{"ً":{"ٌ":751,"ٍ":"التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول ﷺ","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/tajjameosol/","files":["01_156554.pdf","02_156555.pdf","03_156556.pdf","04_156557.pdf","05_156558.pdf"]},"ّ":"الكتاب: التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول ﷺ\nالمؤلف: منصور ناصف\nالناشر: دار إحياء الكتب العربية - مصر\nالطبعة: الثالثة، ١٣٨١ - ١٣٨٢ هـ = ١٩٦١ - ١٩٦٢ م\nوصَوّرتْها: دار إحياء التراث العربي - لبنان\nعدد الأجزاء: ٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.1","ٔ":561,"ٕ":6,"ٖ":1780758732,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5"],"ٚ":[{"title":"تقاريظ","level":1,"page":2},{"title":"التقريظ الأول","level":2,"page":2},{"title":"التقريظ الثاني","level":2,"page":2},{"title":"التقريظ الثالث","level":2,"page":3},{"title":"التقريظ الرابع","level":2,"page":4},{"title":"التقريظ الخامس","level":2,"page":6},{"title":"التقريظ السادس","level":2,"page":7},{"title":"التقريظ السابع","level":2,"page":7},{"title":"كلمة للمؤلف","level":1,"page":9},{"title":"حسن الفأل فأل حسن","level":2,"page":9},{"title":"كلمة موجهة للهداة والولاة","level":2,"page":9},{"title":"خطبة الكتاب","level":2,"page":10},{"title":"اصطلاح الكتاب","level":3,"page":15},{"title":"تقسيم الكتاب","level":3,"page":18},{"title":"القسم الأول في الإيمان والعلم والعبادات","level":1,"page":21},{"title":"كتاب الإسلام والإيمان","level":2,"page":21},{"title":"الباب الأول: في بيانهما","level":3,"page":21},{"title":"الباب الثاني: في أوصاف الإيمان الكامل","level":3,"page":23},{"title":"يزيد الإيمان وينقص ولا تضره الوسوسة","level":4,"page":26},{"title":"الباب الثالث: في فضائل الدين","level":3,"page":27},{"title":"فصل: لا يقبل الله إلا الدين الإسلامي","level":4,"page":31},{"title":"الباب الرابع: في الإيمان بالقدر","level":3,"page":33},{"title":"أصحاب البدع كالقدرية والمرجئة","level":4,"page":36},{"title":"الباب الخامس: في البيعة","level":3,"page":38},{"title":"الباب السادس: في الاعتصام بالكتاب والسنة","level":3,"page":39},{"title":"الباب السابع: الاقتصاد في العمل والدوام عليه أحب إلى الله","level":3,"page":45},{"title":"كتاب النية والإخلاص","level":2,"page":47},{"title":"الباب الأول: في النية والإخلاص ومزاياهما","level":3,"page":47},{"title":"الباب الثاني: يثاب المرء على نيته فقط","level":3,"page":51},{"title":"الباب الثالث: في التحذير من الرباء","level":3,"page":54},{"title":"كتاب العلم","level":2,"page":57},{"title":"الباب الأول: في فضل العلم والعلماء","level":3,"page":57},{"title":"الباب الثاني: في وجوب تبليغ العلم وفضل نشره","level":3,"page":63},{"title":"فرع: يكتب العلم لصيانة","level":4,"page":66},{"title":"الباب الثالث: في آداب العلم","level":3,"page":68},{"title":"فرع: يلزم أن يكون العلم لله تعالى","level":4,"page":71},{"title":"خاتمة: يبقى أثر العلم خالدا","level":3,"page":72},{"title":"كتاب الطهارة","level":2,"page":74},{"title":"الباب الأول: في فضائل الطهارة","level":3,"page":74},{"title":"الباب الثاني: في أحكام المياه","level":3,"page":77},{"title":"الباب الثالث: في إزالة النجاسة وفيه فصلان","level":3,"page":81},{"title":"الفصل الأول: في تطهير جلد الميتة والنجاسة الكلبية","level":4,"page":81},{"title":"الفصل الثاني: في تطهير الدم والبول والمذي وغيرها","level":4,"page":82},{"title":"الباب الرابع: في الاستنجاء وفيه فصلان","level":3,"page":88},{"title":"الفصل الأول: في آداب الخلاء","level":4,"page":88},{"title":"الفصل الثاني: في الاستنجاء","level":4,"page":91},{"title":"الباب الخامس: في الوضوء وفيه ثلاثة فصول","level":3,"page":93},{"title":"الفصل الأول: في أسباب الحدث","level":4,"page":93},{"title":"الفصل الثاني: في آداب الوضوء","level":4,"page":96},{"title":"الفصل الثالث: في بيان الوضوء ومدته","level":4,"page":99},{"title":"مسح الخفين","level":5,"page":103},{"title":"الباب السادس: في الغسل وفيه ثلاثة فصول","level":3,"page":105},{"title":"الفصل الأول: في أسباب الغسل","level":4,"page":105},{"title":"الفصل الثاني: في آداب الغسل وحكم الحمام","level":4,"page":108},{"title":"الفصل الثالث: في بيان الغسل وحكم الجنب","level":4,"page":111},{"title":"الباب السابع: في الحيض والنفاس والاستحاضة وفيه ثلاثة فصول","level":3,"page":114},{"title":"الفصل الأول: في مخالطتهن","level":4,"page":114},{"title":"كفارة الوقاع في الحيض","level":5,"page":116},{"title":"الفصل الثاني: في تطهرهن وحكم الحائض والنفساء","level":4,"page":116},{"title":"الفصل الثالث: في أحكام المستحاضة ترجع لعادتها أو تعمل القوي حيضا","level":4,"page":119},{"title":"تتحيض غالب الحيض أو تجمع الصلاتين بعد الغسل","level":5,"page":120},{"title":"المستحاضة تعتكف ويغشاها زوجها","level":5,"page":122},{"title":"الباب الثامن: في التيمم وفيه فصول ثلاثة وخاتمة","level":3,"page":123},{"title":"الفصل الأول: في أصله","level":4,"page":123},{"title":"الفصل الثاني: في أسبابه والمسح على الجبيرة","level":4,"page":124},{"title":"الفصل الثالث: في كيفيته","level":4,"page":126},{"title":"خاتمة إذا تيمم وصلى ثم وجد الماء في الوقت لا يعيد","level":4,"page":127},{"title":"كتاب الصلاة","level":2,"page":129},{"title":"الباب الأول: في أصل الصلاة والمحافظة عليها وفيه فصلان","level":3,"page":129},{"title":"الفصل الأول: في فرضية الصلاة وفضلها","level":4,"page":129},{"title":"الفصل الثاني: في المحافظة على الصلوات","level":4,"page":134},{"title":"الصلاة الوسطى هي العصر","level":5,"page":136},{"title":"حكم تارك الصلاة","level":5,"page":137},{"title":"الباب الثاني: في المواقيت وفيه فصلان","level":3,"page":138},{"title":"الفصل الأول: في مواقيت الصلاة","level":4,"page":138},{"title":"تدرك الصلاة بإدراك ركعة","level":5,"page":143},{"title":"أعذار الصلاة","level":5,"page":144},{"title":"الفصل الثاني: في الأوقات المنهي عن النافلة فيها","level":4,"page":146},{"title":"الباب الثالث: في شروط الصلاة","level":3,"page":148},{"title":"الطهارة","level":4,"page":149},{"title":"استقبال القبلة","level":4,"page":150},{"title":"تصلي النافلة في السفر إلى جهته","level":4,"page":152},{"title":"ستر العورة","level":4,"page":153},{"title":"لباس الحرة في الصلاة","level":4,"page":154},{"title":"تجوز الصلاة في النعل الطاهر","level":4,"page":155},{"title":"ترك الكلام والفعل الكثيرين","level":4,"page":156},{"title":"الباب الرابع: في سنن الصلاة المتقدمة","level":3,"page":157},{"title":"الفصل الأول: في الأذان والإقامة","level":3,"page":157},{"title":"بيان الأذان والإقامة","level":4,"page":159},{"title":"المستحب للأذان","level":4,"page":161},{"title":"ينبغي مؤذنان للمسجد","level":4,"page":162},{"title":"ما يستحب لسامع الأذان","level":4,"page":163},{"title":"الدعاء بين الأذانين مقبول","level":4,"page":164},{"title":"الفصل الثاني: في السواك","level":3,"page":165},{"title":"العمامة","level":4,"page":166},{"title":"الفصل الثالث: في السترة","level":3,"page":167},{"title":"الدنو من السترة","level":4,"page":168},{"title":"يأثم المار أمام المصلى وله دفعه","level":4,"page":169},{"title":"سترة الإمام له ولمن خلفه","level":4,"page":170},{"title":"ما قيل إنه يقطع الصلاة","level":4,"page":170},{"title":"الباب الخامس: في كيفية الصلاة وفيه فصلان","level":3,"page":172},{"title":"الفصل الأول: في أركان الصلاة","level":3,"page":172},{"title":"الفصل الثاني: في محاسن الصلاة: رفع اليدين وتكبيرات الانتقال","level":3,"page":178},{"title":"دعاء الافتتاح","level":4,"page":179},{"title":"التعوذ بالله من الشيطان","level":4,"page":180},{"title":"التأمين عقب الفاتحة","level":4,"page":181},{"title":"السكتتان","level":4,"page":182},{"title":"قراءة السورة بعد الفاتحة","level":4,"page":183},{"title":"ما قرأه ﷺ في الظهر والعصر","level":4,"page":183},{"title":"ما قرأه في المغرب والعشاء","level":4,"page":184},{"title":"القراءة في الصبح","level":4,"page":185},{"title":"يجوز تكرير السورة في الركعتين","level":4,"page":185},{"title":"الركوع والتسبيح فيه","level":4,"page":186},{"title":"الرفع من الركوع والحمد فيه","level":4,"page":187},{"title":"السجود والتسبيح فيه","level":4,"page":189},{"title":"الدعاء في السجود مستجاب","level":4,"page":191},{"title":"الجلوس بين السجدتين والدعاء فيه","level":4,"page":191},{"title":"جلسة الاستراحة","level":4,"page":192},{"title":"التشهد الأول وهيئة الجلوس في الصلاة","level":4,"page":193},{"title":"الخشوع في الصلاة وتحسينها","level":4,"page":194},{"title":"أي أعمال الصلاة أفضل؟","level":4,"page":195},{"title":"القنوت في الصلاة","level":4,"page":195},{"title":"الدعاء قبل السلام","level":4,"page":197},{"title":"حكم من لم يستطع القيام والقراءة","level":4,"page":198},{"title":"يكمل نقص الفرض من التطوع","level":4,"page":199},{"title":"يكره في الصلاة أمور منها النظر إلى السماء والالتفات","level":4,"page":200},{"title":"ومنها البصاق والاختصار ومسح الحصى والإشارة باليد","level":4,"page":201},{"title":"ومنها الصلاة بحضرة الطعام ومع مدافعة الحدث","level":4,"page":202},{"title":"ومنها كف الشعر والإسبال","level":4,"page":203},{"title":"ومنها التثاؤب والتشبيك والنفخ","level":4,"page":204},{"title":"الباب السادس: في الرواتب وفيه فصول ثلاثة","level":3,"page":205},{"title":"الفصل الأول: في رواتب الفرائض","level":4,"page":205},{"title":"راتبة الفجر","level":5,"page":205},{"title":"الرواتب المؤكدة","level":5,"page":206},{"title":"الرواتب غير المؤكدة","level":5,"page":207},{"title":"الفصل الثاني: في الوتر","level":4,"page":208},{"title":"بيان الوتر","level":5,"page":210},{"title":"القراءة في الوتر","level":5,"page":211},{"title":"الفصل الثالث: في الدعاء والذكر عقب الصلاة","level":4,"page":212},{"title":"الباب السابع: في سجود السهو والتلاوة وفيه فصلان","level":3,"page":215},{"title":"الفصل الأول: في أسباب سجود السهو","level":4,"page":215},{"title":"الفصل الثاني: في سجدة التلاوة","level":4,"page":219},{"title":"حكم سجدة التلاوة","level":5,"page":221},{"title":"سجدة الشكر","level":5,"page":222},{"title":"يجوز العمل الخفيف في الصلاة للحاجة","level":5,"page":223},{"title":"الباب الثامن: في المساجد وفيه فصول ثلاثة","level":3,"page":226},{"title":"الفصل الأول: في فضل المساجد والسعي إليها","level":4,"page":226},{"title":"فضل المساجد الثلاثة","level":5,"page":230},{"title":"مسجد قباء","level":5,"page":232},{"title":"ذهاب النساء إلى المساجد","level":5,"page":233},{"title":"الفصل الثاني: في آداب المساجد","level":4,"page":234},{"title":"صفة مسجد النبي ﷺ في عهده","level":5,"page":239},{"title":"يكره تشييد المساجد وزخرفتها","level":5,"page":240},{"title":"الفصل الثالث: في المواضع التي تكره فيها الصلاة","level":4,"page":240},{"title":"الباب التاسع: في الجماعة وفيه خمسة فصول وخاتمة","level":3,"page":243},{"title":"الفصل الأول: في فضل الجماعة","level":4,"page":243},{"title":"الفصل الثاني: في حكم الجماعة","level":4,"page":246},{"title":"أعذار الجماعة","level":5,"page":248},{"title":"ينبغي المشي إلى الصلاة بسكينة","level":5,"page":249},{"title":"الفصل الثالث: في صفة الإمام أهل الفضل أحق بالإمامة","level":4,"page":250},{"title":"التخفيف مع الإتقان","level":5,"page":252},{"title":"إمامة العبد والمولى والأعمى والمرأة والصغير","level":5,"page":253},{"title":"موقف المأموم من الإمام","level":5,"page":255},{"title":"الفصل الرابع: في الاقتداء بالإمام","level":4,"page":256},{"title":"فضل الصف الأول وما يليه","level":5,"page":258},{"title":"خيار الناس أولى بالصف الأول","level":5,"page":259},{"title":"ينبغي الفتح على الإمام","level":5,"page":260},{"title":"الفصل الخامس: في تسوية الصفوف وقول الإمام فيها","level":4,"page":261},{"title":"إتمام الصفوف وكراهة الانفراد","level":5,"page":262},{"title":"انصراف الإمام من الصلاة واستقباله للناس","level":5,"page":263},{"title":"تعاد الصلاة جماعة","level":5,"page":265},{"title":"خاتمة: يجوز للإمام أن يستخلف غيره","level":4,"page":266},{"title":"الباب العاشر: في الجمعة وفيه أربعة فصول وخاتمة","level":3,"page":269},{"title":"الفصل الأول: في فضلها ووجوبها","level":4,"page":269},{"title":"الذين تجب عليهم الجمعة","level":5,"page":271},{"title":"تصلى الجمعة في المدن والقرى. وبيان العدد","level":5,"page":272},{"title":"تسقط الجمعة بالعذر","level":5,"page":274},{"title":"الفصل الثاني: في فضل التبكير والغسل","level":4,"page":274},{"title":"الطيب والدهن والتجمل","level":5,"page":276},{"title":"فضل المشي للجمعة","level":5,"page":277},{"title":"وقت الجمعة والنداء","level":5,"page":278},{"title":"الفصل الثالث: في الخطبة","level":4,"page":279},{"title":"صلاة الجمعة","level":5,"page":281},{"title":"الفصل الرابع: في آداب الخطيب والحاضرين","level":4,"page":283},{"title":"خاتمة: في ساعة الإجابة","level":4,"page":287},{"title":"الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلمفي يوم الجمعة وليلتها","level":5,"page":288},{"title":"الباب الحادي عشر: في صلاة الخوف وصلاة السفر وفيه فصلان","level":3,"page":289},{"title":"الفصل الأول: في صلاة الخوف","level":4,"page":289},{"title":"إذا كان العدو في غير جهة القبلة","level":5,"page":290},{"title":"إذا كان العدو في جهة القبلة","level":5,"page":291},{"title":"الفصل الثاني: في صلاة السفر القصر ومسافته","level":4,"page":292},{"title":"الجمع","level":5,"page":294},{"title":"لا تقصر المغرب ولا تصلى الرواتب في السفر","level":5,"page":295},{"title":"الباب الثاني عشر: في الصلوات المسنونة صلاة العيدين","level":3,"page":296},{"title":"الخروج لصلاة العيد ووقتها","level":4,"page":296},{"title":"صلاة العيد والخطبة","level":4,"page":298},{"title":"ينبغي التجمل في العيد","level":4,"page":300},{"title":"يجوز في العيد اللهو المباح","level":4,"page":301},{"title":"صلاة الكسوف","level":4,"page":303},{"title":"النداء لها","level":4,"page":304},{"title":"أنواع صلاة الكسوف","level":4,"page":304},{"title":"الجهر بالخسوف والإسرار بالكسوف","level":4,"page":306},{"title":"القراءة في صلاة الكسوف","level":4,"page":306},{"title":"الخطبة","level":4,"page":306},{"title":"يكفي عن الصلاة الفزع إلى الله وفعل الخير","level":4,"page":307},{"title":"ما كشف للنبي ﷺ عنه في صلاة الكسوف","level":4,"page":307},{"title":"السجود لمطلق الآيات","level":4,"page":309},{"title":"صلاة الاستسقاء","level":4,"page":310},{"title":"نص خطبة في الاستسقاء","level":4,"page":311},{"title":"يجيب الإمام طلب الناس في الاستسقاء","level":4,"page":313},{"title":"ما يقال عند المطر والريح","level":4,"page":313},{"title":"يتبرك بالمطر","level":4,"page":315},{"title":"يجوز التوسل إلى الله بأحبابه","level":4,"page":315},{"title":"صلاة الضحى","level":4,"page":317},{"title":"سنة الزوال","level":4,"page":319},{"title":"صلاة الليل وفضلها","level":4,"page":320},{"title":"عدد صلاة الليل وكيفيتها","level":4,"page":323},{"title":"صلاة الليل بين الجهر والإسراء","level":4,"page":325},{"title":"القراءة والدعاء في الليل","level":4,"page":326},{"title":"تقضى الصلوات المسنونة كما تجوز من قعود","level":4,"page":327},{"title":"النوافل في البيت أفضل","level":4,"page":329},{"title":"صلاة الاستخارة","level":4,"page":330},{"title":"صلاة التسابيح","level":4,"page":331},{"title":"صلاة التوبة","level":4,"page":332},{"title":"صلاة الحاجة","level":4,"page":333},{"title":"الباب الثالث: عشر في الجنائز وفيه سبعة فصول وخاتمة","level":3,"page":334},{"title":"الفصل الأول: في النهي عن تمني الموت وفي حسن الظن بالله","level":4,"page":334},{"title":"الذكر والدعاء والقرآن عند المحتضر","level":5,"page":336},{"title":"علامة موت المؤمن وأعمار الأمة","level":5,"page":338},{"title":"في الموت راحة للعباد","level":5,"page":339},{"title":"الفصل الثاني: في تحريم النياحة ونحوها","level":4,"page":339},{"title":"يعذب الميت بالنوح ونحوه إذا أوصى به","level":5,"page":341},{"title":"يجوز البكاء بغير رفع صوت","level":5,"page":342},{"title":"الفصل الثالث: في الصبر والرضا وما جملهما","level":4,"page":343},{"title":"جزاء موت الأولاد","level":5,"page":345},{"title":"عيادة المريض والدعاء له","level":5,"page":347},{"title":"يجوز كشف الميت وتقبيله","level":5,"page":348},{"title":"ما فعل بالنبي ﷺ حين موته","level":5,"page":349},{"title":"الفصل الرابع: فيما يلزم للميت","level":4,"page":351},{"title":"الشهيد لا يغسل ولا يصلى عليه","level":5,"page":352},{"title":"التكفين","level":5,"page":353},{"title":"كفن المحرم","level":5,"page":354},{"title":"ينبغي البخور وقت الغسل والتكفين وذكر المحاسن","level":5,"page":354},{"title":"الصلاة على الميت","level":5,"page":355},{"title":"يصلى على الطفل إذا استهل","level":5,"page":358},{"title":"فضل الصلاة على الجنازة ومقام المصلي منها","level":5,"page":359},{"title":"يصلى على الجنازة في المسجد","level":5,"page":360},{"title":"تجوز الصلاة على القبر وعلى الغائب","level":5,"page":360},{"title":"تكفي الصلاة على جنائز","level":5,"page":361},{"title":"كثرة الصفوف أرجى للقبول","level":5,"page":361},{"title":"ثناء المسلمين على الميت مقبول","level":5,"page":362},{"title":"لا يصلى على قاتل نفسه","level":5,"page":363},{"title":"التعجيل بأمر الميت وموت الغربة","level":5,"page":364},{"title":"الفصل الخامس: في آداب السير في الجنازة","level":4,"page":364},{"title":"ملائكة الرحمن تشيع الجنازة ويلزمها عملها","level":5,"page":366},{"title":"القيام للجنازة","level":5,"page":367},{"title":"القبر والدفن ووقته","level":5,"page":367},{"title":"لا يزين القبر ولا يبنى ولا يجلس عليه","level":5,"page":370},{"title":"يجوز نقل الميت كما يجوز نبش القبر للحاجة","level":5,"page":371},{"title":"الفصل السادس: في سؤال القبر وعذابه","level":4,"page":372},{"title":"الدعاء بالتثبيت والتلقين","level":5,"page":375},{"title":"الفصل السابع: في التعزية وزيارة القبور","level":4,"page":376},{"title":"زيارة القبور والدعاء لأهلها","level":5,"page":378},{"title":"زيارة النبي ﷺ قبر أمه","level":5,"page":379},{"title":"خاتمة: ينتفع الميت بعمل غيره","level":4,"page":380},{"title":"كتاب الزكاة","level":2,"page":383},{"title":"الباب الأول: في فرضية الزكاة وفضلها","level":3,"page":383},{"title":"الباب الثاني: في التشديد على تاركها","level":3,"page":386},{"title":"فصل: فيما تجب فيه الزكاة وما لا تجب فيه","level":4,"page":389},{"title":"الباب الثالث في زكاة الماشية وهي الإبل والغنم والبقر","level":3,"page":391},{"title":"بيان العوض إذا فقد المطلوب","level":4,"page":393},{"title":"شرط زكاة الماشية","level":4,"page":394},{"title":"الباب الرابع: في زكاة الزروع","level":3,"page":396},{"title":"خرص العنب والنخل","level":4,"page":397},{"title":"زكاة الذهب والفضة","level":4,"page":398},{"title":"زكاة عروض التجارة","level":4,"page":400},{"title":"الباب الخامس: في زكاة الحلى ومال اليتيم والعسل","level":3,"page":401},{"title":"زكاة مال اليتيم","level":4,"page":402},{"title":"زكاة العسل","level":4,"page":403},{"title":"الباب السادس: في زكاة الفطر","level":3,"page":404},{"title":"قدر زكاة الفطر صاع بكيل المدينة","level":4,"page":404},{"title":"يجوز تعجيل الزكاة كما يجوز نقلها","level":4,"page":406},{"title":"آداب المعطى والآخذ","level":4,"page":407},{"title":"الباب السابع: فيمن تحل له الزكاة والصدقة ومن لا تحل","level":3,"page":409},{"title":"لا تحل الصدقة لآل بيت النبي ﷺ ومواليهم","level":4,"page":412},{"title":"الباب الثامن: في فضل التعفف وذم السؤال إلا لضرورة","level":3,"page":414},{"title":"الباب التاسع: في النفقة والصدقة وفيه فروع","level":3,"page":417},{"title":"الصدقة على الأهل والقريب أفضل","level":4,"page":417},{"title":"نوع من الصدقة الفضلى","level":4,"page":419},{"title":"الحث على الصدقة مطلقا","level":4,"page":420},{"title":"خاتمة - في الخدر من المن، وما أحسن السماحة وإخفاء الصدقة","level":3,"page":423},{"title":"كتاب الصيام","level":2,"page":424},{"title":"الباب الأول: في فرضية صوم رمضان","level":3,"page":424},{"title":"الباب الثاني: في فضائل الصوم","level":3,"page":426},{"title":"فصل: في أصل الصوم وبيان وقته","level":4,"page":431},{"title":"علامة الفجر الصادق","level":4,"page":433},{"title":"الباب الثالث: يجب الصوم والإفطار برؤية الهلال","level":3,"page":434},{"title":"تثبت رؤية الهلال ولو بشهادة عدل","level":4,"page":435},{"title":"لكل قطر رؤية","level":4,"page":437},{"title":"الباب الرابع: في النية وما يستحب للصائم","level":3,"page":438},{"title":"الدعاء عند الإفطار","level":4,"page":440},{"title":"حفظ اللسان","level":4,"page":441},{"title":"السواك","level":4,"page":442},{"title":"تلاوة القرآن والكرم في رمضان","level":4,"page":442},{"title":"قيام رمضان وهو التراويح","level":4,"page":443},{"title":"عدد قيام رمضان","level":4,"page":446},{"title":"الباب الخامس: في الأمور المنهي عنها في الصوم: - منها الجماع","level":3,"page":447},{"title":"ومنها الأكل والشرب والقيء عمدا","level":4,"page":448},{"title":"ومنها الوصال","level":4,"page":450},{"title":"ومنها المباشرة والقبلة","level":4,"page":450},{"title":"ومنها المبالغة في المضمضة والاستنشاق","level":4,"page":451},{"title":"لا بأس بالجنابة للصائم","level":4,"page":451},{"title":"لا بأس بالحجامة والكحل والغسل","level":4,"page":452},{"title":"الباب السادس: في أسباب الفطر للمريض الذي يرجى برؤه وللمسافر أن يفطر أو عليهما القضاء","level":3,"page":453},{"title":"للكبير والحبلى والمرضع والمريض الذي لا يرجى أن يفطروا وعليهم الفدية","level":4,"page":456},{"title":"على الحائض والنفساء الفطر والقضاء","level":4,"page":457},{"title":"يقضي الصيام عن الميت بصوم أو إطعام","level":4,"page":458},{"title":"الباب السابع: في ليلة القدر","level":3,"page":459},{"title":"هي في العشر الأواخر من رمضان","level":4,"page":461},{"title":"المشهور أنها في السابعة والعشرين","level":4,"page":463},{"title":"الأيام المنهي عن صيامها أيام العيد والتشريق","level":4,"page":465},{"title":"نصف شعبان الأخير","level":4,"page":466},{"title":"يوم الشك","level":4,"page":466},{"title":"إفراد يوم الجمعة أو السبت","level":4,"page":467},{"title":"الباب الثامن: في صيام النفل","level":3,"page":467},{"title":"صوم شهر المحرم","level":4,"page":468},{"title":"يوم عاشوراء","level":4,"page":468},{"title":"فضل صيام","level":4,"page":469},{"title":"صيام رجب","level":4,"page":471},{"title":"صيام شعبان","level":4,"page":472},{"title":"يوم النصف","level":4,"page":473},{"title":"صيام ستة أيام من شوال","level":4,"page":474},{"title":"عشر ذي الحجة","level":4,"page":474},{"title":"صيام عرفة لغير الحاج","level":4,"page":475},{"title":"صيام ثلاثة من كل شهر كصيام الدهر","level":4,"page":476},{"title":"صيام أيام البيض","level":4,"page":476},{"title":"صوم الاثنين والخميس","level":4,"page":477},{"title":"صوم يوم وفطر يوم","level":4,"page":478},{"title":"صوم الدهر","level":4,"page":478},{"title":"الصائم المتطوع أمير نفسه","level":4,"page":480},{"title":"يجيب الصائم الدعوة","level":4,"page":481},{"title":"الخاتمة في الاعتكاف","level":3,"page":481},{"title":"يخرج المعتكف من المسجد للحاجة","level":4,"page":483},{"title":"هل يشترط الصوم للاعتكاف","level":4,"page":484},{"title":"فصل: الاعتكاف","level":4,"page":484},{"title":"كتاب الحج والعمرة","level":2,"page":486},{"title":"الباب الأول: في فضائل الحج","level":3,"page":486},{"title":"الباب الثاني: في فرضية الحج","level":3,"page":488},{"title":"يقضى الحج عن الميت كما يصح من الصبي","level":4,"page":490},{"title":"لا بأس بالتكسب مع النسك","level":4,"page":491},{"title":"مواقيت الحج والعمرة","level":4,"page":492},{"title":"الباب الثالث: فيما يحرم على المحرم: - منها لبس الثياب والطيب","level":3,"page":494},{"title":"ومنها قتل الصيد إلا الضار منه","level":4,"page":495},{"title":"ومنها النكاح","level":4,"page":497},{"title":"للمحرم الغسل والحجامة والكحل","level":4,"page":498},{"title":"الإهلال من الميقات","level":4,"page":498},{"title":"التلبية","level":4,"page":500},{"title":"الباب الرابع: في أنواع النسك وأعماله","level":3,"page":502},{"title":"النوع الأول: الإفراد","level":4,"page":502},{"title":"النوع الثاني: التمتع","level":4,"page":503},{"title":"النوع الثالث: القرآن","level":4,"page":504},{"title":"إدخال الحج على العمرة","level":4,"page":505},{"title":"المبيت بذي طوى ودخول مكة نهارا","level":4,"page":506},{"title":"الطواف بالبيت","level":4,"page":507},{"title":"استلام الحجر والركنين والملتزم","level":4,"page":509},{"title":"شرط الطواف","level":4,"page":511},{"title":"السعي بين الصفا والمروة","level":4,"page":512},{"title":"الذكر والدعاء في الطواف والسعي","level":4,"page":514},{"title":"يكفي للقارن طواف واحد وسعي واحد","level":4,"page":515},{"title":"الحائض والنفساء تعملان المناسك كلها إلا الطواف بالبيت","level":4,"page":516},{"title":"السير إلى عرفة وكلها موقف","level":4,"page":517},{"title":"الدعاء يوم عرفة مقبول","level":4,"page":518},{"title":"يفوت الحج بفوت عرفة","level":4,"page":519},{"title":"الدفع من عرفة إلى المزدلفة والمبيت بها","level":4,"page":520},{"title":"تقدم الضعفاء إلى منى","level":4,"page":521},{"title":"المبيت بمنى أيام العيد والتشريق","level":4,"page":522},{"title":"رمي جمرة العقبة","level":4,"page":522},{"title":"الحل الأول","level":4,"page":523},{"title":"الذبح وما يجزئ في الضحية","level":4,"page":524},{"title":"يتصدقون من الضحايا ويأكلون","level":4,"page":525},{"title":"الحلق أو التقصير","level":4,"page":526},{"title":"خطبة يوم النحر","level":4,"page":527},{"title":"طواف الإفاضة","level":4,"page":529},{"title":"رمي الجمار في أيام التشريق","level":4,"page":530},{"title":"السير من منى إلى الأبطح والمبيت به","level":4,"page":531},{"title":"حديث حجة الوداع","level":4,"page":533},{"title":"الباب الخامس: في العمرة","level":3,"page":539},{"title":"كم اعتمر النبي ﷺ","level":4,"page":540},{"title":"أعمال العمرة","level":4,"page":541},{"title":"لا وقت للعمرة","level":4,"page":542},{"title":"الإقامة بمكة بعد النسك وطواف الوداع","level":4,"page":543},{"title":"الباب السادس: في الإحصار والقضاء والفدية","level":3,"page":544},{"title":"الإحصار في الحج","level":4,"page":544},{"title":"الإحصار في العمرة","level":4,"page":545},{"title":"حكم الوطء في النسك","level":4,"page":546},{"title":"أسباب الفدية وبيانها","level":4,"page":546},{"title":"جزاء الصيد","level":4,"page":547},{"title":"الهدى إلى الحرم الشريف","level":4,"page":548},{"title":"لا بأس بركوب البدن عند الحاجة","level":4,"page":550},{"title":"إن عطب الهدي في الطريق يذبح للناس","level":4,"page":550},{"title":"الباب السابع: في الحرمين الشريفين وفيه خمسة فصول وخاتمة","level":3,"page":551},{"title":"الفصل الأول: في فضل الحرم المكي","level":4,"page":551},{"title":"يجوز دخول مكة بغير إحرام","level":5,"page":554},{"title":"شرب ماء زمزم ونقله","level":5,"page":554},{"title":"فضل سقاية الحاج","level":5,"page":555},{"title":"الفصل الثاني: في الكعبة حفظها الله","level":4,"page":556},{"title":"تجوز الصلاة في الكعبة والحجر منها","level":5,"page":557},{"title":"كنز الكعبة","level":5,"page":559},{"title":"يخسف بمن يغزو الكعبة","level":5,"page":560},{"title":"الفصل الثالث: في فضل المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام","level":4,"page":561},{"title":"الفصل الرابع: في حرمها","level":4,"page":562},{"title":"من تعرض لشجر الحرم أو صيده تسلب ملابسه","level":5,"page":564},{"title":"المدينة محروسة بعناية الله تعالى","level":5,"page":565},{"title":"الفصل الخامس: في دعاء النبي ﷺ للمدينة وأهلها","level":4,"page":566},{"title":"خاتمة في الترغيب في سكنى المدينة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام","level":4,"page":567},{"title":"زيارة قبر النبي ﷺ","level":5,"page":569},{"title":"القسم الثاني في المعاملات والأحكام والعادات","level":1,"page":572},{"title":"كتاب البيوع والزروع والوقف","level":2,"page":572},{"title":"الباب الأول: في طلب الكسب الحلال","level":3,"page":572},{"title":"كسب الحجام مكروه","level":4,"page":575},{"title":"الباب الثاني: في الصدق والسماحة","level":3,"page":576},{"title":"الباب الثالث: في شروط المبيع","level":3,"page":578},{"title":"كتابة الشروط والخيار في البيع","level":4,"page":582},{"title":"الرد بالعيب","level":4,"page":583},{"title":"لا يجوز التسعير ولا الاحتكار","level":4,"page":584},{"title":"الباب الرابع: في البيوع المنهى عنها","level":3,"page":585},{"title":"بيع العرايا والمزايدة","level":4,"page":590},{"title":"الباب الخامس: في الربا والصرف","level":3,"page":592},{"title":"يجوز البيع إلى أجل","level":4,"page":594},{"title":"الباب السادس: في السلم","level":3,"page":595},{"title":"الرهن","level":4,"page":596},{"title":"الشفعة","level":4,"page":597},{"title":"الباب السابع: في الإجارة","level":3,"page":598},{"title":"الأجرة على القرآن والسمسرة","level":4,"page":599},{"title":"الشركة والوكالة","level":4,"page":600},{"title":"الصلح","level":4,"page":601},{"title":"الباب الثامن: في العارية وضمانها","level":3,"page":602},{"title":"الباب التاسع: في الاستقراض والاستدانة","level":3,"page":604},{"title":"من أدرك ماله عند المفلس فهو أحق به","level":4,"page":607},{"title":"الحوالة والكفيل","level":4,"page":608},{"title":"الباب العاشر: في الأرض والغرس والزرع","level":3,"page":609},{"title":"المزارعة ببعض ما يخرج منها","level":4,"page":610},{"title":"كراء الأرض بالنقد وغيره","level":4,"page":612},{"title":"المساقاة والخرص","level":4,"page":612},{"title":"الكلب للحراسة والبقر للحرث","level":4,"page":614},{"title":"وضع الجوائح","level":4,"page":615},{"title":"في الزرع والسقي والبئر","level":4,"page":615},{"title":"منع الماء والكلأ حرام","level":4,"page":617},{"title":"الغصب حرام","level":4,"page":618},{"title":"الباب الحادي عشر: في الهبات","level":3,"page":618},{"title":"الهدية","level":4,"page":618},{"title":"المنيحة","level":4,"page":619},{"title":"يحرم الرجوع في العطية","level":4,"page":620},{"title":"العمرى والرقبى","level":4,"page":621},{"title":"القطائع","level":4,"page":622},{"title":"الباب الثاني عشر: في الوقف والترغيب فيه","level":3,"page":623},{"title":"وقف الأرض","level":4,"page":623},{"title":"وقف المسجد والبئر","level":4,"page":626},{"title":"خاتمة في اللقطة","level":3,"page":627},{"title":"لقطة مكة والحاج","level":4,"page":629},{"title":"كتاب الفرائض والوصايا والعتق","level":2,"page":630},{"title":"الأول: في الحث على تعليمه والعدل في القسمة","level":3,"page":630},{"title":"موانع الإرث","level":4,"page":631},{"title":"الفصل الثاني: في ميراث الأولاد","level":3,"page":632},{"title":"ميراث الأبوين والعصبة","level":4,"page":634},{"title":"الفصل الثالث: في ميراث الأخوات والكلالة","level":3,"page":636},{"title":"الفصل الرابع: في ميراث الزوجين","level":3,"page":637},{"title":"الفصل الخامس: في ميراث الجد والجدة","level":3,"page":638},{"title":"الفصل السادس: في الإرث بالولاء","level":3,"page":640},{"title":"توريث ذوي الأرحام","level":4,"page":641},{"title":"مال النبي ﷺ لأمته","level":4,"page":643},{"title":"الفصل السابع في الوصية","level":3,"page":644},{"title":"الوصية بالثلث","level":4,"page":645},{"title":"لا وصية لوارث","level":4,"page":646},{"title":"يأكل الوصي من مال اليتيم بالمعروف","level":4,"page":647},{"title":"لا يتم بلوغ","level":4,"page":648},{"title":"الفصل الثامن: في العتق","level":3,"page":649},{"title":"القريب يعتق بالملكية كما يعتق الباقي على الميسور","level":4,"page":651},{"title":"المكاتبة","level":4,"page":652},{"title":"يجوز بيع المدبر","level":4,"page":653},{"title":"لا يجوز بيع الولاء ولا أم الولد","level":4,"page":654},{"title":"خاتمة في حق السيد على عبده وحقه على سيده","level":3,"page":654},{"title":"كتاب النكاح والطلاق والعدة","level":2,"page":657},{"title":"الباب الأول: في الترغيب في النكاح","level":3,"page":657},{"title":"ما أبيح للنبي ﷺ من النساء","level":4,"page":660},{"title":"الباب الثاني: في الزوجة المحمودة","level":3,"page":661},{"title":"الزوج المحمود","level":4,"page":663},{"title":"ينبغي النظر إلى المخطوبة","level":4,"page":664},{"title":"الكفاءة","level":4,"page":665},{"title":"يجوز العرض على أهل الفضل","level":4,"page":667},{"title":"الباب الثالث: في المحرمات","level":3,"page":668},{"title":"فصل: في الرضاع","level":4,"page":670},{"title":"الباب الرابع: في الاستئذان وأركان النكاح","level":3,"page":672},{"title":"خطبة النكاح","level":4,"page":674},{"title":"فصل: في الصداق","level":4,"page":675},{"title":"قد يكون الصداق عملا","level":4,"page":678},{"title":"يجب الصداق بالوفاة أو بالدخول","level":4,"page":679},{"title":"الجهاز","level":4,"page":680},{"title":"علان النكاح واللهو فيه","level":4,"page":681},{"title":"الدعاء للعروسين","level":4,"page":682},{"title":"الباب الخامس: في الوليمة","level":3,"page":683},{"title":"في وليمة العرس","level":4,"page":685},{"title":"وليمة العودة من السفر","level":4,"page":687},{"title":"لا إجابة إذا كان هناك منكر","level":4,"page":687},{"title":"فصل: في آداب الوقاع","level":4,"page":688},{"title":"يجوز وطء الحامل والمرضع","level":4,"page":691},{"title":"لا توطأ المملوكة حتى تستبرأ","level":4,"page":692},{"title":"الباب السادس: في الحقوق الزوجية ما للزوج على امرأته","level":3,"page":693},{"title":"حقوق الزوجة على زوجها","level":4,"page":695},{"title":"الزوجة تخدم بيتها وتخرج للحاجة مع الاحتشام","level":4,"page":696},{"title":"حديث أم زرع","level":4,"page":698},{"title":"الباب السابع: في القسم بين الزوجات","level":3,"page":702},{"title":"للبكر سبع وللثيب ثلاث","level":4,"page":704},{"title":"للزوجة التنازل عن حقها لزوجها","level":4,"page":705},{"title":"تضرب الزوجة بعد الوعظ والهجر","level":4,"page":705},{"title":"التحكيم","level":4,"page":706},{"title":"حكم العيب في أحد الزوجين","level":4,"page":707},{"title":"تحرم الخلوة بالأجنبية والنظر إليها","level":4,"page":709},{"title":"الغيرة محمودة","level":4,"page":711},{"title":"الباب الثامن: في النكاح المنهي عنه: من نكاح الجاهلية","level":3,"page":712},{"title":"ومنه نكاح الشغار","level":4,"page":714},{"title":"ومنه نكاح المتعة","level":4,"page":714},{"title":"ومنه نكاح المحرم والتحليل والعبد","level":4,"page":716},{"title":"الباب التاسع: في الطلاق","level":3,"page":717},{"title":"عدد الطلاق","level":4,"page":719},{"title":"طلاق السنة والرجعة","level":4,"page":721},{"title":"لا تحل المطلقة ثلاثا حتى تنكح زوجا غيره","level":4,"page":722},{"title":"تخيير الزوجة وتفويض أمرها لها","level":4,"page":723},{"title":"الخلع","level":4,"page":725},{"title":"الإيلاء وتحريم الزوجة","level":4,"page":726},{"title":"اللعان","level":4,"page":728},{"title":"الولد للفراش","level":4,"page":730},{"title":"ينبغي الاحتراس وتحسين الظن","level":4,"page":731},{"title":"يعمل برأي القائف وإلا فالقرعة","level":4,"page":732},{"title":"الظهار","level":4,"page":733},{"title":"إذا أسلم وتحته أختان أو أكثر من أربع","level":4,"page":735},{"title":"إسلام أحد الزوجين","level":4,"page":736},{"title":"الولد يتبع المسلم من أبويه","level":4,"page":737},{"title":"الحضانة","level":4,"page":737},{"title":"حكم فقد الزوج","level":4,"page":739},{"title":"الباب العاشر في العدة والإحداد","level":3,"page":740},{"title":"خاتمة في السكنى والنفقة","level":3,"page":743},{"title":"كتاب الحدود","level":2,"page":748},{"title":"الباب الأول في الترهيب من القتل وما يوجب الحد","level":3,"page":748},{"title":"فصل في القصاص","level":4,"page":752},{"title":"الباب الثاني في الدية","level":3,"page":754},{"title":"دية الجنين غرة","level":4,"page":758},{"title":"دية الأطراف","level":4,"page":759},{"title":"القسامة","level":4,"page":761},{"title":"الباب الثاث فيمن يهدر","level":3,"page":762},{"title":"حكم المرتد والساعي بالفساد والخوارج","level":4,"page":762},{"title":"من سب النبي ﷺ يقتل","level":4,"page":765},{"title":"الباب الرابع في حد السرقة ونصابها","level":3,"page":765},{"title":"ما لا قطع فيه","level":4,"page":766},{"title":"الباب الخامس في حد الزنى","level":3,"page":768},{"title":"لا يقام الحد على النفساء والحامل حتى تضع","level":4,"page":771},{"title":"حكم اللواط وإتيان البهائم والمحارم","level":4,"page":772},{"title":"حد القذف والسب والسحر","level":4,"page":774},{"title":"الباب السادس في حد شارب الخمر","level":3,"page":775},{"title":"التعزير بالضرب والحبس والنفي","level":4,"page":777},{"title":"لا يضرب الوجه ولا يقام حد في المسجد","level":4,"page":778},{"title":"شروط إقامة الحدود","level":4,"page":779},{"title":"الباب السابع في العفو والستر ما لم يبلغ الإمام","level":3,"page":780},{"title":"خاتمة: الحدود جوابر","level":3,"page":782},{"title":"كتاب الإمارة والقضاء","level":2,"page":784},{"title":"الفصل الأول في بيان من هو أحق بالإمارة","level":3,"page":784},{"title":"الزهد في الإمارة","level":4,"page":785},{"title":"الفصل الثاني في البيعة والوفاء بها","level":3,"page":787},{"title":"تجب إطاعة الأمير ويحرم الخروج عليه","level":4,"page":789},{"title":"الفصل الثالث فيما يجب على الأمير","level":3,"page":792},{"title":"ينتقى الأمير الوزراء والولاة ولهم كفايته","level":4,"page":795},{"title":"الإخلاص للأمير","level":4,"page":797},{"title":"تحرم الرشوة والهدية على الحاكم","level":4,"page":799},{"title":"للأمير استخلاف الثقة","level":4,"page":801},{"title":"الفصل الرابع في القضاء الله مع القاضي العادل","level":3,"page":802},{"title":"التورع عن القضاء","level":4,"page":804},{"title":"آداب القضاء","level":4,"page":804},{"title":"البينة على المدعي واليمين على من أنكر","level":4,"page":805},{"title":"لفظ اليمين","level":4,"page":806},{"title":"بيان الشهود","level":4,"page":807},{"title":"التحذير من شهادة الزور","level":4,"page":808},{"title":"الفصل الخامس في الاجتهاد","level":3,"page":810},{"title":"للحاكم حبس المتهم","level":4,"page":813},{"title":"حكم الحاكم لا يحلل الحرام","level":4,"page":814},{"title":"يجوز التحكيم","level":4,"page":815},{"title":"الخاتمة في الصلح","level":3,"page":816},{"title":"كتاب الأيمان والنذور","level":2,"page":817},{"title":"الباب الأول في اليمين","level":3,"page":817},{"title":"لا يكون القسم إلا باسم من أسماء الله تعالى","level":4,"page":817},{"title":"من حلف بغير الله فقد أثم","level":4,"page":819},{"title":"اليمين الغموس","level":4,"page":820},{"title":"لا ينبغي اللجاج في اليمين","level":4,"page":822},{"title":"لغو اليمين","level":4,"page":822},{"title":"اليمين على نية المستحلف","level":4,"page":823},{"title":"لا حنث مع الاستثناء","level":4,"page":823},{"title":"الباب الثاني في النذر","level":3,"page":825},{"title":"يقضى النذر عن الميت","level":4,"page":827},{"title":"لا نذر فيما لا يستطيع ولا نذر في معصية","level":4,"page":828},{"title":"من نذر التصدق بماله انعقد بالثلث","level":4,"page":830},{"title":"يجوز الرجوع في اليمين والنذر وعليه الكفارة","level":4,"page":831},{"title":"خاتمة في بيان كفارة اليمين والنذر","level":3,"page":832},{"title":"كتاب الصيد والذبائح","level":2,"page":835},{"title":"الفصل الأول فيما يؤكل من الحيوان","level":3,"page":835},{"title":"الفصل الثاني فيما لا يؤكل من الحيوان","level":3,"page":839},{"title":"ومنه ما نهى عن قتله وما أمر بقتله","level":4,"page":842},{"title":"عوامر البيوت تنذر ثلاثا","level":4,"page":845},{"title":"الفصل الثالث في الصيد والذبح","level":3,"page":846},{"title":"الذبح","level":4,"page":848},{"title":"ذكاة الجنين بذكاة أمه","level":4,"page":850},{"title":"التسمية وإحسان الذبح","level":4,"page":850},{"title":"ذبائح أهل الكتاب حلال","level":4,"page":851},{"title":"العقيقة وما يعمل للمولود","level":4,"page":852},{"title":"الفرع والعتيرة","level":4,"page":853},{"title":"الفصل الرابع في الضحية","level":3,"page":855},{"title":"ما يجزئ من الضحية وما لا يجزئ","level":4,"page":857},{"title":"خاتمة في آداب الضحية وجواز ادخارها","level":3,"page":859},{"title":"كتاب الطعام والشراب","level":2,"page":861},{"title":"الفصل الأول في آداب الطعام","level":3,"page":861},{"title":"الفصل الثاني في آداب الشرب","level":3,"page":867},{"title":"الحمد عقب الأكل والشرب","level":4,"page":870},{"title":"الأواني","level":4,"page":871},{"title":"الفصل الثالث في طعام الجماعة والضيافة","level":3,"page":874},{"title":"الفصل الرابع في المطعوم","level":3,"page":877},{"title":"تجوز الميتة للمضطر","level":4,"page":880},{"title":"البقول المكروهة","level":4,"page":881},{"title":"الفصل الخامس في الشراب","level":3,"page":883},{"title":"ما ورد في الخمر","level":4,"page":884},{"title":"التحذير من شرب الخمر","level":4,"page":887},{"title":"خاتمة - الخمر لا تخلل","level":3,"page":890},{"title":"يباح النبيذ ما لم يسكر","level":4,"page":890},{"title":"كتاب اللباس","level":2,"page":892},{"title":"الباب الأول في تحريم الحرير والذهب والفضة على الرجال","level":3,"page":892},{"title":"يجوز الحرير والذهب للإناث","level":4,"page":895},{"title":"الباب الثاني في أنواع الملبوس","level":3,"page":896},{"title":"يجوز لبس الصوف والشعر وغيرهما","level":4,"page":897},{"title":"ألوان الثياب","level":4,"page":899},{"title":"العمامة والعذبة","level":4,"page":901},{"title":"فصل في الخاتم يحرم من الذهب ويستحب من الفضة","level":4,"page":903},{"title":"النعل","level":4,"page":905},{"title":"تستحب النظافة","level":4,"page":907},{"title":"الباب الثالث في آداب اللباس","level":3,"page":908},{"title":"الحمد عند اللبس","level":4,"page":911},{"title":"لباس النساء","level":4,"page":912},{"title":"الصماء والاحتباء","level":4,"page":914},{"title":"الباب الرابع في سنن الفطرة","level":3,"page":914},{"title":"الشعر وترجيله","level":4,"page":917},{"title":"خضب الشعر","level":4,"page":918},{"title":"يحرم الوصل والوشم ونحوهما","level":4,"page":920},{"title":"الجلاجل","level":4,"page":923},{"title":"يحرم التشبه بالغير الزور","level":4,"page":923},{"title":"يحرم ضرب الوجه ووسمه","level":4,"page":925},{"title":"الباب الخامس في آثاث البيت","level":3,"page":926},{"title":"التصوير حرام ويمنع الملائكة","level":4,"page":929},{"title":"خاتمة يستحب الطيب","level":3,"page":932},{"title":"كتاب الطب والرقي","level":2,"page":934},{"title":"مقدمة في فضل الأمراض والصبر عليها","level":3,"page":934},{"title":"أجبر الصبر في الطاعون","level":4,"page":936},{"title":"السحر","level":4,"page":938},{"title":"السم","level":4,"page":939},{"title":"عيادة المريض سنة","level":4,"page":941},{"title":"ما يقال في المصيبة","level":4,"page":943},{"title":"الفصل الأول في جواز التداوي","level":3,"page":943},{"title":"الحمية رأس الدواء","level":4,"page":944},{"title":"الفصل الثاني في الطب النبوي - منه العسل وكي النار والحجامة","level":3,"page":945},{"title":"موضع الحجامة وزمنها","level":4,"page":947},{"title":"ومنه الحبة السوداء","level":4,"page":949},{"title":"ومنه العود الهندي","level":4,"page":949},{"title":"ومنه اللدود والسعوط والمشي","level":4,"page":950},{"title":"ومنه العجوة والكمأة","level":4,"page":951},{"title":"ومنه الماء للمحموم والمعين","level":4,"page":951},{"title":"ومنه التلبينة والكحل","level":4,"page":953},{"title":"ومنه الزيت والسنا","level":4,"page":954},{"title":"ومنه ألبان الإبل وأبوالها","level":4,"page":955},{"title":"ومنه الرماد للجروح","level":4,"page":956},{"title":"ومنه القثاء والرطب للسمنة","level":4,"page":957},{"title":"لا يجوز التداوي بحرام","level":4,"page":957},{"title":"الفصل الثالث في الرقى","level":3,"page":958},{"title":"كلمات الرقى","level":4,"page":959},{"title":"الرقية بالقرآن وجواز الأجرة عليها","level":4,"page":962},{"title":"الفصل الرابع في نفي مزاعم الجاهلية لا عدوى ولا طيرة والاحتياط أسلم","level":3,"page":964},{"title":"إن كان شؤوم ففي ثلاث","level":4,"page":966},{"title":"ما أحسن الفأل الحسن","level":4,"page":966},{"title":"الكهانة والخط والطرق","level":4,"page":968},{"title":"(خاتمة) الأفضل التوكل على الله","level":4,"page":971},{"title":"كتاب النبوة والرسالة","level":2,"page":973},{"title":"الفصل الأول في فضائل النبي ﷺ","level":3,"page":973},{"title":"مولد النبي ﷺ ونسبه وأسماؤه","level":4,"page":976},{"title":"الفصل الثاني في أوصاف جسمه الشريف ﷺ","level":3,"page":977},{"title":"شعر النبي ﷺ","level":4,"page":979},{"title":"طيب رائحة النبي ﷺ","level":4,"page":980},{"title":"كلام النبي ﷺ","level":4,"page":981},{"title":"ضحك النبي ﷺ","level":4,"page":982},{"title":"نوم النبي ﷺ","level":4,"page":983},{"title":"شق صدر النبي ﷺ","level":4,"page":983},{"title":"الفصل الثالث في أخلاق النبي ﷺ","level":3,"page":984},{"title":"شفقة النبي ﷺ على الأمة","level":4,"page":990},{"title":"الفصل الرابع في أعلام نبوته صلى الله عليه وسلممنها خاتم النبوة","level":3,"page":991},{"title":"ومنها إخبار الراهب برسالة ﷺ قبلها","level":4,"page":992},{"title":"ومنها تسليم الحجر والشجر عليه ﷺ","level":4,"page":994},{"title":"ومنها إخبار الجن والهواتف بالنبي ﷺ","level":4,"page":994},{"title":"الفصل الخامس في الوحي والنبوة والرسالة","level":3,"page":996},{"title":"كيف كان ينزل الوحي على النبي ﷺ","level":4,"page":996},{"title":"أول نزول الوحي بالنبوة والرسالة","level":4,"page":997},{"title":"عمر النبي ﷺ ومدة رسالته","level":4,"page":1001},{"title":"الفصل السادس في الإسراء","level":3,"page":1002},{"title":"الفصل السابع في الهجرة","level":3,"page":1008},{"title":"هجرة أصحاب السفينة","level":4,"page":1018},{"title":"رأى النبي ﷺ في أمور الدنيا","level":4,"page":1019},{"title":"الفصل الثامن في معجزات النبي ﷺ منها نبع الماء من بين أصابعه ﷺ","level":3,"page":1021},{"title":"ومنه تكثير الماء القليل ببركة ﷺ","level":4,"page":1023},{"title":"ومنها تكثير الطعام حتى وفى بالقوم وزاد","level":4,"page":1024},{"title":"ومنها تسبيح الطعام بين يديه ﷺ","level":4,"page":1028},{"title":"ومنها تكثير التمر القليل حتى استوفى الغرماء","level":4,"page":1028},{"title":"ومنها حنين الجذع لـ ﷺ","level":4,"page":1029},{"title":"ومنها انقياد الشجر له ﷺ","level":4,"page":1029},{"title":"ومنها سرعة إجابة دعوته ﷺ","level":4,"page":1031},{"title":"ومنه الإخبار بالمغيبات","level":4,"page":1032},{"title":"ومنها انكشاف الغيب له ﷺ","level":4,"page":1035},{"title":"لا يموت نبي حتى يخير بين الدنيا والآخرة","level":4,"page":1037},{"title":"خاتمة في فضائل بعض الأنبياء صلى الله عليهم وسلم إبراهيم ﵊","level":3,"page":1039},{"title":"موسى ﷺ","level":4,"page":1041},{"title":"عيسى ﷺ","level":4,"page":1043},{"title":"يونس وزكريا صلى الله عليهما وسلم","level":4,"page":1045},{"title":"أيوب ﷺ","level":4,"page":1046},{"title":"ذو القرنين وعزيز وتبع ﵃","level":4,"page":1047},{"title":"القسم الثالث في الفضائل والتفسير والجهاد","level":1,"page":1048},{"title":"كتاب الفضائل","level":2,"page":1048},{"title":"الفصل الأول في فضائل أصحاب النبي ﷺ إجمالا","level":3,"page":1048},{"title":"سب الأصحاب جرم عظيم","level":4,"page":1051},{"title":"الفصل الثاني في فضائل الخلفاء الأربعة فضائل أبي بكر ﵁","level":3,"page":1051},{"title":"فضائل عمر ﵁","level":4,"page":1056},{"title":"مناقب أبي بكر وعمر ﵄","level":4,"page":1060},{"title":"إسلام عمر ﵁","level":4,"page":1063},{"title":"وصية عمر والبيعة لعثمان ﵄","level":4,"page":1064},{"title":"فضائل عثمان ﵁","level":4,"page":1069},{"title":"مناقب علي بن أبي طالب ﵁","level":4,"page":1075},{"title":"الفصل الثالث في فضائل بقية العشرة المبشرين بالجنة ﵃ مناقب الزبير بن العوم ﵁","level":3,"page":1083},{"title":"مناقب طلحة بن عبيد الله ﵁","level":4,"page":1086},{"title":"مناقب سعد بن أبي وقاص ﵁","level":4,"page":1087},{"title":"مناقب أبي عبيدة بن الجراح ﵁","level":4,"page":1089},{"title":"مناقب عبد الرحمن بن عوف ﵁","level":4,"page":1090},{"title":"مناقب سعيد بن زيد ﵁","level":4,"page":1091},{"title":"الفصل الرابع في مناقب أهل البيت ﵃","level":3,"page":1092},{"title":"فضائل العباس ﵁","level":4,"page":1095},{"title":"فضائل جعفر بن أبي طالب","level":4,"page":1096},{"title":"مناقب السيدة فاطمة بنت النبي صلى الله عليهما وسلم","level":4,"page":1098},{"title":"مناقب الحسن والحسين ﵄","level":4,"page":1101},{"title":"فضل عبد الله بن العباس ﵄","level":4,"page":1105},{"title":"فضل عبد الله بن جعفر ﵄","level":4,"page":1106},{"title":"فضل زيد بن حارثة مولى النبي ﷺ","level":4,"page":1106},{"title":"فضل أسامة بن زيد ﵄","level":4,"page":1108},{"title":"فضل بلال بن رباح الحبشي مؤذن النبي ﷺ","level":4,"page":1109},{"title":"فضل مصعب بن عمير القرشي ﵁","level":4,"page":1110},{"title":"فضل عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄","level":4,"page":1111},{"title":"فضل عبد الله بن مسعود ﵁","level":4,"page":1112},{"title":"فضل سالم مولى أبي حذيفة الفارسي ﵄","level":4,"page":1115},{"title":"فضل عمار بن ياسر ﵄","level":4,"page":1116},{"title":"فضل عمر بن العاص ﵁","level":4,"page":1117},{"title":"فضل خالد بن الوليد القرشي ﵁","level":4,"page":1119},{"title":"فضل معاوية بن أبي سفيان ﵄","level":4,"page":1120},{"title":"فضل أبي سفيان بن حرب ﵁","level":4,"page":1121},{"title":"الفصل الخامس في فضائل زوجات النبي ﷺ","level":3,"page":1122},{"title":"فضل السيدة خديجة بنت خويلد ﵂","level":4,"page":1122},{"title":"فضل السيدة عائشة بنت أبي بكر ﵄","level":4,"page":1124},{"title":"فضل سورة بنت زمعة ﵂","level":4,"page":1128},{"title":"فضل أم سلمة ﵂","level":4,"page":1128},{"title":"فضل زينب بنت جحش ﵂","level":4,"page":1129},{"title":"فضل صفية بنت حيي ﵂","level":4,"page":1129},{"title":"فضل أم أيمن مولاة النبي ﷺ","level":4,"page":1130},{"title":"فضل أم سليم ﵂","level":4,"page":1131},{"title":"الفصل السادس في فضائل الأنصار ﵃","level":3,"page":1131},{"title":"مناقب سعد بن معاذ سيد الأوس ﵁","level":4,"page":1135},{"title":"فضل أسير بن حصير وعباد بن بشر ﵄","level":4,"page":1136},{"title":"فضل سعد بن عبادة رئيس الخزرج ﵁","level":4,"page":1137},{"title":"فضل معاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ﵃","level":4,"page":1137},{"title":"فضل أبي طلحة ﵁","level":4,"page":1138},{"title":"فضل جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄","level":4,"page":1139},{"title":"فضل عبد الله بن عمرو والد جابر ﵄","level":4,"page":1139},{"title":"فضل سماك بن خرشة ﵁","level":4,"page":1140},{"title":"فضل جليبيب ﵁","level":4,"page":1140},{"title":"فضل أنس بن مالك ﵁","level":4,"page":1141},{"title":"فضل حذيفة بن اليمان ﵁","level":4,"page":1142},{"title":"فضل البراء بن مالك ﵁","level":4,"page":1143},{"title":"فضل حسان بن ثابت ﵁","level":4,"page":1143},{"title":"إخاء النبي ﷺ بين الأنصار والمهاجرين","level":4,"page":1146},{"title":"الفصل السابع في رهط من الأصحاب ليسوا من قريش ولا من الأنصار منهم أبو ذر الغفاري ﵁","level":3,"page":1148},{"title":"ومنهم سلمان الفارسي وصهيب الرومي ﵄","level":4,"page":1150},{"title":"ومنهم عبد الله بن سلام الإسرائيلي ﵁","level":4,"page":1151},{"title":"ومنهم أبو هريرة ﵁","level":4,"page":1153},{"title":"ومنهم أبو موسى وأبو عامر الأشعريان ﵄","level":4,"page":1156},{"title":"ومنهم جرير بن عبد الله البجلي ﵁","level":4,"page":1158},{"title":"خير التابعين أويس القرني ﵁","level":4,"page":1159},{"title":"خاتمة في ذكر قبائل من العرب","level":3,"page":1161},{"title":"غفار وأسلم وأشجع وجهينة ومزينة","level":4,"page":1162},{"title":"بنو تميم ودوس وطيء","level":4,"page":1163},{"title":"ثقيف وبنو حنيفة","level":4,"page":1164},{"title":"فضل العرب والحجاز","level":4,"page":1165},{"title":"فضل اليمن وعمان","level":4,"page":1166},{"title":"فضل فارس","level":4,"page":1168},{"title":"فضل الشام","level":4,"page":1168},{"title":"وصية النبي ﷺ بأهل مصر","level":4,"page":1170},{"title":"فضل الأمة المحمدية صلى الله على نبيها وسلم","level":4,"page":1170},{"title":"كتاب فضائل القرآن","level":2,"page":1175},{"title":"الباب الأول في فضائل القرآن وحامليه ومعلميه","level":3,"page":1175},{"title":"التحذير من نسيان القرآن","level":4,"page":1180},{"title":"الباب الثاني في آداب القراءة","level":3,"page":1181},{"title":"ينبغي استماع القرآن بتدبر وخشوع","level":4,"page":1185},{"title":"تنزل السكينة لقراءة القرآن","level":4,"page":1186},{"title":"الباب الثالث في فضائل السور","level":3,"page":1187},{"title":"فضل الفاتحة والبقرة وآل عمران","level":4,"page":1187},{"title":"فضل آية الكرسي وأواخر البقرة","level":4,"page":1189},{"title":"فضل الإسراء والزمر","level":4,"page":1192},{"title":"فضل سورة الكهف","level":4,"page":1192},{"title":"فضل سورة يس والدخان","level":4,"page":1193},{"title":"فضل سورة الفتح","level":4,"page":1194},{"title":"فضل المسبحات وسورة الحشر","level":4,"page":1194},{"title":"فضل سورة الملك","level":4,"page":1195},{"title":"فضل سورة الزلزلة والكافرون والنصر","level":4,"page":1196},{"title":"فضل قل هو الله أحد","level":4,"page":1197},{"title":"فضل المعوذتين","level":4,"page":1199},{"title":"الباب الرابع في رجال القرآن ورواياته","level":3,"page":1200},{"title":"نزل القرآن على سبعة أحرف","level":4,"page":1202},{"title":"خاتمة في جمع القرآن في عهد الخلفاء الراشدين ﵃","level":3,"page":1204},{"title":"كتاب التفسير","level":2,"page":1208},{"title":"الحذر من التفسير بالرأي","level":3,"page":1208},{"title":"ما ورد في سورة الفاتحة","level":3,"page":1208},{"title":"ما ورد في سورة البقرة","level":3,"page":1209},{"title":"سورة آل عمران","level":3,"page":1245},{"title":"سورة النساء","level":3,"page":1263},{"title":"سورة المائدة","level":3,"page":1274},{"title":"سورة الأنعام","level":3,"page":1284},{"title":"سورة الأعراف","level":3,"page":1289},{"title":"سورة الأنفال","level":3,"page":1294},{"title":"سورة التوبة","level":3,"page":1299},{"title":"سورة يونس","level":3,"page":1318},{"title":"سورة هود","level":3,"page":1319},{"title":"سورة يوسف ﵇","level":3,"page":1322},{"title":"سورة الرعد","level":3,"page":1324},{"title":"سورة إبراهيم ﵇","level":3,"page":1325},{"title":"سورة الحجر","level":3,"page":1326},{"title":"سورة النحل","level":3,"page":1329},{"title":"سورة الإسراء","level":3,"page":1330},{"title":"سورة الكهف","level":3,"page":1339},{"title":"سورة مريم ﵂","level":3,"page":1346},{"title":"سورة طه ﵊","level":3,"page":1349},{"title":"سورة الأنبياء صلى الله عليهم وسلم","level":3,"page":1350},{"title":"سورة الحج","level":3,"page":1351},{"title":"سورة المؤمنون","level":3,"page":1354},{"title":"سورة النور","level":3,"page":1356},{"title":"سورة الفرقان","level":3,"page":1365},{"title":"سورة الشعراء","level":3,"page":1367},{"title":"سورة النمل","level":3,"page":1369},{"title":"سورة القصص","level":3,"page":1370},{"title":"سورة العنكبوت","level":3,"page":1371},{"title":"سورة الروم","level":3,"page":1372},{"title":"سورة لقمان","level":3,"page":1374},{"title":"سورة السجدة","level":3,"page":1375},{"title":"سورة الأحزاب","level":3,"page":1377},{"title":"سورة سبأ","level":3,"page":1385},{"title":"سورة فاطر","level":3,"page":1388},{"title":"سورة يس","level":3,"page":1389},{"title":"سورة الصافات","level":3,"page":1390},{"title":"سورة ص","level":3,"page":1391},{"title":"سورة الزمر","level":3,"page":1394},{"title":"سورة المؤمن","level":3,"page":1397},{"title":"سورة فصلت","level":3,"page":1398},{"title":"سورة الشورى","level":3,"page":1398},{"title":"سورة الزخرف","level":3,"page":1401},{"title":"سورة الدخان","level":3,"page":1402},{"title":"سورة الجاثية","level":3,"page":1403},{"title":"سورة الأحقاف","level":3,"page":1403},{"title":"سورة محمد ﷺ","level":3,"page":1406},{"title":"سورة الفتح","level":3,"page":1407},{"title":"سورة الحجرات","level":3,"page":1410},{"title":"سورة ق","level":3,"page":1413},{"title":"سورة الذاريات","level":3,"page":1415},{"title":"سورة الطور","level":3,"page":1416},{"title":"سورة النجم","level":3,"page":1417},{"title":"سورة القمر","level":3,"page":1420},{"title":"سورة الرحمن","level":3,"page":1422},{"title":"سورة الواقعة","level":3,"page":1423},{"title":"سورة الحديد","level":3,"page":1424},{"title":"سورة المجادلة","level":3,"page":1426},{"title":"سورة الحشر","level":3,"page":1428},{"title":"سورة الممتحنة","level":3,"page":1431},{"title":"سورة الصف","level":3,"page":1432},{"title":"سورة الجمعة","level":3,"page":1433},{"title":"سورة المنافقون","level":3,"page":1434},{"title":"سورة التغابن","level":3,"page":1437},{"title":"سورة الطلاق","level":3,"page":1438},{"title":"سورة التحريم","level":3,"page":1439},{"title":"سورة تبارك الذي بيده الملك","level":3,"page":1442},{"title":"سورة ن والقلم وما يسطرون","level":3,"page":1443},{"title":"سورة الحاقة","level":3,"page":1444},{"title":"سورة المعارج","level":3,"page":1445},{"title":"سورة نوح ﵇","level":3,"page":1446},{"title":"سورة الجن","level":3,"page":1447},{"title":"سورة المزمل","level":3,"page":1448},{"title":"سورة المدثر","level":3,"page":1448},{"title":"سورة القيامة","level":3,"page":1449},{"title":"سورة هل أتى","level":3,"page":1451},{"title":"سورة المرسلات","level":3,"page":1452},{"title":"سورة عم يتساءلون","level":3,"page":1452},{"title":"سورة النازعات","level":3,"page":1453},{"title":"سورة عبس","level":3,"page":1453},{"title":"سورة التكوير","level":3,"page":1455},{"title":"سورة الانفطار","level":3,"page":1455},{"title":"سورة المطففين","level":3,"page":1455},{"title":"سورة الانشقاق","level":3,"page":1456},{"title":"سورة البروج","level":3,"page":1457},{"title":"سورة والسماء والطارق","level":3,"page":1460},{"title":"سورة الأعلى","level":3,"page":1460},{"title":"سورة الغاشية","level":3,"page":1461},{"title":"سورة الفجر","level":3,"page":1461},{"title":"سورة البلد","level":3,"page":1461},{"title":"سورة والشمس وضحاها","level":3,"page":1462},{"title":"سورة الليل","level":3,"page":1462},{"title":"سورة الضحى","level":3,"page":1463},{"title":"سورة ألم نشرح","level":3,"page":1464},{"title":"سورة التين","level":3,"page":1465},{"title":"سورة اقرأ باسم ربك","level":3,"page":1465},{"title":"سورة القدر","level":3,"page":1467},{"title":"سورة لم يكن","level":3,"page":1467},{"title":"سورة الزلزال","level":3,"page":1468},{"title":"سورة العاديات والقارعة","level":3,"page":1468},{"title":"سورة التكاثر","level":3,"page":1469},{"title":"سورة العصر والهمزة والفيل وقريش والماعون","level":3,"page":1470},{"title":"سورة الكوثر","level":3,"page":1470},{"title":"سورة الكافرون","level":3,"page":1471},{"title":"سورة إذا جاء نصر الله","level":3,"page":1471},{"title":"سورة أبي لهب","level":3,"page":1472},{"title":"سورة الإخلاص","level":3,"page":1474},{"title":"سورة الفلق","level":3,"page":1475},{"title":"سورة الناس","level":3,"page":1475},{"title":"كتاب الرؤيا والأمثال","level":2,"page":1476},{"title":"الفصل الأول في أقسام الرؤيا وما يقوله الرائي","level":3,"page":1476},{"title":"إذا قصت الرؤيا وقعت","level":4,"page":1478},{"title":"يحرم الكذب في قص الرؤيا","level":4,"page":1480},{"title":"الفصل الثاني فيما رآه النبي ﷺ","level":3,"page":1480},{"title":"ما رآه النبي ﷺ وعبره","level":4,"page":1483},{"title":"الفصل الثالث في الرؤى التي عبرها النبي ﷺ","level":3,"page":1485},{"title":"رؤية النبي ﷺ في النوم","level":4,"page":1488},{"title":"الفصل الرابع في آداب النوم ودعائه","level":3,"page":1488},{"title":"ما يقول إذا استيقظ","level":4,"page":1493},{"title":"خاتمة في الأمثال","level":3,"page":1494},{"title":"كتاب الجهاد والغزوات","level":2,"page":1498},{"title":"الباب الأول في فضل الجهاد","level":3,"page":1498},{"title":"الباب الثاني في الشهداء وفضلهم","level":3,"page":1503},{"title":"الشهيد يشفع في خلق كثير","level":4,"page":1507},{"title":"فضل المرابط والحارس في سبيل الله","level":4,"page":1508},{"title":"فضل الإنفاق في سبيل الله تعالى","level":4,"page":1509},{"title":"فضل إعانة الغازي","level":4,"page":1510},{"title":"الباب الثالث في نية الجهاد وحكمه","level":3,"page":1511},{"title":"لا ثواب للأجير على الجهاد","level":4,"page":1511},{"title":"الجهاد فرض كفاية","level":4,"page":1512},{"title":"لا حرج على المعذور","level":4,"page":1514},{"title":"المبايعة على الجهاد","level":4,"page":1515},{"title":"تغزو النساء مع الرجال","level":4,"page":1515},{"title":"الهجرة إلى بلاد الإسلام مستحبة","level":4,"page":1516},{"title":"الباب الرابع في السفر والدواب وآلات الجهاد","level":3,"page":1518},{"title":"توديع الغزاة واستقبالهم","level":4,"page":1520},{"title":"فضل الخيل وصفاتها","level":4,"page":1520},{"title":"لا تحمل الحمر على الخيل","level":4,"page":1522},{"title":"التحريش بين البهائم وضربها في وجهها ولعنها حرام","level":4,"page":1523},{"title":"لا يجوز الوتر والجرس","level":4,"page":1524},{"title":"يجوز تسمية الدواب","level":4,"page":1524},{"title":"تجب مراعاة الدواب","level":4,"page":1525},{"title":"آداب الركوب","level":4,"page":1526},{"title":"المسابقة على الدواب","level":4,"page":1528},{"title":"الرمي بالسهام","level":4,"page":1529},{"title":"الاستنصار بالضعفاء","level":4,"page":1530},{"title":"لا يستعان بالمشرك","level":4,"page":1531},{"title":"آلات الحرب","level":4,"page":1532},{"title":"الدرع والرمح","level":4,"page":1532},{"title":"السيف","level":4,"page":1533},{"title":"البيضة والمغفر","level":4,"page":1533},{"title":"اللواء والراية","level":4,"page":1534},{"title":"الباب الخامس في ملاك الجهاد","level":3,"page":1534},{"title":"دعوة الملوك إلى الإسلام","level":4,"page":1534},{"title":"أصل الجهاد للدين","level":4,"page":1536},{"title":"الدعوة قبل القتال","level":4,"page":1537},{"title":"وصية النبي ﷺ إلى أمراء الجيوش","level":4,"page":1539},{"title":"تجوز الإغارة على الكفار بعد دعوتهم","level":4,"page":1540},{"title":"الساعة التي يطلب فيها القتال","level":4,"page":1541},{"title":"الدعاء عند القتال مطلوب","level":4,"page":1541},{"title":"الثبات عند القتال واجب","level":4,"page":1542},{"title":"التورية والحرب خدعة","level":4,"page":1544},{"title":"الشعار في الحرب","level":4,"page":1544},{"title":"لا تقتل النساء والصبيان","level":4,"page":1545},{"title":"لا يعذب بالنار إلا الله","level":4,"page":1545},{"title":"المثلة حرام","level":4,"page":1546},{"title":"الغدر حرام","level":4,"page":1546},{"title":"الباب السادس في الغنائم والقسمة","level":3,"page":1547},{"title":"النفل","level":4,"page":1549},{"title":"التنفيل بعد التخميس","level":4,"page":1550},{"title":"الإمام يتولى خمس الغنيمة","level":4,"page":1550},{"title":"الفيء","level":4,"page":1551},{"title":"صفايا النبي ﷺ وما تركه","level":4,"page":1552},{"title":"من قتل قتيلا فله سلبه","level":4,"page":1554},{"title":"الحربي لا يملك مال المسلم","level":4,"page":1555},{"title":"يرضخ للمرأة والعبد","level":4,"page":1555},{"title":"إعطاء المؤلفة قلوبهم","level":4,"page":1556},{"title":"الجزية","level":4,"page":1559},{"title":"العشور","level":4,"page":1562},{"title":"الغلول حرام","level":4,"page":1563},{"title":"عقوبة الغال","level":4,"page":1564},{"title":"الأسرى","level":4,"page":1565},{"title":"للأمير المن والفداء والقتل","level":4,"page":1567},{"title":"إذا أسلم الرقيق لا يرد","level":4,"page":1568},{"title":"إباحة الطعام في أرض العدو","level":4,"page":1569},{"title":"هدية المشرك مردودة","level":4,"page":1569},{"title":"يجوز إتلاف مال الكفار","level":4,"page":1570},{"title":"الصلح والهدنة","level":4,"page":1571},{"title":"المسلم يؤمن من يشاء","level":4,"page":1572},{"title":"الرسل لا تقتل","level":4,"page":1573},{"title":"الجاسوس يقتل","level":4,"page":1573},{"title":"بعث العيون مطلوب","level":4,"page":1574},{"title":"إخراج الكفار من جزيرة العرب","level":4,"page":1574},{"title":"اضطهاد المشركين للنبي ﷺ","level":4,"page":1576},{"title":"الباب السابع في الغزوات","level":3,"page":1578},{"title":"غزوة بدر","level":4,"page":1579},{"title":"فضل أهل بدر وعددهم","level":4,"page":1582},{"title":"قتل أبي جهل","level":4,"page":1583},{"title":"غزوة أحد","level":4,"page":1584},{"title":"غزوة الخندق","level":4,"page":1588},{"title":"غزوة بني النضير وقريظة","level":4,"page":1590},{"title":"غزوة خيبر","level":4,"page":1592},{"title":"غزوة ذات الرقاع","level":4,"page":1595},{"title":"غزوة بني المصطلق","level":4,"page":1596},{"title":"غزوة أنمار","level":4,"page":1596},{"title":"غزوة الحديبية","level":4,"page":1597},{"title":"غزوة الفتح","level":4,"page":1598},{"title":"غزوة حنين","level":4,"page":1603},{"title":"غزوة أوطاس","level":4,"page":1605},{"title":"غزوة الطائف","level":4,"page":1606},{"title":"غزوة تبوك","level":4,"page":1607},{"title":"غزوة مؤتة بأرض الشام","level":4,"page":1608},{"title":"خاتمة في البعوث بعث عاصم وخبيب وأصحابهما","level":3,"page":1609},{"title":"بعث القراء السبعين","level":4,"page":1611},{"title":"بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة","level":4,"page":1612},{"title":"بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن ﵄","level":4,"page":1613},{"title":"بعث علي وخالد بن الوليد ﵄ إلى اليمن","level":4,"page":1614},{"title":"القسم الرابع في الأخلاق والسمعيات","level":1,"page":1618},{"title":"كتاب البر والأخلاق","level":2,"page":1618},{"title":"الباب الأول في أنواع البر","level":3,"page":1618},{"title":"أعظم بر الوالدين","level":4,"page":1619},{"title":"ومنه بر الأبناء","level":4,"page":1622},{"title":"تجب صلة الرحم ويحرم قطعها","level":4,"page":1624},{"title":"ومنه بر الأتباع","level":4,"page":1626},{"title":"ومنه رحمة اليتيم والأرملة","level":4,"page":1628},{"title":"ومنه حقوق الجار","level":4,"page":1629},{"title":"حقوق المسلم على المسلم","level":4,"page":1631},{"title":"الرحمة واجبة لخلق الله تعالى","level":4,"page":1631},{"title":"الباب الثاني في أنواع الإثم أعظمه الظلم وإضرار الخلق","level":3,"page":1634},{"title":"أظلم الناس من يظلم نفسه","level":4,"page":1638},{"title":"ومنه النميمة","level":4,"page":1639},{"title":"ومنه الغيبة","level":4,"page":1640},{"title":"لا غيبة في فاسق","level":4,"page":1642},{"title":"التصدق بالعرض حسن","level":4,"page":1643},{"title":"ومنه ظن السوء والحقد والحسد","level":4,"page":1644},{"title":"ومنه تتبع العورات","level":4,"page":1645},{"title":"ومنه الكبر والاختيال","level":4,"page":1646},{"title":"ومنه الإطراء في المدح","level":4,"page":1649},{"title":"ومنه السب والقذف","level":4,"page":1650},{"title":"ومنه اللعن والفحش","level":4,"page":1651},{"title":"ومنه احتقار المسلم وهجره","level":4,"page":1652},{"title":"ومنه الجدل والمراء","level":4,"page":1655},{"title":"ومنه البخل وسوء الخلق","level":4,"page":1656},{"title":"يحرم الكذب إلا في ثلاث","level":4,"page":1657},{"title":"ومنه النفاق","level":4,"page":1659},{"title":"العصبية من وصف الجاهلية","level":4,"page":1661},{"title":"الباب الثالث: في مكارم الأخلاق","level":3,"page":1662},{"title":"أعظمها كظم الغيظ وعدم الغضب","level":4,"page":1662},{"title":"ومنها الصبر والعفو وتحمل الأذى","level":4,"page":1664},{"title":"دواء الغضب","level":4,"page":1667},{"title":"ومنها نصر المسلم وستره والذب عنه","level":4,"page":1668},{"title":"ومنها الشفاعة","level":4,"page":1669},{"title":"ومنها الصدق","level":4,"page":1670},{"title":"يجوز المزاح","level":4,"page":1671},{"title":"ومنها الوفاء بالوعد","level":4,"page":1672},{"title":"ومنه الرفق والتأني","level":4,"page":1673},{"title":"ومنها الحياء","level":4,"page":1674},{"title":"ومنها التواضع","level":4,"page":1675},{"title":"حسن الخلق خلق الله الأعظم","level":4,"page":1676},{"title":"بعض أخلاق النبي ﷺ","level":4,"page":1680},{"title":"ومنها الهدي الصالح","level":4,"page":1681},{"title":"ومنها السخاء والكرم","level":4,"page":1682},{"title":"ومنها الشكر على المعروف","level":4,"page":1683},{"title":"الحذر من الله والناس","level":4,"page":1685},{"title":"حسن الظن بالله والناس","level":4,"page":1687},{"title":"كمال الدين في النصيحة","level":4,"page":1687},{"title":"المستشار أمين","level":4,"page":1688},{"title":"الدال على الخير كفاعله","level":4,"page":1689},{"title":"الدرجات العلا في حوائج الناس","level":4,"page":1689},{"title":"العدل أساس الملك","level":4,"page":1691},{"title":"خاتمة في المحبة ملاك الدين في محبة الله ورسوله","level":3,"page":1693},{"title":"من أحب الله أحبه الله والعباد","level":4,"page":1694},{"title":"من أحب قوما حشر معهم","level":4,"page":1695},{"title":"محبة الصالحين وزيارتهم ومجالستهم غنيمة كبرى","level":4,"page":1696},{"title":"المتحابون في ظل العرش يوم القيامة","level":4,"page":1698},{"title":"التوسط في الحب مطلوب","level":4,"page":1699},{"title":"كتاب الأذكار والأدعية والاستغفار والتوبة","level":2,"page":1700},{"title":"الباب الأول: في فضائل الذكر والذاكرين","level":3,"page":1700},{"title":"أسماء الله الحسنى","level":4,"page":1706},{"title":"الاسم الأعظم","level":4,"page":1712},{"title":"الباب الثاني: في فضل التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل","level":3,"page":1713},{"title":"عد التسبيح وأصل السبحة","level":4,"page":1715},{"title":"لا حول ولا قوة إلا بالله من كنوز الجنة","level":4,"page":1717},{"title":"الذكر والتسبيح عقب الصلاة","level":4,"page":1718},{"title":"التسبيح والذكر في الصباح والمساء","level":4,"page":1720},{"title":"الباب الثالث: في الدعاء فضل الدعاء","level":3,"page":1724},{"title":"آداب الدعاء","level":4,"page":1726},{"title":"الدعاء المقبول","level":4,"page":1730},{"title":"دعوة النبي ﷺ لأمته","level":4,"page":1732},{"title":"جوامع الدعاء","level":4,"page":1733},{"title":"ما ورد في كلمات الاستعاذة","level":4,"page":1738},{"title":"الباب الرابع: في أدعية مخصوصة","level":3,"page":1742},{"title":"دعوات المكروب","level":4,"page":1742},{"title":"دعاء السفر والرجوع منه","level":4,"page":1744},{"title":"دعاء الوداع","level":4,"page":1746},{"title":"دعاء النزول في أي منزل","level":4,"page":1746},{"title":"دعاء القيام من المجلس","level":4,"page":1747},{"title":"القول عند صياح الديكة ونهيق الحمار","level":4,"page":1748},{"title":"دعاء الخروج من البيت ودخوله","level":4,"page":1749},{"title":"الدعاء في المطر والريح والرعد","level":4,"page":1750},{"title":"الدعاء لرؤية الهلال","level":4,"page":1751},{"title":"الدعاء لرؤية الباكورة من الثمر","level":4,"page":1752},{"title":"دعاء منع الفزع والأرق","level":4,"page":1752},{"title":"دعاء قضاء الدين","level":4,"page":1753},{"title":"الدعاء لرؤية المبتلى","level":4,"page":1754},{"title":"دعاء المريض","level":4,"page":1754},{"title":"الذكر عند دخول السوق","level":4,"page":1755},{"title":"دعاء الحفظ","level":4,"page":1755},{"title":"الصلاة على النبي ﷺ","level":4,"page":1758},{"title":"الباب الخامس: في الاستغفار والتوبة","level":3,"page":1762},{"title":"التوبة وفضلها","level":4,"page":1765},{"title":"وقت التوبة","level":4,"page":1766},{"title":"يقبل الله توبة عبده وإن أسرف","level":4,"page":1768},{"title":"خاتمة في سعة رحمة الله تعالى","level":3,"page":1771},{"title":"كتاب الزهد والرقائق","level":2,"page":1774},{"title":"الفصل الأول: في التحذير من الدنيا","level":3,"page":1774},{"title":"البناء لغير حاجة مذموم","level":4,"page":1779},{"title":"الغنى في القناعة","level":4,"page":1781},{"title":"إياك والحرص وطول الأمل","level":4,"page":1783},{"title":"الفصل الثاني: في فضل الفقر والفقراء","level":3,"page":1785},{"title":"الفصل الثالث: في معيشة النبي ﷺ","level":3,"page":1790},{"title":"أهل الصفة","level":4,"page":1795},{"title":"حفظ اللسان فرض","level":4,"page":1797},{"title":"السلامة في العزلة","level":4,"page":1800},{"title":"كمال الإيمان في ترك ما لا بأس به","level":4,"page":1800},{"title":"الأجر العظيم في الصبر على حكم الله تعالى","level":4,"page":1801},{"title":"الفصل الرابع: في القضاء والقدر","level":3,"page":1804},{"title":"لا ينبغي التنازع في القدر","level":4,"page":1808},{"title":"الآجال والأرزاق محدودة","level":4,"page":1809},{"title":"القلوب في قبضة الرحمن","level":4,"page":1810},{"title":"ما ورد في أطفال الكفار","level":4,"page":1811},{"title":"ما ورد في أهل الفترة","level":4,"page":1813},{"title":"الأعمال بالخواتيم","level":4,"page":1814},{"title":"تجب المبادرة بالعمل الصالح","level":4,"page":1816},{"title":"الخوف من الله تعالى","level":4,"page":1817},{"title":"التوكل على الله تعالى","level":4,"page":1820},{"title":"الفصل الخامس: في الرقائق","level":3,"page":1822},{"title":"دخول الجنة بفضل الله تعالى","level":4,"page":1829},{"title":"رفع الأمانة","level":4,"page":1830},{"title":"الفصل السادس: في فضل الصدقة","level":3,"page":1832},{"title":"الفصل السابع: في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":3,"page":1836},{"title":"خاتمة في أنباء بعض السابقين","level":3,"page":1841},{"title":"قصة الأبرص والأقرع والأعمى","level":4,"page":1841},{"title":"الذين تكلموا في المهد","level":4,"page":1843},{"title":"إبليس وجنوده","level":4,"page":1847},{"title":"الملائكة الكرام","level":4,"page":1851},{"title":"كتاب الأدب","level":2,"page":1853},{"title":"الفصل الأول: في الاستئذان","level":3,"page":1853},{"title":"الإذن لمنع النظر","level":4,"page":1855},{"title":"يهدر دم الناظر بغير إذن","level":4,"page":1856},{"title":"يجوز النظر للحاجة","level":4,"page":1857},{"title":"حديث في الحمام","level":4,"page":1858},{"title":"الفصل الثاني: في السلام","level":3,"page":1859},{"title":"السلام قبل الكلام والسلام على الأهل","level":4,"page":1860},{"title":"السلام على الصبيان والنساء","level":4,"page":1861},{"title":"تبليغ السلام","level":4,"page":1862},{"title":"ما يكره في السلام","level":4,"page":1863},{"title":"السلام على أهل الكتاب","level":4,"page":1864},{"title":"حكم السلام ورده","level":4,"page":1865},{"title":"لا سلام على أهل الأهواء","level":4,"page":1865},{"title":"الكتابة وآدابها","level":4,"page":1866},{"title":"من تعلم لغة قوم أمن من شرهم","level":4,"page":1868},{"title":"الفصل الثالث: في أنواع التحية منها القيام لأهل الفضل","level":3,"page":1868},{"title":"ومنها إنزال الناس منازلهم","level":4,"page":1870},{"title":"ومنها المصافحة","level":4,"page":1871},{"title":"ومنها المعانقة","level":4,"page":1873},{"title":"ومنها تقبيل اليد والرجل","level":4,"page":1873},{"title":"ومنها قبلة الجسد وبين العينين","level":4,"page":1875},{"title":"ومنها مرحبا بفلان","level":4,"page":1875},{"title":"ومنها لبيك وسعديك","level":4,"page":1876},{"title":"ومنها فداك أبي وأمي","level":4,"page":1877},{"title":"ومنها حفظك الله","level":4,"page":1877},{"title":"ومنها أضحك الله سنك","level":4,"page":1878},{"title":"الفصل الرابع: في آداب المجالس","level":3,"page":1878},{"title":"التحلق وسعة المجلس","level":4,"page":1880},{"title":"الجلسة المكروهة","level":4,"page":1881},{"title":"التناجي","level":4,"page":1881},{"title":"العطاس وتشميت العاطس","level":4,"page":1882},{"title":"عدد التشميت","level":4,"page":1883},{"title":"تشميت الذمي","level":4,"page":1884},{"title":"إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب","level":4,"page":1884},{"title":"الفصل الخامس: في الأسامي أحب الأسماء إلى الله تعالى","level":3,"page":1886},{"title":"لا تجوز الكنية بأبي القاسم","level":4,"page":1887},{"title":"الأسماء المنهي عنها","level":4,"page":1888},{"title":"تسمية المولود وتحنيكه بتمر","level":4,"page":1889},{"title":"تغيير الاسم القبيح باسم حسن","level":4,"page":1890},{"title":"اللقب والكنية","level":4,"page":1892},{"title":"يجوز النداء بالترخيم","level":4,"page":1894},{"title":"الفصل السادس: في الشعر والغناء ونحوهما الشعر في أصله لا ينبغي","level":3,"page":1895},{"title":"النبي ﷺ قاله متمثلا","level":4,"page":1896},{"title":"إن من الشعر حكمة","level":4,"page":1897},{"title":"إنشاد الشعر بحضور النبي ﷺ","level":4,"page":1898},{"title":"التشدق بالكلام مذموم والتجوز فيه ممدوح","level":4,"page":1900},{"title":"الحداء والغناء","level":4,"page":1901},{"title":"اللعب بالنرد والحمام حرام","level":4,"page":1902},{"title":"اللعب المباح","level":4,"page":1903},{"title":"الفصل السابع: في ألفاظ من الأدب منها قولهم أما بعد","level":3,"page":1905},{"title":"ومنها قولهم زعموا","level":4,"page":1905},{"title":"ومنها قولهم ويلك أو ويحك","level":4,"page":1906},{"title":"ومنها قولهم تربت يمينك","level":4,"page":1906},{"title":"ومنها قول الإنسان لآخر اخسأ","level":4,"page":1907},{"title":"لا يقل السيد عبدي ولا يقل المملوك ربي","level":4,"page":1907},{"title":"لا تسبوا الدهر","level":4,"page":1908},{"title":"لا تقل خبثت نفسي ولا تسموا العنب كرما","level":4,"page":1909},{"title":"لا تقل ما شاء الله وشاء فلان","level":4,"page":1909},{"title":"خاتمة في خلق الأشياء","level":3,"page":1910},{"title":"طبقات بني آدم","level":4,"page":1912},{"title":"كتاب الفتن وعلامات الساعة","level":2,"page":1915},{"title":"الباب الأول: في التحذير من الفتن","level":3,"page":1915},{"title":"الإخبار بالفتن وأنواعها","level":4,"page":1919},{"title":"الباب الثاني: في الانضمام إلى الجماعة","level":3,"page":1922},{"title":"متى ابتدأت الفتنة ومن أين تأتي","level":4,"page":1924},{"title":"الباب الثالث: في الخوارج والمارقة من الدين","level":3,"page":1926},{"title":"قتال الخوارج فرض عين","level":4,"page":1929},{"title":"كلمة عن وقعة الجمل","level":4,"page":1931},{"title":"الباب الرابع: في الذين ادعوا النبوة","level":3,"page":1933},{"title":"مسيلمة والعنسي الكذابان","level":4,"page":1933},{"title":"ذكر ابن صياد","level":4,"page":1934},{"title":"في ثقيف كذاب ومبير","level":4,"page":1938},{"title":"الباب الخامس: في الملاحم","level":3,"page":1939},{"title":"غزو الترك والحبشة","level":4,"page":1939},{"title":"غزو الهند والعجم","level":4,"page":1940},{"title":"قتال الروم وملجأ المسلمين الغوطة والبصرة","level":4,"page":1941},{"title":"مسجد العشار في الأبلة","level":4,"page":1942},{"title":"عمران بيت المقدس خراب يثرب","level":4,"page":1943},{"title":"فتح القسطنطينية","level":4,"page":1943},{"title":"الروح حينذاك كثير ولكن الغلبة للمسلمين","level":4,"page":1945},{"title":"الباب السادس: في علامات الساعة","level":3,"page":1946},{"title":"فضل العبادة في آخر الزمان","level":4,"page":1953},{"title":"حلول الخسف والمسخ وأنواع البلاء بكثرة العصيان","level":4,"page":1954},{"title":"الباب السابع في الخليفة المهدي ﵁","level":3,"page":1956},{"title":"لا تزال طائفة على الحق إلى قرب الساعة","level":4,"page":1959},{"title":"الدجال الآن في جزيرة موثق بالحديد","level":4,"page":1960},{"title":"يظهر الدجال من المشرق فيتبعه ناس كثيرون","level":4,"page":1963},{"title":"أوصاف المسيح الدجال الذي هو أكبر فتنة","level":4,"page":1964},{"title":"الدجال يدخل كل بلد إلا مكة والمدينة","level":4,"page":1967},{"title":"يمكث الدجال في الأرض أربعين يوما ثم ينزل عيسى ﷺ فيقتله بالشام","level":4,"page":1969},{"title":"خاتمة - ينزل عيسى ﵇ فيمكث في الأرض زمنا ثم يتوفى إلى رحمة الله ورضوانه","level":3,"page":1973},{"title":"كتاب القيامة والجنة والنار","level":2,"page":1976},{"title":"النفخ في الصور","level":3,"page":1976},{"title":"البعث والحشر","level":3,"page":1978},{"title":"الحشر على أرض جديدة","level":3,"page":1980},{"title":"كلام الله جل شأنه يوم القيامة","level":3,"page":1981},{"title":"أهوال القيامة","level":3,"page":1982},{"title":"محاسبة الله لعباده","level":3,"page":1984},{"title":"القصاص","level":3,"page":1989},{"title":"استلام صحف الأعمال","level":3,"page":1990},{"title":"الميزان","level":3,"page":1991},{"title":"الصراط جسر على النار","level":3,"page":1992},{"title":"الحوض المورود","level":3,"page":1993},{"title":"صفة الحوض وشرابه","level":3,"page":1995},{"title":"الكوثر","level":3,"page":1997},{"title":"الشفاعة ثابتة","level":3,"page":1998},{"title":"شفاعة نبينا محمد ﷺ","level":3,"page":1998},{"title":"يشفع النبيون والمؤمنون بإذن الله تعالى","level":3,"page":2007},{"title":"سعة الكرم الإلهي وإخراج الموحدين من النار","level":3,"page":2012},{"title":"صفة الجنة وخدمها","level":3,"page":2016},{"title":"بناء الجنة وخصباؤها وترابها","level":3,"page":2017},{"title":"طبقات الجنة وأبوابها ودرجاتها","level":3,"page":2018},{"title":"أنهار الجنة وعيونها","level":3,"page":2020},{"title":"أشجار الجنة وفاكهتها","level":3,"page":2021},{"title":"غرف أهل الجنة","level":3,"page":2022},{"title":"خيام الجنة","level":3,"page":2023},{"title":"أسواق الجنة","level":3,"page":2024},{"title":"الزرع والخيل في الجنة لمن يشاء","level":3,"page":2026},{"title":"أوصاف أهل الجنة","level":3,"page":2027},{"title":"صفة نساء أهل الجنة","level":3,"page":2030},{"title":"أول من يدخل الجنة النبي محمد ﷺ وأمته","level":3,"page":2031},{"title":"الذين يدخلون الجنة بغير حساب","level":3,"page":2032},{"title":"الأمة المحمدية أكثر أهل الجنة","level":3,"page":2033},{"title":"ما أول طعام أهل الجنة وما شرابهم عليه","level":3,"page":2034},{"title":"أهل الجنة مخلدون فيها أبدا","level":3,"page":2036},{"title":"كشف الحجاب عن أهل الجنة فيرون ربهم جل شأنه","level":3,"page":2037},{"title":"ملاطفة الله لأهل الجنة وإحلال الرضوان عليهم","level":3,"page":2038},{"title":"النار وأبوابها وأوصافها","level":3,"page":2039},{"title":"صفة أهل النار","level":3,"page":2043},{"title":"شراب أهل النار وطعامهم","level":3,"page":2044},{"title":"أهوال أهل النار واستغاثتهم","level":3,"page":2045},{"title":"أهون أهل النار","level":3,"page":2046},{"title":"تكليم الله بعض أهل النار","level":3,"page":2047},{"title":"ما اشترك فيه الجنة والنار","level":3,"page":2047},{"title":"الخاتمة - نسأل الله حسنها آخر من يخرج من النار ويدخل الجنة","level":3,"page":2050},{"title":"أقل أهل الجنة وأكرمهم على الله تعالى","level":4,"page":2053}],"ٛ":{"1,2":1,"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,82":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,92":89,"1,93":90,"1,94":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,98":95,"1,99":96,"1,100":97,"1,101":98,"1,102":99,"1,103":100,"1,104":101,"1,105":102,"1,106":103,"1,107":104,"1,108":105,"1,109":106,"1,110":107,"1,111":108,"1,112":109,"1,113":110,"1,114":111,"1,115":112,"1,116":113,"1,117":114,"1,118":115,"1,119":116,"1,120":117,"1,121":118,"1,122":119,"1,123":120,"1,124":121,"1,125":122,"1,126":123,"1,127":124,"1,128":125,"1,129":126,"1,130":127,"1,131":128,"1,132":129,"1,133":130,"1,134":131,"1,135":132,"1,136":133,"1,137":134,"1,138":135,"1,139":136,"1,140":137,"1,141":138,"1,142":139,"1,143":140,"1,144":141,"1,145":142,"1,146":143,"1,147":144,"1,148":145,"1,149":146,"1,150":147,"1,151":148,"1,152":149,"1,153":150,"1,154":151,"1,155":152,"1,156":153,"1,157":154,"1,158":155,"1,159":156,"1,160":157,"1,161":158,"1,162":159,"1,163":160,"1,164":161,"1,165":162,"1,166":163,"1,167":164,"1,168":165,"1,169":166,"1,170":167,"1,171":168,"1,172":169,"1,173":170,"1,174":171,"1,175":172,"1,176":173,"1,177":174,"1,178":175,"1,179":176,"1,180":177,"1,181":178,"1,182":179,"1,183":180,"1,184":181,"1,185":182,"1,186":183,"1,187":184,"1,188":185,"1,189":186,"1,190":187,"1,191":188,"1,192":189,"1,193":190,"1,194":191,"1,195":192,"1,196":193,"1,197":194,"1,198":195,"1,199":196,"1,200":197,"1,201":198,"1,202":199,"1,203":200,"1,204":201,"1,205":202,"1,206":203,"1,207":204,"1,208":205,"1,209":206,"1,210":207,"1,211":208,"1,212":209,"1,213":210,"1,214":211,"1,215":212,"1,216":213,"1,217":214,"1,218":215,"1,219":216,"1,220":217,"1,221":218,"1,222":219,"1,223":220,"1,224":221,"1,225":222,"1,226":223,"1,227":224,"1,228":225,"1,229":226,"1,230":227,"1,231":228,"1,232":229,"1,233":230,"1,234":231,"1,235":232,"1,236":233,"1,237":234,"1,238":235,"1,239":236,"1,240":237,"1,241":238,"1,242":239,"1,243":240,"1,244":241,"1,245":242,"1,246":243,"1,247":244,"1,248":245,"1,249":246,"1,250":247,"1,251":248,"1,252":249,"1,253":250,"1,254":251,"1,255":252,"1,256":253,"1,257":254,"1,258":255,"1,259":256,"1,260":257,"1,261":258,"1,262":259,"1,263":260,"1,264":261,"1,265":262,"1,266":263,"1,267":264,"1,268":265,"1,269":266,"1,270":267,"1,271":268,"1,272":269,"1,273":270,"1,274":271,"1,275":272,"1,276":273,"1,277":274,"1,278":275,"1,279":276,"1,280":277,"1,281":278,"1,282":279,"1,283":280,"1,284":281,"1,285":282,"1,286":283,"1,287":284,"1,288":285,"1,289":286,"1,290":287,"1,291":288,"1,292":289,"1,293":290,"1,294":291,"1,295":292,"1,296":293,"1,297":294,"1,298":295,"1,299":296,"1,300":297,"1,301":298,"1,302":299,"1,303":300,"1,304":301,"1,305":302,"1,306":303,"1,307":304,"1,308":305,"1,309":306,"1,310":307,"1,311":308,"1,312":309,"1,313":310,"1,314":311,"1,315":312,"1,316":313,"1,317":314,"1,318":315,"1,319":316,"1,320":317,"1,321":318,"1,322":319,"1,323":320,"1,324":321,"1,325":322,"1,326":323,"1,327":324,"1,328":325,"1,329":326,"1,330":327,"1,331":328,"1,332":329,"1,333":330,"1,334":331,"1,335":332,"1,336":333,"1,337":334,"1,338":335,"1,339":336,"1,340":337,"1,341":338,"1,342":339,"1,343":340,"1,344":341,"1,345":342,"1,346":343,"1,347":344,"1,348":345,"1,349":346,"1,350":347,"1,351":348,"1,352":349,"1,353":350,"1,354":351,"1,355":352,"1,356":353,"1,357":354,"1,358":355,"1,359":356,"1,360":357,"1,361":358,"1,362":359,"1,363":360,"1,364":361,"1,365":362,"1,366":363,"1,367":364,"1,368":365,"1,369":366,"1,370":367,"1,371":368,"1,372":369,"1,373":370,"1,374":371,"1,375":372,"1,376":373,"1,377":374,"1,378":375,"1,379":376,"1,380":377,"1,381":378,"1,382":379,"1,383":380,"1,384":381,"2,1":382,"2,3":383,"2,4":384,"2,5":385,"2,6":386,"2,7":387,"2,8":388,"2,9":389,"2,10":390,"2,11":391,"2,12":392,"2,13":393,"2,14":394,"2,15":395,"2,16":396,"2,17":397,"2,18":398,"2,19":399,"2,20":400,"2,21":401,"2,22":402,"2,23":403,"2,24":404,"2,25":405,"2,26":406,"2,27":407,"2,28":408,"2,29":409,"2,30":410,"2,31":411,"2,32":412,"2,33":413,"2,34":414,"2,35":415,"2,36":416,"2,37":417,"2,38":418,"2,39":419,"2,40":420,"2,41":421,"2,42":422,"2,43":423,"2,44":424,"2,45":425,"2,46":426,"2,47":427,"2,48":428,"2,49":429,"2,50":430,"2,51":431,"2,52":432,"2,53":433,"2,54":434,"2,55":435,"2,56":436,"2,57":437,"2,58":438,"2,59":439,"2,60":440,"2,61":441,"2,62":442,"2,63":443,"2,64":444,"2,65":445,"2,66":446,"2,67":447,"2,68":448,"2,69":449,"2,70":450,"2,71":451,"2,72":452,"2,73":453,"2,74":454,"2,75":455,"2,76":456,"2,77":457,"2,78":458,"2,79":459,"2,80":460,"2,81":461,"2,82":462,"2,83":463,"2,84":464,"2,85":465,"2,86":466,"2,87":467,"2,88":468,"2,89":469,"2,90":470,"2,91":471,"2,92":472,"2,93":473,"2,94":474,"2,95":475,"2,96":476,"2,97":477,"2,98":478,"2,99":479,"2,100":480,"2,101":481,"2,102":482,"2,103":483,"2,104":484,"2,105":485,"2,106":486,"2,107":487,"2,108":488,"2,109":489,"2,110":490,"2,111":491,"2,112":492,"2,113":493,"2,114":494,"2,115":495,"2,116":496,"2,117":497,"2,118":498,"2,119":499,"2,120":500,"2,121":501,"2,122":502,"2,123":503,"2,124":504,"2,125":505,"2,126":506,"2,127":507,"2,128":508,"2,129":509,"2,130":510,"2,131":511,"2,132":512,"2,133":513,"2,134":514,"2,135":515,"2,136":516,"2,137":517,"2,138":518,"2,139":519,"2,140":520,"2,141":521,"2,142":522,"2,143":523,"2,144":524,"2,145":525,"2,146":526,"2,147":527,"2,148":528,"2,149":529,"2,150":530,"2,151":531,"2,152":532,"2,153":533,"2,154":534,"2,155":535,"2,156":536,"2,157":537,"2,158":538,"2,159":539,"2,160":540,"2,161":541,"2,162":542,"2,163":543,"2,164":544,"2,165":545,"2,166":546,"2,167":547,"2,168":548,"2,169":549,"2,170":550,"2,171":551,"2,172":552,"2,173":553,"2,174":554,"2,175":555,"2,176":556,"2,177":557,"2,178":558,"2,179":559,"2,180":560,"2,181":561,"2,182":562,"2,183":563,"2,184":564,"2,185":565,"2,186":566,"2,187":567,"2,188":568,"2,189":569,"2,190":570,"2,191":571,"2,192":572,"2,193":573,"2,194":574,"2,195":575,"2,196":576,"2,197":577,"2,198":578,"2,199":579,"2,200":580,"2,201":581,"2,202":582,"2,203":583,"2,204":584,"2,205":585,"2,206":586,"2,207":587,"2,208":588,"2,209":589,"2,210":590,"2,211":591,"2,212":592,"2,213":593,"2,214":594,"2,215":595,"2,216":596,"2,217":597,"2,218":598,"2,219":599,"2,220":600,"2,221":601,"2,222":602,"2,223":603,"2,224":604,"2,225":605,"2,226":606,"2,227":607,"2,228":608,"2,229":609,"2,230":610,"2,231":611,"2,232":612,"2,233":613,"2,234":614,"2,235":615,"2,236":616,"2,237":617,"2,238":618,"2,239":619,"2,240":620,"2,241":621,"2,242":622,"2,243":623,"2,244":624,"2,245":625,"2,246":626,"2,247":627,"2,248":628,"2,249":629,"2,250":630,"2,251":631,"2,252":632,"2,253":633,"2,254":634,"2,255":635,"2,256":636,"2,257":637,"2,258":638,"2,259":639,"2,260":640,"2,261":641,"2,262":642,"2,263":643,"2,264":644,"2,265":645,"2,266":646,"2,267":647,"2,268":648,"2,269":649,"2,270":650,"2,271":651,"2,272":652,"2,273":653,"2,274":654,"2,275":655,"2,276":656,"2,277":657,"2,278":658,"2,279":659,"2,280":660,"2,281":661,"2,282":662,"2,283":663,"2,284":664,"2,285":665,"2,286":666,"2,287":667,"2,288":668,"2,289":669,"2,290":670,"2,291":671,"2,292":672,"2,293":673,"2,294":674,"2,295":675,"2,296":676,"2,297":677,"2,298":678,"2,299":679,"2,300":680,"2,301":681,"2,302":682,"2,303":683,"2,304":684,"2,305":685,"2,306":686,"2,307":687,"2,308":688,"2,309":689,"2,310":690,"2,311":691,"2,312":692,"2,313":693,"2,314":694,"2,315":695,"2,316":696,"2,317":697,"2,318":698,"2,319":699,"2,320":700,"2,321":701,"2,322":702,"2,323":703,"2,324":704,"2,325":705,"2,326":706,"2,327":707,"2,328":708,"2,329":709,"2,330":710,"2,331":711,"2,332":712,"2,333":713,"2,334":714,"2,335":715,"2,336":716,"2,337":717,"2,338":718,"2,339":719,"2,340":720,"2,341":721,"2,342":722,"2,343":723,"2,344":724,"2,345":725,"2,346":726,"2,347":727,"2,348":728,"2,349":729,"2,350":730,"2,351":731,"2,352":732,"2,353":733,"2,354":734,"2,355":735,"2,356":736,"2,357":737,"2,358":738,"2,359":739,"2,360":740,"2,361":741,"2,362":742,"2,363":743,"2,364":744,"2,365":745,"2,366":746,"3,1":747,"3,3":748,"3,4":749,"3,5":750,"3,6":751,"3,7":752,"3,8":753,"3,9":754,"3,10":755,"3,11":756,"3,12":757,"3,13":758,"3,14":759,"3,15":760,"3,16":761,"3,17":762,"3,18":763,"3,19":764,"3,20":765,"3,21":766,"3,22":767,"3,23":768,"3,24":769,"3,25":770,"3,26":771,"3,27":772,"3,28":773,"3,29":774,"3,30":775,"3,31":776,"3,32":777,"3,33":778,"3,34":779,"3,35":780,"3,36":781,"3,37":782,"3,38":783,"3,39":784,"3,40":785,"3,41":786,"3,42":787,"3,43":788,"3,44":789,"3,45":790,"3,46":791,"3,47":792,"3,48":793,"3,49":794,"3,50":795,"3,51":796,"3,52":797,"3,53":798,"3,54":799,"3,55":800,"3,56":801,"3,57":802,"3,58":803,"3,59":804,"3,60":805,"3,61":806,"3,62":807,"3,63":808,"3,64":809,"3,65":810,"3,66":811,"3,67":812,"3,68":813,"3,69":814,"3,70":815,"3,71":816,"3,72":817,"3,73":818,"3,74":819,"3,75":820,"3,76":821,"3,77":822,"3,78":823,"3,79":824,"3,80":825,"3,81":826,"3,82":827,"3,83":828,"3,84":829,"3,85":830,"3,86":831,"3,87":832,"3,88":833,"3,89":834,"3,90":835,"3,91":836,"3,92":837,"3,93":838,"3,94":839,"3,95":840,"3,96":841,"3,97":842,"3,98":843,"3,99":844,"3,100":845,"3,101":846,"3,102":847,"3,103":848,"3,104":849,"3,105":850,"3,106":851,"3,107":852,"3,108":853,"3,109":854,"3,110":855,"3,111":856,"3,112":857,"3,113":858,"3,114":859,"3,115":860,"3,116":861,"3,117":862,"3,118":863,"3,119":864,"3,120":865,"3,121":866,"3,122":867,"3,123":868,"3,124":869,"3,125":870,"3,126":871,"3,127":872,"3,128":873,"3,129":874,"3,130":875,"3,131":876,"3,132":877,"3,133":878,"3,134":879,"3,135":880,"3,136":881,"3,137":882,"3,138":883,"3,139":884,"3,140":885,"3,141":886,"3,142":887,"3,143":888,"3,144":889,"3,145":890,"3,146":891,"3,147":892,"3,148":893,"3,149":894,"3,150":895,"3,151":896,"3,152":897,"3,153":898,"3,154":899,"3,155":900,"3,156":901,"3,157":902,"3,158":903,"3,159":904,"3,160":905,"3,161":906,"3,162":907,"3,163":908,"3,164":909,"3,165":910,"3,166":911,"3,167":912,"3,168":913,"3,169":914,"3,170":915,"3,171":916,"3,172":917,"3,173":918,"3,174":919,"3,175":920,"3,176":921,"3,177":922,"3,178":923,"3,179":924,"3,180":925,"3,181":926,"3,182":927,"3,183":928,"3,184":929,"3,185":930,"3,186":931,"3,187":932,"3,188":933,"3,189":934,"3,190":935,"3,191":936,"3,192":937,"3,193":938,"3,194":939,"3,195":940,"3,196":941,"3,197":942,"3,198":943,"3,199":944,"3,200":945,"3,201":946,"3,202":947,"3,203":948,"3,204":949,"3,205":950,"3,206":951,"3,207":952,"3,208":953,"3,209":954,"3,210":955,"3,211":956,"3,212":957,"3,213":958,"3,214":959,"3,215":960,"3,216":961,"3,217":962,"3,218":963,"3,219":964,"3,220":965,"3,221":966,"3,222":967,"3,223":968,"3,224":969,"3,225":970,"3,226":971,"3,227":972,"3,228":973,"3,229":974,"3,230":975,"3,231":976,"3,232":977,"3,233":978,"3,234":979,"3,235":980,"3,236":981,"3,237":982,"3,238":983,"3,239":984,"3,240":985,"3,241":986,"3,242":987,"3,243":988,"3,244":989,"3,245":990,"3,246":991,"3,247":992,"3,248":993,"3,249":994,"3,250":995,"3,251":996,"3,252":997,"3,253":998,"3,254":999,"3,255":1000,"3,256":1001,"3,257":1002,"3,258":1003,"3,259":1004,"3,260":1005,"3,261":1006,"3,262":1007,"3,263":1008,"3,264":1009,"3,265":1010,"3,266":1011,"3,267":1012,"3,268":1013,"3,269":1014,"3,270":1015,"3,271":1016,"3,272":1017,"3,273":1018,"3,274":1019,"3,275":1020,"3,276":1021,"3,277":1022,"3,278":1023,"3,279":1024,"3,280":1025,"3,281":1026,"3,282":1027,"3,283":1028,"3,284":1029,"3,285":1030,"3,286":1031,"3,287":1032,"3,288":1033,"3,289":1034,"3,290":1035,"3,291":1036,"3,292":1037,"3,293":1038,"3,294":1039,"3,295":1040,"3,296":1041,"3,297":1042,"3,298":1043,"3,299":1044,"3,300":1045,"3,301":1046,"3,302":1047,"3,303":1048,"3,304":1049,"3,305":1050,"3,306":1051,"3,307":1052,"3,308":1053,"3,309":1054,"3,310":1055,"3,311":1056,"3,312":1057,"3,313":1058,"3,314":1059,"3,315":1060,"3,316":1061,"3,317":1062,"3,318":1063,"3,319":1064,"3,320":1065,"3,321":1066,"3,322":1067,"3,323":1068,"3,324":1069,"3,325":1070,"3,326":1071,"3,327":1072,"3,328":1073,"3,329":1074,"3,330":1075,"3,331":1076,"3,332":1077,"3,333":1078,"3,334":1079,"3,335":1080,"3,336":1081,"3,337":1082,"3,338":1083,"3,339":1084,"3,340":1085,"3,341":1086,"3,342":1087,"3,343":1088,"3,344":1089,"3,345":1090,"3,346":1091,"3,347":1092,"3,348":1093,"3,349":1094,"3,350":1095,"3,351":1096,"3,352":1097,"3,353":1098,"3,354":1099,"3,355":1100,"3,356":1101,"3,357":1102,"3,358":1103,"3,359":1104,"3,360":1105,"3,361":1106,"3,362":1107,"3,363":1108,"3,364":1109,"3,365":1110,"3,366":1111,"3,367":1112,"3,368":1113,"3,369":1114,"3,370":1115,"3,371":1116,"3,372":1117,"3,373":1118,"3,374":1119,"3,375":1120,"3,376":1121,"3,377":1122,"3,378":1123,"3,379":1124,"3,380":1125,"3,381":1126,"3,382":1127,"3,383":1128,"3,384":1129,"3,385":1130,"3,386":1131,"3,387":1132,"3,388":1133,"3,389":1134,"3,390":1135,"3,391":1136,"3,392":1137,"3,393":1138,"3,394":1139,"3,395":1140,"3,396":1141,"3,397":1142,"3,398":1143,"3,399":1144,"3,400":1145,"3,401":1146,"3,402":1147,"3,403":1148,"3,404":1149,"3,405":1150,"3,406":1151,"3,407":1152,"3,408":1153,"3,409":1154,"3,410":1155,"3,411":1156,"3,412":1157,"3,413":1158,"3,414":1159,"3,415":1160,"3,416":1161,"3,417":1162,"3,418":1163,"3,419":1164,"3,420":1165,"3,421":1166,"3,422":1167,"3,423":1168,"3,424":1169,"3,425":1170,"3,426":1171,"3,427":1172,"3,428":1173,"4,1":1174,"4,3":1175,"4,4":1176,"4,5":1177,"4,6":1178,"4,7":1179,"4,8":1180,"4,9":1181,"4,10":1182,"4,11":1183,"4,12":1184,"4,13":1185,"4,14":1186,"4,15":1187,"4,16":1188,"4,17":1189,"4,18":1190,"4,19":1191,"4,20":1192,"4,21":1193,"4,22":1194,"4,23":1195,"4,24":1196,"4,25":1197,"4,26":1198,"4,27":1199,"4,28":1200,"4,29":1201,"4,30":1202,"4,31":1203,"4,32":1204,"4,33":1205,"4,34":1206,"4,35":1207,"4,36":1208,"4,37":1209,"4,38":1210,"4,39":1211,"4,40":1212,"4,41":1213,"4,42":1214,"4,43":1215,"4,44":1216,"4,45":1217,"4,46":1218,"4,47":1219,"4,48":1220,"4,49":1221,"4,50":1222,"4,51":1223,"4,52":1224,"4,53":1225,"4,54":1226,"4,55":1227,"4,56":1228,"4,57":1229,"4,58":1230,"4,59":1231,"4,60":1232,"4,61":1233,"4,62":1234,"4,63":1235,"4,64":1236,"4,65":1237,"4,66":1238,"4,67":1239,"4,68":1240,"4,69":1241,"4,70":1242,"4,71":1243,"4,72":1244,"4,73":1245,"4,74":1246,"4,75":1247,"4,76":1248,"4,77":1249,"4,78":1250,"4,79":1251,"4,80":1252,"4,81":1253,"4,82":1254,"4,83":1255,"4,84":1256,"4,85":1257,"4,86":1258,"4,87":1259,"4,88":1260,"4,89":1261,"4,90":1262,"4,91":1263,"4,92":1264,"4,93":1265,"4,94":1266,"4,95":1267,"4,96":1268,"4,97":1269,"4,98":1270,"4,99":1271,"4,100":1272,"4,101":1273,"4,102":1274,"4,103":1275,"4,104":1276,"4,105":1277,"4,106":1278,"4,107":1279,"4,108":1280,"4,109":1281,"4,110":1282,"4,111":1283,"4,112":1284,"4,113":1285,"4,114":1286,"4,115":1287,"4,116":1288,"4,117":1289,"4,118":1290,"4,119":1291,"4,120":1292,"4,121":1293,"4,122":1294,"4,123":1295,"4,124":1296,"4,125":1297,"4,126":1298,"4,127":1299,"4,128":1300,"4,129":1301,"4,130":1302,"4,131":1303,"4,132":1304,"4,133":1305,"4,134":1306,"4,135":1307,"4,136":1308,"4,137":1309,"4,138":1310,"4,139":1311,"4,140":1312,"4,141":1313,"4,142":1314,"4,143":1315,"4,144":1316,"4,145":1317,"4,146":1318,"4,147":1319,"4,148":1320,"4,149":1321,"4,150":1322,"4,151":1323,"4,152":1324,"4,153":1325,"4,154":1326,"4,155":1327,"4,156":1328,"4,157":1329,"4,158":1330,"4,159":1331,"4,160":1332,"4,161":1333,"4,162":1334,"4,163":1335,"4,164":1336,"4,165":1337,"4,166":1338,"4,167":1339,"4,168":1340,"4,169":1341,"4,170":1342,"4,171":1343,"4,172":1344,"4,173":1345,"4,174":1346,"4,175":1347,"4,176":1348,"4,177":1349,"4,178":1350,"4,179":1351,"4,180":1352,"4,181":1353,"4,182":1354,"4,183":1355,"4,184":1356,"4,185":1357,"4,186":1358,"4,187":1359,"4,188":1360,"4,189":1361,"4,190":1362,"4,191":1363,"4,192":1364,"4,193":1365,"4,194":1366,"4,195":1367,"4,196":1368,"4,197":1369,"4,198":1370,"4,199":1371,"4,200":1372,"4,201":1373,"4,202":1374,"4,203":1375,"4,204":1376,"4,205":1377,"4,206":1378,"4,207":1379,"4,208":1380,"4,209":1381,"4,210":1382,"4,211":1383,"4,212":1384,"4,213":1385,"4,214":1386,"4,215":1387,"4,216":1388,"4,217":1389,"4,218":1390,"4,219":1391,"4,220":1392,"4,221":1393,"4,222":1394,"4,223":1395,"4,224":1396,"4,225":1397,"4,226":1398,"4,227":1399,"4,228":1400,"4,229":1401,"4,230":1402,"4,231":1403,"4,232":1404,"4,233":1405,"4,234":1406,"4,235":1407,"4,236":1408,"4,237":1409,"4,238":1410,"4,239":1411,"4,240":1412,"4,241":1413,"4,242":1414,"4,243":1415,"4,244":1416,"4,245":1417,"4,246":1418,"4,247":1419,"4,248":1420,"4,249":1421,"4,250":1422,"4,251":1423,"4,252":1424,"4,253":1425,"4,254":1426,"4,255":1427,"4,256":1428,"4,257":1429,"4,258":1430,"4,259":1431,"4,260":1432,"4,261":1433,"4,262":1434,"4,263":1435,"4,264":1436,"4,265":1437,"4,266":1438,"4,267":1439,"4,268":1440,"4,269":1441,"4,270":1442,"4,271":1443,"4,272":1444,"4,273":1445,"4,274":1446,"4,275":1447,"4,276":1448,"4,277":1449,"4,278":1450,"4,279":1451,"4,280":1452,"4,281":1453,"4,282":1454,"4,283":1455,"4,284":1456,"4,285":1457,"4,286":1458,"4,287":1459,"4,288":1460,"4,289":1461,"4,290":1462,"4,291":1463,"4,292":1464,"4,293":1465,"4,294":1466,"4,295":1467,"4,296":1468,"4,297":1469,"4,298":1470,"4,299":1471,"4,300":1472,"4,301":1473,"4,302":1474,"4,303":1475,"4,304":1476,"4,305":1477,"4,306":1478,"4,307":1479,"4,308":1480,"4,309":1481,"4,310":1482,"4,311":1483,"4,312":1484,"4,313":1485,"4,314":1486,"4,315":1487,"4,316":1488,"4,317":1489,"4,318":1490,"4,319":1491,"4,320":1492,"4,321":1493,"4,322":1494,"4,323":1495,"4,324":1496,"4,325":1497,"4,326":1498,"4,327":1499,"4,328":1500,"4,329":1501,"4,330":1502,"4,331":1503,"4,332":1504,"4,333":1505,"4,334":1506,"4,335":1507,"4,336":1508,"4,337":1509,"4,338":1510,"4,339":1511,"4,340":1512,"4,341":1513,"4,342":1514,"4,343":1515,"4,344":1516,"4,345":1517,"4,346":1518,"4,347":1519,"4,348":1520,"4,349":1521,"4,350":1522,"4,351":1523,"4,352":1524,"4,353":1525,"4,354":1526,"4,355":1527,"4,356":1528,"4,357":1529,"4,358":1530,"4,359":1531,"4,360":1532,"4,361":1533,"4,362":1534,"4,363":1535,"4,364":1536,"4,365":1537,"4,366":1538,"4,367":1539,"4,368":1540,"4,369":1541,"4,370":1542,"4,371":1543,"4,372":1544,"4,373":1545,"4,374":1546,"4,375":1547,"4,376":1548,"4,377":1549,"4,378":1550,"4,379":1551,"4,380":1552,"4,381":1553,"4,382":1554,"4,383":1555,"4,384":1556,"4,385":1557,"4,386":1558,"4,387":1559,"4,388":1560,"4,389":1561,"4,390":1562,"4,391":1563,"4,392":1564,"4,393":1565,"4,394":1566,"4,395":1567,"4,396":1568,"4,397":1569,"4,398":1570,"4,399":1571,"4,400":1572,"4,401":1573,"4,402":1574,"4,403":1575,"4,404":1576,"4,405":1577,"4,406":1578,"4,407":1579,"4,408":1580,"4,409":1581,"4,410":1582,"4,411":1583,"4,412":1584,"4,413":1585,"4,414":1586,"4,415":1587,"4,416":1588,"4,417":1589,"4,418":1590,"4,419":1591,"4,420":1592,"4,421":1593,"4,422":1594,"4,423":1595,"4,424":1596,"4,425":1597,"4,426":1598,"4,427":1599,"4,428":1600,"4,429":1601,"4,430":1602,"4,431":1603,"4,432":1604,"4,433":1605,"4,434":1606,"4,435":1607,"4,436":1608,"4,437":1609,"4,438":1610,"4,439":1611,"4,440":1612,"4,441":1613,"4,442":1614,"4,443":1615,"4,444":1616,"5,1":1617,"5,3":1618,"5,4":1619,"5,5":1620,"5,6":1621,"5,7":1622,"5,8":1623,"5,9":1624,"5,10":1625,"5,11":1626,"5,12":1627,"5,13":1628,"5,14":1629,"5,15":1630,"5,16":1631,"5,17":1632,"5,18":1633,"5,19":1634,"5,20":1635,"5,21":1636,"5,22":1637,"5,23":1638,"5,24":1639,"5,25":1640,"5,26":1641,"5,27":1642,"5,28":1643,"5,29":1644,"5,30":1645,"5,31":1646,"5,32":1647,"5,33":1648,"5,34":1649,"5,35":1650,"5,36":1651,"5,37":1652,"5,38":1653,"5,39":1654,"5,40":1655,"5,41":1656,"5,42":1657,"5,43":1658,"5,44":1659,"5,45":1660,"5,46":1661,"5,47":1662,"5,48":1663,"5,49":1664,"5,50":1665,"5,51":1666,"5,52":1667,"5,53":1668,"5,54":1669,"5,55":1670,"5,56":1671,"5,57":1672,"5,58":1673,"5,59":1674,"5,60":1675,"5,61":1676,"5,62":1677,"5,63":1678,"5,64":1679,"5,65":1680,"5,66":1681,"5,67":1682,"5,68":1683,"5,69":1684,"5,70":1685,"5,71":1686,"5,72":1687,"5,73":1688,"5,74":1689,"5,75":1690,"5,76":1691,"5,77":1692,"5,78":1693,"5,79":1694,"5,80":1695,"5,81":1696,"5,82":1697,"5,83":1698,"5,84":1699,"5,85":1700,"5,86":1701,"5,87":1702,"5,88":1703,"5,89":1704,"5,90":1705,"5,91":1706,"5,92":1707,"5,93":1708,"5,94":1709,"5,95":1710,"5,96":1711,"5,97":1712,"5,98":1713,"5,99":1714,"5,100":1715,"5,101":1716,"5,102":1717,"5,103":1718,"5,104":1719,"5,105":1720,"5,106":1721,"5,107":1722,"5,108":1723,"5,109":1724,"5,110":1725,"5,111":1726,"5,112":1727,"5,113":1728,"5,114":1729,"5,115":1730,"5,116":1731,"5,117":1732,"5,118":1733,"5,119":1734,"5,120":1735,"5,121":1736,"5,122":1737,"5,123":1738,"5,124":1739,"5,125":1740,"5,126":1741,"5,127":1742,"5,128":1743,"5,129":1744,"5,130":1745,"5,131":1746,"5,132":1747,"5,133":1748,"5,134":1749,"5,135":1750,"5,136":1751,"5,137":1752,"5,138":1753,"5,139":1754,"5,140":1755,"5,141":1756,"5,142":1757,"5,143":1758,"5,144":1759,"5,145":1760,"5,146":1761,"5,147":1762,"5,148":1763,"5,149":1764,"5,150":1765,"5,151":1766,"5,152":1767,"5,153":1768,"5,154":1769,"5,155":1770,"5,156":1771,"5,157":1772,"5,158":1773,"5,159":1774,"5,160":1775,"5,161":1776,"5,162":1777,"5,163":1778,"5,164":1779,"5,165":1780,"5,166":1781,"5,167":1782,"5,168":1783,"5,169":1784,"5,170":1785,"5,171":1786,"5,172":1787,"5,173":1788,"5,174":1789,"5,175":1790,"5,176":1791,"5,177":1792,"5,178":1793,"5,179":1794,"5,180":1795,"5,181":1796,"5,182":1797,"5,183":1798,"5,184":1799,"5,185":1800,"5,186":1801,"5,187":1802,"5,188":1803,"5,189":1804,"5,190":1805,"5,191":1806,"5,192":1807,"5,193":1808,"5,194":1809,"5,195":1810,"5,196":1811,"5,197":1812,"5,198":1813,"5,199":1814,"5,200":1815,"5,201":1816,"5,202":1817,"5,203":1818,"5,204":1819,"5,205":1820,"5,206":1821,"5,207":1822,"5,208":1823,"5,209":1824,"5,210":1825,"5,211":1826,"5,212":1827,"5,213":1828,"5,214":1829,"5,215":1830,"5,216":1831,"5,217":1832,"5,218":1833,"5,219":1834,"5,220":1835,"5,221":1836,"5,222":1837,"5,223":1838,"5,224":1839,"5,225":1840,"5,226":1841,"5,227":1842,"5,228":1843,"5,229":1844,"5,230":1845,"5,231":1846,"5,232":1847,"5,233":1848,"5,234":1849,"5,235":1850,"5,236":1851,"5,237":1852,"5,238":1853,"5,239":1854,"5,240":1855,"5,241":1856,"5,242":1857,"5,243":1858,"5,244":1859,"5,245":1860,"5,246":1861,"5,247":1862,"5,248":1863,"5,249":1864,"5,250":1865,"5,251":1866,"5,252":1867,"5,253":1868,"5,254":1869,"5,255":1870,"5,256":1871,"5,257":1872,"5,258":1873,"5,259":1874,"5,260":1875,"5,261":1876,"5,262":1877,"5,263":1878,"5,264":1879,"5,265":1880,"5,266":1881,"5,267":1882,"5,268":1883,"5,269":1884,"5,270":1885,"5,271":1886,"5,272":1887,"5,273":1888,"5,274":1889,"5,275":1890,"5,276":1891,"5,277":1892,"5,278":1893,"5,279":1894,"5,280":1895,"5,281":1896,"5,282":1897,"5,283":1898,"5,284":1899,"5,285":1900,"5,286":1901,"5,287":1902,"5,288":1903,"5,289":1904,"5,290":1905,"5,291":1906,"5,292":1907,"5,293":1908,"5,294":1909,"5,295":1910,"5,296":1911,"5,297":1912,"5,298":1913,"5,299":1914,"5,300":1915,"5,301":1916,"5,302":1917,"5,303":1918,"5,304":1919,"5,305":1920,"5,306":1921,"5,307":1922,"5,308":1923,"5,309":1924,"5,310":1925,"5,311":1926,"5,312":1927,"5,313":1928,"5,314":1929,"5,315":1930,"5,316":1931,"5,317":1932,"5,318":1933,"5,319":1934,"5,320":1935,"5,321":1936,"5,322":1937,"5,323":1938,"5,324":1939,"5,325":1940,"5,326":1941,"5,327":1942,"5,328":1943,"5,329":1944,"5,330":1945,"5,331":1946,"5,332":1947,"5,333":1948,"5,334":1949,"5,335":1950,"5,336":1951,"5,337":1952,"5,338":1953,"5,339":1954,"5,340":1955,"5,341":1956,"5,342":1957,"5,343":1958,"5,344":1959,"5,345":1960,"5,346":1961,"5,347":1962,"5,348":1963,"5,349":1964,"5,350":1965,"5,351":1966,"5,352":1967,"5,353":1968,"5,354":1969,"5,355":1970,"5,356":1971,"5,357":1972,"5,358":1973,"5,359":1974,"5,360":1975,"5,361":1976,"5,362":1977,"5,363":1978,"5,364":1979,"5,365":1980,"5,366":1981,"5,367":1982,"5,368":1983,"5,369":1984,"5,370":1985,"5,371":1986,"5,372":1987,"5,373":1988,"5,374":1989,"5,375":1990,"5,376":1991,"5,377":1992,"5,378":1993,"5,379":1994,"5,380":1995,"5,381":1996,"5,382":1997,"5,383":1998,"5,384":1999,"5,385":2000,"5,386":2001,"5,387":2002,"5,388":2003,"5,389":2004,"5,390":2005,"5,391":2006,"5,392":2007,"5,393":2008,"5,394":2009,"5,395":2010,"5,396":2011,"5,397":2012,"5,398":2013,"5,399":2014,"5,400":2015,"5,401":2016,"5,402":2017,"5,403":2018,"5,404":2019,"5,405":2020,"5,406":2021,"5,407":2022,"5,408":2023,"5,409":2024,"5,410":2025,"5,411":2026,"5,412":2027,"5,413":2028,"5,414":2029,"5,415":2030,"5,416":2031,"5,417":2032,"5,418":2033,"5,419":2034,"5,420":2035,"5,421":2036,"5,422":2037,"5,423":2038,"5,424":2039,"5,425":2040,"5,426":2041,"5,427":2042,"5,428":2043,"5,429":2044,"5,430":2045,"5,431":2046,"5,432":2047,"5,433":2048,"5,434":2049,"5,435":2050,"5,436":2051,"5,437":2052,"5,438":2053,"5,439":2054,"5,440":2055,"5,441":2056,"5,442":2057},"ٜ":{"1":[2,384],"2":[1,366],"3":[1,428],"4":[1,444],"5":[1,442]},"ٝ":["1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","2,1","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","3,1","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","4,1","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","5,1","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,393","5,394","5,395","5,396","5,397","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,412","5,413","5,414","5,415","5,416","5,417","5,418","5,419","5,420","5,421","5,422","5,423","5,424","5,425","5,426","5,427","5,428","5,429","5,430","5,431","5,432","5,433","5,434","5,435","5,436","5,437","5,438","5,439","5,440","5,441","5,442"],"ٞ":{"2":[1,2,3],"3":[4],"4":[5],"6":[6],"7":[7,8],"9":[9,10,11],"10":[12],"15":[13],"18":[14],"21":[15,16,17],"23":[18],"26":[19],"27":[20],"31":[21],"33":[22],"36":[23],"38":[24],"39":[25],"45":[26],"47":[27,28],"51":[29],"54":[30],"57":[31,32],"63":[33],"66":[34],"68":[35],"71":[36],"72":[37],"74":[38,39],"77":[40],"81":[41,42],"82":[43],"88":[44,45],"91":[46],"93":[47,48],"96":[49],"99":[50],"103":[51],"105":[52,53],"108":[54],"111":[55],"114":[56,57],"116":[58,59],"119":[60],"120":[61],"122":[62],"123":[63,64],"124":[65],"126":[66],"127":[67],"129":[68,69,70],"134":[71],"136":[72],"137":[73],"138":[74,75],"143":[76],"144":[77],"146":[78],"148":[79],"149":[80],"150":[81],"152":[82],"153":[83],"154":[84],"155":[85],"156":[86],"157":[87,88],"159":[89],"161":[90],"162":[91],"163":[92],"164":[93],"165":[94],"166":[95],"167":[96],"168":[97],"169":[98],"170":[99,100],"172":[101,102],"178":[103],"179":[104],"180":[105],"181":[106],"182":[107],"183":[108,109],"184":[110],"185":[111,112],"186":[113],"187":[114],"189":[115],"191":[116,117],"192":[118],"193":[119],"194":[120],"195":[121,122],"197":[123],"198":[124],"199":[125],"200":[126],"201":[127],"202":[128],"203":[129],"204":[130],"205":[131,132,133],"206":[134],"207":[135],"208":[136],"210":[137],"211":[138],"212":[139],"215":[140,141],"219":[142],"221":[143],"222":[144],"223":[145],"226":[146,147],"230":[148],"232":[149],"233":[150],"234":[151],"239":[152],"240":[153,154],"243":[155,156],"246":[157],"248":[158],"249":[159],"250":[160],"252":[161],"253":[162],"255":[163],"256":[164],"258":[165],"259":[166],"260":[167],"261":[168],"262":[169],"263":[170],"265":[171],"266":[172],"269":[173,174],"271":[175],"272":[176],"274":[177,178],"276":[179],"277":[180],"278":[181],"279":[182],"281":[183],"283":[184],"287":[185],"288":[186],"289":[187,188],"290":[189],"291":[190],"292":[191],"294":[192],"295":[193],"296":[194,195],"298":[196],"300":[197],"301":[198],"303":[199],"304":[200,201],"306":[202,203,204],"307":[205,206],"309":[207],"310":[208],"311":[209],"313":[210,211],"315":[212,213],"317":[214],"319":[215],"320":[216],"323":[217],"325":[218],"326":[219],"327":[220],"329":[221],"330":[222],"331":[223],"332":[224],"333":[225],"334":[226,227],"336":[228],"338":[229],"339":[230,231],"341":[232],"342":[233],"343":[234],"345":[235],"347":[236],"348":[237],"349":[238],"351":[239],"352":[240],"353":[241],"354":[242,243],"355":[244],"358":[245],"359":[246],"360":[247,248],"361":[249,250],"362":[251],"363":[252],"364":[253,254],"366":[255],"367":[256,257],"370":[258],"371":[259],"372":[260],"375":[261],"376":[262],"378":[263],"379":[264],"380":[265],"383":[266,267],"386":[268],"389":[269],"391":[270],"393":[271],"394":[272],"396":[273],"397":[274],"398":[275],"400":[276],"401":[277],"402":[278],"403":[279],"404":[280,281],"406":[282],"407":[283],"409":[284],"412":[285],"414":[286],"417":[287,288],"419":[289],"420":[290],"423":[291],"424":[292,293],"426":[294],"431":[295],"433":[296],"434":[297],"435":[298],"437":[299],"438":[300],"440":[301],"441":[302],"442":[303,304],"443":[305],"446":[306],"447":[307],"448":[308],"450":[309,310],"451":[311,312],"452":[313],"453":[314],"456":[315],"457":[316],"458":[317],"459":[318],"461":[319],"463":[320],"465":[321],"466":[322,323],"467":[324,325],"468":[326,327],"469":[328],"471":[329],"472":[330],"473":[331],"474":[332,333],"475":[334],"476":[335,336],"477":[337],"478":[338,339],"480":[340],"481":[341,342],"483":[343],"484":[344,345],"486":[346,347],"488":[348],"490":[349],"491":[350],"492":[351],"494":[352],"495":[353],"497":[354],"498":[355,356],"500":[357],"502":[358,359],"503":[360],"504":[361],"505":[362],"506":[363],"507":[364],"509":[365],"511":[366],"512":[367],"514":[368],"515":[369],"516":[370],"517":[371],"518":[372],"519":[373],"520":[374],"521":[375],"522":[376,377],"523":[378],"524":[379],"525":[380],"526":[381],"527":[382],"529":[383],"530":[384],"531":[385],"533":[386],"539":[387],"540":[388],"541":[389],"542":[390],"543":[391],"544":[392,393],"545":[394],"546":[395,396],"547":[397],"548":[398],"550":[399,400],"551":[401,402],"554":[403,404],"555":[405],"556":[406],"557":[407],"559":[408],"560":[409],"561":[410],"562":[411],"564":[412],"565":[413],"566":[414],"567":[415],"569":[416],"572":[417,418,419],"575":[420],"576":[421],"578":[422],"582":[423],"583":[424],"584":[425],"585":[426],"590":[427],"592":[428],"594":[429],"595":[430],"596":[431],"597":[432],"598":[433],"599":[434],"600":[435],"601":[436],"602":[437],"604":[438],"607":[439],"608":[440],"609":[441],"610":[442],"612":[443,444],"614":[445],"615":[446,447],"617":[448],"618":[449,450,451],"619":[452],"620":[453],"621":[454],"622":[455],"623":[456,457],"626":[458],"627":[459],"629":[460],"630":[461,462],"631":[463],"632":[464],"634":[465],"636":[466],"637":[467],"638":[468],"640":[469],"641":[470],"643":[471],"644":[472],"645":[473],"646":[474],"647":[475],"648":[476],"649":[477],"651":[478],"652":[479],"653":[480],"654":[481,482],"657":[483,484],"660":[485],"661":[486],"663":[487],"664":[488],"665":[489],"667":[490],"668":[491],"670":[492],"672":[493],"674":[494],"675":[495],"678":[496],"679":[497],"680":[498],"681":[499],"682":[500],"683":[501],"685":[502],"687":[503,504],"688":[505],"691":[506],"692":[507],"693":[508],"695":[509],"696":[510],"698":[511],"702":[512],"704":[513],"705":[514,515],"706":[516],"707":[517],"709":[518],"711":[519],"712":[520],"714":[521,522],"716":[523],"717":[524],"719":[525],"721":[526],"722":[527],"723":[528],"725":[529],"726":[530],"728":[531],"730":[532],"731":[533],"732":[534],"733":[535],"735":[536],"736":[537],"737":[538,539],"739":[540],"740":[541],"743":[542],"748":[543,544],"752":[545],"754":[546],"758":[547],"759":[548],"761":[549],"762":[550,551],"765":[552,553],"766":[554],"768":[555],"771":[556],"772":[557],"774":[558],"775":[559],"777":[560],"778":[561],"779":[562],"780":[563],"782":[564],"784":[565,566],"785":[567],"787":[568],"789":[569],"792":[570],"795":[571],"797":[572],"799":[573],"801":[574],"802":[575],"804":[576,577],"805":[578],"806":[579],"807":[580],"808":[581],"810":[582],"813":[583],"814":[584],"815":[585],"816":[586],"817":[587,588,589],"819":[590],"820":[591],"822":[592,593],"823":[594,595],"825":[596],"827":[597],"828":[598],"830":[599],"831":[600],"832":[601],"835":[602,603],"839":[604],"842":[605],"845":[606],"846":[607],"848":[608],"850":[609,610],"851":[611],"852":[612],"853":[613],"855":[614],"857":[615],"859":[616],"861":[617,618],"867":[619],"870":[620],"871":[621],"874":[622],"877":[623],"880":[624],"881":[625],"883":[626],"884":[627],"887":[628],"890":[629,630],"892":[631,632],"895":[633],"896":[634],"897":[635],"899":[636],"901":[637],"903":[638],"905":[639],"907":[640],"908":[641],"911":[642],"912":[643],"914":[644,645],"917":[646],"918":[647],"920":[648],"923":[649,650],"925":[651],"926":[652],"929":[653],"932":[654],"934":[655,656],"936":[657],"938":[658],"939":[659],"941":[660],"943":[661,662],"944":[663],"945":[664],"947":[665],"949":[666,667],"950":[668],"951":[669,670],"953":[671],"954":[672],"955":[673],"956":[674],"957":[675,676],"958":[677],"959":[678],"962":[679],"964":[680],"966":[681,682],"968":[683],"971":[684],"973":[685,686],"976":[687],"977":[688],"979":[689],"980":[690],"981":[691],"982":[692],"983":[693,694],"984":[695],"990":[696],"991":[697],"992":[698],"994":[699,700],"996":[701,702],"997":[703],"1001":[704],"1002":[705],"1008":[706],"1018":[707],"1019":[708],"1021":[709],"1023":[710],"1024":[711],"1028":[712,713],"1029":[714,715],"1031":[716],"1032":[717],"1035":[718],"1037":[719],"1039":[720],"1041":[721],"1043":[722],"1045":[723],"1046":[724],"1047":[725],"1048":[726,727,728],"1051":[729,730],"1056":[731],"1060":[732],"1063":[733],"1064":[734],"1069":[735],"1075":[736],"1083":[737],"1086":[738],"1087":[739],"1089":[740],"1090":[741],"1091":[742],"1092":[743],"1095":[744],"1096":[745],"1098":[746],"1101":[747],"1105":[748],"1106":[749,750],"1108":[751],"1109":[752],"1110":[753],"1111":[754],"1112":[755],"1115":[756],"1116":[757],"1117":[758],"1119":[759],"1120":[760],"1121":[761],"1122":[762,763],"1124":[764],"1128":[765,766],"1129":[767,768],"1130":[769],"1131":[770,771],"1135":[772],"1136":[773],"1137":[774,775],"1138":[776],"1139":[777,778],"1140":[779,780],"1141":[781],"1142":[782],"1143":[783,784],"1146":[785],"1148":[786],"1150":[787],"1151":[788],"1153":[789],"1156":[790],"1158":[791],"1159":[792],"1161":[793],"1162":[794],"1163":[795],"1164":[796],"1165":[797],"1166":[798],"1168":[799,800],"1170":[801,802],"1175":[803,804],"1180":[805],"1181":[806],"1185":[807],"1186":[808],"1187":[809,810],"1189":[811],"1192":[812,813],"1193":[814],"1194":[815,816],"1195":[817],"1196":[818],"1197":[819],"1199":[820],"1200":[821],"1202":[822],"1204":[823],"1208":[824,825,826],"1209":[827],"1245":[828],"1263":[829],"1274":[830],"1284":[831],"1289":[832],"1294":[833],"1299":[834],"1318":[835],"1319":[836],"1322":[837],"1324":[838],"1325":[839],"1326":[840],"1329":[841],"1330":[842],"1339":[843],"1346":[844],"1349":[845],"1350":[846],"1351":[847],"1354":[848],"1356":[849],"1365":[850],"1367":[851],"1369":[852],"1370":[853],"1371":[854],"1372":[855],"1374":[856],"1375":[857],"1377":[858],"1385":[859],"1388":[860],"1389":[861],"1390":[862],"1391":[863],"1394":[864],"1397":[865],"1398":[866,867],"1401":[868],"1402":[869],"1403":[870,871],"1406":[872],"1407":[873],"1410":[874],"1413":[875],"1415":[876],"1416":[877],"1417":[878],"1420":[879],"1422":[880],"1423":[881],"1424":[882],"1426":[883],"1428":[884],"1431":[885],"1432":[886],"1433":[887],"1434":[888],"1437":[889],"1438":[890],"1439":[891],"1442":[892],"1443":[893],"1444":[894],"1445":[895],"1446":[896],"1447":[897],"1448":[898,899],"1449":[900],"1451":[901],"1452":[902,903],"1453":[904,905],"1455":[906,907,908],"1456":[909],"1457":[910],"1460":[911,912],"1461":[913,914,915],"1462":[916,917],"1463":[918],"1464":[919],"1465":[920,921],"1467":[922,923],"1468":[924,925],"1469":[926],"1470":[927,928],"1471":[929,930],"1472":[931],"1474":[932],"1475":[933,934],"1476":[935,936],"1478":[937],"1480":[938,939],"1483":[940],"1485":[941],"1488":[942,943],"1493":[944],"1494":[945],"1498":[946,947],"1503":[948],"1507":[949],"1508":[950],"1509":[951],"1510":[952],"1511":[953,954],"1512":[955],"1514":[956],"1515":[957,958],"1516":[959],"1518":[960],"1520":[961,962],"1522":[963],"1523":[964],"1524":[965,966],"1525":[967],"1526":[968],"1528":[969],"1529":[970],"1530":[971],"1531":[972],"1532":[973,974],"1533":[975,976],"1534":[977,978,979],"1536":[980],"1537":[981],"1539":[982],"1540":[983],"1541":[984,985],"1542":[986],"1544":[987,988],"1545":[989,990],"1546":[991,992],"1547":[993],"1549":[994],"1550":[995,996],"1551":[997],"1552":[998],"1554":[999],"1555":[1000,1001],"1556":[1002],"1559":[1003],"1562":[1004],"1563":[1005],"1564":[1006],"1565":[1007],"1567":[1008],"1568":[1009],"1569":[1010,1011],"1570":[1012],"1571":[1013],"1572":[1014],"1573":[1015,1016],"1574":[1017,1018],"1576":[1019],"1578":[1020],"1579":[1021],"1582":[1022],"1583":[1023],"1584":[1024],"1588":[1025],"1590":[1026],"1592":[1027],"1595":[1028],"1596":[1029,1030],"1597":[1031],"1598":[1032],"1603":[1033],"1605":[1034],"1606":[1035],"1607":[1036],"1608":[1037],"1609":[1038],"1611":[1039],"1612":[1040],"1613":[1041],"1614":[1042],"1618":[1043,1044,1045],"1619":[1046],"1622":[1047],"1624":[1048],"1626":[1049],"1628":[1050],"1629":[1051],"1631":[1052,1053],"1634":[1054],"1638":[1055],"1639":[1056],"1640":[1057],"1642":[1058],"1643":[1059],"1644":[1060],"1645":[1061],"1646":[1062],"1649":[1063],"1650":[1064],"1651":[1065],"1652":[1066],"1655":[1067],"1656":[1068],"1657":[1069],"1659":[1070],"1661":[1071],"1662":[1072,1073],"1664":[1074],"1667":[1075],"1668":[1076],"1669":[1077],"1670":[1078],"1671":[1079],"1672":[1080],"1673":[1081],"1674":[1082],"1675":[1083],"1676":[1084],"1680":[1085],"1681":[1086],"1682":[1087],"1683":[1088],"1685":[1089],"1687":[1090,1091],"1688":[1092],"1689":[1093,1094],"1691":[1095],"1693":[1096],"1694":[1097],"1695":[1098],"1696":[1099],"1698":[1100],"1699":[1101],"1700":[1102,1103],"1706":[1104],"1712":[1105],"1713":[1106],"1715":[1107],"1717":[1108],"1718":[1109],"1720":[1110],"1724":[1111],"1726":[1112],"1730":[1113],"1732":[1114],"1733":[1115],"1738":[1116],"1742":[1117,1118],"1744":[1119],"1746":[1120,1121],"1747":[1122],"1748":[1123],"1749":[1124],"1750":[1125],"1751":[1126],"1752":[1127,1128],"1753":[1129],"1754":[1130,1131],"1755":[1132,1133],"1758":[1134],"1762":[1135],"1765":[1136],"1766":[1137],"1768":[1138],"1771":[1139],"1774":[1140,1141],"1779":[1142],"1781":[1143],"1783":[1144],"1785":[1145],"1790":[1146],"1795":[1147],"1797":[1148],"1800":[1149,1150],"1801":[1151],"1804":[1152],"1808":[1153],"1809":[1154],"1810":[1155],"1811":[1156],"1813":[1157],"1814":[1158],"1816":[1159],"1817":[1160],"1820":[1161],"1822":[1162],"1829":[1163],"1830":[1164],"1832":[1165],"1836":[1166],"1841":[1167,1168],"1843":[1169],"1847":[1170],"1851":[1171],"1853":[1172,1173],"1855":[1174],"1856":[1175],"1857":[1176],"1858":[1177],"1859":[1178],"1860":[1179],"1861":[1180],"1862":[1181],"1863":[1182],"1864":[1183],"1865":[1184,1185],"1866":[1186],"1868":[1187,1188],"1870":[1189],"1871":[1190],"1873":[1191,1192],"1875":[1193,1194],"1876":[1195],"1877":[1196,1197],"1878":[1198,1199],"1880":[1200],"1881":[1201,1202],"1882":[1203],"1883":[1204],"1884":[1205,1206],"1886":[1207],"1887":[1208],"1888":[1209],"1889":[1210],"1890":[1211],"1892":[1212],"1894":[1213],"1895":[1214],"1896":[1215],"1897":[1216],"1898":[1217],"1900":[1218],"1901":[1219],"1902":[1220],"1903":[1221],"1905":[1222,1223],"1906":[1224,1225],"1907":[1226,1227],"1908":[1228],"1909":[1229,1230],"1910":[1231],"1912":[1232],"1915":[1233,1234],"1919":[1235],"1922":[1236],"1924":[1237],"1926":[1238],"1929":[1239],"1931":[1240],"1933":[1241,1242],"1934":[1243],"1938":[1244],"1939":[1245,1246],"1940":[1247],"1941":[1248],"1942":[1249],"1943":[1250,1251],"1945":[1252],"1946":[1253],"1953":[1254],"1954":[1255],"1956":[1256],"1959":[1257],"1960":[1258],"1963":[1259],"1964":[1260],"1967":[1261],"1969":[1262],"1973":[1263],"1976":[1264,1265],"1978":[1266],"1980":[1267],"1981":[1268],"1982":[1269],"1984":[1270],"1989":[1271],"1990":[1272],"1991":[1273],"1992":[1274],"1993":[1275],"1995":[1276],"1997":[1277],"1998":[1278,1279],"2007":[1280],"2012":[1281],"2016":[1282],"2017":[1283],"2018":[1284],"2020":[1285],"2021":[1286],"2022":[1287],"2023":[1288],"2024":[1289],"2026":[1290],"2027":[1291],"2030":[1292],"2031":[1293],"2032":[1294],"2033":[1295],"2034":[1296],"2036":[1297],"2037":[1298],"2038":[1299],"2039":[1300],"2043":[1301],"2044":[1302],"2045":[1303],"2046":[1304],"2047":[1305,1306],"2050":[1307],"2053":[1308]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\">التاج الجامع للأصول فى أحاديث الرسول </span>\nكتاب جمع ما تفرق في صحيحي البخارى ومسلم وغيرهما من الأحاديث الصحيحة.\n\nوقد قدر لهذا الكتاب أن ينتشر في البلاد الإسلامية لما امتاز به من سهولة المعنى، وتقريب ألفاظ الحديث لمن يريد البحث عن أدلة العبادات والمعاملات.\nوإذا ذكر هذا الكتاب الجليل فإنما يذكر مقرونا باسم مؤلفه المرحوم العلامة الجليل الأستاذ منصور على ناصف، أحد علماء الأزهر الشريف وأساتذته المبرزين.\nكان ﵀ محل تقدير علماء الأزهر، وإعجابهم بمؤلفه العظيم.\nوقد رأوا في هذا الكتاب الجليل من الفائدة ما حملهم على تقريظه، وحث المسلمين على اقتنائه والاستفادة منه، تجد ذلك في تقاريظهم التي ذكرت بعد ..\nويسر «دار إحياء الكتب العربية» أن تقدم هذا الكتاب الجليل الطلاب الحديث وأساتذة العلم في طبعته الثالثة، كعادتها في العناية بنشر الكتب المفيدة، وخصوصا ما يتصل بنشر الثقافة الإسلامية، وما يتعلق بالأحاديث النبوية والشريعة الإسلامية.\nوالله يجزي مؤلفه خير الجزاء، ويثيبه على هذا العمل الجليل.\n\nدار إحياء الكتب العربية","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>تقاريظ</span>\nلحضرات أصحاب الفضيلة علماء الإسلام حفظهم الله تعالى\n\n<span data-type='title' id=toc-2>(التقريظ الأول)</span> لحضرة صاحب الفضيلة شيخ المشايخ الأكبر وصاحب المؤلفات العديدة مولانا الشيخ محمد بخيت مفتي الديار المصرية سابقًا، ومن هيئة كبار العلماء حفظه الله آمين.\nبسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على خاتَم النبيين وإمام المرسلين. سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nوبعد: فقد اطلعنا على الجزء الأول من مؤلف حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ منصور علي ناصف من علماء الأزهر الشريف ومدرس بالجامع الزينبي الموسوم باسم (التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول) وعليه غاية المأمول شرح ذلك التاج الجامع للأصول. فوجدته مؤلفًا قيمًا حسن التبويب والترتيب. جميل الشكل. سهل العبارة. متين الأسلوب. في جزالة معنى وفخامة تركيب. وقد حوى ما تَمس إليه الحاجة. من الموضوعات الدينية التي لا يستغني عنها مسلم في عبادة ربه. ومناجاة خالقه. مع الإلمام التام بمذاهب الأئمة المجتهدين ومناحي أقوالهم. وذكر طائفة من الآداب الإسلامية التي هي روح التشريع والمقصود الأهم من الأحكام العملية …\nوبالجملة فهو مؤلف نفيس. يدل على قوة مؤلفه العلمية. ورسوخه في علم الفقه. وعلو كعبه في فمن الحديث. مع الذوق السليم والفكر الصائب. والبصيرة النيرة. نفع الله به المسلمين وأكثر من أمثاله. ورزقه التوفيق في جهاده العلمي وأثابه على حسن نيته. وجزاه بما يجزي به المؤمنين الصادقين العاملين. إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين آمين.\n\n٢٨ رجب سنة ١٣٥١ هـ.\nمفتي الديار المصرية سابقًا\nمحمد بخيت\n(بالإمضاء)\n\n<span data-type='title' id=toc-3>(التقريظ الثاني)</span>\nلحضرة صاحب الفضيلة. المصلح الكبير. الناطق بالبرهان. وملك البيان أستاذي الشيخ عبد المجيد اللبان. شيخ كلية أصول الدين حفظه الله وأيده آمين.\nبسم الله الرحمن الرحيم. نحمدك اللهم أن وفقت في كل حين من يجدد لهذه الأمة أمر دينها. حتى لا تنسى شرائعها ولا تبلى تعاليمها. فحققت لها الخير الدائم. وجعلته مصداقًا لوعدك الكريم. بحفظ كتابك العزيز وسنة نبيك الغراء. اللذين هما منارا هدايتك الحقة. وينبوعا سلسبيل رحمتك التي اختصصت بها من شئت من عبادك. فنشكرك شكر المستزيد من فضلك. ونصلي ونسلم على سيدنا محمد","vol":"1","page":3},{"text":"خير خلقك. وعلى آله وصحبه الأئمة الهداة. الذين جاهدوا في سبيلك حق الجهاد. وبلغوا دينك بأقوم السند وأعلاه.\nوبعد فإلى ذلك العلم الرفيع والطود الشامخ. والمنار الهادي. والعالم العامل صاحب الفضيلة الثقة الكامل العلامة ولدي الشيخ منصور ناصف. أكتب كلمة البشرى والشكر والدعاء.\nأيها الأستاذ: حسبي أن أقول إنك إذ وفقك الله تعالى فعنيت بجمع كتابك الكريم (التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول) الذي حوى ما في أصول الحديث الخمسة الصحاح: صحيح البخاري. وصحيح مسلم. وسنن أبي داود. وجامع الترمذي. والمجتبى للنسائي. كنت من الذين جددوا للدين أمره. فلك فخار من خلقهم ويخلقهم الله على رؤوس الأزمان لتجديد أمر الدين كما أخبر بذلك الصادق الأمين، وكفاك بذلك فخرًا واغتباطًا.\nوكنت أيضًا من أهل الحظوة التي حظي بها أهل الحديث واختصهم الله بها ببركة دعائه ﷺ إذ يقول: \"نضر الله امرأً سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه\". وناهيك بتلك الحظوة غبطة. اطلعت على كتابك هذا فوجدته إلى الخير هاديًا. وإلى صحيح السنة مرشدًا. بأسلوبٍ بيّن. وطريق واضح. سهل التناول. يقرب الوصول إلى الغاية. ويرينا الأصول الخمسة في مرآةِ إخلاصك الصافية. ويروي عذبه نفوس طلاب الهداية.\nقد حليت جيده بشرحك الذهبي. المختصر الوافي بحاجة المتفهم. وذلك عمل قلّ من قام به. خصوصًا في عصر ضعفت فيه الرغبة. وتقاعست الهمة.\nأرضيت به ربك تعالى. وأقررت عين نبيك ﷺ. وحبوت به أهل العلم. وشرحت به صدري. فلك جزاء الله، ورضا نبيه، وشكر العلم وأهله. ودعاء مني إلى الله تعالى أن يجعلك على الدوام موفقًا لإبراز مثل هذا الجوهر المكنون إلى عالم الوجود. فتكون لآلئ فضلك حلية لتيجان الفنون جميعها. أرجو قبول اغتباطي. وثنائي. واحترامي.\n\n٢٩ من رجب الفرد سنة ١٣٥١ هـ. ٢٨ نوفمبر سنة ١٩٣٢ م.\nعبد المجيد اللبان\n(بالإمضاء)\n\n<span data-type='title' id=toc-4>(التقريظ الثالث)</span>\nلحضرة صاحب الفضيلة الوارث المحمدي. والعالم الرباني. الذابّ عن الدين. المؤيد له بالحجج والبراهين. السائر على قدم الأسلاف السابقين. مولانا الشيخ يوسف الدجوي من هيئة كبار العلماء. حفظه الله وأيده وأبقاه لنفع العلم والإسلام والدين آمين.\nبسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه. حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل والعلامة النبيل الشيخ منصور ناصف أيده الله بما أيد به","vol":"1","page":4},{"text":"الخاصة من عباده.\nأما بعد: فقد اطلعت على كتابك الموسوم بـ (التاج الجامع) فوجدته تاجًا حقًا وجامعًا صدقًا. قد فاق ما عداه وبرز على ما سواه بترتيبه الحكيم. وإيجازه البليغ. وتبريزه على غيره من تلك المختصرات التي أخلت بكثير من الأصول. وقد أحسنت الصنع وأتممت النفع بتلك التعليقات التي أفرغت فيها الوسع وبذلت فيها النصح للأمة المحمدية. فجزاك الله أحسن ما جازى به العاملين المخلصين.\nوإن ظهور مثل هذا الكتاب الجليل في هذا العصر الذي كثرت به الفتن وعظمت فيه المحن، وشغل كل امرئ بدنياه. وكأن الناس قامت قيامتهم فلكل امرئ منهم شأن يغنيه وأمر يعنيه، وقد غفلوا عن كتاب مولاهم وسنة رسوله غريقين فيما أحاط بهم من الآفات والظلمات التي تلاطمت بها أمواج هذا العصر المظلم، ولم ينجُ من ذلك إلّا الكاملون الموفقون (وقليل ما هم) إني أعد ظهور هذا الكتاب في هذا الزمن الذي ذاك بعض وصفه وقليل من شرح حاله وعظيم أهواله، معجزة من معجزاته - ﷺ -. وقد ذكر العلماء أن معجزاته - ﷺ - قسمان: قسم انقضى، وقسم لا يزال يتجدد إلى يوم القيامة، وقد منّ الله بذلك عليك وأجراه على يديك، فأحمد الله على ذلك التوفيق العزيز.\nوقد ورد عنه - ﷺ -: أن من تمسك بسنته عند فساد أمته كان له أجر مائة شهيد. فما بالك بمن جمعها وأذاعها ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [سورة الجمعة] ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾ [سورة يوسف].\nأسأل الله أن يكثر في الأمة من العلماء العاملين والفضلاء المخلصين، وأن يزيدك تأييدًا وتسديدًا حتى ينتفع الناس بجليل أعمالك، وعظيم آثارك، بمنه وكرمه.\nهذا: ولك من الاحترام والإعظام وخالص الدعاء وعاطر الثناء على قدر ما لك من جهد كبير ونية حسنة وهمة رفيعة، والسلام عليكم ورحمة الله.\n\n٢٦ رجب سنة ١٣٥١ هـ.\nيوسف الدجوي\nمن هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف\n(بالختم)\n\n<span data-type='title' id=toc-5>(التقريظ الرابع)</span>\nلحضرة صاحب الفضيلة والسماحة، ذي الأخلاق المحمدية والفرع الأعلى في الشجرة النبوية السيد محمد الببلاوي خطيب الجامع الحسيني ومن كبار العلماء وصاحب المؤلفات القيمة ونقيب السادة الأشراف حفظه الله وأيده آمين.\nبسم الله الرحمن الرحيم. نحمدك اللهم والحمد من آلائك، ونشكرك والشكر من نعمائك، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد صفوتك من خلقك، وأمينك على وحيك، المرسل إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين حفظوا عهده وامتثلوا أمره ودعوا الخلق إلى دينه وبلغوا إليهم شريعته بيضاء نقية لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، فقامت بعملهم الحجة واستقامت المحجة أولئك هم الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، فلهم أجرهم عند ربهم جزاء بما كانوا يعملون.","vol":"1","page":5},{"text":"أما بعد: فخير ما شغل به العاقل وقته ووشى به صحيفته هو تفهم كتاب الله تعالى والعمل بما يدعو إليه وتبيين أوامره ونواهيه، ومعرفة وعظه وقصصه ومحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه، ولا سبيل لذلك إلّا بخدمة أحاديث رسول الله - ﷺ - والقيام على جمعها وتدوينها وتطهيرها من وهن الضعفاء وإفك الوضاعين، لذلك عني السلف الصالح بخدمة سنة رسول الله - ﷺ - خدمة لم تدع للخلف مجالًا للمزيد ولا موضعًا للاستدراك، وكانوا يرون أن العلم كل العلم في تفهم كتاب الله تعالى والاحتفاظ بسنة رسول الله - ﷺ -، كما قد قال في ذلك قائلهم:\nكل العلوم سوى القرآن مضيعة … إلا الحديث وإلا الفقه في الدين\nالعلم ما قال فيه الناس حدثنا … وما سواه فوسواس الشياطين\nوإن خير ما دوّن في ذلك الصحاح الستة المشهورة في الحديث قديمًا وحديثًا، ولما كان الحصول على غير البخاري ومسلم ربما يعز على الخاصة ولا يمكن وصول العامة إليه رأى - ورأيه الموفق - العالم العامل والإنسان الكامل والمرشد الواصل فرع الشجرة النبوية السيد منصور ناصف الحسيني الشافعي أن يتفرغ في الكثير من وقته ويبذل النفيس من جهده فيجمع بين الأصول الخمس من الصحاح فتم له ما قصد وأدرك من بغيته ما أمل، وألف في ذلك كتابه (التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول) وقد وقفت منه في روضة غناء قطوفها دانية، لا تسمع فيها لاغية، جمع فيه خمسًا من الصحاح تاركًا المكرر من الأحاديث فيها، مقتصرًا من الإسناد على اسم المخرج والراوي، ضامًا لمحل ما اتحد موضوعه من الأحاديث بعضه إلى بعض مرتبًا ذلك على ترتيب الأبواب الفقهية، جامعًا في أحاديث الأخلاق والآداب الشكل إلى شكله، والنظير إلى نظيره، فجاء كتابًا تقرّ به العيون، وتنشرح له الصدور، يحصل منه طالب العلم على مطلبه من أقرب الطرق وأيسر السبل.\nفإن جمع الأحاديث مرتبة على حروف المعجم باعتبار أول كلمة في الحديث في صنع الكثير من المؤلفين لا يسهل إلا على الحفاظ المتقنين، وقليل ما هم الآن.\nوبالجملة فهذا (التاج) فيه غاية كل طالب، وأمنية كل راغب، فمن حاز التاج فقد حاز الخير الكثير والعلم الغزير، واستغنى عن الخمسة الأصول، وماذا عسى في مدح هذا التاج أن أقول، وقد حدت بالمؤلف الشفقة الإسلامية والغيرة الدينية إلى أن يضيف إلى هذه الحسنة حسنة أخرى رصعت هذا (التاج) وزادته رونقًا وبهجة، إذ قد شرح هذه الأحاديث شرحًا يشرح الصدور ويسر القلوب، وبين غريبها بيانًا جزلًا بين الإيجاز والإطناب، ليس بالطويل الممل ولا بالقصير المخل.\nفجزى الله مولانا المؤلف عن السنة النبوية أحسن الجزاء، ونفع الأنام بهذا التأليف الجليل ومد في عمر مؤلفه حتى يتحف الناس بدرر أفكاره وجميل آثاره وعظيم أسراره، إنه ولي التوفيق لا رب غيره ولا معبود سواه.\n\nحرر بالقاهرة في الخامس والعشرين من رجب سنة ١٣٥١ هجرية.\nمحمد الببلاوي الحسني\nالإدريسي نقيب السادة الأشراف\n(بالإمضاء)","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>(التقريظ الخامس)</span>\nلحضرة صاحب الفضيلة خادم السنة بالحرمين الشريفين العلامة الكبير والمحدث الشهير مولانا الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي صاحب كتاب (زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم) ومدرس علم الحديث في كلية أصول الدين حفظه الله آمين.\nبسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي نرل على نبينا عليه وعلى آله الصلاة والسلام أحسن الحديث، وأكرم علماء الحديث بخدمته في القديم والحديث، والصلاة والسلام على رسولنا الذي أعطى جوامع الكلم واختصرت له اختصارًا، وعلى آله وأصحابه المجاهدين لإعلاء كلمته حيث اختارهم له أعوانًا وأنصارًا، وعلى تابعيهم من أئمة الحديث الباذلين جهدهم في جمعه والذّبّ عنه حتى نقحوا الصحيح من الضعيف، فجمعوا من أنواع فنونه التالد والطريف.\nأما بعد: فقد أمعنت نظري وتأملت في تاج كتب الحديث المسمى (التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول) صلى الله عليه وعلى آله وسلم، للعلامة المحقق الذائق، صاحب الديانة الفائق، الشيخ منصور بن علي ناصف الحسيني أحد علماء الأزهر الشريف المدرس بالجامع الزينبي، وكتابته عليه المسماة غاية المأمول، فإذا هو اسم وافق مسماه وطابقه، ودل عليه دلالة المطابقة. فإنه كتاب كالتاج لكتب الحديث، القديم منها والحديث، لجمعه بين الكتب الخمسة التي صرح الإمام النووي في التقريب بأنَّه لم يفتها من الصحيح إلا النادر، وهي الصحيحان وسنن أبى داود، وجامع الترمذي، والمجتبى للنسائي، وفي ضمنها أحاديث الموطأ، إذا ما ترك أصحاب الخمسة منها إلا ما ندر، فقد وفق الله تعالى الأستاذ المذكور لجمعها مع حذف الأسانيد وترك المكرر والاكتفاء بأطول الروايات منه وأجمعها، فتم بتوفيق الله مع شرحه في نحو خمس مجلدات متوسطة، فكان من أنفع كتب الحديث الجامعة لأصول كتب الحديث المعتبرة مع حسن الترتيب، وكمال التقريب والتهذيب، فينبغي لكل من له رغبة في تحصيل زبدة كتب الحديث في أقرب وقت، مع العثور على أي دليل من الأحاديث الخمسة أراده، أن يعتني بحفظ هذا الكتاب الذي هو في الحقيقة كتب كثيرة الأسفار. لأئمة حفاظ كبار. ويجب على كل عالم له رغبة في أنفس كتب الحديث اقتناء هذا الكتاب والاستغناء به عن كل مؤلف قديم وحديث. لا سيما في هذا الوقت الذي كلَّت فيه الهمم عن حفظ مطولات الكتب الحديثية. فلهذا وشبهه عظمت بهذا المصنف النافع المزية. فكان تاجًا لكتب الحديث المشهورة عند الأمة. فجزى الله مؤلفه العلامة الديّن الناسك بأتم الرحمة. ونفع بمؤلفه هذا جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ونفع به طبقات العلماء على اختلاف مشاربها.\n\nقاله بلسانه وقيده ببنانه. خادم علوم السنة بالحرمين الشريفين سابقًا وبالتخصص بالأزهر المعمور لاحقًا. في يوم ٢٧ رجب سنة ١٣٥١.\n\nمحمد حبيب الله بن سيدي عبد الله بن مايابي\nالجكني ثم اليوسفي نسبًا الشنقيطي إقليمًا وفقه الله\n(بالإمضاء)","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7>(التقريظ السادس)</span>\nلحضرة الأستاذ العظيم والمؤرخ الكبير عبد الوهاب بك النجار ناظر مدرسة المرحوم ماهر باشا وصاحب المؤلفات في التاريخ، ومدرس بكلية أصول الدين حفظه الله.\nبسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله يسر ما شاء لمن شاء. ووفق أهل السعادة إلى سبيل السواء.\nوبعد: فإن الأمة الإسلامية قد كان في عنقها دين طالما طاولت في أدائه. وما طلت في قضائه. وذلك أنها قد آلت إليها من أحاديث رسول الله - ﷺ - ثروة لم تظفر بمثلها أمة من رسولها فجمعتها على ترتيب لا يلائم عصرنا الحاضر وبقيت في بطون الكتب على ترتيب ذلك العصر الغابر. وهي بيان للكتاب. وهدى لأولي الألباب.\nظلت تلك الثروة الحقب الطويلة. تنتظر من يجمع شتاتها. ويبعد مؤتلفها عن مختلفها. ويسهل على المسلمين مراجعتها. ويقرب النفع بها. حتى انتضى الأستاذ العلامة الشيخ منصور علي ناصف الحسيني عزمته الماضية. وهمته العالية. فقضى ذلك الديّن عن الأمة أحسن قضاء. وأعتقها من المطالبة والأداء. فعمد إلى الأحاديث التي وعتها الأصول الخمسة الصحاح. وهي: صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وجامع الترمذي والمجتبى للنسائي. فجمعها في كتاب وسماه التاج. واكتفى من الأسانيد بالنص على الراوي والمخرج. فجاء الكتاب طرفة من الطرف. وتحفة تفوق كل التحف. ورتب تلك الأحاديث على الأبواب الفقهية. فلا يضل فيها مراجع، ولا يتعب طالب.\nوقد قسم كتابه أربعة أقسام: القسم الأول في الإيمان والعلم والعبادات. والقسم الثاني في المعاملات والأحكام والعادات. والقسم الثالث في الفضائل والتفسير والجهاد. والقسم الرابع في الأخلاق والسمعيات. وأتم الفائدة بشرح لطيف. يوضح من الحديث مبهمه. ويفصل مجمله. ويبيّن غامضه. وعلى الجملة قد جمع الشرح كثيرًا من المحاسن. وجاء في أكثر مواضعه بما يشرح صدر المطلع ويملؤه سرورًا.\nوقد أهدي إلي الجزء الأول من ذلك الكتاب. فسرحت طرفي منه في رياض ناضرة. وأزهار باهرة. إلى طبع جميل متقن. وورق صقيل. وتصحيح دقيق. فله الشكر الأوفر على هذه الهمة العالية.\nأسأل الله أن يجزيه خير ما جزى من هدى من حيرة. وبذل العلم محتسبًا. وجاهد في الدين حق جهاده. إنه لا يضيع أجر من أحسن عملًا.\n\nتحريرًا في غرة شعبان سنة ١٣٥١ هـ الموافق ٢٩ نوفمبر سنة ١٩٣٢ م.\nعبد الوهاب النجار\n(إمضاء)\n\n<span data-type='title' id=toc-8>(التقريظ السابع)</span>\nلحضرة صاحب الفضيلة العلامة الجليل والأستاذ العظيم الشيخ أمين محمود سرور المدرس بشعب التخصص في كلية اللغة العربية، وصاحب كتاب (حسن الأثر في التعريف برجال الأثر) فإنه كتب إليّ بالآتي: لتقريظ كتاب التاج الجامع لأصول الحديث تأليف صاحب الفضيلة المحدث الكبير الشيخ منصور ناصف حفظه الله أمليته على بعد عهد بالفراغ. وقرب عهد بالشواغل. وأرجو أن يغض النظر عن ضعف فيها وسقط. ومن ذا الذي ما ساء قط.","vol":"1","page":8},{"text":"أَعَدْتَ إِلَى الدَّينِ عَصْرَ الأُوَل … وَأَجْرَيْتَ ذِكْرَكَ مَجْرَى الْمَثَل\nوَجَدَّدْتَ لِلنَّاسِ عَهْدَ الْحَدِيـ … ـثِ غَضَّ الشَّبَابِ قَشِيبَ الْحُلَل\nوَوَافَى كِتَابُكَ حَلْيَ الْقُلُو … بِ جَلْيَ الْمَسَامِع حَلْيَ الْمُقَل\nجَلَوْتَ بِهَا مِنْ صِحَاحِ الْحَدِيث … عَرَائِسَ تُزْهَى بِحُسْنٍ وَدَلّْ\nتَهَاوَى الشِّفَاهُ إِلَى لَثْمِهَا … فَتَشْتَارُ مِنْهُنَّ أَرْيَ الْعَسَل\nفَمِنْهَا الشِّفَاءُ وَمِنْهَا الضِّيَاءُ … وَمِنْهَا الرَّجَاءُ وَمِنْهَا الْأَمَل\nهُوَ التَّاجُ لِلْكُتُبِ مِنْ قَبْلِهِ … وَجَامِعُ مَا دَقَّ مِنْهَا وَجَل\nأَسَرَّ الْقُلُوبَ بِأَسْرَارِهِ … فَنَبَّهَ مِنْ جَمْعِهَا مَا خَمَل\nوَعَرَّفَهُن طَرِيقَ الْهُدَى … وَجَنَّبَهُنَ طَرِيقَ الْخَطَل\nفَوَافَتْ إِلَيْهِ كَقِطعِ الظّبَاءِ … رَنَتْ نَحْوَ ظِلٍّ وَمَاءٍ نُهَل\nإِذَا ابْنُ الأَثِير (^١) اجْتَلَى حُسْنَهُ … أُثِيرَ الْحَيَاءُ بِهِ وَالْخَجَل\nوَعَادَ الْيَمَانِى (^٢) أَدْرَاجَهُ … وَعَاوَدَ تَرْتِيبَهُ الْمُنْتَحَل\nأَبَا نَاصِفٍ قَدْ قَرَأْنَا الْكِتَابْ … فَمَا إِنْ رَأَيْنَا لَهُ مِنْ مَثَل\nيُرَاوحُنَا مِنْهُ رَوْحُ الْحَيَاةِ … يَشْفِي الْغَلِيلَ وَيُبْرِي الْعِلَل\n_________\n(^١) ابن الأثير هذا هو المشهور بابي السعادات ابن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٠٦ هـ المؤرخ الكبير والمحدث الشهير الذي جمع أصول الحديث في كتاب على حروف المعجم وسماه الجامع للأصول، ومعلوم أن أعول الحديث هذه لم يجمعها سواه. فيريد الناظم أن ابن الأثير هذا على علو مقامه لو رأى كتاب التاج لعظمه واعترف لمؤلفه بالفضل. اهـ مصححه.