{"ً":{"ٌ":7503,"ٍ":"أسماء الله وصفاته وموقف أهل السنه منها","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/أسماء الله وصفاته وموقف أهل السنة منها - ابن عثيمين","files":["aasmasm.pdf"]},"ّ":"الكتاب: أسماء الله وصفاته وموقف أهل السنه منها\nالمؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (ت ١٤٢١هـ)\nالناشر: دار الشريعة\nالطبعة: ١٤٢٤هـ- ٢٠٠٣م الطبعة الأولى\nعدد الصفحات: ٥٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":57,"ٕ":1,"ٖ":1770153779,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"العنصر الأول: موقف أهل السنة في أسماء الله ﵎.","level":1,"page":9},{"title":"العنصر الثاني: في نصوص الأسماء والصفات.","level":1,"page":18},{"title":"العنصر الثالث: العدول عن هذا الموقف تطرف دائر بين الإفراط والتفريط.","level":1,"page":22},{"title":"العنصر الرابع: التطرف في التنزيه يستلزم إبطال الدين كله.","level":1,"page":26},{"title":"العنصر الخامس: أن بعض أهل التحريف والتعطيل قالوا: إن أهل السنة مشبهة ومجسمة وممثلة.","level":1,"page":29},{"title":"العنصر السادس: أدعى أهل التحريف والتعطيل على أهل السنة أنهم أولوا بعض النصوص ليلزموهم بتأويل البقية والمداهنة فيها.","level":1,"page":32}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49},"ٜ":{"1":[5,50]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,28","1,29","1,30","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50"],"ٞ":{"1":[1],"9":[2],"18":[3],"22":[4],"26":[5],"29":[6],"32":[7]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\n...\nبسم الله الرحمن الرحيم١\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا،\nمن يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيرًا، ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، بلسانه، ويده، وماله، حتى أتاه اليقين فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n_________\n١ تنبيه: هذه الرسالة كانت عبارة عن محاضرة لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ قد ألقاها فضيلته ثم طبعت في \"مجموع الفتاوى\" له وتم فصلها وطباعتها مفردة في حياة الشيخ رحمه الله تعالى.","vol":"1","page":5},{"text":"أما بعد:\nأيها الأخوة الحاضرون فإني أذكركم ونفسي بما أنعم الله به على هذه البلاد من نعمة الإسلام قديمًا وحديثًا، هذه البلاد التي كانت محل الرسالة رسالة محمد، ﷺ، خاتم النبيين الذي بعث إلى الناس كافة، بل إلى الجن والإنس.\nهذه البلاد التي كما بدأ منها الإسلام فإليها يعود كما ثبت به الحديث عن النبي، ﷺ، حيث قال: \"إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها\" ١.\nهذه البلاد التي لا أعلم والله شاهد على ما في قلبي لا أعلم بلًادًا إسلامية في عصرنا أقوي منها تمسكًا بدين الله لا بالنسبة لشعبها، ولكن بالنسبة لشعبها ومن ولاة أمرها. وهذه النعمة الكبيرة أيها الأخوة إذا لم نشكرها فإنها كغيرها من النعم توشك أن تزول.\nيوشك أن يحل بدل الإيمان الكفر، وبدل الإسلام الاستكبار، إذا لم نقيد هذه النعمة بالمحافظة عليها وحمايتها والمدافعة دونها.\n_________\n١ أخرجه البخاري رقم ١٨٧٦ ومسلم رقم ١٤٧.","vol":"1","page":6},{"text":"أيها الأخوة.. إن هذه البلاد بما أنعم الله به عليها من هذه النعمة العظيمة، وهي نعمة الإسلام أولًا وأخيرًا كانت مركزًا لتوجيه الضربات عليها من أجل صد أهلها عن دينهم، ليس في الأخلاق فحسب ولكن في الأخلاق والعقائد، ولذلك كان لزامًا على شبابها وأخص الشباب لأسباب ثلاثة: لأنهم رجال المستقبل، ولأنهم أقوى عزيمة، وأشد حزمًا ممن بردت أنفسهم بالشيخوخة، ولأنهم الذين تركز عليهم هذه الضربات.\nإنني أوجه إلى الشباب أن يحموا بلادهم من كيد أعدائهم، فإن أعدائهم يوجهون الضربات تلو الضربات ليقضوا على هذه المنة العظيمة التي من الله بها علينا ألا وهي دين الإسلام.\nأيها الشاب: استعينوا بالله – ﷾- بما علمكم من شريعته، ثم بحكمة الشيوخ ذوي الثقة، والأمانة والعلم، والبرهان، فاستعينوا بذلك على حماية بلادكم من كيد أعدائها، وأعلموا أن الدنيا لن تكون حياة طيبة إلا بالإيمان، والعمل الصالح.","vol":"1","page":7},{"text":"كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] .\nأيها الأخوة: إن المشكلات في عصرنا هذا كثيرة وإني اخترت الكلام في:\n\"أسماء الله وصفاته وموقف أهل السنة منها\"\nولعل الكثير منكم يقول: لماذا اخترت هذا الموضوع بالذات، ألسنا كلنا وبالأخص أهل هذه الجزيرة، ألسنا كلنا نؤمن بأسماء الله وصفاته عما يليق به، ولا نتعرض لها بتحريف، ولا تعطيل؟! أليست العجوز منا، والشيخ، والصغير، والذكر، والأنثى، كل على حد سواء لا يجول في أفكارهم شيء من التحريف أو الانحراف في أسماء الله وصفاته. فلماذا اخترت هذا الموضوع بالذات؟\nوإن جوابي على هذا أن أقول: إنني اخترت هذا الموضوع لأمرين هامين:\nأحدهما: أهمية الموضوع، فإن هذا الموضوع ليس كما يظن بعض الناس، ولا أعني ببعض الناس عامتهم، بل حتى","vol":"1","page":8},{"text":"بعض طلبة العلم يظنون أن البحث في هذا الباب – في باب أسماء الله وصفاته – ليس بذي قيمة تذكر، والحقيقة أن هذا الفكر فكر خاطيء، لأن معرفة الله تعالى بأسمائه وتوحيده بذلك، وصفاته هو أحد أقسام التوحيد الثلاثة:\nفقد قسم أهل العلم التوحيد إلى ثلاثة أقسام:\nأحدها: توحيد الربوبية.\nوالثاني: توحيد الألوهية.\nوالثالث: توحيد الأسماء والصفات.