٣).\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير ج ١٣/ ص ١١٥.\n(^٢) انظر: بحر العلوم ج ١/ ص ٤٩٣، والتفسير الكبير ج ١٣/ ص ١١٥، والجامع لأحكام القرآن ج ٧/ ص ٥٦، والإكليل ج ٢/ ص ٧٠٩، وفتح البيان ج ٤/ ص ٢١٧.\n(^٣) تيسير الكريم الرحمن ص ٢٦١. وهذا من استنباطات السعدي حيث استنبط هذا المعنى من قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾ [الأنعام: ٦٩]. ووجهه: أن الله تعالى بيَّن أن الغاية من الوعظ حصول التقوى؛ فدل بمفهوم المخالفة على أن الوعظ إن أدى لخلاف المقصود فتركه واجب. انظر: استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي ص ٤٩٥.","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type='title' id=toc-394>٧٤ - حجية قاعدة سد الذرائع </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ الأنعام: ١٠٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (وهى أصل أصيل في سد الذرائع، وقطع التطرق إلى الشبه) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-395>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني من الآية حجية قاعدة سد الذرائع (^٣).\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى عن سب آلهة المشركين، وهو جائز في ذاته، لكنه ذريعة للمشركين ليسبوا الله عدوا بغير علم؛ فدل ذلك على حجية قاعدة سد الذرائع بدلالة تأمل أفعال الله تعالى، والاقتداء به تعالى في أوامره ونواهيه (^٤).\nقال الطوفي: يحتج بها على سد الذرائع، وحسم مواد الفساد، إذ كان معنى الآية لا تسبوا آلهتهم فيجعلوا ذلك وسيلة وذريعة إلى سب إلهكم. ونظيره قوله تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾، وقاعدة سد الذرائع عظيمة، وفروعها كثيرة (^٥).\nوممن قال بهذا الاستنباط: ابن الفرس، والقرطبي، والطوفي-كما تقدم-، والقنوجي، وابن عاشور، ومحمد أبو زهرة (^٦).\nوهذه القاعدة تندرج تحت قاعدة الوسائل والمقاصد، فهذه القاعدة شعبة من قاعدة إعطاء الوسيلة حكم المقصد خاصة بوسائل حصول المفسدة (^٧).\nوقد استنبط السعدي من الآية ما يدل على القاعدة العامة (للوسائل حكم المقاصد)، فقال: (وفي هذه الآية الكريمة دليل للقاعدة الشرعية وهي أن الوسائل تعتبر بالأمور التي توصل إليها، وأن وسائل المحرم ولو كانت جائزة تكون محرمة إذا كانت تفضي إلى الشر) (^٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-396>٧٥ - المطيع من الجن في الجنة، والعاصي في النار </span>(^٩).\nقال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ … يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا … كَافِرِينَ (١٣٠) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾ الأنعام: ١٣٠ - ١٣٢.\n_________\n(^١) وهو استنباط أصولي.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ١٥٠.\n(^٣) واستنبط الشوكاني هذا الاستنباط من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤] وقد تقدم بيانه في موضعه.\n(^٤) انظر: منهج الاستنباط من القرآن ص ١٨٨.\n(^٥) انظر: الإشارات الإلهية ج ٢/ ص ١٩١، ١٩٢.\n(^٦) انظر: أحكام القرآن ج ٣/ ص ١٥، والجامع لأحكام القرآن ج ٧/ ص ٥٦، والإشارات الإلهية ج ٢/ ص ١٩١، ١٩٢، وفتح البيان ج ٤/ ص ٢١٨، والتحرير والتنوير ج ٦، ص ٢٦٤، وزهرة التفاسير ج ٥/ ص ٢٦٢٦.\n(^٧) التحرير والتنوير ج ٦/ ص ٢٦٥.\n(^٨) تيسير الكريم الرحمن ص ٢٦٨.\n(^٩) وهو استنباط عقدي.","vol":"1","page":307},{"text":"قال الشوكاني -﵀-: (﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ أي: لكل من الجن والإنس درجات متفاوتة مما عملوا، فنجازيهم بأعمالهم كما قال في آية أخرى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)﴾ [الأحقاف: ١٩]. وفيه دليل على أن المطيع من الجن في الجنة، والعاصي في النار) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-397>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني أن المطيع من الجن في الجنة كما أن العاصي منهم في النار (^٢).\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر خطابه يوم القيامة للجن والإنس بقوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ ثم أخبر أن لكل درجات مما عملوا، أي: من الجن والإنس؛ فدل ذلك على أن الجن كالأنس سواء في العذاب والثواب، فالمطيع من الجن في الجنة كما أن العاصي منهم في النار.\nقال القرطبي: (قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ أي: من الجن والإنس كما قال -في آية أخرى-: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨)﴾ [الأحقاف: ١٨] ثم قال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)﴾ [الأحقاف: ١٩] وفي هذا ما يدل على أن المطيع من الجن في الجنة، والعاصي منهم في النار كالإنس سواء، وهو أصح ما قيل في ذلك فاعلمه) (^٣).\nوالاستنباط هنا متوجه لدخول الجن الجنة؛ لأن هذا هو موضع الخلاف بين العلماء، أما دخولهم النار فقد نص عليه القرآن. قال الشوكاني عند تفسير سورة الجن: (وقد اختلف أهل العلم في دخول مؤمني الجن الجنة كما يدخل عصاتهم النار؛ لقوله في سورة تبارك: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾ [الملك: من الآية ٥] (^٤)، وقول الجن فيما سيأتي في هذه السورة: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٥]، وغير ذلك من الآيات، فقال الحسن: يدخلون الجنة. وقال مجاهد: لا يدخلونها وإن صرفوا عن النار. والأول أولى؛ لقوله في سورة الرحمن: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤)﴾ [الرحمن: ٧٤]، وفي سورة الرحمن آيات غير\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٢/ ص ١٦٣.\n(^٢) استنبط الشوكاني هذا الاستنباط أيضا من سورة الأحقاف: ٣١. وكذلك من قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾ [الرحمن: ٥٦]، فقال: (وفي هذه الآية، بل في كثير من آيات هذه السورة دليل أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه، وعملوا بفرائضه، وانتهوا عن مناهيه). فتح القدير ج ٥/ ص ١٤١. وسيأتي بيانه في موضعه.\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن ج ٧/ ص ٧٨.\n(^٤) وتمامها: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾.","vol":"1","page":308},{"text":"هذه تدل على ذلك فراجعها (^١) (^٢).\nوقال الرازي عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ [الأحقاف: ٣١]: (اختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا. فقيل: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار، ثم يقال لهم كونوا ترابا مثل البهائم. واحتجوا على صحة هذا المذهب بقوله تعالى: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ وهو قول أبي حنيفة. والصحيح أنهم في حكم بني آدم، فيستحقون الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وهذا القول قول ابن أبي ليلى (^٣)، ومالك، وجرت بينه وبين أبي حنيفة في هذا الباب مناظرة. قال الضحاك: يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون (^٤)، والدليل على صحة هذا القول أن كل دليل على أن البشر يستحقون الثواب على الطاعة فهو بعينه قائم في حق الجن) (^٥).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي-كما تقدم-، وأبو حيان، والثعالبي (^٦)، والقنوجي. (^٧).\n_________\n(^١) منها: قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾. قال ابن كثير: (وهذه الآية عامة في الإنس والجن، فهي من أدل دليل على أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا واتقوا؛ ولهذا امتن الله تعالى على الثقلين بهذا الجزاء فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾). تفسير القرآن العظيم ج ٧/ ص ١١٤. وقال الشنقيطي: (قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ وتصريحه بالامتنان بذلك على الإنس والجن في قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾ نص قرآني على أن المؤمنين الخائفين مقام ربهم من الجن يدخلون الجنة). أضواء البيان ج ٥/ ص ٢٢٩.\n(^٢) فتح القدير ج ٥/ ص ٣٠٣.\n(^٣) انظر قوله في: تفسير ابن أبي حاتم ج ٤/ ص ١٣٨٩، والدر المنثور ج ٣/ ص ٣٦٠.\n(^٤) انظر: الدر المنثور ج ٣/ ص ٣٦٠.\n(^٥) التفسير الكبير ج ٢٨/ ص ٢٨، ٢٩.\n(^٦) أبو زيد، عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف، مفسر، من كبار علماء الجزائر وصلحائها الأبرار، ولي القضاء على غير رضى منه ثم خلع نفسه، له نحو تسعين كتابا، توفي سنة ٨٧٥ هـ أو ٨٧٦ هـ. انظر: الأعلام ج ٣/ ص ٣٣١، ومعجم المفسرين ج ١/ ص ٢٧٦.\n(^٧) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٧/ ص ٧٨، والبحر المحيط ج ٤/ ص ٢٩١، والجواهر الحسان ج ١/ ص ٥٦٠، وفتح البيان ج ٤/ ص ٢٤٤.","vol":"1","page":309},{"text":"وهو قول لبعض السلف كما تقدم.\nأما المخالفون فقد ذكر الشنقيطي وجه القول عندهم بامتناع دخول الجن الجنة متعقبا قولهم بقوله: (وقد تمسك جماعة من العلماء منهم الإمام أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- بظاهر هذه الآية-أي قوله تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ - فقالوا: إن المؤمنين المطيعين من الجن لا يدخلون الجنة، مع أنه جاء في آية أخرى ما يدل على أن مؤمنيهم في الجنة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]؛ لأنه تعالى بين شموله للجن والإنس بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾ [الرحمن: ٤٧]. ويستأنس لهذا بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤)﴾، فإنه يشير إلى أن في الجنة جنا يطمثون النساء كالإنس.\nوالجواب عن هذا: أن آية الأحقاف نص فيها على الغفران والإجارة من العذاب، ولم يتعرض فيها لدخول الجنة بنفي ولا إثبات، وآية الرحمن نص فيها على دخولهم الجنة؛ لأنه تعالى قال فيها: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾. وقد تقرر في الأصول أن الموصولات من صيغ العموم، فقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ﴾ يعم كل خائف مقام ربه، ثم صرح بشمول ذلك الجن والإنس معا بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾ فبين أن الوعد بالجنتين لمن خاف مقام ربه من آلائه، أي: نعمه على الإنس والجن، فلا تعارض بين الآيتين؛ لأن إحداهما بينت ما لم تتعرض له الأخرى) (^١).\nفيظهر بهذا -والله تعالى أعلم- أن الأصح هو ما استنبطه الشوكاني ومن قال بقوله.\nويدل عليه أيضا أن الجن كالإنس مكلفون، وإذا كانوا كذلك فلا يبعد أن يوافقوهم في الجزاء. وكذلك فإن هذا هو قول أكثر العلماء. قال ابن تيمية: (والجن مكلفون كتكليف الإنس. ومحمد -ﷺ- مرسل إلى الثقلين الجن والإنس، وكفار الجن يدخلون النار بنصوص وإجماع المسلمين، وأما مؤمنهم ففيهم قولان، وأكثر العلماء على أنهم يثابون أيضا ويدخلون الجنة) (^٢).\n_________\n(^١) دفع إيهام الاضطراب ص ٢٠٩.\n(^٢) مجموع الفتاوى ج ١٣/ ص ٨٥.","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type='title' id=toc-398>٧٦ - رحمة الله بعباده مع الغنى عنهم هي غاية التفضل والتطول </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا … أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾ الأنعام: ١٣٣.\nقال الشوكاني -﵀-: (قوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾ أي: عن خلقه، لا يحتاج إليهم ولا إلى عبادتهم، لا ينفعه إيمانهم، ولا يضره كفرهم. ومع كونه غنيا عنهم فهو ذو رحمة بهم، ولا يكون غناه عنهم مانعا من رحمته لهم. وما أحسن هذا الكلام الرباني وأبلغه، وما أقوى الاقتران بين الغنى والرحمة في هذا المقام، فإن الرحمة لهم مع الغنى عنهم هي غاية التفضل والتطول) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-399>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني من الآية أن رحمة الله بعباده مع غناه عنهم هي غاية التفضل والتطول.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما بيَّن غناه عن خلقه قرنه برحمته ﷿ بهم؛ فدل هذا الاقتران على أن رحمة الله بعباده مع غناه عنهم هي غاية التفضل والتطول، إذ لا يكون غناه عنهم مانعا من رحمته لهم، كما أن رحمته ليست من ضعف ولا حاجة.\nوممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري. (^٣). وأشار إليه ابن عطية بقوله: (الغنى صفة ذات لله ﷿؛ لأنه ﵎ لا يفتقر إلى شيء من جهة من الجهات، ثم تليت هذه الصفة بقوله: ذو الرحمة، فأردف الاستغناء بالتفضل، وهذا أجمل تناسق) (^٤).\nوهذا الاستنباط مبني على أن لكل اسم من أسماء الله تعالى، وكذلك صفاته معنى، وباقتران اسمين، أو وصفين، أو اسم وصفة يحصل معنى زائد على مفرديهما. فالغنى هنا دل على كمال، والرحمة كذلك دلت على كمال، واقترانهما دل على كمال آخر زائد على الكمال بكل واحد منهما.\nوقد اعتنى ابن القيم بهذا النوع من الاقتران، ونبه إليه بقوله: (صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر، وذلك قدر زائد على مفرديهما، نحو: الغني الحميد، العفو القدير، الحميد المجيد. وهكذا عامة الصفات المقترنة، والأسماء المزدوجة في القرآن، فإن الغنى صفة كمال، والحمد كذلك، واجتماع الغنى مع الحمد كمال آخر، فله ثناء من غناه، وثناء من حمده، وثناء من اجتماعهما. وكذلك العفو القدير، والحميد المجيد، والعزيز الحكيم، فتأمله فإنه من أشرف المعارف) (^٥).\n_________\n(^١) وهو استنباط في الرقائق، واستنباط عقدي لتعلقه بباب الوعد والوعيد.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ١٦٤.\n(^٣) انظر: فتح البيان ج ٤/ ص ٢٤٥، ٢٤٦، وحدائق الروح والريحان ج ٩/ ص ٦٤.\n(^٤) المحرر الوجيز ص ٦٦٤.\n(^٥) بدائع الفوائد ج ١/ ص ١٦٨، ١٦٩.","vol":"1","page":311},{"text":"وقال في موضع آخر: (قرن بين الملك والحمد على عاداته تعالى في كلامه، فإن اقتران أحدهما بالآخر له كمال زائد على الكمال بكل واحد منهما، فله كمال من ملكه، وكمال من حمده، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر، فإن الملك بلا حمد يستلزم نقصا، والحمد بلا ملك يستلزم عجزا، والحمد مع الملك غاية الكمال) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-400>٧٧ - الدم غير المسفوح معفو عنه، كالدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح، ومنه الكبد، والطحال، وهكذا ما يتلطخ به اللحم من الدم </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ الأنعام: ١٤٥.\nقال الشوكاني -﵀-: (والدم المسفوح: الجاري. وغير المسفوح معفو عنه كالدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح، ومنه الكبد، والطحال، وهكذا ما يتلطخ به اللحم من الدم) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-401>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- من الآية أن الدم غير المسفوح معفو عنه، كالدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح، ومنه الكبد، والطحال، وهكذا ما يتلطخ به اللحم من الدم.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى حين حرَّم الدم وصفه بالمسفوح؛ فدل بدلالة مفهوم المخالفة-مفهوم الصفة-على أن الدم غير المسفوح ليس بحرام بل معفو عنه.\nقال السعدي: (﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ وهو الدم الذي يخرج من الذبيحة عند ذكاتها، فإنه الدم الذي يضر احتباسه في البدن، فإذا خرج من البدن زال الضرر بأكل اللحم. ومفهوم هذا\nاللفظ أن الدم الذي يبقى في اللحم والعروق بعد الذبح أنه حلال طاهر) (^٤).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الطبري، والجصاص، وابن عطية، والقرطبي، والقنوجي، وابن عاشور. (^٥).\nوفي هذا الاستنباط ما يدل على رحمة الله بعباده برفع المشقة عن هذه الأمة، والتيسير عليها. عن عكرمة قال: (لولا هذه الآية ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ لاتبع المسلمون من العروق ما تتبع منه اليهود) (^٦).\n_________\n(^١) بدائع الفوائد ج ١/ ص ٨٧.\n(^٢) وهو استنباط فقهي.\n(^٣) فتح القدير ج ٢/ ص ١٧٢.\n(^٤) تيسير الكريم الرحمن ص ٢٧٧.\n(^٥) انظر: جامع البيان ج ٩/ ص ٦٣٣، وأحكام القرآن ج ١/ ص ١٥٢، والمحرر الوجيز ص ٦٧١، والجامع لأحكام القرآن ج ٧/ ص ١١١، وفتح البيان ج ٤/ ص ٢٦٤، والتحرير والتنوير ج ٧، ص ١٠٣.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ج ٢/ ص ٢٢٠، وابن أبي حاتم في تفسيره ج ٥/ ص ١٤٠٧. وانظر: الدر المنثور ج ٣/ ص ٣٧٣.","vol":"1","page":312},{"text":"<span data-type='title' id=toc-402>سورة الأعراف</span>\n<span data-type='title' id=toc-403>٧٨ - كل من تردى برداء الاستكبار عوقب بلبس رداء الهوان والصغار، ومن لبس رداء التواضع ألبسه الله رداء الترفع </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ الأعراف: ١٣.\nقال الشوكاني -﵀-: (وجملة: ﴿إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ تعليل للأمر، أي: إنك من أهل الصغار والهوان على الله وعلى صالحي عباده. وهكذا كل من تردى برداء الاستكبار عوقب بلبس رداء الهوان والصغار، ومن لبس رداء التواضع ألبسه الله رداء الترفع) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-404>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) من الآية أن كل من تردى برداء الاستكبار عوقب بلبس رداء الهوان والصغار، ومن لبس رداء التواضع ألبسه الله رداء الترفع.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى جعل عاقبة إبليس حين تكبر الطرد والصغار والهوان؛ فدل ذلك بدلالة تأمل أفعال الله تعالى على أن كل من تردى برداء الاستكبار عوقب بلبس رداء الهوان والصغار. كما دل بمفهوم المخالفة على أن من لبس رداء التواضع ألبسه الله رداء الترفع.\nقال الشنقيطي: بيَّن تعالى في هذه الآية الكريمة أنه عامل إبليس اللعين بنقيض قصده، حيث كان قصده التعاظم والتكبر، فأخرجه الله صاغرا حقيرا ذليلا، متصفا بنقيض ما كان يحاوله من العلو والعظمة، وذلك في قوله: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ والصغار أشد الذل والهوان. وقوله: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ (^٤) [الأعراف: من الآية ١٨]، ونحو ذلك من الآيات.\n_________\n(^١) وهو استنباط في الأخلاق، وفي علوم القرآن (لتعلقه بقصص القرآن) أيضا.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ١٩٢.\n(^٣) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) أن لأهل المحلة أن يخرجوا من محلتهم من يخشى من سيرته. قال ابن عاشور: (وهذه الآية أصل في ثبوت الحق لأهل المحلة أن يخرجوا من محلتهم من يخشى من سيرته فشو الفساد بينهم). التحرير والتنوير ج ٨/ ص ٣٤.\n٢) الجنة دار تواضع وأدب لا كبر فيها. وهذا على احتمال أن يعود الضمير في ﴿مِنْهَا﴾ إلى الجنة. انظر: الإشارات الإلهية ج ٢/ ص ٢٠٨.\n(^٤) وتمامها: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾.","vol":"1","page":313},{"text":"ويفهم من الآية أن المتكبر لا ينال ما أراد من العظمة والرفعة، وإنما يحصل له نقيض ذلك. وصرح تعالى بهذا المعنى في قوله: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ (^١) [غافر: من الآية ٥٦].\nويفهم من مفهوم المخالفة في الآية أن المتواضع لله جل وعلا يرفعه الله. وقد أشار تعالى إلى مكانة المتواضعين له عنده في مواضع أخر كقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ … هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان: ٦٣]، وقوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣] (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والشنقيطي-كما تقدم-، والهرري. (^٣).\nوفي هذا الاستنباط تحذير من التكبر إذ الصغار لازم الاستكبار (^٤). كما فيه حث على التواضع.\n\n<span data-type='title' id=toc-405>٧٩ - المهارة في علم الخير سبب للفوز بالسعادة </span>(^٥).\nقال تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف: ١٢٠ - ١٢٢].\nقال الشوكاني -﵀-: (ولقد كان ما هم عليه من السحر والمهارة في علمه، مع كونه شرا محضا سببا للفوز بالسعادة؛ لأنهم علموا أن هذا الذي جاء به موسى خارج عن طوق البشر، وأنه من فعل الله سبحانه، فوصلوا بالشر إلى الخير، ولم يحصل من غيرهم ممن لا يعرف هذا العلم من أتباع فرعون ما حصل منهم من الإذعان والاعتراف والإيمان. وإذا كانت المهارة في علم الشر قد تأتي بمثل هذه الفائدة فما بالك بالمهارة في علم الخير. اللهم انفعنا بما علمتنا، وثبت أقدامنا على الحق، وأفرغ علينا سجال الصبر، وتوفنا مسلمين) (^٦).\n_________\n(^١) وتمامها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾.\n(^٢) انظر: أضواء البيان ج ١/ ص ٤١٠، ٤١١.\n(^٣) انظر: فتح البيان ج ٤/ ص ٣١٢، وأضواء البيان ج ١/ ص ٤١٠، ٤١١، وحدائق الروح والريحان ج ٩/ ص ٢٢٧.\n(^٤) انظر: مدارك التنزيل ج ٢/ ص ٦٩.\n(^٥) وهو استنباط فائدة علمية.\n(^٦) فتح القدير ج ٢/ ص ٢٣٥.","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type='title' id=toc-406>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^١) من الآية أن المهارة في علم الخير سبب للفوز بالسعادة.\nووجه الاستنباط: أن السحرة علموا أن الذي جاء به موسى -﵇- خارج عن طوق البشر، وأنه من فعل الله سبحانه، فوصلوا بالشر الذي كانوا عليه من المهارة في علم السحر إلى الخير، فكانت مهارتهم تلك سببا لفوزهم بالسعادة؛ فدل بدلالة تأمل قصص الأنبياء، والاعتبار بقصص السابقين على أن المهارة في علم الخير أولى بأن تكون سببا للفوز بالسعادة.\nقال الشنقيطي: (واعلم أن علم السحر مع خسته، وأن الله صرح بأنه لا يضر ولا ينفع قد كان سببا لإيمان سحرة فرعون؛ لأنهم لمعرفتهم بالسحر عرفوا أن معجزة العصا خارجة عن طور السحر، وأنها أمر إلهي، فلم يداخلهم شك في ذلك، فكان ذلك سببا لإيمانهم الراسخ الذي لا يزعزعه الوعيد والتهديد، ولو كانوا غير عالمين بالسحر جدا لأمكن أن يظنوا أن مسألة العصا من جنس الشعوذة، والعلم عند الله تعالى) (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، وأبو بكر الجزائري. (^٣). وذكره الرازي، وأبو حيان في تفسيريهما. (^٤).\nوفي هذا الاستنباط حث على أن يتقن المرء العلوم النافعة، فإن العلم سبب الهداية، فإيمان السحرة كان ثمرة العلم، إذ عرفوا أن ما جاء به موسى ليس سحرًا وإنما هو آية له من الله فآمنوا (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-407>٨٠ - مناسبة تخصيص هارون -﵇- الأم بالإضافة في مناداته لموسى -﵇- مع كونه أخاه من أبيه وأمه؛ لأنها كلمة لين وعطف، وللتنبيه على أن أمهما كانت مؤمنة </span>(^٦).\nقال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾\n_________\n(^١) واستنبط غيره من قوله تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠)﴾ أن فعل العبد خلق الله تعالى. ووجهه: أن قوله تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠)﴾ دال على أن غيرهم ألقاهم ساجدين، وما ذاك إلا الله رب العالمين، فهذا يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى. انظر: التفسير الكبير ج ١٤/ ص ١٦٨.\n(^٢) أضواء البيان ج ٣/ ص ٤٥.\n(^٣) انظر: فتح البيان ج ٤/ ص ٤٣٣، وأيسر التفاسير ص ٤٠٥.\n(^٤) انظر: التفسير الكبير ج ١٤/ ص ١٦٨، والبحر المحيط ج ٤/ ص ٤٦٢.\n(^٥) انظر: أيسر التفاسير ص ٤٠٥.\n(^٦) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بمناسبة اللفظ، وبقصص الأنبياء)، وهو أيضا استنباط فائدة علمية.","vol":"1","page":315},{"text":"الأعراف: ١٥٠.\nقال الشوكاني: (وإنما قال ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ مع كونه أخاه من أبيه وأمه؛ لأنها كلمة لين وعطف، ولأنها كانت كما قيل مؤمنة) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-408>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٢) أن مناسبة تخصيص هارون -﵇- الأم بالإضافة في مناداته لموسى -﵇-، مع كونه أخاه من أبيه وأمه؛ لأنها كلمة لين وعطف، وللتنبيه على أن أمهما كانت\nمؤمنة (^٣).\nووجه الاستنباط: أن هارون -﵇- نادى موسى -﵇- بابن أم، وخص الأم بذلك مع كونه أخاه من أبيه وأمه؛ فدل مناسبة اللفظ على أن أمهما كانت مؤمنة، وأن مناداته له بها كانت استعطافا له، وترقيقا لقلبه.\nقال النسفي: (كان ابن أمه وأبيه، وإنما ذكر الأم لأنها كانت مؤمنة، ولأن ذكرها أدعى إلى العطف) (^٤).\nوممن قال بهذا الاستنباط: النسفي-كما تقدم-، وأبو حيان، والقنوجي. (^٥). وأشار إليه الزمخشري (^٦).\nوممن قال بأنها للاستعطاف دون أن يشير لكون أمهما كانت مؤمنة: ابن عطية، والقرطبي، والبيضاوي، وابن كثير، والآلوسي، والسعدي (^٧).\nوفي الآية قول آخر، فقيل: إن قوله: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ على ظاهره، فهو أخوه لأمه لا لأبيه (^٨).\nوالقول الأول-والله أعلم- أولى؛ لأمور:\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٢/ ص ٢٤٨.\n(^٢) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يسقط في حال الخوف على النفس، وفي الحال الذي يعلم أنه لا ينفع.\n٢) الغضب والأسف على المبتدع محمود في الدين. انظر هذين الاستنباطين في: محاسن التأويل ج ٥/ ص ١٨٨.\n٣) من ألقى كتب علم من يده على الأرض وهو غضبان لا يلام. انظر: الإكليل ج ٢/ ص ٧٦٧.\n٤) الخطأ في الاجتهاد مع وضوح الأدلة غير معذور فيه صاحبه في إجراء الأحكام عليه. انظر: التحرير والتنوير ج ٨/ ص ٢٩٨.\n(^٣) ذكر الشوكاني مثل هذا الاستنباط في سورة طه ٩٤.\n(^٤) مدارك التنزيل ج ٢/ ص ١١٤.\n(^٥) انظر: مدارك التنزيل ج ٢/ ص ١١٤، والبحر المحيط ج ٤/ ص ٥٠٠، وفتح البيان ج ٥/ ص ٢٤.\n(^٦) الكشاف ج ٢/ ص ١٥٣.\n(^٧) انظر: المحرر الوجيز ص ٧٤٦، والجامع لأحكام القرآن ج ٧/ ص ٢٥٦، وأنوار التنزيل ج ٣/ ص ٦١، وتفسير القرآن العظيم ج ٤/ ص ٩٠، وروح المعاني ج ٩/ ص ٦٨، وتيسير الكريم الرحمن ص ٣٠٤.\n(^٨) حكاه البغوي في معالم التنزيل ج ٢/ ص ٢٠٢، وأبو حيان في البحر المحيط ج ٤/ ص ٥٠٠.","vol":"1","page":316},{"text":"الأول: لأن عادة العرب التلطف بذكر الأم.\nقال أبو حيان: (ناداه نداء استعطاف وترقق، وكان شقيقه. وهي عادة العرب تتلطف وتتحنن بذكر الأم كما قال:\nيا ابن أمي ويا شقيق نفسي (^١)\nوقال آخر:\nيا ابن أمي فدتك نفسي ومالي (^٢)\nوأيضا: فكانت أمهما مؤمنة) (^٣).\nالثاني: لأنه قول جمهور المفسرين.\nقال أبو السعود -عند قوله تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾ [طه: ٩٤]-: (خص الأم بالإضافة استعظاما لحقها، وترقيقا لقلبه لا لما قيل من أنه كان أخاه لأم؛ فإن الجمهور على أنهما كانا شقيقين) (^٤).\nوقال الشوكاني -عند آية طه أيضا-: (ونسبه إلى الأم مع كونه أخاه لأبيه وأمه عند الجمهور استعطافا له، وترقيقا لقلبه) (^٥).\n_________\n(^١) وتمامه: أنت خلفتني لدهر شديد. والبيت لأبي زبيد الطائي وهو حرملة بن المنذر، وقيل: المنذر بن حرملة، والصحيح حرملة بن المنذر بن معد يكرب، كان نصرانيا، وعلى دينه مات، وكان من المعمرين، وهو ممن أدرك الجاهلية والإسلام فعد في المخضرمين، استنشده عثمان فأنشده قصيدة فيها وصف للأسد، توفي سنة ٦٢ هـ. انظر: الأغاني ج ١٢/ ص ١٥٠، ١٥١، ومعجم الشعراء من العصر الجاهلي حتى سنة ٢٠٠٢ م ج ٢/ ص ٢٤.\n(^٢) وتمامه: كنت ركني ومفزعي وجمالي. والبيت للسيد الحميري، أبو هاشم، أو أبو عامر، إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة الحميري، شاعر إمامي متقدم، قد أخمل ذكر الحميري وصرف الناس عن رواية شعره إفراطه في النيل من بعض الصحابة وأزواج -ﷺ-، وكان يتعصب لبني هاشم تعصبًا شديدًا، وأكثر شعره في مدحهم، وذم غيرهم ممن هو عنده ضدهم، توفي سنة ١٧٣ هـ .. انظر: معجم الشعراء من العصر الجاهلي حتى سنة ٢٠٠٢ م ج ١/ ص ٢٨٥، ٢٨٦. ومعجم الشعراء المخضرمين والأمويين ص ١٦٥.\n(^٣) البحر المحيط ج ٤/ ص ٥٠٠.\n(^٤) إرشاد العقل السليم ج ٦/ ص ٣٨.\n(^٥) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٨٣.","vol":"1","page":317},{"text":"<span data-type='title' id=toc-409>سورة الأنفال</span>\n<span data-type='title' id=toc-410>٨١ - الملائكة لم تقاتل ببدر </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ الأنفال: ٩ - ١٠.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ﴾ أي: بالإمداد قلوبكم. وفي هذا إشعار بأن الملائكة لم يقاتلوا، بل أمد الله المسلمين بهم للبشرى لهم، وتطمين قلوبهم، وتثبيتها) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-411>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني من الآية أن الملائكة لم تقاتل يوم بدر، بل أمد الله المسلمين بهم للبشرى لهم، وتطمين قلوبهم، وتثبيتها (^٣).\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه ما جعل الإمداد بالملائكة إلا بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب؛ فدل بمفهوم المخالفة- مفهوم الحصر- على عدم مباشرة الملائكة للقتال يومئذ.\nقال أبو السعود: (وفي قصر الإمداد عليهما إشعار بعدم مباشرة الملائكة للقتال، وإنما كان إمدادهم بتقوية قلوب المباشرين، وتكثير سوادهم، ونحوه كما هو رأي بعض السلف) (^٤).\nوهذا الاستنباط نقله القنوجي (^٥). وحكاه الرازي، والآلوسي (^٦).\nوالأظهر أن الملائكة باشرت القتال يومئذ. وهذا هو قول جماعة من المفسرين كابن عطية، والقرطبي، وابن كثير، وابن عاشور (^٧). وبه قال ابن القيم في زاد المعاد، قال: (وكانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم) (^٨).\n_________\n(^١) وهو استنباط في السيرة النبوية لتعلقه بغزوة بدر.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ٢٩٠.\n(^٣) استنبط الشوكاني هذا الاستنباط من قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٦]. وقد سبق بيانه هناك.\n(^٤) إرشاد العقل السليم ج ٤/ ص ٨.\n(^٥) انظر: فتح البيان ج ٥/ ص ١٣٩.\n(^٦) انظر: التفسير الكبير ج ١٥/ ص ١٠٥، وروح المعاني ج ٩/ ص ١٧٤.\n(^٧) انظر: المحرر الوجيز ص ٣٥٢، والجامع لأحكام القرآن ج ٤/ ص ١٨٨، ١٨٩، وتفسير القرآن العظيم ج ٢/ ص ٤١٤، والتحرير والتنوير ج ٣/ ص ٢٠٨.\n(^٨) انظر: زاد المعاد ص ٤٩٣.","vol":"1","page":318},{"text":"ثم إن القول في هذا الموضع بمفهوم المخالفة معارض بالأدلة على أن الملائكة قاتلت ببدر، وقد تظاهرت الروايات على أن الملائكة حضرت بدرا وقاتلت كما قال ابن عطية والقرطبي (^١). وقد سبق بيان هذه الأدلة عند قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-412>٨٢ - الفرار من الزحف من الكبائر الموبقة </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ الأنفال: ١٦.\nقال الشوكاني -﵀-: (والمعنى: من ينهزم ويفر من الزحف فقد رجع بغضب كائن من الله إلا المتحرف والمتحيز. ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ أي: المكان الذي يأوي إليه هو النار، فقراره أوقعه إلى ما هو أشد بلاء مما فر منه، وأعظم عقوبة. والمأوى: ما يأوي إليه الإنسان. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ ما صار إليه من عذاب النار. وقد اشتملت هذه الآية على هذا الوعيد الشديد لمن يفر عن الزحف، وفي ذلك دلالة على أنه من الكبائر الموبقة) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-413>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني من الآية أن الفرار من الزحف من الكبائر الموبقة.\nووجه الاستنباط: أن الله نهى عن الفرار من الزحف وتوعد عليه بوعيدين، فدل بدلالة تأمل وعيد الله تعالى، على أن الفرار من الزحف من الكبائر الموبقة.\nقال السعدي: (﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ﴾ أي: رجع ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ وهذا يدل على أن الفرار من الزحف من غير عذر من أكبر الكبائر كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة، وكما نص هنا على وعيده بهذا الوعيد الشديد) (^٤).\nوممن قال بهذا الاستنباط: ابن العربي، والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي، والقاسمي، والسعدي-كما تقدم-، وابن عاشور. (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المحرر الوجيز ص ٣٥٢، والجامع لأحكام القرآن ج ٤/ ص ١٨٨، ١٨٩.\n(^٢) وهو استنباط فقهي.\n(^٣) فتح القدير ج ٢/ ص ٢٩٤.\n(^٤) تيسير الكريم الرحمن ص ٣١٧.\n(^٥) انظر: أحكام القرآن ج ٢/ ص ٢٩٧، والجامع لأحكام القرآن ج ٧، ص ٣٣٤، والإكليل ج ٢/ ص ٧٨٢، وفتح البيان ج ٥/ ص ١٤٧، ومحاسن التأويل ج ٥/ ص ٢٦٨، وتيسير الكريم الرحمن ص ٣١٧، والتحرير والتنوير ج ٩/ ص ٤٨.","vol":"1","page":319},{"text":"وخالف آخرون- فقالوا: حكم الفرار من الزحف ليس بكبيرة- إذ جعلوا الفرار يوم الزحف مخصوصا بيوم بدر، فروي ذلك عن جماعة من السلف (^١)، وهو قول أبي حنيفة. (^٢). واحتجوا بحجتين:\nالأولى: أن قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ هو إشارة إلى يوم بدر، وأنه نسخ حكم الآية بآية الضعف (^٣)، وبقي حكم الفرار من الزحف ليس بكبيرة. وقد فر الناس يوم أحد فعفا الله عنهم، وقال الله فيهم يوم حنين: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ [التوبة: ٢٥]، ولم يقع على ذلك تعنيف.\nوقد رد الجمهور على هذه الحجة ببيان أن قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ إنما ذلك إشارة إلى يوم الزحف الذي يتضمنه قوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ﴾ [الأنفال: ٤٥] (^٤). وحكم الآية باق إلى يوم القيامة بشرط الضعف الذي بينه الله تعالى في آية أخرى، وليس في الآية نسخ، والدليل عليه أن الآية نزلت بعد القتال وانقضاء الحرب وذهاب اليوم بما فيه. وإلى هذا ذهب مالك، والشافعي، وأكثر العلماء. (^٥).\n_________\n(^١) فروي عن أبي سعيد الخدري -﵁-، ونافع، والحسن، وقتادة، ويزيد بن أبي حبيب، والضحاك. انظر: جامع البيان ج ١١/ ص ٧٨ - ٨١، وتفسير ابن أبي حاتم ج ٥/ ص ١٦٧٠ وما بعدها، وأحكام القرآن لابن العربي ج ٢/ ص ٢٩٧، والجامع لأحكام القرآن ج ٧، ص ٣٣٤، و٣٣٥، وتفسير القرآن العظيم ج ٤/ ص ١٧٣، ١٧٤، والدر المنثور ج ٤/ ص ٣٧.\n(^٢) انظر: أحكام القرآن لابن العربي ج ٢/ ص ٢٩٧، والجامع لأحكام القرآن ج ٧، ص ٣٣٤.\n(^٣) هي قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ الأنفال: ٦٦.\n(^٤) وتمام الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ الأنفال: ٤٥.\n(^٥) انظر حججهم والرد عليها في أحكام القرآن لابن العربي ج ٢/ ص ٢٩٧، والجامع لأحكام القرآن ج ٧، ص ٣٣٤، و٣٣٥.","vol":"1","page":320},{"text":"قال ابن العربي: (ويروى عن ابن عباس -﵃- (^١)، وسائر العلماء أن الآية باقية إلى يوم القيامة، وإنما شذ من شذ بخصوص ذلك يوم بدر بقوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ فظن قوم أن ذلك إشارة إلى يوم بدر، وليس به، وإنما ذلك إشارة إلى يوم الزحف، والدليل عليه أن الآية نزلت بعد القتال وانقضاء الحرب وذهاب اليوم بما فيه.\nوقد ثبت عن النبي -ﷺ- حسبما قدمناه في الحديث الصحيح أن الكبائر كذا، وعد الفرار يوم الزحف (^٢)، وهذا نص في المسألة يرفع الخلاف ويبين الحكم، وقد نبهنا على النكتة التي وقع الإشكال فيها لمن وقع باختصاصه بيوم بدر) (^٣).\nوأما يوم أحد فإنما فر الناس من ضعفهم ومع ذلك عنفوا، وأما يوم حنين فكذلك من فر إنما انكشف عن الكثرة (^٤).\nوقال ابن كثير -بعد أن ساق أقوال السلف الدالة على أن الآية في بدر-: (وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حراما على غير أهل بدر وإن كان سبب نزول الآية فيهم كما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم من أن الفرار من الزحف من الموبقات كما هو مذهب الجماهير، والله أعلم) (^٥).\nالثانية: أنه لم يكن لهم أن ينحازوا، ولو انحازوا لانحازوا للمشركين ولم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم، ولا للمسلمين فئة إلا النبي -ﷺ-، فأما بعد ذلك فإن بعضهم فئة لبعض (^٦).\n_________\n(^١) عن ابن عباس -﵃- قال: \"أكبر الكبائر الشرك بالله، والفرار من الزحف؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ \". أخرجه الطبري في جامع البيان ج ١١/ ص ٨١. وانظر: الدر المنثور ج ٤/ ص ٣٨.\n(^٢) يعني حديث أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات\". أخرجه البخاري في كتاب: الوصايا، باب: قول الله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾، رقم: ٢٦١٥، ج ٣/ ص ١٠١٧. وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها، رقم: ٨٩، ج ١/ ص ٩٢.\n(^٣) أحكام القرآن ج ٢/ ص ٢٩٧.\n(^٤) انظر: أحكام القرآن لابن العربي ج ٢/ ص ٢٩٧، والجامع لأحكام القرآن ج ٧، ص ٣٣٥.\n(^٥) تفسير القرآن العظيم ج ٤/ ص ١٧٤.\n(^٦) انظر: أحكام القرآن للكيا ج ٣/ ص ١٥٣، وأحكام القرآن لابن العربي ج ٢/ ص ٢٩٧، والجامع لأحكام القرآن ج ٧، ص ٣٣٤، و٣٣٥.","vol":"1","page":321},{"text":"وهذه الحجة ردها إلكيا بقوله: (وهذا فيه نظر؛ لأنه كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار لم يأمرهم النبي -ﷺ- بالخروج، ولم يكونوا يرون أنه قتال وإنما ظنوا أنها العير، فخرج رسول الله -ﷺ- فيمن خف معه) (^١).\nفظهر بذلك أن القول بأن الزحف من الفرار كبيرة أقرب للصواب والله أعلم.\nوقد نبه ابن عاشور للحكمة من تحريم الزحف من الفرار بقوله: (وإنما حرم الله الفرار في وقت مناجزة المشركين ومجالدتهم وهو وقت اللقاء؛ لأن الفرار حينئذ يوقع في الهزيمة الشنيعة والتقتيل، وذلك أن الله أوجب على المسلمين قتال المشركين، فإذا أقدم المسلمون على القتال لم يكن نصرهم إلا بصبرهم، وتأييد الله إياهم، فلو انكشفوا بالفرار لأعمل المشركون الرماح في ظهورهم فاستأصلوهم، فلذلك أمرهم الله ورسوله بالصبر والثبات، فيكون ما في هذه الآية هو حكم الصبر عند اللقاء) (^٢).\nوفي هذا الاستنباط تنبيه للمسلمين بأن ينظروا قبل اللقاء هل هم بحيث يستطيعون الثبات أو لا. قال ابن عاشور: (الذي أرى في فقه هذه الآية أن ظاهر الآية هو تحريم التولي على آحادهم وجماعتهم إذا التقوا مع أعدائهم في ملاحم القتال والمجالدة، بحيث إن المسلمين إذا توجهوا إلى قتال المشركين، أو إذا نزل المشركون لمقاتلتهم وعزموا على المقاتلة، فإذا التقى الجيشان للقتال وجب على المسلمين الثبات والصبر للقتال، ولو كانوا أقل من جيش المشركين، فإما أن ينتصروا، وإما أن يستشهدوا، وعلى هذا فللمسلمين النظر قبل اللقاء هل هم بحيث يستطيعون الثبات وجهه أو لا، فإن وقت المجالدة يضيق عن التدبير، فعلى الجيش النظر في عَدده وعُدده ونسبة ذلك من جيش عدوهم، فإذا أزمعوا الزحف وجب عليهم الثبات) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-414>٨٣ - وجوب ترك التقيد بالمذاهب المخالفة لما في الكتاب والسنة </span>(^٤).\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ الأنفال: ٢٤.\nقال الشوكاني -﵀-: (ويستدل بهذا الأمر بالاستجابة على أنه يجب على كل مسلم إذا بلغه قول الله، أو قول رسوله -ﷺ- في حكم من الأحكام الشرعية أن يبادر إلى العمل به كائنا ما كان، ويدع ما خالفه من الرأي وأقوال الرجال. وفي هذه الآية الشريفة أعظم باعث على العمل بنصوص الأدلة، وترك التقيد بالمذاهب، وعدم الاعتداد بما يخالف ما في الكتاب والسنة كائنا ما كان) (^٥).\n_________\n(^١) أحكام القرآن ج ٣/ ص ١٥٣.\n(^٢) التحرير والتنوير ج ٩/ ص ٤٩.\n(^٣) المصدر السابق ج ٩/ ص ٤٨.\n(^٤) وهو استنباط أصولي.\n(^٥) فتح القدير ج ٢/ ص ٢٩٩.","vol":"1","page":322},{"text":"<span data-type='title' id=toc-415>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^١) من الآية وجوب ترك التقيد بالمذاهب المخالفة لما في الكتاب والسنة (^٢).\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بالاستجابة له ولرسوله -ﷺ-، أي: الانقياد لما أمرا به، والاجتناب لما نهيا عنه؛ فيلزم من ذلك معرفة الأوامر والمنهيات، أي معرفة الأدلة؛ فدل ذلك على المنع من التقليد للمذاهب المخالفة للكتاب والسنة.\nوهذا الاستنباط نقله القنوجي في تفسيره (^٣).\nوفي هذا الاستنباط حث على معرفة الدليل؛ لأنه السبيل إلى الاتباع الصحيح على بصيرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-416>٨٤ - الأقلون من كفار قريش يعلمون أنهم ليسوا أولياء المسجد الحرام ولكنهم يعاندون </span>(^٤).\nقال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ الأنفال: ٣٤.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ ذلك. والحكم على الأكثرين بالجهل يفيد أن الأقلين يعلمون ولكنهم يعاندون) (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-417>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني من الآية أن الأقلين من كفار قريش يعلمون أنهم ليسوا أولياء المسجد الحرام ولكنهم يعاندون (^٦).\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أن أكثر كفار قريش لا يعلمون، فحكم على الأكثرين بالجهل؛ فدل بمفهوم المخالفة (للأكثر)، أو بالتقييد بالأكثر على أن الأقلين من كفار قريش يعلمون أنهم ليسوا أولياء المسجد الحرام ولكنهم يعاندون.\n_________\n(^١) واستنبط غيره من قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ أن الله تعالى خالق لجميع اكتساب العباد خيرها وشرها. ففيها رد على القدرية والمعتزلة القائلين بأن الناس هم الذين يقدرون أكسابهم. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٧/ ص ٣٤٢، والإشارات الإلهية ج ٢/ ص ٢٦٣، والإكليل ج ٢/ ص ٧٨٥.\n(^٢) تقدم عند الآيتين: ٢٢، و١٧٠ من سورة البقرة بيان استنباط الشوكاني لمنع التقليد من تلكم الآيتين، مع بسط القول في دراستهما. وانظر أيضا: التوبة: ٣١ (ج ٢/ ص ٣٥٣)، الأحزاب: ٦٧ (ج ٤/ ص ٣٠٦)، والزخرف: ٢٢ (ج ٤/ ص ٥٥٢، ٥٥٣).\n(^٣) انظر: فتح البيان ج ٥/ ص ١٥٥، ١٥٦.\n(^٤) وهو استنباط دعوي أو عقدي لأن الإنصاف من شعب الإيمان.\n(^٥) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٠٥.\n(^٦) وسيأتي مثل هذا الاستنباط عند سورة المؤمنون: ٧٠.","vol":"1","page":323},{"text":"قال ابن عاشور: (وإنما نفى العلم عن أكثرهم دون أن يقال: ولكنهم لا يعلمون؛ فاقتضى أن منهم من يعلم أنهم ليسوا أولياء المسجد الحرام، وهم من أيقنوا بصدق الرسول -ﷺ-، واستفاقوا من غفلتهم القديمة، ولكن حملهم على المشايعة للصادين عن المسجد الحرام العناد، وطلب الرئاسة، وموافقة الدهماء على ضلالهم، وهؤلاء هم عقلاء أهل مكة، ومن تهيأ للإيمان منهم مثل: العباس، وعقيل بن أبي طالب، وأبي سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وخالد بن الوليد ومن استبقاهم الله للإسلام، فكانوا من نصرائه من بعد نزول هذه الآية) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والقنوجي، وابن عاشور. (^٢).\nوهذه الاستنباط مبني على حمل لفظ (أكثر) على معناه حقيقة. وقد أشار بعض المفسرين إلى أن المراد بالأكثر هنا الكل على سبيل المجاز كما يراد بالقلة العدم (^٣). لكن الأظهر-والله تعالى أعلم- إبقاء الأكثر على ظاهره إذ الحقيقة أولى من المجاز.\nقال أبو حيان: (إبقاء الأكثر على ظاهره أولى) (^٤).\nوفي هذا الاستنباط بيان لإنصاف القرآن في الأحكام. قال الهرري: (وقد جرت سنة القرآن أن يدقق في الحكم، ولا يقول إلا الحق، ولا يقول كما يقول الناس: إن القليل لا حكم له) (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-418>٨٥ - مشروعية الذكر في جميع الأحوال </span>(^٦).\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ الأنفال: ٤٥.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي الآية دليل على مشروعية الذكر في جميع الأحوال حتى في هذه الحالة التي ترجف فيها القلوب، وتزيغ عندها البصائر) (^٧).\n_________\n(^١) التحرير والتنوير ج ٧/ ص ٩١.\n(^٢) انظر: فتح البيان ج ٥/ ص ١٦٩، والتحرير والتنوير ج ٧/ ص ٩١.\n(^٣) أجازه البيضاوي في أنوار التنزيل ج ٣/ ص ١٠٦، والنسفي في مدارك التنزيل ج ٢/ ص ٦٤، والآلوسي في روح المعاني ج ٩/ ص ٢٠٣. لكنهم عند قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ … (٧٠)﴾ [المؤمنون: ٧٠] اقتصروا على ما ذكره الشوكاني مما يؤيد ما ذهب إليه. انظر: أنوار التنزيل ج ٤/ ص ١٦٢، ومدارك التنزيل ج ٣/ ص ١٨٥، وروح المعاني ج ١٨/ ص ٥١.\n(^٤) البحر المحيط ج ٤/ ص ٦٢١.\n(^٥) حدائق الروح والريحان ج ١٠/ ص ٤١٥.\n(^٦) وهو استنباط في الدعوات والذكر.\n(^٧) فتح القدير ج ٢/ ص ٣١٥.","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type='title' id=toc-419>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني من الآية مشروعية الذكر في جميع الأحوال.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بذكره عند ملاقاة العدو في الحرب وهي حالة ترجف فيها القلوب، وتزيغ عندها البصائر، وعلى شدتها لم يرخص للرجل فيها بترك الذكر؛ فدل بدلالة تأمل أوامر الله تعالى على مشروعية الذكر في جميع الأحوال.\nقال محمد بن كعب القرظي (^١): (لو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا -﵇-؛ يقول الله ﷿: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ (^٢) [آل عمران: ٤١]، ولرخص للرجل يكون في الحرب يقول الله ﷿: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾) (^٣).\nقال الآلوسي منبها إلى هذا الاستنباط: (وفي الآية تنبيه على أن العبد ينبغي أن لا يشغله شيء عن ذكر مولاه سبحانه، وذكره جل شأنه في مثل ذلك الموطن من أقوى أدلة محبته جل شأنه، ألا ترى من أحب مخلوقا مثله كيف يقول:\nولقد ذكرتك والرماح نواهل … مني وبيض الهند تشرب من دمي\nفوددت تقبيل السيوف لأنها … برقت كبارق ثغرك المتبسم (^٤) (^٥).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والبيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي-كما تقدم-، والقنوجي، والقاسمي، والشنقيطي. (^٦).\n_________\n(^١) هو أبو عبد الله، محمد بن كعب القرظي، المدني، تابعي، من أوعية العلم، عالم بالقرآن، كثير الحديث، توفي بعد المائة للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء ج ٥/ ص ٦٥ - ٦٧، وتهذيب التهذيب ج ٩/ ص ٣٧٣.\n(^٢) وتمامها: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾.\n(^٣) أخرج أوله الطبري في جامع البيان ج ٥/ ص ٣٩١، وابن أبي حاتم ج ٢/ ص ٦٤٦، وعزاه السيوطي كاملا في الدر المنثور ج ٢/ ص ١٩٢ إلى ابن المنذر.\n(^٤) البيت لعنترة بن شداد. انظر: شرح ديوان عنترة للخطيب التبريزي ص ١٩١.\n(^٥) روح المعاني ج ١٠/ ص ١٣.\n(^٦) انظر: الكشاف ج ٢/ ص ٢١٤، وأنوار التنزيل ج ٣/ ص ١١٢، وإرشاد العقل السليم ج ٤/ ص ٢٥، وروح المعاني ج ١٠/ ص ١٣، وفتح البيان ج ٥/ ص ١٨٨، ومحاسن التأويل ج ٥/ ص ٣٠٤، وأضواء البيان ج ١/ ص ٤٧٤.","vol":"1","page":325},{"text":"والمعنى المستنبط دل عليه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩١].\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا … مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣]\nقال ابن عباس -﵁-: (لا يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما، ثم عذر أهلها في حال عذر غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله، فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾. بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-420>٨٦ - انسلاخ الكفار من الإنسانية، ودخولهم في جنس غير الناس من أنواع الحيوان؛ لعدم تعقلهم لما فيه رشادهم </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥)﴾ الأنفال: ٥٥.\nقال الشوكاني -﵀-: (وجعلهم شر الدواب لا شر الناس إيماء إلى انسلاخهم عن الإنسانية، ودخولهم في جنس غير الناس من أنواع الحيوان؛ لعدم تعقلهم لما فيه رشادهم) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-421>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني من الآية انسلاخ الكفار من الإنسانية، ودخولهم في جنس غير الناس من أنواع الحيوان؛ لعدم تعقلهم لما فيه رشادهم.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى سمى الكفار شر الدواب، ولم يقل شر الناس، فخص لفظ الدواب بالذكر (^٤)؛ فدلت مناسبة اختيار هذا اللفظ على انسلاخهم من الإنسانية، ودخولهم في جنس غير الناس؛ لعدم تعقلهم لما فيه رشادهم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في جامع البيان ج ٧/ ص ٤٤٦، وابن أبي حاتم في تفسيره ج ٤/ ص ١٠٥٦ دون أوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ج ٦/ ص ٦١٨، ٦١٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) وهو استنباط فائدة علمية.\n(^٣) فتح القدير ج ٢/ ص ٣١٩.\n(^٤) والكفار وإن كانوا داخلين في لفظ الدواب من حيث اللغة- قال الرازي: كل ماش على الأرض دابة. انظر: مختار الصحاح ج ١/ ص ٨٣ - لكن استعمال لفظ الدواب في الناس قليل، ولذا استنبط القصاب وقوع اسم الدواب على الناس كما يقع على البهائم؛ لأن كل ماش داب. انظر: نكت القرآن ج ١/ ص ٤٦٦.","vol":"1","page":326},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والشعراوي. (^١).\nولا يعني هذا الاستنباط جواز الاعتداء على الكفار بغير حق، فإن القرآن حفظ حقوقهم فقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠].\nوقال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩].\nوالقرآن بيَّن أنهم في علوم الدين النافعة كالأنعام بل أضل، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ … بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]\nوقال في موضع آخر: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].\nفالدابة المحكومة بالغريزة خير من الكافر؛ لأن الدابة تؤدي مهمتها في الحياة تماما، بينما لا يؤدي الكافر مهمته في الأرض، وبذلك يكون شرا من الدابة (^٢).\nومع هذا الذم أنصفهم إذ لم ينف عنهم علوم الدنيا فقال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ … (٧)﴾ [الروم: ٧].\n_________\n(^١) انظر: فتح البيان ج ٥/ ص ١٩٧، وخواطري مع القرآن للشعراوي ص ٤٧٦٥.\n(^٢) انظر: خواطري مع القرآن للشعراوي ص ٤٧٦٥.","vol":"1","page":327},{"text":"فغاية ما في هذا الاستنباط ذم الكفار، وبيان عدم انتفاعهم بعقولهم -التي ميز الله بها الإنسان- في الوصول للحق وطريق النجاة والهداية، وهذا هو معنى انسلاخهم من الإنسانية. وليس فيه ما يدعو للاعتداء عليهم وظلمهم.","vol":"1","page":328},{"text":"<span data-type='title' id=toc-422>سورة التوبة</span>\n<span data-type='title' id=toc-423>٨٧ - الوفاء بالعهد، والاستقامة عليه من أعمال المتقين </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾ التوبة: ٧.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾ إشارة إلى أن الوفاء بالعهد، والاستقامة عليه من أعمال المتقين) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-424>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني أن الوفاء بالعهد، والاستقامة عليه من أعمال المتقين.\nووجه الاستنباط: أن الله أمر المسلمين بالوفاء بعهد من عاهدوهم من المشركين عند المسجد الحرام، فإن لهم في العهد في هذا المكان الفاضل حرمة أوجب أن يراعوا فيها، ثم ختم هذا الأمر بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾؛ فدل هذا بدلالة الربط بين خاتمة الآية وموضوعها على أن الوفاء بالعهد، والاستقامة عليه من أعمال المتقين.\nوممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والقنوجي، والبروسوي. (^٣).\nواستنبط ابن عطية، والبيضاوي، والآلوسي (^٤) هذا المعنى من قوله تعالى -قبل هذه الآية-: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾ [التوبة: ٤]. فقال ابن عطية: (وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾ تنبيه على أن الوفاء بالعهد من التقوى) (^٥).\n_________\n(^١) وهو استنباط تربوي، وعقدي لأن الوفاء بالعهد من الإيمان.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٣٩.\n(^٣) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٤/ ص ٤٥، وفتح البيان ج ٥/ ص ٢٤١، وروح البيان ج ٣/ ص ٤١٠.\n(^٤) انظر: المحرر الوجيز ص ٨٢٦، وأنوار التنزيل ج ٣/ ص ١٢٩، وروح المعاني ج ١٠/ ص ٤٩. ولعل تنبيههم على هذا المعنى عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾ [التوبة: ٤] أغنى عن إعادته هنا.\n(^٥) المحرر الوجيز ص ٨٢٦.","vol":"1","page":329},{"text":"وفي هذا الاستنباط تنبيه على حفظ العهود، والوفاء بالمواثيق حتى مع الكفار المُعَاهَدِين، وأن مخالفة هذه العهود ليست من التقوى في شيء لمن كان يظن ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-425>٨٨ - حسم أطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ التوبة: ١٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي قوله: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ حسم لأطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم، فإن الموصوفين بتلك الصفات إذا كان اهتداؤهم مرجوا فقط، فكيف بالكفار الذين لم يتصفوا بشيء من تلك الصفات.\nوقيل: عسى من الله واجبة. وقيل: هي بمعنى خليق أي: فخليق أن يكونوا من المهتدين. وقيل: إن الرجاء راجع إلى العباد) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-426>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني من الآية حسم أطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر الذين يعمرون المساجد بأوصافهم الطيبة ذكر اهتداءهم بصيغة التوقع (عسى)؛ فدلت مناسبة لفظ (عسى) على حسم أطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم؛ فإذا كان اهتداء المؤمنين مرجوا فقط، فكيف بالكفار الذين لم يتصفوا بشيء من تلك الصفات.\nقال البيضاوي: (﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ ذكره بصيغة التوقع قطعا لأطماع المشركين في الاهتداء والانتفاع بأعمالهم، وتوبيخا لهم بالقطع بأنهم مهتدون، فإن هؤلاء مع كمالهم إذا كان اهتداؤهم دائرا بين عسى ولعل فما ظنك بأضدادهم) (^٣).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي. (^٤).\nويتنبه إلى أن هذا الاستنباط لا يعارضه القول الحق بأن عسى من الله واجبة، فعسى من الله واجبة باعتبار عسى منسوبة إلى الله (^٥). وإنما المقصود هنا النظر إلى الرجاء باعتبار ما يكون في قلب المخاطَب (^٦)، وتأمل مناسبة مجيء كلمة الإطماع (عسى) -التي لا تعطي الإنسان يقينا بالوقوع- في هذا المقام دون الألفاظ الدالة على القطع.\n_________\n(^١) وهو استنباط عقدي.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٤٤.\n(^٣) أنوار التنزيل ج ٣/ ص ١٣٦.\n(^٤) انظر: الكشاف ج ٢/ ص ٢٤٣، والتفسير الكبير ج ١٦/ ص ١٠، وأنوار التنزيل ج ٣/ ص ١٣٦، وإرشاد العقل السليم ج ٤/ ص ٥١، وروح المعاني ج ١٠/ ص ٦٦، وفتح البيان ج ٥/ ص ٢٥٥.\n(^٥) قال السمعاني: (وعسى من الله واجب؛ لأنه للإطماع، والله تعالى إذا أطمع عبدا أوجب له، وأوصله إليه). تفسير القرآن العزيز ج ١/ ص ٤٧٠.\n(^٦) أي هي على معتقد البشر، أي: ظنكم بمن هذه حالة ترجى عفو الله عنه. انظر: المحرر الوجيز ص ٤٧٢.","vol":"1","page":330},{"text":"وحكى الآلوسي مناسبة أخرى لمجيء كلمة الإطماع هنا فقال: (وقيل: إن الأوصاف المذكورة وإن أوجبت الاهتداء ولكن الثبات عليها مما لا يعلمه إلا الله تعالى، وقد يطرأ ما يوجب ضد ذلك والعبرة للعاقبة، فكلمة التوقع يجوز أن تكون لهذا).\nثم تعقبها بقوله: (ولا يخفى ما فيه. فإن النظر إلى العاقبة هنا لا يناسب المقام الذي يقتضي تفضيل المؤمنين عليهم في الحال) (^١).\nويتنبه إلى أن في قوله تعالى: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ أيضا تحذيرا للمؤمنين من الاغترار بأحوالهم، والاتكال على أعمالهم.\nقال أبو السعود: (وفيه لطف للمؤمنين، وترغيب لهم في ترجيح جانب الخوف على جانب الرجاء، ورفض الاغترار بالله تعالى) (^٢).\nوقال الآلوسي: (وفيه قطع اتكال المؤمنين على أعمالهم وما هم عليه، وإرشادهم إلى ترجيح جانب الخوف على جانب الرجاء، وهذا هو المناسب للمقام) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-427>٨٩ - على العباد أن يقولوا إن شاء الله في كل ما يتكلمون به مما له تعلق بالزمن المستقبل، كما عليهم ألا يفتروا عن دعاء الله والتضرع إليه </span>(^٤).\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ التوبة: ٢٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفائدة التقييد بالمشيئة التعلم للعباد بأن يقولوا ذلك في كل ما يتكلمون به مما له تعلق بالزمن المستقبل، ولئلا يفتروا عن الدعاء والتضرع) (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-428>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٦) من الآية أن على العباد أن يقولوا إن شاء الله في كل ما يتكلمون به مما له تعلق بالزمن المستقبل، كما أن عليهم ألا يفتروا عن الدعاء والتضرع.\n_________\n(^١) روح المعاني ج ١٠/ ص ٦٦.\n(^٢) إرشاد العقل السليم ج ٤/ ص ٥١.\n(^٣) روح المعاني ج ١٠/ ص ٦٦.\n(^٤) وهو استنباط في الدعوات والذكر.\n(^٥) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٥٠.\n(^٦) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) الكفار مخاطبون بالشريعة؛ لأن ظاهر الآية توجه النهي إلى المشركين. انظر: محاسن التأويل ج ٥/ ص ٣٧٦.\n٢) تعلق القلب بالأسباب في الرزق جائز، وليس ذلك بمناف للتوكل، وإن كان الرزق مقدرا، وأمر الله وقسمه مفعولا، ولكنه علقه بالأسباب حكمةً؛ ليعلم القلوب التي تتعلق بالأسباب من القلوب التي تتوكل على رب الأرباب، والسبب لا ينافي التوكل. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٨/ ص ٩٨.\n٣) المراد من المسجد الحرام جميع الحرم، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وذلك لأن موضع التجارات ليس هو عين المسجد، فلو كان المقصود من هذه الآية المنع من المسجد خاصة لما خافوا بسبب هذا المنع من العيلة، وإنما يخافون العيلة إذا منعوا من حضور الأسواق والمواسم. انظر: التفسير الكبير ج ١٦/ ص ٢١، ٢٢.","vol":"1","page":331},{"text":"ووجه الاستنباط الأول: أن الله تعالى لما وعد عباده المؤمنين بأنه سيغنيهم قيد الإغناء بالمشيئة؛ فدل هذا بدلالة التقييد، والاقتداء بأفعال الله تعالى على أن على العباد أن يقولوا إن شاء الله في كل ما يتكلمون به مما له تعلق بالزمن المستقبل.\nأما الاستنباط الثاني فوجهه: أن التقييد دال على حث العباد على ألا يفتروا عن الدعاء والتضرع؛ حيث نبههم بأن الإغناء بمشيئته، لا سبب له غيره؛ فلا يحصل عندهم الاعتماد على حصول هذا المطلوب، بل ينقطعوا إليه وحده متضرعين.\nقال البيضاوي: قيده بالمشيئة لتنقطع الآمال إلى الله تعالى (^١).\nوقال الآلوسي: ذلك-أي الإغناء- بإرادته، لا سبب له غيرها، حتى ينقطعوا إليه سبحانه، ويقطعوا النظر عن غيره (^٢).\nوممن قال باستنباط الشوكاني: الرازي، والقنوجي. (^٣).\nإلا أن الرازي نبه إلى ما ذكرهما الشوكاني، وزاد عليه، فقال: (ولسائل أن يسأل فيقول: الغرض بهذا الخبر إزالة الخوف بالعيلة، وهذا الشرط يمنع من إفادة هذا المقصود، وجوابه من وجوه:\nالأول: أن لا يحصل الاعتماد على حصول هذا المطلوب، فيكون الإنسان أبدا متضرعا إلى الله تعالى في طلب الخيرات ودفع الآفات.\nالثاني: أن المقصود من ذكر هذا الشرط تعليم رعاية الأدب كما في قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (^٤) [الفتح: من الآية ٢٧].\nالثالث: أن المقصود التنبيه على أن حصول هذا المعنى لا يكون في كل الأوقات وفي جميع الأمور؛ لأن إبراهيم -﵇- قال في دعائه: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (^٥) [البقرة: من الآية ١٢٦]، وكلمة من تفيد التبعيض، فقوله تعالى في هذه الآية: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ المراد منه ذلك التبعيض).\n_________\n(^١) انظر: أنوار التنزيل ج ٣/ ص ١٣٩.\n(^٢) انظر: روح المعاني ج ١٠/ ص ٧٧.\n(^٣) انظر: التفسير الكبير ج ١٦/ ص ٢٢، وفتح البيان ج ٥/ ص ٢٧٠.\n(^٤) وتمامها: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾.\n(^٥) وتمامها: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ … فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ … الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾","vol":"1","page":332},{"text":"والوجه الثالث ذكره البيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي (^١).\nونبه المفسرون إلى أوجه أخرى لتقييد الإغناء بالمشيئة، منها:\n١ - أن الغنى في الدنيا ليس من لوازم الإيمان، ولا يدل على محبة الله.\nقال السعدي: (﴿إِنْ شَاءَ﴾ تعليق للإغناء بالمشيئة؛ لأن الغنى في الدنيا ليس من لوازم الإيمان، ولا يدل على محبة الله، فلهذا علقه الله بالمشيئة، فإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان والدين إلا من يحب) (^٢).\n٢ - التنبيه على أنه تعالى متفضل بالإغناء، وأنه ليس بواجب عليه.\nقال البيضاوي: ولينبه على أنه تعالى متفضل في ذلك (^٣).\nوقال الآلوسي: وفيه تنبيه على أنه سبحانه متفضل بذلك الإغناء لا واجب عليه ﷿؛ لأنه لو كان بالإيجاب لم يوكل إلى المشيئة (^٤).\nوكلها صحيح-والله أعلم- ولا تزاحم بينهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-429>٩٠ - لم يتخذ اليهود عزيرا ربا معبودا </span>(^٥).\nقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ التوبة: ٣١.\nقال الشوكاني -﵀-: (قوله: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ معطوف على\n﴿وَرُهْبَانَهُمْ﴾، أي: اتخذه النصارى ربا معبودا. وفيه إشارة إلى أن اليهود لم يتخذوا عزيرا ربا معبودا) (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-430>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني من الآية أن اليهود لم يتخذوا عزيرا ربا معبودا.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أن اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، ثم ذكر اتخاذ النصارى عيسى -﵇- ربا معبودا، فخص فعل النصارى دون اليهود؛ فدل بدلالة عدم الذكر، أو بالتخصيص على أن اليهود لم يتخذوا عزيرا ربا معبودا.\nقال أبو السعود: (﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عطف على رهبانهم، أي: اتخذه النصارى ربا معبودا بعد ما قالوا: إنه ابنه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. وتخصيص الاتخاذ به يشير إلى أن اليهود ما فعلوا ذلك بعزير) (^٧).\n_________\n(^١) انظر: أنوار التنزيل ج ٣/ ص ١٣٩، وإرشاد العقل السليم ج ٤/ ص ٥٧، وروح المعاني ج ١٠/ ص ٧٧.\n(^٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن ج ١/ ص ٣٣٣.\n(^٣) انظر: أنوار التنزيل ج ٣/ ص ١٣٩.\n(^٤) انظر: روح المعاني ج ١٠/ ص ٧٧.\n(^٥) وهو استنباط في علوم القرآن (قصص الأنبياء)، وهو أيضا استنباط فائدة علمية.\n(^٦) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٥٣.\n(^٧) إرشاد العقل السليم ج ٤/ ص ٦٠.","vol":"1","page":333},{"text":"فأما اتخاذ النصارى عيسى -﵇- ربا إنما معناه اتخاذهم له ربا معبودا، وليس في عطف ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ على ﴿وَرُهْبَانَهُمْ﴾ ما يقتضي أنه في طاعته كما هي طاعة الرهبان؛ لأن طاعته -﵇- حق، ولا يقول إلا الحق. ويدل على هذا المعنى تقديم ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ على ﴿وَالْمَسِيحَ﴾.\nقال محمد أبو زهرة: وقدم قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ على ﴿وَالْمَسِيحَ﴾ للإشارة إلى أنهم اتخذوه بمرتبة من الربوبية التي نحلوها له غير ما اتخذوه من أربابهم، فما نحلوه له من ربوبية كان عبادة له.\nإلى أن قال: ولو أخرت كلمة ﴿أَرْبَابًا﴾ عن ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ لكان المعنى أن الربوبية التي اتخذوها واحدة، مع أن ربوبيتهم للمسيح عبادة، وربوبية الأحبار أخذ للتعاليم (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود-كما تقدم-، والآلوسي، والقنوجي. (^٢).\nويدل على هذا الاستنباط أن الله تعالى أخر هذا الاتخاذ مع أنه أقوى من مجرد الإطاعة في أمر التحليل والتحريم؛ فدل على اختصاصه بالنصارى.\nقال الآلوسي: (وتخصيص الإتخاذ به -﵇- يشير إلى أن اليهود ما فعلوا ذلك بعزير، وتأخيره في الذكر مع أن اتخاذهم له كذلك أقوى من مجرد الإطاعة في أمر التحليل والتحريم؛ لأنه مختص بالنصارى) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-431>٩١ - الزجر عن التقليد </span>(^٤).\nقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ التوبة: ٣١.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد عن التقليد في دين الله، وتأثير ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدي بقوله، ويستن بسنته من علماء هذه الأمة مع مخالفته لما جاءت به النصوص، وقامت به حجج الله وبراهينه، ونطقت به كتبه، وأنبياؤه هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أربابا من دون الله، للقطع بأنهم لم يعبدوهم، بل أطاعوهم وحرموا ما حرموا، وحللوا ما حللوا، وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة وهو أشبه به من شبه البيضة بالبيضة، والتمرة بالتمرة، والماء بالماء) (^٥).\n_________\n(^١) انظر: زهرة التفاسير ص ٣٢٨٣، ٣٢٨٤.\n(^٢) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٤/ ص ٦٠، وروح المعاني ج ١٠/ ص ٨٤، وفتح البيان ج ٥/ ص ٢٨٦.\n(^٣) روح المعاني ج ١٠/ ص ٨٤.\n(^٤) وهو استنباط أصولي.\n(^٥) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٥٣، ٣٥٤. وتمام كلامه: (فيا عباد الله، ويا أتباع محمد بن عبد الله ما بالكم تركتم الكتاب والسنة جانبا، وعمدتم إلى رجال هم مثلكم في تعبد الله لهم بهما، وطلبه منهم للعمل بما دلا عليه وأفاده، فعلتم بما جاءوا به من الآراء التي لم تعمد بعماد الحق، ولم تعضد بعضد الدين، ونصوص الكتاب والسنة، تنادى بأبلغ نداء، وتصوت بأعلى صوت بما يخالف ذلك ويباينه، فأعرتموهما آذانا صما، وقلوبا غلفا، وأفهاما مريضة، وعقولا مهيضة، وأذهانا كليلة، وخواطر عليلة وأنشدتم بلسان الحال:\nوما أنا إلا من غزية إن غوت … غويت وإن ترشد غزية أرشد\nفدعوا أرشدكم الله وإياي كتبا كتبها لكم الأموات من أسلافكم، واستبدلوا بها كتاب الله خالقهم وخالقكم، ومتعبدهم ومتعبدكم، ومعبودهم ومعبودكم، واستبدلوا بأقوال من تدعونهم بأئمتكم، وما جاءوكم به من الرأي بأقوال إمامكم وإمامهم، وقدوتكم وقدوتهم وهو الإمام الأول محمد بن عبد الله -ﷺ-.\nدعوا كل قول عند قول محمد … فما آمن في دينه كمخاطر)","vol":"1","page":334},{"text":"<span data-type='title' id=toc-432>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^١) من الآية الزجر عن التقليد (^٢).\nووجه الاستنباط: أن الله ذم تقليد اليهود والنصارى لأحبارهم ورهبانهم فيما يخالف أمر الله تعالى؛ فإن الأحبار والرهبان أحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم، وبهذا الاتباع اتخذوهم أربابا من دون الله؛ فدل ذلك بدلالة الاعتبار بقصص السابقين على الزجر عن التقليد؛ لأن طاعة المُقَلِّد لمن يُقَلِّده، ويستن بسنته من علماء هذه الأمة مع مخالفته لما جاءت به النصوص، هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أربابا من دون الله.\nوهذا الاستنباط نقله القنوجي (^٣). وأشار الرازي إلى ما يقاربه فيما نقله عن أحد شيوخه فقال: (قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء، قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله تعالى في بعض المسائل، وكانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات، فلم يقبلوا تلك الآيات، ولم يلتفتوا إليها، وبقوا ينظرون إلي كالمتعجب، يعني كيف يمكن العمل بظواهر هذه الآيات مع أن الرواية عن سلفنا وردت على خلافها، ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء ساريا في عروق الأكثرين من أهل الدنيا) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-433>٩٢ - لا اعتبار بما عند العجم والروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها </span>(^٥).\nقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً … كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ التوبة: ٣٦.\n_________\n(^١) واستنبط القصاب استنباطات أخرى، منها:\n١) جواز اختصار الكلام، والإخبار عن المعاني المختلفة باللفظ الواحد. ووجهه: أن الأحبار على الأغلب في اليهود، والرهبان في النصارى، وقد أخبر عنهم في لفظ واحد.\n٢) أن الله أوقع اسما له -هو الرب- على خلقه: أعدائه، ونبيه، ولم يكن نقصا فيما هو له. انظر: نكت القرآن ج ١/ ص ٥٢٠ - ٥٢١.\n(^٢) استنبط الشوكاني المنع من التقليد في مواضع سابقة سبق بيانها ودراستها عند الآيتين ٢٢، و١٧٠ من سورة البقرة، والآية ٢٤ من سورة الأنفال. وانظر أيضا: الأحزاب: ٦٧ (ج ٤/ ص ٣٠٦)، والزخرف: ٢٢ (ج ٤/ ص ٥٥٢، ٥٥٣).\n(^٣) انظر: فتح البيان ج ٥/ ص ٢٨٦.\n(^٤) التفسير الكبير ج ١٦/ ص ٣١.\n(^٥) وهو استنباط في التأريخ.","vol":"1","page":335},{"text":"قال الشوكاني -﵀-: (وفي هذه الآية بيان أن الله سبحانه وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها على هذا الترتيب المعروف يوم خلق السموات والأرض، وأن هذا هو الذي جاءت به الأنبياء، ونزلت به الكتب، وأنه لا اعتبار بما عند العجم والروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها، ويجعلون بعضها ثلاثين يوما، وبعضها أكثر، وبعضها أقل) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-434>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٢) من الآية أنه لا اعتبار بما عند العجم والروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، وقد كان يحتمل أن يراد بهن السنة الشمسية أو القمرية، لكن قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ خلصت لأن يقال إنما أراد السنة القمرية، وهي العربية؛ لأن العرب هي التي كانت تعتقد حرمة هذه الأشهر الأربعة الحرم (^٣)، وتُحرِّم القتال فيها، ولما جاء الإسلام لم يزدها إلا حرمة وتعظيما. فدل ذلك على أن الواجب تعليق الأحكام المتصلة بالشهور والسنين من عبادات وغيرها بالأشهر العربية دون الأشهر التي يعتبرها العجم والروم (^٤).\nوممن قال بهذا الاستنباط: إلكيا، والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي. (^٥).\nفالواجب على المسلمين الأخذ بهذا الحساب والعدد في صومهم، وحجهم، وأعيادهم، وبيعاتهم، وأجل ديونهم، وسائر أحكام المسلمين المرتبة على الشهور (^٦). دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقبط، وإن لم تزد على اثني عشر شهرا؛ لأنها مختلفة الأعداد، منها ما يزيد على ثلاثين، ومنها ما ينقص، وشهور العرب لا تزيد على ثلاثين، وإن كان منها ما ينقص، والذي ينقص ليس يتعين له شهر، وإنما تفاوتها في النقصان والتمام على حسب اختلاف سير القمر في البروج (^٧).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٥٨.\n(^٢) واستنبط السيوطي من الآية أن اللغات توقيفية، ووجهه: أن الله وضع هذه الأشهر، وسماها ورتبها على ما هي عليه، وأنزل ذلك على أنبيائه. الإكليل ج ٢/ ص ٨٠٧.\n(^٣) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس ج ٣/ ص ١٤٩. والأشهر الأربعة الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب.\n(^٤) انظر: أحكام القرآن للكيا ج ٤/ ص ١٩٩.\n(^٥) انظر: أحكام القرآن للكيا ج ٤/ ص ١٩٩، والجامع لأحكام القرآن ج ٨/ ص ١٢٣، والإكليل ج ٢/ ص ٨٠٦، وفتح البيان ج ٥/ ص ٢٩٦.\n(^٦) انظر: حدائق الروح والريحان ج ١١/ ص ٢٤١.\n(^٧) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٨/ ص ١٢٣.","vol":"1","page":336},{"text":"<span data-type='title' id=toc-435>٩٣ - جواز الاجتهاد من النبي -ﷺ</span>- (^١).\nقال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ التوبة: ٤٣.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي الآية دليل على جواز الاجتهاد منه -ﷺ-. والمسألة مدونة في الأصول (^٢) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-436>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني من الآية جواز اجتهاد النبي -ﷺ- (^٤).\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى عاتب نبيه -ﷺ- على الإذن لبعض المنافقين الذين عزموا على القعود، فعاتبه على ما اجتهد فيه، ولم ينكر عليه الاجتهاد؛ فدل ذلك على جواز اجتهاد النبي -ﷺ-.\nأو أن وجهه: أن الله عاتبه على ما وقع منه، ولو كان ذلك بالوحي لم يعاتبه (^٥).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، والآلوسي، والقنوجي. (^٦).\nوقد أثبت الرازي دلالة الآية على جواز اجتهاد النبي -ﷺ-، رادا على أقوال المخالفين بقوله: فإن قيل: فهذا يدل على أنه لا يجوز له الحكم بالاجتهاد أولى؛ لأنه تعالى منعه من هذا الحكم بقوله: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾.\n_________\n(^١) وهو استنباط أصولي.\n(^٢) انظر: روضة الناظر ج ٢/ ص ٤٥١ - ٤٥٦، والبحر المحيط ج ٦/ ص ٢١٤ - ٢١٦، وإرشاد الفحول ص ٥٧٧ - ٥٧٩، والوجيز في أصول الفقه الإسلامي ص ٣٤٦ - ٣٤٨ ..\n(^٣) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٦٥.\n(^٤) أكد الشوكاني عند قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾ [الأنعام: ٥٠] جواز اجتهاد الأنبياء، ورد قول المانعين بقوله: (﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ أي: ما أتبع إلا ما يوحيه الله إلي. وقد تمسك بذلك من لم يثبت اجتهاد الأنبياء عملا بما يفيده القصر في هذه الآية، والمسألة مدونه في الأصول، والأدلة عليها معروفة وقد صح عنه -ﷺ- أنه قال: \"أوتيت القرآن ومثله معه\"). فتح القدير ج ٢/ ص ١١٨.