{"ً":{"ٌ":7509,"ٍ":"أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة\nالمؤلف: محمد بن عبد الرحمن الخميس\nالناشر: دار الصميعي، المملكة العربية السعودية\nعدد الصفحات: ٦٨٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[أصول الدين عند أبي حنيفة - محمد الخميس]\n\nيقول المؤلف، حفظه الله:\n\n«الأئمة الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، كلهم متفقون على وجوب التمسك بالكتاب والسنة والرجوع إليهما وترك كل قول يخالفهما …\n\nومع ذلك فقد تعصب بعض الناس للأئمة وخاصة للإمام أبي حنيفة حتى قاربوا به منازل النبيين والمرسلين، فزعموا أن التوراة بشَّرت به وأن محمدا ﷺ ذكره باسمه وبيّن أنه سراج أمته …\n\nاعتقاد الأئمة الأربعة - أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - هو ما نطق به الكتاب والسنَّة، وما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان. وليس بين هؤلاء الأئمة ولله الحمد نزاع في أصول الدين، بل هم متفقون على الإيمان بصفات الرب، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الإيمان لا بدّ فيه من تصديق القلب واللسان. بل كانوا ينكرون على أهل الكلام، من جهمية وغيرهم وممن تأثروا بالفلسفة اليونانية والمذاهب الكلامية\n\nإن مسائل أصول الدين قد بينها الله ورسوله بيانا شافيا قاطعا للعذر؛ إذ أن أمور الاعتقاد من أعظم ما بلّغه الرسول ﷺ البلاغ المبين وبينه للناس، بل هو أعظم ما أقام الله به الحجة على عباده بالرسل الذين بينوه وبلغوه.\nوعلى هذا جرى الصحابة على اتباع كلام الله المنزل، والاقتداء بهدي الرسول ﷺ والاقتداء بأقواله وأفعاله. فلم يكن عند أحد منهم ما يستدل به على مسائل العقيدة سوى كتاب الله ثم بحديث رسول الله ﷺ..... وعلى هذا المنهج جرى التابعون وتابعوهم، ومنهم الإمام أبو حنيفة. فالكتاب والسنة الصحيحة هما المصدران الأساسيان في قضايا الدين عامة والاعتقاد خاصة.»","ٓ":"1.0","ٔ":28,"ٕ":1,"ٖ":1770153692,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"تمهيد","level":1,"page":6},{"title":"الباب الأول: في ترجمة الإمام أبي حنيفة وبيان منهجه في تقرير أصول الدين","level":1,"page":43},{"title":"*","level":2,"page":43},{"title":"الفصل الأول: ترجمة الإمام أبي حنيفة","level":2,"page":44},{"title":"*","level":3,"page":44},{"title":"المبحث الأول: حياته الشخصية","level":3,"page":45},{"title":"المبحث الثاني: حياته العلمية","level":3,"page":55},{"title":"المبحث الثالث: دراسة موجزة لمؤلفاته في أصول الدين","level":3,"page":97},{"title":"الفصل الثاني: منهجه في تقرير أصول الدين","level":2,"page":126},{"title":"*","level":3,"page":126},{"title":"المبحث الأول: مصادر العقيدة عند الإمام أبي حنيفة","level":3,"page":127},{"title":"المبحث الثاني: موقفه من علم الكلام","level":3,"page":138},{"title":"المبحث الثالث: موقفه من الفرق الكلامية","level":3,"page":148},{"title":"الباب الثاني: بيان اعتقاده في التوحيد","level":1,"page":179},{"title":"*","level":2,"page":179},{"title":"الفصل الأول: توحيد الربوبية","level":2,"page":180},{"title":"*","level":3,"page":180},{"title":"تمهيد","level":3,"page":181},{"title":"المبحث الأول: معنى توحيد الربوبية وخصائصه","level":3,"page":191},{"title":"المبحث الثاني: مناظرة الإمام أبي حنيفة للملاحدة في إنكارهم الخالق ونقده لطريقة المتكلمين في تقرير الربوبية","level":3,"page":199},{"title":"المبحث الثالث: منهج الإمام أبي حنيفة في تقرير الربوبية","level":3,"page":206},{"title":"الفصل الثاني: توحيد الألوهية","level":2,"page":217},{"title":"*","level":3,"page":217},{"title":"المبحث الأول: تقرير توحيد الألوهية عند السلف","level":3,"page":218},{"title":"المطلب الأول: معنى توحيد الألوهية وخصائصه","level":4,"page":218},{"title":"المطلب الثاني: في \"المراد بالعبادة\"","level":4,"page":226},{"title":"المطلب الثالث: ما يناقض توحيد الألوهية","level":4,"page":233},{"title":"المطلب الرابع: أقوال لأبي حنيفة وبعض١ أتباعه تتعلق بالشرك وأنوعه ووسائله","level":4,"page":240},{"title":"المبحث الثاني: عقيدة الإمام أبي حنيفة في التوسل إلى الله","level":3,"page":247},{"title":"الفصل الثالث: توحيد الأسماء والصفات","level":2,"page":260},{"title":"*","level":3,"page":260},{"title":"تمهيد","level":3,"page":261},{"title":"المبحث الأول: تقرير توحيد الأسماء والصفات إجمالا عند الإمام أبي حنيفة","level":3,"page":275},{"title":"المبحث الثاني: ذكر جملة من الصفات الذاتية وكلام أبي حنيفة عنها","level":3,"page":284},{"title":"المبحث الثالث: ذكر جملة من الصفات الفعلية وكلام الإمام أبي حنيفة عنها","level":3,"page":314},{"title":"الباب الثالث: اعتقاده في الإيمان","level":1,"page":327},{"title":"*","level":2,"page":327},{"title":"الفصل الأول: مسمى الإيمان عند الإمام أبي حنيفة وهل يدخل فيه العمل؟","level":2,"page":328},{"title":"الفصل الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه","level":2,"page":364},{"title":"الفصل الثالث: الاستثناء في الإيمان","level":2,"page":389},{"title":"الفصل الرابع: علاقة الإسلام بالإيمان","level":2,"page":406},{"title":"الفصل الخامس: حكم مرتكب الكبيرة","level":2,"page":417},{"title":"الباب الرابع: اعتقاده في بقية أصول الدين","level":1,"page":431},{"title":"تمهيد","level":2,"page":431},{"title":"الفصل الأول: النبوات","level":2,"page":435},{"title":"*","level":3,"page":435},{"title":"المبحث الأول: الفرق بين النبي والرسول","level":3,"page":436},{"title":"المبحث الثاني: آيات الأنبياء","level":3,"page":445},{"title":"المبحث الثالث: عصمة الأنبياء","level":3,"page":448},{"title":"المبحث الرابع: من خصائص نبينا محمد ﷺ","level":3,"page":454},{"title":"الفصل الثاني: اليوم الآخر","level":2,"page":462},{"title":"*","level":3,"page":462},{"title":"المبحث الأول: أشراط الساعة","level":3,"page":463},{"title":"المبحث الثاني: فتنة القبر","level":3,"page":468},{"title":"المبحث الثالث: البعث","level":3,"page":471},{"title":"المبحث الرابع: أحوال اليوم الآخر","level":3,"page":474},{"title":"الفصل الثالث: القدر","level":2,"page":479},{"title":"توطئة","level":3,"page":479},{"title":"المبحث الأول: كراهية الخوض في القدر عند الإمام أبي حنيفة","level":3,"page":482},{"title":"المبحث الثاني: مراتب القدر","level":3,"page":488},{"title":"المبحث الثالث: أفعال العباد","level":3,"page":494},{"title":"المبحث الرابع: الطوائف المنحرفة في القدر ورد الإمام أبي حنيفة عليها","level":3,"page":498},{"title":"الفصل الرابع: الصحابة","level":2,"page":501},{"title":"المبحث الأول: الإمام أبو حنيفة يحب جميع الصحابة ويتولاهم","level":3,"page":502},{"title":"المبحث الثاني: قول الإمام أبي حنيفة في المفاضلة بين عثمان وعلي ﵄","level":3,"page":507},{"title":"المبحث الثالث: قول الإمام أبي حنيفة فيمن يتنقص أصحاب رسول الله ﷺ ويسبهم","level":3,"page":514},{"title":"الفصل الخامس: الإمامة","level":2,"page":518},{"title":"المبحث الأول: الإمامة في قريش","level":3,"page":519},{"title":"المبحث الثاني: إمامة الخلفاء الراشدين","level":3,"page":522},{"title":"المبحث الثالث: الخروج على الإمام الجائر","level":3,"page":526},{"title":"الباب الخامس: المقارنة بين عقيدة الإمام أبي حنيفة وأتباعه","level":1,"page":532},{"title":"*","level":2,"page":532},{"title":"الفصل الأول: المقارنة بين عقيدة الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي وأتباعه الماتريدية","level":2,"page":533},{"title":"*","level":3,"page":533},{"title":"المبحث الأول: المقارنة بين الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي أتباعه في المنهج","level":3,"page":534},{"title":"المبحث الثاني: المقارنة في مسائل أصول الدين","level":3,"page":551},{"title":"الفصل الثاني: مدى التزام الحنفية بعقيدة الإمام أبي حنيفة في التوحيد","level":2,"page":570},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":601}],"ٛ":{"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,11":5,"1,21":6,"1,22":7,"1,23":8,"1,24":9,"1,25":10,"1,26":11,"1,27":12,"1,28":13,"1,29":14,"1,30":15,"1,31":16,"1,32":17,"1,33":18,"1,34":19,"1,35":20,"1,36":21,"1,37":22,"1,38":23,"1,39":24,"1,40":25,"1,41":26,"1,42":27,"1,43":28,"1,44":29,"1,45":30,"1,46":31,"1,47":32,"1,48":33,"1,49":34,"1,50":35,"1,51":36,"1,52":37,"1,53":38,"1,54":39,"1,55":40,"1,56":41,"1,57":42,"1,59":43,"1,61":44,"1,63":45,"1,64":46,"1,65":47,"1,66":48,"1,67":49,"1,68":50,"1,69":51,"1,70":52,"1,71":53,"1,72":54,"1,73":55,"1,74":56,"1,75":57,"1,76":58,"1,77":59,"1,78":60,"1,79":61,"1,80":62,"1,81":63,"1,82":64,"1,83":65,"1,84":66,"1,85":67,"1,86":68,"1,87":69,"1,88":70,"1,89":71,"1,90":72,"1,91":73,"1,92":74,"1,93":75,"1,94":76,"1,95":77,"1,96":78,"1,97":79,"1,98":80,"1,99":81,"1,100":82,"1,101":83,"1,102":84,"1,103":85,"1,104":86,"1,105":87,"1,106":88,"1,107":89,"1,108":90,"1,109":91,"1,110":92,"1,111":93,"1,112":94,"1,113":95,"1,114":96,"1,115":97,"1,116":98,"1,117":99,"1,118":100,"1,119":101,"1,120":102,"1,121":103,"1,122":104,"1,123":105,"1,124":106,"1,125":107,"1,126":108,"1,127":109,"1,128":110,"1,129":111,"1,130":112,"1,131":113,"1,132":114,"1,133":115,"1,134":116,"1,135":117,"1,136":118,"1,137":119,"1,138":120,"1,139":121,"1,140":122,"1,141":123,"1,142":124,"1,143":125,"1,145":126,"1,147":127,"1,148":128,"1,149":129,"1,150":130,"1,151":131,"1,152":132,"1,153":133,"1,154":134,"1,155":135,"1,156":136,"1,157":137,"1,158":138,"1,159":139,"1,160":140,"1,161":141,"1,162":142,"1,163":143,"1,164":144,"1,165":145,"1,166":146,"1,167":147,"1,168":148,"1,169":149,"1,170":150,"1,171":151,"1,172":152,"1,173":153,"1,174":154,"1,175":155,"1,176":156,"1,177":157,"1,178":158,"1,179":159,"1,180":160,"1,181":161,"1,182":162,"1,183":163,"1,184":164,"1,185":165,"1,186":166,"1,187":167,"1,188":168,"1,189":169,"1,190":170,"1,191":171,"1,192":172,"1,193":173,"1,194":174,"1,195":175,"1,196":176,"1,197":177,"1,198":178,"1,199":179,"1,201":180,"1,203":181,"1,204":182,"1,205":183,"1,206":184,"1,207":185,"1,208":186,"1,209":187,"1,210":188,"1,211":189,"1,212":190,"1,213":191,"1,214":192,"1,215":193,"1,216":194,"1,217":195,"1,218":196,"1,219":197,"1,220":198,"1,221":199,"1,222":200,"1,223":201,"1,224":202,"1,225":203,"1,226":204,"1,227":205,"1,228":206,"1,229":207,"1,230":208,"1,231":209,"1,232":210,"1,233":211,"1,234":212,"1,235":213,"1,236":214,"1,237":215,"1,238":216,"1,239":217,"1,241":218,"1,242":219,"1,243":220,"1,244":221,"1,245":222,"1,246":223,"1,247":224,"1,248":225,"1,249":227,"1,250":228,"1,251":229,"1,252":230,"1,253":231,"1,254":232,"1,255":234,"1,256":235,"1,257":236,"1,258":237,"1,259":238,"1,260":239,"1,261":241,"1,262":242,"1,263":243,"1,264":244,"1,265":245,"1,266":246,"1,267":247,"1,268":248,"1,269":249,"1,270":250,"1,271":251,"1,272":252,"1,273":253,"1,274":254,"1,275":255,"1,276":256,"1,277":257,"1,278":258,"1,279":259,"1,281":260,"1,283":261,"1,284":262,"1,285":263,"1,286":264,"1,287":265,"1,288":266,"1,289":267,"1,290":268,"1,291":269,"1,292":270,"1,293":271,"1,295":272,"1,296":273,"1,297":274,"1,298":275,"1,299":276,"1,300":277,"1,301":278,"1,302":279,"1,303":280,"1,304":281,"1,305":282,"1,306":283,"1,307":284,"1,308":285,"1,309":286,"1,310":287,"1,311":288,"1,312":289,"1,313":290,"1,314":291,"1,315":292,"1,316":293,"1,317":294,"1,318":295,"1,319":296,"1,320":297,"1,321":298,"1,322":299,"1,323":300,"1,324":301,"1,325":302,"1,326":303,"1,327":304,"1,328":305,"1,329":306,"1,330":307,"1,331":308,"1,332":309,"1,333":310,"1,334":311,"1,335":312,"1,336":313,"1,337":314,"1,338":315,"1,339":316,"1,340":317,"1,341":318,"1,342":319,"1,343":320,"1,344":321,"1,345":322,"1,346":323,"1,347":324,"1,348":325,"1,349":326,"1,353":328,"1,354":329,"1,355":330,"1,356":331,"1,357":332,"1,358":333,"1,359":334,"1,360":335,"1,361":336,"1,362":337,"1,363":338,"1,364":339,"1,365":340,"1,366":341,"1,367":342,"1,368":343,"1,369":344,"1,370":345,"1,371":346,"1,372":347,"1,373":348,"1,374":349,"1,375":350,"1,376":351,"1,377":352,"1,378":353,"1,379":354,"1,380":355,"1,381":356,"1,382":357,"1,383":358,"1,384":359,"1,385":360,"1,386":361,"1,387":362,"1,388":363,"1,389":364,"1,390":365,"1,391":366,"1,392":367,"1,393":368,"1,394":369,"1,395":370,"1,396":371,"1,397":372,"1,398":373,"1,399":374,"1,400":375,"1,401":376,"1,402":377,"1,403":378,"1,404":379,"1,405":380,"1,406":381,"1,407":382,"1,408":383,"1,409":384,"1,410":385,"1,411":386,"1,412":387,"1,413":388,"1,415":389,"1,416":390,"1,417":391,"1,418":392,"1,419":393,"1,420":394,"1,421":395,"1,422":396,"1,423":397,"1,424":398,"1,425":399,"1,426":400,"1,427":401,"1,428":402,"1,429":403,"1,430":404,"1,431":405,"1,433":406,"1,434":407,"1,435":408,"1,436":409,"1,437":410,"1,438":411,"1,439":412,"1,440":413,"1,441":414,"1,442":415,"1,443":416,"1,445":417,"1,446":418,"1,447":419,"1,448":420,"1,449":421,"1,450":422,"1,451":423,"1,452":424,"1,453":425,"1,454":426,"1,455":427,"1,456":428,"1,457":429,"1,458":430,"1,459":431,"1,461":432,"1,462":433,"1,463":434,"1,465":435,"1,467":436,"1,468":437,"1,469":438,"1,470":439,"1,471":440,"1,472":441,"1,473":442,"1,474":443,"1,475":444,"1,477":445,"1,478":446,"1,479":447,"1,480":448,"1,481":449,"1,482":450,"1,483":451,"1,484":452,"1,485":453,"1,486":454,"1,487":455,"1,488":456,"1,489":457,"1,490":458,"1,491":459,"1,492":460,"1,493":461,"1,495":462,"1,497":463,"1,498":464,"1,499":465,"1,500":466,"1,501":467,"1,502":468,"1,503":469,"1,504":470,"1,505":471,"1,506":472,"1,507":473,"1,508":474,"1,509":475,"1,510":476,"1,511":477,"1,512":478,"1,513":479,"1,515":480,"1,516":481,"1,517":482,"1,518":483,"1,519":484,"1,520":485,"1,521":486,"1,522":487,"1,523":488,"1,524":489,"1,525":490,"1,526":491,"1,527":492,"1,528":493,"1,529":494,"1,530":495,"1,531":496,"1,532":497,"1,533":498,"1,534":499,"1,535":500,"1,537":501,"1,539":502,"1,540":503,"1,541":504,"1,542":505,"1,543":506,"1,544":507,"1,545":508,"1,546":509,"1,547":510,"1,548":511,"1,549":512,"1,550":513,"1,551":514,"1,552":515,"1,553":516,"1,554":517,"1,555":518,"1,557":519,"1,558":520,"1,559":521,"1,560":522,"1,561":523,"1,562":524,"1,563":525,"1,564":526,"1,565":527,"1,566":528,"1,567":529,"1,568":530,"1,569":531,"1,571":532,"1,573":533,"1,575":534,"1,576":535,"1,577":536,"1,578":537,"1,579":538,"1,580":539,"1,581":540,"1,582":541,"1,583":542,"1,584":543,"1,585":544,"1,586":545,"1,587":546,"1,588":547,"1,589":548,"1,590":549,"1,591":550,"1,592":551,"1,593":552,"1,594":553,"1,595":554,"1,596":555,"1,597":556,"1,598":557,"1,599":558,"1,600":559,"1,601":560,"1,602":561,"1,603":562,"1,604":563,"1,605":564,"1,606":565,"1,607":566,"1,608":567,"1,609":568,"1,610":569,"1,611":570,"1,613":571,"1,614":572,"1,615":573,"1,616":574,"1,617":575,"1,618":576,"1,619":577,"1,620":578,"1,621":579,"1,622":580,"1,623":581,"1,624":582,"1,625":583,"1,626":584,"1,627":585,"1,628":586,"1,629":587,"1,630":588,"1,631":589,"1,632":590,"1,633":591,"1,634":592,"1,635":593,"1,636":594,"1,637":595,"1,638":596,"1,639":597,"1,640":598,"1,641":599,"1,642":600,"1,643":601,"1,645":602,"1,646":603,"1,647":604,"1,648":605,"1,649":606,"1,650":607,"1,651":608,"1,652":609,"1,653":610,"1,654":611,"1,655":612,"1,656":613,"1,657":614,"1,658":615,"1,659":616,"1,660":617,"1,661":618,"1,662":619,"1,663":620,"1,664":621,"1,665":622,"1,666":623,"1,667":624,"1,668":625,"1,669":626,"1,670":627,"1,671":628,"1,672":629,"1,673":630,"1,674":631,"1,675":632,"1,676":633,"1,677":634,"1,678":635,"1,679":636,"1,680":637,"1,681":638,"1,682":639,"1,683":640},"ٜ":{"1":[5,683]},"ٝ":[null,"1,5","1,6","1,7","1,11","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,59","1,61","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,145","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,201","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,281","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,251","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,461","1,462","1,463","1,465","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,495","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,537","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,571","1,573","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683"],"ٞ":{"2":[1],"6":[2],"43":[3,4],"44":[5,6],"45":[7],"55":[8],"97":[9],"126":[10,11],"127":[12],"138":[13],"148":[14],"179":[15,16],"180":[17,18],"181":[19],"191":[20],"199":[21],"206":[22],"217":[23,24],"218":[25,26],"226":[27],"233":[28],"240":[29],"247":[30],"260":[31,32],"261":[33],"275":[34],"284":[35],"314":[36],"327":[37,38],"328":[39],"364":[40],"389":[41],"406":[42],"417":[43],"431":[44,45],"435":[46,47],"436":[48],"445":[49],"448":[50],"454":[51],"462":[52,53],"463":[54],"468":[55],"471":[56],"474":[57],"479":[58,59],"482":[60],"488":[61],"494":[62],"498":[63],"501":[64],"502":[65],"507":[66],"514":[67],"518":[68],"519":[69],"522":[70],"526":[71],"532":[72,73],"533":[74,75],"534":[76],"551":[77],"570":[78],"601":[79]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ـ[أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة]ـ\nالمؤلف: محمد بن عبد الرحمن الخميس\nالناشر: دار الصميعي، المملكة العربية السعودية\nعدد الأجزاء: ١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]\n_________\n(تنبيه): كأن بالكتاب نقصا بعد ص ١١","vol":"1","page":null},{"text":"أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة\nتأليف: محمد بن عبد الرحمن الخميس\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ \"سورة آل عمران: الآية١٠٢\".\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ \"سورة النساء: الآية١\".\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ \"سورة الأحزاب: الآيتان٧٠-٧١\".\nأما بعد: فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.\nوبعد:\nفإن أعظم نعم الله ﷿ على هذه الأمة أن أنزل إليها خير كتبه،","vol":"1","page":5},{"text":"وأرسل إليها أفضل خلقه وجعلها خير أمة أخرجت للناس، وحفظ لها كتابها الكريم وسنة رسوله ﷺ، وهما أصل هذا الدين ومنبعه الصافي فلا تنال منهما أبدا أيدي العابثين.\nثم جعل الصحابة والتابعين وأتباعهم بالحق على بصيرة، قائمين بالحق والهدى، مبتعدين عن الهوى والردى، همهم الأول فهم نصوص الكتاب والسنة والتمسك بهما، والاعتصام بهديهما.\nثم جعل من العلماء في كل عصر من دعا إلى الكتاب والسنة، ليبددوا بهما أرجاس الشركيات والوثنيات، ويبددوا بهما ظلمات البدع والخرافات ومنهم الأئمة الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، فكلهم متفقون على وجوب التمسك بالكتاب والسنة والرجوع إليهما وترك كل قول يخالفهما؛ فهذا الإمام أبو حنيفة يقول:\n\"إذا صح الحديث فهو مذهبي\" ١.\nويقول: \"لا يحل لمن يفتي من كتبي أن يفتي حتى يعلم من أين قلت\" ٢.\nوهذا قول الإمام مالك: \"إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه ... \" ٣.\n_________\n١ حاشية ابن عابدين ١/٦٧؛ ورسم المفتي من مجموعة رسائل ابن عابدين ١/٤؛ وإيقاظ الهمم ص٦٢.\n٢ الانتقاء لابن عبد البر ص١٤٥؛ وانظر رسم المفتي ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين ٣٢،٢٩؛ والميزان الكبرى للشعراني ١/٥٨.\n٣ إيقاظ الهمم ص ٧٢.","vol":"1","page":6},{"text":"وهذا الشافعي يقول: \"إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلت\"، وفي رواية: \"فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحد ... \"١.\nوهذا الإمام أحمد يقول: \"من رد حديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة ... \" ٢. ويقول: \"لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا ... \"٣.\nتلك أقوال الأئمة ﵃ في الأمر بالتمسك بالسنة والنهي عن مخالفتها، ومع ذلك فقد تعصب بعض الناس للأئمة وخاصة للإمام أبي حنيفة حتى قاربوا به منازل النبيين والمرسلين، فزعموا أن التوراة بشَّرت ٤ به وأن محمدا ﷺ ذكره باسمه وبيّن أنه سراج أمته ٥، ونعتوه\n_________\n١ كتاب مسألة الاحتجاج بالشافعي ص٧٢؛ ومناقب الشافعي ١/٤٧٢، والرواية الأخرى لأبي نعيم في الحلية \"٩/١٠٧\".\n٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/٤٣٠.\n٣ إعلام الموقعين ٢/٢٠١؛ وانظر مسائل أبي داود ص٢٧٧؛ وإيقاظ الهمم ص١١٣.\n٤ روى المكي في مناقب أبي حنيفة ص ٢٠ عن عبد الكريم بن مسفر أنه قال: \"سمعت جماعة من أهل العلم يقولون: مكتوب في التوراة صفة كعب الأحبار والنعمان بن ثابت ومقاتل بن سليمان\"، وأورده الكَرْدي ص ٤١.\n٥ من ذلك زعم بعضم أن الرسول ﷺ قال: \"سيكون في أمتي رجل اسمه النعمان وكنيته أبو حنيفة هو سراج أمتي هو سراج أمتي هو سراج أمتي \". أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ١٣/٣٥٥،٣٣٦؛ وأورده ابن حجر في اللسان ٥/١٧٩، والسيوطي في اللآلئ ١/٤٥٧، واستدل بعض الحنفية به على فضل أبي حنيفة، انظر مناقب المكي ص ١٥، والدر المختار على الرد المحتار ١/٥٢.\nقال الخطيب: \"هو حديث موضوع تفرد بروايته البورقي وقد شرحنا فيما تقدم - قلت: يشير إلى ما ذكره في ترجمة محمد بن سعيد البورقي ٥/٣٠٩، ٣١٠ - ثم قال: حدثت عن الحاكم أنه قال: هذا البورقي قد وضع المناكير على الثقات =","vol":"1","page":7},{"text":"بالصفات والمناقب ما عدوا به رتبته وتجاوزا معه درجته ١، وتعصب\n_________\n= ما لا يحصى وأفحشها روايته عن بعض مشايخه، عن الفضل بن موسى السناني، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة ثم ذكر الحديث وقال على أثره هكذا حدث به في بلاد خراسان، ثم حدث به بالعراق وزاد فيه أنه قال: \"سيكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس فتنته على أمتي أضر من فتنة إبليس\"، قال الخطيب بعده: \"ما كان أجرأ هذا الرجل على الكذب كأنه لم يسمع حديث رسول الله ﷺ \"من كذب عليَّ متعمِّدا فليتبوّأ مقعده من النار\" نعوذ بالله من غلبة الهوى ونسأله التوفيق لما يحبه ويرضى\".\n١ من ذلك قول الحصكفي: \"إن أبا حنيفة النعمان من أعظم معجزات المصطفى بعد القرآن وحسبك من مناقبه اشتهار مذهبه، ما قال قولا إلا أخذ به إمام من الأئمة الأعلام، قد جعل الله الحكم لأصحابه وأتباعه من زمنه إلى هذه الأيام إلى أن يحكم بمذهبه عيسى بن مريم ﵇\" الدر المختار ١/٥٦،٥٥.\nوهذا القول في نظري تَقَوُّلٌ وغلو ظاهر وتنقص لنبي الله عيسى ﵇ إذ كيف يظن بنبي أن يتبع عالما مجتهدا؟! وقد رد ذلك القول ابن عابدين في حاشيته ونقل قول السيوطي في رد ذلك وفيه: \" ... ما يقال إنه يحكم - أي عيسى ﵇ بمذهب من المذاهب الأربعة باطل لا أصل له. وكيف يظن بنبي أنه يقلد مجتهدا مع أن المجتهد من آحاد هذه الأمة لا يجوز له التقليد، إنما يحكم بالاجتهاد ... \" رد المحتار ١/٥٧.\nكما زعم الحصكفي أن سهل بن عبد الله التستري قال: \"لو كان في أمتي موسى وعيسى مثل أبي حنيفة لما تهودوا ولما تنصروا\" الدر المختار ١/٥٣، والأحرى أن هذا كذب على سهل، وهو قول باطل في نفسه فقد عبد بنوا إسرائيل عجلا وهارون نبي الله بينهم، وكذلك كفر من كفر منهم وعيسى ﵇ بين أظهرهم كما قال تعالى: ﴿أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ \"سورة آل عمران: الآية٥٢\".\nومن ذلك قول الحصكفي: \"وعنه ﵇: إن سائر الأنبياء يفتخرون بي، وأنا أفتخر بأبي حنيفة، من أحبه فقد أحبني ومن أبغضه فقد أبغضني\" الدر المختار ١/٥٢.\nوهذا لا شك كذب محض لا يجوز ذكره فضلا عن اعتقاده.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تمهيد</span>\nفي بيان أن اعتقاد الأئمة الأربعة واحد في مسائل أصول الدين ما عدا مسألة الإيمان\nاعتقاد الأئمة الأربعة - أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - هو ما نطق به الكتاب والسنَّة، وما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان. وليس بين هؤلاء الأئمة ولله الحمد نزاع في أصول الدين، بل هم متفقون على الإيمان بصفات الرب، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الإيمان لا بدّ فيه من تصديق القلب واللسان. بل كانوا ينكرون على أهل الكلام، من جهمية وغيرهم وممن تأثروا بالفلسفة اليونانية والمذاهب الكلامية ...\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\" ... ولكن من رحمة الله بعباده، أن الأئمة الذين لهم في الأمة لسان صدق كالأئمة الأربعة وغيرهم ... كانوا ينكرون على أهل الكلام من الجهمية قولهم في القرآن والإيمان وصفات الرب، وكانوا متفقين على ما كان عليه السلف من أن الله يرى في الآخرة وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الإيمان لا بد فيه من تصديق القلب واللسان ... \" ١.\nوقال: \"إن الأئمة المشهورين كلهم يثبتون الصفات لله تعالى\n_________\n١ كتاب الإيمان ٣٥٠، ٣٥١، دار الطباعة المحمدية تعليق محمد الهراس.","vol":"1","page":21},{"text":"ويقولون: إن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، ويقولون: إن الله يرى في الآخرة، هذا مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أهل البيت وغيرهم، وهذا مذهب الأئمة المتبوعين، مثل مالك بن أنس، والثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي وأحمد..\" ١.\nوسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن اعتقاد الشافعي فأجاب بقوله:\n\"اعتقاد الشافعي ﵁، واعتقاد سلف الإسلام، كمالك، والثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، هو اعتقاد المشايخ المقتدى بهم، كالفضيل بن عياض، وأبي سليمان الدارمي، وسهل بن عبد الله التستري، وغيرهم، فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة وأمثالهم نزاع في أصول الدين وكذلك أبو حنيفة ﵀ فإن الاعتقاد الثابت عنه في التوحيد والقدر ونحو ذلك، موافق لاعتقاد هؤلاء واعتقاد هؤلاء هو ما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وهو ما نطق به الكتاب والسنة\" ٢.\nوهذا ما اختاره العلامة صديق حسن خان حيث يقول:\n\"فمذهبنا مذهب السلف إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل، وهو مذهب أئمة الإسلام، كمالك، والشافعي، والثوري، وابن المبارك، والإمام أحمد ... وغيرهم، فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة نزاع في أصول الدين، وكذلك أبو حنيفة ﵁ فإن الاعتقاد الثابت عنه موافق لاعتقاد هؤلاء، وهو الذي نطق به الكتاب والسنة ... \" ٣.\n_________\n١ منهاج السنة ٢/١٠٦.\n٢ مجموع الفتاوى ٥/٢٥٦.\n٣ قطف الثمر ص ٤٧،٤٨.","vol":"1","page":22},{"text":"وهاك طائفة من أقوال الأئمة الثلاثة - مالك، والشافعي، وأحمد - \"أما أبو حنيفة فستأتي أقواله مفصلة في موضعها\" - فيما يعتقدونه في مسائل أصول الدين، مع بيان موقفهم من علم الكلام.\nأولا - الإمام مالك بن أنس.\n\"أ\" قوله في التوحيد:\n١- أخرج الهروي عن الشافعي قال: سئل الإمام مالك عن الكلام والتوحيد؛ فقال مالك: \"محال أن يُظنَّ بالنبي ﷺ أنه علَّم أمَّته الاستنجاء، ولم يعلمهم التوحيد، والتوحيد ما قاله النبي ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله\" ١، فما عصم به المال والدم حقيقة التوحيد\" ٢.\n٢- وأخرج الدارقطني عن الوليد بن مسلم قال: \"سألت مالكا، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد عن الأخبار في الصفات؛ فقالوا: أمرّوها كما جاءت\" ٣.\n_________\n١ أخرجه البخاري: كتاب الزكاة باب وجوب الزكاة ٣/٢٦٢ ح١٣٩٩، ومسلم: كتاب الإيمان باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ١/٥١ ح٣٢٤، والنسائي: كتاب الزكاة باب مانع الزكاة ٥/١٤ ح٢٤٤٣؛ جميعهم من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة. وأخرجه أبو داود: كتاب الجهاد باب على ما يقاتل المشركون ٣/١٠١ ح٢٦٤٠ من طريق أبي صالح عن أبي هريرة.\n٢ ذم الكلام \"ق-٢١٠\".\n٣ أخرج هذا الأثر الدارقطني في الصفات ص ٧٥؛ والآجري في الشريعة ص ٣١٤، والبيهقي في الاعتقاد ص ١١٨؛ وابن عبد البر في التمهيد ٧/١٤٩.","vol":"1","page":23},{"text":"٣- وقال ابن عبد البر: \"سئل مالك أيرى الله يوم القيامة؟ فقال: نعم يقول الله ﷿ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ \"سورة القيامة: الآيتان ٢٢-٢٣\".\nوقال لقوم آخرين: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ \" سورة المطففين: الآية١٥\"١ \".\nأورد القاضي عياض في ترتيب المدارك ٢، عن ابن نافع٣، وأشهب ٤، وأحدهما قال: يزيد على الآخر: يا أبا عبد الله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ينظرون إلى الله؟ قال: نعم بأعينهم هاتين، فقلت له: فإن قوما يقولون: لا ينظر إلى الله، إن \"ناظرة\" بمعنى منتظرة قال: كذبوا بل ينظر إلى الله أما سمعت قول موسى ﵇ ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ \"سورة الأعراف: الآية١٤٣\".\nأترى موسى سأل ربه محالا؟ فقال الله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ \"سورة الأعراف: الآية١٤٣\".\n_________\n١ الانتقاء ص ٣٦.\n٢ ٢/٤٢.\n٣ الذي يروي عن الإمام مالك باسم ابن نافع رجلان. أما الأول فهو عبد الله بن نافع بن ثابت الزبيري أبو بكر المدني قال عنه ابن حجر: \"صدوق مات سنة ٢١٦ هـ\". وأما الثاني فهو عبد الله بن نافع بن أبي نافع المخزومي مولاهم أبو محمد المدني قال عنه ابن حجر: \"ثقة صحيح الكتاب في حفظه لين مات سنة ٢٠٦ هـ وقيل بعدها\". تقريب التهذيب ١/٤٥٥-٤٥٦؛ وتهذيب التهذيب ٦/٥٠-٥٥١.\n٤ هو أشهب بن عبد العزيز بن داود القيسي أبو عمر المصري قال عنه ابن حجر: \"ثقة فقيه مات سنة ٢٠٤ هـ\"، تقريب التهذيب ١/٨٠. وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ١/٣٥٩.","vol":"1","page":24},{"text":"أي في الدنيا لأنها دار فناء ولا ينظر ما يبقى بما يفنى فإذا صاروا إلى دار البقاء نظروا بما يبقى إلى ما يبقى وقال الله: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ \"سورة المطففين: الآية١٥\".\n٤- وأخرج أبو نعيم عن جعفر بن عبد الله قال: \"كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟\nفما وجد ١ مالك من شيء ما وجد من مسألته، فنظر إلى الأرض، وجعل ينكت بعود في يده علاه الرحضاء - يعني العرق - ثم رفع رأسه ورمى بالعود، وقال: الكيف منه غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأظنك صاحب بدعة وأمر به فأخرج\" ٢.\n٥- وأخرج أبو نعيم عن يحيى بن الربيع قال: \"كنت عند مالك بن أنس، ودخل عليه رجل فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول فيمن يقول القرآن مخلوق؟ \"\n_________\n١ جاء في لسان العرب ٣/٤٤٦؛ \"وجد عليه في الغضب يُجِدُ ويَجِدُ وجدا ومَوْجِدَة ووجدانا غضب، وفي حديث الإيمان، إني سائلك فلا تجد عليّ أي لا تغضب من سؤالي\".\n٢ الحلية ٦/٣٢٥،٣٢٦. وأخرجه أيضا الصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث ص ١٧-١٨ من طريق جعفر بن عبد الله عن مالك وابن عبد البر في التمهيد ٧/١٥١؛ من طريق عبد الله بن نافع عن مالك والبيهقي في الأسماء والصفات ص ٤٠٨ من طريق عبد الله بن وهب عن مالك قال الحافظ ابن حجر في الفتح ١٣/٤٠٦، ٤٠٧: إسناده جيد وصححه الذهبي في العلو ص ١٠٣.","vol":"1","page":25},{"text":"فقال مالك: زنديق ١ فاقتلوه فقال: يا أبا عبد الله، إنما أحكي كلاما سمعته فقال: لم أسمعه من أحد، إنما سمعته منك، وعظَّم هذا القول\" ٢.\n٦- وأخرج ابن عبد البر عن عبد الله بن نافع قال: \"كان مالك بن أنس يقول: من قال القرآن مخلوق يوجع ضربا ويحبس حتى يتوب\" ٣.\n٧- وأخرج أبو داود عن عبد الله بن نافع قال: \"قال مالك: الله في السماء، وعلمه في كل مكان\"٤.\n\"ب\" قوله في القدر:\n١- أخرج أبو نعيم عن ابن وهب ٥ قال: \"سمعت مالكا يقول لرجل: سألتني أمس عن القدر؟ قال: نعم. قال: إن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ \"سورة السجدة:١٣\".\n_________\n١ الزنديق: كلمة معربة عن الفارسية استعملها المسلمون أولا في الدلالة على القائلين بالأصلين النور والظلمة على مذهب المانوية وغيرهم، ثم اتسع معناها عندهم، فشمل الدهريين والملحدين وسائر أصحاب المعتقدات الضالة، بل أطلق على المتشككين وكل متحرر عن أحكام الدين فكرا وعملا.\nانظر الموسوعة الميسرة ١/٩٢٩، وتاريخ الإلحاد لعبد الرحمن بدوي ص ٢٤-٣٢.\n٢ الحلية ٦/٣٢٥، وأخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/٢٤٩، من طريق أبي محمد يحيى بن خلف عن مالك، وأورده القاضي عياض في ترتيب المدارك ٢/٤٤.\n٣ الانتقاء ص٣٥.\n٤ رواه أبو داود في مسائل الإمام أحمد ص ٢٦٣، وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة ص١١ الطبعة القديمة وابن عبد البر في التمهيد ٧/١٣٨.\n٥ هو عبد الله بن وهب القرشي مولاهم المصري قال عنه ابن حجر: \"الفقيه ثقة حافظ عابد مات سنة ١٩٧هـ، تقريب التهذيب ١/٤٦٠.","vol":"1","page":26},{"text":"فلا بد أن يكون ما قال الله تعالى\" ١.\n٢- وقال القاضي عياض: \"سئل الإمام مالك عن القدرية من هم؟ قال: من قال: ما خلق المعاصي، وسئل كذلك عن القدرية؟ قال: هم الذين يقولون إن الاستطاعة إليهم، إن شاؤوا أطاعوا، وإن شاؤوا عصوا\" ٢.\n٣- وأخرج ابن أبي عاصم عن سعيد بن عبد الجبار قال: \"سمعت مالك بن أنس يقول: رأيي فيهم أن يستتابوا؛ فإن تابوا، وإلا قتلوا - يعني القدرية ـ\" ٣.\n٤- وقال ابن عبد البر: \"قال مالك: ما رأيت أحدا من أهل القدر، إلا أهل سخافة وطيش وخفة\" ٤.\n٥- وأخرج ابن أبي عاصم عن مروان بن محمد الطاطري قال: \"سمعت مالك بن أنس يسأل عن تزويج القدري؟ فقرأ ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ \"سورة البقرة: الآية٢٢١\" ٥.\n٦- وقال القاضي عياض: \"قال مالك: لا تجوز شهادة القدري الذي يدعو ٦ ولا الخارجي، والرافضي\" ٧.\n_________\n١ الحلية ٦/٣٢٦.\n٢ ترتيب المدارك ٢/٤٨. وانظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٧٠١؛ والمقصود نفي أن يكون الله تعالى خلق المعاصي.\n٣ السنة لابن أبي عاصم ١/٨٧، ٨٨؛ وأخرجه أيضا أبو نعيم في الحلية ٦/٣٢٦.\n٤ الانتقاء ص٣٤.\n٥ السنة لابن أبي عاصم ١/٨٨؛ الحلية ٦/٣٢٦.\n٦ يدعو إلى بدعته.\n٧ ترتيب المدارك ٢/٤٧.","vol":"1","page":27},{"text":"٧ - وقال القاضي عياض: \"سئل مالك عن أهل القدر؟ أنكف عن كلامهم؟ قال: نعم إذا كان عارفا بما هو عليه، وفي رواية أخرى قال: لا يصلى خلفهم، ولا يقبل عنهم الحديث، وإن وافيتموهم في ثغر؛ فأخرجوهم منه\" ١.\n\"ج\" قوله في الإيمان:\n١- أخرج ابن عبد البر، عن عبد الرزاق بن همام، قال: \"سمعت ابن جريج ٢، وسفيان الثوري، ومعمر بن راشد، وسفيان بن عيينة، ومالك بن أنس يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص\" ٣.\n٢- وأخرج أبونعيم، عن عبد الله بن نافع قال: \"كان مالك بن أنس يقول: الإيمان قول وعمل\" ٤.\nوأخرج ابن عبد البر، عن أشهب بن عبد العزيز، قال: \"قال مالك: فقام الناس يصلون نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم أمروا بالبيت الحرام، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ \"سورة البقرة: الآية١٤٣\".\nأي صلاتكم إلى بيت المقدس. قال مالك: وإني لأذكر بهذه قول المرجئة: إن الصلاة ليست من الإيمان\"٥.\n_________\n١ ترتيب المدارك ٢/٤٧.\n٢ هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي الأموي مولاهم المكي، قال عنه الذهبي: \"الإمام الحافظ فقيه الحرم أبو الوليد\". مات سنة ١٥٠هـ، تذكرة الحفاظ ١/١٦٩. وانظر ترجمته في تاريخ بغداد ١٠/٤٠٠.\n٣ الانتقاء ص٣٤.\n٤ الحلية ٦/٣٢٧.\n٥ الانتقاء ص٣٤.","vol":"1","page":28},{"text":"\"د\" قوله في الصحابة:\nأخرج أبو نعيم، عن عبد الله العنبري ١ قال: \"قال مالك بن أنس: من تنقَّص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ، أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين. ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ \"سورة الحشر:١٠\".\nفمن تنقصهم، أو كان في قلبه عليهم غل، فليس له في الفيء حق\" ٢.\n٢- وأخرج أبو نعيم، عن رجل من ولد الزبير ٣ قال: \"كنا عند مالك، فذكروا رجلا يتنقَّص أصحاب رسول الله ﷺ فقرأ مالك هذه الآية ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ﴾ - جتى بلغ - ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ \"سورة الفتح: الآية٢٩\".\nفقال مالك: من أصبح في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته الآية\" ٤.\n٣- وأورد القاضي عياض، عن أشهب بن عبد العزيز قال: \"كنا\n_________\n١ هو عبد الله بن سُوار بن عبد الله العنبري البصري القاضي، قال عنه ابن حجر: \"ثقة مات سنة ٢٢٨هـ\"، وقيل غير ذلك. تقريب التهذيب ١/٤٢١؛ وتهذيب التهذيب ٥/٢٤٨.\n٢ الحلية ٦/٣٢٧.\n٣ الذي تتلمذ على مالك وسمع منه من ولد الزبير بن العوام هو عبد الله بن نافع بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام. وقد تقدم التعريف به ومصعب بن عبد الله بن مصعب وسيأتي التعريف به.\n٤ الحلية ٦/٣٢٧.","vol":"1","page":29},{"text":"عند مالك إذ وقف عليه رجل من العلَويين، وكانوا يقبلون على مجلسه فناداه: يا أبا عبد الله، فأشرف له مالك، ولم يكن إذا ناداه أحد يجيبه أكثر من أن يشرف برأسه فقال له الطالبي: إني أريد أن أجعلك حجة فيما بيني وبين الله، إذا قدمت عليه فسألني، قلت له: مالك قال لي.\nفقال له: قل.\nفقال: من خير الناس بعد رسول الله ﷺ؟\nقال: أبو بكر، قال العلوي: ثم من؟ قال مالك: ثم عمر. قال العلوي: ثم من؟ قال: الخليفة المقتول ظلما، عثمان، قال العلوي: والله لا أجالسك أبدا. قال له مالك: فالخيار إليك\" ١.\n\"هـ\" نهيه عن الكلام والخصومات في الدين.\nأخرج ابن عبد البر، عن مصعب بن عبد الله الزبيري ٢ قال: \"كان مالك بن أنس يقول: الكلام في الدين أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه، نحو الكلام في رأي جهم والقدر وكل ما أشبه ذلك، ولا يحب الكلام إلا فيما تحته عمل. فأما الكلام في دين الله، وفي الله ﷿، فالسكوت أحب إليّ لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين، إلا فيما تحته عمل\" ٣.\n_________\n١ ترتيب المدارك.٢/٤٤-٤٥\n٢ هو مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي المدني نزيل بغداد، قال عنه ابن حجر: \"صدوق عالم بالنسب مات سنة ٢٣٦هـ\". تقريب التهذيب ٢/٢٥٢. وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ١٠/١٦٢.\n٣ جامع بيان العلم وفضله ص٤١٥. ط دار الكتب الإسلامية.","vol":"1","page":30},{"text":"٢- وأخرج أبو نعيم، عن عبد الله بن نافع قال: \"سمعت مالكا يقول: لو أن رجلا ارتكب الكبائر كلها بعد ألاَّ يشرك بالله، ثم تخلى من هذه الأهواء والبدع - وذكر كلاما - دخل الجنة\" ١.\n٣- وأخرج الهروي، عن إسحاق بن عيسى ٢ قال: \"قال مالك: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كُذِّب\" ٣.\n٤- وأخرج الخطيب، عن إسحاق بن عيسى قال: \"سمعت مالك بن أنس يعيب الجدال في الدين، ويقول: كلما جاءنا رجل أجدل من رجل؛ أرادنا أن نرد ما جاء به جبريل إلى النبي ﷺ \" ٤.\n٥- وأخرج الهروي، عن عبد الرحمن بن مهدي قال: \"دخلت على مالك وعنده رجل يسأله، فقال: لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد لعن الله عمرو بن عبيد، فإنه ابتدع هذه البدعة من الكلام، ولو كان الكلام علما لتكلم فيه الصحابة والتابعون، كما تكلموا في الأحكام والشرائع\" ٥.\n٦- وأخرج الهروي، عن أشهب بن عبد العزيز قال: \"سمعت مالكا يقول: إياكم والبدع، قيل: يا أبا عبد الله، وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله، وصفاته، وكلامه، وعلمه، وقدرته، ولايسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان\" ٦.\n_________\n١ الحلية ٦/٣٢٥.\n٢ هو إسحاق بن عيسى بن نجيح البغدادي، قال عنه ابن حجر: \"صدوق مات ٢١٤هـ\". تقريب التهذيب ١/٦٠. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ١/٢٤٥.\n٣ ذم الكلام \"ق١٧٣-أ\".\n٤ شرف أصحاب الحديث ص٥.\n٥ ذم الكلام \"ق١٧٣-ب\".\n٦ ذم الكلام \"ق١٧٣-أ\".","vol":"1","page":31},{"text":"٧- وأخرج أبونعيم، عن الشافعي قال: \"كان مالك بن أنس إذا جاءه بعض أهل الأهواء قال: أما إني على بينة من ربي وديني، وأما أنت فشاكٌّ، فاذهب إلى شاكٍّ فخاصمه\" ١.\n٨- روى ابن عبد البر، عن محمد بن أحمد بن خويزِ منداد المصري المالكي، قال في كتاب الإجارات من كتابه الخلاف: قال مالك: لا تجوز الإجارات في شيء من كتب الأهواء والبدع والتنجيم وذكر كتبا، ثم قال: وكتب أهل الأهواء والبدع عند أصحابنا هي كتب أصحاب الكلام من المعتزلة وغيرهم، وتفسخ الإجارة في ذلك\" ٢.\nثانيا - الإمام الشافعي\n\"أ\" قوله في التوحيد:\n١- أخرج البيهقي، عن الربيع بن سليمان قال: \"قال الشافعي: من حلف بالله، أو باسم من أسمائه، فحنث؛ فعليه الكفارة. ومن حلف بشيء غير الله، مثل أن يقول الرجل: والكعبة، وأبي، وكذا وكذا ما كان، فحنث؛ فلا كفارة عليه. ومثل ذلك قوله: لعمري.. لا كفارة عليه. ويمين بغير الله فهي مكروهة، منهي عنها من قبل قول الرسول ﷺ: \"إن الله ﷿ نهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليسكت\" ٣ ... \" ٤.\n_________\n١ الحلية ٦/٣٢٤.\n٢ جامع بيان العلم وفضله ص٤١٦ ٤١٧، دار الكتب الإسلامية.\n٣ أخرجه البخاري: كتاب الأيمان والنذور باب لا تحلفوا بآبائكم ١١/٥٣٠، ومسلم: كتاب الإيمان باب النهي عن الحلف بغير الله ٣/١٢٦٦ ح١٦٤٦.\n٤ مناقب الشافعي ١/٤٠٥.","vol":"1","page":32},{"text":"وعلَّل الشافعي ذلك بأن أسماء الله غير مخلوقة؛ فمن حلف باسم الله، فحنث؛ فعليه الكفارة ١.\n٢- وأورد ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية، عن الشافعي أنه قال: \"القول في السنة التي أنا عليها، ورأيت أصحابنا عليها، أهل الحديث الذين رأيتهم، وأخذت عنهم مثل سفيان، ومالك، وغيرهما: الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء، وأن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء\" ٢.\n٣- وأورد الذهبي عن المزني قال: \"قلت إن كان أحد يخرج ما في ضميري، وما تعلَّق بخاطري من أمر التوحيد؛ فالشافعي، فصرت إليه وهو في مسجد مصر، فلما جثوت بين يديه، قلت: هجس في ضميري مسألة في التوحيد، فعلمت أن أحدا لا يعلم علمك، فما الذي عندك؟ فغضب ثم قال: أتدري أين أنت؟ قلت: نعم. قال: هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون، أبلغك أن رسول الله ﷺ أمر بالسؤال عن ذلك؟ قلت: لا، قال: هل تكلم فيه الصحابة؟ قلت: لا، قال: أتدري كم نجما في السماء؟ قلت: لا، قال: فكوكب منها تعرف جنسه، طلوعه، أفوله،\n_________\n١ رواه ابن أبي حاتم في آداب الشافعي ص١٩٣، وأبو نعيم في الحلية ٩/١١٢، ١١٣، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠/٢٨، وفي الأسماء والصفات ص٢٥٥، ٢٥٦، وذكره البغوي في شرح السنة ١/١٨٨، وانظر العلو ص١٢١، ومختصره ص٧٧.\n٢ اجتماع الجيوش الإسلامية ص١٦٥، إثبات صفة العلو ص١٢٤، وانظر مجموع الفتاوى ٤/١٨١-١٨٣؛ والعلو للذهبي ص١٢٠، ومختصره للألباني ص١٧٦.","vol":"1","page":33},{"text":"ممَّ خلق؟ قلت: لاَ، قال: فشيء تراه بعينك من الخلق لست تعرفه تتكلم في علم خالقه؟ ثم سألني عن مسألة في الوضوء فأخطأت فيها، ففرَّعها على أربعة أوجه، فلم أصب في شيء منه، فقال: شيء تحتاج إليه في اليوم خمس مرات؛ تدع علمه وتتكلف علم الخالق إذا هجس في ضميرك ذلك. فارجع إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ \"سورة البقرة: الآيتان ١٦٣-١٦٤\".\nفاستدل بالمخلوق على الخالق، ولا تتكلف على ما لم يبلغه عقلك\" ١.\n٤- وأخرج ابن عبد البر، عن يونس بن عبد الأعلى ٢، قال: \"سمعت الشافعي يقول: إذا سمعت الرجل يقول الاسم غير المسمى، أو الشيء غير الشيء، فاشهد عليه بالزندقة\" ٣.\n٥- وقال الشافعي في كتابه الرسالة: \"والحمد لله ... الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه\" ٤.\n٦- وأورد الذهبي في السير عن الشافعي أنه قال: \"نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن، ووردت بها السنة، وننفي التشبيه عنه، كما نفى عن نفسه، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ \"سورة الشورى: الآية١١\" ٥.\n_________\n١ سير أعلام النبلاء ١٠/٣١.\n٢ هو يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة الصدفي المصري قال عنه ابن حجر: \"ثقة من صغار العاشرة مات سنة ٢٦٤هـ\"؛ تقريب التهذيب ٢/٣٨٥، وانظر ترجمته في شذرات الذهب ٢/١٤٩؛ وطبقات الشافعية لابن هداية الله ص٢٨.\n٣ الانتقاء ص٧٩؛ ومجموع الفتاوى ٦/١٨٧.\n٤ الرسالة ص٧، ٨..\n٥ السير ٢٠/٣٤١.","vol":"1","page":34},{"text":"٧- وأخرج ابن عبد البر عن الربيع بن سليمان قال: \"سمعت الشافعي يقول في قول الله ﷿ ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ \"سورة المطففين: الآية١٥\".\nأعلمنا الله أن ثم قوما غير محجوبين، ينظرون إليه، لا يضامون في رؤيته\" ١.\n٨- وأخرج اللالكائي، عن الربيع بن سليمان قال: \"حضرت محمد بن إدريس الشافعي، جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، قال الشافعي: \"فلما حجبوا هؤلاء في السخط، كان هذا دليلا على أنه يرونه في الرضا. قال الربيع: قلت يا أبا عبد الله وبه تقول؟ قال: نعم به أدين الله\" ٢.\n٩- وأخرج ابن عبد البر، عن الجارودي ٣ قال: \"ذُكر عند الشافعي، إبراهيم بن إسماعيل بن عليَّة ٤ فقال: أنا مخالف له في كل شيء، وفي قول لا إله إلا الله، لست أقول كما يقول. أنا أقول لا إله إلا الله الذي كلم موسى ﵇ تكليما من وراء حجاب، وذاك يقول\n_________\n١ الانتقاء ص٧٩.\n٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٥٠٦.\n٣ لعله موسى بن أبي الجارود قال عنه النووي: \"أحد أصحاب الشافعي والآخذين عنه والرواة عنه\"، وقال ابن هبة الله: \"كان يفتي بمكة على مذهب الشافعي ولا يعلم تاريخ وفاته\". تهذيب الأسماء واللغات ٢/١٢٠؛ وطبقات الشافعي لابن هداية الله ص١٢٩.\n٤ هو إبراهيم بن إسماعيل بن عُلَيَّة قال عنه الذهبي: \"جهمي هالك كان يناظر ويقول بخلق القرآن مات سنة ٢١٨هـ\"؛ ميزان الاعتدال ١/٢٠، وانظر ترجمته في لسان الميزان ١/٣٤، ٣٥.","vol":"1","page":35},{"text":"لا إله إلا الله الذي خلق كلاما أسمعه موسى من وراء حجاب\" ١.\n١٠- وأخرج اللالكائي عن الربيع بن سليمان، قال الشافعي: \"من قال القرآن مخلوق؛ فهو كافر\"٢.\n١١- وأخرج البيهقي عن أبي محمد الزبيري قال: \"قال رجل للشافعي، أخبرني عن القرآن خالق هو؟ قال الشافعي: اللهم لا، قال: فمخلوق؟ قال الشافعي: اللهم لا، قال: فغير مخلوق: قال الشافعي: اللهم نعم، قال: فما الدليل على أنه غير مخلوق؟ فرفع الشافعي رأسه وقال: تقر بأن القرآن كلام الله؟ قال: نعم. قال الشافعي: سبقت في هذه الكلمة، قال الله تعالى ذكره: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ \"سورة التوبة: الآية٦\".\n﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ .\nقال الشافعي: فتقر بأن الله كان، وكان كلامه؟ أو كان الله، ولم يكن كلامه؟ فقال الرجل: بل كان الله، وكان كلامه قال: فتبسم الشافعي وقال: يا كوفيون إنكم لتأتوني بعظيم من القول إذا كنتم تقرّون بأن الله كان قبل القبل، وكان كلامه. فمن أين لكم الكلام: إن الكلام اللهُ، أو سوى اللهِ، أو غير اللهِ، أو دون الله؟ قال: فسكت الرجل وخرج\" ٣.\n١٢- وفي جزء الاعتقاد المنسوب للشافعي - من رواية أبي طالب العشاري ٤ - ما نصه قال: وقد سئل عن صفات الله ﷿، وما ينبغي\n_________\n١ الانتقاء ص٧٩، والقصة ذكرها الحافظ عن مناقب الشافعي للبيهقي، اللسان ١/٣٥.\n٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/٢٥٢.\n٣ مناقب الشافعي ١/٤٠٧، ٤٠٨.\n٤ هو محمد بن علي العشاري شيخ صدوق معروف وقد تفرد برواية هذا الجزء =","vol":"1","page":36},{"text":"أن يؤمن به؛ فقال: \"لله ﵎ أسماء وصفات، جاء بها كتابه وخبَّر بها نبيه ﷺ أمته، لا يسع ١ أحدا من خلق الله ﷿ قامت لديه ١ الحجة أن القرآن نزل به، وصحَّ عنده ٢ قول النبي ﷺ فيما روى عنه، العدلَ خلافه ٣، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجّة عليه؛ فهو كافر بالله ٤ ﷿. فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر؛ فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل، ولا بالدراية ٥ والفكر. ونحو ذلك إخبار الله ﷿ أنه سميع وأن له يدين بقوله ﷿:\n﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ \"سورة المائدة: الآية٦٤\".\nوأن له يمينا بقوله ﷿: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ \"سورة الزمر: الآية٦٧\".\nوأن له وجها بقوله ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ \"سورة القصص: الآية٨٨\".\n_________\n١ في الطبقات: \"لا يسمع\".\n١ في الطبقات: \"عليه\".\n٢ في الطبقات: \"عنه بقوله\".\n٣ في الطبقات: سقطت كلمة \"خلافه\".\n٤ في الطبقات: \"فهو بالله كافر\".\n٥ في الطبقات: \"ولا بالرواية\".","vol":"1","page":37},{"text":"وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ \"سورة الرحمن: الآية٢٧\"..\nوأن له قدما بقوله ﷺ: \"حتى يضع الرب ﷿ فيها قدمه\" ١.\nيعني جهنم؛ لقوله ﷺ للذي قتل في سبيل الله ﷿ أنه: \"لقي الله ﷿ وهو يضحك إليه \" ٢، وأنه يهبط كل ليلة إلى السماء الدنيا، بخبر رسول الله ﷺ بذلك، وأنه ليس بأعور لقول النبي ﷺ إذ ذكر الدجال فقال: \"إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور \" ٣، وأن المؤمنين يرون ربهم ﷿ يوم القيامة بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر، وأن له أصبعا بقوله ﷺ: \"ما من قلب إلا هو بين أصبعين من أصابع الرحمن ﷿ \" ٤.\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب التفسير باب: \"وتقول هل من مزيد\" ٨/٥٩٤ ح٤٨٤٨، ومسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء ٤/٢١٨٧ ح٢٨٤٨ كلاهما من طريق قتادة عن أنس بن مالك.\n٢ أخرجه البخاري: كتاب الجهاد باب الكافر يقتل المسلم ٦/٣٩ ح٢٨٢٦ ومسلم كتاب الإمارة باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة ٣/١٥٠٤ ح١٨٩٠ كلاهما من طريق الأعرج عن أبي هريرة.\n٣ أخرجه البخاري: كتاب الفتن باب ذكر الدجال ١٣/٩١ ح٧١٣١، ومسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة باب ذكر الدجال وصفته ٤/٢٢٤٨ ح٢٩٣٣ كلاهما من طريق قتادة عن أنس بن مالك.\n٤ أخرجه بنحو هذا اللفظ أحمد في المسند ٤/١٨٢ وابن ماجه في المقدمة باب: فيما أنكرت الجهمية ١/٧٢ ح١٩٩ والحاكم في المستدرك ١/٥٢٥، والآجري في الشريعة ص٣١٧، وابن مندة في الرد على الجهمية ص٨٧ جميعهم من حديث النواس بن سمعان، قال الحاكم: \"صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\"، وأقره الذهبي في التلخيص، وقال عنه ابن مندة: \"حديث النواس بن سمعان حديث ثابت رواه الأئمة المشاهير ممن لا يمكن الطعن على واحد منهم\".","vol":"1","page":38},{"text":"وإن ١ هذه المعاني التي وصف الله ﷿ بها نفسه، ووصفه بها رسول ﷺ لا تُدرَك ٢ حقيقتها ٣ تلك بالفكر والدراية ٤، ولا يكفر بجهلها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه به، وإن ٥ كان الوارد بذلك خبرا يقوم في الفهم مقام المشهادة في السَّماع؛ \"وجبت الدينونة\" ٦ على سامعه بحقيقته والشهادة عليه، كما عاين وسمع وسمع من رسول الله ﷺ، ولكن نثبت ٧ هذه الصفات، وننفي ٨ التشبيه كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ \"سورة الشورى: الآية١١\" ... \" ٩ آخر الاعتقاد.\n\"ب\" قوله في القدر:\n١- أخرج البيهقي عن الربيع بن سليمان، قال: سئل الشافعي عن القدر، فقال:\nما شئتَ كان وإن لم أشأ ... وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن\nخلقت العباد على ما علمت ... ففي العلم يجري الفتى والمسنُ\n_________\n١ في الطبقات: \"فإن\".\n٢ في الطبقات: \"مما لا يدرك\".\n٣ في الطبقات: \"حقيقته\".\n٤ في الطبقات: \"والروية\".\n٥ في الطبقات: \"فإن كان\".\n٦ ما بين القوسين مثبت من الطبقات.\n٧ في الطبقات: \"يثبت\".\n٨ في الطبقات: \"وينفى\".\n٩ نقل هذا الاعتقاد من نسخة مصورة من أصل خطي محفوظ في المكتبة المركزية بجامعة ليدن بهولندا.","vol":"1","page":39},{"text":"على ذا مننت وذا خذلت ... وهذا أعنت وذا لم تعن\nفمنهم شقيّ ومنهم سعيد ... ومنهم قبيحٌ ومنهم حسن ١\n٢- أورد البيهقي في مناقب الشافعي أن الشافعي، قال: \"إن مشيئة العباد هي إلى الله تعالى، ولا يشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين، فإن الناس لم يخلقوا أعمالهم، وهي خلق من خلق الله تعالى، أفعال العباد وإن القدر خيره وشرَّه من الله ﷿، وإن عذاب القبر حقٌّ، ومساءلة أهل القبور حقٌّ، والبعث حقٌّ، والحساب حق والجنَّة والنار حق، وغير ذلك مما جاءت به السنن\" ٢.\n٣- وأخرج اللالكائي، عن المزني، قال: \"قال الشافعي: تدري ما القدري؟ الذي يقول: إن الله لم يخلق الشيء حتى عمل به\" ٣.\n٤- وأورد البيهقي، عن الشافعي حيث قال: \"القدرية الذين قال رسول الله ﷺ: \"هم مجوس هذه الأمة\" ٤، الذين يقولون إن الله لا يعلم المعاصي حتى تكون\" ٥.\n٥- وأخرج البيهقي، عن الربيع بن سليمان عن الشافعي أنه كان يكره الصلاة خلف القدري ٦.\n_________\n١ مناقب الشافعي ١/٤١٢، ٤١٣؛ شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/٧٠٢.\n٢ مناقب الشافعي ١/٤١٥.\n٣ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٧٠١.\n٤ أخرجه أبو داود: كتاب السنة باب في القدر ٥/٦٦ ح٤٦٩١، والحاكم في المستدرك ١/٨٥ كلاهما من طريق أبي حازم عن ابن عمر، قال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر ولم يخرجاه\" وأقره الذهبي.\n٥ مناقب الشافعي١/٤١٣.\n٦ مناقب الشافعي ١/٤١٣.","vol":"1","page":40},{"text":"\"ج\" قوله في الإيمان:\n١- أخرج ابن عبد البر، عن الربيع، قال: \"سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل واعتقاد بالقلب، ألا ترى قول الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ \"سورة البقرة: الآية١٤٣\".\nيعني صلاتكم إلى بيت المقدس؛ فسمى الصلاة إيمانا وهي قول وعمل وعقد\" ١.\n٢- وأخرج البيهقي، عن الربيع بن سليمان، قال: \"سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص\" ٢.\n٣- وأخرج البيهقي، عن أبي محمد الزبيري قال: \"قال رجل للشافعي: أي ُّ الأعمال عند الله أفضل؟ قال الشافعي: ما لا يقبل عملا إلا به قال: وما ذاك؟ قال: الإيمان بالله الذي لا إله إلا هو، أعلى الأعمال درجة، وأشرفها منزلة، وأسناها حظا، قال الرجل: ألا تخبرني عن الإيمان: قول وعمل، أو قول بلا عمل؟ قال الشافعي: الإيمان عمل لله، والقول بعض ذلك العمل، قال الرجل: صف لي ذلك حتى أفهمه. قال: الشافعي: إن للإيمان حالات ودرجات وطبقات، فمنها التام، المنتهي تمامه، والناقص البين نقصانه، والراجح الزائدة رجحانه؛ قال الرجل: وإن الإيمان لا يتم وينقص ويزيد؟ قال الشافعي: نعم، قال: وما الدليل على ذلك؟ قال الشافعي: إن الله جل ذكره فرض الإيمان على جوارح بني آدم، فقسَّمه فيها، وفرَّقه عليها، فليس من جوارحه جارحة إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وُكِّلت به أختها لفرض من الله تعالى:\n_________\n١ الانتقاء ص٨١.\n٢ مناقب الشافعي ١/٣٨٧-٣٩٣.","vol":"1","page":41},{"text":"فمنها: قلبه الذي يعقل به، ويفقه ويعلم، وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره.\nومنها: عيناه اللتان ينظر بهما، وأذناه اللتان يسمع بهما، ويداه اللتان يبطش بهما، ورجلاه اللتان يمشي بهما، وفرجه الذي الباه من قِبَله، ولسانه الذي ينطق به، ورأسه الذي فيه وجهه.\nفرض على القلب غير ما فرض على اللسان، وفرض على السمع غير ما فرض على العينين، وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين، وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه.\nفأما فرض الله على القلب من الإيمان: فالإقرار، والمعرفة، والعقد، والرضا، والتسليم بأن الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا ﷺ عبده ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله من نبيٍّ أو كتاب فذلك ما فرض الله جل ثناؤه على الخلق وهو عمله:\n﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ \"سورة النحل: الآية١٠٦\".\nوقال: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ \"سورة الرعد: الآية٢٨\".\nوقال: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ \"سورة المائدة: الآية٤١.\nوقال: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ \"سورة البقرة: الآية٢٨٤\".\nفذلك ما فرض الله على القلب من الإيمان، وهو عمله، وهو رأس الإيمان.","vol":"1","page":42},{"text":"\"وفرض الله على اللسان\": القول والتعبير عن القلب بما عقد وأقر به، فقال في ذلك: ﴿قُولُوا آمَنَّا﴾ .\nوقال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنا﴾ \"سورة البقرة: الآية٨٣\".\nفذلك ما فرض الله على اللسان من القول، والتعبير عن القلب، وهو عمله، والفرض عليه من الإيمان.\n\"وفرض الله على السمع\": أن يتنزه عن الاستماع إلى ما حرم الله، وأن يغض عما نهى الله عنه، فقال في ذلك: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ \"سورة النساء: الآية١٤٠\".\nثم استثتنى موضع النسيان، فقال جل وعز: ﴿إِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ \"سورة الأنعام: الآية٦٨\". أي: فقعدت معهم ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ \"سورة الأنعام: الآية٦٨\".\nوقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ \"سورة الزمر: الآيتان١٧-١٨\".\nوقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ \"سورة المؤمنون: الآيتان١، ٢\"\nإلى قوله: ﴿لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ \"سورة المؤمنون: الآيات من١-٤\".\nوقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ \"سورة القصص: الآية٥٥\".\nوقال: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ \"سورة الفرقان: الآية٧٢\".","vol":"1","page":43},{"text":"فذلك ما فرض الله جل ذكره، على السمع من التنزيه عما لا يحل له، وهو عمله، وهو من الإيمان.\n\"وفرض على العينين\": ألا ينظر بهما إلى ما حرم الله، وأن يغضهما عما نهاه عنه، فقال ﵎ في ذلك: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ \"سورة النور: من الآية٣٠\".\nنهى في الآيتين: أن ينظر أحدهم إلى فرج أخيه، ويحفظ فرجه من أن ينظر إليه.\nوقال: كل شيء من حفظ الفرج، في كتاب الله، فهو من الزنا إلا هذه الآية، فإنها من النظر.\nفذلك ما فرض الله على العينين من غض البصر، وهو عملهما، وهو من الإيمان.\nثم أخبر عما فرض على القلب والسمع والبصر، في آية واحدة، فقال ﷾، في ذلك: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ \"سورة الإسراء:٣٦\".\nقال: يعني وفرض على الفرج: أن لا يهتكه بما حرم الله عليه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ \"سورة المؤمنون: الآبة٥\".\nوقال: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ \"سورة فصلت: الآية٢٢\".\nيعني بالجلود: الفروج والأفخاذ، فذلك ما فرض الله على الفروج من حفظها عما لا يحل له، هو عملها.\n\"وفرض على اليدين\": ألا يبطش بها \"إلى ما حرم الله تعالى، وأن","vol":"1","page":44},{"text":"يبطش بهما\" إلى ما أمر الله من الصدقة وصلة الرحم، والجهاد في سبيل الله، والطهور للصلوات، فقال في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ...﴾ \"سورة المائدة: الآية٦\" إلى آخر الآية.\nوقال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ \"سورة محمد: الآية٤\".\nلأن الضرب، والحرب، وصلة الرحم، والصدقة من علاجها.\n\"وفرض على الرجلين\": ألا يُمشى بهما إلى ما حرم الله، جلَّ ذكره، فقال في ذلك: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ \"سورة لقمان: الآية١٨\".\n\"وفرض على الوجه\": السجود لله بالليل والنهار، ومواقيت الصلاة، فقال في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ \"سورة الحج: الآية٧٧\".\nوقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ \"سورة الجن:١٨\".\nيعني بالمساجد: ما يسجد عليه ابن آدم في صلاته، من الجبهة وغيرها.\nقال: فذلك ما فرض الله على هذه الجوارح.\nوسمَّى الطهور والصلوات إيمانا في كتابه، وذلك حين صرف الله تعالى، وجه نبيه ﷺ من الصلاة إلى بيت المقدس، وأمره بالصلاة إلى الكعبة. وكان المسلمون قد صلوا إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، فقالوا: يا رسول الله، أرأيت صلاتنا كنا نصليها إلى بيت المقدس، ما حالها وحالنا؟","vol":"1","page":45},{"text":"فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ \"سورة البقرة: الآية١٤٣\".\nفسمى الصلاة إيمانا، فمن لقي الله حافظا لصلواته، حافظا لجوارحه، مؤديا بكل جارحة من جوارحه ما أمر الله به وفرض عليه - لقي الله مستكمل الإيمان من أهل الجنة، ومن كان لشيء منها تاركا متعمدا مما أمر الله - لقي الله ناقص الإيمان. قال: وقد عرفت نقصانه وإتمامه، فمن أين جاءت زيادته؟\nقال الشافعي: قال الله، جل ذكره: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ \"سورة التوبة: الآيتان ١٢٤-١٢٥\".\nوقال: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ \"سورة الكهف: الآية١٣\".\nقال الشافعي: \"ولو كان هذا الإيمان كله واحدا لا نقصان فيه ولا زيادة - لم يكن لأحد فيه فضل، واستوى الناس، وبطل التفضيل ولكن بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنة، وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله \"في الجنة\"، وبالنقصان من الإيمان دخل المفرطون النار\".\nقال الشافعي: \"إن الله، جلّ وعزّ، سابق بين عباده كما سوبق بين الخيل يوم الرهان، ثم إنهم على درجاتهم من سبق عليه، فجعل كل امرئ على درجة سبقه، لا ينقصه فيها حقه، ولا يقدّم مسبوق على سابق، ولا مفضول على فاضل. وبذلك فُضل أول هذه الأمة على آخرها. ولو","vol":"1","page":46},{"text":"لم يكن لمن سبق إلى الإيمان فضل على من أبطأ عنه للحق آخر هذه الأمة بأولها\" ١.\n\"د\" قوله في الصحابة:\n١- أورد البيهقي عن الشافعي أنه قال: \"أثنى الله ﵎ على أصحاب رسول الله ﷺ في القرآن، والتوراة، والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله ﷺ من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله، هنّأهم بما أتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصدّيقين، والشهداء والصالحين، فهم أدّوا إلينا سنن رسول الله ﷺ، وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله ﷺ عاما وخاصا وعزما وإرشادا، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وأمر استدرك به علم واستنبط به وآراؤهم لنا أحمد وأولى من آرائنا عندنا لأنفسنا، والله أعلم\"\n٢- وأخرج البيهقي، عن الربيع بن سليمان قال: \"سمعت الشافعي يقول في التفضيل: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي\" ٢.\n٣- وأخرج البيهقي، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكيم٣ قال: \"سمعت الشافعي يقول: أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃\" ٤.\n_________\n١ مناقب الشافعي ١/٣٨٧-٣٩٣.\n٢ مناقب الشافعي ١/٤٤٢.\n٣ مناقب الشافعي ١/٤٣٢.\n٤ هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري أبو عبد الله قال عنه الشيرازي: صحب الشافعي وتفقه به وحمل في المحنة إلى بغداد إلى ابن أبي دؤاد ولم يجب إلى ما طلب منه ورُدّ إلى مصر..مات في سنة اثنتين وستّين =","vol":"1","page":47},{"text":"٤- وأخرج الهروي، عن يوسف بن يحيى البويطي قال: \"سألت الشافعي أأصلي خلف الرافضي؟ قال: لا تصل خلف الرافضي ولا القدري ولا المرجئ، قلت: صفهم لنا، قال: من قال: الإيمان قول فهو مرجئ، ومن قال: إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامين فهو رافضي، ومن جعل المشيئة إلى نفسه فهو قدري\" ١.\n\"هـ\" نهيه عن الكلام والخصومات في الدين:\n١- أخرج الهروي، عن الربيع بن سليمان قال: \"سمعت الشافعي يقول: ... لو أن رجلا أوصى بكتبه من العلم لآخر، وكان فيها كتب الكلام، لم تدخل في الوصية لأنه ليس من العلم\" ٢.\n٢- وأخرج الهروي، عن الحسن الزعفراني قال: \"سمعت الشافعي يقول: ما ناظرت أحدا في الكلام إلا مرة، وأنا أستغفر الله من ذلك\" ٣.\n٣- وأخرج الهروي، عن الربيع بن سليمان قال: \"قال الشافعي: لو أردت أن أضع على مخالف كتابا كبيرا لفعلت، ولكن ليس الكلام من شأني، ولا أحب أن ينسب إليّ منه شيء\" ٤.\nوأخرج ابن بطة، عن أبي ثور قال: \"قال لي الشافعي: ما رأيت أحدا ارتدى شيئا من الكلام فأفلح\"٥.\n_________\n= ومائتين. طبقات الفقهاء ص٩٩، وانظر ترجمته في طبقات الشافعية لابن هداية الله ص٣٠؛ وشذرات الذهب ٢/١٥٤.\n١ مناقب الشافعي ١/٤٣٣.\n٢ ذم الكلام \"ق-٢١٥\"، وأورده الذهبي في السير ١٠/٣١.\n٣ ذم الكلام \"ق-٢١٣\"، وأورده الذهبي في السير ١٠/٣٠.\n٤ ذم الكلام \"ق-٢١٣\"، وأورده الذهبي في السير ١٠/٣٠.\n٥ ذم الكلام \"ق-٢١٥\".","vol":"1","page":48},{"text":"٥ - وأخرج الهروي، عن يونس المصري قال: \"قال الشافعي: لأن يبتلي الله المرء بما نهى عنه خلا الشرك بالله، خير من أن يبتليه بالكلام\" ١.\nثالثا - الإمام أحمد بن حنبل\n\"أ\" قوله في التوحيد:\n١- جاء في طبقات الحنابلة ١/٤١٦: \"إن الإمام أحمد سئل عن التوكل، فقال: قطع الاستشراف بالإياس من الخلق\".\n٢- وجاء في كتاب المحنة لحنبل ص٦٨ أن الإمام أحمد قال: \"لم يزل الله ﷿ متكلما، والقرآن كلام الله ﷿، غير مخلوق، وعلى كل جهة، ولا يوصف الله بشيء أكثر مما وصف به نفسه، ﷿ \".\n٣- وأورد ابن أبي يعلى، عن أبي بكر المروذي قال: \"سألت أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي ترددها الجهمية في الصفات والرؤية والإسراء وقصة العرش فصححها، وقال: تلقتها الأمة بالقبول وتمر الأخبار كما جاءت\" ٢.\n٤- قال عبد الله بن أحمد في كتاب السنة: إن أحمد قال: \"من زعم أن الله لا يتكلم فهو كافر، إلا أننا نروي هذه الأحاديث كما جاءت\" ٣.\n_________\n١ الإبانة الكبرى ص٥٣٥، ٥٣٦.\n٢ مناقب الشافعي لابن أبي حاتم ص١٨٢.\n٣ طبقات الحنابلة ١/٥٦.","vol":"1","page":49},{"text":"٥- وأخرج اللالكائي، عن حنبل ١ أنه سأل الإمام أحمد عن الرؤية فقال: \"أحاديث صحاح، نؤمن بها، ونقر، وكل ما روي عن النبي ﷺ بأسانيد جيدة نؤمن به ونقر\" ٢.\n٦- وأورد ابن الجوزي في المناقب كتاب أحمد بن حنل لمسدد ٣ وفيه: \"صِفوا الله بما وصف به نفسه، وانفُوا عن الله ما نفاه عن نفسه ... \" ٤.\n٧- جاء في كتاب الرد على الجهمية للإمام أحمد قوله: \"وزعم - جهم بن صفوان - أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه، أو حدّث عنه رسوله كان كافرا وكان من المشبهة\"٥.\n٨- وأورد ابن تيمية في الدرء قول الإمام أحمد: \"نحن نؤمن بأن الله على العرش، كيف شاء، وكما شاء، بلا حد، ولا صفة يبلغها واصف، أو يحده أحد؛ فصفات الله منه وله، وهو كما وصف نفسه، لا تدركه الأبصار\" ٦.\n_________\n١ السنة ص٧١ \"ط/ دار الكتب العلمية\".\n٢ هو حنبل بن إسحاق بن حنبل بن هلال بن أسد أبو علي الشيباني وهو ابن عم أحمد بن حنبل، قال عنه الخطيب: \"ثقة ثبت\". مات سنة ٢٧٣هـ، تاريخ بغداد ٨/٢٨٦، ٢٨٧.\nوانظر ترجمته في طبقات الحنابلة ١/١٤٣.\n٣ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٥٠٧.\n٤ هو مسدد بن مسرهد بن مسربل الأسدي البصري، قال عنه الذهبي: \"الإمام الحافظ الحجة\". مات سنة ٢٢٨هـ، سير أعلام النبلاء ١٠/٥٩١. وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ١٠/١٠٧.\n٥ مناقب الإمام أحمد ص٢٢١.\n٦ درء تعارض العقل والنقل ٢/٣٠.","vol":"1","page":50},{"text":"٩- وأورد ابن أبي يعلى، عن أحمد، أنه قال: \"من زعم أن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر مكذب بالقرآن\" ١.\n١٠- وأورد ابن أبي يعلى، عن عبد الله بن أحمد، قال: \"سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم الله موسى، لم يتكلم بصوت فقال أبي: تكلم الله بصوت، وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت\" ٢.\n١١- وأخرج اللالكائي عن عبدوس بن مالك العطار، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: \" ... والقرآن كلام الله، وليس بمخلوق، ولا تضعف أن تقول ليس بمخلوق؛ فإن كلام الله منه، وليس منه شيء مخلوق\" ٣.\n\"ب\" قوله في القدر:\n١- أورد ابن الجوزي في المناقب، كتاب أحمد بن حنبل لمسدد، وفيه: \"ويؤمن بالقدر خيره وشره وحلوه ومرّه من الله\" ٤.\n٢- وأخرج الخلال، عن أبي بكر المروذي، قال: \"سئل أبو عبد الله فقال: الخير والشر مقدر على العباد؟ فقيل له: الله خلق الخير والشر، قال: نعم الله قدره\" ٥.\n_________\n١ طبقات الحنابلة ١/٥٩، ١٤٥.\n٢ طبقات الحنابلة ١/١٨٥.\n٣ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/١٥٧.\n٤ مناقب الإمام أحمد ص١٦٩، ١٧٢، ط/ دار الآفاق الجديدة.\n٥ السنة للخلال \"ق-٨٥\".","vol":"1","page":51},{"text":"٣- وجاء في كتاب السنة للإمام أحمد، قوله: \"والقدر خيره وشره، وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وحلوه ومره، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيئه، وأوله وآخره من الله قضاء قضاه على عباده، وقدر قدره، ولا يعدو واحد منهم مشيئة الله ﷿، ولا يجاوز قضاءه\" ١.\n٤- وأخرج الخلال، عن محمد بن أبي هارون، عن أبي الحارث قال: \"سمعت أبا عبد الله يقول: فالله ﷿ قدر الطاعة والمعاصي، وقدر الخير والشر، ومن كتب سعيدا فهو سعيد، ومن كتب شقيا فهو شقي\" ٢.\n٥- قال عبد الله بن أحمد سمعت أبي، وسأله علي بن جهم عمن قال بالقدر يكون كافرا؟ قال: \"إذا جحد العلم، إذا قال: إن الله لم يكن عالما حتى خلق علما، فعلم، فجحد علم الله فهو كافر\" ٣.\n٦- قال عبد الله بن أحمد: \"سألت أبي مرة أخرى عن الصلاة خلف القدري، فقال: إن كان يخاصم فيه، ويدعو إليه فلا تصل خلفه\" ٤.\n\"ج\" قوله في الإيمان:\n١- أورد ابن أبي يعلى عن أحمد، قال: \"من أفضل خصال الإيمان؛ الحب في الله والبغض في الله\" ٥.\n٢- وأورده ابن الجوزي، عن أحمد، قال: \"الإيمان يزيد وينقص،\n_________\n١ السنة ص٦٨.\n٢ السنة للخلال \"ق-٨٥\".\n٣ السنة لعبد الله بن أحمد ص١١٩.\n٤ السنة ص١/٣٨٤.\n٥ طبقات الحنابلة ٢/٢٧٥.","vol":"1","page":52},{"text":"كما جاء في الخبر: \"أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا\" ١ ... \" ٢.\n٣- وأخرج الخلال، عن سليمان بن أشعث ٣، قال: \"إن أبا عبد الله قال: الصلاة والزكاة والحج والبر من الإيمان، والمعاصي تنقص الإيمان\" ٤.\n٤- قال عبد الله بن أحمد: \"سألت أبي عن رجل يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولكن لا يستثني أمرجئ؟ قال: أرجو ألا يكون مرجئا. سمعت أبي يقول: الحجة على من لا يستنثني؛ قول رسول الله ﷺ لأهل القبور: \"وإنا إن شاء الله بكم لاحقون \"٥ ... \" ٦.\n٥- قال عبد الله بن أحمد: \"سمعت أبي ﵀، سئل عن الإرجاء، فقال: نحن نقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، إذا زنى، وشرب الخمر، نقص إيمانه\"\n_________\n١ أخرجه أحمد في المسند ٢/٢٥٠ وأبو داود في كتاب السنة باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه ٥/٦٠ ح٤٦٨٢، والترمذي في الرضاع باب ما جاء في حق المرأة على زوجها ٣/٤٥٧ ح١١٦٢ جميعهم من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة، وقال عنه الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\".\n٢ مناقب الإمام أحمد ص١٧٣، وانظر أيضا ص١٥٣، ١٦٨.\n٣ هو أبو داود سليمان بن أشعث بن إسحاق السجستاني صاحب السنن قال عنه الذهبي: \"الإمام الثبت سيد الحفاظ\" مات سنة ٢٧٥هـ، تذكرة الحفاظ ٢/٥٩١، وانظر ترجمته في تاريخ بغداد ٩/٥٥.\n٤ السنة للخلال \"ق-٩٦\".\n٥ أخرج مسلم: كتاب الجنائز باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها ٢/٦٦٩ ح٩٧٤ من طريق عطاء عن عائشة ﵂.\n٦ السنة لعبد الله ١/٣٠٧، ٣٠٨، ط/ المحققة.","vol":"1","page":53},{"text":"\"د\" قوله في الصحابة:\n١- جاء في كتاب السنة للإمام أحمد ما يأتي: \"ومن السنة ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم أجمعين، والكف عن ذكر مساوئهم والخلاف الذي شجر بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله ﷺ أو أحدا منهم فهو مبتدع، رافضي خبيث، مجاف، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، بل حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة\". ثم قال: \"ثم أصحاب رسول الله ﷺ بعد الأربعة خير الناس، ولا يجوز أن يذكر شيئا من مساوئهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا بنقص، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه\" ١.\n٢- أورد ابن الجوزي رسالة أحمد إلى مسدد وفيها: \"وأن تشهد للعشرة أنهم في الجنة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح ومن شهد له النبي ﷺ شهدنا له بالجنة\" ٢.\n٣- قال عبد الله بن أحمد: \"سألت أبي عن الأئمة فقال: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي\" ٣.\n٤- وقال عبد الله بن أحمد: \"سألت أبي عن قوم يقولون: إن عليا ليس بخليفة، قال هذا قول سوء رديء \"٤.\n_________\n١ كتاب السنة للإمام أحمد ص٧٧/٧٨.\n٢ مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص١٧٠، ط/ دار الآفاق الجديدة.\n٣ السنة ص٢٣٥.\n٤ السنة ص٢٣٥.","vol":"1","page":54},{"text":"٥- وأورد ابن الجوزي عن أحمد، قال: \"من لم يثبت الخلافة لعلي، فهو أضل من حمار أهله\" ١.\n٦- وأورد ابن أبي يعلى عن أحمد، قال: \"من لم يربّع علي بن أبي طالب الخلافة؛ فلا تكلموه، ولا تناكحوه\" ٢.\n\"هـ\" نهيه عن الكلام والخصومات في الدين:\n١- أخرج ابن بطة عن أبي بكر المروذي، قال: \"سمعت أبا عبد الله يقول: من تعاطى علم الكلام لم يفلح، ومن تعاطى الكلام لم يخل أن يتجهم\" ٣.\n٢- وأورد ابن عبد البر في جامع بيان العلم عن أحمد، قال: \"إنه لا يفلح صاحب الكلام أبدا ولا تكاد ترى أحدا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دَغَل\" ٤.\n٣- وأخرج الهروي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: \"كتب أبي إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان ٥: لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب الله، أو في حديث\"\n_________\n١ مناقب الإمام أحمد ص١٦٣، ط/ دار الآفاق.\n٢ طبقات الحنابلة ١/٥٤.\n٣ الإبانة ٢/٥٣٨.\n٤ جامع بيان العلم وفضله ٢/٩٥، ط/ دار الكتب العلمية.\n٥ هو أبو الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان التركي ثم البغدادي قال عنه الذهبي: \"الوزير الكبير ... وزر للمتوكل والمعتمد..وحظي عند المتوكل وكان سمحا جوادا\"، وقال ابن أبي يعلى: \"نقل عن إمامنا أشياء منها: سمعت أحمد، يقول: أنزه نفسي عن مال السلطان وليس بحرام\" مات سنة ٢٦٣هـ؛ وسير أعلام النبلاء ١٣/٩؛ وطبقات الحنابلة ١/٢٠٤.","vol":"1","page":55},{"text":"رسول الله ﷺ، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود\" ١.\n٤- وأخرج ابن الجوزين عن موسى بن عبد الله الطرسوسي، قال: \"سمعت أحمد بن حنبل، يقول: لا تجالسوا أهل الكلام وإن \"ذبُّوا\" عن السنة\" ٢.\n٥- وأخرج ابن بطة، عن أبي الحارث الصَّايغ، قال: \"من أحب الكلام لم يخرج من قلبه، ولا ترى صاحب كلام يفلح\" ٣.\n٦- وأخرج ابن بطة عن عبيد الله بن حنبل، قال \"حدثني أبي، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: عليكم بالسنة والحديث، وينفعكم الله به، وإياكم والخوض والجدال والمراء، فإنه لا يفلح من أحب الكلام، وكل من أحدث كلاما لم يكن آخر أمره إلا إلى بدعة، لأن الكلام لا يدعو إلى خير، ولا أحب الكلام ولا الخوض ولا الجدال، وعليكم بالسنن والآثار والفقه الذي تنتفعون به، ودعوا الجدال وكلام أهل الزيغ والمراء، أدركنا الناس ولا يعرفون هذا، ويجانبون أهل الكلام، وعاقبة الكلام لا تؤول إلى خير. أعاذنا الله وإياكم من الفتن وسلمنا وإياكم من كل هلكة\" ٤.\n٧- أورد ابن بطة في الإبانة عن أحمد، قال: \"إذا رأيت الرجل يحب الكلام فاحذره\" ٥.\n_________\n١ ذم الكلام \"ق-٢١٦-ب\".\n٢ مناقب الإمام أحمد ص٢٠٥.\n٣ الإبانة لابن بطة ٢/٥٣٩.\n٤ الإبانة لابن بطة ٢/٥٣٩.\n٥ الإبانة لابن بطة ٢/٥٤٠.","vol":"1","page":56},{"text":"هذا اعتقاد الأئمة الأربعة - أبي حنيفة ١ ومالك والشافعي وأحمد - وهذا ما يدينون الله به، ما عدا مسألة الإيمان التي وقع فيها النزاع مع أبي حنيفة، وخالف السلف فيما ذهبوا إليه. وسيأتي تفصيله في مبحث الإيمان في الباب الثالث من هذه الرسالة إن شاء الله تعالى.\n_________\n١ ستأتي أقوال مفصلة في مواضعها إن شاء الله تعالى وقد حرصت على تتبع أقواله في أصول الدين وتصنيفها وترتيبها وإتباعها بمذهب السلف ليتبين لكل مطلع ما قدمناه آنفا أن اعتقاد الأئمة الأربعة واحد في مسائل أصول الدين ما عدا مسألة الإيمان.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4></span><span data-type=\"title\" id=toc-3>الباب الأول: في ترجمة الإمام أبي حنيفة وبيان منهجه في تقرير أصول الدين</span>\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: ترجمة الإمام أبي حنيفة.\nالفصل الثاني: منهجه في تقرير أصول الدين.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6></span><span data-type=\"title\" id=toc-5>الفصل الأول: ترجمة الإمام أبي حنيفة</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: حياته الشخصية.\nالمبحث الثاني: حياته العلمية.\nالمبحث الثالث: دراسة موجزة لمؤلفاته في أصول الدين.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المبحث الأول: حياته الشخصية</span>\n١- اسمه ونسبه\n\"أ\" اسمه: هو النعمان بن ثابت بن زوطي بضم الزاي وفتح الطاء الخزَّاز الكوفي ١.\n_________\n١ انظر ترجمته في المعارف لابن قتيبة ص٤٩٥؛ والفهرست لابن النديم ص٢٥٥؛ والتاريخ الكبير للبخاري ٨/٨١؛ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٨/٤٤٩؛ طبقات الفقهاء للشيرازي ص٨٦؛ الطبقات االكبرى لابن سعد ٦/٣٦٨، ٣٦٩؛ وتاريخ بغداد ١٣/٣٢٣-٤٥٤؛ وتذكرة الحفاظ ١/١٦٨؛ وسير أعلام النبلاء ٦/٣٩٠؛ والكامل في التاريخ ٥/٥٨٥؛ وفيات الأعيان ٥/٤٠٥-٤١٥؛ وميزان الاعتدال ٤/٢٦٥؛ والنجوم الزاهرة ٢/١٢؛ وتهذيب التهذيب ١٠/٤٤٩؛ والطبقات لخليفة بن خياط ص١٦٧؛ شذرات الذهب ١/٢٧٧؛ طبقات الحفاظ للسيوطي ص٧٣، وإسنادها صحيح ورجال السند ثقات.\nومن الكتب التي أفردت في ترجمة الإمام أبي حنيفة هي:\nفضائل أبي حنيفة لعبد الله محمد السعدي المعروف بابن العوَّام، أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري، وقلائد عقود العقيان في مناقب الإمام أبي حنيفة لأبي القاسم بن عبد العليم الحنفي، مناقب الإمام أبي حنيفة للذهبي، مناقب =","vol":"1","page":63},{"text":"أجمعت مصادر ترجمته على ذلك، ولم تختلف إلا ما رواه الصيمري عن إسماعيل بن حماد؛ حيث قال: \"أنا إسماعيل بن النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان\" ١. ونقلها عنه الخطيب في تاريخه٢، والغزي في الطبقات السنية٣.\n\"ب\" نسبته:\nنسبته إلى الخزاز ٤ بفتح المعجمتين وتشديد الزاي. وإنما قيل ذلك؛ لأنه كان يبيع الخز، ويأكل منه طلبا للحلال ٥. أما نسبته بالكوفي؛ فلأن موطنه الذي ولد وعاش فيه هو الكوفة. أما نسبته بالتيمي؛ فلأن جده زوطي مولى لبني تيم الله بن ثعلبة من بني ربيعة ٦.\n\"ج\" كنيته:\nأبو حنيفة، أجمعت مصادر ترجمته على ذلك.\n_________\n= أبي حنيفة للمكي، وعقود الجمان للصالحي والخيرات الحسان للهيتمي.\n١ أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص٢. وإسنادها موضوع.\n٢ تاريخ بغداد ١٣/٣٢٦.\n٣ ١/٧٤، ٧٥.\n٤ الخزُّ: هي ثياب منسوجة من صوف وإبرسيم أو المنسوجة من إبرسيم. تاج العروس ٤/٣٣ فمن يبيع الخز أو يصنعه يسمى خزازا وكان أبوحنيفة خزازا يبيع الخز. انظر تاريخ بغداد ١٣/٣٢٤.\n٥ الأنساب للسمعاني ٥/١٠٣ واللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير ١/٤٣٩.\n٦ المجروحين ٣/٦٣.","vol":"1","page":64},{"text":"٢- مولده وموطنه\nولد الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى سنة ثمانين من الهجرة بالكوفة، في خلافة عبد الملك بن مروان، وقيل: إنه ولد سنة إحدى وستين ١. حكاه الخطيب في تاريخه، وقال: \"لا أعلم لصاحب هذا القول متابعا\" ٢. وقال المكي في مناقب أبي حنيفة ٣: \"هذه الرواية تخالف ما تقدم، والصحيح هي الرواية الأولى تجميع عليها\".\n٣- نشأته وصفاته\n\"أ\" نشأته:\nولد الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى في الكوفة، وقضى سنوات عمره الأولى فيها، أما كيفية نشأته فإن كتب التراجم ضَنَّت علينا بالأخبار في هذا الصدد، ولم تذكر سوى أنه اشتغل في مبدأ أمره تاجرا في الخز، وله دكان معروف في دار عمر بن حريث ٤، وأنه كان أمينا في تجارته ولا يغش، ولا يخدع أحدا، حتى أصبح عريفا على الحاكة بدار\n_________\n١ إسناد هذه الرواية لا يصح، فيه عبد الله بن إبراهيم بن قتيبة لم أجد من ترجم له وداود بن علية ضعيف عابد كما في التقريب وقال ابن معين: ضعيف ولا يكتب حديثه. الكامل لابن عدي ٣/٩٨٤ ومزاحم بن داود: قال ابن أبي حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به. انظر تهذيب التهذيب ١٠/١٠٠.\n٢ تاريخ بغداد ١٣/٣٣٠.\n٣ وإسناد الرواية الأولى صحيح، لأن مولده سنة ٨٠هـ.\n٤ تاريخ بغداد ١٣/٣٢٥.","vol":"1","page":65},{"text":"الخَزَّازين ١، ثم توسعت تجاراته، ونمت وازدهرت حتى أصبح له معمل لحياكة الخز، وعنده صنّاع وأجراء ٢.\n\"ب\" صفاته:\nأولا - صفاته الخِلقية:\nكان الإمام أبو حنيفة، رحمه الله تعالى، فصيح اللسان، عذب المنطق، إن تكلم أحسن الناس منطقا، وأحلاهم نغمة، وأنبههم على ما يريد، وكان جميلا تعلوه سمرة، حسن الوجه والهيئة نظيف الملبس، طيب الرائحة، حتى إنه يعرف بريح الطيب إذا أقبل أو إذا خرج من منزله قبل أن يرى.\nوصفه تلميذه أبو يوسف بقوله: \"كان أبو حنيفة ربعا من الرجال، ليس بالقصير ولا بالطويل، وكان أحسن الناس منطقا وأحلاهم نغمة، وأنبههم على ما يريد\" ٣.\nووصفه عمر بن حماد بقوله: \"إن أبا حنيفة كان طوالا، تعلوه سمرة، وكان لبسا، حسن الهيئة، كثير التعطر يعرف بريح الطيب إذا أقبل وإذا خرج من منزله قبل أن تراه\" ٤.\nقال الهيثمي: \"ولا تنافي بين كونه ربعة وبين كونه طوالا لأنه قد يكون مع كونه ربعة أقرب إلى الطول\"\n_________\n١ الكامل لابن عدي ٧/.\n٢ العبر في تاريخ من غبر ١/٢١٤، تحقيق المنجد، الكويت.\n٣ تاريخ بغداد ١٣/١٣٣٠، ٣٣١.\n٤ تاريخ بغداد ١٣/٣٣١.","vol":"1","page":66},{"text":"ووصفه تلميذه عبد الله بن المبارك بقوله: \"كان حسن السمت، حسن الوجه، حسن الثوب\" ١.\nوقال أبو نعيم الفضل بن دكين يصفه:\"كان أبو حنيفة حسن الوجه، والثوب، والنعل، وكثير البر والمؤاساة لكل من أطاف به\" ٢.\nوجملة القول في هذا المقام أن الإمام أبا حنيفة، كان حسن السمت والمظهر، نظيف الملبس، مع حسن العشرة والبر والمواساة لمجالسيه.\nثانيا - صفاته الخُلقية:\nوأما صفاته الخُلُقية فكان ﵀ ورعا، تقيا، شديد الذَّبِّ عن محارم الله أن تؤتى، زاهدا، عرضت عليه الدنيا والأموال العظيمة فنبذها وراء ظهره، ولقد ضُرب بالسياط وعذّب ليقبل تولِّي القضاء أو بيت المال فأبى. روى الصيمري عن الربيع بن عاصم قال: \"أرسلني يزيد بن عمر بن هبيرة ٣ فقدمت بأبي حنيفة عليه، فأراده على بيت المال فأبى، فضربه عشرين سوطا\" ٤.\nكذلك عرض عليه ابن هبيرة - والي العراق - قضاء الكوفة فأبى وامتنع، فحلف ابن هبيرة إن هو لم يفعل ليضربه بالسياط على رأسه، فقيل لأبي حنيفة فقال: ضربة لي في الدنيا أسهل عليّ من مقامع الحديد في\n_________\n١ أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري ص٣.\n٢ أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري ص٢.\n٣ هو يزيد بن عمر بن هبيرة أبو خالد الفزاري أمير وقائد من ولاة الدولة الأموية قال عنه الذهبي: \"كان بطلا شجاعا سائسا جوادا فصيحا خطيبا\" قتله السفاح سنة ١٣٢هـ.\nسير أعلام النبلاء ٦/٢٠٧.\n٤ أخبار أبي حنيفة للصيمري ص٥٧.","vol":"1","page":67},{"text":"الآخرة، والله لا أفعلنّ ولو قتلني، فحكي قوله لابن هبيرة فقال: بلغ قدره أن يعارض يميني بيمينه، فدعاه فحلف إن لم يل القضاء ليضربن على رأسه حتى يموت، فقال له أبو حنيفة: هي موتة واحدة، فأمر به فضرب عشرين سوطا على رأسه، فقال أبو حنيفة: اذكر مقامك بين يدي الله، فإنه أذل من مقامي بين يديك، ولا تهددني فإني أقول: لا إله إلا الله، والله سائلك عني حيث لا يقبل منك جوابا إلا بالحق، فأومأ إلى الجلاد أن أمسك وبات أبو حنيفة في السجن، فأصبح وقد انتفخ وجهه ورأسه من الضرب، فقال ابن هبيرة: إني قد رأيت النبي ﷺ وهو يقول لي: أما تخاف الله تضرب رجلا من أمتي بلا جرم وتهدِّده، فأرسل إليه فأخرجه واستحلّه ١.\nوكذلك عرض ٢ عليه الخليفة العباسي المنصور القضاء، فأبى، فسجنه، ومات محبوسا في السجن، ﵀.\nولعل رفضه لهذا المنصب يعود إلى جملة أسباب منها: خوفه من الله تعالى؛ حيث خشي أن يجور في حكم من الأحكام التي تعرض عليه، فلذلك آثر الضرب بالسياط في الدنيا على مقامع الحديد في الآخرة.\nأضف إلى ذلك أن القضاة تعرض عليهم منازعات يتصل بعضها بأمراء ذلك العصر وحكّامه، والإمام لا يمالئ أميرا أو يجامل وزيرا، أو يحابي كبيرا، في محارم الله أن تؤتى. وكان مع زهده وورعه كثير العبادة، حتى قيل إنه سمي الوتد ٣ لكثرة صلاته وتهجّده وطول قيامه.\n_________\n١ كتاب أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص٥٨ بتصرف.\n٢ المنتظم \"ق-٢٣٨-ب\" مخطوطة في مكتبة أيا صوفيا بتركيا.\n٣ تاريخ بغداد ١٣/٣٥٤.","vol":"1","page":68},{"text":"وكان كريما، جوادا، سخيا بماله، ينفق على العلماء مثلما كان ينفق على عياله، وإذا اكتسى ثوبا فعل مثل ذلك، وإذا جاءته الفاكهة والرطب، وكل شيء يريد أن يشتريه لنفسه ولعياله، لا يفعل ذلك حتى يشتري للعلماء مثله، ثم يشتري بعد ذلك لعياله.\nوكان إذا اشترى للصدقة أو لبرِّ إخوانه شيئا اشترى ما يقدر عليه، وكان يتساهل فيما يشتريه لنفسه ولعياله ١. هذا فعله مع العلماء، أما من يعلمه، فهو يبرّهم ويواسي فقيرهم بماله، وينفق عليه ويزوج من احتاج إليه، حتى إنه كان يعول أبا يوسف وعياله عشر سنين ٢.\nقال شريك: \"كان أبو حنيفة يصبر على من يعلمه، وإن كان فقيرا أغناه، وأجزل عليه وعلى عياله، حتى يتعلم، فإذ تعلم قال له: قد وصلت إلى الغنى الأكبر بمعرفة الحلال والحرام\" ٣.\nوقال الفضيل بن عياض: \"كان أبو حنيفة معروفا بكثرة الأفعال، وقلة الكلام وإكرام العلم وأهله\"٤.\nوجملة القول في هذا المقام أن الإمام أبا حنيفة، رحمه الله تعالى؛ قد جمع الكثير من الخصال، والصفات الحميدة، والأخلاق والشمائل الكريمة، فقد ألِّفت في مناقبه مصنفات وأجزاء.\nأختتم هذا المبحث بقول أبي يوسف يصف خصال الإمام الحسنة، حينما سأله عنها الخليفة العباسي هارون الرشيد فقال: \"يا أبا يوسف صف\n_________\n١ أخبار أبي حنيفة ص٤٩ بتصرف.\n٢ أخبار أبي حنيفة ص٤٨.\n٣ أخبار أبي حنيفة ص٤٨.\n٤ أخبار أبي حنيفة ص٥٠.","vol":"1","page":69},{"text":"لي أخلاق أبي حنيفة ﵁، فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ \"سورة ق: الآية١٨\".\nوهو عند لسان كل قائل، كان علمي بأبي حنيفة أنه كان شديد الذب عن محارم الله أن تؤتى، شديد الورع أن ينطق في دين الله بما لا يعلم، يحب أن يطاع الله ولا يعصى، مجانبا لأهل الدنيا في زمانهم، لا ينافس في عزها، طويل الصمت، دائم الفكر، على علم واسع، لم يكن مهذارا، ولا ثرثارا، إن سئل عن مسألة كان عنده فيها علم، نطق وأجاب فيها بما سمع، وإن كان غير ذلك قاس على الحق واتبعه، صائنا نفسه ودينه، بذولا للعلم والمال، مستغنيا بنفسه عن جميع الناس، لا يميل إلى طمع، بعيدا عن الغيبة، لا يذكر أحدا إلا بخير، فقال له الرشيد: هذه أخلاق الصالحين، ثم قال للكاتب: اكتب هذه الصفة وادفعها إلى ابني ينظر فيها ... \" ١\n٤- وفاته\nتوفي ﵀ ليلة النصف من شعبان سنة خمسين ومائة من الهجرة، ودفن في مقابر الخيزران ببغددا، ولما مات كان عمره سبعين عاما ٢.\nقال الذهبي في وصف قبر أبي حنيفة: \"وعليه قبة ٣ عظيمة،\n_________\n١ أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص٣١، ٣٢.\n٢ الانتقاء ص١٧١.\n٣ أحدثت هذه القبة في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة قال ابن الجوزي في المنتظم: \"قرأت بخط أبي الوفاء ابن عقيل، كان قبر أبي حنيفة عليه=","vol":"1","page":70},{"text":"ومشهد فاخر ببغداد\" ١.\nقلت: لا يزال قبر أبي حنيفة مبنيا عليه بناء تعلوه قبة مفروشة بالقاشي الأزرق، وإلى جنبه جامع تقام فيه الجمعة والجماعة، وله صحن يجتمع فيه الناس في الأعياد والمواسم الدينية كما هو ظاهر في الصورة - الفوتغرافية ٢ كما في كتاب مراقد المعارف - وهذه مخالفة صريحة لعقيدة الإمام أبي حنيفة ﵀ من المدعين تعظيمه؛ فقد كره أن يبنى على القبر، وأن يعلَّم بعلامة ٣ متّبعا في ذلك النص الشرعي؛ فقد روى\n_________\n= التركمان سقفا ثم قدِم شرف الملك في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة فأحدث هذه القبة وكان قد وضع أساس مسجد بين يدي ضريح أبي حنيفة، فهدم شرف الملك أبنية ذلك، وما يحيط بالقبر وحفروا أساسات، وكانوا يطلبون الأرض الصلبة فأخرجوا أربعمائة صن ** من عظام الموتى قال ابن عقيل فقلت وما يدريكم لعله خرجت عظامه في هذه العظام وبقية القبة فارغة\".\nالمنتظم \"ق-٢٣٨-أ\" مخطوط في مكتبة أحمد الثالث بتركيا.\n١ سير أعلام النبلاء ٦/٤٠٣.\n٢ مراقد المعارف لمحمد حرز الدين ١/٩٦، ط/ الأولى، النجف.\n٣ انظر بدائع الصنائع ١/٣٢٠، وتحفة الفقهاء ٢/٢٥٦، والمتانة ص٣٠١، وفتح الملهم ٢/١٢١، ومعارف السنن ٣/٣٠٥، ٣٠٧، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص٤٠٥؛ ط/ دار إحياء التراث العربي.\n........................\n* خربشت لم أعرف معناها ولعلها \"خشت\" والخشت بالفارسية هو اللبن الذي يصنع من الطين.\nانظر قاموس الفارسية لعبد المنعم محمد حسنين ط. دار الكتاب العربي، ص٣١٨.\n** صَنَّ: لم أعرف معناها ولعلها\" صن\" بفتح الصاد المهملة، شبه السلة المطبقة يجعل فيها الطعام أو الخبز. انظر القاموس ص١٥٦٣، وتاج العروس ٩/٢٦١ فعلى هذا يكون المعنى: أربعمائة كيس من عظام الموتى\". والله أعلم.\"","vol":"1","page":71},{"text":"مسلم عن جابر بن عبد الله قال: \"نهى رسول الله ﷺ أن يجصَّص القبر، وأن يُقعد عليه، وأن يبنى عليه\" ١.\n_________\n١ أخرجه مسلم في كتاب الجنائز من صحيحه باب النهي عن تجصيص القبر ٢/٦٦٧ ح٩٧٠، وأبو داود كتاب الجنائز باب في البناء على القبر ٣/٥٥٢ ح٣٢٢٥.\nوالترمذي: كتاب الجنائز باب ما جاء في كراهية تجصيص القبور والكتابة عليها ٣/٣٥٩ ح١٠٥٢، وابن ماجه: كتاب الجنائز باب ما جاء في النهي عن البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها ١/٤٩٨ ح١٥٦٢.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المبحث الثاني: حياته العلمية</span>\n١- نشأته العلمية:\nأدرك ١ الإمام أبو حنيفة في صغره بعض الصحابة كأنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى. لكن لم يجد في حال ترعرعه من يرشده إلى الأخذ ٢ عنهم، فاشتغل بالتجارة في ثياب الخز وتوسع في ذلك، حتى كان له دار كبيرة لعمل الخز، وعنده صناع وأُجراء ومكث على هذه الحال\n_________\n١ حكى القاري عن السيوطي أنه قال: قال الحافظ ابن حجر: \"أدرك الإمام أبو حنيفة جماعة من الصحابة، لأنه ولد بالكوفة سنة ثمانين من الهجرة وبها يومئذ من الصحابة عبد الله بن أبي أوفى فإنه مات بعد ذلك بالاتفاق، وبالبصرة يومئذ أنس بن مالك ومات سنة تسعين أو بعدها\" شرح مسند أبي حنيفة للقاري ص٥٨١، وقال أبو إسحاق الشيرازي \"كان في زمانه أربعة من الصحابة: أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وأبو الطفيل ولم يأخذ عن أحد منهم\" الطبقات السنية ١/٩٦.\n٢ قال السخاوي: \"والثنائيات في الموطأ والوحدان في حديث الإمام أبي حنيفة لكن بسند غير مقبول إذ المعتمد أنه لا رواية له عن أحد من الصحابة\"، فتح المغيث ٣/١١، وقد ادّعى القاري رواية أبي حنيفة عن الصحابة وأن مسنداته عن الصحابة قد بلغت خمسين حديثا.\nانظر شرح مسند أبي حنيفة ص٥٨٢.","vol":"1","page":73},{"text":"إلى أن قيض الله له الإمام الشعبي؛ فحثّه على الاشتغال بالعلم، كما حكى ذلك الإمام أبو حنيفة حيث قال:\n\"مررت يوما على الشعبي وهو جالس فدعاني وقال: إلى من تختلف؟ فقلت: أختلف إلى السوق، وسميت له أستاذي فقال: لم أعن الاختلاف إلى السوق، عنيت الاختلاف إلى العلماء فقلت له: أنا قليل الاختلاف إليهم فقال لي: لا تفعل وعليك بالنظر في العلم ومجالسة العلماء؛ فإني أرى فيك يقظة وحركة قال: فوقع في قلبي من قوله فتركت الاختلاف إلى السوق، وأخذت في العلم فنفعني الله بقوله\" ١.\nويظهر أنه استمر في تجاراته بعد أن أخذ في طلب العلم وأقبل عليه، فهذا قيس بن الربيع ٢ يحدث كما روى الخطيب في تاريخه ٣: \"أنه كان يبعثه بالبضائع إلى بغداد، فيشتري بها الأمتعة، ويحملها إلى الكوفة ويجمع الأرباح عنده من سنة إلى سنة فيشتري بها حوائج الأشياخ المحدثين وأقواتهم وكسواتهم وجميع حوائجهم، ثم يدفع باقي الأرباح من الدنانير إليهم ويقول: أنفقوا في حوائجكم ولا تحمدوا إلا الله فإني ما أعطيتكم من مالي شيئا، لكن من فضل الله عليّ فيكم، وهذه أرباح بضائعكم، فإنه هو والله مما يجريه الله على يدي مما في رزق الله حولٌ لغيره\".\n_________\n١ مناقب أبي حنيفة للمكي ص٥٤.\n٢ هو قيس بن الربيع الأسدي أبو محمد الكوفي قال عنه ابن حجر: \"صدوق تغير لما كبر، أدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به من السابعة مات سنة بضع وستين ومائة\"، تقريب التهذيب ٢/١٢٨. وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٨/٣٩١-٣٩٥.\n٣ ١٣/٣٦٠.","vol":"1","page":74},{"text":"أما ما قيل عن أبي حنيفة إنه لما أراد طلب العلم أخذ يتخير بين العلوم ويوازن بينها؛ فهذه حكاية موضوعة لا تصح، كما ذكر ذلك الذهبي في السير ١.\nوالقصة رواها الخطيب عن أبي يوسف قال: \"لما أردت طلب العلم؛ جعلت أتخير العلوم، وأسأل عن عواقبها؛ فقيل لي: تعلم القرآن، فقلت: إذا تعلمت القرآن وحفظته؛ فما يكون آخره؟ قالوا: تجلس في المسجد، ويقرأ عليك الصبيان والأحداث، ثم لا تلبث أن يخرج فيهم من هو أحفظ منك - أو يساويك - في الحفظ؛ فتذهب رياستك. قلت: فإن سمعت الحديث وكتبته حتى لم يكن في الدنيا أحفظ مني؟ قالوا: إذا كبرت وضعفت حدثت، واجتمع عليك الأحداث والصبيان، ثم لا تأمن أن تغلط فيرموك بالكذب، فيصير عارا عليك في عقبك، فقلت: لا حاجة لي في هذا. ثم قلت: أتعلم النحو. فقلت: إذا حفظت النحو والعربية، ما يكون آخر أمري؟ قالوا: تقعد معلما فأكثر رزقك ديناران إلى ثلاثة، قلت: وهذا لا عاقبة له، قلت: فإن نظرت في الشعر فلم يكن أحد أشعر مني، ما يكون من أمري؟ قالوا: تمدح هذا فيهب لك، أو يحملك على دابة، أو يخلع عليك خلعة، وإن حرمك هجوته، فصرت تقذف المحصنات. قلت: لا حاجة لي في هذا. قلت: فإن نظرت في الكلام ما يكون آخر أمري؟ قالوا: لا يسلم من نظر في الكلام من مشنَّعات الكلام فيرمى بالزندقة، فإما أن تؤخذ فتقتل، وإما أن تسلم؛ فتكون مذموما ملوما.\nقلت: فإن تعلمت الفقه؟ قالوا: تسأل وتفتي الناس وتطلب للقضاء\n_________\n١ ٦/٣٩٦.","vol":"1","page":75},{"text":"وإن كنت شابًا، قلت: ليس في العلوم شيء أنفع من هذا. فلزمت الفقه وتعلمته\" ١.\nهذه الحكاية تصور الإمام طالب رئاسة أو دنيا، وهذا يتنافى مع ورعه وزهده وانصرافه عنها، والصحيح في نظري أنه اتّجه أول ما اتّجه إلى تعلُّم النحو، كما روى ذلك الخطيب البغدادي في تاريخه ٢ ثم تحول إلى علم الكلام وأخذ منه نصيبا وافرا، حتى بلغ فيه مبلغا يشار إليه بالبنان، ثم انتقل بعد ذلك إلى علم الفقه، وانصرف إليه بكليته، واتصل بحماد بن أبي سليمان يأخذ عنه، ولازمه ثماني عشرة سنة ٣. ولعله كان مع ملازمته لشيخه حماد يأخذ من مشايخ وقته ما امتازوا به، فأخذ علم التفسير عن عكرمة مولى ابن عباس، ومحمد بن المنكدر وسمع الحديث من هشام بن عروة، ومحارب بن دثار السدوسي الكوفي.\n٢- شيوخه\nأدرك الإمام بعض الصحابة٤ في صغره، لكنه لم يجد في حال\n_________\n١ تاريخ بغداد ١٣/٣٣١، ٣٣٢، ورواها الذهبي من طريق الخطيب في سير أعلام النبلاء ٦/٣٩٥-٣٩٧، بلفظ متقارب، ورواها الصيمري عن أبي يوسف مختصرة. انظر أبا حنيفة ص٥.\n٢ ١٣/٣٣٢.\n٣ تاريخ بغداد ١٣/٣٣٣.\n٤ كأنس بن مالك. تاريخ بغداد ١٣/٣٢٤، وقد ادعى بعض كتاب المناقب أنه رأى عدة من الصحابة وسمع منهم. انظر أخبار أبي حنيفة ص٤، ٥؛ ومناقب أبي حنيفة للمكي ص٢٧-٣٧، ومناقب أبي حنيفة للكردي ص٨/٢٥، وشرح مسند أبي حنيفة للقاري ث٥٨٢.","vol":"1","page":76},{"text":"نشأته من يرشده لطلب العلم، والأخذ عمن كان يمكنه السماع ١ ممن أدرك منهم؛ فاشتغل بالبيع والشراء إلى ٢ أن قيض الله تعالى له الإمام الشعبي فنبَّهه وحثَّه على الاشتغال بالعلم فأخذ من مشايخ وقته ما امتازوا به من العلوم.\nولقد ذكر المزي في تهذيب الكمال ٣ طائفة من شيوخ أبي حنيفة بلغ عددهم من ذكرهم خمسين شيخا هم كالآتي: \" محمد بن المنكدر، وإسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصغيرات، وجبلة بن سحيم، وأبو هند الحارث بن عبد الرحمن الهمداني، والحسين بن عبيد الله، والحكم بن عتيبة، وحماد بن أبي سليمان، وخالد بن علقمة، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وزبيد اليامي، وزياد بن علاقة، وسعيد بن مسروق الثوري، وسلمة بن كهيل، وسماك بن حرب، وأبو ربوة شداد بن عبد الرحمن، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي وهو من أقرانه، وطاووس بن كيسان فيما قيل، وظريف السعدي، وأبو سفيان طلحة بن نافع، وعاصم بن كليب، وعامر الشعبي، وعبد الله بن أبي حبيبة، وعبد الله بن دينار، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعبد العزيز بن رفيع، وعبد الكريم بن أبي أمية البصري، وعبد الملك بن عمير، وعدي بن ثابت الأنصاري، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن السائب، وعطية بن سعيد العوفي، وعكرمة مولى ابن عباس، وعلقمة بن مرثد، وعلي بن الأقمر،\n_________\n١ زعم بعض من كتب في مناقب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى - كالمكي والكردي - أن أبا حنيفة سمع من بعض الصحابة وجمع بعضهم جزءا فيما ورد في رواية أبي حنيفة عن بعض الصحابة لكن ذكر ابن حجر أن إسنادها لا يخلو من ضعف كما في عقود الجمان ص٥٠.\n٢ عقود الجمان ص١٦٠.\n٣ ٣/١٤١٥، ط/ دار المأمون نسخة مصورة عن أصل خطي.","vol":"1","page":77},{"text":"وعلي بن الحسن الزناد، وعمرو بن دينار، وعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وقابوس بن أبي ظبيان، والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وقتادة بن دعامة، وقيس أبو مسلم، ومحارب بن دثار، ومحمد بن الزبير الحنظلي، ومحمد بن السائب الكلبي، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن قيس الهمداني، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ومحمد بن المنكدر، ومخول بن راشد، ومسلم البطين الملائي، ومعن بن عبد الرحمن، ومقسم، ومنصور بن المعتمر، وموسى بن أبي عائشة، وناصح بن عبد الله المحلي، ونافع مولى بن عمر، وهشام بن عروة، وأبو غسان الهيثم بن حبيب الصراف، والوليد بن سريع المخزومي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن عبد الله الكندي، ويحيى بن عبد الله الجابر، ويزيد بن صهيب الفقير، ويزيد بن عبد الرحمن الكوفي، ويونس بن عبد الله بن أبي فروة أبو إسحاق السبيعي، وأبو بكر بن عبد الله بن أبي الجهم، وأبو خباب الكلبي، وأبو حصين الأسدي، أبو الزبير المكي، أبو السوار ويقال أبو الأسود السلمي، أبو عون الثقفي، أبو فروة الجهني، أبو معبد مولى بن عباس، أبو يعفور العبدي\".\nفهؤلاء طائفة من شيوخ أبي حنيفة، ولم أستقص جميعهم، ولو شرعت في ذلك لطال بنا البحث، ثم إني أقتصر على ترجمة مجموعة من أشهر شيوخه الذين أخذ عنهم وهم كما يلي:\nالتعريف بأشهر شيوخه\n١- حماد بن أبي سليمان: هو حماد بن أبي سليمان مسلم الأشعري، مولاهم أبو إسماعيل الكوفي الفقيه.","vol":"1","page":78},{"text":"قال عنه الذهبي: \"العلامة الإمام فقيه العراق ... أصله من أصبهان، روى عن أنس بن مالك، وتفقّه بإبراهيم النخعي، وهو أنبل أصحابه وأفقههم وأقيسهم وأصبرهم بالمناظرة والرأي ... وكان أحد العلماء الأذكياء، والكرام الأسخياء له ثروة وحشمة وتجمل\" إلى أن قال: \"فأفقه أهل الكوفة علي وابن مسعود، وأفقه أصحابهما علقمة، وأفقه أصحابه إبراهيم، وأفقه أصحاب إبراهيم حماد، وأفقه أصحاب حماد أبو حنيفة، وأفقه أصحابه أبو يوسف، وانتشر أصحاب أبي يوسف في الآفاق، وأفقههم محمد، وأفقه أصحاب محمد، أبو عبد الله الشافعي، رحمهم الله تعالى\" ١. وقال ابن سعد: \"قالوا وكان حماد ضعيفا في الحديث، فاختلط في آخر أمره، وكان مرجئا، وكان كثير الحديث\" ٢.\nوقال عنه النسائي: \"ثقة إلا أنه مرجئ\" ٣.\nوقال ابن حبان: \"وكان مرجئا، وكان لا يقول بخلق القرآن، وينكر على من يقوله\" ٤.\nوقال معمر لحماد: \"كنت رأسا، وكنت إماما في أصحابك، فخالفتهم فصرت تابعا، قال: إني إن أكن تابعا في الحق، خير من أن أكون رأسا في الباطل. قال الذهبي على أثره: يشير معمر إلى أنه مرجئا إرجاء الفقهاء، وهو أنهم لا يعدون الصلاة والزكاة من الإيمان، ويقولون: الإيمان إقرار باللسان، ويقين في القلب، والنزاع على هذا لفظي إن\n_________\n١ سير أعلام النبلاء ٥/٢٣١-٢٣٦.\n٢ الطبقات ٦/٣٣٣.\n٣ تهذيب الكمال ٧/٢٧٧؛ تهذيب التهذيب ٣/١٧.\n٤ الثقات ٤/١٦٠؛ تهذيب التهذيب ٣/١٧.","vol":"1","page":79},{"text":"شاء الله، وإنما غلو الإرجاء من قال: لا يضر مع التوحيد ترك الفرائض نسأل الله العافية\" ١.\nقال خليفة بن خياط: \"مات حماد سنة عشرين ومائة\" ٢.\n٢- زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي العلوي المدني:\nقال عنه الذهبي: \"كان ذا علم وجلالة وصلاح، هفا وخرج فاستشهد ... خرج متأولا وقتل شهيدا وليته لم يخرج\" ٣.\nوقال عيسى بن يونس: \"جاءت الرافضة زيدا، فقالوا: تبرأ من أبي بكر وعمر حتى ننصرك قال: بل أتولاهما. قالوا: إذا نرفضك فمن ثم قيل لفظة الرافضة. وأما الزيدية فقالوا بقوله وحاربوا معه\" ٤.\nوقال عنه ابن حجر: \"ثقة من الرابعة وهو الذي ينسب إليه الزيدية. خرج في خلافة هشام بن عبد الملك، فقتل بالكوفة سنة اثنتين وعشرين ومائة، وكان مولده سنة ثمانين\" ٥.\n٣- عطاء بن أبي رباح:\nهو عطاء بن أبي رباح، بفتح الراء، واسم أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي مفتي أهل مكة ومحدثهم، قال عنه الذهبي: \"الإمام شيخ\n_________\n١ سير أعلام النبلاء ٥/٢٣٣\n٢ كتاب الطبقات لخليفة بن خياط ص١٦٢. وانظر ترجمته في طبقات ابن سعد ٦/٣٣٢؛ والتاريخ الكبير ٣/١٨؛ وتهذيب الكمال ٧/٢٦٩-٢٧٩.\n٣ سير أعلام النبلاء ٥/٣٨٩-٣٩١.\n٤ سير أعلام النبلاء ٥/٣٩٠.\n٥ تقريب التهذيب ١/٢٧٦.","vol":"1","page":80},{"text":"الإسلام، مفتي الحرم، أبو محمد القرشي مولاهم المكي: يقال ولاؤه لبني جمح\" ١.\nوقال عنه ابن حجر: \"ثقه فقيه، فاضل، لكنه كثير الإرسال من الثالثة مات سنة أربع عشرة ومائة على المشهور\" ٢.\n٤ - عبد الملك بن أبي المخارق: بضم الميم وبخاء معجمة، أبو أمية المعلم المصري، واسم أبيه قيس، وقيل طارق نزيل مكة.\nقال معمر: \"سألني حماد - يعني بن أبي سليمان، عن فقهائنا، فذكرتهم فقال: قد تركت أفقههم، يعني عبد الكريم أبا أمية. قال أحمد بن حنبل: \"كان يوافقه على الإرجاء\" ٣.\nقال عنه ابن حجر: \"ضعيف له في البخاري زيادة، في أول قيام الليل من طريق سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاووس، عن ابن عباس في الذكر عند القيام ... وله ذكر في مقدمة مسلم، وما روى له النسائي إلا قليلا من الثالثة مات سنة ست وعشرين ومائة\" ٤.\n٥- عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي:\nقال عنه ابن معين: \"شيعي مفرط\" ٥.\nوقال الدارقطني: \"ثقة إلا أنه كان مغاليا يعني في التشيع\" ٦.\n_________\n١ سير أعلام النبلاء ٥/٧٩.\n٢ تقريب التهذيب ٢/٢٢. وانظر ترجمته في طبقات ابن سعد ٥/٤٦٧؛ والتاريخ الكبير ٦/٤٦٣؛ والمعرفة والتاريخ ١/٧٠١.\n٣ تهذيب التهذيب ٦/٣٧٦.\n٤ تقريب التهذيب ١/٥١٦.\n٥ تهذيب التهذيب ٧/١٦٦؛ ميزان الاعتدال ٣/٦٢.\n٦ تهذيب التهذيب ٧/١٦٦.","vol":"1","page":81},{"text":"وقال أحمد: \"ثقة إلا أنه كان يتشيع\" ١.\nقال الذهبي: \"عالم الشيعة وقاصُّهم وإمام مسجدهم، ولو كانت الشيعة مثله لقلّ شرهم\" ٢. قال ابن حجر: \"ثقة رمي بالتشيع، مات سنة ست عشرة ومائة\" ٣.\n٦- قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز السدوسي البصري الضرير الأكمه:\nقال عنه الذهبي: \"حافظ العصر، قدوة المفسرين والمحدثين ... وهو حجة بالإجماع إذا بيّن السماع، لكنه مدلس معروف بذلك، وكان يرى القدر، نسأل الله العفو، مع هذا فما توقّف أحد في صدقه وعدالته وحفظه، ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده، ولا يسأل عما يفعل. ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحرّيه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له زلَلُه ولا نضلله ولا نطَّرحه، وننسى محاسنه. نعم لا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك\" ٤.\nوقال علي بن المديني: \"قلت ليحيى بن سعيد: إن عبد الرحمن يقول: اترك كل من كان رأسا في بدعة يدعو إليها قال: كيف تصنع بقتادة\n_________\n١ تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين ص١٧٧، تحقيق صبحي السامرائي، الدار السلفية.\n٢ ميزان الاعتدال ٣/٦١.\n٣ تقريب التهذيب ٢/١٦. وانظر ترجمته في تهذيب الكمال ٢/٩٢٣، ط/ المصورة عن المخطوط، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ٢/٢٢٣.\n٤ سير أعلام النبلاء ٥/٢٧١.","vol":"1","page":82},{"text":"وابن أبي روّاد وعمر بن ذر، وذكر قوما ثم قال يحيى: إن تركت هذا الضرب تركت كثيرا\" ١.\nوقال عنه ابن حجر: \"ثقة ثبت يقال: وُلد أكمه ٢، وهو رأس الطبقة الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومائة\" ٣.\n٧- قيس بن مسلم الجدلي الكوفي أبو عمرو:\nقال عنه أبو داود: \"كان مرجئا\" ٤.\nوقال عنه النسائي: \"ثقة وكان يرى الإرجاء\" ٥.\nوقال عنه الذهبي: \"الإمام المحدث\" ٦.\nوقال ابن حبان: \"مات سنة عشرين ومائة\" ٧.\n٨- محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو جعفر الباقر:\nقال عنه الذهبي: \"الإمام الثبت الهاشمي العلوي المدني أحد الأعلام ... وكان سيد بني هاشم في زمانه اشتهر بالباقر من قولهم بقر العلم، يعني شقّه فعلم أصله وخفيّه\" ٨.\n_________\n١ تهذيب التهذيب ٨/٣٥٣.\n٢ هو الذي يولد أعمى. انظر مختار الصحاح ص٥٧٩.\n٣ تقريب التهذيب ٢/١٢٣. وانظر ترجمته في طبقات ابن سعد ٧/٢٢٩؛ والتاريخ الكبير ٧/١٨٥؛ والجرح والتعديل ٧/١٣٣.\n٤ سير أعلام النبلاء ٥/١٦٤.\n٥ تهذيب التهذيب ٨/٤٠٤.\n٦ سير أعلام النبلاء ٥/١٦٤.\n٧ الثقات ٧/٣٢٦. وانظر ترجمته في طبقات ابن سعد ٦/٣١٧؛ والتاريخ الكبير ٥/١٤٥؛ والجرح والتعديل ٧/١٠٣.\n٨ تذكرة الحفاظ ١/١٢٤، ١٢٥.","vol":"1","page":83},{"text":"وقال سالم بن أبي حفصة: \"سألت أبا جعفر وابنه جعفر بن محمد عن أبي بكر وعمر فقالا لي: يا سالم تولهما ابرأ من عدوهما؛ فإنهما كانا إمامي هدى. وعنه قال: ما أدركت من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما\" ١.\nوقال عنه ابن حجر: \"ثقة مات سنة بضع عشرة ومائة\" ٢.\n٩- محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير القرشي التيمي المدني:\nقال عنه الذهبي: \"الإمام الحافظ القدوة شيخ الإسلام\" ٣.\nوقال عنه أبو حاتم البستي: \"كان من سادات القراء\" ٤.\nوقال مالك: \"كان ابن المنكدر سيد القراء\" ٥.\nوقال عنه ابن حجر: \"ثقة فاضل من الثالثة مات سنة ثلاثين ومائة أو بعدها\" ٦.\n١٠- نافع أبو عبد الله القرشي ثم العدوي العمري مولى ابن عمر وراويتُه:\nقال عنه الذهبي: الإمام المفتي الثبت عالم المدينة\" ٧.\n_________\n١ تهذيب التهذيب ٩/٣٥٠، ٣٥١.\n٢ تقريب التهذيب ٢/١٩١. وانظر ترجمته في تذكرة الحفاظ ١/١٢٤؛ وحلية الأولياء ٣/١٨٠؛ وطبقات ابن سعد ٥/٢٣٥.\n٣ سير أعلام النبلاء ٥/٣٥٣.\n٤ سير أعلام النبلاء ٥/٣٥٤.\n٥ سير أعلام النبلاء ٢/٢١٠.\n٦ تقريب التهذيب ٢/٢١٠. وانظر ترجمته في التاريخ الكبير ١/٢١٩؛ وحلية الأولياء ٣/١٤٦؛ والجرح والتعديل ٨/٩٧.\n٧ سير أعلام النبلاء ٥/٩٥.","vol":"1","page":84},{"text":"قال عنه ابن حجر: \"ثقة ثبت فقيه مشهور من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك\" ١.\n٣- تلاميذه\nأخذ العلم عن الإمام أبي حنيفة كثيرون، من محدثين وفقهاء. ولقد ذكر المزي في تهذيب الكمال ٢، طائفة ممن أخذوا العلم عن أبي حنيفة بلغ عدد من ذكرهم سبعين تلميذا وهم كالآتي:\n\"إبراهيم بن طهمان، والأبيض بن الأغر بن الصباح، وأسباط بن محمد القرشي، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وأسد بن عمرو القاضي، وإسماعيل بن يحيى الصيرفي، وأيوب بن هاني الجعفي، والجارود بن يزيد النيسابوري، وجعفر بن عون، والحارث بن نبهان، وحبان بن علي العنزي، والحسن بن زياد اللؤلؤي، والحسن بن فرات القزاز، والحسين بن الحسن بن عطية العوفي، وحفص بن عبد الرحمن البلخي القاضي، وحكام بن سالم الرازي، وأبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، وابنه حماد بن أبي حنيفة، وحمزة بن حبيب الزيات، وخارجة بن مصعب السرجني، وداود بن نصير الطائي، وأبو الهذيل زفر بن الهذيل التميمي، وزيد بن الحباب العكلي، وسابق الرقي، وسعد بن الصلت قاضي شيراز، وسعيد بن أبي الجهم القابوسي، وسعيد بن سلام بن أبي الهيفا العطار البصري، وسلم بن سالم البلخي، وسليمان بن عمرو النخيعي، وسهل بن\n_________\n١ تقريب التهذيب ٢/٢٩٦. وانظر ترجمته في: التاريخ الكبير ٨/٨٤؛ والمعرفة والتاريخ ١/٦٤٥؛ والجرح والتعديل ٨/٤٥١.