\nإذن فهو عنصر هام في باب التوحيد يجب علينا أن نعرفه، كما أنه أيضًا أعني معرفة الأسماء والصفات هو أحد أركان الإيمان بالله فإن الإيمان بالله لايتم إلا بأربعة أمور:\nأحدها: الإيمان بوجوده تعالى.\nوالثاني: الإيمان بربوبيته، وعموم ملكه، وقوة سلطانه.\nوالثالث: الإيمان بألوهيته، وأنه وحده المستحق للعبادة، وأن ما سواه فعبادته باطلة.","vol":"1","page":9},{"text":"أما الأمر الرابع من أركان الإيمان بالله التي لا يمكن أن يتم الإيمان بالله إلا بها وهو موضوع محاضرتنا هذه، فهو الإيمان بأسماء الله وصفاته.\nإنني لا أتصور أن أكون أحدًا يمكن أن يعبد ربًا لأ يعرف أسماءه وصفاته\nوكيف يكون ذلك وهو يمد يديه له: يارب، يارب، إذا كان لايعلم أن له صفات وأسماء يدعى بها؟ فكيف يتخذه إلهًا قادرًا، ملجئًا ومعاذًا، ونصيرًا\nولهذا قال إبراهيم الخليل لأبيه ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢] .\nفمعرفة أسماء الله وصفاته أمر مهم في دين الله ولابد أن يعرفه الإنسان ويحققه.\nأما السبب الثاني لاختياري هذا الموضوع: فهو كثرة الكلام فيه بالباطل في الآونة الأخيرة، كنا في وقت الطلب نقرأه على أنه أمر بعيد عنا زمنا، ومكانا.\nولكننا وجدناه الآن فيه بيننا في الصحف المقرؤة، وكذلك في الكتب المقررة في بعض جهات التعليم.","vol":"1","page":10},{"text":"إذن لابد أن نعرف موقف أهل السنة والجماعة بالنسبة لأسماء الله وصفاته، حتى نكون يقظين حذرين، وعالمين بما نحكم به فيما ينشر أو فيما يقرر.\nفالكلام في أسماء الله وصفاته في الآونة الأخيرة كثر اللغط فيه، وكثر القول فيه بالحق تارة، وبالباطل تارات.\nولهذا لابد أن نحقق هذا الأمر تحقيقًا بالغًا حتى لا تجرف بنا الأهواء أو الأفكار التي على خطأ، وليست على صواب هذا الأمر.\nوإني ألخص الكلام في العناصر التالية:\nالعنصر الأول: في موقف أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات.\nالعنصر الثاني: في نصوص الأسماء والصفات.\nالعنصر الثالث: في العدول عن هذا الموقف.\nالعنصر الرابع: في أن التطرف في التنزيه يستلزم إبطال الدين كله.","vol":"1","page":11},{"text":"العنصر الخامس: في أن بعض أهل التحريف، والتعطيل اعتدوا على أهل السنة والجماعة فرموهم بالتشبيه، والتمثيل، والتجسيم.\nالعنصر السادس: في أن أهل التحريف والتعطيل ادعوا على أهل السنة أنهم أولوا بعض النصوص ليلزموا أهل السنة بالتأويل في يقية النصوص أو بالمداهمة وفي إبطال هذه الدعوى.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>العنصر الأول: موقف أهل السنة في أسماء الله – ﵎ </span>-:\nأسماء الله تعالى كل ما سمى به نفسه في كتابة، أو سماه به أعلم الخلق به رسوله محمد، ﷺ.\nوموقف أهل السنة من هذه الأسماء أنهم يؤمنون بها على أنها أسماء لله تسمى بها الله عزوجل، وأنها أسماء حسنى ليس فيها نقص بوجه من الوجوه كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠] .","vol":"1","page":12},{"text":"فهم يثبتون الأسماء على أنها أسماء لله، وبثبتون أيضًا ما تضمنته هذه الأسماء من الصفات.\nفمثلًا من أسماء الله \"العليم\" فيثبتون العليم اسمًا لله – ﷾-، ويقولون: يا عليم. فيثبتون أنه يسمى بالعليم ويثبتون بأن العلم صفة له دل عليها اسم العليم، فالعليم اسم مشتق من العلم، وكل اسم مشتق من معنى فلابد أن يتضمن ذلك المعنى الذي أشتق منه، وهذا أمر معلوم في العربية واللغات جمعيًا.\nويثبتون كذلك ما دل عليه الاسم من الأثر إن كان الاسم مشتقًا من مصدر متعدي.\nفمثلًا \"الرحيم\" من أسماء الله يؤمنون بالرحيم على أنه اسم من أسمائه، ويؤمنون بما تضمنه من صفة الرحمة، وأن الرحمة صفة حقيقية ثابتة لله دل عليها اسم الرحيم، وليست إرادة الإحسان والإحسان نفسه، وإنما إرادة الإحسان والإحسان نفسه من آثار هذه الرحمة.\nكذلك يؤمنون بأثر هذه الرحمة من يستحقها.","vol":"1","page":13},{"text":"كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت:٢١] .\nهذه قاعدة أهل السنة والجماعة بالنسبة للأسماء:\nأولا: يؤمنون بأنها أسماء تسمى الله بها فيدعون الله بها.\nثانيًا: يؤمنون بما تضمنه الاسم من الصفة، لأن جميع أسماء الله مشتقة، والمشتق كما هو معروف يكون دالا على المعنى الذي اشتق منه.\nثالثًا: يؤمنون بما تضمنه الاسم من الأثر إذا كان الاسم متعديًا كالعليم، والرحيم، والسميع، والبصير.\nأما إذا كان الاسم مشتقًا من مصدر لازم فإنه لا يتعدى مسماه مثل الحياة فالله تعالى من أسمائه \"الحي\"، و\"الحي\" دل على صفة الحياة، والحياة وصف للحي نفسه لا يتعدي إلى غيره.\nومثل \"العظيم\" فهذا الاسم والعظمة هي الوصف، والعظمة وصف للعظيم نفسه لا تتعدي إلى غيره.","vol":"1","page":14},{"text":"فعلى هذا تكون الأسماء على قسمين: متعدي ولازم.\nوالمتعدي لا يتم الإيمان به إلا بالأمور الثلاثة:\nالإيمان بالاسم، ثم بالصفة ثم بالأثر.\nوأما اللازم فإنه لا يتم الإيمان إلا بإثبات أمرين:\nأحدهما: الاسم. والثاني: الصفة.\nأما موقف أهل السنة والجماعة في الصفات فهو: إثبات كل صفة وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله محمد، ﷺ، لكن إثباتًا بلا تكييف ولا تمثيل، ولا تحريف، ولا تعطيل، سواء كانت هذه الصفة من الصفات الذاتية أم من الصفات الفعلية.\nفإذا قال قائل: فرقوا لنا بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية.\nقلنا: الصفات الذاتية هي التي تكون ملازمة لذات الخالق أي انه متصف بها أزلًا وأبدًا.\nوالصفات الفعلية هي التي تتعلق بمشيئة فيفعلها الله تبعًا لحكمته – ﷾ -.","vol":"1","page":15},{"text":"مثال الأول: صفة الحياة صفة ذاتية، لأن الله لم يزل ولا يزال حيًا، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِر﴾ [الحديد: ٣] وفسرها النبي، ﷺ، بقوله: \"أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء\" ١.\nوقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٨] .\nكذلك السمع، والبصر، والقدرة كل هذه من الصفات الذاتية، ولا حاجة إلى التعداد لأننا عرفناها بالضابط: \"كل صفة لم يزل الله ولا يزال متصفًا بها فإنها من الصفات الذاتية\" لملازمتها للذات.\nوكل صفة تتعلق بمشيئة يفعلها الله حيث اقتضتها حكمته فإنها من الصفات الفعلية.\nمثال الثاني: استوائه على العرش، ونزوله إلى السماء الدنيا.\nفاستواء الله على العرش من الصفات الفعلية لأنه متعلق بمشيئته.\n_________\n١ أخرجه مسلم رقم ٢٧١٣.","vol":"1","page":16},{"text":"كما قال تعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] . فجعل الفعل معطوفًا على ما قبله ب\"ثم\" الدالة على الترتيب.\nثم النزول إلى السماء الدنيا وصفه به أعلم الخلق به رسول الله، ﷺ، حي قال: \"ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: \"من يدعوني فأستجب له. من يسألنى فأعطيه. من يستغفرني فأغفرله\" ١.\nوهذا النزول من الصفات الفعلية لأنه متعلق بمشيئة الله تعالى.\nفأهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك، ولكنهم في هذا الإيمان يتحاشون التمثيل، أو التكييف، أي أنهم لا يمكن أن يقع في نفوسهم أن نزوله كنزول المخلوقين، أو استوائه على العرش كاستوائهم، أو إتيانه للفصل بين عبادة كإتيانهم لأنهم يؤمنون بأن الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ويعلمون بمقتضى العقل مابين الخالق والمخلوق من التباين العظيم في الذات، والصفات، والأفعال، ولا يمكن أن يقع في نفوسهم كيف\n_________\n١ أخرجه البخاري رقم ١١٤٥ ومسلم ٧٥٨.","vol":"1","page":17},{"text":"ينزل؟ أو كيف استوى على العرش؟ أو كيف يأتي للفصل بين عباده يوم القيامة؟ أي أنهم لا يكيفون صفاته مع إيمانهم بأن لها كيفية لكنها غير معلومة لنا، وحينئذٍ لا يمكن أبدًا أن يتصوروا الكيفية، ولا يمكن أن ينطقوا بها بألسنتهم أو يعتقدوها في قلوبهم.\nيقول تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الاسراء:٣٦] .\nويقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [لأعراف:٣٣] .\nولأن الله أجل وأعظم من أن تحيط به الأفكار قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] .\nوأنت متى تخيلت أي كيفي فعلى أي صورة تتخيلها؟!\nإن حاولت ذلك فإنك في الحقيقة ضال، ولا يمكن أن تصل إلى حقيقة لأن هذا أمر لا يمكن الإحاطة به، وليس من شأن العبد أن يتكلم فيه أو أن يسأل عنه.","vol":"1","page":18},{"text":"ولهذا قال الإمام مالك – ﵀ – فيما اشتهر عنه بين أهل العلم حين سأله رجل فقال: يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟\nفأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء – يعني العرق وصار ينزف عرقًا – لأنه سؤال عظيم. ثم قال تلك الكلمة المشهورة:\"الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان واجب، والسؤال عنه بدعة\"\nوروى عنه أنه قال: \"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة\".\nفإذًا نحن نعلم معاني صفات الله، ولكننا لا نعلم الكيفية، ولا يحل لنا أن نسأل عن الكيفية ولا يحل لنا أن نكيف، كما أنه لا يحل لنا أن نمثل أو نشبه لأن الله تعالى يقول في القرآن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .\nمن أثبت له مثيلًا في صفاته فقد كذب القرآن، وظن بربه ظن السوء وقد تنقص ربه حيث شبهه وهو الكامل من كل وجه بالناقص.","vol":"1","page":19},{"text":"وقد قيل:\nألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا\nوأنا أقول: هذا على سبيل التوضيح للمعنى وإلا ففرق عظيم بين الخالق والمخلوق، فرق لا يوجد مثله بين المخلوقات بعضها مع بعض.\nالمهم أيها الأخوة أنه يجب علينا أن نؤمن بكل ما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله، ﷺ، سواء كانت تلك الصفة ذاتية أم فعلية، ولكن بدون تكييف، وبدون تمثيل.\nالتكييف ممتنع، لأنه قول على الله بغير علم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الاسراء:٣٦] .\nوالتمثيل ممتنع، لأنه تكذيب لله في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .\nوقول بما لا يليق بالله تعالى من تشبيهه بالمخلوقين.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>العنصر الثاني: في نصوص الأسماء والصفات:</span>\nالمعترك بين أهل السنة وأهل البدعة في هذه النصوص، معترك يتبين به الفرق الشاسع بين أهل السنة وأهل البدعة، فأهل السنة يثبتون النصوص على حقيقتها وظاهرها اللائق بالله من غير تحريف ولا تعطيل.\nهذه الطريق التي مشى عليها أهل السنة والجماعة.\nواخترنا كلمة \"تحريف\" على كلمة \"تأويل\" لأن التحريف معناه باطل بكل حال ذم الله تعالى من سلكه في قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦] .\nأما التأويل ففيه ما هو صحيح مقبول، وفيه ما هو فاسد مردود، والفاسد المردود هو بمعنى التحريف، ولهذا اختار شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – في العقيدة الواسطية وهي خلاصة عقيدة أهل السنة والجماعة اختار التحريف بدل التأويل وإن كان يوجد في كثير من كتب العقائد التعبير \"بالتأويل\".لكنهم يريدون بالتأويل ما هو بمعنى التحريف أي التأويل الذي لا دليل عليه، بل الدليل نقيضه وهذا في الحقيقة تحريف.","vol":"1","page":21},{"text":"فأهل السنة والجماعة يقولون: نحن نؤمن بهذه الآيات، والأحاديث ولا نحرفها، لأن تحريفها قول على الله بغير علم من وجهين:\nيتبين ذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] .