\n(^٥) ذكر الشوكاني هذا الوجه في إرشاد الفحول ص ٥٧٩.\n(^٦) انظر: التفسير الكبير ج ١٦/ ص ٦٠، وروح المعاني ج ١٠/ ص ١٠٩، وفتح البيان ج ٥/ ص ٣١٠.","vol":"1","page":337},{"text":"قلنا: إنه تعالى ما منعه من ذلك الإذن مطلقا؛ لأنه قال: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ والحكم الممدود إلى غاية بكلمة (حتى) يجب انتهاؤه عند حصول تلك الغاية، فهذا يدل على صحة قولنا.\nفإن قالوا: فلم لا يجوز أن يكون المراد من ذلك التبين هو التبين بطريق الوحي؟\nقلنا: ما ذكرتموه محتمل، إلا أن على التقدير الذي ذكرتم يصير تكليفه أن لا يحكم البتة، وأن يصبر حتى ينزل الوحي ويظهر النص، فلما ترك ذلك كان ذلك كبيرة.\nوعلى التقدير الذي ذكرنا كان ذلك الخطأ خطأً واقعا في الاجتهاد، فكان حمل الكلام عليه أولى (^١).\nثم إن القول بجواز اجتهاد النبي -ﷺ- هو رأي الجمهور. قال النووي -عند شرح حديث: \"لولا أن أشق على المؤمنين -أو على أمتي- لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة\" (^٢) -: (فيه دليل على جواز الاجتهاد للنبي -ﷺ- فيما لم يرد فيه نص من الله تعالى، وهذا مذهب أكثر الفقهاء، وأصحاب الأصول، وهو الصحيح المختار) (^٣).\nواجتهاد النبي -ﷺ- إما أن يكون فيما يتعلق بمصالح الدنيا، وتدبير الحروب، أو أن يكون في الأحكام الشرعية، والأمور الدينية.\nفأما الأول فمجمع على جوازه (^٤)، وأما اجتهاده في الأحكام الشرعية، والأمور الدينية، فقد اختلفوا في ذلك على مذاهب (^٥):\nالأول: المنع؛ لقدرته على النص بنزول الوحي، وقد قال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤] والضمير يرجع إلى النطق المذكور قبله بقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النجم: ٣] (^٦).\nواحتجوا أيضا بأنه -ﷺ- كان إذا سئل ينتظر الوحي، ويقول: ما أنزل علي في هذا شيء.\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير ج ١٦/ ص ٦٠.\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: السواك، رقم: ٢٥٢، ج ١/ ص ٢٢٠. وأخرجه البخاري في كتاب: الجمعة، باب: السواك، رقم: ٨٤٧، ج ١/ ص ٣٠٣.\n(^٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ج ٣/ ص ١٤٤.\n(^٤) حكى هذا الإجماع سليم الرازي، وابن حزم. انظر: البحر المحيط ج ٦/ ص ٢١٤، وإرشاد الفحول ص ٥٧٧.\n(^٥) انظر هذه المذاهب وأدلتها في: البحر المحيط ج ٦/ ص ٢١٤ - ٢١٦، وإرشاد الفحول ص ٥٧٧ - ٥٧٩، والوجيز في أصول الفقه الإسلامي ص ٣٤٦ - ٣٤٨.\n(^٦) قال الزركشي: حكى هذا المذهب الأستاذ أبو منصور عن أصحاب الرأي، وهو ظاهر اختيار ابن حزم. انظر: البحر المحيط ج ٦/ ص ٢١٤.","vol":"1","page":338},{"text":"الثاني: أنه يجوز الاجتهاد لنبينا -ﷺ-، ولغيره من الأنبياء، وإليه ذهب الجمهور.\nواحتجوا بأن الله سبحانه خاطب نبيه -ﷺ- كما خاطب عباده، وضرب له الأمثال، وأمره بالتدبر والاعتبار، وهو أجل المتفكرين في آيات الله، وأعظم المعتبرين بها.\nوأما قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ فالمراد به القرآن; لأنهم قالوا: إنما يعلمه بشر، ولو سلم لم يدل على نفي اجتهاده; لأنه -ﷺ- إذا كان متعبدا بالاجتهاد بالوحي; لم يكن نطقا عن الهوى، بل عن الوحي، وإذا جاز لغيره من الأمة أن يجتهد بالإجماع، مع كونه معرضا للخطأ، فلأن يجوز لمن هو معصوم عن الخطأ بالأولى.\nوأيضا قد وقع ذلك كثيرا منه -ﷺ-، ومن غيره من الأنبياء.\nفأما منه فمثل قوله للعباس: \"إلا الإذخر\" (^١)، ولم ينتظر الوحي في هذا، ولا في كثير مما سئل عنه.\nوأما من غيره فمثل قصة داود، وسليمان -﵇- (^٢).\n_________\n(^١) وتمام الحديث: \"إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاه، فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم، قال: إلا الإذخر\". أخرجه البخاري في كتاب: الجزية والموادعة، باب: إثم الغادر للبر والفاجر، رقم: ٣٠١٧، ج ٣/ ص ١١٦٤. وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام، رقم: ١٣٥٣، ج ٢/ ص ٩٨٦. والاذخر: نبت معروف طيب الرائحة. وأما قوله: فإنه لقينهم بفتح القاف: هو الحداد والصائغ، ومعناه: يحتاج إليه القين في وقود النار، ويحتاج إليه في القبور لتسد به فرج اللحد المتخللة بين اللبنات، ويحتاج إليه في سقوف البيوت يجعل فوق الخشب. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ج ٩/ ص ١٢٧.\n(^٢) قال ابن قدامة: لأن داود وسليمان حكما بالاجتهاد بدليل قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾ [الأنبياء: ٧٩]، ولو حكما بالنص لم يخص سليمان بالتفهيم. روضة الناظر ج ٢/ ص ٤٥٥.","vol":"1","page":339},{"text":"وأما ما احتج به المانعون، من أنه -ﷺ- لو جاز له الاجتهاد; لجازت مخالفته، واللازم باطل.\nوبيان الملازمة: أن ذلك الذي قاله بالاجتهاد هو حكم من أحكام الاجتهاد، ومن لوازم أحكام الاجتهاد جواز المخالفة، إذ لا قطع بأنه حكم الله; لكونه محتملا للإصابة، ومحتملا للخطأ، فقد أجيب عنه بمنع كون اجتهاده يكون له حكم اجتهاد غيره، فإن ذلك إنما كان لازما لاجتهاد غيره، لعدم اقترانه بما اقترن به اجتهاده -ﷺ- من الأمر باتباعه.\nوأما ما احتجوا به من أنه لو كان متعبدا بالاجتهاد لما تأخر في جواب سؤال سائل، فقد أجيب عنه بأنه إنما تأخر في بعض المواطن; لجواز أن ينزل عليه فيه الوحي الذي عدمه شرط في صحة اجتهاده، على أنه قد يتأخر الجواب لمجرد الاستثبات في الجواب، والنظر فيما ينبغي النظر فيه في الحادثة، كما يقع ذلك من غيره من المجتهدين.\nالثالث: الوقف عن القطع بشيء من ذلك (^١).\nقال الشوكاني- بعد أن ذكر الأقوال الثلاثة، وأدلتها والرد عليها-: (ولا وجه للوقف في المسألة; لما قدمنا من الأدلة الدالة على الوقوع، على أنه يدل على ذلك دلالة واضحة ظاهرة قول الله ﷿: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ فعاتبه على ما وقع منه، ولو كان ذلك بالوحي لم يعاتبه) إلى أن قال: (ولم يأت المانعون بحجة تستحق المنع، أو التوقف لأجلها) (^٢).\nفلا شك في ترجيح قول الجمهور؛ لقوة أدلتهم، ولوقوع الاجتهاد من النبي -ﷺ- عمليا، ولأن أدلة المخالفين لم تسلم من الاعتراض والنقد (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-437>٩٤ - مشروعية الاحتراز عن العجلة والاغترار بظواهر الأمور </span>(^٤).\nقال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ التوبة: ٤٣.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفيها أيضا دلالة على مشروعية الاحتراز عن العجلة والاغترار بظواهر الأمور) (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-438>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني من الآية مشروعية الاحتراز عن العجلة، والاغترار بظواهر الأمور.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى عاتب نبيه -ﷺ- على التعجل في الإذن لبعض المنافقين الذين عزموا على القعود فقالوا: إن أذن لنا قعدنا، وإن لم يأذن لنا قعدنا (^٦)، فعاتبه الله على ترك الأولى والأفضل الذي هو تأخير الأذن حتى يظهر كذبهم، ويفتضحوا على رؤوس الأشهاد، ولا يتمكنوا من التمتع بالعيش على الأمن والدعة. ولما كان العتاب على التعجل دل ذلك على مشروعية الاحتراز عن العجلة والاغترار بظواهر الأمور؛ إذ كل فعل عتب عليه الشارع فهو دليل على المنع منه، والحث على ضده.\n_________\n(^١) وهو اختيار الغزالي وغيره. انظر: البحر المحيط للزركشي ج ٦/ ص ٢١٥، وإرشاد الفحول ص ٥٧٩.\n(^٢) انظر: إرشاد الفحول ص ٥٧٩.\n(^٣) انظر: الوجيز في أصول الفقه الإسلامي ص ٣٤٨.\n(^٤) وهو استنباط تربوي.\n(^٥) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٦٥.\n(^٦) عن مجاهد قال: ناس قالوا: استأذنوا رسول الله -ﷺ-، فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا). أخرجه الطبري في جامع البيان ج ١١/ ص ٤٧٨، وابن أبي حاتم في تفسيره ج ٦/ ص ١٨٠٥. وانظر: الدر المنثور ج ٤/ ص ٢١٠، ٢١١.","vol":"1","page":340},{"text":"قال الرازي: (دلت هذه الآية على وجوب الاحتراز عن العجلة، ووجوب التثبت والتأني، وترك الاغترار بظواهر الأمور، والمبالغة في التفحص حتى يمكنه أن يعامل كل فريق بما يستحقه من التقريب أو الإبعاد) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، والقنوجي، والبروسوي. (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-439>٩٥ - (وعد) يقال في الشر </span>(^٣).\nقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ التوبة: ٦٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي هذه الآية دليل على أن وعد يقال في الشر) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-440>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني من الآية أن لفظ (وعد) يقال في الشر كما يقال في الخير.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى توعد المنافقين والمنافقات بنار جهنم بلفظ (وعد)؛ فدل ذلك بدلالة استعمال القرآن على أن لفظ (وعد) يقال في الشر بطريق الاحتجاج بالقرآن الكريم في اللغة، وأن كل ما ورد فيه فهو أسلوب عربي مبين.\nقال القصاب: (دليل على أن الوعد يكون في الخير والشر، والإيعاد هو الذي يكون في الشر ولا يشاركه فيه الخير) (^٥).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القصاب-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري. (^٦). وأشار إليه ابن عادل الحنبلي (^٧).\nوقيَّد بعض المفسرين استخدام الوعد في الشر إذا صرح به (^٨).\nقال ابن جزي: (الأصل في الشر أن يقال أوعد، وإنما يقال فيه وعد إذا صرح بالشر) (^٩).\nولذا حسن الإتيان بلفظ وعد في هذه الآية للتصريح بالشر فيها.\nقال ابن عطية: (لما قيد الوعد بالتصريح بالشر صح ذلك وحسن، وإن كانت آية وعيد محض) (^١٠).\nويكون الإتيان بلفظ وعد هنا دون ألفاظ الوعيد- وكلاهما جائز في هذا الموضع- لغرض التهكم بهم، قال الآلوسي: (والتعبير بالوعد للتهكم نحو قوله سبحانه: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾ [الانشقاق: ٢٤]) (^١١).\n_________\n(^١) التفسير الكبير ج ١٦/ ص ٦٠، ٦١.\n(^٢) انظر: التفسير الكبير ج ١٦/ ص ٦٠، ٦١، وفتح البيان ج ٥/ ص ٣١١، وروح البيان ج/ ص ٤٦٢.\n(^٣) وهو استنباط لغوي.\n(^٤) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٧٩.\n(^٥) نكت القرآن ج ١/ ص ٥٤٦.\n(^٦) انظر: نكت القرآن ج ١/ ص ٥٤٦، وفتح البيان ج ٥/ ص ٣٤٠، وحدائق الروح والريحان ج ١١/ ص ٣٣٠.\n(^٧) انظر: اللباب ج ١٠/ ص ١٤١.\n(^٨) انظر: بحر العلوم ج ٢/ ص ٧١، والمحرر الوجيز ص ٨٦٢، والتسهيل لعلوم التنزيل ج ٢/ ص ٧٩.\n(^٩) التسهيل لعلوم التنزيل ج ٢/ ص ٧٩.\n(^١٠) المحرر الوجيز ص ٨٦٢.\n(^١١) روح المعاني ج ١٠/ ص ١٣٣.","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type='title' id=toc-441>٩٦ - من الكفار من يكون عدلا في دينه </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ التوبة: ٨٤.\nقال الشوكاني -﵀-: (وإنما وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر؛ لأن الكافر قد يكون عدلا في دينه. والكذب، والنفاق، والخداع، والجبن، والخبث مستقبحة في كل دين) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-442>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) من الآية أن من الكفار من يكون عدلا في دينه.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى وصف المنافقين بالفسق بعد وصفهم بالكفر، والفسق أدنى حالا من الكفر؛ فدل ذكر الفسق -الذي هو أدنى- بعد الكفر -الذي هو أعظم- على أن الكافر قد يكون عدلا في دينه، وهؤلاء المنافقون ليسوا كذلك.\nوممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، وابن عادل الحنبلي، والقنوجي، والهرري. (^٤).\nوفي هذا الاستنباط بيان لإنصاف القرآن لأعداء الله؛ فإنه نبه على ما قد يكون عند بعض الكافرين من أخلاق محمودة.\nكما فيه بيان أن هؤلاء المنافقين جمعوا مع الكفر طريقة مذمومة من الكذب، والنفاق، والخداع، والمكر، والكيد، وهذا أبلغ في ذمهم.\nقال الرازي: الكافر قد يكون عدلا في دينه، وقد يكون فاسقا في دينه، خبيثا، ممقوتا عند قومه، والكذب، والنفاق، والخداع، والمكر، والكيد أمر مستقبح في جميع الأديان، فالمنافقون لما كانوا موصوفين بهذه الصفات وصفهم الله تعالى بالفسق بعد أن وصفهم بالكفر تنبيها على أن طريقة النفاق طريقة مذمومة عند كل أهل العالم (^٥).\n_________\n(^١) وهو استنباط فائدة علمية.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٨٩.\n(^٣) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) مشروعية الصلاة على المؤمنين، والوقوف على قبورهم. ووجهه: بمفهوم المخالفة (مفهوم الصفة). انظر: نكت القرآن ج ١/ ص ٥٦٤، والإكليل ج ٢/ ص ٨٢٥، وتيسير الكريم الرحمن ص ٣٤٧.\n٢) إذا حضر الإمام جنازة فهو المقدم في الصلاة عليها دون الأولياء، إذ لو كان الأولياء أحق منه كان النهي واقعا على منع ولي عبد الله بن أبي سلول -الذي نزلت فيه الآية- من الصلاة عليه. انظر: نكت القرآن ج ١/ ص ٥٦٤، ٥٦٥.\n(^٤) انظر: التفسير الكبير ج ١٦/ ص ١٢٢، واللباب ج ١٠/ ص ١٣٤، وفتح البيان ج ٥/ ص ٣٦٢، وحدائق الروح والريحان ج ١١/ ص ٣٨٩.\n(^٥) انظر: التفسير الكبير ج ١٦/ ص ١٢٢.","vol":"1","page":342},{"text":"والأظهر-والله أعلم- أن الفسق هنا أشد من الكفر، فالمراد: متمردون في الكفر خارجون عن حدوده (^١).\nقال ابن عاشور: (والأحسن أن يفسر الفسق هنا بالخروج عن الإيمان بعد التلبس به، أي بصورة الإيمان، فيكون المراد من الفسق معنى أشنع من الكفر) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-443>٩٧ - جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم لينزجروا عن المعاصي </span>(^٣).\nقال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ التوبة: ١١٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (قوله: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ معناه: أنهم أخروا عن قبول التوبة إلى هذه الغاية، وهي وقت أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت. وما مصدرية أي: برحبها لإعراض الناس عنهم وعدم مكالمتهم من كل أحد؛ لأن النبي -ﷺ- نهى الناس أن يكالموهم.\nوفي هذه الآية دليل على جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم؛ لينزجروا عن المعاصي) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-444>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٥) من الآية جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم لينزجروا عن المعاصي.\nووجه الاستنباط: أن الله خَلَّف الثلاثة عن التوبة، فأرجأهم عمن تاب عليه ممن تخلف عن رسول الله -ﷺ-، وأمر نبيه -ﷺ- بهجرانهم، ونهى الناس عن كلامهم، وأخر الحكم فيهم حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت؛ فدل ذلك بدلالة الاقتداء بأفعال الله تعالى، وتأمل أحكام الله على جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم لينزجروا عن المعاصي.\n_________\n(^١) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٤/ ص ٩٠، وروح المعاني ج ١٠/ ص ١٥٥.\n(^٢) التحرير والتنوير ج ١٠/ ص ١٧١.\n(^٣) وهو استنباط تربوي، واستنباط في علوم القرآن (قصص القرآن) أيضا.\n(^٤) فتح القدير ج ٢/ ص ٤١٣.\n(^٥) واستنبط غيره من قوله تعالى: ﴿خُلِّفُوا﴾ لطف الله بالثلاثة أن وسمهم بوسم ليس بعار عليهم، فقال: ﴿خُلِّفُوا﴾ إشارة إلى أن المؤمنين خلفوهم، أو خلفوا عن من بت في قبول عذرهم، أو في رده، وأنهم لم يكن تخلفهم رغبة عن الخير، ولهذا لم يقل تخلفوا. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٣٥٥.","vol":"1","page":343},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي، والبروسوي. (^١).\nوهذا الاستنباط مبني على أن معنى التخليف هو الإرجاء.\nقال ابن جرير الطبري: (فتأويل الكلام إذا، ولقد تاب الله على الثلاثة الذين خلفهم الله عن التوبة، فأرجأهم عمن تاب عليه ممن تخلف عن رسول الله) (^٢).\nوهو التفسير الذي فسر به كعب بن مالك -﵁- في حديثه المروي في الصحيح (^٣)، فقال: \"وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، وإنما تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه\".\nوإنما جاز هنا الهجران فوق ثلاثة أيام؛ لأنه لحق الله لا لشيء من الأمور الدنيوية، وحظوظ النفس، ولأن فيه صلاحا لدين المهجور، فيُهجر حتى تظهر توبته.\nقال البروسوي: إذا كان المهجور مذموم الحال لبدعة، أو فسق، أو نحوهما؛ فإنه لا يحرم الهجران إلى ظهور التوبة؛ لأنه لحق الله لما كان في جانب الدين، فيجوز فوق ثلاثة أيام، ولا يجوز الزيادة عن الثلاثة فيما كان بينهم من الأمور الدنيوية، وحظوظ النفس. وإنما عفي عنه في الثلاثة؛ لأن الآدمي مجبول على الغضب فعفي عن الهجر في الثلاثة ليذهب ذلك العارض (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-445>٩٨ - حصل للثلاثة (^٥) الذين خلفوا ما حصل من توبة الله عليهم بالصدق </span>(^٦)\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ التوبة: ١١٩.\nقال الشوكاني -﵀-: (قوله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ هذا الأمر بالكون مع الصادقين بعد قصة الثلاثة فيه الإشارة إلى أن هؤلاء الثلاثة حصل لهم بالصدق ما حصل من توبة الله، وظاهر الآية الأمر للعباد على العموم) (^٧).\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٨/ ص ٢٦١، وفتح البيان ج ٥/ ص ٤١٩، وروح البيان ج ٣/ ص ٥٥٣.\n(^٢) جامع البيان ج ١٢/ ص ٥٤.\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: حديث كعب بن مالك، وقول الله ﷿: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾، رقم: ٤١٥٦، ج ٤/ ص ١٦٠٣ - ١٦٠٨، وأخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، رقم: ٢٧٦٩، ج ٤/ ص ٢١٢٠ - ٢١٢٧.\n(^٤) انظر: روح البيان ج ٣/ ص ٥٥٣.\n(^٥) وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع -﵃-.\n(^٦) وهو استنباط تربوي، واستنباط في علوم القرآن (لتعلقه بقصص القرآن) أيضا.\n(^٧) فتح القدير ج ٢/ ص ٤١٤.","vol":"1","page":344},{"text":"<span data-type='title' id=toc-446>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^١) من الآية أن الثلاثة الذين خلفوا حصل لهم بالصدق ما حصل من توبة الله.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بالصدق بعد أن ذكر توبته على الثلاثة الذين خلفوا؛ فدل بدلالة الربط بين هذه الآية وما قبلها من آيات أن الثلاثة الذين خلفوا حصل لهم ما حصل من توبة الله بالصدق.\nولهذه المناسبة حسن هذا الأمر بالكون مع أهل الصدق بعد قصة الثلاثة حين نفعهم الصدق، وذهب بهم عن منازل المنافقين (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري. (^٣).\n_________\n(^١) واستنبط غيره استنباطات أخرى، منها:\n١) إجماع الأمة حجة. ووجهه: أنه تعالى أمر المؤمنين بالكون مع الصادقين، ومتى وجب الكون مع الصادقين فلا بد من وجود الصادقين في كل وقت، وذلك يمنع من إطباق الكل على الباطل، ومتى امتنع إطباق الكل على الباطل وجب إذا أطبقوا على شيء أن يكونوا محقين، فهذا يدل على أن إجماع الأمة حجة. انظر: التفسير الكبير ج ١٦/ ص ١٧٥.\n٢) وجوب اتباع أصحاب النبي -ﷺ-. ووجهه: أن الله تعالى قال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]، وهذه صفة أصحاب النبي -ﷺ- المهاجرين والأنصار، ثم قال هنا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾؛ فدل بدلالة التركيب على وجوب اتباعهم والاقتداء بهم. انظر: أحكام القرآن للكيا ج ٤/ ص ٢١٩، ٢٢٠، والإشارات الإلهية ج ٢/ ص ٢٨٦.\n(^٢) انظر: المحرر الوجيز ص ٨٩١، والجامع لأحكام القرآن ج ٨/ ص ٢٦١.\n(^٣) انظر: فتح البيان ج ٥/ ص ٤٢٠، وحدائق الروح والريحان ج ١١/ ص ٧٥.","vol":"1","page":345},{"text":"وفي هذا الاستنباط بيان أن الصدق منجاة.","vol":"1","page":346},{"text":"<span data-type='title' id=toc-447>سورة يونس -﵇</span>-\n<span data-type='title' id=toc-448>٩٩ - جبل الخلق على الرجوع إلى الله في الشدائد </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾ يونس: ٢٢.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-449>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد.\nووجه الاستنباط: أن الله أخبر عن الكفار لما أصابهم السوء في البحر أنهم أخلصوا الدعاء لله هنالك دون أوثانهم وآلهتهم، وكان مفزعهم حينئذ إلى الله دونها؛ فدل ذلك على أن الخلق جميعا مؤمنهم وكافرهم جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد.\nوممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي، والمراغي. (^٤).\nوفي هذا الاستنباط ذم لمن خالف فطرته فدعا في الشدائد غير الله تعالى.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي هذه الآية بيان أن هؤلاء المشركين كانوا لا يلتفتون إلى أصنامهم في هذه الحالة وما يشابهها. فيا عجبا لما حدث في الإسلام من طوائف يعتقدون في الأموات، فإذا عرضت لهم في البحر مثل هذه الحالة دعوا الأموات، ولم يخلصوا الدعاء لله كما فعله المشركون، كما تواتر ذلك إلينا تواترا يحصل به القطع، فانظر هداك الله ما فعلت هذه الاعتقادات الشيطانية، وأين وصل بها أهلها وإلى أين رمى بهم الشيطان وكيف اقتادهم وتسلط عليهم حتى انقادوا له انقيادا ما كان يطمع في مثله ولا في بعضه من عباد الأوثان فإنا لله وإنا إليه راجعون) (^٥).\n_________\n(^١) وهو استنباط عقدي لأنه دليل الفطرة.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ٤٣٥.\n(^٣) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) جواز ركوب البحر. انظر: أحكام القرآن لابن العربي ج ٣/ ص ٣.\n٢) فعل العبد خلق لله تعالى؛ لأنه قال: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ وهذا يدل على أن سيرهم منهم، ومن الله، فيكون كسبًا لهم وخلقًا لله. انظر: اللباب ج ١٠/ ص ٢٩٤. وفيه حجة على المعتزلة في خلق الأفعال. انظر: نكت القرآن ج ١/ ص ٥٨٨.\n(^٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٨/ ص ٢٩٣، ٢٩٤، وفتح البيان ج ٦/ ص ٣٩، وتفسير المراغي ج ١١/ ص ٩٠.\n(^٥) فتح القدير ج ٢/ ص ٤٣٥.","vol":"1","page":347},{"text":"وقال الآلوسي: الآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك الحال، وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير، وخطب جسيم في بر أو بحر دعوا من لا يضر ولا ينفع، ولا يرى ولا يسمع. ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة، ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمة، ولا ترى فيهم أحدا يخص مولاه بتضرعه ودعاه، ولا يكاد يمر له بباله أنه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الأهوال، فبالله تعالى عليك قل لي أي الفريقين من هذه الحيثية أهدى سبيلا، وأي الداعيين أقوم قيلا، وإلى الله تعالى المشتكى من زمان عصفت فيه ريح الجهالة، وتلاطمت أمواج الضلالة، وخرقت سفينة الشريعة، واتخذت الاستغاثة بغير الله تعالى للنجاة ذريعة، وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف، وحالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-450>١٠٠ - المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرا </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾ يونس: ٢٢ - ٢٣.\nقال الشوكاني -﵀-: وفي هذا دليل على أن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-451>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- من الآية أن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرا.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر حال الكفار واضطرارهم في البحر عند اشتداده، والخوف من عواقبه فقال: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾ فبين أنهم دعوه مخلصين، ثم قال بعدها: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: أجابهم عند ضرورتهم وإخلاصهم، مع علمه بأنهم سيعودون إلى شركهم، فدل ذلك على أن الله سبحانه يجيب دعاء المضطرين وإن كانوا كافرين (^٤).\n_________\n(^١) انظر: روح المعاني ج ١١/ ص ٩٨.\n(^٢) وهو استنباط في الدعوات والذكر، وهو استنباط عقدي لتعلقه بالربوبية.\n(^٣) انظر: فتح القدير ج ٢/ ص ٤٣٥.\n(^٤) أشار إليه الشوكاني عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢]. انظر: فتح القدير ج ٤/ ص ١٤٧.","vol":"1","page":348},{"text":"قال القرطبي: (﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: دعوه وحده، وتركوا ما كانوا يعبدون. وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد، وأن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرا؛ لانقطاع الأسباب، ورجوعه إلى الواحد رب الأرباب) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي-كما تقدم-، والقنوجي. (^٢).\nويدل على المعنى المستنبط عموم قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢]. فهو يشمل المضطر المسلم والكافر.\nويدل عليه كذلك قول النبي -ﷺ-: لمعاذ -﵁- لما بعثه إلى كفار اليمن: \"واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب\" (^٣)، فأخبر النبيّ -ﷺ- أن دعوة المظلوم من هؤلاء الكفّار لا يحجبها شيء عن الله تعالى.\nقال القرطبي- عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ -: ضمن الله تعالى إجابة المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه، والسبب في ذلك أن الضرورة إليه باللجاء ينشأ عن الإخلاص، وقطع القلب عما سواه، وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمة، وُجِدَ من مؤمن أو كافر، طائع أو فاجر كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ فأجابهم عند ضرورتهم ووقوع إخلاصهم، مع علمه أنهم يعودون إلى شركهم وكفرهم. فيجيب المضطر لموضع اضطراره وإخلاصه. فيجيب المضطر لموضع اضطراره وإخلاصه، وفي صحيح مسلم عن النبي -ﷺ- أنه قال لمعاذ لما وجهه إلى أرض اليمن: \"واتق دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب\" (^٤).\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن ج ٨/ ص ٢٩٣، ٢٩٤.\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٨/ ص ٢٩٣، ٢٩٤، وفتح البيان ج ٦/ ص ٣٩.\n(^٣) وتمامه: عن ابن عباس -﵃- أن معاذا قال: \"بعثني رسول الله -ﷺ- قال: إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب\". أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: بعث أبي موسى ومعاذ بن جبل -﵃- إلى اليمن قبل حجة الوداع، رقم: ٤٠٩٠، ج ٤/ ص ١٥٨٠. وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، رقم: ١٩، ج ١/ ص ٥٠. واللفظ له.\n(^٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٣/ ص ٢٠٠.","vol":"1","page":349},{"text":"وفي هذا الاستنباط تأنيس وتبشير لكل مؤمن مضطر، فإن الذي وسعت رحمته المضطر الكافر؛ يغدق على المؤمنين حال اضطرارهم من فيض رحماته، وجميل عطاياه.\n\n<span data-type='title' id=toc-452>١٠١ - مناسبة قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ بعد ذكر عدم اهتداء الكفار بأسماعهم وأبصارهم </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ يونس: ٤٢ - ٤٤.\nقال الشوكاني -﵀-: (قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ ذكر هذا عقب ما تقدم من عدم الاهتداء بالأسماع والأبصار؛ لبيان أن ذلك لم يكن لأجل نقص فيما خلقه الله لهم من السمع والعقل والبصر والبصيرة، بل لأجل ما صار في طبائعهم من التعصب والمكابرة للحق، والمجادلة بالباطل، والإصرار على الكفر، فهم الذين ظلموا أنفسهم بذلك ولم يظلمهم الله شيئا من الأشياء، بل خلقهم وجعل لهم من المشاعر ما يدركون به أكمل إدراك، وركب فيهم من الحواس ما يصلون به إلى ما يريدون، ووفر مصالحهم الدنيوية عليهم، وخلى بينهم وبين مصالحهم الدينية فعلى نفسها جنت براقش) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-453>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- أن مناسبة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ عقب ذكر عدم اهتداء الكفار بالأسماع والأبصار بيان أن عدم الاهتداء لم يكن لأجل نقص فيما خلقه الله لهم من السمع والعقل والبصر والبصيرة، بل لأجل ما صار في طبائعهم من التعصب والمكابرة للحق، والمجادلة بالباطل، والإصرار على الكفر.\n_________\n(^١) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة)، وهو استنباط عقدي لتعلقه بالربوبية.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ٤٤٨.\n(^٣) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) أن للسمع مزية على البصر، ووجهه: لأن الله تعالى قرن بذهاب السمع ذهاب العقل، ولم يقرن بذهاب النظر إلا ذهاب البصر، فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر. انظر: التفسير الكبير ج ١٧/ ص ٨٢، والإكليل ج ٢/ ص ٨٤٦. قال ابن الأنباري: وهذا غلط لأن المراد من الآية عمى القلب لا عمى العين، وكذلك صمم القلب لا صمم الأذن فعلى هذا لا يقع التفضيل. انظر: تفسير القرآن العزيز للسمعاني ج ٢/ ص ٣٨٦.\n٢) في الآية دليل على أن للعبد كسبا، وأنه ليس بمسلوب الاختيار بالكلية كما زعمت المجبرة. انظر: أنوار التنزيل ج ٣/ ص ٢٠٠.","vol":"1","page":350},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله ذكر عدم اهتداء الكفار بأسماعهم وأبصارهم ثم ذكر عقب ذلك أنه سبحانه لا يظلم الناس شيئا؛ فدل ذلك بدلالة الربط الآيات على أن عدم اهتدائهم لم يكن لأجل نقص فيما خلقه الله لهم من السمع والعقل والبصر والبصيرة، بل لأجل ما صار في طبائعهم من التعصب والمكابرة للحق، والمجادلة بالباطل، والإصرار على الكفر.\nوممن قال بهذا: الآلوسي، والقنوجي. (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-454>١٠٢ - كل قول لا دليل عليه ليس هو من العلم من شيء بل من الجهل المحض </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ يونس: ٦٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (… ثم وبخهم على هذا القول العاطل على الدليل الباطل عند العقلاء فقال: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ ويستفاد من هذا أن كل قول لا دليل عليه ليس هو من العلم من شيء، بل من الجهل المحض) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-455>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٤) -﵀- من الآية أن كل قول لا دليل عليه ليس هو من العلم من شيء، بل من الجهل المحض.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما نفى البرهان عن المدعين بأن لله ولدا؛ جعلهم غير عالمين؛ فدل ذلك بدلالة ربط الآية بخاتمتها على أن كل قول لا دليل عليه ليس هو من العلم من شيء، بل من الجهل المحض (^٥).\nقال الزمخشري: (لما نفى عنهم البرهان جعلهم غير عالمين، فدل على أن كل قول لا برهان عليه لقائله فذاك جهل وليس بعلم) (^٦).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري-كما تقدم-، والرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي. (^٧).\n_________\n(^١) انظر: روح المعاني ج ١١/ ص ١٧٥، وفتح البيان ج ٦/ ص ٦٩.\n(^٢) وهو استنباط عقدي لتعلقه بالربوبية.\n(^٣) فتح القدير ج ٢/ ص ٤٦٠.\n(^٤) واستنبط غيره من الآية إبطال التقليد في العقائد، إذ لا بد لها من برهان قطعي وأن التقليد بمعزل من الاعتداد به. انظر: أنوار التنزيل ج ٣/ ص ٢٠٨، والبحر المحيط ج ٥/ ص ٢٣١، وإرشاد العقل السليم ج ٤/ ص ١٦٣.\n(^٥) البحر المحيط ج ٥/ ص ٢٣١.\n(^٦) الكشاف ج ٢/ ص ٣٤١.\n(^٧) انظر: الكشاف ج ٢/ ص ٣٤١، والتفسير الكبير ج ١٧/ ص ١٠٨، وأنوار التنزيل ج ٣/ ص ٢٠٨، والبحر المحيط ج ٥/ ص ٢٣١، وإرشاد العقل السليم ج ٤/ ص ١٦٣، وروح المعاني ج ١١/ ص ١٥٦، وفتح البيان ج ٦/ ص ٩٧.","vol":"1","page":351},{"text":"وفي هذا الاستنباط حث على معرفة الأمور بأدلتها، وعلى التثبت في كل أمر إذ لا يقوم إلا ما كان عليه برهان ودليل، وأما ما لا حجة عليه فلا يثبت.\nقال الطوفي: (﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ أي: لا حجة عندكم لاتخاذه ولدا، وهو يقتضي أن ما لا حجة عليه لا يثبت) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-456>١٠٣ - كان لمن آمن بموسى -﵇- اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ يونس: ٨٥ - ٨٦.\nقال الشوكاني -﵀-: (ولما قدموا التضرع إلى الله سبحانه في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه بسؤال عصمة أنفسهم فقالوا: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ وفي هذا دليل على أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم) (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-457>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٤) -﵀- من الآية اهتمام من آمن بموسى -﵇- بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم.\nووجه الاستنباط: أنهم سألوا الله تعالى صيانة الدين عن الفساد أولا فقالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ثم سألوه أن يعصمهم ويحفظهم؛ فدل بدلالة التقديم على أن اهتمامهم بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم.\nوسؤالهم صيانة الدين يحتمل وجهين:\nالأول: أنهم سألوا الله أن يصون دينهم عن الفساد، إذ يحتمل أن يكون تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: لا تسلطهم علينا فيفتنونا.\nعن مجاهد -﵁- في قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا تسلطهم علينا فيفتنونا (^٥).\n_________\n(^١) الإشارات الإلهية ج ٢/ ص ٢٩٩.\n(^٢) وهو استنباط في علوم القرآن (قصص الأنبياء).\n(^٣) فتح القدير ج ٢/ ص ٤٦٦.\n(^٤) واستنبط غيره من الآية: أن الداعي حقه أن يبني دعاءه على التوكل على الله تعالى، فإنه أرجى للإجابة. ووجهه: ترتيب الدعاء على التوكل. انظر: أنوار التنزيل ج ٣/ ص ٢١٢، إرشاد العقل السليم ج ٤/ ص ١٧١، وروح المعاني ج ١١/ ص ١٧٠.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ج ٢/ ص ٢٩٧، والطبري في جامع البيان ج ١٢/ ص ٢٥٢، وانظر: الدر المنثور ج ٤/ ص ٣٨٢.","vol":"1","page":352},{"text":"الثاني: أنهم سألوا الله أن يصون أولئك الكفار عن الافتنان في الدين، إذ يحتمل أن يكون تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: أنهم سألوا الله أن لا يظهر عدوهم عليهم، فيظن أنه خير منهم، وأنه إنما سلط على المؤمنين لكرامته عليه، وهوان الآخرين، فيكون ذلك سببا في فتنة أعدائهم وفساد دينهم.\nعن مجاهد -﵁- ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك فيقول قوم فرعون لو كانوا على الحق ما عذبوا، ولا سلطنا عليهم، فيفتنون بنا (^١).\nوعلى كلا التفسيرين يظهر اهتمام من آمن من قوم موسى -﵇- بالدين، فعلى التفسير الأول كانت عنايتهم بصيانة دينهم فوق عنايتهم بنجاة أنفسهم.\nوعلى التفسير الثاني يكون اهتمامهم بمصالح الدين في أقصى درجات الاهتمام حيث قدموا الاهتمام بصيانة دين الأعداء، وهدايتهم على عنايتهم بنجاة أنفسهم.\nقال الرازي: (واعلم أن هذا الترتيب يدل على أنه كان اهتمام هؤلاء بأمر دينهم فوق اهتمامهم بأمر دنياهم، وذلك لأنا إن حملنا قولهم: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ على أنهم إن سلطوا على المسلمين صار ذلك شبهة لهم في أن هذا الدين باطل، فتضرعوا إلي تعالى في أن يصون أولئك الكفار عن هذه الشبهة. وقدموا هذا الدعاء على طلب النجاة لأنفسهم، وذلك يدل على أن عنايتهم بمصالح دين أعدائهم فوق عنايتهم بمصالح أنفسهم.\nوإن حملناه على أن لا يمكن الله تعالى أولئك الكفار من أن يحملوهم على ترك هذا الدين، كان ذلك أيضا دليلا على أن اهتمامهم بمصالح أديانهم فوق اهتمامهم بمصالح أبدانهم. وعلى جميع التقديرات فهذه لطيفة شريفة) (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم- وابن عادل الحنبلي، والقنوجي. (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ج ٦/ ص ١٩٧٦، وانظر: الدر المنثور ج ٤/ ص ٣٨٢.\n(^٢) التفسير الكبير ج ١٧/ ص ١١٨.\n(^٣) انظر: التفسير الكبير ج ١٧/ ص ١١٨، واللباب في علوم الكتاب ج ١٠/ ص ٣٩٤، وفتح البيان ج ٦/ ص ١٠٩.","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type='title' id=toc-458>١٠٤ - الخير من الله للناس فضل منه لا استحقاق لهم به </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ يونس: ١٠٧.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ أي خير كان لم يستطع أحد أن يدفعه عنك، ويحول بينك وبينه كائنا من كان. وعبر بالفضل مكان الخير للإرشاد إلى أنه يتفضل على عباده بما لا يستحقونه بأعمالهم) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-459>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- من الآية أن الخير من الله للناس فضل منه لا استحقاق لهم به (^٣).\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ فذكر الخير أولا، ثم لم يعد ذكره بالضمير بل أوقع موقع الضمير لفظ (الفضل)، فدل الإظهار في موضع الإضمار على أن الخير من الله للناس فضل منه لا استحقاق لهم به.\nقال ابن عاشور: (والفضل هو الخير، ولذلك فإيقاعه موقع الضمير؛ لدلالة على أن الخير الواصل إلى الناس فضل من الله لا استحقاق لهم به؛ لأنهم عبيد له يصيبهم بما يشاء) (^٤).\nأو أن وجه الاستنباط: أن الله سمى الخير فضلا فدلت مناسبة اللفظ على هذا المعنى.\nقال أبو حيان: (سمى الخير فضلا إشعارا بأن الخيور من الله تعالى هي صادرة على سبيل الفضل والإحسان والتفضل) (^٥).\nوممن قال بهذا الاستنباط: أبو حيان، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، والمراغي، وابن عاشور، ومحمد أبو زهرة. (^٦).\nوفي هذا حث الناس على شكر الله تعالى على نعمه، والاعتراف بفضله.\nقال أبو زهرة: (قوله تعالى: ﴿لِفَضْلِهِ﴾ فيها إظهار في موضع الإضمار، وذلك لبيان أنه لفضل من الله ورحمة منه سبحانه، وأنه واجب الشكر على هذه النعمة) (^٧).\n_________\n(^١) وهو استنباط في الرقائق.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ٤٧٨.\n(^٣) وقريبا من هذا الاستنباط قول الشوكاني: -عند قوله تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ … عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾ [الإسراء: ٢٠]-: (وفي قوله: ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ إشارة إلى أن ذلك بمحض التفضل). فتح القدير ج ٣/ ص ٢١٧. وسيأتي بيانه في موضعه.\n(^٤) التحرير والتنوير ج ١٠/ ص ١٩٣.\n(^٥) البحر المحيط ج ٥/ ص ٢٥٥.\n(^٦) البحر المحيط ج ٥/ ص ٢٥٥، وإرشاد العقل السليم، ج ٤/ ص ١٨٠، وروح المعاني ج ١١/ ص ٢٠٠، وفتح البيان ج ٦/ ص ١٣٢، وتفسير المراغي ج ١١/ ص ١٣٥، والتحرير والتنوير ج ١٠/ ص ١٩٣، وزهرة التفاسير ج ٧/ ص ٣٦٤٦.\n(^٧) زهرة التفاسير ج ٧/ ص ٣٦٤٦.","vol":"1","page":354},{"text":"سورة هود -﵇-\n\n<span data-type='title' id=toc-460>١٠٥ - تقديم الإرشاد إلى الاستغفار على التوبة لكونه وسيلة إليها </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)﴾ هود: ٣.\nقال الشوكاني -﵀-: (وقدم الإرشاد إلى الاستغفار على التوبة لكونه وسيلة إليها) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-461>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- أن مناسبة تقديم الإرشاد إلى الاستغفار على التوبة لكون الاستغفار وسيلة إلى التوبة.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى قدم الإرشاد إلى الاستغفار على التوبة، وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المطالب؛ فدل التقديم على أن الاستغفار وسيلة إلى التوبة.\nوهذا الاستنباط نقله القنوجي (^٤). وأشار إليه الطبري، وابن عاشور، ومحمد أبو زهرة. (^٥).\nورأى العكس آخرون، منهم: الرازي، والبيضاوي (^٦)، فتقديم ذكر الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض المطلوب، والتوبة هي السبب إليها.\nقال الرازي: معنى قوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا﴾ اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم، ثم بين الشيء الذي يطلب به ذلك وهو التوبة فقال: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾؛ لأن الداعي إلى التوبة والمحرض عليها هو الاستغفار الذي هو عبارة عن طلب المغفرة، وهذا يدل على أنه لا سبيل إلى طلب المغفرة من عند الله إلا بإظهار التوبة، والأمر في الحقيقة كذلك؛ لأن المذنب معرض عن طريق الحق، والمعرض المتمادي في التباعد ما لم يرجع عن ذلك الإعراض لا يمكنه التوجه إلى المقصود بالذات، فالمقصود بالذات هو التوجه إلى المطلوب، إلا أن ذلك لا يمكن إلا بالإعراض عما يضاده، فثبت أن الاستغفار مطلوب بالذات، وأن التوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار وما كان آخرا في الحصول كان أولا في الطلب؛ فلهذا السبب قدم ذكر الاستغفار على التوبة (^٧).\n_________\n(^١) وهو استنباط في الدعوات والذكر.\n(^٢) فتح القدير ج ٢/ ص ٤٨١.\n(^٣) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) استنزال الرزق والعيش الطيب يكون بالاستغفار والتوبة. انظر: نكت القرآن ج ١/ ص ٦٠١. على أن المراد بالمتاع الحسن سعة الرزق، ورغد العيش، والعافية في الدنيا.\n٢) في التعرض لوصف الربوبية تلقين للمخاطبين، وإرشاد لهم إلى طريق الابتهال في السؤال. انظر: إرشاد العقل السليم ج ٤/ ص ١٨٤.\n(^٤) انظر: فتح البيان ج ٦/ ص ١٣٨.\n(^٥) انظر: جامع البيان ج ١٢/ ص ٣١٢، ٣١٣، والتحرير والتنوير ج ١١/ ص ٢٠٢، وزهرة التفاسير ج ٧/ ص ٣٦٦٢.\n(^٦) انظر: التفسير الكبير ج ١٧/ ص ١٤٥، وأنوار التنزيل ج ٣/ ص ٢٢٠. كما حكى هذا القول السمعاني في تفسير القرآن العزيز ج ٢/ ص ٤١٢،، والشوكاني في فتح القدير ج ٢/ ص ٤٨١.\n(^٧) انظر: التفسير الكبير ج ١٧/ ص ١٤٥.","vol":"1","page":355},{"text":"وكلا القولين -والله أعلم- صحيح باعتبار.\nفالأول صحيح على أن التوبة هي الرجوع إلى العمل بطاعة الله، والعمل لله لا يكون عملا له إلا بعد ترك الشرك به، فلابد من الاستغفار من الشرك أولا (^١).\nولذلك أخر الغاية، وقدم الوسيلة. قال ابن عاشور: (لأن الاعتراف بفساد ما هم فيه من عبادة الأصنام أهم من طلب المغفرة؛ فإن تصحيح العزم على عدم العودة إليها هو مسمى التوبة. وهذا ترغيب في نبذ عبادة الأصنام، وبيان لما في ذلك من الفوائد في الدنيا والآخرة) (^٢).\nوالثاني صحيح باعتبار أنه لا سبيل إلى طلب المغفرة من عند الله إلا بإظهار التوبة.\nوفي استنباط الشوكاني ما يدل على أهمية التوبة بجعلها غاية يتوسل إليها بالاستغفار.\nوالأمر بالاستغفار ثم التوبة تكرر في ثلاثة مواضع من هذه السورة، أولها على لسان هود -﵇-، قال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾ [هود: ٥٢].\nوعلى لسان صالح -﵇-، قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ … وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)﴾ [هود: ٦١].\nوعلى لسان شعيب -﵇-، قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾ [هود: ٩٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-462>١٠٦ - مناسبة ذكر أن الله لا يغفل عن كل حيوان باعتبار ما قسمه له من الرزق بعد ذكر علمه سبحانه بما يسره الكفار وما يعلنونه أنه لما كان لا يغفل عن رزق كل حيوان فكيف يغفل عن أحوالهم وأقوالهم وأفعالهم </span>(^٣).\nقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ هود: ٥ - ٦.\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان ج ١٢/ ص ٣١٢، ٣١٣.\n(^٢) التحرير والتنوير ج ١١/ ص ٢٠٢.\n(^٣) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة)، واستنباط عقدي لتعلقه بالربوبية.","vol":"1","page":356},{"text":"قال الشوكاني -﵀-: (ثم أكد كونه عالما بكل المعلومات بما فيه غاية الامتنان ونهاية الإحسان؛ فقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ أي: الرزق الذي تحتاج إليه من الغذاء اللائق بالحيوان على اختلاف أنواعه تفضلا منه وإحسانا … ووجه اتصال هذا الكلام بما قبله أن الله سبحانه لما كان لا يغفل عن كل حيوان باعتبار ما قسمه له من الرزق فكيف يغفل عن أحواله وأقواله وأفعاله) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-463>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- أن مناسبة ذكر أن الله لا يغفل عن كل حيوان باعتبار ما قسمه له من الرزق بعد ذكر علمه سبحانه بما يسره الكفار وما يعلنونه، أنه لما كان لا يغفل عن رزق كل حيوان فكيف يغفل عن أحوالهم وأقوالهم وأفعالهم.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه يعلم ما يسر الكفار وما يعلنون، ثم أخبر برزق الجميع وأنه لا يغفل عن تربيته، فالرزق بعلم الله؛ فدل ذلك بدلالة الربط بين الآيات على أن الله سبحانه لما كان لا يغفل عن كل حيوان باعتبار ما قسمه له من الرزق فكيف يغفل عن أحواله وأقواله وأفعاله، أي: فكيف تخفى عليه أحوالكم يا معشر الكفار وهو يرزقكم.\nوممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي، والهرري. (^٢).\nوفي هذا الاستنباط تنبيه إلى سعة علم الله تعالى، وأنه يعلم حال الإنسان سره وعلانيته، فالذي يرزقه يعلم أحواله، ولو لم يكن عالما بجميع المعلومات لما حصلت هذه المهمات (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-464>١٠٧ - بعض أشراف قوم نوح -﵇- لم يكونوا كفرة </span>(^٤).\nقال تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾ هود: ٢٧.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفيه دليل على أن بعض أشراف قومه لم يكونوا كفرة) (^٥).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٢/ ص ٤٨٢.\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٩/ ص ٩، وفتح البيان ج ٦/ ص ١٤٢، وحدائق الروح والريحان ج ١٣/ ص ٨.\n(^٣) آخره مستفاد من التفسير الكبير ج ١٧/ ص ١٤٨.\n(^٤) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بقصص الأنبياء).\n(^٥) فتح القدير ج ٢/ ص ٤٩٣.","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type='title' id=toc-465>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- أن بعض أشراف قوم نوح -﵇- لم يكونوا كفرة.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ فوصف القائلين ذلك من الملأ بقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ فدل بمفهوم المخالفة- مفهوم صفة- على أن بعض أشراف قوم نوح -﵇- لم يكونوا كفرة.\nوممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري. (^١).\nوأشار إليه البقاعي عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠)﴾ [الأعراف: ٥٩ - ٦٠]، فقال: (ولم يصف الملأ من قومه هنا بالذين كفروا، ووصفهم بذلك في سورة هود -﵇-، إما لأنها صفة يقصد بها التقييد فلا يختل المعنى بإثباتها ولا نفيها، أو لأنهم أجابوه بذلك مرتين: إحداهما: قبل أن يسلم أحد من أشرافهم، والثانية: بعد أن أسلم بعضهم) (^٢).\nوخالفه ابن عاشور فقال: (ولم يوصف الملأ هنا بالذين كفروا، أو بالذين استكبروا كما وصف الملأ في قصة هود (^٣) بالذين كفروا استغناء بدلالة المقام على أنهم كذبوا وكفروا) (^٤).\nوالأظهر-والله أعلم- أنه يحتمل أن يكون في أشراف قوم نوح -﵇- مؤمن، كما يحتمل أن يكون هذا الوصف للذم فحسب، ولا يراد منه التقييد.\nوقد ذكر الزمخشري هذين الاحتمالين في شأن أشراف قوم هود -﵇- عند قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠)﴾ [٥٩ - ٦٠] وقوله تعالى-بعدها-: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦)﴾ [الأعراف: ٦٥ - ٦٦]. فوجَّه الزمخشري وصف الله الملأ من قوم هود -﵇- بالكفر دون الملأ من قوم نوح -﵇- بقوله: (فإن قلت: لم وصف الملأ الذين كفروا دون الملأ من قوم نوح؟ قلت: كان في أشراف قوم هود من آمن به، منهم مرثد بن سعد الذي أسلم وكان يكتم إسلامه، فأريدت التفرقة بالوصف، ولم يكن في أشراف قوم نوح مؤمن، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ [المؤمنون: من الآية ٣٣] (^٥)، ويجوز أن يكون وصفا واردا للذم لا غير) (^٦).\n_________\n(^١) انظر: فتح البيان ج ٦/ ص ١٦٦، وحدائق الروح والريحان ج ١٢/ ص ٥٨.\n(^٢) نظم الدرر ج ٣/ ص ٤٩.\n(^٣) يعني قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦)﴾ [الأعراف: ٦٥ - ٦٦].\n(^٤) التحرير والتنوير ج ٨/ ص ١٤٧.\n(^٥) وتمامها: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ … مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا … وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا … بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣)﴾\n(^٦) الكشاف ج ٢/ ص ١١٠.","vol":"1","page":358},{"text":"ويتنبه إلى أن الزمخشري غفل عن آية هود في وصف أشراف قوم نوح -﵇- بالكفر أيضا.\nقال ابن عاشور: (والتوجيه الذي في الكشاف هنا غفلة عما في سورة هود) (^١).\nفإذا كان هذا يجوز في قوم هود -﵇- فإنه يجوز في أشراف قوم نوح -﵇- كذلك. وإن كان الأظهر-والله أعلم- أن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وصف كاشف، لا مفهوم له.\nقال ابن عاشور: (ووصْفُ الملإ بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هنا، دون ما في قصة نوح -﵇-، وصْفٌ كاشف وليس للتقييد، تَفَنُّنًا في أساليب الحكاية، ألا ترى أنه قد وصف ملأ قوم نوح -﵇- بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في آية سورة هود -﵇-، والتوجيه الذي في الكشاف هنا غفلة عما في سورة هود -﵇- (^٢).\nوقد يدل عليه قولهم: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾ ولو آمن من أشرافهم أحد لما جاز لهم أن يقولوا هذا عن أتباع هود -﵇-.\n\n<span data-type='title' id=toc-466>١٠٨ - لا يجوز للإنسان أن يدعو بما لا يعلم مطابقته للشرع </span>(^٣).\nقال تعالى: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾ هود: ٤٦.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفيه عدم جواز الدعاء بما لا يعلم الإنسان مطابقته للشرع) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-467>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٥) -﵀- عدم جواز الدعاء بما لا يعلم الإنسان مطابقته للشرع.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى نوح -﵇- عن السؤال عما ليس له به علم، فدل بدلالة العموم، وبدلالة تأمل نواهي الله تعالى على النهي عن كل سؤال لا يعلم صاحبه أن حصول مطلوبه منه صواب، وعلى عدم جواز الدعاء بما لا يعلم الإنسان مطابقته للشرع.\n_________\n(^١) التحرير والتنوير ج ٨/ ص ١٥٦.\n(^٢) المصدر السابق ج ٨/ ص ١٥٦.\n(^٣) وهو استنباط في الدعوات والذكر.\n(^٤) فتح القدير ج ٢/ ص ٥٠٣.\n(^٥) واستنبط غيره من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أن الاتفاق في الدين أقوى من النسب. انظر: أحكام القرآن للكيا الهراسي ج ٣/ ص ٢٠٩، والجامع لأحكام القرآن ج ٩/ ص ٤٢.","vol":"1","page":359},{"text":"قال المراغي: (وفي الآية إيماء إلى أنه لا يجوز الدعاء بطلب ما هو مخالف لسنن الله في خلقه، بإرادة قلب نظام الكون لأجل الداعي، ولا بطلب ما هو محرم شرعا، وإنما يجوز الدعاء بتسخير الأسباب، والتوفيق فيها، والهداية إلى العلم بالمجهول، من السنن والنظام لنكثر من عمل الخير، ونزيد من عمل البر والإحسان) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والمراغي-كما تقدم-، والهرري. (^٢).\nوفي هذا حث لكل داع على أن يتفقه في باب الدعاء حتى يدعو على علم وبصيرة، ويعرف ما يجوز الدعاء به وما لا يجوز.\nوأن على الداعي الاعتناء بالأدعية الشرعية؛ فإن فيها السلامة.\nكما فيه تحذير من الاعتداء في الدعاء.\n_________\n(^١) حدائق الروح والريحان ج ١٢/ ص ١٠٣، ١٠٤.\n(^٢) انظر: فتح البيان ج ٦/ ص ١٩٤، وتفسير المراغي ج ١٢/ ص ٤١، وحدائق الروح والريحان ج ١٢/ ص ١٠٣، ١٠٤.","vol":"1","page":360},{"text":"<span data-type='title' id=toc-468>سورة يوسف -﵇</span>-\n<span data-type='title' id=toc-469>١٠٩ - لم يكن إخوة يوسف -﵇- أنبياء حين آذوا يوسف -﵇</span>- (^١).\nقال تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ … فَاعِلِينَ (١٠)﴾ يوسف: ٩ - ١٠.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي هذا دليل على أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء، فإن الأنبياء لا يجوز عليهم التواطؤ على القتل لمسلم ظلما وبغيا.\nوقيل: كانوا أنبياء وكان ذلك منهم زلة قدم، وأوقعهم فيها التهاب نار الحسد في صدورهم، واضطرام جمرات الغيظ في قلوبهم، ورد بأن الأنبياء معصومون عن مثل هذه المعصية الكثيرة المتبالغة في الكبر، مع ما في ذلك من قطع الرحم، وعقوق الوالد، وافتراء الكذب.\nوقيل: إنهم لم يكونوا في ذلك الوقت أنبياء بل صاروا أنبياء من بعد) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-470>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء وقت أن آذوا يوسف -﵇-.\n_________\n(^١) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بقصص الأنبياء).\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٨.\n(^٣) واستنبط غيره استنباطات أخرى، منها:\n١) من قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)﴾ استنبط أن توبة القاتل مقبولة؛ لأن الله تعالى لم ينكر هذا القول منهم. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٩/ ص ١١٤.\n٢) بعض الشر أهون من بعض، وارتكاب أخف الضررين أولى من ارتكاب أعظمهما؛ فإن إخوة يوسف لما اتفقوا على قتل يوسف أو إلقائه أرضا، و﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ كان قوله أحسن منهم وأخف، وبسببه خف عن إخوته الإثم الكبير. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٤٠٨.\n٣) على الوالد العدل بين الأولاد في المحبة فضلا عما سواها؛ لأن سبب ما فعله إخوة يوسف به هو ما رأوه من تمييزه في محبة والده له. قال السعدي: العدل مطلوب في كل الأمور لا في معاملة السلطان رعيته فقط ولا فيما دونه، بل حتى في معاملة الوالد لأولاده في المحبة والإيثار وغيره، وأن في الإخلال بذلك يختل عليه الأمر، وتفسد الأحوال، ولهذا لما قدم يعقوب يوسف في المحبة وآثره على إخوته جرى منهم ما جرى على أنفسهم وعلى أبيهم وأخيهم. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٤٠٨، ومنهج الاستنباط من القرآن ص ١٨١.\n٤) التغريب يساوي القتل؛ لقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾. انظر: روح البيان ج/ ص ٢٣٤.","vol":"1","page":361},{"text":"ووجه الاستنباط: أن إخوة يوسف -﵇- تآمروا على قتله؛ فدل ذلك بدلالة تأمل قصص الأنبياء على أنهم ليسوا بأنبياء.\nويتنبه إلى أن الشوكاني نص في هذا الموضع على نفي النبوة عنهم، لكن المتتبع لكلامه في مواضع أخرى من السورة يظهر له أن الشوكاني ذكر ما يقيد هذا النفي بوقت أن آذوا يوسف -﵇- تحديدا، وجواز أن يكونوا أنبياء بعد توبتهم.\nفعند قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا … أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾ [يوسف: ٦] قال: (﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ وهم قرابته من إخوته وأولاده ومن بعدهم، وذلك أن الله سبحانه أعطاهم النبوة كما قاله جماعة من المفسرين. ولا يبعد أن يكون إشارة إلى ما حصل لهم بعد دخولهم مصر من النعم التي من جملتها كون الملك فيهم مع كونهم أنبياء) (^١).\nوعند قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾ [يوسف: ١٥]-: (﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ أي: إلى يوسف تيسيرا له وتأنيسا لوحشته، مع كونه صغيرا اجتمع على إنزال الضرر به عشرة رجال من إخوته بقلوب غليظة فقد نزعت عنها الرحمة، وسلبت منها الرأفة؛ فإن الطبع البشري دع عنك الدين يتجاوز عن ذنب الصغير ويغتفره لضعفه عن الدفع، وعجزه عن أيسر شيء يراد منه، فكيف بصغير لا ذنب له، بل كيف بصغير هو أخ وله ولهم أب مثل يعقوب، فلقد أبعد من قال: إنهم كانوا أنبياء في ذلك الوقت فما هكذا عمل الأنبياء ولا فعل الصالحين) (^٢).\nوعند قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾ [يوسف: ٧٧] قال: (فما هذه الكذبة بأول كذباتهم، وقد قدمنا ما يدفع قول من قال إنهم قد كانوا أنبياء عند صدور هذه الأمور منهم) (^٣).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٣/ ص ٦.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ١٠.\n(^٣) المصدر السابق ج ٣/ ص ٤٥.","vol":"1","page":362},{"text":"فكأنه أراد نفي النبوة عنهم حين آذوا يوسف -﵇-، ولا يلزم من ذلك نفي النبوة عنهم عنده مطلقا. وأدل دليل على ذلك قوله- عند قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾ [يوسف: ٩١]-: (﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ أي: لقد اختارك وفضلك علينا بما خصك به من صفات الكمال، وهذا اعتراف منهم بفضله وعظيم قدره، ولا يلزم من ذلك أن لا يكونوا أنبياء فإن درج الأنبياء متفاوتة) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، والقنوجي. (^٢).\nوفي إثبات نبوة إخوة يوسف -﵇- أقوال:\nالأول: أنهم كانوا أنبياء.\nقال ابن زيد (^٣) -في قوله: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا … وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ [يوسف: ٤]-: أبواه وإخوته، قال: فبغاه إخوته وكانوا أنبياء، فقالوا: ما رضي أن يسجد له إخوته حتى سجد له أبواه حين بلغهم (^٤).\nوهذا القول تعقبه ابن عطية -عند قوله تعالى: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا … أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾ [يوسف: ٥ - ٦]- فقال: (تقتضي هذه الآية أن يعقوب -﵇- كان يحس من بنيه حسد يوسف وبغضته، فنهاه عن قصص الرؤيا عليهم خوف أن يشعل بذلك غل صدورهم فيعملوا الحيلة على هلاكه، ومن هنا ومن فعلهم بيوسف الذي يأتي ذكره يظهر أنهم لم يكونوا أنبياء في ذلك الوقت. ووقع في كتاب الطبري لابن زيد أنهم كانوا أنبياء، وهذا يرده القطع بعصمة الأنبياء عن الحسد الدنيوي، وعن عقوق الآباء، وتعريض مؤمن للهلاك، والتوافر في قتله) (^٥).\n_________\n(^١) المصدر السابق ج ٣/ ص ٥٢.\n(^٢) انظر: المحرر الوجيز ص ٩٧٩، وفتح البيان ج ٦/ ص ٢٩٦.\n(^٣) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي مولاهم، المدني، روى عن أبيه، وغيره، أخرج له الترمذي، وابن ماجة، له: كتاب التفسير، والناسخ والمنسوخ، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة للهجرة. انظر: التاريخ الصغير، ج ٢/ ص ٢٢٧ - ٢٢٩. و\"طبقات المفسرين\" للداودي ج ١/ ص ٢٦٥، ٢٦٦.\n(^٤) أخرجه الطبري في جامع البيان ج ١٢/ ص ١٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ج ٧/ ص ٢١٠١.\n(^٥) المحرر الوجيز ص ٩٧٩.","vol":"1","page":363},{"text":"الثاني: أنهم ما كانوا أنبياء. وهذا قول ابن كثير، والسيوطي، والآلوسي (^١). ووجه قولهم: أنه لم يقم دليل على نبوتهم، كما أن أفعالهم تدل على أنهم لم يكونوا أنبياء.\nقال ابن كثير: - عند قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى … أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾ [يوسف: ٨]-: (واعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك، ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ (^٢) [البقرة: ١٣٦] وهذا فيه احتمال؛ لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم الأسباط كما يقال للعرب قبائل، وللعجم شعوب، يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل فذكرهم إجمالا لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم والله أعلم) (^٣).\nوقد ترددت عبارات بعض المفسرين بين إثبات نبوتهم ونفيها، فقال الرازي: بل الجواب الصحيح أن يقال إنهم ما كانوا أنبياء، وإن كانوا أنبياء إلا أن هذه الواقعة إنما أقدموا عليها قبل النبوة (^٤).\nومثله القرطبي حيث قال: (وفي هذا ما يدل على أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء لا أولا ولا آخرا؛ لأن الأنبياء لا يدبرون في قتل مسلم، بل كانوا مسلمين فارتكبوا معصية ثم تابوا. وقيل: كانوا أنبياء، ولا يستحيل في العقل زلة نبي فكانت هذه زلة منهم، وهذا يرده أن الأنبياء معصومون من الكبائر على ما قدمناه. وقيل: ما كانوا في ذلك الوقت أنبياء ثم نبأهم الله وهذا أشبه والله أعلم) (^٥).\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم ج ٤/ ص ٤٩٤، ورسالة للسيوطي بعنوان: دفع التعسف عن إخوة يوسف ضمن كتابه: الحاوي للفتاوى ج ١/ ص ٣١٠، وروح المعاني ج ٦/ ص ١٦.\n(^٢) وتمامها: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾.\n(^٣) تفسير القرآن العظيم ج ٤/ ص ٤٩٤.\n(^٤) انظر: التفسير الكبير ج ١٨/ ص ٧٦.\n(^٥) الجامع لأحكام القرآن ج ٩/ ص ١١٥، ١١٦.","vol":"1","page":364},{"text":"وقال القرطبي- قبلها-: (ومن فعلهم بيوسف يدل على أنهم كانوا غير أنبياء في ذلك الوقت ووقع في كتاب الطبري لابن زيد أنهم كانوا أنبياء وهذا يرده القطع بعصمة الأنبياء عن الحسد الدنيوي وعن عقوق الآباء وتعريض مؤمن للهلاك والتآمر في قتله ولا التفات لقول من قال إنهم كانوا أنبياء ولا يستحيل في العقل زلة نبي إلا أن هذه الزلة قد جمعت أنواعا من الكبائر وقد أجمع المسلمون على عصمتهم منها وإنما اختلفوا في الصغائر على ما تقدم) (^١).\nفكأن مراده نفي النبوة عنهم وقت إيذائهم ليوسف -﵇-.\nواستنباط الشوكاني -والله أعلم- أرجح، فهم ما كانوا أنبياء لكن الله منَّ عليهم بالنبوة بعد توبتهم، وما فعلوه قبل النبوة لا يقدح في نبوتهم.\nقال ابن تيمية: قد اتفق المسلمون على أنهم -أي الأنبياء- معصومون فيما يبلغونه عن الله، فلا يجوز أن يقرهم على الخطأ في شيء مما يبلغونه عنه، وبهذا يحصل المقصود من البعثة. وأما وجوب كونه قبل أن يبعث نبيا لا يخطئ، أو لا يذنب فليس في النبوة ما يستلزم هذا. وقول القائل: لو لم يكن كذلك لم تحصل ثقة فيما يبلغونه عن الله، كذب صريح فإن من آمن وتاب حتى ظهر فضله وصلاحه ونبَّأه الله بعد ذلك، كما نبَّأ إخوة يوسف، ونبَّأ لوطا وشعيبا وغيرهما، وأيده الله تعالى بما يدل على نبوته فإنه يوثق فيما يبلغه كما يوثق بمن لم يفعل ذلك. وقد تكون الثقة به أعظم إذا كان بعد الإيمان والتوبة قد صار أفضل من غيره، والله تعالى قد أخبر أنه يبدل السيئات بالحسنات للتائب، ومعلوم أن الصحابة -﵃- من عهد الرسول -ﷺ-، كانوا من خيار الخلق، وكانوا أفضل من أولادهم الذين ولدوا بعد الإسلام (^٢).\nويدل على ترجيح هذا القول أمور:\nأولها: ورود أثر عن سفيان بن عيينة (^٣) يشير إلى هذا أنهم كانوا أنبياء، فإنه لما سئل: هل حرمت الصدقة على أحد الأنبياء قبل النبي -ﷺ-؟ قال: ألم تسمع قوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾ [يوسف: ٨٨] (^٤).\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن ج ٩/ ص ١١٠.\n(^٢) انظر: منهاج السنة النبوية ج ٢/ ص ٣٩٦، ٣٩٧.\n(^٣) أبو محمد، سفيان بن عيينة الهلالي الكوفي ثم المكي، المحدث، المفسر، الفقيه، قال الإمام الشافعي: لولا مالك وسفيان ابن عيينه لذهب علم الحجاز، سكن مكة وتوفي بها سنة ثمان وتسعين ومائة للهجرة. انظر: تهذيب التهذيب ج ٤/ ص ١٠٤ وما بعدها، وسير أعلام النبلاء ج ٨/ ص ٤٦٢ وما بعدها.\n(^٤) أخرجه الطبري في جامع البيان ج ١٢/ ص ٣٢٥. وانظر: الدر المنثور ج ٤/ ص ٥٧٦.","vol":"1","page":365},{"text":"وقوله هذا يقتضي أنهم عنده أنبياء.\nثانيها: أن الأسباط يحتمل -كما ذكر ابن كثير آنفا- أن يكونوا هم أولاد يعقوب الاثنا عشر وذريتهم.\nقال السعدي: (ومنها - أي من فوائد قصة يوسف -﵇- أن العبرة في حال العبد بكمال النهاية لا بنقص البداية، فإن أولاد يعقوب -﵇- جرى منهم ما جرى في أول الأمر مما هو أكبر أسباب النقص واللوم، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح والسماح التام من يوسف ومن أبيهم، والدعاء بالمغفرة والرحمة، وإذا سمح العبد عن حقه فالله خير الراحمين ولهذا-في أصح الأقوال- أنهم كانوا أنبياء لقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ (^١) [النساء: ١٦٣] والأسباط هم أولاد يعقوب الاثنا عشر وذريتهم. ومما يدل على ذلك أن في رؤيا يوسف أنه رآهم كواكب نيرة، والكواكب فيها النور والهداية، وذلك من صفات الأنبياء، فإن لم يكونوا أنبياء فإنهم علماء هداة) (^٢).\nثالثها: ما ذكره الشوكاني (^٣) وغيره من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾ [يوسف: ٦] من أن معنى إتمام النعمة على آل يعقوب هي بالنبوة.\nولذا قال البغوي، والسمعاني وغيرهما: (﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ أي على أولاده، فإن أولاده كلهم كانوا أنبياء (^٤).\nرابعها: أن هذا القول هو القول الوسط بين القائلين بنبوتهم والنافين لها، والجمع بين الأدلة أولى من إلغاء أحدها، أو اللجوء إلى القول بالتعارض.\n_________\n(^١) وتمامها: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)﴾.\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن ص ٤٠٨.\n(^٣) انظر: فتح القدير ج ٣/ ص ٦.\n(^٤) انظر: معالم التنزيل ج ٢/ ص ٤١٠، وتفسير القرآن العزيز ج ٣/ ص ٨.","vol":"1","page":366},{"text":"<span data-type='title' id=toc-471>١١٠ - جواز أن يوحي الله إلى من كان صغيرا ويعطيه النبوة </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾ يوسف: ١٥.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ وفي هذا دليل على أنه يجوز أن يوحي الله إلى من كان صغيرا ويعطيه النبوة حينئذ كما وقع في عيسى ويحيى بن زكريا. وقد قيل: إنه كان في ذلك الوقت قد بلغ مبالغ الرجال، وهو بعيد جدا؛ فإن من كان قد بلغ مبالغ الرجال لا يخاف عليه أن يأكله الذئب) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-472>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- جواز أن يوحي الله إلى من كان صغيرا ويعطيه النبوة حينئذ كما وقع في عيسى -﵇-، ويحيى بن زكريا -﵇-.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه أوحى ليوسف -﵇- لما ألقي في الجب، وكان وقتها صغيرا؛ فدل ذلك بدلالة تأمل قصص الأنبياء على جواز أن يوحي الله إلى من كان صغيرا ويعطيه النبوة حينئذ.\nوممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، والقرطبي، وابن عادل الحنبلي، والقنوجي، والهرري. (^٣).\nوخالف آخرون كابن العربي، وابن عطية، وابن تيمية، والآلوسي، والمراغي (^٤).\nفقال ابن عطية: (وقال الحسن: أعطاه الله النبوءة وهو في الجب. قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد) (^٥).\nوقال ابن تيمية: وليس كل ما أوحي إليه الوحي العام يكون نبيا؛ فإنه قد يوحي إلى غير الناس قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾ [النحل: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ (^٦) [فصلت: من الآية ١٢]، وقال تعالى عن يوسف وهو صغير: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ (^٧) [القصص: ٧]. (^٨).\n_________\n(^١) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بقصص الأنبياء)، واستنباط عقدي لتعلقه بباب النبوات.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ١٠.\n(^٣) انظر: التفسير الكبير ج ١٨/ ص ٨٨، والجامع لأحكام القرآن ج ٩/ ص ١٢٣، واللباب في علوم الكتاب ج ١١/ ص ٣٦، ٣٧، وفتح البيان ج ٦/ ص ٢٩٩، وحدائق الروح والريحان ج ١٣/ ص ٣٣٣.\n(^٤) انظر: أحكام القرآن ج ٣/ ص ١٧٧، والمحرر الوجيز ص ٩٨٢، والنبوات ص ١٧٨، وروح المعاني ج ٢٦/ ص ١٩، وتفسير المراغي ج ١٢/ ص ١٢٢.\n(^٥) المحرر الوجيز ص ٩٨٢.\n(^٦) وتمامها: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾\n(^٧) وتمامها: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾.\n(^٨) انظر: النبوات ص ١٧٨.","vol":"1","page":367},{"text":"فجعل الوحي إلى يوسف -﵇- في الجب بمعنى الإلهام. أي: أوحى إليه وحيا إلهاميا تطييبا لقلبه، وتثبيتا لنفسه.\nأما ابن العربي فقد ذهب إلى أنه يجوز على الله سبحانه بعث الصبي إلا أنه لم يقع، فذكر عند قوله تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ [مريم: ١٢] أن أجل مراتب الحُكْم، والحكمة النبوة، ثم ذكر الأوجه في المراد بالحكم فقال: (الأول: الوحي. والثاني: النبوة. والثالث: المعرفة والعمل بها. وهذا كله محتمل يفتقر إلى تحقيق; فأما من قال: إنه الوحي فجائز أن يوحي الله إلى الصغير، ويكاشفه بملائكته وأمره، وتكون هذه المكاشفة نبوة غير مهموزة رفعة ومهموزة إخبارا، ويجوز أن يرسله إلى الخلق كامل العقل والعلم مؤيدا بالمعجزة، ولكن لم يرد بذلك خبر، ولا كان فيمن تقدم. وقول عيسى ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ [مريم: ٣٠] إخبار عما وجب له حصوله، لا عما حصل بعد) (^١).\nوعلل الآلوسي المنع من نبوة الصغير بأن النفوس في الأغلب تأنف عن اتباع الصغير وإن كبر فضلا، كالرقيق والأنثى (^٢).\nوقد أشار ابن عادل الحنبلي إلى هذا الخلاف - مرجحا ما ذهب إليه الشوكاني- فقال: (في المراد بقوله: (﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ قولان:\nالأول: المراد منه الوحي والنبوة والرسالة، وهو قول أكثر المحققين، ثم اختلف هؤلاء في أنه ﵊ هل كان في ذلك الوقت بالغًا أو كان صبيًا؟ قال بعضهم: كان بالغًا، وكان ابن سبع عشرة سنة. وقال آخرون: كان صغيرًا إلا أن الله تعالى أكمل عقله وجعله صالحًا لقبول الوحي والنبوة كما في حق عيسى ﵊ حين قالوا: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾ (^٣) [مريم: من الآية ٢٩] ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾.\nوالقول الثاني: أن المراد بهذا الوحي: الإلهام، كقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾، وقوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾.\n_________\n(^١) أحكام القرآن ج ٣/ ص ١٧٧.\n(^٢) انظر: روح المعاني ج ٢٦/ ص ١٩.\n(^٣) وتمامها: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ … نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ … فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾.","vol":"1","page":368},{"text":"والأول أولى؛ لأنه الظاهر من الوحي.\nفإن قيل: كيف يجعله نبيًا في ذلك الوقت وليس هناك أحد يبلغه الرسالة؟ فالجواب: لا يمتنع أن يشرفه الله تعالى بالوحي ويأمره بتبليغ الرسالة بعد أوقات، ويكون فائدة تقديم الوحي تأنيسه، وزوال الغم والوحشة عن قلبه، والفائدة في أخفاء ذلك الوحي عن إخوته: أنهم لو عرفوه فربما ازداد حسدهم فكانوا يقصدون قتله) (^١).\nوقوله: (لا يمتنع أن يشرفه الله تعالى بالوحي، ويأمره بتبليغ الرسالة بعد أوقات) يعني به قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾ [يوسف: ٢٢] أي: ما كان رسولا قبل بلوغ الأشد، ثم إنه صار رسولا وقته (^٢).\nويجوز أن يكون معنى ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾ أنه أوتي النبوة صبيا، ولما بلغ أشده زاده الله فهما وعلما كما قال القرطبي (^٣).\nكما يجوز أن يكون المعنى: ولما بلغ يوسف أشده، أي: كمال قوته المعنوية والحسية، وصلح لأن يتحمل الأحمال الثقيلة من النبوة والرسالة جعلناه نبيا رسولا، وعالما ربانيا (^٤). وهذا على قول من يرى أن الوحي في الجب إلهام.\nوالأظهر-والله تعالى أعلم- أن الله تعالى آتى يوسف -﵇- النبوة وهو صغير؛ فإن أكثر المفسرين (^٥) على أن الله آتى يحيى -﵇- النبوة صغيرا؛ لقوله تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ [مريم: ١٢]، والأظهر أن معنى صبيا أي: لم يبلغ (^٦).\nفإذا جاز ذلك في حق يحيى -﵇-؛ فإنه يجوز كذلك في حق يوسف -﵇-.\nقال ابن حجر: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾ ولا بُعد في أن يؤتى النبوة في ذلك السن فقد قال في قصة يحيى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾، ولا اختصاص لذلك بيحيى، فقد قال عيسى وهو في المهد: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ (^٧).\n_________\n(^١) اللباب في علوم الكتاب ج ١١/ ص ٣٦، ٣٧.\n(^٢) انظر: التفسير الكبير ج ١٨/ ص ٨٩.\n(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٩/ ص ١٣٩.\n(^٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٣٩٥.\n(^٥) قال السمعاني: وقوله: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ أي: النبوة هذا قول أكثر المفسرين). تفسير القرآن العزيز ج ٣/ ص ٢٨٢، وانظر: بحر العلوم ج ٢/ ص ٣٧٠، وأنوار التنزيل ج ٤/ ص ٨.\n(^٦) انظر: أضواء البيان ج ٢/ ص ٤٥٤.\n(^٧) انظر: فتح الباري ج ٩/ ص ٥٣٣٩.","vol":"1","page":369},{"text":"<span data-type='title' id=toc-473>١١١ - يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق، ويهدم ما أمكنه من الباطل، طلب ذلك لنفسه </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ يوسف: ٥٥.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ … وفيه دليل على أنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق ويهدم ما أمكنه من الباطل، طلب ذلك لنفسه) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-474>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- من الآية أنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق ويهدم ما أمكنه من الباطل، طلب ذلك لنفسه.\nووجه الاستنباط: أن يوسف -﵇- طلب الولاية من الملك؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على أنه يجوز للمرء طلب الولاية متى وثق من نفسه أنه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق ويهدم ما أمكنه من الباطل.