\n(^٢) اليماني هذا هو عبد الرحمن بن علي المشهور بالشيباني الزبيدي الشافعي المتوفى سنة ٩٤٤ هـ، وهو الذي اختصر جامع الأصول لابن الأثير في كتاب وسماه تيسير الوصول، وهو المشهور بيننا الآن، فيريد الناظم حفظه الله أن اليماني هذا لو رأى كتاب التاج لنظر إليه بعين الإجلال وعاد إلى كتابه (تيسير الوصول) فرتبه كرتيب التاج الذي جاء آيةً في الإعجاب. نفع الله به العباد. آمين. اهـ مصححه.","vol":"1","page":9},{"text":"وَلَمَّا بَصُرْتَ بِهِ مُفْرَدًا … كَحَوْرَاءَ مَقْصُورَةً فِي الْكِلَل\nخَلَعْتَ عَلَيْهِ وِشَاحَ الْبَيَانِ … وَأَكْمَلتَ مِنْ حُسْنِهِ فَاكْتَمَل\nالأربعاء في ٢ شعبان سنة ١٣٥١ هـ\n\nقاله ونظمه وسطره ورقمه أمين بن محمود بن سرور\nالمدرس بكلية اللغة العربية بشعب التخصص بالأزهر الشريف\n(إمضاء)\n\n<span data-type='title' id=toc-9>كلمة للمؤلف</span>\n<span data-type='title' id=toc-10>(حسن الفأل فأل حسن)</span>\nمن محاسن الصدف في تأليف كتاب التاج أني بعون الله بدأته في شهر رجب سنة ١٣٤١ هـ وأتممته في شهر ذي الحجة سنة ١٣٤٧ هـ، فكان بدؤه وختامه كلاهما في شهر حرام من عام وتري، في عقد وتري، وشرعت في التعليق عليه في شهر المحرم من تلك السنة، وبدئ في طبعه في شهر المحرم من سنة ١٣٥١ هـ، وتم طبع الجزء الأول وظهر في شهر رجب من هذه السنة، فكان بدء طبعه وظهور الجزء الأول منه كلاهما في شهر حرام من عام وتري، وفي الحديث الشريف: \"إِن الله وِتْرٌ يحب الوِتْرٌ\".\nوفي هذا العام تقرر العمل بحرف التاج، وقد أراد الله فكان اسم الكتاب التاج، فظهر لي الفأل الحسن من خلال أطواره. وقد كان النبي - ﷺ - يحب الفأل الحسن. أسأل الله أن يجعله فألًا حسنًا. آمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-11>كلمة موجهة للهداة والولاة</span>\nالقول الفصل في هذا الكتاب - وقد وضعته بيد الإخلاص لله تعالى، وعقلته بفكري ولبي، والخوف من الله يحيط بي - اْنه يلزم لكل الناس على اختلاف طبقاتهم، ولكني أخص من بين الناس طائفة الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، فلهم الحظ الأوفر من هذا الكتاب، ولا سيما كتاب علامات الساعة، وكتاب القيامة والجنة والنار، وقسم الأخلاق، وكتاب الزهد، وكتاب الأذكار والأدعية الآتية في القسم الرابع، ففيها من الترغيب والترهيب ومكارم الأخلاق ما فيه تمام الكفاية، وأزيد في التخصيص بالذكر طائفة القضاة والحكام، فكتاب التاج لهم ألزم من الظل للإنسان، ولا سيما كتاب الإمارة والقضاء الآتي في القسم الثاني فهو لهم الحصن الحصين والدواء الشافي، وقد نبهت على خصوص هاتين الطائفتين لأن الأولى هداة الأمة، والثانية حراس الأمة وقوادها، بل هم قلب الأمة ورأسها، فبصلاحهم تنصلح الأمة، وبفسادهم تفسد الأمة.\nاللهم وفقنا وأصلح حالنا يا رحمن في الحال والمآل، آمين آمين آمين، والحمد لله رب العالمين.\n\nمنصور ناصف","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-12>خطبة الكتاب</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (^١)\nنَحْمَدُكَ اللَّهُمَّ عَلَى نِعْمَةِ التَّوْفِيقِ (^٢) وَنَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ الْهِدَايَةَ إِلَى أَقْوَمِ طَرِيقٍ، وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلَى نَبِيِّكَ وَرَسُولِكَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي بَعَثْتَهُ لِلنَّاسِ رَحْمَةً (^٣) وَأَنْطَقْتَهُ بِالْهُدَى وَالْحِكْمَةِ (^٤) وَعَلَى آلِهِ وَصَحبهِ الَّذِينَ حَفِظُوا هُدَاهُ (^٥) وَبَلَّغُوهُ وَرَأَوْا نُوْرَهُ (^٦) فَاتَّبَعُوهُ.\n_________\nالشرح\nبسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.\nأما بعد: فلما منّ الله عليّ وألفت كتاب \"التاج لجامع للأصول\" عرضته على أولى الرأي من كبار العلماء وعلى وزارة الأوقاف فحبذوه واستحسنوه، ولكنهم أشاروا عليّ بشرحه ليكمل النفع به. فتوقفت واعتذرت لضعف عينىّ من جهة، ولصعوبة الشرح من جهة أخرى. فإن شارح الحديث يعترضه أمور صعاب لا يدريها كثير من الناس، وذلك كتحقيق الحديث ومعرفة متونه من صحيح وحسن وضعيف متصلًا كان أو منقطعًا أو مرسلًا، ومن مشهور وغريب ومتواتر وآحاد وغير ذلك، كالناسخ والمنسوخ والخاص والعام والمجمل والمبين، فضلًا عن هذا فهو مضطر إلى بيان الأمر في الحديث هل هو للوجوب أو للندب أو للإباحة، وبيان النهي هل هو للتحريم أو للكراهة، وما طريق ذلك البيان. وهذه أشق أنواع التأليف وأبعدها مدى في الحديث، ولكنه سهل على من يسره الله عليه. لهذا توقفت كثيرًا فقال لي أحد كبار العلماء: يا أستاذ لا يمكن لأي شخص تدريس البخاري وحده بدون شرح فما بالك بالأصول الخمسة. وقال لي عالم فاضل: كتابك بغير شرح لا ينتفع به إلا الخواص، فإذا شرحته انتفع به الخاص والعام. فاقتنعت بضرورة الشرح ولكني لا زلت وجلًا من تلك الصعوبات السالفة، وطالما تمنيت أن يقوم بالشرح رجل من أهل العلم فما تيسر لي ذلكَ. فتضرعت إلى الله تعالى أن يشرح لي صدري وأن ييسر لي أمري وأن يوفقني للصواب وأن يرشدني للمراد وأن يتفضل عليّ بروح من عنده كما تفضل عليّ بالأصل إنه واسع الفضل والعطاء آمين.\n\n(^١) بدأته بالبسملة والحمدلة كما فعل ربي في كتابه. وفي الحديث: \"تخلقوا بأخلاق الله تعالى \".\n(^٢) الإضافة للبيان.\n(^٣) قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].\n(^٤) قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢].\n(^٥) هو القرآن. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].\n(^٦) قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤].","vol":"1","page":13},{"text":"أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ عِلْمَ الْحَدِيثِ مِنْ أَجَلَّ الْعُلُومِ قَدْرًا وَأَعْظَمِهَا نَفْعًا، لأَنَّ مَوْضُوعَهُ سُنَنُ (^١) الرَّسُولِ وَآثَارُهُ الْقَوْلِيَّةُ وَالْفِعْلِيَّةُ، وَفِى هذِهِ خَيْرُ النَّاسِ وَهِدَايَتُهُمْ (^٢) وَفَوْزُهُمْ وَسَعَادَتُهُمْ (^٣). فَالْمُشْتَغِلُ بِهِ (^٤) دَاعٍ يَدْعُو إِلَى الْحَقِّ وَسِرَاجٌ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ حَتى قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"نَضَّرَ الله امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتى يُبَلِّغَهُ\" (^٥). وَقَالَ أَيْضًا: \"مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي (^٦) أَرْبَعِيْنَ حَدِيثًا مِنْ أَمْرِ دِينِهَا بَعَثَهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقِيهًا عَالِمًا\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"كُتِبَ فِي زمْرَةِ الْعُلَمَاءِ وَحُشِرَ في زُمْرَةِ الشُّهَدَاءِ\" (^٧). (وَالْأُمُورُ بِمَقَاصِدِهَا) (^٨).\nفَلِهذَا (^٩) وَلِمَا فَطَرَنِي الله عَلَيْهِ مِنْ حُبِّ الْحَدِيثِ وَالشَّغَفِ بِهِ (^١٠) فَكَّرْتُ في جَمْعِ كِتَابٍ في الْحَدِيثِ، وَاستَشَرْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِهِ، وَاسْتَخَرْتُ الله تَعَالَى فَلَاحَتْ لِي لَوَائِحُ التَّيْسيْرِ، وَاسْتَضَاءَتْ لِي مَصَابِيحُ التَّبْشِيْرِ، فَاعْتَمَدْتُ عَلَى رَبِّي وَأَجْمَعْتُ أَمْرَي (^١١)\n_________\n(^١) جمع سنة وهي الطريقة المتبعة. وسنن الرسول - ﷺ - أقواله وأفعاله وتقريراته ووصفه وسمته\nوهديه التي كان متصفًا بها، فآثاره القولية والفعلية بيان للسنن.\n(^٢) أي في دنياهم.\n(^٣) في أخراهم.\n(^٤) أي بالحديث يدعو الناس إلى الله تعالى وما أسعده بذلك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]. وقد دعا له النبي - ﷺ - بالبهجة في الدنيا والبعث على أحسن حال.\n(^٥) سيأتي في العلم بسند صحيح.\n(^٦) أي نقل لها في مكتوب وإن لم يحفظ اللفظ والمعنى لحصول النفع به ولو درسها لجماعة من المسلمين لكان أفضل.\n(^٧) هذا الحديث أورده إمام المحدثين النووي في خطبة كتابه الأربعين وقال: اتفق الحفاظ على أنه ضعيف وإن كثرت طرقه، ولكنهم اتفقوا على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال. كما اتفقوا على كتابته ودرسه.\n(^٨) أي معتبرة بالمراد منها فكلما كان القصد ساميًا كان العمل الموصل إليه أسمى وأرفع؛ لأنَّه الوسيلة إليه ولا وجود له إلا به. والقصد من تأليف هذا الكتاب تقريب الشريعة إلى العباد حتى يتناولوها بسهولة، فيسعدوا في دنياهم وأخراهم، وهذا نهاية ما يمكن عمله من الكمال.\n(^٩) لرفعة قدر الحديث وشرف المشتغل به.\n(^١٠) بالتحريك شدة التلهف عليه وعدم الشبع منه، وهذه حالي من نشأتي والحمد لله. فقد وفقني الله تعالى حفظ الأربعين النووية ومختصر البخاري قبل نيلي شهادة العالمية ببضع سنين.\n(^١١) عزمت وصممت عليه. ومنه: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] وسيأتي في الصوم \"من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له\".","vol":"1","page":14},{"text":"وَشَرَعْتُ فِي تَأْلِيفِهِ عَلِى بَرَكَةِ اللهِ تَعَالَى، فَاسْتَحْضَرْتُ أَصَحَّ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَأَعْلَاهَا سَنَدًا (^١) وَهِيَ:\nصَحِيْحُ الْبُخَارِيِّ (^٢)، وَصَحِيْحُ مُسْلِمٍ (^٣)، وَسُنَنُ أَبِي دَاوُدَ (^٤)، وَجَامِعُ التِّرْمِذِيِّ (^٥)،\n_________\n(^١) أقصرها في السند. وكان المحدثون يرون لقصر السند منزلة عظيمة. حتى إن الشيخين أخذا كثيرًا من الأحاديث عن أحمد عن الشافعي (ولكنهما) لم يرويا من هذا السند لوجود أسانيد أقصر منه. وأما أصحاب السنن فقد رووا من هذا السند كثيرًا، ﵃.\n(^٢) هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن المغيرة الجعفي البخاري ولد ببخارى سنة ١٩٤ هـ أربع وتسعين ومائة. وتوفى سنة ٢٥٦ هـ ست وخمسين ومائتين. ولم يعقب ولدًا ذكرًا وقال: خرّجت كتابي هذا من زهاء (قدر) ستمائة ألف حديث. ما وضعت فيه حديثًا إلا وصليت ركعتين. وصنفه في ست عشرة سنة وسمعه منه تسعون ألف رجل. وعدد أحاديثه بدون المكرر أربعة آلاف حديث كما قاله النووي. وقال الحافظ: عدد ما فيه بدود المكرر والموقوف والمعلق ٢٧٦٠ ستون وسبعمائة وألفان فقط.\n(^٣) هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري. ولد سنة ٢٠٤ هـ أربع ومائتين وتوفى سنة ٢٦١ هـ إحدى وستين ومائتين. وقال ﵀: صنفت كتابي هذا من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. ولو اجتمع أهل الحديث وكتبوا فيه مائتي سنة فمدارهم على هذا المسند وعدد ما فيه أربعة آلاف حديث. وفضله بعضهم على البخاري. فقد قال الحافظ النيسابوري شيخ الحاكم: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم. ووافقه بعض علماء المغرب. وهذا مسلّم بالنسبة إلى قلة تكراره وحسن وضعه، فإنه يستوفي الوارد في الموضوع ثم لا يعود له بعد ذلك بخلاف البخاري. ولكن جمهور الحفاظ وأهل الإتقان والغوص في أسرار الحديث على أن البخاري أفضل، فإنه أصح وأدق وأوسع في صناعة الحديث، وكان مسلم إذا دخل عليه قبّل يده وقال له: يا طبيب الحديث. وكان الترمذي يسأله عن أحاديث مرة بعد أخرى، ﵃.\n(^٤) هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق السجستاني. ولد سنة ٢٠٢ هـ اثنتين ومائتين وتوفي بالبصرة سنة ٢٧٥ هـ خمس وسبعين ومائتين. قال ﵁: كتبت عن رسول الله - ﷺ - خمسمائة ألف حديث، فانتخبت منها أريعة آلاف وثمانمائة ضمنتها هذا الكتاب، ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وهو كتاب لا تَرِد عليك سنة عن النبي - ﷺ - إلا وهي فيه ولا أعلم شيئًا بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموه من هذا الكتاب. ولا يضر رجلًا ألا يكتب من العلم شيئًا إلا هذا الكتاب.\n(^٥) هو أبو عيسى محمد بن سورة الترمذي. ولد سنة ٢٠٠ هـ مائتين، بترمذ وتوفي بها سنة ٢٧٩ هـ تسع وسبعين ومائتين وكان حافظًا متقنًا بارعًا في صناعة الحديث، وفي كتابه فوق خمسة آلاف حديث.","vol":"1","page":15},{"text":"وَالْمُجْتَبَى لِلنَّسَائِيِّ (^١) ﵃. وَهذِهِ هِيَ الأُصُولُ الْخَمْسَةُ الَّتِي اشْتَهَرَتْ فِي الأُمَّةِ وَارْتَضَتْهَا\nلِمَا لَهَا مِنَ الْمَكَانَةِ الْعُلْيَا فِي الْحَدِيثِ (^٢) وَلِأنَّهَا جَمَعَتْ مِنَ الشَّرِيعَةِ مَا عَزَّ وَغَلَا ثَمَنُهُ\n_________\n(^١) هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر النَّسَائِيّ كان ورعًا تقيًا حافظًا، وكتابه أكثر الكتب تكرارًا، حتى إنني أذكر له في الصوم أنه كرر حديث النية ست عشرة مرة. ولد سنة ٢١٥ خمس عشرة ومائتين. ومات بمكة سنة ٣٠٣ هـ ثلاث وثلاثمائة. وبلده الأصلي نسا، ومسلم من نيسابور وكلاهما بإقليم خراسان، والبخاري من بخارى، والترمذي من ترمذ وكلاهما بإقليم ما وراء النهر. وأبو داود من سجستان بإقليم السند. وهذه أقاليم أعجمية فارسية شرق الخليج الفارسي، إلا أن السند بإزاء المدينة نصًا، وخراسان وما وراء النهر مائلان إلى الشمال، كما في خريطة الممالك الإسلامية للمرحوم أمين بك واصف، فليس فيهم عربي ولا من جزيرة العرب إلا الإمام مسلمًا، فإنه قشيري، من أحد قبائل العرب. ولكن الله ألان لهم علم الحديث كما ألان الحديد لداود ﵇، وهؤلاء الأئمة كانوا يتعبّدون على مذهب الشافعي ﵁، إلا البخاري فلم يعلم مذهبه. وقد اشتركوا في أخذ العلم عن شيوخ معلومة، فإنهم كانوا في عصر واحد وهو القرن الثالث الذي ظهرت فيه شمس الحديث وبسطت أنوارها على الأرض بمن فيها. ولكن مسلمًا والترمذي كانا كثيري الاجتماع بالبخاري ﵃.\n(^٢) التي فاقت كل كتاب ظهر إلى الآن في علم الحديث. فإن البخاري ومسلمًا التزما ألا يرويا حديثًا إلا إذا كان متصل السند بنقل الثقة عن الثقة، من أوله إلى منتهاه سالمًا من الشذوذ والعلة. وهذا حد الصحيح عند العلماء بلا خلاف، إلا أن مسلمًا اكتفى في الراوي والمروي عنه أن يكونا في عصر واحد وإن لم يجتمعا، بخلاف البخاري فإنه اشترط اجتماعهما زيادة احتياط. قال ابن الصلاح ﵀: كل ما حكم مسلم بصحته في كتابه فهو مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر، وكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه؛ لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول إلا من لا يعتد به. وقال إمام الحرمين: لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن كل ما في البخاري ومسلم صحيح لما ألزمته الطلاق، لإجماع المسلمين على صحتها، وما قيل في بعض أحاديثهما إنه لم يصل إلى درجة الصحيح فهو من اختلاف نظر النقاد في الرواة. وحسبنا اتفاق العلماء على أنهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى، وكذا المجتبى للنسائي كله صحيح، فإنه لما ألف السنن الكبرى وقدمها لأمير الرملة قال له: يا أبا عبد الرحمن أكلّ ما فيها صحيح؟ فقال: فيها الصحيح وغيره. فقال الأمير: جرّد لنا الصحيح، فجمع الصحيح في كتاب وأسماه المجتبى فهو هذا الذي بأيدينا. وأما أبو داود ﵀ فقد قال: ما وضعت في كتابي حديثًا أجمع الناس على تركه، وما فيه من وهن شديد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض. قال الحافظ ابن حجر: لفظ صالح في كلامه أعم من أن يكون للاحتجاج أو للاعتبار، فما أرتقى إلى الحسن ثم إلى الصحة فهو بالمعنى الأول وما عداهما فهو بالمعنى الثاني. وما قصر عن ذلك فهو ما فيه وهن شديد ا هـ. فعلى هذا كل حديث سكت عنه أبو داود فهو صالح، وسأتبع ذلك في بيان درجة ما رواه بقولي بسند صالح. قال الخطابي ﵀: لم يصنف في علم الدين مثل السنن لأبي داود، وقد رزق القبول من كافة الناس على اختلاف مذاهبهم، وكفاه أن الأمة لم تجمع على ترك حديث واحد فيه. وأما الترمذي ﵀ فقد قال في آخر كتابه: جميع ما في هذا الكتاب فهو معمول به وقد أخذ به بعض أهل العلم إلا حديثين أحدهما: جمع النبي - ﷺ - الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر. وثانيهما: إذا شرب العبد الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه اهـ. ولكنه ﵁ سها في الأول فقد أخذ به بعض المحدثين والفقهاء كما سيأتي في عذر الصلاة. وأما الثاني فمصيب فيه لأنَّه لم يقل به أحد من الأمة. والترمذي ﵀ لم يترك بعده لأحد قولًا، فقد أبان عن درجة كل حديث بعد إخراجه بل وزاد على هذا أنه ذكر رواته عن النبي - ﷺ - كما ذكر من أخذ به من الصحب والتابعين والفقهاء، ففيه ضروب من العلم وأنواع من نفائسه وتحقيق من صناعة الحديث التي لم توجد في غيره من كتب القوم. وهو أقل الكتب تكرارًا كمسلم وأبي داود وفيه قسط عظيم من التفسير والأخلاق والسمعيات كالشيخين، بخلاف النَّسَائِيّ فليس فيه شيء من ذلك. قال الترمذي ﵀: عرضت هذا الكتاب على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به واستحسنوه، ومن كان كتابي في بيته فكأنّما في بيته نبي يتكلم.","vol":"1","page":16},{"text":"بَلْ هِيَ الشَّرِيعَةُ كُلُّهَا (^١) كَمَا قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ - ﵁ -: مَا شَذَّ عَنِ الأُصُولِ الْخَمْسَةِ مِنْ صَحِيْحِ حَدِيثِ الرَّسُولِ - ﷺ - إِلَّا النَّزْرُ الْيَسيْرُ (^٢) وَلَا شَكَّ أَنَّ فِيهَا حَاجَةُ الإِنْسَانِ لِسَعَادَة الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ (^٣).\n_________\n(^١) أي ففيها أحكام حاجة الناس للدنيا والآخرة.\n(^٢) ليس المراد أنها جمعت كل أحاديث النبي - ﷺ - فإن هذا لم يقله أحد فضلًا عن إمام المحدثين النووي، بل المراد أنه ما من موضوع للدنيا والآخرة إلا وحكمه فيها سوى بضعة مواضع، منه ما يأتي في عد التراويح عشرين ركعة، فإني ما وجدته في الأصول ولكني وجدته في موطأ مالك ﵁ فوضعته في التاج تكميلًا للموضوع، ومنه ما يأتي في فضل الحرمين فإني ما وجدت في الأصول شيئًا من زيارة قبر النبي - ﷺ - إلا حديثًا في أبي داود لا يشفي، فبحثت ونقبت حتى عثرت على بضعة أحاديث في الشفا للقاضي عياض ﵀ فوضعتها في التاج، وكأني ملكت الدنيا وما فيها، ومنه ما يأتي في كتاب النكاح فإني لم أعثر في الأصول على عيوب النكاح التي توجب الفسخ، وكذا لم أعثر على حكم غيبة الزوج. وبعد البحث وجدتها في موطأ مالك فاثبتها تكميلًا للكتاب.\n(^٣) يؤيد هذا ما سبق عن كل إمام من أنه انتقى كتابه من بضع مائة ألف حديث، فقد رأى كل منهم أن في كتابه كفاية لأمر الدنيا والآخرة وإلا زاد، ولا سيما مسلم في قوله: لو اجتمع أهل الحديث وكتبوا فيه مائتي سنة فمدارهم على هذا المسند. وكذا قول أبي داود: لا ترد عليك سنة عن النبي - ﷺ - إلا وهي فيه فما بالك باجتماع الأصول الخمسة.","vol":"1","page":17},{"text":"ثُمَّ نَظَرْتُ (^١) فِيْهَا نَظْرَةً عَامَّةً وَطَفِقْتُ (^٢) أُدْمِجُهَا (^٣) كُلَّهَا بِتَمَامِهَا فِي مُؤَلَفٍ وَاحِدٍ (^٤) أُهَذِّبُ كُتُبَهُ (^٥) تَهْذِيبًا وَأُحَرِّرُ أَبْوَابَهُ تَحْرِيرًا لِكَيْ أَشْفِىَ بِهِ غَلِيلِي (^٦) وَأُتْحِفَ بِهِ عُشَّاقَ عِلْمِ الْحَدِيثِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-13>اصْطِلَاحُ الْكِتَابِ </span>(^٧)\nرَغْبَةً (^٨) فِي الاِخْتِصَارِ الْمَألُوفِ اكْتَفَيْتُ مِنَ الرِّوَايَاتِ الْمُكَرَّرَةِ بِأَجْمَعِهَا لِلأَحْكَامِ كَمَا اكْتَفَيْتُ مِنَ السَّنَدِ بِرَاوِي الْحَدِيثِ (^٩) فِي أَوَّلِهِ وَمُخَرِّجِهِ (^١٠) فِي آخِرِهِ. وَقَصْدًا\n_________\n(^١) معطوف على (فاستحضرت)، أي أحضرتها وسرحت النظر فيها مرة بعد أخرى فوجدتها لا غنى لأي إنسان عنها للدنيا والآخرة، بل هو مضطر أو محتاج إليها ولو على سبيل الكمال.\n(^٢) أي شرعت.\n(^٣) بضم الهمزة من الإدماج.\n(^٤) وقد تم لي ذلك والحمد لله فلم أترك في ظني حديثًا واحدًا إلا ما كان مستغنى عنه بما كتبته، وما يظهر للقارئ أني تركته فقد نقلته في باب آخر أشد له مناسبة. فمن هذا حديث النية في أول البخاري ولكني نقلته في كتاب النية والإخلاص. ومنه حديث بدء الوحي في أول البخاري ولكني نقلته في كتاب النبوة، ومنه حديث من تبع جنازة مسلم في البخاري في الإيمان ولكني وضعته في فضل تشييع الجنازة، ومنه حديث الحلال بيّن والحرام بيّن في البخاري في الإيمان، وقد وضعته في المعاملات، ومنه المعراج في مسلم في الإيمان ولكني وضعته في النبوة، ومنه أحاديث الجنة في عدة مواضع في الشيخين، ولكني وضعتها في كتاب الجنة والنار، ومنه أحاديث رؤية الله تعالى في الأصول في مواضع شتى ولكني وضعتها في كتاب القيامة والجنة، فإنه أنسب بها. وقد لقيت من هذا النوع في التأليف صعوبات عظيمة ولكن الله أعانني عليها والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات كلها. بل وزدت على هذه الأصول من مسندي الشافعي وأحمد وموطأ مالك وابن ماجه والحاكم وغيرها مما مست إليه الحاجة.\n(^٥) أي هذا المؤلف.\n(^٦) أي لأطفئ به حرارة شوقي للحديث وأهديه للعاشقين له.\n\n(^٧) أي الأمور التي التزمتها ودرجت عليها في تأليفه.\n(^٨) علة لاكتفيت.\n(^٩) هو الصحابي الذي سمعه من النبي - ﷺ -.\n(^١٠) الذي خرجه بالسند في كتابه.","vol":"1","page":18},{"text":"لِلإِفَادَةِ بِأَحْسَنِ أُسْلُوبٍ الْتَزَمْتُ فِي النَّقْلِ مَا يَقَعُ اخْتِيَارِي عَلَيْهِ مِنْ لَفْظِ الْبُخَارِيِّ أَوْ مُسْلِمٍ (^١) فِيْمَا اشْتَرَكَا فِيهِ وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِمَا، فَإِنِ اشْتَرَكَ الْبُخَارِيُّ مَعَ غَيْرِ مُسْلِمٍ نَقَلْتُ لَفْظَ الْبُخَارِيِّ، وَإِنِ اشْتَرَكَ مُسْلِمٌ مَعَ غَيْرِ الْبُخَارِيِّ نَقَلْتُ لَفْظَ مُسْلِمٍ، وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ مَرْوِيًّا لأَصْحَابِ السُّنَنِ (^٢) نَقَلْتُ لَفْظَ أَبِى دَاوُدَ (^٣)، وَإِنْ نَقَلْتُ غَيْرَهُ بَيَّنْتُهُ وَرُبَّمَا قُلْتُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤) وَصَاحِبَاهُ، وَإِنْ قُلْتُ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنَيْتُ الْبُخَارِيَّ (^٥) وَمُسْلْمًا، وَإِنْ قُلْتُ رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ أَرَدْتُ الشَّيْخَيْنِ وَأَبَا دَاوُدَ، وَإِنْ قُلْتُ رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ قَصَدْتُ الثَّلاثَةَ وَالتِّرْمِذِيَّ، وَإِنْ قُلْتُ رَوَاهُ الْخَمْسَةُ عَنَيْتُ الأَرْبَعَةَ وَالنَّسَائِيَّ، وَإِنْ قُلْتُ رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ قَصَدْتُ أَبَا دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيَّ وَالنَّسَائِيَّ، وَلَوِ اخْتَلَفَ النِّظامُ عَنْ هذَا بَيَّنْتُهُ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ (^٦).\nوَكُلُّ مَوْضُوعٍ يَدُلُّ عَلَى عَمَلٍ مُرَتَّبٍ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَفعْتُ أَحَادِيثَهُ عَلى وَفْقِ التَّرْتِيبِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ (^٧)، وَأَمَّا فِي غَيْرِ ذلِكَ (^٨) فَقَدْ كُنْتُ فِي الْغَالِبِ أُقَدِّمُ\n_________\n(^١) فإن شرطهما في السند أوثق وأحوط كما سبق، وشرطهما في لفظ الحديث أدق وأضبط؛ لأنهما يوجبان تعيين الرواية باللفظ لمن يحفظ اللفظ والمعنى خلافًا للجمهور فإنهم لا يوجبون ذلك؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا يسمعون الحديث من النبي - ﷺ - وينقله كل منهم بلفظ غير لفظ الآخر وما عيب عليهم في ذلك. وقد حصل بين البخاري وبين شيخه محمد بن يحيى جدل عظيم في هذا، ولما اشتد النزاع بينهما قال الأستاذ محمد بن يحيى: من قال باللفظ فلا يحضر مجلسنا، فقام البخاري من حلقة الدرس وتبعه مسلم ولم يحضرا مجلسه بعد هذا. وربما حدّث البخاري في كتابه عن شيخه هذا بقوله حدثنا محمد فقط ولم يقل ابن يحيى لما وقع بينهما ﵃.\n(^٢) هم أبو داود والترمذي والنسائي.\n(^٣) لأنَّه أولهم في الرتبة.\n(^٤) إذا كان اللفظ له.\n(^٥) عبّرت بـ \"عنيت\"، و\"أردت\"، و\"قصدت\" تفننًا في اللفظ وإلا فالألفاظ الثلاثة بمعنى واحد.\n(^٦) كأن رواه البخاري والترمذي فأصرح بذكرهما.\n(^٧) فمثلًا في الوضوء بدأت بحديث التسمية وغسل الكفين وهكذا، وفي الصلاة قدمت شروط الصلاة على سننها المتقدمة عليها كالأذان، ثم أعقبتها ببيانها الذي بدأته بالنية ثم بتكبيرة الإحرام وهكذا. فلاحظت في وضع الأحاديث الترتيب الخارجي.\n(^٨) مواضع الأعمال المرتبة.","vol":"1","page":19},{"text":"مَا يَرْوِيهِ الْكَثِيْرُ عَلَى غَيْرِهِ حَتَّى أَخْتِمَ الْبَابَ بِالأَحَادِيثِ الْفَرْدِيَّةِ (^١) إِنْ كَانَتْ، مُرَاعِيًا تَقْدِيمَ الصَّحِيحِ عَلَى غَيْرِهِ (^٢) إِلَّا مَا يَقْتَضِي خِلَافَ ذلِكَ كَتَقْدِيْمِ مَنْسُوخٍ عَلَى نَاسِخِهِ وَمُجْمَلٍ عَلَى مُفَسِّرِهِ (^٣).\n_________\n(^١) التي انفرد بروايتها واحد، وهذا في الترمذي كثير، فإني أذكر له في الذكر والزهد أنه انفرد في بعض الأبواب بأحد عشر حديثًا.\n(^٢) من حسن وضعيف.\n(^٣) فإنه من حسن الوضع. وهذا اصطلاح الكتاب، أما اصطلاح الشرح فحل الألفاظ اللغوية وبيان المعنى المراد باختصار، وبيان الخلاف الفقهي في أحاديث الأحكام مع بيان وجهة كل من الأئمة ﵃، وبيان درجة الحديث المروي لأصحاب السنن وما سكتوا عنه فسنجري فيه على طريقة أبي داود السابقة. ومصادر الشرح هي: شروح البخاري، وشروح مسلم، وعون المعبود شرح أبي داود، ونفع قوت المغتذي شرح الترمذي، والسيوطي والسندي على النَّسَائِيّ، وشروح الجامع الصغير، وكتاب الفقه في المذاهب الأربعة، وكثيرًا ما أرجع في حل الألفاظ اللغوية إلى القاموس المحيط ولسان العرب.\nبيان الفرق بين التاج وبين غيره\nالفرق بين كتاب التاج وبين الكتب التي عندنا من نوعه وهي ثلاثة: أولها المصابيح للإمام البغوي المتوفى سنة ٥١٦ هـ. وثانيها تيسير الوصول للشيباني المتوفى سنة ٩٤٤ هـ. وثالثها المنتقى للإمام ابن تيمية المتوفى سنة ٦٥٢ هـ ﵃.\nأما المصابيح فكتاب عظيم في بابه بديع في زمانه، ولكنه محذوف الراوي من أول الحديث والمخرج في آخره، فهو كالمبتور بين كتب الحديث، وهذا مما لا يطمئن النفس، زد على هذا أنه مختصر من الأصول وخال من قسم التفسير. وأما تيسير الوصول فهو مؤلف عظيم لم يظهر في الناس مثله ولكنه مختصر من جامع الأصول لابن الأثير ومرتب على حروف المعجم وهذا وضع لا يداني الترتيب الفقهي في جمع شتات الموضوعات. وأما المنتقى فهو كتاب جليل القدر رفيع المكانة عظيم الشأن لدقة وضعه وجميل صنعه إلا أنه قاصر على أحاديث الأحكام فقط، فهو خلو من قسم الفضائل كله، وقسم التفسير كله، وقسم الأخلاق والسمعيات. ولا شك أن هذه تربو كثيرًا على أحاديث الأحكام وتدفع بالهمم إلى معالي الأمور وصالح الأعمال. وأما بلوغ المرام ونحوه في أحاديث الأحكام، فهي كفروع من كتاب المنتقى، هذا تحديد تلك الكتب. وأما كتاب التاج فإنه والحمد لله جامع للأصول وموضوع على الترتيب الفقهي وليس فيه ما أخذ على تلك الكتب رضي الله عن مؤلفيها، فلهم مزيد الفضل والأولية. وتلك الفوارق هي التي سألني عنها مولانا الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر وهو على","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-14>تَقسِيمُ الكِتَابِ</span>\nأَقْسَامُ الْكتَابِ أَرْبَعَةٌ: الْقِسْمُ الأَوَّلُ فِي الإِيْمَانِ وَالْعِلْمِ وَالْعِبَادَاتِ (^١).\nالْقِسْمُ الثَّانِي فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالأَحْكَامِ وَالْعَادَاتِ (^٢).\nالْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي الْفَضَائِلِ وَالتَّفْسِيْرِ وَالْجِهَادِ (^٣).\nالْقِسْمُ الرَّابِعُ فِي الأَخْلَاقِ وَالسَّمْعِيَّاتِ (^٤).\nوَقَدْ رَتَّبْتُ قِسْمَي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ عَلَى الأَبْوَابِ الْفِقْهِيَّةِ لأَنَّهُ الْكَثِيْرُ الْمَأْلُوفُ وَلأنَّهُ أَوْفَى وَأَسْرَعُ فِي شِفَاءِ الْغَلِيْلِ مِنْ كُلِّ مَوْضُوع يُرِيدُهُ الطَّالِبُ.\n_________\nكرسي المشيخة حينما عرضت الكتاب عليه بعد الفراغ من تأليفه سنة ٣٤٧ هـ. فلما أجبته بما سلف تهلل وجهه وعاد فسرح نظره في بعض وريقات من الكتاب وكان قد استوعب خطبته قبل ذلك. ثم رفع رأسه فقال: أنا لا أشك في أنه كتاب نافع وشرع يحبذ علم الحديث وأنَّه علم جليل وفيه كل شيء. وأظهر الأسف على إهمال الخلف له بقدر عناية السلف به وأطال في هذا، فقال له أحد علماء الأعلام وكان جالسًا معنا: ينبغي لمولانا الأستاذ عرض الكتاب على لجنة تبحثه لاعتماده للتدريس فقال: للآن لم تؤلف اللجنة التي ستنتقي الكتب الجديدة وقريبًا تكون، فإذا شكلت اللجنة قدم الأستاذ لنا كتابه، فشكرناه وانصرفنا. وبعد ذلك انحصرت همتي في شرح الكتاب تكميلًا للنفع به كطلب السالف ذكرهم، والله يتولانا برعايته آمين.\n(^١) وبيان كتبه كالآتي: كتاب الإسلام والإيمان. كتاب العلم كتاب النية والإخلاص. كتاب الطهارة. كتاب الصلاة. كتاب الزكاة. كتاب الصيام. كتاب الحج. وقدمت هذا القسم لأنَّه أصول الدين وأركانه.\n\n(^٢) وبيان كتبه كالآتي: كتاب البيوع والزروع. كتاب الفرائض والوصايا والعتق. كتاب النكاح والطلاق. كتاب الحدود والديات. كتاب الإمامة والقضاء. كتاب الأيمان والنذور. كتاب الصيد والذبائح. كتاب الطعام والشراب. كتاب اللباس. كتاب الطب.\n(^٣) وبيان كتبه هكذا: كتاب النبوة. كتاب فضائل القرآن. كتاب التفسير. كتاب الجهاد والغزوات.\n(^٤) وبيان كتبه هكذا: كتاب الأدب. كتاب الأخلاق. كتاب الرؤيا. كتاب الزهد. كتاب الأذكار والأدعية والاستغفار. كتاب الفق وعلامات الساعة. كتاب القيامة والجنة والنار. فعدة هذه الكتب ثلاثون، كل كتاب منها تشد له الرحال. نسأل الله أن تكون خالصة لوجهه الكريم.","vol":"1","page":21},{"text":"وَقَدِ ابْتَدَأْتُهُ مُسْتَعِينًا بِاللهِ فِي رَجَبٍ الْفَرْدِ (^١) سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِيْنَ وَثَلَاثمِائَةٍ بَعْدَ الْأَلْفِ مِنْ هِجْرَةِ الْمُصْطَفَى - ﷺ -. وَأَتْمَمْتُهُ بِتَوْفِيقِ اللهِ تَعَالَى فِي صَبِيحَةِ الاِثْنَيْنِ الْمُبَارَكِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَثَلَاثِمَائَةٍ بَعْدَ الْأَلْفِ الْهِجْرِي (^٢). وَلَا أَقُولُ فِي عَمَلِي هذَا إِنِّي وَفَّيْتُ بِالْمُرَادِ، وَلكِنِّي أَجْهَدْتُ نَفْسِي عَلَى قَدرِ طَاقَتِي لَعَلِّي أُوَافِقُ الصَّوَابَ، فَإِنْ أَصَبْتُهُ فَذاكَ مَا أَرَدْتُ وَرَجَوْتُ، وَإِلَّا فَمَا أَنَا إِلَّا إِنْسَانٌ شَأْنُهُ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ (^٣). وَإِنِّي أَضْرَعُ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَنْ يَكْسُوَهُ ثَوْبَ الإِخْلَاصِ وَأَنْ يُجَمِّلَهُ بِحُلَّةِ الْقَبُولِ فَهُوَ سُبْحَانَهُ خَيْرُ مَسْؤُولٍ وَأَكْرَمُ مَأْمُولٍ.\n_________\n(^١) الذي انفرد عن بقية الأشهر الحرم، وستأتي في الصوم إن شاء الله.\n(^٢) وهذا ليس بكثير بالنسبة للأصول الخمسة التي هي خمسة وعشرون مجلدًا. فإذا جمعت وهذبت ورتبت وأحكمت في بضع سنين فهو عمل كثير في زمن قصير، ولا سيما طريقة الأصول التي ترجمت لكل حديث، وهذا من دواعي الإطالة والسآمة. ولكني بتوفيق الله تعالى كنت أبذل غاية جهدي للعثور على عنوان يشرف على طائفة من الأحاديث وأضعها على الاصطلاح السالف، وهذا بالطبع يقتضي فهمها أولًا ومراعاة ما يحيط بها من صناعة فمن الحديث ثانيًا، كلما لا يخفى. وقد قيل إن الحافظ ابن حجر ﵀ ابتدأ شرح البخاري سنة ٨١٧ هـ وانتهى منه سنة ٨٤١ هـ، وهذا هو شمس العلماء في زمانه. فأين مثلي الضعيف من هؤلاء القوم أساطين العلم وشموس الهدى ﵃. ومع هذا فالأمور لا ينظر إليها من حيث إيجادها وقطع الزمن في تحصيلها، إنَّما ينظر إليها من حيث قيمتها والنفع بها. فبهذا يسمو شأنها ويعلو كبيت العنكبوت وحرير الدود في سرعة وجود الأول وكثرته مع خسته وبطء الثاني وقلته مع عزته.\n(^٣) وبهذا اعتذرت للقارئ الكريم عما يجده في الكتاب، وبه أعتذر أيضًا للقارئ اللبيب عما يعثر عليه في الشرح، فإن في زماننا هذا ألف عذر وعذر لمن اشتغل بالتأليف. وما رأينا مؤلفًا ولا غيره سلم للآن. وأنا لست بإنسان معصوم بل إني إنسان ضعيف من شأني الخطأ والنسيان. أسأل الله الحفظ من الزلل والغواية، والتوفيق للرشد والهداية، فما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.","vol":"1","page":22},{"text":"وَقَدْ أَسْمَيْتُهُ \"التَّاجَ (^١) الْجَامِعَ لِلْأُصُولِ (^٢) فِي أَحَادِيثِ الرَّسُولِ - ﷺ - \". أَسْأَلُهُ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَهُ فَأْلًا حَسَنًا عَلَى الْبِلَادِ وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ الْعِبَادَ إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.\nمنصور علي ناصف الحسيني\n_________\n(^١) تفاؤلًا بأن يكون مقبولًا معظمًا مرفوعًا ساميًا عاليًا كما يعلو التاج على رؤوس الملوك. اللهم حقق ذلك يا من بيدك كل شيء يا إله العالمين.\n(^٢) حقًا إنه جامع للأصول وزاد عليها كما سيراه القارئ الكريم إن شاء الله. أسأل الله تعالى أن يكون أثرًا صالحًا. وأن يكون قبلة لأهل العلم والعلماء. أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يثيبني عليه جميل الذكر في الدنيا وجزيل الأجر في الآخرة مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، آمين. والحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-16>كتاب الإسلام (^١) والإيمان </span>(^٢)\nوفيه سبعة أبواب\n\n<span data-type='title' id=toc-17>الباب الأول: في بيانهما</span>\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بُنِيَ الإِسُلَامُ عَلَى خَمْسٍ (^٣) شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ (^٤) وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ (^٥) عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ (^٦) بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ (^٧) سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَر وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخذَيْهِ (^٨) وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ (^٩) وَتُؤْتِيَ (^١٠) الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضانَ وَتَحُجَّ البَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا». قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ فَعَجِبْنَا لَهُ (^١١)\n_________\nكتاب الإسلام والإيمان\n(^١) الإسلام في اللغة: الاستسلام والانقياد الظاهري وفي الشرع شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله الخ ما يأتي.\n(^٢) الإيمان في اللغة: التصديق القلبي وفي الشرع أن تؤمن بالله وملائكته الخ الآتي في الحديث الثاني.\n\n(الباب الأول في بيانهما)\n(^٣) أي ركب من هذه الخمس كتركيب الشيء من أجزائه التي لا بد منها في تكوينه.\n(^٤) ستأتي هذه الخمس وافية في أبوابها إن شاء الله تعالى.\n(^٥) جاءنا رجل.\n(^٦) عليه ملابس شديدة البياض.\n(^٧) شعر رأسه ولحيته شديد السواد.\n(^٨) أي فخذي نفسه كهيئة المتأدب.\n(^٩) تحافظ عليها في أوقاتها الخمس.\n(^١٠) تعطيها لمستحقيها.\n(^١١) لأنه سأل كشأن من لم يعلم ثم قال صدقت كحال من يعلم.","vol":"1","page":24},{"text":"يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقهُ قَالَ: فَأَخْبِرنِي عَنِ الإِيمَانِ قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ (^١) وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ (^٢) وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ (^٣) خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ (^٤) قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ (^٥) تَرَاهُ فإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (^٦) قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ (^٧). قَالَ: «مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» (^٨)، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا (^٩)، قَالَ: «أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا (^١٠) وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ (^١١) العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ (^١٢) الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيَانِ»، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيَا (^١٣) ثِمَّ قَالَ لِي: «يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟» قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمَ، قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ وَزيدَ فِي رِوَايَةٍ (^١٤) فِي خَمْسٍ (^١٥) لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلا اللَّهُ، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ ﷺ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآيَةَ ثُمَّ أَدْبَرَ (^١٦) فَقَالَ: «رُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيئًا»، فَقَالَ: «هذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ».\n_________\n(^١) تصدق بوجود الله وأن له ملائكة لا يعلمهم إلا الله - وما يعلم جنود ربك إلا هو - وأنه جل شأنه أنزل كتبًا على رسله لهداية الناس.\n(^٢) وهو اليوم الذي يجمع الله فيه الخلق كلهم لإقامة العدل بينهم جزاء وفاقا ثم يزيد المؤمنين من فضله.\n(^٣) أي بتقدير الله للأشياء كلها.\n(^٤) أي الإخلاص.\n(^٥) أي تخلص في عبادة الله تعالى ولا تلاحظ فيها سواه مع تمام الإتقان كأنك تراه وقت عبادته.\n(^٦) فإن لم تقدر على ذلك فلاحظ أنه يراك - وهو معكم أينما كنتم -.\n(^٧) وقت مجيء القيامة.\n(^٨) أي فأنا وأنت سواء في عدم العلم بها، قال الله تعالى - يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو -.\n(^٩) أي علاماتها.\n(^١٠) ربتها أي سيدتها وفي رواية ربها أي سيدها، أي من علامات الساعة كثرة اتخاذ الإماء ووطئهن بملك اليمين فتأتي بأولاد وهم أحرار كآبائهم، فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها؛ لأنه ملك الوالد سائر إلى ولده فهو ربها من هذه الجهة، وقيل: هو كناية عن كثرة عقوق الأولاد حتى يخاف الوالد من ولده كما يخاف الرقيق من سيده.\n(^١١) الحفاة جمع حاف وهو الذي لا نعل له. العراة جمع عار من الثياب. العالة جمع عائل وهو الفقير.\n(^١٢) رعاء جمع راع ويقال رعاة كولاة والشاء والشياه الغنم، أي ومن علامات الساعة أن ترى أصاغر الناس يفتخرون بطول البنيان.\n(^١٣) كعشيا، زمنا طويلا أي غبت عن النبي - ﷺ - ثلاث ليال كما في رواية ثم لقيته.\n(^١٤) أي الشيخين عن أبي هريرة.\n(^١٥) أي علم الساعة داخل في خمس لا يعلمهن إلا الله.\n(^١٦) أي ذهب السائل فقال عليه=","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type='title' id=toc-18>الباب الثاني: في أوصاف الإيمان الكامل</span>\n• عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ (^١) مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». رَوَاهُ الشَّيْخَان وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (^٢). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ (^٣) حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا (^٤) وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ تَعَالَى (^٥) وَأَنْ يَكُرَهَ أَنْ يَعُودَ (^٦) فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النار». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: «آيَةُ (^٧) الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ وَآيةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ» (^٨). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ (^٩) وَبَرَأَ النَّسَمَةَ (^١٠) إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيَّ أَلا يُحِبَّنِي إِلا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضَنِي إِلا مُنَافِقٌ (^١١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n_________\n=الصلاة والسلام: ردوه عليّ. فذهبوا وراءه فلم يجدوه، ولعل هذا السؤال من جبريل تعدد، فإن عمر لم يرو هذه الزيادة ولو سمعها لرواها والله أعلم.\n\n(الباب الثاني في أوصاف الإيمان الكامل)\n(^١) أي عنده من كل الناس أي لا يكمل إيمان شخص حتى يقدم ما يرضى الله ورسوله على ما يرضي عشيرته الأقربين، وليس المراد بالمحبة هنا محبة الحنان والشفقة كمحبة الأولاد، ولا محبة العشق كمحبة العاشق، فإن هاتين ليستا بالاختيار، وإنما المراد بالمحبة لازمها، وهو امتثال أمر المحبوب، فإن من أحب إنسانا سارع في هواه.\n(^٢) كما يحب لنفسه فلا يكمل إيمان شخص حتى يحب للمسلمين مثل ما يحب لنفسه من الصحة واليسار والتوفيق ونحوها.\n(^٣) أي ذاق طعم الإيمان الكامل.\n(^٤) أي فيؤثر ما يرضيهما على كل شيء.\n(^٥) أي وأن تكون محبته للسلم لله تعالى لأنه عبد الله.\n(^٦) أي يصير كافرا كما يكره الوقوع في النار.\n(^٧) أي علامة.\n(^٨) هم أهل المدينة، فعلامة الإيمان الكامل محبهم ولا يبغضهم إلا منافق.\n(^٩) والله الذي شق الحبة ليخرج نبها.\n(^١٠) خلق النفس.\n(^١١) إنه لقول النبي - ﷺ - لي:=","vol":"1","page":26},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ (^١) وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» (^٢). رَوَاهُ الخَمْسَةُ وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ: «وَالمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ» (^٣).\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ (^٤)؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» (^٥). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ (^٦) شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ (^٧) وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ (^٨) وَالحَياءُ شُعْبَةٌ (^٩) مِنَ الإِيمَانِ».\n\n• عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» (^١٠) قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ (^١١) وَلِكِتَابِهِ (^١٢) وَلِرَسُولِهِ (^١٣) وَلِأَئمَّةِ\n_________\n=لا يحبك يا على إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق، وذلك لأنه ابن عم النبي - ﷺ - الشقيق وزوج بنته فاطمة البتول وأبو السبطين النيرين، وهؤلاء هم خواص أهل البيت ﵃، وسيأتي في الفضائل إن شاء الله.\n(^١) فكامل الإسلام لا يؤذي أحدا لا بلسانه ولا بيده.\n(^٢) والمهاجر من هجر الحرام فلم يفعله.\n(^٣) وكامل الإيمان من كان الناس منه في أمان.\n(^٤) أي خصاله أكثر ثوابا.\n(^٥) لأن نفعهما يعود على الخلق وهما ينتشر الأمان في الأرض.\n(^٦) وفي رواية بضع وسبعون بدون شك، والبضعة والبضع بكسر أولها وفتحه في العدد ما بين الثلاث والعشر وقيل البضع سبع وقيل من ثلاث إلى تسع وسيأتي في تفسير سورة الروم، والشعبة: القطعة من الشيء، والمراد بها هنا الخصلة من أمور الدين.\n(^٧) أكثرها ثوابا لا إله إلا الله محمد رسول الله، لأنها أصل الدين ولا تقبل بقية أعماله إلا بعد الاعتراف بها، وبعدها في الأفضلية إقامة الصلوات وإيتاء الزكوات وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالأقدار والجهاد لإعلاء كلمة الله ورفع المظالم وإقامة العدل بين الناس وهداية الأمة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنواع البر وأنواع الإثم ومكارم الأخلاق التي ستأتي في كتاب الأخلاق، وتفضيل بعض هذه الخصال على بعض لما لها من الأثر الصالح في العمران الكوني والمجتمع الإنساني. والفضل بيد الله وحده.\n(^٨) إزالته عن طريق الناس.\n(^٩) والحياء لباس جميل وهو خلق يبعث على ترك القبيح وفعل المليح.\n(^١٠) أي مداره على النصيحة كحديث \"الحج عرفة\".\n(^١١) بالإيمان به والقيام بواجب شكره وحمل الناس على ذلك.\n(^١٢) بتعلمه والعمل به وإرشاد الناس إلى ذلك.\n(^١٣) باتباعه ونصره في كل شيء.","vol":"1","page":27},{"text":"المُسْلِمِينَ (^١) وَعَامَّتِهِمْ» (^٢). رَوَاهُمَا الخَمْسَةُ.\n\n• عَنِ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِب ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رضي بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» (^٣). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَلأبِي دَاوُدَ (^٤) «مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ» (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَكْمَلُ المُؤْمِنينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا (^٦) وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ» (^٧). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٨).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» (^٩). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١٠) في الزُّهْدِ وَابْنُ مَاجَهُ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَتَعَاهَدُ المَسجِدَ (^١١) فَاشْهَدُوا لَهُ بالإِيمَانِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ الآية. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١٢).\n_________\n(^١) ولاتهم باحترامهم وإطاعة أمرهم فيما يرضى الله ورسوله - يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم -.\n(^٢) بإرشادهم إلى ما فيه سعدهم في الدنيا والآخرة، فمن كان بهذه الصفات كان خليفة الله في أرضه.\n(^٣) أي تمكن الإيمان في قلب من رضي بربه وبفعله معه، فلم يسخط في وقت من الأوقات لعلمه أن الله بعباده حكيم ورحيم فلا يفعل بهم إلا ما فيه مصلحتهم في العاجل والآجل بل كامل الإيمان يلتذ بالبلايا والامتحان على حد قوله:\nتلذ لي الآلام مذ أنت مسقمي … وإن تمتحني فهي عندي صنائع\n(^٤) بسند صالح ورواه الضياء المقدسي وهذه إحدى طرق الاختصار التي درجت عليها كثيرا في الكتاب.\n(^٥) أي بلغ نهاية الإيمان من كان عمله وتركه وحبه وبغضه لله تعالى.\n(^٦) حسن الخلق في ثلاث: بشاشة الوجه وكف الأذى وبذل الندى، وقد فاز صاحب الخلق الحسن بخيري الدنيا والآخرة.\n(^٧) أي أرحمهم وألطفهم بأهله.\n(^٨) بسند حسن.\n(^٩) أي ابتعاده عما لا حاجة له فيه ولا يهم الإنسان إلا درهم لمعاشه أو راحة لجسمه أو حسنة لمعاده، وغير ذلك وبال عليه.\n(^١٠) بسند غريب ولكنه روي من عدة طرق تصل به إلى رتبة الحسن.\n(^١١) وفي لفظ يعتاد المساجد، أي يتردد إليها لعبادة الله تعالى.\n(^١٢) بسند حسن.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>يزيد الإيمان وينقص ولا تضره الوسوسة</span>\nقَالَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنَهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ (^١) قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النِّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا (^٢) فَلْيُغَيِّرْهُ بيَدِهِ (^٣) فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعَ فَبِلِسَانِهِ (^٤) فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ (^٥) وَذلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» (^٦). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الاسْتِغْفَارَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» (^٧) فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ (^٨): وَمَا لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: «تَكْثِرْنَ اللَّعْنَ (^٩) وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ (^١٠) وَمَا رَأَيْتُ مِنَ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبَ مِنْكُنَّ» (^١١) قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا نقْصَانُ العَقْلِ وَالدِّينِ؟ قَالَ: «أَمَّا نقْصَانُ العَقْلِ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ (^١٢) فَهذَا نُقْصَانُ العَقْلِ. وَتَمْكُثُ اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّي وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ (^١٣)\n_________\nيزيد الإيمان وينقص ولا تضره الوسوسة\nالتحقيق أن الإيمان يزيد وينقص ويقوي ويضعف، فإن الآية والحديثين بعدها صرحت بذلك، ولأن الإيمان هو التصديق والأعمال الصالحة.\n(^١) خافت من هيبة الله تعالى.\n(^٢) هو ما أنكره الشارع وحرمه كالزني وشرب الخمر.\n(^٣) فليمنعه بقوته على سبيل الوجوب إن أمكنه ولم ينله ضرر وإلا فعلى سبيل الندب.\n(^٤) كقوله: ارجع عن هذا فإنه حرام يغضب الله ورسوله.\n(^٥) أي فلينكر بقلبه بينه وبين ربه كقوله: إن هذا منكر لا يرضيك ولا أرضاه يا رب.\n(^٦) أي صاحب الدرجة الأخيرة ضعيف الإيمان وإلا فقوى الإيمان ينكر ولا يبالي بما يناله، للحديث الآتي: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.\n(^٧) حينما نظرت إليها في ليلة المعراج.\n(^٨) فصيحة بليغة.\n(^٩) أي السب والطعن.\n(^١٠) الزوج، تستر نعمه ولأقل شيء تقول المرأة لزوجها: ما رأيت منك خيرًا قط.\n(^١١) وما علمت مخلوقًا ناقصًا في عقله ودينه أكثر غلبة للرجل ذي اللب أي العقل من النساء.\n(^١٢) فشهادة المرأتين بشهادة رجل، قال تعالى: فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان من ترضون من الشهداء.\n(^١٣) بسبب الحيض.","vol":"1","page":29},{"text":"فَهذَا نُقْصَانُ الدِّينِ». وَعِبَارَةُ البُخَارِيِّ: أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قْلْنَ: بَلَى. قَالَ: «فَذلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا». رَوَاهُ الخَمْسَة.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ، فِإِذَا بَلَغَ ذلِكَ (^١) فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ (^٢) وَلْيَنْتَهِ» (^٣). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ السَّمَاءِ (^٤) مَنُ خَلَقَ الأَرْضَ فَيَقُولُ اللَّهُ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ آمَنْتَ بِاللَّهِ (^٥) وَرُسُلِهِ».\n\n• عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يَزَالُونَ (^٦) يَقُولُونَ مَا كَذَا مَا كَذَا حَتَّى يَقُولُوا هذَا اللَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ». رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الوَسْوَسَةِ قَالَ: «تِلْكَ مَحْضُ الإِيمَانِ» (^٧). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-20>الباب الثالث: في فضائل الدين </span>(^٨)\nقَالَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلَامَ دِينًا﴾ (^٩).\n\n• عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ عَنِ النِّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ\n_________\n(^١) أي من خلق ربك.\n(^٢) فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله.\n(^٣) أي يترك الاسترسال معه.\n(^٤) فهو مفسر للحديث قبله.\n(^٥) أي أرجع إلى الله تعالى، فهو الذي يحفظني من مكايده، وبه يتضح أن المراد بالاستعاذة في الحديث السابق الالتجاء إلى الله تعالى، أي من وسوسة الشيطان اللعين.\n(^٦) قيل يا رسول الله يخطر على قلوبنا ما يعظم علينا أن نتكلم به، ولعله ما صرح به في الحديثين قبله.\n(^٧) أي هذه الوسوسة واستعظامكم التكلم بها هو الإيمان الخالص، فالوسوسة لا تضر المؤمن ما دام يستعيذ بالله. والله أعلم.\n\n(الباب الثالث في فضائل الدين)\n(^٨) مزاياه التي تترتب عليه في الدنيا والآخرة كالحفظ من القتل والأسر في الدنيا، وكالحفظ من عذاب القبر وأهوال القيامة وعذاب النار في الآخرة، هذا فضلا عن النعيم الواسع الدائم في جنات فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون.\n(^٩) وكفانا فخرًا به أنه دين الله جل شأنه. قال في =","vol":"1","page":30},{"text":"لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ (^١) أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ (^٢) مِنْهُ وَالجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ أَدْخَلَهُ الجَنَّةَ (^٣) عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلٍ (^٤). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ الغِفَارِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَبَشَّرَنِي أنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيِئًا (^٥) دَخَلَ الجَنَّةَ» (^٦). قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِن زَنَى وَإِنْ سَرَقَ»؟ قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِن زَنَى وَإِنْ سَرَقَ»، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: «عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرَ» (^٧). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٨).\n\n• عَنْ مُعَاذ بْنِ جَبَلٍ ﵁ عَنِ النِّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ (^٩) إِلا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» (^١٠)، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا، قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا» (^١١) وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا (^١٢).\n_________\n=كتابه العزيز - إن الدين عند الله الإسلام -.\n(^١) هي قوله كن فيكون.\n(^٢) رحمة من عنده.\n(^٣) أي فمن مات على هذه العقيدة فهو من أهل الجنة، إلا أنه إن كان فاعلا للواجبات بعيدًا عن المحرمات دخل الجنة بدون عذاب، وإلا فأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه بقدر تقصيره وأدخله الجنة، وإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة.\n(^٤) أي من العاصي.\n(^٥) بأن مات على عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله.\n(^٦) يقال فيه ما قيل في الحديث الذي قبله.\n(^٧) أي قهرًا عنه.\n(^٨) وقال: سئل الزهري عن حديث من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: إنما كان هذا في أول الإسلام قبل إزال الشرائع والأحكام ترغيبا في الدين الحنيف.\n(^٩) أي موقنا ومخلصا بها.\n(^١٠) كان هذا في أول الإسلام كما سبق عن الزهري، أو المراد بالنار نار الخلود وإلا عارضتنا الأدلة الدالة على تعذيب العصاة كقوله تعالى - إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا - وقوله: ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها. وقوله: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها. وستأتي إن شاء الله عدة أحاديث في أول الصلاة وفي أول الزكاة والحج والبيوع والحدود كلها تصرح بتعذيب العصاة فلا بد من التأويل كما قلنا حتى تلتئم نصوص الشريعة.\n(^١١) على هذا ويتركون العمل.\n(^١٢) خروجًا من الإثم أي من ذنب كتمان العلم.","vol":"1","page":31},{"text":"• وَعَنْهُ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ (^١) ﷺ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ (^٢) فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ»؟ (^٣) قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ (^٤) وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ العِبَاد عَلَى اللَّهِ ﷿ أَلا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (^٥). قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا». رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ (^٦) قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» (^٧)، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (^٨)، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» (^٩). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ (^١٠) فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْر أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا». وَفِي رِوَايَةٍ إِلا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا.\nرَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ (^١١) مَنْ قَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ (^١٢) وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ (^١٣) وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَمَنْ شَكَّ\n_________\n(^١) أي راكبًا خلفه.\n(^٢) عفير بالتصغير.\n(^٣) أي فضلا منه وكرمًا لا وجوبًا عليه جل شأنه.\n(^٤) يوحدونه بألسنتهم وقلوبهم فلا بد من الجمع بينهما.\n(^٥) يقال فيه ما قيل في الذي قبله.\n(^٦) أي أي أمور الدين أوجب وأرفع في الدرجة.\n(^٧) لأنه المطلوب أولا من كل إنسان؛ ولأنه كفيل بسعادة الدارين.\n(^٨) لأنه لنشر دين الله وإخراج الناس من الظلمات إلى النور.\n(^٩) لأنه يكفر الذنوب كلها.\n(^١٠) أي أخلص في عبادة الله.\n(^١١) أي بشفاعة من يأذن الله لهم في الشفاعة أو رحمة الله تعالى.\n(^١٢) مع قرينتها محمد رسول الله.\n(^١٣) أي من مات معترفا بالشهادتين وفي قلبه إيمان ناقص بترك بعض الواجبات أو بفعل بعض المحرمات، ولا يفهم من التعبير بوزن شعيرة أو برة أو ذرة إلا ذلك، والشعيرة حبة الشعير. والبرة حبة البر وهو القمح، والذرة أصغر النمل. وسيأتي في كتاب القيامة أحاديث الشفاعة بما لم يوجد له نظير إن شاء الله.","vol":"1","page":32},{"text":"فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾.\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنينَ آيِةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذلِكَ اليَوْمَ عِيدًا قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (^١) ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (^٢) ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلَامَ دِينًا﴾ فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذلِكَ اليَوْمَ وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ. رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ والتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا المُوجِبَتَانِ؟ (^٣) فَقَالَ: «مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ (^٤) وَمَن مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأَمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا (^٥) مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ». رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.\nوَلِلْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَحَبُّ الدِّينِ (^٦) إِلَى اللهِ (^٧) الْحَنَفِيَّةَ (^٨) السَّمْحَةُ (^٩).\n_________\n(^١) بيان شرائعه وأحكامه وظهوره على الأديان كلها.\n(^٢) بتوفيقكم للقيام بأمور الدين ومنه الحج الذي أنتم فيه الآن.\n(^٣) أي ما هما الخصلتان اللتان توجب إحداها الجنة وتوجب الأخرى دخول النار.\n(^٤) يقال فيه كما قيل في مثله.\n(^٥) فحديث النفس، وهو ترددها في عمل المعصية، لا مؤاخذة عليه بنص الحديث، وأولى منه الهاجس والخاطر وهما اللذان يخطران بالبال، ولكن أولها يمر كما يمر السحاب والثاني يمر بالبال وركن قليلا ويذهب، وأما الهم وهو خطور الشيء بالبال وترجيح فعله بدون تصميم ففيه الثواب للحديث الآتي في كتاب النية، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ولا عقاب فيه، بقى العزم وهو التصميم على الفعل ففيه الجزاء في الخير والشر، وهذه هي مراتب القصد المذكورة على الترتيب مع بيان حكمها في قول بعضهم:\nمراتب القصد خمس هاجس ذكروا … فخاطر فحديث النفس فاستمعا\nيليه هم فعزم كلها رفعت … سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا\n(^٦) أي الأديان التي جاءت بها الرسل عليهم الصلاة والسلام.\n(^٧) عند الله.\n(^٨) أي الملة المائلة عن الباطل إلى الحق.\n(^٩) السهلة الميسورة لكل إنسان وهي التي جاء بها =","vol":"1","page":33},{"text":"• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ (^١) عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ (^٢) وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرُهُوا عَلَيْهِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-21>فصل: لا يقبل الله إلا الدين الإسلامي</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ﴾ (^٤) ﴿دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (^٥) ﴿وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ (^٦) أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ (^٧) حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ (^٨) وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذلِكَ (^٩)\n_________\n=رسول الله محمد - ﷺ - ومصداقه في كتاب الله: ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا. فقد كانت الزكاة ربع أموالهم ولكن في شريعتنا العشر أو ربع العشر وكانت التوبة لا تقبل منهم إلا بقتل النفس قال تعالى: فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم. ولكن في شرعنا بالإقلاع عن الذنب والندم عليه وكان تطهير النجاسة بكشط محلها عن البدن في غير محل الاستنجاء وقطع محلها من الثوب، فقد روى أبو داود في الاستبراء من البول أن النبي - ﷺ - استتر بدرقة وجلس يبول فقال بعض الناس: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة فسمعه النبي - ﷺ - فقال: ألم تعلموا ما لقى صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابهم البول منهم، فنهاهم صاحبهم أي كبيرهم عن هذا فتركوه طوعًا لأمره فعذب في قبره، فجاء شرعنا وأمرنا بتطهير النجاسة بالماء، فبينه وبين ما تقدمه من الشرائع بون كبير، فلله مزيد الحمد ووافر الشكر.\n(^١) أي رفع.\n(^٢) أي ذنب الخطأ وأخويه والخطأ ما يظنه جائزًا فيظهر بخلافه كأن يحلف على حصول شيء ظانا حصوله فيتبين عدمه فلا شيء عليه، والنسيان زوال الشيء من الحافظة كأن حلف لا يدخل هذه الدار مثلا فنسي ودخلها فلا شيء عليه، والإكراه إجبار الشخص على الشيء فهذه الثلاثة لا إثم فيها مطلقًا، قال تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ وقال: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ وأما بالنسبة للحكم فإن كانت في فعل منهي عنه ليس إتلاف فلا شيء فيها، وإن كان إتلافا فيه الضمان كما سيأتي في الحدود إن شاء الله، وإن كانت في ترك مأمور به لم يسقط بل يجب تداركه إذا زال الواقع من هذه الثلاث وسيأتي الحديث: من نسي صلاة فليصل إذا ذكرمها.\n(^٣) بسند صحيح.\n\nفصل - لا يقبل الله إلا الدين الإسلامي\n(^٤) من يتمسك بغيره.\n(^٥) لا يقبله الله.\n(^٦) أي أمرني ربي.\n(^٧) أي المشركين وعبدة الأوثان.\n(^٨) أي يدخلوا في الإسلام.\n(^٩) دخلوا فيه.","vol":"1","page":34},{"text":"عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ (^١) إِلا بِحَقِّ الإِسْلَامِ (^٢) وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» (^٣) رَوَاهُ الخَمْسَة.\n\n• عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي (^٤) نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ (^٥) مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا (^٦) وَطَهُورًا (^٧) فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ (^٨) وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ (^٩) وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي (^١٠) وأُعْطِيتُ الشفَاعَةَ (^١١) وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» (^١٢). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ (^١٣) لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ (^١٤) يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرانِيٌّ (^١٥) ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n_________\n(^١) حفظوها فلا يجوز التعرض لها.\n(^٢) كالقتل قصاصًا وأخذ الزكاة من أموالهم.\n(^٣) فيما يبطنون فليس لنا عليهم إلا الظاهر، أما أهل الكتاب فيخيرون بين قبول الإسلام وبين دفع الجزية وبقائهم على دينهم وإلا قوتلوا قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. إلى أن ينزل عيسى ﵇، فلا يقبل منهم إلا الإسلام وسيأتي ذلك في علامات الساعة إن شاء الله.\n(^٤) أعطاني ربي خمسة أمور لم يعطها رسولا قبلي.\n(^٥) هو خوف شديد يلقى في قلوب الأعداء من مسيرة شهر.\n(^٦) تفسيره قوله بعده فأيما رجل الخ.\n(^٧) فإذا لم يتيسر الماء تيمم بالتراب وصلي.\n(^٨) بخلاف الأمم السالفة فما كانت تقبل صلاتهم إلا في البيع والكنائس.\n(^٩) التي تأخذها في الحرب المشروعة من الأعداء.\n(^١٠) بل كانوا يضعونها في مكان ويتركونها فتنزل نار من السماء فتأكلها.\n(^١١) أي العظمي.\n(^١٢) قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ - وأوحي إليَّ هذا القرآن … الآية - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ … الآية\n(^١٣) أي روحه بقدرته وهو الله تعالى.\n(^١٤) أي أمة الدعوة وهم أهل الأرض من وقت رسالته - ﷺ - إلى قيام الساعة.\n(^١٥) صرح باليهود والنصارى وهم أهل كتاب فغيرهم من باب أولى والله أعلم.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type='title' id=toc-22>الباب الرابع: في الإيمان بالقدر</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (^١).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ ﷿ الخَلْقَ (^٢) كَتَبَ فِي كِتَابٍ (^٣) فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشَ (^٤) إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» (^٥). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلا يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ (^٦) فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ (^٧) البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ (^٨) هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ» (^٩). ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (^١٠) ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾، رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسى (^١١) ﵉ عِنْدَ رَبِّهِمَا فَحَجَّ آدَمُ مُوسى (^١٢) قَالَ مُوسى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ (^١٣) وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ (^١٤)\n_________\n(في الباب الرابع في الإيمان بالقدر)\n(^١) أي بتقدير سابق عليه، فالقدر هو تقدير الله للأشياء في الأزل بحسب علمه وإرادته أي بيان تحديدها من إيجاد كل شيء منها في زمن كذا وفي مكان كذا وعلى صفة مخصوصة بإثبات ذلك في اللوح المحفوظ لرواية مسلم والترمذي الآتية في الباب القائلة: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.\n(^٢) أي لما قدر أمرهم قبل وجودهم.\n(^٣) أي أمر القلم أن يكتب في اللوح المحفوظ.\n(^٤) ليس المراد الفوقية الحسية بل المراد رفعة المكانة كأن الكتاب فوق العرش الذي هو عند الله رفيع المكانة، وإلا فليس فوق العرش شيء.\n(^٥) وغلبته فالرحمة وهي الإحسان الإلهي سابقة على كل شيء وأوسع من كل شيء، قال تعالى: ورحمتي وسعت كل شيء.\n(^٦) أي الاستعداد للدين الحنيف ولكن أبواه يجعلانه يهوديا أو نصرانيًا أو مجوسيًا، ومثل ذلك كالبهيمة مع ولدها.\n(^٧) بلفظ المبني للمجهول أي تلد.\n(^٨) أي كاملة الخلقة.\n(^٩) ناقصة الأنف أو الأذن أو هل ترون في ولد البهيمة حينما تلده نقصًا لا، كذلك يولد الإنسان على الفطرة.\n(^١٠) فالدين فطري في النفوس قال تعالى لهم وهم في عالم الذر: ألست بربكم قالوا بلى أي أنت ربنا.\n(^١١) أي تحاجا.\n(^١٢) أي غلبه.\n(^١٣) بقدرته.\n(^١٤) من رحمته.","vol":"1","page":36},{"text":"وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ (^١) وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الأَرْضِ (^٢) فَقَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ وَأَعْطَاكَ الأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ (^٣) كُلِّ شَيْءٍ وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا (^٤) فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ قَالَ مُوسى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا، قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلقَنِي (^٥) بِأَرْبَعِينَ سَنَةً»؟ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسى» رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (^٦) قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ (^٧) «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ (^٨) فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً (^٩) ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً (^١٠) مِثْلَ ذلِكَ (^١١) ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً (^١٢) مِثْلَ ذلِكَ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ (^١٣) وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ (^١٤) بِكَتْبِ رِزْقِهِ (^١٥) وَأَجَلِهِ (^١٦) وَعَمَلِهِ (^١٧) وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ (^١٨) فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَها إِلا ذِرَاعٌ (^١٩) فَيَسْبِقُ (^٢٠)\n_________\n(^١) قال تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا.\n(^٢) هي الأكل من الشجرة فأكلا منها فبدت لها سوآتهما.\n(^٣) بيان.\n(^٤) بمناجاته وبكلامه.\n(^٥) أي قدره وكتبه عليَّ قبل خلقى وحينئذ لا بد من عمله.\n(^٦) إذا أطلق عبد الله فالمراد به ابن مسعود.\n(^٧) الصادق في قوله وفعله. المصدوق الذي يصدقه الله والمؤمنون.\n(^٨) أي مادة خلقه.\n(^٩) أي منيًّا لا يتغير عن حاله.\n(^١٠) أي قطعة دم جامدة.\n(^١١) أي أربعين يومًا.\n(^١٢) أي قطعة لحم قدر اللقمة التي تمضغ.\n(^١٣) أي ثم بعد مكثه أربعين يوما منيًّا ومثلها علقة ومثلها مضغة ينفخ فيه الملك الروح بأمر الله، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أي بنفخ الروح فيه.\n(^١٤) أي الملك بكتابة أربعة أمور.\n(^١٥) أي قدره.\n(^١٦) عمره في دنياه.\n(^١٧) في أي شيء.\n(^١٨) أي ما قدره الله له منهما في الأزل، فتكتب هذه الأمور وهو في بطن أمه في كتاب خاص به.\n(^١٩) كناية عن قربه منها جدا.\n(^٢٠) أي يغلب عليه.","vol":"1","page":37},{"text":"عَلَيْهِ الكِتَابُ (^١) فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخلُهَا». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ حَتَّى العَجْزُ وَالكَيْسُ» (^٢) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَمَالِكٌ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ مُشْرِكُو قُرِيْشٍ يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي القَدَرِ (^٣) فَنَزَلَتْ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.\n\n• عَنِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ««كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» (^٤). رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعُلِمَ أَهْلُ الجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قِيلَ فَفِيمَ يَعْمَلُ العَامِلُونَ؟ قَالَ: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (^٥). رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ مِنْ أَصْلِ الإِيمَانِ (^٦) الكَفُّ عَمَّنْ قَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَلَا نُكَفِّرُهُ بِذَنْبٍ وَلَا نُخْرِجُهُ مِنَ الإِسْلَامِ بِعَمَلٍ (^٧). وَالجِهَادُ مَاضٍ (^٨) مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ هذِهِ الأُمَّةِ (^٩) الدَّجَّالَ لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ. وَالإِيمَانُ بِالأَقْدَارِ» (^١٠). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١١).\nوَقَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حقِيقَةِ الإِيمَانِ\n_________\n(^١) الذي كتب له في بطن أمه فتأتي الخاتمة على وفق السابقة نسأل الله حسن الخاتمة.\n(^٢) أي حتى الحماقة والعقل وحتى البلاهة والفطانة.\n(^٣) يجادلونه في القدر ويقولون لا قدر وإن الأمر مستأنف فلا يعلم الله الأشياء ولا يقدرها إلا عند وجودها فرد الله عليهم بالآية.\n(^٤) أي أمر بكتابة المقادير في اللوح المحفوظ كما علم وأراد قبل خلق الأشياء.\n(^٥) أي كل إنسان ميسر ومسهل للعمل الذي خلق له، فالسعيد ميسر لعمل أهل السعادة والشقي ميسر لعمل أهل الشقاوة أي فالمطلوب العمل كما أمر الله تعالى.\n(^٦) أي أساسه.\n(^٧) فدم من قال لا إله إلا الله حرام.\n(^٨) نافذ وواجب.\n(^٩) هو المهدي وعيسى ﵉ سيقتلان الدجال بالشام وسيأتي في علامات الساعة.\n(^١٠) هذا هو الثالث.\n(^١١) بسند صحيح.","vol":"1","page":38},{"text":"حَتَّى تَعْلَمَ أَنْ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ (^١) وَمَا أَخْطَأَك لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ (^٢) سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ فقَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ فَقَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» (^٣). يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هذَا فَلَيْسَ مِنِّي» (^٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ (^٦) يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي بِالحَقِّ وَيُؤْمِنَ بِالمَوْتِ وَيُؤْمِنَ بِالبَعْثِ (^٧) بَعْدَ المَوْتِ وَيُؤْمِنَ بِالقَدَرِ».\n\n• عَنْ أَبِي عَزَّةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَضَى اللَّهُ لِعَبْدٍ أَنْ يَمُوتَ بِأَرْضٍ جَعَلَ لَهُ إِلَيْهَا حَاجَةً» (^٨). رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٩).\n\n<span data-type='title' id=toc-23>أصحاب البدع كالقدرية والمرجئة</span>\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «القَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هذِهِ الأُمَّةِ (^١٠) إِنْ مَرِضُوا\n_________\n(^١) أي ما قدر لك لابد أن يأتيك.\n(^٢) وما كان لغيرك لا يصلك.\n(^٣) هذا صريح في كتابة المقادير بالقلم الإلهي.\n(^٤) ليس على طريقتي التي أمرني بها ربي.\n(^٥) بسند غريب ولكن يؤيده ما في الباب.\n(^٦) أي لا يثبت أصل إيمانه حتى يؤمن بالآتي.\n(^٧) قيام الخلائق ليوم الفصل.\n(^٨) أي ساقه إليها لحاجة له فيها فيموت بها كما سبق له القدر.\n(^٩) بسندين صحيحين وسيأتي القضاء والقدر أوسع من هذا في الزهد إن شاء الله.\n\n(في أصحاب البدع كالقدرية والمرجئة)\nالبدع جمع بدعة وهي العقيدة الفاسدة.\n(^١٠) فالمجوس طائفة من المشركين يعبدون الشمس وقيل النار ويعتقدون بإلهين اثنين أصليين هما النور والظلمة فالخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة. والقدرية طائفة من المسلمين يعتقدون أنه لا قدر وأن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية بقدرة خلقها الله فيه، فالخالق عندهم اثنان الله تعالى والعبد في أفعاله الاختيارية، ولكنهم لم يكفروا لقولهم إن العبد يخلق بالقدرة التي خلقها الله فيه فهم باعتقادهم بالخالقين كالمجوس في اعتقادهم بإلهين أصليين، وكلتا الطائفتين على ضلال فإن الخير والشر من الله تقديرًا أزليًا وخلقًا وإيجادًا ولكنهما ينسبان إلى العبد عملا وكسبًا واختيارًا والنصوص صريحة في هذا قال تعالى: والله =","vol":"1","page":39},{"text":"فَلَا تَعُودُوهُمْ (^١) وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ».\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ القَدَرِ وَلَا تُفَاتِحُوهُمْ» (^٢). رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^٣).\nوَقِيلَ لِابْنَ عُمَرَ: إِنَّهُ قَدْ ظَهَر قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُونَ العِلْمَ (^٤) وَذَكَرَ مِنْ شِأْنِهِمْ وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ (^٥) قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فِي هذِهِ الأُمَّةِ أَوْ فِي أُمَّتِي خَسْفٌ (^٦) وَمَسْخٌ (^٧) أَوْ قَذْفٌ (^٨) فِي أَهْلِ القَدَرِ».\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صِنْفَانِ (^٩) مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الإِسْلَامِ نَصِيبٌ (^١٠) المُرْجِئَةُ (^١١) وَالقَدَرِيَّةُ». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^١٢).\n_________\n=خلقكم وما تعملون وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وقال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.\n(^١) أي ابتعدوا عن هذه الفرق في كل حال.\n(^٢) أي لا تبدءوهم بكلام ولا تحتكموا إليهم في أي شيء، والحديثان يكادان يصرحان بكفرهم للزجر والتنفير وإلا فهم مسلمون مخطئون في الأدلة.\n(^٣) أولهما بسند صحيح.\n(^٤) يطلبونه ويبحثون عن غامضه.\n(^٥) أي مستأنف علمه فلا تقدر ولا على سابق عليه.\n(^٦) هو غور الأرض بأهلها - فخسفنا به وبداره الأرض -.\n(^٧) هو انقلاب صورة الآدمي إلى صورة قرد أو خنزير - فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين -.\n(^٨) رمي الناس بحجارة من السماء - ترميهم بحجارة من سجيل -.\n(^٩) فرقتان من أمتي فالمرجئة والقدرية من فرق الإسلام التي ضلت بالنظر في الأدلة.\n(^١٠) أي أصلا إن قلنا بكفرهم أو ليس لهم نصيب كامل إن قلنا بعدم كفرهم وهو رأي المحققين فإن الصواب عدم المسارعة إلى تكفير أهل الأهواء المتأولين فإنهم أجهدوا أنفسهم في الوصول إلى الحق فلم يصلوا إلا إلى ذلك فهم مجتهدون مخطئون.\n(^١١) من الإرجاء وهو التأخير لقولهم: إن الله أرجأ تعذيب العصاة. وهؤلاء هم الجبرية الذين يقولون إنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة ولا عقاب على المسلم في عصيانه لأنه مقهور والأدلة الدالة على عقابه مراد بها الزجر (ويلزمهم على هذا أن المسلم لا يثاب على الخير) مع أنهم يقولون بإثابته فهو ترجيح من غير مرجح ويقولون أيضًا إن نسبة الفعل إلى العبد كنسبته إلى الجماد وخطؤهم في هذا أظهر فإن الإنسان يمتاز عن الجماد بالحياة والإرادة والعقل، فلهذا نسب الفعل إليه كسبا واختيارًا.\n(^١٢) بسندين صحيحين.","vol":"1","page":40},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَبى (^١) اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ عَمَلَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ (^٢) حَتَّى يَدَعَ بدْعَتَهُ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-24>الباب الخامس: في البيعة</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾ (^٤) ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (^٥).\n\n• عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ (^٦) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ (^٧) مِنْ أَصْحَابِهِ: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ (^٨) وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ (^٩) تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ (^١٠) وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ (^١١) فَمَنْ وَفَى (^١٢) مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (^١٣)، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا (^١٤) فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ (^١٥)، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ (^١٦) فَهُوَ إِلَى اللَّهِ (^١٧) إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ». فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذلِكَ رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n_________\n(^١) أي امتنع.\n(^٢) هي الاعتقاد الفاسد المخالف لما عليه الجماعة فيما يختص بأصول التوحيد، وفي الخير والشر، وفي شرط النبوة والرسالة، وفي موالاة بعض الصحابة ﵃.\n(^٣) بسند ضعيف ولكنه من باب الترهيب.\n\n(في الباب الخامس في البيعة)\n(^٤) يعاهدونك على الإسلام ونصره.\n(^٥) عناية الله معهم بالحفظ والنصر.\n(^٦) وهو أحد النقباء الذين بايعوا النبي - ﷺ - في موسم الحج بالعقبة.\n(^٧) جماعة.\n(^٨) خشية الفقر أو العار.\n(^٩) بكذب يبهت سامعه لشناعته كالرمي بالزنا.\n(^١٠) تختلقونه من عند أنفسكم.\n(^١١) هو ما عرف حسنه من الشارع أمرًا أو نهيًا.\n(^١٢) وفي رواية وفي بالتشديد بذلك العهد.\n(^١٣) جزاؤه عنده.\n(^١٤) بإقامة الحد عليه.\n(^١٥) أي العقاب كفارته ولا يعاد العقاب عليه، فإن الله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده.\n(^١٦) فلم يقم عليه حد ما ارتكبه.\n(^١٧) أمره إلى الله.","vol":"1","page":41},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ (^١) وَالطَّاعَةِ فِي العُسْرِ (^٢) وَاليُسْرِ، وَالمَنْشَطِ (^٣) وَالمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا (^٤)، وَعَلَى أَلا ننَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ (^٥)، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ (^٦).\nوَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: وَأَلا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ. قَالَ: إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا (^٧) عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ (^٨).\n\n• عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. رَوَاهُ الشَّيْخَانُ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يَقُولُ لَنَا «فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ» (^٩).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبَايِعُ النِّسَاءَ بِالكَلَامِ بِهذِهِ الآيَة: ﴿لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ (^١٠). قَالَتْ: وَمَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ إِلا امْرَأَةً يَمْلِكُهَا (^١١). رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-25>الباب السادس: في الاعتصام بالكتاب والسنة</span>\nقَالَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنهُ: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ (^١٢) ﴿جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ (^١٣) وَقَالَ:\n_________\n(^١) لولاة الأمور السياسيين والشرعيين.\n(^٢) في عسرنا ويسرنا.\n(^٣) وفي نشاطنا وكراهتنا.\n(^٤) ولو آثروا غيرنا علينا.\n(^٥) أي أمر الخلافة لا ننازعهم فيه.\n(^٦) لا نبتعد عن قول الحق مخافة اللوم.\n(^٧) صريحا، يفعلونه أو يأمرون به.\n(^٨) لكم عليه دليل من الكتاب أو السنة، وحينئذ لا سمع لهم ولا طاعة لهم، بل نقاتلهم حتى رجعوا إلى دين الله تعالى.\n(^٩) على قدر طاقتك، فاتقوا الله ما استطعتم.\n(^١٠) ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾، الآية.\n(^١١) هي له حلال. وستأتي البيعة على سعة إن شاء الله في كتاب الإمارة.\n\n(الباب السادس في الاعتصام بالكتاب والسنة)\n(^١٢) أي تمسكوا بشرع الله.\n(^١٣) واتفقوا ولا تختلفوا تنجوا من المخاوف وتفوزوا بسعادة الدارين.","vol":"1","page":42},{"text":"﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ (^١) ﴿فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ﴾. وَقَالَ: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ (^٢) كَمَثَلِ رَجُل أَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: يَا قَوْمِ إِنِّي رَأَيْتُ الجَيْشَ (^٣) بِعَيْنَيَّ وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ العرْيَانُ (^٤) فَالنَّجَاء (^٥) فَأَطَاعَهُ طَائِفةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا (^٦) فَانْطَلَقُوا عَلَى مُهْلَتِهِمْ (^٧)، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ (^٨)، فَذلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الحَقِّ».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (^٩) شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ (^١٠) حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبَ (^١١) لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ آليَهُودُ وَالنَّصَارَى (^١٢)، قَالَ: «فَمَنْ» (^١٣). وَفِي رِوَايَةٍ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَفَارِسَ وَالرُّومِ، قَالَ: «وَمَنِ النَّاسُ إِلا أُولئِكَ». رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحْدَثَ (^١٤) فِي أَمْرِنَا (^١٥) هذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (^١٦).\nوَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا\n_________\n(^١) أعطاكم من مال وعلمكم من حكمة.\n(^٢) أي مع الأمة.\n(^٣) الذي جاء لقتالكم.\n(^٤) النذير: هو الذي ينذر قومه العدو فيستعدون له، وكانت عادة النذير أن يخلع ثوبه ويشير به إلى قومه وهو عريان، إيذانًا بشدة الخطر.\n(^٥) أي اسلكوا طريق النجاة قبل أن يدهمكم العدو.\n(^٦) بادروا بالسير.\n(^٧) ونجوا من عدوهم.\n(^٨) استأصلهم بالهلاك لأنهم لم يسمعوا إنذار النذير.\n(^٩) طرقهم وعاداتهم المنكرة الضالة.\n(^١٠) أي خطوة بخطوة في كل شيء.\n(^١١) الضب: حيوان صغير وجحره لا يسع الإنسان فهو غاية في اتباعهم في كل شيء، وفي رواية ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو الفعل بالفعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك.\n(^١٢) أي أهم اليهود والنصاري.\n(^١٣) أي لا غيرهم، فهذا إخبار عما سيحصل لبعض المسلمين من تقليد الكفار في كل شيء وهو حاصل الآن نسأل الله السلامة.\n(^١٤) أي ابتدع.\n(^١٥) في ديننا.\n(^١٦) فهو مردود عليه، فمن ابتدع في الدين شيئًا ليس من الكتاب ولا من السنة ولا من إجماع المسلمين فعليه ذنبه وذنب العاملين به إلى يوم القيامة.","vol":"1","page":43},{"text":"لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ (^١)، وَأَحْسَنَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ (^٢)، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا (^٣)، وَكلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ (^٤)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ (^٥) وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (^٦) فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ (^٧) وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ» (^٨).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا (^٩) فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ وَالفَرَاشُ (^١٠) يَقَعْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ (^١١)، وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهَا» (^١٢). رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلا مَنْ أَبى» (^١٣) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبى». رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ يَقُولُ: جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ نَائِمٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ العَيْنَ نَائِمَةٌ وَالقَلْبَ يَقْظَان (^١٤) فَقَالُوا: إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هذَا مَثَلًا فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ العَيْنَ نَائِمَةٌ وَالقَلْبَ يَقْظَانُ (^١٥) فَقَالُوا مَثَلُهُ (^١٦) كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا وَجَعَلَ فِيهَا\n_________\n(^١) أي أصوب الكلام القرآن.\n(^٢) أي وألطف الطرق طريق محمد - ﷺ -.\n(^٣) التي لم تكن في زمن النبي - ﷺ - ولم يقل رجال الدين بها.\n(^٤) فالبدعة ومبتدعها في النار.\n(^٥) أي كله.\n(^٦) لكن الفرائض لا بد من فعلها كلها.\n(^٧) أسئلتهم.\n(^٨) ومخالفتهم لأنبيائهم.\n(^٩) أوقد نارًا.\n(^١٠) الفراش: حيوان صغير يلتقي نفسه في النار.\n(^١١) جمع حجزة - كغرف وغرفة - معقد الإزار ومحل ربطه.\n(^١٢) تقعون، فمثل النبي - ﷺ - ودعائه الناس إلى هدايهم وهم يعصونه، كمثل من أوقد نارًا فصارت الحيوانات الصغيرة التي لا تميز تقع فيها وصاحب النار يذبها وهي لا تفقه فتهلك نفسها، فالنبي - ﷺ - يدعو الناس ليخلصهم من الهلاك وهم يعصونه ويقعون فيه.\n(^١٣) أي عن طاعتي.\n(^١٤) كشأن الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم.\n(^١٥) أي فاضربوا له المثل فإنه يفهمه.\n(^١٦) أي بين ربه جل شأنه وبين أمته.","vol":"1","page":44},{"text":"مَأْدُبَةً (^١) وَبَعَثَ دَاعِيًا (^٢)، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِي دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ المَأْدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ المَأْدُبَةِ، فَقَالُوا: أَوِّلُوهَا لَهُ يَفْقَهْهَا (^٣) فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ العَيْنَ نَائِمَةٌ وَالقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: فَالدَّارُ الجَنَّةُ (^٤)، وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ ﷺ فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ (^٥)، وَمَنْ عَصى مُحَمَّدًا فَقَدْ عَصى اللَّهَ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ فَرْقٌ (^٦) بَيْنَ النَّاسِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرْيَرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى المَقْبُرَةَ (^٧) فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ (^٨) قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ (^٩)، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا» (^١٠)، قَالُوا: أَوَ لَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ (^١١) فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ (^١٢) فَقَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ (^١٣) بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ (^١٤) أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ»؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ (^١٥) قَالَ: «فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الوُضُوءِ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الحَوْضِ (^١٦) أَلَا لَيُذَادَنَّ (^١٧) رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ البَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ (^١٨) فَيُقَالُ: إِنهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ:\n_________\n(^١) هي الوليمة لحادث سرور، كزواج أو ختان أو حفظ قرآن.\n(^٢) يدعو الناس ليأكلوا منها.\n(^٣) فسروها له يفهمها.\n(^٤) وصاحبها هو الله جل شأنه.\n(^٥) لأن الوليمة في دار الله وهو الذي يدعو إليها على لسان محمد - ﷺ -.\n(^٦) أي فارق، فأتباعه حزب الله، ومخالفوه حزب الشيطان، وحزب الله هم المفلحون.\n(^٧) بتثليث الباء.\n(^٨) منصوب على الاختصاص أي أخص مؤمني هذه الدار.\n(^٩) ذكر المشيئة للتبرك وإلا فالموت محقق.\n(^١٠) أي أتمنى أن أرى أهل الفضل والصلاح من أمتي.\n(^١١) الذين يأتون من بعدي، وفيه فضل من يؤمن بالنبي - ﷺ - ولم يره، ومنه ما سيأتي في الفضائل: أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره، وحديث: خيركم قرني ربما كان المراد منه السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.\n(^١٢) فهموا من هذا التمني أنه - ﷺ - تواق إلى رؤية من يأتي بعده من أمته فقالوا كيف تعرفهم.\n(^١٣) أي بيض الوجوه والأيدي والأرجل.\n(^١٤) في وسط خيل سود.\n(^١٥) أي يعرفها.\n(^١٦) أنتظرهم عليه.\n(^١٧) أي ليمنعن.\n(^١٨) أي تعالوا.","vol":"1","page":45},{"text":"سُحْقًا سُحْقًا» (^١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَلِلْبُخَارِيِّ بَعْضُهُ.\n\n• عَنِ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا بَعْدَ صَلَاةِ الغَدَاةِ (^٢) مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ (^٣) وَوَجِلَتْ (^٤) مِنْهَا القُلُوبُ فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ هذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ (^٥) فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا (^٦) يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ (^٧) فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (^٨) وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ فَمَنْ أَدْرَكَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلْفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ عَضّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (^٩).\n\n• عَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا أُلْفِيَنَّ (^١٠) أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ (^١١) يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِي (^١٢) مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهِيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ لَا نَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهِ» (^١٣).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً (^١٤) وَتَفَرَّقَتِ النَّصَارَى عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً (^١٥) وَتَفَرَّقَتْ أُمَّتِي (^١٦) عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً زَادَ فِي رِوَايَةٍ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ\n_________\n(^١) أي هلاكا لهم.\n(^٢) الصبح.\n(^٣) بكت منها.\n(^٤) خافت.\n(^٥) من قرب ارتحاله عن الدنيا.\n(^٦) تأمرنا به.\n(^٧) أي وإن تأمر عليكم عبد.\n(^٨) في الخلافة وغيرها.\n(^٩) الأضراس، مبالغة في التمسك بما كان عليه النبي - ﷺ - وخلفاؤه بعده.\n(^١٠) أي لا أجدن أي لا ينبغي أن أرى أو أسمع عن أحدكم هذا القول.\n(^١١) جالسًا على سريره المزين بأنواع الحلل.\n(^١٢) يفسره ما بعده.\n(^١٣) وما ليس فيه لا نعتبره، وهذا إخبار بما ذهب إليه بعض الفرق الضالة كالخوارج والروافض الذين تمسكوا بظاهر القرآن وتركوا السنة التي بينت مجمله وأوضحت متشابهه وكشفت المراد منه، فتحيروا وضلوا عن الحق فإن السنة كثيرة وقد أمرنا بأخذها في قوله تعالى - وما آتاكم الرسول فخذوه - وفي رواية: ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته (كناية عن البلادة وسوء الفهم الناشئين عن الجهل والحماقة من سعة العيش الذي هم فيه) يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه.\n(^١٤) في دينهم.\n(^١٥) في دينهم أيضا وهذه الفرق والاختلافات معلومة للفريقين.\n(^١٦) أي ستفترق.","vol":"1","page":46},{"text":"فِي النَّارِ وَ(^١) وَاحِدَةٌ فِي الجَنَّةِ وَهِيَ الجَمَاعَةُ» (^٢). رَوَى الثَّلَاثَةَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ». رَوَاهُ الإِمَامُ مَالِكٌ.\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ (^٤) وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي (^٥) وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا» (^٦). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ لَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لأَحَدٍ (^٧) فَافْعَلْ» ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا بُنَيَّ وَذلِكَ مِنْ سُنَّتِي وَمَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الجَنَّةِ». رَوَاه التِّرْمِذِيُّ (^٨).\n_________\n(^١) قال أبو منصور التميمي في شرحه: لم يرد بهذه الفرق المذمومة الفرق المختلفة في فروع الفقه من الحلال والحرام لأنهم لم يكفر بعضهم بعضًا وإنما أراد بالذم الفرق التي خالفت الجماعة في أصول التوحيد وفي تقدير الخير والشر وفي شروط النبوة والرسالة، وفي موالاة بعض الأصحاب ونحوهم ممن كفر بعضهم بعضًا والمذكور من هذه الفرق في علم التوحيد ست طوائف وهي الروافض والجهمية والحرورية والمرجئة والقدرية والجبرية ويتفرع منها فرق كثيرة.\n(^٢) التي اجتمعت وتمسكت بما كان عليه النبي - ﷺ - والخلفاء الراشدون بعده وهم أهل القرآن والحديث والفقه، وزاد أبو داود في رواية: وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجاري بهم تلك الأهواء ما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبق منه عرق إلا دخله، فهذه الزيادة تصف تلك الفرق بوصف عام وهو أن البدع والآراء الفاسدة تذهب بهم في أودية الضلال وتملأ أجسامهم كما يملأ داء الكلب جسم من أصيب به، والكلب داء يصيب الإنسان من عض كلب مريض بالكلب وهو داء كالجنون يمنع صاحبه شرب الماء حتى يموت عطشا، نسأل الله السلامة.\n(^٣) بأسانيد صحيحه.\n(^٤) أي أنه من عند الله ومن تمسك به أوصله إلى الله كالحبل يوصل إلى المطلوب.\n(^٥) وسيأتي في الفضائل: أنهم علي وفاطمة وأبناؤهما وآل العباس وآل جعفر وآل عقيل ﵃.\n(^٦) أي كتاب الله وأهل البيت فأحسنوا خلافتي فيهما باحترامهما والعمل بكتاب الله وما يراه أهل العلم من آل البيت أكثر من غيرهم.\n(^٧) هو الإصرار على إضراره في نفس أو عرض أو مال ومنه: تمني زوال نعمته بالقلب، وأذية المسلم بالفعل أكبر ذنبًا من الإصرار عليها، وسبق: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.\n(^٨) في العالم بسند حسن والله أعلم.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type='title' id=toc-26>الباب السابع: الاقتصادُ في العمل والدوامُ عليه أحبُّ إلى الله</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ فَقَالَ: «مَنْ هذِهِ؟» قَالَتْ: فُلَانَةُ (^١) تَذْكُرُ (^٢) مِنْ صَلَاتِهَا قَالَ: «مَهْ (^٣) عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ (^٤) فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ (^٥) اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا (^٦) وَكَانَ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (^٧): «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ (^٨) وَأَتْقَاكُمْ لَهُ (^٩) وَلكِنِّي أَصُومُ (^١٠) وَأُفْطِرُ (^١١) وَأُصَلِّي (^١٢) وَأَرْقُدُ (^١٣) وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ (^١٤) فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي (^١٥)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عَمْروٍ (^١٦) ﵄ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «أَلَمْ أُخْبَرْ (^١٧) أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصومُ النَّهَارَ» قلْتُ: إِنِّي أَفْعَلُ ذلِكَ قَالَ: «فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكَ (^١٨) وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ (^١٩) وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حَقٌّ (^٢٠) وَلِأَهْلِكَ حَقٌّ (^٢١) فَصُمْ (^٢٢) وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ» (^٢٣). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\n(الباب السابع. الاقتصاد في العمل والدوام عليه أحب إلى الله)\n(^١) هي الحولاء بنت تويت بالتصغير.\n(^٢) أي عائشة فقالت يا رسول الله: هي أعبد أهل المدينة لا تنام الليل.\n(^٣) اسم زجر أي اكففي فهو نهي عن مدحها أو عن عمل ما لا يمكن المداومة عليه.\n(^٤) أي الزموا العمل الذي تطيقونه وداوموا عليه.\n(^٥) الملل: السآمة وترك الشيء استثقالا وهو محال على الله تعالى فيراد لازمه وهو ترك الإعطاء.\n(^٦) تسأموا فالله تعالى لا يقطع الثواب عن عبده حتى يترك العقل.\n(^٧) سببه أن ناسًا من المسلمين جاءوا إلى عائشة فسألوها عن عمل النبي - ﷺ - فأخبرتهم به فكأنهم استقلوا أعماله فبلغه ذلك فقال.\n(^٨) أي أشدكم خشية له.\n(^٩) أي أكثركم طاعة له.\n(^١٠) في بعض الأيام.\n(^١١) في بعضها.\n(^١٢) في بعض الليل تهجدًا.\n(^١٣) في بعضه لراحة جسمي.\n(^١٤) لحفظ التناسل الإنساني الذي عليه عمارة الكون، وهذه طريقتي الكفيلة بخير الدنيا والآخرة.\n(^١٥) ليس على طريقتي التي أمرني بها ربي.\n(^١٦) زوجه أبوه امرأة قرشية جميلة فتركها وانقطع للعبادة فكلمه أبوه فلم يسمع فشكاه للنبي - ﷺ - فأحضره.\n(^١٧) استفهام أي بلغني أنك تصوم النهار وتقوم الليل.\n(^١٨) غارت وضعفت.\n(^١٩) أي سئمت وكلت.\n(^٢٠) اسم إن ضمير الشأن وجملة لنفسك حق خبرها، فراع حقها بالراحة.\n(^٢١) هي الزوجة لها عليك حق الإنفاق والتمتع لتعف نفسها بذلك.\n(^٢٢) في بعض الأيام.\n(^٢٣) في بعض الليل.","vol":"1","page":48},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ (^١) وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلا غَلَبَهُ (^٢) فَسَدِّدُوا (^٣) وَقَاربُوا (^٤) وَأَبْشِرُوا (^٥) وَاسْتَعِينُوا بِالغَدْوَةِ (^٦) وَالرَّوْحَةِ (^٧) وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ (^٨)».\n\n• عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (^٩) إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الغَضَبُ فِي وَجْهِهِ (^١٠) ثُمَّ يَقُولُ: «إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أنَا» (^١١). رَوَاهُمَا البُخَارِيُّ.\nوَسُئِلَتْ عَائِشَةُ: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ؟ (^١٢) قَالَتْ: لَا كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً (^١٣) وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَطِيعُ. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَعَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ (^١٤) قَالَ: «أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ» (^١٥). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) ذو يسر وسهولة فلم يأمرنا إلا بما نطيقه - لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها -.\n(^٢) أي لا يغالبه أحد ويتعمق فيه إلا انقطع عن العمل.\n(^٣) أمر بالسداد وهو الصواب.\n(^٤) أي إن لم تقدروا على العمل بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه.\n(^٥) بالثواب العظيم على العمل الدائم وإن قل.\n(^٦) بالضم والفتح هي من الفجر إلى طلوع الشمس.\n(^٧) هي من الزوال إلى الليل.\n(^٨) بالضم هي سير آخر الليل، والمراد هنا آخر الليل أو أوله وخص هذه الأوقات لأنها أنشط أوقات المسافر، ومدة العمر كمدة السفر، فكما أن المسافر يستعين بهذه الأوقات على قطع سفره ينبغي للمسلم أن يستعين بهذه الأوقات على عبادة الله تعالى من الصبح إلى الضحى وعقب الظهر والعصر وبعد المغرب إلى هزيع من الليل. فإنها أنشط الأوقات.\n(^٩) يفسره ما بعده.\n(^١٠) من مراجعتهم له - ﷺ - والمطلوب منهم الامتثال وعدم المراجعة.\n(^١١) فالنبي - ﷺ - في غاية القوة العملية وفي نهاية القوة العلمية فهو أتقى مخلوق وأعلمه بالله وأشده خوفا وخشية من ربه.\n(^١٢) بكثرة الأعمال الصالحة.\n(^١٣) أي دائمًا فكان عمله - ﷺ - في الأيام والليالي على نظام واحد ثم.\n(^١٤) أي أفضل وأكثر ثوابًا.\n(^١٥) ما دام وإن كان قليلا والله أعلم.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>كتاب النية والإخلاص</span>\nوفيه ثلاثة أبواب\n\n<span data-type='title' id=toc-28>الباب الأول: في النية (^١) والإخلاص (^٢) ومزاياهما </span>(^٣)\n_________\nك تاب النية والإخلاص\nوفيه ثلاثة أبواب\n\n(الباب الأول في النية والإخلاص ومزاياها)\n(^١) النية في اللغة: القصد، وحقيقتها شرعًا قصد الشيء مقترنًا بفعله، وحكمها أنها فرض في كل عمل ومحلها القلب فلا يكفي النطق مع الغفلة والنسيان لحديث وإنما لكل امرى ما نوى، ولا نية للناسي والمخطئ ولكن لو تلفظ بها لكان أحسن ليساعد اللسان القلب وزمن النية أول العبادة ليكون العمل مقرونًا بها من أوله إلا إذا تعذر معرفة الأول كالصوم، فإنه لما تعذر معرفة أول النهار أوجبها الشارع من الليل، وسيأتي في الصوم \"من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له\" وكيفية النية تختلف باختلاف الأعمال، في الوضوء بنوي الوضوء وفي الصلاة ينوى الصلاة وهكذا. وشرط النية إسلام الناوي وتمييزه وعلمه بالمنوى واستصحابها للعمل ولو حكما بألا يوجد ما ينافيها والجزم بها فلو قال نويت كذا إن شاء الله وقصد التعليق أو أطلق لم تصح وإن قصد التبرك صحت. والمقصود بها تمييز أنواع العبادة بعضها عن بعض كتمييز الظهر عن العصر والمغرب من العشاء وهكذا. وهذه هي مباحث النية المذكورة في قول بعضهم.\nحقيقة حكم محل وزمن … كيفية شرط ومقصود حسن\n(^٢) في اللغة التصفية وتمييز الشيء عن غيره، وشرعة إتقان العبادة لله تعالى كأنك تراه.\n(^٣) أي النية والإخلاص، فمزية النية صحة العبادة وتمييزها عن العادة، فإن الشيء الواحد يكون بالنية عبادة وبدونها عادة كالجلوس في المسجد بنية الاعتكاف عبادة وبدونها كقصد الاستراحة يكون عادة، وكالنسل بنية شرعية كالطهارة من الجنابة يكون عبادة وبقصد النظافة يكون عادة بل بالنية الصالحة تصير العادات عبادات كالأكل والشرب والنوم بنية التقوى على طاعة الله واللبس بنية ستر العورة والتجمل في طاعة الله والنباح بقصد الإعفاف والتناسل كما أمر الله، وسيأتي في الصدقة: \"إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهي له صدقة\"، ومزايا الإخلاص لذة المناجاة ومضاعفة الثواب وصفاء الباطن وتنوير القلوب حتى نكون على استعداد للتأثر بالعبر والمواعظ - ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ - وكفاه شرفًا أن الله تعالى لا يمنحه إلا لأحبابه، قال الله تعالى=","vol":"1","page":50},{"text":"قَالَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينِ﴾ (^١) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (^٢) وَقَالَ: ﴿وَمَآ أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ﴾.\n\n• عَنْ عُمَر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ (^٣) بِالنِّيَّاتِ (^٤) وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ (^٥) مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ (^٦) إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ (^٧) فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ (^٨) وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا (^٩) أَو امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا (^١٠) فَهِجْرَتهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (^١١).\n_________\n=في الحديث القدسي: \"الإخلاص سر من سرى استودعته قلب من أحببت من عبادي، لا يطلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده\".\n(^١) أي لا تلاحظ في عملك لله أحدًا سواه.\n(^٢) فلا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا له جل شأنه.\n(^٣) البدنية أقوالها وأفعالها فرضها ونفلها الصادرة من المكلفين أي إنما صحتها منهم كائنة بالنيات.\n(^٤) وفي رواية إنما العمل بالنية وفي أخرى الأعمال بالنية، وفي رواية العمل بالنيات وكلها فيها الحصر، فتفيد أن كل عمل لا يعتبر شرعًا إلا إذا اقترن بالنية، والحصر أكثري لا كلى فقد يصح عمل بلا نية كالقراءة والأذان كما يصح ترك المحرَّم بدونها وإن توقف الثواب عليها، فهذه الجملة أفادت وجوب النية في كل عمل.\n(^٥) شخص أي وإنما يكتب لكل شخص ثواب ما نواه فإن نوى صلاة ظهر فله ثوابها وإن نوى صلاة عصر فله ثوابها وإن نوى صوم فرض فله ثوابه وإن نوي نفلا فله ثوابه وهكذا، وهذه العبارة أفادت التمييز في مراتب العبادة.\n(^٦) هي التحول من مكة إلى المدينة وكانت واجبة قبل فتح مكة وأما بعده فلا للحديث الآتي في الجهاد - لا هجرة بعد الفتح - وسيأتي الكلام عليها في الجهاد وفي النبوة إن شاء الله.\n(^٧) نية وقصدًا.\n(^٨) شرعًا وجزاء وأجرًا، وهذه الكلمة والتي بعدها أفادنا المقصود من النية وهو تمييز العبادة عن العادة.\n(^٩) كمال يطلبه.\n(^١٠) يتزوجها.\n(^١١) ولا ثواب له عند الله. وخص المرأة مع أنها داخلة في الدنيا لأن الفتنة بها عظيمة ولأنها سبب ورود الحديث، فإن أم قيس لما هاجرت إلى المدينة هاجر وراءها الرجل الذي يحبها ليتزوجها وأظهر أن هجرته لله ورسوله فرد الحديث عليه بأن الهجرة الشرعية ما كانت لله ورسوله، ومعلوم الضرورة أن هذا الرجل الذي سافر عشرة أيام من مكة إلى المدينة كان نصب عينيه معنى ذلك، فقد حصلت الهجرة بمعناها الذي قاله الفقهاء وهو قصد الشيء مقترنًا بفعله ومع ذلك ردها الله عليه ولم يقبلها لأنه لم يضفها لله ورسوله، وحينئذ يتعين زيادة الإضافة إلى الله تعالى في تعريف النية كأن يقال هي قصد الشيء مقترنًا بفعله موجهًا إلى الله تعالى، قال الشافعي وأحمد ﵄: في هذا الحديث ثلث العلم؛ لأن كسب العبد إما بقلبه أو بلسانه أو بجوارحه، والنية عمل القلب وفي رواية عن الشافعي في هذا الحديث نصف العلم، فإن=","vol":"1","page":51},{"text":"رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوى عَنْ رَبِّهِ ﵎ (^١) قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ (^٢) ثُمَّ بَيَّنَ ذلِكَ (^٣) فَمَنْ هَمَّ بحَسَنَةٍ (^٤) فَلَمْ يَعْمَلْهَا (^٥) كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ ﷿ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ (^٦) إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ (^٧) وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئةٍ فَلَمْ يَعْمَلهَا (^٨) كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ سَيِّئةً وَاحِدَةً» (^٩). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ (^١٠) يَمْشُونَ أَخَذَهُمُ المَطَرُ (^١١) فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ (^١٢) فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ (^١٣) فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا (^١٤) لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا عَنْكُمْ. قَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرانِ\n_________\n=الدين عمل باطن وعمل ظاهر، والباطن النية وهي عمل القلب الذي هو أشرف الأعضاء فهي أفضل الأعمال وقال أبو داود: هذا الحديث من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام ويكفي الإنسان لدينه أربعة أحاديث: إنما الأعمال بالنيات، ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه - ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وإن الحلال بين والحرام بين - والله أعلم.\n(^١) ظاهره أنه حديث قدسي وهو كذلك فقد رواه البخاري ومسلم في الإيمان مرة بلفظ قال الله ﷿ \"إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه\" الخ.\n(^٢) قدرها وكتبها في اللوح المحفوظ.\n(^٣) لملائكته وللمكلفين بالآتي.\n(^٤) أي قصد فعلها.\n(^٥) لتعطل أسبابها أو لنسيان.\n(^٦) حسنة.\n(^٧) كما يشاء الله بحسب إخلاص الفاعل والله يضاعف لمن يشاء.\n(^٨) بأن تركها خوفا من الله، أما لتعطل أسبابها فلا شيء له بل إن صمم على فعلها أو خذ كما سيأتي في حديث إنما الدنيا لأربعة نفر.\n(^٩) وهذا من محاسن شرعنا قال تعالى - من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون - وهذا الحديث واللذان بعده في مزايا الإخلاص.\n(^١٠) هو جماعة الرجال من ثلاثة إلى سبعة وقيل إلى عشرة وهو هنا ثلاثة من بني إسرائيل.\n(^١١) نزل عليهم.\n(^١٢) دخلوه.\n(^١٣) سدت باب الغار عليهم.\n(^١٤) توسلوا إليه بها.","vol":"1","page":52},{"text":"وَلِي صِبْيَةٌ (^١) صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى (^٢) عَلَيْهِمْ (^٣) فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ (^٤) حَلَبْتُ (^٥) فَبَدَأْتُ بِوَالِدَي أَسْقِيهِمَا قَبْلَ بَنِيَّ وَإِنَّي اسْتَأْخَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ (^٦) فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ (^٧) فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبْ فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا (^٨) وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ (^٩) وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ (^١٠) عِنْدَ رِجْلَيَّ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ فَإِنْ كُنْتَ (^١١) تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ فَفَرَجَ (^١٢) اللَّهُ فَرَأَوُا السَّمَاءَ. وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّهَا (^١٣) كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمَ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النَّسَاءَ (^١٤) فَطَلَبْتُ مِنْهَا (^١٥) فَأَبَتْ (^١٦) حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَبَغَيْتُ (^١٧) حَتَّى جَمَعْتُهَا فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا (^١٨) قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفْتَحِ الخَاتَمَ (^١٩) إِلا بِحَقِّهِ (^٢٠) فَقُمْتُ (^٢١) فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً فَفَرَجَ (^٢٢). وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجيرًا بِفَرَقِ (^٢٣) أَرُزَ فَلَمَّا قَضى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَغِبْ عَنْهُ (^٢٤) فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرُعَاتَهَا فَجَاءَنِي (^٢٥) فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ (^٢٦) فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ البَقَرِ وَرُعَاتِهَا فَخُذْ (^٢٧) فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ\n_________\n(^١) أطفال.\n(^٢) أسعى.\n(^٣) أبوى الكبيرين وأطفالي.\n(^٤) رجعت من المرعى.\n(^٥) أي الغنم.\n(^٦) دخل الليل.\n(^٧) أي أبوى.\n(^٨) لئلا يتألما.\n(^٩) أي قبلهما.\n(^١٠) يتصايحون من الجوع.\n(^١١) يا رب.\n(^١٢) بالتشديد وعدمه رفع الصخرة ثلث المسافة.\n(^١٣) أي قصتي.\n(^١٤) حبًا شديدًا.\n(^١٥) الوطء.\n(^١٦) أي امتنعت.\n(^١٧) سعيت.\n(^١٨) جلست وأردت الوقاع.\n(^١٩) الفرج.\n(^٢٠) بتزويج شرعي.\n(^٢١) وتركتها وتركت الذهب لها، ورواية الطبراني فلما كشفتها ارتعدت تحتي فقلت مالك قالت أخاف الله رب العالمين فقلت تخافينه في الشدة ولم أخفه في الرخاء فقمت وتركتها والمال.\n(^٢٢) أي الله ورفع الصخرة ثلثًا آخر.\n(^٢٣) بفتحتين وتسكن الراء مكيال بالمدينة يسع ستة عشر رطلا.\n(^٢٤) ولم يأخذه.\n(^٢٥) أي بعد مدة.\n(^٢٦) وأعطني أجرى.\n(^٢٧) خذها كلها.","vol":"1","page":53},{"text":"وَلَا تَسْتَهْزئ بِي فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ فَخُذْ (^١) فَأَخَذَهُ (^٢) فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ (^٣) فَفَرَجَ اللَّهُ، وَفِي رِوَايَةٍ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ (^٤) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلا يَسّأَلَنِي عَنْ هذا الحَديثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْك (^٥) لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ (^٦) خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ (^٧) أَوْ نَفْسِهِ (^٨)». رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-29>الباب الثاني: يثاب المرء على نيته فقط</span>\n• عَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ ﵄ قَالَ: كَانَ أَبِي يَزِيدُ (^٩) أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا\n_________\n(^١) كلها فإنها أجرك ولكني نميته لك.\n(^٢) أي البقر ورعاته.\n(^٣) من الصخرة وفي الحديث جواز التوسل بصالح الأعمال قال تعالى - يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة - ولا خلاف في هذا وإنما خص الأول ما فعله بوالديه لأنه مثل معهما أعلى أنواع البر، وهو بين نار الشفقة على أولاده الجياع وبين الخوف من تألم والديه إذا أيقظهما وبين التعب من كده نهارًا وسهره ليلا حتى أرضى والديه كما أمر الله تعالى، فلما نتوسل إليه في الشدة وجد الله عنده. وإنما خص الثاني ما فعله ببنت عمه لأنه مثل أعلى أنواع المجاهدة، فإنه مع شدة حبه لها وشغفه بالوصول إليها لما دفع لها الذهب وتمكن منها ورآها خافت من الله تعالى كان خوفه أكثر وأسرع في الرجوع إلى ربه فلما توسل به في شدة كربه كان الله أسرع إليه من طرفه \"تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة\" والثالث مثل أعلى أنواع المروءة، فإنه لما أشفق على الأجير في غيبته ونمى له أجرته ورحمه في مسكنته كان الله أرحم به من والدته فأجاب دعاه، ومن الضيق نجاه، إنه يجيب المضطر إذا دعاه، وقال معاذ بن جبل حينما بعث إلى اليمن: أوصني يا رسول الله قال: أخلص دينك يكفك العمل القليل. رواه الحاكم.\n(^٤) أي من أعظم حظًا من شفاعتك.\n(^٥) قبلك.\n(^٦) محمد رسول الله.\n(^٧) من أعماق قلبه.\n(^٨) شك من الراوي، وفي الحديث من قال لا إله إلا الله صباحًا ثم قالها مساء نادى مناد من السماء ألا اقرنوا الآخرة بالأولى ثم ألقوا ما بينهما أي من الذنوب وسيأتي فضل لا إله إلا الله في كتاب الذكر إن شاء الله.\n\n(الباب الثاني في الإثابة على النية فقط)\n(^٩) بلفظ المضارع عطف بيان.","vol":"1","page":54},{"text":"عِنْدَ رَجُلٍ فِي المَسْجِدِ (^١) فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا (^٢) فَأَتَيْتُهُ (^٣) بِهَا فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ (^٤) فَخَاصَمْتُهُ (^٥) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يزِيدُ (^٦) وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ» (^٧) رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي الزَّكَاة.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ (^٨) إِلَى صُوَرِكُمْ (^٩) وَأَمْوَالِكُمْ (^١٠) وَلكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ (^١١)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ (^١٢) بِصِدْقَ (^١٣) بَلَّغهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ (^١٤)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ. وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ القَتْلَ فِي سَبِيلِهِ صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ أَعْطَاهُ اللَّهُ أَجْرَ الشَّهِيدِ».\n\n• عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنِ امْرِئٍ تَكُون لَهُ صَلَاةٌ بِلَيْلٍ (^١٥) يَغْلِبُهُ\n_________\n(^١) وأذن له في التصدق بها على أي محتاج.\n(^٢) الدنانير.\n(^٣) أي أبى.\n(^٤) بهذه الصدقة.\n(^٥) شكوته.\n(^٦) أي ثواب نيتك، وظاهره أنه أجر على نيته فقط كما فهمت ذلك فوضعت الحديث هنا.\n(^٧) أقرها النبي - ﷺ - في يده، فيظهر أنه كان محتاجًا ويكون أبوه قد أجر على نيته وصدقته معًا، وإن كان يعكر على هذا مخاصمة أبيه له، إلا أن يقال إنه كان ممن يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة والله أعلم.\n(^٨) أي نظر رحمة ورأفة وإلا فنظره محيط بكل موجود.\n(^٩) أي الجميلة مع قبح الأعمال فحسن الظاهر لا قيمة له مع سوء الباطن.\n(^١٠) الخالية من الزكاة ونفع العباد بل نظره إلى ذلك نظر مقت ووبال.\n(^١١) الخالية من الأدناس، الخاشعة من هيبة الله، المطمئنة لذكر الله - ألا بذكر الله تطمئن القلوب - وخص القلب من الجسم لأنه أشرفه وهو الذي يفيض على الجسد بما فيه كما في الحديث الآتي في البيوع: ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب. فعلى المؤمن أن يفتش عن قلبه فيخليه من العيوب ويطهره من الذنوب ويجمله بطاعة الله من إيمان ثابت ويقين راسخ ومراقبة لله تعالى وتوكل عليه، فيكون على استعدد للتجليات الإلهية والمواهب اللدنية التي يفيضها الله على أحبابه، قال تعالى في الحديث القدسي: ما وسعني أرضي ولا سمائى ولا عرشي ولا فرشي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن. فهو محل الأسرار من الكون كله.\n(^١٢) القتل في سبيل الله لنشر دينه.\n(^١٣) من خالص قلبه أي تمنى بينه وبين الله لو تيسرت السبل وخرجت للجهاد وقتلت فيه.\n(^١٤) بسبب تمنيه.\n(^١٥) أي تعود التهجد بالليل.","vol":"1","page":55},{"text":"عَلَيْهَا نَوْمٌ إِلا كُتِبَ لَهُ أَجْرُ صَلَاتِهِ وَكَانَ نَوْمُهُ عَلَيْهِ صَدَقَةً (^١)» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الأَنْمَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ (^٢): مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ (^٣) وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا (^٤) وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلةٍ (^٥) إِلا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بابَ فَقْرٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا (^٦) وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظوهُ قَالَ: إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ (^٧) عَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ (^٨) وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ (^٩) وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهذَا بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ (^١٠) وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِيَ مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ (^١١) فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ (^١٢) وَعَبْدٌ (^١٣) رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ فِيهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ (^١٤) لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلَا يَصِلْ فِيهِ رَحِمَهُ وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهذَا بِأَخْبَثِ المَنَازِلِ (^١٥) وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ (^١٦) فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ (^١٧)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١٨).\n_________\n(^١) ففي هذا الحديث وما قبله الإثابة على النية فقط وقد ورد: نية المرء خير من عمله. أي نية صالحة بلا عمل خير من عمل بلا نية، وفضل الله واسع.\n(^٢) أي بأنهن من عند الله فهو كلفظ والذي نفس محمد بيده، يراد به كثرة تنبيه السامع للآتي.\n(^٣) فإن الله وعد بالإخلاف أكثر منها في العاجل بل هي تحويل بعض مالك إلى الآخرة كما في حديث: بقيت إلا ربعها، حينما قالوا له تصدقنا بالذبيحة وما بقي إلا ربعها. وسيأتي فضل الصدقة في الزكاة وفي الزهد إن شاء الله.\n(^٤) وسيأتي في الأخلاق: العفو لا يزيد العبد إلا عزًا فاعفوا يعزكم الله.\n(^٥) أي يسأل الناس استكثارًا لما له وسيأتي في الزكاة: ما زال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه قطعة لحم.\n(^٦) شك من الراوي.\n(^٧) أي إنما حظ الدنيا في العلم والمال مقسوم بين أربعة.\n(^٨) أي فيما رزقه الله من العلم والمال بتعليم العلم وإخراج زكاة ماله.\n(^٩) يواسي منه أقاربه.\n(^١٠) في أرفع الدرجات عند الله.\n(^١١) أي بسبب نيته مأجور.\n(^١٢) فمن أعطى مالا وعلما وعمل بهما ونفع العباد فهو في أعلى المنازل ومن لم يعط ذلك وتمناه من خالص قلبه فهو في درجته.\n(^١٣) والثالث عبد.\n(^١٤) يفسره ما بعده.\n(^١٥) في أحط المنازل.\n(^١٦) الذي لم يعمل بماله.\n(^١٧) ذنبهما سواء فمن أعطى مالا وعصى به فهو في شر منزلة، ومثله من تمنى مثل عمله السيء.\n(^١٨) في الزهد بسند صحيح.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type='title' id=toc-30>الباب الثالث: في التحذير من الرباء</span>\nقَالَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ﴾ (^١) ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا﴾.\n\n• عَنْ جُنْدُبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَمَّعَ (^٢) سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ (^٣) وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ (^٤)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَالَ اللَّهُ ﵎: أَنَا أَغْنَي الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ (^٥) مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ (^٦)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنْ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضى يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَيْهِ (^٧) رَجُلٌ (^٨) اسْتُشْهِدَ (^٩) فَأُتِيَ بِهِ (^١٠) فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا (^١١) قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ (^١٢) قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ (^١٣) حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ: كَذَبْتَ وَلكِنَّكَ\n_________\n(الباب الثالث في التحذير من الرياء)\n(^١) وهو مسرور سعيد.\n(^٢) الناس بعبادته أي قصد بها إسماعهم فيحمدونه.\n(^٣) أي فضحه أمامهم يوم القيامة.\n(^٤) أي ومن يظهر للناس عمله يشهره الله به في القيامة بمثل الآتي في الحديث الأخير: وله النار، كما في الحديث الثالث.\n(^٥) أي لا حاجة لي في عبادة عملت لي مع غيري.\n(^٦) فلا شيء له عندي بل يطلب ثوابه ممن شركه معي، وهذا الحديث من نوع الأخير، وكان الأحسن ضمه إليه لولا مراعاة الاصطلاح الذي درجت عليه من تقديم الصحيح على غيره، ويلوح لي من أحاديث الباب أن الرياء نوعان: نوع يقصد بعبادته غير الله مع الله تعالى، والثاني يقصد بعبادته الناس فقط وينسى الله تعالى كما في الحديث الأول والثالث والرابع وهو أشد جرمًا، وكلا النوعين هو الشرك الخفي الذي قال فيه النبي - ﷺ -: ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال. فقلنا بلى يا رسول الله فقال: الشرك الخفي أن يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل. وفي رواية: إن أخوف ما أخاف على أمتي الإشراك بالله، أما إني لست أقول يعبدون شمسًا ولا قمرًا ولا وثنًا ولكن أعمالا لغير الله وشهوة خفية. وفي رواية: لا يقبل الله عملا فيه مثقال حبة من خردل من رياء. روى الثلاثة المنذري في الترهيب.\n(^٧) إن أول الناس يجرى عليه القضاء ثلاثة.\n(^٨) أولها رجل.\n(^٩) مات في الجهاد.\n(^١٠) أوقف بين يدي الله تعالى.\n(^١١) سرد عليه النعم فاعترف بها.\n(^١٢) هل شكرتني عليها.\n(^١٣) في سبيلك ومرضاتك.","vol":"1","page":57},{"text":"قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ (^١) فَقَدْ قِيلَ (^٢) ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ (^٣). وَرَجُلٌ (^٤) تَعَلَّمَ العِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ القُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيك القُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ العِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ القُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ (^٥)، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ (^٦). وَرَجُلٌ (^٧) وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ كُلِّهِ (^٨) فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ (^٩) فَقَدْ قِيلَ (^١٠) ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ (^١١)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جُبِّ الحَزَنِ»، قَالِوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا جُبُّ الحزَنِ؟ قَالَ: «وَادٍ (^١٢) فِي جَهَنَّمَ تَتَعَوَّذ مِنْهُ جَهَنَّمُ (^١٣) كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَدْخُلُهُ؟ قَالَ: «القُرَّاءُ المُرَاؤُونَ (^١٤) بِأَعْمَالِهِمْ».\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يَعْمَلُ العَمَلَ فَيُسِرُّهُ (^١٥)، فَإِذَا اطُّلِعَ عَلَيْهِ أَعْجَبَهُ ذلِكَ (^١٦)\n_________\n(^١) أي شجاع.\n(^٢) أي ما أردته بجهادك.\n(^٣) لأنه خالف أمر الله من إفراده بالعبادة.\n(^٤) والثاني رجل.\n(^٥) ما قصدته وهي الشهرة بالعلم والقرآن.\n(^٦) لأنه جعل المخلوق وهى الشهرة - ربا فعبده دون الله.\n(^٧) والثالث رجل.\n(^٨) تأكيد لأصناف.\n(^٩) أي كريم.\n(^١٠) أي ما أحببته وقصدته بعملك وهو فلان كريم.\n(^١١) لأنه تعجل بعبادة الله تعالى الشهرة في الدنيا فأعطاه الله إياها وليس له في الآخر إلا النار - قال تعالى - من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذمومًا مدحورًا -.\n(^١٢) أي مكان معلوم فيها.\n(^١٣) أي خزنة جهنم.\n(^١٤) الذين يقصدون بقراءتهم الناس وإرضاءهم وينسون الله الذي أنزل القرآن - نسو الله فنسيهم -.\n(^١٥) من الإسرار، أي يخفيه عن الناس ليكون خالصًا لله.\n(^١٦) أي اطلاع الناس عليه فيستبشر بثنائهم واقتدائهم به.","vol":"1","page":58},{"text":"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَهُ أَجْرَانِ: أَجْرُ السِّرِّ (^١) وَأَجْرُ العَلَانِيَةِ (^٢)». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي سَعْدِ بْنِ أَبِي فَضَالَة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيَوْمَ لَا رَيْبَ فِيهِ نَادَى مُنَاد (^٤): مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ أَحَدًا فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْد غَيْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٥). وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) أي أجر عمل السر.\n(^٢) أي وأجر عمل الجهر لأن عمله اكتسب الوصفين فأجر عليهما.\n(^٣) في الزهد بسندين حسنين.\n(^٤) من قبل الله تعالى.\n(^٥) أي في التفسير بسند حسن عن أبي موسى الأشعري قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم فقال: ياأيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل، فقال رجل: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: قولوا اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه. ورواه أيضا أحمد والطبراني والله أعلم.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type='title' id=toc-31>كتاب العلم </span>(^١)\nوفيه ثلاثة أبواب وخاتمة\n\n<span data-type='title' id=toc-32>الباب الأول: في فضل العلم والعلماء</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى﴾ (^٢) ﴿اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٣)، وَقَالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٤)، وَقَالَ: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ (^٥).\n_________\nكتاب العلم\n(الباب الأول في فضل العلم والعلماء)\n(^١) العلم في اللغة: الإدراك، وفي الشرع: صفة توجب تمييزا لا يحتمل النقيض في الأمور المعنوية، فخرج الظن فإنه يحتمل النقيض، وخرج إدراك الحواس فإنه للأمور المحسوسة.\n(^٢) الخشية هي الخوف والنظر بعين الإجلال.\n(^٣) بنصب لفظ الجلالة ورفع لفظ العلماء، وبالعكس شذوذًا، فعلى الأول يكون المعنى لا يخاف الله خوفًا كاملا إلا العلماء، وعلى الثاني يكون المعنى لا ينظر الله إلى شيء من خلقه نظر إجلال إلا للعلماء العاملين بعلمهم، ولا فخر أعظم من هذا.\n(^٤) أي لا يستوي عالم وجاهل، فبينهما فرق عظيم.\n(^٥) أي ما يفهمها بإدراك عميق إلا أهل العلم فيفهمونها والغرض منها، وقال الله تعالى - شهد الله أنه لا إله إلا هو، والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط - فبدأ تعالى بنفسه وثنى بملائكته وثلث بأولى العلم. وقال تعالى: - ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا - أي أعطينا العلم لمن اخترناهم من عبادنا المؤمنين فهم مختارون من الخيار، وكفى بهاتين الآيتين شرفًا وفخرًا لأهل العلم. والعلم علمان: علم الظاهر وعلم الباطن فعلم الظاهر ما يلزم المكلف معرفته في العبادات والمعاملات، ومداره على التفسير والحديث والفقه، وعلم الباطن نوعان: علم معاملة وعلم مكاشفة، فعلم المعاملة فرض عين أيضًا لأن المعرض عنه هالك بسطوة ملك الملوك في الآخرة كما أن المعرض عن علم الظاهر هالك بسيف الشريعة في الدنيا. وعلم المعاملة هو النظر في تهذيب النفس وتصفية القلب من الأوصاف الذميمة كالرياء والعجب والكبر والطمع والفخر وحب العلو والشهرة في الناس وتجميلهما بالأخلاق المحمدية كالإخلاص والصبر والشكر والتواضع والقناعة والورع والزهد والتوكل على الله تعالى ولا ينال الإنسان مرتبة العلم الحقيقية إلا بالعمل بهما، فعلم بلا عمل وسيلة بلا غاية، وعكسه جناية فإذا عمل بهما ورثه الله علم ما لم يعلم قال تعالى: - واتقوا الله ويعلمكم الله - وهو علم المكاشفة الذي هو نور يقذفه الله=","vol":"1","page":60},{"text":"• عَنْ مُعَاوِيَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ (^١) وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ (^٢) وَاللَّهُ يُعْطِي (^٣) وَلَنْ تَزَالَ هذِهِ الأُمَّةُ (^٤) قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ (^٥) لَا يضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ (^٦) حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ (^٧)». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ (^٨) إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَة نَفَرٍ (^٩)، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً (^١٠) فِي الحَلْقَةِ (^١١) فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ\n_________\n=في قلب من يشاء من عباده فتحصل له المعرفة بالله تعالى وتنكشف له الأمور فيراها على ما هي عليه، فافهم وسلم تسلم. قال بعض العارفين: من لم يكن له نصيب من هذا العلم يخشى عليه من سوء الخاتمة، وأقل شيء فيه التصديق به وتسليمه لأهله، فما كل مجهول ينكر، وما كل معلوم يقال فقد قال النبي - ﷺ - \"العلم علمان علم في القلب فذاك العلم النافع وعلم على اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم\".\nوفي رواية: إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله تعالى فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرة (الغفلة) بالله ﷿، وعلم الخضر الذي أظهره لموسى ﵉ كان من هذا النوع رواهما الحافظ المنذري عن الخطيب وابن عبد البر والديامي.\n(^١) أي يفهمه أمور دينه.\n(^٢) أقسم بينكم الشريعة وأبينها لكم من غير تخصيص.\n(^٣) كل واحد منكم من الفهم كما أراد له، فالتفاوت في الفهم منه تعالى، فقد كان بعض الصحابة يسمع الحديث فلا يفهم منه إلا الظاهر ويسمعه آخر منهم أو ممن بعدهم فيستنبط منه أحكامًا كثيرة، قال تعالى: - يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا -.\n(^٤) أي بعضها، وهم الجماعة أهل التفسير والحديث والفقه.\n(^٥) أي سائرة على الدين الحق.\n(^٦) أي لا يمسهم بسوء.\n(^٧) أي القيامة، أي إلى قربها كما سيأتي في علامات الساعة: تهب ريح من اليمن ألين من الحرير فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، ويبق الأشرار وعليهم تقوم الساعة. وفي الحديث أن العلماء أشرف الناس، وأن على الشريعة أفضل العلوم وأن الجماعة هم الإجماع ورأيهم هو الحق وعلى الناس الرجوع إليهم فيما ليس في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، ومن خالفهم فهو مخذول وهم المنصورون ما دامت الدنيا، قال تعالى: - ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا -.\n(^٨) أي حوله في طاعة الله تعالى من قرآن وذكر ونحوهما.\n(^٩) أي رجال دخلوا عليهم.\n(^١٠) محلا خاليًا.\n(^١١) بسكون اللام.","vol":"1","page":61},{"text":"ذَاهِبًا (^١) فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ: أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهُ (^٢) فَآوَاهُ اللَّهِ (^٣) وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا (^٤) فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ (^٥) وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ (^٦)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَفَّسَ (^٧) عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا (^٨) نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ (^٩) وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ (^١٠) يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا (^١١) سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ (^١٢) مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ (^١٣). وَمَنْ سَلَكَ طَريقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا (^١٤) سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ (^١٥). وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ (^١٦) يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ (^١٧) إِلا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ (^١٨) وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ (^١٩) وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ (^٢٠) وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ\n_________\n(^١) أي رجع ولم يجلس معهم.\n(^٢) لجأ إليه.\n(^٣) أي جازاه على جلوسه في مجلس العلم بضمه إلى رحمته ورضوانه، فأوى - بالقصر - كثير في اللازم، وبالمد كثير في المتعدي، وإطلاقه على الله من قبيل المشاكلة وإلا فمعناه محال على الله فيراد لازمه وهو شموله بالرحمة والرضوان، وكذا يقال في اللفظين بعده: فاستحيا الله منه فأعرض عنه.\n(^٤) بترك المزاحمة في مجلس النبي - ﷺ -.\n(^٥) أي بترك عقابه بل عامله بلطفه وإحسانه.\n(^٦) وسخط عليه جزاء وفاقًا.\n(^٧) فرج وأزال.\n(^٨) شدة من شدائدها.\n(^٩) حفظه من أهوالها.\n(^١٠) كأن منحه أو أقرضه نقودًا أو حبوبًا.\n(^١١) سترًا حسيًا بأن أعطاه ثوبًا يواري به عورته، أو يتحفظ به من البرد والحر، أو يتجمل به، أو معنويًا بأن رآه في قبيح فستره.\n(^١٢) أي معه بالعناية والنصر.\n(^١٣) ما دام يسعى في مصلحة أخيه المسلم ويساعده بنحو ماله أو علمه أو جاهه، قال القائل:\nفرضت على زكاة ما ملكت يدي … وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا\n(^١٤) سعى إلى جهة يطلب العلم منها.\n(^١٥) وفقه لعمل يوصله إليها.\n(^١٦) أو في غيرها.\n(^١٧) أو يقرأون أحاديث الرسول ويفسرونها ويأخذون منها الأحكام.\n(^١٨) هي طمأنينة القلب بزيادة الإيمان، قال تعالى: - ألا بذكر الله تطمئن القلوب -.\n(^١٩) عمهم الإحسان الإلهي.\n(^٢٠) أحاطت بهم - فرحًا بما هم فيه - الملائكة الطوافون في الأرض يلتمسون مجالس العبادة فيجلسون معهم، كما يأتي في حديث الشيخين من كتاب الذكر.","vol":"1","page":62},{"text":"فِيمَنْ عِنْدَهُ (^١). وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ (^٢) لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ (^٣)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ (^٤) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ المَلَائِكَةَ (^٥) لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا (^٦) رِضَاءً (^٧) لِطَالِبِ العِلْمِ (^٨) وَإِنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّموَاتِ (^٩) وَمَنْ فِي الأَرْضِ (^١٠) حَتَّى الحِيتَانُ (^١١) فِي المَاءِ، وَفَضْلُ العَالِمِ (^١٢) عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ (^١٣) إِنَّ العُلمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ (^١٤) إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثوا دِينَارًا وَلَا دِرْهِمًا (^١٥) إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ (^١٦) فَمَنْ أَخَذَ بِهِ (^١٧) أَخَذَ بِحَظَ وَافِرٍ (^١٨)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ (^١٩) وَلَهُ اللَّفْظُ.\n_________\n(^١) أي في الملأ الأعلى برفع شأنهم ومجموع هذه المعاني الأربعة هي الروضة الواردة في حديث الطبراني وغيره: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا يا رسول الله وما رياض الجنة قال: مجالس العلم.\n(^٢) أي أخره عمله السيئ.\n(^٣) أي لم ينفعه نسبه الشريف العالي قال تعالى: - فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون - وفي هذا الحديث وما قبله شأن عظيم لمجالس العلم.\n(^٤) كان بدمشق وجاءه رجل من أهل المدينة وقال ما أقدمك؟ قال ما جئت إلا لحديث سمعته عنك، قال أبو الدرداء سمعت رسول الله - ﷺ - الخ.\n(^٥) السالف ذكرها.\n(^٦) أي تكف عن الطيران وتحف المشتغلين بالعلم فتقتبس من رحمتهم وأنوارهم.\n(^٧) أي وإرضاء وتكريمًا.\n(^٨) إذا عمل بذلك.\n(^٩) هم الملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض.\n(^١٠) من إنس وجن وحيوان.\n(^١١) السمك، واستغفار من ذكر للعالم دعاؤهم له، وذلك لأن العالم بإرشاده وهدايته للناس يحبه الله تعالى فإذا أحبه حبب فيه ملائكته وجميع خلقه فإذا أحبوه دعوا له، وستأتي المحبة في الأخلاق إن شاء الله.\n(^١٢) العامل بعلمه وإلا فلا فضل له، بل ربما عوقب أكثر من غيره، لإضلاله مع ما أعطاه الله من العالم كما سيأتي في كتاب الرؤيا في الحديث الطويل \" … وأما الذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن فنام عنه ولم يعمل به\".\n(^١٣) فكما أن القمر هو المنظور إليه ليلا دون سائر الكواكب، كذلك العالم هو المنظور إليه من أهل الأرض، فضلا عن ذلك فله في الآخرة رفيع الدرجات والمقام العالى بقربه من ربه ﵎ وسماعه لكلامه ونظره لوجهه الكريم ﷿، وهذا منتهى النعيم في دار الجنان.\n(^١٤) يخلفونهم في تبليغ الشريعة وهداية الناس.\n(^١٥) لم يتركوا شيئًا من ذلك.\n(^١٦) تركوه للعلماء فهم بعد الأنبياء الواسطة بين الله وعباده.\n(^١٧) أي بالعلم.\n(^١٨) بنصيب عظيم ودرجة رفيعة في الدارين.\n(^١٩) بسند منقطع وقال البخاري: إن له سندًا آخر أصح من هذا.","vol":"1","page":63},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «العِلْمُ (^١) ثَلَاثَةٌ (^٢) وَمَا سِوَى ذلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ (^٣) آيَةٌ (^٤) مُحْكَمَةٌ (^٥) أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ (^٦) أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ (^٧)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٨) وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرْيَرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ حُسْنُ سَمْتٍ وَلَا فِقْهٌ فِي الدِّينِ (^٩)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الكَلِمَةُ الحِكْمَةُ (^١٠) ضَالَّةُ المُؤْمِنِ (^١١) فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا (^١٢)».\nوَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ طَلَبَ العِلْمَ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى (^١٣)».\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فَقِيهٌ (^١٤) أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ (^١٥) مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ (^١٦)».\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ (^١٧)». ثُمَّ قَالَ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ\n_________\n(^١) أي المعهود وهو علم الدين الواجب معرفته.\n(^٢) أي أصله من ثلاثة أمور.\n(^٣) زيادة في الفضيلة.\n(^٤) من كتاب الله.\n(^٥) أي بينة واضحة غير منسوخة.\n(^٦) أو للتنويع، سنة: طريقة منقولة عن النبي - ﷺ - قائمة ثابتة دائمة غير منسوخة.\n(^٧) هي كل حكم يحصل به العدل في القسمة بين الورثة، وهو علم الميراث، وإنما نص عليه مع دخوله فيما قبله للعناية به، فإنه أول علم يرفع من الأرض، وقيل المراد بالفريضة كل ما يجب العمل به، وبالعادلة المساوية لما في الكتاب والسنة في وجوب العمل بها، فتكون إشارة إلى الإجماع والقياس اللذين هما من الأدلة.\n(^٨) بسند فيه عبد الرحمن الإفريقي وهو المولود الأول في إفريقية بعد الإسلام وولى القضاء بها ﵁، وهذا الحديث والذي قبله بل الباب كله في باب الترغيب.\n(^٩) أي فحسن الشكل والتفقه في الدين لا يوجدان إلا في المؤمن، فعليه الاتصاف بهما، فهو إخبار يراد به الإنشاء.\n(^١٠) بدل، أي المسألة النافعة في الدين.\n(^١١) محبوبه ومناه الذي يحرص عليه في كل لحظة.\n(^١٢) من غيره لأنه معدنها وتزيد عنده بالعمل بها والإنفاق منها، فهو حث على السعي وراء العلم النافع.\n(^١٣) فتعلم العلم وتعليمه أعظم مكفر للذنوب.\n(^١٤) أي عالم واحد بالشرع.\n(^١٥) أخوف وأضر عليه.\n(^١٦) لأن العابد مشتغل بنفسه فقط، وأما العالم فإنه كلما رأى الشيطان أغوى الناس وأفسدهم لفت نظرهم فتنبهوا ورجعوا إلى الله، فكلما بنى الشيطان هدم العالم فخاب مسعاه وضل مناه.\n(^١٧) فنسبة شرف العالم إلى شرف العابد كنسبة شرف النبي - ﷺ - إلى أصغر صحابي.","vol":"1","page":64},{"text":"فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلّونَ (^١) عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرِ (^٢)».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَنْ يَشْبَعَ المُؤْمِنُ مِنْ خَيْرٍ (^٣) يَسْمَعُهُ حَتَّى يَكُونَ مُنْتَهَاهُ الجَنَّةَ». رَوَى هذِهِ الخَمْسَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ عُثْمَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَشْفَعُ (^٥) يَوْمَ القِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ (^٦) الأَنْبِيَاءُ (^٧) ثُمَّ العُلَمَاءُ (^٨) ثُمَّ الشُّهَدَاءُ (^٩)». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (^١٠).\n_________\n(^١) وصلاة الله عليه: رحمته، وصلاة الملائكة: استغفارهم له، وصلاة أهل الأرض: دعاؤهم له.\n(^٢) كمعلم القرآن والحديث والفقه، ومن يرشد الناس إلى طاعة الله تعالى، ولا رتبة أعلى من رتبة من يرحمه الله وتدعو له العباد.\n(^٣) هو العلم الشرعي النازل من السماء، فهو دائما في شغف إلى العلم، كما أن طالب الدنيا لا يشبع منها، وفي الحديث: منهومان (جائعان) لا يشبعان: طالب علم وطالب مال. ولكن طالب المال إنما يسعى فيما يفسده ويطغيه وطالب العلم يسعى فيما يصلحه ويهديه. وفيه حث على طلب العلم من المهد إلى اللحد حتى يصل بصاحبه إلى الجنة.\n(^٤) بأسانيد غريبة إلا الأخير فسنده حسن.\n(^٥) كيعلم، ويحتمل أنه بضم أوله وتشديد ثالثه كما ضبطوا بهذا حديث أبي داود القائل: يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته.\n(^٦) أي ثلاث فرق مرتبين بإذن الله تعالى.\n(^٧) والرسل بالأولى.\n(^٨) فأعظم بمرتبة تلى النبوة وتسبق الشهادة.\n(^٩) الذين ماتوا في الجهاد.\n(^١٠) بسند حسن، قال رسول الله - ﷺ - \"يقول الله ﷿ للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه لفصل عباده إني لم أجعل علمي وحلمي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان فيكم ولا أبالي\" وفي رواية: يبعث الله العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء فيقول: يا معشر العلماء إني لم أضع علمي فيكم لأعذبكم، اذهبوا فقد غفرت لكم. وفي رواية: أفضل العبادة الفقه وأفضل الدين الورع (هو أخذ الحلال الخالص وترك ما فيه شبهة) وفي رواية: إذا جاء الموت لطالب العلم وهو على هذه الحالة مات وهو شهيد. وفي أخرى: من جاءه أجله وهو يطلب العلم لم يكن بينه وبين النبيين إلا درجة النبوة. روى الخمسة الطبراني، وللإمام أحمد: إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة. وللبيهقي: يبعث العالم والعابد فيقال للعابد ادخل الجنة ويقال للعالم أثبت حتى تشفع للناس بما أحسنت أدبهم. وقد اختلف العقل والعلم فقال العقل: أنا أفضل لأن الله عُرف بي، وقال العلم: أنا أفضل لأن الله اتصف بي في الكتاب، فوافقه العقل واعترف له بالفضل. ونظم بعضهم ذلك فقال:\nعلم العليم وعقل العاقل اختلفا … من ذا الذي منهما قد أحرز الشرفا =","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type='title' id=toc-33>الباب الثاني: في وجوب تبليغ العلم وفضل نشره</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا﴾ (^١) ﴿أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾.\n\n• عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِيُبَلِّغِ (^٢) الشَّاهَدُ (^٣) الغَائِبَ (^٤) فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ (^٥)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَلِّغُوا (^٦) عَنِّي وَلَوْ آيَةً (^٧) وَحَدِّثُوا عَنْ\n_________\n= فالعلم قال أنا أحرزت غايته … والعقل قال أنا الرحمن بي عرفا\nفأفصح العلم إفصاحًا وقال له … بأينا الله في فرقانه اتصفا\nفبان للعقل أن العلم سيده … فقبل العقل رأس العلم وانصرفا\nوقد فاتني الكلام على حكم تعلم العلم، وجل من لا يسهو. أعلم وفقني الله وإياك أن العلم فرض عين على كل مكلف لقوله تعالى - فاعلم أنه لا إله إلا الله - أي اعتقد أنه لا معبود بحق إلا الله واعرف أسماءه وصفاته التي وردت في الكتاب والسنة، وهذا كاف في أصل المعرفة، وأما كمالها فلا بد فيه من الدليل العقلي لأنه هو الذي يفيد المعرفة اليقينية الثابتة، وبسط ذلك في علم التوحيد ولقوله تعالى - فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الذين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون - ولقول رسول الله - ﷺ - \"طلب العلم فريضة على كل مسلم وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب\" رواه ابن ماجه وغيره، وللطبراني في الأوسط: تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والوقار وتواضعوا لمن تعلمون منه. والله أعلم.\n\n(الباب الثاني في وجوب تبليغ العلم وفضل نشره)\n(^١) أي واذكر يا محمد للناس ما فعله الله مع العلماء قديمًا، فإنه أخذ منهم المواثيق والعهود على أن يعلموا العلم للناس ولا يكتموه ولا يأخذوا عليه ثمنًا فخالف بعضهم وحق عليه الوعيد .. وأنتم يا أهل العلم مثلهم فالعهد باق ما دامت العلماء والناس.\n(^٢) اللام للأمر كقوله تعالى ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾.\n(^٣) الحاضر الذي سمع مني.\n(^٤) الذي لم يسمع مني.\n(^٥) أي فإني أرجو أن يبلغ السامع منى شخصًا يكون أحرص وأحفظ للحديث من السامع، فضمير له يعود على الحديث المعلوم من المقام، وضمير منه يعود على الشاهد، فالتبليغ واجب لحفظ الشريعة من الضياع وربما صادف لبيبًا نحريرًا استخرج منه أحكامًا لم يفهمها السابق.\n(^٦) أمر وهو للوجوب.\n(^٧) والحديث أولى، فإن القرآن محفوظ، قال تعالى \"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون\".","vol":"1","page":66},{"text":"بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ (^١) وَمَنْ كَذَبَ (^٢) عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سُئِلَ (^٣) عَنْ عِلْمٍ (^٤) فكَتَمَهُ أَلجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ القِيَامَةِ (^٥) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى (^٧) وَالعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ (^٨) الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ (^٩) قَبِلَتِ المَاءَ فَأَنْبَتَتِ الكَلأَ (^١٠) وَالعُشْبَ (^١١) الكَثِيرَ وَكَانَتْ مِنْهَا (^١٢) أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ المَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا وَأَصَابَ مِنْهَا (^١٣) طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ (^١٤) لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تنْبِتُ كَلأً فَذلِكَ (^١٥) مَثَلُ مَنْ فَقُهَ (^١٦) فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذلِكَ رَأْسًا (^١٧) وَلَمْ يَقبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ (^١٨)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\n(^١) ولا إثم عليكم، وهذا فيما لم يرد فيه نهي وإلا فلا كما قالوه في حديث البخاري الآتي في التفسير القائل لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا \"آمنا بالله وما أنزل إلينا\" الآية أي فيما لم يرد به شرعنا، وإلا فإن ورد فيه ما يوافقهم صدقناهم وإن ورد ما يخالفهم كذبناهم.\n(^٢) سيأتي الكذب في الأخلاق.\n(^٣) من شخص يظن فيه الخير.\n(^٤) قال الخطابي: هو في العلم الضروري، ككافر جاء يقول علمني الإسلام، وكقول آخر علمني الصلاة وقد حضر وقتها، وقول آخر: علمني الزكاة فهذا وقتها وليس ذلك في نوافل العلم التي لا ضرورة إليها.\n(^٥) فإنه لما كتم العلم وأمسكه بفمه عوقب فيه يوم القيامة جزاء وفاقًا، فهو وعيد بالعذاب على الكتمان، فيكون التبليغ واجبًا كما صرح به فيما قبله قال أبو هريرة: لولا آية في كتاب الله ما حدثت بشيء - إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون - فكاتم العلم عن أهله ملعون ومعاقب بنص الكتاب والسنة.\n(^٦) بسند حسن.\n(^٧) بيان لما بعثني وهو الشريعة.\n(^٨) المطر.\n(^٩) أي أرض طيبة.\n(^١٠) النبات رطبا ويابسا.\n(^١١) أي النبات الرطب.\n(^١٢) من الأرض، أجادب: جمع جدب كحدب وهي البقعة التي لا تشرب ماء ولا تنبت نباتا.\n(^١٣) أي الأرض.\n(^١٤) جمع قاع وهو الأرض المستوية.\n(^١٥) أي التقسيم أي أقسام الأرض.\n(^١٦) بضم ثانيه صار فقيها.\n(^١٧) لتكبره وعدم التفاته إليه.\n(^١٨) هو الشريعة لم ينتفع بها إلا بالإسلام، أو المراد لم يدخل في الدين، فالحديث شبه العلم بالمطر بجامع أن كلا منهما فيه حياة، ففي العلم=","vol":"1","page":67},{"text":"• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَاللَّهِ لَأَنْ (^١) يَهْدِيَ (^٢) اللَّهُ بِهُدَاكَ (^٣) رَجُلًا وَاحِدًا (^٤) خَيْرٌ لَكَ (^٥) مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ (^٦)». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا حَسَدَ إِ (^٧) لا فِي اثْنَتَيْن (^٨) رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ (^٩) وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا (^١٠) وَيُعَلِّمُهَا (^١١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَضَّرَ (^١٢) اللَّهُ امْرَأً (^١٣) سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا (^١٤) فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ (^١٥) أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ (^١٦)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١٧) وَأَبُو دَاوُدَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ (^١٨) إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ (^١٩)\n_________\n=حياة القلوب والأرواح وبالماء حياة الأراضي والنفوس، وشبه الناس بالأرض، فبعضها طيب يصيبه المطر فيفيض على الناس أنواع النبات والزروع ومن كل الثمرات، وبعض الأرض يمسك الماء فينتفع به العباد شربا وسقيا، ومن الأرض بقاع لا خير فيها فلا تنبت شيئًا ولا تمسك ماء، والناس كذلك، فمنهم من تعلم العلم فعمل به ونفع العباد، ومنهم من ليس كذلك، والمراد به حث العلماء على أن يكونوا كالأرض الطيبة فينفعوا الناس فيحبهم الله، فأحب العباد إلى الله أنفعهم لعباده.\n(^١) بفتح اللام والهمزة جواب للقسم.\n(^٢) بفتح أوله.\n(^٣) الذي أنت عليه يا علي، فالخطاب له يوم بعثه إلى خيبر.\n(^٤) بأن يراك على عمل صالح أو يسمع منك موعظة حسنة فيقتدى بك.\n(^٥) أي أفضل وأكثر ثوابا عند الله من كثير الصدقة.\n(^٦) جمع أحمر، والنعم بفتحتين: الإبل والبقر والغنم، فإذا أضيفت إلى حمر كما هنا كان المراد بها الإبل الحمر، وكانت العرب تضرب المثل بحمر النعم لأنها أنفس أموالهم وأكرمها عندهم. فمن يهدي شخصًا واحدًا فله عند الله درجة كبيرة، فما بالك بمن يهدى قبيلة أو شعبا. وهذا وما بعده في فضل نشر العلم.\n(^٧) يطلق الحسد ويراد به تمني زوال نعمة الغير وسيأتي في الأخلاق إن شاء الله، ويطلق ويراد به تمني مثل ما عند الغير ويسمى غبطة وهو المراد هنا، فلا حسد محبوب شرعًا إلا في هذا.\n(^٨) خصلتين إحداهما خصلة رجل.\n(^٩) بإنفاقه في سبيل الخير ومرضاة الله تعالى وثانيتهما خصلة رجل.\n(^١٠) على نفسه بالعمل بها وعلى الناس.\n(^١١) للعباد، ففيه حث على إنفاق المال في مرضاة الله وإرشاد العباد بل وتمنى ذلك.\n(^١٢) بالتشديد وعدمه من النضارة وهي البهاء والحسن.\n(^١٣) شخصًا ذكرًا أو أنثى أي جمله بالجلال والجمال، فهو دعاء له.\n(^١٤) في أمر الدين كآية من كتاب الله أو حديث كما سمع بدون زيادة.\n(^١٥) بفتح اللام الذي يسمع الحديث.\n(^١٦) أحفظ وأتقن وأكثر فهما من سامعه.\n(^١٧) بسند صحيح.\n(^١٨) يوصله.\n(^١٩) أكثر فهما في الحديث منه.","vol":"1","page":68},{"text":"وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقُيهٍ (^١)».\n\n• عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَحْمِلُهُ (^٢) فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ أُبْدِعَ بِي (^٣) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اِيتِ فُلَانًا». فَأَتَاهُ فَحَمَلَهُ (^٤) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ (^٥)». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-34>فرع: يكتب العلم لصيانة</span>\n• عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ (^٦) قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيَ: هَلْ عِنْدَكُمْ (^٧) كِتَابٌ (^٨)؟ قَالَ: لَا إِلا كِتَابُ اللَّهِ أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ (^٩) أَوْ مَا فِي هذِهِ الصَّحِيفَةِ (^١٠) قُلْتُ: وَمَا فِي هذِهِ الصَّحِيفَةِ؟\n_________\n(^١) ليس بفاهم، وفيه أن حامل الحديث يؤخذ عنه وإن كان جاهلا بمعناه، وهو مأجور على التبليغ ومعدود في زمرة العلماء، وللترمذي: نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.\n(^٢) يطلب منه راحلة تحمله.\n(^٣) بصيغة المجهول، أي انقطع بي السبيل لموت راحلتي أو ضعفها.\n(^٤) أعطاه راحلة يركبها.\n(^٥) فالدال على الخير له ثواب كثواب فاعله في الكم والكيف؛ لأنه ظاهر الحديث، ولأن الثواب على العمل فضل من الله يهبه لمن يشاء من عباده، لاسيما إذا صحت النية التي هي أصل العبادة في طاعة أعجز عنها فاعلها لأي مانع كان، قاله القرطبي، وقال النووي: المراد أن له ثوابا كثواب فاعله ولا يلزم التساوي والله أعلم.\nعن أنس عن النبي - ﷺ - قال: ألا أخبركم عن الأجود الأجود، الله الأجود الأجود وأنا أجود ولد آدم وأجودكم من بعدي رجل علم علما فنشر علمه، يبعث يوم القيامة أمة وحده، ورجل جاد بنفسه الله ﷿ حتى يقتل. أي شهيدًا رواه البيهقي وأبو يعلى. وقال أبو ذر قال لي رسول الله - ﷺ - يا أبا ذر لأن تغدو فتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلى مائة ركعة، وأن تغدو (تخرج في الغدو وهو الصباح) فتعلم بابًا من العلم عمل به أو لم يعمل به خير لك من أن تصلى ألف ركعة. رواه ابن ماجه بسند حسن.\n\n(فرع - يكتب العلم لصيانته)\n(^٦) بالتصغير.\n(^٧) يا أهل البيت.\n(^٨) خصكم به النبي - ﷺ - من أسرار الوحي كما يزعم الشيعة.\n(^٩) في كتاب الله من فحواه يدركه من باطن المعاني التي هي غير الظاهر من نصه، والناس في هذا متفاوتة. وفيه جواز استخراج العالم بفهمه من الكتاب والسنة ما لم يقله المفسرون إذا وافق أصول الشريعة ومن هذا ما حصل بين عمر والصحابة ﵃ لما لامه بعضهم على إدخال ابن العباس في مجلس الشورى وهو صغير السن، فجمعهم عمر وأحضر بينهم ابن عباس وسألهم عن سورة إذا جاء نصر الله والفتح فقال كل واحد ما ظهر له من نص الكلام، وسأل ابن عباس آخرهم فقال: معناها الإعلام بقرب وفاة النبي - ﷺ - فقال عمر: لا أفهم منها إلا ذلك. ومن هذا ما يفهمه الصوفية من باطن القرآن والحديث، ويسمونه بالمعنى الإشاري ونحوه، ولا غرابة في هذا فقد ورد: إن للقرآن ظهرًا وبطنا.