\n٢ ٣/١٤١٥، ط/ دار المأمون، نسخة مصورة عن أصل خطي.","vol":"1","page":85},{"text":"مزاحم، وشعيب بن إسحاق الدمشقي، والصباح بن محارب، والصلت بن الحجاج الكوفي، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد، وعامر بن فرات النسوي، وعايد بن حبيب، وعباد بن العوام، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقري، وأبو يحيى عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني، وعبد الرزاق بن همام، وعبد العزيز الترمذي، وعبد الكريم بن محمد الجرجاني، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، وعبد الوارث بن سعيد، وعبيد الله بن الزبير القرشي، وعبيد الله بن عمرو الرقي، وعبيد الله بن موسى، وعتاب بن محمد بن شوذب، وعلي بن ظبيان الكوفي القاضي، وعلي بن عاصم الواسطي، وعلي بن مسهر، وعمرو بن محمد العنقزي، وعمرو بن الهيثم القطيعي، وأبو نعيم الفضل بن دكين، والفضل بن موسى الشيباني، والقاسم بن الحكم العرني، والقاسم بن معن المسعودي، وقيس بن الربيع، ومحمد بن أبان العمبري الكوفي، ومحمد بن بشر العبدي، ومحمد بن الحسن بن أنس الصنعاني، ومحمد بن الحسن الشيباني، ومحمد بن خالد الوهبي، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، ومحمد بن فضل بن عطية، ومحمد بن القاسم الأسدي، ومحمد بن مسروق الكوفي، ومحمد بن يزيد الواسطي، ومروان بن سالم، ومصعب بن المقدام، ومعافر بن عمران الموصلي، ومكي بن إبراهيم البلخي، وأبو سهل نصر بن عبد الكريم البلخي، ونصر بن عبد الملك العتكي، وأبو غالب النصر بن عبد الله الأزدي، والنصر بن محمد المروذي، والنعمان بن عبد السلام الأصبهاني، ونوح بن دراج القاضي، وأبو عصمة نوح بن أبي مريم، وهشيم بن بشير، وهوذة بن خليفة، والهياج بن بساط البرجمي، ووكيع بن الجراح، ويحيى بن أيوب المصري، ويحيى بن نصر بن حاجب، ويحيى بن يمان، ويزيد بن","vol":"1","page":86},{"text":"زريع وبزيد بن هارون، ويونس بن بكير الشيباني، وأبو إسحاق الفزاري، وأبو حمزة السكري، وأبو سعد الصاغاني، وأبو شهاب الحناط، وأبو مقاتل السمرقندي، والقاضي أبو يوسف\".\nفهؤلاء طائفة ممن أخذوا عن أبي حنيفة، وإن كانوا أكثر من ذلك لانقطاعه للتعليم فترة طويلة قاربت ربع قرن أو أكثر.\nوسأقتصر على ترجمة مجموعة من أشهر تلاميذه الذين أخذوا عنه وهم كما يأتي:\nالتعريف بأشهر تلامذته\n١- جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي:\nقال عنه النسائي وأبو حاتم والعجلي: \"ثقة\".\nوقال عنه أحمد: \"لم يكن بالذكي، اختلط عليه حديث أشعث وعاصم الأحول\".\nوقال عنه ابن حجر: \"الكوفي نزيل الري وقاضيها ثقة صحيح الكتاب، قيل كان في آخر عمره يتهم في حفظه، مات سنة ثمان ثمانين ومائة، وله إحدى وسبعون سنة\" ١.\n٢- الحسن بن زياد اللؤلؤي مولى الأنصار:\nقال عنه الخطيب: \"أحد أصحاب أبي حنيفة الفقيه، حدث عن أبي حنيفة، روى عنه محمد بن سماعة القاضي، ومحمد بن شجاع الثلجي، وشعيب بن أيوب الصريفيني، وهو كوفي نزل بغداد\".\n_________\n١ انظر ترجمته في تقريب التهذيب ١/١٢٧؛ وتهذيب التهذيب ٢/٧٥؛ والجواهر المضية في طبقات الحنفية ٢/١٠.","vol":"1","page":87},{"text":"وقال عنه الذهبي: \"العلامة فقيه العراق ... كان أحد الأذكياء البارعين في الرأي، ولي القضاء بعد حفص بن غياث ثم عزل نفسه\".\nقال فيه يحيى بن معين والنسائي: كذاب خبيث، وكذبه أيضا أبو داود، وأبو ثور، ويعقوب والدارقطني وغيرهم.\nوقال عنه ابن المديني: \"لا يكتب حديثه\".\nوقال أبو حاتم، وأبو داود والنسائي، وغيرهم: \"ليس بثقة ولا مأمون\".\nوقال الدارقطني: كذاب كوفي متروك الحديث.\nمات سنة أربع ومائتين ١.\n٣- حفص بن غياث بن طلق بن معاوية أبو عمر الكوفي القاضي:\nقال عنه الذهبي: \"الإمام الحافظ أبو عمر النخعي الكوفي قاضي بغداد ثم قاضي الكوفة\".\nوقال عنه ابن حجر: \"القاضي ثقة فقيه تغير حفظه قليلا في الآخر، من الثامنة، مات سنة أربع أو خمس وتسعين ومائة، وقد قارب الثمانين\" ٢.\n_________\n١ انظر ترجمته في تاريخ ابن معين ١/١١٤، ٣/٣٦؛ ومجموعة رسائل للنسائي ص٧١؛ وكتاب الضعفاء له ص٨٩،؛ والضعفاء للعقيلي ١/٢٢٧-٢٢٨؛ والجرح والتعديل ٣/١٥؛ وتاريخ بغداد ٧/٣١٤-٣١٧؛ والكامل لابن عدي ٢/٧٣١؛ وسير أعلام النبلاء ٩/٥٤٣؛ وميزان الاعتدال ١/٤٩١؛ ولسان الميزان ٢/٢٠٨، ٢٠٩؛ والفوائد البهية ص٦١.\n٢ انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ ١/٢٩٧؛ وميزان الاعتدال ١/٥٦٧؛ والثقات ٦/٢٠٠؛ وتقريب التهذيب ١/١٨٩؛ وتهذيب التهذيب ٢/٤١٥.","vol":"1","page":88},{"text":"٤- حماد بن أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي:\nقال عنه الذهبي: \"ضعفه ابن عدي وغيره من قبل حفظه\".\nوقال عنه ابن خلكان: \"كان على مذهب أبيه ﵁، وكان من الصلاح والخير على قدر عظيم\".\n\"تفقه على أبيه وأفتى في زمانه، وتفقه عليه ابنه إسماعيل، وهو من طبقة أبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد، وكان الغالب عليه الورع والزهد، استقضى على الكوفة بعد القاسم بن معين الكوفي تلميذ أبي حنيفة\" ١.\nولم أقف له على تاريخ وفاة.\n٥- الحكم بن عبد الله بن مسلم أبو مطيع البلخي الخراساني:\nقال عنه ابن معين: \"ليس بشيء\".\nوقال عنه أبو حاتم: \"تركوا حديثه وكان جهميا\".\nوقال ابن حبان: \"كان من رؤساء المرجئة ممن يبغض السنن ومنتحليها\".\nوقال عنه الذهبي: \"أبو مطيع البلخي الفقيه صاحب أبي حنيفة، تفقه به أهل تلك الديار، وكان بصيرا بالرأي علاّمة كبير الشأن، ولكنه واهم في ضبط الأمر ... ولي أبو مطيع قضاء بلخ، ومات سنة تسع وتسعين ومائة عن أربع وثمانين سنة\" ٢.\n_________\n١ انظر ترجمته في الجرح والتعديل ٣/١٤٩، والكامل لابن عدي ٢/٦٦٩؛ ووفيات الأعيان ٢/٢٠٥؛ وميزان الاعتدال ١/٥٩٠؛ ولسان الميزان ٢/٣٤٦-٣٤٧؛ والجواهر المضية ٣/١٥٣؛ والفوائد البهية ص٦٩.\n٢ انظر ترجمته في تاريخ ابن معين ٤/٣٥٦؛ والضعفاء للنسائي ص٢٥٩؛ =","vol":"1","page":89},{"text":"٦ - زفر بضم الزاي وفتح الفاء بن الهذيل بضم الهاء وفتح الذال المعجمة وسكون الياء المثناة بن قيس العنبري:\nقال عنه الذهبي: \"الفقيه المجتهد الرباني العلامة ... هو من بحور الفقه، تفقه بأبي حنيفة، وهو أكبر تلامذته، وكان ممن جمع بين العلم والعمل وكان يروي الحديث ويتقنه\".\nوقال عنه ابن خلكان: \"الفقيه الحنفي كان قد جمع بين العلم والعبادة، وكان من أصحاب الحديث، غلب عليه الرأي، وهو أقيس أصحاب أبي حنيفة ﵁.\nمات سنة ثمان وخمسين ومائة ١.\n٧- عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي:\nقال عنه الذهبي: \"الإمام شيخ الإسلام عالم زمانه وأمير الأتقياء في وقته أبو عبد الرحمن الحنظلي، مولاهم التركي، ثم المروزي الحافظ الغازي أحد الأعلام\".\nوقال الخطيب: \"وكان من الربانيين في العلوم، الموصوفين بالحفظ، ومن المذكورين بالزهد \".\nوقال عنه أسود بن سالم: \"كان ابن المبارك إماما يقتدى به، وكان من أثبت الناس في السنة. إذا رأيت رجلا يغمز ابن المبارك بشيء فاتهمه على الإسلام\".\n_________\n= والمجروحين لابن حبان ١/٢٥٠؛ والجرح والتعديل ٣/١٢٢؛ والكامل لابن عدي ٢/٦٣١؛ والميزان ١/٥٧١٤؛ واللسان ٢/٣٣٤؛ والفوائد البهية ص٦٨.\n١ انظر ترجمته في وفيات الأعيان ٢/٣١٧؛ وسير أعلام النبلاء ٨/٣٨؛ وشذرات الذهب ٢/٢٤٣؛ والجواهر المضية ٢/٢٠٧؛ والفوائد البهية ص٧٥.","vol":"1","page":90},{"text":"مات سنة إحدى وثمانين ومائة وهو ابن ثلاث وستين ١.\n٨- محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني:\nقال عنه الذهبي: \"العلامة فقيه العراق أبو عبد الله الشيباني الكوفي صاحب أبي حنيفة، ولد بواسط، ونشأ بالكوفة، وأخذ عن أبي حنيفة بعض الفقه، وتمم الفقه على القاضي أبي يوسف ... ولي القضاء للرشيد بعد القاضي أبي يوسف، وكان مع تبحره في الفقه يضرب بذكائه المثل\".\nوقال عنه الخطيب: \"أبو عبد الله الشيباني مولاهم ... صاحب أبي حنيفة وإمام أهل الرأي ... نشأ بالكوفة وطلب العلم وطلب الحديث، وجالس أبا حنيفة وسمع منه ونظر في الرأي فغلب عليه، وعرف به ونفذ فيه، وقدم بغداد فنزلها واختلف إليه الناس، وسمعوا منه الحديث والرأي، وخرج إلى الرَّقّة ٢، وهارون أمير المؤمنين بها، فولاه قضاء الرقة، ثم عزله فقدم بغداد، فلما خرج هارون إلى الري٣ الخرجة الأولى أمره فخرج معه؛ فمات بالري سنة تسع وثمانين ومائة وهو ابن ثمان وخمسين سنة\" ٤.\n٩- نوح بن أبي مريم المروزي أبو عصمة القرشي مولاهم:\n_________\n١ انظر ترجمته في تاريخ بغداد ١٠/١٥٢؛ وسير أعلام النبلاء ٨/٣٧٨؛ والجواهر المضية ٢/٣٢٤؛ والفوائد البهية ص١٠٣.\n٢ الرقة بفتح أوله وثانيه وتشديده وأصله كل أرض إلى جنب واد ينبسط عليها الماء وجمعها رُقاق، وهي مدينة مشهورة على الفرات معدودة في بلاد الجزيرة لأنها من جانب الفرات الشرقي. معجم البلدان ٣/٥٨، ٥٩.\n٣ الري: بفتح أوله وتشديد ثانيه، وهي مدينة مشهورة بينها وبين نيسابور مائة وستون فرسخا. انظر معجم البلدان ٣/١١٦.\n٤ انظر تاريخ بغداد ٢/١٧٢؛ وسير أعلام النبلاء ٩/١٣٤؛ والجواهر المضية ٣/٢٢؛ والفوائد البهية ص١٦٣.","vol":"1","page":91},{"text":"قال ابن المبارك: \"يضع الحديث كما يضع المعلَّى\" ١.\nوقال عنه أحمد بن حنبل: \"كان أبو عصمة يروي أحاديث مناكير وكان شديدا على الجهمية والرد عليهم\" ٢.\nوقال عنه البخاري: \"نوح بن أبي مريم ذاهب الحديث جدا\" ٣.\nوقال: \"منكر الحديث\" ٤.\nوقال مسلم وغيره: \"متروك الحديث\" ٥.\nوقال ابن حبان: \"نوح الجامع جمع كل شيء إلا الصدق\" ٦.\nوقال عنه اللكنوي: \"أبو عصمة المروزي الشهير بالجامع ... وهو وإن كان فقيها جليلا إلا أنه مقدوح فيه عند أهل الحديث\" ٧.\nوقال عنه ابن حجر: \"يعرف بالجامع لجمعه العلوم، لكن كذبوه في الحديث\" ٨.\nمات سنة ثلاث وسبعين ومائة ٩.\n_________\n١ التاريخ الصغير ٢/١٦٥، تحقيق المرغني.\n٢ العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد ٣/٤٣٧؛ وتهذيب التهذيب ١٠/٤٨٧.\n٣ التاريخ الكبير ٨/١١١؛ وتهذيب التهذيب ١٠/٤٨٨.\n٤ الميزان ٤/٢٧٩.\n٥ الكنى لمسلم ١/٦٤٣؛ تحقيق القشقري، والميزان ٤/٢٧٩.\n٦ تهذيب التهذيب ١٠/٤٨٨؛ قلت: ترجم له ابن حبان في المجروحين ٣/٤٨؛ ٤٩؛ ولكن لم أجد فيه كلام ابن حبان هذا؟!\n٧ الفوائد البهية ص٢٢١.\n٨ تقريب التهذيب ٢/٣٠٩.\n٩ انظر ترجمته في ميزان الاعتدال ٤/٢٧٩، ٢٨٠؛ وشذرات الذهب ١/٢٧٣؛ والجواهر المضية ٢/٧٢.","vol":"1","page":92},{"text":"١٠- يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف القاضي:\nقال عنه الخطيب: \"القاضي صاحب أبي حنيفة ... سكن بغداد وولاه موسى بن مهدي القضاء بها ثم هارون الرشيد من بعده، وهو أول من سمي قاضي القضاة في الإسلام\" ١.\nوقال عنه طلحة بن محمد بن جعفر: \"أبو يوسف مشهور الأمر ظاهر الفضل، وهو صاحب أبي حنيفة، وأفقه أهل عصره ولم يتقدمه أحد في زمانه، وكان النهاية في العلم والحكم والرئاسة والقدر، وأول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة وأملى المسائل ونشرها، وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض\" ٢.\nوقال عنه اللكنوي: \"كان صاحب حديث حافظا. ولزم أبا حنيفة وغلب عليه الرأي، وولي قضاء بغداد فلم يزل بها حتى مات سنة ثلاث وثمانين ومائة في خلافة هارون الرشيد\" ٣.\n٤- مكانته العلمية وأقوال العلماء فيه\n\"أ\" مكانته العلمية:\nأخذ الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى من العلوم الشرعية نصيبا وافرا، وكان له نبوغ في العلوم الشرعية، وكثرة اشتغاله بها، وله قدرة على الإفتاء\n_________\n١ تاريخ بغداد ١٤/٢٤٢.\n٢ تاريخ بغداد ١٤/٢٤٢.\n٣ الفوائد البهية ص٢٢٥، وانظر ترجمته في طبقات خليفة بن خياط ص٣٢٨؛ والجواهر المضية ٣/٦١٣.","vol":"1","page":93},{"text":"والتدريس وحل المشكلات الدقيقة التي تعرض عليه.\nوكان له مع ذلك معرفة ببعض العلوم الأخرى، كعلم الكلام والجدل، وكانت معرفته تلك مرتبطة بنشأته بالكوفة؛ حيث كانت موطنا للنّحل المختلفة، والفرق المتباينة، وإذا كان المجتمع على هذه الشاكلة كثر فيه الجدل والمناظرات حول العقائد.\nلذلك انشغل الإمام أبو حنيفة ﵀ في بداية طلبه للعلم بعلم الكلام حتى برع فيه ونبغ، وبلغ فيه مبلغا يشار إليه بالبنان، وكان به يجادل وعنه يناضل، وكان يرتحل إلى البصرة لمناقشة أصحاب الخصومات.\nقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: \"كنت رجلا أعطيت جدلا في الكلام، فمضى دهر فيه أتردد، وبه أخاصم وعنه أناضل، وكان أصحاب الخصومات والجدل أكثرهم بالبصرة، فدخلت البصرة نيفا وعشرين مرة ... \" ١.\nوقال قبيصة بن عقبة: \"كان الإمام أبو حنيفة ﵀ في أول أمره يجادل أهل الأهواء، حتى صار رأسًا في ذلك، منظورًا إليه، ثم ترك الجدل ورجع إلى الفقه والسنة وصار إمامًا٢.\nهذه لمحة موجزة عن ثقافته في علم الكلام، حيث كان رأسا فيه، ثم بدا له فتركه، وتحول عنه إلى علم الفقه والسنة. وسوف أعرض منزلته في علمي الفقه والحديث.\nأولاـ الفقه:\nأراد الله بالإمام خيرا حين ترك علم الكلام والجدل، وأقبل على تعلم\n_________\n١ مناقب أبي حنيفة للمكي ص٥٤.\n٢ عقود الجمان ص١٦١.","vol":"1","page":94},{"text":"الفقه والسنة، فاتصل بالعلماء من محدثين وفقهاء؛ يأخذ عنهم، لذلك رأيناه يلازم حماد بن أبي سليمان ثماني عشرة سنة، وليس معنى ذلك أنه لم يأخذ الفقه إلا عن حماد، بل الثابت أنه اتصل بالكثير من الفقهاء وأخذ عنهم مثل عطاء بن أبي رباح فقيه مكة، ونافع مولى ابن عمر، وزيد بن علي، وجعفر الصادق وغيرهم.\nمن أجل ذلك نرى الإمام يجيب الخليفة العباسي المنصور لما سأله: يا نعمان عمن أخذت العلم، قال: \"عن أصحاب عمر عن عمر، وعن أصحاب علي عن علي، وعن أصحاب عبد الله عن عبد الله، وما كان في وقت ابن عباس على وجه الأرض أعلم منه، قال: لقد استوثقت لنفسك\".\nوفي رواية أخرى أنه أجاب عن سؤال المنصور بقوله: \"عن حماد عن إبراهيم ١، عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، فقال: بخٍ بخٍ استوثقت ما شئت يا أبا حنيفة الطيبين الطاهرين\" ٢.\nوهؤلاء الشيوخ الأفاضل كانوا أئمة الفقه في عصره، بالإضافة إلى رغبته القوية للتحصيل العلمي، ساعده على ذلك ما فطره الله عليه من الذكاء والفطنة والسجايا الحسنة - كالصبر والحلم ـ، وهذه الأمور كلها ساعدت على نبوغه، ففاق أقرانه والكثير من أهل عصره في هذا العلم، فكان الناس عيالا عليه، كما قال الإمام الشافعي: \"من أراد أن يعرف\n_________\n١ هو إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي أبو عمران الكوفي، قال عنه الذهبي: \"الإمام الحافظ فقيه العراق، وقال عنه ابن حجر: \"الفقيه ثقة إلا أنه يرسل كثيرا من الخامسة مات سنة ٩٦هـ\"، انظر: سير أعلام النبلاء ٤/٥٢٠، وتقريب التهذيب ١/٤٦.\n٢ تاريخ بغداد ١٣/٣٣٤.","vol":"1","page":95},{"text":"الفقه، فليلزم أبا حنيفة وأصحابه؛ فإن الناس كلهم عيال عليه في الفقه\" ١.\nوقال عبد الله بن المبارك: \"أبو حنيفة أفقه الناس\" ٢.\nوقال حفص بن غياث: \"كلام أبي حنيفة في الفقه أدق من الشعر\" ٣.\nفمن المسائل الفقهية الدقيقة التي عرضت على أبي حنيفة، ما ذكره الصالحي عن وكيع قال: \"كنا عند أبي حنيفة فأتته امرأة فقالت: مات أخي وخلف ستمائة دينار، فأعطوني دينارا واحدا، قال: ومن قسم فريضتكم؟ قالت: داود الطائي قال: هو حقك أليس خلف أخوك بنتين؟ قالت: بلى، قال: وأمًّا؟ قالت: بلى، قال: وزوجة؟ قالت: بلى، قال: واثني عشر أخا وأختا واحدة؟ قالت: بلى، قال: فإن للبنات الثلثين أربعمائة، وللأم السدس مائة، وللمرأة الثمن خمسة وسبعين، ويبقى خمسة وعشرون؛ للإخوة أربعة وعشرون لكل أخ ديناران، ولك دينار\" ٤.\nلذا قال الذهبي في فقه أبي حنيفة: \"الإمامة في الفقه ودقائقه مسلمة إلى هذا الإمام، وهذا أمر لا شك فيه - ثم استشهد بهذا البيت:\nوليس يصح في الأذهان شيء\nإذا احتاج النهار إلى دليل ٥\nفكلام هؤلاء الأئمة في تقدير فقه الإمام أبي حنيفة ليس فيه مبالغة؛ فأثر فقه الإمام واضح على تلاميذه، وعلى من جاء بعدهم، فالمنتسبون إلى\n_________\n١ تاريخ بغداد ١٣/٣٤٦.\n٢ سير أعلام النبلاء ٦/٤٠٣.\n٣ سير أعلام النبلاء ٦/٤٠٣.\n٤ عقود الجمان ص٢٦١.\n٥ سير أعلام النبلاء ٦/٤٠٣.","vol":"1","page":96},{"text":"مذهبه في زماننا هذا جمع غفير من أمة الإسلام. ومما ساعد على انتشار مذهبه أن قيض الله لأبي حنيفة تلامذة نشروا المذهب، تأليفا ١ وتدريسا وإفتاءً.\nثم إن من هؤلاء من تولى القضاء ٢، فصار سببا في شيوع مذهب أبي\n_________\n١ أول من دوّن الكتب من تلامذة أبي حنيفة تلميذه الأكبر أبو يوسف. قال اللكنوي في الفوائد ص٢٢٥: \"كان أبو يوسف هو المقدم من أصحاب الإمام وأول من وضع الكتب على أبي حنيفة وأملى المسائل ونشرها وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض\"، وذكر ابن النديم في الفهرست ص٢٥٦ أسماء بعض مؤلفات أبي يوسف ككتاب الصلاة، والزكاة، والصيام، والفرائض والبيوع، والحدود والوكالة، والوصايا، والصيد والذبائح، والغصب والاستبراء واختلاف الأمصار، والرد على مالك بن أنس، ورسالته في الخراج وكتاب الجوامع ولم يصل إلينا من هذه الكتب إلا رسالته التي كتبها في الخراج وكتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، ومن الذين دونوا الكتب من تلامذة الإمام أبي حنيفة زفر ومحمد بن الحسن وأسد بن عمرو بن الفرات وغيرهم..قال الطحاوي كما في الفوائد البهية ص٢٢٤، كان أصحاب أبي حنيفة الذين دوّنوا الكتب أربعين رجلا فكان في العشرة المتقدمين أبو يوسف وزفر ومحمد وداود الطائي وأسد بن عمرو ويوسف بن خالد ويحيى بن زكريا\".\nولم يصل إلينا من مؤلفات هؤلاء إلا بعض كتب محمد بن الحسن كالجامع الصغير والجامع الكبير والسير الصغير والسير الكبير وكتاب الآثار وكتاب الحجة على أهل المدينة، فمن هذه الكتب وغيرها أخذت الحنفية مذهب أبي حنيفة.\n٢ الذين تولوا القضاء من تلامذة الإمام كثير وهم على سبيل المثال لا الحصر:\n١- حفص بن غياث بن طلق النخعي الكوفي ولاه هارون الرشيد قضاء بغداد وكذا تولى قضاء الكوفة. انظر الجواهر المضية ١/١٣٨، والفوائد البهية ص٦٨. =","vol":"1","page":97},{"text":"حنيفة في القرون الأولى.\nقال عبد الحي اللكنوي: \"وكان أشهر أصحابه أبو يوسف؛ تولى قضاء القضاة زمن هارون الرشيد؛ فكان سببا لشيوع مذهبه في أقطار العراق وبلاد ما وراء النهر\" ١.\n_________\n= ٢- حفص بن عبد الرحمن البلخي: تولى قضاء نيسابور. انظر الجواهر المضية ٢/١٣٧.\n٣- أسد بن عمرو بن عامر القشيري البجلي الكوفي: تولى قضاء بغداد وواسط. انظر الفوائد البهية ص٤٤.\n٤- الحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي: تولى قضاء الكوفة. انظر الفوائد البهية ص٦٠.\n٥- زفر بن الهذيل: تولى قضاء البصرة في زمن أبي حنيفة. انظر الانتقاء ص١٧٣.\n٦- علي بن ضبيان الكوفي: تولى قضاء الشرقية ثم ولي قضاء القضاة أيام الرشيد. انظر الجواهر المضية ٢/٥٧٣.\n٧- يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الكوفي: تولى قضاء المدينة. انظر الفوائد البهية ص٤٥.\n٨- يحيى بن زكريا: ولي القضاء بعد أبي يوسف. انظر الفوائد البهية ص٤٥.\n٩- محمد بن الحسن الشيباني: تولى قضاء الرقة. انظر الانتقاء ص١٧٥.\n١٠- نوح بن درج القاضي: تولى قضاء الكوفة. انظر الجواهر المضية ٣/٥٦٢.\n١١- نوح بن أبي مريم: تولى قضاء مرو. انظر الفوائد البهية ص٢٢٢.\n١٢- أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم: تولى القضاء لثلاثة من خلفاء بني العباس المهدي والهادي والرشيد. انظر الانتقاء ص١٧٣.\n١ النافع الكبير مقدمة الجامع الصغير ص٧، وراجع حجة الله ١/١٥٢، والتنكيل ١/٢٥٩-٢٦١.","vol":"1","page":98},{"text":"ثم انتشر المذهب شيئا فشيئا حتى غطى رقعة كبيرة من الأراضي الإسلامية.\nقال ابن خلدون: \"وأما أبو حنيفة فقلده اليوم أهل العراق، ومسلمة الهند والصين، وما وراء النهر وبلاد العجم كلها\" ١.\nقلت: هذا في زمن ابن خلدون أي في القرن الثامن، وأما الذي ساعد على بقائه من زمنه إلى الآن تطبيق الدولة العثمانية لمذهب أبي حنيفة في جميع الولايات الإسلامية التي كانت تحت سلطانها، وقد بقيت بعض البلاد العربية - كالشام ومصر وغيرهما - تعمل محاكمها الشرعية - الخاصة بالأحوال الشخصية - وفق مذهب أبي حنيفة بعد انحسار الحكم العثماني. هذه منزلة أبي حنيفة في الفقه، وأما في الحديث فسأتناولها في الفقرة الآتية.\nثانيا - الحديث:\nاشتغل الإمام بطلب علم الحديث بعد سنة مائة للهجرة ٢، فسمع الحديث من شيوخ أجلاّء كثيرين تقدم ذكر بعضهم ٣، وارتحل في سبيل ذلك ٤ ... ومع هذا فهو مقل في رواية الحديث ولعل السبب في ذلك تشدده في الرواية فهو لا يرى الرواية إلا لمن يحفظ. قال ابن الصلاح: \"شدد قوم في الرواية فأفرطوا، وتساهل فيها آخرون ففرّطوا ومن التشدد\n_________\n١ المقدمة ٣/١٠٥٢.\n٢ سير أعلام النبلاء ٦/٣٩٦.\n٣ انظر ص٧٣ من هذه الرسالة.\n٤ سير أعلام النبلاء ٦/٣٩٦.","vol":"1","page":99},{"text":"مذهب من قال: لا حجة إلا فيما رواه الراوي من حفظه، وذلك مروي عن مالك وأبي حنيفة\" ١.\nوذكر الصالحي سببا آخر، وهو انشغال الإمام أبي حنيفة باستنباط المسائل من الأدلة. يقول: \"وإنما قلت الرواية عنه ... لاشتغاله عن الرواية باستنباط المسائل من الأدلة كما كان أجلاء الصحابة كأبي بكر وعمر وغيرهما يشتغلون بالعمل عن الرواية، حتى قلت رواياتهم بالنسبة إلى كثرة اطلاعهم، وكثرة رواية من دونهم بالنسبة إليهم فيما سمع وكذا الإمام مالك والشافعي لم يرويا إلا القليل بالنسبة إلى ما سمعا كل ذلك لاشتغالهما باستخراج المسائل من الأدلة ... \" ٢.\nوأعتقد - والله أعلم - أنه لا يوجد للإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى تأليف في الحديث، وإنما هناك مسانيد ٣ ألفت بعد وفاته وليست من\n_________\n١ علوم الحديث ١٨٥-١٨٦، ومع التقييد والإيضاح ص١٨٥، والانتقاء ١٣٩.\n٢ عقود الجمان ص٣١٩، ٣٢٠.\n٣ جمع مسانيد الإمام بعض أهل العلم من الحنفية منهم:\n\"أ\" عبد الله بن يعقوب بن الحارث الحارثي الحنفي المعروف بالأستاذ \"٣٤٠هـ\"، وهو مسند كبير ثم اختصره صدر الدين موسى بن زكريا الحصكفي الحنفي وشرحه الملا على القاري وهو مطبوع، ثم قام بترتيبه على أبواب الفقه العلامة المحدث محمد بن عابد السندي وهو أيضا مطبوع، ثم تولى شرحه محمد بن حسن السمبلي الحنفي الهندي وسماه تنسيق النظام في مسند الإمام وهو مطبوع أيضا، والحارثي هذا كذاب يضع الحديث. راجع الميزان ٢/٢٩٦، واللسان ٣/٣٤٩.\n\"ب\" ومحمد بن محمود الخوارزمي المتوفى سنة ٦٥٥هـ، وسماه جامع المسانيد وهو مطبوع في مجلدين جمع فيه خمسة عشر مسندا منها مسند الحارثي المذكور آنفا وكان سبب تأليفه لهذا المسند أنه سمع بعض أهل الشام نسب إلى الإمام أبي حنيفة قلة الرواية في الحديث قال: \"فلحقتني حمية دينية ربانية =","vol":"1","page":100},{"text":"تأليفه ١، كما قال الشاه عبد العزيز ٢ الدهلوي الحنفي، بل جمعها الجامعون بعد أزمنة متطاولة والسنة كثيرة متناولة. قال المعلمي: \"غالب الجامعين لتلك المسانيد متأخرون، وجماعة منهم متهمون بالكذب، ومن لم يكن منهم متهما يكثر أن يكون في أسانيده إلى أبي حنيفة من لا يعتد بروايته\" ٣.\nويظهر من كلام الشاه ولي الله أن هذه المسانيد ساقطة عن مرتبة الاحتجاج؛ إذ أوردها في الطبقة الرابعة من طبقات الحديث، فقد قال: \"وأصلح هذه الطبقة ما كان ضعيفا محتملا، وأسوؤها ما كان موضوعا، أو مقلوبا شديد النكارة، وهذه الطبقة مادة كتاب الموضوعات لابن الجوزي\" ٤.\nولذا قال ابن حجر: \"قوله ٥ وكذلك مسند أبي حنيفة توهم أنه جمع أبي حنيفة، وليس كذلك. والموجود من حديث أبي حنيفة مفردا إنما هو كتاب الآثار التي رواها محمد بن الحسن عنه، ويوجد في تصانيف\n= وعصبية حنفية نعمانية\" جامع المسانيد ١/٥٠٤، وهذه شهادة من الرجل على نفسه بالتعصب وليست العصبية المذهبية بمحمودة بل هي مذمومة في الدين.\n_________\n١ بستان المحدثين ص٥٠، ط/ الباكستانية.\n٢ هو عبد العزيز بن الشاه ولي الله الدهلوي الملقب بسراج الهند ولد عام تسعة وخمسين ومائة وألف، وتوفي سنة تسع وثلاثين ومائتين وألف من مؤلفاته كتاب بستان المحدثين وكتاب تحفة الإثني عشرية وله تفسير في القرآن سماه بفتح العزيز وهو في مجلدات كبار ضاع معظمها في ثورة الهند.\nانظر ترجمته في نزهة الخواطر ٧/٢٧٥، ٢٨٣، أبجد العلوم ٣/٢٤٤.\n٣ التنكيل ١/٢١٤، وانظر مثل هذا الكلام في تنسيق النظام ص٣-٧.\n٤ حجة الله البالغة ١/١٣٥، وانظر الحطة ص١٢١، وقواعد الحديث ص٢٥١.\n٥ يعني الحافظ محمد بن علي بن حمزة الحسيني الدمشقي.","vol":"1","page":101},{"text":"محمد بن الحسن وأبي يوسف قبله من حديث أبي حنيفة أشياء أخرى\" ١.\nوكذلك ليس للإمام مؤلف في الجرح والتعديل، وإنما له أقوال مبثوثة تلقاها عنه علماء هذا الفن بالقبول وعملوا بها من ذلك.\n١- قول أبي حنيفة: \"ما رأيت أكذب من جابر الجعفي ٢، ولا أفضل من عطاء بن أبي رباح\" ٣.\n٢- وقول أبي حنيفة: \"طلق بن حبيب ٤ كان يرى القدر\" ٥.\n٣- وقول أبي حنيفة: \"زيد بن عياش ٦ مجهول\" ٧.\n٤- وسئل أبو حنيفة عن الأخذ عن الثوري، فقال لمن سأله: \"اكتب عنه فإنه ثقة، ما خلا أحاديث أبي إسحاق عن الحريث وحديث جابر الجعفي\" ٨.\n_________\n١ تعجيل المنفعة ص٥.\n٢ هو جابر بن يزيد الجعفي أبو عبد الله الكوفي مات سنة ١٢٨، انظر ترجمته في التاريخ الكبير ٢/٢١٠، والمجروحين ١/٢٠٨، ٢٠٩.\n٣ العلل للترمذي، ضمن سنن الترمذي ص٧٤١، المجروحين لابن حبان ١/٢٠٩، شرح علل الترمذي ص٦٤.\n٤ هو طلق بن حبيب العنزي البصري، قال عنه ابن حجر: \"صدوق عابد رمي بالإرجاء\". من الثالثة، مات بعد التسعين. تقرب التهذيب ١/٣٨٠، وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٥/٣١.\n٥ الطبقات السنية ١/٩٧.\n٦ هو زيد بن عياش بتحتانية ومعجم أبو عياش المدني قال عنه ابن حجر: \"صدوق من الثالثة\". تقريب التهذيب ١/٢٧٦، وانظر ترجمة تهذيب التهذيب ٣/٣٦٥ ط/ دار الفكر.\n٧ تهذيب التهذيب ٣/٣٦٦ ط/دار الفكر.\n٨ الطبقات السنية ١/٩٧.","vol":"1","page":102},{"text":"٥- وقول سفيان بن عيينة: \"أول من أقعدني للحديث بالكوفة أبو حنيفة أقعدني في الجامع، وقال: هذا أقعد الناس بحديث عمرو بن دينار؛ فحدثتهم\" ١.\nوكذا له أقوال وآراء في أصول الحديث، كانت موضع عناية علماء الحديث واهتمامهم، وهي مبثوثة في كتب المصطلح، من ذلك على سبيل المثال:\n١- شرط أبي حنيفة في رواية الحديث:\nقال ابن الصلاح: \" شدد قوم في الرواية فأفرطوا، وتساهل فيها آخرون ففرّطوا ومن التشديد مذهب من قال: لا حجة إلا فيما رواه الراوي من حفظه، وذلك مروي عن مالك وأبي حنيفة\" ٢.\n٢- رأي أبي حنيفة في رواية المبتدع:\nروى الخطيب بإسناده، عن عمر بن إبراهيم، قال: \"سمعت ابن المبارك يقول: سأل أبو عصمة الإمام أبا حنيفة بمن تأمرني أن أسمع الآثار؟ قال: من كل عدل في هواه إلا الشيعة، فإن أصل عقائدهم تضليل أصحاب محمد ﷺ، ومن أتى السلطان طائعا، أما إني لا أقول إنهم يكذبونهم أو يأمرونهم بما لا ينبغي، ولكن وطأوا لهم حتى انقادت العامة بهم، فهذان لا ينبغي أن يكونا من أئمة المسلمين\" ٣.\n٣- رأي أبي حنيفة في رواية المستور:\nقال السرخسي: \"روى الحسن عن أبي حنيفة أنه - أي مستور ـ\n_________\n١ الانتقاء ص١٢٨.\n٢ علوم الحديث ١٨٥-١٨٦، ومع التقييد والإيضاح ص١٨٥.\n٣ الكفاية ص٢٠٣، تقديم محمد التيجاني، ط/ دار التراث العربي.","vol":"1","page":103},{"text":"بمنزلة العدل في رواية الأخبار؛ لثبوت العدالة له ظاهرا بالحديث عن رسول الله ﷺ: \"المسلمون عدول بعضهم على بعض\" ١ ... \" ٢.\n٤ - رأي أبي حنيفة بالاحتجاج بالمرسل:\nقال النووي: \"ثم المرسل حديث ضعيف عند جماهير المحدثين، والشافعي، وكثير من الفقهاء، وأصحاب الأصول، وقال مالك وأبو حنيفة في طائفة صحيح\" ٣.\n٥- رأي أبي حنيفة في المناولة:\nذكر الحاكم وابن الصلاح عدة من الأئمة، فيهم الإمام أبو حنيفة، وذكر أنهم لم يروا المناولة سماعا٤.\nوأما الاحتجاج بحديث الإمام أبي حنيفة؛ فقد اختلف نقاد الحديث في ذلك.\nفمنهم ٥ من قبل حديثه ورأى أنه حجة فيما يرويه.\n_________\n١ ليس هذا حديثا مرفوعا بل هو أثر عمر أخرجه الدارقطني في سننه كتاب الأقضية والأحكام كتاب عمر ﵁ إلى أبي موسى ٤/٢٠٦، ٢٠٧ من طريق عبد الله بن أبي حميد عن أبي الملُليح، والبيهقي في السنن: كتاب آداب القاضي باب إنصاف الخصمين ١٠/١٥٥، ١٥٦ من طريق سفيان بن عيينة عن إدريس الأودي عن سعيد بن أبي بردة، وأورده الألباني في إرواء الغليل ٨/٢٤١، ٢٥٨، وقال عنه: صحيح.\n٢ أصول السرخسي ١/٣٧٠.\n٣ التقريب مع شرحه، تدريب الراوي ١/١٩٨، تحقيق عبد الوهاب.\n٤ معرفة علوم الحديث ص٢٥٩، ٢٦٠، وعلوم الحديث ص١٤٨، وانظر التقييد والإيضاح ص١٦١، ١٦٢.\n٥ كيحيى بن معين وعلي بن المديني وشعبة بن الحجاج.\nجامع بيان العلم وفضله ٢/١٤٩، والانتقاء ص١٢٧.","vol":"1","page":104},{"text":"ومنهم ١ من ضعفه، ولم يحتج بحديثه، وقالوا لكثرة غلطه وعدم ضبطه.\nقال الذهبي: \"لم يصرف الإمام همته لضبط الألفاظ والأسانيد، وإنما كانت همته القرآن والفقه، وكذلك حال كل من أقبل على فن؛ فإنه يقصر عن غيره، من ثم ليَّنوا حديث جماعة من أئمة القراء كحفص وقالون، وحديث جماعة من الزهاد كفرقد السبخي ٢ وشقيق البلخي ٣، وحديث جماعة من النحاة، وما ذاك لضعف في عدالة الرجل؛ بل لقلة إتقانه للحديث ثم هو أنبل من أن يكذب\"٤.\nفهو قد اشتغل بالفقه أو النحو أو القرآن، ولم ينصب نفسه للتحديث وضبط الألفاظ والأسانيد ٥. كان ذلك النقد الذي وجه للإمام\n_________\n١ كالبخاري ومسلم وابن سعد والنسائي وابن حبان وابن عدي.\nانظر التاريخ الكبير ٨/٨١، والكنى والأسماء ١/٢٧٦، والطبقات الكبرى ٦/٣٦٩، وكتاب الضعفاء والمتروكين ص٢٣٣، والمجروحين ٣/٦٣، والكامل في الضعفاء ٧/٢٤٧٢-٢٤٧٩.\n٢ هو فرقد بن يعقوب السبخي بفتح المهملة والموحدة وبخاء معجمة أبو يعقوب البصري قال عنه ابن حجر: \"صدوق عابد لكنه لين الحديث كثير الخطأ من الخامسة مات سنة إحدى وثلاثين ومائة\".\nتقريب التهذيب ٢/١٠٨؛ وتهيب التهذيب ٨/٢٦٢، ٢٦٣.\n٣ هو شقيق البلخي قال عنه الذهبي ثم ابن حجر: \"كان من كبار الزهاد منكر الحديث ... وكان من كبار المجاهدين رحمه الله تعالى استشهد سنة أربع وتسعين ومائة ولا يتصور أن يحكم عليه بالضعف، لأن نكارة تلك الأحاديث من جهة الراوي عنه وهو شفيق بن إبراهيم أبو علي\". الميزان ٢/٢٧٩، واللسان ٣/١٥١-١٥٢.\n٤ مناقب أبي حنيفة وصاحبيه للذهبي ص٢٨.\n٥ وكذا من المحدثين من يُعنى بضبط المتون فيخطئ بالأسانيد، ومنهم من يعنى بضبط الأسانيد فيخطئ في المتون. قال الدارقطني في العلل: \"كان شعبة =","vol":"1","page":105},{"text":"وجعلوا ذلك قاعدة كلية للجرح.\nقال ابن رجب: \"قاعدة الفقهاء المعتنين بالرأي، حتى يغلب عليهم الاشتغال به، لا يكادون يحفظون الحديث كما ينبغي، ولا يقيمون أسانيده ولا متونه، ويخطئون في حفظ الأسانيد كثيرا ويروون المتون بالمعنى، ويخالفون الحفاظ في ألفاظه، ربما يأتون بألفاظ تشبه ألفاظ الفقهاء المتداولة بينهم، وقد اختصر شريك حديث رافع بن خديج في المزارعة، فأتى فيه بعبارة أخرى فقال: \"من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته\" ١.\n_________\n= يخطئ في أسماء الرجال لتشاغله بحفظ المتون\"، كما قال ابن حجر في تهذيب التهذيب ٤/٣٠٢، ولم أجده في المطبوع من العلل.\n١ هذا الحديث بهذا اللفظ أخرجه: أحمد ٤/١٤١، وأبو داود: كتاب البيوع باب زرع الأرض بغير إذن صاحبها ٣/٦٩٢ ح٣٤٠٣، والترمذي: كتاب الأحكام باب ما جاء فيمن زرع في أرض قوم بغير إذنهم ٣/٦٣٩ ح١٣٦٦، وابن ماجه: كتاب الرهون باب من زرع في أرض قوم بغير إذنهم ٢/٨٢٤ ح٢٤٦٦.\nجميعهم من طريق عطاء بن رافع بن خديج.\nقال الخطابي: \"هذا الحديث لا يثبت عند أهل المعرفة بالحديث، وحدثني الحسن بن يحيى عن موسى بن هارون الحمال: أنه كان ينكر هذا الحديث ويضعفه ويقول: لم يروه عن أبي إسحاق غير شريك، ولا عن عطاء غير أبي إسحاق..وعطاء لم يسمع من رافع بن خديج شيئا وضعفه البخاري أيضا، وقال: وتفرد بذلك شريك عن أبي إسحاق وشريك يهم كثيرا أو أحيانا\".\nقلت: حديث المزارعة المروي عن رافع بن خديج له طرق عنه منها رواية ابن عمر عنه وفيها أن أبا جعفر الخطمي قال: بعثني عمي أنا وغلاما له إلى سعيد بن المسيب قال فقلنا له: شيء بلغنا عنك في المزارعة قال: كان ابن عمر لا يرى بها بأسا حتى بلغه عن رافع بن خديج حديث، فأتاه فأخبره رافع أن رسول الله ﷺ أتى بني حارثة فرأى زرعا في أرض ظهير قالوا: ليس لظهير، قال: أليست أرض ظهير؟ قالوا: بلى، ولكنه زرع فلان، قال: فخذوا زرعكم =","vol":"1","page":106},{"text":"هذا يشبه كلام الفقهاء ... ثم قال: وكذلك فقهاء الكوفة، ورأسهم حماد بن أبي سليمان وأصحابه وأتباعهم، وكذلك الحكم بن عتيبة، وعبد الله بن نافع الصائغ صاحب مالك وغيرهم\" ١.\nهذه لمحة موجزة عن ثقافته الحديثية، ومكانته العلمية. وأما أقوال العلماء فيه فسأتناولها في الفقرة التالية إن شاء الله تعالى.\n\"ب\" أقوال العلماء فيه:\nالذين أثنوا على الإمام في علمه وفقهه وورعه وزهده كثيرون، منهم:\n_________\n١- الفضيل بن عياض، فقد روى عنه الخطيب قوله: \"كان أبو حنيفة رجلا فقيها، معروفا بالفقه مشهورا بالورع، واسع المال، معروفا بالإفضال على كل من يطيف به، صبورا على تعليم العلم بالليل والنهار، كثير الصمت، قليل الكلام، حتى ترد مسألة في الحلال والحرام، فكان يحسن أن يدل على الحق، هاربا من السلطان\" ٢.\n٢- ابن جريج، فقد روى عنه الصيمري قوله: \"بلغني عن النعمان\nوردوا عليه النفقة، قال رافع فأخذنا زرعنا ورددنا إليه النفقة.\nأخرجه أبو داود: كتاب البيوع والإجارات باب في التشديد في ذلك ٣/٦٩٠ ح٣٣٩ من طريق أبي جعفر الخطمي عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر. قال الألباني في الإرواء ٥/٣٥٣: \"فهذا الإسناد صحيح لا علة فيه\".\nومراد ابن رجب أن شريكا لم يحفظ الحديث تاما ولم يقم لفظه وإنما اختصره فأتى بعبارة أخرى لم يقلها النبي ﷺ.\n١ شرح علل الترمذي ص٣٧٣، تحقيق صبحي السامرائي.\n٢ تاريخ بغداد ١٣/٣٤٠.","vol":"1","page":107},{"text":"فقيه الكوفة أنه شديد الورع، صائن لدينه ولعلمه، ولا يؤثر أهل الدنيا على أهل الآخرة\" ١.\n٣- أحمد بن حنبل، فقد نقل عنه الصالحي قوله: \"هو من العلم والورع والزهد وإيثار الدار الآخرة بمحل، ولقد ضرب بالسياط على أن يلي القضاء لأبي جعفر المنصور فلم يفعل، فرحمة الله عليه\" ٢.\n٤- شعبة بن الحجاج العتكي، فقد قال عنه لما علم بوفاته: \"لقد ذهب معه فقه الكوفة، تفضل الله علينا وعليه برحمته\" ٣.\n٥- إسرائيل بن يونس، فقد روى عنه الخطيب قوله: \"كان نعم الرجل النعمان، ما كان أحفظه لكل حديث فيه فقه وأشد فحصه عنه، وأعلمه بما فيه من الفقه، وكان قد ضبط عن حماد فأحسن الضبط عنه\" ٤.\n٦- الحسن بن صالح، فقد نقل عنه ابن عبد البر قوله: \"كان النعمان بن ثابت فهما عالما متثبتا في علمه، إذا صحّ الخبر عنده عن رسول الله ﷺ؛ لم يعده إلى غيره\" ٥.\n٧- أبو داود السجستاني، فقد نقل عنه ابن عبد البر قوله: \"رحم الله مالكا كان إماما، رحم الله الشافعي كان إماما، رحم الله أبا حنيفة كان إماما\" ٦.\n_________\n١ أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص٣٢، ٣٣.\n٢ عقود الجمان ص١٩٣.\n٣ الانتقاء ص١٢٦.\n٤ تاريخ بغداد ١٣/٣٣٩.\n٥ الانتقاء ص١٢٨.\n٦ الانتقاء ص٣٢.","vol":"1","page":108},{"text":"٨- ابن عبد البر: فقد قال عنه: \"كان في الفقه إماما، حسن الرأي والقياس، لطيف الاستخراج جيد الذهن، حاضر الفهم، ذكيا ورعا عاقلا\" ١.\n٩- أبو الحجاج المزي، قال عنه: \"فقيه العراق، وإمام أصحاب الرأي\" ٢.\n١٠- شيخ الإسلام ابن تيمية، قال عنه: \"إن أبا حنيفة وإن كان الناس خالفوه في أشياء، وأنكروها عليه، فلا يستريب أحد في فقهه وفهمه وعلمه\" ٣.\n١١- الذهبي، قال عنه: \"كان إماما ورعا عالما متعبدا كبير الشأن، لا يقبل جوائز السلطان\" ٤.\nورغم ثنائهم عليه في سعة علمه وفقهه وورعه ومجانبته السلاطين، فقد عاب عليه بعض العلماء كلاما بلغهم عنه في الإيمان، وتكلموا فيه من أجلها، كقوله إن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان ٥، ومن هنا كان اتهام أبي حنيفة بالإرجاء.\nقال ابن عبد البر: \"كل من قال من أهل السنة: الإيمان قول وعمل؛ ينكرون قوله، ويبدعونه بذلك\"٦.\n_________\n١ الاستغناء ١/٥٧٢.\n٢ تهذيب الكمال ٣/١٤١٥.\n٣ منهاج السنة ٢/٦١٩.\n٤ تذكرة الحفاظ ١/١٦٨.\n٥ الوصية مع شرحها ص٢، والفقه الأكبر ص٣٠٤، وسيأتي ذكر أقوال الإمام في مسمى الإيمان بتفصيل في الفصل الأول من الباب الثالث.\n٦ الانتقاء ص١٤٩.","vol":"1","page":109},{"text":"ولا شك أن هذا القول خلاف مذهب السلف، لكنه إرجاء مقيد لا يصل إلى الإرجاء الخالص المطلق الذي يزعم أصحابه أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فبرغم موافقته لهؤلاء في عدم إدخال الأعمال في مسمى الإيمان، لكنه يختلف معهم اختلافا جذريا؛ فهم يرون أنه لا تضر مع الإيمان معصية ١، وهو يرى أن مرتكب الذَّنب مستحق للعقاب، وأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، قال الإمام أبو حنيفة ﵀ في رده هذا المذهب الخبيث: \"ولا نقول إن المؤمن لا تضره الذنوب، ولا نقول إنه لا يدخل النار ... ولا نقول إن حسناتنا مقبولة وسيئاتنا مغفورة كقول المرجئة\" ٢.\nفالمقصود أنه لا يجوز لنا أن نصف الإمام بالإرجاء المطلق الذي لا يقول به مسلم.\nقال صاحب كتاب الإيمان بين السلف والمتكلمين: \"وأبو حنيفة وإن خالف السلف بتأخيره العمل عن ركنيه في الإيمان، فإنه لم يدع برأيه هذا أرباب الشهوات لإشباع شهواتهم، وتحقيق رغباتهم باللعب بالمحظورات، وانتهاك أستار الشريعة الإسلامية الغراء، كما فعل المرجئة الذين رفعوا اللوم عن العصاة، وفتحوا لهم الطريق إلى هتك محارم الله دون خشية من عقاب الله تعالى، إذ أنّ الإنسان في حل مما يفعل، فلا تثريب عليه أبدا إذا هو اتصف بالإيمان، الذي هو عبارة عن التصديق عندهم فحسب.\nوأبو حنيفة حاشاه أن يقول بهذا القول، أو يقف ذلك الموقف، فلا\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠٤.\n٢ انظر تاريخ بغداد ٦/١٠٩.","vol":"1","page":110},{"text":"يجوز لنا أن نصفه بالإرجاء المطلق، لأن الإرجاء الذي يتبادر إلى الذهن هو ذلك القول الذي لا يقول به مسلم أبدا\" ١.\nومع هذا فإن أبا حنيفة لم يختص بهذا المذهب وحده، بل إنه مذهب لبعض أهل العلم ٢ ممن اشتغلوا بعلم الحديث وروايته، بل إن منهم من روى له الشيخان - البخاري ومسلم - في صحيحيهما.\nقال صاحب كتاب إيثار الحق على الخلق: \"وفي كتب الرجال نسب الإرجاء إلى جماعة من رجال البخاري ومسلم وغيرهما من الثقات الرفعاء؛ منهم ذر ٣ بن عبد الله الهمداني أبو عمر التابعي، حديثه في كتب الجماعة كلهم. وقال أحمد: هو أول من تكلم في الإرجاء.\nوأيوب بن عائذ الطائي ٤، حديثه عند \"خ، م، ت، د\"، وسالم بن عجلان الأفطس ٥ حديثه في \"خ، د، س، ق\"، وكان داعية إلى الإرجاء.\n_________\n١ كتاب الإيمان بين السلف والمتكلمين ص٩١.\n٢ وفي هذا يقول ابن عبد البر في جامع بيان العلم ٢/١٤٨ ط/ دار الكتب العلمية: \"ونقموا أيضا على أبي حنيفة الإرجاء. ومن أهل العلم من ينتسب إلى الإرجاء كثير، لم يعن أحد بنقل قبيح ما قيل فيهم كما عنوا بذلك في أبي حنيفة لإمامته، وكان أيضا مع هذا يحسد وينسب إليه ما ليس فيه ويختلق عليه ما لا يليق\" وبمثل هذا قال شيخ الإسلام. انظر منهاج السنة ٢/٦١٩.\n٣ هو ذر بن عبد الله بن زرارة المرهبي الهمداني أبو عمر الكوفي، قال عنه ابن حجر: \"ثقة عابد رمي بالإرجاء من السادسة مات قبل المائة\".\nتقريب التهذيب ١/٢٣٨، وتهذيب التهذيب ١/٤٠٦.\n٤ هو أيوب بن عائذ بن مدلج الطائي البحتري بضم الموحدة وسكون المهملة وضم المثناة الكوفي قال عنه ابن حجر: \"رمي بالإرجاء من السادسة\".\nتقريب التهذيب ١/٩٠؛ وتهذيب التهذيب ١/٤٠٦.\n٥ هو سالم بن عجلان الأفطس الأموي مولاهم أبو محمد الحراني قال عنه =","vol":"1","page":111},{"text":"وشبابة بن سوار أبو عمرو المدائني ١، وكان داعية وقيل: إنه رجع عنه.\nوابن عبد الرحمن أبو يحيى الحماني الكوفي ٢، حديثه عند \"خ، م، ت، ق\" وكان داعية إلى ذلك.\nوعثمان بن غياث الراسبي البصري ٣، حديثه عند \"خ، م، د، س\" وعمرو بن ذر الهمداني الكوفي من كبار الزهاد والحفاظ، كان رأسا في الإرجاء، حديثه في \"خ، د،ت، س\".\nوعمرو بن مرة الجملي ٤، أحد الأثبات من كبار التابعين، حديثه عند الجماعة كلهم.\n_________\n= ابن حجر: \"ثقة رمي بالإرجاء من السادسة قتل صبرا سنة اثنتين وثلاثين ومائة\".\nتقريب التهذيب ١/٢٨١؛ وتهذيب التهذيب ٣/٤٤١\n١ هو شبابة بن سوار المدائني أصله من خراسان قال عنه ابن حجر: \"قال كان اسمه مروان مولى بني فزارة ثقة حافظ رمي بالإرجاء من التاسعة مات سنة أربع أو خمس أو ست ومائتين\".\nحديثه في الكتب الستة، انظر تقريب التهذيب ١/٣٤٥.\n٢ هو عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني بكسر المهملة وتشديد الميم أبو يحيى الكوفي قال عنه ابن حجر: \"صدوق يخطئ ورمي بالإرجاء من التاسعة مات سنة اثنتين ومائتين\".\nتقريب التهذيب ١/٤٦٩؛ وتهذيب التهذيب ٦/١٢٠.\n٣ هو عثمان بن غياث الراسبي أو الزهراني البصري قال عنه ابن حجر: \"ثقة رمي بالإرجاء من السادسة\".\nتقريب التهذيب ٢/١٣؛ وتهذيب التهذيب ٧/١٤٦.\n٤ هو عمرو بن مرة بن عبد الله بن طارق الجملي بفتح الجيم والميم المرادي أبو عبد الله الكوفي الأعمى. قال عنه ابن حجر: \"ثقة عابد كان لا يدلس ورمي بالإرجاء من الخامسة مات سنة ثماني عشرة ومائة وقيل قبلها\".\nتقريب التهذيب ٢/٧٨؛ وتهذيب التهذيب ٨/١٠٢.","vol":"1","page":112},{"text":"وإبراهيم بن طهمان الخراساني١، أحد الأئمة، حديثه عندهم، وقيل رجع عن الإرجاء.\nومحمد بن خازم أبو معاوية الضرير ٢، أثبت أصحاب الأعمش حديثه عندهم، وورقاء بن عمرو الكوفي اليشكري ٣ حديثه عندهم.\nويحيى بن صالح الوحاظي ٤ حديث عند \"خ، م، ت، د، ق\"، وعبد العزيز بن أبي روّاد ٥ خرّج له الأربعة واستشهد به البخاري.\n_________\n١ هو إبراهيم بن طهمان الخراساني أبو سعيد، سكن نيسابور ثم مكة. قال عنه ابن حجر: \"ثقة يغرب، تكلم في الإرجاء ويقال رجع عنه من السابعة مات سنة ثمان وستين ومائة\".\nتقريب التهذيب ١/٣٦؛ وتهذيب التهذيب ١/١٢٩.\n٢ هو محمد بن خازم أبو معاوية الضرير الكوفي عمي وهو صغير، قال عنه ابن حجر: \"ثقة أحفظ الناس بحديث الأعمش قد يهم في حديث غيره من كبار التاسعة مات سنة خمس وتسعين ومائة وله اثنتن وثمانون سنة وقد رمي بالإرجاء\".\nتقريب التهذيب ١٥٧، وتهذيب التهذيب ١١/١٣٧.\n٣ هو ورقاء بن عمر اليشكري أبو بشر الكوفي نزيل المدائن قال عنه ابن حجر: \"صدوق في حديثه عن منصور لين من السابعة\".\nتقريب التهذيب ٢/٣٣٠، وتهذيب التهذيب ١١/١١٣.\n٤ هو يحيى بن صالح الوحاظي بضم الواو وتخفيف المهملة ثم المعجمة الحصي قال عنه ابن حجر: \"صدوق من أهل الرأي من صغار التاسعة مات سنة اثنتين وعشرين ومات وقد جاوز التسعين\".\nتقريب التهذيب ٢/٣٤٩، وتهذيب التهذيب ١١/٢٢٩.\n٥ هو عبد العزيز بن أبي روّاد بفتح الراء وتشديد الواو، قال عنه ابن حجر: \"صدوق عابد وربما وهم ورمي بالإرجاء من السابعة مات سنة تسع وخمسين ومائة\".\nتقريب التهذيب ١/٥٠٩؛ وتهذيب التهذيب ٦/٣٣٨.","vol":"1","page":113},{"text":"فهؤلاء ممن ذكرهم ابن حجر في مقدمته لـ \"شرح البخاري\" ١ هذا وقد قيل: إن أبا حنيفة رجع عن قوله ووافق السلف في أن الأعمال من الإيمان. قال ابن أبي العز الحنفي:\n\"والظاهر أن هذه المعارضات لم تثبت عن أبي حنيفة ﵁، وإنما هي من الأصحاب، فإن غالبها ساقط لا يرتضيه أبو حنفية. وقد حكى الطحاوي حكاية أبي حنيفة مع حماد بن زيد، وأن حماد بن زيد لما روى له حديث \"أي الإسلام أفضل ... \" ٢ قال له: ألا تراه يقول: أي الإسلام أفضل، قال: الإيمان، ثم جعل الهجرة والجهاد من الإيمان فسكت أبو حنيفة، فقال بعض أصحابه: ألا تجيبه يا أبا حنيف.\nقال: بم أجيبه وهو يحدثني بهذا عن رسول الله ﷺ\" ٣.\nوبالجملة فهذه القصة على اعتبار صحتها، تشعر بأنه قد رجع، واتبع ما جاء به النص عن رسول الله ﷺ في أن الأعمال من الإيمان، وهذا هو المظنون به رحمه الله تعالى، فكيف لا وهو القائل: \"إذا صح الحديث فهو مذهبي\" ٤. وإن لم يكن رجع عن قوله في الإيمان، فعفا الله عنا وعنه وغفر الله له.\n_________\n١ هدي الساري ص٤٥٩، ٤٦٠؛ وإيثار الحق على الخلق ص٤٠٥، ٤٠٦.\n٢ أخرجه أحمد في المسند ٤/١٤٤، وعبد الرزاق في المصنف ١١/١٢٧، كلاهما من طريق أبي قدامة عن عمرو بن عتبة، ورواه الهيثمي في المجمع ١/٥٩ وقال: \"رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات\".\n٣ شرح الطحاوية ص٣٩٥، وانظر التمهيد لابن عبد البر ٩/٢٤٧.\n٤ حاشية ابن عابدين ١/٦٧، ورسم المفتي ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين ١/٤.","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>المبحث الثالث: دراسة موجزة لمؤلفاته في أصول الدين</span>\nينسب إلى الإمام أبي حنيفة الكتب التالية:\n١- الفقه الأكبر برواية حماد بن أبي حنيفة.\n٢- الفقه الأكبر برواية أبي مطيع البلخي، ويسمى بالفقه الأبسط.\n٣- العالم والمتعلم برواية أبي مقاتل السمرقندي.\n٤- رسالة الإمام أبي حنيفة إلى عثمان البتي برواية أبي يوسف.\n٥- الوصية برواية أبي يوسف.\nوإليك التعريف بكل كتاب، مع بيان نسبته ١ إلى مؤلفه لنستخرج\n_________\n١ ممن تكلم في نسبة هذه الكتب إلى الإمام أبي حنيفة من الكتّاب المعاصرين كارل بروكلمان، فقد نفى نسبة هذه الكتب كلها إلى أبي حنيفة، وتبعه على ذلك فؤاد سزكين، حيث يرى أن هذه الكتب من عمل تلامذة الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى سوى رسالته إلى عثمان البتي، فإنها من عمل يده، أما أرنذجان ونسنك فقد نفى صحة كتاب الفقه الأكبر وصحح نسبة الفقه الأبسط إليه، وتابعه محمد أبو زهرة في التشكيك في نسبة الفقه الأكبر إلى الإمام أبي حنيفة، أما أحمد أمين فيرى أن الفقه الأكبر الذي بين أيدينا أساسه صحيح النسبة إلى أبي حنيفة وأنه زيد عليه.\nانظر تاريخ الأدب العربي لبروكلمان ٣/٢٣٧؛ وتاريخ التراث لفؤاد سزكين ٢/٣١-٣٢؛ وعقيدة الإسلام ص١١٦، ١٢٣، وكتاب \"أبو حنيفة وآراؤه =","vol":"1","page":115},{"text":"منه النتيجة، وهل هي صحيحة النسبة إلى أبي حنيفة، أمن هي باطلة غير صحيحة:\n١- الفقة الأكبر برواية حماد بن أبي حنيفة\nوهي رسالة تشتمل على أصول الدين، كمسائل الصفات والإيمان والقدر والنبوة والمعاد، بعبارة سهلة وجيزة، من غير أدلة تفصيلية إلا في موضعين:\nالأول في صفة الكلام؛ حيث استدل بقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ \"سورة النساء: الآية١٦٤\".\nوالثاني في بيان أن صفاته ليست مثل صفات المخلوقين، فاستدل بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ \"سورة الشورى: الآية١١\".\nونالت هذه الرسالة شهرة واسعة، وتصدى لشرحها غير واحد من أهل العلم، حتى بلغ عدد شروحها خمسة عشر شرحا ١، لا زال كثير منها مخطوطا ما عدا شرحي علي القاري والمغيساوي فهما مطبوعان.\nمن ذكر هذا المؤلف من المصنفين:\n١- ابن النديم في الفهرست ص٢٥٦.\n٢- البغدادي في الفرق بين الفرق ص٢٢٠، وأصول الدين ص٣٠٨.\n٣- أبو المظفر الإسفراييني في كتاب التبصير في الدين ص١١٣-١١٤.\n_________\n= الفقهية\" لأبي زهرة ص١٨٦، ١٨٧؛ وضحى الإسلام لأحمد أمين ٢/١٩٨.\n١ انظر أسماء هذه الشروح في كشف الظنون ٢/١٢٨٧؛ وشرح الإحياء للزبيدي ٢/٣؛ تاريخ الأدب العربي ٣/٢٣٧؛ وتاريخ التراث ٢/٣١.","vol":"1","page":116},{"text":"٤- علي بن محمد البزدوي في كتاب أصول البزدوي كما في كشف الأسرار في شرح أصول البزدوي ١/٧، ٨.\n٥- ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٥/٤٦.\n٦- ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص١٣٨.\n٧- الذهبي في المشتبه ١/١٣٧.\n٨- ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية ص٣.\n٩- إسماعيل البغدادي في هداية العارفين ٢/٤٩٥.\n١٠- الحاجي خليفة في كشف الظنون ٢/١٢٨٧.\n١١- محمود شكري الألوسي في غاية الأماني ١/٤٤٨.\nدراسة إسناد هذا المؤلف:\nوقفت على إسناد هذا المؤلف في نسخة خطية محفوظة ضمن المجموعة رقم ٢٣٤ بمكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، وهي من رواية نصر بن يحيى، عن ابن مقاتل، عن عصام بن يوسف، عن حماد بن أبي حنيفة، عن أبيه. وإليك التعريف بهم.\n١- نصر بن يحيى: هو نصر بن يحيى البلخي، تفقه على أبي سليمان الجوزجاني، وروى عنه أبو غياث البلخي. مات سنة ٢٦٨هـ ١.\n٢- محمد بن مقاتل: هو محمد بن مقاتل الرازي كان من أصحاب الرأي مقدما في الفقه، روى عن سفيان بن عيينة ووكيع وسلم بن الفضل، وروى عنه محمد بن أيوب وحمد بن حكيم الترمذي والحسين بن أحمد.\n_________\n١ انظر الجواهر المضية ٣/٥٤٦؛ والفوائد البهية ص٢٢١، ولم يذكر فيه جرح أو توثيق ولم أقف له على ترجمة عند غيرهما.","vol":"1","page":117},{"text":"قال عنه الذهبي في المغني: \"ضعيف\"، وفي الميزان: \"تكلم فيه ولم يترك\". مات سنة ٢٤٨هـ ١.\n٣- عصام بن يوسف: هو عصام بن يوسف البلخي ٢، روى عن سفيان وشعبة، وحدث عنه عبد الصمد بن سليمان وغيره، قال عنه ابن سعد: \"كان عندهم ضعيفا في الحديث\"، وقال ابن عدي في الكامل: \"روى عن الثوري وعن غيره أحاديث لا يتابع عليها\"، وقال الخليلي: \"هو صدوق\". مات سنة ٢١٥هـ ٣.\n٤- حماد بن أبي حنيفة: هو حماد بن أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، قال عنه ابن خلكان: \"إنه كان على مذهب أبيه وإنه كان صالحا خيرا\"، وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يذكر فيه جرحا، وذكره ابن عدي في الكامل، فقال عنه: \"لا أعلم له رواية مستوية\". وقال عنه الذهبي في الميزان: \"ضعفه ابن عدي وغيره من قبل حفظه\" مات سنة ١٧٦هـ ٤.\n_________\n١ انظر المغني في الضعفاء ٢/٦٣٥؛ وميزان الاعتدال ٥/٣٨٨.\n٢ نسبة إلى بلخ مدينة مشهور بخراسان وأشهرها ذكرا وأكثرها خيرا وبينها وبين ترمذ اثنا عشر فرسخا، ويقال لنهر جيحون نهر بلخ، انظر معجم البلدان ١/٤٧٩-٤٨٠؛ ومراصد الاطلاع ١/٢١٧.\n٣ الكامل لابن عدي ٥/٢٠٠٨؛ وميزان الاعتدال ٣/٦٧؛ ولسان الميزان ٤/١٦٨.\n٤ الجرح والتعديل ٣/١٤٩؛ والكامل لابن عدي ٢/٦٦٩؛ وتاريخ بغداد ٦/٢٤٣؛ ووفيات الأعيان ٢/٢٠٥؛ وميزان الاعتدال ١/٥٩٠؛ ولسان الميزان ٢/٣٤٦.","vol":"1","page":118},{"text":"٢- الفقه الأكبر ١ برواية أبي مطيع البلخي\nوهو رسالة يجيب فيها الإمام أبو حنيفة، عن أسئلة تلميذه مطيع البلخي، وهي مغايرة تماما لرواية حماد بن أبي حنيفة، حيث إن هذه الرسالة عبارة عن أجوبة مفصلة لأسئلة أبي مطيع، بخلاف رواية حماد بن أبي حنيفة فهي عبارة عن عرض مجمل وسهل لمسائل أصول الدين، والآراء التي تحتويها هذه الرسالة لا تختلف غالبا عن الآراء الموجودة في رسائله الأخرى المنسوبة إليه، غير أنه أسهب في مسائل القضاء والقدر وبعض مسائل الإيمان، ويظهر - والله اعلم - أنها ليست من تأليف الإمام مباشرة، بل من تأليف تلميذه أبي مطيع البلخي، جمع فيها أمالي الإمام وأقواله.\nلذا يقول الذهبي عن أبي مطيع البلخي: \"صاحب كتاب الفقه الأكبر\" ٢، فهذه إشارة منه إلى أن الكتاب ليس من تأليف الإمام رحمه الله تعالى، وإنما هو من تأليف أبي مطيع البلخي.\n_________\n١ وهو المطبوع باسم الفقه الأبسط، تمييزا له عن الفقه الأكبر برواية حماد بن أبي حنيفة. ولم يعرف باسم الفقه الأبسط إلا عند بعض الحنفية المتأخرين كالبياضي في إشارات المرام ص٢٨؛ والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٢/١٤؛ وقد نقل منه ابن تيمية في الحموية ضمن مجموع الفتاوى ٥/٤٦؛ وابن قدامة في العلو ص١١٦؛ وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص٧٣.\nوالذهبي في العلو ص١٠١؛ وسموه الفقه الأكبر، هذا وقد نشره محمد زاهد الكوثري في القاهرة سنة ١٣٦٨هـ وطبع في الهند مع شرح محمد بن محمود الحنفي السمرقندي سنة ١٣٢١هـ وله كذلك شرح آخر بعنوان نظم الدرر في شرح الفقه الأكبر تأليف عبيد الله المفتي طبع سنة ١٤٠٥هـ.\n٢ العلو ص١٠١.","vol":"1","page":119},{"text":"وكذا قال اللكنوي: \"أبو مطيع البلخي صاحب أبي حنيفة، وصاحب كتاب الفقه الأكبر\" ١.\nدراسة إسناد هذا المؤلف:\nوقفت على إسناد هذا المؤلف في نسخة خطية محفوظة بدار الكتب ضمن المجموعة ٦٤-٢١٥ وهي من رواية ٢ الشيخ أبي بكر الكاساني ٣، عن العلاء السمرقندي، عن أبي المعين النسفي، عن أبي عبد الله الحسين بن علي المعروف بالفضل، عن أبي مالك نصران بن نصر الختلي ٤، عن أبي الحسن علي بن أحمد الفارس، عن نصر بن يحيى، عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، عن الإمام أبي حنيفة.\nوإليك التعريف برجال إسناد هذه النسخة:\n١- أبو بكر الكاساني: هو أبو بكر بن مسعود بن أحمد علاء الدين الكاساني، صاحب كتاب بدائع الصنائع، تفقه على علاء الدين محمد السمرقندي، وتزوج ابنته فاطمة الفقيهة، من أجل أنه شرح كتاب التحفة للسمرقندي، وسماه البدائع، فجعله مهرا لابنته، وله من التصانيف كتاب السلطان المبين في أصول الدين. مات سنة ٥٨٧هـ ٥.\n_________\n١ الفوائد البهية ص٦٨.\n٢ هذا الإسناد وقفت عليه بواسطة كلام الكوثري في مقدمته، كتاب العالم والمتعلم ص٦، وذكره شارح الفقه الأكبر عبيد الله المفتي في نظم الدرر ص٨٧-٨٨.\n٣ نسبة إلى كاسان مدينة كبيرة في أول بلاد تركستان وراء نهر سيحون والشاش لها قلعة حصينة على بابها وادي أخسيكت. انظر مراصد الاطلاع ٣/١١٤٣.\n٤ في النسخة المحفوظة في مكتبة حكمت عارف: يروي نصران بن نصر الختلي عن الحسن بن علي بن الحسين الغزال عن علي بن أحمد الفارس.\n٥ تاج التراجم ص٨٤، ٨٥. وانظر ترجمته في الجواهر المضية ١٤/٢٥-٢٨؛ والفوائد البهية ص٥٣؛ وطبقات الفقهاء لطاش كبري زاده ص١٠٢، ١٠٣، ولم يذكروا فيه جرحا أو تعديلا.","vol":"1","page":120},{"text":"٢- العلاء السمرقندي: هو محمد بن أحمد بن أبي أحمد علاء الدين السمرقندي، تفقه على أبي المعين ميمون المكحولي، وعلى أبي اليسر البزدوي، وتفقه عليه أبو بكر بن مسعود الكاساني وغيره، ولم أقف على تاريخ وفاته ١.\n٣- أبو المعين النسفي: هو ميمون بن محمد بن محمد معتمد بن مكحول بن أبي الفضل أبو المعين النسفي المكحولي، صاحب كتاب تبصرة الأدلة، والتمهيد لقواعد التوحيد. مات سنة ٥٠٨هـ ٢.\n٤- أبو عبد الله الحسين بن علي: هو الحسين بن علي الألمعي الكاشغري ٣ الواعظ. قال عنه الذهبي: \"متهم بالكذب\"، وقال السمعاني: \"شيخ فاضل واعظ ولكن أكثر رواياته وأحاديثه مناكير واسمه الحسين، غير أنه عرف بالفضل، صنّف التصانيف الكثيرة في الحديث، لعلها تربو على المائة والعشرين مصنفا وعامتها مناكير، روى الحديث عن أبي عبد الله محمد بن علي الصوري ومحمد بن محمد الغيلان، وحدث عنه محمد بن محمود الشجاعي. مات بعد سنة ٤٨٤هـ\" ٤.\n_________\n١ تاج التراجم ص٦٠؛ والجواهر المضية ٣/١٨؛ والفوائد البهية ص١٥٨؛ وطبقات الفقهاء لطاش كبرى زاده ص٩٥، وجميعهم لم يذكروا فيه جرحا أو توثيقا.\n٢ تاج التراجم ص٧٨؛ والجواهر المضية ٣/٥٢٧؛ والفوائد البهية ص٢١٦؛ وجميعهم لم يذكروا فيه جرحا أو توثيقا.\n٣ نسبة إلى كاشغر بالتقاء الساكنين والشين والعين المعجمتين والراء المهملة قرى ورساتيق يسافر إليها من سمرقند وهي في وسط بلاد الترك. مراصد الاطلاع ٣/١١٤٣.\n٤ الأنساب ١١/٢٢؛ واللباب في تهذيب الأنساب ٣/٧٦؛ والميزان ١/٥٤٤؛ ولسان الميزان ٢/٣٠٥، ٣٠٦.","vol":"1","page":121},{"text":"٥- أبو مالك نصران بن نصر الختلي: ذكره الذهبي في المشتبه، وقال عنه: \"أبو مالك نصران بن نصر الختلي، روى الفقه الأكبر عن علي بن الحسين الغزّال وعنه أبو عبد الله الحسين الكاشغري\".\n٦- أبو الحسن علي بن أحمد الفارس: لم أقف على ترجمته.\n٧- نصر بن يحيى: تقدم التعريف به في ص١١٧.\n٨- أبو مطيع البلخي: هو الحكم بن عبد الله بن مسلم أبو مطيع البلخي الخراساني ١، صاحب أبي حنيفة رحمه الله تعالى، روى عن هشام بن حسان وابن عون، وروى عنه أحمد بن منيع وخلاد بن أسلم الصفار. مات سنة ١٩٩هـ.\nقال عنه ابن معين: \"ليس بشيء\". وقال أحمد بن حنبل: \"لا ينبغي أن يروى عنه شيء\"، وقال أبو داود: \"تركوا حديثه وكان جهميا\"، وقال أبو حاتم: \"كان مرجئا ضعيف الحديث، وضعفه البخاري والنسائي\"، وقال ابن حبان: \"كان من رؤساء المرجئة ممن يبغض السنن ومنتحليها\"، وقال ابن عدي: \"هو بيِّن الضعف عامة ما يرويه لا يتابع عليه، وقال الذهبي، وابن حجر: \"كان ابن المبارك يعظّمه ويجلّه لدينه وعلمه\" ٢.\nقلت: فقوله لدينه أي لعبادته وزهده، وأما قوله: \"لعلمه\" فالظاهر أنه يعني فقهه، وإلا فأهل العلم متفقون على أنه لا يحتج به في الرواية لكونه\n_________\n١ نسبة إلى خراسان وهي بلاد واسعة وأول حدودها مما يلي العراق وآخر حدودها مما يلي الهند ومن أمهات مدنها نيسابور وهرات وبلخ وطالقان ونسا وسرخس.\n٢ انظر تاريخ ابن معين ٤/٣٥٦؛ والضعفاء والمتروكين للنسائي ص٢٥٩؛ والمجروحين لابن حبان ١/٢٥٠؛ والجرح والتعديل ٣/١٢٢؛ والكامل لابن عدي ٢/٦٣١؛ والميزان ١/٥٧٤؛ واللسان ٢/٣٣٤.","vol":"1","page":122},{"text":"متهما، بل كذبه أبو حاتم، وتتابع أهل العلم على تضعيفه، فمثله لا يعتمد عليه، لذا لم أعرج على كتابه إلا حيث خالف بدعته في التجهم والإرجاء، أو أجد شاهدا لكلامه في سائر كتب أبي حنيفة، أو بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه للطحاوي فأورده استئناسا واستشهادا.\n٣- العالم والمتعلم\nوهو رسالة يجيب فيها الإمام عن أسئلة المتعلم أبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي.\nبدأها بالإشارة إلى أهمية العلم والعمل، وأن العمل تبعٌ للعلم، وأن العلم مع العمل اليسير أنفع من الجهل مع العمل الكثير.\nثم بين أهمية معرفة علم الكلام وشرح العدل والجور، ثم أشار إلى بعض آراء الفرق في نزع الإيمان عن الزاني.\nثم فرق بين الشريعة والدين، وأن الدين هو التوحيد، والتوحيد واحد أوصى الله أنبياءه بالدعوة إليه، ثم شرح مذهبه في الإيمان، وهل له ارتباط بالعمل.\nوتنفرد هذه الرسالة عن الرسائل الأخرى المنسوبة للإمام في أمور لا تتفق مع ما ثبت عنه في قضايا الاعتقاد منها:\n\"أ\" تعظيمه لعلم الكلام، وبيان ضرورة معرفته ١.\n_________\n١ هذا خلاف ما استقر عليه في آخر أمره حيث كان ينهى عن تعلم الكلام =","vol":"1","page":123},{"text":"\"ب\" استعماله القياس في قضايا العقيدة ١.\n\"ج\" قوله بالإرجاء الحقيقي حيث قال، يعني أبا حنيفة: \"من آمن بقلبه ولم يتكلم بلسانه فهو مؤمن عند الله\" ٢.\n\"د\" قوله: \"أصل الإرجاء من قبل الملائكة\" ٣.\nويظهر - والله أعلم - أن هذه الرسالة ليست من تأليف الإمام، بل من تأليف تلميذه أبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي. لذا قال عنه السليماني كما في اللسان في ترجمة أبي مقاتل: \"صاحب كتاب العالم والمتعلم في عداد من يضع الحديث\". وأقره الحافظ ابن حجر ٤، وهي إشارة إلى أن كتاب العالم والمتعلم ليس للإمام أبي حنيفة، وإنما هو من تأليف أبي مقاتل. ثم إن كتاب العالم والمتعلم، ككتب المسائل التي هي أجوبة عن أسئلة التلاميذ لشيوخهم في مسألة من مسائل العلم، يكتبها التلاميذ، وتنسب له الأسئلة، مثل أسئلة الآجري لأبي داود، وأسئلة البرقاني للدارقطني، ومسائل أبي داود للإمام أحمد، فكما أنه لا يجوز أن تنسب تلك الكتب إلى الشيوخ، فنقول مثلا: \"إن مسائل أبي داود\" هي من تأليف الإمام أحمد، فكذلك لا يجوز أن تنسب الأجوبة الواردة في العالم والمتعلم للإمام أبي حنيفة، ولا سيما أن مؤلف كتاب العالم والمتعلم هو أبو مقاتل السمرقندي وضاع وكذاب عند المحدثين وبالتالي يجب أن نكون على حذر مما في هذا الكتاب، فلا يقبل ما فيه إلا إذا وافق\n_________\n= والخصومات في الدين. انظر تفصيل ذلك في الفصل الثاني من الباب الأول من هذه الرسالة.\n١ انظر ص١٥، ١٨.\n٢ انظر ص١٠، ١٣، ٢٢.\n٣ انظر ص٢٢.\n٤ لسان الميزان ٢/٣٢٣.","vol":"1","page":124},{"text":"ما في المصادر الأخرى التي تحكي عقيدة الإمام أبي حنيفة.\nمن ذكر هذا المؤلف من المصنفين:\n١- ابن النديم في الفهرست ص٢٥٦.\n٢- على بن محمد البزدوي في كنز الوصول إلى معرفة الأصول ١/٨.\n٣- علاء الدين بن عبد العزيز البخاري في كشف الأسرار ١/٨.\n٤- أبو المظفر الإسفراييني في التبصير ص١١٣.\n٥- البياضي في إشارات المرام ص٢١.\n٦- والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٢/١٤.\n٧- طاش كبرى زاده في مفتاح السعادة ٢/٢٠٣\n٨- إسماعيل البغدادي في هداية العارفين ٢/٤٩٥.\n٩- حاجي خليفة في كشف الظنون ٢/١٤٣٧.\nدراسة إسناد هذا المؤلف:\nوقفت لهذا المؤلف على إسناد نسختين:\n* النسخة الأولى: وهي المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم ٣٤١٤٧، وهي من رواية ١ الشيخ أبي الحسن علي بن خليل الدمشقي، عن أبي الحسن برهان الدين علي بن الحسن البلخي، عن أبي المعين النسفي، عن أبيه محمد النسفي، عن عبد الكريم بن موسى البزدوي النسفي، عن أبي منصور الماتريدي، عن أبي بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني عن أبي سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني، عن محمد بن مقاتل الرازي وهما عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله وأبي عصمة عصام بن\n_________\n١ هذا الإسناد وقفت عليه بواسطة مقدمة الكوثري لكتاب العالم والمتعلم ص٥.","vol":"1","page":125},{"text":"يوسف البلخي وهما عن أبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي عن الإمام أبي حنيفة وإليك تعريف برجال إسناد هذه النسخة:\n١- أبو الحسن علي بن خليل الدمشقي: هو علي بن خليل بن الحسين الدمشقي أبو الحسن الشهير بابن قاضي العسكر، الأديب الفقيه، مولده بدمشق سنة ٦٠٨هـ، ومات سنة ٦٥١هـ، وله كتاب شرح الجامع الكبير ١.\n٢- أبو الحسن برهان الدين علي بن حسن البلخي: هو علي بن الحسن بن محمد بن أبي جعفر أبو الحسن المعروف بالبرهان البلخي، قال عنه الذهبي: \"كان زاهدا معرضا عن الدنيا، وهو الذي قام في إبطال حي على خير العمل من حلب\"، وقال اللكنوي: \"برع في الأصول والفقه ورد دمشق ودرس بها\" مات سنة ٥٤٨هـ ٢.\n٣- أبو المعين النسفي: تقدم التعريف به ص١٢٢.\n٤- محمد النسفي: لم أقف له على ترجمة.\n٥- عبد الكريم بن موسى البزدوي النسفي: هو عبد الكريم بن موسى بن عيسى البزدوي نسبة إلى بزدى قلعة على ستة فراسخ من نسف ٣ وهو جد فخر الإسلام البزدوي تفقه على أبي منصور الماتريدي. مات سنة ٣٩٠هـ ٤.\n_________\n١ تاج التراجم ص٤٣؛ والجواهر المضية ٢/٥٦٨.\n٢ العبر للذهبي ٣/٦؛ والفوائد البهية ص١٢٠، ١٢١.\n٣ نسف: بفتح أوله وثانيه ثم فاء مدينة كبيرة تقع بين جيحون وسمرقند وتتبعها قرى كثيرة. انظر معجم البلدان ٥/٢٨٥.\n٤ الجواهر المضية ٢/٨٤٥٨؛ والفوائد البهية ص١٠١.","vol":"1","page":126},{"text":"٦- أبو منصور الماتريدي: هو محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي، نسبة إلى ماتريد ١، محلة بسمرقند ٢، وإليه ينسب المذهب الماتريدي الكلامي الموجود في العالم الإسلامي، تفقه على أبي بكر أحمد الجوزجاني، وأبي نصر أحمد بن العباس العياض. وتفقه عليه إسحاق بن محمد السمرقندي وأبو محمد عبد الكريم بن موسى البزدوي وغيرهم، وله كتاب التوحيد وتأويلات القرآن وغير ذلك، مات سنة ٣٣٣هـ، بعد وفاة أبي الحسن الأشعري بتسع سنوات ٣.\n٧- أبو بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني: هو أحمد بن إسحاق أبو بكر الجوزجاني، نسبة إلى جوزجان ٤، بلدة مما يلي بلخ، تفقه على أبي سليمان الجوزجاني وقال عنه القرشي: صاحب كتاب الجواهر المضية: \"كان من الجامعين بين علم الأصول وعلم الفروع، وكان في أنواع العلوم في الدرجة العلية، له كتاب الفرق والتمييز وكتاب التوبة\n_________\n١ ماتريد: بفتح الميم بعدا ألف وضم التاء المثناة الفوقية وفتح القاف المهملة وسكون الياء آخر الحروف ودال مهملة محلة من مدينة سمرقند وإليها ينسب أبو منصور الماتريدي، إمام الحنفية الماتريدية. انظر الأنساب ١٢/٢؛ واللباب ٣/١٤٠؛ والفوائد البهية ص١٩٥.\n٢ سمرقند: بفتح السين المهملة والميم وسكون الراء المهملة وفتح القاف وسكون النون آخرها دال مهملة. مدينة عظيمة من مدن خراسان ما وراء النهر وقد استقلت حديثا من نير احتلال الروس البلاشفة. انظر معجم البلدان ٣/٢٤٦؛ ومعجم ما استعجم ٣/٧٥٤؛ ومراصد الاطلاع ٢/٧٣٦.\n٣ انظر تاج التراجم ص٥٩؛ والجواهر المضية ٣/٣٦٠؛ والفوائد البهية ص١٩٥.\n٤ جوزجان: قال ياقوت: \"جوزجانان وجوزجان هما واحد بعد الزاي جيم وفي الأولى نونان وهو اسم كورة واسعة من كور بلخ بخراسان وهي بين مرو الروذ وبلخ ومن مدنها الأنبار وفارياب. معجم البلدان ٢/١٨٢.","vol":"1","page":127},{"text":"وغيرهما\" ولم أقف له على تاريخ وفاته ١.\n٨- أبو سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني: هو موسى بن سليمان الجوزجاني أبو سليمان، سمع عبد الله بن المكبار وأبا يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري ومحمد بن حسن الشيباني، وروى عنه عبد الله بن حسن الهاشمي وأحمد بن محمد البرتي. قال عنه الخطيب: \"كان فقيها بصيرا بالرأي يذهب مذهب أهل السنة في القرآن\"، وقال عنه ابن أبي حاتم: \"كان يكفر القائلين بخلق القرآن، كتب عنه أبي وسئل عنه فقال: كان صاحب رأي وكان صدوقا\" ٢.\n٩- محمد بن مقاتل الرازي ٣.\n١٠- أبو مطيع الحكم بن عبد الله ٤.\n١١- أبو عصمة عصام بن يوسف البلخي ٥.\n١٢- أبو مقاتل السمرقندي: هو حفص بن سلم أبومقاتل السمرقندي، روى عن هشام بن عروة، وروى عنه عتيق بن محمد، قال عنه السليماني: \"صاحب كتاب العالم والمتعلم في عداد من يضع الحديث\" ٦.\nوقال الحاكم: \"حدث عن عبيد الله بن عمر وأيوب ومسعر وغيرهم بأحاديث موضوعة. كذبه وكيع بن الجراح بالكوفة\" ٧.\n_________\n١ الجواهر المضية ١/١٤٤؛ والفوائد البهية ص١٤.\n٢ الجرح والتعديل ٨/١٤٥؛ وتاريخ بغداد ١٣/٣٦-٣٧.\n٣ تقدم التعريف به ص١١٧.\n٤ تقدم التعريف به ص١٢٢.\n٥ تقدم التعريف به ص١١٨.\n٦ الميزان ١/٥٥٨؛ واللسان ٢/٣٢٣.\n٧ المدخل إلى الصحيح ص١٣٠، ١٣١.","vol":"1","page":128},{"text":"وكان قتيبة يحمل عليه شديدا ويضعفه بقوة، وقال: \"كان لا يدري ما يحدث به\" ١.\nوقال الجوزجاني: \"حدثت أن أبا مقاتل كان ينشئ للكلام الحسن إسنادا\" ٢. وقال أبو نعيم: \"حدث عن أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر ومسعر بالمناكير، تركه وكيع وكذبه\" ٣.\nوقال عبد الرحمن بن مهدي: \"والله لا تحل الرواية عنه\" ٤.\nوذكر ابن رجب أن الجارود السلمي قال: كان عند معاوية - يعني الضرير - فذكر له حديث أبي مقاتل عن سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي ضبيان قال: \"سئل علي عن كور الزنانير قال: لا بأس به هو بمنزلة صيد البحر\".\nفقال أبومعاوية: \"ما أقول إن صاحبكم كذاب، ولكن هذا الحديث كذب\" ٥.\nقلت: كان الرجل صاحب عبادة فحسب، وليس العلم من شأنه.\nقال ابن المبارك: \"خذوا عن أبي مقاتل عبادته وحسبكم\" ٦.\nوقال إبراهيم بن طهمان: \"خذوا عنه عبادته وحسبكم\" ٧.\n_________\n١ المجروحين ١/٢٥٦؛ والميزان ١/٥٥٧؛ واللسان ٢/٣٢٢.\n٢ اللسان ٢/٣٢٣.\n٣ الضعفاء ص٥٧.\n٤ المجروحين ١/٢٥٦.\n٥ شرح علل الترمذي ١/٧٩.\n٦ المجروحين لابن حبان ١/٢٥٦.\n٧ الميزان ١/٥٥٧؛ واللسان ٢/٣٢٢.","vol":"1","page":129},{"text":"قلت: ومن المعلوم عند أهل العلم، أن أهل العبادة هم أهل الغفلة والوضع في الحديث، وذلك لانشغالهم بنوافل العبادات، والإكثار منها، وغفلتهم عن طلب العلم والاشتغال به.\nروى مسلم في مقدمة صحيحه ١، من طريق محمد بن يحيى بن سعيد القطان، عن أبيه قال:\"لم تر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث\".\nوقال ابن مهدي: \"قلت لميسرة بن عبد ربه من أين جئت بهذه الأحاديث؟ قال: وضعتها أرغِّب الناس فيها\" ٢.\nوقال الحافظ ابن منده: \"إذا رأيت في حديث، حدثنا فلان الزاهد، فاغسل يدك منه\" ٣.\nزد على هذا أن أبا مقاتل لم يكن له اعتناء بأصوله، ولم يكن محافظا عليها إذ روى ابن عدي حديث كور الزنانير من طريق قتيبة بن سعيد عن أبي مقاتل بسنده.\nفقال له قتيبة: يا أبا مقاتل هو موضوع فقال أبو مقاتل: باب هو في كتابي، وتقول هو موضوع، قال قتيبة: قلت نعم وضعوه في كتابك ٤.\nومما يدل على شدة غفلته وحمقه ما أخرجه الترمذي في العلل الصغير قال: \"أخبرني موسى بن خزام سمعت صالح بن عبد الله يقول: كنا عند أبي مقاتل السمرقندي فجعل يروي عن عون بن أبي شداد الأحاديث الطوال التي كان يروي في وصية لقمان وقتل سعيد بن جبير وما أشبه هذه\n_________\n١ صحيح مسلم ١/١٧.\n٢ المجروحين ١/٦٤.\n٣ شرح علل الترمذي ص١١٥.\n٤ الكامل في الضعفاء ٢/٨٠٠.","vol":"1","page":130},{"text":"الأحاديث، فقال ابن أخ لأبي مقاتل: يا عم لا تقل حدثنا فإنك لم تسمع هذه الأشياء قال يا بني: \"هو كلام حسن\" ١.\nقلت: إسناد هذه القصة صحيح، وهذا يدل على عدم التورع حال التحديث، فهذه هي حال أبي مقاتل، كما قال أهل العلم. ومن كان بهذه المثابة لا يقبل حديثه ولا روايته، وشذّ الخليلي فقال: \"مشهور بالصدق غير مخرج في الصحيح\" ٢.\nإسناد النسخة الثانية:\nوقفت على هذا الإسناد في مناقب أبي حنيفة ٣ للمكي وهي من رواية الموفق المكي، عن أبي حفص عمر بن محمد النسفي، عن أبي علي الحسن بن عبد الملك النسفي، عن الإمام جعفر بن محمد المستغفري النسفي، عن أبي عمر ومحمد النسفي، عن الإمام أبي محمد الحارثي البخاري، عن محمد بن يزيد، عن الحسن بن صالح، عن أبي مقاتل، عن أبي حنيفة.\nوإليك التعريف برجال إسناد هذه النسخة:\n_________\n١- الموفق المكي: هو الموفق بن أحمد بن محمد المكي أبو المؤيد قال عنه الفاسي: \"العلامة خطيب خوارزم، كان أديبا فصيحا مفوها خطب في خوارزم ٤ دهرا\" مات سنة ٥٦٨هـ ٥.\n١ علل الترمذي ضمن سننه ٥/٧٤٣؛ وانظر شرح علله لابن رجب ص٧٩.\n٢ الإرشاد للخليلي ٣/٩٧٥ ط/الرشد، تحقيق د. محمد السعيد.\n٣ ١/٨٤، ٩٧ ط/ انظر مقدمة الكوثري لكتاب العالم والمتعلم ص٤٥.\n٤ خوارزم: أوله بين الضم والفتح، والألف مختلسة ليست بألف صحيحة قال ياقوت: خوارزم ليس اسما للمدينة إنما هو اسم للناحية بجملتها، فأما القصبة العظمى فقد يقال لها اليوم الجرجانية. انظر معجم البلدان ٢/٣٩٥.\n٥ انظر العقد الثمين ٧/٣١٠؛ والجواهر المضية ٣/٥٢٣.","vol":"1","page":131},{"text":"٢- أبو حفص عمر بن محمد النسفي: هو عمر بن محمد بن إسماعيل النسفي ثم السمرقندي قال عنه السمعاني: \"كان إماما فاضلا متقنا صنف في كل من التفسير والحديث ... إلى أن قال: فلما وافيت سمرقند ١ استعرت عدة كتب من تصانفيه. فرأيت فيها أوهاما كثيرة خارجة عن الحد، فعرفت أنه كان ممن أحب الحديث ولم يرزق فهمه\".\nقال عنه الذهبي: \"له أوهام كثيرة\" مات سنة ٥٣٧هـ ٢.\n٣- أبو علي الحسن بن عبد الملك النسفي: هو الحسن بن عبد الملك النسفي وفي الطبقات السنية الحسن بن عبد الله النسفي أبو علي القاضي، تتلمذ على أبي العباس جعفر بن محمد المستغفري، ولم يذكر من ترجم له تاريخ وفاته ٣.\n٤- جعفر بن محمد المستغفري: هو جعفر بن محمد بن المعتز النسفي المستغفري، قال عنه الذهبي: \"الحافظ العلامة المحدث أبو العباس ... صاحب التصانيف، ... كان صدوقا في نفسه، لكنه يروي الموضوعات في الأبواب ولا يوهِّيها\".\nروى عن زاهر بن أحمد السرخسي وإبراهيم بن لقمان، وحدث عنه الحسن بن أحمد السمرقندي وآخرون. مات سنة ٤٣٢هـ ٤.\n_________\n١ سمرقند: بفتح أوله وثانيه ويقال بالعربية سمران بلد معروف ومشهور بما وراء النهر قيل: إنه من أبنية ذي القرنين.\nانظر معجم البلدان ٣/٤٥٢.\n٢ انظر العبر ٤/٤٥٢؛ ولسان الميزان ٤/٣٢٧.\n٣ انظر الجواهر المضية ٢/٦٨؛ والطبقات السنية ٣/٧٤.\n٤ انظر تذكرة الحفاظ ٣/١١٠٢؛ والعبر ٢/٢٦٦؛ وشذرات الذهب ٣/٢٤٩.","vol":"1","page":132},{"text":"٥- أبو عمر، ومحمد النسفي: أما أبو عمرو فلم أعرف من هو، وأما محمد النسفي فلعله محمد بن أحمد بن محمود أبو جعفر النسفي القاضي، قال عنه الصفدي: \"كان من أعيان الفقهاء، وله تعليقة في الخلاف مشهورة وكان زاهدا ورعا متعففا فقيرا قنوعا\".\nأخذ عن أبي بكر أحمد بن علي الجصاص الرازي، وعبيد الله البزاز البغدادي، وروى عنه أبو حاجب الاستراباذي، وأبو نصر الشيرازي توفي سنة ٤١٤هـ ١.\n٦- أبو محمد الحارثي البخاري: هو عبد الله بن يعقوب الحارثي البخاري الفقيه.\nقال ابن الجوزي: \" قال أبو سعيد الرواس: \"متهم بوضع الحديث\".\nوقال أحمد السليماني: \"كان يضع هذا الإسناد على هذا المتن، وهذا المتن على هذا الإسناد، وهذا ضرب من الوضع\".\nوقال حمزة السهمي: \"سألت أبا زرعة الرازي، فقال: ضعيف\".\nوقال الخطيب: \"كان صاحب عجائب ومناكير وغرائب، وليس بموضع حجة\".\nمات سنة ٣٤٥هـ وهو الذي جمع مسند الإمام أبي حنيفة ٢.\n٧- محمد بن يزيد: لم أقف له على ترجمة.\n_________\n١ انظر الوافي بالوفيات ٢/٧٤؛ والمنتظم ٨/١٥؛ والنجوم الزاهرة ٤/٢٥٩.\n٢ انظر كتاب الضعفاء لابن الجوزي ٢/١٤١؛ وتاريخ بغداد ١٠/١٢٦؛ وميزان الاعتدال ٢/٤٩٦، ٤٩٧؛ ولسان الميزان ٣/٣٤٨، ٣٤٩؛ والمغني في الضعفاء ١/٣٥٥.","vol":"1","page":133},{"text":"الحسن بن صالح: لعله الحسن بن صالح بن حي الهمداني الثوري قال عنه ابن حجر: \"ثقة فقيه عابد رمي بالتشيع، من السابعة مات سنة ١٩٩هـ وكان مولده سنة ١٠٠هـ\" ١.\n٩- أبو مقاتل: تقدم التعريف ص١٢٨.\n٤- رسالة الإمام أبي حنيفة إلى عثمان البتي ٢.\nوهي رسالة صغيرة، قيل إن الإمام أبا حنيفة كتبها إلى قاضي البصرة عثمان البتي ردا على خطابه الذي بعثه إلى الإمام أبي حنيفة، لما بلغه أن الإمام يرى رأي المرجئة؛ فشق عليه ذلك، وكتب إليه خطابا، فأرسل أبو حنيفة هذه الرسالة، ينفي عن نفسه الإرجاء.\nمن ذكر هذا المؤلف من المصنفين:\n١- ابن النديم في الفهرست ص٢٥٦.\n٢- علي بن محمد البزدوي في كنز الأصول ١/٨.\n٣- علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري في كشف الأسرار ١/٨.\n٤- أبو المظفر الإسفراييني في كتاب التبصير في الدين ص١١٤.\n٥- البياضي في إشارات المرام ص٢١.\n٦- الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٢/١٣، ١٤.\n_________\n١ انظر تقريب التهذيب ١/١٦٧؛ وتهذيب التهذيب ٢/٢٨٥.\n٢ هو عثمان بن مسلم البتي بفتح الموحدة وتشديد المثناة، كان يبيع البتوت - وهو كساء غليظ - فقيل البتي أبو عمرو البصري. قال عنه ابن حجر: \"صدوق عابوا عليه الإفتاء بالرأي من الخامسة مات سنة ١٤٣هـ\". تقريب التهذيب ٢/١٤؛ وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٧/١٥٣؛ وسير أعلام النبلاء ٦/١٤٨.","vol":"1","page":134},{"text":"٧- إسماعيل البغدادي في هداية العارفين ٢/٤٩٥.\n٨- حاجي خليفة في كشف الظنون ١/٨٤٢.\nدراسة إسناد هذا المؤلف:\nوقفت على إسناد هذا المؤلف في نسخة خطية محفوظة ضمن المجموعة رقم ٢٣٤ بمكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، وهي من رواية حسام الدين حسين بن علي بن الحجاج السِّغناقي عن حافظ الدين محمد بن محمد بن نصر البخاري، عن شمس الأئمة محمد بن عبد الستار الكردري، عن برهان الدين المرغياني، عن ضياء الدين بن الحسين بن ناصر الدين النوسوخي، عن علاء الدين أبي بكر محمد بن أحمد السمرقندي، عن أبي المعين النسفي، عن أبي زكريا يحيى بن مطرف البلخي، عن أبي صالح محمد بن الحسين السمرقندي، عن أبي سعيد محمد بن بكر البستي، عن أبي الحسن علي بن أحمد الفارس، عن نصر بن يحيى البلخي، عن محمد بن سماعة التميمي، عن أبي يوسف، عن الإمام أبي حنيفة وإليك التعريف برجال هذا الإسناد:\n١- حسام الدين السغناقي ٧١٠هـ: هو الحسين بن علي بن حجاج بن علي حسام الدين السغناقي، نسبة إلى سغناق بكسر السين المهملة وسكون الغين ثم نون بعدها ألف بعدها قاف بلدة في تركستان. تفقه على محمد بن محمد بن نصر البخاري، وممن تفقه عليه جلال الدين الكرلاني. ومن مصنفاته النهاية في شرح الهداية والكافي في شرح أصول البزدوي. وهو مؤلف \"التسديد في شرح التمهيد\" لأبي العين النسفي ٥٠٨هـ ١.\n_________\n١ انظر الفوائد البهية ص٦٢؛ والدرر الكامنة ٢/١٤٧؛ وبغية الوعاة ١/٥٣٧؛ وطبقات طاش كبري زاده ص١١٩، وكشف الظنون ١/١١٢، ٤٠٣، ٤٨٤.","vol":"1","page":135},{"text":"٢- حافظ الدين محمد البخاري: هو محمد بن محمد بن نصر البخاري أبو الفضل ولد في حدود سنة ٦١٥هـ ببخارى ١، وتفقه على محمد بن عبد الستار الكردي ومحمد بن الحسن الطاهري، وتفقه عليه عبيد الله بن إبراهيم المحبوبي وأبو العلاء البخاري مات في سنة ٦٩٣هـ ٢.\n٣- محمد عبد الستار الكردري: هو محمد بن عبد الستار بن محمد المعمادي الكردري، نسبة إلى كردر ٣ ناحية بخوارزم، قال عنه الذهبي كما في النجوم الزاهرة: \"كان أستاذ الأئمة على الإطلاق والموفد إليه من الآفاق، برع في علوم، وأقر في فنون، وانتهت إليه رئاسة الحنيفة في زمانه\" مات سنة ٦٤٢هـ ٤.\n٤- برهان الدين المرغيناني: هو علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني برهان الدين المرغيناني بفتح الميم نسبة إلى مدينة مرغينان ٥،\n_________\n١ بخارى: بالضم مدينة من أعظم مدن ما وراء النهر افتتحها قتيبة بن مسلم قال ياقوت: \"وأما اشتقاقها وسبب تسميتها بهذا الاسم فإني تطلبته فلم أظفر به ولا شك أنها مدينة قديمة كثيرة البساتين واسعة الفواكه\".\nانظر معجم البلدان ١/٣٢٥٣.\n٢ انظر الجواهر المضية ٣/٣٣٧، والفوائد البهية ص١٩٩، ٢٠٠.\n٣ كردر: بفتح أوله ثم السكون ودال مفتوحة وراء، هي ناحية من نواحي خوارزم أو ما يتاخمها من نواحي الترك.\nانظر معجم البلدان ٤/٤٥٠.\n٤ انظر النجوم الزاهرة ٦/٣٥١؛ والوافي بالوفيات ٣/٢٥٤؛ وتاج التراجم ص٦٤.\n٥ مرغنان: بالفتح ثم السكون وغين معجمة مكسورة بلدة مما وراء النهر من نواحي فرغانة.\nانظر معجم البلدان ٥/١٠٨.","vol":"1","page":136},{"text":"من بلاد فرغانة ١، قال عنه القرشي: \"العلامة المحقق صاحب الهداية، أقر له أهل عصره بالفضل والتقدم\". تفقه على عمر بن محمد النسفي وحسام الدين عمر بن عبد العزيز بن مازة وغيرهم، وتفقه عليه محمد بن عبد الستار الكردري ـ. مات سنة ٥٩٣هـ ٢.\n٥- ضياء الدين محمد بن الحسين النوسوخي: هو محمد بن الحسين بن ناصر بن عبد العزيز النوسوخي، نسبة إلى بلدة نوسوخ، من بلاد فرغانة الملقب بضياء الدين، تفقه على الإمام علاء الدين أبي بكر محمد بن أحمد السمرقندي، وتفقه عليه علي بن الفرغاني، وقال: أجاز لي بجميع مسموعاته مشافهة بمرو سنة ٥٤٥هـ ٣.\n٦- علاء الدين أبوبكر محمد بن أحمد السمرقندي: تقدم التعريف به ص١٢١.\n٧- أبو المعين النسفي: تقدم التعريف به ص١٢١.\n٨- يحيى بن مطرف البلخي: لم أقف له على ترجمة.\n٩- محمد بن بكر البستي: لم أقف له على ترجمة.\n١٠- علي بن أحمد الفارس: لم أقف له على ترجمة.\n_________\n١ فرغانة: بالفتح ثم سكون وغين معجمة وبعد الألف نون. إقليم واسع مما وراء النهر متاخم لبلاد تركستان. قال الإصطخري: \"فرغانة رسم لإقليم وهو عريض موضوع على سعة مدنها وقراها وليس بما وراء النهر أكثر من قرى فرغانة. انظر معجم البلدان ٤/٢٥٢.\n٢ انظر الجواهر المضية ١/٦٢٨؛ وتاج التراجم ص٤٢؛ والفوائد البهية ص١٤١، ١٤٦.\n٣ انظر الجواهر المضية ٣/١٤٦؛ والفوائد البهية ص١٦٦.","vol":"1","page":137},{"text":"١١- نصر بن يحيى البلخي: تقدم التعريف به ص١١٧.\n١٢- محمد بن سماعة التميمي: هو محمد بن سماعة بن عبيد الله بن هلال بن وكيع بن بشر التميمي أبو عبد الله الكوفي، روى عن أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، والليث بن سعد. وروى عنه الحسن بن محمد بن عنبر، ومحمد بن عمران الضبي.\nقال عنه ابن حجر: \"صدوق من العاشرة\" مات سنة ٢٣٣هـ وقيل سنة ٢٣٦هـ ١.\n١٣- أبو يوسف: هو يعقوب بن إبراهيم تقدم التعريف به ص٩٣.\n٥- وصية أبي حنيفة\nرسالة صغيرة اشتملت على بعض مسائل أصول الدين كالإيمان والقدر والقرآن، وأنه كلام الله غير مخلوق إلى غير ذلك.\nمن ذكر هذا المؤلف من المصنفين:\n١- البياضي في إشارات المرام ص٢١.\n٢- الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٢/١٣، ١٤.\nقال الزبيدي: \"وذكر الوصية بتمامها الإمام صارم المصري في نظم الجمان، ومن المتأخرين تقي الدين التميمي في الطبقات السنية، والقاضي أبو الفضل محمد بن الشحنة الحلبي في أوائل شرح الهداية\" ٢.\n_________\n١ انظر تقريب التهذيب ٢/١٦٧، وتهذيب التهذيب ٩٢٠٤.\n٢ إتحاف السادة المتقين ٢/١٤.","vol":"1","page":138},{"text":"دراسة إسناد هذا المؤلف:\nوقفت على إسناد هذا المؤلف في نسخة خطية محفوظة ضمن المجموعة رقم ٢٣٤ بمكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، وهي من واية حسام الدين حسين بن علي السغناقي عن محمد بن محمد بن نصر البخاري، عن محمد بن عبد الستار الكردري، عن برهان الدين المرغياني، عن محمد بن الحسين النوسوخي، عن علاء الدين أبي محمد بن أحمد السمرقندي، عن الإمام سيف الحق أبي المعين ميمون بن محمد المكحولي النسفي، عن الإمام أبي طاهر محمد بن المهدي الحسيني عن إسحاق بن منصور المسياري، عن أحمد بن علي السليماني، عن حاتم بن عقيل الجوهري، عن أبي عبد الله محمد التميمي، عن أبي يوسف، عن الإمام أبي حنيفة.\nوإليك التعريف برجال هذا الإسناد:\n١- حسام الدين السغناقي تقدم التعريف به ص١٣٦.\n٢- محمد البخاري تقدم التعريف به ص١٣٦.\n٣- محمد الكردري تقدم التعريف به ص١٣٦.\n٤- برهان الدين المرغياني تقدم التعريف به ص١٣٦.\n٥- محمد بن الحسين النوسوخي تقدم التعريف به ص١٣٧.\n٦- علاء الدين محمد السمرقندي تقدم التعريف به ص١٢١.\n٧- أبو المعين النسفي تقدم التعريف به ص١٢١.\n٨- أبو طاهر محمد بن المهدي الحسيني لم أقف له على ترجمة.\n٩- إسحاق بن منصور السياري لم أقف له على ترجمة.\n١٠- أحمد بن علي السليماني لم أقف له على ترجمة.\n١١- حاتم بن عقيل الجوهري لم أقف له على ترجمة.","vol":"1","page":139},{"text":"١٢- محمد بن سماعة التميمي تقدم التعريف به ص١٣٨.\n١٣ أبو يوسف تقدم التعريف به ص٩٣.\nيتضح لنا من استعراض جملة من الكتب التي تنسب إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى نتيجة نلخصها فيما يأتي:\nأن هذه الكتب من ناحية الرواية ووفق منهج المحدثين في النقد لا تثبت للإمام أبي حنيفة، ولم أقف على رواية صحيحة أو نسخ معتمدة حتى نقطع أنها للإمام أبي حنيفة. ولا سيما وقد صرح بعض الحنفية كالزبيدي ١، وأبي الخير الحنفي ٢، بأن هذه الكتب ليست من تأليف الإمام مباشرة بل هي أماليه وأقواله التي قام تلاميذه بجمعها وتأليفها.\nومن المعلوم أن بعض المبتدعة من أتباع أبي حنيفة يزيدون وينقصون؛ نصرة للمذهب، ويحرفون، بل إن بعضهم كان يضع الأحاديث على النبي ﷺ كأسيد بن عمرو أبي المنذر البجلي.\nقال ابن حبان عنه: \"روى عنه أصحاب أبي حنيفة، كان يسوي الحديث على مذهبهم\" ٣.\nلذا قال أبو العباس القرطبي: \"استجاز بعض فقهاء أصحاب الرأي نسبة الحكم الذي دل عليه القياس إلى رسول الله ﷺ نسبة قولية؛ فيقول في ذلك: قال رسول الله ﷺ: كذا، ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة لأنها تشبه فتاوى الفقهاء، ولأنهم لا يقيمون لها\n_________\n١ إتحاف السادة المتقين ٢/١٤.\n٢ عقيدة الإسلام ص١١٣، ١١٤.\n٣ المجروحين ١/١٨٠ ونقله صاحب كتاب تنزيه الشريعة ص٣٨؛ وصاحب كتاب الكشف الحثيث ص٩٦.","vol":"1","page":140},{"text":"سندا\" ١، وبه قال العلائي ٢.\nوكذا إبان بن جعفر النجيرمي قال ابن حبان عنه: \"كذاب ووضع على أبي حنيفة أكثر من ثلاثمائة حديث\" ٣ وغيرهم ٤.\nوقد تقدم ذكر أمثلة لتحريفهم لكلام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ولا بأس أن أذكر مثالا واحدا، وهو ما ذكره صاحب كتاب قلائد عقود العقيان؛ \"ق-٩٧-ب\" أن بعض الناس زعم أن الإمام أبا حنيفة يقول: إن الرب ﵎ لا ينظر إليه أهل الجنة، فكتب إليه الإمام أبو حنيفة رسالة يعاتبه على تحريفه قوله، وفيها:\n\"وأما ما قيل لك بأني أزعم أن الرب ﵎ لا ينظر إليه أهل الجنة؛ سبحان الله العظيم كيف تأتي بما لست من قائليه، والله تعالى يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ \"سورة القيامة: الآيتان ٢٢-٢٣\".\nولو قلت لا ينظرون لكنت بقول الله ﷿ من المكذبين، ولكنك حرفت علي قولي\".\n_________\n١ نقله عن القرطبي كل من الحافظ ابن حجر في كتاب النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/٨٥٢؛ وابن عراق في تنزيه الشريعة ١/١١.\n٢ النكت على ابن الصلاح ٢/٧٥٨.\n٣ كتاب تنزيه الشريعة ص١/١٩.\n٤ كأمثال الحكم بن عبد الله البلخي فقد ذكر ابن الجوزي حديثا في كتاب الموضوعات في باب \"الإيمان لا يزيد ولا ينقص\" ١/١٣١، ثم قال: \"فهذا ولا شك من وضع أبي مطيع\"، وكذا محمد بن شجاع الثلجي قال عنه ابن عدي: \"كان يضع الأحاديث التي ظاهرها التجسيم وينسبها إلى أهل الحديث بقصد الشناعة عليهم لما بينه وبينهم من العداوة المذهبية\".\nالكامل ٦/٢٢٩٢؛ والنكت لابن حجر ٢/٨٥٢؛ وتنزيه الشريعة ١/١١.","vol":"1","page":141},{"text":"ولهذا كان المنهج الذي سلكته في هذا البحث:\nهو الاعتماد على العقيدة التي قررها الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، والكتب السلفية المسندة وتقديمهما على غيرها من كتب الإمام أبي حنيفة، على أنني أعتمد على كتاب الفقه الأكبر برواية حماد بن أبي حنيفة، والوصية والرسالة إلى البتي، وكلتاهما برواية أبي يوسف، إذ قد استفاضت شهرتها وذاع صيتها وتناقلها العلماء من حنفية وغيرهم، ونقل منها العلماء المحققون ١ في كتبهم، فما نراه في هذه الكتب مخالفا للعقيدة التي قررها الطحاوي، نجزم أنه أدخل فيها مثلما جاء: \"أن الله كلم موسى بكلامه الذي هو صفة له في الأزل ٢، وهو يتكلم بلا آلة ولا حرف ٣، وأن القرآن لا هو ولا غيره ٤، وأن الحروف والكلمات والآيات دلالة القرآن ٥، ولفظنا بالقرآن مخلوق ٦، وأن الله يرى بلا جهة ٧، ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة\" ٨.\nفكل هذا مما أحدثه المتأخرون بعد أبي حنيفة، ولا يعرف هذا في\n_________\n١ كابن تيمية وابن القيم والذهبي وابن قدامة وغيرهم، انظر مجموع الفتاوى ٥/٤٦؛ واجتماع الجيوش الإسلامية ص١٣٨ المحققة، والمشتبه ١/١٣٧؛ والعلو ص١٠١.\n٢ الفقه الأكبر ص٣٠٢.\n٣ الفقه الأكبر ص٣٠٢.\n٤ الوصية مع شرحها ص١١.\n٥ الوصية مع شرحها ص١٢.\n٦ الفقه الأكبر ص٣٠١.\n٧ الوصية ص٣١.\n٨ الفقه الأكبر ص٣٠٤.","vol":"1","page":142},{"text":"كلام السلف، فمنها ما يرجع إلى أن كلام الله معنى نفسي، وأن القرآن الذي نقرؤه هو عبارة عن ذلك المعنى النفسي، وهذا المذهب أحدثه ابن كلاب.\nومنها ما يرجع إلى بدعة التلفظ بالقرآن، وأول من أحدث هذه البدعة الكرابيسي في زمن الإمام أحمد بن حنبل. ومنها ما يرجع إلى شروط مخترعة توجب امتناع الرؤية، وهذا مما أحدثه أهل الكلام من الأشاعرة والماتريدية. فكل هذا مما أدخل على كتب أبي حنيفة، وما عدا ذلك فالظاهر أنه من كلام الإمام أو من تخريج أصحابه على كلامه. أما رواية أبي مطيع للفقه الأكبر وكتاب العالم والمتعلم لأبي مقاتل السمرقندي، فهما من الكذابين والوضاعين، جزم غير واحد من أهل النقد بذلك؛ فلذا لا أنقل منهما إلا حيث أجد شاهدا لكلامهما في سائر كتب أبي حنيفة أو بيان عقيدة أهل السنة والجماعة للطحاوي.","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11></span><span data-type=\"title\" id=toc-10>الفصل الثاني: منهجه في تقرير أصول الدين</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: مصادر العقيدة عند الإمام أبي حنيفة\nالمبحث الثاني: موقفه من علم الكلام المبتدع\nالمبحث الثالث: موقفه من الفرق كالجهمية والمعتزلة والخوارج","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المبحث الأول: مصادر العقيدة عند الإمام أبي حنيفة</span>\nإن مسائل أصول الدين قد بينها الله ورسوله بيانا شافيا قاطعا للعذر؛ إذ أن أمور الاعتقاد من أعظم ما بلّغه الرسول ﷺ البلاغ المبين وبينه للناس، بل هو أعظم ما أقام الله به الحجة على عباده بالرسل الذين بينوه وبلغوه ١.\nوعلى هذا جرى الصحابة على اتباع كلام الله المنزل، والاقتداء بهدي الرسول ﷺ والاقتداء بأقواله وأفعاله.\nفلم يكن عند أحد منهم ما يستدل به على مسائل العقيدة سوى كتاب الله ثم بحديث رسول الله ﷺ. قال المقريزي: \"لم يكن عند أحد منهم ما يستدل به على وحدانية الله تعالى وعلى إثبات نبوة محمد ﷺ سوى كتاب الله ... \" ٢.\nفمنه استمدوا معلوماتهم عن الله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره إلى غير ذلك من القضايا التي تشكل أصول الإيمان وأركانه، وكلها جميعا في القرآن والسنة. وعلى هذا المنهج جرى\n_________\n١ انظر درء تعارض العقل والنقل ١/٢٧ بتصرف.\n٢ خطط المقريزي ٢/٣٥٦.","vol":"1","page":147},{"text":"التابعون وتابعوهم، ومنهم الإمام أبو حنيفة. فالكتاب والسنة الصحيحة هما المصدران الأساسيان في قضايا الدين عامة والاعتقاد خاصة.\nروى ابن عبد البر في الانتقاء عن أبي حنيفة قال: \"سمعت أبا حنيفة يقول: \"آخذ بكتاب الله فما لم أجد فبسنة رسول الله ﷺ فما لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله أخذت بقول أصحابه\" ١.\nوفي رواية أخرى قال: قال أبو حنيفة: \"إذا لم يكن في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ، نظرت في أقاويل أصحابه، ولا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر أو جاء الأمر إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن جبير وعدّد رجالا؛ فهم قوم اجتهدوا فأجتهد كما اجتهدوا\" ٢.\nفالحاصل أن ترتيب الأدلة عند الإمام على الترتيب الآتي:\nالكتاب ثم السنة الصحيحة، ثم الأخذ بما ورد عن الصحابة في بيان قضايا الدين عامة وفي قضايا العقيدة خاصة، ولا يخرج عن أقوالهم إلى قول غيرهم؛ وذلك لسلامتهم من الأهواء والبدع، ولصفاء سرائرهم ونياتهم مع ما فضلوا به من مشاهدة التنزيل ومعاصرة الوحي.\nهذا وقد أشيع عن الإمام أنه يخالف حديث رسول الله ﷺ؛ فيقدم الرأي والقياس على السنة والآثار والمعقول على المنقول.\nفنفى الإمام عن نفسه هذه التهمة حيث قال: \"كذب والله وافترى علينا من يقول إننا نقدم القياس على النص، وهل يحتاج بعد النص إلى قياس\" ٣.\n_________\n١ الانتقاء ص١٤٢.\n٢ الانتقاء ص١٤٣.\n٣ الميزان الكبرى ١/٦٥.","vol":"1","page":148},{"text":"وقال: \"ليس لأحد أن يقول برأيه مع كتاب الله تعالى، ولا مع سنة رسول الله ﷺ ولا مع ما أجمع عليه الصحابة\" ١.\nوقال لمحمد بن علي بن الحسين ﵃ مجيبا عن هذه التهمة: معاذ الله أن أفعل ذلك. فقال له محمد: بل حولت دين جدي وأحاديثه بالقياس فقام أبو حنيفة بين يديه، ثم قال لأبي جعفر: \"اجلس مكانك كما يحق لك حتى أجلس كما يحق لي، فإن لك عندي حرمة كحرمة جدك ﷺ في حياته على أصحابه، فجلس أبو جعفر، ثم جثا أبو حنيفة بين يديه ثم قال لأبي جعفر: إني أسألك ثلاث كلمات فأجبني.\nفقال له أبو حنيفة: الرجل أضعف أم المرأة؟\nقال: بل المرأة.\nفقال أبو حنيفة: كم سهمًا الرجل وكم سهمًا المرأة؟\nفقال أبو جعفر: للرجل سهمان وللمرأة سهم.\nفقال أبو حنفية: هذا قول جدك، ولو حولت دين جدك لكان ينبغي في القياس أن يكون للرجل سهم وللمرأة سهمان، لأن المرأة أضعف من الرجل.\nثم قال: الصلاة أفضل أم الصوم؟\nفقال: الصلاة أفضل.\nقال: هذا قول جدك، ولو حولت دين جدك فالقياس أن المرأة إذا طهرت من الحيض أمرتها أن تقضي الصلاة ولا تقضي الصوم.\n_________\n١ عقود الجمان ص١٧٥.","vol":"1","page":149},{"text":"ثم قال: البول أنجس أم النطفة؟\nقال أبو جعفر: البول أنجس.\nقال: فلو كنت حولت دين جدك بالقياس، لكنت أمرت أن يغتسل من البول ويتوضأ من النطفة؛ لأن البول أقذر من النطفة.\nولكن معاذ الله أن أحول دين جدك بالقياس فقام أبو جعفر فعانقه\" ١.\nبل إنه يقدم على القياس الحديث المرسل والضعيف عن رسول الله ﷺ، ولا يرى جواز القياس مع وجود أحدهما. ذكر ابن حزم في الأحكام أن أبا حنيفة قال: \"الخبر المرسل والضعيف عن رسول الله ﷺ أولى من القياس، ولا يحل القياس مع وجوده\" ٢.\nبل ذم القياس مع وجود النص أو القياس على غير الأصل من كتاب أو سنة صحيحة. روى الصيمري عن وكيع ٣ أنه قال: سمعت أبا حنيفة يقول: \"البول في المسجد أحسن من بعض القياس\"٤.\nولقد نفى عنه بعض الأئمة هذه التهمة، منهم المعاصرون ومنهم المتأخرون وأولئك كثير نكتفي بذكر بعض الأقوال.\n_________\n١ مناقب أبي حنيفة للمكي ص١٤٣.\n٢ الإحكام في أصول الأحكام ٧/٥٤، تحقيق أحمد شاكر الطبعة المنيرية سنة ١٣٤٧هـ.\n٣ هو وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي بضم الراء وهمزة ثم مهملة أبو سفيان الكوفي، قال عنه ابن حجر: \"ثقة حافظ عابد من كبار التاسعة\" مات في آخر سنة ١٩٦هـ أو أول سنة ١٩٧هـ وله سبعون سنة، تقريب التهذيب ٢/٣٣١، وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ١١/١٢٣.\n٤ أخبار أبي حنيفة ص١٣، والكامل لابن عدي ٧/٢٤٧٦.","vol":"1","page":150},{"text":"فمن المعاصرين له سفيان الثوري حيث قال: \"كان أبو حنيفة شديد الأخذ للعلم، ذابا عن حرم الله أن تستحل، يأخذ بما صح عنده من الأحاديث التي كان يحملها الثقات وبالآخر من فعل رسول الله ﷺ وبما أدرك عليه علماء الكوفة، ثم شنّع عليه قوم يغفر الله لنا ولهم\" ١.\nويقول زفر بن الهذيل تلميذ أبي حنيفة: \"لا تلتفتوا إلى كلام المخالفين؛ فإن أبا حنيفة وأصحابنا لم يقولوا في مسألة إلا من الكتاب والسنة والأقاويل الصحيحة، ثم قاسوا بعد عليها\" ٢.\nويقول الحسن بن صالح ٣: \"كان أبو حنيفة شديد الفحص عن الناسخ من الحديث والمنسوخ؛ فيعمل بالحديث إذا ثبت عنده عن النبي ﷺ\" ٤.\nومن المتأخرين عنه ابن تيمية حيث قال: \"من ظن بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمّدون مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره، فقد أخطأ عليهم، وتكلّم إما بظن وإما بهوى، فهذا أبو حنيفة يعمل بحديث التوضؤ بالنبيذ في السفر مخالفة للقياس، وبحديث القهقهة في الصلاة مع مخالفته للقياس لاعتقاده صحتهما، وإن كان أئمة الحديث لم يصححوهما\" ٥.\n_________\n١ الانتقاء ص١٤٢.\n٢ مناقب أبي حنيفة للمكي ص٧٥.\n٣ هو الحسن بن صالح بن صالح بن حي وهو حيان بن شفي بضم المعجمة والفاء مصغرا الهمداني بسكون الميم قال عنه ابن حجر: \"ثقة فقيه عابد رمي بالتشيع من السابعة\" مات سنة ١٩٩هـ وكان مولده سنة ١٠٠هـ.\nتقريب التهذيب ١/١٦٧؛ وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٢/٢٨٥.\n٤ أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص١١.\n٥ مجموع الفتاوى ٢٠/٣٠٤","vol":"1","page":151},{"text":"وابن القيم حيث قال: \"وأصحاب أبي حنيفة ﵀ مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة؛ أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي. وعلى ذلك بنى مذهبه، ثم ذكر أمثلة على ذلك، منها:\nأنه منع قطع يد السارق بسرقة أقل من عشرة دراهم، والحديث فيه ضعف، وجعل الحيض عشرة أيام والحديث فيه ضعف، وشرط في إقامة الجمعة المصر، والحديث فيه ضعف، وترك القياس المحض في مسائل الآبار لآثار فيه غير مرفوعة..فيقدم الحديث الضعيف وآثار الصحابة على القياس والرأي. قوله وقول الإمام أحمد وليس المراد بالحديث الضعيف في اصطلاح السلف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين، يل ما يسميه المتأخرون حسنا قد يسميه المتقدمون ضعيفا\" ١.\nونختم رد هذه التهمة بقول ابن أبي العز: \"والواجب أن يقال لمن قال: إن أبا حنيفة خالف سيد المرسلين: هذا القول كذب وبهتان، وسب لهذا الإمام الجليل يستحق قائله الردع والزجر عن هذه المقالة الباطلة، إن أراد أنه خالفه عن قصد، وإن أراد به أنه خالف عن تأويل أو ذم القول، ولم يذكر قائله، فهو هين كما يوجد في كلام المختلفين في مسائل الاجتهاد ... \".\nإلى أن قال: \"مخالفة النص إذا كانت عن قصد فهي كفر، وإن كانت عن اجتهاد فهي من الخطأ المغفور؛ فلا يجوز أن يقال عن أبي حنيفة ولا عمن دونه من أهل العلم فيما يوجد من أقواله مخالفا للنص أنه خالف الرسول ﷺ قصدا بل إما أن يقال: النص لم يبلغه ٢، أو لم يظهر له\n_________\n١ أعلام الموقعين ١/٧٧.\n٢ عاش الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى في عصر لم يكتمل فيه جمع السنة وفي =","vol":"1","page":152},{"text":"على ذلك الحكم، أو عارضه عنده دليل آخر أو غير ذلك من الأعذار\" ١، وكان ﵀ متثبتا في علمه؛ فإذا صح الخبر عن رسول الله ﷺ لم يعْدُه إلى غيره.\nروى ابن عبد البر بإسناده عن أبي حمزة السكري ٢ أنه قال: سمعت أبا حنيفة يقول: \"إذا جاء الحديث الصحيح الإسناد عن النبي ﷺ أخذنا به، ولم نعده\" ٣.\nفدل هذا النص على أن الإمام إذا جاءه الحديث الصحيح الإسناد عن رسول الله ﷺ آمن به وصدق وأخذ به بدون تفرقة بين الخبر المتواتر وخبر الآحاد؛ فيثبت العقائد بهما من غير تفريق، فكيف لا وهو القائل: \"إذا صح الحديث فهو مذهبي\" ٤.\n_________\nوهو القائل: \"وخروج الدجال ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من\n= ذلك يقول البيهقي: \"وهذا الخلاف إنما هو لقربه من عهد رسول الله ﷺ قبل انتشار السنن في البلدان ووقوع جميعها أو أكثرها إليه بلوغا ظاهرا يقع له بها هذا الإتقان في تركها وقد رجع أبو يوسف ومحمد إلى السنة في مسائل معدودة منها مسألة الوقف والتكبير في العيدين ونصاب الحبوب والثمار وسهم الفارس وغير ذلك\" قال أبو يوسف لما رجع عن هذه المسائل: \"لو رأى صاحبي مثل ما رأيت لرجع مثل ما رجعت\".\nمناقب الشافعي للبيهقي ١/١٧٢. وانظر مجموع الفتاوى ٢٠/٣٠٤.\n١ الاتباع ص٢٨، ٢٩، ٣٠.\n٢ هو محمد بن ميمون المروزي أبو حمزة السكري، قال عنه ابن حجر: \"ثقة فاضل\" مات سنة ١٦٧هـ أو ١٦٨هـ.\nتقريب التهذيب ٢/٢١٢؛ وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٩/٤٨٦.\n٣ الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء ص١٤٤.\n٤ حاشية ابن عابدين ١/٦٧ ورسم المفتي ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين ١/٤، وإيقاظ الهمم للفلاني ص٦٢.","vol":"1","page":153},{"text":"مغربها، ونزول عيسى ﵇ من السماء، وسائر علامات يوم القيامة هي على ما وردت به الأخبار ١ الصحيحة حق كائن\" ٢.\nوسئل الإمام أبو حنيفة هل تشهد لأحد من أهل الجنة سوى الأنبياء؟ فقال: \"كل من شهد له النبي ﷺ أنه في الجنة بخبر صحيح\" ٣.\nوهذا هو ما قرره الطحاوي في العقيدة التي كتبها في بيان عقيدة الإمام وصاحبيه حيث يقول: \"وجميع ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان حق. وقال في موضع آخر: وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول فهو كما قال ... وقال ... نؤمن بما جاء من كرامتهم وصح عن الثقات من رواتهم\" ٤.\nوهذا هو ما كان عليه الصاحبان أبو يوسف ومحمد بن الحسن دل على هذا قول أبي يوسف: \"وقد أمرك الله أن تؤمن بكل ما أتى به نبيه ﷺ فقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ \"سورة الأعراف: الآية١٥٨\".\nفقد أمرك الله بأن تكون تابعا سامعا مطيعا\" ٥.\n_________\n١ أثبت أبو حنيفة ﵀ هذه العقائد المذكورة آنفا عن طريق الحديث الصحيح الواحد حيث لم يتوفر تتبع طرق الأحاديث بعد حتى يقال إنها تواترت في زمانه وإن كانت تلك الأحاديث بعد تدوين السنة وتتبع الطرق وجمعها صارت من المتواترات.\n٢ الفقه الأكبر ص٣٠٦.\n٣ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٢٦-٢٧، ٤٣، ٥٩.\n٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٢٦-٢٧، ٤٣، ٥٩.\n٥ الحجة في بيان المحجة للتيمي ص٣٢١.","vol":"1","page":154},{"text":"فهذا النص صريح في الإيمان بكل ما ورد عن النبي ﷺ بدون قيد التواتر ١، وقال محمد بن الحسن: \"هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها\" ٢، فدل هذا النص على إثبات الصفات بالأحاديث الصحيحة، دون فرق بين أن تكون متواترة أو مشهورة ٣، أو أخبار آحاد٤، بعد أن كانت مروية عن الثقات.\nثم ذكر إجماع الفقهاء على ذلك حيث قال: \"اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على أن الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب ﷿، من غير تغيير ولا وصف ولا تشبيه ... \" ٥.\nهذا هو ما كان عليه السلف ٦ الصالح، وهو الحق لا ريب فيه؛\n_________\n١ المتواتر هو ما نقله جمع يحصل العلم بصدقهم بضرورة ولا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم من أول الإسناد إلى آخره. تقريب النواوي مع شرح تدريب الراوي ٢/١٧٦.\n٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/٤٣٣.\n٣ المشهور: ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين ولم يبلغ حد التواتر. تدريب الراوي ٢/١٧٣.\n٤ أخبار الآحاد جمع خبر الواحد. وهو لغة ما يرويه شخص واحد، واصطلاحا: ما لم يجمع شروط المتواتر\nانظر نزهة النظر ص١٨؛ وفتح الباري ١٣/٢٣٣.\n٥ شرح أصول أهل السنة والجماعة ٣/٤٣٢-٤٣٣.\n٦ ذكر الشافعي إجماع السلف على حجية خبر الواحد فقد قال في كتابه الرسالة ص٤٥٣، ٤٥٧: \"أجمع المسلمون قديما وحديثا على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته\" وقال قبل ذلك: \"ولم يزل سبيل سلفنا والقرون بعدهم إلى من شاهدنا هذه السبيل\".","vol":"1","page":155},{"text":"إذ التفرقة بين المتواتر والآحاد بدعة ١ دخيلة على الإسلام. وكذلك من مصادر التلقي عند الإمام أبي حنيفة الفطرة؛ فقد استدل أبو حنيفة بالفطرة على علو الله تعالى فقال: \"إن الله تعالى يدعى من أعلى لا من أسفل لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء\" ٢.\n_________\n١ أحدث هذه البدعة طائفة من المتكلمين ثم دبّ إلى بعض الفقهاء والأصوليين. قال أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني في كتابه الانتصار كما في مختصر الصواعق: \"قولهم إن أخبار الآحاد لا تقبل ... رأي سعت به المبتدعة في رد الأخبار إذ أن الخبر إذا صح ورواته ثقات وتلقته الأمة بالقبول فإنه يوجب العلم وهذا قول عامة أهل الحديث ... وأما هذا القول المبتدع فقول القدرية والمعتزلة..، وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابتة ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول ... \".\nقال ابن القيم في الرد عليهم: \"ونحن نشهد بالله ولله شهادة على البت والقطع أن الصحابة ﵃ كانوا يجزمون لما يحدث به عن رسول الله ﷺ ولم يكن أحد من الصحابة ولا أحد من أهل الإسلام بعدهم يشك فيما أخبر به أبو بكر الصديق ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا عبد الله بن مسعود ولا غيرهم عن رسول الله ﷺ بل كانوا لا يشكون في خبر أبي هريرة مع تفرده بكثير من الحديث ولم يقل أحد منهم يوما واحدا من الدهر خبرك هذا خبر واحد لا يفيد العلم. وكان حديث رسول الله ﷺ أجل في صدورهم من أن يقال فيه ذلك، وكان أحدهم إذا روى لغيره حديثا عن رسول الله ﷺ في الصفات تلقاه بالقبول واعتقد تلك الصفة به على القطع واليقين ... \"\nإلى أن قال: \"فهذا الذي اعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول الله ﷺ خرقوا به إجماع الصحابة المعلوم بالضرورة وإجماع التابعين وإجماع أئمة الإسلام ووافقوا به المعتزلة والجهمية الرافضة والخوارج الذين انتهكوا هذه الحرمة وتبعهم بعض الأصوليين والفقهاء وإلا فلا يعرف لهم سلف في الأمة بذلك\".\nانظر مختصر الصواعق ٢/٥٠٤-٥٢٠٤، ٢/٤٧٣-٤٧٥ بتصرف.\n٢ الفقه الأبسط ص٥١.","vol":"1","page":156},{"text":"فالفطرة والشرع هما ما سلكه السلف في الاستدلال على العقائد قال العلامة المعلمي: \"ومن تدبر القرآن وتصفح السنة والتاريخ؛ علم يقينا أنه لم يكن بين يدي السلف مأخذ يأخذون منه عقائدهم غير المأخذين ١ السلفيين، وأنهم كانوا بغاية الثقة بهما والرغبة عما عداهما، وإلى ذلك دعاهم الشرع حتى لا تكاد تخلو آية من آيات القرآن من الحض على ذلك.\nوهذا يقضي قضاء باتا بأن عقائدهم هي العقائد التي يثمرها المأخذان السلفيان، يقطعون بما يفيد أن فيه عندهم القطع، ويظنون ما لا يفيد أن فيه إلا الظن، ويقفون عما عدا ذلك، وهذا هو الذي تبيّنه الأخبار المنقولة عنهم كما تراها في التفاسير السلفية وكتب السنة، وهو الذي نقله أصاغر الصحابة عن أكابرهم، ثم نقله صغار التابعين عن كبارهم، وهكذا نقله عن التابعين أعلم أتباعهم بهم، وأتبعهم لهم، وهلمّ جرًاّ.\nوهذا هو قول السلفيين في عقيدة السلف ويوافقهم عليه أكابر النُّظار ... \" ٢.\nهذا آخر الكلام عن مصادر العقيدة عند الإمام أبي حنيفة. أما موقفه من علم الكلام فسأتناوله في المبحث التالي إن شاء الله تعالى.\n_________\n١ يعني الشرع والفطرة.\n٢ التنكيل ٢/٣٤٤، والقائد إلى تصحيح العقائد ص١٧٢.","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المبحث الثاني: موقفه من علم الكلام</span>\nعاش الإمام في بيئة يغلب عليها الجدل؛ حيث كانت الكوفة يومذاك موطنا للفرق والنحل المختلفة، لذلك اشتغل الإمام في بداية طلبه للعلم بعلم الكلام، وكان به يجادل، وعنه يناضل، ولم يكن قد طلب الفقه بعد.\nقال أبو بكر بن عياش١: \"أدركناه وهو صاحب خصومات، لم يكن يتفقه\" ٢.\nوقال شريك ٣: \"أدركنا أبا حنيفة وهو صاحب\n_________\n١ هو أبكر بن عياش - بتحتانية ومعجمة - بن سالم الأسدي الكوفي، قال عن عنه ابن حجر: \"المقرئ الحناط بمهملة ونون مشهور بكنيته والأصح أنها اسمه وقيل اسمه محمد أو عبد الله أو سالم أو شعبة ... عشرة أقوال، ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح، من السابعة، مات سنة ١٩٤هـ، وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين وقد قارب المائة\".\nتقريب التهذيب ٢/٣٩٩، وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ١/٣٤.\n٢ ذم الكلام للهروي \"ق-١٩٤-ب\".\n٣ هو شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي بواسط ثم الكوفة قال عنه ابن حجر: \"صدوق يخطئ كثيرا تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة وكان عادلا فاضلا عابدا شديدا على أهل البدع\". مات سنة ١٧٧هـ أو سنة ١٧٨هـ\nتقريب التهذيب ١/٣٥١. وانظر ترجمته في تذكرة الحفاظ ١/٢٣٢.","vol":"1","page":158},{"text":"خصومات\" ١.\nوقال الحسن بن صالح ٢: \"أدركناه وهو يخاصم\" ٣.\nفكان يخاصم أهل الأهواء بالجدل، ورحل في سبيل ذلك إلى البصرة عشرين مرة ونيفا لمناقشة أصحاب الخصومات، وكان يأمر ابنه حمادا بطلب الكلام ويلح عليه في ذلك، قال حماد: \"كان أبو حنيفة يأمرني بطلب الكلام يحدوني كثيرا عليه ويقول: يا بني تعلم الكلام فإنه الفقه الأكبر\" ٤.\nفعلم الكلام هو الفقه الأكبر في نظر الإمام بل هو أجل العلوم وأعلاها عنده، قال الإمام أبو حنيفة: \"أصحاب الأهواء في البصرة كثير، فدخلتها عشرين مرة ونيفا، وربما أقمت بها سنة أو أكثر أو أقل ظنا أن علم الكلام أجل العلوم\" ٥.\nواستمر في مجادلة أهل الأهواء حتى صار رأسا في ذلك يشار إليه بالبنان، ثم ترك الكلام والجدل، وأقبل على الفقه والسنة.\nقال قبيصة بن عقبة ٦: \"كان الإمام أبو حنيفة ﵀ في أول أمره\n_________\n١ ذم الكلام للهروي \"ق-١٩٤-ب\".\n٢ تقدم ترجمته ص١٥١.\n٣ ذم الكلام للهروي \"ق-١٩٤-ب\".\n٤ مناقب أبي حنيفة للمكي ص١٨٣.\n٥ مناقب أبي حنيفة للكردري ص١٣٧.\n٦ هو قبيصة بن عقبة بن محمد بن سفيان السوائي بضم المهملة وتخفيف الواو والمد أبو عامر الكوفي قال عنه ابن حجر: \"صدوق ربما خالف من التاسعة مات سنة ٢١٥هـ على الصحيح\".\nتقريب التهذيب ٢/١٢٢. وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٨/٣٤٧.","vol":"1","page":159},{"text":"يجادل أهل الأهواء حتى صار رأسا في ذلك منظورا إليه، ثم ترك الجدل ورجع إلى الفقه والسنة وصار إماما\" ١.\nوأما تحوله إلى الفقه والسنة فيحدثنا الإمام عن أسباب ذلك فيقول: \"وكنت أعد الكلام أفضل العلوم، وكنت أقول هذا الكلام في أصل الدين، فراجعت نفسي بعد ما مضى لي فيه عمر، وتدبرت فقلت: إن المتقدمين من أصحاب النبي ﷺ والتابعين وأتباعهم لم يكونوا يفوتهم شيء مما ندركه نحن، وكانوا عليه أقدر، وبه أعرف، وأعلم بحقائق الأمور، ثم لم ينتصبوا فيه منازعين ولا مجادلين، ولم يخوضوا فيه بل أمسكوا عن ذلك، ونهوا عنه أشد النهي، ورأيت خوضهم في الشرائع وأبواب الفقه وكلامهم فيه\" إلى أن قال: \"فلما ظهر لنا في أمورهم هذا الذي وصفناه؛ تركنا المنازعة والمجادلة والخوض في الكلام، ورجعنا إلى ما كان عليه السلف\" ٢.\nوفي رواية أخرى قال: \"فلما مضى مدة من عمري تفكرت وقلت: السلف أعلم بالحقائق ولم ينتصبوا مجادلين، بل أمسكوا عنه وخاضوا في علم الشريعة، ورغبوا فيه وعلموا وتعلموا وتناظروا عليه، فتركت الكلام واشتغلت بالفقه، ورأيت المشتغلين بالكلام وليس سيماهم سيَم الصالحين قاسيةٌ قلوبهم غليظة أفئدتهم، لا يبالون بمخالفة الكتاب والسنة والسلف الصالح، ولو كان خيرا لاشتغل به السلف الصالحون ... \" ٣.\nهذا هو حال المتكملين فبتعلقهم بالكلام واشتغالهم به ابتعدوا عن\n_________\n١ عقود الجمان ص١٦١؛ ومناقب أبي حنيفة للمكي ص٥٣، ٥٤.\n٢ مناقب أبي حنيفة للمكي ص٥٤، ٥٥.\n٣ مناقب أبي حنيفة للكردري ص١٣٧، ١٣٨.","vol":"1","page":160},{"text":"كتاب الله ١ وسنة رسول الله ﷺ ٢؛ فأورثهم ذلك الشك والحيرة والاضطراب ٣.\n_________\n١ قال ابن قتيبة مبينا مخالفة المتكلمين لكتاب الله وجرأتهم على الله: \"قد كنت أحب أن أتعلق من كل علم بسبب وأن أضرب فيه بسهم فربما حضرت بعض مجالسهم - يعني المتكلمين - وأنا مغتر بهم طامع أن أصدر عنهم بفائدة أو كلمة تدل على خير أو تهدي إلى رشد فأرى من جرأتهم على الله ﵎ وقلة توقيهم وحملهم أنفسهم على العظائم لطرد القياس أولئلا يقع انقطاع ما أرجع خاسرا نادما\". انظر تأويل مختلف الحديث ص٦١-٦٢.\n٢ قال الشاطبي في بيان تلاعب المتكلمين بالأحاديث الصحيحة وتقديم عقولهم الفاسدة عليها: \"وهو ردهم للأحاديث التي جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم ويدّعون أنها مخالفة للمعقول وغير جارية على مقتضى الدليل فيجب ردها كالمنكرين لعذاب القبر والصراط والميزان ورؤية الله ﷿ في الآخرة ... ربما قدحوا في الرواة من الصحابة والتابعين - وحاشاهم - وفيمن اتفق الأئمة من المحدثين على عدالتهم وإمامتهم كل ذلك ليردوا به على من خالفهم في المذهب ... وقد جعلوا القول بإثبات الصراط والميزان والحوض قولا بما لا يعقل، وقد سئل بعضهم هل يكفر من قال برؤية الباري في الآخرة؟ فقال: لا يكفر لأنه قال ما يعقل ومن قال ما لا يعقل فليس بكافر\". الاعتصام ١/٢٣١-٢٣٢. ومن أمثلة ردهم للحديث الصحيح لمخالفته مذهبهم ما رواه الخطيب بسنده عن عمرو بن عبيد ذكر عنده حديث الصادق المصدوق إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك ... إلى أن قال: \"إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ... الحديث\".فقال عمرو بن عبيد: \"لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعت زيد بن وهب يقول هذا ما أجبته، ولو سمعت عبد الله بن مسعود يقول هذا ما قبلته ولو سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله تعالى يقول هذا لقلت له ليس على هذا أخذت ميثاقنا\".\nانظر تاريخ بغداد ١٢/١٧٢.\n٣ وإليك أمثلة على شك المتكلمين وحيرتهم وشدة اضطرابهم، يقو الرازي: =","vol":"1","page":161},{"text":"وهناك سبب قد يكون رئيسا في تحوله من علم الكلام إلى الفقه، وهو ما رواه الخطيب البغدادي عن زفر بن الهذيل قال: سمعت أبا حنيفة يقول:\n\"كنت أنظر في الكلام حتى بلغت مبلغا يشار إلي فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حماد بن أبي سليمان، فجائتني امرأة فقالت: رجل له امرأة أَمة أراد أن يطلقها للسنة كم يطلقها؟ فلم أدر ما أقول فأمرتها أن تسأل حمادا فترجع فتخبرني، فسألت حمادا فقال: يطلقها وهي طاهر من الحيض والجماع تطليقة ثم يتركها حتى تحيض حيضتين فإذا اغتسلت فقد حلت للأزواج، فرجعت فأخبرتني فقلت: لا حاجة لي في الكلام، وأخذت نعلي فجلست إلى حماد ... \" ١.\n_________\n= نهاية إقدام العقول عقال\nوأكثر سعي العالمين في ضلال\nوأرواحنا في وحشة من جسومنا\nوغاية دنيانا أذى ووبال\nولم نستفد من طول بحثنا طول عمرنا\nسوى أن جمعنا قيل وقالوا\nويقول الشهرستاني:\nلعمري لقد طفت المعاهد كلها\nوسيّرت طرفي بين تلك المعالم\nفلم أر إلا واضعا كف حائر\nعلى ذقنه أو قارعا سن نادم\nلذا قال ابن عقيل في وصف حال المتكلمين وشدة حيرتهم:\n\"قد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك وكثير منهم إلى الإلحاد، تشم رائحة الإلحاد من فلتات المتكلمين، وأصل ذلك أنهم ما قنعوا بما قنعت به الشرائع ... \"\nوهذا ما وصفهم به القرطبي حيث قال:\n\"وقد أفضى الكلام بكثير من أهله وببعضهم إلى الإلحاد وببعضهم إلى التهاون بوظائف العبادات وسبب ذلك إعراضهم عن نصوص الشارع وتطلبهم حقائق الأمور من غيره ... \".\nانظر كتاب نهاية الإقدام ص٣؛ والحموية ص٩١؛ وكتاب تلبيس إبليس ص٩٣؛ وفتح الباري ١٣/٣٥٠.\n١ تاريخ بغداد ١٣/٣٣٣.","vol":"1","page":162},{"text":"فبعد أن كان الإمام أبو حنيفة في الكلام رأسا فيه، وصاحب حلقة مشهودة في المسجد بقرب حلقة حماد بن أبي سليمان تحول إلى تلميذ من تلامذة حماد بن أبي سليمان يطلب الفقه والسنة. ومن مادح لعلم الكلام، وحاثّ على تعليمه وتعلمه، إلى ذام وقادح فيه وناه عن تعليمه وتعلمه، وبعد أن كان يأمر ابنه حمادا بتعلم علم الكلام، ويلح عليه في سبيل تحصيله أصبح ينهاه ويأمره بترك الاشتغال بالكلام والجدل.\nيحدثنا حماد عن ذلك فيقول: \"دخل عليّ أبي ﵀ يوما وعندي جماعة من أصحاب الكلام ونحن نتناظر في باب ... قد علت أصواتنا فلما سمعت حسه في الدار خرجت إليه فقال لي: يا حماد من عندك؟ قلت: فلان وفلان وفلان سميت من كان عندي قال: وفيم أنتم؟ قلت: في باب كذا وكذا، فقال لي: يا حماد دع الكلام - قال: ولم أعهد أبي صاحب تخليط، ولا ممن يأمر بالشيء ثم ينهى عنه - فقلت له: يا أبت ألست كنت تأمرني به؟ قال: بلى يا بني وأنا اليوم أنهاك عنه. قلت: ولم ذاك؟ فقال: يا بني إن هؤلاء المختلفين في أبواب الكلام ممن ترى كانوا على قول واحد ودين واحد حتى نزغ الشيطان بينهم، فألقى بينهم العداوة والاختلاف فتباينوا ... \" ١.\nوبعد ما كان يرى الكلام هو الفقه الأكبر، وهو من أجل العلوم، أصبح يرى مسائل الكلام ما هي إلا مقالات الفلاسفة، وهي من الأمور المحدثة التي لم يتكلم فيها السلف، وكل أمر محدث في الدين بدعة.\nسئل الإمام أبو حنيفة عما أحدثه الناس من الكلام في الأعراض ٢\n_________\n١ مناقب أبي حنيفة للمكي ص١٨٣، ١٨٤.