\nقال ابن عاشور: (وهذه الآية أصل لوجوب عرض المرء نفسه لولاية عمل من أمور الأمة إذا علم أنه لا يصلح له غيره؛ لأن ذلك من النصح للأمة، وخاصة إذا لم يكن ممن يتهم على إيثار منفعة نفسه على مصلحة الأمة) (^٣).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والبيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، والسعدي، وابن عاشور. (^٤).\nوجواز طلب الولاية لا يعارضه حديث عبد الرحمن بن سمرة (^٥)، قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: \"يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وُكِلْت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها\" (^٦).\n_________\n(^١) وهو استنباط فقهي.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٥.\n(^٣) التحرير والتنوير ج ١٢/ ص ٨٢.\n(^٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٩/ ص ١٨٣، وأنوار التنزيل ج ٣/ ص ٢٩٥، وإرشاد العقل السليم ج ٤/ ص ٢٨٦، وروح المعاني ج ١٣/ ص ٥، وفتح البيان ج ٦/ ص ٣٥٦، وتيسير الكريم الرحمن ص ٤١٠، والتحرير والتنوير ج ١٢/ ص ٨٢.\n(^٥) هو أبو سعيد، عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي، أسلم يوم الفتح وصحب النبي -ﷺ-، وكان اسمه عبد الكعبة فسماه رسول الله عبد الرحمن، سكن البصرة واستعمله عبد الله بن عامر لما كان أميرا على البصرة على جيش فافتتح سجستان سنة ثلاث وثلاثين، توفي في البصرة سنة خمسين وقيل: سنة إحدى وخمسين. انظر: الاستيعاب ج ٢/ ص ٨٣٥، وأسد الغابة ج ٣/ ص ٤٨٦ - ٤٧٤.\n(^٦) أخرجه البخاري في كتاب: الأحكام، باب: من سأل الإمارة وكل إليها، رقم: ٦٧٢٨، ج ٦/ ص ٢٦١٣. ومسلم في كتاب: الإمارة، باب: النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها، رقم: ١٦٥٢، ج ٣/ ص ١٤٥٦","vol":"1","page":370},{"text":"قال القرطبي: يوسف -﵇- إنما طلب الولاية لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم، فرأى أن ذلك فرض متعين عليه، فإنه لم يكن هناك غيره، وهكذا الحكم اليوم لو علم إنسان من نفسه أنه يقوم بالحق في القضاء أو الحسبة، ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامه لتعين ذلك عليه ووجب أن يتولاها، ويسأل ذلك، ويخبر بصفاته التي يستحقها به من العلم والكفاية وغير ذلك، كما قال يوسف -﵇- فأما لو كان هناك من يقوم بها ويصلح لها، وعلم بذلك فالأولى ألا يطلب لقوله -ﷺ- لعبد الرحمن: \"لا تسأل الإمارة\"، وأيضا فإن في سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها دليل على أنه يطلبها لنفسه ولأغراضه، ومن كان هكذا يوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك، وهذا معنى قوله -﵇-: وكل إليها، ومن أباها لعلمه بآفاتها، ولخوفه من التقصير في حقوقها فر منها، ثم إن ابتلي بها فيرجى له التخلص منها، وهو معنى قوله: أعين عليها (^١).\nفظهر بذلك أن المعنى المستنبط لا يعارض الحديث.\nقال ابن عاشور: فلا يعارض هذا ما جاء في صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة؛ لأن عبد الرحمن بن سمرة لم يكن منفردا بالفضل من بين أمثاله، ولا راجحا على جميعهم (^٢).\nوتبين أيضا أن لطلب الولاية أحكاما مختلفة، فقد يتعين أحيانا إذا توقف على ولايته إقامة واجب مثلا، وقد يكون جائزا، وقد يكون مذموما.\nقال السعدي: (وكذلك لا تذم الولاية إذا كان المتولي فيها يقوم بما يقدر عليه من حقوق الله وحقوق عباده، وأنه لا بأس بطلبها إذا كان أعظم كفاءة من غيره، وإنما الذي يذم إذا لم يكن فيه كفاية، أو كان موجودا غيره مثله أو أعلى منه، أو لم يرد بها إقامة أمر الله فبهذه الأمور ينهى عن طلبها والتعرض لها) (^٣).\nوفي هذا الاستنباط حجة بالغة على كل مسلم ولي عملا في ديار المسلمين، وكان تحت حكم مسلمين أن يقوم فيه بالعدل، فيؤدي في عمله حقوق الله، وحقوق عباده، وأن يحرص على نفع الناس، وإيصال الخير إليهم مع إتقان العمل؛ فإن يوسف -﵇- تولى عمله عند غير مسلم حرصا على إقامة العدل، ونفع الناس.\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٩/ ص ١٨٣.\n(^٢) التحرير والتنوير ج ١٢/ ص ٨٢.\n(^٣) تيسير الكريم الرحمن ص ٤١٠.","vol":"1","page":371},{"text":"<span data-type='title' id=toc-475>١١٢ - جواز أن يصف الإنسان نفسه بالأوصاف التي لها </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ يوسف: ٥٥.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ وفيه دليل على أنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق ويهدم ما أمكنه من الباطل طلب ذلك لنفسه، ويجوز له أن يصف نفسه بالأوصاف التي لها ترغيبا فيما يرومه وتنشيطا لمن يخاطبه من الملوك بإلقاء مقاليد الأمور إليه وجعلها منوطة به، ولكنه يعارض هذا الجواز ما ورد عن نبينا -ﷺ- من النهي عن طلب الولاية والمنع من تولية من طلبها أو حرص عليها) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-476>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- جواز أن يصف الإنسان نفسه بالأوصاف التي لها.\nووجه الاستنباط: أن يوسف -﵇- وصف نفسه بالعلم والحفظ؛ فدل ذلك بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على جواز أن يصف الإنسان نفسه بالأوصاف التي لها.\nوممن قال بهذا الاستنباط: القصاب، والجصاص، وإلكيا، والقرطبي، وابن جزي، والآلوسي، والقنوجي. (^٤).\nوجواز مدح الإنسان نفسه يقيد بأن يكون إذا جهل أمره، وأن يكون بالحق، وأن يكون ذلك لفائدة.\nقال ابن جزي: (ويستدل بذلك أنه يجوز للرجل أن يعرف بنفسه ويمدح نفسه بالحق إذا جهل أمره، وإذا كان في ذلك فائدة) (^٥).\nوقال ابن عثيمين -عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة ٣٠]-: (وصف الإنسان نفسه بما فيه من الخير لا بأس به إذا كان المقصود مجرد الخبر دون الفخر لقوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾، ويؤيد ذلك قول النبي -ﷺ-: \"أنا سيد ولد آدم ولا فخر\" (^٦)، وأما إذا كان المقصود الفخر، وتزكية النفس بهذا فلا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٧) [النجم: من الآية ٣٢]) (^٨).\n_________\n(^١) وهو استنباط فقهي، واستنباط في علوم القرآن (لتعلقه بقصص الأنبياء).\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٥.\n(^٣) واستنبط غيره جواز تسمية المخلوقين بأسماء الخالق؛ فالحفيظ والعليم من أسماء الله. انظر: نكت القرآن ج ١/ ص ٦١٨.\n(^٤) انظر: نكت القرآن ج ١/ ص ٦١٨، وأحكام القرآن ج ٤/ ص ٣٨٩، وأحكام القرآن ج ٤/ ص ٢٣٢، والجامع لأحكام القرآن ج ٩/ ص ١٨٣، والتسهيل لعلوم التنزيل ج ٢/ ص ١٢٢، وروح المعاني ج ١٣/ ص ٥، وفتح البيان ج ٦/ ص ٢٥٧.\n(^٥) التسهيل لعلوم التنزيل ج ٢/ ص ١٢٢.\n(^٦) أخرجه مسلم -بدون لفظ ولا فخر- في كتاب: الفضائل، باب: تفضيل -ﷺ- على جميع الخلائق، رقم: ٢٢٧٨، ج ٤/ ص ١٧٨٢.\n(^٧) وتمامها: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ … الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾.\n(^٨) تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج ١/ ص ١١٧، ١١٨.","vol":"1","page":372},{"text":"فمدح النفس إنما يكون مذموما إذا قُصِد به التطاول والتفاخر، والتوصل إلى غير ما يحل (^١).\nومثل هذا الاستنباط استنبطه القصاب أيضا من قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)﴾ [يوسف: ٥٩]، فقال: (قوله إخبارا عن يوسف -﵇-: ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)﴾ أوضح حجة، وأبلغها نهاية في تطرية النفس عند الحاجة) (^٢).\nوكما وصف يوسف -﵇- نفسه وصف صالح مدين نفسه مادحا بقوله: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ القصص: ٢٧.\nقال ابن عاشور: (يريد الصالحين بالناس في حسن المعاملة ولين الجانب. قصد بذلك تعريف خلقه لصاحبه، وليس هذا من تزكية النفس المنهي عنه؛ لأن المنهي عنه ما قصد به قائله الفخر والتمدح، فأما ما كان لغرض في الدين أو المعاملة فذلك حاصل لداع حسن كما قال يوسف: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-477>١١٣ - يجوز لمن وثق من نفسه بالقيام بالحق تولي الأعمال من جهة السلطان الجائر بل الكافر </span>(^٤).\nقال تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ يوسف: ٥٥ - ٥٦.\nقال الشوكاني -﵀-: (وقد استدل بهذه الآية على أنه يجوز تولي الأعمال من جهة السلطان الجائر بل الكافر لمن وثق من نفسه بالقيام بالحق. وقد قدمنا الكلام على هذا مستوفي في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (^٥) [هود: ١١٣]) (^٦).\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير ج ١٨/ ص ١٢٩.\n(^٢) نكت القرآن ج ١/ ص ٦١٩.\n(^٣) التحرير والتنوير ج ٢٠/ ص ٤٧.\n(^٤) وهو استنباط فقهي، واستنباط في علوم القرآن (لتعلقه بقصص الأنبياء).\n(^٥) وتمامها: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾\n(^٦) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٥.","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type='title' id=toc-478>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- من الآية أنه يجوز لمن وثق من نفسه بالقيام بالحق تولي الأعمال من جهة السلطان الجائر بل الكافر.\nووجه الاستنباط: أنه لما ظهر للملك أحوال يوسف -﵇- رغب أن يتخذه لنفسه فقال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)﴾ [يوسف: من الآية ٥٤]، فلم يمتنع يوسف -﵇- بل طلب من الملك الولاية، والملك يومها كان كافرا؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على أنه يجوز لمن وثق من نفسه بالقيام بالحق تولي الأعمال من جهة السلطان الجائر بل الكافر.\nوهذا الاستنباط على أن الملك يومها كان كافرا.\nقال ابن جزي: (﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ لما فهم يوسف من الملك أنه يريد تصريفه والاستعانة به قال له ذلك، وإنما طلب منه الولاية رغبة منه في العدل، وإقامة الحق والإحسان وكان هذا الملك كافرا، ويستدل بذلك على أنه يجوز للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر إذا علم أنه يصلح بعض الأحوال. وقيل: إن الملك أسلم (^١) (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، وابن جزي-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري. (^٣).\nوالتولي من يد الكافر يجوز إذا علم أنه لا سبيل إلى إقامة الحق وسياسة الخلق إلا بالاستظهار به.\nقال النسفي: (وفيه دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عمالة من يد سلطان جائر، وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة الظلمة، وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله، ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق فله أن يستظهر به) (^٤).\nويشترط للعمل عند الفاجر، والكافر ألا يكون عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره، فلا يجوز له ذلك.\nقال ابن عطية: قال بعض أهل التأويل: في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فصل ما لا يعارض فيه، فيصلح منه ما شاء، وأما إن كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره فلا يجوز له ذلك.\n_________\n(^١) أخرج ابن جرير عن مجاهد قال: أسلم الملك الذي كان معه يوسف -﵇-. انظر: جامع البيان ج ١٢/ ص ٢٢٢. وانظر: الدر المنثور ج ٤/ ص ٥٥١.\n(^٢) التسهيل لعلوم التنزيل ج ٢/ ص ١٢٢.\n(^٣) انظر: المحرر الوجيز ص ١٠٠٢، والجامع لأحكام القرآن ج ٩/ ص ١٨٣، وأنوار التنزيل ج ٣/ ص ٢٩٥، ومدارك التنزيل ج ٢/ ص ٣٢٦، والتسهيل لعلوم التنزيل ج ٢/ ص ١٢٢، وفتح البيان ج ٦/ ص ٣٥٨، وحدائق الروح والريحان ج ١٤/ ص ١٤.\n(^٤) مدارك التنزيل ج ٢/ ص ٣٢٦.","vol":"1","page":374},{"text":"قال القاضي أبو محمد: وطلبة يوسف للعمل إنما هي حسبة منه -﵇-؛ لرغبته في أن يقع العدل (^١).\nوقد فصل الشوكاني عند قوله تعالى - ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾ - أحكام العمل عند الجائر، والكافر.\nفذكر أنه يجب على من أمره الولاة بالعمل أن يستجيب لأمرهم ما لم يكن فيه معصية لله، شرط أن يثق من نفسه بالقيام بما وكل إليه. ومن قدر على الفرار منهم قبل أن يؤمر من جهتهم بأمر يجب عليه طاعته فهو الأولى. فقال: فكل من أمروه -الولاة- ابتداء أن يدخل في شي من الأعمال التي أمرها إليهم مما لم يكن من معصية الله، كالمناصب الدينية ونحوها إذا وثق من نفسه بالقيام بما وكل إليه فذلك واجب عليه فضلا عن أن يقال جائز له، وأما ما ورد من النهي عن الدخول في الإمارة فذلك مقيد بعدم وقوع الأمر ممن تجب طاعته من الأئمة والسلاطين والأمراء جمعا بين الأدلة، أو مع ضعف المأمور عن القيام بما أمر به، كما ورد تعليل النهي عن الدخول في الإمارة بذلك في بعض الأحاديث الصحيحة، وأما مخالطتهم والدخول عليهم لجلب مصلحة عامة، أو خاصة أو دفع مفسدة عامة أو خاصة، مع كراهة ما هم عليه من الظلم، وعدم ميل النفس إليهم ومحبتها لهم، وكراهة المواصلة لهم لولا جلب تلك المصلحة، أو دفع تلك المفسدة، فعلى فرض صدق مسمى الركون على هذا فهو مخصص بالأدلة الدالة على مشروعية جلب المصالح ودفع المفاسد، والأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، ولا تخفي على الله خافية.\nوبالجملة فمن ابتلى بمخالطة من فيه ظلم فعليه أن يزن أقواله وأفعاله وما يأتي وما يذر بميزان الشرع، فإن زاغ عن ذلك فعلى نفسها براقش تجني، ومن قدر على الفرار منهم قبل أن يؤمر من جهتهم بأمر يجب عليه طاعته فهو الأولى له والأليق به (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-479>١١٤ - الإحسان المعتد به هو الإيمان والتقوى </span>(^٣).\nقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ يوسف: ٥٦ - ٥٧.\n_________\n(^١) انظر: المحرر الوجيز ص ١٠٠٢.\n(^٢) انظر: فتح القدير ج ٢/ ص ٥٣١.\n(^٣) وهو استنباط فائدة علمية.","vol":"1","page":375},{"text":"قال الشوكاني -﵀-: (﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ الوقوع فيما حرمه عليهم، والمراد بهم المحسنون المتقدم ذكرهم. وفيه تنبيه على أن الإحسان المعتد به هو الإيمان والتقوى) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-480>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٢) -﵀- أن الإحسان المعتد به هو الإيمان والتقوى.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر ما أنعم به على يوسف -﵇- في الدنيا، ذكر أنه سبحانه لا يضيع أجر المحسنين، ثم لما كان ما أصاب يوسف -﵇- من عز الدنيا والتمكين في الأرض، وكان هذا مما يستعظمه الناس في الدنيا، وكان عزها لا يعد في الحقيقة إلا إن كان موصولًا بنعيم الآخرة؛ نبه على ما ليوسف -﵇- في الآخرة مما لا يعد هذا في جنبه شيئًا؛ فقال: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾؛ فذكر الذين آمنوا وكانوا يتقون موضع المحسنين (^٣)؛ فدل بدلالة وضع الظاهر موضع الضمير على أن الإحسان المعتد به هو الإيمان والتقوى.\nقال أبو السعود: (﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ أي: للمحسنين المذكورين، وإنما وضع موضعه الموصول فقيل: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ تنبيها على أن المراد بالإحسان إنما هو الإيمان، والثبات على التقوى المستفاد من جمع صيغتي الماضي والمستقبل) (^٤).\nوالمقصود التنبيه على فضل الإيمان والتقوى، وأن منزلة الإحسان لا تنال إلا بالجمع بينهما.\nوممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود-كما تقدم-، والآلوسي، والقنوجي، والسعدي. (^٥).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٦.\n(^٢) واستنبط القصاب من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) نيل الدنيا إذا لم يشغل عن الآخرة غير مذموم. ووجهه: أن الله ذكر ما أصاب يوسف -﵇- من عز الدنيا والتمكين في الأرض في معرض الامتنان بنعمته سبحانه.\n٢) جواز الخصوص في ذكر العموم؛ إذ لا محالة تمكين يوسف -﵇- لم يكن في جميع الأرض، بل كان في أرض مصر وما حولها دون سائر الأرض. انظر الاستنباطين في: نكت القرآن ج ١/ ص ٦١٩.\n(^٣) مستفاد من نظم الدرر ج ٤/ ص ٦١.\n(^٤) إرشاد العقل السليم ج ٤/ ص ٢٨٧.\n(^٥) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٤/ ص ٢٨٧، وروح المعاني ج ١٣/ ص ٦، وفتح البيان ج ٦/ ص ٣٥٨، وتيسير الكريم الرحمن ص ٤٠١.","vol":"1","page":376},{"text":"<span data-type='title' id=toc-481>١١٥ - جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعا ثابتا </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾ يوسف: ٧٦.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي الآية دليل على جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعا ثابتا) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-482>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعا ثابتا.\nووجه الاستنباط: أن يوسف -﵇- وضع السقاية (^٤) في رحل أخيه حيلة ليتوصل بذلك لبقائه عنده؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما\nصورته صورة الحيلة والمكيدة، ويشترط لذلك ألا يخالف شرعا ثابتا.\nقال ابن العربي: (﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ فيه جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تخالف الشريعة ولا هدمت أصلا، خلافا لأبي حنيفة في تجويزه الحيل وإن خالفت الأصول، وخرمت التحليل) (^٥).\nفأشار ابن العربي إلى حكم نوع آخر من الحيل هي المخالفة للشرع، فهذه هي المحرمة.\nقال القصاب: الحيل المنهي عنها المعدودة من أبي حنيفة ذما هي فيما أحل حراما أو حرم حلالا (^٦).\nوهذا النوع من الحيل -المحرمة- قال عنه ابن القيم: (وتجويز الحيل يناقض سد الذرائع مناقضة ظاهرة، فإن الشارع يسد الطريق إلى المفاسد بكل ممكن، والمحتال يفتح الطريق إليها بحيلة، فأين من يمنع من الجائز خشية الوقوع في المحرم إلى من يعمل الحيلة في التوصل إليه) (^٧).\n_________\n(^١) وهو استنباط فقهي.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٤٣.\n(^٣) واستنبط غيره من قوله تعالى: ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ جواز تسمية قوانين ملل الكفر دينا. انظر: محاسن التأويل ج ٦/ ص ٢٠٤.\n(^٤) قال ابن عطية: السقاية الإناء الذي به يشرب الملك، وبه كان يكيل الطعام للناس. هكذا نص جمهور المفسرين ابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك وابن زيد. المحرر الوجيز ص ١٠٠٨. فالسقاية إناء يسقى به، والصواع وعاء للكيل؛ ولأنهم كانوا يشربون الخمر بالمقدار سمي بهذا، وذاك. انظر: التحرير والتنوير ج ١٢/ ص ٩٦.\n(^٥) أحكام القرآن ج ٣/ ص ٤٨.\n(^٦) نكت القرآن ج ١/ ص ٦٢٣.\n(^٧) إعلام الموقعين ج ٣/ ص ١٥٩ وما بعدها.","vol":"1","page":377},{"text":"وذكر ابن تيمية نحوا من ثلاثين دليلا على تحريمه (^١).\nوممن قال باستنباط الشوكاني: القصاب، وإلكيا، وابن العربي، والقرطبي، والقنوجي، والسعدي. (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-483>١١٦ - جواز الشكوى عند الضرورة </span>(^٣).\nقال تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾ يوسف: ٨٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي: الجوع والحاجة. وفيه دليل على أنه تجوز الشكوى عند الضرورة إذا خاف من إصابته على نفسه كما يجوز للعليل أن يشكو إلى الطبيب ما يجده من العلة) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-484>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٥) -﵀- من الآية جواز الشكوى عند الضرورة.\nووجه الاستنباط: أن يوسف -﵇- أقر إخوته على شكواهم؛ فيدل ذلك الإقرار بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على جواز الشكوى عند الضرورة. ولو كان فعلهم غير جائز لأنكر عليهم.\nقال الجصاص: (لما ترك يوسف -﵇- النكير عليهم في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾؛ دل ذلك على جواز إظهار مثل ذلك عند الحاجة إليه، وأنه لا يجري مجرى الشكوى من الله تعالى) (^٦).\nوقال السعدي: (ومنها جواز إخبار الإنسان بما يجد، وما هو فيه من مرض أو فقر ونحوهما على غير وجه التسخط؛ لأن إخوة يوسف قالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾، ولم ينكر عليهم يوسف) (^٧).\n_________\n(^١) انظر: الفتاوى الكبرى ج ٣/ ص ١١٠ وما بعدها.\n(^٢) انظر: نكت القرآن ج ١/ ص ٦٢٣، وأحكام القرآن ج ٤/ ص ٢٣٣، ٢٣٤، وأحكام القرآن ج ٣/ ص ٤٨، والجامع لأحكام القرآن ج ٩/ ص ٢٠٠، وفتح البيان ج ٦/ ص ٣٧٧، وتيسير الكريم الرحمن ص ٤١١.\n(^٣) وهو استنباط عقدي.\n(^٤) فتح القدير ج ٣/ ص ٥٠.\n(^٥) واستنبط غيره من قوله تعالى: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ أن أجرة الكيال على البائع؛ فإنه إن كان عليه أن يوف الكيل فيتعين عليه أن يقوم بمؤونة ما يجب عليه، أي أن عليه تعيين المبيع للمشتري ولا يتعين إلا بالكيل، وقد قالوا له: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾؛ فدل على أن الكيل قد كان عليه. انظر: أحكام القرآن للجصاص ج ٤/ ص ٣٩٣، وأحكام القرآن للكيا ج ٤/ ص ٢٣٤.\n(^٦) أحكام القرآن ج ٤/ ص ٣٩٣.\n(^٧) تيسير الكريم الرحمن ص ٤١١.","vol":"1","page":378},{"text":"أو أن وجه الاستنباط: أن الله لم يعاقبهم على شكواهم؛ فيدل ذلك على جواز الشكوى عند الضرورة.\nقال ابن الفرس: (يتخرج منه شكوى المسبغة والحاجة لمن يرجى أن يكون سببا في كشفها، لأن الله تعالى لم يعاقبهم على شكواهم تلك) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الجصاص، وابن الفرس-كما تقدم-، والقرطبي، والقنوجي، والقاسمي، والسعدي-كما تقدم-، والهرري (^٢).\nوحقيقة الصبر ألا يعترض على المقدور، فأما إظهار البلاء لا على وجه الشكوى فلا ينافي\nالصبر، ويؤيد هذا المعنى أن الله قال في أيوب -﵇-: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ (^٣) [ص: من الآية ٤٤] مع أنه قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (^٤) [الأنبياء: من الآية ٨٣]. (^٥).\nقال ابن القيم: (لما كان الصبر حبس اللسان عن الشكوى إلى غير الله، والقلب عن التسخط، والجوارح عن اللطم وشق الثياب ونحوها، كان ما يضاده واقعا على هذه الجملة، فمنه الشكوى إلى المخلوق، فإذا شكى العبد ربه إلى مخلوق مثله فقد شكى من يرحمه إلى من لا يرحمه، ولا تضاده الشكوى إلى الله كما تقدم في شكاية يعقوب إلى الله مع قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (^٦) [يوسف: من الآية ٨٣]. وأما إخبار المخلوق بالحال فإن كان للاستعانة بإرشاده أو معاونته، والتوصل إلى زوال ضرورة لم يقدح ذلك في الصبر، كإخبار المريض للطبيب بشكايته، وإخبار المظلوم لمن ينتصر به بحاله، وإخبار المبتلى ببلائه لمن كان يرجو أن يكون فرجه على يديه. وقد كان النبي إذا دخل على المريض يسأله عن حاله ويقول: كيف نجدك؟ وهذا استخبار منه واستعلام بحاله) (^٧).\n_________\n(^١) أحكام القرآن ج ٣/ ص ٢٢٩.\n(^٢) انظر: أحكام القرآن ج ٤/ ص ٣٩٣، وأحكام القرآن ج ٣/ ص ٢٢٩، والجامع لأحكام القرآن ج ٩/ ص ٢١٤، ٢١٥، وفتح البيان ج ٦/ ص ٣٩١، ومحاسن التأويل ج ٦/ ص ٢١٢، وتيسير الكريم الرحمن ص ٤١١، وحدائق الروح والريحان ج ١٤/ ص ٩٣.\n(^٣) وتمامها: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾.\n(^٤) وتمامها: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾.\n(^٥) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ج ٣/ ص ١٠٢، والجامع لأحكام القرآن ج ٢/ ص ١٧٠.\n(^٦) وتمامها: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)﴾.\n(^٧) عدة الصابرين ص ٢٣٢.","vol":"1","page":379},{"text":"وقد نبه القرطبي إلى جواز هذا النوع من الشكوى-الذي لا تسخط فيه-، وأنه لا يقدح في التوكل، كما نبه إلى أن أحسن الشكوى سؤال الله زوال البلوى، فقال: وفي هذا دليل على جواز الشكوى عند الضر أي: الجوع، بل واجب عليه إذا خاف على نفسه الضر من الفقر وغيره أن يبدي حالته إلى من يرجو منه النفع، كما هو واجب عليه أن يشكو ما به من الألم إلى الطبيب ليعالجه، ولا يكون ذلك قدحا في التوكل، وهذا ما لم يكن التشكي على سبيل التسخط. والصبر والتجلد في النوائب أحسن، والتعفف عن المسألة أفضل، وأحسن الكلام في الشكوى سؤال المولى زوال البلوى، وذلك قول يعقوب: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [يوسف: ٨٦] أي من جميل صنعه، وغريب لطفه وعائدته على عباده، فأما الشكوى على غير مشك فهو السفه إلا أن يكون على وجه البث والتسلي (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-485>١١٧ - الموصوفون بالتقوى موصوفون بصفة الإحسان </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ يوسف: ٩٠.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ … وجاء بالظاهر وكان المقام مقام المضمر أي: أجرهم للدلالة على أن الموصوفين بالتقوى موصوفون بصفة الإحسان) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-486>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- أن الموصوفين بالتقوى موصوفون بصفة الإحسان.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أجر من يتق ويصبر بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾، فوضع المحسنين موضع المتقين والصابرين؛ فدل وضع الظاهر موضع المضمر على أن الموصوفين بالتقوى، والصبر موصوفون بصفة الإحسان.\nقال البيضاوي: (﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ وضع المحسنين موضع الضمير للتنبيه على أن المحسن من جمع بين التقوى والصبر) (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٩/ ص ٢١٤، ٢١٥.\n(^٢) وهو استنباط عقدي لأن التقوى والإحسان أعلى شعب الإيمان.\n(^٣) فتح القدير ج ٣/ ص ٥٢.\n(^٤) أنوار التنزيل ج ٣/ ص ٣٠٧.","vol":"1","page":380},{"text":"والمقصود التنبيه على فضل التقوى، والصبر، وأن منزلة الإحسان لا تنال إلا بالجمع بينهما.\nوممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، والبيضاوي-كما تقدم-، والقنوجي، والقاسمي. (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-487>١١٨ - لم يبعث الله نبيا من النساء ولا من الجن </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ … عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩)﴾ يوسف: ١٠٩.\nقال الشوكاني -﵀-: (وتدل الآية على أن الله سبحانه لم يبعث نبيا من النساء ولا من الجن، وهذا يرد على من قال: إن في النساء أربع نبيات: حواء، وآسية، وأم موسى، ومريم) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-488>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- أن الله سبحانه لم يبعث نبيا من النساء ولا من الجن.\nووجه الاستنباط من شقين:\nفأما وجه استنباط أن الله سبحانه لم يبعث نبيا من النساء: أن الله تعالى ذكر أنه لم يرسل إلا رجالا؛ فدل مفهوم المخالفة-مفهوم الحصر- (^٤) على أن الله سبحانه لم يرسل أحدا من النساء. ودل بدلالة الالتزام على نفي النبوة عن النساء؛ لأن نفي الرسالة عنهن يستلزم نفي النبوة عنهن.\nوأما وجه استنباط أن الله لم يرسل نبيا من الجن فلدلالة لفظ رجال؛ إذ المعهود من لفظ رجال أن يكونوا من الإنس. فدل أيضا بدلالة الالتزام على نفي النبوة عن الجن؛ لأن نفي الرسالة عنهم يستلزم نفي النبوة عنهم.\nوهذا كله مبناه على أن حقيقة النبوة إرسال من الله يقتضي التكليف بالإبلاغ (^٥)، فنفي الإرسال عن غير الرجال- أي: عن النساء والجن- يستلزم نفي النبوة عن النساء والجن.\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير ج ١٨/ ص ١٦٣، وأنوار التنزيل ج ٣/ ص ٣٠٧، وفتح البيان ج ٦/ ص ٣٩٤، ومحاسن التأويل ج ٦/ ص ٢١٤.\n(^٢) وهو استنباط عقدي لتعلقه بالنبوات.\n(^٣) فتح القدير ج ٣/ ص ٦٠.\n(^٤) قال الشنقيطي- عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ … لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]-: (يفهم من هذه الآيات أن الله لم يرسل امرأة قط؛ لقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾). أضواء البيان ج ٢/ ص ١٤٩.\n(^٥) انظر: النبوات ص ٢٧٢.","vol":"1","page":381},{"text":"إذ الراجح في مسألة النبوة والرسالة هو ما نبه إليه ابن تيمية من أن ثمة زيادة في التكليف والإبلاغ يختص بها الرسول، وهو ما عبر عنه بالإرسال إلى القوم المخالفين حيث قال: (النبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول) (^١).\nفإن قيل: إن الله سمى الجن رجالا في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ … رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ [الجن: ٦]، وجعلهم منذرين في قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾ [الأحقاف: ٢٩]؛ فالجواب قول ابن القيم: (فالإنذار أعم من الرسالة، والأعم لا يستلزم الأخص قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ (^٢) [التوبة: من الآية ١٢٢] فهؤلاء نذر وليسوا برسل، قال غير واحد من السلف: الرسل من الإنس، وأما الجن ففيهم النذر، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ فهذا يدل على أنه لم يرسل جنيا، ولا امرأة، ولا بدويا. وأما تسميته تعالى الجن رجالا في قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾، فلم يطلق عليهم الرجال، بل هي تسمية مقيدة بقوله: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾، فهم رجال من الجن، ولا يستلزم ذلك دخولهم في الرجال عند الإطلاق، كما تقول: رجال من حجارة، ورجال من خشب) (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق ص ١٨٤.\n(^٢) وتمامها: ﴿وَمَا كَانَ … الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ … فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾.\n(^٣) طريق الهجرتين ص ٦١٥، ٦١٦.","vol":"1","page":382},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، والقنوجي. (^١). وأشار إليه البيضاوي، والشنقيطي. (^٢).\nوخالف آخرون في نفي النبوة عن النساء، فقالوا: لا حجة في الآية على منع النبوة، وإنما هي خاصة بالرسالة فقط.\nوممن خالف القرطبي، والآلوسي.\nفاستدل القرطبي بحديث: \"كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون. وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\" (^٣)، فقال: وكمال كل شيء بحسبه، والكمال المطلق إنما هو لله تعالى خاصة، ولا شك أن أكمل نوع الإنسان الأنبياء، ثم يليهم الأولياء من الصديقين والشهداء والصالحين. وإذا تقرر هذا فقد قيل: إن الكمال المذكور في الحديث يعني به النبوة؛ فيلزم عليه أن تكون مريم ﵍، وآسية نبيتين، وقد قيل بذلك. والصحيح أن مريم نبية؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحي إلى سائر النبيين. وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها دلالة واضحة بل على صديقيتها وفضلها (^٤).\nوذكر الآلوسي أن ذكر مريم مع الأنبياء في سورتهم قرينة قوية لإثبات نبوتها. وأن الاستدلال بالآية على نفي نبوة النساء لا يصح؛ لأن المذكور فيها الإرسال وهو أخص من الاستنباء على الصحيح المشهور، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم (^٥).\nوالصواب نفي النبوة عن النساء.\nقال ابن كثير: وزعم بعضهم أن سارة امرأة الخليل، وأم موسى، ومريم بنت عمران أم عيسى نبيات، واحتجوا بأن الملائكة بشرت سارة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ … الآية، وبأن الملك جاء إلى مريم فبشرها بعيسى -﵇-، وبقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٢ - ٤٣]، وهذا القدر حاصل لهن ولكن لا يلزم من هذا أن يكن نبيات بذلك، فإن أراد القائل بنبوتهن هذا القدر من التشريف فهذا لا شك فيه، ويبقى الكلام معه في أن هذا هل يكفي في الانتظام في سلك النبوة بمجرده أم لا؟\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير ج ١٨/ ص ١٨٠، وفتح البيان ج ٦/ ص ٤١٦.\n(^٢) ذكره البيضاوي في آل عمران: ٤٢. انظر: أنوار التنزيل ج ٢/ ص ٣٨. وذكره الشنقيطي في سورة النحل: ٤٣. انظر: أضواء البيان ج ٢/ ص ١٤٩.\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب: فضائل الصحابة -﵁-، باب: فضل عائشة ﵂، رقم: ٣٥٥٨، ج ٣/ ص ١٣٧٤. ومسلم في كتاب: فضائل الصحابة -﵁-، باب: فضائل خديجة أم المؤمنين ﵂، رقم: ٢٤٣١، ج ٤/ ص ١٨٨٦.\n(^٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٤/ ص ٨٤.\n(^٥) انظر: روح المعاني ج ٣/ ص ١٥٤.","vol":"1","page":383},{"text":"الذي عليه أهل السنة والجماعة أنه ليس في النساء نبية، وإنما فيهن صديقات كما قال تعالى مخبرا عن أشرفهن مريم بنت عمران حيث قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ (^١) [المائدة: من الآية ٧٥]، فوصفها في أشرف مقاماتها بالصديقية، فلو كانت نبية لذكر ذلك في مقام التشريف والإعظام فهي صديقة بنص القرآن (^٢).\nفتبين من قول ابن كثير أن وصف بعض النساء بالكمال والاصطفاء ليس فيه ما يثبت لهن النبوة؛ لأن الله تعالى أثبت الاصطفاء لبعض خلقه دون أن يكون في ذلك دلالة على إثبات النبوة، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [فاطر: ٣٢].\nفليس فيما استدل به القائلون بنبوة النساء مستند قوي يعتمد عليه في إثبات ذلك، فأما ما ذكره القرطبي من الاستدلال بالوحي إليهن فإنه لا يكفي في الدلالة على نبوتهن؛ لأنه وحي بمعناه العام.\nوقد فسر قتادة الإيحاء في حق أم موسى -﵇- بقوله: (وحيًا جاءها من الله، فقذف في قلبها، وليس بوحي نبوة أن أرضعي موسى) (^٣).\nوقال ابن تيمية: وليس كل ما أوحي إليه الوحي العام يكون نبيا؛ فإنه قد يوحي إلى غير الناس قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾ [النحل: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ (^٤) [فصلت: من الآية ١٢]، وقال تعالى عن يوسف وهو صغير: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ (^٥) [القصص: ٧]. (^٦).\n_________\n(^١) وتمامها: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾.\n(^٢) انظر: تفسير القرآن العظيم ج ٤/ ص ٥٤٤.\n(^٣) أخرجه الطبري في جامع البيان ج ١٨/ ص ١٥٦، وابن أبي حاتم في تفسيره ج ٩/ ص ٢٩٤١. وانظر: الدر المنثور ج ٣/ ص ٢٣٠.\n(^٤) وتمامها: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾\n(^٥) وتمامها: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾.\n(^٦) انظر: النبوات ص ١٧٨.","vol":"1","page":384},{"text":"وأما ما ذكره الآلوسي من دليل اقتران ذكر مريم بالأنبياء في قوله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾ [الأنبياء: ٩١]؛ فإن دلالة الاقتران ضعيفة.\nوأما كون الاستدلال بالآية على نفي نبوة النساء لا يصح؛ لأن المذكور فيها الإرسال وهو أخص من الاستنباء، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم؛ فيضعفه ما تقدم من أن الأرجح في حقيقة النبوة أنها إرسال من الله يقتضي التكليف بالإبلاغ (^١).\n_________\n(^١) انظر: النبوات ص ٢٧٢.","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type='title' id=toc-489>سورة الرعد</span>\n<span data-type='title' id=toc-490>١١٩ - مناسبة ختم ذكر اختلاف مذاق الثمرات وتفاضل بعضها مع كونها من تربة واحدة، وتسقى بماء واحد بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾</span> (^١).\nقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ الرعد: ٤.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي هذه الدلالة على بديع صنعه، وعظيم قدرته ما لا يخفي على من له عقل، فإن القطع المتجاورة والجنات المتلاصقة المشتملة على أنواع النبات مع كونها تسقى بماء واحد، وتتفاضل في الثمرات في الأكل، فيكون طعم بعضها حلوا والآخر حامضا، وهذا في غاية الجودة، وهذا ليس بجيد، وهذا فائق في حسنه، وهذا غير فائق مما يقطع من تفكر واعتبر ونظر نظر العقلاء أن السبب المقتضي لاختلافها ليس إلا قدرة الصانع الحكيم جل سلطانه وتعالى شأنه؛ لأن تأثير الاختلاف فيما يخرج منها ويحصل من ثمراتها لا يكون في نظر العقلاء إلا لسببين، إما اختلاف المكان الذي هو المنبت، أو اختلاف الماء الذي تسقى به، فإذا كان المكان متجاورا، وقطع الأرض متلاصقة، والماء الذي تسقى به واحدا لم يبق سبب للاختلاف في نظر العقل إلا تلك القدرة الباهرة والصنع العجيب؛ ولهذا قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ أي: يعملون على قضية العقل وما يوجبه، غير مهملين لما يقتضيه من التفكر في المخلوقات، والاعتبار في العبر الموجودات) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-491>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- أن مناسبة ختم ذكر اختلاف مذاق الثمرات، وتفاضل بعضها مع كونها من تربة واحدة، وتسقى بماء واحد بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ لأنه ليس في نظر العقل ما يفسر ذلك إلا بالقدرة الباهرة، والصنع العجيب.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر اختلاف مذاق الثمرات، وأشكالها، وألوانها مع اتفاق الماء، والتربة، وليس في نظر العقل ما يفسر ذلك إلا بالقدرة الباهرة والصنع العجيب؛ ولهذا ناسب أن تختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾؛ لأن هذه الآية العظيمة من الوضوح بحال لا يحتاج ناظره في الاعتبار به إلى غير العقل. ودلالة هذا الاستنباط هي الربط بين أجزاء الآية بطريق تأمل خواتيم الآيات.\n_________\n(^١) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٦٥.","vol":"1","page":386},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، والبقاعي، وأبو السعود، والقنوجي. (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-492>١٢٠ - لا يلحق بالصالحين في الجنة من أقاربهم إلا من كان صالحا، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ … بَابٍ (٢٣)﴾ الرعد: ٢٣.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ يشمل الآباء، والأمهات، وأزواجهم، وذرياتهم، … وذكر الصلاح دليل على أنه لا يدخل الجنة إلا من كان كذلك من قرابات أولئك، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-493>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٤) -﵀- من الآية أنه لا يلحق بالصالحين في الجنة من أقاربهم إلا من كان صالحا (^٥)، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح.\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير ج ١٩/ ص ٧، ونظم الدرر ج ٤/ ص ١٢٥، وإرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ٥، وفتح البيان ج ٧/ ص ١٧.\n(^٢) وهو استنباط عقدي.\n(^٣) فتح القدير ج ٣/ ص ٧٩.\n(^٤) واستنبط غيره من الآية أن الدرجة تعلو بالشفاعة، وأن الموصوف بتلك الصفات يقرن بعضهم ببعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنة زيادة في أنسهم. انظر: أنوار التنزيل ج ٣/ ص ٣٢٧، وإرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ١٨.\n(^٥) في معنى الصلاح في الآية قولان: الأول قال ابن عباس -﵃-: يريد من صدق بما صدقوا به، وإن لم يعمل مثل أعمالهم. وقال الزجاج: بين تعالى أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة، بل الآباء والأزواج والذريات لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصالحة. قال الواحدي: والصحيح ما قال ابن عباس؛ لأن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة، وذلك يدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع الآتي بالأعمال الصالحة، ولو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع، ولا فائدة في الوعد به إذ كل من كان مصلحا في عمله فهو يدخل الجنة. قال الرازي متعقبا هذا القول: (واعلم أن هذه الحجة ضعيفة؛ لأن المقصود بشارة المطيع بكل ما يزيده سرورا وبهجة، فإذا بشر الله المكلف بأنه إذا دخل الجنة فإنه يحضر معه آباؤه وأزواجه وأولاده فلا شك أنه يعظم سرور المكلف بذلك، وتقوى بهجته به، ويقال: إن من أعظم موجبات سروره هم أن يجتمعوا فيتذاكروا أحوالهم في الدنيا، ثم يشكرون الله على الخلاص منها والفوز بالجنة). التفسير الكبير ج ١٩/ ص ٣٦.","vol":"1","page":387},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله تعالى وعد عباده الصالحين بعقبى الدار وهي الجنة، ثم ذكر أنه يلحق بهم من أقاربهم من صلح، فقيد ذلك بالصلاح؛ فدل بمفهوم المخالفة-مفهوم القيد- على أنه لا يلحق بالصالحين في الجنة من أقاربهم إلا من كان صالحا، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح.\nقال البيضاوي: (وفي التقييد بالصلاح دلالة على أن مجرد الأنساب لا تنفع) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي-كما تقدم- وأبو حيان، وأبو السعود، والقنوجي. (^٢).\nويدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨)﴾ [غافر: ٨]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ [الطور: ٢١].\nوفي هذا الاستنباط بيان لأهمية الصلاح، وحث عليه؛ إذ الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة، بل الآباء والأزواج والذريات لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصالحة (^٣).\nقال أبو السعود: (وفي التقييد بالصلاح قطع للأطماع الفارغة لمن يتمسك بمجرد حبل الأنساب) (^٤).\n_________\n(^١) أنوار التنزيل ج ٣/ ص ٣٢٧.\n(^٢) انظر: أنوار التنزيل ج ٣/ ص ٣٢٧، والبحر المحيط ج ٥/ ص ٤٩٧، وإرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ١٨، وفتح البيان ج ٧/ ص ٤٨.\n(^٣) انظر: التفسير الكبير ج ١٩/ ص ٣٦.\n(^٤) إرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ١٨.","vol":"1","page":388},{"text":"<span data-type='title' id=toc-494>سورة إبراهيم -﵇</span>-\n<span data-type='title' id=toc-495>١٢١ - طلب الأمن مقدم على سائر المطالب؛ لأنه إذا انتفي الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ إبراهيم: ٣٥.\nقال الشوكاني -﵀-: (وقدم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفي الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا. وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في البقرة عند قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ (^٢) [البقرة: ١٢٦]، والفرق بين ما هنا وما هنالك أن المطلوب هنا مجرد الأمن للبلد، والمطلوب هنالك البلدية والأمن (^٣) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-496>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٥) -﵀- أن تقديم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفي الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا.\n_________\n(^١) وهو استنباط في مقاصد الشريعة.\n(^٢) وتمامها: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ … فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ … الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾.\n(^٣) قال الزمخشري: (فإن قلت: أي فرق بين قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾، وبين قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾؛ قلت: قد سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون، وفي الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن كأنه قال هو بلد مخوف فاجعله آمنا). الكشاف ج ٢/ ص ٥٢٣. ومثله في التفسير الكبير ج ١٩/ ص ١٠٤.\n(^٤) فتح القدير ج ٣/ ص ١١٢.\n(^٥) واستنبط غيره من قوله تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ استنباطات أخرى، منها:\n١) أن فيه دليلا على أن المؤمن لا ينبغي له أن يأمن على إيمانه، وينبغي أن يكون متضرعا إلى الله ليثبته على الإيمان كما سأله إبراهيم لنفسه ولبنيه الثبات على الإيمان. انظر: بحر العلوم ج ٢/ ص ٢٤٥.\n٢) فيه دليل على أن عصمة الأنبياء بتوفيق الله وحفظه إياهم، وهو بظاهره لا يتناول أحفاده وجميع ذريته. انظر: أنوار التنزيل ج ٣/ ص ٣٥١.","vol":"1","page":389},{"text":"ووجه الاستنباط: أن إبراهيم -﵇- سأل الله تعالى مسائل عدة، ودعاه بدعوات جعل أولها طلب الأمن، فقدم الأمن على غيره من المطالب الهامة؛ فدل بدلالة التقديم على أن طلب الأمن مقدم على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفي الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا.\nوممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري. (^١).\nوالقرآن بخبره وأسلوبه دل على أهمية الأمن، ومن ذلك:\n١ - أنه وصف المكان هنا بالأمن، والأمن للسكان لا للمكان؛ فدل هذا الوصف على أهمية الأمن وسيادته (^٢).\n٢ - تكرار طلبه من خليل الله إبراهيم -﵇-، إذ طلبه مع البلدية أولا في سورة البقرة، ثم طلبه ثانيا هنا بعد أن تحققت البلدية. قال الآلوسي: (وأعاد سؤاله- أي الأمن في هذه الآية- دون البلدية رغبة في استمراره لأنه المقصد الأصلي، أو لأن المعتاد في البلدية الاستمرار بعد التحقق بخلافه، وإما غيره بأن يكون المسئول أولا مجرد الأمن المصحح للسكنى، وثانيا الأمن المعهود) (^٣).\n_________\n(^١) انظر: فتح البيان ج ٧/ ص ١٢١، وحدائق الروح والريحان ج ١٤/ ص ٤١٦.\n(^٢) انظر: زهرة التفاسير ج ٨/ ٤٠٣٥.\n(^٣) روح المعاني ج ١/ ص ٣٨١.","vol":"1","page":390},{"text":"<span data-type='title' id=toc-497>سورة الحجر</span>\n<span data-type='title' id=toc-498>١٢٢ - في ذكر مد الله للأرض رد على من زعم أنها كالكرة </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩)﴾ الحجر: ١٩.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ أي: بسطناها وفرشناها كما في قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النازعات: ٣٠]، وفي قوله: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾ [الذاريات: ٤٨]. وفيه رد على من زعم أنها كالكرة) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-499>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- أن في الآية ردا على من زعم أن الأرض كالكرة.\nووجه الاستنباط: من قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ أي: بسطناها؛ إذ دل مد الأرض على أنها بسيطة لا كرة.\nقال القرطبي: (قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ هذا من نعمه أيضا، ومما يدل على كمال قدرته. قال ابن عباس: بسطناها على وجه الماء. كما قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ أي: بسطها، وقال: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾. وهو يرد على من زعم أنها كالكرة وقد تقدم (^٣) (^٤).\nفالقرطبي ممن ينفي كروية الأرض، فإنه قال -قبل هذا عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)﴾ [الرعد: ٣]-: (في هذه الآية رد على من زعم أن الأرض كالكرة) (^٥).\n_________\n(^١) وهو استنباط فائدة علمية.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ١٢٦.\n(^٣) يعني قوله- عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ … الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)﴾ الرعد: ٣ - (في هذه الآية رد على من زعم أن الأرض كالكرة).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن ج ١٠/ ص ١٤.\n(^٥) الجامع لأحكام القرآن ج ٩/ ص ٢٣٩.","vol":"1","page":391},{"text":"وقريبا من قول القرطبي قول ابن عطية- في آية سورة الرعد أيضا-: (وقوله: ﴿مَدَّ الْأَرْضَ﴾ يقتضي أنها بسيطة لا كرة، وهذا هو ظاهر الشريعة، وقد تترتب لفظة المد والبسط مع التكوير، والله أعلم) (^١).\nوقول ابن جزي- في آية سورة الرعد أيضا-: (﴿مَدَّ الْأَرْضَ﴾ يقتضي أنها بسيطة لا مكورة، وهو ظاهر الشريعة، وقد يترتب لفظ البسط والمد مع التكوير؛ لأن كل قطعة من الأرض ممدودة على حدتها وإنما التكوير لجملة الأرض) (^٢).\nوقول القنوجي- في آية سورة الرعد أيضا-: (قيل: وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كرويتها في نفسها لتباعد أطرافها (^٣)، وبه قال أهل الهيئة، والله أخبر أنه مد الأرض، وأنه دحاها، وبسطها، وأنه جعلها فراشا، وكل ذلك يدل على كونها مسطحة كالأكف، وهو أصدق قيلا، وأبين دليلا من أصحاب الهيئة) (^٤).\nوقوله في آية الحجر: (وفيه رد على من زعم أنها كالكرة) (^٥).\nوخالف آخرون فقالوا بكروية الأرض، منهم: الخازن، والآلوسي، والبروسوي، والسعدي، والشنقيطي، وابن عثيمين (^٦). بل نقل ابن تيمية الإجماع على هذا القول، فقال: (اعلم أنّ الأرض قد اتفقوا على أنها كرية الشكل) (^٧).\n_________\n(^١) المحرر الوجيز ص ١٠٢٧، ١٠٢٨. وقال عند قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩)﴾ [نوح: ١٩]: (وقوله تعالى: ﴿بِسَاطًا﴾ يقتضي ظاهره أن الأرض بسيطة وغير كروية، واعتقاد أحد الأمرين غير قادح في نفسه، اللهم إلا أن يتركب على القول بالكروية نظر فاسد، وأما اعتقاد كونها بسيطة فهو ظاهر كتاب الله تعالى وهو الذي لا يلحق عنه فساد البتة). ص ١٩٠٣. وقال عند قوله تعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ … سُطِحَتْ (٢٠)﴾ [الغاشية: ٢٠]: (وظاهر هذه الآية أن الأرض سطح لا كرة، وهو الذي عليه أهل العلم، والقول بكريتها وإن كان لا ينقص ركنا من أركان الشرع، فهو قول لا يثبته علماء الشرع) ص ١٩٧٣.\n(^٢) التسهيل لعلوم التنزيل ج ٢/ ص ١٣٠.\n(^٣) هذا قول النيسابوري في غرائب القرآن ورغائب الفرقان ج ٧/ ص ٢٥٢.\n(^٤) فتح البيان ج ٧/ ص ١٢.\n(^٥) المصدر السابق ج ٦/ ص ١٥٧.\n(^٦) انظر: لباب التأويل ج ٣/ ص ٩٨، روح المعاني ج ١٤/ ص ٢٨، وج ٢٦/ ص ١٧٦، وروح البيان ج ٤/ ص ٣٥٦، وتيسير الكريم الرحمن ص ٩٢٢، ٩٢٣، وأضواء البيان ج ٥/ ص ٥٤٨، ٥٤٩، وتفسير جزء عم لابن عثيمين ص ١١٠.\n(^٧) مجموع الفتاوى ج ٥/ ص ١٥٠.","vol":"1","page":392},{"text":"والقول بكروية الأرض هو الصواب. ولا يشكل عليه كون الناظر إلى الأرض يراها مبسوطة.\nقال الرازي: (فإن قيل: هل يدل قوله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ على أنها بسيطة؛ قلنا نعم؛ لأن الأرض بتقدير كونها كرة فهي كرة في غاية العظمة، والكرة العظيمة يكون كل قطعة صغيرة منها إذا نظر إليها فإنها ترى كالسطح المستوي، وإذا كان كذلك زال ما ذكروه من الإشكال، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧)﴾ [النبأ: ٧] سماها أوتادا مع أنه قد يحصل عليها سطوح عظيمة مستوية فكذا ههنا) (^١).\nوقال الآلوسي: (والظاهر أن المراد بسطها وتوسعتها ليحصل بها الانتفاع لمن حلها، ولا يلزم من ذلك نفي كرويتها؛ لما أن الكرة العظيمة لعظمها ترى كالسطح المستوي) (^٢).\nوقال أيضا- عند قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ … زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧)﴾ [ق: ٧]-: (﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ بسطناها، وهو لا ينافي كريتها التامة أو الناقصة من جهة القطبين لمكان العظم) (^٣).\nوقال السعدي - عند قوله تعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ [الغاشية: ٢٠]-: (﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ أي: مدت مدا واسعا، وسهلت غاية التسهيل؛ ليستقر العباد على ظهرها، ويتمكنوا من حرثها، وغراسها، والبنيان فيها، وسلوك طرقها. واعلم أن تسطيحها لا ينافي أنها كرة مستديرة قد أحاطت الأفلاك فيها من جميع جوانبها، كما دل على ذلك النقل، والعقل، والحس، والمشاهدة كما هو مذكور معروف عند كثير من الناس خصوصا في هذه الأزمنة التي وقف فيها الناس على أكثر أرجائها بما أعطاهم الله من الأسباب المقربة للبعيد، فإن التسطيح إنما ينافي كروية الجسم الصغير جدا الذي لو سطح لم يبق له استدارة تذكر، وأما جسم الأرض الذي هو كبير جدا وواسع، فيكون كرويا مسطحا، ولا يتنافى الأمران كما يعرف ذلك أرباب الخبرة) (^٤).\nكما ذكر الآلوسي دلالات على كرويتها فقال: واستدل بالآية على أنها مسطحة غير كرية. وذهب الأكثرون إلى أنها كرية، أما في الطول فلأن البلاد المتوافقة في العرض أو التي لا عرض لها كلما كانت أقرب إلى الغرب كان طلوع الشمس وسائر الكواكب عليها متأخرا بنسبة واحدة، ولا يعقل ذلك إلا في الكرة. وأما في العرض فلأن السالك في الشمال كلما أوغل فيه ازداد القطب ارتفاعا عليه بحسب إيغاله فيه على نسبة واحدة، بحيث يراه قريبا من سمت رأسه، وكذلك تظهر له الكواكب الشمالية، وتخفى عنه الكواكب الجنوبية، والسالك الواغل في الجنوب بالعكس من ذلك، وأما فيما بينهما فلتركب الأمرين. وأورد عليهم الاختلاف المشاهد في سطحها؛ فأجابوا عنه: بأن ذلك لا يقدح في أصل الكرية الحسية المعلومة بما ذكر، فإن نسبة ارتفاع أعظم الجبال على ما استقر عليه استقراؤهم، وانتهت إليه آراؤهم إلى قطر الأرض كنسبة سبع عرض شعيرة إلى ذراع. والحق الذي لا ينكره إلا جاهل أو متجاهل أن ما ظهر منها كرة حسا؛ ولذلك كرية الفلك، تختلف أوقات الصلاة في البلاد، فقد يكون الزوال ببلد ولا يكون ببلد آخر، وهكذا الطلوع والغروب وغير ذلك، وكرية ما عدا ما ذكر لا يعلمها إلا الله تعالى، نعم إنها لعظم جرمها الظاهر يشاهد كل قطعة وقطر منها كأنه مسطح، وهكذا كل دائرة عظيمة، وبذلك يعلم أنه لا تنافي بين المد وكونها كروية. وزعم ابن عطية أن ظاهر الشريعة يقتضي أنها مسطحة، وكأنه يقول بذلك وهو خلاف مايقتضيه الدليل (^٥).\n_________\n(^١) التفسير الكبير ج ١٩/ ص ١٣٥.\n(^٢) روح المعاني ج ١٤/ ص ٢٨.\n(^٣) روح المعاني ج ٢٦/ ص ١٧٦.\n(^٤) تيسير الكريم الرحمن ص ٩٢٢، ٩٢٣.\n(^٥) انظر: روح المعاني ج ١٣/ ص ٩٠، ٩١.","vol":"1","page":393},{"text":"ونبه ابن عثيمين إلى كروية الأرض عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣)﴾ [الانشقاق: ٣]، فقال: (هذه الأرض التي نحن عليها الآن هي غير ممدودة، أولا: أنها كرة مدورة، وإن كانت جوانبها الشمالية والجنوبية منفتحة قليلًا - أي ممتدة قليلًا - فهي مدورة الآن. ثانيا: ثم هي أيضًا معرجة فيها المرتفع جدًا، وفيها المنخفض، فيها الأودية، فيها السهول، فيها الرمال، فهي غير مستوية، لكن يوم القيامة ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣)﴾ أي: تمد مدًّا واحدًا كمد الأديم يعني: كمد الجلد، كأنما تفرش جلدًا أو سماطًا، تُمد حتى إن الذين عليها - وهم الخلائق - يُسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، لكن الآن لا ينفذهم البصر، لو امتد الناس على الأرض لوجدت البعيدين منخفضين لا تراهم لكن يوم القيامة إذا مُدت صار أقصاهم مثل أدناهم) (^١).\nلكن يشكل على استنباط الشوكاني هذا قوله في سورة الرعد-عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)﴾ [الرعد: ٣]-: (﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كريتها في نفسها لتباعد أطرافها) (^٢).\nفإنه يثبت في سورة الرعد كروية الأرض، بينما ينفيها في سورة الحجر.\nويمكن توجيه هذا التعارض بأحد وجهين:\nفإما أنه ممن يرى كروية الأرض.\nويدل عليه أنه مع تأثره الشديد بالقرطبي إلا أنه لم يوافقه على رأيه في نفي كروية الأرض من آية سورة الرعد فقد قال القرطبي -عندها-: (في هذه الآية رد على من زعم أن الأرض كالكرة) (^٣).\n_________\n(^١) تفسير جزء عم ص ١١٠.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٦٤. وقد نقل الشوكاني قبله قولا للأصم، فقال: (وقال الأصم: إن المد هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه. وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كريتها في نفسها لتباعد أطرافها). فإن قيل: قد يكون الكلام كله للأصم فنقله الشوكاني؛ قلت: قول الشوكاني: (وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كريتها في نفسها لتباعد أطرافها) ليس من تمام كلام الأصم، إذ ليس موجودا في تفسيره للآية في ص ٢٤، وص ٨٢، وكذلك لم ينقله الرازي عن الأصم-مع أنه ينقل عنه كثيرا-، فلم يبق إلا أن يكون من كلام الشوكاني.\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن ج ٩/ ص ٢٣٩.","vol":"1","page":394},{"text":"وأما الشوكاني فإنه قال: (وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كريتها في نفسها لتباعد أطرافها) (^١).\nوإما أن يكون الشوكاني ممن ينفي كروية الأرض.\nويكون توجيه قوله الأخير الذي يثبت به كروية الأرض بأنه سقط منه لفظ: (وقيل)، إذ أصل كلامه: (وقيل: هذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كريتها في نفسها لتباعد أطرافها)، وهذا ما نقله القنوجي (^٢).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٣/ ص ٦٤.\n(^٢) انظر: فتح البيان ج ٧، ص ١٢. وقد تقدم قوله في أول هذا الاستنباط. وإن صح هذا التوجيه فإنه يظهر أهمية الرجوع إلى تفسير القنوجي وموازنته بتفسير الشوكاني.","vol":"1","page":395},{"text":"<span data-type='title' id=toc-500>سورة النحل</span>\n<span data-type='title' id=toc-501>١٢٣ - ركوب الخيل والبغال والحمير هو المعتبر في المقصود، بخلاف التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود بالذات </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ النحل: ٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (ولم يقل لتتزينوا بها حتى يطابق لتركبوها؛ لأن الركوب فعل المخاطبين، والزينة فعل الزائن وهو الخالق، والتحقيق فيه أن الركوب هو المعتبر في المقصود، بخلاف الزينة فإنه لا يلتفت إليه أهل الهمم العالية؛ لأنه يورث العجب، فكأنه سبحانه قال خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر، ولكنه غير مقصود بالذات) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-502>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- أن ركوب الخيل والبغال والحمير هو المعتبر في المقصود، بخلاف التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود بالذات.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: ﴿وَزِينَةً﴾، ولم يقل لتتزينوا بها حتى يطابق لتركبوها؛ لأن الركوب فعل المخاطبين، والزينة فعل الزائن وهو الخالق؛ فدل ذلك بدلالة تغيير النظم على أن الركوب هو المعتبر في المقصود، بخلاف الزينة فإنه لا يلتفت إليه أهل الهمم العالية؛ لأنه يورث العجب، فكأنه سبحانه قال خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر، ولكنه غير مقصود بالذات.\nقال البيضاوي: (وتغيير النظم لأن الزينة بفعل الخالق، والركوب ليس بفعله، ولأن المقصود من خلقها الركوب، وأما التزين بها فحاصل بالعرض) (^٤).\n_________\n(^١) وهو استنباط تربوي.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ١٤٩.\n(^٣) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) تحريم أكل لحوم الخيل، بدلالة الاقتران. انظر: الإشارات الإلهية ج ٢/ ص ٣٦٣، والإكليل ج/ ص ٩٠٠، ومنهج الاستنباط من القرآن ص ٣٣٣، ٣٣٤.\n٢) تحريم الخيل والبغال والحمير بدليل الخطاب؛ لأن تخصيصها بالركوب دليل على أنه لا يجوز أكلها. انظر: أحكام القرآن لابن الفرس ج ٣/ ص ٢٤٢، ٢٤٣، وأحكام القرآن للكيا ج ٤/ ص ٢٤٢. وهذان الاستنباطان من الاستنباطات التي ردها الشوكاني انظر: فتح القدير ج ٣/ ص ١٤٩.\n٣) عدم وجوب الزكاة في الخيل.؛ لأنه قرن بين الخيل والبغال والحمير، والبغال والحمير لا زكاة فيها إجماعا؛ فدل بدلالة الاقتران على أنه لا زكاة فيها. انظر: الإكليل ج/ ص ٩٠١، ومنهج الاستنباط من القرآن ص ٣٣٤.\n(^٤) أنوار التنزيل ج ٣/ ص ٣٨٧.","vol":"1","page":396},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: ابن المنير، والبيضاوي-كما تقدم-، والقنوجي، والقاسمي. (^١). وحكاه الآلوسي (^٢).\nوهذا الاستنباط من حيث النظر إلى سر تغيير النظم صحيح. وفيه حث على علو الهمة، والنظر إلى الأنفع، والتحذير من الميل إلى الدنيا ولذاتها.\nلكن يتنبه إلى أن اتخاذ الخيل والبغال والحمير زينة جائز؛ لأن ذكر التزين في معرض الامتنان دال على أنه نعمة، فاتخاذها زينة دون خيلاء جائز؛ لأن التجمل بالملابس والمراكب لا مانع منه شرعا، وهو لا ينافي أن يكون لخلقها حكم أهم، كالجهاد عليها، وسفر الطاعات (^٣).\nقال القرطبي: (وهذا الجمال والتزيين وإن كان من متاع الدنيا فقد أذن الله سبحانه لعباده فيه) (^٤).\nولذا استنبط القصاب أن اتخاذها زينة ليس من الدنيا المذمومة، فقال: (قوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ دليل على أن طلب الجمال والزينة إذا عري صاحبها من الفخر والخيلاء. وأراد بهما إظهار نعمة الله عليه ليس بمؤثر في نسك الناسك، وليس من الدنيا المذمومة. ألا ترى أنه ﷻ جعل ذلك في عداد النعمة على خلقه) (^٥).\nوليس في استعمالها زينة دون خيلاء ما يشين؛ إذ فرق بين اتخاذها زينة، والخيلاء بها. قال الشيخ محمد أبو زهرة: بعد أن ذكر سبحانه نعمته في الأنعام، وما تتخذ منها من منافع وما يكون فيها، ذكر نعمه في غيرها مما لا يشمله اسمها، وكان العرب يجدون فيها متاعا، وهي الخيل والبغال والحمير، فإن فيها نعمة التمكين من ركوبها، أو نعمة أنها تتخذ زينة لهم في غدوهم ورواحهم، وقد قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤]، فالخيل المسومة من زينة الحياة، فالخيل ومثلها البغال والحمير تتخذ زينة، والزينة هي ما يكون في الخيل من راحة للنفس، وفرق بين اتخاذها زينة والخيلاء بها، فإن الخيلاء تفسد القلب، أما التزين، أو طلب ما يكون فيه زينة فإنه لا شيء يمس القلب ليفسده (^٦).\n_________\n(^١) انظر: الانتصاف ج ٢/ ص ٥٥٧، وأنوار التنزيل ج ٣/ ص ٣٨٧، وفتح البيان ج ٧/ ص ٢١١، ومحاسن التأويل ج ٦/ ص ٣٥٢.\n(^٢) روح المعاني ج ١٤/ ص ١٠١.\n(^٣) مستفاد من المصدر السابق ج ١٤/ ص ١٠١.\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن ج ١٠/ ص ٧٤.\n(^٥) نكت القرآن ج ٢/ ص ٤٦.\n(^٦) انظر: زهرة التفاسير ج ٨/ ص ٤١٣٥.","vol":"1","page":397},{"text":"بل يمكن القول بأن الآية دلت دلالة ظاهرة على الجواز. قال السعدي: (﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ أي: تارة تستعملونها للضرورة في الركوب، وتارة لأجل الجمال والزينة) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-503>١٢٤ - وصف السمك بالطراوة للإشعار بلطافته، والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد بسرعة </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾ النحل: ١٤.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ المراد به السمك، ووصفه بالطراوة للإشعار بلطافته، والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد بسرعة) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-504>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٤) -﵀- أن وصف السمك بالطراوة للإشعار بلطافته، والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد بسرعة.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى وصف السمك بالطراوة دون غيرها من الأوصاف، وفي الطراوة ما يدل على لطافته، والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد بسرعة.\nوممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والبقاعي، والشربيني، والقنوجي، والهرري. (^٥).\nوفي هذا الاستنباط دلالة على تنوع موضوعات الاستنباط عند الشوكاني، إذ لم تقتصر الاستنباطات على الفقه، والتربية ونحوهما، بل شملت ما فيه صلاح البدن ونفعه، والتحذير مما يضر به من مطعومات.\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن ص ٤٣٦.\n(^٢) وهو استنباط طبي.\n(^٣) فتح القدير ج ٣/ ص ١٥٣.\n(^٤) واستنبط غيره إباحة أكل السمك ما طفا منه، وما انحسر منه، إذ ممكن أن يكون طفوه من فور خروج نفسه، والانحسار عنه كذلك، فلا يزول اسم الطري عنه. انظر: نكت القرآن ج ٢/ ص ٤٨، ٤٩.\n(^٥) انظر: الكشاف ج ٢/ ص ٥٥٩، ونظم الدرر ج ٤/ ص ٢٥٣، والسراج المنير ج ٢/ ص ٢٤٧، وفتح البيان ج ٧/ ص ٢١٩، وحدائق الروح والريحان ج ١٥/ ص ١٥٩.","vol":"1","page":398},{"text":"<span data-type='title' id=toc-505>١٢٥ - مناسبة ختم ذكر كثرة النعم والقصور عن إحصائها بمغفرة الله ورحمته؛ لبيان أن الله لا يؤاخذ بالغفلة عن شكر نعمه، والقصور عن إحصائها </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ النحل: ١٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (وما أحسن ما ختم به هذا الامتنان الذي لا يلتبس على إنسان، مشيرا إلى عظيم غفرانه وسعة رحمته فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ أي: كثير المغفرة والرحمة، لا يؤاخذكم بالغفلة عن شكر نعمه، والقصور عن إحصائها، والعجز عن القيام بأدناها، ومن رحمته إدامتها عليكم، وإدرارها في كل لحظة، وعند كل نفس تتنفسونه، وحركة تتحركون بها) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-506>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- أن مناسبة ختم ذكر كثرة النعم والقصور عن إحصائها بمغفرة الله ورحمته؛ بيان أن الله لا يؤاخذ بالغفلة عن شكر نعمه، والقصور عن إحصائها.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر كثرة النعم والقصور عن إحصائها، ثم ختم ذلك بذكر مغفرته ورحمته دون غيرهما من الأسماء والصفات؛ فدل ذلك بدلالة تأمل خاتمة الآية والربط بينها وبين الآية على أن الله لا يؤاخذ بالغفلة عن شكر نعمه، والقصور عن إحصائها.\nوممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والرازي، وأبو حيان، والبقاعي، والقنوجي، والهرري. (^٤).\nومن أراد أن يعرف تقصيره، وقصوره عن شكر أدنى نعمة نظر في نفسه، فكل جزء من أجزاء بدن الإنسان لو ظهر فيه أدنى خلل لنغص العمر على الإنسان، وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل، ثم إنه سبحانه يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الملائم له، مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا بمصالحه ومفاسده، فهذا مثال تقاس عليه سائر نعم الله تعالى حتى يعرف الإنسان تقصيره، وقصوره عن شكر أدنى نعمة فضلًا عن جميعها (^٥).\n_________\n(^١) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ١٥٤.\n(^٣) واستنبط الشنقيطي من الآية أن المفرد إذا كان اسم جنس وأضيف إلى معرفة فإنه يعم؛ لأن نعمة الله مفرد أضيف إلى معرفة فعم النعم. انظر: أضواء البيان ج ٢/ ص ١٣٧.\n(^٤) انظر: الكشاف ج ٢/ ص ٥٦١، والتفسير الكبير ج ٢٠/ ص ١٣، والبحر المحيط ج ٥/ ص ٦١٧، ونظم الدرر ج ٤/ ص ٢٥٦، وفتح البيان ج ٧/ ص ٢٢٤، وحدائق الروح والريحان ج ١٥/ ص ١٦٧.\n(^٥) انظر: غرائب القرآن ورغائب الفرقان ج ٧/ ص ٤٦٦.","vol":"1","page":399},{"text":"<span data-type='title' id=toc-507>١٢٦ - أمرُ الله بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهيه عن الفحشاء والمنكر والبغي دليل على وجوب الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ النحل: ٩٠.\nقال الشوكاني -﵀-: (وهذه الآية هي من الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-508>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- من الآية وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وهذا كله أمر بالمعروف، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وهذا نهي عن المنكر؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الله تعالى على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.\nقال القرطبي: (تضمنت هذه الآية الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر) (^٣).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي-كما تقدم-، والقنوجي. (^٤).\nويؤيده أنه قد قوبل في الآية الأمر بالنهي، وكل من المأمور به بكل من المنهي عنه، وجمع بين الأمر والنهي، مع أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده؛ فدل ذلك على الاعتناء بالأمر بكل معروف، وكذلك الاعتناء بالنهي عن كل منكر.\n\n<span data-type='title' id=toc-509>١٢٧ - عمل الكافر لا اعتداد به </span>(^٥).\nقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ النحل: ٩٧.\nقال الشوكاني -﵀-: (وجملة: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ في محل نصب على الحال، جعل سبحانه الإيمان قيدا في الجزاء المذكور؛ لأن عمل الكافر لا اعتداد به لقوله سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]) (^٦).\n_________\n(^١) وهو استنباط فقهي.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ١٨٨.\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن ج ١٠/ ص ١٥٠.\n(^٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٠/ ص ١٥٠، وفتح البيان ج ٧/ ص ٣٠٣.\n(^٥) وهو استنباط عقدي.\n(^٦) فتح القدير ج ٣/ ص ١٩٣.","vol":"1","page":400},{"text":"<span data-type='title' id=toc-510>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- أن عمل الكافر لا اعتداد به.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى وعد من عمل صالحا بالحياة الطيبة، والجزاء بالجنة، وقيد الاعتداد بهذا العمل بالإيمان؛ فدل بمفهوم المخالفة-مفهوم القيد- على أن من لم يكن مؤمنا فإنه ليس موعودا بهذه الجنة، ولا اعتداد بعمله.\nقال البيضاوي: (﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ حال شرط اقتران العمل بها في استدعاء الثواب المذكور، وتنبيها على أنه لا اعتداد به دونه فيه) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي-كما تقدم-، وأبو السعود، والبروسوي، والآلوسي، والقنوجي، والشنقيطي. (^٢).\nوالإيمان أحد شروط العمل الصالح، قال الشنقيطي: (اعلم أن القرآن العظيم دل على أن العمل الصالح هو ما استكمل ثلاثة أمور:\nالأول: موافقته لما جاء به النبي -ﷺ-؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (^٣) [الحشر: من الآية ٧].\nالثاني: أن يكون خالصا لله تعالى؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ (^٤) [البينة: من الآية ٥]، و﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٤ - ١٥].\nالثالث: أن يكون مبنيا على أساس العقيدة الصحيحة؛ لأن الله يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾، فقيد ذلك بالإيمان، ومفهوم مخالفته أنه لو كان غير مؤمن لما قبل منه ذلك العمل الصالح) (^٥).\n_________\n(^١) أنوار التنزيل ج ٢/ ص ٢٥٨.\n(^٢) انظر: أنوار التنزيل ج ٢/ ص ٢٥٨، وإرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ١٣٩، وروح البيان ج ٥/ ص ٧٩، وروح المعاني ج ١٤/ ص ٢٢٦، وفتح البيان ج ٧/ ص ٣١٢، وأضواء البيان ج ٢/ ص ١٨٩.\n(^٣) وتمامها: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ … لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾.\n(^٤) وتمامها: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾.\n(^٥) أضواء البيان ج ٢/ ص ١٨٩.","vol":"1","page":401},{"text":"<span data-type='title' id=toc-511>١٢٨ - مناسبة ذكر الاستعاذة عقب العمل الصالح والجزاء عليه </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ النحل: ٩٧ - ٩٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (ثم لما ذكر سبحانه العمل الصالح والجزاء عليه أتبعه بذكر الاستعاذة التي تخلص بها الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية، فقال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ والفاء لترتيب الاستعاذة على العمل الصالح. وقيل: هذه الآية متصلة بقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٢) [النحل: من الآية ٨٩]، والتقدير: فإذا أخذت في قراءته فاستعذ (^٣) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-512>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٥) -﵀- أن مناسبة ذكر الاستعاذة بعد ذكر العمل الصالح والجزاء عليه؛ أن بالاستعاذة تخلص الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية.\n_________\n(^١) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٢) وتمامها: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ … أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾.\n(^٣) هذا قول القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ج ١٠/ ص ١٥٦. وهذا مثال لما خالف فيه الشوكاني القرطبي في الاستنباط. ولعله يصح أن يكون مثالا للتكلف الذي يأباه الشوكاني في تطلب المناسبة؛ لأن فيه ربطا للآية بآية بعيدة عنها في الترتيب، وإهمالا لمناسبتها للآية المتصلة بها.\n(^٤) فتح القدير ج ٣/ ص ١٩٣.\n(^٥) واستنبط الآلوسي أن في الآية درءا للمفاسد وجلبا للمصالح، فقوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ إشارة إلى درء المفاسد، وقوله سبحانه: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إشارة إلى جلب المصالح، ثم قال: ولكون الأول أهم قدم فليتأمل. انظر: روح المعاني ج ١٤/ ص ٢٢٨.","vol":"1","page":402},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله ذكر العمل الصالح والجزاء عليه، ثم أتبعه بذكر الاستعاذة، واتصال الآيتين، والربط بينهما دال على أن بالاستعاذة تخلص الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية.\nقال الرازي: (اعلم أنه لما قال قبل هذه الآية: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أرشد إلى العمل الذي به تخلص أعماله عن الوساوس، فقال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، وابن عادل الحنبلي، وأبو السعود، والشربيني، والآلوسي، والقنوجي. (^٢). وأشار البقاعي إلى مناسبة قريبة مما قالوه إذ جعل مناسبة ذكر الاستعاذة عقب العمل الصالح أن القرآن تلاوة وتفكرًا وعملًا بما ضمن أجل الأعمال الصالحة، فتسبب عن ذلك الأمر بأنه إذا قرئ هذا القرآن المنزل يستعاذ من الشيطان. ثم ذكر أن حاصل الأمر الالتجاء إليه تعالى في كل عمل صالح؛ لئلا يفسده الشيطان بوساوسه (^٣).