\n(^١٠) وهي ورقة مكتوبة ومطوية وموضوعة في جراب سيفه احتياطًا، أو لكونه انفرد بسماع ما فيها.","vol":"1","page":69},{"text":"قَالَ: العَقْلُ (^١) وَفَكَاكُ الأَسِيرِ (^٢) وَلَا يُقُتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ فِي الحَدِيثِ الطَّوِيلِ (^٤): اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ». رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ يِقُولُ: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ (^٥) حَدِيثًا عَنْهُ (^٦) مِنِّي إِلا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروَ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أُرِيدُ حِفْظَهُ فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: تَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الغَضَبِ وَالرِّضَا فَأَمْسَكْتُ عَنِ الكِتَابَةِ فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَوْمَأَ بِإِصْبَعِهِ إِلَى فِيهِ (^٧) فَقَالَ: «اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ (^٨) إِلا حَقٌّ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n_________\n(^١) حكمه وهو الدية، وسميت عقلا لأنهم كانوا يعطونها من الإبل ويعقلونها بفناء دار المستحق وحكمها بيان مقدارها وصنفها وسنها وسيأتي ذلك في الحدود، وفي رواية كان في الصحيفة: لعن الله من ذبح لغير الله. وفي رواية كان فيها: بيان الزكاة، ولا غرابة فكل هذا كان فيها وأخبر كل واحد بما سمعه.\n(^٢) بفتح الفاء وكسرها ما به خلاص الأسير.\n(^٣) بل يحرم ذلك وللكافر دية على تفصيل يأتي في الحدود.\n(^٤) الذي خطب به النبي - ﷺ - فقال: إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين الخ ما يأتي في حرم مكة في الحج، فقال رجل من أهل اليمن يدعى أبا شاه اكتب لي يا رسول الله فقال رسول الله - ﷺ -: اكتبوا لأبي شاه.\n(^٥) أحد بالرفع اسم ما وأكثر بالنصب خبرها.\n(^٦) أي النبي - ﷺ -، ومني متعلق بأكثر أي ليس أحد من الأصحاب أكثر مني حديثًا إلا ابن عمرو لأنه كان يكتب وأنا لا أكتب.\n(^٧) أي أشار إلى فمه - ﷺ -.\n(^٨) أي من فمه، فأحاديث الفرع تدل على جواز الكتابة بل على وجوبها إذا لم يدرك العلم إلا بها، وكذا إذا خيف على العلم الضياع وجبت كما اتفقت الصحابة على كتابة المصحف حينما قتل القراء، وسيأتي في فضل القرآن إن شاء الله.","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>الباب الثالث: في آداب العلم </span>(^١)\n\n• عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ (^٢) أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ (^٣) وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ (^٤) فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا (^٥). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا (^٦) وَبَشِّرُوا (^٧) وَلَا تُنَفِّرُوا». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ (^٨) يُذَكِّرُ النَّاسَ (^٩) فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ (^١٠) لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ (^١١) قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ (^١٢) أَنْ أُمِلَّكُمْ وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالمَوْعِظَةِ (^١٣) كَمَا كَانَ\n_________\n(الباب الثالث في آداب العلم)\n(^١) الآداب جمع أدب وهو الشيء المستحب، والمراد به هنا ما يطلب من العالم مراعاته بالنسبة لعلمه وقت الأداء ولو على سبيل الوجوب كتجنب الكذب على النبي - ﷺ - في قول أو فعل وعدم الإفتاء بغير علم، فإن هذا ضلال وإضلال كبير.\n(^٢) بجملة مفيدة في شأن الدين.\n(^٣) فعلّة الإعادة الحرص على فهمهم وتثبتهم مما يقوله - ﷺ -.\n(^٤) مر عليهم.\n(^٥) إذا لم يسمعوا بواحدة واثنتين فإن لم يسمعوا بالثلاث فلا إعادة.\n(^٦) أمر باليسر وعدم العسر لمن كان يرسلهم إلى الجهات معلمين أو أمراء.\n(^٧) الناس بالخير والسعادة في الدارين إذا فعلوا ما أمروا به على قدر الاستطاعة، والعبرة بعموم اللفظ، فالسهولة في كل شيء لم يخرج عن حد الشرع مطلوبة من كل حاكم وعالم ورئيس وولي، فإن ديننا رفع كل شدة وأمر بكل سهولة فلله مزيد الحمد ووافر الشكر.\n(^٨) هو ابن مسعود.\n(^٩) بالعلم والموعظة الحسنة.\n(^١٠) كنية ابن مسعود.\n(^١١) أي نتمنى أن نسمع منك علما كل يوم.\n(^١٢) هو في تأويل مصدر فاعل يمنع أي فلا يمنعني من الدرس كل يوم إلا خوفى من أن تسأموا العلم.\n(^١٣) أتعهدكم بها وقتًا بعد وقت لئلا تسأموا. فهذه الأحاديث الثلاثة أصل عظيم في التعليم وهداية الناس، فلكل طائفة أسلوب ولكل طائفة ضرب من المعاني يسلكه الواعظ، فطائفة المتعلمين يسمعهم شيئًا من الأخلاق الشرعية ويلفت نظرهم إلى تصحيح النية والبعد عن الرياء الذي يحبط الأعمال مع حسن العبارة وضرب الأمثال لما يقول، وطائفة الجاهلين يكلمهم بلغتهم برفق ولين وتكرير لما يقول حتى يفهموا ويشرح لهم أوليات العلم كأركان الإسلام والإيمان وكيفية الوضوء والصلاة بالقول والعمل مع التيسير والتبشير ليتنشطوا في أعمال الدين، وعلى العالم والواعظ أن يتحرى أوقات الفراغ والنشاط كالمجتمعات في المساجد والبيوت، وأن يبتعد عن غوامض العلم ودقائقه التي تنفر الناس، ولينظر في البيئة=","vol":"1","page":71},{"text":"النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nقَالَ أَنَسٌ: إِنَّهُ (^١) لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ (^٢) مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\nوَلِمُسْلِمٍ «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ (^٣) فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لِا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ (^٤) وَلكِنْ يَقْبِضُ العِلْمِ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ (^٥) حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمُ (^٦) اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا (^٧) جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا (^٨) وَأَضَلُّوا (^٩)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n= التي يدرس لها، فطائفة التجار والصناع يحثهم على الصدق في المعاملة والوفاء وعدم الغش، وطائفة المزارعين يرهبهم من إتلاف الزرع ونحوه مما يقع عندهم، وهكذا ينظر في أخلاق السامعين، ويقول على مقتضى حالهم، فيجعل وعظه فيما هم متصفون به، فيأتي الدواء على وفق الداء، والشفاء بيد الله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.\n(^١) بكسر الهمزة، وأن أحدثكم في تأويل مصدر مفعول يمنع وأن النبي بفتحها فاعل يمنع أي فلا يمنعني من أن أحدثكم تحديثا كثيرًا إلا قول النبي - ﷺ -: من تعمد عليّ كذبا الخ.\n(^٢) بسكون اللام أشهر من كسرها أي فليتخذ مباءة ومقعدًا في النار، وهو تهديد أو دعاء أي بوأه الله في النار.\n(^٣) من الناس، بل الكذب على النبي - ﷺ - جرم كبير؛ لأنه كذب على الله ورسوله وكذب على الشرع ومن جاء به ومن أنزله، وفيه إضلال عظيم على الناس، ومن هذا كان من أكبر الذنوب، وقد نفى الله الإيمان عمن يكذب مطلق الكذب فقال تعالى: - إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله - فما بالنا بمن يكذب على الله ورسوله ولذا قال بعضهم: إن الكذب على النبي - ﷺ - عمدًا كفر. ولكن الجمهور على خلافه إلا إذا استحله، ولا فرق بين أن يكون الكاذب مبتدئًا ذلك أو ناقلًا لكذب غيره وهو يعلم، لحديث الترمذي: من حدث عني حديثًا وهو يرى (يعتقد أو يظن) أنه كذب فهو أحد الكاذبين، فراوى الكذب ككاذبه الأصلي في الإثم، إلا إذا بين كذبه، وعلى المسلم ألا يحدث عن النبي - ﷺ - بالشك ولا بالظن، بل لابد من اليقين في كل شيء سواء أكان حكما أو خبرًا أو عظة أو ترغيبا أو ترهيبا، فما ترك الشارع شيئًا إلا بينه قال تعالى: - ما فرطنا في الكتاب من شيء - والله أعلم.\n(^٤) أي لا يرفعه بنزعه من صدور الناس.\n(^٥) أي أرواحهم.\n(^٦) بالرفع فاعل يبق وفي رواية بضم ياء يبق من الإبقاء، ونصب عالما أي حتى إذا لم يبق الله عالما.\n(^٧) جمع رأس وفي رواية رؤساء جمع رئيس وهو الكبير المتبع.\n(^٨) في أنفسهم.\n(^٩) أي غيرهم: أوقعوهم في الضلال، =","vol":"1","page":72},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمِهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ (^١) وَمَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ (^٢) بِأَمْرٍ (^٣) يَعْلَمُ أَنَّ الرُّشْدَ فِي غَيْرِهِ (^٤) فَقَدْ خَانَهُ (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n• عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَقُصُّ عَلَى النَّاسِ (^٦) إِلا أَمِيرٌ (^٧) أَوْ مَأْمُورٌ (^٨) أَوْ مُخْتَالٌ (^٩)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ (^١٠).\n\n• عَنْ أَبِي هَارُونَ العَبْدِيِّ قَالَ: كُنَّا نَأْتِي أَبَا سَعِيدٍ فَيَقُولُ مَرْحَبًا (^١١) بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^١٢) إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنْ النَّاسَ لَكمْ تَبَعٌ (^١٣) وَإِنَّ رِجَالًا يَأْتُونَكُمْ مِنْ أَقْطَارِ الأَرضينَ (^١٤) يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ فَإِذَا أَتَوْكُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا (^١٥)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١٦) وَابْنُ مَاجَهْ.\n_________\n=وهو إخبار بما سيحصل في آخر الزمان من موت العلماء وعدم إخلافهم بغيرهم، فيفتى الرؤساء بغير علم وهدى من الله، ويحتمل أن المراد برفع العلم رفع العمل به، وقيل المراد برفع العلم رفع الخشوع، وهذان في حديث للترمذي، وكل هذا حاصل الآن. نسأل الله السلامة.\n(^١) من أفتاه شخص بغير علم فعمل بالتقوى كما سمع وكان فيها ذنب فهو على المفتي لا على العامل بفتواه لعذره بجهله.\n(^٢) أي المسلم.\n(^٣) من الأمور قد استشاره فيه.\n(^٤) الصواب في غير ما قاله له.\n(^٥) فيما ائتمنه عليه وهو النصيحة الواجبة على المستشار التي عليها مدار الدين كما سبق: الدين النصيحة. فمن آداب العلم ألا يقول جهلا، ولا يفتى بغير علم.\n(^٦) أي لا يتكلم بالقصص والمواعظ والعلم بين الناس.\n(^٧) أي حاكم.\n(^٨) أي من قبل الحاكم بقراءة العلم على الناس، فإنهما في الغالب أهل للإرشاد والوعظ، والنفوس إليهما أميل فيكمل النفع.\n(^٩) أي مراء، وهو من ليس واليًا ولا مأذونا له منه في الوعظ، وسمي مختالا لأنه لما لم يكن كذلك كان طالبا للرياسة فلم يكن علمه الله فلا ينتفع به، ومن قسم المأذون له من كان عنده إجازة أو شهادة علمية بالوعظ والإرشاد وتدريس العلم، أو لم يكن عنده ولكن أقره العلماء العارفون، وغير هؤلاء لا يجوز لهم التصدى للعلم والإفتاء به وإلا كانوا من القسم الثالث المذموم في الحديث والله أعلم.\n(^١٠) بسند حسن.\n(^١١) أي أتيتم مكاتا رحبا أي واسعا.\n(^١٢) بمن وصى عليهم النبي - ﷺ -.\n(^١٣) يتبعونكم يا أهل المدينة في العلم والدين.\n(^١٤) أي من نواحيها البعيدة.\n(^١٥) عاملوهم بالحسنى وأكرموهم فإنهم مهاجرون في طلب العلم لله ولرسوله فهم وفد الله تعالى.\n(^١٦) بسند غريب ولكنه في الترغيب. ومن آداب العلم التواضع وعدم =","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type='title' id=toc-36>فرع: يلزم أن يكون العلم لله تعالى</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ (^١) لَا يَتَعَلمُهُ إِلا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا (^٢) مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا لِغَيْرِ اللَّهِ أَوْ أَرَادَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ (^٤) فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ (^٥)».\n\n• عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ طَلَبَ العِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ العُلَمَاءَ (^٦) أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفِهَاءَ (^٧) أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ (^٨) أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٩) وَابْنُ مَاجَهْ.\n_________\n= الدعوى وترك الجدل إلا لإظهار الحق، فقد قال رسول الله - ﷺ -: من قال إني عالم فهو جاهل (أي قاله افتخارًا وترفعا، وأما قولها ليعرف الناس فينتفعوا به أو تحدثا بنعمة الله فلا) وقال أبو الدرداء وأبو أمامة وأنس: خرج علينا النبي - ﷺ - يوما ونحن نتمارى (أي نتجادل في شيء من أمر الدين) فغضب غضبا شديدًا لم يغضب مثله ثم انتهرنا فقال: مهلا يا أمة محمد، إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ذروا المراء فإن المؤمن لا يماري، ذروا المراء فإن المماري قد تمت خسارته، ذروا المراء فكفى إثمًا ألا تزال مماريًا، ذروا المراء فإن المماري لا أشفع له يوم القيامة، ذروا المراء فأنا زعيم بثلاثة أبيات في الجنة في رباضها ووسطها وأعلاها لمن ترك المراء وهو صادق، ذروا المراء فإن أول ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان المراء. وفي رواية أنا زعيم ببيت في ربض الجنة وببيت في وسطها، وببيت في أعلاها لمن ترك المراء وإن كان محقا، وترك الكذب وإن كان مازحا، وحسن خلقه (الرباض والربض من الدار ما حولها) روى الطبراني الثلاثة ووافقه البزار في الأخير.\n\nفرع - يلزم أن يكون العلم لله تعالى\n(^١) أي من شأنه أن يقصد به وجه الله كعلم القرآن والحديث، فإنهما شرع الله وسره في الأرض.\n(^٢) بفتحتين مالا.\n(^٣) عرف بفتح فسكون: ريح أي لم يشم ريح الجنة في القيامة الذي يوجد من مسافة بعيدة، والمراد به لم يدخلها وإن كان العلم ربما رد طالبه إليه إذا كانت له سابقة سعادة، قال الغزالي ﵁: تعلمنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله.\n(^٤) أو للشك.\n(^٥) أي فليدخلها.\n(^٦) أي يجري معهم في المناظرة والجدل ليظهر علمه للناس رياء وسمعة.\n(^٧) يخاصمهم ويغالبهم.\n(^٨) أي يحول وجوههم إليه فيشتهر بينهم أدخله الله النار إلا إذا تاب وحسن قصده بالعلم، فإن الله يتوب عليه ويدخله في ساحة الرحمة والرضوان.\n(^٩) الأول بسند حسن والثاني بسند غريب ولكنه في الترهيب.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type='title' id=toc-37>خاتمة: يبقى أثر العلم خالدًا</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ دَعَا (^١) إِلَى هُدىً (^٢) كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذلِكَ (^٣) مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلالَةٍ (^٤) كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاودَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَاتَ ابْن آدَم (^٥) انْقَطَعَ عَمَلُهُ (^٦) إِلا مِنْ ثَلَاثٍ (^٧) صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ (^٨) أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ (^٩) أَوْ وَلَدٍ (^١٠) صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ (^١١) المُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ (^١٢) بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ وَوَلَدًا صَالِحًا ترَكَهُ أَوْ مُصْحَفًا وَرَّثَهُ (^١٣) أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ (^١٤) بَنَاهُ أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ (^١٥) أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ تَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ (^١٦)». رَوَاهُ\n_________\nخاتمة - يبقى أثر العلم خالدا\n(^١) أي الناس بقوله أو فعله.\n(^٢) إلى فعل يهدي إلى الجنة وتبعوه فيه.\n(^٣) أي أجره الذي هو كأجر تابعيه.\n(^٤) إلى عمل يضل صاحبه ويوصله إلى النار، فالسبب في الخير له ثواب كثواب فاعليه، والسبب في الشر عليه ذنب كذنب فاعليه، ولا فرق في السبب في الخير والشر بين أن يكون مبتدئًا لذلك أو تابعًا لغيره.\n(^٥) أي المسلم.\n(^٦) أي ثواب عمله الذي كان يصعد إلى السماء.\n(^٧) فإن ثوابها باق.\n(^٨) أي متصلة دائمة، وهي الوقف كوقف مسجد أو دار أو أرض زراعية أو بئر.\n(^٩) ببنائه للمجهول، أي ينتفع به الناس كتعليم قرآن أو علم أو كتابتهما، ومنه ما لو ترك بعد حياته مصحفا أو كتب علم شرعي.\n(^١٠) أي مولود ذكر أو أنثى. وصالح أي مسلم لأن الوالد سبب في وجود الولد فهو من عمله.\n(^١١) خبر إن مقدم، والمؤمن مفعول، وعلما اسم إن.\n(^١٢) عطف مسبب على سبب.\n(^١٣) بتشديد الراء تركه لورثته، وهو داخل في العلم.\n(^١٤) هو الغريب المسافر.\n(^١٥) أي حفره بنفسه أو بأولاده أو بأجرة أو أمر أو تسبب فيه.\n(^١٦) هي الوقف والثلاثة قبلها من نوعها، فرجع هذا الحديث إلى الذي قبله فهو كمجمل، والثاني كمفسر له، وورد في أحاديث أخرى زيادة على هذا وعدها بعضهم فبلغت عشرًا ونظمها في قوله:=","vol":"1","page":75},{"text":"ابْنُ مَاجَهْ (^١) وَالبَيْهَقِيُّ وَابْنُ خُزَيْمةَ.\n\n• عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ (^٢) سُنَّةً حَسَنَةً (^٣) فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ (^٤) كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ. وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنةً سَيِّئَةً (^٥) فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَوْفٍ المُزَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِبِلَالِ بْنِ الحَارِثِ: «اعْلَمْ». قَالَ: مَا أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «اعْلَمْ يَا بِلَالُ». قَالَ: مَا أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي (^٦) فَإِنَّ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ (^٧) مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً لَا تُ رضي اللَّهَ وَرَسُولَهُ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لَا يَنْقُصُ ذلِكَ (^٨) مِنْ أَوْزَارِ النَّاسِ شَيْئًا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٩) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n= إذا مات ابن آدم ليس يجرى … عليه من فعال غير عشر\nعلوم بثها ودعاء نجل … وغرس النخل والصدقات تجرى\nوراثة مصحف ورباط ثغر … وحفر البئر أو إجراء نهر\nوبيت للغريب بناه يأوي … إليه أو بناء محل ذكر\nوتعليم القرآن كريم … فخذها من أحاديث بحصر\n(^١) بسند حسن.\n(^٢) أي ابتدع في أعمال الإسلام.\n(^٣) أي طريقة وعملا صالحا يرضي الله ورسوله.\n(^٤) أي فعمل بها ناس بعد موته.\n(^٥) أي طريقة ممقوتة تغضب الله ورسوله فهو من نوع الحديث الأول إلا أن هذا في البادئ وذلك أعم، وسيأتي في الحدود: ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل.\n(^٦) كانت قد اندرست وانمحت.\n(^٧) أي ثوابه الذي هو كثواب من عمل بها.\n(^٨) أي ذنب بدعته الذي هو كذنوب تابعيه.\n(^٩) بسند حسن. وأحاديث الخاتمة تدل على أن ثواب التعليم والإرشاد أكثر وأبقى من كل عمل صالح، نسأل الله الإخلاص في القول والعمل آمين. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات كلها. والله أعلم.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type='title' id=toc-38>كتاب الطهارة </span>(^١)\nوفيه أبواب ثمانية\n\n<span data-type='title' id=toc-39>الباب الأول: في فضائل الطهارة</span>\nقَالَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿فِيهِ﴾ (^٢) ﴿رِجَالٌ﴾ (^٣) ﴿يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ﴾ (^٤) ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ (^٦) يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا (^٧) مُحَجَّلِينَ (^٨) مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ (^٩)، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غرَّتَهُ (^١٠) فَلْيَفْعَلْ (^١١)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إِسْبَاغُ الوُضُوءِ (^١٢) عَلَى المَكَارِهِ (^١٣) وَكَثْرَةُ الخُطَا (^١٤) إِلَى المَسَاجِدِ (^١٥) وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ (^١٦) فَذلِكُمُ الرِّبَاطُ (^١٧)».\n_________\nكتاب الطهارة\n[الباب الأول في فضائل الطهارة]\n(^١) هي لغة: النظافة، وشرعا: فعل ما تستباح به الصلاة من وضوء وغسل وتيمم وإزالة نجاسة.\n(^٢) أي في مسجد قباء.\n(^٣) أي من الأنصار.\n(^٤) بالحجر والماء في الاستنجاء، فأحبهم الله وأعلم به رسوله.\n(^٥) أي المتطهرين.\n(^٦) يأتون الموقف لفصل القضاء حال كونهم غرًا.\n(^٧) جمع أغر، وأصل الغرة بياض في جبهة الفرس. والمراد هنا أن تكون وجوههم بيضاء نيرة.\n(^٨) جمع محجل، وأصله الفرس الذي في يديه ورجليه بياض. والمراد هنا بياض في أيديهم وأرجلهم من النور.\n(^٩) أي بسببه، فالإضافة للبيان.\n(^١٠) أي أن يزيد على الواجب في غسل الوجه وغسل اليدين والرجلين فليفعل.\n(^١١) لأنه كلما زاد في الغسل على الواجب زاد نوره يوم القيامة كرامة من الله لهذه الأمة، قال البوصيري:\nشاكي السلاح لهم سيما تميزهم … والورد يمتاز بالسيما عن السلم\n(^١٢) أي عمله كاملا بفروضه وسننه.\n(^١٣) ولو في أوقات الشدة كالبرد والمرض.\n(^١٤) بالضم جمع خطوة وهي ما بين القدمين، وبالفتح المرة من نقل القدم.\n(^١٥) للجماعة ونحوها.\n(^١٦) بعزمه على الفرض الثاني بعد فعل الأول سواء بقي في الجامع أولًا.\n(^١٧) أصله الإقامة في الحد بيننا وبين الكفار لحفظ المسلمين، والمراد هنا أن هذه الأمور هي الرباط الكامل والجهاد الأكبر لمنعه نفسه من هواها.","vol":"1","page":77},{"text":"رَوَاهُ مُسْلِمُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ العَبْدُ المُسْلِمُ أَوِ (^١) المُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ (^٢) مِنْ وَجْهِهِ كلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا (^٣) بِعَيْنِهِ مَعَ المَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ (^٤) مَعَ المَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا (^٥) رِجْلَاهُ مَعَ المَاءِ أوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ (^٦)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ خَلِيلي ﷺ يَقُولُ: «تَبْلُغُ الحِلْيَةُ (^٧) مِنَ المُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوَضُوءُ (^٨)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الطُّهُورُ (^٩) شَطْرُ الإِيمَانِ (^١٠) وَالحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ المِيزَانَ (^١١) وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُنِ أَوْ (^١٢) تَمْلَأُ (^١٣) مَا بَيْنَ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ (^١٤) وَالصَّلَاةُ نُورٌ (^١٥) وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ (^١٦)\n_________\n(^١) للشك، وكذا ما بعدها.\n(^٢) أي نزل وانفصل.\n(^٣) أي الخطيئة إلى سببها، وكذا يقال فيما بعدها.\n(^٤) أي عملتها.\n(^٥) أي إليها.\n(^٦) أي طاهرًا منها، والمراد بالذنوب الصغائر للحديث الآتي في فضل الصلاة القائل: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ما لم تغش الكبائر. فتراه صرح بأن الصلوات مع طهارتها لا تكفر الكبائر، ومثل الكبائر حقوق العباد فلابد فيها من القصاص كما سيأتي.\n(^٧) هي ما يتحلى ويتجمل به الإنسان من أنواع الحلى، قال الله تعالى في وصف أهل الجنة - يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤًا ولباسهم فيها حرير.\n(^٨) بالفتح، أي ماؤه فكل موضع يعمه الماء في الوضوء يكون مزينًا بالحلى يوم القيامة. وقيل المراد بالحلية هذا النور.\n(^٩) بالضم أي الطهارة من الأدناس الباطنة كالرياء والكبر والحسد ومن الأرجاس الظاهرة التي تلصق بالجسم والثياب.\n(^١٠) أي جزء منه أو نصفه، فالطهارة لعظم شأنها، وتوقف صحة العبادة عليها نصف الإيمان في الاعتبار والثواب.\n(^١١) أي ثوابها يملؤه.\n(^١٢) للشك.\n(^١٣) أي مقالتهما.\n(^١٤) زيادة على ملء الميزان.\n(^١٥) أي لصاحبها في القبر وما بعده قال تعالى: - يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم -.\n(^١٦) حجة لفاعلها تجادل عنه في القبر وما بعده.","vol":"1","page":78},{"text":"وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ (^١) وَالقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ (^٢) أَوْ عَلَيْكَ (^٣). كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو (^٤) فَبَائِعٌ نَفْسَهُ (^٥) فَمُعْتِقُهَا (^٦) أَوْ مُوبِقُهَا (^٧)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عُثْمَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ (^٨) خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ (^٩) حِينَ يَفْرُغُ مِنْ وُضُوئِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ».\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ (^١٠) كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ (^١١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^١٢).\n_________\n(^١) أي نور، وعبر به تفننًا، أو أن الضياء ما كان نوره من ذاته كالشمس والنور ما كان من غيره، كالقمر، قال تعالى: - هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورًا.\n(^٢) أي إن عملت به.\n(^٣) إن لم تعمل به.\n(^٤) يصبح يسعى.\n(^٥) أي فيبيع نفسه، ولكن منهم من يبيعها في مرضاة الله.\n(^٦) أي فهو يعتق نفسه من النار.\n(^٧) أي مهلكها يبيعها في هواه ومرضاة الشيطان، فأو للتنويع أي فكل شخص يصبح ساعيًا في بيع نفسه، ولكن المؤمن يبيعها لله بالجنة - إن الله اشتري من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة - والكافر والفاجر يبيعها بالنار - وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون -.\n(^٨) أتقنه بفعل واجباته وسننه.\n(^٩) أي وهو قائم مستقبل القبلة.\n(^١٠) أي مع كونه طاهرًا فهو تجديد للوضوء.\n(^١١) أي ثواب عشرة وضوءات فإن أقل تضعيف الحسنة عشر، وربما زاد على قدر الإخلاص. والله يضاعف لمن يشاء.\n(^١٢) بسند ضعيف ولكنه في فضائل الأعمال. والله أعلم","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type='title' id=toc-40>الباب الثاني: في أحكام المياه </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ البَحْرَ (^٣) وَنَحْمِلُ مَعَنَا القَلِيلَ مِنَ المَاءِ (^٤) فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوضَّأُ بِمَاءِ البَحْرِ (^٥)؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هُوَ الطَّهُورُ (^٦) مَاؤُهُ، الحِلُّ (^٧) مَيْتَتُهُ». رَوَاهُ أَصْحابُ السُّنَنِ (^٨).\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُقَالُ لَهُ: إِنَّهُ يُسْتَقَى (^٩) لَكَ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ (^١٠) وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا لُحومُ الكِلَابِ (^١١) وَالمَحَائِضُ (^١٢) وَعَذِرُ النَّاسِ (^١٣) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ المَاءِ (^١٤) طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ (^١٥)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١٦).\n_________\n[الباب الثاني في أحكام المياه]\n(^١) المراد بأحكامها بيان أنواع المطهر منها والقدر الذي يدفع النجس ولا يقبله، والنهي عن تنجيسها إذا كانت واقفة، وجواز طهارة الرجل بفضل المرأة وعكسه، وبقاء طهورية الماء الذي ترده السباع، وطهارة الماء المستعمل.\n(^٢) هو ماء المطر.\n(^٣) أي الملح وهو مر ومالح ومنتن، وكانو يركبون البحر للصيد.\n(^٤) أي العذب.\n(^٥) أي الملح.\n(^٦) بالفتح خبر هو، وماؤه فاعل به.\n(^٧) بكسر الحاء أي الحلال، فكل حيوان بحري حلال يجوز أكله حتى ميتته، ما لم تنتن وإلا حرمت لضررها، سألوا عن ماء البحر فأجابهم بطهارته وزادهم أن ميتته حلال، وهذا من محاسن الأجوبة.\n(^٨) بسند صحيح.\n(^٩) ببنائه للمفعول، أي يؤتي لك بالسقيا للشرب والطهارة.\n(^١٠) بالضم اسم صاحب البئر أو اسم مكانها، وهو بالمدينة في دار بني ساعدة بطن من الخزرج، وبصق، فيها النبي - ﷺ - ودعا لها بالبركة وتوضأ في دلو ورده فيها، وكان يأمر المريض بالاغتسال فيها فيغتسل فيشفى، فلهذا كانت مباركة ومحبوبة.\n(^١١) أي الميتة.\n(^١٢) جمع محيض وهي خرقة الحيض.\n(^١٣) عذر - بفتح فكسر - جمع عذرة، ككلم وكلمة وهي الغائط. وليس المراد أن هذه الأشياء كانت تلقي في البئر عمدًا من أهل المدينة، فإنهم كانوا في حاجة إلى الماء لقلته ولا سيما العذب منه كهذه البئر، وإنما المراد أن البئر كانت في منحدر من الأرض، فكانت السيول والأمطار تحمل إليها تلك الأشياء، ولكنها لسعتها وعمقها كانت لا تؤثر فيها، فسألوا النبي - ﷺ - عنها، وفي رواية قالوا أنتوضأ من بئر بضاعة فقال: إنها طهور.\n(^١٤) أي ماء هذه البئر.\n(^١٥) أي لكثرته، فإنه أكثر من قلتين.\n(^١٦) بسند حسن وقال أحمد: إنه صحيح.","vol":"1","page":80},{"text":"وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ (^١): قَدَّرْتُ بِئْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا (^٢) ثمَّ ذَرَعْتُهُ (^٣) فَإِذَا عَرْضُهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ (^٤) وَسَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: سَأَلْتُ قَيِّمَ بِئْرِ بُضَاعَةَ (^٥) عَنْ عُمْقِهَا قَالَ: أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِيهَا المَاءُ إِلَى العَانَةِ (^٦) قُلْتُ: فَإِذَا نَقَصَ؟ قَالَ: دُونَ العَوْرَةِ (^٧) وَسَأَلْتُ صَاحِبَ البُسْتَانِ الَّذِي هِيَ فِيهِ: هَلْ غُيِّرَ بِنَاؤُهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ؟ (^٨) قَالَ: لَا (^٩).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ المَاءِ يَكونُ فِي الفَلَاةِ (^١٠) وَمَا يَنُوبُهُ (^١١) مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ (^١٢) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا كَانَ (^١٣) المَاءُ قُلَّتَيْنِ (^١٤) لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ (^١٥)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١٦).\n\n• عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ (^١٧) فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ، قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَنْظرُ إِلَى المَاءِ يَنْبُعُ (^١٨) مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ﷺ، قَالَ أَنَسٌ: فَحَزَرْتُ (^١٩) مَنْ تَوَضَّأَ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ\n_________\n(^١) هو صاحب الكتاب الثالث من أصولنا هذه.\n(^٢) أي قستها به.\n(^٣) أي قست ما ساواها منه بذراعي.\n(^٤) أي بذراعه الذي هو من المرفق إلى رءوس الأصابع.\n(^٥) قيم بفتح فكسر مع التشديد أي القائم بأمرها.\n(^٦) هي موضع نبات الشعر فوق القبل.\n(^٧) أي الركبة، لحديث: عورة الرجل ما بين سرته وركبته.\n(^٨) في زمن النبي - ﷺ -.\n(^٩) قال أبو داود: وماؤها متغير اللون، قال النووي: بطول مكثه وأصل منبعه، فعلى هذا التقدير تكون كمية المياه في هذه البئر وقت نقصها أكثر من القلتين في الحديث الآتي.\n(^١٠) يلحقه نوبة بعد أخرى من أثر السباع.\n(^١١) بالفتح، الأرض الواسعة الخالية.\n(^١٢) كشر بها وبولها واغتسالها فيه.\n(^١٣) أي بلغ.\n(^١٤) تثنية قلة بالضم، وهي الجرة العظيمة، سميت قلة لأن اليد تقلها وترفعها، وفي رواية: إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر (بلد بقرب المدينة تجلب منها القلال) لم ينجسه شيء. وقدر الشافعي القلة عن ابن جرير الرائى لها بقربتين ونصف من قرب الحجاز، والقربة لا تزيد غالبًا على مائة رطل بغدادي، فتكون القلتان خمسمائة رطل بغدادي تقريبًا.\n(^١٥) بفتحتين النجس أي لم يتنجس به إلا إذا تغير أحد أوصافه كما قاله الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم، ومفهوم الحديث أن الماء إذا نقص عن القلتين فإنه يتنجس بملاقاته لأي نجاسة، ويؤيده الحديث الآتي: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه الخ.\n(^١٦) بسند صحيح.\n(^١٧) بفتح الراءين واسع الفم ليس بعميق.\n(^١٨) بتثليث الموحدة، وهل هو تكثير موجود أو إيجاد معدوم؟ الله أعلم.\n(^١٩) بتقديم الزاي على الراء أي قدرت.","vol":"1","page":81},{"text":"إِلَى الثَّمَانِينَ (^١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَبُولَنَّ (^٢) أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي (^٣) ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ». وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي المَاءِ الرَّاكِدِ (^٤).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ (^٥) يُقَالُ لَهُ الفَرَقُ (^٦). وَفِي رِوَايَةٍ: وَنَحْنُ جُنُبَانِ. رَوَاهُمَا الخَمْسَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّؤُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَمِيعًا مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ نُدْلِي فِيهِ أَيْدِينَا (^٧). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَفْنَةٍ (^٨) فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَتَوَضَّأَ مِنْهَا أَوْ يَغْتَسِلَ فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا (^٩) فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ المَاءَ لَا يَجْنَبُ (^١٠)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١١).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:\n_________\n(^١) معجزة باهرة له - ﷺ -، وسيأتي من هذا كثير في كتاب النبوة إن شاء الله.\n(^٢) بنون التوكيد والنهي للتحريم.\n(^٣) تفسير للدائم.\n(^٤) أي الدائم وإن لم يرد وضوءًا ولا غيره؛ لأنه إذا كان أقل من قلتين تنجس وإن لم يتغير كما قاله الشافعي، وقال مالك: لا ينجس إلا إذا تغير، قليلًا كان أو كثيرًا، واحترز بالراكد عن الجاري المستبحر كنهر النيل ونحوه فلا كراهة فيه.\n(^٥) بدل من إناء.\n(^٦) بفتحتين إناء من نحاس يسع ستة عشر رطلًا.\n(^٧) ظاهره أنهم كانوا يغترفون بأيديهم من الماء وهم حوله، ومعلوم أن هذا كان قبل نزول الحجاب.\n(^٨) بفتح فسكون: قصعة كبيرة.\n(^٩) أي واغتسلت منها.\n(^١٠) بفتح نونه، أي لا يصير جنبًا باغتسال الجنب فيه، وفي رواية: الإنسان لا يجنب. وكذا الثوب والأرض، أي لا يصير جنبًا بمس الجنب فيحتاج إلى تطهير بالماء. وظاهر الحديث أن الماء لا يستعمل باغتسال الجنب فيه، وأولى بالوضوء فيه وإن كان قليلًا وعليه المالكية وجماعة. وقال الجمهور إن القليل يستعمل بالانغماس أو الوضوء فيه، وأجابوا عن هذا بأنه محمول على الاغتراف كقول أبي هريرة الآتي ومقيد بحديث إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث.\n(^١١) بسند صحيح، فهذه الأحاديث تدل على جواز طهارة الرجل بفضل المرأة وعكسه، ورد عليه ما رواه أصحاب السنن من نهيه - ﷺ - عن ذلك، ويجاب عنه بأنه ضعيف، فلا ينهض مع هذه الأدلة القاطعة، أو هو منسوخ بها، أو أن النهي يحمل على ما تساقط من الأعضاء لأنه مستعمل أو أنه للتنزيه.","vol":"1","page":82},{"text":"«لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ (^١) فِي المَاءِ الدَّائِمِ (^٢) وَهُوَ جُنُبٌ فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُه تَنَاوُلًا (^٣)».\nرَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبٍ قَالَتْ: دَخَلَ أَبُو قَتَادَةَ (^٤) فَسَكَبْتُ لَهُ وَضُوءًا (^٥) فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَشَرِبَتْ مِنْهُ (^٦) فَأَصْغَى لَهَا الإِنَاءَ (^٧) حَتَّى شَرِبَتْ فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا بِنْتَ أَخِي؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّهَا ليْسَتْ بِنَجَسٍ (^٨) إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ (^٩)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١٠).\n\n• عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الحُمُرُ (^١١)؟ قَالَ: «نَعَمْ وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا (^١٢)». رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالبَيْهَقِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ، فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ (^١٣) فَعَقَلْتُ (^١٤) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَنِ المِيرَاتُ؟ إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةٌ (^١٥) فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرَائِضِ (^١٦). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n_________\n(^١) أي ولا يتوضأ.\n(^٢) أي القليل الذي لم يبلغ القلتين، فلا ينغمس فيه ولا يعيد ما سال من أعضاء الوضوء والغسل فيه، فيصير مستعملا عند بعض الفقهاء ومستقذرًا عند فريق آخر.\n(^٣) أي يغترف منه بيده ويغتسل، أو يتوضأ خارج الإناء وبالاغتراف لا يستعمل الماء، وهذا مقيد للإطلاق في حديث عائشة وابن عباس عند من يقول بمفهوم \"إذا بلغ الماء قلتين\" فإنهما لم ينصا على الاغتراف كما صرح به هنا وفي حديث ابن عمر بقوله: ندلى أيدينا فيه.\n(^٤) وكان أبا زوجها.\n(^٥) بالفتح: صببت له يتوضأ.\n(^٦) أرادت الشرب منه.\n(^٧) أي أماله لها لتشرب.\n(^٨) بفتحتين أي ليست نجاسة تنجس الماء.\n(^٩) أي من جملة من يطوف عليكم في البيوت الخدم فأكرموهم قال تعالى في الخدم - طوافون عليكم بعضكم على بعض -.\n(^١٠) بسند صحيح.\n(^١١) بضمتين جمع حمار أي بما بقي من الماء بعد شربها، وهو وما قبله من نوع الحديث الثالث.\n(^١٢) فالماء الذي ترده السباع باق على طهوريته ما لم يتغير من نجاستها وإلا صار نجسًا.\n(^١٣) الماء الذي توضأ منه أو به، وهو الأقرب لأنه اتصل بجسمه - ﷺ -.\n(^١٤) أي أفقت من غفلتي ببركته - ﷺ -.\n(^١٥) أي أخوات فليس لي ولد ولا والد.\n(^١٦) هي - يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة - وستأتي مبسوطة في الفرائض إن شاء الله، عن ابن مسعود أن النبي - ﷺ - قال له ليلة الجن: ما في إداوتك؟ قال: نبيذ قال: ثمرة طيبة وماء طهور. رواه أبو داود والترمذي، وهو ضعيف باتفاق المحدثين فإن فيه مجهولين، ولم يكن مع النبي - ﷺ - ليلة الجن =","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type='title' id=toc-41>الباب الثالث: في إزالة النجاسة (^١)\nوفيه فصلان</span>\n\n<span data-type='title' id=toc-42>الفصل الأول: في تطهير جلد الميتة والنجاسة الكلبية</span>\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَدَ شَاةً مَيْتَةً (^٢) أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ (^٣) مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا (^٤)» قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ فَقَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا (^٥)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ (^٦) فَقَدْ طَهُرَ (^٧)». وَفِي رِوَايَةٍ: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ (^٨)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنِ ابْنِ وَعْلَةَ السَّبَائِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قلْتُ: إِنَّا نَكونُ بِالمَغْرِبِ فَيَأَتِينَا المَجُوسُ بِالأَسْقِيَةِ (^٩) فِيهَا المَاءُ وَالوَدَكُ (^١٠) فَقَالَ: اشْرَبْ فَقُلْتُ: أَرَأْيٌ تَرَاهُ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «دِبَاغُهُ طَهُورُهَ (^١١)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n_________\n=أحد كما في حديث مسلم في الصلاة والترمذي في التفسير، فلا يجوز التطهير بالنبيذ ولو لم يجد الماء، بل المطلوب التيمم لقوله تعالى - فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا - وعليه الجمهور.\n\n(الباب الثالث في إزالة النجاسة وفيه فصلان - الأول في تطهير جلد الميتة والنجاسة الكلبية)\n(^١) أي في بيان النجاسة وصفة إزالتها وهي بالدابغ في الجلد وبالماء والتراب في نجاسة الكلب وبالماء فقط فيما عدا ذلك إلا المني فيفرك يابسه وإلا ذيل الثوب فبالأرض وإلا النعل فبالدلك.\n(^٢) بفتح فسكون.\n(^٣) خادمة لميمونة زوجة النبي - ﷺ -.\n(^٤) أي انتفعوا به.\n(^٥) حرم ككرم أو بضم فكسر مع التشديد أي فالحرام أكلها فقط، أما الانتفاع بجلدها بعد دبغه في فرش أو لبس أو غطاء أو جعله وعاء للماء أو للمائعات فجائز.\n(^٦) ككتاب هو الجلد قبل دبغه.\n(^٧) بفتح الهاء وضمها.\n(^٨) أي صار طاهرًا ولكنه متنجس من دبغه فيغسل بالماء. والدبغ: نزع فضلات الجلد من أثر لحم ودهن وتنقيته بشيء حريف كقرظ وشب ولو كان نجسًا كذرق طير، بحيث لو نقع في الماء لم يعد له نتن وفساد.\n(^٩) أي الأوعية من الجلد ولا ندري أذكيت أم لا.\n(^١٠) بفتحتين الشحم.\n(^١١) أي يطهره، فالدبغ يطهر جلد الميتة، وكذا الحيوان الذي لا يؤكل الحمار إذا دبغ صار طاهرًا إلا جلد كلب أو خنزير أو فرع أحدها فلا يطهر بالدبغ، وأما جلد الحيوان المأكول إذا ذبح فإنه طاهر.","vol":"1","page":84},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ (^١) فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ (^٢) ثُمَّ ليَغْسِلْهُ (^٣) سَبْعَ مِرَارٍ (^٤)». وَفِي رِوَايَةٍ «أُولَاهُنَّ أَوْ (^٥) إِحْداهُنْ بِالتُّرَابِ». وَفِي أُخْرَى «السَّابِعَةَ بِالتُّرَابِ (^٦)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-43>الفصل الثاني: في تطهير الدم والبول والمذي وغيرها</span>\n• عَنْ أَسْمَاءَ (^٧) قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الحَيْضَةِ (^٨) كَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ (^٩)؟ قَالَ: «تَحُتُّهُ (^١٠) ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالمَاءِ (^١١) ثُمَّ تَنْضِحُهُ (^١٢) ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ».\n_________\n(^١) أي شرب بطرف لسانه.\n(^٢) من الإراقة أي فليلق ما فيه، فإنه تنجس من فمه.\n(^٣) بسكون اللام فيه وما قبله.\n(^٤) فإنه يطهر.\n(^٥) للتخيير، أي فيمزج التراب بالأولى أو بالأخرى أو بأي واحدة، كما يؤخذ من مجموع الروايات.\n(^٦) مفعول لمحذوف أي اجعلوا السابعة بالتراب، وفي رواية: والثامنة عفروه بالتراب، فهذه تأمر بغسلة ثامنة وعليه بعضهم، وخرج بقوله ولغ ما إذا أكل من شيء فإنه يلقى ما مسه فمه فقط، وخرج أيضا ما مسه الكلب مع الجفاف من الجانبين فلا شيء فيه، ويؤخذ منه أن المائع وكذا الماء القليل إذا لاقته نجاسة تنجس وإن لم يتغير، كما يؤخذ منه نجاسة الكلب نجاسة مغلظة للأمر بغسله سبعًا مع التتريب، والغسل لا يكون إلا من حدث أو نجس، ولا حدث على الإناء فثبتت نجاسة فمه، وإذا ثبتت في فمه وهو أطيب أجزائه لكثرة ما يلهث فبقيتها أولى، وبه قال الشافعي وأحمد وقالت الحنفية بنجاسة لعابه فقط وقوفًا مع هذا الدليل، وقال مالك: إن الأمر بهذا الغسل تعبدي والكلب طاهر لأن الأصل في الأشياء الطهارة، والنجاسة لا تأتي إلا بدليل ولا دليل هنا على نجاسته هذا، وقد شدد الشارع في نجاسة الكلب بما لم يعهد في نجاسة أخرى حتى ما كان منها سما زعافا كدم الحيض، ولعل حكمة ذلك زيادة التحفظ من أثره، فإن الداء الفتاك وهو داء الكلب لا ينشأ غالبا إلا من الكلب، وقد قال بعض أطباء الغرب إن للعاب الكلب ميكروبا لا يقتله إلا مزيج التراب والماء. والله أعلم\n\n(الفصل الثاني في تطهير الدم والبول وغيرهما)\n(^٧) بنت أبي بكر ﵄.\n(^٨) أي يلصق بثوب الحائض شيء من دمها.\n(^٩) أي كيف تطهره.\n(^١٠) أي بأصبعها، وهو وما بعده بضم ثالثه.\n(^١١) أي تدلكه مع الماء دلكًا قويًا ثم تعصره ثم تعيد هذا حتى يزول أثرها من جرم وطعم ولون، فإن فعلت هذا ثلاثا وبقي اللون فقد طهر المحل، فإن بقي الطعم أو الريح فالنجاسة باقية، ويجب تكرار الغسل حتى يظن أنه لا يزول إلا بالقطع، وحينئذ يعفي عنه لعسر إزالته.\n(^١٢) أي تغسله بعد ذلك مبالغة في الطهارة وتصلى فيه، قال الخطابي. يؤخذ منه أن النجاسات كلها=","vol":"1","page":85},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيُّ (^١) فَبَالَ فِي المَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ (^٢) فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: «دَعُوهُ وَهَرِيقُوا (^٣) عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا (^٤) مِنْ مَاءٍ أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ (^٥) وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ».\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا (^٦) ليُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ (^٧) أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ (^٨) وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ (^٩) ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً (^١٠)» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هذَا؟ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَففُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا (^١١)».\n\n• عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ (^١٢) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ\n_________\n=لا تزول إلا بالماء دون غيره من المائعات، وبه قال الجمهور، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف جواز تطهير النجاسات بكل مائع من قول عائشة: كانت إحدانا يصيب ثوبها من دمها فتبله بريقها وتدلكه.\n(^١) بعد أن دخل المسجد فصلى ركعتين وقال: اللهم ارحمني ومحمد ولا ترحم معنا أحد فقال النبي: لقد تحجرت واسعًا. فلم يلبث أن قام في ناحية من المسجد وبال.\n(^٢) أي صاحوا به ليقطع بوله.\n(^٣) أي صبوا.\n(^٤) بفتح فسكون وهو والذنوب الدلو المملوء ماء، أي صبوا على محل بوله دلوًا من ماء وعمموه فإنه يطهر وكانت الأرض ترابا، فيؤخذ منه أن الأرض الترابية لا بد في طهارتها من الماء، وعليه الشافعي وبعض الأئمة، وقال آخرون إنها تطهر بالجفاف من الشمس أو الهواء لحديث أبي داود: كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد فلم يكونوا يرشون بالماء شيئا من ذلك وقال بعضهم: تطهر بأحد الأمرين نظرة للحديثين.\n(^٥) أي بعثت لكم باليسر والسهولة؛ فتلطفوا بالجاهل وعلوه من غير إجهاد ولا مشقة، وفي رواية: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله تعالى والصلاة وقراءة القرآن.\n(^٦) أي من في القبرين.\n(^٧) أي في شيء كبير عند الناس لسهولة التحفظ من البول والنميمة وزاد في رواية: بلى إنه عظيم عند الله. فهو كقوله - وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم -.\n(^٨) أي لا يستبرئ ولا يستنزه ولا يتحفظ منه بالدلك بل كان يتركه فيخرج منه شيء بعد الاستنجاء.\n(^٩) هي الإفساد بين الناس بالكلام.\n(^١٠) فلقة واحدة.\n(^١١) أي أرجو - ورجاؤه ﷺ محقق - تخفيف العذاب عنهما ما دامت الجريدة رطبة، فإن الأخضر يستغفر للميت ما دام رطبًا.\n(^١٢) شرطان لا بد منهما: أن يكون دون الحولين، وأن لا يتناول ما يكفيه عن اللبن.","vol":"1","page":86},{"text":"فَأَجلَسَهُ فِي حِجْرِهِ (^١) فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ (^٢) وَلَمْ يَغْسِلْهُ. وَفِي رِوَايَةٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ نَضَحَ بِالمَاءِ. رَوَى هذِهِ الأَرْبَعَةَ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَبِيَ يَرْضَعُ فَبَالَ فِي حِجْرِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ (^٣). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ لبَابَةَ بِنْتِ الحَارِثِ قَالَتْ: كَانَ الحُسَيْنُ (^٤) فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَالَ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: الْبَسْ (^٥) ثَوْبًا وَأَعْطِنِي إِزَارَكَ حَتَّى أَغْسِلَهُ قَالَ: «إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الأُنْثَى وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ (^٦)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالحَاكِمُ (^٧).\n\n• عَنْ أَبِي السَّمْحِ (^٨) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُغْسَلُ مِنْ بَوْل الجَارِيَةِ (^٩) وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الغُلَامِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^١٠).\n\n• عَنْ عَلِيَ قَالَ: يُغْسَلُ بَوْلُ الجَارِيَةِ وَيُنْضَحُ بَوْلُ الغُلَامِ مَا لَمْ يَطْعَمْ (^١١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ هكَذَا وَالتِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً (^١٢) وَكُنْتُ أَسْتَحِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ (^١٣) فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ (^١٤) وَيَتَوَضَّأُ (^١٥)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n_________\n(^١) بفتح الحاء أشهر من كسرها، أي في حضنه وكانت عادة أهل المدينة أن يأتوا بأطفالهم إلى النبي - ﷺ - فيحنكهم بتمر ويدعو لهم بالبركة.\n(^٢) أي صب عليه بدون إسالة، وهذا معنى النضح الآتي، وفي رواية فدعا بماء فرشه أي بعد عصر البول منه.\n(^٣) ظاهره أنه غسله حتى عمه الماء وسال، وهذا أكمل فإن النضح رخصة.\n(^٤) ابن علي ﵄.\n(^٥) بفتح الباء في المضارع وكسرها في الماضي من لبس الثوب، وأما بمعنى الخلط فبالعكس قال تعالى ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾.\n(^٦) الغسل تعميم الشيء بالماء حتى يسيل عنه بخلاف النضح فإنه تعميم بدون إسالة.\n(^٧) بسند صحيح.\n(^٨) وكان يخدم النبي - ﷺ -.\n(^٩) لأنه ثخين يعلق بالثوب بخلاف بول الذكر فإنه رقيق، ولأن الذكر يؤلف فخفف في أمره.\n(^١٠) هو وما بعده بسندين حسنين.\n(^١١) هو أحد الشرطين كما سبق.\n(^١٢) كثير المذي بفتح فسكون، وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند الملاعبة أو تذكر الجماع، والودي ماء أبيض ثخين يخرج عقب البول، والمذي والودي نجسان إلا عند الحنابلة فهما طاهران، والأمر بالغسل للنظافة.\n(^١٣) فاطمة ﵂ بسبب أنها زوجتي.\n(^١٤) أي كما يغسله من البول فإنه نجس مثله، وكذا ما يصيب البدن والثوب منه يغسل.\n(^١٥) أي ولا يغتسل.","vol":"1","page":87},{"text":"• عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ (^١) قَالَ: كُنْتُ أَلْقَى مِنَ المَذْيِ شِدَّةً وَكُنْتُ أُكْثِرُ مِنْهُ الاغْتِسَالَ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذلِكَ فَقَالَ: «إِنَّمَا يُجْزِئُكَ مِنْ ذلِكَ الوُضُوءُ» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِي مِنْهُ؟ قَالَ: «يَكْفِيكَ أَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهَا مِنْ ثَوْبِكَ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَهُ (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ (^٤) فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وَأَلقَى الرَّوْثَةَ (^٥) وَقَالَ: «هذَا رِكْسٌ (^٦)». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ الجَنَابَةَ (^٧) مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَإِنَّ بُقَعَ المَاءِ فِي ثَوْبِهِ (^٨). رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْرُكَ المَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرْكًا (^٩) فَيُصَلِّي فِيهِ (^١٠). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ (^١١) سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ (^١٢) فَقَالَ: «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوا سَمْنَكُمْ (^١٣)». وَفِي رِوَايَةٍ «إِذَا وَقَعَتِ الفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ (^١٤)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\n_________\n(^١) بالتصغير.\n(^٢) أي تغسل من ثوبك المكان الذي أصابه فقط.\n(^٣) بسند صحيح.\n(^٤) ليستجمر بها.\n(^٥) كانت روثة حمار.\n(^٦) بكسر فسكون أي رجيع لرجوعه من حال الطهارة إلى حال النجاسة أي ألقاها لنجاستها، ففضلة كل حيوان نجسة لهذا، كما أن المذي والبول والدم نجس مما تقدم.\n(^٧) أي أثرها وهو المني.\n(^٨) أي رطوبته في الثوب، لم يجف. ظاهره أن المني نجس وإلا لما غسلته، وبه قال مالك وأبو حنيفة إلا أن مالكا قال إنه يغسل بالماء كسائر النجاسات، وقال أبو حنيفة يغسل رطبه ويفرك يابسه للحديث الآتي.\n(^٩) أي بيدي حتى تزول عينه.\n(^١٠) أي من غير غسل، وظاهره أن مني الآدمي طاهر وعليه الشافعي وأحمد ﵄، وغسله في الأول لزيادة النظافة.\n(^١١) بالهمز وعدمه.\n(^١٢) أي جامد وماتت فيه، أما إذا أخرجت حية فلا تنجيس ولا إلقاء.\n(^١٣) أي باقيه.\n(^١٤) لأنه تنجس بسريان النجاسة فيه من الميتة النجسة التي لها دم سائل، أما ما لا دم له سائل كالذباب والزنبور إذا مات في المائع فإنه لا ينجسه كما في الحديث الآتي.","vol":"1","page":88},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ (^١) فَلْيَغْمِسْهُ كلَّهُ (^٢) ثُمَّ لْيَطْرَحْهُ (^٣) فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً (^٤) وَفِي الآخَرِ دَاءً (^٥)». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَزَادَ: «وَإِنَّهُ يَتَّقِي (^٦) بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ (^٧)».\nوَجَاءَتِ امْرَأَةٌ تَسْأَلُ أُمَّ سَلمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي (^٨) وَأَمْشِي فِي المَكَانِ القَذِرِ (^٩) فَقَالَتْ\n_________\n(^١) وفيه الماء أو المائع.\n(^٢) بسكون اللام والأمر للندب، أو للإرشاد منعًا للأذى.\n(^٣) بكسر اللام أي خارج الإناء ولا ضرر على ما فيه فيأكله إذا سمحت نفسه، فربما لم يكن عنده غيره.\n(^٤) وهو الأيمن.\n(^٥) وهو الأيسر.\n(^٦) أي الوقوع.\n(^٧) فيدفع به الوقوع عن نفسه كما يدفع الإنسان الضرر بيده فينزل في الإناء أولا، فأمر الشارع بغمسه كله ليذهب الشفاء الداء أي السم الذي فيه بإذن الله تعالى، قال بعض حذاق الأطباء: هذا كلام حق فإن في الذباب قوة سمية يدل عليها الورم والحمرة والحكة التي تظهر عقب لسعته ولا سيما في الصغير، فإذا رأى الذباب سقوطه فيما يؤذيه تحصن بجناحه الذي فيه السم فقدمه فأمر الشارع بغمسه منعًا لضرره، وقد اعترض بعض الناس على هذا الحديث الجليل ولا أدري كيف اعتراضه إن كان لقوله إن فيه سمًا فلا بعد ولا غرابة لأنه الواقع لظهور أثره عقب لسعته كما تقدم، وإن كان لقوله إن فيه سمًا وشفاء فلا غرابة أيضًا؛ لأن هذا في غيره من صغير الحيوان كنحلة العسل التي يضرب بلسعتها المثل، وفيها أيضًا عسل فيه شفاء للناس، وإن كان من جهة الأمر بغمسه الذي يتضمن إذنًا بأكل ما في الإناء فلا وجه للاعتراض أيضًا لأنه لم يأمرنا بأكله وإنما أباحه لمن شاء، فما أرشدنا إلى غمسه إلا منعًا لضرره وحفظًا للمال من التلف، فربما لم يكن هناك غيره، فروح الحديث الإرشاد إلى حفظ الصحة والمال، والصحة أول نعمة على الإنسان بعد الإيمان والمال زينة الحياة الدنيا ولكن يظهر أن اعتراضه ناشئ عن جهله بالواجب، فإن المسلم مكلف بأن يؤمن بالله ورسوله وما جاء عنهما قال تعالى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ ومطلوب منه أن يتعقله فإن ظهر له معناه فذاك فضل الله يؤتيه من يشاء وإلا فليلزم الأدب وليترك الاعتراض على الله ورسوله، فربما كان من المتشابه وهو في الشريعة كثير والإيمان به واجب قال تعالى ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ومن الحكمة وجوده في كلام الله ورسوله لإعجاز المعاندين، وإلا فما الفرق بينه وبين كلام البشر؟ نسأل الله أن ينور بصائرنا آمين.\n(^٨) أي حتى يجر على الأرض كما هو المطلوب من النساء.\n(^٩) بفتح فكسر، أي النجس فيتلوث منه ذيلي.","vol":"1","page":89},{"text":"أُمُّ سَلَمةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢).\nوَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى المَسْجِدِ مُنْتِنَةً (^٣) فَكَيْفَ نَفْعَلُ إِذَا مُطِرْنَا (^٤) قَالَ: «أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا؟» قُلْتُ: بَلَى قَالَ: «فَهذِهِ (^٥) بِهذِهِ».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَطِئَ (^٦) أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الأَذَى فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ (^٧)». وَفِي رِوَايَةٍ: «إِذَا وَطِئَ الأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلى المَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا (^٨) أَوْ أَذىً فَلْيَمْسَحْهُ (^٩) وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا (^١٠)». رَوَى الثَّلَاثَةَ أَبُو دَاوُدَ (^١١). وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) من الأرض الطيبة الخالية من القذر. ظاهره أن ذيل المرأة إذا تقذر بأرض قذرة ثم مرت بأرض يابسة وزال صار طاهرًا. ولكن قال مالك والشافعي وأحمد: هذا إذا لم تظهر به نجاسة كالبول وإلا تعين الماء، وأما ذيل الرجل الذي يمس الأرض فلا يطهره إلا الماء لأنه خلاف المشروع من جعله إلى نصف الساقين أو إلى الكعبين، بخلاف المرأة فإنها مأمورة بالتطويل مبالغة في الستر، وسيأتي في اللباس إن شاء الله.\n(^٢) بسند صالح، وسند مالك صحيح.\n(^٣) بضم أوله وكسر ثالثه، أي ذات نتن وفساد.\n(^٤) بلفظ المجهول أي نزل علينا المطر.\n(^٥) أي النجاسة التي حصلت من الأرض القذرة تطهر بهذه الأرض الطيبة، ومن هذا قال بعض الأئمة: يعفى عن طين الشارع ولو نجسًا ما لم تظهر عين النجاسة، وحكمة هذا التخفيف على الناس كما هي قواعد الشرع الشريف - وما جعل عليكم في الدين من حرج - وقال ابن مسعود: كنا مع النبي - ﷺ - لا نتوضأ من الموطأ، أي لا نغسل ما أصابنا من الطريق.\n(^٦) بكسر الطاء أي داس بنعله على نجاسة.\n(^٧) أي مطهر له بمروره عليه فيتناثر منه، وإلا فيدلكه بالأرض كما في الذي بعده.\n(^٨) بفتحتين أي نجاسة.\n(^٩) بالأرض والتراب حتى لا يبقى منه شيء ظاهر.\n(^١٠) فإنهما صارتا طاهرتين، فأسفل النعل كذيل المرأة يطهر بمروره على الأرض إن زال ما به، وإلا دلكه حتى يزول.\n(^١١) الأخيران بسندين صحيحين.","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type='title' id=toc-44>الباب الرابع: في الاستنجاء (^١)\nوفيه فصلان</span>\n\n<span data-type='title' id=toc-45>الفصل الأول: في آداب الخلاء </span>(^٢)\n• عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا ذَهَبَ المَذْهَبَ (^٣) أَبْعَدَ. رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٤).\nوَلِأَبِي دَاوُدَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ البَرَازَ (^٥) انْطَلَقَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ (^٦).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^٧) ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًَا مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ (^٨) أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ (^٩). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ نَزَعَ خَاتَمَهُ (^١٠). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ (^١١) قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ (^١٢) وَالخَبَائِثِ (^١٣)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n_________\n(الباب الرابع في الاستنجاء وفيه فصلان)\nالأول في آداب الخلاء\n(^١) هو تطهير القبل والدبر من الخارج منهما بالحجر أو الماء أو بهما وهو أفضل، وحكمه الوجوب عند الجمهور لمواظبته - ﷺ - عليه، ولاشتراط العدد في الحجر كما يأتي، ولأنه من باب إزالة النجاسة، وقال أبو حنيفة إنه سنة للحديث الآتي \"من استجمر فليوتر\".\n(^٢) الآداب جمع أدب وهو الشيء المستحسن، والمراد به هنا ما يطلب ممن يريد البول والغائط ولو على سبيل الوجوب، كستر العورة بحضرة أجنبي وعدم اتجاه القبلة وتجنب ما يؤذى الناس في طريقهم أو في ظلهم أو شمسهم.\n(^٣) أي الطريق، والمراد إذا أراد التبرز أبعد عن الناس.\n(^٤) بسند صحيح.\n(^٥) بالفتح أشهر: الفضاء الخالي والمراد إذا ذهب إليه ليقضي حاجته.\n(^٦) ولا يسمع صوت الخارج منه ولا يشم رائحته، وهذا هو المراد سواء قرب أو بعد.\n(^٧) أي أركبني على الدابة.\n(^٨) بفتحتين شيء مرتفع من الأرض.\n(^٩) أي حائطه.\n(^١٠) لأنه كان منقوشًا عليه محمد رسول الله، وكان إذا راسل الملوك ختم به الكتاب، وفيه أنه لا يجوز دخول الخلاء بشيء فيه اسم الله تعالى، وبالأولى القرآن أو شيء منه إلا إذا خيف عليه الضياع.\n(^١١) أي أراد دخوله فيقولها قبل الدخول، أما بعد دخوله فلا يتكلم إلا للضرورة.\n(^١٢) جمع خبيث.\n(^١٣) جمع خبيثة، والمراد ذكور الشياطين وإناثهم.","vol":"1","page":91},{"text":"• عَنْ عَلِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «سِتْرُ (^١) مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الخَلَاءَ أَنْ يَقُولَ بِاسْمِ اللَّهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَحَسَّنَهُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ حاجَةً لَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ (^٢) حَتَّى يَدْنُو مِنَ الأَرْضِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَخْرُجُ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ (^٣) الغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يَمْقُتُ عَلَى ذلِكَ (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥).\n\n• عَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا (^٧)».\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ارْتَقَيْتُ فَوْقَ بَيْتِ حَفْصَةَ (^٨) لِبَعْضِ حَاجَتِي فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ (^٩). وَفِي رِوَايَةٍ: قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ (^١٠).\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ (^١١) فَبَالَ قَائِمًا (^١٢) ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِهِ فَتَوَضَّأَ.\n_________\n(^١) بالكسر، أي الساتر بين نظر الجن وعورة الآدمي ذكر الله تعالى، والأفضل أن يقول: باسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث.\n(^٢) عن شيء من عورته.\n(^٣) يريدان.\n(^٤) على كشف عورتهما وهما ينظران لبعضهما ويتكلمان.\n(^٥) هذا وما قبله ضعيفان ولكنهما من باب الترهيب.\n(^٦) وفي رواية: حتى توضأ، ثم اعتذر إليه بقوله إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر، وهذا كمال منه - ﷺ -، وإلا فالكلام أيضا لا يجوز وقت الحاجة إلا لضرورة كإنذار أعمي مشرف على هلاك، وإجابة من يناديه وليس ثم غيره.\n(^٧) أي استقبلوا أي جهة بعد تجنب استقبالها واستدبارها احتراما لها، وفي رواية: إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة. والنهي للتنزيه للحديث الآتي.\n(^٨) أختي زوجة النبي - ﷺ -.\n(^٩) فهذا خاص به - ﷺ - أو صارف للنهي عن التحريم إلى الكراهة.\n(^١٠) تثنية لبنة بفتح فكسر، وهي الطوبة النيئة، وقعوده هكذا مطلوب لعدم تنجسه بالخارج.\n(^١١) السباطة ككناسة وزنا ومعنى، وبال عليها لدماثتها، فلا يعود رشاش عليه، ولم يجد لائقا غيرها.\n(^١٢) لبيان الجواز بعد أن نهاهم عن البول قائما أو كان لمرض في صلبه كما كانت تعتقده العرب.","vol":"1","page":92},{"text":"• عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ (^١) وَلَا يَسْتَنْجِ بِيَمِينِهِ (^٢) وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ (^٣)». رَوَى هذِهِ الخَمْسَةَ، الأُصُولُ الخَمْسة.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا (^٤) الَّلاعِنَيْنِ (^٥)» قَالُوا: وَمَا اللَّاعِنَان يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ (^٦) أَوْ ظِلِّهِمْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا المَلَاعِنَ (^٧) الثَّلَاثَةَ: البَرَازَ فَي المَوَارِدِ (^٨) وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ (^٩) وَالظِّلِّ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١٠).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ (^١١) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى أَنْ يُبَالَ فِي الجُحْرِ (^١٢) قَالُوا لِقَتَادَةَ: مَا يُكْرَهُ مِنَ البَوْلِ فِي الجُحْرِ (^١٣)؟ قَالَ: كَانَ يُقَالُ إِنَّهَا مَسَاكِنُ الجِنِّ (^١٤). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^١٥) وَلَهُ (^١٦) «إِذَا أَرادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَبُولَ فَلْيَرْتَدْ (^١٧) لِبَوْلِهِ مَوْضِعًا (^١٨)».\n\n• عَنْ أُمَيْمَةَ ابْنَةِ رُقَيْقَةَ (^١٩) قَالَتْ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ (^٢٠) تَحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فِيهِ بِاللَّيْلِ (^٢١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n_________\n(^١) أي لا يمسه بها تكريما لها.\n(^٢) فالاستنجاء باليمين مكروه؛ لأنها ربما باشرت النجاسة إلا لعذر كمرض اليسرى، فلا بأس.\n(^٣) وقت الشرب منه لأنه ينتنه، فإذا أراد التنفس رفع الإناء عن فمه وتنفس ثم كمل شربه، وستأتي آداب الشراب في كتاب الطعام والشراب إن شاء الله.\n(^٤) احذروا واجتنبوا.\n(^٥) الفعلين اللذين يوجبان لعن الناس.\n(^٦) يتغوط فيه، فإن الناس إذا رأوا غائطا في الطريق أو في موضع اجتماعهم قالوا: لعن الله من فعل هذا.\n(^٧) مواضع اللعن.\n(^٨) جمع مورد، وهو طريق الماء.\n(^٩) أي الطريق المقروعة بالنعال.\n(^١٠) وابن ماجه، ولم يبينوا درجته، ولكنه مؤيد بالصحيح قبله.\n(^١١) بفتح فسكون فكسر ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.\n(^١٢) كقفل: الثقب في الأرض، والنهي للتحريم.\n(^١٣) أي ما علة الكراهة.\n(^١٤) وأيضا فهي مأوى الحشرات في الغالب، فالبول فيها مظنة الضرر.\n(^١٥) لم يذكروا نسبته، ولكنه في باب الترهيب.\n(^١٦) أي لأبي داود وقد تعودت ذلك للاختصار.\n(^١٧) من الارتياد وهو الاختيار.\n(^١٨) صالحا للبول فيه، فلا يرجع بوله عليه لعلو مكان أو هبوب ريح.\n(^١٩) بتصغير الاسمين.\n(^٢٠) بفتح فسكون، جمع عيدانة وهي جذع النخل: فالإناء من خشب النخل.\n(^٢١) محافظة على صحته، فإن الخروج ليلا فيه تعريضها للضرر.","vol":"1","page":93},{"text":"• عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنَ الخَلَاءِ قَالَ: «غُفْرَانَكَ» (^١). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-46>الفصل الثاني: في الاستنجاء </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَنَسٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَجِيءُ (^٤) أَنَّا وَغُلَامٌ مَعَنَا إِدَاوَةٌ (^٥) مِنْ مَاءٍ يَعْنِي يَسْتَنْجِي بِهِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ الخَلَاءَ فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً (^٦) فَيَسْتَنْجِي بِالمَاءِ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَكَانَ لَا يَلْتَفِتُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقَالَ: «ابْغِ لِي أَحْجَارًا (^٧) أَسْتَنْفِضْ بِهَا (^٨) أَوْ نَحْوَهُ (^٩) وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ (^١٠)» فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ فِي طَرَفِ ثِيَابِي فَوَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ وَأَعْرَضْتُ عَنْهُ فَلَمَّا قَضى أَتْبَعَهُ (^١١) بِهِنَّ (^١٢). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ سَلْمَانَ (^١٣) قِيلَ لَهُ (^١٤): قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الخِرَاءَةَ (^١٥) فَقَالَ: أَجَلْ (^١٦) لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ نَسْتَنْجِيَ\n_________\n(^١) أي أسألك غفرانك من هذه الغفلة الطويلة وقت الخلاء.\n(^٢) بسند حسن، وفي رواية كان يقول: الحمد لله الذي أذهب عني الأذي وعافاني. وينبغي الجمع بينهما فهو كمال، والله أعلم.\n\n(الفصل الثاني في الاستنجاء)\n(^٣) أي في مادته وآلته وهي الماء والحجر، وشرط الماء أن يكون طهورًا، وشرط الحجر أن يكون طاهرًا قالعًا غير محترم ليس بعظم ولا رجيع أي روث حيوان، والمدار في الاستنجاء على إنقاء المحل بغلبة ظنه.\n(^٤) أي أتبعه.\n(^٥) إناء صغير من جلد مملوء بالماء.\n(^٦) بفتحتين أطول من العصا وأقصر من الرمح، في طرفها سن من حديد، وكان النبي - ﷺ - يستتر بها في الصلاة إذا لم يجد غيرها، وستأتي في سننها.\n(^٧) أي ائتني بها.\n(^٨) أستجمر بها.\n(^٩) شك، أي قال هذا أو نحوه.\n(^١٠) فإن العظم ناعم لا يقلع النجاسة، والروث نجس وأيضًا فيها مطعوم الجن كما سيأتي.\n(^١١) أي محل الخارج.\n(^١٢) أي بالأحجار، أي فلا تبرز استنجى بها.\n(^١٣) أي الفارسي وسيأتي ذكره في الفضائل.\n(^١٤) من طرف المشركين.\n(^١٥) بالكسر والمد، أي أدب الجلوس للحاجة، واسم الخارج خرء كقفل.\n(^١٦) نعم.","vol":"1","page":94},{"text":"بِاليَمِين أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ (^١) أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ (^٢) أَوْ عَظْم. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ: لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلَا بِالعِظَامِ فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الجِنِّ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ (^٤)، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ (^٥) فَلْيُوتِرْ (^٦)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ، وَلَهُ (^٧): «مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ (^٨) مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ (^٩) وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ أَكَلَ فَمَا تَخَلَّلَ فَلْيَلْفِظْ (^١٠)، وَمَا لَاكَ بِلِسَانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ (^١١)، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ أَتَى الغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ (^١٢) فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلا أَنْ يَجْمَعَ كثِيبًا مِنْ رَمْلٍ (^١٣) فَلْيَسْتَدْبِرْهُ (^١٤)، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ (^١٥)، مَنْ فَعَلَ هذَا فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ».\n_________\n(^١) وإن حصل الإنقاء بدونها، وقال الشافعي وأحمد وجماعة إن اشتراط المدد يفيد وجوب الاستنجاء كاشتراط العدد في نجاسة الكلب.\n(^٢) أي روث حيوان، وسمي رجيعًا لأنه رجع من حال الطهارة إلى حال النجاسة.\n(^٣) وسماهم إخوانا لأنهم مؤمنون ومكلفون مثلنا، قال تعالى عن قائلهم - يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبك ويجركم من عذاب أليم - وسببه ما رواه أبو داود قال: قدم وفد منهم للنبي - ﷺ - فقالوا يا محمد انْهَ أمتك أن يستنجوا بعظم أو روث أو حممة (هي حريق العظم والخشب ونحوهما) وإن الله ﷿ جعل لنا فيها رزقًا، فنهى النبي - ﷺ - وعن ذلك. وللطبراني وأبي نعيم: جاء للنبي - ﷺ - ونحن بمكة جن نصيبين (مكان في جزيرة العرب) يختصمون في أمور بينهم وسألوا النبي - ﷺ - الزاد، فزودهم الروث والعظم، فما وجدوه من روث وجدوه تمرًا، وما وجدوه من عظم وجدوه كاسيا باللحم، وحينئذ نهي عن تنجسهما.\n(^٤) أي يخرج ما في أنفه من الأوساخ بعد الاستنشاق لنظافته.\n(^٥) استنجى بالأحجار.\n(^٦) بثلاث أو بخمس أو بسبع، فإن الله وتر يحب الوتر في كل شيء.\n(^٧) لأبي داود وابن ماجه أيضا.\n(^٨) بواحدة في كل عين، أو بثلاث في كل ما كان يفعل النبي - ﷺ -.\n(^٩) أي لا إثم.\n(^١٠) أي ما أخرجه من أسنانه بالخلة فليبصقه.\n(^١١) أي ما خرج بحركة لسانه فليبتلعه إن شاء، فإنه غير ملوث بدم، بخلاف ما أخرجته الخلة.\n(^١٢) بشيء عن أعين الناس.\n(^١٣) هو ما اجتمع من الرمل.\n(^١٤) يجعله خلفه.\n(^١٥) المقاعد جمع مقعد وهو محل القعود، أو أسفل الجسم، ومعنى لعبه بمحل القعود تسببه في أذاه كعود البول عليه أو تحريشه لما يؤذيه من الهوام،=","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type='title' id=toc-47>الباب الخامس: في الوضوء\nوفيه ثلاثة فصول</span>\n<span data-type='title' id=toc-48>الفصل الأول: في أسباب (^١) الحدث </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الْغَآئِطِ﴾ (^٣) ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَآءَ﴾ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ (^٥)». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ. وَزَادَ البُخَارِيُّ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتُ (^٦): مَا الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ (^٧). وَفي رِوَايَةٍ: لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ (^٨) وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ (^٩).\n\n• عَنْ عَبَّادِ (^١٠) بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ (^١١) شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ (^١٢) يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ (^١٣) قَالَ: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». وَفِي رِوَايَةٍ:\n_________\n= ومعنى لعبه بأسفل الجسم: عمله ما يوجب الوسوسة للإنسان في محل الاستنجاء، وبالستر لا يقدر على ذلك، كما أن الذكر عند إرادة الخلاء مانع لنظرهم وحافظ من شرهم، فسبحان اللطيف الخبير.\n\n(الباب الخامس في الوضوء. وفيه ثلاثة فصول: الأول في أسباب الحدث)\n(^١) المراد بأسبابه نواقض الوضوء، وهي الخارج من السبيلين، والنوم، ولمس المرأة الأجنبية، ومس الفرج، والقيء. وكلها فيها خلاف إلا الخارج من السبيلين فباتفاق الأمة.\n(^٢) المراد به هنا المنع من العبادة الذي يترتب على أحد النواقض، لا نفس الخارج ولا الخروج وإن كانا من معانيه؛ لأنها تقع ولا ترتفع، بخلاف المنع فإنه يرتفع بالطهارة.\n(^٣) المكان المعد لذلك، أي جاء بعد تغوطه أو بوله.\n(^٤) وفي قراءة أو لمستم. واللمس: الجس باليد كما قاله ابن عمر والشافعي، وقال ابن عباس: اللمس هنا الجماع وكلاهما صحيح، وتمام الآية: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.\n(^٥) أي لا يقبلها الله تعالى لعدم صحتها بانتفاء شرطها وهو الطهارة.\n(^٦) بفتح فسكون بلد باليمن وقبيلة أيضًا.\n(^٧) بضم أولهما: ريح يخرج من الدبر ولكن ثانيهما بصوت والأول بدونه، وأجاب السائل بما يجهله، أو أنه نبه بالأخف فغيره كالبول والغائط من باب أولى.\n(^٨) أي طهارة وضوءا كانت أو غسلا أو تيمما.\n(^٩) بالضم أي خيانة كسرقة وغصب.\n(^١٠) كشداد.\n(^١١) هو عبد الله بن زيد الأنصاري.\n(^١٢) نائب فاعل بشك، وفي رواية شكا الرجل.\n(^١٣) نائب فاعل بيخيل، أي يتخيل ويظن أو يشك أنه يجد الشيء أي الحدث كريح وغيره خارجًا من دبره وهو في الصلاة، فما حكمه.","vol":"1","page":96},{"text":"«إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا، فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا (^١)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَلِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وكَاءُ (^٢) السَّهِ (^٣) العَيْنَان (^٤). فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥) وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّؤُونَ (^٦). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (^٧): «إِنَّ الوُضُوءَ لَا يَجِبُ إِلا عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا (^٨) فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ (^٩)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^١٠).\n_________\n(^١) أي حتى يتحقق الحدث، بسماع صوته أو شم ريحه أو علمه بطريق الكشف أو إخبار معصوم، فيكون توهم الحدث أو الشك أو الظن لا عبرة به، وفي رواية: إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره، فأشكل عليه أحدث أو لم يحدث، فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا.\nوقوله فوجد حركة في دبره التي قيل إنها من جذب الشيطان ليفسد على الناس عبادتهم، فالشك الناشئ من هذا ومثله لا ينقض الطهارة حتى يتحقق الحدث. وهذا الحديث أصل عظيم في الدين، ومنه القاعدة الفقهية المشهورة عند الجمهور من السلف والخلف، وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يظهر خلاف ذلك باليقين، ومنها بقاء الطهارة حتى يتيقن الحدث.\n(^٢) بالكسر والمد حفاظ ورباط.\n(^٣) بفتح فكسر مع التخفيف أي الدبر.\n(^٤) أي يقظة العينين، فاستيقاظ الشخص حافظ لخروج شيء من دبره، ولذا قال فمن نام فليتوضأ. وذلك أن النوم لما كان مظنة لخروج شيء من غير شعور نزل الظن منزلة اليقين، وجعل سببًا للحديث احتياطا للعبادة.\n(^٥) بسند ضعيف، ولكن يؤيده حديث صفوان الصحيح الآتي في الخف، القائل كنا نسافر مع النبي - ﷺ - فما كان يأمرنا بنزع الخفاف ثلاثة أيام إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم فلا. فجعل النوم من أسباب الحدث وقرنه بالبول والغائط اللذين هما من أسبابه باتفاق، وهذا الحديث من بديع الكلام الذي جرى مجرى الأمثال كاحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء.\n(^٦) ظاهره أن النوم لا ينقض الوضوء مطلقًا.\n(^٧) سببه أن النبي - ﷺ - نام وهو ساجد حتى غط أو نفخ ثم قام يصلى، فقلت يا رسول الله إنك قد نمت، فذكر الحديث.\n(^٨) أي على جنبه.\n(^٩) أي تفتحت، فكانت مظنة لخروج شيء فكل نوم على حال فيها استرخاء المفاصل يكون ناقضًا ومالا فلا.\n(^١٠) بسند مستقيم، فهنا في النوم =","vol":"1","page":97},{"text":"• عَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ (^١) فَلَا يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأَ (^٢)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَفْضى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ (^٤) وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا (^٥) سِتْرٌ وَلَا حَائِلٌ فَلْيَتَوَضَّأْ». رَوَاهُ الإِمَامُ الشَّافِعَيُّ وَالحَاكِمُ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ طَلْقِ (^٦) بْنِ عَلِيَ قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيٌّ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا تَرَى فِي مَسِّ الرُّجُلِ ذَكَرَهُ بَعْدَمَا يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ ﷺ: «هَلْ هُوَ إِلا مُضْغَةٌ مِنْهُ أَوْ (^٧) بَضْعَةٌ مِنْهُ (^٨)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبَّلَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاة وَلَمْ يَتَوَضَّأْ (^٩) قَالَ عُرْوَةُ فَقُلْتُ لَهَا: مَنْ هِيَ\n_________\n=أحاديث ثلاثة: الأول يقول بالنقض مطلقا والثاني يقول بعدمه مطلقا، والثالث بالتفصيل، والمالكية قالوا بالأول، فالنوم عندهم ناقض، ولكن إذا كان ثقيلا وإن قصر، وقال الحنابلة إن النوم ينقض في كل حال إلا إذا كان يسيرًا وهو جالس أو قائم، وقال الحنفية والشافعية إن النوم ناقض مطلقًا إلا نوم الممكن مقعدته من الأرض. ﵃ أجمعين.\n(^١) أي أو فرجه كما في الرواية الآتية.\n(^٢) وضوءا كاملا، لرواية من مس فرجه فليتوضأ وضوءه للصلاة.\n(^٣) هو واللذان بعده بأسانيد صحيحة.\n(^٤) هو ما انفرج وانفتح من أسفل البدن كالقبل والدبر من الرجل والمرأة.\n(^٥) أي بين يده وفرجه وهو معنى الإفضاء وهذا قيد الحديث قبله. وحكمته أنه مظنة ثوران الشهوة كلمس الأجنبية، فكان رافعًا للطهارة.\n(^٦) بفتح فسكون.\n(^٧) للشك.\n(^٨) أي قطعة من جسمك كيدك ورجلك، فلا نقض يمسه، فهنا في مس القبل أحاديث ثلاثة الأولان يقولان بالنقض، والثالث يقول بعدمه، ولكن الجمهور مع الأولين، فهما ناسخان للثالث، أو أنه خاص بالبدوى، لقلة ملابسهم وصعوبة تحفظهم، وقال الحنفية بعدم النقض الحديث البدوي، وحملوا اللذين قبله على الوضوء اللغوي، وفيه تخفيف وفي قول الجمهور احتياط.\n(^٩) أي من القبلة فاللمس أولى بعدم النقض، وبه قال فئة من الصحب ومن بعدهم كعلي وابن عباس وعطاء وطاوس وأبي حنيفة والثوري، والحديث ضعيف ولكن يؤيده ما يأتي في العمل الخفيف للخمسة قول عائشة: كنت أنام بين يدي النبي - ﷺ - ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني بيده فقبضتهما، فإذا قام بسطتهما، ولكن الجمهور قالوا بنقض الوضوء مطلقًا بلمس الأجنبية لقوله تعالى: - أو لامستم النساء - وما وقع بين النبي - ﷺ - وعائشة يحتمل التخصيص به إلا أن مالكا قيده بما إذا قصد أو وجد اللذة وإلا فلا نقض، والكلام في اللمس بدون حائل وإلا فلا نقض باتفاق.","vol":"1","page":98},{"text":"إِلا أَنْتِ، فَضَحِكَتْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَاءَ (^١) فَتَوَضَّأَ (^٢) فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَذَكَرْتُ ذلِكَ لَهُ فَقَالَ: صَدَقَ أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ. رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣).\n\n• عَنِ البَرَاءِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ فَقَالَ: «تَوَضَؤُوا مِنْهَا» (^٤)، وَسُئِلَ عَنْ لُحُومِ الغَنَمِ فَقَالَ: «لَا تَوَضَّؤُوا مِنْهَا» (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الوُضُوءُ (^٦) مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ».\nرَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ (^٧) شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأَ (^٨). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ آخِرُ الأَمْرَيْنِ (^٩) مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْكَ الوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-49>الفصل الثاني: في آداب الوضوء </span>(^١٠)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ\n_________\n(^١) أي استقاء ما في معدته.\n(^٢) أي وضوء الصلاة فالقيء ناقض له، ومثله الرعاف فها خارجان نجسان كالبول والغائط، وعليه الحنابلة والحنفية إذا كان القيء ملء الفم، وقال الجمهور إن القيء والرعاف غير ناقضين، وما فعله النبي - ﷺ - في القيء تجديد وضوء فهو كمال. وللبيهقي ليس الوضوء من الرعاف والقيء.\n(^٣) بسند صحيح.\n(^٤) وضوء الصلاة فإنها ناقضة له.\n(^٥) لأن في شحمها رقة بخلاف الإبل.\n(^٦) أي الشرعي واجب مما مست النار أي من أكل ما أثرت فيه بشيءٍ أو قلي أو طبخ، وبه قال فئة من العلماء، ولكن الجمهور والأئمة الأربعة على خلافه، الحديثين اللذين بعده.\n(^٧) كفرح وبكسر فسكون.\n(^٨) فهذا الحديث الصحيح ناسخ لما قبله.\n(^٩) تثنية أمر وهو الشأن والحال لا ضد النهي، أي كان آخر الواقعتين منه - ﷺ - ترك الوضوء من أكل ما غيرته النار، والله أعلم.\n\n(الفصل الثاني في آداب الوضوء)\n(^١٠) المراد بآدابه الأمور المستحبة فيه والمكملة كالسواك والتسمية وغسل الكفين والضمضة والاستنشاق وعدم الإسراف في الماء ومسح الأذنين ونضح الفرج بالماء دفعًا للوسوسة وعدم التنشيف إلا لحاجة.","vol":"1","page":99},{"text":"فِي الإِنَاءِ (^١) حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (^٢) فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ أَوْ (^٣) أَيْنَ كَانَتْ تَطُوفُ يَدُهُ (^٤)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ (^٥) وَلَا وُضُوءَ (^٦) لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ (^٧)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٨).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ (^٩)». رَوَاهُ مَالِكٌ وَالبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «السِّوَاكُ (^١٠) مَطْهَرَةٌ (^١١) لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ (^١٢)». رَوَاهُ البُخَارِيَّ وَالشَّافِعِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ نِبِيُّ اللَّهِ ﷺ يَسْتَاكُ (^١٣) فَيُعْطِينِي السِّوَاكَ لِأَغْسِلَهُ فَأَبْدَأُ بِهِ فَأَسْتَاكُ (^١٤) ثُمَّ أَغْسِلُهُ وَأَدْفَعُهُ إِلَيْهِ (^١٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n_________\n(^١) الذي فيه دون القلتين.\n(^٢) خارج الإناء بإمالته أو بنقل الماء بإناء صغير لئلا يتنجس بوضعها فيه على رأي أو يتقذر على آخر.\n(^٣) للشك.\n(^٤) فلعلها مرت على جرح أو على محل الاستجمار وهناك رطوبة فتنجس وتنجس الماء. وفيه دليل على أن الماء القليل ينجس بأي نجاسة كحديث إذا بلغ الماء قلتين. وهذا من الأحاديث التي جمعت الحكم وعلته ومنه ما سبق: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم.\n(^٥) أي صحيحة بدليل لا تقبل صلاة بغير طهور.\n(^٦) أي كامل عند الجمهور، وقال أحمد وداود إن التسمية واجبة ولا يصح الوضوء بدونها إلا سهوًا أو جهلا.\n(^٧) أي في أوله فإن لم يتذكر إلا في أثنائه أتي بها، والأفضل أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على الإسلام ونعمته، الحمد لله الذي جعل الماء طهورًا والإسلام نورًا، رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون، والبسملة تكفي لمن لم يحفظ هذا.\n(^٨) قال وقال البخاري: هو أحسن حديث في التسمية.\n(^٩) أي لولا خوفي من وقوعهم في المشقة والعقاب إذا تركوا السواك لأمرتهم أمر إيجاب، لكثرة فوائده التي تعود على الجسم بالصحة، ولما فيه من عظيم الثواب، وسيأتي في سنن الصلاة: ركعتان بسواك خير من سبعين ركعة بغير سواك، ومحله قبل الوضوء أو بعد غسل الكفين.\n(^١٠) هو آلة خشنة لتنظيف الفم، سواء أكانت من زرع كعود الأراك والزيتون، أو غيره كالفرشة الصناعية، فالمدار على نظافة الفم بأي شيء كان.\n(^١١) بفتح أوله وثالثه أي مطهر له من الأوساخ التي تلصق بالأسنان واللسان وسقف الحنك.\n(^١٢) أي سبب في رضاه لأنه نظافة وعبادة أمر الله بها.\n(^١٣) يريد السواك.\n(^١٤) أي به تبركا بأثره - ﷺ -، وفيه جواز التبرك بآثار الصالحين واستعمال سواك الغير إذا سمح به.\n(^١٥) فيستاك به، وينبغي بله بالماء قبل استعماله وغسله بعده.","vol":"1","page":100},{"text":"وَعَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَشْرٌ (^١) مِنَ الفِطْرَةِ (^٢) قصُّ الشَّارِبِ (^٣) وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ (^٤) وَالسِّوَاكُ وَاسْتِنْشَاقُ المَاءِ (^٥) وَقَصُّ الأَظْفَارِ وَغَسْلَ البَرَاجِمِ (^٦) وَنَتْفُ الإِبْطِ (^٧) وَحَلقُ العَانَةِ (^٨) وَانْتِقَاصُ المَاءِ أَيْ الاسْتِنْجَاءُ (^٩)». قَالَ مُصْعَبٌ (^١٠): وَنَسِيتُ العَاشِرَةَ إِلا أَنْ تَكُونَ المَضْمَضَةَ (^١١). رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ (^١٢) إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ وَيَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ (^١٣). رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِإِنَاءٍ يَسَعُ رِطْلَيْنِ (^١٤) وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: الصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ.\nوَسَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ وَلَدَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ القَصْرَ الأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الجَنَّةِ إِذَا دَخَلْتُها فَقَالَ: يَا بُنَيَّ سَلِ اللَّهَ الجَنَّةِ وَتَعَوَّذْ بِهَ مِنَ النَّارِ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّهُ سَيَكُون فِي هذِهِ الأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطُّهُورِ وَالدُّعَاءِ (^١٥)» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ (^١٦).\n_________\n(^١) أي خصال عشر.\n(^٢) أي السنة القديمة التي أمرت بها الأنبياء والرسل والمؤمنون، وحافظوا عليها حتى سارت كأنها أمر جبلى فطروا عليه.\n(^٣) حتى تبدو حمرة الشفة العليا، أو استئصاله بالقص.\n(^٤) من القص لكن تسويتها مطلوبة بأخذ ما زاد في طولها وتنظيف ما حولها، وسيأتي في اللباس: كان النبي - ﷺ - يأخذ من طول لحيته ومن عرضها.\n(^٥) وضعه في الأنف وجذبه بالنفس ونثره ثانيًا لنظافته.\n(^٦) جمع برجمة، وهي غضون مفاصل الأصابع.\n(^٧) أي شعره لئلا تظهر منه رائحة كريهة.\n(^٨) أي شعرها الذي حول القبل، ولكن الأولى الرجل الحلق بالموسى، والأولى للمرأة النتف لأنه يضعف شهوتها والحلق يثيرها، وهو أولى للرجل.\n(^٩) أي بالماء.\n(^١٠) أحد الرواة.\n(^١١) أو الختان لوروده في عدة روايات، وستأتي سنن الفطرة في كتاب اللباس أبسط من هذا إن شاء الله.\n(^١٢) إناء يسع خمسة أرطال وثلثًا عند الحجازيين وثمانية أرطال عند العراقيين.\n(^١٣) وهو رطل وثلث بالرطل الحجازي.\n(^١٤) أي أحيانًا، فلا ينافي ما قبله ويتوضأ بالمد، وليس المراد تحديد ماء الوضوء والغسل، بل المدار على ما يحصل الإسباغ به بدون إسراف، فإنه مذموم.\n(^١٥) يتجاوزون الحد فيهما بالإسراف في الماء وسؤال ما لا يجوز كمنازل الأنبياء.\n(^١٦) بسند صالح.","vol":"1","page":101},{"text":"• عَنِ الحَكَمِ أَوِ ابْنِ الحَكَمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَالَ ثمَّ تَوَضَّأَ وَنَضحَ فَرْجَهُ (^١). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢).\n\n• عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا يُقَالَ لَهُ الوَلْهَانُ (^٣) فَاتَّقُوا (^٤) وَسْوَاس المَاءِ (^٥)».\n\n• عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ خِرْقَةٌ (^٦) يَسْتَنْشِفُ بِهَا بَعْدَ الوُضُوءِ (^٧). رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-50>الفصل الثالث: في بيان الوضوء (^٩) ومدته </span>(^١٠)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ (^١١) ﴿فاغْسِلُواْ﴾ (^١٢) ﴿وُجُوهَكُمْ\n_________\n(^١) أخذ كفًا من ماء فرشه على مذاكيره فوق الإزار منعًا للوسوسة.\n(^٢) بسند ضعيف، ولفظ الترمذي: قال لي جبريل يا محمد إذا توضأت فانتضح. لأن الشيطان ينفخ في القبل أو يحركه، فيظن المتطهر أنه خرج منه شيء، وبالنضح تبتل الملابس فتذهب الوسوسة.\n(^٣) من الوله وهو الشغف بإفساد طهارة العابدين، والظاهر أنه وصف لنوع الشياطين التي توسوس في الطهارة، لا أنه شيطان واحد.\n(^٤) احذروا.\n(^٥) بالتحفظ منه في أول الوضوء والغسل بالاستعاذة بالله تعالى منه، والتسمية وعدم الالتفات إلى قوله إن الماء لم يعم هذا العضو أو إنه لم يغسل ثلاثًا مثلًا.\n(^٦) وفي رواية منديل.\n(^٧) أي في بعض الأحيان، فلا ينافي ما يأتي في الغسل عن ميمونة: فأتيته بخرقة فردها. وبه قال فئة من الصحب ومن بعدهم وكرهه آخرون وقالوا: إنه كالتبرى من أثر العبادة وبقاؤه محمود؛ لأن ماء الطهارة يوزن كما قاله الزهرى، وهذا ما لم تدع حاجة للتنشيف وإلا فلا كراهة.\n(^٨) بسندين غريبين، والله أعلم.\n\n(الفصل الثالث في بيان الوضوء ومدته)\n(^٩) أي بيان الأعضاء التي تغسل فيه والتي تمسح وعدد المسح والغسل وترتيبها.\n(^١٠) أي بيان مدته وأنه يبقى ما لم يحصل حدث من أسبابه السابقة. والوضوء لغة من الوضاءة وهي الحسن والبهجة، وشرعا غسل بعض الأعضاء بنية التقرب إلى الله. وحكمة الوضوء غفران الذنوب كما سبق في فضائل الطهارة، والنظافة والبهاء اللذان يتجمل بهما المصلي وهو قائم بين يدي ربه فيزداد قربا منه تعالى كما يأتي في الأخلاق \"إن الله جميل يحب الجمال\".\n(^١١) أي أردتم القيام لها وإلا فمن دخل في الصلاة لا يشتغل بغيرها.\n(^١٢) أمر وهو للوجوب فيفيد فرضية غسل الأعضاء الأربعة وفرضية الترتيب من الآية أيضا، فإنها لم تسلك الترتيب الطبيعي في جسم الإنسان، وهو البدء من أعلى إلى أسفل أو بالعكس، بل سلكت طريقا أخرى وهي البدء بالوجه ثم اليدين ثم الرأس ثم الرجلين، وأيضا فرقت بين الأعضاء المغسولة بعضو ممسوح وهو الرأس، ما ذاك إلا لمعنى خاص وهو الترتيب، بقيت النية =","vol":"1","page":102},{"text":"وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (^١) ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ (^٢) ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (^٣) ﴿إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ (^٤).\n\n• عَنْ حُمْرَانَ (^٥) مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ: إِنَّ عُثْمَانَ دَعا بِوَضُوءٍ (^٦) فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَر (^٧) ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُمْنَى إِلَى المِرْفقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهَ اليُسْرَى مِثْلَ ذلِكَ (^٨) ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ اليُمْنَى إِلَى الكَعْبَيْنِ (^٩) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ اليُسْرَى مِثْلَ ذلِكَ ثمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هذَا ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وضُوئِي هذَا ثُمَّ قَامَ فَرَكَع رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ (^١٠) غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». وَفِي رِوَايَةٍ (^١١): فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ (^١٢) مِنْ مَاءٍ. وَفِي أُخْرَى: فَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا. وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَسَحَ رَأْسَهُ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ (^١٣) ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ،\n_________\n= وهي فرض من حديث: إنما الأعمال بالنيات، السالف في كتاب النية، فيقول المتوضئ عند غسل وجهه نويت الوضوء لله تعالى أو نويت فرض الوضوء ونحوه، وبدئ بالوجه لأنه أشرف الأعضاء ومجمع المحاسن وفيه منافذ تستلزم النظافة، وثني باليدين لأنهما مصدر الأعمال، وثلث بالرأس لأنه أعلى الجسد وفيه القوة المفكرة، وختم بالرجلين لأنهما أسفل الجسم ولاتصالهما بالأرض، فناسبهما التأخير والله أعلم.\n(^١) جمع مرفق وهو المفصل بين العضد والساعد.\n(^٢) كلها أو بعضها، وعلى الأول المالكية والحنابلة، وعلى الثاني الحنفية والشافعية ولكن الفرض عند الحنفية الربع، وعند الشافعية أقل ما يصدق عليه المسح والأكمل التعميم الحديث حمران الآتي.\n(^٣) بنصبه عطفًا على الوجوه فالغسل مسلط عليه، وقراءة الجر لمجاورته للرءوس فقط فهو من الغسول قطعًا بدليل فعل النبي - ﷺ - والصحب ومن بعدهم.\n(^٤) والكعبان داخلان.\n(^٥) كغفران، مولى عثمان أي خادمه.\n(^٦) ماء للوضوء.\n(^٧) أي بعد استنشاق الماء.\n(^٨) أي إلى المرفق ثلاثا.\n(^٩) هما العظمان الناتئان في نهاية الساق بينه وبين القدم، وهما داخلان في غسل القدمين كالمرفق السابق، فالغاية فيهما داخلة في المغيا.\n(^١٠) أي بشيء من أمور الدنيا، أما التفكر في أمور الآخرة أو في معنى ما يقول فلا، بل هو كمال.\n(^١١) بيان للتثليث الذي تركه الحديث.\n(^١٢) ظاهره أنه جمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة وهكذا ثانية وثالثة، ويحتمل ثلاثًا لكل منهما.\n(^١٣) بيان للإقبال والإدبار فنشر أصابع يديه على ناصيته ووصل السبابتين بعضهما ثم ذهب بهما الخ.","vol":"1","page":103},{"text":"ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ (^١).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً (^٢) مَرَّةً. رَوَاهُمَا البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ عَنِ الوُضُوءِ فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا (^٣) ثُمَّ قَالَ: «هكَذَ الوُضُوءُ (^٤) فَمَنْ زَادَ عَلَى هذَا فَقَدْ أَساءَ (^٥) وَتَعَدَّى وَ(^٦) ظَلَمَ (^٧)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ (^٨). وَلَفْظَهُ: «فَمَنْ زَادَ عَلَى هذَا أَوْ نَقَصَ (^٩) فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ».\n\n• عَنْ أَنَسٍ أَنْ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ (^١٠) وَقَالَ: «هكَذَ أَمَرَنِي رَبِّي». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^١١) وَلَهُ (^١٢): إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْكَ (^١٣) وَرِجْلَيْكَ.\n\n• عَنِ المُسْتَوْرِدِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ يُخَلِّلُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ (^١٤). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^١٥).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِرَأْسِهِ (^١٦) وَأُذُنَيْهِ (^١٧) ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا (^١٨). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^١٩).\n\n• عَنِ المُغِيرَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ (^٢٠) وَعَلَى العِمَامَةِ (^٢١) وَعَلَى الخُفَّيْنِ. رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n_________\n(^١) بأن غسل كل عضو مرتين.\n(^٢) أي في بعض الأحيان لبيان الجواز، وإلا فالكمال ثلاثا ثلاثا.\n(^٣) أي بالفعل أو بالقول.\n(^٤) أي الكامل الذي أمرني به ربي.\n(^٥) أي الأدب.\n(^٦) الحد الشرعي وهو الثلاث.\n(^٧) أي نفسه بالإسراف في الماء.\n(^٨) بسند صالح.\n(^٩) للشك، أو للتنويع، وضعف بأن النقص عن الثلاث لا يعد إساءة وظلما لثبوته في الحديثين السابقين إلا أن يقال إنه إساءة وظلم لفوات الكمال.\n(^١٠) ليعم الماء الشعر كله والجلد الذي تحته.\n(^١١) بسند صحيح.\n(^١٢) أي للترمذي بسند حسن.\n(^١٣) بالتشبيك بينهما.\n(^١٤) بإدخال خنصر اليد اليسرى بين الأصابع.\n(^١٥) بسند حسن.\n(^١٦) أي على رأسه.\n(^١٧) أي ومسح أذنيه.\n(^١٨) بإدخال السبابتين في باطن الأذنين، وإمرارها على المعاطف، ومسح ظاهر الأذنين بإمرار الإبهام عليهما.\n(^١٩) بسند صحيح.\n(^٢٠) أي مقدم رأسه.\n(^٢١) تكميلا لمسح رأسه، ولا يكفي مسح العمامة إلا بعد مسح جزء من رأسه لأنها الأصل، وهذا تخفيف من الشارع لمن لم يرد نزع عمامته لبرد أو مرض.","vol":"1","page":104},{"text":"وَرَأَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَوْمًا يَتَوَضَّؤُونَ مِنَ المِطْهَرَةِ (^١) فَقَالَ: أَسْبِغُوا الوُضُوءَ (^٢) فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا القَاسِمِ يَقُولُ: «وَيْلٌ (^٣) لِلْعَرَاقِيبِ (^٤) مِنَ النَّارِ». وَفِي رِوَايَةٍ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ (^٥)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفُرٍ عَلَى قَدَمِهِ (^٦) فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ» فَرَجَعَ (^٧) ثُمَّ صَلَّى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ. وَلَهُ: «أَسْبِغِ الوُضُوءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ وَبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ (^٨) إِلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا (^٩)».\n\n• عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ (^١٠) قلْتُ: كَيْف كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ (^١١) قَالَ: «يُجْزِئُ أَحَدَنَا الوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ (^١٢)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\n\n• عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ صَنَعْتَ اليَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ (^١٣) قَالَ: «عَمْدًا (^١٤) صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ (^١٥)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n_________\n(^١) بفتح الميم أجود من كسرها، المكان المعد للطهارة.\n(^٢) أي أتموه بفعل فرائضه وسننه.\n(^٣) أي هلاك.\n(^٤) أي لأصحابها الذين يتساهلون في غسلها، والعراقيب جمع عرقوب وهو العصب الغليظ فوق العقب.\n(^٥) الأعقاب جمع عقب وهو مؤخر القدم الذي هو مظنة التساهل، وفي رواية للبخاري: وجدهم يتوضؤون ويمسحون على أعقابهم بالماء، فقال لهم ذلك إيذانا بأن تعميم الغسل لكل جزء فرض، وفيه رد على الظاهرية في زعمهم أن مسح الرجلين يكفي لعطفهم على الرءوس في بعض القراءات، والمعطوف على الممسوح ممسوح.\n(^٦) لم يعمه الماء.\n(^٧) أي وعمم رجليه بالغسل وهذا مؤكد لما قبله.\n(^٨) بجذب الماء بأنفك إلى أعلى الخيشوم، وكذا تطلب المبالغة في المضمضة بالغرغرة لأنها أبلغ في النظافة.\n(^٩) فلا مبالغة خوفًا من سبق الماء، إلى جوفه.\n(^١٠) أي كان واجبًا عليه خاصة ثم نسخ يوم الفتح، أو كان تجديدًا للوضوء تحصيلا للكمال.\n(^١١) أيها الأصحاب.\n(^١٢) أي فالوضوء يبقى حتى يطرأ حدث.\n(^١٣) هو الصلوات كلها بوضوء واحد.\n(^١٤) مفعول مقدم لصنعته.\n(^١٥) لأبين لكم أن الوضوء باق ما لم يطرأ حدث، ولما كان مسح الخف فرضا من فروض الوضوء على لابسه أردفناه بالخف تكميلا للفائدة.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type='title' id=toc-51>مسح الخفين </span>(^١)\n\n• عَنِ المُغِيَرةِ بْنِ شْعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَاتَّبَعَهُ المُغِيرَةُ بِإِدَاوَةٍ فِيهَا مَاءٌ فَصَبَّ عَلَيْهِ (^٢) حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ (^٣). رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَسِيتَ (^٤) قَالَ: «بَلْ أَنْتَ نَسِيتَ، بِهذَا (^٥) أَمَرَنِي رَبِّي ﷿ (^٦)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧).\n\n• عَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّجَاشِيَّ (^٨) أَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُفَّيْنِ أَسْوَدَيْنِ سَاذَجَيْنِ (^٩) فَلَبِسَهُمَا ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ المُغِيرَةِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: «دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ (^١٠)» فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى ظَهْرِ الخُفَّيْنِ (^١١) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^١٢).\nوَلَهُ عَنْ عَلِيَ قَالَ: «لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْي لَكَانَ أَسْفَلُ\n_________\nمسح الخفين\n(^١) أي مشروع، وكذا الجوربان الآتيان. والخفين تثنية خف وهو ملبوس من جلد مبطن يستر القدم والكعبين منعا للبرد والقذر. والحكمة في التخفيف على الناس والاقتصاد في الماء والزمن والتحفظ من برد ونحوه، وأحاديث الباب تدل على جوازه، وشرط المسح عليه، وبيان موضع المسح، ومدته وما يبطله، ومسح الخف منقول بالفعل والقول عن كثير من الصحب ومن بعدهم، وقال فئة من الناس: إنه منسوخ بآية المائدة: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم، وهذا مردود بما ورد في الأصول أن جريرًا توضأ ومسح عليهما فقيل له أتفعله؟ فقال: وما يمنعني منه وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله؟ فقالوا: إنه كان قبل نزول المائدة فقال: ما أسلمت إلا بعد نزولها.\n(^٢) أي ماء الوضوء.\n(^٣) بدل غسل الرجلين.\n(^٤) أي غسل رجليك.\n(^٥) أي المسح على الخفين.\n(^٦) ويكفيني عن غسل الرجلين بشرط أن يكون الخف قويا ساترًا لمحل الفرض من القدمين، طاهرًا ولبسه بعد تمام طهارته.\n(^٧) بسند صالح ومؤيد بالصحيح.\n(^٨) ملك الحبشة.\n(^٩) ليس فيهما لون آخر أو غير منقوشين ولا شعر عليهما.\n(^١٠) أي لبستهما بعد تمام الطهر السابق، وهذا أحد شروط المسح.\n(^١١) ببطن كفيه منشورًا أصابعهما مع تفريق فيهما وهذا موضع المسح.\n(^١٢) صحيح هو وما بعده.","vol":"1","page":106},{"text":"الخُفِّ أَوْلَى بِالمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ (^١)» وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ (^٢).\n\n• عَنِ المُغِيرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ (^٣). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَمَسَحَ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَالبَرَاءُ وَأَنَسٌ وَأَبُو أُمَامَةَ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ المُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ قَالُوا: يَمْسَحُ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَعْلَانِ إِذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ.\n\n• عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هانِئٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ (^٤) فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ (^٥) فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ (^٦) وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ (^٧).\n_________\n(^١) لأن الأسفل يلاقي الأرض، وهو عرضة للتقذر بخلاف الأعلى.\n(^٢) فهو الواجب الذي لا بد منه والأكمل مسح الأسفل معه لحديث الترمذي: مسح النبي - ﷺ - من أعلى الخف وأسفله، والأفضل في المسح وضع كفنه الأيمن منشور الأصابع على مقدم أعلى الخف، ووضع الكف الأيسر كذلك على مقدم أسفله، وإمرارها إلى الساقين.\n(^٣) أي معًا، فإن الجورب داخل النعل كالخف، والجورب معرب كورب وهو لفافة الرجل أي من جلد أو غيره قاله القاموس واللسان، وقال الطيبى إنه من جلد ووافقه الشوكاني، فقال: الخف من أدم يغطى الكعبين والجرموق أكبر منه يلبس فوقه، والجورب أكبر من الجرموق، وقال ابن العربي وشراح الترمذي والعيني: هو ما يلبسه أهل البلاد الشديدة البرد من غزل الصوف، وروي عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيح: كان أبو مسعود الأنصاري يمسح على الجوربين له من شعر ونعليه، أي فكان يمسح على جوربيه اللذين هما من شعر المعز ونعليه، ويظهر أن الاختلاف فيه لتفاوته في الجهات، فعبر كل بما هو معروف عندهم، وبالطبع لا يمكن المسح عليه إلا إذا كان قويا يمكن التردد فيه مدة المسح كما يؤخذ من قول الأئمة الآتي إذا كانا ثخينين فهو كالخف في شروطه ومدته وما يبطله لأنه نوع منه، فاتضح من هذا أنه لا يصح المسح عليه إلا إذا كان كله من جلد أو أسفله على الأقل، وأما مثل الشراب عندنا فلا يصح المسح عليه لعدم شروط المسح فيه.\n(^٤) أي عن مدته بدليل الجواب.\n(^٥) أي اسأل عليا ﵁.\n(^٦) أي مدة المسح له.\n(^٧) أي إذا توضأ وضوءًا كاملًا ولبس خفيه، فإنه يمسح عليهما في كل وضوء إلى نهاية يوم وليلة إذا كان مقيما وإلى نهاية ثلاثة أيام إذا كان مسافرًا تخفيفًا على المسافرين، وعليه الجمهور والأئمة الثلاثة. وقال المالكية: لا نهاية للمسح عليهما فلا يجب نزعهما إلا لجنابة ولكن يندب يوم الجمعة لمن يريدها.","vol":"1","page":107},{"text":"رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «المَسْحُ عَلَى الخُفَّيْنِ لِلمُسَافِرِ ثَلَاثَة أَيَّامٍ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^١).\n\n• عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ أَنْ نَمْسَحَ عَلَى خِفَافِنَا وَلَا نَنْزِعَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ (^٢) إِلا مِنْ جَنَابَةٍ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-52>الباب السادس: في الغسل (^٤)\nوفيه ثلاثة فصول</span>\n\n<span data-type='title' id=toc-53>الفصل الأول: في أسباب الغسل </span>(^٥)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا﴾ (^٦) ﴿فَاطَّهَّرُواْ﴾ (^٧). وَقَالَ: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ (^٨) ﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ (^٩).\n\n• عَنْ أَبِي هُرْيَرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ (^١٠) ثُمَّ جَهَدَهَا (^١١)\n_________\n(^١) بسند صحيح.\n(^٢) متعلق بنزع أي لا ننزعها من حدث أصغر كالبول بل نتوضأ ومسح عليها إلا لجنابة، وهي ما يوجب الغسل فإننا ننزع الخفاف لبطلان مدة المسح بالجنابة، ويجب غسل الجسم كله.\n(^٣) بسند صحيح.\n\n(الباب السادس في الغسل. وفيه ثلاثة فصول. الفصل الأول في أسباب الغسل)\n(^٤) الغسل بفتح الغين أشهر من ضمها لغة: سيلان الماء على الشيء، وشرعًا سيلانه على جميع البدن بنية القربة إلى الله تعالى، وحكمة الغسل التنزه عن الأقذار التي ربما تنشأ عن اختلاط الزوجين، وإعادة ما فقده الجسم بنزول المني، فإن مرور الماء على الجسم يزيد في حركة الدم ويجدد النشاط الذين هما مصدر الأعمال وغفران الذنوب كما سبق في الوضوء.\n(^٥) هي إيلاج الحشفة في فرج، قبلا كان أو دبرًا، ونزول المني ولو بالاحتلام، وإسلام الكافر وإرادة الجمعة، وغسل الميت، والحجامة، وغير ذلك.\n(^٦) من جماع أو نزول مني.\n(^٧) هو أمر والأمر للوجوب فيفيد فرضية الغسل من الجنابة.\n(^٨) يطلق على الفرد والمثنى والجمع من الذكور والإناث.\n(^٩) فمنع الجنب من المكث في المسجد حتى يتطهر.\n(^١٠) هي اليدان والرجلان، وهذه حال من يجامع امرأته وهي على ظهرها.\n(^١١) أي جامعها.","vol":"1","page":108},{"text":"فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ». وَفِي رِوَايَةٍ: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» (^١). وَفِي أُخْرَى: «وَمَس الخِتَانُ الخِتَانَ» (^٢). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الرُّجُلِ يُجَامِعُ أَهْلَهُ ثُمَّ يُكْسِلُ (^٣) هَلْ عَلَيْهِمَا الغُسْلُ؟ وَعَائِشَةُ جَالِسَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَأَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا وَهذِهِ ثُمَّ نَغْتَسِلُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: «إِذَا جَاوَزَ الخِتَانُ الخِتَانَ (^٤) فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ (^٥)» فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاغْتَسَلْنَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّ الفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يُفْتُونَ بِهَا (^٧) إِنَّ المَاءَ مِنَ المَاءِ (^٨) كَانَتْ رُخْصَةً رَخَّصَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَدْءِ الإِسْلَامِ (^٩) ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ بَعْدُ (^١٠). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^١١).\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ (^١٢) إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ (^١٣) فَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ (^١٤)؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَعَمْ إِذَا رَأَتِ المَاءَ (^١٥)»، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَتَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟ فَقَالَ: «تَرِبَتْ يَدَاكِ (^١٦) فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا (^١٧)». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ\n_________\n(^١) من الإنزال أي سواء نزل منيه أم لا.\n(^٢) أي موضع ختان الرجل والمرأة، ومنه إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فإذا تماسا وغابت الحشفة في الفرج وجب الغسل عليهما.\n(^٣) من الإكسال وهو عدم نزول المني.\n(^٤) أي دخل من القبل أكثر من الحشفة.\n(^٥) هو أولى من تماس الختانين السابق.\n(^٦) بسند صحيح.\n(^٧) هي الكلمة بعدها.\n(^٨) هو حديث في مسلم، وقف النبي - ﷺ - على باب عتبان وناداه فخرج يجر إزاره فقال رسول الله - ﷺ - أعجلنا الرجل، فقال عتبان يا رسول الله إذا أعجل الرجل عن امرأته ولم يمن ماذا عليه؟ قال إنما الماء من الماء. أي لا يجب الغسل بالجماع إلا إذا نزل المني.\n(^٩) أي سهولة وتخفيفًا.\n(^١٠) من الجماع وإن لم ينزل مني.\n(^١١) بسند صحيح وقال ابن عباس إنما الماء من الماء أي في الاحتلام لحديث أم سلمة الآتي.\n(^١٢) هي والدة أنس بن مالك.\n(^١٣) من قول الحق.\n(^١٤) أي رأت في النوم أنها تجامع زوجها.\n(^١٥) أي منيها ظاهر الفرج، أي أحست به إذا جلست على قدميها.\n(^١٦) أي لصقت بالتراب، وهو دعاء بالفقر وليس مرادًا لهم إنما مرادهم بذلك التنبيه لمثل هذه الأحكام، وكانت هذه الكلمة كثيرة على لسان العرب.\n(^١٧) بأي شيء يشبه أمه إذا لم يكن لها مني.","vol":"1","page":109},{"text":"وَزَادَ مُسْلِمٌ: «إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ (^١) غَلِيظٌ أَبْيَضُ وَمَاءَ المَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ فَمِنْ أَيِّهِمَا عَلَا (^٢) أَوْ (^٣) سَبَقَ يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ (^٤)». وَلَهُ أَيْضًا (^٥): «إِذَا عَلَا مَاؤُهَا مَاءَ الرَّجُلِ أَشْبَهَ الوَلَدُ أَخوَالَهُ (^٦) وَإِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَهَا أَشْبَهَ الوَلَدُ أَعْمَامَهُ (^٧)».\nوَفِي رِوَايَةٍ: «فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُل مَنِيَّ المَرْأَةِ أَذْكَرَا (^٨) بِإِذْنِ اللَّهِ (^٩) وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ المَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ أَنَّثَا بِإِذْنِ اللَّهِ (^١٠).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ البَلَلَ (^١١) وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا، قَالَ: «يَغْتَسِلُ» (^١٢) وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى أَنْ قَدِ احْتَلَمَ وَلَا يَجِدُ البَلَلَ (^١٣) قَالَ: «لَا غُسْلَ عَلَيْهِ»، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: المَرْأَةُ تَرَى ذلِكَ (^١٤) أَعَلَيْهَا غُسْلٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ (^١٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^١٦).\n_________\n(^١) أي منيه.\n(^٢) أي غلب وكثر على الآخر.\n(^٣) للتنويع.\n(^٤) أي فإذا غلب مني الرجل منها أو سبقه - فإن الولد يأتي شبيها بأبيه وبالعكس، وهذا سبب لما قدر في علم الله لا أنه موجب لذلك كما لا يخفى.\n(^٥) أي لمسلم.\n(^٦) أي في بعض الأحيان، فليس الشبه مقصورا على الأم، بل قد يكون شبيها بأحد أصولها أو حواشيها.\n(^٧) أي فليس الشبه مقصورًا على الأب بل قد يكون لأحد أصوله أو حواشيه.\n(^٨) أي وقد تكون كثرة المني أو سبقه من الرجل سببًا في ذكورة الولد، وكذا يقال في مني المرأة.\n(^٩) أي أن السبب الحقيقي في الذكورة وغيرها هو حكم القضاء سابقًا، وهذا سبب ظاهر لنا.\n(^١٠) أي جاء الولد أنثى.\n(^١١) أي الرطوبة في فخذه أو لباسه أو فراشه، ويشك هل هي من مني أولا.\n(^١٢) أي احتياطا ودفعًا للشك، وبه قال فئة من التابعين وأحمد ﵃، والجمهور لا يوجبون عليه غسلا عملا بالأصل السابق، وهو استصحاب الأصل وطرح الشك لا سيما وأن الحديث ضعيف، أما إذا وجد منيًا ولم يكن معه أحد فالغسل واجب باتفاق لانحصاره فيه.\n(^١٣) أي وسئل عن الرجل يرى في النوم الجماع ولا يجد بللا.\n(^١٤) أي البلل بعد نومها.\n(^١٥) أي نظائرهم جمع شقيق وهو النظير، فالنساء كالرجال في التكاليف الصلاة والصوم والزكاة والحج، ولكن في الميراث والولاية العامة القضاء والإمارة فلا، وسيأتي في كتاب القضاء: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، وقال الخطابي: هذا الحديث يثبت القياس وإلحاق حكم النظير بالنظير.\n(^١٦) فيه عبد الله العمري ضعفه بعضهم من جهة حفظه.","vol":"1","page":110},{"text":"وَعَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ (^١) مِنَ الجَنَابَةِ (^٢) وَيْوَمَ الجُمُعَةِ (^٣) وَمِنَ الحِجَامَةِ (^٤) وَمِنْ غُسْلِ المَيِّتِ (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦).\n\n• عَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ (^٧) فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ (^٨) بِمَاءٍ وَسِدْرٍ (^٩). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١٠).\n\n<span data-type='title' id=toc-54>الفصل الثاني: في آداب الغسل (^١١) وحكم الحمام </span>(^١٢)\n\n• عَنْ أُمِّ هِانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ فَقَالَ: «مَنْ هذِهِ؟» قُلْتُ: أَنَا أُمُّ هِانِئٍ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• عَنْ مَيْمُونَةَ (^١٣) قَالَتْ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاءً وَسَتَرْتُهُ فَاغْتَسَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ (^١٤). وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْ قَدَحٍ يُقَالُ لَهُ الفَرَقُ (^١٥) تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ (^١٦) زَادَ فِي رِوَايَةٍ مِنَ الجَنَابَة. رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n_________\n(^١) أي كما تعلمه وإلا فالأسباب كثيرة.\n(^٢) أي على سبيل الوجوب.\n(^٣) لصلاتها، فالغسل سنة مؤكدة لها.\n(^٤) لاحتمال رشاش أصابه من الدم فيغتسل استظهارًا للطهارة.\n(^٥) ندبًا مؤكدا عند الجمهور، ووجوبا عند غيرهم لحديث من غسل ميتًا فليغتسل.\n(^٦) بسند ضعيف ولكنه مؤيد بالصحيح في غسل الجنابة والجمعة وباقيه من باب الفضائل.\n(^٧) بعد أن كان كافرًا.\n(^٨) أي وجوبا عند بعضهم وندبا مؤكدًا عند آخرين.\n(^٩) نبت يمزج بالماء ويغسل به، فيزول القذر بسرعة كالصابون عندنا.\n(^١٠) بسند حسن والله أعلم.\n\nالفصل الثاني في آداب الغسل وحكم الحمام\n(^١١) المراد بآدابه الأمور المطلوبة وقت الغسل ولو على سبيل الوجوب، كستر العورة عن الأجنبي، وكف نظره عن عورة الأجنبي، وعدم الإسراف في الماء المسبل للطهر أو المملوك لغيره، وأما المملوك له أو ماء البحار والأنهار، فالإسراف فيها مكروه، والوضوء والغسل في حكم الإسراف هذا سواء.\n(^١٢) وحكم الحمام النهي عن دخول الرجال فيه إلا بالأزر وأما النساء، فيحرم عليهن دخوله إلا مريضة أو نفساء مع التحفظ في ستر العورة.\n(^١٣) أي بنت الحارث الهلالية زوجة النبي - ﷺ -.\n(^١٤) فقد اجتمع النبي - ﷺ - في الغسل مع بعض زوجاته، ولكن لم يقع نظر من أحد الطرفين لقول عائشة ما رأيت منه ولا رأى مني. وقيل من رأى عورة نبي عمى بصره، أما الزوجان فلا حرج عليهما في النظر لحديث بهز الآتى وإن كان الكف أكمل.\n(^١٥) بفتحتين إناء يسع ستة عشر رطلا.\n(^١٦) فبعضها داخل فيه لأخذ الماء وبعضها خارج منه به، وظاهره أنه كان بالاعتراف وإن كان لا يمنع النقل بإناء صغير.","vol":"1","page":111},{"text":"• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ (^١) وَلَا المَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ المَرْأَةِ (^٢) وَلَا يُفْضِي (^٣) الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ (^٤) فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلَا تُفْضِي المَرْأَةُ (^٥) إِلَى المَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ (^٦).\n\n• عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا (^٧) مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ (^٨) قَالَ: «احْفَظْ عَورَتَكَ (^٩) إِلا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ» (^١٠) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كَانَ القَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟ قَالَ: «إِنِ اسْتَطَعْتَ أَلا يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا» (^١١) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ (^١٢) قَالَ: «اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ مِنَ النَّاسِ» (^١٣). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١٤) وَلِلبُخَارِيِّ بَعْضُهُ.\n\n• عَنْ جَرْهَدٍ (^١٥) مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ (^١٦) قَالَ: جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَنَا وَفَخِذِي (^١٧) مُنْكَشِفَةٌ فَقَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الفَخِذَ عَوْرَةٌ (^١٨)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) هي ما بين سرته وركبته، فيحرم النظر إليها إلا من حليلته.\n(^٢) هي بالنسبة للنساء المسلمات ما بين السرة والركبة وبالنسبة للكافرات ما عدا ما يبدو عند الخدمة.\n(^٣) الإفضاء: ملاصقة الجسمين بدون شيء بينهما.\n(^٤) أي الذكر المميز، فتحرم مباشرة الجسمين منعا للمفسدة.\n(^٥) الأنثى المميزة، فتحرم المباشرة منعا للمفسدة.\n(^٦) ولأبي داود \"لا يفضين رجل إلى رجل ولا امرأة إلى امرأة إلا إلى ولد أو والد\" فالإفضاء بين الأب وابنه وبين الأم وبنتها جائز.\n(^٧) أي كثيرة.\n(^٨) ما نستره منها وما نتركه.\n(^٩) أي استرها من كل أحد.\n(^١٠) فلا إثم في نظرهما لأنهما حلالان لك.\n(^١١) بنون التوكيد الثقيلة.\n(^١٢) ليس معه أحد.\n(^١٣) متعلق بأحق أي هو أولى من الناس بالحياء منه. قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾.\n(^١٤) بسند حسن، ومرويات أبي داود والترمذي من هنا إلى آخر الفصل في كتاب الأدب لهما.\n(^١٥) جعفر.\n(^١٦) هم قوم من الأصحاب لا مأوى لهم إلا الجامع، ولا رزق لهم إلا إحسان أهل الخير، وسيأتي أمرهم في كتاب الزهد.\n(^١٧) هو ما فوق الركبة إلى أصل الورك.\n(^١٨) أي من العورة التي يجب سترها، والعورة السوأتان وما يستحيا منه، وهي هنا من السرة إلى الركبة، وكانت عورة لاشتمالها على محل الخارج ومحل التذكير والتأنيث بين بني الإنسان.","vol":"1","page":112},{"text":"• عَنْ يَعْلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ بِالبَرَازِ (^١) بَلَا إِزَارٍ، فَصَعِدَ المِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ (^٢) سِتِّيرٌ يُحِبُّ الحَيَاء وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى (^٥) عَنْ دُخُولِ الحَمَّامَاتِ (^٦) ثُمَّ رَخَّصَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوهَا فِي المَيَازِرِ (^٧).\nوَعَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنِ امْرَأَةٍ تَخْلَعُ ثِيَابِهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا (^٨) إِلا هَتَكَتْ (^٩) مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى (^١٠)». رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^١١).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّهَا سِتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ العَجَمِ، وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا الحَمَّامَاتُ (^١٢) فَلَا يَدْخُلَنَّهَا (^١٣) الرِّجَالُ إِلا بِالأُزُرِ (^١٤) وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إِلا مَريضَةً أَوْ نفَسَاءَ (^١٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١٦) وَابْنُ مَاجَهْ.\n_________\n(^١) الفضاء الخالي من الناس.\n(^٢) بكسر الياء الأولى وتشديد الثانية كثير الحياء، لا يرد سائله خائبا، وستير بالكسر والتشديد كثير الستر على عباده.\n(^٣) وجوبا إن كان هناك من يحرم نظره وإلا فندبا.\n(^٤) بسند صالح.\n(^٥) أي كل أحد، والنهي للتحريم.\n(^٦) جمع حمام، وهي أمكنة فيها ماء ساخن وبارد معدة لمن يريد الاغتسال فيها، والنهي عنها لأنها مظنة كشف العورات ومأوى الشياطين.\n(^٧) جمع مئزر وهو الإزار، بخلاف النساء فليس من الدخول لأن من شأنهن التساهل في ستر العورة والتباهى بجمالهن مع العلم أن جسمهن كله عورة.\n(^٨) ومنه بيت زوجها وأصولها وفروعها.\n(^٩) أي مزقت.\n(^١٠) وهو عهد الستر والحياء المأخوذ عليها.\n(^١١) بسندين حسنين.\n(^١٢) فهي من صنع الأعاجم أولا.\n(^١٣) بنون التوكيد الثقيلة.\n(^١٤) بضمتين جمع إزار.\n(^١٥) فإن الحمام يشفي من بعض الأمراض، وذات النفاس أي الوالدة مريضة من الولادة وبها أقذار كثيرة فلا سبيل لها من هذا إلا الحمام لاسيما في فصل الشتاء، إلا إذا تيسر لها حمام في بيتها، فلا خروج لها؛ قال أبو الدرداء وأبو أيوب الأنصاري نعم البيت بيت الحمام لطهارة البدن وقال بعضهم بئس البيت بيت الحمام يبدى العورات ويذهب الحياء، ولا بأس منه لطالب فائدته مع التحفظ.\n(^١٦) بسند ضعيف، ولكنه في الترهيب.","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-55>الفصل الثالث: في بيان الغسل وحكم الجنب </span>(^١)\n\n• عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاءً لِلغُسْلِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ (^٢) ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ (^٣) ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ أفاضَ على جَسَدِهِ (^٤) ثُمَّ تَحَوَّلَ عَنْ مَكَانِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ غَسَلَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا (^٥). وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ (^٦) فَلَمْ يُرِدْهَا (^٧) فَجَعَلَ يَنْفُضُ المَاءَ بِيَدِهِ (^٨).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدِيْهِ ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ (^٩) ثُمَّ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يَأْخُذُ المَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعَرِ (^١٠) حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدِ اسْتَبْرَأَ (^١١) حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ (^١٢). رَوَاهُمَا الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي (^١٣) أَفَأَنْقُضُهُ لِغَسْلِ الجَنَابَةِ؟ قَالَ: «لَا إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ (^١٤) ثُمَّ تُفِيضينَ عَلَيْكِ المَاءَ فَتَطْهُرِين (^١٥)».\nرَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n_________\nالفصل الثالث في بيان الغسل وحكم الجنب\n(^١) المراد بحكمه: طهارة ذاته مع الجنابة، وجواز مخالطته في كل شيء، وجواز عمله كل شيء إلا الصلاة والطواف وقراءة القرآن.\n(^٢) جمع ذكر على غير قياس للفرق بينه وبين جمع ذكر خلاف الأنثى، والمراد الذكر وما حوله، أي استنجى.\n(^٣) مبالغة في نظافتها من أثر الاستنجاء.\n(^٤) أي صب الماء على رأسه حتى عم جسمه، ففرض الغسل تعميم الجسم بالماء والنية.\n(^٥) أي قبل أن يعم جسمه.\n(^٦) أي يتنشف بها وفى رواية: فأتيته بالمنديل فرده.\n(^٧) من الإرادة، أي فردها لعدم نظافتها أو لاستعجاله، وإلا فقد كان له خرقة يستنشف بها كما سبق في الوضوء.\n(^٨) ليقلل من الرطوبة التى تنال الملابس.\n(^٩) أي يستنجى.\n(^١٠) أي بالماء.\n(^١١) أي ابتل الشعر والجلد الذي تحته.\n(^١٢) أي بعد رفعها ليعمهما الماء.\n(^١٣) أي أحكم ضفر شعرى.\n(^١٤) أي تصبى عليه ثلاث حفنات ثم تدلكيه دلكًا شديدًا.\n(^١٥) أي تصيرى طاهرة بعد تعميم الجسم بالماء. قال الترمذى وبه قال أهل العلم: إذا صبت على =","vol":"1","page":114},{"text":"• عَنْ عائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ (^١) كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُحِبُّ (^٢) التَّيَمُّنَ (^٣) فِي طُهُورِهِ إِذَا تَطَهَّرَ (^٤) وَفِي تَرَجُّلِهِ إِذَا تَرَجَّلَ (^٥) وَفِي انْتِعَالِهِ إِذَا انْتَعَلَ (^٦). رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعَرَةٍ جَنَابَةً (^٧) فَاغْسِلُوا الشَّعَرَ وَأَنْقُوا (^٨) البَشَرَةَ (^٩)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١٠) وَأَبُو دَاوُدَ. وَفِي رِوَايةٍ: «مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعَرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا فَعِلَ بِهَا كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ (^١١)». قَالَ عَلِيٌّ: فَمِنْ ثَمَّ عادَيْتُ رَأْسِي ثَلَاثًا (^١٢) وَكَانَ يَجُزُّ شَعَرَهُ.\nوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَتِ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ وَالغُسْلُ مِنَ الجَنَابَةِ سَبْعَ مِرَارٍ وَغَسْلُ البَوْلِ مِنَ الثَّوْبِ سَبْعَ مِرَارٍ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُ حَتَّى جُعِلَتِ الصَّلَاةُ خَمْسًا وَالغُسْلُ مِنَ الجَنَابَةِ مَرَّةً (^١٣) وَغَسْلُ البَوْلِ مِنَ الثَّوْبِ مَرَّةً. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّةً فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ المَدِينَةِ وَأَنَا جُنُبٌ فَاخْتَنَسْتُ (^١٤). وَفِي رِوَايَةٍ فَانْسَلَلْتُ (^١٥) فَذَهَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ فَقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟» قُلْتُ: إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ\n_________\n=شعرها المضفور ثلاثًا ودلكته كفاها ذلك. وقال الجمهور: لا بد من نقض الضفائر إذا لم يعمها الماء إلا بالنقض لحديث تحت كل شعرة جنابة وما بعده، وكان الأولى ضمهما إلى هذا لأنهما منه لولا مراعاة الاصطلاح وهو تقديم مروى الكثير على غيره.\n(^١) مخففة من الثقيلة.\n(^٢) باللام الفارقة.\n(^٣) البدء باليمين لأن فيه تيمنًا وبركة.\n(^٤) بتقديم اليمنى على اليسرى في الوضوء، والشق الأيمن على الأيسر في الغسل، فهو مستحب.\n(^٥) أي سرح شعر رأسه بالمشط.\n(^٦) لبس النعل، بل وفى غير ذلك من كل ما فيه تكريم كالأخذ والإعطاء والأكل والشرب واللبس، بخلاف ما لم يكن كذلك كالامتخاط والاستنجاء وإزالة النجاسة.\n(^٧) أي جزء من جنابة، فالجنابة وصف يعم الجسم كله ظاهره وباطنه الذي تحت الشعر.\n(^٨) من الإنقاء.\n(^٩) هي ظاهر الجلد حتى ما استتر منه بالشعر.\n(^١٠) هو واللذان بعده بأسانيد ضعيفة، ولكن مضمونها المبالغة في تعميم الجسم.\n(^١١) كناية عن عدد العذاب.\n(^١٢) أي قالها ثلاثًا.\n(^١٣) أي الفرض مرة، فلا ينافى أن السنة التثليث وكذا النجاسة.\n(^١٤) بالتاء والنون.\n(^١٥) بلامين أي تأخرت عنه من غير أن أعلمه.","vol":"1","page":115},{"text":"عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ قَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ (^١) إِنَّ المُسْلِم (^٢) لَا يَنْجُسُ (^٣)».\n\n• عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ (^٤) أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ (^٥). رَوَاهُمَا الخَمْسَةُ.\nوَسُئِلَتْ عَائِشَةُ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ فِي الجَنَابَةِ (^٦)؟ أَكَانَ يَغْتَسِلُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ أَمْ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ؟ قُلْتُ: كُلُّ ذلِكَ قَدْ كَانَ يَفْعَلُ، رُبَّمَا اغْتَسَل فَنَامَ وَرُبَّمَا تَوَضَّأَ فَنَامَ (^٧) قُلْتُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةً. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الوَاحِدِةِ (^٨) وَلَهُ يَوْمَئَذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ (^٩) ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا (^١٠)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى نِسَائِهِ يَغْتَسِلُ عِنْدَ هذِهِ وَعِنْدَ هذِهِ (^١١) قَالَ فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا تَجْعَلُهُ غُسْلًا وَاحِدًا قَالَ: «هذَا أَزْكَى (^١٢) وَأَطْيَبُ (^١٣) وَأَطْهَرُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^١٤).\n\n• عَنْ عَلِيَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقْرِئُنَا القُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا (^١٥). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١٦).\n_________\n(^١) تعجبًا من حاله.\n(^٢) أي ذاته.\n(^٣) بضم الجيم من باب كرم، أي بسبب الجنابة، وللبخارى: المسلم لا ينجس حيًا ولا ميتًا.\n(^٤) وفى رواية: كان إذا أراد الأكل غسل يديه.\n(^٥) تخفيفًا للحدث، وتحصيلا لبعض الطهارة بهذا الوضوء الكامل.\n(^٦) يفسره ما بعده.\n(^٧) وإذا استيقظ اغتسل.\n(^٨) أي ويجامع كلا منهن ويغتسل عندها، وربما أخر الغسل كما قال بغسل واحد بعد وقاع الكل.\n(^٩) فواقعها.\n(^١٠) فإنه أطهر وأنشط.\n(^١١) بعد جماعها.\n(^١٢) أي أنمى للجسم وأنشط.\n(^١٣) أبلغ في النظافة والطهارة.\n(^١٤) بسند صحيح.\n(^١٥) يعلمنا القرآن في كل وقت إلا في حال الجنابة فلا.\n(^١٦) بسند صحيح.","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type='title' id=toc-56>الباب السابع: في الحيض (^١) والنفاس (^٢) والاستحاضة (^٣)\nوفيه ثلاثة فصول</span>\n<span data-type='title' id=toc-57>الفصل الأول: في مخالطتهن </span>(^٤)\n\n• عَنْ أَنَسٍ أَنَّ اليَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يِؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي البُيُوتِ (^٥) فَسَأَلَ الأَصْحَابُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (^٦) ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلا النِّكَاحَ» فَبَلَغَ ذلِكَ اليَهُودَ فَقَالُوا مَا يُرِيدُ هذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيئًْا إِلا خَالَفَنَا فِيهِ فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حْضَيْرٍ (^٧) وَعَبَّادُ (^٨) بْنُ بِشْرٍ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اليَهُودَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا أَفَلَا نُجَامِعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ عَلَيْنَا (^٩) فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمَا فَسَقَاهُمَا فَعَرَفَا أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ كِلَانَا جُنُبٌ وَكَانَ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ (^١٠) فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِض (^١١)\n_________\n(في الباب السابع في الحيض والنفاس والاستحاضة. وفيه ثلاثة فصول)\nالفصل الأول في مخالطتهن\n(^١) هو لغة: السيلان، وشرعًا: دم يخرج من رحم المرأة بعد بلوغها في أوقات معتادة، وهو طبيعة في بنات آدم لحديث: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، بل حاضت حواء ﵍ بعد خروجها من الجنة ومكثها في الأرض كما رواه الحاكم.\n(^٢) هو الولادة، والمراد حكم الدم بعدها.\n(^٣) هي الدم الخارج في غير أوقاته بسبب قطع العاذل.\n(^٤) في جواز ذلك إلا الجماع فهو حرام إلا مع المستحاضة.\n(^٥) بل يفردونهن وحدهن.\n(^٦) أي مستقذر يؤذى من يقر به لنتنه ونجاسته.\n(^٧) بالتصغير فيهما.\n(^٨) كشداد.\n(^٩) وجد بالتحريك أي غضب.\n(^١٠) ألبس الإزار الذي يستر ما بين السرة والركبة.\n(^١١) بنحو المعانقة والتقبيل.","vol":"1","page":117},{"text":"وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ فَوْقَ الإِزَارِ وَهُنَّ حُيَّضٌ (^١) رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْطَجِعُ مَعِيَ (^٢) وَأَنَا حَائِضٌ وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ ثَوْبٌ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ: كُنْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَبِيتُ فِي الشِّعَارِ الوَاحِدِ (^٣) وَأَنَا حَائِضٌ طَامِثٌ فَإِنْ أَصَابَهُ (^٤) مِنِّي شَيْءٌ (^٥) غَسَلَ مَكَانهُ وَلَمْ يَعْدُهُ (^٦) ثُمَّ صَلَّى فِيهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٧).\nوَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَاوِلِينِي الخُمْرَةَ (^٨) مِنَ المَسْجِدِ» فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ فَقَالَ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتُ فِي يَدِكِ (^٩)» فَنَاوَلْتُهُ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ وَكَانَتْ بَايَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: كُنَّا لَا نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا (^١٠). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n_________\n(^١) جمع حائض كركع وراكع.\n(^٢) أي ينام معى وفي رواية: كان النبي - ﷺ - يباشر المرأة من نسائه وهى حائض إذا كان عليها إزار إلى أنصاف الفخذين أو الركبتين، وفى رواية: كان إذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها شيئًا، وهذا تشريع وإلا فالنبى - ﷺ - معصوم، والحكمة في الإزار عند مباشرة الحائض التحفظ مما يدعو إلى الجماع فإن التعرى من دواعيه. من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.\n(^٣) الشعار ككتاب: الثوب الذي يلى الجسد، فكانا في بعض الأحيان كشدة الحر يبيتان في ثوب واحد، وهى حائض طامث تأكيد، أو كثيرة الدم في إقباله.\n(^٤) أي الشعار.\n(^٥) من دم الحيض.\n(^٦) أي لم يتجاوز محل الدم بل يغسله فقط.\n(^٧) بسند حسن.\n(^٨) الخمرة كحمرة: سجادة صغيرة من خوص النخل.\n(^٩) بل يدك طاهرة.\n(^١٠) الكدرة والصفرة كالبقعة، والكدرة ما يسيل من الفرج بلون الماء الممزوج بطين قليل، والصفرة المائل إلى الصفرة، وهذه صحابية، فقولها في حكم المرفوع، فالكدرة والصفرة لا يعدان من الحيض متى انقضت مدته على أي لون كان، أما في أيامه فهى منه تبعًا له وعليه الجمهور والأئمة الثلاثة، وقال مالك هما من الحيض مطلقًا لقول عائشة الآتي: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. والله أعلم.","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type='title' id=toc-58>كفارة الوقاع في الحيض</span>\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ: «يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ (^١) بِنِصْفِ دِينَارٍ (^٢)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣).\nوَلِأَبِي دَاوُدَ (^٤) «إِذَا أَصَابَهَا فِي أَوَّلِ الدَّمِ فَدِينَارٌ (^٥) وَإِذَا أَصَابَهَا فِي انْقِطَاعِ الدَّمِ فَنِصْفُ دِينَارٍ (^٦)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى حَائِضًا (^٧) أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا (^٨) فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» ﷺ (^٩). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١٠).\n\n<span data-type='title' id=toc-59>الفصل الثاني: في تطهرهن (^١١) وحكم الحائض والنفساء </span>(^١٢)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَسْمَاءَ (^١٣) سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِ المَحِيضِ فَقَالَ: «تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ ماءَهَا وَسِدْرَتَهَا (^١٤) فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ (^١٥) ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتَّى يَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا (^١٦) ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا المَاءَ (^١٧) ثُمَّ تَأْخُذ فِرْصَةً (^١٨) مُمَسَّكَةً (^١٩)\n_________\nكفارة الوقاع في الحيض\n(^١) للتخيير.\n(^٢) فثواب الصدقة يكفر ذنب الجماع في الحيض.\n(^٣) بسند صحيح.\n(^٤) بسند صحيح.\n(^٥) أي فعليه صدقة بدينار.\n(^٦) وللترمذى إذا كان دمًا أحمر فدينار وإذا كان دمًا أصفر فنصف دينار فهذا بيان الإقبال الدم وإدباره في الحديث، وفى هذا صرف للحديث الأول عن التخيير إلى اعتبار الدم وبهذا قال بعض العلماء منهم أحمد وإسحاق وقال آخرون يستغفر لذنبه ولا كفارة عليه.\n(^٧) أي جامعها.\n(^٨) يخبر بالغيب وصدقه في قوله.\n(^٩) مراد به الزجر والتنفير فقط.\n(^١٠) بسند ضعيف ولكنه في باب الترهيب.\n\nالفصل الثاني في تطهرهن وحكم الحائض والنفساء\n(^١١) أي في بيان طهارتهن من الحيض والنفاس، وهى كالطهارة من الجنابة إلا أنها تتطيب في فرجها بوضع شيء مطيب فيه مبالغة في نظافته، ولأنه أدعى إلى الحمل لما يحدثه من تنبيه العضو.\n(^١٢) هو المنع من كل عبادة ومن الجماع ومن المكث في المسجد ومن الطواف بالكعبة المشرفة، أما بقية أعمال الحج فتعملها كما سيأتي إن شاء الله.\n(^١٣) بنت شكل الأنصارية.\n(^١٤) هي نبت يمنى يساعد على النظافة كالصابون عندنا.\n(^١٥) بإحسان الاستنجاء.\n(^١٦) حتى يصل الماء إلى أصول الشعر ويعم الرأس كله.\n(^١٧) فتعم جسمها به وتدلكه إكمالا للطهارة.\n(^١٨) بتثليث أوله كصوفة وقطنة.\n(^١٩) مطيبة بالمسك إن تيسر وإلا فطيب آخر.","vol":"1","page":119},{"text":"فَتَطَهَّرُ بِهَا» (^١) فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: وَكَيْفَ تَطَهَّرُ بِهَا؟ فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ (^٢) تَطَهَّرِينَ بِهَا». فَقَالَتْ عَائِشْةُ: تَتَبَّعِينَ أَثَرَ الدَّمِ (^٣). وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «خُذِي فِرْصَةً مُمْسَّكَةً فَتَوَضَّئِي بِهَا ثَلَاثًا (^٤)» وَاسْتَحْيَى النَّبِيُّ ﷺ فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ (^٥) فَقَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الحَيَاءُ أَنْ (^٦) يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\nوَبَعَثَ نِسَاءٌ إِلَى عَائِشَةَ بِالدِّرْجَةِ (^٧) فِيهَا الكُرْسُفُ (^٨) فِيهِ الصُّفْرَةُ (^٩) فَقَالَتْ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ (^١٠) تُرِيدُ بِذلِكَ تَمَامَ الطُّهْرِ مِنَ الحَيْضَةِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمَالِكٌ (^١١).\n\n• عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ (^١٢) فَقُلْتُ: مَا بَالُ الحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ (^١٣) قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ وَلكِنِّي أَسْأَلُ (^١٤) قَالَتْ (^١٥): كَانَ يُصِيبُنَا ذلِكَ (^١٦) فَنُؤْمَرُ (^١٧) بِقَضَاءِ الصَّوْمِ (^١٨) وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ (^١٩). رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n_________\n(^١) بحذف إحدى التاءين أي تتطهر بها بوضعها في فرجها.\n(^٢) تعجبًا منها حيث لم تفهم.\n(^٣) أي محله وهو الفرج بوضعها فيه.\n(^٤) أي قالها ثلاثًا.\n(^٥) من السائلة بعد تكرير قوله السابق ولم تفهم حياء منه - ﷺ -.\n(^٦) في تأويل مصدر مجرور أي لم يمنعهن الحياء من التفقه في الدين \"إن الله لا يستحي من الحق\".\n(^٧) بكسر فسكون إناء صغير معد للتبرز فيه.\n(^٨) كقنفد هو القطن.\n(^٩) دم أصفر أي بعث نسوة لعائشة بقطن فيه دم أصفر يستفهمن هل هو من الحيض، أو الحيض ما انتهى من الأسود والأحمر فقط؟ فأجابتهن بالأول.\n(^١٠) المدة السائلة البيضاء التى تظهر آخر الحيض برهانا على انقطاعه، وسميت قصة تشبيها بالجص وهو النورة.\n(^١١) وقال علامة انقطاع الدم بالقصة أو بالجفاف كما أن إقباله بدفعة الدم.\n(^١٢) شروع في حكم الحائض والنفساء.\n(^١٣) مبتدأ مؤخر وحرورية خبره مقدم أي هل أنت من حروراء؟ بلد بقرب الكوفة كان أول اجتماع الخوارج فيها، أي أأنت من الخوارج القائلين بوجوب إعادة الصلاة على الحائض.\n(^١٤) لمجرد العلم لا للتعنت.\n(^١٥) أي عائشة.\n(^١٦) أي الحيض.\n(^١٧) أي يأمرنا النبي - ﷺ -.\n(^١٨) لأنه لا مشقة في قضائه لوجوبه في العام مرة واحدة.\n(^١٩) لتكررها في اليوم خمس مرات، فلو أمرت بقضائها لشق عليها ذلك، لاسيما وأنها مكلفة بخدمة بيتها وزوجها وأولادها على رأى بعض الفقهاء.","vol":"1","page":120},{"text":"• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَتِ النُّفَسَاءُ (^١) تَجْلِسُ (^٢) عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعِينَ يَوْمًا (^٣) فَكُنَّا نَطْلِي (^٤) وُجُوهَنَا بِالوَرْسِ (^٥) مِنَ الكَلَفِ (^٦). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٧).\nوَعَنْهَا كَانَتِ المَرْأَةُ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ (^٨) تَقْعُدُ فِي النِّفَاسِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (^٩) لَا يَأْمُرُهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَضَاءِ صلاةِ النِّفَاسِ (^١٠). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقْرَأُ (^١١) الحَائِضُ وَلَا الجُنُبُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١٢).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَجِّهُوا هذِهِ البُيُوتَ عَنِ المَسْجِدِ (^١٣) فَإِنِّي لَا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ (^١٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١٥).\n_________\n(^١) التى تلد.\n(^٢) أي عن الصلاة والصوم وكل عبادة والجماع.\n(^٣) هي غالب مدة النفاس، وإلا فلو كان نفاسها يوما أو ثلاثة أو عشرة أو خمسين أو ستين، وهى أقصى مدته، لكان الحكم كذلك وأقل الحيض يوم وليلة وغالبه ست أو سبع، وأكثره خمسة عشر عند بعض الأئمة.\n(^٤) ندهن.\n(^٥) نبت من اليمن أصفر للدهن والصبغ به.\n(^٦) بفتحتين حبيبات صغيرة تظهر في الوجه من عدم نظافته.\n(^٧) بسند صحيح.\n(^٨) من بناته وأقاربه، وإلا فلم يلد له بعد خديجة ﵂ إلا مارية القبطية أم إبراهيم ﵇.\n(^٩) هي المدة الغالبة، وثبت بالاستقراء أن أقله نقطة وأن أكثره ستون يوما.\n(^١٠) أي أيامه وأما الصوم ففيه القضاء كما سبق.\n(^١١) هذا نهى وهو للتحريم فيحرم عليهما قراءة شيء من القرآن بنيته إلا البسملة عند الأكل والشرب والجماع وآية ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا﴾ عند الركوب ونحوها بقصد الذكر فلا حرمة فيها، أما الأذكار كلها فلا شيء فيها.\n(^١٢) بسند صحيح.\n(^١٣) أي حولوا أبوابها عن الجامع، وكانوا فتحوا أبوابها إلى الجامع فيخرجون من بيوتهم ويمرون به وفيهم الجنب وغيره، وربما مكثوا فيه. وهذا علة النهى.\n(^١٤) أي لا أحل لهما المكث فيه، وكذا عبور الحائض إن خيف تلويثه احترامًا لبيت الله وحفظا له من الدنس قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ وقال ﴿ولا جنبًا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا﴾.\n(^١٥) بسند ضعيف ولكن تؤيده الآية وعليه أهل العلم، والله أعلم.","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type='title' id=toc-60>الفصل الثالث: في أحكام المستحاضة (^١) ترجع لعادتها (^٢) أو تعمل القوي حيضًا </span>(^٣)\n• عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ (^٤) سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ (^٥) فَلَا أَطْهُرُ (^٦) أَفأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: «لَا إِنَّ ذلِكِ (^٧) عِرْقٌ (^٨) وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ (^٩) وَلكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي (^١٠)». وَفِي رِوَايَةٍ: «إِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ (^١١) فَدَعِي الصَّلَاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي (^١٢)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ: «وَتَوضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذلِكَ الوَقْتُ (^١٣)». وَلِأَبِي دَاوُدَ: «لِتَنْظُرْ عِدَّةَ (^١٤) الأَيَّامِ وَاللَّيَالِي الَّتِي كَانَتْ تَحْيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذلِكِ مِنَ الشَّهْرِ (^١٥) فَإِذَا خَلَّفَتْ ذلِكِ (^١٦) فَلْتَغْتَسلْ ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ (^١٧) بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّي».\n\n• عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُسْتَحَاضُ،\n_________\nالفصل الثالث في أحكام المستحاضة\n(^١) هي التى جاوز دمها أكثر الحيض واستمر بسبب قطع عرق يسمى العاذل، وأحكامها هي اعتبار أيام الحيض السابق وجعلها حيضًا إن تذكرتها، وإن نسيتها أو لم يسبق لها حيض وكان في دمها قوى وضعيف جعلت القوى منه حيضًا والضعيف استحاضة وإن لم يكن فيه قوى وضعيف بأن كان وصفه واحدة تحيضت ستًا أو سبعا أو اغتسلت لكل صلاتين وجمعتهما كما سيأتي.\n(^٢) أي إن كانت ذاكرة لها.\n(^٣) أي إن نسيت عادتها فتجعل الضعيف استحاضة والقوى حيضا إن توفرت فيه شروط الحيض وإلا فهى المتحيرة الآتية في حديث حمنة.\n(^٤) بالتصغير.\n(^٥) بضم أوله أي ينزل حيضى.\n(^٦) أي لا ينقطع دمى.\n(^٧) بكسر الكاف.\n(^٨) أي دم عرق انقطع بسبب ركضة شيطانية.\n(^٩) بفتح الحاء أي ليس بدم الحيض الذي تترك له العبادة كلها.\n(^١٠) أي بعد مضى قدر أيام الحيض.\n(^١١) أي أيامها التى كانت تجيء فيها.\n(^١٢) أي واغتسلي بنية الطهارة من الحيض.\n(^١٣) أي أيام الحيض.\n(^١٤) أي عدد.\n(^١٥) التى هي فيه وتعتبرها حيضا.\n(^١٦) أيام الحيض.\n(^١٧) بكسر اللام وبالتاء والسين والتاء والثاء أي تتحفظ بثوب بعد وضع شيء في الفرج يمنع ظهور الدم، وهذا التحفظ واجب لابد منه من لام الأمر، وهذا ظاهر في المعتادة أي التى سبق لها حيض وطهر، الذاكرة لعادتها فترجع إليها.","vol":"1","page":122},{"text":"فَقَالَ لَهَا: «إِذَا كَانَ دَمُ الحَيْضِ (^١) فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ (^٢) فَإِذَا كَانَ ذلِكِ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ (^٣) فَإِذَا كَانَ الآخَرُ (^٤) فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٦).\n<span data-type='title' id=toc-61>تتحيض غالب الحيض (^٧) أو (^٨) تجمع الصلاتين بعد الغسل</span>\n\n• عَنْ حَمْنَةَ (^٩) بِنْتِ جَحْشٍ (^١٠) قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً فَمَا تَرَى فِيهَا قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّلَاة وَالصَّوْمَ؟ قَالَ: «أَنْعَتُ لَكِ الكُرْسُفَ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ (^١١)» قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذلِكَ قَالَ: «فَاتَّخِذِي ثَوْبًا (^١٢)» قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذلِكَ إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا (^١٣) قَالَ: «سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ أَيَّهُمَا (^١٤) فَعَلْتِ أَجْزَى عَنْكِ مِنَ الآخَرِ فَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ (^١٥) إِنَّمَا هذِهِ\n_________\n(^١) كان تامة أي جاء.\n(^٢) أي تعرفه النساء بقوته التى علامتها السواد والثخانة والنتن.\n(^٣) وغيرها من أي عبادة واعتبريه حيضًا.\n(^٤) أي الذي ليس بتلك الصفة.\n(^٥) أي الدم الضعيف دم عرق انقطع كدم سال من ظاهر الجسم فلا يوجب غسلا كدم الحيض السائل بالجبلة والطبيعة.\n(^٦) بسند حسن. وفى هذا رد لفاطمة إلى اعتبار صفة الدم بجعل القوى منه حيضا، والضعيف استحاضة، ولا يعارض ما سبق لاحتمال نسيان عادتها بعد أن أفتاها بالرجوع لها فأفتاها باعتبار صفة الدم، أو خيرها بين هذه وتلك، فالمميزة لدم الاستحاضة تعمل القوى حيضا وغيره استحاضة سواء كانت مبتدأة، أي لم يسبق لها حيض قبل هذا الدم، أو معتادة ولكنها نسيت، وعلى هذا كثير من الفقهاء ومنهم الشافعي. بقيت التى لم تميز سواء كانت معتادة ونسيت وهى المتحيرة، أو مبتدأة وسيأتى حكمها في حديث حمنة بنت جحش الذي قال به فريق من العلماء.\n\nتتحيض غالب الحيض أو تجمع الصلاتين بعد الغسل\n(^٧) أي تجعل نفسها حائضا ستا أو سبعا.\n(^٨) للتخيير.\n(^٩) كرحمة.\n(^١٠) كعبد وهى أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين.\n(^١١) أي أصف لك القطن فضعيه في الفرج بعد بله بالزيت، فإنه يوقف الدم ويشفى.\n(^١٢) خرقة كبيرة من ثوب، تحفظى بها.\n(^١٣) بالمثلثة والجيم أصبه صبا لكثرته.\n(^١٤) مفعول مقدم لفعلت.\n(^١٥) أي بما تختارينه منهما.","vol":"1","page":123},{"text":"رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ (^١) فَتَحَيَّضِي (^٢) سِتَّةَ أَيَّامٍ أوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ (^٣) فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ (^٤) ثُمَّ اغْتَسِلِي (^٥) حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهِرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ (^٦) فَصَلِّي ثلاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً (^٧) أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً (^٨) وَأَيَّامَهَا (^٩) وَصُومِي فَإِنَّ ذلِكِ يُجْزِئِكِ (^١٠) وَكَذلِكِ فَافْعَلِي كُلَّ شَهْرٍ كَمَا يَحِضْنَ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ مِيقَاتَ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ (^١١) فَإِنْ قَوِيتِ (^١٢) عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ (^١٣) وَتُعَجِّلِي العَصْرَ (^١٤) فَتَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ (^١٥) وَتُؤَخِّرِينَ المَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ العِشَاءَ ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي (^١٦) وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الفَجْرِ (^١٧) فَافْعَلِي (^١٨) وَصُومِي (^١٩) إِنْ قَدَرْتِ عَلَى ذلِكِ (^٢٠)»\n_________\n(^١) أي ضربة من ضرباته التى صوبها فأصابت عرق العاذل فسال دمه، وهذه من أمانيه لأن فيها إفسادًا للصحة والعبادة، نعوذ بالله منه.\n(^٢) من تحيضت المرأة قعدت عن العبادة بسبب حيضها، أي اجعلى نفسك حائضا.\n(^٣) أو للتنويع لحملها على الأخذ بعادة أقاربها وأترابها في السن والجسم، فإن كان حيضهن ستا تحيضت ستا أو سبعا تحيضت سبعا أو أقل أو أكثر تبعتهن في ذلك.\n(^٤) أي واجتهدى في تحديد مدة الحيض لعلك توافقين ما في علم الله الذي تعالى وارتفع شأنه.\n(^٥) أي بعد الأيام التى اخترتيها لحيضك.\n(^٦) بالهمز بعد القاف من الإنقاء وهى لغة شاذة، والفصحى بالياء أي بالغت في النظافة وحشوت وتحفظت.\n(^٧) أي إن جعلت حيضك سبعا.\n(^٨) إن جعلت حيضك ستا، فإن الشهر لا يخلو غالبا من حيض وطهر، فإن كان الحيض ستا فالطهر أربع وعشرون، وإن كان سبعا فالطهر ثلاث وعشرون وهكذا.\n(^٩) عطف على ليلة.\n(^١٠) أي المدة التى جعلتيها طهرًا، وهى ثلاث أو أربع وعشرون من رمضان أو غيره.\n(^١١) أي وقت حيضهن وطهرهن، أي فبعملك هذا تساوى النساء ذوات الدم المنتظم.\n(^١٢) شروع في الأمر الثاني.\n(^١٣) فتصليه في آخر وقته.\n(^١٤) فتصليه في أول وقته.\n(^١٥) سمى جمعا لأن آخر الظهر متصل بأول العصر، فإذا انتهت من الظهر في آخر وقته دخل وقت العصر فصلته، فكأنها جمعت بينهما وفى المغرب والعشاء مثل ذلك.\n(^١٦) جواب الشرط وهو فإن قويت.\n(^١٧) قبله لصلاته.\n(^١٨) تأكيد.\n(^١٩) أي متى شئت في رمضان وغيره، فإن هذه الطريقة تأمر بالعبادة في كل وقت حتى تصوم رمضان كله.\n(^٢٠) أي الغسل ثلاث مرات في اليوم والصلاة والصوم على الوجه المتقدم فافعلى.","vol":"1","page":124},{"text":"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَهذَا (^١) أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إِلَيَّ (^٢)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-62>المستحاضة تعتكف (^٤) ويغشاها زوجها</span>\n\n• عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ (^٥) فَكَانَتْ تَرَى الصُّفْرَةَ وَالحُمْرَةَ (^٦) وَرُبَّمَا وَضَعْنَا الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي (^٧). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ تُسْتَحَاضُ فَكَانَ زَوْجُهَا (^٨) يَغْشَاهَا (^٩).\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ حَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ (^١٠) كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً وَكَانَ زَوْجُهَا (^١١) يُجِامِعُهَا. رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^١٢).\n_________\n(^١) أي الأمر الأخير.\n(^٢) أي أحب الأمرين عندى الدوام العبادة فيه، فقه الحديث أن المتحيرة تجعل نفسها في الحيض والطهر كالتى في سنها وجسمها من قرباها فتكون حائضًا في وقت وطاهرة في آخر، أو تغتسل للظهر والعصر وتغتسل للمغرب والعشاء وتغتسل للصبح. وهذه كالطاهرة في كل وقت.\n(^٣) بسند صحيح، وبهذا ظهر حكم أقسام المستحاضة الأربعة، وهى المبتدأة المميزة والمبتدأة التى لم تميز، والمعتادة الذاكرة لعادتها، والمعتادة الناسية لعادتها، فعلى الأولى العمل بحديث فاطمة، وعلى الثانية العمل بحديث حمنة بنت جحش، وعلى الثالثة العمل بحديث عائشة، وعلى الرابعة العمل بحديث فاطمة، إن كانت ممنرة؛ وإلا فعليها العمل بحديث حمنة، والله أعلم.\n\nالمستحاضة تعتكف ويغشاها زوجها\n(^٤) أي في الأوقات التى تباح لها فيها العبادة، وكذا يقال في غشيانها، فهو حلال في الوقت الذي لم يحكم عليه بأنه حيض.\n(^٥) هي سودة بنت زمعة، وقيل أم حبيبة أي رملة بنت أبى سفيان، وقيل أم سلمة.\n(^٦) أي الدم الأحمر والأصفر.\n(^٧) خوفا من تنجيس المسجد، وهو صريح في أنها تصلى وتعتكف في الجامع مع التحفظ اللازم، ومثل ذلك كل عبادة من قرآن وصيام وغيرهما.\n(^٨) هو عبد الرحمن بن عوف.\n(^٩) يواقعها وهى مستحاضة.\n(^١٠) السالف ذكرها.\n(^١١) طلحة بن عبيد الله، وهو وعبد الرحمن من العشرة المبشرين بالجنة، ولا يفعلان هذا إلا بعلم من النبي - ﷺ - ولو فعلاه وكان محظورًا لنزل الوحي فيهما.\n(^١٢) بسندين صالحين.","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type='title' id=toc-63>الباب الثامن: في التيمم (^١)\nوفيه فصول ثلاثة وخاتمة</span>\n<span data-type='title' id=toc-64>الفصل الأول: في أصله </span>(^٢)\n• عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيْدَاءِ (^٣) أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ (^٤) انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي (^٥) فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى التِمَاسِهِ (^٦) وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ (^٧) وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالُوا: أَلَا تَرَى إِلَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسِ (^٨) وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، قَالَتْ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُول (^٩) وَجَعَلَ يَطْعُنُ (^١٠) بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي (^١١) فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. قَالَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ (^١٢) وَهُوَ أَحَدُ\n_________\n(الباب الثامن في التيمم. وفيه ثلاثة فصول وخاتمة. الأول في أصله)\n(^١) هو لغة: القصد، وشرعًا: مسح الوجه واليدين بتراب طهور وإن كان الحدث أكبر، وهو رخصة لهذه الأمة، وحكمة التيمم بالتراب أنه فرع الماء، فإن التراب من زبد الماء، فإذا تعذر الأصل قام الفرع مقامه، والتيمم كالوضوء عند بعض الأئمة، فيصلى به ما شاء من فرائض ونوافل، ويبقى حتى يحدث ناقض، وقال الجمهور لا يصلى به إلا فرضًا واحدًا وما شاء من نوافل، وتنتهى مدته لأنه طهارة ضرورة.\n(^٢) أي في الوقائع التى لأجلها شرع التيمم.\n(^٣) بالفتح والمد مكان قرب مكة.\n(^٤) موضع بين مكة والمدينة.\n(^٥) قلادة ثمنها اثنا عشر درهمًا وكانت استعارتها من أختها أسماء كما في الرواية الآتية.\n(^٦) أي مكث في هذا المكان رجاء العثور عليه.\n(^٧) أي ليس في هذا المكان ماء.\n(^٨) أي بسبب ضياع عقدك.\n(^٩) من الألفاظ الشديدة.\n(^١٠) بضم العين أي يضربنى بجمع كفه في جنبى غضبًا عليّ من تألم الناس.