\n٢ الأعراض: جمع عرض ومعناه لغة: هو الظهور والبروز. قال الجوهري: عرض له أمر كذا يعرِض، أي ظهر وعرضت عليه أمر كذا وعرضت له الشيء، أي =","vol":"1","page":163},{"text":"والأجسام؟ فقال: \"مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة\"١.\nفكان ﵀ يأمر من سأله عن الكلام بأن يتبع الأثر وطريقة السلف، وينهاه عن الأمور المحدثة، فمما سبق يتبين أن الإمام أبا حنيفة باشر علم الكلام وتضلع فيه، ثم نهى عنه وذمه، وكذلك ذمه إمام دار الهجرة مالك بن أنس، فقد قال: \"من طلب الدين بالكلام تزندق\" ٢.\nوقال: \"الكلام في الدين أكرهه\" ٣.\nوهذا يدل على أن علم الكلام كان موجودا وكان الناس يتعاطونه، أما قول الذهبي: \"إن علم الكلام لم يكن له وجود\" ٤.\nفيظهر أنه لم يرد نفي وجود علم الكلام مطلقا بل أراد أن علم الكلام لم يكن موجودا علما مدونا له كتبه ومصنفاته، أما وجوده علما يتعاطى بالألسن والسماع والمناظرة فهذا لا شك في وجوده.\n_________\n= أظهرته له وبرزته إليه. وعند المتكلمين العرض ضد الجوهر لأن الجوهر هو ما يقوم بذاته ولا يفتقر إلى غيره ليقوم به، فالجسم جوهر يقوم بذاته. وأمام اللون فهو عرض لأنه لا قيام له إلا بالجسم، فممن قال بنفي الأعراض من المعتزلة عبد الرحمن بن كيسان الأصم ومن الملاحدة الدهرية والسمنية.\nانظر الصحاح ٣/١٠٨٢؛ وأصول الدين للبغدادي ص٣٧؛ وأصول الدين للبزدوي ص١١-١٢، ومقالات الإسلاميين ص٣٤٣-٤٣٣؛ والفرق بين الفرق ص١١٥-١١٦؛ والمعتمد في أصول الدين للقاضي أبي يعلى ص٣٧؛ والشامل في أصول الدين ص١٦٧؛ والمواقف ص٩٦؛ والمعجم الفلسفي ٢/٦٩.\n١ كتاب الحجة في بيان المحجة ص٢٢؛ وذم الكلام للهروي \"ق-١٩٤-ب\".\n٢ ذم الكلام \"ق-١٧٣-أ\".\n٣ جامع بيان العلم وفضله ص٤١٥.\n٤ سير أعلام النبلاء ٦/٣٩٨.","vol":"1","page":164},{"text":"وأختم هذا المبحث بوصية الإمام لأصحابه يحثهم فيها على تعلم الفقه، وينهاهم عن الكلام والخصومات في الدين.\nقال محمد بن الحسن: \"كان أبو حنيفة يحثنا على الفقه وينهانا عن الكلام\" ١.\nوقال لأبي يوسف: \"إياك أن تكلم العامة في أصول الدين من الكلام، فإنهم قوم يقلدونك فيشتغلون بذلك\" ٢.\nوقد وفّى أصحابه بهذه الوصية فهذا أبو يوسف ينهى عن الخصومة والجدال في الدين والمراء فيه؛ حيث يقول آمرا أصحابه: \"ذروا الخصومة في الدين، والمراء فيه والجدال؛ فإن الدين واضح بيّن، قد فرض الله ﷿ فرائضه، وشرع سننه، وحدّ حدوده، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ \"ٍسورة المائدة: الآية٣\".\nفأحلوا حلال القرآن وحرموا حرامه، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال فيه، فلو كانت الخصومة في الدين تقوى عند الله لسبق إليه رسول الله ﷺ وأصحابه بعده فهل اختصموا في الدين أو تنازعوا فيه؟\nوقد اختصموا في الفقه وتكلموا فيه، واختلفوا ٣ في الفرائض\n_________\n١ ذم الكلام \"ق-١٩٦-ب\".\n٢ مناقب أبي حنيفة للمكي ص٣٧٣.\n٣ لعله يريد أنهم اختلفوا في هذه المسائل من مسائل الدين ولم يكن اختلافهم موجبا للخصومة والتفرق بينهم، أو أنه أراد أنهم اختلفوا في مسائل فرعية من الدين ولم يختلفوا في الأصول.","vol":"1","page":165},{"text":"والصلاة والحج والطلاق والحلال والحرام ولم يختصموا في الدين، ولم يتنازعوا فيه فاقتصروا على تقوى الله والزموا ما جرت به السنة، وكفيتم فيه المؤنة، ودعوا ما أحدث المحدثون من التنازع في الدين والجدال فيه والمراء؛ فإن لزوم السنة عصمة بإذن الله تعالى لمن لزمها، والذي سنّها كان أعلم بما في خلافها من الأخطاء والزلل. وقد أنزل الله ﷿ في كتابه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ \"سورة الأنعام: الآية٦٨\".\nولو شاء أنزل في ذلك جدلا وحجاجا، ولكنه أبى ذلك ونهاهم؛ فقال تعالى: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ \"سورة النساء: الآية١٤٠\".\nوقال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ \"سورة آل عمران: الآية٢٠\".\nولم يقل: وحاجهم ١.\nوقال أبو يوسف: \"العلم بالكلام يدعو إلى الزندقة\" ٢.\nوقال: \"لا تطلبن ثلاثا بثلاث: لا تطلبن الدين بالخصومات فإنه لم يمعن فيه أحد إلا قيل زنديق، ولا تطلب المال بالكيمياء فإنه لم يمعن فيه أحد إلا أفلس، ولا تطلب الحديث بكثرة الرواية حتى تأتي بما لا يعرف فيقال كذاب\" ٣.\nوفي رواية أخرى قال: \"من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب\n_________\n١ فضائل أبي حنيفة وأصحابه لابن العوام ص٨٨.\n٢ الإبانة الكبرى ص٥٣٨.\n٣ الحجة في بيان المحجة ص٢٣.","vol":"1","page":166},{"text":"غريب الحديث كُذّب ومن طلب المال بالكيمياء أفلس\" ١.\nوقال كذلك: \"المعرفة في الكلام هو الجهل\" ٢ هذا آخر الحديث عن موقف الإمام أبي حنيفة من علم الكلام المبتدع، أما موقفه من الفرق الكلامية فسأتناوله في المبحث التالي إن شاء الله.\n_________\n١ الحجة في بيان المحجة ص٢٣؛ والإبانة الكبرى لابن بطة ص٥٣٧-٥٣٨.\n٢ الحجة في بيان المحجة ص٢٣.","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المبحث الثالث: موقفه من الفرق الكلامية</span>\nأمر الله بالاجتماع والائتلاف، ونهى عن التفرق والاختلاف في الدين. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ \"سورة آل عمران: الآيتان ١٠٢-١٠٣\".\nوأمر نبيه محمدا ﷺ أن يتبرأ ممن فرقوا دينهم وشتتوه، وتفرقوا فيه من اليهود والنصارى، وممن هم على شاكلتهم، واقتدى بهم من أهل الفرقة والأهواء والبدع، فهم ليسوا منك ولست منهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ \"سورة الأنعام:١٥٩\".\nوبحمد الله لم يحصل نزاع بين الصحابة يستوجب تضليل أو تفسيق بعضهم ببعض، بل كانوا على عقيدة واحدة. قال طاش كبرى زاده ١: \"إن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا في زمن النبي ﷺ على عقيدةٍ\n_________\n١ هو أحمد بن مصطفى بن خليل أبو الخير عصام الدين طاش كبرى زاده مؤرخ تركي الأصل مستعرب ولد في بورسة سنة ٩٠١هـ ونشأ في أنقرة وتأدب وتفقه، ولي القضاء سنة ٩٥٨هـ في القسطنطينية وكف بصره سنة ٩٦١هـ وتوفي سنة ٩٦٨هـ، الأعلام ١/٢٥٧.","vol":"1","page":168},{"text":"واحدة لأنهم أدركوا زمان الوحي وشرف الصحبة\" ١.\nوربما يحصل بينهم الاختلاف في بعض مسائل الأحكام خلافا لا يوجب الفرقة والتفسيق أو التكفير، بل هو اجتهاد منهم في فهم النص، فالمصيب منهم له أجران والمخطئ له أجر واحد.\nقال ابن القيم: \"وقد تنازع الصحابة ﵃ في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيمانا ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال\"٢.\nوهذا هو حال من هم من غير الصحابة من المسلمين؛ فكانوا متفقين في خلافة أبي بكر وعمر وصدر من خلافة عثمان لا تنازع بينهم إلى أن قام أهل الفتنة ٣ والضلال والبغي بقتل عثمان ﵁، فتفرق المسلمون بعد ذلك. وأول فرقة فارقت جماعة المسلمين وخرجت على أمير المؤمنين علي ﵁، هي الخوارج فتبرأت من إمام المسلمين، وكفرته ومن معه من المسلمين، ومعاوية ومن معه، فعند ذلك ظهرت الشيعة تؤيد عليا وتنصره. ثم توالى بعد ذلك ظهور البدع، فحدثت في آخر عصر الصحابة بدعتا القدرية والمرجئة، ثم في أواخر الدولة الأموية ظهرت الجهمية ثم المعتزلة.\nويتطلب الحديث عن عقيدة الإمام أبي حنيفة إلمامة موجزة بالفرق والنحل التي في عصره لنعرف مدى تأثره بها أو مخالفته لها.\n١- الخوارج\nعرفنا أن الخوارج هم فئة خرجت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فكفروا المسلمين بفعل كبائر الذنوب، واستحلوا\n_________\n١ مفتاح السعادة ٢/١٤٣ ط/دار الكتب العلمية.\n٢ أعلام الموقعين ١/٤٩.\n٣ انظر منهاج السنة ٦/٢٣١.","vol":"1","page":169},{"text":"دماءهم وأموالهم؛ فلا يرثون ولا يوَرَّثون ولا يدفنون في مقابر المسلمين وفي الآخرة سيخلدون في النار.\nولا ريب أنهم أخطئوا في تكفير المسلمين بالذنوب؛ حيث إن الناس عندهم قسمان:\nمؤمن لا ذنب له، وكافر لا حسنة له، بينما قسّم الله تعالى الأمة التي أورثها الكتاب وصنفها ثلاثة أصناف: ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات١.\nقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ \"سورة فاطر: الآية٣٢\".\nوأما موقف الإمام من بدعة الخوارج في تكفير المسلمين بارتكاب الذنوب، فقد قال في الرد على تلك البدعة: \"ولا نكفر مسلما بذنب من الذنوب، وإن كانت كبيرة إذا لم يستحلها ولا نزيل عنه الإيمان\"٢.\nوقال كذلك: \"ولا نقول إنه يخلد فيها وإن كان فاسقا بعد أن يخرج من الدنيا مؤمنا\" ٣.\nوقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: \"ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله\" ٤.\n_________\n١ مجموع الفتاوى ٧/٤٨٥ بتصرف.\n٢ الفقه الأكبر ص٣٠٤.\n٣ الفقه الأكبر ص٣٠٤.\n٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٤٠.","vol":"1","page":170},{"text":"وقال: \"وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون\"١.\nهذا هو موقف الإمام من بدعة الخوارج، ومع هذا كان يناظر رؤساء الخوارج على اختلاف طبقاتهم.\nقال الإمام أبو حنيفة: \"وكنت قد نازعت طبقات الخوارج من الإباضية ٢ والصفرية٣ وغيرهم\" ٤.\n_________\n١ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٤٥.\n٢ الإباضية: هم أتباع عبد الله بن إباض التميمي خرج في زمن مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية فأرسل إليه مروان بن محمد جيشا فقاتله وقضى عليه.\nوافترقت الإباضية فيما بينها إلى أربع فرق هي الحفصية، والحارثية، واليزيدية، وأصحاب طاعة لا يراد الله بها وهم مجمعون على القول بإمامة عبد الله بن إباض والقول بأن كفار هذه الأمة يعنون بذلك مخالفيهم من هذه الأمة ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنهم كفار ...\nانظر الفرق بين الفرق ص١٠٣؛ والملل والنحل ١/١٣٤؛ والتبصير في الدين ص٣٤؛ واعتقادات فرق المسلمين ص٥٧.\n٣ الصفريَّة وهي فرقة من فرق الخوارج اختلف في سبب تسميتها بالصُّفرية فقيل نسبة للصفرة التي تعلو وجوههم وقيل نسبة إلى عبد الله بن صفار وقيل نسبة إلى زياد بن الأصفر وقد تنسب إلى عبد الله التميمي.\nوهم أقل شذوذا وغلوا من بقية فرق الخوارج إذ أنهم لم يكفروا مرتكب الكبيرة على الإطلاق كما فعل غيرهم بل ميزوا بين الذنوب التي فيها حد مقرر كالزنا والسرقة فهذه في رأيهم لا يتجاوز بمرتكبها ما سماه الله به من أنه زان أو سارق، وأما الذنوب التي ليس فيها حد مقرر كترك الصلاة والفرار من الزحف فمرتكب مثل هذه الذنوب يعتبرونه كافرا.\nانظر الملل والنحل ١/١٣٧؛ والفرق بين الفرق ص٩١؛ والتبصير في الدين ص٣٠؛ والأديان والفرق ض١١٩؛ ودراسة عن الفرق ص٥٩.\n٤ مناقب أبي حنيفة للمكي ص٥٤.","vol":"1","page":171},{"text":"ومن تلك المناظرات ما ذكره الموفق المكي في كتابه مناقب الإمام أبي حنيفة حيث قال: \"إن الخوارج لما ظهروا على الكوفة أخذوا أبا حنيفة فقالوا: تب يا شيخ من الكفر، فقال أنا تائب إلى الله من كل كفر فخلوا عنه، فلما ولّى قيل لهم: إنه تاب من الكفر، وإنما يعني به ما أنتم عليه فاسترجعوه. فقال رأسهم: يا شيخ إنما تبت من الكفر، وتعني به ما نحن عليه؟ فقال أبو حنيفة: أبظن تقول هذا أم بعلم؟ فقال: بل بظن. فقال أبو حنيفة: إن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ \"سورة الحجرات: الآية١٢\".\nوهذه خطيئة منك، وكل خطيئة عندك كفر، فتب أنت أولا من الكفر. فقال: صدقت يا شيخ أنا تائب من الكفر\" ١.\nولما بلغ الخوارج أن أبا حنيفة لا يكفر أحدا من أهل القبلة بذنب؛ أوفدوا من يناظره فقالوا له: \"هاتان جنازتان على باب المسجد أما إحداهما فلرجل شرب الخمر حتى كظَّته ٢ وحشرج ٣ بها فمات غرقا في الخمر، والأخرى امرأة زنت حتى إذا أيقنت بالحمل قتلت نفسها فقال لهم أبو حنيفة: من أي الملل كانا؟ أمن اليهود؟ قالوا: لا، أفمن النصارى؟ قالوا: لا، قال: أفمن\n_________\n١ مناقب أبي حنيفة للمكي ص١٥١، ١٥٢.\n٢ كظته: هو شيء يعتري البطن من امتلاء الطعام يقال: كظه الطعام حتى لا يطيق على النفس.\nانظر تهذيب اللغة ٩/٤٣٩، ٤٤٠؛ والقاموس المحيط ٤/٥٧.\n٣ حشرج: ردد نفسه في حلقه يقال: حشرج المحتضر عند الموت وحشرجت روحه عند صدره أوشك أن يموت.\nانظر الصحاح ١/٣٠٦؛ والمعجم الوسيط ١/١٧٥.","vol":"1","page":172},{"text":"المجوس؟ قالوا: لا: قال: من أي الملل كانا؟ قالوا: من الملة التي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قال: فأخبروني عن الشهادة كم هي من الإيمان؟ ثلث أم ربع أم خمس؟ قالوا: إن الإيمان لا يكون ثلثا ولا ربعا ولا خمسا، قال: فكم هي من الإيمان؟ قالوا: الإيمان كله قال: فما سؤالكم إياي عن قوم زعمتم وأقررتم أنهما كانا مؤمنين.\nقالوا: دعنا عنك، أمن أهل الجنة هما أم من أهل النار؟ قال: أما إذا أبيتم، فإني أقول فيهما ما قال نبي الله إبراهيم في قوم كانوا أعظم جرما منهم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ \"سورة إبراهيم: الآية٣٦\".\nوأقول فيهما ما قال نبي الله عيسى في قوم كانوا أعظم جرما منهما: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ \"سورة المائدة: الآية١١٨\".\nوأقول فيهما ما قال نبي الله نوح: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ \"سورة الشعراء: الآيات ١١١-١١٣\".\nوأول فيهما ما قال نبي الله نوح ﵇ وعليهم أجمعين وعلى نبينا محمد ﷺ: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ \"سورة هود: الآية٣١\".\nقال: فألقوا السلاح وقالوا: \"تبرأنا من كل دين كنا عليه، وندين الله بدينك فقد آتاك الله فضلا وحكمة وعلما\"١.\n_________\n١ مناقب أبي حنيفة للمكي ص١٠٨، ١٠٩.","vol":"1","page":173},{"text":"٢- الشيعة\nالشيعة والخوارج فرقتان متقابلتان ١ في آرائهما في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁؛ فالخوارج تكفّره وتتبرأ منه، والشيعة تنصره وتؤيده وتفضله على عثمان ﵁. بل إن منهم من يفضله على أبي بكر وعمر، وأنه الإمام بعد رسول الله ﷺ بالنص الجليّ والقاطع للعذر، وإن الإمامة لا تخرج عنه وعن ولده.\nفردوا على بدعة الخوارج ببدعة أخرى لا تقل فسادا عنها ألا وهي عصمة علي بن أبي طالب، وأفضليته على أبي بكر وعمر ﵄، وأنه هو الإمام بعد الرسول ﷺ مع قولهم بفسوق أبي بكر وعمر وبكفرهما.\nفمن يقول بهذه البدعة فهو كاذب مفتر، قد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وعقابه الجلد حدا على فريته وكذبه. وكما قال خليفة المسلمين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: \"لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري\" ٢.\nوكان يقول: \"خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر\" ٣.\nوسأل محمد بن الحنيفة أباه ٤ عليا فقال: \"أي الناس خير بعد\n_________\n١ منهاج السنة ٦/٢٢٣١.\n٢ النبوات ص١٣٢.\n٣ كتاب النبوات ص١٣٢، قال ابن تيمية: \"قد تواتر هذا عن علي بن أبي طالب\".\n٤ هو محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي قال عنه ابن حجر: \"أبو القاسم ابن الحنفية المدني ثقة عالم من الثالثة مات بعد الثمانين\".\nتقريب التهذيب ٢/١٩٢؛ وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٩/٣٥٤.","vol":"1","page":174},{"text":"رسول الله ﷺ؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول عثمان قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين\" ١.\nولا ريب أن خير الصحابة هم أهل بدر، وخير أهل بدر هم العشرة، وخير العشرة الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ﵃ أجمعين.\nوهذا هو ما عليه جمهور أهل السنة، قال ابن عمر: \"كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان ﵃\" ٢.\nوفي رواية أخرى قال: \"كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي لا نفاضل بينهم\" ٣.\nهذا هو ما عليه الإمام أبو حنيفة ﵀ حيث قال: \"وأفضل الناس بعد النبيين عليهم الصلاة والسلام أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب الفاروق ثم عثمان بن عفان ذو النورين ثم علي بن أبي طالب المرتضى رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. عابدين ثابتين على الحق ومع الحق نتولاهم جميعا\" ٤.\n_________\n١ أخرجه البخاري: كتاب فضائل الصحابة باب قول النبي ﷺ: \"لو كنت متخذا خليلا\" ٧/٢٠ ح٤٦٢٩؛ وأبو داود كتاب السنة باب في التفضيل ٥/٢٦ ح٤٦٢٩ كلاهما من طريق أبي يعلى عن محمد بن الحنفية.\n٢ أخرجه البخاري: كتاب فضائل الصحابة باب فضل أبي بكر بعد النبي ﷺ ٧/١٦ ح٣٦٥٥، والترمذي كتاب المناقب باب تقديم عثمان في حياة النبي ﷺ ٥/٦٢٩ ح٣٧٠٧ كلاهما من طريق نافع عن ابن عمر.\n٣ أخرجه البخاري: كتاب فضائل الصحابة باب مناقب عثمان بن عفان ٧/٥٣ ح٣٦٩٧ وأبو داود: كتاب السنة باب في التفضيل ٥/٢٤ ح٤٦٢٧ كلاهما من طريق نافع عن ابن عمر.\n٤ الفقه الأكبر ص٣٠٣.","vol":"1","page":175},{"text":"وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولا لأبي بكر الصديق ﵁؛ تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون\"١.\nوكان بالكوفة من رؤساء الشيعة محمد البجلي ٢ الملقب بشيطان الطاق، وإليه تنسب الشيطانية من فرق الشيعة، جمع بين بدعة التشيع في الإمامة والقول إن الله لا يعلم الشر قبل أن يكون. فقد نقل عنه الأشعري في المقالات أنه يقول: \"يزعمون أن الله عالم في نفسه ليس بجاهل ولكنه إنما يعلم الأشياء إذا قدرها وأرادها، فأما قبل أن يقدرها ويريدها فمحال أن يعلمها\" ٣.\nفكان بينه وبين الإمام أبي حنيفة مناظرات عديدة منها أنهما تناظرا في فضائل علي بن أبي طالب، أورد تلك المناظرة ابن تيمية في منهاج السنة٤ وفيها: \"أن أبا حنيفة لقي محمد بن نعمان فقال أبو حنيفة: عمن\n_________\n١ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٥٧.\n٢ هو محمد بن علي بن نعمان بن أبي طريفة البجلي الكوفي قال عنه ابن حجر: \"أبو جعفر الملقب شيطان الطاق نسب إلى سوق في طاق المحامل بالكوفة كان يجلس للصرف بها فيقال: إنه اختصم مع آخر في درهم زيف فغلب فقال أنا شيطان الطاق وقيل إن هشام بن عبد الحكم شيخ الرافضة لما بلغه أنهم لقبوه شيطان الطاق سماه مؤمن الطاق ويقال إن من لقبه شيطان الطاق أبو حنيفة\". ولم أقف على تاريخ وفاته.\nلسان الميزان ٥/٣٠٠، ٣٠١.\n٣ مقالات الإسلاميين ص٣٧.\n٤ ٨/١٩٧ وأوردها ابن حجر في لسان الميزان ٥/٣٠١.","vol":"1","page":176},{"text":"رُوِّيت حديث رد الشمس ١؟ فقال: عن غير الذي رويت عنه يا سارية الجبل\".\nقال ابن تيمية على إثرها: \"هذا يدل على أن أئمة أهل العلم لم يكونوا يصدقون بهذا الحديث، فإنه لم يروه إمام من أئمة المسلمين. وهذا أبو حنيفة أحد الأئمة المشاهير، وهو لا يتهم عليا فإنه من أهل الكوفة دار الشيعة، ولقد لقي من الشيعة وسمع من فضائل علي ما شاء الله، وهو يحبه ويتولاه ومع هذا أنكر هذا الحديث على محمد بن نعمان، وأبو حنيفة أعلم وأفقه من الطحاوي وأمثاله ولم يجبه النعمان بجواب صحيح إلى أن قال: فأبو حنيفة لا ينكر أن يكون لعمر وعلي وغيرهم كرامات، بل أنكر هذا الحديث للدلائل الكثيرة على كذبه ومخالفته للشرع والعقل\" ٢.\nوتناظر كذلك بمن هو أحق بالخلافة والأرشد بعد النبي ﷺ فأجاب الإمام أبو حنيفة بما حيره فأسكته حيث قال له: \"نحن نقول كان الحق للصديق، فسلم علي ﵄ الحق له فكان من أشد الناس وأنتم قلتم: كان الحق لعلي فأخذه الصديق بقوة فكان الصديق أشد الناس حيث أخذ منه حقه بقوته بلا تسليم\" ٣، فلأجل كذب وتمويه طائفة من الشيعة\n_________\n١ حديث رد الشمس لعلي أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار ٢/٨؛ والجوزقاني في الأباطيل والمناكير ١/١٥٨؛ وابن الجوزي في الموضوعات ١/٣٥٥، ٣٥٦ جميعهم من طريق فاطمة بنت الحسين عن أسماء بنت عميس قال الجوزقاني على أثره: \"حديث منكر مضطرب\".\nأما لفظه فهو: \"كان رسول الله ﷺ يوحى إليه ورأسه في حجر علي ﵁ فلم يصل العصر حتى غربت الشمس فقال رسول الله ﷺ: اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فرد عليه الشمس قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعدما غربت\".\n٢ منهاج السنة ٨/١٩٧، ١٩٨.\n٣ مناقب أبي حنيفة للكردري ص١٨٠.","vol":"1","page":177},{"text":"رد الإمام أبو حنيفة شهادتهم فلا يجيزها.\nجاء في كتاب الكفاية عن عمر بن إبراهيم قال:\"سمعت ابن المبارك يقول: سأل أبو عصمة الإمام أبا حنيفة بمن تأمرني أن أسمع الأثر؟ قال: من كلّ عدل في هواه إلا الشيعة فإن أصل عقيدتهم تضليل أصحاب محمد ﷺ ... \" ١.\nوفي هذا المعنى يذكر ابن تيمية ٢ أن أبا حنيفة ردّ شهادة من عرف بالكذب كالخطابية ٣، هذا هو موقف الإمام من الشيعة وبدعتهم.\n٣- المرجئة الخالصة\nتقدم أن الخوارج تعد كل كبيرة كفرا، فجاءت المرجئة الغالية فأعلنت أن الإيمان هو المعرفة ٤ فقط. وهؤلاء معروفون بمرجئة الجهمية، وبعضهم قالوا:\n_________\n١ الكفاية ص٣٠٢.\n٢ منهاج السنة ١/٦٢.\n٣ هم أتباع أبي الخطاب محمد بن أبي زينب مقلاص الأسدي الكوفي الأجدع المقتول سنة ١٤٣هـ.\nقال البغدادي: \"الخطابية كلها حلولية لدعواها حلول روح الإله في جعفر الصادق وبعده في أبي خطاب الأسدي، فهذه الطائفة كافرة من هذه الجهة ومن جهة دعواها أن الحسن والحسين وأولادهما أبناء الله وأحباؤه\".\nالفرق بين الفرق ص٢٥٥.\nانظر عن مقالة هذه الفرقة في مقالات الإسلاميين ١/٧٥؛ والفصل ٤/١٨٧؛ والملل والنحل ١/٣٨٠؛ والتبصير ص٧٣.\n٤ مقالات الأشعري ص١٣٢، ٢٧٩ تحقيق ريتر.","vol":"1","page":178},{"text":"\"إن الإيمان هو الإقرار باللسان ١، وهم مرجئة الكرامية ٢، وبعضهم زعموا أن الإيمان: هو التصديق فقط٣. وذهب جمهورهم ٤ إلى أن الإقرار شرط لإجراء الأحكام الدنيوية وهؤلاء معروفون بمرجئة الماتريدية.\nوقال بعضهم: إن الإيمان هو التصديق والإقرار ٥. وهؤلاء معروفون بمرجئة الفقهاء. وسموا مرجئة لأنهم أخروا العمل عن الإيمان\".\nولم يكن في زمن الإمام أبي حنيفة إلا النوعان الأول والرابع، فكان\n_________\n١ انظر مقالات الأشعري ص١٤١ تحقيق ريتر؛ والفرق بين الفرق ص٢١٢؛ وكتاب الإيمان لشيخ الإسلام ص١٢٦؛ والملل ونحل ١/١٠٨.\n٢ الكرامية: فرقة إسلامية تنسب إلى محمد بن كرام الذي نشأ في سجستان وتوفي في بيت المقدس سنة ٢٥٦هـ. والكرامية مجسمون أطلقوا على الله لفظ الجسم لذلك عدهم الشهرستاني من الصفاتية الذين غلوا في الإثبات حتى انتهى بهم إلى التشبيه والتجسيم، وأما الأشعري في المقالات: فعدّهم من فرق المرجئة لقولهم: إن الإيمان هو الإقرار والتصديق دون اعتقاد القلب وعمل الجوارح، وعرفوا بالزهد والتقشف والعبادة، وتعدّت فروعهم دون الاختلاف في الأصول، وأكثر أتباعهم في خراسان وما رواء النهر.\nانظر الملل والنحل ١/١٠٨؛ ومقالات الإسلاميين ص١٤١، وخطط المقريزي ٢/٣٥٧.\n٣ انظر المسامرة ص٣٣٠، ٣٣١؛ والبداية للصابوني ص١٥٢؛ وأصول الدين للبزدوي ص١٥٣؛ وبحر الكلام للنسفي ص٤١؛ والعقائد النسفية مع شرحها للتفتازاني ص١١٩.\n٤ قلت جمهور الماتريدية لأن بعضهم ذهب إلى أن الإيمان هو التصديق والإقرار. انظر شرح العقائد النسفية ص١٢٠؛ وشرح المقاصد ٥/١٧٦.\n٥ مقالات الأشعري ص١٣٢-١٤١، وكتاب الإيمان لابن مندة ١/٣٣١، وشرح العقيدة الطحاوية ص٢٧٣.","vol":"1","page":179},{"text":"يرد على النوع الأول كما سيأتي، ويقول بالنوع الرابع.\nقال في الرد على من يقول: إن الإيمان هو المعرفة، وأن أهل القبلة لا يدخلون النار مهما اقترفوا من المعاصي، وزعموا أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة ١: \"ولا نقول: إن المؤمن لا تضره الذنوب، لا نقول: إنه لا يدخل النار ... ولا نقول إن حسناتنا مقبولة وسيئاتنا مغفورة كقول المرجئة\"٢.\nوسيأتي مزيد من ذلك في مناظرته للجهم بن صفوان في مفهوم الإيمان. وقرر الطحاوي هذا الرد في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: \"ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله، نرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم ولا نقنطهم\" ٣.\nولقد تبرأ الإمام أبو حنيفة ممن نسب إليه الإرجاء؛ فقال في رسالته إلى البتي ٤: \"وأما ما ذكرت من اسم المرجئة فما ذنب قوم تكلموا بالعدل، وسماهم أهل البدع بهذا الاسم، ولكنهم أهل عدل وأهل السنة وإنما هذا اسم سماهم به أهل الشنآن\" ٥.\nوإنما قال ذلك بناء على مفهوم الإرجاء عنده، وهو مذهب غلاة المرجئة الذين يجعلون الإيمان: هو المعرفة؛ فلا يضر معه ذنب كما\n_________\n١ الفصل ٤/٤٥ دار المعرفة؛ والفرق بين الفرق ص٢٠٢؛ والتبصير ص٩٧.\n٢ الفقه الأكبر ص٣٠٤.\n٣ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٤١.\n٤ تقدم ترجمته ص١٣٥.\n٥ رسالة أبي حنيفة للبتي ص٣٨.","vol":"1","page":180},{"text":"تقدمت الإشارة إليه. فأبو حنيفة عنده شيء من الإرجاء الخفيف، وهو النوع الرابع، غير أنه بريء من بقية أنواع الإرجاء.\n٤- القدرية\nاسم أطلقه أهل السنة على الذين نفوا القضاء والقدر السابق من الله تعالى، وزعموا أنهم هم الفاعلون لأعمالهم دون تقدير من الله ﷿ وأن الأمر أُنُف ١.\nوأول من نطق بهذه البدعة رجل كان نصرانيا فأسلم يقال له سوسن ٢ من أهل العراق، فأخذها عنه معبد الجهني ٣، وأخذها عن معبد غيلان الدمشقي ٤. قال الأوزاعي: \"أول من نطق بالقدر رجل من\n_________\n١ الفصل ٣/٢٢؛ الملل والنحل ١/٤٣ بتصرف.\n٢ لم أقف له على ترجمة.\n٣ هو معبد بن عبد الله الجهني البصري قال عنه الذهبي:\n\"صدوق في نفسه ولكن سنّ سنّة سيئة فكان أول من تكلم بالقدر ونهى الحسن الناس عن مجالسته وقال هو ضال مضل\". وقال ابن العماد: \"وفي سنة ٨٠هـ صلب عبد الملك معبدا الجهني وقيل بل عذبه الحجاج بأنواع العذاب وقتله\".\nميزان الاعتدال ٤/١٤١؛ وشذرات الذهب ١/٨٨؛ وانظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ٤/٨٥؛ وتهذيب التهذيب ١٠/٢٢٥.\n٤ هو غيلان بن مسلم الدمشقي أبو مروان قال عنه الذهبي:\n\"المقتول في القدر ضال مسكين ... كان من بلغاء الكتّاب\". وقال عنه طاش كبري زاده: \"من أصحاب الحسن البصري في الفقه وله أتباع يقال لهم الغيلانية كان قبطيا قدريا لم يتكلم أحد في القدر قبله ودعا إليه إلا معبدا الجهني\" قتل في أول خلافة هشام بن عبد الملك بعد مناظرته للأوزاعي حيث أفتى بقتله.\nميزان الاعتدال ٣/٣٣٨؛ ومفتاح دار السعادة ٢/١٤٤. وانظر ترجمته في لسان الميزان ٤/٤٢٤.","vol":"1","page":181},{"text":"أهل العراق يقال له سوسن كان نصرانيا فأسلم ثم تنصر، فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد\"١.\nفتصدى لهم من بقي من الصحابة كابن عمر وابن عباس وغيرهما وأخبروا أنهم مجوس هذه الأمة لقول النبي ﷺ: \"القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم\" ٢.\nولقد اهتم الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى بالرد على بدعة القدرية اهتماما بالغا وخاصة في كتابه الفقه الأكبر؛ حيث يقول فيه: \"وهو الذي قدر الأشياء وقضاها ولا يكون في الدنيا ولا في الآخرة شيء إلا بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره\" ٣.\nويقول: \"وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم على الحقيقة، والله تعالى خالقها، وهي كلها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره\" ٤.\nوقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيته تنفذ، لا مشيئة للعباد، إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن\" ٥.\n_________\n١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٧٤٩-٧٥٠؛ والشريعة ص٢٤٢؛ وسير أعلام النبلاء ٤/١٨٧.\n٢ أخرجه أبو داود: كتاب السنة باب في القدر ٥/٦٦ ح٤٦٩١؛ والحاكم في المستدرك ١/٨٥، كلاهما من طريق أبي حازم عن ابن عمر قال الحاكم على أثره: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر ولم يخرجاه\" وأقره الذهبي في التلخيص.\n٣ الفقه الأكبر ص٣٠٢، ٣٠٣.\n٤ المصدر السابق.\n٥ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٢١.","vol":"1","page":182},{"text":"وقال: \"وأفعال العباد خلق الله وكسبهم من العباد\" ١.\nوأرشد أبو حنيفة رحمه الله تعالى بعض تلاميذه إلى كيفية مناظرة القدري؛ فقد روى الخطيب عن أبي يوسف قال: سمعت أبا حنيفة يقول: \"إذا كلمت القدري فإنما هما حرفان إما أن يسكت وإما أن يكفر. يقال له: هل علم في سابق علمه أن تكون هذه الأشياء كما هي؟\nفإن قال لا، فقد كفر، وإن قال: نعم. يقال له: أفأراد أن تكون كما علم، أم أراد أن تكون بخلاف ما علم؟ فإن قال أراد أن تكون كما علم فقد أقر أنه أراد من المؤمن الإيمان ومن الكافر الكفر، وإن قال أراد أن تكون بخلاف ما علم فقد جعل ربه متمنيا متحسرا لأن من أراد أن يكون ما علم أنه لا يكون، أو لا يكون ما علم أنه يكون، فإنه متمنٍّ متحسر، ومن جعل ربه متمنيا متحسرا فهو كافر\"٢.\nوتناظر أبو حنيفة رحمه الله تعالى مع غيلان الدمشقي أحد كبار القدرية وفيه أن غيلان الدمشقي قال لأبي حنفة: \"تقول إن المعاصي بمشيئة الله ومراده فقال له أبو حنيفة: وأنت تقول إنها بكره من الله وعجزه، ومن نسب الله إلى العجز فهو كافر فانقطع غيلان\" ٣.\nوتناظر أبو حنيفة مع قدري آخر وفيها:\n_________\n١ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ص٥٣.\n٢ تاريخ بغداد ١٣/٣٨٢، ٣٨٣.\n٣ من كتاب الكنز الخفي من اختيارات الصفي للشيخ أبي محمد عثمان بن عبد الله بن الحسن ق \"١٣٥/ب\".","vol":"1","page":183},{"text":"أن أبا حنيفة قال له: \"جئت أم جيء بك؟ قال: بل جئت باختياري فقال: اجلس فجلس، فقال أبو حنيفة جلستَ أو أُجلست؟ قال: بل جلست باختياري فقال له: قم، فقام القدري فقال له أبو حنيفة: ارفع إحدى رجليك فرفعها فقال له: رفعت أو رُفعت لك قال: بل رفعتها قال: فإن كان كما زعمت؛ فكل هذه الأفعال منك وباختيارك فارفع الرجل الأخرى قبل أن تضع الأولى، فتحير القدري\" ١.\nوناظر أبو حنيفة جماعة من القدرية حيث أتوا إليه فقالوا له: \"نخاصمك قال: فيم تخاصمونني قالوا: في القدر، قال: أما علمتم أن الناظر في القدر كالناظر في شعاع الشمس، كلما ازداد نظرا ازداد حيرة..أو قال تحيرا. قالوا: ففي القضاء والعدل، قال: فتكلموا على اسم الله فقالوا: هل يسع أحدا من المخلوقين أن يجري في ملك الله ما لم يقض؟ قال: لا، إلا أن القضاء على وجهين، منه أمر وحي والآخر قدرة، فأما القدرة فإنه لا يقضي عليهم ويقدر لهم الكفر، ولم يأمر به بل نهى عنه، والأمر أمران أمر الكينونة إذا أمر شيئا كان وهو على غير أمر الوحي. قالوا فأخبرنا عن أمر الله أموافق لإرادته أم مخالف؟ قال: أمره من إرادته وليس إرادته من أمره. وتصديق ذلك قول الله ﷿ لإبراهيم: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ \"سورة الصافات: الآية١٠٢\".\nولم يقل ستجدني صابرا من غير إن شاء الله؛ فكان ذلك أمره ولم يكن من إرادته ذبحه.\nقالوا: فأخبرنا عن اليهود والنصارى الذين قالوا على الله ﷿\n_________\n١ من كتاب الكنز الخفي من اختيارات الصفي ق \"١٣٥/ب\".","vol":"1","page":184},{"text":"ما قالوا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ \"سورة التوبة: الآية٣٠\".\nفقضى الله على نفسه أن يشتم وأن تضاف إليه الصاحبة والولد؟.\nفقال أبو حنيفة: إن الله لا يقضي على نفسه إنما يقضي على الله عباده، ولو كان يقضي على نفسه لجرت عليه القدرة.\nقالوا: فأخبرنا عن الله ﷿ إذا أراد من عبده أن يكفر أحسن إليه أم أساء؟ قال: لا يقال أساء ولا ظلم إلا لمن خالف ما أمر به، والله قد جلّ عن ذلك، وقد عرف عباده ما أراد منهم من الإيمان به، فقالوا: يا أبا حنيفة أمؤمن أنت؟ فقال: نعم، قالوا: أفأنت عند الله مؤمن؟ قال: تسألوني عن علمي وعزيمتي أو عن علم الله وعزيمته؟ قالوا: بل نسألك عن علمك، ولا نسألك عن علم الله، قال: فإن بعملي أعلم أني مؤمن ولا أعزم على الله ﷿ في علمه، فقالوا: يا أبا حنيفة: ما تقول فيمن جحد حرفا من كتاب الله؟ قال: كافر لأن الله ﷿ قال مهددا لهم وموعدا: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ \"سورة الكهف: الآية٢٩\".\nقالوا: فإن كان هذا من باب الوعيد وقال إني لا أؤمن ولا أكفر. قال: فقد خصمتم أنفسكم، ألا ترون أني إن لم أؤمن فأنا مجبور في إرادة الله ﷿ على الكفر، وإن لم أكفر فأنا مجبور في إرادة الله ﷿ على الإيمان قالوا: يا أبا حنيفة حتى متى تضل الناس؟ قال: ويحكم إنما يضل الناس من يستطيع أن يهديهم والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء\" ١.\n_________\n١ الانتقاء ص١٦٤، ١٦٥.","vol":"1","page":185},{"text":"٥- الجهمية\nتنسب الجهمية إلى جهم بن صفوان أبي محرز مولى بني راسب يلقبه بعضهم بالترمذي، والبعض الآخر بالسمرقندي المتوفى سنة ٢١٨هـ. وأتباعه يعرفون بالجهمية نسبة إليه، وقد صار لقبا على معطلة الصفات باعتبار أن الجهمية هي أول من قالت به ولها بدع أخرى غير هذه البدعة منها القول بأن الإيمان هو معرفة الله تعالى فقط والكفر هو الجهل به، والقول بالجبر حيث زعمت أن الإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة وإنما هو مجبور على أفعاله١.\nفهم بهذا مخالفون لنصوص الكتاب والسنة الصريحة القاطعة؛ لذا يرى بعض السلف أنهم ليسوا من أمة محمد ﷺ. يقول عبد الله بن المبارك: \"الجهمية ليسوا من الاثنتين والسبعين فرقة\" ٢.\nلذلك كفر الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى جهم بن صفوان.\nفقد روى الخطيب عن عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني ٣ قال:\n\"سمعت أبا حنيفة يقول: جهم بن صفوان كافر\" ٤.\n_________\n١ انظر مقالات الإسلاميين ١/٣٣٨؛ والفرق بين الفرق ص٢٢١؛ والتبصير في أصول الدين ص٦٣؛ والملل والنحل ١/٨٦-٨٧؛ وتاريخ الطبري ٧/٣٣٥؛ والبداية والنهاية ١٠/٢٦، ٢٧..\n٢ كتاب النبوءات ص١٣٣.\n٣ هو عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني بكسر المهملة وتشديد الميم أبو يحيى الكوفي، قال عنه ابن حجر: \"صدوق يخطئ ورمي بالإرجاء من التاسعة\". مات سنة ٢٠٢هـ. تقريب التهذيب ١/٤٦٩، وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ١٢٠٦.\n٤ تاريخ بغداد ١٣/٣٨٢.","vol":"1","page":186},{"text":"وفي رواية أخرى أنه بعدما ناظره قال له: \"اخرج عني يا كافر\" ١.\nولقد أوَّل صاحب كتاب المسايرة كلام الإمام أبي حنيفة هذا.\nقال الكشميري ٢: \"وفي المسايرة عن أبي حنيفة أنه قال بعدما ناظره في مسألة: اخرج عني يا كافر. وقد أوّل قوله هناك ثم قال الكشميري: قلت: بل ما قاله صحيح لا ينبغي أن يؤوّل قوله؛ فإن شأن الإمام أرفع ٣ من أن تجري كلمة على لسانه لا يرضاها الله ورسوله، وكان جهم ينفي الصفات ... \"٤.\nوكان الإمام أبوح حنيفة رحمه الله تعالى يذم جهما ويعيب قوله، كما ذكر أبو يوسف فقد قال: \"إن أبا حنيفة كان يذم جهما ويعيب قوله\" ٥.\nوممّا عاب على جهم قوله بخلق القرآن. فقد روى الخطيب عن ابن أبي شيبة قال: \"قدم ابن المبارك على أبي حنيفة، فقال له أبو حنيفة: ما هذا الذي دبّ فيكم؟ قال: له رجل يقال له جهم، قال: وما يقول؟\n_________\n١ أصول البزدوي مع شرحه كشف الأسرار ١/١١.\n٢ هو محمد أنور بن معظم شاه بن عبد الكبير بن عبد الخالق النروري الكشميري ولد في سنة ألف ومائتين واثنتين وتسعين وتوفي في سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة وألف في ديوبند ومن أشهر مؤلفاته التصريح بما تواتر في نزول المسيح وفيض الباري على صحيح البخاري.\nانظر ترجمته في نزهة الخواطر ٨/٨٠؛ ومقدمة فيض الباري ص١٧-٢٤.\n٣ هذا من غلو بعض الحنفية في أئمتهم.\n٤ فيض الباري ١٤/٥١٤.\n٥ تاريخ بغداد ١٣/٣٨٢.","vol":"1","page":187},{"text":"قال: يقول القرآن مخلوق، فقال أبو حنيفة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا﴾ \" ١.\nفنهى عن القول بقوله أو الصلاة خلفه. فعن أبي سوف أن أبا حنيفة قال: \"من قال القرآن مخلوق فهو مبتدع؛ فلا يقولن أحد بقوله ولا يصلين أحد خلفه\" ٢.\nوعاب عليه إفراطه في نفي الصفات؛ حيث قال: \"قاتل الله جهم بن صفوان ومقاتل بن سليمان هذا أفرط في النفي، وهذا أفرط في التشبيه\" ٣.\nوفي رواية أخرى قال: \"أفرط جهم في نفي التشبيه؛ حيث قال: إن الله ليس بشيء\" ٤.\nورد عليه قوله بفناء الجنة والنار حيث قال: \"والجنة والنار مخلوقتان اليوم لا تفنيان أبدا، ولا تموت الحور العين أبدا، ولا يفنى عقاب الله وثوابه سرمدا\" ٥.\nوقرر الطحاوي هذا الرد في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا، ولا تبيدان، والله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق\" ٦.\nورد عليه قوله بأن الإنسان مجبور، لا قدرة له ولا اختيار، حيث\n_________\n١ تاريخ بغداد ١٣/٣٨٤.\n٢ تاريخ بغداد ١٣/٣٨٣-٣٨٤.\n٣ تاريخ بغداد.\n٤ تاريخ بغداد ١٣/١٦٦؛ وفتح الباري ١٣/٣٤٥.\n٥ الفقه الأكبر ص٣٠٥.\n٦ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٥١.","vol":"1","page":188},{"text":"قال: \"ولم يجبر ١ أحدا من خلقه على الكفر، ولا على الإيمان\" ٢.\nوقال كذلك: \"فكفر من كفر بفعله وإنكاره وجحوده للحق وبخذلان الله تعالى إياه، وآمن من آمن بفعله وإقراره وتصديقه بتوفيق الله تعالى إياه ونصرته له\" ٣.\nوأختتم موقف الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى من جهم وبدعه برده عليه في قوله إن الإيمان هو معرفة الله تعالى فقط؛ حيث قال له: \"قد جعل الله ﵎ الإيمان بكتابه بجارحتين بالقلب واللسان، فقال ﵎: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ \" إلى قوله تعالى: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ \"سورة المائدة: الآيات من: ٨٣-٨٥\".\nفأوصلهم الجنة بالمعرفة والقول وجعلهم مؤمنين بالجارحتين القلب واللسان.\nقال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ \"سورة البقرة: الآيتان ١٣٦، ١٣٧\".\nوقال تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ \"سورة الفتح: الآية٢٦\".\n_________\n١ لفظ \"جبر\": ليس له أصل في الكتاب والسنة لذلك كره السلف أن يقال: \"جبر\" أو يقال: \"ما جبر\" قال الأوزاعي: \"ما أعرف للجبر أصلا من القرآن والسنة فأهاب أن أقول ذلك ولكن القضاء والقدر والخلق والجبْل، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله ﷺ \" وقال الزبيدي: \"أمر الله أعظم وقدرته أجل وأكبر من أن يجبر أو يقهر ولكن يقضي ويقدر ويجبل عبده على ما أحب\".\nانظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٧٠٠.\n٢ الفقه الأكبر ص٣٠٣.\n٣ الفقه الأكبر ص٣٠٣.","vol":"1","page":189},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ \"سورة الحج: الآية ٢٤\".\nوقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ \"سورة فاطر: الآية١٠\".\nوقال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ \"سورة إبراهيم: الآية٢٧\".\nوقال النبي ﷺ: \"قولوا لا إله إلا الله تفلحوا \" ١، فلم يجعل الفلاح بالمعرفة دون القول.\nقال النبي ﷺ: \"يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه كذا\" ٢.\nولم يقل يخرج من النار من عرف الله وكان في قلبه كذا ... ولو كان القول لا يحتاج إليه ويُكتفى بالمعرفة لكان من جحد الله باللسان وعرفه\n_________\n١ أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/٦١١، ٦١٢ من طريق جامع بن شداد عن طارق بن عبد الله المحاربي قال الحاكم على أثره: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" وأقره الذهبي في التلخيص. وأخرجه أحمد في المسند ٤/٦٣ من طريق شيبان عن أشعث عن شيخ من بني مالك بن كنانة، وأرده الهيثمي في المجمع ٦/٢١-٢٢ وقال: \"رجاله رجال الصحيح\".\n٢ أخرجه البخاري: كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ١٣/٣٩٢، ٣٩٣ ح٧٤١٠، ومسلم: كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ١/١٨٢ ح٣٢٥، وابن ماجه كتاب الزهد باب ذكر الشفاعة ٢/١٤٤٢ ح٤٣١٢، جميعهم من طريق قتادة عن أنس بن مالك.\nولفظه عند مسلم: \"يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برَّة ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة\".","vol":"1","page":190},{"text":"بقلبه مؤمنا، ولكان إبليس مؤمنا لأنه عارف بربه يعرف أنه خالقه ومميته وباعثه ومغويه قال: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ \"سورة الحجر: الآية ٣٩\".\nوقال تعالى: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ \"سورة الأعراف: الآية ١٤\".\nوقال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ \"سورة الأعراف: الآية ١٢\".\nولكان الكفار مؤمنين بمعرفتهم ربهم وإن أنكروا بلسانهم. قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ \"سورة النمل: الآية ١٤\".\nفلم يجعلهم مع استيقانهم بأن الله واحد مؤمنين مع جحدهم بلسانهم. وقال ﷿: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ \"سورة النحل: الآية ٨٣\".\nوقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ \"سورة يونس: الآيتان ٣١،٣٢\".\nفلم ينفعهم معرفتهم مع إنكارهم:\nقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ\"﴾ \"سورة البقرة: الآية ١٤٦\".\nيعني النبي ﷺ؟! فلم تنفعهم المعرفة مع كتمانهم أمره وجحودهم","vol":"1","page":191},{"text":"به فقال له الجهم في خلدي شيئا فسأرجع إليك، فقام من عنده ولم يعد إليه\" ١.\nهذا جارٍ على مذهب أبي حنيفة في أن الأعمال ليست من الإيمان، وإنما الإيمان هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان.\nوما ذكر من الأدلة غايتها أن تدل على أن القول باللسان من الإيمان، وأن أصل الإيمان الذي هو الدخول في الإسلام لا يحصل إلا بالتصديق بالقلب والإقرار باللسان لا تدل على أن الأعمال ليست من الإيمان.\nويتلخص موقف أبي حنيفة من جهم وبدع الجهمية فيما يلي:\n\"أ\" تكفيره لهم ويظهر من هذا أنه لا يعتبرهم من أهل القبلة.\n\"ب\" عدم جواز الصلاة خلفهم.\n\"ج\" إنكاره لبدعهم أشد الإنكار كخلق القرآن والقول بالجبر وتعطيل الصفات والقول بالإرجاء المطلق.\n٦- المعتزلة\nظهرت هذه الفرقة في نهاية القرن الهجري الأول وبلغت شأوها في العصر العباسي الأول. يرجع اسمها إلى اعتزال إمامها واصل بن عطاء ٢\n_________\n١ مناقب أبي حنيفة للمكي ص١٢٤، ١٢٥، ١٢٦.\n٢ هو واصل بن عطاء المعروف بالغزّال من موالي بني مخزوم وقيل من موالي بني ضبة، قال عنه الذهبي: \"البليغ الأفوه..كان ألثغ بالراء غينا فلاقتداره على اللغة وتوسعه يتجنب الوقوع في لفظة فيها راء ... وهو وعمرو بن عبيد رأسا الاعتزال طرده الحسن من مجلسه لما قال: \"الفاسق لا مؤمن ولا كافر فانضم إليه عمرو واعتزلا حلقة الحسن وتبعهما أنصارهما فسموا المعتزلة\". مات سنة =","vol":"1","page":192},{"text":"مجلس الحسن البصري لقول واصل: \"إن مرتكب الكبيرة ليس كافرا ولا مؤمنا، بل هو في منزلة بين المنزلتين. ولما اعتزل واصل مجلس الحسن البصري وجلس عمرو بن عبيد ١ وتبعهما أنصارهما قيل لهم المعتزلة أو معتزلون ٢، ومنذ انضمام عمرو بن عبيد لواصل بن عطاء واعتزالهما الناس ظهر منهما آراء مبتدعة لم يكن عليها الأوائل عاداهما علماء السلف وحذّروا منهما: قال عبد الله بن المبارك:\nأيها الطالب علما\nائت حماد بن ز يد\nفخذ العلم بحلم\nثم قيّده بقيد\nوذر البدعة من\nأثار عمرو بن عبيد ٣\nوروى الهروي عن عبد الرحمن بن مهدي قال: دخلت على مالك، وعنده رجل يسأله عن القرآن فقال: \"لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد لعن الله عمرو بن عبيد فإنه ابتدع هذه البدع من الكلام، ولو كان الكلام علما لتكلم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطل يدل على باطل\"٤.\n_________\n= ١٣١هـ. سير أعلام النبلاء ٥/٤٦٤، ٤٦٥.\nوانظر ترجمته في لسان الميزان ٦/٢١٤؛ وشذرات الذهب ١/١٨٢.\n١ هو عمرو بن عبيد البصري التميمي بالولاء قال عنه ابن حبان: \"كان من أهل الورع والعبادة إلى أن أحدث ما أحدث واعتزل مجلس الحسن هو وجماعة معه فسموا المعتزلة\" مات سنة ١٤٣هـ وقيل سنة ١٤٤هـ.\nميزان الاعتدال ٣/٢٧٣، وانظر ترجمته في تاريخ بغداد ١٢/١٨٧.\n٢ انظر الفرق بين الفرق ٣/٢٧٣؛ والتبصير ص٣٧؛ والملل والنحل ١/٤٦-٤٩؛ والخطط للمقريزي ٢/٣٤٥، ٣٤٦.\n٣ ذم الكلام \"ق-١٩٦/أ\".\n٤ ذم الكلام \"ق-١٧٣/ب\".","vol":"1","page":193},{"text":"وكذلك لعنه الإمام أبو حنيفة؛ فقد روى الهروي عن محمد بن الحسن قال: قال أبو حنيفة: \"لعن الله عمرو بن عبيد فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام\" ١.\nوقال الإمام أبو حنيفة عن المعتزلة: \"لم يكن في طبقات أهل الأهواء أحد أجدل من المعتزلة؛ لأن ظاهر كلامهم مموه تقبله القلوب\" ٢.\nوأنكر عليهم إبطالهم للصفات حيث قال: \"ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف\" ٣.\nوردّ عليهم قولهم: إن القرآن مخلوق؛ حيث قال: \"وكلام الله تعالى غير مخلوق\" ٤.\nوقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه؛ حيث قال: \"وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية\" ٥.\nوبالجملة فكتابه الفقه الأكبر رد على الجهمية والمعتزلة فيما أنكروا من أسماء الله تعالى وصفاته؛ فقد ضمنه جملة من الصفات الإلهية التي وردت في الكتاب والسنة الصحيحة.\n_________\n١ ذم الكلام \"ق-١٩٦/ب\".\n٢ مناقب أبي حنيفة للمكي ص.\n٣ الفقه الأكبر ص٣٠٢.\n٤ الفقه الأكبر ص٣٠٢\n٥ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢٤.","vol":"1","page":194},{"text":"٧- المشبهة\nالتشبيه في اللغة دلالة على مشاركة أمر آخر في معنى، فالأمر الأول هو المشبه والثاني هو المشبه به وذلك المعنى هو وجه الشبه ١.\nوالمشبهة: هم قوم يشبهون الله تعالى بالمخلوقات ويمثلونه بالمحدثات ٢، وقاسوا صفات الخالق على ما ألفوه وشاهدوه من صفات المخلوقين. ومن الذين قالوا في التشبيه في الإسلام واشتهروا به مقاتل بن سليمان ٣ الذي بالغ في إثبات الصفات لله ﷿ حتى قال بالتجسيم. ولعل السبب في غلوه في إثبات الصفات هو غلو جهم بن صفوان في إنكار صفات الله ﷿. قال الذهبي: \"وظهر بخراسان الجهم بن صفوان ودعا إلى تعطيل صفات الرب ﷿ وخلق القرآن، وظهر بخراسان في قبالته مقاتل بن سليمان المفسر وبالغ في إثبات الصفات حتى جسم\" ٤.\nونقل عنه الأشعري في المقالات أنه كان يقول: \"إن الله جسم وإن له جمّة وأنه على صورة إنسان من لحم ودم وشعر وعظم له جوارح وأعضاء\n_________\n١ التعريفات للجرجاني ص٥٨.\n٢ التعريفات للجرجاني ص٢١٦.\n٣ هو مقاتل بن سليمان بن بشر الخراساني أبو الحسن البلخي نزيل مرو قال عنه ابن حجر: \"كذبوه وهجروه ورمي بالتجسيم\" وقال ابن حبان: \"كان يأخذ عن اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كبتهم وكان يشبه الرب بالمخلوقين وكان يكذب مع ذلك في الحديث\" مات سنة ١٥٠هـ، انظر كتاب المجروحين ٣/١٤، وتقريب التهذيب ٢/٢٧٢، وانظر ترجمته في ميزان الاعتدال ٤/١٧٣، وتهذيب التهذيب ١٠/٢٧٩.\n٤ تذكرة الحفاظ ٥٩-١٦٠.","vol":"1","page":195},{"text":"من يد ورجل ورأس وعينين وهو مع هذا لا يشبه غيره\" ١.\nوأتباعه يسمون المقاتلية، فازدهرت مدرسة مقاتل، ولاقت نجاحا في خراسان موطن مقاتل وتأثر بها هشام بن الحكم، وهشام بن سالم الجواليقي، وداود الجواريبي، وهؤلاء جميعا من الرافضة وتأثر بها فيما بعد ابن كرام.\nلذلك وصفهم الإمام أبو حنيفة بأنهم شرار الناس حيث قال: \"صنفان من شر الناس بخراسان الجهمية والمشبهة ربما قال والمقاتلية\" ٢.\nووصف التشبيه والتعطيل بأنهما رأيان خبيثان فقال: \"أتانا من المشرق رأيان خبيثان جهم معطل ومقاتل مشبه\" ٣.\nوروى الخطيب البغدادي عن أبي يوسف أن أبا حنيفة ذكر عنده جهما ومقاتل فقال: \"كلاهما مفرط أفرط جهم في نفي التشبيه حيث قال: إنه ليس بشيء، وأفرط مقاتل بن سليمان حتى جعل الله مثل خلقه\" ٤.\nفلبدعة مقاتل ذمَه علماء السلف، وتركوا الرواية عنه قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: \"أخرجت خراسان ثلاثة لم يكن لهم نظير، يعني في البدعة والكذب: جهم بن صفوان، وعمر بن صبيح ٥ ومقاتل بن سليمان\" ٦.\n_________\n١ مقالات الإسلاميين ١/٢١٤، ٢٥٨، ٢٥٩.\n٢ تاريخ بغداد ١٣/٣٨٢.\n٣ تاريخ بغداد ١٣/١٦٤.\n٤ تاريخ بغداد ١٣/١٦٦.\n٥ هو عمر بن صبيح بن عمر التميمي أو العدوي أبو نعيم الخراساني قال عنه ابن حجر: \"متروك كذبه ابن راهويه من السابعة\".\nتقريب التهذيب ٢/٥٨؛ وانظر ترجمته في الكامل في الضعفاء ٥/١٥٨٣.\n٦ تاريخ بغداد ١٣/١٦٤.","vol":"1","page":196},{"text":"وقال أحمد بن سيار بن أيوب ١: \"مقاتل بن سليمان كان من أهل بلخ تحول إلى مرو وخرج إلى العراق، ومات بها، يكنى أبا الحسن، وهو متهم متروك الحديث مهجور القول، وكان يتكلم في الصفات بما لا يحل الرواية عنه\" ٢.\nوقال أبو يوسف: \"صنفان ما على الأرض أبغض إليّ منهما: المقاتلية والجهمية\" ٣.\nورد الإمام أبو حنيفة على بدعة المشبهة بقوله: \"ولا يشبه شيئا من الأشياء من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه\" ٤.\nوقرر هذا الطحاوي في بيان أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه؛ حيث قال: \"ولا شيء مثله ... لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام ولا يشبه الأنام\" ٥.\nوقال: \"ومن لم يتوق النفي والتشبيه زلّ ولم يصب التنزيه\" ٦.\nوقال كذلك: \"من وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر\" ٧.\nهذا هو موقف الإمام من الفرق الكلامية وأقوالهم المبتدعة، وأما\n_________\n١ أحمد بن سيار بن أيوب أبو الحسن المروزي قال عنه ابن حجر: \"الفقيه ثقة حافظ من الحادية عشر\" مات سنة ٢٦١هـ.\nتقريب التهذيب ١/١٦؛ وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ١/٣٥.\n٢ تاريخ بغداد ١٣/١٦٣.\n٣ تاريخ بغداد ١٣/١٦٤.\n٤ الفقه الأكبر ٣٠١.\n٥ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص١٨، ١٩.\n٦ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٢٨.\n٧ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٢٥.","vol":"1","page":197},{"text":"مفهومه للجماعة فيكفي للدلالة عليه إجابته عن سؤال عطاء بن أبي رباح من أي الأصناف أنت؟ فأجابه بقوله: \"أنا ممن لا يسب السلف، ويؤمن بالقدر، ولا يكفر أحدا بذنب، فقال له عطاء: عرفت فالزم\" ١.\n_________\n١ تاريخ بغداد ١٣/٣٣١.","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16></span><span data-type=\"title\" id=toc-15>الباب الثاني: بيان اعتقاده في التوحيد</span>\nوفيه ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: توحيد الربوبية.\nالفصل الثاني: توحيد الألوهية.\nالفصل الثالث: توحيد الأسماء والصفات.","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18></span><span data-type=\"title\" id=toc-17>الفصل الأول: توحيد الربوبية</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nتمهيد: في تعريف التوحيد وأقسامه.\nالمبحث الأول: معنى توحيد الربوبية وخصائصه.\nالمبحث الثاني: مناظرة الإمام أبي حنيفة للملاحدة في إنكارهم الخالق ونقده لطريقة المتلكلمين في تقرير الربوبية.\nالمبحث الثالث: منهج الإمام أبي حنيفة في تقرير الربوبية.","vol":"1","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>تمهيد: </span>في تعريف التوحيد وأقسامه\n١- تعريف التوحيد\n\"أ\" التوحيد لغة:\nهو تفعيل وحَّد يقال: \"وحّده وأحّده كما يقال ثناه وثلّثه\" ١ \"وحده توحيدا أي جعله واحدا\" ٢.\nوالتوحيد الإيمان بالله وحده لا شريك له ٣.\nقال أبو القاسم التيمي ٤: \"التوحيد على وزن التفعيل وهو مصدر وحدته توحيدا ... ومعنى وحدته جعلته منفردا عما يشاركه أو يشبهه في ذاته وصفاته، والتشديد فيه للمبالغة أي بالغت في وصفه بذلك. وقيل الواو فيه مبدلة من الهمزة، والعرب تبدل الهمزة من الواو، وتبدل الواو من الهمزة كقولهم وشاح وأشاح، وتقول العرب أحّدهن لي وحدّهن لي أي جعلهن لي أحد عشر. ويقال جاءوا آحاد آحاد أي واحدا واحدا، فعلى هذا فالواو في التوحيد أصلها الهمزة\".\n_________\n١ الصحاح ٢/٥٤٨.\n٢ القاموس المحيط ١/٣٤٣.\n٣ القاموس المحيط ١/٣٤٣.\n٤ هو إسماعيل بن محمد بن الفضل بن العلي بن أحمد القرشي التيمي الطلحي الأصبهاني الملقب بقوام السنة. قال عنه الذهبي: \"الإمام العلامة الحافظ شيخ =","vol":"1","page":203},{"text":"قال الهذلي١:\nليت الصريمة٢ أُحدان الرجال له\nصيد ومجتزئ بالليل هجاس\nوتقول العرب: \"واحد وَحِد ووَحْد ووحيد أي: منفرد، فالله تعالى واحد أي منفرد عن الأنداد والأشكال في جميع الأحوال. فقولهم: وحَّدت الله: من باب عظمت الله، وكبرته، أي علمته عظيما وكبيرا.\nفكذلك وحدته: أي علمته واحدا، منزها عن المثل في الذات والصفات\" ٣.\nوقال الجرجاني ٤: \"التوحيد في اللغة الحكم بأن الشيء واحد، والعلم بأنه واحد\" ٥.\nوقال العيني ٦ والقسطلاني ٧: \"ومعنى وحدت الله: اعتقدته منفردا\n= الإسلام\" مات سنة ٥٣٥هـ، سير أعلام النبلاء ٢٠/٨٠؛ وانظر ترجمته في تذكرة الحفاظ ٤/١٢٧٧؛ والمنتظم ١٠/٩٠.\n_________\n١ هو مالك بن خانع الخناعي الهذلي وهذا البيت في وصف الأسد.\nانظر ديوان الهذليين ٣/٤.\n٢ الصريمة رميلة فيها شجر وجمعها الصرائم. الصحاح ٥/١٩٦٦.\n٣ الحجة في بيان المحجة للتيمي ص٢٣٩-٢٤٠.\n٤ هو علي بن محمد بن علي الجرجاني قال عنه اللكنوي: \"علم نحرير قد حاز على قصبات السبق في التحرير فصيح العبارة دقيق الإشارة نظار فارس في البحث والجدل ولد في جرجان سنة ٧٤٠هـ ... وتوفي بشيراز سنة ٨١٦هـ.\n٥ التعريفات ص٦٩\n٦ هو بدر الدين أبو الثناء محمود بن أحمد بن موسى بن حسين العنتابي الأصل والمولد والمنشأ المصري الدار والوفاة الحنفي المعروف بالعيني قال عنه تلميذه ابن تغري بردي: \"هو علامة فريد عصره ووحيد دهره وعمدة المؤرخين ... \".\n٧ هو أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن أحمد القسطلاني المصري =","vol":"1","page":204},{"text":"بذاته وصفاته لا نظير له ولا شبيه\" ١.\nفالمقصود أن التوحيد في اللغة الاعتقاد في الشيء أنه واحد، والحكم بأنه واحد، والعلم بأنه واحد ونسبة الشيء إلى الوحدانية وجعل الشيء واحدا\".\n\"ب\" التوحيد اصطلاحا:\nالتوحيد عند أهل الكلام إفراد القديم من المحدَث ٢.\nوقيل: \"إثبات ذات غير مشبهة بالذوات ولا معطلة عن الصفات\" ٣.\nوقيل: \"إفراد القديم عن الحدث\" ٤.\nوقيل: نفي التقسيم لذاته، ونفي التشبيه عن حقه وصفاته، ونفي الشريك معه في أفعاله ومصنوعاته٥.\nوقيل: سلبت عنه الكيفية والكمية فهو واحد في ذاته لا انقسام له، وفي صفاته لا شبيه له، وألوهيته وملكه وتدبيره لا شريك له، ولا رب سواه، ولا خالق غيره ٦.\n_________\n= الشافعي قال عنه ابن العماد: \"الإمام العلامة الحجة الرحلة الفقيه المقرئ المسند\" ولد سنة ٨٥١هـ وتوفي سنة ٩٢٣هـ.\n١ عمدة القاري ٢٥/٨١؛ إرشاد الساري ١٠/٣٥٧.\n٢ فتح الباري ١٣/٣٤٤.\n٣ عمدة القاري ٢٥/٨١.\n٤ إرشاد الساري ١٠/٣٥٧.\n٥ إرشاد الساري ١٠/٣٥٧.\n٦ فتح الباري ١٣/٣٤٥.","vol":"1","page":205},{"text":"وقال الجرجاني: \"واصطلاح أهل الحقيقة تجريد الذات الإلهية عن كل ما يتصور في الأفهام ويتخيل في الأوهام والأذهان. والتوحيد ثلاثة أشياء: معرفة الله تعالى بالربوبية، والإفراد بالوحدانية، ونفي الأنداد عنه جملة\" ١.\nوقال الشهرستاني ٢: \"إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته الأزلية لا نظير له، وواحد في أفعاله لا شريك له\" ٣.\nوقال الملاَّ علي قاري ٤:: \"واحدا في ذاته، ووحدا في صفاته، وخالقا لمصنوعاته\" ٥.\nوقال الشيخ محمد عبده ٦: \"إثبات الوحدة لله في الذات، والفعل في خلق الأكوان، وأنه وحده مرجع كل كون ومنتهى كل قصد\" ٧.\n_________\n١ كتاب التعريفات ص٦٩.\n٢ هو محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني قال عنه الذهبي: \"شيخ أهل الكلام والحكمة وصاحب التصانيف. صنف كتاب نهاية الإقدام وكتاب الملل والنحل وكان كثير المحفوظ قوي الفهم مليح الوعظ\". مات سنة ٥٤٨هـ؛ سير أعلام النبلاء ٢٠/٢٨٦؛ وانظر ترجمته في شذرات الذهب ٤/١٤٩.\n٣ الملل والنحل ١/٤٢.\n٤ هو علي بن سلطان الهروي القاري الحنفي قال عنه الشوكاني: \"أحد جماهير الأعلام ومشاهير أولي الحفظ والإفهام\" توفي سنة ١٠١٤هـ.\nالبدر الطالع ١/٤٤٥؛ وانظر ترجمته في خلاصة الأثر ٣/١٨٥؛ وهداية العارفين ١/٧٥١.\n٥ ضوء المعالي للقاري ص١٣.\n٦ هو محمد بن عبدة بن حسن خير الله من آل تركمان مفتي الديار المصرية ومن قادة الإصلاح الحديث ولد سنة ١٢٦٦ وتوفي سنة ١٣٢٣هـ.\nالأعلام للزركلي ٦/٢٥٢، ٢٥٣..\n٧ رسالة التوحيد.","vol":"1","page":206},{"text":"فالحاصل أنهم لا يعرضون لتوحيد الألوهية ويفسرونه بتوحيد الربوبية؛ فظنوا أنه هو المطلوب من العبادة وأن معنى لا إله إلا الله لا خالق إلا الله أو لا قادر على الاختراع إلا الله.\nفأفنوا أعمارهم بما لم ينازع فيه المشركون لكن لم ينفعهم ذلك ولم يدخلهم الإسلام.\nومعلوم أن المقصد الأعظم الذي أرسل لأجله الرسل وأنزلت الكتب وخلق له الجن والإنس هو عبادة الله وحده لا شريك له، فمعنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله.\nأما التوحيد المستنبط من الكتاب والسنة فهو:\nالإقرار بالقلب واللسان بأن الله رب كل شيء ومليكه وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير، وأنه الخالق لكل شيء، وأنه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأنه الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه؛ فلا رب غيره ولا إله سواه ولا شريك ولا ند له، ثم إفراده بالعبادة وذلك بصرف جميع أنواع العبادة له وإخلاص الدين له. فهذا هو التوحيد الذي جاءت به الرسل بكل جوانبه ظاهرا وباطنا علما وعملا.\nهذا هو معناه الاصطلاحي، أما المناسبة بينه وبين معنى التوحيد في اللغة: فهي أن المعنى الاصطلاحي أخص من اللغوي وهذا شأن عامة المعاني الشرعية مع المعاني اللغوية كما في الصلاة والصوم والحج.","vol":"1","page":207},{"text":"٢- أقسام التوحيد\nقسم أهل العلم ١ التوحيد إلى أقسام:\nفمن العلماء من قسمه إلى نوعين وهما:\n١- التوحيد في المعرفة والإثبات.\n٢- التوحيد في القصد والطلب.\nومنهم من قسمه إلى ثلاثة أنواع هي:\n١- توحيد الربوبية.\n٢- توحيد الألوهية.\n٣- توحيد الأسماء والصفات. ولا منافاة بين الطريقتين في التقسيم، فمن جعله ثنائيا فقد أجمل، ومن جعله ثلاثيا فقط فصل.\nوقد ورد تقسيم التوحيد في الجملة في كلام أبي حنيفة وبعض أتباعه، دل على هذا قول الإمام أبي حنيفة: \"والله تعالى يدعى من أعلى لا من أسفل لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء\" ٢.\nوقرر هذا الطحاوي في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: \"نقول معتقدين بتوفيق الله إن الله واحد لا شريك له ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه ولا إله غيره\". فقوله: \"ولا\n_________\n١ أما أهل الكلام فقد قسموا التوحيد إلى ثلاثة أقسام هي:\n١- توحيد الذات فهو واحد في ذاته لا قسيم له.\n٢- توحيد الصفات فهو واحد في صفاته لا شبيه له.\n٣- توحيد الأفعال فهو واحد في أفعاله لا شريك له.\nانظر مجموع الفتاوى ٣/٩٨.\n٢ الفقه الأبسط ص٥١","vol":"1","page":208},{"text":"شيء مثله\" في توحيد الأسماء والصفات، وقوله: \"ولا شيء يعجزه\" في توحيد الربوبية والقدرة، وكل ذلك في توحيد المعرفة والإثبات، وقوله: \"ولا إله غيره\"١ في توحيد الألوهية، وذلك في توحيد الطلب والقصد. وما أشار إليه الطحاوي قرره ابن أبي العزَّ شارح متن العقيدة الطحاوية، حيث قال: \"ثم التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان: توحيد في الإثبات والمعرفة، وتوحيد في الطلب والقصد\" ٢.\nوذكر هذا شارح فقه الأكبر الملاّ علي القاري حيث قال: \"ابتداء كلامه ﷾ في الفاتحة بالحمد لله رب العالمين يشير إلى تقرير توحيد الربوبية، المترتب عليه توحيد الألوهية، المقتضي من الخلق تحقيق العبودية\" ٣.\nفما أشار إليه الإمام أبو حنيفة وقرره الطحاوي وابن أبي العز الحنفي هو ما دل عليه القرآن والسنة واللغة.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ \"سورة الزخرف: الآية ٨٧\".\nوقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ \"سورة يونس: الآية٣١\".\nوقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ\n_________\n١ متن العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص١٧و١٨.\n٢ شر العقيدة الطحاوية ص٣١.\n٣ شرح الفقه الأكبر ص١٥.","vol":"1","page":209},{"text":"سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ \"سورة المؤمنون: الآيات ٨٤-٨٩\".\nفأخبر الله تعالى أن المشركين الذين بعث فيهم محمد ﷺ معترفون بالربوبية لا ينكرونها، ولا يجعلون أحدا من آلهتهم شريكا لله في ربوبيته من الخلق والرزق والملك والتدبير والتصريف، فهذه حقيقة لا ينكرها المشركون، وأخبر تعالى أن المشركين أنكروا على النبي ﷺ حقيقة أخرى لما نهاهم عن اتخاذا الشركاء وأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده.\nفهذا باطل عندهم وفاسد، وقالوا ما حكى الله عنهم في كتابه الكريم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ \"سورة ص: الآية ٥\".\nلذا تعجبوا كيف ينهى عن اتخاذ الشركاء والأنداد ويأمر بإخلاص العبادة لله وحده.\nوأما الأدلة من السنة فهي أن النبي ﷺ كان يعلم أصحابه والداخلين في الإسلام من جديد بأن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئا، حيث كانوا مقرين بأن الله هو الخالق. فقد روى البخاري عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: \" إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ... \" ١.\nوفي رواية: \"إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم\n_________\n١ أخرجه البخاري: كتاب الزكاة باب أخذ صدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا ٣/٣٥٧ ح١٤٩٦.\nمن طريق أبي معبد عن ابن عباس.","vol":"1","page":210},{"text":"إلى أن يوحدوا الله تعالى ... \" ١.\nوفي رواية أخرى قال: \"إنك تقدم قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ﷿ ...\" ٢.\nوكذلك قال النبي ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله\" ٣.\nوأخبر النبي ﷺ أصحابه أن حق الله على العباد أن يوحدوه بالعبادة ويفردوه في ذلك، ويتجردوا من الشرك قليله وكثيره، صغيره وكبيره، حيث قال لمعاذ بن جبل: \" أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري ما حقهم عليه؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: ألا يعذبهم\" ٤.\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب التوحيد باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله تعالى ١٣/٣٤٧ ح٧٣٧٢ من طريق أبي معبد عن ابن عباس.\n٢ أخرجه مسلم: كتاب الإيمان باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام ١/٥١ ح٣١ طريق أبي معبد عن ابن عباس.\n٣ أخرجه البخاري: كتاب الإيمان باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ١/٧٥ ح٢٥، من طريق واقد بن محمد عن أبيه عن ابن عمر. ومسلم: كتاب الإيمان باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ١/٥٣ ح٣٦ من طريق زيد بن عبد الله عن ابن عمر.\n٤ أخرجه البخاري: كتاب التوحيد باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ١٣/. ومسلم: كتاب الإيمان باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا ١/٥٩ كلاهما من طريق الأسود بن هلال عن معاذ بن جبل.","vol":"1","page":211},{"text":"وأما في لغة العرب فإن معنى الرب غير معنى الإله. فالأول يدل على الإحاطة والخلق والإيجاد والتربية، والثاني يدل على المعبود بحق أو باطل كما سيأتي تفصيل ذلك في موضعه.\nفالمقصود أن الكتاب والسنة واللغة دلت جميعها على أن هناك فرقا بين الربوبية والألوهية.\nوهذا خلاف ما عليه المتكلون فهم خلطوا معنى الألوهية بالربوبية، وظنوا أن الألوهية هي القدرة على الاختراع، فمن أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد صار عندهم موحدا، وليس الأمر كما ذهبوا إليه بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يعبد دون غيره.","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>المبحث الأول: معنى توحيد الربوبية وخصائصه</span>\n١- توحيد الربوبية لغة\nتوحيد الربوبية مركب من كلمتين: التوحيد وقد تقدم ١، أما الربوبية فهي مأخوذة من الرب. وكلمة \"الرب\" في اللغة تطلق على المعاني الآتية:\nالمعنى الأول: مالك الشيء وصاحبه.\nقال الجوهري ٢: \"رب كل شيء مالكه\" ٣.\nوقال الأزهري ٤: \"كل من ملك شيئا هو ربه. يقال: هو رب الدابة ورب الدار\" ٥.\n_________\n١ ص٢٠٣.\n٢ هو إسماعيل بن حماد بن نصر الجوهري التركي قال عنه ابن العماد: \"اللغوي أحد أئمة اللسان كان له جودة في الحفظ\".\nمات سنة ٣٩٣هـ وقيل مات في حدود سنة \"٤٠٠\" هـ.\nشذرات الذهب ٣/١٤٢. وانظر ترجمته في معجم الأدباء ٦/١٥١.\n٣ الصحاح ١/١٣٠-١٣٢.\n٤ هو محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي قال عنه ابن العماد: \"اللغوي النحوي الشافعي صاحب تهذيب اللغة وغيره من المصنفات الكبار الجليلة المقدار\" مات سنة ٣٧٠هـ. شذرات الذهب ٣/٧٢.\n٥ تهذيب اللغة ١٢/١٧٦-١٨٤.","vol":"1","page":213},{"text":"المعنى الثاني: المَلِك.\nقال الأزهري في قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ \"سورة يوسف: الآية٤٢\".\nأي عند مَلِكِك\" ١.\nوقال ابن الأثير ٢: \"فإنه خاطبه على المتعارف عندهم وعلى ما كانوا يسمونه به\" ٣.\nالمعنى الثالث: السيد المطاع.\nقال الجوهري: \"ربّيت القوم أي كنت فوقهم\" ٤.\nوقال ابن منظور ٥: \"والعرب تقول لأن يربيني فلان أحب إليّ أن يربيني فلان، يعني أن يكون ربا فوقي وسيدا يملكني\" ٦.\n_________\n١ تهذيب اللغة ١٥/١٧٦.\n٢ هو المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيبلني الجزري ثم الموصلي قال عنه الذهبي: \"القاضي الرئيس العلامة البارع الأوحد البليغ\". توفي سنة ٦٠٦هـ.\nسير أعلام النبلاء ٢١/٤٨٩. وانظر ترجمته في شذرات الذهب ٥/٢٢.\n٣ النهاية ٢/١٧٩.\n٤ الصحاح ١/١٣٠.\n٥ هو محمد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري الإفريقي ثم المصري قال عنه الذهبي: \"كان عنده تشيع بلا رفض\". وقال عنه ابن حجر: \"عمر وكبر وحدّث فأكثروا عنه\".\nوقال الصفدي: \"جمع في اللغة كتابا سماه لسان العرب جمع فيه بين التهذيب والمحكم والصحاح\". مات سنة ٧١١هـ. الدرر الكامنة ٤/٢٦٢-٢٦٣. وانظر ترجمته في فوات الوفيات ٢/٢٦٥.\n٦ لسان العرب ١/٣٩٩.","vol":"1","page":214},{"text":"المعنى الرابع: التربية.\nقال الراغب الأصفهاني ١: \"الرب في الأصل التربية وهو إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حد التمام، يقال ربّه ورباه وربيبه\" ٢.\nالمعنى الخامس: المصلح للشيء.\nقال ابن فارس ٣: \"الرب: المصلح للشيء، يقال ربّ فلان ضيعته إذا قام على إصلاحها\" ٤.\n٢- توحيد الربوبية اصطلاحا\nتوحيد الربوبية هو الإقرار بأن الله رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه هو المحيي والمميت النافع الضار المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله وبيده الخير كله، القادر على كل شيء ليس له في ذلك شريك ٥.\n_________\n١ هو الحسين بن محمد بن المفضل الأصفهاني الملقب بالراغب.\nقال عنه الذهبي: \"العلامة الماهر المحقق الباهر أبو القاسم صاحب التصانيف، كان من أذكياء المتكلمين ولم أظفر له بوفاة\". سير أعلام النبلاء ١٨/١٢٠.\nانظر ترجمته في بغية الوعاة ٢/٢٩٧.\n٢ مفردات غريب القرآن ص١٨٤.\n٣ هو أحمد بن فارس بن زكريا القزويني المعروف بالرازي المالكي.\nقال عنه الذهبي الإمام العلامة المحدث ... نزيل همدان وصاحب كتاب المجمل. مات سنة ٣٩٥هـ. سير أعلام النبلاء ١٧/١٠٣.\nانظر ترجمته في معجم الأدباء ٤/٨٠؛ والمنتظم ٧/١٠٣.\n٤ معجم مقاييس اللغة ٢/٣٨١.\n٥ انظر تيسير العزيز الحميد ص٣٣.","vol":"1","page":215},{"text":"والمناسبة بين هذا المعنى والمعنى اللغوي: أن كل معاني لفظ \"الرب\" في اللغة صادقة على الله ﷾؛ فهو المربي للأشياء الذي ينميها وينقلها في أطوار مختلفة حتى يبلغ بها ما قدر هو لها، وهو المالك لها والسيد عليها والمدبر لمصالحها والقائم بحفظها قيوم السموات والأرض ومستحق العبادة حقا بربوبيته للخلق، لهذا كانت شؤون الربوبية كلها من الخلق والرزق والملك والتدبير والتصريف مختصة به ﷾ لا يشاركه فيها أحد من خلقه، ومن جعل شيئا من ذلك لغير الله فقد ناقض نفسه وارتكب بابا من أبواب الشرك ١.\n٣- خصائص توحيد الربوبية\n١- أن توحيد الربوبية دليل على توحيد العبادة فإن الله ﷾ احتج على المشركين الذي أخلوا بتوحيد الألوهية بإقرارهم بالربوبية كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ \"سورة البقرة: الآيتان ٢٢\".\nفأمر ﷾ بعبادته وذكر البرهان على أنه مستحق للعبادة وهو قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ وهو برهان على بطلان إلهية ما سواه ولهذا قال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إلزاما لهم بما يقرون به.\n٢- أن إقرار الناس بالربوبية أسبق من إقرارهم بتوحيد الألوهية،\n_________\n١ كتاب دعوة التوحيد للهراس ص٣١، ٣٢.","vol":"1","page":216},{"text":"وفي ذلك يقول ابن تيمية: \"ولما كان علم النفوس بحاجتهم وفقرهم إلى الرب قبل علمهم بحاجتهم وفقرهم إلى الإله المعبود وقصدهم لدفع حاجتهم العاجلة قبل الآجلة كان إقرارهم بالله من جهة ربوبيته أسبق من إقرارهم به من جهة ألوهيته ... \" إلى أن قال: \"ولهذا إنما بعث الرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له الذي هو المقصود المستلزم الإقرار بالربوبية وقد أخبر عنهم أنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ \"سورة الزخرف: الآية ٨٧\".\n﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ﴾ \"سورة الإسراء: الآية٦٧\".\nوقال: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ \"سورة لقمان: الآية٣٢\".\nفأخبرهم أنهم مقرون بتوحيد الربوبية وأنهم مخلصون له الدين إذا مسهم الضر في دعائهم واستعانتهم، ثم يعرضون عن عبادته في حال حصول أغراضهم وكثير من المتكلمين إنما يقررون الوحدانية من جهة الربوبية، أما الرسل فهم دعوا إليها من جهة الألوهية\" ١.\n٣- أن توحيد الربوبية قد أقر به المشركون كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ \"سورة يونس: الآية٣١\".\nوقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا\n_________\n١ مجموع الفتاوى ١٤/١٤-١٥.","vol":"1","page":217},{"text":"يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ \"سورة المؤمنون: الآيات من ٨٤-٨٩\".\nوقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ \"سورة لقمان: الآية٢٥\".\nوقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ \"سورة الزخرف: الآية٨٧\".\nوقال المقريزي ١: \"ولا ريب أن توحيد الربوبية لم ينكره المشركون، بل أقروا بأنه سبحانه وحده خالقهم، وخالق السموات والأرض، والقائم بمصالح العالم كله، وإنما أنكروا توحيد الألوهية\" إلى أن قال: \"من عدل به غيره فقد أشرك في ألوهيته ولو وحد في ربوبيته، فتوحيد الربوبية هو الذي اجتمعت فيه الخلائق مؤمنها وكافرها، وتوحيد الألوهية مفترق الطرق بين المؤمنين والمشركين\"٢.\nفلأن الإقرار بالربوبية كان مسلما به عند المشركين لم يرسل الله رسولا لتحقيق هذا التوحيد، ولم تعرض له الكتب السماوية كما عرضت لتوحيد العبادة لأنه تحصيل حاصل.\nوالمصيبة أن أهل الكلام أفنوا أعمارهم لتحقيق هذه القضية المسلَّم بها حتى عند المشركين. وليتهم وقفوا عند هذا الباب بل زعموا أن توحيد الربوبية\n_________\n١ هو أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزي، قال عنه ابن حجر: \"كان إماما بارعا مفتيا متقنا ضابطا ديّنا خيّرا محبا لأهل السنة يميل إلى الحديث والعمل به حتى نسب إلى الظاهر حسن الصحبة حلو المحاضرة\" مات سنة ٨٤٥هـ.\nأنباء الغمر ٩/١٧٠-١٧٢. وانظر ترجمته في الضوء اللامع ٢/٢١؛ والبدر الطالع ١/٧٩.\n٢ تجريد التوحيد ص٢٠، ٢١.","vol":"1","page":218},{"text":"هو الغاية العظمى من بعثة الرسل، وأنهم إذا أثبتوه بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد ١.\nوفي ذلك يقول الشيخ محمد عبده: \"أصل معنى التوحيد اعتقاد أن الله واحد لا شريك له ... وهو إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلق الأكوان، وأنه وحده مرجع كل كون ومنتهى كل قصد. وهذا المطلب كان الغاية العظمى من بعثة النبي ﷺ كما تشهد به آيات الكتاب العزيز\" ٢.\nوالرد على هذا ما يلي:\n\"أ\" أن توحيد الربوبية نوع من التوحيد فهو بعضه لا جميعه، وقد أقر به المشركون، فكيف مع ذلك يكون هو الغاية العظمى من بعثة الرسل؟.\n\"ب\" أن مجرد الإقرار بهذا التوحيد فقط لا يوجب الدخول في الإسلام ولا يصير به الرجل مسلما.\nفمشركوا العرب كانوا مقرين بأن الله تعالى وحده خالق كل شيء، ومع هذا سماهم مشركين، حيث قال عنهم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ \"سورة يوسف: الآية١٠٦\".\nفالمراد بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ﴾ هو تصديقهم واعترافهم بأن الله تعالى هو الخالق الرازق المحيي المميت، والمراد من قوله تعالى: ﴿إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ أي أنهم أشركوا مع الله في عبادته وهذا ما فسر به السلف هذه الآية ٣.\n_________\n١ انظر اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٨٤٥-٨٤٦؛ ومجموع الفتاوى ٣/٩٨؛ وفتح المجيد ص١٣.\n٢ رسالة التوحيد ص٤٣.\n٣ كابن عباس ومجاهد وعطاء وعكرمة والشعبي وقتادة والضحاك. انظر جامع البيان ١٤/٧٧. ومعالم التنزيل ٢/٤٥٢.","vol":"1","page":219},{"text":"قال محمود الألوسي الحنفي في تفسير هذه الآية: \"يندرج فيهم كل من أقر بالله تعالى وخالقيته مثلا وكان مرتكبا شركا كيفما كان، ومن أولئك عبدة القبور الناذرون لها المعتقدون للنفع والضر ممن الله تعالى أعلم بحاله فيه وهم اليوم أكثر من الدود\" ١.\n\"ج\" أن توحيد الألوهية هو الغاية العظمى والمقصد الأعلى وهو أول دعوة الرسل والغاية من خلق الجن والإنس كما يشهد بذلك الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة.\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ \"سورة النحل: الآية٣٦\".\nومن السنة حديث ابن عباس وفيه: \"أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال: \" إنك تقدم على قوم أهل كتاب. فليكن أول ماتدعوهم إليه عبادة الله ﷿ ... \" ٢.\nفهذان النصان الشرعيان دالان على أن أول دعوة الرسل والغاية من بعثتهم هي الدعوة إلى توحيد الله في العبادة والنصوص الشرعية في ذلك كثيرة.\n_________\n١ روح المعاني ١٣/٦٧.\n٢ تقدم تخريجه ص٢١٥.","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المبحث الثاني: مناظرة الإمام أبي حنيفة للملاحدة في إنكارهم الخالق ونقده لطريقة المتكلمين في تقرير الربوبية</span>.\n١- مناظرة الإمام أبي حنيفة للملاحدة في إنكارهم الخالق\nلم يعرف الإلحاد قديما مذهبا ظاهرا موجودا بين أجناس البشر، اللهم إلا من شرذمة قليلة من الدهرية ١، الذين يجحدون الخالق المدبر العالم القادر، ويزعمون أن العالم يسير بنفسه بلا خالق، ويقولون ببقاء الدهر. قال الله تعالى إخبارا عنهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ \"سورة الجاثية: الآية٢٤\".\nفمع إنكارهم للخالق، أنكروا البعث والنشور، وكذبوا الرسل من غير دليل لهم ولا برهان.\nهذا وقد كانت تعقد مناظرات بين الإمام أبي حنيفة وبعض هؤلاء الملاحدة منها:\nأن قوما منهم أرادوا البحث معه في تقرير توحيد الربوبية فقال لهم:\n_________\n١ انظر كتاب نهاية الإقدام ص١٢٣؛ ومجموع الفتاوى ٧/٦٣٨.","vol":"1","page":221},{"text":"\"أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلئ من الطعام وغيره بنفسها، وتعود بنفسها فترسو بنفسها وترجع، كل ذلك من غير أن يديرها أحد؟\nفقالوا: هذا محال لا يمكن أبدا، فقال لهم: إذا كان هذا محالا في سفينة، فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله؟ ... \" ١.\nوقد ذكر المكي هذه المناظرة بصيغة أخرى مشابهة لها، وفيها أن الإمام أبا حنيفة قال لهم: \"ما تقولون في رجل يقول لكم إني رأيت سفينة مشحونة بالأحمال، مملوءة من الأمتعة، وقد احتوشتها في لجة البحر أمواج متلاطمة، ورياح مختلفة، وهي من بينها تجري مستوية ليس فيها ملاح يجريها ويقودها ويسوقها، ولا متعهد يدفعها هل يجوز ذلك في العقل؟\nفقالوا: لا، هذا لا يقبله العقل، ولا يجيزه الوهم.\nفقال لهم أبو حنيفة: فيا سبحان الله، إذا لم يجز في العقل وجود سفينة تجري مستوية من غير متعهد، فكيف يجوز قيام الدنيا على اختلاف أحوالها وتغيّر أمورها، وسعة أطرافها، وتباين أكنافها من غير صانع وحافظ ومحدث لها؟ ... \" ٢.\nوكذلك وقعت مناظرة أخرى بين الإمام وملحد دهري ذكرها أبو الليث السمرقندي في شرحه للفقه الأكبر، وفيها أن الإمام ناظر دهريا وألقى عليه الحجة.\nفقال الدهري: \"إنما تغيرت الأشياء من حال إلى حال لأن بناءها\n_________\n١ شرح العقيدة الطحاوية ص٢٥، ٢٦؛ وشرح الفقه الأكبر للقاري ص١٤.\n٢ مناقب أبي حنيفة للمكي ص١٥١.","vol":"1","page":222},{"text":"على الطبائع الأربعة - رطوبة ويبوسة وبرودة وحرارة - فما دامت هذه الطبائع مستوية وصاحبها مستويا، ومتى غلبت طبيعة منها على سائرها زالت عن الاستواء فزال استواء صاحبها أيضا.\nقال أبو حنيفة ﵁: أقررت بالصانع والمصنوع، والغالب والمغلوب، من حيث أنكرت، لأنك قلت إحدى الطبائع تغلب على سائرها، وسائرها تصير مغلوبة.\nفثبت أن للعالم غالبا في الحكمة، فقد تعدينا عن مسألتكم فقلنا: الغالب ليس هو إلا الصانع جلّت قدرته ... \" ١.\nهذا ما حفظته المراجع من تلك المناظرات مع الملاحدة. وليست المشكلة مع هؤلاء إنكارهم للرب فقط بل إنهم لو اعترفوا بوجوده؛ فإن ذلك لا يكفي لدخولهم الإسلام، بل يصبح حالهم كحال المشركين الذين حاربهم الرسول ﷺ، فإن إيمانهم بوجود الله لا ينفعهم حتى يوحدوا الله بالعبادة والطاعة.\n٢- نقده لطريقة المتكلمين في تقرير الربوبية\nسلك المعتزلة ومن جاء بعدهم من متكلمي الأشاعرة ٢ والماتريدية\n_________\n١ انظر شرح الفقه الأبسط ص٢٣، والمطبوع خطأً باسم شرح الفقه الأكبر لأبي منصور الماتريدي.\nوالصواب أنه شرح الفقه الأبسط لأبي الليث السمرقندي.\nانظر تحقيق ذلك في مقدمة الكوثري لكتاب العالم والمتعلم.\n٢ ينسب المذهب الأشعري الموجود في العالم الإسلامي إلى علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري البصري.\nقال عنه المقريزي: \"أخذ عن الجبائي مذهب الاعتزال ثم بدا له فتركه وسلك =","vol":"1","page":223},{"text":"في الاستدلال على وجود الله طريق الأعراض والجواهر، واستدلوا بحدوث كل منهما وإمكانه على حدوث العالم. فإذا ثبت أن العالم حادث فالله هو المحدِث.\nيقول القاضي عبد الجبار ١ المعتزلي في بيانه لهذه الطريقة: \"إنه ينبغي لمن أراد الاستدلال على وجود الله عن طريق الأعراض؛ فعليه أن يثبتها، ثم يوضح حدوثها وأنها تحتاج إلى محدث وفاعل يغاير الحوادث، وهو الله تعالى\" ٢.\nوقال الرازي الأشعري شارحا لهذه الطريقة: \"وقد عرفت أن العالم إما جواهر وإما أعراض، وقد يستدل بكل واحد منهما على وجود الصانع، إما بإمكانه أو بحدوثه، فهذه جوه أربعة ... \" ٣.\n_________\n= طريقة عبد الله بن كلاب ونسج على قوانينه في الصفات والقدر فمال إليه جماعة وعوّلوا على رأيه وجادلوا فيه. وانتشر مذهب أبي الحسن الأشعري في العراق ثم انتقل إلى الشام فلما ملك بنوا أيوب عقدوا الخناصر وشدوا البنان على مذهب الأشعري وحملوا الناس على التزامه فانتشر في أمصار الإسلام ... مات الأشعري سنة ٣٢٤هـ.\nومن أهم آراء الأشاعرة نفي الصفات إلا سبعا يثبتونها بالعقل والقول بأن أفعال العباد مخلوقة لله وهي كسب لهم وأشهر علماء الأشاعرة الباقلاني والجويني والأيجي والرازي.\nانظر خطط المقريزي ٢/٣٥٨-٣٥٩؛ وشذرات الذهب ٢/٣٠٣.\n١ هو عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار أبو الحسن الهمذاني، قال عنه الذهبي: \"العلامة المتكلم ... صاحب التصانيف من كبار فقهاء الشافعية ... ولي قضاء القضاة بالري وتصانيفه كثيرة، تخرج به خلق في الرأي الممقوت، مات سنة ٤١٥هـ. سير أعلام النبلاء ١٧/١٤٤؛ وانظر ترجمته في لسان الميزان ٣/٣٨٦؛ وشذرات الذهب ٣/٢٠٢.\n٢ شرح الأصول الخمسة ص٩٢.\n٣ محصل أفكار المتقدمين ص١٠٦.","vol":"1","page":224},{"text":"وأشار عضد الدين الأيجي الأشعري ١ إلى هذه الطريقة فقال: \"وقد علمت أن العالم إما جواهر وإما أعراض، وقد استدل على إثبات الصانع بكل واحد وبإمكانه أو بحدوثه فهذه وجوه أربعة ... \" ٢.\nوقال التفتازاني شارح العقيدة النسفية الماتريدية شارحا هذه الطريقة: \"فإذا تقرر أن العالم أعيان وأعراض، والأعيان أجسام وجواهر؛ فنقول: إن الكل حادث. أما الأعراض؛ فبعضها بالمشاهدة كالحركة بعد السكون والضوء بعد الظلمة والسواد بعد البياض ... وبعضها بالدليل، وهو سريان العدم ... وأما الأعيان فلأنها لا تخلو من الحوادث، وكل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث ... فنتج من كل هذا أن العالم كله حادث، ولما ثبت أن العالم محدَث، ومعلوم أن المحدث لا بد له من محدِث لضرورة امتناع ترجيح أحد طرفي الممكن من غير مرجح؛ ثبت أنه له محدث، والمحدث للعالم هو الله تعالى\" ٣.\nهذه هي طرقة المعتزلة ومن تبعهم من الأشاعرة والماتردية في إثبات الصانع وحدوث العالم.\nفما موقف الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى من هذه الطريقة؟ للإجابة عن هذا السؤال أودُّ أن أشير إلى أن منهج الإمام أبي حنيفة\n_________\n١ هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار الأيجي.\nقال عنه ابن حجر: \"كان إماما في المعقول قائما بالأصول والمعاني والعربية مشاركا في الفنون ... وكان كثير المال جدا كريم النفس يكثر الإنعام على الطلبة ... مات سنة ٧٥٦هـ.\nالدرر الكامنة ٢/٣٢٢، ٣٢٣.\n٢ المواقف ص٢٦٦.\n٣ العقائد النسفية ص٢٨-٣١.","vol":"1","page":225},{"text":"في تقرير الربوبية مغاير لهذه الطريقة، فمسلك الإمام هو مسلك السلف الصالح المستنبط من الكتاب والسنة، فبالتالي كل طريقة ليس مصدرها الكتاب والسنة فهي طريقة مبتدعة في نظر الإمام، لذلك شنّع على عمرو بن عبيد من المعتزلة لأنه فتح الكلام في هذا حيث قال: \"لعن الله عمرو بن عبيد فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام فيما لا يعنيهم\" ١.\nوكان ينصح من سأله بعدم سلوك هذه الطريقة؛ لأنها في نظره مقالات الفلاسفة، ويوصي بلزوم طريقة السلف المأخوذة من الكتاب والسنة والأثر. فقد سئل الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: \"ما تقول فيما أحدثه الناس في الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: مقالات الفلاسفة. عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة؛ فإنه بدعة\" ٢.\nوهذا هو ما كان عليه السلف، فإنهم أنكروا الكلام في الجوهر والأعراض، وفي ذلك يقول التيمي ٣: \"أنكر السلف الكلام في الجوهر والأعراض وقالوا: لم يكن على عهد الصحابة والتابعين، رضي الله عن الصحابة ورحم التابعين، ولا يخلو أن يكونوا سكتوا عنه وهم غير عالمين به، فيسعنا ألا نعلم ما يعلموه. والحديث الذي ذكرناه ٤ يقتضي أن ما تكلّم فيه الآخرون من ذلك ولم يتكلم فيه الأولون يكون مردودا ... \" ٥.\n_________\n١ ذم الكلام للهروي \"ق١٩٦/ب\".\n٢ ذم الكلام للهروي \"ق١٩٤/ب\".\n٣ تقدمت ترجمته ص٢٠٣.\n٤ يشير إلى حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد\". أخرجه البخاري ومسلم.\n٥ الحجة في بيان المحجة ص١٧-١٨.","vol":"1","page":226},{"text":"وقال ابن عقيل: \"أنا أقطع أن الصحابة - رضوان الله عليهم - ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض؛ فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت\" ١.\n_________\n١ تلبيس إبليس ص٨٥، ط دار الكتب العلمية.","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المبحث الثالث: منهج الإمام أبي حنيفة في تقرير الربوبية</span>\nمنهج الإمام أبي حنيفة في تقرير الربوبية هو منهج السلف الصالح ﵁، فإنهم أعرضوا عن مبحث الوجود والاستدلال عليه لأنه أمر مسلّم به مركوز في فطر البشر، لا يكاد أحد ينازع فيه إلا شرذمة قليلة من البشر، كالدهرية في القديم، والشيوعية ومن سايرها من ملاحدة العصر.\nقال الملا علي القاري في بيانه لمنهج الإمام في تقرير الربوبية:\n\"أعرض الإمام عن بحث الوجود اكتفاء بما هو ظاهر في مقام الشهود. ففي التنزيل: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ \"سورة إبراهيم: الآية١٠\".\n﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ \"سورة الزخرف: الآية ٨٧\".\n﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ \" سورة الروم: الآية٣٠\".\nفوجود الله ثابت في فطر الخلق، كما يشير إليه قوله سبحانه","vol":"1","page":228},{"text":"وتعالى، ويومئ إليه حديث: \" كل مولود يولد على الفطرة \" ١، على فطرة الإسلام. وإنما جاء الأنبياء ﵈ لبيان التوحيد وتبيان التفريد.\nولذا أطبقت كلمتهم، وأجمعت حجتهم على كلمة لا إله إلا الله، ولم يأمروا أهل ملتهم بأن يقولوا: الله موجود، بل قصدوا إظهار أن غيره ليس بمعبود؛ ردا لما توهموا وتخيلوا حيث قالوا: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، على أن التوحيد يفيد الوجود مع مزيد التأييد، ثم العقائد يجب أن تؤخذ من الشرع الذي هو الأصل ... \" ٢.\nولكن لما وجد في عصر الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى من انتكست فطرته، وعميت بصيرته فشك في وجود الرب الخالق ﷾؛ ناقشهم الإمام واستدل على وجوده تعالى:\nبدلالة الفطرة:\nوهذه في مقدمة الدلالات على أن الله فطر الخلق على الإقرار به وبوحدانيته؛ فما من مولود إلا يولد على هذه الفطرة كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ \"سورة الروم: الآية٣٠\".\n_________\n١ أخرجه البخاري: كتاب الجنائز باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلّى عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ ٣/٢١٩ ح١٣٥٩.\nومسلم: كتاب القدر باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين ٤/٢٠٤٧ ح٢٦٥٨، كلاهما من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة بلفظ: \"ما من مولود إلا يولد على الفطرة ... \".\n٢ شرح الفقه الأكبر للقاري ص١٧.","vol":"1","page":229},{"text":"﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ \"سورة إبراهيم: الآية١٠\".\nفالفطرة السليمة مجبولة على الإقرار بوجود الرب الخالق، والإيمان به تعالى مغروزٌ في طبيعة البشر وفي شعور كل عاقل وضميره، وذلك لما وقر في نفوسهم من عجز المخلوقين عن الخلق والرزق والتدبير والملك. \"فدلالة الفطرة على وجود الخالق مركوزة في كل نفس مؤمنة أو كافرة، والنفوس بطبعها تحسها وتشعر بها وإن غابت عنها في بعض الأحيان لسبب طارئ، فسرعان ما تجد نفسها مضطرة إلى اللجوء إليه عند الشدائد. ولو لم تكن النفوس مفطورة على هذه المعرفة لما تطلعت إليها بل لم تكن مطلوبة لها وصدق هذا ما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: \"ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه\" ١، ولم يقل يسلمانه لأن الإسلام موافق للفطرة ٢.\nهذا وقد رجح كثير من السلف أن معرفة الله تعالى ممكنة بالفطرة من غير دليل، بمعنى أنه لو ولد إنسان بعيدا عن الناس، ولم تفسد فطرته بتعليم أبويه أو البيئة التي يعيش فيها؛ لأمكن أن يعرف الله بفطرته الصافية وبمساعدة عقله وتفكيره فيما خلق الله ٣.\n_________\n١ أخرجه البخاري: كتاب الجنائز باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلّى عليه؟ ٣/٢١٩ ح١٣٥٩. ومسلم: كتاب القدر باب معنى كل مولود يولد على الفطرة ٤/٢٠٤٧ ح٢٦٥٨، كلاهما من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة.\n٢ انظر بحث دليل الفطرة في درء التعارض ٨/٣٥٤، ٣٦٨؛ وكتاب ابن تيمية وموقفه من التأويل ص٣٣٠.\n٣ انظر كتاب العقائد السلفية شرح الدرر السنية ص٥٣ بتصرف.","vol":"1","page":230},{"text":"وهذا هو ما عليه الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، فإنه يرى أن لا عذر لأحد بالجهل بوجود الرب الخالق؛ وذلك لما جبلت عليه فطرته من وجوده تعالى، ويساعد تلك الفطرة العقل والتفكير فيما خلق الله تعالى من مخلوقات عظيمة مبثوثة في الكون، كلها تدل على وجود الرب الخالق، فقد قيل عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال: \"لا عذر لأحد بالجهل بخالقه لما يرى من خلق السموات والأرض وخلق نفسه وسائر خلق ربه\" ١.\nفالظاهر من كلام الإمام أبي حنيفة أنه قد اشتمل على الآتي:\n\"أ\" أن معرفة الله فطرية، وأن وحدانية الله وربوبيته تدركان بالعقل فهذا حق لا شك فيه.\n\"ب\" أن العقل موجب لمعرفة الله ﷾، وأن العبد مكلف بمجرد عقله بمعرفة الله ﷾ ولو لم تبلغه الدعوة، وأن العبد إذا لم يوحد الله ﷾ فهو غير معذور.\nفهذا الأمر على خلاف مذهب جمهور أهل السنة والجماعة من السلف الصالح. فالمتقرر من مذهبهم أن العقل وإن كان مدركا لمعرفة الله، ولكنه غير موجب، فلا تتم الحجة على العبد بمجرد عقله ما لم تبلغه دعوة الرسل. دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ \"سورة الاسراء: الآية١٥\".\nفهذه الآية صريحة في عدم تعذيب من لم تبلغه دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام. وهذه هي عقيدة السلف فقد بوَّب الإمام\n_________\n١ درء تعارض العقل والنقل ٩/٦٢؛ والمسامرة مع شرحه المسايرة ص١٨/٢؛ تحقيق محمد محيي الدين.","vol":"1","page":231},{"text":"اللالكائي ١ ﵀ في كتاب \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة\" \"سياق ما يدل من كتاب الله ﷿ وما روي عن رسول الله ﷺ على أن وجوب معرفة الله تعالى وصفاته بالسمع لا بالعقل\" ثم قال: \"وهذا مذهب أهل السنة والجماعة\" ٢. فالذي في شاهق الجبال ولم تبلغه الدعوة ولم يوحد الله فهو معذور وليس بمكلف؛ لأن التكليف لا يكون إلا بالشرع ولا تتم حجة الله على عباده إلا به.\n\"ج\" استنبط بعض الكتاب المعاصرين ٣ من كلام أبي حنيفة هذا أن أول واجب هو النظر والاستدلال المؤدي إلى معرفة الله.\nوهذا الاستنباط غير صحيح لأن أبا حنيفة لم يقل لا عذر لمن لم ينظر بل قال: \"لا عذر لأحد بالجهل بخالقه\". وهذا غاية ما يدل عليه أن أول واجب بالعقل معرفة الله وتقدم أن لا واجب إلا ما وجب بالشرع. فالمطلوب معرفة أول واجب بالشرع. وقد قام الدليل الشرعي على أن أول واجب هو شهادة أن لا إله إلا الله كما سيأتي بيانه في موضعه ٤.\nوكذا استعمل الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى دلالة الفطرة في إثبات\n_________\n١ هو هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي الشافعي اللالكائي. قال عنه الذهبي: \"الإمام الحافظ المفتي\". وقال عنه الخطيب: كان يفهم ويحفظ صنّف كتابا في السنن وكتابا في شرح السنة إلى الدينور فأدركه الأجل بها في شهر رمضان سنة \"٤١٠\" تاريخ بغداد ١٤/٧٠؛ وسير أعلام النبلاء ١٧/٤١٩.\n٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/١٩٣-١٩٦.\n٣ انظر كتاب الفرق الكلامية الإسلامية مدخل ودراسة ص٣٥٥، تأليف الدكتور علي عبد الفتاح المغربي.\n٤ انظر ص٢٤٨ من هذه الرسالة. وانظر ص٢٠٧، ٢١٠.","vol":"1","page":232},{"text":"صفة من صفات الله تعالى ألا وهي صفة العلو؛ حيث قال: \"والله تعالى يُدعى من أعلى لا من أسفل لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء ... \" ١.\nفالنفوس فطرت على أن الله تعالى في العلو لا في السُّفل. واستدل الإمام على ذلك بحديث الجارية التي أجابت النبي ﷺ حينما سألها \"أين الله؟ قالت في المساء\" ٢.\nفأجابت بما وقر في فطرتها وجبلت عليه من أن الله في العلو؛ فأقرها النبي ﷺ وأمر بإعتاقها، ووصفها بأنها مؤمنة. هذه دلالة الفطرة على وجود الخالق ومعرفته، ويلاحظ أن هذه الدلالة ترتكز على نوعي الآيات في الأنفس الآفاق. ولقد لفت القرآن أنظار العباد إلى ذلك في مواضع\n_________\n١ الفقه الأبسط ص٥١.\n٢ أخرجه بنحو هذا اللفظ أحمد ٥/٤٤٨؛ ومسلم: في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب تحريم الكلام في الصلاة ١/٣٨١ ح٥٣٧، وأبو داود: كتاب الإيمان والنذور باب في الرقبة المؤمنة ٣/٥٨٧ ح٣٢٨٢، والنسائي: كتاب الصلاة باب الكلام في الصلاة ٣/١٨٥، وابن أبي شيبة: في كتاب الإيمان ص٢٧، وابن خزيمة في التوحيد ص٢١، جميعهم من طريق عطاء بن يسار عن معاوية بن حكم السلمي ومالك في الموطأ باب ما يجوز العتق في الرقاب الواجبة ٢/٧٧٦ ح٨ من طريق عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم بدل معاوية بن الحكم، وقد عده العلماء وهما من الإمام مالك لأنه خالف جميع رواته كما أنه ليس في الصحابة أحدا بهذا الاسم. انظر شرح الزرقاني على موطأ مالك ٤/٨٤، وأخرجه أحمد ٢/٢٩١، وأبو داود: كتاب الإيمان والنذور باب في الرقبة المؤمنة ٣/٥٨٨ ح٣٢٨٤، وابن خزيمة في التوحيد ص١٢٣، جميعهم من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة، وأورده الذهبي في العلو ص١٦ وقال: \"هذا حديث صحيح متواتر رواه جماعة من الثقات عن معاوية السلمي\".","vol":"1","page":233},{"text":"كثيرة؛ فيحسن تفصيل القول في دلالة هذه الآيات.\n١- أما دلالة الأنفس\nفمثالها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ \"سورة المؤمنون: الآيات من ١٢-١٥\".\nفهذه الآيات تلفت نظر الإنسان إلى أنه كان نطفة في الرحم فصارت النطفة علقة ثم مضغة ثم لحما وعصبا وعظاما وأعضاء وحواس.\nثم يخرج بعد تلك الأطوار بشرا سويا صوِّر على أحسن صورة وخلق على أحسن خلقة، ثم تتعاقب عليه الأحوال من كبر وصغر، وضعف وقوة، وجهل وعلم، ومرض وصحة، ثم الموت والفناء لكل حي فلا بد لهذه التغيرات من مغير عالم قادر حكيم. وفي هذا المعنى يروي عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه سئل: ما الدليل على الصانع؟ فأجاب: أعجب دليل النطفة التي في الرحم والجنين في البطن، يخلقه الله في ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة ... فلما رأينا امرأة تلد مرة ذكرا ومرة أنثى ومرة توأمين وطورا ثلاثة.\nوتريد أن تلد فلا تلد، وتريد ألا تلد فتلد، وتريد الذكر فيكون الأنثى، وتريد الأنثى فيكون الذكر، على خلاف اختيار الأبوين؛ فعرفنا قطعا قدرة قادر عالم حكيم\" ١.\n_________\n١ قلائد عقود العقيان في مناقب أبي حنيفة النعمان \"\"ق-٧٧-ب\".","vol":"1","page":234},{"text":"٢- وأما دلالة الآفاق\nفمثالها قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ \"سورة الغاشية: الآيات من ١٧-٢٠\".\nفهذه الآيات تحث الإنسان على التأمل والتفكر في المخلوقات العظيمة التي نراه ونشاهدها في عالمنا هذا من سماء مرفوعة وأرض مبسوطة وجبال منصوبة وغيرها مما خلق الله.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ \"سورة البقرة: الآية ١٦٤\".\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ \"سورة آل عمران: الآيتان ١٩٠-١٩١\".\nفلو تأمل الإنسان هذه المخلوقات، وتأمل صنعهما وإتقانهما، لدلّته وأرشدته إلى أن هناك خالقا لهذه المخلوقات مدبرا لهذه الأكوان، وأنه حكيم عليم. وهذه الدلالة استدل بها الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى حينما أراد قوم من الملاحدة البحث معه في تقرير الربوبية؛ فقال لهم: \"\"أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلئ من الطعام والمتاع وغيره في نفسها، وتعود بنفسها وترجع، كل ذلك من غير أن يدبرها أحد؟\nفقالوا: هذا محال لا يمكن أبدا، فقال لهم: إذا كان هذا","vol":"1","page":235},{"text":"محالا في سفينة، فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله؟ ... \" ١. وقد تقدم قول الإمام أبي حنيفة وفيه: \" ... لما يرى من خلق السموات والأرض وخلق نفسه وسائر خلق ربه\".\nفجمع الإمام أبو حنيفة في كلامه هذا بين دلالتي الأنفس والآفاق.\nوهذا المسلك الذي سلكه الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى في الاستدلال على الله تعالى بمخلوقاته وآثاره فطري لا يحتاج إلى تعليم واكتساب، يعرفه الحضري في حاضرته، والبدوي في باديته، لا يختلف فيه اثنان، بل قد استدل به الأعرابي حينما سئل عن الله فقال: \"البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على الصانع الخبير\" ٢.\nوهو كذلك مسلك شرعي دعا إليه القرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ \"سورة الذاريات: الآيتان ٢٠-٢١\".\nفالأرض وما فيها من جبال وأنهار وأشجار ونبات تدل المتفكر فيها المتأمل لمعانيها على عظمة خالقها وسعة سلطانه وكذلك في نفس العبد من العبر والحكمة ما يدل على أن له خالقا حكيما.\nفالبشر على كثرتهم، خلقهم الله من نفس واحدة هي نفس آدم، قال تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ \"سورة الزمر: الآية٦\".\n_________\n١ شرح العقيدة الطحاوية ص٢٥، ٢٦؛ وشرح الفقه الأكبر للقاري ص١٤.\n٢ البيان والتبيين ١/١٦٣.","vol":"1","page":236},{"text":"أما كيفية خلقهم فهو طور بعد طور، نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما، خلقهم في مكان ضيق، في بطون أمهاتهم، في ظلمات ثلاث.\nفإذا تقرر أن الله واحد في خلقه وملكه لا شريك له؛ فهو واحد في ألوهيته لا شريك له.\nهذا وقد ذكر الله تعالى دلالتي الأنفس والآفاق في آية واحدة كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ \"سورة فصلت: الآية٥٣\".\nيقول مؤلف كتاب إيثار الحق على الخلق شارحا الآية وما تدل عليه من معان: \"وقد جمع الله تعالى دلالتي النفوس والآفاق في - هذه الآية ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا﴾ الآية - وذلك أنا نعلم بالضرورة وجودنا أحياء قادرين ناطقين سامعين مبصرين مدركين بعد أن لم نكن شيئا، وأن أول وجودنا كان نطفة قذرة مستوية الأجزاء والطبيعة غاية الاستواء بحيث يمتنع في عقل كل عاقل أن يكون منها خلق بغير صانع حكيم\" إلى أن قال: \"وبيانه أنه خلق من نطفة قذرة مستوية الطبيعة فكيف يكون منها ما يبصر، ومنها ما يسمع، ومنها ما يطعم، ومنها ما يشم، ومنها الصلب ومنها الرخو، ومنهم من يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على أربع، كما نبّه الله عليه في كتابه الكريم. ونعلم أنها قد تغيرت بنا الأحوال وتنقلت بنا الأطوار تنقّلا عجيبا، فكنا نطفة ثم علقة ثم مضغا ودما ثم عظاما صلبة متفرقة في ذلك اللحم والدم وتقويهما وعصبا رابطة بين تلك العظام صالحة لذلك الربط لما فيها من القوة والمتانة، ثم تركب من ذلك آلات وحواس حية موافقة للمصالح..ثم انظر إلى موضع العينين ما أشبهها بهما بعيدا مما يؤذيها مرتفعا للتمكن من إدراك المبصرات في الوجه الذي لا يحتاج إلى تغطية باللباس من الجمال البديع فيهما، ولو","vol":"1","page":237},{"text":"كان في الرأس أو في الظهر أو في البطن أو غير ذلك ما تمت الحكمة ولا النعمة بهما، وكذلك كل عضو في مكانه ... وأما دلالة الآفاق فما يحدث ويتجدد في العالم من طلوع القمرين والكواكب وغروبها عند دوران الأفلاك الدائرات والسفن الجاريات والرياح الذاريات ... وكذلك تغير أحوال الهواء بالغيوم والصواعق والبروق العجيبة المتتابعة المختلطة بالغيوم الثقال، الحاملة للماء الكثير المطفئ بطبعه للنار المضادة له، وما في الجمع بينهما وإنشائها وإنزال الأمطار منها بالحكمة البالغة ... ثم ما في اختلاف الليل والنهار والفصول والأحوال ... \" ١.\nفالمقصود أن الدلالات الدالة على تفرد الله بالربوبية والخلق والتدبير كثيرة، وبالجملة هذا النوع من التوحيد لا ينكره أحد إلا مكابر معاند، ومن المعلوم أن من اعترف بوجود الله من غير إفراد له بالعبادة فإن إيمانه هذا لا ينفعه، بل لا بد مع هذا الإقرار أن يجرد التوحيد لله وحده. وسيأتي بيان ذلك في الفصل الآتي.\n_________\n١ إيثار الحق على الخلق ص٤٤، ٤٥، ٤٦، ٤٩، ٥٠ بتصرف.","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24></span><span data-type=\"title\" id=toc-23>الفصل الثاني: توحيد الألوهية</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: تقرير توحيد الألوهية عند السلف.\nالمبحث الثاني: عقيدة الإمام أبي حنيفة في التوسل إلى الله.","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>المبحث الأول: تقرير توحيد الألوهية عند السلف</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>المطلب الأول: معنى توحيد الألوهية وخصائصه</span>\n١- توحيد الألوهية لغة\nتوحيد الألوهية مركب من كلمتين: التوحيد وقد تقدم، أما الألوهية فهي لفظ منسوب إلى الإله، والإله كفعال، بمعنى مألوه، وكل ما اتخذ معبودا إله عند متخذه، وإله جعلوه اسما لكل معبود له..وأَلِه فلان يأله عَبَد، وقيل تأله فالإله على هذا هو المعبود ١.\nأَلِه بالفتح إلهة أي عبد عبادة ... إله على فِعال بمعنى مفعول لأنه مألوه أي معبود كقولنا إمام فعال بمعنى مفعول لأنه مؤتم به ٢ ومنه قرأ ابن عباس ﵄: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ \"سورة الأعراف: الآية١٢٧\".\n_________\n١القاموس المحيط ١/١٧٣، والمفردات للراغب ص٢١.\n٢ الصحاح ٦/٢٢٢٣.","vol":"1","page":241},{"text":"بكسر الهمزة قال وعبادتك ١.\nوالتأله التنسك والتعبد قال رؤبة ٢:\nلله در الغانيات المده\nسبّحن واسترجعن من تألّهي ٣\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والإله المألوه الذي تألهه القلوب، وكونه يستحق الألوهية مستلزم لصفات الكمال، فلا يستحق أن يكون معبودا محبوبا لذاته إلا هو، وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل، وعبادة غيره وحب غيره يوجب الفساد كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَْ﴾ \"سورة الأنبياء:٢٢\" ٤.\nهذا هو معنى الإله لغة وشرعا.\nأما عند أهل الكلام فالإله هو القادر على الاختراع والإيجاد، فيكون معنى لا إله إلا الله عندهم لا قادر على الاختراع إلا الله.\nوفي ذلك يقول أحمد بن موسى الخيالي ٥ في شرح كلام\n_________\n١ الصحاح ٦/٢٢٢٣.\n٢ هو رؤبة بن العجاج التميمي البصري بضم أوله وسكون الواو بعدها موحدة قال عنه ابن حجر: \"الراجز المشهور التميمي ثم السعدي لين الحديث فصيح مات بالبادية سنة ١٤٥هـ\"\nتقريب التهذيب ١/٢٥٣؛ وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٣/٢٩٠؛ وطبقات الشعراء لابن قتيبة ٢/٥٩٤؛ وطبقات الشعراء للجمحي ٢/٧٦١.\n٣ ديوان رؤبة ص١٦٥ ط/ دار الآفاق الجديدة، وانظر الصحاح ٦/٢٢٢٤.\n٤ اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٨٤٦.\n٥ هو أحمد بن موسى الخيالي الرومي قال عنه الشوكاني: \"برع في العلوم العقلية وفاق أقرانه ودرس بمدارس الروم وكان دقيق الذهن باهر الذكاء أفحم أكابر علماء عصره بدقائق العلوم ... وله مصنفات منها حواشي شرح العقائد\" مات بعد سنة٨٦٠هـ. البدر الطالع؛ وانظر ترجمته في الفوائد البهية ص٤٣.","vol":"1","page":242},{"text":"التفتازاني ١: \"قوله لو أمكن إلهان أي صانعان قادران على الكمال بالفعل أو بالقوة\" ٢.\nقلت: هذا تفسر لصفة الألوهية بصفة الربوبية، وهذا خطأ ظاهر فلم يأت الإله بمعنى المخترع لا في كتاب الله ولا في لسان العرب، ولم يقله أحد من أئمة اللغة المعروفين المعتبرين.\nوإنما أتى الإله في القرآن بمعنى المعبود، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ \"سورة ص: الآية٥\".\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ \"سورة مريم: الآيتان ٨١-٨٢\".\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ \"سورة الفرقان: الآية٣\".\nوقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ \"سورة النحل: الآية٧٣\".\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ \"سورة هود: الآية١٠١\".\n_________\n١ هو مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني نسبةً إلى تفتازان بلدة بخراسان قال عنه ابن حجر: \"العلامة الكبير صاحب شرحي التلخيص وشرح العقائد في أصول الدين وشرح الشمسية في المنطق ... انتهت إليه معرفة علوم البلاغة والمعقول بالمشرق بل سائر الأمصار لم يكن له نظير في معرفة هذه العلوم مات في صفر سنة ٧٩٢هـ، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ٤/٣٥٠.\nوانظر ترجمته في البدر الطالع ٢/٣٠٣؛ والفوائد البهية ص١٣٤.\n٢ حاشية الخيالي على شرح العقائد ص٥١.","vol":"1","page":243},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ \"سورة الزمر: الآية ٣٨\".\nفالمشركون مقرّون بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض، وأنه لا يقدر على الخلق والرزق والإحياء والإماتة إلا الله ومع ذلك لم يصيروا به مسلمين موحدين بل كانوا مع هذا الإقرار مشركين.\nوفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن أهل الكلام: \"يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع، ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمد ﷺ لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء حتى إنهم كانوا مقرين بالقدر وهم مع هذا مشركون\" ١.\nويقول كذلك: \"وليس المراد بالإله هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين؛ حيث ظن أن الألوهية هي القدرة على الاختراع، وأن من أقر بأن الإله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أن لا إله إلا الله، فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون كما تقدم بيانه.\nبل الإله الحق هو الذي يستحق أن يعبد، فهو إله بمعنى مألوه لا إله بمعنى آله، والتوحيد أن يعبد الله وحده لا شريك له، والإشراك أن يجعل مع الله إلها آخر\" ٢.\n_________\n١ التدمرية ص١٨٠؛ ومجموع الفتاوى ٣/٩٨؛ وانظر أيضا بيان تلبيس الجهمية ١/٤٧٨-٤٧٩؛ واقتضاء الصراط المستقيم ٢/٨٤٥، ٨٤٦.\n٢ التدمرية ١٨٥-١٨٦؛ وضمن مجموع الفتاوى ٣/١٠١.","vol":"1","page":244},{"text":"وكذا في لغة عرب الجاهلية لم يأت الإله عندهم إلا بمعنى المعبود، وهو شامل للإله الحق وهو الله، والآلهة الباطلة التي يعبدونها من دون الله. وفي ذلك يقول الزمخشري: \"والإله من أسماء الأجناس - كالرجل والفرس - اسمٌ لما يقع على كل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بحق\" ١.\nوقد تقدم قول الفيروزآبادي ٢: \"إله كفِعال بمعنى مألوه وكل ما اتخذ معبودا إله عند متخذه\" ٣.\nنعم الإله الحق لا بدّ أن يكون خالقا قادرا على الاختراع، ومن لم يكن كذلك فليس بإله حقا وإن سمِّي إلها.\nإذن فمعنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله، وليس معناها لا خالق ولا صانع إلا الله، لكنها تتضمن هذا المعنى. وكذلك ليس معناها لا معبود موجود إلا الله؛ لأن هذا يكذبه الواقع وهو وجود معبودات كثيرة بالباطل.\n٢- توحيد الألوهية اصطلاحا\nتوحيد الألوهية هو العلم والاعتراف بأن الله ذو الألوهية على خلقه أجمعين، وإفراده وحده بالعبادة كلها وإخلاص الدين لله وحده.\n_________\n١ انظر الكشاف ١/٣٦، ط/دار المعرفة.\n٢ هو محمد بن يعقوب الفيروزآبادي الشيرازي اللغوي الشافعي صاحب كتاب بصائر ذوي التمييز وغير ذلك من المصنفات مات سنة ٨١٧هـ؛ الضوء اللامع ١٠/٧٩.\n٣ القاموس المحيط ١/١٧٣.","vol":"1","page":245},{"text":"فحقيقته إخلاص التألّه لله تعالى من المحبة والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة وسائر أنواع العبادة لله تعالى ١.\nكما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ \"سورة البينة: الآية٥\".\nويستحسن في هذه المناسبة أن أذكر أبياتا لابن القيم ضمنها تعريف توحيد العبادة وما يشترط له وهي من الكافية الشافية ٢.\nقال رحمه الله تعالى:\nهذا وثاني نوعي التوحيد تو\nحيد العبادة منك للرحمن\nفلا تكون لغيره عبدا ولا\nتعبد بغير شريعة الإيمان\nفتقوم بالإسلام والإيمان وا\nلإحسان في سرٍّ وفي إعلان\nوالصدق والإخلاص ركنا ذلك\nالتوحيد كالركنين للبنيان\nوحقيقة الإخلاص توحيد المرا\nدِ فلا يزاحمه مرادٌ ثان\nلكن مرادُ العبد يبقى واحدا\nما فيه تفريق لدى الإنسان\nإن كان ربك واحدا سبحانه\nفاخصصه بالتوحيد مع إحسان\nأو كان ربك واحدا أنشاك لم\nيشركه إذ أنشاك ربٌّ ثان\nفكذا أيضا وحده فاعبده لا\nتعبد سواه يا أخا العرفان\nوالصدق توحيد الإرادة وهو بذ\nلُ الجهد لا كسلا ولا متوان\nوالسنة المثلى لسالكها فتو\nحيد الطريق الأعظم السلطان\nفلواحد كن واحدا في واحد\nأعني سبيل الحق والإيمان\n_________\n١ انظر تيسير العزيز الحميد ص٣٦؛ والكواشف الجلية ٤١٨.\n٢ ص٢/٢٣٦.","vol":"1","page":246},{"text":"هذي ثلاث مسعدات للذي\nقد نالها والفضل للمنان\nفإذا هي اجتمعت لنفس حرةٍ\nبلغت من العلياء كل مكان\n٣- خصائص توحيد الألوهية\n\"أ\" أنه الغاية من خلق الثقلين الجن والإنس، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ \"سورة الذاريات: الآية٥٦\".\nفتوحيد العبادة غاية محبوبة لله تعالى، لأجلها خلق الثقلين.\n\"ب\" إنه المقصود الأعظم من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وهو مفتاح دعوتهم، وزبدة رسالتهم.\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ \"سورة النحل: الآية ٣٦\".\nقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ \"سورة الأنبياء: الآية٢٥\".\nوأخبر عن رسله نوح، هود، صالح، شعيب، أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ \" ١.\n\"ج\" أنه أول واجب على المكلف فإن توحيد الألوهية هو معنى لا إله إلا الله، وهي أول دعوة الرسل.\nقال ابن أبي العز الأذرعي الحنفي: \"ولهذا كان الصحيح أن أول\n_________\n١ سورة الأعراف الآيات: ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥، وسورة هود: الآيات: ٥٠، ٦١، ٨٤.","vol":"1","page":247},{"text":"واجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر ولا القصد إلى النظر، ولا الشك كما هي أقوال أرباب الكلام المذموم، بل أئمة السلف كلهم متفقون أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان ... \" ١.\n\"د\" أن الشارع احتاط لهذا التوحيد أعظم الحيطة عن كل قول وفعل وقصد يكون شركا أو وسيلة إلى الشرك كالرياء والحلف بغير الله والطيرة وبناء المساجد على القبور، والعكوف عندها.\nوكذلك الألفاظ التي توهم النِّدِّيَّةَ بين الله وبعض خلقه كقول القائل: ما شاء الله وشاء فلان. روى حذيفة بن اليمان عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان\" ٢.\n_________\n١ شرح العقيدة الطحاوية ص ١٦.\n٢ أخرجه أحمد في المسند ٥/٣٨٤.\n* وأبو داود كتاب الأدب باب ما يقال خبثت نفسي ٥/٢٥٩ ح٤٩٨٠.\n* والنسائي في كتاب عمل اليوم والليلة ص٥٤٤.\n* والطحاوي في مشكل الآثار ١/٩٠.\n* والبيهقي في السنن ٣/٢١٦.\nجميعهم من طريق عبد الله بن يسار عن حذيفة وأورده النووي في كتابه الأذكار ص٣٠٨ وقال: صحيح الإسناد.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>المطلب الثاني: في \"المراد بالعبادة</span>\"\nتقدم أن المراد بتوحيد الألوهية هو إفراد الله بالعبادات كلها، وأن من أسماء هذا التوحيد توحيد العبادة. فلا بد من الكلام على العبادة وهو يشمل الفقرات التالية:","vol":"1","page":248},{"text":"١- معناها\nمعنى العبادة لغة هو التذلل والخضوع.\nقال الراغب الأصفهاني: \"العبودية إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل\" ١.\nوقال الجوهري: \"العبادة الطاعة، والتعبد التنسك ... وأصل العبودية الخضوع والذل\" ٢.\nوقال ابن الأنباري: \"فلان عابد؛ وهو الخاضع لربه المستسلم لقضائه المنقاد لأمره\" ٣.\nوقال ابن جرير: \"العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة، وأنها تسمي الطريق المذلل الذي قد وطئته الأقدام وذللته السابلة معبَّد\" ٤.\nهذا ما قاله أهل اللغة في كتبهم حول معنى العبادة؛ فنجد عباراتهم تكاد تكون متطابقة.\nأما معنى العبادة في الاصطلاح:\nفهي توحيد الله بالذل والخضوع مع كمال المحبة والطاعة.\nقال ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ \"سورة الفاتحة: الآية٥\".\n\"أي لك اللهم نخشع ونذل ونستكين؛ إقرارا لك يا ربنا بالربوبية لا لغيرك\".\n_________\n١ المفردات في غريب القرآن ص٣١٩.\n٢ الصحاح ٢/٥٠٣.\n٣ تهذيب اللغة ٢/٢٣٦.\n٤ جامع البيان ١/١٦١.","vol":"1","page":249},{"text":"وروي عن ابن عباس ﵄ قوله: \"إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك ١ ... \" ٢.\nوقال الأزهري: \"وقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ \"سورة البقرة: الآية ٢١\".\nأي أطيعوا ربكم وقيل في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إياك نوحد والعابد الموحد\" ٣.\nوقال البغوي ٤ في قوله تعالى: \" ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ \"سورة الفاتحة: الآية ٥\".\n\"أي نوحدك ونطيعك خاضعين، والعبادة الطاعة مع التذلل. وسمي العبد عبدا لذلته وانقياده يقال: طريق معبد أي مذلل\" ٥.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له، ومن خضع\n_________\n١ الأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/١٩ وأورده ابن كثير في تفسيره والسيوطي في الدر المنثور ١/١٤ وعزاه إلى ابن جرير وابن أبي حاتم.\n٢ انظر جامع البيان ١/١٦٠ ط دار المعارف.