\nقال أهل السنة والجماعة: جاء ربك أي هو نفسه يجيء - ﷾ -، لكنه مجيء يليق بجلاله وعظمته لا يشبه مجيء المخلوقين، ولا يمكن أن نكيفه، وعلينا أن نضيف الفعل إلى الله كما أضافه الله إلى نفسه. فنقول: إن الله تعالى يجيء يوم القيامة مجيئًا حقيقيًا يجيء هو نفسه، وقال أهل التحريف معناه: وجاء أمر ربك.\nوهذا جناية على النص من وجهين:\nالوجه الأول: نفي ظاهره فأين لهم العلم من أن الله تعالى لم يرد ظاهره.\nهل عندهم علم من أن الله لم يرد ظاهره ما أضافه لنفسه؟! والله تعالى يقول عن القرآن إنه نزله ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥] .","vol":"1","page":22},{"text":"فعلينا أن نأخذ بدلالة هذا اللفظ حسب مقتضى هذا اللسان العربي المبين.\nفمن أين لنا أن يكون الله تعالى لم يرد ظاهر اللفظ؟! فالقول بنفي ظاهر النص قول على الله بغير علم.\nالوجه الثاني: إثبات معنى لم يدل إلى ظاهر اللفظ، فهل عنده علم أن الله تعالى أراد المعنى الذي صرف ظاهر اللفظ إليه؟! هل عنده علم أن الله أراد مجيء أمره؟! قد يكون المراد جاء شيء آخر ينسب إلى الله غير الأمر.\nفإذا كل محرف أي كل من صرف الكلام عن ظاهره بدون دليل من الشرع فإنه قائل على الله بغير علم من وجهين:\nالأول: نفيه ظاهر الكلام.\nالثاني: إثباته خلاف ذلك الظاهر.\nلهذا كان أهل السنة والجماعة يتبرأون من التحريف، ويرون أنه جناية على النصوص، وأنه لا يمكن أن يخاطبنا الله تعالى بشيء ويريد خلاف ظاهره بدون أن يبين لنا.","vol":"1","page":23},{"text":"وقد أنزل الله الكتاب تبيانًا لكل شيء والنبي، ﷺ، بين للناس ما أنزل إليهم من ربهم بإذن ربهم.\nأما التمثيل فمن الواضح أن القول به تكذيب للقرآن، لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .\nولهذا كان عقيدة أهل السنة والجماعة، بل طريقة أهل السنة والجماعة في نصوص الصفات من الآيات، والأحاديث، وهو إثباتها على حقيقتها وظاهرها اللائق بالله، بدون تحريف وبدون تعطيل.\nوقد حكى إجماع أهل السنة على ذلك ابن عبد البر في كتابه \"التمهيد\".\nونقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – وكذلك نقل عن القاضي أبي يعلى أنه قال: \"أجمع أهل السنة على تحريم التشاغل بتأويل آيات النصوص وأحاديثها، وأن الواجب إبقاؤها على ظاهرها\".","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>العنصر الثالث: العدول عن هذا الموقف تطرف دائر بين الإفراط والتفريط:</span>\nالعدول عن هذا الموقف – أعني موقف أهل السنة والجماعة –إما إفراط، وإما تفريط، لأن الناس انقسموا في هذا الباب إلى ثلاثة أقسام: طرفان، ووسط طرف غلا في التنزيه حتى نفى ما أثبته الله لنفسه، وطرف آخر غلا في الإثبات حتى أثبت ما نفاه الله عن نفسه.\nفإن من أهل البدع من أثبت النصوص على ظاهرها، ولكنه جعل هذا الظاهر من جنس صفات المخلوقين والعياذ بالله.\nفأثبت النقص لربه بإلحاقه بالمخلوق الناقص، وأخطأ في ظنه أن ظاهرها التمثيل. أثبت أن لله – تعالى – سمعًا، وأن الله تعالى وجهًا، وأن لله تعالى عينًا، وأن له يدًا لكنه جعل ذلك كله من جنس صفات المخلوقين، غلا في الإثبات حتى بلغ به إلى التمثيل. وقد قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ولا شك أنه كافر وأن الله – ﷾ – لم يرد بهذه النصوص هذا الظاهر الذي ادعاه هذا المثل.\nوقد قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري \"من شبه الله بخلقه فقد كفر\"","vol":"1","page":25},{"text":"ولا شك أنه كافر وأن الله ﷾ لم يرد بهذه النصوص هذا الظاهر الذي ادعاه الممثل.\nوقد يقول القائل: أين دليلك على أن الله ما أراده؟.\nفأقول: الدليل عندي نقلي، وعقلي:\nأما النقلي فآيات متعددة تنفي المماثلة عن الله وأصرحها وأبينها قوه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .\nوأما الدليل العقلي: فإنه لا يمكن أبدًا أن يكون الخالق مماثلًا للمخلوق في أي صفة في أي صفة من صفاته لظهور الفرق العظيم بينهما في الذات، والصفات، والأفعال.\nومن أهل البدع من حرف النصوص عن ظاهرها، ونفى مدلولها اللائق بالله.\nوهؤلاء المحرفون انقسموا إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: قسم غلا في ذلك غلوًا عظيمًا حتى نفي النقيضين في حق الله، فقال: لا تقل إن الله موجود ولا تقل غير موجود. إن قلت موجود شبهته بالموجودات، وإن قلت غير موجود شبهته بالمعدومات.","vol":"1","page":26},{"text":"ولا ريب أن هذا تنكره العقول كلها لأن رفع أحد النقيضين أمر مستحيل، والتقابل بين الوجود والعدم من تقابل النقيضين اللذين لا يمكن اجتماعهما ولا ارتفاعهما.\nالقسم الثاني: من قال نثبت السلب ولا نثبت الإيجاب فلا نصف الله بصفات ثبوتية، ولكن نصفه بالأسلوب والإضافات ونثبت الأسماء مجردة عن المعاني، وهذا ما عليه عامة الجهمية والمعتزلة.\nالقسم الثالث: من يقول: نثبت بعض الصفات لدلالة العقل عليها، وننكر بعض الصفات، لأن العقل لا يثبتها، ويعضهم يقول لأن العقل ينكرها.\nوكل هذه الأقسام الثلاثة – وإن كانت تختلف من حيث البعد عن الحق – كلها على غير صواب فهي متطرفة.\nفالقول الوسط ما عليه أهل السنة والجماعة: أن نثبت لله ما أثبته لنفسه من الصفات، ولكنه إثبات مجرد عن التكييف، وعن التمثيل.\nوبذلك نكون عملنا بالنصوص الشرعية من الجانبين، ولم ننظر بعين أعور، وبذلك نكون قد تأدبنا مع الله ورسوله","vol":"1","page":27},{"text":"فلم نقدم بين يدي الله ورسوله، وإنما التزمنا غاية الأدب سمعنا وآمنا، وأطعنا.\nما أثبته الله لنفسه أثبتناه، وما أثبته له رسوله أثبتناه، وما نفاه الله عن نفسه نفيناه، وما نفاه عنه رسوله نفيناه وما سكت عنه سكتنا عنه.