\n(^١١) ولا أتحرك من ضربه لي، لنوم النبي - ﷺ - على فخذى.\n(^١٢) بالتصغير فيهما.","vol":"1","page":126},{"text":"النُّقَبَاءِ (^١) مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ (^٢)، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَعَثْنَا البَعِيرَ الَّذِي كنْتُ عَلَيْهِ (^٣) فَوَجَدْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ.\nوَعَنْهَا أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ (^٤) فَأَرْسَل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا (^٥) فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ (^٦) فَلَمَّا أَتَوا النَّبِيَّ ﷺ شَكَوْا ذلِكَ إِلَيْهِ (^٧) فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ (^٨). قَالَ أُسَيْدُ بْنُ حْضَيْرٍ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا. رَوَاهُمَا الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-65>الفصل الثاني: في أسبابه (^٩) والمسح على الجبيرة</span>\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ (^١٠) الخُزَاعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ فِي القَوْمِ (^١١) فَقَالَ: «يَا فُلَانُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي القَوْمِ؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ (^١٢) فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ (^١٣)». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ (^١٤) وَضُوءُ المُسْلِمِ (^١٥) وَإِنْ لمْ يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنينَ فَإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيُمِسَّهُ (^١٦) بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذلِكَ خَيْرٌ (^١٧)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١٨).\n_________\n(^١) أي الذين رأسهم النبي - ﷺ - على قومهم ليلة العقبة الثانية.\n(^٢) أي ما هذه البركة التى هي رخصة التيمم عند فقد الماء بأول بركاتكم على الأمة بل بركاتكم كثيرة.\n(^٣) أي أقمناه.\n(^٤) ضاعت.\n(^٥) وكان رئيسهم أسيد بن حضير.\n(^٦) لعدم وجود الماء.\n(^٧) على وجه الاستفتاء.\n(^٨) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ - إلى أن قال - ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾.\n\nالفصل الثاني في أسبابه\n(^٩) هي فقد الماء أو الخوف من استعماله لشدة برد أو مرض.\n(^١٠) بالتصغير.\n(^١١) أي مع الجماعة.\n(^١٢) أي التراب الطاهر فتيمم به.\n(^١٣) في إباحة الصلاة وإجزائها.\n(^١٤) أي التراب الطاهر.\n(^١٥) أي يتيمم به فإنه مطهر له كالماء.\n(^١٦) بسكون لام الأمر من الإمساس، أي فليتطهر به، وفيه بطلان التيمم إذا وجد الماء سواء أكان في صلاة أم لا.\n(^١٧) أي استعمال الماء إذا وجد فرض وثواب كثير، والخيرية لا تنافى الفرضية.\n(^١٨) بسند صحيح.","vol":"1","page":127},{"text":"• عَنْ عَمْرو بْنِ العَاصِ قَالَ: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ (^١) أَنْ أَغْتَسِلَ فَأَهْلِكَ (^٢) فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟» فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الاغْتِسَالِ (^٣) وَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا (^٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ (^٥) ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ (^٦)؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدرُ عَلَى المَاءِ (^٧) فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ (^٨) فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أُخْبِرَ بِذلِكَ فَقَالَ: «قَتَلُوهُ (^٩) قَتَلهُمُ اللَّهُ (^١٠) أَلا (^١١) سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ العِيِّ السُّؤَالُ (^١٢) إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ (^١٣) وَيَعْصُبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً (^١٤) ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا (^١٥) وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ (^١٦)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١٧).\n_________\n(^١) أي خفت.\n(^٢) أي أموت من برد الماء.\n(^٣) وهو خوفى من البرد.\n(^٤) فأقره النبي - ﷺ - وهو لا يقر أحدًا إلا على حق، فصار الخوف من برد الماء كفقده بالكلية، ومثل الخوف من برد الماء الخوف من عطش إذا تطهر بالماء.\n(^٥) جرحه وشق عظمه.\n(^٦) أي توافقونى على التيمم خوفًا من الماء لجرح رأسه.\n(^٧) فهموا أن وجود الماء مانع من التيمم بأى حال.\n(^٨) لأن الماء دخل في مخ رأسه.\n(^٩) أي تسببوا في قتله.\n(^١٠) زجر وتهديد لادعاء عليهم.\n(^١١) بالتشديد أداة تحضيض أي هلا.\n(^١٢) العى: الجهل، فالشفاء من داء الجهل السؤال والتعلم، وفيه زجر عن الفتوى بغير علم.\n(^١٣) أي في وجهه ويديه بدلا عن غسل الجزء المريض.\n(^١٤) يشدها على جرحه لمنع الماء عنه.\n(^١٥) أي على الخرقة بالماء بدلا عن غسل ما تحتها.\n(^١٦) أي ما عدا الخرقة وما تحتها، فإذا كان على الجرح عصابة فالواجب غسل الصحيح والتيمم عن الجريح ومسح العصابة، وإذا لم تكن عصابة فالواجب التيمم عن الجريح وغسل الصحيح فقط، وقال الفقهاء بمسح الجبيرة من هنا ومن حديث على ﵁: أمرنى رسول الله - ﷺ - أن أمسح على الجبائر.\n(^١٧) بسند ضعيف، ولكن كثرت طرقه، وتقوى بحديث على ﵁، فصلح للاحتجاج والعمل به قاله الشوكانى، والله أعلم.","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type='title' id=toc-66>الفصل الثالث: في كيفيته </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (^٢) ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ﴾.\nجَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ المَاءَ (^٣) فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: أَمَا تَذْكُرُ إِذْ كُنَّا فِي سَفِرٍ أَنَا وَأَنْتَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ (^٤) وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ (^٥) وَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هكَذَا» فَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ عَلَى الأَرْضِ وَنَفَخَ فِيهِمَا (^٦) ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ (^٧). رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي الجُهَيْمِ (^٨) قَالَ: أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ (^٩) فَلَقِيَهُ رَجُلٌ (^١٠) فسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الجِدَارِ (^١١) فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ\n_________\nالفصل الثالث في كيفيته\n(^١) هي أن يضرب بكفيه على الأرض، ثم يمسح بهما وجهه، ثم يضرب أخرى ويمسح بهما ذراعيه، فيمسح بكف اليسرى اليد اليمنى، وبكف اليمنى اليد اليسرى مع النية عند الضربة الأولى كقوله: نويت استباحة فرض الصلاة ونحوها.\n(^٢) أي اقصدوه وانقلوه وامسحوا بعضه الوجوه والأيدى، والطيب: الطاهر، والصعيد: التراب والرمل الذي له غبار، وعليه الشافعية والحنابلة. وقال المالكية والحنفية: الصعيد كل ما كان من جنس الأرض فيعم التراب والرمل والحصى والجدار والحجز ولو أملس فإنها أجزاء للأرض.\n(^٣) أي لم أجده.\n(^٤) رجاء أن تجد الماء في الوقت.\n(^٥) أي تمرغت في التراب كما تمرغ فيه الدابة، لفهمه أن التيمم بدل الغسل يكون في الجسم كله كالماء.\n(^٦) تخفيفًا للتراب فإن كثرته تشوه الوجه.\n(^٧) هو صريح في أن التيمم بضربة واحدة للوجه والكفين فقط، وعليه بعض الصحب والتابعين وجمهور المحدثين، وقال به من الفقهاء الأوزاعى ومالك وأحمد وإسحاق، ورواية: فمسح ذراعيه الآتية ورواية: إلى الآباط وإلى المناكب، نسخت بهذه، والأكل عند هؤلاء تتميم المسح إلى المرفقين، وقال بعض الصحب والتابعين وجمهور الفقهاء والحنفية والشافعية: لا بد من مسح يديه إلى المرفقين للروايات الآتية، ولقياس على الوضوء، وللاحتياط الذي هو في كل شيء أنسب، ولا بد عند هؤلاء من ضربتين، ضربة للوجه وضربة لليدين لحديث الحاكم وغيره الصحيح: التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين.\n(^٨) عبد الله بن الصمة الأنصارى.\n(^٩) موضع بقرب المدينة.\n(^١٠) هو أبو الجهيم في رواية الشافعي.\n(^١١) وكان من حجر أسود كما هي أبنية المدينة، ومنه قال =","vol":"1","page":129},{"text":"وَيَدَيْهِ (^١) ثُمَّ رَدَّ ﵇. رَوَاهُ الخَمْسَةُ وَالشَّافِعِيُّ، وَلَفْظُهُ: فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ. وَلِأَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الحَائِطِ وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَمَسَحَ ذِرَاعِيْهِ ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ وَقَالَ: «إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ إِلا أَنِّي لَمْ أَكُنْ عَلَى طُهْرٍ (^٢)».\n\n<span data-type='title' id=toc-67>خاتمة إذا تيمم وصلى ثم وجد الماء في الوقت لا يعيد</span>\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَقْبَلَ مِنَ الجُرُفِ (^٣) حَتَّى إِذَا كَانَ بِالمِرْبَدِ (^٤) تَيَمَّمَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَصَلَّى العَصْرَ ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدَ الصَّلَاةَ (^٥). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا وَصَلَّيَا ثُمَّ وَجَدَا المَاءَ فِي الوَقْتِ فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا\n_________\n= بعضهم يجوز التيمم على الحجر، ورد عليه من لم يقل ذلك بظاهر الآية، فإن الصعيد وإن كان يطلق على وجه الأرض مطلقًا، ولكن قوله فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه أي من بعضه، يفيد أن المراد بالصعيد هنا التراب لأنه هو الذي ينتقل بعضه بوضع اليد عليه، وبأن الحجر في الغالب عليه تراب، بل ورد أنه - ﷺ - حت الجدار بالعصا ثم تيمم، وجاز له التيمم في الحضر؛ لأنه كان عادمًا للماء وقتئذ.\n(^١) أي إلى المرفقين لما يأتى.\n(^٢) فهو منه - ﷺ - كمال، أو كان واجبًا ونسخ بآية الوضوء وبحديث عائشة: كان النبي - ﷺ -، يذكر الله على كل أحيانه.\n\nخاتمة\nإذا تيمم وصلى ثم وجد الماء في الوقت لا يعيد\n(^٣) بضمتين موضع على ثلاثة أميال من المدينة فيه أملاك لابن عمر.\n(^٤) المربد كمنبر: موضع على ميلين من المدينة تحبس فيه الإبل والغنم.\n(^٥) أي بالوضوء، فإنه كان لا يرى إعادة الصلاة من التيمم في الحضر إذا وجد الماء في الوقت؛ لأن الصلاة وقعت في وقتها مستوفية لشروطها وعليه جمهور الأئمة، وقال الشافعي: تجب الإعادة لندرة ذلك في الحضر، وقال بعضهم: لا يصلى بالتيمم في الحضر وإن خرج الوقت.","vol":"1","page":130},{"text":"الصَّلَاةَ وَالوُضُوءَ وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ (^١) ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَا ذلِكَ لَهُ فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّة (^٢) وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ (^٣)»، وَقَالَ لِلَّذِي تَوَضَّأَ وَأَعَادَ: «لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ [١]. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) وضوءًا ولا صلاة.\n(^٢) أي فعلت ما يوافق الطريقة المشروعة في حكم الله تعالى.\n(^٣) أي كفتك عن الإعادة، فالإجزاء كون الفعل مسقطًا للإعادة.\n(^٤) أي أجر صلاة التيمم وأجر صلاة الوضوء، وفيه من الفقه تعجيل الصلاة في أولها ولو بالتيمم، وجواز التيمم في الحضر، وجواز الاجتهاد وربما أجر المخطئ أكثر من المصيب كما هنا، وعدم إعادة ما صلاه بالتيمم ولو وجد الماء في الوقت، وبه قال أكثر العلماء، والله أعلم.\n===\n[١] عدد الأحاديث من أول الكتاب إلى هنا ٣٣٠.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type='title' id=toc-68>كتاب الصلاة </span>(^١)\nوفيه ثلاثة عشر بابًا وخاتمة\n\n<span data-type='title' id=toc-69>الباب الأول: في أصل الصلاة (^٢) والمحافظة عليها\nوفيه فصلان</span>\n<span data-type='title' id=toc-70>الفصل الأول: في فرضية الصلاة (^٣) وفضلها </span>(^٤)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ﴾ (^٥) ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ﴾ (^٦) ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ (^٧). وَقَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ﴾ (^٨) ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (^٩).\n_________\n(كتاب الصلاة. وفيه ثلاثة عشر بابا وخاتمة. الباب الأول في أصل الصلاة والمحافظة عليها وفيه فصلان)\nالفصل الأول في فرضية الصلاة وفضلها\n(^١) هي لغة، الدعاء بخير، وشرعًا: أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، بشرائط مخصوصة.\n(^٢) أي في الوقت الذي شرعت فيه، وأنها شرعت أولًا خمسين، ثم خففت إلى خمس، كما سيأتي في المعراج إن شاء الله.\n(^٣) أي في النصوص التى تصرح بأنها فرض وهى الآية الأولى، والحديث الأول، والثالث، والرابع، وهى معلومة من الدين بالضرورة، فيكفر جاحدها كما سيأتي في حكم تارك الصلاة.\n(^٤) أي في النصوص الدالة على فضلها ومزاياها.\n(^٥) أقيموا، أمر وهو للوجوب، فيفيد فرضيتها.\n(^٦) ولا تزال.\n(^٧) فرضا ذا وقت يؤدى فيه، فدلت على فرضيتها أيضًا.\n(^٨) أي المعهودة في الشرع، وهى المستوفية لشروطها، وأركانها المشمولة بالخشوع من أولها إلى آخرها، المنبعثة عن قلب خالص لله تعالى.\n(^٩) أي تنهي فاعلها عن الفحشاء والمنكر، فهذه مزية كلية للصلاة وهى تقويم الأخلاق، وما أعظمها مزية، ومن مزايا الصلاة أيضًا صحة الجسم، فقد قيل إن من يحافظ عليها يأمن من مرض الظهر وتصلب الشرايين؛ لأن في الصلاة حركة لأجزاء الجسم كلها، حتى إن الشرايين الصغيرة لا تتحرك بأى شيء إلا بوضع الأعضاء السبعة على الأرض في السجود، والواقع أن في الصلاة أمانا من كل الأمراض التى تنشأ من قلة الحركة أو عدمها كالسمنة التى كثرت في ربات البيوت، وقد ورد: أذيبوا طعامكم بذكر الله والصلاة ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم والحديث وإن قيل فيه فالوجدان يصدقه، ومزايا الصلاة كثيرة عديدة وستأتى في أحاديث فضائلها.","vol":"1","page":132},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: فُرِضَتْ (^١) عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ أُسُرِيَ بِهِ (^٢) الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ ثُمَّ نُقِصَتْ حَتَّى جُعِلَتْ خَمْسًا (^٣) ثُمَّ نُودِيَ (^٤) يَا مُحَمَّدُ إِنَّهُ لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ (^٥) وَإِنَّ لَكَ بِهذِهِ الخَمْسِ خَمْسِينَ (^٦). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• عَنْ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ (^٧) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ (^٨) ثَائِرُ الرَّأْسِ (^٩) يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ (^١٠) مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا (^١١) فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ (^١٢) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ (^١٣)» قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا إِلا أَنْ تَطَّوَّعَ (^١٤)» فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَصِيَامُ رَمَضَانَ» قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لَا إِلا أَن تَطَّوَعَ» وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا إِلا أَنْ تَطَّوَّعَ» قَالَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ (^١٥) وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هذَا وَلَا أَنْقُصُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ (^١٦)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n_________\n(^١) أي فرضها الله.\n(^٢) إلى بيت المقدس، ثم إلى الرفرف الأعلى.\n(^٣) بطلب النبي - ﷺ - من ربه.\n(^٤) أي من قبل الله تعالى.\n(^٥) أي لا أبدل قولى إن الصلاة المفروضة عليكم خمس.\n(^٦) أي أجر الخمسين التى فرضت أولًا، وهى قاعدة التضعيف في الحسنات ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ وسيأتى حديث الإسراء مبسوطا في كتاب النبوة إن شاء الله.\n(^٧) هو ضمام بن ثعلبة.\n(^٨) هو ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق.\n(^٩) منتشر شعره.\n(^١٠) ببناء الفعلين للمجهول، وفى رواية: نسمع ولا نفقه، أي نسمع صوته ولا نفهم قوله.\n(^١١) أي قرب منا ونحن مع النبي - ﷺ - ففهمنا قوله.\n(^١٢) أي أركانه وشرائعه وأعماله.\n(^١٣) أي أداء خمس صلوات في اليوم والليلة، وهو مع قوله هل على غيرها محل فرضية الصلاة من الحديث.\n(^١٤) بتشديد الطاء والواو أي تتطوع، أي لكن لو تطوعت فهو خير لك، وهو حجة على من أوجب الوتر، وعلى من قال إن صلاة العيد فرض كفاية، ولم يذكر له الشهادتين لأنهما معلومتان له، ولم يذكر له الحج لأنه لم يفرض حينذاك.\n(^١٥) أي ولّى وتركنا.\n(^١٦) أي فاز بالخير كله إن صدق في قوله وفعل ما سمعه، وفقه الحديث أن طلب على ما تجهله واجب وعلى العالم الإجابة، وأن من يؤدى الفرائض فهو ناج بشرط البعد عن كبائر الذنوب، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾.","vol":"1","page":133},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّنَابِحِيِّ ﵁ قَالَ: زَعَمَ أَبُو مُحَمَّدٍ (^١) أَنَّ الوِتْرَ وَاجِبٌ، فَقَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ (^٢) أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ ﷿، مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ (^٣) وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: إِنِّي افْتَرَضْتُ عَلَى أُمَّتِكَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ وَعَهِدْتُ عِنْدِي عَهْدًا أَنَّهُ مَنْ جَاءَ يُحَافِظُ عَلَيْهِنَّ لِوَقْتِهِنَّ أَدْخَلْتُهُ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ فَلَا عَهْدَ لَهُ عِنْدِي (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ (^٦) لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ (^٧) يَغْتَسِلُ مِنْهُ (^٨) كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ (^٩)» قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ قَالَ: «فَذلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الخَطَايَا (^١٠)» رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَتَعاقَبُونَ فِيكُمْ (^١١) مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ (^١٢) وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ (^١٣) وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ العَصْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ (^١٤)\n_________\n(^١) هو رجل أنصارى له صحبة.\n(^٢) أي أخطأ، والعرب تطلق الكذب على الخطأ كثيرًا.\n(^٣) أي كان له عند الله وعد بالغفران.\n(^٤) والإمام مالك، فهو صحيح.\n(^٥) ففقه الحديثين أن الصلاة عهد بين الله وبين عبده، فمن حافظ عليها فقد وفى بعهده وله عند الله المنزلة العليا، ومن لم يحافظ عليها فقد نقض العهد، وأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، وإلى هنا انتهى الشق الأول من الترجمة وهو ما يدل على الفرضية، وما سيأتي في فضائلها.\n(^٦) أي أخبرونى.\n(^٧) يجرى أمامه.\n(^٨) أي يغتسل فيه.\n(^٩) الدرن بالتحريك: الوسخ.\n(^١٠) فالمحافظة على الصلوات الخمس مطهرة للذنوب دائمًا، كمن يغتسل كل يوم خمس مرات، فإنه يصير نظيفًا دائمًا.\n(^١١) أي في شأنكم وحفظكم ملائكة، أي يعقب بعضهم بعضًا في حفظكم قال تعالى: \"له - أي للإنسان - معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله\" أي بإذنه.\n(^١٢) وهم حفظة الليل.\n(^١٣) وهم حفظة النهار.\n(^١٤) أي معكم مسخرين في حفظكم حتى يصلوا إلى مكان يسألهم الله فيه، فيجيبونه بأنهم وجدوهم في عبادة وتركوهم في عبادة، وهذا رفع لشأن الإنسان في الملأ الأعلى، وإلا فالله تعالى عالم بكل شيء، وهذه مزية عظيمة من أثر الصلاة، نسأل الله التوفيق =","vol":"1","page":134},{"text":"فيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِي.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنْهُنَّ مَا لَمْ تُغْشَ الكَبَائِرُ (^١)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُثْمَانَ ﵁ فَدَعا بِطَهُورٍ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنِ امْرَئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلا كَانَتُ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يَأْتِ كَبِيرَةً وَذلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ (^٢)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً (^٣) فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ (^٤) ﴿وَزُلَفًا مِّنَ الْلَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (^٥)، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِيَ هذَا؟ قَالَ: «لِجَمِيعَ أُمَّتِي كُلِّهِمْ (^٦)».\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا (^٧)» قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «بِرُّ الوَالِدَيْنِ» قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي (^٨). رَوَاهُمَا الأَرْبَعَةُ.\n_________\n(^١) ما لم تفعل كبائر الذنوب.\n(^٢) تأكيد، أي وذلك ثابت دائمًا، فالمحافظة على الفرائض الخمس وفرض صلاة الجمعة تكفر ما بينهن من الذنوب وما تقدم منها إلا الذنوب الكبائر، فلا يكفرها إلا التوبة الخالصة إذا كانت من حق الله كالزنا وشرب الخمر، أما إذا كانت من حق العباد كأكل مال اليتيم وأكل الربا فلابد مع التوبة من رد الحقوق إلى أصحابها أو مسامحتهم، والطعن في الأعراض أيضًا لا بد فيه من المسامحة، لما سيأتي في الأخلاق: من كانت عنده مظلمة لأحد في عرض أو مال فليتحلله اليوم قبل ألا يكون درهم ولا دينار.\n(^٣) أي قبل امرأة أجنبية.\n(^٤) أي بالغداة والعشى، وهى الصبح في الغداة والظهر والعصر في العشى، وزلفًا جمع زلفة كغرفة، وهى الطائفة من الليل أي وفى ساعات من الليل وهى المغرب والعشاء، فالآية تأمرنا بالصلوات الخمس وفيها البيان الشافى لمن كان يجهل ذلك أو ينفيه.\n(^٥) أي إن فعل الحسنات من تلك الصلوات يكفر السيئات.\n(^٦) أي هذا الحكم خاص بى؟ قال: لا بل للأمة كلها.\n(^٧) أي في أول وقتها، وسيأتى بر الوالدين والجهاد مبسوطا، كل في محله.\n(^٨) ولو سألته أكثر لأجابنى.","vol":"1","page":135},{"text":"• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ (^١) تكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ ثَوْبَانَ (^٢) ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ (^٣) فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ (^٤) فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ (^٥) فَقَالَ لِي: سَلْ (^٦) فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ قَالَ: «أَوْ غَيْرَ ذلِكَ» (^٧) قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» (^٨). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ فِي حَجَّةَ الوَدَاعِ فَقَالَ: «اتَّقُوا اللَّهُ وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ (^٩) وَصُومُوا شَهْرَكُمْ (^١٠) وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ (^١١) وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ تَدْخُلوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِعَبْدٍ فِي شَيْءٍ\n_________\n(^١) الفتنة هي الخروج عن الحق، وهى في الأهل ظلمهم وعدم القيام بحقهم، وفى المال كجمعه من الحرام أو صرفه فيه أو عدم زكاته، وفى الولد بعدم تعليمه ما يلزمه للدارين، أو هي اشتغاله بهؤلاء عن الواجب عليه، والفتنة بالجار ظلمه أو عدم القيام بحقه، فالخروج عن الحق مع هؤلاء فتنة، والصلاة وما معها تكفرها مع مراعاة ما سبق في حديث عمرو بن سعيد.\n(^٢) وكان يخدم النبي - ﷺ - وسئل عن أحب العمل إلى الله؛ فسكت، فسئل ثانيا فسكت فسئل الثالثة فقال: سألت رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال الحديث.\n(^٣) أي أكثر من الصلاة التى فيها كثرة السجود، ففى الصلاة تكفير للسيئات ورفع للدرجات عند الله تعالى، وما أجدرها بالعناية من المؤمنين.\n(^٤) أي في سفر.\n(^٥) كسجادة وسواك.\n(^٦) أي اسألنى ما تشاء.\n(^٧) أي أو تسأل غير ذلك، ابتلاء له هل يثبت على هذا الطلب الثمين أو ينتقل إلى غيره كطلب دنيا فأجابه: أنا ثابت على طلبى.\n(^٨) أي ساعدني على نفسك بدفع شرها وجلب خيرها بكثرة الصلاة، ففيها بلوغ لأسمى المطالب.\n(^٩) فرائضك الخمس.\n(^١٠) أي شهر رمضان.\n(^١١) أي صاحب أمركم وهم الولاة، قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فإطاعتهم واجبة في غير معصية، وسيأتى ذلك مبسوطًا في كتاب الإمامة والقضاء، إن شاء الله.","vol":"1","page":136},{"text":"أَفْضَلَ مَنَ رَكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا (^١) وَإِنَّ البِرَّ لَيُذَرُّ عَلَى رَأْسِ العَبْدِ مَا دَامَ فِي صَلَاتِهِ (^٢) وَمَا تَقَرَّبَ العِبَادُ إِلَى اللَّهِ بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ يَعْنِي القُرْآنَ (^٣)». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-71>الفصل الثاني: في المحافظة على الصلوات</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (^٥) ﴿والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (^٦) ﴿وَقُومُواْ﴾ (^٧) ﴿للَّهِ قَانِتِينَ﴾ (^٨).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ (^٩) فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّي وَسَعْدَيْكَ (^١٠) قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ (^١١) قُلْتُ رَبِّي لَا أَدْري فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفِيَّ (^١٢) فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ (^١٣) فَعَلِمْتُ مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ (^١٤)\n_________\n(^١) أي ما أمر الله عباده بطاعة أحب إليه من الصلاة.\n(^٢) أي الإحسان الإلهى لينزل على المصلى ما دام في صلاة.\n(^٣) فهو أفضل ما يتقرب به العباد إلى الله؛ لأنه كلامه، وفيه مناجاة الله لحديث: من أحب أن يخاطب الرحمن فليقرأ القرآن.\n(^٤) الأول بسند صحيح، والثاني بسند غريب، ولكنه في الفضائل والله أعلم الفصل الثاني في المحافظة على الصلوات.\n(^٥) أي الخمس، فلا تضيعوها وداوموا عليها في أوقاتها.\n(^٦) هي العصر على المشهور الآتى.\n(^٧) أي في صلاتكم.\n(^٨) أي مطيعين خاشعين لحديث: كل قنوت في القرآن فهو طاعة. وقيل ساكتين لحديث الشيخين: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام، والأمران مطلوبان في الصلاة.\n(^٩) أي تجلى عليّ ربى وكشف عنى الحجاب، فرأيته في النوم في أحسن صورة من غير تشبيه ولا تكييف، أو رأيته وأنا في أحسن أحوالى.\n(^١٠) من لباه: إذا أجابه، وأسعده: إذا أعانه، أي أجيبك إجابة بعد إجابة وأسرع في ذلك.\n(^١١) أي في أي شيء يتحادث به الملائكة المقربون ويغبطونه ويتبادرون إلى كتابته.\n(^١٢) وضع اليد على أعلى الظهر يحصل عادة من الكبير إلى الصغير، ومن الملك لأحد رعيته رأفة وفرحًا به وتمام رضاء عنه، وهذا الوضع محال على الله تعالى لتنزهه عن الجسمية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فيراد لازمه، وهو أنه تجلى عليه برأفته، وأحل عليه من رضوانه، وأفاض عليه من علمه وأسراره ما يليق به - ﷺ -.\n(^١٣) تثنية ثدى وهو الناتئ في الصدر، أي أفاض عليّ من أسراره ما ملأ جسمى وقلبي وأثلج صدرى حتى اقشعر من برده جلدى.\n(^١٤) وفى رواية: فعلمت ما في السموات وما في الأرض، فذلك التجلى أورثه على الملك والملكوت، كما قال في إبراهيم: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾. فعلم ما في الكون من ذوات وصفات وظواهر ومغيبات.","vol":"1","page":137},{"text":"قَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ وَسَعْدَيْكَ قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الدَّرَجَاتِ (^١) وَالكَفَّارَاتِ (^٢) وَفِي نَقْلِ الأَقْدَامِ إِلَى الجَمَاعَاتِ (^٣) وَإِسْبَاغِ الوُضُوءِ فِي المَكْرُوهَاتِ وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَمَنْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ عَاشَ بِخَيْرٍ (^٤) وَمَاتَ بِخَيْرٍ وَكَانَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ (^٥)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ جَرِيرٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرْونَ رَبَّكُمْ (^٧) كَمَا تَرَوْنَ هذَا القَمَرَ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ (^٨) فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (^٩)». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\nوَلِلشَّيْخَيْنِ: مَنُ صَلَّى البَرْدَيْنِ (^١٠) دَخَلَ الجَنَّةَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ فَاتَتْهُ العَصْرُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلُهُ وَمَالَهُ (^١١)». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي المَلِيحِ قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ ﵁ فِي غَزَوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ (^١٢)\n_________\n(^١) أي في أعمال العباد التى ترفعهم درجات.\n(^٢) أي في الأمور الكفرة للذنوب.\n(^٣) أي في الجزاء عليها، وكذا يقال فيما بعدها.\n(^٤) أي عاش آمنًا ومات آمنًا وغانمًا، وكان من أهل الجنة.\n(^٥) أي طاهرًا كيوم ولادته.\n(^٦) في التفسير بسند حسن.\n(^٧) أي في الآخرة.\n(^٨) تضامون بضم التاء وتخفيف الميم وبفتح التاء وتشديد الميم، والمعنى على الأول لا ينالكم ضيم برؤية بعضكم دون بعض، بل ترونه كلكم، وعلى الثاني من الزحمة والانضمام، أي لا تزدحمون في رؤيته، ويقول بعضكم لبعض أرنيه، بل يراه كل منكم وهو في مكانه بسهولة كما ترون القمر جميعا.\n(^٩) أي فحافظوا على الصبح والعصر، فإنهما سببان في الجنة ورؤية الله تعالى.\n(^١٠) البردين تثنية برد، وهى الصبح والعصر، لوقوعهما وقت برد الهواء وطيبه، وحث عليهما لأنهما وقت اجتماع الحفظة ولأن الصبح وقت التثاقل والكسل من النوم، والعصر وقت انهماك الناس في طلب المعيشة، فمن جاهد نفسه ودنياه، وحافظ عليهما كان على غيرهما أحفظ، ودخل الجنة بغير عذاب لحديث مسلم وأبى داود: لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها.\n(^١١) وتر بلفظ المجهول، وأهله وماله منصوبان أي فقدهما، وهما بالطبع أعز شيء لدى الإنسان، فمن فاتته صلاة العصر فقد فاته أجر عظيم جدًّا لو علمه لحزن عليه كما يحزن على أهله وماله.\n(^١٢) أي ليس بصحو.","vol":"1","page":138},{"text":"فَقَالَ بَكِّرُوا بِصَلَاةِ العَصْرِ (^١) فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ (^٢)». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-72>الصلاة الوسطى هي العصر </span>(^٣)\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ (^٤) «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الوُسْطَى صَلَاةِ العَصْرِ (^٥) مَلأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا»، ثُمَّ صَلاهَا بَيْنَ العِشَاءَيْنِ (^٦). رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الغِفَارِيِّ ﵁ قَالَ: صَلَّى بِنَا رسُولُ اللَّهِ ﷺ العَصْرَ بِالمُخَمَّصِ (^٧) فَقَالَ: «إِنَّ هذهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ (^٨) عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ\n_________\n(^١) أي بادروا بها في أول وقتها.\n(^٢) أي من تركها عمدًا فقد بطل عمله، وهذا زجر وتنفير وإلا فلا يحبط العمل إلا الكفر، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾. الله أعلم.\n\nالصلاة الوسطى هي العصر\n(^٣) سمِّيت وسطى لتوسطها بين الصبح والظهر، وبين المغرب والعشاء.\n(^٤) جمع حزب، وهى قريش وغطفان واليهود ومحالفوهم، وكانوا ثلاثة آلاف، تحزبوا وتجمعوا وحشدوا لقتال النبي - ﷺ -، فلما علم بذلك أمر بحفر الخندق حول المدينة. لصد هجماتهم بإشارة سلمان الفارسي ﵁، لتعودهم عليه في بلادهم، حينما يهاجمون، فجاءت الأحزاب وحاصرت المدينة شهرًا، وحصل بين الطرفين تبادل بالسهام والنبال، حتى أرسل الله عليهم ريحًا باردة تحمل رعبًا شديدًا، فردهم الله بكيدهم وغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال، وستأتي غزوة الأحزاب في الجهاد إن شاء الله.\n(^٥) بدل أو عطف بيان.\n(^٦) أي صلى العصر بين المغرب والعشاء، لاشتغالهم بحرب الأحزاب كل اليوم، وقالت عائشة لمن كان يكتب لها مصحفا: إذا وصلت إلى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ فأعلمنى، فلما وصل إليها أعلمها، فقالت له: اكتب والصلاة الوسطى وصلاة العصر، فإنى سمعتها من رسول الله - ﷺ -، رواه الخمسة إلا البخارى، فهذان الحديثان الصحيحان وحديث الترمذى الآتى تصرح بأن الصلاة الوسطى هي العصر، وعليه جمهور الصحب والتابعين والمحدثين والفقهاء وأبو حنيفة وأحمد، وقالت طائفة من العلماء إنها الصبح لتوسطها بين الليل والنهار، وهو المشهور عن مالك والشافعى ﵄، ولعلهما لم تصح عندهما تلك النصوص أو لم تبلغهما، وإلا لقالا إنها العصر، لما ثبت عنهما أنهما قالا إذا صح الحديث فهو مذهبى واضربوا بقولى عرض الحائط، وقيل إنها الظهر لوقوعها وسط النهار.\n(^٧) كمقدس أو كمسجد اسم مكان.\n(^٨) أي فرضت.","vol":"1","page":139},{"text":"أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ (^١)، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ (^٢)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الوُسْطَى صَلَاةُ العَصْرِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-73>حكم تارك الصلاة</span>\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ (^٤) وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالكفْرِ (^٥) تَرْكَ الصَّلَاةِ (^٦)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ (^٧) الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ (^٨)».\n_________\n(^١) أجر لإطاعة الأمر وأجر للمحافظة على ما ضيعه السابقون.\n(^٢) الشاهد النجم والمراد به غروب الشمس.\n(^٣) بسند صحيح والله أعلم.\n\nحكم تارك الصلاة\n(^٤) أي والمرأة فإنهما في التكليف سواء.\n(^٥) عطف عام على خاص فإن الشرك عبادة غير الله والكفر أعم.\n(^٦) بالنسب اسم إن وفى رواية: بين الكفر والإيمان ترك الصلاة أي فمن تركها كان كافرًا ومن فعلها كان مؤمنا.\n(^٧) أي المنافقين.\n(^٨) ظاهر هذه النصوص أن من ترك الصلاة فهو كافر وهذا بإجماع المسلمين إذا تركها جاحدًا لها أي لا يعتقد وجوبها عليه لأنها معلومة من الدين بالضرورة، قال صاحب الجوهرة:\nومن لمعلوم ضرورة جحد … من ديننا يقتل كفرًا ليس حد\nومثل هذا من نفى لمجمع … أو استباح كالزنا فلتسمع\nإلا أن يكون نشأ بعيدًا عن العلماء أو قريب عهد بالإسلام ولم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوبها وإن تركها كسلا وهو معتقد لوجوبها، كما هو حال كثير من الناس، فجمهور السلف والخلف أنه لا يكفر وعليه مالك والشافعى ﵄، بل يفسق فيستتاب فإن تاب وصلى وإلا قتل حدًا كالزانى المحصن ولكنه يقتل بالسيف، وحجتهم في عدم كفره ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وحديث \"حرم الله على النار من قال لا إله إلا الله\" وحديث من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وحجتهم في قتله ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ وحديث \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله\" وسبق في فضائل الدين، وروى عن علي وأحمد بن حنبل ﵄ أنه يكفر وبه قال ابن المبارك وإسحاق وبعض أصحاب الشافعي لظاهر النصوص وقال أبو حنيفة وبعض أهل الكوفة والمزنى من أصحاب الشافعي إنه لا يكفر ولا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يصلى، وتأولوا الأحاديث بأنها محمولة على المستحل للترك، أو أنه فعل فعل الكفار أو أنه قد يؤول به إلى الكفر.","vol":"1","page":140},{"text":"وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ (^١). رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-74>الباب الثاني: في المواقيت\nوفيه فصلان</span>\n<span data-type='title' id=toc-75>الفصل الأول: في مواقيت الصلاة </span>(^٣)\n• عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي (^٤) فَصَلَّيْتُ مَعَهُ (^٥) ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ (^٦) ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ (^٧) ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ (^٨) ثُمَّ صَلِّيْتُ مَعَهُ (^٩) يَحْسُبُ بِأَصَابِعِهِ (^١٠) خَمْسَ صَلَوَاتٍ». زَادَ فِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ قَالَ بِهذَا أُمِرْتُ (^١١). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَمَّنِي جِبْرِيلُ ﵇ (^١٢) عِنْدَ البَيْتِ مَرَّتَيْنِ (^١٣) فَصَلَّى الظُّهْرَ فِي الأُولَى مِنْهُمَا (^١٤) حِينَ كَانَ الفَيْءُ (^١٥) مِثْلَ الشِّرَاكِ (^١٦) ثُمَّ صَلَّى\n_________\n(^١) بنصب غير صفة لشيئا، فكان الأصحاب يرون أن كل شيء يترك لا يضر الإيمان إلا الصلاة، فإن تركها كفر.\n(^٢) الأول بسند صحيح، والثانى مسكوت عنه، ولكنه في الترهيب، والله أعلم.\n\n(الباب الثاني في المواقيت. وفيه فصلان: الأول في مواقيت الصلاة)\n(^٣) جمع ميقات وهو الوقت المحدد لإيقاع الصلاة فيه، وأصله في الكتاب العزيز ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ أي سبحوا الله في المساء بصلاة العصر، وفى الصباح بصلاة الصبح، وفى العشى بصلاة المغرب والعشاء، وفى الظهر بصلاة الظهر، وقال تعالى: - ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.\n(^٤) أي صلى إماما بى ليعلمنى كما أمره الله.\n(^٥) أي الظهر.\n(^٦) أي العصر.\n(^٧) أي المغرب.\n(^٨) أي العشاء.\n(^٩) أي الفجر.\n(^١٠) أي النبي - ﷺ - أي يعقد بأصابعه، فيعد الصلوات الخمس مبالغة في ضبطها، وعبر بثم التى للتراخى؛ لأنه صلى به كل فرض في وقته، وهى متراخية وليست بمتصلة.\n(^١١) أي بهذه الصلوات في هذه الأوقات أمرنى ربى، أو بهذا أمرت أنت يا محمد، ولما كان هذا الحديث مجملا لم ينص على الفرائض، أعقبته بما يفسره بالنص عليها ويزيد أن الإمامة كانت في يومين.\n(^١٢) أي صلى بى إماما.\n(^١٣) أي عند باب الكعبة في يومين وإلا فمرات الصلاة عشر بعدد صلاة اليومين.\n(^١٤) أي في اليوم الأول.\n(^١٥) أي الظل.\n(^١٦) هو أحد سيور النعل التي =","vol":"1","page":141},{"text":"العَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كَلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ (^١) ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ (^٢) ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ (^٣) ثُمَّ صلَّى الفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ (^٤) وَصَلَّى المَرَّةَ الثَّانِيَةَ (^٥) الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ لِوَقْتِ العَصْرِ بَالأَمْسِ (^٦) ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ (^٧) ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ لِوَقْتِهِ الأَوَّلِ (^٨) ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ الآخِرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَتِ الأَرْضُ (^٩) ثُمَّ التَفَتَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ هذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ (^١٠) وَالوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هذَيْنِ الوَقْتَيْنِ (^١١)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَاحِبَاهُ (^١٢).\n_________\n= تكون على وجهها، أي ابتدأ صلاة الظهر حين زالت الشمس عن وسط السماء، وعلامة ذلك ابتداء الظل في الزيادة بعد نهاية نقصه التى هي وقت الاستواء، قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أي صل الظهر حين تزول الشمس عن كبد السماء.\n(^١) أي الشيء، أي ابتداء العصر حين كان ظل كل شيء طوله غير ظل الزوال.\n(^٢) أي دخل وقت إفطاره تأكيد لوجبت الشمس، أي غاب قرصها كله.\n(^٣) أي الأحمر وهى الحمرة التى تظهر في الأفق الغربي بعد مغيب الشمس، وعليه الجمهور ويطلق الشفق على البياض الباقى في الأفق بعد ذهاب الحمرة، وعليه أبو حنيفة والمزنى.\n(^٤) تأكيد لبرق الفجر أي ظهر ضوءه.\n(^٥) أي في اليوم الثاني.\n(^٦) أي فرغ منها حينئذ كما قاله الجمهور.\n(^٧) أي قدره مرتين، وهذا بيان لوقت الاختيار كما فعل في المغرب والعشاء والصبح، وإلا فكل وقت يمتد إلى وقت الأخرى ما عدا الصبح فإنه إلى الشروق.\n(^٨) حين غابت الشمس.\n(^٩) أي استنارت بضوء النهار.\n(^١٠) أي وقت صلاتهم، ولك فيهم أسوة حسنة، وهو صريح في أن الصلاة كانت مفروضة على السالفين. وإن لم تجتمع الخمس لأمة من الأمم، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، وسبق - أن صلاة العصر فرضت على من كان قبلكم فضيعوها.\n(^١١) أي الأول والآخر لكل وقت، فيجوز إيقاع الصلاة في أول الوقت وفى وسطه وفى آخره، وكلها أداء وإن كان الأول أفضل لما يأتى: الوقت الأول رضوان الله والوقت الآخر عفو الله.\n(^١٢) بسند صحيح. ولما كان هذا الحديث لا يفيد امتداد الصبح إلى طلوع الشمس، وامتداد العصر إلى غروبها، وامتداد المغرب إلى مغيب الشفق، وامتداد العشاء إلى نصف الليل أعقبناه بما يفيد ذلك بل ويدفع الظاهر مما قبله وهو اجتماع الظهر والعصر في وقت واحد.","vol":"1","page":142},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ ﵄ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ: «وَقْتُ صَلَاةِ الفَجْرِ (^١) مَا لَمْ يَطْلُعْ قَرْنُ الشَّمْسِ الأَوَّلُ (^٢)، وَوَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ عَنْ بَطْنِ السَّمَاءِ مَا لَمْ يَحْضُرِ العَصْرُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ العَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ وَيَسْقُطْ قَرْنُهَا الأَوَّلُ (^٣)، وَوَقْتُ صَلَاةِ المَغْرِبِ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ مَا لَمْ يَسْقُطِ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيلِ (^٤)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\nوَسُئِلَ جَابِرٌ ﵁ عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ (^٥) فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ (^٦) وَالعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ (^٧) وَالمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ (^٨) وَالعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ (^٩) وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ (^١٠). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنْ (^١١) كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ (^١٢) مُتَلَفَعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ (^١٣) مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي بَرْزَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الصُّبْحَ (^١٤)\n_________\n(^١) أي يبتدئ من ظهور النور في الأفق الشرقي ويمتد إلى طلوع الشمس.\n(^٢) صفة القرن فإن ظهر الجزء الأول منها الشبيه بالقرن خرج وقت الصبح إلحاقًا لما خفى بما ظهر.\n(^٣) أي يبتدئ من زيادة الظل على مثله مع ظل الاستواء، ويمتد إلى مغيب قرنها الأول إلحاقًا لما ظهر بما خفى.\n(^٤) أي يبتدئ من مغيب الشفق يمتد إلى الفجر لا يأتى في \"تدرك الصلاة بإدراك ركعة\"، وبهذا تبين لكل فرض وقته من أوله إلى آخره، وما يأتى في بيان الوقت الذي كان النبي - ﷺ - يواظب عليه في صلاة الفرائض.\n(^٥) أي في أي ساعة من ساعات الوقت.\n(^٦) أي وقت اشتداد الحر نصف النهار، وسمى بالهاجرة لهجر الناس أشغالهم فيه من الحر.\n(^٧) أي ويصلى العصر والشمس حية أي بيضاء لم يتغير لونها وحرها وهذا أول وقتها.\n(^٨) أي الشمس: غاب قرصها.\n(^٩) أي بها في أول وقتها، وإلا أخرها إلى ثلث الليل أو نصفه.\n(^١٠) بفتحتين وهو ظلام آخر الليل بعد الفجر، ففقه الحديث أنه كان يصلى الفرائض في أول أوقاتها.\n(^١١) مخففة من الثقيلة.\n(^١٢) إلى بيوتهن.\n(^١٣) جمع مرط: كساء من صوف أو خز تلبسه النساء، أي مستترات في برودهن لا يعرفهن أحد من الظلمة، ففيه طلب المبادرة بالصبح وجواز خروج النساء إلى الجماعات إلا إذا خيفت الفتنة كما في زماننا فليس لهن الخروج.\n(^١٤) أي ينتهى منها.","vol":"1","page":143},{"text":"وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ (^١) وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى المِائَةِ (^٢). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\nوَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ (^٣): أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ (^٥) فَإِنَّ شِدَّةَ الحرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ (^٦) وَاشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ (^٧) نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ (^٨) أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ» رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كَانَ قدْرُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّيْفِ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ إِلَى خَمْسَةِ أَقْدَامٍ (^٩) وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ إِلَى سَبْعَةِ أَقْدَامٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n_________\n(^١) من انتشار الضوء بخلاف وقت الدخول فيها.\n(^٢) من الآي، وقدرها في رواية الطبراني بسورة الحاقة ونحوها.\n(^٣) بسند صحيح.\n(^٤) ولفظه الترمذي، ولفظ أبي داود \"أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجوركم\" ومعنى أسفروا وأصبحوا صلوا الفجر بالإسفار أي وقت انتشار ضوء النهار ووضوح الأشياء في مرأى العين فإنه سبب في كثرة الثواب. وظاهره أن الإسفار أفضل من التغليس، وبه قال بعض العلماء منهم سفيان وأبو حنيفة. وقال جمهور الصحب والتابعين والفقهاء إن التفليس أفضل لكثرة أحاديثه وقوتها ولمواظبته - ﷺ - عليه، وأجابوا عن الإسفار بأن المراد به التحقق من الفجر أو أنه في الليالي المقمرة أي المضيئة بالقمر لأن الصبح لا يتضح فيها إلا بالإسفار بخلاف الليالي المظلمة فإن الصبح يتضح فيها بأقل ضوء أو أن المراد بالإسفار التطويل بالقراءة في الصلاة إلى الإسفار في ليالي الصيف الحديث البغوي في الستة عن معاذ قال \"بعثني رسول الله - ﷺ - إلى اليمن فقال إذا كنت في الشتاء فغلس في الصبح وأطل القراءة قدر ما يطيق الناس ولا تملهم، وإذا كنت في الصيف فأسفر بالفجر فإن الليل قصير والناس ينامون فأمهلهم حتى يدركوك\" وهذا أحسن ما يجمع به بين الأحاديث.\n(^٥) أي أخروا الظهر في شدة الحر عن أول وقتها حتى يصير للحيطان ظل يمشي فيه طالب الجماعة، وسمي التأخير إرادة لأن الهواء يبرد بوجود الظل.\n(^٦) أي من انتشار حرها.\n(^٧) بفتحتين، أي تنفسين.\n(^٨) أي تنفسها في الصيف هو الحر الشديد، وتنفسها في الشتاء هو الزمهرير أي البرد الشديد.\n(^٩) أي كان يبتدئ بصلاة الظهر في الصيف حين يصير الظل ثلاثة أقدام إلى خمسة وفي الشتاء من خمسة إلى سبعة، وهذا كان في مكة والمدينة. والظل يتفاوت في البقاع بحسب قربها من خط الاستواء وعدمه، ولذا قال السبكي إنهم اضطربوا، في معناه، ويظهر لي أنه كان يصليها في الصيف بعد نصف الوقت، وفي الشتاء في أوله، فمعنى الحديثين تأخير الظهر في شدة الحر عن نصف وقته الأول رحمة بالعباد.","vol":"1","page":144},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي العَصْرَ ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ مِنَّا إِلَى قُبَاءٍ (^١) فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ (^٢). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ المَغْرِبَ إِذَا تَوَارَتْ بِالحِجَابِ (^٣). رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\nوَلِلثَّلَاثَة: كُنَّا نِصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ المَغْرِبَ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ (^٤).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ قَالَ: «قَدْ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا، أَمَا إِنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا». وَفِي رِوَايَةٍ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هكَذَا (^٥)» رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلَفْظُهُ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أَمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا العِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ (^٦)».\n\n• عَنْ أَبِي بَرْزَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ العِشَاءِ (^٧) وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا (^٨). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) بالضم والمد والقصر، مكان بالعوالى نحو نجد على أربعة أميال من المدينة، فيه قرى كثيرة.\n(^٢) أي لم يتغير لونها وحرها، أي فكانوا يداومون على العصر في أول وقتها.\n(^٣) أي الأفق أي إذا غابت الشمس.\n(^٤) النبل جمع نبلة وهي السهم المربي الذي يرمي به، أي كنا ننتهي من المغرب وضوء النهار باق، ينظر أحدنا موقع سهمه الذي رماه بقوسه، ففقه الحديثين المبادرة بالمغرب عقب مغيب الشمس.\n(^٥) أي في نصف الليل.\n(^٦) أو للتنويع أي لولا خوفي عليهم من العقاب إذا لم يؤخروها لأوجبتها عليهم في نصف الليل، أو ثلثه. ولأبي داود \"أعتموا بهذه الصلاة أي أخروها - فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم ولم تصلها أمة قبلكم\" أي في جوف الليل، وظاهره أن تأخير العشاء أفضل، وعليه أكثر الصحب والتابعين، وبه قال أحمد وأبو حنيفة وإسحاق، وقال الشافعي وبعض العلماء: صلاتها في أول وقتها أفضل كباقي الصلوات لأنه الكثير من فعله - ﷺ -.\n(^٧) خوفًا من فواتها.\n(^٨) خوفًا من النوم فيفوت الصبح ومحافظة على ختم أعمال اليوم بصالح العمل، وفي رواية للترمذي: لا سمر إلا لمصل أو مسافر. السمر بفتحتين: الكلام المباح، وهو بعد العشاء مكروه إلا لمؤانسة من يصبح مسافرًا.","vol":"1","page":145},{"text":"• عَنْ عَلِيَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ لَا تُؤَخِّرْهَا: الصَّلَاةُ إِذَا أَتَتْ (^١) وَالجَنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ (^٢) وَالأَيِّمُ إِذَا وَجَدَتْ لَهَا كُفُؤًا (^٣)».\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الوَقْتُ الأَوَّلُ مِنَ الصَّلَاةِ رِضْوَانُ اللَّهِ (^٤) وَالوَقْتُ الآخِرُ عَفْوُ اللَّهِ (^٥)». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-76>تدرك الصلاة بإدراك ركعة</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً (^٧) مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ (^٨) فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ (^٩) وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أْدْرَكَ العَصْرَ» رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْرَك رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ (^١٠) فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n_________\n(^١) إذا دخل وقتها.\n(^٢) إذا مات الميت فالواجب الإسراع بما يلزم حتى يوارى في التراب، فإن هذا تكريمه.\n(^٣) الثيب أو البكر إذا خطبها الكفؤ فالمطلوب إجابته؛ وإلا كان التأخير فسادًا لما سيأتي في النكاح \"إذا خطب إليكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير\".\n(^٤) أي الصلاة في أول وقتها مرضاة للرب.\n(^٥) وفي آخر وقتها تقصير، ولكنه مشمول بعفو الله تعالى.\n(^٦) الأول بسند حسن والثاني بسند غريب، ولكنه مؤيد بالصحاح، والله أعلم.\n\nتدرك الصلاة بإدراك ركعة\n(^٧) هي القيام والركوع والسجدتان.\n(^٨) أي قبل أن يظهر أي جزء منها، وغروبها لا يحصل إلا بمغيبها كلها إلحاقًا لما خفي بما ظهر.\n(^٩) أي أداء، وخص الركعة لاشتمالها على معظم أعمال الصلاة، وفي رواية: من أدرك سجدة - أي ركعة - من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته. وفيه رد على القائلين بفسادها حينئذ لدخول وقت النهي.\n(^١٠) أي مطلقًا صبحًا كانت أو ظهرًا أو عصرًا أو مغربًا قبل غياب الشفق، أو عشاء قبل الفجر فقد أدرك الصلاة أداء، ومفهومه أن من أدرك أقل من ركعة في الوقت لا تقع صلاته أداء، بل تكون قضاء، والله أعلم.","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-77>أعذار الصلاة </span>(^١)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً (^٢) فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلا ذلِكَ (^٣) ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\nوَلِمُسْلِمٍ: «إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ غَفَلَ عَنْهَا (^٤) فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا (^٥) فَإِنَّ اللَّهِ يِقُولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (^٦)».\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي مَسِيرٍ لَهُ (^٧) فَنَامُوا عَنْ صَلَاةِ الفَجْرِ فَاسْتَيْقَظوا بِحَرِّ الشَّمْسِ فَقَالَ ﵊: «تَنَحَّوْا عَنْ هذَا المَكَانِ (^٨) ثُمَّ أَمَرَ بَلَالًا فَأَذَّنَ ثُمَّ تَوَضَّؤُوا وَصَلَّوْا رَكْعَتَيِ الفَجْرِ (^٩) ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الصُّبْحِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالشَّيْخَانِ (^١٠).\n\n• عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: ذَكَرُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ نَوْمَهُمْ عَنِ الصَّلَاةِ (^١١) فَقَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ (^١٢) إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي اليَقَظَةِ (^١٣)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n_________\nأعذار الصلاة\n(^١) هي النوم والنسيان والغفلة.\n(^٢) فلم يذكرها حتى خرج الوقت، فعليه قضاؤها إذا تذكرها وجوبًا في الفرض، وندبًا في النفل لحديث عمران الآتي.\n(^٣) أي القضاء، وإذا وجب القضاء على الناسي الذي لا إثم عليه باتفاق، فعلى العامد أولى، خلافًا لمن قال لا قضاء عليه، لعظم ذنبه.\n(^٤) أي نسبها.\n(^٥) وكذا إذا استيقظ في صورة النوم، والنوم عذر إذا لم يكن بتفريط فإن فرط فيه كأن تعمد السهر فلا يكون عذرًا.\n(^٦) أي لتذكرني فيها، وهذا كان لموسى ﵇ واستدلال النبي - ﷺ - بها دليل على أن شرع من كان قبلنا شرع لنا ما لم يرد خلافه.\n(^٧) أي في سفر.\n(^٨) أي تحولوا عنه، فإن فيه شيطانًا كما في رواية: فارتحلوا ونزلوا مكانًا آخر.\n(^٩) أي سنته، وفيه حجة للشافعي في طلب قضاء النوافل وسيأتي.\n(^١٠) عدلت عن طريقتي في مثل هذه، وهي رواية الثلاثة، إيذانًا بأن اللفظ لأبي داود.\n(^١١) فقال بعضهم يا رسول الله إنا قد فرطنا في صلاتنا بنومنا، فذكر الحديث.\n(^١٢) أي تقصير في الواجب.\n(^١٣) أي لا ينسب إلا للمستيقظ الذي لا يصلي حتى يخرج الوقت، ولفظ مسلم: ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة الأخرى. فهذا صريح في أن وقت كل فرض يمتد إلى وقت الفرض=","vol":"1","page":147},{"text":"• عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِالمَدينَةِ سَبْعًا وَثَمَانِيًا، الظُّهْرَ وَالعَصْرَ (^١) وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ (^٢). رَوَاهُ الخَمْسَةُ. وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْر وَالمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِالمَدِينَةِ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ (^٣) قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا أَرَادَ إِلَى ذلِكَ (^٤)؟ قَالَ: «أَرَادَ أَلا يُحْرِجَ أُمَّتُهُ (^٥)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ (^٦) فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوابِ الكَبَائِرِ (^٧)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالبَيْهَقِيُّ وَالحَاكِمُ (^٨).\n_________\n=الذي يليه إلا الصبح، فإنها إلى طلوع الشمس فقط للنص عليها. وفقه ما تقدم أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها بل يحرم، إلا النوم أو نسيان، فإن استيقظ أو تذكر فعليه القضاء ولا حرمة ولا كراهة، لرفع القلم عن النائم والناسي.\n(^١) تفسير لثمانيًا أي صلاها في وقت واحد.\n(^٢) بيان لسبعًا.\n(^٣) فلم يكن مسافرًا ولا خائفًا ولا في مطر.\n(^٤) وفي رواية: لم فعل ذلك.\n(^٥) أي أراد ألّا يوقع الأمة في الضيق والمشقة، بل تبقى في سعة من الدين. وفقه الحديث أنه - ﷺ - جمع الظهر والعصر في وقت واحد، والمغرب والعشاء كذلك في بعض الأحيان، من غير سبب يجوّز الجمع، وبتصريحه بنفي المطر يندفع ما قاله مالك وغيره من أنه كان في مطر، وحمله الشافعي وغيره على أنه كان في مرض؛ لأنه أشق من المطر، وهو غير ظاهر أيضًا؛ لأنه لو كان في مرض لذكره ابن عباس لما سأله من استبعد ذلك، وحمله بعضهم على أنه جمع صوري بأن صلى الظهر في آخر وقتها، فلما سلم منها دخل وقت العصر فصلاها، وكذا فعل في المغرب والعشاء، فكان ظاهره جمعا بين الوقتين، وقال بعض المحدثين بظاهر الحديث، فجوزوا الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة. وبه قال ابن سيرين وأشهب من المالكية، والقفال الشاشي الكبير من الشافعية، واختاره ابن المنذر، قال النووي: ويؤيده قول ابن عباس أراد ألّا يحرج أمته، فلم يعلله بمرض ولا غيره، فقول الترمذي في آخر كتابه: هذا حديث لم يأخذ به أحد من أهل العلم - سهو منه ﵁.\n(^٦) من الأعذار السابقة.\n(^٧) أي فعل ذنبًا كبيرًا، وفقه الحديث أن من تعمد تأخير الصلاة عن وقتها بغير عذر شرعي فقد ارتكب ذنبًا عظما.\n(^٨) في المستدرك وقال فيه حنش وهو ثقة، وله شاهد عن عمر ﵁ والله أعلم.","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type='title' id=toc-78>الفصل الثاني: في الأوقات المنهي عن النافلة فيها </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرضيونَ (^٢) وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ (^٣) وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَحَرُّوْا (^٤) بِصَلَاتِكمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بِقْرْنَيِ الشَّيْطَانِ (^٥)». وَفِي رِوَايَةٍ: «إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ (^٦) فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَرْتَفِعَ (^٧) وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ (^٨)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ عَمْروِ بْنِ عَبَسَةَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ (^٩)؟ قَالَ: «جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرُ (^١٠) فَصَلِّ مَا شِئْتَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ (^١١) حَتَّى تُصَلِّيَ الصُّبْحَ ثُمَّ أَقْصِرْ (^١٢) حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَتَرْتَفِعَ\n_________\nالفصل الثاني في الأوقات المنهي عن النافلة فيها\n(^١) وهي بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وعند طلوعها حتى تكمل وترتفع قدر رمح، وعند الزوال حتى تميل إلا يوم الجمعة، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، والمراد بالنافلة التي لا سبب لها وهي النفل المطلق، أو التي لها سبب متأخر كصلاة الاستخارة، فلا تنعقد في هذه الأوقات، أما الفرض والنفل الوقت كالوتر والرواتب، فتصلى في أي وقت، كما يأتي في قضاء النوافل.\n(^٢) أي أخبرني رجال عدول وأعدلهم عمر ﵁.\n(^٣) أي نهي تحريم ولا تنعقد بعد الصبح حتى تظهر الشمس، والنهي بعد الصبح والعصر متعلق بفعل الصلاة، فلو لم يصل فلا، بخلافه عند طلوع الشمس وعند زوالها وعند غروبها فإنه متعلق بنفس الزمن.\n(^٤) بحذف إحدى التاءين.\n(^٥) أي مقترنة بالشياطين ومحاطة بهم، ينتظرون من يسجدون لها من دون الله، فيقع السجود لهم، فحكمة النهي في هذه الأوقات عدم التشبه بالكفار الذين يسجدون لها عند الطلوع، وعند الغروب.\n(^٦) أي جزء قرصها الأعلى الشبيه بالحاجب.\n(^٧) أي قدر رمح، وهو سبعة أذرع في نظر الرأي.\n(^٨) أي كلها وفي رواية: لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس.\n(^٩) أي أي أوقاته أرجى للقبول وأسرع في الإجابة.\n(^١٠) صفة لجوف، وهو خبر مبتدأ محذوف أي هو جوف الليل، وهو الجزء الخامس من أسداس الليل.\n(^١١) أي تشهدها الملائكة وتكتب ثوابها العظيم.\n(^١٢) أي كف عن النافلة.","vol":"1","page":149},{"text":"قِيسَ (^١) رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَيُصَلِّي لَهَا الكُفَّارُ (^٢) ثُمَّ صَلِّ مَا شِئْتَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَكُتُوبَةٌ حَتَّى يَعْدِلَ الرُّمْحَ ظِلُّهُ (^٣) ثُمَّ أَقْصِرْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ تُسْجَرُ (^٤) وَتُفْتَحُ أَبْوَابُهَا فَإِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ (^٥) فَصَلِّ مَا شِئْتَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ العَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنِي شَيْطَانٍ وَيُصَلِّي لَهَا الكُفَّارُ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ (^٦). وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالبَيْهَقِيِّ: كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ إِلا يَوْمَ الجُمُعَةِ فَإِنَّ جَهَنَّمَ تُسْجَرُ إِلا فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ (^٧). وَلِلنَّسَائِيِّ: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهذَا البَيْتِ (^٨) وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلا المَكْتُوبَةُ (^٩)» رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) كقيد بكسر أولها أي قدر رمح.\n(^٢) أي يسجدون لها.\n(^٣) فاعل يعدل، أي يساوى الظل رمحه نحو الشمال لا مائلًا إلى المغرب أو المشرق، وهذه حال الاستواء في بعض البقاع، ولفظ مسلم: حتى يستقل الظل بالرمح أي ينعدم الظل بالمرة، وهذا في بعض الجهات، ولحظة الاستواء هي وقفة الشمس بين الصعود والنزول، وعلامتها نهاية قصر الظل في بعض الجهات أو عدمه في جهات أخرى.\n(^٤) بلفظ المجهول أي يوقد عليها إيقادًا بليغًا، قال الخطابي: ذكر قرني شيطان وتسجير جهنم ونحو ذلك مما يذكر في التعليل للنهي عن شيء، ونحوه أمور لا تدرك بالحس والعيان، فيجب الإيمان بها وترك البحث فيها.\n(^٥) أي مالت.\n(^٦) ولكن لفظه لأبي داود، فإن رواية مسلم مطولة في إسلام عمر بن عبسة.\n(^٧) أي كل يوم إلا يوم الجمعة، فلا كراهة فيه، وبه قال طاوس ومكحول والشافعي وغيرهم.\n(^٨) أي بالكعبة، فقه ما تقدم كله أن النافلة لا تصح بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وترتفع قدر رمح، وعند الزوال حتى تميل إلا يوم الجمعة، وكذا لا تحل بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، لعدم التشبه بالكفار عبدة الشمس، وهذا كله في غير الحرم المكي، أما هو فلا نهي عن الصلاة فيه مطلقًا.\n(^٩) أي إذا شرع في إقامتها أو قرب وقتها فلا يجوز التلبس بنافلة، وكان عمر ﵁ يضرب من يصلى حينئذ خوفًا من فوات فضيلة التحرم مع الإمام، قال الترمذي وعليه بعض الصحابة والتابعين، وقال به سفيان وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال غيرهم تجوز مع الكراهة، وفي رواية للترمذي: لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين، أي إذا دخل الفجر فلا تصلى نافلة إلا سنته قبل فرضه، والله أعلم.","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type='title' id=toc-79>الباب الثالث: في شروط الصلاة </span>(^١)\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ (^٢) عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ (^٣) وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: عَرَضَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فِي القِتَالِ (^٤) وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي (^٥) وَعَرَضَنِي يَوْمَ الخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنةً فَأَجَازَنِي (^٦). قَالَ نَافِعٌ: فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَليفَةٌ فَحَدَّثْتُهُ بِهذَا فَقَالَ: إِنَّ هذَا (^٧) لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ كَانَ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً (^٨) وَمَنْ كَانَ دُونَ ذلِكَ فَاجْعَلُوهُ فِي العِيَالِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ سَبْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مُرُوا الصَّبِيَّ (^٩) بِالصَّلَاةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ وَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا (^١٠)». زَادَ فِي رِوَايَةٍ: «وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ (^١١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ (^١٢).\n_________\n(الباب الثالث في شروط الصلاة)\n(^١) شروط الوجوب كما في الحديث الأول والثاني والثالث، وشروط الصحة كما في بقية الأحاديث.\n(^٢) قلم التكليف.\n(^٣) يرى في منامه أنه يجامع وينزل منيه، فهو علامة بلوغ الذكر والأنثى، وكذا ظهور حيضها، وفي رواية: وعن الصبي حتى يبلغ أي بهذا أو بإكمال خمس عشرة سنة، وسيأتي في الوصية إن شاء الله.\n(^٤) عرضت عليه مع من عرضوا عليه ليأخذ للجهاد من يراه أهلًا.\n(^٥) لم يسمح لي بالخروج للجهاد لصغر سني.\n(^٦) سمح لي بالجهاد لأني بلغت.\n(^٧) أي بلوغ الخمس عشرة بالهلال.\n(^٨) يجعلوا عليه ما على الرجال الكاملين.\n(^٩) هذا أمر، وظاهره الوجوب، فيجب على الوالد أمر الولد بالصلاة إذا فهم الخطاب ورد الجواب ليتمرن عليها من صغره.\n(^١٠) ضرب تأديب لا يكسر عظما ولا يشوه خلقة، ويجتنب الوجه فإنه مجمع المحاسن، وعبادة الصبي صحيحة ومثاب عليها وإن لم يجب عليه شيء، وفقه ما تقدم أن شرط وجوب الصلاة العقل والبلوغ، ولكن يؤمر الصبي بها إذا ميز.\n(^١١) لئلا تفسد أخلاقهم.\n(^١٢) بسند صحيح.","vol":"1","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-80>الطهارة </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ (^٢) وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطّهُورُ (^٣) وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ (^٤) وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ أَسْمَاءَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَها مِنْ دَمِ الحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: «تَحُتَّهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالمَاءِ ثُمَّ تَنْضَحُهُ ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ (^٦)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعَيدٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ (^٧) فَلَمَّا رَأَى ذلِكَ القَوْمُ أَلقَوْا نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلقَائِكُمْ نِعَالَكُمْ؟» قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا فَقَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا أَوْ أَذىً» وَقَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى المَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذىً فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا (^٨)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالحَاكِمُ (^٩).\n_________\nالطهارة\n(^١) أي من شروط الصلاة، والمراد بها طهارة البدن من الحدثين ومن النجاسة وطهارة اللباس والمكان من النجس.\n(^٢) وفي رواية: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ. وسبق شرحهما في الطهارة.\n(^٣) بالضم الطهارة، فكما لا يمكن للإنسان أن يدخل دارًا إلا بالمفتاح، كذلك لا يمكنه الدخول في الصلاة إلا بالطهارة. وهذا وما قبله صريحان في شرطية الطهارة للصلاة.\n(^٤) تكبيرة الإحرام فيها، فبها يحرم على المصلى ما كان حلالا له قبلها، كالأكل والشرب والعمل ونحوها.\n(^٥) فبتسليم المصلى يحل له ما كان حراما عليه في الصلاة.\n(^٦) سبق في الطهارة.\n(^٧) فيه أن العمل القليل عرفًا لا يبطل الصلاة، وإذا علم نجاسة في ملبوسه وجب نزعه وصحت صلاته.\n(^٨) وفي رواية: فإن رأى فيهما خبثًا. والأذى: المستقذر ولو طاهرًا. والخبث ظاهر في النجس فدلك الفعل بالأرض يطهره مما فيه ولو نجسًا، إذا زال في رأي العين رطبًا أو يابسًا، وبه قال الأوزاعي وأبو ثور والحنفية وإسحاق وهو رواية للشافعي وأحمد، والمشهور عنهما وعن مالك أن الدلك لا يطهر رطبا ولا يابسًا، وقال الأكثر إنه يطهره يابسًا لا رطبًا اهـ شوكاني.\n(^٩) بسند صالح.","vol":"1","page":152},{"text":"• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَأْخُذْ بِأَنْفِهِ ثُمَّ لِيَنْصَرِفْ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-81>استقبال القبلة </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا (^٤) وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا (^٥) وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا (^٦) فَذلِكَ المُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ (^٧) فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ (^٨)». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنِ البَرَاءِ ﵁ يَقُولُ: صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ (^٩) سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا (^١٠) أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا (^١١) ثُمَّ صُرِفْنَا نَحْوَ الكَعْبَةِ (^١٢). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ (^١٣) وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا (^١٤) وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الكَعْبَةِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\nوَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ لِلْكَعْبَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ\n_________\n(^١) فإذا أحدث في الصلاة فليمسك بيساره أنفه، وليخرج من صلاته لأنها بطلت بالحدث، وإنما أمر حينئذ بأخذ أنفه ليوهم الناس أنه رعف، فلا يقعوا في عرضه، وفقه ما تقدم أن الطهارة شرط لصحة الصلاة من أولها إلى آخرها.\n(^٢) بسند صالح.\n\nاستقبال القبلة\n(^٣) وهي الكعبة المشرفة.\n(^٤) الخميس المفروضة.\n(^٥) أي الكعبة.\n(^٦) التي ذكر اسم الله عليها، بخلاف ما ذبح باسم الصنم فهي حرام، وسيأتي بسط ذلك في الصيد والذبائح إن شاء الله.\n(^٧) أي عهد الله ورسوله.\n(^٨) من أخفر بمعنى خان أي لا تخونوه، بخلاف خفر فإن معناها حمى وحفظ.\n(^٩) أي جهته.\n(^١٠) للشك.\n(^١١) ونحن بالمدينة بعد الهجرة بأمر الله تعالى.\n(^١٢) أي أمرنا الله باستقبالها.\n(^١٣) الآية الآتية في الحديث الذي بعده.\n(^١٤) بلفظ الأمر أو بلفظ الماضي.","vol":"1","page":153},{"text":"الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ﴾، فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ (^١). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى (^٢) فَنَزَلَتْ: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (^٣) وَآيَةُ الحِجَابِ قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ فَإِنَّهُ يُكلِّمُهُنَّ البَرُّ وَالفَاجِرُ (^٤) فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ (^٥) وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الغَيْرَةِ عَلَيْهِ (^٦) فَقُلْتُ لَهُنَّ: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ فَنَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٧).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ (^٨)». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ القِبْلَةُ فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا عَلَى\n_________\n(^١) وهذا هو الأمر الأخير الذي عليه العمل للآن، والطبري: أول ما صلى النبي - ﷺ - إلى الكعبة ثم أمر باستقبال بيت المقدس وهو بمكة، فصلى ثلاث حجج (سنين) ثم هاجر إلى المدينة، فصلى فيها ستة عشر شهرا، ثم وجهه الله إلى الكعبة. وحكمة التغيير في القبلة الابتلاء والاختبار قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾.\n(^٢) هو المكان الذي كان يقف فيه إبراهيم ﵇ وقت بناء الكعبة.\n(^٣) مكانًا للصلاة فيه عقب الطواف، ويقف فيه أمام الجماعة.\n(^٤) وكانت تلك عادة العرب فلا حجاب بين المرأة والرجل، وكان عمر شديد الغيرة لاسيما على نساء النبي - ﷺ - فأجابه الله.\n(^٥) وهي: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾.\n(^٦) فأرادت كل واحدة أن تستأثر به وتكدر النبي - ﷺ -.\n(^٧) وسيأتي في التفسير إن شاء الله.\n(^٨) فالجهة التي بين مشرق الشمس وغروبها كلها قبلة، وهذا ظاهر بالنسبة لأهل المدينة ومن في جهتها من شمال الكعبة، ومثله من كان في جنوب الكعبة، بخلاف من في الشرق أو في الغرب فقبلته جهة الكعبة، فاستقبال عين الكعبة فرض عيني على أهل مكة ومن فيها باتفاق لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وأما البعيد عن مكة فالواجب عليه استقبال جهة الكعبة، لهذا الحديث وبه قال عمر وعلى وابن عباس وابن عمر وجمهور الفقهاء، ويؤيده حديث البيهقي القائل: البيت لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض مشارقها ومغاربها من أمتي. وهو قول الشافعي وأظهر قوليه أن الفرض في القبلة استقبال العين يقينًا في القرب، وظنا في البعد لقوله تعالى ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.","vol":"1","page":154},{"text":"حِيَالِهِ (^١) فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (^٢) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-82>تصلي النافلة في السفر إلى جهته </span>(^٤)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ (^٥) حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ (^٦) فَإِذَا أَرَادَ الفَرِيضَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ (^٧). رَوَاهُ الخَمْسَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ (^٨) قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ وَيُوتِرُ عَلَيْهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا المَكْتُوبَةَ (^٩). وَلأَبِي دَاوُدَ (^١٠): كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ القِبْلَةَ فَكَّبَّرَ (^١١) ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ تَوَجَّهَ رِكَابُهُ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ فَجِئْتُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ المَشْرِقِ وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ مِنَ الرُّكُوعِ (^١٢). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١٣).\n_________\n(^١) كما ظهر له باجتهاده.\n(^٢) فأقرهم على ما فعلوا، فمن اشتبهت عليه القبلة لغيم أو ظلمة، أو كان محبوسًا فليصل كما ظهر له باجتهاده وأجزأته صلاته، وإن ظهر أنها كانت لغير القبلة، وبه قال سفيان وابن المبارك وإسحاق وبعض الأئمة، وقال غيرهم يعيد الصلاة إذا على القبلة.\n(^٣) بسند ضعيف، ولكن الآية تؤيده، وفقه ما تقدم أن استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة إلا في النقل للمسافر كما يأتي.\n\nتصلى النافلة في السفر إلى جهته\n(^٤) أي إلى جهة السفر تخفيفًا على المسافرين.\n(^٥) هي الناقة وفي رواية: رأيت رسول - ﷺ - يصلى على حمار وهو متوجه لخيبر.\n(^٦) إلى أي جهة.\n(^٧) وصلى الفريضة مستوفية لشروطها.\n(^٨) يصلى عليها النافلة، ويقال سبحة الضحى لصلاة الضحى.\n(^٩) إلا لعذر، كمرض وخوف ومطر، ولكن يجب التوجه للقبلة مع الدابة عند التحرم.\n(^١٠) بسند صالح.\n(^١١) هذا كمال، فينبغي استقبال القبلة عند التحرم إذا سهل.\n(^١٢) أسفل من إيمائه للركوع، وهذا واجب للفرق بينهما، وراكب السفينة والقطار ونحوها يتنفل جهة مقصده إذا شق عليه الاستقبال، ويكفيه الإيماء للركوع والسجود. كراكب الدابة إذا لم يتمكن من القيام، كما يجب عليه أداء الفرض بأي حال إدراكا لفضيلة الوقت، ولأن الميسور لا يسقط بالمعسور، وعليه القضاء بعد ذلك. وفقه ما تقدم جواز النقل في السفر إلى غير القبلة، وهذا بالإجماع.\n(^١٣) بسند صحيح.","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type='title' id=toc-83>ستر العورة</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ﴾ (^١) ﴿عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (^٢)، وَقَالَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ فَقَالَ: «أَوَ كُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ (^٣)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ. وَزَادَ البُخَارِيُّ: ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ فَقَالَ: إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ فَأَوْسِعُوا جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ (^٤) صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ، فِي إِزَارٍ وَقَبَاءٍ (^٥)، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ (^٦) وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ، وَأَحْسِبُهُ فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ (^٧).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُصَلِّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٍ (^٨)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصِلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًَا بِهِ (^٩). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ (^١٠) فَلَبِسَهُ فَصَلَّى فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ وَقَالَ:\n_________\nستر العورة\n(^١) ما يستر عورتكم.\n(^٢) للصلاة أو للطواف، وهذا أمر فيفيد أن ستر العورة شرط للصلاة، وسيأتي بيان العورة للذكر والأنثى وما صلى عليه النبي - ﷺ -.\n(^٣) أي وهل لكل واحد منكم ثوبان، فالثوب الواحد الذي يستر العورة يكنى باتفاق، ومعلوم أن الثوبين أفضل إذا قدر عليهما.\n(^٤) شرع يذكر أن ما تيسر من أكثر من ثوب فهو أفضل، وسيأتي في الأخلاق: إن الله جميل يحب الجمال.\n(^٥) القباء كالسماء: الثوب المفتوح من أمام كالقفطان عندنا.\n(^٦) التبان كرمان: ما يستر العورة الغلطة وهي السوأتان.\n(^٧) سيأتي بيان هذه الأنواع إن شاء الله في اللباس.\n(^٨) فلا يتزر به في وسطه الأسفل فقط، بل يخالف طرفيه على عاتقيه فيكون كالإزار والرداء، وهذا أكمل، فالنهي للتنزيه عند الجمهور، وقال أحمد وبعض السلف النهي للتحريم، ووضع بعض الثوب على عاتقه واجب إذا قدر عليه، ولا تصح الصلاة بدونه.\n(^٩) ملتحفًا به وواضعا طرفيه على عاتقيه.\n(^١٠) الفروج بفتح فضم مع التشديد: قباء مشقوق من خلف وهو من لبس الأعاجم.","vol":"1","page":156},{"text":"«لَا يَنْبَغِي هذَا لِلْمُتَّقِينَ (^١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الفَخِذُ عَوْرَةٌ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٢) وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَكْشِفْ فَخِذَكَ وَلَا تَنْظُرْ إِلَى فَخِذِ حَيَ وَلَا مَيِّتٍ (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالحَاكِمُ وَالبزَّارُ.\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ (^٤) عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ (^٥) فَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ (^٦)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالبَيْهَقِيُّ (^٧).\n\n• عَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى الخُمْرَةِ (^٨). رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَزُورُ أُمَّ سُلَيْمٍ فَتُدْرِكُهُ الصَّلَاةُ أَحْيَانًا فَيُصَلِّي عَلَى بِسَاطٍ لَنَا وَهُوَ حَصيرٌ نَنْضَحُهُ بِالمَاءِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُدَ. وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى الحَصِيرِ وَالفَرْوَةِ المَدْبُوغَةِ (^٩).\n\n<span data-type='title' id=toc-84>لباس الحرة في الصلاة</span>\nسُئِلَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ مَاذَا تُصَلِّي فِيهِ المَرْأَةُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَتْ: تُصَلِّي فِي الخِمَارِ (^١٠)\n_________\n(^١) لكونه من الحرير، أو لكونه على شكل يلهي الملابس له عن الخشوع المطلوب في الصلاة.\n(^٢) تعليقًا ووصله غيره.\n(^٣) فالنهي عن كشف الفخذ والنظر إليه يفيد أنه عورة كما صرح به أولا، وبه قال الجمهور من الصحب فمن بعدهم والحنفية والشافعية وأصح قولي مالك وأحمد، وقال جماعة إنه ليس بعورة لقول أنس: كشف النبي - ﷺ - عن نفذه رواه البخاري وقال إنه أقوى سندًا، وحديث ابن عباس أحوط، وقالت المالكية العورة قسمان، مغلظة وهي السوأتان ومخففة وهي ما زاد إلى السرة والركبة، فعورة الذكر في الصلاة التي يجب سترها ما بين السرة والركبة.\n(^٤) أي أمته المملوكة له.\n(^٥) أي لواحد منهما.\n(^٦) أي إلى ما بين السرة والركبة من أمته والنهي للتحريم، فتحريم النظر إلى ما بينهما يفيد أنه عورة يجب سترها في الصلاة وبه قال الشافعي وجماعة. وقال مالك: الأمة كالحرة إلا شعرها فليس بعورة.\n(^٧) بسند صالح.\n(^٨) الخمرة كالحمرة: سجادة صغيرة من سعف النخل، فإن كانت كبيرة فهي الحصير.\n(^٩) فيه جواز الصلاة على البسط والحصير والفراء ونحوها، وفيه رد على من كره الصلاة إلا على الأرض. والله أعلم.\n\nلباس الحرة في الصلاة\n(^١٠) ما تغطى به المرأة رأسها وصدرها.","vol":"1","page":157},{"text":"وَالدِّرْعِ السَّابِغِ (^١) الَّذِي يُغَيِّبُ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا (^٢)، وَقَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَتُصَلِّي المَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ لَيْسَ عَلَيْهَا إِزَارٌ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا (^٣). رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^٤).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلا بِخِمَارٍ (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-85>تجوز الصلاة في النعل الطاهر </span>(^٧)\nسُئِلَ أَنَسٌ أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ (^٨). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ (^٩).\n_________\n(^١) هو القميص الساتر للجسم.\n(^٢) أي يسترهما.\n(^٣) فالخمار والقميص يستران جميع البدن إلا الوجه والكفين، فهذه عورة الحرة في الصلاة، وبه قال ابن عباس وعطاء والشافعي ومالك وأبو حنيفة، وقال جماعة عودتها ما عدا القدمين وموضع الخلخال وهو رواية عن أبي حنيفة، وقال أحمد وداود إلا الوجه فقط، وقيل بدها كله بدون استثناء، وسبب هذا الخلاف تفاوتهم في فهم معنى قوله تعالى - إلا ما ظهر منها -.\n(^٤) وقال في الثاني وروي موقوفًا، ولكن قال الحاكم إن رفعه صحيح على شرط البخاري.\n(^٥) الحائض من بلغت سن الحيض.\n(^٦) بسند حسن.\n\nتجوز الصلاة في النعل الطاهر\n(^٧) وأما إذا كان الفعل نجسًا كأن كان من جلد ميتة فلا تصح الصلاة فيه بحال من الأحوال، وتقدم في هذا الباب الكلام على تطهيره مما يصيبه من الأرض.\n(^٨) فيه جواز الصلاة في النعال الطاهرة، وهو رخصة للتخفيف وليس بقربة؛ لأنه ليس من الزينة لكثرة ملامسته للأرض التي تنافي نظافته، ولأنه - ﷺ - لم يواظب عليه لرواية أبي داود وغيره: رأيت النبي يصلي حافيًا ومنتعلًا. ولأنه ليس مطلوبًا لذاته بل لمخالفة الكتابيين لحديث أبي داود والحاكم: \"خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولإخفافهم\" ولا يخفى أن في نزعه زيادة أدب وخضوع واشتهر في الدخول على بعض الملوك وقال الله تعالى لموسى ﵇ ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ ولا ينبغي للعالم أن يصلى فيه أمام العوام، فإنه يحملهم على التساهل والصلاة بالنجاسة التي لا يطهرها الدلك على رأي الجمهور، وقد جرت الأمة سلفًا وخلفًا على نزعه في الصلاة والاتباع في هذا أحسن.\n(^٩) فإنه لم يروه لأنس، وإنما رواه لأبي سعيد الذي سبق في خلع النعل في الصلاة، والله الهادي إلى سواء السبيل.","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type='title' id=toc-86>ترك الكلام والفعل الكثيرين </span>(^١)\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ وَهُوَ إِلَى جَنْبِهِ في الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ﴾ (^٢) فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الكَلَامِ (^٣). رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِي سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا (^٤) فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فَتَرُدُّ عَلَيْنَا فَقَالَ: «إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا (^٥)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَلِمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ وَأَحْمَدَ: «إِنَّ هذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ (^٦) إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ»، أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ (^٧).\n\n• عَنْ مُعَيْقِيبٍ ﵁ قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ المَسْحَ فِي المَسْجِدِ يَعْنِي الحَصى (^٨) قَالَ: «إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا\n_________\nترك الكلام والفعل الكثيرين\n(^١) الكثرة في الكلام ما زاد على ست كلمات فإنها تبطل الصلاة مطلقًا، فإن تكلم بست كلمات فأقل ناسيًا أو جاهلًا فلا بطلان الحديث ذي اليدين الآتي في سجود السهو، والكثرة في الفعل ثلاث حركات في الركعة الواحدة بخلاف الحركتين كما يأتي.\n(^٢) أي قفوا في صلاتكم ساكتين.\n(^٣) الدنيوي العمد ولو قليلًا فإنه مبطل بإجماع، أما الناسي والجاهل فالقليل من كلامهما لا يبطل، وعليه الجمهور من الصحب والتابعين والفقهاء لحديث ذي اليدين، والحديث الطبراني: تكلم النبي - ﷺ - في الصلاة ناسيًا فبني على ما صلى، والحديث: رفع عن أمتي الخطأ. وقال الثوري وابن المبارك وأبو حنيفة لا فرق بين العامد وغيره لحديث الباب.\n(^٤) فنسخ السلام والكلام في الصلاة بعد أن كانا جائزين في صدر الإسلام.\n(^٥) أي اشتغالا بعبادة الله عن غيره، فمن كان في صلاة فإنه لا يرد السلام إلا بعد التسليم منها، وبه قال بعض الصحب والتابعين، ولكن الجمهور على أنه يندب له الرد بالإشارة لحديث السنن عن صهيب: مررت برسول الله - ﷺ - وهو يصلى فسلمت عليه فرد علي إشارة بأصبعه، وسيأتي في العمل الخفيف.\n(^٦) وفي رواية لا يحل، فتكليم الناس في الصلاة عمدًا حرام ومبطل سواء كان لحاجة أم لا، وسواء كان لمصلحة الصلاة أم لا، فإن احتاج إلى تنبيه أو إذن سبح الرجل وصفق غيره وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا وقال جماعة منهم الأوزاعي: يجوز الكلام لمصلحة الصلاة لحديث ذي اليدين الآتي.\n(^٧) فالمطلوب في الصلاة التسبيح ونحوه من أنواع العبادة.\n(^٨) جمع حصاة.","vol":"1","page":159},{"text":"فَوَاحِدَةً (^١)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ. وَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ (^٢): «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ (^٣) فَلَا يَمْسَحِ الحَصى».\n\n<span data-type='title' id=toc-87>الباب الرابع: في سنن الصلاة المتقدمة </span>(^٤)\nوفيه فصول ثلاثة\n\n<span data-type='title' id=toc-88>الفصل الأول: في الأذان والإقامة </span>(^٥)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (^٦) ﴿فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (^٧) ﴿اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ (^٨) حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قُضِيَ التَّأْذِينُ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ (^٩) أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا\n_________\n(^١) أي سوه مرة واحدة، سألوا عن تسويهم الحصى بأيديهم وهم في الصلاة، فنهاهم إلا إذا اضطروا فليكن مرة واحدة، ومعلوم أن تسوية الحصى باليد تستلزم ذهاب اليد وعودها، وهاتان الحركتان، الجائزتان في كل ركعة، فالعمل الخفيف لا يبطل الصلاة بخلاف الكثير فإنه مبطل لمنافاته الخشوع المأمور به.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) والله تعالى يقبل عليه ويناجيه فليلزم الأدب وليخشع لربه جل شأنه.\n\n(الباب الرابع في سنن الصلاة المتقدمة)\n(^٤) التي تطلب قبل التلبس بالصلاة، وهي الأذان والإقامة والسواك والعامة والسترة أمام المصلى كما يأتي، وفعل السنن كمال في الصلاة يزيد في ثوابها، ولو تركت لم تبطل الصلاة.\n(^٥) في بيانهما وفضلهما وما يستحب فيهما ولسامعهما كما يأتي.\n(^٦) أي أذن لها يوم الجمعة.\n(^٧) دعوتم الناس إليها بالتأذين لها، فالأذان مذكور في القرآن، وحكمة الأذان الإعلام بدخول وقت الصلاة ودعوة الناس إليها، وحكمة الإقامة استنهاض الناس للصلاة، وهما سنة كفاية الجماعة وسنة عين للمنفرد عند الشافعي وأبي حنيفة، وقال مالك وأحمد وجماعة إنهما واجبان الحديث أحمد والحاكم: ما من ثلاثة لا يؤذنون ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان. وأجاب الشافعي وأبو حنيفة بأنه ترهيب من ترك الجماعة.\n(^٨) فر هاربًا وله صوت من انحلال مفاصله، وفي رواية: إن الشيطان إذا سمع النداء ولي وله حصاص، أي ضراط.\n(^٩) أي أقيمت.","vol":"1","page":160},{"text":"قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ (^١) يَقُولُ لَهُ اذْكُرْ كَذَا وَاذْكُرْ كَذَا مِمَّا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْلُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ مَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى (^٢)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ. وَلِمُسْلِمٍ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ ذَهَبَ حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ (^٣)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵄ قَالَ لَهُ: إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالبَادِيَةَ (^٤) فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ (^٥) فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوُتَكَ بِالنِّدَاءِ (^٦) فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ (^٧). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ مُعَاوَيَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «المُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ القِيَامَةِ (^٨)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الإِمَامُ ضَامِنٌ (^٩) وَالمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ (^١٠)، اللَّهُمَّ ارْشِدِ الأَئِمَّةَ (^١١) وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ (^١٢)». رَوَاهُ\n_________\n(^١) يوسوس له.\n(^٢) فوقع في الشك، وهذا مراد الشيطان.\n(^٣) مكان بين الحرمين على ثلاثين أو أربعين ميلًا من المدينة، فالشيطان إذا سمع الأذان فر هاربًا، فإذا انتهى الأذان جاء، فإذا أقيمت الصلاة فر هاربًا حتى لا يسمع الإقامة، فإذا دخلوا في الصلاة جاء فوسوس للمصلى حتى يوقعه في الشك ويلهيه عن الخشوع الذي هو سر الصلاة، فعلى المصلي أن يتعوذ بالله من الشيطان.\n(^٤) خلاف الحاضرة، أي أراك تحب رعى الغنم والخروج إلى البادية.\n(^٥) في إحداهما، أو مع الغم في البادية، فأو للتنويع.\n(^٦) بالأذان.\n(^٧) بأنه سمعه يؤذن، وفيه اعتراف بالفضل وعلى الدرجة، وإذا شهد من سمع غاية الصوت فالقريب أولى، وفيه ندب الأذان المنفرد وطلب رفع الصوت به.\n(^٨) وطول العنق يدل على طول القامة، والعرب تصف السادة بطول العنق، ففيه دلالة على ارتفاعهم وعلو شأنهم على سائر الناس، وكفاهم ذلك شرفًا.\n(^٩) أي كفيل للجماعة بتمام صلاتهم، فعليه العناية بإتقان الصلاة، فكمال صلاته كمال لصلاتهم وله أجر كأجرهم، ونقصها عائد عليه فقط.\n(^١٠) أمين القوم الذي يعتمدون عليه في عباداتهم، فلينظر ذلك ولابن ماجه: خصلتان معلقتان في أعناق المؤذنين للمسلمين. صلاتهم وصيامهم.\n(^١١) اهدهم إلى الطريقة المثلى في زعامة الدين.\n(^١٢) أي ما عساه يقع منهم من تقصير في تحري الأوقات مثلا، والدعاء بالإرشاد للأئمة وبالغفران للمؤذنين يشعر بأن الأمة على جانب عظيم.","vol":"1","page":161},{"text":"أَبُو دَاوُدَ وَالشَّافِعِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ (^١).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «المُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ (^٢) وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣) وَالنَّسَائِيُّ. وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: «وَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَّى مَعَهُ (^٤)».\n\n<span data-type='title' id=toc-89>بيان الأذان والإقامة </span>(^٥)\n\n• عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَّمَهُ الأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً (^٦) وَالإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً (^٧) الأَذَانُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. زَادَ فِي رِوَايَةٍ: تَرْفَعُ بِهَا صَوْتَكَ (^٨) ثُمَّ تَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. زَادَ فِي رِوَايَةٍ: تَخْفِضُ بِهَا صَوْتَكَ ثُمَّ تَرْفَعُ صَوْتَكَ (^٩) بِالشَّهَادَةِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ (^١٠) حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى\n_________\n(^١) بسند صحيح.\n(^٢) لو جسمت ذنوبه ونشرت في الفضاء لغفر له منها بقدر صورته.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) الحديث السابق: من دل على خير فله مثل أجر فاعله. وفي الحديث: يعجب ربك ﷿ من راعي غنم في شظية بجبل يؤذن للصلاة ويصلى، فيقول الله ﷿ انظروا إلى عبدى هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني، فقد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة. رواه أحمد والنسائي وأبو داود في السفر.\n\nبيان الأذان والإقامة\n(^٥) الأذان لغة: الإعلام. وشرعًا: هذه الكلمات الآتية في الحديث. والإقامة: مصدر أقام: وشرعا هذه الكلمات الآتية.\nقال ابن عمر: لما قدم المسلمون المدينة كانوا يجتمعون، فيتحينون الصلاة ولا ينادى لها أحد، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا كناقوس النصارى، وقال بعضهم: قرنًا كقرن اليهود فقال عمر: أولًا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة فقال رسول الله - ﷺ -: قم يا بلال فناد بالصلاة. رواه الأربعة.\n(^٦) مع الترجيع.\n(^٧) لأنه لا ترجيع فيها، وزيدت الإقامة شفعا.\n(^٨) بهذه الكلمات.\n(^٩) أي الآتية، وهي كلمات الترجيع الأربع التي رجع لها جهرًا بعد قولها سرًا وبه قال الجمهور، وهي زيادة لا تنافي الرواية الخالية منها.\n(^١٠) أي هلم إليها.","vol":"1","page":162},{"text":"الفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ (^١) فَإِنْ كَانَ صَلَاةَ الصُّبْحِ (^٢) قُلْتَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ. وَالإِقَامَةُ (^٣): اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاة قَدْ قَامَتِ الصَّلَاة اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِله إِلا اللَّهُ.\nرَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ (^٤).\nوَفِي رِوَايَةٍ فِي الإِقَامَةِ (^٥): اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدَ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُمِرَ بِلَالٌ ﵄ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ (^٦) وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ إِلا الإِقَامَةَ (^٧). رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n_________\n(^١) هو الفوز بالمراد.\n(^٢) بنزع الخافض أي فإن كان الأذان لصلاة الصبح.\n(^٣) أي ألفاظها.\n(^٤) ولكن رواه بتمامه أبو داود والنسائي، ورواه مسلم بدون الإقامة، واقتصر في أوله على التكبير مرتين.\n(^٥) قصها عبد الله بن زيد الأنصاري على النبي - ﷺ -، بعد أن رآها في نومه، وأما ألفاظ الأذان فيها فكرواية أبي محذورة بالضبط.\n(^٦) الشفع ضم الشيء إلى مثله وهو في العدد خلاف الوتر كالزوج خلاف الفرد، ومعنى يشفع الأذان يأتي بألفاظه زوجا، ويوتر الإقامة يأتي بألفاظها وترًا.\n(^٧) إلا لفظ قد قامت الصلاة فإنه يقال مرتين بإجماع إلا مالكا فالمشهور عنه الإفراد، وحديث إيثار الإقامة أقوى، وشفعها كرواية أبي محذورة أحوط، وبه قال فئة من العلماء ومنهم الحنفية، وقال جمهور الصحب والتابعين والفقهاء بإفراد الإقامة الحديث عبد الله بن زيد وأنس، وهي إحدى عشرة كلمة، وعليه العمل في الحجاز والشام ومصر والمغرب واليمن، والله أعلم.","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type='title' id=toc-90>المستحب للأذان </span>(^١)\n\n• عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ ﵁ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي قَالَ: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ (^٢) وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا (^٣)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ (^٤).\n\n• عَنْ زِيَادِ بْنِ الحَارِثِ الصُّدَائِيِّ (^٥) ﵁ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُؤَذِّنَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ فَأَذَّنْتُ فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَخَا صُدَاءٍ قَدْ أَذَّنَ فَمَنُ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ (^٦)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٧).\n\n• عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ قَالَتْ: كَانَ بَيْتِي مِنْ أَطْوَلِ بَيْتٍ حَوْلَ المَسْجِدِ فَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ عَلَيْهِ الفَجْرَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٨).\n\n• عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ بِلَالًا يُؤَذِّنُ وَيَدُورُ (^٩) وَيَتْبَعُ فَاهُ ههُنَا وَههُنَا (^١٠) وَأُصْبُعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ (^١١) وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ (^١٢) فَخَرَجَ بِلَالٌ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالعَنَزَةِ فَرَكَزَهَا فِي البَطْحَاءِ فَصَلَّى إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ\n_________\nالمستحب للأذان\n(^١) أي ما ينبغي مراعاته فيه، وهي أن يكون الأذان من محتسب لا يأخذ أجرًا على أذانه، وأن يكون حسن الصوت عاليه، وأن يكون متوضئا، وأن يقوم على مكان مرتفع، وأن يلتفت يمينا في حي على الصلاة وشمالا في حي على الفلاح، وأن يفرد كل كلمة من الأذان بنفس بخلاف الإقامة كما يأتي.\n(^٢) في تخفيف الصلاة فكن مثله مع فعل السنن.\n(^٣) هذا أكمل، وإلا فالمدار على إتقان العمل والإخلاص فيه، ولا كراهة في الأجرة قاله بعضهم، وقال أكثرهم بالكراهة ومنهم الشافعي، وقال: للمؤذن كفايته من خمس الخمس من سهم النبي - ﷺ - فإنه مرصد لأمور الدين.\n(^٤) ولفظ الحديث لأبي داود وفي رواية: لا يؤذن إلا متوضئ. فالأذان بغير وضوء مكروه وبه قال الشافعي وإسحاق، وقال غيرهما لا كراهة.\n(^٥) بالضم نسبة إلى صداء بالمد حي من اليمن.\n(^٦) فهو أولى بإقامة من غيره، وإذا أقام الغير أجزأت وعليه أكثر العلماء، وقال بعضهم لا يصح من غيره.\n(^٧) بسند ضعيف، ولكن يؤيده حديث الطبراني وغيره: مهلا يا بلال فإنما يقيم من أذن.\n(^٨) بسند صالح.\n(^٩) ينتقل من مكان إلى آخر ليسمع من في الجهات الأربع.\n(^١٠) يحول وجهه يمينا وشمالا.\n(^١١) فإنه أجمع لصوته وأقوى.\n(^١٢) بفتحتين أي جلد، وبضمتين جمع أديم، وهو الجلد الذي دبغ.","vol":"1","page":164},{"text":"الكَلْبُ وَالحِمَارُ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ كَأَنِّي أَنْظرُ إِلَى بَرِيقِ سَاقَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ لَوَى عُنُقَهُ يَمِينًا (^١) وَشِمَالًا (^٢) وَلَمْ يَسْتَدِرْ (^٣). رَوَاهُ الخَمْسَةُ وَلَفْظُهُ لِلتِّرمِذِيِّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِبلَالٍ: «يَا بِلَالُ إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ (^٤) فِي أَذَانِكَ وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرِ (^٥) وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ وَالمُعْتَصِرُ (^٦) إِذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-91>ينبغي مؤذنان للمسجد </span>(^٨)\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنَانِ بِلَالٌ (^٩) وَابْنُ أُمِّ مَكتُومٍ الأَعمَى (^١٠). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ (^١١) فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ. وَزَادَ البُخَارِيُّ قَالَ: «وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ».\n_________\n(^١) وقت قوله حي على الصلاة.\n(^٢) في حي على الفلاح.\n(^٣) لم يحول صدره مع وجهه في الحيعلتين.\n(^٤) بفتحات فتشديد، أمر كتمهل وزنا ومعنى، أي تأنّ في الأذان واجعل كل كلمة في نفس وأطل فيها ليسمع الكثير.\n(^٥) بضم الدال وكسرها أي أسرع بها.\n(^٦) الذي حضره البول أو الغائط.\n(^٧) بسند ضعيف والكلام في أثناء الأذان خلاف الأولى عند الحنفية، وحرام عند المالكية إلا لحاجة، ورخص فيه أحمد، وهو قول الشافعية. والإقامة كالأذان بل الاحتياط فيها أولى، والله أعلم.\n\nينبغي مؤذنان للمسجد الواحد\n(^٨) ليكون أعون لهما.\n(^٩) الحبشي الذي اشتراه أبو بكر ﵁ وأعتقه.\n(^١٠) واسمه عمرو أو عبد الله بن قيس، واسم أمه عاتكة المخزومية.\n(^١١) قبل الفجر ليوقظ النائم ونحوه، وفيه مشروعية الأذان قبل الفجر، وهل يجزئ إذا طلع الفجر؟ قال به الجمهور، وقال الحنفية لا يجزئ تقديمه وإن وقع قبله أعيد بعد الفجر، وقد اعتاد المؤذنون الآن أن يقولوا قبل الفجر تسبيحات واستغاثات ويطلبوا المغفرة والرحمة، فإذا طلع الفجر أذنوا الأذان الشرعى فعل الناس طلوعه، وهذا حسن.","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type='title' id=toc-92>ما يستحب لسامع الأذان </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ (^٢)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ. وَزَادَ غَيْرُ البُخَارِيَّ: «ثُمَّ صَلّوا عَلَيَّ (^٣) فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأْلَ اللَّهَ لِيَ الوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاَعةُ».\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ (^٤) اللَّهُمَّ رَبَّ هذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ (^٥) وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ (^٦) آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ (^٧) وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ (^٨) حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\n\n• عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ المُؤَذِّنَ (^٩) أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رضيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالإِسْلَامِ دِينًا غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ (^١٠)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ. وَلِمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ: «مَنْ قَالَ مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ إِلا فِي الحَيْعَلَتَيْنِ (^١١) فَقَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ\n_________\nما يستحب لسامع الأذان\n(^١) أي والإقامة، فسامع الأذان يقول كما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين، فيقول لا حول ولا قوة إلا بالله، وسامع الإقامة يقول كما يسمع إلا في قد قامت الصلاة.\n(^٢) إلا في الحيعلتين كما يأتي.\n(^٣) بعد الأذان بأي صيغة كانت، وينبغي السلام مع الصلاة لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنو صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ فالصلاة والسلام بعد الأذان سنة للسامع والمؤذن ولو برفع صوت لعموم الحديث، وعليه الشافعية والحنابلة.\n(^٤) أي بعده.\n(^٥) هي الأذان الذي يدعو الناس لعبادة الله تعالى، ووصفت بالتامة لاشتمالها على التوحيد وهو دعوة الحق، لا تبديل فيها إلى يوم القيامة.\n(^٦) التي قرب قيامها.\n(^٧) هي منزلة عالية في الجنة كما قال في الحديث قبله.\n(^٨) بقولك عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا، وهو مقام الشفاعة العظمى كما سيأتي في كتاب القيامة إن شاء الله.\n(^٩) ظاهره بعد أن يسمع الشهادتين، والأولى بعد نهاية الأذان، فإنه وقت الإجابة كما يأتي.\n(^١٠) ذنوبه الصغائر.\n(^١١) هما حي على الصلاة وحي على الفلاح.","vol":"1","page":166},{"text":"مِنْ قَلْبِهِ (^١) دَخَلَ الجَنَّةَ (^٢)».\nوَشَرَعَ بَلَالٌ فِي الإِقَامَةِ فَلَمَّا أَنْ قَالَ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا (^٣) وَقَالَ فِي سَائِرِ الإِقَامَةِ كَالأَذَانِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-93>الدعاء بين الأذانين مقبول</span>\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ (^٥)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٦).\nوَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ المُؤَذِّنِينَ يَفْضُلُونَنَا (^٧) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُلْ كَمَا يَقُولُونَ فَإِذَا انْتَهَيْتَ فَسَلْ تُعْطَهُ (^٨)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٩).\n\n• عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي المَسْجِدِ فَخَرَجَ رَجُلٌ حِينَ أَذَّنَ المُؤَذِّنُ لِلْعَصْرِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هذَا فَقَدْ عَصى أَبَا القَاسِمِ ﷺ (^١٠). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ. (^١١)\n_________\n(^١) متعلق بقال الأولى والثانية، أي قال بلسانه مع اعتقاد قلبه لمعناه خالصًا لله تعالى.\n(^٢) من غير عذاب بإذن الله تعالى.\n(^٣) فيندب قول أقامها الله وأدامها عند قد قامت الصلاة فقط، ويتابعه في بقيها كالأذان.\n(^٤) بسند صالح، والله أعلم.\n\nالدعاء بين الأذانين مقبول\n(^٥) إذا توفرت شروطه الآتية في كتاب الذكر والدعاء، والمراد بالأذانين الأذان والإقامة، وذلك الشرف هذا الوقت فادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.\n(^٦) بسند حسن.\n(^٧) يزيدون علينا بكثرة الثواب والفضل العظيم من الأذان، فما تأمرنا به لنلحقهم.\n(^٨) فإذا فرغت من إجابة المؤذن فسل ربك فإنه يجيبك، وقالت أم سلمة: علمني رسول الله - ﷺ - أن أقول عند أذان المغرب: اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي.\n(^٩) بسند صالح.\n(^١٠) لإشعار خروجه بالإعراض عن الصلاة، فالخروج بعد الأذان مكروه إلا لضرورة.\n(^١١) ورواه أحمد بلفظ أمرنا رسول الله - ﷺ -، إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي.","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type='title' id=toc-94>الفصل الثاني: في السواك </span>(^١)\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ (^٢) لِيَتَهَجَّدَ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَوَجَدْتُهُ يَسْتَنُّ (^٤) بِسِوَاكٍ بِيَدِهِ يَقُولُ: «أُعْ أُعْ» وَالسِّوَاك فِي فيهِ كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ (^٥). رَوَاهُمَا الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أَمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كلِّ صَلَاةٍ (^٦)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أَمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَلَأَخَّرْتُ صَلَاةَ العِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ». فَكَانَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ يَشْهَدُ الصَّلَوَاتِ فِي المَسْجِدِ وَسِوَاكُهُ عَلَى أُذُنِهِ مَوْضِعَ القَلَمِ مِنْ أُذُنِ الكَاتِبِ لَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ إِلا اسْتَنَّ (^٧) ثمَّ رَدَّهُ إِلَى مَوْضِعِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَاحِبَاهُ (^٨).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَكْعَتَانِ بِالسِّوَاكِ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً بِغَيْرِ سِوَاكٍ (^٩)». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ.\n_________\nالفصل الثاني في السواك\n(^١) أي استعماله، ويطلق على الآلة وليس مرادًا هنا، وحكمة السواك نظافة الفم وبها يكثر الثواب ويصح الجسم وما أعظمهما مزية، ولذا كان مؤكدة عقب تغير الفم وعقب الطعام والنوم.\n(^٢) أي في الليل.\n(^٣) يدلكه به.\n(^٤) من السن؛ لأن السواك يمر على الأسنان واللسان وسقف الحنك كمر السكين على المسن.\n(^٥) يتقيأ، أي له صوت من أثر السواك كصوت من يتقيأ، وهذا من مبالغته في السواك واستقصائه لنهاية اللسان وسقف الحنك.\n(^٦) أمر إيجاب، ولكن شفقتي عليهم منعتني من إيجابه عند الصلاة، فهو سنة مؤكدة لها عند الجمهور، وقال إسحاق وأبو حامد والماوردي إنه واجب لكل صلاة، ولو تركه عمدًا بطلت صلاته وقال داود إنه شرط ولا تبطل بتركه للأمر به في حديث أحمد وابن ماجه: تسوكوا.\n(^٧) أي استاك.\n(^٨) بسند صحيح.\n(^٩) هذا ترغيب في السواك، وسبق في الوضوء بضعة أحاديث فيه.","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type='title' id=toc-95>العمامة </span>(^١)\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ (^٢) قَدْ أَرْخَى طَرَفَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ (^٣). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اعْتَمَّ سَدَلَ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ (^٤). قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَسْدِلُ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ (^٥). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَكْعَتَانِ بِعِمَامَةٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً بِلَا عمَامَةٍ (^٧)». رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ.\n_________\nالعمامة\n(^١) هي ما يلف على الرأس سواء كانت فوق طاقية ونحوها أولا. والأولى أن يكون تحتها شيء الحديث الترمذي وأبي داود الآتي في اللباس: فرق ما بيننا وبين المشركين العام على القلانس. والعمامة شعار العرب وتاجهم الرفيع بل وعادة الشرقيين كلهم.\n(^٢) اللون الأسود اتفاقي وإلا فقد ورد أن النبي - ﷺ - لبس الأسود والأبيض والأخضر وغيرها كما يأتي في كتاب اللباس، وقد اختص اليهود والنصارى في مصرنا هذا بالعامة السوداء، فلا يجوز للمسلم لبسها وإلا كان عرضة للطعن، كما اشتهر الأشراف نسل النبي - ﷺ - بالعمامة الخضراء فلا ينبغي لغيرهم لبسها وإلا كان مذمومًا بنص الحديث الآتي في العتق: من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله إلى يوم القيامة. وأفضل الألوان الأبيض كما يأتي في باب الجنائز.\n(^٣) وهي العذبة وتسمى ذؤابة في حديث الطبراني القائل إن جبريل ﵇ نزل على النبي - ﷺ - وعليه عمامة سوداء قد أرخى ذؤابته من ورائه.\n(^٤) أرخى طرفها بينهما.\n(^٥) اقتداء بالنبي - ﷺ -، فالعذبة مستحبة، وينبغي ألا تزيد عن أربعة أصابع تقريبًا لحديث الطبراني: عمم النبي - ﷺ - عبد الرحمن بن عوف فأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوها ثم قال: هكذا فاعتم فإنه أعرب وأحسن.\n(^٦) بسند حسن.\n(^٧) فالعمامة تضاعف ثواب الصلاة لأنها زينة وجمال في حضرة الله تعالى وأمرنا بها في قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وسيأتي في الأخلاق \"إن الله جميل يحب الجمال\" وقد اندفع فريق من المعممين إلى ترك العمامة بحجة أنها عادة كالأكل والشرب وليست من الدين، وما حملهم على ذلك غالبا إلا التقليد للغير، ولو تنزلنا معهم وقلنا إنها عادة فإنها أشرف العادات لأنها عادة النبي - ﷺ -، وهو أفضل الخلق بإجماع المسلمين، والمثل السائر عادات السادات سادات العادات، والواقع أن العامة من الدين لهذه النصوص وأنها سنة الأنبياء والمرسلين صلى الله عليهم وسلم، وكفانا نزول جبريل ﵇ وهو معمر، وقوله - ﷺ - =","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type='title' id=toc-96>الفصل الثالث: في السترة </span>(^١)\n\n• عَنْ سَهْلٍ ﵁ قَالَ: كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ الجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ (^٢). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ سَلَمَةُ (^٣) ﵁ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ الأُسْطُوَانَةِ (^٤) الَّتِي عِنْدَ المُصْحَفِ (^٥) فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هذِهِ الأُسْطُوَانَةِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا (^٦). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُرْكَزُ لَهُ الحَرْبَةُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا (^٧). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا (^٨). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ سُتْرَةِ المُصَلّي فَقَالَ: «مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ (^٩)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ طَلْحَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ\n_________\n=لعبد الرحمن لما عممه: هكذا فاعتم فإنه أعرب وأحسن، وحكمة العمامة حفظ الجسم فإنها في البلاد الحارة تحفظ من ضرب الشمس وفي البلاد الباردة تحفظ من البرد، لاسيما إذا تقنع بلف جزء منها تحت حنكه وعلى أذنيه، وحكمتها أيضا الزينة والتجمل، وهما مطلوبان في كل حين، لاسيما في الصلاة التي تزداد بها ثوابا وأجرًا، والله أعلم.\n\nالفصل الثالث في السترة\n(^١) هي ما يجعله المصلى أمامه في الصلاة، وهي سنة على المشهور، وحكمتها منع المرور بل ووسوسة الشيطان عن المصلى فلا يشتغل عن صلاته، وأنواعها الجدار والعمود والحرية والعصا والمتاع، ونحوها من كل شيء مرتفع، وهي في الأفضلية على هذا الترتيب، فإن لم يجد شيئًا مرتفعًا خط أمامه خطًّا.\n(^٢) فكان بين قدميه وبين الجدار الذي أمامه قدر مرور الشاة، وهو لا يزيد على ثلاثة أذرع كما يأتي في الدنو من السترة.\n(^٣) ابن الأكوع الصحابي.\n(^٤) هي العمود وكانت تسمى بأسطوانة المهاجرين.\n(^٥) بجوار الصندوق الذي فيه المصحف وكان بجوار العمود في وسط الروضة.\n(^٦) أي يقف أمامها في الصلاة فتكون سترة له.\n(^٧) أي يغرز له الحربة وفي رواية: يركز له العنزة، والجربة والعنزة دون الرمح في الطول، وسنهما من أسفل، ولكن الحربة عريضة النصل بخلاف العنزة، والرمح طويل وسنه من أعلى.\n(^٨) يجعلها معترضة أمامه ويصلى إليها، فتكون سترة له.\n(^٩) المؤخرة بضم فسكون فكسر وتسمى آخرة الرحل وآخرة السرج، وهي الخشبة التي يستند إليها الراكب، والسؤال عن قدر ارتفاع السترة.","vol":"1","page":170},{"text":"بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ وَلَا يُبَالِ مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذلِكَ (^١)» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَقَالَ عَطَاءٌ (^٢): «آخِرَةُ الرَّحْلِ ذِرَاعٌ فَمَا فَوْقَهُ (^٣)» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ (^٤) تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا (^٥) فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخْطُطْ خَطًا ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ أَمَامَهُ (^٦)».\n\n• عَنِ المِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ ﵁ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى عُودٍ وَلَا عَمُودٍ وَلَا شَجَرَةٍ إِلا جَعَلَهُ عَلَى حَاجِبِهِ الأَيْمَنِ أَوِ الأَيْسَرِ وَلَا يَصْمُدُ لَهُ صَمْدًا (^٧). رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ (^٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-97>الدنوُّ من السترة </span>(^٩)\nكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا دَخَلَ الكَعْبَةَ مَشى قِبَلَ وَجْهِهِ وَجَعَلَ البَابَ قِبَلَ ظَهْرِهِ فَمَشَى حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبُ (^١٠) مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ صَلَّى يَتَوَخَّى المَكَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِهِ بِلَالٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِيهِ، قَالَ (^١١): «وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَأْسٌ\n_________\n(^١) فلا ضرر من المرور وراءها.\n(^٢) هو ابن أبي رباح من كبار التابعين والفقهاء، وسئل ابن عباس عن شيء من أهل مكة فقال تسألوني وبينكم عطاء.\n(^٣) فهو المراد من الحديث لا أقل وقال بعضهم قدرها كمعظم الذراع وهو ثلثا ذراع، فهذا أقل ارتفاعها وبه قال الشافعي وجماعة.\n(^٤) بلام الأمر فيفيد وجوب السترة، ويؤيده حديث أبي داود: إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها. وحديث الحاكم: ليستتر أحدكم في الصلاة ولو بسهم. ولكن المشهور أنها سنة، وصيغة الأمر لتأكيدها وصلى النبي - ﷺ - في فضاء بغير سترة.\n(^٥) أي شيء فيه ارتفاع وعرض يستر العلى الجدار والعمود.\n(^٦) وهذا جامع لأنواع السترة ومبين لمراتبها وأن الخط آخرها، وهل يخطه رأسا أو عرضًا؟ قال مسدد بالأول، وقال أحمد عرضًا كالهلال، وقدر الخط ثلثا ذراع فأكثر كغير الخط.\n(^٧) فلا يجعل السترة نصب عينيه بل يمينًا أو يسارًا وهو أولى.\n(^٨) الأول بسند صحيح والثاني بسند صالح.\n\nالدنو من السترة\n(^٩) أي مطلوب.\n(^١٠) اسم يكون، وروي قريبًا خبرًا ليكون، واسمها محذوف أي القدر بينهما قريبًا من ثلاثة أذرع.\n(^١١) أي ابن عمر.","vol":"1","page":171},{"text":"أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَيِّ نَوَاحِي البَيْتِ شَاءَ (^١)». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ.\nوَلَأَبِي دَاوُدَ وَأَحْمَدَ: «إِذَا صَلَّى أَحدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا (^٢) لَا يَقْطَعِ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ (^٣)».\n\n<span data-type='title' id=toc-98>يأثم المار أمام المصلى وله دفعه </span>(^٤)\n\n• عَنْ أَبِي جُهِيْمٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلَّي مَاذَا عَلَيْهِ (^٥) لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا (^٦) لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْه». قَالَ أَبُو النَّضْرِ (^٧): لَا أَدْرِي قَالَ (^٨): «أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً». رَوَاهُ الخَمْسَةُ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ: «لَأَنْ يَقِفَ أَحَدُكُمْ مِائَةَ عَامٍ (^٩) خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ وَهُوَ يُصَلِّي».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ (^١٠) بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ (^١١) فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ (^١٢)». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ (^١٣).\n_________\n(^١) فكله قبلة للصلاة.\n(^٢) بقدر إمكان السجود للمجافي بطنه عن فخذيه، وقدره ثلاثة أذرع تقريبًا لحديث ابن عمر السالف، فهو مبين لهذا الحديث، ولحديث قدر ممر الشاة، فلا تجزئ السترة إذا بعدت أكثر من ثلاثة أذرع وعليه الشافعي وأحمد، وقوله لا يقطع مجزوم في جواب الأمر وكسر تخلصًا من التقاء الساكنين.\n(^٣) بكثرة الوسوسة فتفسد أو يقل أجرها، وفيه أن السترة تحفظ من الشيطان ووسوسته، وأولى أن تكون السترة على الأيسر، فتحفظ القلب من الشيطان بأمر الله تعالى.\n\nيأثم المار أمام المصلى وله دفعه\n(^٤) أي للمصلى منعه من المرور.\n(^٥) من الذنب.\n(^٦) بالنصب خبر كان، وروى بالرفع اسمها.\n(^٧) أحد الرواة.\n(^٨) أي من حدثني وهو بسر بن سعيد.\n(^٩) فهذه تؤيد احتمال أربعين سنة، وفيه دلالة على عظم ذنب المرور بين يدى المصلى، فلو علم المار بالذنب الذي يرتكبه من المرور لوقف زمنا طويلا ولو مائة سنة، ولا فرق في حرمة المرور بين أن تكون الصلاة فرضا أو نفلا، وبين يدي المصلى هو مكان السجود أو ثلاثة أذرع أو قدر رمية بحجر، فهذا ما يحرم المرور فيه.\n(^١٠) بالجيم أي يمر.\n(^١١) برده بيده، وفي رواية: فليدفعه في نحره.\n(^١٢) في صورة رجل أراد فتنة المصلي أو فعله كفعل الشيطان.\n(^١٣) ظاهر ما سبق أنه لا يدفع المار إلا إذا كان له سترة وأراد المرور بينه وبينها، وإلا فلا دفع، لتقصيره بعدم السترة والله أعلم.","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type='title' id=toc-99>سترة الإمام له ولمن خلفه </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ العِيدِ أَمَرَ بِالحَرْبَةِ فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ (^٢) وَكَانَ يَفْعَلُ ذلِكَ فِي السَّفَرِ (^٣) فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الأُمَرَاءُ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ بِالهَاجِرَةِ (^٤) فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ، وَالمَرْأَةُ وَالحِمَارُ يَمُرُّونَ مِنْ وَرَائِهَا (^٥). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-100>ما قيل إنه يقطع الصلاة </span>(^٦)\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الحِمَارُ وَالمَرْأَةُ (^٧) وَالكَلْبُ الأَسْوَدُ (^٨)» قُلْتُ: يَا أَبَا ذَرَ مَا بَالُ الكَلْبِ الأَسْوَدِ مِنَ الكَلْبِ الأَحْمَرِ مِنَ الكَلْبِ الأَصْفَرِ (^٩) قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ: «الكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ (^١٠)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\nوَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ (^١١) ﵄: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ (^١٢) فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ\n_________\nسترة الإمام له ولمن خلفه\n(^١) فسترة الإمام تكفي عنه وعنهم.\n(^٢) يقتدون به، وليس هناك سترة إلا التي أمام النبي ﷺ.\n(^٣) فالسترة سنة في الحضر والسفر.\n(^٤) شدة الحر.\n(^٥) بل وغيرهما.\n\nما قيل إنه يقطع الصلاة\n(^٦) أي ما يبطلها على رأي جماعة.\n(^٧) وفي رواية والمرأة الحائض.\n(^٨) ذو اللون الأسود.\n(^٩) أي ما الفرق بين الأسود وبين غيره من الكلاب.\n(^١٠) أي يتمثل بالكلب الأسود، أو أنه كالشيطان في كثرة الضرر.\n(^١١) بسند غريب، وقال أبو داود ذكر المجوسي فيه منكر.\n(^١٢) وأولى بقطعها إذا مروا بينه وبين سترته.","vol":"1","page":173},{"text":"الكَلْبُ (^١) وَالحِمَارُ والخِنْزِيرُ وَاليَهُودِيُّ وَالمَجُوسِيُّ وَالمَرْأَةُ، وَيُجْزِئُ عَنْهُ إِذَا مَرُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى قَذْفَةٍ بِحَجَرٍ (^٢)». .\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقْبَلْتَ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ (^٣) وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنىً إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ فَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ (^٤): فَمَرَّتِ الأَتَانُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَلَمْ تَقْطَعْ صَلَاتَهُمْ (^٥).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَقَالُوا: يَقْطَعُهَا الكَلْبُ وَالحِمَارُ وَالمَرْأَةُ فَقَالَتْ: لَقَدْ جَعَلْتُمُونَا كِلَابًا. وَفِي رِوَايَةٍ: قَدْ شَبَّهْتُمُونَا بِالحُمُرِ وَالكِلَابِ، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي وَإِنِّي لَبَيْنهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ (^٦) وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ عَلَى السَّرِيرِ فَتَكُونُ لِيَ الحَاجَةُ فَأَكْرَهُ أَنْ أَسْتَقبِلَهُ فَأَنْسَلُّ انْسِلَالًا (^٧). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ (^٨) فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ (^٩) فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا وَالبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ خَالِيَةُ المَصَابِيحِ (^١٠). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَلِأَبِي دَاوُدَ وَمَالِكٍ وَالدَّارَقُطْنِيِّ: «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ وَادْرَؤوا مَا اسْتَطَعْتُمْ (^١١) فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ». وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) أي الأسود.\n(^٢) أي ويكفي عن السترة مرورهم على بعد رمية بحجر فلا تنقطع صلاته. وظاهر هذه النصوص أن الصلاة تبطل بمرور واحد من هذه، وبه قال فئة من الصحب والتابعين، ووافقهم أحمد في الكلب، وقال الجمهور سلفا وخلفا: إنها لا تبطل بشيء من ذلك للأحاديث الآتية، والمراد بالقطع هنا نقص الصلاة لشغل القلب بهذه الأشياء لا بطلانها.\n(^٣) قاربته وكان ذلك في حجة الوداع وسنة ثلاث عشرة سنة أو خمس عشرة.\n(^٤) أي لمسلم والترمذي.\n(^٥) لم يقولوا إنها قطعهتا ولم ينكروا مرور الأتان أمام الصفوف، فسكوتهم دليل على أنها لا تقطع الصلاة.\n(^٦) فلو كانت المرأة تقطع الصلاة ما تركني النبي - ﷺ - من أمامه وهو يصلى.\n(^٧) أنسحب بلطف من أمامه، فالمرأة لا تقطع الصلاة ولو تحركت كثيرة.\n(^٨) أي معترضة بينه وبين القبلة.\n(^٩) ليتمكن من السجود.\n(^١٠) تأكيد في رواية الحديث، فإذا كانت المرأة وهي أشغل شيء للقلب لا تقطع الصلاة، فغيرها بالأولى.\n(^١١) أي ادفعوا المار بالأخف فإن لم يرجع فبالأشد ولا ضمان له إن ناله شيء لتعديه بالمرور. والله أعلم.","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type='title' id=toc-101>الباب الخامس: في كيفية الصلاة (^١)\nوفيه فصلان</span>\n<span data-type='title' id=toc-102>الفصل الأول: في أركان الصلاة </span>(^٢)\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ، مَا نَوَى (^٣)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ دَخَلَ المَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ (^٤) فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ﵇ فَقَالَ (^٥): «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ (^٦)» فَصَلَّى (^٧) ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ثَلَاثًا (^٨)» فَقَالَ: وَالَّذِي بَعثَكَ بِالحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ (^٩) فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ (^١٠) ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ (^١١) ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا\n_________\n(الباب الخامس في كيفية الصلاة)\n(^١) أي في بيان ماهيتها وما تتركب منه من فعل وقول فرض وسنة.\n(^٢) وهي النية والقيام وتكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة والركوع والاعتدال والسجود والجلوس بين السجدتين والجلوس الأخير والتشهد فيه والصلاة على النبي - ﷺ - فيه والسلام والترتيب.\n(^٣) والواجب على المصلي أن ينوى ما يريد صلاته والتلفظ بالنية أولى كقوله: أصلى الظهر فرضًا مستقبلًا لله تعالى الله أكبر، والكلام على الحديث تقدم في كتاب النية مبسوطا.\n(^٤) هو خلاد بن رافع وصلى ركعتين كما رواه النسائي.\n(^٥) أي النبي - ﷺ - له.\n(^٦) أي أعد صلاتك فإنك لم تصل صلاة صحيحة لأنه ما كان يتم القراءة ولا الركوع ولا السجود.\n(^٧) أي ثانيًا ولم يحسن صلاته.\n(^٨) أي أرجعه ثلاث مرات.\n(^٩) غير ما فعلت.\n(^١٠) للإحرام بقولك الله أكبر، فهو ركن في كل صلاة، وبه قال الجمهور سلفًا وخلفًا إلا الحنفية، فقالوا إنه ليس بركن، ويكفي افتتاح الصلاة بتحميد أو بتسبيح أو بذكر اسم الله تعالى.\n(^١١) فاتحة أو غيرها ولو آية، وبه قال جماعة ومنهم الحنفية لهذا ولقوله تعالى ﴿فاقرأوا ما تيسر منه﴾ وقال الحافظ: الفرض عند الحنفية قراءة ما تيسر والواجب الفاتحة لأنها ثبتت بالسنة، ولا تبطل بتركها ولكن يأثم إلا المأموم فليس عليه شيء عندهم، وقال جمهور السلف والخلف: إن الفرض في الصلاة قراءة الفاتحة وما تيسر معك من القرآن هو الفاتحة لحديث أحمد وابن حبان: ثم اقرأ بأم القرآن وما شئت.","vol":"1","page":175},{"text":"ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطَّمَئِنَّ جَالِسًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا (^١) ثُمَّ افْعَلْ ذلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا (^٢)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ. وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: «فَإِذَا فَعَلْتَ هذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ وَمَا انْتَقَصْتَ مِنْ هذَا شَيْئًا فَإِنَّمَا انْتَقَصْتَهُ مِنْ صَلَاتِكَ».\n\n• عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا صَلَاةَ (^٣) لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ (^٤)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ (^٥) فَهِي خِدَاجٌ (^٦) ثَلَاثًا غَيْرُ تَمَامٍ»، فَقِيلَ لأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ (^٧) فَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قَسَمْتُ الصَّلَاةَ (^٨) بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قَالَ: هذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي (^٩) وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ\n_________\n(^١) فيه أن الجلوس بين السجدتين والاعتدال من الركوع والطمأنينة فيهما وفي الركوع والسجود واجبة، وبه قال الجمهور وستأتي مبسوطة إن شاء الله.\n(^٢) أي في كل ركعة من أي صلاة فرضًا كانت أو نفلا، وسكت عن بقية الأركان لأنها كانت معلومة له أو أن التقصير لم يظهر إلا في هذه.\n(^٣) أي لا صلاة صحيحة عند الجمهور لأن النفي أقرب إلى الصحة، وقال الحنفية لا صلاة كاملة.\n(^٤) منفردا كان أو غيره في السر أو الجهر لهذا ولحديث الدارقطني وصححه لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.\n(^٥) وهي الفاتحة، وسميت بذلك لأنها أفضل سورة، وسميت فاتحة الكتاب لافتتاحه بها، وسيأتي فضلها في فضل القرآن إن شاء الله.\n(^٦) بكسر الخاء أي ناقصة وفاسدة بدليل إعادته الجملة ثلاث مرات، وقوله غير تمام تأكيد لما قبله، وقالت الحنفية إن عدم التمام معناه عدم الكمال لا عدم الصحة والإنصاف أنه صادق بنقص الذات وبنقص الكمال.\n(^٧) أي فهل نتركها اكتفاء بقراءة الإمام.\n(^٨) المراد بها الفاتحة لما يأتي كما يطلق القرآن على الصلاة في قوله تعالى ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودًا﴾.\n(^٩) فالأولى لله وهي تخصيصه بالعبادة، والثانية وهي الاستعانة للعبد.","vol":"1","page":176},{"text":"فَإِذَا قَالَ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ: هذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ (^١)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ كُنَّا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ القِرَاءَةُ (^٢) فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: «لَعَلَّكُمْ تَقُرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ». قُلْنَا: نَعَمْ نَفْعَلُ هذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «لَا تَفْعَلُوا إِلا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا (^٣)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالقِرَاءَةِ فَقَالَ: «هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا (^٥)؟» فَقَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إِنِّي أَقُولُ مَا لِي أُنَازِعُ (^٦) القُرْآنَ» قَالَ فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ القِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا جِهَرَ فِيهِ مِنَ الصَّلَوَاتِ (^٧)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٨).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى رَكْعَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ فَلَمْ يُصَلِّ إِلا أَنْ يَكونَ وَرَاءَ الإِمَامِ (^٩)».\nرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n_________\n(^١) أي هذا الدعاء لعبدي ولعبدي ما سأل بعينه إن كان في علم الله، وإلا فله مثله من دفع مضرة أو جلب مصلحة أو رفع درجة له في الآخرة كما يأتي إن شاء الله في الدعاء.\n(^٢) شق عليه الجهر بها أو التبست عليه.\n(^٣) هذا واللذان قبله صريحة في وجوب الفاتحة على كل مصل ولو مأمومًا ولو في الجهرية، وبه قال من الصحب عمر وعلي وأبيّ بن كعب وابن عمرو وأبو سعيد وحذيفة وأبو هريرة وعبادة وفريق من التابعين والفقهاء، ومنهم إسحاق والأوزاعي والليث وأبو ثور والشافعية، وقال الجمهور لا تجب الفاتحة على المأموم لما يأتي.\n(^٤) وأحمد والبيهقي والدارقطني وابن حبان والبخاري في جزء القرآن وصححه.\n(^٥) بالمد وعدمه الآن قريبا.\n(^٦) بكسر الزاي وفتحها بلفظ الفاعل والمفعول، أي أجاذب القرآن ويجاذبني فلما جهروا شوشوا عليه فالتبست عليه القراءة.\n(^٧) أي تركوا الفاتحة في الجهرية.\n(^٨) بسند صحيح ورواه مالك والشافعي أيضا.\n(^٩) فظاهر هذا وما قبله أن المأموم لا تجب عليه الفاتحة ولقوله تعالى ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ ولحديث مسلم: \"إذا كبر الإمام فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا\" فلا فاتحة على المأموم. وعليه الجمهور ومالك وأبو حنيفة وأحمد، بل قال الحنفية إن قراءة المأموم مكروهة تحريما في=","vol":"1","page":177},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانِ ﵃ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ. وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُسْمِعْنَا قِرَاءَةَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (^١).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ (^٢).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ (^٣) أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ (^٤) عَلَى الجَبْهَةِ (^٥) وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ (^٦) وَاليَدَيْنِ (^٧) وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتُ الثِّيَابَ وَالشَّعَرَ (^٨)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا القُرْآنَ فَكَانَ يَقُولُ: «التَّحِيَّاتُ (^٩) المُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ\n_________\n= السرية والجهرية، وقال المالكية والحنابلة: إنها مندوبة في السرية مكروهة في الجهرية، وأجاب الشافعية بأن قوله \"فانتهى الناس عن القراءة\" من كلام الزهري، فلا يدل على عدم القراءة كقوله - ﷺ -: ما لي أنازع القرآن بل ينهيان عن الجهر بالقراءة. وحديث الدارقطني \"من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة\" ضعيف من طرقه كلها، وقال الشافعية: إن الفاتحة واجبة على المأموم مطلقا للأحاديث السابقة، ولكن عليه الإسرار ويقرؤها في الجهرية بعد انتهاء الإمام من فاتحته وقبل السورة، وهذا أحوط، وما رآه الجمهور أسهل، والله أعلم.\n(^١) وعدم سماعه للبسملة لا يدل على أنهم لم يقرءوها بل يحتمل أنهم كانوا يسرون بها، وفي رواية أن النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، أي بالفاتحة قبل غيرها، وقيل يتركون البسملة.\n(^٢) بأسانيد لم تسلم، فالحديث الأول يدل على الإسرار بالبسملة وعليه الحنفية، والحديث الثاني يدل على الجهر بها وعليه الشافعية في الجهرية، وقالوا إن قراءتها واجبة لأنها آية من الفاتحة، وقال الحنفية وأحمد تستحب قراءتها، وقال مالك تكره قراءتها؛ لأنها عنده ليست من القرآن إلا في النمل والله أعلم.\n(^٣) بلفظ المفعول أي أمرني ربي.\n(^٤) أعضاء، ولأبي داود \"إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب\" بالمد جمع إرب كحمل وهو العضو، وظاهره أن وضع هذه السبعة واجب، وبه قال الشافعي وأحمد وجماعة، وقال غيرهم الواجب السجود على الجبهة فقط؛ لأن سر السجود وهو نهاية التذلل يحصل بذلك.\n(^٥) بدل.\n(^٦) وعلى الأنف فوضعه على الأرض واجب، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقال الجمهور لا يجب وضعه، بل يندب، ولا يجزئ السجود عليه وحده بإجماع السلف والخلف.\n(^٧) هما الكفان.\n(^٨) لا نمنعهما من الاسترسال على الأرض حال السجود بل يتركان بحالهما.\n(^٩) جمع تحية وهي ما يحيا به من قول أو فعل، والمباركات ذات البركة، والدعوات الخالصات كلها راجعة إلى الله فلا يستحقها إلا هو.","vol":"1","page":178},{"text":"الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ (^١) وَرَحْمَةَ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَن لا إِله إِلا اللَّهُ (^٢)». زَادَ فِي رِوَايَةٍ: «وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ (^٣) وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ (^٤).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ (^٥) فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ (^٦): التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ (^٧) السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِذا قَالَهَا (^٨) أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالَحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ (^٩) أَشْهَدُ أَنَّ لا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَن مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ المَسْأَلَةِ مَا شَاءَ (^١٠)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي الصَّلَاةِ (^١١)\n_________\n(^١) يا أيها النبي.\n(^٢) أي لا معبود بحق سواه.\n(^٣) أي في ملكه.\n(^٤) ورواه الشافعي وأحمد بتنكير السلام.\n(^٥) وفي رواية كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله السلام على جبريل السلام على ميكائيل.\n(^٦) بلام الأمر، فيفيد فرضية التشهد كقوله قبل أن يفرض علينا، وبه قال عمر وابنه وأبو مسعود والشافعي وأحمد، وقال الحنفية إنه واجب لا فرض، وقال المالكية إنه سنة، وهذا في التشهد الأخير، أما الأول فسنة باتفاق.\n(^٧) أي الله تعالى.\n(^٨) أي كلمة وعلى عباد الله الصالحين.\n(^٩) أي انتفع بها كل صالح في السماء والأرض.\n(^١٠) أي ثم يدعو بما شاء للدنيا والآخرة قبل السلام، وبه قال الجمهور، وقال أبو حنيفة لا يجوز الدعاء إلا بما ورد في الكتاب والسنة، وقال الشافعي وبعض أصحاب مالك إن تشهد ابن عباس أفضل لزيادة لفظ المباركات، وقال جمهور الفقهاء والمحدثين إن تشهد عبد الله أفضل لكثرة مخرجيه، وقالت الهادوية أفضلها تشهد على ﵁ الذي علمه لولده على بن الحسين ﵃، وهو بسم الله وبالله والحمد لله، والأسماء الحسنى كلها لله، التحيات لله والصلوات والطيبات، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله - ﷺ -. واتفق العلماء على جواز التشهد بأي واحد من هذه الثلاث، قاله في النيل.\n(^١١) بعد التشهد وفي رواية كيف نصلى عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا؟ وفي أخرى أما السلام عليك فقد عرفناه أي في التشهد في قولنا السلام عليك أيها النبي فكيف نصلى عليك؟ فقال: قولوا اللهم صل على محمد، وفيه أن الصلاة على النبي - ﷺ - بعد التشهد، وقبل السلام واجبة، وبه قال عمر وابنه وجابر وابن مسعود وبعض التابعين والشافعي=","vol":"1","page":179},{"text":"«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ (^١) وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ (^٢) كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ (^٣) وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ (^٤) كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ (^٥) إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (^٦)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ (^٧).\n\n• عَنْ عِتْبَانَ (^٨) ﵁ قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ (^٩). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\nوَقَالَ سَعْدٌ: كُنْتُ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ (^١٠) رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١١).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «حَذْفُ السَّلَامِ سُنَّةٌ (^١٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^١٣).\n_________\n=وإسحاق، واختاره القاضي أبو بكر بن العربي، وقال الجمهور بعدم وجوبها كالتشهد، ولعله لعدم ورودهما في حديث خلاد بن رافع السابق.\n(^١) أنزل مزيد رحمتك عليه.\n(^٢) هم أقاربه المؤمنون أو كل تقي من أمته.\n(^٣) طلب المثلية في التحقق لا في القدر.\n(^٤) أنزل عليهم الخير الإلهي.\n(^٥) زاد في رواية: في العالمين أي أسألك ذلك لهم يا رب ما دامت الدنيا.\n(^٦) محمود الصفات والأفعال، وكثير التمجيد والتقديس.\n(^٧) وآثرته على غيره لقوله كان يقول في الصلاة، فهو نص فيها. وستأتي الصلاة على النبي - ﷺ - في كتاب الدعاء إن شاء الله.\n(^٨) بكسر فسكون هو ابن مالك.\n(^٩) صادق بتسليمة واحدة وجمهور الفقهاء على أجزائها لحديث أحمد وابن حبان كان النبي - ﷺ - يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة يسمعناها. وحديث ابن ماجه: صلى النبي عليه وسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، كما أنه صادق بتسليمتين، ويكون ما بعده مبينًا له، فمن اقتصر على واحدة جعلها تلقاء وجهه، ومن سلم مرتين جعل الأولى عن يمينه والأخرى عن يساره.\n(^١٠) هذان يفيدان مشروعية التسليمتين، وبهما قال جمهور الصحب فمن بعدهم، وأوجبهما أحمد وبعض المالكية.\n(^١١) بسند صحيح.\n(^١٢) حذف السلام بالحاء والذال أي تخفيفه وعدم مده مطلوب شرعا، ويؤيده حديث إبراهيم النخعي: التكبير جزم والسلام جزم، أي لا ينبغي مدهما قال الترمذي وغيره: وهذا مستحب عند أهل العلم.\n(^١٣) ولكن بالوقف على أبي هريرة ورواه الحاكم وصححاه، والله أعلم.","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type='title' id=toc-103>الفصل الثاني: في محاسن الصلاة (^١): رفع اليدين (^٢) وتكبيرات الانتقال </span>(^٣)\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ افْتَتَحَ التَّكْبِيرَ لِلصَّلَاةِ (^٤) فَرَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ حَتَّى يَجْعَلَهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ (^٥) وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَهُ (^٦) وَإِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» فَعَلَ مِثْلَهُ وَقَالَ: «رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ». وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ (^٧) رَفَعَ يَدَيْهِ وَلَا يَفْعَلُ ذلِكَ (^٨) حِينَ يَسْجُدُ وَلَا حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ. وَلِمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ التَحَفَ بِثَوْبِهِ ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ.\n\n• عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ هَلِبٍ (^٩) عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَؤُمُّنَا فَيَأْخُذُ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ (^١٠). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١١).\nوَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: السُّنَّةُ وَضْعُ الكَفِّ (^١٢) عَلَى الكَفِّ فِي الصَّلَاةِ تَحْتَ السُّرَّةِ (^١٣) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ.\n_________\nالفصل الثاني في محاسن الصلاة\n(^١) أي في بيان سننها التي تزيد في حسنها وبها يكثر الثواب، وهي رفع اليدين عند التحرم ودعاء الافتتاح والتعوذ والتأمين والسورة بعد الفاتحة، إلى آخر ما يأتي.\n(^٢) عند التحرم وغيره.\n(^٣) من ركن إلى آخر.\n(^٤) تكبيرة الإحرام.\n(^٥) المنكب كمسجد مجمع العضد والكتف، فيندب رفع اليدين مع التحرم حتى يساوي الكفان المنكبين ورءوس الأصابع الأذنين، والرفع عند التحرم باتفاق العلماء سلفًا وخلفًا، وأما عند الركوع والرفع منه فقال به الشافعي وأحمد، وقال الشافعي به أيضًا عند القيام من التشهد الأول، وحكمة ذلك الرفع شدة الالتجاء إلى الله تعالى، كالغريق الذي يرفع يده يستغيث بمن ينجيه.\n(^٦) رفع يديه حذو منكبيه.\n(^٧) بعد التشهد الأول.\n(^٨) رفع اليدين.\n(^٩) ككتف، له صحبة.\n(^١٠) يقبض بيمينه على شماله تحت صدره.\n(^١١) بسند حسن.\n(^١٢) أي الأيمن على الكف أي الأيسر، وهذا لا ينافي القبض السابق.\n(^١٣) فالسنة وضعهما تحت السرة، وبه قال أبو حنيفة وسفيان وأحمد وإسحاق، وقال الشافعي وجماعة: المستحب وضعهما فوق السرة لحديث لأبي داود في ذلك، وقال مالك: إنه مكروه في الفرض مندوب في النفل، وقال الأوزاعي وابن المنذر: إنه بالخيار، وهو أوجه لما فيه من السعة، ولأن حديث مسلم والترمذي لم يعينا بخلاف ما بعدهما، وحكمة ذلك الوضع زيادة الأدب والخشوع وجرت بها العادة أمام الكبراء والملوك، فبين يدي الله أولى، وروي عن الحسن البصري والنخعي والليث بن سعد أنه يرسلهما، ولعلهم لم يبلغهم ذلك، أو لم يصح عندهم.","vol":"1","page":181},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ (^١) وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ (^٢). رَوَاهُ الخَمْسَةُ وَاللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-104>دعاء الافتتاح </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْكتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ القِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً هُنَيَّةً (^٤) فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي (^٥) يَا رَسُولَ اللَّهِ إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ (^٦) قَالَ: «أَقُولُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ اللَّهُمَّ نَقِّنِي (^٧) مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى (^٨) الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ (^٩) اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا قَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ (^١٠) اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ القَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟» قَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «عَجِبْتُ لَهَا (^١١) فتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ (^١٢)». قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ كَبَّرَ ثُمَّ قَالَ (^١٣): «وَجَّهْتُ\n_________\n(^١) إلا عند الرفع من الركوع.\n(^٢) عطف على رسول الله وتكبيرات الانتقال سنة عند الجميع إلا أحمد، فإنه قال بوجوبها، والله أعلم.\n\nدعاء الافتتاح\n(^٣) الذي يقال في افتتاح الصلاة بعد التحرم.\n(^٤) بضم ففتح فتشديد أي يسيرة.\n(^٥) أفديك بأبي وأمي.\n(^٦) أي ما تقول فيها؟\n(^٧) بتشديد القاف من التنقية وهي المبالغة في النظافة.\n(^٨) بلفظ المجهول مع التشديد.\n(^٩) الوسخ.\n(^١٠) بعد التحرم وقبل القراءة.\n(^١١) أي لهذه الكلمات.\n(^١٢) أي قبل غيرها، وإلا فكل عبادة كذلك، قال تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾.\n(^١٣) بعد التكبير وقبل القراءة.","vol":"1","page":182},{"text":"وَجْهِيَ (^١) لِلَّذِي فَطَرَ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا (^٢) وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي (^٣) وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي (^٤) لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ (^٥) وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ (^٦) اللَّهُمَّ أَنْتَ المَلِكُ لَا إِلهَ إِلا أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا (^٧) لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ سَيِّئَهَا إِلا أَنْتَ لَبَّيْكَ (^٨) وَسَعْدَيْكَ (^٩) وَالخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ (^١٠) وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ (^١١) وَأَنَا بِكَ وَإِليْكَ (^١٢) تَبَارَكْتَ (^١٣) وَتَعَالَيْتَ (^١٤) أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ» رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-105>التعوذ بالله من الشيطان </span>(^١٥)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ (^١٦) ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (^١٧).\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ بِاللَّيْلِ (^١٨) كَبَّرَ\n_________\n(^١) أقبلت بذاتي كلها.\n(^٢) حال من التاء في وجهت، أي مائلا عن كل دين باطل إلى الدين الحق وثابتا عليه، وغلب عند العرب على من كان على ملة إبراهيم ﵇.\n(^٣) عبادتي، من عطف العام على الخاص.\n(^٤) حياتي وموتي.\n(^٥) أي أمرني ربي بالتوحيد الكامل قولا واعتقادة وعملا.\n(^٦) تأكيد.\n(^٧) أي فإنه.\n(^٨) أجيبك إجابة بعد إجابة.\n(^٩) مساعدة لأمرك بعد مساعدة.\n(^١٠) فلا خير عند غيرك.\n(^١١) فلا تنبغى نسبته إليك، قال تعالى: ﴿وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾.\n(^١٢) من فضلك كنت وملجئي ومصيري إليك.\n(^١٣) تقدست.\n(^١٤) سموت عما سواك. وفقه ما تقدم استحباب دعاء الافتتاح، وبه قال العلماء سلفًا وخلفًا إلا مالكا، فإنه قال بكراهته، ولعله لم يصح عنده نص فيه، أو لم يسمع من يقرأه من رآهم من أصحاب النبي - ﷺ -.\n\nالتعوذ بالله من الشيطان\n(^١٥) مطلوب في الصلاة لمنع وسوسته عن المصلى ولقراءة القرآن.\n(^١٦) أردت قراءته.\n(^١٧) تعوذ بالله منه، وظاهره الوجوب، والمراد به الندب باتفاق عند كل قراءة ولو في الصلاة.\n(^١٨) في التهجد.","vol":"1","page":183},{"text":"ثُمَّ يَقُولُ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ (^١) وَتَبَارَكَ اسْمُكَ (^٢) وَتَعَالَى جَدُّكَ (^٣) وَلَا إِلهَ غَيْرُكَ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا» ثُمَّ يَقُولُ (^٤): «أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (^٥) مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْثِهِ وَنَفْخِهِ (^٦)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٧).\nوَأَتَى عُثْمَانُ بْنُ أَبِي العَاصِ ﵁ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ (^٨) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ (^٩) فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ وَاتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثًا (^١٠)» قَالَ فَفَعَلْتُ ذلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي (^١١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الرُّقْيَةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-106>التأمين عقب الفاتحة </span>(^١٢)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ (^١٣) فَأَمِّنُوا (^١٤) فَإِنَّهُ (^١٥) مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (^١٦)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ (^١٧) فَإِنَّهُ\n_________\n(^١) أسبحك تسبيحًا مقترنًا بحمدك.\n(^٢) كثرت بركة ذكرك.\n(^٣) ارتفع شأنك.\n(^٤) أي بعد الافتتاح.\n(^٥) الذي يرجم بالشهب.\n(^٦) الألفاظ الثلاثة بفتح فسكون بدل من الشيطان والهمز الجنون، والنفث الشعر، والنفخ الكبر.\n(^٧) وقال الترمذي إنه أشهر حديث في هذا الباب.\n(^٨) أي بوسوسته التبست عليّ القراءة، وشككت في صلاتي فما الخلاص منه؟\n(^٩) بالخاء والنون والزاي والباء كجعفر، اسم لنوع شياطين الصلاة، كالولهان السابق اسم لنوع شياطين الطهارة.\n(^١٠) قبل الدخول في الصلاة، والتثليث راجع للتعوذ والتفل.\n(^١١) ببركة اسم الله تعالى، فهو الحفيظ من كل شيء، والله أعلم.\n\nالتأمين عقب الفاتحة\n(^١٢) هو سنة عقب الفاتحة لكل قارئ في الصلاة وغيرها، والخلاف في الجهر به فقط.\n(^١٣) أراد التأمين.\n(^١٤) أي معه، وظاهره وجوب التأمين على المأموم إذا أمّن إمامه، بخلاف المنفرد والإمام فهو منه سنة.\n(^١٥) أي الشأن.\n(^١٦) فإن الملائكة أبرار أطهار، عبادتهم مقبولة، فمن وافقهم كان في حكمهم وسيأتي في الأخلاق: من أحب قومًا حشر معهم.\n(^١٧) أي معه، فإن الملائكة تتحرى التأمين معه.","vol":"1","page":184},{"text":"مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». وَلِلْبُخَارِيِّ وَالنَّسَائِيِّ: «إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ آمِينَ (^١) وَقَالَتِ المَلَائِكَة فِي السَّمَاءِ آمِينَ فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى غفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَلَا غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ آمِينَ حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الأَوَّلِ (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-107>السكتتان</span>\n• عَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: سَكْتَتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْكَرَ ذلِكَ (^٣) عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَقَالَ: حَفِظْنَا سَكْتَةً (^٤) فَكَتَبْنَا إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِالمَدِينَةِ (^٥) فَكَتَبَ أُبَيُّ أَنْ حَفِظَ سَمُرَةُ (^٦). قَالَ سَعْدٌ: فَقُلْنَا لِقَتَادَةَ (^٧) مَا هَاتَانِ السَّكْتَتَان؟ قَالَ: إِذَا دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ (^٨) وَإِذَا فَرَغَ مِنَ القِرَاءَةِ (^٩) ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذلِكَ وَإِذَا قَرَأَ وَلَا الضَّالِّينَ (^١٠). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^١١).\n_________\n(^١) فيه أن ملائكة السماء تؤمِّن مع كل مصل، فضلا عن الحفظة والمكتبة ومن يحضرون الجماعات من الطوافين في الأرض كما يأتي في كتاب الذكر إن شاء الله، وفيه طلب التأمين من كل مصل إمامًا أو غيره.\n(^٢) وفي رواية: ومد بها صوته، ففيه طلب الجهر بالتأمين من الإمام ومد صوته به، وعليه جماعة من الصحب والتابعين والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال به الحنفية، وروي عن مالك أنه يسر به ولو في الجهرية لحديث أحمد والحاكم أن النبي - ﷺ - لما قال ولا الضالين قال آمين وخفض بها صوته. قال الحاكم: أجمع الحفاظ ومنهم البخاري على \"أن خفض بها صوته\" وهم من شعبة، وصوابه ومد صوته.\n\nالسكتتان\n(^٣) قول سمرة بالسكتتين.\n(^٤) الظاهر أنها التي بعد التحرم.\n(^٥) أي كتب سمرة وعمران ومن معهما.\n(^٦) أجابهم بالكتابة يوافق سمرة.\n(^٧) هما الراويان عن الحسن البصري السامع من سمرة.\n(^٨) بعد التحرم، وفيها يقرأ دعاء الافتتاح السابق.\n(^٩) أي كلها قبل الركوع لئلا تتصل القراءة بتكبيرة الهوى للركوع.\n(^١٠) أي وأمن، يسكت قبل السورة حتى يقرأ المأموم الفاتحة، لئلا يلتبس على الإمام، كما أنه يسر بالافتتاح حتى ينوى المأموم ويكبر ويستعد لسماع الفاتحة، فتكون السكتات ثلاثًا: بعد التحرم وبعد الفاتحة وبعد السورة، وعليه جماعة من الصحب والتابعين والشافعي وأحمد وإسحاق والأوزاعي، وقال غيرهم: إن السكتة مكروهة.\n(^١١) بسند حسن.","vol":"1","page":185},{"text":"<span data-type='title' id=toc-108>قراءة السورة بعد الفاتحة </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يَجِدَ فِيهِ ثَلَاثَ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ؟» قُلْنَا: نَعَمْ قَالَ: «فَثَلَاثُ آيَاتٍ يَقْرَأُ بِهِنَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثِ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ (^٢)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَاب وَسُورَتَيْنِ (^٤) يُطَوِّلُ فِي الأَولَى وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ وَيُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَانًا وَفِي العَصْرِ مِثْلَ ذلِكَ وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأَولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ (^٥). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\nوَقِيلَ لِخَبَّابٍ: بِأَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-109>ما قرأه ﷺ في الظهر والعصر</span>\n• عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ (^٦) يَقْرَأُ فِي الظُّهْرَ وَالعَصْرِ بِالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ (^٧) وَنَحْوِهِمَا مِنَ السُّوَرِ (^٨). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٩).