\n٣ تهذيب اللغة ٢/٢٣٦.\n٤ هو الحسين بن مسعود بن محمد الفراء الشافعي البغوي قال عنه الذهبي: \"الإمام الحافظ الفقيه المجتهد محيي السنة ... صاحب معالم التنزيل وشرح السنة والتهذيب والمصابيح وغير ذلك ... وبورك له في تصانيفه لقصده الصالح فإنه كان من العلماء الربانيين وكان ذا تعبد ونسك وقناعة باليسير\" مات سنة ٥١٦هـ.\nتذكرة الحفاظ ١/١٢٥٧-١٢٥٨؛ وانظر ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي ٧/٧٥؛ وشذرات الذهب ٤/٤٨.\n٥ تفسير البغوي ١/٤١.","vol":"1","page":250},{"text":"لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدا له، ولو أحب شيئا ولم يخضع له لم يكن عابدا له، كما يحب الرجل ولده وصديقه.\nولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عندهم من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والذل التام إلا الله. وكل ما أُحبّ لغير الله فمحبته فاسدة وما عظم بغير أمر الله فتعظيمه باطل\" ١.\nويطلق اسم العبادة على الأعمال الشرعية التي تُفعل تقربا إلى الله.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة\" ٢.\n٢- شروطها\nالعبادة الشرعية لا تكون مقبولة عند الله ومرضية إلا أن تتوفر فيها ثلاثة أصول، وإلا فهي مردودة على صاحبها غير مقبولة.\nوفي بيان تلك الأصول الثلاثة يقول صاحب كتاب أضواء البيان:\n\"اعلم أولا أن القرآن العظيم دل على أن العمل الصالح هو ما استكمل ثلاثة أمور:\nالأول: موافقته لما جاء به النبي ﷺ لأن الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ\n_________\n١ العبودية ص٤٤.\n٢ العبودية ص٣٨.","vol":"1","page":251},{"text":"فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ \"سورة الحشر: الآية٧\".\nالثاني: أن يكون خالصا لله تعالى لأن الله جلّ وعلا يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ \"سورة البينة: الآية٥\".\n﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ \"سورة الزمر: الآية ١٤\".\n﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ \"سورة الزمر: الآية ١٥\".\nالثالث: أن يكون مبنيا على أساس العقيدة الصحيحة؛ لأن الله يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ \"سورة النحل: الآية٩٧\".\nفقيد ذلك بالإيمان ومفهوم مخالفته أنه لو كان غير مؤمن لما قبل منه ذلك العمل الصالح. وقد أوضح جلّ وعلا هذا المفهوم في آيات كثيرة كقوله في عمل غير المؤمن: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ \"سورة الفرقان: الآية٢٣\".\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ \"سورة هود: الآية١٦\".\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ \"سورة النور: الآية٣٩\".\nوقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ","vol":"1","page":252},{"text":"عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ \"سورة إبراهيم: الآية١٨ ... \"١.\n٣- أنواعها\nتقدم أن معنى العبادة معنى شامل للأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة فمنها العبادة القولية، ومنها العبادة العملية، ومنها العبادة الاعتقادية، فبحكم هذا التنوع تكون العبادة موزعة على القلب واللسان والجوارح، فلكل من هذه الجهات نصيب من العبادة.\nفالعبادة الاعتقادية: مثل اعتقاد أن الله رب كل شيء وخالقه، ومالكه له الخلق والأمر وبيده النفع والضر وأنه لا شريك له ولا كفء ولا ند له وأنه لا معبود بحق غيره.\nوكذا حب الله ورجاؤه والخوف والخشوع والإنابة والتوكل وإخلاص العمل لله وحده، فهذه المطالب هي نصيب القلب من العبادة.\nالعبادة القولية:\nمثل النطق بالشهادتين وتلاوة القرآن في الصلاة وفي غيرها والتلفظ بالأذكار الواردة في الصلاة، والحج، ومثل الدعاء، والثناء والحمد والشكر، والاستغفار، وصدق الحديث، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. فهذه المطالب هي نصيب اللسان من العبادة.\nالعبادة العملية:\nمثل الصلوات الخمس، وما يتعلق بها وسائر أركان الإسلام من زكاة\n_________\n١ أضواء البيان ٣/٣٥٢-٣٥٣.","vol":"1","page":253},{"text":"وصيام وحج، وكذا الجهاد العملي لأعداء الإسلام، وسائر الواجبات المندوبات. فهذه المطالب هي نصيب الجوارح من عبادة الله تعالى ١.\nوبها البيان يتضح لنا شمول العبادة لحياة المسلم كلها المتضمنة لأقواله وأفعاله الظاهرة والباطنة وما ينطوي عليه ضميره من نية وقصد.","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المطلب الثالث: ما يناقض توحيد الألوهية</span>\nتقدم أن جميع الأنبياء والرسل كان أول دعوتهم إلى عبادة الله وحده والبراءة من الشرك بأنواعه وألوانه وصوره. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ \" سورة النحل: الآية٣٦\".\nولقد جاء الرسول محمد ﷺ بالتوحيد والنهي عن الشرك، وحذر منه أبلغ التحذير.\nقال ﵊ لمعاذ بن جبل: \"حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا \" ٢.\nوسئل ﵊ أي الذنب أعظم عند الله؟ فقال: \"أن تجعل لله ندا وهو خلقك \" ٣.\nوقد أخبر الله بأن كل ذنب يغفره إن شاء ما عدا الشرك:\n_________\n١ انظر مدارج السلكين ١/١٠٩-١٢٢ بتصرف.\n٢ تقدم تخريجه ص٢١٦.\n٣ أخرجه البخاري: كتاب الأدب باب قتل الولد خشية أن يأكل معه ١٠/٤٣٣ ح٦٠٠١ من طريق عمرو بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود.","vol":"1","page":254},{"text":"قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ \"سورة النساء: الآية٤٨\".\nوقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ \"سورة المائدة: الآية٧٢\".\nقال ابن كثير: \"أخبر تعالى أنه لا يغفر أن يشرك به، أي لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به، ويغفر ما دون ذلك أي من الذنوب لمن يشاء، أي من عباده\" ١.\nوقال صاحب تيسير العزيز الحميد: \"وإنما كان كذلك لأنه أقبح القبح، وأظلم الظلم، إذ مضمونه تنقص رب العالمين، وصرف خالص حقه لغيره وعدل غيره به.\nقال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ \"سورة الأنعام: الآية١\".\nولأنه مناقض للمقصود بالخلق والأمر، مناف له من كل وجه، وذلك غاية المعاندة لرب العالمين، والاستكبار عن طاعته، والذل له والانقياد لأمره الذي لا صلاح للعالم إلا بذلك. فمتى خلا منه خرب العالم وقامت القيامة كما قال ﷺ: \"لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله \"٢.\nولأن الشرك تشبيه للمخلوق بالخالق تعالى وتقدس، في خصائص الألوهية من ملك الضر والنفع والعطاء والمنع الذي يوجب تعلق الدعاء\n_________\n١ تفسير ابن كثير ٢/٣٠٨ ط دار الأندلس.\n٢ أخرجه مسلم: كتاب الإيمان باب ذهاب الإيمان في آخر الزمان ١/١٣١ ح٢٣٤ من طريق ثابت عن أنس بن مالك.","vol":"1","page":255},{"text":"والخوف والرجاء والتوكل وأنواع العبادة كلها لله وحده، فمن علق شيئا من ذلك لمخلوق فقد شبهه بالخالق\" ١.\nفعلى كل مسلم - يريد أن يخلص نفسه وينجيها من الوقوع فيما ينافي ويناقض شهادته بأنه لا إله إلا الله - أن يعرف التوحيد من الشرك معرفة تامة، وأن يميز بين الحق والباطل، والهدى والضلال، فمن لا يميز بين ما هو من الإسلام وما ليس منه فقد اختلط عليه الأمر، والنتيجة التي تحصل منها انتقاض إسلامه وجهل مقاصد دينه الذي أهم مقصد فيه على الإطلاق توحيد الباري جل وعلا والبراءة من الإشراك به. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى شارحا ما يروى عن أمير المؤمنين عمر بن بالخطاب ﵁: \"إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية\" \"وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن وذمه وقع فيه وأقره ودعا إليه وصوبه وحسنه، وهو لا يعرف أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منه أو دونه، فينقض بذلك عرى الإسلام عن قلبه ويعود المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان، وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول ﷺ ومفارقة الأهواء والبدع، ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا والله المستعان\" ٢.\nثم الشرك أقسام:\nشرك أكبر: وهو مناف للتوحيد بالكلية ومخرج من الملة لا يغفره الله إلا بالتوبة منه وجزاؤه الخلود في النار إذا مات عليه.\n_________\n١ تيسير العزيز الحميد ص١١٥.\n٢ مدارج السالكين ١/٣٤٤.","vol":"1","page":256},{"text":"قال ابن القيم في بيان الشرك الأكبر: \"وهو أن يتخذ من دون الله ندا يحبه كما يحب الله، وهو الشرك الذي يتضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين، ولهذا قالوا لآلهتهم في النار: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ \"سورة الشعراء: الآية٩٨\".\nمع إقرارهم بأن الله وحده خالق كل شيء وربه ومليكه، وأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تحيي ولا تميت، وإنما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة ... \" ١.\nوفصَّل الشيخ عبد الرحمن ٢ بن حسن آل الشيخ أنواع الشرك الأكبر فقال: وهو أربعة أنواع:\nالنوع الأول: شرك الدعوة أي الدعاء، والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ \"سورة العنكبوت: الآية٦٥\".\nالنوع الثاني:\nشرك النية والإرادة والقصد، والدليل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ \"سورة هود: الآية١٥\".\n_________\n١ مدارج السالكين ١/٣٣.\n٢ هو عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب قال عنه ابن بشر: \"العالم النحرير البحر الزاخر ... جامع أنواع العلوم الشرعية ومحقق العلوم الدينية والأحاديث النبوية ... قاضي قضاة الإسلام والمسلمين ... صنّف مصنفات في الأصول والفروع\" ومن جملة مصنفاته فتح المجيد وقرة عيون الموحدين توفي سنة ١٢٨٥هـ. انظر عنوان المجد لابن بشر ٢/٢٠.","vol":"1","page":257},{"text":"النوع الثالث:\nشرك الطاعة، والدليل قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ \"سورة التوبة: الآية٣١\".\nوتفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعُبّاد في المعصية لا دعاؤهم إياهم، كما فسره النبي ﷺ لما سأله - عدي بن حاتم - فقال: \"لسنا نعبدهم\" فذكر له: \"أن عبادتهم طاعتهم في المعصية\"١.\nالنوع الرابع:\nشرك المحبة، والدليل على قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ \"سورة البقرة: الآية١٦٥\" ٢.\nأما القسم الثاني من أقسام الشرك فهو الأصغر، وإنما قيل عنه كذلك لأنه لا يخرج من الملة بخلاف الأكبر.\nقال ابن القيم ﵀ في كلامه على هذا القسم: \"وأما الشرك الأصغر: فكيسير الرياء، والتصنع والحلف بغير الله كما ثبت عن النبي ﷺ\n_________\n١ أخرجه الترمذي: كتاب تفسير القرآن باب من سورة التوبة ٥/٢٧٨ ح٣٩٠٥، وابن جرير الطبري في التفسير ١٠/١١٤، والبيهقي في السنن ١٠/١١٦ جميعهم من طريق مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم، قال الترمذي: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وعطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث\".\n٢ مجموعة التوحيد ص٣٤٧، ٣٤٨.","vol":"1","page":258},{"text":"أنه قال: \"من حلف بغير الله فقد أشرك \" ١ وقول الرجل للرجل: \"ما شاء الله وشئت\" و\"هذا من الله ومنك\" و\"أنا بالله وبك\" و\"ومالي إلا الله وأنت\" و\"أنا متوكل على الله وعليك\"، و\"لولا أنت لم يكن كذا وكذا\".\nوقد يكون هذا شركا أكبر بحسب قائله ومقصده. وصح عن النبي ﷺ أنه قال لرجل قال له: \"ما شاء الله وشئت\" \"أجعلتني لله ندا؟ قل: ما شاء الله وحده\" ٢. وهذا اللفظ أخف من غيره من الألفاظ\" ٣.\n_________\n١ أخرجه أحمد في المسند ٢/٦٩، ٨٦، وأبو داود: كتاب الأيمان والنذور باب كراهية الحلف بالآباء ٣/٥٧٠ ح٣٢٥١.\nوالترمذي في كتاب النذور والأيمان باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله ٤/١١٠ ح١٥٣٥.\nوالبيهقي في السنن ١٠/٢٩.\nوالحاكم في المستدرك ١/١٨.\nجميعهم من طريق سعد بن عبيدة عن ابن عمر ولفظه عند الترمذي والبيهقي: \"من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك \". ولفظه عند الحاكم: \"من حلف بغير الله كفر\".\nقال الترمذي على إثره: \"هذا حديث حسن\".\nوقال الحاكم: \"هذا حديث على شرط الشيخين فقد احتجا بمثل هذا الإسناد\".\nوأقره الذهبي في التلخيص.\n٢ أخرجه أحمد في المسند ١/٢١٤.\n* والبخاري في الأدب ص٢٧٤ ح٧٨٣.\n* والنسائي في عمل اليوم والليلة ص٥٤٥، ٥٤٦.\n* وابن ماجه: كتاب الكفارات باب النهي أن يقال ما شاء الله وشئت ١/٢٨٤ ح٢١١٧ بنحو هذا اللفظ.\nقال البوصيري في مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه ٢/١٣٦.\n:\"هذا إسناد فيه الأجلح بن عبد الله مختلف فيه، ضعفه الإمام أحمد وأبو حاتم والنسائي وأبو داود وابن سعد ووثقه ابن معين ويعقوب بن سفيان العجلي وباقي رجال الإسناد ثقات\".\n٣ مدارج السالكين ١/٣٤٤.","vol":"1","page":259},{"text":"هذا هو الشرك بقسميه فواجب على المسلم أن يحذر من الوقوع فيه حفاظا على عقيدته وتوحيده.","vol":"1","page":260},{"text":"المطلب الرابع: أقوال لأبي حنيفة وبعض١ أتباعه تتعلق بالشرك وأنواعه ووسائله\nجاء عن الإمام أبي حنيفة وبعض أتباعه النهي عن أنواع من الشرك الأكبر والأصغر.\nكالدعاء، والاستغاثة بغير الله ٢، والسجود لغير الله ٣، والنذر لغير الله ٤، والذبح لغير الله ٥.\nواعتقاد أن الأولياء لهم تصرف ٦ في الكون مع الله، أو اعتقاد أن\n_________\n١ كلام المتقدمين كأبي حنيفة وأصحابه الأوائل عن الشرك وأنواعه ووسائله قليل لأن بدع القبورية لم تكن موجودة وإنما كانوا يتكلمون في بعض هذه المسائل عرضا إذا وردت في النصوص بخلاف ما عليه المتأخرون من أتباع أبي حنيفة فقد بسطوا القول في تلك المسائل كما هو ظاهر من النماذج الآتية من نصوصهم.\n٢ انظر روح المعاني ١١/٩٨، ٦/١٢٩..\n٣ انظر البحر الرائق ٥/١٢٤، وروح المعاني ١٧/٢١٣، والمرقاة شرح المشكاة ٢/٢٠٢.\n٤ انظر حاشية ابن عابدين على الرد المحتار ٢/٤٣٩، ٤٤٠؛ والبحر الرائق ٢/٢٩٨؛ وروح المعاني ١٧/٣١٣.\n٥ انظر تحفة الفقهاء ٣/٦٧.\n٦ انظر البحر الرائق ٢/٢٩٨، وروح المعاني ١٧/٢١٣.","vol":"1","page":260},{"text":"أحدا يعلم الغيب ١. والحلف بغير الله ٢.\nقال الإمام أبو حنيفة: \"لا يحلف إلا بالله متجردا بالتوحيد والإخلاص\" ٣.\nوقال ابن نجم الحنفي عمن حلف بغير الله: \"ويخاف الكفر على من قال بحياتي وحياتك\" ٤.\nوقال محمد علاء الدين الحصكفي فيمن نذر لغير الله: \"واعلم أن النذر الذي يقع للأموات من أكثر العوام، وما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ونحوها إلى ضرائح الأولياء الكرام؛ تقربا إليهم هو بالإجماع باطل وحرام ... \" ٥.\nقال ابن عابدين شارحا هذا النص: \"قوله: تقربا إليهم، كأن يقول: يا سيدي فلان إن ردّ غائبي أو عوفي مريضي أو قُضيت حاجتي؛ فلك من الذهب أو الفضة أو من الطعام أو من الشمع أو الزيت كذا قوله: \"باطل وحرام\" لوجوه منها أنه: نذر لمخلوق، والنذر لمخلوق لا يجوز؛ لأنه عبادة، والعبادة لا تكون لمخلوق. ومنها أن المنذور له ميت والميت لا يملك ... \"٦.\nوقال الألوسي واصفا حال المستغيثين بغير الله وتعلقهم الشديد بالأموات؛ حيث صرفوا لهم أنواعا من الطاعات كالنذر وغيره: \"ويستغيثون\n_________\n١ انظر الفتاوى الهندية ٦/٣٢٣، ٣٢٥، ٣٢٦؛ والبحر الرائق ٣/٨٨، ٥/١٢٤.\n٢ انظر البحر الرائق ٥/١٢٤.\n٣ بدائع الصنائع ٣/٨.\n٤ البحر الرائق ٥/١٢٤.\n٥ رد المحتار مع حاشية ابن عابدين ٢/٤٣٩.\n٦ حاشية ابن عابدين على رد المحتار ٢/٤٤٩-٤٤٠.","vol":"1","page":261},{"text":"بهم في الشدة - أي الأولياء - غافلين عن الله تعالى، وينذرون لهم النذور، والعقلاء منهم يقولون إنهم وسائلنا إلى الله تعالى، وإنما ننذر لله ﷿، ونجعل ثوابه للولي. ولا يخفى أنهم في دعواهم الأولى أشبه الناس بعبدة الأصنام القائلين: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى. ودعواهم الثانية لا بأس بها لو لم يطلبوا منهم بذلك شفاء مريضهم أو ردّ غائبهم أو نحو ذلك.\nوالظاهر من حالهم الطلب، ويرشد إلى ذلك أنه لو قيل انذروا لله تعالى واجعلوا ثوابه لوالديكم فإنهم أحوج من أولئك الأولياء لم يفعلوا.\nورأيت كثيرا منهم يسجد على أعتاب حُجَر قبور الأولياء، ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعا في قبورهم. لكنهم متفاوتون فيه حسب تفاوت مراتبهم. والعلماء منهم يحصرون التصرف في القبور في أربعة أو خمسة وإذا طولبوا بالدليل قالوا: ثبت ذلك بالكشف. قاتلهم الله تعالى، ما أجهلهم وما أكثر افتراءاتهم.\nومنهم من يزعم أنهم يخرجون من القبور ويتشكلون بأشكال مختلفة. وعلماؤهم يقولون إنما تظهر أرواحهم متشكلة، وتطوف حيث شاءت، وربما تشكلت بصورة أسد أو غزال أو نحوه.\nوكل ذلك باطل لا أصل له في الكتاب والسنة وكلام السلف الأمة. وقد أفسد هؤلاء على الناس دينهم، وصاروا ضحكة لأهل الأديان المنسوخة من اليهود والنصارى ... \" ١.\nويقول كذلك: \"وقد رأينا كثيرا من الناس ... يهشون لذكر الأموات؛ يستغيثون بهم، ويطلبون منهم، ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم\n_________\n١ روح المعاني ١٧/٢١٢، ٢١٣.","vol":"1","page":262},{"text":"توافق أهواءهم واعتقادهم فيهم، ويعظمون من يحكي لهم ذلك، وينقبضون من ذكر الله تعالى وحده ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه ﷿ ... وينفرون ممن يفعل ذلك كل النفرة، وينسبونه إلى ما يكره. وقد قلت يوما لرجل يستغيث في شدة ببعض الأموات وينادي يا فلان أغثني قلت له: قل: يا الله فقد قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ \"سورة البقرة: الآية١٨٦\".\nفغضب وبلغني أنه قال: فلان منكر على الأولياء.\nوسمعت بعضهم أنه قال: \"الولي أسرع إجابة من الله ﷿\"، وهذا من الكفر بمكان، نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزيغ والطغيان ... \" ١.\nوكذا ورد عن أبي حنيفة وبعض أتباعه النهي عما هو من وسائل الشرك، كتجصيص ٢ القبور وتعليتها٣، والكتابة عليها ٤، والبناء\n_________\n١ روح المعاني ١١/٢٤.\n٢ تجصيص القبر منهي عنه عند الإمام أبي حنيفة.\nانظر حاشية رد المحتار لابن عابدين ٢/٢٣٧؛ والفتاوى الهندية ١/١٩٤؛ والبحر الرائق ٢/١٩٤؛ والمبسوط ٢/٦٢؛ وبدائع الصنائع ١/٣٢٠؛ ومعارف السنن ٣/٣٠٦؛ وحاشية مراقي الفلاح ص٤٠٥؛ وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص٣٣٥.\n٣ انظر تبيين الحقائق للزيلعي ١/٢٦٤؛ وفتح القدير ٢/١٤١؛ وفتح الملهم ٢/٥٠٦؛ وروح المعاني ١٥/٢٣٧.\n٤ كره أبو يوسف الكتابة على القبر. انظر بدائع الصنائع ١/٣٢٠؛ وتحفة الفقهاء ٢/٢٥٦؛ وتبيين الحقائق ١/٢٦٤؛ حاشية مراقي الفلاح ٤٠٥.","vol":"1","page":263},{"text":"عليها ١، واتخاذها مساجد ٢، إسراجها ٣، واستقبالها للدعاء ٤.\nقال محمد محيي الدين بن محمد الكندهلوي الحنفي: \"وأما اتخاذ المساجد عليها فلما فيه من الشبه باليهود باتخاذهم مساجد على قبور أنبيائهم وكبرائهم، ولما فيه من تعظيم الميت وشبه بعبدة الأصنام ... وأما اتخاذ السُرُج عليها، فمع ما فيه من إسراف في ماله المنهي عنه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ \"سورة الإسراء: الآية٢٧\".\nففيه تشبه باليهود، فإنهم كانوا يسرجون المصابيح على قبور كبرائهم وتعظيم للقبور واشتغال بما لا يعنيه ... \" ٥.\nوقال الألوسي الحنفي: \"ولقد رأيت من يبيح ما يفعله الجهلة في قبور الصالحين من إشرافها وبنائها بالجص والآجر وتعليق القناديل عليها والصلاة إليها والطواف بها واستلامها والاجتماع عندها في أوقات مخصوصة إلى غير ذلك...وكل ذلك محادة لله تعالى ورسوله ﷺ وإبداع\n_________\n١ كره الإمام أبو حنيفة البناء على القبر وأن يعلَّم بعلامة.\nانظر بدائع الصنائع ١/٣٢٠؛ وتحفة الفقهاء ٢/٢٥٦؛ والمتانة ١/٣٢٠؛ والمتانة ص٣٠١؛ وفتح الملهم ٢/١٢١، ١٢٢، ومعارف السنن ٣/٣٠٥، ٣٠٧؛ وحاشية الطحطاوي على مراقي الفرح ص٣٣٥.\n٢ انظر تبيين الحقائق ١/٢٦٤؛ وروح المعاني ١٥/٢٣٧؛ والمرقاة في شرح المشكاة ٢/٢٠٢، والكوكب الدري ١/٣١٦، ٣١٧.\n٣ الكوكب الدري ١/٣١٧.\n٤ كره أبو حنيفة استقبال قبر النبي ﷺ وقت الدعاء.\nانظر كتاب التوسل والوسيلة ص٢٩٣؛ وروح المعاني ٦/١٢٥؛ ومجمع الأنهر في شرح ملقتى الأبحر ١/٣١٣.\n٥ الكوكب الدري ١/٣١٦-٣١٧.","vol":"1","page":264},{"text":"دين لم يأذن به الله ﷿ ... ويكفيك في معرفة الحق تتبع ما صنع أصحاب رسول الله ﷺ في قبره ﵊، وهو أفضل قبر على وجه الأرض ... والوقوف على أفعالهم في زياراتهم له، والسلام عليه، ﵊.\nفتتبع ذاك وتأمل وما هنا وما هناك والله ﷾ يتولى هداك ... \" ١.\nهذا وقد صح عن النبي ﷺ النهي عن هذه الأمور، فقد روى مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يكون بخمس، وهو يقول: \"إني أبرأ إلى الله أن يكون لبي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك\" ٢.\nوروى عن جابر بن عبد الله قال: \"نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يُقعد عليه، وأن يُبنى عليه\" ٣.\n_________\n١ روح المعاني ١٥/٢٣٩-٢٤٠.\n٢ أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة من صحيحه باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد ١/٣٧٧، ٣٧٨ ح٥٣٢.\n٣ أخرجه مسلم في كتاب الجنائز من صحيحه باب النهي عن تجصيص القبر ٢/٦٦٧ ح٩٧٠.\nوأبو داود: كتاب الجنائز باب في البناء على القبر ٣/٥٥٢ ح٣٢٢٥.\nوالترمذي: كتاب الجنائز باب ما جاء في كراهية تحصيص القبور والكتابة عليها ٣/٣٥٩ ح١٠٥٢.\nوابن ماجه: كتاب الجنائز باب ما جاء في النهي عن البناء على القبور =","vol":"1","page":265},{"text":"وروي عن أبي الهياج الأسدي ١ قال: \" قال علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ ألا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سوّيته\" ٢.\nوروى البخاري ومسلم عن عائشة وابن عباس ﵄ قالا: لما نُزل برسول الله ﷺ، طفق ٣ يطرح خميصة ٤ له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه. فقال، وهو كذلك: \"لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" يحذر مثل ما صنعوا ٥.\n_________\n= وتجصيصها والكتابة عليها ١/٤٩٨ ح١٥٦٢.\nوالنسائي: كتاب الجنائز باب الزيادة على القبر ٤/٨٦ ح٢٠٢٧.\nجميعهم من طرق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله.\n١ هو حيان بن حصين أبو الهياج الأسدي الكوفي. قال عنه ابن حجر: \"ثقة من الثالثة\".\nتقريب التهذيب ١/٢٠٨؛ وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٣/٦٧.\n٢ أخرجه مسلم في كتاب الجنائز من صحيحه باب الأمر بتسوية القبر ٢/٦٦٦ ح٩٦٩.\nوالترمذي: كتاب الجنائز باب ما جاء في تسوية القبور ٣/٣٥٧ ح١٠٤٩.\nوالنسائي: كتاب الجنائز باب تسوية القبور إذا رفعت ٤/٨٨ ح٢٠٣١.\nجميعهم من طريق أبي وائل عن أبي الهياج الأسدي.\n٣ طفق: يقال طفق يفعل كذا أبي جعل يفعل. الصحاح ٤/١٥١٧.\n٤ خميصة: الخميصة كساء له أعلام، انظر النهاية ٢/٨٠-٨١ وغريب الحديث لابن سلام ١/٢٦٦، ٢٢٧.\n٥ أخرجه البخاري في كتاب الصلاة من صحيحه باب ٥٥، ١/٥٣٢ ح٤٣٦.\nومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة من صحيحه باب النهي عن بناء المساجد واتخاذ صور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد ١/٣٧٨٧ ح٥٣١.\nكلاهما من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة وابن عباس.","vol":"1","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المبحث الثاني: عقيدة الإمام أبي حنيفة في التوسل إلى الله</span>\nالتوسل إلى الشيء في عرف أهل اللسان: هو التقرب إليه، واستعمال السبب الموصل إليه، وهو الوسيلة.\nقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ \"سورة المائدة: الآية٣٥\".\nقال ابن جرير في تفسير هذه الآية: \"الوسيلة هي الفعيلة من قول القائل: توسلت إلى فلان بكذا بمعنى تقربت إليه ... وقوله: وابتغوا إليه الوسيلة يقول: واطلبوا القرب إليه بالعمل بما يرضيه\" ١.\nوقال الجوهري: \"الوسيلة: ما يتقرب به إلى الغير، والجمع الوسيل والوسائل، والتوسيل والتوسل واحد، يقال وسل فلان إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة أي تقرب إليه بعمل ... \"٢.\n_________\n١ انظر جامع البيان ٦/٢٢٦، ط الحلبي.\n٢ الصحاح ٥/١٨٤١.","vol":"1","page":267},{"text":"أما التوسل في الشرع فهو خاص بالتقرب إلى الله تعالى.\nويقسم العلماء التوسل إلى الله إلى قسمين:\nأولا - توسل مشروع.\nثانيا - توسل ممنوع.\nفالتوسل المشروع ما قام عليه دليل من الشرع وهو ثلاثة أنواع:\n\"أ\" التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا:\nوصفته أن يقول المسلم في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم اللطيف الخبير أن تعافيني. أو يقول: أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني وتغفر لي.\nودليل مشروعية هذا التوسل من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ \"سورة الأعراف: الآية١٨٠\".\nومن السنة حديث أنس بن مالك ﵁ وفيه: \"أنه كان مع رسول الله ﷺ جالسا ورجل يصلي، ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي ﷺ: \"لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى\" ١.\n_________\n١ أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة باب الدعاء ٢/١٦٧، ١٦٨ ح١٤٩٥.\nبنحوه والنسائي: كتاب السهو باب الدعاء بعد الذكر ٣/٥٢ ح١٣٠٠.\nوابن حبان كما في موارد الظمآن ص٥٩٢ ح٢٣٨٢، والحاكم في المستدرك ١/٥٠٣، ٥٠٤، جميعهم من طرق حفص عن أنس وابن ماجه: كتاب الدعاء باب اسم الله الأعظم ٢/١٢٦٨ ح٣٨٥٨ من طريق أنس بن سيرين عن أنس بن مالك. =","vol":"1","page":268},{"text":"ويوجد في كلام أبي حنيفة ذكر هذا النوع من التوسل كما في قوله: \"ولا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، والدعاء المأذون فيه المأمور به ما استفيد من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ \"سورة الأعراف: الآية١٨٠\"١.\nأما النوعان الآخران للتوسل المشروع فلم أقف له على قول فيهما.\n\"ب\" التوسل بالعمل الصالح:\nوصفته كأن يقول المسلم في دعائه: اللهم بإيماني بك ومحبتي لك واتباعي لرسولك اغفر لي.\nودليل مشروعية هذا التوسل من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ \"سورة المائدة: الآية٣٥\".\nوقوله جلّ وعلا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ \"سورة الإسراء: الآية٥٧\".\nوقوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ \"سورة آل عمران:١٦\".\nومن السنة: قصة أصحاب الغار الثابتة في الصحيحين فقد توسلوا بأعمالهم الصالحة فتوسل أحدهم ببره لوالديه، والآخر\n_________\n= قال الحاكم عن هذا الحديث: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\" وأقره الذهبي.\n١ الدر المختار مع حاشية رد المحتار ٦/٣٩٦، ٣٩٧.","vol":"1","page":269},{"text":"بعفته عن الفاحشة، والثالث بإحسانه إلى أجير كان عنده ١.\n\"ج\" التوسل بدعاء الصالحين:\nودليل مشروعيته ما ورد في صحيح مسلم عن صفوان بن عبد الله بن صفوان قال: \"قدمت الشام فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده، ووجدت أم الدرداء، فقالت: أتريد الحج العام؟ فقلت: نعم، فقالت: فادع الله لنا بخير. فإن النبي ﷺ كان يقول: \"دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب، مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به، آمين، ولك بمثل\" ٢.\nوقد كان الصحابة يتوسلون بدعاء النبي ﷺ في حياته ومنه قول الأعرابي حين أصابت سَنَة على عهد رسول الله ﷺ.\nقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: \"اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا ... \" ٣.\n_________\n١ أخرجه البخاري: كتاب البيوع باب إذا اشترى أشياء لغيره بغير إذنه فرضي ٤/٤٠٨ ح٢٢١٥.\nومسلم: كتاب الذكر والدعاء باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال ٤/٢٠٩٩ ح٢٧٤٣.\nكلاهما من طريق نافع عن ابن عمر.\nوأحمد في المسند ٢/١١٦ من طريق سالم بن عبد الله عن ابن عمر.\n٢ أخرجه مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب ٤/٢٠٩٤ ح٢٧٣٣.\nوابن ماجه: كتاب المناسك باب فضل دعاء الحاج ٢/٩٦٧ ح٢٨٩٥ كلاهما من طريق أبي الزبير عن صفوان بن عبد الله بن صفوان.\n٣ أخرجه البخاري: كتاب الاستسقاء باب في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة ٢/٥٠٧ ح١٠١٤=","vol":"1","page":270},{"text":"فالصحابة توسلوا بدعاء النبي ﷺ في حياته، ثم بعد وفاته توسلوا بدعاء عمه العباس، فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: \"اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال فيُسقَون\" ١.\nفالصحابة عدلوا عن التوسل برسول الله ﷺ بعد موته إلى التوسل بدعاء العباس، فدل على أن التوسل بدعاء النبي ﷺ قد انقطع بموته، فلو كان التوسل بالرسول بعد موته جائزا لما عدل الصحابة عن الرسول ﷺ إلى العباس، وهذا من الوضوح بحيث لا يخفى على ذي لب.\nأما التوسل الممنوع:\nفهو ما لا دليل عليه من كتاب أو سنة، وهو ثلاثة أنواع:\n١- التوسل إلى الله تعالى بذات وشخص المتوسل به سواء كان النبي ﷺ أو غيره. وهو نوعان:\n\"أ\" أن يدعو المتوسَّل به:\nذلك بأن يدعوه، ويستغيث به، ويطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله ولو يجعله واسطة فيما يطلبه من الله. وهذا النوع من التوسل هو من الشرك الأكبر لأنه دعاء لغير الله، والتجاء إليه في المهمات وهو من صرف العبادة\n_________\n= ومسلم: كتاب الاستسقاء باب الدعاء في الاستسقاء ٢/٦١٢ ح٨٩٧ كلاهما من طريق شريك عن أنس بن مالك.\n١ أخرجه البخاري: كتاب الاستسقاء باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا ٢/٤٩٤ ح١٠١٠.\nوابن سعد في الطبقات الكبرى ٤/٢٨، ٢٩.\nكلاهما من طريق ثمامة بن عبد الله عن أنس بن مالك.","vol":"1","page":271},{"text":"لغير الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ \"سورة المؤمنون: الآية١١٧\".\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ \"سورة الأحقاف: الآية ٥\".\nوفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ومن أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة في جلب المنافع، ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم يسألونه ذلك ويرجعون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء يجتلبون المنافع ويجتنبون المضار\" ١.\nفلم يأمرنا الله أن نستغيث بالصالحين من عباده أو ندعو أنبياءه حتى تستجاب لنا المسألة، بل قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ \"سورة غافر: الآية٦٠\".\nفأمر بدعاء العبادة ودعاء المسألة، ووعدنا بالإجابة، وتوعد من استكبر عنها بالعذاب والإهانة ٢.\n\"ب\" التوسل بالذات في دعاء الله:\nهو أن يجعل ذات النبي ﷺ أو غيره وسيلة في دعاء الله كأن يقول في دعائه: \"اللهم إني أسألك بنبيك محمد ﷺ\".\nوفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"السؤال به فهذا يجوزه طائفة من الناس، ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف، وهو موجود في دعاء\n_________\n١ مجموع الفتاوى ١/١٢٣-١٢٤.\n٢ انظر تفسير كلام المنان ٦/٥٤٠ بتصرف.","vol":"1","page":272},{"text":"كثير من الناس. لكن ما روي عن النبي ﷺ في ذلك كله ضعيف بل موضوع وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة إلا حديث الأعمى ... وحديث الأعمى لا جحة لهم فيه؛ فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته ... وساغ النزاع في السؤال بالأنبياء والصالحين دون الإقسام بهم، لأن بين السؤال والإقسام فرقا، فإن السائل متضرع يسأل بسبب يناسب الإجابة، والمقسم أعلى من هذا فإنه طالب مؤكد طلبه بالقسم، ... وهذا التوسل بالأنبياء - بمعنى السؤال بهم - هو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم أنه لا يجوز، وليس في المعروف من مذهب مالك ما يناقض ذلك فضلا عن أن يجعل هذا من مسائل السبب؛ فمن نقل عن مذهب مالك أنه جوّز التوسل بمعنى الإقسام به أو السؤال به فليس معه في ذلك نقل عن مالك\" ١.\nوقال: \"قد نُقل في منسك المروزي عن أحمد دعاء فيه سؤال بالنبي ﷺ وهذا قد يخرج\nعلى إحدى روايتين في جواز القسم به ومعظم العلماء على النهي في الأمرين..\" ٢.\nقلت: اتفق العلماء على أن اليمين بالحلف بمخلوق لا تنعقد إلا في نبينا محمد ﷺ، فإن عند الإمام أحمد رحمة الله تعالى عليه في ذلك روايتين في انعقاد اليمين به ٣، والذي عليه الجمهور ٤ - مالك والشافعي وأبو حنيفة رحمهم الله تعالى - أنه لا تنعقد اليمين به ﵊\n_________\n١ قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص١١٤-١١٧.\n٢ قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص٢٧٥.\n٣ انظر المغني ٩/٥١٣، ٥١٤؛ والكافي ٤/٣٧٩؛ والشرح الكبير ٦/٧٨؛ وفتح الباري ١١/٥٣٤؛ وطرح التثريب ٧/١٤٦.\n٤ قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص٢٧٣.","vol":"1","page":273},{"text":"كإحدى الروايتين عن أحمد، وهو الصحيح. وفي هذا يقول ابن قدامة ١:\nلأنه حلف بغير الله فلم يوجب كفارة كسائر الأنبياء، ولأنه مخلوق فلم تجب الكفارة بالحلف به كإبراهيم ﵇، ولأنه ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص، ولا يصح قياس اسم غير الله على اسمه، لعدم الشبه وانتفاء المماثلة\" ٢.\n٢- التوسل إلى الله تعالى بحق فلان أو جاهه ونحو هذا: منع الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى هذا التوسل، وصفته أن يقول المسلم في دعائه: \"اللهم إني أسألك بحق فلان عليك أو بجاهه عندك أن تغفر لي\".\nقال أبو حنيفة ٣: \"يكره أن يقول الداعي أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام\".\nوقال بشير بن الوليد: حدثنا أبو يوسف قال: قال أبو حنيفة: \"لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك ٤،\n_________\n١ هو عبد الله بن أحمد بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي الجمّاعيلي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي.\nقال عنه الذهبي: \"الشيخ الإمام القدوة العلامة المجتهد شيخ الإسلام\" مات سنة ٦٢٦هـ.\nسير أعلام النبلاء ٢٢/١٦٥-١٧٣؛ وانظر ترجمته في شذرات الذهب ٥/٨٨-٩٢؛ وذيل طبقات الحنابلة ٢/١٣٣-١٤٩٨.\n٢ المغني ٩/٥١٤.\n٣ العقيدة الطحاوية ص٢٣٤؛ وإتحاف السادة المتقين ٢/٢٨٥؛ وشرح الفقه الأكبر للقاري ص١٩٨.\n٤ كره الإمام أبو حنيفة ومحمد بن الحسن أن يقول الرجل في دعائه\"اللهم إني =","vol":"1","page":274},{"text":"أو بحق خلقك\"١.\nوقال أبو يوسف: \"وأكره أن يقول بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام\"٢.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وهذا الذي قاله أبو حنيفة وأصحابه من أن الله لا يسأل بمخلوق له معنيان:\nأحدهما: هو موافق لسائر الأئمة الذي يمنعون أن يقسم أحد بالمخلوق، فإنه إذا منع أن يقسم على مخلوق بمخلوق فلأن يمنع أن يقسم على الخالق بمخلوق أولى وأحرى ... بخلاف المخلوق فإن إقسامه\n_________\n= أسألك بمعقد العز من عرشك\".\nلعدم وجود النص في الإذن به، وأما أبو يوسف فقد جوز لوقوفه على نص من السنة وفيه أن النبي ﷺ كان من دعائه: \"اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك وباسمك الأعظم وجدِّك الأعلى وكلماتك التامة\".\nوهذا الحديث أخرجه البيهقي في كتاب الدعوات الكبير كما في البناية ٩/٣٨٢، ونصب الراية ٤/٢٧٢، ٢٧٣.\nوفي إسناده ثلاثة أمور قادحة:\n١- عدم سماع داود بن أبي عاصم من ابن مسعود.\n٢- عبد الملك بن جريج مدلس ويرسل.\n٣- عمر بن هارون متهم بالكذب.\nمن أجل هذا قال ابن الجوزي كما في البناية ٩/٣٨٢ \"هذا حديث موضوع بلا شك وإسناده محبط كما ترى\".\nانظر تهذيب التهذيب ٣/١٨٩، ٦/٤٠٥، ٧/٥٠١؛ وتقريب التهذيب ١/٥٢٠.\n١ التوسل والوسيلة ص٨٢؛ وانظر شرح الفقه الأكبر ص١٩٨.\n٢ إتحاف السادة المتقين ٢/٢٨٥؛ وشرح العقيدة الطحاوية ص٢٣٤.","vol":"1","page":275},{"text":"بالمخلوقات شرك بخالقها كما في السنن عن النبي ﷺ قال: \"من حلف بغير الله فقد أشرك\" ١.\nوأما الثاني: وهو السؤال المعظَّم كالسؤال بحق الأنبياء، فهذا فيه نزاع وقد تقدم عن أبي حنيفة وأصحابه أنه لا يجوز، ومن الناس من يجوّز ذلك\" ٢.\nقلت: من هؤلاء: العز بن عبد السلام حيث قال: \"أما مسألة الدعاء فقد جاء في بعض الأحاديث أن رسول الله ﷺ علم بعض الناس الدعاء فقال في أقواله: \"قل: اللهم إني أقسم عليك بمحمد ﷺ نبي الرحمة\".\nوهذا الحديث إن صح فينبغي أن يكون مقصورا على رسول الله ﷺ، لأنه سيد ولد آدم، وألا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة، لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خُص به تنبيها على درجته ومرتبته\" ٣.\nقلت: لفظ الحديث هو: \" أن رجلا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: \"ادع الله أن يعافيني قال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك، قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفعه فيّ\" ٤.\n_________\n١ تقدم تخريجه ص٢٥٩.\n٢ التوسل والوسيلة ص٨٣، ٩٩.\n٣ فتاوى العز بن عبد السلام ص١٢٦.\n٤ أخرجه أحمد في المسند ٤/١٣٨.\nوالترمذي: كتاب الدعوات باب ١١٩، ٥/٥٦٩ ح٣٥٧٨، وابن ماجه كتاب إمامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة الحاجة ١/٤٤١ ح١٣٨٤ والحاكم في المستدرك ١/٣١٣. جميعهم من طريق عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن عثمان بن حنيف.","vol":"1","page":276},{"text":"وليس فيه \"إني أقسم عليك بمحمد\"، ولم أقف عليه بهذا اللفظ في دواوين السنة النبوية.\nوهذا الحديث حكم عليه أئمة هذا الشأن بالصحة كالطبراني ١، والبيهقي ٢، وشيخ الإسلام ٣، والحاكم٤، والذهبي ٥، والسيوطي ٦، والمناوي ٧، والألباني ٨.\nوليس في هذا الحديث متمسّك لمن يرى جواز التوسل بذات النبي ﷺ أو جاهه؛ فإن الحديث صريح في أن الغرض من مجيء هذا الرجل، وهو ضرير البصر إلى النبي ﷺ طلب الدعاء منه، وليس التوسل بذاته أو جاهه، ولو أراد غير ذلك لجلس في بيته ودعا بجاه النبي ﷺ يدل على ذلك قوله للنبي ﷺ: \"ادع الله أن يعافيني\".\nورد الرسول ﷺ بقوله: \" إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك \".\nفتبين مما سبق أن الحديث ليس فيه ما يستدل به على جواز التوسل بجاه النبي ﷺ أو بذاته إذ قوله: \"بنبيك\" على تقدير المضاف أي بدعاء نبيك أو بشفاعته ٩.\n_________\n١ المعجم الصغير ١/١٨٤.\n٢ دلائل النبوة ٦/١٦٧؛ وانظر التوسل والوسيلة ص١٨٧.\n٣ التوسل والوسيلة ص١٨٧.\n٤ المستدرك ١/٣١٣.\n٥ تلخيص المستدرك ١/٣١٣.\n٦ الجامع الصغير ١/٢٢٧..\n٧ فيض الباري ٢/١٢٤، ١٢٥.\n٨ التوسل أنواعه وأحكامه ص٧٠.\n٩ التوسل والوسيلة ص٢٥٩ ط/ السلفية.","vol":"1","page":277},{"text":"٣- الإقسام على الله تعالى بالمتوسَّل به: وهذا التوسل منعه الإمام أبو حنيفة ١ رحمه الله تعالى، وصفته أن يقول المسلم في دعائه: \"اللهم إني أقسم عليك بفلان أن تقضي حاجتي\".\nفالقسم والحلف بالله من تعظيمه، وتعظيمه عبادة، وإنما يكون الحلف بالله من تعظيمه مع الصدق وحفظ الإيمان عما يتضمن الاستهانة بالله. وقد تقدم قول الإمام أبي حنيفة: \"لا يحلف إلا بالله متجردا بالتوحيد والإخلاص\" ٢.\nومن صرف هذه العبادة لغير الله فقد أشرك. قال النبي ﷺ: \"من حلف بغير الله فقد أشرك\" ٣.\nوقال النبي ﷺ: \"ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله، أو ليصمت\" ٤.\n_________\n١ التوسل والوسيلة ص٨٢؛ وانظر روح المعاني ٦/١٢٦.\n٢ بدائع الصنائع ٣/٨.\n٣ أخرجه أحمد في المسند ٢/٦٩، ٨٦، وأبو داود: كتاب الأيمان والنذور باب كراهية الحلف بالآباء ٣/٥٧٠ ح٣٢٥١.\nوالترمذي: كتاب النذور والأيمان باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله ٤/١١٠ ح١٥٣٥.\nوالبيهقي في السنن ١٠/٢٩.\nوالحاكم في المستدرك ١/١٨.\nجميعهم من طريق سعد بن عبيدة عن ابن عمر ولفظه عند الترمذي والبيهقي: \"من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك\". ولفظه عند الحاكم: \"من حلف بغير الله فقد كفر\".\nقال الترمذي على إثره: \"هذا حديث حسن\".\nوقال الحاكم: \"هذا حديث على شرط الشيخين فقد احتجا بمثل هذا الإسناد\".\nوأقره الذهبي في التلخيص.\n٤ أخرجه البخاري: كتاب الأيمان والنذر باب لا تحلفوا بآبائكم ١١/٥٣٠ ح٦٦٤٦، ومسلم: كتاب الأيمان باب النهي عن الحلف بغير الله ٣/١٢٦٧ ح١٢٤٦، والترمذي: كتاب النذور والأيمان باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله ٤/١١٠ ح١٥٣٤ جميعهم من طريق نافع عن ابن عمر.","vol":"1","page":278},{"text":"فإذا كان الحلف بمخلوق شركا، فكيف بالحلف بالمخلوق على الخالق؟ فالمقصود أن الدعاء عبادة كما قاله النبي ﷺ: \"إن الدعاء هو العبادة ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ ١.\nفلا يتوسل إلى الله بشيء إلا ما جعله الله وسيلة فيه كالتوسل بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وسائر أنواع التوسل المشروع؛ فالعبادات مبناها على اتباع هدي النبي ﷺ ووفق شرعه والإخلاص بالنية والقصد، لا على الهوى والابتداع. فالواجب على المسلم أن يتثبت في هذا فلا يعبد الله إلا بما شرع وأمر به وأذن فيه.\nوأن يحرص كل الحرص في أن يميز السنة والبدعة، والتوحيد من الشرك، والحق من الباطل، حتى يخلص وينجو من الوقوع فيما ينقض التوحيد.\nهذا هو آخر الحديث عن توحيد الألوهية وبه نهاية الفصل الثاني، ويليه الفصل الثالث وهو في توحيد الأسماء والصفات.\n_________\n١ أخرجه أحمد في المسند ٤/٢٦٧، والبخاري في الأدب المفرد ص٢٤٩، وأبو داود كتاب الصلاة باب الدعاء ٢/١٦١ ح١٤٧٩، والترمذي: كتاب الدعاء باب ما جاء في فضل الدعاء ٥/٤٥٦ ح٣٣٧٢، وابن ماجه: كتاب الدعاء باب فضل الدعاء ٢/١٢٥٨ ح٣٨٢٨، والحاكم في المستدرك ١/٩٤٠.\nجميعهم من طريق يسيع الكندي الحضرمي عن النعمان بن بشير، قال الترمذي على أثره: \"هذا حديث حسن صحيح\"، وقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\".","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32></span><span data-type=\"title\" id=toc-31>الفصل الثالث: توحيد الأسماء والصفات</span>\nوفيه تمهيد وثلاثة مباحث:\nتمهيد: طريقة السلف في توحيد الأسماء والصفات.\nالمبحث الأول: تقرير توحيد الأسماء والصفات عند الإمام أبي حنيفة إجمالا.\nالمبحث الثاني: ذكر جملة من الصفات الذاتية وكلام الإمام أبي حنيفة عنها.\nالمبحث الثالث: ذكر جملة من الصفات الفعلية وكلام الإمام أبي حنيفة عنها.","vol":"1","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>تمهيد</span>\nطريقة السلف في توحيد الأسماء والصفات\nقبل الحديث عن طريقة السلف في توحيد الأسماء والصفات، يحسن ذكر أمور لا بد في هذا المقام من معرفتها:\nأولا - معنى توحيد الأسماء والصفات\nهو اعتقاد انفراد الله بالكمال المطلق من جميع الوجوه بنعوت العظمة والجلال والجمال، وذلك بإثبات ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات ومعانيها وأحكامها الواردة في الكتاب والسنة، كالإقرار بأن الله بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، له المشيئة النافذة والحكمة البالغة، وأنه على العرش استوى، وهو مع عباده أينما كانوا، هذا مع اعتقاد أنه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ١.\nوهذا التوحيد أجلُّ المعارف لأنه معرفة بالله بأسمائه وصفاته، وعلى هذه المعرفة تبنى العبادة. فإذا لم يعرف العبد ربه فكيف يعبده؟ كيف يعبد إلها يجهله؟ لذا استفاضت الأدلة بذكره والتنويه به؛ لأنه كلما كان الأمر مهما كثر إيضاحه وبيانه.\n_________\n١ انظر بتصرف تيسير العزيز الحميد ص٣٤، ٣٥؛ والكواشف الجلية ص٤١٧، ٤١٨.","vol":"1","page":283},{"text":"ثانيا - ما يقدح في توحيد الأسماء والصفات\nيقدح في هذا التوحيد خمسة أمور كلها من ضروب الإلحاد في أسمائه الذي ذمه الله وأهله في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ \"سورة الأعراف: الآية١٨٠\".\nوهذه القوادح هي التشبيه، والتعطيل وتسميته، ووصفه بما لا يليق به. قال ابن القيم:\nالإلحاد في أسماء الله تعالى أنواع:\nأحدها: أن يسمى الأصنام بها كتسميتهم اللات من الآلهة والعزى من العزيز وتسميتهم الصنم إلها\" الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له أبا، وتسمية الفلاسفة له موجبا بذاته أو علة فاعلة.\nوثالثها: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص، كقول أخبث اليهود إنه فقير وقولهم: إنه استراح بعد أن خلق خلقه، وقولهم: يد الله مغلولة وأمثال ذلك.\nرابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم: إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني.\nخامسها: تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى الله عما يقول المشبهون علوا كبيرا١.\n_________\n١ بدائع الفوائد ١/١٦٩، ١٧٠.","vol":"1","page":284},{"text":"ثالثا - مذاهب الناس في الأسماء والصفات\nالناس في باب الأسماء والصفات على ثلاثة أصناف:\nالصنف الأول - المعطلة:\nوهم الذين عطلوا الرب عما يجب أن يثبت له من الأسماء والصفات. والتعطيل على ثلاث مراتب، ذكرها شيخ الإسلام في التدمرية وهي:\n\"١- وصف الله بسلب النقيضين وهو مذهب غلاة المعطلة؛ فإنهم يقولون: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت لأننا لو وصفناه بالإثبات لشبهناه بالمخلوقات، ولو وصفناه بالنفي لشبهناه بالمعدومات.\n٢- وصف الله بالسلب والإضافة دون صفات الإثبات، وهو مذهب المعطلة من الفلاسفة والجهمية، وهؤلاء كلهم ينفون الأسماء والصفات.\n٣- إثبات الأسماء دون الصفات، وهو مذهب المعتزلة ومن تعبهم\" ١.\nوالمعطلة قسمان:\nأهل تأويل، وأهل تجهيل.\nأما أهل التأويل: فهم الذين يصرفون معاني نصوص الكتاب والسنة عن معانيها الظاهرة بغير حجة وهذا هو التحريف بعينه ٢.\nأما أهل التجهيل: فهم الذين ينكرون معاني الأسماء والصفات، ويثبتون ألفاظا لا معاني لها٣.\n_________\n١ مجموع الفتاوى ٣/٧، ٨. بتصرف.\n٢ درء تعارض العقل والنقل ١/٨، ٩.\n٣ مختصر الصواعق ص٥٤.","vol":"1","page":285},{"text":"الصنف الثاني - المشبهة:\nوهم الذين يشبهون صفات الله بصفات المخلوقين، كقول بعضهم: لله سمع كسمعي وبصر كبصري.\nقال إسحاق بن راهويه: \"إنما يكون تشبيه إذا قال: يدٌ كيد أو مثل يد أو سمع كسمع أو مثل سمع فهذا هو التشبيه\" ١.\nوقال ابن تيمية: \"من قال: علم كعلمي أو قوة كقوتي أو حب كحبي أو رضاء كرضائي أو يدان كيديّ أو استواء كاستوائي كان مشبها ممثلا لله بالحيوانات\" ٢.\nومن التشبيه التعرض لكيفية صفات الرب وحقيقتها التي لا يعلمها إلا الله ٣.\nقال ابن القيم عن إلحاد المشبهة: \"فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة، فإن أولئك نفوا صفات كماله وجحدوها وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه فجمعهم إلحاد وتفرقت بهم طرقه\" ٤.\nالصنف الثالث - المؤمنون الموحدون:\nوهم الذين يصفون الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ من صفات الكمال على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته من غير تمثيل ولا تشبيه، ومن غير تحريف ولا تعطيل لشيء من أوصاف الله\n_________\n١ جامع الترمذي ٣/٥٠، ٥١..\n٢ مجموع الفتاوى ٣/١٦.\n٣ عقيدة السلف أصحاب الحديث ص٤ بتصرف.\n٤ بدائع الفوائد ١/١٧٠.","vol":"1","page":286},{"text":"قال الصابوني: \"إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة ... يعرفون ربهم ﷿ بصفاته التي نطق بها وحيُه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله ﷺ على ما وردت الأخبار الصحاح به ونقلته العدول الثقات عنه، ويثبتون له ﷻ منها ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ لا يعتقدون فيها تشبيها لصفاته بصفات خلقه..ولا يحرفون كلاما عن مواضعه، وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتكييف والتشبيه، ومنَّ عليهم بالتعريف والتفهم، حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعليل والتشبيه، واتبعوا قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ \"سورة الشورى: الآية١١\" ... \" ١.\nوبعد هذا العرض لمذاهب الناس في الأسماء والصفات إجمالا، نتناول مذهب السلف في ذلك بشيء من التفصيل.\nرابعا - طريقة السلف في توحيد الأسماء والصفات\n١- طريقتهم في الإثبات:\nالإثبات عندهم هو إثبات بلا تشبيه وبيان ذلك في الآتي:\n\"أ\" الإيمان والتسليم بما ورد من الأسماء والصفات:\nيجب الإيمان بالأسماء والصفات الثابتة في الكتاب والسنة دون تجاوزها بالنقص أو الزيادة.\nقال ابن خزيمة: \"إن الأخبار في صفات الله موافقة لكتاب الله تعالى، نقلها الخلف عن السلف قرنا بعد قرن من لدن الصحابة والتابعين إلى\n_________\n١ اعتقاد السلف أصحاب الحديث ص٣، ٤.","vol":"1","page":287},{"text":"عصرنا هذا على سبيل الصفات لله تعالى والمعرفة والإيمان به والتسليم لما أخبر الله تعالى في تنزيله ونبيه ﷺ مع اجتناب التأويل والجحود، وترك التمثيل والتكييف\" ١.\nوقال أبو بكر الإسماعيلي ٢: \"اعلموا رحمني الله وإياكم أن مذهب أهل الحديث أهل السنة والجماعة الإقرار بالله وكتبه ورسله وقبول ما نطق به كتاب الله وصحت به الرواية عن رسول الله ﷺ، لا معدل عما ورد به، ولا سبيل إلى رده إذ كانوا مأمورين باتباع الكتاب والسنة مضمونا لهم الهدى فيهما مشهودا لهم بأن نبيهم ﷺ يهدي إلى صراط مستقيم محذرين في مخالفته الفتنة والعذاب الأليم، ويعتقدون أن الله تعالى مدعو بأسمائه الحسنى، موصوف بصفاته التي سمى ووصف بها نفسه، ووصفه بها نبيه ﷺ ... \" ٣.\nفجميع نصوص الأسماء والصفات يقرونها صريحة على ظواهرها كما أتت، ويسلمون لما تقتضيه تلك الصفات من كمالات تليق بالله، من غير تحريف ولا تكييف.\nفكل ما نص عليه كتاب الله وحديث رسول الله ﷺ وجب الإيمان به. فمن أنكر أو ألحد فإنه يخشى عليه الكفر بعد ثبوت الحجة عليه كما قال الشافعي: \"لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه ﷺ لا يسع أحدا من خلق الله تعالى قامت عليه الحجة ردها، لأن القرآن نزل بها،\n_________\n١ ذم التأويل لابن قدامة ص١٤٠ ضمن مجموعة الرسائل الكمالية.\n٢ هو أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الإسماعيلي الجرجاني أبو بكر. قال عنه الذهبي: \"الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام\" مات سنة ٣٧١هـ.\nتذكرة الحفاظ ٣/٩٤٧. وانظر ترجمته في طبقات الشافعية ٣/٧.\n٣ ذم التأويل لابن قدامة ص١٣٩، ضمن مجموعة الرسائل الكمالية.","vol":"1","page":288},{"text":"وصح عن رسول الله ﷺ القول بها، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر بالله تعالى، فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر فمعذور بالجهل\" ١.\n\"ب\" أن أسماء الله ﷿ وصفاته كلها عندهم توقيفية:\nفلا يطلقون على الله شيئا منها إلا بإذن من الشرع، فما ورد من الشرع وجب إطلاقه، وما لم يرد به فلا يصح إطلاقه، قال عبد الرحمن بن قاسم العُتَقي ٢: \"لا ينبغي لأحد أن يصف الله إلا بما وصف به نفسه في القرآن\" ٣.\nوقال السجزي: \"قد اتفقت الأئمة على أن الصفات لا تؤخذ إلا توقيفا، وكذلك شرحها لا يجوز إلا بتوقيف ... ولا يجوز أن يوصف الله سبحانه إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ\" ٤.\nوذلك لأن الإيمان بصفات الله وأسمائه من الإيمان بالغيب، ولا يمكن معرفة الغيب إلا عن طريق الرسل الذين يبلغون وحي الله.\n\"ج\" إثباتهم للصفات إثبات وجود معلوم المعنى مجهول الكيفية:\nسئل الإمام مالك عن قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ \"سورة طه: الآية٥\".\n_________\n١ ذم التأويل ص١٤٣.\n٢ هو عبد الرحمن بن قاسم بن خالد بن جنادة العتقي بضم المهملة وفتح المثناة أبو عبد الله البصري. قال عنه ابن حجر: \"الفقيه صاحب مالك ثقة من كبار العاشرة\". مات سنة إحدى وتسعين ومائة تقريبا. تقريب التهذيب ١/٤٩٥؛ وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٦/٢٥٢.\n٣ أصول السنة لابن أبي زمنين ١/٢١٢.\n٤ كتاب الحرف والصوت ص١٣٩.","vol":"1","page":289},{"text":"كيف استوى؟ قال: \"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة\" ١.\nفبين أن الاستواء معلوم المعنى، مجهول الكيفية. وهكذا بقية الصفات يقال فيها ما قيل في الاستواء.\nقال أبو سليمان الخطابي: \"فإذا كان معلوما أن إثبات الباري ﷾، هو إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته؛ إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد وتكييف\" ٢.\nوقال الحافظ أبو القاسم التيمي: \"وإثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات ... وعلى هذا مضى السلف كلهم\" ٣.\nوقال السجزي: \"إن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة هي معقولة عند العرب، والخطاب ورد بها عليهم بما يتعارفون بينهم، ولم يبين سبحانه أنها بخلاف ما يعقلونه، ولا فسرها النبي ﷺ بتفسير يخالف الظاهر، فهي على ما يعقلونه\" ٤.\nوقال السرخسي الحنفي ٥: \"وأهل السنة والجماعة أثبتوا ما هو الأصل المعلوم بالنص - أي بالآيات القطعية والدلالات اليقينية - وتوقفوا\n_________\n١ تقدم تخريج هذا الأثر ص٢٥.\n٢ الأربعين في صفات رب العالمين ص١١٧؛ والعلو ص١٧٣، كلاهما للذهبي.\n٣ الحجة في بيان المحجة ص٣٤.\n٤ الحرف والصوت ص١٨٣.\n٥ هو أبو بكر محمد بن أحمد السرخسي نسبة إلى سرخس بفتح السين والراء بلد بخراسان، قال عنه القرشي: \"كان إماما علامة حجة متكلما فقيها أصوليا\" مات سنة ٤٩٠هـ، انظر الجواهر المضية ٣/٧٨؛ والفوائد البهية ص١٥٨.","vol":"1","page":290},{"text":"فيما هو المتشابه وهو الكيفية، ولم يجوزا الاشتغال في طلب ذلك\" ١.\nوقال البزدوي الحنفي ٢: \"إثبات اليد والوجه حق عندنا معلوم بأصله، متشابه بوصفه، ولا يجوز إبطال الأصل بالعجز عن إدراك الوصف بالكيف، وإنما ضلّت المعتزلة من هذا الوجه فإنهم ردوا الأصول لجهلهم بالصفات فصاروا معطلة\" ٣.\n\"د\" الإثبات عندهم يكون على وجه التفصيل:\nوهذه هي طريقة القرآن، فالإثبات للصفات في كتاب الله يكون مفصلا، والنفي يكون مجملا.٤\nومن شواهد الإثبات المفصل قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ \"سورة الحشر: الآيتان ٢٣-٢٤\".\nوالمراد بالتفصيل:\nالتعيين والتخصيص، وذلك بذكر الأسماء والصفات معينة منصوصا عليها، لا مجملة في لفظ عام، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ \"سورة الأعراف: الآية١٨٠\".\n_________\n١ شرح الفقه الأكبر ص٦٠.\n٢ سيأتي التعريف به في ص٢٩٩.\n٣ أصول البزدوي مع شرحه كشف الأسرار لعلي الدين البخاري ١/٦٠، ٦١.\n٤ شرح العقيدة الطحاوية ص٥٣.","vol":"1","page":291},{"text":"\"هـ\" صفات الله كلها كاملة عندهم:\nما ورد في الكتاب والسنة وصفا لله تعالى إنما هو عندهم من صفات الكمال الواجبة لله تعالى، ولو لم يتصف بها للزم النقص في حقه تعالى وتقدّس. ومما يدل على هذا أن الله تعالى ذكر أن الأصنام لا توصف بالكلام، ولا بالنطق، ولا بالنفع، ولا بالضر، وهذا دليل على عدم إلهيتها. وإذا كان كذلك فهذه الصفات صفات كمال، والفاقد لها لا يستحق أن يكون متصفا بالألوهية.\nقال تعالى عمن عبد العجل من دونه: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ \"سورة الأعراف: الآية١٤٨\".\nوقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ \"سورة طه: الآيتان٨٨-٨٩\".\n\"و\" وأسماء الله كلها حسنى عندهم:\nأسماء الله جميعها حسنى؛ لأنها دالة على صفات كمال عظيمة، ولو كانت أعلاما محضة لم تكن حسنى١، لذلك أمر الله عباده أن يدعوه بها لأنها وسيلة مقربة إليه يحبها ويحب من يحفظها، ويحب من يبحث عن معانيها ويتعبد له بها ٢.\nقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ \"سورة الأعراف: الآية١٨٠\".\n_________\n١ انظر مجموع الفتاوى ٣/٨.\n٢ انظر تيسير كلام المنان ٣/١٢٠، ١٢١. ٥/١٤٥.","vol":"1","page":292},{"text":"فكل اسم من أسماء الله دال على جميع الصفة التي اشتق منها، مستغرق لجميع معناها، ودلالة الأسماء على الذات والصفة تكون بالمطابقة إذا فسرنا الاسم بجميع مدلوله، وبالتضمن إذا فسرناه ببعض مدلوله، وبالالتزام إذا استدللنا به على غيره من الأسماء التي يتوقف عليها هذا الاسم، مثال ذلك الرحمن، دلالته على الرحمة والذات دلالة مطابقة، وعلى أحدهما دلالة تضمن لأنها داخلة في الضمن، ودلالة الأسماء التي لا توجد إلا بثبوتها كالحياة والعلم والقدرة ونحوها دلالة التزام١.\nفالمقصود أن أسماء الله أعلام وأوصاف دالة على معانيها، وكلها أوصاف مدح وثناء.\n٢- طريقتهم في التنزيه:\nالتنزيه الذي دل عليه الكتاب والسنة وفهمه سلف هذه الأمة هو تنزيه بلا تعطيل، لما أثبت الله لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ. وليس نفي الصفات الثابتة في الكتاب والسنة من التنزيه في شيء ٢ بل هو عين التنقص.\n_________\n١ انظر بدائع الفوائد١/١٦٢ بتصرف.\n٢ خالف المتكلمون السلف في مفهوم التنزيه حيث جعلوه معولا لهدم بنيان صفات الله الثابتة في الكتاب والسنة. وأول من أدخل النفي في التنزيه هم الجهمية فقد نقل عنهم الإمام أحمد أن توحيدهم غالبه سلوب وتابعهم بعد ذلك المعتزلة فقد نقل عنهم الأشعري في المقالات أنهم أجمعوا على:\n\"أن الله واحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وليس بجسم ولا شبه ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عرض ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا مجسة ولا بذي حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع ولا افتراق ولا يتحرك ولا يسكن ولا يتبعض وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء وليس بذي جهات ولا == بذي يمين وشمال وأمام وفوق وتحت ولا يحيط به مكان ولا يجري عليه الزمان ولا يجوز عليه الماسة ولا العزلة ولا الحلول في الأماكن ولا يوصف بشيء من صفات الخلق. فهذه جملة قولهم في التوحيد وقد شاركهم هذه الجملة الخوارج وطوائف من المرجئة وطوائف من الشيعة.\nقال ابن أبي العزَّ الحنفي في بيان فساد هذه الأمة: \" والمعطلة يعرضون عما قاله الشارع من الأسماء والصفات ولا يتدبرون معانيها ويجعلون ما ابتدعوه من المعاني والألفاظ هو المحكم الذي يجب اعتقاده واعتماده ... والمقصود أن غالب عقائدهم السلوب ليس بكذا ليس بكذا وأما الإثبات فهو قليل وهو أنه عالم قادر حي وأكثر النفي المذكور ليس متلقى عن الكتاب والسنة ولا عن الطرق العقلية التي سلكها غيرهم من مثبتي الذات فإن الله تعالى قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ \"سورة الشورى: الآية١١\".\nففي هذا الإثبات ما يقرر معنى النفي ففهم أن المراد انفراده سبحانه بصفات الكمال فهو ﷾ موصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسله ليس كمثله شيء في صفاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله\".\nانظر كتاب الرد على الجهمية للإمام أحمد ص١٠٥؛ مقالات الإسلاميين ص١٥٥؛ وشرح العقيدة الطحاوية ص٥٤؛ وراجع أيضا مجموع الفتاوى ١١/٤٨٣، ٤٨٤.","vol":"1","page":293},{"text":"والنوم والذل والسفه والنسيان والغفلة والحاجة والتعب واللغوب، أو كان منفصلا؛ كالشريك والظهير والشفيع بدون إذنه والولد والوالد واتخاذ صاحبة والكفؤ والند والولي من الذل.\nقال ابن القيم:\nتوحيدهم نوعان قولي وفعلي\nكلا نوعيه ذو برهان\nفالأول القولي ذو نوعين أيضا\nفي كتاب الله موجودان\nإحداهما سلب وذا نوعان\nأيضا فيه مذكوران\nسلب النقائص والعيوب جميعها\nعنه هما نوعان معقولان\nسلب لمتصل ومنفصل هما\nنوعان معروفان أما الثاني\nسلب الشريك مع الظهير مع\nالشفيع بدون إذن المالك الديان\nوكذاك سلب الزوج والولد الذي\nنسبوه إليه عابدو الصلبان\nوكذاك نفي الكفء أيضا والولي\nما سوى الرحمن للغفران\nوالأول التنزيه للرحمن عن\nوصف العيوب وكل ذي نقصان\nكالموت والإعياء والتعب الذي\nينفي اقتدار الخالق المنان\nوالنوم والسِّنَة التي هي أصله\nوعزوب شيء عنه في الأكوان\nإلى أن قال:\nوكذاك ظلم عباده وهو الغني\nفما له والظلم للإنسان\nوكذاك غفلته تعالى وهو علام\nالغيوب فظاهر البطلان\nوكذلك النسيان جل إلهنا\nلا يعتريه قط من نسيان\nوكذاك حاجته إلى طعام ورز\nقٍ وهو رازق بلا حسبان\nهذا وثاني نوعي السلب الذي\nهو أول الأنواع في الأوزان\nتنزيه أوصاف الكمال له\nعن التشبيه والتمثيل والنكران","vol":"1","page":295},{"text":"لسنا نشبه وصفه بصفاتنا\nإن المشبه عابد الأوثان ١\n\"ب\" النفي عندهم مجمل:\nتقدّم أن الإثبات عند السلف يكون إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته رسول الله ﷺ على وجه التفصيل من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل. أما النفي فهو مجمل عندهم كما في القرآن الكريم.\nقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ \"سورة الشورى: الآية١١\".\nوقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ \"سورة الإخلاص: الآية٤\".\nوالمراد بالإجمال: التعميم والإطلاق، والنفي المجمل: هو الذي لا يتعرض فيه لنفي عيوب ونقائص معينة، فقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، هو نفي مجمل لأنه نفي للمماثلة في جميع الصفات، فلم يقل ليس كمثله شيء في علمه أو في قدرته أو في سمعه أو في بصر. وما ذكر من الإجمال في النفي والتفصيل في الإثبات إنما هو في الغالب؛ وإلا فإنه قد يأتي النفي مفصلا، كما قد يأتي الإثبات مجملا. فالأول، كقوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ \"سورة البقرة: الآية٢٥٥\".\nوقوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ \"سورة الكهف: الآية٤٩\".\nوالثاني كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ \"سورة الأعراف: الآية١٨٠\".\nوقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ \"سورة الفاتحة: الآية٢\".\n_________\n١ القصيدة النونية المعروفة بالكافية الشافية ص١٤٥.","vol":"1","page":296},{"text":"\"ج\" لا يصفون الله بالنفي المحض:\nومع نفيهم عن الله ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ فهم يثبتون ضد الصفات المنفية، كقوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ \"سورة الكهف: الآية٤٩\".\nفهم يثبتون كمال عدله.\nوكقوله تعالى: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ \"سورة سبأ: الآية٣\".\nفهم يثبتون كمال علمه.\nوكقوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ \"سورة ق: الآية٣٨\".\nفهم يثبتون كمال قدرته.\nوكقوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ \"سورة البقرة: الآية٢٥٥\".\nفهم يثبتون كمال حياته وقيّوميته، لأن النفي الصرف عندهم لا مدح فيه ولا كمال لأنه عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء ١.\n_________\n١ انظر الرسالة التدمرية ص٥٧، وشرح العقيدة الطحاوية ص٥٢.","vol":"1","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>المبحث الأول: تقرير توحيد الأسماء والصفات إجمالا عند الإمام أبي حنيفة</span>\n\"أ\" يثبت الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ما أثبت الله لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ، يدل على هذا قوله: \"لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى ولا يقال: غضبه عقوبته، ورضاه ثوابه.\nونصفه كما وصف نفسه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، حي قادر سميع بصير عالم، يد الله فوق أيدهم، ليست كأيدي خلقه، ووجه ليس كوجوه خلقه\" ١.\nوقوله: \"وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن، من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته أونعمته؛ لأن فيه إبطالَ الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال ... \" ٢.\n_________\n١ الفقه الأبسط ص٥٦.\n٢ الفقه الأكبر ص٣٠٢.","vol":"1","page":298},{"text":"قال البزدوي ١: \"العلم نوعان علم التوحيد والصفات، وعلم الشرائع والأحكام، والأصل في النوع الأول هو التمسُّك بالكتاب والسنة ومجانبة الهوى والبدعة ولزوم طريق السنة والجماعة، وهو الذي عليه أدركنا مشايخنا وكان على ذلك سلفنا أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وعامة أصحابهم. وقد صنف أبو حنيفة ﵁ في ذلك كتاب الفقه الأكبر، وذكر فيه إثبات الصفات وإثبات تقدير الخير والشر من الله\" ٢.\n\"ب\" الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يعتمد على الرأي والمقايسات العقلية في إثبات الصفات بل يثبت الصفات بالكتاب والسنة، يدل على هذا قوله: \"لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء، بل يصفه بما وصف به نفسه، ولا يقول فيه برأيه شيئا تبارك الله تعالى رب العالمين\" ٣.\nفصفات الله لا تعلم بالعقل فقط بل لا تعلم على التفصيل إلا بالوحي؛ فإنها من الغيب، والعقل قاصر وعاجز عن معرفة الغيب على التفصيل، بل العقول عاجزة عن تكييف صفات الرب ﷾؛ لأن الشيء إنما تعرف كيفيته بمشاهدته أو مشاهدة نظيره، والله تعالى لا نظير له. وإذا كانت عاجزة عن تكييف بعض المخلوقات كالروح\n_________\n١ هو علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم البزدوي نسبة إلى بزدة قلعة حصينة على ستة فراسخ من نسف.\nقال عنه ياقوت: \"الفقيه بما وراء النهر صاحب الطريقة على مذهب أبي حنيفة. روى عنه صاحبه أبو المعلى محمد بن نصر بن منصور المديني الخطيب وابنه القاضي أبو ثابت الحسن بن البزدوي\" مات سنة ٤٨٨هـ، معجم البلدان ١/٤٠٩؛ والجواهر المضية ٢/٥٩٤.\n٢ أصول البزدوي ص٣، كشف الأسرار عن أصول البزدوي ١/٧، ٨.\n٣ شرح العقيدة الطحاوية ٢/٤٢٧ تحقيق د. التركي وجلاء العينين ص٣٦٨.","vol":"1","page":299},{"text":"والجنة ١ وغيرها من المغيبات، فهي عن التكييف لذات الرب وصفاته أعجز. وفي هذا يقول الشافعي: \"حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد، وعلى الظنون أن تقطع، وعلى النفوس أن تفكر، وعلى الضمائر أن تعمَّق، وعلى الخواطر أن تحيط، وعلى العقول أن تعقل إلا ما وصف به نفسه أو على لسان نبيه ﷺ\" ٢.\nوقال ابن عبد البر: \"لا خلاف بين فقهاء الأمصار وسائر أهل السنة، وهم أهل الفقه والحديث في نفي القياس في التوحيد، وإثباته في الأحكام\" ٣.\n\"ج\" الصفات عند الإمام أبي حنيفة معلومة المعنى، مجهولة الكيفية، وليس عنده التفويض المطلق، دلّ على ذلك قوله لما سئل عن النزول الإلهي قال: \"ينزل بلا كيف\" ٤.\nقال الملاّ علي القاري بعد ذكره قول الإمام مالك: \"الاستواء معلوم، والكيف مجهول ... \": \"اختاره إمامنا الأعظم وكذا كل ما ورد من الآيات والأحاديث المتشابهات من ذكر اليد والعين والوجه ونحوها من الصفات. فمعاني الصفات كلها معلومة وأما كيفيتها فغير معقولة؛ إذ تعقل الكيف فرع العلم لكيفية الذات وكنهها. فإذا كان ذلك غير معلوم؛ فكيف يعقل لهم\n_________\n١ الرسالة التدمرية ص٤٦، ٤٧، ٥٠-٥٧، والحموية ص١١٠، ١١٢، ومجموع الفتاوى ٣/٢٨، ٣٠-٣٤، ٥/١١٥، ١١٦.\n٢ ذم التأويل ص١٤٣، ضمن مجموعة الرسائل الكمالية رقم ٣.\n٣ جامع بيان العلم وفضله ص٧٤.\n٤ عقيدة السلف أصحاب الحديث ص٤٢، ط، دار السلفية، والأسماء والصفات للبيهقي ص٤٥٦، وسكت عليه الكوثري، وشرح الطحاوية ص٢٤٥، تخريج الألباني، وشرح الفقه الأكبر للقاري ص٦٠.","vol":"1","page":300},{"text":"كيفية الصفات، والعصمة النافعة من هذا الباب أن يصف الله بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يثبت له الأسماء والصفات، وينفي عنه مشابهة المخلوقات، فيكون إثباتك منزها عن التشبيه، ونفيك منزها عن التعطيل. فمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطل ومن شبّهه باستواء المخلوقات على المخلوق فهو مشبّه، ومن قال الاستواء ليس كمثله شيء فهو الموحِّد المنزِّه\" ١.\n\"د\" الإمساك عن التأويل مطلقا:\nطريقة الإمام أبي حنيفة في الصفات، الإمساك عن التأويل مطلقا لأنه يفضي إلى إبطال الصفة وتعطيل معناها اللائق بالله. دل على ذلك قوله: \"ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته لأن فيه إبطال صفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال\" ٢.\nوقال: \"وهو يغضب ويرضى ولا يقال غضبه عقوبته ورضاه ثوباه\" ٣.\nوالإمساك عن تأويل النصوص بما يخالف ظاهرها هو طريقة الأئمة، كما هي طريقة الإمام أبي حنيفة. قال الألوسي الحنفي: \"أنت تعلم أن طريقة كثير من العلماء الأعلام وأساطين الإسلام الإمساك عن التأويل مطلقا مع نفي التشبيه والتجسيم ٤. منهم الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك،\n_________\n١ مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٨/٢٥١ طبع ملتان.\n٢ الفقه الأكبر ص٣٠٢..\n٣ الفقه الأبسط ص٥٦، وسكت عليه محقق الكتاب الكوثري.\n٤ التجسيم: من الألفاظ المجملة المحدثة التي أحدثها أهل الكلام، فلم ترد في الكتاب والسنة ولم تعرف عن أحد من الصحابة والتابعين وأئمة الدين، انظر مجموع الفتاوى ٣/٣٠٦، ومنهاج السنة ٢/١٣٥.","vol":"1","page":301},{"text":"والإمام أحمد، والإمام الشافعي، ومحمد بن الحسن، وسعد بن معاذ المروزي، وعبد الله بن المبارك، وأبو معاذ خالد بن سليمان صاحب سفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسماعيل البخاري، والترمذي، وأبو داود السجستاني ... \" ١.\n\"هـ\" نفي التشبيه مطلقا وإثبات الصفات مع نفي التشبيه ليس من التشبيه في شيء عند الإمام أبي حنيفة:\nنفى الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى مشابهة الله بخلقه مطلقا، فلا يماثله شيء ومع ذلك أثبت الصفات، دل على ذلك قوله: \" ولا يشبه شيئا من الأشياء من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه، لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته ... \" ٢.\nوقال: \"وصفاته بخلاف صفات المخلوقين يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويسمع لا كسمعنا، ويتكلم لا ككلامنا ... \" ٣.\nوقال كذلك: \"لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين\"٤.\nوقرر الطحاوي هذا في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"ولا يشبه الأنام\" ٥.\nفهو سبحانه ليس كمثله شيء ولا تضرب له الأمثال ولا كفء له.\n_________\n١ روح المعاني ٦/١٥٦.\n٢ الفقه الأكبر ٣٠١.\n٣ الفقه الأكبر ص٣٠٢.\n٤ الفقه الأبسط ص٥٦.\n٥ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص١٩.","vol":"1","page":302},{"text":"قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ \"سورة الشورى: الآية١١\" ... \".\nوقال تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ \"سورة النحل: الآية٧٤\".\nوقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ \"سورة الإخلاص: الآية٤\".\nفكل ما ثبت لله من صفات الكمال فهي مختصة به وحده، لا يشركه فيها أحد، ومن اعتقد خلاف ذلك فقد كفر.\nقال نعيم بن حماد: \"من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، فليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيها\" ١.\nوقال إسحاق بن راهويه: \"من وصف الله فشبّه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم\"٢.\nوهذا هو ما يعتقده الإمام أبو حنيفة وصاحباه. دل على ذلك ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: \"ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر\" ٣. والمبتدعة تسمي من أثبت لله صفات الكمال التي لا يشترك معه فيها أحد مشبها ومجسما، وفي ذلك يقول القونوي الحنفي: \"قال كثير من أئمة السلف علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة، فإنه ما من أحد نفى\n_________\n١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٥٣٢.\n٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٥٣٢.\n٣ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ٢٥.","vol":"1","page":303},{"text":"شيئا من الأسماء والصفات إلا يسمي المثبت لها مشبها، حتى بعض المفسرين كعبد الجبار والزمخشري وغيرهما من المعتزلة والرافضة يسمون كل من أثبت شيئا من الصفات أو قال برؤية الذات مشبها. والمشهور عند الجمهور من أهل السنة والجماعة أنهم لا يريدون بنفي التشبيه نفي الصفات، بل يريدون أنه سبحانه لا يشبه المخلوق في أسمائه وصفاته وأفعاله كما بيّنه الإمام بيانا شافيا\" ١.\nفالمثبت لصفات الكمال التي لا يشترك فيها مع الله أحد ليس مشبها ولا مجسما، بل المشبه من اعتقد أن صفات الله من جنس صفات المخلوقين.\nقال إسحاق بن راهويه: \"إنما يكون تشبيه إذا قال: يدٌ كيد أو مثل يد أو سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه. وأما إذا قال كما قال لله تعالى يد وسمع وبصر ولا يقول كيف ولا يقول مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيها. وهو كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ \"سورة الشورى: الآية١١\" ... \" ٢.\nوقال الترمذي: \"قال أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا ونؤمن بها ولا نتوهم ولا يقال كيف؟..هكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة. وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيه\" ٣.\n_________\n١ شرح الفقه الأكبر للقاري ص٢٤، ٢٥.\n٢ سنن الترمذي ٣/٤٢.\n٣ سنن الترمذي ٣/٤١، ٤٢، وانظر ٥/٢٥١.","vol":"1","page":304},{"text":"فتبين لنا من نصوص الإمام أبي حنيفة المتقدمة أنه يثبت الصفات التي وردت في الكتاب والسنة بدون تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل. وإثبات الصفات عنده على هذه الطريقة ليس من التشبيه في شيء. هذا هو ما عليه السلف الصالح، أما ما عدا ذلك فهو من بدع المعطلة والمشبهة.\n\"و\" تقسم الصفات:\nأئمة أهل السنة يرون١ أن صفات الله تنقسم إلى قسمين:\nأولا - صفات ذاتية:\nوهي الملازمة للذات الإلهية أزلا وأبدا ولا تتعلق بها المشيئة ٢، كالحياة والعلم والسمع والبصر.\nثانيا - صفات فعلية:\nوهي التي تتعلق بقدرته في كل وقت وأن تحدث بمشيئته، كالنزول والاستواء والإحياء والإماتة والرضا والغضب ٣.\nوهذا التقسيم ذهب إليه الإمام أبو حنيفة. دل على هذا قوله:\n_________\n١ انظر الأسماء والصفات ص١١٠، والاعتقاد ص٧٠-٧٢ن كلاهما للبيهقي، ومجموع الفتاوى ٦/٩٩، ٦/٢٦٨، واجتماع الجيوش الإسلامية ٣٠٠، والعلو للذهبي ص١٧٤، وممن ذهب إلى هذا التقسيم من المتكلمين أبو الهذيل العلاف من المعتزلة والباقلاني من الأشاعرة. انظر مقالات الإسلاميين ١/١٦٥٤، والتمهيد للباقلاني ص٢٦٢، وكذا قسّم بعض أهل السنة الصفات إلى قسمين سمعية وعقلية يظهر من كلام الإمام أحمد وابن كلاب وعبد العزيز المكي كما صرح بذلك شيخ الإٌسلام في كتاب التدمرية ص١٤٩، ١٥٠.\n٢ انظر التمهيد للباقلاني ص٢٦٢؛ ومجموع الفتاوى ٥/٩٩، واجتماع الجيوش الإسلامية ص٣٠٠، والعلو للذهبي ص١٧٤.\n٣ انظر مجموع الفتاوى ٦/٦٢٨، ٦/١٧٢ ومجموعة الرسائل والمسائل ١/٣٦٩، وشرح العقيدة الواسطية لهراس ص٩٨، ٩٩ بتصرف.","vol":"1","page":305},{"text":"\"وصفاته الذاتية والفعلية: أما الذاتية فالحياة والقدرة والعلم والكلام والسمع والبصر والإرادة، وأما الفعلية فالتخليق والترزيق والإنشاء والإبداع والصنع وغير ذلك من صفات الفعل لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته\" ١.\nوقال كذلك: \"ولم يزل فاعلا بفعله، والفعل صفة في الأزل، والفاعل هو الله تعالى، والفعل صفة في الأزل والمفعول مخلوق وفعل الله تعالى غير مخلوق\" ٢.\nوواضح من هذا أن الإمام أبا حنيفة لا يفرق بين الصفات الذاتية والفعلية بل يثبتها كلها لله تعالى ويثبت قيامها به سبحانه. وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، فلا يفرقون بين بعض الصفات وبعض، بل يثبتون كل ما أثبت الله لنفسه وأثبته له رسول الله ﷺ بخلاف أهل البدعة الذين يفرقون بين الصفات.\n﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ \"سورة آل عمران: الآية٧\".\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠١.\n٢ الفقه الأكبر ص٣٠١.","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>المبحث الثاني: ذكر جملة من الصفات الذاتية وكلام أبي حنيفة عنها</span>\nأولا - الصفات الذاتية\n١- العلو:\nالإمام أبو حنيفة ﵀ يعتقد أن الله في السماء. دل على هذا قوله: \"من قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر، وكذا من قال إنه على العرش، ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض\" ١.\nوقال للمرأة التي سألته أين إلهك الذي تعبده؟ قال: \"إن الله ﷾ في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أرأيت قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ \"سورة الحديد: الآية٤\".\nقال هو كما تكتب للرجل إني معك وأنت غائب عنه\" ٢.\n_________\n١ الفقه الأبسط ص٤٩، ونقل نحو هذا اللفظ شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٥/٤٨، وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص١٣٩، والذهبي في العلو ص١٠١٢، ١٠٢، وابن قدامة في العلو ص١١٦، وابن أبي العز في شرح الطحاوية ص٣٠١.\n٢ الأسماء والصفات ص٤٢٩.","vol":"1","page":307},{"text":"قال البيهقي: \"لقد أصاب أبو حنيفة ﵁ فيما نفى عن الله ﷿ من الكون في الأرض، وفيما ذكر من تأويل الآية وتبع مطلق السمع في قوله إن الله ﷿ في السماء\" ١.\nوقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب الأبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه\" ٢.\nوما يعتقده الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى من علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه هو اعتقاد سائر الأئمة. وقد تضافرت على إثبات صفقة العلو دلالة الفطرة والعقل والشرع. وقد تقدم ذكر استدلال الإمام أبي حنيفة بدليل الفطرة ٣، وتنوعت أدلة العلو من الكتاب والسنة أوصلها العلامة ابن القيم إلى عشرين نوعا منها:\n١- التصريح بالفوقية مقرونا بأداة \"من\" المعينة للفوقية بالذات في قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ \"سورة النحل: الآية٥٠\".\n_________\n١ الأسماء والصفات ص٤٣٩-٤٤٠.\n٢ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٣٧.\n٣ ص٢٣٩، وفي تقرير دليل الفطرة تفصيلا يقول الإمام محمد بن عثمان بن أبي شيبة: \"وأجمع الخلق جميعا أنهم إذا دعوا الله جميعا رفعوا أيديهم إلى السماء فلو كان الله ﷿ في الأرض السفلى ما كانوا يرفعون أيديهم إلى السماء وهو معهم في الأرض ثم تواترت الأخبار أن الله تعالى خلق العرش فاستوى عليه بذاته ثم خلق الأرض والسماوات فصار من الأرض إلى السماء إلى العرش فهو فوق السماوات وفوق العرش بذاته متخلصا من خلقه بائنا من علمه في خلقه لا يخرجون من علمه\". انظر كتاب العرش لابن أبي شيبة ص٥١.","vol":"1","page":308},{"text":"٢- ذكرها مجردة عن الأداة كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ \"سورة الأنعام: الآية٦١\".\n٣- التصريح بعروج بعض المخلوقات كقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ \"سورة المعارج: الآية٤\".\n٤- التصريح بالصعود إليه وبرفعه بعض المخلوقات كقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ \"سورة النساء: الآية١٥٨\"، وكقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ \"سورة فاطر: الآية١٠\".\n٥- التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتا وقدرا وشرفا كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ \"سورة الشورى: الآية٤\".\n﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ \"سورة سبأ: الآية٢٣\".\n٦- التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيم﴾ \"سورة غافر: الآية٢\".\nوقوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ \"سورة فصلت: الآية٢\".\n٧- التصريح بأنه تعالى في السماء كقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ \"سورة الملك: الآية١٦\".\n٨- التصريح بالاستواء مقرونا بأداة \"على\" مختصا بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات.\n٩- الإشارة إليه إلى العلو حسا كما أشار إليه النبي ﷺ وهو أعلم","vol":"1","page":309},{"text":"بربه حيث قال: \"أنتم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت؟ فرفع أصبعه الكريم إلى السماء قائلا: \"اللهم اشهد \" ١.\n١٠- التصريح بلفظ الأين، كقول أعلم الخلق به وأنصحهم في أمته: \"أين الله \" ٢.\nوالقول بالعلو هو اعتقاد الصحابة والتابعين وجميع المسلمين قبل ظهور المبتدعة. قال الأوزاعي: \"كنا والتابعون متوافرين نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة الصحيحة من صفاته\" ٣.\nقال ابن تيمية: \"وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله ﷿ فوق عرشه، والنافي لصفاته ليعرف الناس أن مذهب السلف كان خلاف ذلك القول\" ٤.\nوقال عبد الله بن المبارك: \"نعرف ربنا بأنه فوق سبع سمواته، على العرش استوى، بائن من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية\" ٥. وأقوال السلف في ذلك كثيرة. ولو ذهبت في إيراد أقوالهم لطال بنا المقام، ولكن أحيل القارئ الكريم إلى كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية للعلامة ابن القيم، وكتاب العلو للحافظ الذهبي، فقد نقلا عن أكثر من مائة إمام\n_________\n١ أخرجه مسلم: كتاب الحج باب صحبة النبي ﷺ ٢/٨٨٦ ح١٢١٨ من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله.\n٢ تقدم تخريجه ص٢٣٣.\n٣ الأسماء والصفات ص٤٠٨؛ وفتح الباري ١٣/٤٠٦.\n٤ مجموع الفتاوى ٥/٣٩.\n٥ السنة لعبد الله بن أحمد ص١٣؛ والرد على الجهمية للدارمي ص٦٧؛ والأسماء والصفات ص٤٢٧.","vol":"1","page":310},{"text":"من أئمة المسلمين كلهم يصرحون بعلو الله واستوائه على عرشه.\nهذه هي عقيدة الإمام أبي حنيفة في العلو والفوقية، ولا يلتفت إلى بعض المنتسبين إلى مذهبه ممن أنكر العلو وبقية الصفات أو بعضها، فهم مخالفون في له في كثير من اعتقاداته، قال ابن أبي العز: \"فقد انتسب إليه طوائف معتزلة وغيرهم مخالفون له في كثير من اعتقاداتهم، وقد ينسب إلى مالك والشافعي وأحمد ﵃ من يخالفهم في بعض اعتقاداتهم\" ١.\nهذا وإن اللبيب ليعجب من حشد أنواع الأدلة ٢ على قضية كهذه واضحة وضوحا ظاهرا وجلاء بينا، لولا ما تسرب لعقول كثير من المسلمين من شبهات المبتدعة التي أعمت بصائر كثير من الناس وصيرت القضايا البدهية اليقينية نظرية ظنية.\n٢- صفة اليدين:\nيثبت الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى يدين حقيقيتين لله تعالى تليقان به تعالى لا تشبههما أيدي المخلوقين، يدل على هذا قوله: \"وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد فهو له صفات بلا كيف\" ٣.\n_________\n١ شرح العقيدة الطحاوية ص٣٠٢.\n٢ الأدلة على علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه كثيرة جدا وقد تتبعها بعض أئمة السنة فوجدوها أكثر من ألف دليل.\nانظر الجواب الصحيح ٣/٨٤؛ والصواعق المرسلة ٤/١٢٧٩.\n٣ الفقه الأكبر ص٣٠٢.","vol":"1","page":311},{"text":"وقال كذلك: \"يد الله فوق أيديهم ليست كأيدي خلقه\" ١.\nولقد ورد إثبات اليدين في عدة مواضع من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\nففي القرآن جاء في سورة المائدة قول الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ \"سورة المائدة: الآية٦٤\".\nأما في السنة فقد عقد البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ \"سورة ص: الآية٧٥\".\nضمن كتاب التوحيد، أورد فيه جملة من الأحاديث الصحيحة كلها تثبت صفة اليدين لله تعالى منها:\nحديث أنس بن مالك مرفوعا في الشفاعة العظمى وفيه: \"يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أما ترى الناس؟ خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء اشفع لنا إلى ربك ... \" ٢.\nوحديث ابن عمر ﵄ وفيه أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله يقبض يوم القيامة الأرض وتكون السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك ... \" ٣.\nوحديث أبي هريرة ﵁ وفيه أن رسول الله ﷺ قال: \"يد الله\n_________\n١ الفقه الأبسط ص٥٦.\n٢ كتاب التوحيد من صحيح البخاري باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ١٣/٣٩٢ ح٧٤١٠ من طريق قتادة عن أنس.\n٣ كتاب التوحيد من صحيح البخاري باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ١٣/٣٩٣ ح٧٤١٢ من طريق نافع عن ابن عمر.","vol":"1","page":312},{"text":"ملأى لا يغيضها نفقة سحًّا١ الليل والنهار ... \" ٢.\nفهذه النصوص دالة على إثبات اليدين لله ﷾ وهي لا تحتمل التأويل بحال ولا يمكن حمل اليدين إلا على الحقيقة ومن لم يحملها على الحقيقة فهو معطل لتلك الصفة ولقد رد الإمام أبو حنيفة على من لم يحمل النصوص على الحقيقة وتأول صفة اليدين بالقدرة أو النعمة فقال: \"ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفة بلا كيف\"٣.\nفاليد غير القدرة عند الإمام أبي حنيفة بل هي صفة قائمة بذات الله تعالى تليق به وبجلاله وعظمته.\n٣- ٤- صفتا الوجه والنفس:\nأثبت الله لذاته المقدسة صفة الوجه في أربع عشرة ٤ آية من آي الذكر الحكيم قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ \"سورة الرحمن: الآية٢٧\".\nوقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ \"سورة القصص: الآية٨٨\".\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ \"سورة الإنسان: الآية٩\".\nوأثبت له الرسول ﷺ صفة الوجه في أحاديث معروفة مشهورة، منها\n_________\n١ سحّا: السح هو الصب الدائم. انظر النهاية ٢/٣٤٥.\n٢ كتاب التوحيد من صحيح البخاري باب قول الله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ١٣/٣٩٣ ح٧٤١١ من طريق الأعرج عن أبي هريرة.\n٣ الفقه الأكبر ص٣٠٢.\n٤ عقيدة المسلمين ٢/٢١٥.","vol":"1","page":313},{"text":"حديث أبي موسى الأشعري مرفوعا وفيه: \"إن الله ﷿ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ١ ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه ٢ النور\".\nوفي رواية: \"لو كشفه لأحرقت سبحات ٣ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه\" ٤.\nوصح عنه ﷺ أنه استعاذ بوجه الله، فقد روى البخاري في صحيحه عن جابر ﵁ قال: \"لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال النبي ﷺ \"أعوذ بوجهك\" فقال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فقال النبي ﷺ: \"أعوذ بوجهك\" قال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ فقال النبي ﷺ: \"هذا أيسر\" ٥.\n_________\n١ القسط الميزان ويسمى قسطا لأن القسط: العدل وبالميزان يقع العدل.\nكذا في شرح صحيح مسلم للنووي ٣/١٣.\n٢ الحجاب في اللغة: المنع والستر، والمراد هنا المانع من رؤيته، وسمِّي ذلك المانع نورا أو نارا لأنهما يمنعان من الإدراك في العادة لبشاعتهما. كذا في شرح صحيح مسلم للنووي ٣/١٤.\n٣ السُبُحات: بضم السين والباء ورفع التاء في آخره: جمع سُبحة، ومعنى سبحات عند اللغويين والمحدثين: نوره وجلاله وبهاؤه - كذا شرح صحيح مسلم للنووي ٣/١٣-١٤.\n٤ أخرجه أحمد في المسند ٤/٣٩٥، ٤٠٠، ٤٠١، ٤٠٥. ومسلم: كتاب الإيمان باب قوله ﵇: إن الله لا ينام ١/١٦١ ح٢٩٣، والدارمي في الرد على الجهمية ص٣١، وابن خزيمة في التوحيد ص٧٥، والآجري في الشريعة ص٣٠٤.\nجميعهم من طريق أبي عبيدة عن أبي موسى الأشعري.\n٥ أخرجه البخاري: كتاب التوحيد باب قول الله ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ١٣/٣٨٨ من طريق حماد بن زيد عن عمرو عن جابر بن عبد الله.","vol":"1","page":314},{"text":"وكان من دعاء النبي ﷺ: \"أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك \" ١.\nوأثبت الله لذاته المقدسة صفة ٢ النفس في غير ما موضع من آي الذكر الحكيم، وأثبتها له رسوله ﷺ في أحاديث مختلفة.\nفمن تلك الأدلة من القرآن قول الله تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ \"سورة الأنعام: الآية١٢\".\nوقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ \"سورة آل عمران: الآية٢٨\".\nوقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ \"سورة المائدة: الآية١١٦\".\nوقال أعلم الناس بربه: \"أسألك بكل اسم سميت به نفسك.. .\" ٣.\n_________\n١ أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ١/١٨٥ ح٢٤ من طريق قيس بن عباد عن عمار بن ياسر. قال الألباني: \"حديث صحيح\".\n٢ عدَّ كثير من أهل السنة \"النفس\" من صفات الله تعالى. انظر الفقه الأكبر بشرح القاري ص٥٨، وكتاب التوحيد لابن خزيمة ١/١١، ١٢، وأقاويل الثقات ص١٨٦، وقطف الثمر ص٦٦، وذهب شيخ الإسلام أن المراد من النفس هو ذات الله وعينه لا صفة له. انظر مجموع الفتاوى ٩/١٩٢، ١٩٣، ٤/١٩٦، ١٩٧، وكذا البخاري فإنه ذكر نصوص \"النفس\" بدون التصريح أنها صفة، ومراده أنه يجوز إطلاق النفس على الله لورود النص هكذا فسر مراده الهاشمي في شرحه لكتاب التوحيد ص٧٠، وللشيخ عبد الله الغنيمان كلام حسن وفق بين قولي أهل السنة في \"النفس\". انظر شرحه لكتاب التوحيد ١/٢٤٩، ٢٥٥.\n٣ أخرجه أحمد في المسند ١/٣٩١، والطبراني في المعجم الكبير ١٠/٢٠٩، ٢١٠، وابن حبان كما في موارد الظمآن ص٥٨٩ كلهم من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن عبد الله بن مسعود وأورده الهيثمي في المجمع ١٠/١٣٦، قال: \"رجال أحمد وأبو يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان\".","vol":"1","page":315},{"text":"وقال ﵊: \"لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ... \" ١.\nوقال ﵊: \" لما خلق الله الخلق كتب في كتابه - وهو يكتب على نفسه وهو وضع عنده على العرش - إن رحمتي تغلب غضبي\" ٢. فما أثبته الله لذاته المقدسة من الصفات، وأثبته له رسوله ﷺ وجب إثباته من غير تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل.\nهذا معتقد أهل السنة والجماعة وسلف الأمة، يقول ابن خزيمة: \"فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر مذهبنا أن نثبت لله ما أثبته لنفسه، ونقر بذلك بألسنتنا، ونصدق بذلك بقلوبنا، من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجوه أحد من المخلوقين، وعزّ ربنا أن نشبّهه بالمخلوقين وجلّ ربنا عما قالت المعطلة\" ٣.\nومن جملة تلك الصفات صفتا الوجه والنفس، فأثبتوهما لله حقيقة من غير تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل. وهذا ما يعتقده الإمام أبو حنيفة ويؤمن به. دل على ذلك قوله: \"وله يد ووجه ونفس كما ذكر الله في القرآن، فما ذكره الله في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف\" ٤.\n_________\n١ أخرجه مسلم: كتاب الصلاة باب ما يقال في الركوع والسجود ١/٣٥٢ ح٤٨٦ من طريق الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة.\n٢ أخرجه البخاري: كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ١٣/٣٨٤ ح٧٤٠٤، ومسلم: كتاب التوبة باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه ٤/٢١٠٧ ح٢٧٥١. كلاهما من طريق أبي صالح عن أبي هريرة.\n٣ التوحيد لابن خزيمة ص١٠، ١١.\n٤ الفقه الأكبر ص٣٠٢.","vol":"1","page":316},{"text":"٥- ٦- صفتا السمع والبصر.\nالله تعالى له سمع وبصر على ما يليق بجلال الله وعظمته. وهما صفتان حقيقيتان، فكما له ذات حقيقية لا تشبه ذوات الخلق، فله صفات حقيقية لا تشبه صفات الخلق، ولقد ورد إثبات صفة السمع في سبع وخمسين آية، وإثبات صفة البصر في خمسين آية من آيات الذكر الحكيم ١.\nومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ \"سورة البقرة: الآية١٢٧\".\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ \"سورة المجادلة: الآية١\".\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ \"سورة النساء: الآية١٣٤\".\n﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ \"سورة الشورى: الآية١١\".\n***\nوأما الأدلة من السنة فقد عقد البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه باب قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ .\nضمن كتاب التوحيد أورد فيه جملة من الأحاديث الصحيحة تثبت صفتي السمع والبصر لله تعالى وهي:\n١- حديث أبي موسى الأشعري قال: \"كنا مع النبي ﷺ في\n_________\n١ عقيدة المسلمين ص٤٨٢-٤٨٦.","vol":"1","page":317},{"text":"سفر، فكنا إذا علونا كبرنا، فقال: اربعوا ١ على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا تدعون سميعا بصيرا قريبا ... \" ٢.\n٢- وحديث عائشة ﵂ قالت: \"قال النبي ﷺ: إن جبريل ﵇ ناداني قال: إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك\" ٣.\nوهاتان الصفتان من صفات الكمال ونعوت الجلال ألا ترى الخليل ﵇ كما أخبر الله عنه يوبخ أباه بقوله: ﴿لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ \"سورة مريم: الآية٤٢\".\nوقال تبكيتا لعباد الأصنام: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ \"سورة الشعراء: الآيتان ٧٢،٧٣\".\nفدل ذلك على أن المودع في الفطر أن من شأن الإله أن يكون سميعا يجيب من دعاه، بصيرا يرى من يعبده٤، فالله لا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفي، فيسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويرى كل شيء وإن خفي قريبا أو بعيدا فلا تؤثر على رؤيته الحواجز والأستار\" ٥.\n_________\n١ اربعوا: بهمزة وصل مكسورة ثم موحدة مفتوحة من ربع - الثلاثي - أي ارفقوا، ولا تجهدوا أنفسكم. انظر فتح الباري ١١/١٨٨.\n٢ كتاب التوحيد من صحيح البخاري باب ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ١٣/٣٧٢ ح٧٣٨٦؛ ومسلم في كتاب الذكر والدعاء باب استحباب خفض الصوت بالذكر ٤/٢٠٧٦ ح٢٧٠٤ كلاهما من طريق أبي عثمان عن أبي موسى الأشعري.\n٣ كتاب التوحيد من صحيح البخاري باب ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ١٣/٣٧٢ ح٧٣٨٩ من طريق عروة عن عائشة.\n٤ انظر العقائد السلفية ص٦٣.\n٥ الكواشف الجلية ص١٤٧.","vol":"1","page":318},{"text":"فالمقصود أن الله تعالى له سمع يسمع به، وبصر يبصر به حقيقة على ما يليق بجلال الله وعظمته. هذا ما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة، وهذا هو ما عليه السلف الصالح وهو الذي يعتقده الإمام أبو حنيفة ويؤمن به، دل على ذلك قوله: \" ويرى لا كرؤيتنا، ويسمع لا كسمعنا\" ١.\nوقال في مقام تبيينه لصفة الكلام: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢.\n٧- العلم:\nأثبت الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، صفة العلم لله ﷿ وأنه عليم بعلم لا يشبه علم المخلوقين دل على ذلك قوله: \"يعلم لا كعلمنا\" ٣.\nوعلم الله شامل جميع الأشياء صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها. يعلم كليات وجزئيات الأمور، وعلمه محيط بجميع الأشياء في كل الأوقات، أزلا وأبدا فقد علم تعالى في الأزل جميع ما هو خالق، وعلم جميع أحوال خلقه وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، شقاوتهم وسعادتهم ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار. وفي ذلك يقول الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى مبينا سعة علم الله وإحاطته لكل شيء: \"يعلم الله تعالى المعدوم في حال عدمه، ومعدوما يعلم أنه كيف يكون إذا أوجده، ويعلم الله تعالى الموجود في حال وجوده موجودا، ويعلم أنه كيف يكون فناؤه، ويعلم الله تعالى القائم في حال قيامه قائما، وإذا قعد علمه قاعدا\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠٢.\n٢ الفقه الأكبر ص٣٠٢. مقتبسا من القرآن الكريم سورة الشورى، الآية ١١.\n٣ الفقه الأكبر ص٣٠١.","vol":"1","page":319},{"text":"في حال قعوده من غير أن يتغير علمه أو يحدث له علم ولكن التغير والاختلاف يحدثان في المخلوقين\" ١.\nورد على غلاة القدرية الذين يقولون: \"إن الله لا يعلم أعمال العباد حتى يعملوها\" ٢.\nحيث قال: \"وكان الله تعالى عالما في الأزل قبل كونها\"٣.\nوقرر الطحاوي هذا الرد في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال:\n\"لم يخفَ عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم\" ٤.\nوقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص\" ٥.\nوقال: \"خلق الخلق بعلمه\" ٦.\nوما يعتقده الإمام في صفة العلم هو ما دلت عليه الأدلة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ \"سورة الأنعام: الآية٥٩\".\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠٢، ٣٠٣.\n٢ انظر الفرق بين الفرق ص١١٤-١١٦، والملل والنحل ١/٤٥، ومجموع الفتاوى ٧/٣٨١.\n٣ الفقه الأكبر ص٣٠٢.\n٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٢١.\n٥ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٣١.\n٦ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٢١.","vol":"1","page":320},{"text":"وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ \"سورة لقمان: الآية٣٤\".\nوكقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ \"سورة البقرة: الآية٢٨٢\".\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ﴾ \"سورة التوبة: الآية٧٨\".\nوكقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ \"سورة الأنعام: الآية٣\".\nومن السنة عقد البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه باب قول الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ . ضمن كتاب التوحيد أورد فيه حديثين صحيحين يثبتان صفة العلم لله تعالى وهما:\n١- حديث ابن عمر: قال النبي ﷺ: \" مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله\" ١.\n٢- حديث عائشة ﵂ قالت: \"من حدثك أن محمدا ﷺ رأى ربه فقد كذب وهو يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ومن حدثك أنه يعلم\n_________\n١ كتاب التوحيد من صحيح البخاري باب قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ ١٣/٣٦١ ح٧٣٧٩، من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر.","vol":"1","page":321},{"text":"الغيب فقد كذب، وهو يقول: \"لا يعلم الغيب إلا الله\" ... \" ١.\nوكان ﵊ يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها كما يعلم السورة من القرآن يقول: \"إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال عاجل أمري وآجله فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، وقدّر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به، ويسمي حاجته\" ٢.\nوكان من دعاء النبي ﷺ: \" اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني\" ٣. فالنصوص الشرعية الدالة على صفة العلم كثيرة. فأهل السنة والجماعة آمنوا بها وأثبتوا ما تدل عليه من معنى ونفوا الكيفية، أما الجهمية والمعتزلة فأنكروا أن يكون لله علم أضافه لنفسه، وجحدوا أن يكون قد أحاط بكل شيء علما، وحاربوا النصوص الدالة على ذلك. فمعبودهم على هذا الاعتقاد ليس العليم الخبير الذي هو بكل شيء عليم، وإنما يعبدون العدم.\n_________\n١ كتاب التوحيد من صحيح البخاري باب قول الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ ١٣/٢٦١ ح٧٣٨٠، من طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة.\n٢ أخرجه البخاري: كتاب الدعوات باب الدعاء عند الاستخارة ١١/١٨٣ ح٦٣٨٢ من طريق محمد بن المنكدر عن جابر.\n٣ أخرجه البخاري: كتاب الدعوات باب قول النبي ﷺ: \"اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت\" ١١/١٩٦ ح٦٣٩٩، من طريق أبي بردة عن أبي موسى.","vol":"1","page":322},{"text":"٨- ١٠- الحياة والقدرة والإرادة:\nالحياة والقدرة والإرادة صفات ذاتية أثبتها الإمام أبو حنيفة. دل على ذلك قوله: \" أما الذاتية فالحياة والقدرة والعلم والكلام والسمع والبصر والإرادة \"١.\nوهي صفات حقيقية أزليّة لائقة بالله لا تشبه صفات المخلوقين قال الإمام أبو حنيفة: \"لم يزل قادرا بقدرته، والقدرة صفة في الأزل\" ٢.\nوقال: \"لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته\"٣.\nوقال: \" ويقدر لا كقدرتنا\" ٤.\nوقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم، ذلك بأنه على كل شيء قدير وكل شيء إليه فقير وكل أمر عله يسير لا يحتاج إلى شيء: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٥.\nوقال: \"حي لا يموت قيوم لا ينام\" ٦.\nوقال: \"ولا يكون إلا ما يريد\" ٧.\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠١.\n٢ الفقه الأكبر ص٣٠١.\n٣ الفقه الأكبر ص٣٠١.\n٤ الفقه الأكبر ص٣٠٢.\n٥ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢٠، والاقتباس من سورة الشورى ص١١.\n٦ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ١٩.\n٧ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ١٩.","vol":"1","page":323},{"text":"وما أثبته الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى من اتصاف الله بالحياة والقدرة والإرادة هو ما دلت عليه النصوص الصريحة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ. أما الأدلة من كتاب الله فكقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ \"سورة البقرة: الآية٢٥٥\".\nوقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ \"سورة الفرقان: الآية٥٨\".\nوقوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ \"سورة طه: الآية١١١\".\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ \"سورة آل عمران: الآية٢٩\".\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ \"سورة فاطر: الآية٤٤\".\nوقوله تعالى: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ \"سورة القمر: الآية٥٥\".\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ \"سورة الأنعام: الآية١٢٥\".\nوقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ \"سورة البقرة: من الآية١٨٥\".\nوأما الأدلة من السنة فكحديث ابن عباس ﵄ قال:\nإن رسول الله ﷺ كان يقول: \" اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني","vol":"1","page":324},{"text":"أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون\" ١.\nوحديث جابر ﵁ قال: \"كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: \"إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم ... \" ٢.\nوحديث معاوية بن أبي سفيان ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \" من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ... \" ٣.\nوالأدلة في ذلك كثيرة نكتفي بذكر النصوص الشرعية المتقدمة. فالله \"كامل القدرة، وبقدرته أوجد الموجودات، وبقدرته دبرها، وبقدرته سواها وأحكمها، وبقدرته يحيي ويميت، ويبعث العباد للجزاء، ويجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، الذي إذا أراد شيئا قال له\"كن فيكون\"، وبقدرته يقلب القلوب ويصرفها على ما يشاء ويريد\" ٤.\nفله الإرادة النافذة في جميع الموجودات، والحياة الكاملة المستلزمة لجميع الصفات والكمال. فكل كمال لا نقص فيه ثبت للمخلوق وأمكن أن يتصف به الخالق فهو به أولى ٥. يقول ابن أبي العز: \"إن الحياة\n_________\n١ أخرجه مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل ٤/٢٠٧٦ ح٢٧١٧ من طرق يحيى بن يعمر عن ابن عباس.\n٢ تقدم تخريجه ص٣٤٧.\n٣ رواه البخاري: كتاب العلم باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ١/١٦٤ ح٧١ من طريق حميد بن عبد الرحمن عن معاوية، ومسلم: كتاب الزكاة باب النهي عن المسألة ٢/٧١٨ ح١٠٣٧. من طريق عبد الله بن عامر عن معاوية.\n٤ انظر تفسر السعدي ٥/٦٢٤-٦٢٥.\n٥ انظر شرح الأصفهانية ص٨٥، وموافقة صحيح المنقول ١/١٤، ١٥.","vol":"1","page":325},{"text":"مستلزمة لجميع صفات الكمال فلا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة فإذا كانت حياته تعالى أكمل حياة وأتمها استلزم إثبات كل كمال يضاد نفيه كمال حياة\" ١.\nفالمقصود أن الإرادة والقدرة لا تقومان إلا بالحي، فالميت والجماد لا يوصفان بالعلم والقدرة والإرادة والحياة.\nثانيا – الصفات الذاتية باعتبار والفعلية باعتبار آخر\n١- المعية:\nأخبر الله ﷾ أنه مع ٢ عباده فقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ﴾ \"سورة المجادلة: الآية٧\".\nوقال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ \"سورة الحديد: الآية٤\".\nفهو معهم بعلمه، وعلمه محيط شامل بجميع الخلق، كذلك هو مع بعض عباده، ليس بالعلم، بل بالنصر والتأييد والتسديد والتوفيق. دلّ على ذلك قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ \"سورة طه: الآية٤٦\".\n_________\n١ شرح العقيدة الطحاوية ص٧٢.\n٢ المعية تنقسم إلى قسمين: معية عامة وهي ذاتية، ومعية خاصة وهي فعلية.\nراجع لمعرفة أنواع \"المعية\" مجموع الفتاوى ٥/١٠٣، ١٠٤؛ ومختصر الصواعق ص٤٠٩، ٤١٠.","vol":"1","page":326},{"text":"أما من السنة فحديث أبي بكر الصديق ﵁ قال: \"نظرت إلى أقدام المشركين، ونحن في الغار، وهم على رؤوسنا فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى تحت قدميه لأبصرنا فقال: \" ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما\" ١.\nولقد بين الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا منافاة بين علو الله ومعيّته لخلقه فلقد روي عنه أنه قال: \"إن الله ﷾ في السماء دون الأرض. فقال له رجل أرأيت قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ ٢ \"سورة الحديد: الآية٤\".\nقال هو كما تكتب للرجل إني معك وأنت غائب عنه\" ٣.\nقال البيهقي: \"لقد أصاب أبو حنيفة ﵁ فيما نفى عن الله ﷿ من الكون في الأرض، وفيما ذكر من تأويل الآية وتبع مطلق السمع في قوله إن الله ﷿ في السماء\" ٤.\n٢- القيومية:\nوصف الله تعالى ذاته المقدسة بالقيومية فقال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ \"سورة البقرة: الآية٢٥٥\".\n_________\n١ أخرجه البخاري: كتاب فضائل الصحابة باب مناقب المهاجرين وفضلهم ٧/٨-٩ ح٣٦٥٣، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁ ٤/١٨٥٤ ح٢٣٨١ كلاهما من طريق ثابت عن أنس عن أبي بكر الصديق.\n٢ سورة الحديد: الآية ٤، تحقيق عماد الدين، ط/ دار الكتاب العربي.\n٣ الأسماء والصفات ٢/١٧٠.\n٤ الأسماء والصفات٢/١٧٠.","vol":"1","page":327},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ \"سورة طه: الآية١١١\".\nووصفه النبي ﷺ بالقيومية كما في حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قال: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت له ذنوبه وإن كان فارا من الزحف\" ١.\nفهو الذي يقوم بنفسه، ومستغن عن جميع خلقه، وقائم بجميع الموجودات، فأوجدها وأبقاها وأمدّها بجميع ما تحتاج إليه في وجودها وبقائها، فهو القائم بنفسه والمقيم لغيره ٢. قرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: \"حي لا يموت قيوم لا ينام\" ٣.\n٣- الكلام:\nاتفق السلف على إثبات صفة الكلام لله على ما يليق بجلاله وعظمته، وأنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وأن الكلام صفة له قائمة بذاته، وهو يتكلم بصوت يُسمَع، ولو لم يكن الكلام المعين\n_________\n١ أخرجه الحاكم في المستدرك ١/٥١١ من طريق عوف بن مالك بن نظلة عن عبد الله بن مسعود قال الحاكم على أثره: \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\"، وأقره الذهبي في تلخيص المستدرك. وأخرجه الترمذي: كتاب الدعوات باب في دعاء الضيف ٥/٥٦٩ ح٣٥٧٧، وأبو داود: كتاب الصلاة باب في الاستغفار ٢/١٧٨ ح١٥١٧. كلاهما من طريق يسار عن أبيه زيد مولى رسول الله ﷺ قال الترمذي على أثره: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه\"، وأورده المنذري في الترغيب ٢/٢٦٩ وقال عنه: \"إسناده جيد\".\n٢ تيسير كلام المنان ١/٣١٣ بتصرف.\n٣ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ١٩.","vol":"1","page":328},{"text":"قديما. وعلى هذا مضى سلف الأمة من أهل الحديث وسائر الأئمة المهتدين ١.\nقال ابن تيمية: وهذا مذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين، كالأئمة الأربعة، وغيرهم ما دل عليه الكتاب والسنة، وهو الذي يوافق الأدلة العقلية الصريحة أن القرآن كلام الله منزّل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فهو المتكلم بالقرآن والتوراة والإنجيل، وغير ذلك من كلامه ليس مخلوقا منفصلا عنه. وهو سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته ولم يقل أحد منهم إن القرآن والتوراة والإنجيل لازمة لذاته أزلا وأبدا، وهو لا يقدر أن يتكلم بمشيئته وقدرته\" ٢.\nوقال كذلك: \"فمن قال إن حروف المعجم مخلوقة، وأن كلام الله تعالى مخلوق؛ فقد قال قولا مخالفا للمعقول الصريح والمنقول الصحيح. ومن قال نفس أصوات العباد أو مدادهم أو شيئا من ذلك قديم، فقد خالف أيضا أقوال السلف، وكان فساد قوله ظاهرا لكل أحد، وكان مبتدعا قولا لم يقله أحد من أئمة المسلمين، ولا قالته طائفة كبيرة من طوائف المسلمين بل الأئمة الأربعة وجمهور أصحابهم بريئون من ذلك\" ٣.\nهذا اعتقاد السلف والأئمة الأربعة - أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - في صفة الكلام على وجه الإجمال. أما عقيدة الإمام أبي حنيفة في صفة الكلام على وجه التفصيل فيندرج تحتها الآتي:\n_________\n١ العقائد السلفية ص١٧٥ بتصرف.\n٢ مجموع الفتاوى ١٢/٣٧، ٣٨.\n٣ مجموع الفتاوى ١٢/٥٤، ٥٥.","vol":"1","page":329},{"text":"\"أ\" التكلم والتكليم.\n\"ب\" سماع كلام الله.\n\"ج\" القرآن كلام الله على الحقيقة.\n\"د\" القرآن غير مخلوق.\nوإليك تفضيل ذلك:\nالتكلم والتكليم:\nيعتقد الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى أن الله متكلم بكلام حقيقي لا مجازي، دل على ذلك قوله: \"قد كان متكلما ولم يكن كلّم موسى ﵇\" ١.\nوقوله: \"ومتكلما بكلامه والكلام صفة في الأزل\" ٢.\nوهو كلام لائق بجلال الله وعظمته، ليس ككلام البشر. يقول الإمام أبو حنيفة: \"ويتكلم لا ككلامنا ... \"٣.\nوقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"ليس بمخلوق ككلام البرية فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر\" ٤.\n\"ب\" سماع كلام الله:\nيُسمع الله تعالى كلامه من شاء من ملائكته ورسله ويسمعه عباده في الدار الآخرة، كما أنه كلم موسى وناداه حين أتى الشجرة فسمعه موسى،\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠٢.\n٢ الفقه الأكبر ص٣٠١.\n٣ الفقه الأكبر ص٣٠٢.\n٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢٤.","vol":"1","page":330},{"text":"قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ \"سورة القصص: الآية٣٠\".\nوقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ \"سورة الأعراف: الآية١٤٣\".\nوقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ \"سورة طه: الآيتان ١١،١٢\".\nوقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ \"سورة النساء: الآية١٦٤\".\nوهذا ما يعتقده الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، دلّ على ذلك قوله: \"وسمع موسى ﵇ كلام الله تعالى كما قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ \"سورة النساء: الآية١٦٤\".\nوقد كان الله تعالى متكلما ولم يكن كلّم موسى ﵇\"١.\n\"ج\" القرآن كلام الله على حقيقته:\nالقرآن سوره وآياته وكلماته، كلام الله تكلم به بحروفه ومعانيه، ولم ينزل على أحد قبل محمد ﷺ، أسمعه جبريل ﵇ وأسمعه جبريل محمدا ﷺ وأسمعه محمد ﷺ أمته. وليس جبريل ولا لمحمد ﷺ إلا التبليغ والأداء، وهو المكتوب في اللوح المحفوظ، وهو الذي في المصاحف يتلوه التالون بألسنتهم، ويقرؤه المقرئون بأصواتهم، ويسمعه السامعون بآذانهم، وهو الذي في صدور الحفاظ بحروفه ومعانيه، تكلم الله\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠٢.","vol":"1","page":331},{"text":"به على الحقيقة فهو كلامه على الحقيقة لا كلام غيره، منه بدأ وإليه يعود ١.\nوهذا ما يعتقده الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، دل على ذلك قوله: \"والقرآن كلام الله في المصاحف مكتوب وفي القلوب محفوظ وعلى الألسن مقروء وعلى النبي ﷺ أنزل\" ٢.\nوقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: \"وإن القرآن كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولا وأنزله على رسوله وحيا وصدّقه المؤمنون على ذلك حقا وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة \" ٣.\nفكلام الطحاوي في تقريره عقيدة الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى يدل دلالة قاطعة على بطلان الكلام النفسي، فقوله: \"منه بدأ\" رد على المعتزلة وغيرهم الذين زعموا أن القرآن لم يبدأ منه بل من بعض مخلوقاته\" ٤.\nفالله هو الذي تكلم به ومنه سبحانه نزل، قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ \"سورة الجاثية: الآية٢\".\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ \"سورة الأنعام: الآية١١٤\".\n_________\n١ انظر عقيدة السلف أصحاب الحديث ص٧٧، ٧٨، ضمن مجموعة الرسائل الكمالية. العقيدة السلفية لكلام رب البرية ص٦٤؛ ومجموعة الرسائل والمسائل ٣/٣٤٩، ٣٥٠.