\nورأى الزمخشري أن مناسبة ذكر الاستعاذة عقب العمل الصالح والجزاء عليه أن الاستعاذة من جملة الأعمال الصالحة، فقال: (لما ذكر العمل الصالح ووعد عليه وصل به قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ إيذانا بأن الاستعاذة من جمله الأعمال الصالحة التي يجزل الله عليها الثواب) (^٤).\nولا تزاحم بين ما ذكره الزمخشري، وما ذكره الشوكاني فكلاهما -والله أعلم- صحيح.\nأما ابن عاشور (^٥)، وقبله القرطبي (^٦) فقد جعلوا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ متصلا بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، فتكون المناسبة ظاهرة، وهي الأمر بالاستعاذة عند قراءة القرآن الذي هو تبيان.\n_________\n(^١) التفسير الكبير ج ٢٠/ ص ٩١.\n(^٢) انظر: التفسير الكبير ج ٢٠/ ص ٩١، واللباب ج ١٢/ ص ١٥٥،، وإرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ١٣٩، والسراج المنير ج ٢/ ص ٢٨٦، وروح المعاني ج ١٤/ ص ٢٢٨، وفتح البيان ج ٧/ ص ٣١٣.\n(^٣) انظر: نظم الدرر ج ٤/ ص ٣٠٩، ٣١٠.\n(^٤) الكشاف ج ٢/ ص ٥٩١. وبه قال البيضاوي في أنوار التنزيل ج ٣/ ص ٤١٩.\n(^٥) انظر: التحرير والتنوير ج ١٣/ ص ٢٢١.\n(^٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٠/ ص ١٥٦.","vol":"1","page":403},{"text":"وهذا الوجه من المناسبة على جعل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ من الموصول لفظا المفصول معنى؛ إذ اتصل لفظا بقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾، وانفصل عنه معنى.\nولا شك أن القول باتصال الآيتين: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ في المعنى أولى؛ وبه يصح ما استنبطه الشوكاني.\n\n<span data-type='title' id=toc-513>١٢٩ - الاستعاذة عند كل عمل آكد من الاستعاذة عند قراءة القرآن </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ النحل: ٩٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (وتخصيص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها؛ للتنبيه على أنها لسائر الأعمال الصالحة عند إرادتها أهم؛ لأنه إذا وقع الأمر بها عند قراءة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كانت عند إرادة غيره أولى) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-514>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- أن الاستعاذة عند كل عمل آكد من الاستعاذة عند قراءة القرآن.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بالاستعاذة عند قراءة القرآن، فخص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة؛ فدل مفهوم الموافقة- مفهوم الأولى- على أن الاستعاذة من الشيطان عند إرادة الأعمال الصالحة عند إرادتها أهم؛ لأنه إذا وقع الأمر بها عند قراءة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كانت عند إرادة غيره أولى.\nوممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والآلوسي، والقنوجي. (^٣).\nوبالنظر إلى الاستنباط السابق الذي استنبط فيه الشوكاني المناسبة بين قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ يمكن القول بأن استنباطه مناسبة ذكر الاستعاذة بعد ذكر العمل الصالح والجزاء عليه؛ أن بالاستعاذة تخلص الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية يناسب استنباطه هنا، فالمناسبة تدل على حاجة كل عمل للاستعاذة، وزاد هنا أن الاستعاذة عند كل عمل آكد من الاستعاذة عند قراءة القرآن.\n_________\n(^١) وهو استنباط في الدعوات والذكر.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ١٩٣، ١٩٤.\n(^٣) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ١٣٩، ١٤٠، وروح المعاني ج ١٤/ ص ٢٣٠، وفتح البيان ج ٧/ ص ٣١٤.","vol":"1","page":404},{"text":"<span data-type='title' id=toc-515>١٣٠ - مناسبة ذكر السبت، وما كان من خبر اليهود فيه عقب الحديث عن إبراهيم -﵇- بيان أن الله لم يجعله على إبراهيم -﵇</span>- (^١).\nقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)﴾ النحل: ١٢٠ - ١٢٤.\nقال الشوكاني -﵀-: (ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن اليهود كانوا يزعمون أن السبت من شرائع إبراهيم؛ فأخبر الله سبحانه أنه إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه، ولم يجعله على إبراهيم ولا على غيره) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-516>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- مناسبة ذكر السبت وما كان من خبر اليهود فيه عقب الحديث عن إبراهيم -﵇- بيان أن الله لم يجعله على إبراهيم -﵇-.\nووجه الاستنباط: أن اليهود كانوا يزعمون أن السبت من شرائع إبراهيم؛ فأخبر الله سبحانه أنه إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه بعد أن ذكر إبراهيم -﵇-، وأثنى عليه، فذكر جعل السبت على الذين اختلفوا فيه عقب ذكر الآيات التي فيها خبر إبراهيم -﵇- دون غيرها من الآيات دال بدلالة الربط بين الآيات على أن الله لم يجعل السبت على إبراهيم -﵇-، ولا على غيره.\n_________\n(^١) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٢٠٣.\n(^٣) واستنبط غيره من الآيات استنباطات أخرى، منها:\n١) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ … أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾ حجة في تسمية العرب كثير المعاني باسم واحد، فالأمة تطلق على معاني كثيرة، لكنها هنا على معلم الخير يأتم الناس به في الهدى. انظر: نكت القرآن ج ٢/ ص ١٠٤، ١٠٥.\n٢) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ … حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ جواز اتباع الأفضل للمفضول. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٠/ ص ١٧٦.","vol":"1","page":405},{"text":"قال ابن جزي: (وتقتضي الآية أن السبت لم يكن من ملة إبراهيم ﵇) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: ابن جزي-كما تقدم-، والقنوجي، وابن عاشور، والهرري (^٢).\nوذكر القرطبي مناسبة أخرى، فقال: ﴿عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ يريد في يوم الجمعة، اختلفوا على نبيهم موسى -﵇-، ووجه الاتصال بما قبله أن النبي -ﷺ- أُمِر باتباع الحق، وحذر الله الأمة من الاختلاف عليه فيشدد عليهم كما شدد على اليهود (^٣). وبه قال البقاعي (^٤).\nولا تزاحم بينهما-والله أعلم- فالمناسبة الأولى باعتبار ذكر السبت وما كان من خبر اليهود فيه عقب الحديث عن إبراهيم -﵇-، والثانية باعتبار ذكر اختلاف اليهود على نبيهم -﵇- في يوم الجمعة -الذي هو من ملة إبراهيم -﵇- عقب الأمر للنبي محمد -ﷺ- باتباع الحق الذي هو ملة إبراهيم -﵇-.\n_________\n(^١) التسهيل لعلوم التنزيل ج ٢/ ص ١٦٤.\n(^٢) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل ج ٢/ ص ١٦٤، وفتح البيان ج ٧/ ص ٣٣٨، والتحرير والتنوير ج ١٣/ ص ٢٥٨، ٢٥٩، وحدائق الروح والريحان ج ١٥/ ص ٤٢٠.\n(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٠/ ص ١٧٧.\n(^٤) انظر: نظم الدرر ج ٤/ ص ٣٢٢.","vol":"1","page":406},{"text":"<span data-type='title' id=toc-517>سورة الإسراء</span>\n<span data-type='title' id=toc-518>١٣١ - عطاء الله إنما هو بمحض التفضل </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾ الإسراء: ٢٠.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي قوله: ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ إشارة إلى أن ذلك بمحض التفضل) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-519>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- أن عطاء الله إنما هو بمحض التفضل لا بطريق الاستيجاب، والاستحقاق بالسعي، والعمل الصالح (^٣).\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى بيَّن كمال رأفته وشمول رحمته فقال: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ﴾ أي: كل واحد من الفريقين نمد، أي: نزيده من عطائنا على تلاحق من غير انقطاع، نرزق المؤمنين والكفار، وأهل الطاعة وأهل المعصية، لا توثر معصية العاصي في قطع رزقه، ثم قال: ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾؛ فدلت مناسبة ذكر عطاء الله، والتنصيص عليه، واختيار لفظة عطاء دون غيرها على أن عطاء الله إنما هو بمحض التفضل، لا بطريق الاستيجاب، والاستحقاق بالسعي، والعمل الصالح.\nقال أبو السعود: (﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ متعلق بنمد، ومغن عن ذكر ما به الإمداد، ومنبه على أن الإمداد المذكور ليس بطريق الاستيجاب بالسعي والعمل، بل بمحض التفضل) (^٤).\nوممن قال بهذا الاستنباط: البقاعي، وأبو السعود-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري. (^٥).\n_________\n(^١) وهو استنباط في الرقائق.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٢١٧.\n(^٣) تقدم ما يقارب معناه معنى هذا الاستنباط عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ يونس: ١٠٧. حيث قال الشوكاني -﵀-: (﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ أي خير كان لم يستطع أحد أن يدفعه عنك، ويحول بينك وبينه كائنا من كان. وعبر بالفضل مكان الخير للإرشاد إلى أنه يتفضل على عباده بما لا يستحقونه بأعمالهم). فتح القدير ج ٢/ ص ٤٧٨.\n(^٤) إرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ١٦٥.\n(^٥) انظر: نظم الدرر ج ٤/ ص ٣٧٣، وإرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ١٦٥، وفتح البيان ج ٧/ ص ٣٧٢، وحدائق الروح والريحان ج ١٦/ ص ٦٤.","vol":"1","page":407},{"text":"وفي هذا الاستنباط تنبيه إلى عطاء الله الواسع الذي لا تناهي له، وإلى عظيم نعم الله على عباده؛ فإن أعمالهم كلها لا تساوي نعمة واحدة كنعمة البصر، فكيف بالنعم التي لا تعد ولا تحصى.\nكما أن فيه بيان لرحمة الله بعبيده جميعا، فهو سبحانه يعطي تفضلا منه، على ما عند العبيد من كفر، وقصور في العبادة، ومخالفة لأوامره.\n\n<span data-type='title' id=toc-520>١٣٢ - نهي الولد عن سائر ما يؤذي والديه من فعل، أو قول كان مساويا لكلمة (أف)، أو أشد منها </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ الإسراء: ٢٣.\nقال الشوكاني -﵀-: (… والحاصل أنه- يعني كلمة أف- اسم فعل ينبئ عن التضجر والاستثقال، أو صوت ينبئ عن ذلك. فنهى الولد عن أن يظهر منه ما يدل على التضجر من أبويه أو الاستثقال لهما، بهذا النهي يفهم النهي عن سائر ما يؤذيها بفحوى الخطاب، أو بلحنه كما هو متقرر في الأصول (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) وهو استنباط تربوي، واستنباط أصولي لتعلقه بدلالات الخطاب، وفي التفسير أيضا لشدة تعلقه بمقصود الآية.\n(^٢) تقدم بيان مفهوم الموافقه، وأقسامه، ومسمياته في الفصل الثاني من الباب الأول. وفي الآية اختلف الأصوليُّون في أنَّ دلالة هذا اللفظ على المنع من سائر أنواع الإيذاء دلالةٌ لفظيةٌ، أو دلالة مفهومة بالقياس، فقيل: إنها دلالة لفظية، لأنَّ أهل العرف، إذا قالوا: لا تقل لفلانٍ أفٍّ عنوا به أنَّه لا يتعرض له بنوعٍ من أنواع الأذى. وقيل: إنَّ هذا اللفظ، إنَّما دلَّ على المنعِ من سائر أنواعِ الأذى بالقياس الجليِّ. ورجح ابن عادل الحنبلي القياس، فقال: فالمنع من التأفيف إنما دلَّ على المنع من الضرب بالقياس الجليِّ، من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى؛ لأنَّ التأفيف غير الضرب، فالمنع من التأفيف لا يكون منعًا من الضرب، وأيضًا: المنع من التأفيف لا يستلزم المنع من الضرب عقلًا؛ لأنَّ الملك الكبير، إذا أخذ ملكًا عظيمًا كان عدُوًّا له فقد يقول للجلاَّد: إيَّاك أن تستخفَّ به أو تشافهه بكلمة موحشةٍ، لكن اضرب رقبته، وإذا كان هذا معقولًا في الجملة، علمنا أنَّ المنع من التأفيف يغاير المنع من الضرب، وغير مستلزم للمنع من الضرب في الجملة إلاَّ أنَّا علمنا في هذه الصورة: أنَّ المقصود من هذا الكلام المبالغة في تعظيم الوالدين؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾، فكانت دلالة المنع من التأفيف على المنع من الضرب بالقياس من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى. انظر: اللباب ج ١٢/ ص ٢٥٧، ٢٥٨. وبمثله قال الآلوسي في روح المعاني ج ١٥/ ص ٥٥. والنهي عن ذلك يدل على المنع من سائر أنواع الإيذاء قياسا جليا لأنه يفهم بطريق الأولى.\n(^٣) فتح القدير ج ٣/ ص ٢١٨.","vol":"1","page":408},{"text":"<span data-type='title' id=toc-521>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- من الآية نهي الولد عن سائر ما يؤذي والديه من فعل أو قول كان مساويا لكلمة (أف)، أو أشد منها.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى الولد عن أن يقول لوالده كلمة أف الدالة على السأم والضجر؛ فكل ما ساوى هذه الكلمة فهو منهي عنه بلحن الخطاب، أي: مفهوم الموافقة الذي المسكوت فيه مساو لحكم المنطوق.\nقال ابن عطية: (وجعل الله تعالى هذه اللفظة مثالا لجميع ما يمكن أن يقابل به الآباء مما يكرهون، فلم ترد هذه في نفسها وإنما هي مثال الأعظم منها والأقل، فهذا هو مفهوم الخطاب الذي المسكوت عنه حكمه حكم المذكور) (^١).\nوكل ما كان أشد منها من قول أو فعل كالضرب والحبس وغيرهما فهو منهي عنه بفحوى الخطاب، أي: مفهوم الموافقة الذي المسكوت فيه أولى بالحكم من المنطوق.\nقال السيوطي: (وأشار بالنهي عن ذكر (أف) إلى تحريم ما فوقه بطريق الأولى) (^٢).\nوقال الشنقيطي: (فالضرب المسكوت عنه أولى بالحكم الذي هو التحريم من التأفيف المنطوق به، مع القطع بنفي الفارق) (^٣).\nوكذلك استنبط الطوفي، وابن عاشور، ومحمد أبو زهرة (^٤) حكم المسكوت عنه الذي هو أولى بالحكم من المنطوق.\nفالآية إذًا دلت على النهي عن سائر ما يؤذي الوالدين من قول وفعل سواء أكان مساو لكلمة الأف، أو أشد منها.\nوقد نقل هذا الاستنباط القنوجي (^٥).\nوفي هذا الاستنباط مزية الجمع بين استنباط حكم المسكوت عنه المساوي لحكم المنطوق، والمسكوت عنه الذي هو أولى بالحكم من المنطوق؛ فإنه لم يقتصر على أحدهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-522>١٣٣ - المبذر كفور </span>(^٦).\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ الإسراء: ٢٧.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي هذه الآية تسجيل على المبذرين بمماثلة الشياطين، ثم التسجيل على جنس الشيطان بأنه كفور، فاقتضى ذلك أن المبذر مماثل للشيطان، وكل مماثل للشيطان له حكم الشيطان، وكل شيطان كفور، فالمبذر كفور) (^٧).\n_________\n(^١) المحرر الوجيز ص ١١٣٧.\n(^٢) الإكليل ج ٢/ ص ٩١٤،\n(^٣) أضواء البيان ج ٣/ ص ١١٨. قاله في سورة الأنبياء.\n(^٤) انظر: الإشارات الإلهية ج ٢/ ص ٣٩٣، والتحرير والتنوير ج ١٤/ ص ٥٧، وزهرة التفاسير ج ٨/ ص ٤٣٦٢.\n(^٥) انظر: فتح البيان ج ٧/ ص ٣٧٦.\n(^٦) وهو استنباط فائدة علمية.\n(^٧) فتح القدير ج ٣/ ص ٢٢١.","vol":"1","page":409},{"text":"<span data-type='title' id=toc-523>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^١) -﵀- أن المبذر كفور.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى سجل على المبذرين مماثلتهم الشياطين، ثم سجل على جنس الشيطان بأنه كفور- (^٢) -؛ فدل بدلالة الالتزام على أن المبذر كفور؛ لأنه مماثل للشيطان وله حكمه، وكل شيطان كفور.\nقال الرازي: (﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا … (٢٧)﴾ ومعنى كون الشيطان كفورا لربه: هو أنه يستعمل بدنه في المعاصي، والإفساد في الأرض، والإضلال للناس، وكذلك كل من رزقه الله تعالى مالا أو جاها فصرفه إلى غير مرضاة الله تعالى كان كفورا لنعمة الله تعالى، والمقصود أن المبذرين إخوان الشياطين بمعنى كونهم موافقين للشياطين في الصفة والفعل، ثم الشيطان كفور لربه؛ فيلزم كون المبذر أيضا كفورا لربه) (^٣).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، وابن عادل الحنبلي، والواحدي، والقنوجي. (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-524>١٣٤ - في النهي عن قربان الزنى بمباشرة مقدماته نهى عنه بالأولى </span>(^٥).\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ الإسراء: ٣٢.\nقال الشوكاني -﵀-: (… وفي النهي عن قربانه بمباشرة مقدماته نهى عنه بالأولى؛ فإن الوسيلة إلى الشيء إذا كانت حراما كان المتوسل إليه حراما بفحوى الخطاب) (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-525>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٧) -﵀- أن في النهي عن قربان الزنا بمباشرة مقدماته نهيا عنه بالأولى.\n_________\n(^١) واستنبط غيره مناسبة ذكر الربوبية في هذا المقام، والتعرض لوصف الربوبية، وذلك للإشعار بكمال عتوه، فإن كفران نعمة الرب مع كون الربوبية من قوى الدواعي إلى شكرها غاية الكفران ونهاية الضلال والطغيان. انظر: إرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ١٦٨، وروح المعاني ج ١٥/ ص ٦٣.\n(^٢) المقصود بالكفور هنا -كما قال ابن كثير- الجحود؛ لأنه أنكر نعمة الله عليه، ولم يعمل بطاعته، بل أقبل على معصيته ومخالفته. تفسير القرآن العظيم ج ٥/ ص ٦٩. قال الآلوسي: (ويشعر كلام بعضهم بجواز حمل الكفر هنا على ما يقابل الإيمان وليس بذاك). روح المعاني ج ١٥/ ص ٦٣.\n(^٣) التفسير الكبير ج ٢٠/ ص ١٥٥.\n(^٤) انظر: التفسير الكبير ج ٢٠/ ص ١٥٥، واللباب ج ١٢/ ص ٢٦٤، التفسير الوجيز ج ٢/ ص ٦٣٢، وفتح البيان ج ٧/ ص ٣٨١.\n(^٥) وهو استنباط فقهي، وفي التفسير أيضا لشدة تعلقه بمقصود الآية.\n(^٦) فتح القدير ج ٣/ ص ٢٢٣.\n(^٧) واستنبط غيره أن مناسبة توسيط النهي عن الزنا بين النهي عن قتل الأولاد، والنهي عن قتل النفس المحرمة على الإطلاق، هي باعتبار أن الزنا قتل للأولاد؛ لما أنه تضييع للأنساب، فإن من لم يثبت نسبه ميت حكما. انظر: إرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ١٧٠، وروح المعاني ج ١٥/ ص ٦٧.\nوذكر البقاعي مناسبة النهي عن الزنا عقب النهي عن قتل الأولاد، فقال: (لما كان في قتل الأولاد حظ من البخل، وفي فعل الزنا داعٍ من الإسراف، أتبعه به). نظم الدرر ج ٤/ ص ٣٧٨.","vol":"1","page":410},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله نهى عباده عن مقاربة الزنا، ومخالطة أسبابه ودواعيه، ومباشرة مقدماته؛ فدل ذلك بمفهوم الموافقة- مفهوم الأولى- وبقاعدة: الوسيلة إلى الشيء إذا كانت حراما كان المتوسل إليه حراما على النهي عن الزنا.\nويمكن القول بأن النهي عن قربه نهي عنه بدلالة الالتزام. قال أبو حيان: (فنهى عن قربان\nالزنا، واستلزم ذلك النهي عن الزنا) (^١).\nوهذا الاستنباط مبناه على سر اختيار النهي عن القرب دون النهي عن الزنا ذاته، وهو مقصود بلا شك، قال النسفي: (وهو نهى عن دواعي الزنا، كالمس والقبلة ونحوهما، ولو أريد النهي عن نفس الزنا لقال ولا تزنوا) (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري. (^٣).\nوفي النهي عن مقدماته بيان لخطورته وتشديد على النهي عنه؛ لأن الله لما نهى عن قربانه دل ذلك على خطورة الاقتراب فكيف بمباشرة الفعل ذاته.\nولذا كان النهي عن قربان الزنا أبلغ؛ لأن المقصود التحذير من كل ما يؤدي إليه.\nقال محمد أبو زهرة: وهذا يتضمن النهي عن كل ما يؤدي إلى الزنا، أو يظن أنه يؤدي إليه، كالقبلة، والملامسة، ورؤية الأجزاء المغرية من جسم المرأة، والرقص الذي يثير الغريزة، وأصوات النساء المغرية التي تتلوى فيها المرأة بما يثير ويدفع، ونشر الصور العارية، وغير ذلك مما نراه ونسمعه كل يوم، فكل ذلك منهي عنه، وهو حرام؛ لأنه قرب من الزنا أو ذريعة إليه، وكل ما كان حراما في ذاته فذريعته ممنوعة، وهذا باب يسمى في الفقه سد الذرائع، فكل ما يؤدي إلى حرام لذاته يكون حراما لأنه يؤدي إليه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-526>١٣٥ - إنكار الكفار أن يكون الرسول بشرا ليس إلا مجرد قول قالوه بأفواههم لا دليل عليه ولا برهان </span>(^٥).\nقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ الإسراء: ٩٤.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ أي: ما منعهم إلا قولهم، فهو في محل رفع على أنه فاعل منع، والهمزة في ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ للإنكار منهم أن يكون الرسول بشرا، والمعنى: أن هذا الاعتقاد الشامل لهم وهو إنكار أن يكون الرسول من جنس البشر هو الذي منعهم عن الإيمان بالكتاب وبالرسول. وعبر عنه بالقول للإشعار بأنه ليس إلا مجرد قول قالوه بأفواههم) (^٦).\n_________\n(^١) البحر المحيط ج ٦/ ص ٤٠.\n(^٢) مدارك التنزيل ج ٢/ ص ٤٥٢.\n(^٣) انظر: فتح البيان ج ٧/ ص ٣٨٥، وحدائق الروح والريحان ج ١٦/ ص ٨٤.\n(^٤) انظر: زهرة التفاسير ج ٨/ ص ٤٣٧٥.\n(^٥) وهو استنباط عقدي لتعلقه بالرسالة.\n(^٦) فتح القدير ج ٣/ ص ٢٦٠.","vol":"1","page":411},{"text":"<span data-type='title' id=toc-527>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- أن إنكار الكفار أن يكون الرسول بشرا ليس إلا مجرد قول قالوه بأفواههم لا دليل عليه ولا برهان.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر عن الكفار مانعهم من الإيمان وهو إنكارهم أن يكون الرسول من جنس البشر عبر عن إنكارهم بالقول، فقال: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾، ولم يقل أن مانعهم اعتقادهم مع أنه هو المقصود؛ إذ هو المانع حقيقة، وليس المانع مجرد القول (^١)، لكنه عدل عنه إلى لفظ قولهم؛ فدل اختيار هذا اللفظ دون غيره على أن مناسبته للمقام دالة على أن إنكارهم ليس إلا مجرد قول قالوه بأفواههم، لا دليل عليه ولا برهان بل هو تحكم فاسد، وتعنت باطل، ولا يليق به أن يصل إلى درجة المعتقد؛ لبعد هذا الإنكار عن كل عاقل.\nقال أبو السعود: (وليس المراد أن هذا القول صدر عن بعضهم فمنع بعضا آخر منهم، بل المانع هو الاعتقاد الشامل للكل، المستتبع لهذا القول منهم، وإنما عبر عنه بالقول إيذانا بأنه مجرد قول يقولونه بأفواههم من غير أن يكون له مفهوم ومصداق) (^٢).\nوقال محمد أبو زهرة: (نفيهم لأن يكون البشر رسولا إنما هو قولهم لا حقيقة أمرهم، فهم لا يؤمنون بألا يكون البشر رسولا، ولكنهم يقولونه قولا من غير برهان ولا إيمان) (^٣).\nوممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود-كما تقدم-، والآلوسي، والقنوجي، ومحمد أبو زهرة كما تقدم. (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-528>١٣٦ - التعرض في أثناء الحمد لصفات جليلة؛ للإيذان بأن المستحق للحمد من له هذه الصفات </span>(^٥).\nقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ الإسراء: ١١١.\n_________\n(^١) قال أبو حيان: (وليس المراد مجرد القول، بل القول الناشئ عن اعتقاد). البحر المحيط ج ٦/ ص ١٠٣.\n(^٢) إرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ١٩٥.\n(^٣) زهرة التفاسير ج ٨/ ص ٤٤٥٩.\n(^٤) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ١٩٥، وروح المعاني ج ١٥/ ص ١٧١، وفتح البيان ج ٧/ ص ٤٥٥، ٤٥٦، وزهرة التفاسير ج ٨/ ص ٤٤٥٩.\n(^٥) وهو استنباط عقدي، وفي علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة) أيضا.","vol":"1","page":412},{"text":"قال الشوكاني -﵀-: (… وفي التعرض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة إيذان بأن المستحق للحمد من له هذه الصفات؛ لأنه القادر على الإيجاد وإفاضة النعم، لكون الولد مجبنة ومبخلة، ولأنه أيضا يستلزم حدوث الأب لأنه متولد من جزء من أجزائه، والمحدث غير قادر على كمال الإنعام، والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يقدر على الاستقلال به، ومن لا يقدر على الاستقلال عاجز فضلا عن تمام ما هو له فضلا عن نظام ما هو عليه، وأيضا الشركة موجبة للتنازع بين الشريكين فقد يمنعه الشريك من إفاضة الخير إلى أوليائه، ومؤدية إلى الفساد ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (^١) [الأنبياء: ٢٢]، والمحتاج إلى ولي يمنعه من الذل وينصره على من أراد إذلاله ضعيف لا يقدر على ما يقدر عليه من هو مستغنى بنفسه) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-529>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- من الآية أن مناسبة التعرض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة الإيذان بأن المستحق للحمد من له هذه الصفات دون غيره.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما أمر بحمده ذكر صفات جليلة له ﷿ دالة على تمام الكمال، والقدرة التامة على الإيجاد، وما يتفرع عليه من إضافة أنواع النعم؛ فدل بدلالة الربط بين أجزاء الآية على أن مناسبة ذكرها وكونه رتب الحمد عليها للدلالة على أنه الذي يستحق جنس الحمد؛ لأنه الكامل الذات، المنفرد بالإيجاد، المنعم على الإطلاق. وما عداه ناقص، مملوك نعمة، أو منعم عليه؛ ولذلك عطف عليه قوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ (^٤).\n_________\n(^١) وتمام الآية: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ … عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٢٦٦.\n(^٣) واستنبط غيره أن في قوله تعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ تنبيها على أن العبد وإن بالغ في التنزيه والتمجيد، واجتهد في الطاعة والتحميد فينبغي أن يعترف بالقصور. ووجهه: أن الله تعالى أمر بالتكبير بعد ما تقدم -من صفاته ﷿- مؤكَّدا بالمصدر المنكر من غير تعيين لما يعظم به تعالى؛ فدل ذلك على أنه مما لا تسعه العبارة، ولا تفي به القوة البشرية وإن بالغ العبد في التنزيه والتمجيد، واجتهد في العبادة والتحميد. انظر: أنوار التنزيل ج ٣/ ص ٤٧٣، وإرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ٢٠١، وروح المعاني ج ١٥/ ص ١٩٦.\n(^٤) بعضه مستفاد من أنوار التنزيل ج ٣/ ص ٤٧٣.","vol":"1","page":413},{"text":"قال أبو السعود: (وفي التعرض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة إيذان بأن المستحق للحمد من هذه نعوته دون غيره إذ بذلك يتم الكمال والقدرة التامة على الإيجاد وما يتفرع عليه من إضافة أنواع النعم وما عداه ناقص، مملوك نعمته، أو منعم عليه) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي، وأبو السعود-كما تقدم-، والقنوجي، وابن عاشور. (^٢).\n_________\n(^١) إرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ٢٠١.\n(^٢) انظر: أنوار التنزيل ج ٣/ ص ٤٧٣، وإرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ٢٠١، وفتح البيان ج ٧/ ص ٤٧٠، والتحرير والتنوير ج ١٤/ ص ١٨٨.","vol":"1","page":414},{"text":"<span data-type='title' id=toc-530>سورة الكهف</span>\n<span data-type='title' id=toc-531>١٣٧ - أقبح أنواع الكفر نسبة الولد إلى الله سبحانه </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ الكهف: ٢ - ٤.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ وهم اليهود، والنصارى، وبعض كفار قريش القائلون بأن الملائكة بنات الله. فذكر سبحانه أولا قضية كلية وهي إنذار عموم الكفار، ثم عطف عليها قضية خاصة هي بعض جزئيات تلك الكلية تنبيها على كونها أعظم جزئيات تلك الكلية؛ فأفاد ذلك أن نسبة الولد إلى الله سبحانه أقبح أنواع الكفر) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-532>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- أن أقبح أنواع الكفر نسبة الولد إلى الله سبحانه.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أولا قضية كلية وهي إنذار عموم الكفار، فقال: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي لينذر من كفر بالله ورسوله عموما، ثم عطف عليها قضية خاصة هي بعض جزئيات تلك الكلية، فقال: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ فخص القائلين بذلك مع دخولهم في الإنذار السابق (^٣)؛ فدل بدلالة عادة القرآن في أنه إذا ذكر قضية كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيها على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي؛ أي دل على أن نسبة الولد إلى الله سبحانه أقبح أنواع الكفر.\nقال الرازي: (اعلم أن قوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ معطوف على قوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾، والمعطوف يجب كونه مغايرا للمعطوف عليه، فالأول عام في حق كل من استحق العذاب، والثاني خاص بمن أثبت لله ولدا، وعادة القرآن جارية بأنه إذا ذكر قضية كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيها على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي، كقوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ (^٤) [البقرة: ٩٨]، فكذا هاهنا العطف يدل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله تعالى) (^٥).\n_________\n(^١) وهو استنباط عقدي.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٢٦٩.\n(^٣) ولذا لم يذكر المنذر به هنا لتقدم ذكره. قال الزمخشري: (فإن قلت: لم اقتصر على أحد مفعولي ينذر؛ قلتُ: قد جعل المنذر به هو الغرض المسبوق إليه فوجب الاقتصار عليه، والدليل عليه تكرير الإنذار في قوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ متعلقا بالمنذرين من غير ذكر المنذر به). الكشاف ج ٢/ ص ٦٥٧، ٦٥٨.\n(^٤) وتمامها: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾.\n(^٥) التفسير الكبير ج ٢١/ ص ٦٦.","vol":"1","page":415},{"text":"فقوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ هو من باب عطف الخاص على العام لشناعته وفظاعته. قال الشنقيطي: (وهذا من عطف الخاص على العام؛ لأن قوله:\n﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ شامل للذين قالوا اتخذ الله ولدا ولغيرهم من سائر الكفار. وقد تقرر في فن المعاني أن عطف الخاص على العام إذا كان الخاص يمتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة أو قبيحة من الإطناب المقبول، تنزيلا للتغاير في الصفات منزلة التغاير في الذوات. ومثاله في الممتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة قوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ (^١) [الأحزاب: ٧]. ومثاله في الممتاز بصفات قبيحة الآية التي نحن بصددها؛ فإن الذين قالوا اتخذ الله ولدا امتازوا عن غيرهم بفرية شنعاء، ولذا ساغ عطفهم على اللفظ الشامل لهم ولغيرهم) (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، وابن عادل الحنبلي، والقنوجي (^٣). وأشار إليه البيضاوي، وأبو السعود، والقاسمي، والشنقيطي. (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-533>١٣٨ - إمساك الإنسان بعض ما يحتاج إليه لا ينافي التوكل على الله </span>(^٥).\nقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)﴾ الكهف: ١٩.\n_________\n(^١) وتمامها: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾\n(^٢) أضواء البيان ج ٢/ ص ٣٣٦.\n(^٣) انظر: التفسير الكبير ج ٢١/ ص ٦٦، واللباب ج ١٢/ ص ٤٢١، وفتح البيان ج ٨/ ص ١٠.\n(^٤) انظر: أنوار التنزيل ج ٣/ ص ٤٧٦، وإرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ٢٠٣، ومحاسن التأويل ج ٧/ ص ٥، وأضواء البيان ج ٢/ ص ٣٣٦ ..\n(^٥) وهو استنباط عقدي.","vol":"1","page":416},{"text":"قال الشوكاني -﵀-: (وفي حملهم لهذه الورق معهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان لا ينافي التوكل على الله) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-534>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٢) -﵀- أن إمساك الإنسان بعض ما يحتاج إليه لا ينافي التوكل على الله.\nووجه الاستنباط: أن الفتية أصحاب الكهف قالوا بعد أن بعثهم الله من نومهم: … ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ أي أنهم مع قوة إيمانهم، وثقتهم بربهم، وتوكلهم عليه كانوا يحملون معهم وَرِقا، وكانت دراهم تزودوها حين خروجهم إلى الكهف لعلهم يحتاجون إليه؛ فدل بدلالة الاعتبار بقصص القرآن، والاقتداء بالصالحين على أن إمساك الإنسان بعض ما يحتاج إليه لا ينافي التوكل على الله.\nقال الرازي: (وهذه الآية تدل على أن السعي في إمساك الزاد أمر مهم مشروع، وأنه لا يبطل التوكل) (^٣).\nوقال الهرري: وفي قولهم: ﴿هَذِهِ﴾ إشارة إلى أن التأهب لأسباب المعاش بحمل الدراهم ونحوها لمن خرج من منزله لا ينافي التوكل على الله (^٤).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٣/ ص ٢٧٦.\n(^٢) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) في توكيل المبعوث لشراء الطعام بالورق دليل على الوكالة وصحتها. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٠/ ص ٣٢٦، والتسهيل لعلوم التنزيل ج ٢/ ص ١٨٤، والإكليل ج ٣/ ص ٩٢٧، وتيسير الكريم الرحمن ص ٤٧٣.\n٢) جواز الشركة؛ لأن الورق كان لجميعهم. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٠/ ص ٣٢٨، وتيسير الكريم الرحمن ص ٤٧٣.\n٣) جواز أكل الطيبات والمطاعم اللذيذة إذا لم تخرج إلى حد الإسراف المنهي عنه؛ لقوله: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ وخصوصا إذا كان الإنسان لا يلائمه إلا ذلك. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٤٧٣.\n٤) دل قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ على مشروعية استجادة الطعام واستطابته بأقصى ما يمكن؛ لصيغة التفضيل، فإن الغذاء الأزكى المتوفر فيه الشروط الصحيحة يفيد الجسم، ولا يتعبه؛ ولذلك يجب طبا الاعتناء بجودته وتزكيته، كما فصل في قوانين الصحة. انظر: محاسن التأويل ج ٧/ ص ١٥.\n٥) فيه دليل على جواز الاجتهاد، والقول بالظن الغالب. انظر: فتح البيان ج ٨/ ص ٢٧. وهذا مثال لما زاده القنوجي من استنباطات عما عند الشوكاني.\n(^٣) التفسير الكبير ج ٢١/ ص ٨٨.\n(^٤) حدائق الروح والريحان ج ١٦/ ص ٣٠٥.","vol":"1","page":417},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، وأبو حيان، وابن عادل الحنبلي، وأبو السعود، والقنوجي، والمراغي، والهرري كما تقدم. (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-535>١٣٩ - القول بأن أصحاب الكهف سبعة وثامنهم كلبهم أقرب إلى الصواب بدلالة عدم إدخالهم في سلك الراجمين بالغيب </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾ الكهف: ٢٢.\nقال الشوكاني -﵀-: (والرجم بالغيب هو القول بالظن والحدس من غير يقين. والموصوفون بالرجم بالغيب هم كلا الفريقين القائلين بأنهم ثلاثة، والقائلين بأنهم خمسة. ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ كأن قول هذه الفرقة أقرب إلى الصواب بدلالة عدم إدخالهم في سلك الراجمين بالغيب …) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-536>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٤) -﵀- أن القول بأن أصحاب الكهف سبعة وثامنهم كلبهم أقرب إلى الصواب بدلالة عدم إدخالهم في سلك الراجمين بالغيب.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما حكى قولهم: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، وقولهم: ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ أعقب ذلك بقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾، والرجم بالغيب هو القول بالظن والحدس من غير يقين، ولما حكى قولهم: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ لم يتبعه بإبطال؛ فدل عدم إدخالهم في سلك الراجمين بالغيب بدلالة المطرد من أسلوب القرآن-لو كان قولهم غير حق لرده القرآن- على أن القول الثالث أقرب إلى الصواب (^٥).\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير ج ٢١/ ص ٨٨، والبحر المحيط ج ٦/ ص ١٣٩، واللباب ج ١٢/ ص ٤٥٠، وإرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ٢١٤، وفتح البيان ج ٨/ ص ٢٧، وتفسير المراغي ج ١٥/ ص ١٣٢، وحدائق الروح والريحان ج ١٦/ ص ٣٠٥.\n(^٢) وهو استنباط فائدة علمية.\n(^٣) فتح القدير ج ٣/ ص ٢٧٨.\n(^٤) واستنبط غيره من الآية أنه لا يبحث في المسائل التي لا أهمية لها؛ إذ ليس المهم معرفة العدد بل المهم الاعتبار بالقصص؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾. انظر: تفسير المراغي ج ١٥/ ص ١٣٦، والتحرير والتنوير ج ١٥/ ص ٤٤، وحدائق الروح والريحان ج ١٦/ ص ٣٣٤.\n(^٥) انظر: منهج الاستنباط من القرآن ص ٣٤٠.","vol":"1","page":418},{"text":"قال ابن تيمية: (فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال ضعف القولين الأولين، وسكت عن الثالث؛ فدل على صحته؛ إذ لو كان باطلا لرده كما ردهما) (^١).\nوقال السيوطي: (وصف الأولين بالرجم بالغيب دون الثالث يدل على أنه مرضي وصحيح) (^٢).\nوقال القنوجي: (﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ ولم يقل هذا في السبعة، وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه) (^٣).\nوقد ذكر الرازي هذا الوجه، وأوجها أخرى تدل على هذا الاستنباط (^٤)، في بعضها ضعف كما ذكر، لكنه تعقبها بقوله: (واعلم أن هذه الوجوه وإن كان بعضها أضعف من بعض إلا\n_________\n(^١) مقدمة في أصول التفسير ص ٩٢.\n(^٢) الإكليل ج ٣/ ص ٩٢٨.\n(^٣) هذه العبارة ليست عند الشوكاني، ولعل القنوجي أفادها من الرازي إذ لم أقف عليها عند غيره فيما اطلعت عليه.\n(^٤) فقال: قال أكثر المفسرين: هذا الأخير هو الحق، ويدل عليه وجوه:\nالأول: أن الواو في قوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ﴾ هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالا عن المعرفة في نحو قولك: جاءني رجل ومعه آخر، ومررت بزيد وفي يده سيف. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ … مَعْلُومٌ (٤)﴾ [الحجر: ٤]، وفائدتها: توكيد ثبوت الصفة للموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، فكانت هذه الواو دالة على صدق الذين قالوا إنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، وأنهم قالوا قولا متقررا متحققا عن ثبات وعلم وطمأنينة نفس.\nالوجه الثاني: قالوا: إنه تعالى خص هذا الموضع بهذا الحرف الزائد وهو الواو، فوجب أن تحصل به فائدة زائدة صونا للفظ عن التعطيل، وكل من أثبت هذه الفائدة الزائدة قال: المراد منها تخصيص هذا القول بالإثبات والتصحيح.\nالوجه الثالث: أنه تعالى أتبع القولين الأولين بقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾، وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه؛ فوجب أن يكون المخصوص بالظن الباطل هو القولان الأولان، وأن يكون القول الثالث مخالفا لهما في كونهما رجما بالظن.\nوالوجه الرابع: أنه تعالى لما حكى قولهم: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ قال بعده: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، فإتباع القولين الأولين بكونهما رجما بالغيب، وإتباع هذا القول الثالث بقوله: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ يدل على أن هذا القول ممتاز عن القولين الأولين بمزيد القوة والصحة.\nوالوجه الخامس: أنه تعالى قال: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ وهذا يقتضي أنه حصل العلم بعدتهم لذلك القليل، وكل من قال من المسلمين قولا في هذا الباب قالوا إنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، فوجب أن يكون المراد من ذلك القليل هؤلاء الذين قالوا هذا القول.\nكان علي بن أبي طالب ﵁ يقول كانوا سبعة، وكان ابن عباس ﵄ يقول أنا من ذلك العدد القليل وكان يقول إنهم سبعة وثامنهم كلبهم.\nالوجه السادس: أنه تعالى لما قال: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ والظاهر أنه تعالى لما حكى الأقوال فقد حكى كل ما قيل من الحق والباطل؛ لأنه يبعد أنه تعالى ذكر الأقوال الباطلة ولم يذكر ما هو الحق؛ فثبت أن جملة الأقوال الحقة والباطلة ليست إلا هذه الثلاثة، ثم خص الأولين بأنهما رجم بالغيب، فوجب أن يكون الحق هو هذا الثالث.\nالوجه السابع: أنه تعالى قال لرسوله: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾ فمنعه الله تعالى عن المناظرة معهم، وعن استفتائهم في هذا الباب، وهذا إنما يكون لو علمه حكم هذه الواقعة، وأيضا أنه تعالى قال: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ ويبعد أن يحصل العلم بذلك لغير النبي ولا يحصل للنبي، فعلمنا أن العلم بهذه الواقعة حصل للنبي ﵇، والظاهر أنه لم يحصل ذلك العلم إلا بهذا الوحي؛ لأن الأصل فيما سواه العدم، وأن يكون الأمر كذلك، فكان الحق هو قوله: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾. واعلم أن هذه الوجوه وإن كان بعضها أضعف من بعض إلا أنه لما تقوى بعضها ببعض حصل فيه كمال وتمام والله أعلم. انظر: التفسير الكبير ج ٢١/ ص ٩٠، ٩١. وانظر مثله في اللباب ج ١٢، ص ٤٥٦، ٤٥٧.","vol":"1","page":419},{"text":"أنه لما تقوى بعضها ببعض حصل فيه كمال وتمام والله أعلم) (^١).\nفمجموع ما ذكره من أوجه يستأنس به في هذا المقام، وإن كان هذا من الاختلاف الذي لا فائدة تحته، ولا يحصل بمعرفة عددهم مصلحة للناس دينية ولا دنيوية، لكن المقصود معرفة وجه هذا الاستنباط، وبيان صحة الدلالة.\nوممن قال بهذا الاستنباط: النسفي، وأبو حيان، وابن كثير، والسيوطي-كما تقدم- والبروسوي، والقنوجي، والسعدي، والهرري. (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-537>١٤٠ - المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب </span>(^٣).\nقال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾ الكهف: ٦٦.\nقال الشوكاني -﵀-: (في هذا السؤال ملاطفة، ومبالغة في حسن الأدب؛ لأنه استأذنه أن يكون تابعا له على أن يعلمه مما علمه الله من العلم وفي الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب، وليس في ذلك ما يدل على أن الخضر أفضل من موسى، فقد يأخذ الفاضل عن الفاضل، وقد يأخذ الفاضل عن المفضول إذا اختص أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر، فقد كان علم موسى علم الأحكام الشرعية، والقضاء بظاهرها، وكان علم الخضر علم بعض الغيب، ومعرفة البواطن) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-538>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٥) -﵀- أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب.\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير ج ٢١/ ص ٩١.\n(^٢) انظر: مدارك التنزيل ج ٣/ ص ٢٠، والبحر المحيط ج ٦، ص ١٤٢، ١٤٣، وتفسير القرآن العظيم ج ٥/ ص ١٤٧، ١٤٨، والإكليل ج ٣/ ص ٩٢٨، وروح البيان ج ٥/ ص ٢١٧، وفتح البيان ج ٨/ ص ٣٢، وتيسير الكريم الرحمن ص ٤٧٤، وحدائق الروح والريحان ج ١٦/ ص ٣٣٣.\n(^٣) وهو استنباط تربوي.\n(^٤) فتح القدير ج ٣/ ص ٢٩٩.\n(^٥) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) جواز التعاقد على تعليم القرآن والعلم؛ لأن موسى تعاقد مع الخضر على أن يعلمه. انظر: التحرير والتنوير ج ١٥/ ص ١٠٦.\n٢) تواضع المتعلم لمن يتعلم منه ولو كان دونه في المرتبة، ووجهه: أن موسى -﵇- استأذن الخَضِر في إثباتِ التبعيَّة؛ كأنَّه قال: تأذنُ لي على أن أجعل نفسي تبعًا لك، وهذه مبالغةٌ عظيمةٌ في التواضع، كما أنه قال: ﴿تُعَلِّمَنِ﴾ وهذا إقرارٌ منه على نفسه بالجهل، وعلى أستاذه بالعلم، وكذلك قوله: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ﴾، وصيغة مِنْ للتبعيض، فطلب منه تعليم بعض ما علِّم، وهذا أيضًا إقرارٌ بالتواضع، كأنه يقول: لا أطلب منك أن تجعلني مساويًا لك في العلم، بل أطلب منك أن تعطيني جزءًا من الجزء ممَّا علِّمت. انظر: البحر المحيط ج ٦/ ص ١٨٤، واللباب ج ١٢/ ص ٥٣١، والإكليل ج ٣/ ص ٩٣٢.\n٣) استحباب طلب العلم حتى للعالم زيادة على ما عنده اقتداء بموسى -﵇-. انظر: الإشارات الإلهية ج ٢/ ٤٢٩.\n٤) استحباب السفر في طلب العلم اقتداء بموسى -﵇-. انظر: الإشارات الإلهية ج ٢/ ٤٢٩.","vol":"1","page":420},{"text":"ووجه الاستنباط: أن موسى -﵇- عندما أراد أن يتعلم من العبد الصالح سأله ملاطفة، ومبالغة في حسن الأدب؛ فاستأذنه أن يكون تابعا له على أن يعلمه مما علمه الله من العلم، فجعل نفسه تبعًا له فقال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ مع أن موسى -﵇- أفضل منه؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب.\nوالمتابعة هي الإتيان بمثل فعل الغير لأجل كونه فعلا لذلك الغير. قال الرازي: (المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل كونه فعلا لذلك الغير، قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ يدل على أنه يأتي بمثل أفعال ذلك الأستاذ لمجرد كون ذلك الأستاذ آتيا بها، وهذا يدل على أن المتعلم يجب عليه في أول الأمر التسليم، وترك المنازعة والاعتراض) (^١).\nوالمتابعة نوع من الأدب والتواضع الواجب على المتعلم، وقد راعى موسى -﵇- في سوق الكلام غاية التواضع معه، فأثبت كونه تبعا للعبد الصالح، واستأذنه في إثبات هذا التبعية، ثم طلب أن يعلمه، وهذا منه ابتداء بالخدمة، ثم في المرتبة الثانية طلب منه التعليم، وهذا مبالغة عظيمة في التواضع (^٢).\nفحق العالم على المتعلم أن يتبعه، وأن يقتدي به. قال ابن عاشور: (وفيه أيضا إشارة إلى أن حق المعلم على المتعلم اتباعه، والاقتداء به) (^٣).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، والقرطبي، والقنوجي، وابن عاشور-كما تقدم-، والهرري. (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-539>١٤١ - جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة </span>(^٥).\nقال تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)﴾ الكهف: ٧٧.\nوقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ … لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾ الكهف: ٨٢.\n_________\n(^١) التفسير الكبير ج ٢١/ ص ١٢٩.\n(^٢) انظر: المصدر السابق ج ٢١/ ص ١٢٨، ١٢٩.\n(^٣) التحرير والتنوير ج ١٥/ ص ١٠٧.\n(^٤) انظر: التفسير الكبير ج ٢١/ ص ١٢٩، والجامع لأحكام القرآن ج ١١/ ص ١٨، وفتح البيان ج ٨/ ص ٨١، والتحرير والتنوير ج ١٥/ ص ١٠٧، وحدائق الروح والريحان ج ١٦/ ص ٤٤٢، ٤٤٣.\n(^٥) وهو استنباط لغوي.","vol":"1","page":421},{"text":"قال الشوكاني -﵀-: (﴿فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ هي القرية المذكورة سابقا، وفيه جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-540>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٢) -﵀- جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى سمى أولا الموضع الذي فيه الجدار بالقرية فقال: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾، ثم سمى الموضع بالمدينة بقوله: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾؛ فدل بدلالة التركيب بين الآيتين على جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة، بل دلت دلالة التركيب على جواز تسمية إحداهما بالأخرى.\nقال ابن عادل الحنبلي: (واعلم أنه سمَّى القرية في قوله: ﴿أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾، وسمَّى القرية هنا مدينة بقوله: ﴿يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾؛ فدل على جواز تسمية إحداهما بالأخرى) (^٣).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وابن كثير، وابن عادل الحنبلي-كما تقدم-، والقنوجي، والقاسمي، والهرري. (^٤).\nوفي هذا الاستنباط تنبيه إلى أن للقرآن مصطلحات خاصة، فلا يجوز حمله على المصطلحات الحادثة. قال ابن تيمية: (والقرآن نزل بلغة العرب فلا يجوز حمله على اصطلاح حادث ليس من لغتهم) (^٥). وعدَّ -في موضع آخر- هذا الفعل من أعظم أسباب الغلط في فهم كلام الله ورسوله، فقال: (ومن أعظم أسباب الغلط في فهم كلام الله ورسوله أن ينشأ الرجل على اصطلاح حادث، فيريد أن يفسِّر كلام الله بذلك الاصطلاح، ويحمله على تلك اللغة التي اعتادها) (^٦).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٠٤.\n(^٢) واستنبط غيره من الآية الثانية استنباطات أخرى، منها:\n١) استعمال الأدب مع الله؛ فإن الخضر أسند الإرادة هنا إلى الله فقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾، وأسندها إلى نفسه في قوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: من الآية ٧٩]؛ لأنها لفظة عيب فتأدب بأن لا يسندها إلى الله. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١١/ ص ٣٨، والتسهيل لعلوم التنزيل ج ٢/ ص ١٩٤.\n٢) إباحة كنز الكنوز، وحفظ الأموال على الصغار إلى وقت البلوغ؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ﴾. انظر: نكت القرآن ج ٢/ ص ٢٢٢.\n(^٣) اللباب ج ١٢/ ص ٥٤٨.\n(^٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١١/ ص ٣٧، وتفسير القرآن العظيم ج ٥/ ص ١٨٣، واللباب ج ١٢/ ص ٥٤٨، وفتح البيان ج ٨/ ص ٩٣، ومحاسن التأويل ج ٧/ ص ٥٤، وحدائق الروح والريحان ج ١٧/ ١٥.\n(^٥) درء التعارض ج ٦/ ص ٧.\n(^٦) مجموع الفتاوى ج ١٢/ ص ١٠٧.","vol":"1","page":422},{"text":"وقد حاول بعض المفسرين منهم: أبو السعود (^١)، والآلوسي معرفة سر الإتيان بكل لفظة من اللفظتين في المقام الذي يناسبها، فقال الآلوسي: (﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾ هي القرية المذكورة فيما سبق، ولعل التعبير عنها بالمدينة هنا لإظهار نوع اعتداد بها باعتداد ما فيها من اليتيمين وما هو من أهلها وهو أبوهما الصالح، ولما كان سوق الكلام السابق على غير هذا المساق عبر بالقرية فيه) (^٢).\n_________\n(^١) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ٢٣٨.\n(^٢) روح المعاني ج ١٦/ ص ١٢.","vol":"1","page":423},{"text":"<span data-type='title' id=toc-541>سورة مريم</span>\n<span data-type='title' id=toc-542>١٤٢ - المدة التي جعلها الله تعالى آية لزكريا -﵇- لا يكلم الناس فيها هي ثلاثة أيام ولياليهن </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾ مريم: ١٠.\nوقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ آل عمران: ٤١.\nقال الشوكاني -﵀-: (وقد دل بذكر الليالي هنا والأيام في آل عمران أن المراد ثلاثة أيام ولياليهن) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-543>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- أن المدة التي جعلها الله تعالى آية لزكريا -﵇- لا يكلم الناس فيها هي ثلاثة أيام ولياليهن.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر في سورة آل عمران أن زكريا -﵇- لما رأى خرق العادة في حق مريم طمع فيه في حق نفسه، فبشره الله بالولد، فطلب من ربه أن يجعل له آية دالة على ذلك، فقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ فذكر الله أنها ثلاثة أيام لا يكلم الناس فيها إلا رمزا،، ثم ذكر هذه المدة في سورة مريم بقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾؛ فدل بدلالة التركيب على أن المدة التي أمر الله زكريا -﵇- ألا يكلم الناس فيها هي ثلاثة أيام ولياليهن؛ لأن الليالي الثلاث قد تكون من يومين (^٤).\n_________\n(^١) وهو استنباط في علوم القرآن (قصص الأنبياء)، وهو استنباط فائدة علمية.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٢٤.\n(^٣) واستنبط غيره من الآيتين استنباطات أخرى، منها:\n١) مشروعية الذكر في كل حال. قال محمد بن كعب القرظي: \"لو رخص الله لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا -﵇- حيث قال: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ \". انظر: الدر المنثور ج ٢/ ص ١٩٢.\n٢) الإشارة تنزل منزلة الكلام؛ لقوله تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾؛ لأن الله استثنى من الكلام الرمز. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٤/ ص ٨٢. وفي هذه المسألة خلاف بسطه الشنقيطي في أضواء البيان ج ٢/ ص ٤٦٨ - ٤٧٤.\n٣) تخصيص التكليم مع الناس في قوله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾ دال بطريق المفهوم على أنه كان قادرًا على التكلم مع غير الناس. انظر: اللباب ج ١٣/ ص ٢٣.\n(^٤) مستفاد من حدائق الروح والريحان ج ١٧/ ص ٩٦.","vol":"1","page":424},{"text":"قال الرازي-في سورة آل عمران-: (ذكره ههنا ثلاثة أيام وذكر في سورة مريم ثلاثة ليالي؛ فدل مجموع الآيتين على أن تلك الآية كانت حاصلة في الأيام الثلاثة مع لياليها) (^١).\nوقال - مؤكدا هذا في سورة مريم-: (قال في آل عمران: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾، وقال ههنا: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾، وجوابه: دلت الآيتان على أن المراد ثلاثة أيام بلياليهن) (^٢).\nوقال الشنقيطي: (وقد قال تعالى هنا: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾، ولم يذكر معها أيامها، ولكنه ذكر الأيام في آل عمران في قوله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾؛ فدلت الآيتان على أنها ثلاث ليالي بأيامهن) (^٣).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والرازي-كما تقدم-، والبيضاوي، وأبو حيان، والقنوجي، ومحمد أبو زهرة، والشنقيطي. (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-544>١٤٣ - احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء </span>(^٥).\nقال تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ مريم: ٢٦.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾ أي: من ذلك الرطب وذلك الماء، أو من الرطب وعصيره. وقدم الأكل مع أن ذكر النهر مقدم على الرطب؛ لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء) (^٦).\n_________\n(^١) التفسير الكبير ج ٨/ ص ٣٦.\n(^٢) المصدر السابق ج ٢١/ ص ١٦٦.\n(^٣) أضواء البيان ج ٢/ ص ٤٤٩.\n(^٤) انظر: الكشاف ج ٣/ ص ٩، والتفسير الكبير ج ٢١/ ص ١٦٦، وأنوار التنزيل ج ٤/ ص ٧، والبحر المحيط ج ٦/ ص ٢١٩، وفتح البيان ج ١٨/ ص ١٤١، وزهرة التفاسير ج ٩/ ص ٤٦١٥، وأضواء البيان ج ٢/ ص ٤٤٩.\n(^٥) وهو استنباط طبي، واستنباط في علوم القرآن (قصص الأنبياء)،\n(^٦) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٢٩.","vol":"1","page":425},{"text":"<span data-type='title' id=toc-545>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^١) -﵀- أن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر مريم بالأكل من الرطب قبل الشرب، فقال: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾؛ فدل بدلالة التقديم على أن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء.\nقال الرازي: (ونقول قدم الأكل على الشرب؛ لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال منها من الدماء) (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، وابن عادل الحنبلي، والقنوجي. (^٣).\nويشهد لهذا الاستنباط أن الله تعالى ذكر الماء أولا بقوله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)﴾ [مريم: ٢٤]، ثم ذكر الرطب بقوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ [مريم: ٢٥]، ثم أمر بالأكل أولا ثم الشرب، مع أن ذكر الماء مقدم، فلابد أن يكون لتقديم الأكل من فائدة (^٤). وأما تقديم الماء فلأنه أصل في النفع، ونفعه عام للتنظيف ونحوه، وقد كان جاريا، وهو أظهر في إزالة الحزن (^٥).\nولا شك أن الرطب نافع للنفساء. قال القصاب - عند قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ [مريم: ٢٥]-: (دليل على أن الرطب للنفساء نافع) (^٦).\nوقال السيوطي: (وفيه أصل لما يقوله الأطباء: إن الرطب ينفع النفساء) (^٧).\nبل هو أنفع ما يكون لها، قال الشنقيطي: وقد أخذ بعض العلماء من هذه الآية أن خير ما تطعمه النفساء الرطب، قالوا: لو كان شيء أحسن للنفساء من الرطب لأطعمه الله مريم وقت نفاسها بعيسى (^٨).\nويمكن حمل هذا على أنه الأنفع وقت ولادتها خصوصا؛ فإنه إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب (^٩).\nوهي بحاجة إليه في كل وقت لأنه يعد غذاء كاملا؛ لاحتوائه على جميع العناصر الغذائية الأساسية بنسب متوازنة، ولذلك أرشد الله مريم إلى أكله، ومعلوم أن المرأة بعد الولادة تحتاج غذاء غنيا لتعويضها عما تفقده من دم أثناء الولادة وفي فترة النفاس، ولتوفير كمية كافية من اللبن من أجل إرضاع وليدها (^١٠).\n_________\n(^١) واستنبط غيره أن الرزق وإن كان محتوما فإن الله تعالى قد وكل ابن آدم إلى سعي ما فيه؛ لأن مريم أمرت بهز الجذع. وليس فيه ما ينافي التوكل. انظر: المحرر الوجيز ص ١٢٢٥، وأضواء البيان ج ٢/ ص ٤٦٦.\n(^٢) التفسير الكبير ج ٢١/ ص ١٧٦.\n(^٣) انظر: التفسير الكبير ج ٢١/ ص ١٧٦، واللباب ج ١٣/ ص ٥٠، وفتح البيان ج ٨/ ص ١٥٣.\n(^٤) وليس لمجرد كون العادة الأكل قبل الشرب كما جاء في البحر المحيط ج ٦/ ص ٢٣٠.\n(^٥) انظر: روح المعاني ج ١٦/ ص ٨٥، ٨٦.\n(^٦) نكت القرآن ج/ ص ٢٣٨.\n(^٧) الإكليل ج ٣/ ص ٩٤١.\n(^٨) أضواء البيان ج ٢/ ص ٤٦٧.\n(^٩) انظر: زهرة التفاسير ج ٩/ ص ٤٦٣٠.\n(^١٠) انظر: الموسوعة الطبية الفقهية ص ٢١٩.","vol":"1","page":426},{"text":"<span data-type='title' id=toc-546>١٤٤ - الفاحشة من ذرية الصالحين مما لا ينبغي أن تكون </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ مريم: ٢٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ هذا فيه تقرير لما تقدم من التعيير والتوبيخ، وتنبيه على أن الفاحشة من ذرية الصالحين مما لا ينبغي أن تكون) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-547>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- أن الفاحشة من ذرية الصالحين مما لا ينبغي أن تكون.\nووجه الاستنباط: أن قوم مريم لما أتتهم تحمل عيسى -﵇- أنكروا عليها ذلك، وعدوه أمرا فريا، ثم وصفوا أبويها بالصلاح، فنفوا عن والدها أن يكون امرأ سوء، ونفوا عن أمها أن تكون بغيا، وذلك لما استقر في نفوسهم من أن الفاحشة مما يبعد عن ذرية الصالحين؛ فدل ذلك على أن الفاحشة من ذرية الصالحين مما لا ينبغي أن تكون؛ لأن ذرية الصالحين لا يظن بها غالبا إلا أن تكون على نهج والديهم.\nقال أبو حيان: (وفي هذا دليل على أن الفروع غالبا تكون زاكية إذا زكت الأصول، ويُنكر عليها إذا جاءت بضد ذلك) (^٤).\nوقال ابن عادل: (ووُصف أبواها بالصَّلاح، وحينئذ يصيرُ التوبيخُ أشدّ؛ لأنَّ من كان حال أبويه وأخيه هذا الحال يكونُ صدور الذَّنْبِ منه أفحش) (^٥).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، وابن عادل- كما تقدم-، وأبو السعود، والقنوجي، والهرري. (^٦).\nوفي هذا الاستنباط تحذير لكل من رزق والدينِ صالحينِ من أن يخالف نهجهما؛ فإنه لا عذر له في ذلك وقد هيأ الله له من أسباب الصلاح أقواها.\n_________\n(^١) وهو استنباط تربوي، واستنباط في علوم القرآن (قصص الأنبياء)، وهو من اعتبار القرائن.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٣٢.\n(^٣) واستنبط القصاب أن الإشارة إذا قامت مقام الكلام في الإفهام فليست بكلام؛ لأن مريم نذرت ألا تكلم شيئا فلم تخرجها الإشارة إلى ابنها عيسى -﵇- من النذر، ولا عدت كلاما يخرجها منه. انظر: نكت القرآن ج ٢/ ص ٢٣٩.\n(^٤) البحر المحيط ج ٦/ ص ٢٣١.\n(^٥) اللباب ج ١٣/ ص ٥٤.\n(^٦) انظر: التفسير الكبير ج ٢١/ ص ١٧٧، وأنوار التنزيل ج ٤/ ص ١٣، والبحر المحيط ج ٦/ ص ٢٣١، واللباب ج ١٣/ ص ٥٤، وإرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ٢٦٣، وفتح البيان ج ٨/ ص ١٥٥، وحدائق الروح والريحان ج ١٧/ ص ١٣٥.","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type='title' id=toc-548>١٤٥ - النبوة هي من باب الرحمة </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾ مريم: ٤٩ - ٥٠.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ بأن جعلناهم أنبياء. وذكر هذا بعد التصريح بجعلهم أنبياء؛ لبيان أن النبوة هي من باب الرحمة.\nوقيل: المراد بالرحمة هنا المال، وقيل: الأولاد، وقيل: الكتاب (^٢). ولا يبعد أن يندرج تحتها جميع هذه الأمور) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-549>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٤) -﵀- أن النبوة هي من باب الرحمة.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه وهب لإبراهيم -﵇- إسحاق -﵇-، ويعقوب -﵇-، وجعلهم أنبياء، ثم ذكر بعد جعلهم أنبياء أنه وهب لهم من رحمته؛ فدل بدلالة الربط بين الآيتين على أن النبوة هي من باب الرحمة.\nقال أبو السعود: (﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ هي النبوة. وذكرها بعد ذكر جعلهم أنبياء للإيذان بأنها من باب الرحمة. وقيل: هي المال والأولاد ما بسط لهم من سعة الرزق. وقيل: هو الكتاب. والأظهر أنها عامة لكل خير ديني ودنيوي أوتوه مما لم يؤته أحد من العالمين) (^٥).\n_________\n(^١) وهو استنباط عقدي لتعلقه بباب النبوة، وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٢) هذه تفاسير للفظة الرحمة هنا. والنسفي ممن فسرها بالمال والولد. انظر: مدارك التنزيل ج ٣/ ص ٦١، والواحدي فسرها بالنبوة والكتاب. انظر: الوجيز ج ٢/ ص ٦٨٣. والمقصود هنا ما وراء تفسير الرحمة.\n(^٣) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٣٧.\n(^٤) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) الآية حجة في تناول الأب مال ولده؛ لقوله تعالى: ﴿وَهَبْنَا لَهُ﴾. وقد رده القصاب في نكت القرآن ج ٢/ ص ٢٤٦.\n٢) الولد الصالح نعمة على أبيه وجده، والولد الذي هو فتنة إنما هو الطالح؛ إذ محال أن يمتن الله على إبراهيم بما هو فتنة. انظر: نكت القرآن ج ٢/ ص ٢٤٤.\n٣) الشيء إذا سمي به شيئا جاز أن ينقل لغيره لسعة اللسان، فقد نقل اللسان من آلة النطق إلى الثناء الحسن. انظر: نكت القرآن ج ٢/ ص ٢٤٤.\n(^٥) إرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ٢٦٩.","vol":"1","page":428},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والآلوسي، والقنوجي. (^١).\nومما يؤيد هذا الاستنباط أن القرآن سمى النبوة رحمة. قال الشنقيطي: اعلم أولا أن الرحمة تكرر إطلاقها على النبوة في القرآن، وكذلك العلم المؤتى من الله تكرر إطلاقه فيه على علم الوحي، فمن إطلاق الرحمة على النبوة قوله تعالى- في الزخرف-: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣١ - ٣٢]، وقوله تعالى -في سورة الدخان-: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)﴾ [الدخان: ٤ - ٦]، وقوله تعالى -في آخر القصص-: ﴿وَمَا كُنْتَ … تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ [القصص: ٨٦] (^٢).\n_________\n(^١) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ٢٦٩، وروح المعاني ج ١٦/ ص ١٠٣، وفتح البيان ج ٨/ ص ١٦٨.\n(^٢) انظر: أضواء البيان ج ٢/ ص ٤١٢.","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type='title' id=toc-550>سورة طه</span>\n<span data-type='title' id=toc-551>١٤٦ - مناسبة مناداة هارون -﵇- موسى -﵇- بنسبته إلى أمهما مع كونه أخاه لأبيه وأمه استعطافا له، وترقيقا لقلبه </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾ [طه: ٩٤].\nقال الشوكاني: (ونسبه إلى الأم مع كونه أخاه لأبيه وأمه عند الجمهور استعطافا له، وترقيقا لقلبه) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-552>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- أن مناسبة مناداة هارون -﵇- موسى -﵇- بنسبته إلى أمهما مع كونه أخاه لأبيه وأمه استعطافا له، وترقيقا لقلبه. (^٣).\nووجه الاستنباط: أن هارون -﵇- نادى موسى -﵇- بابن أم، وخص الأم بذلك، مع كونه أخاه من أبيه وأمه لأن ذكر الأم ها هنا أرق وأبلغ في الحنو والعطف؛ فدلت مناسبة اللفظ على أن مناداته له بها كانت استعطافا له، وترقيقا لقلبه.\nوزاد بعض المفسرين -كأبي السعود- في المناسبة أن الآية دالة على عظم حق الأم بدلالة تخصيصها بالذكر، فقال أبو السعود: (﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ﴾ خص الأم بالإضافة استعظاما لحقها، ترقيقا لقلبه، لا لما قيل من أنه كان أخاه لأم، فإن الجمهور على أنهما كانا شقيقين) (^٤).\nوممن قال باستنباط الشوكاني (^٥): البيضاوي، والنسفي، وابن كثير، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي. (^٦).\nوهو استنباط صحيح لأوجه تقدم بيانها عند قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾ [الأعراف: ١٥٠].\n_________\n(^١) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بمناسبة اللفظ، وبقصص الأنبياء)، وهو أيضا استنباط فائدة علمية.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٨٣.\n(^٣) تقدم مثل هذا الاستنباط في سورة الأعراف: ١٥٠.\n(^٤) إرشاد العقل السليم ج ٦/ ص ٣٨.\n(^٥) لم ينص عليه القرطبي في هذا الموضع اكتفاء بذكره في سورة الأعراف: ١٥٠.\n(^٦) انظر: أنوار التنزيل ج ٤/ ص ٦٧، ومدارك التنزيل ج ٣/ ص ٩٨، وتفسير القرآن العظيم ج ٥/ ص ٣٠٥، وإرشاد العقل السليم ج ٦/ ص ٣٨، وروح المعاني ج ١٦/ ص ٢٥١، وفتح البيان ج ٨/ ص ٢٦٩.","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type='title' id=toc-553>سورة الأنبياء</span>\n<span data-type='title' id=toc-554>١٤٧ - إرشاد العباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ … عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ الأنبياء: ٢٢.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ … عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان أي: تنزه ﷿ عما لا يليق به من ثبوت الشريك له. وفيه إرشاد للعباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-555>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- أن في الآية إرشاد العباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى نزه نفسه بعد أن نفى أن يكون له شريك؛ فدل ذلك إما بدلالة الاقتداء بأفعال الله، أو بمناسبة تسبيح الله لنفسه بعد ثبوت الوحدانية بالبرهان على إرشاد العباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به.\nوممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري. (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-556>١٤٨ - جواز إطلاق الجمع على الاثنين </span>(^٥).\nقال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ الأنبياء: ٧٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: لحكم الحاكمين. وفيه جواز إطلاق الجمع على الاثنين) (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-557>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٧) - ﵀- جواز إطلاق الجمع على الاثنين.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى بعد أن ذكر حكم داود -﵇-، وسليمان -﵇- في قصة الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم- قال: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ فجمع مع أنهما حَكَمَان اثنان هما داود -﵇-، وسليمان -﵇-؛ فدل ذلك على جواز إطلاق الجمع على الاثنين.\n_________\n(^١) وهو استنباط عقدي.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٤٠٢.\n(^٣) واستنبط غيره من إيراد لفظ الجلالة في موضع الإضمار أن في ذلك تربية المهابة، وإدخال الروعة في نفوس الناس. انظر: إرشاد العقل السليم ج ٦/ ص ٦٢، وروح المعاني ج ١٧/ ص ٢٨.\n(^٤) انظر: فتح البيان ج ٨/ ص ٣١٦، وحدائق الروح والريحان ج ١٨/ ص ٣٧.\n(^٥) وهو استنباط لغوي، وأصولي كذلك.\n(^٦) فتح القدير ج ٣/ ص ٤١٨.\n(^٧) واستنبط غيره من الآية جواز الاجتهاد. انظر: البحر المحيط ج ٦/ ص ٤٠٣، والإكليل ج ٣/ ص ٩٦٤.","vol":"1","page":431},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي (^١). وهو مذهب مالك (^٢).\nوهذا الاستنباط تؤيده قراءة ابن عباس -﵃-: ﴿لحكمهما﴾ بالتثنية (^٣).\nكما أن هذا الاستنباط يصح على أن المراد بقوله: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ داود -﵇-، وسليمان -﵇-.\nوقيل: إن المراد بقوله: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ الحاكمان والمحكوم عليه (^٤).\nوقيل: إن الجمع للتعظيم (^٥).\nفعلى هذين القولين لا يصح هذا الاستنباط.\nومثل هذا الاستنباط اُستنبط من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١)﴾ [القمر: ٤١]، فقيل: إن الآية دالة على أن أقل الجمع اثنان.\nووجهه: أن المقصود بالنذر في الآية موسى وهارون. (^٦).\nومما يدل على أهمية هذا الاستنباط ما ينبني عليه من مسائل فقهية منها ما ذكر في المواريث من أن الإخوة يدخل تحته الأخوان، فلمالك: أن الإخوة اثنان فصاعدا، ومذهبه أن أقل الجمع اثنان، فعلى هذا يحجب الأخوان الأم من الثلث إلى السدس سواء كانا شقيقين، أو لأب، أو لأم (^٧).\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١١/ ص ٢٦٩، وفتح البيان ج ٨/ ص ٣٥٢.\n(^٢) ذكر ذلك ابن الفرس في أحكام القرآن ج ٢/ ص ٨٣. وهو مذهب طائفة من أهل العربية، كالزمخشري، والرضي، وتقدمهما إلى القول به الفراء. قاله الشوكاني في فتح القدير ج ٣/ ص ٤١٨.\n(^٣) انظر: المحرر الوجيز ص ١٢٨٩، والبحر المحيط ج ٦/ ص ٤٠٤.\n(^٤) انظر هذا القول محكيا في: الجامع لأحكام القرآن ج ١١/ ص ٢٦٩، واللباب ج ١٣/ ص ٥٥١. وهذا القول تعقبه الرازي بقوله: (جوابه أن الحكم كما يضاف إلى الحاكم فقد يضاف إلى المحكوم له، فإذا أضيف الحكم إلى المتحاكمين كان المجموع أكثر من الاثنين). التفسير الكبير ج ٢٢/ ص ١٦٩.\n(^٥) حكاه الآلوسي في روح المعاني ج ١٧/ ص ٧٤.\n(^٦) انظر: منهج الاستنباط من القرآن ص ١٦٨. ورد بأن المراد بالنذر موسى وهارون وغيرهما من الأنبياء؛ لأنهما عرضا عليهم ما أنذر به المرسلون. أو أن نذر في الآية بمعنى الإنذار. انظر: البحر المحيط ج ٨/ ص ٢٥٩.\n(^٧) انظر: أحكام القرآن لابن العربي ج ١/ ص ٣٦٨، وأحكام القرآن لابن الفرس ج ٢/ ص ٨٣، والتسهيل لعلوم التنزيل ج ١/ ص ١٣٢.","vol":"1","page":432},{"text":"<span data-type='title' id=toc-558>سورة الحج</span>\n<span data-type='title' id=toc-559>١٤٩ - مناسبة فاتحة سورة الحج لخواتيم سورة الأنبياء </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا … يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧) إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ الأنبياء: ٩٦ - ٩٨.\nإلى قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ الأنبياء: ١١٢\nثم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ الحج: ١.\nقال الشوكاني -﵀-: (لما انجر الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها؛ بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة، وأهوالها؛ حثا على التقوى التي هي أنفع زاد فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-560>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- أن الله لما ذكر في آخر سورة الأنبياء الإعادة وما قبلها وما بعدها ناسب أن يفتتح سورة الحج -التي بعدها- بذكر القيامة حثا على التقوى.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ختم سورة الأنبياء بذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها؛ ثم افتتح سورة الحج -التي بعدها- بذكر القيامة؛ فدل بدلالة الربط بين أواخر سورة ما وفاتحة السورة التالية لها على أن المناسبة ذكر القيامة بعد الإعادة لما بينهما من اعتلاق، والحث على التقوى إذ هي المقصودة بالترهيب في السورتين. ويؤكده كون مقصود سورة الحج التقوى (^٣).\nقال البقاعي: (لما ختمت التي قبلها بالترهيب من الفزع الأكبر، وطيّ السماء، وإتيان ما يوعدون، والدينونة بما يستحقون، وكان أعظم ذلك يوم الدين، افتتحت هذه بالأمر بالتقوى المنجية من هول ذلك اليوم) (^٤).\n_________\n(^١) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٤٣٥.\n(^٣) نص البقاعي على أن مقصودها التقوى. انظر: نظم الدرر ج ٥/ ص ١٢٩.\n(^٤) نظم الدرر ج ٥/ ص ١٢٩.","vol":"1","page":433},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: أبو حيان، والبقاعي-كما تقدم-، والقنوجي. (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-561>١٥٠ - القربان لا يكون إلا من الأنعام دون غيرها </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤)﴾ الحج: ٣٤.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ أي: على ذبح ما رزقهم منها. وفيه إشارة إلى أن القربان لا يكون إلا من الأنعام دون غيرها) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-562>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- أن القربان لا يكون إلا من الأنعام دون غيرها.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه شرع لكل أمة من الأمم السالفة من عهد إبراهيم -﵇- إلى من بعده ضربا من القربان، وجعل العلة في ذلك أن يذكروا اسم الله تقدست أسماؤه على المناسك، ثم قيده سبحانه بقوله: ﴿مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾؛ فدل بدلالة مفهوم المخالفة-القيد- على أن القربان لا يكون إلا من الأنعام دون غيرها.\nقال الآلوسي: (وفيه تنبيه على أن القربان يجب أن يكون من الأنعام، فلا يجوز الخيل ونحوها) (^٤).\nوممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي-كما تقدم-، والقنوجي، والقاسمي. (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-563>١٥١ - مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير عند الذبح </span>(^٦).\nقال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾ الحج: ٣٦ - ٣٧.\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط ج ٦/ ص ٤٢٤، ونظم الدرر ج ٥/ ص ١٢٩، وفتح البيان ج ٩/ ص ٩.\n(^٢) وهو استنباط فقهي.