\n_________\nقراءة السورة بعد الفاتحة\n(^١) هذه النبذة لبيان فضلها، وأنها تندب في الركعتين الأوليين في الرباعية والثلاثية وفي ركعتي الصبح وهي السنة وفي كل صلاة.\n(^٢) الخلفات جمع خلفة، وهي الناقة الحامل، والعظام السمان، جمع عظيمة وسمينة.\n(^٣) أي في فضائل القرآن.\n(^٤) في كل ركعة سورة.\n(^٥) فيه طلب السورة في السرية والجهرية، والسنة تطويل القراءة في الأولى عن الثانية، وفي رواية: وكان يقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب، أي فقط، وفيه أن الإسرار مطلوب في الظهر والعصر، كما أنه مندوب في التشهدين، لحديث أبي داود والترمذي عن عبد الله قال: من السنة إخفاء التشهد، والجهر سنة في الصبح، وفي الأوليين من المغرب والعشاء.\n\nما قرأه - ﷺ - في الظهر والعصر\n(^٦) أي غالبا.\n(^٧) في كل ركعة من الصلاتين بسورة.\n(^٨) التي تقرب منهما في القدر كسبح اسم ربك الأعلى والغاشية، كما رواه النسائي.\n(^٩) بسند صحيح.","vol":"1","page":186},{"text":"• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهُرِ بِاللَّيْلِ إِذَا يَغْشى (^١) وَفِي العَصْرِ نَحْوَ ذلِكَ وَفِي الصُّبْحِ أَطْوَلَ مِنْ ذلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بِسَبِّحِ اسْم رَبِّكَ الأَعْلَى (^٢) وَفِي الصُّبْحِ بِأَطْوَلَ مِنْ ذلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-110>ما قرأه في المغرب والعشاء </span>(^٣)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ أُمَّ الفَضْلِ (^٤) سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرَأُ وَالمُرْسَلَاتِ عُرْفًا فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ وَاللَّهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هذِهِ السُّورَةَ، إِنَّهَا لآخِرُ مَا سَمعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِي المَغْرِبِ (^٥).\n\n• عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِالطُّورِ فِي المَغْرِبِ (^٦). رَوَاهُمَا الخَمْسَةُ.\nوَصَلَّى ابْنُ مَسْعُودٍ إِمَامًَا فِي المَغْرِبِ فَقَرَأَ فِيهَا بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (^٧). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٨).\n\n• عَنِ البَرَاءِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي العِشَاءِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (^٩) فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n_________\n(^١) يحتمل أنه كان يقسمها في الركعتين، أو يقرؤها في الأولى ونحوها في الثانية.\n(^٢) وهذه السور قريبة من بعضها في القدر، وتسمى أوساط المفصل الذي أوله من الحجرات، وظاهره استواء الظهر والعصر، وهذا في بعض الأحيان، وإلا فقد روى مسلم وأبو داود عن أبي سعيد قال حزرنا قيامه - ﷺ - في الأوليين، من الظهر بقدر ثلاثين آية، وفي الأخريين على النصف من ذلك وحزرنا قيامه في الأوليين من العصر كقدر الأخريين من الظهر، وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك والله أعلم.\n\nما قرأه في المغرب والعشاء\n(^٣) أي أحيانا.\n(^٤) لبابة بنت الحارث زوجة العباس وأخت ميمونة أم المؤمنين.\n(^٥) يقسمها على الركعتين.\n(^٦) يقسمها في الركعتين، أو يقرأ بعضها.\n(^٧) وهذا لا بد بتوقيف أي سماع من النبي - ﷺ -، وللبخاري أنكر زيد بن ثابث على مروان قراءته في المغرب بقصار المفصل، وقال رأيت رسول الله - ﷺ - يقرأ في المغرب بطولى الطوليين. وهما الأنعام والأعراف، وقيل المائدة والأعراف، فظهر من هذا أنه - ﷺ - قرأ في المغرب بالطويلة والقصيرة والوسطى.\n(^٨) بسند صالح.\n(^٩) أي في الركعة الأولى، وقرأ نحوها كإذا زلزلت في الثانية، وهذا أحيانا، وإلا فقد قرأ النبي - ﷺ - في العشاء الآخرة بالشمس وضحاها ونحوها من السور.","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type='title' id=toc-111>القراءة في الصبح</span>\n• عَنْ أَبِي بَرْزَةَ (^١) ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الغَدَاةِ مِنَ السِّتِّينَ إِلَى المِائَةِ (^٢). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الفَجْرِ بِق وَالقُرْآنِ المَجِيدِ، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدُ تَخْفِيفًا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ﵁ قَالَ: كَأَنِّي أَسْمَعُ صَوْتَ النَّبِيِّ ﷺ يَقْرَأَ فِي صَلَاةِ الغَدَاةِ فَلَا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ الجَوَارِ الكُنَّسِ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَس (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ.\nوَلِلتِّرْمِذِيِّ وَالحَاكِمِ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الصُّبْحِ بِالوَاقِعَةِ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ ﵁ قَالَ: صَلَى لَنَا النَّبِيُّ ﷺ الصُّبْحَ بِمَكَّةَ فَاسْتَفْتحَ سُورَةَ المُؤْمِنِينَ حَتَّى جَاءَ ذِكْرُ مُوسى وَهارُونَ أَوْ ذِكْرُ عِيسى (^٤) أَخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ (^٥). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-112>يجوز تكرير السورة في الركعتين</span>\n• عَنْ رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأَ فِي الصُّبْحِ إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ\n\n• عَنْ رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ (^٦) أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأَ فِي الصُّبْحِ إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ\n_________\nالقراءة في الصبح\n(^١) بفتح فسكون فزاي فضلة بن عبيد.\n(^٢) وقدرت في حديث الطبراني بسورة الحاقة.\n(^٣) وهي سورة إذا الشمس كورت.\n(^٤) شك.\n(^٥) السعلة بالفتح من السعال، فتراه قرأ من طوال المفصل وأوساطه. والمفصل من الحجرات إلى آخر القرآن، وطوال المفصل كسورة الحديد وق والمجادلة، وأوساطه كالمرسلات وسبح والغاشية، وقصاره من الضحى إلى آخر القرآن بل ورد أنه قرأ بالصافات، وورد أنه قرأ بأقصر سورتين في القرآن الحديث أبي داود: ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا وقد سمعت رسول الله - ﷺ - يؤم الناس بها في الصلاة المكتوبة، وسبق أنه كان يطيل في الصبح أكثر من العصرين، ففهم مما تقدم أنه كان يقرأ في الصلوات كمقتضى الحال، ولكن كان التطويل في الصبح أكثر لانتظار النائم فإنه وقت نوم ويليه الظهر فالعشاء فالعصر، فتندب قراءة طوال المفصل في الصبح والظهر بتطويل الصبح قليلا، وقراءة أوساط المفصل في العشاء والعصر، وقصاره في المغرب والله أعلم.\n\nيجوز تكرير السورة في الركعتين\n(^٦) بالتصغير قبيلة مشهورة، وجهل الصحابي لا يضر، فإن الأصحاب كلهم عدول ﵃.","vol":"1","page":188},{"text":"فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا (^١) فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْ قَرَأَ ذلِكَ عَمْدًا (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-113>الركوع والتسبيح فيه </span>(^٤)\nرَأَى حُذَيْفَةَ رَجُلًا لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ (^٥) فَقَالَ: مَا صَلَّيْتَ وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ الفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ عَلَيْهَا (^٦). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعَدَيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ (^٧) أَنَا أَحْفَظُكُمْ لِصَلَاةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ (^٨) ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ (^٩) فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ (^١٠) اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ (^١١) فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا (^١٢) وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ (^١٣) فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى وَنَصَبَ اليُمْنَى (^١٤) وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَنَصَبَ الأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ (^١٥).\n_________\n(^١) أي قرأها في الأولى، وأعادها في الركعة الثانية.\n(^٢) وهو المتعين لأنه - ﷺ - معصوم من الخطأ في التشريع، قال الله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾.\n(^٣) بسند صحيح.\n\nالركوع والتسبيح فيه\n(^٤) ما ورد في بيان الركوع الكامل والتسبيح المطلوب فيه.\n(^٥) لعدم إتيانه بالطمأنينة الواجبة فيهما، فكأنه كان ينقر نقر الغراب.\n(^٦) هذا صريح في كفره، ولكن المراد منه التهويل.\n(^٧) أي جماعة، وهم سهل بن سعد وأبو أسيد ومحمد بن مسلمة.\n(^٨) وضعهما على ركبتيه كأنه قابض عليهما، وفي رواية: وبعَّد مرفقيه عن جنبيه.\n(^٩) هصر بفتحات وظهره مفعول، أي أماله مع استوائه مع رقبته من غير تقويس، ولفظ مسلم كان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك.\n(^١٠) من الركوع.\n(^١١) الفقار كسحاب عظام الصلب، والمراد إذا رفع من الركوع استوى قائمًا.\n(^١٢) أي فإذا سجد لم يلصق ذراعيه بالأرض ولا بجنبيه بل يجافيهما.\n(^١٣) بوضع بطون الأصابع على الأرض.\n(^١٤) فالجلوس في التشهد الأول وبين السجدتين على اليسرى وتنصب اليمين، وهذا هو الافتراش لافتراشه اليسرى.\n(^١٥) وإذا جلس في التشهد الآخر قعد على مقعدته ونصب رجله =","vol":"1","page":189},{"text":"رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَكَعَ قَالَ (^١): «اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي (^٢)» رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي (^٣)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\nوَعَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ (^٤) رَبُّ المَلائِكَةِ وَالرُّوحِ (^٥)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ عبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَقَالَ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَ رَبِّي العَظِيمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ وَذلِكَ أَدْنَاهُ (^٦) وَإِذَا سَجَدَ فَقَالَ فِي سُجُودِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ وَذلِكَ أَدْنَاهُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-114>الرفع من الركوع والحمد فيه </span>(^٨)\n\n• عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ\n_________\n=اليمني وأخرج اليسرى من تحتها، وهذا هو التورك لجلوسه على وركه الأيسر، وحكمته عدم الاشتباه في الركعات وأن يعرف المسبوق حال الإمام، وصريح الحديث مغايرة الجلستين، وبه قال الشافعي وجماعة.\n(^١) أي بعد التسبيح أو قبله.\n(^٢) زاد في رواية: وما استقلت به قدمي لله رب العالمين.\n(^٣) زاد في رواية: يتأول القرآن فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا.\n(^٤) بالضم أكثر من الفتح هما اسمان الله تعالى، والسبوح المبرأ من النقائص، والقدوس المطهر أي ركوعي للسبوح القدوس.\n(^٥) هو جبريل أو غيره.\n(^٦) التسبيح ثلاثًا أدناه أي أدنى الكمال كقوله فقد تم ركوعه أي تم كماله.\n(^٧) وقال إنه مرسل وقال الترمذي منقطع، ولكنه مؤيد بالصحاح الدالة على التسبيح في الركوع والسجود، وسيأتي حكمه في تسبيح السجود، والله أعلم.\n\nالرفع من الركوع والحمد فيه\n(^٨) تقدم في حديث أبي حميد، فإذا رفع من الركوع استوى حتى يعود كل فقار مكانه، والمراد عاد إلى الحال التي كان عليها في قيامه، واطمأن بين الرفع والهوى للسجود، وهذا واجب لابد منه لحديث أصحاب السنن الصحيح: لا تجزئ صلاة لا يقيم فيها الرجل صلبه في الركوع والسجود. فمن لم يعتدل=","vol":"1","page":190},{"text":"مِنَ الرَّكْعَةِ (^١) قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ (^٢)» فَقَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ (^٣) قَالَ: «مَنِ المُتَكَلِّمُ؟» قَالَ (^٤): أَنَا قَالَ: «رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا (^٥) أَيَّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلًا». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\nوَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ قَالَ (^٦) اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا (^٧) وَلَكَ الحَمْدُ (^٨) فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (^٩)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ مِلْءَ السَّموَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ (^١٠) وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ (^١١)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ وَزَادَ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ: «أَهْلَ الثَّنَاءِ (^١٢) وَالمَجْدِ أَحَقُّ مَا قَالَ العَبْدُ وَكُلُّنَا لكَ عَبْدٌ اللَّهُمَّ (^١٣) لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ (^١٤)».\n_________\n= من ركوعه إلى قيامه ويطمئن فصلاته باطلة، وعليه العلماء سلفًا وخلفًا إلا الحنفية فقالوا: الواجب أقل رفع من الركوع، والاعتدال سنة.\n(^١) أي الركوع.\n(^٢) فقولها في حال الرفع من الركوع.\n(^٣) أي سلم النبي - ﷺ - من الصلاة.\n(^٤) الرجل الذي قال ربنا ولك الحمد.\n(^٥) يتسابقون إلى كتابتها لعظم شأنها، يفهم منه أن هناك ملائكة يكتبون الأعمال سوى الكتبة، وفيه عناية كبرى بصالح الأعمال قال تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾.\n(^٦) أي عقبها.\n(^٧) أي يا الله يا ربنا.\n(^٨) عطف على مقدر وهو استجب أو حمدناك أو عبدناك ولك الحمد، وفي بعض الروايات ربنا لك الحمد بدون واو.\n(^٩) صريح في حمد الملائكة بعد قول الإمام سمع الله لمن حمده.\n(^١٠) كناية عن كثرة العدد حتى لو قدر أجسامًا لملأ هذه الأماكن.\n(^١١) بعد السموات والأرض وهو ما تحت الثرى وما فوق الكرسي والعرش، فكأنه قال أحمدك حمدًا يملأ الملك والملكوت.\n(^١٢) بنصب أهل على النداء أي يا أهل، ويجوز الرفع أي أنت أهل الثناء وهو الوصف بالجميل، والمجد: العظمة ونهاية الشرف.\n(^١٣) خبر أحق وكلنا لك عبد اعتراض بينهما.\n(^١٤) بالرفع فاعل ينفع وهو بفتح الجيم الحظ والمال والجاه فلا يغني شيء من ذلك عن عذاب الله،=","vol":"1","page":191},{"text":"<span data-type='title' id=toc-115>السجود والتسبيح فيه </span>(^١)\n\n• عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَجَدَ يَضَعُ رُكْبَتَيْهِقَبْلَ يَدَيْهِ وَإِذَا نَهْضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ (^٢). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الكَلْبِ (^٤)».\nرَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ (^٥) ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ (^٦). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ إِذَا سَجَدَ جَافَى بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى لَوْ أَنَّ بَهْمَةً (^٧) أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ تَحْتَ يَدَيْهِ مَرَّتْ (^٨).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَضَعُ أَحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ فِي مَكَانِ السُّجُودِ (^٩). رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَجَدَ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ\n_________\n=وإنما ينفع صالح العمل، وزاد مسلم أيضًا: اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ، وظاهر ما تقدم أن التسميع والحمد بعده سنتان للمنفرد والإمام والمأموم، وعليه الجمهور والشافعي.\n\nالسجود والتسبيح فيه\n(^١) أي ما ورد في كمال السجود وبيان التسبيح فيه.\n(^٢) أي كان عند السجود يضع ركبتيه قبل يديه، وإذا قام منه رفع يديه قبل ركبتيه.\n(^٣) بسند حسن.\n(^٤) فإنه يضع كفيه وذراعيه على الأرض.\n(^٥) بالباء والحاء مصغرًا.\n(^٦) أحيانا لما يكون متزرًا ومرتديًا بغير قميص.\n(^٧) بفتح فسكون صغير الغنم.\n(^٨) مبالغة في مباعدة مرفقيه عن جنبيه ورفع بطنه عن فخذيه، وهذا مطلوب للرجل بخلاف المرأة فيهما، فإنه أستر لها، وتقدم في الأركان أصل السجود وأعضاؤه، والخلاف فيها للأئمة.\n(^٩) وفي رواية: فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه، فلا يجوز للمصلي أن يسجد على ثوبه إلا لضرورة كما هنا، وبه قال الشافعي كما قال بوجوب كشف الجبهة، وقال الجمهور يجوز للمصلى السجود على ثوبه مطلقًا، ورد عليهم حديث مسلم والحاكم: شكونا إلى النبي - ﷺ - حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا. أي لم يسمع منا. إلا إذا تعذر كما في حديث الكتاب.","vol":"1","page":192},{"text":"تَبَارَكَ اللَّهُ (^١) أَحْسَنُ الخَالِقِينَ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ وَفِي سُجُودِهِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى (^٢)». وَمَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إِلا وَقَفَ عِنْدَهَا فَسَأَلَ (^٣) وَلَا بِآيَةِ عَذَابٍ إِلا وَقَفَ عِنْدَهَا فَتَعَوَّذَ (^٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥).\nوَلَمَّا نَزَلَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ (^٦)». فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، قَالَ: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ (^٧)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: نَهَانِي حِبِّي (^٨) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقْرَأَ القُرَآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا (^٩). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n_________\n(^١) تقدس وتعالى.\n(^٢) لما كان في السجود نهاية الذل والتواضع بوضع أشرف الأعضاء على مواطئ الأقدام ناسبه وصف الأعلى.\n(^٣) من الله الرحمة.\n(^٤) بالله من العذاب، وفيه أن فصل القراءة بالأدعية المناسبة لا يضر، بل هو مطلوب في الصلاة.\n(^٥) بسند صحيح.\n(^٦) بلفظ سبحان ربي العظيم ثلاثًا.\n(^٧) بلفظ سبحان ربي الأعلى ثلاثًا فإنه أقل الكمال كما سبق في الركوع، وأما أكثر التسبيح فقيل عشر لما رواه أبو داود أن أنسًا صلى وراء عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين فقال ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من هذا الفتى، قال سعيد بن جبير فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات وفي سجوده مثلها، وهذا لمن كان منفردًا أو إمامًا القوم محصورين، بخلاف غيره فليس له ذلك، قال الخطابي فيه دليل على وجوب التسبيح في الركوع والسجود لأنه اجتمع فيه أمر الله تعالى وبيان رسول الله - ﷺ - وترتيبه في موضعه من الصلاة، وعليه إسحاق وأحمد، كالتسميع والتحميد بعد الركوع وتكبيرات الانتقال والذكر بين السجدتين، فترك شيء من ذلك عمدًا مبطل للصلاة عندهما، أما سهوًا فلا ولكنه يسجد للسهو، والجمهور على أن هذه الأمور سنة وتركها عمدًا لا يضر ولا سجود السهو الحديث المسيء صلاته، فإنه خلا من ذلك في مقام البيان، وحديث \"صلوا كما رأيتموني أصلى\" يؤيد الوجوب.\n(^٨) حبيبي، نهي تحريم.\n(^٩) فقراءة القرآن في الركوع والسجود حرام وفي بطلان الصلاة بها خلاف، والله أعلم.","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type='title' id=toc-116>الدعاء في السجود مستجاب </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ (^٢)».\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ (^٣) وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ». رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً مِنَ الفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ (^٤) وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ (^٥) أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-117>الجلوس بين السجدتين والدعاء فيه</span>\n• عَنِ البَرَاءِ ﵁ قَالَ: كَانَ رُكوعُ النَّبِيِّ ﷺ وَسُجُودُهُ وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكوعِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ (^٦). رَوَاهُ الخَمْسَةُ (^٧).\n_________\nالدعاء في السجود مستجاب\n(^١) هو مستجاب في كل الصلاة؛ لأن المصلي واقف بين يدي ربه يناجيه وهو مقبل عليه، ولكن في السجود أكثر.\n(^٢) لأن سر الصلاة التذلل والخضوع، وهو بأجلى مظاهره في السجود، وكلما ازداد العبد خضوعًا لربه ازداد قربًا منه، فهو في سجوده أقرب إلى ربه من كل حال. ولمسلم وأحمد: \"ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن - أي خليق وجدير - أن يستجاب لكم.\n(^٣) بكسر أولهما أي دقيقه وعظيمه صغيره وكبيره، والمراد كل ذنب أذنبته.\n(^٤) الله تعالى لا يسخط على نبيه - ﷺ -، ولا يعاقبه؛ لأنه اصطفاه وفضله على العالمين، وإنما هذا لتعليم الأمة مقام الخوف من الله تعالى.\n(^٥) لا أقدر على أداء شكرك الواجب علي، فإن شكري لك نعمة منك علي، فكيف بشكرها.\n\nالجلوس بين السجدتين والدعاء فيه\n(^٦) أي فزمن ركوعه وسجوده واعتداله وجلوسه بين السجدتين يقرب من بعضه.\n(^٧) وفي رواية: ما خلا القيام والجلوس للتشهد، فإنه كان يطيلهما بالسورة وبالدعاء قبل السلام،=","vol":"1","page":194},{"text":"• عَنْ طَاوُسٍ ﵁ قَالَ: قُلْنَا لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الإِقْعَاءِ عَلَى القَدَمَيْنِ (^١) قَالَ: هِيَ السُّنَّةُ فَقُلْنَا: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ قَالَ: بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-118>جلسة الاستراحة </span>(^٤)\n\n• عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى لَنَا مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الآخِرَةِ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى قَعَدَ ثُمَّ قَامَ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا. وَلَفْظُ البُخَارِيِّ: وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ (^٥) جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ قَامَ.\n_________\n=وفيه أن الاعتدال والجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيهما وفي الركوع والسجود واجبة، فلا تصح الصلاة بدونها، وبه قال الجمهور لهذا ولحديث المسيء صلاته. خلافا للحنفية فإنهم يقولون: إن الاعتدال والجلوس بين السجدتين سنتان.\n(^١) الإقعاء هو نصب القدمين والجلوس عليهما، وهو سنة في الجلوس بين السجدتين، وهناك إقعاء مكروه وهو الجلوس على ألييه ونصب ساقيه ووضع يديه على الأرض لأنه عمل الكلب، وعليه حمل حديث الترمذي: يا على أحب لك ما أحب لنفسي وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقع بين السجدتين، وسيأتي في التشهد تسميته بعقب الشيطان.\n(^٢) رزقًا حسنًا حلالًا.\n(^٣) بلفظ واجبرني. بدل وعافني، وقال إنه غريب، فيجوز للمصلي أن يدعو بخيري الدنيا والآخرة، وعليه الشافعية وجماعة.\n\nجلسة الاستراحة\n(^٤) وهي جلسة خفيفة عقب السجدة الثانية وقبل القيام، وهي سنة عند الشافعي وإسحاق وأحمد، وقال غيرهم ليست سنة لخلو حديث أبي حميد عنها، وأجيب بأن خلوه منها يدل على عدم الوجوب فقط لا على عدم السنية.\n(^٥) عقب الركعة الأولى أو الثالثة، فيه استحباب تلك الجلسة قبل كل قيام، والله أعلم.","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type='title' id=toc-119>التشهد الأول وهيئة الجلوس في الصلاة</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَالقِرَاءَةِ بِالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصِوِّبْهُ وَلكِنْ بَيْنَ ذلِكَ (^١) وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجودِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا، وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ: «التَّحِيَّاتُ» (^٢). وَكَانَ إِذَا جَلَسَ يَفْرُشُ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ اليُمْنَى وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ (^٣) وَعَنْ فِرْشَةِ السَّبُعِ (^٤) وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ.\nعَن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ كَفَّهُ اليُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ اليُمْنَى وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ (^٥) وَوَضَعَ كَفَّهُ اليُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ اليُسْرَى (^٦). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ. وَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ (^٧): كَانَ النَبِيُّ ﷺ إِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ حَتَّى يَقُومَ (^٨).\n_________\nالتشهد الأول وهيئة الجلوس في الصلاة\n(^١) لم يشخص رأسه، أي لم يرفعه ولم يصوبه، أي إلى أسفل، ولكن يسوى رأسه وظهره كصحيفة واحدة.\n(^٢) أي كان يتشهد بعد كل ركعتين.\n(^٣) وهو الإقعاء المكروه السابق.\n(^٤) الفرشة بالكسر: الهيئة وهو بسط الذراعين على الأرض في السجود الذي هو انبساط الكلب المنهي عنه.\n(^٥) أي فكان يقبض أصابعه كلها إلا السبابة فإنه يرسلها ويرفعها عند قوله إلا الله في أشهد أن لا إله إلا الله، ويديم رفعها والنظر إليها إلى السلام.\n(^٦) فوق الركبة وبسط أصابعها إلى القبلة.\n(^٧) بسند حسن.\n(^٨) الرضف بفتح فسكون جمع رضفة، وهي حجارة محماة بالنار، والمراد تخفيف الجلوس للتشهد الأول، فكان يقتصر عليه مع صلاة على النبي - ﷺ - كما يراه الشافعي، أو بدونها كما يراه غيره، ولا دعاء فيه باتفاق.","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type='title' id=toc-120>الخشوع (^١) في الصلاة وتحسينها </span>(^٢)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّمقَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي ههُنَا وَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ وَلَا خُشُوعُكُمْ وَإِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَتِمُّوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي (^٣) إِذَا رَكَعْتُمْ وَإِذَا سَجَدْتُمْ». رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ.\nوَلِمُسْلِمٍ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَال: «يَا فُلَانُ أَلَا تُحْسِنُ صَلَاتَكَ أَلَا يَنْظرُ المْصَلِّي إِذَا صلَّى كَيْفَ يُصَلِّي فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ (^٤) إِنِّي وَاللَّهِ لَأُبْصِرُ مِنْ وَرَائِي كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ (^٥)».\n\n• عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيمَ ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (^٦)».\n\n• عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَى أَو المِرْجَلِ مِنَ البُكَاءِ (^٧). رَوَاهُمَا أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٨).\n\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الجُهَنِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الوُضُوءَ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ عَلَيْهِمَا (^٩) إِلا وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ».\n\n• عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ - أَيْ مِنْ صَلَاتِهِ - وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلا عُشْرُهَا تُسْعُها ثُمْنُهَا سُبْعُهَا سُدْسُهَا\n_________\nالخشوع في الصلاة وتحسينها\n(^١) هو سكون الجوارح وحضور القلب مع الله تعالى.\n(^٢) إتقانها بفعل الواجبات والسنن.\n(^٣) أي من ورائه.\n(^٤) فإن أحسن فلها، وإن أساء فعليها.\n(^٥) الجار والمجرور متعلق بأبصر.\n(^٦) أي حتى يعتدل منهما ويطمئن.\n(^٧) الرحي معروفة، والمرجل كمنبر: القدر، والمراد أنه - ﷺ - كان إذا دخل في الصلاة أخذه الخوف حتى يسمع له صوت كصوت الرحى، أو القدر الذي يغلى على النار خشية من الله تعالى، وفيه أن البكاء لا يبطل الصلاة مطلقًا، ويؤيده حديث ابن حبان ما كان فينا فارس يوم بدر إلا المقداد بن الأسود، ورأيتنا وما فينا قائم إلا رسول الله - ﷺ - تحت شجرة يصلى ويبكى حتى أصبح.\n(^٨) الأول بسند صحيح والثاني بسند حسن.\n(^٩) أي بالحضور مع الله تعالى.","vol":"1","page":197},{"text":"خُمْسُهَا رُبْعُهَا ثُلْثُهَا نِصْفُهَا (^١)». رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنِ الفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى (^٢) تَشَهَّدُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ (^٣) وَتَخَشَّعُ وَتَضَرَّعُ وَتَمَسْكَنُ وَتُقْنِعُ يَدَيْكَ - يَقُولُ تَرْفَعُهُمَا - إِلَى رَبِّكَ مُسْتَقْبِلًا بِبُطونِهِا وَجْهَكَ وَتَقُولُ يَا رَبِّ يَا رَبِّ (^٤) وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهِيَ خِدَاجٌ (^٥)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-121>أيُّ أعمال الصلاة أفضل </span>(^٧)؟\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «طولُ القُنُوتِ (^٨)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: سُئِلَ النَبِيُّ ﷺ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «طُولُ القِيَامِ (^٩)».\n\n<span data-type='title' id=toc-122>القنوت في الصلاة </span>(^١٠)\n\n• عَنِ البَرَاءِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ وَالمَغْرِبِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n_________\n(^١) فالرجل يصلي الصلاة وما كتب له من ثوابها إلا بقدر ما حضره من الخشوع والإخلاص الله تعالى.\n(^٢) أي صلاة التطوع والتهجد.\n(^٣) تشهد بحذف إحدى التاءين فيه وفي الأفعال الثلاثة بعده، أي تتشهد وتتخشع وتتضرع وتتمسكن إلى ربك، فإنه سر الصلاة.\n(^٤) وهذا ظاهر في القنوت.\n(^٥) ناقصة وقليلة الثواب، وفقه ما تقدم أنه يطلب في الصلاة الإتقان والإحكام والخضوع والخشوع والحضور مع الله تعالى ظاهرًا وباطنًا، فإنها دخول في حضرة الرب ومناجاة له جل شأنه.\n(^٦) بسند صحيح.\n\nأي أعمال الصلاة أفضل؟\n(^٧) أي أكثر ثوابًا.\n(^٨) أي القنوت الطويل.\n(^٩) هو معنى القنوت باتفاقهم، فأفضل عمل في الصلاة طول القيام، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، وقال ابن عمر وجماعة إن السجود أفضل لحديث: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، ولحديث: عليك بكثرة السجود. الذي تقدم في فضل الصلاة، وتوقف أحمد في ذلك، وقال إسحاق كثرة السجود في النهار أفضل وتطويل القيام في الليل أفضل. والله أعلم.\n\nالقنوت في الصلاة\n(^١٠) هو الالتجاء إلى الله تعالى في دفع شر أو جلب خير في وقفة في الصلاة قبل الركوع أو بعده، وهو سنة مؤكدة في الصبح عند مالك والشافعي، وفي الوتر في كل سنة عند جماعة، وفي آخر رمضان عند غيرهم كما يأتي.","vol":"1","page":198},{"text":"وَقِيلَ لِأَنَسٍ: هَلْ قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ؟ قَالَ: نَعَمْ بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا (^١). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى قَاتِلِي القُرَّاءِ (^٢)، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ لَأُقَرِّبَنَّ بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقْنُتُ فِي الظُّهْرِ وَالعِشَاءِ الآخِرَةِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ وَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ الكَافِرِينَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ بَعْدَ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ: «اللَّهُمَّ نْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ (^٣) اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ كَسِنِي يُوسُفَ، اللَّهُمَّ الْعَنْ لَحْيَانَ وَرِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»، ثُمَّ تَرَكَ ذلِكَ حِينَ نَزَلَ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ أَنَس ﵁ قَالَ: مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا (^٤). رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالحَاكِمُ.\n\n• عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيَ ﵄ قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الوِتْرِ (^٥) «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ (^٦)\n_________\n(^١) هو شهر في الرواية الآتية.\n(^٢) هم قراء سبعون أرسلهم النبي - ﷺ - لبني سليم كطلبهم، فغدروا بهم في الطريق، وقتلوهم فكان النبي - ﷺ - يدعو عليهم في الصلاة شهرًا.\n(^٣) فيه أن تعيين بعض الناس في الدعاء في الصلاة لا يبطلها، وفيه رد على من يقول لا يجوز الدعاء إلا بأخروي، وفي رواية عن ابن عباس: قنت النبي - ﷺ - شهرًا متتابعا في الصلوات كلها في اعتدال الركعة الأخيرة، يدعو على أحياء من العرب ويؤمن من خلفه. ففيه طلب القنوت في كل الصلوات في النازلة، كقحط وعدو ووباء، وعليه الشافعي وأحمد، وفيه أيضا أن محل القنوت في اعتدال الركوع الأخير وعليه كثير من الصحب والتابعين والشافعي وأحمد، وقال غيرهما: محله قبل الركوع الأخير، وفيه الجهر بالقنوت، فيجهر الإمام بالقنوت حتى يؤمن المأمومون معه.\n(^٤) فيه ندب القنوت في الصبح دائما، وبه قال الشافعي ومالك، وقال غيرهما لا قنوت في الصبح.\n(^٥) فيه ندب القنوت في الوتر في كل السنة، وعليه بعض الصحب وجمهور الفقهاء، وقال الحسن والزهري لا قنوت في الوتر إلا في النصف الثاني من رمضان، وعليه الشافعية، وكان علي ﵁ يقنت في النصف الآخر من رمضان، وكذا أبيّ بن كعب.\n(^٦) أي مع من هديت.","vol":"1","page":199},{"text":"وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضى عَلَيْكَ وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١). وَزَادَ النَّسَائِيُّ: «وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ».\n\n<span data-type='title' id=toc-123>الدعاء قبل السلام</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو (^٢) «اللَّهُمَّ إِنَّي أَعُوذ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ (^٣) وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ (^٤) وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ (^٥)». زَادَ فِي رِوَايَةٍ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَمِ وَالمَغْرَمِ (^٦)»، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ المَغْرَمِ فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ (^٧)». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: عَلِّمنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي قَالَ: «قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا (^٨) وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ\n_________\n(^١) ورواه ابن حبان والحاكم وغيرها بسند حسن، وقال الفقهاء لا يتعين في القنوت هذا، بل يكفي كل كلام اشتمل على ثناء ودعاء وإن كان الأفضل الوارد، ومنه اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونثنى عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، اللهم إياك نعبد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق.\n\nالدعاء قبل السلام\n(^٢) في الصلاة كما في رواية.\n(^٣) سيأتيان في الجنائز وفي كتاب القيامة إن شاء الله.\n(^٤) بفتح أولهما: الحياة والموت، وفتنة الحياة هي المال والأولاد، وفتنة الممات الفتايات عند خروج الروح وفي القبر.\n(^٥) سيأتي ذكره في الفتن وعلامات الساعة.\n(^٦) هما كمغنم، والمأثم ارتكاب الإثم، والمغرم ارتكاب غرامة مالية.\n(^٧) فالغرامة مدعاة للنفاق، وفي رواية: إذا فرغ أحدكم من التشهد فليتعوذ بالله من أربع الخ ففيها بيان محل الدعاء، وأنه قبل السلام كما صرح به الحديثان الأخيران.\n(^٨) وفي رواية: كبيرا بالباء، والأولى الجمع بينهما.","vol":"1","page":200},{"text":"وَالتَّسْلِيمِ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسْرَفْتُ (^١) وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ لَا إِلهَ إِلا أَنْتَ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ مِحْجَنِ (^٢) بْنِ الأَدْرَع قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ قَضى صَلَاتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا اللَّهَ الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُونوبِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ قَالَ فَقَالَ «قَدْ غُفِرَ لَهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ» ثَلَاثًا (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-124>حكم من لم يستطع القيام والقراءة </span>(^٥)\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ (^٦) فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَلاةِ فَقَالَ: «صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ (^٧)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا. وَسَيَأْتِي فِي قَضَاءِ النَّوَافِلِ جَوَازُهَا مِنْ قُعُودٍ مَعَ القُدْرَةِ عَلَى القِيَامِ.\n_________\n(^١) على نفسي بكثرة العصيان.\n(^٢) كمنبر.\n(^٣) وسيأتي في الذكر إن شاء الله.\n(^٤) بسند صالح، وستأتي أدعية كثيرة في كتاب الذكر والدعاء إن شاء الله.\n\nحكم من لم يستطع القيام والقراءة\n(^٥) الذي سبق أنهما فرضان.\n(^٦) جمع باسور، وهو مرض في المقعدة.\n(^٧) أي صل قائمًا إن قدرت على القيام، وإلا فصل قاعدًا على أي حال شئت، والتربع أفضل عند الثلاثة، والافتراش عند الشافعي، أفضل فإن لم تقدر فعلى الجنب الأيمن مستقبل القبلة، ففيه وجوب الصلاة على جنبه إذا عجز عن القعود، وقال بعض الشافعية يستلقي على ظهره ورجلاه للقبلة إذا عجز عن القعود، لرواية النسائي: فإن لم تستطع فمستلقيًا، أي وأخمصاه القبلة ورأسه مرفوع يومئ به الركوع والسجود، ويكون أخفض من الركوع، وظاهره أن من عجز عن الاستلقاء لا يجب عليه الإيماء بالرأس ولا بالطرف ولا إجراء الأقوال على لسانه ثم على قلبه، لسكوت الحديث عن ذلك، وبه قال الجمهور، وقال الشافعية إنه يجب عليه ذلك لأن مدار الصلاة على العقل، فما دام عقله فإنه يجب عليه المستطاع من صلاته لحديث: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، ومن صلى قاعدًا أو مضطجعًا فالواجب عليه في الركوع والسجود ما يقدر عليه، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فقه الحديث أن من عجز عن القيام في الفرض صلى جالسا فإن لم يقدر =","vol":"1","page":201},{"text":"• عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ القُرْآنِ شَيْئًا فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئِنِي مِنْهُ (^١) فَقَالَ: «قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هذَا لِلَّهِ فَمَا لِيَ (^٢)؟ قَالَ: «قلِ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَارْزُقْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي» فَلَمَّا قَامَ قَالَ هكَذَا بِيَدَيْهِ (^٣) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَّا هذَا فَقَدْ مَلَأَ يَدَيْهِ مِنَ الخَيْرِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-125>يكمل نقص الفرض من التطوع </span>(^٥)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِم الصَّلَاةُ (^٦) يَقُولُ رَبُّنَا ﷿ لِمَلَائِكَتِهِ: - وَهُوَ أَعْلَمُ - انْظُرُوا فِي صَلَاةِ عِبْدِي أَتَمَّهَا أَمْ نَقَصَهَا، فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا (^٧) قَالَ انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ قَالَ أَتِمُّوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ (^٨)\n_________\n= صلى على جنبه، فإن لم يقدر صلى مستلقيًا على ظهره ورجلاه ورأسه إلى القبلة، ومثل هذا من كان في سفينة أو قطار أو مركب في الهواء أو كمينًا، فإنه يصلي كيف أمكنه مستقبل القبلة أولا، من قيام أولا، لحديث الدارقطني والحاكم على شرط الشيخين: سئل النبي - ﷺ - كيف أصلي في السفينة؟ قال صل فيها قائما إلا أن تخاف الغرق.\n(^١) ما يكفيني في صلاتي عن القرآن حيث لم يتيسر لي حفظ شيء منه الآن وإلا فمن يحفظ هذه الكلمات يمكنه حفظ شيء من القرآن.\n(^٢) أي هذا ذكر لله، فعلمني دعوة أدعو بها لنفسي.\n(^٣) فرفعهما، وعد كل كلمة على إصبع، وقبضها إشارة إلى حفظه لها وحرصه عليها. وظاهره أن من عجز عن الفاتحة وعن بدلها من القرآن قرأ ذكرا بقدرها، والأولى هذه الكلمات التي علمها النبي - ﷺ - لهذا الرجل، ولكن يكررها بقدر الفاتحة.\n(^٤) بسند صالح.\n\nيكمل نقص الفرض من التطوع\n(^٥) في يوم القيامة، لعله يفي بما عليه فينجو.\n(^٦) لا يعارضه ما سيأتي في الحدود من حديث: أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء. فإن هذا في حقوق الخلق مع بعضهم، وما هنا في حقوق الله تعالى ولم يرد ما يفيد تقديم أحدهما.\n(^٧) بترك الفرض بالكلية، أو بنقص شيء من أركانه أو سننه.\n(^٨) وفي رواية: كل سبعين ركعة من النفل تعد بواحدة من الفرض، ويظهر أن الصيام كذلك.","vol":"1","page":202},{"text":"ثُمَّ الزَّكَاةُ مِثْلُ ذلِكَ (^١) ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ عَلَى حَسَبِ ذلِكَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢) وَالتِّرْمِذِيُّ وَلفظُهُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ (^٣) وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْئًا قَالَ الرَّبُّ ﷿ أَتِمُّوا فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ».\n\n<span data-type='title' id=toc-126>يكره في الصلاة أمور (^٤)\nمنها النظر إلى السماء والالتفات </span>(^٥)\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ» فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذلِكَ (^٦) حَتَّى قَالَ: «لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ (^٧)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ. وَلَفْظ مُسْلِمٍ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ (^٨) أَوْ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ».\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ (^٩) فَقَالَ: «هُوَ اخْتِلَاسٌ (^١٠) يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\nوَلَهُمَا (^١١): «لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى العَبْدِ وَهُوَ\n_________\n(^١) فيكمل الفرض بالتطوع من نوعه في الزكاة وسائر العبادات.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) ببركة الصلاة يفلح في كل موقف، وينجو بإذن الله تعالى.\n\nيكره في الصلاة أمور\n(^٤) الأمور التي لا ينبغي فعلها في الصلاة، ولا تبطلها.\n(^٥) وكذا ما يلهي، والنعاس.\n(^٦) بتكرير هذا القول أو غيره مما يفيد المبالغة في الزجر.\n(^٧) فيه وعيد شديد بالعمى إن لم ينهوا، فيفيد التحريم، وبه قال بعضهم، والمشهور أنه مكروه، وبالغ ابن حزم فقال تبطل به الصلاة لأنه خروج بوجهه عن القبلة ومناف للخشوع.\n(^٨) ظاهره النهي عنه في كل الصلاة، ولفظ عند الدعاء في بعض الروايات؛ لأنه كان الواقع منهم ومظنة الوقوع.\n(^٩) أي بالوجه، أما الالتفات بالصدر فمبطل لفقد الشرط، وهو الاستقبال كما سبق.\n(^١٠) اختطاف بسرعة وتحويل من عمل الشيطان ليصرف المصلى عن الخشوع، فيفوت الثواب.\n(^١١) بسند صالح.","vol":"1","page":203},{"text":"فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا التَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ (^١)».\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَلْحَظُ فِي الصَّلَاةِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ (^٢).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَالالتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَفِي التَّطَوُّعِ لَا فِي الفَرِيضَةِ (^٣)» رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ (^٥) فَقَالَ: «شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هذِهِ اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّتِهِ». رَوَاهُ الثَّلَاثَة.\nوَعَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ (^٦)» رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-127>ومنها البصاق والاختصار ومسح الحصى والإشارة باليد</span>\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلكِنْ عَنِ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ (^٧)».\n_________\n(^١) أي يقبل الله على العبد برحمته ورضوانه ما لم يلتفت، وإلا أعرض عنه وقل ثوابه، والالتفات بالوجه مكروه لتحويله عن القبلة ولمنافاته للخشوع، وعليه الإجماع، وقال المتولى إنه حرام إلا لحاجة، فلا كراهة ولا حرمة، والمطلوب من المصلى أن ينظر إلى محل سجوده إلا في التشهد، فإنه ينظر إلى السبابة التى يشير بها عند التوحيد.\n(^٢) فكان يحول بصره فقط للحاجة دون وجهه.\n(^٣) ظاهره أنه حرام، ولعله للزجر.\n(^٤) الأول غريب، والثانى حسن.\n(^٥) الخميصة - كلطيفة - كساء فيه ألوان، وأبو جهم هو عبيد أو عامر بن حذيفة القرشى صحابى مشهور، وكان أهدى هذه الخميصة للنبى - ﷺ - فصلى فيها فشغلته فقال ردوها إلى أبى جهم وهاتوا أنبجانيته، وهى بفتح فسكون فكسر فجيم فألف فنون فياء نسبة، كساء غليظ بلون واحد.\n(^٦) أي فإذا غلبكم النوم وأنتم تعملون فارقدوا حتى يرتاح الجسم، فإن المصلى مع غلبة النوم ربما أراد أن يدعو لنفسه فيدعو عليها، فالصلاة مع غلبة النوم مكروهة.\n\nومنها البصاق والاختصار والإشارة\n(^٧) البصاق والبزاق: ما يخرج من الفم، فلا ينبغى للمصلى البصق عن يمينه لشرف اليمين، ولا أمامه فإن الله مقبل عليه، ولكن عن يساره إذا كان المسجد ترابيًا، وإلا ففى ردائه أو في منديل معه كما في رواية.","vol":"1","page":204},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا (^١). رَوَاهُمَا الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَمْسَحِ الحَصى (^٢) فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ (^٣)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٤).\n\n• عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكُنَّا إِذَا سَلَّمْنَا قُلْنَا بِأَيْدِينَا (^٥) السَّلَامُ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَنَظَرَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ تُشِيرُونَ بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ؟ (^٦) إِذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ فَلْيَلْتَفِتْ إِلَى صَاحِبِهِ وَلَا يُومِئْ بِيَدِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-128>ومنها الصلاة بحضرة الطعام ومع مدافعة الحدث</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا وُضِعَ العَشَاءُ (^٧) وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَؤوا بِالعَشَاءِ». وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا قُدِّمَ العَشَاءُ فَابْدِؤوا بِهِ قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَعَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ (^٨) وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ (^٩)».\n_________\n(^١) الاختصار: وضع يده على خاصرته، أو اختصار السورة، أو اعتماده على عصا من غير حاجة إليها، والنهي للكراهة لأنه بالمعنى الأول فعل الشيطان، وقيل فعل اليهود، وكفى أنه عادة المتكبرين.\n(^٢) أي ونحوه من محل سجوده إذا أمكن السجود عليه وإلا فيسويه، ومسح الحصى مكروه، لأنه ينافى الخشوع إذا كان مرة أو اثنتين، فإن زاد عليهما في ركعة بطلت صلاته عند جماعة، منهم الشافعي وقال غيرهم لا تبطل به الصلاة وإن كثر إذا كان لحاجة.\n(^٣) أي وتنزل عليه، وبالعبث تمتنع الرحمة.\n(^٤) بسند حسن.\n(^٥) أشرنا باليمنى إلى جهة اليمين، وباليسرى إلى جهة الشمال.\n(^٦) بضم فسكون أو بضمتين جمع شموس، وهى التى لا تسكن لحدتها، فالإشارة باليد مكروهة إلا لحاجة فلا، كما يأتى في العمل الخفيف.\n\nومنها الصلاة بحضرة الطعام ومع مدافعة الحدث\n(^٧) أي قبل الصلاة لتتفرغوا لها من الشواغل، وهذا إذا كان في الوقت اتساع، وإلا قدم الصلاة.\n(^٨) الذي يريد أكله لاشتغاله به، فصلاته حينئذ مكروهة.\n(^٩) تثنية أخبث، وهو الخارج من القبل أو الدبر، فالصلاة مع حصر البول أو الغائط أو الريح مكروهة.","vol":"1","page":205},{"text":"وَسُئِلَ أَنَسٌ عَنِ الثُّومِ (^١) فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّا وَلَا يُصَلِّي مَعَنَا». رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-129>ومنها كف الشعر والإسبال</span>\nمَرَّ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الحَسَنِ بْنِ عَلِيَ ﵉ وَهُوَ يُصَلِّي قَائِمًا وَقَدْ غَرَزَ ضَفْرَهُ فِي قَفَاهُ (^٢) فَحَلَّهَا أَبُو رَافِعٍ فَالتَفَتْ حَسَنٌ إِلَيْهِ مُغْضَبًا فَقَالَ: أَقْبَلْ عَلَى صَلَاتِكَ وَلَا تَغْضَبْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ذلِكَ كِفْلُ الشَّيْطَانِ (^٣)» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنِ السَّدْلِ فِي الصَّلَاةِ (^٥) وَأَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ (^٦). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٧).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ رَجُلٍ مُسْبِلٍ إِزَارَهُ (^٨)».\n_________\n(^١) هو البقل المعروف، أي سئل عن الصلاة بعد أكله نيئًا فقال لا يقربنا، أي في مساجدنا ومجالسنا، فالصلاة مع تغير الفم بأكل بصل أو ثوم أو نحوهما مكروهة؛ لأنها دخول في حضرة الرب جل شأنه، فينبغى التطيب لها، فكيف إذا وجدت الرائحة الكريهة، وسيأتى حكم ذلك في آداب المساجد إن شاء الله.\n\nومنها كف الشعر والإسبال\n(^٢) كف ضفائره وعقدها في مؤخر رأسه.\n(^٣) يتخذه مقعدًا يجلس عليه. وتقدم: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ولا أكف ثوبًا ولا شعرًا. ولأبى داود: مثل هذا مثل الذي يصلى وهو مكتوف أي مربوط اليدين خلفه، فكف الشعر أو الثوب حال السجود مكروه؛ لأن المطلوب أن يسجد الإنسان مع ما اتصل به من شعر وثوب، فتكون مشاركة له في السجود ويشغل فراغا كثيرًا في عبادته، فيشهد له في الآخرة.\n(^٤) بسند حسن.\n(^٥) قال الجوهرى: سدل ثوبه يسدله بالضم سدلًا إذا أرخاه فالسدل إرسال الثوب حتى يصيب الأرض، وهو مذموم خارج الصلاة كما سيأتي في آداب اللباس إن شاء الله، فكيف بين يدى الله في الصلاة.\n(^٦) فتغطية الفم في الصلاة مكروهة، وكانت عادتهم ذلك في التلثم بالعمامة.\n(^٧) بسند ضعيف، ولكنه مؤيد بالصحاح في النهى عن الإسبال.\n(^٨) سببه أن النبي - ﷺ - رأى رجلا يصلى مسبلًا إزاره، فقال له: اذهب فتوضأ، فذهب فتوضأ، ثم جاء فقال له اذهب فتوضأ، فتوضأ ثم جاء، فقال رجل يا رسول الله أمرته بالوضوء مرتين فقال الحديث.","vol":"1","page":206},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَسْبَلَ إِزَارَهُ فِي صَلَاتِهِ خُيَلَاءَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ فِي حِلَ وَلَا حَرَامٍ (^١)» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-130>ومنها التثاؤب والتشبيك والنفخ</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «التَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ (^٣) مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالبُخَارِيُّ فِي بَدْءِ الخَلْقِ، وَلَفْظُهُ: «التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذْا قَالَ هَا ضَحِكَ الشَّيْطَانُ مِنْهُ (^٥)».\n\n• عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى المَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ (^٦)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ مُوثَّقٍ.\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ غُلَامًا لَنَا يُقَالُ لَهُ أَفْلَحُ إِذَا سَجَدَ نَفَخَ (^٧) فَقَالَ: يَا أَفْلَحُ تَرِّبْ وَجْهَكَ (^٨). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٩).\n_________\n(^١) في حل أي من الجنة، فلا تحل له، ولا حرام أي من النار، بل هو من أهلها، أو المراد لا قيمة له عند الله.\n(^٢) الأول صحيح والثانى روى مسندًا وموقوفا.\n\nومنها التثاؤب والتشبيك\n(^٣) بل وفى غيرها.\n(^٤) فليضم فمه ليدفعه، وليضع يده اليسرى على فمه.\n(^٥) فالتثاؤب من عمل الشيطان ويسرّه، فأمرنا بدفعه ولا سيما في الصلاة، ولأنه علامة الكسل.\n(^٦) فالتشبيك حين الخروج للصلاة مكروه، فما بالك به في الصلاة، فهو أشد كراهة لإشعاره بالعبث ومثله فرقعة الأصابع، لحديث ابن ماجه: لا تفقّع أصابعك في الصلاة. وورد أنهما من الشيطان.\n(^٧) أي التراب من محل سجوده.\n(^٨) في سجودك لربك واغتبط بأثر العبادة في وجهك، فالعز كل العز في طاعة الله تعالى كما كان داود ومحمد صلى الله عليهما وسلم في السجود:\nأعفر وجهى في التراب لسيدى … وحق لوجهى سيدى أن يعفرا\nفالنفخ في الصلاة مكروه ولا يبطلها عند الجمهور، وقال سفيان وأهل الكوفة إنه يبطلها، قاله الترمذي.\n(^٩) بسند ضعيف.","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type='title' id=toc-131>الباب السادس: في الرواتب وفيه فصول ثلاثة</span>\n<span data-type='title' id=toc-132>الفصل الأول: في رواتب الفرائض </span>(^١)\n• عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَىْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًَا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ». قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: فَمَا بَرِحْتُ أُصَلِّيهِنَّ بَعْدُ (^٢). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ. وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ: «أَرْبَعًَا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ».\n\n<span data-type='title' id=toc-133>راتبة الفجر</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا (^٣)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ. وَلِأَبِي دَاوُدَ (^٤) وَأَحْمَدَ: «لَا تَدَعُوهُمَا وَإِنْ طَرَدَتْكُمُ الخَيْلُ (^٥)».\nوَعَنْهَا قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ (^٦) تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ (^٧). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ\n_________\n(الباب السادس في الرواتب. وفيه فصول ثلاثة. الفصل الأول في رواتب الفرائض)\n(^١) هي السنن التابعة للفرائض، وتسمى تطوعًا ونافلة وسنة ومندوبًا ومستحبًا وهو ما رجح الشرع فعله ورغب فيه ولم يعاقب على تركه، وهو قسمان مؤكد وهو ما واظب عليه النبي - ﷺ -، وغير مؤكد، وهو ما تركه أحيانًا وسيأتيان، وحكمة الرواتب تكميل ما نقص من الفرائض إن حصل، وإلا فزيادة الثواب والقرب من الله تعالى.\n(^٢) أي فما زلت أواظب عليهن بعد سماعى هذا.\n\nراتبة الفجر\n(^٣) أي سنته التى قبل فرضه خير من الدنيا، فنعيمهما في الجنة خير من نعيم الدنيا لو ملكها الإنسان، أو ثوابهما أكثر من ثواب الدنيا لو ملكها وتصدق بها، وإذا كان هذا في سنة الفجر، فما بالك بفرضه.\n(^٤) بسند صالح.\n(^٥) مبالغة في المحافظة عليهما ولو في الشدة لكثرة ثوابهما.\n(^٦) خبر يكن.\n(^٧) فكانت محافظته على سنة الفجر أكثر من كل سنة، وهذا وما قبله يدل على فضلهما، وأنهما آكد من كل نافلة، فهما سنة مؤكدة عند الجمهور، وقال الحسن إنهما واجبان.","vol":"1","page":208},{"text":"قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى أَنِّي لَأَقولُ هَلْ قَرَأَ بِأُمِّ الكِتَابِ (^١). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيِ الفَجْرِ: قُلْ يَا أَيَّهَا الكَافِرُونَ. وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (^٢). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيِ الفَجْرِ: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ (^٣). وَالَّتِي فِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿إِلَى كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (^٤). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\nوَلِلتِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ (^٥): «إِذَا صَلَّى أَحدُكُمْ رَكْعَتَيِ الفَجّرِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ (^٦)».\n\n<span data-type='title' id=toc-134>الرواتب المؤكدة</span>\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ (^٧) رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ (^٨) وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا (^٩) وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ (^١٠) وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ\n_________\n(^١) ليس المعنى أنها شكت في قراءة الفاتحة، بل المراد تخفيفهما أكثر من بقية النوافل.\n(^٢) أحيانًا، قال الجمهور يستحب أن يقرأ فيهما بهاتين السورتين، أو بالآيتين اللتين في الحديث بعده، وقال بعض الأئمة لا يقرأ إلا الفاتحة للحديث السابق، ولكنه خلاف السنة.\n(^٣) تمامها: وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون.\n(^٤) أولها: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينك ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون.\n(^٥) بسند حسن.\n(^٦) وهو للقبلة، وليذكر الموت وما بعده ثم يعتدل ويتعوذ بالله من الشيطان سبعًا ويتلو البسملة تسع عشرة مرة ثم يقول: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم أستغفر الله مائة مرة. ورد في حديث أن من واظب عليها بين سنة الصبح وفرضه أتته الدنيا وهى راغمة. والدار على النية، نسأل الله الإخلاص.\n\nالرواتب المؤكدة\n(^٧) من النفل لمواظبته عليها.\n(^٨) ينوى فيهما سنة الظهر القبلية، والركعتان لا تنافى الأربع الآتية في الحديث الثالث.\n(^٩) أي الظهر ينوى فيهما سنة الظهر البعدية.\n(^١٠) ينوى سنة المغرب البعدية.","vol":"1","page":209},{"text":"فِي بَيْتِهِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ (^١) وَكَانَتْ سَاعَةً لَا يُدْخَلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا (^٢).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ الظُّهْرِ سَجْدَتَيْنِ (^٣) وَبَعْدَهَا سَجْدَتَيْنِ وَبَعْدَ المَغْرِبِ سَجْدَتَيْنِ وَبَعْدَ العِشَاءِ سَجْدَتَيْنِ وَبَعْدَ الجُمُعَةِ سَجْدَتَيْنِ (^٤) فَأَمَّا المَغْرِبُ وَالعِشَاءُ وَالجُمُعَةُ فَصَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِهِ (^٥).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الغَدَاةِ (^٦). رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ الأُصُولُ الخَمْسَةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-135>الرواتب غير المؤكدة</span>\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ (^٧) ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ مَرَّتَيْنِ» ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ «لِمَنْ شَاءَ (^٨)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ (^٩)» قَالَ فِي الثَّالِثَةِ «لِمَنْ شَاءَ» كَرَاهِيَةَ أَنْ\n_________\n(^١) ينوى فيهما سنة الصبح أو سنة الفجر أو سنة الغداة.\n(^٢) أي لا يدخل عليه فيها أحد لاشتغاله بربه جل شأنه، فهذه الركعات العشرة هي الراتبة المؤكدة وعليه الشافعية والحنابلة.\n(^٣) أي ركعتين.\n(^٤) ويندب قبلها أيضًا ركعتان للحديث الآتي: بين كل أذانين صلاة، بل هي كالظهر في القبلية والبعدية؛ لأنها خامسة يومها، وعليه الشافعي، وقد انتصر له الشوكانى في النيل بقوله فالصلاة قبل الجمعة مرغب فيها عموما وخصوصا، ولا حجة لمدعى الكراهة إلا النهى وقت الزوال، وسنة الجمعة بعد الزوال، لا حين الزوال فتلاشت حجته، والحق أولى بالاتباع.\n(^٥) أي صلى راتبتهن في بيته لما يأتى: أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة. وقال مالك والثورى الأفضل صلاة راتبة النهار بالجامع وراتبة الليل بالبيت.\n(^٦) فكانت محافظته - ﷺ - على هذه الست أشد من غيرها، والله أعلم.\n\nالرواتب غير المؤكدة\n(^٧) بميم فغين ففاء بلفظ المفعول.\n(^٨) الأذانان هما الأذان والإقامة من باب التغليب، ففيه طلب النافلة قبل كل فريضة وفى رواية: ما من صلاة مكتوبة إلا وبين يديها سجدتان. وقوله أن شاء إشارة إلى أنها غير مؤكدة، وتأكدت سنة الفجر وقبلية الظهر بما سبق.\n(^٩) أي ركعتين كلفظ أبى داود القائل: صلوا قبل المغرب ركعتين. وقوله كراهية أن يتخذها الناس سنة أي طريقة لازمة، فيه استحباب قبلية المغرب، وروى حديثها جمع من الصحابة، وصلاها فريق من الصحب والتابعين والفقهاء منهم الشافعية والحنابلة، وسكت عنها الحنفية، وكرهها المالكية لضيق الوقت، ولعلهما لم يصح عندها شيء فيها.","vol":"1","page":210},{"text":"يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أُمِّ حَبيبَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا (^١) حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعًا (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى بَعْدَ المَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيمَا بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ عَدَلْنَ (^٥) لَهُ بِعِبَادَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً».\nوَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ صَلَّى بَعْدَ المَغْرِبِ عِشْرِينَ رَكْعَةً (^٦) بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-136>الفصل الثاني: في الوتر </span>(^٨)\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَا أَهْلَ القُرْآنِ أَوْتِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ (^٩)»\n_________\n(^١) سبق تأكد اثنتين منها.\n(^٢) بسند صحيح.\n(^٣) بنية سنة العصر القبلية وحافظ عليها، ولأصحاب السنن: كان النبي - ﷺ -، يصلى قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم. وللطبرانى: من صلى أربع ركعات قبل العصر لم تمسه النار. ولأبى يعلى: من حافظ على أربع ركعات قبل العصر بنى الله له بيتًا في الجنة.\n(^٤) بسند حسن، فهذه الأحاديث ترغب في ركعتين قبل المغرب، وركعتين قبل العشاء، وركعتين بعد الظهر زيادة على المؤكدتين، وأربع قبل العصر، ولم تصرح بفعل النبي - ﷺ - لها، فتفيد أنها سنة غير مؤكدة.\n(^٥) من باب ضرب أي ساوين.\n(^٦) بنية صلاة الغفلة، فإنها اشتهرت بذلك لغفلة الناس عنها بالعشاء.\n(^٧) بسندين ضعيفين، ولكن ورد في هذه الصلاة عدة أحاديث من طرق شتى، منها ما رواه أحمد والترمذى عن حذيفة قال صليت مع النبي - ﷺ - المغرب، فلما قضى الصلاة قام يصلى، فلم يزل يصلى حتى صلى العشاء ثم خرج. ومنها ما رواه أبو داود وغيره: قال أنس كان أصحاب النبي - ﷺ - يصلون فيما بين المغرب والعشاء وفى رواية: من المغرب إلى العشاء فنزل قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ ونزل ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ وللطبرانى عن عمار بن ياسر أن النبي - ﷺ - صلى بعد المغرب ست ركعات. وقال: من صلى بعد المغرب ست ركعات غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر.\n\nالفصل الثاني في الوتر\n(^٨) الوتر بالكسر والفتح: الفرد، والمراد هنا بيان حكمه وفضله ووقته وعدده وما يقرأ فيه وقضائه إذا فات كما يأتى، والوتر يشبه راتبة الفريضة من جهة توقفه على صلاة العشاء.\n(^٩) أي يا أمة محمد،=","vol":"1","page":211},{"text":"رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١).\n\n• عَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَمَدَّكُمْ (^٢) بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَم (^٣) وَهِيَ الوِتْرُ فَجَعَلَهَا لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ العِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا (^٥)» رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ مَسْرُوقٍ (^٦) ﵁ قُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَتَى كَانَ يُوتِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتْ: كُلُّ ذلِكَ قَدْ فَعَلَ أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلَ وَوَسَطَهُ وَآخِرَهُ وَلكِنِ انْتَهَى وِتْرُهُ حِينَ مَاتَ إِلَى السَّحَرِ (^٧). رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ خَافَ أَلا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ فَإِنَّ صَلَاةِ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ وَذلِكَ أَفْضَلُ (^٨)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: «مَتَى تُوتِرُ؟» قَالَ: أُوتِرُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَقَالَ لِعُمَرَ: «مَتَى تُوتِرُ؟» قَالَ: أُوتِرُ آخِرَ اللَّيْلِ فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: «أَخَذَ هذَا بِالحَزْمِ (^٩)»\n_________\n=صلوا الوتر فإن الله وتر، أي واحد في ذاته وصفاته وأفعاله يحب الوتر، وظاهره الوجوب كظاهر قوله الآتى: الوتر حق على كل مسلم، فيفيد أن الوتر واجب، وعليه الحنفية، وقال الجمهور إنه سنة مؤكدة، لقوله - ﷺ - لمعاذ لما - بعثه لليمن: أخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، ولحديث هل علي غيرها قال: لا إلا أن تطوع. ولحديث أحمد والطبرانى والحاكم: ثلاث عليّ فرائض وهى لكم تطوع النحر والوتر وركعتا الفجر. ولحديث الأصول: كان النبي - ﷺ - يوتر على راحلته في السفر فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة.\n(^١) بسند حسن.\n(^٢) زادكم على الفرائض الخمس.\n(^٣) حمر كقفل جمع أحمر، والنعم هنا الإبل خاصة من إضافة الصفة للموصوف أي هي خير لكم من الإبل الحمر، وكانت أعز أموال العرب، فضرب بها المثل.\n(^٤) فيدخل وقتها بصلاة العشاء ويمتد إلى الفجر.\n(^٥) أي اختموا صلاة الليل بالوتر، كما ختمت صلاة النهار بالمغرب.\n(^٦) من كبار التابعين أخذ عن الصحابة، وعن عائشة ﵃، وكان أصله مصريًا وسرق في صغره وجيء به فاشتهر بمسروق.\n(^٧) أي واظب عليه في آخر حياته قبل الفجر حتى مات - ﷺ -.\n(^٨) لأنه يكون وترًا وتهجدًا، فينبغى أن ينوى ذلك، ولأنه وقت التجلي كما يأتى في صلاة الليل.\n(^٩) بالحاء والزاى أي الحذر والحيطة خوفًا من فواته بالنوم.","vol":"1","page":212},{"text":"وَقَالَ لِعُمَرَ: «أَخَذَ هذَا بِالقُوَّةِ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-137>بيان الوتر </span>(^٣)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى (^٤) فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَرِفَ فَارْكَعْ رَكْعَةً تُوتِرُ لَكَ مَا صَلَّيْتَ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ (^٥)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوترَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٦). وَفِي رِوَايَةٍ: «الوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ شَاءَ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ وَمَنْ شَاءَ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ وَمَنْ شَاءَ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ وَمَنْ شَاءَ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ (^٧)».\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوتِرُ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً (^٨) فَلَمَّا كَبِرَ (^٩) وَضَعُفَ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ (^١٠). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِي (^١١).\n_________\n(^١) قوة العزيمة على قيام الليل، فأثنى عليهما ووجه قصدهما.\n(^٢) بسند صالح، وإلى هنا تبين حكمه وفضله ووقته.\n\nبيان الوتر\n(^٣) بيان عدد ركعاته.\n(^٤) أي اثنتين اثنتين.\n(^٥) فيه جواز الاقتصار في الوتر على ركعة ولا كراهة.\n(^٦) بسند صالح.\n(^٧) فيه دلالة على عدم وجوب الوتر؛ لأن الواجب لا تخيير فيه.\n(^٨) منها ركعتا الفجر كما قالت عائشة في صلاة الليل وستأتى، ففى هذه النصوص أن أقل الوتر ركعة وأكثره إحدى عشرة وعليه الجمهور والشافعية والحنابلة، ومن صلى أكثر من ركعة فله السلام من كل ركعتين، وهو أفضل، وله وصلها كلها بتشهد في آخرها، وقال المالكية إن الوتر ركعة واحدة فقط، ووصلها بالشفع مكروه، وقال الحنفية الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة، وكان على وعمر وابن مسعود يوترون بثلاث متصلة.\n(^٩) كبر كفرح في السن وكبر كعظم في المعنى ومنه ﴿كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾.\n(^١٠) وفى رواية: أوتر بتسع.\n(^١١) بسند حسن.","vol":"1","page":213},{"text":"• عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ (^١)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-138>القراءة في الوتر</span>\n• عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْنَا عَائِشَةَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يُوتِرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^٣)؟ قَالَتْ: كَانَ يَقْرَأُ فِي الأُولَى بِسَبِّحِ اسْمِ رَبِّكَ الأَعْلَى وَفِي الثَّانِيَةِ بِقُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ وَفِي الثَّالِثَةِ بِقلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالمُعَوِّذَتَيْنِ. رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٤). وَزَادَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ: وَكَانَ يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ «سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوسِ» ثَلَاثًا وَيَرْفُعُ صَوْتَهُ بِالثَّالِثَةِ.\nوَسُئِلَتْ عَائِشَةُ ﵂: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسِرُّ بِالقِرَاءَةِ فِي الوِتْرِ أَمْ يَجْهَرُ؟ قَالَتْ: كُلُّ ذلِكَ كَانَ يَفْعَلُ، رُبَّمَا أَسَرَّ وَرُبَّمَا جَهَرَ (^٥). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْهُ «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٦).\n_________\n(^١) جاء على لغة بنى الحارث الذين ينصبون المثنى بالألف كقراءة ﴿إن هذان لساحران﴾ فمن أوتر أول الليل ثم بدا له أن يصلى بعد ذلك أو استيقظ قبل الفجر، فإنه يصلى شفعًا شفعة ولا يعيد الوتر، وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا، وقال بعضهم إنه يصلى ركعة تشفع له وتره ثم يصلى ما شاء ثم يوتر.\n(^٢) بسند حسن.\n\nالقراءة في الوتر\n(^٣) من القرآن.\n(^٤) بسند حسن، ويظهر أنه كان يتشهد في آخرهن لحديث أبى داود والنسائي كان يوتر بسبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد، زاد النسائي: ولا يسلم إلا في أخراهن، والحديث الحاكم: كان النبي - ﷺ - يوتر بثلاث لا يقعد إلا في أخراهن. وهذا ظاهر إذا اقتصر على ثلاث وهو أقل الكمال.\n(^٥) فكان يسرّ مرة ويجهر أخرى.\n(^٦) بسند حسن.","vol":"1","page":214},{"text":"<span data-type='title' id=toc-139>الفصل الثالث: في الدعاء والذكر عقب الصلاة</span>\n• عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ (^١) اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا (^٢) وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ (^٣) تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ». وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ إلخ (^٤)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ زَيْدٍ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ (^٥) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلهَ إِلا هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ (^٦) وَأَتوبُ إِلَيْهِ (^٧) غُفِرَ لَهُ (^٨) وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ (^٩)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١٠) وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفَظُهُ: مَنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ العَظِيمَ.\n\n• عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: كَتَبَ المُغِيرَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ (^١١) إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا إِله إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ (^١٢)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ (^١٣).\n\n• عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مُعَقِّبَاتٌ (^١٤) لَا يَخِيبُ قَائِلهُنَّ\n_________\nالفصل الثالث في الدعاء والذكر عقب الصلاة\n(^١) بالتسليم منها.\n(^٢) سيأتي لفظه في الحديث الثاني.\n(^٣) أي الأمان، فأنت الذي تؤمن من تشاء من الخوف.\n(^٤) أحيانًا، وإلا فقد ورد أنه كان يمكث في مصلاه حتى تطلع الشمس.\n(^٥) هو زيد بن حارثة وليس له حديث إلا هذا.\n(^٦) بالنصب صفة للفظ الله، وبالرفع بيانًا أو بدلا للفظ هو.\n(^٧) أرجع إليه، وهو عطف على المضارع المأخوذ من استغفر.\n(^٨) صغائر ذنوبه، أو كلها إذا أخلص في قوله.\n(^٩) صف القتال، والفرار من الصف كبيرة، لأنه سبب في انحلال وحدة الجيش.\n(^١٠) بسند صالح.\n(^١١) وكان طلب منه ذلك وهو أمير المؤمنين.\n(^١٢) فلا راد لعطائك ولا معطى سواك ولا حافظ من عقابك.\n(^١٣) وزاد أبو داود في رواية: لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله لا نعبد إلا إياه له النعمة والفضل والثناء الحسن.\n(^١٤) كلمات تقال عقب الصلاة.","vol":"1","page":215},{"text":"أَوْ فَاعِلُهُنَّ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً وَأَرْبَع وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً (^١) فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ فقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ (^٢) أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ (^٣) بِالدَّرَجَاتِ وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ فَقَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟» قَالُوا يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ (^٤) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ (^٥) قَالَ: «تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً (^٦)». قَالَ أَبُو صَالِحٍ (^٧): فَرَجَعَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا فَفَعَلُوا مِثْلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ (^٨)» رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\nوَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: «وَتَخْتِمُهَا بِلَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ «قُولُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَالحَمْدُ لِلَّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَالَّهُ أَكْبَرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَلَا إِلهَ إِلا اللَّهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ (^٩)». وَلِمُسْلِمٍ: «مَنُ سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ\n_________\n(^١) فتلك مائة كاملة.\n(^٢) منهم أبو ذر وأبو الدرداء.\n(^٣) جمع دثر كشرط، وهو المال الكثير، أو الكثير من كل شيء.\n(^٤) فهم يعملون كأعمالنا، ويزيدون علينا بثمرات أموالهم من الصدقة والعتق ونحوهما.\n(^٥) أي أعلمنا.\n(^٦) تنازعه الأفعال الثلاثة قبله ولفظ البخارى: تسبحون وتحمدون وتكبرون. والعمل عليها، والظاهر أنه يجوز جمعها في لفظ واحد كقوله: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثًا وثلاثين. ولكن الأحاديث قبل وبعد تصرح بإفراد كل بالعدد كما صرحت بجعل التكبير أربعًا وثلاثين، فينبغى اعتباره.\n(^٧) الراوى عن أبى هريرة.\n(^٨) ويمنعه من يشاء وليس ذلك بيدى قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.\n(^٩) وللطبرانى: كان النبي - ﷺ - إذا صلى الصبح، قال وهو ثانى رجليه: سبحان الله وبحمده وأستغفر الله إنه كان توابا سبعين مرة. ثم يقول: سبعين بسبعمائة.","vol":"1","page":216},{"text":"ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ فَتِلْكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ وَقَالَ تَمَامَ المِائَةِ: لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ (^١)».\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهَ ﷺ مِنْ عِنْدِ جُوَيْرِيَةَ (^٢) وَهِيَ فِي مُصَلاهَا وَدَخَلَ وَهِيَ فِي مُصَلاهَا فَقَالَ: «لَمْ تَزَالِي فِي مُصَلاكِ هذَا؟» قَالَتْ: نَعَمْ (^٣) قَالَ: «قَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَوُ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ (^٤) وَزِنَةَ عَرْشِهِ (^٥) وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ (^٦)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: «يَا مُعَاذُ إِنِّي وَاللَّهِ لَأُحِبُّكَ (^٧) أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ (^٨) وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٩).\n\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقْرَأَ بِالمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ (^١٠) رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n_________\n(^١) ومن هذا أخذ الصوفية ختم الصلاة المشهور، ولكنهم بدءوه بآية الكرسى وحق لهم ذلك، فإن فضلها عظيم كما سيأتي في فضائل القرآن \"إن آية الكرسى أعظم آية في القرآن\" وكذا ختم الصلاة الكبير فإنه كله من الآيات القرآنية ومن الأحاديث التى ستأتى إن شاء الله في كتاب الذكر جزاهم الله عن الأمة والدين خيرًا.\n(^٢) مصغر جارية، وكان اسمها برة، فسماها النبي - ﷺ - جويرية، وهى بنت الحارث إحدى أمهات المؤمنين.\n(^٣) وكانت تسبح الله بنوى بين يديها.\n(^٤) أي بقدر ما يرضيه.\n(^٥) أي بقدر عرشه.\n(^٦) أي بعدد كلماته، وهذه الصيغة أكثر عددًا من أي صيغة، فتنبغى المحافظة عليها في الركوع والسجود، وبعد كل صلاة أربع مرات، والقبول بيد الله تعالى.\n(^٧) لامه للابتداء أو للقسم، وفيه أن من أحب شخصًا ينبغى إعلامه بمحبته.\n(^٨) أي باللسان، وشكرك بالقلب والجنان، وحسن عبادتك بالجوارح والأركان.\n(^٩) بسند صحيح.\n(^١٠) المعوذات هي قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس للفظ الترمذى: أمرنى رسول الله - ﷺ - أن أقرأ بالمعوذتين في دبر كل صلاة. فيكون المراد من الجمع اثنتين أو ما يعم الإخلاص والكافرون تغليبًا.","vol":"1","page":217},{"text":"• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: «كَيْفَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ؟» قَالَ: أَتَشَهَّدُ (^١) وَأَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الجَنَّةَ وَأَعُوذ بِكَ مِنَ النَّارِ، أَمَا إِنِّي لَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ (^٢) فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ (^٣)». وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنِّي وَمُعَاذٌ حَوْلَ هِاتَيْنِ نُدَنْدِنُ (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-140>الباب السابع: في سجود السهو والتلاوة وفيه فصلان</span>\n<span data-type='title' id=toc-141>الفصل الأول: في أسباب سجود السهو </span>(^٥)\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ (^٦) حَتَّى لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى فَإِذَا وَجَدَ ذلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ. وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: قَبْلَ التَّسْلِيمِ (^٧).\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ (^٨) ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ\n_________\n(^١) أي أقرأ التحيات المشتملة على الشهادتين.\n(^٢) الدندنة والهينمة كلام يسمع ولا يفهم.\n(^٣) أي حول الجنة.\n(^٤) أي حول الجنة والنار، أي نسأل الله البعد عن النار ودخول الجنة، من دندن الرجل في مكان كذا إذا اختلف إليه ذهابًا وعودًا، وذا منه - ﷺ - تواضع.\n\n(الباب السابع في سجود السهو والتلاوة وفيه فصلان الفصل الأول في أسباب سجود السهو)\n(^٥) أضيف إلى السهو لأنه من سببه، كما أن الشك وتلبيس الشيطان من أسبابه أيضًا، والكلام في بيان أسباب السجود وحكمه وعدده ومكانه، وحكمته جبر الخلل الذي وقع في الصلاة وترغيم الشيطان، وأسباب سجود السهو هي الشك وترك التشهد الأول والسلام سهوًا قبل تمام الصلاة ومطلق زيادة أو نقص سنة.\n(^٦) لبس بفتحات أي خلط عليه وشككه في صلاته.\n(^٧) وقوله فليسجد بلام الأمر فيه وما بعده، فيفيد وجوب سجود السهو وعليه الحنفية، فيأثم المصلى بتركه ولا تبطل صلاته، وقال الجمهور إنه سنة إلا من المأموم فإنه يجب عليه تبعًا لإمامه.\n(^٨) وهو هنا الثلاث فيأتى بركعة رابعة منعًا للشك.","vol":"1","page":218},{"text":"صَلَّى خَمْسًا (^١) شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ (^٢) وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ وَاحِدَةً صَلَّى أَو اثْنَتَيْنِ فَلْيَبْنِ عَلَى وَاحِدَةٍ فَإِنْ لَمْ يَدْرِ ثنْتَيْنِ صَلَّى أَوْ ثَلَاثًا فَلْيَبْنِ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَدْرِ ثَلَاثًا صَلَّى أَوْ أَرْبَعًا فَلْيَبْنِ عَلَى ثَلَاثٍ وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ (^٣)». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ (^٤) ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ مِنَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ لَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُمَا (^٥) فَلَمَّا قَضى صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثمّ سَلَّمَ بَعْدَ ذلِكَ وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الجُلُوسِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ (^٦).\n\n• عَنِ المُغِيرَةِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَامَ الإِمَامُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَويَ قَائِمًا فلْيَجْلِسْ فَإِنِ اسْتَوَى قَائِمًا فَلَا يَجْلِسْ وَيَسْجُد سَجْدَتَيِ السَّهْوِ (^٧)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالبَيْهَقِيُّ.\n\n• عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى بِنَا المُغِيرَةُ فَلَمَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَامَ وَلَمْ يَجْلِسْ\n_________\n(^١) في الواقع.\n(^٢) أي صيرت سجدتا السهو صلاته شفعا، وإلا كانتا إذلالا للشيطان.\n(^٣) فهذه الأحاديث الثلاثة في الشك الذي هو من أسباب السجود، فمن شك في عدد ركعاته بنى على اليقين وسجد للسهو، والشك التردد بلا رجحان، وفى هذه الأحاديث أن سجود السهو سجدتان كسجدتى الصلاة يكبر في كل خفض ورفع ويسبح فيهما، والأولى أن يقول سبحان من لا ينام ولا يسهو، فإنه أنسب. وفى هذه الأحاديث أيضًا أن سجود السهو قبل السلام، وعليه الشافعي وجماعة لوروده قبل السلام في عدة أسباب، ولأنه الآخر من فعله - ﷺ -. وقال الحنفية إنه بعد السلام مطلقًا لحديث ذى اليدين الآتى. وقال المالكية إن كان لزيادة فهو بعد السلام وإلا فقبل السلام. وقال أحمد إن كان لشك أو ترك تشهد فقبل السلام وإن كان لزيادة فبعد السلام كما ورد، وهذا كله خلاف في الأفضل، وإلا فهو يجزئ قبل السلام وبعده عند الكل لوروده.\n(^٤) بباء وحاء وياء مصغرًا اسم أمه، واسم أبيه مالك.\n(^٥) أي للتشهد الأول وذلك للتشريع.\n(^٦) معنى الحديث أن ترك التشهد الأول عمدًا أو سهوًا يجبره سجود السهو.\n(^٧) فمن سها عن التشهد الأول واستوى قائمًا، أو كان إلى القيام أقرب، فلا يعود للتشهد ويسجد للسهو.","vol":"1","page":219},{"text":"فَسَبَّحَ بِهِ مَنْ خَلْفَهُ (^١) فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ قُومُوا فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ سَلَّمَ وَسَجَدَ سَجْدَتَي السَّهْوِ وَقَالَ: هكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ العَصْرِ فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ (^٣) فَقَامَ ذُو اليَدَيْنِ (^٤) فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ ذلِكَ لَمْ يَكُنْ (^٥)». فَقَالَ (^٦): قَدْ كَانَ بَعْضُ ذلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ (^٧)؟» فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلَاةِ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ التَّسْلِيمِ (^٨). رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ ﵁ قَالَ: سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنَ العَصْرِ ثمَّ قَامَ فَدَخَلَ الحُجْرَةَ (^٩) فَقَامَ رَجُلٌ بَسِيط اليَدَيْنِ فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟\n_________\n(^١) لينتبه فيعود للجلوس فلم يعد عمدًا ليعلمهم الحكم، وفيه جواز ترك السنة عمدًا وجبرها بالسجود.\n(^٢) بسند صالح، وفقه ما تقدم أن ترك التشهد الأول عمدًا أو سهوًا يجبر بالسجود.\n(^٣) ناسيًا، وهو جائز على النبي - ﷺ - للتشريع مع وجوب تدارك المنسى؛ لأنه أقوى في البيان.\n(^٤) رجل في يديه طول واسمه الخرباق وهو غير ذى الشمالين المسمى بعمير بن عمرو.\n(^٥) وفى رواية: لم أنس ولم تقصر، أي في ظنى.\n(^٦) أي ذو اليدين.\n(^٧) وفى رواية أحق ما يقول.\n(^٨) ومن هذا أخذ الحنفية أن السجود بعد السلام دائمًا، وفيه أن الخروج من الصلاة وقطعها بالتسليم.\nعلى ظن التمام لا يبطلها، وبه قال الجمهور سلفًا وخلفًا، وقال الحنفية إنه يبطلها لحديث زيد بن أرقم في النهى عن الكلام، وأجاب الجهور بأن النهى عن الكلام عام وخصص بذلك.\n(^٩) وفى رواية ثم قام إلى خشبة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان، وهذه مرة أخرى غير السابقة، ولكن المستفهم فيهما واحد، وهو ذو اليدين، وفيه وما قبله أنه لو سلم ومشى وتكلم ولو كثيرًا ساهيا، ثم ذكر أتم صلاته، وبه قال ربيعة وإن طال الزمن، وقال الجمهور يجوز البناء إذا قصر الزمن عرفًا، وقدره بعضهم بركعة، وقال بعضهم بقدر الصلاة، وقال بعض الفقهاء يجوز البناء إذا قل الكلام بأن كان ست كلمات فأقل، فإن زاد عليها بطلت صلاته. وفى الحديث أن السجود يجبر ما وقع في الصلاة وإن تعدد.","vol":"1","page":220},{"text":"فَخَرَجَ مُغْضَبًا فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِي كَانَ تَرَكَ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ ثُمَّ سَلَّمَ (^١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا (^٢) فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟» قَالَ: صَلَّيْتَ خَمْسًا فسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ. وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَذْكُرُ كَمَا تَذْكُرُونَ وَأَنْسى كَمَا تَنْسَونَ». ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَي السَّهْوِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِمَّا زَادَ أَوْ نَقَصَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ (^٣) وَايْمُ اللَّهِ (^٤) مَا جَاءَ ذَاكَ (^٥) إِلا مِنْ قِبَلِي قَالَ: فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: «لَا». فَقُلْنَا لَهُ الَّذي صَنَعَ فَقَالَ: «إِذَا زَادَ الرَّجُلُ أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ (^٦)» قَالَ: ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا فَسَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ ثُمَّ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ (^٧). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n_________\n(^١) فيه السلام مرة أخرى بعد سجود السهو، وبعد التشهد، من حديث عمران الآتى وعليه بعضهم وهم في هذا أحوط من غيرهم وإن كان التشهد لم يروه في أصولنا هذه إلا عمران بن حصين.\n(^٢) أي ناسيًا، وفيه جواز النسيان في الأفعال على الرسول - ﷺ - للتشريع، ولكنهم يعودون للصواب حفظًا للشريعة قال الله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ والحديث فيمن ذكر عقب الصلاة أو في التشهد، أما من تذكر الزيادة وهو في القيام أو الركوع أو السجود فإنه يجلس ويتشهد ويسجد للسهو بعد السلام أو قبله.\n(^٣) ابن سويد الراوى عن علقمة عن عبد الله.\n(^٤) أي قسمى بذلك.\n(^٥) أي الشك.\n(^٦) وفى رواية: إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكرونى، وإذا شك أحدكم فليتحر الصواب، فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين، وفيه أن مطلق الزيادة سهوًا كزيادة ركوع أو سجود أو قيام، وكذا نقص سنة مقصودة كالتشهد والقنوت يجبر بالسجود، فهذا الحديث كقاعدة عامة، وكذا من تردد بين الزيادة والنقصان كفاءه السجود لحديث أبى داود: إذا صلى أحدكم فلم يدر زاد أم نقص فليسجد سجدتين وهو قاعد.\n(^٧) فيه إعادة التشهد بعد سجود السهو وعليه بعضهم، وقال أحمد وإسحاق: إذا سجد للسهو قبل السلام فلا تشهد، وإذا سجد بعده تشهد وسلم، وسبق في حديث عمران أنه سلم وسجد وسلم، وهنا سجد وتشهد وسلم، ولعل الواقعة تعددت لبيان الجواز، والله أعلم.","vol":"1","page":221},{"text":"<span data-type='title' id=toc-142>الفصل الثاني: في سجدة التلاوة </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّدًا وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ (^٣) فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ يَا وَيْلَهُ (^٤)». وَفِي رِوَايَةٍ: «يَا وَيْلِي أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الجَنَّةُ (^٥) وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ (^٦)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ السُّورَةَ الَّتِي فِيهَا السَّجْدَةُ (^٧) فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا لِمَوضِعِ جَبْهَتِهِ (^٨). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا القُرْآنَ فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ (^٩). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالحَاكِمُ.\n\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي سُورَةِ الحَجَّ سَجْدَتَانِ (^١٠) قَالَ: «نَعَمْ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا (^١١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n_________\nالفصل الثاني في سجدة التلاوة\n(^١) أي في بيان فضلها وعددها وآياتها وحكمها كالآتى.\n(^٢) فكاملو الإيمان هم الذين إذ قرءوا أو سمعوا آية سجدة سجدوا لله تعالى.\n(^٣) آية السجدة.\n(^٤) يا هلاكه.\n(^٥) صريح في أن السجود موجب للجنة.\n(^٦) يشير إلى قوله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.\n(^٧) آية السجدة.\n(^٨) من كثرة الناس.\n(^٩) فيه طلب سجود التلاوة من السامع كالقارئ، وفيه أنه سجدة واحدة، وفيه طلب التكبير في خفضها ورفعها زيادة على تكبيرة الإحرام، فإذا رفع رأسه سلم كالصلاة، وقال بعضهم يتشهد قبل السلام.\n(^١٠) الأولى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ والثانية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وفيه رد على المالكية والحنفية الذين لم يعدوا الثانية من آيات السجدة.\n(^١١) تأكيد لمشروعية السجود، وهو من أدلة من قال بوجوبه، وسيأتى حكمه.","vol":"1","page":222},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ الم تَنْزِيلُ - السَّجْدَةَ، وَهَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ (^١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: ص لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ (^٢) وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\nوَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ ص فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَشَزَّنَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ (^٣) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نِبِيَ (^٤) وَلكِنِّي رَأَيْتُكمْ تَشَزَّنْتُمْ لِلسُّجُودِ»، فَنَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدُوا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\nعَنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ النَّجْمَ بِمَكَّةَ فَسَجَدَ فِيهَا (^٥) وَسَجَدَ مَنْ مَعَهُ غَيْرَ شَيْخٍ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصىً أَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ وَقَالَ: يَكفِينِي هذَا، فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذلِكَ قُتِلَ كَافِرًا (^٦). رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَالجِنُّ وَالإِنْسُ (^٧). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) أي كان يقرأ في صبح يوم الجمعة في الركعة الأولى سورة السجدة التى بين لقمان والأحزاب، ويسجد بعد قوله تعالى ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وفى الركعة الثانية سورة الدهر، فينبغى الصلاة بهما في فجر الجمعة أحيانًا، وبه قال الشافعي.\n(^٢) آية ص وهى ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾. ليست من عزائم السجود، وعزائم جمع عزيمة، وهى الآية الآمرة بالسجود، فليست آية ص منها.\n(^٣) تشزن بتاء وشين وزاى مشددة أي تأهب.\n(^٤) أي سجدة تاب فيها نبى الله داود ﵇ وليست من عزائم السجود لكم، ولهذا رأى الشافعي وأحمد أنه لا سجود فيها، قال الترمذى: وقد رأى بعض الصحب والتابعين السجود فيها، وعليه سفيان وابن المبارك وأبو حنيفة ومالك وإسحاق، لسجود النبي - ﷺ - فيها، ولرواية: سجدها داود توبة، وسجدنا شكرا لله تعالى.\n(^٥) عقب قوله ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ وهى آخرها.\n(^٦) هو أمية بن خلف أو الوليد بن المغيرة.\n(^٧) حتى شاع أن أهل مكة أسلموا، وذلك لأنها أول سجدة نزلت كما قاله عبد الله، ولهذا قال جماعة لا يشترط لها طهارة، ومنهم ابن عمر الذي كان يسجد على غير وضوء، ومنهم الشعبى وأبو عبد الرحمن السلمى، وقال الجمهور شرطها الطهارة كالستر والاستقبال؛ لأنها عبادة من نوع الصلاة. ولحديث البيهقي: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر. وحمله الأولون على الطهارة من الجنابة.","vol":"1","page":223},{"text":"• عَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ (^١) فَقَرَأَ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ فَسَجَدَ (^٢) فَقُلْتُ: مَا هذِهِ؟ قَالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي القَاسِمِ ﷺ فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ فِيهَا حَتَّى أَلْقَاهُ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ (^٣). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي القُرْآنِ مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي المُفَصَّلِ (^٤) وَفِي سُورَةِ الحَجِّ سَجْدَتَانِ (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: سَجَدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً مِنْهَا الَّتِي فِي النَّجْمِ (^٧). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-143>حكم سجدة التلاوة</span>\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. رَوَاهُ الخَمْسَةُ (^٨).\n\n• عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عَلَى المِنْبَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِسُورَةِ النَّحْلِ (^٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الجُمُعَةُ القَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا فَلَمَّا جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ (^١٠)\n_________\n(^١) أي العشاء.\n(^٢) حينما قرأ ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ وفيه طلب سجود التلاوة في الصلاة، وبه قال الجمهور.\n(^٣) في آخرها.\n(^٤) وهى النجم والانشقاق واقرأ باسم ربك.\n(^٥) وتقدمتا، فهذه خمس، وتقدم سجدة تنزيل وص، وستأتى سجدة النحل، وبقيتها سجدة آخر الأعراف، وسجدة الرعد، والإسراء، ومريم، والفرقان، والنمل، وحم السجدة، فهذه خمس عشرة سجدة، وبها قال ابن المبارك وأحمد والشافعى، إلا أنهما أخرجا سجدة ص، وقال مالك بها، ولكنه أخرج المفصل، كما أخرج هو وأبو حنيفة الثانية من الحج.\n(^٦) بسند صالح.\n(^٧) هذا لا ينافى حديث عمرو، فإنه يخبر عن سجوده مع النبي - ﷺ - ولم ينف قول عمرو.\n\nحكم سجدة التلاوة\n(^٨) والدارقطنى وزاد: فلم يسجد منا أحد تبعًا للنبي - ﷺ -.\n(^٩) في الخطبة.\n(^١٠) أي السنة.","vol":"1","page":224},{"text":"وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ ﵁ (^١).\nوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ عَلَيْنَا السُّجُودَ إِلا أَنْ نَشَاءَ (^٢). رَوَاهُمَا البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي سُجُودِ القُرْآنِ بِاللَّيْلِ (^٣) يَقُولُ فِي السَّجْدَةِ مِرَارًا: «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-144>سجدة الشكر</span>\n• عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا جَاءَهُ أَمْرُ سُرُورٍ (^٥) أَوْ بُشِّرَ (^٦) بِهِ خَرَّ سَاجِدًا شُكْرًا لِلَّهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٧). وَلَفْظُهُ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَمْرٌ فسُرَّ بِهِ فَخَرَّ لِلَّهِ سَاجِدًا.\n\n• عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ نُرِيدُ المَدِينَةَ فَلَمَّا كُنَّا قَرِيبًا مِنْ عَزْوَرَا (^٨) نَزَلَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَدَعَا اللَّهِ سَاعَةً ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا فَمَكَثَ طَوِيلًا ثُمَّ قَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَدَعَا اللَّهِ سَاعَةً ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا فَمَكَثَ طَوِيلًا ثُمَّ قَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا ثُمَّ قَالَ (^٩): «إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي وَشَفَعْتُ لِأُمَّتِي فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي (^١٠) فَخَرَرْتُ سَاجِدًا شُكْرًا لِرَبِّي ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي فَسَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي فَخَرَرْتُ سَاجِدًا شُكْرًا لِرَبِّي ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي فَسَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي\n_________\n(^١) فعدم الإثم من الترك يدل على عدم الوجوب.\n(^٢) فترك النبي - ﷺ - للسجود مع سماع آيته، وترك الأصحاب له، وقول عمر وابنه تدل على سنيته للسامع والقارئ، وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا. وقالت الحنفية إنه واجب للحديث السابق، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما، ويأثم القارئ والسامع بعدم السجود.\n(^٣) في سجدة التلاوة.\n(^٤) بسند صحيح.\n\nسجدة الشكر\n(^٥) بالإضافة.\n(^٦) أو للشك، والفعل بلفظ المجهول.\n(^٧) بسند حسن.\n(^٨) بعين فزاى ساكنة فواو فراء مقصورًا ثنية بالجحفة في الطريق، أو ماء قريب من مكة.\n(^٩) بعد سجود الشكر ثلاث مرات.\n(^١٠) أجابني في شفاعتي لثلثهم، وإخراجهم من النار.","vol":"1","page":225},{"text":"فَأَعْطَانِي الثُّلُثَ الآخِرَ (^١) فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-145>يجوز العمل الخفيف في الصلاة للحاجة</span>\n• عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَؤُمُّ النَّاسَ (^٤) وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي العَاصِ وَهِيَ ابْنَةُ زَيْنَبَ بِنْتَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى عَاتِقِهِ (^٥) فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا (^٦) وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ أَعَادَهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا (^٧). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ (^٨) فِي الصَّلَاةِ، الحَيَّةَ\n_________\n(^١) الشفاعة فيهم كلهم، فيخرجون من النار، ولا يخلدون كغيرهم.\n(^٢) سجدة واحدة في كل مرة يحمد الله ويثنى عليه بما هو أهله، وقد سجد أبو بكر لما جاءه قتل مسيلمة الكذاب، وسجد على لما وجد ذا الثدية مقتولا في الخوارج، وسجد كعب بن مالك لما سمع صوت البشير، وسجد النبي - ﷺ - لما بشره جبريل بأن من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرًا، فعلم من هذا أن سجدة الشكر سنة عند حدوث نعمة أو اندفاع نقمة، وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا والأئمة الثلاثة، خلافا لمالك الذي قال بكراهتها، ولكن يستحب عنده صلاة ركعتين، وهل يشترط فيها طهارة؟ قال بذلك جماعة وهو الأكمل أو لا يشترط وهو الأقرب، والأفضل أن تكون كسجدة التلاوة في كل شيء.\n(^٣) بسند ضعيف ولكن ورد في سجود الشكر أحاديث صحاح، والله أعلم.\n\nيجوز العمل الخفيف في الصلاة للحاجة\n(^٤) يصلى بهم إمامًا.\n(^٥) ما بين المنكب إلى العنق.\n(^٦) على الأرض ليتمكن من الركوع والسجود.\n(^٧) ففيه جواز مثل هذا في الصلاة، والأطفال محكوم بطهارتهم وطهارة ملابسهم ولا تبطل به الصلاة إذا كان بقدر الحاجة لطروء ذلك كثيرًا لرب الأولاد إلا إذا ظهرت عليهم عين النجاسة فتبطل الصلاة. وقال علي ﵁: لا يجوز للمصلى أن يعبث بيده، إلا أن يحك جلده، أو يصلح ثوبه.\n(^٨) فيه تغليب الحية التى هي سوداء على العقرب، والحية والعقرب بيان. ومثلهما كل ما يضر ويؤذى كالثعبان والوزغة، ففيه طلب قتل كل ما يضر ولو في الصلاة فرضًا أو نفلًا ولا تبطل به، وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا ولو بأكثر من ضربة. لحديث مسلم الآتى في الصيد: من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة لدون الأولى، ومن قتلها في الثالثة فله كذا وكذا حسنة لدون الثانية. وقال فئة لا يجوز قتلها إذا وصل الفعل إلى حد الكثرة لحديث: إن في الصلاة لشغلا ولحديث: اسكنوا في الصلاة. ولكنهما تخصصا بما هاهنا.","vol":"1","page":226},{"text":"وَالعَقْرَبَ». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالحَاكِم وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جِئْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي البَيْتِ (^١) وَالبَابُ عَلَيْهِ مُغْلَقٌ فَمَشى حَتَّى فَتَحَ لِي ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ وَوَصَفَتِ البَابَ فِي القِبْلَةِ (^٢). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣).\nوَعَنْهَا قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُني وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلَيَّ فَقَبَضْتُهُمَا (^٤). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ. وَفِي رِوَايَةٍ: كُنْتُ أَمُدُّ رِجْلِي فِي قِبْلَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَرَفَعْتُهَا فَإِذَا قَامَ مَدَدْتُهَا.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ (^٥)» رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ (^٦) فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ التُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قُلْتُ لِبِلَالٍ: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَمَا كَانُوا\n_________\n(^١) تطوعا كما في رواية النسائي.\n(^٢) بأنه كان أمامه فلم يتحول عن القبلة في فتحه لها، وقولها فمشى حتى فتح لي ثم رجع: محتمل للمشى أكثر من خطوتين، وبه قال بعض أهل العلم إنه يجوز في التطوع للحاجة، ولا تبطل ولا كراهة.\n(^٣) بسند حسن.\n(^٤) غمز رجلى، أي بيده، فقبضتهما ليتسع مكان سجوده، وفيه أن لمس المرأة لا ينقض، وأن اعتراض المرأة أمام المصلى لا يبطلها، وقد تقدمت كل منهما في مكانها، وفيه جواز دفع المرأة وغيرها في الصلاة الحاجة، وقال قتادة إن أخذ ثوب المصلى فإنه يتبع الآخذ ويدع الصلاة، ومثله إن انفلتت دابته وخاف ضياعها، رواه البخارى، ولكن مذهب الشافعي أن من طرأ له في الصلاة طارئ كأخذ ماله، وشراد دابته، وخوف حرق أو غرق أو غريم وهو معسر، فإنه يصلى صلاة شدة الخوف، فإذا زال الطارئ تمم صلاته مكانه.\n(^٥) التسبيح قول سبحان الله، والتصفيق ضرب بطن كف اليمنى ظهر اليسرى، وهما مشروعان للحاجة في الصلاة كتنبيه الإمام إذا سها، والإذن في شيء، والالتفات إلى شيء، ونحوها مما يعرض للمصلى في صلاته، وبه قال الجمهور، وقال أبو حنيفة إذا سبح جوابًا بطلت صلاته، وإن قصد به الإعلام بأنه في الصلاة فلا، واختصت المرأة بالتصفيق لأنه أستر لها، فربما افتتن بها من يسمع صوتها، وإن كان الصحيح أن صوتها ليس بعورة كما سيأتي في النكاح.\n(^٦) أي من عرض له شيء كالتنبيه إلى مصلحة، أو دفع مفسدة فليسبح، والتصفيق للنساء، وهذا هو الأكمل، وإلا فلو صفق الرجل وسبحت المرأة فلا بطلان.","vol":"1","page":227},{"text":"يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ: كَانَ يُشِيرُ بِيَدِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١) وَأَبُو دَاوُدَ. وَزَادَ: وَبَسَطَ كَفَّهُ جَاعِلًا ظَهْرَهُ إِلَى أَعْلَى.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَبَعَثَنِي فِي حَاجَةٍ فَرَجَعْتُ وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ (^٢). زَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَقَالَ بِيَدِهِ هكَذَا أَيْ أَشَارَ بِهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلا أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي. رَوَاهُ البُخَارِيُّ بِدُونِ الإِشَارَةِ، وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ بِتَمَامِهِ (^٣).\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَاعَةٌ آتِيهِ فِيهَا فَإِذَا أَتَيْتُهُ اسْتَأْذَنْتُ إِنْ وَجَدْتُهُ يُصَلِّي تَنَحْنَحَ دَخَلْتُ وَإِنْ وَجَدْتُهُ فَارِغًا أَذِنَ لِي (^٤). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ (^٥).\n\n• عَنْ عُقْبَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ العَصْرَ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ سَرِيعًا فَدَخَلَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ فَرَأَى مَا فِي وُجُوهِ القَوْمِ مِنْ تَعجُّبِهِمْ لِسُرْعَتِهِ (^٦) فَقَالَ: «ذَكَرْتُ وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ تِبْرًا عِنْدَنَا (^٧) فَكَرِهْتُ أَنْ يُمْسِيَ أَوْ يَبِيتَ عِنْدَنَا فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ».\nوَقَالَ عُمَرُ: «إِنِّي لَأُجَهِّزُ جَيْشِي وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ (^٨)». رَوَاهُمَا البُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) بسند صحيح.\n(^٢) بالقول بل بالإشارة.\n(^٣) ولفظه: أرسلني نبى الله - ﷺ - إلى بنى المصطلق فأتيته وهو يصلى، فكلمته، فقال لي بيده هكذا، ثم كلمته، فقال لي بيده هكذا وأنا أسمعه يقرأ ويومئ برأسه. ففهم من هذين أن الإشارة في الصلاة باليد أو بالرأس جائزة للحاجة.\n(^٤) ولفظ أحمد: كان لي من رسول الله - ﷺ - مدخلان بالليل والنهار، وكنت إذا دخلت عليه وهو يصلى يتنحنح لي. ولا منافاة بينهما، فإنه حدث بهذا مرة وبذاك أخرى، وفيه جواز التنحنح في الصلاة الحاجة ولا تبطل به وعليه الإمام يحيى وبعض الأئمة، وقال بعضهم إنه مفسد لأن الكلام ما تركب من حرفين وإن لم يكن مفيدا.\n(^٥) وابن السكن وصححه.\n(^٦) في القيام على خلاف عادته.\n(^٧) التبر كبئر: الذهب الذي لم يضرب. وكان عند النبي - ﷺ - منه، فتذكره في الصلاة، فلما سلم قام سريعًا، وأمرهم بإعطائه للفقراء، لئلا يبيت حقهم عنده.\n(^٨) أي إنى أرتبه وأنظمه من قواد وعدد وتنظيم وسير وغيرها وأنا في الصلاة، فيهما جواز التفكر في الصلاة، وربما كان مطلوبًا إذا كان في مصلحة العباد كما هنا، ويجوز إجابة أحد الوالدين في النفل فقط إذا شق عليه عدمها، وتبطل بها الصلاة، لحديث جريج العابد الآتى في كتاب الزهد، والله أعلم.","vol":"1","page":228},{"text":"<span data-type='title' id=toc-146>الباب الثامن: في المساجد (^١)\nوفيه فصول ثلاثة</span>\n\n<span data-type='title' id=toc-147>الفصل الأول: في فضل المساجد والسعي إليها</span>\nقَالَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنِهُ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ (^٢) ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (^٣) ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.\n\n• عَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ (^٤): سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ بَنَى مَسْجدًا (^٥) يَبْتَغِي بِهِ وَجَهَ اللَّهِ (^٦) بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الجَنَّةِ (^٧)» وَفِي رِوَايَةٍ: «بَيْتًا فِي الجَنَّةِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ (^٨) وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا (^٩)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَمَرَ (^١٠) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبِنَاءِ المَسَاجِدِ فِي الدُّورِ (^١١) وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ (^١٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^١٣).\n_________\n(الباب الثامن في المساجد وفيه فصول ثلاثة: الأول في فضل المساجد والسعى إليها)\n(^١) جمع مسجد وهو موضع السجود، والمراد هنا المكان المعد لاجتماع الناس فيه لإقامة الشعائر الدينية.\n(^٢) بعمل ما يلزم لها من إصلاح، وفرش، وتنظيف، وإنارة، وأولى بناؤها، والتردد إليها لطاعة الله تعالى.\n(^٣) كمال الإيمان.\n(^٤) سببه أن عثمان ﵁ لما أراد تشييد مسجد الرسول - ﷺ - بالحجارة المنقوشة، وتبييضه، وتسقيفة بالساج، ووضع عمده من الحجارة سنة ثلاثين أكثر الناس من الكلام، فذكر الحديث.\n(^٥) بنفسه، أو بماله، أو بهما، أو أمر، أو حث عليه، فكلهم لو جزاء البناء.\n(^٦) أما للرياء والسمعة فلا ثواب له.\n(^٧) عشر مرات، فإن الحسنة بعشر أمثالها.\n(^٨) أي بعضها كالسنة الليلية، فإن الصلاة بركة، والبيت بها أولى.\n(^٩) كالقبور مهجورة من ذكر الله.\n(^١٠) أمر إيجاب قال الله تعالى ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n(^١١) الأمكنة التى فيها دور كم ليسهل اجتماعكم لطاعة الله، ومدارسة العالم.\n(^١٢) بلفظ المجهول فيهما، فينبغى تطييبها ببخور ونحوه وتنظيفها، بل وإنارتها وفرشها، تنشيطا للعابدين، قال الله تعالى لإبراهيم ﵇ ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ الآية فهذا واجب على من تولى أمر المسجد كما ينبغى جعل الطاهر على أبوابها لحديث الطبراني: جنبوا مساجدكم صبيانكم، وخصوماتكم وحدودكم، وشراءكم وبيعكم، وجمروها يوم جمعكم، واجعلوا على أبوابها مطاهركم.\n(^١٣) بسند صالح.","vol":"1","page":229},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بسِتَ (^١) أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ (^٢) وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا وَأُرْسِلْتُ إِلَى الخَلْقِ كَافَّةً وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ (^٣)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَحَبُّ البِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا وَأَبْغَضُ البِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا (^٤)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ أَوْ رَاحَ (^٥) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الجَنَّةِ نُزُلًا كلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ (^٦) الإِمَامُ العَادِلُ (^٧) وَشَابٌّ نَشَأَ\n_________\n(^١) أي فضلني ربى عليهم بستة أمور.\n(^٢) الكلمات الجامعة للمعانى الغزيرة كحديث: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. وحديث: المرء مع من أحب. وحديث: لا تغضب. وستأتى في الأخلاق إن شاء الله تعالى، أو المراد بجوامع الكلم ما يشمل القرآن والسنة وهو أوجه.\n(^٣) فلا نبى بعدى إلى الساعة، قال تعالى ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وكانت من الفضائل لاستلزامها كثرة الأتباع، ولفظ البخارى: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء. بحذف وختم بى النبيون وأعطيت جوامع الكلم، وبزيادة وأعطيت الشفاعة، أي العظمى، وتقدمت هذه في الإيمان، والخمس لا تنافى الست، فإنه أخبر أولًا بالقليل ثم أخبر بالكثير ثانيا.\n(^٤) فأحب البقاع إلى الله المساجد، لأنه يعبد فيها، ولأنها بيوت الله والبيت يسمو بسمو صاحبه، وفى الحديث القدسى: إن بيوتى في أرضى المساجد، وإن زوّارى فيها عمّارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارنى في بيتى، وحق على المزور أن يكرم زائره. وأبغض البقاع إلى الله الأسواق. لأنها محل الكذب والغش وميادين الشياطين، ولذا لا ينبغى المكث فيها إلا بقدر الحاجة لحديث: كن آخر من يدخل السوق وأول من يخرج منها.\n(^٥) فبقدر التردد إلى المساجد تكون الدرجات في الجنة، وهذا أول الأحاديث التى ترغب في محبة المساجد والسعى إليها، وإن كان هذا فيما قبله.\n(^٦) أي سبعة من الناس يكونون في ظل العرش يوم القيامة، وفى مقام التكريم والناس في شدة الكرب.\n(^٧) هو كل من تولى رياسة على جماعة، وعدل بينهم، فدخل فيه الأمير ونوابه والرجل في أهل بيته والمرأة في بيتها كما يأتى في القضاء: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته. وبدأ بالشخص العادل لأن حياته له وللناس، فإن الحاكم العادل هو الكاسر لشوكة الظلمة والمجرمين وهو سند الضعفاء والمساكين، وبه ينتظر أمر الناس، ويأمنون على أرواحهم وأموالهم وأعراضهم، وسيأتى فضل العدل في كتاب الإمامة إن شاء الله.","vol":"1","page":230},{"text":"فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ (^١) وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ (^٢) وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ (^٣) وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ (^٤) وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ (^٥) وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ (^٦) فَأَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ (^٧) وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا (^٨)\n_________\n(^١) أي في طاعة الله تعالى، واشتهر بها لأنها في الشباب أشق على النفس، فهو دائمًا مع نفسه في جهاد، وفى رواية: أفنى شبابه ونشاطه في عبادة الله، فكان مثلا صالحًا للناس.\n(^٢) وفى رواية: متعلق في المساجد. أي من شدة حبه لها، فيكثر من التردد إليها، وهذا علامة كمال إيمانه وحبه لله تعالى.\n(^٣) وشخصان تحابا لله اجتمعا لله وافترقا لله، وسيأتى الحب لله في الأخلاق إن شاء الله.\n(^٤) منصب كمسجد، نسب وحسب.\n(^٥) زاد في رواية: رب العالمين، فالرغبة في مثلها أشد، فإذا طلبته للزنا بها وامتنع خوفا من الله تعالى، فقد بلغ أعلى منزلة، لجمعه بين جهاد نفسه وخوفه من الله، قال تعالى - ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ - وهذه رتبة صديقية ودرجة نبوية كما حصل ليوسف ﵇، والمرأة كالرجل في هذا وما قبله وما بعده.\n(^٦) وفى رواية: بصدقة فأَخفاها، وهذا في صدقة التطوع أما الزكاة فالأفضل إظهارها.\n(^٧) مبالغة في الإخفاء، فإنه أبعد عن الرياء، وأقرب إلى جانب الله، قال تعالى - ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ -.\n(^٨) أي وحده حتى فاضت عيناه خشية من الله تعالى، وكالبكاء من الذكر البكاء من أي عبرة كرؤية الموتى والمقابر، ورؤية مبتلى، ورؤية بعض المخلوقات العجيبة، كالجبال الشاهقة والبحار المضطربة وشيء من ملكوت الله، والمراد البكاء من هيبة الله تعالى لأي شيء، وسيأتى في الجهاد: عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله وعين حرست في سبيل الله، والعدد لا مفهوم له، فقد ورد الإظلال لأكثر من هذه، فسيأتى في السماحة في البيع: من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وسيأتى في كتاب الإمامة: إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا. ومنها من يراعى مواقيت الصلاة، ومنها: من إن تكلم تكلم بعلم وإن سكت سكت على حلم. ومنها: تاجر يبيع ويشترى ولا يقول إلا حقًّا. ومنها: من كفل يتيما أو أرملة. ومنها: من أعان مجاهدًا في سبيل الله، أو مكاتبًا في فكاك رقبته، أو أعان مدينًا في عسرته، ومنها: من لا يعق والديه، ومن لا يمشى بالنميمة، ومن لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ومنها: رجل يحب الناس لجلال الله، وحيث توجه على أن الله معه. ومنها: حملة القرآن العاملون به. لحديث الديلمى: حملة القرآن في ظل الله مع أنبيائه وأصفيائه. ومنها: صاحب الخلق الحسن، لحديث الطبراني: قال الله تعالى لإبراهيم ﵇: يا خليلى حسّن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار، وإن كلمتى سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت ظل عرشى، وأسقيه بن حظيرة قدسى، وأدنيه من جوارى.","vol":"1","page":231},{"text":"فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «المَلَائِكَة تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ (^١)». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الأَبْعَدُ فَالأَبْعَدُ مِنَ المَسْجِدِ أَعْظَمُ أَجْرًا (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ (^٣) ثُمَّ مَشى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا (^٤) تَحُطُّ خَطِيئَةً وَالأُخْرَى (^٥) تَرْفَعُ دَرَجَةً». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ رَاحَ (^٦) فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا أَعْطَاهُ اللَّهُ ﷿ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ صَلاهَا وَحَضَرَهَا لَا يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ أَجْرِهِمْ شَيْئًا (^٧)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٨).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ دِيَارُنَا نَائِيَةً عَنِ المَسْجِدِ (^٩) فَأَرَدْنَا أَنْ نَبِيعَ بُيُوتَنَا فَنَقْتَرِبَ مِنَ المَسْجِدِ فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ خَطْوَةٍ دَرَجَةً». وَفِي رِوَايَةٍ: «يَا بَنِي سَلمَةَ، دِيَارَكُمْ (^١٠) تُكْتَبْ آثَارُكُمْ (^١١)» فَقَالُوا: مَا كَانَ يَسُرُّنَا أَنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَشِّرِ المَشَّائِينَ (^١٢) فِي الظُّلَمِ (^١٣) إِلَى المَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ القِيَامَةِ (^١٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^١٥).\n\n• عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ ﵁ قَالَ: حَضَرَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ المَوْتُ\n_________\n(^١) فما دام الشخص جالسًا في مكانه الذي صلى فيه، فإن الملائكة تدعو له إذا بقى طاهرًا وإلا حرم دعاءهم.\n(^٢) لكثرة الثواب من كثرة المشى.\n(^٣) ليس قيدًا، ولكنه كمال لسعيه وهو طاهر.\n(^٤) هي اليسرى.\n(^٥) هي اليمنى كما يأتى فيهما.\n(^٦) إلى الجماعة ليصلى معهم.\n(^٧) جزاء على نيته وسعيه.\n(^٨) والحاكم وصححه.\n(^٩) بعيدة عنه.\n(^١٠) أي الزموها ولا تتحولوا عنها.\n(^١١) خطواتكم ذهابًا وإيابًا.\n(^١٢) كثيرى المشى.\n(^١٣) أي ليلا؛ لأن من شأنه المشقة ولو في ضوء المصابيح.\n(^١٤) إشارة إلى قوله تعالى - ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ -.\n(^١٥) بسند غريب، ولكن يؤيده ما قبله.","vol":"1","page":232},{"text":"فَقَالَ: إِنِّي مُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا مَا أُحَدِّثُكُمُوهُ إِلا احْتِسَابًا (^١)، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ لَمْ يَرْفَعْ قَدَمَهُ اليُمْنَى إِلا كَتَبَ اللَّهُ ﷿ لَهُ حَسَنَةً، وَلَمْ يَضَعْ قَدَمَهُ اليُسْرَى إِلا حَطَّ اللَّهُ ﷿ عَنْهُ سَيِّئَةً فَلْيُقَرِّبْ أَحَدُكُمْ إِوْ لِيُبعِّدْ (^٢) فَإِنْ أَتَى المَسْجِدَ فَصَلَّى فِي جَمَاعَةٍ غُفِرَ لَهُ فَإِنْ أَتَى المَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّوا بَعْضًا وَبَقِيَ بَعْضٌ صَلَّى مَا أَدْرَكَ (^٣) وَأَتَمَّ مَا بَقِيَ كَانَ كَذلِكَ (^٤) فَإِنْ أَتَى المَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّوْا فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ كَانَ كَذلِكَ (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الجَنَّةِ فَارْتَعُوا» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا رِيَاضُ الجَنَّةِ؟ قَالَ: «المَسَاجِدُ (^٧)» قُلْتُ: وَمَا الرَّتْعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ». وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى الفَجْرَ قَعَدَ فِي مُصَلاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-148>فضل المساجد الثلاثة </span>(^٩)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ (^١٠).\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ\n_________\n(^١) أي لأجر التبليغ من الله.\n(^٢) من التقريب والتبعيد، أي فكثرة الثواب بيده.\n(^٣) أي مع الجماعة وتمم وحده.\n(^٤) أي غفر له.\n(^٥) أي غفر له.\n(^٦) بسند صالح.\n(^٧) وسيأتى في كتاب الذكر أنها مجالس الذكر، بل وورد أنها مجالس العلم، ولا منافاة فكلها رياض توصل إلى الجنة.\n(^٨) الأول بسند حسن، والثانى بسند صحيح.\n\nفضل المساجد الثلاثة\n(^٩) أي فضل بقاعها على سائر البقاع، وفضل السفر إليها، وفضل العبادة فيها، والثلاثة هي مسجد مكة المكرمة، ومسجد المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، ومسجد بيت المقدس.\n(^١٠) فأول بيت وضعه الله في الأرض الناس يعبدونه فيه هو بيت بكة، أي مكة، من بكه إذا زحمه لازدحام الناس فيها، أو لأنها تبك أي تدق أعناق الجبابرة.","vol":"1","page":233},{"text":"قَالَ: «المَسْجِدُ الحَرَامُ (^١)» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «المَسْجِدُ الأَقْصى (^٢)» قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ عَامًَا (^٣) ثُمَّ الأَرْضُ لَكَ مسْجِدٌ، فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هذَا (^٤) وَمَسْجِدِ الحَرَامِ (^٥) وَمَسْجِدِ الأَقْصى (^٦)».\nرَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي (^٧) وَمِنْبِري رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ (^٨) وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي (^٩)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلا المَسْجِدَ الحَرَامَ (^١٠)». وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: «فَإِنِّي آخِرُ الأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ مَسْجِدِي آخِرُ المَسَاجِدِ (^١١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَزَادَ: «وَصَلَاةٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ (^١٢)».\n_________\n(^١) أي المحرم وهو مسجد مكة، قيل أول من بناء الملائكة، وقيل آدم وورد أنه حجه سنين من الهند ماشيًا على قدميه، وما من نبى إلا وحجه.\n(^٢) أي الأبعد عنه، وهو مسجد القدس.\n(^٣) يظهر أن هذا وضع أولى سابق على وضع إبراهيم للكعبة، وعلى وضع سليمان للمسجد الأقصى، وإلا فالمسافة بينهما أكثر من أربعين عامًا، فإن سليمان بعد موسى، وموسى بعد إبراهيم بزمن طويل، وعن قريب يأتي حديث بناء سليمان للقدس، وسيأتي في التفسير حديث البخارى الطويل في بناء إبراهيم للبيت الحرام.\n(^٤) هو المسجد النبوى لقول الله تعالى - لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه -.\n(^٥) أي المكان الحرام، وهو المسجد المكى.\n(^٦) لأنه قبلة الأنبياء والأمر السالفة، وفى رواية: إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد، مسجد الكعبة، ومسجدى، ومسجد إيلياء بكسر الهمز واللام ممدودًا ومقصورًا - مدينة القدس، وهى في الأفضلية على ما في هذه الرواية، فلا يجوز السفر إلى بقعة شرفها الله للتقرب إليه فيها إلا لهذه الثلاث.\n(^٧) أي قبرى، ومنبرى المجاور له بالمسجد النبوى.\n(^٨) منقولة منها، أو توصل المتعبد فيها إلى الجنة أو محل الرحمات والتجليات، ولا مانع من إرادة الكل.\n(^٩) الذي سيأتي في كتاب القيامة إن شاء الله، فيكون النبي - ﷺ - جالسًا عليه يتلقى الواردين من الأمة المحمدية، للشرب منه.\n(^١٠) فإن فضل الصلاة فيه أعظم.\n(^١١) أي عمارًا في الدنيا، تبعًا للمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.\n(^١٢) والمسجد الأقصى على النصف من المسجد النبوي، لحديث البيهقي: صلاة في المسجد الحرام مائة ألف صلاة وصلاة، في مسجدى ألف صلاة، وفي بيت المقدس خمسمائة صلاة.","vol":"1","page":234},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ﵉ لَمَّا بَنَى بَيْتَ المَقْدِسِ سَأَلَ اللَّهَ ﷿ خِلَالًا ثَلَاثَةً: حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأُوتِيَهُ، وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأُوتِيَهُ (^١)، وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى حِينَ فَرَغَ مِنْ بِنَائِهِ أَلا يَأْتِيَهُ أَحَدٌ لَا يَنْهَزُهُ (^٢) إِلا الصَّلَاةُ فِيهِ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ مَيْمُونَةَ مَوْلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ (^٣) أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنَا فِي بَيْتِ المَقْدِسِ (^٤) فَقَالَ: «ائْتُوهُ فَصَلّوا فِيهِ (^٥) فَإِنْ لَمْ تَأْتُوهُ وَتُصَلُّوا فِيهِ فَابْعَثُوا بِزَيْتٍ يُسْرَجُ فِي قَنَادِيلِهِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-149>مسجد قُباء </span>(^٧)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ مَاشيًا وَرَاكِبًا (^٨) وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ كَعُمْرَةٍ (^٩)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (^١٠).\n_________\n(^١) أي حكما بين الناس يوافق علم الله، فأعطاه الله.\n(^٢) بفتح أوله وثالثة وبالزاى، أي لا يخرجه وقد أجابه الله تعالى كاللتين قبلها، فدعا بدعوة لنفسه، وهى الملك العظيم ودعوتين لعباد الله وإن كان له فيهما، وهذه كدعوة نبينا - ﷺ - للمدينة وأهلها، الآتية في فضل الحرمين.\n(^٣) خادمته.\n(^٤) أي هل يشرع السفر إليه.\n(^٥) لتنالكم دعوة سليمان ﵇\n(^٦) بسند صالح.\n\nمسجد قباء\n(^٧) بالضم والمد وعدمه والصرف وعدمه: موضع بينه وبين المدينة ميلان من الجنوب.\n(^٨) فكان النبي - ﷺ - يذهب إليه راكبًا وماشيًا، وربما ذهب إليه ماشيًا وعاد منه راكبًا فكان يأتى إليه، فيصلى فيه ركعتين، وهذا محبة في كثرة المشى إلى مسجد قباء؛ لأنه أول مسجد بنى بحضور النبي - ﷺ - بعد الرسالة، وقد أسس على التقوى مسجد النبي - ﷺ -، كما يأتى في فضل الحرمين إن شاء الله.\n(^٩) فثواب صلاة واحدة فيه كثواب عمرة مقبولة.\n(^١٠) بسند حسن.","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type='title' id=toc-150>ذهاب النساء إلى المساجد</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِغَلَسٍ (^١) فَيَنْصَرِفْنَ نِسَاءُ المُؤْمِنِينَ لَا يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ (^٢).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اسْتَأْذَنَكمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى المَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ (^٣)». رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّه مَسَاجِدَ اللَّهِ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ: وَلكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ (^٤).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى المَسَاجِدِ» فَقَالَ ابْنٌ لَهُ (^٥) يُقَالُ لَهُ وَاقِدٌ: إِذَنْ يَتَّخِذْنَه دَغَلًا (^٦)، قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: أَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ لَا (^٧) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ (^٨) لَمَنَعَهُنَّ المَسْجِدَ كَمَا مُنِعَتْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قُلْتُ لِعَمْرَةَ أَوَ مُنِعْنَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ (^٩). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ\n_________\nذهاب النساء إلى المساجد\n(^١) بالتحريك: ظلمة بعد الفجر.\n(^٢) أي عقب الصلاة قبل انتشار الضوء.\n(^٣) وأولى بالنهار.\n(^٤) جمع تفلة بفتح فكسر، أصلها ذات الرائحة الكريهة، والمراد هنا غير متطيبة كما يأتى، ولأبى داود: أن النبي - ﷺ - قال: لو تركنا هذا الباب للنساء. فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات.\n(^٥) لابن عمر.\n(^٦) بفتحتين: الفساد.\n(^٧) فلا ينبغى أن تعارضني في حديث النبي - ﷺ -، فهذه النصوص تفيد جواز خروج النساء للمساجد، ومجتمعات الخير، كصلاة العيد، والاستسقاء ونحوها، والأحاديث الآتية تفيد المنع، ولا سيما ما عليه نساء اليوم من فساد الأخلاق والتوسع في التبرج الموجب لفتنة العابدين، حتى إن بعضهم حرم خروجهن لذلك، والحق الجامع للطرفين أنه لا يجوز الخروج إلا للعجوز، بشرط عدم التبرج وعدم التعطر، وسيأتى في النكاح: \"ما تركت بعدى فتنة أضر على الرجال من النساء\".\n(^٨) هذا في زمن عائشة ﵂، فما بالنا الآن وقد عم الفساد وانتشر سوء الأخلاق بأفظع معانيه، نسأل الله السلامة.\n(^٩) منعن من المساجد، لما كن يستشرفن للرجال في المساجد، فحرم عليهن دخولها، وسلط عليهن الحيضة.","vol":"1","page":236},{"text":"المَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا العِشَاءَ الآخِرَةَ (^١)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ المَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا (^٢) أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا (^٣)، وَصَلَاتُهَا فِي مخْدَعَهَا (^٤) أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا (^٥)». وَفِي رِوَايَةٍ: لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ المَسَاجِدَ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ. رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-151>الفصل الثاني: في آداب المساجد </span>(^٧)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (^٨).\n\n• عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ (^٩) أَوْ أَبِي أُسَيْدٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (^١٠) قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ ليَقُلِ اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ فَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ فَاطِمَة ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ (^١١) وَقَالَ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ»، وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ وَقَالَ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١٢).\nوَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ قَالَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ العَظيمِ وَبِوَجْهِهِ الكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ القديمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»،\n_________\n(^١) نص عليها لقوة الريبة فيها، وإلا فالطيب حرام على المرأة إذا خرجت في أي وقت.\n(^٢) غرفة المبيت والنوم.\n(^٣) صحن دارها.\n(^٤) بتثليث أوله: البيت الصغير لحفظ الأمتعة.\n(^٥) لأنه أبلغ في الستر المطلوب للنساء.\n(^٦) بسندين صالحين.\n\nالفصل الثاني في آداب المساجد\n(^٧) المراد بآدابها ما يقال عند الدخول والخروج، وما يباح فيها من الأعمال، وما ينهى عنه فيها، وغير ذلك مما يأتى.\n(^٨) أي أمرنا إبراهيم وإسماعيل بطهارة البيت للعابدين.\n(^٩) بالتصغير فيه وما بعده.\n(^١٠) بقوله: السلام عليك يا رسول الله.\n(^١١) بقوله: اللهم صل على محمد وسلم.\n(^١٢) بسند حسن.","vol":"1","page":237},{"text":"فَإِذَا قَالَ ذلِكَ قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ اليَوْمِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١).\nوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَدْخُلُ المَسْجِدَ بِرِجْلِهِ اليُمْنَى وَيَخْرُجُ بِرِجْلِهِ اليُسْرَى (^٢). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ» رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدأَ بِالمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ (^٣). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: كَانَ لَا يَقْدمُ (^٤) مِنْ سَفَرٍ إِلا نَهَارًا فِي الضُّحى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ (^٥).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «البُزَاقُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ (^٦) وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا (^٧)». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\nوَلِمُسْلِمٍ: عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ (^٨) وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي المَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ (^٩).\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي القِبْلَةِ، فَحَكَّهَا بِيَدِهِ، وَرُئِيَ مِنْهُ كَرَاهِيَةٌ، أَوْ رُئِيَ كَرَاهِيَتُهُ لِذلِكَ وَشِدَّتُهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ فَلَا يَبْزقَنَّ فِي قِبْلَتِهِ وَلكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ (^١٠)»\n_________\n(^١) بسند صالح.\n(^٢) فينبغى دخول المسجد برجله اليمنى؛ لأنها للتكريم، وبيت الله أولى، والخروج باليسرى. بخلاف الحمام والكنيف، وهذا من ابن عمر في حكم المرفوع، فإنه لا يفعله من تلقاء نفسه.\n(^٣) أي ركعتين تحية المسجد.\n(^٤) كيفرح بخلافه بمعنى تقدم فبالضم، ومنه يقدم قومه.\n(^٥) حتى يسلم عليه الناس، وظاهر حديث أبى قتادة أن تحية المسجد واجبة وعليه جماعة، ولكن الجمهور على أنها سنة فقط، وإذا دخل المسجد وتلبس بأى صلاة حصلت التحية، وظاهره أيضًا أن التحية مطلوبة من الداخل في كل وقت ولو في وقت الكراهة ولو حال الخطبة، وعليه الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال المالكية والحنفية: لا يصلى بل يجلس إذا كان الخطيب على المنبر، وقال الحنفية: لا يصلى في وقت الكراهة أيضًا.\n(^٦) لأنه يقذره، وتقذره ولو بالطاهر حرام.\n(^٧) في ترابه إذا كان ترابيا، وإلا حرم البصاق فيه.\n(^٨) الأذى ما يؤذى المارة كحجر وشوك ونحوها، وإبعاده عن الطريق من صالح الأعمال.\n(^٩) النخاعة بالعين: هي النخامة من الصدر أو الرأس، وإلقاؤها في الجامع حرام إلا إذا دفنت في ترابه.\n(^١٠) إذا كان المسجد ترابيًا، وإلا فتتعين الثالثة.","vol":"1","page":238},{"text":"ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ وَقَالَ: «أَوْ يَفْعَلُ هكَذَا».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ أَو (^١) امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ (^٢) فَمَاتَ فسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي (^٣) بِهِ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ» فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ (^٤). رَوَاهُمَا الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى القَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ المَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ ﵁ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَلْقِيًا (^٧) فِي المَسْجِدِ وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى. رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\nوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ شَابٌّ أَعْزَبُ لَا أَهْلَ لَهُ يَنَامُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ (^٨) رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ (^٩) فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ (^١٠) فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ (^١١). رَوَاهُ الثَّلَاثَةَ.\n_________\n(^١) للشك.\n(^٢) يخرج القمامة، وهى الكناسة منه، وينظفه.\n(^٣) أعلمتمونى بموته.\n(^٤) فذهب إلى قبره فصلى عليه، فهذا منه - ﷺ - عناية بأمر خادم المسجد، وفيه دلالة على رفع مقامه وعلو شأنه، وكفى قول الله تعالى لإبراهيم وإسماعيل - وهما خير أهل الأرض في وقتهما - ﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتى للطائفين والعاكفين﴾، وكانت أنبياء بن إسرائيل تلى بيت المقدس وبيدهم مفاتيحه، وقالت حنة امرأة عمران: ﴿رب إنى نذرت لك ما في بطنى محررًا﴾ أي خادمًا للمسجد الأقصى لا أشغله بشيء، وهذا من حبهم لبيت الله، فأعطاها الله مريم وولدها عيسى ﵉، ولا غرابة فالمساجد بيوت الله وهى أشرف بقاع الأرض، خادمها أشرف الناس إذا استقام وأخلص لله.\n(^٥) القذاة كقناة، أصلها ما يقع في الشراب، والمراد هنا ما يقذر المسجد، فإخراجه من أفضل الأعمال، كما أن نسيان ما حفظه من القرآن من أعظم الذنوب، وهذا زجر وتنفير.\n(^٦) بسند غريب، ولكنه مؤيد بالصحاح قبله.\n(^٧) نائما على ظهره.\n(^٨) فالنوم في المسجد لا شيء فيه، إلا إذا شغل محل الجماعة، أو ترتب عليه تقديره.\n(^٩) وكان عددهم ثلاثين فارسًا.\n(^١٠) بضم أولها وبالمثلثة فيهما، وهو سيد أهل اليمامة.\n(^١١) بعمود من أعمدته، فخرج عليه النبي - ﷺ - فقال: ماذا عندك يا ثمامة. فقال: خير يا محمد=","vol":"1","page":239},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ وَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قِوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ - رَبِّ ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي﴾ - فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا (^١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا فِي المَسْجِدِ فَحَصَبَنِي رَجُلٌ (^٢)، فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فَقَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهذَيْنِ (^٣) فَجِئْتُهُ بِهِمَا فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ قَالَا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ قَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ البَلَدِ لَأَوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ (^٤). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي المَسْجِدِ (^٥) فَلْيَقُلْ لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ المَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهذَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\nوَلِمُسْلِمٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا صَلَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الجَمَلِ الأَحْمَرِ (^٦)\n_________\n= إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن تطلب المال فسل منه ما شئت، وبعد أيام أنعم عليه النبي - ﷺ - وأطلق سراحه فأسلم، وستأتى قصته في الأسرى في الجهاد إن شاء الله، ففيه جواز دخول الكافر للمسجد لحاجة كطلب غريم ونحوه، ولا سيما إذا رجى إسلامه.\n(^١) العفريت: المتمرد الشديد، وتفلت بفتحات وشد اللام أي تعرض لي فجأة وأنا أتهجد ليلا ليفتننى في صلاتى. وفى رواية: إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار، ليجعله في وجهى، فأعاننى الله وخنقته بشدة، وأردت ربطه بأحد أعمدة المسجد حتى تنظروا إليه في الصباح، فتذكرت قول أخى سليمان ﵇ فدفعته ذليلا، وفيه معجزة له - ﷺ - لقدرته على أشرار الجن، وجواز رؤية البشر للجن وأما قوله من حيث لا ترونهم فجرى على الغالب، أو النفي رؤيتنا لهم حال رؤيتهم لنا. والحديث نوع مما قبله.\n(^٢) رمانى بالحصباء.\n(^٣) الرجلين وكانا ثقفيين.\n(^٤) ففيه تهديد بالضرب الشديد على رفع الصوت في المسجد لولا جهلهما، فظاهره أن رفع الصوت في المسجد حرام، لاسيما إذا حصل منه تشويش على مصل ونحوه.\n(^٥) يطلبها، والضالة هي الشئ الضائع.\n(^٦) أي من وجد ضالتى وهى الجمل الأحمر، فرد النبي - ﷺ - بقوله: لا وجدت حاجتك، إنما بنيت المساجد لعبادة الله تعالى، وإقامة الشعائر الدينية، وطلب الضائع إنما يكون على أبواب المساجد لا فيها، إلا في المساجد الثلاثة بدون تشويش، وسيأتى في اللقطة أوسع من هذا.","vol":"1","page":240},{"text":"فَقَالَ ﷺ: «لَا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ المَسَاجِدُ لِما بُنِيَتْ لَهُ».\nوَلِلثَّلَاثَةِ: مَنْ مَرَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا أَوْ أَسْوَاقِنَا بِنَبْلٍ فَلْيَأْخُذ عَلَى نِصَالِهَا بِكَفِّهِ لَا يَعْقِرْ مُسْلِمًا (^١).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ البَصَلَ وَالثُّومَ وَالكُرَّاثَ (^٢) فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ». وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ». وَفِي أُخْرَى: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هذِهِ البَقْلَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\nوَلِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ: قَالَ عُمَرُ ﵁ فِي خُطْبَةٍ: أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ لَا أَرَاهُمَا إِلا خَبِيثَتَيْنِ البَصَلَ وَالثُّومَ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي المَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ إِلَى البَقِيعِ، فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا (^٣).\nوَلِلتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ (^٤): نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ تَنَاشُدِ الأَشْعَارِ فِي المَسْجِدِ (^٥) وَعَنِ البَيْعِ وَالاشْتِرَاءِ فِيهِ (^٦) وَأَنْ يَتَحَلَّقَ النَّاسُ يَوْمَ الجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ (^٧).\n_________\n(^١) فمن مر بمسجد أو سوق ومعه شيء يؤذي، كحربة وسيف فليقبض على حديدتها لعدم أذى الناس.\n(^٢) الواو فيه وما قبله بمعنى أو التى للتنويع.\n(^٣) فهذه البقول ونحوها من كل ماله رائحة كريهة يكره أكلها للتأذى برائحتها، ولا سيما في المساجد لكثرة الملائكة فيها، وخص الملائكة لشدة كراهتها لذلك، وإلا فهو يؤذى كل ذى عقل من إنس وجن وملك، فلا يجوز الحضور في أي مجتمع إلا إذا زالت رائحتها، أو أزالها بشيء، وأكلها بعد شيها أو طبخها بالنار لا شئ فيه، فالنهى مقيد بأكلها نيئًا، وظاهر الأمر بإخراج آكلها من المسجد والنهي والتأذي أن حضور الجماعات ونحوها بعد أكلها نيئًا حرام، وبه قال أهل الظاهر، ولكن الجمهور على الكراهة فقط لحديث مسلم لما سمع الصحابة النهي عنها قالوا: إنها حرمت، فسمعهم النبي - ﷺ - فقال: أيها الناس إنه ليس بي تحريم ما أحل الله ولكنها شجرة أكره ريحها. ولحديث: كل فإني أناجى من لا تناجى. وستأتى البقول المكروهة في كتاب الطعام إن شاء الله.\n(^٤) بسند حسن.\n(^٥) نهي كراهة فيه وما بعده لاشتماله غالبًا على هجو من لا يجوز فيه، أما الشعر النافع فلا، بل هو مطلوب كما سيأتي في الأدب \"إن من الشعر لحكمة\".\n(^٦) أي الشراء؛ لأن المساجد لم تبن لهذا، إنما بنيت لعبادة لله تعالى.\n(^٧) أي ونهى عن التحلق قبل الجمعة لخلل الصفوف به، فإن المطلوب التبكير واصطفافهم صفًا صفًا بانتظام. - والله أعلم -.","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type='title' id=toc-152>صفة مسجد النبي ﷺ في عهده</span>\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ المَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ (^١) وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخلِ فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ (^٢) وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّبِنِ وَالجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ مِنْ خَشَبِ النَّخْلِ، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ، فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَيِيرَةً (^٣) وَبَنَى جِدَارَهُ بِالحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ (^٤) وَالقَصَّةِ (^٥)، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ (^٦). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ (^٧) فَلَمَّا اتَّخَذَ المِنْبَرَ حَنَّ الجِذْعُ (^٨) حَتَّى أَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَالْتَزَمَهُ فَسَكَنَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالبُخَارِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَلا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ (^٩) فَإِنَّ لِي غلَامًا نَجَّارًا (^١٠) قَالَ: «إِنْ شِئْتِ فَعَمِلَتِ المِنْبَرَ (^١١)» رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n_________\nصفة مسجد النبي - ﷺ - ومنبره في عهده\nوكان مكانه حائط لبنى النجار، فكلمهم النبي - ﷺ - في شرائه، فقالوا: لا نطلب منه إلا إلى الله. وكان فيه قبور للمشركين وخرب ونخل، فقطعوه وسووا المكان وشرعوا في بنائه، وكانوا ينقلون الحجارة لوضعها في وجهتى الباب وهم يقولون والنبي - ﷺ - معهم:\nاللهم لا خير إلا خير الآخره … فانصر الأنصار والمهاجره\nرواه أبو داود والشيخان.\n(^١) بكسر الباء واحدته لبنة: الطوب النيئ.\n(^٢) في اتساعه وارتفاعه.\n(^٣) في توسيعه وتغيير أدوات البناء.\n(^٤) بدل اللبن.\n(^٥) بفتح فتشديد، الجص المشهور عندنا بالجير.\n(^٦) خشب من الهند.\n(^٧) من خشب النخل.\n(^٨) بكى كبكاء الصبي الذي فارقته أمه حتى اعتنقه النبي - ﷺ - فسكت، وسيأتى في المعجزات إن شاء الله.\n(^٩) فتخطب الناس.\n(^١٠) اسمه باقوم أو ميمون، واسم المرأة عائشة.\n(^١١) من خشب الطرفاء بجهة الغابة، مكان في عوالي المدينة نحو الشام، وكان علوه ثلاث درجات أو درجتين، أي من غير التى كان يجلس عليها النبي - ﷺ -.","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type='title' id=toc-153>يكره تشييد المساجد وزخرفتها</span>\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ المَسَاجِدِ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢).\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (^٣): لَتُزخْرِفُنَّهَا (^٤) كَمَا زَخْرَفَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي المَسَاجِدِ (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-154>الفصل الثالث: في المواضع التي تكره فيها الصلاة </span>(^٧)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ يُقَالُ لهَا مَاريَةُ. فَذَكَرَتْ لَهُ مَا رَأَتْ فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ (^٨)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُولئِكَ\n_________\nيكره تشييد المساجد وزخرفتها\n(^١) أي برفع بنائها وتطويله.\n(^٢) بسند صالح.\n(^٣) ووصله ابن حبان.\n(^٤) بنون التوكيد الثقيلة أي المساجد، كما زخرفت اليهود والنصارى كنائسهم وبيعهم لما حرفوا وبدلوا وضيعوا الدين، والزخرف أصله الذهب، والمراد هنا كل ما يزين ويحسن ذهبًا أو غيره.\n(^٥) أي يتفاخروا بشأنها من تطويلها وتحسينها ليقال مسجد فلان، وللبخارى وابن خزيمة: يتباهون بالمساجد ثم لايعمرونها إلا قليلا. وهذه معجزة ظاهرة لإخباره - ﷺ - بهذه الأمور قبل وقوعها، فإن تشييد المساجد وزخرفها كثر من الملوك والأمراء في الشام والقاهرة واستانبول وغيرها، وأول من ابتدعه الوليد بن عبد الملك في آخر عصر الصحابة، وسكتوا عليه خوفًا من الفتنة.\n(^٦) بسند صالح. فمن هذه النصوص يعلم أن تشييد المساجد مكروه وزخرفتها أيضا مكروهة؛ لأنها تلهى العابدين وتشغلهم عن الخشوع المطلوب في الصلاة، والأفضل في المساجد القصد وترك التحسين كما فعله النبي - ﷺ - وأقره الشيخان بعده، ولكن روى عن أبي حنيفة الترخيص في ذلك، وروى عن أبي طالب أنه لا كراهة في زخرفة المحراب، وقال المنصور بالله لا بأس بزخرفة المساجد، ولعله احترامًا لها وشرحًا للصدور، - والله أعلم -.\n\nالفصل الثالث في المواضع التي تكره فيها الصلاة\n(^٧) وهى المقبرة، والحمام، ومبارك الإبل، والمزبلة والمجزرة، والطريق، وظهر الكعبة، وأرض بابل، كما ستأتى مع ذكر ما قاله الفقهاء فيها.\n(^٨) التماثيل الموضوعة فيها.","vol":"1","page":243},{"text":"قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ (^١) أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ (^٢) بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ (^٣)، أُولئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى (^٤)».\nوَعَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٥) طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا (^٦) كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ: «وَهُوَ كَذلِكَ، لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى (^٧)، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا». رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ (^٨) وَهُوَ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ (^٩) كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلا فَلَا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذلِكَ (^١٠)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعَيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلا الحمَّامَ وَالمَقْبُرَةَ (^١١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n_________\n(^١) ذكرًا أو غيره.\n(^٢) نبيا أولا.\n(^٣) صورة الصالحين الذين ماتوا ليأتنسوا بها، ويتذكروا أعمالهم الصالحة، فيجتهدوا في العبادة، وهذا كان مرادهم، ولكن لما تطاول الزمن سوّل لهم الشيطان أن يعبدوها من دون الله فأجابوه، ومن هنا انتشرت عبادة الأوثان في كثير من البقاع حتى في الكعبة كما سيأتي إن شاء الله في التفسير في الإسراء.\n(^٤) لأنهم ابتدعوا الصور في المعابد فآل الأمر بعبادتها، والأولون في الابتداع اليهود، وتبعهم النصارى. لحديث الشيخين: \"قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\".\n(^٥) وحضره النزع.\n(^٦) بغين وتاء وميم مشددة: ضاق منها.\n(^٧) وفى رواية: لعن الله وفى أخرى: قاتل الله، أي طردهم عن رحمته.\n(^٨) من الليالي.\n(^٩) اليهود والنصارى.\n(^١٠) أي لا تجعلوا المساجد على هذه القبور ولا حولها، خوفا من المبالغة في تعظيم من فيها، فربما أدى إلى الكفر كما جر الماضين إلى ذلك.\n(^١١) حكمة النهي عن الصلاة في المقبرة حرمة الموتى، وقيل تنجيس أرضها، وظاهر النهى تحريم الصلاة فيها ولا تصح وعليه بعض الصحب والتابعين وأبو ثور وإسحاق وأحمد، إذا كانت ثلاثة قبور فأكثر عند أحمد، فإن كانت أقل فالصلاة صحيحة إلا إذا استقبل القبر، فهى مكروهة، وقال الثورى والأوزاعى والحنفية: الصلاة في المقبرة مكروهة=","vol":"1","page":244},{"text":"• عَنِ البَرَاءِ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِ الإِبِلِ (^١) فَقَالَ: «لَا تُصَلُّوا فِيهَا فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ (^٢)» وَسُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ (^٣) فَقَالَ: «صَلُّوا فِيهَا فَإِنَّهَا بَرَكَةٌ (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥) وَلَفْظُهُ: «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ وَلَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ (^٦)».\nوَلِلشَّيْخَيْنِ وَالتِّرْمِذِيِّ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ قَبْلَ أَنْ يُبْنَى المَسْجِدُ (^٧).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ (^٨) فِي المَزْبَلَةِ وَالمَجْزَرَةِ وَالمَقْبَرَةِ (^٩) وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ (^١٠) وَفِي الحَمَّامِ وَمَعَاطِنِ الإِبِلِ وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ الحَرَامِ (^١١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١٢).\n_________\n=إذا كان القبر بين يدى المصلى وإلا فلا كراهة كالصلاة في قبور الأنبياء، وقالت الشافعية بصحة الصلاة فيها على مكان طاهر، مع الكراهة، إلا عند قبور الأنبياء والشهداء فلا كراهة، إلا إذا قصد تعظيمهم، فإنه يحرم، وقالت المالكية بصحة الصلاة فيها إذا أمنت النجاسة ولا كراهة، وحجة الذين لم يحرموا الصلاة فيها صلاة النبي - ﷺ - على خادم المسجد في قبره، والأولون يخصونه بذلك، وحكمة النهى عن الصلاة في الحمام أنه محل كشف العورات ومأوى الشياطين وانتشار النجاسة، فتحرم فيه ولا تصح وعليه جماعة من السلف وأبو ثور وأحمد، ولكن الجمهور على صحة الصلاة فيه مع الكراهة، إلا إذا خيف فوات الوقت، فلا كراهة، كالصلاة في محل نزع الملابس.\n(^١) موضع بروكها.\n(^٢) في أصل خلقها، أو كالشياطين في كثرة الشراد فتشوش على المصلى، فتختل صلاته، والعرب تسمى كل مارد شيطانًا.\n(^٣) المرابض جمع مربض كمسجد، مأوى الغنم.\n(^٤) ذات بركة فليس فيها تمرد ولا شراد، بل هي هادئة وفيها سكينة ومن دواب الجنة، فلا تشوش على المصلى.\n(^٥) بسند صحيح.\n(^٦) جمع عطن، وهو محل بروكها عند ورود الماء.\n(^٧) فلا كراهة في الصلاة فيها، بخلاف مبارك الإبل.\n(^٨) أي نهى عن الصلاة في واحد منها.\n(^٩) بفتح أوله وسكون ثانيه في الثلاثة وبفتح الباء وضمها في المزبلة والمقبرة وأما المجزرة فبفتح الزاى فقط، والمزبلة محل اجتماع الزبل والكناسة، والمجزرة محل ذبح الحيوان، والمقبرة، المقابر، فتكره الصلاة في هذه الأمكنة لأنها متنجسة، وكمال الصلاة إيقاعها في مكان طاهر؛ لأنها مناجاة الله قال تعالى ﴿فاخلع نعليك إنك بالوادى المقدس طوى﴾.\n(^١٠) أي وسطه وليس قيدًا، بل في حافته وبجانبه مكروهة أيضا لاشتغاله بالمارة، ومثله كل مكان فيه ما يشغله.\n(^١١) الكعبة لأن استعلاءها ينافى احترامها، فلا تصح الصلاة على ظهرها إلا إذا استقبل شاخصًا منها ثلثى ذراع فأكثر.\n(^١٢) بسند ضعيف ولكنه مؤيد بالصحاح في بعضها.","vol":"1","page":245},{"text":"• عَنْ عَلِيَ ﵁ (^١) قَالَ: نَهَانِي حَبِيبِي ﷺ أَنْ أُصَلِّيَ فِي المَقْبَرَةِ وَنَهَانِي أَنْ أُصَلِّيَ فِي أَرْضِ بَابِلَ فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣) وَالبُخَارِيُّ وَلَفْظهُ: كرِهَ عَلِيٌّ الصَّلَاةِ بِخَسْفِ بَابِلَ (^٤). وَاللَّهُ أَعْلَمُ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-155>الباب التاسع: في الجماعة (^٦)\nوفيه خمسة فصول وخاتمة</span>\n\n<span data-type='title' id=toc-156>الفصل الأول: في فضل الجماعة</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ﴾ (^٧).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ (^٨) عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ (^٩) خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضُعْفًا (^١٠) وَذلِكَ (^١١) أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إِلا الصَّلَاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا\n_________\n(^١) سببه أن عليًا ﵁ كان مارًا بأرض بابل جهة الكوفة فجاء المؤذن يعلمه بوقت الصلاة، فسكت حتى خرج منها، ثم أمر المؤذن بإقامة الصلاة فصلى، ثم ذكر الحديث، ولعل عليًا كره الإقامة بتلك الأرض لا خصوص الصلاة فإنه لم يقل بذلك أحد، أو إنه إنذار بما يصيبه من الفتنة في الكوفة التى استوطنها دون الخلفاء قبله.\n(^٢) أي لعنها الله تعالى.\n(^٣) بسند ضعيف ولذا لم يذكره البخارى. بل أشار إليه.\n(^٤) الأرض التى خسف بها، وحدثنا الله عنهم بقوله ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم﴾ فإن النمرود بن كنعان بني بنيانا عظيما ببابل بلغ ارتفاعه خمسة آلاف ذراع، فأخذه العجب والكبر، فهدمه الله عليهم، فإن العزة لله وحده.\n(^٥) عدد الأحاديث إلى هنا ٤٠٥.\n\n﴿الباب التاسع في الجماعة. وفيه خمسة فصول وخاتمة، الفصل الأول في فضل الجماعة﴾\n(^٦) الجماعة لغة: الطائفة من كل شيء، وشرعا: ربط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وأقلها إمام ومأموم.\n(^٧) أمر الله بها في الخوف ففى الأمن أولى، وحكمة الجماعة تعارف الناس وتعلم جاهلهم من عالمهم والتحابب والتعاون واتحاد الكلمة ومضاعفة الثواب والقرب من الله جل شأنه.\n(^٨) بلفظ المجهول أي تزاد.\n(^٩) منفردا.\n(^١٠) وفى لفظ بخمسة وعشرين جزءا.\n(^١١) أي التضعيف أي من أسبابه، وإلا فلو صلى جماعة في بيته فله ثوابها لما يأتي.","vol":"1","page":246},{"text":"دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ المَلَائِكَةُ تصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلاهُ مَا لَمْ يحْدِثْ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ (^١)» رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً (^٢)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشىً (^٣)، وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ عُثْمَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى العِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ (^٤) وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُمَا: «مَنْ شَهِدَ العِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ لَهُ قِيَامُ نِصْفِ لَيْلَةٍ، وَمَنْ صَلى العِشَاءَ وَالفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ لَهُ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ (^٥)».\n\n• عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ (^٦)، وَصَلَاتَهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ﷿ (^٧)».!\nرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَأَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.\n\n• عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: احْتَبَسَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ\n_________\n(^١) أي ولا يزال الشخص يكتب له ثواب الصلاة ما دام ينتظرها.\n(^٢) تفضل كتنصر، والفذ المنفرد، فصلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة، ولا منافاة بينها وبين ما قبلها فإن القليل لا ينفى الكثير، أو إنه - ﷺ - أخبر أولا بالقليل، ثم أعلم بالكثير، فأخبر به، أو هذا باختلاف المساجد في البعد والقرب، أو باعتبار المصلين إخلاصا وعدمه أو باعتبار الأئمة.\n(^٣) بفتح فسكون تمييزًا أي أبعدهم مسافة إلى المسجد؛ فإنه يلزمه كثرة المشي التى هي سبب في كثرة الأجر.\n(^٤) أي كأنه تنقل إلى نصف الليل.\n(^٥) هذه بيان لما قبلها.\n(^٦) أي أطيب وأكثر ثوابا.\n(^٧) فالصلاة مع الجماعة الكثيرة أفضل منها مع القليلة، وهذا إذا تساوت في الفضل والدين والإتقان فإن اعتبار الأئمة مقدم على كل اعتبار كما يأتى في الفصل الثالث.","vol":"1","page":247},{"text":"ذَاتَ غَدَاةٍ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى كِدْنَا نَتَرَايَا عَيْنَ الشَّمْسِ (^١)، فَخَرَجَ سَرِيعًا فَثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ (^٢)، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ (^٣) فَلَمَّا سَلَّمَ دَعَا بِصِوتِهِ قَالَ لَنَا: «عَلَى مَصَافِّكُمْ كَمَا أَنْتُمْ (^٤)». ثُمَّ انْفَتَلَ إِلَيْنَا (^٥) وَقَالَ: «أَمَا إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الغَدَاةَ (^٦) إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَتَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ لِي (^٧) فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي حَتَّى اسْتثْقلْتُ (^٨)، فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي ﵎ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ (^٩)، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّي قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي - قَالَهَا ثَلَاثًا - قَالَ: فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ فَتَجَلَّى لِيَ كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّي قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الكَفَّارَاتِ (^١٠) قَالَ: مَا هُنَّ؟ قُلْتُ: مَشْيُ الأَقْدَامِ إِلَى الحَسَنَاتِ (^١١) وَالجُلُوسُ فِي المَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ وَإِسْبَاغُ الوُضُوءِ حِينَ الكَرِيهَاتِ (^١٢)؟ قَالَ: فِيمَ؟ (^١٣) قُلْتُ: إِطْعَامِ الطَّعَامِ وَلِين الكَلَامِ وَالصَّلَاةِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ (^١٤) قَالَ: سَلْ (^١٥)\n_________\n(^١) أي نتراءى ونبصر الشمس لقرب طلوعها على خلاف عادته.\n(^٢) أي أقيمت.\n(^٣) أي خففها على خلاف عادته.\n(^٤) انتظروا في أمكنتكم لتسمعوا منى.\n(^٥) أي التفت إلينا.\n(^٦) أي ما أخرني عن المبادرة كعادتي.\n(^٧) أي ما يسره الله من التهجد.\n(^٨) وأنا في التشهد، أو بعد السلام وأنا جالس، فإن الشخص في صلاة ما دام في مصلاه.\n(^٩) أي فرأيت ربى، وسيأتي الكلام على الرؤية في تفسير الأنعام إن شاء الله.\n(^١٠) الأمور التي تكفر الذنوب.\n(^١١) أي إلى ما يوجبها، كالجماعة وتشييع الجنازة وطلب العلم وعيادة المريض والسعى في حاجة الغير ونحوها.\n(^١٢) كشدة البرد.\n(^١٣) أي وفى أي شيء يختصم الملأ الأعلى أيضا، فشبه تساؤلهم وتجاوبهم عن الأعمال الصالحة وعن المكفرات منها. والرافع للدرجات بما يجرى بين المتخاصمين، فهم يتبادرون إلى كتابتها ورفعها ويغبطون العاملين عليها لشرفها وعلو قدرها عند الله تعالى، وسبق شرحه أوسع من هذه في فضائل الصلاة.\n(^١٤) فرضا كالعشاء والصبح، أو نفلا كالوتر والتهجد. وفى رواية: والدرجات إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام.\n(^١٥) اطلب ما تشاء يا محمد، كأنه قال: وما أقوله يا رب فعلّمه الآتى.","vol":"1","page":248},{"text":"قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الخَيْرَاتِ (^١) وَتَرْكَ المُنْكَرَاتِ وَحُبَّ المَسَاكِينَ وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ قَوْمٍ (^٢) فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ (^٣) أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ (^٤) وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ». قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا (^٥)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-157>الفصل الثاني: في حكم الجماعة</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَدَ نَاسًا (^٧) فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ (^٨) فَقَالَ: «لَقَدْ هَمَمْتُ (^٩) أَنْ آمُرَ (^١٠) رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ (^١١) يَتَخَلَّفُونَ عَنْهَا فَآمُرَ (^١٢) بِهِمْ فَيُحَرِّقُوا عَلَيْهِمْ بِحُزَمِ الحَطَبِ بُيُوتَهُمْ، وَلَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمْ (^١٣) أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا لَشَهِدَهَا يَعْنِي العِشَاءَ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ أَثقَلَ صَلَاةٍ عَلَى المُنَافِقِينَ صَلَاةُ العِشَاءِ وَصَلَاةُ الفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا (^١٤) لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا (^١٥)، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ (^١٦)».\n_________\n(^١) التوفيق لفعل ما يرضيك.\n(^٢) بإضلالهم أو كفرهم.\n(^٣) ولا يجوز تمنى الموت وطلبه إلا من خوف الفتنة، كما يأتى في الجنائز إن شاء الله.\n(^٤) فإن محبتهم قربة وزيارتهم طاعة.\n(^٥) أي إن هذه الكلمات حق فاحفظوها وادعواها وعلموها للناس.\n(^٦) في التفسير بسند صحيح. وللترمذى: من صلى لله أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان براءة من النار وبراءة من النفاق.\n\nالفصل الثاني في حكم الجماعة وهي سنة مؤكدة أو فرض كفاية أو فرض عين على ما يأتى\n(^٧) غير مرة.\n(^٨) في العشاء والفجر.\n(^٩) قصدت. وفى رواية: والذي نفسى بيده لقد هممت.\n(^١٠) بالمد وضم الميم.\n(^١١) عطف على آمر، أي ثم أخالف الجماعة وأذهب إلى من يتخلفون.\n(^١٢) عطف على أخالف، أي فآمر بهم قوما يحرقونهم بالنار.\n(^١٣) أي المتخلفين.\n(^١٤) أي من الثواب العظيم.\n(^١٥) مشيا على الكفين والركبتين.\n(^١٦) جزاء على ترك الجماعة.","vol":"1","page":249},{"text":"• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ (^١) فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ (^٢) لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ (^٣) إِلا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكلُ الذِّئْبُ القَاصِيَةَ (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى (^٥) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي أَلَى المَسْجِدِ أَفَأُصَلِّي فِي بَيْتِي فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ» فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَجِبْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n_________\n(^١) فأكثر منهم أولى.\n(^٢) البدو خلاف الحضر.\n(^٣) أي جماعتها بدليل قوله: فعليك بالجماعة.\n(^٤) فمعنى الحديث: ما من ثلاثة فأكثر يتركون الجماعة إلا أضلهم الشيطان، فالزم الجماعة وإلا هلكت كما تهلك الشاة إذا انفردت.\n(^٥) هو ابن أم مكتوم لبعد داره ولعدم إبصاره، استأذن النبي - ﷺ - في ترك الجماعة، فأذن له، فلما ذهب دعاه فقال: هل تسمع الأذان. قال نعم فأمره بحضورها إذا سمع النداء مع أنه كفيف البصر وبعيد الدار. وللبخارى قال الحسن البصرى: من منعه أحد أبويه من الجماعة شفقة عليه فلا يجبه، وقال ابن مسعود: من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادي بهن، فإن الله شرع لنبيكم - ﷺ - سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدي، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلى هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق بين النفاق، وقد كان الرجل يؤتى به يهادى (يسند) بين الرجلين حتى يقام في الصف. رواه مسلم وأبو داود. ولفظه: ولو تركتم سنة نبيكم - ﷺ - لكفرتم، فهم النبي - ﷺ - بتحريق تاركى الجماعة، واستحواذ الشيطان عليهم، وأمر الضرير بالحضور مع إبدائه المشقة تدل على أن الجماعة فرض عين، وعليه بعض الصحب والتابعين وأحمد وأبو ثور وبعض محدثى الشافعية كابن خزيمة وابن حبان وابن المنذر، ولكنها ليست شرطا في صحة الصلاة، وقال مالك وأبو حنيفة وبعض الشافعية: إنها سنة مؤكدة لحديث \"صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ\" وتلك النصوص تشديد في أمرها فقط، وظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية، وعليه جمهور أصحابه إلا في الجمعة والمجموعة بالمطر تقديما، فإنها فرض عين. - والله أعلم -.","vol":"1","page":250},{"text":"<span data-type='title' id=toc-158>أعذار الجماعة </span>(^١)\n\n• عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ (^٢) ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ المُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ وَمَطَرٍ (^٣) يَقُولُ: «أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ (^٤). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَقَالَ مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ ﵁ كَانَ عِتْبَانُ (^٥) بْنُ مَالِكٍ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمى، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّهَا تَكُون الظُّلْمَةُ وَالسَّيْلُ (^٦) وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ (^٧)، فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذْهُ مُصَلًّى (^٨)، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^٩) فَقَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ»، فأشَارَ إِلَى مَكَانٍ مِنَ البَيْتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^١٠). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَمِعَ المُنَادِيَ (^١١) فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ\n_________\nأعذار الجماعة\n(^١) هي البرد الشديد، أو الحر الشديد أو الريح الشديدة، أو المطر، أو الظلمة، أو الخوف من عدو أو سبع، أو مرضه، أو مرض من يعوله إذا لم يكن ثم غيره، فإذا كان واحد من هذه، فلا يجب السعى الجماعة، ولا يسن، رحمة بالعباد قال تعالى ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾.\n(^٢) جمع رحل: وهو البيت من حجر أو مدر أو خشب أو جلد أو صوف أو غيرها.\n(^٣) وفى رواية إذا كانت ليلة باردة أو ذات مطر.\n(^٤) بدل حي على الصلاة.\n(^٥) بكسر فسكون: الأنصاري الخزرجي البدري.\n(^٦) أي المطر.\n(^٧) وفى رواية: إنى أنكرت بصرى وأنا أصلى لقومى، فإذا كانت الأمطار سال الوادى بينى وبينهم، ولم أستطع أن آتى مسجدهم فأصلى لهم، ووددت أنك تأتى فتصلى في بيتي فأتخذه مصلى، فأجابه النبي - ﷺ -.\n(^٨) أي شرف عندى يا رسول الله، وصل في بيتى في مكان أجعله قبلة أصلى فيها.\n(^٩) ضحى حين ارتفع النهار، ومعه أبو بكر ﵁.\n(^١٠) أي صلى بهم ركعتين كما رواه مسلم، فأباح له التخلف لضعف بصره وللظلمة والسيل أحيانا، وأحدها يكفى عذرًا في ترك الجماعة فالأعمى لا تطلب منه الجماعة إلا إن وجد قائدًا أو اهتدى بنفسه، فيطلب منه الحضور كالأعمى السابق الذي أمر بالحضور، فإن داره كانت قريبة للمسجد لأنه كان يسمع النداء. وفيه صحة الجماعة في النوافل، وفيه جواز التبرك بالصالحين وآثارهم، فإن البقاع تشرف بهم.\n(^١١) أي بالصلاة وهو المؤذن.","vol":"1","page":251},{"text":"الَّتِي صَلَّى» قَالُوا: وَمَا العُذْرُ؟ قَالَ: «خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-159>ينبغي المشي إلى الصلاة بسكينة </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ (^٤) فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟» قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا (^٥) إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا (^٦)». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالوَقَارُ (^٧) وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». وَفِي أُخْرَى: «إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ فَلَا يَسْعَ لَهَا أَحَدُكُمْ (^٨) وَلكِنْ لِيَمْشِ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالوَقَارُ، صَلِّ مَا أَدْرَكْتَ وَاقْضِ مَا سَبَقَكَ».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ (^٩) فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ: «حَتَّى تَرَوْنِي خَرَجْتُ».\n_________\n(^١) فمن سمع أذان الجماعة ولم يذهب للصلاة معها لا يقبل الله منه الصلاة، إلا إذا كان خائفا من عدو أو سبع أو حرق أو دائن أو نحوها، أو مريضا يشق عليه حضورها، ومثله تعهده مريضا ليس معه غيره.\n(^٢) بسند ضعيف ولكن مدلوله أولى ما قبله، فإن الخوف والمرض أشق مما قبلهما، والعذر مداره على الشقة. - والله أعلم -.\n\nينبغى المشى إلى الصلاة بسكينة\n(^٣) أي بتأن وتمهل.\n(^٤) الجلبة بالتحريك: أصوات كلام وحركات وعجلة.\n(^٥) أي لا تستعجلوا، فإن أدب الصلاة مطلوب حين الذهاب لها، لحديث مسلم: \"إذا كان أحدكم يعمل إلى الصلاة فهو في صلاة\".\n(^٦) أي ما لحقتموه مع الإمام فصلوا معه وما فاتكم فأكملوه وحدكم وظاهره إدراك الجماعة ولو بجزء قليل مع الإمام، وعليه الجمهور، وقال بعضهم لا تدرك إلا بركعة لحديث من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك: وقياسا على الجمعة.\n(^٧) السكينة: التأنى في الحركات وعدم العبث، والوقار في الهيئة، كغض البصر وخفض الصوت وعدم الالتفات، أو هما واحد والثانى تأكيد.\n(^٨) لا يسرع في المشى بل يتمهل فيه لتكثر خطواته فيعظم أجره، والتأنى مطلوب ولو فأتت الجماعة وله ثوابها كما سبق في فضل المساجد.\n(^٩) أي إذا ذكرت ألفاظ الإقامة فلا تقوموا للصلاة حتى=","vol":"1","page":252},{"text":"<span data-type='title' id=toc-160>الفصل الثالث: في صفة الإمام (^١) أهل الفضل أحق بالإمامة </span>(^٢)\n• عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي فَلَمَّا أَرَدْنَا الإِقْفَالَ مِنْ عِنْدِهِ (^٣) قَالَ لَنَا: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَذِّنَا ثُمَّ أَقِيمَا وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا (^٤)» رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَلِأَبِي دَاوُدَ: «لِيُؤذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ (^٥) وَلْيَؤُمَّكُمْ قُرَّاؤُكُمْ (^٦)».\n\n• عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ (^٧)، فَإِنْ كَانُوا فِي القِراءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسّنَّةِ (^٨)، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً (^٩)، فَإِنْ\n_________\n= تروني تهيأت لها، لئلا يطول قيامكم إذا عرض ما يؤخر الإمام، وظاهره أن القيام للصلاة بعد الفراغ من الإقامة وعليه بعضهم، وقال مالك: القيام للصلاة في حال الإقامة أو بعدها بقدر طاقته. وقال أبو حنيفة: عند حي على الفلاح. وقال الشافعي وأحمد: عند قد قامت الصلاة إذا رأى الإمام تهيأ للصلاة. وهذا خلاف في الأفضل، وإلا فالقيام في أي وقت يكفي عند الجميع. - والله أعلم -.\n\nالفصل الثالث في صفة الإمام\n(^١) التى ينبغى وجودها فيه، وهى أن يكون فقيهًا، وقارئًا، وتقيًا، ومتزوجًا، ونسيب من آل بيت النبي - ﷺ - وذا هيئة حسنة؛ وصوت جميل، وأن يكون حائزًا لرضاء الناس، فهذه أوصاف الإمام الكامل التى تحبب الناس فيه وتدعوهم إلى الصلاة خلفه.\n(^٢) من غيرهم لأنهم الواسطة بين الله وبين عباده، لحديث الدارقطنى والبيهقى: اجعلوا أئمتكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم.\n(^٣) الانصراف من عنده.\n(^٤) أي فضلا كما يأتى.\n(^٥) الصالحون منكم، فإنهم أمناء الناس على عبادتهم.\n(^٦) أهل القرآن.\n(^٧) أكثرهم قرآنا، لا يأتي في حديث عمرو بن سلمة، فكثير القرآن مقدم على غيره ولو فقيها، وعليه الأحنف وابن سيرين والحنفية، وقال الجمهور: الأفقه مقدم على الأقرأ؛ لأن ما يحتاج إليه من القرآن مضبوط وما يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، وقد يعرض في الصلاة ما لا يعرفه إلا الفقيه. والجواب عن الحديث أن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه لقول ابن مسعود كان أحدنا إذا حفظ سورة من القرآن لم يخرج منها إلى غيرها حتى يحكم علمها ويعرف حلالها من حرامها.\n(^٨) ما سنه النبي - ﷺ - من أحكام الصلاة وغيرها، وهو الفقه في الدين.\n(^٩) تحولا من دار الكفر إلى دار الإسلام، وستأتى في الجهاد إن شاء الله.","vol":"1","page":253},{"text":"كَانُوا فِي الهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا (^١) وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ (^٢) وَلَا يَقْعُدْ فِي بيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلا بِإِذْنِهِ (^٣)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ ﵁ قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ يَأْتِينَا فِي مُصَلانَا يَتَحَدَّثُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ يَوْمًا، فَقُلْنَا لَهُ: تَقَدَّمْ فَقَالَ: لِيَتَقَدَّمْ بَعْضُكُمْ حَتَّى أُحَدِّثَكُمْ لِمَ لَا أَتَقَدَّمُ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ وَلْيَؤُمَّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ (^٥) العَبْدُ الآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ (^٦)، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ (^٧)، وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ (^٨)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٩) وَأَبُو دَاوُدَ (^١٠).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ عَلَى كُثْبَانِ المِسْكِ يَوْمَ القِيَامَةِ (^١١) يَغْبِطُهُمُ الأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ (^١٢) رَجُلٌ يُنَادِي بِالصَّلَوَاتِ الخَمْسِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ (^١٣)، وَرَجُلٌ يَؤُمُّ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ (^١٤)، وَعَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ (^١٥)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ (^١٦).\n_________\n(^١) في الإسلام بتقدم إسلامه، فهو فضيلة يرجح بها لرواية، فأقدمهم سلمًا، أي إسلاما، قال تعالى: ﴿ادخلوا في السلم كافة﴾. ومعنى ذلك أن الأفقه مقدم على غيره، فإن استووا في الفقه فالأقرأ، فإن استووا في القراءة فأسبقهم هجرة، فإن استووا فيها فأقدمهم إسلاما، فإن استووا فأكبرهم سنا.\n(^٢) محل ولايته حاكما، أو رئيس قبيلة، أو إمامًا راتبا، أو صاحب الدار، فلا يجوز للغير أن يتقدم إلا بإذنه.\n(^٣) التكرمة كالتزكية ما يعد لصاحب المنزل من سرير وأريكة ونحوها، فلا يجلس الغير عليها إلا بإذنه لأنه من الأدب الموجب للألفة.\n(^٤) بسند حسن.\n(^٥) كناية عن عدم القبول، وهذا لشدة الترهيب من تلك الخصال الذميمة، وإلا فالصلاة المستوفاة صحيحة لأنهم لم يشترطوا في صحتها البعد عن الذميم.\n(^٦) إلى إرضاء سيده.\n(^٧) أي بحق، فإن كان سخطه بغير حق فلا.\n(^٨) لسوء أخلاقه أو أفعاله، أو لسوء صلاته.\n(^٩) بسند حسن.\n(^١٠) ولفظه: ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة، من تقدم قوما وهم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دبارًا بعد فوات أوقاتها، ورجل اعتبد محررة، أي استرق نفسًا حرة.\n(^١١) كثبان بالضم جمع كثيب وهو التل.\n(^١٢) يتمنون أن يكونوا مثلهم.\n(^١٣) وهو المؤذن.\n(^١٤) لحسن سيرته وصلاته.\n(^١٥) أسياده، وسيأتى في العتق حق السيد على عبده وحقه على سيده إن شاء الله.\n(^١٦) بسند حسن.","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type='title' id=toc-161>التخفيف مع الإتقان </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ (^٢) ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ (^٣)، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى (^٤) بِالنَّاسِ فَلْيْتَجَوَّزْ (^٥)، فَإِنْ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ (^٦)، وَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ (^٧)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ (^٨) أَخفَّ صَلَاةً وَلَا أَتَمَّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَإِنْ (^٩) كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ (^١٠). وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقُّ عَلَى أُمِّهِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَؤوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ (^١١)». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n_________\nالتخفيف مع الإتقان\n(^١) أي مطلوبان من الإمام.\n(^٢) واسمه عقبة بن عمرو البدرى.\n(^٣) بكسر الفاء المشددة ولفظ الجمع، أي عن الصلاة بسبب تطويلهم.\n(^٤) ما زائدة.\n(^٥) أي فليخفف مع فعل الواجبات والسنين.\n(^٦) ولفظ الترمذى: فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض. أي والمسافر والمرضع والحامل، فيتألمون من التطويل، وينفرون من الجماعة.\n(^٧) لعدم التأذى، ومثله جماعة محصورون رضوا بالتطويل، وفى رواية: كان معاذ يصلى مع النبي - ﷺ - ثم يرجع إلى قومه بني سلمة، فيصلى بهم ما صلاه مع النبي - ﷺ - فصلى بهم العشاء ليلة وقرأ البقرة، خرج من الصلاة حزم بن أبى بن كعب أو حرام ابن ملحان، فرماه معاذ بالنفاق، فبلغ النبي - ﷺ - ذلك فقال لمعاذ: أنت فتان، ثلاث مرات، وأمره بسورتين من أوسط الفصل: والسماء والطارق والشمس وضحاها أو سبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك.\n(^٨) ظرف للماضى مبنى على الضم، وأخف صفة لإمام ممنوع من الصرف بوزن الفعل، وصلاة منصوب على التمييز.\n(^٩) مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، وكان خبرها.\n(^١٠) في صلاتها لشفقتها عليه.\n(^١١) أي تصلى الأئمة بكر، فإن أصابوا بفعل الصلاة كاملة فلهم ولكم كامل الأجر، وإلا فلكم الأجر وعليهم الوزر، ولفظ أبى داود: من أمّ الناس فأصاب الوقت فله ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئًا فعليه ولا عليهم.","vol":"1","page":255},{"text":"• عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ أَنْ يَنْظُرَ فِي جَوْفِ بَيْتِ امْرِئٍ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ، فَإِنْ نَظَرَ فَقَدْ دَخَلَ (^١)، وَلَا يَؤُمُّ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ (^٢) وَلَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ حَقِنٌ (^٣) \". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-162>إمامة العبد والمولى والأعمى والمرأة والصغير </span>(^٥)\nكَانَتْ عَائِشَةُ يَؤُمُّهَا عَبْدُهَا ذَكْوَانُ مِنَ المُصْحَفِ (^٦). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالشَّافِعِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ الأَوَّلُون العَصْبَةَ (^٧) مَوْضِعًا بِقُبَاءٍ قَبْلَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ (^٨) وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يَؤُمُّ النَّاسَ وَهُوَ أَعْمى (^٩).\n_________\n(^١) فكأنه دخل بغير إذن، وهو حرام.\n(^٢) لتقصيره في المطلوب منه وهو إشراكهم في الدعاء: اللهم اهدنا فيمن هديت، فإنه حق لهم عليه وأقرب للإجابة، فقد ورد: إذا دعوتم فعمموا فإنه أقرب الإجابة. والمأمومون رعية الإمام، وهو مسئول عنهم.\n(^٣) محصور بالبول أو نحوه حتى يتخفف، فإنه أدعى للخشوع، وفقه ما تقدم أن التخفيف مطلوب من الإمام مع عمل الواجبات، وأقل الكمال في السنن، وينبغى مراعاة الناس، ووقت الصلاة من حر وبرد، فيصلى كمقتضى الحال، كما ينبغى الدعاء للجميع، فإنهم عباد الله وفي طاعته.\n(^٤) بسند حسن.\n\nإمامة العبد والمولى والأعمى والمرأة والصغير\n(^٥) أي جائزة وصحيحة لعدم المبطل، وكذا إمامة ولد الزنا لأنه لا وزر عليه من صنع أبويه، ولكن مع الكراهة.\n(^٦) ينظر فيه ويقرأ منه وهو رقيق لم يعتق، فإمامته صحيحة، وبه قال الشافعي ومحمد وأبو يوسف، وقال أبو حنيفة: إمامته فاسدة لأنها عمل كبير على الرقيق.\n(^٧) بفتح فسكون منصوب على الظرفية.\n(^٨) واسمه هشام بن عتبة بن ربيعة، وكان سالم أكثر المهاجرين الأولين حفظ القرآن، وكان عبدًا لامرأة من الأنصار عند أبى حذيفة، فأعتقه، فبقى عنده فتبناه، فنهوا عن التبنى، فسمى مولاه كقوله تعالى ﴿فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم﴾ وكان سالم من أفقه الناس وأتقاهم، فكان إماما لبعض أهله قبل العتق وبعده، وسيأتى فضله في الفضائل.\n(^٩) جعله خليفة عنه على المدينة حين سافر للغزو، فالأعمى والبصير سواء في الإمامة لكثرة خشوع الأعمى، ولزيادة تحفظ البصير من النجاسة، قاله الشافعي وجماعة، ولكن الظاهر أن البصير أفضل لكثرة إنابة النبي - ﷺ - للبصراء، وعليه فإمامة الأعمى مكروهة كإمامة ولد الزنا إلا إذا كان أفقه القوم، وعليه الحنفية والحنابلة.","vol":"1","page":256},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ (^١).\n\n• عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ خَلادٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَزُورُ أُمَّ وَرَقَةَ (^٢) فِي بَيْتِهَا، فَاسْتَأْذَنَتْهُ فِي مُؤَذِّنٍ، فَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا، وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا (^٣)، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ: فَأَنَا رَأَيْتُ مُؤَذِّنَها شَيْخًا كَبِيرًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالحَاكِمُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ (^٤) ﵁ أَنَّهُمْ وَفَدُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَنْصَرِفُوا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ يَؤُمُّنَا؟ قَالَ: «أَكْثَرُكُمْ جَمْعًا لِلْقُرْآنِ أَوْ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ، فَكُنْتُ أَكْثَرَهُمْ جَمْعًا لِلْقُرْآنِ، فَقَدَّمُونِي وَأَنَا غُلَامٌ وَعَلَيَّ شَمْلَةٌ لِي فَمَا شَهِدْتُ مَجْمَعًا مِنْ جَرْمٍ إِلا كُنْتُ إِمَامَهُمْ، وَكُنْتُ أُصَلِّي عَلَى جَنَائِزِهِمْ إِلَى يَوْمِي هذَا».\n_________\n(^١) بسند حسن.\n(^٢) بنت عبد الله بن الحارث.\n(^٣) تصلى بهم إمامًا ومنهم المؤذن، فكان يقتدى بها معهم، ففيه صحة إمامة المرأة بالرجال، وعليه المزنى وأبو ثور والطبرى، وقال الجمهور: لا تصح إمامتها بالرجال الحديث ابن ماجه: \"لا تؤمَّنَّ امرأة رجلا\". ولحديث البخارى والترمذى الآتى في الإمارة: \"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة\". وأم ورقة كانت تصلى بنساء أهل دارها فقط، وورد من عدة طرق أن بعض أمهات المؤمنين كانت تصلى إمامًا بالنساء، فقد روى الدارقطنى والبيهقى: أن عائشة أمت النساء، فكانت بينهن في صلاة مكتوية، ولابن أبى شيبة والحاكم عن عطاء أن عائشة كانت تؤم النساء فتقوم معهن في الصف. ولعبد الرزاق والشافعي عن هجيرة قالت: أمتنا أم سلمة في صلاة العصر فقامت بيننا. ولمحمد بن الحسن عن عائشة أنها كانت تؤم النساء في شهر رمضان فتقوم وسطهن، ولعبد الرزاق عن ابن عباس قال: تؤم المرأة النساء، تقوم في وسطهن. فظهر من هذا أن المرأة تؤم النساء في كل صلاة، ولكن في وسط صفهن لأنه أستر لها، والأولى أن تتقدم قليلا ليظهر الفرق بين الإمام والمأموم.\n(^٤) عمرو هذا من بنى جرم، فقدم على النبي - ﷺ - وفد منهم وأسلموا، فلما أرادوا السفر سألوا النبي - ﷺ - من يكون إمامنا؟ فقال: أكثركم قرآنا. فكان عمرو أكثرهم قرآنًا لأنهم كانوا على ماء يمر بهم الركبان الآيبون من عند النبي - ﷺ - فينزلون عليهم، فيقرءون ما سمعوه من النبي - ﷺ -، وكان عمرو صغيرًا، ولكنه كان ذكيا حافظًا، حفظ قرآنًا كثيرًا قبل إسلام قومه. وفي رواية قال عمرو: كان على بردة صغيرة صفراء إذا سجدت انكشفت عنى، فقالت امرأة: واروا عنا عورة قارئكم، فاشتروا لي قميصا عمانيًا، فما فرحت بشيء بعد الإسلام فرحي به، فكنت أؤمهم وأنا ابن سبع أو ثمان سنين. فإمامة الصبي صحيحة وعليه الجمهور، ولكنها مكروهة إلا إذا كان أفقه القوم، أو كان إماما لمثله.","vol":"1","page":257},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَلِأَبِي دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيِّ: «الصَّلَاةُ المَكْتُوبَةُ وَاجِبَةٌ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الكَبَائِرَ (^١)».\n\n<span data-type='title' id=toc-163>موقف المأموم من الإمام </span>(^٢)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ (^٣) فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَنِي بِرَأْسِي، فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ (^٤). رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ سمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كُنَّا ثَلَاثَةً أَنْ يَتَقَدَّمَ مِنَّا أَحَدُنَا (^٥). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ (^٧) فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا. رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَّهُ وَامْرَأَةً (^٨) مِنْهُمْ، فَجَعَلَهُ عَنْ يَمِينِهِ وَالمَرْأَةَ خَلْفَ ذلِكَ (^٩). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n_________\n(^١) فالجماعة خلف كل مسلم حق وصحيحة وإن كان فاسقًا، ويؤيده إجماع السلف من الصحب والتابعين على صحة الصلاة خلف أئمة الجور، فإنهم كانوا يقولون إمامة الصلاة، وللبخارى: صلى ابن عمر خلف الحجاج بن يوسف الثقفى، ولمسلم وأصحاب السنن: صلى أبو سعيد خلف مروان حينما قدم الخطبة على الصلاة، واعترضه أبو سعيد بحديث: من رأى منكم منكرا. وفقه ما تقدم أن إمامة العبد ومن معه وإمامة الفاسق صحيحة ولكنها مكروهة، والأفضل في جماعة المسلمين أن يكون الإمام كاملا بأن يكون حرة وسيدًا وبالغًا ورشيدا وعدلا مشهورًا بالفضل والصلاح، فإنها وفادة بين الله وعباده، - والله أعلم -.\n\nموقف المأموم من الإمام\n(^٢) ينبغى أن يقف الذكر عن يمين الإمام متأخر عنه، والرجلان خلف الإمام، والمرأة خلف الإمام إن لم يكن غيرها، وإن كان رجال ونساء فصفهن آخر الصفوف كما كان في زمن النبي - ﷺ -.\n(^٣) بنت الحارث الهلالية إحدى أمهات المؤمنين، وكان النبي - ﷺ - عندها في تلك الليلة، فقام يتهجد.\n(^٤) وفى رواية: فأخذ بيدى أو بعضدى، فأقامنى عن يمينه. فالسنة وقوف المأموم الذكر عن اليمين، وفيه صحة الجماعة باثنين فقط ومحنتها في النوافل، خلافا لمن منع ذلك.\n(^٥) والآخران خلفه يستران ظهره، وهكذا ينتظم الصف يمينًا وشمالا لحديث أبى داود: \"وسطوا الإمام\".\n(^٦) بسند حسن.\n(^٧) هي أم أنس، واسمها مليكة بالتصغير وفي رواية: فصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا هي أم أنس، فصلى بنا ركعتين ثم سلم. واليتيم هو ابن أبي ضميرة مولى النبي - ﷺ - له ولأبيه صحبة.\n(^٨) عطف على لهاء في أمه.\n(^٩) فأنس وامرأة اقتديا بالنبي - ﷺ - فجعله عن يمينه والمرأة خلفهما.","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type='title' id=toc-164>الفصل الرابع: في الاقتداء بالإمام </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُون (^٢)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\nوَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ (^٣)، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وَلَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ». قَالَ الحُمَيْدِيُّ: قَوْلُهُ «إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا (^٤)» هُوَ فِي مَرَضِهِ القَدِيمِ، ثُمَّ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذلِكَ جَالِسًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالجُلُوسِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالآخِرِ فَالآخِرِ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n_________\n=والحكمة في انفراد صف النساء عن الرجال البعد عن الفتنة، وموقف المأموم من الإمام على ما تقدم هو الأكمل، وإلا فلو خولف صحت الصلاة والجماعة عند الجمهور، ومفهوم هذه النصوص أن المأموم إذا تقدم على الإمام بطلت صلاته لعدم التبعية، - والله أعلم -.\n\nالفصل الرابع في الاقتداء بالإمام\n(^١) القدوة هي تبعية المأموم للإمام من أول الصلاة إلى آخرها، فلا يتقدم عليه ولا يقارنه في قول أو فعل، ونية الاقتداء بالإمام واجبة على المأموم، بخلاف الإمام، فلا تجب عليه نية الجماعة، ولكن تسن ليدرك ثوابها.\n(^٢) هو تأكيد للضمير في فصلوا. وفى رواية: أجمعين، حال. وسبب الحديث أن النبي - ﷺ - سقط عن فرس فرح شقه الأيمن، فجاء أصحابه يعودونه، خضرت الصلاة، فصلى بهم وهو جالس، ثم ذكر الحديث.\n(^٣) أي للإحرام، فإن كبر المأموم قبله بطلت صلاته، لحديث مسلم: \"لا تبادروا الإمام، إذا كبر فكبروا\".\n(^٤) هذا لفظ البخارى في رواية. أنس، وحديث الكتاب رواية مسلم لأبى هريرة، والحميدى شيخ البخاري، فظاهر رواية أبى هريرة أن المأموم يتابع إمامه في القعود وإن لم يكن معذورًا، وعليه بعضهم. وقال الجمهور: لا تجوز الصلاة من قعود لمتابعة الإمام لأن الإمام لا يسقط عن القوم شيئًا من أركان الصلاة مع قدرتهم عليه. ورواية أنس هي الأخيرة، فهى ناسخة لما قبلها.","vol":"1","page":259},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَمَا يَخْشى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ (^١) أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ». وَفِي رِوَايَةٍ: أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ صُورَتَهُ فِي صُورَةِ حِمَارٍ (^٢). رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمَّا قَضى الصَّلَاةَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ وَلَا بِالقِيَامِ وَلَا بِالانْصِرَافِ (^٣) فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي (^٤)». ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا». قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «رَأَيْتُ الجَنْةَ وَالنَّارَ (^٥)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: لَقدْ رَأَيْتُ الرِّجَالَ (^٦) عَاقِدِي أُزْرِهِمْ فِي أَعْنَاقِهِمْ مِثْلَ الصِّبْيَانِ مِنْ ضِيقِ الأُزْرِ (^٧) خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ قَائِلٌ (^٨): يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ لَا تَرْفَعْنَ رُؤُوسَكُنَّ حَتَّى يَرْفعَ الرِّجَالُ (^٩). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا (^١٠)، وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ\n_________\n(^١) من الركوع أو السجود.\n(^٢) بمسخه حمارا، ولا مانع منه للإخبار بوقوعه في حديث البخارى الآتى في التحذير من الخمر في كتاب الشراب، أو المراد يحوله كالحمار في البلادة. وفى رواية: أن يحول الله رأسه رأس كلب. فهذا الوعيد بالمسخ يفيد أن سبق الإمام حرام.\n(^٣) أي بالتسليم.\n(^٤) رؤية بصرية من كل جهة، وكان من خصائصه - ﷺ - أن يرى من كل جهة.\n(^٥) بأن صورتا أمامي في الصلاة وكشف عنى، فرأيتهما ورأيت الأهوال في النار، فمعنى الحديثين النهى عن سبق الإمام في أي شيء من الصلاة، وهو حرام من علم النهى، ويفوت به الثواب، ولكن لا تبطل به الصلاة إلا في تكبيرة الإحرام والسلام.\n(^٦) من أهل الصفة، وعاقدى جمع عاقد وحذف نونه للإضافة إلى أزرهم بضم فسكون جمع إزار وهو الملحفة.\n(^٧) ومن قلة الملابس، فلم يكن سراويل تسترهم، فكانوا يعقدون الأزر في أعناقهم؛ لأنه أبلغ في الستر.\n(^٨) هو بلال أو النبي - ﷺ -.\n(^٩) خوفا من رؤيتهن لعورات الرجال من أسفل، فإنه لا يجب سترها منه.\n(^١٠) أي السجدة، فمن أدرك الإمام في اعتداله من الركوع؛ أو في جلوسه وافقه، ولم يعد ذلك ركعة إلا إذا أدرك الركوع مع الإمام واطمأن معه في الركوع، وورد إطلاق الركعة على الركوع في مسلم عن البراء حيث قال: فوجدت قيامه فركعته فاعتداله قريبا من السواء.","vol":"1","page":260},{"text":"الصَّلَاةَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقطّنِيُّ (^١).\n\n• عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ (^٢) وَالإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ (^٣)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-165>فضل الصف الأول وما يليه</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ (^٥) يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ (^٦) فَأَخَّرَهُ (^٧) فَشَكرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: الشُّهَدَاءُ خَمْسٌ (^٨) المَطْعُونُ (^٩) وَالمَبْطُونُ (^١٠) وَالغَرِيقُ وَصَاحِبُ الهَدْمِ (^١١) وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (^١٢)» وَقَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ (^١٣) وَالصَّفِّ الأَوَّلِ (^١٤) ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا (^١٥)، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ (^١٦) لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العْتَمَةِ (^١٧) وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا (^١٨)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا (^١٩) وَشَرُّهَا آخِرُهَا (^٢٠)،\n_________\n(^١) بسند صالح.\n(^٢) أي جماعتها.\n(^٣) أي فليوافقه فيما هو فيه.\n(^٤) بسند غريب وقال: والعمل على هذا عند أهل العلم - والله أعلم -.\n\nفضل الصف الأول وما يليه\n(^٥) من الأمم السالفة.\n(^٦) يؤذى المارة.\n(^٧) فنحاه عن الطريق.\n(^٨) الشهداء جمع شهيد، لشهود الملائكة موته واحتفالهم به أكثر.\n(^٩) من مات بالطاعون في بلده صابرا.\n(^١٠) من مات بداء البطن كالإسهال.\n(^١١) من مات تحت هدم.\n(^١٢) سيأتي الكلام عليه مع بقية الشهداء في الجهاد إن شاء الله.\n(^١٣) الأذان.\n(^١٤) في جماعة الصلاة من الثواب العظيم.\n(^١٥) الاستهام عمل القرعة، فلو يعلم الناس ثواب الأذان والصف الأول لتبادروا إليهما ولو بالقرعة.\n(^١٦) الذهاب للظهر وقت الهاجرة، وهي شدة الحر.\n(^١٧) العشاء.\n(^١٨) مشيًا على الكفين والركبتين.\n(^١٩) لقربه من الإمام، فيسمع أقواله ويشاهد أحواله فيهتدى بهديه وتعمه الرحمة قبل غيره، فإنها تنزل أولا على الإمام، ثم على من يليه، والله وملائكته يصلون على الصفوف الأول، فثواب الأول أكثر، ثم من يليه وهكذا.\n(^٢٠) لبعده عن الإمام وقربه من النساء.","vol":"1","page":261},{"text":"وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا (^١) وَشَرُّهَا أَوَّلهَا (^٢)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ حُذَيْفَة ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ (^٣)، جُعِلَتْ صُفُوفنَا كَصُفُوفِ المَلَائِكَةِ (^٤)، وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا (^٥) إِذَا لَمْ نَجِدِ المَاءَ، وَذَكَرَ خَصْلَةً أُخْرَى (^٦)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنِ البَرَاءِ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ (^٧) عَلَى الَّذِيْنَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ الأُوَلَ (^٨)، وَمَا مِنْ خَطْوَةٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا العَبْدُ يَصِلُ بِهَا صَفًّا». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٩).\n\n• عَنِ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ ثَلَاثًا وَعَلَى الثَّانِي وَاحِدَةً (^١٠). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ (^١١).\n\n<span data-type='title' id=toc-166>خيار الناس أولى بالصف الأول </span>(^١٢)\n\n• عَنْ عَبْدَ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِيَلِنِي (^١٣) مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهى (^١٤)\n_________\n(^١) لبعدهن عن الرجال.\n(^٢) لقربهن من الرجال وهذا في نسوة يصلين مع الرجال. أما جماعة النساء البعيدة عن الرجال، تغير صفوفهن الأول والثانى فالثالث وهكذا.\n(^٣) أي فضلنا الله على سائر الأمم بثلاث لم تمنح لهم.\n(^٤) أي كانت صفوفنا في الصلاة كصفوف الملائكة في السماء رفعة وشرفا.\n(^٥) سبق هذا في التيمم.\n(^٦) ذكرها النسائي بقوله: وأوتيت هذه الآيات من خواتم البقرة من كنز تحت العرش، ولم يعطهن أحد قبلى، ولا يعطاهن أحد بعدى.\n(^٧) والصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار.\n(^٨) أي يتمونها.\n(^٩) وابن حبان والبزار بسند حسن.\n(^١٠) أي ولم يدع لغيرهما، بل وعدهم بالنار إن داموا على التأخر؛ فقد روى أبو داود: \"لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار\".\n(^١١) ورواه ابن ماجه وصحه بلفظ: كان يستغفر للصف القدم ثلاثًا وللثانى مرة. وكما ثبت فضل الصفوف الأول ثبت فضل الميامن، فقد روى أبو داود: \"إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف\"، - والله أعلم -.\n\nخيار الناس أولى بالصف الأول\n(^١٢) خيار الناس هم البالغون الراشدون الكاملون، فهم أولى بالأول وما يليه من الصفوف، لشدة تفطنهم وتيقظهم، فبعدهم الغلمان فالنساء.\n(^١٣) بكسر اللامين وتخفيف النون، وهو الأوجه. وفى رواية: ليلينى بياء ثانية وتشديد النون، من الولى وهو القرب، والأحلام جمع حلم وهو السكون والوقار والتثبت في الأمور وضبط النفس، أو من الحلم بضمتين، وهو البلوغ والرشد.\n(^١٤) جمع نهية.","vol":"1","page":262},{"text":"ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ (^١) ثَلَاثًا (^٢) وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الأَسْوَاقِ (^٣)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُفُّ الرِّجَالَ أَوَّلًا (^٤) ثُمَّ الغِلْمَانَ خَلْفَهُمْ (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦) وَأَحْمَدُ وَلَفْظُهُ: وَيَجْعَلُ الرِّجَالَ قُدَّامَ الغِلْمَانِ وَالغِلْمَانَ خَلْفَهُمْ وَالنِّسَاءَ خَلْفَ الغِلْمَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخّرًا فَقَالَ لَهُمْ: «تَقَدَّمُوا فَأْتَمُّوا بِي وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ (^٧) لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ (^٨) حَتَّى يُؤَخِّرِهُمُ اللَّهُ (^٩)».\nرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-167>ينبغي الفتح على الإمام </span>(^١٠)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةً فَقَرَأَ فِيهَا فَلُبِسَ عَلَيْهِ (^١١) فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «أَصَلَّيْتَ مَعَنَا؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَمَا مَنَعَكَ؟» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ وَلَفَظُهُ: «فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَفْتَحَ عَلَيَّ» (^١٢).\n_________\n=بالضم، وهو العقل الذي ينهى صاحبه من القبائح، أي ليدن منى في الصلاة البالغون العقلاء، لشرفهم ومزيد فضلهم على غيرهم.\n(^١) يقربون منهم في هذا الوصف، ففيه تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام، فهو أولى بالإكرام، ولأنه ربما عرض للإمام شيء فيخلفونه، أو اشتبه عليه في القراءة فيفتحون عليه.\n(^٢) أي قالها ثلاثا.\n(^٣) ارتفاع الأصوات واللغط الذي يقع في الأسواق اجتنبوه.\n(^٤) يقدم صفهم على من بعدهم لشرفهم.\n(^٥) لشرفهم على الإناث بالذكورة إذا كان أكثر من غلام، فيصطفون وراء الرجال، فإن كان صبي واحد وقف في صف الرجال، وكان عمر إذا رأى صبيًا في صف الرجال أمره بالذهاب إلى صف الصبيان.\n(^٦) بسند فيه شهر بن حوشب.\n(^٧) الغلمان والنساء.\n(^٨) عن الصفوف الأول.\n(^٩) عن عظيم فضله ورفيع الدرجات.\n\nينبغي الفتح على الإمام\n(^١٠) أي مساعدته إذا توقف في قراءته، تشبيهًا بفتح الباب المغلق على من فيه.\n(^١١) لبس بضم فكسر مع التخفيف، أو التشديد، أو بفتحتين، أي التبس واختلط عليه، فترك شيئا من القراءة أو توقف.\n(^١٢) ففيه طلب الفتح على الإمام بقراءة ما تركه أو توقف فيه ندبًا في السورة ووجوبًا في الفاتحة على سبيل الكفاية فيهما، وإن ترك واجبًا، أو زاد ركنا مثلا وجب عليه تنبيه على سبيل الكفاية بقول سبحان الله، كما تقدم في جواز العمل الخفيف في الصلاة.","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type='title' id=toc-168>الفصل الخامس: في تسوية الصفوف وقول الإمام فيها </span>(^١)\n\n• عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَتُسَوُّنَّ (^٢) صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ (^٣) اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ (^٤)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ (^٥).\nوَلِمُسْلِمٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِها القِدَاحَ (^٦).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ (^٧) وَتَرَاصُّوا، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَلِلْبُخَارِيِّ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي»، وَكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ (^٨). وَفِي رِوايَةٍ: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ». وَفِي أُخْرَى: «أَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ الصَّفَّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ (^٩)».\n\n• عَنِ البَرَاءِ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَلِّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَة، يَمْسَحُ صُدُورَنَا وَمَنَاكِبَنَا (^١٠) وَيَقُولُ: «لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ». وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الأُوَلِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^١١).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ\n_________\nالفصل الخامس في تسوية الصفوف وقول الإمام فيها\n(^١) المراد بتسويتها استقامتها وعدم اعوجاجها وعدم الفرجات فيها، ففي ذلك بعد للشيطان عنهم، ومحبة بينهم وزيادة أجر لهم، وللإمام أن يتخلل الصفوف ويعدلها كما يراه، فإنه راعي القوم وإمامهم وقائدهم.\n(^٢) بضم الواو وتشديدها مع النون.\n(^٣) بنون التوكيد الثقيلة.\n(^٤) بتحويلها من الأمام إلى الخلف كحديث أحمد: لتسون الصفوف أو لنطمسن الوجوه. أو المراد بمخالفتها تنافرها وتباغضها، وكلاهما وخيم، فتسوية الصفوف أمان من ذلك.\n(^٥) وسبب الحديث أن النَّبِيّ - ﷺ - كان يسوي الصفوف، فرأى رجلا متقدما بصدره، فذكر الحديث.\n(^٦) جمع قدح بالكسر، وهو خشب السهم إذا برى وأصلح قبل أن يركب فيه النصل والريش، أي بالغ في تسويتها حتَّى كأنما يقوم بها السهام.\n(^٧) عدلوها.\n(^٨) وهذا نهاية وصل الصفوف وتسويتها.\n(^٩) فتسوية الصفوف تمام في الصلاة وزيادة في ثوابها.\n(^١٠) أي بيده ليشعر بانتظام الصفوف بيده فضلا عن نظره، فللإمام عمل ذلك وإن تضرر بعض القوم، فهو السنة، وكان عمر يفعله ويشدد فيه.\n(^١١) بسند صالح.","vol":"1","page":264},{"text":"أَخَذَ عُودًا بِيَمِينِهِ ثُمَّ التَفَتَ (^١) فَقَالَ: «اعْتَدِلُوا، سَوُّوا صُفُوفَكُمْ»، ثُمَّ أَخَذَهُ بِيَسَارِهِ (^٢) فَقَالَ: «اعْتَدِلُوا، سَوُّوا صُفُوفَكُمْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ وَقَارِبُوا بَيْنَهَا (^٤) وَحَاذُوا بِالأَعْنَاقِ (^٥)، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَرَى الشَّيَاطِينَ تَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهَا الحَذَفُ (^٦)».\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، وَحَاذُوا بَيْنَ المَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الخَلَلَ، وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ، وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قْطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ (^٧)». رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-169>إتمام الصفوف وكراهة الانفراد</span>\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَتِمُّوا الصُّفُوفَ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: «أَتِمُّوا الصَّفَّ المُقَدَّمَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ المُؤَخَّرِ (^٩)».\n\n• عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلَا تُصَفُّونَ كَمَا تُصَفُّ المَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ (^١٠)» قُلْنَا: وَكيْفَ تُصَفُّ المَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ قَالَ: «يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ المُقَدَّمَةَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ (^١١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^١٢).\n_________\n(^١) أي على يمينه وسار في ميمنة المسجد.\n(^٢) أي العود وكان من جريد النخيل غالبا، وسار في الميسرة للتسوية.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) بحيث لا يسع ما بين الصفين صفا آخر، وقدر بعدم الزيادة على ثلاثة أذرع وهو تأكيد لما قبله.\n(^٥) اجعلوا بعضها في محاذاة بعض.\n(^٦) بحاء وذال مفتوحتين: صغار الغنم السود وتكثر في اليمن.\n(^٧) أي من وصله بسد فرجه وصله الله بمزيد رحمته، ومن قطعه بعدم سد فرجه، أو بوضع شيء فيه قطعه الله.\n(^٨) بسندين صالحين والثاني رواه الحاكم وصححه. ولأبي داود والطبراني: \"خياركم ألينكم مناكب في الصلاة\".\n\nإتمام الصفوف وكراهة الانفراد\n(^٩) فلا يبني الثاني حتَّى يتم الأول، ولا يبني الثالث حتَّى يتم الثاني، وهكذا.\n(^١٠) عند قيامهم الطاعة ربهم.\n(^١١) يتلاصقون فيه حتَّى لا يكون بينهم فرج كأنهم بنيان مرصوص.\n(^١٢) بسند صالح.","vol":"1","page":265},{"text":"• عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ مَحْمُودٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْنَا خَلْفَ أَمِيرٍ مِنَ الأُمَرَاءِ، فَاضْطَرَبَ النَّاسُ (^١) وَصَلَّيْنَا بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ (^٢)، فَلَمَا صَلَّيْنَا قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نَتَّقِي هذَا (^٣) عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ. رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٤).\n\n• عَنْ وَابِصَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ المَسْجِدَ وَنَبِيُّ اللَّهِ ﷺ رَاكِعٌ، فَرَكَعْتُ دُونَ الصَّفِّ (^٧) فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «زَادَاكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالبُخَارِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-170>انصراف الإمام من الصلاة واستقباله للناس </span>(^٨)\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ (^٩) يَرَى أَنَّ حَقًّا\n_________\n(^١) لم ينتظموا من الزحام.\n(^٢) عمودين.\n(^٣) أي الصف بين العمودين، وذلك لانقطاع الصف، أو هو مصلي مؤمني الجن، فيكره الصف بين الساريتين. وبه قال أنس وابن عباس وابن مسعود وحذيفة وعليه أحمد وإسحاق. وقال الجمهور: لا كراهة في ذلك قياسا على الإمام والمنفرد.\n(^٤) بسند حسن.\n(^٥) لعدم صحتها بسبب انفراده ومنه: لا صلاة لمنفرد خلف الصف. وعليه بعض الأئمة، وأجازها الجمهور الحديث أبي بكرة الآتي بعده، والأمر بالإعادة للندب محافظة على الأولى، ولا صلاة كاملة في هذا الحديث.\n(^٦) بسند حسن.\n(^٧) أي فاقتديت به وركعت قبل الوصول إلى الصف. وفي رواية أنه ركع دون الصف ثم مشى وهو راكع إلى الصف. فلما قضى النَّبِيّ - ﷺ - الصلاة قال: \"أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف\" فقال أبو بكرة: أنا؟ فقال: \"زادك الله حرصًا\" أي على الجماعة \"ولا تعد\" إلى ما صنعت من السعي الشديد والركوع دون الصف والمشي إليه وأنت راكع. ففيه صحة الصلاة منفردًا عن الصف. وعليه الجمهور كما سبق، والأفضل لمن حضر فوجد الصف قد تم أن يسحب منه شخصًا فيقف معه وتنبغي إجابته، وبه قال عطاء والنخعي وأكثر أصحاب الشافعي لحديث الطبراني: أمر النَّبِيّ - ﷺ - الآتي وقد تمت الصفوف أن يجتذب إليه رجلا يقيمه إلى جنبه، وكرهه جماعة وقالوا إنه يقف منفردًا، فإن سحب آخر يفوت عليه فضيلة الصف ويعمل فيه خللا، ومثل هذا من كان حاضرًا من أول الصلاة وتمت الصفوف بغيره، والله أعلم.\n\nانصراف الإمام من الصلاة واستقباله للناس\n(^٨) أي ما ورد فيهما.\n(^٩) أي لا يفتح له بابًا للوسوسة فيها بأن يرى الانصراف عن اليمن لازما.","vol":"1","page":266},{"text":"عَلَيْهِ أَلا يَنْصَرِفَ إِلا عَنْ يَمِينِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ (^١). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَلِمُسْلِمٍ: قَالَ السُّدِّي: سَأَلْتُ أَنَسًا كَيْفَ أَنْصَرِفُ إِذَا صَلَّيْتُ عَنْ يَمِينِي أَوْ عَنْ يَسَارِي؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ (^٢).\n\n• عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ هَلِبٍ (^٣) عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَؤُمُّنَا فَيَنْصَرِفُ عَلى جَانِبَيْهِ جَمِيعًا، عَلَى يَمِينِهِ وَعَلَى شِمَالِهِ (^٤). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٥).\n\n• عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ (^٦). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنِ المُغِيرَةِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُصَلِّ الإِمَامُ فِي المَوْضِعِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ حَتَّى يَتَحَوَّلَ (^٧)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ (^٨).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيَعْجِزُ (^٩) أَحَدُكُمْ إِذَا صَلَّى أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنِ شِمَالِهِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ.\n_________\n(^١) أي يتحول بعد السلام على يساره ليستقبل القوم.\n(^٢) ولا ينافي ما قبله فكل أخبر بما رآه.\n(^٣) ككتف، رجل من بني طى.\n(^٤) بدل مما قبله.\n(^٥) بسند حسن.\n(^٦) أي كان إذا صلى أي صلاة أقبل علينا بوجهه ليستفيد منه القوم ولكن كان في الصبح أكثر، فيجلسون ويتحدثون حتَّى تطلع الشمس، وربما ذكروا من أمر الجاهلية شيئًا، فيضحكون ويتبسم النَّبِيّ - ﷺ -، ففهم من هذه النصوص أنه - ﷺ - كان بعد السلام يتوجه إلى القوم تارة عن يمينه وتارة عن شماله من غير تفضيل لإحدى الحالين، ولكن ورد عن علي ﵁ إذا كانت حاجته إلى اليمين انصرف عن يمينه، وإلا فمن شماله.\n(^٧) أي لا ينبغي للإمام أن يصلي صلاة أخرى في مكانه حتَّى يتحول عنه إلى مكان آخر، والنهي فيه وما بعده للتنزيه.\n(^٨) بسند ضعيف وكذا ما بعده.\n(^٩) بكسر الجيم، أي لا يعجز أحدكم عن التحول من مكانه لصلاة أخرى، لتقع كل صلاة في بقعة، سواء الإمام وغيره لتكثر بقاع العبادة فتشهد للمصلى كما في قوله تعالى ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾ أي تخبر بما فعل عليها، ومن لم يمكنه التحول فليفصل بين الصلاتين بكلام أو مشي لحديث مسلم: نهى عن وصل صلاة بأخرى حتَّى يتكلم أو يمشي، والله أعلم.","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type='title' id=toc-171>تعاد الصلاة جماعة </span>(^١)\n\n• عَنْ جَابِرٍ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ العِشَاءَ ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ (^٢). رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ (^٣).\n\n• عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ ﵁ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ فَلَمَّا صَلَّى إِذَا رَجُلَانِ لَمْ يُصَلِّيَا فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ (^٤) فَدَعَا (^٥) بِهِمَا فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا (^٦) فَقَالَ: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟» قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا فَقَالَ: «لَا تَفْعَلُوا إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي رَحْلِهِ، ثمَّ أَدْرَكَ الإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ، فَلْيُصَلِّ مَعَهُ فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَةٌ (^٧)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٨).\n_________\nتعاد الصلاة جماعة\n(^١) أي تندب إعادتها في جماعة.\n(^٢) صلاة العشاء التي صلاها مع النَّبِيّ - ﷺ -، وكان قومه ينتظرونه يؤمهم لفضله وعلمه فقد ورد \"أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل\". وفيه صحة اقتداء المفترض بالمتنفل كما يصح عكسه من الحديث الثاني، وعليه الشافعي وجماعة.\n(^٣) واللفظ لأبي داود.\n(^٤) جالسين.\n(^٥) أي النَّبِيّ - ﷺ -.\n(^٦) نائب فاعل بترعد، من أرعد الشخص أخذته الرعدة والاضطراب، والفرائص جمع فريصة، وهي لحمة الجنب، وذلك من هيبة النَّبِيّ - ﷺ - التي كانت تظهر لكل من رآه مع تواضعه - ﷺ -.\n(^٧) أي صلاته مع الإمام تكون له نافلة، والفرض الأولى.\n(^٨) بسند صحيح، وفيهما: أن من صلى جماعة أو وحده ثم حضر جماعة فعليه ندبًا أن يصلي معهم ثانيًا بنية النفل. وبه قال الحسن والزهري وعليه الشافعي وأحمد وإسحق. وقال الحنفية والمالكية: لا يعيد إلا إذا صلى أولًا وحده مع شروط عندها. وقال قوم منهم ابن عمر: إن من صلى جماعة لا يعيدها ثانيا مطلقًا، لحديث: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين. رواه أبو داود وأحمد والنسائي ولأن الإعادة لفضيلة الجماعة وقد حصلت، وأجاب من قال بالإعادة بأن النهي فيمن صلى الفرض، ثم أراد الإعادة على نية الفرضية أيضًا، والله أعلم.","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type='title' id=toc-172>خاتمة: يجوز للإمام (^١) أن يستخلف غيره </span>(^٢)\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ (^٣) لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ (^٤)، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ (^٥)، فَجَاءَ المُؤَذِّنُ (^٦) إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ (^٧) فَأُقِيمُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ (^٨) فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّص (^٩) حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ (^١٠)، فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ التَفَتَ، فَرَأَى رَسُول اللَّهِ ﷺ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذلِكَ (^١١) ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ (^١٢) حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى (^١٣) فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ (^١٤): «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ (^١٥) إِذْ أَمَرْتُكَ»،\n_________\n(خاتمة) يجوز للإمام أن يستخلف غيره\n(^١) وربما وجب إذا طرأ ما ينافي الطهارة، كما إذا رعف أو تذكر أنه محدث، أو سبقه حدث التقديم عمر حينما ضرب في الصلاة لعبد الرحمن بن عوف ﵄، ورعف علي ﵁ وهو في الصلاة فأخذ بيد رجل فقدمه.\n(^٢) في أثناء الصلاة كما في حديث سهل، أو من أولها كما في بقية الأحاديث.\n(^٣) إحدى قبائل الأنصار، وهم من الأوس، وكانت ديارهم بقباء.\n(^٤) من قتال دار بينهم، وتراموا بالأحجار.\n(^٥) جاء وقت العصر.\n(^٦) بلال.\n(^٧) أي بالناس جماعة، وكان النبي - ﷺ - قال له: إن حضرت العصر ولم آتك فمر أبا بكر فليصل بالناس.\n(^٨) دخل في الصلاة.\n(^٩) من شق الصفوف.\n(^١٠) أي الأول. ولمسلم: فخرق الصفوف حتَّى قام في الأول. وفي لفظ: فمشي في الصفوف. وذلك جائز للإمام ومكروه من غيره.\n(^١١) من الوجاهة في الدين.\n(^١٢) من غير انحراف عن القبلة، فرجع القهقرى وراءه حتَّى وقف في الصف.\n(^١٣) إمامًا بالناس، ففيه جواز الاستخلاف في الصلاة، سواء كان الإمام مأمومًا من قبل أو حضر من الخارج، وسواء بقي الإمام الأول في الصلاة أو خرج منها، وعليه الشافعية وجماعة. وقال بعضهم: لا يجوز ذلك، وهذا خاص به - ﷺ -، وفيه جواز إحرام المأموم قبل الإمام. وأن المرء قد يكون في بعض صلاته إمامًا وفي بعضها مأمومًا. وفيه جواز المشي في الصلاة من صف إلى آخر للحاجة.\n(^١٤) النَّبِيّ - ﷺ -.\n(^١٥) إماما للناس في مكانك:=","vol":"1","page":269},{"text":"فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ (^١) أَنْ يُصَلِّي بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ، مَنْ نَابَهُ (^٢) شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ (^٣)، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ التُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ (^٤)». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ قَالَ: مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ (^٥)، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ (^٦)، إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ (^٧)، قَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»، فَعَادَتْ (^٨)، فَقَالَ: «مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بَالنَّاسِ فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسَفَ (^٩)»، فَأَتَاه الرَّسُولُ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ (^١٠).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ، قَالَ عُرْوَةُ: فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ اسْتَأْخَرَ، فَأَشَارَ (^١١) إِلَيْهِ أَنْ كَمَا أَنْتَ (^١٢)، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ (^١٣)، فَكَانَ أَبُو بَكْرَ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^١٤)، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ، بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ. رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) كنية أبيه، واسمه عثمان بن عامر، أسلم يوم الفتح، ومات سنة ١٤ في خلافة عمر ﵁.\n(^٢) أي أصابه.\n(^٣) بقوله: سبحان الله، رافعًا صوته.\n(^٤) تقدم في جواز العمل في الصلاة.\n(^٥) الذي مات فيه.\n(^٦) أي رقيق القلب.\n(^٧) لغلبة البكاء عليه.\n(^٨) أي عائشة إلى قولها الأول إنه رجل رقيق.\n(^٩) كصواحب يوسف ﵇ في إظهار خلاف الباطن، فراد عائشة ألّا يقف أبوها مكان النَّبِيّ - ﷺ - فيتطير الناس، كما أن زليخا أضافت النسوة وأظهرت إكرامهن، ولكن مرادها أن ينظرن جمال يوسف، فيعذرنها في محبته.\n(^١٠) إلى أن توفاه الله تعالى.\n(^١١) أي النبي - ﷺ -.\n(^١٢) أي كالذي أنت عليه مكانك إمامًا للقوم.\n(^١٣) مساويا له لم يتقدم ولم يتأخر عنه.\n(^١٤) أي فكان أبو بكر يقتدى برسول الله - ﷺ - والناس يقتدون بأبي بكر كالمبلغ لهم. وفيه صحة قدوة القائم بالقاعد.","vol":"1","page":270},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي مَرَضِهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ قَاعِدًا (^١) فِي ثَوْبِهِ مُتَوَشِّحًا بِهِ (^٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣) وَالنَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ: آخِرُ صَلَاةِ صَلاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ القَوْمِ، صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ (^٤).\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الاثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ (^٥) كَشَفَ النَّبِيُّ ﷺ سِتْرَ الحُجْرَةِ (^٦) يَنْظُرُ إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ (^٧)، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَهَمَمْنَا أَنْ نفْتتنَ مِنَ الفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ (^٨)، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ (^٩) لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَارِجٌ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، وَأَرْخَى السِّتْرَ، فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ (^١٠). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) حال من النّبي - ﷺ -.\n(^٢) متلفعًا به، وأصل الوشاح ما تتزين به نساء العرب.\n(^٣) بسند صحيح.\n(^٤) فيهما تصريح بأنه - ﷺ - اقتدى بأبي بكر، ولعلها مرة أخرى غير السابقة، ولا غرابة فأحاديث الخاتمة كلها صريحة في إنابة النَّبِيّ - ﷺ - لأبي بكر في الصلاة، والإمامة الصغرى تدل على الإمامة الكبرى، وكانت هذه حجة عمر ﵁ على من تحيزوا، فقال له عمر: رضيه رسول الله - ﷺ - لدينا، فكيف لا نرضاه لدنيانا فاقتنعوا واتفقوا على تولية أبي بكر ﵃.\n(^٥) صلاة الفجر.\n(^٦) الستر بالكسر: الشيء الساتر وهو المراد هنا.\n(^٧) في الحسن وصفاء البشرة والجمال البارع.\n(^٨) فنخرج من الصلاة.\n(^٩) رجع القهقرى.\n(^١٠) فيه تصريح بأن النَّبِيّ - ﷺ - مات يوم الاثنين، وورد أنه ولد يوم الاثنين وهو يوم مبارك ترفع فيه الأعمال إلى الله تعالى؛ فولد فيه ومات فيه أرفع العباد - ﷺ -، والله أعلم.","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type='title' id=toc-173>الباب العاشر: في الجمعة (^١)\nوفيه أربعة فصول وخاتمة</span>\n<span data-type='title' id=toc-174>الفصل الأول: في فضلها ووجوبها</span>\nقَالَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (^٢) ﴿فَاسْعَوْاْ﴾ (^٣) ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٤) ﴿وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ (^٥) الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ (^٦)، وَفِيهِ أُدْخِلَ الجَنَّة (^٧)، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا (^٨)، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلا فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ (^٩)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ. وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: «وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ (^١٠)، وَفِيهِ مَاتَ (^١١)، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا وَهِيَ مُسِيخَةٌ (^١٢) يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ حِين تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ (^١٣) شَفَقًا (^١٤) مِنَ السَّاعَةِ إِلا الجِنَّ وَالإِنْس (^١٥)».\n_________\n﴿الباب العاشر في الجمعة﴾\n(^١) في فضلها، وفي وجوبها، وفيمن تجب عليهم، وفي أعذارها، وفي التبكير، والغسل والطيب وفي وقتها، وفي الخطبة، وبيان صلاتها، وآداب الحاضرين حين الخطبة، وفي بيان ساعة الإجابة، وفضل الصلاة على النَّبِيّ - ﷺ - في يومها ولياتها، والجمعة آخر الأسبوع فهي عيده، وحكمتها هي حكمة الجماعة السابقة وتزيد عليها بالخطبة التي يتعظ ويعتبر بها الناس، فترجع على هدى من ربهم.\n\nالفصل الأول في فضلها ووجوبها\n(^٢) صلاة الجمعة في يومها.\n(^٣) أمر بالسعي إلى الجمعة، فأفاد أنها فرض وعليه الأمة كلها.\n(^٤) إلى الخطبة والصلاة المشتملتين على ذكر الله تعالى.\n(^٥) وفي رواية فيه.\n(^٦) وهو أصل العالم.\n(^٧) صريح في أنه خلق خارجها.\n(^٨) وفي رواية: وفيه أهبط إلى الأرض.\n(^٩) وقيامها أكبر نعمة على المؤمنين، لقربهم من ربهم في النعيم الدائم.\n(^١٠) بلفظ المجهول أي وفق التوبة وقبلها الله منه قال تعالى ﴿ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾.\n(^١١) والموت تحفة المؤمنين كما رواه الحاكم وغيره.\n(^١٢) بضم الميم وكسر السين، وفي لفظ بالصاد أي مستمعة ومنتظرة لقيام الساعة.\n(^١٣) لأن القيامة تظهر يوم الجمعة بين الفجر وطلوع الشمس.\n(^١٤) بالتحريك خوفًا.\n(^١٥) فإنهم لا يلهمون احتمال وقوعها فيه ابتلاء ورحمة بهم.","vol":"1","page":272},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَحْنُ الآخِرُونَ (^١) السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ (^٢)، بَيْدَ أَنَّهُمْ (^٣) أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، ثُمَّ هذَا (^٤) يَوْمُهُمُ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ (^٥)، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ (^٦)، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ (^٧)، اليَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ (^٨)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَلِمُسْلِمٍ: «نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ».\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: «لَيَنْتَهِيِنَّ (^٩) أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ (^١٠) الجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الغَافِلِينَ (^١١)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ أَبِي الجَعْدِ الضَّمْرِي (^١٢) ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ (^١٣) تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ (^١٤)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالحَاكِمُ (^١٥).\n_________\n(^١) ظهورًا في الدنيا.\n(^٢) في الحساب ودخول الجنة.\n(^٣) أي غير أنهم، أي السابقين.\n(^٤) يوم الجمعة.\n(^٥) أي عبادته فيه.\n(^٦) في قبوله، وورد: أنهم طلبوا من موسى ﵇ إبداله بيوم السبت فأجيبوا.\n(^٧) جمع تابع كدم وخادم.\n(^٨) اليهود، أي عيدهم؛ لأن الزمن لا يقع خبرًا عن الذات، غدًا يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فعيداها تابعان لعيدنا وهو يوم الجمعة، وفقه ما تقدم أن يوم الجمعة له فضل عظيم ووقعت فيه أمور عظام، وكان تعظيمه فرضًا على السابقين فلم يوفقوا له، فاختاره الله لهذه الأمة المحمدية. وإذا كان أفضل الأيام فصلاته أفضل الصلوات والعبادة فيه أفضل منها في غيره، وسيأتي في الفصل الثاني مزايا كثيرة للجمعة، وإلى هنا فضلها وما يأتي في وجوبها.\n(^٩) بنون التوكيد الثقيلة فيه وفي اللفظين بعده.\n(^١٠) بفتح فسكون أي تركهم الجمعات جمع جمعة.\n(^١١) قال تعالى في الكافرين ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم﴾ أي والله من لم يرجع عن ترك الجمعة فإنه يصير كافرًا.\n(^١٢) نسبة إلى ضمرة بن بكر بن عبد مناف، صحابي له أربعة أحاديث.\n(^١٣) بضم فتح جمع جمعة.\n(^١٤) ختم عليه، فلا يدخله خير، بل ويكفر. قال تعالى ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا﴾.\n(^١٥) بسند حسن.","vol":"1","page":273},{"text":"• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ الجُمُعَةَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورةٍ (^١) كُتِبَ مُنَافِقًا فِي كِتَابٍ لَا يُمْحى وَلَا يُبَدَّلُ». رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ.\nوَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ (^٢): «مَنْ تَرَكَ الجُمُعَةَ بِغَيْر عُذْرٍ فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ (^٣)، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِنِصْفِ دِينَارٍ».\n\n<span data-type='title' id=toc-175>الذين تجب عليهم الجمعة </span>(^٤)\n\n• عَنْ حَفْصَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ (^٥) رَوَاحُ الجُمُعَةِ (^٦)، وَعَلَى كُلِّ مَنْ رَاحَ الجُمُعَةَ الغُسْلُ (^٧)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٨).\n\n• عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ (^٩) عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ (^١٠) إِلا أَرْبَعَةً، عَبْدٌ مَمْلُوكٌ (^١١) أَوِ امْرَأَةٌ (^١٢) أَوْ صَبِيٌّ (^١٣) أَوْ مَرِيضٌ (^١٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١٥) وَالبَيْهَقِيُّ وَالحَاكِمُ.\n_________\n(^١) أي من غير عذر من الأعذار الآتية صار منافقا إلى الأبد. ومنه الحديث الآتي: الجمعة حق واجب على كل مسلم. فظاهر هذه الأحاديث أن ترك الجمعة يؤدي إلى الكفر، فتكون فرض عين، وعليه الأمة الأربعة، وقال بعضهم إنها فرض كفاية، ولعل شبهتهم أن التوعد في الحديثين على ترك جمع لا على ترك جمعة واحدة، ولو كانت فرض عين لوقع التوعد على ترك واحدة فقط، ومن الشبه أيضًا الحديث الآتي: من ترك الجمعة بغير عذر فليتصدق بدينار.\n(^٢) بسند صالح ولكن فيه من وثقه بعضهم، وأنكره بعضهم.\n(^٣) كفارة لذنب تركها، قال تعالى ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ والتصدق مخفف فقط، وإلا فالقضاء والسؤال باقيان. وفي رواية: فليتصدق بدرهم، أو بنصف درهم، أو بصاع حنطة، أو نصف صاع، والله أعلم.\n\nالذين تجب عليهم الجمعة\n(^٤) وهم الرجال البالغون الأحرار الأسماء المقيمون، بخلاف غيرهم فلا تجب عليهم، ولكن لوصلوها أجزأتهم عن فرص الظهر.\n(^٥) أي بالغ.\n(^٦) الذهاب لصلاتها.\n(^٧) سيأتي الغسل.\n(^٨) بسند حسن، والكلمة الأخيرة منه للشيخين.\n(^٩) فرض مؤكد.\n(^١٠) فالجماعة فيها فرض بالإجماع.\n(^١١) خبر مبتدأ محذوف، ولم تجب عليه لاشتغاله بحقوق سيده، ولأن لها بدلا عنها وهو الظهر.\n(^١٢) لاشتغالها بخدمة بيتها وأولادها، ولها بدل عنها وهي الظهر.\n(^١٣) لعدم تكليفه ولكن يسن له وللعجائز حضورها.\n(^١٤) يشق عليه حضورها، ومثله الأعمى إلا إذا اهتدى وحده أو وجد قائدًا.\n(^١٥) وقال: طارق بن شهاب رأى النَّبِيّ - ﷺ - ولم يسمع منه شيئًا فهو مرسل. ورواية البيهقي والحاكم عن أبي موسى، فهو متصل. وقال العراقى: قد ثبتت صحبته فالحديث صحيح.","vol":"1","page":274},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-176>تصلى الجمعة في المدن والقرى. وبيان العدد </span>(^٣)\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ (^٤) بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَسْجِدِ عَبْدِ القَيْسِ بِجُوَاثَى مِنَ البَحْرَيْنِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n_________\n(^١) أي واجبة على كل من سمع النداء ولو بالقوة في البلد أو خارجها. وعليه الجمهور، وكذا تجب على من في البلد وإن لم يسمع النداء.\n(^٢) بسندين ضعيفين، ولكن يؤيده ما قبله والآية ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ والمسافر السائر وقت صلاتها لا تجب عليه باتفاق، أما النازل وقت صلاتها فالجمهور على عدم الوجوب أيضًا. لأنَّهُ مسافر لحديث الدارقطني والبيهقي: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة إلا امرأة أو مسافرا أو عبدا أو مريضًا وقد اختلف في جواز السفر يوم الجمعة من الفجر إلى الزوال، فعند المالكية والحنابلة مكروه، وعند الشافعية حرام، وعند الحنفية لا كراهة ولا حرمة لأن وقتها لم يحضر، وبعد الأذان الأول مكروه عندهم، وأما بعد الزوال فعند المالكية والشافعية والحنابلة حرام إلا لضروة فلا شيء، وهذا كله إذا لم يظن إدراكها في طريقه، وإلا فلا حرمة ولا كراهة.\n\nتصلى الجمعة في المدن والقرى\n(^٣) المدن. جمع مدينة، وهي البلد الكبير، وتسمى مصرا، وهي ما فيها حاكم شرعي وحاكم سياسي وسوق للبيع والشراء. والقرى: جمع قرية، وهي البلد الصغير مبنيا بحجر أو طين أو خشب أو غيرها.\n(^٤) بضم فتشديد أي صليت، فأول جمعة أقيمت بعد التي أقيمت في المسجد النبوى هي التي أقيمت في مسجد عبد القيس: قبيلة كانوا ينزلون البحرين بقرب عمان، كغراب، في قرية تدعى جواثا، وجواثا بضم الجيم وتخفيف الواو وبالمثلثة المخففة: قرية من قرى البحرين كما قاله أبو داود، ومعلوم أن أهلها لا يصلون الجمعة في قريهم إلا بأمر النَّبِيّ - ﷺ -؛ لأن الصحابة كانوا لا يفعلون شيئًا من أنفسهم، ولو فعلوا محظورًا لنزل الوحي فيه، فثبت أن الجمعة أقيمت في مصر وهي مدينة النَّبِيّ - ﷺ -. وفي قرية وهي جواثا البحرين وهزم النبيت الآتية. وحديث عبد الرزاق الصحيح أنه كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجمعون، فلا يعيب عليهم، وقال الليث بن سعد: كل مدينة أو قرية فيها جماعة أمروا بالجمعة، فإن أهل مصر وسواحلها كانوا يجمعون على عهد عمر وعثمان بأمرها وفيهما جمع من الصحابة، فالجمعة تقام في كل مدينة وكل قرية. وعليه الشافعي وجماعة، وقال الحنفية: لا تقام إلا في المدن فقط لحديث: لا جمعة=","vol":"1","page":275},{"text":"• عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ وَكَانَ (^١) يَقُودُ أَبَاهُ بَعْدَ ذَهَاب بَصَرِهِ - قَالَ: كَانَ أَبِي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ يَوْمَ الجُمُعَةِ تَرَحَّمَ لِأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ (^٢)، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذلِكَ فَقَالَ: لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِنَا فِي هَزْمِ (^٣) النَّبِيتَ مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ (^٤) فِي نَقِيعٍ يُقَالُ لَهُ نَقِيعُ الخَضِمَاتِ، قلْتُ: كَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالبَيْهَقِيُّ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n_________\n= ولا تشريق إلا في مصر جامع. وضعف أحمد رفعه وصحح ابن حزم وقفه، ولكن روي ذلك عن عليّ وحذيفة. ولا يشترط المسجد عند الجمهور لأنَّهُ صحت صلاته - ﷺ - في بطن الوادي، وقال مالك يشترط المسجد.\n(^١) أي عبد الرحمن.\n(^٢) أي قال رحم الله أسعد بن زرارة.\n(^٣) كحزم: المطمئن من الأرض والنبيت بفتح فكسر فتاء آخره: اسم لعمرو بن مالك أبو حي باليمن، والحرة كالجرة: أرض ذات حجارة سود على ميل من المدينة.\n(^٤) بطن من الأنصار، ومعناه أن أسعد جمع بهم في قرية تسمى هزم النبيت في حرة بني بياضة في نقيع الخضات. وفي رواية: كان أسعد أول من صلى بنا صلاة الجمعة قبل مقدم النَّبِيّ - ﷺ - من مكة. وفي رواية للطبراني: أول من قدم من المهاجرين المدينة مصعب بن عمير وهو أول من جمع بها يوم الجمعة قبل مقدم النَّبِيّ - ﷺ -، وهم اثنا عشر رجلًا. ويجمع بينه وبين ما قبله بأن أسعد كان أميرًا، ومصعبا كان إمامًا، أو أن أسعد جمع بهم في هزم النبيت ومصعب في نفس المدينة، أو هذا مرة وذاك أخرى.\n(^٥) أي أربعون رجلا، ومنه ما رواه البيهقي عن ابن مسعود، قال: جمعنا رسول الله - ﷺ - وكنت آخر من آتاه ونحن أربعون رجلا، فقال: إنكم مصيبون ومنصورون ومفتوح لكم. فالجمعة لا تصح إلا بأربعين من الرجال الأحرار المقيمين ولو بالإمام. وعليه بعض التابعين والشافعي وأحمد، وقال الحنفية وجماعة: إنها تصح بأربعة ولو بالإمام الحديث الطبراني وغيره: الجمعة واجبة على كل قرية فيها إمام وإن لم يكونوا إلا أربعة. وقال المالكية: إنها لا تصح إلا باثني عشر غير الإمام لحديث انصرافهم من المسجد والنبي - ﷺ - يخطب وما بقى إلا اثنا عشر وهي التي نزل فيها ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوًا انفضوا إليها وتركوك قائمًا﴾. وقيل تصح بعشرين، وقيل بثلاثين، وهما روايتان عن مالك، وقيل تصح بواحد، وقيل باثنين، وقيل بسبعة، وقيل بتسعة، وقيل بخمسين، وقيل بثمانين، وقيل بجمع كثير وهو أرجحها من حيث الدليل. وحكمة اشتراط العدد فيها أنها شعار المسلمين وغيظ الكافرين والجمع الكثير لا يخلو من الصالحين، فهو أرجى للقبول.","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type='title' id=toc-177>تسقط الجمعة بالعذر </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (^٢).\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ (^٣): إِذَا قلْتَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قُلْ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذلِكَ (^٤) فَقَالَ: فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي (^٥)، إِنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ (^٦) وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ (^٧)، فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ وَالمَطَرِ. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي المَلِيحِ (^٨) عَنْ أَبِيهِ ﵁ أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ (^٩) فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ وَأَصَابَهُمْ مَطَرٌ لَمْ يَبْتَلَّ أَسْفَلُ نِعَالِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فِي رِحَالِهِمْ (^١٠). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١١).\n\n<span data-type='title' id=toc-178>الفصل الثاني: في فضل التبكير والغسل </span>(^١٢)\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ (^١٣)\n_________\nتسقط الجمعة بالعذر\n(^١) أي بأي عذر من أعذار الجماعة السابقة إلا الظلمة فلا تأتي هنا.\n(^٢) أي وما شرع لكم في الدين ما فيه مشقة.\n(^٣) كنظير: ذي مطر.\n(^٤) أي بعضهم وإلا فكان ذلك مشهورا.\n(^٥) وهو النَّبِيّ - ﷺ -.\n(^٦) كرحمة أي فرض لازم.\n(^٧) من الإحراج وهو المشقة. وفي رواية لمسلم: أمر ابن عباس مؤذنه في يوم جمعة وكان مطيرًا أن يقول بدل حي على الصلاة صلوا في بيوتكم.\n(^٨) اسمه عامر أو زيد بن أسامة هذلي بصري، اتفق الشيخان على الاحتجاج به.\n(^٩) بئر بقرب مكة من طريق جدة دون مرحلة من مكة، وأطلق على الموضع.\n(^١٠) ففيه أن المطر عذر وإن كان قليلا للمشقة وعليه بعضهم، وقال الأئمة الأربعة: المطر الشديد أو الوحل الشديد هو العذر؛ وأما إذا كان خفيفًا أو وجد كنًّا يمشي فيه فإنه يجب عليه الذهاب لها، والاستدلال بهذا فيه نظر، فإن المسافر لا تجب عليه، إلا أن يقال إن الترخيص كان لهم مع أهل البلد إن كانوا أسلموا.\n(^١١) بسند صالح. فثبت من هذه أن المطر عذر في ترك الجمعة، ومثله بقية الأعذار السابقة في الجماعة للمشقة في كل منها، والله أعلم.\n\nالفصل الثاني في التبكير والغسل\n(^١٢) التبكير: الذهاب لصلاة الجمعة مبكرًا مبادرا.\n(^١٣) فيه إشارة إلى الجميع، ففيه غض البصر وسكون النفس منهما واشتراكهما في الغسل، أو المراد كغسل الجنابة في التعميم والدلك والإتقان.","vol":"1","page":277},{"text":"ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الأُوَّلَى (^١) فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً (^٢)، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً (^٣)، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ (^٤)، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً (^٥)، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ فِكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً (^٦)، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ (^٧) حَضَرَتِ المَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرِ» رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ (^٨) فَالأَوَّلَ فَإِذَا جَاءَ الإِمَامُ (^٩) طَوَوُا الصُّحُفَ وَجَاؤُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ (^١٠) وَمَثَلُ المُهَجِّرِ (^١١) كَمَثَلِ الَّذِي يَهْدِي البَدَنَةَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً،\n_________\n(^١) أي ذهب لصلاة الجمعة من الساعة الأولى، وهي من الفجر أو من الزوال.\n(^٢) من الإبل ذكرًا أو أنثى، أي فله على الغسل والتبكير ثواب كثواب التصدق ببدنة.\n(^٣) ذكرًا أو أنثى.\n(^٤) له قرنان لأنَّهُ أكمل.\n(^٥) بالتثليث والفتح أفصح.\n(^٦) وفي رواية بعد الكبش بطة ثم دجاجة ثم بيضة. وفي أخرى دجاجة ثم عصفور ثم بيضة والمراد بالساعة الأولى وما بعدها: الساعات الفلكية لأنَّهُ الظاهر. ولحديث جابر الآتي في ساعة الإجابة: يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، ويكون إخبارًا عن ساعات اليوم المعتدل زمانه، ليله كنهاره، فيكون التبكير على ظاهره من أول النهار وعليه الشافعي. وقال ابن دقيق العيد إنه أولى، وقيل الساعات الخمس ساعات زمنية وهي لحظات لطيفة من الزوال إلى جلوس الخطيب؛ لأن الساعة تطلق على الجزء من الزمن، والرواح لا يكون إلا من بعد الزوال، وروي ذلك عن المالكية. ولكن الرواح ليس قاصرًا على ما بعد الزوال، فإنه يطلق على الذهاب في كل وقت. قال الحافظ: ما نسب للمالكية في إطلاق الساعات على أجزاء الزمن أقرب للصواب، فإنه جاء في الشرع واللغة، ويؤيده أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة أنه ذهب للجمعة قبل طلوع الشمس أو عند انبساطها، وفي وجه للشافعية أن أول التبكير طلوع الشمس وقال الصيدلاني: إن أول التبكير من الضحى وهو ارتفاع النهار أول الهاجرة (شدة الحر) للحديث الآتي \"ومثل المهجر\" وهو قول وجيه لتوسطه بين القولين الأولين.\n(^٧) للخطبة جاءت الملائكة يستمعون الخطبة، والمراد بالملائكة الذين يكتبون حاضري الجمعة وما تشتمل عليه من ذكر وغيره، وهم غير الحفظة والمكتبة.\n(^٨) الأسبق، فالذي بعده وهكذا.\n(^٩) أي وصعد المنبر.\n(^١٠) ولفظ البخاري: صحفهم التي كانوا يثبتون فيها الآتين للجمعة، أي فمن جاء بعد جلوس الخطيب فلا يكتب اسمه في صحف هؤلاء الملائكة.\n(^١١) كالمبكر وزنًا ومعنى، وهو ظاهر في الذهاب وقت=","vol":"1","page":278},{"text":"ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الكَبْشَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الدَّجَاجَةَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي البَيْضَةَ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ (^١)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنهعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ (^٢)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَقٌّ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّام يَوْمًا (^٣) يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهَ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ: «عَلَى كلِّ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فِي كلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ غُسْلُ يَوْمٍ وَهُوَ يَوْمُ الجُمُعَةِ».\n\n• عَنْ سَمُرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَبِهَا (^٤) وَنِعْمَتْ وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالغُسْلُ أَفْضَل (^٥)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٦).\n\n• عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَكْثَرْتُ عَلَيْكمْ فِي السِّوَاكِ (^٧)». رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-179>الطيب والدهن والتجمل </span>(^٨)\n\n• عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ\n_________\n=الهاجرة، فيؤيد مذهب مالك السابق. فمعنى ما تقدم أن المبادرة لصلاة الجمعة فضلها عظيم، والمبادرة لغير الإمام، أما هو فالمطلوب حضوره قبيل الخطبة وله أن يتخطى الناس، ولا كراهة في ذلك لاتباعه - ﷺ - وخلفائه في هذا.\n(^١) سببه أنه لما جاء عثمان للجمعة وعمر يخطب على المنبر، فعرض به بقوله: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم أقبلت، فقال عمر والوضوء أيضًا، وقد قال رسول الله - ﷺ -: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل. فمن هذا ومن حديث سمرة الآتى يكون الأمر للندب المؤكد وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا، وقال بعض الصحب والظاهرية إنه واجب وهو رواية لأحمد، ويدخل وقت الغسل من الفجر لأنَّهُ أول اليوم.\n(^٢) أي متأكد على كل بالغ يريد صلاة الجمعة لمظنة الوسخ فيه من مزاولة الأعمال.\n(^٣) هو يوم الجمعة.\n(^٤) أي فبالسنة أخذ ونعمت الخصلة.\n(^٥) صريح في أن الوضوء يكفي للجمعة.\n(^٦) بسند حسن.\n(^٧) أي أكثرت عليكم الكلام في استعمال السواك ورغبتكم فيه عند كل عبادة، ولا سيما لصلاة الجمعة، فهو لها آكد، وسبق الكلام عليه في الوضوء وسنن الصلاة المتقدمة.\n\nالطيب والدهن والتجمل\n(^٨) أمور مستحبة للجمعة لأنها عيد الأسبوع، فينبغي التنظف بالغسل والدهن والتجمل بمحاسن=","vol":"1","page":279},{"text":"مَا اسْتَطَاعَ مِنَ الطُّهْرِ (^١)، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ (^٢)، وَيَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ (^٣)، ثُمَّ يَخْرُجُ (^٤) فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ (^٥)، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ (^٦) إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ (^٧) إِلا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى (^٨)». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ (^٩): «وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا» ..\nرَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ (^١٠) وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، ثُمَّ أَتَى الجُمُعَةَ فَلَمْ يَتخَطَّ أَعْنَاقِ النَّاسِ (^١١)، ثُمَّ صَلَّى مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ إِمَامُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ جُمُعَتِهِ الَّتِي قَبْلَهَا».\n\n<span data-type='title' id=toc-180>فضل المشي للجمعة </span>(^١٢)\n• عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ غَسَّلَ (^١٣) يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ (^١٤) ثُمَّ بَكَّرَ (^١٥) وَابْتَكَرَ، وَمَشى وَلَمْ يَرْكَبْ (^١٦) وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ (^١٧)\n_________\n=الملابس والتعطر؛ فقد ورد: إن هذا يوم جعله الله عيدًا للمسلمين.\n(^١) يتنظف، ويبالغ في النظافة من حلق العانة ونتف الإبط وقص الأظفار والشارب.\n(^٢) بالضم والفتح ما يطلي به الشعر عند تسريحه وربما كان فيه طيب، ففيه إشارة إلى تسريح الشعر إن كان.\n(^٣) امرأته أو الطيب الذي في بيته.\n(^٤) إلى المسجد، ولأحمد: ثم يمشي وعليه السكينة.\n(^٥) ليجلس بينهما فربما تألما، ولا سيما في شدة الحر إلا بإذنهما.\n(^٦) بضم أوله وفتحه قليلا.\n(^٧) شرع في الخطبة حتَّى ينتهي.\n(^٨) ما بين جمعته الحاضرة والتي قبلها.\n(^٩) في حديث مسلم.\n(^١٠) فالتجمل بحسن الملابس مندوب، وأفضل الألوان الأبيض كما يأتي في الكفن.\n(^١١) فهو مكروه إلا للإمام وأهل الفضل والصلاح فلا كراهة، وسيأتي في آداب من يحضر الجمعة أوسع من هذا.\n\nفضل المشي إلى الجمعة\n(^١٢) على قدميه إن كان يطيقه، وإلا فالركوب مندوب.\n(^١٣) بالتشديد وعدمه.\n(^١٤) تأكيد كقوله ومشي ولم يركب الآتي. أو المراد غسل رأسه بما اشتمل عليه من شعور وضفائر، واغتسل أي في باقى جسمه لحديث أبي داود: من غسل رأسه يوم الجمعة واغتسل. أو المراد غسل أهله بوقاعهم واغتسل هو.\n(^١٥) بالذهاب للجمعة، وابتكر تأكيد ليسمع أول الخطبة.\n(^١٦) لاحتساب آثاره، وإن كان في الركوب من ذلك إلا لضعف، فهو كالمشي.\n(^١٧) لم يتكلم وقت الخطبة بشيء.","vol":"1","page":280},{"text":"كَانَ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ، أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا (^١)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-181>وقت الجمعة والنداء </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ (^٤). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\n\n• عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الجُمُعَةَ، فَنَرْجِعُ وَمَا نَجِدُ لِلْحِيطَانِ فَيْئًا نَسْتَظِلُّ بِهِ (^٥). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﵁ قَالَ: كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى المِنْبَرِ (^٦) عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاء الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ (^٧). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا. وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: «وَثَبَتَ الأَمْرُ عَلَى ذلِكَ (^٨)».\n_________\n(^١) أجر بدل من عمل.\n(^٢) بسند حسن.\n\nوقت الجمعة والنداء\n(^٣) أي بيان وقت الجمعة ووقت الأذان لها.\n(^٤) أي تزول من كبد السماء، وتعبيره بكان يشعر بالدوام.\n(^٥) فكنا نصلى الجمعة ونرجع وليس للحيطان ظل نمشي فيه، وهذا لمبادرتهم بالخطبة والصلاة عقب الزوال، فوقت الجمعة يدخل بالزوال ويمتد إلى العصر، كالظهر لأنها خامسة يومها وعليه عامة العملاء.\n(^٦) قبل الخطبة.\n(^٧) أي أمر به على الزوراء، كالعوراء موضع بسوق المدينة. وفي رواية الطبراني: على دار يقال لها الزوراء فكان المؤذن يؤذن عليها. وقاله ابن خزيمة وابن ماجه عن الزهري وهو ثالث للذي يقال بين يدي الخطيب والإقامة الموجودين من قبل وإن كان في الوقوع متقدما عليهما، فإنه عقب الزوال، والثاني والخطيب على المنبر والثالث الإقامة قبل الصلاة. وفي رواية فأمر عثمان بالنداء الأول.\n(^٨) استقر على الأذان عقب الزوال والأذان بين يدي الخطيب، وأحدث بعض الجهات تذكيرًا قبل الزوال على المنارة بدعوات وصلوات على النَّبِيّ - ﷺ - لتنبيه الناس، وندد عليهم بعض العلماء. وعندي أنه يتأكد عمله، فإن الناس في الأرياف ليس معهم ساعات، وربما يكونون في أعمالهم في ضواحي البلاد والحقول، ويعتمدون في الذهاب للجمعة على سماع التذكير من المؤذن قبل الزوال واعتادوا ذلك، ولو قيل بوجوبه لم يبعد التوقف الواجب وهو الذهاب للجمعة عليه، ولقوله تعالى ﴿ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا﴾ ولحديث: من دل على خير فله مثل أجر فاعله. والله أعلم.","vol":"1","page":281},{"text":"<span data-type='title' id=toc-182>الفصل الثالث: في الخطبة </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ قَائِمًا (^٢)، ثُمَّ يَقْعُدُ، ثُمَّ يَقُومُ كَمَا تَفْعَلُونَ الآنَ (^٣). رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\nوَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ المِنْبَرَ حَتَّى يَفْرُغَ المُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَلَا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ. وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، يَقْرَأُ القُرْآنَ وَيُذَكِّرُ النَّاسَ.\n\n• عَنْ جِابِرٍ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَكَانَتْ صَلَاتهُ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا (^٤)، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\nقَالَ أَبُو وَائِلٍ: خَطَبَنَا عَمَّارٌ فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ (^٥) فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا: يَا أَبَا اليَقْظَانِ (^٦) لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ، فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ (^٧) فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ (^٨) فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَأقْصُرُوا الخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ.\n_________\nالفصل الثالث في الخطبة\n(^١) أي ما قاله النَّبِيّ - ﷺ - في بعض خطبه وأنه كان يخطب خطبتين يجلس بينهما، وكان يختصر في الخطبة، ولا بد فيها من الحمد، والشهادتين، والصلاة على النَّبِيّ - ﷺ -، والوصية بالتقوى، وقراءة شيء من القرآن كما يؤخذ من مجموع خطبه، وبيان شروطها وأركانها مدون في كتب الفقه. وذهب الجمهور إلى وجوب الخطبة لمواظبته - ﷺ - عليها ولحديث: صلوا كما رأيتموني أصلي. ولقوله تعالى - فاسعوا إلى ذكر الله - وفسر بالخطبة والصلاة، وما وجب السعي له فهو واجب بالأولى. وقال الحسن والجويني: إنها مندوبة فقط.\n(^٢) فالقيام للخطبة من شروطها لهذا، ولقوله تعالى ﴿وتركوك قائمًا﴾ وعليه جمهور العلماء وبعضهم لم يشترطه لحديث سهل: مري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أجلس عليهن. وهو المنبر ويجوز الجلوس لمرض أو ضعف.\n(^٣) يفسره ما يأتي.\n(^٤) القصد في الشيء هو الاقتصاد وعدم التطويل، وقيل التوسط بين الإفراط والتفريط. ومعنى ما تقدم أن النَّبِيّ - ﷺ - كان إذا زالت الشمس صعد المنبر وجلس، فيؤذن المؤذن الأذان الشرعي، فإذا انتهى قام، خطب الخطبة الأولى، ثم جلس وسكت قليلا، ثم يقوم فيخطب الخطبة الثانية، وكان يختصر في خطبته - ﷺ -.\n(^٥) اختصر في خطبته ولكنها كانت بليغة.\n(^٦) كنية عمار.\n(^٧) أي أطلت قليلا.\n(^٨) مئنة بفتح فكسر فتشديد، أي مظنة وعلامة على فقهه، فإن الفقيه ينظر في الكلام اللازم للقوم فيوجزه لهم ليفهموه فيتعظوا به.","vol":"1","page":282},{"text":"• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ (^١)، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ (^٢) يَقُولُ صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ (^٣)، وَيَقُولُ (^٤): «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ (^٥)»، وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى (^٦). وَيَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللصهِ وَخَيْرُ الهُدْى هُدَيُ (^٧) مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا (^٨) وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»، ثُمَّ يَقُولُ: «أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ (^٩)، مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلأَهْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضيَاعًا (^١٠) فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: عَلَّمَنَا النَّبِيُّ ﷺ خُطْبَةَ الحَاجَةِ (^١١) الحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِله إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾، ﴿يأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ - الآية (^١٢) - ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ الآية (^١٣). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ وَاللَّفْظُ لِلنَّسَائِيِّ.\n_________\n(^١) اهتمامًا بالخطبة ليسمع القوم، واشتد غضبه ليؤثر وعظه، فيصل إلى أعماق القلوب.\n(^٢) من ينذر الجيش.\n(^٣) أي أتاكم عدوكم فجأة في الصباح أو في المساء.\n(^٤) النَّبِيّ - ﷺ - مرة في بعض خطبه.\n(^٥) والساعة بالرفع والنصب.\n(^٦) المراد أنه بعث في آخر الدنيا والأنبياء، فلا نبي بعده حتَّى تقوم الساعة.\n(^٧) الهدى بالضم كسدى وبالفتح كثدى: الطريقة التي كان عليها النَّبِيّ - ﷺ - وحلفاؤه.\n(^٨) في الدين، الضارة به، فإنها بدع مذمومة.\n(^٩) لأني أهديه إلى ما يحفظه من الهلاك ويوصله للسعادة الدائمة، وربما أظهر الامتناع.\n(^١٠) أولادًا لا كافل لهم، فأمرهم إليّ وعليّ سداد دينه.\n(^١١) التي تقال بين يدي الأمر الهام كصلح المتخاصمين وعقد الزواج ونحوها.\n(^١٢) بقيتها ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.\n(^١٣) تمامها ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.","vol":"1","page":283},{"text":"• عَنْ بِنْتٍ لِحَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ (^١) ﵂ قَالَتْ: مَا حَفِظْتُ ق (^٢) إِلا مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ (^٣)، قَالَتْ: وَكَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاحِدًا (^٤). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌّ فَهِيَ كَالْيَدِ الجَذْمَاءِ (^٥)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-183>صلاة الجمعة </span>(^٧)\nقَالَ عُمَرُ ﵁: صَلَاةُ الجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الفِطْرِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الأَضْحى رَكْعَتَانِ (^٨)، وَصَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ (^٩) عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ (^١٠). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ (^١١).\nوَلِلنَّسَائِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ (^١٢): «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الجُمُعَةِ رَكْعَةً (^١٣) فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ (^١٤)».\nوَلِلدَّارَقُطْنِيِّ: «مَنْ أْدْرَكَ مِنَ الجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى (^١٥)، وَمَنْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَتَانِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا (^١٦)».\n_________\n(^١) اسمها أم هشام.\n(^٢) سورة ق والقرآن المجيد.\n(^٣) كلها، لما اشتملت عليه من الآيات الباهرة والعظات البالغة النافعة.\n(^٤) تشير إلى تمام فهمها وشدة ذكائها وسرعة حفظها حتَّى صارت في هذا قريبة من النَّبِيّ - ﷺ -.\n(^٥) فكل خطبة ليس فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فهي كاليد المريضة بالجذام، والمراد أنها ناقصة وقليلة البركة.\n(^٦) بسند صحيح. ولأبي داود وأحمد: كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم، والله أعلم.\n\nصلاة الجمعة\n(^٧) أي ما ورد في عدد ركعاتها، وما تدرك به، وما يقرأ فيها، وبيان راتبتها.\n(^٨) فعدد ركعات الجمعة والعيدين اثنتان.\n(^٩) أي شرعت هذه الصلوات من الأول ركعتين.\n(^١٠) أي سمعه النَّبِيّ - ﷺ -، ففيه تصريح بالرفع.\n(^١١) بأسانيد صحيحة.\n(^١٢) بسند صحيح.\n(^١٣) مع الجماعة.\n(^١٤) أي حكمها وفضلها في الوقت.\n(^١٥) وصار مدركا لها.\n(^١٦) ومن فاتته الركعتان بأن لم يدرك الإمام بالمرة فليصل أربعًا أي فرض الظهر، أو أدرك الإمام بعد ركوع الثانية فليصل أربعًا بنية الظهر. قال الترمذي وعليه أكثر الصحب والتابعين وسفيان وابن المبارك ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال بعضهم: ينوي أولا جمعة تبعا للإمام، فإذا سلم قام، =","vol":"1","page":284},{"text":"• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الجُمُعَةِ سُورَةَ الجُمُعَةِ وَالمُنَافِقِينَ (^١).\n\n• عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي العِيدَيْنِ وَفِي الجُمُعَةِ (^٢) بِسَبِّحِ اسْمِ رَبِّكَ الأَعْلَى وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ قَالَ: وَإِذَا اجْتَمَعَ العِيدُ وَالجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّيْتُمْ بَعْدَ الجُمُعَةِ فَصَلُّوا أَرْبَعًا (^٣)». رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ، الأُصُولُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\nوَتَقَدَّمَ فِي الرَّوَاتِبِ: كَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ.\nوَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الجُمُعَةِ أَرْبَعًا، وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا (^٤). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n_________\n= فصلى أربعا ظهرًا، وبهذا يلغز ويقال: ما قولك في شخص نوى ولا صلى وصلى ولا نوى. وقال الحنفية: من أدرك الإمام في أي جزء من صلاته فقد أدرك الجمعة على الصحيح.\n(^١) الجمعة في الركعة الأولى؛ لأنها هي الآمرة بالجمعة، والمنافقين في الثانية تبكيتا للمنافقين، يقرأ السورتين بتمامهما، أو يقتصر على بعضهما.\n(^٢) أحيانا.\n(^٣) إن أردتم راتبة بعدها فصلوا أربعا ويجوز الاقتصار على ركعتين كالذي بعده.\n(^٤) والغالب أنه بتوقيف من النَّبِيّ - ﷺ -، وعليه ابن المبارك وسفيان والشافعي، ويؤيده حديث ابن ماجه والطبراني: كان النَّبِيّ - ﷺ - يركع قبل الجمعة أربعا لا يفصل بينهن.\n\n﴿فائدة﴾\nإذا كان في البلد مسجد واحد وصلوا فيه الجمعة أجزأتهم ولا ظهر عليهم باتفاق الأمة؛ لأن النَّبِيّ - ﷺ -، وخلفاءه الراشدين لم يقيموا إلا جمعة واحدة في مسجد النَّبِيّ - ﷺ -، مع وجود مساجد أخرى لم يجمعوا فيها، فإن تعددت المساجد بالبلد فللأئمة فيها كلام، فالمالكية يقولون: إذا تعددت المساجد فلا تصح الجمعة إلا في المسجد القديم، وهو ما أقيمت فيه الجمعة أولا؟ أي فمن صلى في غيره لم تصح جمعتهم وعليهم الظهر. وقال الحنابلة: تصح الجمعة في عدة مساجد إذا كان التعدد لحاجة، فإن كان لغير حاجة صحت فيما أذن فيه الإمام أو صلى فيه فقط، وإلا صحت السابقة يقينا إن علمت وإلا وجب عليهم كلهم الظهر. وقال الحنفية: إن تعدد الجمعة في مساجد لا يضر ولو سبق أحدها، ولكن الأحوط صلاة أربع ركعات بنية آخر ظهر، والأفضل أن تكون في بيته لئلا يعتقد العوام فرضيتها، فإن تيقن سبق جمعة أخرى كانت هذه الصلاة واجبة، وإن شكَّ كانت مندوبة وشرط في صحتها إذن الوالي بإقامتها في هذا=","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type='title' id=toc-184>الفصل الرابع: في آداب الخطيب (^١) والحاضرين </span>(^٢)\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ: «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ لَوِ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الجُمُعَةِ (^٣) سِوَى ثَوْبِ مِهْنَتِهِ (^٤)». رَوَاهُ\n_________\n=المسجد عند بنائه فقط. وقال الشافعية: إذا كان التعدد لغير حاجة أو زاد على الحاجة وسبقت إحداهما فهي الصحيحة فإن تقارن الإحرامان أوشك، فالكل باطلة وعليهم الظهر، وتعدد الجمعة في أماكن لابد فيه من إذن الإمام أو نائبه. وأما إقامتها فإنه لا يتوقف على الإذن المذكور، فاتضح من هذا أن التعدد إذا كان لعدم حاجة كعدم محل يسعهم أو كعداوة بينهم وأقاموا جمعا صحت كلها للضرورة. وعليه الحنفية والشافعية والحنابلة: والعبرة في ضيق المكان وسعته بمن يحضرون بالفعل وقيل بمن تجب عليهم وإن لم يحضروا، فعلى الأول يكون التعدد في مصرنا زائدًا عن الحاجة لأن المساجد لم تملأ يوم الجمعة إلا مساجد آل البيت ﵃، وهي قليلة بالنسبة لباقي المساجد، وعلى الثاني يكون التعدد للحاجة، فلا ظهر عليهم بخلاف الأول اهـ باختصار من كتاب المذاهب الأربعة.\nفعلم مما سبق أن الأئمة كلهم قالوا بصلاة الظهر بعد الجمعة إذا لم تتوفر شروط الجمعة، ولم ينفرد بذلك الشافعي كما فهم بعض من يدعي العلم، بل بالغ بعضهم وقال على رءوس الأشهاد في بعض المساجد: إن الشافعي لم يقل ذلك أبدًا، فحضر عندي قوم وأخبروني بذلك، فأطلعهم على نص الشافعي في كتاب الأم، فاقتنعوا وانصرفوا، ولما كثر الكلام واشتد النزاع في عدة مساجد، وكلمني غير واحد، كتبت قولة ونقلت فيها نص الشافعي في هذا ونشرتها جريدة السياسة في عدد ١٤٩١ بتاريخ ٢٠ صفر سنة ١٣٤٦، فرأيت في مناي كأني في مجتمع كبير فأم للصلاة وأنا معهم، فإذا النَّبِيّ - ﷺ - قد جاء ودخل المحراب، فنوى الصلاة إمامًا بالناس به، وكنت في الصف الأول وراءه بالضبط، فاقتديت به - ﷺ -، فلما أصبحت فرحت بهذه الرؤيا وأولتها بأن ما كتبته عن الشافعي في صلاة الظهر بعد الجمعة هو عين الحق. رضي الله عن الأمة كلهم وجزاهم عن الدين خيرًا.\n\nالفصل الرابع في آداب الخطيب والحاضرين\n(^١) هي الغسل، والتجمل، والتطيب، والاتكاء على نحو عصا، واستقبال القوم، والسلام عليهم، والسكينة، والوقار، والاهتمام في إلقاء الخطبة بأسلوب يفهمه الحاضرون.\n(^٢) هي التجمل بالغسل، والطيب، وحسن الملابس، والمشي، والتبكير، وعدم مضايقة الناس، والقرب من الخطيب، وصلاة ركعتين قبل جلوسه، والإنصات للخطيب.\n(^٣) أي سهل على أحدكم أن يتخذ ثوبين حسنين ليوم الجمعة غير ثياب الشغل.\n(^٤) بفتح الميم وسكون الماء: خدمته، ففيه حث على تخصيص الجمعة بحسن الملابس، فإنها عيد الأسبوع.","vol":"1","page":286},{"text":"ابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُدَ (^١).\n\n• عَنِ الحَكَمْ بْنِ حَزَنٍ الكُلَفِيِّ (^٢) ﵁ قَالَ: شَهِدْنَا الجُمُعَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ (^٣)، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِكَلِمَاتٍ خَفِيفَاتٍ طَيِّبَاتٍ مُبَارَكَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ لَنْ تُطِيقُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ (^٤)، وَلكِنْ سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا (^٥)» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى المِنْبَرِ (^٦) وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ (^٧). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَعِدَ المِنْبَرَ سَلَّمَ (^٨). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ وَالشَّافِعِيُّ (^٩).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ (^١٠) فَأَخَذَ رَجُلٌ بِيَدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَمَا زَالَ يُكَلِّمُهُ حَتَّى نَعَسَ بَعْضُ القَوْمِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\nوَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَكَلَّمُ بِالحَاجَةِ (^١١) إِذَا نَزَلَ مِنْ عَلَى المِنْبَرِ (^١٢).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ سُلَيْكٌ (^١٣) الغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَجَلَسَ فَقَالَ (^١٤) لَهُ: يَا سُلَيْكُ قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزُ فِيهِمَا (^١٥)، ثُمَّ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ (^١٦) وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n_________\n(^١) بسند ضعيف ولكنه في الترغيب.\n(^٢) بضم ففتح، لم يرو إلا هذا الحديث.\n(^٣) فيه طلب الاعتماد على شيء كسيف وعصا لأنَّهُ أعون وأهيب.\n(^٤) تنازعه الفعلان قبله.\n(^٥) ولكن داوموا على الممكن من شعار الدين وأبشروا عليه بالخير العظيم.\n(^٦) واستقبلنا واستدبر القبلة.\n(^٧) ننظر إليه، وهو عين الاستقبال الذي هو سنة عند الجمهور كتوجه الخطيب لهم.\n(^٨) أي على الحاضرين؛ لأنَّهُ من أتى على جماعة.\n(^٩) وللبيهقي والطبراني: كان النَّبِيّ - ﷺ - إذا دنا من المنبر سلم على من عنده، ثم صعد، فاستقبل القوم، ثم سلم ثم قعد. ففيهما ندب السلام من الخطيب، وعليه الجمهور، وكرهه أبو حنيفة اكتفاء بسلامه عند الدخول.\n(^١٠) صلاة الجمعة.\n(^١١) أي مع بعض الناس.\n(^١٢) ولفظ أبي داود، قال أنس: رأيت النَّبِيّ - ﷺ - ينزل عن المنبر، فيعرض له الرجل في الحاجة، فيقف معه حتَّى يقضي حاجته، ثم يقوم فيصلي. ففيه أن كلام الخطيب بين الخطبة والصلاة لا كراهة فيه وعليه كثير من أهل العلم، ومالك والشافعي والله أعلم.\n(^١٣) بالتصغير، والغطفاني بالتحريك.\n(^١٤) أي النَّبِيّ - ﷺ -.\n(^١٥) أي تخفف فيهما.\n(^١٦) بنية تحية المسجد مع سنة الجمعة القبلية،=","vol":"1","page":287},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الجُمُعَةَ فَدَنَا (^١) وَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ (^٢) وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الحَصَا فَقَد لَغَا (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ (^٤) يَوْمَ الجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ (^٥)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَحْضُرُ الجُمُعَةَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: رَجُلٌ حَضَرَهَا يَلْغُو وَهُوَ حَظُّهُ مِنْهَا (^٦)، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا يَدْعُو (^٧)، فَهُوَ رَجُلٌ دَعَا اللَّهَ ﷿ إِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِإِنْصَاتٍ وَسُكُوتٍ، وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا فَهِيَ كَفَّارَةٌ إِلَى الجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا (^٨) وَزِيَادَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَذلِكَ\n_________\n=فالركعتان سنة للداخل وقت الخطبة، وعليه بعض الصحب والتابعين والشافعي وأحمد وإسحق وأبو ثور، ومنعهما جمهور الصحب والتابعين والليث بن سعد والمالكية والحنفية: تحريما عند المالكية وكراهة تحريم عند الحنفية، فإن خروج الإمام يقطع الصلاة والكلام الحديث الآتي: اجلس فقد آذيت، حينما دخل يتخطى الناس، وأجاب الأولون: بأن المراد بالأمر بالجلوس عدم التخطى لمنع الإيذاء الذي هو حرام، فلا ينافي طلب السنة منه. وفيه جواز قطع الخطبة لإرشاد الجاهل.\n(^١) أي من الإمام واستمع له حين يتكلم.\n(^٢) أي السابقة إن كان عليه ذنوب، للتصريح بها فيما مضى، وإلا فاللاحقة كما يأتي في الذي بعده.\n(^٣) المراد الحث على ترك العبث.\n(^٤) أي جليسك.\n(^٥) من لغا يلغو إذا تكلم باللغو، ومن لغا فلا جمعة له وصارت ظهرا لحديث أحمد: ومن قال: صه فقد تكلم، ومن تكلم فلا جمعة له. ففيه تحريم الكلام مطلقًا وقت الخطبة وعليه مالك وإن لم يسمع. وقال الحنفية: إنه مكروه تحريما وإن لم يسمع. وقال أحمد: إنه يحرم على القريب دون غيره. وقال الشافعية: إنه مكروه تنزيهًا لمن يسمع، وإلا فلا كراهة. وهذا كله إذا لم تكن ضرورة للكلام كالتحذير من عقرب ونحوه. وإلا وجب كالنهي عن المنكر، وقد يندب الكلام كرد السلام، وتشميت العاطس، والصلاة على النَّبِيّ - ﷺ - إذا سمع اسمه، وسؤال الجنة، والتعوذ من النار إذا سمع اسمهما، وإذا أراد إسكات من يتكلم وضع إصبعه على فيه فقط.\n(^٦) فليس له ثواب، وهذا تنفير فقط، وإلا فله قليل ثواب ويسقط الفرض.\n(^٧) يسأل الله ولم ينصت.\n(^٨) أي إلى الجمعة الآتية.","vol":"1","page":288},{"text":"بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١) وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ (^٢) يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\nوَلِلتِّرْمِذِيِّ: «مَنْ تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الجُمُعَةِ اتَّخَذَ جِسْرًا إِلَى جَنَهَّمَ (^٤)».\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْ مَجْلِسِهِ ذلِكَ إِلَى غيْرِهِ (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦) وَلَفَظُهُ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْ مَجْلِسِهِ».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَوَى عَلَى المِنْبَرِ اسْتَقْبَلْنَاهُ بِوُجُوهِنَا (^٧). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.\n_________\n(^١) بسند صالح.\n(^٢) أي أكتافهم.\n(^٣) أي الناس. ورواه أحمد وزاد: وآنيت. أي أبطأت وتأخرت، وإنما أمره بالجلوس لمنع الأذى عن الناس، وإلا فالتحية مطلوبة كما تقدم.\n(^٤) هذا ترهيب عظيم ومنه حديث الطبراني. رأى النَّبِيّ - ﷺ - رجلا يتخطى الرقاب فقال له: رأيتك تتخطى رقاب الناس وتؤذيهم، من آذى مسلمًا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله - ﷿ -. وحديث أبي داود وابن خزيمة: ومن تخطى رقاب الناس كانت له ظهرا. فظاهر هذه الأحاديث أن التخطى حرام وعليه المالكية إذا كان الخطيب على المنبر. وإلا فمكروه ما لم يكن لسد فرجة، وإلا فلا كراهة. وقال الحنفية: لا بأس به إذا كان قبل الشروع في الخطبة ولم يؤذ أحدًا، وإلا كره تحريما، فإن لم يجد مكانا إلا بالتخطي، فإنه يباح له مطلقًا. وقال الشافعية والحنابلة: إن التخطي مكروه إلا لمن رأى فرجة في الصف المقدم، فتخطى لها فلا كراهة بل هو مستحب، وإلا للإمام والمؤذن وأهل الصلاح الذين لا يتأذى بهم الناس فلا كراهة. وأما المرور بين الصفوف فلا شيء فيه، ومثل الجمعة كل مجمع للعلم ونحوه، لحديث الديلمي: من تخطى حلق قوم بغير إذنهم فهو عاص. وستأتي آداب الجلوس أوسع من هذا في كتاب الأدب إن شاء الله.\n(^٥) فإن في مجلسه الأول شيطانًا، والنوم والرعاف والعطاس والتثاؤب في المسجد من الشيطان، وفي الحركة منع الكسل.\n(^٦) بسند صحيح.\n(^٧) وسبق في آداب الخطيب قول أبي سعيد: جلس النَّبِيّ - ﷺ - ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله. ففيه تصريح باستقبال الناس الخطيب حال الخطبة، وعليه جمهور السلف والخلف، وهذا ظاهر فيمن يسمع ولم ينحرف عن القبلة في استقباله الخطيب، أما غيرها فلا، وعليه يحمل ما ورد عن سعيد بن المسيب والحسن أنهما كانا لا ينحرفان عن القبلة، وعليه بعض الأئمة. والله أعلم.","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type='title' id=toc-185>خاتمة: في ساعة الإجابة </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقَالَ: «فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا (^٢) عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي (^٣) يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا (^٤) إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» - وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا (^٥). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «هِيَ مَا بَيُنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ (^٦)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: «إِنَّ فِي الجُمُعَة سَاعَةً لَا يَسْأَلُ اللَّهَ العَبْدُ فِيهَا شَيْئًا إِلا آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَّةُ سَاعَةٍ هِيَ؟ قَالَ: «حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ إِلىَ الانْصِرَافِ مُنْهَا».\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَوْمُ الجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، مِنْهَا سَاعَةٌ لَا يُوجَدُ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلا آتَاهُ اللَّهُ ﷿، فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ (^٧)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، وَفِيهِ أُهْبِطَ مِنْهَا، وَفِيهِ\n_________\nخاتمة - في ساعة الإجابة\n(^١) التي يستجاب الدعاء فيها بعين المطلوب، وهي ساعة زمنية خفيفة كخمس دقائق كما في الحديث الأول، أو ساعة فلكية ستون دقيقة كما في الحديث الثالث، ووقتها من جلوس الخطيب على المنبر إلى نهاية الصلاة كما في حديث أبي موسى، أو من العصر إلى الغروب كما في اللذين بعده، وحكمة إبهامها انتظارها في كل اليوم كإبهام ليلة القدر، وما أهم الرجل الصالح في العباد ليعتقد في كل العباد، وكما أبهم الاسم الأعظم ليدعى بالأسماء الحسنى كلها.\n(^٢) أي لا يصادفها.\n(^٣) أو قاعد يذكر الله بعد الصلاة، أو ينتظر الصلاة، أو يقرأ، أو يدعو الله.\n(^٤) الدنيا أو للآخرة أولهما ما لم يكن إثما أو قطع رحم، كما سيأتي إن شاء الله في كتاب الدعاء.\n(^٥) من التقليل، وفي رواية: ووضع أنملته على بطن الوسطى أو الخنصر، فهذا تفسير للإشارة.\n(^٦) فهي تبتدئ من جلوس الخطيب على المنبر إلى نهاية صلاة الجمعة، أو من حين إقامة الصلاة إلى نهايتها كما في لفظ الترمذي، ولا منافاة بينهما، فكل أخبر بما سمعه، وحيث تفاوتا في المبدأ واتفقا في النهاية، فيكون الاعتماد عليها.\n(^٧) أي اطلبوها آخر ساعة من النهار إلى الغروب.","vol":"1","page":290},{"text":"سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا شَيْئًا إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، فَذَكَرْتُ لَهُ هذَا الحَدِيثَ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ تِلْكَ السَّاعَةَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِهَا وَلَا تَضِنَّنَّ بِهَا عَلَيَّ (^١) قَالَ: هِيَ بَعْدَ العَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ (^٢) فَقُلْتُ: كَيْفَ تَكُونُ بَعْدَ العَصْرِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي، وَتِلْكَ السَّاعَةُ لَا يُصَلَّى فِيهَا؟» فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ جَلَسَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ؟» قُلْتُ: بَلَى قَالَ: فَهُوَ ذَاكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣) وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَا: «هِيَ آخِرَ سَاعَةٍ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ».\n\n<span data-type='title' id=toc-186>الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلّمفي يوم الجمعة وليلتها </span>(^٤)\n• عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ (^٥)، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ\n_________\n(^١) أي لا تبخل بها عليّ.\n(^٢) لا منافاة بين هذه وبين روايتي أبي داود والنسائي الآتية، لاحتمال أن وقتها يدخل بعد العصر ويمتد إلى الغروب، وأرجي ساعاته الساعة الأخيرة، أو يحمل بعد العصر على الساعة التي قبل الغروب حملا للطلق على المقيد، ولا منافاة بين حديث أبي موسى وبين اللذين بعده، لاحتمال أنها تكون في وقت الصلاة في جمعة، وقبل الغروب في أخرى إذا قلنا بانتقالها، وإن قلنا بعدمه، فالقول بأنها آخر ساعة أرجح لكثرة نصوصه واتصالها والجزم برفعها، وعليه جمهور السلف والخلف، ورجحه الشافعي بأنها وقت استيفاء أجور العابدين طول اليوم، والأولى التعرض لها في كل يوم الجمعة من كل أسبوع، فإنه يوم مبارك وعظيم، لحديث أحمد: سيد الأيام وأفضلها عند الله يوم الجمعة. وهو مظنة النفحات التي في حديث: إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها. وهناك عدة أقوال في تعيينها تركناها لعدم الأدلة عليها، وحسبنا ماهنا، ففيها كفاية للعالمين والعابدين.\n(^٣) وصححه، وللشيخين شطره الأول.\n\nالإكثار من الصلاة على النَّبِيّ - ﷺ - في يوم الجمعة وليلتها\n(^٤) أقل الإكثار ثلاثمائة بالنهار ومثلها ليلا، وأكثره لا نهاية له، وطلب ذلك في يوم الجمعة لأنها تعرض عليه - ﷺ -.\n(^٥) النفخة هي النفخ في الصور، والصعقة هي الصيحة وهي الصوت الهائل الذي يموت الخلق من هوله، وهي لازمة للنفخة الأولى، قال تعالى ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾.","vol":"1","page":291},{"text":"فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ (^١)» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ؟ (^٢) فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ عَبْدِ بْنِ أَبِي أَوْفَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَإِنِّي أُبَلَّغُ (^٥) وَأَسْمَعُ». رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَقْرَبُكُمْ مِنَّي فِي الجَنَّةِ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً، فَأَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ فِي اللَّيْلَةِ الغَرَّاءِ وَاليَوْمِ الأَزْهَرِ (^٦)». رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالبَيْهَقِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-187>الباب الحادي عشر: في صلاة الخوف وصلاة السفر\nوفيه فصلان</span>\n<span data-type='title' id=toc-188>الفصل الأول: في صلاة الخوف </span>(^٧)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾ (^٨) ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (^٩) ﴿فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ\n_________\n(^١) بأمر الله تعالى فيسمعها فينسر بها؛ لأنَّهُ - ﷺ - في قبره حيّ ويفرح بصلاة المصلين عليه، ففيها رفع درجات له ولهم وذكرى من الأمة لنبيها - ﷺ - في يوم عيدهم الذي تضعّف فيه الأعمال وتزداد قبولا، وأما في غير يوم الجمعة فإن الصلاة عليه - ﷺ - تبلغه على لسان ملائكة مخصوصين بهذا، كما تبلغه أعمال الأمة في يوم الخميس بواسطة ملائكة لهذا.\n(^٢) بفتح الهمزة والراء وسكون الميم وفتح التاء وروي بكسر الراء أي بليت، وقيل أرمت بتشديد اليم وسكون التاء، أي أرمت العظام وصارت رميا.\n(^٣) فلا تأكلها فإنهم أحياء في قبورهم، ولفظ النسائي: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء. وسيأتي في النبوة لمسلم: مررت بموسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلى في قبره، ففيه حياة الأنبياء في قبورهم حياة برزخية بها يتعبدون مع استغنائهم عن الطعام والشراب كالملائكة، أو بطعام وشراب يناسبهم.\n(^٤) بسند صحيح.\n(^٥) بلفظ المجهول تبلغني، وأسمعها من المبلغين، أو تبلغني تارة، وأسمعها بنفسي تارة أخرى، كما سمع سليمان إنذار النملة لقومها حينما كان سائرًا بجنوده.\n(^٦) أي الأنور، وهو يوم الجمعة، والليلة الغراء ليلته لازدهائها بالأنوار، فإنه يوم محمدي مبارك، والله أعلم.\n\n﴿الباب الحادي عشر في صلاة الخوف وصلاة السفر وفيه فصلان الفصل الأول في صلاة الخوف﴾\n(^٧) أي من العدو، أي في كيفيتها من حيث إنه يحتمل فيها ما لا يحتمل في غيرها، وقد جاء في بيانها أنواع كثيرة، ويمكن تداخلها، فلا تخرج عن الآتي؛ لأن العدو إما أن يكون في جهة القبلة أولا، وحكمتها إدراك الجماعة مع الحذر من العدو.\n(^٨) في أصحابك وأنتم تخافون العدو.\n(^٩) أمرت بها فقسِّم أصحابك طائفتين.","vol":"1","page":292},{"text":"مَّعَكَ﴾ (^١) ﴿وَلْيَأْخُذُواْ﴾ (^٢) ﴿أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ﴾ (^٣) ﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-189>إذا كان العدو في غير جهة القبلة </span>(^٤)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الخَوْفِ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ (^٥)، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ بِإِزَاءِ العَدُوِّ (^٦) فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ ذَهَبُوا (^٧) وَجَاءَ الآخَرُونَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ قَضَتِ الطَّائِفَتَانِ رَكْعَةً رَكْعَةً (^٨) قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَإِذَا كَانَ خَوْفٌ أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَصَلِّ رَاكِبًا أَوْ قَائِمًا تُومِئُ إِيمَاءً (^٩). رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\nوَلِمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ (^١٠) صَلَاةَ الخَوْفِ، فَطَائِفَةٌ صَلَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ وُجَاهَ العَدْوِّ (^١١) فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وُجَاهَ العَدُوِّ (^١٢)، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأَخْرَى فَصَلَّى بِهِمُ\n_________\n(^١) تقتدي بك في الصلاة وتبقى الطائفة الأخرى تحرس.\n(^٢) أي من معك.\n(^٣) أي فإذا نويت بمن معك فلتقم الطائفة الأخرى، تحرس إلى أن تنقضى الصلاة، وتذهب التي صلت معك، فتحرس وتأتي التي كانت تحرس فتصلى ثانيًا معها حديث أبي بكرة، أو تصلى بها الركعة الثانية كما في اللذين قبله.\n\nإذا كان العدو في غير جهة القبلة\n(^٤) أو فيها وثم حائل يمنع الرؤية لو هجموا، فللإمام أن يصلى بهم كإحدى الحالات الآتية.\n(^٥) التي لقي فيها العدو في الجهاد.\n(^٦) تجاه العدو.\n(^٧) للحراسة بعد أن صلوا الركعة الثانية وحدهم.\n(^٨) أي انفردت كل طائفة بالركعة الثانية.\n(^٩) أي للركوع والسجود من غير إتمام لها، ولكن السجود أخفض. قال تعالى ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانًا﴾ فإذا اشتد الخوف وحضرت الصلاة صلوا فرادى كيف أمكن باستقبال أولا، بركوع أولا، ويغتفر لهم ما لا يغتفر لغيرهم من عمل أو قول لا يجوز.\n(^١٠) بغطفان من أرض نجد، وأول ما صليت صلاة الخوف فيها سنة خمس أو ست أو سبع من الهجرة، وسميت ذات الرقاع لأنهم لفوا الرقاع على أقدامهم من شدة الحر.\n(^١١) وجاه العدو بالضم والكسر: تجاهه وقبالته.\n(^١٢) أي وقفوا يراقبونه.","vol":"1","page":293},{"text":"الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ (^١)، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لَأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ.\n\n• عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي خَوْفٍ الظُّهْرَ، فَصَفَّ بَعْضَهُمْ خَلْفُه، وَبَعْضَهُمْ بِإِزَاءِ العَدُوِّ فَصَلَّى بِمَنْ خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ (^٢)، فَانْطَلَقَ الَّذِينَ صَلَّوْا مَعَهُ فَوَقَفُوا مَوْقِفَ أَصْحَابِهِمْ ثُمَّ جَاءَ أُولئِكَ فَصَلَّوْا خَلْفَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ (^٣)، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعًا وَلِأَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ (^٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-190>إذا كان العدو في جهة القبلة </span>(^٥)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَامَ النَّبِيُّ ﷺ (^٦) وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ فَكَبَّرَ وَكَبَّرُوا مَعَهُ (^٧) وَرَكَعَ وَرَكَعَ نَاسٌ مِنْهُمْ مَعَهُ (^٨) ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ لِلثَّانِيَةِ، فَقَامَ الَّذِينَ سَجَدُوا (^٩) وَحَرَسُوا إِخْوَانَهُمْ، وَأَتَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى (^١٠) فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا مَعَهُ (^١١) وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِي صَلَاةٍ وَلكِنْ يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الخَوْفِ، فَصَفَّهُمْ خَلْفَهُ\n_________\n(^١) أي من صلاته - ﷺ -، ومعلوم أنهم في سفر فهم يقصرون، وفقه الحديث أنه قسمهم قسمين قسم وقف يحرس، وقسم صلى معه ركعة ثم فارقه في الثانية وصلاها وانصرف يحرس، وجاء القسم الآخَر فاقتدى به - ﷺ - في ركعته الثانية، فلما جلس للتشهد قاموا فأتموا لأنفسهم ولحقوه، فسلم بهم كالحديث الأول، إلا أن الطائفة الثانية هنا حازت فضيلة السلام معه كما حازت الأولى فضيلة التحرم معه.\n(^٢) أي وسلموا معه فصلي بهم كل الصلاة.\n(^٣) أي أعاد صلاته بهم، فهم الآن مفترضون خلف متنفل.\n(^٤) لأنَّهُ صلى بهم مرتين كل مرة ركعتين بطائفة.\n\nإذا كان العدو في جهة القبلة\n(^٥) فإن الإمام يصلى بهم كإحدى الحالات الآتية.\n(^٦) للصلاة، وكانوا بعسفان.\n(^٧) كلهم للإحرام.\n(^٨) وهم الصف الأول.\n(^٩) أي صلوا الركعة الأولى معه.\n(^١٠) الذين لم يصلوا معه الركعة الأولى.\n(^١١) في الثانية وهم في مكانهم، أو بعد تقدمهم وقيامهم مقام الأولى، وتأخر الأولى التي صلت ركعتها الثانية بعد جلوس النَّبِيّ - ﷺ - ومن معه للتشهد.","vol":"1","page":294},{"text":"صَفَّيْنِ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ يَلُونَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ قَامَ (^١) فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ خَلْفَهُمْ رَكْعَةً (^٢) ثُمَّ تَقَدَّمُوا وَتَأَخَّرَ الَّذِينَ كَانُوا قُدَّامَهُمْ فَصَلَّى بِهِمْ (^٣) رَكْعَةً (^٤) ثُمَّ قَعَدَ حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ تَخَلَّفُوا رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ (^٥). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ. وَاللَّهَ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-191>الفصل الثاني: في صلاة السفر (^٦) القصر ومسافته </span>(^٧)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ (^٨) ﴿فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ (^٩) ﴿أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (^١٠).\n\n• عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا. فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ (^١١) فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذلِكَ فَقَالَ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ (^١٢)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ\n_________\n(^١) أي للركعة الثانية.\n(^٢) أي ركعتهم الأولى.\n(^٣) أي بمن تقدموا.\n(^٤) وهي الثانية له ولهم.\n(^٥) أي بالجميع، فهذه الصلاة نوع مما قبلها، وفقه الحديثين أنهم كلهم اقتدوا به ثم تبعه في الركعة الأولى الصف الأول، ومكث بعد قيامه للثانية حتَّى صلى من خلفه ركعتهم الأولى، ثم تقدموا فصلوا معه الركعة الثانية وتأخر الصف الأول وصلى ركعته الثانية وحده ولحقهم في الجلوس فسلوا جميعًا، فلإمام المجاهدين أن يصلى بهم كإحدى هذه الحالات.\n\nالفصل الثاني في صلاة السفر\n(^٦) في التغيير الذي أجازه الشارع فيها من قصرها على ركعتين وتقديمها وتأخيرها كما تتطلبه حال السفر.\n(^٧) ما ورد فيهما.\n(^٨) سافرتم.\n(^٩) إثم.\n(^١٠) بصلاة الرباعية ركعتين، بخلاف الصبح والمغرب، فلا قصر فيهما باتفاق.\n(^١١) أي فلا رخصة لهم في القصر؛ لأن الخوف ذكر في الآية على جهة الشرط.\n(^١٢) أي صلاة القصر صدقة من الله عليكم فاقبلوها في الخوف وعدمه واشكروه على نعمة التخفيف هذه، والقصر رخصة، وهو أفضل من الإتمام عند الحنابلة والشافعية إن بلغ سفره ثلاث مراحل. وقال المالكية: إنه سنة مؤكدة آكد من الجماعة. وقال أبو حنيفة: إنه عزيمة فهو واجب ولا يجوز الإتمام، وروى هذا عن كثير من الصحب والتابعين.","vol":"1","page":295},{"text":"النَّبِيِّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ (^١) حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ قُلْتُ: أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ قَالَ: «أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا (^٢)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ (^٣) تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: فَنَحْنُ نُصَلِّي فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ تِسْعَ عَشْرَةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَإِذَا أَقَمْنَا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ صَلَّيْنَا أَرْبَعًا (^٤).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنىً (^٥) رَكْعَتَيْنِ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ (^٦) وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا (^٧). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ (^٨) وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا. رَوَاهُ البُخَارِيَّ.\n_________\n(^١) في الرباعية فقط لحديث ابن عمر الأخير.\n(^٢) فيه أن الإقامة في جهة عشر ليال لا تقطع السفر.\n(^٣) أي بمكة حين فتحها.\n(^٤) فمعنى الحديث أن ابن عباس يقول: أقام النَّبِيّ - ﷺ - بمكة تسعة عشر يوما، ونحن نقصر الصلاة فنحن بعد ذلك إذا سافرنا وأقمنا بجهة قصرنا إلى هذه المدة فإن زادت أتممنا الصلاة.\n(^٥) المكان الذي يقيم فيه الحجاج يوم النحر وأيام الرمي وفيه الجمرات ومسجد الخيف.\n(^٦) عطف على النَّبِيّ - ﷺ -، فهو والشيخان بعده كانوا يقصرون الصلاة بمنى طول حياتهم.\n(^٧) رغبة في كثرة الأجر تبعًا للمشقة؛ وفيه تأكيد لمذهب الجمهور القائل: بأن القصر رخصة ولو كان عزيمة ما أنتم عثمان - ﵁ -. فكل قصر شرطه السفر إلا من كان بمنى أيام الموسم فله القصر، وإن كان من أهل عرفة أو مكة أو مزدلفة أو منى، وعليه بعض الأئمة. إلى هذا الكلام على القصر وما يأتي في بيان المسافة التي يجوز فيها القصر.\n(^٨) فكان ابن عمر وابن عباس يقصران الصلاة ويفطران في رمضان إذا كانا مسافرين في مسافة أربعة برد فأكثر. والبرد بضم الباء والراء وتسكن: جمع بريد وهو أربعة فراسخ، ولذا قال هي ستة عشر فرسخا، والفرسخ: ثلاثة أميال، والميل: ألف باع، والباع: أربعة أذرع بذراع الأدمي وهو شبران. وهذه المسافة ذهابا فقط لما رواه الشافعي أنه سئل ابن عباس: أتقصر الصلاة إلى عرفة؟ فقال: لا، ولكن إلى عسفان، وإلى جدة، وإلى الطائف. والدارقطني: يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان، وهي مرحلتان بسير الأثقال فلا قصر دونها. وعليه المحدثون وجمهور الفقهاء. وهذه المسافة تساوي ثمانين كيلو ونصف كيلو ومائة وأربعين مترا. وقال الكوفيون وأبو حنيفة: لا قصر في أقل من ثلاث مراحل.","vol":"1","page":296},{"text":"• عَنْ يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الهُنَائِيِّ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ (^١) فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ (^٢) ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ (^٣). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-192>الجمع </span>(^٤)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ (^٥) وَيَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ (^٦). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَلَفْظُهُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّفَرُ (^٧) يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ العَصْرِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا (^٨) وَيُؤَخِّرُ المَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِشَاءِ (^٩).\n\n• عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ (^١٠) قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ (^١١)، وَإِنْ يَرْتَحِلْ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَنْزِلَ للْعَصْرِ (^١٢)\n_________\n(^١) أي عن مسافة قصرها.\n(^٢) شكَّ من شعبة الراوي عن يحيى.\n(^٣) أي قصر الصلاة، وحيث وقع شكَّ فيؤخذ بالأحوط وهو ثلاثة فراسخ، فتقصر فيها الصلاة لهذا. وقال الأوزاعي: تقصر الصلاة في سير يوم تام. وروي عن عليّ - ﵁ - أنه كان إذا خرج إلى البجيلة صلى بهم الظهر ركعتين، ثم رجع من يومه، لإطلاق السفر في الآية، ويبتدئ المسافر القصر إذا جاوز سور البلد أو القنطرة إن كان له ذلك، وإلا فمجاوزة مرافق البلدة وملاعب الصبيان التي تكون عادة حول البلاد والقرى، وللمسافر القصر والجمع سواء سافر في بحر أو بر ماشيا أو راكبًا حيوانًا أو قطارًا أو طيارة أو سفينة، إلا أن الأولى لمن كان في قطار ونحوه أن يصلي كل فرض في وقته كيفما أمكنه من قيام أولا، مستقبلا أولا، إدراكا لفرض في وقته على قدر طاقته، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.\n\nالجمع\n(^٤) أي جمع الصلاة للسفر وللمرض وللخوف والمطر رحمة بعباد الله كما يأتي.\n(^٥) ظهر زائدة، والسير: السفر.\n(^٦) بيانه ما يأتي.\n(^٧) بأن كان سائرا قبل الزوال ويستمر إلى العصر.\n(^٨) في وقت العصر مقدمًا الظهر على العصر، بشرط أن ينوي صلاة الظهر مجموعة مع العصر تأخيرًا، وكذا إذا أخر المغرب.\n(^٩) إذا كان سائرا في المغرب، فيؤخرها حتَّى يصليها مع العشاء.\n(^١٠) مالت عن وسط السماء.\n(^١١) صلاها تقديمًا.\n(^١٢) فيصليهما في وقته جمع تأخير.","vol":"1","page":297},{"text":"وَفِي المَغْرِبِ مِثْلَ ذلِكَ إِنْ غَابَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ (^١)، وَإِنْ يَرْتَحِلْ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ أَخَّرَ المَغْرِبَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-193>لا تقصر المغرب ولا تصلى الرواتب في السفر</span>\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ يُؤَخِّرُ المَغْرِبَ فَيْصَلِّيهَا ثَلَاثًَا (^٣) ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ العِشَاءَ فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ، وَلَا يُسَبِّحُ (^٤) بَعْدَ العِشَاءِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ (^٥). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) صلاهما تقديمًا، وبدأ بالمغرب.\n(^٢) جمع تأخير، وفي حالة جمع التأخير يجب عليه نيته في وقت الأولى، وفقه ذلك أن المسافر يصل الفرضين في الوقت النازل فيه تقديمًا أو تأخيرًا، تسهيلا عليه كالقصر، بل أولى؛ لأنَّهُ إذا جاز له ترك جزء من الصلاة جاز بالأولى الجمع، وعليه كثير من الصحب والتابعين والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال بعض الأئمة: لا يجوز الجمع إلا في عرفة ومزدلفة. وهذه النصوص وقع فيها جمع صوري، وسبق في عذر الصلاة: جمع النَّبِيّ - ﷺ - بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا سفر. وفي رواية من غير خوف ولا مطر. ففيه جواز الجمع للخوف وللمطر بل للمرض؛ لأنَّهُ أشق من السفر والمطر، فإذا فاجأهم العدو ببلدهم فلهم جمع الصلاة، وللجماعة أن تصلي تقديمًا إذا كان المطر عندهم، كما للمريض أن يجمع الفرضين في الوقت الذي يفيق فيه من مرضه، والله أعلم.\n\nلا تقصر المغرب ولا تصلى الرواتب في السفر\n(^٣) فلم يقصرها، وبالأولى تصلى الصبح كاملة، وهذا بإجماع.\n(^٤) أي لا يتنفل. وفي رواية: فلم يسبح بينهما بركعة ولا بعد العشاء، فلا يصل راتبة المغرب ولا العشاء، ومنه حديث ابن عمر في الصحيحين: صحبت النَّبِيّ - ﷺ - فلم أره يسبح أي يتنفل في السفر. وحديث البخاري: صلى النَّبِيّ - ﷺ - العشاءين بالمزدلفة جميعا، كل واحدة بإقامة ولم يسبح بينهما ولا بعدهما، ففيها ترك الرواتب في السفر بل أولى من القصر رحمة بالمسافر، وعليه ابن عمر وجماعة، والجمهور على استحبابها كالنوافل المطلقة التي اتفقوا على ندبها لصلاة النَّبِيّ - ﷺ - سنة الصبح حينما ناموا إلى طلوع الشمس، ولصلاته الضحى في بيت أم هانئ يوم الفتح، ولتنفله على الراحلة في السفر الذي رواه الكثير.\n(^٥) فيتهجد لأنَّهُ قيل إنه كان واجبًا عليه - ﷺ - والله أعلم.","vol":"1","page":298},{"text":"<span data-type='title' id=toc-194>الباب الثاني عشر: في الصلوات المسنونة (^١) صلاة العيدين </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ﴾ (^٣) ﴿الْكَوْثَرَ﴾ (^٤) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ (^٥) ﴿وَانْحَرْ﴾ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-195>الخروج لصلاة العيد ووقتها </span>(^٧)\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى العِيدِ مَاشِيًا (^٨) وَأَنْ تَأَكُلَ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ (^٩). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١٠).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ العِيدِ فِي طَرِيقٍ رَجَعَ فِي غَيْرِهِ (^١١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالبُخَارِيُّ.\n_________\n=إلى هنا وأنا أشكل الكتاب وأمرّ عليه أمام الطبع انتقلت والدتي إلى رحمة الله تعالى، ودفنت بقرافة الإمام الشافعي - ﵁ - في يوم الخميس الموافق ١٧ من شهر ربيع الأول سنة ١٣٥١.\nوأما والدي فقد انتقل إلى رحمة الله تعالى قبل ذلك سنة ١٣١٧، وهي أول سنة جئت فيها للأزهر المعمور، ودفن بالبلد الحامول منوفية. والأسرة فيها مشهورة (بعائلة) ناصف اسم أول جد من الأشراف الحسينية، نزل بالحامول وهو ناصف بن سيدي شيخ ابن سيدي محمد مفتاح المدفون في مقامه الذي زار للآن، وبجواره مسجده الذي تديره وزارة الأوقاف في كفر الشيخ مفتاح بمركز السنطة غريبة، نسأل الله أن يحشرنا في زمرتهم، آمين.\n\n(الباب الثاني عشر في الصلوات المسنونة)\n(^١) وهي صلاة العيدين، وصلاة الكسوف، وصلاة الاستسقاء، وصلاة الضحى، وصلاة الليل، وصلاة الاستخارة، وصلاة التسبيح، وصلاة الحاجة، وصلاة التوبة، وستأتي إن شاء الله تعالى.\n(^٢) عيد الفطر وعيد الأضحى.\n(^٣) خطاب للنبي - ﷺ -.\n(^٤) هو نهر في الجنة وسيأتي في القيامة. والكوثر: الخير العظيم من القرآن والسنة والشفاعة العظمى.\n(^٥) صلاة العيد وهذا أمر، فظاهره وجوب صلاة العيد. وعليه الحنفية، وقال الحنابلة إنها فرض كفاية على من تلزمه الجمعة. وقال المالكية والشافعية إنها سنة عين مؤكدة.\n(^٦) نسكك وهي الضحية، وحكمة العيد ظهور الفرح والسرور بتمام فريضة الصوم في عيد الفطر، وبإتمام فريضة الحج في عيد الأضحى. وسيأتي في الآخَر سببهما إن شاء الله تعالى.\n\nالخروج لصلاة العيد ووقتها\n(^٧) أي آداب الذهاب لها وبيان وقتها.\n(^٨) لكثرة ثوابه بالمشي كما تقدم في الجماعة والجمعة.\n(^٩) هذا في عيد الفطر كما يأتي.\n(^١٠) بسند حسن.\n(^١١) ليشهد له الطريقان ومن فيهما.","vol":"1","page":299},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا (^١). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ وَلَا يَأْكُلُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ (^٢).\n\n• عَنِ البَرَاءِ ﵁ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الأَضْحى إِلَى البَقِيعِ (^٣) فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ وَقَالَ (^٤): «إِنَّ أَوَّلَ نسُكِنَا (^٥) فِي يَوْمِنَا هذَا أَنْ نَبْدأَ بِالصَّلَاةِ (^٦) ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ (^٧)». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ العِيدِ فِي المَسْجِدِ (^٨). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالحَاكِمُ.\n\n• عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ (^٩) ﵂ قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الفِطْرِ وَالأَضْحَى أَنْ نُخْرِجَ العَوَاتِقَ وَالحُيِّضَ وَذَوَاتِ الخُدُورِ (^١٠) وَلكِنِ الحُيَّضُ يَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ وَيَشْهَدْنَ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ (^١١) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ قَالَ: «لِتُلْبِسْهَا أُخْتِهَا مِنْ جِلْبَابِهَا (^١٢)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n_________\n(^١) فكان لا يخرج لعيد الفطر حتَّى يأكل بضع تمرات ليعلم نسخ تحريم الفطر قبل الصلاة، فإنه كان حراما أول الإسلام.\n(^٢) فيأكل من ضحيته، وفقه ما تقدم أنه يسن الإفطار قبل عيد الفطر على شيء حلو والذهاب للصلاة من طريق والعود من أخرى على قدميه، كما ينبغي الغسل والتجمل إظهار للسرور وشكرا لله على نعمه ومنه التوسعة على الأهل والأقارب.\n(^٣) مقبرة المدينة، فصلى فيها صلاة العيد.\n(^٤) في خطبته.\n(^٥) عبادتنا.\n(^٦) صلاة العيد.\n(^٧) الضحية.\n(^٨) فما صلى بهم العيد في المسجد إلا لأجل المطر، وكانت أكثر صلاة العيد في الصحراء. وللبخاري، كان يخرج يوم الفطر إلى المصلى وهي موضع خارج المدينة بينه وبين المسجد ألف ذراع، ففيهما ندب صلاة العيدين في الصحراء. وعليه الجمهور، وقال الشافعية: صلاتها في المسجد أفضل لشرفه ولسهولة حضوره إلا إذا كان ضيقا.\n(^٩) الأنصارية، واسمها نسيبة بنت الحارث.\n(^١٠) العواتق جمع عاتق وهي الشابة البالغة، أو التي قاربت البلوغ: سميت عاتقا لعتقها من الخدمة، وتسمى عانسا إذا طال مكثها في أهلها بعد إدراكها. والحيض: كركع جمع حائض، والخدور جمع خدر وهو الستر.\n(^١١) جماعة المسلمين، وهذه حكمة إخراج النساء كلهن في العيد فيشهدن العبادة والوعظ، ويشملهن الخير العظيم الذي ينزله الله على المسلمين في العيد.\n(^١٢) تستعير من أختها في الإسلام، وتخرج للجماعة للصلاة، وهذا كان في سالف الزمان، أما الآن فلا يجوز خروجهن لما هن عليه من زيادة التبرج إلا العجوز الخالية من التبرج إذا كان لهن مكان خاص، وما يأتي في بيان وقت صلاة العيد.","vol":"1","page":300},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ بُسْرٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا فَرَغْنَا فِي هذِهِ السَّاعَةِ وَذلِكَ حِينَ التَّسْبِيحِ (^١). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَلفْظُهُ: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ النَّاسِ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَأَنْكَرَ إِبْطَاءَ الإِمَامِ وَقَالَ: إِنَّا كُنَّا فَرَغْنَا سَاعَتَنَا هذِهِ وَذلِكَ حِينَ التَّسْبيحِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-196>صلاة العيد والخطبة </span>(^٣)\n\n• عَنْ جَابِرٍ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ العِيدَيْنِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ (^٤). رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ يُصَلُّونَ العِيدَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ (^٥).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الفِطْرِ (^٦) فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا (^٧). رَوَاهُمَا الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: صَلَاةُ الأَضْحَى رَكْعَتَانِ وَصَلَاةُ الفِطْرِ رَكْعَتَانِ (^٨)،\n_________\n(^١) أي حل النافلة، فعبد الله بن بسر رأى من الأئمة تأخيرًا في صلاة العيد فأنكر عليهم، وقال: كنا انتهينا من الصلاة الآن في زمن النَّبِيّ - ﷺ -.\n(^٢) فوقت صلاة العيد يدخل إذا حلت النافلة بعد ارتفاع الشمس كرمح ويبقى إلى الاستواء، ولكن ينبغي تأخير صلاة الفطر قليلا، وتعجيل صلاة الأضحى في أول وقتها، لحديث الحافظ في التلخيص: كان النَّبِيّ - ﷺ - يصلى بنا الفطر والشمس على قيد رمحين والأضحى على قيد رمح، وحكمة ذلك اتساع وقت الضحية. والله أعلم.\n\nصلاة العيد والخطبة\n(^٣) ما ورد فيهما، فصلاة العيد ركعتان لا أذان لها ولا إقامة ولا راتبة لها، ويقرأ فيهما بـ ق واقتربت الساعة.\n(^٤) فرقًا بينها وبين الفرائض، ولكن ينبغي قول المؤذن لاستنهاض الناس الصلاة جامعة الحديث البيهقي من طريق الشافعي: كان النَّبِيّ - ﷺ - يأمر المؤذن في العيدين فيقول: الصلاة جامعة.\n(^٥) لأن خطبة العيدين سنة باتفاق فلا ضرر في انصرافهم عنها بخلاف خطبة الجمعة، فإنها واجبة كما سبق، وليدرك المتأخر الجمعة التي شرطها الجماعة.\n(^٦) ولفظ النسائي يوم العيد، فيعم الأضحى.\n(^٧) فلا راتبة لصلاة العيد لأنها شرعت لجبر نقص الفرض ولا فرض هنا.\n(^٨) فيقول المصلى نويت أن أصلى ركعتين سنة عيد الأضحى وفي الفطر نحوه.","vol":"1","page":301},{"text":"وَصَلَاةُ المُسَافِرِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ لَيْسَ بِقَصْرٍ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ (^١).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الفِطْرِ وَالأَضْحَى فِي الأُولَى (^٢) سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيَّ (^٣) وَلَفْظُهُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكَبِّرُ فِي العِيدَيْنِ فِي الأُولَى سَبْعًا قَبْلَ القِرَاءَةِ (^٤) وَفِي الآخِرَةِ خَمْسًا قَبْلَ القِرَاءَةِ (^٥).\nوَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الأَضْحَى وَالفِطْرِ فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِق وَالقُرْآنِ المَجِيدِ وَاقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ (^٦). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ ثُمَّ قَامَ (^٧) مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلَالٍ فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ (^٨)، فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، فَقَالَ: «تَصَدَّقْنَ فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ (^٩)» فَقَامَتِ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ (^١٠) النِّسَاءِ (^١١) سَفْعَاءُ الخَدَّيْنِ (^١٢) فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ\n_________\n(^١) تقدم في الجمعة.\n(^٢) في الركعة الأولى.\n(^٣) بسند حسن.\n(^٤) سوى تكبيرة الإحرام.\n(^٥) غير تكبيرة القيام لرواية: سوي تكبيرة الصلاة. فالتكبير في الركعتين قبل القراءة سبعًا وخمسا. وعليه جمهور الصحب والتابعين والفقهاء ومالك والشافعي وأحمد، إلا أن مالكا وأحمد يقولان السبع في الأولى بتكبيرة الإحرام؛ وينبغى رفع اليدين في كل تكبيرة وسكتة بعدها، وأولى قراءة الباقيات الصالحات بين كل تكبيرتين، أما التكبير في الخطبة فرواه ابن ماجه بقوله: كان النَّبِيّ - ﷺ - يكثر التكبير في خطبة العيدين، وللبيهقي: السنة أن تفتتح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات تترى، والثانية بسبع تكبيرات تترى أي متوالية.\n(^٦) فكان يقرأ في الركعة الأولى منهما سورة ق، وفي الثانية سورة اقتربت الساعة كلهما أو بعضهما، وحكمة ذلك اشتمالها على العبر والمواعظ بذكر الأمم الماضية، وإهلاك المكذبين منهم، وتذكير الحاضرين بالبعث والقيامة، وتشبههم بالقائمين من قبورهم والسائرين إلى المحشر في قوله تعالى - يخرجون من الأحداث كأنهم جراد منتشر.\n(^٧) أي للخطبة.\n(^٨) في آخر المسجد.\n(^٩) للتطهير فيها.\n(^١٠) كعدة.\n(^١١) من خيارهن.\n(^١٢) سفعاء كحمراء وزنا ومعنى، والسفعة كغرفة: سواد مشرب بحمرة.","vol":"1","page":302},{"text":"قَالَ: «لِأَنَّكُنَّ تكْثِرْنَ (^١) الشَّكَاةَ (^٢) وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ (^٣)» قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ (^٤) وَخَوَاتِمِهِنَّ (^٥). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ وَتَقَدَّمَ فِي الجُمُعَةِ نَصُّ خُطْبَةٍ لَهُ ﷺ.\nلو ثبت الهلال يوم الثلاثين من رمضان أفطروا وخرجوا في الغد لصلاة العيد\n\n• عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ (^٦) ﵁ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَكْبًا (^٧) جَاؤوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوُا الهِلَالَ بِالأَمْسِ (^٨) فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا (^٩) وَإِذَا أَصْبَحُوا يَغْدُوا إِلَى مُصَلاهُمْ (^١٠). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ (^١١).\n\n<span data-type='title' id=toc-197>ينبغي التجمل في العيد</span>\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَخذَ عُمَرُ جُبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ (^١٢) تُبَاعُ فِي السُّوقِ فَأَخَذَهَا (^١٣) فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْتَعْ هذِهِ، فَتَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَالوُفُودِ (^١٤)\n_________\n(^١) من أكثر.\n(^٢) كقناة: الشكوى.\n(^٣) الزوج أي تسترن نعمه، فالزوجة تكثر الشكوى وتنسى الجميل، إذا رأت منك شيئًا قالت ما رأيت منك خيرا قط.\n(^٤) جمع قرط، وهو ما يلبس في الأذن.\n(^٥) جمع خاتم، وهو ما يلبس في الإصبع للتجمل.\n\nلو ثبت الهلال يوم الثلاثين من رمضان أفطروا وخرجوا في الغد لصلاة العيد\n(^٦) عمومة جمع عم كبعولة وبعل.\n(^٧) جمع راكب كصحب وصاحب.\n(^٨) يؤدون الشهادة. ولفظ أحمد: جاء ركب من آخر النهار. وفي رواية بعد الزوال وشهدوا برؤية الهلال عقب الغروب.\n(^٩) لثبوت أن اليوم من شوال.\n(^١٠) لصلاة العيد، ففيه أن صلاة العيد لا تصلى بعد الزوال إذا ثبتت رؤية الهلال فيه، بل تصلى في اليوم الثاني وتكون أداء. وعليه جمع من آل البيت وجمهور الفقهاء، وقال مالك والشافعي وأبو ثور: لا تصلى لأنَّهُ عمل في وقت فلا يعمل في اليوم الثاني جماعة، أما المنفرد إذا فاتته مع الجماعة فإنه يصليها كما يصليها مع الإمام عند طائفة، وقال قوم: يصليها أربعا لحديث ابن مسعود الصحيح: من فاته العيد مع الإمام فليصل أربعًا اهـ من النيل والقسطلاني.\n(^١١) بسند صحيح.\n\nينبغي التجمل في العيد\n(^١٢) هو ما غلظ من الحرير.\n(^١٣) اشتراها.\n(^١٤) اشتر هذه وتجمل بها للعيد، وللوفود الذين يفدون عليك من الجهات للإسلام والبيعة.","vol":"1","page":303},{"text":"فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا هذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ (^١)» فَلَبِثَ عُمَرُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ (^٢) ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ (^٣) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِجُبَّة دِيبَاجٍ (^٤) فَأَقْبَلَ بِهَا عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ قُلْتَ إِنَّمَا هذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ (^٥) وَأَرْسَلْتَ إِلَيَّ بِهذِهِ الجُبَّةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَبِيعُهَا وَتُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ (^٦)» رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ أَبِي رَمْثَةَ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ (^٧). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-198>يجوز في العيد اللهو المباح </span>(^٨)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ (^٩) وَعِنْدِي جَارِيتَانِ (^١٠) مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ تُغنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ (^١١) قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ (^١٢) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:\n_________\n(^١) من لاحظ له في الجنة.\n(^٢) مضى على هذا زمان.\n(^٣) إلى عمر.\n(^٤) سندس، وهو ما رق من الحرير.\n(^٥) ففهمت أنها حرام.\n(^٦) تنتفع بثمنها. وفي رواية: أو تعطيها لبعض نسائك، فإن الحرير لهن جاز، أما للبسك فلا. وسيأتي إن شاء الله في اللباس ما يجوز وما يحرم.\n(^٧) فالخطبة تعم خطبة العيد والجمعة الحديث ابن خزيمة: كان النَّبِيّ - ﷺ - يلبس برده الأحمر في العيدين وفي الجمعة، وللشافعي: كان النَّبِيّ - ﷺ - يلبس برد حبرة في كل عيد، وحبرة كعنبة: برود حسان من اليمن. ففيها ندب التجمل للعيد بأغلى الملابس؛ لأنَّهُ يوم سرور وزينة، وفيه شكر لله على نعمه، وهذا يستلزم المزيد. قال تعالى ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ والله أعلم -.\n\nيجوز في العيد اللهو المباح\n(^٨) أي يجوز سماعه ورؤيته بشرط ألا يشتمل على محرم ولا يلهى عن فرض من الفرائض.\n(^٩) في يوم عيد.\n(^١٠) دون البلوغ، وهما حمامة وصاحبتها.\n(^١١) الغناء كالإناء: رفع الصوت بالأشعار كالحداء من سائق الإبل الذي سيأتي في الأدب. وبعاث كغراب: موضع على ليلتين من المدينة أو حصن الأوس، أو موضع في بني قريظة فيه أموالهم، وقعت الحرب فيه بين الأوس والخزرج، ودامت سنين وانتصر فيها الأوس، واستمرت بينهم العداوة حتَّى جاء الإسلام فألف بينهم. قال تعالى ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾.\n(^١٢) فليستا بمشهورتين بالغناء.","vol":"1","page":304},{"text":"أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^١)؟ وَذلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهذَا عِيدُنَا (^٢)». وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنىً تُغَنِّيَانِ وَتَضْرِبَانِ (^٣) وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسَجًّى بِثَوبِهِ (^٤)، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ، فَكشَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ وَقَالَ: «دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ».\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالحِرَابِ (^٥) فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (^٦) وَإِمَّا قَالَ تَشْتَهِينَ تَنْظُرِين (^٧)؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ، خَدِّي عَلَى خَدِّهِ (^٨) وَهُوَ يَقُولُ: «دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ» (^٩) حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ (^١٠) قَالَ: «حَسْبُكِ» (^١١) قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: «فَاذْهَبِي». وَفِي رِوَايَةٍ: جَاءَ حَبَشٌ يَزْفِنُونَ فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي المَسْجِدِ فَدَعَانِي النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى مَنْكِبِهِ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ حَتَّى كُنْتُ أَنَا الَّذِي انْصَرَفْتُ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهِمْ (^١٢). رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ: «مَا هذَانِ اليَوْمَانِ؟» قَالُوا:\n_________\n(^١) سماه بذلك لأنَّهُ يلهي القلب عن ذكر الله، وأنكر عليها ما يفهمه من أن اللهو حرام.\n(^٢) وسرورنا، فلا بأس بالقليل منه كالعرس الذي سيأتي إن شاء الله في النكاح.\n(^٣) أي بالدف.\n(^٤) مغطى به.\n(^٥) الدرق جمع درقة وهي ما يتقي به المجاهد السلاح، والحراب جمع حربة.\n(^٦) أن أنظر إلى لعبهم.\n(^٧) تحبين النظر إليهم.\n(^٨) وذقني على منكبه لأستتر به - ﷺ -، وفيه إشارة إلى بلوغها منه - ﷺ - ما لم يبلغه غيرها.\n(^٩) دونكم: ظرف منصوب على الإغراء أي الزموا هذا اللعب يا بني أرفدة كأعمدة جد الحبشة الأكبر.\n(^١٠) كفرحت: سئمت النظر إلى المهم.\n(^١١) أي كفاك ذلك.\n(^١٢) يزفنون: بياء فزاي فاء فنون كيضربون، أي يرقصون ويثبون بالسلاح وكانت تلك عادتهم في اللعب، ففيه منه - ﷺ - نهاية اللطف والرفق بالنساء، كما أن فيه طلبهم إلى نظر اللعب المباح، وسيأتي الغناء وتحرير حكمه في كتاب الأدب إن شاء الله.","vol":"1","page":305},{"text":"كنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الجِاهِلِيَّةِ (^١) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الفِطْرِ (^٢)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-199>صلاة الكسوف </span>(^٤)\n\n• عَنِ المُغِيرَةِ ﵁ قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ (^٥) فَقَالَ النَّاسُ: اِنْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهيمَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ (^٦) لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا (^٧) فَادْعُوا اللَّهَ حَتَّى تَنْجَلِيَ (^٨)». رَوَاهُ\n_________\n(^١) قبل الإسلام، وهما يوم النيروز الذي هو أول يوم في السنة الشمسية ويوم المهرجان الذي هو أول يوم الميزان، وهما يومان معتدلان في الهواء، لا حر ولا برد، ويستوي فيهما الليل والنهار، فاختارها حكماء الأقدمين المولعين بالهيئة يومي عيد للعب والفرح، واستمر كذلك إلى أن أبطله الإسلام.\n(^٢) فهما العيدان الشرعيان اللذان ختما صوم رمضان وحج بيت الله الحرام، ففيه نهي عن اللعب والسرور في أعياد الكفار، بل ومشاركتهم في أعيادهم حرام، فقد قال أبو حفص الكبير: من أهدى بيضة لكافر في النيروز تعظيا له فقد كفر بالله وحبط عمله، وكذا قال القاضي الحسن بن منصور: من توسع فيه أو أهدى لغيره شيئًا تعظيما لليوم فقد كفر، التشبه بهم، وقد نهينا عن ذلك، ومثل ذلك يقال في يوم شم النسيم الذي اشتهر لدى الطائفة المسيحية.\n(^٣) بسند صالح.\n\nصلاة الكسوف\n(^٤) يقال كسفت كخضعت الشمس والقمر، ويقال خسف القمر والشمس واللغتان في الحديث الأول ولكن اشتهر أن الكسوف الشمس والخسوف للقمر، والكسوف: التغير إلى سواد، ومنه كسف وجهه إذا أسود. والخسوف والخسف: النقص والذل، والمراد هنا ذهاب الضوء كله أو بعضه. وصلاة الكسوف سنة بإجماع العلماء، فالأمر الآتي في الأحاديث محمول على الندب، والجمهور على أن الجماعة فيها سنة لحديث أبي بكرة الآتي وما بعده، وهي ركعتان كسائر النوافل، وعليه الحنفية لحديث أبي بكر الآتي. والأفضل أن تصلي ركعتين بركوعين وقيامين وقراءتين. وعليه الجمهور لحديث عائشة الآتي وتكون بثلاث ركوعات أو بأربع كما يأتي، ويبتدئ وقت صلاتها إذا ظهر التغير، فإذا زال فات وقتها باتفاق.\n(^٥) ابن النَّبِيّ - ﷺ - من مارية القبطية في السنة العاشرة بالمدينة الشريفة في رمضان، أو الحجة، أو ربيع.\n(^٦) الدالتان على وحدانيته.\n(^٧) أو أحدهما في خسف.\n(^٨) بالصلاة والصدقة والذكر والالتجاء إلى الله تعالى.","vol":"1","page":306},{"text":"الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ. وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ أَهْلَ الجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَر لَا يَنْخَسِفَانِ إِلا لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ أَهْلِ الأَرْضِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْت أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلكِنَّهُمَا خَلِيقَتَانِ (^١) مِنْ خَلْقِهِ يُحْدِثُ اللَّهُ فِي خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ، فَأَيُّهُمَا انْخَسَفَ فَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ (^٢)».\n\n<span data-type='title' id=toc-200>النداء لها </span>(^٣)\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُودِيَ إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ (^٤). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-201>أنواع صلاة الكسوف</span>\n• عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَجُرُّ رِدَاءَهُ (^٥) حَتَّى دَخَلَ المَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ (^٦) حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَامَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَأَطَالَ القِيَامَ (^٧) ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ (^٨) ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ (^٩)\n_________\n(^١) تثنية خليقة بمعنى مخلوق.\n(^٢) حتَّى يصفو الكوكب شمسًا كان أو قمرا.\n\nالنداء لها\n(^٣) أي دعوة الناس ليحضروا لصلاة الكسوف.\n(^٤) وفي الصحيحين: بعث مناديًا فنادى إن الصلاة جامعة. وإن بالتشديد والصلاة جامعة اسمها وخبرها. وروى: أن يفتح الهمزة وتخفيف النون وهي المفسرة وما بعدها مبتدأ وخبر، فينبغي قول المؤذن: الصلاة جامعة برفع صوت لصلاة الكسوف ونحوها مما لم ترد فيه إقامة. والله أعلم\n\nأنواع صلاة الكسوف\n(^٥) أي مستعجلا.\n(^٦) بنية صلاة الكسوف. وفي رواية: صلى ركعتين كصلاتكم هذه.\n(^٧) لطول القراءة التي قدرت بسورة البقرة.\n(^٨) بالتسبيح، وقدر بمائة آية من البقرة.\n(^٩) بالقراءة، وقدر بسورة آل عمران.","vol":"1","page":307},{"text":"وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ (^١) ثْمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ (^٢) ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَة مِثْلِ مَا فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ (^٣) فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ (^٤)، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا» ثُمَّ قَالَ: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنُ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا». رَوَاهُ الخَمْسَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ (^٥) فَقَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ».\nوَعَنْهَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ (^٦). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي كُسُوفٍ، فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَالأُخْرَى مِثْلَهَا (^٧).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي كُسُوفٍ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ (^٨) قَالَ: والأُخْرَى مِثْلَهَا (^٩). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n_________\n(^١) وقدر بثمانين آية.\n(^٢) كالركوع، الأول الأول والثاني الثاني.\n(^٣) خطبتين كالجمعة.\n(^٤) بل يخوف الله بهما عباده ليتعظوا ويعتبروا وليعلم من يعبدها أنهما مخلوقان تحت قهر الله تعالى.\n(^٥) أي من الركوع، ففقه الحديث أنه صلاها مرة أخرى ركعتين في كل ركعة قيامان يطيل القراءة فيهما وركوعان يطيل التسبيح فيهما، وكذا السجود، وتجب قراءة الفاتحة في القيام الثاني من كل ركعة كالقيام الأول، والجمهور على هذا.\n(^٦) بيانه في الرواية الثانية.\n(^٧) أي ركع فيها ثلاث مرات فهذه صفة أخرى فعلها النَّبِيّ - ﷺ -.\n(^٨) أي السجدتين المطلوبين للركعة.\n(^٩) أي وصلى الركبة الثانية كالأولى ركع فيها أربع مرات، فهذه صفة رابعة في صلاة الكسوف. وروى أبو دواد أنه - ﷺ - صلاها ركعتين بخمس ركوعات في كل ركعة. وورد أنه صلى ركعتين ركعتين، ويسأل عنها حتَّى انجلت، رواه أبو داود والنسائي، فمن صلى بواحد من هذه الأنواع، فقد فعل السنة، ولكن الأفضل ما عليه الجمهور.","vol":"1","page":308},{"text":"<span data-type='title' id=toc-202>الجهر بالخسوف والإسرار بالكسوف </span>(^١)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَلَاةِ الخُسُوفِ بِقِرَاءِتِهِ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ فِي كُسُوفٍ لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا (^٢). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-203>القراءة في صلاة الكسوف</span>\n• عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَصَلَّى بِهِمْ فَقَرَأَ بِسُورَةٍ مِنَ الطُّوَلِ (^٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالحَاكِمُ وَوَثَّقَهُ.\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ: كُنَّا فِي صَلَاةِ كُسُوفٍ فَحَزَرْتُ قِرَاءَتَهُ (^٥) فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بِسُورَةِ البَقَرَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-204>الخطبة </span>(^٦)\n\n• عَنْ أَسْمَاءَ (^٧) ﵂ قَالَتْ: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^٨) وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ (^٩). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^١٠).\n_________\nالجهر بالخسوف والإسرار بالكسوف\n(^١) أي مستحبان.\n(^٢) ففي الحديث الأول الجهر بصلاة خسوف القمر لأنها ليلية والليل محل الجهر. وفي الحديث الثاني الإسرار بصلاة الكسوف لأنها نهارية، والنهار محل الإسرار، فالجهر في الخسوف والإسرار بالكسوف مندوب. وعليه الجمهور، وقال الإمام أحمد: يستحب الجهر بالكسوف أيضًا كالجمعة والعيد ولأنه ورد.\n(^٣) بسند صحيح.\n\nالقراءة في صلاة الكسوف\n(^٤) بضم ففتح كالكبر جمع طولى، وهي البقرة كما ورد في الصحيحين، فقام طويلا نحو سورة البقرة.\n(^٥) أي قدرتها في الأولى بسورة البقرة، وفي الثانية بسورة آل عمران.\n\nالخطبة\n(^٦) أي ما ورد فيها.\n(^٧) بنت أبي بكر - ﵄ -.\n(^٨) من صلاة الكسوف.\n(^٩) فخطب بما سبق ونحوه.\n(^١٠) أي عن أسماء، وسبق في الحديث الثاني، ثم انصرف =","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type='title' id=toc-205>يكفي عن الصلاة الفزع إلى الله وفعل الخير</span>\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (^١): «إِنَّ هذِهِ الآيَاتِ الَّتِي يُرْسِلُ اللَّهُ (^٢) لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلكِنَّ اللَّهَ يُرْسِلُهَا يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ (^٣) فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ (^٤)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ أَسمَاءَ ﵂ قَالَتْ: لَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالعَتَاقَةِ (^٥) فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-206>ما كشف للنبي ﷺ عنه في صلاة الكسوف </span>(^٦)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَصَلَّى، فَقَامَ طَوِيلًا إِلَى أَنْ قَالَ فَقَالَ ﷺ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا\n_________\n= فخطب الناس، ففيهما مشروعية الخطبة بعد صلاة الكسوف والخسوف، وعليه الشافعي وجماعة، وقال باقي الأئمة: لا تسن الخطبة.\n\nيكفي عن الصلاة الفزع إلى الله\n(^١) أوله خسف الشمس، فقام النَّبِيّ - ﷺ - فزعًا يخشى الله أن تكون الساعة، فأتى المسجد فصلي بأطول قيام وركوع وسجود، ما رأيته قط يفعله وقال إن هذه الآيات الخ.\n(^٢) أي يرسلها الله.\n(^٣) قال الله تعالى ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفا﴾.\n(^٤) فهو الذي يكشف ما نزل بالعباد.\n(^٥) أمر ندب، والعتاقة بالفتح مصدر عتق عتقًا وعتاقًا وعتاقة، فلما كانت حكمة الكسوف تخويف العباد أمروا بتقوى الله والالتجاء إليه بقدر طاقهم من صلاة واستغفار ودعاء وصدقة. وأفضل أنواعها فكاك الرقبة، قال تعالى ﴿فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة﴾ وسيأتي في العتق: من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار.\n\nما كشف للنبي - ﷺ - عنه في صلاة الكسوف\n(^٦) وهو أنه - ﷺ - كشف عنه فرأى الجنة والنار رؤية عين معجزة وزيادة إيمان - ﷺ - ولأمته.","vol":"1","page":310},{"text":"فِي مَقَامِكَ (^١) ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ (^٢) فَقَالَ ﷺ: «إِنِّي رَأَيْتُ الجَنَّةَ (^٣) فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا (^٤)، وَلَوْ أَصَبْتُهُ (^٥) لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا (^٦)، وَأُرِيتُ النَّارَ (^٧)، فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَاليَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ (^٨)، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ»، قَالَوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «بِكُفْرِهِنَّ»، قَالُوا: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: «يَكْفُرْنَ العَشِيرَ (^٩) وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ (^١٠) لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كَلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا (^١١) قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَاقَ حَدِيثًا طَوِيلًا إِلَى أَنْ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ (^١٢) إِلا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هذِهِ، لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ (^١٣) وَذلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا (^١٤)، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ المِحْجَنِ (^١٥) يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ (^١٦) كَانَ يَسْرِقُ الحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ فَإِنْ فُطِنَ لَهُ (^١٧) قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي (^١٨) وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا (^١٩) صَاحِبَةَ الهِرَّةِ الَّتِي رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ (^٢٠) حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا (^٢١)، ثُمَّ جِيءَ بِالجَنَّةِ (^٢٢)\n_________\n(^١) وفي رواية: تتناول، أي رأيناك كأنك كنت تقبض على شيء تريد أخذه.\n(^٢) أي تأخرت كالخائف.\n(^٣) مصورة أمامي في عرض هذا الحائط.\n(^٤) من العنب، قبضت عليه أريد أخذه، ولكن لم يقدر لي ذلك.\n(^٥) تمكنت من قطفه.\n(^٦) لما ورد في خواص تمر الجنة من أنه إذا قطفت منه حبة أنبت الله مكانها أخرى، ولأن طعام الجنة لا يفنى.\n(^٧) وفي نسخة: ورأيت النار.\n(^٨) أقبح وأشنع منه، وهو صفة لمنظرا.\n(^٩) الزوج، أي يجحدن نعمه.\n(^١٠) ينكرنه.\n(^١١) لا يوافقها.\n(^١٢) من الإيعاد بالعذاب.\n(^١٣) أمامي فرأيتها.\n(^١٤) لهيبها.\n(^١٥) المحجن كمنبر عصا معوجة الرأس كالصولجان.\n(^١٦) قصب كقفل: أمعاءه التي اندلقت فيها، زيادة عليه في العذاب.\n(^١٧) تنبه المسروق له.\n(^١٨) بغير علم مني، فكان يحتال في سرقة حجاج بيت الله الحرام.\n(^١٩) أي في النار.\n(^٢٠) هوامها.\n(^٢١) ففيه أن تعذيب الحيوان حرام، وسيأتي في الأخلاق إن شاء الله.\n(^٢٢) أمامي حتَّى رأيتها وما فيها.","vol":"1","page":311},{"text":"وَذلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ (^١) حَتَّى قُمْتُ فِي مَقَامِي، وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ بَدَا لِي أَلا أَفْعَلَ، فَمَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ (^٢) إِلا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هذِهِ».\nرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-207>السجود لمطلق الآيات </span>(^٣)\n\n• عَنْ عِكْرِمَةَ ﵁ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَاتَتْ فُلَانَةُ - بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ (^٤) فَخَرَّ سَاجِدًا (^٥) فَقِيلَ لَهُ: تَسْجُدُ هذِه السَّاعَةَ؟ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِ «ذَا رَأَيْتُمْ آيَةً فَاسْجُدُوا (^٦) وَأَيُّ آيَةٍ أَعْظَمُ مِنْ ذِهَابِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ (^٧)» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٨).\n_________\n(^١) الخطوات التي كنت تأخرتها خوفا من النار.\n(^٢) من الوعد بالخير، والخلف فيه كذب ونفاق وفي الإيعاد كرم وحسن أخلاق، قال القائل:\nوإني وإن أوعدته أو وعدته … لمخلف إيعادي ومنجز موعدى\n\nالسجود لمطلق الآيات\n(^٣) أي مندوب لأي آية تقع في الكون من الآيات المخوفة كالكسوف السابق، وكالزلازل والريح الشديدة والظلمة وموت المقربين كما هنا.\n(^٤) هي حفصة أو صفية.\n(^٥) ظاهره أنه سجد فقط.\n(^٦) أي آية، ولكن في الكسوف المراد بالسجود الصلاة، ويمكن حمل السجود على الصلاة وهو أكمل، الحديث: كان النَّبِيّ - ﷺ - إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، والمراد الالتجاء إلى الله تعالى عند كل آية تقع في الكون بصلاة أو غيرها ليدركنا بواسع رحمته.\n(^٧) لأنهن مباركات فبحياتهن يدفع العذاب عن الناس، وبذهابهن يخاف على العباد كما ورد: إذا أراد الله بأهل الأرض عذابا نظر إلى أهل المساجد فرحمهم. ولما يأتي في الاستسقاء: وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم.\n(^٨) بسند حسن. ولكن أبو داود هنا، والترمذي في الفضائل.","vol":"1","page":312},{"text":"<span data-type='title' id=toc-208>صلاة الاستسقاء </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ (^٢) ﴿فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ (^٣) ﴿فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ (^٤).\n\n• عَنْ إِسْحَاقَ ﵁ قَالَ: أَرْسَلَنِي الوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ وَهُوَ أَمِيرُ المَدِينَةِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الاسْتِسْقَاءِ فَقَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَبَذِّلًا (^٥) مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا حَتَّى أَتَى المُصَلَّى، فَرَقِيَ المِنْبَرَ، فَلَمْ يَخْطُبْ خُطَبَكُمْ هذِهِ، وَلكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ، ثُمَّ صَلَى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي العِيدِ (^٦). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٧).\nوَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الأَنْصَارِيُّ (^٨) وَمَعَهُ البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ\n_________\nصلاة الاستسقاء\n(^١) هو الدعاء لطلب السقيا، وهي الماء الذي تأخر مجيئه كعادته مطرة أو نهرا أو غيرها واضطروا إليه. والاستسقاء ثلاثة أنواع: أدناها الدعاء مطلقا فرادى أو جماعة، وأوسطها الدعاء خلف الصلوات ولو نافلة، وأفضلها أن تكون بصلاة ركعتين وخطبتين العيد، وتعاد الصلاة حتَّى يجي الماء. وهي سنة باتفاق.\n(^٢) طلب لهم من الله السقيا وقد عطشوا بأرض التيه.\n(^٣) وهو الذي فرّ بثوبه وهو رخام خفيف مربع كرأس الرجل.\n(^٤) فضربه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا بعدد الأسباط الذين معه.\n(^٥) في ثياب الخدمة لأنَّهُ أدعى للذل والانكسار، وقوله: حتَّى أتى المصلى: خارج المدينة على ألف ذراع من المسجد النبوي، فينبغي الخروج إلى الصحراء لصلاة الاستسقاء؛ لأنَّهُ أوسع للناس الذين يخرجون كلهم حتَّى النساء والأطفال والشيوخ حتَّى الحيوانات، فإن ذلك أقرب للرأفة والرحمة لحديث أبي يعلى والبزار: مهلًا عن الله مهلا، فإنه لولا شباب خشع وبهائم رتع وأطفال رضع لصب عليكم العذاب صبا، وفي رواية: لولا عباد لله ركع، ولأبي نعيم: ما من يوم إلا وينادى مناد: مهلا أيها الناس مهلا فإن لله سطوات، ولولا رجال خشع وصبيان رضع ودواب رتع لصب عليكم العذاب صبا ثم رضضتم به رضا.\n(^٦) كصلاة العيد في الجهر والتكبير في الركعة الأولى سبعا وفي الثانية خمسًا. وعليه زيد بن علي وعمر بن عبد العزيز وابن جرير والشافعية والحنابلة، وقال المالكية والحنفية: إنه لا تكبير فيها.\n(^٧) بسند صحيح وللدارقطني عن ابن عباس: إنه يكبر فيهما سبعًا وخمسًا كالعيد ويقرأ فيها بسبح اسم ربك، وهل أتاك.\n(^٨) إلى الصحراء للاستسقاء سنة ٦٤ أربع وستين، وكان أميرًا على الكوفة من جهة ابن الزبير.","vol":"1","page":313},{"text":"وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ﵃ فَاسْتَسْقَى فَقَامَ لَهُمْ عَلَى رِجْلَيْهِ (^١) عَلَى غَيْرِ مِنْبَرٍ فَاسْتَغْفَرَ (^٢)، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ بِالقِرَاءَةِ، وَلَمْ يُؤَذِّن وَلَمْ يُقِمْ (^٣). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي قَالَ: «فَحَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ (^٤)، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ (^٥)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلا فِي الاسْتِسْقَاءِ (^٦) حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ (^٧). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-209>نص خطبة في الاستسقاء</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: شَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُحُوطَ المَطَرِ (^٨)، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ فِي المُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، قَالَتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ\n_________\n(^١) عبد الله.\n(^٢) ودعا وتضرع إلى الله أن ينزل المطر.\n(^٣) كصلاة العيد والكسوف ولكن ينبغي إنهاضهم إلى الصلاة بقول أحدهم أو المؤذن: الصلاة جامعة.\n(^٤) في أثناء الخطبة.\n(^٥) ظاهره وما قبله وما بعده أن الصلاة بعد الخطبة، وعليه الليث وسفيان الثوري وابن بطال؛ ولكن الجمهور على أن الصلاة قبلها كالعميد لحديث أحمد والبيهقي وابن ماجه: خرج نبي الله - ﷺ - يومًا يستسقى، فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا ودعا الله - ﷿ -. وأجابوا عن أحاديث الكتاب بأن تم فيها الترتيب في الإخبار فقط، ومع ذلك فتقديم الصلاة وتأخيرها جاز، ولو قيل إن النَّبِيّ - ﷺ - فعل هذا مرة وذاك أخرى لم يبعد، وقوله: حول رداءه أي جعل الطرف الأيمن على عاتقه الأيسر وبالعكس بعد قلبه الذي يأتي في حديث نص الخطبة، وحكمته تغير الحال من القحط إلى الرخاء بإنزال المطر، فهو سنة وعليه كل العلماء.\n(^٦) لما له من الأهمية فإن عليه حياة الأراضي والنفوس.\n(^٧) بكسر فسكون ليظهر تمام الرفع. وفي رواية: وكان يشير بظهر كفيه إلى السماء في طلب رفع المكروه كقوله: اللهم ارفع عنا البلاء. فيندب جعل بطن الكفين إلى السماء في طلب الخير وظهرهما إلى السماء في رفع الشر، وسيأتي أدب الدعاء مستوفيا في كتاب الدعاء إن شاء الله.\n\nنص خطبة في الاستسقاء\n(^٨) قحوط مصدر، أي احتباسه.","vol":"1","page":314},{"text":"حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ (^١) فَقَعَدَ عَلَى المِنْبَرِ فَكَبَّرَ (^٢) وَحَمِدَ اللَّهَ ﷿، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ (^٣) وَاسْتِيخَارَ المَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ (^٤)، وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ﷿ أَنْ تَدْعُوهُ وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ» ثُمَّ قَالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِك يَوْمِ الدِّينِ، لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلهَ إِلا أَنْتَ الغَنِيُّ وَنَحْنُ الفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الغَيْثَ (^٥) وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ»، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ (^٦) فَلَمْ يَزَلْ فِي الرَّفْعِ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اللَّهُ سَحَابَةً فَرَعَدَتْ وَبَرَقَتْ (^٧)، ثُمَّ أَمْطَرَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَلَمْ يَأَتِ (^٨) مَسْجِدَهُ حَتَّى سَالَتِ السُّيُولُ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ سُرْعَتَهُمْ إِلَى الكِنِّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ (^٩) فَقَالَ: «أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ (^١٠) رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n_________\n(^١) فيه ندب الخروج لها حينئذ، ولأصحاب السنن: صنع النَّبِيّ - ﷺ - في الاستسقاء كما صنع في العيد فهي كالعيد في تقديمها على الخطبة وعددها وتكبيرها إلا أنها لا وقت لها معين، ولكن لا تصلى في وقت الكراهة وأولى قريبا من الضحى كالعيد.\n(^٢) كتكبير خطبة العيد.\n(^٣) قحطها.\n(^٤) واستيخار أي تأخر، وإيان بكسر فتشديد أي وقت.\n(^٥) المطر الذي يغيث العباد.\n(^٦) يدعو ويضرع إلى ربه.\n(^٧) بفتح الراء فيهما، أي معها رعد وبرق.\n(^٨) أي النَّبِيّ - ﷺ -.\n(^٩) سرورًا بإجابة دعوته، وعجبًا منهم حيث طلبوا الغيث، فلما نزل هربوا منه.\n(^١٠) حقا يجيب دعوتي ويفرج كربتي سريعا. ولأبي داود: كان النَّبِيّ - ﷺ - إذا استسقي قال: اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت، والمطلوب التضرع إلى الله تعالى في نزول المطر بأي أسلوب كان من الإمام، ومن القوم، وعمل كل خير من استغفار، وصدقة، ومصالحة أعداء، وصيام ثلاثة أيام قبل خروجهم، فذلك أرجى للقبول.","vol":"1","page":315},{"text":"<span data-type='title' id=toc-210>يجيب الإمام طلب الناس في الاستسقاء </span>(^١)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ المَوَاشِي (^٢) وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ (^٣)، فَادْعُ اللَّهَ (^٤) فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا اللَّهُمَّ أَغِثْنَا اللَّهُمَّ أَغِثْنَا»، فَمُطِرُوا مِنْ جُمُعَةِ إِلَى جُمُعَةٍ (^٥) فَجاءَ رَجُلٌ (^٦) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ (^٧)، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُل (^٨)، وَهَلَكَتِ المَوَاشِي (^٩)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^١٠): «اللَّهُمَّ عَلَى رُؤُوسِ الجِبَالِ وَالآكَامِ (^١١)، وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ». وَفِي رِوَايَةٍ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا»، فَانْجَابَتْ عَنِ المَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ (^١٢) فَجَعَلَتْ تُمْطِرُ حَوْلَهَا وَلَا تُمْطِرُ بِهَا قَطْرَةً، فَنَظَرْتُ إِلَى المَدِينَةِ وَإِنَّهَا لَفِي مِثْلِ الإِكْلِيلِ (^١٣). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-211>ما يقال عند المطر والريح</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى المَطَرَ قَالَ: «اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا (^١٤)» رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ صَيِّبًا نَافِعًا». وَتَمَثَّلَ ابْنُ عُمَرَ بِشِعْرِ\n_________\nيجيب الإمام طلب الناس في الاستسقاء\n(^١) اقتداء بالنبي - ﷺ -.\n(^٢) جمع ماشية أي هلكت من قلة الأقوات، لعدم المطر والنبات.\n(^٣) من عدم سير الإبل، لضعفها من قلة الكلأ أو عدمه.\n(^٤) ينزل علينا الغيث.\n(^٥) فنزل المطر في الحال واستمر إلى الجمعة الثانية.\n(^٦) وفي رواية جاء الرجل أو غيره.\n(^٧) من شدة المطر وكثرته.\n(^٨) من تراكم المياه فيها.\n(^٩) من كثرة المطر فيتأخر النبات.\n(^١٠) يطلب من ربه رفع المطر عن المدينة.\n(^١١) بكسر الهمزة، وبفتحها مع المد جمع أكمة وهي ما دون الجبل وفوق الرابية.\n(^١٢) انكشفت السحب عنها.\n(^١٣) أصله ما يحوط الشيء، ويسمى التاج إكليلا لإحاطته بالرأس، أي انحسرت السحب عنها وأحاطت بها كإحاطة التاج بالرأس.\n\nما يقال عند المطر والريح\n(^١٤) صيبًا - كقيما -: أي اجعله نافعًا للأرض ومن فيها.","vol":"1","page":316},{"text":"أَبِي طَالِبٍ (^١) فَقَالَ:\nوَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ (^٢) … ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمةٌ لِلأَرَامِلِ (^٣)\nرَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ (^٤) كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ قَالَ: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤُمِنٌ بِي وَكَافِرٌ (^٥) فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذلِكٌ مُؤُمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالكَوْكَبِ (^٦)، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ (^٧)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَلِمُسْلِمٍ: «أَلَمْ تَرَوْا إِلَى مَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالَ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنَ نِعْمَةٍ إِلا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ يَقُولُونَ: الكَوَاكِبُ وَبِالكَوَاكِبِ (^٨)».\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ (^٩) قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ»، قَالَتْ: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ (^١٠) تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَخَرَجَ وَدَخَلَ\n_________\n(^١) الذي قاله في النَّبِيّ - ﷺ - في قصيدة مائة بيت وعشرة.\n(^٢) أبيض أي هو أبيض، ويستسقي بلفظ المجهول، أي يطلب الغيث بوجهه الكريم.\n(^٣) ثمال: سند، عصمة: ملجأ، الأرامل جمع أرمل: وهي التي لا زوج لها. وقال أبو طالب فيه ذلك مع أنه لم يستسق إلا بالمدينة، وأبو طالب مات قبل الهجرة إليها، لأنه نزل بقريش قحط فقالوا: يا أبا طالب أقحط الوادي وأجدب العيال فهل فاستسق لنا، فأخذ أبو طالب النَّبِيّ - ﷺ - من وسط أغيلمة، وذهب به إلى الكعبة، وألصق ظهره بها، فدعا ربه، فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا، فأغدق الوادي، وأخصب النادي والبادي، فتنبه له أبو طالب فقال فيه ذلك.\n(^٤) إثر بكسر فسكون أي عقب سماء أي مطر؛ لأنَّهُ ينزل منها.\n(^٥) بسبب المطر.\n(^٦) لأنَّهُ لم يعتقد له تأثيرا.\n(^٧) بنوء كضوء: هو الكوكب.\n(^٨) أي الكواكب أمطرتنا، والكواكب جاءنا المطر، فكفروا بنعمة الله؛ لأنهم نسبوا المطر الذي هو خلق الله إلى غيره.\n(^٩) عصفت بفتحتين، أي اشتدت.\n(^١٠) تغيرت بالرياح والظلام.","vol":"1","page":317},{"text":"وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا أَمْطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ (^١). فَعَرَفْتُ ذلِكَ فِي وَجْهِهِ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: «لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ (^٢) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا: هذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-212>يُتبرك بالمطر </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَطَرٌ، قَالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَوْبَهُ (^٤) حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ المَطَرِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ صَنَعْتَ هذَا؟ قَالَ: «لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى (^٥)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-213>يجوز التوسل إلى الله بأحبابه </span>(^٦)\n\n• عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ كَانَ إِذَا قُحِطُوا (^٧) اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ (^٨) فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا (^٩) وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ فَيُسْقَوْنَ (^١٠). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) بلفظ المجهول تهلل وجهه سرورًا.\n(^٢) سيأتي في تفسيرها إن شاء الله.\n\nيتبرك بالمطر\n(^٣) أول مطر في السنة والذي بعد عهده.\n(^٤) عن ذراعيه ورجله وكشف رأسه أيضًا، فيندب ذلك بل والاغتسال والشرب منه.\n(^٥) فهو بركة من الله تعالى ينبغي أن نتبرك بها.\n\nيجوز التوسل إلى الله بأحبابه\n(^٦) التوسل هو التقرب إلى الغير بمن يحبه لأمر ما، والمراد هنا الالتجاء إلى الله تعالى في رفع مكروه أو جلب محبوب، متوسلين بالقربين إليه.\n(^٧) بفتحتين، أو بضم فكسر بلفظ المجهول، أصابهم قحط وجدب من عدم المطر.\n(^٨) عم النَّبِيّ - ﷺ -، فهو من القربي التي أمرنا بمودتها، فيكون عاملا بأمر الله وواصلا لرحم نبي الله، ومتوسلا به إلى الله تعالى.\n(^٩) الغيث.\n(^١٠) بنزول المطر وكان في سنة ١٨ ثماني عشرة، وابتدأ القحط من مصدر الحاج، ودام تسعة أشهر حتَّى استسقى عمر بالناس وتوسل بالعباس، وورد أن العباس تضرع إلى ربه في هذا اليوم فقال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يرفع إلا بتوبة، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث. قال: فنزل الماء كالجبال حتَّى أخصبت الأرض وعاش الناس.","vol":"1","page":318},{"text":"وَقَالَ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ: إِنَّ أَبِي رَأَى لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ (^١) فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلا بِضُعَفَائِكُمْ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ: «إِنَّمَا يَنْصُرُ اللَّهُ هذِهِ الأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا (^٢) بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ (^٣)» وَسَيَأْتِي فِي الجِهَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.\n\n• عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَنِيفٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ البَصَرِ (^٤) أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي (^٥) قَالَ: «إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْشِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قَالَ: فَادْعُهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ (^٦) وَيَدْعُوَ بِهذَا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ (^٧) بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هذِهِ لِتُقْضى لِي اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ (^٨)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (^٩).\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيِّ ﷺ فِي العُمْرَةِ (^١٠) فَأَذِنَ لِي وَقَال (^١١): «لَا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ»\n_________\n(^١) من الضعفاء لما له من عظيم الأعمال في الإسلام.\n(^٢) أي بضعفائها.\n(^٣) بدل مما قبله، وحيث إن الله ينصر الأمة ويرحمها بدعوة الضعفاء وعبادتهم، فينبغي أن نتوسل بهم إلى الله تعالى في دفع الكروه، وجلب المحبوب، فإن الله يكرم العباد لأجلهم.\n(^٤) أي أعمى.\n(^٥) ويرد بصرى عليّ.\n(^٦) ويصلى ركعتين كما في رواية ابن ماجه.\n(^٧) أتوسل إليك.\n(^٨) من التشفيع أي أقبل شفاعته فيّ.\n(^٩) بسند حسن صحيح، فهذه النصوص الصحيحة تفيد أن التوسل إلى الله بالصالحين جائز، بل هو مطلوب في الشدائد، والمشاهد في التقرب إلى الملوك بمن يحبونه يؤيد ذلك، وتقدم في كتاب النية أن أصحاب الغار توسلوا إلى الله بصالح أعمالهم فأجابهم الله، فإذا ثبت التوسل بصالح العمل فأولى وأفضل وأعلى بالصالحين الذين هم مصدر الصالحات كلها، بل هم محل نظر الله في الأرض وفي السماء كما في الحديث القدسي: ما وسعني عرشي ولا فرشي ولا سمائي ولا أرضى، ولكن وسمعني قلب عبدي المؤمن. والإنصاف خير من التشيع للذهب والرجوع للحق فضيلة، ومع هذا فلتحقيق هذا الموضوع مؤلفات خاصة منها مؤلف لصاحب الفضيلة الشيخ محمد حسنين العدوى وكيل الأزهر ومدير المعاهد سابقا، ومنها فتاوى لصاحب الفضيلة الشيخ يوسف الدجوى من كبار العلماء في مجلة نور الإسلام.\n(^١٠) في السفر إلى مكة لعمل عمرة.\n(^١١) حينما أردت الانصراف.","vol":"1","page":319},{"text":"فَقَالَ عُمَرُ: كَلِمَةٌ (^١) مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِيَ بِهَا الدُّنْيَا (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣) وَلَفْظُهُ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي العُمْرَةِ فَقَالَ: «أَيْ أُخَيَّ (^٤) أَشْرِكْنَا فِي دُعَائِكَ وَلَا تَنْسَنَا». وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-214>صلاة الضحى </span>(^٥)\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ مِنَ الضُّحَى (^٦) فَقَالَ: أَمَا لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الفِصَالُ (^٧)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ: بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ (^٨)، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى (^٩)، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ (^١٠). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ.\n_________\n(^١) أي هذه كلمة.\n(^٢) أي لقد سررت بهذه الكلمة أكثر من ملكي للدنيا وما فيها، ويحق له ذلك، فإن النَّبِيّ - ﷺ - الذي هو أفضل الخلق كلهم وأقربهم إلى الله يطلب منه دعوة في الحرم، ذلك شيء عظيم.\n(^٣) بسند حسن صحيح.\n(^٤) أي أخي، وسيأتي في الفضائل حديث مسلم: خير التابعين أويس القرني فمروه فليستغفر لكم. وسيأتي في كتاب الدعاء: إذا دعا الرجل لأخيه المسلم، قال الملك: آمين ولك بمثل. فثبت من هذه أنه يندب طلب الدعاء من الصالح ولو كان مفضولا وتندب الإجابة لما تقدم في العلم: والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، والله أعلم وعلمه أوسع.\n\nصلاة الضحى\n(^٥) أي ما ورد في وقتها وعددها وفضلها، وهي سنة كل يوم: وعليه الجمهور سلفا وخلفا والأئمة الأربعة، وقال بعضهم: لا تندب يوميًا لقول أبي سعيد: كان النَّبِيّ - ﷺ - يصلى الضحى حتَّى نقول لا يدع، ويدعها حتَّى نقول لا يصلى. رواه الترمذي وحسنه.\n(^٦) هم أهل قباء، ذهب زيد بن أرقم عندهم، فرآهم يصلون الضحى حين أشرقت الشمس، فذكر الحديث.\n(^٧) ترمض كتفرح أي تحترق أخفافها من حر الرمضاء، والفصال جمع فصيل، وهو ولد الناقة، فأفضل وقت لصلاة الضحى حين الهاجرة، وإن كان يدخل وقتها من حل النافلة ويستمر إلى الزوال، وفيه أن صلاة الضحى تسمى صلاة الأوابين وصلاة الإشراق.\n(^٨) وهي الأيام البيض، الثالث عشر واللذان بعده.\n(^٩) في كل يوم كرواية أحمد.\n(^١٠) أي على الأربع، فلم تحفظ الزيادة.","vol":"1","page":320},{"text":"• عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ صَلَّى سُبْحَةَ الضُّحَى (^١) ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ. رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُصْبِحُ عَلَى كلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ (^٢) فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ (^٣) مِنْ ذلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكعُهُمَا مِنَ الضُّحَى». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ. وَلَهُمَا: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنَ ابْن آدَمَ صَدَقَةٌ: تَسْلِيمُهُ عَلَى مَنْ لَقِيَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُهُ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيُهُ عَنِ المُنْكَر صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ (^٤)، وَبُضْعُهُ أَهْلَهُ صَدَقَةٌ (^٥)، وَيُجْزِيءُ مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ رَكْعَتَانِ مِنَ الضُّحَى (^٦)».\n\n• عَنْ نُعَيْمِ بْنِ هَمَّار ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: يَا ابْنَ آدَمَ لَا تُعْجِزْنِي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي أَوَّلِ نَهَارِكَ أَكْفِكَ آخِرَهُ (^٧)».\n_________\n(^١) أي نافلته، وورد: من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصرًا من ذهب في الجنة. رواه الترمذي وابن ماجه بسند غريب، فثبت من هذه أن أقلها ركعتان، وأكثرها ثنتا عشرة ركعة، ولكن الجمهور سلفا وخلفا على أن أكثرها ثمان ركعات فقط، فإن زاد عليها عامدًا عالمًا بنية الضحى لم تنعقد صلاة، وقال الحنفية: أكثرها ست عشرة ركعة.\n(^٢) السلامى كحبارى: العظم الصغير جمعها سلاميات، والمراد أعضاء الجسم، وهي ثلاثمائة وستون عضوا، فعلى المسلم أن يتصدق كل يوم بعدد أعضائه شكرا لله على نعمة الحياة من موت النوم، ومن الصدقة التسبيحات ونحوها التي في الحديث.\n(^٣) من أجزأ ويصح من جزى.\n(^٤) وإزالة الأذى عن الطريق كشوك وحجر صدقة، لما فيه من دفع الأذى عن الناس.\n(^٥) البضع بالضم الجماع، أي ووطء أهله صدقة إن كان بنية الإعفاف أو بنية الولد، وهذا أعظم، ولا مانع منهما.\n(^٦) أي ويكفي عن هذه الصدقات صلاة الضحى، ففي الصلاة حركة لكل عضو في طاعة الله، فقام مقام شكره.\n(^٧) لا تعجزني من أعجزه الأمر إذا فاته، أي لا تنسنى، ويطلق النهار لغة على ما بين طلوع الشمس وغروبها، وإن كان المشهور من الفجر، وعلى الأمرين فالمراد بالركعات =","vol":"1","page":321},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ (^١). وَلَفْظُهُ: «ابْنَ آدَمَ ارْكَعْ لِي مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَكْفِكَ آخِرَهُ».\n\n• عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنسٍ الجُهَنِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَعَدَ فَي مُصَلاهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى يُسَبِّحَ رَكْعَتَيِ الضُّحَى لَا يَقُولُ إِلا خَيْرًا غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ (^٢) وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ البَحْرِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣). وَلَفْظُهُ: «مَنْ صَلَّى الغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرِ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّةً تَامَّةً (^٤)».\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ (^٥) فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الحَاجِّ المُحْرِمِ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى لَا يُنْصِبُهُ إِلا إِيَّاهُ (^٦) فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ المُعْتَمِرِ، وَصَلَاةٌ عَلَى إِثْرِ صَلَاةٍ (^٧) لَا لَغْوٌ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِي عِلِّيِّينَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٨).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَافَظَ عَلَى شُفْعَةِ الضُّحَى (^٩) غُفِرَ لَهُ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-215>سنة الزوال</span>\n• عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ لَيْسَ فِيهِنَّ تَسْلِيمٌ (^١٠)\n_________\n= الأربع صلاة الضحى، فمن صلى صلاة الضحى بقى محفوظًا طول يومه كحديث: فمن صلى الصبح فهو في ذمة الله تعالى.\n(^١) بسند حسن.\n(^٢) الصغائر لما تقدم في فضل الصلاة» الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر».\n(^٣) بسند حسن.\n(^٤) حال من حجة وعمرة أي تامة كل منهما.\n(^٥) مفروضة.\n(^٦) أي لا يخرجه إلا إياه.\n(^٧) أي وصلاة عقب صلاة تتصل بها، سواء كانتا فرضين كالمغرب والعشاء، أو فرضا وسنة كالصبح والضحى بغير كلام باطل بينهما. كتاب في عليين: أي يكتب ذلك في عليين الذي هو كتاب مرقوم يشهده المقربون.\n(^٨) بسند صالح.\n(^٩) أي صلاتها، فمن داوم عليها غفرت ذنوبه وإن عظمت، وهذا ترغيب، ففيه كالحديث الثاني طاب المداومة عليها، وهو يشهد للجمهور. والله أعلم.\n\nسنة الزوال\n(^١٠) بل بتشهد في آخرها؛ فتستحب صلاة أربع ركعات بنية سنة الزوال عقبه، وهي غير سنة الظهر.","vol":"1","page":322},{"text":"تُفْتَحُ لَهُنَّ أَبْوَابُ السَّمَاءِ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢). وَلَفْظُهُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي أَرْبعًا بَعْدَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ وَقَالَ: «إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ». وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-216>صلاة الليل وفضلها </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ (^٤) ﴿نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ (^٦) كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ (^٧)». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَة حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ (^٨) فَيَقُولُ:\n_________\n(^١) كناية عن سرعة الوصول وحسن القبول.\n(^٢) بسند حسن وللترمذي أيضًا في تفسير سورة النحل: أربع قبل الظهر بعد الزوال تحسب بمثلهن في صلاة السحر، وليس من شيء إلا ويسبح الله تلك الساعة ثم قرأ ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾.\n\nصلاة الليل وفضلها\n(^٣) وهي النافلة الزائدة عن الرواتب التي تصلى ليلا، وتسمى تهجدًا إن كانت بعد نوم، وتسمى قيامًا. وكان واجبًا بقوله تعالى ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ فنسخ بالآية التي بعدها ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾. وقال ابن عباس: لما نزل أول المزمل كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان حتَّى نزل آخرها وكان بين أولها وآخرها سنة. رواه أبو داود ومسلم.\n(^٤) أي صل فيه تهجدًا، والأمر للندب لنسخ وجوبه.\n(^٥) هو مقام الشفاعة العظمى.\n(^٦) أي يتجلى على عباده تجليًا خاصا ويجيب الداعين، وإلا فالنزول وهو الهبوط إلى أسفل محال عليه تعالى.\n(^٧) فالدعاء في آخر الليل مجاب، والدعاء والسؤال والاستغفار ألفاظ متقاربة.\n(^٨) صفة لثلث، وفي رواية: إذا مضى شطر الليل ينزل الرب ﵎. ويجمع بين هذه النصوص بأن النزول يبتدئ من الثلث أو يتفاوت بتفاوت الليالي.","vol":"1","page":323},{"text":"أَنَا المَلِكُ أَنَا المَلِكُ مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَه، فَلَا يَزَالُ كَذلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الفَجْرُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَلِمُسْلِمٍ: «إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً (^١) لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَذلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ المُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَلاةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ (^٢)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ (^٣) رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ (^٤)، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ (^٥)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَقِيلَ مَا زَالَ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ (^٦) فَقَالَ: «بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ (^٧)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنِ المُغِيرَةِ ﵁ قَالَ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيَقُومُ لِيُصَلِّيَ حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ أَوْ سَاقَاهُ (^٨)،\n_________\n(^١) غير معلومة، فينبغى التربص لها في النصف الأخير؛ لأنه وقت التجلى وإن كان يحتمل وجودها في الأول.\n(^٢) فينبغى الإكثار من الصلاة والذكر والدعاء في آخر الليل، فإن العبادة فيه مشهودة وكثيرة الثواب، لوقوعها في الهدوء ولبعدها عن الرياء، ولأن الخلق نيام والله تعالى لا ينام، فللعباد من هذا شأن عظيم، قال تعالى - ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ -.\n(^٣) مؤخره، وخص مؤخر الرأس لأنه محل تصرف الواهمة، وهى أطوع القوى للشيطان وأسرعها له إجابة، والعقد كناية عن شيء يعمله كعقد الحبل يثبط عن القيام لطاعة الله.\n(^٤) يضرب، أي بيده قائلا: باق عليك ليل طويل فارقد.\n(^٥) فمن ذكر الله عقب نومه زال كسله، وإلا بقى كسلان.\n(^٦) في وقتها.\n(^٧) أي حقيقة؛ لأنه ثبت أنه يأكل ويشرب وينكح أو المراد صنع به ما ثبطه عن القيام فهزأ به. فكثرة النوم من الشيطان، وقد تكون من كثرة الأكل، وهى مذمومة بكل حال؛ لأنها تفوت خيرًا كثيرا.\n(^٨) إن بكسر الهمزة وسكون النون، وقوله ليقوم بلام التأكيد، وقوله ترم بالنصب والرفع، أي يظهر الورم فيهما من طول قيام الليل.","vol":"1","page":324},{"text":"فَيُقَالُ لَهُ (^١)، فَيَقُولُ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟ (^٢)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ فَقِيلَ لَهُ: تَتَكَلَّفُ هذَا وَقَدْ غَفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكورًا؟».\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ؟ مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الخَزَائِنَ (^٣)؟ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ (^٤)؟ يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ (^٥)». رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ (^٦) وَيَقُومُ ثُلُثَهُ (^٧)، وَيَنَامُ سُدُسَهُ (^٨)، وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ عَلِيًّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ لَيْلَةً (^٩) فَقَالَ: «أَلا تُصَلِّيَانِ». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنا (^١٠) فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْتُ ذلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُولَ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَيَقُولُ: «وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (^١١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيَا جَمِيعًا كُتِبَا فِي الذَّاكِرِينَ وَالذَّاكِرَاتِ (^١٢)».\n_________\n(^١) لم تتعب نفسك وقد غفر لك؟\n(^٢) أفلا، فيه محذوف أي أأترك تهجدى لما غفر لى فلا أكون شاكرا لربى وقد خصنى بالخير الكثير، بل حالى يقضى على بأن أكون عبدًا شكورًا لربى؛ لأنى رسول الله إلى الناس وقدوة حسنة لهم.\n(^٣) من فضل الله ورحمته على عباده.\n(^٤) أمهات المؤمنين لعبادة الله تعالى.\n(^٥) أي رب نفس كاسية في الدنيا بأنواع الملابس، عارية في الآخرة عن صالح العمل. وسيأتى في كتاب الفتن.\n(^٦) لراحة بدنه.\n(^٧) للعبادة.\n(^٨) ليستريح بقية الليل.\n(^٩) أي أتاهما ليلة فوجدها نائمين.\n(^١٠) أي أيقظنا الصلاة.\n(^١١) أي فغضب النبي - ﷺ - ورجع وهو يتلو الآية، عجبًا من رد عليٍّ عليه. وفقه ما تقدم التحذير من كثرة النوم والكسل عن قيام الليل والإهمال فيه، فإن الليل وقت التجليات والنفحات الإلهية.\n(^١٢) قال تعالى - ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ -.","vol":"1","page":325},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا المَاءِ رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ المَاءَ (^١)». رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ (^٢) وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ وَمَنْهَاةٌ لِلإِثْمِ».\nوَفِي رِوَايَةٍ: «وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الجَسَدِ (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَالحَاكِمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-217>عدد صلاة الليل وكيفيتها </span>(^٤)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ (^٥) فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ (^٦)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ قَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى (^٧)، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ\n_________\n(^١) ففيه جواز نضح الماء في الوجه لقيام الليل؛ بل هو مطلوب للترحم على فاعله مبادرة إلى فعل الخير العظيم.\n(^٢) عادتهم وطريقهم.\n(^٣) مكفرة ومنهاة ومطردة: بفتح أولها وسكون ثانيها، فقيام الليل عادة الصالحين قديما، ويكفر الذنب وينهى عن الإثم ويصحح الجسم ويقرب إلى الله تعالى. ولأحمد وابن حبان والطبرانى: عجب ربنا من رجلين: رجل ثار من وطائه ولحافه من بين حِبه وأهله إلى صلاته فيقول الله: انظروا إلى عبدى ثار من وطائه وفراشه من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندى وشفقة مما عندى. ولابن ماجه: إن الله ليضحك إلى ثلاثة: للصف في الصلاة، وللرجل يصلى في جوف الليل، وللرجل يقاتل الكتيبة. ففى قيام الليل خير الدنيا وسعادة الآخرة.\n\nعدد صلاة الليل وكيفيتها\n(^٤) أي ما ورد فيهما، وصلاة الليل أقلها ركعة لحديث الطبراني وأحمد:» عليكم بقيام الليل ولو ركعة واحدة» ولا حد لأكثرها. لحديث الطبراني: الصلاة خير موضوع فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر.\n(^٥) يتهجد.\n(^٦) لينشط لما بعدهما.\n(^٧) اثنتين اثنتين أي يسلم من كل ركعتين وهذا أفضل، وعليه مالك وأحمد وأصحاب أبى حنيفة. بخلاف النهار فالأفضل أربع أربع، وقال الشافعي: مثنى مثنى أفضل ليلا ونهارًا. لحديث أبى داود: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى. وسئل البخارى عنه فقال=","vol":"1","page":326},{"text":"فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ (^١)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\nوَسئِلَتْ عَائِشَةُ ﵂ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّيْلِ (^٢) فَقَالَتْ: سَبْعٌ (^٣) وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ (^٤) سِوَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ. رَوَاهُ البُخَارِيَّ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا الوِتْرُ وَرَكْعَتَا الفَجْرِ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ ﵁ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ (^٦)؟ فَقَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَنْ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا (^٧)، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا (^٨) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ (^٩)؟ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنِيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» رَوَاهُمَا الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِي ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَأَرْمُقَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللَّيْلَةَ (^١٠). وَفِي رِوَايَةٍ: فَتَوَسَّدْتُ عَتَبَتَهُ (^١١) أَوْ فُسْطَاطَهُ (^١٢) فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ (^١٣) ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ\n_________\n= صحيح، والأفضل عند أبى حنيفة أربع أربع ليلا ونهارًا، لحديث عائشة الآتى: يصلى أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن.\n(^١) سبق الكلام على الوتر عقب الرواتب وإن كان الوتر يجتمع بصلاة الليل إذا أخره وإذا قدمه كانت صلاة الليل تهجدا وقياما.\n(^٢) أي عن عددها.\n(^٣) تارة.\n(^٤) تارة أخرى بحسب اتساع الوقت وضيقه وطروء العذر وعدمه.\n(^٥) ثلاث ركعات فيكون الباقى لصلاة الليل عشر ركعات وبركعة الوتر إحدى عشرة كالذى قبله.\n(^٦) أي ما عددها وصفتها.\n(^٧) بتسليمة واحدة.\n(^٨) موصولة بسلام واحد وهى الوتر.\n(^٩) ظاهره أنه كان أحيانًا ينام بين صلاة الليل وبين الوتر الذي يجعله آخر صلاة الليل، ولعله استراحة خفيفة.\n(^١٠) لأطيلن النظر إليها.\n(^١١) وضعت رأسى عليها.\n(^١٢) شك.\n(^١٣) تأكيد للطول والحسن كحديث عائشة الذي قبله وفيه أن الأفضل في صلاة الليل طول القيام والسجود، ويؤيده ما تقدم: أفضل الصلاة طول القنوت. وقيل الأفضل كثرة الركوع والسجود لحديث ثوبان عند مسلم: أفضل الأعمال كثرة الركوع والسجود.","vol":"1","page":327},{"text":"اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ثُمَّ أَوْتَرَ (^١) فَذلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً (^٢). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-218>صلاة الليل بين الجهر والإسراء </span>(^٣)\n• عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ لَيْلَةً فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ يُصَلِّي يَخْفِضُ مِنْ صَوْتِهِ قَالَ وَمَرَّ بِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ وَهُوَ يُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَهُ قَالَ فَلَمَّا اجْتَمَعَا (^٤) عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي تَخْفِضُ صَوْتَكَ» قَالَ: قَدْ أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ (^٥) يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَالَ لِعُمَرَ: «مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَكَ» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوقِظُ الوَسْنَانَ (^٦) وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا أَبَا بَكْرٍ ارْفَعْ صَوْتَكَ شَيْئًا (^٧)» وَقَالَ لِعُمَرَ: «اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا (^٨)» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٩) وَالتِّرْمِذِيُّ (^١٠).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ﵁ قُلْتُ لِعَائِشَةَ: كَيْفَ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ أَكَانَ يُسِرُّ بِالقِرَاءَةِ أَمْ يَجْهَرُ؟ فَقَالَتْ: كُلُّ ذلِكَ قَدْ كَانَ يَفْعَلُ، رُبَّمَا أَسَرَّ وَرُبَّمَا جَهَرَ فَقُلْتُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١١).\n_________\n(^١) أي بركعة.\n(^٢) بالركعتين الخفيفتين اللتين ابتدأ بهما، ولا ينافى ما تقدم فإن صلاة الليل لا نهاية لها وإن كانت عائشة لم تره يصلى أكثر من ثلاث عشرة ركعة بالوتر وركعتى الفجر وهنا سلم من كل ركعتين وما قبله كان يسلم من أربع إشارة إلى جوازهما، فمن يصلى نافلة فله السلام من كل ركعتين ومن ثلاث ومن أربع ومن أكثر، كما له صلاة عدد كثير من الركعات بسلام واحد في آخرها.\n\nصلاة الليل بين الجهر والإسرار\n(^٣) فيجهر تارة ويسر أخرى، قال الله تعالى ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.\n(^٤) أبو بكر وعمر ﵄.\n(^٥) وهو ربى فإنه يسمع السر وأخفى فلا حاجة إلى الجهر.\n(^٦) النائم.\n(^٧) قليلا واجعل للعباد من صلاتك نصيبا.\n(^٨) واجعل لك من مناجاة ربك نصيبا.\n(^٩) وفى رواية له: كلكم قد أصاب.\n(^١٠) بسند غريب ولكن الآية تؤيده.\n(^١١) وسبق لأصحاب السنن في الغسل من الجنابة.","vol":"1","page":328},{"text":"<span data-type='title' id=toc-219>القراءة والدعاء في الليل</span>\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ (^١): «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ (^٢)، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ (^٣)، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ الحَقُّ (^٤) وَوَعْدُكَ الحَقُّ وَلِقَائُكَ حَقٌّ (^٥) وَقَوْلُكَ حَقٌّ وَالجَنَّةُ حَقٌّ (^٦) وَالنَّارُ حَقٌّ وَالنَّبِيُّونِ حَقٌّ وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ (^٧) وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ (^٨) وَبِكَ خَاصَمْتُ (^٩) وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ (^١٠) فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ لَا إِلهِ إِلا أَنْتَ (^١١) وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَيْقَظَ (^١٢) فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ وَهُوَ يَقُولُ (^١٣): ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ فَقَرَأَ هؤُلاءِ الآيَاتِ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَطَالَ فِيهِمَا القِيَامَ وَالرَّكُوعَ وَالسُّجُودَ (^١٤). وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا (^١٥)، وَفِي لِسَانِي نُورًا (^١٦)، وَفِي سَمْعِي نُورًا (^١٧)،\n_________\nالقراءة والدعاء في الليل\n(^١) بعد استيقاظه وقبل تلبسه بالصلاة.\n(^٢) القيم والقيام والقيوم. هو القائم بتدبير خلقه.\n(^٣) منورهما.\n(^٤) واجب الوجود، من حق الشئ ثبت ووجب.\n(^٥) رؤيتك في الآخرة حق.\n(^٦) ثابتة موجودة.\n(^٧) انقدت لأمرك.\n(^٨) رجعت بكليتى إليك.\n(^٩) بما آتيتنى من الحجج خاصمت المعاندين وغلبتهم.\n(^١٠) رفعت إليك من يجحد الحق وجعلتك حكما بينى وبينهم.\n(^١١) وفى لفظ: لا إله غيرك.\n(^١٢) النبي - ﷺ -.\n(^١٣) قبل تلبسه بالصلاة.\n(^١٤) لم أظفر بما كان يقرأ به النبي - ﷺ - في صلاة الليل إلا ما سبق في الوتر من أنه كان يقرأ في الأولى بسبح اسم ربك الأعلى، وفى الثانية بقل يا أيها الكافرون، وفى الثالثة بالإخلاص والمعوذتين.\n(^١٥) فلا يخطر به إلا حق ولا يصمم إلا عليه.\n(^١٦) فلا يقول إلا حقا.\n(^١٧) فلا يصغى إلا إلى حق.","vol":"1","page":329},{"text":"وَفِي بَصَرِي نُورًا (^١)، وَمِنْ فَوْقِي نُورًا، وَمِنْ تَحْتِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ شِمَالِي نُورًا، وَمِنْ بَيْنِ يَدَيَّ نُورًا، وَمِنْ خَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي نَفْسِي نُورًا، وَأَعْظِمْ لِي نُورًا (^٢)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-220>تُقضى الصلوات المسنونة كما تجوز من قعود </span>(^٣)\n\n• عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ (^٤) أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَامَ عَنِ الوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٥).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ (^٦) وَكَانَ إِذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ (^٧)، أَوْ مَرِضَ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً (^٨)، قَالَتْ: وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ وَمَا صَامَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا إِلا رَمَضَانَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَرُئِيَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بَعْدَ العَصْرِ فَسُئِلَ فَقَالَ: «أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا فَاتَتْهُ الأَرْبَعُ قَبْلَ الظُّهْرِ صَلاهُنَّ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.\n_________\n(^١) فلا يبصر إلا حقا.\n(^٢) حتى يعمنى من كل جهة ويملأ جسمى ظاهرًا وباطنًا.\n\nتقضى الصلوات المسنونة كما تجوز من قعود\n(^٣) المراد بها النوافل المؤقتة، مستقلة كانت العيدين والضحى، أو تابعة للفرائض كالرواتب والوتر بخلاف النفل المطلق فلا قضاء فيه، وبخلاف السنن التى لها سبب كالكسوف والاستسقاء، فلا تقضى إذا فات سببها.\n(^٤) الحزب - بالكسر والزاى - ما يرتبه الإنسان على نفسه ليلا كصلاة أو قرآن.\n(^٥) بسند صالح.\n(^٦) أي داوم عليه.\n(^٧) أي في الليل.\n(^٨) أي كان إذا نام عن وتره قضاه نهارًا ثنتى عشرة ركعة.","vol":"1","page":330},{"text":"وَلِلتِّرْمِذِيِّ: «مَنْ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ فَلْيُصَلِّهِمَا بَعْدَمَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ (^١)».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ (^٢)». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنَ ﵁ وَكَانَ رَجُلًا مَبْسُورًا (^٣) قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَاعِدٌ (^٤)، فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا (^٥) فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ (^٦)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\nوَسُئِلَتْ عَائِشَةُ ﵂ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّيْلِ فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا وَلَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا (^٧) وَكَانَ إِذَا قَرَأَ قَائِمًا رَكَعَ قَائِمًا، وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ قَاعِدًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا بَدَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ\n_________\n(^١) وتقدم في عذر الصلاة أن النبي - ﷺ - صلى سنة الصبح بعد الشمس وهم في السفر، ففى هذه النصوص قضاء الوتر والرواتب إذا فات وقتها، وعليه الإمام أحمد: وقيل إنهما نافلة ذات وقت، فيقاس عليهما ما في معناها كالعيد والضحى، فيندب قضاء كل نفل ذى وقت، وعليه الشافعي وجماعة، وقال المالكية والحنفية: لا قضاء لشئ من النوافل إلا ركعتى الصبح بعد حل النافلة إلى الزوال. ومن تلبس بنفل ثم أفسده لا يجب عليه قضاؤه لأنه لا يتعين بالشروع فيه، وعليه الشافعية والحنابلة، وقال المالكية والحنفية: يجب قضاؤه لتعينه بالشروع فيه لقوله تعالى - ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ - إلى هنا الشق الأول من الترجمة وما يأتى في جواز النوافل من قعود مع القدرة على القيام تخفيفًا على الناس، قال تعالى - ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ -.\n(^٢) وسببه أن النبي - ﷺ - رأى حبلًا معلقًا فسأل عنه فقالوا: زينب أو حمنة بنت جحش تصلى فإذا كسلت تعلقت به؟ فقال: حلوه ثم قال: يتنفل أحدكم ما دام في نشاط فإذا فتر أو كسل فليصل من قعود.\n(^٣) مريضًا بالبواسير.\n(^٤) في النوافل مع قدرته على القيام كما قاله كثيرون لقوله: فله نصف أجر القائم. بخلاف المريض والسقيم فإن أجرهما كامل ولو صليا من قعود. وقال بعضهم: إنه سؤال عن القيام في الفرض مع مشقة.\n(^٥) أي مضطجعًا وعلى الجنب الأول أفضل، ومن صلى قاعدًا أو مضطجعًا فإنه يركع ويسجد على قدر طاقته.\n(^٦) أما من صلى قاعدًا أو مضطجعًا لمرض فإن ثوابه لا ينقص لحديث البخاري الآتي في الجنائز:» إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل صحيحا مقيما» فإذا كتب له من غير عمل فأولى مع العمل الميسور.\n(^٧) أي أحيانًا، وثوابه لا ينقص عن القيام.","vol":"1","page":331},{"text":"وَثَقُلَ كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ جَالِسًا (^١). وَفِي رِوَايَةٍ: لَمْ يَمُتْ حَتَّى كَانَ كَثِيرٌ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ (^٢). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-221>النوافل في البيت أفضل </span>(^٣)\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلا الصَّلَاةَ المَكْتُوَبَةَ (^٤)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَضى أَحَدُكُمْ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًَا (^٥)».\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ البَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالبَيْتِ (^٦) الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ (^٧)» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجِدِي هذَا (^٨) إِلا المَكْتُوبَةَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ العِرَاقِيُّ.\n_________\n(^١) أي لما صار بدينًا سمينًا وثقل جسمه باللحم كان أكثر صلاته جالسا.\n(^٢) ففى هذه النصوص جواز النافلة من قعود رحمة بعباد الله، والله أعلم.\n\nالنوافل في البيت أفضل\n(^٣) فصلاة النوافل كلها في البيت أفضل لأنه أبعد عن الرياء، وأرجى للقبول، ولتحصل بركتها في البيت، وليحفظ من الشياطين لحديث مسلم:» إن الشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة» إلا النوافل التى معها خطبة وفيها شعار للإسلام كالعيدين والكسوف والاستسقاء والتراويح في رمضان.\n(^٤) فإنها في المسجد أفضل للجماعة وللسعى لها ذهابًا وإيابا.\n(^٥) بركة ورحمة.\n(^٦) بالجر عطفا على البيت الأول.\n(^٧) فالبيت الذي يقع فيه أي ذكر كان مثل الحي، وغيره مثل الميت، فالبيت يشرف ويعلو شأنه بالذكر، والبقعة تشهد للعابد فيها كما تشهد على العاصى فيها.\n(^٨) أي مسجده - ﷺ -، ومثله المسجد الحرام والمسجد الأقصى، فالنفل في البيت أفضل من المسجد ولو كان فاضلا، والله أعلم.","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type='title' id=toc-222>صلاة الاستخارة </span>(^١)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا (^٢) كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ يَقُولُ: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ (^٣) فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ (^٤) ثُمَّ ليَقُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فضْلِكَ العَظِيمِ (^٥) فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هذَا الأَمْرَ (^٦) خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ (^٧) قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِيِ وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ» قَالَ: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ (^٨). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\n_________\nصلاة الاستخارة\n(^١) أي صلاة طلب خير الأمرين، وهى مستحبة عند كل أمر هام كالاستشارة قال تعالى - ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ - ولكنها لا تصلى في وقت الكراهة.\n(^٢) أي المباحة كنكاح وتجارة وسفر، أما الأمر الواجب والمندوب فلا استخارة فيه لأنهما مطلوبان، وكذا المحرم والمكروه لأنهما متروكان.\n(^٣) الذي يريده.\n(^٤) أي فليصل ركعتين بنية الاستخارة ويقرأ سورة الكافرون في الأولى والإخلاص في الثانية، ويحسن قراءة: وربك يخلق ما يشاء ويختار إلى يعلنون في الأولى بعد الكافرون، وفى الثانية - ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ -. الآية بعد الإخلاص.\n(^٥) أن تشرح صدرى لما فيه الخير.\n(^٦) يسميه ويذكره.\n(^٧) للشك فيه وفيما يأتى.\n(^٨) في أثناء الدعاء بعد لفظ أن في قوله:» اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر» فيصلى الركعتين ويقرأ الدعاء ويعمل بما ينشرح له صدره، وإلا كرر الصلاة والدعاء سبعًا لحديث ابن السنى الحسن:» إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات ثم انظر إلى الذي يسبق إلى قلبك فإن الخير فيه» وينبغى أن يكون وقتها تاركا لهواه ناسيًا له بالكلية منتظرًا لما يختاره الله له، فإن الخير بيد الله وحده يعطيه من يشاء.","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type='title' id=toc-223>صلاة التسابيح </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ: «يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّاهُ (^٢)، أَلَا أُعْطِيكَ، أَلا أَمْنَحُكَ، أَلَا أَحْبُوكَ (^٣)، أَلَا أَفْعَلُ بِكَ عَشْرَ خِصَالٍ (^٤) إِذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذلِكَ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ خَطَأَهُ وَعَمْدَهُ صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ، عَشْرُ خِصَالٍ (^٥) أَنْ تُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ (^٦)، تَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الكِتَابِ وَسُورَةٍ فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ القِرَاءَةِ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ وَأَنْتَ قَائِمٌ قُلْتَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ تَرْكَعُ فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ عَشْرًا (^٧) ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَهْوِي سَاجِدًا فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَسْجُدُ فَتَقُولُهَا عَشْرًا (^٨)، ثُمَّ تَرْفعُ رَأْسَكَ فَتَقُولُهَا عَشْرًا فَذلِكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، تَفْعَلُ ذلِكَ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، إِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَلِّيِهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ فَإِنْ\n_________\nصلاة التسابيح\n(^١) أي التى يذكر فيها التسبيح ثلاثمائة مرة.\n(^٢) يا عماه: بهاء السكت بعد ألف مقلوب عن ياء أصله يا عمى.\n(^٣) ألفاظ متقاربة لزيادة الترغيب.\n(^٤) هي أوصاف الذنب الآتية في قوله أوله وآخره، وقوله: إذا أنت فعلت ذلك أي الصلاة الآتية.\n(^٥) فهذه عشر خصال، وقوله: أن تصلى أربع ركعات بيان لتلك الصلاة التى تكفر تلك الذنوب.\n(^٦) بنية صلاة التسابيح، والأفضل ركعتان ركعتان عند الشافعي أو جمعها بسلام عند أبى حنيفة على ما سبق في صلاة الليل.\n(^٧) أي بعد تسبيح الركوع ثلاثًا وكذا يقال في الأركان التى بعده.\n(^٨) أي وأنت جالس للاستراحة قبل القيام. ورواية أبى رافع كرواية ابن عباس هذه في أن أول التسبيح بعد القراءة وآخره في كل ركعة في جلسة الاستراحة، ولكن سئل ابن المبارك عن صلاة التسابيح فقال: تكبر للإحرام ثم تقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ثم تقول خمس عشرة مرة: سبحان الله والحمد لله الخ. وكان ابن المبارك يصليها كذلك، وعلى هذا لا يكون في جلسة الاستراحة تسبيح لكمال العدد قبلها، ووافقه النووى في الأذكار ولكن بجعل ما قبل القراءة عشرًا وما بعدها خمس عشرة، ولا تسبيح في جلسة الاستراحة، فصلاتها بإحدى الحالين صحيحة.","vol":"1","page":334},{"text":"لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي عُمُرِكَ مَرَّةً». وَزِيدَ فِي رِوَايَةٍ (^١): «فَإِنَّكَ لَوْ كُنْتَ أَعْظَمَ أَهْلِ الأَرْضِ ذَنْبًا غُفِرَ لَكَ بِذلِكَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢) وَالتِّرْمِذِيُّ وَعِبَارَتُهُ: «فَلَوْ كَانَتْ ذُنوبُكَ مِثْلَ رَمْلِ عَالِجٍ لَغَفَرهَا اللَّهُ لَكَ (^٣)».\n\n<span data-type='title' id=toc-224>صلاة التوبة </span>(^٤)\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي، وَإِذَا حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتَحْلَفْتُهُ (^٥)، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، وَإِنَّهُ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ صَادِقٌ (^٦) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ، ثُمَّ يُصَلِّي (^٧)، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» ثُمَّ قَرَأَ هذِهِ الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾ (^٨) ﴿أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ (^٩) ﴿ذَكَرُواْ اللَّهَ﴾ (^١٠) ﴿فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية (^١١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (^١٢).\n_________\n(^١) لعبد الله بن عمرو.\n(^٢) عن ابن عباس وعن عبد الله بن عمرو. ورواه الترمذى عن أبى رافع، وقال: حديث أبى رافع هذا غريب، ولكن رواه البخارى في جزء القرآن وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم والبيهقى وصححه، وقال أبو عثمان الحيرى الزاهد: ما رأيت للشدائد والهموم أحسن من صلاة التسابيح.\n(^٣) عالج كعامر محل كثير الرمال تضرب به الأمثال، والله أعلم.\n\nصلاة التوبة\n(^٤) أي الصلاة التى تصلى عند إرادة التوبة، وهذا لرجاء القبول، وإلا فالتوبة مطلوبة في كل وقت ولو لم تتيسر صلاة، وستأتى التوبة مبسوطة في الاستغفار من كتاب الذكر والدعاء إن شاء الله.\n(^٥) طلبت منه اليمين أنه سمعه من النبي - ﷺ -.\n(^٦) فلا أطلب منه الحلف.\n(^٧) أي صلاة كانت أو ركعتين بنية التوبة، ويطلب من الله المغفرة بلفظ الاستغفار أو غيره.\n(^٨) ذنبًا قبيحًا كالزنا.\n(^٩) بما دونه كالقبلة.\n(^١٠) تذكروا وعيده.\n(^١١) بقيتها ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ فمن أذنب ذنبا ثم توضأ وصلى ركعتين سنة التوبة ثم استغفر وتاب إلى الله قبله الله وعفا عنه فإنه عفو غفور.\n(^١٢) بسند حسن.","vol":"1","page":335},{"text":"<span data-type='title' id=toc-225>صلاة الحاجة </span>(^١)\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأَ فَلْيُحْسِنِ الوُضُوءَ ثُمَّ ليُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ (^٢) ثُمَّ ليُثْنِ عَلَى اللَّهِ (^٣) وَليُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (^٤) ثُمَّ ليَقُلْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ (^٥)، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ (^٦)، وَالغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرَ (^٧)، وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلا غَفَرْتَهُ وَلَا هَمًّا إِلا فَرَّجْتَهُ، وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا (^٨) إِلا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (^٩). وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\nصلاة الحاجة\n(^١) أي الصلاة التى تصلى قبل التوجه لأى حاجة يريدها.\n(^٢) بنية الحاجة.\n(^٣) بما هو أهله من استغفار نحو مائة، ومن ذكر الباقيات الصالحات نحو مائة.\n(^٤) نحو مائة بأى صلاة كانت وأولى الكمالية وهي: اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله عدد كمال الله وكما يليق بكماله.\n(^٥) التوفيق لما يوجبها.\n(^٦) التوفيق لما يقتضيها.\n(^٧) هو ما قابل الإثم.\n(^٨) أي ترضيك، فمن كان له حاجة فليفعل ذلك مع الاعتماد على الله تعالى واعتقاد أنه الفاعل المختار، ثم يطلبها من ربه، وإن كانت ظاهرًا بيد أحد من عباد الله توجه إليه عملا بالأسباب، وقضاؤها على الله تعالى.\n(^٩) بسند حسن.","vol":"1","page":336},{"text":"<span data-type='title' id=toc-226>الباب الثالث: عشر في الجنائز (^١)\nوفيه سبعة فصول وخاتمة</span>\n\n<span data-type='title' id=toc-227>الفصل الأول: في النهي عن تمني الموت وفي حسن الظن بالله</span>\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ (^٢) أَحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرَ (^٣) نَزَلَ بِهِ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ (^٤) فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي (^٥)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ قَيْسٌ أَتَيْتُ خَبَّابًا (^٦) وَقَدِ اكْتَوَى فِي بَطْنِهِ سَبْعًا (^٧) فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نِهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالمَوْتِ لَدَعَوْتَ بِهِ. وَلِلْبُخَارِيِّ: «لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ المَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا (^٨) فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ (^٩)».\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ (^١٠) يَقُولُ: «لَا يَمُوتُ أَحَدُكُمْ إِلا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ تَعَالَى (^١١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ.\n_________\n(في الباب الثالث عشر. في الجنائز وفيه سبعة فصول وخاتمة)\nالفصل الأول في النهي عن تمني الموت وفى حسن الظن بالله تعالى\n(^١) جمع جنازة، من جنزه إذا ستره، والجنازة بالفتح والكسر اسم للميت في النعش، فإن لم يكن عليه الميت فهو سرير ونعش، ولسان حاله يقول لكل ناظر إليه:\nانظر إليّ بعقلك … أنا المهيا لنقلك\nأنا سرير المنايا … كم سار مثلى بمثلك\n(^٢) بنون التوكيد الثقيلة.\n(^٣) بالضم والفتح.\n(^٤) وداعيًا به.\n(^٥) من الحياة، وحكمة النهى عن تمنى الموت أن فيه نوع اعتراض على القدر الإلهى وفى قوله: اللهم أحينى الح نوع تفويض وتسليم.\n(^٦) ابن الأرت صحابى جليل.\n(^٧) لمرض كان به.\n(^٨) بعمل صالح.\n(^٩) من العتبى وهى الرجوع إلى الله بالتوبة وصالح الأعمال، وفيه النهى عن تمنى الموت مطلقًا، ولكن روى عن عمر وعليّ وغيرهما تمنى الموت، وحمل على خوف الفتنة في الدين، وإلى هنا الشق الأول، وما يأتى في تحسين الظن بالله تعالى.\n(^١٠) أي ليال.\n(^١١) أي يعتقد أن الله به رءوف رحيم، ومنه ما يأتى في كتاب الذكر =","vol":"1","page":337},{"text":"• عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ»، فَقَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ (^١) بَعْضُ أَزْوَاجِهِ: إِنَّا لَنَكْرَهُ المَوْتَ (^٢) قَالَ: «لَيْسَ ذَاكِ (^٣)، وَلكِنِ المُؤْمِنُ إِذَا حَضَرَهُ المَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ (^٤) فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الكَافِرَ إِذَا حَضَرَهُ المَوْتُ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ (^٥)، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَكَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ (^٦)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى شَابَ وَهُوَ فِي المَوْتِ فَقَالَ: «كَيْفَ تَجِدُكَ» فَقَالَ: أَرْجُو اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي (^٧)، فَقَالَ ﷺ: «لَا يَجْتَمِعَانِ (^٨) فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هذَا المَوْطِنِ إِلا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَأَمَّنَهُ مِمَّا يَخَافُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ (^٩)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (^١٠).\n_________\n=أنا عند ظن عبدى بى. وهذا من حسن عمله فكأنه قال: أحسنوا عملكم يحسن ظنكم بربكم، أو هو محمول على حال الموت فقط، أما في حال الصحة، فالمطلوب تغليب الخوف؛ لأنه أردع للنفس وأرغب في صالح العمل، قال تعالى ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقال شيخ الصوفية الدردير ﵁:\nوغلب الخوف على الرجاء … وسر لمولاك بلا تناء\n(^١) للشك.\n(^٢) أي فكأن الله يكرهنا.\n(^٣) أي ليس كما فهمت.\n(^٤) على لسان ملائكة يحضرونه عند النزع بأمر الله، قال الله تعالى - ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ -.\n(^٥) فالبشارة كما تكون بالخبر السار تكون بالخبر الضار، قال تعالى - ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ -.\n(^٦) مما رأى عند النزع، وإلا فالموت من كل حي مكروه لذاته للحديث القدسى الآتى في الزهد: ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددى في نفس عبدى المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته.\n(^٧) أي أخاف ذنوبى ولكنى أرجو رحمته.\n(^٨) أي الخوف والرجاء وكان الأولى ضم هذا إلى حديث جابر، فإنه من نوعه في تغليب الرجاء عند النزع؛ لأنه اللائق بالكرم الإلهى.\n(^٩) وهو الموت فإن ذكره يزهد في الدنيا ويخوف النفس ويرغبها في صالح العمل.\n(^١٠) بسند حسن. وفقه ما تقدم أن تمنى الموت مذموم وتحسين الظن بالله حسن، والإكثار من ذكر الموت أحسن وأفضل.","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-228>الذكر والدعاء والقرآن عند المحتضر </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ (^٢)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ (^٣) لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا حَضَرْتُمُ المَرِيضَ (^٥) أَوِ المَيِّتَ فَقُولُوا خَيْرًا (^٦) فَإِنَّ المَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُون»، قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ أَتَيْتُالنَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سَلَمَةَ قَدْ مَاتَ قَالَ قُولِي: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلَهُ وَأَعْقِبْنِي مِنْهُ عُقْبَى حَسَنةً (^٧)» قَالَتْ: فَقُلْتُ فَأَعْقَبَنِي اللَّهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ لِي مِنْهُ مُحَمَّدًا (^٨) ﷺ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ (^٩) وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ (^١٠) فَأَغْمَضَهُ (^١١) ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ البَصَرُ (^١٢)» فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ (^١٣) فَقَالَ: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلا بِخَيْرٍ فَإِنَّ المَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ» ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي المَهْدِيِّينَ وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الغَابِرِينَ (^١٤)\n_________\nالذكر والدعاء والقرآن عند المحتضر\n(^١) من حضره النزع.\n(^٢) أي ذكروا من حضره الموت بلا إله إلا الله بأن تقولوها برفع صوت فيسمعكم فيقولها، فتكون خاتمة كلامه في الدنيا فإنها تهدم ما قبلها من الخطايا، وإذا قالها مرة يترك، فإن تكلم بعدها بكلام آخر ذكرت ثانيا برفع صوت حتى ينطق بها، والأمر بالتلقين للوجوب أو الندب المؤكد.\n(^٣) في الدنيا.\n(^٤) من غير عذاب، ولمسلم: ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة.\n(^٥) أي المحتضر وأو للتنويع.\n(^٦) وأحسنه الدعاء للمريض وللميت فإنه حينئذ مجاب.\n(^٧) أخلفنى خيرًا منه.\n(^٨) بدل من لفظ من، فلما قالت هذه الدعوة أجابها الله وطلبها النبي - ﷺ - وتزوجها، وهو خير من أبى سلمة بل من كل الناس.\n(^٩) بعد موته.\n(^١٠) أي بقى مفتوحًا. وروى بنصب بصره أي شق الميت بصره بنظره إلى الروح فلا يرتد إليه طرفه.\n(^١١) أي النبي - ﷺ -.\n(^١٢) ينظر أين يذهب الروح. وفيه أن الروح يذكر كما أنه يؤنث.\n(^١٣) بالدعاء على أنفسهم حزنًا على موت رجل البيت.\n(^١٤) الباقين: أي كن خليفة عنه في=","vol":"1","page":339},{"text":"وَاغْفِرْ لَنَا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ مَعْقِلِ (^١) بْنِ يَسَارٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اِقْرَؤوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ.\n_________\n= أهله من بعده، ويندب توجيه المحتضر، لحديث البيهقي والحاكم: أوصى البراء بن معرور أن يوجه للقبلة إذا احتضر، فقال رسول الله - ﷺ -: أصاب الفطرة، بأن يجعل على جنبه الأيمن ووجهه للقبلة إذا أمكن، وإلا فعلى جنبه الأيسر للقبلة، فإن لم يتيسر على جنبيه فإنه يوضع على ظهره ورجلاه للقبلة ورأسه مرفوع لها. وفقه ما تقدم أنه يندب الحضور عند المحتضر وأهل الفضل والدين أولى، والتكلم بما يبشره وأهله والدعاء له ولهم إيناسًا وتطمينًا لهم، وإذا رئيت علامة الموت ذكرت الجلالة برفع صوت حتى يقولها المحتضر فإذا مات أغمض بصره وغطى حتى يعمل اللازم له.\n(^١) كمسجد.\n(^٢) أي الذين حضرهم الموت فيستأنسون بها، لما فيها من ذكر الله وأحوال البعث والقيامة والجنة والنار وما اشتملتا عليه، والتحذير من فتنة الشيطان، ولأنها قلب القرآن كما يأتى في فضل القرآن، أي فالقراءة مشروعة على المحتضر فقط وليست مشروعة على الأموات كذا قاله جماعة تبعًا لعمل السلف الصالح وهو ظاهر كلام مالك والشافعى وجمهور المذهبين، وقال الإمام أحمد وبعض المالكية وبعض الحنفية وبعض الشافعية: إن القراءة مشروعة على الأموات وينتفعون بها لعموم الحديث ولعمل الأمة الآن، وهذا هو الظاهر الذي ينبغى الاعتماد عليه الأمور الآتية:\nأولًا: إن لفظ موتى في الحديث نص فيمن مات فعلا، وتناوله للحى المحتضر مجاز، ولا يأتى المجاز إلا بقرينة ولا قرينة هذا. كذا قال الشوكانى، وقال المحب الطبرى: إن العمل بعموم الحديث هو الظاهر بل هو الحق لحديث الدارقطنى: من دخل القبور فقرأ قل هو الله أحد إحدى عشرة مرة، ثم وهب ثوابها للأموات أعطى من الأجر بعدد الأموات.\nوثانيًا: إن من حكم القراءة التخفيف وهو كما يطلب للمحتضر بطلب للميت، ففى مسند الفردوس: ما من ميت يموت فيقرأ عنده يس إلا هوّن الله عليه. وقال الإمام أحمد: كانت المشيخة يقولون: إذا قرئت يس لميت خفف عنه بها.\nوثالثًا: القياس على قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة الآتية، وإلا كان تحكما.\nورابعًا: القياس على السلام المطلوب للموتى في زيارة القبور الآتية، فإذا كان الميت يأنس بالسلام الذي هو من كلام البشر، فكيف لا يأنس ويسر بكلام الرحمن جلّ شأنه.\nوخامسًا: إن السكينة والرحمة ينزلان في محل قراءة القرآن والميت والمحتضر، بل كل مخلوق في أشد الحاجة إلى رحمة الله تعالى.","vol":"1","page":340},{"text":"<span data-type='title' id=toc-229>علامة موت المؤمن وأعمار الأمة</span>\n• عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «المُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الجَبِينِ (^١)».\nرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ (^٢).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ نَفْسَ المُؤْمِنِ (^٣) تخْرُجُ رَشْحًا (^٤) وَلَا أُحِبُّ مَوْتًا كَمَوْتِ الحِمَارَ». قِيلَ: وَمَا مَوْتُ الحِمَارِ؟ قَالَ: «مَوْتُ الفَجْأَةِ (^٥)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\nوَلِأَبِي دَاوُدَ: «مَوْتُ الفَجْأَةِ أَخْذَةُ أَسَفٍ (^٦)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَوْ\n_________\n=وسادسًا: القياس على الصلاة على النبي - ﷺ -، فإذا كان النبي - ﷺ - وهو أفضل الخلق وأكملهم يرتقى في الكمالات بسبب صلاة الأمة عليه، فكيف لا ينتفع الأموات بقراءة القرآن.\nوسابعًا: ما يأتى في فضل القرآن من أن رجلا كان في سفر مع رفقة، فضرب خباءه على قبر وهو لا يشعر فسمع فيه إنسانًا يقرأ تبارك الذي بيده الملك حتى ختمها، فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال: هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر. فإذا ثبت قراءة القرآن من الميت في قبره، فكيف نمنعها من الحي على القبر، بل هو أولى لأفضليته فضلا عما تقدم، فالمانع ليس له دليل، ومعلوم في الشرع أن النفى والإثبات لابد لهما من دليل ولا دليل له، ولعل مالكا والشافعى لم يصح عندهما هذا الحديث: اقرأوا يس على موتاكم، وإلا لقالا به، لما اشتهر عن كليهما» إذا صح الحديث فهو مذهبى» بل وعمل السلف لا يخصص عموم الحديث، وهذا كله ما لم يوهب ثواب القراءة للميت، وإلا كان نوعا من الدعاء الذي ينتفع به الميت قطعًا لما يأتى في سؤال القبر» استغفروا لأخيكم واسألوا له بالتثبيت، فإنه الآن يسأل» ولا يرد قوله تعالى - ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ - لأنها في السابقين، أو هي من العام المخصوص بغير ما ورد كالصدقة والدعاء والقراءة، أو هي في الكافر وفى هذا إقناع لمن أراد الإنصاف، ومن أراد تأييد مذهب فليذهب كما يشاء، وسيأتى في الخاتمة النصوص القاطعة الصريحة في انتفاع الإنسان بعمل غيره إن شاء الله.\n\nعلامة موت المؤمن وأعمار الأمة\n(^١) لشدة الموت بطبيعته ولخجله إذا جاءته البشري من ربه.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) أي روحه.\n(^٤) أي مع رشح العرق وتصببه.\n(^٥) الذي لم يتقدمه مرض، وفجأة كبغتة وزنا ومعنى، ويقال فجاءة بالفم والمد.\n(^٦) أسف بالتحريك أي غضب، فموت الفجأة للكافر غضب عليه وللمؤمن رحمة به، لحديث ابن أبي شيبة: موت الفجأة راحة للمؤمن وأسف على الفاجر، ولكن الأفضل أن يتقدم الموت نذيره وهو المرض، فيتوب ويوصى ويستعد للرحيل.","vol":"1","page":341},{"text":"ليْلَةَ الجُمُعَةِ إِلا وَقَاهُ اللَّهُ فِتْنَةَ القَبْرِ (^١)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَعْمَارُ أَمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ (^٢) وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذلِكَ (^٣)». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-230>في الموت راحة للعباد</span>\n• عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ (^٤) فَقَالَ: «مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ (^٥)»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا المُسْتَرِيحُ وَالمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: «العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا (^٦)، وَالعَبْدُ الفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ العِبَادُ (^٧)، وَالبِلَادُ، وَالشَّجَرُ، وَالدَّوَابُّ (^٨)» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-231>الفصل الثاني: في تحريم النياحة ونحوها </span>(^٩)\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ (^١٠) وَشَقَّ الجيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَرِئِ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ (^١١). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n_________\n(^١) تكريما له لموته في يوم له مزيد فضل، نسأل الله أن يكون يومنا.\n(^٢) أي سنة.\n(^٣) بزيادة على السبعين أو نقص عن الستين، فبضع وستون غالب أعمار الأمة، والنبي - ﷺ - والشيخان بعده انتقلوا إلى دار الآخرة في بضع وستين. والله أعلم.\n\nفي الموت راحة للعباد\n(^٤) نائب فاعل لفظ مر.\n(^٥) أي هذا الميت إما مستريح أو مستراح منه.\n(^٦) تعبها فإنها سجن المؤمن.\n(^٧) أي من شره وأذاه.\n(^٨) فبشؤم فعله يقع الجدب والضنك من قلة المطر والنبات، قال تعالى - ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ - نسأل الله التوفيق.\n\nالفصل الثاني في تحريم النياحة ونحوها\n(^٩) كلطم الخدود وشق الملابس وتسويدها عند المصيبة.\n(^١٠) أي لطمها، ومزق الجيوب جمع جيب، وهو طوق القميص، ورفع صوته بقول الجاهلية نحو وا جبلاه وا كهفاه، أي ليس على ديننا من فعل ذلك إن استحله وإلا فليس على طريقتنا الكاملة.\n(^١١) الصالقة بالصاد والسين: الرافعة لصوتها بحدة عند المصيبة ومنه» سلقوكم بألسنة حداد» والحلقة: التى تحلق الشعر عند المصيبة، والشاقة: الممزقة لملابسها. ولفظ أبي داود: ليس منا من حلق ومن سلق ومن خرق أي مزق ملابسه.","vol":"1","page":342},{"text":"• عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ (^١) الفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ (^٢) وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ (^٣) وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ (^٤) وَالنِّيَاحَةُ (^٥)»، وَقَالَ: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ (^٦) وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ (^٧)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ لَنْ يَدَعَهُنَّ النَّاسُ، النِّيَاحَةُ، وَالطَّعْنُ فِي الأَحْسَابِ، وَالعَدْوَى (^٨) أَجْرَبَ بَعِيرٌ فَأَجْرَبَ مِائَةَ بَعَيرٍ (^٩)، مَنْ أَجْرَبَ البَعِيرَ الأَوَّلَ؟ وَالأَنْوَاءُ (^١٠)، مُطِرْنَا بِكَذَا وَكَذَا».\n\n• عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ النَّيَاحَةِ (^١١). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّائِحَةَ وَالمُسْتَمِعَةَ (^١٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n_________\n(^١) أي من عادتها لا يتركونهن لغلبة العادة عليها مع أنها مذمومة.\n(^٢) أي افتخارهم بما فعل آباؤهم.\n(^٣) في نسبة الناس إلى آبائهم.\n(^٤) بنسبة الغيث إليها كقولهم مطرنا بكوكب كذا.\n(^٥) وهى رفع الصوت بذكر مآثر الميت.\n(^٦) ثوب منه لتشتد النار بها كما كانت تلبس الأسود في المآتم جزاء وفاقا.\n(^٧) يسلط عليها الجربة والحكة زيادة عذاب لها كما كانت تشعل الحزن في أجسام ذوى المصيبات بكلامها المؤلم.\n(^٨) أي اعتقادها.\n(^٩) أي نزل الجرب ببعير، فاختلط ببقية الإبل فأجربها بأمر الله بسبب مسهم فقط، لا أن المرض يعدى بطبعه كما فهموا، ولذا أقام النبي - ﷺ - البرهان على بطلان اعتقادهم بقوله: من أجرب الأول وسيأتى ذلك واسعًا في الطب إن شاء الله.\n(^١٠) النجوم وسبق هذا في الاستسقاء.\n(^١١) أي نهى تحريم التوعد الماضي واللعن الآتى، فتحرم النياحة واللطم والشق وتسويد الوجوه والأيدي والملابس والفرش ونحوها مما يشعر بالسخط وعدم الرضا بالقضاء، لأنه ينافى الإيمان ويشعر بالاعتراض على الله في حكمه.\n(^١٢) لأنهما شريكان في الإثم ومنه: المغتاب والسامع شريكان في الإثم.\n\n(فائدة)\nيجوز نعي الميت للأقارب فقط أي إعلامهم بموت فلان أو فلانة، أما نعيه لعموم الناس بنداء أو طبل، فلا يجوز لأنه من عمل الجاهلية، قال حذيفة: إذا مت فلا تؤذنوا بي أحدا إنى أخاف أن يكون نعيا، وقد سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن النعى. وفى رواية: إياكم والنعي فإنه من عمل الجاهلية. رواه الترمذى ولا بأس من طلب أهل العلم والصلاح للصلاة على الجنازة وتشييعها، فإن شفاعتهم مقبولة.","vol":"1","page":343},{"text":"<span data-type='title' id=toc-232>يعذب الميت بالنوح ونحوه إذا أوصى به</span>\n• عَنِ المُغِيرَةِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ (^١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ ﵁ جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ: وَاأَخَاهُ (^٢) فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ». وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ (^٣)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\nوَذُكِرَ لِعَائِشَةَ قَوْلُ عُمَرَ: إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ فَقَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذلِكَ وَلكِنْ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، وَقَالَتْ حَسْبُكُمُ القِرْآنُ (^٤) ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^٥). وَفِي رِوَايَةٍ: سَمِعَتْ عَائِشَةِ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: المَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ فَقَالَتْ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلكِنَّهُ نَسِيَ (^٦) أَوْ أَخْطَأَ إِنَّمَا مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا (^٧)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ بَاكِيهِ (^٨) فَيَقُولُ:\n_________\nيعذب الميت بالنوح ونحوه إذا أوصى به\n(^١) محمول على الكافر لعمله بذلك في حياته، أو المسلم إذا كانت عادته في حياته، وأولى إذا أوصى بذلك وكانت عادتهم في الجاهلية، قال طرفة:\nإذا مت فانعينى بما أنا أهله … وشقى على الجيب يا ابنة معبد\n(^٢) وا صاحباه بألف الندبة وهاء السكت، أي أندب أخى وصاحبى وأبكيه.\n(^٣) محمول على ما سبق أو هو خطأ أو نسيان كقول عائشة الآتى.\n(^٤) يكفيكم القرآن دليلا على صحة قولى.\n(^٥) لا تحمل نفس ذنب أخرى.\n(^٦) أي الحديث أو أخطأ.\n(^٧) على كفرها وعلى النوح لعملها به في حياتها، فالمغيرة وعمر وابنه ﵃ فهموا أن الميت يعذب ببكاء الحي عليه مطلقا، وهو خطأ لمعارضته للقرآن والعدل الإلهى، ولكن عائشة ﵂ ترحمت عليهم ووجهت قولهم، وذكرت الحديث الناس بيان سببه وأيدته بالقرآن. وفيه من عظيم فضلها شيء كبير وسيأتى في الفضائل قول أبى موسى: ما أشكل علينا شيء في العلم إلا وجدناه عند عائشة ﵂.\n(^٨) من يبكى عليه.","vol":"1","page":344},{"text":"وَاجَبَلَاهْ وَاسَنَدَاهْ أَوْ نَحْوَ ذلِكَ إِلا وُكِّلَ بِهِ (^١) مَلَكَانِ يَلْهَزَانِهِ (^٢) أَهكَذَا كُنْتَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-233>يجوز البكاء بغير رفع صوت</span>\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَبِي سَيْفٍ القَيْنِ (^٤) وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ ﵇ (^٥) فَأَخذَ النَّبِيُّ ﷺ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ (^٦)، ثُمَّ دَخَلَنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنفْسِهِ (^٧) فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَذْرِفَانِ (^٨)، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (^٩)؟ فَقَالَ: «يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ (^١٠)»، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى (^١١) فَقَالَ ﷺ: «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ وَالقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلا مَا يَرْضى رَبُّنَا (^١٢)، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ (^١٣) فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَحَدَهُ فِي غَشِيَّةٍ (^١٤) فَقَالَ: «أَقَدْ قَضى (^١٥)؟» قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَأَى القَوْمُ\n_________\n(^١) بذلك الميت.\n(^٢) من باب منع، أي يضر بأنه في لهزمتيه تحت أذنيه، ويقولان تبكيتًا له هكذا كنت. وهذا إذا أوصى به.\n(^٣) بسند حسن.\n\nيجوز البكاء بغير رفع صوت\n(^٤) أي الحدّاد، واسمه البراء بن أوس الأنصارى.\n(^٥) الظئر كبئر: زوج المرضعة التى كانت ترضع إبراهيم ابن النبي - ﷺ - من مارية القبطية المصرية، فكان رضيعا عند امرأة أبى سيف، وهى خولة بنت المنذر الأنصارية النجارية.\n(^٦) حنانًا وشفقة به شأن الوالد مع ولده.\n(^٧) أي بروحه في حال الموت.\n(^٨) كتجريان وزنًا ومعنى، أي يجرى دمعهما لما نظر لإبراهيم في حال النزع.\n(^٩) أي تبكى.\n(^١٠) هذه الحال التى رأيتها منى أثر الرحمة التى وضعها الله في قلبى، فلا لوم عليّ فيها.\n(^١١) بدمعة أخرى.\n(^١٢) فاعل يرضى أي ما يرضاه ربنا، فلا نقول ولا نعمل ما يشعر بعدم الرضا.\n(^١٣) أي مرض.\n(^١٤) كعشية. وفى رواية: في غاشية، وفى أخرى في غشية، أي فاقد الإدراك من شدة الكرب.\n(^١٥) أي ما عليه من الحياة ومات.","vol":"1","page":345},{"text":"بُكَاءَهُ بَكَوْا فَقَالَ: «أَلا تَسْمَعُونَ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ القَلْبِ (^١) وَلكِنْ يُعَذِّبُ بِهذَا أَوْ يَرْحَمُ (^٢)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ (^٣)، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَتَذْرِفَانِ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ، فَفُتِحَ لَهُ (^٤)». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا حِينَ قُتِلَ القُرَّاءُ فَمَا رَأَيْتُهُ حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ (^٥). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-234>الفصل الثالث: في الصبر والرضا وما جملهما </span>(^٦)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (^٧)﴾، وَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿الَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا (^٨) للَّهِ﴾ ﴿وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ (^٩) ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (^١٠) ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، قَالَ عُمَرُ ﵁: نِعْمَ العِدْلَانِ وَنِعْمِ العِلَاوَةُ فِي هذِهِ الآيةِ (^١١). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ\n_________\n(^١) لأنهما قهريان.\n(^٢) وأشار إلى لسانه، فبه العذاب إن ناح أو صاح مثلا وبه الرحمة إذا قال حقًّا كإنا لله وإنا إليه راجعون.\n(^٣) في غزوة مؤتة وستأتى في الجهاد.\n(^٤) إمرة كفكرة، أي بغير إذن من النبي - ﷺ - فانتصر.\n(^٥) فالحزن ودمع العين لا شيء فيهما والبكاء جائز قبل الموت وبعده خلافًا لمن خصه بقبل الموت من حديث: إذا وجبت فلا تبكين باكية. والله أعلم.\n\nالفصل الثالث في الصبر والرضا\n(^٦) لما فيهما من رضاء الله، قال تعالى - ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ -.\n(^٧) ولتربحوا عليه، قال الله تعالى في الحديث القدسى» ما خلقت الخلق لأربح عليهم ولكنى خلقتهم ليربحوا عليّ».\n(^٨) ملكا وعبيدًا يفعل بنا ما يشاء.\n(^٩) في الآخرة فيجازينا على ما عملنا.\n(^١٠) أي لهم من الله مغفرة ورحمة.\n(^١١) العدلان تثنية عدل بالكسر وهو شق الحمل على الراحلة، والعلاوة بالكسر: ما يوضع بين العدلين على ظهر الراحلة، هذا أصل العدل والعلاوة وهما مثل المراد هنا فمن يصبر على ما يصيبه ويتلو الآية فله من الله الصلوات والرحمة، وعلاوة على هذين يصير من المهتدين.","vol":"1","page":346},{"text":"بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ (^١) فَقَالَ: «اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي» فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي (^٢) فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفْهُ فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَتَتْ بَابَهُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ فَقَالَ: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى» (^٣) رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُصِيبُ المُؤْمِنَ شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَها إِلا رَفَعهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ (^٥) ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذلِكَ حَتَّى يُبَلِّغَهُ المَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى».\n\n• عَنْ أُمِّ العَلَاءِ ﵂ قَالَتْ: عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا مَرِيضَةٌ فَقَالَ: «أَبْشِري يَا أُمَّ العَلَاءِ فَإِنَّ مرَضَ المُسْلِمِ يُذْهِبُ اللَّهُ بِهِ خَطَايَاهُ كَمَا تُذْهِبُ النَّارُ خَبَثَ الذَّهَبِ (^٦) وَالفِضَّةِ». رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^٧).\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ\n_________\n(^١) على صبى لها مات.\n(^٢) أي ابتعد عنى.\n(^٣) أي إنما الصبر الذي يحبه الله ويعطى عليه الأجر العظيم هو ما كان في أول المصيبة، فإن مفاجأتها تزعج القلب فمن قابلها بالرضا والتسليم فقد فاز برضاء الله ورفيع الدرجات، قال تعالى - ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ -.\n(^٤) ذكر الشوكة وهى غاية في قلة البلاء وكان النبي - ﷺ - جالسًا فطفئ المصباح فاسترجع فقالت عائشة: تسترجع للمصباح؛ فقال: كل ما ساء المؤمن فهو مصيبة، وقوله رفعه بها درجة وحط عنه بها خطيئة بشرط الصبر فإن بعضهم اشترطه في حصول الثواب على البلاء من الحديث الآتى وغيره. وقال بعضهم: إنه لكمال الثواب السكوت عنه في كثير من النصوص.\n(^٥) لم يوفق لعمل صالح يستحقها به.\n(^٦) الخبث بالتحريك: ما تلقيه النار من الوسخ عن الذهب والفضة والنحاس وغيرها إذا وضع في النار، فالمرض يكون لرفع الدرجات إن كان المريض طاهرًا وإلا طهره من السيئات التى لولاه لطهر بالنار. ومنه حديث الترمذى: إنما مثل المريض إذا صح من مرضه كالبردة التى تقع من السماء في صفائها ولونها. بل ويكون المرض عبرة لحديث أبى داود وأحمد: إن المؤمن إذا أصابه السقم ثم أعفاه الله منه كان كفارة لما مضى من ذنوبه وموعظة له فيما يستقبل؛ وإن المنافق إذا مرض ثم أعفى كان كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه فلم يدر لم عقلوه ولم يدر لم أرسلوه. فقال رجل من حوله: يا رسول الله وما الأسقام؟ والله ما مرضت قط، فقال النبي - ﷺ -: قم عنا فلست منا.\n(^٧) بسندين صالحين.","vol":"1","page":347},{"text":"قَالَ: «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ أَوْ سَافَرَ كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا (^١)». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-235>جزاء موت الأولاد</span>\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنَ النَّاسِ مِنْ مِسْلِمٍ يُتَوَفَّى لَهُ ثَلَاثَةٌ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ (^٢) إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ (^٣)». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ (^٤) يَمُوتُ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَة أَوْلَادٍ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ إِلا أَدْخَلَهُمَا اللَّهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمُ الجَنَّةَ» قَالَ: «يُقَالُ لَهُمُ (^٥) ادْخُلُوا الجَنَّةَ فَيَقُولُونَ: حَتَّى يَدْخُلَ آبَاؤُنَا، فَيُقَالُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ أَنَتُمْ وَآبَاؤُكُمْ (^٦)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فَيَلِجَ النَّارَ إِلا تَحِلَّةَ القَسَمِ (^٧)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اِجْعَلْ لَنَا يَوْمًا (^٨)، فَوَعَظَهُنَّ وَقَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَ لَهَا ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ كَانُوا لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ»، قَالَتِ\n_________\n(^١) فما منع منه مرض أو سفر أو همّ أو شغل شاغل فإن الله يكتبه لك كاملا، فضلا منه وكرمًا جلّ شأنه.\n\nجزاء موت الأولاد\n(^٢) كالإثم وزنًا ومعنى، أي لم يبلغوا سن التكليف، فيكتب الإثم عليهم.\n(^٣) رحمته أي الله إياهم أي الأولاد، أي بسبب زيادة رحمة الله لتلك الأولاد أو الضمير للآباء أي بزيادة رأفة الله بالآباء يدخلهم الجنة.\n(^٤) نص في إكرام الوالدين إذا كانا موجودين عند موت الأولاد، وإن كان مفهومًا من العموم في الأول.\n(^٥) الأولاد الذين ماتوا قبل البلوغ.\n(^٦) صريح في شفاعة الأولاد لآبائهم وقبولها إذا شاء الله تعالى، وستأتى الشفاعة في كتاب القيامة واسعة إن شاء الله.\n(^٧) فيلج النار بالنصب في جواب النفى، أي لا يدخلها إلا تحلة بفتح فكسر فتشديد غاية في القلة، أي إلا قدر ما تحل به اليمين التى ذكرها الله في قوله: - ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ - بمرور المؤمن عليها وهو على الصراط، أو الورود الدخول وتكون عليه بردًا لحديث النسائي والحاكم: لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمن بردًا وسلاما.\n(^٨) خاصًّا بنا دون الرجال، فأجابهن النبي - ﷺ -.","vol":"1","page":348},{"text":"امْرَأَةٌ: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: «وَاثْنَانِ» (^١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَجَاءَتِ امْرَأَةٌ بِابْنٍ لَهَا يَشْتَكِي فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَافُ عَلَيْهِ وَقَدْ قَدَّمْتُ ثَلَاثَةً (^٢) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدِ احْتَظَرْتِ بِحِظَارٍ شَدِيدٍ مِنَ النَّارِ (^٣)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَمُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَدَّمَ ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ كَانُوا لَهُ حِصْنًا حَصِينًا مِنَ النَّارِ» قَالَ أَبُو ذَرَ: قَدَّمْتُ اثْنَيْنِ قَالَ: «وَاثْنَيْنِ» فَقَالَ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ سَيِّدُ القُرَّاءِ: قَدَّمْتُ وَاحِدًا (^٤) قَالَ: «وَوَاحِدًا وَلكِنْ إِنَّمَا ذَاكَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى (^٥)».\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ فَرَطَانِ (^٦) مِنْ أُمَّتِي أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهِمَا الجَنَّةَ»، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: «وَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ يَا مُوَفَّقَةُ (^٧)» قَالَتْ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَطٌ مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: «فَأَنَا فَرَطُ أُمَّتِي لَنْ يُصَابُوا بِمِثْلِي (^٨)».\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَاتَ وَلَدُ العَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ (^٩)؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ (^١٠)، فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ (^١١)» رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^١٢).\n_________\n(^١) فيه التصريح بالحفظ من النار بوفاة ولدين.\n(^٢) أي مات لي ثلاثة أولاد.\n(^٣) الحظار: حائط البستان، والمراد تحصنت من النار بحصن عظيم.\n(^٤) أي يحفظ والده من النار.\n(^٥) أي ولكن هذا إذا تجمل الوالد بالصبر في أول المصيبة.\n(^٦) تثنية فرط وهو من يتقدم الركب ليهيء لهم المنزل اللائق.\nوالمراد من مات له ولدان.\n(^٧) بلفظ المفعول، أي يا من وفقك الله.\n(^٨) فمن لم يمت له أولاد فله درجة من درجات موت الأولاد من جهة موت النبي - ﷺ -، فإنه أعظم مصيبة على الأمة، وهذا لمن يستشعر البلاء بموته - ﷺ - ويقدر حياته في الأمة.\n(^٩) ظاهره سواء كان صغيرًا أو كبيرًا فعطاء الله للآباء على موت الأولاد ثابت لا فرق بين صغير وكبير لاحتراق قلب الوالد على ولده مطلقًا، وخص الأطفال فيما سبق لشدة حب الآباء لهم وتعلقهم بهم، وفيه إشارة إلى أن الولد في أعز منزلة عند أبويه بل هو الروح منهما.\n(^١٠) بقوله: الحمد لله واسترجع بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون.\n(^١١) فيه أن المنازل في الجنة تسمى بأسماء الأعمال.\n(^١٢) الأخيران بسندين حسنين والأول بسند غريب، ولكن يؤيده الصحاح قبله. والله أعلم.","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type='title' id=toc-236>عيادة المريض والدعاء له</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ (^١) رَدُّ السَّلَامِ (^٢) وَعِيَادَةُ المَرِيضِ (^٣) وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ (^٤) وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ» رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ تُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: أَخَذَ عَلِيٌّ بِيَدِي قَالَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى الحَسَنِ نَعُودُهُ (^٥)، فَوَجَدْنَا عِنْدَهُ أَبَا مُوسى، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵇: أَعَائِدًا جِئْتَ يَا أَبَا مُوسى أَمْ زَائِرًا (^٦)؟ فَقَالَ: لَا بَلْ عَائِدًا فَقَالَ عَلِيٌّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً (^٧) إِلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً (^٨) إِلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الجَنَّةِ (^٩)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^١٠).\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنِيَّ (^١١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحَمْدُ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ المُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ المُسْلِمَ لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الجَنَّةِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ (^١٢).\n_________\nعيادة المريض والدعاء له\n(^١) على جهة الندب إلا في إجابة الدعوة فإنها واجبة، وستأتى في النكاح وافية إن شاء الله، وقوله: خمس أي آكد من غيرها وإلا فهى أكثر.\n(^٢) سيأتي السلام والتشميت في الأدب مبسوطين إن شاء الله.\n(^٣) أي زيارته والدعاء له.\n(^٤) سيأتي في آداب السير في الجنازة.\n(^٥) أي الحسن بن عليّ ﵉ فإنه كان مريضًا.\n(^٦) أعائدا حال من ضمير جئت، أي أجئت تعوده في مرضه، أم جئت تزوره على أنه صحيح؟.\n(^٧) في أول النهار.\n(^٨) لفظ إن نافية بمعنى ما.\n(^٩) أي بستان فيها.\n(^١٠) وأحمد وابن حبان والحاكم وصححه.\n(^١١) فيه ندب العيادة وإن كان المرض خفيفا كوجع العين والضرس والصداع، ويؤجر العائد لأنه بلاء ومرض. وقال بعض الحنفية: إن العيادة من الرمد ووجع الضرس ونحوهما لا تسن لحديث الطبراني: ثلاثة ليس لهم عيادة، العين والدمل والضرس. ولكن صحح البيهقي وقفه على يحيى بن أبى كثير، أما حديث الكتاب فصحيح.\n(^١٢) وزاد حتى يرجع، قيل يا رسول الله: وما خرفة الجنة قال: جناها أي ثمرها.","vol":"1","page":350},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ وَعَادَ أَخَاهُ المُسْلِمَ مُحْتَسِبًا بُوعِدَ مِنْ جَهَنَّمِ مَسِيرَةَ سَبْعِينَ خَرِيفًا» قِيلَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ مَا الخَرِيفُ؟ قَالَ: العَامُ (^١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ ﵄ أَنَّ أَبَاهَا قَالَ: اشْتَكَيْتُ بِمَكَّةَ، فَجَاءَنِي النَبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِي، ثُمَّ مَسَحَ صَدْرِي وَبَطْنِي (^٢) ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالبُخَارِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ (^٤) فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ (^٥) أَسْأَلُ اللَّهَ العَظِيمَ رَبَّ العَرْشِ العَظِيم أَنْ يَشْفِيَكَ إِلا عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ ذلِكَ المَرَضِ» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-237>يجوز كشف الميت وتقبيله</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى فَرَسِهِ (^٧) مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ (^٨) حَتَّى نَزَلَ (^٩)، فَدَخَلَ المَسْجِدَ فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ (^١٠)، فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ ﷺ (^١١)\n_________\n(^١) فيه ندب الوضوء في العيادة لأنها عبادة فتقع على الوجه الأكمل ويكون دعاؤه أقرب للإجابة، كما يندب المثنى فيها لحديث جابر: كان النبي - ﷺ - يعودنى ليس براكب شيئًا، وفيها الترغيب العظيم في عيادة المريض والمبالغة فيها حتى أوجبت الجنة، وفضل الله واسع.\n(^٢) بإمرار يده على وجهه وصدره وبطنه رجاء بركتها.\n(^٣) بانتقاله إلى المدينة فإنه كان هاجر إليها، ولأمر ما عاد لمكة فمرض بها فخاف أن يموت بأرض هاجر منها، فدعا النبي - ﷺ - له بالشفاء وتمام الهجرة، فأجابه الله وشفاه وعاد للمدينة وعاش بها زمنًا ومات فيها.\n(^٤) وإلا فلا ينفع شيء.\n(^٥) ويده على جبهته أو على يده.\n(^٦) ورواه ابن حبان والحاكم وصححه، فيندب لمن عاد مريضًا أن يدعو له ويبشره بالشفاء، وأن لا يطيل المكث عنده إلا إذا كان يأنس به، فيمكث كما يشاء، وسيأتى من هذا في كتاب الطب إن شاء الله.\n\nيجوز كشف الميت وتقبيله\n(^٧) لما مات النبي - ﷺ -.\n(^٨) كقفل وبضمتين: منازل بنى الحارث بن الخزرج بعوالى المدينة.\n(^٩) عن فرسه.\n(^١٠) فإن النبي - ﷺ - مات في بيتها.\n(^١١) قصده.","vol":"1","page":351},{"text":"وَهُوَ مُسَجًّى (^١) بِبُرْدِ حِبَرَةٍ (^٢)، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ (^٣) عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْن (^٤) أَمَّا المَوْتَةُ الَّتِي كتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْمُتَّهَا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ (^٥) وَهُوَ مَيِّتٌ حَتَّى رَأَيْتُ الدُّمُوعَ تَسِيلُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-238>ما فعل بالنبي ﷺ حين موته </span>(^٧)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: سُجِّيَ (^٨) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ مَاتَ بِثَوْبِ حِبَرَةٍ. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِي ﵁ (^٩) قَالَ: غَسَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَلِيٌّ وَالفَضْلُ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ (^١٠) وَهُمْ أَدْخَلوهُ فِي قَبْرِهِ فَلَمَّا فَرَغَ عَلِيٌّ قَالَ: إِنَّمَا يَلِي الرَّجُلَ أَهْلُهُ (^١١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا أَرَادُوا غَسْلَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَوا: مَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ ثِيَابِهِ (^١٢) كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَوْ نُغَسِّلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللَّهُ\n_________\n(^١) كمغطى وزنًا ومعنى.\n(^٢) كعنبة مضافا إلى برد، وهو ثوب يمانى مخطط، أو أخضر، وكان أشرف ملابسهم.\n(^٣) أكب، لازم مع أن ثلاثيه متعد خلاف المشهور، فهو من النوادر أي مال عليه فقبله بين عينيه وبكى.\n(^٤) رد لقول بعض الناس إن الله سيبعث نبيه، فيقطع أيدى رجال وأرجلهم.\n(^٥) على خديه وهو أخو النبي - ﷺ - من الرضاع، ففيهما جواز كشف الميت وتقبيله شفقة به أو تعظيما له أو تبركا به.\n(^٦) بسند صحيح.\n\nما فعل بالنبي - ﷺ - حين موته\n(^٧) اشتد مرض النبي - ﷺ - وهو في يوم عائشة وفى بيتها، ولما احتضر كان بين يديه إناء فيه ماء، فجعل يدخل يده في الماء ويمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله إن للموت سكرات؟ ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى. حتى قبض ومالت يده، رواه البخارى والترمذى، وقالت عائشة: ما أغبط أحدًا بهون موته بعد الذي رأيته من شدة موت رسول الله - ﷺ -. رواه الترمذى.\n(^٨) بلفظ المجهول أي غطى.\n(^٩) هو تابعى وقد سقط منه الصحابى فهو مرسل، قال في البيقونية:\nومرسل منه الصحابى سقط … وقل غريب ما روى راو فقط\n(^١٠) عليّ بن أبى طالب عم النبي - ﷺ - والفضل بن العباس عم النبي - ﷺ -، وأسامة بن زيد مولى النبي - ﷺ -، وورد أنه كان معهم العباس وشقران وقثم.\n(^١١) أي الأقربون منهم.\n(^١٢) نعريه منها.","vol":"1","page":352},{"text":"عَلَيْهِمُ النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلا وَذَقنُهُ فِي صَدْرِهِ (^١)، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ البَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ: أَنِ اغْسِلُوا النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَقَامُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَغَسَّلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ يَصُبّونَ المَاءَ فَوْقَ القَمِيصِ، وَيَدْلُكُونَهُ بِالقَمِيصِ دُونَ أَيْدِيهِمْ (^٢)، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَّلَهُ إِلا نِسَاؤُهُ (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ (^٤).\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ (^٥) بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ (^٦) مِنْ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ (^٧). رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اخْتَلَفُوا فِي دَفْنِهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مَا نَسِيتُهُ قَالَ: «مَا قَبَضَ اللَّهُ نَبِيًا إِلا فِي المَوْضِعِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ»، ادْفِنُوهُ فِي مَوْضِعِ فِرَاشِهِ (^٨).\n\n• عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ ﵃\n_________\n(^١) من ثقل النوم.\n(^٢) ظاهره أن اليد كانت فوق القميص، ولكن لفظ الحاكم: وكان عليٌّ يغسله وعلى يده خرقة فأدخلها تحت القميص وغسله، والفضل وأسامة يصبان الماء، ولعل هذا الاستنجاء وغسل مذاكيره فقط، وأما بقية جسمه - ﷺ - فدلك بالقميص ويده فوقه فاتفقتا، وللبزار قال عليّ: أوصى النبي - ﷺ -. ألا يغسله أحد غيرى.\n(^٣) أي لو علمت أولًا ما علمت آخرا أو لو ظهر لي أولًا ما ظهر لي آخرا ما غسله إلا نساؤه، لأنها تذكرت بعد قول النبي - ﷺ - لها: لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك. رواه ابن ماجه وأحمد، وروى الشافعي والدارقطني والبيهقى أن عليًّا غسل فاطمة ﵄، ولأن أسماء غسلت زوجها أبا بكر ﵁، ففيها جواز غسل أحد الزوجين للآخر. وعليه الجمهور وقال الحنفية والثورى: لا يجوز للزوج غسل امرأته لبطلان النكاح بالموت بخلافه عكسه فيجوز. وقال أحمد: يجوز للمطلقة رجعيًّا أن تغسل زوجها أيضًا. والجمهور على أنها كالأجنبية.\n(^٤) بسند صحيح.\n(^٥) بتخفيف الياء نسبة إلى اليمن وبحذف ياء النسب لزيادة الألف.\n(^٦) بفتح أوله وضمه أي نقية، والكرسف بضم أوله وثالثه: القطن.\n(^٧) ليس معها فيندب أن يكون الكفن ثلاثة أثواب من القطن الأبيض فقط ولا قميص ولا عمامة، وعليه الجمهور سلفًا وخلفا، فلو زادهما كان خلاف السنة. وقال مالك وأبو حنيفة: يستحب القميص؛ لأن ابن عمر كفن ولده في ثلاث لفائف وقميص وعمامة.\n(^٨) الذي كان فيه - ﷺ - في بيت عائشة فدفنوه فيه.","vol":"1","page":353},{"text":"قَالَ: الَّذِي أَلْحَدَ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبُو طَلْحَةَ (^١) وَالَّذِي أَلْقَى القَطِيفَةَ تَحْتَهُ شَقْرَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٢) الَّذِي قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ طَرَحْتُ القَطِيفَةَ تَحْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي القَبْرِ. رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-239>الفصل الرابع: فيما يلزم للميت </span>(^٤)\n\n• عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ (^٥) «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا (^٦)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ\n_________\n(^١) فالذي حفره وبناه من الجانبين في داخل القبر أبو طلحة.\n(^٢) وكانت القطيفة حمراء لحديث مسلم: جعل في قبر النبي - ﷺ - قطيفة حمراء، فالذي صنع اللحد أبو طلحة الأنصاري، والذي فرشه بالقطيفة شقران، والذي أدخل النبي - ﷺ - في اللحد قرباه، وهم عليّ والفضل وأسامة ﵃.\n(^٣) الأول بسند غريب، والثاني بسند حسن. قال أنس: لما ثقل النبي - ﷺ - جعل يتغشاه الكرب، قالت فاطمة: وا كرب أبتاه. فقال: ليس على أبيك كرب بعد اليوم، فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، فلما دفن قالت فاطمة: أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله - ﷺ - التراب؟ رواه البخاري.\n\nالفصل الرابع فيما يلزم للميت\n(^٤) وهو الغسل والتكفين والصلاة عليه ودفنه، وهي واجبة على سبيل الكفاية إن علم به جماعة، وإن علم به واحد فقط فهي واجبة عليه عينا. عن أبي بن كعب أن آدم ﵇ قبضته الملائكة، وغسلوه، وكفنوه وحنطوه، وحفروا له، وألحدوا، وصلوا عليه، ثم أدخلوه في قبره، ووضعوا عليه اللبن، ثم خرجوا من القبر وحثوا عليه التراب ثم قالوا: يا بني آدم هذه سنتكم، رواه عبد الله بن أحمد في مسنده. وينبغي عند الغسل تجريد الميت من ملابسه، وستر ما بين سرته وركبته بشيء، وإجلاسه على مرتفع مائلا إلى خلف، وإمرار اليد اليسرى على بطنه مرارا استنزالا للفضلات، ثم يلقيه على ظهره مستورة عورته، ثم يشرع في الغسل، وحكمة غسل الميت وتكفينه النظافة والطهارة والستر والتجمل استعدادًا للصلاة عليه ولمقابلة ربه على حال جميلة، فإن الله جميل يحب الجمال، وليكون في عالم الموتى بهيئة حسنة.\n(^٥) زينب امرأة أبي العاص بن الربيع.\n(^٦) الميامن جمع ميمن وهو العضو الأيمن، فيندب للغاسل أن يلف على يده خرقة ويغسل السوأتين ثم يوضئه بنية الوضوء بادئًا بالمضمضة والاستنشاق، خلافًا أن قال لا يستحبان، ثم يشرع في غسله بادئًا بالرأس، ثم بالشق الأيمن في كل مرة، خلافًا لمن قال لا يستحب التيامن في غسله.","vol":"1","page":354},{"text":"نَغْسِلُ ابْنَتَهُ فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًَا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكّثَرَ مِنْ ذلِكِ (^١) بِمَاءٍ وَسِدْرٍ (^٢)، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا (^٣)، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي (^٤)» فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حَقْوَهُ فَقَالَ: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ (^٥)». وَزَادَتْ فِي رِوَايَةٍ: فَضَفَرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ وَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا (^٦). وَفِي رِوَايَةٍ: «اغْسِلْنَهَا وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذلِكِ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذلِكِ (^٧)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-240>الشهيد لا يغسل ولا يصلى عليه </span>(^٨)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ (^٩) ثُمَّ يَقُولُ: «أَيُّهُمَا أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ (^١٠)؟» فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ (^١١) وَقَالَ: «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هؤُلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ (^١٢)» وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ (^١٣) وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ (^١٤). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\n_________\n(^١) اغسلنها: أمر، وهو للوجوب في الغسلة الأولى، وللندب في الإيتار حملا للفظ على معنييه.\n(^٢) ما يوضع في الماء لإزالة القذر سريعا ولنقاء المغسول. والمراد السدر ونحوه كالخطمي والصابون في كل غسلة، وينهى عن أخذ شيء من جسده كشعر وظفر.\n(^٣) واجعلن في الغسلة. الآخرة شيئًا من الكافور، فبه تنفر الهوام ويتصلب الجسم وفيه إكرام للملائكة.\n(^٤) أعلمنني.\n(^٥) الحقو بالكسر والفتح وسكون ثانيه: إزاره الشريف وقال: ألبسوها إياه أولا؛ لتحصل لها بركته.\n(^٦) فمن كان له شعر فإنه يمشط ويعمل به كعادته حيا.\n(^٧) فالمطلوب تكرير الغسل حتى ينظف الجسم، والإيتار مندوب. والله أعلم.\n\nالشهيد لا يغسل ولا يصلى عليه\n(^٨) الشهيد هو المقتول في معركة الكفار ولو كان يخدم المقاتلين بجلب ماء ونحوه ولو كان امرأة أو رقيقًا أو صبيًا.\n(^٩) وأحد بضمتين جبل بقرب المدينة كانت به معركة مشهورة ستأتي في الجهاد إن شاء الله فكان النبي - ﷺ - يكفن الاثنين في ثوب زيادة على ملابسهم التي لا تستر كل الجسم، أو يقسمه ويلف كل واحد بقطعة منه للضرورة.\n(^١٠) حفظًا له.\n(^١١) إلى القبلة.\n(^١٢) أنهم بذلوا أرواحهم الله تعالى.\n(^١٣) لأنهم يأتون يوم القيامة وجروحهم تسيل بلون الدم وريح المسك، وهذا شعار المجاهدين وشرفهم العالى فلا يغسل الشهيد، ولا يزال دمه، أما نجاسته بغير ذلك فتجب إزالتها.\n(^١٤) وعدم غسلهم باتفاق=","vol":"1","page":355},{"text":"<span data-type='title' id=toc-241>التكفين </span>(^١)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ (^٢)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «البَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ البَيَاضَ (^٣)، فَانَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَاحِبَاهُ (^٤).\nوَلِأَبِي دَاوُدَ: «لَا تَغَالَوْا فِي الكَفَنِ، فَإِنَّهُ يُسْلَبُهُ سَلْبًا سَرِيعًا (^٥)».\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَفَّنَ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ (^٦) فِي نَمِرَةٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ (^٧). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٨).\nوَتَقَدَّمَ حَدِيثُ كُفِّنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ مِنْ كُرْسُفٍ (^٩).\n_________\n= وعدم الصلاة عليهم لعدم الغسل، فإن التكليف وإن انقطع بالموت، لكن الصلاة من فعلنا، فاشترط لها الطهارة من المصلى والمصلى عليه، فلا صلاة على الشهيد وعليه الجمهور، وقال أبو حنيفة يصلى عليه وإن كان لا يغسل، فإن الصلاة وشرطها من الحي موفوران، وورد أن النبي - ﷺ - صلى على قتلى أحد وحمله الجمهور على الدعاء لهم. والله أعلم.\n\n(التكفين)\n(^١) الغسل والكفن والدفن وكل شيء يلزم للميت من رأس ماله إن كان، وإلا فعلى من عليه نفقته، وإلا فبيت المال، وإلا فمياسير المسلمين.\n(^٢) والمراد بإحسانه عدم السرف، والمغالاة فيه، وأن يكون ساترًا لكل جسمه، ونقيًّا وأبيض اللون.\n(^٣) ذات اللون الأبيض، ولابن ماجه: أحسن ما زرتم الله به في قبوركم ومساجدكم البياض.\n(^٤) بسند صحيح.\n(^٥) أي لا تتغالوا في الكفن بأن تكون قيمته رفيعة، أو بالإكثار من أنواع الثياب أو بكثرة اللفائف، فإنه يسرع إليه البلى والفساد فيكون إضاعة مال، وهي حرام، كما سيأتي في البيوع، وقالت عائشة: نظر أبو بكر إلى ثوبه الذي كان يمرض فيه وبه بقع من زعفران فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين، فكفنوني فيها، قلت: إن هذا خلق، قال: إن الحي أحق بالجديد، إنما هو للمهلة أي الصديد، وقال ابن المبارك: أحب إلى أن يكفن في ثيابه التي كان يصلي فيها.\n(^٦) عم النبي - ﷺ - حينما استشهد في وقعة أحد.\n(^٧) المرة بفتح فكسر كساء مخطط لف عليه مرة واحدة لقلة الثياب.\n(^٨) بسند صحيح.\n(^٩) ففيها أن أقل الكفن ثوب واحد يستر العورة وهو الواجب، وأكمله ثلاث لفائف فقط تعم الجسم ولا قميص ولا عمامة وعليه الجمهور، وقال المالكية والحنفية: يستحب القميص مع اللفائف الثلاثة وإن لم يوجد ما يستر إلا العورة وجب سترها عملا بالميسور، لما ورد في بعض قتلى أحد أنه لم يوجد ما يستر الجسم، فأمر النبي - ﷺ - بتغطية الرأس وأعلى الجسم، ووضع الإذخر على الرجلين، والإذخر نبات معروف عندهم.","vol":"1","page":356},{"text":"• عَنْ لَيْلَى بِنْتِ قَانِفٍ الثَّقَفِيَّةِ (^١) ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ النَّبِيِّ ﷺ (^٢) عِنْدَ وَفَاتِهَا، فَكَانَ أَوَّلُ مَا أَعْطَانَا النَّبِيُّ ﷺ الحِقَا، ثُمَّ الدِّرْعَ، ثُمَّ الخِمَارَ، ثُمَّ المِلْحَفَةَ (^٣)، ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدُ فِي الثَّوْبِ الآخِرِ (^٤) قَالَتْ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عِنْدَ البَابِ مَعَهُ كَفَنُهَا يُنَاوِلُنَاهَا (^٥) ثَوْبًا ثَوْبًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-242>كفن المحرم </span>(^٧)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ (^٨) وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ (^٩). وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا (^١٠)، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ (^١١)، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-243>ينبغي البخور وقت الغسل والتكفين وذكر المحاسن</span>\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَطْيَبُ طِيبِكُمُ المِسْكُ (^١٢)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ\n_________\n(^١) قانف، بقاف فألف فنون ففاء صحابية لها هذا الحديث فقط.\n(^٢) زوجة عثمان ﵄.\n(^٣) الحقا كإلى: لغة في الحقو، وهو الإزار، والدرع: القميص، والخمار: ما يغطى الرأس والرقبة، والملحفة بالكسر، هي الملاءة التي تلتحف بها المرأة، واللحاف ما يتغطى به.\n(^٤) الذي يغطي كل الجسم.\n(^٥) هذه الثياب.\n(^٦) بسند صالح، ففيه أن الأكمل في كفن الأنثى إزار فقميص فخمار فلفافتان والله أعلم.\n\nكفن المحرم\n(^٧) بحج أو عمرة أو بهما، وهو كغيره، إلا أنه لا يمس بطيب، ولا يغطى رأسه.\n(^٨) أوقعه فمات وهم بعرفة، وكان محرمًا بالحج.\n(^٩) وفي رواية: في ثوبه، فدل على أن الإيتار مندوب.\n(^١٠) أي بالطيب، أي لا تطيبوه لا في أكفانه ولا في ماء الغسل.\n(^١١) أي لا تغطوا رأسه، فإنه يبعث ملبيًا يوم القيامة، ولكن يوضع الإذخر أو نحوه على رأسه قبل إمالة التراب عليه، وعلى هذا كثير من أهل العلم والشافعي لبقاء الإحرام، وقال المالكية والحنفية: إن الإحرام انقطع بالموت فصار كغيره، وهذه واقعة عين مخصوصة بهذا، وقال الشوكاني: الأصل عدم التخصيص. والله أعلم.\n\nينبغي البخور عند الغسل والتكفين وذكر المحاسن\n(^١٢) الحديث وإن كان عاما، ولكن يؤخذ منه تطييب الميت ببخور أو غيره في الماء وعلى جسمه=","vol":"1","page":357},{"text":"إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَسْبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا (^١)». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ هَالِكٌ (^٢) بِسُوءٍ فَقَالَ: «لَا تَذْكُرُوا هَلْكَاكمْ إِلا بِخَيْرٍ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ، وَكُفُّوا عَنْ مَسَاوِيهِمْ (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-244>الصلاة على الميت </span>(^٥)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى المَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ (^٦)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ (^٧) فِي اليَوْمِ\n_________\n=وأكفانه، فإنه أمنع لما عساه يكون، وأشرح لصدور الحاضرين، وأكرم للملائكة المشيعين. ولأحمد إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثا.\n(^١) أي وصلوا إلى ما عملوا، فهم يسألون عنه ويجازون عليه.\n(^٢) ميت.\n(^٣) اذكروا أعمالهم الصالحة، وما ترونه عند الغسل والتكفين، كضحك واستبشار فإنه يسرهم، وقدوة حسنة لغيرهم، وكفوا عن ذنوبهم فإنه يؤلهم.\n(^٤) بسند غريب، ولكنه مؤيد بما قبله، فينبغي أن يكون الغاسل أمينًا ذا فضل وورع لهذه، ولحديث أحمد: من غسل ميتًا فأدى فيه الأمانة ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وليله أقربكم إن كان يعلم، فإن لم يكن يعلم فمن ترون عنده حظا من ورع وأمانة. ويستحب لمن غسل ميتًا أن يغتسل، ولمن حمله أن يتوضأ لحديث أبي داود والترمذي: من غسل الميت فليغتسل ومن حمله فليتوضأ. وقال ابن عمر كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل، وبهذا صرف الأول من الوجوب إلى الندب. والله أعلم.\n\nالصلاة على الميت\n(^٥) شروطها كبقية الصلوات من الطهارة، وستر العورة، والاستقبال، ويزاد هنا تقدم غسل الميت وتكفينه، وأركانها النية، والقيام، وأربع تكبيرات، والفاتحة بعد الأولى، والصلاة على النبي - ﷺ - بعد الثانية، والدعاء بعد الثالثة، والسلام بعد الرابعة، على خلاف في بعضها يأتي، وحكمتها الدعاء والشفاعة للميت.\n(^٦) لأن القصد به الشفاعة للميت، وإنما يرجى قبولها بالإخلاص وزيادة الابتهال ومنه تؤخذ النية كما تؤخذ بقية الأركان من الأحاديث الآتية، فيقول نويت صلاة الجنازة على من حضر مثلا، وعلى الغائب نويت أن أصلى صلاة الجنازة على فلان بن فلان الغائب، والله أعلم بما تكنه الضمائر.\n(^٧) أخبر بموته بعد أن أخبره جبريل ﵇ قبل أن يأتي الناعي، والنجاشي لقب لملك الحبشة واسمه أصحمة، ومعناه بالعربية عطية.","vol":"1","page":358},{"text":"الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى المُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ (^١). رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\nوَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ (^٢) وَوَضَعَ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ (^٣). وَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الكِتَابِ، فَقَالَ: «لِيَعْلَمُوا أَنَّهَا السُّنَّةُ (^٤)». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ: فَقَرَأَ بِفَاتِحَةَ الكِتَابِ وَسُورَةٍ وَجَهَرَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: «سُنَّةٌ وَحَقٌّ» وَالدَّارَقُطْنِيُّ (^٥).\n\n• عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ (^٦)، وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ (^٧)، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ (^٨)، وَاغْسِلْهُ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ وَزَوْجًا خَيْرًا\n_________\n(^١) أي صفهم صفوفها، وفي رواية لمسلم: فصفنا صفين وكبر عليه أربع تكبيرات، فلو زاد على الأربع ولو عمدًا لم تبطل، لورودها في مسلم وغيره. وللحاكم: وآخر ما كبر رسول الله - ﷺ - على الجنائز أربع. وللبيهقي: كانوا يكبرون على عهد رسول الله - ﷺ - أربعًا وخمسًا وستًا وسبعًا، فجمعهم عمر ﵁ في بيت أبي مسعود، وأجمعوا على أن التكبير على الجنازة أربع وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا والأئمة الأربعة.\n(^٢) فقط، وعليه بعض الصحب والتابعين والمالكية وروي عن بعض الصحب والتابعين الرفع في كل تكبيرة، وعليه الشافعي وإسحاق.\n(^٣) بسند ضعيف، ولكنه مؤيد بما سبق في محاسن الصلاة.\n(^٤) أي الطريقة المحمدية فتعمر السنة والفرض، ولابن ماجه: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب، ومنه قال الشافعي وأحمد: إن الفاتحة ركن في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الأولى، وقال الحنفية: تجوز قراءها بنية الدعاء، وتكره تحريمًا بنية التلاوة، وقال المالكية: قراءها مكروهة تنزيهًا.\n(^٥) فيه قراءة سورة بعد الفاتحة وعليه بعضهم، وفيه الجهر في صلاة الجنازة، وعليه بعضهم ليلًا، والجمهور على أن السنة الإسرار بها مطلقًا، لحديث الشافعي القائل إن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه، ثم يصلى على النبي - ﷺ -، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات، ثم يسلم سرًّا في نفسه.\n(^٦) لهذا الميت.\n(^٧) أحسن ضيافته.\n(^٨) بالضم والفتح أي قبره.","vol":"1","page":359},{"text":"مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ أَوْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ (^١)» قَالَ: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذلِكَ المَيِّتَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَنَازَة فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا، وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرِنَا، وَكَبِيرنَا، وَذَكَرِنَا، وَأُنْثَانَا، وَشَاهِدِنَا (^٢)، وَغَائِبِنَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيهِ (^٣) عَلَى الإِيمَانِ (^٤)، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِسْلَامِ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٥).\nوَلِأَبِي دَاوُدَ وِالنَّسَائِيِّ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبُّهَا (^٦)، وَأَنْتَ خَلَقْتَها، وَأَنْتَ هَدَيْتَهَا لِلإِسْلَامِ، وَأَنْتَ قَبَضْتَ رُوحَهَا، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهَا وَعَلَانِيَتِهَا، جِئْنَا شُفَعَاءَ فَاغْفِرْ لَهُ (^٧)».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ كَيْفَ تُصَلِّي عَلَى الجَنَازَةِ؟ فَقَالَ: أَنَا لَعَمْرُ اللَّهِ أُخْبِرُكَ (^٨): أَتَّبِعُهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَإِذَا وُضِعَتْ كَبَّرْتُ، وَحَمِدْتُ اللَّهَ (^٩)، وَصَلَّيْتُ عَلَى نَبِيِّهِ، ثمَّ أَقُولُ (^١٠) اللَّهُم إِنَّهُ عَبْدُكَ\n_________\n(^١) أو بمعنى الواو كما في رواية.\n(^٢) أي حاضرنا.\n(^٣) بقطع الهمزة.\n(^٤) لفظ الترمذي بالإسلام في الأول والإيمان في الثاني، وهو في كثير من كتب الحديث، ومعلوم أن الكامل منهما يلزمه الآخر، ومنه وصية إبراهيم ويعقوب لأولادها ﵈» فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون».\n(^٥) بسند صحيح.\n(^٦) أي هذه النفس التي ماتت.\n(^٧) فكان النبي - ﷺ - يدعو مرة بهذا ومرة بغيره مما هنا، وأي دعاء منها يكفي باتفاق.\n(^٨) عمر الله: حياته، أي أقسم لك بحياة الله إني أخبرك.\n(^٩) بقراءة سورة الحمد، وهي الفاتحة، وصليت على نبيه أي بعد التكبيرة الثانية، ففيه مع حديث الشافعي السابق طلب الصلاة على النبي - ﷺ - بعد التكبيرة الثانية، وهي ركن عند الشافعي وأحمد، وقال الحنفية إنها سنة، وقال المالكية إنها مندوبة بعد كل تكبيرة قبل الدعاء، واتفقوا على إجزائها بأي صيغة ولكن الإبراهيمية أفضل.\n(^١٠) بعد التكبيرة الثالثة وجوبًا عند الجمهور، وقال المالكية بعد كل تكبيرة حتى الرابعة، والواجب فيه الدعاء بأخروي كالمغفرة والرحمة للميت بخصوصه، ويكفي أي دعاء، ولكن المأثور أحسن، وأفضله عند مالك والشافعي هذا: اللهم إنه عبدك الخ، ولو ذكر الضمائر في كل صلاة بقصد الميت لصح، ولكن الأفضل تذكيرها في الذكر وتأنيثها في الأنثى. بقي التسليم بعد التكبيرة الرابعة، وقد سبق في حديث الشافعي، وصلاة الجنازة نوع من عموم الصلاة الوارد فيها=","vol":"1","page":360},{"text":"وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، كَانَ يَشْهَدُ أَنَّ لا إِلا أَنْتَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ. رَوَاهُ الإِمَامَان مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵄.\n\n<span data-type='title' id=toc-245>يصلى على الطفل إذا استهل</span>\n• عَنِ المُغِيرَةِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الجَنَازَةِ (^١)، وَالمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا، وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢). وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: «وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِوَالدَيْهِ بِالمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ (^٣)».\nوَلِلتِّرْمِذِيِّ (^٤): «الطِّفْلُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ (^٥)».\nوَقَالَ الحَسَنُ: يَقْرَأُ عَلَى الطِّفْلِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَسَلَفًا وَأَجرًا (^٦). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n_________\n= تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، فهو ركن عند الجمهور، وقال الحنفية إنه واجب كسائر الصلوات، ويندب أن يقول بعد الرابعة وقبل السلام: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.\n\nيصلى على الطفل إذا استهل\n(^١) أي يمشي خلفها، ولفظ أبي داود: الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها، وأمامها وعن يمينها، وعن يسارها قريبا منها.\n(^٢) بسند صحيح.\n(^٣) والسقط بالتثليث والكسر أشهر: الولد النازل قبل تمامه، وأولى منه الصبي، وقوله ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة، هذا هو الفارق بين الصلاة على الكبير والصلاة على الصغير، فالصلاة عليه دعاء لوالديه بالمغفرة والرحمة، وأن يكون سلفًا لها، وبقية الصلاة كصلاة الكبير.\n(^٤) روي مرفوعًا وموقوفًا وهو أصح.\n(^٥) والاستهلال بالعطاس لحديث البزار: استهلال الصبي العطاس. أو بالصياح أو بحركة تعلم حياته بها، فلا توريث ولا صلاة عليه إلا إذا استهل، وعلية الجمهور والأئمة الثلاثة، وقال أحمد وإسحاق كل ما نفخ فيه الروح وتمت له أربعة أشهر وعشر صلى عليه. وهذا الخلاف فيمن نزل بعد تمام أربعة أشهر ١٢٠ يومًا، وإلا فلا حياة قطعًا، الحديث ابن مسعود المشهور السابق في الإيمان إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة.\n(^٦) أي يقول في الدعاء هذا ونحوه كطلب الرحمة لوالديه. فالصلاة على الصبي واجبة لهذه ولحديث ابن ماجه: صلوا على أطفالكم، فإنهم من أفراطكم. والحديث أبي داود: صلى النبي - ﷺ - على ولده إبراهيم=","vol":"1","page":361},{"text":"<span data-type='title' id=toc-246>فضل الصلاة على الجنازة ومقام المصلي منها</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيراطٌ (^١) وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ»، قِيلَ: وَمَا القِيرَاطَانِ؟ قَالَ: «مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ: «أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ (^٢)». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي عَلَيْهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ. فَلَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقَدْ ضَيَّعْنَا قَرَارِيطَ كَثِيرةً.\n\n• عَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةً مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا (^٣)، فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا (^٤). رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي غَالِبٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَلَى جَنَازَةِ رَجُلٍ، فَقَامَ حِيَالَ رَأَسِهِ (^٥)، ثُمَّ جَاؤُوا بِجِنَازَة امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا: يَا أَبَا حَمْزَةَ صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَامَ حِيَالَ وَسَطِ السَّرِيرِ، فَقَالَ لَهُ العَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ: هكَذَا رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ قَامَ عَلَى الجَنَازَةِ مَقَامَكَ مِنْهَا وَمِنَ الرَّجُلِ مَقَامَكَ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: احْفَظُوا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ (^٦).\n_________\n= في المقاعد. محل معلوم بالمدينة، والسقط الكبير في كل شيء إذا ظهرت علامة الحياة، وإلا فإن كان قد تصور وجب غسله وتكفينه ودفنه، وإلا ندب دفنه فقط قال الفقيه:\nوالسقط كالكبير في الوفاة … إن ظهرت أمارة الحياة\nأو خفيت وخلقه قد ظهرا … فامتع صلاة وسواها اعتبرا\n\nفضل الصلاة على الجنازة\n(^١) أصل القيراط نصف دانق، أو نصف عشر الدينار، والمراد به هنا نصيب من الأجر عظيم كالجبل.\n(^٢) وهذا الأجر بشرط الاحتساب للفظ البخاري: من تبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا الخ، فمن صلى على الجنازة فقط فله قيراط من الأجر، ومن صلى عليها وشيعها حتى تدفن فله قيراطان أحدهما للصلاة والآخر للتشييع. وللبزار: من أتى جنازة لأهلها فله قيراط، فإن تبعها فله قيراط، فإن صلى عليها فله قيراط، فإن انتظر حتى تدفن فله قيراط.\n(^٣) هي أم كعب الأنصارية.\n(^٤) الوسط بفتح السين اسم، أي قام الصلاة عليها محاذيا لوسطها أي عجزتها؛ لأنه أستر لها، وفي رواية فقام وسطها بسكون السين، وهو ظرف.\n(^٥) حذاءه، فالسنة أن يقف المصلى عند عجيزة المرأة وعند رأس الرجل، وعليه أحمد وإسحاق والشافعي، وقال مالك: على وسط الذكر وعند منكبي الأنثى ويكون رأس الميت على اليمين مطلقًا، وعند أبي حنيفة حذاء الصدر منهما، وفي رواية حذاء وسطهما، وهذا خلاف في الكمال فقط.\n(^٦) بسند حسن.","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type='title' id=toc-247>يصلى على الجنازة في المسجد </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ ﵁ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاص قَالَتْ عَائِشَةُ: ادْخُلُوا بِهِ المَسْجِدَ حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَأُنْكِرَ ذلِكَ عَلَيْهَا (^٢) فَقَالَتْ: مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ النَّاسُ وَاللَّهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ (^٣) فِي المَسْجِدِ سُهَيْلٍ وَأَخِيهِ (^٤). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-248>تجوز الصلاة على القبر وعلى الغائب</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ (^٥) أَوْ شَابًّا، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَ عَنْهَا أَوْ عَنْهُ فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي» قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا أَوْ أَمْرَهُ (^٦) فَقَالَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ» فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا (^٧) ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هذِهِ القُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا وَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n_________\nيصلى على الجنازة في المسجد\n(^١) أي يجوز ذلك.\n(^٢) أنكر بعض الناس قولها ادخلوا به المسجد فهما منهم أن الجنازة لا يجوز دخولها المسجد.\n(^٣) وصف لأم سهيل واسمها دعد وأبوه وهب بن ربيعة القرشي.\n(^٤) هو سهل أو صفوان وفي رواية: ما صلى رسول الله - ﷺ - على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد. وثبتت صلاتهم على أبي بكر وعمر فيه، فتجوز الصلاة على الجنازة في المسجد وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا وأحمد وإسحاق والشافعي، بل قال إنها تندب في المسجد لكثرة المصلين، وكرهها أبو حنيفة ومالك في المشهور عنه لحديث أبي داود وابن ماجه: من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له. ولنجاسة الميت وأجاب الجمهور بأن الحديث ضعيف ويمكن تأويل قوله فلا شيء له بمعنى فلا شيء عليه وهي رواية فتتفق مع حديث الباب وقولهم بنجاسة الميت مردود بحديث: إن المسلم لا ينجس حيا ولا ميتًا. نعم إن خيف تنجيس المسجد من الجنازة حرم دخولها. والله أعلم\n\nتجوز الصلاة على القبر وعلى الغائب\n(^٥) أي تكنسه وأو للشك في المواضع الثلاثة.\n(^٦) حفروها وفي رواية أنهم كرهوا أن يوقظوه شفقة عليه لأن دفنها كان ليلا.\n(^٧) في قبرها وهو قائم بجواره وكان النبي - ﷺ - غائبا فحضر وسمع بأن أم سعد ماتت من شهر فصلى عليها رواه الترمذي ففيهما جواز الصلاة على القبر أي على الميت فيه مطلقا وعليه الجمهور والشافعي وأحمد وقال مالك وأبو حنيفة: لا تجوز على القبر إلا على من دفن بغير صلاة=","vol":"1","page":363},{"text":"• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَدْ تُوِفِّيَ اليَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الحَبَشِ (^١)، فَهَلُمَّ فَصَلُّوا عَلَيْهِ (^٢)» قَالَ: فَصَفَفْنَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ وَنَحْنُ صُفُوفٌ. قَالَ جَابِرٌ: فَكنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-249>تكفي الصلاة على جنائز </span>(^٣)\n\n• عَنْ عَمَّارٍ مَوْلَى الحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ﵁ أَنَّهُ شَهِدَ جَنَازَةَ أُمِّ كُلْثُومٍ (^٤) وَابْنِهَا، فَجُعِلَ الغُلَامُ مِمَّا يَلِي الإِمَامَ (^٥) فَأَنْكَرْتُ ذلِكَ وَفِي القَوْمِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وَأَبُو قَتَادَةَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالُوا: هذِهِ السُّنَّةُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٦).\nوَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَزْعُمُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ صَلَّى عَلَى تِسْعِ جَنَائِزَ جَمِيعًا، فَجَعَل الرِّجَالَ يَلُونَ الإِمَامَ، وَالنِّسَاءَ يَلِينَ القِبْلَةَ فَصَفَّهُنَّ صَفًّا وَاحِدًا (^٧). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-250>كثرة الصفوف أرجى للقبول</span>\n• عَنْ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ (^٨) ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ\n_________\n=وصلاة النبي - ﷺ - على من كانت تقم المسجد خصوصية له لقوله إن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم، ورده الجمهور بأنه لا يدل على الخصوصية، ولم ينكر النبي - ﷺ - على من صلى معه فإنهم صلوا معه كما في رواية للبخاري.\n(^١) وهو النجاشي ملك الحبشة مات ودفن في بلاده.\n(^٢) تعالوا بنا إلى المصلى نصل عليه، فصلوا عليه صلاة الجنازة جماعة، ففيه جواز الصلاة على الغائب، وعليه الجمهور سلفا وخلفا وأحمد والشافعي، وقال إنها دعاء، فكيف لا يجوز على الغائب ومن في قبره، وقال المالكية والحنفية إنها لا تجوز مطلقا، وأجازها بعضهم في اليوم الذي مات فيه، أو ما قرب منه، وقال بعضهم تجوز على من كان في جهة القبلة فقط. والله أعلم.\n\nتكفي الصلاة على جنائز\n(^٣) ثنتين فأكثر.\n(^٤) بنت على أمير المؤمنين، وكانت زوجة لعمر ﵃، وماتت هي وابنها زيد الأكبر في وقت واحد، ولم يعلم السابق منهما، فلم يورث أحدها من الآخر.\n(^٥) وضعت جنازته أمام المصلين، وجنازة أمه بجواره جهة القبلة.\n(^٦) بسند صحيح.\n(^٧) متجها إلى القبلة، ولكن الذكور أمام المصلين والإناث بعدهم نحو القبلة، ففيه إجزاء صلاة واحدة لعدة جنائز، وهذا لا يمنع من إفراد كل بصلاة، بل هو أفضل، لما قيل إن النبي - ﷺ - أفرد كل واحد من قتلى أحد بصلاة وحمزة مع كل واحد والله أعلم.\n\nكثرة الصفوف أرجى للقبول\n(^٨) هبيرة بالتصغير.","vol":"1","page":364},{"text":"صُفُوفٍ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلا أَوْجَبَ (^١)». قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: فَكَانَ مَالِكٌ إِذَا اسْتَقَلَّ أَهْلَ الجَنَازَةِ جَزَأَهُمْ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ لِهذَا الحَدِيثِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ (^٣) يَبْلُغُونَ مِائَةً كلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إِلا شُفِّعُوا (^٤)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلا شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ (^٥)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\nوَقَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تُوُفِّيَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَصَلَّى النَّاسُ عَلَيْهِ أَفْذَاذًا، أَيْ فُرَادَى لَا يَؤُمُّهُمْ أَحَدٌ، أَيْ لِمَا عَرَاهُمْ مِنْ عَظِيمِ الهَوْلِ وَلِعَدَمِ الخَلِيفَةِ حِينَئِذٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-251>ثناء المسلمين على الميت مقبول </span>(^٦)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مُرَّ بِجَنَازَةٍ (^٧) فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا (^٨) فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ»، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ (^٩) فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ»، فَقَالَ عمَرُ: فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي (^١٠) مَا وَجَبَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَثْنَيْتُم\n_________\n(^١) أي إلا أوجب الله له الجنة ببركة الصفوف الثلاثة.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) أي جماعة منهم.\n(^٤) فما من مسلم يموت فيصلى عليه مائة مسلم يدعون له إلا تقبل الله منهم.\n(^٥) لا ينافي ما تقدم الاحتمال أنه - ﷺ - أخبر أولًا بقبول شفاعة المائة، ثم أخير ثانيا بقبول شفاعة الأربعين، ثم أكرمه الله بقبول شفاعة الصفوف الثلاثة، كما قبل الله ثناء الجيران على الميت، فلأحمد والحاكم: ما من مسلم يموت، فيشهد له أربعة أبيات من جيرانه الأدنين، إلا قال الله تعالى قد قبلت عليهم فيه، وغفرت له ما لا يعلمون. بل وشهادة اثنين مقبولة لحديث أبي الأسود الآني.\n\nثناء المسلمين على الميت مقبول\n(^٦) يقبله الله ويوجب له الجنة.\n(^٧) نائب فاعل مرّ وفي رواية مروا بجنازة.