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>العنصر الرابع: التطرف في التنزيه يستلزم إبطال الدين كله</span>.\nذكرنا أن من الناس من تطرف في التنزيه حتى أنكر الصفات، أو أنكر بعضها، أو أنكر الإيجابية منها، أو أنكر الإيجابي والسلبي فأقول:\nإن التطرف في التنزيه في كل أقسامه يؤدي إلى إبطال الدين كله.\nمثال ذلك: إذا كان المنزه يثبت بعض الصفات وينكر بعضها قلنا له: لماذا تثبت ولما تنكر؟\nقال: أثبت هذه الصفات لأن العقل دل عليها، وأنكر هذه الصفات لأن العقل دل عليها، وأنكر هذه الصفات لأن العقل لم يدل عليها أو دل على نفيها.","vol":"1","page":28},{"text":"فيقول له القوم الآخرون: نفي جميع الصفات لأن العقل لا يدل عليها، أو لأن العقل دل على نفيها.\nفلا يستطيع الأول أن يرد على هؤلاء لأنه إذا رد عليهم بأن العقل يثبت ذا وينكر ذا أو لا يثبته قال: أنا عقلي لا يثبت ما تثبت وما دام المرجع هو العقل فإن ما أنكرته أنت بحجة العقل فأنا أنكر ما أنكر بحجة العقل\nولكن الأمر لا ينتهي عند موضوع الصفات. بل يأتينا أهل التخييل الذين أنكروا اليوم الآخر، وأنكروا رسالة الرسل بل أنكروا وجود الله رأسًا – والعياذ بالله – فيقولون: عقولنا لا تقبل أن تحيا العظام وهي رميم، لا تقبل وجود جنة ولا نار، فيحتجون بالعقل كما احتج هؤلاء بالعقل.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ -:\nوإثبات الصفات في القرآن والسنة أكثر من إثبات المعاد، فأي إنسان ينكر الصفات فإنه لا يمكن أن يدفع إنكار من أنكر المعاد، ولا ريب أن إنكار المعاد، وإنكار الشرائع إبطال للدين كله، والخلاص من هذا هو إتباع طريق السلامة أن نثيت ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، وننفي ما نفاه الله عن نفسه","vol":"1","page":29},{"text":"من الصفات، ونسكت عما سكت عنه وبهذا لا يمكن لأي إنسان أن يفحمنا، لأننا قلنا إن هذه المسائل الغيبية إنما تدرك بالشرع والمنقول عن المعصوم والعقول مضطربة ومختلفة. وكل إنسان من مدعي العقل يدعي وجوب ما يدعي الآخر أنه ممتنع، أو ما يدعي الآخر أنه من الممكنات لا من الواجبات.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>العنصر الخامس: أن بعض أهل التحريف والتعطيل قالوا: إن أهل السنة مشبهة ومجسمة وممثلة:</span>\nمن الغرائب أن يدعى على الإنسان ما ينكره، فأهل السنة والجماعة ينكرون التشبيه، وينكرون التمثيل، ويقولون من شبه الله بخلقه فقد كفر.\nفكيف يمكن أن يلزموا بما هم معترفون بإنكاره؟! هذا عدوان محض.\nأهل السنة والجماعة يقولون نحن لا نشبه، ولا نمثل، وإنما نثبت لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله بدون تمثيل، وبدون تكييف. فما بالكم تشوهون طريقنا وتقولون أنتم ممثله ومشبهة؟!","vol":"1","page":30},{"text":"ولكن لاغرو أن يرمى أهل السنة والجماعة بمثل هذه الألقاب السيئة، لأن رمي أهل الحق بالألقاب السيئة أمر موروث عن أعداء الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام، فالأنبياء قيل: إنهم سحرة. وقيل: أنهم مجانين:\n﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذريات:٥٢] .\nولكن هل الحق يغيظ بمثل هذه الألقاب؟ لا. بل يفيض، ويزداد قوة، ويزداد وضوحًا وبيانًا – ولله الحمد – أهل السنة والجماعة متبرءون من هذه العيوب التي يصفهم بها من يحرف الكلام عن مواضعه.\nكذلك يقولون أنتم مجسمة، كيف مجسمة وما معنى مجسمة؟! هذه الكلمة كلمة \"التجسم\" لو قرأت القرآن من أوله إلى آخره ومررت ما جاء عن النبي، ﷺ، من السنة من أولها إلى آخرها لم تجد لفظ \"الجسم\" مثبتًا لله ولا منفيًا عنه في كتاب الله ولا في سنة رسول الله، ﷺ، فما بالنا نتعب أذهاننا وأفكارنا ونظهر ذلك بمظهر سوء بالنسبة لمن أثبت لله صفات الكمال على الوجه الذي أرد الله.","vol":"1","page":31},{"text":"إذ كانت كلمة \"الجسم\" غير واردة في الكتاب، ولا في السنة، فإن أهل السنة والجماعة، يمشون فيها على طريقتهم يقفون فيها موقف الساكت فيقولون: لا نثبت الجسم ولا ننكره من حيث اللفظ، ولكننا قد نستفصل في المعنى فنقول للقائل: ماذا تريد بالجسم؟ إن أردت الذات الحقيقة المتصفة بالصفات الكاملة اللائقة بها فإن الله – ﷾ – لم يزل ولا يزال حيًا عليمًا، قادرًا، متصفًا بصفات الكمال اللائقة به، وإن أردت شيئًا آخر كجسمية الإنسان الذي يفتقر كل جزء من البدن إلى الجزء الآخر منه، ويحتاج إلى ما يمده حتى يبقى فهذا معنى لا يليق بالله – ﷿ -،\nوبهذا نكون أعطينا المعنى حقه.\nأما اللفظ: فلا يجوز لنا أبدًا أن نثبته، أو ننفيه، ولكننا نتوقف فيه، لأننا إن أثبتنا قيل لنا: ما الدليل؟ وإن نفينا. قيل لنا: ما الدليل؟ وعلى هذا فيجب السكوت من حيث اللفظ، أما من حيث المعنى فعلى التفصيل الذي بنيناه.","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>العنصر السادس: أدعى أهل التحريف والتعطيل على أهل السنة أنهم أولوا بعض النصوص ليلزموهم بتأويل البقية والمداهنة فيها:</span>\nهذا دعوى تلبيس، وتشكيك، وقد نشرت في الصحف نشرها من نشرها وقال: أنتم يا أهل السنة تشنعون علينا تقولون أنتم تأولون، وأنتم يا أهل السنة قد أولتم فما بالكم تشنعون علينا بالتأويل وأنتم تسلكونه؟!\nحقيقة إن هذه الحجة حجة قوية إذا ثبتت لأنه لا يحق لأي إنسان أن يتحكم فيما يمكن تأويله أو يجب وفيما لا يمكن،\nولكن أهل السنة والجماعة يقولون هذه دعوى تلبيس، وتشكيك فإننا لسنا على هذه الطريقة وأنتم رميتمونا بذلك إما لإلزامنا أن نسكت عن تحريفكم ونداهن،\nولكنا بعون الله لن نسكت على ما نرمى به ونحن منه بريئون.