\n٢ الفقه الأكبر ص٣٠١.\n٣ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢٤.\n٤ مجموعة الرسائل والمسائل ٣/٤٨٦.","vol":"1","page":332},{"text":"وقال تعالى: ﴿حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ \"ٍسورة فصلت: الآيتان١،٢\".\nوقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ \"سورة النحل: الآية١٠٢\".\nوأما قوله: \"إليه يعود\" أي يرفع من الصدور والمصاحف فلا يبقى في الصدور منه آية ١ ولا في المصاحف. قال ابن ماجه: \"باب ذهاب القرآن والعلم\" ٢.\nثم ذكر فيه حديث حذيفة بن اليمان وفيه قال: \"قال رسول الله ﷺ: \" يدرس٣ الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يُدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة وليسرى على كتاب الله ﷿ في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية ... \" ٤.\n_________\n١ شرح العقيدة الطحاوية ص١٥٢، ١٥٣.\n٢ سنن ابن ماجه ٢/١٣٤٤.\n٣ يُدرس: من درس الرسم دروسا إذا عفا وهلك ومن درس الثوب درسا إذا صار عتيقا.\nانظر النهاية في غريب الحديث ٢/١١٣.\n٤ أخرجه ابن ماجه: كتاب الفتن باب ذهاب القرآن والعلم ٢/١٣٤٤ ح٤٠٤٩.\nوالحاكم في المستدرك ٤/٤٧٣.\nكلاهما من طريق ربعي بن خراش عن حذيفة بن اليمان قال الحاكم على أثره: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\".\nوسكت عليه الذهبي في التلخيص وقال البوصيري في مصباح الزجاجة ٢/٣٠٧ ط/ الجنان: \"إسناده صحيح ورجاله ثقات\".","vol":"1","page":333},{"text":"\"د\" القرآن غير مخلوق:\nاعتقاد الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى في القرآن هو اعتقاد الأئمة من سلف هذه الأمة وهو ما دل عليه الكتاب والسنة، من أن القرآن منزّل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود: هذا هو نص كلام الإمام في الفقه الأكبر حيث قال: \"والقرآن غير مخلوق\" ١.\nوفي الوصية حيث قال: \"ونقر بأن القرآن كلام الله غير مخلوق\" ٢. ولم أقف له على قول في كتبه المنسوبة إليه يخالف هذا القول. ولأجل ما تقدم تتابع أهل العلم على إهمال الروايات المصرحة بأن أبا حنيفة يقول بخلق القرآن، وجزموا مقرّرين بأن مذهب أبي حنيفة عدم القول بخلق القرآن كالإمام أحمد وبشر بن الوليد ٣ والطحاوي واللالكائي وابن تيمية وابن حجر. فالإمام أحمد يرى أن بعض أصحاب أبي حنيفة تابعوا جهما بالقول بخلق القرآن، فقد جاء في كتابه \"الرد على الجهمية\": \"وتبعه يعني جهما - على قوله رجال من أصحابي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد ووضع دين الجهمية\" ٤. وكذا بشر بن الوليد، فقد روى ابن عبد البر في الانتقاء عن سهل بن عامر قال: \"سمعت بشر بن الوليد يقول: كنا عند أمير المؤمنين فقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: القرآن\n_________\n١ ص٣٠١.\n٢ الجواهر المنيفة في شرح وصية الإمام ص١٠.\n٣ هو بشر بن الوليد بن خالد الكندي نسبة إلى كندة بكسر الكاف قبيلة مشهورة باليمن القاضي الفقيه قال عنه الذهبي: \"الفقيه سمع مالك بن أنس وتفقه بأبي يوسف ... وولي قضاء مدينة المنصور إلى سنة ثلاث عشرة ومائتين وكان واسع الفقه متعبدا\" مات سنة ٢٣٨هـ.\nانظر ميزان الاعتدال ١/٣٢٦؛ والفوائد البهية ص٥٤.\n٤ ص١٠٤، ١٠٥ ط/ دار اللواء.","vol":"1","page":334},{"text":"مخلوق وهو رأيي ورأي آبائي، قال بشر بن الوليد: أما رأيك فنعم وأما رأي آبائك فلا\" ١، ويكذب عليهما ٢. فهؤلاء شانوا سمعة الإمام أبي حنيفة وأصحابه ٣.\nوكذا الطحاوي حيث قال في بيانه اعتقاد الإمام أبي حنيفة وصاحبه: \"وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق\" ٤، ولم يشر إلى خلاف هذا.\nوكذا أيضا اللالكائي سمى علماء السلف الذين يقولون القرآن غير مخلوق من التابعين وتابعيهم من أهل المدينة ومكة والكوفة والبصرة وواسط والشام ومصر والري ٥ وأصبهان وخراسان وبلخ٦ ونيسابور وبخارى وسمرقند.\nقال اللالكائي عن أهل الكوفة موطن الإمام أبي حنيفة: \"وأما أهل الكوفة فممن تقدم من التابعين سليمان بن مهران الأعمش وحماد بن\n_________\n١ الانتقاء ص١٦٦.\n٢ انظر اللسان ١/٣٩٩.\n٣ انظر تاريخ بغداد ١٣/٣٨٤.\n٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢٤.\n٥ الري بفتح أوله وتشديد ثانيه مدينة بخراسان افتتحها عروة بن زبد الطائي في سنة عشرين من الهجرة وقيل تسع عشرة وصفها ياقوت فقال: مدينة مشهورة من أمهات البلاد وأعلام المدن كثيرة الفواكه والخيرات. انظر معجم البلدان ٣/١٦٦.\n٦ بلخ مدينة مشهورة بخراسان افتتحها الأحنف بن قيس في خلافة عثمان ﵁ وصفها ياقوت فقال: \"بلخ من أجمل مدن خراسان وأذكرها وأكثرها خيرا وأوسعها غلة\".\nانظر معجم البلدان ١/٤٧٩.","vol":"1","page":335},{"text":"أبي سليمان ... والطبقة الأولى من الفقهاء محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وسفيان بن سعيد الثوري، والنعمان بن ثابت أبوحنيفة، وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، ومحمد بن الحسن ... \"١.\nوكذا ابن تيمية فهو يقرر أن اعتقاد الإمام أبي حنيفة في القرآن هو اعتقاد ٢ الأئمة الثلاثة - مالك والشافعي وأحمد، ويرى أن بعض أتباع الإمام أبي حنيفة قالوا بخلق القرآن.\nقال ابن تيمية: \"وقد وافقهم على ذلك كثير ممن انتسب في الفقه إلى أبي حنيفة من المعتزلة\" ٣.\nوكذا ابن حجر فقد جاء في \"لسان الميزان\" قوله عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: \"هو من دعاة المأمون في المحنة بخلق القرآن، وكان يقول في دار المأمون هو ديني ودين أبي وجدي وكذب عليهما\" ٤.\nوظهر من هذا سلامة اعتقاد أبي حنيفة في هذا الباب، وقد جعله الله لسان صدق في هذه الأمة يُدعى له ويترضّى عنه ويُترحّم عليه، وهذا لا يكون مع بدعة القول بخلق القرآن، فرحمه الله ورضي عنه.\n_________\n١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/٢٧٧.\n٢ مجموعة الرسائل والمسائل ٣/٤٧٧؛ ومجموع الفتاوى ٥/٢٦٥؛ ومنهاج السنة ٢/١٠٦.\n٣ مجموعة الرسائل والمسائل ٣/٣٦٠.\n٤ لسان الميزان ١/٣٩٩.","vol":"1","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>المبحث الثالث: ذكر جملة من الصفات الفعلية وكلام الإمام أبي حنيفة عنها</span>\nأولا - الصفات الفعلية اللازمة\n١- الاستواء ١:\nالإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى يثبت استواء الله على عرشه، وعلوه على خلقه على ما يليق بجلاله وعظمته. دل على ذلك قوله: \"ونقر بأن الله تعالى على العرش استوى من غير أن يكون له حاجة\"٢.\nقال ابن أبي العز شارحا كلام الطحاوي: \"والعرش والكرسي حقٌّ وهو مستغن عن العرش، وما دونه محيط بكل شيء وفوقه\" ٣.\n\"وإنما قال الشيخ هذا الكلام لأنه لما ذكر العرش والكرسي ذكر بعد\n_________\n١ معنى الاستواء في لغة العرب الارتفاع والعلو. قال ابن عباس أبو العالية الرياحي: \"استوى إلى السماء أي ارتفع\" وقال مجاهد استوى: علا على العرش.\nانظر صحيح البخاري مع فتح الباري ١٣/٤٠٣؛ وتفسير ابن جرير ١/١٩١، وتفسير ابن أبي حاتم ١/١٠٤.\n٢ شرح الوصية ص١٠.\n٣ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٣٦-٣٧.","vol":"1","page":337},{"text":"ذلك غناه سبحانه عن العرش وما دون العرش؛ ليبين أن خلقه العرش لاستوائه عليه ليس لحاجته إليه، بل له في ذلك حكمة اقتضته، وكون العالي فوق السافل لا يلزم أن يكون السافل حاويا للعالي محيطا به حاملا له ولا أن يكون الأعلى مفتقرا إليه فانظر إلى السماء كيف هي فوق الأرض وليست مفتقرة إليها، فالرب تعالى أعظم شأنا وأجل من أن يلزم من علوه ذلك بل لوازم علوه من خصائصه، وهي حمله بقدرته للسافل وفقر السافل وغناه هو سبحانه عن السافل وإحاطته ﷿ به فهو فوق العرش، مع حمله بقدرته للعرش، وحملته وغناه عن العرش وفقر العرش إليه وإحاطته بالعرش، وعدم إحاطة العرش به وحصره للعرش، وعدم حصر العرش له. وهذه اللوازم منتفية عن المخلوق، ونفاة العلو أهل التعطيل لو فصلوا بهذا التفصيل لهدوا إلى سواء السبيل، وعلموا مطابقة العقل للتنزيل ولسلكوا خلف الدليل ولكن فارقوا الدليل فضلوا عن سواء السبيل، والأمر في ذلك كما قال الإمام مالك ﵀ لما سئل عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ \"سورة الأعراف: الآية٥٤\".\nكيف استوى؟ فقال الاستواء معلوم والكيف مجهول ... \" ١.\nففرق الإمام مالك بين المعنى المعلوم من هذا اللفظ، وبين الكيف الذي لا يعقله البشر. وهذا هو ما اختاره الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، فقد قال الملاّ علي القاري بعد أن ذكر قول الإمام مالك المتقدم: \"اختاره إمامنا الأعظم وكذا كل ما ورد من الآيات والأحاديث المتشابهات من ذكر اليد والعين والوجه ونحوها من الصفات\" ٢. وما قاله الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى في صفة الاستواء هو\n_________\n١ شرح العقيدة الطحاوية ص٢٩٠، ٢٩١.\n٢ شرح الآمالي ص٣١.","vol":"1","page":338},{"text":"ما دلت عليه الأدلة الصريحة من كتاب الله فقد ذكر استواء الله على عرشه في سبعة مواضع من كتاب الله، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى﴾ \"سورة الأعراف: الآية٥٤\".\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ \" سورة يونس: الآية٣\".\nوقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ \"سورة الرعد: الآية٢\".\nوقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ \"سورة طه: الآية٥\".\nوكذا جاءت الأحاديث الصحيحة الدالة على صفة الاستواء والعلو، وقد تقدم ذكر بعضها عند الكلام على صفة العلو، من تلك الأحاديث حديث أبي هريرة ﵁.\nقال رسول الله ﷺ: \"لما خلق الله الخلق كتب في كتاب هو عنده على العرش أن رحمتي تغلب غضبي\" ١.\nفالمقصود أن اعتقاد الإمام أبي حنيفة في الاستواء هو اعتقاد السلف\n_________\n١ أخرجه البخاري: كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ١٣/٣٨٤ ح٧٤٠٤، ومسلم: كتاب التوبة باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه ٤/٢١٠٧ ح٢٧٥١. كلاهما من طريق أبي صالح عن أبي هريرة.\nوالترمذي: كتاب الدعوات باب خلق الله مائة رحمة ٥/٥٤٩ ح٣٥٤٣.\nوابن ماجه: كتاب الزهد باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة ٢/١٢٤٣٥ ح٤٢٩٥.\nكلاهما من طريق ابن عميلان عن أبيه عن أبي هريرة.","vol":"1","page":339},{"text":"الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. قال ابن المبارك \" نعرف ربنا بأنه فوق سبع سمواته، على العرش استوى، بائن من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية\" ١.\n٢- النزول:\nيثبت أهل السنة والجماعة نزول البر ﷾ كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ومن غير تأويل ٢ ولا تكييف؛ لتواتر ٣ الأخبار به، فقد رواه ثمانية وعشرون صحابيا. فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخرة فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له\" ٤.\n_________\n١ السنة ص١٣؛ والرد على الجهمية للدارمي ص٦٧، ١٦٢؛ والرد على المريسي ص١٠٣؛ والأسماء والصفات ص٤٢٧.\n٢ أوّل بعض المتكلمين صفة النزول بنزول أمر الله ورحمته أو نزول ملك من الملائكة، انظر الرد على هذه التأويلات في كتاب شرح حديث النزول ص١٩٧.\n٣ ممن قال بتواتر حديث النزول من أهل العلم؛ ابن القيم في تهذيب السنن ٧/١٠٨؛ والذهبي في كتاب العلو ص٧٣-٧٩؛ وابن عبد الهادي في الصارم المنكي ص٣٠٤؛ وأبو زرعة الرازي كما في عمدة القاري ٧/١٩٩؛ والكتاني في النظم المتناثر ص١٩١؛ وعبد الرحمن بن سعدي في توضيح الكافية الشافية ص١٤٧.\n٤ أخرجه البخاري في كتاب التهجد باب الدعاء والصلاة من آخر الليل ٣/٥٩ وابن ماجه كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب ما جاء في أي ساعات الليل أفضل؟ ١/٤٣٥ ح١٣٦٦؛ وابن أبي عاصم في السنة ١/٢١٧ جميعهم من =","vol":"1","page":340},{"text":"قال أبو عثمان ١ الصابوني: \"فلما صح خبر النزول عن الرسول ﷺ أقر به أهل السنة وقبلوا الخبر وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله ﷺ ولم يعتقدوا تشبيها بنزول خلقه، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوا كبيرا\" ٢.\nوهذا هو ما يعتقده الإمام أبو حنيفة ويؤمن به، فقد سئل عن النزول فقال: \"ينزل بلا كيف\" ٣.\n٣- ٤- صفتا الغضب والرضا:\nيثبت أهل السنة والجماعة صفتي الغضب والرضا من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف، فيرضى عن المحسنين، ويسخط على الفسقة والكافرين، دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ\n_________\n= من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة. ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب الترغيب في الدعاء ١/٥٢١ ح٧٥٨، وأبو داود: كتاب الصلاة باب أي الصلاة أفضل؟ ٢/٧٦ ح١٣٥، والترمذي: كتاب الدعوات ٥/٥٢٦ ح٣٤٩٨؛ وعبد الرحمن الدارمي في السنن ١/٢٨٦.\nجميعهم من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة.\n١ هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل النيسابوري أبو عثمان الصابوني قال عنه السبكي: \" الفقيه المحدث المفسر الخطيب الواعظ الملقب بشيخ الإسلام\" مات سنة ٤٤٩هـ.\nطبقات الشافعية ٤/٢٧١؛ وانظر ترجمته في شذرات الذهب ٣/٢٨٢؛ والعبر ٣/٢١٩.\n٢ اعتقاد السلف أصحاب الحديث ص٤٢.\n٣ اعتقاد السلف أصحاب الحديث ص٤٢؛ وجلاء العينين ص٣٥٣.","vol":"1","page":341},{"text":"غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَبذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ \"سورة الأعراف: الآية١٥٢\".\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ \"سورة التوبة: الآية٩٦\".\nوقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ \"سورة البينة: الآية٨\".\nقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ \"سورة الفتح: الآية١٨\".\nوقول النبي ﷺ في حديث الشفاعة الطويل وفيه: \"إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ... \" ١.\nوقول النبي ﷺ: \" إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير بيدك فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب؟ وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحدا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا\" ٢.\nوما تدل عليه تلك النصوص من إثبات صفتي الغضب والرضا هو ما يعتقده أبو حنيفة رحمه الله تعالى ويؤمن به، دل على ذلك قوله:\n_________\n١ أخرجه البخاري: كتاب الأنبياء باب قول الله ﷿: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ ٦/٣٧١ ح٣٣٤٠، ومسلم: كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ١/١٨٤ ح٣٢٧ كلاهما من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة.\n٢ أخرجه البخاري: كتاب الرقائق باب صفة الجنة والنار ١١/٤١٥ ح٦٥٤٩، ومسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها باب إحلال الرضوان على أهل الجنة فلا يسخط عليهم أبدا ٤/٢١٧٦ ح٢٨٢٩. كلاهما من طريق عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري.","vol":"1","page":342},{"text":"\"وغضبه ورضاه صفتان من صفاته تعالى بلا كيف\" ١.\nوقوله: \"وهو يغضب ويرضى ولا يقال غضبه عقوبته ورضاه ثوابه\" ٢.\nوهذا ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى\" ٣.\nثانيا - الصفات الفعلية المتعدية\n١- المحبة:\nيثبت أهل السنة والجماعة صفة المحبة لله حيث أثبتها الله لذاته المقدسة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ \"سورة الصف: الآية٤\".\nوأثبتها أعلم الناس بربه نبينا محمد ﷺ حيث قال: \"إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله تعالى يحب فلانا فأحبه؛ فيحبه جبريل فينادي في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض\" ٤.\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠٢.\n٢ الفقه الأبسط ص٥٦.\n٣ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ص٥٧.\n٤ أخرجه مالك في الموطأ كتاب الشعر باب ما جاء في المتحابين في الله ٢/٩٥٣ ح١٥، والبخاري في كتاب التوحيد باب كلام الرب مع جبريل ١٣/٤٦١ ح٧٤٨٥، ومسلم كتاب البر والصلة باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده ٤/٢٠٣٠ ح١٥٧. جميعهم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة.","vol":"1","page":343},{"text":"وهذا هو ما يعتقده الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ويؤمن به، دل على ذلك قوله: \"والطاعات كلها كانت واجبة بأمر الله وبمحبته وبرضاه\" ١.\nوقال عن المعاصي: \"كلها بعلمه وقضائه وتقديره، لا بمحبته ولا برضائه ولا بأمره\" ٢.\nووصف نبينا محمدا ﷺ بأنه حبيب رب العالمين حيث قال: \"ومحمد ﵊ حبيبه وعبده ورسوله ونبيه\" ٣.\nوقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: \"وإنه خاتم الأنبياء وإمام الأتقياء وسيد المرسلين وحبيب رب العالمين\" ٤.\nوقال: \"نقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلا ٥ وكلم الله موسى تكليما إيمانا وتصديقا وتسليما\" ٦.\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠٣.\n٢ الفقه الأكبر ص٣٠٣.\n٣ الفقه الأكبر ص٣٠٣.\n٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ص٢٢، ٢٣.\n٥ وكذا ثبتت الخلة للنبي ﷺ دل على ذلك قول النبي ﷺ: \"فإن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا\".\nأخرجه مسلم: كتاب المساجد باب النهي عن بناء المساجد على القبور ١/٣٧٧ ح٥٣٢.\n٦ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٣٨.","vol":"1","page":344},{"text":"٢- الرزق:\nمن صفات ١ الأفعال المتعلقة بالخلق الرزق، فالرازق والرزّاق اسمان من أسماء الله تعالى، دالان على أنه تعالى خلق الأرزاق للخلق وأوصلها إليهم، وخلق لهم أسباب التمتع ٢ بها. قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ \"سورة العنكبوت: الآية٦٠\".\nفالله هو المتكفل بالرزق والقائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها ٣ قال تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ \"سورة ق: الآيتان ١٠\".\nوقال النبي ﷺ: \"لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا ٤ وتروح بطانا ٥\" ٦.\nورزق الله لعباده نوعان:\nرزق عام: شمل جميع الخلق أولهم وآخرهم، مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم.\n_________\n١ فتح الباري ١٣/٣٦٠.\n٢ المقصد الأسنى ص٨٤، ٨٥.\n٣ انظر الأسماء والصفات ص٨٧، ط دار الكتب العلمية.\n٤ خماصا: الخماص الجياع البطون من الغذاء، قاله ابن الأثير في جامع الأصول ١٠/١٤٠.\n٥ بطانا: البطان الشِّباع الممتلئات البطون، قاله ابن الأثير في جامع الأصول ١٠/١٤٠.\n٦ أخرجه الترمذي: كتاب الزهد باب في التوكل على الله ٤/٥٧٣ ح٢٣٤٤ والحاكم في المستدرك ٤/٣٢٨ كلاهما من طريق أبي تميم الجيشاني عن عمر بن الخطاب قال الترمذي على أثره: \"هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه\" وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" وأقره الذهبي في التلخيص.","vol":"1","page":345},{"text":"قال النبي ﷺ: \" ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله، يدعون له الولد، ثم يعافيهم ويرزقهم\" ١.\nوهذا هو رزق الأبدان.\nورزق خاص: هو رزق القلوب وتغذيتها بالإيمان والعلم والرزق الحلال الذي يعين على صلاح الدين، وهذا خاص بالمؤمنين على مراتبهم معه بحسب حكمته ورحمته ٢.\nوأثبت الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى الرازق وما يدل عليه، دل على ذلك قوله: \"كان الله تعالى خالقا قبل أن يخلق ورازقا قبل أن يرزق\" ٣.\nوقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: \"رازق بلا مؤنة\" ٤.\n٣- الخلق:\nمن صفات الله الفعلية الخلق، والخلق له معنيان:\nالمعنى الأول: التقدير.\n_________\n١ أخرجه البخاري: كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ١٣/٣٦٠ ح٧٣٧٨ من طرق أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي موسى الأشعري.\n٢ تفسير كلام المنان لابن سعدي ٥/٦٢٦، ٦٢٧ بتصرف، والحق الواضح المبين ص٤٥.\n٣ الفقه الأكبر ص٣٠٤.\n٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢٠.","vol":"1","page":346},{"text":"المعنى الثاني: الإيجاد والإنشاء على غير سبق ١.\nفالخالق والخلاق من أسماء الله تعالى.\nقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ \"سورة الحشر: الآية٢٤\".\nوقال تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ \"سورة المؤمنون: الآية١٤\".\nوقوله تعالى: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ \"سورة يس: الآية٨١\".\nوقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ \"سورة القمر: الآية٤٩\".\nوقول النبي ﷺ: \"لما خلق الله الخلق كتب في كتاب هو عنده فوق العرش أن رحمتي تغلب غضبي\" ٢.\nوهذا هو ما يعتقده الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ويؤمن به. دل على ذلك قوله: \"وأما الفعلية فالتخليق والإنشاء والإبداع والصنع\" ٣.\nوقال: \"كان الله تعالى خالقا قبل أن يخلق\" ٤.\nوقال: \"وكان الله تعالى خالقا في الأزل ولم يخلق الخلق\" ٥.\nوقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: \"خالق بلا حاجة\" ٦.\n_________\n١ انظر كتاب شأن الدعاء ص٤٩، واشتقاق أسماء الله للزجاجي ص١٦٦-١٦٨.\n٢ تقدم تخريجه ص٣٣٩.\n٣ الفقه الأكبر ص٣٠١.\n٤ الفقه الأكبر ص٣٠٤.\n٥ الفقه الأكبر ص٣٠٢.\n٦ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٢٠.","vol":"1","page":347},{"text":"وقال: \"كما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم\" ١.\n٤- الإحياء والإماتة:\nمن صفات الله الفعلية الإحياء والإماتة، ومن أسماء الله تعالى المحيي والمميت، فالمحيي يدل على أن الله هو الذي يحيي النطفة الميتة فيخرج منها نسمة الحياة ويحيي الأجسام البالية بإعادة الأرواح إليها عند البعث، ويحيي القلوب بنور المعرفة، ويحيي الأرض بعد موتها بإنزال الغيث وإنبات الرزق ٢.\nوالمميت يدل على أن الله يميت الأحياء ويوهن بالموت قوة الأصحاء الأقوياء.\nقال تعالى: ﴿وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ \"سورة الشورى: الآية٩\".\nفتمدّح ذاته ﷾ بالإماتة كما تمدّح بالإحياء ليعلم أن مصدر الخير والشر والنفع والضر من قِبَله وأنه لا شريك له في الملك، استأثر بالبقاء وكتب على خلقه الفناء ٣.\nقال الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه: \"وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا، استحق هذا\n_________\n١ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٢٠.\n٢ كتاب شأن الدعاء ص٧٩، والأسماء والصفات ص٩٥ بتصرف.\n٣ انظر كتاب شأن الدعاء ص٨٠، وكتاب الأسماء ص٩٦.","vol":"1","page":348},{"text":"الاسم قبل إحيائهم\" ١.\nوقال: \"مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة\" ٢.\nفالله هو الذي يحيي الخلق يوم النشور، ويبعث من في القبور، ويحصل ما في الصدور ٣.\nهذا وبعد ذكر هذه الجملة من صفات الله الثبوتية الفعلية منها والذاتية؛ يجد القارئ الكريم أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى قد سار في إثبات الصفات على منهج السلف الصالح، وذلك بإثبات جميع ما أثبت الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ من صفات الكمال، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل.\n_________\n١ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢٠.\n٢ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٢٠.\n٣ المقصد الأسنى ص١٢٣.","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38></span><span data-type=\"title\" id=toc-37>الباب الثالث: اعتقاده في الإيمان</span>\nوفيه خمسة فصول:\nالفصل الأول: مسمى الإيمان عند أبي حنيفة وهل يدخل فيه العمل؟.\nالفصل الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه.\nالفصل الثالث: الاستثناء في الإيمان.\nالفصل الرابع: علاقة الإسلام بالإيمان.\nالفصل الخامس: حكم مرتكب الكبير.","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>الفصل الأول: مسمى الإيمان عند الإمام أبي حنيفة وهل يدخل فيه العمل</span>؟\nالإيمان في اللغة:\nمادة أَمِنَ معناها في اللغة وثِق واطمأنَّ، والأمانة الوثوق ١.\nقال أبو زيد: \"ما أمنت أن أجد صاحبَه أي ما وثِقْت\" ٢.\nأما معنى الإيمان: فهو التصديق مع الانقياد. وهو تارة يتعدّى بالباء وتارة باللام. فمن الأول يقال: آمن به قوم٣ وكذّب به قومٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ \"سورة البقرة: الآية٣\".\nأي يصدقون بأخبار الله عن الجنة والنار ٤.\nومن الثاني قوله تعالى حكاية عن اليهود: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ \"سورة آل عمران: الآية٧٣\".\n_________\n١ انظر القاموس المحيط ١/١٨٢؛ والمعجم الوسيط ١/٢٨.\n٢ كتاب الأفعال للمعافر ي ١/٧٦؛ واللسان ١٣/٢١.\n٣ مفردات القرآن ص٢٥.\n٤ انظر مادة أمن في الصحاح ٥/٢٠٧١؛ ومجمل اللغة ١/١٠٢؛ والقاموس المحيط ٤/١٩٧؛ ولسان العرب ١٣/٢١؛ وكتاب الأفعال للمعافري ١/٧٥.","vol":"1","page":353},{"text":"أي لا تقروا ولا تصدقوا ١.\nومن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ \"سورة يوسف: الآية١٧\".\nأي بمصدق لنا ٢.\nوالفرق بينهما أن المتعدي بالباء هو تصديق المخبر به والمعتدي باللام هو تصديق المُخْبِر ٣.\nقال الحليمي: \"فمن الناس من قال: آمنت به وآمنت له لغتان يعبَّر بهما عن معنى واحد. والصحيح ما خالف هذا وهو قولهم آمنت به: يراد إثباته وتحقيقه والتصديق بكونه ووجوده، وقوله آمنت له: إنما يراد اتباعه وموافقته ... والإيمان له القبول عنه والطاعة له\" ٤.\nالإيمان عند أبي حنيفة:\nأما معنى الإيمان عند الإمام أبي حنيفة فهو إقرار باللسان وتصديق بالجَنان ٥، والأعمال ليست داخلة فيه. قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: \"والإيمان هو الإقرار والتصديق\" ٦.\nوقال في كتابه الوصية: \"الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان، والإقرار وحده لا يكون إيمانا\" ٧.\n_________\n١ انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/٩٧؛ ومعاني القرآن للفراء ١/٢٢٢.\n٢ تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص٢١٣؛ ومعجم مقاييس اللغة ١/١٢٥.\n٣ مجموع الفتاوى ٧/٢٩٨-٢٩٢.\n٤ المنهاج في شعب الإيمان ١/٢١.\n٥ الفصل ٢/١١١؛ التمهيد ٩/٢٣٨.\n٦ الفقه الأكبر ص٣٠٤.\n٧ كتاب الوصية مع شرحها ص٢.","vol":"1","page":354},{"text":"وقرَّر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: \"والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجَنان\" ١.\nأدلة الإمام أبي حنيفة:\nاستدل الإمام أبي حنيفة على مذهبه بما يلي:\nأولا: أنه في كثير من الأوقات يرتفع العمل عن المؤمن، ولا يجوز أن يقال ارتفع عنه الإيمان ٢.\nثانيا: أن النبي ﷺ دعا الناس إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله والإقرار بما جاء به من الله تعالى، وكان الداخل في الإسلام مؤمنا بريئا من الشرك ثم نزلت الفرائض بعد ذلك على أهل التصديق٣.\nثالثا: أن المضيِّع للعمل ليس مضيِّعا للتصديق؛ فلو كان المضيِّع للعمل مضيعا للتصديق لانتقل من اسم الإيمان بتضييعه للعمل ٤.\nرابعا: أن الهدى في التصديق ليس كالهدى في الأعمال، قال الإمام أبو حنيفة: \"إن الهدى في التصديق بالله ورسوله ليس كالهدى في ما افترض من الأعمال\" ٥.\nهذا ما استدل به الإمام أبو حنيفة. أما أصحابه فاستدلوا بما هو آت:\n_________\n١ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٤٢.\n٢ كتاب الوصية مع شرحها ص٦.\n٣ رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي ص٣٥.\n٤ رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي ص٣٥.\n٥ رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي ص٣٥.","vol":"1","page":355},{"text":"أولا: أن الإيمان في اللغة التصديق؛ وعمدتهم في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ \"سورة يوسف: الآية١٧\".\nقال النسفي: \"الإيمان معروف أنه عند أهل اللسان التصديق لا غير\" ١.\nوحكى الباقلاني الإجماع عليه فقال: \"فإن قال وما الدليل على ما قلتم؟ قيل: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان في اللغة قبل نزول القرآن وبعثة النبي ﷺ هو التصديق\" ٢.\nثانيا: أن الله فرق بين الإيمان والعمل في غير موضع من كتابه قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ \"سورة العصر: الآية٣\".\nوالعطف يقتضي المغايرة.\nقال النسفي: \"يدل عليه أن الله تعالى فرَّق بين الإيمان وبين كل عبادة بالاسم المعطوف عليه ما فرَّق بين العبادات بالأسماء المعطوفة المفعولة لها، على ما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ \"سورة التوبة: الآية١٨\".\nفقد عطف إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على الإيمان، ولا شك في ثبوت المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه\"٣.\n_________\n١ تبصرة الأدلة \"ق-٣٤٦/أ\"، وانظر التمهيد ص٩٩، ١٠٠، وانظر كتاب التوحيد للماتريدي ص٣٧٣-٣٧٧؛ والعمدة لحافظ الدين النسفي ١٧/أ؛ والبداية للصابوني ص١٥٢؛ وشرح العقائد النسفية ص١١٩-١٢٣؛ وشرح المقاصد ٥/٢١٧٦ كلاهما للتفتازاني، وانظر الطوائع ص٣٧٣، ٣٧٤.\n٢ التمهيد للباقلاني ص٣٤٦، ٣٤٧..\n٣ التمهيد للنسفي ص٩٩-١٠٠؛ وتبصرة الأدلة \"ص٣٣٦/أ-ب\"؛ وشرح العقائد النسفية ص١٢٣-١٢٤.","vol":"1","page":356},{"text":"ثالثا: قول النسفي: \"ويدل عليه لو أن رجلا آمن بالله ورسوله ضحوة ومات قبل الزوال يكون من أهل الجنة، ولو كان العمل من الإيمان لا يكون من أهل الجنة؛ لأنه لم يوجد منه ذلك\" ١.\nرابعا: أن الله تعالى خاطب المؤمنين باسم الإيمان، ثم أوجب الأعمال على ما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ \"سورة البقرة: الآية١٨٣\"٢.\nخامسا: أن الله تعالى قال في الكفرة: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ \"سورة الأنفال: الآية٣٨\".\nوالانتهاء عن الكفر يكون بالإيمان، ولو كانت الأعمال كلها إيمانا، لم يكن المنتهي عن الكفر منتهيا عنه ما لم يأت بجميع الطاعات، وإذا ثبت الانتهاء بالتصديق وحصلت له المغفرة عما سلف دل أنه هو الإيمان\" ٣.\nسادسا: أن الله تعالى قال: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ \"سورة آل عمران: الآية١٠٠\".\n\"ثبت أن الإيمان هو الذي به ترك الكفر، والكفر هو الذي به ترك الإيمان\" ٤.\nسابعا: لو قلنا: إن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان؛ لزم أن يزول الإيمان بزوال بعض الأعمال ولزم تكفير مرتكب الكبيرة ٥.\n_________\n١ بحر الكلام ص٣٩.\n٢ تبصرة الأدلة \"ق-٣٧٥/أ\".\n٣ تبصرة الأدلة \"ق-٣٧٥/أ\".\n٤ تبصرة الأدلة \"ق-٣٧٥/أ\".\n٥ تبصرة الأدلة \"ق-٣٧٥/أ\" بتصرف.","vol":"1","page":357},{"text":"ثامنا: أن النبي ﷺ لما سأله جبريل صلوات الله عليه عن الإيمان، ما أجاب عنه إلا بالتصديق حيث قال: \" أن تؤمن بالله وملائكته ... ولم يذكر فيه إلا ... التصديق ثم قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم \" ١.\nولو كان الإيمان اسما لما وراء التصديق، لكان أتى ليلبس عليهم أمر دينهم، لا ليعلِّمهم وكان النبي ﷺ قصَّر في الجواب ٢.\nتاسعا: إن ضد الإيمان هو الكفر، والكفر هو التكذيب والجحود يصدِّقه أن الله تعالى قابل الكفر بالإيمان فقال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ \"سورة البقرة: الآية٢٥٦\".\nثم المراد منها التكذيب والتصديق فدلّ أن الإيمان ذلك ٣ يعني: أن الإيمان هو التصديق.\nالجواب عن أدلة أبي حنيفة وأصحابه\n\"أ\" الجواب عن أدلة أبي حنيفة:\nأولا: قول أبي حنيفة: أنه في كثير من الأوقات يرتفع العمل عن المؤمن ولا يجوز أن يقال ارتفع عنه الإيمان.\nهذا القول فيه نظر، إذ العمل لا يرتفع عن المؤمن كليّةً، بل قد يرتفع\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب سؤال جبريل للنبي ﷺ عن الإيمان ١/١١٤ ح٥٠ من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة.\n٢ تبصرة الأدلة ق: ٣٣٦، ٣٣٧.\n٣ تبصرة الأدلة ق-٣٦٦/أ.","vol":"1","page":358},{"text":"عمل دون عمل، وكون الحائض يرتفع عنها عمل الصلاة والصوم، ليس معناه أن جميع الأعمال التي قد كلفت بها قد ارتفعت، ثم يقول القائل: إن إيمانها قد ارتفع. كلا فإن الحائض لم تترك الصلاة ولم تترك العمل إلا استجابة لأمر الله، وهذا في حد ذاته عمل منها؛ لأن الأعمال تنقسم إلى قسمين: عملٌ تركي، وعمل مأتيٌّ. فكون الحائض قد تركت الصلاة استجابة لأمر الله فالعمل ما زال قائما في حقها، ثم إن المرأة إذا حاضت لا يرتفع عنها جميع الأعمال التي كلفت بها، بل جميع الأعمال التكليفية تؤديها كما كانت تؤديها إبَّان طهرها، إذًا العمل في حقها ما فتِئ مستمرّا لم يرتفع بحيضها ولا بطهرها.\nوأيضا يقال: إن الصلاة سماها الله إيمانا في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ \"سورة البقرة: الآية١٤٣\".\nوهي من أعظم شعب الإيمان، والإيمان شعب كما قال النبي ﷺ: \" الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان\" ١.\nإذًا فقد رُفع عن الحائض بعض شعب الإيمان بحكم الشرع، ومع ذلك فهو نقص في دينها كما قال النبي ﷺ: \"ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لبٍّ منكن\" قالت: يا رسول الله وما نقصان العقل والدين؟ قال: \"أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل وتمكث الليالي ما تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين\" ٢.\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب أمور الإيمان ١/٥١ ح٩ من طريق أبي صالح عن أبي هريرة.\n٢ أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب نقصان الإيمان بنقص الطاعات ١/٨٦-٨١٠ ج١٣٢ من طريق عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر.","vol":"1","page":359},{"text":"ثانيا: قول أبي حنيفة: \"إن النبي ﷺ دعا الناس إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله والإقرار بما جاء به من الله تعالى، وكان الداخل في الإسلام مؤمنا بريئا من الشرك ثم نزلت الفرائض بعد ذلك على أهل التصديق\" ١.\nجوابه من ثلاثة أوجهٍ:\n١- أنه فرضت قبل فرض الصلاة والزكاة والصوم أعمال شرعية غير الشهادتين؛ كالصدق وإيفاء الوعد وتجنُّب الحرام كارتكاب الزنى وأكل مال اليتيم وغير ذلك.\n٢- إن الشهادتين مقتضاهما العمل، والعمل هو ترك عبادة ما سوى الله وإفراده وحده بالعبادة لأنه الإله الحق المحبوب المطاع الذي يستحق أن يعبد وحده فلا يعصى، ويخصّ بنهاية الحب والخضوع والذل، وأما ما عداه مما عبده الناس فآلهة زائفة باطلة صنعتها الجهالة والأوهام فيجب البراءة منها، وممن عبدها من دون الله تعالى.\nقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ \"سورة الممتحنة: الآية٤\".\nوقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ \"سورة الزخرف: الآيتان ٢٦-٢٧\".\nفإخلاص العبادة لله تعالى والكفر بالطواغيت والبراءة منها وممن عبدها من أعظم الأعمال، بل هذا أعظم من الفرائض العملية الظاهرة، بل التصديق بدون هذا غير معتدٍّ به.\n_________\n١ رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي ص٣٥.","vol":"1","page":360},{"text":"٣- إن رسول الله ﷺ كما دعا إلى الإقرار به وبما جاء به، دعا إلى اتباعه، والتزام طاعته؛ لأن الإقرار وحده بدون التزام متابعة الرسول ﷺ وطاعته لا يحصل به الدخول في الإسلام ولا ينجو به من العذاب، فصحّ أن العمل من مقوِّمات الإيمان وأنه لا إيمان بدون جنس العمل.\nثالثا - قول الإمام أبي حنيفة: \"فلم يكن المضيع للعمل مضيعا للتصديق، وقد أصاب التصديق بغير عمل، ولو كان المضيِّع للعمل مضيعا للتصديق لانتقل من اسم الإيمان وحرمته لتضييعه العمل\"١.\nجوابه من وجهين:\n١- أن يقال: إن أراد تضييع العمل مطلقا فقد تقدّم أن التصديق المجرَّد لا يحصل به الإيمان فلا ينفع التصديق إذًا مع تضييع العمل مطلقا، فإن من الأعمال ما يزول الإيمان بزواله مثل محبة الله ورسوله وبغض الشرك وأهله والبراءة منه وكذلك الصلاة يزول الإيمان بتركها عند كثير من المحققين من أهل العلم\" ٢.\nوإن أراد عملا دون عمل؛ فمعلوم أنه لا يرتفع عنه أصل الإيمان بتضييع أي عمل وليس من شرط وجود الإيمان ألا يرتكب معصية.\n٢- أن المسلم لا يتصوّر منه أن يترك العمل مطلقا بل لا بد أن يعمل شيئا من الأعمال الظاهرة كالإحسان والصدق والبر وصلة الأرحام، فإذا فُرض أن شخصا لا يعمل مطلقا أي عمل كان فهذا ليس بمصدِّقٍ\n_________\n١ رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي ص٣٥.\n٢ كأحمد بن حنبل والأوزاعي وسفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وغيرهم، انظر اعتقاد السلف أصحاب الحديث ص٧٦؛ وكتاب الصلاة لابن القيم ص١٦-٢٠.","vol":"1","page":361},{"text":"تصديقا يدخله في عداد المؤمنين، بل يكون في الحقيقة من المكذبين كما قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ \"سورة آل عمران: الآية٣٣\".\nرابعا: قول أبي حنيفة: قال الإمام أبو حنيفة: \"إن الهدى في التصديق بالله وبرسوله ليس كالهدى في ما افترض من الأعمال\" ١.\nجوابه: أن التصديق له أثر والأعمال لها أثر؛ فالتصديق والأعمال جزءان من الإيمان المركب منهما والإقرار والهدى الناتج من التصديق المجرّد ليس كالهدى الناتج من التصديق والإقرار والأعمال، فإن الهدى الأول ضعيف والثاني أقوى منه.\nويقال أيضا: إن التصديق المجرد عن عمل القلب ليس فيه هدى بدليل أنه حاصل من بعض الكفار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ \"سورة آل عمران: الآية٣٣\".\nوإنما الهدى في التصديق المقرون بعمل القلب، من حب الله ورسوله وحب ما جاء به من الدين والانقياد لذلك وبُغْض الدين الذي يخالفه. ولا ريب أن الهدى في اعتقاد القلب وعمله أعظم من الهدى في عمل الجوارح بل هو أصله إذ لا يلزم من الاشتراك في التسمية في الاسم اتِّحاد المرتبة، وهذا لا ينفي أن يكون كلٌّ منهما عن اعتقاد القلب وعمله مع عمل الجوارح من الإيمان.\n_________\n١ رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي ص٣٥.","vol":"1","page":362},{"text":"\"ب \" الجواب عن أدلة أصحاب الإمام أبي حنيفة:\nالدليل الأول:\nقولهم: إن الإيمان في اللغة التصديق، ثم حكوا الإجماع عليه فالجواب عليه من وجوه:\n١- دعوى أن الإيمان مرادف للتصديق ممنوع لما يأتي:\n\"أ\" أنه يقال للمخبر إذا صدق: صدقت ولا يقال آمنت ١.\n\"ب\" أن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال: كذبت، فمن قال: السماء فوقنا قيل له: صدق كما يقال: كذب، وأما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر الغائب٢.\n\"ج\" أن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق، فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت أو كذبت، ويقال: صدقناه أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه ٣.\n\"د\" وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ \"سورة يوسف: الآية١٧\".\nفليس في الآية ما يدل على أن المصدق مرادف للمؤمن، فإن صحة هذا المعنى بأحد اللفظين لا يدل على أنه مرادف للآخر ٤.\n٢- لو سلمنا جدلا أن الإيمان في اللغة هو التصديق، فالألفاظ\n_________\n١ مجموع الفتاوى ٧/٢٩٠ بتصرف.\n٢ مجموع الفتاوى ٧/٢٩١.\n٣ مجموع الفتاوى ٧/٢٩٢ بتصرف.\n٤ مجموع الفتاوى ٧/١٢٦ بتصرف.","vol":"1","page":363},{"text":"الشرعية الواردة في الكتاب والسنة كالإيمان والإسلام والصلاة والزكاة والحج وغيرها ليست على معانيها اللغوية المطلقة، بل زاد فيها الشرع قيودا لا تخرج بها هذه الأسماء عن معناها في اللغة، فمثلا الصلاة في اللغة الدعاء لكن في الشرع عبارة عن الأفعال والأقوال المخصوصة في أوقات مخصوصة بشروط مخصوصة؛ وإن كانت مشتملة على الدعاء. فهكذا الإيمان الشرعي مشتمل على التصديق بالجنان والعمل بالأركان والإقرار باللسان. ولا شك أن بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي مناسبة بالعموم والخصوص، لأن المعنى الشرعي أخص من المعنى اللغوي، ومعلوم أن الإيمان ليس هو التصديق بكل شيء بل بشيء مخصوص وهو ما أخبر به الرسول ﷺ، وحينئذ فيكون الإيمان في كلام الشارع أخص من الإيمان في اللغة ١.\n٣- أن دعوى الإجماع على كون الإيمان في اللغة التصديق ممنوعة وذلك لما يأتي:\n\"أ\" نعم نقل الإجماع الباقلاني في كتابه التمهيد ص١٠٠، لكن من سلفه في هذا؟ وكيف يعلم هذا الإجماع٢؟.\n\"ب\" إن كان يعني بالإجماع إجماع أهل اللغة فهل مراده نقلتها كأبي عمرو والأصمعي والخليل ونحوهم أو مراده المتكلمون بهذا اللفظ؟.\nفإن عنى الأول فهؤلاء لا ينقلون كل ما كان قبل الإسلام، وإنما ينقلون ما سمعوه من العرب في زمانهم وما سمعوه في دواوين الشعر وكلام\n_________\n١ مجموع الفتاوى ٧/١٢٧ بتصرف.\n٢ مجموع الفتاوى ٧/١٢٣ بتصرف.","vol":"1","page":364},{"text":"العرب، ولا نعلم فيما نقلوه لفظ الإيمان فضلا عن أن يكونوا أجمعوا عليه. وإن عنى المتكلمين بهذا اللفظ قبل الإسلام؛ فهؤلاء لم نشهدهم ولا نقل لنا أحد عنهم ذلك ١.\n\"ج\" أنه لا يعرف عن هؤلاء جميعهم أنهم قالوا: الإيمان في اللغة هو التصديق، بل ولا عن بعضهم وإن قدِّر أنه قاله واحد أو اثنان فليس هذا إجماعا ٢.\n\"د\" أن يقال: هؤلاء لا ينقلون عن العرب أنهم قالوا: معنى هذا اللفظ كذا وكذا، وإنما ينقلون الكلام المسموع من العرب، وأنه يفهم منه كذا وكذا، وحينئذ، فلو قدِّر أنهم نقلوا كلاما عن العرب يفهم أن الإيمان هو التصديق، لم يكن ذلك أبلغ من نقل المسلمين كافة للقرآن عن النبي ﷺ. وإذا كان مع ذلك قد يظن بعضهم أنه أريد به معنى ولم يرده؛ فظن هؤلاء ذلك فيما نقلوه عن العرب أولى ٣.\n\"هـ\" أنه لو قدِّر أنهم قالوا هذا؛ فهم آحاد لا يثبت بنقلهم التواتر، والتواتر من شرطه استواء الطرفين والواسطة، وأين التواتر الموجود عن العرب قاطبة قبل نزول القرآن في أنهم كانوا لا يعرفون للإيمان معنى غير التصديق٤.\n\"و\" أنه لم يذكر شاهدا من كلام العرب على ما ادعاه عليهم ٥.\n_________\n١ مجموع الفتاوى ٧/١٢٣ بتصرف.\n٢ مجموع الفتاوى ٧/١٢٣.\n٣ مجموع الفتاوى ٧/١٢٣، ١٢٤.\n٤ مجموع الفتاوى ٧/١٢٤.\n٥ مجموع الفتاوى ٧/١٢٥.","vol":"1","page":365},{"text":"الدليل الثاني:\nقولهم: \"إن الله فرق بين الإيمان والعمل في غير موضع من القرآن الكريم ... \".\nالجواب عليه:\nالتشبث بالمغايرة في جعل الإيمان تصديقا وجعل الأعمال خارجة عنه باطل، لأن العطف يقتضي مغايرة ما، لا كلَّ المغايرة، فيكفي في العطف بين شيئين نوع من المغايرة، كالمغايرة بين الكل والجزء، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، فيجوز عطف الأعمال على الإيمان، لأن الإيمان كلٌّ والأعمال جزء منه فتتحقق المغايرة، فكيف يستدلون بالعطف على إخراج الأعمال من الإيمان، والعطف لا يقتضي ذلك فيكون تشبثهم بالعطف في غير محله ولا يتم لهم المقصود، وبمثل ما ذكرت أجاب أئمة السنة أمثال أبي يعلى وشيخ الإسلام وغيرهما وحاصل ما قالوه: أن الله عطف الأعمال الصالحة والعطف يقتضي المغايرة، فيقال لهم هذا غير صحيح فإن الله عطفها على الإيمان من باب عطف الخاص على العام كقوله ﵎: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ \"سورة البقرة: الآية٢٣٨\".\nومن المعلوم قطعا أن جبريل وميكال من جنس الملائكة، ولو كان العطف يقتضي المغايرة كما قالوا لكان جبريل وميكال من جنس آخر، وهذا لم يقل به أحد من السلف، إلى غير ذلك من الأمثلة التي تناقض ذلك فمن ذلك قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ \"سورة البقرة: الآية٢٣٨\".\nومن المعلوم أن الصلاة الوسطى من جنس باقي الصلوات، فلو كان العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه لكانت الصلاة","vol":"1","page":366},{"text":"الوسطى غير باقي الصلوات، وهذا خلاف المعروف والمعلوم ١.\nوقال ابن أبي العز الحنفي: \"والمغايرة على مراتب: أعلاها أن يكونا متباينين ليس أحدهما هو الآخر ولا جزءه ولا بينهما تلازم كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ \"سورة الأنعام: الآية١\".\n﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ﴾ \"سورة آل عمران: الآية٣\".\nهذا هو الغالب.\nويليه: أن يكون بينهما تلازم كقوله تعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ \"سورة البقرة: الآية٤٢\".\n﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ \"سورة المائدة: الآية٩٢\".\nالثالث: عطف بعض الشيء عليه كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ \"سورة البقرة: الآية٢٣٨\".\n﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ \"سورة البقرة: الآية٩٨\".\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ﴾ \"سورة الأحزاب: الآية٧\".\nوفي مثل هذا وجهان:\nأحدهما: أن يكون داخلا في الأول فيكون مذكورا مرتين.\nوالثاني: أن عطفه يقتضي أنه ليس داخلا فيه هنا، وإن كان داخلا فيه\n_________\n١ راجع مسائل الإيمان لأبي يعلى ص٢٤١، ٢٤٢؛ ومجموع الفتاوى ٧/١٧٩-١٧٨؛ وشرح العقيدة الطحاوية ص٣٧٨-٣٨٠","vol":"1","page":367},{"text":"منفردا كما قيل مثل ذلك في لفظ الفقراء والمساكين ونحوه مما تتنوع بالإفراد والاقتران.\nالرابع: عطف الشيء على الشيء لاختلاف الصفتين كقوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ \"سورة غافر: الآية٣\".\nوقد جاء في الشعر العطف لاختلاف اللفظ فقط كقوله:\nفألفى قولها كذبا ومينا١\"٢.\nفأنت ترى أن الكذب والمَيْنَ شيء واحد. ولكن جاز العطف لأجل الاختلاف في اللفظ.\nوالحاصل أن عطف الأعمال على الإيمان في بعض النصوص لا يدل على خروج الأعمال عن حقيقة الإيمان ومسماه، فتشبث هؤلاء بشبهة العطف لا يفيدهم إخراج الأعمال عن مسمى الإيمان وحقيقته.\nالدليل الثالث:\nقول النسفي: \"لو أن رجلا آمن بالله ورسوله ضحوة ومات قبل الزوال يكون من أهل الجنة، ولو كان العمل من الإيمان لا يكون من أهل الجنة؛ لأنه لم يوجد منه ذلك\".\nقلت: هذا لا يدل على كون الإيمان هو التصديق فقط لأن الله لا يكلف نفس إلا وسعها فمن صدق بالقلب ولم يجد فرصة للإقرار بأن كان أبكم مثلا فهو مؤمن، وكذا لو صدق وأقر ومات على الفور فهو مؤمن\n_________\n١ هذا البيت لعدي بن زيد العُبادي، انظر الصحاح ٦/٢٢١٠، وصدره: فقدّمت الأديم لراهشيه، انظر طبقات فحول الشعراء لابن سلام ص١٤٠.\n٢ شرح العقيدة الطحاوية ٢/٤٨٤، ٤٨٥. وانظر مجموع الفتاوى ٧/١٧٢-١٧٨.","vol":"1","page":368},{"text":"لأنه التزم شرائع الإيمان وعزم على العمل بالأركان فهذا العزم يعتبر في حقه كأنه عمل بالأركان، غير أنه لم يجد فرصة. فمثل هذا كيف يكون حجة بأن الإيمان هو التصديق فقط وهذا ظاهر لمن وفقه الله للهداية.\nالدليل الرابع:\nقول بعضهم: \"إن الله خاطب المؤمنين باسم الإيمان، ثم أوجب عليهم الأعمال\". أجاب عن هذا الإشكال شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: \"وبهذا يظهر الجواب عن قولهم: \"خوطبوا بالإيمان قبل الأعمال\". فنقول: إن قلتم: إنهم خوطبوا قبل أن تجب تلك الأعمال فقبل وجوبها لم تكن من الإيمان، وكانوا مؤمنين الإيمان الواجب عليهم قبل أن يفرض عليهم ما خوطبوا بفرضه، فلما نزل إن لم يقروا بوجوبه لم يكونوا مؤمنين ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ \"سورة آل عمران: الآية٩٧\".\nولهذا لم يجئ ذكر الحج في أكثر الأحاديث التي فيها ذكر الإسلام والإيمان ... وذلك لأن الحج آخر ما فرض من الخمس، فكان قبل فرضه لا يدخل في الإيمان والإسلام، فلما فرض أدخله النبي ﷺ في الإيمان إذا أفرد، وأدخله في الإسلام إذا قرن بالإيمان وإذا أفرد ... \"١.\nالدليل الخامس:\nقولهم: إن الله تعالى قال في الكفرة: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ \"سورة الأنفال: الآية٣٨\".\nوالانتهاء عن الكفر يكون بالإيمان ولو كانت الأعمال كلها إيمانا\n_________\n١ كتاب الإيمان ط المكتب الإسلامي ص١٨٥-١٨٦ ط/ الثالثة وضمن مجموع الفتاوى ٧/١٩٦-١٩٧.","vol":"1","page":369},{"text":"لم يكن المنتهي عن الكفر منتهيا عنه ما لم يأت بجميع الطاعات ...\nفالجواب عنه:\nإن معنى قول الله تعالى: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ١ أن هؤلاء المشركين والكفرة إن تابوا إلى الله عن شركهم وكفرهم وقتال المؤمنين وعداوتهم ودخلوا في الإسلام والتزموا الطاعة وانقادوا لأوامر الله؛ يغفر لهم ما قد سلف من الكفر والشرك.\nوليس معنى الآية: أن الله تعالى لا يغفر لهم إلا أن يأتوا بجميع الطاعات دفعة واحدة في آن واحد، لأن هذا ليس في طاقة البشر، فلا يستطيع أحد أن يأتي بطاعات جميع العمر دفعة واحدة، وإنما عليهم أن يلتزموا الطاعة وينقادوا ويتعهدوا الإتيان بالأوامر واجتناب النواهي، وهذه التوبة وهذا الالتزام هما من الأعمال وهما شرط في مغفرة ما قد سلف منهم ولا مخرج لهم من الكفر إلا بذلك، فليزم أن تكون هذه الأعمال من الإيمان وعلى هذا فالآية حجة عليهم لا لهم وهي كذلك لا تنفي تسمية سائر الأعمال إيمانا.\nفالحاصل أن هذه الآية لا تدل على خروج الأعمال عن الإيمان كما أنها لا تدل على الإتيان المأمورات دفعة واحدة، وإنما فيها بيان لشرط العفو عنهم والمغفرة لهم، وهو أن يتوبوا من الشرك والكفر ويدخلوا في الإسلام ويخضعوا لأوامر الله تعالى وينقادوا لحكمه.\n_________\n١ انظر تفسير هذه الآية في جامع البيان للطبري ٩/٢٤٧؛ ومعالم التنزيل ٢/٢٤٨؛ وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/٣٠٩؛ وتيسير الكريم المنان ٣/١٦٧، وتفسير القاسمي محاسن التأويل ٨/٥٥.","vol":"1","page":370},{"text":"الدليل السادس:\nقولهم: \"إن الله تعالى قال: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ \"سورة آل عمران: الآية١٠٠\".\nثبت أن الإيمان هو الذي به ترك الكفر ... \"\nفالجواب عنه:\nأن الله تعالى نهى المؤمنين عن طاعة الكفار، وحذرهم من موالاتهم وحبهم، لأن هذا سبيل لارتدادهم عن الإسلام ١.\nولا شك أن الإيمان هو الذي به ترك الكفر، وأن الكفر هو الذي به ترك الإيمان وكلاهما لا يجتمعان.\nولكن أين في هذه الآية الكريمة ما يدل على أن الإيمان تصديق بالقلب فقط، وأن الأعمال ليست من حقيقة الإيمان، وأنها خارجة عن مسماه؟ بل الآية تدل على خلاف ما زعموه، لأن طاعة أهل الكتاب من اليهود والنصارى وطاعة غيرهم من الكفرة قد تتحقق في الأعمال فيكون بذلك مرتدا عن دين الإسلام، وإن كان يعتقد أن دين الإسلام حق كما وقع من أمثال أبي طالب وهرقل وغيرهما فهؤلاء قد أطاعوا الكفار، وصاروا بذلك كافرين مع بقاء تصديقهم بقلوبهم بل وبألسنتهم، فكان كفرهم بالأعمال فكيف يقال: إن الإيمان هو التصديق وأن الأعمال ليست من مسماه.\nالدليل السابع:\nقولهم: \" إذا قلنا: إن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان؛ لزم أن يزول\n_________\n١ انظر تفسير هذه الآية في جامع البيان ص٢٤، ٢٥؛ وتفسير القرآن العظيم ٢/٨١؛ وزاد المسير ١/٤٣٠؛ وتيسير الكلام المنان ١/٤٠٤؛ والمنار ٤/١٧.","vol":"1","page":371},{"text":"الإيمان بزوال بعض الأعمال ولزم تكفير مرتكب الكبيرة ... \"\nفالجواب عنه: من وجهين:\n١- أن الأعمال جزء من حقيقة الإيمان، والإيمان كل له أجزاء ثلاثة فهو مركب منها:\nالأول: التصديق بالجنان.\nالثاني: الإقرار باللسان.\nالثالثة: والعمل بالأركان.\nولا شك أن العمل يتفاوت ويتجزأ، ويزيد وينقص، وبحسب الأعمال يتفاوت التصديق ويتجزأ، ويزيد وينقص.\nقال ابن أبي العز: \"الإيمان أصل له شعب متعددة، وكل شعبة منها تسمى إيمانا. فالصلاة من الإيمان، وكذلك الزكاة والصوم والحج والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل والخشية من الله والإنابة إليه حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق، فإنها من شعب الإيمان. وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادتين ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتا عظيما\" ١.\nوإذا كان الأمر كذلك فمن المعلوم أن الكل المركب من أجزاء تتفاوت وتتجزأ وتزيد وتنقص، فلا يزول بزوال بعض أجزاء أجزائه. فالذي ارتكب معصية فقد نقص من عمله جزء وبذلك قد نقص من إيمانه شيء مع بقاء شيء منه، حيث نقص إيمانه بنقص بعض عمله، وبذلك قد زال جزء من إيمانه ولم يزل كل إيمانه.\n_________\n١ شرح العقيدة الطحاوية ٢/٤٧٦.","vol":"1","page":372},{"text":"مثال ذلك أن الشجرة كل مركبة من أغصان ومع ذلك لا تزول الشجرة بزوال بعض أغصانها، وكذا الإنسان كل مركب من أجزاء لكن لا يزول الإنسان بزوال بعض أجزائه١.\nوهكذا في باب الإيمان فهو لا يزول بالكلية بزوال بعض الأعمال، وإذا تحقق هذا ثبت أنه لا يلزم تكفير مرتكب الكبيرة، كما لا يلزم مخالفة الإجماع، وظهر بطلان القول بعدم دخول الأعمال في مسمى الإيمان.\n٢- أن لفظ الإيمان ذكر في نصوص الكتاب والسنة على نوعين: مقيد ومطلق.\nفإذا ورد مطلقا دخل في مفهومه الأعمال كما تدخل الأعمال، في مفهوم البر والتقوى والدين إذا وردت هذه الكلمات مطلقة.\nوإذا ورد مقيدا فيغاير الأعمال وعلى هذا يقال: \"إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا\".\nفالإيمان له مرتبتان:\nمرتبة الشيء المطلق، وهي مرتبة الإيمان المطلق أي الكامل، ومرتبة مطلق الشيء، وهي مرتبة مطلق الإيمان أي ما يصدق عليه الإيمان في الجملة سواء كان كاملا أو ناقصا، فمن وفّقه الله تعالى للعمل وقوي تصديقه بالقلب وعمل ما يقتضيه إقراره باللسان فإيمانه كامل في مرتبة الشيء المطلق، أي الإيمان المطلق أي الكامل، وأما من أخل بالعمل فقد نقص إيمانه وضعف تصديقه بقلبه بقدر ما أخل به من العمل؛ ولم يستوف ما يقتضي إقراره بلسانه، فإيمانه ناقص في مرتبة \"مطلق الشيء\"، أي \"مطلق\n_________\n١ مجموع الفتاوى ٧/٤٠٣-٤٠٥ بتصرف. وانظر فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ١/١٥٧، والسنة لعبد الله بن أحمد ص٧٦؛ وجامع العلوم والحكم ص٤٣؛ والإيمان لأبي يعلى ص٢٦٤.","vol":"1","page":373},{"text":"الإيمان\"، أي الإيمان الناقص، فتارك العمل، ومرتكب الكبيرة لا يستحق اسم \"الإيمان المطلق\" الكامل لإخلاله بالعمل وضعف تصديقه ونقص إيمانه؛ ولنعم ما قال شيخ الإسلام في رده على هؤلاء بعدما حكى شبهتهم هذه حيث قال:\n\"وجواب هذا أن يقال: الذين قالوا من السلف إنهم خرجوا من الإيمان إلى الإسلام لم يقولوا: إنه لم يبق معهم من الإيمان شيء، بل هذا قول الخوارج والمعتزلة وأهل السنة الذين قالوا هذا، يقولون: الفساق يخرجون من النار بالشفاعة، وإن معهم إيمان يخرجون به من النار، لكن لا يطلق عليهم اسم الإيمان ١ لأن الإيمان المطلق هو الذي يستحق صاحبه الثواب ودخول الجنة، وهؤلاء ليسوا من أهله وهم يدخلون في الخطاب بالإيمان ... \" ثم قال شيخ الإسلام: \" والتحقيق أن يقال: أنه مؤمن ناقص الإيمان مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، ولا يعطى اسم الإيمان المطلق، فإن الكتاب والسنة نفيا عنه الاسم المطلق واسم الإيمان٢ يتناوله ... \" ٣.\nالدليل الثامن:\nقولهم: أن النبي ﷺ لما سأله جبريل صلوات الله عليه عن الإيمان، ما أجاب عنه إلا بالتصديق....\"\nفالجواب عنه:\nأن يقال: إن النصوص التي ذكر فيها لفظ الإيمان والإسلام على ثلاثة أنواع:\n_________\n١ يعني اسم \"الإيمان الكامل\" وهو الإيمان المطلق.\n٢ يعني مطلق الإيمان وهو الإيمان الناقص.\n٣ مجموع الفتاوى ٧/٢٤٠-٢٤١.","vol":"1","page":374},{"text":"النوع الأول: نصوص فيها ذكر الإيمان وحده كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ \"سورة الأنفال: الآية٢\".\nالنوع الثاني: نصوص فيها ذكر الإسلام وحده كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ﴾ \"سورة آل عمران: الآية٨٥\".\nالنوع الثالث: نصوص فيها ذكر الإيمان والإسلام كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ \"سورة الحجرات: الآية١٤\".\nفإذا عرف هذا عرف أيضا أنه إذا ذكر الإيمان وحده فهو يشمل الإسلام وكذا إذا ذكر الإسلام وحده فإنه يشمل الإيمان، وإذا ذكر الإيمان والإسلام معا فهما يتغايران ويختلفان، فيراد بالإيمان غير ما يراد بالإسلام، فيختص الأول يما يتعلق بالقلوب، ويختص الثاني بما يتعلق بالجوارح مع ملازمة كل منهما الآخر بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر وإن كانا يتفاوتان مفهوما ومصداقا، وهذا كما يقال: \"إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا\" أي إذا ذكر أحدهما فقط يراد به الآخر أيضا، وإذا ذكرا معا يراد من أحدهما غير ما يراد من الآخر مثل البر والتقوى والمسكين والفقير\" ١.\nفالبر إن ذكر وحده دخل فيه التقوى، وهكذا التقوى يدخل فيه البر ولكن إذا اجتمعا يراد بالبر فعل الخير ويراد بالتقوى تجنب الشر ٢.\n_________\n١ انظر مجموع الفتاوى ١٠/٢٧٥.\n٢ انظر كتاب الإيمان ص١٥٦، ١٥٧، ط المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة ١٤٠٨هـ.","vol":"1","page":375},{"text":"وهكذا الحال في المسكين والفقير إذا اجتمعا أو افترقا ١.\nومن هنا يتبين لنا خطأ من قال: إن الإيمان غير الإسلام مطلقا وكذا خطأ من قال مطلقا: إن الإيمان هو الإسلام والصحيح: أن الإيمان إذا ذكر وحده يشمل الإسلام وكذا الإسلام إذا ذكر وحده يشمل الإيمان، وإذا ذكرا معا يراد من الإيمان العقائد، ويراد من الإسلام الأعمال كما في حديث جبريل ٢.\nوإذا عرف هذا تبين لك بطلان كلامهم هذا ٣.\nأما إلزامهم أن الأعمال لو كانت من الإيمان، لكان جبريل أتى لتلبيس الدين وكان النبي ﷺ قاصرا في الجواب.\nفنقول: إن جبريل ﵇ لم يأت لتلبيس الدين، ولم يكن النبي ﷺ قاصرا في الجواب، بل كان جبريل أتى لتعليم الدين وكان جواب النبي ﷺ في غاية الصواب والله المستعان.\nالدليل التاسع:\nقولهم: \"إن ضد الإيمان هو الكفر، والكفر هو التكذيب والجحود ... \".\n_________\n١ الفقير والمسكين إذا افترقا فهما بمعنى واحد وهو المحتاج، وأما إذا اجتمعا فالفقير هو الذي له ما يأكله وله بعض ما يقيمه، وأما المسكين فهو الذي لا شيء له فهو أسوأ حالا من الفقير وقيل العكس. انظر تهذيب اللغة ٩/١١٣، ١١٤؛ والمصباح المنير ص١٠٨.\n٢ أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان ١/١١٤ ح٣٧ من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة.\n٣ انظر تفصيل هذا في كتاب الإيمان ضمن مجموع الفتاوى ٧/١٥٤-١٨٦، وشرح العقيدة الطحاوية ص٣٨٧-٣٩٥.","vol":"1","page":376},{"text":"فالجواب عنه:\nقوله: \"الكفر هو التكذيب والجحود\" فيه نظر: لأنه لا شك أن التكذيب والجحود نوعان من الكفر، لكنهما ليسا جميع الكفر، والكفر أعم من التكذيب والجحود فلا يتحقق الكفر في صورة التكذيب والجحود فقط، بل الإعراض والمخالفة والمعاداة بلا تكذيب وجحود، مثل كفر أبي طالب فإنه لم يكذب ولم يجحد، ومع ذلك فهو كافر حيث أعرض عن الاعتراف بالحق، ولم يظهره. وأما قوله: \"إن التكذيب والجحود يكونان بالقلب فكذا ما يضادهما وهو الإيمان يكون بالقلب\".\nفأول من عرف عنه هذا القول هو الجهم بن صفوان فقد قال: \"إن الإيمان والكفر لا يكونان إلا بالقلب دون غيره من الجوارح\" ١. وهذا قول فاسد، والحق أن الكفر كما يكون بالقلب، كذلك يكون باللسان والجوارح، لأن كثيرا من صناديد الكفار من مشركي قريش كانوا يكفرون ويكذبون باللسان فقط مع تصديقهم للرسول ﷺ بقلوبهم، عنادا منهم وجحودا واستكبارا بل لو قيل: إن الجحود لا يكون بالقلب فقط بل وباللسان لكان هو الصواب؛ فإن فرعون وأمثاله كانوا مستيقنين في أنفسهم وإن جحدوا بألسنتهم، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ \"سورة النمل: الآية١٤\".\nوقال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ \"سورة الأنعام: الآية٣٣\".\nفالمؤمنون يصدقون بالقلوب واللسان وبالجوارح، والكفار يكذبون\n_________\n١ مقالات الإسلاميين ص١٣٢.","vol":"1","page":377},{"text":"باللسان، والمنافقون يصدقون بالألسنة ويكذبون بالقلوب.\nثم إن لفظ الإيمان لا يقابل التكذيب فقط، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \" لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق، فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت أو كذبت ويقال: صدقناه أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه، ولا يقال: أنت مؤمن له أو مكذب له، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر يقال: هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق، لكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك لكان كفره أعظم، فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط علم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط بل إذا كان الكفر يكون تكذيبا ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعا بلا تكذيب فلا بد أن يكون الإيمان تصديقا مع موافقة وموالاة وانقياد، لا يكفى مجرد التصديق فيكون الإسلام جزء مسمى الإيمان كما كان الامتناع من الانقياد مع التصديق جزء مسمى الكفر فيجب أن يكون كل مؤمن مسلما منقادا للأمر وهذا هو العمل\" ١.\nأما موقفهم من النصوص الدالة على أن العمل من مسمى الإيمان، فموقف القدح والتأويل كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ \"سورة البقرة: الآية١٤٣\".\nفحملوها على المجاز ٢، ومثل قول النبي ﷺ: \"الإيمان بضع وستون شعبة\".\n_________\n١ مجموع الفتاوى ٧/٢٩٢، وانظر شرح العقيدة الطحاوية ص٣٨٠.\n٢ انظر تبصرة الأدلة \"٣٣٧/ب\".","vol":"1","page":378},{"text":"وفي رواية: \" بضع وسبعون \" فقد قدحوا فيه بأنه مخالف للكتاب وبغفلة الراوي حيث تردد بين الستين والسبعين فشهد بغفلة نفسه\" ١.\nالجواب عن تلك التأويلات:\nأولا: حملهم قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ على المجاز الجواب عنه ما يأتي:\n١- الأصل في كتاب الله تعالى الحقيقة، والمجاز يحتاج إلى دليل ٢.\n٢- أن الحقيقة عند القائلين بالمجاز هي اللفظ الذي يدل بإطلاقه بلا قرينة، والمجاز إنما يدل بقرينة. وقد تبين أن لفظ الإيمان حيث أطلق في الكتاب والسنة دخلت فيه الأعمال، وإنما يدَّعى خروجها منه عند التقييد وهذا يدل على أن الحقيقة قوله: \"الإيمان بضع وسبعون شعبة\" ٣.\n٣- أن المجاز ثبت أنه اصطلاح حادث فلم يتكلم به العرب ولا الصحابة ولا الأئمة؛ فهو شبيه بمصطلحات النحو، ولكن النحو جاء اصطلاحا مستقيما وليس فيه مفسدة، أما المجاز فهو اصطلاح غير مستقيم، وفيه مفاسد عقلية وشرعية ولغوية. أما المفسدة العقلية فهي عدم تمييزه تمييزا ظاهرا صحيحا، أما الشرعية ففيها مفاسد يوجب الشرع إزالتها ألا وهي تحريف كلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ عن حقيقته وحمل الألفاظ على معان ورد النهي عن حملها عليها وأنها يصح نفيها وكلام الله\n_________\n١ انظر تبصرة الأدلة \"٣٣٧/ب\".\n٢ مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص١٦٤.\n٣ مجموع الفتاوى ٧/١١٦.","vol":"1","page":379},{"text":"﷿ وكلام رسوله ﷺ أرفع شأنا من ذلك، وأنه كلام غير حقيقي والله ﷿ كلامه حق وعدل وصدق.\nأما اللغوية فهي تغيير للأوضاع اللغوية لغير مصلحة راجحة، بل لمفسدة ١.\nثانيا: أما قدحهم في قول النبي ﷺ: \"الإيمان بضع وستون \"، وفي رواية: \" بضع وسبعون \". بمخالفته للكتاب وبغفلة الراوي، فالجواب عليه من وجوه:\nالأول: أن ما يدل عليه هذا الحديث من تسمية الأعمال إيمانا فأين في القرآن نفي اسم الإيمان عن شرائع الإسلام الواردة فيه، بل القرآن سمى بعض الأعمال إيمانا كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي صلاتكم.\nفالحديث موافق للقرآن لا مخالف، ولا تأتي السنة بما يخالف القرآن البتة، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: \"السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن تكون موافقة له من كل وجه فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتضافرها.\nثانيها: أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن وتفسيرا له.\nثالثها: أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو محرمة لما سكت عن تحريمه ولا تخرج عن هذه الأقسام فلا تعارض القرآن بوجه ما\" ٢.\n_________\n١ مجموع الفتاوى ٢٠/٤٥١-٤٥٨ بتصرف.\n٢ أعلام الموقعين ٢/٣٠٧-٣٠٩","vol":"1","page":380},{"text":"الثاني: أن هذا الحديث متفق عليه مخرج في الصحيحين، والأحاديث التي في الصحيحين قطعية الثبوت، تفيد العلم القطعي باتفاق أئمة الإسلام واعتراف بعض الحنيفة ١. فمن استجرأ الطعن في حديث هو في الصحيحين فهو لا يؤذي إلا نفسه، فلا ينبغي لمسلم أن يطعن في الثقات أو يسيء الظن بهم. قال الشاه ولي الله الدهلوي إمام الحنفية في عصره: \"أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع فإنهما متواتران إلى مصنفيهما وأن كل من يهوّن أمرهما مبتدع متبع غير سبيل المؤمنين، فإن الشيخين لا يذكران إلا حديثا قد تناظرا فيه مشايخهما وأجمعوا على القول به والتصحيح له\" ٢.\nثم إننا لا نسلم أن هذا الاختلاف في العدد يوجب الاضطراب في الحديث؛ لأن العدد الأقل لا يعارض العدد الأكثر، ولأن العدد الأقل داخل في العدد الأكثر. فرواية صحيح مسلم لا تعارض رواية صحيح البخاري، لأن رواية مسلم مشتملة على ما في رواية البخاري وزيادة، وهذه الزيادة من ثقة، وزيادة الثقة مقبولة، هذا ما اختاره بعض العلماء فأخذوا لفظ: \"بضع وسبعون\" كالحليمي ٣ والقاضي عياض ٤ والألباني ٥، وأخذ بعض المحدثين بلفظ \"بضع وستون\" كابن الصلاح ٦ والبيهقي ٧ وابن حجر٨\n_________\n١ انظر فيض الباري ١/٤٥.\n٢ حجة الله البالغة ١/٤٩.\n٣ فتح الباري ١/٥١.\n٤ فتح الباري ٥١.\n٥ سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/٣٩٦-٣٧١.\n٦ فتح الباري ١/٥١.\n٧ فتح الباري ١/٥١.\n٨ فتح الباري ١/٥١.","vol":"1","page":381},{"text":"وبهذا يتبين لنا ضعف اتسدلالاتهم وتهافتها، والقول الحق في هذه المسألة هو ما دل عليه الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة من أن الإيمان: تصديق بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ \"سورة الأنفال: الآيات من٢-٤\".\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ \"سورة آل عمران: الآية١٧٥\".\nوقال تعالى: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ \"سورة المائدة: الآية٢٣\".\nوقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ \"سورة الأنفال: الآية ١\".\nوقال تعالى: ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ \"سورة التوبة: الآية١٣\".\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ \"سورة البقرة: الآية٢٧٨\".\nوقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إن الله بالناس لرءوف رحيم﴾ \"سورة البقرة: الآية١٤٣\".","vol":"1","page":382},{"text":"\"فمعنى قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾: على ما تظاهرت به الرواية من أنه الصلاة وما كان الله ليضيع تصديق رسوله ﵊ بصلاتكم التي صليتموها نحو بيت المقدس عن أمره، لأن ذلك كان منكم تصديقا لرسوله\" ١.\nوقال الحليمي: \"أجمع المفسرون على أنه أراد صلاتكم إلى بيت المقدس، فثبت أن الصلاة إيمان. وإذا ثبت ذلك فكل طاعة إيمان إذ لم أعلم فارقا فرّق في هذه التسمية بين الصلاة وسائر الطاعات\" ٢.\nوقد أورد أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه \"الإيمان\" قوله تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ \"سورة العنكبوت: الآيات من ١-٣\".\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّه﴾ \"سورة العنكبوت: الآية١٠\".\nأوردها مستدلا بها على أن العمل من الإيمان ثم قال: \"أفلست تراه ﵎ قد امتحن صدق القول بالفعل، ولم يكتف منهم بالإقرار دون العمل، حتى جعل أحدهم من الآخر؟ فأي شيء يُتَّبع بعد كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ومنهاج السلف بعده هم موضوع القدوة والإمامة\"٣.\nوأما الأدلة من السنة فكثيرة جدا:\nمن ذلك قوله ﷺ لوفد عبد القيس: \"أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا:\n_________\n١ جامع البيان ٢/١٨.\n٢ كتاب المنهاج في شعب الإيمان \"٣٧٩١\".\n٣ كتاب الإيمان ومعالمه وسننه للقاسم بن سلام ص٦٦.","vol":"1","page":383},{"text":"الله ورسوله أعلم قال: شهادة أن لا إله الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمس ما غنمتم\" ١.\nقال ابن أبي العز بعد سوقه لهذا الحديث: \" ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانا بالله بدون إيمان القلب لما قد أخبر في مواضع أنه لا بد من إيمان القلب فعلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان وأي دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان فوق هذا الدليل؟ فإنه فسر الإيمان بالأعمال ولم يذكر التصديق للعلم بأن هذه الأعمال لا تفيد مع الجحود\"٢.\nوقوله ﷺ: \"الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان\" ٣، زاد مسلم في رواية: \"فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق \" ٤.\nقال ابن مندة: \"فجعل الإيمان شُعَبا بعضها باللسان بالشفتين، وبعضها بالقلب وبعضها بسائر الجوارح\"٥.\nوقوله ﷺ: حين سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: \"إيمان بالله\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب أداء الخمس من الإيمان ١/١٢٩ ح\"٣٥\"، ومسلم كتاب الإيمان باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ١/٤٧ ح\"٢٤\" كلاهما من طريق أبي جمرة عن ابن عباس.\n٢ شرح العقيدة الطحاوية ص٣٨١.\n٣ تقدم تخريجه ص٤٢٤.\n٤ أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب بيان عدد شعب الإيمان ١/٦٣ ح\"٥٨\" من طريق أبي صالح عن أبي هريرة.\n٥ الإيمان ١/٣٣٢.","vol":"1","page":384},{"text":"ورسوله\" ١ فأطلق العمل على الإيمان كما أطلق الإيمان على العمل.\nوحكى اتفاق السلف على أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، غيرُ واحد من أهل العلم كالشافعي ٢ وأحمد٣ والبخاري ٤ وابن عبد البر ٥ والبغوي ٦.\nقال عبد الرزاق الصنعاني: \"سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحابنا - ثم سردهم - يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص\" ٧.\nوقال الوليد بن مسلم: \"سمعت الأوزاعي، ومالك بن أنس، وسعيد بن عبد العزيز ٨ ينكرون قول من يقول إن الإيمان إقرار بلا عمل، ويقولون: لا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بإيمان\" ٩.\nوقال الإمام أحمد: \"أجمع سبعون رجلا من التابعين وأئمة المسلمين\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب من قال إن الإيمان هو العمل ١/٧٧ ح\"٢٦\". ومسلم كتاب الإيمان باب: بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال \"١/٨٨-ف١٣٥\".\nكلاهما من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.\n٢ انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/٨٨٦، ٨٨٧.\n٣ مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص٢٢٨.\n٤ فتح الباري ١/٤٧.\n٥ كتاب التمهيد ٩٢٣٨.\n٦ شرح السنة ١/٣٨، ٣٩.\n٧ شرح صحيح مسلم ١/١٤٦.\n٨ هو سعيد بن عبد العزيز التنوخي بفتح التاء وضم النون الدمشقي قال عنه الحافظ ابن حجر: \"ثقة، إمام، ساواه أحمد بالأوزاعي، وقدمه أبو مسهر ولكنه اختلط في آخر عمره، من السابعة مات سنة سبع وستين ومائة وقيل بعدها\" تقريب التهذيب ١/٣٠١؛ وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٤/٦٩.\n٩ عقيدة ابن جرير ١٠ ضمن المجموعة العلمية.","vol":"1","page":385},{"text":"وفقهاء الأمصار على أن السنة التي توفي عليها الله ﷺ فذكر منها: والإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية\" ١.\nوقال البخاري: \"لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص\" ٢.\nوقال ابن أبي حاتم: \"سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك، فقالا:\nأدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا ومصرا وشاما ويمنا؛ فكان من مذهبهم أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص\" ٣.\nوقال البغوي: \"اتفقت الصحابة والتابعون، ومن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان\" ٤.\nوقال الآجري: \"باب القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمنا إلا أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلاث:\nثم قال: اعلموا - رحمنا الله تعالى وإياكم - أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح. ثم اعلموا: أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق، إلا أن يكون معهما الإيمان باللسان نطقا، ولا تجزئ معرفة\n_________\n١ مناقب الإمام أحمد ص٢٢٨.\n٢ شرح أصول الاعتقاد للالكائي ١/١٧٣، ١٧٤.\n٣ أصل السنة لابن أبي حاتم ص٢٢٥-٢٢٦، طبع ضمن كتاب \"أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة\" لسعدي الهاشمي ط/ الجامعة الإسلامية.\n٤ شرح السنة ١/٣٨، ٣٩.","vol":"1","page":386},{"text":"بالقلب ونطق باللسان حتى يكون عمل بالجوارح فإذا كملت فيه هذه الخصال الثلاث كان مؤمنا دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين ... \" ١.\nوالأدلة من الكتاب والسنة والآثار الواردة عن سلف هذه الأمة في أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل كثيرة جدا. وأحب أن أختم هذا الفصل برد سفيان بن عيينة على من يقول الإيمان قول بلا عمل، فقد سأله رجل فقال: \"كيف نصنع بقوم عندنا يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل؟ فقال سفيان: كان القول قولهم قبل أن تنزل أحكام الإيمان وحدوده، إن الله ﷿ بعث محمدا ﷺ إلى الناس كافة على أن يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا قالوها حقنوا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله، فلما علم صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالصلاة فأمرهم ففعلوا، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالرجوع إلى مكة فيقاتلوا آباءهم وأبناءهم حتى يقولوا كقولهم ويصلوا بصلاتهم ويهاجروا هجرتهم، فأمرهم ففعلوا حتى أتى أحدهم برأس أبيه فقال: يا رسول الله هذه رأس الشيخ الكافر، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا مهاجرهم، فلما علم الله تعالى صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالهجرة إلى المدينة فأمرهم ففعلوا، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالطواف بالبيت تعبدا وأن يحلقوا رؤوسهم تذللا ففعلوا، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا مهاجرهم ولا قتل آبائهم، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأخذ من أموالهم صدقة تطرهم فأمرهم ففعلوا حتى\n_________\n١ كتاب الشريعة ص١١٩.","vol":"1","page":387},{"text":"أتوا قليلها وكثيرها، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا مهاجرهم ولا قتل آبائهم ولا طوافهم، فلما علم الله تعالى الصدق من قلوبهم فيما تتابع عليهم من شرائع الإيمان وحدوده. قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينا﴾ \"ٍسورة المائدة: الآية٣\".\nفمن ترك خلة من خلال الإيمان جحودا بها كان عندنا كافرا ومن تركها كسلا ومجونا أدبناه وكان ناقصا، هكذا السنة أبلِغها عني من سألك من الناس\" ١.\nرزقنا الله الصدق في القول والإخلاص في العمل والله أعلم.\n_________\n١ الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية لابن بطة ٢/٦٣٠.","vol":"1","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>الفصل الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه</span>\nذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ١، والإيمان هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان كما تقدم.\nقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: \"والإيمان لا يزيد ولا ينقص\" ٢.\nوقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: \"والإيمان واحد وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى\" ٣.\nواستدل الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى على مذهبه بما يأتي:\n_________\n١ انظر مقالات الإسلاميين ص١٣٩؛ وشرح المقاصد ٥/٢١١؛ وشرح المواقف ٨/٣٩٧؛ والفرق بين الفرق ص١٢٣ تحقيق الكوثري؛ والملل والنحل للشهرستاني ١/١٤١؛ والملل والنحل للبغدادي ص١٤٠،والتبصير في الدين ص٦٠، والتمهيد للنسفي ص١٠٢. وبحر الكلام ص٤١؛ والمسامرة بشرح المسايرة س٣١٧؛ والنبراس ص٤٠٢؛ وشرح العقيدة الطحاوية للميداني ص٩٩.\n٢ شرح كتاب الوصية ص٣.\n٣ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٤٣، ٤٤.","vol":"1","page":389},{"text":"أولا: لا يتصور نقصان الإيمان إلا بزيادة الكفر، ولا يتصور زيادة الإيمان إلا بنقصان الكفر. قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: \"الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأنه لا يتصور نقصانه إلا بزيادة الكفر ولا يتصور زيادته إلا بنقصان الكفر، وكيف يجوز أن يكون الشخص الواحد في حالة واحدة مؤمنا وكافرا\" ١.\nثانيا: \"أن الناس لا يختلفون في التصديق، ولا يتفاضلون فيه، وقد يتفاضلون في العمل وتختلف فرائضهم، ودين أهل السماء وين الرسل واحد؛ يقول الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ \"سورة الشورى: الآية١٣\"٢.\nهذا وقد جاء في الفقه الأكبر قول الإمام أبي حنيفة: \"وإيمان أهل السماء والأرض لا يزيد ولا ينقص من جهة المؤمَن به، ويزيد وينقص من جهة اليقين والتصديق، والمؤمنون مستوون في الإيمان والتوحيد، ومتفاضلون في الأعمال\" ٣.\nوهذا النص فيه إشكال؛ وهو أنه مخالف للمتقدم من قول أبي حنيفة: الإيمان لا يزيد ولا ينقص مع تفسير الإمام للإيمان بالتصديق والإقرار، ولما ثبت عن أبي حنيفة في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه وقد تقدم.\nوهذا صريح في أن الإيمان وهو التصديق عنده لا تفاضل فيه بين\n_________\n١ كتاب الوصية ص٣.\n٢ رسالة أبي حنيفة لعثمان البتي ص٣٥.\n٣ الفقه الأكبر ص٣٠٤.","vol":"1","page":390},{"text":"المؤمنين، وإنما التفاضل بينهم في الأعمال من الخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى. وهذا يقتضي أن التصديق لا يزيد ولا ينقص، وفي هذا النص من الفقه الأكبر صرح بأن الإيمان يزيد وينقص، من جهة اليقين والتصديق. فيظهر والله أعلم أن كلمة \"لا\" في الجملة الأولى من خطأ النسّاخ ومحلّها الجملة الثانية لتكون العبارة هكذا: \"وإيمان أهل السماء والأرض يزيد وينقص من جهة المؤمن به ولا يزيد ولا ينقص من جهة اليقين والتصديق\".\nلتتفق مع ما تقدم من كلام أبي حنيفة وما نقله الطحاوي.\nولكن شرّاح ١ الفقه الأكبر لم يروا هذا النص مشكلا؛ فخرجوه على الفرق بين اليقين وأصل التصديق فأصل التصديق لا يتفاوت، وأما اليقين فإنه مما يجري فيه التفاضل. وهذا عندي لا يرفع الإشكال؛ فإن اليقين ٢ هو التصديق الجازم الذي تستقر معه النفس فهو مرتبة من مراتب التصديق.\nهذا ما استدل به الإمام أبو حنيفة، أما أصحابه فاستدلوا بما هو آت:\nأولا: أن الأعمال تشارك الإيمان في اسم الطاعة، والعبادة دون اسم الإيمان. فبزيادة الأعمال تزداد الطاعة، والعبادة ولا أثر لها في زيادة الإيمان ٣.\nثانيا: \"أن التصديق شيء بسيط لا يتجزأ ولا ينقسم، فلا يحتمل الزيادة والنقصان، لأنه لو اختل لتبدَّل بالتكذيب، وصار باطلا زائلا\n_________\n١ انظر شرح الفقه الأكبر لأبي المنتهى المغنيساوي ص٣٣؛ وشرح الفقه الأكبر للقاري ص١٢٦، ١٢٧.\n٢ انظر كتاب التعريفات ص٢٥٩؛ والمفردات ص٥٥٢؛ والمعجم الفلسفي ص٢١٦؛ والمعجم الوسيط ص١٠٦٦.\n٣ تبصرة الأدلة ق-٣٩٩/أ.","vol":"1","page":391},{"text":"بالكلية، ولم يبق منه شيء أصلا، ولو لم يختلَّ بقي كاملا، فالقول بزيادته ونقصانه باطل\" ١.\nثالثا: أنه يلزم من القول بزيادة الإيمان ونقصانه بسبب زيادة الأعمال ونقصانها ألا يوجد أحد استكمل الإيمان حتى الأنبياء والمرسلون لأنه لا حدَّ للأعمال الصالحة، فكل من يزداد من الحسنات إلى ما لا نهاية يزداد إيمانه إلى ما لا نهاية فمن كانت طاعته أكبر يكون إيمانه أكبر، ومع ذلك لم يستكمل الإيمان لأنه لو زاد طاعة أخرى زاد إيمانه أيضا\" ٢.\nرابعا: أن الزيادة لا تتصور إلا على شيء كامل وشيء له نهاية، أما الإيمان فهو لم يزل غير كامل لأنه في صدد الزيادة، والزيادة على ما هو لم يكمل بعد - وهو في حد النقصان - محال كما أن الزيادة على ما لا نهاية له محال أيضا ٣.\nخامسا: \"إن زيادة التصديق ونقصانه يجعلانه في مرتبة الشك والظن؛ وهذا غير مفيد في مقام الاعتقاد\" ٤.\nسادسا: \"استدل أبو الليث ٥ السمرقندي بحديث أبي هريرة ٦\n_________\n١ تبصرة الأدلة ق-٣٩٩/أ، وشرح العقائد النسفية ص١٢٤.\n٢ تبصرة الأدلة ق-٣٩٩/أ.\n٣ تبصرة الأدلة ق-٣٩٩/أ.\n٤ روح المعاني ٩/١٦٥.\n٥ هو نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي الحنفي قال عنه الذهبي: \"الإمام الفقيه المحدث الزاهد ... صاحب كتاب تنبيه الغافلين وله كتاب الفتاوى يروي عن محمد بن الفضل البخاري وجماعة وتروج عليه الأحاديث الموضوعة\" مات سنة خمسين وسبعين وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء ١٣/٣٢٢؛ والفوائد البهية ٢٢١.\n٦ بحر العلوم ق-٩٩/أ.","vol":"1","page":392},{"text":"﵁ مرفوعا ولفظه: \"جاء وفد ثقيف إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله الإيمان يزيد وينقص؟ فقال: لا. الإيمان كمل في القلب زيادته ونقصانه كفر\" قلت وفي معنى هذا الحديث تروى أحاديث أخرى كحديث ابن عباس وابن عمر مرفوعا: \"الإيمان لا يزيد ولا ينقص\".\nوحديث أبي سعيد الخدري ﵁: \" من زعم أن الإيمان يزيد وينقص فزيادته نفاق، ونقصانه كفر، فإن تابوا وإلا فاضربوا أعناقهم بالسيف، أولئك أعداء الرحمن\".\nالجواب عن أدلة أبي حنيفة أصحابه:\n\"أ\" الجواب عن أدلة أبي حنيفة:\nأولا: قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى: \" الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأنه لا يتصور نقصانه إلا بزيادة الكفر ... \".\nالجواب عنه:\nأن العقل يتصور اجتماع الإيمان وشعبة من شعب الكفر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ \"سورة يوسف: الآية١٠٦\".\nقال حذيفة بن اليمان ﵁: \"القلوب أربعة: قلب أجرد كأنما فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن، وقلب أغلف، فذلك قلب الكافر، وقلب مصفَّح، فذلك قلب المنافق، وقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل شجرة يسقيها ماء طيب، ومثل النفاق فيه كمثل قرحة يمدها قيح ودم فأيما غلب عليه غلبه\" ١.\n_________\n١ السنة لعبد الله بن أحمد ص١٠٢.","vol":"1","page":393},{"text":"ويدل على قول حذيفة ﵁ قول الله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾ \"سورة آل عمران: الآية١٦٧\".\nفقد كان فيهم نفاق مغلوب؛ فلما كان يوم أحد غلب نفاقهم فصاروا إلى الكفر أقرب١.\nوفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \" وتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان وشعبة من شعب النفاق وقد يكون مسلما وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية كما قال الصحابة ابن عباس وغيره كفر دون كفر وهذا قول عامة السلف وهو الذي نص عليه أحمد وغيره\" ٢.\nويقال أيضا: زيادة الإيمان ونقصانه قد تكون في صفة الإيمان كتفاوت التصديق قوة وضعفا وقد يكونان في الأعمال المستحبة فلا يلزم إذن من زيادة الإيمان ونقصانه وجود كفر ولا عدمه، فالتفاضل في اليقين وفي الأعمال المستحبة لا يوجب وجود كفر عند المفضول، وهذا ظاهر، نعم الإيمان والكفر الناقل عن الملة لا يجتمعان.\nثانيا: قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى: \"إن الناس لا يختلفون في التصديق ولا يتفاضلون فيه، وقد يتفاضلون في العمل وتختلف فرائضهم ... \".\nالجواب عنه:\nلا نسلم أن الناس لا يختلفون في التصديق ولا يتفاضلون فيه، إذ إنهم كما يتفاوتون في الأعمال كذلك يتفاوتون في التصديق ضعفا وقوة.\n_________\n١ انظر كتاب الإيمان لابن تيمية ص٢٩٨.\n٢ كتاب الإيمان ص٣٠٠.","vol":"1","page":394},{"text":"فلا يشك عاقل أن تصديق الأنبياء والملائكة أقوى من تصديق عامة البشر كما صرح بذلك بعض الحنيفة ١.\nوأما قوله: \"ودين أهل السماء ودين الرسل واحد\".\nفالجواب عنه: أن مسائل الدين التفصيلية والأحكام التكليفية ليست كلها مشتركة بيننا وبين الملائكة بل ليست مشتركة بين أتباع سائر الأنبياء، بل ولا بين أتباع الرسول الواحد.\nوأما قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ...﴾ .\nفالمراد منها أن حقيقة دين الرسل واحدة وأصله واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له وطاعته في أمره ونهيه، وأما تفاصيل الشرائع فمعلوم أنها مختلفة كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ٢ \" سورة المائدة: الآية٤٨\".\n\"ب\" الجواب عن أجوبة أصحاب أبي حنيفة:\nالدليل الأول:\n\"إن الأعمال تشارك الإيمان في اسم الطاعة والعبادة دون اسم الإيمان ... \".\nالجواب عنه:\nيقال: هذا مبني على أن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان\n_________\n١ كالألوسي في روح المعاني ٩/١٦٧؛ والقاري في شرح الفقه الأكبر ص١٢٧.\n٢ تفسير القرآن العظيم ٦/١٩٢.","vol":"1","page":395},{"text":"شرعا. وقد سبق القول فيه وذكر الأدلة على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان؛ فإذا بطل هذا الأصل بطلت هذه الدعوى المبنية عليه والله أعلم.\nالدليل الثاني:\n\"إن التصديق شيء بسيط لا يتجزأ ولا ينقسم فلا يحتمل الزيادة والنقصان ... \".\nالجواب عنه:\nأن يقال هذه الشبهة مركبة من مقدمتين:\nالأولى: أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط.\nالثانية: أن التصديق بسيط غير مركب لا ينقسم.\nأما المقدمة الأولى: فقد ظهر بطلانها مما تقدم ذكره من أدلة الكتاب والسنة الصحيحة، واتفاق سلف الأمة وأئمة السنة على أن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان ومسماه.\nوأما المقدمة الثانية: فباطلة لأنها مخالفة لدلالة الكتاب والسنة والآثار السلفية والمعقول الصريح.\nفأما الكتاب فقد قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ \"سورة الأحزاب: الآية٢٢\".\nولا شك أن المراد من الإيمان في هذه الآية إنما هو التصديق واليقين بتحقيق وعد الله تعالى ورسوله ﷺ من تحقيق النصر للمؤمنين. وهكذا قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ \"سورة آل عمران: الآية١٧٣\".","vol":"1","page":396},{"text":"فأنت ترى أن المراد من الإيمان في هذه الآية ليس إلا تصديق القلب وإيقانه وإذعانه، فهاتان الآيتان تدلان على زيادة التصديق نفسه، إذ ليس هنا قطعا زيادة الأعمال.\nوأما من السنة فمنها ما رواه أحمد عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: \"ليس الخبر كالمعاينة إن الله أخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت\" ١.\nوحديث الشفاعة الكبرى المتواتر وفيه ٢:\nفيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان ... فيقول: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان\" ٣.\nولا شك أن المراد من الإيمان في هذا الحديث في القلب، لأن ما في القلب ليس إلا التصديق لا غير. فهذا الحديث صريح في أن التصديق القلبي قد ينقص إلى حد يصل إلى مثقال ذرة أو خردلة، وقد يصل إلى حد يكون أدنى من مثقال حبة خردل، فدل على أن التصديق نفسه يتفاوت يزيد وينقص. وأما لآثار عن سلف هذه الأمة فمنها قول\n_________\n١ أخرج الإمام أحمد في المسند ١/٢٧١؛ والحاكم في المستدرك ٢/٣٢١، كلاهما من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال الحاكم على أثره: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص والألباني في مشكاة المصابيح ٣/١٥٩٩.\n٢ انظر قطف الأزهار المتناثرة للسيوطي ص٣٠٣؛ ولقط اللآلئ المتناثرة للزبيدي ص٧٥-٧٨؛ ونظم المتناثر للكتاني ص٢٣٣.\n٣ أخرجه البخاري كتاب التوحيد باب كلام الرب ﷿ ١٣/٤٧٣ ح\"٧٥١٠\"، ومسلم كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ١/١٨٢، ١٨٣ ح\"٣٢٦\" كلاهما من طريق معبد بن هلال عن أنس بن مالك.","vol":"1","page":397},{"text":"عبد الله بن مسعود ﵁: \"اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها\" ١.\nفهذا الأثر صريح في المقصود بل قال الحافظ ابن حجر:\"وهذا الأثر أصرح في المقصود\" ٢.\nلأن اليقين والفقه لا يتعلقان إلا بالقلب لأنهما من أنواع العلم، بل اليقين هو التصديق الجازم ٣ وهو على ثلاث مراتب:\n١- علم اليقين.\n٢- وعين اليقين.\n٣- وحق اليقين.\nفقد دل على أن التصديق يتفاوت، هذا وقد قال أئمة السنة كسعيد بن جبير وسعيد والضحاك وقتادة رحمهم الله تعالى في قوله تعالى عن إبراهيم خليل الرحمن عليه وعلى نبيا الصلاة والسلام: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ \"سورة البقرة: الآية٢٦٠\".\nقالوا: \"ليزداد إيماني ويقيني\" ٤.\nولا ريب أن المراد هنا إيمان القلب، وهو التصديق مع الانقياد لأنه بمشاهدة كيفية إحياء الطيور مع يقينه السابق ازداد إيمانه ويقينه حتى وصل إلى عين اليقين بل حق اليقين.\n_________\n١ الأثر رواه أحمد في الإيمان كما قال الحافظ في الفتح ١/٤٨ وعبد الله بن أحمد في السنة ١/٣٦٨، ٣٦٩، والآجري في الشريعة ص١١٢، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد ٣/٩٤٢، وقال الحافظ في الفتح ١/٤٨، \"إسناده صحيح\".\n٢ فتح الباري ١/٤٨.\n٣ انظر المفردات ص٥٥٢؛ والتعريفات ص٢٥٩؛ والمعجم الوسيط ص١٠٦٦؛ والمعجم الفلسفي ص٢١٦.\n٤ انظر جامع البيان ٨/٥٠، ٥١، والسنة لعبد الله بن أحمد ص٣٦٩.","vol":"1","page":398},{"text":"وأما المعقول الصريح فلا يشك عاقل في أن إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم، فلا تعتريهم الشبهة ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، وأما غيرهم من المؤلفة قلوبهم فليسوا كذلك ١، ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى إنه يكون في بعض الأحيان أعظم يقينا وإخلاصا وتوكّلا منه في بعضها ٢.\nوبهذا سلم بعض المنصفين من الأشاعرة والماتريدية، كابن اللبان ٣ والرازي والبغدادي والإيجي والجرجاني ٤ والباقلاني.\nقال الإيجي: \"والحق أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان من وجهين:\nالأول: القوة والضعف ...\nالثاني: التصديق التفصيلي في أفراد ما علم مجيئه به جزء من الإيمان، يثاب عليه ثوابه على تصديقه بالإجمال، والنصوص الدالة على قبوله لهما\" ٥.\n_________\n١ انظر المنهاج شرح صحيح مسلم ١/١٤٨، ١٤٩٨، وفتاوى الإمام النووي المسماة بالمسائل المنثورة ص٣٠٤.\n٢ فتح الباري ١/٤٦، ٤٧.\n٣ هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أحمد الأصبهاني. قال عنه الخطيب: \"المعروف بابن اللبان أحد أوعية العلم ومن أهل الدين والفضل ... سمعنا منه وله كتب كثيرة مصنفة وكان من أحسن الناس تلاوة للقرآن ومن أوجز الناس عبارة في المناظرة مع تدين جميل وعبادة كثيرة وورع بيّن\" مات سنة \"٤٤٦هـ. تاريخ بغداد ١٠/١٤٤. وانظر ترجمته في المنتظم \"١٦٢٨\"، وسير أعلام النبلاء ١٧/٦٥٣.\n٤ انظر أصول الدين للبغدادي ص٢٥٢؛ والمواقف ص٣٣٨؛ وشرح المواقف ٨/٣٣١؛ وتحفة المريد ص٥١؛ والإيمان للقاضي أبي يعلى ص٣٣٩؛ والإنصاف ص٥٨؛ والمحصل للرازي ص٢٣٩.\n٥ المواقف ص٣٨٨.","vol":"1","page":399},{"text":"وقال الجرجاني: \"فإن التصديق من الكيفيات النفسانية المتفاوتة قوة وضعفا\" ١.\nالدليل الثالث: \"أنه يلزم من القول بزيادة الإيمان ونقصانه ألا يوجد أحد استكمل الإيمان حتى الأنبياء والمرسلون ... \".\nالجواب عنه من وجوه:\n١- يقال:\"إنه إذا جاز عندك في النوافل أن تصفها أنها طاعة وعبادة ولا آخر لها، فما يمنع أن تصف الإيمان بذلك وإن لم يكن له آخر، وعلى أن لها آخرا في الوصف، وإن لم يكن لها آخرا في الفعل، كما أن للفرائض آخرا في الوصف دون الفعل، لأنه لو قيل بينوا في الفرائض حدا لا زيادة معه؛ لم يمكن لأنه لا يعلم منتهى أجله فيعلم قدر ما يلزمه من الفرائض\" ٢.\n٢- أن الإيمان من الكليات ٣ المشككة تتفاوت أفرادها، كما أن العلم من الكليات المشككة، وهكذا من يوصف بالإيمان والعلم، فالمؤمن والعالم أيضا من الكليات المشككة، قال الله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ \"سورة يوسف: الآية٧٦\".\nفإذا كان الأمر كذلك فالأنبياء والمرسلون بعد استكمال إيمانهم بأداء الواجبات واجتناب النواهي يتفاوتون في الدرجات بسبب النوافل وهذا\n_________\n١ شرح المواقف ٨/٣٣١.\n٢ مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص٢٥٠.\n٣ الكلي: هو المنسوب إلى الكل، تقول: العلم الكلي: أي العلم الشامل لكل شيء. والكلي عند المنطقيين: هو الشامل بجميع الأفراد الداخلين في صنف معين أو هو المفهوم الذي لا يمنع تصوره من أن يشترك فيه. انظر التعريفات ص١٨٦، والمعجم الفلسفي لجميل صليبا ٢/٢٣٨.","vol":"1","page":400},{"text":"لا شك فيه، ولا عيب في ذلك عليهم، ولا يؤثر على مراتهبم بعد أن استكملوا الإيمان بأداء الواجبات واجتناب المنهيات، كيف لا وهم أكمل الناس إيمانا وعلما وبعضهم فُضِّل على بعض.\n٣- يقال: إن الأنبياء قد استكملوا الإيمان، وإن كان أذنب بعضهم فقد غفر الله لهم ذلك، أما من عداهم فليس مثلهم في هذا، فالطاعات لا حد لها من ناحية فعل العبد، بل العبد على الدوام في السعي إلى إكمال إيمانه حتى يدركه الموت وهو على هذا ١. وقد ورد عن السلف نحو هذا.\nمن ذلك ما رواه الخلال عن إسحاق بن منصور قال: \"قلت: لإسحاق: هل للإيمان منتهى حتى نستطيع أن نقول: المرء مستكمل الإيمان؟ قال: لا لأن جميع الطاعة من الإيمان فلا يمكن أن نشهد باستكمال الإيمان لأحد إلا للأنبياء أو من شهد له بالجنة، لأن الأنبياء وإن كانوا قد أذنبوا فقد غير لهم ذلك الذنب قبل أن يخلقوا\" ٢.\nوروى عبد الله بن أحمد في السنة بسنده عن الوليد بن مسلم قال: \"سمعت أبا عمرو - يعني الأوزاعي - ومالكا وسعيد بن عبد العزيز يقولون: ليس للإيمان منتهى، هو في زيادة أبدا. وينكرون على من يقول: إنه مستكمل الإيمان وأن إيمانه كإيمان جبريل وميكال\" ٣.\nالدليل الرابع:\n\"إن الزيادة لا تتصور إلا على شيء كامل وشيء له نهاية، وأما\n_________\n١ مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص٢٥١، بتصرف.\n٢ كتاب السنة للخلال ص٥٦٩.\n٣ السنة لعبد الله بن أحمد ص٨٢.","vol":"1","page":401},{"text":"الإيمان فهو لم يزل غير كامل لأنه في صدد الزيادة ... \".\nالجواب عنه:\nيقال لا شك أن الزيادة على الشيء إنما تكون بعد كماله، ولكن ما قلنا: إنه يزاد شيء على الإيمان بل قلنا: إن الإيمان نفسه يزيد وينقص، ولم نقل: إن شيئا آخر يزاد على الإيمان، فلا ترد هذه الشبهة إطلاقا\".\nالدليل الخامس:\n\"إن زيادة التصديق ونقصانه تجعلانه في مرتبة الشك والظن ... \".\nالجواب عنه:\nإن التصديق له مراتب تتفاوت قوة وضعفا وكلها فوق الظن والشك، فالشك إذن ضد التصديق لا جزء منه، فإذا صار التصديق ضعيفا فلا يقال: إن صاحبه وقع في الشك والظن، ولا يقال للشاك: مصدِّق، فالشك والتصديق لا يجتمعان.\nقال الألوسي الحنفي: \"مراتب اليقين متفاوتة: إلى علم اليقين وحق اليقين وعين اليقين مع أنه لا شك معها\" ١.\nالدليل السادس:\n\"استدل أبو الليث السمرقندي بحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا ... قلت وفي معنى هذا الحديث تُروى ٢ أحاديث أخرى كحديث ابن عباس ... \".\nالجواب عنه:\nحديث أبي هريرة أخرجه أبو الليث السمرقندي في تفسير بحر\n_________\n١ روح المعاني ٩/١٦٥.\n٢ انظر السواد الأعظم ص٣٤، والنبراس ص٤٠٢.","vol":"1","page":402},{"text":"العلوم ١ والجوزقاني في الأباطيل والمناكير ١/٢٢-٢٣، وقال: \"هذا حديث لا يرجع منه إلى الصحة، وليس لهذا الحديث أصل من حديث رسول الله ﷺ\" ٢.\nوقال ابن كثير: \"إن الإسناد من أبي الليث السمرقندي إلى أبي مطيع مجهولون، لا يعرفون في شيء من كتب التاريخ المشهورة. وأما أبو مطيع فهو الحكم بن عبد الله بن مسلمة البلخي ضعفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وعمرو بن علي الفلاس، والبخاري، وأبو داود والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وأبو حاتم محمد بن حبان البستي والعقيلي، وابن عدي، والدارقطني، وغيرهم\".\nوأما أبو المهزوم الراوي عن أبي هريرة وقد تصحف على الكاتب، واسمه يزيد بن سفيان، فقد ضعفه أيضا غير واحد وتركه شعبة بن الحجاج، وقال النسائي: متروك وقد اتهمه شعبة بالوضع، حيث قال: \"لو أعطوه فلسين لحدثهم بسبعين حديثا\" ٣.\nوبهذا يتبين أن ما استدل به السمرقندي لا تقوم به الحجة؛ إذ هو موضوع.\nوأما حديث ابن عباس فقد أخرجه الجوزقاني في الأباطيل والمناكير ٤، وابن الجوزي في الموضوعات٥ وقال: \"هذا حديث\n_________\n١ تفسير بحر العلوم له نسخة خطية بمكتبة أوغلي باشا في إستانبول بتركيا ولها نسخة مصورة في المكتبة المركزية بالجامعة الإسلامية تحت رقم ١٠٧.\n٢ الأباطيل والمناكير ١/٢٣.\n٣ شرح العقيدة الطحاوية ٢/٤٨٠. وفي طبعة دار البيان ص٢٧٦.\n٤ ١/١٦-١٧.\n٥ ١/١٣٢.","vol":"1","page":403},{"text":"موضوع من موضوعات الجويباري ١.\nوهو أحمد بن عبد الله الهروي ويقال الجوباري، وجوبار من أعمال هراة ٢ قال عنه ابن عدي: \"كان يضع الحديث لابن كرّام على ما يريده، وكان ابن كرام يضعها في كتبه، ويسميه أحمد بن عبد الله الشيباني\" ٣.\nوقال عنه ابن حبان: \"دجال من الدجاجلة كذاب، يروي عن ابن عيينة ووكيع وأبي ضمرة وغيرهم من ثقات أصحاب الحديث، ويضع علهم ما لم يحدثوا، وقد روى عن هؤلاء الأئمة ألوف الأحاديث ما حدثوا بشيء منها، كان يضعها عليهم لا يحل ذكره في الكتب أصلا إلا على سبيل الجرح فيه\" ٤.\nواما حديث عبد الله بن عمر فقد أخرجه الجوزقاني في الأباطيل والمناكير ٥، وابن الجوزي في الموضوعات ٦.\nوقال الجوزقاني: \"هذا حديث موضوع باطل وليس له أصل\"٧.\n_________\n١ ١/١٣٢.\n٢ هراة: بالفتح مدينة مشهورة من أمهات مدن خراسان قال عنها ياقوت: \"لم أر بخراسان عند كوني بها في سنة ٦٠٧ مدينة أجل ولا أعظم ولا أفخم ولا أحسن ولا أكثر أهلا منها\".\nانظر معجم البلدان ٥/٣٩٦.\n٣ الكامل في ضعفاء الرجال ١/١٨١.\n٤ المجروحين ١/١٤٢.\n٥ ١/١٨.\n٦ ١/١٣١، ١٣٢.\n٧ الأباطيل والمناكير ١/١٨.","vol":"1","page":404},{"text":"وقال ابن الجوزي: \"هذا حديث موضوع من موضوعات أحمد بن عبد الله الجويباري\" ١.\nوأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه ابن حبان في المجروحين ٢. وابن الجوزي في الموضوعات ٣ وقال: \"هذا حديث موضوع وهو من موضوعات محمد بن القاسم الطالكاني\".\nويقال: الطايكاني ٤ بفتح الطاء وبالياء المثناة التحتية الساكنة وفتح الكاف نسبة إلى طايكان ٥؛ قرية من قرى بلخ. قال عنه ابن حبان: \"من أهل بلخ يروي عن العراقيين وأهل بلده، روى عنه أهل خراسان أشياء لا يحل ذكرها في الكتب فكيف الاشتغال بروايتها\" ٦. وبهذا يتبين لنا أن الأحاديث في عدم زيادة الإيمان ونقصانه لم يصح منها شيء، وما استدل به أبو الليث السمرقندي لا تقوم به حجة إذ هو موضوع.\nأما موقفهم من النصوص الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه فتأولها بما لا يتفق مع ظاهرها وإليك نماذج من ذلك:\n\"أ\" أن المراد من الزيادة والنقصان في الإيمان الواردين في نصوص الكتاب والسنة أنهم آمنوا في الجملة ثم يأتي فرض بعد فرض فيؤمنون بعد\n_________\n١ الموضوعات ١/١٣٢.\n٢ ٢/٣١١.\n٣ ١/١٣٣.\n٤ هكذا في المجروحين لابن حبان ٢/٣١١.\n٥ أوردها ياقوت الحموي في معجمه ٤/١٢، سماها طيقان وقال عنها: قرية من قرى بلخ بخراسان.\n٦ المجروحين ٢/٣١١.","vol":"1","page":405},{"text":"كل فرض جاء جديدا فيزداد إيمانهم بالتفصيل مع إيمانهم السابق في الجملة ١، وقالوا في قول الله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ \"سورة المدثر: الآية٣١\".\nبأن هذا في حق الصحابة ﵃ فالقرآن كان ينزل في كل وقت فيؤمنون به ويكون تصديقهم الثاني زيادة على الأول وأما في حقنا فلا؛ لأنه انقطع الوحي\" ٢.\n\"ب\" أن المراد من الزيادة الثبات على الإيمان والدوام عليه زيادة عليه في كل ساعة إذ يوجد في كل ساعة مثلما انعدم في الأولى ٣.\n\"ج\" أن المراد من نصوص الزيادة والنقصان في الإيمان ازدياد نوره وضيائه في القلوب بالأعمال الصالحة ونقص ذلك النور بالمعاصي ٤.\nالجواب عن تلك التأويلات:\nأولا: قولهم: \"إن المراد من الزيادة والنقصان في الإيمان أنهم آمنوا في الجملة ثم يأتي فرض بعد فرض...\".\nالجواب عنه: من وجهين:\n\"أ\" أن يقال: إنكم إذا سلمتم أن المؤمن أولا يؤمن إيمانا إجماليا ثم\n_________\n١ تبصرة الأدلة ق-ب، ق-٣٣٩/أ، وانظر النور اللامع ق-١٠٤/أ؛ والكفاية ص١٥٥؛ وشرح العقائد النسفية ص١٢٥؛ وشرح العقيدة الطحاوية للميداني ص١٠٢؛ وإتحاف السادة المتقين ٢/٢٦١.\n٢ بحر الكلام ص٤٢.\n٣ تبصرة الأدلة ق-٣٣٩/أ؛ وشرح العقائد النسفية ص١٢٥.\n٤ تبصرة الأدلة ق-٣٣٩/أ؛ وانظر شرح العقائد النسفية ص١٢٥؛ وإتحاف السادة المتقين ٢/٢٦٠؛ والنبراس ص٤٠٤؛ والسواد الأعظم ص٣٨؛ والبداية ص١٥٥.","vol":"1","page":406},{"text":"إذا جاء فرض جديد فيؤمنون به فيزداد إيمانه بالتفصيل، فقد اعترفتم بزيادة الإيمان ونقصانه وهذا هو المطلوب.\n\"ب\" أنه قد ورد النص الشرعي بزيادة الإيمان بدون إتيان شرع جديد كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ \"سورة آل عمران: الآية١٧٣\".\nقال ابن أبي العز الحنفي: \"وكيف يقال في هذه الآية والتي قبلها أن الزيادة باعتبارها زيادة المؤمن به؟ فهل في قول الناس: ﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ زيادة مشروع؟ وهل في إنزال السكينة في قلوب المؤمنين زيادة مشروع؟ وإنما أنزل الله السكينة في قلوب المؤمنين مرجعهم من الحديبية ليزدادوا طمأنينة ويقينا ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾ \"سورة آل عمران: الآية١٦٧\" ١.\nثم إن المسلمين من غير الصحابة لا يعرفون أحكام الإسلام دفعة واحدة بل يعرفونها تدريجيا شيئا فشيئا، فيلزم من قولكم هذا أن إيمانهم أيضا يزيد وينقص فلا وجه للتخصيص بالصحابة.\nثانيا: قولهم: \"إن المراد بالزيادة والنقصان الثبات على الإيمان والدوام عليه ... \".\nالجواب عنه:\n١- أن يقال: إن الدوام والثبات على الإيمان ليسا من باب الزيادة في الإيمان في شيء، وذلك لأن الرجل إذا لم يداوم ويثبت على الإيمان فهو مرتد والعياذ بالله تعالى، فتأويل نصوص الزيادة في الإيمان بالدوام والثبات باطل بل هو تحريف محض، وحقيقة هذا التأويل تفسير زيادة الإيمان بزيادة\n_________\n١ شرح العقيدة الطحاوية ٢/٤٧٩.","vol":"1","page":407},{"text":"زمنه بسبب الثبات والاستمرار عليه، ومعلوم أن ما ثبت على حاله إذا طالت مدته لا يقال له قد زاد، لأنه حقيقة ثابتة لم تحصل بها زيادة. نعم لا شك أن من داوم وثبت على الإيمان يكثّر طاعاته وعباداته لله تعالى فمن هذه الناحية يزيد إيمانه.\n٢- لو سلم قولكم لزم منه ألا يفضل رسول الله ﷺ على أدنى أفراد أمته إلا باستمرار الإيمان لا بزيادة اليقين والأعمال. وبطلانه لا يخفى على الحمقى فضلا عن العقلاء.\nثالثا: قولهم: \"إن المراد من نصوص الزيادة والنقصان ازدياد نوره وضيائه في القلوب ... \".\nالجواب عنه:\nإن حمل نصوص زيادة الإيمان ونقصانه على ازدياد نور الإيمان وضعفه حمل للنصوص على المجاز بدون تعذّر الحقيقة. ويقال كذلك\" إن زيادة نور الإيمان وضعفه يلزم منهما قوة الإيمان وضعفه وزيادته ونقصانه، وذلك أنه إذا لم تحدث الزيادة والنقصان في الإيمان لم تحدث القوة والضعف في نوره، فقوة نور الإيمان وضعفه لأجل قوة الإيمان نفسه وضعفه وهذا أمر واضح لا يخفى على ذي لب.\nبل يمكن أن يقال: إن هذا اعتراف بزيادة الإيمان، فإن الإيمان نور يجعله الله في قلب من شاء من عباده فسواء قيل: إن الإيمان يزيد وينقص، أو نور الإيمان يزيد وينقص، فلا مشاحة بالتعبير إذا كانت الحقيقة واحدة. فتبين بهذا أن هذا التأويل نقض لأصل مذهبهم، وهو أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.\nرابعا: قولهم: \"إن المراد من الزيادة الثواب على الإيمان ... \".","vol":"1","page":408},{"text":"الجواب عنه:\nأن قول السلف يقتضي الزيادة والنقصان في الإيمان وثواب الإيمان ليس بإيمان، وهذا ظاهر لأن الثواب جزاء على عمل الطاعة، وليس هو الطاعة كما أن العقاب على المعصية ليس هو المعصية١.\nوبهذا يتبين لنا ضعف استدلالاتهم وتهافت تأويلاتهم والقول الحق في هذه المسألة هو ما دل عليه الكتاب والسنة وما عليه سلف الأئمة من أن الإيمان يزيد وينقص. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ \"سورة آل عمران: الآية١٧٣\".\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ \"سورة الأنفال: الآية٢\".\nوقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ \"سورة التوبة: الآيتان ١٢٤-١٢٥\".\nوقال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ \"سورة مريم: الآية٧٦\".\nوقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ \"سورة الكهف: الآية١٣\".\nوقال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ \"سورة الأحزاب: الآية٢٢\".\n_________\n١ انظر كتاب مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص٤٠٧.","vol":"1","page":409},{"text":"وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ \"سورة الفتح: الآية٤\".\nوقال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ \"سورة المدثر: الآية٣١\".\nوأما الأدلة من السنة: فقد عقد البخاري باب \"زيادة الإيمان ونقصانه وقول الله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ .\nوقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فإذا ترك شيئا من الكمال فهو ناقص\" ١.\nثم ساق حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير\" ٢.\nومن الأدلة: حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"يا معشر النساء تصدقن وأكثرن من الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لبٍّ منكن\" قالت: يا رسول الله وما نقصان العقل والدين؟ قال: \"أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل\n_________\n١ صحيح البخاري مع فتح الباري ١/١٠٣.\n٢ أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب زيادة الإيمان ونقصانه ١/١٠٣ ح\"٤٤\" ومسلم كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ١/١٨٢ ح\"٣٢ كلاهما من طريق قتادة عن أنس بن مالك.","vol":"1","page":410},{"text":"وتمكث الليالي ما تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين\" ١.\nوفي صحيح مسلم: \"لقي أبو بكر حنظلة الأسدي فقال كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرا قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ قلت: نافق حنظلة يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ: \"وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا. فقال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده إنكم لو تدومون على ما تكونون عندي من الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة\" ٢.\nومن الأدلة حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائكم\" ٣.\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب الحيض باب ترك الحائض الصوم ١/٤٠٥ ح\"٥٠٤\" ومسلم كتاب الإيمان باب نقصان الإيمان بنقص الطاعات ١/٨٧ ح\"٨٠\" كلاهما من طريق عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري.\n٢ كتاب التوبة باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة والمراقبة وجواز ترك ذلك في بعض أوقات الاشتغال بالدنيا ٤/٢١٠٦ ح\"٢٧٥٠\" من طريق أبي عثمان النهدي عن حنظلة الأسيدي.\n٣ أخرجه أبو داود كتاب السنة باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه ٥/٦٠ ح٤٦٨٢، والترمذي كتاب الرضاع باب ما جاء في حق المرأة على زوجها ٣/٤٥٧ ح١١٦٢ كلاهما من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة، قال الترمذي على أثره: \"هذا حديث حسن صحيح\".","vol":"1","page":411},{"text":"وأما الآثار عن السلف فمنها قول عبد الله بن مسعود في دعائه: \"اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها\" ١.\nوقول عمير بن حبيب الخطمي: \"الإيمان يزيد وينقص قيل له: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله ﷿ وحمدناه وخشيناه فذلك زيادته، فإذا غفلنا وضيعنا فذلك نقصانه\" ٢.\nوكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأصحابه: \"هلموا نزدد إيمانا فيذكرون الله\" ٣.\nوكان معاذ بن جبل ﵁ يقول للرجل: \"اجلس بنا نؤمن ساعة؛ فيجلسان فيذكران الله ويحمدانه\" ٤.\nقال أبو عبيد القاسم بن سلام: \"فالأمر الذي عليه السنة عندنا ما نص عليه علماؤنا مما اقتصصناه في كتابنا هذا أن الإيمان بالنية والقول والعمل جميعا، وأنه درجات بعضها فوق بعض، إلا أن أولها وأعلاها الشهادة باللسان كما قال ﷺ في الحديث الذي جعله فيه بضعة وسبعين جزءا، فإذا نطق بها القائل أقر بما جاء من عند الله لزمه اسم الإيمان بالدخول فيه بالاستكمال عند الله لا على تزكية النفوس، وكلما ازداد طاعة وتقوى ازداد به إيمانا\" ٥.\n_________\n١ شرح أصول الاعتقاد ٣/٩٤٢، وكتاب الشريعة ص١١٢..\n٢ الإيمان لابن أبي شيبة ص٣٦؛ والشريعة للآجري ص١١٢.\n٣ الإيمان لابن أبي شيبة ص٣٦؛ والشريعة للآجري ص١١٢.\n٤ الإيمان لابن أبي شيبة ص٣٦؛ والإيمان لأبي عبيد ص٧٢؛ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/٩٤٣.\n٥ الإيمان ص٦٦.","vol":"1","page":412},{"text":"وقال ابن عبد البر: \"أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل ولا عمل إلا بنية، والإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان\" ١.\nوالأدلة من الكتاب والسنة والآثار الواردة عن السلف في أن الإيمان يزيد وينقص كثيرة جدا. وبمناسبة كثرة الأدلة في هذه المسألة وعدم حصرها يقول العلامة الألوسي مفتي الحنفية في بغداد: \"وما عليَّ إذا خالفتُ في بعض المسائل مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁ للأدلة التي لا تكاد تحصى، فالحق أحق بالاتباع، والتقليد في مثل هذه المسائل من سنن العوام\" ٢.\nفظهر أن القول بأن الإيمان يزيد وينقص هو الصواب؛ لأنه موجب الشرع، بل وموجب العقل لما تقدم بيانه من أن التصديق يزيد وينقص وأن اليقين على ثلاث مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين. وهذا أمر معلوم بالفطرة إذ ليس المخبر كالمعاين كما تقدم من قوله ﷺ: \"ليس الخبر كالمعاينة ... \" ٣.\n_________\n١ التمهيد ٩/٢٣٨.\n٢ روح المعاني ٩/١٦٧.\n٣ تقدم تخريجه.","vol":"1","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>الفصل الثالث: الاستثناء في الإيمان</span>\nمنع الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى الاستثناء في الإيمان وهو أن يقول المؤمن: أنا مؤمن إن شاء الله.\nنص على ذلك غير واحد من أهل العلم كالتفتازاني ١ والنسفي ٢ والسمرقندي ٣، وابن الهمام٤، وقاسم بن قطلوبغا ٥. ومنع الاستثناء بناء على ما ذهب إليه في حقيقة الإيمان من أنه تصديق وإقرار باللسان، لأن القول بالاستثناء عنده يقتضي الشك في الإيمان؛ إذ التصديق أمر معلوم لا تردد فيه عند تحقيقه، ومن تردد في تحقيقه لم يكن مؤمنا قطعا. وإذا لم يكن الاستثناء للشك والتردد فالأولى أن يترك بل يقال: أنا مؤمن حقا دفعا للإيهام ٦. واستدل الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى على مذهبه بما يأتي:\n_________\n١ شرح المقاصد ٥/٢١٥.\n٢ بحر الكلام ص٤١.\n٣ الصحائف الإلهية ص٤٦١.\n٤ المسايرة ٢/٣٨١، ط المكتبة التجارية الكبرى بمصر وفي طبعة دائرة المعارف الإسلامية ٢/٢٢٩.\n٥ حاشية قاسم بن قطلوبغا على المسايرة ٢/٣٨١ ط المكتبة التجارية الكبرى بمصر وفي طبعة دائرة المعارف الإسلامية ٢/٢٢٩.\n٦ شرح المقاصد ٥/٢١٥.","vol":"1","page":415},{"text":"ورد في الوصية عن أبي حنيفة أنه قال: \"المؤمن مؤمن حقا والكافر كافر حقا وليس في الإيمان شك، كما ليس في الكفر شك لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ \"سورة الأنفال: الآية٤\".\n﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ \"سورة النساء: الآية١٥١\" ١.\nقال شارح الوصية: \"أقول: إن من قام به التصديق فهو مؤمن حقا، ومن قام به خلافه فهو كافر حقا ... قال أهل السنة والجماعة: إذا أتى بالإيمان يقول أنا مؤمن حقا من غير شك ولا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله..كذا في بحر الكلام\" ٢.\nواستدل أصحاب أبي حنيفة لمذهبه ذلك بوجوه:\nأحدها: أنه تقرر أن الإيمان اسم للتصديق، والتصديق من المعاني الحقيقية المعلومة التي إذا تحققت في محل وجب إتصافه بها كالقعود والجلوس والسواد والبياض، ولا شك أن هذه الأوصاف إذا حصلت لشيء صح أن يقال له قاعد، جالس، أسود، أبيض، لا محالة بدون استثناء. فكذلك الإيمان إذا حصل لشخص صح أن يقال إنه مؤمن حقا بدون استثناء\" ٣.