\n(^٣) فتح القدير ج ٣/ ص ٤٥٢.\n(^٤) روح المعاني ج ١٧/ ص ١٥٤.\n(^٥) انظر: أنوار التنزيل ج ٤/ ص ١٢٦، وإرشاد العقل السليم ج ٦/ ص ١٠٦، وروح المعاني ج ١٧/ ص ١٥٤، وفتح البيان ج ٩/ ص ٤٩، ومحاسن التأويل ج ٧/ ص ٢٤٧.\n(^٦) وهو استنباط فقهي، وفي الدعوات والذكر.","vol":"1","page":434},{"text":"قال الشوكاني -﵀-: (ومعنى ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ هو قول الناحر الله أكبر عند النحر، فذكر في الآية الأولى الأمر بذكر اسم الله عليها، وذكر هنا التكبير؛ للدلالة على مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير. وقيل: المراد بالتكبير وصفه سبحانه بما يدل على الكبرياء) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-564>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير عند الذبح.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بذكر اسمه عند الذبح فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾، ثم ذكر التكبير بقوله ﷿: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾؛ فدل بدلالة التركيب على مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير عند الذبح.\nقال السيوطي: (فيه أنه يستحب أن يضم إلى التسمية التكبير عند الذبح) (^٢).\nوقال ابن العربي: (ذكر سبحانه ذكر اسمه عليها في الآية قبلها فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾، وذكر هاهنا التكبير، فكان ابن عمر -﵃- يجمع بينهما إذا نحر هديه فيقول: بسم الله، والله أكبر. وهذا من فقهه ﵁. وقد قال قوم: التسمية عند الذبح، والتكبير عند الإحلال بدلا من التلبية عند الإحرام. وفعل ابن عمر أفقه والله أعلم) (^٣).\nوممن قال بهذا الاستنباط: ابن العربي-كما تقدم-، والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي (^٤).\nوهو استنباط صحيح؛ لأن التكبير عام يشمل التكبير مطلقا، والتكبير عند الذبح.\nقال الرازي: (لتكبروا الله وهو التعظيم بما نفعله عند النحر، وقبله، وبعده على ما هدانا) (^٥).\nوهذا المعنى المستنبط دلت عليه السنة صراحة في فعل النبي -ﷺ-، ففي حديث أنس -﵁- قال: \"ضحى النبي -ﷺ- بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما\" (^٦).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٣/ ص ٤٥٥.\n(^٢) الإكليل ج ٣/ ص ٩٨٩.\n(^٣) أحكام القرآن ج ٣/ ص ٢١١.\n(^٤) انظر: أحكام القرآن ج ٣/ ص ٢١١، والجامع لأحكام القرآن ج ١٢/ ص ٦٤، والإكليل ج ٣/ ص ٩٨٩، وفتح البيان ج ٩/ ص ٥٤.\n(^٥) التفسير الكبير ج ٢٣/ ص ٣٣.\n(^٦) أخرجه البخاري في كتاب: الأضاحي، باب: التكبير ثم الذبح، رقم: ٥٢٤٥، ج ٥/ ص ٢١١٤. ومسلم في كتاب: الأضاحي، باب: استحباب الضحية وذبحها مباشرة بلا توكيل والتسمية والتكبير، رقم: ١٩٦٦، ج ٣/ ص ١٥٥١.","vol":"1","page":435},{"text":"كما دل عليه فعل ابن عمر -﵃- وهو من أشد الصحابة تأسيا برسول الله -ﷺ-، لكن المقصود هنا استنباط هذا الحكم من القرآن.","vol":"1","page":436},{"text":"<span data-type='title' id=toc-565>سورة المؤمنون</span>\n<span data-type='title' id=toc-566>١٥٢ - تحريم نكاح المتعة </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ المؤمنون: ٥ - ٧.\nقال الشوكاني -﵀-: (وقد دلت هذه الآية على تحريم نكاح المتعة. واستدل بها بعض أهل العلم على تحريم الاستمناء (^٢)؛ لأنه من الوراء لما ذكر. وقد جمعنا في ذلك رسالة سميناها بلوغ المنى في حكم الاستمنا، وذكرنا فيها أدلة المنع، والجواز، وترجيح\n_________\n(^١) وهو استنباط فقهي.\n(^٢) وهو قول مالك والشافعي، قال الشنقيطي: (الذي يظهر لي أن استدلال مالك والشافعي وغيرهما من أهل العلم بهذه الآية الكريمة على منع جلد عميرة الذي هو الاستمناء باليد استدلال صحيح بكتاب الله، يدل عليه ظاهر القرآن، ولم يرد شيء يعارضه من كتاب ولا سنة، وما روي عن الإمام أحمد مع علمه وجلالته وورعه من إباحة جلد عميرة مستدلا على ذلك بالقياس، قائلا هو إخراج فضلة من البدن تدعو الضرورة إلى إخراجها، فجاز قياسا على الفصد والحجامة كما قال في ذلك بعض الشعراء - إذا حللت بواد لا أنيس به … فاجلد عميرة لا عار ولا حرج فهو خلاف الصواب، وإن كان قائله في المنزلة المعروفة التي هو بها؛ لأنه قياس يخالف ظاهر عموم القرآن، والقياس إن كان كذلك رد بالقادح المسمى فساد الاعتبار … فالله جل وعلا قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ ولم يستثن من ذلك ألبتة إلا النوعين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وصرح برفع الملامة في عدم حفظ الفرج عن الزوجة والمملوكة فقط، ثم جاء بصيغة عامة شاملة لغير النوعين المذكورين دالة على المنع هي قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ وهذا العموم لا شك أنه يتناول بظاهره ناكح يده، وظاهر عموم القرآن لا يجوز العدول عنه إلا لدليل من كتاب أو سنة يجب الرجوع إليه، أما القياس المخالف له فهو فاسد الاعتبار كما أوضحنا، والعلم عند الله تعالى). أضواء البيان ج ٣/ ص ٥٥٠. وممن استنبط تحريم الاستمناء من الآية ابن عادل في اللباب ج ١٤/ ص ١٧٢.","vol":"1","page":437},{"text":"الراجح منهما (^١) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-567>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- تحريم نكاح المتعة.\nووجه الاستنباط: أن الآية ذكرت من صفات المؤمنين حفظ الفرج، ثم استثنت الزوجات وملك اليمين-الإماء-؛ فدل مفهوم المخالفة- مفهوم الحصر- على تحريم نكاح المتعة. كما دلت الآية على أن المباح الزوجة والأمة، أما المستمتع بها فليست بزوجة؛ إذ الزوجة هي التي يعقد عليها عقدا مؤبدا أما هذه فلأجل مسمى.\nقال إلكيا: (يقتضي تحريم المتعة؛ إذ ليست بزوجة ولا ملك يمين) (^٣).\nودل مفهوم المخالفة لقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ على أن عدم الحفظ على من سواهن يوجب اللوم الشرعي ليحذره المؤمنون. قاله ابن عاشور (^٤).\nوممن قال بهذا الاستنباط: إلكيا-كما تقدم-، والرازي، والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي، والسعدي، والشنقيطي، ومحمد أبو زهرة. (^٥).\nوخالف الزمخشري، وابن العربي، وأبو حيان (^٦) في عد الآية دليلا على تحريم المتعة؛ لأن المنكوحة نكاح المتعة من جملة الأزواج إذا صح النكاح كما قالوا.\n_________\n(^١) رجح الشوكاني الجواز، فقال في نهاية هذه الرسالة: وبهذا ينتهي جواب ما سأل عنه السائل كثر الله فوائده حيث قال: ما قولكم في الاستمناء بالكف والتفخذ، أو نحوهما؟ … فأقول: ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله -ﷺ- دليل صحيح ولا ضعيف يقتضي تحريم ما ذكره، بل هو عند الضرورة إليه مباح، وإذا تعاظمت الضرورة وتزايدت الحاجة، وخشي أن يفضي ذلك إلى الإضرار ببدنه فهو على الجواز والإباحة، مع أنه يجوز له الأدوية واستعمالها، ويزداد ذلك إذا خشي الوقوع في المعصية إن لم يفعل، وهذا إذا لم يمكنه دفع الضرورة بشيء من الأمور التي هي طاعة محضة كالصوم، وكثرة العبادة، والاشتغال بطلب العلم، والتفكر في أمور المعاد، أو بشيء من الأطعمة، أو الأشربة، أو الأدوية. انظر: بلوغ المنى ص ٣٦، ٣٧. والأظهر التحريم، قال ابن العربي: (وعامة العلماء على تحريمه، وهو الحق الذي لا ينبغي أن يدان الله إلا به). أحكام القرآن ج ٣/ ص ٢٢٥.\n(^٢) فتح القدير ج ٣/ ص ٤٧٤.\n(^٣) أحكام القرآن ج ٤/ ص ٢٨٥.\n(^٤) انظر: التحرير والتنوير ج ١٨/ ص ١٢.\n(^٥) انظر: أحكام القرآن ج ٤/ ص ٢٨٥، والتفسير الكبير ج ٢٣/ ص ٧١، والجامع لأحكام القرآن ج ١٢/ ص ٩٨، والإكليل ج ٣/ ص ٩٩٨، وفتح البيان ج ٩/ ص ٩٨، وتيسير الكريم الرحمن ص ٥٤٨، وأضواء البيان ج ٣/ ص ٥٥١، وزهرة التفاسير ٥٠٤٨.\n(^٦) انظر: الكشاف ج ٣/ ص ١٨٠، وأحكام القرآن ج ٣/ ص ٢٢٥، والبحر المحيط ج ٦/ ص ٣٨٤.","vol":"1","page":438},{"text":"قال ابن العربي: (قال قوم: هذه الآية دليل على تحريم نكاح المتعة؛ لأن الله قد حرم الفرج إلا بالنكاح أو بملك اليمين، والمتمتعة ليست بزوجة. وهذا يضعف؛ فإنا لو قلنا إن نكاح المتعة جائز فهي زوجة إلى أجل ينطلق عليها اسم الزوجة، وإن قلنا بالحق الذي أجمعت عليها الأمة من تحريم نكاح المتعة لما كانت زوجة، فلم تدخل في الآية، وبقيت على أصل حفظ الفرج وتحريمه من سببها).\nوالقول الأول أظهر والله أعلم؛ لأنه قول الجمهور، ولأن نكاح المتعة مما وراء ذلك، فليس بزواج ولا بملك يمين. قال الطوفي: (يحتج به الجمهور على تحريم المتعة؛ لأن ذات المتعة لا ملك يمين بإجماع، ولا هي زوجة لعدم التوارث بينهما؛ فتكون داخلة في حد العدوان) (^١).\nوقال الشنقيطي: المرأة المستمتع بها في نكاح المتعة ليست زوجة ولا مملوكة، أما كونها غير مملوكة فواضح، وأما الدليل على كونها غير زوجة فهو انتفاء لوازم الزوجية عنها، كالميراث، والعدة، والطلاق، والنفقة ونحو ذلك، فلو كانت زوجة لورثت، واعتدت، ووقع عليها الطلاق، ووجبت لها النفقة، فلما انتفت عنها لوازم الزوجية علمنا أنها ليست بزوجة؛ لأن نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم بإجماع العقلاء (^٢).\nوقال محمد أبو زهرة: (ولا شك أن نكاح المتعة مما وراء ذلك؛ لأنها ليست زواجا ولا ملك يمين، وبها احتجت عائشة على ابن عباس، وأخطأ الزمخشري ومن تبعه إذ عدها زواجا وما هي بزواج، وما سماها أحد من السلف زواجا) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-568>١٥٣ - تعدى فعل الإرسال بفي للدلالة على أن هذا الرسول المرسل إليهم (^٤) نشأ فيهم بين أظهرهم يعرفون مكانه ومولده ليكون سكونهم إلى قوله أكثر من سكونهم إلى من يأتيهم من غير مكانهم </span>(^٥).\n_________\n(^١) الإشارات الإلهية ج ٣/ ص ٤٤.\n(^٢) انظر: أضواء البيان ج ٣/ ص ٥٥١.\n(^٣) زهرة التفاسير ٥٠٤٨.\n(^٤) قال الرازي: (اعلم أن هذه القصة هي قصة هود -﵇- في قول ابن عباس -﵁- وأكثر المفسرين، واحتجوا عليه بحكاية الله تعالى قول هود -﵇-: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)﴾ [الأعراف: ٦٩]، ومجيء قصة هود عقيب قصة نوح في سورة الأعراف، وسورة هود، والشعراء. وقال بعضهم المراد بهم صالح وثمود؛ لأن قومه الذين كذبوه هم الذين هلكوا بالصيحة). التفسير الكبير ج ٢٣/ ص ٨٥.\n(^٥) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بمناسبة لفظ \"في\"). وهو استنباط بلاغي أيضا.","vol":"1","page":439},{"text":"قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢)﴾ المؤمنون: ٣٢.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ عدي فعل الإرسال بفي مع أنه يتعدى بإلى للدلالة على أن هذا الرسول المرسل إليهم نشأ فيهم بين أظهرهم، يعرفون مكانه ومولده، ليكون سكونهم إلى قوله أكثر من سكونهم إلى من يأتيهم من غير مكانهم. وقيل: وجه التعدية للفعل المذكور بفي أنه ضُمِّن معنى القول: أي قلنا لهم على لسان الرسول) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-569>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- أن فعل الإرسال تعدى بفي مع أنه يتعدى بإلى للدلالة على أن هذا الرسول المرسل إليهم نشأ فيهم بين أظهرهم يعرفون مكانه ومولده، ليكون سكونهم إلى قوله أكثر من سكونهم إلى من يأتيهم من غير مكانهم.\nووجه الاستنباط: أن فعل الإرسال تعدى بفي وحقه أن يتعدى بإلى؛ فدل بتأمل معاني حرف الجر (في) على أن هذا الرسول المرسل إليهم نشأ فيهم بين أظهرهم يعرفون مكانه ومولده، ليكون سكونهم إلى قوله أكثر من سكونهم إلى من يأتيهم من غير مكانهم.\nقال الآلوسي: (وجعل القرن ظرفا للإرسال كما في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ﴾ [الرعد: من الآية ٣٠] (^٢) لا غاية له كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: من الآية ٥٩] (^٣)؛ للإيذان من أول الأمر أن من أرسل إليهم لم يأتيهم من غير مكانهم، بل إنما نشأ فيما أظهرهم) (^٤).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٣/ ص ٤٨٢.\n(^٢) وتمامها: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)﴾.\n(^٣) وتمامها: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾.\n(^٤) روح المعاني ج ١٨/ ص ٢٨، ٢٩.","vol":"1","page":440},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: الآلوسي-كما تقدم-، والقنوجي. (^١).\nأما القول بأنه ضُمِّن معنى القول فتعقبه القنوجي بقوله: (وقيل: وجه التعدية بفي أنه ضُمِّن معنى القول، والأول أولى؛ لأن تضمين أرسلنا معنى قلنا لايستلزم تعديته بفي) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-570>١٥٤ - الأقل من كفار قريش كانوا لا يكرهون الحق ولكنهم لم يظهروا الإيمان خوفا من الكارهين له </span>(^٣).\nقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ … (٧٠)﴾ المؤمنون: ٧٠.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ … (٧٠)﴾ لما جبلوا عليه من التعصب والانحراف عن الصواب والبعد عن الحق، فلذلك كرهوا هذا الحق الواضح الظاهر. وظاهر النظم أن أقلهم كانوا لا يكرهون الحق، ولكنهم لم يظهروا الإيمان خوفا من الكارهين له) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-571>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٥) -﵀- الأقل من كفار قريش كانوا لا يكرهون الحق ولكنهم لم يظهروا الإيمان خوفا من الكارهين له (^٦).\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر موقف كفار قريش من الحق ذكر تعالى أن أكثر الكفار هم الكارهون للحق؛ فدل بدلالة مفهوم المخالفة -بالتقييد بالأكثر- على أن الأقل من كفار قريش كانوا لا يكرهون الحق ولكنهم لم يظهروا الإيمان خوفا من الكارهين له.\nقال أبو حيان: (يدل على أن فيهم من لا يكره الحق، وذلك من يترك الإيمان أنفة واستكبارا من توبيخ قومه أن يقولوا صبأ، وترك دين آبائه) (^٧).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، وأبو حيان-كما تقدم-، وابن عادل الحنبلي، والآلوسي، والقنوجي. (^٨).\n_________\n(^١) انظر: روح المعاني ج ١٨/ ص ٢٨، ٢٩، وفتح البيان ج ٩/ ص ١١٦.\n(^٢) فتح البيان ج ٩/ ص ١١٦.\n(^٣) وهو استنباط عقدي لأن كره الحق نفاق.\n(^٤) فتح القدير ج ٣/ ص ٤٩٢.\n(^٥) واستنبط القصاب أن الآية دليل على أن خبر الواحد يلزم قبوله بشرط معرفة المخبَر بصدق المخبِر، وثبات عقله؛ لأن حجج قريش كانت منقطعة بما عرفت من عقل النبي -ﷺ-، وصدقه، فلزمهم خبره عن الله. انظر: نكت القرآن ج ٢/ ص ٣٦٧.\n(^٦) تقدم مثل هذا الاستنباط في سورة الأنفال: ٣٤.\n(^٧) البحر المحيط ج ٦/ ٥٠٦.\n(^٨) انظر: الكشاف ج ٣/ ص ١٩٧، والتفسير الكبير ج ٢٣/ ص ٩٧، وأنوار التنزيل ج ٤/ ص ١٦٢، ومدارك التنزيل ج ٣/ ص ١٨٥، والبحر المحيط ج ٦/ ٥٠٦، واللباب ج ١٤/ ص ٢٤٢، وروح المعاني ج ١٨/ ص ٥١، وفتح البيان ج ٩/ ص ١٣٧.","vol":"1","page":441},{"text":"وخالف القرطبي إذ فسر: أكثرهم بمعنى كلهم (^١). على سبيل المجاز كما يراد بالقلة العدم (^٢). وأجازه ابن المنير كذلك (^٣)، قال الآلوسي -متعقبا هذا القول-: (وقال ابن المنير يحتمل أن يحمل الأكثر على الكل كما حمل القليل على النفي. وفيه بعد) (^٤).\nوالأظهر-والله تعالى أعلم- إبقاء الأكثر على ظاهره إذ الحقيقة أولى من المجاز.\nقال أبو حيان: (إبقاء الأكثر على ظاهره أولى) (^٥).\nوفي هذا الاستنباط بيان لإنصاف القرآن في الأحكام. قال ابن عاشور: (وإنما أسندت كراهية الحق إلى أكثرهم دون جميعهم إنصافا لمن كان منهم من أهل الأحلام الراجحة الذين علموا بطلان الشرك وكانوا يجنحون إلى الحق، ولكنهم يشايعون طغاة قومهم مصانعة لهم، واستبقاء على حرمة أنفسهم بعلمهم أنهم إن صدعوا بالحق لقوا من طغاتهم الأذى والانتقاص، وكان من هؤلاء أبو طالب، والعباس، والوليد بن المغيرة. فكان المعنى: بل جاءهم بالحق فكفروا به كلهم، فأما أكثرهم فكراهية للحق، وأما قليل منهم مصانعة لسائرهم وقد شمل الكفر جميعهم) (^٦).\nوقال الهرري: (وقد جرت سنة القرآن أن يدقق في الحكم، ولا يقول إلا الحق، ولا يقول كما يقول الناس: إن القليل لا حكم له) (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-572>١٥٥ - نفي الشريك عن الله يدل على نفي الولد لأن الولد ينازع أباه في ملكه </span>(^٨).\nقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾ المؤمنون: ٩١.\nقال الشوكاني -﵀-: (ثم بين سبحانه ما يستلزمه ما يدعيه الكفار من إثبات الشريك فقال: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ … إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾. وفي الكلام حذف تقديره: لو كان مع الله آلهة لانفرد كل إله بخلقه، واستبد به، وامتاز ملكه عن ملك الآخر، ووقع بينهم التطالب والتحارب والتغالب. ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: غلب القوي على الضعيف، وقهره، وأخذ ملكه كعادة الملوك من بني آدم، وحينئذ فذلك الضعيف المغلوب لا يستحق أن يكون إلها. وإذا تقرر عدم إمكان المشاركة في ذلك، وأنه لا يقوم به إلا واحد؛ تعين أن يكون هذا الواحد هو الله سبحانه، وهذا الدليل كما دل على نفي الشريك؛ فإنه يدل على نفي الولد لأن الولد ينازع أباه في ملكه) (^٩).\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن ج ١٢/ ص ١٢٧.\n(^٢) انظر: أنوار التنزيل ج ٣/ ص ١٠٦، ومدارك التنزيل ج ٢/ ص ٦٤، وروح المعاني ج ٩/ ص ٢٠٣.\n(^٣) انظر: الانتصاف ج ٣/ ص ١٩٧.\n(^٤) روح المعاني ج ١٨/ ص ٥٢.\n(^٥) البحر المحيط ج ٤/ ص ٦٢١.\n(^٦) التحرير والتنوير ج ١٨/ ص ٧٤.\n(^٧) حدائق الروح والريحان ج ١٠/ ص ٤١٥.\n(^٨) وهو استنباط عقدي.\n(^٩) فتح القدير ج ٣/ ص ٤٩٦.","vol":"1","page":442},{"text":"<span data-type='title' id=toc-573>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- من الآية أن نفي الشريك عن الله يدل على نفي الولد؛ لأن الولد ينازع أباه في ملكه.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى نفى عن نفسه سبحانه الشريك؛ إذ لو كان معه-سبحانه-آلهة لانفرد كل إله بخلقه، واستبد به، ووقع بينهم التحارب، ولغلب القوي على الضعيف، وأخذ ملكه كعادة الملوك من بني آدم؛ لأن الشريك ينازع في الملك؛ فدل نفي الشريك المنازع في الملك بدلالة الالتزام على نفي الولد؛ لأن الولد ينازع أباه في ملكه.\nولذا لم يستدل على انتفاء اتخاذ الولد كما استدل على انتفاء الشريك. قال الآلوسي: (ولم يستدل على انتفاء اتخاذ الولد إما لغاية ظهور فساده، أو للاكتفاء بالدليل الذي أقيم على انتفاء أن يكون معه سبحانه إله بناء على ما قيل أن ابن الإله يلزم أن يكون إلها إذ الولد يكون من جنس الوالد وجوهره) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي. (^٢). وأشار إليه الآلوسي (^٣).\nوالمعنى المستنبط وإن كان صدر الآية دال عليه إلا أن المقصود هنا استنباطه من نفي الشريك.\n\n<span data-type='title' id=toc-574>١٥٦ - مناسبة ختم سورة المؤمنون بالأمر بطلب مغفرة الله ورحمته </span>(^٤).\nقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠.\nإلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾ المؤمنون: ١١٧، ١١٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (ثم ختم هذه السورة بتعليم رسوله -ﷺ- أن يدعوه بالمغفرة والرحمة، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾ أمره سبحانه بالاستغفار لتقتدي به أمته. وقيل: أمره بالاستغفار لأمته. وقد تقدم بيان كونه أرحم الراحمين. ووجه اتصال هذا بما قبله أنه سبحانه لما شرح أحوال الكفار أمر بالانقطاع إليه، والالتجاء إلى غفرانه ورحمته) (^٥).\n_________\n(^١) روح المعاني ج ١٨/ ص ٦٠.\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٢/ ص ١٣٢، وفتح البيان ج ٩/ ص ١٤٥.\n(^٣) انظر: روح المعاني ج ١٨/ ص ٦٠.\n(^٤) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٥) فتح القدير ج ٣/ ص ٥٠١.","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type='title' id=toc-575>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- أن مناسبة ختم سورة المؤمنون بالأمر بطلب مغفرة الله ورحمته أنه سبحانه لما شرح أحوال الكفار أمر بالانقطاع إليه، والالتجاء إلى غفرانه ورحمته؛ لأنهما العاصمان عن كل الآفات والمخافات.\nووجه الاستنباط: أن الله شرح أحوال الكفار ثم أمر بطلب مغفرته ورحمته؛ فدل بدلالة الربط بين الآيات على أن مناسبة هذا الأمر حاجة العبد إلى الانقطاع إلى الله، والالتجاء إلى غفرانه ورحمته العاصمين عن كل الآفات والمخافات.\nقال الرازي: (فإن قيل: كيف تتصل هذه الخاتمة بما قبلها؛ قلنا: لأنه سبحانه لما شرح أحوال الكفار في جهلهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة؛ أمر بالانقطاع إلى الله تعالى، والالتجاء إلى دلائل غفرانه ورحمته؛ فإنهما هما العاصمان عن كل الآفات والمخافات) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، والقنوجي. (^٢).\nوفي الأمر بطلب الرحمة والمغفرة إشارة إلى أنه لا ينبغي الاغترار بالأعمال، وإرشاد إلى التشبت برحمة الملك المتعال (^٣). فكأن المناسبة ألا يغتر المسلم بعمله حين يسمع عاقبة السوء للكفار وأعمالهم.\nوفي تخصيص الاستغفار والاسترحام إيذان بأنهما من أهم الأمور الدينية حيث أمر به من قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر -ﷺ- فكيف بمن عداه (^٤).\n_________\n(^١) التفسير الكبير ج ٢٣/ ص ١١٢.\n(^٢) انظر: التفسير الكبير ج ٢٣/ ص ١١٢، وفتح البيان ج ٩/ ص ١٥٩.\n(^٣) انظر: روح المعاني ج ١٨/ ص ٧٤.\n(^٤) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٦/ ص ١٥٤.","vol":"1","page":444},{"text":"<span data-type='title' id=toc-576>سورة النور</span>\n<span data-type='title' id=toc-577>١٥٧ - نهي المؤمنات عن إبداء مواضع الزينة منهن </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ النور: ٣١\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي النهي عن إبداء الزينة نهي عن إبداء مواضعها من أبدانهن بالأولى) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-578>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- نهي المؤمنات عن إبداء مواضع الزينة منهن.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى المؤمنات عن أن يبدين زينتهن؛ فدل بمفهوم الموافقة-مفهوم الأولى (^٤) - على نهيهن عن إبداء مواضع الزينة.\n_________\n(^١) وهو استنباط فقهي، ويصلح أن يكون في التفسير أيضا لتعلقه بمقصود الآية.\n(^٢) فتح القدير ج ٤/ ص ٢٣.\n(^٣) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) أن المرأة إذا ملكت زوجها حرمت عليه، وانفسخ نكاحها؛ لأن الله جعل ملك يمين المرأة في عداد محارمها. انظر: نكت القرآن ج ٣/ ص ٤٤٣، ٤٤٤.\n٢) دل مفهوم المخالفة لقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ على أن الطفل المميز تستتر عنه المرأة. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٥٦٧.\n(^٤) قال الشوكاني مبينا الدلالة: (وهكذا إذا كان النهى عن إظهار الزينة يستلزم النهي عن إظهار مواضعها بفحوى الخطاب). فتح القدير ج ٤/ ص ٢٣.","vol":"1","page":445},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، وأبو السعود. (^١). وأشار إليه القنوجي (^٢).\nوهذا الاستنباط على أن المراد بالزينة غير مواضعها. (^٣). أما على القول بأن المراد بالزينة في الآية مواقعها، وأنها من باب إطلاق اسم الحال على المحل؛ فإن حرمة النظر إلى المواقع تكون\n_________\n(^١) انظر: الكشاف ج ٣/ ص ٢٣٥، وإرشاد العقل السليم ج ٦/ ص ١٧٠.\n(^٢) ولم يصرح بعبارة الشوكاني: (وفي النهي عن إبداء الزينة نهي عن إبداء مواضعها من أبدانهن بالأولى)، بل قال: (وإن كان المراد بالزينة مواضعها كان الاستثناء راجعا إلى ما يشق على المرأة ستره كالكفين والقدمين ونحو ذلك، وهكذا إذا كان النهى عن إظهار الزينة يستلزم النهي عن إظهار مواضعها بفحوى الخطاب فإنه يحمل الاستثناء على ما ذكرناه في الموضعين وأما إذا كانت الزينة تشمل مواضع الزينة وما تتزين به النساء فالأمر واضح والاستثناء يكون من الجميع). انظر: فتح البيان ج ٩/ ص ٢٠٥.\n(^٣) ذكر الشنقيطي الأقوال في المراد بالزينة، فقال: وقد رأيت في النقول المذكورة عن السلف أقوال أهل العلم في الزينة الظاهرة والزينة الباطنة، وأن جميع ذلك راجع في الجملة إلى ثلاثة أقوال:\nالأول: أن المراد بالزينة ما تتزين به المرأة خارجا عن أصل خلقتها، ولا يستلزم النظر إليه رؤية شيء من بدنها، كقول ابن مسعود -﵁-، من وافقه إنها ظاهر الثياب، لأن الثياب زينة لها، خارجة عن أصل خلقتها، وهي ظاهرة بحكم الاضطرار كما ترى.\nوهذا القول هو أظهر الأقوال عندنا، وأحوطها، وأبعدها من الريبة وأسباب الفتنة.\nالقول الثاني: أن المراد بالزينة ما تتزين به وليس من أصل خلقتها أيضا، لكن النظر إلى تلك الزينة يستلزم رؤية شيء من بدن المرأة، وذلك كالخضاب والكحل ونحو ذلك؛ لأن النظر إلى ذلك يستلزم رؤية الموضع الملابس له من البدن كما لا يخفى.\nالقول الثالث: أن المراد بالزينة الظاهرة بعض بدن المرأة الذي هو من أصل خلقتها، كقول من قال: إن المراد بما ظهر منها الوجه والكفان. وما تقدم ذكره عن بعض أهل العلم.\nوإذا عرفت هذا فاعلم أننا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولا وتكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة ذلك القول، وقدمنا أيضا في ترجمته أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون الغالب في القرآن إرادة معنى معين في اللفظ مع تكرر ذلك اللفظ في القرآن، فكون ذلك المعنى هو المراد من اللفظ في الغالب يدل على أنه هو المراد في محل النزاع؛ لدلالة غلبة إرادته في القرءان بذلك اللفظ، وذكرنا له بعض الأمثلة في الترجمة.\nوإذا عرفت ذلك فاعلم أن هذين النوعين من أنواع البيان للذين ذكرناهما في ترجمة هذا الكتاب المبارك، ومثلنا لهما بأمثلة متعددة كلاهما موجود في هذه الآية التي نحن بصددها.\nأما الأول منهما فبيانه أن قول من قال في معنى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أن المراد بالزينة الوجه والكفان مثلا توجد في الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول، وهي أن الزينة في لغة العرب هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها، كالحلي، والحلل، فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، ولا يجوز الحمل عليه إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وبه تعلم أن قول من قال الزينة الظاهرة الوجه والكفان خلاف ظاهر معنى لفظ الآية، وذلك قرينة على عدم صحة هذا القول فلا يجوز الحمل عليه إلا بدليل منفصل يجب الرجوع إليه.\nوأما نوع البيان الثاني المذكور فإيضاحه أن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرآن العظيم مرادا به الزينة الخارجة عن أصل المزين بها ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشيء المزين بها، كقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ … لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ الأعراف: ٣١، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ الأعراف: ٣٢، … فلفظ الزينة في هذه الآيات كلها يراد به ما يزين به الشيء وهو ليس من أصل خلقته كما ترى، وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرآن يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى الذي غلبت إرادته في القرآن العظيم، وهو المعروف في كلام العرب كقول الشاعر:\nيأخذن زينتهن أحسن ما ترى … وإذا عطلن فهن خير عواطل.\nوبه تعلم أن تفسير الزينة في الآية بالوجه والكفين فيه نظر.\nوإذا علمت أن المراد بالزينة في القرآن ما يتزين به مما هو خارج عن أصل الخلقة، وأن من فسروها من العلماء بهذا اختلفوا على قولين: فقال بعضهم هي زينة لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة كظاهر الثياب. وقال بعضهم: هي زينة يستلزم النظر إليها رؤية موضعها من بدن المرأة كالكحل والخطاب ونحو ذلك.\nقال مقيده ــ عفا الله عنه وغفر له ــ أظهر القولين المذكورين عندي قول ابن مسعود -﵁- أن الزينة الظاهرة هي ما لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة الأجنبية، وإنما قلنا إن هذا القول هو الأظهر؛ لأنه هو أحوط الأقوال، وأبعدها عن أسباب الفتنة، وأطهرها لقلوب الرجال والنساء، ولا يخفى أن وجه المرأة هو أصل جمالها ورؤيته من أعظم أسباب الافتتان بها كما هو معلوم، والجاري على قواعد الشرع الكريم هو تمام المحافظة والابتعاد من الوقوع فيما لا ينبغي. أضواء البيان ج ٤/ ص ١٠١، ١٠٢.","vol":"1","page":446},{"text":"بعبارة النص (^١)، فلا يكون هذا استنباطا.\nوالأول -والله أعلم- أظهر؛ لأنه لو كان المراد من الزينة موقعها للزم أن يحل للأجانب النظر إلى ما ظهر من مواقع الزينة الظاهرة، وهذا باطل؛ لأن كل بدن عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة، وتحمل الشهادة (^٢).\nوفي هذا الاستنباط حث على التستر والتصون. قال الزمخشري: (وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتصون والتستر؛ لأن هذه الزينة واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء، وهي الذراع، والساق، والعضد، والعنق، والرأس، والصدر، والأذن، فنهى عن إبداء الزينة نفسها ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها لا مقال في حله؛ كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكنا في الحظر، ثابت القدم في الحرمة، شاهد على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها، ويتقين الله في الكشف عنها) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-579>١٥٨ - المرأة لا تُنكِح نفسها </span>(^٤).\nقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى (^٥) مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ النور: ٣٢\nقال الشوكاني -﵀-: (والخطاب في الآية للأولياء. وقيل: للأزواج، والأول أرجح. وفيه دليل على أن المرأة لا تنكح نفسها. وقد خالف في ذلك أبو حنيفة) (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-580>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٧) -﵀- المرأة لا تُنْكِح نفسها، أي لابد من ولي (^٨) لها.\n_________\n(^١) حكاه الآلوسي في روح المعاني ج ١٨/ ص ١٤٠.\n(^٢) انظر: روح المعاني ج ١٨/ ص ١٤٠.\n(^٣) الكشاف ج ٣/ ص ٢٣٥.\n(^٤) وهو استنباط فقهي.\n(^٥) قال ابن جزي: (الأيامى جمع أيم، ومعناه: الذين لا أزواج لهم، رجالا كانوا أو نساء، أبكارا أو ثيبات، والخطاب هنا للأولياء، والحكام). التسهيل لعلوم التنزيل ج ٣/ ص ٦٦.\n(^٦) فتح القدير ج ٤/ ص ٢٨.\n(^٧) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) أن الأيامى من غير المسلمين ليسوا كذلك في الحكم، قال الشنقيطي: (ويفهم من دليل الخطاب أي مفهوم المخالفة في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ أن الأيامى من غيركم أي: من غير المسلمين وهم الكفار ليسوا كذلك). أضواء البيان ج ٤/ ص ١١٠.\n٢) النكاح مجلبة للرزق. انظر: الإكليل ج ٣/ ص ١٠٣٠.\n(^٨) قال الشوكاني: (المراد بالولي هو الأقرب من العصبة من النسب، ثم من السبب، ثم من عصبته، وليس لذوي السهام، ولا لذوي الأرحام ولاية وهذا مذهب الجمهور). نيل الأوطار ج ٦/ ص ٢٥١.","vol":"1","page":447},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله تعالى في نكاح المرأة خاطب غيرها فقال: ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ ولم يخاطبها؛ فدل خطابه للولي على أن المرأة لا تُنْكِح نفسها، بل لابد من ولي لها يُنكِحها.\nقال القصاب: (حجة واضحة في أن ليس للبكر ولا للثيب أن تتزوج بغير أمر وليها؛ إذ لو كان لها ذلك ما أمر غيرها بإنكاحها) (^١).\nوقال البيضاوي: والخطاب للأولياء والسادة، وفيه إشعار بأن المرأة والعبد لا يستبدان به؛ إذ لو استبدا لما وجب على الولي والمولى (^٢).\nوهو قول الشافعي، ومالك، وأكثر أهل العلم عليه.\nقال السيوطي: (فاستدل به الشافعي على اعتبار الولي لأن الخطاب له) (^٣). وقال ابن جزي: (وفي الآية دليل على عدم استقلال النساء بالإنكاح، واشتراط الولاية فيه، وهو مذهب مالك والشافعي خلافا لأبي حنيفة) (^٤).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القصاب-كما تقدم-، وإلكيا، والبغوي، وابن عطية، وابن الفرس، والقرطبي، والبيضاوي-كما تقدم-، وابن جزي، والقنوجي. (^٥).\nوهذا الاستنباط على أن الخطاب للأولياء. وهو الأرجح، قال ابن العربي: (في المراد بالخطاب بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ فقيل: هم الأزواج، وقيل: هم الأولياء من قريب أو سيد. والصحيح أنهم الأولياء؛ لأنه قال: أنكحوا بالهمزة، ولو أراد الأزواج لقال ذلك بغير همزة، وكانت الألف للوصل، وإن كان بالهمزة في الأزواج له وجه، فالظاهر أولى، فلا يعدل إلى غيره إلا بدليل) (^٦).\nوقال ابن الفرس: (والمخاطبون بهذه الآية في إنكاح الأيامى هم الأولياء. وقيل: كل أحد كان وليا أو مأذونا له. والأول أظهر؛ لأن المقصود من الخطاب ترك العضل والمنع، وذلك يقتضي الاختصاص بالأولياء والحاكم، فإن هؤلاء الذين يجب عليهم التزويج دون الأجانب. وعلى القولين ففي الآية دليل على عدم استقلال المرأة بالإنكاح. واستدل بعضهم (^٧) على ذلك أيضا بما يعقب قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ في قوله: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ قالوا: فكما لم يصح للعبد والأمة ولاية كذلك الأيامى المعطوف عليهما ذلك القول) (^٨).\n_________\n(^١) نكت القرآن ج ٣/ ص ٤٤٤.\n(^٢) انظر: أنوار التنزيل ج ٤/ ص ١٨٤، ١٨٥.\n(^٣) الإكليل ج ٣/ ص ١٠٢٩.\n(^٤) التسهيل لعلوم التنزيل ج ٣/ ص ٦٦.\n(^٥) انظر: نكت القرآن ج ٣/ ص ٤٤٤، وأحكام القرآن ج ٤/ ص ٣١٣، ومعالم التنزيل ج ٣/ ص ٣٤١، والمحرر الوجيز ص ١٣٥٩، وأحكام القرآن ج ٣/ ص ٣٧٣، والجامع لأحكام القرآن ج ١٢/ ص ٢١٨، وأنوار التنزيل ج ٤/ ص ١٨٤، ١٨٥، والتسهيل لعلوم التنزيل ج ٣/ ص ٦٦، وفتح البيان ج ٩/ ص ٢١٣.\n(^٦) أحكام القرآن ج ٣/ ص ٢٧٧.\n(^٧) هم أصحاب الشافعي كما قال إلكيا في أحكام القرآن ج ٤/ ص ٣١٣.\n(^٨) أحكام القرآن ج ٣/ ص ٣٧٣.","vol":"1","page":448},{"text":"وممن خالف هذا الاستنباط أبو حنيفة فأجاز للبوالغ من الأبكار والثيبات الزواج بغير ولي. وخالف أيضا الجصاص فقال: (فإن قيل: هذا يدل على أن عقد النكاح إنما يليه الأولياء دون النساء، وأن عقودهن على أنفسهن غير جائزة؛ قيل له: ليس كذلك؛ لأن الآية لم تخص الأولياء بهذا الأمر دون غيرهم، وعمومه يقتضي ترغيب سائر الناس في العقد على الأيامى، ألا ترى أن اسم الأيامى ينتظم الرجال والنساء، وهو في الرجال لم يرد به الأولياء دون غيرهم كذلك في النساء) (^١).\nوالأظهر-والله أعلم- ما ذكره الشوكاني؛ ويدل عليه:\nأولا: حديث: \"لا نكاح إلا بولي\" (^٢).\nثانيا: أنه قول الجمهور. قال البغوي: (وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة (^٣) ومن بعدهم) (^٤).\nثالثا: أن الراجح في الخطاب بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ أنه للأولياء كما تقدم.\n_________\n(^١) أحكام القرآن ج ٥/ ص ١٧٨.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه في كتاب: النكاح، باب: لا نكاح إلا بولي، رقم: ١٨٨٠، ج ١/ ص ٦٠٥. وأبو داود في كتاب: النكاح، باب: في الولي، رقم: ٢٠٨٥، ج ٢/ ص ٢٢٩. والترمذي في كتاب: النكاح، باب: ما جاء \"لا نكاح إلا بولي\"، رقم: ١١٠١، ج ٣/ ص ٤٠٧. وصححه ابن حبان، باب: الولي، رقم: ٤٠٧٥، ج ٩/ ص ٣٨٦، والحاكم في المستدرك، كتاب: النكاح، رقم: ٢٧١٠، ج ٢/ ص ١٨٤. وقال الترمذي: والعملُ في هذا الباب على حديث النبي -ﷺ-: \"لا نكاح إلا بولي \" عند أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ-، منهم: عمر ابن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله ابن عباس، وأبو هريرة -﵃-، وغيرهم، وهكذا رُوي عن بعض فقهاء التابعين أنهم يقولون: \" لا نكاح إلا بولي\"، منهم: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وشُريح، وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم. وبهذا يقول سفيان الثوري، والأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. انظر: سنن الترمذي ج ٣/ ص ٤٠٧.\n(^٣) تقدم ذكرهم في كلام الترمذي.\n(^٤) معالم التنزيل ج ٣/ ص ٣٤١.","vol":"1","page":449},{"text":"<span data-type='title' id=toc-581>١٥٩ - المملوك (^١) لا يزوج نفسه وإنما يزوجه مالكه </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ النور: ٣٢\nقال الشوكاني -﵀-: (وفيه دليل على أن المملوك لا يزوج نفسه وإنما يزوجه مالكه) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-582>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٢) -﵀- أن المملوك لا يزوج نفسه وإنما يزوجه مالكه.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى في نكاح العبيد ساداتهم فقال: ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ ولم يخاطبهم؛ فدل خطابه للسادة على أن المملوك لا يزوج نفسه وإنما يزوجه مالكه.\nقال القصاب: (﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ دليل على أن ليس للعبد ولا للأمة أن يتزوجا بغير إذن سيدهما) (^٤).\nوقال البيضاوي: والخطاب للأولياء والسادة، وفيه إشعار بأن المرأة والعبد لا يستبدان به؛ إذ لو استبدا لما وجب على الولي والمولى (^٥).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القصاب -كما تقدم-، وابن العربي، والبيضاوي -كما تقدم- والقنوجي. (^٦). وأشار إليه القرطبي (^٧).\nونقل ابن العربي قولا مخالفا لأصحاب الشافعي ثم تعقبه بقوله: أما أن أصحاب الشافعي تعلقوا بأن العبد مكلف فلا يجبر على النكاح؛ لأن التكليف يدل على أن العبد كامل من جهة الآدمية، وإنما يتعلق به المملوكية فيما كان حظا للسيد من ملك الرقبة والمنفعة، فله حق المملوكية في بضع الأمة ليستوفيه ويملكه. فأما بضع العبد فلا حق له فيه؛ ولأجل ذلك لا تباح السيدة لعبدها. ولعلمائنا النكتة العظمى في أن مالكية العبد استغرقتها مالكية السيد، ولذلك لا يتزوج إلا بإذنه إجماعا، والنكاح وبابه إنما هو من المصالح، ومصلحة العبد موكولة إلى السيد هو يراها ويقيمها للعبد، ولذلك زوج الأمة بملكه لرقبتها لا باستيفائه لبضعها. والدليل على صحة ما نقوله من ذلك أنه لا يملك بضع امرأته وإن كان يملكها، ويملك بضع أخته من الرضاع أمة وإن كان لا يستوفيه، والمالكية في رقبة العبد كالمالكية في رقبة الأمة، والمصلحة في كل واحد منهما بيد السيد استيفاؤها وإقامتها (^٧).\n_________\n(^١) بيّن ابن العربي أن المقصود بعبادكم في الآية المملوكون، فقال: (فإن قيل: لو أراد المملوكين لقال من عبيدكم؛ قلنا عنه جوابان: أحدهما: أنه قال بعده: ﴿وَإِمَائِكُمْ﴾، ولو أراد الناس لما جاء بالهمزة كما تقدم، ولذلك قرأها الحسن: من عبيدكم، وليبين الإشكال، ويرفع اللبس.\nالثاني: أن هذا اللفظ لو قدرناه كما زعموا لكان عاما، وكنا نحكم بعمومه فيمن كان حرا أو عبدا كما حكمنا بعمومه فيمن كانت أمة لله أو لأحد من خلقه بتمليكه إياها له). أحكام القرآن ج ٣/ ص ٢٧٩.\n(^٢) وهو استنباط فقهي.\n(^٣) فتح القدير ج ٤/ ص ٢٨.\n(^٢) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) في الآية دليل على أن العبيد والإماء يملكون؛ لأن من لا يملك شيئا لا يقع عليه اسم غني. انظر: نكت القرآن ج ٣/ ص ٤٥٠.\n٢) أن العبيد والإماء إن لم يكونوا صالحين كان تزويجهم آكد أمرا، وهذا من دلالة الفحوى، فيشمل غير الصالحين غير الأعفاء والعفائف من المماليك المسلمين. انظر: التحرير والتنوير ج ١٨/ ص ١٧٣.\n(^٤) نكت القرآن ج ٣/ ص ٤٤٧.\n(^٥) انظر: أنوار التنزيل ج ٤/ ص ١٨٤، ١٨٥.\n(^٦) انظر: نكت القرآن ج ٣/ ص ٤٤٧، وأحكام القرآن ج ٣/ ص ٢٧٨، وأنوار التنزيل ج ٤/ ص ١٨٤، ١٨٥، وفتح البيان ج ٩/ ص ٢١٥.\n(^٧) الجامع لأحكام القرآن ج ١٢/ ص ٢١٩.\n(^٨) انظر: أحكام القرآن ج ٣/ ص ٢٧٨، ٢٧٩.","vol":"1","page":450},{"text":"لكن يجوز للمملوك تزويج نفسه إذا أمره سيده بذلك. قال الرازي: (ظاهر الآية يدل على أن العبد لا يتزوج بنفسه وإنما يجوز أن يتولى المولى تزويجه، لكن ثبت بالدليل أنه إذا أمره بأن يتزوج جاز أن يتولى تزويج نفسه فيكون توليه بإذنه بمنزلة أن يتولى ذلك نفس السيد، فأما الإماء فلا شبهة في أن المولى يتولى تزويجهن خصوصا على قول من لا يجوز النكاح إلى بولي) (^١).\nوالمعنى المستنبط يؤيده مذهب مالك، وأكثر العلماء في أن السيد يجبر عبده وأمته على النكاح (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-583>١٦٠ - وجوب الإجابة إلى القاضي العالم بحكم الله، العادل في حكمه </span>(^٣).\nقال تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)﴾ النور: ٥٠\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي هذه الآية دليل على وجوب الإجابة إلى القاضي العالم بحكم الله العادل في حكمه؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء. والحكم من قضاة الإسلام العالمين بحكم الله، العارفين بالكتاب والسنة، العادلين في القضاء هو حكم بحكم الله وحكم رسوله، فالداعي إلى التحاكم إليهم قد دعا إلى الله وإلى رسوله، أي: إلى حكمهما) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-584>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- وجوب الإجابة إلى القاضي العالم بحكم الله، العادل في حكمه.\nووجه الاستنباط: أن العلماء ورثة الأنبياء، والحكم من قضاة الإسلام العالمين بحكم الله، العارفين بالكتاب والسنة، العادلين في القضاء هو حكم بحكم الله وحكم رسوله -ﷺ-، فالداعي إلى التحاكم إليهم قد دعا إلى الله وإلى رسوله -ﷺ-، والله تعالى ذم من دُعي إلى رسوله ليحكم بينه وبين خصمه فأبى بأقبح الذم، فقال: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)﴾ (^٥)؛ فدل ذلك على وجوب الإجابة إلى القاضي العالم بحكم الله، العادل في حكمه، وأن من لم يجبه داخل في الذم.\n_________\n(^١) التفسير الكبير ج ٢٣/ ص ١٨٦.\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٢/ ص ٢١٩، والتسهيل لعلوم التنزيل ج ٣/ ص ٦٦.\n(^٣) وهو استنباط فقهي.\n(^٤) فتح القدير ج ٤/ ص ٤٥.\n(^٥) وقال تعالى قبلها: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)﴾ النور: ٤٨.","vol":"1","page":451},{"text":"قال السيوطي: (فيها وجوب الحضور على من دعي لحكم الشرع، وتحريم الامتناع، واستحباب أن يقول: سمعنا وأطعنا) (^١).\nوذكر الشوكاني أنه يشترط في ذلك أن لا يكون القاضي مقصرا لا يعلم بأحكام الكتاب والسنة، ولا يعقل حجج الله ومعاني كلامه وكلام رسوله -ﷺ-، فمن كان جاهلا جهلا بسيطا وهو من لا علم له بشيء من ذلك، أو جهلا مركبا وهو من لا علم عنده بما ذكر، ولكنه قد عرف بعض اجتهادات المجتهدين، واطلع على شيء من علم الرأي، فهذا في الحقيقة جاهل وإن اعتقد أنه يعلم بشيء من العلم، فاعتقاده باطل، فمن كان من القضاة هكذا فلا تجب الإجابة إليه؛ لأنه ليس ممن يعلم بحكم الله ورسوله -ﷺ- حتى يحكم به بين المتخاصمين إليه، بل هو من قضاة الطاغوت وحكام الباطل (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط: إلكيا، والقرطبي، والسيوطي-كما تقدم-، والقنوجي. (^٣).\nوهذا الاستنباط يشكل عليه أن الممتنعين عن قبول حكم الله ورسوله الذين ذمهم الله كان امتناعهم عن كفر ونفاق، فلا يصح القول بأن كل ممتنع يدخل في حكمهم. قال ابن عاشور: (ولا تعلق لهذه الآية بحكم من دعي إلى القاضي للخصومة فامتنع؛ لأن الذم والتوبيخ فيها كانا على امتناع ناشئ عن كفرهم ونفاقهم) (^٤). إلا إن يكون سبب امتناعه الامتناع من قبول حكم الشرع فيعمه.\n\n<span data-type='title' id=toc-585>١٦١ - الاستئذان في التخلف عن النبي -ﷺ- عن أمر جامع (^٥) إن كان لعذر مسوغ فلا يخلو عن شائبة تأثير أمر الدنيا على الآخرة </span>(^٦).\nقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢)﴾ النور: ٦٢.\n_________\n(^١) الإكليل ج ٣/ ص ١٠٣٧.\n(^٢) انظر: فتح القدير ج ٤/ ص ٤٥.\n(^٣) انظر: أحكام القرآن ج ٤/ ص ٣٢٠، والجامع لأحكام القرآن ج ١٢/ ص ٢٦٩، والإكليل ج ٣/ ص ١٠٣٧، وفتح البيان ج ٩/ ص ٢٤٩.\n(^٤) التحرير والتنوير ج ١٨/ ص ٢١٨.\n(^٥) المراد بالأمر الجامع ما للإمام من حاجة إلى تجمع الناس فيه لإذاعة مصلحة من إقامة سنة في الدين، أو لترهيب عدو باجتماعهم، فهو يجمع جميعهم من حرب حضرت، أو صلاة اجتمع لها، أو تشاور في أمر نزل، ونحو ذلك. انظر: جامع البيان ج ١٧/ ص ٣٨٥، والجامع لأحكام القرآن ج ١٢/ ص ٢٩٣.\n(^٦) وهو استنباط فقهي أو عقدي لأنه في باب الطاعة ولزوم الجماعة، واستنباط في علوم القرآن من جهة معرفة مناسبة ختم الآية بما يناسبها.","vol":"1","page":452},{"text":"قال الشوكاني -﵀-: (ثم أرشده الله سبحانه إلى الاستغفار لهم، وفيه إشارة إلى أن الاستئذان إن كان لعذر مسوغ فلا يخلو عن شائبة تأثير أمر الدنيا على الآخرة) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-586>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٢) -﵀- أن الاستئذان في التخلف عن النبي -ﷺ- عن أمر جامع إن كان لعذر مسوغ فلا يخلو عن شائبة تأثير أمر الدنيا على الآخرة.\nوزاد القنوجي: (لأن اغتنام مجالسه أولى من الاستئذان) (^٣).\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى أذن لرسوله -ﷺ- أن يأذن لمن شاء ممن استأذنوه؛ ثم عقب ذلك بأمره بأن يستغفر لهم؛ فدل بدلالة تأمل خواتم الآيات على أن في ختم الآية بالأمر بالاستغفار ما يشير إلى أن الاستئذان إن كان لعذر مسوغ فلا يخلو عن شائبة تأثير أمر الدنيا على الآخرة.\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٤/ ص ٥٨.\n(^٢) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) استنبط القصاب من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أن فيه حجة على المرجئة فيما يزعمون أن الأعمال ليست من الإيمان، وقد جعل الله استئذان الرسول -ﷺ- من الإيمان؛ إذ جعله في صفة الإيمان، ولم يشهد لهم به إلا معه. انظر: نكت القرآن ج ٣/ ص ٥٠٢.\n٢) قال ابن عاشور: (وهذه الآية أصل من نظام الجماعات في مصالح الأمة؛ لأن من السنة أن يكون لكل اجتماع إمام ورئيس يدير أمر ذلك الاجتماع، وقد أشارت مشروعية الإمامة إلى ذلك النظام، ومن السنة أن لا يجتمع جماعة إلا أمروا عليهم أميرا، فالذي يترأس الجمع هو قائم مقام ولي أمر المسلمين، فهو في مقام النبي -ﷺ- فلا ينصرف أحد عن اجتماعه إلا بعد أن يستأذنه؛ لأنه لو جعل أمر الانسلال لشهوة الحاضر لكان ذريعة لانفضاض الاجتماعات دون حصول الفائدة التي جمعت لأجلها، وكذلك الأدب أيضا في التخلف عن الاجتماع عند الدعوة إليه، كاجتماع المجالس النيابية والقضائية والدينية، أو التخلف عن ميقات الاجتماع المتفق عليه إلا لعذر واستئذان). التحرير والتنوير ج ١٨/ ص ٢٤٧.\n(^٣) فتح البيان ج ٩/ ص ٢٧٣، ٢٧٤.","vol":"1","page":453},{"text":"قال إلكيا: «وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ يدل على أن الرسول ﵊ لا يحل له أن يستغفر إلا لمن تكامل إيمانه؛ لأنه شرط فيه. ويحتمل أن يراد به أن من أذن له في مفارقة الجهاد لبعض شأنه يكون في الظاهر مقصرا أو متأخرا في الفضل عن غيره، فأمر الله تعالى نبيه أن يستغفر لهم؛ ليكون استغفاره جبرا لهذا النقص، فلا ينكسر عند ذلك قلب هذا المتأخر عن الجمع) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: إلكيا، والبيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، وابن عاشور. (^٢).\nوأشار الرازي إلى هذا الوجه، وإلى وجه آخر لذكر الاستغفار للمستأذنين، فقال: (وفي قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ وجهان:\nأحدهما: أن يستغفر لهم تنبيها على أن الأولى أن لا يقع الاستئذان منهم وإن أذن؛ لأن الاستغفار يدل على الذنب.\nالثاني: يحتمل أنه تعالى أمره بأن يستغفر لهم مقابلة على تمسكهم بآداب الله تعالى في الاستئذان) (^٣).\nوالمقصود من هذا الاستنباط التنبيه على أن الأحسن والأفضل أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب، ولا يستأذنوا فيه (^٤). وأنه ينبغي أن يكون الناس كذلك مع أئمتهم ومقدميهم في الدين والعلم، يظاهرونهم ولا يتفرقون عنهم إلا بإذن (^٥).\n_________\n(^١) أحكام القرآن ج ٤/ ص ٣٢٥، ٣٢٦.\n(^٢) انظر: أحكام القرآن ج ٤/ ص ٣٢٥، ٣٢٦، وأنوار التنزيل ج ٤/ ص ٢٠٣، وإرشاد العقل السليم ج ٦/ ص ١٩٨، وروح المعاني ج ١٨/ ص ٢٢٤، وفتح البيان ج ٩/ ص ٢٧٣، ٢٧٤، والتحرير والتنوير ج ١٨/ ص ٢٤٦، ٢٤٧.\n(^٣) التفسير الكبير ج ٢٤/ ص ٣٥.\n(^٤) انظر: الكشاف ج ٣/ ص ٢٦٤.\n(^٥) انظر: مدارك التنزيل ج ٣/ ص ٢٣٠.","vol":"1","page":454},{"text":"<span data-type='title' id=toc-587>سورة الفرقان</span>\n<span data-type='title' id=toc-588>١٦٢ - دفع الضر أهم من جلب النفع </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾ الفرقان: ٣\nقال الشوكاني -﵀-: (وقدم ذكر الضر لأن دفعه أهم من جلب النفع، وإذا كانوا بحيث لا يقدرون على الدفع والنفع فيما يتعلق بأنفسهم فكيف يملكون ذلك لمن يعبدهم) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-589>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- قاعدة: أن دفع الضر أهم من جلب النفع (^٣).\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى أخبر عن جهل المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله الخالق لكل شيء، لكنهم عبدوا معه من الأصنام ما لا يقدر على خلق جناح بعوضة، بل هم مخلوقون، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا فكيف يملكون لعابديهم، فقدم ذكر الضر؛ فدل بدلالة التقديم على أن دفع الضر أهم من جلب النفع.\nقال الآلوسي: (ولما كان دفع الضر أهم أفيد أولا عجزهم عنه) (^٤).\nوممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والآلوسي، والقنوجي. (^٥).\nومما يستأنس به في تأييد هذا الاستنباط أن أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معا جاء بتقديم لفظ الضر على النفع (^٦).\nوقاعدة: درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة من القواعد المتفرعة عن القاعدة الكليّة \"الضرر يزال\" (^٧)، وذلك لأنه عند الموازنة بين المصلحة والمفسدة، ودفع الضرر وإزالته لابد من التعرض للموازنة بين المصالح والمفاسد عند التعارض، وأيهما أولى بالتقديم دفعا وجلبا. ناهيك عن أن دفع المفسدة عبارة عن إزالة ضرر (^٨).\n_________\n(^١) وهو استنباط قاعدة فقهية فرعية مندرجة تحت القاعدة العامة (لا ضرر ولا ضرار).\n(^٢) فتح القدير ج ٤/ ص ٦١.\n(^٣) وقد تقدم مثل هذا الاستنباط عند الآية ٧٦ من سورة المائدة.\n(^٤) روح المعاني ج ١٨/ ص ٢٣٤.\n(^٥) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٦/ ص ٢٠٢، وروح المعاني ج ١٨/ ص ٢٣٤، وفتح البيان ج ٩/ ص ٢٨٢.\n(^٦) ذكر الكرماني أن أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معا جاء بتقديم لفظ الضر على النفع. وحيث تقدم النفع على الضر تقدم لسابقة لفظ تضمن نفعا، وذلك في ثمانية مواضع، ثلاثة منها بلفظ الاسم وهي: الأعراف: ١٨٨، والرعد: ١٦، وسبأ: ٤٢. وخمسة بلفظ الفعل وهي في: الأنعام: ٧١، وآخر في يونس: ١٠٦، وفي الأنبياء: ٦٦، والفرقان: ٥٥، وفي الشعراء: ٧٣. ثم بسط الكرماني القول في كل آية منها مبينا وجه تقديم النفع على الضر، ثم قال: (فتأمل فإنه برهان القرآن). أسرار التكرار ص ٩٢، ٩٣.\n(^٧) القواعد الخمس الكبرى هي: الأمور بمقاصدها، واليقين لا يزول بالشك، والمشقة تجلب التيسير، والعادة محكمة، والضرر يزال أو لا ضرر ولا ضرار. راجع تفصيلاتها في كتاب: القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها للدكتور صالح السدلان.\n(^٨) انظر بحث: قاعدة \"درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة\": دراسة أصوليّة فقهيّة للدكتور حسن بن إبرهيم الهنداوي ص ٣.","vol":"1","page":455},{"text":"<span data-type='title' id=toc-590>١٦٣ - انطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ الفرقان: ٦\nقال الشوكاني -﵀-: (فأجاب سبحانه عن هذه الشبهة بقوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ليس ذلك مما يفترى ويفتعل بإعانة قوم وكتابة آخرين من الأحاديث الملفقة، وأخبار الأولين، بل هو أمر سماوي أنزله الذي يعلم كل شيء لا يغيب عنه شيء من الأشياء؛ فلهذا عجزتم عن معارضته، ولم تأتوا بسورة منه. وخص السر للإشارة إلى انطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر. والسر الغيب أي يعلم الغيب الكائن فيهما) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-591>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- من الآية انطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما نفى عن القرآن شبهة أن يكون مفترى، وأثبت أنه من عنده سبحانه قال: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فخص السر دون غيره من الألفاظ، ودون ذكر الشهادة مع أنه سبحانه عالم بالغيب والشهادة؛ فدل ذلك التخصيص على انطواء القرآن على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر.\nقال الآلوسي: (للإيذان بانطواء ما أنزله على أسرار مطوية عن عقول البشر) (^٣).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الآلوسي، والقنوجي، والهرري. (^٤). وأشار إليه البيضاوي، وأبو السعود. (^٥).\n_________\n(^١) وهو استنباط عقدي لتعلقه بالنبوات، وفي علوم القرآن (لتعلقه بمناسبة لفظ السر). وهو استنباط بلاغي أيضا. قال القرطبي: وذكر السر دون الجهر لأنه من علم السر فهو في الجهر أعلم، ولو كان القرآن مأخوذا من أهل الكتاب وغيرهم لما زاد عليها، وقد جاء بفنون تخرج عنها، فليس مأخوذا منها. ولو كان مأخوذا من هؤلاء لتمكن المشركون منه أيضا كما تمكن محمد -ﷺ- فهلا عارضوه! فبطل اعتراضهم من كل وجه. الجامع لأحكام القرآن ج ١٣/ ص ٧.\n(^٢) فتح القدير ج ٤/ ص ٦٢.\n(^٣) روح المعاني ج ١٨/ ص ٢٣٦.\n(^٤) انظر: روح المعاني ج ١٨/ ص ٢٣٦، وفتح البيان ج ٩/ ص ٢٨٤، وحدائق الروح والريحان ج ١٩/ ص ٤٨١.\n(^٥) انظر: أنوار التنزيل ج ٤/ ص ٢٠٧، وإرشاد العقل السليم ج ٦/ ص ٢٠٣.","vol":"1","page":456},{"text":"<span data-type='title' id=toc-592>١٦٤ - الحي هو الذي يوثق به في المصالح، ولا حياة على الدوام إلا لله سبحانه دون الأحياء المنقطعة حياتهم </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)﴾ الفرقان: ٥٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (وخص صفة الحياة إشارة إلى أن الحي هو الذي يوثق به في المصالح، ولا حياة على الدوام إلا لله سبحانه دون الأحياء المنقطعة حياتهم فإنهم إذا ماتوا ضاع من يتوكل عليهم، والتوكل اعتماد العبد على الله في كل الأمور) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-593>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- أن الحي هو الذي يوثق به في المصالح، ولا حياة على الدوام إلا لله سبحانه دون الأحياء المنقطعة حياتهم.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما أمر بالتوكل عليه خص اسمه الحي بالذكر دون غيره من الأسماء؛ فدل ذلك على أن الحي هو الذي يوثق به في المصالح، ولا حياة على الدوام إلا لله سبحانه دون الأحياء المنقطعة حياتهم.\nكما دل مفهوم المخالفة -مفهوم القيد- لقوله: ﴿الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ على أن الذي يموت لا يوثق به.\nقال الآلوسي: (﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ في الإغناء عن أجورهم، والاستكفاء عن شرورهم، وكأن العدول عن (وتوكل على الله) إلى ما في النظم الجليل؛ ليفيد بفحواه، أو بترتب الحكم فيه على وصف مناسب عدم صحة التوكل على غير المتصف بما ذكر من الحياة والبقاء، أما عدم صحة التوكل على من لم يتصف بالحياة كالأصنام فظاهر، وأما عدم صحته على من لم يتصف بالبقاء بأن كان ممن يموت فلأنه عاجز ضعيف (^٣).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الآلوسي-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري. (^٤). وأشار إليه محمد أبو زهرة (^٥).\n_________\n(^١) وهو استنباط عقدي.\n(^٢) فتح القدير ج ٤/ ص ٨٣، ٨٤.\n(^٣) انظر: روح المعاني ج ١٩/ ص ٣٧.\n(^٤) انظر: روح المعاني ج ١٩/ ص ٣٧، وفتح البيان ج ٩/ ص ٣٢٧، وحدائق الروح والريحان ج ٢٠/ ص ٩٦.\n(^٥) انظر: زهرة التفاسير ص ٥٣٠٥.","vol":"1","page":457},{"text":"<span data-type='title' id=toc-594>سورة الشعراء</span>\n<span data-type='title' id=toc-595>١٦٥ - قد يحصل الخوف مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾ الشعراء: ١٤.\nقال الشوكاني -﵀-: (… الذنب هو قتله للقبطي، وسماه ذنبا بحسب زعمهم، فخاف موسى أن يقتلوه به. وفيه دليل على أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-596>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء.\nووجه الاستنباط: أن الله لم ينكر على موسى -﵇- قوله: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾؛ فدل عدم تعقبه على أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء.\nقال القرطبي: (ودل على أن الخوف قد يصحب الأنبياء والفضلاء والأولياء مع معرفتهم بالله) (^٣).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري. (^٤).\nوالمقصود من هذا الاستنباط بيان أن الخوف الطبيعي لا ينافي الإيمان، ولا يزيله، ولا ينافي التوكل على الله.\nوقد أشار السعدي إلى مثل هذا المعنى - فيما استنبطه من سورة القصص- فقال: (الخوف الطبيعي من الخلق لا ينافي الإيمان ولا يزيله، كما جرى لأم موسى ولموسى من تلك المخاوف) (^٥).\n_________\n(^١) وهو استنباط عقدي، وهو استنباط في علوم القرآن (قصص الأنبياء).\n(^٢) فتح القدير ج ٤/ ص ٩٥.\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن ج ١٣/ ص ٨٩.\n(^٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٣/ ص ٨٩، وفتح البيان ج ٩/ ص ٣٦٧، وحدائق الروح والريحان ج ٢٠/ ص ١٦٠.\n(^٥) تيسير الكريم الرحمن ص ٦١٨. ولعل الآية التي استنبط منها السعدي ما يتعلق بخوف موسى -﵇- هي قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١)﴾ [القصص: ٢١]، أو قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)﴾ [القصص: ٣٣]، أو هما معا.","vol":"1","page":458},{"text":"<span data-type='title' id=toc-597>١٦٦ - رعاية الأدب مع الرب سبحانه </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ الشعراء: ٨٠.\nقال الشوكاني -﵀-: (وأسند المرض إلى نفسه دون غيره من هذه الأفعال المذكورة رعاية للأدب مع الرب، وإلا فالمرض وغيره من الله سبحانه) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-598>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- رعاية الأدب مع الرب سبحانه.\nووجه الاستنباط: أن إبراهيم -﵇- أسند المرض إلى نفسه دون غيره من الأفعال المذكورة، والمرض وغيره من الله سبحانه؛ فدل بدلالة تغيير النظم، وبالاقتداء بإبراهيم -﵇- على رعاية الأدب مع الرب سبحانه. (^٣).\nقال أبو السعود: (ونسبة المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى مع أنهما منه تعالى لمراعاة\nحسن الأدب، كما قال الخضر -﵇-: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩] (^٤)، وقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا … أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢] (^٥) …) (^٦).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وأبو السعود-كما تقدم-، والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي، والهرري. (^٧).\nوالآية دالة بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على الأدب في الخطاب عموما.\nقال الزركشي: (فأسند الفعل قبل وبعد إلى الله، وأسند المرض إلى نفسه إذ هو معنى نقص ومعابة وليس من جنس النعم المتقدمة. وهذا النوع مطرد في فصاحة القرآن كثيرا … وهو أصل عظيم في الأدب في الخطاب) (^٨).\n_________\n(^١) وهو استنباط تربوي.\n(^٢) فتح القدير ج ٤/ ص ١٠٥.\n(^٣) وذكر السمرقندي، والرازي، والبيضاوي أوجها أخرى لتغيير النظم راجعها في بحر العلوم ج ٢/ ص ٥٥٧، والتفسير الكبير ج ٢٤/ ص ١٢٥، وأنوار التنزيل ج ٤/ ص ٢٤٢.\n(^٤) وتمامها: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ … فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾.\n(^٥) وتمامها: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ … لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا … أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا … رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾.\n(^٦) إرشاد العقل السليم ج ٦/ ص ٢٤٩.\n(^٧) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٣/ ص ١٠٣، وإرشاد العقل السليم ج ٦/ ص ٢٤٩، وروح المعاني ج ١٩/ ص ٩٦، وفتح البيان ج ٩/ ص ٣٨٩، ومحاسن التأويل ج ٧/ ص ٤٦٠، وحدائق الروح والريحان ج ٢٠/ ص ٢٢٣.\n(^٨) البرهان في علوم القرآن ج ٤/ ص ٥٢، ٥٣. وانظر: منهج الاستنباط من القرآن ص ٣٤٤.","vol":"1","page":459},{"text":"<span data-type='title' id=toc-599>سورة النمل</span>\n<span data-type='title' id=toc-600>١٦٧ - نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها على عباده </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾ النمل: ١٥.\nقال الشوكاني﵀-: (وفي الآية دليل على شرف العلم، وارتفاع محله، وأن نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها علي عباده، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلا على كثير من العباد، ومنح شرفا جليلا) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-601>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- أن نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها على عباده.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر أنه آتى داود -﵇-، وسليمان -﵇- علما أعقبه بأن ذكر أنهما حمدا الله الذي فضلهما على كثير من عباده المؤمنين؛ فدل ذلك على أنهما جعلا العلم أساس الفضل، ولم يعتبرا شيئا دونه مما أوتياه من الملك العظيم؛ فلزم من ذلك أن تكون نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها على عباده.\nقال الرازي: (في الآية دليل على علو مرتبة العلم؛ لأنهما أوتيا من الملك ما لم يؤت غيرهما، فلم يكن شكرهما على الملك كشكرهما على العلم) (^٤)\nوقال المراغي: (وفي الآية إيماء إلى فضل العلم، وشرف أهله من حيث شكرا عليه، وجعلاه أساس الفضل، ولم يعتبرا شيئا دونه مما أوتياه من الملك العظيم ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ (^٥) [المجادلة: ١١]) (^٦).\n_________\n(^١) وهو استنباط فائدة علمية.\n(^٢) فتح القدير ج ٤/ ص ١٢٩.\n(^٣) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) يجوز للعالم أن يذكر مرتبته في العلم لفوائد شرعية ترجع إلى أن يحذر الناس من الاغترار بمن ليست له أهلية من أهل الدعوى الكاذبة. وهذا حكم يستنبط من الآية؛ لأن شرع من قبلنا شرع لنا. قاله ابن عاشور في التحرير والتنوير ج ١٩/ ص ٢٣٣.\n٢) يلزم العالم لهذه النعمة الفاضلة أن يحمد الله عليها، وأن يعتقد أنه إن فضل على كثير فقد فضل عليه مثلهم. انظر: تفسير المراغي ج ١٩/ ص ١٢٧، وحدائق الروح والريحان ج ٢٠/ ص ٣٩٥.\n(^٤) التفسير الكبير ج ٢٤/ ص ١٥٩.\n(^٥) وتمامها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾\n(^٦) تفسير المراغي ج ١٩/ ص ١٢٧.","vol":"1","page":460},{"text":"وقال الهرري: (وفي الآية دليل على شرف العلم، وارتفاع محله، وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها علي عباده، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلا على كثير من العباد، ومنح شرفا جليلا، وما سماهم رسول الله -ﷺ- ورثة الأنبياء إلا لمداناتهم لهم في الشرف والمنزلة؛ لأنهم القوام بما بعثوا من أجله) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، والبيضاوي، والقرطبي، وأبو السعود، والقنوجي، والمراغي، والهرري كما تقدم. (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-602>١٦٨ - عقوبة المذنب على قدر ذنبه لا على قدر جسده </span>(^٣).\nقال تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾ النمل: ٢١.\nقال الشوكاني﵀-: (وفي هذا دليل على أن العقوبة على قدر الذنب لا على قدر الجسد) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-603>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٥) -﵀- أن عقوبة المذنب على قدر ذنبه لا على قدر جسده.\nووجه الاستنباط: أن سليمان -﵇- توعد الهدهد لما تغيب بعقوبة (^٦) تناسب ذنبه، ولم يلتفت لصغر جسده؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على أن عقوبة المذنب على قدر ذنبه لا على قدر جسده.\n_________\n(^١) حدائق الروح والريحان ج ٢٠/ ص ٣٩٥.\n(^٢) انظر: التفسير الكبير ج ٢٤/ ص ١٥٩، وأنوار التنزيل ج ٤/ ص ٢٦١، والجامع لأحكام القرآن ج ١٣/ ص ١٤٨، ١٤٩، وإرشاد العقل السليم ج ٦/ ص ٢٧٦، وفتح البيان ج ١٠/ ص ٢٠، وتفسير المراغي ج ١٩/ ص ١٢٧، وحدائق الروح والريحان ج ٢٠/ ص ٣٩٥.\n(^٣) وهو استنباط فقهي، وفي علوم القرآن (قصص الأنبياء).\n(^٤) فتح القدير ج ٤/ ص ١٣٢.\n(^٥) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) استدل بها على أن الطير كانوا مكلفين؛ إذ لا يعاقب على ترك فعل إلا من كلف به. انظر: أحكام القرآن لابن العربي ج ٣/ ص ٣٤٩.\n٢) جواز تأديب الحيوانات والبهائم بالضرب عند تقصيرها في المشي، أو إسراعها، أو نحو ذلك. انظر: الإكليل ج ٣/ ص ١٠٦٩.\n٣) جواز نتف ريش الحيوان لمصلحة بناء على أن المراد بالتعذيب المذكور نتف ريشه. انظر: الإكليل ج ٣/ ص ١٠٧٠.\n(^٦) بأن ينتف ريشه كما ذكر ابن عباس -﵁-، أو ريشه كله كما قال مجاهد، أو أن يحبسه مع أضداده، وقيل: أن يمنعه من خدمته. انظر: الدر المنثور ج ٦/ ص ٣٤٩، ٣٥٠، وأنوار التنزيل ج ٤/ ص ٢٦٣، وفتح القدير ج ٤/ ص ١٣٢.","vol":"1","page":461},{"text":"قال ابن العربي: (كان الهدهد صغير الجرم، ووُعد بالعذاب الشديد لعظيم الجرم. قال علماؤنا: وهذا يدل على أن الحد على قدر الذنب لا على قدر الجسد) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: ابن العربي-كما تقدم-، والقرطبي، والقنوجي. (^٢). وأشار إليه أبو حيان بقوله: (وفيه دليل على الإغلاظ على العاصين وعقابهم) (^٣).\nواستنبط ابن عاشور من الآية-بالقياس- جواز عقاب الجندي المخالف، فقال: (ويؤخذ من هذا جواز عقاب الجندي إذا خالف ما عين له من عمل أو تغيب عنه) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-604>١٦٩ - على المرء البحث عن الأخبار والكشف عن الحقائق وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم واعتمادا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه </span>(^٥).\nقال تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧)﴾ النمل: ٢٧.\nقال الشوكاني -﵀-: (والنظر هو التأمل والتصفح. وفيه إرشاد إلى البحث عن الأخبار، والكشف عن الحقائق، وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم، واعتمادا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه) (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-605>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٧) -﵀- أن على المرء البحث عن الأخبار، والكشف عن الحقائق، وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم، واعتمادا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه.\nووجه الاستنباط: أن سليمان -﵇- لما أخبره الهدهد بخبر سبأ وأهلها وملكتهم قال: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ﴾ فتروى وتحرى؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على أن على المرء البحث عن الأخبار، والكشف عن الحقائق، وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم، واعتمادا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه.\n_________\n(^١) أحكام القرآن ج ٣/ ص ٣٤٩. ثم قال: أَمَا إنه يرفق بالمحدود في الزمان والصفة على ما بيناه في أحكام استيفاء القصاص.\n(^٢) انظر: أحكام القرآن ج ٣/ ص ٣٤٩، والجامع لأحكام القرآن ج ١٣/ ص ١٦٢، وفتح البيان ج ١٠/ ص ٢٩.\n(^٣) البحر المحيط ج ٧/ ص ٨٤.\n(^٤) التحرير والتنوير ج ١٩/ ص ٢٤٣.\n(^٥) وهو استنباط فائدة علمية، وفي علوم القرآن (قصص الأنبياء).\n(^٦) فتح القدير ج ٤/ ص ١٣٦.\n(^٧) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) أن على الوالي قبول عذر رعيته، ودرء العقوبة عنهم؛ لأن سليمان لم يعاقب الهدهد حين اعتذر إليه. انظر: أحكام القرآن لابن العربي ج ٣/ ص ٣٥٣، والجامع لأحكام القرآن ج ١٣/ ص ١٧٠، والإكليل ج ٣/ ص ١٠٧٠.\n٢) في الآية دليل على جواز إرسال الكتب إلى المشركين من الإمام لإبلاغ الدعوة والدعاء إلى الإسلام. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٣/ ص ١٧١، وروح المعاني ج ١٩/ ص ١٩٣.","vol":"1","page":462},{"text":"قال السيوطي: فيه امتحان الوالي صدق رعيته فيما اعتذروا به (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: السيوطي-كما تقدم-، والقنوجي. (^٢).\nوأشار إليه ابن العربي والقرطبي منبهين إلى أن على الإمام التحري إذا تعلق به حكم من أحكام الشريعة، فقال القرطبي: (في قوله: ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ … مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧)﴾ دليل على أن الإمام يجب عليه أن يقبل عذر رعيته، ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم … ولكن للإمام أن يمتحن ذلك إذا تعلق به حكم من أحكام الشريعة كما فعل سليمان، فإنه لما قال الهدهد: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النمل: ٢٣] لم يستفزه الطمع ولا استجره حب الزيادة في الملك إلى أن يعرض له حتى قال: … ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: من الآية ٢٤] (^٣) فغاظه حينئذ ما سمع، وطلب الانتهاء إلى ما أخبر، وتحصيل علم ما غاب عنه من ذلك؛ فقال: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ … مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧)﴾ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-606>١٧٠ - من ذم علما من العلوم الشرعية، أو ذم علما هو مقدمة من مقدماتها ووسيلة يتوسل بها إليها فهو مذموم </span>(^٥).\nقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ النمل: ٨٤.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾ إلى موقف الحساب قال الله لهم توبيخا وتقريعا: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ التي أنزلتها على رسلي، وأمرتهم بإبلاغها إليكم، والحال أنكم ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾، بل كذبتم بها بادئ بدء جاهلين لها، غير ناظرين فيها، ولا مستدلين على صحتها أو بطلانها تمردا، وعنادا، وجرأة على الله وعلى رسله. وفي هذا مزيد تقريع وتوبيخ لأن من كذَّب بشيء ولم يحط به علما؛ فقد كذب في تكذيبه، ونادى على نفسه بالجهل وعدم الإنصاف، وسوء الفهم وقصور الإدراك. ومن هذا القبيل من تصدى لذم علم من العلوم الشرعية، أو لذم علم هو مقدمة من مقدماتها ووسيلة يتوسل بها إليها، ويفيد زيادة بصيرة في معرفتها وتعقل معانيها كعلوم اللغة العربية بأسرها، … وعلم أصول الفقه فإنه يتوصل به إلى استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية مع اشتماله على بيان قواعد اللغة الكلية، وهكذا كل علم من العلوم التي لها مزيد نفع في فهم كتاب الله وسنة رسوله) (^٦).\n_________\n(^١) الإكليل ج ٣/ ص ١٠٧٠.\n(^٢) انظر: الإكليل ج ٣/ ص ١٠٧٠، وفتح البيان ج ١٠/ ص ٣٧.\n(^٣) وتمامها: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤)﴾.\n(^٤) انظر: أحكام القرآن ج ٣/ ص ٣٥٣، والجامع لأحكام القرآن ج ١٣/ ص ١٧٠.\n(^٥) وهو استنباط فائدة علمية.\n(^٦) فتح القدير ج ٤/ ص ١٥٤.","vol":"1","page":463},{"text":"<span data-type='title' id=toc-607>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- من الآية أن من تصدى لذم علم من العلوم الشرعية، أو لذم علم هو مقدمة من مقدماتها ووسيلة يتوسل بها إليها فهو مذموم.\nووجه الاستنباط: أن الله ذم من كذب بآياته وزاد في ذمهم وتقريعهم ببيان أنهم كذبوا بما لم يحيطوا به علما، فتكذيبهم بها جاهلين لها غير ناظرين فيها ولا مستدلين على صحتها أو بطلانها تمردا؛ فدل ذلك بمفهوم الموافقة على أن من تصدى لذم علم من العلوم الشرعية، أو لذم علم هو مقدمة من مقدماتها ووسيلة يتوسل بها إليها فهو مذموم.\nوممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري. (^١).\nوفي هذا الاستنباط حث على الإمساك عن الحديث فيما لا علم للمرء به، وأن على العاقل ألا يخوض فيما يجهل، وألا يحكم على مسألة قبل النظر والتأمل والبحث عن حقيقتها. كما فيه حث على النظر في العلوم النافعة الموصلة إلى الحق.\n_________\n(^١) انظر: فتح البيان ج ١٠/ ص ٧٥، وحدائق الروح والريحان ج ٢١/ ص ٥٨.","vol":"1","page":464},{"text":"<span data-type='title' id=toc-608>سورة القصص</span>\n<span data-type='title' id=toc-609>١٧١ - كانت الإجارة (^١) مشروعة عند أهل مدين </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ القصص: ٢٦.\nقال الشوكاني -﵀-: (أي: استأجره ليرعى لنا الغنم. وفيه دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة) (^٣).\n_________\n(^١) الإجارة: تمليك المنفعة بعوض. انظر: التعريفات للجرجاني ص ٢٣، وأنيس الفقهاء للقونوي ص ٢٥٩، والتوقيف على مهمات التعاريف للمناوي ص ٣٥.