\nوهذا التأويل الذي ادعاه بعض أهل التأويل ورمي به أهل السنة والجماعة لنا عنه جوابان.","vol":"1","page":33},{"text":"إذن: الرسول ﵊ عبد عابد لله ﷿ وليس له من شئون الربوبية شيء هذا هو قول أهل السنة والجماعة في رسول الله ﷺ.\nيعتقد أهل السنة والجماعة أيضا: أن رسول الله ﷺ بشر تجوز عليه كل الخصائص البشرية والجسدية فينام ويأكل ويشرب ويمرض ويتألم ويحزن ويرضى ويغضب - ﵊ - ويموت كما يموت الناس ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ، [٣٠] ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر]\n﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٤٤]\nولا ريب أن رسول الله ﷺ قد مات ميتة جسدية فارقت روحه جسده فيها وقام أهله وأصحابه بما يقومون به في غيره من شئون الموتى سوى أنه ﵊ لم يجرد عند تغسيله والمعروف أنه لم يصل عليه جماعة إنما كان الناس يصلون عليه أفرادا لأنه الإمام ﵊.","vol":"1","page":34},{"text":"ومن زعم أنه حي في قبره حياة جسدية لا حياة برزخية وأنه يصلي ويصوم ويحج وأنه يعلم ما تقوله الأمة وتفعله فإنه قد قال قولا بلا علم.\nفالرسول ﵊ انقطع عمله بموته كما قال هو نفسه \"إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له\" ١.\nفعمله الذي يعمله بنفسه انقطع بموته.\nولكن ولا شك أن كل علم علمناه من شريعة الله فإنه بواسطته ﵊ وحينئذ فيكون منتفعا من كل هذه العلوم التي علمناها بعد موته ﷺ.\nوكذلك الأعمال الصالحة التي نعملها كانت بدلالته ﷺ فيكون له مثل أجر العاملين.\n_________\n١ أخرجه مسلم رقم ١٦٣١.","vol":"1","page":35},{"text":"ونحن نضرب لذلك بعض الأمثلة لا كل الأمثلة لأننا لو تتبعنا الأمثلة كلها التي قيل إن أهل السنة والجماعة صرفوها عن ظاهرها لطال بنا الكلام لكننا نذكر عدة أمثلة فقط:\nالمثال الأول: قال أهل التأويل: أنتم يا أهل السنة أولتم قول الله – ﷿ -: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] .\nفقلتم إن معنى الاستواء هنا \"القصد والإرادة\"،وقلتم: إن معنى الاستواء في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ [الأعراف: ٥٤] .\"العلو والارتفاع\".\nوما هذا إلا تأويل منكم لأحد النصين لا يمكن أن تخرجوا عنه ومعلوم أن \"استوى على كذا\" معناها القصد.\nإذن أخرجتم كلمة \"استوى\" عن ظاهرها.\nوجوابنا على ذلك أن نقول: \"استوى\" كلمة يتحدد معناها بحسب متعلقها فمثلًا: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ معناها العلو على وجه يليق بجلاله، ولا يشبه استواء المخلوق على المخلوق.","vol":"1","page":36},{"text":"﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ اختلف الحرف فكان \"إلى\"، و\"إلى للغاية، وليست للعلو، ومعلوم أنها إذا كانت للغاية فإن الفعل متضمن معنى يدل على الغاية هو القدرة والإرادة، وإلى هذا النحو ذهب بعض أهل السنة فقالوا: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي قصد إلى السماء، والقصد إذا كان تامًا يعبر عنه بالاستواء، لأن الأصل في اللغة العربية أن مادة الاستواء تدل على الكمال كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤] .\nوجواب آخر أن نقول: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ بمعنى ارتفع.\nقال البغوي: وهو مروي عن ابن عباس وأكثر المفسرين.\nولكن هذا يجب أن لا نظن أن الله – ﷾ – قد انتفى عنه العلو حين خلق الأرض، بل إنه – ﷾ – لم يزل، ولا يزال عاليًا، لأن العلو صفة ذاتية ولكن الاستواء هنا وإن كان بمعنى الارتفاع، إلا أننا لا نعلم كيفيته وهذا جواب آخر عن الآية.\nوالخلاصة الآن أننا إذا فسرنا ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ بمعنى قصد إليها على وجه الكمال فإننا لم نخرج عن ظاهر اللفظ.","vol":"1","page":37},{"text":"كذلك أيضا أهل السنة والجماعة يقولون: إن بعض الصحابة له مزية ليست لغيرهم فيجب أن ننزلهم في منازلهم.\nفإذا كان الصحابي من آل بيت الرسول ﵊ كعلي بن أبي طالب وحمزة والعباس وابن عباس وغيرهم فإننا نحبه أكثر من غيره من حيث قربه من الرسول ﵊ لا على سبيل الإطلاق.\nفنعرف له حقه بقرابته من رسول الله ﷺ ولكنهه لا يلزم من ذلك أن نفضله على غيره تفضيلا مطلقا ممن له قدم راسخ في الإسلام أكثر من هذا القريب من الرسول ﷺ لأن المراتب والفضائل هي صفات يتميز الإنسان بصفة منها لا يتميز بها الآخر.\nوأهل السنة والجماعة في آل البيت لا يغلون غلو الروافض ولا ينصبون العداوة لهم نصب النواصب ولكنهم وسط بين طرفين يعرفون لهم حقهم بقرابتهم من الرسول ﵊ ولكنهم لا يتجاوزون بهم منزلتهم.","vol":"1","page":38},{"text":"خامسا: طريقة أهل السنة والجماعة في حق الأولياء والأئمة:\nأئمة هذه الشريعة الإسلامية ولله الحمد أئمة مشهورون أثنت عليهم الأمة وعرفت لهم قدرهم ولكنها لا تعتقد فيهم العصمة فليس عند أهل السنة والجماعة أحد معصوم من الخطأ ولا من الإقرار على الخطأ إلا الرسول ﵊ فإنه معصوم من الإقرار على الخطأ أما غيره مهما بلغت إمامته فإنه ليس معصوما أبدا كل يخطئ وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ الذي أمرنا الله تعالى بطاعته على الإطلاق.\nفهم يقولون: لا شك أن في هذه الأمة أئمة ولا شك أن فيها أولياء ولكننا لا نريد بذلك أن نثبت العصمة لأحد من هؤلاء الأئمة ولا أن نثبت لأحد من الأولياء أنه يعلم الغيب أو يتصرف في الكون وهم أيضا لا يجعلون الولي من قال عن نفسه أنه ولي أو أتى بالدعايات الباطلة لأجل أن يجلب الناس إليه يقولون: إن الولي بينه الله تعالى بقوله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣]","vol":"1","page":39},{"text":"المثال الثالث: قال أهل التأويل أنتم يا أهل السنة أولتم قوله تعالى ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُم﴾ [الواقعة: ٨٥] إلى أن المراد: أقرب بملائكتنا وهذا تأويل لأنا لو أخذنا بظاهر اللفظ لكان الضمير \"نحن\" يعود إلى الله وأقرب خبر المبتدأ وفيه ضمير مستتر يعود على الله فيكون القرب لله ﷿ ومعلوم أنكم أهل السنة لا تقولون بذلك ولا تقولون: إن الله يقرب من المحتضر بذاته حتى يكون في مكانه لأن هذا أمر لا يمكن أن يكون إذ إنه قول أهل الحلول الذين ينكرون علو الله ﷿ ويقولون إنه بذاته في كل مكان وأنتم تنكرون ذلك أشد الإنكار.