\nالثاني: \"أن من فرق بين الاستثناء في كونه مؤمنا عنده، وبين الاستثناء في كونه مؤمنا عند الله بأن يقول: أنا مؤمن - أي عندي - بلا استثناء، ولكن أنا مؤمن عند الله إن شاء الله، فتفريقه هذا باطل لأن\n_________\n١ الوصية مع شرحها لحسين بن اسكندر الحنفي ص٤.\n٢ شرح كتاب الوصية ص٤.\n٣ تبصرة الأدلة \"٣٤٠/ب\".","vol":"1","page":416},{"text":"الإيمان إذا تحقق في الحقيقة كان صاحبه مؤمنا عند الله حقيقة أيضا؛ إذ لا شك في حصول الإيمان الآن، وإنما الشك في كون الإيمان باقيا عند موت صاحبه؛ لأن كون الرجل يموت على الإيمان خارج عن موضوعنا هذا.\nبل الكلام في صحة إطلاق المؤمن على من عنده إيمان لا استثناء، سواء يبقى هذا الإيمان أم يزول، كما أن من حصل له القعود والقيام صح إطلاق قاعد وقائم عليه بلا استثناء سواء يزول القعود والقيام أم لا\"١.\nالثالث: \"أن الله ﷾ قد شهد قطعا بالإيمان لمن آمن بالله ورسله بدون استثناء فقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ \"سورة البقرة: الآية٢٨٥\" ... \"٢.\nالرابع: \"أن الله تعالى مدح المؤمنين بقطعهم بإيمانهم دون استثناء حيث قال حكاية عن المؤمنين: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ \"سورة آل عمران: الآية١٩٣\".\nولم يأمرهم بالاستثناء\" ٣.\nالخامس: \"أن الاستثناء يرفع جميع العقود نحو الطلاق والعتاق والنكاح والبيع فكذلك يرفع عقد الإيمان\" ٤.\nالسادس: استدل قاسم بن قطلوبغا بحديث الحارث بن مالك الأنصاري ولفظه: \"أنه مر برسول الله ﷺ فقال له: كيف أصبحت يا حارث؟\n_________\n١ تبصرة الأدلة \"٣٤٠/ب-٣٤١/أ\" الأزهرية.\n٢ تبصرة الأدلة \"\"٣٤١/ب\".\n٣ بحر الكلام ص٤٠.\n٤ حاشية قاسم بن قطلوبغا على المسايرة ٢/٣٨١-٣٨٢.","vol":"1","page":417},{"text":"قال: أصبحت مؤمنا حقا\".\nوحديث عبد الله بن زيد الخطمي ولفظه: \"إذا سئل أحدكم أمؤمن أنت فلا يشك\".\nوحديث علي بن أبي طالب ولفظه: \" كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ دخل علينا عويمر أبو الدرداء فقال: يا نبي الله، إني أقول: أنا مؤمن حقا فقال: يا أبا الدرداء، إن لم تقل حقا فكأنك قلتَ أنا مؤمن باطلا\".\nالجواب عن أدلة أبي حنيفة وأصحابه:\n\"أ\" الجواب عن دليل أبي حنيفة:\nقول الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى: المؤمن مؤمن حقا والكافر كافر حقا وليس في الإيمان شك، كما ليس في الكفر شك ... \".\nالجواب عنه:\nإن هذا استدلال في غير محله، لأن قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ . ورد بعد قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ \"سورة الأنفال: الآية٢\".\nفالمؤمنون حقا هم المتصفون بهذه الصفات، وليس كل مؤمن كذلك. فهؤلاء هم الكمّل من المؤمنين الذي حققوا الإيمان ظاهرا وباطنا. ومن لم يتصف بتلك الصفات التي ذكرها الله لم يكن مؤمنا حقا، وإن كان مؤمنا، كما يفيد ذلك القصرُ في قوله تعالى: ﴿حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ \"سورة الأنفال: الآيات٤\".\nالمعنى هؤلاء هم المؤمنون حقا لا غيرهم، فكيف يصح مع ذلك أن يقول كل من حصل له أصل الإيمان أنا مؤمن حقا. أما قوله: \"فليس في","vol":"1","page":418},{"text":"الإيمان شك\". فنعم، إن الشك ينافي صحة الإيمان فلا يجتمع الإيمان والشك. وهذا لا يوجب منع الاستثناء في الإيمان على وجه البراءة من تزكية النفس، لكن يوجب منع الاستثناء على وجه التردد، وهذا لا يصدر ممن يؤمن بالله واليوم الآخر ولا يقصده من يعلم من نفسه الإيمان واليقين.\n\"ب\" الجواب عن أدلة أصحاب أبي حنيفة:\nالدليل الأول:\n\"إنه تقرر أن الإيمان اسم للتصديق، والتصديق من المعاني الحقيقية المعلومة ... \".\nالجواب عنه:\nيقال: إن أساس هذه الشبهة هو أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، وأنه لا يزيد ولا ينقص. وهذا الأساس باطل والحق المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن الإيمان هو التصديق بالجنان، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان كما تقدم بيانه.\nوإذا ثبت أن الإيمان شيء مركب من أمور ثلاثة وأنه يزيد وينقص وأن الإيمان له مقتضيات ومتطلبات قد لا تتوفر في مدعي الإيمان، فليس الإيمان مثل القعود والقيام ونحوهما من الأمور المحسوسة المعلومة بالقطع، حتى يقطع الإنسان بأنه مؤمن كما يقطع بأنه قاعد أو قائم، لأن الإيمان من الكيفيات النفسانية ومن الأمور غير المحسوسة، فلا يمكن للإنسان أن يجزم قطعا بأنه أتى بجميع متطلبات الإيمان وجميع مقتضياته، وأنه قد تجنب جميع ما يناقض الإيمان ويخالفه إذا فقياس \"الإيمان\" على \"القيام والقعود\" قياس مع الفارق، لأن الإنسان إذا قام أو قعد صح أن يقال عنه: إنه قائم أو قاعد لأن ذلك من الأمور المحسوسة التي تختلف عن الأمور القلبية والنفسية كالإيمان الذي له مقتضياته ومتطلباته فإذا قال:","vol":"1","page":419},{"text":"أنا مؤمن \"بدون الاستثناء \" فقد زكى نفسه بشيء لم يتوفر فيه مقتضياته وقال قولا بدون علم.\nفالحاصل أن قياس الإيمان على القيام والقعود باطل، لأنه قياس مع الفارق، وتمثيل في غير محله، وخارج عن الموضوع والله أعلم.\nالدليل الثاني:\n\"إن من فرق بين الاستثناء في كونه مؤمنا عنده، وبين الاستثناء في كونه مؤمنا عند الله ... \".\nالجواب عنه:\nيقال: إن هذه الشبهة مبنية على أساسين:\nالأول: أنه ظن أن الاستثناء في الإيمان لأجل الموافاة والخاتمة، لا لأجل الإيمان الموجود الآن.\nالثاني: أنه لا فرق بين كون الرجل مؤمنا عند نفسه وبين كونه مؤمنا عند الله.\nوكلا هذين الأساسين ممنوع:\nأما الأول: فلأن سلف هذه الأمة وأئمة السنة لم يقولوا بجواز الاستثناء في الإيمان لأجل الموافاة، والخاتمة، وليس هذا مأخذهم في جواز الاستثناء قطعا، وهذا خارج عن محل النزاع، بل محل النزاع هو الإيمان الحالي الموجود الآن، فكان سلف هذه الأمة وأئمة السنة يرون جواز الاستثناء في الإيمان الموجود بقطع النظر عن الموافاة والخاتمة لئلا يقع الإنسان في تزكية نفسه بدون علم.\nوالذي ظن أن السلف إنما كانوا يجوِّزون الاستثناء في الإيمان، إنما أرادوا الموافاة والخاتمة فقد أبعد النجعة وأتى بالباطل وكذب على سلف","vol":"1","page":420},{"text":"هذه الأمة أو أخطأ عليهم في بيان تفسير مأخذهم ظنا منه أن هذا هو مذهب السلف، فأخطأ في بيان مذهبهم، ومثل هذا قد وقع فيه بعض الكلابية والأشعرية بل بعض من ينتسب إلى مذهب الإمام أحمد وغيرهم أيضا، مع أن كلام بعض السلف صريح في أن الاستثناء في الإيمان لأجل أن ألا يقع الإنسان في تزكية نفسه، ولم يقل أحد منهم إن الاستثناء لأجل الموافاة والخاتمة ١.\nوأما الثاني: فلا شك أن الرجل يكون مؤمنا عند نفسه ولا يكون مؤمنا عند الله، كالذي يرتكب شركا أكبر أو غيره من نواقض الإسلام ومع ذلك يظن أنه مؤمن وهذا واضح أفلا يحبط عمل الإنسان وهو لا يشعر؟ فكيف مع ذلك يقال أن من كان مؤمنا عند نفسه يجب أن يمون مؤمنا عند الله\".\nولا شك أن من كان مؤمنا كما أمر الله فهو مؤمن عند الله، ولا يقدح فيه الاستثناء الذي منشؤه الحذر من تزكية النفس، وإنما يقدح فيه الاستثناء الذي منشؤه الشك. ومعلوم أن الاستثناء على هذا الوجه لا يصدر من مؤمن صحيح الإيمان؛ لأن الإيمان والشك لا يجتمعان.\nالدليل الثالث:\n\"إن الله ﷾ قد شهد قطعا بالإيمان لمن آمن بالله ورسله بدون استثناء ... \".\nالجواب عنه:\nيقال: إن قياس شهادة العبد لنفسه بالإيمان بدون استثناء على شهادة الله تعالى للمؤمنين بالإيمان بدون الاستثناء قياس باطل، لأن الله\n_________\n١ انظر كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ص٣١٩، ٤١٣، ٤١٨، ٤١٩، ٤٢٦.","vol":"1","page":421},{"text":"تعالى لا يقول إلا حقا ولا يشهد إلا على حق واقع، فإذا شهد الله تعالى لشخص أو أشخاص بالإيمان دل ذلك قطعا ويقينا على حصول الإيمان وأنهم مؤمنون. وهكذا شهادة رسول الله ﷺ لشخص بالإيمان دليل على كونه مؤمنا حقا يقينا، أما شهادة الناس بعضهم لبعض بالإيمان، أو شهادة الشخص لنفسه بالإيمان؛ فقد تكون صحيحة وقد تكون غير صحيحة، ولهذا أنكر الله تعالى على الأعراب حين ادّعوا الإيمان حين لم يتمكن الإيمان في قلوبهم قال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ \"سورة الحجرات: الآية١٤\".\nفقد ظنوا أنفسهم مؤمنين كغيرهم من المؤمنين المجاهدين الصادقين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ \"سورة الحجرات: الآية١٥\".\nولم يكن هؤلاء الأعراب كذلك.\nالدليل الرابع:\n\" أن الله تعالى مدح المؤمنين بقطعهم بإيمانهم دون استثناء ... \"\nالجواب عنه:\nيقال: ما في هذه الآية خارج عن محل النزاع لأن النزاع في قول القائل: أنا مؤمن إن شاء الله بصيغة اسم الفاعل وبالجملة الاسمية التي تدل على الثبات والدوام فتشعر بالكمال الذي في دعواه تزكية النفس، وأما الجملة الفعلية فهي بخلاف ذلك، ثم إنها في الآية قد وردت في مقام التوسل إلى الله، لا في مقام الإخبار عن النفس في خطاب الناس الذي تدخله الدعوى والفخر. وفي ضوء هذا الفرق بين الجملة الاسمية والفعلية","vol":"1","page":422},{"text":"يجوز أن يقول المرء: آمنت بالله ورسله وكتبه بدون استثناء وقد كان السلف يرون الاستثناء في الإيمان بأن يقول المرء: أنا مؤمن إن شاء الله، ولكن لو قال: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله لم يحتج للاستثناء.\nقال الإمام أبو بكر الخلال جامع علوم الإمام أحمد: \"أخبرني أحمد بن أصرم المزني أن أبا عبد الله قيل له: إذا سألني رجل أمؤمن أنت؟\nقال: سؤاله إياك بدعة، لا يشك في إيمانك أو قال لا نشك في إيماننا.\nقال المزني: وحفظي أن أبا عبد الله قال: أقول كما قال طاووس: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله\"١.\nوهذا لأن المرء إذا قصد الإيمان المطلق الكامل ينبغي له أن يستثني، وإذا قصد مطلق الإيمان فلا يحتاج إلى الاستثناء. قال شيخ الإسلام: \" ... فلما علم السلف مقصدهم - يعني كيد المرجئة - صاروا يكرهون الجواب - أي جواب قولهم أمؤمن أنت - أو يفصلون في الجواب، وهذا لأن لفظ الإيمان فيه إطلاق وتقييد، فكانوا يجيبون بالإيمان المقيد الذي لا يستلزم أنه شاهد فيه لنفسه بالكمال، ولهذا كان الصحيح أنه يجوز أن يقال: أنا مؤمن بلا استثناء إذا أراد ذلك، لكن ينبغي أن يقرن كلامه بما يبين أنه لم يرد الإيمان المطلق الكامل ولهذا كان أحمد يكره أن يجيب عن المطلق بلا استثناء يقدمه\" ٢.\n_________\n١ السنة للخلال ص٦٠١ وقال محققها: إسناده صحيح ونقل كلام الإمام أحمد هذا بهذا الإسناد بالجزم شيخ الإسلام في كتاب الإيمان ضمن مجموع الفتاوى ٧/٤٤٩.\n٢ كتاب الإيمان ضمن مجموع الفتاوى ٧/٤٤٨، ٤٤٩.","vol":"1","page":423},{"text":"وقال: فصل:\nوأما الاستثناء في الإيمان ... فالناس فيه على ثلاثة أقوال:\nمنهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجوز الأمرين باعتبارين، وهذا أصح الأقوال ... \"١.\nفتبين بهذا أن قول السلف في الاستثناء راجع إلى أن الإيمان يزيد وينقص فلما كان الإيمان منه مطلق ومقيد فهو على مرتبتين: مرتبة الإيمان المطلق الكامل، ومرتبة مطلق الإيمان؛ فأجازوا الاستثناء في الأول دون الثاني.\nالدليل الخامس:\n\"إن الاستثناء يرفع جميع العقود نحو الطلاق والعتاق والنكاح والبيع فكذلك يرفع عقد الإيمان\".\nالجواب عنه:\nأن يقال هذا من التلبيس، فإنه ليس النزاع في الاستثناء في عقد الإيمان، وهو ما يحصل به الدخول في الإسلام؛ فإن ذلك عقد ينافيه الاستثناء، وإنما النزاع في قول المسلم مخبرا عن نفسه: أنا مؤمن وهذا إخبار وليس بإنشاء.\nالدليل السادس:\nاستدل قاسم بن قطلوبغا بحديث الحارث بن مالك الأنصاري ولفظه: \"أنه مر برسول الله ﷺ فقال له: كيف أصبحت يا حارث؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا\".\nوحديث عبد الله بن زيد الخطمي ولفظه: \" إذا سئل أحدكم أمؤمن أنت فلا يشك \".\n_________\n١ كتاب الإيمان ضمن مجموع الفتاوى ٧/٤٢٩.","vol":"1","page":424},{"text":"وحديث علي بن أبي طالب ولفظه: \"كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ دخل علينا عويمر أبو الدرداء فقال: يا نبي الله، إني أقول: أنا مؤمن حقا فقال: يا أبا الدرداء، إن لم تقل حقا فكأنك قلتَ أنا مؤمن باطلا\".\nالجواب عنه:\nأما حديث الحارث بن مالك فأخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٣/٣٠٢ من طريق زيد بن الحباب، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد السكسكي، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن الجهم، عن الحارث بن مالك، قال الهيثمي: \"رواه الطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة وفيه من يحتاج إلى الكشف عنه\"١.\nفيظهر لي أنه أراد بمن يحتاج إلى الكشف عنه محمد بن الجهم فلم أر من ترجم له سوى الحافظ ابن حجر، إذ ذكره في القسم الرابع من الإصابة وقال: إنه من أتباع التابعين ٢. وعلى هذا فإسناد هذا الحديث منقطع؛ إذ محمد بن الجهم لم يدرك أحدا من الصحابة. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف ١١/١٢٩ ح\"٢١١٤\" من طريق معمر عن صالح بن مسمار وجعفر بن برقان أن النبي ﷺ قال: للحارث بن مالك، وأخرجه ابن المبارك في كتاب الزهد ص١٠٦ ح\"٣١٤\" من طريق معمر عن صالح بن مسمار أن رسول الله ﷺ قال للحارث بن مالك، وأورده ابن حجر في الإصابة وقال: \"هو معضل\" ٣.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١١/٤٣ ح\"١٠٤٧٤\" وفي كتاب\n_________\n١ مجمع الزوائد ١/٥٧.\n٢ الإصابة ٦/٣٣٠.\n٣ ١/٣٠٣. والمعضل هو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر بشرط التوالي وإن لم يكن بالتوالي فهو منقطع. انظر تدريب الراوي ١/٢١١.","vol":"1","page":425},{"text":"الإيمان ص٣٨ من طريق ابن نمير عن مالك بن مغول عن زبيد. قال الألباني في حاشيته على كتاب الإيمان لابن أبي شيبة: \"والحديث معضل فإن زبيدا من الطبقة السادسة التي لم تلق أحدا من الصحابة\".\nوأخرجه البزار كما في كشف الأستار ١/٢٦ ح\"٣٢\"، والبيهقي في الشعب كما في الإصابة ١/٣٠٣ كلاهما من طريق يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس بن مالك.\nقال البزر على أثره: \"تفرد به يوسف وهو لين الحديث\".\nوقال الهيثمي: \"رواه البزار وفيه يوسف بن عطية لا يحتج به\" ١.\nوقال البيهقي كما في الإصابة: \"منكر وقد خبط فيه يوسف فقال: مرة: الحارث، وقال مرة: حارثة\" ٢.\nقلت: يوسف بن عطية قال عنه الحافظ في التقريب: \"متروك\" ٣.\nوأما حديث عبد الله بن زيد الخطمي فأخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد ١/٥٥، وقال عنه الهيثمي: \"وفي إسناده أحمد بن بديل وثقه النسائي وأبو حاتم وضعفه آخرون\".\nقلت: قال فيه الحافظ في التقريب: \"صدوق له أوهام\" ٤.\nلكن الحديث لو صح؛ لم يكن دليلا على منع الاستثناء في الإيمان الذي يقول به أهل السنة، بل على منع الاستثناء الذي يتضمن الشك والتردد في الإيمان، وهو محرم عند الجميع، لأنه يناقض الإيمان. فالحديث يدل\n_________\n١ مجمع الزوائد ١/٥٧.\n٢ الإصابة ١/٣٠٣.\n٣ ٢/٣٨\n٤ التقريب ١/١١.","vol":"1","page":426},{"text":"على منع الشك في الإيمان، لا على منع الاستثناء الذي يقول به أهل السنة خوفَ التزكية بدون علم مع عدم \"الشك\" في الإيمان. وهذا الحديث لا ينافي الاستثناء فضلا عن أن الاستدلال بهذا الحديث باطل.\nوأما حديث علي فأخرجه غنجار في تاريخ بخارى، كما في حاشية ابن قطلوبغا على المسايرة ١، ولم يذكر إسناده حتى ينظر فيه، وحسبه أنه غير صحيح؛ لأنه يستبعد أن يكون هناك حديث مرفوع إسناده صحيح وتهمله جميع دواوين السنة ليحفظه لنا غنجار في تاريخ بخاري، ثم إن لفظه أشبه بلفظ الأحاديث الموضوعة البعيدة عن حسن بيانه ﷺ وفصاحة تعبيره. ثم إن المستدل به لا يقول بمقتضاه وهو وجوب قول العبد: أنا مؤمن حقا بل يكفي عندهم قول: أنا مؤمن.\nفواعجبا لأهل الكلام يقولون: إن أخبار الآحاد ظنية فلا يحتجون بها في العقائد، ثم يحتجون بمثل هذا الحديث الذي لا يعرف في كتب السنة المسندة، أليس هذا تناقضا واضحا؟.\nوبعد فقد تبين مما تقدم ضعف القول بتحريم الاستثناء في الإيمان، كما هو قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى وأصحابه. ويقابل هذا القول قول طائفة أوجبت الاستثناء، لأن الإيمان عندهم هو ما يموت عليه صاحبه، والإنسان لا يعلم هل يموت مؤمنا أو كافرا، ولا يعتدون بالإيمان السابق قبل الموافاة ٢. فعلى هذا الاعتبار قالوا بوجوب الاستثناء، ونسبه شيخ الإسلام إلى الكلابية وغيرهم ممن يرون الاستثناء مع القول بعدم تفاضل الإيمان ... قال شيخ الإسلام: \"وهذا المأخذ مأخذ كثير من\n_________\n١ ٢/٢٢٩.\n٢ مجموع الفتاوى ٧/٤٢٩، ٤٣٠.","vol":"1","page":427},{"text":"المتأخرين من الكلابية وغيرهم ممن يريد أن ينصر ما اشتهر عن أهل السنة والحديث من قولهم: أنا مؤمن إن شاء الله؛ ويريد مع ذلك أن الإيمان لا يتفاضل، ولا يشك الإنسان في الموجود منه وإنما يشك في المستقبل\" ١.\nفدعوى أن الإيمان المعتبر عند الله هو ما يوافي عليه العبد ربه، وأنه لا عبرة به قبل ذلك غير صحيحة، وطرد هذا أن الكافر ليس بكافر في الحال إلا بشرط أن يموت على الكفر، ثم إن هذا المعنى ليس هو تعليل السلف فهم لم يوجبوا الاستثناء لأجل هذا، وإنما قالوا بوجوبه خشية تزكية الإنسان لنفسه بدون علم. فالموافاة عندهم شرط بالفوز ودخول الجنة، لا شرط في ثبوت الإيمان في الحال.\nوهناك مأخذ ثان: وهو أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك ما نهاه عنه كله، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار فقد شهد لنفسه أنه من الأبرار المتقين القائمين بجميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه فيكون من أولياء الله ٢.\nفهذا المأخذ يقتضي وجوب الاستثناء لكن لا يمنع من ترك الاستثناء إذا أريد أصل أو مطلق الإيمان. وقول الطائفتين خطأ. القول بتحريم الاستثناء مطلقا أو وجوبه مطلقا، والمذهب الحق هو الوسط؛ فلا إفراط ولا تفريط وهو الذي عليه السلف؛ فأجازوا الاستثناء باعتبار، ومنعوه باعتبار آخر، فأجازوه خوف تزكية الإنسان نفسه، ومنعوه إذا أراد المستثني الشك في أصل إيمانه ٣.\n_________\n١ مجموع الفتاوى ٧/٤٣٠.\n٢ مجموع الفتاوى ٧/٤٤٦.\n٣ انظر كتاب الشريعة ص١٣٦، شرح العقيدة الطحاوية ص٣٣٤.","vol":"1","page":428},{"text":"قال الآجري: \"من صفة أهل الحق ممن ذكرنا من أهل العلم الاستثناء في الإيمان لا على جهة الشك نعوذ بالله من الشك في الإيمان، ولكن خوف التزكية لأنفسهم من الاستكمال بالإيمان، لا يدري أهو ممن يستحق حقيقة الإيمان أم لا؟ وذلك أن أهل العلم من أهل الحق إذا سألوا: أمؤمن أنت؟ قال: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار وأشباه هذا، والناطق بهذا، والمصدق به بقلبه مؤمن، وإنما الاستثناء بالإيمان لا يدري أهو ممن يستوجب ما نعت الله ﷿ به المؤمنين من حقيقة الإيمان أم لا؟ هذا طريق الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان، عندهم أن الاستثناء في الأعمال، لا يكون في القول والتصديق بالقلب، وإنما الاستثناء في الأعمال الموجبة لحقيقة الإيمان، والناس عندهم على الظاهر مؤمنون به يتوارثون، وبه يتناكحون، وبه تجري أحكام ملة الإسلام، ولكن الاستثناء منهم على حسب ما بيناه لك وبينه العلماء من قبلنا ... \"١.\nومن خلال ما تقدم يتبين لنا أن السلف سلكوا مسلكا وسطا في الاستثناء وتركه، وفصلوا في ذلك، فلم يقولوا بتحريم الاستثناء مطلقا كقول المرجئة، ولا بوجوب الاستثناء مطلقا كقول الكلابية، وإنما أوجبوه في حال، ومنعوه في حال، مستدلين بأدلة ٢ من الكتاب والسنة. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ \"سورة الفتح: الآية٢٧\".\n_________\n١ كتاب الشريعة ص١٣٦.\n٢ انظر هذه الأدلة في كتاب الشريعة ص١٣٦-١٤٠؛ وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/٩٦٥-٩٨٥.","vol":"1","page":429},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدا﴾ \"سورة الكهف: الآيتان ٢٣-٢٤\".\nأما من السنة النبوية فحديث عائشة ﵂ قالت: \"كان رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل فيقول: \"السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد\" ١.\nوحديث أبي هريرة ﵁ قال: \"قال رسول الله ﷺ \"لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا\" ٢.\nوورد الاستثناء عن بعض الصحابة والتابعين من ذلك ما رواه أو عبيد القاسم بن سلام: \"أن رجلا قال عند ابن مسعود: أنا مؤمن فقال ابن مسعود: أأنت من أهل الجنة؟ فقال: أرجو، فقال ابن مسعود: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الأخرى\" ٣.\nوروى اللالكائي عن جرير بن عبد الحميد قال: \"كان الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد وعمارة بن القعقاع والعلاء بن المسييب\n_________\n١ أخرجه مسلم كتاب الجنائز باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها ٢/٦٦٩ ح\"١٠٢\" من طريق عطاء ابن يسار عن عائشة.\n٢ أخرجه البخاري كتاب الدعوات باب لكل نبي: دعوة مستجابة ١١/٩٦ ح\"٣٠٤\" من طريق الأعرج عن أبي هريرة، ومسلم كتاب الإيمان باب اختيار النبي ﷺ دعوة الشفاعة لأمته ١/١٨٨ ح\"٣٣٤\" من طريق أبي سلمة بن عبد الله عن أبي هريرة.\n٣ كتاب الإيمان للقاسم بن سلام ص٦٧.","vol":"1","page":430},{"text":"وابن شبرمة ١ وسفيان الثوري وحمزة الزيات يقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله ويعيبون على من لا يستثني\" ٢.\nوروى الآجري عن الفضل بن زياد قال: \"سمعت أبا عبد الله - أحمد بن حنبل - يقول: إذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله فليس بشاك، قيل له: إن شاء الله أليس هو شك فقال: معاذ الله أليس قد قال الله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ \"سورة الفتح: الآية٢٧\".\nوفي علمه أنهم يدخلونه، وصاحب القبر إذا قيل له: وعليه تبعث إن شاء الله فأي شك ها هنا. وقال النبي ﷺ: \"وإنا إن شاء الله بكم لاحقون\" ٣ ... \" ٤.\nإلى غير ذلك من الأدلة الصريحة، فالمقصود أن من أوجب الاستثناء مطلقا؛ فقد بالغ في إثبات الاستثناء وأفرط في ذلك، ومن حرم الاستثناء مطلقا واستند إلى دعوى لم تصح وهي أن الإيمان عبارة عن التصديق القلبي فحسب؛ فقد غالط وخالف النصوص وفرق. وأما من يوجبه في حال ويمنعه في حال آخر؛ فهو أسعد الناس بالدليل لحرصه على مسايرة النصوص الشرعية واتباع ما تدل عليه دون إفراط ولا تفريط.\n_________\n١ هو عبد الله بن شبرمة بضم المعجمة وسكون الموحدة وضم الراء ابن الطفيل بن حسان الضبي الكوفي قال عنه ابن حجر: \"أبو شبرمة الكوفي القاضي ثقة فقيه من الخامسة مات سنة أربع وأربعين ومائة\".\nتقريب التهذيب ١/٤٢٢. وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٥/٢٥٠.\n٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/٩٧٩.\n٣ تقدم تخريجه.\n٤ كتاب الشريعة ص١٣٨.","vol":"1","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>الفصل الرابع: علاقة الإسلام بالإيمان</span>\nاختلف الناس في مسمى الإيمان والإسلام على مذاهب:\nأحدها: أن الإسلام والإيمان شيء واحد وهما مترادفان، وهذا قول البخاري على ما قاله الحافظ ابن حجر في الفتح ١ والمزني ٢، والمروزي ٣، وابن مندة ٤، وابن عبد البر ٥ والبغوي ٦ وأبو يعلى ٧.\nالثاني: التفريق بين الإسلام والإيمان، فالإسلام الكلمة، والإيمان العمل. وهذا قول الزهري ٨.\n_________\n١ فتح الباري ١/١١٤.\n٢ مسند أبي عوانة ١/٤٩.\n٣ تعظيم قدر الصلاة ١/٤١٨، ٢/٥٠٦، ٥٣٥.\n٤ الإيمان لابن مندة ١/٣٢١.\n٥ التمهيد ٩/٢٤٧-٢٥٠.\n٦ شرح السنة ١/١٠.\n٧ مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص٤٢٩.\n٨ مختصر سنن أبي داود ٧/٤٩.","vol":"1","page":433},{"text":"الثالث: قول طائفة أجابوا بما أجاب به النبي ﷺ حين سئل عن الإسلام والإيمان، حيث فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالإيمان بالأصول الستة، ذكره ابن أبي العز ١ ولم ينسبه لأحد.\nالرابع: ان النسبة بين الإسلام والإيمان عموم وخصوص مطلق. فالإسلام أعم مطلقا والإيمان أخص مطلقا، وذلك أن الإسلام اسم لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسم لما بطن من الاعتقاد كما في حديث جبريل. فدل على أن المسلم قد يكون مؤمنا. وقد لا يكون مؤمنا أما المؤمن فهو مسلم في جميع الأحوال، فالمسلم أعم مطلقا والمؤمن أخص مطلقا. فكل مؤمن مسلم ولا عكس إذ يجوز أن يكون مسلما ولا يكون مؤمنا. وإليه ذهب الإمام أبو سليمان الخطابي ٢.\nالخامس: أن الإيمان والإسلام يتفقان في موطن إذا أفردا ويختلفان في موطن آخر إذا ذكرا معا، فقد يطلق الإسلام ويراد به ما يشمل الإيمان، ويطلق الإيمان ويراد به ما يشمل الإسلام كذلك، وقد يذكر الإسلام ولا يراد به الإيمان وقد يطلق الإيمان ولا يراد به الإسلام.\nوحاصل هذا المذهب أن الإسلام والإيمان إذا افترقا اجتمع مدلولهما، وإذا اجتمعا اختلف مدلولهما، وهذا قول أبي بكر الإسماعيلي ٣ وابن الصلاح ٤ وشيخ الإسلام ٥ وابن رجب ٦ وابن\n_________\n١ شرح العقيدة الطحاوية ص ٣٨٢.\n٢ مختصر سنن أبي داود ٧/٤٩، ٥٠..\n٣ جامع العلوم والحكم ١/٦٤.\n٤ شرح مسلم للنووي ١/١٤٧-١٤٨.\n٥ انظر كتاب الإيمان ص٢٤٦، ٢٥٧.\n٦ جامع العلوم والحكم ١/٦٧، ٧٢.","vol":"1","page":434},{"text":"أبي العز ١. أما أبو حنيفة فهل الإسلام والإيمان عنده بمعنى واحد؟ أم أن أحدهما غير الآخر؟\nفالذي ورد في الفقه الأكبر برواية ابنه حماد ما حاصله أن الإسلام والإيمان بينهما فرق من ناحية اللغة، فالإسلام هو التسليم والانقياد لأوامر الله، والإيمان هو التصديق كما تقدم تقرير مذهبه، فيطلق الإسلام على الأعمال ظاهرة والإيمان على التصديق.\nوأما من ناحية الشرع فبين الإسلام والإيمان تلازم فلا يوجد إسلام بلا إيمان ولا إيمان بلا إسلام.\nقال أبو حنيفة: \"والإسلام هو التسليم والانقياد لأوامر الله تعالى، فمن طريق اللغة فرق بين الإسلام والإيمان، ولكن لا يكون إيمان بلا إسلام، ولا يوجد إسلام بلا إيمان فهما كالظهر مع البطن. والدين اسم واقع على الإيمان والإسلام والشرائع كلها ٢\" ٣.\nوهذا يدل دلالة صريحة على المغايرة بين مسمى الإيمان والإسلام في اللغة لكنهما في الشرع متلازمان.\nهذا وقد شرح المغنساوي كلام الإمام أبي حنيفة هذا على وفق ما تقدم ذكره وكذا القاري٤.\n_________\n١ شرح العقيدة الطحاوية ص٣٨٣-٣٨٤.\n٢ الفقه الأكبر ص٣٠٤، ٣٠٥.\n٣ لم أقف على مثل هذا الكلام في الكتب الأخرى عن أبي حنيفة، ومن المعلوم أن الفقه الأكبر لم يثبت أن كل ما فيه من كلام أبي حنيفة رحمه الله تعالى ولا سيما مثل هذه المباحث الكلامية الدقيقة الغامضة التي لم تكن في الصدر الأول، وإنما وجدت بعد تطور التأليف والتدوين في علم الكلام والتفريعات والتخريجات على كلام الأئمة.\n٤ شرح الفقه الأكبر ص١٣٠، ١٣١.","vol":"1","page":435},{"text":"وزاد المغنساوي قائلا في شرح كلام أبي حنيفة: \"ولا يوجد إسلام بلا إيمان: لأن الإسلام هو التسليم والانقياد لأوامر الله تعالى وذلك لا يوجد إلا بعد التصديق والإقرار، فلا يعقل بحسب الشرع مؤمن ليس بمسلم، أو مسلم ليس بمؤمن، وهذا مراد القوم بترادف الاسمين واتحاد المعنى\" ١.\nقلت: مراده بالقوم هاهنا الحنفية الماتريدية ومعنى ترادف الاسمين مع اتحاد المعنى أن يكون لمسمى واحد اسمان فما فوق.\nقال الجرجاني: \"الترادف عبارة عن الاتحاد في المفهوم وقيل: هو توالي الألفاظ المفردة على شيء واحد باعتبار واحد\" ٢.\nأما الحنفية الماتريدية فنجد بعضهم يصرح بأن الإسلام والإيمان مترادفان: منهم أبو المعين النسفي فقد قال: \"فصل. وإذا عرف أالإيمان هو التصديق؛ عُرف أن الإيمان والإسلام واحد. والاسمان من قبيل الأسماء المترافة وكل مسلم مؤمن وكل مؤمن مسلم\" ٣.\nونرى بعضهم يصرح بأنهما واحد، كنور الدين الصابوني فقد قال: \"ثم إن الإسلام والإيمان واحد عندنا خلاف أصحاب الظواهر وذلك أن الإيمان تصديق الله تعالى فيما أخبر من أمره ونواهيه والإسلام هو الانقياد\n_________\n١ شرح الفقه الأكبر للمغنساوي ص٣٥. يعني المغنساوي أن المراد من الترادف الواقع في كلام أبي حنيفة ليس هو الترادف الاصطلاحي وهو كون الاثنين لمسمى واحد كالأسد والغضنفر لهذا الحيوان المفترس، بل يقصد أبو حنيفة بالترادف التلازم بمعنى أن الإيمان لا ينفك عن الإسلام وهما متلازمان في الوجود شرعا وإن كان بينهما اختلاف في المفهوم لغة.\n٢ التعريفات ص٧٧، ط / دار الكتاب العربي.\n٣ تبصرة الأدلة ص٣٤١/أ.","vol":"1","page":436},{"text":"والخضوع للألوهية فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكما فلا يتغايران\" ١.\nوعمر النسفي فقد قال: \"والإيمان والإسلام واحد\" ٢.\nوقال التفتازاني ٣ في تعليل هذا القول: عين ما نقلت عن الصابوني آنفا وهكذا عبد الله النسفي فقد صرح بأنهما واحد، وقال في تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ \"سورة الذريات: الآيتان ٣٥-٣٦\".\nقال: \"وفيه دليل على أن الإسلام والإيمان واحد\" ٤.\nوالذي يظهر لي أن هؤلاء الذين قالوا بالترادف لا يقصدون الترادف الاصطلاحي بمعنى أن الإسلام والإيمان اسمان لمسمى واحد، بل يقصدون أن الإسلام والإيمان في الشرع لا ينفك أحدهما عن الآخر، فهما متلازمان. وهذا يوافق ما قاله أبو حنيفة في الفقه الأكبر، ولذلك قال المغنساوي في التوفيق بين قول من قال بالترادف ومن قال بالتلازم: \"وهذا مراد القوم بترادف الاسمين واتحاد المعنى\" ٥.\nوقد علمنا مما تقدم من قول الصابوني، وشارح الفقه الأكبر المغنساوي أن معنى ترادف الإسلام والإيمان كونهما متلازمين، فيرجع هذا القول في المعنى إلى ما تقدم عن الإمام أبي حنيفة من التغاير مع التلازم بين الإسلام والإيمان. أما ما ذكره أبو المعين النسفي فلا يتفق مع مذهب\n_________\n١ البداية ص١٥٧.\n٢ العقيدة النسفية مع شرحها للتفتازاني ص١٢٨ ط/ الهندية..\n٣ العقيدة النسفية مع شرحها للتفتازاني ص١٢٨.\n٤ مدارك التنزيل ٣/٤١٩.\n٥ شرح الفقه الأكبر للمغنساوي ص٣٥.","vol":"1","page":437},{"text":"أبي حنيفة ويلزم منه على قوله أن الإيمان هو التصديق، وأن الإسلام كذلك هو التصديق.\nقال ابن أبي العز في مناقشة القول بأن الإسلام والإيمان مترادفان: \"وطائفة جعلوا الإسلام مرادفا للإيمان ... مع أنهم قالوا: إن الإيمان هو التصديق بالقلب ثم قالوا: الإسلام والإيمان شيء واحد فيكون الإسلام هو التصديق، وهذا لم يقله أحد من أهل اللغة وإنما هو الانقياد والطاعة، وقد قال النبي ﷺ: \"اللهم لك أسلمت وبك آمنت\" ١ ... \"٢.\nواستدل أبو المعين النسفي بما يأتي:\n١- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ \"سورة آل عمران: الآية٨٥\".\n٢- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ﴾ \"سورة آل عمران: الآية١٩\".\n٣- قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ \"سورة الذريات: الآيتان ٣٥-٣٦\".\n٤- وقوله تعالى حكاية عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ \"سورة يونس: الآية٨٤\".\n٥- وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ \"سورة الروم: الآية٥٣\".\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب قيام الليل باب التهجد ٣/٢ ح\"١١٢٠\"، ومسلم كتاب صلاة المسافرين باب الدعاء في صلاة الليل ١/٥٣٣ ح\"٧٦٩\"، كلاهما من طريق طاوس عن ابن عباس.\n٢ شرح العقيدة الطحاوية ص٣٨٢، ٣٨٥٣.","vol":"1","page":438},{"text":"٦- قول النبي ﷺ: \"لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة\" ١، وفي رواية: \"إلا نفس مسلمة\"٢.\nالجواب عن أدلة أبي معين النسفي:\n\"أ\" أن يقال: إن غاية ما في هاتين الآيتين: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ ...﴾ ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ﴾ أن كل دين غير دين الإسلام باطل. وليس فيهما إشارة إلى أن الإسلام المذكور في هاتين الآيتين هو الإسلام الشرعي المتضمن للإيمان الشرعي. وليس المراد بالإسلام في هاتين الآيتين الانقياد ظاهرا فقط، فلا دلالة في هذه الآية على أن الإسلام والإيمان مترادفان.\n\"ب\" أما قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ .\nفغاية ما في هذه الآية جواز إطلاق المؤمن على المسلم وليس فيهما إشارة إلى ترادفهما.\nقال ابن أبي العز: \"فلا حجة فيه لأن أهل البيت المُخرَج كانوا متصفين بالإسلام والإيمان ولا يلزم من الاتصاف بهما ترادف\" ٣.\nوأيضا رد هذا الاستدلال أحد أئمة الحنفية الماتريدية الهندية\n_________\n١ أخرجه أحمد ١/٧٩، والترمذي كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة التوبة ٥/٢٧٦ ح\"٣٠٩٢\"، والحاكم في المستدرك ٤/١٧٨، جميعهم من طريق زيد بن يثبع عن علي بن أبي طالب. قال الترمذي: \"هذا حديث حسن\" وقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"، وأقره الذهبي.\n٢ أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ١/١٠٥، ١٠٦ ح\"١٧٨\" من طريق ابن المسيب عن أبي هريرة.\n٣ شرح العقيدة الطحاوية ص٣٨٧ ط دار البيان.","vol":"1","page":439},{"text":"عبد العزيز الفريهاري حيث قال: \"الاستثناء لا يلزم اتحاد االمستثنى والمستثنى منه، بل يجوز أن يكون الأول أعم، كقولك أخرجنا العلماء فلم نجد إلا النحاة\" ١.\n\"ج\" وأما الاستدلال بقوله تعالى حكاية عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ \"سورة يونس: الآية٨٤\".\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ \"سورة الروم: الآية٥٣\".\nيقال: غاية ما في هاتين الآيتين صحة إطلاق المسلم على المؤمن لأن الإسلام والإيمان مترادفان أعني أن هؤلاء كانوا مسلمين مؤمنين ولا يلزم من ذلك الترادف بين الإسلام والإيمان، أو أن كل مؤمن مسلم، كإطلاق الكتاب على القرآن فهما ليسا مترادفين؛ إذ كل منهما يدل على معنى في القرآن، وإن كان المسمى واحدا وهو كلام الله المنزل على محمد ﷺ.\nوأما قوله تعالى: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ \"سورة الروم: الآية٥٣\".\nففيه أن من آمن الإيمان الشرعي المتضمن الإقرار والعمل، فلا شك أنه مسلم لكن ليس فيه دليل على كون الإيمان والإسلام مترادفين.\nقال الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره لهذه الآية: \"لأن الذي يؤمن بآياتنا إذا سمع كتاب الله تدبره وفهمه وعقله وعمل بما فيه وانتهى إلى حدود الله الذي حد فيه فهو الذي سمع السماع النافع\" ٢.\n_________\n١ النبراس ص٤١٣.\n٢ تفسير ابن جرير ٢١/٥٦.","vol":"1","page":440},{"text":"\"د\" وأما الاستدلال بحديث: \"لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة\"، وفي رواية: \"إلا نفس مسلمة\".\nيقال: غاية ما في هذا الحديث جواز إطلاق المؤمن على المسلم وبالعكس، لكن هل فيه أن الإسلام والإيمان مترادفان، بمعنى أنهما اسمان لمفهوم واحد؟\nلأن النفس المؤمنة التي تدخل الجنة هي مسلمة، وكذا النفس المسلمة التي تدخل الجنة هي مؤمنة. وليس المراد من الإسلام الانقياد ظاهرا كإسلام المنافقين، كما أنه ليس المراد من الإيمان مجرد التصديق بدون العمل والإقرار؛ فهذا لم يقصده رسول الله ﷺ لأن الذي صدق بقلبه فقط ولم يقر بلسانه ولم يعمل بالأركان فهذا ليس من المؤمنين، كما أنه ليس من المسلمين؛ فلا يدخل الجنة.\nالترجيح:\nالذي يظهر لي أن الراجح قول من يقول إن الإسلام والإيمان يتفقان في موطن ويختلفان في موطن آخر، فقد يطلق الإيمان ويراد به الإسلام، وبالعكس، وقد يطلق الإسلام على الأعمال الظاهرة، ويطلق الإيمان على الأعمال القلبية؛ لأنه قول وسط وبه تجمع النصوص الشرعية المختلفة، لأن للإيمان حقيقة لغوية وحقيقة شرعية، وهكذا للإسلام حقيقة لغوية وحقيقة شرعية. فباعتبار الحقيقة اللغوية يفترق الإسلام والإيمان، وباعتبار الحقيقة الشرعية يتضمن الإيمان الإسلام.\nوكذا يستلزم الإيمان الإسلام هذا مقتضى النصوص الواردة في الكتاب والسنة.\nوحاصل هذا المذهب أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا اختلفا في","vol":"1","page":441},{"text":"مدلولهما وإذا افترقا اجتمعا في مدلولهما، وذلك مثل ألفاظ الفقير مع المسكين والبر مع التقوى والفحشاء مع المنكر، والخير والمعروف، والإثم والعدوان ١ ونحوهما من الألفاظ التي فيها اشتراك في موطن وافتراق في موطن آخر بحسب التقييد والإطلاق. فأنت ترى أن النبي ﷺ جمع بين الإسلام والإيمان في حديث جبريل؛ ففسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالأعمال القلبية، فالإسلام في هذا الحديث الإيمان المقيد باعتقاد القلب، وليس المراد من الإسلام والإيمان الإيمان المطلق، والإسلام المطلق، لأن الإيمان المطلق يتضمن الإسلام والإسلام المطلق يتضمن الإيمان.\nففي حديث جبريل لما اجتمع الإسلام والإيمان افترق مدلوهما وترى في قوله ﵎: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ﴾ \"سورة آل عمران: الآية١٩\" ذكر الإسلام بدون الإيمان.\nفالمراد من الإسلام هنا الإسلام المطلق الشامل للإيمان، لأنه ليس المراد الإسلام الظاهر فقط، بل المراد الإسلام الذي يشمل الأعمال الظاهرة والأعمال القلبية، وهكذا لفظ الإيمان في حديث: \"لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة\" يراد به الإيمان المطلق المتضمن للإسلام، وليس المراد بالإيمان هنا الإيمان المقيد الذي هو التصديق بالقلب فقط دون الإقرار باللسان والعمل بالأركان، ولذلك صح لنا أن نقول: إذا افترق الإيمان والإسلام اتفق مدلولهما. ثم يجب ألا يفهم أحد من قولنا: إذا اجتمعا افترقا أن الفرق بين الإسلام والإيمان فرق التباين والمغايرة الضدية بحيث لا يجتمعان في محل واحد كما هو الشأن في المتضادين المتباينين، لأن هذا المعنى ليس\n_________\n١ انظر كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ص١٥٣-١٥٩، وشرح العقيدة الطحاوية ص٣٩٢، ط. المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":442},{"text":"المقصود من التفريق، بل المراد من هذا التفريق بين الإسلام والإيمان أن لكل واحد مسمى غير الآخر مع التلازم بينهما تلازم الروح والبدن، فقد شبه شيخ الإسلام التلازم والتباين بين الإسلام والإيمان بالروح والبدن، فالروح شيء والبدن شيء إلا أنه لا حياة للبدن بلا روح والروح لا بد لها من بدن. فالإيمان كالروح والإسلام كالبدن فهما متلازمان، لا أن مسمى أحدهما غير الآخر ١.\nقال ابن أبي العز مبينا ارتباط الإسلام والإيمان: \"لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، إذًا لا يخلو المؤمن من إسلام به يتحقق إيمانه، ولا يخلو المسلم من إيمان يصح به إسلامه\" ٢.\nفالمقصود أن الفرق بين الإسلام والإيمان ليس للتضاد والتباين بل لأجل أن لكل منهما حقيقة لغوية وشرعية يجب اعتبارها، مع التلازم بينهما بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر كالشهادتين، لأنه لكل من الشهادتين ٣ حقيقة غير حقيقة الأخرى، مع التلازم بينهما، وعدم انفكاك إحداهما عن الأخرى.\n_________\n١ مجموع الفتاوى ٧/٣٦٧.\n٢ شرح العقيدة الطحاوية ص٣٩٢، ط/ المكتب الإسلامي ط/ الخامسة.\n٣ شرح العقيدة الطحاوية ص٣٩٢، ط/ المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>الفصل الخامس: حكم مرتكب الكبيرة</span>\nتمهيد\nفي انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر وتعريف الكبيرة والصغيرة:\nاختلف العلماء في انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر على قولين:\n١- ذهب الجمهور من السلف والخلف إلى أن من الذنوب كبائر وصغائر ١.\n٢- وشذت طائفة فقالت: إن جميع الذنوب كبائر ليس فيها صغائر ٢.\nونسب هذا القول إلى الخوارج القاضي عبد الجبار ٣، ونسبه ابن بطال إلى الأشعرية ٤، ونسب النووي والحافظ ابن حجر هذا القول\n_________\n١ شرح مسلم للنووي ٢/٨٥؛ وفتح الباري ١٠/٤٠٩؛ والمرقاة في شرح المشكاة ١/١٢١.\n٢ انظر فتح الباري ١٠/٤٠٩؛ والمراعاة ١/١٢١.\n٣ انظر شرح الأصول الخمسة ص٦٣٢.\n٤ انظر فتح الباري ١٠/٤٠٩.","vol":"1","page":445},{"text":"إلى أبي إسحاق الإسفراييني. وقال أيضا: \"وحكى القاضي عياض هذا المذهب عن المحققين\" ١.\nونسب الحافظ ابن حجر هذا القول إلى الباقلاني وأصحابه ٢.\nقلت: روي هذا أيضا عن ابن عباس ﵁ ٣، ولكن قال القرطبي على ما قاله الحافظ: \"ما أظنه يصح عن ابن عباس؛ لأنه مخالف لظاهر القرآن في الفرق بين الصغائر والكبائر\" ٤.\nقلت: لو سلمت صحته؛ فيحمل على قوله الآخر المفسر المفصل في تحديد الكبيرة ٥.\nوقد تفلسف إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني فقال: \"كل ذنب كبيرة بالنسبة إلى حق الله تعالى، وإن كان في الذنوب تفاوت في الصغر والكبر فيما بينهما\" ٦.\nوقد نوه الحافظ ابن حجر بكلام الجويني هذا بعض التنويه ٧. ولكن الحقيقة أن كلامه هذا من قبيل القياس الفلسفي، بل الحق أن من الذنوب كبائر وصغائر.\nقال أبو حامد الغزالي: \"إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه\" ٨.\n_________\n١ شرح مسلم للنووي ٢/٨٤؛ وفتح الباري ١٠/٤٠٩.\n٢ انظر فتح الباري ١٠/٤٠٩.\n٣ رواه ابن جرير في تفسير ٥/٤٠.\n٤ فتح الباري ١٠/٤١٠.\n٥ انظر حد الكبيرة عند ابن عباس في تفسير ابن جرير ٥/٤.\n٦ انظر الإرشاد ص٣٢٨؛ وشرح الإرشاد لأبي بكر الميموني ص٦٣١، ٦٣٢.\n٧ انظر فتح الباري ١٠/٤٠٩، ٤١٠.\n٨ شرح مسلم للنووي ٢/٨٥؛ وفتح الباري ١٠/٤٠٩؛ عن كتاب البسيط للغزالي.","vol":"1","page":446},{"text":"وقال النووي والحافظ ابن حجر: \"وقد تظاهر على ذلك - أي على الفرق - دلائل الكتاب والسنة واستعمال سلف الأمة وخلفها\" ١.\nوقال ابن القيم في الجواب الكافي: \"الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنص القرآن والسنة وإجماع السلف\" ٢.\nوقال في المدارج: \"الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنص القرآن وإجماع السلف\" ٣.\nأما القرآن فقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ \"سورة النساء: الآية٣١\".\nوقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ \"سورة النجم: الآية٣٢\".\nأما من السنة فقول النبي ﷺ: \"الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرّات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر\" ٤.\nثم اختلف القائلون بانقسام الذنوب في حد الكبيرة والصغيرة على ضربين:\nالأول: من حصر الكبيرة في عدد معين ثم اختلفوا فقيل: هي\n_________\n١ شرح مسلم للنووي ٢/٨٥؛ وانظر فتح الباري ١٠/٤٠٩؛ والمرقاة ١/١٢١.\n٢ الجواب الكافي ص١٨٦.\n٣ مدارج السالكين ١/٣٤٢.\n٤ أخرجه مسلم كتاب الطهارة باب الصلوات الخمس ١/٢٠٩ ح\"٢٣٣\"، من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة.","vol":"1","page":447},{"text":"ثلاث ١ وقيل: هي أربع ٢ وقيل: هي سبع ٣ وقيل: هي تسع ٤ وقيل: هي إحدى عشرة ٥ وقيل: هي سبع عشرة ٦ وقيل: سبعون ٧ وقيل: سبعمائة.\nولا يخفى أن حصر الكبائر بعدد معين لا وجه له ولا دليل عليه. وقد نص النبي ﷺ على بعض الذنوب بأنها من الكبائر، فقد قال ﵇: \"اجتنبوا السبع الموبقات \" ٨.\nوقال: \"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور\" ٩.\nوقال: \"من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه\" ١٠.\n_________\n١ روى ذلك ابن جرير عن عبد الله بن مسعود ٥/٤١.\n٢ روى ذلك ابن جرير عن عبد الله بن مسعود ٥/٤١.\n٣ روى ذلك ابن جرير عن علي ﵁ ٥/٣٧.\n٤ روى ذلك ابن جرير عن عمر ﵁ ٥/٣٩.\n٥ الجواب الكافي ص١٨٨.\n٦ قال أبو طالب المكي: \"أربع في القلب وأربع في اللسان وثلاث في البطن واثنتان في الفرج واثنتان في اليدين وواحدة في الرجلين وواحدة في جميع البدن\". انظر الجواب الكافي ص١٨٨.\n٧ رواه ابن جرير عن ابن مسعود ٥/٤١. وانظر الجامع لأحكام القرآن.\n٨ أخرجه البخاري كتاب الوصايا باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ٥/٣٩٣ ح\"٧٧٦\" من طريق أبي الغيث عن أبي هريرة.\n٩ أخرجه البخاري كتاب الأدب باب عقوق الوالدين من الكبائر ١٠/٤٠٣ ح\"٥٩٧٦\"، من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيه.\n١٠ أخرجه البخاري كتاب الأدب باب لا يسب الرجل والديه ١٠/٤٠٣ ح\"٥٩٧٣\"، ومسلم كتاب الإيمان باب بيان الكبائر ١/٩٢ ح\"٩٠\".\nكلاهما من طريق حميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو.","vol":"1","page":448},{"text":"الضرب الثاني: من عرّف الكبيرة بضابط دون ذكر عدد معين، ثم اختلفوا فقيل: الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب فهو كبيرة ١.\nوقيل: الكبائر ما كان فيه من المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما كان بينك وبين الله ٢.\nوقيل: كل معصية يقدِم عليها المرء من غير استشعار خوف وحذار ندم كالمتهاون بارتكابها والتجرؤ عليها اعتيادا ٣ وقيل: كل ذنب عظم عِظَما يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبيرة ٤.\nوقيل: كل ما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو من الكبائر ٥.\nوالراجح: هو أن كل ذنب توعد عليه بالنار أو اللعنة أو الغضب فهو كبيرة وهذا أمثل الأقوال قاله ابن أبي العز ٦.\nومن أجمع ما قيل في بيانه؛ ما قاله المباركفوري: \"والراجح أن كل ذنب نص على كبره أو عظمه أو توعد عليه بالعقاب في الآخرة أو ختم بالغضب واللعنة أو علق عليه حد أو شدد النكير عليه أو وصف فاعله بالفسق فهو كبيرة\" ٧.\n_________\n١ روى ذلك ابن جرير عن عبد الله بن عباس ٥/٤١.\n٢ قاله سفيان الثوري. انظر مدارج السالكين ١/٣٤٩.\n٣ قاله أبو حامد الغزالي. انظر شرح مسلم للنووي ٢/٨٥.\n٤ قاله ابن الصلاح. انظر شرح صحيح مسلم للنووي ٢/٨٥.\n٥ شرح العقيدة الطحاوية ص٤١٤، د دار البيان.\n٦ شرح العقيدة الطحاوية ص٤١٤.\n٧ مرقاة المفاتيح ١/١٢.","vol":"1","page":449},{"text":"قال شيخ الإسلام: \" إن هذا الضابط أولى من سائر تلك الضوابط المذكورة لوجوه:\nأحدها: أنه المأثور عن السلف بخلاف تلك الضوابط فإنها لا تعرف عن أحد من الصحابة والتابعين.\nالثانى: أن الله قال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ \"سورة النساء:٣١\".\nفقد وعد مجتنب الكبائر بتكفير السيئات واستحقاق الوعد الكريم وكل من وعد بغضب الله أو لعنته أو نار أو حرمان جنة أو ما يقتضى ذلك فإنه خارج عن هذا الوعد ...\nالثالث: أن هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله في الذنوب فهو حد يتلقى من خطاب الشارع وما سوى ذلك ليس متلقى من كلام الله ورسوله.\nالرابع: أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الكبائر والصغائر، وأما تلك الأمور فلا يمكن الفرق بها بين الكبائر والصغائر ... ١.\nوبما ذكر من هذه الوجوه يتبين رجحان هذا القول، وإنه أولى من سائر تلك الضوابط.\nوأما الصغيرة فهي خلاف الكبيرة؛ فكل ذنب لم يقترن بوعيد أو حد أو لعن أولم يشدد النكير عليه ولم يوصف فاعله بالفسق فهو صغيرة ٢.\n_________\n١ مجموع الفتاوى ١١/٦٥٤-٦٥٥.\n٢ انظر الجواب الكافي ص١٨٨.","vol":"1","page":450},{"text":"حكم مرتكب الكبيرة:\nنصوص الكتاب والسنة تدل دلالة واضحة على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر ولا يخرج من الدين بسبب ارتكابه للكبيرة، وإنما ينقص إيمانه فلا يذهب عنه الإيمان بالكلية، بل يبقى معه مطلق الإيمان، وارتكاب الكبيرة ليس سببا للخلود في النار، إلا الشرك بالله.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ \"سورة النساء: الآية٤٨\".\nقال ابن جرير في تفسير هذه الآية: \"وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليها ما لم تكن الكبيرة شركا بالله\" ١.\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ \"سورة البقرة: الآية١٧٨\".\nفسمى المقتول أخا للقاتل: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ .\nوقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ \"سورة الحجرات: الآية٩\".\nفالإيمان والأخوة الإيمانية لا يزولان مع وجود الاقتتال كغيره من الذنوب والكبائر التي دون الشرك٢.\n_________\n١ جامع البيان ٥/١٢٦.\n٢ انظر تفسير الكلام المنان ٧/١٣٤، ١٣٥.","vol":"1","page":451},{"text":"وقال النبي ﷺ: \" بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفّى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه\" ١.\nوقول النبي ﷺ: \"إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول أتعرف ذنب كذا أتعرف ذنب كذا فيقول نعم أي رب حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك قال سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطى كتاب حسناته. وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ \"سورة هود: الآية١٨\"٢.\nوأدلة الكتاب والسنة جميعها متضافرة على تقرير ذلك، ولقد بوّب البخاري باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك لقول النبي ﷺ: \"إنك امرؤ فيك جاهلية \" ٣.\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب علامة الإيمان حب الأنصار ١/٦٤ ح\"١١\". ومسلم كتاب الحدود باب الحدود كفارا لأهلها ٣/١٣٣٣ ح\"١٧٠٩\". كلاهما من طريق أبي إدريس عائذ الله بن عبد الله عن عبادة بن الصامت.\n٢ أخرجه البخاري كتاب المظالم باب قول الله تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ٥/٩٦ ح\"٢٤٤١\"، ومسلم كتاب التوبة باب قبول توبة القاتل ٤/٢١٢٠ ح\"٢٧٦٨\"، كلاهما من طريق صفوان بن محرز عن ابن عمر.\n٣ رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب المعاصي من أمر الجاهلية ١/٢٠، ومسلم في الأيمان والنذور، باب إطعام المملوك، ٣/١٢٨٢، رقم الحديث: ١٦٦١، من طريق المعرور عن أبي ذر.","vol":"1","page":452},{"text":"وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ \"سورة النساء: الآية٤٨\".\nوهذا هو قول أهل السنة والجماعة جميعهم، قال الصابوني قي تقريره لمذهبهم: \"ويعتقد أهل السنة والجماعة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبا كثيرة لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص فإن أمره إلى الله ﷿ إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالما غانما غير مبتلى بالنار ولا معاقب على ما ارتكبه واكتسبه ثم اصطحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عفا عنه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيها، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار\" ١.\nوهذا ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة فمرتكب الكبيرة عنده لا يخرج من الدين ولا يذهب الإيمان عنه بالكلية، هذا بالنسبة للتسمية الدنيوية وأما في الآخرة فأمره مفوض إلى الله إن شاء غفر له وعفا عنه برحمته وفضله، وإن شاء عذبه بعدله وحكمته. دل على ذلك قول الإمام أبي حنيفة: \"ولا نكفر أحدا بذنب من الذنوب وإن كانت كبيرة إذا لم يستحلها، ولا نزيل عنه اسم الإيمان ونسميه مؤمنا حقيقة، ويجوز أن يكون مؤمنا فاسقا غير كافر\".\nإلى أن قال: \"وما كان من السيئات دون الشرك والكفر ولم يتب منها صاحبها حتى مات مؤمنا فإنه في مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه بالنار وإن شاء عفا عنه\" ٢.\n_________\n١ عقيدة السلف أصحاب الحديث ص١٠٣، ١٠٤، ضمن مجموعة الرسائل الكمالية.\n٢ الفقه الأكبر ص٣٠٤.","vol":"1","page":453},{"text":"وقال في الرد على المخالفين في ذلك: \"ولا نقول: إن المؤمن لا تضره الذنوب، ولا نقول: إنه لا يدخل النار، ولا نقول: إنه مخلد فيها وإن كان فاسقا بعد أن يخرج من الدنيا مؤمنا، ولا نقول: إن حسناتنا مقبولة وسيئاتنا مغفورة كقول المرجئة، ولكن نقول: من عمل حسنة بجميع شرائطها، خالية من العيوب المفسدة والمعاني المبطلة، ولم يبطلها بالكفر والردة حتى خرج من الدنيا مؤمنا فإن الله تعالى لا يضيعها بل يقبلها منه ويثيبه عليها\" ١.\nوهذا ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: \"وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين مؤمنين وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر الله ﷿ في كتابه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ \"سورة النساء: الآية٤٨\".\nوإن شاء عذبهم في النار بعدله ثم يخرجهم برحمته وشفاعة الشافعين من أهل الطاعة ثم يبعثهم إلى جنته\" ٢. وقال الطحاوي في الرد على المخالفين في ذلك: \"ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله\"٣. وما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة هو الحق لدلالة النصوص الشرعية عليه فهي متضافرة على تقريره وتأصيله.\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠٤.\n٢ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٤٥.\n٣ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٤٠، ٤١.","vol":"1","page":454},{"text":"هذا آخر الحديث في حكم مرتكب الكبيرة. وقبل أن أختم الكلام عن اعتقاد الإمام أبي حنيفة في مسائل الإيمان أود أن أبيّن نوع الخلاف بينه وبين السلف هل هو حقيقي؟ أم لفظي؟.\nفإلى الأول ذهب الألوسي وعبيد الله المباركفوري والألباني، قال الألوسي: \"والحق أن الخلاف حقيقي وأن التصديق يقبل التفاوت بحسب مراتبه فما المانع من تفاوته قوة وضعفا كما في التصديق بطلوع الشمس والتصديق بحدوث العالم قلة وكثرة كما في التصديق الإجمالي والتصديق التفصيلي المتعلق بالكثير. وما عليّ إذا خالفت في بعض المسائل مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁ للأدلة الكثيرة التي لا تكاد تحصى، فالحق أحق بالاتباع، والتقليد في مثل هذه المسائل من سنن العوام\"١.\nوقال المباركفوري: \"وقد ظهر من هذا أن الاختلاف بين الحنفية وأصحاب الحديث اختلاف معنوي حقيقي لا لفظي، كما توهم بعض الحنفية\" ٢.\nوقال الألباني: \"وليس الخلاف بين المذهبين اختلافا صوريا كما ذهب إليه الشارح بحجة أنهم جميعا اتفقوا على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان وأنه في مشيئة الله إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه، فإن هذا الاتفاق وإن كان صحيحا فإن الحنفية لو كانوا غير مخالفين للجماهير مخالفة حقيقية في إنكارهم أن العمل من الإيمان؛ لاتفقوا معهم على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن زيادته ونقصه بالمعصية مع تضافر أدلة الكتاب والسنة والآثار السلفية على ذلك\" ٣.\n_________\n١ روح المعاني ٩/١٧٦.\n٢ مرقاة المفاتيح ١/٣٧.\n٣ متن العقيدة الطحاوية بتعليق وشرح الألباني ص٤٢.","vol":"1","page":455},{"text":"والقول الثاني: قال به الغزالي ١ والذهبي ٢ وابن أبي العز ٣. وفي ذلك يقول ابن أبي العز: \"الاختلاف الذي بين أبي حنيفة والأئمة الباقين من أهل السنة صوري فإن كون أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب أو جزء من الإيمان مع الاتفاق على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان، بل هو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه نزاع لفظي، لا يترتب عليه فساد اعتقاد\" ٤.\nوأما شيخ الإسلام ابن تيمية فذهب إلى أن الخلاف لفظي في بعض من المسائل المتنازع فيها، حقيقي في بعضها. وفي ذلك يقول: \"إنه لم يكفر أحد، من السلف من مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا بدع العقائد، فإن كثيرا من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب\" ٥.\nويقول: \" ومما ينبغي أن يعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي وإلا فالقائلون بأن الإيمان قول من الفقهاء - كحماد بن أبى سليمان وهو أول من قال ذلك، ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم - متفقون مع جميع علماء السنة على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد وإن قالوا: إن إيمانهم كامل كإيمان جبريل، فهم يقولون: أن الإيمان بدون العمل المفروض ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقا للذم والعقاب كما تقوله الجماعة. ويقولون: أيضا أن من\n_________\n١ كما في روح المعاني ٩/١٦٧.\n٢ سير أعلام النبلاء ٥/٣٣.\n٣ شرح العقيدة الطحاوية ص٣٦٢، ط دار البيان.\n٤ شرح العقيدة الطحاوية ص٣٦٢.\n٥ كتاب الإيمان ص٣٣٧، ط المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":456},{"text":"أهل الكبائر من يدخل النار كما تقوله الجماعة\"١.\nقلت: وما ذهب إليه شيخ الإسلام من أن الخلاف في أكثر المسائل الخلافية بين مرجئة الفقهاء وبين بقية أئمة السنة يرجع إلى نزاع لفظي معناه: أن هناك بعض الجوانب يرجع الخلاف فيها إلى نزاع حقيقي، وتفصيل ذلك أن بين مرجئة الفقهاء، ومنهم الإمام أبو حنيفة، وبين بقية أئمة السنة قدرا مشتركا وقدرا مفترقا. فأما القدر المشترك فهو:\n\"أ\" أن الإيمان مركب وليس بسيطا، كما عليه غلاة المرجئة من الكرامية والماتريدية.\n\"ب\" أن مرتكب الكبيرة لا يكفر ولا ينفى عنه مسمى الإيمان ولا يخلد في النار بل هو مؤمن فاسق.\n\"ج\" أن الإقرار يزول وقت الإكراه، دون التصديق ٢.\n\"د\" أن الاستثناء في الإيمان لا يجوز لأجل الشك.\nوأما القدر المفترق فيه:\n\"أ\" أن الإيمان عند أبي حنيفة التصديق بالجنان والإقرار باللسان فقط، وأما عند بقية الأئمة فهو هذان الأمران والعمل بالأركان.\n\"ب\" أن الأعمال خارجة عن مسمى الإيمان عند أبي حنيفة داخلة فيه عند بقية الأئمة.\n\"ج\" أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص عند أبي حنيفة ويزيد وينقص عند بقية أئمة السنة.\n_________\n١ مجموع الفتاوى ٧/٢٩٧.\n٢ انظر تفسير النسفي ٢/٢٢٨؛ وتفسير أبي السعود ٥/١٤٣.","vol":"1","page":457},{"text":"\"د\" لا يجوز الاستثناء في الإيمان عند أبي حنيفة مطلقا، ويجوز في حال دون حال كما تقدم عند أئمة السنة.\nويظهر لي مما تقدم أن القول بأن الخلاف حقيقي أرجح لما ترتب عليه من وجوه الافتراق المذكورة. وأما قول شيخ الإسلام: \" ومما ينبغي أن يعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي\"١.\nفليس مقصوده النزاعَ اللفظي الذي لا يترتب عليه خلاف في المعنى، فيكون من قبيل اختلاف التنوع، بل مقصوده أنه نزاع يتعلق بالأسماء وهي من الألفاظ، يدل عليه قوله: \"بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا بدع العقائد، فإن كثيرا من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب\" ٢.\n_________\n١ مجموع الفتاوى ٧/٢٩٧.\n٢ كتاب الإيمان ص٣٣٧، ط المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>الباب الرابع: اعتقاده في بقية أصول الدين</span>\nوفيه<span data-type=\"title\" id=toc-45> تمهيد </span>وخمسة فصول\nالفصل الأول: النبوات.\nالفصل الثاني: اليوم الآخر.\nالفصل الثالث: القدر.\nالفصل الرابع: الصحابة.\nالفصل الخامس: الإمامة.","vol":"1","page":459},{"text":"تمهيد\nأصول الإيمان التي ذكرها الشارع هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.\nقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ \"سورة البقرة: الآية١٧٧\".\nوقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ \"سورة البقرة: الآية٢٨٥\".\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ \"سورة النساء: الآية١٣٦\".\nوأجاب النبي ﷺ جبريل حين سأله عن الإيمان فقال: \"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره\" ١.\nفهذه أصول الدين التي لا يتم الدين إلا بها فمن لم يؤمن بجميع هذه الأصول أو شك فيها أو حاول التشكيك فيها أو حاول التشكيك في واحدة\n_________\n١ أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب بيان الإيمان والإسلام ١/٣٦، ٣٧ من طريق يحيى بن يعمر عن عمر بن الخطاب.","vol":"1","page":461},{"text":"منها كان كافرا بالله العظيم ولا حظّ له في الإسلام ولا نصيب ولا مقام له بين المسلمين بتكذيبه الله ورسوله.\nولإنكاره أمرا معلوما من الدين بالضرورة.\nقال أبو حنيفة مبينا هذه الأصول العظيمة التي يصح بها الاعتقاد: \"أصل التوحيد وما يصح الاعتقاد عليه يجب أن يقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والقدر خيره وشره من الله تعالى والحساب والميزان والجنة والنار حق\" ١.\nقال القاري شارحا كلام الإمام: \"ويجب\" أي يفرض فرضا عينيا بعد ما يحصل علما يقينيا \"أن يقول\" أي المكلف بلسانه المطابق لما في جنانه: \"آمنت\" ... والمعنى صدقت معترفا بوجود الله ﷾ وتوحيده في ذاته وتفرده في صفاته.\n\"وملائكته\" بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون وأنهم معصومون ولا يعصون الله ...،\"وكتبه\" أي المنزلة من عنده كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرهما من غير تعيين في عددها، \"ورسله\" أي جميع أنبيائه ...، \"والبعث\" أي الحياة \"بعد الموت\" قيد يفيد أن المراد به الإعادة بعد فناء هيئة البداية ...، \"والقدر\" أي وبالقضاء والقدر \"خيره وشره\" أي نفعه وضره وحلوه ومره حال كونه \"من الله تعالى\"، فلا تغيير للتقدير فيجب الرضا بالقضاء والقدر، وهو تعيين كل مخلوق بمرتبته التي توجد من حسن وقبح ونفع وضر وما يحيط به من مكان وزمان وما يترتب عليه من ثواب أو عقاب\"٢.\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠.\n٢ شرح الفقه الأكبر ص١٩-٢٢.","vol":"1","page":462},{"text":"وهذا ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"والإيمان: هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، حلوه ومره من الله تعالى: ونحن مؤمنون بذلك كله لا نفرق بين أحد من رسله ونصدقهم كلهم على ما جاؤوا به\" ١.\nوقال: \"نؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين\" ٢.\nوقال: \"ونؤمن بالكرام الكاتبين فإن الله قد جعلهم علينا حافظين\" ٣.\nهذا بيان أصول الدين وأركانه إجمالا. وقد سبق الكلام في الإيمان بالله وتوحيده تفصيلا. أما بيان بقية أصول الدين تفصيلا فسأتناوله في الفصول الآتية.\n_________\n١ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٤٤.\n٢ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٣٨.\n٣ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٥٠.","vol":"1","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47></span><span data-type=\"title\" id=toc-46>الفصل الأول: النبوات</span>\nوفيه المباحث التالية\nالمبحث الأول: الفرق بين النبي والرسول.\nالمبحث الثاني: آيات الأنبياء.\nالمبحث الثالث: عصمة الأنبياء.\nالمبحث الرابع: من خصائص نبينا محمد ﷺ.","vol":"1","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>المبحث الأول: الفرق بين النبي والرسول</span>\nالنبي لغة: مشتق من النبأ فهو منبئ عن الله أي مخبر. وقيل: مشتق من النبوة وهو ما ارتفع من الأرض١.\nوالرسول لغة: مشتق من رَسَلَ. وأصل الرسل الانبعاث على التؤدة يقال: ناقة رسلة، سهلة السير، وإبل مراسيل منبعثة انبعاثا سهلا ومنه الرسول المنبعث ٢.\nهذا من ناحية اللغة. أما الاصطلاح فاختلف أهل العلم في بيان معنى النبي والرسول.\nفقيل: إن النبي والرسول مترادفان؛ فكل نبي رسول وكل رسول نبي هذا هو ظاهر كلام الإمام أبي حنيفة كما قاله القاري ٣، واختاره من\n_________\n١ انظر الصحاح ١/٧٤؛ ومعجم مقاييس اللغة ٥/٣٨٥؛ ولسان العرب ١/١٦٢؛ والمفردات ص٤٨٢.\n٢ انظر الصحاح ٤/١٢٠٨؛ ومعجم مقاييس اللغة ٢/٣٩٢؛ والمفردات ص١٩٥.\n٣ شرح الفقه الأكبر ص٢٠.","vol":"1","page":467},{"text":"الحنفية ابن الهمام ١ والأوشي ٢. وهذا هو ظاهر كلام الجويني ٣ والآمدي ٤ والأيجي ٥ من الأشاعرة والقاضي عبد الجبار ٦ من المعتزلة والطبرسي ٧ من الشيعة.\nفالرسول والنبي واحد فلا فرق بينهما، وإنما جمع بينهما لأن الأنبياء تخص البشر، والرسل تعم الملائكة والبشر ٨. وقيل: الرسول صاحب الوحي بواسطة الملك، والنبي هو الذي تكون نبوته إلهاما أو مناما. قاله الفراء٩ والحسن النيسابوري ١٠ الأعرج\n_________\n١ شرح الفقه الأكبر ص٢٠. وهو كمال الدين محمد بن عبد الواحد بن الهمام من كبار فقهاء الحنفية وله مصنفات عديدة من أشهرها فتح القدير قال عنه اللكنوي: \"كان إمام نظارا فارسا في البحث فروعيا أصوليا محدثا مفسرا\" مات سنة ٨٦١هـ، والفوائد البهية ص١٨٠؛ وانظر ترجمته في شذرات الذهب ٧/٢٩٨؛ والبدر الطالع ٢/٢٠١؛ وبغية الوعاة ١/١٦٦.\n٢ شرح الآمالي ص٥٠. وهو علي بن عثمان الأوشي الحنفي له قصيدة مشهورة في أصول الدين والفتاوى السراجية وسمي بدء الأمالي توفي في سنة ٥٦٩هـ. انظر ترجمته في الجواهر المضية ٢/٥٨٣.\n٣ الإرشاد ص٣٥٥.\n٤ غاية المرام ص٣١٧.\n٥ المواقف ص٣٣٧.\n٦ شرح الأصول الخمسة ص٥٦٧.\n٧ مجمع البيان ٤/١١٩، ١٢٠. وهو الفضل بن الحسين الطبرسي الرافضي من مصنفاته مجمع البيان في تفسير القرآن، مات سنة ٤٥٨هـ، انظر ترجمته في أعيان الشيعة ٨/٣٩٨، وتنقيح المقال ٢/٧-٨.\n٨ انظر تفسير الماوردي ٢/٨٦، ومجمع البيان ٤/١١٩، ١٢٠.\n٩ الجامع لأحكام القرآن ١٢/٨٠.\n١٠ غرائب القرآن ١٧/١٠٩. وهو الحسن بن محمد القمي النيسابوري المفسر النحوي العسقلاني من مصنفاته غرائب القرآن والتفسير مات سنة ٨٢٧هـ.=","vol":"1","page":468},{"text":"وقيل: النبي إنسان حر ذكر من بني آدم أوحِي إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه، والرسول إنسان حر ذكر من بني آدم وأوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، فالنبي أعم من الرسول. وهذا عليه ابن حجر ١ وابن أبي العز ٢ واللقاني ٣ والسفاريني ٤ والقاري ٥ وقد ذكر ٦ القاري أن هذا هو ما عليه جمهور العلماء.\nوقيل: النبي من أتاه الوحي من الله ﷿ ونزل عليه الملك بالوحي، والرسول من يأتي بشرع على الابتداء أو ينسخ بعض أحكام شريعة قبله. فالنبي أعم من الرسول. وهذا عليه البغدادي ٧ والسمرقندي ٨ وابن عاشور ٩ والجاحظ ١٠.\nوقيل: الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة كتابا منزلا عليه، والنبي من لا كتاب له، كيوشع ﵇ قاله الزمخشري الحنفي المعتزلي ١١.\n_________\n= انظر ترجمته في بغية الوعاة ١/٥٢٥؛ وكشف الظنون ٢/١١٩٥؛ وهداية العارفين ١/٢٨٣؛ والأعلام ٢/٢١٦؛ ومعجم المؤلفين ٣/٢٨١.\n١ شرح العقيدة الطحاوية للغنيمي ص٦٥.\n٢ ش شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ص١٢١.\n٣ شرح الجوهرة ص١٢٧.\n٤ لوامع النوار ١/٤٩.\n٥ شرح الآمالي ص٥٠.\n٦ شرح الآمالي ص٥٠.\n٧ أصول الدين ص١٥٤.\n٨ الصحائف الإلهية ص٤١٧.\n٩ التحرير والتنوير ١٧/٢٩٧.\n١٠ تفسير الماوردي ٢/٨٧؛ ومجمع البيان ٤/١١٩.\n١١ الكشاف ٣/١٨-١٩.","vol":"1","page":469},{"text":"وقيل: الرسول هو المبعوث إلى أمة، والنبي هو المحدث الذي لا يبعث إلى أمة قاله قطرب ١.\nوقيل: الرسول أعم فهو من البشر أو من الملائكة والنبي من البشر خاصة. ذكره صاحب كتاب مرام الكلام ولم ينسبه لأحد ٢.\nوقيل: إن الرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بالتبليغ، والنبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بالتبليغ ذكره الألوسي ولم ينسبه إلى أحد\" ٣.\nقال الفهريهاري: المشهور عند العلماء كما ترى أن النبي أعم من الرسول إلا أنهم لم يأتوا فيه بضابط سالم من الاعتراض والقدح فمن قال: إن الرسول صاحب كتاب منزل عليه، والنبي من لا كتاب له يرد عليه أن الكتب السماوية مائة وأربعة ٤ عشر والرسل فوق الثلاثمائة ٥.\nقلت: كذا قالوا: ولكن رواية عدد الكتب متروكة، ورواية عدد الأنبياء ضعيفة كما سيأتي.\n_________\n١ هو محمد بن المستنير أبو علي البصري المعروف بقطرب إمام في اللغة والنحو ومن المصنفين فيهما، من تأليفه المثلث قال عنه الخطيب: \"أحد العلماء بالنحو واللغة أخذ عن سيبويه وعن جماعة من علماء البصريين ويقال: إن سيبويه لقّبه قطربا، لمباركته إياه في الأسحار قال له يوما: ما أنت إلا قطرب ليل. والقطرب دويبة تدب ولا تفتر\" مات سنة ٢٠٦هـ.\nتاريخ بغداد ٣/٢٩٨؛ وانظر ترجمته في لسان الميزان ٥/٣٧٨؛ ونزهة الآباء ١١٩؛ وشذرات الذهب ٢/٥؛ وتفسير الماوردي ٣/٨٧؛ ومجمع البيان٤/١١٩.\n٢ مرام الكلام ص٣١.\n٣ روح المعاني ١٧/١٧٣.\n٤ مرام الكلام ص٣١؛ والرسالة الجامعة لصالح الكوزة بانكي ص٣٧.\n٥ انظر مرام الكلام ص٣١.","vol":"1","page":470},{"text":"قال الفهريهاري أيضا: \"ومن قال: \"إن الرسول صاحب شرع جديد يقدح فيه أن إسماعيل بنص القرآن رسول وكان على شرع ١ إبراهيم. ومن قال: إن الرسول أعم فهو من البشر أو الملائكة فكلا القولين مدفوعان ٢ بحديث أبي ذر قال: قلت يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: \" مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا أرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا\" ٣. قلت\n_________\n١ انظر مرام الكلام ص٣١.\n٢ انظر مرام الكلام ص٣١.\n٣ رواه أحمد في المسند ٥/٢٦٥، ٢٦٦.\nعن طريق علي بن يزيد عن القاسم بين عبد الرحمن عن أبي أمامة. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ١/١٥٩: \"مداره على علي بن يزيد وهو ضعيف. قلت: عليّ هذا هو الألهاني الهلالي، قال يحيى بن معين: عليّ بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة ضعاف كلهم.\nراجع التهذيب: ٧/٣٩٦-٣٩٧؛ وانظر تقريب التهذيب: ٤٠٦.\nورواه أحمد: ٥/١٧٨، ١٧٩، من طريق المسعودي عن أبي عمر الدمشقي عن عبيد الخشخاش عن أبي ذر.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ١/١٦٠: \"فيه المسعودي وهو ثقة ولكنه اختلط\".\nوأخرجه ابن حبان ٢/٦٥-٦٩؛ تحقيق الأرناؤوط؛ وأبو نعيم في الحلية ١/١٦٦؛ من طريق إبراهيم بن هشام بن يحيى بن الغساني عن أبيه عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر.\nوفيه ذكر عدد الكتب السماوية أيضا.\nوإبراهيم بن هشام هذا قال فيه أبو حاتم وغيره: \"كذاب\".\nانظر موارد الظمآن: ٥٤، وراجع الميزان ١/٧٣.\nورواه الحاكم في المستدرك ٢/٥٩؛ والبيهقي في الكبرى ٩/٤؛ وأبو نعيم في الحلية ص١٦٨؛ ١٦٩، من طريق يحيى بن سعيد السعدي السعيدي العبشمي البصري، عن عبد الملك بن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن أبي ذر.\nوقال البيهقي وأبو نعيم تفرّد به يحيى بن سعيد. وقال العقيلي: \"لا يتابع على حديثه وليس بمشهور بالنقل\" الضعفاء الكبير ٤/٤٠٤.\nوقال الذهبي: في تلخيص المستدرك ٢/٥٩٧: \"السعدي ليس بثقة\".\nقلت: تبيّن مما سبق أن رواية عدد الأنبياء ضعيفة ورواية عدد الكتب متروكة.\nانظر مرام الكلام ص٣١.","vol":"1","page":471},{"text":"وفي بعض روايات هذا الحديث ذكر عدد الكتب السماوية أيضا لكن لم يثبت.\nومن قال أن النبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه والرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه يرد عليه أن كون النبي غيرَ مأمور بالإبلاغ فهذا كتمان للعلم، ثم هو يتعارض مع نصوص شرعية تفيد أن النبي مأمور بالإبلاغ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ \"سورة المائدة: الآية٤٤\".\nوكقوله تعالى عن موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ \"سورة الأعراف: الآية١٥٠\".\nوقوله: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ \"سورة طه:٩٣\".\nمع أن هارون ﵇ كان نبيا بنص القرآن:\nقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ \"سورة مريم:٥٣\".\nفهارون ﵇ وإن أطلق عليه أنه رسول ولكنه كان نبيا تبعا","vol":"1","page":472},{"text":"لموسى ﵇، ولم يكن صاحب كتاب وشرع جديدين، ومع ذلك كان مأمورا بالتبليغ.\nوقول النبي ﷺ: \"كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء ... \" ١.\nهذه بعض المآخذ والاعتراضات على تلك الأقوال ومن أحسن الوجوه في بيان الفرق بين النبي والرسول، ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه النبوات فقد قال: \"فالنبي هو الذي ينبئه الله\" وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي ليس برسول.\nقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ \"سورة الحج: الآية٥٢\".\nوقوله: \"من رسول ولا نبي\" فذكر إرسالا يعم النوعين وقد خص أحدهما بأنه رسول فإن هذا هو الرسول المطلق الذي أمره بتبليغ رسالته إلى من خالف الله كنوح ﵇ ... - أما - الأنبياء فيأتيهم وحي من الله بما يفعلونه ويأمرون به المؤمنين الذين عندهم لكونهم مؤمنين بهم كما يكون أهل الشريعة الواحدة يقبلون ما يبلغه العلماء عن الرسول وكذلك أنبياء بني إسرائيل يأمرون بشريعة التوراة وقد يوحى إلى أحدهم وحي خاص في قصة معينة ولكن كانوا في شرع التوراة كالعالم الذي يفهمه الله في قضية\n_________\n١ رواه البخاري في كتاب الأنبياء باب ما ذكر عن بني إسرائيل ٦/٤٩٥ ح٣٤٥٥؛ ومسلم كتاب الإمارة باب الإمام جنّة ٣/١٤٧ ح١٨٤٢؛ كلاهما من طريق أبي حازم عن أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":473},{"text":"معنى يطابق القرآن كما فهم الله سليمان حكم القضية التي حكم فيها هو وداود.\nفالأنبياء ينبئهم الله فيخبرهم بأمره ونهيه وخبره وهم ينبئون المؤمنين بهم ما أنبأهم الله به من الخبر والأمر والنهي فإن أرسلوا إلى كفار يدعونهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له - ولا بد أن يكذب الرسل قوم، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ \"سورة الذريات: الآية٥٢\".\nوقال: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلاّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ \"سورة فصلت: الآية٤٣\".\nفإن الرسل ترسل إلى مخالفين فيكذبهم بعضهم ... فقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ دليل على أن النبي مرسل ولا يسمى رسولا عند الإطلاق لأنه لم يرسل إلى قوم بما لا يعرفونه بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنه حق، ولهذا قال النبي ﷺ: \"العلماء ورثة الأنبياء\"١.\nوليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة، فإن يوسف ﵇ كان رسولا وكان على ملة إبراهيم ﵇. قال تعالى عن مؤمن\n_________\n١ أخرجه أبو داود كتاب العلم باب الحث على طلب العلم ٤/٥٧، ٥٨ ح٣٦٤١، والترمذي كتاب العلم باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة ٥/٤٨ ح٢٦٨٢؛ وابن ماجه في المقدمة باب فضل العلماء ١/٨١ ح٢٢٣ جميعهم من طريق قيس بن كثير عن أبي الدرداء. قال الترمذي على أثره: \"ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة وليس هو عندي بمتصل ... وإنما يروى هذا الحديث عن عاصم بن رجاء عن الوليد بن جميل عن كثير بن قيس عن أبي الدرداء وهذا أصح من حديث محمود بن خداش\". وصححه الألباني في الجامع الصغير ٥/٣٠٢.","vol":"1","page":474},{"text":"آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ \"سورة غافر: الآية٣٤\".\n\"وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ \"سورة النساء: الآية١٦٣\" ... \"١.\nوهذا الضابط كما ترى لا يرد عليه من الاعتراضات ما ورد على غيره فيكون أحسن ما قيل في الفرق بين النبي والرسول.\n_________\n١ كتاب النبوات ص٢٥٥-٢٥٧. ط/ دار الكتب العلمية، وفي ط/ دار الكتاب العربي ص٢٨١-٢٨٣.","vol":"1","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>المبحث الثاني: آيات الأنبياء</span>\nاقتضت حكمة الله تعالى أن يؤيد رسله وأنبياءه بآية تدل على صدق دعواهم، كالناقة لصالح، والعصا، واليد لموسى، وكخلق الطير من الطين وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى لعيسى ﵈، وكانشقاق القمر لنبينا محمد ﷺ، كل هذه الآيات والعلامات دالة على نبوة الأنبياء بالإضافة إلى ما جبلوا عليه وعرفوا به من مكارم الأخلاق وأعلاها. فهم نماذج عليا بين قومهم في أخلاقهم ومعاملاتهم وفي بعدهم عن ارتكاب القبائح التي تنفر منها العقول السليمة والطباع المستقيمة، كالخيانة والغدر والفجور والكذب والحقد والحسد أو زيغ كاتخاذ الوثن وعبادة الصنم.\nفأخلاق الأنبياء وسلوكهم آية على صدقهم بدعواهم للنبوة. هذا ما أشار إليه أبو حنيفة فقد قال: \"ومحمد ﵊ نبيه وعبده ورسوله وصفيه ونقيه، لم يعبد الصنم، ولم يشرك بالله تعالى طرفة عين قط\" ١.\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠٣.","vol":"1","page":477},{"text":"وقال: \"الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم منزهون عن الصغائر والكبائر والكفر والقبائح\" ١.\nويثبت الإمام أبو حنيفة جميع آيات الأنبياء الواردة في الكتاب والسنة، دل على هذا قوله: \"والآيات ثابتة للأنبياء، والكرامات للأولياء حق. وأما التي تكون لأعدائه مثل إبليس وفرعون والدجال مما روي في الأخبار أنه كان ويكون لا نسميها آيات، ولكن نسميها قضاء حاجات لهم، وذلك لأن الله تعالى يقضي حاجات أعدائه استدراجا لهم وعقوبة لهم، فيغترون به ويزدادون طغيانا، وذلك جائز وممكن\"٢.\nفسمى أبو حنيفة ما يحصل للأنبياء من الخوارق آيات، وتسمى عند السلف دلائل النبوة وأعلام النبوة، ويسميها المتكلمون معجزات، لكن تسميتها آية أدل على المقصود من لفظ المعجزة فلا يوجد في الكتاب والسنة إلا لفظ الآية، وكذا لفظ البينة والبرهان، ثم إن لفظ الآية خاص فيما يحصل للأنبياء من خوارق أما المعجزة فقد يطلق على خوارق الأولياء إذ ليس فيه ما يقتضي اختصاص الأنبياء به ٣.\nوكذلك يثبت أبو حنيفة الكرامة للأولياء، وهي أمر خارق للعادة يجريها الله على يد عبد صالح متبع للشرع غير مقارن بدعوى النبوة، فإذا كان غير متبع لشرع الله ولا موافق لهدي النبي ﷺ فهو استدراج وإهانة ٤.\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠٣.\n٢الفقه الأكبر ص٣٠٤.\n٣ انظر الجواب الصحيح ٤/٦٧-٧٠.\n٤ انظر التعريفات ص١٨٤.","vol":"1","page":478},{"text":"وقد اشتمل كلام أبي حنيفة المتقدّم على ذكر هذه الأقسام الثلاثة.\nوقرر الطحاوي الكرامة في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم\" ١. هذا ولقد جاء ذكر الكرامات في القرآن من ذلك قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ \"سورة آل عمران: الآية٣٧\".\nوكذا ذكر كرامات بعض الصالحين في السنة، من ذلك تكلم الطفل ببراءة جريج الراهب من الفاحشة ٢، وانفراج الصخرة على الثلاثة الذين في الغار بعد أن وقعت عليهم وسدت المنافذ ٣.\nوكرامات الأولياء داخلة في آيات الأنبياء لأنها دالة على صدقهم، وأن متبّعيهم على الحق والهدى. لذلك كان من أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء. قال شيخ الإسلام: \"ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء وما يجريه الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات كالمأثور عن سالف هذه الأمة في سورة الكهف وغيرها وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة\"٤.\n_________\n١ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٥٩.\n٢ قصة جريج الراهب، انظر صحيح مسلم كتاب البر والصلة باب تقديم بر الوالدين على التطوع ٤/١٩٧٦ ح٢٥٥.\n٣ تقدم تخريجه ص٢٧٠.\n٤ مجموع الفتاوى شيخ الإسلام ٣/١٥٦.","vol":"1","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>المبحث الثالث: عصمة الأنبياء</span>\nمعنى العصمة في اللغة: المنع ١ ومنه قوله تعالى حكاية عن امرأة العزيز: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ ٢، أي امتنع.\nقال القرطبي: \"سميت العصمة عصمة لأنها تمنع من ارتكاب المعصية\" ٣.\nأما في الاصطلاح:\nفقيل: هي حفظ الله أنبياءه ورسله من النقائص وتخصيصهم بالكمالات النفسية والنصرة والثبات في الأمور وإنزال السكينة ٤.\nوقيل: هي ملكة إلهية تمنع الإنسان من فعل المعصية والميل إليها مع القدرة عليها ٥.\n_________\n١ تهذيب اللغة ٢/٥٤.\n٢ تفسير القرطبي ٩/١٨٣.\n٣ تفسير القرطبي ٩/١٨٤.\n٤ فتح الباري ١/٥٠١.\n٥ انظر التعريفات ص١٥٠؛ والمعجم الوسيط ص٦٠٥ بتصرف؛ والمواقف ص٣٦٦.","vol":"1","page":480},{"text":"فهل الأنبياء معصومون من ارتكاب صغائر الذنوب؟ أم من الكبائر؟ أم من الذنوب جميعها؟.\nاختلفت أقوال الناس ومذاهبهم مع اتفاقهم على عصمتهم في تبليغ الراسلة.\nفمنهم من لم ير عصمة الأنبياء عن الكبائر والصغائر عدا الكذب، وهذا قول الكرامية ١ وبعض الخوارج ٢ ونسبه ابن حزم ٣ إلى الباقلاني.\nومنهم من جوّز وقوع الكبائر من الأنبياء سهوا لا عمدا وهذا ما عليه الرازي ٤ من الأشاعرة.\nومنهم من يرى وجوب العصمة للأنبياء من الكبائر والصغائر، سواء كانت عمدا أو سهوا قبل النبوة أو بعدها؛ فلا يقع منهم معصية ألبتة. وهذا عليه الرافضة ٥ والقاضي ٦ عياض والسبكي ٧ من الأشاعرة، والقاضي عبد الجبار ٨ من المعتزلة.\nومنهم من يرى أن الأنبياء معصومون من الصغائر والكبائر بعد النبوة وهذا عليه بعض الأشاعرة والماتريدية كابن مجاهد ٩\n_________\n١ الفصل٤/٢.\n٢ أصول الدين للبزدوي ص١٦٧.\n٣ الفصل ٤/٢.\n٤ كتاب عصمة الأنبياء ص٢٨.\n٥ شرح العقائد النسفية ص١٤٠.\n٦ الشفا ٢/٨٠٩، ٨٤٨.\n٧ جمع الجوامع ضمن مجموعة أمهات المتون ص٧١.\n٨ شرح الأصول الخمسة ص٥٧٣.\n٩ كما في الفصل ٤/٢.","vol":"1","page":481},{"text":"والشهرستاني ١ والبغدادي ٢ والصابوني ٣ وذهب بعض أئمة سمرقند ٤ أن الأنبياء معصومون من الكبائر والصغائر والزلات جميعا.\nومنهم من يرى أن الأنبياء معصومون من الكبائر مطلقا ومن الصغائر عمدا. وهذا عليه بعض الأشاعرة والماتريدية كالأيجي ٥ والتفتازاني ٦ والبزدوي ٧ وابن أبي الشريف ٨، والبياضي ٩،\n_________\n١ نهاية الإقدام ص٤٤٥.\n٢ أصول الدين ص١٦٧.\n٣ البداية ص٩٦. وهو أحمد بن محمود بن أبي بكر الصابوني الحنفي قال عنه القرشي: \"الإمام صاحب البداية في أصول الدين\" مات سنة ٥٨٠هـ ببخارى.\nانظر الجواهر المضيئة ١/٣٢٨، وتاج التراجم ص١٠؛ والطبقات السنية ٢/١٠٢؛ وطبقات الفقهاء ١٠٦؛ والفوائد البهية ص٤٢.\n٤ أصول الدين للبزدوي ص١٦٧.\n٥ شرح المواقف ٨/٢٦٥.\n٦ شرح المقاصد ٥/٥١.\n٧ أصول الدين للبزدوي ص١٦٧.\n٨ المسامرة ص٢٣٢، ٢٣٣، وهو محمد بن محمد بن أبي بكر المقدسي الشافعي المعروف بابن أبي شريف مؤلف المسامرة بشرح المسايرة قال عنه الشوكاني: \"برع في العلوم وعرف بالذكاء وثقوب الذهن وحسن التصور وسرعة الفهم\" مات في القدس سنة ٩٠٦هـ.\nالبدر الطالع ٢/٢٤٣-٢٤٤ وانظر ترجمته في شذرات الذهب ٨/٢٩، ٣٠، والكواكب السيارة ١/١١-١٣.\n٩ إشارات المرام ص٥٦. وهو أحمد بن حسن بن سنان الدين البياضي الرومي الحنفي، قال عنه المحبّي: \"قاضي العسكر وأحد صدور الدولة العثمانية من أجلاء علماء الروم وأجمعهم لفنون العلم وكان صدرا عالما وقورا جسيما عليه رونق العلم ومهابة الفضل\"، توفي في سنة ١٠٩٨هـ.","vol":"1","page":482},{"text":"والجاحظ ١ والنظّام ٢ والأصم ٣ وجعفر بن بشر ٤ ونسبه البزدوي إلى أهل السنة حيث قال: \"قال أهل السنة والجماعة: إن الأنبياء والرسل معصومون من الكبائر من الذنوب والصغائر بطريق القصد، أما الزلات فغير معصومين عنها، وهو ما يقع من الذنوب منهم خطأ أو نسيانا\" ٥.\nقلت: هذا هو ظاهر كلام ٦ الإمام أبي حنيفة فقد قال: \"والأنبياء عليهم الصلاة والسلام منزهون عن الصغائر والكبائر والكفر والقبائح، وقد كانت منهم زلات وخطايا ٧.\nومنهم من يرى أن الأنبياء معصومون من الكبائر دون الصغائر، فجوزوا وقوع الصغائر من الأنبياء مطلقا وهذا عليه ابن جرير ٨ وابن قتيبة ٩ وشيخ الإسلام ١٠ وابن فورك١١ والجويني ١٢ من الأشاعرة\n_________\n١ كما في شرح المواقف ٨/٢٦٥.\n٢ كما في شرح المواقف ٨/٢٦٥.\n٣ كما في شرح المواقف ٨/٢٦٥.\n٤ كما في شرح المواقف ٨/٢٦٥.\n٥ أصول الدين ص١٦٧.\n٦ شراح الفقه الأكبر حملوا كلام أبي حنيفة على أن الأنبياء معصومون من الصغائر سواء كانت عمدا أو سهوا وهذا خلاف ظاهر كلام أبي حنيفة حيث قال: \"ولهم زلات وخطايا\" فظاهر كلامه يدل على أن الأنبياء تصدر منهم الذنوب خطأ وإلا تناقض صدر كلام أبي حنيفة مع عجزه والله أعلم.\n٧ الفقه الأكبر ص٣٠٣.\n٨ جامع البيان ١٢/١٩١، ١٣/١، ١٦/٢٢٤.\n٩ تأويل مشكل القرآن ص٤٠٢.\n١٠ مجموع الفتاوى ١٠/٢٩٢-٢٩٣.\n١١ الفصل ٤/٢.\n١٢ شرح المقاصد ٥/٥١ عنه.","vol":"1","page":483},{"text":"وأبو هاشم ١ من المعتزلة، ونسبه شيخ الإسلام إلى الجمهور حيث قال: \"والجمهور الذين يقولون بجواز الصغائر عليهم يقولون: إنهم معصومون من الإقرار عليها وحينئذ فما وصفوهم إلا بما فيه كمالهم فإن الأعمال بالخواتيم، مع أن القرآن والحديث وإجماع السلف معهم\" ٢.\nوقال: \"والقول الذي عليه جمهور الناس وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقا والرد على من يقول أنه يجوز إقرارهم عليها\" ٣.\nوقال: \"والقول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام. وجميع الطوائف حتى إنه قول أكثر أهل الكلام ... بل هو لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين إلا ما يوافق هذا القول\" ٤.\nوما ذهب إليه الجمهور هو ما دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة من ذلك قوله تعالى:\n﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ \"سورة طه: الآية١٢١\".\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ \"سورة ص: الآيتان ٢٤-٢٥\".\n_________\n١ شرح المقاصد ٥/٥٨١ عنه.\n٢ منهاج السنة ١/٢٢٧.\n٣ مجموع الفتاوى ١٠/٢٩٢، ٢٩٣.\n٤ مجموع الفتاوى ٣٨٣١٩.","vol":"1","page":484},{"text":"وقوله تعالى حكاية عن يونس: ﴿لا إِلَهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ \"سورة الأنبياء: الآية٨٧\".\nوقول النبي ﷺ: \"إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني\" ١.\nوكان النبي ﷺ يدعو بهذا الدعاء: \" اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدّي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي ... \" ٢.\nقال ابن جرير في تفسير قوله تعالى وعصى آدم ربه فغوى: \"خالف أمر ربه فتعدّى إلى ما لم يكن له أن يتعدى عليه من الأكل من الشجرة التي نهاه عن الأكل منها، ثم اصطفاه ربه من بعد معصيته إياه، فرزقه الرجوع إلى ما يرضى عنه، والعمل بطاعته، وذلك هو كانت توبته التي تابها عليه وهداه للتوبة ووفقه لها\" ٣.\nثم هذا الرأي رأي وسط بين الآراء المذكورة فمن ادّعى امتناع الذنوب على الأنبياء مطلقا فقد أفرط، ومن منع عصمة الأنبياء من الذنوب جميعا فقد فرّط، والحق دائما وسط فلا إفراط ولا تفريط.\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب الصلاة باب التوجه نحو القبلة حيث كان ١/٥٠٣، ح٤٠١؛ ومسلم كتاب المساجد باب السهو في الصلاة ١/٤٠٠، ح٥٧٢ كلاهما من طريق إبراهيم بن علقمة عن عبد الله بن مسعود.\n٢ أخرجه مسلم كتاب الذكر والدعاء باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل ٤/٢٠٨٧ ح٢٧١٩ من طريق أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبي موسى الأشعري.\n٣ جامع البيان ١٣/٢٢٤.","vol":"1","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>المبحث الرابع: من خصائص نبينا محمد ﷺ</span>\nاختص الله نبينا محمدا ﷺ بخصائص وميزات على سائر الأنبياء وهي:\n\"أ\" ختم النبوة:\nالله ﷾ ختم بنبوة نبينا محمد ﷺ جميع النبوات فلا نبي بعده، دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع السلف. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ \"سورة الأحزاب: الآية٤٠\".\nومن السنة قول النبي ﷺ: \" مثلي ومثل الأنبياء، كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين\" ١.\nوقال ﷺ: \"وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب المناقب باب خاتم النبيين ٦/٥٥٨ ح\"٣٥٣٥\"، ومسلم كتاب الفضائل باب ذكر كونه ﷺ خاتم النبيين ٤/١٧٩١ ح\"٢٢٨٦\" كلاهما من طريق أبي صالح عن أبي هريرة.","vol":"1","page":486},{"text":"نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي\" ١.\nوقال ﷺ: \"إن لي أسماء: أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي\" ٢.\nقال القاضي عياض: \"أخبر ﷺ أنه خاتم النبيين، لا نبي بعده، وأخبر عن الله تعالى أنه خاتم النبيين، وأنه أرسل كافة للناس، وأجمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره، وأنه مفهومه المراد منه دون تأويل وتخصيص\" ٣.\nفمن ادعى النبوة مع نبينا محمد ﷺ أو بعد نبينا محمد ﷺ فقد كفر٤ وكذا من صدقه، فهذا الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى تنبأ رجل في زمنه وطلب الإمهال حتى يأتي بالعلامات، يقول الإمام أبو حنيفة: \"من طلب منه علامة فقد كفر لقوله ﷺ: \" لا نبي بعدي ... \" ٥ \" ٦.\nوقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب\n_________\n١ أخرجه أبو داود كتاب الفتن باب ذكر الفتن ٤/٤٥٢ ح\"٤٢٥٢\" والترمذي كتاب الفتن باب ما جاء لا تقوم الساعة حتى يخرج كذابون ٤/٤٩٩ ح\"٢٢١٩\" كلاهما من طريق أبي أسماء عن ثوبان قال الترمذي على أثره: \"هذا حديث حسن صحيح\".\n٢ أخرجه البخاري كتاب المناقب باب ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ ٦/٥٥٤ ح\"٣٥٣٢\"، ومسلم كتاب الفضائل باب في أسمائه ﷺ ٤/١٨٢٨ ح١٢٤ كلاهما من طريق محمد بن جبير عن جبير بن مطعم.\n٣ الشفا ٢/٢٧١.\n٤ الشفا ٢/٢٧٠.\n٥ تقدم تخريجه ص٤٧٣.\n٦ مناقب الإمام أبي حنيفة للمكي ١/١٦١.","vol":"1","page":487},{"text":"أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"وأنه خاتم النبيين\". وقال: \"وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى\" ١.\nقال الناصري ٢ الحنفي شارحا كلام الطحاوي: \"فصرح فقهاء الملة ﵏ بكونه خاتَمًا، حسما لدعوى المتنبئين والدجالين. ولهذا المعنى قال مشايخنا ﵏: إذا ادعى أحد بعد نبينا محمد صلوات الله عليه النبوة لا يقال له: ما آيتك على ما تدّعي، بل يقابل بالتكذيب والرد؛ لقيام الأدلة القاطعة على أنه لا نبي بعد محمد صلوات الله عليه؛ فثبت أن من ادّعى النبوة فهو كذاب دجال\" ٣.\n\"ب\" عموم الرسالة\nاقتضت حكمة الله أن يرسل نبينا محمدا ﷺ برسالة عامة للناس جميعهم على اختلاف بيئاتهم، وتنوع علاقاتهم، وتباين ألسنتهم وتقاليدهم وعاداتهم وألوانهم تضمن سعادتهم الدنيوية والأخروية.\nقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ \"سورة الأعراف: الآية١٥٨\".\nوقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ \"سورة سبأ: الآية٢٨\".\n_________\n١ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ص٢٢-٢٣.\n٢ هو بكير بن نجم الدين التركي الناصري قال عنه اللكنوي: \"كان فقيها عارفا بصيرا في الفقه ... وشرح عقيدة الطحاوية سماه بالنور اللامع والبرهان الساطع. مات ببغداد سنة \"٦٥٢هـ\". الفوائد البهية ص٥٦. وانظر ترجمته في الجواهر المضية ١/٦٢؛ وتاج التراجم ص١٩؛ وشرح الأحياء ٢/٣.\n٣ النور اللامع \"\"ق-٦٤-ب\".","vol":"1","page":488},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ \"سورة النساء: الآية٧٩\".\nوقال النبي ﷺ: \"أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر وجُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تُحل لأحد قبلي، وأعطيتُ الشفاعة، وكان النبي يبعث في قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة \" ١.\nوقول النبي ﷺ: \" والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار\" ٢.\nوأجمعت الأمة على أنه مبعوث للناس جميعا.\nقال القاضي عياض: \"إنه أرسل كافة للناس وأجمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره\"٣.\nوهذا ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه: \"وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى وبالنور والضياء\" ٤.\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب التيمم باب التيمم ١/٤٣٥ ح\"٣٣٥\"، ومسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١/٣٧٠ ح٥٢١ كلاهما من طريق يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله.\n٢ أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس ١/١٣٤ ح\"١٥٣\" من طريق أبي يونس عن أبي هريرة.\n٣ الشفا ٢/٢٧١\n٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٣٤.","vol":"1","page":489},{"text":"قال الناصري الحنفي شارحا كلام الطحاوي: \"فهذا إخبار منهم أن رسالته عمت الجن والإنس، وإنما قالوا ذلك لدلالات موجبات العلم، منها قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ \"سورة الأعراف: الآية١٥٨\".\nومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ \"سورة سبأ: الآية٢٨\".\nفتعميم رسالته جميع الناس دليل على تعميمها جميع الجن ... \" ١.\n\"ج\" السيادة على الناس يوم القيامة:\nجاءت الأحاديث بإثبات سيادة النبي ﷺ على الناس يوم القيامة، كقول النبي ﷺ: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع\" ٢.\nوقول النبي ﷺ: \" أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد\". وذكر الحديث وفيه: \" فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد قبلي ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع ... \"٣.\n_________\n١ النور اللامع \"ق-٦٦-أ\".\n٢ أخرجه مسلم كتاب الفضائل باب تفضيل نبينا ﷺ على جميع الخلائق ٤/١٧٨٢ ح٢٢٧٨ من طريق عبد الله بن فروخ عن أبي هريرة.\n٣ أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ١/١٨٤ ح\"١٩٤\" من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة.","vol":"1","page":490},{"text":"وقول النبي ﷺ في تفسير قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ \"سورة الإسراء: الآية٧٩\".\nقال: \"هي الشفاعة\" ١.\nوقال ابن عمر: \"إن الناس يصيرون يوم القيامة جثًى كل أمة تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ. فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود\" ٢.\nوقد تقدم ٣ حديث أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي وفيه: \"أعطيت الشفاعة\".\nوقال ابن قتيبة: \"وإنما أراد أنه سيد ولد آدم يوم القيامة لأنه الشافع يومئذ والشهيد، وله لواء الحمد والحوض، وهو أول من تنشق عنه الأرض ... وليس ما أعطى الله نبينا محمدا ﷺ يوم القيامة من السؤدد والفضل على جميع الأنبياء والرسل بعمله، بل في تفضيل الله تعالى إياه واختصاصه له\" ٤.\nوقال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: \" ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ \"سورة الإسراء: الآية٧٩\".\n_________\n١ أخرجه الترمذي كتاب تفسير القرآن باب من سورة بني إسرائيل ٥/٣٠٣ ح٢١٣٧ من طريق الزغافري عن أبيه عن أبي هريرة قال الترمذي على أثره: \"هذا حديث حسن\".\n٢ أخرجه البخاري كتاب التفسير باب ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ٨/٣٩٩.\n٣ ص٤٨٩.\n٤ تأويل مختلف الحديث ص١٠٩.","vol":"1","page":491},{"text":"\"فقال أكثر أهل العلم ذلك هو المقام الذي هو يقوم ﷺ يوم القيامة للشفاعة للناس ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم\"١.\nوقال ابن كثير: \"ولرسول الله ﷺ تشريفات يوم القيامة لا يشركه فيها أحد، وتشريفات لا يساويه فيها أحد؛ فهو أول من تنشق عنه الأرض، ويبعث راكبا إلى المحشر، وله اللواء الذي آدم فمن دونه تحت لوائه، وله الحوض الذي ليس في الموقف أكثر واردا منه، وله الشفاعة العظمى عند الله ليأتي لفصل القضاء بين الخلائق\" ٢.\nوقال شيخ الإسلام: \"وله ﷺ في القيامة ثلاث شفاعات، أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم بعد أن تتراجع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم، عن الشفاعة حتى تنتهي إليه، وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة. وهاتان الشفاعتان خاصتان له، وأما الشفاعة الثالثة فيشفع فيمن استحق النار. وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها\" ٣.\nوهذا ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"وإمام الأنبياء وسيد المرسلين\" ٤.\nوقال: \"الشفاعة التي ادّخرها لهم حق كما روي في الأخبار\"٥.\n_________\n١ تفسير ابن جرير ١٥/١٤٣، ١٤٤.\n٢ تفسير ابن كثير ٤/٣٣٥.\n٣ مجموع الفتاوى ٣/١٤٧.\n٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢٢.\n٥ شرح العقيدة الطحاوية ص٣٠.","vol":"1","page":492},{"text":"وقال الإمام أبو حنيفة: \"وشفاعة نبينا ﵊ للمؤمنين المذنبين ولأهل الكبائر منهم المستوجب العقاب حق ثابت\" ١.\nوقال: \"وشفاعة نبينا محمد ﷺ حق لكل من هو من أهل الجنة وإن كان صاحب كبيرة\" ٢.\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠٥.\n٢ الوصية مع شرحها ص٣٢.","vol":"1","page":493},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53></span><span data-type=\"title\" id=toc-52>الفصل الثاني: اليوم الآخر</span>\nكل ما أخبر به الشارع مما يكون بعد الموت من أحوال البرزخ، والنفخ في الصور، والبعث\nوالنشور، والثواب والعقاب، والجنة والنار، وما يكون قبل ذلك من أشراط الساعة،\nوعلاماتها، كل ذلك داخل في الإيمان باليوم الآخر\nوسأتناول هذه الأمور في هذا الفصل في المباحث التالية:","vol":"1","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>المبحث الأول: أشراط الساعة</span>\nجاء في الكتاب والسنة أن للساعة علامات أشراطا تدلّ على قرب وقتها كظهور الدجال ونزول عيسى ﵇ وخروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها.\nقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ \"سورة الأنعام: الآية١٥٨\".\nفالكافر لا ينفعه إيمانه بعد طلوع الشمس من مغربها، وكذا العاصي لا تنفعه التوبة.\nوقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِه﴾ ِ\"سورة \"النساء: الآية١٥٩\".\nفلا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى ﵇ إلا آمن به قبل موت عيسى عليه السلام١.\n_________\n١ تفسير ابن جرير ٦/١٨ المجلد الرابع.","vol":"1","page":497},{"text":"وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ \"سورة الأنبياء: الآية٩٦\".\nوقال النبي ﷺ: \"إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات، فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوفات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم\" ١.\nوقال النبي ﷺ: \"إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهم كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا\" ٢.\nوهذا هو ما عليه أهل السنة؛ قال ابن أبي زمنين: \"وأهل السنة يؤمنون بطلوع الشمس من مغربها\".\nوقال الله ﷿: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ \"سورة الأنعام: الآية١٥٨\".\nوأهل السنة يؤمنون بخروج الدجال - أعاذنا الله من فتنه - ... وأهل السنة يؤمنون بنزول عيسى وقتله الدجال وقال الله ﷿: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ \"سورة الزخرف: الآية٦١\". يعني عيسى.\n_________\n١ أخرجه مسلم كتاب الفتن باب الآيات التي تكون قبل الساعة ٤/٢٢٥ ح٢٩٠ من طريق أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري.\n٢ أخرجه مسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة باب خروج الدجال ٤/٢٢٦٠ ح٢٩٤١ من طريق أبي زرعة عن عبد الله بن عمرو.","vol":"1","page":498},{"text":"وقال: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِه﴾ ِ\"سورة \"النساء: الآية١٥٩\" يعني قبل موت عيسى\"١.\nوقال ابن حجر: \"والذي يترجح من مجموع الأخبار؛ أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى بن مريم. وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب\" ٢.\nوقال القرطبي: \"الإيمان بالدجال وخروجه حق، وهذا مذهب أهل السنة وعامة أهل الفقه والحديث، خلافا لمن أنكر أمره من الخوارج وبعض المعتزلة\" ٣.\nوقال ابن عطية: \"وأجمعت الأمة على ما تضمنه الحديث المتواتر من أن عيسى في السماء حيٌّ، وأنه ينزل في آخر الزمان؛ فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويقتل الدجال، ويفيض العدل، وتظهر به الملة ملة محمد ﷺ\" ٤.\nوقال السفاريني: \"أما الإجماع - أي على نزول عيسى - فقد أجمعت الأمة على نزوله، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة الملاحدة ممن لا يعتد بخلافه\" ٥.\n_________\n١ أصول السنة ١٢. ٦٣، ٦٤٨، ٦٦٦..\n٢ فتح الباري ١١/٣٥٣.\n٣ التذكرة ص٦٦٤.\n٤ البحر المحيط ٢/٤٧٣ ط. دار الفكر.\n٥ لوامع الأنوار ٢/٩٤.","vol":"1","page":499},{"text":"وهذا هو ما عليه الإمام أبو حنيفة، فهو يؤمن بما جاءت به النصوص الشرعية من علامات الساعة وأشراطها، دل على ذلك قوله: \"وخروج الدجال، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ﵇ من السماء، وسائر علامات يوم القيامة على ما وردت به الأخبار حق كائن\" ١.\nوقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇ من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة من الأرض من موضعها\" ٢.\nقال الناصري شارحا كلام الطحاوي: \"ثم ذكروا عقيدتهم في أشراط الساعة فقالوا: ونؤمن بخروج الدجال، ونزول عيسى من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة من الأرض من موضعها. قال القاضي أبو حفص الغزنوي ... فيجب الاعتقاد بوجودها في المستقبل على ما تواتر من نقل، لأنها تواترت عمن شهدت له المعجزات بالرسالة والعصمة عن الباطل؛ فيتحقق وجودها لأوقاتها، كما تحقق وجود سائر الأخبار السمعية من نحو قوله تعالى: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ﴾ \"سورة الروم: الآيتان ١،٤\".\nوتحقّق مخبره بعد الهجرة عند تمام المدة المذكورة وقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ \"سورة القمر: الآية٤٥\".\nنزلت بمكة ووجد يوم بدر ... فكما أذعنت لها العقول الصحيحة\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠٦.\n٢ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٥٩.","vol":"1","page":500},{"text":"قبل وقوعها، وصدّق بتحقيقها أولو الألباب فكذلك تذعن لهذه الأمور المذكورة العقول الصحيحة\"١.\nفالواجب على كل مسلم أن يصدق بكل ما ورد في ذلك، وأن يؤمن بأنه كله حق، وأنه سيقع وفق ما أخبر به الشارع، هذا آخر ما يتعلق بمبحث أشراط الساعة، ويليه المبحث الثاني في فتنة القبر.\n_________\n١ النور اللامع \"ق-١٢١-أ-ب\".","vol":"1","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>المبحث الثاني: فتنة القبر</span>\nيفتن الناس في قبورهم فينعمون أو يعذبون، دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ \"سورة الأنعام: الآية٩٣\".\nوقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ \"سورة غافر: الآية٤٦\".\nوقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ \"سورة إبراهيم: الآية٢٧\".\nقال النبي ﷺ في تفسير هذه الآية: قوله تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ \" ١.\nوقول النبي ﷺ: \"إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب التفسير باب يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ٨/٣٧٨ ح٤٦٩٩ من طريق سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب.","vol":"1","page":502},{"text":"فمن أهل النار، فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة\" ١.\nوقول النبي ﷺ: \"أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله ... \" ٢.\nفسؤال الملكين: منكر ونكير، والعذاب في القبر ونعيمه حق واجب شرعا لثبوته عن النبي ﷺ في عدة أخبار يبلغ مجموعها مبلغ التواتر ٣، وهو مقتضى الأدلة من الكتاب والسنة ومتفق عليه بين أهل السنة، قال النووي: \"اعلم أن مذهب أهل السنة إثبات عذاب القبر وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة.\nقال الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ \"سورة غافر: الآية٤٦\".\nوتظاهرت به الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ من رواية جماعة من الصحابة في مواطن كثيرة ولا يمتنع في العقل أن يعيد الله الحياة في جزء من الجسد ويعذبه ...\nإلى أن قال: \"والمقصود أن مذهب أهل السنة إثبات عذاب القبر، كما ذكرنا خلافا للخوارج ومعظم المعتزلة وبعض المرجئة\" ٤.\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب الجنائز باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي ٣/٢٤٣ ح١٣٧٨٩، ومسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار ٤/٢١٩٩ ح٢٨٦٦ كلاهما من طريق نافع عن عبد الله بن عمر.\n٢ أخرجه البخاري كتاب الوضوء باب من الكبائر ألا يستتر من بوله ١/٣١٧ ح٢١٦؛ ومسلم كتاب الطهارة باب الدليل على نجاسة البول ١/٢٤٠، ٢٤١ ح٢٩٢ كلاهما من طريق مجاهد عن طاوس عن ابن عباس.\n٣ لوامع النوار ٢/٥، ٢٣.\n٤ شرح مسلم للنووي ١٧/٢٠٠، ٢٠١.","vol":"1","page":503},{"text":"وهذا هو ما عليه أبو حنيفة، دل على ذلك قوله: \"سؤال منكر ونكير حق كائن في القبر، وإعادة الروح إلى جسد العبد في قبره حق، وضغطة القبر وعذابه حق كائن للكفار كلهم ولبعض عصاة المؤمنين\" ١.\nوقال: \"ونقرّ بأن عذاب القبر كائن لا محالة، ونقر بأن سؤال منكر ونكير حق لورود الأحاديث\" ٢.\nوقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"ونؤمن بملك الموت الموكّل بقبض أرواح العالمين، وبعذاب القبر لمن كان له أهلا، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة رضوان الله عليهم، والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران\" ٣.\nقال الناصري الحنفي شارحا كلام الطحاوي: \"وقد تواترت الأخبار عن النبي ﷺ في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلا، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، فيجب الاعتقاد بثبوت ذلك. وأما قولهم بسؤال منكر ونكير للميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه، وقولهم بأن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران؛ فإنما قالوا ذلك بما تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ بذلك كله ولاتفاق الصحابة رضوان الله عنهم على ثبوته\" ٤.\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠٦.\n٢ الوصية مع شرحها ص٢٣-٢٤.\n٣ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٥٠.\n٤ النور اللامع \"ق-١١٠/ب\".","vol":"1","page":504},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>المبحث الثالث: البعث</span>\nيبعث الله الموتى من القبور، ويعيدهم معادا جسمانيا، بأن يجمع ما تفرق من أجسامهم، ثم ينشئهم نشأة أخرى، ثم يعيد أرواحهم ١. دل على ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ \"سورة الأعراف: الآيتان ٢٤-٢٥\".\nوقوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ \"سورة طه: الآية٥٥\".\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ \"سورة الحج: الآية٧\".\nوقول النبي ﷺ: \"كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق آدم وفيه يركّب \" ٢.\n_________\n١ انظر لوامع الأنوار ٢/١٥٧ بتصرف.\n٢ أخرجه مسلم كتاب الفتن باب ما بين النفختين ٤/٢٢٧٠ ح\"١٤٢\" من طريق الأعرج عن أبي هريرة، وأخرجه بلفظ آخر مقارب له البخاري كتاب التفسير باب ونفخ في الصور ٨/٥٥١ ح\"٤٨١٤\" من طريق أبي صالح عن أبي هريرة.","vol":"1","page":505},{"text":"فالأدلة من الكتاب والسنة متضافرة على إثبات البعث والنشور وما بعده. هذا مقتضى الأدلة بل أجمع عليه المسلمون.\nقال الصابوني: \"ويؤمن أهل السنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة، وبكل ما أخبر الله سبحانه من أهوال ذلك اليوم الحق، واختلاف العباد فيه والخلق فيما يرونه ويلقونه هنالك في ذلك اليوم الهائل، من أخذ الكتاب بالأيمان، والشمائل، والإجابة عن المسائل، إلى سائر الزلازل والبلابل الموعودة في ذلك اليوم العظيم، والمقام الهائل من الصراط، والميزان، ونشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر من الخير وغيرها\" ١.\nوهذا هو ما عليه الإمام أبو حنيفة، دل على ذلك قوله: \"نقر بأن الله يحيي هذه النفوس بعد الموت، ويبعثهم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة بالجزاء والثواب\" ٢.\nوقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"ونؤمن بالبعث، وجزاء الأعمال يوم القيامة\" ٣.\nقال حسين الحنفي شارحا كلام الإمام أبي حنيفة: \"ونقر بأن الله يحيي هذه النفوس ... \"، قال: \"أجمع المسلمون على أن الله يحيي الأبدان بعد موتها، ويبعث الموتى من القبور، ومن أجواف الوحوش، ومن حواصيل الطيور، بأن يجمع أجزاءهم الأصلية بعد إعادة ما فني منها بعينه، ويعيد الأرواح إليها، وهذا هو النشء، ثم يسوقهم إلى الموقف، وهذا هو\n_________\n١ عقيدة السلف أصحاب الحديث ص٦٠، ٦١.\n٢ الوصية مع شرحها ص٣٠.\n٣ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٥١.","vol":"1","page":506},{"text":"الحشر، فيجزيهم إن خيرا فخير، وإن شرا فشر\" ١.\nوقال الناصري شارحا كلام الطحاوي: \"فقالوا: ونؤمن بالبعث بعد الموت، والأخبار الصادرة عن الصدق، وهي الكتب السماوية والرسل الذين قامت على حقّيّتهم الآيات المعجزة لكافة الخليقة ... فنطقت الكتب السماوية كلها بقيام الساعة، وبعث أهلها بعد موتهم وفنائهم، وكذلك نطقت الرسل والأنبياء كلهم جميعا بالبعث بعد الموت، ودلت الحكمة على تحقيق ذلك، وأنه لولا البعث لكان خلق السموات والأرض للعبث؛ إذ كان يكون الإيجاد والإعدام والبناء للهدم بلا عاقبة وذلك سفه وتعالى الله أن يكون صنعه سفها\" ٢.\n_________\n١ شرح كتاب الوصية ص٣٠.\n٢ النور اللامع ق-١١١/أ.","vol":"1","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>المبحث الرابع: أحوال اليوم الآخر</span>\nوبعد البعث والنشور، وما يكون فيه من أهوال وشدائد، يحشر الخلائق، وتعرض الأعمال، وتوزن في الميزان، ثم المرور على الصراط، ثم إلى نعيم مقيم في الجنان، أو عذاب في النيران. وإليك بعض الأدلة مع ذكر نصوص أبي حنيفة وبعض أصحابه في ذلك.\nفأما الجزاء فدليله قول الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ \"سورة الأنعام: الآية١٦٠\".\nوقول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿: \"يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفّيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه\" ١.\nوأما العرض والحساب فدليلهما قول الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ \"سورة الحاقة: الآية١٨\".\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ \"سورة الأنبياء: الآية٤٧\".\n_________\n١ أخرجه مسلم كتاب البر والصلة والآداب باب تحريم الظلم ٤/١٩٩٤ ح\"٢٥٧٧\" من طريق أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر.","vol":"1","page":508},{"text":"وقول النبي ﷺ: \"من حوسب عذِّب \" فقالت عائشة: يقول الله تعالى: ﴿يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ \"سورة الانشقاق: الآية٨\".\nقالت فقال: \"إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب يهلك \" ١.\nوأما الميزان فدليله قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ \"سورة القارعة: الآيات ٦-١١\".\nوقول النبي ﷺ: \"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله العظيم سبحان الله وبحمده\" ٢.\nوأما الصراط فدليله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّا﴾ \"سورة مريم: الآيتان ٧١-٧٢\".\nوقول النبي ﷺ حين سُئل أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال: \" هم في الظلمة دون الجسر\" ٣.\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب العلم باب من سمع شيئا فراجع حتى يعرف ١/١٩٦، ١٩٧ ح\"١٠٣\" من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة ومسلم كتاب الجنة باب إثبات الحساب ٤/٢٠٠٥ ح\"٨٠\" من طريق ابن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة.\n٢ أخرجه البخاري كتاب الدعوات باب فضل التسبيح ١١/٢٠٦ ح\"٦٤٠٦\" ومسلم كتاب الذكر والدعاء باب فضل التهليل ٤/٢٠٧٢ ح\"٢٦٩٤\" كلاهما من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة.\n٣ أخرجه مسلم كتاب الحيض باب بيان صفة منيّ الرجل والمرأة ١/٢٥٢ ح\"٣١٥\" من طريق أبي أسماء الرحبي عن ثوبان.","vol":"1","page":509},{"text":"وأما الحوض فدليله قول النبي ﷺ: \"أنا فرطكم على الحوض\" ١.\nوقول النبي ﷺ: \"إن قَدْرَ حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء\" ٢.\nأما الجنة والنار فأدلتهما من الكتاب والسنة لا تحصى؛ من ذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ \"سورة الأعراف: الآية٤٢\".\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ \"سورة الأعراف: الآية٣٦\".\nوقول النبي ﷺ في حديث الإسراء: \"إني رأيت الجنة ... ورأيت النار\" ٣.\nأما رؤية المؤمنين لربهم في الجنة؛ فدل عليها قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ \"سورة القيامة: الآيتان ٢٢-٢٣\".\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ \"سورة المطففين: الآيتان ٢٢، ٢٣\".\nوقول النبي ﷺ: \"إذا دخل أهل الجنة الجنة قال يقول الله تبارك\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب الرقائق باب في الحوض ١١/٤٦٣ ح\"٦٥٧٥\" من طريق شقيق عن عبد الله ومسلم كتاب الفضائل باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته ٤/١٧٩٢ ح\"٢٢٨٩\" من طريق عبد الملك بن عمير عن جندب.\n٢ أخرجه البخاري كتاب الرقائق باب في الحوض ١١/٤٦٣-٤٦٤ ح\"٦٥٨٠\" ومسلم كتاب الفضائل باب إثبات حوض نبينا ﷺ ٤/٨٠٠ ح\"٢٣٠٣\" من طريق ابن شهاب عن أنس بن مالك.