\nوالإجارة مجمع على جوازها كما في المغني، قال: الأصل في جواز الإجارة الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. وقال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾.\nوأما السنة فثبت أن رسول الله -ﷺ- وأبا بكر استأجرا رجلا من بني الديل هاديا خريتا. وروى البخاري عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"قال الله ﷿: ثلاثة أنه خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره\". والأخبار في هذا كثيرة.\nوأجمع أهل العلم في كل عصر وكل مصر على جواز الإجارة، إلا ما يحكى عن عبد الرحمن- أي الأصم- أنه قال: لا يجوز ذلك لأنه غرر، يعني أنه يعقد على منافع لم تخلق، وهذا غلط لا يمنع انعقاد الإجماع الذي سبق في الأعصار وسار في الأمصار، والعبرة أيضا دالة عليها فإن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان فلما جاز العقد على الأعيان وجب أن تجوز الإجارة على المنافع، ولا يخفى ما بالناس من الحاجة إلى ذلك فإنه ليس لكل أحد دار يملكها، ولا يقدر كل مسافر على بعير أو دابة يملكها، ولا يلزم أصحاب الأملاك إسكانها وحملهم تطوعا، وكذلك أصحاب الصنائع يعملون بأجر، ولا يمكن كل أحد عمل ذلك ولا يجد متطوعا به فلا بد من الإجارة لذلك، بل ذلك مما جعله الله طريقا للرزق، حتى أن أكثر المكاسب بالصنائع، وما ذكره من الغرر لا يلتفت إليه مع ما ذكرنا من الحاجة. انظر: المغني ج ٥/ ص ٢٥٠.\n(^٢) وهو استنباط فقهي، وفي علوم القرآن (قصص الأنبياء).\n(^٣) فتح القدير ج ٤/ ص ١٦٩.","vol":"1","page":465},{"text":"<span data-type='title' id=toc-610>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^١) -﵀- أن الإجارة كانت عند أهل مدين مشروعة.\nووجه الاستنباط: أن إحدى المرأتين -من أهل مدين- اللتين سقى لهما موسى -﵇- سألت والدها أن يستأجر موسى -﵇-؛ فدل ذلك على أن الإجارة كانت عند أهل مدين مشروعة.\nوممن قال بهذا الاستنباط: ابن العربي، والقرطبي، وأبو حيان، والسيوطي، والقنوجي. (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-611>١٧٢ - مشروعية عرض ولي المرأة لها على الرجل </span>(^٣).\nقال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ القصص: ٢٧.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ فيه مشروعية عرض ولي المرأة لها على الرجل، وهذه سنة ثابتة في الإسلام كما ثبت من عرض عمر -﵁- لابنته حفصة على أبي بكر وعثمان -﵃-، والقصة معروفة (^٤) …) (^٥).\n_________\n(^١) واستنبط القصاب أن ظاهر عمل الطاعة في الإنسان يستدل به على عدالته وأمانته. انظر: نكت القرآن ج ٣/ ص ٥٥٦.\n(^٢) انظر: أحكام القرآن ج ٣/ ص ٣٦٠، والجامع لأحكام القرآن ج ١٣/ ص ٢٤١، والبحر المحيط ج ٧/ ص ١٤٩، والإكليل ج ٣/ ص ١٠٧٨، وفتح البيان ج ١٠/ ص ١٠٨.\n(^٣) وهو استنباط فقهي، وفي علوم القرآن (قصص الأنبياء).\n(^٤) يعني حديث عبد الله بن عمر -﵁-: \"أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله -ﷺ- فتوفي بالمدينة، فقال عمر بن الخطاب أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئا، وكنت أوجد عليه مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله -ﷺ-، فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئا، قال عمر: قلت: نعم، قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله -ﷺ- قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله -ﷺ-، ولو تركها رسول الله -ﷺ- قبلتها\". أخرجه البخاري في كتاب: النكاح، باب: عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير، رقم: ٤٨٣٠، ج ٥/ ص ١٩٦٨.\n(^٥) فتح القدير ج ٤/ ص ١٦٩.","vol":"1","page":466},{"text":"<span data-type='title' id=toc-612>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^١) -﵀- مشروعية عرض ولي المرأة لها على الرجل.\nووجه الاستنباط: أن والد المرأتين اللتين سقى لهما موسى -﵇- عرض على موسى -﵇- أن يزوجه إحدى ابنتيه؛ فدل هذا بدلالة شرع من قبلنا شرع لنا، أو بدلالة أن الله تعالى أقر هذا الفعل ولم يرده على مشروعية عرض ولي المرأة لها على الرجل.\nيعني الرجل الصالح رغبة في صلاحه، قال ابن عاشور: (وفيه جواز عرض الرجل مولاته على من يتزوجها رغبة في صلاحه) (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط: ابن العربي، والقرطبي، وأبو حيان، والسيوطي، والقنوجي، وابن عاشور. (^٣).\nوهذا الاستنباط صحيح. ويؤيده ما جاء في شرعنا من فعل عمر بن الخطاب -﵁- حين تأيمت حفصة بنت عمر فعرضها على عثمان بن عفان -﵁- فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، ثم عرضها على أبي بكر -﵁- فصمت ولم يرجع إلى عمر شيئا لما علم أن رسول الله -ﷺ- ذكرها (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-613>١٧٣ - للرجل أن يذهب بأهله حيث شاء </span>(^٥).\nقال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)﴾ القصص: ٢٩.\n_________\n(^١) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) جواز النكاح بالإجارة؛ بدلالة الاقتداء بفعل موسى -﵇-. انظر: بحر العلوم ج ٢/ ص ٦٠٥، والتسهيل لعلوم التنزيل ج ٣/ ص ١٠٥، ومنهج الاستنباط من القرآن ص ٢٥٠.\n٢) في هذه الآية دليل على أن النكاح إلى الولي لاحظ للمرأة فيه؛ لأن صالح مدين تولاه بنفسه. انظر: نكت القرآن ج ٣/ ص ٥٦١، الجامع لأحكام القرآن ج ١٣/ ص ٢٤١.\n٣) على أن الرجل الصالح ينبغي أن يحسن خلقه مهما أمكنه، وأن الذي يطلب منه أبلغ من غيره. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٦١٥.\nوذكر السيوطي في الإكليل ج ٣/ ص ١٠٧٨ جملة من الاستنباطات.\n(^٢) التحرير والتنوير ج ٢٠/ ص ٤٤.\n(^٣) انظر: أحكام القرآن ج ٣/ ص ٣٦١، والجامع لأحكام القرآن ج ١٣/ ص ٢٤١، والبحر المحيط ج ٧/ ص ١٤٩، والإكليل ج ٣/ ص ١٠٧٨، وفتح البيان ج ١٠/ ص ١٠٨، والتحرير والتنوير ج ٢٠/ ص ٤٤.\n(^٤) تقدم نص الحديث بتمامه مع تخريجه في أول هذا الاستنباط.\n(^٥) وهو استنباط فقهي، وفي علوم القرآن (قصص الأنبياء).","vol":"1","page":467},{"text":"قال الشوكاني -﵀-: (وسار بأهله إلى مصر، وفيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-614>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء.\nووجه الاستنباط: أن موسى لما قضى الأجل سار بأهله من مدين إلى مصر؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء.\nوممن قال بهذا الاستنباط: ابن العربي، والقرطبي، والقنوجي. (^٢).\nوخالف الجصاص، فقال: (وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ فلما يستدل به بعضهم على أن للزوج أن يسافر بامرأته وينقلها إلى بلد آخر، ويفرق بينها وبين أبويها، ولا دلالة فيه عندي على ذلك؛ لأنه جائز أن يكون فعل برضاها) (^٣).\nوالأظهر -والله أعلم- أنه يجوز للرجل أن يسافر بأهله إلى ما يجوز السفر إليه، إلا إن اشترطت عليه عند العقد ألا ينقلها من بلدها؛ لقول النبي -ﷺ-: \"أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج\" (^٤).\nقال القرطبي: (فيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء لما له عليها من فضل القوامية وزيادة الدرجة، إلا أن يلتزم لها أمرا فالمؤمنون عند شروطهم، وأحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج) (^٥).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٤/ ص ١٦٩.\n(^٢) انظر: أحكام القرآن ج ٣/ ص ٣٧٥، والجامع لأحكام القرآن ج ١٣/ ص ٢٥٠، وفتح البيان ج ١٠/ ص ١١٢.\n(^٣) أحكام القرآن ج ٥/ ص ٢١٦.\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب: النكاح، باب: الشروط في النكاح، رقم: ٤٨٥٦، ج ٥/ ص ١٩٧٨. ومسلم في كتاب: النكاح، باب: الوفاء بالشروط في النكاح، رقم: ١٤١٨، ج ٢/ ص ١٠٣٥.\n(^٥) الجامع لأحكام القرآن ج ١٣/ ص ٢٥٠.","vol":"1","page":468},{"text":"<span data-type='title' id=toc-615>سورة العنكبوت</span>\n<span data-type='title' id=toc-616>١٧٤ - النظر في حال الدواب مما يعين على الصبر والتوكل </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾ العنكبوت: ٥٩ - ٦٠.\nقال الشوكاني -﵀-: (ثم وصف هؤلاء العاملين فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على مشاق التكليف وعلى أذية المشركين لهم، ويجوز أن يكون منصوبا على المدح ثم ذكر سبحانه ما يعين على الصبر والتوكل، وهو النظر في حال الدواب. فقال:\n﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ ومعنى لا تحمل رزقها: لا تطيق حمل رزقها لضعفها ولا تدخره وإنما يرزقها الله من فضله ويرزقكم، فكيف لا يتوكلون على الله مع قوتهم وقدرتهم على أسباب العيش كتوكلها على الله مع ضعفها وعجزها) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-617>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- أن النظر في حال الدواب مما يعين على الصبر والتوكل.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى أثنى على من صبر وتوكل عليه، ثم ذكر عقب ذلك حال الدواب التي لا تدخر شيئًا لغدٍ، ويأتيها رزقها كل يوم، والمقصود بيان أنهم أولى بالتوكل على الله مع قوتهم وقدرتهم على أسباب العيش كتوكلها على الله مع ضعفها وعجزها؛ فدل بدلالة الربط بين الآيتين على أن النظر في حال الدواب مما يعين على الصبر والتوكل.\nقال ابن عادل: (لما ذكر الله ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩)﴾ ذكر ما يعين على التوكل وهو بيان حال الدواب التي لا تدخر شيئًا لغدٍ، ويأتيها رزقها كل يوم) (^٣).\nوقال ابن عاشور: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾ عطف على جملة: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت: من الآية ٥٧] (^٤) فإن الله لما هون بها أمر الموت في مرضاة الله، وكانوا ممن لا يعبأ بالموت علم أنهم يقولون في أنفسهم: إنا لا نخاف الموت، ولكنا نخاف الفقر والضيعة. واستخفاف العرب بالموت سجية فيهم كما أن خشية المعرة من سجاياهم كما بيناه عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: من الآية ٣١] (^٥) فأعقب ذلك بأن ذكرهم بأن رزقهم على الله وأنه لا يضيعهم. وضرب لهم المثل برزق الدواب، وللمناسبة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت: من الآية ٥٦] (^٦) من توقع الذين يهاجرون من مكة أن لا يجدوا رزقا في البلاد التي يهاجرون إليها، وهو أيضا مناسب لوقوعه عقب ذكر التوكل في قوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩)﴾ (^٧).\n_________\n(^١) وهو استنباط تربوي سلوكي. وهو استنباط في علوم القرآن أيضا (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٢) فتح القدير ج ٤/ ص ٢١١.\n(^٣) اللباب في علوم الكتاب ج ١٥/ ص ٣٧٢.\n(^٤) وتمامها: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧)﴾\n(^٥) وتمامها: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾\n(^٦) وتمامها: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)﴾\n(^٧) انظر: التحرير والتنوير ج/ ص ١٩٦، ١٩٧.","vol":"1","page":469},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عادل-كما تقدم-، والقنوجي، وابن عاشور-كما تقدم- والهرري. (^١).\n_________\n(^١) انظر: اللباب في علوم الكتاب ج ١٥/ ص ٣٧٢، وفتح البيان ج ١٠/ ص ٢١٣، والتحرير والتنوير ج/ ص ١٩٦، ١٩٧، وحدائق الروح والريحان ج ٢٢/ ص ٣٥.","vol":"1","page":470},{"text":"<span data-type='title' id=toc-618>سورة الروم</span>\n<span data-type='title' id=toc-619>١٧٥ - مشروعية الجمع بين الحمد التسبيح </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ الروم: ١٧ - ١٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (وجملة: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ معترضة مسوقة للإرشاد إلى الحمد، والإيذان بمشروعية الجمع بينه وبين التسبيح كما في قوله سبحانه: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: من الآية ٩٨] (^٢)، و﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: من الآية ٣٠] (^٣) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-620>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٥) -﵀- مشروعية الجمع بين الحمد والتسبيح.\nووجه الاستنباط: أنه ذُكِر الحمد في أثناء الحديث عن التسبيح وأوقاته، فاعتُرض بذكر الحمد بين أوقات التسبيح المعطوفة؛ فدل هذا الاعتراض (^٦) على مشروعية الجمع بين الحمد والتسبيح.\n_________\n(^١) وهو استنباط في الدعوات والذكر.\n(^٢) وتمامها: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾. ومثلها قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ٣].\n(^٣) وتمامها: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾.\n(^٤) فتح القدير ج ٤/ ص ٢١٨، ٢١٩.\n(^٥) واستنبط غيره من الآية أن في هذه الآية تنبيها على الصلوات الخمس. فتمسون يعني صلاة الغرب والعشاء، وتصبحون يعني صلاة الفجر، وعشيا يعني صلاة العصر، وتظهرون على معنى التقديم والتأخير أي صلاة الظهر. انظر: بحر العلوم ج ٣/ ص ٧.\n(^٦) وذكر الرازي وجها آخر للاعتراض بالحمد فقال: (وقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ كلام معترض بين المعطوف والمعطوف عليه، وفيه لطيفة: وهو أن الله تعالى لما أمر العباد بالتسبيح كأنه بين لهم أن تسبيحهم الله لنفعهم لا لنفع يعود على الله، فعليهم أن يحمدوا الله إذا سبحوه، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: من الآية ١٧]). التفسير الكبير ج ٢٥/ ص ٩٤.","vol":"1","page":471},{"text":"قال أبو السعود: (وتوسيطه بين أوقات التسبيح للاعتناء بشأنه، والإشعار بأن حقهما أن يجمع بينهما كما ينبئ عنه قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، وقوله -ﷺ-: \"من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر\" (^١)، وقوله -ﷺ-: \"من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال، أو زاد عليه\" (^٢)، وقوله -ﷺ-: \"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم\" (^٣)، وغير ذلك مما لا يحصى من الآيات والأحاديث) (^٤).\nوممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والقنوجي، والهرري (^٥). وأشار إليه ابن كثير. (^٦).\nوهذا الاستنباط على أن التسبيح في الآية هو على ظاهره من تنزيه الله تعالى، وهو الأظهر والله تعالى أعلم، وبه قال الزمخشري، والرازي، وابن كثير، والآلوسي، والهرري (^٧).\nقال الآلوسي: (واختار الإمام الرازي حمل التسبيح على التنزيه، فقال: إنه أقوى، والمصير إليه أولى … وأنا بالإمام أقتدي في دعوى أولوية الحمل على الظاهر) (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: فضل التسبيح، رقم: ٦٠٤٢، ج ٥/ ص ٢٣٥٢. وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء، رقم: ٢٦٩١، ج ٤/ ص ٢٠٧١.\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء، رقم: ٢٦٩٢، ج ٤/ ص ٢٠٧١.\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب: الأيمان والنذور، باب: إذا قال: والله لا أتكلم اليوم، فصلى، أو قرأ، أو سبح، أو كبر، أو حمد، أو هلل؛ فهو على نيته، رقم: ٦٣٠٤، ج ٦/ ص ٢٤٥٩. وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء، رقم: ٢٦٩٤، ج ٤/ ص ٢٠٧٢.\n(^٤) إرشاد العقل السليم ج ٧/ ص ٥٤.\n(^٥) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٧/ ص ٥٤، وفتح البيان ج ١٠/ ص ٢٣٤، وحدائق الروح والريحان ج ٢٢/ ص ٩٦.\n(^٦) انظر: تفسير القرآن العظيم ج ٦/ ص ٨٦، ٨٧.\n(^٧) انظر: الكشاف ج ٣/ ص ٤٧٧، والتفسير الكبير ج ٢٥/ ص ٩٢، وتفسير القرآن العظيم ج ٦/ ص ٨٦، ٨٧، وروح المعاني ج ٢١/ ص ٢٨، حدائق الروح والريحان ج ٢٢/ ص ٩٥.\n(^٨) روح المعاني ج ٢١/ ص ٢٨.","vol":"1","page":472},{"text":"وقال أيضا: (والمراد بالتسبيح والحمد ظاهرهما على ما ذهب إليه جمع من الأجلة) (^١).\nوقال الهرري: (والتسبيح محمول على حقيقته وظاهره الذي هو تنزيه الله تعالى عن السوء، والثناء عليه بالخير) (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق ج ٢١/ ص ٢٨.\n(^٢) حدائق الروح والريحان ج ٢٢/ ص ٩٥.","vol":"1","page":473},{"text":"<span data-type='title' id=toc-621>سورة السجدة</span>\n<span data-type='title' id=toc-622>١٧٦ - تعذيب الكفار ليس لمجرد سبق القول من الله عليهم فحسب بل للتنبيه على استحقاقهم العذاب </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ السجدة: ١٣ - ١٤.\nقال الشوكاني -﵀-: (والباء في ﴿بِمَا نَسِيتُمْ﴾ للسببية. وفيه إشعار بأن تعذيبهم ليس لمجرد سبق القول المتقدم بل بذاك وهذا) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-623>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- تعذيب الكفار ليس لمجرد سبق القول من الله عليهم بل للتنبيه على استحقاقهم العذاب.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى بعد أن ذكر أنه حق القول منه بمعاقبة الكافرين بالنار قال: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ﴾ فجعل سبب العذاب فعلهم؛ فدل ذكر سبب تعذيب الكفار بعد أن أعلمهم أنه ﷿ قضى بتعذيبهم بدلالة الربط بين الآيتين على أن تعذيب الكفار ليس لمجرد سبق القول من الله عليهم بل للتنبيه على استحقاقهم العذاب.\nقال أبو السعود: (والباء في قوله تعالى: ﴿بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ للإيذان بأن تعذيبهم ليس لمجرد سبق الوعيد به فقط، بل هو وسبق الوعيد أيضا بسبب موجب له من قبلهم) (^٤).\nوقال الهرري: (والباء في قوله: ﴿بِمَا نَسِيتُمْ﴾ للسببية، أتى بها إشارة إلى أنه وإن سبق القول في حق التعذيب لكنه كان بسبب موجب من جانبهم أيضا؛ فإن الله قد علم منهم سوء الاختيار) (^٥).\nوممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود-كما تقدم-، والبروسوي، والقنوجي، والقاسمي، والهرري كما تقدم. (^٦).\n_________\n(^١) وهو استنباط فائدة علمية.\n(^٢) فتح القدير ج ٤/ ص ٢٥٢.\n(^٣) واستنبط الرازي مناسبة اختيار لفظ النسيان دون غيره، فقال: (فكأنه ظهر وعلم، ولما تركوه بعد الظهور ذكر بلفظ النسيان إشارة إلى كونهم منكرين لأمر ظاهر، كمن ينكر أمرا كان قد علمه). التفسير الكبير ج ٢٥/ ص ١٥٧. وبمثله قال البقاعي في نظم الدرر ج ٦/ ص ٥٦.\n(^٤) إرشاد العقل السليم ج ٧/ ص ٨٤.\n(^٥) حدائق الروح والريحان ج ٢٢/ ص ٣٥٠.\n(^٦) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٧/ ص ٨٤، وروح البيان ج ٧/ ص ١١٩، وفتح البيان ج ١١/ ص ٢٣،، ومحاسن التأويل ج ٨/ ص ٤١، وحدائق الروح والريحان ج ٢٢/ ص ٣٥٠.","vol":"1","page":474},{"text":"والمقصود من هذا الاستنباط التنبيه على أن العذاب مستحق بأسبابه.\nقال السعدي - عند قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ [البقرة: ٢٤]-: (وفيه دلالة على أن العذاب مستحق بأسبابه وهو الكفر وأنواع المعاصي على اختلافها) (^١).\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن ص ٤٦.","vol":"1","page":475},{"text":"<span data-type='title' id=toc-624>سورة الأحزاب</span>\n<span data-type='title' id=toc-625>١٧٧ - العدة حق للرجال </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ الأحزاب: ٤٩\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ … ومعنى تعتدونها تستوفون عددها من: عددتُ الدراهم فأنا أعتدها. وإسناد ذلك إلى الرجال للدلالة على أن العدة حق لهم كما يفيده ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-626>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- العدة حق للرجال.\nووجه الاستنباط: أن العدة في قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ أسندت في الآية للرجال؛ فدل ذلك على أن العدة حق لهم.\nقال أبو حيان: (يدل على أن العدة حق الزوج فيها غالب، وإن كانت لا تسقط بإسقاطه لما فيه من حق الله تعالى) (^٤). فإثبات هذا الحق للرجال لا يجيز إسقاطه بإسقاطهم له؛ لأن العدة حق لله تعالى.\nوذكر ابن عاشور معنى كونها حقا لهم، فقال: (وجعلت العدة لهم، أي لأجلهم؛ لأن المقصد منها راجع إلى نفع الأزواج بحفظ أنسابهم، ولأنهم يملكون مراجعة الأزواج ما دمن في مدة العدة كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ (^٥) [الطلاق: ١]، وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (^٦) [البقرة: ٢٢٨] ومع ذلك هي حق أوجبه الشرع، فلو رام الزوج إسقاط العدة عن المطلقة لم يكن له ذلك؛ لأن ما تتضمنه العدة من حفظ النسب مقصد من أصول مقاصد التشريع فلا يسقط بالإسقاط) (^٧).\n_________\n(^١) وهو استنباط فقهي.\n(^٢) فتح القدير ج ٤/ ص ٢٩٠.\n(^٣) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح، ووجهه أنه رتب الطلاق على النكاح بكلمة ثم. انظر: نكت القرآن ج ٣/ ص ٦٦٣، وأحكام القرآن للكيا ج ٤/ ص ٣٤٨، والإكليل ج ٣/ ص ١١١٢. ولابن الفرس تفصيل في هذه المسألة ذكره في أحكام القرآن ج ٣/ ص ٤٢٧.\n٢) جواز الطلاق؛ لأن الله أخبر به عن المؤمنين على وجه لم يلمهم عليه ولم يؤنبهم، مع تصدير الآية بخطاب المؤمنين. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٦٦٨.\n٣) من عدا غير المدخول بها من المفارقات من الزوجات بموت أو حياة عليهن العدة، ووجهه: مفهوم مخالفة لقيد ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٦٦٩.\n(^٤) البحر المحيط ج ٧/ ص ٣١٩.\n(^٥) وتمامها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ … حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾.\n(^٦) وتمامها: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ … يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾.\n(^٧) التحرير والتنوير ج ٢١/ ص ٢٨٧.","vol":"1","page":476},{"text":"وقد أشار القصاب لمقاصد العدة بقوله: (للمُطلِّق تحصين المدخول بها إلى انقضاء عدتها؛ لإضافة العدة إليهم، فعدة المطلقات الآن على ثلاثة معاني: تعبد، واستبراء، وحق المطلق في التحصين. وعدة الوفاة بعد الدخول كذلك. فإن كانت قبل الدخول خلا منها مضي الاستبراء، وبقي التعبد والتحصين؛ لئلا يلحق بالميت عار ريبة إن حدثت) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القصاب، وأبو حيان-كما تقدم قولهما-، وابن عادل، والبروسوي، والقنوجي، وابن عاشور-كما تقدم-، والهرري. (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-627>١٧٨ - الإيذان بشرف الهجرة، وشرف من هاجر </span>(^٣).\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)﴾ الأحزاب: ٥٠\nقال الشوكاني -﵀-: (وهكذا قيَّد المهاجرة في قوله: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ فإنه للإشارة إلى ما هو أفضل، وللإيذان بشرف الهجرة، وشرف من هاجر) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-628>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٥) -﵀- من الآية شرف الهجرة، وشرف من هاجر.\n_________\n(^١) نكت القرآن ج ٣/ ص ٦٦٤.\n(^٢) انظر: نكت القرآن ج ٣/ ص ٦٦٤، والبحر المحيط ج ٧/ ص ٣١٩، واللباب ج ١٥/ ص ٥٦٧، وروح البيان ج ٧/ ص ٢٠٢، وفتح البيان ج ١١/ ص ١٠٩، التحرير والتنوير ج ٢١/ ص ٢٨٧، وحدائق الروح والريحان ج ٢٣/ ٧٢.\n(^٣) وهو استنباط فائدة علمية.\n(^٤) فتح القدير ج ٤/ ص ٢٩١.\n(^٥) واستنبط القصاب جواز الخروج من تمام قصة قبل الفراغ منها، ثم الرجوع إلى إتمامها. ألا ترى أنه بدأ القصة بـ ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى أن حال بين تمامها: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ ثم رجع إلى مخاطبته، فقال: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾. نكت القرآن ج ٣/ ص ٦٦٧.","vol":"1","page":477},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أباح لنبيه -ﷺ- نكاح بنات عمه، وبنات عماته، وبنات خاله، وبنات خالاته، ثم قيد ذلك بالهجرة؛ فدل هذا التقييد على شرف الهجرة، وشرف من هاجر.\nقال الهرري: (وتقييد البنات بكونها مهاجرات معه للإيذان بشرف الهجرة، وشرف من هاجر) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري (^٢). وأشار إليه ابن عاشور. (^٣).\nوهذا الاستنباط على أن الهجرة في الآية على ظاهرها. قال ابن العربي: (﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ وفيه قولان: أحدهما: أن معناه: لا يحل لك أن تنكح من بنات عمك وبنات عماتك إلا من أسلم؛ لقوله -ﷺ-: \"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه\" (^٤). الثاني: أن المعنى: لا يحل لك منهن إلا من هاجر إلى المدينة) إلى أن قال: (والمراد بقوله: ﴿هَاجَرْنَ﴾ خرجن إلى المدينة. وهذا أصح من الأول؛ لأن الهجرة عند الإطلاق هي الخروج من بلد الكفر إلى دار الإيمان، والأسماء إنما تحمل على عرفها، والهجرة في الشريعة أشهر من أن تحتاج إلى بيان أو تختص بدليل، وإنما يلزم ذلك لمن ادعى غيرها) (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-629>١٧٩ - جواز الجمع بين ذكر الله وذكر غيره في ضمير واحد </span>(^٦).\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ الأحزاب: ٥٦\nقال الشوكاني﵀-: (﴿يُصَلُّونَ﴾ وفيه تشريف للملائكة راجع إلى الله وإلى الملائكة عظيم، حيث جعل الضمير لهم ولله سبحانه واحدا، فلا يرد الاعتراض بما ثبت عنه -ﷺ- لما سمع قول الخطيب يقول: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى؛ فقال: \"بئس خطيب القوم أنت، قل ومن يعص الله ورسوله\" (^٧). ووجه ذلك أنه ليس لأحد أن يجمع ذكر الله سبحانه مع غيره في ضمير واحد. وهذا الحديث ثابت في الصحيح، وثبت أيضا في الصحيح: \"أن رسول الله -ﷺ- أمر مناديا ينادي يوم خيبر: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية\" (^٨). ولأهل العلم أبحاث في الجمع بين الحديثين (^٩) ليس هذا موضع ذكرها، والآية مؤيدة للجواز لجعل الضمير فيها لله ولملائكته واحدا، والتعليل بالتشريف للملائكة يقال مثله في رسول -ﷺ-. ويحمل الذم لذلك الخطيب الجامع بينهما على أنه -ﷺ- فهم منه إرادة التسوية بين الله سبحانه وبين رسوله، فيختص المنع بمثل ذلك. وهذا أحسن ما قيل في الجمع. وقالت طائفة: في هذه حذف، والتقدير: إن الله يصلي، وملائكته يصلون (^١٠)، وعلى هذا القول فلا تكن الآية مما جمع فيه بين ذكر الله وذكر غيره في ضمير واحد) (^١١).\n_________\n(^١) حدائق الروح والريحان ج ٢٣/ ص ٧٨.\n(^٢) انظر: فتح البيان ج ١١/ ص ١١٢، وحدائق الروح والريحان ج ٢٣/ ص ٧٨.\n(^٣) انظر: التحرير والتنوير ج ٢١/ ص ٢٩١.\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، رقم: ١٠، ج ١/ ص ١٣.\n(^٥) أحكام القرآن ج ٣/ ص ٤٤٧.\n(^٦) وهو استنباط عقدي ولغوي أيضا.\n(^٧) ولفظ الحديث عند مسلم عن عدي بن حاتم -﵁-: \"أن رجلا خطب النبي -ﷺ- فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله -ﷺ-: بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله\". كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة، رقم: ٨٧٠، ج ٢/ ص ٥٩٤.\n(^٨) ولفظ الحديث عند البخاري: عن أنس بن مالك -﵁- أن رسول الله -ﷺ- جاءه جاءِ فقال: اختلفا الحمر، فسكت، ثم أتاه الثانية فقال: اختلفا الحمر، فسكت، ثم أتاه الثالثة فقال: أفنيت الحمر، فأمر مناديا فنادى في الناس: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فأكفئت القدور وإنها لتفور باللحم\". كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر، رقم: ٣٩٦٣، ج ٤/ ص ١٥٣٩. وأخرجه مسلم في كتاب: الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب: تحريم أكل لحم الحمر الأنسية، رقم: ١٩٤٠، ج ٣/ ص ١٥٤٠.\n(^٩) انظر: فتح الباري ج ١/ ص ٦١، وشرح النووي على صحيح مسلم ج ٦/ ص ١٥٩.\n(^١٠) قال ابن الفرس: وقالت فرقة: ليس في الآية اجتماع ضمير، فالضمير للملائكة خاصة، تقديره: إن الله تعالى يصلي على محمد، وملائكته يصلون، ودل الظاهر من القول على ما ترك. واستدلوا بإنكار النبي -ﷺ- على رجل قال: ما شاء الله وشئت. انظر: أحكام القرآن ج ٣/ ص ٤٤٢.\n(^١١) فتح القدير ج ٤/ ص ٣٠٠.","vol":"1","page":478},{"text":"<span data-type='title' id=toc-630>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- جواز الجمع بين ذكر الله وذكر غيره في ضمير واحد.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ فجمع بين صلاته سبحانه على النبي -ﷺ-، وصلاة ملائكته في ضمير واحد؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الله تعالى على جواز الجمع بين ذكر الله وذكر غيره في ضمير واحد.\nوممن قال بهذا الاستنباط: ابن الفرس، والقرطبي، والقنوجي. (^١).\nوقد ذكر الشوكاني في نيل الأوطار هذا الاستنباط، فبيَّن جواز التشريك بين الله تعالى ورسوله -ﷺ- في ضمير واحد. واستدل على ذلك بحديث: \"أن يكون الله تعالى ورسوله أحب إليه مما سواهما\" (^٢). وبيَّن أن سبب إنكار النبي -ﷺ- على الخطيب أنه جمع بينهما في خطبة، والخطبة شأنها البسط والإيضاح، واجتناب الإشارات والرموز، ولهذا ثبت أن رسول الله -ﷺ- كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا لتفهم عنه، وإنما ثنى الضمير في قوله: \"أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما\" لأنه ليس خطبة وعظ وإنما هو تعليم حكم، فكل ما قل لفظه كان أقرب إلى حفظه، بخلاف خطبة الوعظ فإنه ليس المراد حفظها وإنما يراد الاتعاظ بها. أو أنه أنكر على ذلك الخطيب التشريك لأنه فهم منه اعتقاد التسوية، فنبهه على خلاف معتقده، وأمره بتقديم اسم الله تعالى على اسم رسوله ليعلم بذلك فساد ما اعتقده (^٣).\nوهذا الاستنباط إنما يصح على أن الضمير في قوله تعالى: ﴿يُصَلُّونَ﴾ راجع لله تعالى وملائكته. لكنه يحتاج إلى تقييده بأن يقال: التشريك جائز إلا فيما ورد في الشرع ذمه، والمنع منه (^٤).\n_________\n(^١) أحكام القرآن ج ٣/ ص ٤٤٢، والجامع لأحكام القرآن ج ١٤/ ص ٢٠٦، وفتح البيان ج ١١/ ص ١٣٤.\n(^٢) ولفظ الحديث عند البخاري: عن أنس -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان\" أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار\". كتاب: الإيمان، باب: حلاوة الإيمان، رقم: ١٦، ج ١/ ص ١٤. وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، رقم: ٤٣، ج ١/ ص ٦٦.\n(^٣) انظر: نيل الأوطار ج ٣/ ص ٣٢٥، ٣٢٦. باب اشتمال الخطبة على حمد الله تعالى، والثناء على رسوله -ﷺ-، والموعظة، والقراءة.\n(^٤) كقول: ما شاء الله وشئت. ففي حديث قتيلة بنت صيفي الجهني قالت: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله -ﷺ-، فقال: يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنتم تشركون، قال: سبحان الله وما ذلكم؟ قال: تقولون إذا حلفتم بالكعبة، فأمهل النبي -ﷺ- ثم قال: من حلف فليحلف برب الكعبة. ثم قال: نعم القوم أنتم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء فلان، فأمهل رسول الله -ﷺ- ثم قال: من قال ما شاء الله فليجعل بينهما ثم شئت\". وفي رواية: \"إن حبرا جاء إلى النبي -ﷺ- فقال: إنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة؛ فقال رسول الله -ﷺ-: قولوا ما شاء الله ثم شئت، وقولوا ورب الكعبة. أخرجه أحمد في المسند برقم: ٢٧١٣٨، ج ٦/ ص ٣٧١. والحاكم في المستدرك برقم: ٧٨١٥، ج ٤/ ص ٣٣١. والبيهقي في السنن الكبرى، جماع أبواب آداب الخطبة، باب: كيف يستحب أن تكون الخطبة، رقم: ٥٦٠٢، ج ٣/ ص ٢١٧. وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ج ١/ ص ٢٦٣.\nقال الألباني: قول الرجل لغيره: ما شاء الله وشئت يعد شركًا في الشريعة، وهو من شرك الألفاظ؛ لأنه يوهم أن مشيئة العبد في درجة مشيئة الرب ﷾، وسببه القرن بين المشيئتين، ومثل ذلك قول بعض العامة وأشباههم ممن يدعي العلم: مالي غير الله وأنت، وتوكلنا على الله وعليك، ومثله قول بعض المحاضرين: باسم الله والوطن، أو باسم الله والشعب، ونحو ذلك من الألفاظ الشركية التي يجب الانتهاء عنها والتوبة منها أدبًا مع الله ﵎. سلسلة الأحاديث الصحيحة ج ١/ ص ٢٦٦.","vol":"1","page":479},{"text":"مع التنبه إلى أن الفصل أولى. قال ابن الفرس: وقالت فرقة: بل الضمير لله تعالى وملائكته، وذلك جائز للبشر فعله، ولم يقل رسول الله -ﷺ-: \"بئس الخطيب أنت\" لهذا المعنى، وإنما قاله لأن الخطيب وقف على: \"ومن يعصهما\" وسكت (^١). إلى أن قال: وفي كتاب مسلم: \"بئس الخطيب أنت\"، وقَّفه وحمله على الأولى في فصل الضمير. \"قل: ومن يعص الله ورسوله\" احتمل هذا أن يكون لما خطأه في وقفه أصلح له بعد ذلك جميع كلامه؛ لأن فصل ضمير اسم الله تعالى من ضميره أولى لا محالة، فقال له: بئس الخطيب أنت لموضع وقفه، وحمله على الأولى في فصل الضمير، وإن كانا جميعا جائزين (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-631>١٨٠ - الأذية للمؤمن والمؤمنة بما كسبوه ليست من الأذية المحرمة شرط ألا تجاوز ما شرعه الله </span>(^٣).\nقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ الأحزاب: ٥٨\nقال الشوكاني﵀-: (﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ بوجه من وجوه الأذى، من قول، أو فعل. ومعنى: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ أنه لم يكن ذلك لسبب فعلوه يوجب عليهم الأذية ويستحقونها به. فأما الأذية للمؤمن والمؤمنة بما كسبه مما يوجب عليه حدا، أو تعزيرا، أو نحوهما فذلك حق أثبته الشرع، وأمر أمرنا الله به، وندبنا إليه. وهكذا إذا وقع من المؤمنين والمؤمنات الابتداء بشتم لمؤمن أو مؤمنة، أو ضرب، فإن القصاص من الفاعل ليس من الأذية المحرمة على أي وجه كان، ما لم يجاوز ما شرعه الله) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-632>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- أن الأذية للمؤمن والمؤمنة بما كسبوه ليست من الأذية المحرمة شرط ألا تجاوز ما شرعه الله.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى رتب على أذية المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا وعيدا شديدا، وعذابا مهينا، وقيده بقوله: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾؛ فدل بمفهوم المخالفة-مفهوم القيد- على أن الأذية للمؤمن والمؤمنة بما كسبوه ليست من الأذية المحرمة، شرط ألا تجاوز ما شرعه الله. فإن تجاوزت كانت أذية بغير ما اكتسب. قال الرازي: فإن من جلد مائة على شرب الخمر آذى بغير ما اكتسب أيضا، ومن جلد على الزنا، أو حد الشرب، لم يؤذ بغير ما اكتسب، ويمكن أن يقال: لم يؤذ أصلا؛ لأن ذلك إصلاح حال المضروب (^٥).\n_________\n(^١) ولذا يذكر أهل فن الوقف والابتداء هذا الحديث في مقدمات كتبهم لتأصيل الوقف. انظر: القطع والائتناف للنحاس ص ٢٨، ومنار الهدى للأشموني ص ١٨.\n(^٢) انظر: أحكام القرآن ج ٣/ ص ٤٤٢، ٤٤٣.\n(^٣) وهو استنباط فقهي.\n(^٤) فتح القدير ج ٤/ ص ٣٠٣.\n(^٥) انظر: التفسير الكبير ج ٢٥/ ص ١٩٨.","vol":"1","page":480},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري. (^١).\nوخالف ابن عاشور في كون للآية مفهوم، فقال: وليس المراد بالحال تقييد الحكم حتى يكون مفهومه جواز أذى المؤمنين والمؤمنات بما اكتسبوا، أي أن يُسبوا بعمل ذميم اكتسبوه؛ لأن الجزاء على ذلك ليس موكولا لعموم الناس، ولكنه موكول إلى ولاة الأمور كما قال تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾ [النساء: ١٦] (^٢).\nويمكن الجمع بين القولين بأن للآية مفهوما دالا على أن الأذية للمؤمن والمؤمنة بما كسبوه ليست من الأذية المحرمة شرط ألا تتجاوز ما شرعه الله. ولا يلزم من القول بصحة هذا الاستنباط أن يفتئت الناس على ولي الأمر في أخذ حقوقهم، ومجازاة من ظلمهم فيما هو من شأن ولي الأمر، وأما ما دون ذلك فجائز لهم شرط ألا يكون فيه عدوان.\nوقد قال الشوكاني في آخر استنباطه (ما لم يجاوز ما شرعه الله) وهذا الشرط يتضمن ما ذكره ابن عاشور؛ فإن عموم الناس إن جازَوا فيما هو من حق ولي الأمر كان ذلك مجاوزة للشرع.\nوالإيذاء في بعض المواضع حق، ولذا جاء هذا القيد هنا ولم يُذكر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧].\nقال الزمخشري: (وأطلق إيذاء الله ورسوله، وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات؛ لأن أذى الله ورسوله لا يكون إلا غير حق أبدا، وأما أذى المؤمنين والمؤمنات فمنه، ومنه) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-633>١٨١ - الزجر عن التقليد </span>(^٤).\nقال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)﴾ الأحزاب: ٦٧.\nقال الشوكاني﵀-: (﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)﴾ … والمراد بالسادة والكبراء هم الرؤساء والقادة الذين كانوا يمتثلون أمرهم في الدنيا ويقتدون بهم. وفي هذا زجر عن التقليد شديد. وكم في الكتاب العزيز من التنبيه علي هذا، والتحذير منه، والتنفير عنه، ولكن لمن يفهم معنى كلام الله، ويقتدي به، وينصف من نفسه، لا لمن هو من جنس الأنعام في سوء الفهم، ومزيد البلادة، وشدة التعصب) (^٥).\n_________\n(^١) انظر: فتح البيان ج ١١/ ص ١٤٢، وحدائق الروح والريحان ج ٢٣/ ص ١٣٤.\n(^٢) انظر: التحرير والتنوير ج ٢١/ ص ٣٢٧.\n(^٣) الكشاف ج ٣/ ص ٥٦٩.\n(^٤) وهو استنباط أصولي.\n(^٥) فتح القدير ج ٤/ ص ٣٠٦.","vol":"1","page":481},{"text":"<span data-type='title' id=toc-634>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- الزجر عن التقليد. (^١).\nووجه الاستنباط: أن أهل النار يتحسرون ويندمون قائلين: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ يعني بدل طاعة الله تعالى أطعنا السادة، وبدل طاعة الرسول أطعنا الكبراء، وتركنا طاعة سيد السادات وأكبر الأكابر، فبُدلنا الخير بالشر فلا جرم فاتنا خير الجنان، وأوتينا شر النيران (^٢)، فمقولتهم هذه دالة على أن الذي صَّيرهم إلى النار التقليد المخالف لأمر الله ورسله؛ فدل ذكر ذنبهم -التقليد- الذي أوردهم النار على الزجر عن التقليد.\nوممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي. (^٣).\n_________\n(^١) تقدم مثل هذا الاستنباط في السور: البقرة: ٢٢ (فتح القدير ج ١/ ص ٥٠)، والبقرة: ١٧٠ (ج ١/ ص ١٦٧)، والأنفال: ٢٤ (ج ٢/ ص ٢٩٩)، والتوبة: ٣١ (ج ٢/ ص ٣٥٣). وانظر أيضا: الزخرف: ٢٢ (ج ٤/ ص ٥٥٢، ٥٥٣).\n(^٢) عبارته مستفادة من التفسير الكبير ج ٢٥/ ص ٢٠٠.\n(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٤/ ص ٢٢٢، وفتح البيان ج ١١/ ص ١٥٠.","vol":"1","page":482},{"text":"<span data-type='title' id=toc-635>سورة فاطر</span>\n<span data-type='title' id=toc-636>١٨٢ - سرعة دخول أهل الجنة إلى الجنة </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣)﴾ فاطر: ٣٣.\nقال الشوكاني -﵀-: (… وفيه إشارة إلى سرعة الدخول، فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيرا للدخول، فلما قال: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ أشار أن دخولهم على وجه السرعة) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-637>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- سرعة دخول أهل الجنة إلى الجنة.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر دخول أهل الجنة إلى الجنة (^٤) ذكر أن تحليتهم تكون في الجنة لا خارجها؛ لأن التحلية لو وقعت خارجا لكان فيه تأخير لدخولهم؛ فدل ذلك على سرعة دخولهم إلى الجنة.\n_________\n(^١) وهو استنباط في الرقائق، واستنباط عقدي لتعلقه بذكر الجنة.\n(^٢) فتح القدير ج ٤/ ص ٣٥٠.\n(^٣) واستنبط غيره أن في الآية تنبيها على أن دخول الجنة لا باستحقاق بل بفضله سبحانه، وليس في الفضل تميز فيما يتعلق بالنعمة دون ما يتعلق بالمنعم. وهذا على أن الأصناف الثلاثة كلهم مؤمنون يدخلون الجنة. انظر: حدائق الروح والريحان ج ٢٣/ ص ٤١٧.\n(^٤) رجح ابن جرير الطبري أن يكون مرجع الضمير في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [فاطر: ٣٢] عائدا على الأصناف الثلاثة، قال: فبين أن المصطفين من عباده هم مؤمنو أمته، وأما الظالم لنفسه فإنه لأن يكون من أهل الذنوب والمعاصي التي هي دون النفاق والشرك عندي أشبه بمعنى الآية من أن يكون المنافق أو الكافر؛ وذلك أن الله تعالى ذكره أتبع هذه الآية قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾، فعم بدخول الجنة جميع الأصناف الثلاثة. فإن قال قائل: فإن قوله: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ إنما عني به المقتصد والسابق؛ قيل له: وما برهانك على أن ذلك كذلك من خبر أو عقل، فإن قال: قيام الحجة أن الظالم من هذه الأمة سيدخل النار، ولو لم يدخل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد وجب أن لا يكون لأهل الإيمان وعيد؛ قيل: إنه ليس في الآية خبر أنهم لا يدخلون النار، وإنما فيها إخبار من الله تعالى ذكره أنهم يدخلون جنات عدن، وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة الله إياه على ذنوبه التي أصابها في الدنيا وظلمه نفسه فيها بالنار، أو بما شاء من عقابه، ثم يدخله الجنة، فيكون ممن عمه خبر الله جل ثناؤه بقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾. انظر: جامع البيان ج ١٩/ ص ٣٧٤، ٣٧٥.\nوقال ابن عطية: (واختلف الناس في عود الضمير من قوله: ﴿فَمِنْهُمْ﴾، فقال ابن عباس وابن مسعود -﵃- ما مقتضاه أن الضمير عائد على ﴿الَّذِينَ﴾، والأصناف الثلاثة هي كلها في أمة محمد -ﷺ-، فالظالم لنفسه العاصي المسرف، والمقتصد متقي الكبائر وهو الجمهور من الأمة، والسابق المتقي على الإطلاق. وقالت هذه الفرقة: والأصناف الثلاثة في الجنة، وقاله أبو سعيد الخدري -﵁-، والضمير في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ عائد على الأصناف الثلاثة، قالت عائشة -﵃-: دخلوا الجنة كلهم). المحرر الوجيز ١٥٥٢. ونبه ابن جزي إلى أن الزمخشري قال: إن الضمير يعود على السابق خاصة، وذلك على قول المعتزلة في الوعيد. انظر: التسهيل لعلوم التنزيل ج ٣/ ص ١٥٩.","vol":"1","page":483},{"text":"قال الرازي: (قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ إشارة إلى سرعة الدخول، فإن التحلية لو وقعت خارجا لكان فيه تأخير الدخول، فقال يدخلونها وفيها تقع تحليتهم) (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، وابن عادل الحنبلي، والقنوجي، والهرري. (^٢).\nوفي هذا الاستنباط ما يؤكد سرعة إنجاز الله تعالى لعباده ما وعدهم إياه.\n_________\n(^١) التفسير الكبير ج ٢٦/ ص ٢٤.\n(^٢) انظر: التفسير الكبير ج ٢٦/ ص ٢٤، واللباب ج ١٦/ ص ١٤٢، وفتح البيان ج ١١/ ص ٢٥٤، وحدائق الروح والريحان ج ٢٣/ ص ٤١٧.","vol":"1","page":484},{"text":"<span data-type='title' id=toc-638>سورة يس</span>\n<span data-type='title' id=toc-639>١٨٣ - الحب (^١) معظم ما يؤكل، وأكثر ما يقوم به المعاش </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ يس: ٣٣.\n\nقال الشوكاني -﵀-: (قوله: ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ وهو ما يقتاتونه من الحبوب. وتقديم منه للدلالة على أن الحب معظم ما يؤكل وأكثر ما يقوم به المعاش) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-640>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- أن الحب معظم ما يؤكل وأكثر ما يقوم به المعاش.\nووجه الاستنباط: أن الآية جاء فيها تقديم منه على فعل الأكل؛ فدل ذلك بدلالة التقديم على أن الحب معظم ما يؤكل وأكثر ما يقوم به المعاش.\nقال الزمخشري: (وقوله: ﴿حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ بتقديم الظرف للدلالة على أن الحب هو الشيء الذي يتعلق به معظم العيش، ويقوم بالارتزاق منه صلاح الإنس، وإذا قل جاء القحط، ووقع الضر، وإذا فقد جاء الهلاك، ونزل البلاء) (^٤).\nوقال الرازي: (قال عن ذكر الحب: ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ وفي الأشجار والثمار قال: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ (^٥) [يس: من الآية ٣٥]؛ وذلك لأن الحب قوت لا بد منه فقال: ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ أي: هم آكلوه، وأما الثمار ليست كذلك، فكأنه تعالى قال: إن كنا ما أخرجناها كانوا يبقون من غير أكل فأخرجناها ليأكلوها) (^٦).\nوقال ابن عثيمين: (﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ دليل على سهولة تناول هذا الحب وعظم فائدته، وأنه حب نافع سهل التناول؛ لأنه لو كان صعبا لكانوا لا يستطيعون الأكل منه إلا بمشقة عظيمة؛ ولهذا قال: ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ قدم المعمول لإفادة الحصر، لكنه حصر إضافي لسهولته، كأنه لا أكل لهم إلا من هذا السهل المتيسر) (^٧).\n_________\n(^١) الحب هو القمح، والحنطة، والشعير وما أشبه هذا. انظر: تفسير القرآن العزيز ج ٤/ ص ٣٧٦.\n(^٢) وهو استنباط عقدي لتعلقه بإثبات الربوبية.\n(^٣) فتح القدير ج ٤/ ص ٣٦٨.\n(^٤) الكشاف ج ٤/ ص ١٧.\n(^٥) وتمام الآية: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾.\n(^٦) التفسير الكبير ج ٢٦/ ص ٥٨.\n(^٧) تفسير سورة يس ص ١١٨، ١١٩.","vol":"1","page":485},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري-كما تقدم-، والبيضاوي، والرازي-كما تقدم-، وأبو السعود، والقنوجي، وابن عثيمين كما تقدم. (^١).\nويدل على صحة هذا المعنى أن الله تعالى امتن على عباده بالحب في قوله تعالى: … ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢)﴾ [الرحمن: ١٢]. وجاء الامتنان بالحب موضحا في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)﴾ [ق: ٩]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ … خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾ [الأنعام: ٩٩]، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧)﴾ [عبس: ٢٧] إلى غير ذلك من الآيات (^٢).\n_________\n(^١) انظر: الكشاف ج ٤/ ص ١٧، وأنوار التنزيل ج ٤/ ص ٤٣٣، والتفسير الكبير ج ٢٦/ ص ٥٨، وإرشاد العقل السليم ج ٧/ ص ١٦٦، وفتح البيان ج ١١/ ص ٢٨٩، وتفسير سورة يس ص ١١٨، ١١٩.\n(^٢) أضواء البيان ج ٥/ ص ٢٢١.","vol":"1","page":486},{"text":"<span data-type='title' id=toc-641>سورة الصافات</span>\n<span data-type='title' id=toc-642>١٨٤ - البشارة لإبراهيم -﵇- ببقاء الغلام المبشر به حتى يكبر ويصير حليما </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ الصافات: ١٠١.\nقال الشوكاني -﵀-: (ومعنى حليم أن يكون حليما عند كبره، فكأنه بشر ببقاء ذلك الغلام حتى يكبر ويصير حليما؛ لأن الصغير لا يوصف بالحلم. قال الزجاج: هذه البشارة تدل على أنه مبشر بابن ذكر، وأنه يبقى حتى ينتهي في السن، ويوصف بالحلم (^٢) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-643>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٤) -﵀- من الآية البشارة لإبراهيم -﵇- ببقاء الغلام المبشر به حتى يكبر ويصير حليما.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى بشر إبراهيم -﵇- بغلام حليم؛ والصغير لا يوصف بالحلم؛ فدل ذلك بدلالة الالتزام على بقاء الغلام المبشر به حتى يكبر ويصير حليما.\nقال البغوي: (ففيه بشارة أنه نبي، وأنه يعيش فينتهي في السن حتى يوصف بالحلم) (^٥).\nوممن قال بهذا الاستنباط: البغوي-كما تقدم-، والقرطبي، وابن عادل، والقنوجي. (^٦).\nوهذا الاستنباط على أن الصغير لا يوصف بالحلم وهو الأظهر. أما على القول بأن الله بشره بغلام حليم يعني في صغره، عليم في كبره (^٧) فلا يصح هذا الاستنباط.\n_________\n(^١) وهو استنباط فائدة علمية، وفي علوم القرآن (قصص الأنبياء).\n(^٢) معاني القرآن وإعرابه ج ٤/ ص ٣١٠.\n(^٣) فتح القدير ج ٤/ ص ٤٠٣.\n(^٤) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) ما يدل على أن الغلام المبشر به هو إسماعيل -﵇-، ووجه الاستنباط: أن الأب تظهر أخلاقه في أولاده، والعرب الذين هم بنو إسماعيل -﵇- أحلم من بني إسرائيل الذين هم بنو إسحاق -﵇-، فيكون الحليم المأمور بذبحه هو إسماعيل -﵇-. انظر: الإشارات الإلهية ج ٣/ ص ١٧١.\n٢) تشرع بشارة من ولد له ولد به؛ لأن الله عبر عن إخباره إبراهيم بأنه سيولد له ولد بالبشارة. انظر: تفسير سورة الصافات لابن عثيمين ص ٢٣٤.\n(^٥) معالم التنزيل ج ٤/ ص ٣٢.\n(^٦) انظر: معالم التنزيل ج ٤/ ص ٣٢، والجامع لأحكام القرآن ج ١٥/ ص ٨٨، واللباب ج ١٦/ ص ٣٣٠، وفتح البيان ج ١١/ ص ٤٠٦.\n(^٧) ذكره السمرقندي في بحر العلوم ج ٣/ ص ١٣٩، والسمعاني في تفسيره ج ٤/ ص ٤٠٦. وذكر ابن عثيمين أن الموصوف بالحلم غير الموصوف بالعلم، فالموصوف بالحلم إسماعيل -﵇-، والموصوف بالعلم إسحاق -﵇- كما أفادت بذلك الآيات التي جاء في سياقها. انظر: تفسير سورة الصافات لابن عثيمين ص ٢٢٥.","vol":"1","page":487},{"text":"<span data-type='title' id=toc-644>سورة الزمر</span>\n<span data-type='title' id=toc-645>١٨٥ - تبشير المؤمنين بأعظم ما يرجونه من دفع الضرر عنهم </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾ الزمر: ٣٥\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ فإن ذلك هو أعظم ما يرجونه من دفع الضرر عنهم؛ لأن الله سبحانه إذا غفر لهم ما هو الأسوأ من أعمالهم غفر لهم ما دونه بطريقة الأولى) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-646>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- من الآية تبشير المؤمنين بأعظم ما يرجونه من دفع الضرر عنهم.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه يكفر عن المحسنين (^٣) أسوأ ما عملوه؛ فدل ذلك بدلالة مفهوم الموافقة- مفهوم الأولى- على أنه سبحانه يغفر لهم ما دونه، وهذه بشارة لهم بأعظم ما يرجونه من دفع الضرر عنهم.\nوممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي، وأبو حيان، والقنوجي، وابن عاشور. (^٤).\nوهذا الاستنباط على أن أسوأ هنا أفعل تفضيل. قال أبو حيان: (والظاهر أن أسوأ هنا أفعل تفضيل وبه قرأ الجمهور، وإذا كفر أسوأ أعمالهم فتكفير ما هو دونه أحرى) (^٥).\n_________\n(^١) وهو استنباط في الرقائق.\n(^٢) فتح القدير ج ٤/ ص ٤٦٣.\n(^٣) الذين ذكرهم الله تعالى بقوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤)﴾ [الزمر: ٣٣ - ٣٤]. وهم كما ذكر الطبري: كل من دعا إلى توحيد الله، وتصديق رسله، والعمل بما ابتعث به رسوله -ﷺ- من بين رسل الله، وأتباعه، والمؤمنين به، والصدق هو القرآن، وشهادة أن لا إله إلا الله، والمصدِّق به المؤمنون بالقرآن من جميع خلق الله كائنا من كان من نبي الله وأتباعه؛ لأن الله تعالى ذكره لم يخص وصفه بهذه الصفة التي في هذه الآية على أشخاص بأعيانهم، ولا على أهل زمان دون غيرهم، وإنما وصفهم بصفة، ثم مدحهم بها، وهي المجيء بالصدق والتصديق به، فكل من كان كذلك وصفه فهو داخل في جملة هذه الآية إذا كان من بني آدم. انظر: جامع البيان ج ٢٠/ ص ٢٠٦.\n(^٤) انظر: أنوار التنزيل ج ٥/ ص ٦٧، والبحر المحيط ج ٧/ ص ٥٧١، وفتح البيان ج ١٢/ ص ١١٦، والتحرير والتنوير ج ٢٤/ ص ٨٨.\n(^٥) البحر المحيط ج ٧/ ص ٥٧١.","vol":"1","page":488},{"text":"وقيل: أفعل ليس للتفضيل، بل من إضافة الشيء إلى بعضه للقصد إلى التحقيق والتوضيح من غير اعتبار تفضيله عليه، فيكون الأسوأ هنا أي: سيء الذي عملوا، فالزيادة المعتبرة فيهما ليست بطريق الحقيقة بل هي في الأول بالنظر إلى ما يليق بحالهم من استعظام سيئاتهم وإن قلت، واستصغار حسناتهم وإن جلت. والثاني بالنظر إلى لطف أكرم الأكرمين من استكثار الحسنة اليسيرة ومقابلتها بالمثوبات الكثيرة. وحمل الزيادة على الحقيقة وإن أمكن في الأول بناء على أن تخصيص الأسوأ بالذكر لبيان تكفير ما دونه بطريق الأولوية ضرورة استلزام تكفير الأسوأ لتكفير السيء، لكن لما لم يكن ذلك في الأحسن كان الأحسن نظمهما في سلك واحد من الاعتبار (^١). فعلى هذا القول لا يصح هذا الاستنباط.\nوالأول- والله أعلم- أظهر؛ لأن حمل الكلام على الحقيقة أولى، ولفظ الأحسن لا يشكل عليه ما ذُكر إذ يمكن حمله على الحقيقة، ويكون المعنى كما قال أبو حيان: (والظاهر أن بأحسن أفعل تفضيل، فقيل: لينظر إلى أحسن طاعاته فيجزي الباقي في الجزاء على قياسه، وإن تخلف عنه بالتقصير. وقيل: بأحسن ثواب أعمالهم. وقيل: بأحسن من عملهم، وهو الجنة، وهذا ينبو عنه ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي﴾) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-647>١٨٦ - نهي المذنبين غير المسرفين عن القنوط </span>(^٣).\nقال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ … الرَّحِيمُ … (٥٣)﴾ الزمر: ٥٣.\nقال الشوكاني -﵀-: (واعلم أن هذه الآية أرجى آية في كتاب الله سبحانه لاشتمالها على أعظم بشارة، فإنه أولا أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي والاستكثار من الذنوب، ثم عقب ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى وبفحوى الخطاب) (^٤).\n_________\n(^١) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٧/ ص ٢٥٥، وروح المعاني ج ٢٤/ ص ٤. وقد أشار أبو حيان إلى قراءة شاذة دالة على هذا التأويل وهي قراءة ابن مقسم بألف بين الواو والهمزة جمع سوء، ولا تفضيل فيها. انظر: البحر المحيط ج ٧/ ص ٥٧١.\n(^٢) البحر المحيط ج ٧/ ص ٥٧١. والقول بالتفضيل تؤيده القراءة المتواترة.\n(^٣) وهو استنباط في الرقائق.\n(^٤) فتح القدير ج ٤/ ص ٤٧٠.","vol":"1","page":489},{"text":"<span data-type='title' id=toc-648>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- نهي المذنبين غير المسرفين عن القنوط.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى المسرفين في المعاصي والذنوب عن القنوط من رحمة الله مع كثرة معاصيهم، وعظيم ذنوبهم؛ فدل ذلك بمفهوم الموافقة- مفهوم الأولى- على نهي المذنبين غير المسرفين عن القنوط.\nوهذا الاستنباط نقله القنوجي (^١).\nوفي هذا الاستنباط تنبيه للمؤمنين على أن يتعلقوا بربهم، ويرجوا رحمته، وألا ييأسوا من روح الله صغرت ذنوبهم أو عظمت. ويدل على هذا المعنى المستنبط عموم قوله تعالى: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ [يوسف: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾ [الحجر: ٥٦]؛ فإن اليأس والقنوط استصغار لسعة رحمة الله ومغفرته.\n_________\n(^١) انظر: فتح البيان ج ١٢/ ص ١٣٠.","vol":"1","page":490},{"text":"<span data-type='title' id=toc-649>سورة غافر</span>\n<span data-type='title' id=toc-650>١٨٧ - مناسبة الجمع بين إظهار الآيات وإنزال الأرزاق أن بإظهار الآيات قوام الأديان وبالأرزاق قوام الأبدان </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ غافر: ١٣.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ يعني المطر فإنه سبب الأرزاق، جمع سبحانه بين إظهار الآيات وإنزال الأرزاق؛ لأن بإظهار الآيات قوام الأديان وبالأرزاق قوام الأبدان) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-651>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) - ﵀- أن مناسبة الجمع بين إظهار الآيات وإنزال الأرزاق أن بإظهار الآيات قوام الأديان وبالأرزاق قوام الأبدان.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى امتن على عباده بما فيه مصلحة أديانهم، بإظهار آياته للعباد، أي: يظهر قدرته لخلقه بما يشاهدونه في خلقه العلوي والسفلي من الآيات العظيمة الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها. ثم امتن عليهم بما فيه مصلحة أبدانهم بإنزال المطر الذي يخرج به من الزروع والثمار ما هو مشاهد بالحس من اختلاف ألوانه، وطعومه، وروائحه، وأشكاله، وألوانه وهو ماء واحد؛ فدل الجمع بين إظهار الآيات وإنزال المطر بدلالة الربط بين أجزاء الآية على أن مناسبة الجمع بينهما أن بإظهار الآيات قوام الأديان وبالأرزاق قوام الأبدان.\nقال ابن عادل: (واعلم أن أهم المهمات رعايةُ مصالح الأديان ومصالح الأبدان، فالله تعالى يراعي مصالح أديان العباد بإظهار البَيِّنات والآيات، وراعى مصالح العباد بأبدانهم بإنزال الرزق من السماء، فموقع الآيات من الأديان كموقع الأرزاق من الأبدان وعند حصولها يحصل الإنعام الكامل) (^٤).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وابن عادل-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري. (^٥).\n_________\n(^١) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٢) فتح القدير ج ٤/ ص ٤٨٤.\n(^٣) واستنبط غيره من الجمع بين إظهار الآيات وإنزال الأرزاق أن فيه تنبيها على أن النعم كلها من الله، فمنه نعم الدين وهي المسائل الدينية، والأدلة عليها، وما يتبع ذلك من العمل بها، والنعم الدنيوية كلها، كالنعم الناشئة عن الغيث الذي تحيى به البلاد والعباد. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٧٣٤.\n(^٤) اللباب ج ١٧/ ص ٢٢.\n(^٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٥/ ص ٢٦٢، واللباب ج ١٧/ ص ٢٢، وفتح البيان ج ١٢/ ص ١٦٩، وحدائق الروح والريحان ج ٢٥/ ص ١٣٣، ١٣٤.","vol":"1","page":491},{"text":"وفي هذا الاستنباط تنبيه على أهمية التوازن في حياة المسلم، فلا تعارض بين مراعاة مصالح البدن ومصالح الدين.","vol":"1","page":492},{"text":"<span data-type='title' id=toc-652>سورة الزخرف</span>\n<span data-type='title' id=toc-653>١٨٨ - التنعم هو سبب إهمال النظر </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ الزخرف: ٢٣.\nقال الشوكاني -﵀-: (وخصص المترفين تنبيها على أن التنعم هو سبب إهمال النظر) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-654>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- أن التنعم هو سبب إهمال النظر.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر تكذيب الأمم بالرسل خص بالذكر المترفين من عموم المكذبين؛ فدل هذا التخصيص على أن التنعم هو سبب إهمال النظر.\nقال أبو السعود: (وتخصيص المترفين بتلك المقالة للإيذان بأن التنعيم، وحب الإطالة هو الذي صرفهم عن النظر إلى التقليد) (^٣).\nوممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود-كما تقدم-، والبروسوي، والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي، والهرري (^٤).\nوفي هذا الاستنباط تحذير من المبالغة في التنعم، والانغماس في ملذات الدنيا؛ فإنها دافعة إلى النفرة من لوازم الدين، داعية إلى كره الحق وإنكاره.\n\n<span data-type='title' id=toc-655>١٨٩ - بطلان التقليد وقبحه </span>(^٥).\nقال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ … (٢٤)﴾ الزخرف: ٢٢ - ٢٤.\nقال الشوكاني -﵀-: (وهذا من أعظم الأدلة الدالة على بطلان التقليد وقبحه، فإن هؤلاء المقلدة في الإسلام إنما يعملون بقول أسلافهم، ويتبعون آثارهم، ويقتدون بهم، فإذا رام الداعي إلى الحق أن يخرجهم من ضلالة، أو يدفعهم عن بدعة قد تمسكوا بها، وورثوها عن أسلافهم بغير دليل نير ولا حجة واضحة، بل بمجرد قال وقيل لشبهة داحضة، وحجة زائفة، ومقالة باطلة قالوا بما قاله المترفون من هذه الملل ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ أو بما يلاقى معناه معنى ذلك. فإن قال لهم الداعي إلى الحق قد جمعتنا الملة الإسلامية، وشملنا هذا الدين المحمدي، ولم يتعبدنا الله ولا تعبدكم وتعبد آباءكم من قبلكم إلا بكتابه الذي أنزله على رسوله، وبما صح عن رسوله فإنه المبين لكتاب الله، الموضح لمعانيه، الفارق بين محكمه ومتشابهه، فتعالوا نرد ما تنازعنا فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله كما أمرنا الله بذلك في كتابه بقوله:\n_________\n(^١) وهو استنباط تربوي، وهو استنباط فائدة علمية.\n(^٢) فتح القدير ج ٤/ ص ٥٥٢.\n(^٣) حدائق الروح والريحان ج ٢٦/ ص ٢١٣.\n(^٤) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٨/ ص ٤٤، وروح البيان ج ٨/ ص ٣٩٩، ٤٠٠، وروح المعاني ج ٢٥/ ص ٧٥، وفتح البيان ج ١٢/ ص ٣٣٩، ومحاسن التأويل ج ٨/ ص ٣٨٥، وحدائق الروح والريحان ج ٢٦/ ص ٢١٣.\n(^٥) وهو استنباط أصولي.","vol":"1","page":493},{"text":"﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (^١) [النساء: ٥٩] فإن الرد إليهما أهدى لنا ولكم من الرد إلى ما قاله أسلافكم، ودرج عليه آباؤكم نفروا نفور الوحوش، ورموا الداعي لهم إلى ذلك بكل حجر ومدر، كأنهم لم يسمعوا قول الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا كَانَ … قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (^٢) [النور: من الآية ٥١]، ولا قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥] فإن قال لهم: القائل هذا العالم الذي تقتدون به، وتتبعون أقواله هو مثلكم في كونه متعبدا بكتاب الله وسنة رسوله، مطلوبا منه ما هو مطلوب منكم، وإذا عمل برأيه عند عدم وجدانه للدليل فذلك رخصة له لا يحل أن يتبعه غيره عليها، ولا يجوز له العمل بها، وقد وجدوا الدليل الذي لم يجده، وها أنا أوجدكموه في كتاب الله، أو فيما صح من سنة رسوله، وذلك أهدى لكم مما وجدتم عليه آباءكم قالوا: لا نعمل بهذا، ولا سمع لك ولا طاعة، ووجدوا في صدورهم أعظم الحرج من حكم الكتاب والسنة، ولم يسلموا ذلك، ولا أذعنوا له. وقد وهب لهم الشيطان عصى يتوكئون عليها عند أن يسمعوا من يدعوهم إلى الكتاب والسنة وهي أنهم يقولون: إن إمامنا الذي قلدناه واقتدينا به أعلم منك بكتاب الله وسنة رسوله؛ وذلك لأن أذهانهم قد تصورت من يقتدون به تصورا عظيما بسبب تقدم العصر، وكثرة الأتباع، وما علموا أن هذا منقوض عليهم، مدفوع به في وجوههم، فإنه لو قيل لهم: إن في التابعين من هو أعظم قدرا، وأقدم عصرا من صاحبكم، فإن كان لتقدم العصر، وجلالة القدر مزية حتى توجب الاقتداء فتعالوا حتى أريكم من هو أقدم عصرا، وأجل قدرا، فإن أبيتم ذلك ففي الصحابة -﵃- من هو أعظم قدرا من صاحبكم علما وفضلا وجلالة قدر، فإن أبيتم ذلك فها أنا أدلكم على من هو أعظم قدرا، وأجل خطرا، وأكثر أتباعا، وأقدم عصرا وهو محمد بن عبد الله نبينا ونبيكم، ورسول الله إلينا وإليكم، فتعالوا فهذه سنته موجودة في دفاتر الإسلام ودواوينه التي تلقتها جميع هذه الأمة قرنا بعد قرن، وعصرا بعد عصر، وهذا كتاب ربنا خالق الكل، ورازق الكل، وموجد الكل بين أظهرنا موجود في كل بيت، وبيد كل مسلم لم يلحقه تغيير، ولا تبديل، ولا زيادة، ولا نقص، ولا تحريف، ولا تصحيف، ونحن وأنتم ممن يفهم ألفاظه، ويتعقل معانيه، فتعالوا لنأخذ الحق من معدنه، ونشرب صفو الماء من منبعه، فهو أهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا: لا سمع ولا طاعة، إما بلسان المقال، أو بلسان الحال، فتدبر هذا وتأمله أن بقى فيك بقية من إنصاف، وشعبة من خير، ومزعة من حياء، وحصة من دين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقد أوضحت هذا غاية الإيضاح في كتابي الذي سميته أدب الطلب ومنتهى الأرب فارجع إليه إن رمت أن تنجلي عنك ظلمات التعصب، وتتقشع لك سحائب التقليد) (^٣).\n_________\n(^١) وتمامها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ … تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾\n(^٢) وتمامها: ﴿إِنَّمَا كَانَ … قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾.\n(^٣) فتح القدير ج ٤/ ص ٥٥٢، ٥٥٣.","vol":"1","page":494},{"text":"<span data-type='title' id=toc-656>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- بطلان التقليد وقبحه (^١).\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذم الكفار في تقليد آبائهم في دينهم؛ فدل ذلك بدلالة الاعتبار بقصص السابقين على إبطال التقليد.\nقال الطوفي: (الآيات دلت على ذم التقليد، والمشهور المطابق لهذه الآية أنه متابعة الغير في قول أو فعل من غير دليل، بل لحسن ظن به، أو غلبة عادة وإلف) (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الطوفي-كما تقدم-، والقنوجي. (^٣).\nوإنما جاز استنباط إبطال التقليد من هذه الآيات مع أنها في الكفار؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة الكفر والإيمان، وإنما وقع التشبيه بين المقلدين بغير حجة للمقلد، فالتقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه.\nقال ابن القيم: فإن قيل: إنما ذم من قلد الكفار وآباءه الذين لا يعقلون شيئا ولا يهتدون، ولم يذم من قلد العلماء المهتدين، بل قد أمر بسؤال أهل الذكر وهم أهل العلم، وذلك تقليد لهم، فقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ … لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ (^٤) [النحل: من الآية ٤٣] وهذا أمر لمن لا يعلم بتقليد من يعلم؛ فالجواب: أنه سبحانه ذم من أعرض عما أنزله إلى تقليد الآباء، وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق السلف، والأئمة الأربعة على ذمه وتحريمه، وأما تقليد من بذل جهده في اتباع ما أنزل الله، وخفي عليه بعضه فقلد فيه من هو أعلم منه؛ فهذا محمود غير مذموم، ومأجور غير مأزور … والله تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (^٥) [الإسراء: من الآية ٣٦] والتقليد ليس بعلم باتفاق أهل العلم … فهذا المقلد إن كان يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو مهتد وليس بمقلد، وإن كان لم يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو جاهل ضال بإقراره على نفسه، فمن أين يعرف أنه على هدى في تقليده، وهذا جواب كل سؤال يوردونه في هذا الباب، وأنهم إذا كانوا إنما يقلدون أهل الهدى فهم في تقليدهم على الهدى … وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد، ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين المقلدين بغير حجة للمقلد، كما لو قلد رجلا فكفر، وقلد آخر فأذنب، وقلد آخر في مسألة فأخطأ وجهها؛ كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة؛ لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه (^٦).\n_________\n(^١) تقدم مثل هذا الاستنباط في المواضع: البقرة: ٢٢ (فتح القدير ج ١/ ص ٥٠)، والبقرة: ١٧٠ (ج ١/ ص ١٦٧)، والأنفال: ٢٤ (ج ٢/ ص ٢٩٩)، والتوبة: ٣١ (ج ٢/ ص ٣٥٣)، والأحزاب: ٦٧ (ج ٤/ ص ٣٠٦).\n(^٢) الإشارات الإلهية ج ٣/ ص ٢٣٧، ٢٣٨.\n(^٣) انظر: الإشارات الإلهية ج ٣/ ص ٢٣٧، ٢٣٨، وفتح البيان ج ١٢/ ص ٣٣٩ - ٣٤٤.\n(^٤) وتمامها: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ … لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾.\n(^٥) وتمامها: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ … عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾.\n(^٦) انظر: إعلام الموقعين ج ٢/ ص ١٨٨ - ١٩٠.","vol":"1","page":495},{"text":"<span data-type='title' id=toc-657>سورة الأحقاف</span>\n<span data-type='title' id=toc-658>١٩٠ - حق الأم آكد من حق الأب </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ الأحقاف: ١٥.\nقال الشوكاني -﵀-: (… وفي هذه الآية إشارة إلى أن حق الأم آكد من حق الأب؛ لأنها حملته بمشقة، ووضعته بمشقة، وأرضعته هذه المدة بتعب ونصب، ولم يشاركها الأب في شيء من ذلك) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-659>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) - ﵀- أن حق الأم آكد من حق الأب.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى وصى بالوالدين إحسانا فذكرهما جميعا، ثم خص الأم بذكر ما لاقته من نصب الحمل، ومشقة الوضع، وتعب الإرضاع؛ فدل ذلك على أن حق الأم آكد من حق الأب.\nقال ابن عادل: (دلت الآية على أن حق الأم أعظم؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ فذكرهما معًا، ثم خص الأُمَّ بالذكر فقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ وذلك يدل على أن حقها أعظمُ، وأَنَّ وصول المشاقّ إليهما بسبب الولد كثيرة) (^٤).\nوهذا يستدعي الإحسان الزائد إليها، والبر بها.\n_________\n(^١) وهو استنباط فائدة علمية.\n(^٢) فتح القدير ج ٥/ ص ١٨.\n(^٣) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) أن أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ بدلالة التركيب بين هذه الآية وقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ [لقمان: ١٤]. انظر: نكت القرآن ج ٤/ ص ١٤٦، والإشارات الإلهية ج ٣/ ص ٢٤٩.\n٢) أجرة القابلة على المرأة؛ لإسناد الوضع إليها. انظر: أحكام القرآن لابن الفرس ج ٣/ ص ٤٧٩.\n(^٤) اللباب ج ١٧/ ص ٣٩٤.","vol":"1","page":496},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عادل-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري. (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-660>١٩١ - ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من الدعاء بقول: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي </span>مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ (^٢).\nقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ الأحقاف: ١٥.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من هذه الدعوات) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-661>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٤) - ﵀- من الآية أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من الدعاء بقول: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾.\nوممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري (^٥). وأشار ابن كثير لمعنى قريب من هذا المعنى، فقال: (وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله ﷿ ويعزم عليها) (^٦).\n_________\n(^١) انظر: اللباب ج ١٧/ ص ٣٩٤، وفتح البيان ج ١٣/ ص ٢٢، وحدائق الروح والريحان ج ٢٧/ ص ٤٨ - ٥٠.\n(^٢) وهو استنباط في الدعوات والذكر.\n(^٣) فتح القدير ج ٥/ ص ١٨.\n(^٤) واستنبط غيره من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ أن فيها إشارة إلى أنه لا يمكن للعبد أن يعمل عملا يرضي ربه إلا بتوفيقه وإرشاده. انظر: حدائق الروح والريحان ج ٢٧/ ص ٥٣.\n(^٥) انظر: فتح البيان ج ١٣/ ص ٢٣، وحدائق الروح والريحان ج ٢٧/ ص ٥٣.\n(^٦) تفسير القرآن العظيم ج ٦/ ص ٦٢٤.","vol":"1","page":497},{"text":"<span data-type='title' id=toc-662>١٩٢ - حكم الجن كحكم الإنس في الثواب، والعقاب، والتعبد بالأوامر والنواهي </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ الأحقاف: ٣١.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ وهو عذاب النار. وفي هذه الآية دليل على إن حكم الجن حكم الإنس في الثواب، والعقاب، والتعبد بالأوامر والنواهي) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-663>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) - ﵀- أن حكم الجن كحكم الإنس في الثواب، والعقاب، والتعبد بالأوامر والنواهي (^٤).\nووجه الاستنباط: أن في الآية دعوة الجن للاستجابة إلى أمر الله، وترتيب ثواب وعقاب على ذلك؛ فدل على أن حكم الجن كحكم الإنس في الثواب، والعقاب، والتعبد بالأوامر والنواهي.\nقال الآلوسي: وهذا ونحوه يدل على أن الجن مكلفون (^٥).\nوقال ابن تيمية: (والجن مكلفون كتكليف الإنس. ومحمد -ﷺ- مرسل إلى الثقلين الجن والإنس، وكفار الجن يدخلون النار بنصوص وإجماع المسلمين، وأما مؤمنهم ففيهم قولان، وأكثر العلماء على أنهم يثابون أيضا ويدخلون الجنة) (^٦).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وأبو حيان، وابن عادل، والآلوسي، والقنوجي، والهرري. (^٧).\n_________\n(^١) وهو استنباط عقدي لأن فيه الرد على المعتزلة وغيرهم.\n(^٢) فتح القدير ج ٥/ ص ٢٨.\n(^٣) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) أن من لم يجب داعي الله من الجن ولم يؤمن به لم يغفر له، ولم يجره من عذاب أليم؛ ووجه: من مفهوم المخالفة للآية. انظر: أضواء البيان ج ٥/ ص ٤٦.\n٢) أن الجن لا يدخلون الجنة؛ ووجهه: مفهوم المخالفة لقوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾. انظر: أضواء البيان ج ٥/ ص ٤٦. قال الآلوسي: ولعل الاقتصار هنا على ما ذكر لما فيه من التذكير بالذنوب، والمقام مقام الإنذار، فلذا لم يذكر فيه شيء من الثواب. انظر: روح المعاني ج ٢٦/ ص ٣٢، ٣٣.\n(^٤) تقدم مثل هذا الاستنباط في سورة الأنعام: ١٣٠، ١٣٢. وسيأتي مثله في سورة الرحمن: ٥٦.\n(^٥) روح المعاني ج ٢٦/ ص ٣٢.\n(^٦) مجموع الفتاوى ج ١٣/ ص ٨٥.\n(^٧) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٦/ ص ١٨٦، والبحر المحيط ج ٨/ ص ٩٥، واللباب ج ١٧/ ص ٤١٧، ٤١٨، وروح المعاني ج ٢٦/ ص ٣٢، ٣٣، وفتح البيان ج ١٣/ ص ٣٨، ٣٩، وحدائق الروح والريحان ج ٢٧/ ص ١٠١.","vol":"1","page":498},{"text":"<span data-type='title' id=toc-664>سورة الفتح</span>\n<span data-type='title' id=toc-665>١٩٣ - مناسبة تقديم إدخال المؤمنين الجنة على تكفير سيئاتهم مع أن الأمر بالعكس </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)﴾ الفتح: ٥.\nقال الشوكاني -﵀-: (وقدم الإدخال على التكفير مع أن الأمر بالعكس؛ للمسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى والمقصد الأسنى) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-666>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- أن مناسبة تقديم إدخال المؤمنين الجنة على تكفير سيئاتهم المسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى والمقصد الأسنى.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى قدم في الآية ذكر إدخال المؤمنين الجنة على تكفير سيئاتهم مع أن مع أن الترتيب في الوجود على العكس من حيث إن التخلية قبل التحلية؛ فدل بدلالة التقديم على المسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى والمقصد الأسنى.\nوممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والبروسوي، والآلوسي، والقنوجي، والهرري. (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-667>١٩٤ - المنافقون أشد عذابا من المشركين </span>(^٤).\nقال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ الفتح: ٦\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي تقديم المنافقين على المشركين دلالة على أنهم أشد منهم عذابا، وأحق منهم بما وعدهم الله به) (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-668>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- أن المنافقين أشد عذابا من المشركين.\nووجه الاستنباط: أن الله توعد المنافقين والمشركين، فقدم المنافقين في الذكر؛ فدل بدلالة التقديم على أن المنافقين أشد عذابا من المشركين؛ لأن المنافقين كانوا أشد ضررا على المؤمنين من الكافرين المجاهرين (^٦)؛ لأن الكافر يمكن أن يُحترز منه، ويُجاهد؛ لأنه عدو مبين، فيتوقي المؤمن من شره، والمنافق لا يمكن أن يُحترز منه، ولا يُجاهد؛ لأنه يُختلط؛ لظنه إيمانه فيفشي سره، فلهذا كان شره أكثر من شر الكافر، فكان تقديم المنافق بالذكر أولى.\n_________\n(^١) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٢) فتح القدير ج ٥/ ص ٤٥.\n(^٣) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٨/ ص ١٠٥، وروح البيان ج ٩/ ص ١٤، وروح المعاني ج ٢٦/ ص ٩٣، وفتح البيان ج ١٣/ ص ٩٠، وحدائق الروح والريحان ج ٢٧/ ص ٢٣٥.\n(^٤) وهو استنباط عقدي لتعلقه بالإيمان والوعد والوعيد.\n(^٥) فتح القدير ج ٥/ ص ٤٥.\n(^٦) قال الرازي: واعلم أنه قدم المنافقين على المشركين في الذكر في كثير من المواضع لأمور: أحدها: أنهم كانوا أشد على المؤمنين من الكافر المجاهر؛ لأن المؤمن كان يتوقي المشرك المجاهر، وكان يخالط المنافق لظنه بإيمانه، وهو كان يفشي أسراره. ولأن المنافق كان يظن أن يتخلص للمخادعة، والكافر لا يقطع بأن المؤمن إن غلب يفديه، فأول ما أخبر الله أخبر عن المنافق. التفسير الكبير ج ٢٨/ ص ٧٣. وانظر مثله في اللباب ج ١٧/ ص ٤٨٤.","vol":"1","page":499},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والبروسوي، والقنوجي، والهرري. (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-669>١٩٥ - على العباد ذكر المشيئة في كل كلام </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾ الفتح: ٢٧.\nقال الشوكاني -﵀-: (وقوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ تعليق للعدة بالمشيئة؛ لتعليم العباد لما يجب أن يقولوه، كما في قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-670>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٤) -﵀- على العباد ذكر المشيئة في كل كلام.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى خاطب عباده بما يحب أن يقولوه (^٥)، فعلق أمرا متحقق الوقوع بالمشيئة؛ فدل هذا التعليق، وبدلالة الاقتداء بأفعال الله تعالى على أن على العباد ذكر المشيئة في كل كلام.\n_________\n(^١) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٨/ ص ١٠٥، وروح البيان ج ٩/ ص ١٥، وفتح البيان ج ١٣/ ص ٩١، وحدائق الروح والريحان ج ٢٧/ ص ٢٣٦.\n(^٢) وهو استنباط تربوي، وهو استنباط في الدعوات والذكر.\n(^٣) فتح القدير ج ٥/ ص ٥٥.\n(^٤) واستنبط غيره أن في الآية حجة لمن يستثني في الإيمان ولا يكون شكا منه. انظر: نكت القرآن ج ٤/ ص ١٦٤.\n(^٥) وذكر القرطبي أوجها أخرى لذكر المشيئة في الآية، فقال: قال ابن كيسان: إنه حكاية ما قيل للنبي -ﷺ- في منامه، خوطب في منامه بما جرت به العادة، فأخبر الله عن رسوله أنه قال ذلك، ولهذا استثنى تأدبا بأدب الله تعالى حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. وقيل: خاطب الله العباد بما يحب أن يقولون كما قال: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. وقيل: استثنى فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون، قاله ثعلب. وقيل: كان الله علم أنه يميت بعض هؤلاء الذين كانوا معه بالحديبية، فوقع الاستثناء لهذا المعنى، قاله الحسين بن الفضل. وقيل: الاستثناء من ﴿آمِنِينَ﴾ وذلك راجع إلى مخاطبة العباد على ما جرت به العادة. وقيل: معنى إن ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ إن أمركم الله بالدخول. وقيل: أي: إن سهل الله. وقيل: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أي: كما شاء الله. وقال أبو عبيدة: إن بمعنى إذ، أي: إذ شاء الله كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ … مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾ [البقرة: ٢٧٨] أي: إذ كنتم. وفيه بعد؛ لأن إذ في الماضي من الفعل، وإذا في المستقبل، وهذا الدخول في المستقبل فوعدهم دخول المسجد الحرام وعلقه بشرط المشيئة، وذلك عام الحديبية فأخبر أصحابه بذلك فاستبشروا، ثم تأخر ذلك عن العام الذي طمعوا فيه، فساءهم ذلك واشتد عليهم، وصالحهم ورجع، ثم أذن الله في العام المقبل فأنزل: الله ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ وإنما قيل له في المنام لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله، فحكى في التنزيل ما قيل له في المنام، فليس هنا شك كما زعم بعضهم أن الاستثناء يدل على الشك، والله تعالى لا يشك، ولتدخلن تحقيق فكيف يكون شك فإن بمعنى إذا. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٦/ ص ٢٤٦. وذكر الرازي أوجها أخرى في التفسير الكبير ج ٢٨/ ص ٩١.","vol":"1","page":500},{"text":"قال الزمخشري: فإن قلت: ما وجه دخول إن شاء الله في أخبار الله ﷿؛ قلتُ: فيه وجوه: أن يعلق عدته بالمشيئة تعليما لعباده أن يقولوا في عداتهم مثل ذلك، متأدبين بأدب الله ومقتدين بسنته (^١).\nوقال السيوطي: (فيه استحباب ذكر المشيئة في كل كلام) (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط: السمعاني، والزمخشري، والسيوطي-كما تقدم-، وأبو السعود، والبروسوي، والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي. (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الكشاف ج ٤/ ص ٣٤٧.\n(^٢) الإكليل ج ٣/ ١١٩١.\n(^٣) انظر: تفسير القرآن العزيز ج ٥/ ص ٢٠٨، والكشاف ج ٤/ ص ٣٤٧، والإكليل ج ٣/ ١١٩١، وإرشاد العقل السليم ج ٨/ ص ١١٣، وروح البيان ج ٩/ ص ٥٢، وروح المعاني ج ٢٦/ ص ١٢٠ فتح البيان ج ١٣/ ص ١١٧، ومحاسن التأويل ج ٨/ ص ٥٠٥.","vol":"1","page":501},{"text":"<span data-type='title' id=toc-671>سورة الذاريات</span>\n<span data-type='title' id=toc-672>١٩٦ - مناسبة تخصيص القسم بالسماء المتصفة بالحبك </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ الذاريات: ٧ - ٨.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ هذا جواب القسم بالسماء ذات الحبك، أي أنكم يا أهل مكة لفي قول مختلف متناقض في محمد -ﷺ- بعضكم يقول: إنه شاعر، وبعضكم يقول: إنه ساحر، وبعضكم يقول: إنه مجنون. ووجه تخصيص القسم بالسماء المتصفة بتلك الصفة؛ تشبيه أقوالهم في اختلافها باختلاف طرائق السماء) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-673>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- أن مناسبة تخصيص القسم بالسماء المتصفة بتلك الصفة؛ تشبيه أقوالهم في اختلافها باختلاف طرائق السماء.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى أقسم على أن الكفار في قول مختلف متناقض في أمر النبي محمد -ﷺ-، وكان قبلها أقسم بالسماء ذات الطرائق؛ فدل تخصيص القسم بالسماء المتصفة بالطرائق على أن المناسبة بين المقسم والمقسم عليه أن أقوالهم تشبه في اختلافها اختلاف طرائق السماء.\nقال البيضاوي: (ولعل النكتة في هذا القسم تشبيه أقوالهم في اختلافها، وتنافي أغراضها بطرائق السموات في تباعدها، واختلاف غاياتها) (^٣).\nوممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي، والبقاعي، والآلوسي، والقنوجي، وابن عاشور. (^٤). وضعَّفه أبو السعود (^٥).\nلكن الأظهر أنه ليس بضعيف، ويؤيده كون هذا الاستنباط يصح-والله أعلم- على جميع التفاسير لكلمة الحبك (^٦)، فقيل في معانيها: المقصود ذات الخلق الحسن المستوي، أو ذات الزينة، أو ذات النجوم، أو ذات الشدة. ويمكن أن ترجع لمعنى واحد، قال الشوكاني: (على أنه يمكن أن ترجع تلك الأقوال في تفسير الحبك إلى هذا-أي الطرائق-، وذلك بأن يقال: إن ما في السماء من الطرائق يصح أن يكون سببا لمزيد حسنها، واستواء خلقها، وحصول الزينة فيها، ومزيد القوة لها) (^٧).\n_________\n(^١) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٢) فتح القدير ج ٥/ ص ٨٣.\n(^٣) أنوار التنزيل ج ٥/ ص ٢٣٥.\n(^٤) انظر: أنوار التنزيل ج ٥/ ص ٢٣٥، ونظم الدرر ج ٧/ ص ٢٧٢، ٢٧٣، وروح المعاني ج ٢٧/ ص ٥، وفتح البيان ج ١٣/ ص ١٩٢، والتحرير والتنوير ج ٢٧/ ص ٩.\n(^٥) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٨/ ص ١٣٧.\n(^٦) انظر هذه التفاسير في تفسير القرآن العظيم ج ٧/ ص ٢٧، ٢٨، والجامع لأحكام القرآن ج ١٧/ ص ٣١، ٣٢.\n(^٧) فتح القدير ج ٥/ ص ٨٣.","vol":"1","page":502},{"text":"وقد بين الآلوسي أن هذا الاستنباط يصح على التفاسير السابقة، فقال: (ولعل النكتة في ذلك القسم تشبيه أقوالهم في اختلافها وتنافي أغراضها بطرائق السماوات في تباعدها واختلاف هيئاتها، أو الإشارة إلى أنها ليست مستوية جيدة، أو ليست قوية محكمة، أو ليس فيها ما يزينها بل فيها ما يشينها من التناقض) (^١).\nوفي هذا الاستنباط تنبيه على نوع هام من أنواع المناسبات هو التناسب والترابط بين المقسم به والمقسم عليه، إذ اختيار المقسم به تراعى فيه الصفة التي تناسب الموقف (^٢).\nوقد نبه إلى هذا النوع ابن القيم، كما اعتنى به ابن عاشور في تفسيره (^٣).\nقال ابن القيم -في سورة الضحى-: (فتأمل مطابقة هذا القسم، وهو نور الضحى الذي يوافي بعد ظلام الليل للمقسم عليه، وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه حتى قال أعداؤه ودع محمدا ربه، فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه. وأيضا فإن فالق ظلمة الليل عن ضوء النهار هو الذي فلق ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنبوة، فهذان للحس، وهذان للعقل. وأيضا فإن الذي اقتضت رحمته أن لا يترك عباده في ظلمة الليل سرمدا، بل هداهم بضوء النهار إلى مصالحهم ومعايشهم، لا يليق به أن يتركهم في ظلمة الجهل والغي، بل يهديهم بنور الوحي والنبوة إلى مصالح دنياهم وآخرتهم. فتأمل حسن ارتباط المقسم به بالمقسم عليه، وتأمل هذه الجزالة والرونق الذي على هذه الألفاظ والجلالة التي على معانيها) (^٤).\n_________\n(^١) روح المعاني ج ٢٧/ ص ٥. وقلتُ: يصح هذا الاستنباط على جميع الأقول على اعتبار أن المناسبة هي التضاد بين أقوالهم وبين حال السماء من الشدة والجمال والقوة.\n(^٢) انظر: التفسير البياني للقرآن الكريم ج ١/ ص ٢٥.\n(^٣) انظر: أثر الدلالات اللغوية في التفسير عند الطاهر بن عاشور في كتابه التحرير والتنوير ص ٥٦١ - ٥٦٣.\n(^٤) التبيان في أقسام القرآن ص ٤٦.","vol":"1","page":503},{"text":"<span data-type='title' id=toc-674>سورة النجم</span>\n<span data-type='title' id=toc-675>١٩٧ - مخاطبة قريش بأن النبي -ﷺ- صاحبهم إشارة إلى أنهم المطلعون على حقيقة حاله </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾ النجم: ٢.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي قوله: ﴿صَاحِبُكُمْ﴾ إشارة بأنهم المطلعون على حقيقة حاله) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-676>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- أن مخاطبة قريش بأن النبي -ﷺ- صاحبهم إشارة إلى أنهم المطلعون على حقيقة حاله (^٣).\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما خاطب قريش جاء بوصف النبي -ﷺ- بأنه صاحبهم، ولم يقل: رسولهم، أو رسول الله، أو محمد؛ فدل ذلك على مزيد تقبيحهم وذمهم على تكذيبه؛ فإنهم يعرفونه ويعرفون نسبه، وصدقه، وأمانته، فهو ليس غريبا عنهم بل نشأ فيهم، وكانوا يصفونه قبل البعثة بالأمين والصادق، فكيف يكذبونه بعد البعثة، ومقتضى الصحبة أن يصدقوه وينصروه (^٤).\nقال الهرري: وإيراده -ﷺ- بعنوان صاحبيته لهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله، وإحاطتهم خبرا ببراءته -ﷺ- مما نفي عنه بالكلية، واتصافه بغاية الهدى والرشاد؛ فإن طول صحبتهم له، ومشاهدتهم محاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتما، فسمي النبي صاحبهم تنبيها على أنكم صحبتموه، وجربتموه، وعرفتم ظاهره وباطنه، ولم تجدوا به خبلا ولا جنة (^٥).\nوممن قال بهذا الاستنباط: البقاعي-كما تقدم-، وأبو السعود، والقنوجي، والقاسمي، وابن عاشور، وابن عثيمين، والهرري. (^٦).\nوهذا الاستنباط يصح على أن معنى صاحبكم مصاحبكم، ولا يستقيم على تفسير صاحبكم بمعنى سيدكم (^٧).\n_________\n(^١) وهو استنباط عقدي لأنه فيه الاحتجاج عليهم بالرسالة.\n(^٢) فتح القدير ج ٥/ ص ١٠٥.\n(^٣) واستنبط الشوكاني مثل هذا الاستنباط من قوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ في سورة التكوير. انظر: فتح القدير ج ٥/ ص ٣٩١.\n(^٤) مستفاد من تفسير السور من الحجرات إلى الحديد لابن عثيمين ص ٢٠٥، ٢٠٦.\n(^٥) انظر: حدائق الروح والريحان ج ٢٨/ ص ١٠٦.\n(^٦) انظر: نظم الدرر ج ١٨/ ص ٣١٣، وإرشاد العقل السليم ج ٩/ ص ١١٨، وفتح البيان ج ١٣/ ص ٢٤٤، ومحاسن التأويل ج ٩/ ص ٥٨، والتحرير والتنوير ج ٢٧/ ص ٩٩، وتفسير السور من الحجرات إلى الحديد لابن عثيمين ص ٢٠٥، ٢٠٦، وحدائق الروح والريحان ج ٢٨/ ص ١٠٦.\n(^٧) قال الرازي: (وقوله: ﴿صَاحِبُكُمْ﴾ فيه وجهان: الأول: سيدكم، والآخر: مصاحبكم). التفسير الكبير ج ٢٨/ ص ٢٤٢. وانظر مثله في اللباب ج ١٨/ ص ١٥٧.","vol":"1","page":504},{"text":"<span data-type='title' id=toc-677>١٩٨ - اقتراف -مجتنب الكبائر- اللمم (^١) من الذنوب ذنب يفتقر إلى مغفرة الله </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ النجم: ٣٢.\nقال الشوكاني -﵀-: (وجملة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ تعليل لما تضمنه الاستثناء، أي إن ذلك وإن خرج عن حكم المؤاخذة فليس يخلو عن كونه ذنبا يفتقر إلى مغفرة الله، ويحتاج إلى رحمته) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-678>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- اقتراف -مجتنب الكبائر- اللمم من الذنوب ذنب يفتقر إلى مغفرة الله.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى امتدح المحسنين الذين يجتنبون الكبائر إلا اللمم من الذنوب، ثم ذكر بعد هذا سعة مغفرته؛ فدلت مناسبة ذكرها (^٤) على أن اقتراف مجتنب الكبائر\nاللمم من الذنوب ذنب يفتقر إلى مغفرة الله.\nوممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والبروسوي، والآلوسي، والقنوجي، والهرري. (^٥).\n_________\n(^١) أظهر الأقوال في معنى اللمم أن المراد به صغائر الذنوب. انظر: تفسير القرآن العظيم ج ٧/ ص ٧١.\n(^٢) وهو استنباط في الرقائق.\n(^٣) فتح القدير ج ٥/ ص ١١٣.\n(^٤) وذكر البقاعي مناسبة أخرى لقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾، فقال: (ولما كان الملوك لا يغفرون لمن تكررت ذنوبه إليهم وإن صغرت، فكان السامع يستعظم أن يغفر ملك الملوك سبحانه مثل هذا، علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ أي: المحسن إليك بإرسالك رحمة للعالمين، والتخفيف عن أمتك ﴿وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ فهو يغفر الصغائر حقًا أوجبه على نفسه، ويغفر الكبائر إن شاء بخلاف غيره من الملوك، فإنه لو أراد ذلك ما أمكنه اتباعه، ولو جاهد حتى تمكن من ذلك في وقت فسدت مملكته. انظر: نظم الدرر ج ١٨/ ص ٣٢٨.\n(^٥) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٨/ ص ١٦٢، وروح البيان ج ٩/ ص ٢٤١، وروح المعاني ج ٢٧/ ص ٦٣، وفتح البيان ج ١٣/ ص ٢٦٥، وحدائق الروح والريحان ج ٢٨/ ص ١٤٠.","vol":"1","page":505},{"text":"<span data-type='title' id=toc-679>١٩٩ - تسمية بعض النقم آلاء لأنها مشتملة على العبر والمواعظ، ولكون فيها انتقام من العصاة وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ النجم: ٥٥.\nقال الشوكاني -﵀-: (وسمى هذه الأمور المذكورة آلاء أي نعما مع كون بعضها نقما لا نعما؛ لأنها مشتملة على العبر والمواعظ، ولكون فيها انتقام من العصاة وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-680>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- أن وجه تسمية بعض النقم آلاء أنها مشتملة على العبر والمواعظ، ولكون فيها انتقام من العصاة وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ في سياق التهديد، فإن الله تعالى قبلها قال: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾، وقال بعدها:\n﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨)﴾؛ فدل بدلالة الربط بين قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ وما اتصل بها من آيات، أو بدلالة السياق (^٣) على أن تسمية بعض النقم آلاء أنها مشتملة على العبر والمواعظ، ولكون فيها انتقام من العصاة وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين؛ إذ لابد أن يكون بين ذكر الآلاء هنا وذكر التهديد رابط يربطهما.\nقال الزمخشري: (وقد عدد نعما ونقما، وسماها كلها آلاء من قِبَل ما في النقمة من المزاجر والمواعظ للمعتبرين) (^٤).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري-كما تقدم-، والبيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي. (^٥).\nومما يؤيد المعنى المستنبط هنا أن ذكر الآلاء تكرر في سورة الرحمن بعد الشدائد، والتهديد، والتخويف، فتكرر قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾ في مواطن التهديد والتخويف، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾ [الرحمن: ٣١ - ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤)﴾ [الرحمن: ٣٣ - ٣٤].\n_________\n(^١) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٢) فتح القدير ج ٥/ ص ١١٧.\n(^٣) لأن السباق، واللحاق تهديد، فذكر الآلاء بينهما دال على أن التهديد نعمة.\n(^٤) الكشاف ج ٤/ ص ٤٢٩.\n(^٥) انظر: الكشاف ج ٤/ ص ٤٢٩، وأنوار التنزيل ج ٥/ ص ٢٦١، وإرشاد العقل السليم ج ٨/ ص ١٦٥، وروح المعاني ج ٢٧/ ص ٧١، وفتح البيان ج ١٣/ ص ٢٧٨.","vol":"1","page":506},{"text":"وقيل: إن التعبير بالآلاء هنا للتغليب، أي أن السورة ورد فيها ذكر نعم كثيرة. وهذا القول تعقبه الآلوسي بقوله: (وتعقب بأن المقام غير مناسب له) (^١) أي أن السياق سياق تهديد، فما ذكره الشوكاني أولى.\n_________\n(^١) وروح المعاني ج ٢٧/ ص ٧١.","vol":"1","page":507},{"text":"<span data-type='title' id=toc-681>سورة القمر</span>\n<span data-type='title' id=toc-682>٢٠٠ - يوم القيامة ليس بشديد على المؤمنين </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ القمر: ٨.\nقال الشوكاني﵀-: (وفي إسناد هذا القول إلى الكفار دليل على أن اليوم ليس بشديد على المؤمنين) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-683>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- أن يوم القيامة ليس بشديد على المؤمنين.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى أسند القول بأن يوم القيامة عسير إلى الكفار ولم يسنده للمؤمنين؛ فدل بمفهوم المخالفة على أن يوم القيامة ليس بشديد على المؤمنين، بل سهل يسير.\nقال السعدي: (مفهوم ذلك أنه يسير سهل على المؤمنين) (^٣).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الرازي (^٤)، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، والسعدي-كما تقدم-، والهرري (^٥).\nوفي هذا الاستنباط بشارة للمؤمنين، وتطمين لقوبهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-684>٢٠١ - القرآن منة عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل عن شكرها </span>(^٦).\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾ القمر: ٤٠.\nقال الشوكاني -﵀-: (ولعل وجه تكرير تيسير القرآن للذكر في هذه السورة الإشعار بأنه منة عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل عن شكرها) (^٧).\n_________\n(^١) وهو استنباط في الرقائق.\n(^٢) فتح القدير ج ٥/ ص ١٢٢.\n(^٣) تيسير الكريم الرحمن ص ٨٢٤.\n(^٤) وسماه الرازي فائدة، وهذا يدل على أن الاستنباط قد يسميه المفسرون فائدة. ونص كلام الرازي: (﴿هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ وفيه فائدتان:\nإحداهما: تنبيه المؤمن أن ذلك اليوم على الكافر عسير فحسب، كما قال تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المدثر: ٩ - ١٠] يعني له عسر لا يسر معه.\nثانيتهما: هي أن الأمرين متفقان مشتركان بين المؤمن والكافر، فإن الخروج من الأجداث كأنهم جراد، والانقطاع إلى الداعي يكون للمؤمن فإنه يخاف ولا يأمن العذاب إلا بإيمان الله تعالى إياه، فيؤتيه الله الثواب، فيبقى الكافر فيقول:\n﴿هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾). التفسير الكبير ج ٢٩/ ص ٣١.\n(^٥) انظر: التفسير الكبير ج ٢٩/ ص ٣١، وإرشاد العقل السليم ج ٨/ ص ١٦٨، وروح المعاني ج ٢٧/ ص ٨١، وفتح البيان ج ١٣/ ص ٢٩١، وتيسير الكريم الرحمن ص ٨٢٤، وحدائق الروح والريحان ج ٢٨/ ص ٢٠٥.\n(^٦) وهو استنباط عقدي لأن فيه بيان مصدر التشريع والاحتجاج له.\n(^٧) فتح القدير ج ٥/ ص ١٢٧.","vol":"1","page":508},{"text":"<span data-type='title' id=toc-685>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني -﵀- أن القرآن منة عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل عن شكرها.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾ أي: متعظ بمواعظه، ومعتبر بعبره. وفي الآية الحث على درس القرآن، والاستكثار من تلاوته، والمسارعة في تعلمه (^١). وقد تكررت هذه الآية في السورة أربع مرات (^٢)؛ فدل بدلالة التكرار على أن القرآن منة عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل عن شكرها.\nوممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي. وزاد: (ولأن في كل قصة إشهارا بأن تكذيب كل رسول مقتض لنزول العذاب، واستماع كل قصة مستدع للادكار والاتعاظ، وهذا حكم التكرير في قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ [الرحمن: ١٣] عند كل نعمة عدها، وقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)﴾ [المرسلات: ١٩] عند كل آية أوردها، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها؛ لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب، مصورة للأذهان، مذكورة غير منسية في كل أوان) (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق ج ٥/ ص ١٢٣.\n(^٢) الآيات: ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠.\n(^٣) انظر: فتح البيان ج ١٣/ ص ٣٠٤. وانظر مثله في الكشاف ج ٤/ ص ٤٣٩، وأنوار التنزيل ج ٥/ ص ٢٦٩.","vol":"1","page":509},{"text":"<span data-type='title' id=toc-686>سورة الرحمن</span>\n<span data-type='title' id=toc-687>٢٠٢ - تهديد الله للمخالفين يعد من النعم؛ لأن به ينزجر المسيء عن إساءته، ويزداد به المحسن إحسانا </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾ الرحمن: ٣١ - ٣٢.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾ فإن من جملتها ما في هذا التهديد من النعم، فمن ذلك أنه ينزجر به المسيء عن إساءته، ويزداد به المحسن إحسانا؛ فيكون ذلك سببا للفوز بنعيم الدار الآخرة الذي هو النعيم في الحقيقة) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-688>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- أن تهديد المخالفين يعد من النعم؛ لأن به ينزجر المسيء عن إساءته، ويزداد به المحسن إحسانا.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى بعد تهديده لمن خالف ذكر قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾؛ فدل ذلك بدلالة الربط بين الآيتين، أو بدلالة السياق (^٤) على أن تهديد المخالفين من النعم؛ إذ لابد أن يكون بين ذكر الآلاء وذكر التهديد رابط يربطهما.\nوممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري (^٥).\nوقد تكرر في السورة التنبيه على آلآء الله بعد الشدائد، ولذلك تكرر هذا الاستنباط، ومن ذلك قول الشوكاني - عند قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤)﴾ الرحمن: ٣٣ - ٣٤ -: (﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾ ومن جملتها هذه النعمة الحاصلة بالتحذير والتهديد؛ فإنها تزيد المحسن إحسانا، وتكف المسيء عن إساءته، مع أن من حذركم وأنذركم قادر على الإيقاع بكم من دون مهلة) (^٦). (^٧)\n_________\n(^١) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٢) فتح القدير ج ٥/ ص ١٣٧.\n(^٣) واستنبط غيره من قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)﴾ أن الجن مخاطبون، مكلفون، مأمورون، منهيّون، مثابون، معاقبون، كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم. انظر: اللباب ج ١٨/ ص ٣٣٠، ووجهه: دلالة الالتزام للتهديد.\n(^٤) لأن السباق، واللحاق وهو قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ [الرحمن: ٣٣] تهديد، فذكر الآلاء بينهما دال على أن التهديد نعمة.\n(^٥) انظر: فتح البيان ج ١٣/ ص ٣٢٩، وحدائق الروح والريحان ج ٢٨/ ص ٢٩٠.\n(^٦) فتح القدير ج ٥/ ص ١٣٧.\n(^٧) نقله القنوجي في فتح البيان ج ١٣/ ص ٣٣١، والهرري في حدائق الروح والريحان ج ٢٨/ ص ٢٩٣.","vol":"1","page":510},{"text":"وقول البيضاوي: - عند قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦)﴾ [الرحمن: ٣٥ - ٣٦]-: (فإن التهديد لطف، والتمييز بين المطيع والعاصي بالجزاء والانتقام من الكفار في عداد الآلاء) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-689>٢٠٣ - الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه وعملوا بفرائضه وانتهوا عن مناهيه </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾ الرحمن: ٥٦.\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي هذه الآية، بل في كثير من آيات هذه السورة دليل أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه، وعملوا بفرائضه، وانتهوا عن مناهيه) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-690>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٤) -﵀- أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه، وعملوا بفرائضه، وانتهوا عن مناهيه (^٥).\nووجه الاستنباط: أن الله امتن على عباده المنعمين في الجنة بقاصرات الطرف اللاتي لم يطمثهن أنس ولا جان؛ فدل بدلالة الالتزام على أن في الجنة جنا، أي أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه، وعملوا بفرائضه، وانتهوا عن مناهيه.\nوممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وابن كثير، وابن عادل، والبروسوي، والقنوجي، والشنقيطي، وابن عثيمين، والهرري. (^٦).\nكما أيد الطوفي المعنى المستنبط -مع أنه ذكر أن دلالة الآية عليه ليست بالقوية- فقال: (فيه أن الجن يطمثون النساء، وربما أشعر هذا بأن مؤمنيهم في الجنة، وليست دلالته بالقوية على ذلك. والنصوص وردت بأن عصاتهم في النار، أما أن مؤمنيهم في الجنة فاختلف فيه، فقيل: نعم بالقياس على مؤمني الإنس بجامع الإيمان والطاعة، وقيل: لا لعدم النص فيه، ومثله لا يثبت بالقياس، فعلى هذا قيل: يصيرون ترابا أو يفنون بوجه من وجوه الفناء كالبهائم، وهو بعيد، والأشبه مشاركتهم في الرضوان لمشاركتهم في الإيمان) (^٧).\n_________\n(^١) أنوار التنزيل ج ٥/ ص ٢٧٨.\n(^٢) وهو استنباط عقدي.\n(^٣) فتح القدير ج ٥/ ص ١٤١.\n(^٤) واستنبط غيره من الآية فضل الأبكار على الثيب؛ إذ لا يصفهن ببراءتهن من الطمث إلا وقد فضلن على من طمثن. انظر: نكت القرآن ج ٤/ ص ٢١٠، وحدائق الروح والريحان ج ٢٨/ ص ٣١٩.\n(^٥) تقدم مثل هذا الاستنباط في سورتي الأنعام: ١٣٠، ١٣٢، والأحقاف: ٣١.\n(^٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٧/ ص ١٥٦، وتفسير القرآن العظيم ج ٧/ ص ١١٦، واللباب ج ١٨/ ص ٣٥٢، وروح البيان ج ٩/ ص ٣٠٦، وفتح البيان ج ١٣/ ص ٣٤٢، وأضواء البيان ج ٥/ ص ٤٧، وتفسير السور من الحجرات إلى الحديد ص ٣٢١، وحدائق الروح والريحان ج ٢٨/ ص ٣١٩.\n(^٧) الإشارات الإلهية ج ٣/ ص ٣١٢.","vol":"1","page":511},{"text":"والصحيح أن هذه الآية مما يستأنس به في إثبات دخول الجن الجنة كما قال الشنقيطي: ويستأنس لهذا - أي دخول الجن الجنة- بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾ فإنه يشير إلى أن في الجنة جنا يطمثون النساء كالإنس (^١).\n_________\n(^١) انظر: أضواء البيان ج ٥/ ص ٤٧.","vol":"1","page":512},{"text":"<span data-type='title' id=toc-691>سورة الحديد</span>\n<span data-type='title' id=toc-692>٢٠٤ - تعليم الله العباد تسبيحه في كل الأوقات والأزمنة </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ الحديد: ١.\nقال الشوكاني -﵀-: (وجاء هذا الفعل في بعض الفواتح ماضيا كهذه الفاتحة، وفي بعضها مضارعا، وفي بعضها أمرا؛ للإشارة إلى أن هذه الأشياء مسبحة في كل الأوقات، لا يختص تسبيحها بوقت دون وقت، بل هي مسبحة أبدا في الماضي وستكون مسبحة أبدا في المستقبل) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-693>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- تعليم الله العباد تسبيحه في كل الأوقات والأزمنة (^٣).\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر التسبيح بفعل ماضي، ومضارع، وأمر، فذكره بفعل ماضي هنا، وفي قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ [الحشر: ١]، وفي قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ [الصف: ١]. وذكره بفعل مضارع في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الجمعة: ١]، وفي قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [التغابن: ١]. وذكره بالأمر في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]؛ فدل بدلالة التركيب بين هذه الآيات على تعليم الله العباد تسبيحه في كل الأوقات والأزمنة؛ لأن الماضي يدل على التسبيح في الماضي من الزمان، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان، والأمر يدل عليه في الحال. (^٤).\n_________\n(^١) وهو استنباط في الدعوات والذكر.\n(^٢) فتح القدير ج ٥/ ص ١٦٥.\n(^٣) وسيأتي مثل هذا الاستنباط عند الآية الأولى من سورة الصف.\n(^٤) قال ابن عادل- عند قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ … (١)﴾ [الصف: ١]-: (فإن قيل: ما الحكمة في أنه تعالى قال في بعض السور: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ بلفظ الماضي، وفي بعضها: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ بلفظ المضارع، وفي بعضها بلفظ الأمر؟ فالجواب: أن الحكم في ذلك تعليم العبد أن تسبيح الله تعالى دائم لا ينقطع، كما أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان، والأمر يدل عليه في الحال). اللباب ج ١٩/ ص ٤٣.","vol":"1","page":513},{"text":"وقول الشوكاني في هذا الاستنباط بينه عند قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ … (١)﴾ [الصف: ١]، فقال: (ووجه التعبير في بعض السور بلفظ الماضي كهذه السورة، وفي بعضها بلفظ المضارع، وفي بعضها بلفظ الأمر الإرشاد إلى مشروعية التسبيح في كل الأوقات، ماضيها، ومستقبلها، وحالها، وقد قدمنا نحو هذا في أول سورة الحديد) (^١).\nقال الهرري: (وفيه تعليم عباده استمرار وجود التسبيح منهم في جميع الأزمنة والأوقات) (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط: ابن عادل، والبروسوي، والقنوجي، والهرري. (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-694>٢٠٥ - فضيلة الإنفاق في وقت الشدة والحاجة </span>(^٤).\nقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾ الحديد: ١٠.\nقال الشوكاني -﵀-: (وإنما كانت النفقة والقتال قبل الفتح أفضل من النفقة والقتال بعد الفتح؛ لأن حاجة الناس كانت إذ ذاك أكثر، وهم أقل وأضعف. وتقديم الإنفاق على القتال للإيذان بفضيلة الإنفاق؛ لما كانوا عليه من الحاجة، فإنهم كانوا يجودون بأنفسهم ولا يجدون ما يجودون به من الأموال، والجود بالنفس أقصى غاية الجود (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) فتح القدير ج ٥/ ص ٢١٩.\n(^٢) حدائق الروح والريحان ج ٢٨/ ص ٤٣٣، ٤٣٤.\n(^٣) انظر: اللباب ج ١٨/ ص ٤٥٣، وروح البيان ج ٩/ ص ٣٤٤، وفتح البيان ج ١٣/ ص ٣٩٤، وحدائق الروح والريحان ج ٢٨/ ص ٤٣٣، ٤٣٤.\n(^٤) وهو استنباط فقهي في بيان مراتب الإنفاق في سبيل الله.\n(^٥) فالقتال نوع إنفاق، قال أبو السعود: (وعطف القتال على الإنفاق للإيذان بأنه من أهم مواد الإنفاق، مع كونه في نفسه من أفضل العبادات، وأنه لا يخلو من الإنفاق أصلا). إرشاد العقل السليم ج ٨/ ص ٢٠٦.\n(^٦) فتح القدير ج ٥/ ص ١٦٨.","vol":"1","page":514},{"text":"<span data-type='title' id=toc-695>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^١) -﵀- فضيلة الإنفاق في وقت الشدة والحاجة.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى امتدح الذين أنفقوا قبل الفتح وقاتلوا، وقدم الإنفاق على القتال؛ فدل بدلالة التقديم على فضيلة الإنفاق في وقت الشدة والحاجة.\nقال ابن جزي: (ويؤخذ من الآية أن من أنفق في شدة أعظم أجرا ممن أنفق في حال الرخاء) (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وابن جزي-كما تقدم-، وابن عادل، والقنوجي، والهرري. (^٣).\n_________\n(^١) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) استنبط الإمام مالك من الآية أنه ينبغي أن يقدم أهل الفضل والعزم. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٧/ ص ٢٠٦، واللباب ج ١٨/ ص ٤٦٢.\n٢) أن في الآية دليلا على تنزيل الناس منازلهم. انظر: الإكليل ج ٣/ ص ١٢٣٢.\n(^٢) التسهيل لعلوم التنزيل ج ٤/ ص ٩٦.\n(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٧/ ص ٢٠٥، والتسهيل لعلوم التنزيل ج ٤/ ص ٩٦، واللباب ج ١٨/ ص ٤٦٢، وفتح البيان ج ١٣/ ص ٤٠٢، وحدائق الروح والريحان ج ٢٨/ ص ٤٤٦.","vol":"1","page":515},{"text":"<span data-type='title' id=toc-696>سورة الحشر</span>\n<span data-type='title' id=toc-697>٢٠٦ - من لم يستغفر للصحابة -﵃-، ويطلب رضوان الله لهم فهو مذموم </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ الحشر: ١٠.\nقال الشوكاني -﵀-: (أمرهم الله سبحانه بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يطلبوا من الله سبحانه أن ينزع من قلوبهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق، فيدخل في ذلك الصحابة دخولا أوليا؛ لكونهم أشرف المؤمنين، ولكون السياق فيهم، فمن لم يستغفر للصحابة على العموم، ويطلب رضوان الله لهم فقد خالف ما أمره الله به في هذه الآية، فإن وجد في قلبه غلا لهم فقد أصابه نزغ من الشيطان، وحل به نصيب وافر من عصيان الله بعداوة أوليائه، وخير أمته نبيه -ﷺ-، وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم إن لم يتدارك نفسه باللجوء إلى الله سبحانه، والاستغاثة به بأن ينزع عن قلبه ما طرقه من الغل لخير القرون، وأشرف هذه الأمة) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-698>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- أن من لم يستغفر للصحابة -﵃-، ويطلب رضوان الله لهم فهو مذموم.\n_________\n(^١) وهو استنباط عقدي.\n(^٢) فتح القدير ج ٥/ ص ٢٠٢.\n(^٣) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) من أبغض الصحابة أو واحدًا منهم، أو اعتقد فيه شرًّا أنه لا حقَّ له في الفيء؛ لأن الآية دليل على وجوب محبة الصحابة -﵃-؛ لأنه جعل لمن بعدهم حظًّا في الفيء ما أقاموا على محبتهم، وموالاتهم، والاستغفار لهم؛ فدل بمفهوم المخالفة على أنهم إن خالفوا الشرط فلا فيء لهم. انظر: اللباب ج ١٨/ ص ٥٩٦.\n٢) استنبط من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بمفهوم المخالفة أن الحقد على غيرهم جائز لغيرة الدين، وإن لم يكن الحسد جائزا. انظر: حدائق الروح والريحان ج ٢٩/ ص ١٢١.\n٣) استنبط الإمام مالك-بدلالة السياق- كفر الرافضة، ووجهه: أن قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨] متعلق بقوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ … لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]، ثم إن الله لما قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ عطف عليهم ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩] وهم الأنصار، ثم عطف عليهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ بشرط أن يستغفروا لمن قبلهم، والرافضة خارجون عن الأصناف الثلاثة؛ فإنهم يسبون السلف، فإذن لا حظ لهم في الفيء؛ إذ الفيء حق المسلمين، فمن لا حظ له في الفيء فليس بمسلم. انظر: الإشارات الإلهية ج/ ص ٣٣٤، ٣٣٥.","vol":"1","page":516},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله تعالى امتدح الذين يأتون من بعد الصحابة -﵃- والتابعين بكونهم يستغفرون لسلفهم؛ فدل بمفهوم المخالفة-مفهوم الحال- على أن من لم يستغفر للصحابة، ويطلب رضوان الله لهم فهو مذموم غير ممدوح.\nقال القصاب: قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ دليل على أن من لم يكن سليم الصدر لأصحاب رسول الله -ﷺ-، محبا لكافتهم، داعيا لجميعهم فهو مسلوك به غير سبيل الممدوحين، منوط في طرق المذمومين (^١).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القصاب-كما تقدم-، وابن عادل، والقنوجي، والهرري. (^٢).\n_________\n(^١) انظر: نكت القرآن ج ٤/ ص ٢٥٩، ٢٦٠.\n(^٢) انظر: نكت القرآن ج ٤/ ص ٢٥٩، ٢٦٠، واللباب ج ١٨/ ص ٥٩٦، وفتح البيان ج ١٤/ ص ٥٥، وحدائق الروح والريحان ج ٢٩/ ص ١٢١.","vol":"1","page":517},{"text":"<span data-type='title' id=toc-699>سورة الصف</span>\n<span data-type='title' id=toc-700>٢٠٧ - مشروعية التسبيح في كل الأوقات، ماضيها، ومستقبلها، وحالها </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ … (١)﴾ الصف: ١.\nقال الشوكاني -﵀-: (ووجه التعبير في بعض السور بلفظ الماضي كهذه السورة، وفي بعضها بلفظ المضارع، وفي بعضها بلفظ الأمر الإرشاد إلى مشروعية التسبيح في كل الأوقات، ماضيها، ومستقبلها، وحالها، وقد قدمنا نحو هذا في أول سورة الحديد (^٢) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-701>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- تعليم الله العباد تسبيحه في كل الأوقات والأزمنة (^٤).\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر التسبيح بفعل ماضي، ومضارع، وأمر، فذكره بفعل ماضي هنا، وفي قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ [الحديد: ١]. وقوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ … (١)﴾ [الحشر: ١]. وذكره بفعل مضارع في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الجمعة: ١]، وفي قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ … شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [التغابن: ١]. وذكره بالأمر في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]؛ فدل بدلالة التركيب بين هذه الآيات على تعليم الله العباد تسبيحه في كل الأوقات والأزمنة؛ لأن الماضي يدل على التسبيح في الماضي من الزمان، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان، والأمر يدل عليه في الحال.\nقال ابن عادل: (فإن قيل: ما الحكمة في أنه تعالى قال في بعض السور: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ بلفظ الماضي، وفي بعضها: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ بلفظ المضارع، وفي بعضها بلفظ الأمر؟ فالجواب: أن الحكم في ذلك تعليم العبد أن تسبيح الله تعالى دائم لا ينقطع، كما أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان، والأمر يدل عليه في الحال) (^٥).\n_________\n(^١) وهو استنباط في الدعوات والذكر.\n(^٢) انظر: فتح القدير ج ٥/ ص ١٦٥.\n(^٣) فتح القدير ج ٥/ ص ٢١٩.\n(^٤) تقدم مثل هذا الاستنباط في الآية الأولى من سورة الحديد.\n(^٥) اللباب ج ١٩/ ص ٤٣.","vol":"1","page":518},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عادل-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري. (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-702>٢٠٨ - مناسبة ذكر قصتي موسى -﵇-، وعيسى -﵇- بعد ذكر محبة الله للمجاهدين في سبيله </span>(^٢).\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ الصف: ٤ - ٦.\nقال الشوكاني -﵀-: (لما ذكر سبحانه أنه يحب المقاتلين في سبيله بين أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد، وجاهدا في سبيل الله، وحل العقاب بمن خالفهم ويجوز أن يكون وجه ذكر قصة موسى وعيسى بعد محبة المجاهدين في سبيل الله التحذير لأمة محمد -ﷺ- أن يفعلوا مع نبيهم ما فعله قوم موسى وعيسى معهما) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-703>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٤) -﵀- أن مناسبة ذكر قصتي موسى -﵇-، وعيسى -﵇- بعد ذكر محبة الله للمجاهدين في سبيله أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد، وجاهدا في سبيل الله، وحل العقاب بمن خالفهم. أو أن المناسبة التحذير لأمة محمد -ﷺ- أن يفعلوا مع نبيهم ما فعله قوم موسى وعيسى معهما.\n_________\n(^١) انظر: اللباب ج ١٩/ ص ٤٣، وفتح البيان ج ١٤/ ص ٩٧، وحدائق الروح والريحان ج ٢٩/ ص ٢٤٦.\n(^٢) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).\n(^٣) فتح القدير ج ٥/ ص ٢٢٠.\n(^٤) واستنبط غيره من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ … بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ أن قتال الرجالة أفضل من قتال الفرسان؛ لأن التراص إنما يمكن منه. قال ابن الفرس متعقبا: (وهذا ضعيف لأنه ليس المراد بالآية نفس التراص، وإنما المقصود الجد والاجتهاد في القتال، فسواء كانوا رجالا أو فرسانا). أحكام القرآن ج ٣/ ص ٥٥٥. ومثله قول القرطبي: وذلك غير مستقيم؛ لما جاء في فضل الفارس في الأجر والغنيمة، ولا يخرج الفرسان من معنى الآية لأن معناه الثبات. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٨/ ص ٧٤.","vol":"1","page":519},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أثنى على المجاهدين في سبيله، وبين حبه سبحانه لهم، ثم ذكر قصة موسى -﵇- وعيسى -﵇-؛ فدل بدلالة الربط بين الآيات على أن المناسبة أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد، وجاهدا في سبيل الله، وحل العقاب بمن خالفهم. فالرابط الجهاد. أو أن المناسبة التحذير لأمة محمد -ﷺ- أن يفعلوا مع نبيهم ما فعله قوم موسى وعيسى معهما.\nوممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي (^١). وذكر القرطبي الوجه الأول (^٢).\nأما ابن عاشور ففصل في ذكر المناسبة، فجعل مناسبة مجيء قصة موسى إما للتعريض بمن آذوا النبي -ﷺ-. أو التحذير من مخالفة لنبي -ﷺ-، فوافق الشوكاني في الوجه الثاني، قال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ موقع هذه الآية هنا خفي المناسبة، فيجوز أن تكون الجملة معترضة استئنافا ابتدائيا انتقل به من النهي عن عدم الوفاء بما وعدوا الله عليه إلى التعريض بقوم آذوا النبي -ﷺ- بالقول أو بالعصيان أو نحو ذلك، فيكون الكلام موجها إلى المنافقين، فقد وسموا بأذى الرسول -ﷺ-. وعلى هذا الوجه فهو اقتضاب، نقل به الكلام من الغرض الذي قبله لتمامه إلى هذا الغرض. أو تكون مناسبة وقعه في هذا الموقع حدوث سبب اقتضى نزوله من أذى قد حدث لم يطلع عليه المفسرون، ورواة الأخبار وأسباب النزول. ويجوز أن يكون من تتمة الكلام الذي قبلها، ضرب الله مثلا للمسلمين لتحذيرهم من إتيان ما يؤذي رسوله -ﷺ- ويسوءه، من الخروج عن جادة الكمال الديني، مثل عدم الوفاء بوعدهم في الإتيان بأحب الأعمال إلى الله تعالى. وأشفقهم من أن يكون ذلك سببا للزيغ والضلال كما حدث لقوم موسى لما آذوه. ويناسب أن تكون هذه الآية تحذيرا من مخالفة أمر الرسول -ﷺ-، وعبرة بما عرض لهم من الهزيمة يوم أحد لما خالفوا أمره من عدم ثبات الرماة في مكانهم. وقد تشابهت القصتان في أن القوم فروا يوم أحد كما فر قوم موسى يوم أَرِيْحَا. (^٣). (^٤).\n_________\n(^١) انظر: فتح البيان ج ١٤/ ص ١٠٠.\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١٨/ ص ٧٤.\n(^٣) أريحا بالفتح ثم الكسر وياء ساكنة والحاء مهملة. وفيها لغات أخرى: أَرْيَح بالفتح ثم السكون وياء مفتوحة وحاء مهملة، وقد رواه بعضهم بالخاء المعجمة، لغة عبرانية. وهي مدينة الجبارين في الغور من أرض الأردن بالشام، بينها وبين بيت المقدس يوم للفارس في جبال صعبة المسلك. سميت فيما قيل بأريحا بن مالك بن أرفخشد بن سام بن نوح -﵇-. انظر: معجم البلدان ج ١/ ص ١٦٥.\n(^٤) انظر: التحرير والتنوير ج ٢٨/ ص ١٥٨، ١٥٩.","vol":"1","page":520},{"text":"وأما مناسبة قصة عيسى -﵇- عنده فهي على وجهين:\nإما التعريض بمن آذوا النبي -ﷺ-. وإما أنها مسوقة لتتميم قصة موسى -﵇- بذكر مثال آخر لقوم حادوا عن طاعة رسولهم، لكنها ولم تفد تحذير المخاطبين (^١).\nولا تزاحم-والله أعلم- بين هذه المناسبات فلكل وجهه.\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق ج ٢٨/ ص ١٦٠.","vol":"1","page":521},{"text":"<span data-type='title' id=toc-704>سورة الجمعة</span>\n<span data-type='title' id=toc-705>٢٠٩ - الطاعات سبب الرزق </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ الجمعة: ١١.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ فمنه اطلبوا الرزق، وإليه توسلوا بعمل الطاعة؛ فإن ذلك من أسباب تحصيل الرزق، وأعظم ما يجليه) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-706>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- أن الطاعات سبب الرزق.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر المؤمنين بالاجتماع لعبادته يوم الجمعة، والسعي إلى ذكره، والإقبال على الصلاة، وترك البيع إلى أن تنقضي الصلاة، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ … تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠]، ثم عاتب سبحانه على ما كان من انصراف بعض المؤمنين عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ، فقال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ وختم ذلك بأنه خير الرازقين؛ فدل هذا الختم بدلالة الربط بين الآيات على أن الطاعات سبب الرزق.\nوممن قال بهذا الاستنباط: ابن عادل، والقنوجي، والهرري. (^٤).\nويدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ [طه: ١٣٢]. قال الشنقيطي: من نتائج الاستعانة بالصلاة أنها تجلب الرزق وذلك في قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾، ولذا كان -ﷺ- إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة (^٥).\n_________\n(^١) وهو استنباط تربوي أو فقهي.\n(^٢) فتح القدير ج ٥/ ص ٢٢٨.\n(^٣) واستنبط غيره من الآية أن الخطيب ينبغي أن يخطب قائما. انظر: نكت القرآن ج ٤/ ص ٣٠١، وروح المعاني ج ٢٨/ ص ١٠٥.\n(^٤) انظر: اللباب ج ١٩/ ص ٩٩، وفتح البيان ج ١٤/ ص ١٤٢، وحدائق الروح والريحان ج ٢٩/ ص ٣٠٦.\n(^٥) ذكره الشنقيطي عند قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥]. أضواء البيان ج ١/ ص ٦٧، ٦٨.","vol":"1","page":522},{"text":"وقد اقترن في القرآن الكريم ذكر الرزق بكثير من العبادات، قال الشنقيطي: وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور: من الآية ٣٢] (^١) فيه وعد من الله للمتزوج الفقير من الأحرار والعبيد بأن الله يغنيه والله لا يخلف الميعاد وهذا الوعد منه جل وعلا وعد به من اتقاه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: من الآيات ٢ - ٣] (^٢)، ووعد بالرزق أيضا من يأمر أهله بالصلاة ويصطبر عليها وذلك في قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ [طه: ١٣٢]، وقد وعد المستغفرين بالرزق الكثير على لسان نبيه نوح -﵇- في قوله تعالى عنه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ … جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾، وعلى لسان نبيه هود -﵇- في قوله تعالى عنه: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾ [هود: ٥٢] وعلى لسان نبينا -ﷺ-: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: من الآية ٣] (^٣). ومن الآيات الدالة على أن طاعة الله تعالى سبب للرزق قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: من الآية ٩٦] (^٤) ومن بركات السماء المطر، ومن بركات الأرض النبات مما يأكل الناس والأنعام، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: من الآية ٦٦] (^٥)، وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧] أي: في الدنيا (^٦).\n_________\n(^١) وتمامها: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾\n(^٢) وتمامها: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ … يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾.\n(^٣) وتمامها: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ … ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)﴾.\n(^٤) وتمامها: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا … فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾.\n(^٥) وتمامها: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾.\n(^٦) انظر: أضواء البيان ج ٤/ ص ١١١.","vol":"1","page":523},{"text":"وإذا كانت الطاعات سبب الرزق؛ فإن المعاصي سبب قلة الرزق، وكثرة البلاء، وقد استنبط الشنقيطي من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾ [المائدة: ٦٦] بمفهوم المخالفة أن المعاصي سبب قلة الرزق، وكثرة البلاء، فقال: (ومفهوم الآية أن معصية الله تعالى سبب لنقيض ما يستجلب بطاعته، وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١]، ونحوها من الآيات) (^١).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق ج ١/ ص ٣١٦.","vol":"1","page":524},{"text":"<span data-type='title' id=toc-707>سورة الطلاق</span>\n<span data-type='title' id=toc-708>٢١٠ - كمال استحقاق المطلقات للسكنى في مدة العدة </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ الطلاق: ١.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ أي: التي كنَّ فيها عند الطلاق ما دمن في العدة، وأضاف البيوت إليهن وهي لأزواجهن لتأكيد النهي، وبيان كمال استحقاقهن للسكنى في مدة العدة، ومثله قوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (^٢) [الأحزاب: من الآية ٣٤]، وقوله: وقرن في بيوتكن ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (^٣) [الأحزاب: من الآية ٣٣]) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-709>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٥) -﵀- كمال استحقاق المطلقات للسكنى في مدة العدة.\n_________\n(^١) وهو استنباط فقهي.\n(^٢) وتمامها: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾.\n(^٣) وتمامها: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾.\n(^٤) فتح القدير ج ٥/ ص ٢٤١.\n(^٥) واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:\n١) أن الحنث بدخول دار يسكنها فلان بغير ملك ثابت فيما إذا حلف لا يدخل داره. انظر: مدارك التنزيل ج ٤/ ص ٣٨٨.\n٢) في ذكر البيوت دون الدار إشارة إلى أن اللازم على الزوج في سكناهن ما تحصل المعيشة فيه؛ لأن الدار ما يشتمل على البيوت. انظر: حدائق الروح والريحان ج ٢٩/ ص ٤٠٧.\n٣) دل قوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ بدلالة الإشارة على النهي عن الأذن لهن في الخروج، ففي الآية دلالة على أن سكونهن في البيوت حق للشرع مؤكد، فلا يسقط بالإذن. انظر: روح المعاني ج ٢٨/ ص ١٣٣.","vol":"1","page":525},{"text":"ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أضاف البيوت إلى المطلقات المعتدات، وهي لأزواجهن؛ فدلت الإضافة على كمال استحقاق المطلقات للسكنى في مدة العدة.\nقال النسفي: (﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ من مساكنهن التي يسكنها قبل العدة وهي بيوت الأزواج، وأضيف إليهن لاختصاصها بهن من حيث المسكن، وفيه دليل على أن السكنى واجبة) (^١).\nوقال أبو السعود: (﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ من مساكنهن عند الفراق إلى أن تنقضي عدتهن، وإضافتها إليهن وهي لأزواجهن لتأكيد النهي ببيان كمال استحقاقهن لسكناها كأنها أملاكهن) (^٢).\nوممن قال بهذا الاستنباط: إلكيا، والقرطبي، والنسفي، وأبو السعود-كما تقدم-، والآلوسي، والقنوجي. (^٣).\nوذكر البيضاوي وجها آخر لتأكيد هذا الحكم، فقال: (وفي الجمع بين النهيين دلالة على استحقاقهما السكنى، ولزومها ملازمة مسكن الفراق) (^٤).\n_________\n(^١) مدارك التنزيل ج ٤/ ص ٣٨٨.\n(^٢) إرشاد العقل السليم ج ٨/ ص ٢٦٠.\n(^٣) انظر: أحكام القرآن ج ٤/ ص ٤١٩، ٤٢٠، والجامع لأحكام القرآن ج ١٨/ ص ١٣٨، ومدارك التنزيل ج ٤/ ص ٣٨٨، وإرشاد العقل السليم ج ٨/ ص ٢٦٠، وروح المعاني ج ٢٨/ ص ١٣٣، وفتح البيان ج ١٤/ ص ١٧٩.\n(^٤) أنوار التنزيل ج ٥/ ص ٣٤٩.","vol":"1","page":526},{"text":"<span data-type='title' id=toc-710>سورة الحاقة</span>\n<span data-type='title' id=toc-711>٢١١ - حرمان المسكين من أعظم الجرائم، وأشد المآثم </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾ الحاقة: ٣٣ - ٣٤.\nقال الشوكاني -﵀-: (والمعنى: أنه لا يحث نفسه أو غيره على بذل نفس طعام المسكين، وفي جعل هذا قرينا لترك الإيمان بالله من الترغيب في التصدق على المساكين، وسد فاقتهم، وحث النفس والناس على ذلك ما يدل أبلغ دلالة، ويفيد أكمل فائدة على أن منعهم من أعظم الجرائم وأشد المآثم) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-712>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- أن حرمان المسكين من أعظم الجرائم، وأشد المآثم.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما قرر الأسباب التي أدخلت الكفار النار ذكر أعظمها وهو عدم الإيمان بالله، ثم ذكر سببا آخر هو حرمان المسكين، والامتناع من حث النفس والغير على التصدق، فقرنه بالكفر؛ فدل بدلالة الاقتران على أن حرمان المسكين من أعظم الجرائم، وأشد المآثم.\nوذكر الزمخشري هذا الوجه كما ذكر وجها آخر، فقال: (وفي قوله: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾ دليلان قويان على عظم الجرم في حرمان المسكين:\nأحدهما: عطفه على الكفر، وجعله قرينة له.\nوالثاني: ذكر الحض دون الفعل؛ ليعلم أن تارك الحض بهذه المنزلة فكيف بتارك الفعل) (^٤).\nويمكن أن يكون وجه الاستنباط تخصيص هذه الخلة من خلال الكافر بالذكر. قال البيضاوي: (ولعل تخصيص الأمرين بالذكر لأن أقبح العقائد الكفر بالله تعالى، وأشنع الرذائل البخل وقسوة القلب) (^٥).\n_________\n(^١) وهو استنباط فائدة علمية.\n(^٢) فتح القدير ج ٥/ ص ٢٨٥.\n(^٣) واستنبط غيره من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾ استنباطات أخرى، منها:\n١) أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع؛ لأنهم يعاقبون على ترك الامتثال بها. انظر: أنوار التنزيل ج ٥/ ص ٣٨٣، والتفسير الكبير ج ٣٠/ ص ١٠٢.\n٢) فيه إشارة إلى أنه كان لا يؤمن بالبعث؛ لأن الناس لا يطلبون من المساكين الجزاء فيما يطعمونهم، وإنما يطعمونهم لوجه الله ورجاء الثواب في الآخرة، فإذا لم يؤمن بالبعث لم يكن له ما يحمله على إطعامهم، أي أنه مع كفره لا يحرض غيره على إطعام المحتاجين. انظر: مدارك التنزيل ج ٤/ ص ٤٢٢، ٤٢٣.\n(^٤) الكشاف ج ٤/ ص ٦٠٨.\n(^٥) أنوار التنزيل ج ٥/ ص ٣٨٣.","vol":"1","page":527},{"text":"وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري-كما تقدم-، والنسفي، وأبو حيان، والقنوجي، والهرري. (^١).\nواستنبط القصاب مثل هذا الاستنباط من قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٤]، فقال: دليل على توكيد حرمة المسكين حين قرن تضييعه بترك الصلاة، وخوض الخائضين، وتكذيب بيوم الدين، وكما قال ﵎ في سورة الحاقة: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾ (^٢).\nوفي هذا الاستنباط تحذير شديد من حرمان المسكين؛ فإنه أضر الخلال بالبشر. قال ابن عطية: (وإضافة الطعام إلى المسكين من حيث له إليه نسبة ما، وخصت هذه الخلة من خلال الكافر بالذكر؛ لأنها من أضر الخلال في البشر إذا كثرت في قوم هلك مساكنهم) (^٣).\nوفيه أيضا بيان لعظم فضل الصدقة. قال ابن جزي: (وهذه الآية تدل على عظم الصدقة وفضلها؛ لأنه قرن منع طعام المسكين بالكفر بالله) (^٤).\nثم إن الإحسان للناس عامة، وللمساكين خاصة من أسباب السعادة، قال السعدي: مدار السعادة ومادتها أمران: الإخلاص لله الذي أصله الإيمان بالله، والإحسان إلى الخلق بجميع وجوه الإحسان التي من أعظمها دفع ضرورة المحتاجين بإطعامهم ما يتقوتون به (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الكشاف ج ٤/ ص ٦٠٨، ومدارك التنزيل ج ٤/ ص ٤٢٢، ٤٢٣، والبحر المحيط ج ٨/ ص ٤٥٨، وفتح البيان ج ١٤/ ص ٢٩٩، وحدائق الروح والريحان ج ٣٠/ ص ١٦٩.\n(^٢) انظر: نكت القرآن ج ٤/ ص ٤٤٨.\n(^٣) المحرر الوجيز ص ١٨٩٤.\n(^٤) التسهيل لعلوم التنزيل ج ٤/ ص ١٤٤.\n(^٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٨٨٤.","vol":"1","page":528},{"text":"<span data-type='title' id=toc-713>سورة نوح -﵇</span>-\n<span data-type='title' id=toc-714>٢١٢ - الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع الأرزاق </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ … جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ نوح: ١٠ - ١٢\nقال الشوكاني -﵀-: (وفي هذه الآية دليل على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع الأرزاق؛ ولهذا قال: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ﴾ يعني: بساتين ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ جارية) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-715>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع الأرزاق.\nووجه الاستنباط: أن نوحا -﵇- وعد قومه على الاستغفار إمدادا بالأموال والبنين؛ فدل بدلالة الاعتبار بقصص الأنبياء -﵇- على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع الأرزاق.\nقال القصاب: (﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ دليل على استنزال الرزق، وتكثير الأولاد بالعمل الصالح؛ لأن نوحا -﵇- وعد قومه على الاستغفار إمدادا بالأموال والبنين) (^٣).\nوممن قال بهذا الاستنباط: القصاب-كما تقدم-، وابن عطية، والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي. (^٤).\nوهذا المعنى يستنبط أيضا من قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾ [هود: ٥٢]. قال ابن جزي: (وفي الآية دليل على أن الاستغفار والتوبة سبب لنزول الأمطار) (^٥).\nوقد اقترن في القرآن الكريم ذكر الرزق بكثير من العبادات، قال الشنقيطي: وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور: من الآية ٣٢] (^٦) فيه وعد من الله للمتزوج الفقير من الأحرار والعبيد بأن الله يغنيه والله لا يخلف الميعاد … وهذا الوعد منه جل وعلا وعد به من اتقاه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: من الآيات ٢ - ٣] (^٧)، ووعد بالرزق أيضا من يأمر أهله بالصلاة ويصطبر عليها وذلك في قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ [طه: ١٣٢]، وقد وعد المستغفرين بالرزق الكثير على لسان نبيه نوح -﵇- في قوله تعالى عنه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾، وعلى لسان نبيه هود -﵇- في قوله تعالى عنه: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾ [هود: ٥٢] وعلى لسان نبينا -ﷺ-: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: من الآية ٣] (^٨). ومن الآيات الدالة على أن طاعة الله تعالى سبب للرزق قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: من الآية ٩٦] (^٩) ومن بركات السماء المطر، ومن بركات الأرض النبات مما يأكل الناس والأنعام، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: من الآية ٦٦] (^١٠)، وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧] أي: في الدنيا (^١١).\n_________\n(^١) وهو استنباط في الدعوات والذكر، وفي علوم القرآن (قصص الأنبياء).\n(^٢) فتح القدير ج ٥/ ص ٢٩٨.\n(^٣) نكت القرآن ج ٤/ ص ٤١٥.\n(^٤) انظر: نكت القرآن ج ٤/ ص، و٤١٥، والمحرر الوجيز ص ١٩٠٢، والجامع لأحكام القرآن ج ١٨/ ص ٢٦١، والإكليل ج ٣/ ص ١٢٨١، وفتح البيان ج ١٤/ ص ٣٣٤.\n(^٥) التسهيل لعلوم التنزيل ج ٢/ ص ١٠٧.\n(^٦) وتمامها: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾\n(^٧) وتمامها: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ … يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾.\n(^٨) وتمامها: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ … ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)﴾.\n(^٩) وتمامها: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا … فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾.\n(^١٠) وتمامها: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾.\n(^١١) انظر: أضواء البيان ج ٤/ ص ١١١.","vol":"1","page":529},{"text":"<span data-type='title' id=toc-716>سورة المدثر</span>\n<span data-type='title' id=toc-717>٢١٣ - الكفار مخاطبون بالشرعيات </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾ المدثر: ٤٢ - ٤٦.\nقال الشوكاني -﵀-: (ثم ذكر سبحانه ما أجاب به أهل النار عليهم فقال: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ أي: من المؤمنين الذين يصلون لله في الدنيا، ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ أي: لم نتصدق على المساكين. قيل: وهذان محمولان على الصلاة الواجبة والصدقة الواجبة؛ لأنه لا تعذيب على غير الواجب. وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالشرعيات) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-718>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- أن الكفار مخاطبون بالشرعيات.\nووجه الاستنباط: أن الكفار عللوا دخولهم النار بتركهم الصلاة والزكاة، ولو كان قولهم باطلا لرد عند حكايته (^٤)؛ فدل بدلالة المطرد من أسلوب القرآن على أن الكفار مخاطبون بالشرعيات.\nقال الطوفي: (يحتج بها على تكليف الكفار بفروع الإسلام؛ لأنهم عللوا سلكهم في سقر بتركهم الصلاة والزكاة وبالتكذيب بيوم الدين وما بينهما، ولولا تكليفهم بالصلاة لما صلح تركها جزء علة للعقاب) (^٥).\nوممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي، والطوفي، والسيوطي، والقنوجي. (^٦).\nواستنبط القرطبي هذا الاستنباط من قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (^٧) [المائدة: ٥]، قال: (قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ دليل على أنهم مخاطبون بتفاصيل شرعنا) (^٨).\n_________\n(^١) وهو استنباط أصولي. وانظر تفصيل هذه المسألة في: روضة الناظر ج ١/ ص ١٧٠ - ١٧٥، والبحر المحيط ج ١/ ص ٣٩٧ - ٤٠٣، وشرح الورقات في أصول الفقه ص ١٢٩، وإرشاد الفحول ص ٢٦، ٢٧، ومذكرة في أصول الفقه ص ٦٢، والأصول والفروع للدكتور سعد الشثري ص ٢٦٦ - ٢٨١.\n(^٢) فتح القدير ج ٥/ ص ٣٣٣.\n(^٣) واستنبط غيره من الآية توكيد حرمة المسكين حين قرن تضييعه بترك الصلاة، وخوض الخائضين، وتكذيب بيوم الدين. انظر: نكت القرآن ج ٤/ ص ٤٤٨.\n(^٤) انظر: منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص ٣٤٠.\n(^٥) الإشارات الإلهية ج ٣/ ٣٨٠، ٣٨١.\n(^٦) انظر: أنوار التنزيل ج ٥/ ص ٤١٧، والإشارات الإلهية ج ٣/ ٣٨٠، ٣٨١، والإكليل ج ٣/ ص ١٢٨٨، وفتح البيان ج ١٤/ ص ٤٢٠.\n(^٧) وتمامها: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾.\n(^٨) الجامع لأحكام القرآن ج ٦/ ص ٧٧.","vol":"1","page":530},{"text":"كما استنبطه البيضاوي من آيات أخرى، منها:\nقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾ [فصلت: ٦ - ٧].\nقال البيضاوي: (وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع) (^١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥)﴾ [الحاقة: ٣٣ - ٣٥] قال البيضاوي: (وفيه دليل على تكليف الكفار بالفروع) (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾ [المرسلات: ٤٨ - ٤٩] قال البيضاوي: (الكفار مخاطبون بالفروع) (^٣).\nواعترض على استنباط الشوكاني بأن معنى من المصلين أي من المؤمنين، وقد نقل الطوفي هذا الاعتراض، وتعقبه بقوله: (واعترض الخصم بأن معناه لم نكن من أهل الصلاة، أي: من المؤمنين. وأجيب بأنه خلاف الظاهر بغير دليل، ثم هو مع قولهم: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾ [المدثر: ٤٦] فيه ضرب من التكرار فلا يحمل عليه) (^٤). والتأسيس أولى من التأكيد.\nوفي خطاب الكفار بالفروع أقوال، قال الشنقيطي: (واعلم أن المسألة فيها ثلاثة أقوال:\nالأولى: أنهم مخاطبون بها. وهو الحق.\nالثاني: أنهم غير مخاطبين بها مطلقا (^٥).\nالثالث: أنهم مخاطبون بالنواهي لصحة الكف عن الذنب منهم دون الأوامر) (^٦).\nوالمعنى الذي استنبطه الشوكاني مؤيد في شرعنا (^٧).\nقال ابن العربي: (ولا خلاف في مذهب مالك في أنهم يخاطبون\nقال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وهذا نص في مخاطبتهم بفروع الشريعة) (^٨).\n_________\n(^١) أنوار التنزيل ج ٥/ ص ١٠٦.\n(^٢) المصدر السابق ج ٥/ ص ٣٨٣.\n(^٣) المصدر السابق ج ٥/ ص ٤٣٧.\n(^٤) الإشارات الإلهية ج ٣/ ٣٨٠، ٣٨١.\n(^٥) وهو قول جمهور الحنفية. واختاره ابن خويزمنداد المالكي. انظر: البحر المحيط ج ١/ ص ٣٩٩.\n(^٦) مذكرة في أصول الفقه ص ٦٢.\n(^٧) منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص ٢٥٢.\n(^٨) أحكام القرآن ج ١/ ص ٥٢٩.","vol":"1","page":531},{"text":"ويؤيد هذا الاستنباط كون القول بأن الكفار مخاطبون بالفروع هو قول الجمهور، فهو قول الشافعي وأكثر أصحابه، وهو ظاهر مذهب مالك، وأحمد في أصح الروايتين عنه، وهو محكي عن الجصاص وغيره من الحنفية (^١).\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط ج ١/ ص ٣٩٩، ونزهة الخاطر العاطر لابن بدران ج ١/ ص ١٧٠، وأحكام القرآن للجصاص ج ٣/ ص ٢٨١.","vol":"1","page":532},{"text":"<span data-type='title' id=toc-719>سورة التكوير</span>\n<span data-type='title' id=toc-720>٢١٤ - مخاطبة قريش بأن النبي -ﷺ- صاحبهم إشارة إلى أنهم عالمون بأمره </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ التكوير: ٢٢.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ الخطاب لأهل مكة، والمراد بصاحبهم رسول الله -ﷺ-، والمعنى: وما محمد يا أهل مكة بمجنون. وذكره بوصف الصحبة للإشعار بأنهم عالمون بأمره، وأنه ليس مما يذمونه به من الجنون وغيره في شيء، وأنهم افتروا عليه ذلك عن علم منهم بأنه أعقل الناس وأكملهم) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-721>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- أن مخاطبة قريش بأن النبي -ﷺ- صاحبهم إشارة إلى أنهم\n_________\n(^١) وهو استنباط عقدي.\n(^٢) فتح القدير ج ٥/ ص ٣٩١.\n(^٣) واستنبط الزمخشري من المبالغة في وصف جبريل -﵇-، وتركها في شأن النبي -ﷺ- على أفضلية جبريل -﵇- على النبي -ﷺ-. قال الزمخشري: (وناهيك بهذا دليلا على جلالة مكان جبريل -﵇- وفضله على الملائكة، ومباينة منزلته أفضل الإنس محمد -ﷺ- إذا وازنت بين الذكرين حين قرن بينهما وقايست بين قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ … (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١] وبين قوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾) انظر: الكشاف ج ٤/ ص ٧١٣. وهو مردود. قال البيضاوي: (وهو ضعيف إذ المقصود منه نفي قولهم). أنوار التنزيل ج ٥/ ص ٤٥٨. وقال الآلوسي: وقد علمت أن من شأن البليغ أن يجرد الكلام لما سبق له لئلا يعد الزيادة لكنة وفضولا، ولاخفاء أن وصف الآتي بالقول يشد من عضد ذلك أبلغ شد، وأما وصف من أنزل عليه فلا مدخل له في البين إلا إذا كان الغرض الحث على اتباعه، فلهذا لم تدل المبالغة في شأن جبريل -﵇-، وعد صفاته الكوامل، وترك ذلك في شأن نبينا عليه أفضل الصلوات والتسليمات على تفضيله بوجه. وقال بعضهم: أن المبالغة في وصف جبريل -﵇- مدح بليغ في حق النبي -ﷺ-؛ لأن الملك إذا أرسل لأحد من هو معزز معظم مقرب لديه دل على أن المرسل إليه بمكانه عنده ليس فوقها مكانة. انظر: روح المعاني ج ٣٠/ ص ٦٠.","vol":"1","page":533},{"text":"عالمون بأمره (^١).\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما خاطب قريشا جاء بوصف النبي -ﷺ- بأنه صاحبهم، ولم يقل: رسولهم، أو رسول الله، أو محمد؛ فدل ذلك على أنهم عالمون بأمره، وأنه ليس مما يذمونه به من الجنون وغيره في شيء، وأنهم افتروا عليه ذلك عن علم منهم بأنه أعقل الناس وأكملهم، وكانوا يصفونه قبل البعثة بالأمين والصادق، فكيف يكذبونه بعد البعثة، ومقتضى الصحبة أن يصدقوه وينصروه (^٢).\nقال الآلوسي: (وفي التعرض لعنوان الصحبة مضافة إلى ضميرهم على ما هو الحق تكذيب لهم بألطف وجه، إذ هو إيماء إلى أنه ﵊ نشأ بين أظهركم من ابتداء أمره إلى الآن، فأنتم أعرف به، وبأنه -ﷺ- أتم الخلق عقلا، وأرجحهم قيلا، وأكملهم وصفا، وأصفاهم ذهنا، فلا يسند إليه الجنون إلا من هو مركب من الحمق والجنون) (^٣).\nوممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والبروسوي، والآلوسي-كما تقدم-، والقنوجي، وابن عاشور. (^٤).\n_________\n(^١) واستنبط الشوكاني مثل هذا الاستنباط من قوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾ النجم: ٢. انظر: فتح القدير ج ٥/ ص ١٠٥.\n(^٢) مستفاد من تفسير السور من الحجرات إلى الحديد لابن عثيمين ص ٢٠٥، ٢٠٦.\n(^٣) روح المعاني ج ٣٠/ ص ٦٠.\n(^٤) انظر: إرشاد العقل السليم ج ٩/ ص ١١٨، وروح البيان ج ١٠/ ص ٣٥٧، وروح المعاني ج ٣٠/ ص ٦٠، وفتح البيان ج ١٥/ ص ١٠٦، والتحرير والتنوير ج ٣٠/ ص ١٣٩.","vol":"1","page":534},{"text":"<span data-type='title' id=toc-722>سورة الفجر</span>\n<span data-type='title' id=toc-723>٢١٥ - ما أحله الله بقوم عاد وثمود وفرعون في الدنيا من العذاب العظيم هو قليل بالنسبة إلى ما أعده لهم في الآخرة </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣)﴾ الفجر: ١٣.\nقال الشوكاني -﵀-: (وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم هو بالنسبة إلى ما أعده لهم في الآخرة كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به. وقيل: ذكر السوط للدلالة على شدة ما نزل بهم، وكان السوط عندهم هو نهاية ما يعذب به … فجرى لكل عذاب إذا كان فيه عندهم غاية العذاب (^٢). وقيل: معناه عذاب يخالط اللحم والدم، من قولهم: ساطه يسوطه سوطا أي: خلطه، فالسوط خلط الشيء بعضه ببعض (^٣) …) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-724>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- أن ما أحله الله بقوم عاد وثمود وفرعون في الدنيا من العذاب العظيم هو بالنسبة إلى ما أعده لهم في الآخرة كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر عذابه لهم في الدنيا ذكره بلفظ سوط، وهو وإن دل على الكثرة والتتابع إلا أن مناسبة ذكر هذا اللفظ دون غيره دالة على أن ما حل بهم من عذاب هو قليل بالنسبة إلى ما أعده لهم في الآخرة، فهو كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به.\nقال الرازي: (وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به) (^٥).\nوقال البيضاوي: (وقيل: شبه بالسوط ما أحل بهم في الدنيا إشعارا بأنه القياس إلى ما أعد لهم في الآخرة من العذاب كالسوط إذا قيس إلى السيف) (^٦).\nوممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والرازي، وأبو السعود، والبروسوي، والقنوجي. (^٧).\n_________\n(^١) وهو استنباط في قصص القرآن (قصص الأنبياء).\n(^٢) ذكره السمعاني في تفسير القرآن العزيز ج ٦/ ص ٢٢٠.\n(^٣) قال به البيضاوي في أنوار التنزيل ج ٥/ ص ٤٨٨. وقال البغوي: (قال أهل المعاني هذا على الاستعارة؛ لأن السوط عندهم غاية العذاب، فجرى ذلك لكل نوع من العذاب). انظر: معالم التنزيل ج ٤/ ص ٤٨٤.\n(^٤) فتح القدير ج ٥/ ص ٤٣٦.\n(^٥) التفسير الكبير ج ٣١/ ص ١٥٣.\n(^٦) أنوار التنزيل ج ٥/ ص ٤٨٨.\n(^٧) انظر: الكشاف ج ٤/ ص ٧٥١، ٧٥٢، والتفسير الكبير ج ٣١/ ص ١٥٣، وإرشاد العقل السليم ج ٩/ ص ١٥٥، وروح البيان ج ١٠/ ص ٤٣٣، وفتح البيان ج ١٥/ ص ٢٢٥، ٢٢٦.","vol":"1","page":535},{"text":"ولا تعارض بين الأقوال التي ذكرها الشوكاني؛ إذ يجوز أن يكون العذاب الذي حل بهم شديدا متتابعا خالط لحومهم ودمائهم، وهو مع كل هذا قليل بالنسبة لعذاب الآخرة.\nوهذا المعنى تؤيده الآيات: قال تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ [الرعد: ٣٤]. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾ [طه: ١٢٧]، وقال تعالى: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ [الزمر: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [القلم: ٣٣].\nوقد نبه الآلوسي إلى أن هذا المعنى المستنبط لا يأباه التعبير بالصب الدال على الكثرة، فقال: وتسمية ما أنزل سوطا قيل: للإيذان بأنه على عظمه بالنسبة إلى ما أعد لهم في الآخرة كالسوط بالنسبة إلى سائر ما يعذب به، أو أن إضافة السوط إلى العذاب تقليل لما أصابهم منه ولا يأبى ذلك التعبير بالصب المؤذن بالكثرة لأن القلة والكثرة من الأمور النسبية (^١).\n_________\n(^١) انظر: روح المعاني ج ٣٠/ ص ١٢٥.","vol":"1","page":536},{"text":"<span data-type='title' id=toc-725>سورة البلد</span>\n<span data-type='title' id=toc-726>٢١٦ - القُرَب الصالحة إنما تنفع مع الإيمان </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧)﴾ البلد: ١١ - ١٧.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧)﴾ عطف على المنفي بلا، وجاء ب (ثم) للدلالة على تراخي رتبة الإيمان، ورفعة محله. وفيه دليل على أن هذه القرب إنما تنفع مع الإيمان. وقيل: المعنى ثم كان من الذين آمنوا بأن هذا نافع لهم. وقيل: المعنى أنه أتى بهذه القرب لوجه الله) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-727>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- أن القُرَب الصالحة إنما تنفع مع الإيمان.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى بعد أن ذكر العاقبة الحسنة لبعض القُرَب كالعتق والإطعام ذكر الإيمان به سبحانه بلفظ ثم الدال على رفعة محل الإيمان، فهو مقدم لأنه أعلى شأنا؛ فدل على أن القُرَب الصالحة إنما تنفع مع الإيمان.\nوممن قال بهذا الاستنباط: البغوي، والقرطبي، والقنوجي، والهرري. (^٤).\nوهذا الاستنباط على أن ثم هنا للتراخي في الذكر لا في الوجود، وعلى أنها لتراخي مرتبة الإيمان، وتباعده في الرتبة.\nوقد ذكر الرازي هذين الوجهين وغيرهما، فقال: فإن قيل: لما كان الإيمان شرطا للانتفاع بهذه الطاعات وجب كونه مقدما عليها، فما السبب في أن الله تعالى أخره عنها بقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؟\nوالجواب من وجوه:\n_________\n(^١) وهو استنباط عقدي.\n(^٢) فتح القدير ج ٥/ ص ٤٤٥.\n(^٣) واستنبط ابن جزي أن الإيمان أعلى من العتق والإطعام، قال: (ثم هنا للتراخي في الرتبة لا في الزمان، وفيها إشارة إلى أن الإيمان أعلى من العتق والإطعام). التسهيل لعلوم التنزيل ج ٤/ ص ٢٠١.\n(^٤) انظر: معالم التنزيل ج ٤/ ص ٤٩٠، والجامع لأحكام القرآن ج ٢٠/ ص ٦٤، وفتح البيان ج ١٥/ ص ٢٤٧، وحدائق الروح والريحان ج ٣٢/ ص ٢١، ٢٢.","vol":"1","page":537},{"text":"أحدها: أن هذا التراخي في الذكر لا في الوجود.\nوثانيها: أن يكون المراد ثم كان في عاقبة أمره من الذين آمنوا، وهو أن يموت على الإيمان، فإن الموافاة شرط الانتفاع بالطاعات.\nوثالثها: أن من أتى بهذه القرب تقربا إلى الله تعالى قبل إيمانه بمحمد -ﷺ-، ثم آمن بعد ذلك بمحمد ﵊ فعند بعضهم أنه يثاب على تلك الطاعات، قالوا: ويدل عليه ما روي أن حكيم بن حزام بعدما أسلم قال لرسول الله -ﷺ- إنا كنا نأتي بأعمال الخير في الجاهلية فهل لنا منها شيء؟ فقال ﵇: \"أسلمت على ما قدمت من الخير\" (^١).\nورابعها: أن المراد من قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ … مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة؛ لأن درجة ثواب الإيمان أعظم بكثير من درجة ثواب سائر الأعمال (^٢).\nولا يصح هذا الاستنباط على المعنيين الأخيرين الذين ذكرهما الشوكاني في معنى الآية، حيث قال: (وقيل: المعنى ثم كان من الذين آمنوا بأن هذا نافع لهم. وقيل: المعنى أنه أتى بهذه القرب لوجه الله (^٣).\nوكذلك لا يصح على أن معنى ثم هنا الواو (^٤)؛ لوضوحه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: من تصدق في الشرك ثم أسلم، رقم: ١٣٦٩، ج ٢/ ص ٥٢١. ولفظه: عن حكيم بن حزام -﵁- قال: \"يا رسول الله أرأيت أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة، أو عتاقة، وصلة رحم فهل فيها من أجر؟ فقال النبي -ﷺ- \" أسلمت على ما سلف من خير\". وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده، رقم: ٥٥، ج ١/ ص ١١٣. ولفظه: \"أسلمت على ما أسلفت من خير\". والتحنث التعبد. وقال الشيخ عطية سالم: (وقد بحث العلماء موضوع عمل الكافر الذي عمله حالة كفره ثم أسلم هل ينتفع به بعد إسلامه أم لا؟ والراجح أنه ينتفع به كما ذكر القرطبي أن حكيم بن حزام بعد ما أسلم قال: يا رسول الله إنا كنا نتحنث بأعمال في الجاهلية فهل لنا منها شيء؟ فقال ﵇: \"أسلمت على ما أسلفت من الخير\". انظر: تتمة أضواء البيان ج ٦/ ص ٥٠.\n(^٢) انظر: التفسير الكبير ج ٣١/ ص ١٦٩.\n(^٣) يعني أتى بهذه القرب لوجه الله ثم آمن بالنبي محمد -ﷺ-. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٢٠/ ص ٦٤.\n(^٤) قال ابن الجوزي: (ثم بين أن هذه القرب إنما تنفع مع الإيمان بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ … مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وثم هاهنا بمعنى الواو كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: من الآية ٤٦]). زاد المسير ج ٩/ ص ١٣٥. وهذا الوجه ضعفه النحاس عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا … قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾ [فصلت: ١١]، قال: وقيل: ثم ههنا بمعنى الواو، وهذا لا يصح ولا يجوز. انظر: معاني القرآن ج ٦/ ص ٢٤٨.","vol":"1","page":538},{"text":"<span data-type='title' id=toc-728>سورة العصر</span>\n<span data-type='title' id=toc-729>٢١٧ - الصبر أعظم خصال الحق </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ العصر: ٣.\nقال الشوكاني -﵀-: (﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ أي: بالصبر عن معاصي الله سبحانه، والصبر على فرائضه. وفي جعل التواصي بالصبر قرينا للتواصي بالحق دليل على عظيم قدره، وفخامة شرفه، ومزيد ثواب الصابرين على ما يحق الصبر عليه … وأيضا التواصي بالصبر مما يندرج تحت التواصي بالحق، فإفراده بالذكر، وتخصيصه بالنص عليه من أعظم الأدلة الدالة على إنافته على خصال الحق، ومزيد شرفه عليها، وارتفاع طبقته عنها) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-730>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٣) -﵀- أن الصبر أعظم خصال الحق.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى عمم الخسران لكل إنسان إلا من اتصف بأربع صفات: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، فجعل التواصي بالصبر قرينا للتواصي بالحق؛ فدل بدلالة الاقتران على أن الصبر أعظم خصال الحق. أو أنه خص بالذكر التواصي بالصبر مع أنه مما يندرج تحت التواصي بالحق؛ فدل على أن الصبر أعظم خصال الحق.\nوممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي (^٤).\n_________\n(^١) وهو استنباط تربوي.\n(^٢) فتح القدير ج ٥/ ص ٤٩٢.\n(^٣) واستنبط الرازي أن الحق ثقيل، قال: (دلت الآية على أن الحق ثقيل، وأن المحن تلازمه، فلذلك قرن به التواصي). التفسير الكبير ج ٣٢/ ص ٨٥.\n(^٤) انظر: فتح البيان ج ١٥/ ص ٣٧٧.","vol":"1","page":539},{"text":"<span data-type='title' id=toc-731>سورة الإخلاص</span>\n<span data-type='title' id=toc-732>٢١٨ - من لم يتصف بأنه أحد صمد فهو بمعزل عن استحقاق الألوهية </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ الإخلاص: ١ - ٢.\nقال الشوكاني -﵀-: (وتكرير الاسم الجليل للإشعار بأن من لم يتصف بذلك فهو بمعزل عن استحقاق الألوهية) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-733>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني﵀- أن من لم يتصف بأنه أحد صمد فهو بمعزل عن استحقاق الألوهية.\nووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر اسمه الجليل (الله) عند وصف نفسه بأنه أحد، ثم كرر اسمه الجليل الدال على الألوهية عند وصفه بالصمدية؛ فدل بدلالة التكرار على أن من لم يتصف بأنه أحد صمد فهو بمعزل عن استحقاق الألوهية.\nقال البيضاوي: (وتكرير لفظة (الله) للإشعار بأن من لم يتصف به لم يستحق الألوهية) (^٣).\nوممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي-كما تقدم-، وأبو السعود، والبروسوي، والقنوجي، والهرري (^٤).\n_________\n(^١) وهو استنباط عقدي.\n(^٢) فتح القدير ج ٥/ ص ٥١٦.\n(^٣) أنوار التنزيل ج ٥/ ص ٥٤٨.\n(^٤) انظر: أنوار التنزيل ج ٥/ ص ٥٤٨، وإرشاد العقل السليم ج ٩/ ص ٢١٢، وروح البيان ج ١٠/ ص ٥٥٦، وفتح البيان ج ١٥/ ص ٤٤٩، وحدائق الروح والريحان ج ٣٢/ ص ٤٤٤.","vol":"1","page":540},{"text":"<span data-type='title' id=toc-734>سورة الناس</span>\n<span data-type='title' id=toc-735>٢١٩ - مناسبة ذكر أن الله رب الناس وملكهم وإلههم، وترتيبها على هذا النحو </span>(^١).\nقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾\nالناس: ١ - ٣.\nقال الشوكاني -﵀-: (وقوله: ﴿مَلِكِ النَّاسِ (٢)﴾ عطف بيان جيء به لبيان أن ربيته سبحانه ليست كربية سائر الملاك لما تحت أيديهم من مماليكهم، بل بطريق الملك الكامل، والسلطان القاهر. ﴿إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ هو أيضا عطف بيان كالذي قبله؛ لبيان أن ربوبيته وملكه قد انضم إليهما المعبودية المؤسسة على الألوهية المقتضية للقدرة التامة على التصرف الكلي بالاتحاد والإعدام، وأيضا الرب قد يكون ملكا وقد لا يكون ملكا، كما يقال: رب الدار، ورب المتاع، ومنه قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (^٢) [التوبة: ٣١] فبين أنه ملك الناس، ثم الملك قد يكون إلها وقد لا يكون، فبين أنه إله؛ لأن اسم الإله خاص به لا يشاركه فيه أحد، وأيضا بدأ باسم الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه من أوائل عمره إلى أن صار عاقلا كاملا، فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك فذكر أنه ملك الناس، ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه، وأنه عبد مخلوق، وأن خالقه إله معبود بين سبحانه أنه إله الناس. وكرر لفظ الناس في الثلاثة المواضع؛ لأن عطف البيان يحتاج إلى مزية الإظهار، ولأن التكرير يقتضي مزيد شرف الناس) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-736>الدراسة:</span>\nاستنبط الشوكاني (^٤) -﵀- أن مناسبة ذكر أن الله رب الناس وملكهم وإلههم، وترتيبها على هذا النحو أن الله بدأ بما هو أول وهو ربوبيته سبحانه، ثم ذكر أنه ملكهم لأن الرب قد يكون ملكا وقد لا يكون ملكا، ثم بين أنه ملك الناس؛ لأن الملك قد يكون إلها وقد لا يكون، فبين أنه إله؛ لأن اسم الإله خاص به لا يشاركه فيه أحد.\n_________\n(^١) وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بمعنى التكرار).\n(^٢) وتمامها: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾.\n(^٣) فتح القدير ج ٥/ ص ٥٢٢.\n(^٤) واستنبط غيره من الآيات استنباطات أخرى، منها:\n١) قال البيضاوي: وفي هذا النظم إشعار بمراتب النظر في المعارف، فإنه يعلم أولا بما عليه من النعم الظاهرة والباطنة أن له ربا، ثم يتغلغل في النظر حتى يتحقق أنه غني عن الكل، فهو الملك الحق، ثم يستدل به على أنه المستحق للعبادة. انظر: أنوار التنزيل ج ٥/ ص ٥٥٣، والتحرير والتنوير ج ٣٠/ ص ٥٥٤.\n٢) استنبط الرازي مناسبة ذكر أنه رب الناس على التخصيص، فقال: (وذلك لوجوه: أحدها: أن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس، فكأنه قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم، وهو إلههم، ومعبودهم كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالي أمرهم. وثانيها: أن أشرف المخلوقات في العالم هم الناس. وثالثها: أن المأمور بالاستعاذة هو الإنسان فإذا قرأ الإنسان هذه صار كأنه يقول: يا ربي، يا ملكي، يا إلهي). التفسير الكبير ج ٣٢/ ص ١٨٠.","vol":"1","page":541},{"text":"<span data-type='title' id=toc-737>ووجه الاستنباط:</span> أن الله تعالى ذكر أنه رب الناس، ثم أعقبها بذكر أنه ملكهم، وإلههم؛ فدل ذكره لهذه الأوصاف على هذا النحو على أن المناسبة أن الله بدأ بما هو أول وهو ربوبيته سبحانه فهي من أوائل نعمه، ثم ذكر أنه ملكهم لأن الرب قد يكون ملكا وقد لا يكون ملكا، ثم بين أنه ملك الناس؛ لأن الملك قد يكون إلها وقد لا يكون، فبين أنه إله؛ لأن اسم الإله خاص به لا يشاركه فيه أحد.\nوممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي. (^١).\nوفي هذا النظم دلالة على أنه حقيق بالإعاذة، قادر عليها غير ممنوع عنها (^٢). ولذا أشار ابن القيم إلى مناسبة ذكر هذه الأوصاف في الاستعاذة، فقال: (وأما سورة الناس فقد تضمنت أيضا استعاذة ومستعاذا به ومستعاذا منه منه فالاستعاذة تقدمت، وأما المستعاذ به فهو الله تعالى رب الناس، ملك الناس، إله الناس، فذكر ربوبيته للناس، وملكه إياهم، وإلهيته لهم، ولا بد من مناسبة في ذكر ذلك في الاستعاذة من الشيطان الرجيم كما تقدم فنذكر أولا معنى هذه الإضافات الثلاث ثم وجه مناسبتها لهذه الاستعاذة.\nالإضافة الأولى: إضافة الربوبية المتضمنة لخلقهم، وتدبيرهم، وتربيتهم، وإصلاحهم، وجلب مصالحهم وما يحتاجون إليه، ودفع الشر عنهم، وحفظهم مما يفسدهم، هذا معنى ربوبيته لهم، وذلك يتضمن قدرته التامة، ورحمته الواسعة، وإحسانه، وعلمه بتفاصيل أحوالهم، وإجابة دعواتهم، وكشف كرباتهم.\nالإضافة الثانية: إضافة الملك، فهو مَلِكُهم المتصرف فيهم وهم عبيده ومماليكه، وهو المتصرف لهم المدبر لهم كما يشاء النافذ القدرة فيهم الذي له السلطان التام، فهو ملكهم الحق الذي إليه مفزعهم عند الشدائد والنوائب، وهو مستغاثهم ومعاذهم وملجؤهم، فلا صلاح لهم ولا قيام إلا به وبتدبيره، فليس لهم ملك غيره يهربون إليه إذا دهمهم العدو، ويستصرخون به إذا نزل العدو بساحتهم.\nالإضافة الثالثة: إضافة الإلهية فهو إلههم الحق، ومعبودهم الذي لا إله لهم سواه، ولا معبود لهم غيره، فكما أنه وحده هو ربهم ومليكهم لم يشركه في ربوبيته ولا في ملكه أحد فكذلك هو وحده إلههم ومعبودهم، فلا ينبغي أن يجعلوا معه شريكا في إلهيته كما لا شريك معه في ربوبيته وملكه.\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير ج ٣٢/ ص ١٨٠، ١٨١، وإرشاد العقل السليم ج ٩/ ص ٢١٦، وروح المعاني ج ٣٠/ ص ٢٨٥، وفتح البيان ج ١٥/ ص ٤٦٦.\n(^٢) انظر: أنوار التنزيل ج ٥/ ص ٥٥٣، وروح المعاني ج ٣٠/ ص ٢٨٥.","vol":"1","page":542},{"text":"وهذه طريقة القرآن الكريم يحتج عليهم بإقرارهم بهذا التوحيد على ما أنكروه من توحيد الإلهية والعبادة، وإذا كان وحده هو ربنا ومالكنا وإلهنا، فلا مفزع لنا في الشدائد سواه، ولا ملجأ لنا منه إلا إليه، ولا معبود لنا غيره، فلا ينبغي أن يدعى، ولا يخاف، ولا يرجى، ولا يحب سواه، ولا يذل لغيره، ولا يخضع لسواه، ولا يتوكل إلا عليه؛ لأن من ترجوه وتخافه وتدعوه وتتوكل عليه إما أن يكون مربيك، والقيم بأمورك، ومولي شأنك، وهو ربك فلا رب سواه، أو تكون مملوكه، وعبده الحق فهو ملك الناس حقا، وكلهم عبيده ومماليكه، أو يكون معبودك وإلهك الذي لا تستغني عنه طرفة عين، بل حاجتك إليه أعظم من حاجتك إلى حياتك وروحك وهو الإله الحق إله الناس الذي لا إله لهم سواه، فمن كان ربهم وملكهم وإلههم فهم جديرون أن لا يستعيذوا بغيره، ولا يستنصروا بسواه، ولا يلجئوا إلى غير حماه، فهو كافيهم، وحسبهم، وناصرهم، ووليهم، ومتولي أمورهم جميعا بربوبيته، وملكه، وإلهيته لهم، فكيف لا يلتجئ العبد عند النوازل ونزول عدوه به إلى ربه ومالكه وإلهه، فظهرت مناسبة هذه الإضافات الثلاث للاستعاذة من أعدى الأعداء، وأعظمهم عداوة، وأشدهم ضررا، وأبلغهم كيدا.\nثم إنه سبحانه كرر الاسم الظاهر ولم يوقع المضمر موقعه فيقول: رب الناس وملكهم وإلههم تحقيقا لهذا المعنى، وتقوية له، فأعاد ذكرهم عند كل اسم من أسمائه، ولم يعطف بالواو لما فيهم من الإيذان بالمغايرة، والمقصود الاستعاذة بمجموع هذه الصفات حتى كأنها صفة واحدة، وقدم الربوبية لعمومها وشمولها لكل مربوب، وأخر الإلهية لخصوصها؛ لأنه سبحانه إنما هو إله من عبده ووحده واتخذه دون غيره إلها، فمن لم يعبده ويوحده فليس بإلهه وإن كان في الحقيقة لا إله له سواه، ولكن ترك إلهه الحق واتخذ إلها غيره، ووسط صفة الملك بين الربوبية والإلهية لأن الملك هو المتصرف بقوله وأمره، فهو المطاع إذا أمر، وملكه لهم تابع لخلقه إياهم، فملكه من كمال ربوبيته وكونه إلههم الحق من كمال ملكه؛ فربوبيته تستلزم ملكه وتقتضيه، وملكه يستلزم إلهيته ويقتضيها، فهو الرب الحق الملك الحق الإله الحق، خلقهم بربوبيته، وقهرهم بملكه، استعبدهم بإلهيته، فتأمل هذه الجلالة وهذه العظمة التي تضمنته هذه الألفاظ الثلاثة على أبدع نظام، وأحسن سياق: رب الناس، ملك الناس، إله الناس) (^١).\n_________\n(^١) بدائع الفوائد ج ٢/ ص ٤٧١ - ٤٧٣.","vol":"1","page":543},{"text":"<span data-type='title' id=toc-738>الخاتمة</span>\nالخاتمة\nالحمد لله حمدا حمدا.\nوالشكر له شكرا شكرا.\nوبعد:\nفهذه رحلتي مع استنباطات الشوكاني، تفيأت علمه زمنا، عشت مع تفسيره، ووقفت على استنباطاته، وتعرفت على منهجه فيها، ثم اليوم تحط رحالي لتظهر آثار هذه الرحلة، وتبرز نتائج هذا البحث، وهي:\n١ - بلغت استنباطات الشوكاني مائتين وتسعة عشر استنباطا في موضوعات شتى.\n٢ - تنوعت موضوعات الاستنباط عند الشوكاني حتى بلغت أربعة عشر نوعا، وهذه الأنواع متفاوتة قلة وكثرة، وترتيبها حسب الأكثر ورودا عنده على النحو التالي: جاءت الاستنباطات في علوم القرآن أولا - في ثلاثة علوم من علوم القرآن، وترتيبها: المناسبات، ثم قصص القرآن، ثم معاني التكرار- ثم جاءت الاستنباطات العقدية، ثم الاستنباطات الفقهية، ثم الاستنباطات التربوية السلوكية، ثم الاستنباطات الأصولية والاستنباطات في الدعوات والذكر، ثم الاستنباطات في الرقائق، ثم الاستنباطات اللغوية، ثم الاستنباطات في التفسير، ثم الاستنباطات في الأخلاق، ثم الاستنباطات في الدعوة، وفي السيرة، وفي الطب، وأخيرا الاستنباطات في التأريخ.\nمع التنبه إلى أنه لا يلزم أن يكون موضوع الاستنباط واحدا، إذ يصح أن يكون الاستنباط الواحد في موضوعين أو أكثر.\n٣ - استنبط الشوكاني من القرآن الكريم استنباطات كثيرة بدلالات مختلفة، وطرق متنوعة، هي:\nأ - بدلالات في أصول الفقه، وهي: دلالة النص، ودلالة مفهوم المخالفة، ودلالة الالتزام، ودلالة الاقتران، ودلالة التضمن.\nب - بدلالات علوم القرآن، مثل: الدلالات المتعلقة بأساليب القرآن: كدلالة استعمال القرآن، ودلالة التقديم، ودلالة وضع الظاهر موضع المضمر، ودلالة تغيير النظم، ودلالة التكرار، ودلالة التأكيد. وكالاستنباط بالمطرد من أساليب القرآن، ويلحق به: الاستنباط بدلالة الاقتداء بأفعال الله تعالى، والاقتداء بأفعال الأنبياء، والاعتبار بقصص السابقين. ومن دلالات علوم القرآن أيضا: دلالة الربط، وهي أنواع: الربط بين آيتين أو أكثر، والربط بين أجزاء الآية، والربط بين الآية وخاتمتها.\nت - بالدلالات العامة، وهي: دلالة عدم الذكر، ودلالة السياق، ودلالة التركيب.\nث - ببعض قواعد الاستنباط، وهي: قاعدة: الوسيلة إلى الشيء إذا كانت حراما كان المتوسل إليه حراما. وقاعدة: كل فعل عتب عليه الشارع فهو دليل على المنع منه، والحث على ضده. وقاعدة: ذكر قضية كلية، ثم عطف قضية خاصة -هي بعض جزئيات تلك الكلية- عليها دال على كونها أعظم جزئيات تلك الكلية.","vol":"1","page":544},{"text":"مع التنبه إلى أن طريق الاستنباط يمكن أن يكون طريقين أو أكثر.\n٤ - ترتيب دلالات الاستنباط عند الشوكاني حسب الأكثر استعمالا كما يلي: أكثرها استعمالا دلالات علوم القرآن، ثم دلالة مفهوم المخالفة، ثم دلالة مفهوم الموافقة، ثم دلالة الالتزام، ثم دلالة التركيب، ثم دلالة الاقتران، ثم دلالة السياق، وأخيرا دلالة التضمن، ودلالة عدم الذكر.\n٥ - يتمثل موقف الشوكاني من استنباطات من سبقه في ثلاثة مواقف:\nالأول: الاستنباطات التي نقلها دون أن يظهر معها ما يدل على موافقته أو رده لها.\nالثاني: الاستنباطات التي ردها ردا صريحا.\nالثالث: الاستنباطات التي تأثر فيها بمن سبقه. وهذه على قسمين:\nأحدهما: الاستنباطات التي تأثر فيها بغيره وصرح بذكره.\nثانيهما: الاستنباطات التي تأثر فيها بغيره ولم يصرح بذكره.\n٦ - تأثر الشوكاني باستنباطات بعض الصحابة والتابعين -﵃- في مواضع قليلة، كما تأثر في الاستنباط بعدد من المفسرين في كثير من المواضع، ويمكن ترتيب المفسرين حسب الأكثر تأثيرا في استنباطات الشوكاني على النحو التالي: القرطبي - وهو أكثر من تأثر به، إذ أن ما يقارب نصف استنباطات الشوكاني أفادها من القرطبي- ثم أبو السعود، ثم الرازي، ثم البيضاوي، ثم ابن عطية والبقاعي، وأخيرا الزجاج.\n٧ - الشوكاني ليس معارضا للمناسبة، بل هو من المؤيدين لها، ويدل على هذا أمور:\nالأول: أنه اعتنى في تفسيره كثيرا بأنواع المناسبات الداخلية، والخارجية، ومن هذه الأنواع: مناسبة اختيار اللفظ، المناسبة بين المقسم والمقسم به، مناسبة ختم الآية، المناسبة بين الآيات، مناسبة آخر سورة بفاتحة التي تليها.\nالثاني: أنه دعا إلى استخراج المناسبة، وإعمال الفكر لمعرفتها.\nالثالث: أنه أثنى في كتابه (البدر الطالع) على كتاب البقاعي (نظم الدرر) ونص على أنه أفاد منه، بل إن الشوكاني لم يكتف بالأخذ عن البقاعي وإنما استنبط مناسبات لم يذكرها البقاعي مما يدل على اعتنائه بذكر المناسبات.\nوالأولى أن يحمل كلامه الشديد الذي يوهم ظاهره أنه ينفي المناسبة على المناسبات التي فيها تكلف، وتطلب ربط آيات بعيدة عن بعضها في الترتيب، أما ما عدا هذه الصورة فهو لا يرده ولا ينكره.\n٨ - تميزت استنباطات الشوكاني بأمور، أبرزها:\nأ - أنه انفرد بأربعة عشر استنباطا.\nب - تميز عدد كبير من استنباطات الشوكاني باستنباط المناسبات الخفية بأنواعها المختلفة، وإذا ما نظرنا إلى هذا العدد الكبير من استنباطات المناسبات الخفية وضممناها إلى المناسبات الظاهرة التي يعتني بها الشوكاني كثيرا في تفسيره -والتي لا تدخل ضمن الاستنباطات-؛ فيمكن عد تفسير الشوكاني مصدرا من مصادر معرفة المناسبات.","vol":"1","page":545},{"text":"ت - يستنبط الشوكاني من الآية الواحدة استنباطين.\nث - يستنبط المعنى الواحد أو القريب من مواضع مختلفة مثل: استنباط ذم التقليد والمنع منه من آيات مختلفة، وبدلالات متنوعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-739>التوصيات:</span>\n١ - يوصي البحث بإفراد (المناسبات عند الشوكاني) بالبحث، بحيث تجمع المناسبات في تفسير الشوكاني ثم تدرس؛ لبيان عناية الشوكاني بالمناسبات.\n٢ - يوصي البحث بإعادة طباعة تفسير فتح القدير بعد تحقيقه وذلك لوجود بعض التحريفات النصية المشكلة.\n٣ - يوصي البحث بالمقارنة الدقيقة بين تفسيري الشوكاني وتلميذه القنوجي، فقد ظهر من خلال هذا البحث أن للقنوجي شخصيته في التفسير والاستنباط.\n٤ - عند موازنة استنباطات الشوكاني باستنباطات المفسرين ظهرت عنايتهم بالاستنباطات التربوية، ولحاجة الناس إلى هذا النوع في تزكية نفوسهم وتربيتها؛ فإن البحث يوصي بجمع هذه الاستنباطات ودراستها وتقريبها إلى الناس بكل وسيلة تعين على ذلك.\nهذا، والله تعالى أسأل أن يتقبل عملي هذا، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يغفر لي ما فيه من خطأ وزلل، والحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":546},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type='title' id=toc-740>ملخص الرسالة</span>\nالحمد لله وحده، والصلاة على من لا نبي بعده … أما بعد، فهذا ملخص لهذه الرسالة العلمية.\nعنوان الرسالة: استنباطات الشوكاني في تفسيره \"فتح القدير\" جمعا ودراسة.\nالمرحلة: دكتوراه.\nاسم الباحثة: خلود شاكر فهيد العبدلي.\nاسم المشرف: د. يوسف بن عبد العزيز الشبل.\nأما خطة البحث فهي على النحو الآتي:\nيتكون البحث من: مقدمة، وتمهيد، وبابين، تعقبهما الخاتمة، والفهارس.\n• المقدمة: وتتضمن: أهمية موضوع البحث وأسباب اختياره، وأهداف البحث، وحدوده، والدراسات السابقة، وخطة البحث، ومنهج البحث.\n• التمهيد: ويشمل:\nأولًا: تعريف الاستنباط، ونشأته.\nثانيًا: أهميته، وعلاقته بالتفسير.\nثالثًا: التعريف بالشوكاني.\nرابعًا: التعريف بتفسير \"فتح القدير\" للشوكاني.\n• الباب الأول: منهج الشوكاني في الاستنباط من خلال تفسيره \"فتح القدير\".\nوفيه ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: أقسام الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره. وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: الاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط. وفيه ثمانية مطالب:\nالمطلب الأول: الاستنباطات في التفسير.\nالمطلب الثاني: الاستنباطات في علوم القرآن.\nالمطلب الثالث: الاستنباطات العقدية.\nالمطلب الرابع: الاستنباطات الأصولية.\nالمطلب الخامس: الاستنباطات الفقهية.\nالمطلب السادس: الاستنباطات اللغوية.\nالمطلب السابع: الاستنباطات في الرقائق.\nالمطلب الثامن: الاستنباطات التربوية السلوكية.\nالمبحث الثاني: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط منه وخفائه.\nالمبحث الثالث: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب.\nالفصل الثاني: دلالات وطرق الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره. وفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص (مفهوم الموافقة).\nالمبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم (مفهوم المخالفة).\nالمبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام.\nالمبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن.\nالمبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران.\nالمبحث السادس: الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن.\nالفصل الثالث: القيمة العلمية لاستنباطات الشوكاني. وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: تأثر الشوكاني باستنباطات المفسرين قبله، وموقفه منها.\nالمبحث الثاني: مميزات استنباطات الشوكاني.","vol":"1","page":547},{"text":"• الباب الثاني: جمع ودراسة استنباطات الشوكاني في تفسيره من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس.\nوفيه جمع استنباطات الشوكاني الواردة في تفسيره مرتبة حسب ترتيب الآيات المستنبط منها من أول سورة الفاتحة إلى آخر القرآن الكريم، ثم دراستها وتحليلها والحكم عليها.\n• الخاتمة: وفيها أهم نتائج البحث، وتوصياته.\n• الفهارس، وهي:\n• فهرس الآيات القرآنية.\n• فهرس المعاني المستنبطة. (مرتبة حسب ترتيب الآيات المستنبط منها).\n• فهرس الأحاديث والآثار.\n• فهرس الأعلام.\n• ثبت المصادر والمراجع.\n• فهرس الموضوعات والمسائل العلمية.\n\n<span data-type='title' id=toc-741>أما النتائج المتوصل إليها فأهمها:</span>\n١ - بلغت استنباطات الشوكاني مائتين وتسعة عشر استنباطا في موضوعات شتى.\n٢ - تنوعت موضوعات الاستنباط عند الشوكاني حتى بلغت أربعة عشر نوعا، وهذه الأنواع متفاوتة قلة وكثرة. وتعد أكثر الاستنباطات عنده في علوم القرآن. مع التنبه إلى أنه لا يلزم أن يكون موضوع الاستنباط واحدا، إذ يصح أن يكون الاستنباط الواحد في موضوعين أو أكثر.\n٣ - استنبط الشوكاني من القرآن الكريم استنباطات كثيرة بدلالات مختلفة، وطرق متنوعة، هي كدلالات أصول الفقه، ودلالات علوم القرآن، والدلالات العامة، وبعض قواعد الاستنباط. مع التنبه إلى أن طريق الاستنباط يمكن أن يكون طريقين أو أكثر.\n٤ - ترتيب دلالات الاستنباط عند الشوكاني حسب الأكثر استعمالا كما يلي: أكثرها استعمالا دلالات علوم القرآن، ثم دلالة مفهوم المخالفة، ثم دلالة مفهوم الموافقة، ثم دلالة الالتزام، ثم دلالة التركيب، ثم دلالة الاقتران، ثم دلالة السياق، وأخيرا دلالة التضمن، ودلالة عدم الذكر.\n٥ - يتمثل موقف الشوكاني من استنباطات من سبقه في ثلاثة مواقف:\nالأول: الاستنباطات التي نقلها دون أن يظهر معها ما يدل على موافقته أو رده لها.\nالثاني: الاستنباطات التي ردها ردا صريحا.\nالثالث: الاستنباطات التي تأثر فيها بمن سبقه. وهذه على قسمين:\nأحدهما: الاستنباطات التي تأثر فيها بغيره وصرح بذكره.\nثانيهما: الاستنباطات التي تأثر فيها بغيره ولم يصرح بذكره.\n٦ - تأثر الشوكاني باستنباطات بعض الصحابة والتابعين -﵃- في مواضع قليلة، كما تأثر في الاستنباط بعدد من المفسرين في كثير من المواضع، ويمكن ترتيب المفسرين حسب الأكثر تأثيرا في استنباطات الشوكاني على النحو التالي: القرطبي - وهو أكثر من تأثر به، إذ أن ما يقارب نصف استنباطات الشوكاني أفادها من القرطبي- ثم أبو السعود، ثم الرازي، ثم البيضاوي، ثم ابن عطية والبقاعي، وأخيرا الزجاج.","vol":"1","page":548},{"text":"٧ - الشوكاني ليس معارضا للمناسبة، بل هو من المؤيدين لها.\n٨ - تميزت استنباطات الشوكاني بأمور، أبرزها:\nأ - أنه انفرد بأربعة عشر استنباطا.\nب - تميز عدد كبير من استنباطات الشوكاني باستنباط المناسبات الخفية بأنواعها المختلفة، وإذا ما نظرنا إلى هذا العدد الكبير من استنباطات المناسبات الخفية وضممناها إلى المناسبات الظاهرة التي يعتني بها الشوكاني كثيرا في تفسيره -والتي لا تدخل ضمن الاستنباطات-؛ فيمكن عد تفسير الشوكاني مصدرا من مصادر معرفة المناسبات.\nت - يستنبط الشوكاني من الآية الواحدة استنباطين.\nث - يستنبط المعنى الواحد أو القريب من مواضع مختلفة مثل: استنباط ذم التقليد والمنع منه من آيات مختلفة، وبدلالات متنوعة.","vol":"1","page":549},{"text":"<span data-type='title' id=toc-742>ثبت<span data-type='title' id=toc-743> ا</span>لمصادر والمراجع</span>\n- أ-\n١ - الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، عبد الله بن محمد بن بطة العكبري الحنبلي، تحقيق: رضا بن نعسان معطي، دار الراية، الطبعة الثانية، الرياض، ١٤١٥ هـ.\n٢ - أبجد العلوم، صديق حسن القنوجي، تحقيق: عبد الجبار زكار، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٧٨ م.\n٣ - إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، شهاب الدين أحمد بن محمد الدمياطي، تحقيق: أنس المهرة، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤١٩ هـ.\n٤ - الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، تحقيق: أحمد بن علي، دار الحديث، القاهرة، ١٤٢٥ هـ/ ٢٠٠٤ م.\n٥ - أحكام القرآن، أبو بكر محمد بن عبد الله ابن العربي، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٢٥ هـ/ ٢٠٠٤ م.\n٦ - أحكام القرآن، أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي، دار إحياء التراث، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n٧ - أحكام القرآن، عماد الدين بن محمد الطبري المعروف بإلكيا الهراسي، المكتبة العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٠٣ هـ.\n٨ - أحكام القرآن، عبد المنعم بن عبد الرحيم ابن الفرس، تحقيق: طه بو سريج، منجية بنت الهادي السوايحي، صلاح الدين بو عفيف، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٢٧ هـ.\n٩ - أحكام القرآن، محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق: عبد الغني عبد الخالق، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٠ هـ.\n١٠ - الإحكام في أصول الأحكام، علي بن أحمد الآمدي، تحقيق: سيد الجميلي، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٠٤ هـ.\n١١ - أدب الطلب ومنتهى الأرب، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: عبد الله يحيى السريحي، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤١٩ هـ.\n١٢ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، أبو السعود محمد بن محمد العمادي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n١٣ - إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، محمد بن علي الشوكاني، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٢٥ هـ.\n١٤ - أسباب نزول القرآن، أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، رواية: بدر الدين أبي نصر محمد عبد الله الأرغياني، تحقيق: ماهر ياسين الفحل، الميمان للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، الرياض، ١٤٢٦ هـ/ ٢٠٠٥ م.\n١٥ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الجيل، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤١٢ هـ.","vol":"1","page":550},{"text":"١٦ - أسد الغابة في معرفة الصحابة، أبو الحسن علي محمد بن محمد بن عبد الكريم المعروف بابن الاثير، تحقيق: عادل أحمد الرفاعي، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٦ م.\n١٧ - أسرار التكرار في القرآن، محمود بن حمزة الكرماني، تحقيق: عبد القادر أحمد عطا، دار الفضيلة، القاهرة.\n١٨ - أسماء الله الحسنى في خواتم آيات سورة الفاتحة والبقرة، د. علي العبيد، دار العاصمة، الطبعة الأولى، الرياض، ١٤١٨ هـ.\n١٩ - الأسماء والصفات، أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: عبد الله الحاشدي، مكتبة السوادي، الطبعة الأولى، جدة، ١٤١٣ هـ.\n٢٠ - الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية، نجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي، الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n٢١ - الإصابة في تمييز الصحابة، أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، ١٤١٢ هـ/ ١٩٩٢ م.\n٢٢ - أصول السرخسي، أبو بكر محمد بن أحمد السرخسي، تحقيق: أبو الوفاء الأفغاني، عنيت بنشره لجنة إحياء المعارف النعمانية بحيدر آباد الدكن بالهند، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤١٤ هـ/ ١٩٩٣ م.\n٢٣ - أصول في التفسير، محمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي، الطبعة الثالثة، الدمام، ١٤٣٠ هـ.\n٢٤ - الأصول والفروع، حقيقتهما، والفرق بينهما، والأحكام المتعلقة بهما، دراسة نظرية تطبيقية، سعد بن ناصر الشثري، دار كنوز إشبيليا، الطبعة الأولى، الرياض، ١٤٢٦ هـ/ ٢٠٠٥ م.\n٢٥ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٦ م.\n٢٦ - اعتقاد أهل السنة، أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور اللالكائي، تحقيق: أحمد سعد حمدان، دار طيبة، الرياض، ١٤٠٢ هـ.\n٢٧ - الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة، لبنان، ١٩٨٠ م.\n٢٨ - إعلام الموقعين عن رب العالمين، محمد بن أبي بكر أيوب ابن القيم، تحقيق: طه عبد الرءوف سعد، دار الجيل، بيروت، ١٩٧٣ م.\n٢٩ - الأغاني، أبو الفرج الأصبهاني، تحقيق: علي مهنا، وسمير جابر، دار الفكر، بيروت.\n٣٠ - الإكليل في استنباط التنزيل، جلال الدين السيوطي، تحقيق: عامر بن علي العرابي، دار الأندلس الخضراء، الطبعة الأولى، جدة، ١٤٢٢ هـ.","vol":"1","page":551},{"text":"٣١ - الأم، محمد<span data-type='title' id=toc-744> ب</span>ن إدريس الشافعي، دار المعرفة، الطبعة الثانية، بيروت، ١٣٩٣ م.\n٣٢ - أمالي الدلالات ومجالي الاختلافات، عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه، دار المنهاج، الطبعة الأولى، جدة، ١٤٢٧ هـ/ ٢٠٠٧ م.\n٣٣ - الإمام الشوكاني حياته وفكره، عبد الغني قاسم الشرجي، مؤسسة الرسالة، مكتبة الجيل الجديد، الطبعة الأولى، بيروت، صنعاء، ١٤٠٨ هـ.\n٣٤ - إمعان النظر في نظام الآي والسور، محمد عناية الله سبحاني، دار عمار للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، عمَّان، ١٤٢٤ هـ.\n٣٥ - إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات، أبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري، تحقيق: إبراهيم عطوة عوض، المكتبة العلمية، باكستان.\n٣٦ - الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير الإسكندري المالكي، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، بيروت، ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠١ م.\n٣٧ - أنوار التنزيل وأسرار التأويل، أبو سعيد عبد الله بن عمر البيضاوي، دار الفكر، بيروت.\n٣٨ - أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء، قاسم بن عبد الله بن أمير علي القونوي، تحقيق: د. أحمد بن عبد الرزاق الكبيسي، الطبعة الأولى، دار الوفاء، جدة، ١٤٠٦ هـ.\n٣٩ - أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة السادسة، المدينة المنورة، ١٤٢٣ هـ.\n٤٠ - إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله ﷿، أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري، تحقيق: محيي الدين عبد الرحمن رمضان، مطبوعات مجمع اللغة العربية، دمشق، ١٣٩٠/ ١٩٧١ م.\n\n- ب-\n٤١ - بحر العلوم، أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي، تحقيق: محمود مطرجي، دار الفكر، بيروت.\n٤٢ - البحر المحيط، أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي الغرناطي، تحقيق: عبد الرزاق المهدي. دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٢٣ هـ/ ٢٠٠٢ م.\n٤٣ - البحر المحيط في أصول الفقه، بدر الدين محمد بن بهادر الزركشي، حرره: عبد القادر العاني، راجعه: د. عمر الأشقر، وزارة الأوقاف والشؤؤن الإسلامية، الطبعة الثانية، الكويت، ١٤١٣ هـ.\n٤٤ - بدائع الفوائد، محمد بن أبي بكر ابن القيم، تحقيق: هشام عبد العزيز عطا وآخرون، مكتبة نزار مصطفى الباز، الطبعة الأولى، مكة المكرمة، ١٤١٦ - ١٩٩٦.\n٤٥ - البداية والنهاية، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر، الطبعة الأولى، مصر، ١٤١٧ هـ.","vol":"1","page":552},{"text":"٤٦ - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، محمد بن علي الشوكاني،<span data-type='title' id=toc-745> ت</span>حقيق: محمد حسن حلاق، دار ابن كثير، الطبعة الأولى، دمشق، ١٤٢٧ هـ.\n٤٧ - البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، عبد الفتاح القاضي، دار السلام، الطبعة الأولى، القاهرة، ١٤٢٩ هـ.\n٤٨ - البرهان في علوم القرآن، بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، تحقيق: يوسف عبد الرحمن مرعشلي، جمال حمدي الذهبي، إبراهيم عبد الله الكردي. دار المعرفة، الطبعة الثانية، بيروت، ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٤ م.\n٤٩ - بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة، عبد المتعال الصعيدي، مكتبة الآداب، القاهرة، ١٤٢٠ هـ.\n٥٠ - بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٢٥ هـ/ ٢٠٠٤ م.\n٥١ - بلوغ المنى في حكم الاستمنى، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: عبد الله صالح الوادعي، دار الآثار، الطبعة الأولى، صنعاء، ١٤٢٣ هـ/ ٢٠٠٢ م.\n\n- ت-\n٥٢ - التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول، محمد صديق حسن القنوجي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الطبعة الأولى، قطر، ١٤٢٨ هـ.\n٥٣ - تاريخ الأمم والملوك، محمد بن جرير الطبري، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٠٧ هـ.\n٥٤ - التاريخ الصغير، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار الوعي، مكتبة دار التراث، الطبعة الأولى، حلب، القاهرة: ١٣٩٧ هـ/ ١٩٧٧ م.\n٥٥ - التاريخ الكبير، محمد بن إسماعيل البخاري. تحقيق: هاشم الندوي. دار الفكر، بيروت.\n٥٦ - التبيان في إعراب القرآن، أبو البقاء العكبري، تحقيق: علي محمد البجاوي، مكتبة عيسى البابي الحلبي.\n٥٧ - التبيان في أقسام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن القيم، دار الفكر.\n٥٨ - التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، مؤسسة التاريخ العربي، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٢٠ هـ/ ٢٠٠٠ م.\n٥٩ - التحف في مذاهب السلف، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: سيد عاصم علي، دار الصحابة للتراث، الطبعة الأولى، طنطا، ١٤٠٩ هـ.\n٦٠ - تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين، محمد بن علي الشوكاني، مؤسسة الكتب الثقافية، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٠٨ هـ.\n٦١ - تذكرة الحفاظ (أطراف أحاديث كتاب المجروحين لابن حبان)، محمد بن طاهر بن القيسراني، تحقيق: حمدي عبد المجيد إسماعيل السلفي، دار الصميعي، الطبعة الأولى، الرياض، ١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":553},{"text":"٦٢ - تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي في التفسير، تحقيق: محمادي عبد السلام الخياطي، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٦٣ - التسهيل لعلوم التنزيل، محمد بن أحمد بن محمد بن جُزَي الغرناطي الكلبي، دار الكتاب العربي، الطبعة الرابعة، لبنان، ١٤٠٣ هـ/ ١٩٨٣ م.\n٦٤ - التعريفات، علي بن محمد بن علي الجرجاني، تحقيق: إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n٦٥ - تفسير ابن أبي حاتم، عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي، تحقيق: أسعد محمد الطيب، المكتبة العصرية، صيدا.\n٦٦ - تفسير أسماء الله الحسنى، إبراهيم بن السري الزجاج، تحقيق: أحمد يوسف الدقاق، دار المأمون للتراث، الطبعة الخامسة، دمشق، بيروت، ١٤٠٦ هـ.\n٦٧ - تفسير أبي بكر الأصم، دراسة وتحقيق: د. خضر محمد نبها، تقديم: د. رضوان السيد، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٦٨ - التفسير البياني للقرآن الكريم، عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ، دار المعارف، الطبعة السابعة، القاهرة.\n٦٩ - تفسير الجلالين، جلال الدين أحمد بن محمد المحلي، وجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، دار السلام للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، ١٤٢٢ هـ.\n٧٠ - تفسير جزء عم، محمد بن صالح بن عثيمين، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، بيروت، ١٤٢٤ هـ.\n٧١ - تفسير ابن عرفة، محمد بن محمد بن عرفة الورغمي، تحقيق: جلال الأسيوطي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، ٢٠٠٨ م.\n٧٢ - تفسير سورة آل عمران، محمد بن صالح بن عثيمين، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، الدمام، ١٤٢٦ هـ.\n٧٣ - تفسير السور من الحجرات إلى الحديد، محمد بن صالح بن عثيمين، دار الثريا، الطبعة الأولى، الرياض، ١٤٢٥ هـ\n٧٤ - تفسير سورة الصافات، محمد بن صالح بن عثيمين، دار الثريا، الطبعة الأولى، الرياض، ١٤٢٤ هـ. ـ\n٧٥ - تفسير سورة الفاتحة، والبقرة، محمد بن صالح بن عثيمين، دار ابن الجوزي، الطبعة الثانية، الدمام، ١٤٣١ هـ.\n٧٦ - تفسير سورة المائدة، محمد بن صالح بن عثيمين، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، الدمام، ١٤٣٢ هـ.\n٧٧ - تفسير سورة النساء، محمد بن صالح بن عثيمين، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، الدمام، ١٤٣٠ هـ.\n٧٨ - تفسير سورة يس، محمد بن صالح بن عثيمين، دار الثريا، الطبعة الثانية، الرياض، ١٤٢٤ هـ. ـ\n٧٩ - تفسير القرآن العزيز، أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني، تحقيق: ياسر بن إبراهيم، وغنيم بن عباس غنيم، دار الوطن، الطبعة الأولى، الرياض، ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٧ م.","vol":"1","page":554},{"text":"٨٠ - تفسير القرآن العزيز، عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق: مصطفى مسلم محمد. مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، الرياض، ١٤١٠ هـ.\n٨١ - تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، تحقيق: د. حكمت بشير ياسين، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، ١٤٣١ هـ.\n٨٢ - التفسير الكبير، فخر الدين محمد بن عمر الرازي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت،، ١٤٢١ هـ.\n٨٣ - تفسير المراغي، أحمد مصطفى المراغي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، الطبعة الأولى، مصر، ١٣٦٥ هـ.\n٨٤ - تفسير النصوص في الفقه الإسلامي، محمد أديب صالح، المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة، بيروت، ١٤١٣ هـ.\n٨٥ - التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبي، دار الكتب الحديثة، الطبعة الثانية، مصر، ١٣٩٦ هـ/ ١٩٧٦ م.\n٨٦ - تقريب التهذيب، أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي،\nتحقيق: محمد عوامة، دار الرشيد، الطبعة الأولى، سوريا، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n٨٧ - تناسق الدرر في تناسب السور، جلال الدين السيوطي، تحقيق: عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦ م.\n٨٨ - تنزيه القرآن عن المطاعن، القاضي عماد الدين أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد الهمذاني، دار النهضة الحديثة، بيروت.\n٨٩ - تهذيب التهذيب، أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار الفكر، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م.\n٩٠ - توحيد الألوهية، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: عبد الرحمن بن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي، مكتبة ابن تيمية، الطبعة الثانية.\n٩١ - التوقيف على مهمات التعاريف، محمد عبد الرؤوف المناوي، تحقيق: د. محمد رضوان الداية، دار الفكر المعاصر، دار الفكر، الطبعة الأولى، بيروت، دمشق ١٤١٠ هـ.\n٩٢ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٢٣ هـ/ ٢٠٠٢ م.","vol":"1","page":555},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-746> ث</span>-\n٩٣ - الثقات، م<span data-type='title' id=toc-748>ح</span>م<span data-type='title' id=toc-749>د </span>بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي، تحقيق: السيد شرف الدين أحمد، دار الفكر، الطبعة الأولى، ١٣٩٥ - ١٩٧٥.\n\n-<span data-type='title' id=toc-747> ج</span>-\n٩٤ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار عالم الكتب، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٩٥ - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، دار المعرفة، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٠٨ هـ.\n٩٦ - الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي، الطبعة الخامسة، بيروت، ١٤٢٣ هـ/ ٢٠٠٣ م.\n٩٧ - جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام، محمد بن أبي بكر ابن القيم، تحقيق: شعيب الأرناؤوط - عبد القادر الأرناؤوط، دار العروبة، الطبعة الثانية، الكويت، ١٤٠٧ - ١٩٨٧.\n٩٨ - جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار، عبد القادر بن أحمد بدران، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٢٠ هـ.\n٩٩ - الجواهر الحسان في تفسير القرآن، عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي، مؤسسة الأعلمي، بيروت.\n\n- ح-\n١٠٠ - الحاوي للفتاوى، جلال الدين السيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٣ هـ، ١٩٨٣ م.\n١٠١ - الحجة في القراءات السبع، أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٢٠ هـ/ ١٩٩٩ م.\n١٠٢ - حجة القراءات، أبو زرعة عبد الرحمن بن محمد بن زنجلة، تحقيق: سعيد الأفغاني، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، بيروت، ١٣٩٩ هـ/ ١٩٧٩ م.\n١٠٣ - حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن، محمد الأمين بن عبد الله الأرمي الهرري، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n١٠٤ - الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة، أبو يحيى زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، تحقيق: د. مازن المبارك، دار الفكر المعاصر، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤١١ هـ.\n١٠٥ - حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، جلال الدين السيوطي، مطبعة الموسوعات.\n١٠٦ - حواشي تحفة المحتاج بشرح المنهاج، عبد الحميد الشرواني، وأحمد بن قاسم العبادي، شهاب الدين أحمد ابن حجر الهيتمي، مطبعة مصطفى محمد.\n\n- د-\n١٠٧ - الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، أحمد بن يوسف المعروف بالسمين الحلبي، تحقيق: أحمد محمد الخراط، دار القلم، دمشق.\n١٠٨ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور، عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي، دار الفكر، بيروت، ١٩٩٣ م.\n١٠٩ - الدر النضيد في إخلاص التوحيد، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: أبو عبد الله الحلبي، دار ابن خزيمة، الطبعة الأولى، الرياض، ١٤١٤ هـ.\n١١٠ - درء تعارض العقل والنقل، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، تحقيق: محمد رشاد سالم، دار الكنوز الأدبية، الرياض، ١٣٩١ هـ.","vol":"1","page":556},{"text":"١١١ - الد<span data-type='title' id=toc-750>ر</span>ر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، الحافظ شهاب الدين ابن حجر الع<span data-type='title' id=toc-752>س</span>قلاني، تحقيق: محمد عبد المعيد ضان، مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند، ١٣٩٢ هـ/ ١٩٧٢ م.\n١١٢ - دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، محمد الأمين الشنقيطي، اعتنى به: عمر السلامي، مؤسسة التاريخ العربي، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٢٠ هـ.\n١١٣ - ديوان الشوكاني \"أسلاك الجوهر\" والحياة الفكرية والسياسية في عصره، تحقيق حسين عبد الله العمري، دار الفكر، الطبعة الثانية، سوريا، ١٤٠٩ هـ.\n\n- ر-\n١١٤ - روح البيان في تفسير القرآن، إسماعيل حقي الخلوتي البروسوي، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، بيروت، ١٤٣٠ هـ.\n١١٥ - روح المعاني روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، أبو الفضل شهاب الدين محمود الآولسي، دار إحياء التراث بيروت.\n١١٦ - روضة الناظر وجنة المناظر، موفق الدين أبي عبد الله أحمد بن قدامة، قرأه وعلق عليه ووثق نصوصه: د. سعد بن ناصر الشثري، دار الحبيب، الطبعة الأولى، الرياض، ١٤٢٢ هـ.\n\n-<span data-type='title' id=toc-751> ز</span>-\n١١٧ - زاد المسير في علم التفسير، أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٢٣ هـ/ ٢٠٠٢ م.\n١١٨ - زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن القيم، تحقيق: خليل شيحا، دار المعرفة، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٢٧ هـ.\n١١٩ - زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي.\n\n- س-\n١٢٠ - السراج المنير، محمد بن أحمد الشربيني، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٢١ - سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض.\n١٢٢ - سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني الأزدي، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر.\n١٢٣ - سنن البيهقي الكبرى، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n١٢٤ - سنن الترمذي (الجامع الصحيح)، محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n١٢٥ - السنن الكبرى، أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي، تحقيق: د. عبد الغفار سليمان البنداري، سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت.\n١٢٦ - سنن ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.","vol":"1","page":557},{"text":"١٢٧ - سير أعلام النبلاء، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق:<span data-type='title' id=toc-753> ش</span>عيب الأرناؤوط، ومحمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة، الطبعة التاسعة، بيروت، ١٤١٣ هـ.\n١٢٨ - السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n\n- ش-\n١٢٩ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب، عبد الحي بن العماد الحنبلي، دار الآفاق الجديدة، بيروت.\n١٣٠ - شرح ديوان الحماسة، أبو علي أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي، تحقيق: أحمد أمين وعبد السلام هارون، دار الجيل، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\n١٣١ - شرح ديوان عنترة، الخطيب التبريزي، قدم له ووضع هوامشه وفهارسه مجيد طراد، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤١٢ هـ.\n١٣٢ - شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي، المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة، بيروت، ١٣٩١ هـ.\n١٣٣ - شرح منظومة القلائد البرهانية في علم الفرائض، محمد بن<span data-type='title' id=toc-754> ص</span>الح العثيمين، دار الوطن، الطبعة الأولى، الرياض، ١٤٢٩ هـ.\n١٣٤ - شرح الورقات في أصول الفقه، جلال الدين محمد بن أحمد المحلي، قدمه وعلق عليه: د. حسام الدين عفانة، مكتبة العبيكان، الطبعة الثانية، الرياض، ١٤٢٧ هـ.\n١٣٥ - شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي، تحقيق: محمد بدر الدين أبو فراس النعساني الحلبي، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م.\n١٣٦ - شعب الإيمان، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت/ ١٤١٠ هـ.\n١٣٧ - الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عقيدته السلفية، ودعوته الإصلاحية، وثناء العلماء عليه، أحمد بن حجر آل أبو طامي، الأمانة العامة للاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة، الرياض، ١٤١٩ هـ/ ١٩٩٩ م.\n\n- ص-\n١٣٨ - صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، ودار اليمامة، الطبعة الثالثة، بيروت، ١٤٠٧ هـ/ ١٩٨٧ م.\n١٣٩ - صحيح ابن حبان، أبو حاتم محمد بن حبان التميمي البستي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، بيروت، ١٤١٤ هـ/ ١٩٩٣ م.\n١٤٠ - صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n١٤١ - صحيح مسلم بشرح النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، بيروت، ١٣٩٢ هـ.","vol":"1","page":558},{"text":"١٤٢ - صفوة الآثار والمفاهيم من تفسير القرآن ال<span data-type='title' id=toc-756>ع</span>ظيم، عبد الرحمن بن محمد الدوسري، دار المغني، ال<span data-type='title' id=toc-755>ط</span>بعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n١٤٣ - الصلاة وحكم تاركها، وسياق صلاة النبي من حين كان يكبر إلى أن يفرغ منها، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن القيم، تحقيق: بسام عبد الوهاب الجابي، الجفان والجابي - دار ابن حزم، الطبعة الأولى، قبرص، بيروت، ١٤١٦ - ١٩٩٦.\n\n- ط-\n١٤٤ - طبقات الحفاظ، أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٠٣ هـ.\n١٤٥ - طبقات الشافعية الكبرى، تاج الدين بن علي بن عبد الكافي السبكي، تحقيق: د. محمود محمد الطناحي، ود. عبد الفتاح محمد الحلو، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، ١٤١٣ هـ.\n١٤٦ - الطبقات الكبرى، أبو عبدالله محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري، دار صادر، بيروت.\n١٤٧ - طبقات المفسرين، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تحقيق: علي محمد عمر، مكتبة وهبة، الطبعة الأولى، القاهرة، ١٣٩٦ م.\n١٤٨ - طبقات المفسرين، محمد بن علي الداودي، تحقيق: علي محمد عمر، مكتبة وهبة، الطبعة الثانية، القاهرة، ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٤ م.\n١٤٩ - طريق الهجرتين وباب السعادتين، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن القيم، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر، دار ابن القيم، الطبعة الثانية، الدمام، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n\n- ع-\n١٥٠ - العجاب في بيان الأسباب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٢٢ هـ.\n١٥١ - عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، محمد بن أبي بكر ابن القيم، تحقيق: زكريا علي يوسف، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٥٢ - العدة في أصول الفقه، للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء الحنبلي، تحقيق: د. أحمد سير مباركي، الطبعة الثانية، ١٤٢٠ هـ.","vol":"1","page":559},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-757> غ</span>-\n١٥٣ - غاية النهاية<span data-type='title' id=toc-758> ف</span>ي طب<span data-type='title' id=toc-759>ق</span>ات القراء، شمس الدين أبو الخير محمد بن الجزري، دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة، بيروت، ١٤٠٢ هـ/ ١٩٨٢ م.\n١٥٤ - غرائب القرآن ورغائب الفرقان، نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري، تحقيق: زكريا عميران، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.\n\n- ف-\n١٥٥ - الفتاوى الكبرى، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، تحقيق: حسنين محمد مخلوف، دار المعرفة، الطبعة الأولى، بيروت، ١٣٨٦ هـ.\n١٥٦ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ومحب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، ١٣٧٩ هـ.\n١٥٧ - فتح البيان في مقاصد القرآن، صديق بن حسن القنوجي، المكتبة العصرية، صيدا، ١٤١٢ هـ.\n١٥٨ - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، محمد بن علي الشوكاني، دار الفكر، بيروت.\n١٥٩ - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير (أخرى)، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: عبد الرحمن عميرة، دار الوفاء، الطبعة الأولى، المنصورة، ١٤١٥ هـ.\n١٦٠ - الفرْق بين الفِرَق، أبو منصور عبد القاهر البغدادي، دار الآفاق الجديدة، الطبعة الثانية، بيروت، ١٩٧٧ م.\n١٦١ - الفروق اللغوية وأثرها في تفسير القرآن الكريم، محمد بن عبد الرحمن الشايع، مكتبة العبيكان، الطبعة الأولى، الرياض، ١٤١٤ هـ.\n١٦٢ - فوائد مستنبطة من قصة يوسف -﵇-، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، اعتنى به: أبو محمد أشرف عبد المقصود، أضواء السلف، الطبعة الأولى، الرياض، ١٤٢٠ هـ/ ٢٠٠٠ م.\n\n- ق-\n١٦٣ - القاموس المحيط، مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز أبادي، شركة ومكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، الطبعة الثانية، مصر، ١٣٧١ هـ/ ١٩٥٢ م.\n١٦٤ - قانون التأويل، أبو بكر ابن العربي، تحقيق: محمد السليماني، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الثانية، بيروت، ١٩٩٠ م.\n١٦٥ - قطر الولي على حديث الولي (ولاية الله والطريق إليها)، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: إبراهيم هلال، دار الكتب الحديثة، مصر.\n١٦٦ - القطع والائتناف أو الوقف والابتداء، أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٢٣ هـ/ ٢٠٠٢ م.\n١٦٧ - قطف الأزهار في كشف الأسرار، جلال الدين السيوطي، تحقيق: د. أحمد محمد الحمادي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الطبعة الأولى، قطر، ١٤١٤ هـ.\n١٦٨ - قواعد التفسير جمعًا ودراسة، خالد بن عثمان السبت، دار ابن عفان، الطبعة الأولى، القاهرة، ١٤٢١ هـ\n١٦٩ - القواعد الحسان لتفسير القرآن، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، مكتبة الرشد، الطبعة الثالثة، الرياض، ١٤٢٤ هـ.\n١٧٠ - القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها، د. صالح السدلان، دار بلنسيه، الطبعة الأولى، الرياض، ١٤١٧ هـ.\n١٧١ - القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة، محمد مصطفى الزحيلي، دار الفكر، الطبعة الأولى، دمشق، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م.\n١٧٢ - القول المفيد القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد، محمد بن علي بن محمد الشوكاني، تحقيق: عبد الرحمن عبد الخالق، دار القلم، الكويت، ١٣٩٦ هـ.","vol":"1","page":560},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-760> ك</span>-\n١٧٣ - كتاب ا<span data-type='title' id=toc-761>ل</span>عين، الخليل بن أح<span data-type='title' id=toc-762>م</span>د الفراهيدي، تحقيق: د. مهدي المخزومي ود. إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال.\n١٧٤ - الكتاب المختار في معاني قراءات أهل الأمصار، أبو بكر أحمد بن إدريس، تحقيق: عبد العزيز الجهني، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، الرياض، ١٤٢٨ هـ.\n١٧٥ - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، بيروت،، ١٤٢١ هـ، ٢٠٠١ م.\n١٧٦ - كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري، تحقيق: عبد الله محمود محمد عمر. دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n١٧٧ - كشف المعاني في المتشابه من المثاني، بدر الدين ابن جماعة، تحقيق: ناصر القطامي، آيات للنشر والتوزيع، الرياض، ١٤٣٢ هـ.\n\n- ل-\n١٧٨ - لباب التأويل في معاني التنزيل، علاء الدين علي محمد البغدادي الخازن، مكتبة المثنى، بغداد.\n١٧٩ - اللباب في علوم الكتاب، أبو حفص عمر بن علي ابن عادل الدمشقي الحنبلي، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، والشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤١٩ هـ -١٩٩٨ م.\n١٨٠ - لباب النقول في أسباب النزول، أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، دار إحياء العلوم، بيروت.\n١٨١ - لسان العرب، محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي، دار صادر، الطبعة الأولى، بيروت.\n\n- م-\n١٨٢ - مباحث أصولية في تقسيمات الألفاظ، محمد عبد العاطي محمد علي، دار الحديث، القاهرة.\n١٨٣ - المجموع شرح المهذب، محيي الدين بن شرف النووي، دار الفكر، بيروت، ١٩٩٧ م.\n١٨٤ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي، وابنه محمد، مكتبة المعارف.\n١٨٥ - محاسن التأويل، محمد جمال الدين القاسمي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٧ م.\n١٨٦ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، أبو محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٢٣ هـ/ ٢٠٠٢ م.\n١٨٧ - مختار الصحاح، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، تحقيق: محمود خاطر، لبنان ناشرون، بيروت، ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٥ م\n١٨٨ - مدارك التنزيل وحقائق التأويل، عبد الله بن أحمد النسفي، تحقيق: مروان محمد الشعار، دار النفائس، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٦ م.","vol":"1","page":561},{"text":"١٨٩ - مذكرة أصول الفقه، محمد الأمين الشنقيطي، تحقيق: أبي حفص سامي العربي، دار الفاروق، الطبعة الأولى، مصر، ١٤٣٠ هـ.\n١٩٠ - المستدرك على الصحيحين، محمد بن عبدالله أبو عبدالله الحاكم النيسابوري، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤١١ هـ- ١٩٩٠ م.\n١٩١ - مسند أحمد، أبو عبدالله أحمد بن حنبل الشيباني، مؤسسة قرطبة، مصر.\n١٩٢ - المسودة في أصول الفقه، آل تيمية، جمعه وبيضه ونسقه: أحمد بن محمد العلاني الحراني، المكتبة العصرية، الطبعة الأولى، بيروت، ٢٠٠٨ م.\n١٩٣ - مشكل إعراب القرآن، أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق: حاتم صالح الضامن، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n١٩٤ - معارج القبول، حافظ حكمي، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر، دار ابن القيم، الطبعة الأولى، الدمام، ١٤١٠ هـ.\n١٩٥ - معالم التنزيل، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: خالد محمد العك. دار المعرفة، بيروت.\n١٩٦ - معاني القرآن، أبو جعفر النحاس، تحقيق: محمد علي الصابوني، جامعة أم القرى، الطبعة الأولى، مكة المكرمة، ١٤٠٩ هـ.\n١٩٧ - معاني القرآن، أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، تحقيق: أحمد يوسف نجاتي، محمد على نجار، عبدالفتاح إسماعيل شلبى، دارالمصرية.\n١٩٨ - معاني القرآن وإعرابه، أبو إسحاق إبراهيم السَّرِي بن سَهل الزجاج، تحقيق: عبد الجليل عبد شلبي، عالم الكتب، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n١٩٩ - معجم البلدان، ياقوت الحموي، دار الفكر، يروت.\n٢٠٠ - معجم الشعراء، أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، بيروت، ١٤٠٢ هـ.\n٢٠١ - معجم الشعراء المخضرمين والأمويين، عزيزة فوال، دار صادر، الطبعة الأولى، لبنان، ١٩٩٨ م.\n٢٠٢ - معجم الشعراء من العصر الجاهلي حتى سنة ٢٠٠٢ م، كامل سلمان الحبوري، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، لبنان، ١٤٢٤ هـ.\n٢٠٣ - المعجم الكبير، سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، تحقيق: حمدي بن عبدالمجيد السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الثانية، الموصل، ١٤٠٤ هـ- ١٩٨٣ م.\n٢٠٤ - معجم المؤلفين، عمر رضا كحالة، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤١٤ هـ/ ١٩٩٣ م.\n٢٠٥ - معجم المفسرين من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر، عادل نويهض، مؤسسة نويهض الثقافية، الطبعة الثالثة، ١٤٠٩ هـ.","vol":"1","page":562},{"text":"٢٠٦ - معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق: بشار عواد معروف، شعيب الأرناؤوط، صالح مهدي عباس، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٠٤ هـ.\n٢٠٧ - المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، دار الفكر، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n٢٠٨ - مفاتيح الأغاني في القراءات والمعاني، أبو العلاء الكرماني، تحقيق: عبد الكريم مصطفى مدلج، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٢٢ هـ/ ٢٠٠١ م.\n٢٠٩ - مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، محمد بن أبي بكر أيوب ابن القيم، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢١٠ - مفهوم التفسير، والتأويل، والاستنباط، والتدبر، والمفسر، د. مساعد بن سليمان الطيار، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، الدمام، ١٤٢٣ هـ.\n٢١١ - مقاييس اللغة، أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، بيروت، دار الفكر، ١٣٩٩ هـ/ ١٩٧٩ م.\n٢١٢ - المقدمات الأساسية في علوم القرآن، عبد الله يوسف الجديع، مؤسسة الريان، الطبعة الرابعة، بيروت، ١٤٢٩ هـ.\n٢١٣ - مقدمة في أصول التفسير، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، اعتنى به: فواز زمرلي، دار ابن حزم، الطبعة الثانية، بيروت، ١٤١٨ هـ.\n٢١٤ - المكتفى في الوقف والابتدا، أبو عمرو الداني عثمان بن سعيد بن عثمان، تحقيق: محيي الدين عبد الرحمن رمضان، دار عمار، الطبعة الأولى، عمان، ١٤٢٢ هـ/ ٢٠٠١ م.\n٢١٥ - الملل والنحل، محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، تحقيق: محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت، ١٤٠٤ هـ.\n٢١٦ - منار الهدى في بيان الوقف والابتدا، ومعه المقصد لتلخيص ما في المرشد في الوقف والابتداء، أحمد بن محمد الأشموني، وزكريا بن محمد الأنصاري، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٢٢ هـ/ ٢٠٠٢ م.\n٢١٧ - مناهج المفسرين، منيع عبد الحليم محمود، دار الكتاب المصري، دار الكتاب اللبناني، القاهرة، بيروت، ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠٠ م.\n٢١٨ - منهاج السنة النبوية، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n٢١٩ - منهج الاستنباط من القرآن الكريم، فهد مبارك الوهبي، مركز الدراسات والمعلومات القرآنية بمعهد الإمام الشاطبي، الطبعة الأولى، جدة،، ١٤٢٨ هـ.\n٢٢٠ - الموافقات في أصول الفقه، إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي المالكي، تحقيق: عبد الله دراز، دار المعرفة، بيروت.","vol":"1","page":563},{"text":"٢٢١ - الم<span data-type='title' id=toc-765>و</span>سوع<span data-type='title' id=toc-764>ة </span>الطبية الفقهية، أحمد ك<span data-type='title' id=toc-763>ن</span>عان، دار النفائس، بيروت.\n٢٢٢ - الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، إشراف: د. مانع الجهني، دار الندوة العالمية للشباب الإسلامي، الطبعة الرابعة، ١٤٢٠ هـ.\n٢٢٣ - الموطأ، أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، مصر.\n\n- ن-\n٢٢٤ - النبوات، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، المطبعة السلفية، القاهرة، ١٣٨٦ هـ.\n٢٢٥ - النشر في القراءات العشر، أبو الخير محمد بن محمد الدمشقي الشهير بابن الجزري، دار الكتاب العربي.\n٢٢٦ - نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، برهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n٢٢٧ - نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام، محمد بن علي القصاب، تحقيق: علي غازي التويجري، وإبراهيم منصور الجنيدل، وشايع عبده الأسمري، دار ابن القيم، دار ابن عفان، الطبعة الأولى، الدمام، القاهرة، ١٤٢٤ هـ.\n٢٢٨ - النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، محمد الحمود النجدي، مكتبة الإمام الذهبي، الطبعة الثانية، الكويت، ١٤٢١ هـ.\n٢٢٩ - نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار، شرح منتقى الأخبار، محمد بن علي بن محمد الشوكاني، دار الجيل، بيروت، ١٩٧٣ م.\n\n- هـ-\n٢٣٠ - هدية العارفين (أسماء المؤلفين، وآثار المصنفين)، إسماعيل باشا البغدادي، وكالة المعارف الجليلة في مطبعتها البهية، دار إحياء التراث العربي، استانبول، بيروت، ١٩٥١ م.\n\n- و-\n٢٣١ - الوجيز في أصول الفقه الإسلامي، محمد مصطفى الزحيلي، دار الخير، الطبعة الأولى، دمشق، ١٤٢٥ هـ.\n٢٣٢ - الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، تحقيق: صفوان داوودي، دار القلم، الطبعة الأولى، دمشق، بيروت، ١٤١٥ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-766>الرسائل العلمية، والبحوث المحكمة</span>\n٢٣٣ - أثر الدلالات اللغوية في التفسير عند الطاهر بن عاشور في كتابه التحرير والتنوير، مشرف بن أحمد الزهراني، إشراف: د. أمين عطيه باشه، دكتوراه، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ١٤٢٦ هـ/ ١٤٢٧ هـ.\n٢٣٤ - الإمام الشوكاني مفسرا، محمد حسن الغماري، إشراف: السيد أحمد صقر، دكتوراه، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، مكة المكرمة، ١٤٠٠ هـ.\n٢٣٥ - اختيارات الشوكاني في التفسير من خلال كتابه فتح القدير عرضا ودراسة، من أول سورة الكهف إلى نهاية سورة الناس، فايز حبيب الترجمي، إشراف: أ. د: عبد الله عمر الشنقيطي، دكتوراه، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ١٤١٩ هـ/ ١٤٢٠ هـ.","vol":"1","page":564},{"text":"٢٣٦ - اختيارات الشوكاني في التفسير من خلال كتابه فتح القدير من أول الكتاب إلى آخر سورة الإسراء، عرض ودراسة، علي حميد السناني، إشراف: د. محمد بكر آل عابد، دكتوراه، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ١٤١٨ هـ/ ١٤١٩ هـ.\n٢٣٧ - استنباطات السعدي من القرآن الكريم عرضا ودراسة، سيف الحارثي، إشراف: أ. د. سعد الخطيب، دكتوراه، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، ١٤٣٠ هـ.\n٢٣٨ - سد الذرائع وعلاقتها بمقاصد الشريعة، محمد بن سعد المقرن، مجلة وزارة العدل السعودية، العدد ٤١، شهر محرم، ١٤٣٠ هـ.\n٢٣٩ - علوم القرآن عند الشوكاني جمعا ودراسة، إيمان محمد الصميل، إشراف: د. بدر بن ناصر البدر، ماجستير، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، ١٤٢٨ هـ.\n٢٤٠ - فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب من أوله إلى الآية ١١٧ من سورة البقرة، الحسين بن محمد بن عبد الله الطِّيْبِي، تحقيق: د. صالح الفايز، إشراف: أ. د. حكمت بشير ياسين، دكتوراه، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ١٤١٣ هـ.\n٢٤١ - قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة، د. أحمد بن عبد الله الضويحي، بحث محكم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأولى، الرياض، ١٤٢٨ هـ.\n٢٤٢ - قاعدة \"درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة\": دراسة أصوليّة فقهيّة، د. حسن بن إبرهيم الهنداوي، من الشبكة العنكبوتية.\n٢٤٣ - معالم الاستنباط في التفسير، نايف بن سعيد الزهراني، مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية، جدة، العدد الرابع، ذو الحجة، ١٤٢٨ هـ.\n٢٤٤ - منهج الإمام الشوكاني في العقيدة، عبد الله نومسوك، مكتبة دار القلم والكتاب.\n٢٤٥ - منهج الشيخ الألوسي في تفسيره روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، عبد الله ربيع جنيد، إشراف: عصام العبد زهد، ماجستير، الجامعة الإسلامية، غزة، ١٤٣٢ هـ.\n٢٤٦ - موقف الشوكاني في تفسيره من المناسبات، د. أحمد بن محمد الشرقاوى، جامعة الأزهر، ١٤٢٥ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-767>الشبكة المعلوماتية</span>\n٢٤٧ - الأدلة الشرعية في إثبات صرع الشيطان للإنسان، والرد على المنكرين، د. صالح الرقب، الجامعة الإسلامية، غزة.\n٢٤٨ - بلاغة أسلوب الفصل والوصل في القرآن، د. مسرت جمال، مجلة الداعي الهندية، العدد ٧، رجب، ١٤٣١ هـ.\n٢٤٩ - خواطري حول القرآن، محمد متولي الشعرواي.\n٢٥٠ - المرتبع الأسنى في رياض الأسماء الحسنى من كتب ابن القيم، عبد العزيز الداخل.\n٢٥١ - ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، د. عبد العزيز كامل، مجلة البيان، العدد ٢٩٣، شهر محرم، ١٤٣٣ هـ.","vol":"1","page":565}]}