\nإذن ماذا تقولون أنتم يا أهل السنة ألستم تقولون نحن أقرب إليه - أي إلى المحتضر - بملائكتنا أي تحضر إلى الميت وتقبض روحه هذا تأويل.\nقلنا: الجواب على ذلك سهل ولله الحمد فإن الذي يحضر الميت هم الملائكة: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] . ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُم﴾ [الأنعام: ٩٣] .","vol":"1","page":40},{"text":"فالذي يحضر إلى المحتضر عند الموت هم الملائكة، وأيضًا في نفس الآية ما يدل على أنه ليس المراد قرب الله – ﷾ – نفسه فإنه قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥] . فهذا يدل على أن هذا القريب الحاضر، لكن لا نبصره، وكذلك لأنك الملائكة عالم غيبي الأصل فيهم الخفاء وعدم الرؤية.\nوعلى هذا فنحن لم نخرج بالآية عن ظاهرها لوجود لفظٍ فيها يعين المراد، ونحن على العين والرأس، والقلب نقبل كل شيء كان بدليل من كتاب الله، ومن سنة رسوله، ﷺ.\nالمثال الرابع: قال أهل التأويل: أنتم يا أهل السنة أولتم قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] . فقلتم: وهو معكم بعلمه، وهذا تأويل فإن الله تعالى يقول: ﴿وَهُوَ مَعَكُم﴾ [الحديد: ٤] . والضمير في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُم﴾ يعود إلى الله.\nفأنتم يا أهل السنة أولتم هذا النص وقلتم: إنه معكم بالعلم. فإذا كيف تنكرون علينا التأويل؟\nقلنا: نحن لم نؤول الآية، بل إنما فسرناها بلازمها وهو: العلم، وذلك لأن قوله ﴿وَهُوَ مَعَكُم﴾ . لا يمكن لأي إنسان","vol":"1","page":41},{"text":"يعرف قدر الله ﷿ ويعرف عظمته، أن يتبادر إلى ذهنه أنه هو ذاته مع الخلق في أمكنتهم، فإن هذا أمر مستحيل، كيف يكون الله معك في البيت ومع الآخر في المسجد، ومع الثالث في الطريق، ومع الرابع في البر، ومع الخامس في الجو، ومع السادس في البحر: إلخ؟! لو قلنا بهذا فكم إلها يكون لو قلنا بهذا لزم أن يكون الله إما متعددًا، أو متجزئًا – تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا – وهذا أمر لا يمكن.\nولهذا نقول: من فهم هذا الفهم فهو ضال في فهمه ومن اعتقده فإنه ضال إن قلد غيره بذلك، وكافر إذا بلغه العلم وأصر على قوله، ومن نسب إلى أحد من السلف أن ظاهر الآية أن الله معهم بذاته في أمكنتهم، فإنه بلا شك كاذب عليهم.\nإذن أهل السنة والجماعة يقولون: نحن نؤمن بأن الله تعالى فوق عرشه، وأنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته وأنه مع خلقه كما قال في كتابه، ولكن مع إيماننا بعلوه.\nولا يمكن أن يكون مقتضى معيته إلا الإحاطة بالخلق علمًا، وقدرة، وسلطانًا، وسمعا، وبصرًا، وتدبيرًا وغير","vol":"1","page":42},{"text":"ذلك من معاني الربوبية إما أن يكون حالًا في أمكنتهم، أو مختلطًا بهم كما يقول أهل الحلول والاتحاد، فإن هذا أمر باطل لا يمكن أن يكون هو ظاهر الكتاب والسنة وعلى هذا فنحن لم نؤول الآية ولم نصرفها عن ظاهرها، لأن الذي قال عن نفسه ﴿وَهُوَ مَعَكُم﴾ [الحديد: ٤] هو الذي قال عن نفسه: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . وهو الذي قال عن نفسه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] .\nإذن فهو فوق عباده، ولا يمكن أن يكون في أمكنتهم، ومع ذلك فهو معهم محيط بهم علمًا وقدرة، وسلطانًا، وتدبيرًا وغير ذلك.\nوإذا أضيفت المعية إلى من يستحق النصر من الرسل وأتباعهم اقتضت معم الإحاطة علمًا وقدرة، اقتضت نصرًا وتأييدًا، فنحن ولله الحمد ما خرجنا بهذا اللفظ عن ظاهره حتى يلزمونا بذلك.\nوقد بين شيخ الإسلام – ﵀ – في كتبه المختصرة والمطولة أنه لا تعارض بين معنى المعية حقيقة وبين علو الله ﷾.","vol":"1","page":43},{"text":"قال: لأن الله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، في جميع صفاته فهو على في دنوه قريب في علوه\".\nوقال: \"إن الناس يقولون ما زلنا نسير والقمر معنا، مع أن القمر في السماء، وهم يقولون معنا فإذا كان هذا ممكنًا في حق المخلوق كان في حق الخالق من باب أولى\".\nوالمهم أننا نحن معشر أهل السنة ما قلنا أبدًا ولا نقول إن ظاهر الآية هو ما فهمتموه وأننا صرفناه عن ظاهرها، بل نقول: إن الآية معناها أنه سبحانه مع خلقه حقيقة، معية تليق به، محيط بهم علمًا وقدرة، وسلطانًا، وتدبيرًا، وغير ذلك لأنه لا يمكن الجمع بين نصوص المعية وبين نصوص العلو إلى على هذا الوجه الذي قلناه، والله ﷾ يفسر كلامه بعضه بعضًا.\nالمثال الخامس: قال أهل التأويل: إنه ثبت عن النبي، ﷺ، أنه قال: قال الله تعالى: \"من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحبه إلا مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه\" ١.\n_________\n١ أخرجه البخاري رقم ٦٥٠٢.","vol":"1","page":44},{"text":"وأنتم يا أهل السنة هل تقولون أن الله يكون سمع، وبصر، ويد، ورجل من يحبه حقيقة؟ إن لم تقولوا بذلك فقد صرفتم الحديث عن ظاهره، لأن الله يقول: \"كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها\"\nوجوابنا: أنه لا أحد يفهم أن ظاهر الحديث هو هذا أي أن الله يكون سمع الإنسان وبصره، ورجله، ويده حقيقة، لا أحد يفهم هذا، إلا من كان بليد الفهم، أو مظلم القلب بالتقليد أو بالدعوة الباطلة.