\n٣ أخرجه البخاري كتاب الكسوف باب صلاة الكسوف جماعة ٢/٥٤٠ ح\"١٠٥٢\" ومسلم كتاب الكسوف باب ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الخسوف من أمر الجنة والنار ٢/٦٢٦ ح\"٩٠٧\" كلاهما من طريق عطاء عن ابن عباس.","vol":"1","page":510},{"text":"وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيِّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿\" ١.\nقال الإمام أبو حنيفة: \"ويبعثهم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة بالجزاء والثواب\" ٢.\nوقال: \"والقصاص فيما بين الخصوم بالحسنات يوم القيامة حق\" ٣.\nوقال: \"ونقر بأن قراءة الكتاب يوم القيامة حق، لقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ \"سورة الإسراء: الآية١٤\" ٤.\nوقال: \"ووزن الأعمال بالميزان يوم القيامة حق\" ٥.\nوقال: \"ونقر بأن الميزان حق لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ \"سورة الأنبياء: الآية٤٧ ... \" ٦.\nوقال: \"وحوض النبي ﵊ حق\" ٧.\nوقال: \"والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان، ولا تموت الحور العين أبدا\" ٨.\nوقال: \"ونقر بأن أهل الجنة في الجنة خالدون، وأهل النار في النار\n_________\n١ أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾ ١/١٦٣ ح\"١٨١\" من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب.\n٢ كتاب الوصية مع شرحها ص٣٠٥.\n٣ الفقه الأكبر ص٣٠٥.\n٤ الوصية مع شرحها ص٢٨.\n٥ الفقه الأكبر ص٣٠٥.\n٦ الوصية مع شرحها ص٢٦.\n٧ الفقه الأكبر ص٣٠٥.\n٨ الفقه الأكبر ص٣٠٥.","vol":"1","page":511},{"text":"خالدون؛ لقوله تعالى في حق المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ \"سورة الأعراف: الآية٤٢\".\nوفي حق الكافرين: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ \"سورة الأعراف: الآية٣٦\" ... \"١.\nوقال: \"والله تعالى يُرى في الآخرة، ويراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم، بلا تشبيه ولا كيفية\" ٢.\nوقال: \"ونقر بأن لقاء الله تعالى حق بلا كيفية\" ٣.\nوقال الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه: \"ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب، والصراط والميزان، والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان\" ٤.\nوقال: \"والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثا لأمته حق\" ٥.\nوقال: \"والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ \"سورة القيامة: الآيتان ٢٢-٢٣\" ٦.\n_________\n١ الوصية مع شرحها ص٣٣.\n٢ الفقه الأكبر ص٣٠٤.\n٣ الوصية مع شرحها ص٣١.\n٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٥١.\n٥ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٣٠.\n٦ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢٦.","vol":"1","page":512},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>الفصل الثالث: القدر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>توطئة</span>\nوفيه المباحث التالية:\nالمبحث الأول: كراهية الخوض في القدر عند الإمام أبي حنيفة.\nالمبحث الثاني: مراتب القدر.\nالمبحث الثالث: أفعال العباد.\nالمبحث الرابع: الطوائف المنحرفة في القدر ورد الإمام أبي حنيفة عليها.","vol":"1","page":513},{"text":"توطئة\nالإيمان بالقدر جانب مهم من جوانب العقيدة الإسلامية؛ كيف لا وهو الركن السادس من أركان الإيمان، كما في حديث جبريل: \"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره\" ١.\nوقد دلّ على وجوب الإيمان بالقدر نصوص قرآنية كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ \"سورة القمر: الآية٤٩\".\nوقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ \"سورة الحديد: الآية٢٢\".\nوالإيمان بالقدر يدخل ضمن توحيد الأسماء والصفات؛ إذ هو مبني على الإيمان بصفات الله كالعلم والقدرة والإرادة.\nقال ابن القيم في الكافية الشافية ٢: \"وحقيقة القدر الذي حار الورى في شأنه هو قدرة الرحمن\".\nواستحسن ابن عقيل ذا من أحمد\nلما حكاه عن الرضا الرباني\nوكذا يدخل ضمن الإيمان بربوبية الله على خلقه؛ إذ أن من آمن بأن الله هو الخالق المدبر المتصرف في شؤون خلقه كلها، فهو مؤمن بقضائه وقدره.\n_________\n١ تقدم تخريجه ص٤٦١.\n٢ ٢ مع توضيح المقاصد.","vol":"1","page":515},{"text":"فالإيمان بالقدر وربوبية الله يدخلان ضمن توحيد الأسماء والصفات، وذلك أن الرب اسم من أسماء الله، والربوبية والقدرة والعلم والإرادة من صفات الله العليا.\nولفظ القدر قد يراد به التقدير، وقد يراد به المقدر. فإذا أردت أن أفعال العباد نفس تقدير الله الذي هو علمه وكلامه ومشيئته ونحو ذلك من صفاته فهذا غلط وباطل، وإن أردت أنها مقدَّرة لله تعالى فهذا حق؛ فإنها مقدرة كما أن سائر المخلوقات مقدرة ١.\nوقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: \" كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال وعرشه على الماء\" ٢.\nفالله سبق علمه بكل مخلوق وقدره، وكتب ذلك في إمام مبين، ثم شاء وخلق وقدر وجوده على وفق ما قدره، لا يخرج عن ذلك شيء، لا أفعال الإنسان ولا غيرها، سواء كانت هذه الأفعال خيرا أو شرا، طاعة أو معصية. كما لا يخرج عن ذلك ما يصيب الإنسان وما يقع في الكون من أحداث، فإذا آمن العبد بهذا كله علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.\n_________\n١ مجموع الفتاوى ٨/٤١٠.\n٢ أخرجه مسلم كتاب القدر باب حجاج آدم وموسى ﵉ ٤/٢٠٤٤ ح٢٦٥٣ من طريق أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص.","vol":"1","page":516},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>المبحث الأول: كراهية الخوض في القدر عند الإمام أبي حنيفة</span>\nتقدم ذكر النصوص الشرعية التي تدل على أن القدر أصل من أصول الإيمان، ولهذا تكلم السلف في بيان هذا الأصل ومراتبه وضرورة الإيمان به وآثار هذا الإيمان، ولهم في هذا كتب ورسائل، بل قلما تجد عالما إلا وينص على هذه المسألة في عقائدهم، بيانا للحق وردا للباطل في هذا الباب الذي عظم فيه الاضطراب، حتى يكون الناس على بصيرة من أمر دينهم. ومع هذا فقد وردت نصوص شرعية فيها الأمر بالإمساك عن القدر والنهي عن الخوض فيه، ونبّه العلماء عند ذكر هذا الأصل على ذلك، ومما ورد في ذلك قول النبي ﷺ: \" إذا ذكر أصحابي فأمسكوا وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا وإذا ذكر القدر فأمسكوا\" ١.\n_________\n١ أخرجه الطبراني في الكبير ١٠/٢٤٣-٢٤٤ وأبو نعيم في الحلية ٤/١٠٨ كلاهما من طريق أبي وائل عن ابن مسعود واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/١٢٦، ٧/١٢٥٠، وابن عدي في الكامل ٧/٢٤٩٠، كلاهما من طريق أبي قلابة عن ابن مسعود وابن عدي في الكامل ٦/٢١٧٢ والسهمي في تاريخ جرجان ص٣٥٧-٣٥٨، كلاهما من طريق عطاء عن ابن عمر والطبراني في الكبير ٢/٩٦، من طريق الأشعث عن ثوبان، قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/٤٢-٤٦ \"حسن لغيره\".","vol":"1","page":517},{"text":"وقوله ﷺ للصحابة لما تنازعوا في القدر: \"عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه\" ١.\nوأخرج الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: \"خرج النبي ﷺ ذات يوم والناس يتكلمون في القدر، فكأنما تفقّأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال لهم: ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض، بهذا هلك من كان قبلكم\" ٢.\nومما يجب أن يعلم أن الإمساك عن القدر، وترك الخوض فيه، ليس بترك البحث فيه بإحقاق الحق وإبطال الباطل، فهذا من أهم مهام الدين، ومن العلم النافع. بل المراد من الإمساك الذي أمرنا به، والخوض الذي نهينا عنه التعمق في القدر، ومحاولة معرفته عن طريق العقل.\nفالعقل قاصر محدود لا يمكن أن يكتشف الغيب، ويطلع على المجهول الذي استأثر الله بعلمه، وليس أمامه إلا التسليم والإيمان بما\n_________\n١ أخرجه الترمذي كتاب القدر باب ما جاء في التشديد في الخوض في القدر ٤/٤٤٣ ح٢١٣٣ من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة قال الترمذي: \"وهذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه\" قال الألباني في تعليقه على المشكاة ١/٣٦ \"قلت لكن يشهد له الذي بعده\" قلت: يشير إلى ما رواه أحمد في المسند ٢/١٨١ وابن ماجه ١/٣٣، كلاهما من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال البوصيري عنه: \"إسناده صحيح\" إذن فالحديث بشواهده المتقدمة حسن.\n٢ أخرجه أحمد في المسند ٢/١٧٨، وابن ماجه في المقدمة باب في القدر ح٨٥، كلاهما من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\nقال البوصيري في الزوائد:هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.","vol":"1","page":518},{"text":"يطلعه الله عليه من أمور الغيب، عن طريق الرسل، ويمسك عن الخوض فيما استأثر الله بعلمه.\nوكذا عن الخوض بالباطل.\nالاعتراض على الله لم قدر كذا؟ ولم فعل كذا؟ ولم أمر بكذا؟ ولم ينهى عن كذا؟ وهذا مناف للعبودية القائمة على التسليم والاستسلام لله وحده ١.\nقال الآجري: \"باب ترك البحث والتنقير عن النظر في أمر القدر بكيف؟ ولم؟ بل الإيمان به والتسليم، ثم قال بعد ذلك: فهذا طريق أهل العلم: الإيمان بالقدر خيره وشره، واقع من الله ﷿ بمقدور، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء. ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ \"سورة الأنبياء: الآية٢٣\" ... ٢.\nوقال ابن بطة: \"باب ما أمر الناس به من ترك البحث والتنقير عن القدر والخوض والجدال فيه\"، ثم قال بعد ذلك: \"فجميع ما قد رويناه في هذا الباب يلزم العقلاء الإيمان بالقدر، والرضا والتسليم لقضاء الله وقدره، وترك البحث والتنقير وإسقاط. لم، وكيف وليست، ولولا، فإن هذه كلها اعتراضات من العبد على ربه، ومن الجاهل على العالم، معارضة المخلوق الضعيف الذليل على الخالق القوي العزيز، والرضا والتسليم طريق الهدى، وسبيل أهل التقوى، ومذهب من شرح الله صدره للإسلام، فهو على نور من ربه فهو يؤمن بالقدر كله خيره وشره، وأنه واقع بمقدور الله جرى، ومن يعلم أن الله يضل من يشاء لا يسأل عما يفعل وهم\n_________\n١ انظر شرح العقيدة الطحاوية ص٢٦٦ بتصرف.\n٢ كتاب الشريعة ص٢٣٥.","vol":"1","page":519},{"text":"يسألون ... \" ١.\nوقال ابن عبد البر: \"والقدر سر الله، لا يدرك بجدال ولا يشفي منه مقال، والحجاج فيه مرتجة لا يفتح شيء منها إلا بكسر شيء وغلقه، وقد تظاهرت الآثار، وتواترت الأخبار فيه عن السلف الأخيار الطيبين الأبرار بالاستسلام والانقياد والإقرار بأن علم الله سابق ولا يكون في ملكه إلا ما يريد ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ \"سورة فصلت: الآية٤٦\"٢.\nوقال ابن أبي العز الحنفي: \" وأكبر المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الأمة مسألة القدر وقد اتسع الكلام فيها غاية الاتساع وقوله: فمن سأل لم فعلت؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين، اعلم أن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع ... ولهذا كان سلف هذه الأمة التي هي أكمل الأمم عقولا ومعارف وعلوما لا تسأل نبيها: لم أمر الله بكذا؟ ولم نهى عن كذا؟ ولم قدر كذا؟ ولم فعل كذا؟ لعلمهم أن ذلك مضاد للإيمان والاستسلام وأن قدم الإسلام لا تثبت إلا على درجة التسليم\"٣.\nوعلى هذا المنهج سار الصحابة والتابعون وتابعوهم في النهي عن الخوض في القدر، فقد سئل علي ﵁ عن القدر فقال: \"طريق مظلم فلا تسلكه، ثم قال السائل: أخبرني عن القدر فقال: بحر عميق فلا\n_________\n١ الإبانة ٢/٤١١.\n٢ التمهيد ٦/١٣، ١٤.\n٣ شرح العقيدة الطحاوية ص٢٦٦، ٢٦٧.","vol":"1","page":520},{"text":"تلجه، قال السائل: أخبرني عن القدر قال: سر الله فلا تكلّفه\" ١.\nوكذا سئل ابن عمر عن القدر: فقال: \"شيء أراد الله ﷿ ألا يطلعكم عليه؛ فلا تريدوا من الله ﷿ ما أبى عليكم\" ٢.\nوقال وهب بن منبه: \"نظرت في القدر فتحيرت، ثم نظرت فتحيرت، ووجدت أعلم الناس بالقدر أكفهم عنه، وأجهل الناس بالقدر أنطقهم فيه\" ٣.\nوجاء رجل إلى الإمام أبي حنيفة يجادله في القدر فقال له: \"أما علمت أن الناظر في القدر كالناظر في عين الشمس كلما ازداد نظرا يزداد تحيّرا\" ٤.\nوقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \" وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلَّم الحرمان ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر على أنامه، ونهاهم عن مرامه كما قال تعالى في كتابه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ \"سورة الأنبياء: الأنبياء٢٣\".\n_________\n١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٦٢٩، وكتاب الشريعة ص٢٤٠.\n٢ الشريعة ث٢٣٥ والإبانة لابن بطة ٢/٤٠٨.\n٣ شرح الفقه الأكبر للقاري ص٦٩.\n٤ قلائد عقود العقيان \"ق٧٧ب\".","vol":"1","page":521},{"text":"فمن سأل لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين\" ١.\n_________\n١ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٣٢، ٣٣.","vol":"1","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المبحث الثاني: مراتب القدر</span>\nالإيمان بالقدر يقوم على أصول ومراتب يقينية، تقوم عليها معاني القضاء والقدر، فلا يتم الإيمان بالقدر إلا بمعرفتها والإيمان بها. وفيما يلي ذكر هذه المراتب مع الاستدلال لها:\nالمرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء والسابق لكل شيء.\nالمرتبة الثانية: الإيمان بكتابه الذي اشتمل على كل ما سيكون.\nالمرتبة الثالثة: الإيمان بأن الله خالق كل شيء.\nالمرتبة الرابعة: الإيمان بمشيئة الله وقدرته العامة على كل شيء فهو المتفرد بالخلق والإيجاد ١.\nقال شيخ الإسلام: \"وتؤمن الفرقة الناجية - أهل السنة والجماعة - بالقدر خيره وشره، والإيمان بالقدر على درجتين تتضمنان شيئين.\nفالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات\n_________\n١ انظر شفاء العليل ص٥٥ بتصرف. ط/ دار الكتب العلمية.","vol":"1","page":523},{"text":"والمعاصي والأرزاق والآجال ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق ... وأما الدرجة الثانية فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشية الله ﷾، لا يكون في ملكه إلا ما يريد وأنه ﷾ على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات. فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه لا خلاق غيره ولا رب سواه\" ١.\nدل على المرتبة الأولى والثانية قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ \"سورة الحج: الآية٧٠\".\nوقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُوَ﴾ \"سورة الأنعام: الآية٥٩\".\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ \"سورة الطلاق: الآية١٢\".\nوقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ \"سورة يس: الآية١٢\".\nومن السنة قول النبي ﷺ: \"ما منكم أحد إلا وقد كتب الله مقعده من الجنة ومقعده من النار، فقالوا يا رسول الله أفلا نتكل؟ فقال اعملوا فكل ميسر ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ إلى قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ \"سورة الليل: الآيات ٥-١٠ ... \" ٢.\n_________\n١ مجموع الفتاوى ٣/١٤٨، ١٤٨.\n٢ أخرجه البخاري كتاب التفسير باب تفسير سورة الليل ٨/٨٠٧ ح٤٤٩٤٥؛ ومسلم =","vol":"1","page":524},{"text":"وقوله ﷺ: \"كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة\" ١.\nودل على المرتبة الثالثة والرابعة:\nقوله تعالى: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ \"سورة آل عمران: الآية٤٧\".\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ \"سورة هود: الآية١١٨\".\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ \"سورة يس: الآية٨٢\".\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ \"سورة التكوير: الآية٢٩\".\nوقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ \"سورة الزمر: الآية٦٢\".\nوقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ \"سورة الفرقان: الآية٢\".\nومن السنة قول النبي ﷺ: \"إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء\" ٢.\nفلا يكون العبد مؤمنا بالقدر حتى يؤمن بهذا كله. وفي بيان المرتبة الأولى وهي علم الله المحيط بكل شيء، يقول الإمام أبو حنيفة: \"وكان الله\n_________\n= كتاب القدر باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه ٤/٢٠٣٩ ح٢٦٤٨، كلاهما من طريق أبي عبد الرحمن عن علي بن أبي طالب.\n١ تقدم تخريجه ص٥١٦.\n٢ أخرجه مسلم كتاب القدر باب تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء ٤/٢٠٤٥ ح٢٦٥٤ من طريق أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص.","vol":"1","page":525},{"text":"تعالى عالما في الأزل بالأشياء قبل كونها\" ١.\nوقال: \"يعلم الله تعالى المعدوم في حال عدمه معدوما، ويعلم أنه كيف يكون إذا أوجده، ويعلم الله تعالى الموجود في حال وجوده موجودا، ويعلم كيف يكون فناؤه\" ٢.\nوقرر الطحاوي هذا في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم\" ٣.\nوقال: \"وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة فلا يزاد في ذلك ولا ينقص منه\" ٤.\nوقال: \"وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدّر ذلك تقديرا محكما مبرما، ليس فيه ناقص ولا معقب ولا مزيل ولا مغيِّر ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه\"٥.\nفي بيان المرتبة الثانية وهي كتابه الذي اشتمل على كل ما سيكون، يقول الإمام أبو حنيفة: \"وقدّره وكتبه في اللوح المحفوظ\" ٦.\nوقال: \"ونقِرُّ بأن الله تعالى أمر القلم أن يكتب فقال القلم، ما أكتب يا رب؟ فقال الله تعالى: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة لقوله\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠٢، ٣٠٣.\n٢ الفقه الأكبر ٣٠٢، ٣٠٣.\n٣ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢١.\n٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٣١.\n٥ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٣٥.\n٦ الفقه الأكبر ص٣٠٢.","vol":"1","page":526},{"text":"تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ١\" سورة القمر: الآيتان٥٢-٥٣\".\nوقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رقم، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن؛ لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه كائنا، لم يقدروا عليه، جفّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه\" ٢.\nوفي بيان المرتبة الثالثة وهي الإيمان بمشيئة الله وقدرته العامة على كل شيء يقول الإمام أبو حنيفة: \"ولا يكون في الدنيا ولا في الآخرة شيء إلا بمشيئته\" ٣.\nوقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"وكل شيء يجري بتقديره، ومشيئته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة العباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن\" ٤.\nوفي بيان المرتبة الرابعة وهي الإيمان بأن الله خالق كل شيء يقول الإمام أبو حنيفة: \"خلق الله الأشياء لا من شيء\" ٥.\n_________\n١ الوصية مع شرحها ص٢١.\n٢ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٣٥.\n٣ الفقه الأكبر ص٣٠٢.\n٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢١.\n٥ الفقه الأكبر ص٣٠٢.","vol":"1","page":527},{"text":"وقال: \"وكان الله تعالى خالقا قبل أن يخلق\" ١.\nوقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"خالق بلا حاجة ... خلق الخلق بعلمه\" ٢.\nوقال: \"ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم\" ٣.\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠٤.\n٢ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢٠.\n٣ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢١.","vol":"1","page":528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>المبحث الثالث: أفعال العباد</span>\nيذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن جميع أفعال العباد مخلوقة، خلقها الله ﷿ في الفاعلين لها، دل على هذا قوله: \"نقرّ بأن العبد مع أعماله وإقراره ومعرفته مخلوق، فلما كان الفاعل مخلوقا، فأفعاله أولى أن تكون مخلوقة\" ١.\nوقوله: \"وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم، والله تعالى خالقها، وهي كلها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره\" ٢.\nقال محمد بن الحسن بعدما ذكر قول٣ عبد الله بن مسعود ﵁: \"تكون النطفة في الرحم أربعين يوما، ثم تكون علقة أربعين يومان ثم يعطى خلقه: فيقول: رب ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما رزقه - قال محمد بن الحسن وبهذا نأخذ وبه كان يأخذ أبو حنيفة، الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره\" ٤.\nوقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب\n_________\n١ الوصية مع شرحها ص١٤.\n٢ الفقه الأكبر ص٣٠٣.\n٣ أصله في صحيح مسلم ٤/٢٠٣٦ يرفعه عبد الله بن مسعود إلى النبي ﷺ.\n٤ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٧٠٤.","vol":"1","page":529},{"text":"أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد\" ١.\nوما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة هو ما جاءت به الأدلة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ \"سورة الزمر: الآية٦٢\".\nفيخبر الله تعالى أنه خالق الأشياء كلها وربها ومليكها وربها والمتصرف فيها وكلٌ ما تحت تدبيره وقهره وكلاءته ٢، فأفعال العباد من جملة المخلوقات.\nوقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ \"سورة الحديد: الآية٢٢\".\nفما يصيب الخلق من خير وشر، كله قد كتب في اللوح المحفوظ من قبل أن يخلقها ﷾، فالله خالق كل شيء، ومن ذلك أفعالهم من الطاعات والمعاصي. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ \"سورة الصافات: الآية٩٦\".\nقال البغوي في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قال: بأيديكم من الأصنام، وفيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى\" ٣.\nوقال ابن جرير في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ \"وجهان\": أحدهما أن يكون قوله \"ما\" يعني المصدر؛ فيكون معنى الكلام حينئذ والله خلقكم وعملكم، والآخر أن يكون بمعنى الذي فيكون معنى الكلام عند ذلك: والله خلقكم والذي تعملونه: أي والذي تعملون منه الأصنام، وهو الخشب\n_________\n١ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٥٣.\n٢ تفسير ابن كثير ٦/١٠٥.\n٣ تفسير البغوي ٤/٣١.","vol":"1","page":530},{"text":"والنحاس والأشياء التي كانوا ينحتون منها أصنامهم\" ١.\nورجّح الوجه الثاني ابن جرير ٢ وابن القيم ٣ ورجح الأول ابن كثير ٤.\nومن السنة حديث حذيفة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"الله يصنع كل صانع وصنعته\" ٥.\nوصحّ عن ابن عمر أنه قال: \"كل شيء بقدر حتى العجز والكيس\" ٦.\nوما ذهب إليه أبو حنيفة في أفعال العباد وأنها مخلوقة لله تعالى هو عين مذهب السلف.\nقال اللالكائي: \"إن أفعال العباد كلها مخلوقة لله ﷿ طاعتها ومعاصيها\" ٧.\n_________\n١ تفسير ابن جرير ٣٣/٧٥.\n٢ تفسير ابن جرير ٢٣/٧٥.\n٣ شفاء العليل ص٢٣٤.\n٤ تفسير ابن كثير ٦/٢٢.\n٥ أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد ٣٩، ٤٠، وابن أبي عاصم في السنة ١/١٥٨، وابن مندة في التوحيد ١/٢٦٧؛ واللالكائي شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/٥٣٨، ٢٣٩، والحاكم في المستدرك ١/٣١، ٣٢؛ والبيهقي في الأسماء والصفات ٣٣٨، وفي شعب الإيمان ١/٥٠١، ٥٠٢؛ جميعهم من طريق ربعي بن خراش عن حذيفة والبزار في مسنده كما في مجمع الزوائد ١/١٥٨؛ وقال الهيثمي: \"رجاله رجال الصحيح غير أحمد وهو ثقة\" وقال الألباني: \"إسناده جيد\"، انظر ظلال الجنة ١/١٥٨، وصححه في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/١٨١.\n٦ خلق أفعال العباد ص٤١.\n٧ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٥٣٤-٥٣٧.","vol":"1","page":531},{"text":"ثم ذكر ما وري عنه ذلك من الصحابة، ومن قال به من التابعين، ومن الفقهاء من أهل مكة ومصر والشام والكوفة والبصرة وبغداد. قال اللالكائي عن أهل الكوفة موطن الإمام أبو حنيفة: \"من أهل الكوفة عبد الله بن شبرمة ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وسفيان الثوري والحسن بن صالح بن حي وشريك وأبو حنيفة النعمان بن ثابت وأبو يوسف ومحمد بن الحسن ... \" ١.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"أفعال العباد مخلوقة باتفاق سلف الأمة وأئمتها، كما نص على ذلك سائر أئمة الإسلام، الإمام أحمد ومن قبله ومن بعده حتى قال بعضهم: من قال: إن أفعال العباد غير مخلوقة فهو بمنزلة من قال: إن السماء والأرض غير مخلوقة\" ٢.\nفالمقصود أن فعل العبد فعله حقيقة، وهو مخلوق ومفعول له سبحانه، وليس هو نفس فعل الله، ففرق بين الفعل والمفعول والخلق والمخلوق ٣.\n_________\n١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٥٣٤-٥٣٧.\n٢ مجوع الفتاوى ٨/٤٠٦.\n٣ مجموع الفتاوى ٨/٢٣٨، ٣٩٣ بتصرف.","vol":"1","page":532},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>المبحث الرابع: الطوائف المنحرفة في القدر ورد الإمام أبي حنيفة عليها</span>\nالمنحرفون في القدر طرفان متقابلان: طرف يثبت قدر الله ﷾، وغالوا فيه حتى جعلوا العبد مجبورا على فعله، ولم يثبتوا له فعلا ولا كسبا على الحقيقة، بل جعلوه كالريشة في الهواء، وجعلوا نسبة الفعل إلى العبد كنسبتها إلى الجماد، كما يقال: زالت الشمس، ودارت الرحى، وسقط الجدار. هؤلاء يسمون الجبرية ١.\nوطرف غالوا في النفي وقالوا: لا قدر، والأمر أُنُف، وجعلوا الإنسان خالقا لأفعاله. وهؤلاء هم القدرية ٢. وقد بسط الرد عليهم الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر بما لم يبسطه في غيره، وأتباعه متفقون على أن هذا هو مذهبه، وفي هذا يقول شيخ الإسلام: \"إن أبا حنيفة من المقرين بالقدر باتفاق أهل المعرفة به وبمذهبه، وكلامه في الرد على القدرية معروف في الفقه الأكبر وقد بسط الحجج في الرد عليهم بما لم يبسطه على غيرهم في هذا الكتاب، وأتباعه متفقون على أن هذا هو مذهبه وهو مذهب الحنفية المتبعين له. ومن انتسب إليه في الفروع وخرج عن هذا من\n_________\n١ انظر الفرق بين الفرق ص٢١١؛ وشفاء العليل ص١٠٩.\n٢ انظر الفصل ٣/٢٢؛ والملل والنحل ١/٤٣؛ وشفاء العليل ص١٠٩.","vol":"1","page":533},{"text":"المعتزلة ونحوهم، فلا يمكنه أن يحكى هذا القول عنه بل هم عند أئمة الحنفية، الذين يفتي بقولهم مذمومون معيبون من أهل البدع والضلالة\" ١.\nوإليك نماذج من كلام الإمام أبي حنيفة في الرد على القدرية والجبرية.\nقال الإمام أبو حنيفة: \"وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم على الحقيقة والله تعالى خلقها وهي كلها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره، والطاعات كلها كانت واجبة بأمر الله تعالى وبمحبته وبرضاه وعلمه ومشيئته وقضائه وتقديره، والمعاصي كلها بعلمه وقضائه وتقديره ومشيئته لا بمحبته ولا برضائه ولا بأمره\" ٢.\nوقال: \"خلق الله تعالى الخلق سليما من الكفر والإيمان ٣ ثم خاطبهم وأمرهم ونهاهم، فكفر من كفر بفعله وإنكاره وجحوده الحق بخذلان الله تعالى إياه، وآمن من آمن بفعله وإقراره وتصديقه بتوفيق الله تعالى ونصرته له\" ٤.\nوقال: \"وأخرج ذريّة آدم من صلبه على صورة الذر فجعلهم عقلاء، فخاطبهم وأمرهم بالإيمان ونهاهم عن الكفر فأقروا له بالربوبية فكان ذلك منهم إيمانا فهم يولدون على تلك الفطرة، ومن كفر بعد ذلك فقد بدّل وغيّر ومن آمن وصدّق فقد ثبت عليه وداوم\" ٥.\n_________\n١ منهاج السنة ٣/١٣٩.\n٢ الفقه الأكبر ص٣٠٣.\n٣ الفقه الأكبر ص٣٠٢، ٣٠٣.\n٤ الفقه الأكبر ص٣٠٣.\n٥ الصواب خلق الله تعالى الخلق على فطرة الإسلام كما سيبينه أبو حنيفة في قوله الآتي.","vol":"1","page":534},{"text":"وقال: \"وهو الذي قدّر الأشياء وقضاها ولا يكون في الدنيا ولا في الآخرة شيء إلا بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره وكتبه في اللوح المحفوظ\" ١.\nوقال: \"ولم يجبر أحدا من خلقه على الكفر ولا على الإيمان، ولكن خلقهم أشخاصا، والإيمان والكفر فعل العباد، ويعلم الله تعالى من يكفر في حال كفره كافرا، فإذا آمن بعد ذلك علمه مؤمنا وأحبّه من غير أن يتغيّر علمه\" ٢.\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠٢.\n٢ الفقه الأكبر ص٣٠٣.","vol":"1","page":535},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>الفصل الرابع: الصحابة</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: الإمام أبو حنيفة يحب جميع الصحابة ويتولاهم.\nالمبحث الثاني: قول الإمام أبي حنيفة في المفاضلة بين عثمان وعلي.\nالمبحث الثالث: قول الإمام أبي حنيفة فيمن يتنقص أصحاب رسول الله ﷺ ويسبهم.","vol":"1","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>المبحث الأول: الإمام أبو حنيفة يحب جميع الصحابة ويتولاهم</span>.\nأثنى الله على صحابة رسول الله ﷺ في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ \"سورة التوبة: الآيتان ٨٨-٨٩\".\nوقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ \"سورة التوبة: الآية١٠٠\".\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ \"سورة الأنفال: الآية٧٤\".\nفوصفهم الله بأنهم مؤمنون حقا، ومجاهدون بأموالهم وأنفسهم صدقا، وهم المفلحون والفائزون بمغفرة الله ورضوانه، فلهم من عنده تعالى الخيرات والرزق الكريم وجنات النعيم. فأي ثناء أبلغ من هذا الثناء وأي فضل أبلغ من هذا!.","vol":"1","page":539},{"text":"وكذا أثنى عليهم النبي ﷺ في أحاديث صحيحة منها حديث جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها ... \" ١.\nوحديث عمران بن حصين ﵁ قال: \"خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم\" ٢.\nوحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدَّ أحد ولا نصيفه\" ٣.\nفالحديث الأول فيه بيان لفضيلة بعض أصحاب النبي ﷺ ممن بايعوه تحت الشجرة وأنهم لا يدخلون النار.\nأما الحديث الثاني ففيه إثبات الخيرية لجميع الصحابة ﵃، الذين هم خير القرون، وأنهم مقدمون في الفضل على من جاء بعدهم من التابعين.\nأما الحديث الثالث ففيه بيان لفضل أصحاب رسول الله ﷺ، حيث\n_________\n١ أخرجه مسلم كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أصحاب الشجرة ٤/١٩٤٢ ح\"٢٤٩٦\" من طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله.\n٢ أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ ٧/٣ ح\"٣٦٥٠\" ومسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضل الصحابة ٤/١٩٦٤ ح\"٢٥٣٥\" كلاهما من طريق زهدم بن مضرّب عن عمران بن الحصين.\n٣ أخرجه البخاري كتاب فضائل الصحابة باب قول النبي ﷺ: \"لو كنت متخذا خليلا \" ٧/٢١ ح\"٣٦٧٣\" من طريق ذكوان عن أبي سعيد البخدري، ومسلم كتاب فضائل الصحابة باب تحريم سب الصحابة ٤/١٩٦٧ ح\"٢٥٤٠\" من طريق أبي صالح عن أبي سعيد الخدري.","vol":"1","page":540},{"text":"وصفهم بالصحبة، ونهى عن التعرض لهم وأوجب ذكرهم بالقول الحسن.\nوهذا هو ما عليه الإمام أبو حنيفة طاعة لربه وامتثالا لأمر نبيه محمد ﷺ فهو يحب جميع الصحابة ويترضى عنهم ويتولاهم ولا يتبرأ من أحد منهم ولا يذكرهم إلا بالخير. دل على هذا قول الإمام أبي حنيفة: \"ولا نذكر أحدا من أصحاب الرسول إلا بخير\" ١.\nوقوله: \"ولا نتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ولا نوالي أحدا دون أحد\" ٢.\nوقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"ونحب أصحاب الرسول ﷺ ولا نفرِّط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان\" ٣.\nوقال: \"ومن أحسنَ القول في أصحاب رسول الله ﷺ وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذريته المقدسين من كل رجز فقد برئ من النفاق\" ٤.\nوكان أبو حنيفة يقول: \"مقام أحدهم مع رسول الله ﷺ ساعة واحدة خير من عمل أحدنا جميع عمره وإن طال\" ٥.\nويشهد الإمام أبو حنيفة لمن شهد له الرسول ﷺ من الصحابة بالجنة.\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠٤.\n٢ الفقه الأبسط ص٤٠.\n٣ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٥٧.\n٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٥٨.\n٥ مناقب أبي حنيفة للمكي ص٧٦.","vol":"1","page":541},{"text":"حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"وإن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وبشرهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله ﷺ وقوله حق وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، وهو أمين هذه الأمة ﵃ أجمعين\" ١.\nدل على هذا قول النبي ﷺ: \" عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئت لسميت العاشر قال: فقالوا: من هو؟ قال: سعيد بن زيد \" ٢.\nوقول النبي ﷺ: \"أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة\" ٣.\n_________\n١ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني صص٥٨.\n٢ أخرجه أبو داود كتاب السنة باب في الخلفاء ٥/٣٩ ح\"٤٦٤٩\" من طريق عبد الرحمن بن الأخنس عن سعيد بن زيد والترمذي كتاب المناقب باب مناقب عبد الرحمن بن عوف ٥/٦٤٨ ح\"٣٧٤٨\" والحاكم في المستدرك ٣/٤٤٠ كلاهما من طريق حميد بن عبد الرحمن عن سعيد بن زيد، قال الترمذي: \"سمعت محمدا: يقول: \"هو أصح من الحديث الأول\". وقال الألباني: \"صحيح\". انظر تخريج الألباني على شرح العقيدة الطحاوية ص٥٥٠.\n٣ أخرجه أحمد في المسند ١/١٩٣.\nالترمذي كتاب المناقب باب مناقب عبد الرحمن بن عوف ٥/٦٤٧ ح\"٣٧٤٧\" كلاهما من طريق عبد الرحمن بن حميد عن أبيه قال الألباني في صحيح الجامع ١/٧٠: \"صحيح\" وكذا في تخريج الطحاوية ص٥٥١ وكذا في مشكاة المصابيح ٣/١٧٢٧.","vol":"1","page":542},{"text":"هذه هي عقيدة الإمام أبي حنيفة في الصحابة؛ فهو يحبهم جميعا، ويتولاهم ولا يفرط في محبة أحد منهم، ولا يذكرهم إلا بالخير.","vol":"1","page":543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>المبحث الثاني: قول الإمام أبي حنيفة في المفاضلة بين عثمان وعلي ﵄</span>\n\nاتفق أهل السنة والجماعة على أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها، أبو بكر الصديق ﵁ ومن بعد أبي بكر عمر بن الخطاب وفي هذا يقول النووي: \"اتفق أهل السنة والجماعة على أن أفضلهم أبو بكر ثم عمر\" ١.\nوقال ابن الصلاح: \"أفضلهم على الإطلاق أبو بكر ثم عمر\" ٢.\nويقول ابن حجر الهيتمي: \"اعلم أن الذي اتفق عليه عظماء الملة، وعلماء الأمة أن أفضل هذه الأمة أبو بكر الصديق ثم عمر ﵄\" ٣.\nوقال القسطلاني: \"إن أفضلهم على الإطلاق عند أهل السنة والجماعة إجماعا أبو بكر ثم عمر\"٤.\nويقول ابن تيمية: \"لم يختلف علماء الإسلام في تفضيل أبي بكر\n_________\n١ شرح مسلم ١/١٤٨.\n٢ مقدمة ابن الصلاح ص١٤٩.\n٣ الصواعق المحرفة ص٥٧.\n٤ المواهب اللدنية ٧/٣٦-٣٩.","vol":"1","page":544},{"text":"وعمر، وتقديمهما على جميع الصحابة. وهو قول مالك وأصحابه وأبي حنيفة وأصحابه ... ومن لا يحصى عدده..ممن له في الإسلام لسان صدق، كلهم يجزمون بتقديم أبي بكر وعمر\" ١.\nوهذا ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة بل أجمعوا عليه ٢، ولكنهم اختلفوا في تفضيل عثمان على عليّ. وفي هذا يقول الشافعي: \"وما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصحابة، وإنما في علي وعثمان ونحن لا نخطِّئ واحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فيما فعلوا\" ٣.\nوقال الزركشي: \"وإنما وقع الخلاف في التفضيل بين علي وعثمان\" ٤. فجمهور أهل السنة على تقديم عثمان على عليّ ﵃ أجمعين. وفي هذا يقول النووي: \"وقال جمهورهم - يعني أهل السنة - ثم عثمان ثم علي\" ٥.\nوقال ابن الصلاح: \"ثم إن جمهور السلف على تقديم عثمان على عليّ ﵃ أجمعين ـ\"٦.\nوقال بعض أهل السنة في تقديم عليّ على عثمان.\n_________\n١ منهاج السنة ٧/٢٨٦-٢٨٨.\n٢ حكى الإجماع الغزالي في الاقتصاد ص١٥٤، ط دار الكتب العلمية، والأيجي في شرح المواقف ٣/٢٧٩.\n٣ الاعتقاد للبيهقي ص١٩٢.\n٤ الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة ص٦١.\n٥ شرح مسلم للنووي ١٥/٤٨.\n٦ مقدمة ابن الصلاح ص١٧٧، ط مكتبة الفارابي تحقيق د/ مصطفى البغا، الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ.","vol":"1","page":545},{"text":"وفي هذا يقول ابن كثير: \"والعجب أنه قد ذهب بعض أهل الكوفة من أهل السنة إلى تقديم عليّ على عثمان، ويحكى عن سفيان الثوري، ولكن يقال إنه رجع عنه ١. ونقل مثله عن وكيع بن الجراح ونصره ابن خزيمة والخطابي وهو ضعيف مردود\" ٢.\nوروي هذا القول عن الإمام أبي حنيفة فقد أسند إليه ابن عبد البر في الانتقاء قوله: \"الجماعة أن تفضل ٣ أبا بكر وعمر وعليا وعثمان وما تتنقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ ... \" ٤.\nوجاء في السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني أن نوح بن أبي مريم سأل أبا حنيفة عن مذهب أهل السنة فقال: \"أن تفضِّل أبا بكر وعمر وتحب عليا وعثمان ... \" ٥.\nوجاء في مناقب أبي حنيفة للمكي: \"كان أبو حنيفة يفضل أبا بكر على أصحاب النبي ﷺ ثم عمر، ثم يقول عليّ وعثمان\".\nوقال ابن أبي العز: \"وقد روي عن أبي حنيفة تقديم عليّ على عثمان ﵄ ولكن ظاهر مذهبه تقديم عثمان على عليّ، وعلى هذا عامة أهل السنة\" ٦.\n_________\n١ انظر فتح الباري ٧/١٦.\n٢ الباعث الحثيث ص١٨٣، ط دار الكتب العلمية.\n٣ في الأصل: \"أن فضل أبا بكر..\" وهو غلط، والصواب ما أثبت لأن ما بعده مفعول به منصوب.\n٤ ص٦٣.\n٥ ١/١٥٨.\n٦ شرح العقيدة الطحاوية ص٥٧٠.","vol":"1","page":546},{"text":"فقوله روي بصيغة التمريض؛ وهي تشعر بعدم ثبوت هذه الرواية عن الإمام أبي حنيفة. ولعله قد استند على ما روي عن الإمام أبي حنيفة في غير ما موضع من أنه كان يفضل أبا بكر وعمر ويحب عليا وعثمان فقوله: \"علي وعثمان\" لا يقتضي تقديم علي على عثمان لأن الوار في اللغة العربية لمطلق الجمع، ولأن التقديم الذكري لا يستلزم التقديم في الفضل، فالذي استقر عليه الإمام أبو حنيفة هو تفضيل عثمان على علي دل على ذلك قوله: \"وأفضل الناس بعد النبيين عليهم الصلاة والسلام أبوبكر الصديق ثم عمر بن الخطاب الفاروق ثم عثمان بن عفان ذو النورين ثم علي بن أبي طالب المرتضى رضوان الله تعالى عليهم أجمعين عابدين ثابتين على الحق ومع الحق نتولاهم جميعا\" ١.\nويقول: \"ونقرّ بأن أفضل هذه الأمة بعد نبينا محمد ﷺ: أبو بكر الصديق ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم أجمعين\" ٢.\nوقال: \"أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ، ثم نكف عن جميع أصحاب رسول الله ﷺ إلا بذكر جميلٍ\" ٣.\nوهذا ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولا لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلا وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁، وهم\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠٣-٣٠٤.\n٢ الوصية مع شرحها ص١٤.\n٣ كما في النور اللامع \"ق-١١٩-ب\" عنه.","vol":"1","page":547},{"text":"الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون\" ١.\nوهذا ما استقر عليه أئمة الفقه كالشافعي ومالك في إحدى الروايتين.\nوفي هذا يقول ابن تيمية: \"وجمهور الناس فضلوا عثمان وعليه استقر أمر أهل السنة، وعليه أئمة الفقه كالشافعي وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك\" ٢.\nوحكى القاضي عياض رجوع الإمام مالك عن الوقف في تفضيل عثمان على عليّ.\nوفي هذا يقول الزرقاني: \" حكى القاضي عياض عن مالك الرجوع عن الوقف إلى تفضيل عثمان وقال: إنه مشهور عن مالك والثوري وكافة أئمة الحديث والفقه وكثير من المتكلمين، وقال القرطبي: إنه الأصح عن مالك إن شاء الله\" ٣.\nوذكر ابن بدران في المدخل أن الإمام أحمد كان يفضل أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ويسكت، ثم ربع بعلي لما ثبت له صحة حديث ابن عمر ونقل عن الإمام أحمد قوله: \"كنا نقول: أبو بكر وعمر وعثمان ونسكت حتى صح لنا حديث ابن عمر\" ٤.\nقال ابن بدران: \"وأما الحديث الذي أشار إليه الإمام فإني كشفت عليه في المسند فلم أجده، ولست أدري هل فيه وزاغ عنه البصر فلم أجده؟! لكني وجدت أن الحافظ أبا القاسم ابن عساكر رواه في ترجمة\n_________\n١ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٥٧.\n٢ منهاج السنة ٨/١٩٧، ٢٢٥.\n٣ شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ٧/٣٨.\n٤ المدخل ص١٧، ١٨.","vol":"1","page":548},{"text":"أبي بكر الصديق ﵁ من تاريخه الكبير عن ابن عمر قال: كنا نقول ورسول الله حي: أفضل هذه الأمة بعد رسول الله ﷺ: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي فيبلغ ذلك رسول الله ﷺ ولا ينكر، وفي لفظ: ثم ندع أصحاب رسول الله ﷺ فلا نفاضل بينهما، قال ابن بدران: وحيث أن الإمام أشار إلى صحة هذا الحديث تركنا الكلام عليه اكتفاء بتوثيق إمام المحدثين\" ١.\nوالحديث الذي رواه ابن عساكر أصله في صحيح البخاري ولفظه: \"كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ﵃\" ٢.\nولخص شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب أهل السنة في المفاضلة بين عثمان وعلي بقوله: \"ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵁ وعن غيره، من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ويثلثون بعثمان ويربعون بعلي ﵃، كما دلت عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة ﵃ على تقديم عثمان في البيعة، مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبى بكر وعمر أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان وسكتوا، أو ربعوا بعلي، وقدم قوم عليا، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان\" ٣.\nفالمقصود أن تفضيل عثمان على علي هو ما كان عليه أئمة الفقه\n_________\n١ المدخل ص١٧، ١٨.\n٢ أخرجه البخاري كتاب فضائل الصحابة باب فضل أبي بكر ٧/١٦ ح\"٣٦٢٥\" من طريق نافع عن ابن عمر.\n٣ مجموع الفتاوى ٣/١٥٣.","vol":"1","page":549},{"text":"وجمهور أهل السنة، ومن قال بخلاف ذلك فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار كما قال أيوب السختياني: \"من لم يقدم عثمان على عليّ فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار\" ١.\n_________\n١ مجموع الفتاوى ٤/٤٢٨؛ ومنهاج السنة ٨/٢٢٥؛ قال ابن تيمية: \"ولو لم يكن عثمان أحق بالتقديم وقدموه كانوا إما جاهلين بفضله وإما ظالمين بتقديم المفضول من غير ترجيح ديني، ومن نسبهم إلى الجهل والظلم فقد أزرى بهم\".","vol":"1","page":550},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>المبحث الثالث: قول الإمام أبي حنيفة فيمن يتنقص أصحاب رسول الله ﷺ ويسبهم</span>\nحرّم الله ﷾ أن يؤذي المؤمن أخاه المؤمن بسبٍّ أو شتم أو غيبة أو همز أو لمز.\nقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ \"سورة الهمزة: الآية١\".\nفتوعد الله الهمّاز الذي يعيّر الناس، ويطعن عليهم بالإشارة أو بالفعل، وكذا اللمّاز الذي يعيبهم بقوله١، بالويل وهو واد في جهنم يسيل من صديد أهل النار وقيحهم ٢، فمن آذى المؤمنين فقد أثم إثما مبينا.\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ \"سورة الأحزاب: الآية٥٨\".\nفالوعيد الشديد والإثم الأكيد في حق من يؤذي أحدا من المؤمنين عموما بسبٍّ أو نحو ذلك، فكيف بأذية صحابة رسول الله ﷺ، فالإثم أبلغ والجرم أعظم.\nفقد نهى النبي ﷺ عن التعرض لأصحابه بسبٍّ أو شتم فقال: \"لا تسبوا أحدًا من أصحابي؛ فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك\n_________\n١ انظر تفسير كلام المنان ٧/٦٧١.\n٢ تفسير الطبري ٣٠/٢٩١.","vol":"1","page":551},{"text":"مدَّ أحدهم ولا نصيفه\" ١.\nفكل من يحب الصحابة فهو محب للرسول ﷺ وكل من يبغضهم فهو مبغض له. فقد قال ﵊: \"الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم، فبحبي أحبهم ومن أبغضهم، فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه\" ٢.\nكذلك نهى ابن عباس وابن عمر عن سب الصحابة، قال ابن عباس: \"لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فإن الله أمر بالاستغفار لهم\" ٣.\nوقال ابن عمر: \"لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره\" ٤.\nفمن سب الصحابة، أو تنقص أحدا منهم، أو جاهر ببغضهم فليس على السنة ولا مع الجماعة.\nقال الإمام أبو حنيفة: \"الجماعة أن تفضل٥ أبا بكر وعمر وعليا\n_________\n١ تقدم تخريجه ص٥٤٠.\n٢ أخرجه أحمد في المسند ٨/٨٧، والترمذي كتاب المناقب باب ٥٩، ٥/٦٩٦ ح\"٣٨٦٢\"، وابن حبان كما في موارد الظمآن ص٥٦٨، ٥٦٩ ح٢٢٨٤، جميعهم من طريق عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن مغفل. قال الترمذي على أثره: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه\".\n٣ كتاب فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل ١/٥٩ رقم \"١٨\" وطبقات ابن سعد ٥/٤٦٧.\n٤ سنن ابن ماجه المقدمة باب فضائل أصحاب رسول الله ﷺ ١/٥٧ ح\"١٦٢\".\n٥ في الأصل: \"أن فضل أبا بكر ... \" وهو غلط، والصواب ما أثبت، لأن ما بعده مفعول به منصوب.","vol":"1","page":552},{"text":"وعثمان، ولا تنتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ ولا تكفّر الناس بالذنوب، وتصلي على من يقول لا إله إلا الله وخلف من قال لا إله إلا الله ... \" ١.\nوسئل الإمام أبو حنيفة: من أي الأصناف أنت فأجاب بقوله: \"أنا ممن لا يسب السلف، ويؤمن بالقدر، ولا يكفر أحدا بالذنوب\" ٢.\nوقال أبو حنيفة: \"ويحبهم كل مؤمن تقي، ويبغضهم كل منافق شقي\" ٣.\nوقول الإمام أبي حنيفة هذا مأخوذ من حديث النبي ﷺ في حق الصحابة من الأنصار: \"لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق\" ٤.\nوقرر هذا لطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"وحبهم دين وإيمان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان\" ٥.\nوقال: \"ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذريته المقدسين من كل رجز فقد برئ من النفاق\" ٦.\nهذا وإذا سبهم سبا يقدح في عدالتهم ودينهم، فهو كفر ونفاق\n_________\n١ الانتقاء ص١٦٣، ١٦٤.\n٢ تاريخ بغداد ١٣/٣٣١.\n٣ الوصية مع شرحها ص١٤.\n٤ أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي ﵃ من الإيمان ١/٨٤ ح\"١٢٩\" من طريق عدي بن ثابت عن البراء.\n٥ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٥٧.\n٦ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٥٨.","vol":"1","page":553},{"text":"وطغيان. وأما من سبهم بما لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم مثل وصف بعضهم بالبخل بهتانا فهذا يستحق التأديب والتعزير ولا نحكم بكفره بمجرد ١ ذلك.\nقال النسفي: \"ويكف عن ذكر الصحابة إلا بخير\" ٢.\nقال الشارح: \"لما ورد من الأحاديث الصحيحة في مناقبهم ووجوب الكف عن الطعن فيهم ... فسبهم والطعن فهم إن كان مما يخالف الأدلة القطعية فكفرٌ كقذف عائشة وإلا فبدعة وفسق\" ٣.\nوروى ابن أبي العوام أن رجلا سأل أبا يوسف فقال: \"يا أبا يوسف يذكرون عنك أنك تجيز شهادة من يشتم أصحاب النبي ﷺ على التأويل فقال: ويحك هذا أحبسه وأضربه حتى يتوب\" ٤.\nفالمقصود أن لازم مقالة من سب الصحابة أنهم كفار أو فساق، ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم، وإن سابقي هذه الأمة هم شرارها ٥.\nسئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى، وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم: فقالوا: حواري عيسى، وسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد ﷺ ٦.\n_________\n١ السيف المسلول.\n٢ العقيدة النسفية ص٢٩ ضمن النفائس.\n٣ شرح العقائد النسفية للتفتازاني ص١٦١، ١٦٢.\n٤ فضائل أبي حنيفة وأصحابه ص١٨٠.\n٥ انظر الصارم المسلول ص٥٨٦، ٥٨٧؛ ومنهاج السنة ١/٢٧.\n٦ منهاج السنة ١/٢٧.","vol":"1","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>الفصل الخامس: الإمامة</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: الإمامة في قريش.\nالمبحث الثاني: إمامة الخلفاء الراشدين.\nالمبحث الثالث: الخروج على الإمام الجائر","vol":"1","page":555},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>المبحث الأول: الإمامة في قريش</span>\nيرى الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى أن من شرط الإمام أن يكون قرشيا. دل على هذا المعتقد قول البغدادي: \"دلت الشريعة على أن قريشا لا يخلو منهم من يصلح للإمامة، فلا يجوز إقامة الإمام للكافة من غيرهم. فقد نص الشافعي ﵁ على هذا في بعض كتبه وكذلك رواه زرقان ١ عن أبي حنيفة \" ٢.\nوما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة هو مذهب الأئمة الثلاثة قال الإمام مالك: \"ولا يكون - أي الإمام - إلا قرشيا وغيره لا حكم له\" ٣.\nوقال الإمام أحمد: \"الخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان، ليس لأحد من الناس أن يتنازعهم فيها ولا يخرجه عليهم\" ٤.\nوما ذهب إليه أئمة الفقه الأربعة هو قول جماهير أهل العلم.\nقال ابن حجر: \"ذهب جمهور أهل العلم أن شرط الإمام أن يكون قرشيا\" ٥.\n_________\n١ لعله محمد بن حفص الزرقان.\n٢ أصول الدين للبغدادي ص٢٧٥.\n٣ أحكام القرآن لابن العربي ٤/١، ١٧٢.\n٤ طبقات الحنابلة ١/٢٦.\n٥ فتح الباري ١٣/١١٨.","vol":"1","page":557},{"text":"والأصل في هذه المسائل ما ثبت في الصحيحين عن جماعة من الصحابة مما يدل على أن الإمامة في قريش. من ذلك ما رواه البخاري في صحيحه كتاب الأحكام باب الأمراء من قريش عن معاوية ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"إنا هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبّه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين\" ١.\nوعن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: \"لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان\" ٢.\nومن ذلك ما رواه مسلم في كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.\nعن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \" لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا، ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت عليّ فسألت أبي ماذا قال رسول الله ﷺ؟ فقال كلهم من قريش\" ٣.\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم\" ٤.\nقال النووي في الكلام على هذا الحديث: \"إن الخلافة مختصة\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب الأحكام باب الأمراء في قريش ١٣/١١٣ ح٧١٣٩ من طريق محمد بن جبير عن جبير بن مطعم.\n٢ أخرجه البخاري كتاب الأحكام باب الأمراء من قريش ١٣/١١٤ ح٧١٤٠ من طريق عاصم بن محمد عن أبيه عن ابن عمر.\n٣ أخرجه مسلم كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش ١٣/١٤٥٢ ح٨٢ من طريق عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة.\n٤ أخرجه مسلم كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش ٣/١٤٥١ ح١٨١٨ من طريق الأعرج عن أبي هريرة.","vol":"1","page":558},{"text":"بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة فكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرض بخلاف من غيرهم فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين من بعدهم بالأحاديث الصحيحة\" ١.\nفالمقصود أن اشتراط القرشية أمر متفق عليه بين السلف، ولم يخالفهم إلا المبتدعة ٢ كبعض المعتزلة والأشاعرة وغيرهم ٣.\n_________\n١ شرح صحيح مسلم ١٢/٢٠٠.\n٢ فمن المعتزلة ضرار بن عمرو والنظام ومن الأشاعرة إمام الحرمين الجويني، انظر الملل والنحل ١/٩١؛ وغياث الأمم ص٧٩، ٨٠، ٨٢. ط الثانية، وشرح صحيح مسلم ١٢/٢٠٠.\n٣ طائفة من الخوارج، انظر شرح صحيح مسلم ١٢/٢٠٠.","vol":"1","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المبحث الثاني: إمامة الخلفاء الراشدين</span>\nأجمع الصحابة ١ على إمامة أبي بكر الصديق وسمّوه خليفة رسول الله ﷺ وبايعوه وانقادوا له بالفضل، وذلك لفضله وسابقته في الإسلام، ولتقديم النبي ﷺ له على جميع الصحابة في إمامة الصلاة ٢.\nوالدليل على خلافته: ما رواه البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم ﵁ قال: \"أتت امرأة إلى النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه فقالت: أرأيت إن جئت فلم أجدك - كأنها تقول الموت - قال ﷺ: \"إن لم تجديني فأتي أبا بكر\" ٣.\nوحديث عائشة ﵄ قالت: \"دخل عليّ\n_________\n١ انظر الإبانة للأشعري ص٢٥٢؛ والبداية من الكفاية ص١٠١؛ والمسامرة شرح المسايرة ص٣٠٠؛ وشرح العقائد النسفية ص١٤٩، ١٥٠؛ وأصول الدين للبزدوي ص١٨٢.\n٢ المسايرة ص٣١١؛ وأصول الدين للبزدوي ص١٨٢، ١٨٤.\n٣ أخرجه البخاري كتاب فضائل الصحابة باب قول النبي لو كنت متخذا خليلا ٧/١٧ ح٣٦٥٩؛ ومسلم كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر ٤/١٨٥٧ ح٢٢٨٦ كلاهما من طريق محمد بن جبير عن جبير بن مطعم.","vol":"1","page":560},{"text":"رسول الله ﷺ في مرضه فقال: \"ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتبا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر \" ١.\nوحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع بها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غربا فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن\" ٢.\nثم الخليفة من بعد أبي بكر عمر بن الخطاب ﵁ لفضله وسابقته في الإسلام وعهد أبي بكر إليه واتفاق الصحابة عليه ٣.\nثم الخليفة بعد عمر عثمان بن عفان ﵁ لفضله وسابقته للإسلام، ولتقديم أهل الشورى له، فبايعوه وانقادوا لأوامره، وصلوا معه الجمع والأعياد مدّة خلافته فكان إجماعا منهم على صحة خلافته ٤.\nثم بعد عثمان الخليفة علي ﵁ لفضله وسابقته للإسلام\n_________\n١ أخرجه مسلم كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر ٤/١٨٥٧ من طريق عروة عن عائشة.\n٢ أخرجه البخاري كتاب فضائل الصحابة باب فضل أبي بكر ٧/١٨ ح٣٦٦٤؛ ومسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضائل عمر ٤/١٨٦٠ ح٢٣٩٢ كلاهما من طريق ابن المسيب عن أبي هريرة.\n٣ شرح العقائد النسفية ص١٥٠؛ والبداية من الكفاية ص١٠٢؛ وأصول الدين للبزدوي ص١/٤.\n٤ شرح العقائد النسفية ص١٥١؛ والبداية ص١٠٣؛ وشرح المسايرة ص٣٠٠؛ وأصول الدين للبزدوي ص٥٧.","vol":"1","page":561},{"text":"وإجماع الأمة على فضله ١. بعد الثلاثة وأنه أحق بالأمر من كل من سواه.\nوأجمعت الأمة من بعد الصحابة على ما ذكروا من إمامة الخلفاء الراشدين وترتيبهم، ما خلا الرافضة، ولا عبرة بخلافهم.\nوخلافة الخلفاء الراشدين كلهم خلافة نبوة، يدل على ذلك قول النبي ﷺ: \"خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه من يشاء\" ٢.\nفمن طعن في خلافة أحد منهم فهو أضل من حمار ٣ أهله. يدل على ذلك ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه ٤ حيث قال: \"ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولا لأبي بكر رضي الله تفضيلا وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون\" ٥.\nوكذا قرره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: \"وعلماء السنة كلهم مالك وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه، وأبو حنيفة وأصحابه، وغير هؤلاء كلهم يحب الخلفاء\n_________\n١ فتح الباري ٧/١٦؛ وشرح العقائد النسفية ص١٥١؛ والبداية ص١٠٤.\n٢ أخرجه أحمد في المسند ٥/٤٤؛ وأبو داود كتاب السنة في الخلفاء ٥/٣٠؛ والحاكم في المستدرك ٣/٧١؛ جميعهم من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه، قال الحاكم على أثره: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\".\n٣ العقيدة الواسطية مع شرحها التنبيهات اللطيفة ص٩٣.\n٤ مجموع الفتاوى ٣/١٥٣.\n٥ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٥٧.","vol":"1","page":562},{"text":"ويتولاهم، ويعتقد إمامتهم وينكر على من يذكر أحدا منهم بسوء\" ١.\nوهذه بعض نصوص الحنفية في ذلك: قال النسفي: \"وأفضل البشر بعد نبينا: أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين ثم علي ﵃، وخلافتهم ثابتة على هذا الترتيب\" ٢.\nوقال قاسم بن قطلوبغا في شرحه لكتاب المسايرة لابن الهمام: \"والإمام الحق بعد رسول الله ﷺ عندنا وعند المعتزلة وأكثر الفرق \"أبو بكر\" بإجماع الصحابة على مبايعته \"ثم عمر\" باستخلاف أبي بكر له \"ثم عثمان\" بالبيعة بعد اتفاق أصحاب الشورى \"ثم علي ﵃ أجمعين\" وانعقدت إمامته بإجماع أهل الحل والعقد\" ٣.\nوقال الصابوني الحنفي: \"فصل في إمامة الخلفاء الراشدين: أولهم أبو بكر ﵁ وكان مستجمعا لشرائط الخلافة، ومفضَّلا على جميع الصحابة. وقد اتفقت الصحابة على خلافته وذلك حجة قاطعة ... ثم استخلف قبل وفاته عمر ... ثم اتفقت الصحابة على خلافته ... ثم استشهد عمر ﵁ وترك أمر الخلافة شورى بين ستة ... فاختار هو - أي عبد الرحمن - عثمان ﵁، وبايع له بمحضر من الصحابة فبايعوا له وانقادوا لأوامره ... ثم استشهد عثمان ﵁ وترك الأمر مهملا حتى اجتمع كبار الصحابة ... والتمسوا من علي ﵁ قبول الخلافة وأقسموا عليه حتى قبلها، فبايعه من حضر من كبار الصحابة\"٤.\n_________\n١ منهاج السنة ٦/٤٢٠.\n٢ شرح العقائد النسفية ص١٩٦.\n٣ شرح المسايرة ص٣٠٠.\n٤ البداية ص١٠١-١٠٣.","vol":"1","page":563},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>المبحث الثالث: الخروج على الإمام الجائر</span>\nذهب الجمهور من أهل السنة١ إلى عدم جواز الخروج على الإمام الجائر، لما يترتّب على الخروج على السلطان من المفاسد الكثيرة من سفك للدماء، وزهق للأرواح ونهب للأموال، واستحلال للمحارم، بل في الصبر على جورهم تكفير للسيئات، ومضاعفة للأجور ٢.\nوقد دلّت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب طاعة وليّ الأمر وعدم الخروج عليه، ما لم يأمر بمعصية لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ \"سورة النساء: الآية٥٩\".\nوقال النبي ﷺ: \" من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى\n_________\n١ انظر شرح النووي على مسلم ١٢/٢٢٩، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/١٦٧، ١٦٨، ١٧٥، ١٧٦، وكتاب الشريعة ص٣٨، وأصول السنة ص٩٨.\n٢ انظر شرح العقيدة الطحاوية ص٤٣٠.","vol":"1","page":564},{"text":"الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني\" ١.\nوقال النبي ﷺ: \"السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة\" ٢.\nوقال النبي ﷺ: \"من رأى منكم من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية\" ٣.\nقال ابن المديني: \" ... ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد اجتمع عليه الناس فأقروا له بالخلافة بأي وجه كانت برضا أو بغلبة فهو شاق هذا الخارج عليه العصا، وخالف الآثار عن رسول الله ﷺ فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس فمن عمل ذلك فهو مبتدع على غير السنة\" ٤.\nوقال الإمام أحمد: \"ودفع الصدقات والأعشار والخراج والفيء والغنائم إلى الأمراء عدلوا أو جاروا، والانقياد لمن ولاه الله ﷿\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب الأحكام باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ١٣/١١١ ح٧١٣٧، ومسلم كتاب الإمارة باب وجوب طاعة ولي الأمر في غير معصية ٣/١٤٦٦ ح١٨٣٥ كلاهما من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة.\n٢ أخرجه البخاري كتاب الأحكام باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية ١٣/١٢١ ح٧١٤٤، ومسلم كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية ٣/١٤٦٩ ح١٨٣٩ كلاهما من طريق نافع عن ابن عمر.\n٣ أخرج البخاري كتاب الفتن باب قول النبي ﷺ: \"سترون بعدي أمورا تنكرونها\" ١٣/٥ ح٧٠٥٤ ومسلم كتاب الإمارة باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن ٣/١٤٧٨ ح١٨٤٩ كلاهما من طريق أبي رجاء العطاردي عن ابن عباس.\n٤ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/١٦٨.","vol":"1","page":565},{"text":"أمركم لا تنزع يد من طاعته، ولا تخرج عليه بسيفك يجعل الله لك فرجا ومخرجا، ولا تخرج على السلطان، بل تسمع وتطيع. فإن أمرك السلطان بأمر - هو لله ﷿ معصية - فليس لك أن تطيعه، وليس لك أن تخرج عليه ولا تمنعه حقه ولا تعن على فتنة بيد ولا لسان، بل كف يدك ولسانك وهواك، والله ﷿ المعين\" ١.\nوقال البخاري: \"ولا تنازع الأمر أهله لقول النبي ﷺ: \"ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم، إخلاص العلم لله، وطاعة ولاة الأمر، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم\" ٢، وألا يرى السيف على أمة محمد ﷺ\"٣.\nوقال أبو زرعة الرازي: \"ولا نرى الخروج على الأئمة ولا القتال في فتنة ونسمع ونطيع لمن ولاه الله ﷿ أمرنا ولا ننزع يدا من طاعة ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة\" ٤.\nوقال ابن أبي زمنين: \"فالسمع والطاعة لولاة الأمر واجب مهما قصَّروا في ذاتهم، فلم يبلغوا الواجب عليهم، غير أنهم يدعون إلى الحق\n_________\n١ كتاب السنة للإمام أحمد ص٤٦ ضمن شذرات الذهب.\n٢ أخرجه الترمذي كتاب العلم باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع ٥/٣٤، من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن عبد الله بن مسعود. وأخرجه أحمد ١/٨٠ وابن ماجة كتاب المناسك باب الخطبة يوم النحر ٢/١٠١٥، ١٠١٦ ح٣٠٥٦، والحاكم في المستدرك ١/٨٧-٨٨ جميعهم من طريق محمد بن جبير عن جبير بن مطعم، قال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي وصححه الألباني في صحيح الجامع ٦/٣٠، وفي صحيح الترغيب ١/١٢.\n٣ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/١٧٥، ١٧٦.\n٤ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/١٧٧.","vol":"1","page":566},{"text":"ويأمرون به ويذبون عنه، فعليهم ما حملوا، وعلى رعاياهم ما حملوا من السمع والطاعة لهم\"١.\nوقال النووي: \"أجمع العلماء على وجوبها - أي طاعة الأمراء - في غير معصية، وعلى تحريمها في المعصية. نقل الإجماع على هذا القاضي عياض\" إلى أن قال: \"ولا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق\" ٢.\nوما حكي عن الأئمة في مسألة الخروج على الإمام الجائر حكي مثله عن الإمام أبي حنيفة، فقد سأله أبو مطيع البلخي قائلا له: \"ما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيتّبعه على ذلك ناس فيخرج على الجماعة، هل ترى ذلك؟\nقال: لا، قلت ولم؟ وقد أمر الله تعالى ورسوله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا فريضة واجبة. فقال: وهو كذلك، لكن ما يفسدون من ذلك يكون أكثر مما يصلحون من سفك الدماء واستحلال المحارم وانتهاب الأموال، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ \"سورة \"الحجرات: الآية٩\".\nقال أبو مطيع: فنقاتل الفئة الباغية بالسيف؟ قال: نعم تأمر وتنهى فإن\n_________\n١ أصول السنة ص٩٨٠.\n٢ شرح مسلم ١٢/٢٢٢، ٢٢٣، ٢٢٩.","vol":"1","page":567},{"text":"قبل وإلا قاتلته فتكون مع الفئة العادلة وإن كان الإمام جائرا، ثم قال له بعد ذلك: وكن مع الفئة العادلة والسلطان الجائر ولا تكن مع أهل البغي\" ١.\nلكن حكى الجصاص في كتابه أحكام القرآن خلاف ذلك حيث قال: \"وكان مذهبه ﵀ مشهورا في قتال الظلمة وأئمة الجور، لذلك قال الأوزاعي: احتملنا أبا حنيفة على كل شيء حتى جاءنا بالسيف - يعني قتال الظلمة - فلم نحتمل، ثم قال: وقضيته في أمر زيد بن علي مشهورة في حمله المال إليه، وفتيا الناس سرا في وجوب نصرته والقتال ومعه، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ٢ ابني عبد الله بن حسن ... \" ٣.\nويؤيد ما حكاه الجصاص ما أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة بسند صحيح عن أبي يوسف قال: \"كان أبو حنيفة يرى السيف\" ٤.\nوروي كذلك بسند صحيح عن إبراهيم بن شماس ٥ قال: \"قال\n_________\n١ الفقه الأبسط ص٤٤-٤٨.\n٢ خرج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة وأخوه بالبصرة فأيّدهم بعض العلماء والقراء. قال ابن العماد: \"خرج مع إبراهيم كثير من العلماء منهم هشيم وأبو خالد الأحمر وعيسى بن يونس وعياد بن العوام ويزيد بن هارون وأبو حنيفة كان يجاهر بأمره ويحث الناس على الخروج معه كما كان مالك يحث الناس على الخروج مع أخيه محمد\" شذرات الذهب ١/٢١٤.\n٣ أحكام القرآن ١/٧٠.\n٤ السنة ١/١٨٢.\n٥ هو إبراهيم بن شماس الغازي أبو إسحاق السمرقندي، قال عنه ابن حجر: \"نزيل بغداد ثقة من العاشرة مات سنة إحدى وعشرين ومائتين\".\nتقريب التهذيب ١/٣٦ وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ١/١٢٧.","vol":"1","page":568},{"text":"رجل لابن المبارك ونحن عنده إن أبا حنيفة كان مرجئا يرى السيف فلم ينكر عليه ذلك ابن المبارك\"١.\nويمكن الجواب عن هذا بأنه في أول أمره كان يرى الخروج على السلطان الجائر، ثم استقر آخر الأمر على عدم الخروج. دلّ على هذا ما قرره واختاره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله ﷿ فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة\" ٢.\nوما ذكره الطحاوي هو ما حكاه ابن الهمام عن أبي حنيفة في المسايرة وأقره الشارحان، ابن أبي الشريف وابن قطلوبغا وكذا ذكره البزدوي.\nقال ابن الهمام: \"وإذا قلد عدلا، ثم جار وفسق لم ينعزل، ويستحق العزل إن لم يستلزم فتنة، ويجب أن يدعى له ولا يجب الخروج عليه كذا عن أبي حنيفة وكلمتهم قاطبة\" ٣.\nوقال البزدوي: \"الإمام إذا جار أو فسق لم ينعزل عند أصحاب أبي حنيفة بأجمعهم وهو المذهب المرضي\"٤.\n_________\n١ السنة ١/١٨١، ١/١٨٢..\n٢ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ص٤٨.\n٣ المسايرة ص٢٩١ مع شرحها لابن أبي شريف وقاسم بن قطلوبغا.\n٤ أصول الدين للبزدوي ص١٩٠.","vol":"1","page":569},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73></span><span data-type=\"title\" id=toc-72>الباب الخامس: المقارنة بين عقيدة الإمام أبي حنيفة وأتباعه</span>\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: المقارنة بين عقيدة الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي وأتباعه.\nالفصل الثاني: مدى التزام الحنفية بعقيدة الإمام أبي حنيفة في التوحيد","vol":"1","page":571},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75></span><span data-type=\"title\" id=toc-74>الفصل الأول: المقارنة بين عقيدة الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي وأتباعه الماتريدية</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: المقارنة بين الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي وأتباعه في المنهج.\nالمبحث الثاني: المقارنة في مسائل أصول الدين.","vol":"1","page":573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>المبحث الأول: المقارنة بين الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي أتباعه في المنهج</span>\nأولا - مصادر التلقي عند كل منهما:\nلقد تقدم أن منهج الإمام أبي حنيفة في تلقّي العقيدة ينحصر في الأسس التالية:\nـ الشرع \"الكتاب والسنة\".\nـ الفطرة.\nفالكتاب والسنة هما الأساس الأول عند الإمام أبي حنيفة حيث أن نصوص الشرع هي العمدة والأصل، ومن هنا يجب تقديمهما على أي كائن مهما من كان.\nفالكتاب والسنة هما دليلا الإمام أبي حنيفة غير متجاوز عنهما؛ لأن تجاوزهما قولٌ على الله بغير علم، وتقديم بين يدي الله ورسوله. ومن هنا فلا يوجد في كلام أبي حنيفة أي آية من كتاب الله قد عارضتها العقول. أو أن شيئا مما جاء به النبي ﷺ عارضه المعقول. بل لا نجد في كلامه أن الأدلة العقلية قاطعة لا تقبل التأويل ومقدمة على الأدلة السمعية، لأن","vol":"1","page":575},{"text":"ظواهر نصوص الشرع ظنية غير قطعية، كما أنه لم يقل إن أخبار الآحاد الصحيحة لا تثبت بها العقيدة.\nبل يظهر من صنيع الإمام أبي حنيفة الاستدلال بخبر الآحاد كما سبق الكلام عليه، بل إنه قد استدل في جوانب من العقيدة بأخبار الآحاد ومنه حديث الجارية.\nوهذا ما عليه الإمام أبو حنيفة وصاحباه أبو يوسف ومحمد. فقد قرر الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ فهو كما قال ومعناه على ما أراد الله ولا ندخل في ذلك متأولين ولا متوهمين بأهوائنا\" ١.\nوقال محمد بن الحسن: \" اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على أن الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب ﷿ ... \"٢.\nوقال في مثل حديث النزول وغيره: \"\"هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها\" ٣.\n_________\n١ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢٦، ٢٧.\n٢ أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/٤٣٢-٤٣٣.\nمن طريق سليمان بن داود بن طلحة عن عبد الله بن أبي حنيفة الدوسي.\nوأورده شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ٤/٤-٥.\nوالذهبي في العلو ص١١٣.\nقال شيخ الإسلام: \"ثبت عن محمد بن الحسن\".\n٣ أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/٤٣٣.\nوابن قدامة في إثبات العلو ص١٧٠، ط مكتبة العلوم والحكم، والذهبي في العلو ص١١٣.\nجميعهم من طريق أبي عمرو بن وهب عن شداد بن حكيم. =","vol":"1","page":576},{"text":"وكذا قال: \"نؤمن بالله، وبما جاء من عند الله على ما أراد الله وعلى ما أراد به رسوله ﷺ ولا نشتغل بكيفية مراد الله تعالى وبما جاء من عند رسول الله ﷺ\" ١.\nوقال أبو يوسف: \" القرآن كلام الله من قال كيف؟ ولم؟ وتعاطى مراءً ومجادلة استوجب الحبس والضرب بالسوط المبرح\" ٢.\nوبالمقارنة بين منهج الإمام أبي حنيفة في مصادر التلقي ومنهج الماتريدية لأبي منصور وأتباعه؛ نجد أن هناك تباعدا واضحا، فإنهم يرون أن مصدر التلقي الأول في معظم أبواب التوحيد هو العقل دون النقل ٣؛ لأن الأدلة العقلية عندهم قطعية ٤، أما السمعية فهي ظواهر ظنية ٥.\n_________\n= قال الألباني في مختصر العلو ص٥٩:\n\"أخرجه اللالكائي في السنة ... وعمرو بن وهب إن كان الطائفي فمجهول الحال وإن كان القرشي فقال ابن أبي حاتم ٣/١/٢٦٦\" عن أبيه: \"هو مضطرب الحديث\"\n١ بحر الكلام ص٢٦.\n٢ فضائل الإمام أبي حنيفة وأصحابه لابن أبي العوام \"\"ق-١٦٤/ب.\n٣ قسمت الماتريدية أصول الدين بحسب مصدر التلقي إلى عقليات وسمعيات، فما سموه عقليات فمصدر التلقي عندهم هو العقل والعقل أصل والنقل تابع معارض له، وهذا جار في معظم أبواب التوحيد والصفات.\nوما سموه سمعيات فمصدر التلقي عندهم هو النقل والعقل تابع له كعذاب القبر والصراط والميزان وأحوال الآخرة. انظر على سبيل المثال أحد كتبهم وهو المسايرة مع شرحها المسامرة. فمن أول الكتاب إلى ص٢٤٩ عقليات ثم بعد ذلك سمعيات.\nوانظر العقائد النسفية مع شرحها للتفتازاني من أول الكتاب إلى ص٩٨ عقليات ثم بعد ذلك سمعيات.\n٤ انظر إشارات المرام ص١٨٩-١٩٩؛ وشرح العقائد النسفية ص٥، ٤٢؛ ونشر الطوالع ص٢٢٨؛ وشرح المواقف ٨/٢٤.\n٥ انظر حاشية عبد الحكيم على الخيالي ص١٨٤ مع المصادر المذكورة في الفقرة السابقة.","vol":"1","page":577},{"text":"وعند التعارض تقدم الأدلة العقلية لأنها قطعية، وتؤوّل الأدلة السمعية لأنها ظنية ١.\nقال الزبيدي: \"وهو أن الشرع إنما ثبت بالعقل ... فلو أتى الشرع بما يكذب العقل وهو شاهده لبطل الشرع والعقل معا. إذا تقرر هذا فنقول كل لفظ يرد في الشرع ... وهو مخالف للعقل ... إما أن يتواتر أو ينقل آحادا. والآحاد إن كان نصا لا يحتمل التأويل؛ قطعنا بافتراء ناقله أو سهوه أو غلطه، وإن كان ظاهرا فظاهره غير مراد ... وإن كان متواترا فلا يتصور نص متواتر لا يحتمل التأويل بل لا بد أن يكون ظاهرا ... \" ٢. والقاعدة عندهم أن كل نص إذا أخبر به الصادق وهو أمر ممكن ولم يكن مخالفا فلا يؤوّل كالبعث والنشر ونعيم الجنة وعذاب النار. أما إذا كان النص دالا على أمر محال مخالف للعقل؛ فلا بد من تأويله، كعلو الله تعالى، واستوائه على عرشه، ونزوله إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر ٣. ويقولون: إن النصوص إذا كانت خلاف العقل، فإن كانت متواترة فهي، وإن كانت قطعية الثبوت لكنها ظنية الدلالة؛ فالعقل مقدم عليها، فلذلك الأدلة النقلية تؤوَّل أو تفوَّض\".\n_________\n١ إشارات المرام ص١٩٩؛ وشرح العقائد النسفية ص٤٢؛ ونشر الطوالع ص٢٢٨، ٢٢٩؛ والمسايرة ص٣٣، ٣٥.\n٢ شرح الإحياء للزبيدي الحنفي الماتريدي ٢/١٠٥-١٠٦. وانظر أصل هذا القانون الكلي في تبصرة الأدلة ص٥٤؛ والنور اللامع ص٨٠-٨١خ.\nوراجع أيضا شرح المقاصد للتفتازاني ٢/٥٠؛ والطبعة التركية. وانظر شرح المواقف للجرجاني ٢/٥٦-٥٧.\n٣ انظر النبراس في شرح العقائد النسفية ص٣١٦-٣١٧.","vol":"1","page":578},{"text":"أما الأدلة العقلية فلا تأويل لها بل تأويلها محال ١.\nفالحاصل أن منهج الماتريدية في نصوص الوحي منهج فاسد باطل؛ لأنه صريح في أن العقل أصل. والشرع فرع، لأن نصوص الشرع إذا كانت مخالفة لعقولهم فهم إما أن يردوها أو يؤولوها أو يفوِّضوها، لذلك أوّلوا نصوص كثير من الصفات. وأبقوا نصوص المعاد على ظواهرها، فلو كانت نصوص المعاد عندهم مخالفة لعقولهم لأوّلوها. وهذا كما ترى انحراف عن الطريق المستقيم.\nفالواجب على كل مسلم أن يجعل ما قال الله ورسوله هو الأصل والعمدة فيسلم بنصوصهما، وينقاد لهما ولا يعترض عليهما، ولا يعارضهما برأيه ومعقوله وقياسه.\nقال الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه: \"ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام\" ٢.\nوقال أبو المظفر السمعاني: \"اعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل؛ فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور للمعقول، وأما أهل السنة، قالوا: الأصل في الدين الاتباع، والمعقول تبع. ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي وعن الأنبياء صلوات الله عليهم، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء\n_________\n١ انظر شرح العقائد النسفية ص٥، ٤٢؛ وشرح المواقف ٨/٢٤، ١١٠، ١١١؛ وإشارات المرام ص١٨٩-١٩٩؛ وشرح الإحياء ٢/١٠٥-١٠٦؛ ونشر الطوالع ص٢٣٨.\n٢ شرح العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢٧.","vol":"1","page":579},{"text":"ما شاء. ولو كان الدين بني على المعقول وجب ألا يجوز للمؤمنين أن يقبلوا أشياء حتى يعقلوا\".١\nوقال الشاطبي: \"إن الشريعة بنيت على أن حكم الله على العباد لا يكون إلا بما شرع في دينه على ألسنة أنبيائه ورسله، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ \"سورة الإسراء: الآية١٥\".\nوقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ \"سورة النساء: الآية٥٩\".\nوقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلَّهِ﴾ \"سورة الأنعام: الآية٥٧\".\nوأشباه ذلك من الآيات والأحاديث، فخرجت عن هذا الأصل فرقة زعمت أن العقل له مجال في التشريع، وأنه محسِّن ومقبح فابتدعوا في دين الله ما ليس منه\" ٢.\nوقال ابن أبي العز: \"وكل من قال برأيه وذوقه وسياسته مع وجود النص، أو عارض النص بالمعقول فقد ضاهى إبليس حيث لم يسلم لأمر ربه بل قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ \"سورة الأعراف: الآية١٢\".\nوقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ \"سورة النساء: الآية٨٠\".\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ \"سورة آل عمران: الآية٣١\".\n_________\n١ صون المنطق ص١٨٢ عن السمعاني.\n٢ الاعتصام ١/٤٥.","vol":"1","page":580},{"text":"وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ \"سورة النساء: الآية٦٥\".\nأقسم سبحانه بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا نبيه ويرضوا بحكمه ويسلموا تسليما\" ١.\nلكن ليس معنى ذلك أن السلف يرفضون العقل ٢ ويهملونه، بل يعملونه في عالم الشهادة لا في عالم الغيب إلا على سبيل الإجمال دون التفصيل، ولا يثبتون بالعقل حكما شرعيا، فعندهم للعقل مع الشرع حالتان لا ثالث لهما:\nالأولى: أن يدل على ما دل عليه الشرع فيكون شاهدا أو مؤيدا ومصدقا فيحتجون حينئذ بدلالة العقل على من خالف الشرع. وفي القرآن من هذا النوع أي من الأدلة العقلية شيء كثير كأدلة التوحيد والنبوة والمعاد، فتلك الأدلة هي عقلية شرعية.\nقال ابن تيمية: \" إن كثيرا مما دل عليه السمع يعلم بالعقل أيضا، والقرآن يبين ما يستدل به العقل ويرشد إليه وينبه عليه كما ذكر الله ذلك في غير موضع.\nفإنه ﷾ بين من الآيات الدالة عليه وعلى وحدانيته وقدرته وعلمه وغير ذلك ما أرشد العباد إليه، ودلهم عليه، كما بين أيضا ما دل على نبوة أنبيائه، وما دل على المعاد وإمكانه، فهذه المطالب هي شرعية من جهتين:\n_________\n١ شرح العقيدة الطحاوية ص١٩٠، ١٩١.\n٢ العقل عند السلف آلة التمييز والإدراك والعلم والعمل.","vol":"1","page":581},{"text":"من جهة أن الشارع أخبر بها.\nومن جهة أنه بين الأدلة العقلية التي يستدل بها عليها، والأمثال المضروبة في القرآن هي أقيسة عقلية، وقد بسطت في غير هذا الموضع، وهي أيضا عقلية من جهة أنها تعلم بالعقل أيضا\" ١.\nالحالة الثانية: أن لا يدل على ما دل عليه الشرع لا نفيا ولا إثباتا، فحكم العقل إذا جواز ما جاء به الشرع. أما أن يدل العقل على خلاف ما جاء به الشرع فيكون معارضا له فهذا ما لا يكون مع صحة النقل، ولهذا قال أهل السنة: إن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، وقالوا: \"إن الرسل جاؤوا بمحارات العقول لا بمحالات العقول\".\nأي أن الرسل لا يخبرون بما يحيله العقل، ولكن يخبرون بما يجيزه العقل ويحار فيه، وهذا تحديد موقف أهل السنة من العقل مع الشرع.\nثانيا: حكم تأويل النقل:\nإذا كان الأساس الأول عند الإمام أبي حنيفة هو تقديم النص الشرعي على ما سواه، فمن الطبيعي عنده رفض التأويل الكلامي - الذي هو في الواقع تحريف - وهو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر يراه العقل، وقد تقدمت نصوص أبي حنيفة في ذلك ولا بأس أن أذكر واحدا منها وهو قوله: \"ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال\" ٢.\n_________\n١ مجموع الفتاوى \"٣/ص أبعد ص٨٨\".\n٢ الفقه الأكبر ص٣٠٢.","vol":"1","page":582},{"text":"فاعتبر تأويل صفة اليد بالقدرة أو النعمة يؤدي إلى تعطيل النصوص الدالة على هذه الصفة عن دلالتها على المعنى المسوق لأجله، فإذا حملت على خلاف ذلك بتأويلها كان ذلك نفيا للمعنى الذي جاءت من أجله وإثباتا لمعنى آخر لم تدل عليه النصوص لا نصا ولا ظاهرا. ولذلك صرح الإمام أبو حنيفة: \"فيه إبطال الصفة\" ومن هنا فلا داعي لتأويل هذه الصفة وغيرها بصرفها عن ظاهرها.\nوهكذا كان الإمام أبو حنيفة ملتزما بمنهجه أثناء التطبيق؛ فأبى أن يؤول اليد بالقدرة أو النعمة ١، والرضا بالثواب ٢، والغضب بالعقاب ٣.\nهذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد صرّح الإمام أبو حنيفة أن تأويل الصفات كما هو تعطيل، كذلك خارج عن مذهب أهل السنة، بل هو مذهب الجهمية، دل على ذلك قوله: \"وهو مذهب أهل القدر والاعتزال\" ٤.\nوكذا لا يوجد في كلام أبي حنيفة تفويض مطلق، بل الذي في نصوص الإمام أبي حنيفة تفويض مقيّد بنفي علم الكيفية فقط لا المعنى.\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠٢.\n٢ الفقه الأبسط ص٥٦.\n٣ الفقه الأبسط ص٥٦. وهكذا في جميع نسخ الفقه الأبسط حتى بتحقيق الكوثري، ولكن طبع الفقه الأبسط حديثا في باكستان فحرّف محقّقها نص الإمام أبي حنيفة فصار مؤدّاه تأويل الرضا بالثواب والغضب بالعقاب، نعوذ بالله من شر المحرفين.\n٤ الفقه الأكبر ص٣٠٢.","vol":"1","page":583},{"text":"ومن جملة تلك النصوص الدالة على هذا قوله عن صفة النزول: \"ينزل بلا كيف\" ١.\nوقوله عن صفة الوجه واليد: \"وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن، من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف\" ٢.\nوقوله عن صفة الغضب والرضا: \"لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف\" ٣.\nفيتبين لنا مما سبق أن عقيدة الإمام أبي حنيفة في الصفات تتركز حول الإيمان بما ثبت من النصوص؛ حيث يؤمن بمعناها كما جاءت دون زيادة حرف أو نقصانه، مع إرجاع العلم بكيفيتها وحقيقتها إلى الله تعالى، لأن الكيف والحقيقة من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله، وليس للعقل مجال في بحثها، والخوض فيها، لأن العقول قاصرة عن إدراك كيفية تلك الصفات، فإذا كان الإمام أبو حنيفة رفض التأويل والتفويض المطلق، فما موقف الماتريدية من ذلك؟ وهل وافقوا الإمام أبا حنيفة؟ أم خالفوه؟.\nوالجواب عن هذا أن الماتريدية خالفوا الإمام أبا حنيفة فقالوا بالتفويض تارة تفويضا مطلقا، بل صرح أبو منصور الماتريدي أن آيات\n_________\n١ كره الإمام الصابوني عن الأستاذ أبي منصور بن حمشاد في عقيدة السلف أصحاب الحديث ص٤٢، والبيهقي في الأسماء والصفات ص٤٥٦، وسكت عليه الكوثري، ونقله الإمام ابن أبي العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية ص٢٤٥، بتخريج الألباني، والقاري في شرح الفقه الأكبر ص٦٠.\n٢ الفقه الأكبر مع شرحه للقاري ص٥٨، ٥٩؛ وشرح أبي المنتهى ص١٣، ١٤، وإشارات المرام ص١٨٧، ١٩٢.\n٣ الفقه الأبسط ص٥٦، ونقله البياضي في إشارات المرام ص١٨٧.","vol":"1","page":584},{"text":"الصفات كالحروف المقطّعة مثل آلم، آلمص وفي هذا يقول: \"في الحقيقة إنها تحتمل وجوها:\nأحدها: أن نصفه بالذي جاء به التنزيل على ما جاء، ونعلم أنه لا يشبه على ما ذكر من الفعل فيه بغيره، ... وإذا بطل هذا بطل التشابه وانتفى، ولزم أمر السمع والتنزيل على ما أراد الله\" ١.\nويرى أنه يمتحن المرء بالوقوف حول نصوص الصفات، كما يمتحن بالوقوف حول الحروف المقطعة ٢.\nويقول: وأما الأصل عندنا في ذلك أن الله تعالى قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ \"سورة الشورى: الآية١١\".\n... فيجب القول بالرحمن على العرش استوى على ما جاء به التنزيل وثبت ذلك في العقل ... ونؤمن بما أراد الله به وكذلك في كل أمر ثبت التنزيل فيه نحو الرؤية وغير ذلك. يجب نفي الشبهة عنه والإيمان بما أراده من غير تحقيق على شيء دون شيءٍ\" ٣.\nوتارة يقول بالتأويل. وفي هذا يقول أبو منصور الماتريدي:\"والثاني أن يمكن فيه معان تخرج الكلام مخرج الاختصار والاكتفاء بمواضع إفهام في تلك المواضع على إتمام البيان وذلك نحو قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ \"سورة الفجر: الآية٢٢\". أي بالملك.\nوذلك كقوله: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾ \"سورة المائدة: الآية٢٤\".\n_________\n١ تأويلات أهل السنة ١/٨٤ ط المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة.\n٢ كتاب التوحيد للماتريدي ص٧٤، ٧٥.\n٣ كتاب التوحيد للماتريدي ص٧٤.","vol":"1","page":585},{"text":"أي بربك \"فقاتلا\" إذ معلوم أنه يقاتل بربه ففهم منه ذلك ... \" ١.\nويقول: \"قد يفهم من الشاهد من على ومن العرش ومن الاستواء معان مختلفة، لم يجز صرف ذلك إلى أوحش وجه وثمة لأحسن ذلك مساغا\" ٢.\nويعني بأوحش الوجوه ما تدلّ عليه النصوص من إثبات صفة الاستواء فالإثبات عنده من أوحش الوجوه لأن ذلك يستلزم التشبيه، والله منزه عن ذلك.\nلذا يرى صرف تلك النصوص بنوع من التأويل والمجاز إلى أحسن الوجوه - وهو في الحقيقة تحريف ومن أقبح الوجوه - وقد طبّق الماتريدي منهجه هذا، فقد أوّل نصوصا من الصفات إلى معانٍ توافق قاعدته، فأول صفة الاستواء إلى الاستيلاء والتمام ٣، والعلو إلى علو المرتبة وعلوه عن الأمكنة وتعاليه عن الحاجة وتعاليه عن أن يخفى عليه شيء ٤.\nويرد استدلال الإمام أبي حنيفة وغيره من السلف بنصوص الاستواء وبرفع الأيدي إلى السماء وقت الدعاء ويحرفه إلى أن المراد في رفع الأيدي إلى السماء أن السماء قبلة للدعاء تعبدا كتوجه المصلي إلى الكعبة وقت الصلاة ٥.\nومن هنا علم يقينا أن أبا منصور الماتريدي لم يلتق مع الإمام أبي حنيفة في رفضه للتأويل مما يؤكد\nعدم توافقهما. فالإمام أبو حنيفة ظلَّ\n_________\n١ تأويلات أهل السنة ١/٨٤.\n٢ كتاب التوحيد للماتريدي ص٧٤.\n٣ كتاب التوحيد ص٧٠، ٧١، ٧٣، ٧٤.\n٤ كتاب التوحيد ص٧٠، ٧١.\n٥ كتاب التوحيد ص٧٣، ٧٥، ٧٦.","vol":"1","page":586},{"text":"وفيًا للنصوص دون تأويل ظاهرها، أو تحريف لها عن معانيها. وهو يرفض التأويل ويمنعه كما تقدّم ذكره، بينما أبو منصور الماتريدي يدعو إلى التأويل أو التفويض لوحشة الإثبات عنده والله المستعان.\nثالثا - علم الكلام بين القبول والرفض:\nموقف أبي حنيفة من علم الكلام:\nيقوم علم الكلام على دعامتين أساسيتين هما اتخاذ العقل أساسا - ومن هنا يوجبون تقديمه على النقل - والجدل.\nومن الطبيعي أن يرفض الإمام أبو حنيفة علم الكلام بعد ما تضلع فيه؛ حيث أدرك خطورته على الدين وضرره على العقيدة خاصة؛ ومن هنا كان أبو حنيفة وأبو يوسف ينهيان عن الجدل وطلب الدين بالكلام.\nولا بأس أن أذكر نصا واحدا.\nقال أبو حنيفة لأحد أصحابه لما سأله عن العَرَض قال: \"\"مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة\" ١.\nلذا قال محمد بن الحسن: \"كان أبو حنيفة يحثنا على الفقه وينهانا عن الكلام\" ٢.\nويقول في هذا ابن خزيمة: \" ... أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وأبو يوسف ... ينهون عن الخوض فيه - يعني الكلام - ويدلون أصحابهم على الكتاب والسنة\" ٣.\n_________\n١ ذم الكلام \"ق١٩٤/ب\".\n٢ ذم الكلام \"ق١٩٦/ب\".\n٣ ذم الكلام \"ق٢٣٣/ب\" عن ابن خزيمة.","vol":"1","page":587},{"text":"وقال البزدوي: \"ونحن نتبع أبا حنيفة فإنه إمامنا ... وإنه كان يجوِّز تعليمه وتعلّمه والتصنيف فيه ولكن في آخر عمره امتنع عن المناظرة فيه ونهى أصحابه عن المناظرة فيه\" ١.\nوقد يتثبّت بعض من يشتغل بعلم الكلام من الحنفية في الفرار عن أقوال أبي حنيفة في ذم الكلام، بأن مراد أبي حنيفة وكل من ذمّ علم الكلام من السلف هو علم الكلام المذموم الذي كان عليه الجهمية والمعتزلة، أما علم الكلام الذي ينتحلونه فلا يدخل تحت ذلك الذم لأنه علم كلام محمود ٢.\nوالجواب عن هذا الإشكال أن علم الكلام كله مذموم ليس فيه حسن وسيّء. ومثل هذه الشبهة مثل من قسم البدعة إلى حسنة وسيئة.\nوالبرهان على ذلك أن علم الكلام الذي ذمه السلف وذم المشتغلين به ذما شديدا هو علم الكلام الذي من نتيجته وثمرته نفي صفات الله.\nكالعلو، والاستواء، والنزول، والقول بخلق القرآن، والقول بالكلام النفسي، والقول بتقديم العقل على النقل. وهذا كله موجود عند كثير من الماتريدية والأشاعرة.\nقال الإمام أحمد: \"لا أحب الكلام في هذا إلا ما كان في كتاب الله أو حديث عن رسول الله ﷺ أو الصحابة أو التابعين، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود\" ٣.\n_________\n١ أصول الدين للبزدوي ص٤.\n٢ انظر شرح العقائد النسفية للتفتازاني ص٧؛ وشرح الإحياء للزبيدي ٢/٥٢، ٥٣.\n٣ درء تعارض العقل والنقل ٧/١٥٥.","vol":"1","page":588},{"text":"وقال ابن القيم: \"قال شيخنا والكلام الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه وذم أصحابه والنهي عنه وتجهيل أربابه وتبديعهم وتضليلهم هو هذه الطرق الباطلة التي بنوا عليها نفي الصفات والعلو والاستواء على العرش وجعلوا بها القرآن مخلوقا ونفوا بها رؤية الله في الدار الآخرة وتكلمه بالقرآن، وتكليمه لعباده، ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، فإنهم سلكوا فيه طرقا غير مستقيمة واستدلوا بقضايا متضمنة بالكذب، فلزمهم بها مسائل خالفوا بها نصوص الكتاب والسنة وصريح المعقول\" ١.\nفلا شك أن ما هم عليه داخل في علم الكلام المذموم الذي ذمه أبو حنيفة والسلف.\nلذا يقول شيخ الإسلام في معاصريه من المتكلمين: \"وهم في الحقيقة لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا\" ٢.\nويقول فيهم: \"يسفسطون في العقليات ويقرمطون في السمعيات\" ٣.\n_________\n١ الصواعق المرسلة ٤/١٢٦٦-١٢٦٧.\n٢ شرح حديث النزول ص١٦٣.\nومجموع الفتاوى ٥/٣٣، ٤٤.\nوجامع الرسائل ٢/٣٣.\n٣ شرح حديث النزول ص١٩٦.\nومجموع الفتاوى ٣/٩.\nودرء تعارض العقل والنقل ١/٢١٨.\nوالتدمرية ص١٩.","vol":"1","page":589},{"text":"موقف أبي منصور الماتريدي وأتباعه من علم الكلام:\nأما موقف أبي منصور الماتريدي وأتباعه من علم الكلام فهو على خلاف منهج أبي حنيفة فقد توغّلوا في علم الكلام واعتقدوا أنه هو العلم الحق بل هو أشرف العلوم وأعلاها، لأنه منجٍ من غياهب الشكوك وظلمات الأوهام ١.\nوإليك شواهد تصدق ما قلناه.\n١- إن الإمام الماتريدي ألّف كتابا في التوحيد وهو مطبوع متداول، وكل من نظر فيه عرف أنه كتاب الفلسفة والمنطق والكلام. وهو مكتظ بتعطيل الصفات وتحريف نصوصها فهو ليس كتاب توحيد في الحقيقة بل كتاب تعطيل للنصوص الشرعية. وهو شاهد عدل على ما قلناه.\n٢- إن الإمام أبا منصور الماتريدي، لأجل توغّله في علم الكلام ألّف في تفسير القرآن كتابا بعنوان: \"تأويلات أهل السنة\"، والناظر فيه يعرف بسهولة أنه مكتظ بعلم الكلام وتعطيل كثير من الصفات وتحريف نصوصها فهو حري بأن يسمى \"تأويلات أهل البدع\"؛ لأن تأويل الصفات ليس بمذهب السلف في شيء لا الإمام أبو حنيفة ولا غيره من الأئمة.\n٣- أن هناك جما غفيرا من الماتريدية أفنوا أعمارهم وأنهكوا قواهم في علم الكلام درسا وتدريسا أمثال أبي اليسر البزدوي وأبي المعين النسفي ونور الدين الصابوني ونجم الدين النسفي وحافظ الدين النسفي والتفتازاني والجرجاني وكمال الدين البياضي وعبد العزيز الفهريهاري كل هؤلاء يعظمون علم الكلام ويرونه أساسا للدين.\n_________\n١ انظر شرح العقائد النفسية ص٢، ٣.","vol":"1","page":590},{"text":"٤- إنهم أثنوا وبجّلوا علم الكلام في مقدمات كتبهم وإليك نصا واحدا على سبيل المثال:\nقال التفتازاني شارح العقيدة النسفية: \"فإن مبنى علم الشرائع والأحكام وأساس قواعد - الإسلام هو علم التوحيد والصفات الموسوم \"بالكلام\" المنجي من غياهب الشكوك وظلمات الأوهام\" ١.\nومن هنا علمنا يقينا أن الماتريدية لم يلتقوا مع الإمام في - رفضه علم الكلام بل نجد أنهم توغّلوا في علم الكلام ولم يسلكوا طريقا غيره. وهكذا بمقارنة منهج الماتريدي وأتباعه بمنهج أبي حنيفة وجدنا أن أبا حنيفة سلفي يثبت ما تدلّ عليه نصوص الكتاب والسنة، ولا يبتعد عنهما أو يتجاوزهما برأي أو تأويل، ولم يعطل النصوص أو يهملهما، بل كان إعماله لها حتى ولو استوحشتها أسماع أهل الكلام، بينما يظهر لنا بعد الماتريدي وأتباعه عن منهج الإمام أبي حنيفة، حيث جعلوا العقل أصلا، وقدّموه على الشرع، وصرفوا النصوص الشرعية بتأويلاتهم العقلية المحتملة، واتخذوا علم الكلام مطية ذلك.\nومن هنا كان الخلاف بين المنهجين واضحا وإذا كان الأمر هكذا في المنهج فماذا عن التطبيق؟\nهذا ما سأتناوله في الفقرة التالية إن شاء الله.\n_________\n١ شرح العقائد النسفية ص٢، ٣.","vol":"1","page":591},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>المبحث الثاني: المقارنة في مسائل أصول الدين</span>\nأولا - الاستدلال على وجدود الله:\nيتضح مما سبق أنا أبا حنيفة سلط طريقة القرآن الكريم في الاستدلال على وجود الخالق، مستغنيا بها عن أدلة المتكلمين من معاصريه ومناهجهم. ورأينا كيف كان تطبيقه لهذا المنهج في الاستدلال على وجود الله؛ حيث استدل بالفطرة السليمة المضطرة بطبعها إلى الإقرار بوجود الله تعالى، والاعتراف بالخالق، وإن طرأ فساد على هذه الطريقة فقد يزول بالتذكير والتعليم والإرشاد. ومن هنا كانت مهمة الأنبياء والدعاة إلى الله الدعوة والتذكير والإرشاد.\nوترتكز دلالة الفطرة عند الإمام أبي حنيفة على نوعي الآيات في الأنفس والآفاق.\nقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ \"سورة فصلت: الآية٥٣\".\nفالتفكر في ملكوت السموات والأرض وفي الأنفس هو الطريق إلى الاستدلال على الخالق بالمخلوق.","vol":"1","page":592},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ \"سورة الذاريات: الآية٢١\".\nوقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ \"سورة الطارق: الآيات من٥-٧\".\nوقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا﴾ \"سورة عبس: الآيات٢٤-٢٦\".\nفهذه النصوص الشرعية تثبّت العقيدة في النفوس عن طريق مخاطبة الفطرة وبهذا يمكن الاستغناء بها عن الطرق الكلامية الغامضة.\nهذا ملخص لمنهج الإمام أبي حنيفة للاستدلال على وجود الله.\nأما أبو منصور الماتريدي فقد استدل على وجود الله بالآتي:\nطريقة الحدوث:\nمن أشهر أدلة المتكلمين في الاستدلال على وجود الله دليل الحدوث وهو إثبات حدوث العالم، وذلك أن العالم عندهم جواهر وأعراض، والجواهر لا تنفك عن الأعراض، والأعراض حادثة وما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث، فالعلم إذن حادث.\nقال أبو منصور الماتريدي: \"الأعيان حادثة بشهادة الخبر والحس والعقل ... فأما الخبر فما ثبت عن الله تعالى من وجه يعجز البشر عن دليل مثله لأحد إنه أخبر أنه خالق كل شيء وبديع السموات والأرض وأن له ملك ما فيهن ... وعلم الحس وهو أن كل عين من الأعيان يحس محاط بالضرورة مبنىً١ بالحاجة والقدم هو شرط الغنى، لأنه يستغني بقدمه عن\n_________\n١ قال محقق الكتاب في الحاشية غير منقوطة في الأصل ويظهر والله أعلم أن الصواب \"منبئ\".","vol":"1","page":593},{"text":"غيره والضرورة والحاجة يحوجانه إلى غيره فلزم به حدثه ... وعلى ذلك طريق علم الاستدلال مع أنه لا يخلو الجسم من حركة أو سكون وليس لهما الاجتماع فيزول من جملة أوقاته نصف الحركة ونصف السكون وكل ذي نصف متناه على أنهما إذ لا يجتمعان في القدم؛ لزم حدوث أحد الوجهين ويبطلانه أن يكون محدثا في الأزل لزم في الآخر وفي ذلك حدث ما لا يخلو عنه ... ودليل آخر أن العالم لا يخلو من أن يكون قديما على ما عليه أحواله من اجتماع وتفرق بحركة وسكون وخبيث وطيب وحسن وقبيح وزيادة ونقصان وهن حوداث بالحس والعقل إذ لا يجوز اجتماع الضدين، فثبت التعاقب وفيه الحدث وجميع الحوادث تحت الكون بعد إن لم تكن فكذلك ما لا يخلو عنها ولا يسبقها أو كان إنشاء عن أصل لا بهذه الصفة أو انتقل إليها باعتراضها فيه فإن كان كذلك ثبت أن هذا العلم حادث\"١.\nفإذا ثبت حدوث الأجسام، فالأجسام لا تجتمع ولا تفترق بنفسها، ولا هي قادرة على إصلاح ما فسد في حال قوتها وكمالها، وإذا كانت الطبائع المتضادة المتنافرة لا تجتمع بنفسها؛ فلا بد من قاهر يقهرها على غير طبعها وهو الله ٢.\nفيتضح مما سبق أن الماتريدي يستدل على وجود الخالق بحدوث الأجسام المبني على حدوث الأعراض وهي طريقة عقيمة تقوم على مقدمات غامضة بعيدة، إذ لا بد لهم لتحقيق هذه الطريقة من أمور سبعة:\n_________\n١- إثبات الأعراض.\n٢- إثبات لزومها للجسم.\n١ كتاب التوحيد ص١١-١٣ بتصرف.\n٢ انظر كتاب التوحيد ص١٧-١٩ بتصرف.","vol":"1","page":594},{"text":"٣- إبطال حوادث لا أول لها.\n٤- إلزام حوادث لا نهاية لها.\n٥- إثبات الجوهر الفرد.\n٦- إلزام كون العرض لا يبقى زمانين.\n٧- إثبات تماثل الأجسام. ١\nومعلوم أن إثبات هذه المقدمات كلها تعتمد على مباحث طويلة وإبطال الشبهات حولها دونها خرط القتاد فكيف يكون مثل هذه المقدمات الخفية الصعبة على الأفهام دليلا على ما هو أوضح من كل شيء ٢.\nفإثبات وجود الله لا يحتاج إلى أمثال هذه المقدمات الخفية البعيدة عن الأفهام بل الله ﷾ دليل على كل شيء، وعلى هذا فطر بني آدم، إذ وجوده أوضح لدى الفطر من الشمس في رابعة النهار ولنعم ما قال القائل:\nوليس يصح في الأذهان شيء\nإذا احتاج النهار إلى دليل ٣\nوأعظم ما في طرقهم من الفساد أن الأدلة التي أقاموها على إثبات وجود الله هي في الحقيقة أدلة على نفي وجود الله بل على امتناعه ٤.\n_________\n١ انظر مختصر الصواعق: ص١ ط/مكتبة الرياض الحديثة، وص١٢٨ ط/ دار الندوة الجديدة.\n٢ راجع مناهج الأدلة لابن رشد ص١٣٥-١٣٧؛ ومفتاح دار السعادة ٢/١٩٩-٢٠٠، ط/ دار الكتب العلمية.\n٣ مدارج السالكين ١/٧١؛ والصواعق المرسلة ٤/١٢٢١.\n٤ راجع رسالة في الصفات الاختيارية ضمن جامع الرسائل ٢/٣٢؛ وضمن مجموع الفتاوى ٦/٢٣٩؛ والصواعق المرسلة ص٩٦٢-٩٨٨ح ومختصر الصواعق ١/١٩٦-٢٠١، ط/ دار الرياض الحديثة، وص١٢٦-١٣٠، ط/ دار الندوة الجديدة.","vol":"1","page":595},{"text":"ومن أعظم ما يدل على فساد هذه الطريقة أنها هي التي نفيت بها الأفعال الاختيارية، بل نفت الجهمية عن الله سائر صفاته، وهي ثابتة بالسمع والعقل، فأسماؤه وصفاته حق، وكل ما يدل على نفي الحق فهو باطل قال ابن القيم: \"فلزمهم من سلوك هذه الطريق إنكار كون الرب تعالى فاعلا في الحقيقة وإن سموه فاعلا بألسنتهم فإنه لا يقوم به عندهم فعل، وفاعل بلا فعل كقائم بلا قيام، وضارب بلا ضرب، وعالم بلا علم، وضم الجهمية إلى ذلك أنه لو قام به صفة لكان جسما، ولو كان جسما لكان حادثا، فيلزم من إثبات صفاته إنكار ذاته فعطّلوا صفاته وأفعاله\" ١.\nوكذلك يستدل أبو منصور الماتريدي بدليل آخر هو:\nما في العالم من حكم عجيبة ونظام دقيق وتناسق بديع وكل هذا يدل على أن للعالم خالقا مدبرا حكيما ٢.\nومن هنا يتفق مع الإمام أبي حنيفة في الاستدلال بالمخلوق على الخالق ويختلف معه في الاستدلال بحدوث الأجسام المبني على حدوث الأعراض.\nثانيا - التوحيد\nويتناول أنواع التوحيد وأول واجب على المكلف.\n\"أ\" أنواع التوحيد:\nالتوحيد عند الإمام أبي حنيفة معروف بأقسامه وقد تقدم بيانه.\n_________\n١ مختصر الصواعق ١/١٩٩-٢٠٠.\n٢ انظر كتاب التوحيد ص٢١-٢٣، ٢٩.","vol":"1","page":596},{"text":"أما عند الماتريدية فالتوحيد أنواع ثلاثة:\n١- توحيد الذات فالله لا قسيم له أي لا يتبعض ولا يتجزأ ١.\n٢- وتوحيد في الصفات فالله لا شبيه له.\n٣- وتوحيد في الأفعال والصنع فالله لا شريك له.\nوفي ذلك يقول الملا علي القاري: \"واحد في ذاته واحد في صفاته وخالق لمصنوعاته\" ٢.\nويقول البابرتي: \"وعبر بعض أصحابنا عن التوحيد فقال: هو نفي الشريك والقسيم والشبيه، فالله تعالى واحد في أفعاله لا يشاركه أحد في إيجاد المصنوعات وواحد في ذاته لا قسيم له ولا تركيب فيه، وواحد في صفاته لا يشبه الخلق فيها\" ٣.\nويقول الغنيمي الحنفي: \"الواحد صفة سلبية تقال على ثلاثة أنواع:\nالأول: الوحدة في الذات، والمراد بها انتفاء الكثرة عن ذاته تعالى بمعنى عدم قبولها الانقسام.\nوالثاني: الوحدة في الصفات والمراد بها انتفاء النظير عن ذاته في كل صفة من صفاته.\nوالثالث: الوحدة في الأفعال والمراد بها انفراده باختراع جميع الكائنات\" ٤.\n_________\n١ انظر العقائد النسفية مع شرحها للتفتازاني ص٣٩.\n٢ ضوء المعاني ص١٣.\n٣ شرح العقيدة الطحاوية للبابرتي ص٢٩.\n٤ شرح العقيدة الطحاوية للغنيمي ص٤٨.","vol":"1","page":597},{"text":"ولا يخفى أن من تدبر في توحيد الماتريدية يتبين له ما يلي:\nأولا: إنه لا يوجد عندهم توحيد الألوهية ولا اهتموا به، مع أن توحيد الألوهية هو المقصد الأعلى والهدف الأسمى من خلق الكون وما فيه وإنزال الكتب وإرسال الرسل كما تقدم بيانه.\nثانيا: اهتمامهم الكبير بتوحيد الربوبية فقد جعلوه هو المقصد الأعلى والغاية العظمى، مع أنه فطري لم يختلف فيه أهل الملل والنحل.\nثالثا: قصدهم بتوحيد الذات أن الله لا يتجزأ ولا يتبعض بل هو سبحانه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ١.\nوهذا حق، لكنهم أدخلوا فيه نفي كثير من الصفات كالوجه واليدين، وأدخلوا فيه نفي علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه. فهم يظنون أنه لو ثبت لله هذه الصفات لكان الله مركبا مبعضا. فكلامهم هذا من قبيل كلمة حق أريد بها باطل.\n\"ب\" أول واجب على المكلف:\nأول واجب على المكلف عند السلف شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.\nأما الماتريدية فقالوا: إن أول واجب على المكلف النظر والاستدلال المؤدي إلى المعرفة بالله، وأن معرفة الله ٢ واجبة بالعقل، ولو لم يكن الشرع ٣، وهم مقلدون في هذا المعتزلة.\n_________\n١ مجموع الفتاوى ٣/١٠٠.\n٢ إشارات المرام ص٨٤؛ وضوء المعاني ص٨٩؛ وشرح العقيدة الطحاوية للبابرتي ص٣٠.\n٣ إشارات المرام ص٥٦٣؛ ونظم الفرائدص٣٥؛ وشرح الإحياء ٢/١٩٠-١٩٣","vol":"1","page":598},{"text":"يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي: \"فاعلم أن الأدلة أربعة: حجة العقل، والكتاب والسنة، والإجماع، ومعرفة الله تعالى لا تنال إلا بحجة العقل\" ١، وقال: \"إن سأل سائل فقال: ما أول واجب أوجب الله عليك؟ فقل: النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى، لأنه تعالى لا يعرف ضرورة ولا بالمشهادة فيجب أن نعرفه بالتفكير والنظر\" ٢.\nفقولهم: إن أول واجب هو النظر مخالف للصواب، فالقرآن ليس فيه أن النظر أول الواجبات، ولا فيه إيجاب النظر على كل أحد، وإنما فيه أمر العباد ٣ بالنظر في خلق السموات والأرض.\nقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ \"سورة الروم: الآية٨\".\nثم إن النبي ﷺ لم يدْع أحدا من الخلق إلى النظر ابتداء ولا إلى مجرد إثبات الصانع، بل أول ما دلهم إليه الشهادتان ٤ وبذلك أمر أصحابه، من ذلك قوله لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: \"إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ... \" ٥.\nقال ابن المنذر: \"أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن\n_________\n١ شرح الأصول الخمسة ص٨٨.\n٢شرح الأصول الخمسة ص٣٩.\n٣ انظر درء تعارض العقل والنقل ٨/٨.\n٤ انظر درء تعارض العقل والنقل ٨/٦.\n٥ تقدم تخريجه ص٢١٠.","vol":"1","page":599},{"text":"الكافر إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن كل ما جاء به محمد حق وأبرأ إلى الله من كل دين يخالف دين الإسلام - وهو بالغ صحيح يعقل - فإنه مسلم، فإن رجع بعد ذلك فأظهر الكفر، كان مرتدا\".١\nوشهادة أن لا إله إلا الله هي أول واجب في الشرائع، فكل نبي يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ \" \"سورة هود: الآية ٦١\".\nوقال عن جميعهم: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ \"سورة النحل: الآية٣٦\".\nثالثا - الصفات:\nتقدم الكلام على عقيدة الإمام أبي حنيفة في الصفات الذاتية منها والفعلية، فأثبت جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة؛ إثباتا بلا تشبيه، وتنزيها بلا تعطيل. أما الإثبات عند الماتريدي وأتباعه فإنهم قد ضيّقوا دائرته، وتظاهروا بإثبات ثماني صفات فقط هي: \"الحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام والتكوين\"٢.\nولكن الحقيقة أنهم لم يثبتوا تلك الصفات الثماني كلها بل أثبتوا بعضها ونفوا بعضها.\nأما صفتا السمع والبصر فعامتهم يثبتونهما، وبعضهم يرجعهما إلى غيرهما ٣.\n_________\n١ درء تعارض العقل والنقل ٨/٧.\n٢ إشارات المرام ص١٠٧، ١١٤.\n٣ كابن الهمام في المسايرة ص٦٩، إذ أرجعهما إلى صفة العلم.","vol":"1","page":600},{"text":"وأما إثباتهم ١ لصفة الإرادة فليس كإثبات أبي حنيفة والسلف.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وإثبات إرادة كما ذكروه لا يعرف بالشرع ولا بالعقل بل هو مخالف للشرع والعقل، فإنه ليس في الكتاب والسنة ما يقتضي أن جميع الكائنات حصلت بإرادة واحدة بالعين تسبق جميع المرادات بما لا نهاية له وكذلك سائر ما ذكروه\" ٢.\nأما صفة الكلام فقد تظاهروا بإثباتها، ولكنهم في الحقيقة من أشدّ الناس تعطيلا لها، وتحريفا لنصوصها؛ لأنهم لم يثبتوا الكلام الذي دلّ عليه الدليل من الكتاب والسنة، بل أثبتوا لله ﷾ ما يسمونه بالكلام النفسي الذي لا يسمع وليس بحرف ولا صوت ٣.\nبل ليس إلا صفة للأخرس فلا يعرف هذا - أي الكلام النفسي - وأول من أحدثه ابن كلاب ثم تبعه الماتريدية والأشعرية ٤. أما صفة التكوين فهي عندهم مرجع لجميع الصفات الفعلية المتعدّية؛ كالإحياء والإماتة والتخليق وهي إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود. فهم وإن تظاهروا بإثبات هذه الصفة لكنهم في الحقيقة لا يعتبرونها صفة حقيقية لله\n_________\n١ قال شارح العقيدة النسفية: \"أمر وناهٍ ومخبر يعني أنه صفةٌ واحدة تتكثّر بالنسبة إلى الأمر والنهي والخبر باختلاف التعلقات كالعلم والقدرة وسائر الصفات فإن كلا منها واحدة قديمة والتكثّر والحدوث إنما هو في التعلقات والإضافات كما أن ذلك أليق بكمال التوحيد\" شرح العقائد النسفية ص٥٥-٥٦.\n٢ درء تعارض العقل والنقل ٨/٢٨٣.\n٣ انظر كتاب التوحيد للماتريدي ص٥٨-٥٩؛ وتبصرة الأدلة ١١٨/ب؛ والبداية من الكافية ص٦٠-٦١؛والعقائد النسفية ص٥٣-٥٨؛ وأصول الدين للبزدوي ص٦١؛ وإشارات المرام ص١٣٨-١٣٩؛ وبحر الكلام ص٢٩-٣٠.\n٤ انظر المواقف ص٢٩٣؛ والإنصاف ٩٦-٩٧؛ والإرشاد ص١٢٨-١٣٧.","vol":"1","page":601},{"text":"تعالى؛ لأنهم يزعمون أن الصفات الفعلية ليست قائمة بالله فرارا عن حلول الحوادث به ١.\nفالحاصل أن الماتريدية لا يثبتون من الصفات الثبوتية إلا صفة الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والتكوين على اضطراب في بعضها واختلاف في بعضها، أما ما عداها فهم يعطلونها مثل صفة الوجه واليدين والاستواء والنزول والغضب والرضا والمحبة، والكلام، والعلو.\nفعطلوا صفة الوجه، وصرفوا نصوصها إلى الذات ٢ والوجود ٣، وعطلوا صفة اليدين وصرفوا نصوصها إلى كمال القدرة ٤ أو الملك والمنة ٥.\nوعطلوا صفة الاستواء وصرفوا نصوصها إلى الاستيلاء ٦، وعطلوا صفة النزول وصرفوا نصوصها إلى اللطف والرحمة ٧.\nوعطلوا صفة الغضب، وصرفوا نصوصها إلى الانتقام ٨ أو إرادة الانتقام ٩.\n_________\n١ انظر التمهيد ص٢٨؛ والبداية للصابوني ص٦٧-٧٣؛ وشرح العقائد النسفية ص٥٣، ٦٣، ٦٩؛ والمسايرة ص٨٤، ٨٥، ٨٩؛ وإشارات المرام ص٥٣، ٢١٢؛ وشرح الفقه الأكبر للقاري ص٢٢، ٢٥؛ والنور اللامع ق٤٨/ب.\n٢ انظر مدارك التنزيل للنسفي ٢/٦٧٠؛ وتفسير أبي السعود ٧/٢٨.\n٣ إشارات المرام ص١٨٩.\n٤ إشارات المرام ص١٨٩.\n٥ بحر الكلام ص٢٠.\n٦ انظر كتاب التوحيد للماتريدي ص٧٢؛ وأصول الدين للبزدوي ص٢٩، وإتحاف السادة المتقين ٢/١٠٧-١٠٨.\n٧ شرح المواقف ٨/٢٥.\n٨ انظر عمدة القاري ٢٥/١١٥.\n٩ انظر مدارك التنزيل ١/٦.","vol":"1","page":602},{"text":"وعطلوا صفة الرضا، وصرفوا نصوصها إلى الثواب ١، وعطلوا صفة المحبة، وصرفوا نصوصها إلى إرادة الثواب ٢، أو الرضا ٣.\nوعطلوا صفة الكلام التي هي الحق، وأثبتوا لله صفة الكلام النفسي التي هي الباطل٤، وعطلوا صفة العلو ونفوها تماما، وأولوا نصوصها إلى علو الرتبة والمكانة ٥.\nرابعا - الإيمان:\nمباحث الإيمان من الأمور التي اعتركت الآراء حولها قديما وحديثا، والماتريدية لهم موقف من الإيمان وافقوا في بعض نواحيه الإمام أبا حنيفة ﵀ وخالفوه في بعضها، وإليك بيان ذلك:\n\"أ\" الموافقات\nاتفقت الماتردية مع أبي حنيفة في الأمور التالية:\nأولا: إخراج العمل عن مسمى الإيمان وأن الإيمان هو التصديق ٦.\n_________\n١ انظر شرح الفقه الأبسط لأبي الليث السمرقندي ص٣٣.\n٢ انظر عمدة القاري ٢٥/٨٤، ١٥٥.\n٣ انظر مدارك التنزيل ١/٢٠٩.\n٤ انظر كتاب التوحيد للماتريدي ص٥٨؛ والبداية للصابوني ص٦٠-٦١؛ وإشارات المرام ص١٣٨-١٣٩؛ والمسايرة مع المسامرة ص٨٢-٨٣؛ ونشر الطوالع ص٢٥٥؛ وضوء المعالي ص٢٩؛ وأصول الدين لأبي اليسر البزدوي ص٦١؛ وتبصرة الأدلة ١١/ب؛ والتمهيد ٢٣-٢٨، كلاهما لأبي المعين النسفي؛ والعمدة ٧/أ-ب، لحافظ الدين النسفي،؛ والعقائد النسفية لعمر النسفي مع شرحها للتفتازاني ٥٣-٥٨؛ وبحر الكلام ص٢٩.\n٥ شرح المواقف ٨/٢٤-٢٥؛ وشرح الفقه الأكبر للقاري ص١٧١.\n٦ انظر كتاب التوحيد للماتريدي ص٣٣٢، ٣٧٣، ٣٧٧؛ والبداية للصابوني =","vol":"1","page":603},{"text":"ثانيا: عدم زيادة الإيمان ونقصانه ١.\nثالثا: تحريم الاستثناء ٢.\nرابعا: عدم تكفير صاحب الكبيرة ٣.\n\"ب\" المخالفات\nتقدم أن مفهوم الإيمان عند الإمام أبي حنيفة مركب من أمرين التصديق بالقلب، والإقرار باللسان. فالإقرار باللسان شطر من الإيمان وداخل فيه. أما الماتريدي وجمهور أتباعه ٤ فقد جعلوا الإقرار باللسان خارجا عن حقيقة الإيمان، فالإيمان عندهم هو التصديق ٥، غير أنهم\n_________\n= ص١٥٢؛ والعقائد النسفية مع شرحها للتفتازاني ص١١٩؛ وأصول الدين للبزدوي ص١٥٣؛ وشرح المقاصد ٦/١٧٦، والعمدة للنسفي ص١٧/١.\n١ انظر أصول الدين للبزدوي ص١٥٣؛ وبحر الكلام للنسفي ص٤١-٥٢؛ والبداية من الكفاية ص١٥٥؛ والعقائد النسفية مع شرحها للتفتازاني ص١٢٣-١٢٨؛ والعمدة للنسفي ص١٧/أ.\n٢ انظر كتاب التوحيد للماتريدي ص٣٨٨-٣٩٢؛ والمسايرة ص٣٨١-٣٨٥؛ والبحر الرائق ٢/٤٦؛ والبداية ص١٥٥؛ وشرح الفقه الأكبر ص٢٠٨-٢١٢؛ وبحر الكلام ص٤٠.\n٣ انظر كتاب التوحيد ص٣٣٣-٣٣٤؛ والعقائد النسفية مع شرحها للتفتازاني ص١٠٦-١٠٨؛ وبحر الكلام ص٤٣-٤٤.\n٤ وإنما قلت: \"جمهور أتباعه\" لأن بعض الماتريدية ذهبوا إلى أن الإيمان هو التصديق والإقرار. صرح بذلك التفتازاني في شرح المقاصد ٥/١٧٦ الطبعة الجديدة؛ وشرح العقائد النسفية ص١٢٠، الطبعة الهندية؛ والمرعشي في نشر الطوالع ص٣٧٤. وانظر أيضا أصول الدين للبزدوي ص١٤٦؛ والعقائد النسفية ص١١٩-١٢٠؛ والمسايرة مع المسامرة ص٣٣٢-٣٣٣.\n٥ انظر بحر الكلام ص٣٨-٣٩؛ والمسايرة ص٣٣٠-٣٣١؛ والتمهيد لأبي المعين النسفي ص٢٦/ب؛ والبداية للصابوني ص١١٩-١٢٣؛ وشرح المقاصد ص٥/١٧٦، الطبعة الجديدة، كلاهما للتفتازاني؛ ونشر الطوالع ص٣٧٣-٣٧٤.","vol":"1","page":604},{"text":"جعلوا الإقرار شرطا لإجراء الأحكام الدنيوية فقط ١.\nوهذا النوع من الإرجاء الغالي.\nخامسا - القدر\nلم تختلف الماتريدية في مسائل القدر عن الإمام أبي حنيفة ولا عن بقية السلف وهذا من حسناتهم التي يشكرون عليها، وهم يثبتون أن الخير والشر من الله تعالى وإن كل ما يقع في الكون بمشيئة الله تعالى وإرادته، وأن أفعال العباد من خير وشر، خلقُ الله تعالى، وأن للعباد أفعالا اختيارية يثابون عليها ويعاقبون عليها، وأن العبد مختار في أفعاله التكليفية وله قدرة عليها، وليس مجبورا بفعلها، فهو يفعل الخير والشر بقدرته التي منحه الله إياها. ولا شكّ أنه فرّق بين حركة المرتعش والباطش فالأول بدون اختياره والثاني على اختياره. وصرّحوا بأن أفعال العباد خلق الله وبكسبهم واختيارهم وقدرتهم وإرادتهم، ومن أحسن من حرّر هذا الموضوع عمر النسفي أحد أئمة الماتريدية وفصّله التفتازاني شارحا لكلامه، حيث قال: \"والله تعالى خالق لأفعال العباد من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان لا كما زعمت المعتزلة أن العبد خالق لأفعاله\".\nوقال: \"وهي أفعال العباد كلها ومشيئته تعالى وتقدس ... وحكمه وقضيّته أي قضاءه ... وتقديره وهو تحديد كل مخلوق بحدّه الذي\n_________\n١ شرح الضوء اللامع ص١٩-٢٠؛ والتمهيد لأبي المعين النسفي ص٢٦/ب؛ والعمدة، لحافظ الدين النسفي ص١٧/أ؛ وشرح العقائد النسفية ص١٢١؛ وشرح المقاصد ص٥/١٧٨-١٧٩؛ الطبعة الجديدة كلاهما للتفتازاني، والمسايرة مع المسامرة ص٣٣٤؛ ونشر الطوالع ص٣٧٤-٣٧٥؛ والجوهرة المنيفة ص٣؛ ومختصر شرح الطحاوية للشيخ يونس الخالص الأفغاني ص٩.","vol":"1","page":605},{"text":"يوجد من حسن وقبح ونفع وضرر وما يحويه من زمان أو مكان وما يترتب عليه من ثواب أو عقاب\".\nوقال: \"وللعباد أفعلا اختيارية يثابون بها إن كانت طاعة، ويعاقبون عليها إن كانت معصية، لا كما زعمت الجبرية أنه لا فعل للعبد أصلا وأن حركاته بمنزلة حركات الجمادات لا قدرة عليها ولا قصد ولا اختيار، وهذا باطل لأنا نفرّق بالضرورة بين حركة البطش وحركة الارتعاش، ونعلم أن الأول باختياره دون الثاني إلى آخر ما قالاه١.\nسادسا - النبوات:\nيظهر للباحث في كتب الماتريدية أن مذهبهم في النبوة: أنها ليست راجعة للمشيئة المحضة حتى يكون إرسال الرسل وعدمه سواء، بل راجع أيضا إلى حكمة الله تعالى؛ فإرسال الرسل لا يخلو من حكمة الله ومصالح للعباد وسد لحوائجهم ٢ خلافا للأشاعرة.\nوطرق إثبات ٣ نبوة محمد ﷺ عندهم بالأمور الآتية:\nالأول: ما تواتر من أحوال النبي ﷺ الشخصية والخُلقية والخِلقية وسيرته وأمانته وصدقه وشجاعته وجوده وكرمه ونحوها قبل البعثة وبعدها وتركه متاع الدنيا مع اقتداره عليه.\n_________\n١ العقائد النسفية مع شرحها للتفتازاني ص٧٥-٨٣.\nوانظر كتاب التوحيد للماتريدي ص٢١٥، ٣١٤؛ والمسايرة ص١١٩-٢٢٠،والنبراس ص٢٧٦.\n٢ العقائد النسفية مع شرحها ص١٣٢-١٣٣.\n٣ انظر العقائد النسفية مع شرحها للتفتازاني ص ١٣٤-١٣٧؛ والتوحيد للماتريدي ص٣٠٢-٣٠٣؛ والبداية للصابوني ص٨٩-٩٣.","vol":"1","page":606},{"text":"الثاني: أنه نُقل عنه معجزات كثيرة مثل شق القمر ومكالمة الحيوانات ونبوع الماء من بين أصابعه وتكثيره الطعام والشراب القليل ونحوه وجنس الواقع من ذلك قد بلغ حدّ التواتر وتفصيل ذلك مذكور في كتب السير.\nالثالث: أنه أتى بقرآن معجز، مع أنه كان أميا لم يكتب ولم يقرأ، وكان من قوم لا كتاب لهم، وتحدّى به البلغاء مع كمال بلاغتهم فعجزوا عن معارضته بأقصر سورة كما قال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ \"سورة البقرة: الآية٢٣\".\nأظهر الله دينه على الدين كله فهذا يدل دلالة قاطعة على كونه نبيا، هذا فيما يتصل بطرق النبوة.\nولم أقف لأبي حنيفة على نص في قضيّة طرق إثبات النبوة تفصيلا، وهل هي راجعة إلى المشيئة المحضة أم إلى الحكمة؟\nوإنما تكلم عن العصمة، فقد صرح أن الأنبياء كانت منهم زلات وخطايا ١.\nلكن نجد أن بعض الماتريدية من مشايخ سمرقند قد منعوا إطلاق اسم الزلة على ما صدر من الأنبياء من خطأ أو هفوة بل قالوا:\nإنما يقال فعلوا الفاضل، وتركوا الأفضل فعوتبوا عليه ٢. بل صرح أبو منصور الماتريدي أن النبي ﷺ لم يعرف منه هفوة ٣، وهذا ظاهر المخالفة لما تضمنه قول الإمام أبي حنيفة، لأن الهفوة والزلة معناهما متقارب.\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠٣.\n٢ مدارك التنزيل ١/٤٣.\n٣ كتاب التوحيد ص٢٠٢.","vol":"1","page":607},{"text":"لذلك نرى لأمثال هؤلاء المغالين من الماتريدية في عصمة الأنبياء لمنع صدور الذنوب منهم مطلقا موقفا خطيرا من نصوص الكتاب والسنة التي تجوِّز على الأنبياء صدور جنس الذنوب والخطأ منهم. فما كان من قبيل أخبار الآحاد ردّوها صريحا وما كان من المتواتر حرفوها تحريفا قبيحا١.\nولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن أمثال هؤلاء المحرفين لنصوص الكتاب والسنة ما نصه: \"والمنكرون لذلك - أي لجواز صدور الصغائر من الأنبياء - يقولون في تحريف القرآن ما هو من جنس قول أهل البهتان ويحرفون الكلم عن مواضعه ويقول: والرادون لذلك تأولوا ذلك بمثل تأويلات الجهمية والقدرية والدهرية لنصوص الأسماء والصفات ونصوص القدر ونصوص المعاد وهى من جنس تأويلات القرامطة الباطنية التي يعلم بالاضطرار أنها باطلة وأنها من باب تحريف الكلم عن مواضعه ٢.\nوقال: \"وهؤلاء يقصد أحدهم تعظيم الأنبياء فيقع في تكذيبهم ويريد الإيمان بهم فيقع في الكفر بهم\"٣.\nسابعا - اليوم الآخر:\nاتفق المسلمون بل وأهل الملل السماوية على الإيمان باليوم الآخر والتصديق بما أخبرت به الرسل من البعث والجزاء والجنة والنار، كما اتفق\n_________\n١ شرح العقائد النسفية ١٤٠؛ وحاشية الكستلي على شرح العقائد ص١٧١-١٧٢؛ والنبراس ص٤٥٥-٤٥٧.\n٢ منهاج السنة ١/٢٢٧؛ الطبعة القديمة؛ ومجموع الفتاوى ١٠/٣١٣-٣١٤.\n٣ مجموع الفتاوى ١٠/٢٩٥، ٣١٣، ٣١٤.","vol":"1","page":608},{"text":"سلف هذه الأمة وأئمتها على التصديق بما أخبر به النبي ﷺ بما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه ونعيمه والبعث والحشر والنشر والصحف والميزان والحساب والصراط والحوض والشفاعة وأحوال الجنة والنار وما أعد الله لأهلهما جملة وتفصيلا.\nقال الأشعري:\"باب ذكر ما أجمع عليه السلف من الأصول التي نبهوا بالأدلة عليها.. وأجمعوا على أن عذاب القبر حق وأن الناس يفتنون في قبورهم بعد أن يحيوا فيها ويسألون فيثبت الله من أحب نبيه، وأنهم لا يذوقون فيها ألَم الموت كما قال تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاّ الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ \"سورة الدخان: الآية٥٦\".\nوعلى أنه ينفخ في الصور قبل يوم القيامة ويصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وعلى أن الله تعالى يعيدهم كما بدأهم حفاة عراة غرلا، وأن الأجساد التي أطاعت وعصت هي التي تبعث يوم القيامة، وكذلك الجلود التي كانت في الدنيا والألسنة والأيدي والأرجل هي التي تشهد عليهم يوم القيامة، وأن الله تعالى ينصب الموازين لوزن أعمال العباد فمن ثقلت موازينه أفلح ومن خفت موازينه خاب وخسر وأن كفة السيئات تهوي إلى جهنم وأن كفة الحسنات تهوي عند زيادتها إلى الجنة، وأن الخلق يؤتون يوم القيامة بصحائف فيها أعمالهم فمن أوتي كتابه بيمينه حوسب حسابا يسيرا ومن أوتي كتابه بشماله فأولئك يصلون سعيرا\"١.\nووافقت الماتريدية السلف عامة وأبا حنيفة خاصة بالإيمان بالآخرة بما فيها الحشر والنشر وأحوال البرزخ والجنة والنار والميزان والصراط\n_________\n١ رسالة إلى أهل الثغر ص٦٢، ٨٨، ٨٩، تحقيق مجد الدين الجنيد ط/ دار اللواء.","vol":"1","page":609},{"text":"والشفاعة وقالوا: إنها من الأمور الممكنة أخبر بها الصادق ونطق بها الكتاب والسنة فتحمل هذه النصوص على ظاهرها١.\nثامنا - الصحابة والإمامة:\nلا يختلف موقف عامة الماتريدية من الصحابة عن موقف أهل السنة والجماعة بمن فيهم الإمام أبو حنيفة ﵀. فيقولون إن أفضل البشر بعد نبينا محمد ﷺ: \"أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين ثم عليّ المرتضى على ترتيب خلافتهم وما وقع بين الصحابة من حروب كان خطأً عن اجتهاد فيجب الكف عن الطعن فيهم. والطعن فيهم إما كفر أو بدعة أو فسق، والخلافة الراشدة ثلاثون سنة، وأن المسلمين لا بد لهم من إمام لتنفيد الأحكام وإقامة الحدود وسد الثغور وتجييش الجيوش وأخذ الصدقات وقهر الغلبة والمتسلطة وقطاع الطرق وإقامة الجمعة والأعياد وقطع المنازعات وأن يكون الإمام ظاهرا لا مختفيا ولا منتظرا وأن يكون من قريش ولا يشترط أن يكون معصوما وأنه تجوز الصلاة خلف كل بر وفاجر ولا يجوز الخروج على الإمام الجائر\"٢.\n_________\n١ انظر شرح العقائد النسفية ص٩٩-٠١؛ والبداية ١٥٨؛ والنبراس ص٣١٧.\n٢ انظر العقائد النسفية مع شرحها ص١٤٨-١٦٣؛ والبداية للصابوني ص١٠٠-١٠٥؛ وأصول الدين للبزدوي ص١٧٨-١٩٨.","vol":"1","page":610},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>الفصل الثاني: مدى التزام الحنفية بعقيدة الإمام أبي حنيفة في التوحيد</span>","vol":"1","page":611},{"text":"الفصل الثاني: مدى التزام الحنفية بعقيدة الإمام أبي حنيفة في التوحيد\nانتسب إلى مذهب أبي حنيفة في القديم والحديث أناس كثيرون، منهم من وافقه في الأصول والفروع، ومن من وافقه في الفروع فحسب، وهم في الأصول على طريقة المتكلمين وهذا أمر اعترف به أحد علماء الحنفيّة فقد قال اللكنوي الحنفي ما نصه:\n:\"وتوضيحه أن الحنفية عبارة عن فرقة تقّلد الإمام أبا حنيفة في المسائل الفرعية ... سواء وافقته في أصول العقائد أم خالفته، فإن وافقته يقال لها \"الحنفية الكاملة\" وإن لم توافقه يقال له \"الحنفية\" مع قيد، يوضّح مسلكه في العقائد الكلامية، فكم من حنفيٍ حنفيٌّ في الفروع معتزلي عقيدةً ... وكم من حنفي حنفيٌّ فرعا مرجئ أو زيدي أصلا وبالجملة فالحنفية لها فروع باعتبار اختلاف العقيدة فمنهم الشيعة ومنهم المعتزلة ومنهم المرجئة ... \"١.\nثم بيّن النسبة بين الحنفية وبين أهل السنة فيذكر: أن النسبة بين الحنفية - بمعنى المتابعين له أصلا وفرعا - وبين أهل السنة عموما\n_________\n١ الرفع والتكميل ص٣٨٥ بتصرف، وأقره محقق الكتاب ص٣٨٧.","vol":"1","page":613},{"text":"وخصوصا، فكل حنفي بهذا المعنى من أهل السنة ولا عكس لأنه قد يكون من أهل السنة ولم يكن حنفيا كأهل السنة من المالكية والشافعية وغيرهم. فأهل السنة أعم مطلقا، والحنفية الكاملة أخص مطلقا، والنسبة بين أهل السنة وبين الحنفية - التابعة للإمام أبي حنيفة في الفروع بدون اشتراط موافقة العقيدة - عموم وخصوص من وجه، فمادة الافتراق من يكون حنفيا ولا يكون من أهل السنة - كالمرجئة الحنفية والمعتزلة الحنفية - أو يكون من أهل السنة وليس حنفيا أصلا كأهل السنة من الشافعية ونحوهم فهاتان المادتان مادتا الافتراق، أما مادة الاجتماع فمن يكون حنفيا فرعا وأصلا فهو من هل السنة أيضا.\nوالنسبة بين أهل السنة وبين الحنفية الناقصة - التابعة للإمام أبي حنيفة في الفروع فقط مع اختلاف في العقيدة نسبة تباين كلِّي كالحنفية المرجئة والحنفية المعتزلة ونحوهم ليسوا من أهل السنة\" ١.\nقلت: لقد ذكر العلامة عبد الحي اللكنوي في كلامه هذا خمس فرق تنتسب للحنفية وهي:\nأولا – الحنفية الكاملة.\nثانيا – الحنفية من الشيعة.\nثالثا – الحنفية من الزيدية.\nرابعا – الحنفية من المعتزلة.\nخامسا – الحنفية من المرجئة.\nوإليك بيان ذلك:\n_________\n١ انظر الرفع والتكميل ص٣٨٧. بتصرف","vol":"1","page":614},{"text":"أولا - الحنفية الكاملة:\nويعني بها اللكنوي من وافق الإمام أبا حنيفة في الفروع وأصول العقيدة وهذه أسماء ١ طائفة ٢ ممن انتسب ٣ إلى أبي حنيفة ممن وافقه ٤ في الاعتقاد سواء من تلامذته أو ممن جاء بعده وانتسب إلى مذهبه في الفروع.\n١- زفر بن الهديل ٥ المتوفى سنة ١٥٨هـ:\nكان من أصحاب الحديث ثم غلب عليه الرأي، وقفت له على كلام\n_________\n١ اكتفيت بذكر أسماء الموافقين لأبي حنيفة في الاعتقاد إلى القرن الرابع الهجري إذ في هذا القرن وبعده ظهر التقليد لأبي منصور الماتريدي وأبي الحسن الأشعري في الأصول ثم استحكمت أطنابه فيما بعد ذلك إذ مشى غالب الحنفية على عقيدة أبي منصور الماتريدي وذلك لانتشار علم الكلام في نواحي بلاد المسلمين في تلك الحقبة الزمنية وتغلب المتكلمين وتصدرهم في أماكن حسّاسة كالمدارس والقضاء والإفتاء والخطابة فزاحمت العقيدة الكلامية الماتريدية العقيدة السلفية التي عليها الإمام أبو حنيفة حتى أزالتها فلا يعرف حنفي إلا هو ماتريدي في الاعتقاد. هذا في الجملة وإلا فإنه يوجد فئات من الحنفية سلكت ما قرّره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه كابن أبي العز الحنفي شارح عقيدة الإمام الطحاوي.\n٢ رتبوا على حسب الوفيات.\n٣ ليعلم أن نسبة هؤلاء لأبي حنيفة نسبة التلميذ إلى شيخه لا نسبة المقلد إلى من يقلّده إذ التقليد لأبي حنيفة في الفروع لم ينشأ إلا في القرن الرابع فما بعد كما ذكر ذلك شاه ولي الله الدهلوي في حجة الله البالغة ١/١٥٢-١٥٣.\n٤ الموافقة في الجملة إذ لا يمنع أن تكون هناك مخالفة مع الإمام في قضية من قضايا الاعتقاد، ثم لا يمكن في هذا المقام الإحاطة بجميع عقيدة كل رجل لذا سأذكر موقفا واحدا له إن وجد أو كلاما له بين منهجه في الاعتقاد في الجملة أو كلام غيره فيه.\n٥ تقدم التعريف به في ص٨٨.","vol":"1","page":615},{"text":"حسن في الاتباع وذك الرأي وهو قوله: \"لا نأخذ بالرأي ما دام الأثر وإذا جاء الأثر تركنا الرأي\" ١.\n٢- إبراهيم بن طهمان المتوفى سنة ١٦٣هـ٢:\nكان شديدا على الجهمية ٣ حتى إنه أخر رحلته إلى الحج للردّ على الجهمية ٤ وألف في الرد عليهم كتابا بعنوان \"سنن ابن طهمان\" المطبوع باسم مشيخة ابن طهمان وهو أول كتاب وصل إلينا في الرد على الجهمية ٥، وذكره اللالكائي فيما أجمعوا على تكفير القائل بخلق القرآن ٦، ورُمي بشيء من الإرجاء وذكر ابن حجر أنه رجع عنه ٧. ٣- القاسم بن معن المسعودي المتوفى سنة ١٧٥هـ ٨:\nروى له أصحاب السنن، وثقه أحمد وأبو حاتم وقال عنه أبوداود: \"كان ثقة يذهب إلى شيء من الإرجاء\" ٩.\nوقال عنه ياقوت: \"كان فقيها على رأي أبي حنيفة ولقيه ... وكان عالما بالحديث والفقه والشعر والنسب وأيام الناس\" ١٠.\n_________\n١ الفوائد البهية ص٧٦.\n٢ انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ١/١٣١؛ وتاريخ بغداد ٦/١٠٧؛ والجواهر المضية ١/٨٦؛ والطبقات السنية ١/١٩٨-٢٠٠.\n٣ الجواهر المضية ١/٨٦؛ والطبقات السنية ١/١٩٨.\n٤ تاريخ بغداد ٦/١٠٧.\n٥ انظر مقدمة محقق كتاب مشيخة ابن طهمان ص٤٦٠٦.\n٦ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٣٠٦.\n٧ تهذيب التهذيب ١/١٣١.\n٨ انظر ترجمته في معجم الأدباء ١٧/٦؛ والجواهر المضيئة ٢/٧٠٩؛ والفوائد البهية ص١٥٤.\n٩ الفوائد البهية ص١٥٤.\n١٠ معجم الأدباء ١٧/٦.","vol":"1","page":616},{"text":"٤- يعقوب بن إبراهيم القاضي \"أبو يوسف\" المتوفى سنة ١٨٢هـ ١:\nقرّر الطحاوي عقيدة أبي يوسف وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن، أبي جعفر في الرسالة التي كتبها في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، ومن جملة ما قرره اعتقادهم في الإيمان أنه إقرار باللسان وتصديق بالجنان ٢ غير أن ابن حبان ذكر أنه يباين صاحبيه في الإيمان ٣.\nوذكره اللالكائي ٤ فيمن أجمعوا على تكفير القائل بخلق القرآن وروى اللالكائي عن أبي يوسف: \"من قال القرآن مخلوق فحرام كلامه وفرض مباينته\" ٥ وذكره اللالكائي فيمن منع الصلاة خلف القدرية ٦.\nوقال: \"لا أصلي خلف جهمي ولا رافضي ولا قدري\" ٧.\n٥- يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ٨ المتوفى سنة ١٨٣هـ:\nروى له الجماعة، وذكره اللالكائي فيمن أجمعوا على تكفير القائل\n_________\n١ تقدم التعريف به ض٩٣.\n٢ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٤٢.\n٣ الثقات ٧/٣٤٥.\n٤ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٢٧٧.\n٥ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٢٧٠.\n٦ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/٧٣٠.\n٧ رواه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد ٤/٧٣٣.\n٨ انظر ترجمته في الجواهر المضية ٣/١٨٥؛ والفوائد البهية ٢٢٤.","vol":"1","page":617},{"text":"بخلق القرآن١، وأقرّ قول مالك فيمن قال القرآن مخلوق بأنه كافر زنديق ٢.\n٦- محمد بن الحسن الشيباني ٣ المتوفى سنة ١٨٩هـ:\nقرر عقيدة محمد بن الحسن وأبي حنيفة وأبي يوسف، أبو جعفر الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، وذكره اللالكائي فيمن أجمعوا على تكفير القائل بخلق القرآن ٤ وكان لا يرى الصلاة خلف من قال القرآن مخلوق ٥، ويأمر من صلى خلف من يقول: القرآن مخلوق، بالإعادة ٦.\nوروى اللالكائي ٧ عن محمد بن الحسن أنه ذكر اتفاق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفات الرب ﷿.\n٨- حفص بن غياث القاضي ٨ المتوفى سنة ١٩٤هـ:\nروى له الجماعة، وذكره البخاري في علماء الأمصار الذين يقولون: إن القرآن كلام الله ٩، وكذا اللالكائي ذكره فيمن أجمعوا على تكفير\n_________\n١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٢٧٧.\n٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٢٤٩-٢٥٠\n٣ تقدم التعريف به ص٩١.\n٤ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٢٧٧.\n٥ العلو ص١١٣؛ ومختصر العلو ص١٥٨.\n٦ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٢٧١؛ والعلو ص١١٣.\n٧ تقدم تخريجه في ص٦٥٧ من هذه الرسالة.\n٨ انظر ترجمته في الجواهر المضية ٢/١٣٨-١٤١؛ والطبقات ٣/١٧٣، ١٧٧؛ والفوائد البهية ص٦٨.\n٩ خلق أفعال العباد ص٦٨-٦٩.","vol":"1","page":618},{"text":"القائل بخلق القرآن ١، فمن قال: القرآن مخلوق فهم عنده جهمية لا يناكحون ولا تجوز شهادتهم ٢، روى عنه البخاري حديث الصوت في صحيحه ٣.\n٩- أبو سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني ٤ المتوفى سنة ٢٠٠هـ:\nروى اللالكائي عن القاسم بن أبي رجاء قال: \"كنت عند أبي سليمان الجوزجاني وجاءه رجل فقال: مسألة بلوى فإن رجلين البارحة حلف أحدهما فقال: امرأتي طالق ثلاثا البتّة إن كان القرآن مخلوقا، وقال الآخر: امرأتي طالق ثلاثا إن لم يكن القرآن مخلوقا فقال: إن الذي حلف إن امرأته طالق إن لم يكن القرآن مخلوقا قد بانت منه امرأته\"٥.\nوروى اللالكائي عن محمد بن عبد الله الظاهراني قال: \"سمعت الجوزجاني - يعني موسى بن سليمان\" وسأله رجل عن مسألة فأفتى ثم قال له: إن المريسي يقول بخلاف هذا فقال الجوزجاني لمن حضره: أعجب من هذا سألني عن مسألة فأجبته، ثم حكى لي عن كافر\" ٦.\n١٠- معلَّى بن منصور الرازي٧ المتوفى سنة ٢١١هـ:\nروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه ووثقه ابن معين قال الذهبي\n_________\n١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٢٧٠.\n٢ خلق أفعال العباد ص٢٨.\n٣ انظر فتح الباري ١٣/٤٥٣؛ ولفظه: \"يقول الله: يا آدم فيقول لبيك وسعديك فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار\".\n٤ انظر ترجمته في الجواهر المضية ٣/٥١٨؛ والفوائد البهية ص٢١٦.\n٥ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٢٧١.\n٦ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/٣٨٤.\n٧ انظر ترجمته في الجواهر المضية ٣/٤٩٣؛ والفوائد البهية ص٢١٥.","vol":"1","page":619},{"text":"في الكاشف: \"قال العجلي: هو ثقة نبيل صاحب سنة طلبوه غير مرة للقضاء فأبى وكان من كبار أصحاب أبي يوسف ومحمد\" ١.\nوذكره اللالكائي فيمن كفر القائل بخلق القرآن ٢.\n١١- شداد بن حكيم القاضي ٣ البلخي المتوفى سنة ٢١٢هـ:\nذكره اللالكائي فيمن أجمعوا على تكفير القائل بخلق القرآن ٤.\n١٢- عبد الله بن دواد الخريبي٥ المتوفى سنة ٢١٣هـ:\nروى له الجماعة غير مسلم، وكان شديدا على الجهمية، فقد نقل عنه البخاري قوله: \"لو كان لي على المثنَّى الأنماطي سبيل لنزعت لسانه من قفاه وكان جهميا\" ٦.\n١٣- هشام بن عبيد الله الرازي٧ المتوفى سنة ٢٢١هـ:\nمن تلاميذ محمد بن الحسن وكان ليِّنا في الرواية قال عبد الرحمن بن حاتم: \"وجدت في كتاب عند أبي مما وضعه هشام في الرد على الجهمية قال هشام:\"وكان فيما سألتم في كتابكم عن أهل الجنة أنهم يرون ربهم قال هشام: ورد علينا في تفسير القرآن ومحكم الحديث أن الله جل ثناؤه يُرى في الآخرة ثم ذكر الروايات في تفسير القرآن والأخبار عن رسول الله ﷺ\"٨.\n_________\n١ الكاشف ٣/١٤٥؛ والفوائد البهية ص٢١٥.\n٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٢٨٨.\n٣ انظر ترجمته في الجرح والتعديل ٤/٣٣١؛ ومشايخ بلخ من الحنفية ١/٦٣.\n٤ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٣٠٨.\n٥ انظر ترجمته في الجواهر المضية ٢/٣٠٨؛ فقه أهل العراق ٦٣.\n٦ خلق أفعال العباد ص٢٣.\n٧ انظر ترجمته في الجواهر المضية ٣/٥٦٩-٥٧٠؛ والفوائد البهية ص٣١.\n٨ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٥٠٦.","vol":"1","page":620},{"text":"ونقل اللالكائي عن هشام قوله: \"الجهمية من زعم أن القرآن مخلوق\"١، وحبس رجل بتهمة التجهم حتى تاب ٢. وقال عن بشر المريسي: \"المريسي عندنا خليفة جهم بن صفوان الضال وهو ولي عهده ومثله عندنا مثل بلعم بن باعورا الذي قال الله فيه: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ \"سورة الأعراف: الآية١٧٥\"٣.\n١٤- الليث بن مساور البلخي٤ المتوفى سنة ٢٢٦هـ:\nذكره اللالكائي فيمن أجمعوا على تكفير القائلين بخلق القرآن ٥ وكان قاضيا ببلخ ولما ورد كتاب الخلافة بوجوب القول بخلق القرآن قال: \"الله أكبر ظهر الكفر ... كل من يقول بخلق القرآن فهو كافر ثم رمى عمامته على الأرض وخلع نفسه من القضاء\" ٦.\n١٥- إبراهيم بن يوسف ٧ الباهلي البلخي الماكياني المتوفى سنة ٢٣٩هـ:\nقال عنه ابن حبان: \"كان ظاهر مذهبه الإرجاء واعتقاده في الباطن السنة سمعت أحمد بن محمد بن الفضل يقول سمعت محمد بن داود الفوعي يقول: حلفت أن لا أكتب إلا ممن يقول الإيمان قول وعمل فأتيت إبراهيم بن يوسف - يعني الباهلي - فأخبرته فقال: أكتب عني فإني أقول\n_________\n١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٢٧١.\n٢ درء تعارض العقل والنقل ٦/٢٦٥؛ ومجموع الفتاوى ٥/٢٨٠\n٣ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٣٨٤.\n٤ انظر ترجمته في مشايخ بلخ من الحنفية ١/١٦٤.\n٥ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٣٠٨.\n٦ مشايخ بلخ ١/١٢٥، ١٦٤.\n٧ انظر ترجمته في الثقات ٨/٧٦؛ والجواهر المضية ١/١١٩؛ والطبقات السنية ١/٢٥٤-٢٥٥؛ والفوائد البهية ص١١، ١٢.","vol":"1","page":621},{"text":"الإيمان قول وعمل\" ١. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سمعت محمد بن الصديق يقول: \"سمعته - يعني إبراهيم بن يوسف - يقول القرآن كلام الله ومن قال: مخلوق فهو كافر بانت منه امرأته ولا يصلَّى خلفه ولا يصلّى عليه إذا مات ومن وقف فهو جهمي\" ٢.\n١٦- يحيى بن أكثم التميمي ٣ القاضي المتوفى سنة ٢٤٣هـ:\nروى عن محمد بن الحسن وسمع منه وروى عنه البخاري في غير الجامع والترمذي وذكره اللالكائي فيمن كفر القائلين بخلق القرآن ٤ وكان يقول: القرآن كلام الله فمن قال مخلوق يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه\" ٥.\nوقال عنه الإمام أحمد: \"ما عرفناه ببدعة\" ٦.\nوقال عنه الخطيب: \"كان يحيى سليما من البدعة ينتحل مذهب أهل السنة\" ٧.\n١٧- محمد بن أحمد بن حفص ٨ الزرقان المتوفى سنة ٢٦٤ـ:\nله كتاب الأهواء والرد على اللفظية وكان مرافقا للبخاري في الطلب٩.\n_________\n١ الثقات ٨/٧٦.\n٢ الطبقات السنية ١/٢٥٥.\n٣ انظر ترجمته في تاريخ بغداد ١٤/١٩١؛ والفوائد البهية ص٢٢٤.\n٤ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٢٩١.\n٥ تاريخ بغداد ١٤/١٩٨.\n٦ تاريخ بغداد ١٤/١٩٨.\n٧ تاريخ بغداد ١٤/١٩٨.\n٨ انظر الفوائد البهية ص١٩.\n٩ انظر الفوائد ص١٩.","vol":"1","page":622},{"text":"١٨- الحكم بن معبد الخزاعي ١ المتوفى سنة ٢٩٥هـ:\nمؤلف كتاب السنة ٢.\nقال عنه أبو نعيم: \"على مذهب الكوفيين صاحب أدب وغريب\" ٣.\n١٩- مقاتل بن فضل البخلي ٤:\nذكره اللالكائي فيمن أجمعوا على تكفير القائل بخلق القرآن٥ ...\nلم أقف على تاريخ وفاته.\n٢٠- أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي ٦ المتوفى سنة ٣٢١هـ:\nصاحب كتاب بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني. وما يعتقدون من أصول الدين.\nولا شك أنه أثبت من غيره في تقرير عقيدة الإمام أبي حنفة وذلك للآتي:\n١- الطحاوي عند أهل العلم ثقة ثبت قال عنه الذهبي: \"الإمام\n_________\n١ ترجمته في تاريخ أصبهان ١/٢٩٨؛ والجواهر المضية ٢/١٤٣؛ والطبقات السنية ٣/١٨٠.\n٢ الطبقات السنية ٣/١٨٠.\n٣ تاريخ أصبهان ١/٢٩٨.\n٤ انظر ترجمته في كتاب مشايخ بلخ ١/١٣١.\n٥ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٣٠٨.\n٦ انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٥/٢٧؛ والمنتظم ٦/٢٥٠؛ والجواهر المضية ١/١٠٢.","vol":"1","page":623},{"text":"العلامة الحافظ الكبير محدث الديار المصرية وفقيهها\"١.\nوقال عنه أبو سعيد بن يونس: \"كان ثقة ثبتا فقيها عاقلا لم يخلف مثله\" ٢.\n٢- إن جمهور العلماء تقلوا عقيدة الطحاوي بالقبول. قال السبكي الشافعي: \"جمهور المذاهب الأربعة على الحق، يقرون عقيدة الإمام أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها العلماء سلفا وخلفا بالقبول\"٣.\nوقال الناصري الحنفي: \"إن كتاب العقائد الذي رواه أبو جعفر الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد هو الذي اعتمد عليه أهل السنة والجماعة سلفهم وخلفهم\" ٤.\nوقال أبو المعين النسفي: \"إن أبا جعفر الطحاوي ممن احتوى على علوم سلف الأئمة على العموم، وعلى علوم أبي حنيفة وأصحابه على الخصوص. قال في كتابه الذي افتتحه في العقائد: صح عندي مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني وما يعتقدون من أصول الدين ويدينون به رب العالمين\"٥.\n٣- إن ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه يوافق في الجملة ما قرره أبو حنيفة في الكتب المنسوبة إليه، ثم إنه كذلك موافق لعقيدة سائر أئمة السنة باستثناء مسألة الإيمان.\n_________\n١ سير أعلام النبلاء ١٥/٢٧.\n٢ سير أعلام النبلاء ١٥/٢٩.\n٣ كتاب معيد النعم ومبيد النقم ص٦٢.\n٤ النور اللامع \"٦٩/أ\".\n٥ النور اللامع \"٢/ب\".","vol":"1","page":624},{"text":"بخلاف ما قرره الماتريدي، فقد دخلت عليه الفلسفة والكلام، ومن ثم دخلت عليه عقائد بدعية فلسفية، فالإمام الطحاوي محدّث ثقة ثبت فيما يقرر وينقل احتوى على علوم أبي حنيفة وأصحابه، ولم تدخل عليه المذاهب الكلامية.\nثانيا - الحنفية من المعتزلة:\nالمشهور أن المعتزلة هم أصحاب واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وقد تقدم أن اسمها يرجع إلى اعتزال إمامها واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري لقول واصل: إن مرتكب الكبيرة ليس كافرا ولا مؤمنا بل هو في منزلة بين المنزلتين. ولما اعتزل واصل مجلس الحسن البصري وانضم إليه عمرو بن عبيد وتبعهما أنصارهما قيل لهم معتزلة أو معتزلون ١.\nوللمعتزلة أصول خمسة هي: التوحيد وهو مرادف لإنكار الصفات ٢ والعدل وهو إنكار القدر وإنفاذ الوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمنزلة بين المنزلتين.\nوقد تسرب الاعتزال إلى الحنفية شيئا فشيئا حتى دخل الاعتزال إلى\n_________\n١ انظر الفرق بين الفرق ص١٤؛ والملل والنحل ١/٣٠.\n٢ لم تكن المعتزلة في بدء الأمر معطلة لجميع الصفات بل دخل عليهم التعطيل والقول بخلق القرآن من قبل جهم بن صفوان. قال الإمام أحمد فأضل بكلامه بشرا كثيرا وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة ووضع دين الجهمية. انظر الرد على الجهمية للإمام أحمد ص١٠٤؛ والفرق بين الفرق ص١٤، ١٥؛ والملل والنحل ١/٣٠؛ وصحيح مسلم ١/٣٦.","vol":"1","page":625},{"text":"أسرة الإمام أبي حنيفة فقد كان إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة من دعاة الفتنة بخلق القرآن ١، بل إن كثيرا من أئمة الفتنة والاعتزال كانوا من الحنفية المعتزلة ٢ كبشر المريسي ٣ ٢٢٨هـ وتلميذه ابن شجاع البلخي ٢٦٦هـ٤ وابن أبي دؤاد ٥، ومحمد بن أبي الليث ٦، وأبو هاشم الجبائي ٧، والخصّاف٨\n_________\n١ الانتقاء ص١٦٦؛ ولسان الميزان ١/٣٩٩؛ والسنة لعبد الله بن أحمد ١/١٨٢.\n٢ انظر تأنيب الخطيب ص١١؛ والتنكيل ١/٢٥٩.\n٣ خالف المعتزلة في أفعال العباد ووافق السلف لذا هجرته المعتزلة. انظر الفرق بين الفرق ص٢٠٥.\n٤ هو محمد بن شجاع الثلجي. انظر ترجمته في الجواهر المضية ٣/١٧٣؛ والفوائد البهية ص١٧١.\n٥ هو أحمد بن أبي دؤاد بن جرير الحنفي المعتزلي قاضي المأمون المتوفى سنة ٢٤٠هـ. انظر ترجمته في الجواهر المضية في طبقات الحنفية ١/١٣٤-١٣٥؛ والطبقات السنية ١/٢٩٠-٣٣١؛ وتاريخ بغداد ١/١٤١؛ وسير أعلام النبلاء ١١/١٦٩.\n٦ هو محمد بن أبي الليث الأصم الحنفي المعتزلي قاضي مصر وأحد رؤوس الفتنة في تعذيب أهل السنة، انظر عنه في أخبار القضاة لوكيع ٣/٢٤٠-٣٢٦؛ وتاريخ ولاة مصر وقضاتها للكندي ص٣٤٠-٣٤١؛ وضحى الإسلام ٣/١٨٣-٢٨٤؛ وعقيدة الإسلام لأبي الخير ص٥٥٢.\n٧ هو عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي الحنفي المعتزلي إمام الهاشمية من فرق المعتزلة المتوفى سنة ٣٢١هـ عده اللكنوي في عداد الحنفية من المعتزلة في الرفع والتكميل ث٣٨٥. انظر ترجمته وبعض آرائه في تاريخ بغداد ١١/٥٥؛ والميزان ٢/٦١٦؛ واللسان ٤/١٦؛ ومنهاج السنة ١/١٢٧؛ ودرء التعارض ٣/٤٤٤، ٨/٣٢٠؛ وتبصرة الأدلة \"٣٧/أ\" والمسايرة ص٤٩.\n٨ هو أحمد بن عمر الخصّاف بفتح الخاء المعجمة وتشديد الصاد المهملة آخره فاء يقال لمن يخصف النعل. وإنما اشتهر بالخصاف لأنه كان يأكل من صنعته، قال =","vol":"1","page":626},{"text":"والكعبي ١، ومحمد بن علي البصري ٢، وأبي علي الجبائي ٣، وأبي سعيد البردعي ٤، والحسين البصري٥، وعثمان بن جني ٦\n_________\n= عنه اللكنوي: \"كان فرضيا عارفا بمذهب أبي حنيفة\"، مات سنة ٢٦١هـ.\nالفوائد البهية ص٢٩. وانظر ترجمته في الجواهر المضية ١/٢٣٠؛ وتاج التراجم ص٧؛ وطبقات الفقهاء ص٤٤، ٤٥؛ والطبقات السنية ١/٤١٨، ٤١٩.\n١ هو عبد الله بن أحمد البلخي أبو القاسم الكعبي الحنفي إمام الكعبية من معتزلة بغداد مات في سنة \"٣١٩\"هـ. انظر ترجمته في الجواهر المضية في طبقات الحنفية ٢/٢٩٦، ٣/٤٠٠؛ وتاج التراجم ص٣٠.\n٢ هو محمد بن علي البصري أبو الحسين الحنفي المعتزلي صاحب كتاب المعتمد في الأصول مات في سنة ٤٣٦هـ.\nترجم له القرشي في الجواهر المضية في طبقات الحنفية ٣/٢٦١. وانظر ترجمته كذلك في تاريخ بغداد ٣/١٠٠؛ والمنتظم ٨/١٢٦-١٢٧.\n٣ هو محمد بن عبد الوهاب الجبائي الحنفي المتوفى سنة ٣٠٣هـ.\nإما المعتزلة في وقته وشيخ أبي الحسن الأشعري. ذكره اللكنوي في عداد الحنفية من المعتزلة في الرفع والتكميل ص٣٨٥ وأقره المحقق أبو غدة. انظر ترجمته في اللسان ٥/٢٧١.\n٤ هو أحمد بن الحسين أبو سعيد البردعي القاضي الحنفي المتوفى سنة ٣١٧هـ.\nرأس المعتزلة وشيخ أبي الحسن عبيد الله الكرخي. انظر ترجمته في الجواهر المضية في طبقات الحنفية ١/١٦٣؛ والطبقات السنية ١/٣٤١-٣٤٢؛ والفوائد البهية ص١٩.\n٥ الحسين بن علي البصري المعتزلي الحنفي قال عنه الصيمري: \"لم يبلغ أحد مبلغه في العلمين أعني الفقه والكلام\" مات سنة ٣٩٦هـ. انظر أخبار أبي حنيفة للصيمري ص١٦٥؛ والجواهر المضية ٤/٦٣، ٢/٢٢؛ والفوائد البهية ص٦٧.\n٦ هو أبو الفتح عثمان بن جني المعتزلي.\nلم أقف على ترجمة له في طبقات الحنفية غير أنه حنفي معتزلي. انظر تحقيق ذلك في مقدمة الأستاذ/ محمد علي لكتاب الخصائص لابن جني ص٥-٣٩، ٤٠-٤٣.","vol":"1","page":627},{"text":"وإسماعيل السمان ١، وعبد الجبار الهمداني ٢، والزمخشري ٣، ونجم الدين الزاهدي ٤، وغيرهم من أئمة الاعتزال.\nقال السخاوي: \"وكان آخر من كان في أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين والمائتين. وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورا فاشيا وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رؤوسها، وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوال تغيرا شديدا ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن نسأل الله السلامة\" ٥.\n_________\n١ هو إسماعيل بن علي بن الحسين الحنفي المعتزلي أبو سعيد السمان المتوفى سنة ٤٤٥هـ. انظر ترجمته في الجواهر المضية ١/٤٢٤؛ والطبقات السنية ٢/١٩٧؛ وفقه أهل العراق ص٦٩؛ والعلماء العزاب ص٦٤-٦٧.\n٢ هو عبد الجبار بن أحمد بن الخليل بن عبد الله الهمداني نسبة إلى همدان المعتزلي الحنفي المتوفى سنة ٤١٥هـ ولم أقف له على ترجمة له في طبقات الحنفية لكن عدّه اللكنوي في عداد الحنفية من المعتزلة في الرفع والتكميل ص٣٨٥. وانظر ترجمته في شذرات الذهب ٣/٢٠٢، ٢٠٣.\n٣ هو محمود بن عمر الزمخشري نسبة إلى زمخشر قرية من قرى خوارزم قال عنه اللكنوي: \"كان إمام عصره بلا مدافع نحويا ذكيا فقيها مناظرا متكلما أديبا شاعرا مفسرا من أكابر الحنفية، حنفي المذهب معتزلي المعتقد\". مات سنة ٥٣٨. انظر ترجمته في الفوائد البهية ص٢١٠؛ وتاج التراجم ص٧١؛ وطبقات الفقهاء ص٩٧.\n٤ هو مختار بن محمد أبو الرجاء نجم الدين الزاهدي الغزميني نسبة إلى غزمين بفتح الغين ثم الميم المكسورة ثم الياء الساكنة ثم النون قصبة من قصبات خوارزم قال عنه اللكنوي: \"كان من كبار الأئمة وأعيان الفقهاء عالما ... له اليد الباسطة في الخلاف والمذهب والباع الطويل في الكلام والمناظرة ... صرح ابن وهبان وغيره أنه معتزلي الاعتقاد حنفي الفروع\". مات سنة ٦٥٨هـ. انظر الفوائد البهية ص٢١٢؛ والرفع والتكميل ص٣٨٥؛ والنافع الكبير ص١٨.\n٥ فتح المغيث ٣/١٤٦.","vol":"1","page":628},{"text":"وقال المعلمي: \"وهل كانت المحنة في زمن المأمون والمعتصم والواثق إلا على يدي ١ أصحابكم - يعني الحنفية من المعتزلة - ينسبون أقوالهم إلى صاحبكم - يعني أبا حنفية - إلى أن قال: كانت المحنة على يدي أصحابكم، واستمرت خلافة المأمون، وخلافة المعتصم، وخلافة الواثق، وكانت قوة الدولة كلها تحت إشارتهم، فسعوا في نشر مذهبهم في الاعتقاد وفي الفقه في جميع الأقطار، وعمدوا إلى من يخالفهم في الفقه بأنواع الأذى ولذلك تعمدوا أبا مسهر عبد الأعلى بن مسهر عالم الشام وارث فقه الأوزاعي والإمام أحمد بن حنبل حامل راية فقه الحديث وأبا يعقوب البويطي خليفة الشافعي وابن عبد الحكم وغيره\" ٢.\nوكان من أشد الناس تعذيبا للمخالفين وتحمسا للقول بخلق القرآن، أحمد بن أبي دؤاد قاضي القضاة ومحمد بن أبي الليث قاضي مصر أيام المعتصم والواثق.\nقال ابن قديد٣: \"ورد كتاب المعتصم على هارون بن عبد الله - قاضي مصر - بحمل الفقهاء في المحنة فاستعفى هارون من ذلك فكتب ابن أبي دؤاد إلى محمد بن أبي الليث يأمره بالقيام في المحنة وذلك قبل ولايته القضاء وكان رأسا في القيام بذلك فحمل نعيم بن حماد والبويطي وخشنام المحدث في جمع كثير سواهم\" ٤.\nوقال علي بن عمرو بن خالد: \"لما استخلف الواثق ورد كتابه على\n_________\n١ هكذا في التنكيل، ولعل الصواب: \"على أيدي أصحابكم\".\n٢ التنكيل ١/٢٥٩-٢٦١.\n٣ لعله علي بن الحسين بن خلف بن قديد المصري المتوفى ٣١٢هـ. انظر ترجمته في السير ١٤/٤٣٥، ٤٣٦.\n٤ رواه الكندي في كتاب الولاة والقضاة ص٤٤٧.","vol":"1","page":629},{"text":"محمد بن أبي الليث بامتحان الناس أجمع، فلم يبق أحد من فقيه ولا محدث ولا مؤذن ولا معلم حتى أُخذ بالمحنة، فهرب كثير من الناس، وملئت السجون ممن أنكر المحنة، وأمر ابن أبي الليث بالاكتتاب على المساجد لا إله إلا الله رب القرآن المخلوق فكتب بذلك على المساجد فسطاط مصر، ومنع الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي من الجلوس في المساجد، وأمرهم ألا يقربوه\"١.\nواستمرت المحنة حتى تولى الخلافة المتوكل، فأظهر الله السنة وفرج عن الناس٢.\nقال الذهبي: \"وفي سنة ٢٣٤هـ أظهر المتوكل ٣ السنّة، وزجر عن القول بخلق القرآن، وكتب بذلك إلى الأمصار واستقدم المحدثين إلى سمراء وأجزل لهم صلاتهم ورووا أحاديث الرؤية والصفات\" ٤.\nوقال ابن الجوزي: \"وفي سنة ٤٠٨هـ استتاب القادر ٥ بالله أمير\n_________\n١ الولاة وكتاب القضاء ص٤٥١.\n٢ سير أعلام النبلاء ١١/٢٦٥.\n٣ هو جعفر بن محمد بن هارون بن محمد القرشي البغدادي العباسي ولد سنة ٢٠٥هـ وبويع له بالخلافة سنة ٢٣٢هـ بعد موت أخيه الواثق بالله فأظهر السنة ونصر أهلها ومحا البدعة مات سنة ٢٤٧هـ مقتولا. تاريخ بغداد٧/١٦٥-١٧٢. وانظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٢/٣٠؛ وشذرات الذهب ٢/١١٤-١١٦.\n٤ سير أعلام النبلاء ١٢/٣٤.\n٥ هو أحمد بن إسحاق بن المقتدر جعفر بن المعتضد العباسي البغدادي قال عنه الخطيب: \"وكان من الستر والديانة وإدامة التهجد بالليل وكثرة البر والصدقات على صفة اشتهرت عنه وعرف بها عند كل أحد مع حسن المذهب وصحة الاعتقاد وكان صنف كتابا في الأصول ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب =","vol":"1","page":630},{"text":"المؤمنين فقهاء المعتزلة الحنفية فأظهروا الرجوع وتبرأوا من الاعتزال ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذ خطوطهم بذلك، وأنهم متى خالفوه حل بهم من النكال والعقوبة ما يتّعظ به أمثالهم\" ١.\nوقد تقدم بيان موقف الإمام أبي حنيفة من المعتزلة، أما الصاحبان فأبو يوسف كان يرمي المعتزلة بالزندقة ٢، وأما محمد بن الحسن فيوصي من صلّى خلف المعتزلي بإعادة صلاته ٣ ويرى أن المعتزلي لا تجوز الصلاة عليه ٤.\nثالثا - الحنفية من الشيعة:\nتقدم التعريف بالشيعة وموقف الإمام أبي حنيفة منهم في الفصل الثاني من الباب الأول بما يغني عن الكلام فيه مرة أخرى وقد ذكر أبو المظفر الإسفراييني أن من أهل الرأي من تلبس بشيء من مقالات الروافض والقدرية، وإذا خاف سيوف أهل السنة نسب ما هو فيه إلى أبي حنيفة تسترا ٥ به وكذا العلامة اللكنوي، وقد ذكر أن من فرق الحنفية\n_________\n= مذهب أصحاب الحديث، وأورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز وإكفار المعتزلة والقائلين بخلق القرآن ... \". توفي القادر في سنة ٤٢٢هـ. تاريخ بغداد ٤/٣٧. وانظر ترجمته في المنتظم ٧/١٦٠؛ وسير أعلام النبلاء ١٥/١٢٧.\n١ المنتظم ٧/٢٨٧.\n٢ الفرق بين الفرق ص١٥٦.\n٣ الفرق بين الفرق ص١٥٦.\n٤ أصول الدين للبغدادي ص٣٤٢.\n٥ التبصير في الدين ١/١١٤.","vol":"1","page":631},{"text":"الشيعة، ومن الحنفية الذين تلبسوا بعقيدة الشيعة الباطنية الحسن بن عبد الله بن سينا المعروف بالرئيس المتوفى سنة٨٢٤هـ فقد قال ابن الصلاح: \"كان شيطانا من شياطين الإنس\" ١.\nومع هذا هو عند بعض كتاب التراجم من الحنفية ولي من أولياء الله تعالى، صاحب كرامات مشهورة٢. ولم أقف على تعيين سواه من هذه الطائفة.\nرابعا - الحنفية من الزيدية:\nهم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة ﵂ ولا يرونها في غيرهم، إلا أنهم جوّزوا إمامة المفضول مع وجود الفاضل، لذا صححوا إمامة أبي بكر ﵁. وكان زيد بن علي لا يتبرأ من الشيخين، فلما سمعت شيعة الكوفة هذه المقالة رفضوه فسميت رافضة ٣. وقد تتلمذ زيد بن علي هذا على واصل بن عطاء الغزّال إمام المعتزلة، وحكى المقبلي ٤ عن بعض الأشعرية أن الزيدية مقلدون للمعتزلة في الأصول، والحنفية في الفروع. ولكن علق على ذلك بقوله: \"فليس موافقتهم للحنفية غالبة، بل ذلك في بعض أئمتهم\"٥.\nلكن ذكر الشيخ أحمد عبد الأحد السرهندي الحنفي: \"أن الزيدية في\n_________\n١ فتاوى ابن الصلاح ١/٢٠٩.\n٢ انظر الجواهر المضية ٢/٦٣؛ وتبديد الظلام ص١٣٧.\n٣ انظر مقالات الإسلاميين ص٦٥؛ والملل والنحل ١/١٥٤، ١٥٥.\n٤ العلم الشامخ ص١٣.\n٥ العلم الشامخ ص١٣.","vol":"1","page":632},{"text":"الفروع على مذهب أبي حنيفة وفي الأصول على مذهب المعتزلة\" ١.\nأما الكوثري فقد ذكر أن مذهب زيد بن علي متفق في معظمه مع أبي حنيفة لاتحاد مصدر المذهبين٢.\nخامسا - الحنفية من المرجئة:\nتقدم التعريف بالمرجئة مع بيان أنواعها في الفصل الثاني من الباب الأول.\nومن الحنفية الذين تلبسوا بعقيدة المرجئة بشر ٣ بن غياث المريسي المتوفى سنة ٢٢٨هـ وإليه تنسب المريسية وقد عدّها بعض كتاب المقالات ٤ من فرق المرجئة. قال عنه الإسفراييني: \"منهم المريسية أصحاب بشر المريسي ومرجئة بغداد من أتباعه، وكان يتكلم بالفقه على مذهب أبي يوسف القاضي ولكنه خالفه بقوله إن القرآن مخلوق وكان مهجورا من الفريقين وهو الذي ناظر الشافعي ﵁ في أيامه فلما\n_________\n١ تائية أهل السنة ص١٦، طبعة حسين حلمي بإستنبول تركيا.\n٢ مقالات الكوثري ص١٢٣.\n٣ وجمع مع الإرجاء تعطيل صفات الرب أخذها عن جهم بن صفوان، وأخذ عنه ابن أبي دؤاد وجرد القول بخلق القرآن لذا كفره كثير من أئمة الإسلام وحكموا عليه بالزندقة وقد ذكر الإمام اللالكائي تكفيره عن ستة وعشرين إماما من أئمة السنة.\nانظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٣٨٢-٣٨٣. وانظر ترجمة بشر في تاريخ بغداد ٧/٥٦-٦٧؛ وفيات الأعيان ١/٢٧٧-٢٧٨؛ وسير أعلام النبلاء ١٠/١٩٩-٢٠٢؛ والجواهر المضية ١/٤٤٧؛ والفوائد البهية ص٥٤.\n٤ انظر مقالات الأشعري ص١٤٠؛ والفرق بين الفرق ص١٩٢؛ والتبصير في الدين ص٦١.","vol":"1","page":633},{"text":"عرف الشافعي أنه يوافق أهل السنة في مسألة والقدرية في مسألة قال له: نصفك مؤمن ونصفك كافر. وكان يقول: الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان كما قاله ابن الراوندي. هذه فرق المرجئة المحضة الذين يتبرأون عن القول بالجبر والقدر\" ١.\nومنهم محمد بن كرام السجستاني ٢ المتوفى سنة ٢٥٥هـ وإليه تنسب فرق الكرامية وقد عدها بعض كتاب المقالات من المرجئة ٣.\nقال عنه الذهبي: \"المبتدع شيخ الكرامية، كان زاهدا عابدا ربانيا بعيد الصوت كثير الأصحاب ... كان يقول: الإيمان هو نطق اللسان بالتوحيد مجردا عن عقد قلب وعمل جوارح. وقال خلق من الأتباع له: عن الباري جسم لا كالأجسام ... وكان الكرامية كثيرين بخراسان ولهم تصانيف ثم قلّوا وتلاشوا نعوذ بالله من الأهواء\" ٤.\nومنهم أبو منصور الماتريدي الحنفي المتوفى سنة ٣٢٣هـ وإليه تنسب فرقة الماتريدية وقد تقدم الكلام عنه في الفصل الأول من الباب الخامس بما يغني عن الكلام فيه مرة أخرى.\nهذه الفرق الخمس التي انتسبت إليها الحنفية ولا يعني هذا أن الحنفية لم يتلبسوا إلا بمقالات هذه الفرق المذكورة آنفا، بل الثابت أن من الحنفية من تلبس بمقالات فرق أخرى كالجهمية ٥، بل إن منهم من اعتنق\n_________\n١ التبصير في الدين ص٦١.\n٢ جمع مع بدعة الإرجاء بدعة التجسيم وقد زعم أن الله تعالى له جسم له حد ونهاية. انظر الفرق بين الفرق ص٢١٧.\n٣ انظر مقالات الإسلاميين ١/٢٢٣؛ والفرق بين الفرق ص٢٥.\n٤ سير أعلام النبلاء ١١/٥٢٣-٥٢٤.\n٥ كأمثال أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي المتوفى سنة ١٩٩هـ فقد قال عنه =","vol":"1","page":634},{"text":"مذهب الحلولية الاتحادية ١.\n_________\n= الإمام أحمد \"لا ينبغي أن يروى عنه حكوا عنه أنه يقول الجنة والنار خلقتا فستفنيان وهذا كلام جهم\".\nانظر الضعفاء للعقيلي ١/٢٥٦؛ والميزان ١/٥٧٤؛ واللسان ٢/٣٣٤؛ ومحمد بن شجاع البلخي المتوفى سنة ٢٦٦هـ. قال عنه المزي: \"كان أحد الجهمية\". وقال عنه ابن كثير: \"كان أحد عباد الزنادقة\". وقال عنه الذهبي: \"كان يقول: \"عند أحمد بن حنبل كتب الزنادقة\". وجاء من غير وجه أنه كان ينال من أحمد وأصحابه ويقول إيش قام به أحمد؟ وكان يقول: أصحاب أحمد يحتاجون أن يذبحوا. وكان يقول إنما أقول كلام الله كما أقول سماء الله وأرض الله. وأوصى وصية كان فيها: \"لا يعطى من ثلثي إلا من قال القرآن مخلوق\". وكان ينال من الإمام الشافعي ويقول: من الشافعي؟ \"إنما كان يصحب بربر المغني\" ورجع عن مقالاته هذه لما احتضر. ولقد ادعى هذا الجهمي أن الزنادقة قد وضعوا اثني عشر ألفا من الحديث وروّجوها على رواة الحديث.\nفتحدّاه الإمام عثمان بن سعيد الدارمي بوضع عشرة أحاديث فضلا عن اثني عشر ألف حديث.\nانظر تهذيب الكمال النسخة المصورة ٣/٢١١٠؛ والميزان ٣/٥٧٧-٥٧٩؛ والمشتبه ص٨٩؛ وتهذيب التهذيب ٩/٢٢٠، ٢٢١؛ وتبصير المنتبه ١/١٦٨، وتاريخ بغداد ٥/٣٥١؛ والكشف الحثيث ص٣٧٩؛ ورد الدارمي على بشر المريسي ص١٥٠-١٥١؛ والفوائد البهية ص١٧١.\n١ \"أ\" أمثال السيد الشريف الجرجاني ٨١٦هـ صاحب شرح المواقف.\n\"ب\" والفناوي بدر الدين ملا حسن الشبلي \"جلي\" ابن محمد شاه الرومي ٨٨٦هـ.\n\"ج\" والجامي نور الدين عبد الرحمن ٨٩٨هـ.\nصرح بأن هؤلاء أهل وحدة الوجود وأتباع ابن عربي المحقق ولي الدين في حاشيته على حاشية العصام على شرح التفتازاني على العقائد النسفية ص٢ والجامي يشهد عليه كتابه \"الدرة الفاخرة\".\n\"د\" وهكذا لطف الله بن حسن التوقاني الرومي المقتول ٩٠٠هـ فقد ألف كتابا سماه \"السبع الشداد\". أوله: \"حمدا لك يا من هو الموجود في كل مكان\". انظر =","vol":"1","page":635},{"text":"والرَزِيَّة كل الرزية أن من تلبس بشيء من هذه البدع فإنه ينسب ذلك إلى أبي حنيفة وهو بريء منها.\nفقد نسب إليه الحنفية من المعتزلة بعضا من عقائدها١، وكذا المرجئة٢ إرجاء مطلقا.\nوقد حقق أهل العلم أن انتسابهم إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى منكر من القول وزور.\n_________\n= كشف الظنون ٢/٩٧٦، وهذا حلول صريح.\n\"هـ\" وهكذا إسماعيل صفي بن مصطفى الجلوتي الإسلامبولي مؤلف روح البيان ١١٣٧هـ. على الطريقة الجلوتية الصوفية على غلوه في وحدة الوجود، صرح به الكوثري في مقالاته ص٤٨٣.\n\"و\" وكذا ابن الفرس أبو اليسير محمد بن محمد بن خليل القاهري ٨٩٤هـ كان مع جلالته وإمامته في العلوم من الاتحادية قال البقاعي ٨٨٥هـ:\n\" ... فصار من رؤوس الاتحادية التابعين للحلاج وابن عربي وابن الفارض\".\nانظر الضوء اللامع ٦/٢٢٠-٢٢١.\n\"ز\" ومنهم صدر الدين أبو الفتح محمد بن يوسف الدهلوي ٨٢٥هـ الاتحادي الخرافي الباطني، راجع نزهة الخواطر ٣/١٦٠؛ والأعلام ٧/١٥٤، والدعوة الإسلامية وتطورها في الهند ص٣٦٧؛ والثقافة الإسلامية في هند ص٢٣٤.\n\"ح\" محمد بن شجاع بن معز الدين اليحيوي الهندي الاتحادي ومن أعيان القرن الثالث عشر. انظر نزهة الخواطر ٦/٣١٥؛ والثقافة الإسلامية في الهند ص٢٣٩.\n١ كإنكار العلو والاستواء والرؤية. انظر أمثلة على ذلك في صفحة ص١٣ من هذه الرسالة.\n٢ من ذلك قول الشهرستاني \"ومن العجب أن غسان كان يحكي عن أبي حنيفة ﵀ مثل مذهبه في الإيمان ويعده من المرجئة ولعله كذب كذلك عليه\".\nانظر الملل والنحل ١/١٤١.","vol":"1","page":636},{"text":"وقال ابن أبي العز ﵀:\"ولا يلتفت إلى من أنكر ذلك - يعني علو الله تعالى على خلقه واستواءه على عشره - ممن ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة فقد انتسب إليه طوائف معتزلة وغيرهم مخالفون له في كثير من اعتقاداته. وقد ينتسب إلى مالك والشافعي وأحمد من يخالفهم في بعض اعتقاداتهم، وقصة أبي يوسف في استتابة بشر المريسي لما أنكر أن يكون الله ﷿ فوق العرش، مشهورة\" ١.\nوقال شيخ الإسلام: \"وكذلك أهل المذاهب الأربعة وغيرها ولا سيما وقد تلبس ببعض المقالات الأصولية وخلط هذا بهذا، فالحنبلي والشافعي والمالكي يخلط بمذهب مالك والشافعي وأحمد شيئا من أصول الأشعرية والسالمية وغير ذلك، ويضيفه إلى مذهب مالك والشافعي وأحمد.\nوكذلك الحنفي يخلط بمذهب أبي حنيفة شيئا من أصول المعتزلة والكرامية والكلابية ويضيفه إلى مذهب أبي حنيفة\" ٢.\nوقال أبو المظفر الإسفراييني: \"قد نبغ من أحداث أهل الرأي من تلبّس بشيء من مقالات القدرية والروافض مقلدا فيها، وإذا خاف سيوف أهل السنة نسب ما هو فيه من عقائده الخبيثة إلى أبي حنيفة تسترا به فلا يغرنك ما ادعوا من نسبتها إليه فإن أبا حنيفة بريء منهم ومما نسبوه إليه\" ٣.\nوقال شيخ الإسلام: \"فما من إمام إلا وقد انتسب إليه أقوام وهو منهم بريء. فقد انتسب إلى مالك أناس، مالك بريء منهم، وانتسب إلى\n_________\n١ شرح العقيدة الطحاوية ص٣٠٢، ط دار البيان.\n٢ منهاج السنة ٥/٢٦١.\n٣ التبصير في الدين ص١١٤ تحقيق الكوثري.","vol":"1","page":637},{"text":"الشافعي أناس هو منهم بريء، وانتسب إلى أبي حنيفة أناس هو بريء منهم\" ١.\nوبعد هذا العرض نصل إلى نتيجة واقعية وهي أن الحنيفة تلبس كثير منهم بعقائد فرق شتى، وجعلت كل فرقة تنسب عقيدتها إلى الإمام أبي حنيفة بخاصة وأهل السنة عامة، وكان بين هذه الفرق قدر مشترك من البدع كالتعطيل للصفات، والتحريف لنصوصها تحت ستار التنزيه، والتأويل والقول بالإرجاء. وكان بين هذه الفرق احتكاك لرابطة عقائدية فيما بينها في الجملة. ولاعتناقها المذهب الحنفي، فصار هذا كله سببا مهما في اضمحلال العقيدة الحنفية التي قررها الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه وصارت العقيدة الماتريدية تمثل عقيدة جمهور الحنفية منذ عهد بعيد إلى العصر الحاضر.\n_________\n١ العقود الدرية ص١٥٧. انظر مجموع الفتاوى ٣/١٨٥.","vol":"1","page":638},{"text":"الخاتمة\nالحمد لله الذي يسر وأعان على إتمام هذا البحث في أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فلله وحده الفضل والمنة، وقد توصلت إلى نتائج أجملها فيما يلي:\n١- أن العقيدة الصحيحة التي منبعها الكتاب والسنة هي أساس الدين وأصله المتين، وكل ما يبنى على غير أساس فمآله الهدم والانهيار والاضمحلال.\n٢- أن اعتقاد أئمة الفقه - أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - واحدٌ في أصول الدين. وقد ذكرت نصوص الأئمة الأربعة الواضحة في بيان عقيدتهم ليعرف القارئ الكريم أنهم متفقون في باب الاعتقاد.\n٣- أن أبا حنيفة باشر علم الكلام وتضلّع فيه ثم تحوّل عنه إلى السنة لما أدرك خطورته على الدين وضرره على العقيدة.\n٤- أن أبا حنيفة اعتصم بنصوص القرآن والسنة في إثبات العقائد فهما العمدة والأصل، ولأن تجاوزهما قول على الله بغير علم وتقديمٌ بين يدي الله ورسوله.\n٥- سلك الإمام أبو حنيفة في استدلاله على وجود الله طريقة القرآن والسنة وأعرض عن مناهج المتكلمين وطرقهم.","vol":"1","page":639},{"text":"٦- أن الضابط للإثبات والتنزيه عند الإمام أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ \"سورة الشورى: الآية١١\".\nوهذا هو الصراط المستقيم في باب صفات الله إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل.\n٧- ليس في منهج الإمام أبي حنيفة نوع من التشبيه أو التعطيل، وكذلك لا يوجد في كلام الإمام أبي حنيفة تفويض مطلق، بل الذي في كلام أبي حنيفة تفويض مقيّد بنفي علم الكيفية فقط لا المعنى.\n٨- أثبت أبو حنيفة جميع الصفات: ذاتية كانت أو فعليّة بدون تأويل، أو تحريف، وظلّ ملتزما بمنهجه هذا أثناء التطبيق؛ فأبى أن يؤوّل اليد بالقدرة أو النعمة ١، والرضا بالثواب ٢، والغضب بالعقاب ٣.\n٩- سلك أبو حنيفة منهج أهل السنة والجماعة في باب القدر، وردّ على المنحرفين فيه من قدرية أو جبرية.\n١٠- أثبت أبو حنيفة نعيم القبر وعذابه، وأحوال اليوم الآخر، وأن الجنة والنار موجودتان مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا فناء لهما.\n١١- أخذ عليه رحمه الله تعالى أنه خالف جمهور السلف في مسألة إخراج الأعمال عن حقيقة الإيمان، ولعله رجع عنها وإن لم يكن رجع عنها فعفا الله عنا وعنه وغفر الله لنا وله وجمعنا وإياه في مستقر رحمته، فكل يؤخذ من قوله ويترك إلا نبينا محمد ﷺ.\n١٢- لم يصل إلينا كتب للإمام أبي حنيفة كتبت بخط يده أو نسخ\n_________\n١ الفقه الأكبر ص٣٠٢.\n٢ الفقه الأبسط ص٥٦.\n٣ الفقه الأبسط ص٥٦.","vol":"1","page":640},{"text":"معتمدة من تألفيه، غير أنه يوجد كتب منسوبة للإمام أبي حنيفة كالفقه الأكبر برواية حماد بن أبي حنيفة ورسالة أبي حنيفة للبتي والوصية.\nوقد صرّح بعض الحنفية أنها ليست من تأليف الإمام مباشرة بل هي أماليه وأقواله قام التلاميذ بجمعها وتأليفها ١.\n١٣- المقارنة بين الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي والماتريدية أظهرت أنهما مختلفان في المنهج متباعدان في التطبيق في كثير من مسائل الاعتقاد. فلم يكن الماتريدي والماتريدية على منهج أبي حنيفة في الاعتقاد وإن انتسبوا إليه في الفروع.\n١٤- ليس كل من انتسب إلى أبي حنيفة يعدّ موافقا له في أصول الدين وفروعه، بل هناك من كبار المبتدعة من انتسب إلى أبي حنيفة، وأبو حنيفة بريء منهم كبراءة الذئب من دم يوسف.\n١٥- أن بعض أقوال الإمام أبي حنيفة في الاعتقاد لم تسلم من التحريف والتبديل من قبل بعض المبتدعة المنتسبين إلى أبي حنيفة، كقوله في القرآن والرؤية والاستواء وغير ذلك.\nوبعد أن عشت مع هذا البحث فترة ليست بالقصيرة ظهر لي أن هناك جانبا مهما لم يعط حقه من الدراسة ألا وهو تنقية عقائد أئمة الفقه الأربعة مما علق بها من آراء مذهبية كلامية وتأويلات جهمية، ولهذا فإنني أقترح على الدوائر العلمية الإسلامية ما يلي:\nأولا: تشجيع الدارسين والباحثين على الكتابة في عقائد الأئمة الفقهاء الأربعة وأصحابهم الأوائل مع كشف ما أدخل عليهم وما علق بهم من آراء المبتدعة وتأويلاتهم.\n_________\n١ انظر تفصيل ذلك في ص١٤٠.","vol":"1","page":641},{"text":"ثانيا: أن تكون دراسة العقيدة من مصدرها الأول الكتاب والسنة بعيدا عن تعقيدات المتكلمين والفلاسفة وجدلهم العقيم، ولا نخضع تلك الأدلة لتفسيرات المتكلمين وطريقتهم في الجدل.\nثالثا: تشجيع اتّجاه دراسة عقائد أتباع أئمة الفقه الأربعة ثم مقارنتها بعقيدة الأئمة لإظهار الفرق بينها مع بيان قربها أو بعدها من الكتاب والسنة فطالما يتساءل الإنسان هل أتباع الأئمة الأربعة متبعون لهم في الاعتقاد؟ أم هم مخالفون لهم؟ وهل تتفق عقائدهم مع ما جاء به التنزيل وما فطر الله عليه العباد أم لا؟\nأم هم اعتنقوا أصول مذاهب مختلفة نتج عنها ميراث الخلاف المذهبي الذي يعيش فيه المسلمون اليوم بما له من آثار سيئة على الأمة والمجتمع الإسلامي؟.\nرابعا: العمل على إثراء عقيدة السلف بتدوين تاريخ العقيدة السلفية إذ الحاجة ماسة إلى هذا، وأن تكون تلك الدراسة من مصادرها الأصلية وتنقيتها من الدخيل مع إعادة تقييم السلف على أنهم الأسلم والأحكم والأعلم.\nوفي الختام فهذا جهد المقل، فقوى الإنسان محدودة قاصرة، فلا بد من خلل وهفوة، فإن التقصير وكثرة العيوب من صفات المخلوقين. وقد قيل: من صنّف فقد استُهدف، فرجائي من القارئ الكريم التماس العذر لكل نقص وهفوة في هذا البحث وبذل النصيحة خالية من الفضيحة، والله أسأل أن يكون هذا العمل خالصا لوجهه الكريم وأن يوفقنا جميعا لهدي كتابه والسير على سنة رسوله ﷺ والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":642},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>مصادر ومراجع</span>\n...\nالفهارس\nفهرس المصادر والمراجع\nفهرس الموضوعات.","vol":"1","page":643},{"text":"فهرس المصادر والمراجع\n\"حرف الألف\"\n* آداب الشافعي ومناقبه، تحقيق عبد الغني عبد الخالق تقديم الكوثري. طبعة دار الكتب العليمة - بيروت.\n* الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير، لحسين بن إبراهيم الجوزقاني. الطبعة الثانية تحقيق عبد الرحمن الفريوائي، طبعة الجامعة السلفية بناراس - الهند.\n* الإبانة عن أصول الديانة، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق د. فوقية حسين. الطبعة الأولى سنة ١٣٩٧هـ، دار الأنصار - القاهرة.\n* الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة، للإمام بدر الدين الزركشي، تحقيق سعيد الأفغاني، مطابع دار القلم - بيروت.\n* اختصار علوم الحديث لابن كثير مع شرحه الباعث الحثيث، لأحمد شاكر الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية - بيروت.\n* أبهج المسالك لشرح موطأ الإمام مالك، للزرقاني، طبعة دار المعرفة - بيروت.\n* الاتباع للعلامة القاضي ابن أبي العز الحنفي، حققه وعلق عليه د. عاصم بن عبد الله القريوتي، طبعة المكتبة السلفية - لاهور ١٤٠٥هـ.\nالإتقان في علوم القرآن، للسيوطي، تحقيق محمد أبو الفضل الطبعة الثالثة ١٤٠٥هـ، دار التراث - القاهرة.","vol":"1","page":645},{"text":"* إثبات صفة العلو لابن قدامة المقدسي، تحقيق بدر البدر، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٦هـ، الدار السلفية - الكويت.\n* اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية لابن القيم، تحقيق د. عبد الله المعتق الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ، مطابع الفرزدق الرياض، طبعة أخرى، دار الكتب العلمية.\n* الأديان والفرق، لعبد القادر شيبة الحمد، طبعة الجامعة الإسلامية بالمدينة.\n* الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان لابن بلبان، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٧هـ، دار الكتب العلمية - بيروت.\n* أحكام القرآن، للجصاص، تحقيق، محمد صادق قمحاوي، طبعة دار التراث العربي - بيروت.\n* إحياء علوم الدين، للغزالي، طبعة دار الكتاب العربي - بيروت.\n* أخبار أبي حنيفة وأصحابه، لحسين الصيمري، الطبعة الثانية دار الكتاب العربي - بيروت.\n* أخبار القضاة، لوكيع، طبعة عالم الكتب - بيروت.\n* أبو حنيفة، حياته وعصره - آراؤه الفقهية، لمحمد أبو زهرة، طبعة دار الفكر العربي، الطبعة الثانية.\n* الأذكار النووية للنووي، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، طبعة رئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.\n* الاستغناء في معرفة المشهورين من حملة العلم بالكنى، للحافظ ابن عبد البر، تحقيق د/ عبد الله السوالمة، طبعة دار ابن تيمية - الرياض.\nالإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد للجويني، طبعة مكتبة الخانجي بمصر، طبعة ١٣٦٩هـ.","vol":"1","page":646},{"text":"* اشتقاق أسماء الله، لأبي القاسم الزجاجي، تحقيق د. عبد الله الحصين المبارك، الطبعة الثانية، ١٤٠٦هـ، مؤسسة الرسالة - بيروت.\n* إرشاد الساري شرح صحيح البخاري للقسطلاني، طبعة دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n* أساس البلاغة، لمحمود الزمخشري، الطبعة الثانية، دار الكتاب بمصر سنة ١٩٧٢م، طبعة أخرى دار المعرفة - بيروت، ١٤٠٢هـ.\n* إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، لناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى ١٣٩٩هـ، المكتب الإسلامي - بيروت.\n* الاستقامة لشيخ الإسلام تحقيق محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٤٠٤ - الرياض.\n* الأسماء والصفات للبيهقي، طبعة دار إحياء التراث العربي - بيروت، لبنان، طبعة أخرى، دار الكتاب العربي، تحقيق عماد الدين أحمد حيدر، الأولى ١٤٠٥هـ.\n* الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني، طبعة دار الكتب العلمية.\n* أصل السنة واعتقاد الدين لابن أبي حاتم، المطبوع مع كتاب أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة لسعدي الهاشمي.\n* أصول الدين، لعبد القادر البغدادي، طبعة دار الكتاب العلمية الثانية ١٤٠٠هـ.\n* أصول الدين، للقاضي أبو اليسر البزدوي، حققه وقدم له، د. هانز بترلانس، طبعة دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي وشركاه، القاهرة ١٣٨٨هـ.\n* أصول السرخسي تحقيق أبو الوفاء الأفغاني، طبعة دار المعرفة - بيروت.\nأصول السنة، للإمام أبي عبد الله محمد بن أبي زمنين رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، تحقيق، محمد إبراهيم هارون. مطبوعة على الآلة الكاتبة.","vol":"1","page":647},{"text":"* أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن، محمد الأمين الشنقيطي، طبعة عالم الكتب - بيروت.\n* الاعتصام للشاطبي، طبعة دار ابن الخطاب للطباعة والنشر والتوزيع، الإسنكدرية، طبعة أخرى دار المعرفة بيروت، سنة ١٤٠٢هـ.\n* الاعتقاد والهداية على سبيل الرشاد، للبيهقي تحقيق أحمد عاصم الكاتب، طبعة دار الآفاق الجديدة، بيروت، ١٤٠١هـ.\n* الإعلام، للزركلي طبعة الخامسة دار العلم للملايين - بيروت.\n* اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي، طبعة دار الكتاب العربي الأولى ١٤٠٧هـ.\n* اعتقاد السلف أصحاب الحديث، للصابوني ضمن مجموعة الرسائل الكمالية، الناشر مكتبة المعارف بالطائف، طبعة أخرى تحقيق بدر البدر، طبعة دار الكتب السلفية.\n* إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم، تقديم وتعليق، طه عبد الرؤوف دار الجيل - بيروت، ١٩٧٣م.\n* أعيان الشيعة، لمحسن الأمين، تحقيق حسن الأمين طبعة دار التعارف، للمطبوعات - بيروت، ١٤٠٦هـ.\n* الأفعال، للمعافري سعد بن محمد تحقيق حسين محمد شرف، طبعة الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية سنة ١٣٩٥هـ، القاهرة.\n* إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان، طبعة المكتب الإسلامي الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ، طبعة أخرى ومكتبة مصطفى البابي الحلبي في مصر سنة ١٣٨١هـ.\nأقاويل الثقات، مرعي بن يوسف المقدسي الطبعة الأولى مؤسسة الرسالة - بيروت ١٤٠٦هـ.","vol":"1","page":648},{"text":"* الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٣هـ، دار الكتب العلمية - بيروت.\n* اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، لشيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق د. ناصر العبد الكريم العقل، الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ، شركة العبيكان - الرياض.\n* أنباء الغمر بأبناء العمر، لابن حجر العسقلاني الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية - بيروت، ١٤٠٦هـ.\n* الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء لابن عبد البر، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت.\n* الأنساب، لعبد الكريم السمعاني، الطبعة الأولى مطبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الهند، سنة ١٣٩٧هـ.\n* الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، للدهلوي الطبعة الثانية دار النفائس - بيروت، سنة ١٣٩٨هـ.\n* أنوار التنزيل وأسرار التأويل، لعبد الله بن عمر البيضاوي، الطبعة الأولى دار الكتب العلمية - بيروت.\n* إيثار الحق على الخلق، لمحمد بن المرتضى اليماني، طبعة دار الكتب العلمية.\n* إيقاظ الهمم، للشيخ صالح الفلاني، طبعة باكستان، توزيع رئاسة الإفتاء والدعوة والإرشاد بالرياض، طبعة أخرى مكتبة المعارف بالطائف.\n* الإيمان لابن أبي شيبة تحقيق الألباني، طبعة دار الأرقم - الكويت.\nالإيمان لابن منده، تحقيق د. علي الفقيهي، الطبعة الأولى الجامعة الإسلامية بالمدينة سنة ١٤٠١هـ.","vol":"1","page":649},{"text":"* الإيمان لأبي يعلى تحقيق سعود الخلف، طبعة دار العاصمة بالرياض الأولى سنة ١٤١٠هـ.\n* الإيمان، لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن مجموع الفتاوى المجلد السابع، طبعة أخرى، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثالثة سنة ١٣٩٩هـ، والطبعة التي طبعت سنة ١٤٠٦هـ، طبعة أخرى دار الطباعة المحمدية، بتعليق محمد الهراس.\n* الإيمان بين السلف والمتكلمين، أحمد عطية الغامدي، رسالة ماجستير في جامعة أم القرى المطبوعة على الآلة الكاتبة.\n\"حرف الباء\"\n* الباعث الحثيث، لأحمد شاكر، تقدم.\n* البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي، الطبعة الثانية دار الفكر - بيروت سنة ١٤٠٣هـ.\n* البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجم المصري، طبعة سعيد كميني كراتشي.\n* بحر العلوم لأبي الليث السمرقندي، مخطوط.\n* بحر الكلام في علم التوحيد لأبي المعين النسفي، طبعة ١٣٤٠هـ، بدون ذكر مكان الطبع.\n* بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، لأبي بكر الكاساني، طبعة دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٢هـ.\n* بدائع الفوائد لابن القيم، طبعة دار الفكر.\nالبداية والنهاية لابن كثير، الطبعة الخامسة مكتبة المعارف - بيروت، سنة ١٤٠٤هـ. طبعة أخرى دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٥هـ.","vol":"1","page":650},{"text":"* البداية من الكفاية في الهداية في أصول الدين لنور الدين الصابوني تحقيق، د. فتح الله خليف، طبعة دار المعارف بمصر سنة ١٩٦٩م.\n* بدء الأمالي، للأوشي الفرغاني مع شرحها، وضوء المعالي للقاري، طبعة دار السعادة بتركيا.\n* البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع للشوكاني، طبعة دار المعرفة - بيروت.\n* بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة لعبد الرحمن السيوطي، تحقيق محمد أبو الفضل، الطبعة الثانية دار الفكر سنة ١٣٩٩هـ - بيروت.\n* بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، لمحمد بن يعقوب الفيروزآبادي تحقيق محمد علي النجار، المكتبة العلمية - بيروت.\n* البناية في شرح الهداية لأبي محمد محمود العيني، طبعة دار الفكر، الطبعة الأولى سنة ١٤٠١هـ.\n* بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، لشيخ الإسلام تقديم وتعليق محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، طبعة مطبعة الحكومة - مكة المكرة.\n* البيان والتبيين، للجاحظ المطبعة التعاونية اللبنانية، سنة ١٩٦٨م.\n\"حرف التاء\"\n* تاج التراجم، لقاسم بن قطلوبغا، طبعة سعد كمبيني كراتشي - باكستان.\n* تاريخ ابن معين دراسة وتحقيق د. أحمد محمد نور سيف، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - مكة المكرمة سنة ١٣٩٩هـ.\nتاريخ التراث لفؤاد سزكين، نقله إلى العربية د. محمود فهمي حجازي، ود. فهمي أبو الفضل، الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة ١٩٧٧م.","vol":"1","page":651},{"text":"* تاريخ الإلحاد في الإسلام، د. عبد الرحمن بدوي، طبعة مكتبة النهضة المصرية - القاهرة سنة ١٩٤٥هـ.\n* تاريخ بغداد أو مدينة السلام، للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، طبعة دار الكتاب العربي - بيروت، لبنان، طبعة أخرى دار الكتب العلمية - بيروت.\n* تاريخ الأمم والملوك، لمحمد بن جرير الطبري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار سويدان - بيروت.\n* التاريخ الصغير، للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق محمود إبراهيم زايد، طبعة دار التراث - القاهرة، الطبعة الأولى ١٣٩٧هـ.\n* تاريخ ولاة مصر، لمحمد بن يوسف الكندي، طبعة مؤسسة قرطبة - القاهرة بمصر.\n* تأسيس التقديس للرازي، طبعة مصطفى البابي، الحلبي بمصر، ومعه الدرة الفاخرة للجامي.\n* تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، طبعة دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٥هـ.\n* تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة عبد الله بن مسلم بن قتيبة، الطبعة الثالثة سنة ١٤٠١هـ.\n* التبصرة في أصول الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، للإمام أبي المظفر الإسفراييني، تحقيق كمال يوسف الحوت، عالم الكتب - بيروت، طبعة أخرى بتحقيق الكوثري، مطبعة الأنوار - القاهرة سنة ١٩٥٠م.\nتبصرة الأدلة لأبي المعين النسفي مخطوط في المكتبة الأزهرية في القاهرة تحت رقم ٣٠١.","vol":"1","page":652},{"text":"* تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري لابن عساكر الدمشقي، دار الكتاب العربي - بيروت، سنة ١٣٩٩هـ.\n* تحفة المريد لإبراهيم البيجوري، دار الكتب الجديدة - القاهرة.\n* تخريج مشكاة المصابيح للألباني، الطبعة الثانية المكتب الإسلامي - بيروت.\n* تدريب الراوي في تقريب النواوي، تحقيق عبد الوهاب بن عبد اللطيف، الطبعة الثانية المكتبة العلمية بالمدينة المنورة، طبعة أخرى.\n* التدمرية، تحقيق الإثبات للأسماء والصفات، لشيخ الإسلام. تحقيق د. محمود عودة السعوي، الطبعة الأولى.\n* تذكرة الحفاظ، للإمام الذهبي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، لبنان.\n* ترتيب المدارك وتقريب المسالك، لمعرفة أعلام مذهب الإمام مالك للقاضي عياض. تحقيق محمد الطنجي الطبعة الثانية سنة ١٤٠٣هـ، وزراة الأوقاف بالمغرب، طبعة أخرى مكتبة الحياة - بيروت.\n* ترتيب القاموس المحيط على طريقة المصباح المنير، الطاهر أحمد الزواوي، عيسى البابي وشركاه، القاهرة سنة ١٩٧٢هـ.\n* الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، للحافظ زيد الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، ضبط أحاديثه وعلق عليه مصطفى محمد عمارة، دار الفكر - بيروت، طبعة أخرى دار التراث القاهرة.\n* التعريفات للشريف علي بن محمد الجرجاني، ضبطه وصححه جماعة من العلماء بإشراف الناشر، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٣هـ طبعة أخرى دار الكتاب العربي - بيروت، سنة ١٤٠٥هـ.\nتعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي، د. عبد الرحمن بن عبد الجبار الفروائي الطبعة الأولى سنة ١٤٠٦هـ، الناشر مكتبة الدار - المدينة.","vol":"1","page":653},{"text":"* تفسير ابن جرير الطبري \"جامع البيان عن تأويل القرآن\" حققه وعلق على حواشيه محمود محمد شاكر، راجعه وخرج أحاديثه أحمد محمد شاكر، الطبعة الثانية دار المعارف - مصر سنة ١٩٦٩م، طبعة أخرى شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي - مصر الطبعة الثالثة سنة ١٣٨٨هـ.\n* تفسير ابن أبي حاتم \"تفسير القرآن العظيم مسندا عن الرسول ﷺ والصحابة والتابعين\"، للحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي طبعة مكتبة الدار بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ.\n* تفسير ابن الجوزي \"زاد المسير في علم التفسير\" المكتب الإسلامي للطباعة والنشر الطبعة الأولى - بيروت سنة ١٣٨٥هـ.\n* تفسير ابن كثير \"تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير\" طبعة دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة سنة ١٩٨٣م، طبعة أخرى دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه - القاهرة.\n* تفسير البغوي \"المسمى معالم التنزيل\" للإمام محمد بن الحسين بن مسعود الفراء البغوي الشافعي. إعداد وتحقيق خالد عبد الرحمن وقروان سوار طبعة دار المعرفة - بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٦هـ.\n* تفسير القرطبي، \"الجامع لأحكام القرآن\" لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، توزيع دار الباز - مكة، طبعة دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n* تفسير الألوسي \"روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني\" دار إحياء التراث العربي - بيروت، لبنان.\n* تفسير الطبرسي المسمى \"مجمع البيان في تفسير القرآن\" للفضل الطبرسي الرافضي طبعة مكتبة الحياة بيروت.\nتفسير التحرير والتنوير، لمحمد الطاهر بن عاشور، طبع الدار التونسية للنشر ١٩٨٤م.","vol":"1","page":654},{"text":"تفسير النيسابوري المسمى \"غرائب القرآن ورغائب الفرقان\" النيسابوري، طبعة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي سنة ١٣٨٥هـ.\n* تفسير الماوردي المسمى \"النكت والعيون\"، لعلي بن حبيب الماوردي نشر المؤسسة السعدية بالرياض.\n* تفسير أبي السعود المسمى \"إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم\" لأبي السعود محمد بن محمد العمادي، طبعة دار إحياء التراث العربي.\n* تفسير النسفي المسمى \"مدارك التنزيل وحقائق التأويل\"، لعبد الله محمد بن أحمد النسفي، طبعة دار الكتاب العربي.\n* تفسير الزمخشري المسمى بـ \"الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل\"، أبي القاسم جار الله محمد الزمخشري الخوارزمي، طبعة دار المعرفة طبعة أخرى.\n* تفسير أسماء الله الحسنى، لابن إسحاق الزجاج، تحقيق أحمد الدقاق، طبعة دار المأمون للتراث - دمشق ١٤٠٦هـ.\n* تفسير سورة الإخلاص للإمام ابن تيمية طبعة دار الطباعة المحمدية - القاهرة.\n* تقريب التهذيب، للحافظ ابن حجر العسقلاني، حققه وعلق عليه عبد الوهاب عبد اللطيف، طبعة دار المعرفة - بيروت، لبنان سنة ١٣٩٥هـ، طبعة أخرى دار البشائر الإسلامية تحقيق محمد عوامة، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٦هـ.\n* التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح لزين الدين عبد الرحيم العراقي، طبعة دار الحديث - بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٥هـ، طبعة أخرى دار الفكر سنة ١٤٠١هـ.","vol":"1","page":655},{"text":"* تلبيس إبليس، لعبد الرحمن بن الجوزي دار الكتب العلمية - بيروت.\n* تلخيص المستدرك، للحافظ الذهبي، دار الكتاب العربي - بيروت، لبنان.\n* التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد للحافظ ابن عبد البر. تحقيق مصطفى العلوي وآخرين، وزارة الأوقاف الإسلامية - المملكة العربية السعودية.\n* التمهيد في أصول الدين لأبي المعين النسفي تحقيق د. عبد الحي قابيل، طبعة دار الثقافة بالقاهرة.\n* التمهيد للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني، عني بتصحيحه ونشره رتشارد يوسف مكارثي اليسوعي، طبعة المكتبة الشرقية - بيروت سنة ١٩٥٧م.\n* تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة، لعلي بن محمد الكتاني، تحقيق عبد الوهاب بن عبد اللطيف، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠١هـ.\n* تنسيق النظام شرح مسند الإمام، لمحمد بن حسن السنبلي كتبخانه آرام باغ كراتشي باكستان.\n* التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل لعبد الرحمن المعلمي تحقيق الألباني، الطبعة الأولى في الباكستان المطبعة العربية - بلاهور سنة ١٤٠١هـ.\n* تهذيب سنن أبي داود لابن القيم تحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد حامد الفقي، توزيع دار الباز، الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت سنة ١٤٠٠هـ.\nتهذيب الكمال في أسماء الرجال، للإمام الحافظ جمال الدين المزي نسخة مصورة عن النسخة الخطية بدار الكتب المصرية دار المأمون للتراث دمشق، طبعة أخرى تحقيق وضبط وتعليق د. بشار معروف، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى.","vol":"1","page":656},{"text":"* تهذيب الأسماء واللغات للنووي، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت.\n* تهذيب التهذيب، للحافظ ابن حجر العسقلاني، طبعة دارة المعارف النظامية بحيدر آباد الهند، طبعة أخرى، دار الفكر، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٤هـ.\n* تهذيب اللغة محمد بن أحمد الأزهري تحقيق عدد من المحققين، طبع مطابع سجل العرب - القاهرة، الدار المصرية للتأليف والترجمة.\n* كتاب التوحيد للماتريدي، تحقيق د. فتح الله خليف، طبعة دار الجامعات المصرية بالإسنكدرية.\n* كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ﷿، للإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٨هـ، دار الرشد بالرياض، تحقيق د. عبد العزيز بن إبراهيم الشهوان. طبعة أخرى دار الكتب العلمية، بتعليق محمد خليل هراس سنة ١٣٩٨هـ.\n* التوسل والوسيلة \"قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة\" لشيخ الإسلام تحقيق د. ربيع بن هادي المدخلي، الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ، طبعة أخرى دار البيان - بيروت سنة ١٤٠٥هـ، طبعة أخرى ضمن مجموع الفتاوى في المجلد الأول.\n* تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد، لسليمان بن عبد الوهاب التميمي، طبعة المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الرابعة.\n\"حرف الثاء\"\n* الثقات لمحمد بن حبان البستي، طبعة دائرة المعارف العثمانية، بالهند الطبعة الأولى سنة ١٣٩٧هـ.\nالثقافة الإسلامية في الهند لعبد الحي الحسيني، الطبعة الثانية، مجمع اللغة العربية - دمشق سنة ١٤٠٣هـ.","vol":"1","page":657},{"text":"\"حرف الجيم\"\n* جامع الأصول في أحاديث الرسول للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك محمد بن الأثير، حققه وخرج أحاديثه عبد القادر الأرناؤوط، نشر وتوزيع مكتبة دار البيان.\n* جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، للحافظ ابن عبد البر، طبعة المطبعة الفنية القاهرة سنة ١٤٠٣هـ، طبعة أخرى طبعة المكتبة العلمية بالمدينة المنورة، طبعة أخرى طبعة دار الكتب الإسلامية الطبعة الثانية.\n* جامع الترمذي \"الجامع الصحيح المسمى سنن الترمذي\"، لمحمد بن عيسى الترمذي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر الطبعة الثانية سنة ١٣٩٨هـ.\n* الجامع لشعب الإيمان للبيهقي، الناشر الدار السلفية بالهند، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٧هـ.\n* جامع الرسائل لشيخ الإسلام جمع وتحقيق محمد رشاد سالم رحمه الله تعالى، الطبعة الثانية دار المدني - جدة.\n* جامع العلوم والحكم لابن رجب، طبعة لعبد الرحمن بن رجب الناشر المؤسسة السعيدية بالرياض، طبعة أخرى دار المعرفة - بيروت.\n* جامع المسانيد، لمحمد بن محمود الخوارزمي، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت.\n* كتاب الجرح والتعديل لعبد الرحمن بن أبي حاتم، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت.\n* جلاء العينين في محاكمة الأحمدين لنعمان خير الدين الألوسي، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت.\nالجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لشيخ الإسلام، طبعة المطابع المجد.","vol":"1","page":658},{"text":"* الجواهر المضية في طبقات الحنفية، لمحيي الدين أبي محمد القرشي الحنفي، تحقيق د. عبد الفتاح محمد الحلو، طبعة عيسى البابي الحلبي سنة١٣٩٨هـ.\n* الجواهر المنيفة في شرح وصية الإمام أبي حنيفة لملا حسين بن إسكندر طبعت ضمن الرسائل السبع الطبعة الثالثة دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد الهند، سنة ١٤٠٠هـ.\n\"حرف الحاء\"\n* حاشية ابن عابدين على الدر المختار شرح تنوير الأبصار شركة ومكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي الطبعة الثانية سنة ١٣٨٦هـ.\n* حاشية الخيالي على شرح العقائد النسفية، طبعة دار سعادات تركيا سنة ١٣٢٦هـ.\n* حاشية عبد الحكيم السيالكوتي على حاشية الخيالي على شرح العقائد النسفية ضمن مجموعة الحواشي البهية طبعة كردستان العلمية - مصر.\n* حاشية الكستالي على شرح العقائد النسفية، طبعة دار سعادات تركيا سنة ١٣٢٦هـ.\n* حاشية ولي الدين على حاشية العصام على شرح التفتازاني ضمن مجموعة الحواشي البهية على شرح العقائد النسفية سنة ١٣٢٩هـ.\n* حاشية قاسم بن قطلوبغا على المسامرة، طبعة المكتبة التجارية بمصر، طبعة أخرى.\n* حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح، لأحمد بن محمد الطحطاوي، طبعة دار الإيمان - دمشق.\nحاشية لوامع الأنوار البهية، لعبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين والشيخ سليمان بن سحمان وغيرهما من أهل العلم، مؤسسة الخافقين مكتبها - دمشق الطبعة الثانية ١٤٠٢هـ.","vol":"1","page":659},{"text":"* الحجة في بيان المحجة لأبي القاسم إسماعيل بن محمد التميمي الأصبهاني، تحقق محمد ربيع المدخلي، رسالة دكتوراه من جامعة أم القرى مطبوعة على الآلة الكاتبة.\n* حجة الله البالغة، لولي الله الدهلوي، طبعة المكتبة السلفية لاهور باكستان، طبعة أخرى دار التراث - القاهرة.\n* حلية الأولياء، وطبقات الأصفياء، للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، دار الكتاب العربي - بيروت، لبنان، طبعة ثانية ١٣٨٧هـ.\n* الحق الواضح المبين لعبد الرحمن بن سعدي، طبعة المكتبة السلفية بمصر، طبعة أخرى، دار ابن القيم الدمام.\n* الحموية لشيخ الإسلام، تقديم الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة نشر مؤسسة المدني - جدة سنة ١٤٠٣هـ، وهي في مجموع الفتاوى المجلد الخامس.\n\"حرف الخاء\"\n* خطط المقريزي المسمى \"الواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار\"، لتقي الدين أبي العباس أحمد بن علي المقريزي، دار صادر - بيروت.\n* خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، محمد الأمين المحبي، طبعة دار صادر - بيروت.\n* خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال للإمام، أحمد بن عبد الله الخزرجي الأنصاري، الناشر مكتبة المطبوعات الإسلامية الطبعة الثانية سنة ١٣٩١هـ.\n* خلق أفعال العباد، لمحمد بن إسماعيل البخاري تحقيق بدر البدر، طبعة الدار السلفية الكويت الطبعة الأولى، طبعة أخرى تحقيق د. عبد الرحمن عميرة، دار عكاظ للنشر - جدة.\nالخيرات الحسان في مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان لأحمد بن حجر الهيثمي، تحقيق خليل الميس، الطبعة الأولى دار الكتب العلمية - بيروت.","vol":"1","page":660},{"text":"\"حرف الدال\"\n* دائرة المعارف الإسلامية، نقلها إلى العربية ثابت الفندي، وآخرون، طهران بوذ رجمهري.\n* درء تعارض العقل والنقل، لشيخ الإسلام، تحقيق د. محمد رشاد سالم جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٢هـ.\n* الدر المنثور في التفسير بالمأثورن للإمام جلال الدين السيوطي، الناشر دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت، لبنان.\n* الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، للحافظ ابن حجر العسقلاني، طبعة دار الجيل - بيروت.\n* الدرة الفاخرة للجامي، مطبوعة مع أساس التقديس للرازي، طبعة مصطفى البابي، بمصر سنة ١٣٥٤هـ.\n* دعوة التوحيد، د. محمد خليل هراس، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت.\n* الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب المالكي لابن فرحون المالكي تحقيق وتعليق، د. محمد الأحمدي أبو النور، دار التراث للطبع والنشر - القاهرة.\n* ديوان الهذليين، مطبعة دار الكتب المصرية سنة ١٣٦٤هـ.\n\"حرف الذال\"\n* ذم التأويل، لابن قدامة المقدسي، تحقيق بدر البدر، الطبعة الأولى دار السلفية الصفاة - الكويت.\n* ذكر أخبار أصبهان للإمام أبي نعيم الأصبهاني، مطبعة بريل ليون سنة ١٩٣٤م.\n* ذكر محنة الإمام أحمد بن حنبل بن إسحاق بن حنبل، تحقيق د. محمد نغش - القاهرة سنة ١٣٩٧هـ.","vol":"1","page":661},{"text":"* ذم الكلام للهروي مخطوط، توجد منه نسخة بالمكتبة المركزية بالجامعة الإسلامية.\n* ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي، تحقيق محمد حامد الفقي، طبعة دار المعرفة - بيروت.\n\"حرف الراء\".\n* رد الدارمي على بشر المريسي، صححه وعلق عليه محمد حامد الفقي.\n* الرد على الجهمية، للإمام الحافظ ابن منده، حققه وعلق عليه د. علي بن محمد ناصر فقيهي، الطبعة الثانية سنة ١٤٠٢هـ.\n* الرد على الجهمية، للإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد الدارمي تحقيق بدر البدر، طبعة دار السلفية بالكويت، طبعة أخرى المكتب الإسلامي - بيروت.\n* الرد على الجهمية والزنادقة، للإمام أحمد بن حنبل، تحقيق د. عبد الرحمن عميرة، الطبعة الثانية سنة ١٤٠٢هـ، دار اللواء الرياض.\n* الرد على المنطقيين لشيخ الإسلام ابن تيمية، إدارة ترجمان السنة باكستان.\n* الرد على من أنكر الحرف والصوت، للسجسي، رسالة ماجستير، تحقيق محمد باكريم، الجامعة الإسلامية، طبعت على الآلة الكاتبة.\n* رسالة أهل الثغر، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق محمد الجنيد، طبعة دار اللواء بالرياض.\n* الرسائل الكبرى لابن تيمية، مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده - القاهرة.\n* رسالة التوحيد لمحمد عبده، الطبعة الخامسة سنة ١٤٠٥هـ، دار إحياء العلوم - بيروت.\nالرسالة للإمام محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق أحمد محمد شاكر، طبعة الحلبي.","vol":"1","page":662},{"text":"* الرسالة الجامعة، للأحكام والدلائل النافعة، تأليف صالح الكوزة يانكي، طبعة مطبعة الزهراء الحديثة - الموصل، العراق سنة ١٤٠٤هـ.\n* رسالة أبي حنيفة إلى البتي، تحقيق محمد زاهد الكوثري، طبعة مطبعة الأنوار بالقاهرة سنة ١٣٨٦هـ.\n* الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة، لمحمد بن جعفر الكتاني، الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية - بيروت، طبعة أخرى.\n* رسم المفتي ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين، طبعة دار إحياء التراث العربي - بيروت، لبنان.\n* الرفع والتكميل في الجرح والتعديل، للكنوي، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة الطبعة الثالثة، دار البشائر الإسلامية - بيروت، طبعة أخرى، طبعة سنة ١٣٨٠هـ، بمكتبة ابن تيمية - حلب.\n* الروضة البهية فيما بين الأشاعرة والماتريدية، لأبي عذبة الحسن بن عبد المحسن، طبعة دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد.\n\"حرف الزاي\"\n* زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي طبعة المكتب الإسلامي - بيروت.\n\"حرف السين\"\n* سلسلة الأحاديث الصحيحة، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، طبعة المكتب الإسلامي.\n* السنة لعبد الله بن أحمد، تحقيق د. محمد بن سعيد القحطاني طبعة دار ابن القيم الدمام ١٤٠٦هـ، طبعة أخرى تحقيق أبي هاجر محمد بسيوني زغلول، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت سنة ١٤٠٥هـ.\nالسنة لابن أبي عاصم ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة للشيخ الألباني، الطبعة الأولى المكتب الإسلامي - بيروت.","vol":"1","page":663},{"text":"* السنة لأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال تحقيق د. عطية الزهراني طبعة دار الراية للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ.\n* السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي د. مصطفى السباعي المكتب الإسلامي - بيروت.\n* سنن أبي داود، للإمام الحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي، إعداد وتعليق عزت عيد الدعاس وعادل السيد، دار الحديث - سوريا.\n* سنن الدارقطني، للإمام علي بن عمر الدارقطني، تحقيق السيد عبد الله هاشم يماني، طبعة دار المحاسن للطباعة - القاهرة سنة ١٣٨٦هـ.\n* السنن الكبرى للبيهقي، للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، دار الفكر - بيروت.\n* سنن النسائي، للإمام أحمد بن شعيب النسائي، طبعة دار البشائر - بيروت، سنة ١٤٠٦هـ.\n* سنن ابن ماجه لمحمد بن يزيد القزويني، ترقيم وتعليق محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة دار الفكر العربي - بيروت.\n* سير أعلام النبلاء للذهبي، تحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرين، طبعة مؤسسة الرسالة - الطبعة الأولى سنة ١٤٠٢هـ.\n\"حرف الشين\"\n* الشامل في أصول الدين للجويني، حققه وقدمه د. علي سامي النشار وآخرون، الناشر منشأة المعارف الإسكندرية سنة ١٩٦٩م.\nشأن الدعاء، لأبي سليمان أحمد بن محمد الخطابي، تحقيق أحمد يوسف الدقاق، طبعة دار المأمون للتراث الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ.","vol":"1","page":664},{"text":"* شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لأبي الفلاح عبد الحي بن عماد الحنبلي، طبعة دار الميسرة - بيروت.\n* الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض، تحقيق علي محمد البجاوي، طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه - القاهرة.\n* شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن القيم، الناشر مكتبة دار التراث - مصر.\n* شرح السنة، للإمام محمد بن الحسين بن مسعود الفراء البغوي، حققه وخرج أحاديثه شعيب الأرناؤوط، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى سنة ١٣٩٠هـ.\n* شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، لأبي القاسم هبة الله بن الحسين بن منصور الطبري اللالكائي، تحقيق د. أحمد سعد حمدان، دار طيبة للنشر والتوزيع - الرياض.\n* شرح الأصول الخمسة، للقاضي عبد الجبار الهمداني، تحقيق د. عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة - القاهرة، الطبعة الأولى.\n* الشرح الكبير لابن قدامة المقدسي، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\n* شرح الإرشاد، لأبي بكر بن ميمون، تحقيق د. أحمد حجازي، طبعة دار التضامن - مصر.\n* شرح صحيح مسلم، للنووي، المطبعة المصرية ومكتبتها - القاهرة.\n* شرح الشفا، لملا علي القاري، طبعة مكتبة المدني جدة، طبعة أخرى دار الكتب العلمية - بيروت.\nشرح علل الترمذي، تحقيق صبحي السامرائي، طبعة عالم الكتب - بيروت ١٤٠٥هـ.","vol":"1","page":665},{"text":"* شرح العقيدة الأصبهانية، لابن تيمية، طبعة دار الفكر - بيروت، طبعة أخرى دار الكتب الحديثة - مصر.\n* شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز، طبعة مكتبة دار البيان، طبعة أخرى المكتب الإسلامي، طبعة أخرى مؤسسة الرسالة.\n* شرح العقائد النسفية، لنجم الدين عمر النسفي التفتازاني، كتبخانة إمدادية دي يوند - الهند.\n* شرح العقيدة الطحاوية، للغنيمي الميداني، تحقيق وتعليق محمد مطيع الحافظ، الطبعة الثانية، دار الفكر - دمشق سنة ١٤٠٢هـ.\n* شرح العقيدة الطحاوية، للبابرتي، لمحمد بن محمد البابرتي، تحقيق د. عارف أيتكن، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٩هـ، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - الكويت.\n* شرح الفقه الأبسط لأبي حنيفة، لأبي الليث السمرقندي المطبوع خطأ باسم أبي منصور الماتريدي ضمن الرسائل السبع في العقائد، طبعة دائرة المعارف العثمانية الهند، الطبعة الثالثة سنة ١٤٠٠هـ.\n* شرح الفقه الأكبر لأبي حنيفة، للمغنساوي، طبعة دائرة المعارف العثمانية - الهند.\n* شرح الفقه الأكبر للقاري، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٤هـ.\n* شرح مسند أبي حنيفة، للقاري، طبعة دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٥هـ.\n* شرح المقاصد للتفتازاني، تحقيق د. عبد الرحمن عميرة، ط. عالم الكتب - بيروت الأولى ١٤٠٩هـ، طبعة أخرى تركيا مطبعة محرم أفندي سنة ١٠٣٥هـ.\nشرح الوصية، لملا حسين بن الإسكندر، طبعة دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد الهند","vol":"1","page":666},{"text":"* شرح المواقف، للجرجاني، طبعة مطبعة السعادة - مصر سنة ١٣٠٥هـ.\n* شرح الجوهرة، للبيجوري، طبعة دار الكتب الحديثة - القاهرة.\n* شرح حديث النزول، لشيخ الإسلام، طبعة المكتب الإسلامي - بيروت، طبعة أخرى بتحقيق محمد الخميس، رسالة ماجستير، جامعة الإمام محمد بن سعود على الآلة الكاتبة.\n* شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، للقسطلاني، دار المعرفة - بيروت.\n* شرح العقيدة الواسطية، د. محمد خليل الهراس، مراجعة الشيخ عبد الرزاق العفيفي، طبعة الجامعة الإسلامية بالمدينة، طبعة أخرى دار الإفتاء بالرياض.\n* شرف أصحاب الحديث، لأبي بكر بن ثابت الخطيب البغدادي، تحقيق محمد سعيد الخطيب أوغلي، طبعة دار إحياء السنة النبوية.\n* الشريعة للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري، تحقيق محمد حامد الفقي، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٣هـ.\n* شعب الإيمان للبيهقي، طبعة الدار السلفية - الهند.\n* الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية، لطاش كبري زاده، طبعة دار الكتاب العربي - بيروت سنة ١٣٩٥هـ.\n\"حرف الصاد\"\n* الصارم المسلول، لابن تيمية، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، طبعة دار الفكر، طبعة أخرى نشر زكريا علي يوسف - القاهرة.\nالصارم المنكي، لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي، تعليق إسماعيل الأنصاري، طبعة الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء - الرياض سنة ١٤٠٣هـ.","vol":"1","page":667},{"text":"الصحائف الإلهية، لشمس الدين السمرقندي، تحقيق د. أحمد الشريف، طبعة مكتبة الفلاح - الكويت، الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ.\n* الصحاح \"تاج اللغة وصحاح العربية\"، لإسماعيل بن محمد الجوهري، تحقيق أحمد عبد الغفور العطار، دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة الثانية سنة ١٣٩٩هـ.\n* صحيح البخاري، لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري \"ومعه فتح الباري\" رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه، محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وتصحيحه وأشرف على طبعه محب الدين الخطيب، المكبتة السلفية.\n* صحيح مسلم، للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، نشر وتوزيع رئاسات البحوث العلمية والإفتاء بالرياض سنة ١٤٠٠هـ.\n* صحيح ابن خزيمة، تحقيق د. محمد مصطفى الأعظمي، طبعة المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية سنة ١٣٩٥هـ.\n* صحيح الجامع الصغير، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، طبعة المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية سنة ١٣٩٩هـ.\n* الصفات، للإمام الحافظ أبي الحسن الدارقطني، تعليق وتخريج د. علي بن محمد الفقيهي، الطبعة الأولى سنة ١٤٠١هـ.\n* كتاب الصلاة، للإمام ابن القيم، تحقيق تيسير زعيتر، طبعة المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى سنة ١٤٠١هـ.\n* صريح السنة، للإمام محمد بن جرير الطبري، تحقيق بدر المعتوق، طبعة دار الخلفاء للكتاب الإسلامي - الكويت.\n* الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، للإمام ابن القيم تحقيق د. علي بن محمد دخيل الله، طبعة دار العاصمة بالرياض، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٨هـ.\n* الصواعق المحرقة، للهيثمي، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت سنة ١٤٠٣هـ.","vol":"1","page":668},{"text":"صون المنطق والكلام، للسيوطي، تعليق د. علي سامي النشار، طبعة الكتب العلمية.\n\"حرف الضاد\"\n* ضحى الإسلام، لأحمد أمين، طبعة دار الكتاب العربي - بيروت.\n* الضعفاء الكبير، لمحمد بن عمر العقيلي، تحقيق د. عبد المعطي قلعجي، طبعة دار الكتب العلمية.\n* الضعفاء والمتروكون، للنسائي، طبعة مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت.\n* الضعفاء والمتروكون، للدارقطني، طبعة مكتبة المعارف بالرياض.\n* كتاب \"الضعفاء والمتروكون\" لابن الجوزي، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت.\n* الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، للسخاوي، مكتبة الحياة - بيروت.\n\"حرف الطاء\".\n* الطبقات السنية للتميمي، تحقيق د. عبد الفتاح الحلو، طبعة دار الرفاعي للنشر والتوزيع بالرياض.\n* طبقات الفقهاء، لطاش كبري زادة، طبعة مطبعة الزهراء الحديثة - الموصل.\n* الطبقات الكبرى لابن سعد، دار صادر - بيروت.\n* طبقات الحفاظ، للسيوطي، تحقيق علي محمد عمر، الناشر مكتبة وهبة، الطبعة الأولى سنة ١٣٩٣هـ.\n* طبقات الحنابلة للقاضي أبي الحسين محمد بن أبي يعلى، دار المعرفة بيروت.","vol":"1","page":669},{"text":"طبقات الشافعية للسبكي، تحقيق محمود الطانحي، طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي سنة ١٣٨٣هـ.\n* طبقات الشعراء لابن قتيبة الدينوري، تحقيق. مفيد قميحة، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠١هـ.\n* طبقات الفقهاء، لأبي إسحاق الشيرازي الشافعي، طبعة دار الرائد العربي - بيروت، لبنان، الطبعة الثانية سنة ١٤٠١هـ.\n* طرح التثريب في شرح التقريب، لزين الدين أبي الفضل، دار إحياء التراث العربي - بيروت، لبنان.\n\"حرف العين\".\n* العالم والمتعلم لأبي حنيفة، محمد زاهد الكوثري، طبعة مطبعة الأنوار بالقاهرة سنة ١٣٦٨هـ.\n* العبودية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، طبعة المكتب الإسلامي.\n* العبر في خبر من غبر، للحافظ الذهبي، تحقيق محمد بسيوني زغلول، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت سنة ١٤٠٥هـ، طبعة أخرى تحقيق صلاح الدين المنجد، مطبعة حكومة الكويت.\n* العرش، لابن أبي شيبة، تحقيق محمد الحمود، الطبعة الأولى، مكتبة المعلا الكويت ١٤٠٦هـ.\n* عصمة الأنبياء، للرازي، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠١هـ.\n* العقائد السلفية، لأحمد بن حجر البطامي، الطبعة الأولى بيروت سنة ١٩٧٠م.\n* عقائد السلف للأئمة أحمد بن حنبل للبخاري وابن قتيبة والدارمي جمع وترتيب د. علي سامي النشار، طبعة منشأة المعارف الإسكندرية سنة ١٩٧١م.","vol":"1","page":670},{"text":"* العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين، لمحمد بن أحمد الفاسي مطبعة السنة المحمدية - القاهرة.\n* عقود الجمان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي الشافعي، توزيع مكتبة الإيمان السليمانية المدينة المنورة.\n* عقيدة ابن جرير ضمن المجموعة العلمية السعودية، نشرها الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله تعالى، طبعة مطبعة النهضة الحديثة بمكة.\n* العقائد النسفية، لنجم الدين عمر النسفي مع شرح التفتازاني لها، طبعة كتبخان إمدادية دي يوند - الهند، طبعة ضمن مجموعة النفائس - بيروت، لبنان، مركز الخدمات الثقافية.\n* عقيدة الإسلام والإمام الماتريدي، لمحمد بن أيوب أبي الخير، طبعة المؤسسة الإسلامية دكا بنجلادش.\n* عمدة الاعتقاد، لحافظ الدين النسفي، مخطوط بدار الكتب المصرية تحت رقم ٧١١.\n* عقيدة السلف أصحاب الحديث، لأبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، طبع ضمن مجموعة الرسائل المنيرية، طبعة أخرى بتحقيق بدر البدر، الدار السلفية - الكويت.\n* العقيدة السلفية في كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة المردية، لعبد الله بن يوسف الجديع، الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ - الكويت.\n* العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية، لأبي المعالي الجويني، تقديم وتحقيق د. أحمد حجازي، مكتبة الكليات الأزهرية.\nالعلل المتناهية في الأحاديث الواهية، للإمام أبي الفرج بن الجوزي، تحقيق رشاد الحق الأثري، طبعة دار نشر الكتب الإسلامية لاهور باكستان.","vol":"1","page":671},{"text":"العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ، لصالح بن مهدي اليماني، طبعة دار الحديث للطباعة - بيروت، طبعة أخرى دار البيان - دمشق.\n* العلو للعلي الغفار في صحيح الأخبار وسقيمها، مراجعة، عبد الرحمن محمد عثمان، طبعة المكتبة السلفية بالمدينة المنورة سنة ١٣٨٨هـ.\n* عمدة القاري لشرح صحيح البخاري، بدر الدين العيني، طبعة دار إحياء التراث العربي - بيروت، لبنان.\n* عمل اليوم والليلة، للنسائي، دراسة وتحقيق فاروق حمادة، طبعة رئاسة العامة للإفتاء والدعوة والإرشاد بالرياض.\n* العناقيد الغالية من الأسانيد العالية، لمحمد عاشق إلهي، نشر مكتبة بهادر كراتشي، باكستان سنة ١٤٠٨هـ.\n* عنوان المجد في تاريخ نجد، لابن بشر، طبعة مكتبة الرياض الحديثة.\n\"حرف الغين\".\n* غاية الأماني في الرد على النبهاني، لأبي المعالي محمود الألوسي، طبعة دار إحياء السنة بالإسكندرية.\n* غاية المرام في علم الكلام، سيف الدين الآمدي تحقيق حسن محمود عبد اللطيف، طبعة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - القاهرة سنة ١٣٩١هـ.\n* غريب الحديث أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي، طبعة دار الكتاب العربي - بيروت سنة ١٣٩٦هـ.\n\"حرف الفاء\"\n* فتاوى ومسائل ابن الصلاح، عبد الرحمن بن عثمان الشهرورزي، طبعة دار المعرفة - بيروت.","vol":"1","page":672},{"text":"* الفتاوى الكبرى، لشيخ الإسلام، طبعة دار المعرفة - بيروت.\n* فتاوى العز بن عبد السلام، توزيع دار الباز، طبعة دار المعرفة - بيروت.\n* الفتاوى البزازية، للكردي بزازي، مطبوع على هامش الفتاوى الهندية.\n* الفتاوى الهندية، طبعة دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثالثة.\n* فتح الباري، شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، طبعة دار السلفية في مصر.\n* فتح المغيث شرح ألفية الحديث، للسخاوي، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت سنة ١٤٠٣هـ.\n* فتح القدير، لابن همام، طبعة الفكر - بيروت، طبعة أخرى.\n* فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن عبد الوهاب، طبعة دار البيان - دمشق، طبعة أخرى.\n* فتح الملهم شرح صحيح مسلم، شبير أحمد العثماني، طبعة مكتبة الحجاز كراتشي باكستان.\n* الفرق بين الفرق لعبد القادر بن طاهر البغدادي، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد مطبعة محمد علي صبيح وأولاده مصر.\n* الفرق الكلامية الإسلامية، علي عبد الفتاح المعربي، طبعة مكتبة وهبة - مصر.\n* الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم، طبعة دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت سنة ١٣٩٥، طبعة أخرى تحقيق عبد الرحمن عميرة، دار عكاظ للنشر والتوزيع سنة ١٤٠٢هـ.\nفضائل الصحابة، للإمام أحمد بن حنبل تحقيق وصي الله بن محمد عباس مؤسسة الرسالة - بيروت سنة ١٤٠٣هـ.","vol":"1","page":673},{"text":"* فضائل أبي حنيفة وأصحابه، لابن أبي العوام، مخطوط دار الكتب المصرية.\n* الفقه الأبسط، لأبي حنيفة، تحقيق محمد زاهد الكوثري، طبعة مطبعة الأنوار - القاهرة سنة ١٣٦٨هـ.\n* الفقه الأكبر، لأبي حنيفة، طبعة دار الكتب العلمية بيروت، سنة ١٤٠٤هـ.\n* الفهرست، لابن النديم، تحقيق رضا تجددي، طبعة أخرى دار المعرفة - بيروت.\n* الفوائد البهية في تراجم الحنفية، لعبد الحي اللكنوي، طبعة دار المعرفة - بيروت.\n* فيض الباري على صحيح البخاري، أنور شاه الكشميري، طبعة دار المعرفة - بيروت.\n\"حرف القاف\".\n* القائد إلى تصحيح العقائد، عبد الرحمن المعلمي، طبع ضمن التنكيل وطبع مستقلا في المكتب الإسلامي - بيروت.\n* قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، شيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق د. ربيع مدخلي، طبعة مكتبة لينة دمنهور - مصر.\n* قاموس الفارسية، لعبد المنعم محمد حسنين، طبعة دار الكتاب العربي.\n* القاموس المحيط، لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، مؤسسة الرسالة - بيروت.\n* القصيدة النونية \"الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية\"، ابن القيم، طبعة دار المعرفة - بيروت.\nقطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر، محمد صديق خان، تحقيق د. عاصم بن عبد الله القريوتي، طبعة شركة الشرق الأوسط - عمان، الأردن.","vol":"1","page":674},{"text":"قطف الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة.\n* قلائد عقود العقيان، لأبي القاسم عبد العليم بن عثمان اليمني الحنفي، مخطوط بالمكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\n* قواعد التحديث في فنون مصطلح الحديث، للعلامة محمد كمال الدين القاسمي، طبعة دار المكتب العلمية - بيروت.\n\"حرف الكاف\".\n* الكافي في فقه الإمام أحمد، عبد الله بن قدامة المقدسي، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية سنة ١٣٩٩هـ.\n* الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، للإمام محمد بن عثمان الذهبي، طبعة دار النصر - القاهرة، الطبعة الأولى ١٣٩٢هـ.\n* الكامل في ضعفاء الرجال، أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني، طبعة دار الفكر للطباعة والنشر، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٤هـ.\n* كتاب اللطيف لشرح مذهب أهل السنة والجماعة، لعمر بن أحمد بن شاهين تحقيق عبد الله البصيري، رسالة ماجستير بالجامعة الإسلامية بالمدينة ١٤٠٤هـ.\n* كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، علاء الدين البخاري، طبعة دار الكتاب العربي - بيروت.\n* الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث، برهان الدين الحلبي، طبعة مطبعة العاني - بغداد.\n* كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون، لحاجي خليفة دار العلوم الحديثة - بيروت.","vol":"1","page":675},{"text":"* الكفاية في علم الرواية، للخطيب البغدادي، تحقيق أحمد عمر، طبعة دار الكتاب العربي - بيروت.\n* الكواشف الجلية عن معاني الواسطية، الشيخ عبد العزيز السلمان، طبعة مكتبة الرياض الحديثة.\n* الكواكب الدراري، بشرح صحيح البخاري، للكرماني طبعة دار إحياء التراث العربي - بيروزت سنة ١٤٠١هـ.\n* كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي، صححه ووضع فهارسه الشيخ صفوت السقا، المطبعة العربية - حلب.\n* الكنى والأسماء، لأبي بشر الدوالبي، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان، الطبعة الثانية سنة ١٤٠٣٦هـ.\n\"حرف اللام\".\n* اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، للسيوطي، طبعة دار المعارف - بيروت.\n* اللباب في تهذيب الأنساب، لابن منظور، طبعة المؤسسة المصرية العامة للتأليف، طبعة أخرى، دار صادر - بيروت.\n* لسان الميزان، ابن حجر العسقلاني، مؤسسة الأعلمي، للمطبعات - بيروت، لبنان، طبعة ثانية سنة ١٣٩٠هـ.\nلوامع الأنوار البهية لشرح الدرر المضية في عقيدة الفرقة الناجية، محمد بن أحمد السفاريني الأثري الحنبلي، طبع دار الخافقين.","vol":"1","page":676},{"text":"* لامع الدراري على جامع البخاري، رشيد أحمد، طبعة كراتشي سنة ١٣٩٥هـ.\n\"حرف الميم\".\n* المبسوط، لشمس الدين السرخسي، دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت، لبنان.\n* مجاز القرآن، لأبي عبيدة معمر بن المثنى، طبعة مؤسسة الرسالة - بيروت.\n* المجروحون من المحدثين والضعفاء والمتروكين، الإمام أبو حاتم محمد بن حبان البستي، طبعة دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت.\n* مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، لأبي بكر الهيثمي، طبعة دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثانية سنة ١٤٠٢هـ.\n* مجموع مهمات الفنون، لأبي بكر الهيثمي، طبعة دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثانية سنة ١٤٠٢هـ.\n* مجموعة التوحيد، طبعت على نفقة محمد العبيكان.\n* مجموع فتاوى ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي الحنبلي وساعده ابنه محمد، طبعة مؤسسة الرسالة - بيروت.\n* مجموعة الرسائل والمسائل، للإمام ابن تيمية، طبعة دار الكتب العلمية.\n* محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، للإمام فخر الدين الرازي، الناشر دار الكتاب العربي.\n* مختار الصحاح، تأليف محمد بن أبي بكر الرازي، طبعة دار الكتب العربية. طبعة أخرى مكتبة لبنان.\nمختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم، اختصره الشيخ محمد بن الموصلي، طبعة مكتبة الرياض الحديثة، طبعة أخرى، دار الندوة الجديدة سنة ١٤٠٥هـ.","vol":"1","page":677},{"text":"مختصر العلو للعلي الغفار للحافظ الذهبي، اختصره وحققه وعلق عليه وخرج آثاره محمد بن ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي الطبعة الأولى.\n* مدارج السالكين بين منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ابن القيم طبعة دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان.\n* المدخل إلى مذهب الإمام أحمد، لعبد القادر بن بدران الدمشقي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة ١٤٥هـ.\n* مراقد المعارف، لمحمد حرز الدين، طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف سنة ١٣٨٩هـ الأولى.\n* مرام الكلام لعبد العزيز الفريهاري، طبعة ملتان باكستان.\n* مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لأبي الحسن عبيد الله المباركفوري، طبعة المكتبة الأثرية، باكستان.\n* مسائل الإمام أحمد، أبو داود السجستاني، توزيع، مكتبة المعارف بالرياض، طبعة دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت، لبنان.\n* مسائل الإيمان، للقاضي أبي يعلى، تحقيق سعود الخلف، طبعة دار العاصمة بالرياض، طبعة ١٤١٠هـ الأولى.\n* مسألة الاحتجاج بالشافعي، تحقيق د. ملا خاطر، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالرياض.\n* المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة، ابن الهمام، مع شرحيه: المسامرة لابن أبي الشريف، وشرح قاسم بن قطلوبغا، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، طبعة مطبعة السعادة - مصر.\n* المستدرك على الصحيحين، للحاكم، طبعة مكتبة ابن العربي - لبنان.\n* مسند الإمام أحمد بن حنبل، طبعة المكتب الإسلامي، للطباعة والنشر.","vol":"1","page":678},{"text":"* مسند أبي عوانة، للإمام أبي عوانة يعقوب بن إسحاق، طبعة دار المعرفة للنشر والتوزيع - بيروت.\n* مشايخ بلخ من الحنفية، د. محمد محروس عبد اللطيف، طبعة الدار العربية - بغداد سنة ١٩٧٨م.\n* المشتبه، للذهبي، تحقيق علي البجاوي، طبعة دار إحياء الكتب العربية - القاهرة.\n* مشكاة المصابيح، للخطيب التبريزي، تحقيق الألباني، طبعة المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثانية.\n* مشكل الآثار، للإمام أبي جعفر الطحاوي، طبعة دائرة المعارف النظامية - حيدر آباد الهند.\n* مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، طبعة الدار العربية للطباعة والنشر والتوزيع.\n* المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، أحمد بن محمد بن علي الفيومي، طبعة دار الكتب العلمية، طبعة أخرى مكتبة لبنان.\n* المصنف في الأحاديث والآثار، ابن أبي شيبة، تحقيق عبد الخالق الأفغاني، طبعة الدار السلفية الهند، الطبعة الثانية سنة ١٣٩٩هـ.\n* المصنف، لعبد الرزاق الصنعاني، تحقيق حبيب الرحمن الأعمي، طبعة المكتب الإسلامي.\n* معاني القرآن، لأبي زكريا يحيى بن زياد الفراء، طبعة عالم الكتب - بيروت.\n* معالم التنزيل للبغوي، طبعة دار المعرفة - بيروت.\n* المعارف، لابن قتيبة، طبعة دار المعارف بمصر - القاهرة مصر.\nمعجم الأدباء، ياقوت بن عبد الله الحموي، طبعة دار إحياء التراث العربي - بيروت.","vol":"1","page":679},{"text":"معجم المؤلفين، عمر رضا كحالة، طبعة مكتبة المثنى - بيروت، لبنان.\n* معجم البلدان، لأبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي، طبعة دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n* معجم الطبراني الكبير، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، طبعة مطبعة الوطن العربي، الجمهورية العراقية.\n* المعجم الفلسفي، إصدار مجمع اللغة العربية، جمهورية مصر العربية، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية سنة ١٣٩٩م.\n* المعجم الفسلفي بالألفاظ العربية والفرنسية والإنجليزية واللاتينية، د. جميل صليبا، دار الكتاب اللبناني سنة ١٩٨٢م.\n* المعجم الوسيط، قام بإخراجه، د. إبراهيم أنيس وآخرون، المكتبة الإسلامية إستانبول تركيا.\n* المعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان البسوي، طبعة مؤسسة الرسالة.\n* مفتاح السعادة ومصباح السيادة، طاش كبري زادة، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٥هـ، دار الكتب العلمية - بيروت، طبعة أخرى دار الكتب الحديثة، بالقاهرة ش الجمهورية.\n* المفردات في غريب القرآن، ابن القاسم حسين بن محمد الأصفهاني، طبعة دار المعرفة - بيروت.\n* مقالات الكوثري، طبعة مطبعة الأنوار - القاهرة.\n* المقدمة، لعبد الرحمن بن خلدون، طبعة دار النهضة، بمصر الطبعة الثالثة.\n* مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، طبعة مكتبة النهضة العربية سنة ١٣٨٩هـ، طبعة أخرى تحقيق هلموت ريتر، طبعة دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n* الملل والنحل، للشهرستاني، تعليق محمد سيد كيلاني، طبعة دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت، الطبعة الثانية سنة ١٣٩٥هـ.","vol":"1","page":680},{"text":"مناقب الإمام أحمد، الإمام عبد الرحمن ابن الجوزي، تحقيق د. عبد الله التركي، الطبعة الأولى سنة ١٣٩٩هـ، مكتبة الخانجي القاهرة، طبعة أخرى دار الآفاق الجديدة - بيروت، لبنان.\n* مناقب الإمام أبي حنيفة، للذهبي، نشرة إحياء المعارف النعمانية - حيدر آباد بالهند.\n* مناقب أبي حنيفة، الإمام موقف أحمد المكي، طبعة دار الكتاب العربي، طبعة أخرى طبعة مجلس دائرة المعارف النظامية بحيدر آباد الهند.\n* مناقب أبي حنيفة، الإمام حافظ الدين الكردري، طبعة الكتاب العربي - بيروت، لبنان، طبعة أخرى طبعة دائرة المعارف النظامية بحيدر آباد الهند.\n* مناقب الشافعي للبيهقي، تحقيق السيد أحمد صقر، الطبعة الأولى سنة ١٣٩١هـ، طبعة دار التراث - مصر.\n* المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ابن الجوزي، الطبعة الأولى سنة ١٣٥٨هـ، طبعة دار المعارف العثمانية - حيدر آباد الدكن.\n* منهاج السنة النبوية، ابن تيمية تحقيق د. محمد رشاد سالم ﵀، سنة ١٤٠٦هـ، طبعة جامعة الإمام بالرياض، طبعة أخرى مكتبة الرياض الحديثة بالرياض.\n* المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد، عبد الرحمن بن محمد العليمي، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، راجعه وعلق عليه عادل نويضي، طبعة عالم الكتب - بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٣هـ.\n* المهند على المفند، خليل أحمد السهارنفوري، طبعة إدارة إسلاميات، لاهور، باكستان سنة ١٤٠٤هـ.\n* موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، للهيثمي، تحقيق ونشر محمد عبد الرزاق حمزة، دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان.","vol":"1","page":681},{"text":"* المواقف في علم الكلام، عبد الرحمن بن أحمد الأيجي، نشر دار الباز للطباعة والنشر دار عالم الكتب - بيروت.\n* الموسوعة العربية الميسرة، دار نهضة لبنان للطباعة والنشر - بيروت، لبنان.\n* الموضوعات، لابن الجوزي، تقديم وتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، طبعة المكتبة السلفية - المدينة المنورة، الطبعة الأولى سنة ١٣٨٦هـ.\n* موطأ الإمام مالك، صححه ورقمه وخرج أحاديثه وعلق عليه محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه.\n* ميزان الاعتدال، لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق علي بن محمد البجاوي، دار المعرفة - بيروت، لبنان.\n* الميزان الكبرى، لأبي المواهب عبد الواهب بن أحمد الشعراني، طبعة دار الفكر - بيروت.\n* معيد النعم ومبيد النقم، لعبد الوهاب السبكي، طبعة مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت، لبنان.\n\"حرف النون\".\n* النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير، عبد الحي اللكنوي، طبعة إدارة القرآن والعلوم الإسلامية كراتشي - باكستان.\n* النبراس، عبد العزيز الفريهاري، طبعة كتبخانة إكرامية، بشاور - باكستان.\n* النبوات، لشيخ الإسلام، طبعة مكتبة الرياض الحديثة، وطبعة أخرى دار الكتاب العربي.\n* النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، جمال الدين أبي المحاسن بن تغري بردي الأتابكي، طبعة دار الكتب المصرية سنة ١٣٨٣هـ - القاهرة.\nنشر الطوالع، للمرعشي، طبعة مكتبة العلوم العصرية.","vol":"1","page":682},{"text":"* نظم الدرر في شرح الفقه الأكبر، للقاضي عبيد الله المفتي، طبعة المجلس العلمي - كراتشي سنة ١٩٨٥م.\n* النظم المتناثر من الحديث المتواتر، لأبي الفيض الكتاني، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان.\n* نقض المنطق، لشيخ الإسلام، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت.\n* النكت على كتاب ابن الصلاح، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق ربيع بن هادي مدخلي، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٤هـ، الناشر الجامعة الإسلامية.\n* النهاية في غريب الحديث والآثار، ابن الأثير، تحقيق محمود محمد الطناحي، طبعة دار الفكر - بيروت.\n* نهاية الأقلام في علم الكلام، عبد الكريم الشهرستاني، حرره الفرد جيوم.\n* النور اللامع والبرهان الساطع شرح عقائد أهل السنة والجماعة، للناصري، مخطوط في المكتبة السليمانية تحت رقم ٢٩٧٣ بتركيا.\n\"حرف الهاء\".\n* هداية العارفين في أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، أسماعيل البغدادي، طبعة دار العلوم الحديثة - بيروت، لبنان سنة١٩٥٥م.\n\"حرف الواو\"\n* الوافي بالوفيات، صلاح الدين خليل الصفدي، طبعة دار النشر فرانز شتاينز - بفس بادن سنة ١٣٨٩هـ.\n* وفيات الأعيان وأنباء الزمان، أحمد بن محمد بن خلكان، تحقيق د. إحسان عباس، طبعة دار صادر - بيروت.","vol":"1","page":683}]}