\nفالحديث لا يدل على أن حقيقة سمع الإنسان، بصره، ورجله، ويده هو الله ﷿، وحاشاه ﷿ عن ذلك، لا يدل على هذا بأي وجه من الوجوه.\nاقرأ الحديث: \"من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب\". \"وما تقرب إلي عبدي بشيء أحبه إلا مما افترضته عليه\". فأثبت عابدًا ومعبودًا، ومتقربًا ومتقربًا إليه، \"ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه\" فأثبت محبًا ومحبوبًا، \"ولئن سألني لأعطينه\" فأثبت سائلًا ومسئولًا، ومعطي ومعطى \"ولئن استعاذني لأعيذنه\" فأثبت مستعيذًا ومستعاذًا به، ومن المعلوم أن كل واحد من هذين هو غير الآخر بلا ريب.","vol":"1","page":45},{"text":"إذا تقرر هذا فكيف يمكن أن يفهم أحد من قوله تعالى في هذا الحديث القدسي: \"كنت سمعه\" إن الله سيكون جزءًا في هذا المخلوق الذي يتقرب إليه، والذي يستعيذ به، والذي يسأله، هذا لا يمكن أحدًا أن يفهمه أحدًا من سياق الحديث، وبهذا يكون معنى الحديث وظاهر الحديث وحقيقة الحديث: أن الله ﷾ يسدد هذا الإنسان في سمعه، وبصره، وسعيه، فلا يسمع إلا بالله، ولله، وفي الله، ولا ينظر إلا لله، وبالله، وفي الله ولا يبطش إلا لله، وبالله، ولا يمشي إلا لله، وبالله، وفي الله، هذا هو معنى الحديث، وحقيقته وظاهره، وليس فيه ولله الحمد أي شيء من التأويل.\nالمثال السادس: قال أهل التأويل: إنكم يا أهل السنة أولتم قول الرسول، ﷺ: \"إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن\" ١. حيث قلتم: إن المراد أن الله ﷾ متصرف في القلوب، ولا يمكن أن تكون القلوب بين أصبعين من أصابع اليد فإن هذا يقتضي الحلول وأن أصابع الله خالة في صدر كل إنسان.\n_________\n١ أخرجه مسلم رقم ٢٦٥٤.","vol":"1","page":46},{"text":"قلنا: هذا كذب على السلف والسلف ما أولوا هذا التأويل، ولا قالوا إن الحديث كناية عن سلطان الله تعالى، وتصرفه في القلوب بل قالوا: نثبت أن لله تعالى أصابع وأن كل قلب من بني آدم فهو بين أصبعين من أصابعه على وجه الحقيقة، ولا يلزم من ذلك الحلول أبدًا، فإن البينية بين شيئين لا يلزم منها المماسة والمباشرة، أرأيتم قول الله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] .\nفهل يلزم من ذلك التعبير أن يكون السحاب لاصقًا بالسماء والأرض؟! لا يمكن.\nفقلوب بني آدم كلها، كما قال نبينا، ﷺ، وهو أعلم الخلق بالله: \"بين أصبعين من أصابع الرحمن\" ولا يلزم من ذلك أن يكون مماسًا لهذه القلوب بل نقول كما قال نبينا، ونقول ها على وجه الحقيقة ليس فيه تأويل.\nونثبت مع ذلك أيضًا أن الله تعالى يتصرف في هذه القلوب كما يشاء كما جاء في الحديث ونقول: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك.","vol":"1","page":47},{"text":"المثال السابع والأخير: فهو الحجر الأسود يمين الله في الأرض١.\nقال أهل التأويل: إنكم تؤولون هذا الحديث، لأنكم لا يمكن أن تقولوا إن الحجر هو يد الله.\nونقول هذا حق، لا يمكن لأحد أن يقول عن الحجر الأسود هو يد الله ﷿.\nولكن قبل أن نجيب على هذا نقول: إن هذا الحديث باطل ولا يثبت عن النبي، ﷺ.\nقال ابن العربي: إنه حديث باطل.\nوقال ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\": إنه حديث لا يصح.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – \"روى عن النبي، ﷺ، بإسناد لا يثبت\".\nوعلى هذا فإنه ليس واردًا على أهل السنة والجماعة لأنه لا يصح عن النبي، ﷺ.\nولكن قال شيخ الإسلام: إنه مشهور عن ابن عباس.\n_________\n١ انظر/ السلسلة الضعيفة للشيخ الألباني ﵀ ١/٣٩١.","vol":"1","page":48},{"text":"ولكنه مع ذلك لا يعطي المعنى الذي قاله هؤلاء، وأن الحجر الأسود يمين الله، لأنه قال: \"يمين الله في الأرض فقيده\"، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – والكلام إذا قيد ليس كالكلام المطلق.\nما قال: يمين الله وسكت. قال: في الأرض. ومعلوم أن يمين الله ليست في الأرض، كذلك أيضًا قال في نفس الحديث كما رواه شيخ الإسلام ابن تيمية:\"فمن صافحه فكأنما صافح الله\"، والتشبيه يدل على أن المشبه به ليس هو المشبه، وإنما هو غيره.\nوخلاصة القول: إن أهل السنة والجماعة – ولله الحمد – لا يمكن أن يخرجوا الكلام عن ظاهره، لأن ظاهر الكلام وحقيقته ما دل عليه سياقه وهو مختلف بحسب السياق، وبحسب الأحوال فإن لم يكن ذلك وأبي إنسان إلا أن يجعل معنى الكلمة معنى ذاتيًا لها فإننا نقول لا يمكن لأهل السنة والجماعة أن يتركوا هذا المعنى الذي ادعى أنه ذاتي لها إلا بدليل من الكتاب والسنة ومتى دل الكتاب والسنة على شيء وجب القول به سواء وافق ما يقال إنه ظاهر اللفظ، أو","vol":"1","page":49},{"text":"خالفه، ونحن كلنا نلتمس ما قاله الله عن نفسه، وما قاله عنه رسوله، ﷺ، ويدلكم لهذا ما ثبت في صحيح مسلم أن الله تعالى يقول: \"عبدي جعت فلم تطعمني، عبدي مرضت فلم تعدني، فيقول كيف أطعمك وأنت رب العالمين، كيف أعودك وأنت رب العالمين، فيقول الله ﷿: أما علمت أن عبدي فلان جاع فلم تطعمه مرض فلم تعده\" ١.\nهذا الحديث يدلنا دلالة ظاهرة على أن ما جاء في الكتاب والسنة ما أضافه إلى نفسه فهو حق على ظاهره، ما لم يرد عن الله ورسوله صرفه عن ذلك، فإن ورد صرفه عن ظاهره فإننا آخذون به، وهذا الحديث الأخير دليل واضح على منع التأويل الذي ليس له دليل من الكتاب والسنة\nولعلنا نقتصر على هذا خوفًا من التطويل،\nوالحمد لله رب العالمين\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد\nوعلى آله وأصحابه أجمعين.\n_________\n١ أخرجه مسلم رقم ٢٥٦٩.","vol":"1","page":50}]}