\n(^٨) وصفوا الميت بأوصاف حسنة، وللحاكم: فقالوا كان يحب الله ورسوله ويعمل بطاعة الله ويسعى فيها.\n(^٩) أي أخرى فأثنى عليها شرًا، فيه إطلاق الثناء على الشر، وهو قليل، وهنا للمشاكلة، وللحاكم: قالوا كان يبغض الله ورسوله ويعمل بمعصية الله ويسعى فيها، وهذا في المنافقين والفجرة، وفيه زجر لغيرهم عن فعلهم، فلا ينافي ما تقدم: لا تسبوا الأموات.\n(^١٠) فدى خبر مقدم لأبي وأمي أي أنت مفدى بهما.","vol":"1","page":365},{"text":"عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ (^١)، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ (^٢). أَنْتُم شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ (^٣)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ. وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ: «المَلَائِكَةُ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي السَّمَاءِ، وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ».\n\n• عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ ﵁ قَالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ ﵁، فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى، فَأَثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمرُ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ، فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ قَالَ قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ (^٤) بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ». فَقُلْتُ: وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: «وَثَلَاثَةٌ»، فَقُلْتُ: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: «وَاثْنَانِ (^٥)». ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-252>لا يصلى على قاتل نفسه</span>\n• عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ (^٦)، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ (^٧). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n_________\n(^١) فضلا من الله تعالى.\n(^٢) عدلا منه تعالى.\n(^٣) يقبل شهادتكم إن خيرًا وإن شرا، وخص بعضهم ذلك بالصحابة، والظاهر العموم للحديث الآتي، وهو مبين لهذا من حيث إجزاء الشهادة من اثنين فأكثر.\n(^٤) وهي أكثر عدد تقبل شهادتهم في الحدود.\n(^٥) وهما أقل عدد تثبت به حقوق العباد ففي حقوق الله أولى، فإذا أراد الله لميت خيرا وشهد له اثنان قبله الله، وأدخله جنته، فضلا منه وكرما جل شأنه.\n\nلا يصلى على قاتل نفسه\n(^٦) جمع مشقص كمنبر: نصل عريض.\n(^٧) فيه أنه لا يصلى على قاتل نفسه، ومثله قاطع الطريق والباغي والمحارب والفاسق، وعليه عمر بن عبد العزيز والأوزاعي وأحمد الذي قال: ما نعلم أن النبي - ﷺ - ترك الصلاة على أحد إلا على الغالّ وقاتل نفسه. وقال الجمهور والأئمة الثلاثة: إنه يصلى عليه، وقوله في الحديث: فلم يصل عليه أي بنفسه للفظ النسائي، أما أنا فلا أصلى عليه، وهذا للتحذير عن مثل عمله. والله أعلم.","vol":"1","page":366},{"text":"<span data-type='title' id=toc-253>التعجيل بأمر الميت وموت الغربة</span>\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَا عِلِيُّ ثَلَاثٌ لَا تُؤَخِّرْهَا: الصَّلَاةُ إِذَا أَتَتْ (^١)، وَالجَنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ (^٢)، وَالأَيِّمُ إِذَا وَجَدْتَ لَهَا كُفْؤًا (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَالحَاكِمُ (^٤).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ ﵄ قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ بِالمَدِينَةِ مِمَّنْ وُلِدَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «يَا لَيْتَهُ مَاتَ بِغَيرِ مَوْلِدِهِ (^٥)» قَالُوا: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ قِيسَ لَهُ مِنْ مَوْلِدِهِ إِلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ فِي الجَنَّةِ (^٦)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-254>الفصل الخامس: في آداب السير في الجنازة </span>(^٧)\n\n• عَنِ البَرَاءِ ﵁ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ (^٨)، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ (^٩)، أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ (^١٠) وَعِيَادَةِ المَرِيضِ وَإِجَابَةِ الدَّاعِي (^١١) وَنَصْرِ المَظْلُومِ (^١٢) وَإِبْرَارِ القَسَمِ (^١٣) وَرَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ (^١٤)، وَنَهَانَا عَنْ آنِيَةِ الفِضَّةِ (^١٥) وَخَاتَمِ الذَّهَبِ وَالحَرِيرِ\n_________\nالتعجيل بأمر الميت وموت الغربة\n(^١) أي دخل وقتها، فيحرم تأخيرها عن وقتها، إلا لعذر كنوم ونسيان.\n(^٢) أي حضر ما يلزم لها فيحرم التأخير إذا خيف التغير، ولأبي داود: لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهري أهله، وأما تأخيرها لحضور قرباه أو أهل الفضل والصلاح، فلا بأس به إذا أمن التغير.\n(^٣) الأيم: التي لا زوج لها، إذا طلبها الكفء ورضيت به فيحرم التأخير لأنه مظنة الفساد.\n(^٤) وسبق في أول الصلاة.\n(^٥) محل ولادته وهي المدينة.\n(^٦) منقطع أثره: محل موته، فمن مات بغير بلده الذي ولد فيه أعطى في الجنة بقدر هذه المسافة زيادة على جزاء عمله، لما يناله من الوحشة بموته غريبًا إلا إذا استوطن محلا فلا. والله أعلم.\n\nالفصل الخامس في آداب السير في الجنازة\n(^٧) وهي المشي على القدم إلا لعذر، وتأخير الراكب عنها، والصمت، والتفكر في الموت وما بعده، والسرعة بها، وعدم اتباعها بنار.\n(^٨) أمر إيجاب في إجابة الداعي والثلاثة بعده، وأمر ندب في بقيتها، ففيه استعمال اللفظ في معنييه.\n(^٩) نهي تحريم.\n(^١٠) ظاهره السير خلفها مطلقًا، وعليه الحنفية: وعيادة المريض زيارته وتقدمت.\n(^١١) ستأتي في النكاح مبسوطة.\n(^١٢) بالفعل أو بالقول، فإن الظلم منكر تجب إزالته.\n(^١٣) الحلف. وفي رواية المقسم بلفظ الفاعل، أي الحالف، فإذا حلف إنسان على آخر أن يفعل شيئًا ليس بحرام، فإنه ينبغي فعله إذا أمكنه.\n(^١٤) سيأتيان في الأدب مبسوطين.\n(^١٥) نهي تحريم فيها كلها للرجال فيحرم استعمال إناء الفضة ولو لأنثى، والذهب أولى، لما فيه من=","vol":"1","page":367},{"text":"وَالدِّيبَاجِ وَالقَسِّيِّ والإِسْتَبْرَقِ (^١) وَعَنِ المَيَاثِرِ (^٢). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الجَنَازَةِ (^٣). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَأَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنِ المُغِيرَةِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الرَّاكِبُ يَسيرُ خَلْفَ الجَنَازَةِ، وَالمَاشِي يَمْشِي خَلْفَهَا، وَأَمَامَهَا، وَعَنْ يَمِينِهَا، وَعَنْ يَسَارِهَا قَرِيبًا مِنْهَا (^٤)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِفَرَسٍ مُعْرَوْرىً (^٥) فَرَكِبَهُ حِينَ انْصرَفَ مِنْ جَنَازَةِ ابْنِ الدَّحْدَاحِ وَنَحْنُ نَمْشِي حَوْلَهُ (^٦). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَسْرِعُوا بِالجَنَازَةِ (^٧)، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تقدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُنْ غَيْرَ ذلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عَنْ أَبِيهِ ﵄ أَنَّهُ كَانَ فِي جَنَازَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ وَكُنَّا نَمْشِي مَشْيًا خَفِيفًا، فَلَحِقَنَا أَبُو بَكْرَةَ، فَرَفَعَ صَوْتَهُ، فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَرْمُلُ رَمَلًا (^٨). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٩).\n\n• عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵄ قَالَتْ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا (^١٠). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n_________\n=الخيلاء، وكسر قلوب الفقراء، والتختم بالذهب وما بعده حرام على الرجال دون النساء.\n(^١) الديباج رقيق الحرير، والقسي رديء الحرير، والإستبرق غليط الحرير، فهذه أنواع للحرير، وسيأتي الكلام على هذا مبسوطا في كتاب اللباس إن شاء الله.\n(^٢) المياثر جمع ميثرة، وهي وطاء الراكب من الحرير.\n(^٣) صريح في السير أمامها مطلقا، وعليه الجمهور سلفا وخلفا وأحمد والشافعي، وقال إن المشيع شفيع واللائق أن يكون أمام المشفوع له.\n(^٤) فالماشي يمشي كما يشاء، والراكب يمشي خلفها، ومنه قال مالك: الأفضل للراكب أن يكون خلفها وللماشي أن يكون أمامها، والخلاف بين الأئمة في الأفضل، وإلا فكله مشروع، ولو قيل إن حديث المغيرة مبين للذين قبله لكان حسنًا لما فيه من العمل بها كلها.\n(^٥) بضم فسكون فتح فسكون، أي عار من السرج.\n(^٦) ففيه جواز الركوب حين العودة من الجنازة.\n(^٧) أي بالسير بها إلى القبر.\n(^٨) من باب طلب، والرمل والرملان: الإسراع الوسط بين المشي الخفيف والخبب، وهو سرعة المشي، ومنه قول عمرو بن العاص لولده: إذا أنت حملتني على السرير فامش مشيا بين المشيين، وكن خلف الجنازة، فإن مقدمها للملائكة وخلفها لبني آدم.\n(^٩) بسند صحيح.\n(^١٠) أي لم يفرض علينا، فالنهي للتنزيه وعليه الجمهور، ورخص فيه مالك=","vol":"1","page":368},{"text":"• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا وُضِعَتِ الجَنَازَةُ (^١) وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالْحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كَلُّ شَيْءٍ إِلا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ لَصَعِقَ (^٢)». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-255>ملائكة الرحمن تشيع الجنازة (^٣) ويلزمها عملها</span>\n• عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِدَابَّةٍ وَهُوَ مَعَ الجَنَازَةِ، فَأَبَى أَنْ يَرْكَبَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أُتِيَ بِدَابَّةٍ فَرَكِبَ، فَقِيلَ لَهُ (^٤)، فَقَالَ: «إِنَّ المَلَائِكَةَ كَانَتْ تَمْشِي، فَلَمْ أَكُنْ لِأَرْكَبَ وَهُمْ يَمْشُونَ، فَلَمَّا ذَهَبُوا رَكِبْتُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥).\nوَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي جَنَازَةٍ فَرَأَى رُكْبَانًا (^٦) فَقَالَ: «أَلا تَسْتَحْيُونَ إِنَّ مَلَائِكَةَ اللَّهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ (^٧)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَتُبَعُ المَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ، يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ (^٨) وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ (^٩)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n=لغير الشابة. لحديث ابن أبي شيبة وابن ماجه: رأي عمر امرأة في جنازة فصاح بها، فقال رسول الله - ﷺ - دعها يا عمر. وهذا ما لم تفعل محرما كنوح، وإلا كان حراما، ولأبي داود بسند حسن لا تتبعوا الجنازة بصوت. أي نياحة، ولا نار أي في نحو مجمرة لما فيه من التشاؤم ولأنه عمل الجاهلية.\n(^١) أي إذا وضع الميت على السرير المعد لحمل الموتى.\n(^٢) أي لمات أو غشى عليه من هول قولها، فالميت الصالح وهو سائر إلى القبر يقول: أسرعوا بي لأصل إلى مقام التكريم الذي أعده الله لي والطالح والفاجر يقول: يا ويلى أين يذهبون بي؟ فيؤخذ من هذا أن الميت الصالح إذا أسرع في جنازته، فإنما هو لفرحه بما أعده الله له من النعيم، وإن تمهل أو وقف أحيانا فلكثرة الملائكة أمامه، وأما الفاسق إذا وقف أو تمهل أحيانا فإنما هو لخوفه مما أعده الله له من العذاب. نسأل الله التوفيق والسلامة.\n\nالملائكة تشيع الجنازة\n(^٣) فملائكة الرحمة تشيع جنازة المسلم، إكراما له وفرحابه، وتكثيرًا للشافعين.\n(^٤) أي فسئل عن ذلك.\n(^٥) بسند صحيح.\n(^٦) أي وهم يشيعون الجنازة.\n(^٧) أي فالأحسن أن نمشي كما تمشي الملائكة، ولأنه أدعى للإجابة في الشفاعة، والظاهر أنهم يشيعون جنازة كل مسلم، لقول عمرو السابق: وكن خلف الجنازة، فإن مقدمها للملائكة وخلفها لبني آدم.\n(^٨) الذي يفرش في السرير ويغطى به.\n(^٩) فإذا خرج الميت من بيته=","vol":"1","page":369},{"text":"<span data-type='title' id=toc-256>القيام للجنازة </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا (^٢)، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ (^٣)».\nوَفِي رِوَايَةٍ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ (^٤)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: مَرَّتْ جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقُمْنَا مَعَهُ، فقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا يَهُودِيَّةٌ (^٥) فَقَالَ: «إِنَّ المَوْتَ فَزَعٌ (^٦) فَإِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فَقُمْنَا، وَقَعَدَ فَقَعَدْنَا (^٧). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-257>القبر والدفن ووقته </span>(^٨)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ (^٩) ﴿ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ﴾ (^١٠) -\n_________\n= تبعه الأهل والمال والعمل، فإذا وضع في قبره رجع الأهل والمال وبقي عمله، فإن كان صالحا سره وأسعده، وإلا ضره وأشقاه. نسأل الله حسن العمل.\n\nالقيام للجنازة\n(^١) أي ما ورد فيه.\n(^٢) حتى تمر.\n(^٣) لإدخالها القبر.\n(^٤) تجاوزكم أو توضع للدفن.\n(^٥) جنازة يهودية لا جنازة مسلم.\n(^٦) ذو فزع وهول ينبهان من الغفلة، فالقيام لهول الموت، وللتنبيه ولإكرام الملائكة، كما في رواية إنما قمنا للملائكة وفي رواية إن للموت فزعًا.\n(^٧) أي قام زمنًا فقمنا ثم قعد بعد ذلك فما كان يقوم. وفي رواية قام النبي - ﷺ - للجنازة ثم قعد بعد ذلك، ولابن حبان كان النبي - ﷺ - يأمرنا بالقيام الجنائز، ثم جلس بعد ذلك وأمر بالجلوس، ولأبي داود كان يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد، فمر به حبر من اليهود فقال هكذا نفعل، فجلس النبي - ﷺ - وقال اجلسوا خالفوهم، فلهذا قال بعض الصحب والتابعين وإسحاق: إن القيام للجنازة واجب حتى توضع لقوة حديث أبي سعيد وجابر، وقال الشافعي إنه مستحب، وقال الجمهور والأئمة الثلاثة إنه منسوخ بحديث على ونحوه، فهو مكروه عندهم، وقال النووي والمتولى تأييدا لمذهب الشافعي: إن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع، وهو هنا ممكن بحمل أحاديث الأمر على الندب وأحاديث النهي على واجب القيام، فبقي القيام مندوبا والله أعلم.\n\nالقبر والدفن ووقته\n(^٨) أي ما ورد في القبر من تسويته، وعدم تزيينه، وعدم البناء والجلوس عليه.\n(^٩) أي أمات الله الإنسان، جمله في قبر يستره لحفظه من فتك السباع، ولعدم التأذي بجيفته.\n(^١٠) أحياه للبعث.","vol":"1","page":370},{"text":"• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا (^١)» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢) وَأَحْمَدُ (^٣).\nقَالَ سَعُدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ فِي مَرَضِهِ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ: أَلْحِدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٤). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي الهَيَّاجِ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلا طَمَسْتَهُ (^٥)، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلا سَوَّيْتَهُ (^٦). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ فَضَالَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِتَسْوِيَةِ القُبُورِ (^٧). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَتِ الأَنْصَارُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُد (^٨)، فَقَالُوا: أَصَابَنَا جَهْدٌ وَقَرْحٌ (^٩)، فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «احْفِرُوا وَأَعْمِقُوا وَأَوْسِعُوا وَاجْعَلُوا الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي القَبْرِ (^١٠)» قِيلَ: فَأَيُّهُمْ يُقَدَّمُ؟ قَالَ: «أَكْثَرُهُمْ قُرْآنًا (^١١)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١٢).\n\n• عَنِ المُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ ﵁\n_________\n(^١) اللحد لنا معشر المسلمين والشق لغيرنا من أهل الكتاب، واللحد هو حفر مكان بالجانب القبلي من القبر يسع الميت على جنبه، فيوضع فيه ويسد عليه باللبن، والشق بالفتح حفر وسط القبر وبناء حافتيه، فيوضع فيه الميت، ويسقف عليه باللبن.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) ولفظه اللحد لنا والشق لغيرنا من أهل الكتاب، ولكنهم أجمعوا على جواز الأمرين إلا أن الأرض الرخوة الشق فيها أفضل، وإلا فاللحد أفضل.\n(^٤) اللبن بكسر الباء الطوب النيء أي سقفوا اللحد به ففيه أفضلية اللحد.\n(^٥) التمثال صورة الحيوان والطمس: المحو والإزالة، فإنه كان يعبد من دون الله.\n(^٦) مشرفًا بلفظ الفاعل، أي عاليًا إلا سويته، أي هدمته وسويته بالأرض.\n(^٧) ففيه أن تعلية القبر لا تجوز لما فيه من تغرير البسطاء والجهلة، فيعتقدون فيمن فيه أنه يضر وينفع ويقصدونه من دون الله، ولذا كانت التعلية زيادة عن المأذون فيه محرمة عند أحمد وجماعة منها لهذه العقيدة الفاسدة، قال العلماء ينبغي أن يرفع القبر يسير كشبر ليعرف فيزارو تدفن معه أقاربه، ولكن يسنم كما قاله الأكثر والأئمة الثلاثة لقول سفيان التمار رأيت قبر النبي - ﷺ - مسنما، وقال بعض آل البيت والشافعية إن التسطيح أفضل، لقول القاسم بن محمد بن أبي بكر كشفت لي عائشة عن قبر النبي - ﷺ -، فرأيت قبورًا ثلاثة لا مشرفة ولا لاطئة ولكنها مبطوحة أي مسطحة لا مسنمة، ولأن النبي - ﷺ - سطح قبر ولده إبراهيم، وفعله حجة لا فعل غيره.\n(^٨) بعد نهاية المعركة.\n(^٩) جهد وقرح مشقة وتقريع، وموتانا كثيرون ولا نقدر على حفر قبر لكل إنسان.\n(^١٠) قال احفروا القبور وأعمقوها في الأرض قدر قامة وبسطة ووسعوها، وادفنوا الرجلين والثلاثة في قبر واحد، فهذا جائز للحاجة كضيق الأرض وكثرة الموتى.\n(^١١) فأكثرهم حفظًا القرآن يكون جهة القبلة، ففيه تفضيل لأهل القرآن في الدنيا الأخرى.\n(^١٢) بسند صحيح،=","vol":"1","page":371},{"text":"قَالَ: لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ أُخْرِجَ بِجنَازَتِهِ فَدُفِنَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ (^١) ثُمَّ حَمَلَهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ وَقَالَ: أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأُدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَات مِنْ أَهْلِي (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ﵁ قَالَ: أَوْصى الحَارِثُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ القَبْرَ مِنْ جِهَةِ رِجْلَيِ القَبْرِ، وَقَالَ: هذَا مِنَ السُّنَّةِ (^٣). رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^٤).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا وَضَعَ المَيِّتَ فِي القَبْرِ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٥)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٦). وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: «بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».\n\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ يَقُولُ: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ (^٧) أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ (^٨)، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ (^٩)، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ (^١٠). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: رَأَى نَاسٌ فِي المَقْبَرَةِ نَارًا فَأَتَوْهَا، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي القَبْرِ، وَإِذَا هُوَ يَقُولُ: «نَاوِلُونِي\n_________\n=فأقل القبر حفرة تمنع السباع والرائحة، وأكمله أن يكون واسعًا عميقًا كقامة رجل باسط يديه كالغرفة، وتوضع فيها الموتي كالجاري في مصرنا، والأفضل أن يوضع كل ميت في الحد أو شق في داخل القبر.\n(^١) كشف عنهما.\n(^٢) فحملها النبي - ﷺ -، ووضعها عند رأس القبر، وقال أتعرف بها قبر أخي من الرضاع، وأدفن بجواره الأهل لتسهيل زيارتهم.\n(^٣) فالسنة إدخال الميت برأسه من جهة رجلي القبر، أي مؤخره، وعليه الشافعي وأحمد، وقال الحنفية الأفضل إدخاله من جهة القبلة معرضًا؛ لأنه أسهل، ولحديث جابر الآتي، ويجب وضع الميت على جنبه الأيمن مستقبل القبلة.\n(^٤) بسندين صالحين.\n(^٥) فينبغي قول ذلك من الملحدين والحاضرين.\n(^٦) بسند حسن، وإلى هنا تم الكلام على القبر والدفن، وما يأتي في وقته.\n(^٧) أي نافلة مطلقة، وسبق في أوقات الصلاة، والنهي عن الصلاة للتحريم وعن الدفن للكراهة، لحديث جابر الآتي.\n(^٨) أي ظاهرة حتى ترتفع قدر رمح.\n(^٩) وحين الاستواء حتى تزول، أي تتحول عن وسط السماء.\n(^١٠) تضيف، أي تميل قبيل الغروب، ففيه كراهة الدفن في هذه الأوقات، وقال النووي هذا إذا تعمده كما يكره تأخير العصر إلى الاصفرار، وأما صلاة الجنازة فيها، فأكثر العلماء سلفا وخلفا على أنها مكروهة، وقال الشافعي لا كراهة فيها؛ لأنها ذات سبب.","vol":"1","page":372},{"text":"صَاحِبَكُمْ (^١)، فَإِذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢) وَالتِّرْمِذِيُّ. وَلَفْظُهُ: فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ قِبَلِ القِبْلَةِ وَقَالَ: «رَحِمَكَ اللَّهُ إِنْ كُنْتَ لَأَوَّاهًا تَلاءً لِلْقُرآنِ (^٣)».\n\n<span data-type='title' id=toc-258>لا يزين القبر ولا يبنى ولا يجلس عليه</span>\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ القَبْرُ (^٤) وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ (^٥) وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ (^٦). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ. وَلَفْظ التِّرْمِذِيِّ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تجَصَّصَ القُبُورُ وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا (^٧) وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا وَأَنْ تُوطَأَ (^٨).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابِهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ (^٩)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n_________\n(^١) أي للميت، وكانوا يدفنونه ليلا.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) كثير تلاوته، ففيه جواز الدفن ليلا وأن دفن الميت لا يحط بالكرامة، والله أعلم.\n\nلا يزين القبر ولا يبني ولا يجلس عليه\n(^٤) أي نهى عن طلائه بالجص، وهو البياض، ويسمى قصا كما في رواية، والزينة أولى بالمنع، لأنه مسكن الموتى، فلا معنى لها بل فيه إضاعة مال، وهي حرام، وقد رخص في تطيين القبر الحسن البصري والشافعي.\n(^٥) أي ونهى عن القعود عليه والوقوف، والنوم أولى بالمنع.\n(^٦) ونهى عن بناء مسكن أو قبة عليه، والنهي للتحريم إذا كانت المقبرة مسبلة أو موقوفة للدفن وإن كان في ملكه فمكروه لعدم التضييق، وجوز بعضهم رفع القباب على قبور الأنبياء والصالحين لإحياء ذكرهم، وعند الحنابلة مكروه مطلقا.\n(^٧) فالكتابة عليها مكروهة ولو قرآنا إلا قبر عالم أو صالح، فلا بأس من كتابة اسمه ليعرف، فيزار، وعليه الشافعية والحنابلة، وقال الحنفية: إنها مكروهة تحريما إلا إذا خيف ذهاب أثره فلا، وقال المالكية: إن كانت قرآنا حرمت، وإن كانت لبيان اسمه وتاريخه، فهي مكروهة.\n(^٨) أي تداس بالأقدام.\n(^٩) فإحراق بعض الثوب والجسم خير من الجلوس على القبر، وظاهر ذلك أنه حرام، وهو محمول على ما إذا جلس لبول أو غائط لقول أبي هريرة: من جلس على قبر يبول أو يتغوط فكأنما جلس على جمرة، وأما القعود فقط أو القيام أو الاتكاء بل النوم والأكل ونحوها فمكروه عند الجمهور، ومباح عند الإمام مالك، وحديث: رأى النبي - ﷺ - رجلا قد اتكأ على قبر فقال له: لا تؤذ صاحب القبر. ضعيف والله أعلم.","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type='title' id=toc-259>يجوز نقل الميت كما يجوز نبش القبر للحاجة </span>(^١)\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ (^٢) فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. وَزَادَ: فَأَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَمَا أَنْكَرْتُ مِنْهُ شَيْئًا إِلا شُعَيْرَاتٍ. كُنَّ فِي لِحْيَتِهِ مِمَّا يَلِي الأَرْضَ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ وَأُمِرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ فَقَالَ: «يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هذَا (^٣)»، فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلا إِلَى اللَّهِ، فَأَمَرَ بِقُبُورِ المُشْرَكَينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالخِرَبِ فَسُوِّيَتْ (^٤)، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدَ (^٥)، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الحِجَارَةَ (^٦)، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ (^٧) وَالنَّبِيُّ ﷺ مَعَهُمْ وَهُوَ يَقُولُ:\nاللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلا خَيْرُ الآخِرَه … فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَه\nرَوَاهُ الثَّلَاثَةِ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا (^٨)». رَوَاهُ\n_________\nيجوز نقل الميت كما يجوز نبش القبور للحاجة\n(^١) راجع لنقل الميت ونبش القبور، ولكن تجمع الرمم والعظام، وتدفن في محل عميق بعيد عن المياه والنجاسة تكريما لها.\n(^٢) هو عمرو بن الجموح الأنصاري وكان صديقا لأبي جابر واستشهدا بأحد ودفنا في قبر واحد في تطب نفس جابر، فأخرجه أي أباه بعد ستة أشهر، فوجده كما هو، إلا شعيرات سقطت من لحيته، وقيل إن الحسن نقل أباه عليا ﵉ إلى المدينة، ومات سعد وسعيد بن زيد بالعقيق، فنقلا إلى المدينة ودفنا بها، ففيها جواز نقل الميت قبل الدفن وبعده إلى محل آخر، ويجب نقله إذا طلبه مالك القبر أو خاف العرق أو التغيير. ويجوز نقله من وسط قوم أشرار، فأصل النقل جائز للحاجة، نعم لا ينقل الشهيد من محل المعركة، فإنهم حملوا قتلاهم يوم أحد لدفنها بالمدينة فنادي المنادي: إن رسول الله - ﷺ - يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم، فرددناهم، رواه أصحاب السنن.\n(^٣) أي بيعوني بالثمن حائطكم هذا، أي بستانكم وكان فيه قبور المشركين ونخيل فجمعت عظام الموتى ودفنت في مكان عميق.\n(^٤) الخرب جمع خربة وهي الحفرة التي أخرجت منها الرمم.\n(^٥) أي قطعوا النخل ووضعوه جهة القبلة.\n(^٦) تثنية عضادة وهى حافة الباب جعلوها من الأحجار الكبيرة.\n(^٧) ينشدون من الرجز.\n(^٨) سببه أنهم كانوا في جنازة وكان النبي - ﷺ - جالسا على شفير القبر، فظهر للحفار عظم ساق أو عضد، فأراد كسره، فقال النبي - ﷺ - لا تكسره فإن كسرك إياه ميتا ككسرك إياه حيا، ولكن دسه في جانب القبر. وفي رواية: أذى المؤمن في موته كأذاه في حياته، أي فتحرم إهانة الميت فإنه يشعر ويتألم.","vol":"1","page":374},{"text":"أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ (^١).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ ﵄ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ فَمَرَرْنَا بِقَبْرٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ (^٢)، وَكَانَ بِهذَا الحَرَمِ يَدْفَعُ عَنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ الَّتِي أَصَابَتْ قَوْمَهُ بِهذَا المَكَانِ فَدُفِنَ فِيهِ وَآيَةُ ذلِكَ أَنَّهُ دُفِنَ مَعَهُ غَصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ (^٣) إِنْ أَنْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ مَعَهُ فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَاسْتَخْرَجُوا الغُصْنَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-260>الفصل السادس: في سؤال القبر وعذابه </span>(^٥)\n\n• عَنِ البَرَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أُقْعِدَ المُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ (^٦) أُتِيَ (^٧) ثُمَّ يَشْهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ (^٨) فَذلِكَ قَوْلُهُ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ (^٩)».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ\n_________\n(^١) بسند صالح.\n(^٢) ككتاب، وهو أبو ثقيف كان بالحرم، وسمع بالنقمة التي حلت بقومه، فبقي فيه تحفظ منها، فلما خرج نزلت به، قيل هذا الرجل من قوم صالح، وقيل من قوم لوط، فعن مجاهد أنه قيل له هل بقي من قوم لوط أحد قال: لا، إلا رجل بقي بالحرم أربعين يوما فجاءه حجره ليصيبه بالحرم، فقالت له ملائكة الحرم: ارجع من حيث جئت، فإن الرجل في حرم الله فرجع الحجر، فوقف خارجا من الحرم أربعين يوما بين السماء والأرض حتى قضى الرجل حاجته وخرج من الحرم إلى هذا المكان، فأصابه الحجر فقتله فدفن فيه.\n(^٣) وعلامة ذلك أن معه قضيبا من ذهب كان يتوكأ عليه، وكان نحو نيف وعشرين رطلا فنبشوا القبر وأخذا القضيب، ففيه جواز نبش القبر للحاجة.\n(^٤) بسند صالح والله أعلم.\n\nالفصل السادس في سؤال القبر وعذابه\n(^٥) سؤال القبر وعذابه ثابتان في السنة من الأحاديث الآتية، وفي القرآن أيضا من قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ومن قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.\n(^٦) بعد دفنه ورد التراب عليه.\n(^٧) بلفظ المجهول أي أتاه ملكان أسودان أزرقان، وهما المنكر والنكير؛ لأن خلقهما لا يشبه الملائكة ولا الإنس ولا غيرهما، ولكنهما يثبتان المؤمن ويبشرانه ويخوفان غيره ويعذبانه.\n(^٨) جوابا على سؤالهما عن الله تعالى، وعن الرجل الذي بعث فيكم، وعن الدين الذي كان عليه في حياته، كما يأتي في الرقائق من كتاب الزهد.\n(^٩) التثبيت في الدنيا على الإيمان حتى يموتوا عليه، وفي الآخرة عند سؤال القبر وفتنته، ولمسلم نزلت هذه الآية في عذاب القبر، فيقال له: من ربك، فيقول: ربي الله ونبي محمد - ﷺ -.","vol":"1","page":375},{"text":"إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ (^١) أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ (^٢): مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هذَا الرَّجُلِ - لِمُحَمَّدٍ ﷺ (^٣) - فَأَمَّا المُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ (^٤) قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا وَأَمَّا الكَافِرُ أَو المُنَافِقُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هذَا الرَّجُلِ (^٥) فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ (^٦) فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ (^٧) وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ (^٨) مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ (^٩)». رَوَاهُمَا الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَسمَاءَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ (^١٠): «مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هذَا حَتَّى الجَنَّة وَالنَّارَ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنكُمْ تفتْنُونَ فِي قُبُورِكُمْ (^١١) مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ أَو المُوقِنَ فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَالهُدَى، فَأَجَبْنَاهُ وَاتَّبَعْنَاهُ، هُوَ مُحَمَّدٌ ثَلَاثًا (^١٢)، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا، قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ (^١٣)، وَأَمَّا المُنَافِقُ أَو المُرْتَابُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا، فَقُلْتُهُ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ\n_________\n(^١) أي حركة انصرافهم.\n(^٢) أي له.\n(^٣) لم يقولا في هذا النبي ونحوه من ألفاظ التعظيم ابتلاء وامتحانا.\n(^٤) الذي كنت تعذب فيه لو لم تأت مسلما.\n(^٥) الإشارة للنبي - ﷺ -.\n(^٦) هذه قولة المنافق، فإنه كان مسلما في الظاهر، وأما الكافر فلا يقول ذلك بل يقف.\n(^٧) بقلب الواو ياء ازدواجا مع دريت، وهما دعاء عليه، أي لا كنت داريا ولا تاليا. أو إخبار بحاله، أي لا علمت بنفسك ولا تبعت العلماء في قولهم.\n(^٨) وفي رواية: بمطرقة.\n(^٩) وهما الإنس والجن لثقل الأرض بهما.\n(^١٠) في خطبته بعد صلاة الكسوف.\n(^١١) بالسؤال والعذاب، وأو هنا وفيما يأتي للشك من فاطمة الراوية عن أسماء.\n(^١٢) أي يكررها ثلاثًا.\n(^١٣) وفي رواية: نم كنوم العروس الذي لا يوقظه إلا أحب الناس إليه.","vol":"1","page":376},{"text":"مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ (^١)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ (^٢)»، ثمَّ قَالَ: «بَلى أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ (^٣)، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَبْرِيءُ مِنْ بَوْلِهِ (^٤)». وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» قَالَ: ثمَّ أَحَذَ عُودًا رَطْبًا، فَكسَرَهُ بِاثْنَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ، ثُمَّ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَم يَيْبَسَا (^٥)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\nوَلِلشَّيْخَيْنِ وَالنَّسَائِيِّ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو: «اللَّهُمَّ إِنَّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ (^٦)».\n\n• عَنْ هَانِئٍ مَوْلَى عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ فَقِيلَ لَهُ: تَذْكُرُ الجَنَّةَ وَالنَّارَ، فَلَا تَبْكِي وَتَبْكِي مِنْ هذَا فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنْ القَبْرَ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ» قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلا القَبْرُ أَفظَعُ مِنْهُ (^٧)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٨).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضى عَنْهُ (^٩)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ\n_________\n(^١) مقعد الشخص هو منزله الذي سيخلد فيه، فكل ميت يعرض عليه مكانه بكرة وعشيا، إن كان من أهل الجنة فكأنه من الجنة، وإلا فمكانه من النار، ففيه تفريح وتنعيم للمؤمن وتحزين وتعذيب لغيره، ومنه في الكفار: ﴿النار يعرضون عليها غدوًا وعشيا﴾.\n(^٢) من أجل شيء كبير في نظركم، ثم قال: بلى إنه عند الله كبير، فهذا كقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾.\n(^٣) وهي نقل الكلام على جهة الإفساد بين العباد، وهذا ذنب عظيم.\n(^٤) أي لا يتحفظ منه، فكانت عبادته لا تصح.\n(^٥) وفي رواية: ثم أخذ جريدة رطبة، فشقها نصفين، وغرز في كل قبر شقًّا، وقال لعله يخفف عنهما ما دام رطبا، فإن الرطب يستغفر للميت ما دام على قبره، فينبغي وضع الأخضر على القبر، ولا سيما الريحان لطيب رائحته، وكذا الجريد بخوصه لطول مدته رطبا.\n(^٦) فما تعوذ النبي - ﷺ - من عذاب القبر إلا لعلمه به.\n(^٧) أي ما رأيت منظرًا فظيعًا شنيعًا إلا وكان القبر أفظع منه، وذامنه - ﷺ - لأنه كان يرى عذاب القبر ويسمعه، نعوذ بالله منه.\n(^٨) بسند حسن.\n(^٩) أي روح المؤمن بعد موته محجوزة عن=","vol":"1","page":377},{"text":"وَابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ (^١).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ صَوْتًا مِنْ قَبْرٍ (^٢) فَقَالَ: «مَتَى مَاتَ هذَا؟» فَقَالُوا: مَاتَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَسُرَّ بِذلِكَ (^٣) وَقَالَ: «لَوْلَا أَلا تَدَافَنُوا (^٤) لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ القَبْرِ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَمُسْلِمٌ (^٥).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «هذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ العَرْشُ، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ المَلَائِكَةِ لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً، ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ (^٦)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ هُنَا وَالشَّيْخَانِ فِي الفَضَائِلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-261>الدعاء بالتثبيت والتلقين </span>(^٧)\n\n• عَنْ عُثُمَانَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ المَيِّتِ وَقفَ عَلَيْهِ (^٨) فَقَالَ:\n_________\n= مقامها الكريم حتى يقضي عنه دينه، فيه نوع تعذيب إلا إذا كان مضطرًا ولم يجد سدادًا، وإن كان ظاهره الإطلاق ترهيبًا من الاستدانة، وكان النبي - ﷺ - أولا لا يصلى على من مات وعليه دين، فلما فتح الله عليه قال: من ترك دينًا فعليّ، وكان يصلى عليه، ومعلوم أنه يجب سداد الدين قبل الوصية وقسمة التركة، قال تعالى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.\n(^١) بسند حسن.\n(^٢) يعذب صاحبه.\n(^٣) لسماعه أنه جاهلي، ولعل عذابه على غير التوحيد، فلا ينافي ما قاله الجمهور من نجاة أهل الفترة.\n(^٤) أي لا تتدافنوا، أي ألا يدفن أحياؤكم أمواتكم، أي لولا خوفي من عدم دفنكم لموتاكم لسألت الله أن يكشف عنكم تسمعوا عذاب القبر؛ ولكني لا أسأله ذلك رحمة بكم.\n(^٥) في صفة النار، فأحاديث الفصل السابقة كلها تفيد سؤال القبر وعذابه صراحة أو ضمنًا، كما تفيد أن الميت حي حياة برزخية في نعيم القبر أو عذابه، كما يأتي في الزهد:» إنما القبر روضة من رياض أو حفرة من حفر النار»» والقبر أول منزل من منازل الآخرة» لا يدرك حاله الأحياء، إنما يدركه من وصل إليه.\n(^٦) الإشارة إلى سعد بن معاذ سيد الأوس، وسيأتي فضله في الفضائل إن شاء الله، فأبواب السماء فتحت لروحه واهتز العرش وحملته فرحًا به، وحضره في وفاته وتشييع جنازته سبعون ألف ملك احتفالا به ﵁، ومع هذا لم ينج من ضمة القبر وفي رواية: لو نجا أحد من ضغطة القبر لنجا سعد، ولقد ضم ضمة اختلفت منها أضلاعه من أثر البول. ولأحمد: إن للقبر ضغطة لو كان أحد ناجيًا منها نجا منها سعد بن معاذ، فلا يسلم منها ومن السؤال إلا الأنبياء؛ لأنهم معصومون، وإلا الأطفال؛ لأنهم ليسوا مكلفين، وهي نوع من فتنة القبر وعذابه للتطهير، والإنسان من الأرض فهو كولدها، فإذا عاد فيها ضمته كضم الوالدة لولدها إذا حضر بعد غيابه. ولأحمد وأبي نعيم عن طاوس: إن الموتى يفتنون في قبورهم سبعًا والمنافق يفتن أربعين صباحًا، ولعل هذا سبب إحياء ليلة الأربعين بعد الوفاة. والله أعلم.\n\nالدعاء بالتثبيت والتلقين\n(^٧) أي مطلوبان عقب الدفن.\n(^٨) على قبره.","vol":"1","page":378},{"text":"«اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَاسْأَلُوا بِالتَّثْبيتِ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالبَزَّارُ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-262>الفصل السابع: في التعزية وزيارة القبور </span>(^٢)\n\n• عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ ﷺ (^٣) إِلَيْهِ أَنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ (^٤) فَأْتِنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ وَيَقُولُ: إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمىًّ، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ (^٥) فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لِيَأْتِيَنَّهَا (^٦)، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ\n_________\n(^١) أي إن أخاك يسأل الآن، فادعوا له بالمغفرة والتثبيت، نحو اللهم ثبته عند السؤال ولقنه حجته، ففيه طلب الدعاء للميت وأنه ينفعه كالصدقة الآتية، كما يندب تلقينه الجواب عقب الدفن، فعن أبي أمامة قال: إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا النبي - ﷺ -، فقال: إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يستوى قاعدًا، ثم يقول يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تشعرون فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآن إماما، فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا ما يقعدنا عند من لقن حجته؟ فقال رجل: يا رسول الله فإن لم يعرف أمه، قال ينسبه إلى أمه حواء يا فلان بن حواء. رواه الطبراني والحنبلي في الشافي، وقال الحافظ: إسناده صالح، وكان جماعة من التابعين يوصون بذلك، وسيأتي تحقيق النسبة إلى أحد الأبوين في كتاب الأدب إن شاء الله.\n\nالفصل السابع في التعزية وزيارة القبور\n(^٢) في التعزية أي في معناها وفي حكمها وفضلها، والتعزية التصبر، والعزاء الصبر، وعزاه صبره بأي كلام كقوله: أعظم الله أجرك وصبرك الله وأحسن عزاءك وغفر لميتك وأخلفك خيرا منه، إن كان له خلف كزوج وولد، بخلاف الأب ونحوه، وأحسن لفظ فيها: إن الله ما أخذ، الآتي والتعزية سنة. قال الشافعي ﵁ يعزي صاحبًا له في ولده:\nإني معزيك لا أني على ثقة … من الخلود ولكن سنة الدين\nفما المعزى بباق بعد ميته … ولا المعزى ولو عاشا إلى حين\n(^٣) زينب في ابنها على بن أبي العاص، وقيل رقية في عبد الله بن عمان، وقيل فاطمة في محسن بن عليّ.\n(^٤) أخذ في النزع.\n(^٥) فقال للرسول: أقرئها السلام وقل لها إن لله ما أخذ من ولد وغيره، وله ما أعطى من ذلك، وكل شيء في علمه إلى حد معلوم، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، فلتصبر على حكم الله ولتحتسب أي تنو بصبرها طلب الثواب من ربها ليزداد بذلك، فهذه هي كلمات التعزية التي وجهها النبي - ﷺ - لابنته.\n(^٦) فرجعت الرسولَ إلى النبي - ﷺ -، وأقسمت عليه لابد يأتي.","vol":"1","page":379},{"text":"بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ (^١) فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ (^٢) كَأَنَّهَا شَنٌّ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ (^٣)، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هذَا؟ فَقَالَ: «هذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ (^٤) وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِيُعَزِّ المُسْلِمِينَ فِي مَصَائِبِهِمُ المُصِيبَةُ بِي (^٥)». رَوَاهُ الإِمَامُ مَالِكٌ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ (^٦) قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (^٧): «اصْنَعُوا لِأَهْلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ (^٨)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٩).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ (^١٠)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالحَاكِمُ (^١١).\n_________\n(^١) وذهبوا إليها، وامتنع أولا مبالغة في إظهار التسليم لله جل شأنه.\n(^٢) بتاءين فقافين بينهما عين ساكنة، أي تضطرب كأنها شن أي قربة يابسة فيها ماء.\n(^٣) أي سألت عيناه - ﷺ - بالدموع.\n(^٤) أن هذه الحال التي رأيتها مني أثر الرحمة التي فطرني الله عليها، والبكاء من رحمة القلب جائز بل لصاحبه مزيد رحمة كما قال: وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.\n(^٥) فمن أصابته أي مصيبة فليصبر نفسه بموته - ﷺ -، فإنه أعظم مصيبة لأهل الأرض.\n(^٦) خبر موته، وكان قد استشهد في غزوة مؤتة.\n(^٧) لأهل بيته.\n(^٨) من باب منع، أي جاءهم حزن عظيم يشغلهم عن الطعام والشراب، فيندب الأقارب أهل الميت والجيران أن يبعثوا لهم ما يكفيهم يوما وليلة، ففيه تسلية لهم كما أنهم يكرمون أولئك في أفراحهم.\n(^٩) بسند صحيح، والسنة في التعزية مرة واحدة لحديث: التعزية مرة. وبعد الدفن أفضل عند الشافعي وجماعة لمعظم المصاب بالفارقة، وقال بعض الأئمة: قبل الدفن أفضل، لحديث: فإذا وجب فلا تبكين باكية. وحملوا الواجب على الدفن، وحمله الأولون على خروج الروح.\n(^١٠) هذا مبالغة في عظم أجره ولابن ماجه:» ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة». وللشافعي: لما توفي رسول الله - ﷺ - وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول: إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفًا من كل هالك ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب. ولأحمد وابن ماجه:» ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن قدم عهدها، فيحدث لذلك استرجاعًا إلا جدد الله ﵎ له عند ذلك، فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب» وفضل الله واسع.\n(^١١) بسند ضعيف ولكنه في الترغيب.","vol":"1","page":380},{"text":"<span data-type='title' id=toc-263>زيارة القبور والدعاء لأهلها </span>(^١)\n\n• عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَقَدْ أُذِنَ لِمُحَمَّدٍ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّهِ فَزُورُوهَا (^٢)، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ (^٣)». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ وَاللَّفْظ لِلتِّرْمِذِيِّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ البَقِيعِ (^٤) فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ» قَالَتْ: قلْتُ كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «قُولِي السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالمُسْتَأْخِرِينَ (^٥)، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ (^٦)». وَفِي رِوَايَةٍ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ (^٧) مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَلَاحِقُونَ، أَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ العَافِيَةَ (^٨)». رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى المَقْبَرَةَ فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ (^٩) مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقُبُورِ المَدِينَةِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ القُبُورِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ، أَنْتُمْ سلَفُنَا وَنَحْنُ بِالأَثَرِ (^١٠)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١١).\n_________\nزيارة القبور والدعاء لأهلها\n(^١) مندوبان لفائدة الطرفين.\n(^٢) أي القبور، والأمر للندب عند الجمهور، وللوجوب عند ابن حزم ولو مرة واحدة في العمر.\n(^٣) وتذكر الموت، وذكر الموت يزهد في الدنيا ويرغب في العقبي، والميت يأنس بالزائر، وينتفع بالدعاء والقرآن وما تسمح به الحال من صدقة، وهذه هي حكمة الزيارة.\n(^٤) مقبرة أهل المدينة، وقولها: كيف أقول لهم، أي للأموات عند زيارتهم.\n(^٥) أي في الموت.\n(^٦) الإتيان بالمشيئة للتبرك، وإلا فالموت محقق.\n(^٧) نصب على النداء أو على الاختصاص.\n(^٨) العفو عما اقترفنا.\n(^٩) أي يا أهل دار قوم.\n(^١٠) تقدمتمونا إلى الموت ونحن تابعون إن شاء الله، فيندب الزائر القبور السلام عليهم أولا، والدعاء له ولهم ثانيًا، ويتأكد الإخلاص فإنه مفتاح القبول، وطلب السلام على الموتى يفيد أنهم يشعرون ويدركون، فإن الموت ليس عدما محضا بل هو انتقال من دار إلى دار، يفني الجسم وتبقى الروح كاملة الإحساس في عذاب أو نعيم إلى يوم يبعثون.\n(^١١) بسند حسن.","vol":"1","page":381},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ زَائِرَاتِ القُبُورِ (^١) وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ (^٢) وَالسُّرُجَ (^٣)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-264>زيارة النبي ﷺ قبر أمه </span>(^٥)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ فَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي فَزُورُوا القُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ المَوْتَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n_________\n(^١) ولفظ الترمذي: إن رسول الله - ﷺ - لعن زوّارات القبور، واللعن يفيد تحريم زيارتهن لقلة صبرهن وكثرة جزعهن، وكل حديث يحرم خروجهن للجنازة أو زيارتهن للقبور فمحمول على ذلك، وإلا فزيارة النساء للقبور جائزة بشرط الصبر وعدم الجزع، وعدم التبرج، وأن يكون معها زوج أو محرم منعًا للفتنة، لعموم الحديث الأول، ولقول عائشة في الحديث الثاني: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولى السلام على أهل الديار .. الخ. ولزيارة عائشة لقبر أخيها عبد الرحمن، فلما اعترضها عبد الله قالت: نهي رسول الله، عن زيارة القبور، ثم أمر بزيارتها. رواه أحمد وابن ماجه.\n(^٢) سبق الكلام على ذلك في المساجد.\n(^٣) فلا تجوز السرج على القبور؛ لأنها إضاعة مال، إلا إذا كان هناك أحد من الأحياء، فيجوز له الإسراج.\n(^٤) بسند صحيح.\n\nزيارة النبي - ﷺ - قبر أمه\n(^٥) هي السيدة آمنة بنت وهب رحمها الله ورضي عنها، ولما زار قبرها النبي - ﷺ - بكى لعدم بقائها إلى الإسلام وتمتعها به، ولم يأذن الله تعالى لنبيه - ﷺ - في الاستغفار لأمه؛ لأن الاستغفار شرطة الإسلام وقد ماتت على دين قومها قبله، وهذا لا ينافي دخولها الجنة فإنها من أهل الفترة. والجمهور على أنهم ناجون قال تعالى ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ أي إلى كل أمة، بل قد ورد وصح عند أرباب الكشف أن الله تعالى أحيا أبوي النبي - ﷺ - بعد رسالته، فآمنا به - ﷺ -، فلهذا كانا من أهل الجنة قطعًا، قال بعضهم:\nأيقنت أن أبا النبي وأمه … أحياهما الرب الكريم الباري\nحتى له شهدا بصدق رسالة … صدق فتلك كرامة المختار\nهذا الحديث ومن يقول بضعفه … فهو الضعيف عن الحقيقة عاري\nولا بعد ولا غرابة، فضل الله واسع وإكرامه لحبيبه أجل وأوسع، والله أعلم.","vol":"1","page":382},{"text":"<span data-type='title' id=toc-265>خاتمة: ينتفع الميت بعمل غيره </span>(^١)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَجُلًا (^٢) أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا (^٣) وَلَمْ تُوصِ وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ (^٤)، أَفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: تُوُفِّيَتْ أُمُّ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِن تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي المِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَنْهَا (^٥). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «المَاءُ» (^٦)، قَالَ: فَحَفَرَ بِئْرًا وَقَالَ: هذِهِ لِأَمِّ سَعْدٍ (^٧). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ: «فَتِلْكَ سِقَايَةُ سَعْدٍ بَالمَدِينَةِ» (^٨). وَاللَّهُ أعْلَمُ.\nعدد الأحاديث من أول الكتاب إلى هنا ٨٧٥ خمسة وسبعون وثمانمائة\n(إلى هنا تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني إن شاء الله وأوله كتاب الزكاة)\n_________\n﴿خاتمة﴾ ينتفع الميت بعمل غيره\n(^١) سواء كان قريبًا له، أولا، أذن له أولا.\n(^٢) قيل هو سعد بن عبادة.\n(^٣) من الافتلات، وهي البغتة والفجأة، أي خرجت روحها فجأة.\n(^٤) أي لو ملكت نفسها لتصدقت بشيء ينفعها.\n(^٥) المخراف بكسر فسكون، بيان لحائطى، والمخراف والمخرف الحديقة من نخل أو غيره، وسمي مخراقًا لأنه يخترف ويجني ثمره، أي أشهدك أن بستاني المخراف وقف على روحها.\n(^٦) لحاجة كل مخلوق إليه، وهذا سؤال آخر.\n(^٧) أي هذه البئر صدقة على روح أم سعد.\n(^٨) أي لا تزال بها إلى الآن، ومنه ما سبق في العلم: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له. ومنه: استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت، السابق في التلقين. ومنه الدعاء للموتى في زيارة القبور السابقة ومنه: ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾. فهذه صريحة في أن الميت المسلم ينتفع بالصدقة والدعاء كما ينتفع بصلاة الجنازة عليه، وهذه كلها بإجماع=","vol":"1","page":383},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أهل السنة وتقدم أنه ينتفع بالقراءة على رأي الجمهور إلا إذا وهب له ثوابها، وإلا كانت كالدعاء، والصلاة على النبي - ﷺ - من الدعاء وسيأتي في الصوم: من مات وعليه صيام صام عنه وليه. بل والحي أيضا ينتفع بعمل الغير لقوله تعالى - وكان أبوهما صالحًا - ولقوله تعالى - يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض - ولما يأتي في الحج: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم ولما سيأتي في الأخلاق: الدال على الخير كفاعله. ولما سيأتي في كتاب القيامة من الشفاعة. ونحو ذلك في الشريعة كثير ولا يرد قوله تعالى - وأن ليس للإنسان إلا ما سعى - فإنها في الكافر أو في الأمم الماضية، أو هو عام مخصوص بغير ذلك. ففهم مما تقدم أن الإنسان ينتفع بعمل غيره إذا نواه له، وقالت المعتزلة لا ينتفع لقوله تعالى - وأن ليس للإنسان إلا ما سعى - قال أبو العباس أحمد بن تيمية: من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع، وذلك باطل من وجوه كثيرة، أحدها أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره وهو انتفاع بعمل الغير، وثانيها أن النبي - ﷺ - يشفع لأهل الموقف ولأهل الجنة في دخولها ولأهل الكبائر في خروجهم من النار، ودخولهم الجنة، وثالثها الملائكة يدعون ويستغفرون لأهل الأرض، ورابعها أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم، وخامسها الغلامان اليتيمان بعمل أبيهما وكان أبوهما صالحًا، وسادسها انتفاع الميت بالصدقة والعتق بنص السنة والإجماع، وسابعها الحج المفروض والمنذور يسقطان عن الميت بعمل وليه، وثامنها المدين إذا مات يسقط دينه بأداء الغير عنه، وتاسعها صلاة النبي - ﷺ - على النجاشي وغيره بعد موتهم اهـ.\nوهذه كلها والحمد لله في كتابنا، كل في موضعه، قال في شرح الكنز: إن آية -وأن ليس للإنسان إلا ما سعى- منسوخة بقوله تعالى - وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ - أو هي في الكافر أو ليس له وجوبًا شرعيًّا، وله من فضل الله ما عمله الغير له، أو أن اللام بمعنى على كقوله: - ولهم اللعنة- أي عليهم، قال في شرح الكنز: وللإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة كان أو وصومًا أو حجًّا أو صدقة أو قراءة قرآن، أو غير ذلك من جميع أنواع البر، ويصل ذلك إلى الميت، وينفعه عند أهل السنة، والله أعلم وعلمه أتم وأكمل.\n* * *","vol":"1","page":384},{"text":"التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول ﷺ\n\nتأليف\nالشيخ منصور علي ناصف\nمن علماء الأزهر الشريف\n\nوعليه\nغاية المأمول - شرح التاج الجامع للأصول\n\nالجزء الثاني\n\nالطبعة الخامسة\n١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م\n\nجميع الحقوق محفوظة\nدار إحياء التراث العربي\nبيروت - لبنان","vol":"2","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type='title' id=toc-266>كتاب الزكاة </span>(^١)\nوفيه تسعة أبواب وخاتمة\n\n<span data-type='title' id=toc-267>الباب الأول: في فرضية الزكاة وفضلها </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٣). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ (^٤): «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ (^٥)، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ (^٦)، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذلِكَ (^٧) فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ\n_________\n(كتاب الزكاة وفيه تسعة أبواب وخاتمة - الباب الأول في فرضية الزكاة وفضلها)\n(^١) وهي لغة: التطهير والنماء. وشرعًا: ما يخرج عن مال أو بدن على وجه مخصوص.\n(^٢) في النصوص الدالة على أنها فرض والدالة على فضلها.\n(^٣) فهذه الآية والتي قبلها تفيدان فرضية الزكاة، كما صرح بها الحديثان الأولان الآتيان، بل هي ركن من أركان الإسلام، وشرعت في السنة الثانية من الهجرة، وحكمة الزكاة حفظ الأموال وماؤها، وتزكية النفوس وتطهيرها، والأجر الكبير، وواسع الرحمة، وصلاة الرسول ﷺ على مخرجها، ودعاء الملائكة له، ورضاء الله ورسوله وجميع الخلق عنه، فيسعد في الدارين. نسأل الله ذلك.\n(^٤) سنة عشر قبل حجة الوداع، واليًا ومعلما وقاضيا.\n(^٥) أهل علم بشيء مما في التوراة والإنجيل، وخصهم لفضلهم على غيرهم والرجاء سرعة إجابتهم، وإلا فهو مبعوث لكل أهل اليمن.\n(^٦) دعاهم بكلمة التوحيد أولا؛ لأنها أصل الدين، ولا يصح أي شيء قبل الاعتراف بها.\n(^٧) اعترفوا به.","vol":"2","page":3},{"text":"في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً (^١) تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ (^٢)، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ (^٣)، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ (^٤)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا (^٥) أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ (^٦)، قَالَ: «تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا (^٧)، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ (^٨)، وَتَصُومُ رَمَضَانَ (^٩)». قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هذَا (^١٠)، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ سَرَّه أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلى هذَا».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا (^١١)». رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ (^١٢) - وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ (^١٣) - إِلا أَخَذَهَا الرَّحْمنُ بِيَمِينِهِ (^١٤)\n_________\n(^١) زكاة.\n(^٢) يأخذها الوالى أو نائبه ويعطيها لفقرائهم، ففيه أنه لا يجوز دفعها للكافر ولا يجوز نقلها لبلد آخر إلا إذا فضلت عنهم أو قضت به ضرورة وسيأتي ذلك.\n(^٣) احذر أن تأخذ نفائس أموالهم.\n(^٤) اجتنب الظلم لئلا تصيبك دعوة المظلوم، فإنها سريعة الإجابة، وبدأ بالأهم فالأهم تلطفا في الدعوة فإنه لو طالبهم بالكل من أول الأمر ربما نفرت نفوسهم، وسكت عن الصيام والحج لأنهما معلومان، أو اهتماما بشأن الأركان الثلاثة؛ لكثرة ذكر الصلاة والزكاة في القرآن، أو اكتفاء بذكرها في الدعوة إلى الإسلام.\n(^٥) هو أبو أيوب الأنصاري أو هو ابن المنتفق، أو أعرابي، ويحتمل تعدد السؤال من هؤلاء.\n(^٦) أي كنت من أهلها.\n(^٧) تعترف بكلمتي التوحيد.\n(^٨) هذا هو المقصود هنا.\n(^٩) سكت عن الحج لأنه معلوم أو لعدم فرضه حينئذ.\n(^١٠) فيه أن من مات عاملا بأركان الإسلام فهو مقطوع له بالجنة، ويدخلها من غير عذاب إذا ابتعد عن الكبائر، كما في الحديث الأخير الآتي.\n(^١١) ففي صباح كل يوم ينزل من السماء ملكان يدعو أحدهما للمنفق بالعوض، ويدعو الآخر على الممسك بالتلف، يسمعهما كل شيء إلا الإنس والجن، ولا شك أن دعاءهم مقبول.\n(^١٢) أي حلال.\n(^١٣) جملة معترضة بين الشرط وجزائه لبيان: أن الله لا يقبل إلا الحلال.\n(^١٤) كناية عن القبول الحسن.","vol":"2","page":4},{"text":"وإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمنِ (^١) حَتَّى تَكُون أَعْظَمَ مِنْ الْجَبَلِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ (^٢)».\nرَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ. وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ: وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ (^٣) فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ (^٤): يَا عَبْدَ اللَّهِ هذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ (^٥) دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ». قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ (^٦) فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ (^٧)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٨).\n\n• وَعَنْهُ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵄ قَالَا: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَكَبَّ، فَأَكَبَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَبْكِي لَا نَدْرِي عَلَى مَاذَا حَلَفَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، في وَجْهِهِ الْبُشْرَى، فَكَانَتْ (^٩) أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ،\n_________\n(^١) أي تنمو فيه، والمراد عنده، وإنما عبر بالكف لمزيد القبول.\n(^٢) الفلو بفتح فضم فتشديد: ولد الفرس، والفصيل: ولد الناقة، فالصدقة من الحلال تنمو عند الله نموا عظيما، بخلاف الحرام فلا يقبله الله تعالى.\n(^٣) اثنين، بعيرين أو شاتين أو حمارين أو درهمين أو ثوبين مثلا، وقوله في سبيل الله، أي في الجهاد، أو عام في أنواع الخير.\n(^٤) أي نادته خزنة الجنة عند دخولها: يا عبد الله هذا خير من الخيرات عظيم.\n(^٥) أي المؤدين للفرائض المكثرين من النوافل، وكذا يقال فيها بعده.\n(^٦) ضرورة اسم ما مؤخر أي لا ضرر على المدعو من كل الأبواب، بل له الإعزاز، والمعنى أن من أكثر من شيء من أنواع الخيرات دعي من بابه الخاص به تكريما له، ومن أكثر من أنواع الطاعات دعي من كل الأبواب زيادة تكريم وإعزاز، وإلا فالدخول لا يكون إلا من باب واحد.\n(^٧) من الحق الواجب في مالك.\n(^٨) بسند حسن.\n(^٩) أي هذه الحال.","vol":"2","page":5},{"text":"وَيَصُومُ رَمَضَانَ، وَيُخْرِجُ الزَّكَاةَ، وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ إِلا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَقِيلَ لَهُ: ادْخُلْ بِسَلَامٍ (^١)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-268>الباب الثاني: في التشديد على تاركها</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا﴾ (^٢) فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ (^٣) فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا (^٤) مَا كَنَزْتُمْ لانفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ.\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَزُكِّيَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَمَالِكٌ. وَلَفْظُهُ: «مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقهَا (^٦) إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ (^٧) لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَردَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيَلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ (^٨)».\n_________\n(^١) الكبائر السبع: هي الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والسحر، والتولى يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات. قال الله تعالى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ وسيأتي فضل الصدقة في الباب التاسع على سعة، وكذا سيأتي في الزهد إن شاء الله.\n\n(الباب الثاني في التشديد على تارك الزكاة)\n(^٢) أي الكنوز في سبيل الله بإخراج زكاتها وعمل الخير بها.\n(^٣) وتعمل صفائح.\n(^٤) أي ويقال لهم هذا جزاء كنزكم.\n(^٥) زكاته نائب فاعل تؤدي، أي ما بلغ النصاب وزكي فلا يسمي كنزا، وما لم يزك فهو الكنز الذي يعذب به صاحبه.\n(^٦) المفروض وهو الزكاة.\n(^٧) بلفظ المجهول مشددا أي عملت صفائح.\n(^٨) فمن كان عنده ذهب أو فضة ولا يخرج زكاتها فإنها يوم القيامة تجعل قطعة من نار، يوضع بعضها على جهينه، وبعضها على جنبه، وبعضها على ظهره،=","vol":"2","page":6},{"text":"قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالإِبِلُ (^١) قَالَ: «وَلَا صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِنْ حقِّهَا حَلْبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا (^٢)، إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ (^٣) أَوْفَرَ مَا كَانَتْ لا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفوَاهِهَا، كلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيَلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ (^٤)، قَالَ: «وَلَا صَاحِبِ بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ (^٥) وَلَا جَلْحَاءُ وَلَا عَضْبَاءُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيَلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا (^٦) أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ (^٧) يُطَوِّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^٨)، ثُمَّ يَأخُذُ\n_________\n= وكلما بردت أحميت بالنار ثانيًا وأعيدت لطول عذابه، وخصت هذه الأعضاء لإعراضه عن الفقير بجنبه ووجهه وتوليته ظهره، وهذا في زمن الموقف فقط.\n(^١) أي ما حكمها بعد أن عرفتنا حكم النقدين.\n(^٢) أي ورودها الماء للشرب، فيندب حلبها وسقى المارة والمساكين، وهذا البيان أن الحق ليس قاصرا على الزكاة الواجبة.\n(^٣) القاع: الأرض المستوية، والقرقر: الأملس، أي ألقى صاحبها على وجهه أمامها على مكان واسع أملس، وهي أعظم مما كانت في الدنيا ولا يغيب منها شيء، تضر به بأرجلها، وتعضه بأفواهها، وتمر عليه كلها. ولفظ البخاري: كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها، ليستمر عذابه طول يوم القيامة.\n(^٤) بنوعيه فيهما أي ما حكمهما.\n(^٥) العقصاء: ملتوية القرن، والجلحاء: التي لا قرن لها. والعضباء: مكسورة القرن. والمراد أن البقر والغنم سليمة القرون، فيعظم تعذيبه بها.\n(^٦) وهو الحية الذكر، أو الذي يقوم على ذنبه فيواثب الرجل، وربما بلغ الفارس، ووصفه بالأقرع، أي ليس برأسه شعر لطول عمره وكثرة سمه.\n(^٧) تثنية زبيبة أي نابان يخرجان من فيه، أو نكتتان سوداوان فوق عينيه، وهذا وصف أخبث الحيات.\n(^٨) بلفظ المجهول، أي يكون الشجاع كالطوق في رقبته.","vol":"2","page":7},{"text":"بِلِهْزِمَيْهِ (^١)»، ثُمَّ يَقُولُ: «أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ (^٢)» ثُمَّ تَلَا (^٣): ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ الْعَرَبِ (^٤) قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ (^٥) فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ (^٦)، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا (^٧) كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ، قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ (^٨). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n_________\n(^١) بكسر اللام والزاي، تثنية لهزم، وهو عظم اللحى تحت الأذن وفي لفظ: بلهزمتيه، والمراد التقاء رأسه وذنبه بشدقيه.\n(^٢) زيادة غضب وتهكم به.\n(^٣) أي النبي - ﷺ -، ومعنى ما تقدم أن من كان له مال ولم يخرج زكاته عذب به يوم القيامة إن كان نعما عذبته بالنطح والعض والبطش ونحوها، وإن كان نقدا عمل له صفائح في النار وكوي به، أو يمثل له بثعبان عظيم يطوقه ويعذبه مدة يوم القيامة.\n(^٤) بعض بعبادة الأوثان، وبعض باتباع مسيلمة الكذاب، واستمر بعضهم على الإيمان، ولكنه امتنع من الزكاة، وقال إنها خاصة بالزمن النبوي. لقوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ وغيره - ﷺ - لا يطهرهم ولا يصلى عليهم صلاة تكون سكنًا لهم، وحينئذ قال أبو بكر. لا بد من قتالهم.\n(^٥) ولم يتذكر عمر حينئذ بقية ما رواه ولده وهي: وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. وفي رواية زيادة: ويؤمنوا عما جئت به، وهذه تعم كل شيء.\n(^٦) فرق بالتشديد، وقد تخفف، أي قال بوجوب أحدها دون الآخر ومنعه متأولا.\n(^٧) بالفتح الأنثى من المعز، وفي رواية عقالا، مبالغة في قتالهم على ترك شيء ولو قليلا.\n(^٨) مما أقامه لي من أن الزكاة أخت الصلاة، وفيه تفضيل أبي بكر، وجواز القياس، والعمل به، والحلف من غير طلب، والاجتهاد في النوازل، والمناظرة والرجوع للحق، والزكاة في السخال وحولها هو حول أمهاتها، وفيه قتال مانع الزكاة، ويكفر جاحدها فإنها مشهورة في الدين، قال اللقاني:\nومن لمعلوم ضرورة جحد … من ديننا يقتل كفرًا ليس حد","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type='title' id=toc-269>فصل: فيما تجب فيه الزكاة وما لا تجب فيه </span>(^١)\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (^٢) قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَوْ (^٣) وَالَّذِي لَا إِلهَ غَيْرُهُ أَوْ كَمَا حَلَفَ مَا مِنْ رَجُلٍ (^٤) تَكُونُ لَهُ إِبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلا أُتِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأَسْمَنَهُ تَطَؤُهُ بَأَخْفَافِهَا وَتَنْطِحُهُ بِقُرُونِهَا (^٥). كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يُقْضى بَيْنَ النَّاسِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْهِجْرَةِ (^٦)، فَقَالَ: «وَيْحَكَ إِنَّ شَأْنَهَا شَدِيدٌ (^٧)، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ تُؤَدِّي صَدَقَهَا»؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: «فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا (^٨)». رَوَاهُ الْخَمْسَة إِلا التِّرْمِذِيَّ.\nوَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (^٩): إِنَّمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْعَيْنِ وَالزَّرْعِ وَالْمَاشِيَةِ (^١٠)،\n_________\n= ولحديث الطبري والحاكم: بعث النبي - ﷺ - إلى رجل من أشجع ليدفع الزكاة، فأبى أن يعطيها، فرده الثانية فأبى، فرده إليه الثالثة، وقال: إن أبي فاضرب عنقه. والله أعلم.\n\nفصل فيما تجب فيه الزكاة وما لا تجب\n(^١) الذي تجب فيه هو الإبل والبقر والغنم والزرع والذهب والفضة إذا بلغ كل نصابه، وعروض التجارة. وما لا تجب فيه هو ما لم يبلغ النصاب مما تجب فيه، والخيل والبغال والحمير، وكل حيوان من غير النعم والأرقاء والخضراوات على خلاف في بعضها يأتي.\n(^٢) وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال: هم الأخسرون ورب الكعبة، قلت: يا رسول الله فداك أبي وأمي من هم؟ قال: هم الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وشماله ومن بين يديه ومن خلفه، وقليل ما هم، ثم ذكر الحديث.\n(^٣) للشك فيه وما بعده.\n(^٤) ومثله المرأة.\n(^٥) تنطح بكسر الطاء وفتحها.\n(^٦) سأله أن يبايعه على الهجرة والإقامة معه بالمدينة.\n(^٧) ويحك كلمة رحمة، أي أرحمك وأشفق عليك من الهجرة، فإن حقها صعب لا يقوم به إلا القليل.\n(^٨) أي فاعمل صالحا في أي مكان، وأد زكاة مالك، فإن الله لا ينقصك من عملك شيئًا قال تعالى ﴿إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا﴾.\n(^٩) أحد خلفاء بني أمية، وكان إمامًا جليلا بارعا في العلم، وكان ورعا تقيا، بل زاهدًا كبيرا، وعادلا عظيما، وكفاه أخذ الأئمة برأيه، وهو من أصحاب سفيان الثوري.\n(^١٠) العين: الذهب والفضة. والزرع: هو ما يقتات به كالبر والذرة ونحوهما والنخيل والأعناب، والماشية: هي الإبل والبقر والغنم التي في الحديث قبله، وسميت ماشية لأنها تمشي على وجه الأرض.","vol":"2","page":9},{"text":"وَوَافَقَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵃. وَلَفْظُ الشَّافِعِيِّ في الأُمِّ: الْمَالُ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ بِنَفْسِهِ (^١) عَيْنُ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَبَعْضُ نَبَاتِ الأَرْضِ، وَالْمَاشِيَةُ، وَمَا أُصِيبَ فِي أَرْضٍ مِنْ مَعْدِنٍ وَرِكَازٍ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ (^٣)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ (^٤)». رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ. وَلِمُسْلِمٍ وَأَحْمَدَ: «لَيْسَ فِي الْعَبْدِ صَدَقَةٌ إِلا صَدَقَةُ الْفِطْرِ».\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْحَمِيرِ أَفِيهَا زَكَاةٌ؟ فَقَالَ: «مَا جَاءَنِي فِيهَا شَيْءٌ (^٥) إِلا هَذِهِ الآيَةُ الْفَاذَّةُ» - ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.\nرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ. عَنْ مُعَاذٍ ﵁ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ عَنِ الْخَضْرَاوَاتِ، وَهِيَ الْبُقُولُ، فَقَالَ: «لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ (^٦)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَزَّارُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ (^٧).\n_________\n(^١) أي من نفسه وذاته، وقوله: عين ذهب وفضة الإضافة فيها للبيان.\n(^٢) سيأتيان في زكاة الذهب والفضة.\n(^٣) فلا زكاة في أقل من خمسة أوسق، وسيأتي بيان الوسق إن شاء الله.\n(^٤) فالعبيد والخيل لا زكاة فيهما. وقال بعضهم. في الخيل زكاة، وهذا إذا لم يكونا للتجارة، وإلا ففيهما زكاة التجارة بإجماع أهل السنة.\n(^٥) فالحمير لا زكاة فيها بإجماع؛ وكذا البغال إلا إذا كانتا للتجارة، ففهما زكاتها.\n(^٦) البقول كالقثاء والبطيخ والعجور والشام وما تثمره الحدائق غير النخيل والأعناب لا زكاة فيها، ومنه حديث الدارقطني والحاكم: وأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب فعفو عفا عنه رسول الله - ﷺ -، وحديث ابن ماجه والحاكم وغيرها: إنما سنّ رسول الله - ﷺ - الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وقيس عليها ما في معناها مما يقتات به ويدخر؛ فالخضراوات لا زكاة فيها لبعدها عن هذا المعنى، وأوجبها بعضهم في الخصراوات لعموم النصوص كقوله تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ وقوله ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ وقوله ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ وقوله - ﷺ -:» فيما سقت السماء العشر». وهذا أحواط للفقراء والمساكين.\n(^٧) بأسانيد ضعيفة ولكن يؤيده النص على غيرها، والله أعلم.","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-270>الباب الثالث في زكاة الماشية (^١) وهي الإبل والغنم والبقر</span>\n• عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ هذَا الْكِتَابَ (^٢) لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ (^٣): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ (^٤) الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا (^٥) فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ، فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ (^٦) مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا مِنَ الْغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ (^٧)، فإِذَا بَلَغَتْ (^٨) خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاض أُنْثَى (^٩)، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى (^١٠) فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ ففِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ (^١١)، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ (^١٢)، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ\n_________\n(الباب الثالث في زكاة الماشية)\n(^١) أي في بيان أنواعها وبيان نصاب كل منها، وبيان ما يجب إخراجه منها باختلاف الماشية قلة وكثرة، والنهي عن جمع التفرق وتفريق المجتمع.\n(^٢) الآتي الذي أوله البسملة.\n(^٣) إقليم مشهور فيه مدن وبلاد كثيرة في جنوب جزيرة العرب بقرب الخليج الفارسي، ولما أرسل أبو بكر أنسًا إليه عاملا على الزكاة كتب له هذا ليعمل به.\n(^٤) أي نسخة فيها بيان الزكاة.\n(^٥) المشروع بدون زيادة.\n(^٦) خير مقدم ومن الغنم متعلق بمحذوف مبتدأ مؤخر أي في أربع وعشرين من الإبل فأقل إلى خمس منها زكاة من الغنم.\n(^٧) مبتدأ مؤخر وخبر مقدم، أي تجب إذا كملت الإبل خمسة، وشاتان في عشر، وثلاث في خمس عشرة، وأربع في عشرين إلى أربع وعشرين، وما بين العددين معفو عنه.\n(^٨) أي إبله.\n(^٩) لها سنة وطعنت في الثانية، والمخاض الحامل، أي بنت ناقة دخل أوان حملها، وأنثى تأكيد كقولهم: رأيت بعيني وسمعت بأذني، والأنوثة في هذا وما بعده واجبة، فإن فقدت في أي درجة، فالذكر الأعلى منها كابن لبون، يخرج بدلا عنها.\n(^١٠) لها سنتان وطعنت في الثالثة، وسميت بذلك لأن أمها آن لها أن تلد فتصير لبونا.\n(^١١) الحقة بالكسر لها ثلاث سنين، وطروقة الجمل صفة لها، أي استحقت أن يغشاها الفحل.\n(^١٢) بالتحريك ما بلغت أربع سنين، وهي نهاية أسنان الزكاة، سميت بهذا لأنها أجذعت مقدم أسنانها، أي أسقطته.","vol":"2","page":11},{"text":"إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِين وَمِائَةٍ، فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ (^١) فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ (^٢)، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا (^٣)، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ. وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ في سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ (^٤)، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائتَيْنِ شَاتَانِ (^٥)، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثٌ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ (^٦)، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً (^٧) فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\n\n• عَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً (^٨). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٩) وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّه ﷺ أَلا آخُذَ مِنَ الْبَقَرِ شَيْئًا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ ثَلَاثِينَ فَفِيهَا عِجْلٌ تَابِعٌ جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ\n_________\n(^١) تسعًا فأكثر.\n(^٢) فتجب في ثلاثين ومائة بنتًا لبون وحقة، وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون وهكذا القاعدة، في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.\n(^٣) فإذا نقصت الإبل عن خمس فلا زكاة فيها، إلا أن يريد أن يتطوع، فهو خير له.\n(^٤) مبتدأ مؤخر، وفي صدقة الغنم خبر مقدم وفي سائمتها بدل من الغنم، والسائمة التي ترعى في كلأ مباح، وهذا شرط لوجوب الزكاة في كل ماشية، وستأتي الشروط. والأربعون أقل نصاب الغنم ضأنًا كانت أو معزا.\n(^٥) فإذا زادت الغنم على مائة وعشرين واحدة فأكثر إلى مائتين، فزكاتها شاتان.\n(^٦) ففي أربعمائة أربع شياه، وفي خمسمائة خمس شياه، وهكذا، والشاة الواجب إخراجها عن الغنم والإبل جذعة ضأن لها سنة ودخلت في الثانية، أو ثنية معز لها سنتان وطعنت في الثالثة.\n(^٧) صفة لشاة الذي هو تمييز، ففي أربعين من الغنم إلى مائة وعشرين شاة، وفيما زاد إلى مائتين شاتان، وفيما زاد إلى ثلاثة ثلاث شياه، وفي كل مائة كاملة شاة وهكذا، وما بين العددين معفو عنه.\n(^٨) التبيع ما له سنة من ولد البقر، والأنثى تبيعة، والعامل بالخيار بينهما، فأو للتخيير، والمسنة ما لها سنتان، وظاهره أن الأنوثة شرط لكثرة نفعها بالنتاج.\n(^٩) بسند حسن، والبقر هنا ما يعم العراب والجواميس.","vol":"2","page":12},{"text":"حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ فَفِيهَا بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ (^١). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^٢)، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ (^٣)، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ (^٤). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-271>بيان العوض إذا فقد المطلوب </span>(^٥)\n\n• عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ (^٦): مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا (^٧)، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الْحِقَّةُ وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ وَيُعْطِيهِ\n_________\n(^١) فالثلاثون أقل نصاب البقر وفيها الجذع أو الجذعة وهو التبيع أو التبيعة السالفان، ويستمر هذا إلى الأربعين، فيتغير إلى مسنة، وتستمر إلى ستين، فتتغير بتبيعين إلى سبعين فتبيع ومسنة، وهكذا في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين سنة، والله أعلم.\n(^٢) أي بيان الصدقة التي فرضها رسول الله - ﷺ -.\n(^٣) تنازعه الفعلان قبله، أي لا يجمع المالك بين المتفرق خشية كثرة الزكاة، ولا يفرق العامل بين المجتمع خشية قلتها بل يترك المال كما هو قاله الشافعي، وقال بعضهم معناه: أن يكون لنفر ثلاثة لكل منهم أربعون شاة وجبت فيها الزكاة، فيجمعونها حتى لا يجب عليهم كلهم إلا شاة واحدة، أو يكون للخليطين مائتا شاة وشاتان، فيكون عليهما فيها ثلاث شياه، فيفرقانها حتى لا يكون على كل واحد شاة واحدة، وقال بعضهم: معنى لا يجمع بين متفرق أن يكون الرجلين أربعون شاة لكل منهما عشرون، فإذا جمعاها ففيها شاة وإلا فلا، ومعنى ولا يفرق بين مجتمع أن يكون الرجل مائة وعشرون شاة ففيها شاة فإذا فرقها الساعى أربعين أربعين، ففيها ثلاث شياه.\n(^٤) الخليطان هما الشريكان فعلى كل شريك من الزكاة بقدر ماله في رأس المال. والله أعلم.\n\nبيان العوض إذا فقد المطلوب\n(^٥) أي الواجب على المال.\n(^٦) أي بها.\n(^٧) من بلغت مبتدأ خبره فإنها تقبل منه، وقوله: إن استيسرتا أي وجدتا، وأو للتخيير فيه وفيما بعده، فإذا وجب على المال جذعة ولم توجد سليمة عند المالك، فإنه يدفع بدلها حقة وشاتين أو عشرين درهمًا، جبرانًا لصغر الحقة التي دفعها.","vol":"2","page":13},{"text":"الْمُصَدِّقُ (^١) عِشْرينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلا بِنْتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَيُعْطِي شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا (^٢)، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَيُعْطِى مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا (^٣) وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَيْس مَعَهُ شَيْءٌ (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-272>شرط زكاة الماشية</span>\n• عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ الصَّدَقَةَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ: وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ وَلَا تَيْسٌ إِلا مَا شَاءَ الْمُصَّدِّقُ (^٥). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْغَاضِرِيِّ (^٦) ﵁ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الإِيمَانِ: مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَأَنَّهُ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ، وَأَعْصَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا\n_________\n(^١) المصدق بضم ففتح فكسر مع التشديد فيه وفيما بعده، أي عامل الزكاة.\n(^٢) أي مع بنت اللبون لتساوي الحقة.\n(^٣) بأن لم تكن موجودة، أو كانت ولكنها غير سليمة.\n(^٤) فإن كبر سنه يعادل الأنوثة في بنت المخاض؛ ومعنى ما تقدم أن من وجب عليه سن ولم يتيسر له فإنه يصعد درجة ويأخذ العوض أو ينزل درجة ويدفع العوض، ومن دفع ذكرًا أعلى فلا شيء له. والله أعلم.\n\nشرط زكاة الماشية\n(^٥) الهرمة: الكبيرة التي سقطت أسنانها، والعوار بالفتح ما ترد به في البيع وبالضم العور في العين، والتيس: فحل الغنم أو مخصوص بالمعز، والمصدق بتشديد الصاد والدال أي المتصدق وهو المالك، أو بضم فسكون فكسر أي الساعي، فيكون الاستثناء راجعًا للكل، وعلى الأول يكون راجعًا للتيس فقط؛ لأنه أعز عند المالك.\n(^٦) نسبة إلى غاضرة أبو قبيلة من قيس، وليس له إلا هذا الحديث.","vol":"2","page":14},{"text":"نَفْسُهُ (^١) رَافِدَةً عَلَيْهِ كُلَّ عَامٍ، وَلَا يُعْطِي الْهَرِمَةَ، وَلَا الدَّرِنَةَ (^٢) وَلَا الْمَرِيضَةَ، وَلَا الشَّرَطَ اللَّئِيمَةَ، وَلكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالطَّبَرَانِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فِي كُلَّ سَائِمَةِ إِبِلٍ فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ (^٤)، لَا يُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا (^٥)، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا بِهَا فَلَهُ أَجْرُهَا (^٦)، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ (^٧) عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا ﷿، لَيْسَ لآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ (^٨)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٩).\nوَلأَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيَ ﵁: «وَفِي الْبَقَرِ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي الأَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَوَامِلِ شَيْءٌ». وَللِشَّافِعِيِّ: «لَيْسَ فِي الإِبِلِ وَالْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ (^١٠)».\n\n• عَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ:\n_________\n(^١) فاعل بطيبة التي هي حال، أي أعطى زكاته بسخاء وإخلاص، وقوله رافدة من الرفد وهو الإعانة.\n(^٢) الدرنة بفتح فكسر من الدرن، وهو الوسخ، والمراد الجرباء، والشرط بالتحريك صغير المال وشراره، واللئيمة: البخيلة باللبن، والوسط الخيار.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) السائمة التي ترعى في كلأ مباح، وقوله في أربعين بنت لبون: ليس قيدًا فإنها تجب من ست وثلاثين إلى خمس وأربعين.\n(^٥) أي لا يفرق بين مجتمع كما سبق، أو لا يفرق بين صحيح وهزيل وسمين، بل يعد الكل على السواء وإن كان ما يجب إخراجه من الوسط.\n(^٦) فمن أعطاها حال كونه طالبًا للأجر من الله تعالى فله أجرها كاملا.\n(^٧) شطر بالنصب عطف على الضمير في آخذوها، ومنه قال بعضهم: من امتنع من الزكاة أخذت منه وأخذ بعض ماله عقوبة له. وعليه أحمد والشافعي في القديم، أو هو فعل مبني للمجهول مع التشديد، أي جعل ماله شطرين ويتخير العامل في أخذ الزكاة منهما، وعليه الجمهور.\n(^٨) أصل العزمة الجد في الأمر، ومعناها هنا الفريضة، أي إن هذه الزكاة فريضة من فرائض الله على عباده الأغنياء للفقراء ليس لمحمد مع ولا لقرابته منها شيء.\n(^٩) بسند صالح.\n(^١٠) العوامل جمع عاملة وهي التي تستعمل في حرث الأرض أو نقل الأتربة أو الماء مثلا، فلا زكاة في العوامل لقلة النماء كالتي تعلف، وعليه الجمهور سلفًا وخلفا. وقال المالكية: تجب زكاة الماشية وإن كانت عاملة وإن كانت تعلف.","vol":"2","page":15},{"text":"«خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ، وَالشَّاةَ مِنَ الْغَنَمِ، وَالْبَعِيرَ مِنَ الإِبِلِ، وَالْبَقَرَةَ مِنَ الْبَقَرِ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اسْتَفَادَ مَالًا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحوْلُ عِنْدَ رَبِّهِ (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-273>الباب الرابع: في زكاة الزروع </span>(^٤)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (^٥) ﴿وَلَا تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ (^٦)، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ (^٧)، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ (^٨)».\nرَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n_________\n(^١) فالقدر الواجب إخراجه لابد أن يكون من عين المال من غيره، ولا تجزئ قيمة الواجب إلا في الأعداد الأول من الإبل، ففيها من الغنم كما تقدم.\n(^٢) فمن ملك نقدًا أو ماشية فلا زكاة عليه حتى يمضي عليه تمام الحول في ملكه والنصاب كامل، وعليه الجمهور، وقال الحنفية: تجب الزكاة وإن نقص النصاب في وسط الحول، وكذا فيما استفاده في أثنائه تبعًا للأصل الكامل، والمراد بالحول الحول الهجرى لقوله: عند ربه.\n(^٣) بسند صحيح، وفقه ما تقدم أنه يشترط في زكاة الماشية أن تكون نعما، وكاملة النصاب، وسائمة، وألا تكون عوامل، وأن يمضى عليها الحول في ملكه، وشرط في الواجب إخراجها ألا تكون هرمة، ولا مريضة، ولا معيبة بأي شيء يعيبها في البيع إلا عن مثلها، والأفضل كونها من نفس المال، وأن يقدمها بسماحة نفس لله تعالى، قال تعالى ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ والله أعلم.\n\n(الباب الرابع في زكاة الزروع)\n(^٤) أي في بيان نصابها وبيان ما يجب إخراجه منها.\n(^٥) أي أدوا زكاة زرعكم يوم حصاده للفقراء.\n(^٦) أي لا زكاة في زرع لم يبلغ خمسة أوسق، جمع وسق بالفتح والكسر، والوسق: ستون صاعًا والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث، وقدر الصاع أربع حفنات بكفي الرجل المعتدل، وفيه أنها لا تجب في الفواكه والخضراوات لأنها لا تكال كما تقدم، فلا تجب الزكاة في أقل من خمسة أوسق، وقدرها بالرطل المصرى ألف وأربعمائة وثمانية وعشرون رطلا، وبالكيل المصرى أربعة أرادب وويبة كيلتان بعد التصفية اللازمة.\n(^٧) الذود بإعجام أوله وإهمال آخره: اسم لعدد قليل من الإبل وبينه لفظ المضاف وهو خمس، أي ليس في أقل من خمس من الإبل زكاة.\n(^٨) أواق كفراق جمع أوقية بضم الهمزة وتشديد الياء وهي أربعون درهما من الفضة، وسيأتي الكلام على الذهب والفضة.","vol":"2","page":16},{"text":"• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ الأَنْهَارُ وَالْغَيْمُ الْعُشُورُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ (^١) الْعُشْرِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالأَنْهَارُ وَالْعُيُونُ، أَوْ كَانَ بَعْلًا الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي أَوِ النَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ (^٢)».\n\n<span data-type='title' id=toc-274>خرص العنب والنخل </span>(^٣)\n\n• عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ ﵁ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُخْرَصَ الْعِنَبُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ وَتُؤْخَذَ زَكَاتُهُ زَبِيبًا كَمَا تُؤْخَذُ صَدَقَةُ النَّخْلِ تَمْرًا (^٤).\n_________\n(^١) الغيم السحاب وهو المطر، والعشور جمع عشر وإن كان المشهور في جمعه أعشار كقفل وأقفال، والسانية: الحيوان الذي يرفع بواسطته الماء من بئر ونحوها وجمعها سوانٍ.\n(^٢) الواو في قوله: والأنهار والعيون بمعنى أو والأنهار جمع نهر كنهر النيل بمصر والفرات بالعراق، والعيون جمع عين، وهي ما ينبع ماؤها ويسيل وحده، وهذا كثير في بلاد الترك وما جاورها، والبعل كشرط هو ما يشرب بعروقه من الأرض، والبعل كل نخل وزرع لا يسقى أو تسقيه السماء. ولفظ الترمذي: فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر. والنضح نقل الماء على أي شيء. وفقه ذلك أن ما سقي بغير مشقة أو كان بعلاف زكاته العشر، وما سقي بتعب ومشقة فعليه نصف العشر وما سقى مرة بالمطر ومرة بالنضح فعليه ثلاثة أرباع العشر ويعمل بالنسبة، وتجب الزكاة في الزروع والثمار ببدوِّ صلاحها، ولكن إخراجها بعد تصفية الحبوب ومصير العنب والرطب زبيبًا وتمرا\n\n(فائدة)\nمن استأجر أرضًا لزرعها أو ثمرها واستغرقت الإجارة المحصول هل تجب فيه زكاة أولا؟ الظاهر عدم الوجوب للحديث السابق: صدقة تؤخذ من أغنيائهم، والحديث الآتي:» لا صدقة إلا عن ظهر غنى» وهذا ليس بغنى على رأى الأئمة كما يأتي في تعريف الغنى في الباب السابع، لاسيما إذا كان عليها خراج للحاكم فإن أبا حنيفة لا يري عليها زكاة.\n\nخرص العنب والنخل\n(^٣) الخرص تقدير ما على النخل من الرطب تمرًا وما على الكرم من العنب زبيبًا ليعرف قدر الزكاة، ثم يخلى بينه وبين المزارعين، والخرص مطلوب في كل زرع كما يأتي في الزروع، وحكمته معرفة القدر الذي وجبت فيه الزكاة، وحفظ حق الفقراء، والتوسعة على الزارعين بالتناول من زرعهم بعد الحرص، ووقته إذا ظهرت الحلاوة في العنب والرطب، فيطوف الخارص في الشجر كله ويقول عليها من الرطب قدر كذا، فإذا يبس كان قدره كذا، ويكفي في الخرص رجل عدل؛ لبعث النبي - ﷺ - عبد الله بن رواحة إلى خيبر ليخرص زرعها وثمرها الآتي في الحديث الثالث.\n(^٤) لأن العنب والرطب يضبطان بالكيل بل ما يضبط هو الزبيب والتمر.","vol":"2","page":17},{"text":"• عَنْ سَهْلِ بْنِ حَثْمَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ (^١)». رَوَاهُمَا أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢).\nوَكَان النَّبِيُّ ﷺ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْن رَوَاحَةَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ، فَيَخْرُصُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ يُخَبِّرُ الْيَهُودَ يَأخُذُونَهُ بِذلِكَ الْخَرْصِ أَمْ يَدْفَعُونَهُ إِلَيْهِمْ، لِكَيْ تُحْفَظَ الزَّكَاةُ قَبْلَ أَنْ تُؤْكَلَ الثِّمَارُ وَتُفَرَّقَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-275>زكاة الذهب والفضة </span>(^٤)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ أَبُو بَكْرٍ حِينَ وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ فِي الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَفِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ (^٥)، فَإِنْ لَم تَكُنْ إِلا تِسْعِينَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ (^٦) إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَلِلْخَمْسَةِ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ (^٧).\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ وَسَاقَ حَدِيثًا إِلَى أَنْ قَالَ: فَإِذَا كَانَتْ لَكَ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ (^٨)\n_________\n(^١) هذا أمر إباحة للزارعين بأن يأخذوا بعد الحرص حاجتهم من التمر والزرع ويتركوا الثلث أو الربع لأخذ الزكاة منه.\n(^٢) الأول بسند حسن والثاني رواه الحاكم وصححه.\n(^٣) بسند موثق، والخرص في أصله جائز للإمام، وقد يجب إذا لم يؤمن الزارعون، فالخرص لهذه النصوص مشروع ويعمل به عند الشافعي وجماعة، وقال الحنفية: لا عبرة به لإفضائه إلى الربا وتلك النصوص كانت قبل تحريم الربا. والله أعلم.\n\nزكاة الذهب والفضة\n(^٤) أي بيان نصابهما وزكاتهما.\n(^٥) الرقة بكسر الراء: الدراهم المضروبة، وأصلها ورق حذفت واوه وعوض عنها الهاء كعدة وزنة، والمراد الفضة ولو غير مضروبة.\n(^٦) فإن كانت الرقة ناقصة عن مائتي درهم فلا شيء فيها لعدم كمال نصابها الذي أوله مائتا درهم.\n(^٧) أواق جمع أوقية، وهي أربعون درها، فخمسة في أربعين بمائتي درهم.\n(^٨) فالحول معتبر في الذهب والفضة، وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا والأئمة الأربعة، وقال بعض الصحب والتابعين وداود: من ملك نصابًا وجب عليه زكاته في الحال لحديث: وفي الرقة ربع العشر. وقوله: ففيها خمسة دراهم هي ربع العشر من المائتين.","vol":"2","page":18},{"text":"وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ حَتَّى تَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، فَإِذَا كَانَتْ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ (^١). فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذلِكَ (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ (^٣).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ، فَهَاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَةِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا (^٤)، وَلَيْسَ فِي تِسْعِينَ وَمِائَةٍ شَيْءٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ.\nعَنْأَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالِ: «الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ (^٥) وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ (^٦)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\nوأَقْطَعَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَالَ بْنَ الْحارِثِ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ مِنْ نَاحِيَةِ الْفُرْعِ، فَتِلْكَ الْمَعَادِنُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إِلا الزَّكَاةُ إِلَى الْيَوْمِ (^٧). رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n_________\n(^١) وهو ربع العشر الواجب إخراجه، وقيمة الدينار بالقروش المصرية ستون قرشًا صاغا.\n(^٢) أي ما زاد على مائتي درهم في الفضة وعلى عشرين دينارًا في الذهب، فزكاته بحسابه أي عليه ربع العشر، ففي أربعمائة درهم عشرة دراهم، وفي أربعين دينارا دينار كامل، وهكذا قلّ الزائد أو كثر، وعليه عامة العلماء إلا أبا حنيفة، فقال: لا زكاة في الزائد حتى يبلغ أربعين درهمًا.\n(^٣) حينما سأله الترمذي عنه فصححه.\n(^٤) درهما الثاني مفعول لهاتوا والأول تمييز لأربعين، فمعنى ما تقدم أن أول نصاب الذهب عشرون دينارا، وقدره بالعملة المصرية أحد عشر جنيها مصريا ونصف وربع وثمن جنيه، وبالجنيه الإنجليزي اثنا عشر وثمن جنيه، وأول نصاب الفضة مائتا درهم، وقدرها بالريال المصرى ستة وعشرون وتسعة قروش وثلثا قرش، وبالقروش المصرية خمسمائة وتسعة وعشرون قرشًا وثلثا قرش، فلا زكاة في أقل من هذا، فمن ملك نصاب ذهب أو فضة وحال عليه الحول وجب عليه زكاته، وهو ربع العشر منهما الذي هو خمسة قروش تعريفة عن كل جنيه، ولا فرق فيهما بين مضروب وغيره، ولكن لابد أن يكونا خالصين إلا ما يماثل أجرة الضرب والتخليص، فيتسامح فيه، وحكمة اشتراط الحول في النقدين والتجارة والمواشي أن النماء لا يظهر فيها إلا بمضي الحول، بخلاف الزرع والركاز، فإنها نعم أتت من فضل الله، فوجب زكاتها في الحال رحمة بالفقراء.\n(^٥) هذه الكلمات سيأتي معناها في الزرع إن شاء الله.\n(^٦) الركاز هو دفين الجاهلية، وفيه الخمس زكاة في الحال بشرط كونه ذهبًا أو فضة وكامل النصاب.\n(^٧) القبلية بفتحتين نسبة إلى قبل جهة بساحل البحر على خمسة أيام من المدينة، والفرع بضم فسكون مكان بين نخلة والمدينة؛ فالنبي - ﷺ - أعطى تلك المعادن=","vol":"2","page":19},{"text":"<span data-type='title' id=toc-276>زكاة عروض التجارة </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾.\nقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ في التِّجَارَةِ.\n\n• عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فِي الإِبِلِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَقَر صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَزِّ صَدَقَتُهُ (^٤)»، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n_________\n=لبلال بن الحارث يدفع زكاتها إلى اليوم. والمعادن جمع معدن كمجلس، وهي أمكنة توجد فيها عروق ذهب أو فضة خلقها الله فيها، فمن أصاب معدنًا فعليه في الحال ربع العشر زكاة نقدا، وعليه الجمهور، وقال الحنفية: فيها الخمس لأنها زكاة، وحكمة وجوب الزكاة في الذهب والفضة دون غيرها من الجواهر أنهما معدان للماء، وأنهما يدرك بهما كل شيء، كما روى أن آدم ﵇ حينما هبط من الجنة بكى عليه كل شيء فيها إلا الذهب والفضة، فقال الله لهما: لم لا تبكيان على آدم؟ قالا: يا رب لا نبكي على من عصاك. قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لأرفعنكما ولأجعلنكما قيمة كل شيء. بقي الكلام على الأوراق المالية» البنكنوت» فعليها الزكاة لأنها يتعامل بها كالنقدين وتقوم مقامهما وتصرف بهما ولأنها سندات دين، فتجب فيها الزكاة إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول. وعليه المالكية والحنفية، وقال الشافعية: لا تجب فيها لأنها حوالة على البنك غير صحيحة لعدم الإيجاب والقبول لفظًا بين الطرفين، إلا إذا صرفت نقدا ومضى عليها الحول، وقال الحنابلة: لا تجب زكاتها إلا إذا صرفت بنقد، والله أعلم.\n\nزكاة عروض التجارة\n(^١) العروض جمع عرض شروط وشرط، والعرض ما ليس بنقد كالثياب والنحاس والأخشاب والحيوان وغيرها مما يباع ويشتري، والتجارة هي التقليب في المال لغرض الربح.\n(^٢) وقوله في الآية ﴿أنفقوا﴾ وفي الحديث: كان يأمرنا. يفيد الوجوب، فزكاة التجارة واجبة باتفاق السلف والخلف، ومنهم الفقهاء السبعة، ولكن لا يكفر جاحدها لخفائها ولخلاف فيها وإن كان لا يعتد به، وقوله: نعده - من الإعداد - أي نهيئه للبيع والتجارة.\n(^٣) بسند حسن.\n(^٤) البز بالفتح الثياب أو ثياب التجارة، وبائعها بزاز، وليست الزكاة قاصرة عليه بل كل ما كان للتجارة لعموم الحديث الأول، فتجب زكاة التجارة في كل ما أعد للتجارة بنيتها، فيقوم في آخر الحول بما=","vol":"2","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-277>الباب الخامس: في زكاة الحلى ومال اليتيم والعسل </span>(^١)\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ (^٢) عَنْ جَدِّهِ ﵃ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيِّ ﷺ (^٣) وَمَعَهَا بِنْتٌ لَهَا وَفِي يَدِ بِنْتِهَا مَسَكَتَانِ غَلِيظَتَانِ (^٤) مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهَا: «أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هذَا؟» قَالَتْ: لَا، قَالَ: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ (^٥)» قَالَ: فَخَلَعَتْهُمَا فَأَلْقَتْهُمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَتْ: هُمَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ (^٦). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٧). ولَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ في أَيْدِيهِمَا سِوُارَيِنْ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «أَتُؤَدِّيَانِ زَكَاتَهُ؟» قَالَتَا: لَا، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتُحِبَّانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللَّهُ بِسُوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ»، قَالَتَا: لَا، قَالَ: «فَأَدِّيَا زَكَاتَهُ (^٨)».\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ (^٩) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَنْزٌ هُوَ؟ فَقَالَ: «مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدى زَكَاتُهُ فَزُكِّيَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ (^١٠)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ أَنَّهُ\n_________\n=اشتري به، أو بما يشاء من النقدين، ويخرج منه ربع العشر، وتقوّم كلها وإن اختلفت أجناسها كثياب وحيوان ونحاس ولو لم يمض على بعضها سنة، كما يضم النقد والربح الحاصلان منها إليها وتخرج الزكاة عن الكل مراعاة لحق الفقراء، والله أعلم.\n\n(الباب الخامس في زكاة الحلي ومال اليتيم والعسل)\n(^١) إنما وضعت الثلاثة في باب واحد للخلاف فيها كما يأتى، والحلي ما تتحلى به المرأة في يديها أو في أذنيها مثلا من الذهب والفضة.\n(^٢) هو محمد وجده عبد الله بن عمرو بن العاص، احتج بحديثه أحمد وإسحاق وغيرهما، وضعفه آخرون لأنه يحدث عن صحيفة جده عبد الله بن عمرو ﵃.\n(^٣) المرأة هي أسماء بنت يزيد بن السكن.\n(^٤) المسكتان بالتحريك تثنية مسكة، وهي هنا الأسورة.\n(^٥) لعدم زكاتهما.\n(^٦) ينفقهما في سبيل الله.\n(^٧) قال ابن القطان: سنده صحيح وإن ضعّف الترمذي سند حديثه لوجود ابن لهيعة فيه.\n(^٨) أي أخرجاها.\n(^٩) الأوضاح جمع وضح بالتحريك، وهو خلخال من الفضة غالبا لوضوحه وبياضه.\n(^١٠) أي إذا بلغ نصابا فزكيته فليس بكنز تعاقبين عليه، ومن هذا حديث عائشة: دخل على النبي - ﷺ -، فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: ما هذا يا عائشة، قلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله قال. أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا، قال: هو حسبك من النار. رواه أبو داود والحاكم وصححه، والفتخات جمع فتخة بالتحريك، وهي الخاتم الكبير من فضة كعادة نساء العرب.","vol":"2","page":21},{"text":"كَانَ يُحَلِّي بَنَاتِهِ وَجَوَارِيَهُ بِالذَّهَبِ، ثُمَّ لَا يُخْرِجُ مِنْهُ الزَّكَاةَ (^١). رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْأَلُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْحُلِيِّ أَفِيهِ زَكَاةٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: وَإِنْ كَانَ يَبْلُغُ أَلْفَ دِينَارٍ؟ قَالَ: وَإِنْ كَثُرَ (^٢). رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-278>زكاة مال اليتيم </span>(^٣)\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: «أَلَا مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكلَهُ الصَّدَقَةُ (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ (^٥).\n\n• عَنِ الْقَاسِمِ ﵁ قَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَلِينِي أَنَا وَأَخَوَيْنِ لِي يَتِيمَيْنِ فِي حَجْرِهَا، فَكَانَتْ تخْرِجُ مِنْ أَمْوَالِنَا الزَّكَاةَ (^٦). رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ.\n_________\n(^١) ومعلوم ورع ابن عمر وشدة تمسكه بالدين، وعدم إخراجه الزكاة لابد أن يكون عن علم به.\n(^٢) وجواب جابر هذا لابد أن يكون عن علم، ومن هذا حديث مالك: أن عائشة كانت تلى بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلى، فلا تخرج عنه الزكاة. وللدارقطني: أن أسماء بنت الصديق ﵂ كانت تحلى بناتها الذهب نحو خمسين ألفًا ولا تزكيه. فالأحاديث الأُوَل تدل على وجوب زكاة الحلى، وعليه جمهور الصحب والتابعين وسفيان الثوري والحنفية. والعبرة في زكاتها بالوزن لا بالقيمة، وقالوا: إن الآثار لا قيمة لها مع الأحاديث الصحيحة، والحيطة في أدائها كما قاله الخطابي، وفعل ابن عمر وما بعده يدل على عدم وجوب زكاة الحلى، وعليه بعض الصحب والتابعين وجمهور الفقهاء، وقالوا تلك الأحاديث كانت قبل حل الذهب للنساء أو من باب التزهيد في الزينة، وهذا في الحلى المباح؛ أما حلى الرجال والأواني فيها الزكاة باتفاق. والله أعلم.\n\nزكاة مال اليتيم\n(^٣) أي ما ورد فيها.\n(^٤) فمن تولى أمر يتيم له مال فإنه يجب عليه أن يعمل ما ينميه كتجارة وغيرها ولا يتركه حتى تأكله الزكاة.\n(^٥) بسند ضعيف، ولكن يؤيده النصوص السالفة القاضية بالزكاة في كل مال.\n(^٦) فالقاسم بن محمد بن أبي بكر وأخواه كانوا تحت ولاية عمتهم عائشة، فكانت تزكي أموالهم، ففيهما وجوب الزكاة في مال اليتيم، وعليه جمهور الصحب ومالك والشافعي وأحمد وإسحق، والواجب عليه إخراجها هو الولى، وقال جماعة: لا تجب فيه الزكاة لأنه ليس مكلفًا، وعليه سفيان الثوري وابن المبارك والحنفية. ومال الصبي والمجنون كمال اليتيم في هذا. والله أعلم.","vol":"2","page":22},{"text":"<span data-type='title' id=toc-279>زكاة العسل </span>(^١)\nعنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ قَالَ: جَاءَ هِلالٌ أَحَدُ بَنِي مُتْعَانَ (^٢) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعُشُورِ نَحْلٍ لَهُ، وَكَانَ سَأَلَهُ أَنْ يَحْمِيَ وَادِيًا يُسَمَّى سَلَبَةَ، فَأَجَابَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَتَبَ لَهُ عَامِلُهُ سُفْيَانُ بْنُ وَهْبٍ يَسْأَلُهُ عَنْ ذلِكَ، فكَتَبَ لَهُ عُمَرُ: إِنْ أَدَّى إِلَيْكَ مَا كَانَ يُؤَدِّى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ عُشُورِ نَحْلِهِ فَاحْمِ لَهُ سَلَبَةَ، وَإِلا فَهُوَ ذُبَابُ غَيْثٍ يَأْكُلُهُ مَنْ يَشَاءُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣) وَالنَّسَائِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ (^٤).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «في الْعَسَلِ فِي كُلِّ عَشَرَةِ أَزِقَ زِقٌّ (^٥)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦) وَأَبُو دَاوُدَ (^٧). ولَفْظُهُ: «مِنْ كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ».\n_________\nزكاة العسل\n(^١) أي عسل النحل واجبة عند بعض العلماء كما يأتي.\n(^٢) متعان بضم فسكون: قبيلة من العرب جاء هلال منهم إلى النبي - ﷺ - وسأله أن يحفظ له سلبة وهو واد من أوديتهم فيه نحل كثير، فأجابه النبي - ﷺ - وكان هلال يؤدي منه العشر زكاة للنبي - ﷺ - إلى أن تولى عمر فأراد أن يمتنع فقال عمر لعامله: إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى النبي - ﷺ - فساعده في حفظه له، وإلا فهو حق لمن سبق إليه.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) وفي حديثه أنهم كانوا يؤدون إلى النبي - ﷺ - من كل عشر قرب قربة، فلما ولى عمر امتنعوا وقالوا: كنا نؤدى إلى رسول الله - ﷺ - فكتب العامل إلى عمر فرد عليه بذلك، فدفعوا له ما كانوا يؤدون إلى النبي - ﷺ -.\n(^٥) الزق: قربة صغيرة.\n(^٦) بسند ضعيف.\n(^٧) بسند صالح ولأحمد وابن ماجه: جاء أبو سيارة إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن لي نحلا قال: فأد العشور. قلت: يا رسول الله احم لي جبلها. قال: فحمى لي جبلها. في هذه النصوص وجوب زكاة العسل وأنها العشر، وعليه بعض الصحب والتابعين والحنفية وأحمد وإسحاق وهو الأحوط عملا وقال مالك والشافعي والجمهور: لا تجب زكاة في العسل لأن تلك النصوص فيها مقال، ولأن العسل ليس من الأجناس التي تجب فيها الزكاة وقد مرت. هذا ما في شروح الحديث، والذي في كتب المذاهب الأربعة أنه لا زكاة في العسل عند الأئمة الأربعة، والله أعلم.","vol":"2","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-280>الباب السادس: في زكاة الفطر </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ (^٢) ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾.\n\n• عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقَالَ: «نَزَلَتْ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ». رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً للِصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ (^٣)، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ (^٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-281>قدر زكاة الفطر صاع بكيل المدينة</span>\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (^٥)،\n_________\n(الباب السادس في زكاة الفطر)\n(^١) أي في فضلها وحكمها وقدرها ووقتها، وتسمى زكاة الأبدان، وصدقة الرءوس، وزكاة الصوم وزكاة رمضان، وصدقة الفطر، لوجوبها بالفطر من رمضان.\n(^٢) تطهر بإخراج الزكاة وتباعد عن الأدناس.\n(^٣) اللغو: ما لا ينعقد عليه القلب من القول، والرفث: الكلام الفاحش، فحكمة زكاة الفطر طهارة الصائم وكثرة ثوابه ومواساة الفقراء والمساكين.\n(^٤) فمن أخرجها قبل صلاة العيد فهي الزكاة المقبولة، وإلا فهي كباقي الصدقات وهذا حث على المبادرة بإخراجها قبل الصلاة، وإلا فقد قال الجمهور: إن إخراجها قبل صلاة العيد مستحب، ويجوز إلى آخر يوم الفطر وتأخيرها بعده حرام لأنها زكاة مؤقتة كالصلاة يحرم إخراجها عن وقتها، ويدخل وقت وجوبها بغروب شمس ليلة العيد، وقيل بطلوع فجره ويمتد إلى غروبه.\n\nقدر زكاة الفطر صاع بكيل المدينة\n(^٥) فزكاة الفطر واجبة عند الأئمة الأربعة على كل مسلم ذكر أو أنثى صغير أو كبير حر أو عبد، وهي على الصبي من ماله إن كان له مال، وإلا فعلى من عليه نفقته وعلى السيد إخراجها عن عبده، وقدرها عن كل فرد: صاع وهو أربعة أمداد، وقدر الصاع بالكيل المصري قدح وثلث عند المالكية، وقد حان =","vol":"2","page":24},{"text":"وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ (^٢) أَوْ صَاعًا مِن تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِير أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ (^٣)، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ (^٤) وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ قَالَ: أُرَى مُدًّا مِنْ هذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَر، وَمِمَّا كَلَّمَهُمْ بِهِ: إِنِّي أُرَى مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذلِكَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَذلِكَ (^٥).\n\n• عَنِ الْحَسَنِ ﵁ قَالَ: خَطَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي آخِرِ رَمَضَانَ عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ فَقَالَ: أَخْرِجُوا صَدَقَةَ صَوْمِكُمْ فَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا، فَقَالَ: مَنْ ههُنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قُومُوا إِلى إِخْوَانِكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هذِهِ الصَّدَقَةَ (^٦) صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ عَلَى كُلِّ حُرَ أَوْ مَمْلُوكٍ ذَكِرٍ أَوْ أُنْثَى صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ رَأَى رُخْصَ السِّعْرِ قَالَ: قَدْ أَوْسَعَ اللَّهُ\n_________\n= عند الشافعية وهما أربع حفنات بكفي الرجل المعتدل، وقد حان وثلث عند الحنفية، فيخرج الصاع حبًّا أو دقيقًا بقدره عند بعضهم، ويجوز إخراج قيمته نقدًا عند الحنفية، وهو أنفع للفقير، ولعل اختلافهم في هذا ناشئ من تفاوتهم في قدر الصاع، ويجب إخراجها مما يقتاتون به في بلدهم زبيبًا أو تمرا أو شعيرا أو غيرها، ويشترط في إخراجها أن تكون فاضلة عن نفقته وعياله، بل واشترط الحنفية في وجوبها أن يكون مالكا للنصاب.\n(^١) تقدم وسيأتي جواز تعجيلها، بل يجوز إخراجها من أول رمضان لوجود أحد سببيها. وعليه الشافعي، وقال مالك وأحمد: يجوز تعجيلها بيوم أو يومين فقط.\n(^٢) الطعام هو الحنطة لأنها المرادة منه عند الإطلاق، أو أن الطعام لفظ مجمل يبينه ما بعده.\n(^٣) الأقط بفتح فكسر لبن يابس غير منزوع الزبد أو مخيض يطبخ ثم يترك فييبس، ولعله يختلف باختلاف الجهات.\n(^٤) هو ابن أبي سفيان، والسمراء القمح، وأرى بضم الهمزة من الرأي وهو الظن.\n(^٥) فلما قدم معاوية أمير المؤمنين إلى الحجاز للحج أو العمرة كان القمح الشامي قد انتشر بأرض الحجاز؛ فقال: إني أظن أن المد من هذا القمح يساوي مدين من سائر الأقوات. فأخذ بقوله بعض الناس إلا أبا سعيد فلا زال يخرج الصاع، وقول معاوية هذا باجتهاد منه، ولكنه وافق الحديث الآتي.\n(^٦) صدقة الفطر.","vol":"2","page":25},{"text":"عَلَيْكُمْ، فَلَوْ جَعَلْتُمُوهُ صَاعًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (^١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢) وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ والْمِكْيَالُ مِكيالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (^٣). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-282>يجوز تعجيل الزكاة كما يجوز نقلها</span>\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ في تَعْجِيلِ الصَّدَقَةَ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ في ذلِكَ (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦) وَالتِّرْمِذِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِعُمَرَ: إِنَّا قَدْ أَخَذْنَا زَكَاةَ الْعَبَّاسِ عَامَ الأَوَّلِ لِلْعَامِ (^٧).\nوَلِلْبُخَارِيِّ: كَانَ النَّاسُ يُعْطُونَهَا قَبْلَ\n_________\n(^١) فيه التصريح بإجزاء نصف الصاع من القمح فقط، وبوجوب الصاع من غيره وأقره على أمير المؤمنين للحديث، ولكنه أشار عليهم بالصاع لرخص الأقوات.\n(^٢) قال صاحب التنقيح: رواته ثقات مشهورون ولكنه مرسل، فإن الحسن لم يسمع من ابن عباس، وقد احتج بالمرسل من تقدم الشافعي كمالك والثوري والأوزاعي وفي رواية: خطب رسول الله - ﷺ - قبل الفطر بيومين فقال الحديث. ورواه عبد الرزاق والدارقطني والطبراني، فيه إجزاء نصف صاع من البر. وعليه بعض الصحب والتابعين وبعض آل البيت والحنفية، ولكن الجمهور من هؤلاء والأئمة الثلاثة وإسحاق، على أن الواجب في الفطرة صاع من البر أو غيره مما يقتات في بلدهم لقوة الأحاديث الأول، ولما فيها من الحيطة في حق الفقراء، ويتعين الإطعام عند الجمهور، وقال السادة الحنفية: يجوز إخراج القيمة نقدًا لأنه أنفع للفقراء، ومن لم يكن عنده في ليلة العيد شيء فلا يجب عليه شيء. لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ومن تيسر له بعض الصاع لزمه إخراجه لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، وإذا كان بالبلد أقوات أخرج الغالب منها وإلا أخرج الأفضل، قال تعالى ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾.\n(^٣) فالعبرة في تقدير الأشياء التي توزن بوزن أهل مكة لأهم أصحاب تجارة ويرحلون لليمن والشام وترد الجهات عليهم وترضى بوزنهم فوجب اعتباره، والعبرة فيما يكال بكيل أهل المدينة لأنهم أصحاب زرع، وبالرجوع إلى وزن أهل مكة وكيل أهل المدينة يرتفع الخلاف بين الناس.\n(^٤) في البيوع بسند صحيح.\n\nيجوز تعجيل الزكاة كما يجوز نقلها\n(^٥) فالعباس عم النبي - ﷺ - طلب منه أن يخرج زكاته قبل حلولها فأجاز له.\n(^٦) مسندا ومرسلا قال وهو أصح ورواه البيهقي والحاكم.\n(^٧) أي أخذنا زكاة هذا العام الماضي، ورواه البيهقي بسند موثق ولفظه: إنا كنا احتجنا فأسلفنا العباس صدقة عامين، ففيها جواز تعجيل الزكاة في المواشي وغيرها=","vol":"2","page":26},{"text":"الْعِيدِ بِالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ (^١).\nوَبَعَثَ أَحَدُ الأُمَرَاءِ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ (^٢) عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ الأَمِيرُ: أَيْنَ الْمَالُ؟ قَالَ عِمْرَانُ: وَلِلْمَال أَرْسَلْتَنِي، أَخَذْنَاهَا مِنْ حَيْثُ كُنَّا نَأْخُذُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٣)، وَوَضَعْنَاهَا حَيْثُ كُنَّا نَضَعُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n• عَنْ أَبِي هِلَالٍ الثَّقَفِيِّ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: كِدْتُ أُقْتَلُ بَعْدَكَ فِي عَنَاقٍ (^٤) أَوْ شَاةٍ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ ﵊: «لَوْلَا أَنَّهَا تُعْطَى فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ مَا أَخَذْتُهَا (^٥)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-283>آداب المعطى والآخذ </span>(^٦)\n\n• عَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ عَنْ أَبِيهِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَيَأْتِيكُمْ رَكْبٌ مُبْعَضُونَ (^٧) فَإِذَا جَاؤُوكُمْ فَرَحِّبُوا بِهِمْ (^٨) وَخَلُّوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَبْتَغُونَ، فَإِن عَدَلُوا فَلِأَنْفُسِهِمْ،\n_________\n=وعليه الأكثر والشافعي وأحمد وإسحاق. قاله الترمذي، وقال مالك وسفيان: لا يجوز، للحديث السابق: من استفاد مالا فلا زكاة عليه حتى يحول الحول.\n(^١) هذا في زكاة الفطر، وتقدم الكلام على تعجيلها.\n(^٢) ذاك الصحابي الجليل.\n(^٣) فعمران ﵁ جباها من أهل الجهة، وصرفها لفقرائهم فلم ينقلها إلى جهة أخرى، كحديث معاذ السالف في أول الزكاة: صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم. ففيهما وجوب صرف الزكاة الفقراء البلد، ولا يجوز للمالك نقلها لجهة أخرى إلا إذا لم يكن بالبلد فقراء أو فضلت عنهم، أما الإمام فله نقلها؛ لأن النبي - ﷺ - كان يستدعي زكاة الأعراب إلى المدينة ويصرفها لفقراء المهاجرين. ولحديث النسائي الآتي، وعلى هذا الشافعي، وقال مالك: لا يجوز نقلها إلى مسافة القصر إلا إذا كانوا أشد حاجة من أهل الجهة، وقال الحنابلة: يحرم نقلها إلى مسافته ولكنها تجزئ. وقال الحنفية: يجوز نقلها مطلقًا ولكن مع الكراهة إلا لقوم هم أحوج إليها وإلا لقرباه فلا كراهة.\n(^٤) العناق الصغير من ولد المعز.\n(^٥) أي فالنبي - ﷺ - كان ينقلها للضرورة وهذا جائز باتفاق. والله أعلم\n\nآداب المعطي والآخذ\n(^٦) أي آداب دافع الزكاة وآخذها.\n(^٧) بلفظ المفعول أو بضم ففتح فتشديد، أي سيأتيكم الجماعة المكروهون طبعا، وهم جباة الزكاة لكراهة المالكين لهم.\n(^٨) قولوا لهم: مرحبًا وأهلا.","vol":"2","page":27},{"text":"وَإِنْ ظَلَمُوا فَعَلَيْهَا، وَأَرْضُوهُمْ، فَإِنَّ تَمَامَ زَكَاتِكُمْ رِضَاهُمْ، وَلْيَدْعُوا لَكُمْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١).\n\n• عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: شَكَا الأَعْرَابُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُصَدِّقِينَ (^٢) يَأْتونَنَا فَيَظْلِمُونَنَا، فَقَالَ ﵊: «أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ». قَالَ جَرِيرٌ: مَا صَدَرَ عَنِّي مُصَدِّقٌ مُنْذ سَمِعْتُ هذَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلا وَهُوَ عَنِّي رَاضٍ (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ. وَلَفظُ التِّرْمِذِيِّ: «إِذَا أَتَاكُمُ الْمُصَدِّقُ فَلَا يُفَارِقَنَّكُمْ إِلا عَنْ رِضًا» عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ، وَلَا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلا فِي دُورِهِمْ (^٤)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٥).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْفَى (^٦) ﵄ قَالَ: كَانَ أَبي مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ»، فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى (^٧)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ. وَلَهُ وَلأَبِي دَاوُدَ: «الْمُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ كَمَانِعِهَا (^٨)».\n\n• عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ بِالْحَقِّ كَالْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ (^٩)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.\n_________\n(^١) بسند فيه ثابت بن قيس، وثقه الإمام أحمد.\n(^٢) بكسر الدال وهم السعاة.\n(^٣) أي ما فارقني الجابي إلا وهو راض.\n(^٤) الجلب والجنب بالتحريك: نزول الساعي بمكان بعيد من المواشي، ثم يطلبها لأخذ زكاتها، وهو مكروه لشقته على المالكين، فزكاة المواشي تؤخذ منها وهي في أماكنها.\n(^٥) بسند صحيح.\n(^٦) اسمه علقمة بن خالد الأسلمي، شهد هو وابنه بيعة الرضوان تحت الشجرة.\n(^٧) فيه جواز الصلاة على غير الأنبياء، وكرهه مالك وأكثر العلماء، وما هاهنا مخصوص به - ﷺ - لأنه حقه وشعاره، فله أن يعطيه لمن يشاء.\n(^٨) فالمالك الذي لا يؤديها بتمامها مع الإخلاص يكون إثمه كإثم المانع للزكاة.\n(^٩) بجامع أن كلا منهما في طاعة الله ورسوله - ﷺ -، فمعنى ما تقدم أنه يجب على المالكين إكرام السعاة وإرضاؤهم بتركهم يأخذون الزكاة كما أمر الله ورسوله، وعلى السعاة أن يتحروا الحق، ولا يأخذوا نفائس الأموال، وأن يأخذوا الزكاة من أماكنها، وأن يتلطفوا بالمالكين ويدعوا لهم، ففي ذلك تأليف للطرفين وعون على طاعة الله تعالى. والله أعلم.","vol":"2","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-284>الباب السابع: فيمن تحل له الزكاة والصدقة ومن لا تحل</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ (^١) ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (^٢) ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ (^٣) ﴿وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^٤) ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (^٥).\nوَجَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ الصَّدَقَةِ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيَ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ (^٦)، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ حَقَّكَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧).\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ\n_________\n(الباب السابع فيمن تحل له الزكاة والصدقة ومن لا تحل)\n(^١) أي إنما تصرف الزكاة للأنواع الآتية، والفقراء جمع فقير، وهو الذي لا ملك ولا كسب له أصلا، أو له ولكن لا يكفيه نصف الكفاية، وهي معتبرة بالعمر الغالب، وهو اثنتان وستون سنة، وهذا قول الشافعي وأحمد، والفقير عند الحنفية هو الذي يملك أقل من النصاب، وعند المالكية هو من يملك أقل من كفاية العام ولو زاد على النصاب والمساكين جمع مسكين وهو من له مال أو كسب لا يكفيه تمام الكفاية إنما يكفيه نصف عمره الغالب أو أكثر، وهذا قول الشافعي والجمهور لقوله تعالى ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ فوصفهم بالمسكنة مع ملكهم للسفينة. وقال الحنفية والمالكية: المسكين الذي لا يملك شيئًا أصلا؛ فهو عندهما أسوأ حالا من الفقير لقوله تعالى ﴿أو مسكينا ذا متربة﴾ وأجاب الجمهور بأن الوصف قد يفارقه كأصحاب السفينة، ولا يمنع من الفقر والمسكنة مركوب وخادم ومسكن وملابس ونحوها لائقة به، والعاملين جمع عامل، وهو من يعمل في الزكاة جامعًا أو كاتبًا أو حافظًا مثلا.\n(^٢) المؤلفة جمع مؤلف، وهو من أسلم حديثًا وإسلامه ضعيف، فيعطى ليقوى إيمانه، ومن أسلم وله شرف في قومه فيعطى من الزكاة إذا رجي منه إسلام غيره، أو رجى منه دفع شر الأشرار من مانعي زكاة أو ثوّار.\n(^٣) وهم المكاتبون، فيعطون ليستعينوا على تحرير رقابهم، والغارمين جمع غارم، وهو من استدان في مباح على نفسه وأولاده، ومن استدان بسبب ضمان غيره فيعطى لسداد دينه، ومن استدان للإصلاح بين متخاصمين فيعطى لسداد دينه ولو غنيًّا.\n(^٤) وهم المتطوعون في الجهاد ولو أغنياء، وابن السبيل: المسافر المحتاج وإن كان غنيًّا في بلده.\n(^٥) فريضة منصوب بمحذوف أي فرض الله ذلك فريضة عليكم والله عليم بخلقه حكيم في فعله بهم، ويشترط في آخذ الزكاة زيادة على ما سبق: أن يكون مسلمًا وألا يكون مكتفيًا بنفقة غيره، وألا تكون نفقته على المزكى، وألا يكون من بني هاشم وبني الطلب على ما يأتي.\n(^٦) أي باعتبار الآخذين لها.\n(^٧) بسند صالح.","vol":"2","page":29},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا (^١) فَكَثُر دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ»، فَتَصَدَّق النَّاسُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ (^٢): «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلا ذَلِكَ (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ (^٤)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ ﵁ قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً (^٥) فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا فَقَالَ: «أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنأْمُرَ لَكَ بِهَا ثُمَّ قَالَ: يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٌ (^٦) تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ (^٧) فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ (^٨)، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ (^٩) حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا (^١٠) مِنْ قَوْمِهِ لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا\n_________\n(^١) أي اشتراها.\n(^٢) جمع غريم وهو هنا الدائن، أي صاحب الدين.\n(^٣) فيه حمل لهم على التنازل عن بعض حقهم ويكون صدقة منهم على غارم ووضع جائحة، وسيأتي في الزرع إن شاء الله.\n(^٤) فمن يسأل الناس ليس مسكينًا، فربما كان غنيًّا كما هو مشاهد في كثير، وربما جمع كفايته وأكثر، ولكن المسكين الذي لا يجد كفايته ولا يعرفه الناس ولا يسألهم تعففًا، بل يحسبه الجاهلون غنيًّا من عفته، فهذا هو الذي يعطي من الصدقات.\n(^٥) بالفتح ما يتحمله الإنسان عن غيره من دية قتيل أو غرامة ليصلح بين متخاصمين، وكانت العرب تفعل ذلك عزًّا وشرفا.\n(^٦) بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أو بالجر بدل.\n(^٧) أي آفة أهلكت زرعه أو مواشيه مثلا.\n(^٨) أو فيه وما بعده للشك، وقوام العيش وسداده بكسر أولهما، ما تقوم به المعيشة.\n(^٩) فقر شديد بعد يسار.\n(^١٠) الحجا بالكسر والقصر: العقل الراجح والثلاثة مبالغة في فاقته، وإلا فبينة الإعسار كبينة غيره.","vol":"2","page":30},{"text":"أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا (^١)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَمِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيَ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيَ (^٢)».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْمَسْأَلةَ لَا تَصْلُحُ إِلا لِثَلَاثَةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ (^٣)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ (^٤) أَوْ خُدُوشٌ أَوْ كُدُوحٌ»: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: «خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيَمَتهَا مِنَ الذَّهَبِ». رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ». وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا فَقُلْتُ: نَاقَتِي الْيَاقُوتَةُ خَيْرٌ مِنْ أُوقِيَّةٍ (^٦). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٧) وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنَ النَّارِ». وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ\n_________\n(^١) السحت بالضم: الحرام، وما في الحديث لم يخرج عن الغارم والفقير والمسكين.\n(^٢) فلا تحل الصدقة لغني يملك، أو كسب يكفيه، أو بإنفاق غيره عليه، كما لا تحل لذي مرة سوي. أي قوى سليم الأعضاء لقدرته على التكسب، لرواية: ولا حظ فيها لغني ولا لقوى مكتسب. أي واجد للكسب، وإلا فيعطى.\n(^٣) الفقر المدقع ما يفضي بصاحبه إلى الدقعاء أي التراب، والغرم المفظع: الغرامة الفظيعة من دين ركبه حالٍّ ولا يجد سداده، والدم الموجع كدية توجهت عليه ولا يجدها. فكل من اتصف بوصف من الأوصاف السالفة حلت له المسألة وأخذ الزكاة والصدقة، وإلى هنا الشق الأول في الترجمة، وما يأتي في الغني الذي تحل له.\n(^٤) خموش وما بعده بضم أوائلها جمع خمش وخدش وكدح، وأو للشك أو للتنويع كأحوال السائلين، فإن فيهم المقل والمكثر والمفرط في السؤال، والخمش أبلغ من الخدش، وهو أبلغ من الكدح. والمراد أن من يسأل وله ما يكفيه كان في وجهه يوم القيامة آثار منكرة شائنة.\n(^٥) بأسانيد حسنة.\n(^٦) الأوقية أربعون درهما، والإلحاف الإلحاح، وهو لا يجوز، فمن سأل الناس وعنده ما قيمته أوقية فقد أذنب. فقال الراوي: ناقتي المسماة بالياقوتة أفضل وأغلى من أوقية.\n(^٧) بسند موثق.","vol":"2","page":31},{"text":"وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: «قَدْرُ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيهِ». وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنْ يَكُونَ لَهُ شِبَعُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيَ إِلا لِخَمْسَةٍ: لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَارِمٍ (^٢)، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ (^٣)، أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَاهَا لِلْغَنِيِّ (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-285>لا تحل الصدقة لآل بيت النبي ﷺ ومواليهم</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيَ ﵄ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كَخٍ كَخٍ (^٥)» لِيَطْرَحَهَا، ثمَّ قَالَ: «أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ\n_________\n(^١) وما يغدي ويعشى هو شبع يوم وليلة، فظاهر هذه الأحاديث الثلاثة أن من كان عنده خمسون درهمًا أو أربعون أو قيمتهما أو ما يشبهه يوم وليلة حرمت عليه المسألة وأخذ الصدقة، وسمي غنيًا. وللأئمة كلام في حد الغني، فذهب الحنفية إلى أن الغني من يملك النصاب، فيحرم عليه السؤال وأخذ الزكاة، بل يجب عليه إخراجها لحديث معاذ: صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم. فوصفه بالغنى. وقال الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق وجماعة: الغني من كان عنده خمسون درهمًا أو قيمتها لحديث ابن مسعود. وقال أبو عبيد. الغني من يملك أربعين درهما لحديث أبي سعيد. وقال الخطابي: الغني: من كان عنده ما يغديه ويعشيه، فتحرم عليه المسألة في يومه وليلته لحديث سهل. وعند المالكية: الغني من يملك كفاية عام فأكثر وقال الشافعي وجماعة: الغني من يملك كفاية بقية العمر الغالب وهو اثنتان وستون سنة، أي عنده ما يستغل منه ذلك، فإن الإنسان قد يكون عنده خمسون درهما أو أكثر، وهو في حاجة إليها لنفسه أو عياله، وحملوا هذه الأحاديث على الترهيب من السؤال مع وجود شيء، وهذا لا يفيد الغني كما هو واضح.\n(^٢) فالمتطوع بالجهاد يعطى وإن كان غنيًّا ترغيبا له، والعامل يعطى لأنها أجرة على عمل، فيأخذها وإن كان غنيًا، والغارم يعطي لسداد دينه وإن كان غنيًّا.\n(^٣) أي غنيّ اشتراها من فقير.\n(^٤) أي فتحل هديتها له، لأنها قد بلغت محلها، وهو تسلم الفقير لها، فدخلت في ملكه، فله التصرف فيها كما يشاء. والله أعلم.\n\nلا تحل الصدقة لآل النبي - ﷺ - ومواليهم\n(^٥) بفتح الكاف وتسكين الخاء وكسرها مع التنوين كلمة لزجر الصبي عن تعاطى المستقذر، وكرر للتأكيد ومعناه ارمها.","vol":"2","page":32},{"text":"الصَّدَقَةَ (^١)». روَاهُ الشَّيْخَانِ. وَلِمُسْلِمٍ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ (^٢)».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: «لَوْلَا أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا».\nرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أُتِيَ النَّبيُّ ﷺ بِلَحْمٍ فَقُلْتُ: هذَا مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَقَالَ: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ (^٣)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\nوَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ، فَإِنْ قِيلَ هَدِيَّةٌ أَكَلَ مِنْهَا، وَإِنْ قِيلَ صَدَقَةٌ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا (^٤). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحارِثِ الْهَاشِمِيِّ ﵁ وَسَاقَ حَدِيثًا حَتَّى قَالَ: إِنَّ هذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لآلِ مُحَمَّدٍ (^٥). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي رَافِعٍ (^٦) ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَقَالَ لأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي فَإِنَّكَ\n_________\n(^١) فرضًا كانت أو نفلا؛ لأنها أوساخ الناس كما يأتي فلا تليق بالأبرار الأطهار.\n(^٢) فهي حرام عليهم ولو لغير أكل.\n(^٣) بريرة جارية لعائشة، وسيأتي لها أحاديث في البيع والعتق، وكان اللحم من صدقة أرسلها لها النبي - ﷺ -، فقدمته بعد تسويته للنبي - ﷺ -، فلما علم بأنه من عندها قال: هو لها صدقة. أي وبقبضها بلغت الصدقة محلها، فصارت ملكا لها، فلما قدمتها للنبي - ﷺ - تغير وصفها إلى هدية وحلت له - ﷺ -.\n(^٤) الفرق بين الصدقة والهدية: أن الصدقة روعي في آخذها الحاجة، والهدية روعي فيها الإكرام وهي أدعى للألفة.\n(^٥) آل محمد - ﷺ - بنو هاشم وبنو المطلب عند الشافعي وجماعة الحديث البخاري قال جبير بن مطعم: مشيت أنا وعثمان إلى النبي - ﷺ -، فقلنا يا رسول الله أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد. وقال مالك وأحمد وأبو حنيفة: هم بنو هاشم فقط، والمراد بني هاشم آل عليّ وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس وآل الحارث؛ فالصدقة حرام على بني هاشم باتفاق وعلى بني المطلب عند الأولين إلا إذا حرموا حقهم، وهو سهم ذوي القربي فلهم أخذ الزكاة كما نقل عن بعض الحنفية والمالكية والشافعية، وهو كلام وجيه لحفظهم من ذل السؤال، وقال جماعة ومنهم بعض آل البيت: إنها تحل من بعضهم لبعض فقط. والمالكية أقوال: الجواز، المنع، جواز التطوع فقط، عكسه.\n(^٦) وكان مولى للنبي - ﷺ -.","vol":"2","page":33},{"text":"تُصِيبُ مِنْهَا (^١) قَالَ: حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْأَلَهُ، فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-286>الباب الثامن: في فضل التعفف وذم السؤال إلا لضرورة</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ (^٤) فَقَالَ: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ (^٥) وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ (^٦)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَلِلْشَّيْخَيْنِ وَالتِّرْمِذِيِّ: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ (^٧)». وَفِي رِوَايَةٍ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ\n_________\n(^١) أي من الصدقة أجرة العامل.\n(^٢) فكذا موالينا لا تحل لهم الصدقة، ولا ترد علينا الصدقة على بريرة وكانت جارية لعائشة فأعتقها وبقيت عندها، فإن زوجات النبي - ﷺ -، وخدمهن لسن من آل البيت كما يأتي في الفضائل إن شاء الله.\n\n(الباب الثامن في فضل التعفف وذم السؤال)\n(^٣) أول الآية ﴿للفقراء الذين أحضروا في سبيل الله﴾ أي حبسوا أنفسهم على الجهاد وتعلم القرآن والعمل. ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ أي سفرًا لتحصيل معاشهم، وهم فقراء المهاجرين ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ﴾ بحالهم ﴿أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ عن السؤال ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ من التواضع والانكسار ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ أي فلا سؤال منهم ولا إلحاف. وكانوا نحو أربعمائة وهم أهل الصفة، وسيأتي حدثيهم في الزهد إن شاء الله.\n(^٤) فلم يبق منه شيء.\n(^٥) يتصبر واللفظان قبله ألفاظ متقاربة أي من يتصبر ويصف نفسه عن ذل السؤال فإن الله يرزقه القناعة والغني.\n(^٦) في الصبر راحة للقلب والجسم ورضاء بحكم الله تعالى، والأجر عليه لانظير له، قال تعالى ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾.\n(^٧) الرزق الكفاف هو ما كان بقدر الحاجة، فلا فقر ينسيه ولا غنى يطغيه، فمن كان مسلمًا ورزقه الله القناعة والرزق والكفاف فقد فاز فوزا عظيما، وكفانا قوله - ﷺ -: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا.","vol":"2","page":34},{"text":"آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا». وَفِي رِوَايَةٍ: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ (^١)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيَرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ (^٢)».\n\n• عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: «يَا حَكِيمُ إِنَّ هذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى»، قَالَ حَكِيمٌ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَأَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ﵄ حَقَّهُ مِنَ الْفَيْءِ فَأَبَى، ثُمَّ تُوُفِّيَ (^٣). رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\nوَلِأَبِي دَاوُدَ: «الأَيْدِي ثَلَاثَةٌ: فَيَدُ اللَّهِ الْعُلْيَا وَيَدُ الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا وَيَدُ السَّائِلِ السُّفْلَى فَأَعْطِ الْفَضْلَ وَلَا تَعْجِزْ عَنْ نَفْسِكَ (^٤)».\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ: «خُذْهُ إِذا جَاءَكَ مِنْ هذَا الْمَالِ شَيْءٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ (^٥)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَلِلشَّيْخَيْنِ: «إِنَّ هذَا\n_________\n(^١) العرض - بالتحريك - الأموال، فليس الغنى بكثرتها ولكن الغنى هو القناعة فهي الكنز الذي لا يفنى.\n(^٢) أي فجمع الحطب وبيعه والاستغناء به عن الناس خير من سؤالهم.\n(^٣) اليد العليا هي المعطية، واليد السفلى هي الآخذة، وقوله: لا أرزأ، أي لا أسأل، فحكيم هذا سأل النبي - ﷺ - فأعطاه مرات، ثم قال له النبي - ﷺ -: يا حكيم إن هذا المال كالفاكهة الخضراء الحلوة الشهية، فمن أخذه بسخاوة بورك له فيه، ومن أخذه بحرص عليه لم يبارك له فيه كالذي يأكل ولا يشبع. واليد التي تعطي خير من الآخذة، فحلف حكيم لا يسأل أحدًا طول حياته، فأعطاه أبو بكر وعمر سهمه من الغنيمة، فامتنع واستمر على ذلك حتى الممات.\n(^٤) أي فتصدق بالفاضل عن حاجتك وأولادك، ولا تعجز عن مجاهدة نفسك.\n(^٥) أي إذا أتاك شيء وأنت غير متطلع إليه فخذه، وإلا فلا.","vol":"2","page":35},{"text":"الْمَالَ خَضرٌ حُلْوٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ لِمَنْ أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ، وَالْيَتِيمَ، وَابْنَ السَّبِيلِ (^١)، وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذْهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^٢)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ في وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ (^٣)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَلِلنَّسَائِيِّ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ (^٤) مَا مَشى أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ يَسْأَلُهُ شَيْئًا».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ أَوْشَكَ اللَّهُ لَهُ بِالْغِنَى إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ، أَوْ غِنًى عَاجِلٍ (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦).\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ يَتَكَفَّلُ لِي أَلا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا وأَتَكَفَّلَ لَهُ بِالْجَنَّةِ»؟ فَقَالَ ثَوْبَانُ: أَنَا. فَكَانَ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا (^٧). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٨).\nوَقَالَ الْفِرَاسِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْأَلُ قَالَ: «لَا، وَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ سَائِلًا فَسَلِ الصَّالِحِينَ» (^٩). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١٠) وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ سَمُرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ\n_________\n(^١) فنعم الصاحب للمسلم المال إذا صرفه في وجوه الخير.\n(^٢) فالمال الحرام لا يشبع صاحبه، بل يكون شاهدة عليه في الآخرة.\n(^٣) المزعة - كغرفة - وحكى التثليث - القطعة، فمن يسأل الناس استكثارا فإنه يأتي يوم القيامة ولحم وجهه يتساقط، كما أراق ماءه في الدنيا من غير حاجة.\n(^٤) من عظيم الذل والهوان وإراقة ماء الوجه.\n(^٥) الفاقة: الشدة، وتطلق كثيرًا على شدة الفقر وضيق المعيشة، فمن نزلت به فاقة والتجأ إلى الناس ونسي الله تعالى لم ترفع عنه، ومن التجأ إلى الله أوشك الله له، أي أسرع له بالفرج إما بالغنى العاجل، أو بالموت فيستريح من الدنيا ويستغنى عنها.\n(^٦) بسند صحيح.\n(^٧) أي من ضمن لي ألا يسأل أحدًا شيئًا وأضمن له الجنة. قال: ثوبان أنا، فعاش طول حياته لا يسأل الناس شيئًا.\n(^٨) بسند صالح.\n(^٩) الفراسي: بالفاء من بني فراس بن مالك بن كنانة له هذا الحديث وحديث آخر فقط: قال يا رسول الله أسأل؟ بحذف همزة الاستفهام قال: لا تسأل أحدا شيئًا وتوكل على الله دائما فإنه يكفيك، وإن كان لابد من السؤال فسل الصالحين السؤال والإعطاء، القادرين عليه.\n(^١٠) بسند صالح.","vol":"2","page":36},{"text":"وَجْهَهُ، فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ، وَمَنْ شَاءَ إِلا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ أَوْ فِي أَمْرٍ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا (^١)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-287>الباب التاسع: في النفقة والصدقة (^٣)\nوفيه فروع</span>\n\n<span data-type='title' id=toc-288>الصدقة على الأهل والقريب أفضل </span>(^٤)\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ (^٥)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ (^٦)، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ (^٧)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًَا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ (^٨)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُدَ. وَلَفْظُهُ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ».\n_________\n(^١) فكثرة السؤال من غير حاجة تقبيح وشين في الوجه يوم القيامة، فمن شاء أبقى لوجهه هيبته وجماله، ومن شاء قبحه إلا إذا التجأ للسؤال أو سأل ذا سلطان أي ذا حكم وولاية على بيت المال من الزكاة والخمس ونحوها؛ فالسؤال للضرورة أو للحاجة جائز كسؤال الوالى من بيت المال، فإنه لا عار في ذلك والله أعلم.\n(^٢) بسند صحيح.\n\n(الباب التاسع في النفقة والصدقة وفيه فروع)\n(^٣) والنفقة والصدقة في الشرع شيء واحد، وهو بذل المال إلى الغير، وإن اشتهر في عوام الناس أن النفقة على الأهل والصدقة على الأجنبي.\n(^٤) لأنها واجبة على الأهل ومؤكدة على القريب، فإنها صدقة وصلة كما يأتي.\n(^٥) لفظ ظهر زائد للتمكين، فأفضل الصدقة ما كان زائدًا عن الحاجة، وابدأ بمن تعول أمرهم كزوجة وولد وخادم، أي بمن تجب عليك نفقتهم: وفيه أن الإنفاق على الأهل واجب وهذا باتفاق.\n(^٦) أي في عتق رقبة.\n(^٧) لأن النفقة عليهم واجبة ونواب الواجب أكثر.\n(^٨) سببه أن عبد الله بن عمرو كان جالسًا فدخل عليه وكيله، فقال له عبد الله: أعطيت الرقيق قوتهم قال: لا. قال: أعطهم فإن رسول الله - ﷺ - قال كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته، أي كفاه ذنبًا عظيما أن يمنع القوت عن مملوكه، فإنه ظلم عظيم.","vol":"2","page":37},{"text":"• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَبَلَغَ ذلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ» فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِيِهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَجَاءَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهكَذَا وَهكَذَا، يَقُولُ فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الصَّدَقَةِ عَلَى الْقَرِيبِ فَقَالَ: «لَهُ أَجْرَانِ أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَلَفْظُهُمَا: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ (^٢)».\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ (^٣)، وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ (^٤) وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ (^٥) ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ صَدَقَةً (^٦)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n_________\n(^١) العبد اسمه يعقوب وسيده اسمه أبو مذكور، أعتق العبد عن دبر بضمتين، أي بعد موته كقوله: إذا مت فأنت حر ويسمى مدبرًا، فلا علم بذلك النبي - ﷺ -، وعلم منه أنه ليس له غيره باعه بثمانمائة درهم وأعطاها له، وقال له: أنفق على نفسك، ثم على أهلك ثم على قرابتك، فإن فضل شيء فعلى من تشاء. وفي الحديث جواز بيع المدبر وسيأتي الخلاف فيه في باب العتق إن شاء الله.\n(^٢) فالمتصدق على قريبه له أجران أجر الصدقة وأجر صلة الرحم.\n(^٣) الفضل هو الزائد عن حاجتك وأهل بيتك، وإنفاقه خير لك لبقائه لك عند الله تعالى، وإمساكه شر للتعب في حفظه والسؤال عن حقه.\n(^٤) فصاحب الكفاف لا لوم عليه في عدم الإنفاق.\n(^٥) واسمه عقبة بن مسعود الأنصاري البدري.\n(^٦) الاحتساب هو نية الثواب من الله تعالى، وفيه أن نية الاحتساب لا بد منها في حصول الثواب على نفقة الأهل، بخلاف من أنفق ذاهلا فلا ثواب له، فيكون هذا قيدًا لإطلاق النصوص السابقة وغيرها، وهل تشترط أيضًا في الزكاة وصدقة التطوع؟ الظاهر نعم لأنهما أعمال داخلة في» إنما الأعمال بالنيات» ولقوله في شرط زكاة الماشية السابق: من أعطاها=","vol":"2","page":38},{"text":"<span data-type='title' id=toc-289>نوع من الصدقة الفضلى</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (^١).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ (^٢) تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى (^٣) وَلَا تُهْمِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «جُهْدُ الْمُقِلِّ وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ؟ قَالَ: «رَجُلٌ لَهُ دِرْهِمَانٍ فَأَخَذَ أَحَدَهُمَا فَتَصَدَّقَ بِهِ، وَرَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ فَأَخَذَ مِنْ عُرْضِ مَالِهِ (^٥) مِائَةَ أَلْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.\n_________\n=مؤتجرًا بها فله أجرها، والمراد بنية الاحتساب ما يعم الإضافة إلى الله تعالى كقوله: نويت الإنفاق لله تعالى أو كأن يخطر بباله وقتها أن الله أمره بهذا أو أن الله يحب هذا، أو أن الله مطلع عليه ونحو ذلك والله أعلم.\n\nنوع من الصدقة الفضلى\n(^١) لما فيه من مجاهدة النفس وإكرام الآخذ.\n(^٢) أي حريص.\n(^٣) تخاف الفقر، وترجو الغنى، وتتمناه، ولا تمهل الصدقة، حتى إذا بلغت الروح الحلقوم، أي ولا تتأخر حتى إذا وصلت إلى النزع شرعت في الصدقة، فإنها هنا قليلة الثواب لمظنة الخوف من الموت، بخلاف الصدقة في الصحة مع حرص النفس، فثوابها عظيم لما فيها من مجاهدة النفس.\n(^٤) الجهد في اللغة بالضم والفتح، وهو هنا بالضم معناه الطاقة، والمقل قليل المال؛ فالصدقة مع قلة المال ثوابها عظيم المجاهدة نفسه وإيثاره الغير عليها.\n(^٥) العرض - بالضم - الجانب، فلما كان مال الأول قليلا وتصدق بنصفه كان من جهد المقل وفاق الدرهم مائة ألف، بخلاف الثاني فإن الإنفاق وإن عظم لا يشق عليه فكان ثوابه قليلا. والله أعلم.","vol":"2","page":39},{"text":"<span data-type='title' id=toc-290>الحث على الصدقة مطلقًا</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ (^١).\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ (^٢)» فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ»، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ (^٣)». قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ (^٤)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ (^٥) يَطوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ (^٦)، وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ». رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (يا ابن آدم أنفق أنفق عليك) (^٧) وَقَالَ: يَمِين اللَّهِ مَلْأَى سَحَّاءُ لَا يَغِيضُهَا شَيْءٌ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (^٨) أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُذْ خَلَقَ السَّمَاءِ وَالأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِيِنِهِ (^٩) قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ (^١٠) وَبِيَدِهِ\n_________\nالحث على الصدقة مطلقا\n(^١) فإذا حل الموت بالإنسان تمني الرجعة للدنيا ليعمل صالحًا ومن أوله الصدقة، ما ذاك إلا أنها عظيمة.\n(^٢) شكرًا لله على نعمة الإيجاد والعافية والإسلام وغيرها.\n(^٣) يجيب المضطر ويعاونه.\n(^٤) أي فإن لم يقدر على الصدقة ولا على معاونة أحد من الناس فليرشد الناس إلى الخير، ولينههم عن الشر ويبغضهم فيه، فإن هذه الأمور تكون له صدقات.\n(^٥) هو آخر الزمان بعد نزول عيسى ﵇.\n(^٦) لكثرة الأموال حينئذ، فقد ورد أن الله يأمر الأرض فتخرج خيراتها من زروع وثمار وكنوز وغيرها، وسيأتي هذا في علامات الساعة إن شاء الله.\n(^٧) أي أنفق ما عندك أخلفه عليك.\n(^٨) ملأي تأنيث ملآن، وسحاء من السح وهو الصب الدائم، لا يغيضها شيء أي لا ينقصها شيء مع طول الأزمان، أي أن خزائن الله واسعة كثيرة مملوءة ومع كثرة الإنفاق وطول الدهر لا تنقص. قال تعالى ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾.\n(^٩) حقًّا، فإن خزائن الله ملأى، ما عندكم ينفد وما عند الله باق.\n(^١٠) قبل الخلائق فلم يكن تحت العرش إلا الماء.","vol":"2","page":40},{"text":"الأُخْرَى الْقَبْضُ (^١) يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ (^٢) كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعُونَ خَصْلَةً، أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ الْعَنْزِ مَا يَعْمَلُ رَجُلٌ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهَا الْجَنَّةَ (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اسْتَعَاذَ باللَّهِ فَأَعِيذُوهُ (^٤)، وَمَنْ سَأَلَ باللَّهِ فَأَعْطُوهُ (^٥)، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوا بِهِ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ (^٦)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ (^٧) كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خَضْرِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعِ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَإٍ سَقَاهُ اللَّهُ ﷿\n_________\n(^١) أي الأمانة أو الميزان يعز من يشاء ويذل من يشاء. وفي رواية الفيض بالفاء أي الإحسان.\n(^٢) أي غير مسرفة وهذا إذا أذن الزوج صريحًا أو ضمنًا، ومثل هذا يقال في الخازن وهو الحارس ابنا كان أو وكيلا أو خادما، فإذا أذن المالك بالإنفاق وأنفقت الزوجة أو الوكيل فلهما أجر المناولة، وللمالك أجر الكسب.\n(^٣) أربعون مبتدأ وخصلة تمييز وما يعمل خبر وأعلاهن منيحة العنز جملة معترضة لبيان العطاء الكثير على قليل العمل إذا كان بنية صالحة، ومنيحة العنز إعطاؤها لمن ينتفع بابها وشعرها زمنًا ثم يعيدها، وكانت العرب تفعل ذلك كثيرا رغبة في الكرم فما من شخص يعمل بخصلة من خصال الخير موقنًا بوعد الشارع وراجيًا ثوابه إلا دخل الجنة.\n(^٤) أي من طلب منكم الإعاذة مستعينا بالله في دفع الضرر عنه كقوله: أسألك بالله أو بالله عليك أن تدفع عني فأجيبوه.\n(^٥) احترامًا لاسم الله تعالى.\n(^٦) فمن عمل معك معروفا فكافئه وقد كان النبي - ﷺ - يقبل الهدية ويكافئ عليها فإن لم يتيسر له شيء دعا له، وأحسن دعاء في هذا حديث الترمذي والنسائي القائل: من صنع إليه معروف فقال لفاعله جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء، فهذه القولة تجزئ وإن عظم المعروف.\n(^٧) بضم فسكون أي وكان السائل عريانا وذكر المسلم أفضل الصدقة عليه، وإلا فالصدقة على الذي فيها أجر أيضا.","vol":"2","page":41},{"text":"مِنْ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢).\n\n• عَنْ بُهَيْسَةَ الْفَزَارِيَّةِ ﵂ قَالَتِ: اسْتَاذَنَ أَبِي النَّبِيِّ ﷺ فَدَخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَمِيصِهِ، فَجَعَلَ يُقَبِّلُ وَيَلْتَزِمُ (^٣) ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: «الْمَاءُ» (^٤) قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: «الْمِلْحُ» قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: «أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَلأَبِي دَاوُدَ (^٦): «لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ» (^٧).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِيءُ غَضبَ الرَّبِّ (^٨) وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السَّوْءِ (^٩)».\n\n• عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ﵂ قَالَتْ: سَأَلْتُ أَوْ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الزَّكَاةِ (^١٠) فَقَالَ: «إِنَّ فِي الْمَالِ لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ ثُمَّ تَلَا» ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ الآية (^١١). رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^١٢).\n_________\n(^١) أي شرابها المسمى بالرحيق قال تعالى - ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾.\n(^٢) بسند صالح.\n(^٣) أي دخل بين النبي - ﷺ - وبين قيصه برأسه وجعل يمرغ وجهه على جلد النبي - ﷺ - ويقبله تبركا به - ﷺ - وهذا مراده.\n(^٤) فيحرم منعه عن الغير إذا فضل عن صاحبه واضطر الغير إليه والملح كالماء في هذا. ولما كانت الناس لا تستغني عن الماء والملح حرم منعهما.\n(^٥) أي وفعل كل معروف خير لك، فهذا تعميم بعد تخصيص كقوله تعالى - ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾.\n(^٦) بسند حسن.\n(^٧) فللسائل حق عليك بإراقة ماء وجهه بسؤالك وإن جاءك على فرس، أي راكبًا عليها، فلا ينبغي احتقاره ورده لركوبه فإن المركوب والمسكن والخادم لا تمنع فقر الشخص، وربما كانت الفرس إعارة، وتحسين الظن بالمسلمين أولى، أو المراد وإن طلب فرسًا إذا تيسر.\n(^٨) أي عن المتصدق كما أطفأ بصدقته حرارة جوع الفقير.\n(^٩) ميتة بالكسر، والسوء بالفتح أي تحفظ صاحبها من الموتة الشنيعة كموت الحرق والغرق وتمزيق الجسم بالسباع، أو بأيدي بعض الأشرار نعوذ بالله من ذلك.\n(^١٠) أي أتكفي عن حق المال فرضًا وكمالا، فقال: لا.\n(^١١) تمامها ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾.\n(^١٢) الأول بسند حسن والثاني ضعيف ولكنه في الترغيب والله أعلم.","vol":"2","page":42},{"text":"<span data-type='title' id=toc-291>خاتمة - في الخدر من المن، وما أحسن السماحة وإخفاء الصدقة </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ (^٢) - وَقَالَ: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ (^٤) وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: الْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى (^٥) وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ (^٦)، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بالْحَلِفِ الْكَاذِبِ (^٧)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ (^٨).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ. وَشَابٌ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ. وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ. وَرَجُلَانِ تَحَابَّا في اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ. وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بَصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ. وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ (^٩)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\nخاتمة - في الحذر من المن، وما أحسن السماحة وإخفاء الصدقة\n(^١) فإنهما يريدان في ثوابها قال تعالى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.\n(^٢) المن تعداد النعم على من أنعمت عليه، والأذى عطف لازم، فإنه يلزم المن الذي هو حرام؛ لأنه يبطل الثواب بنص الآية، ويوجب غضب الرب بنص الحديث الآتي، إلا إذا دعت إليه حاجة مع الزوجة أو غيرها، ليرجعوا عن غيهم ويعترفوا بالنعمة، فيشكروا الله ومن جرت على يديه النعمة، وفي الحديث من لم يشكر الناس لم يشكر الله.\n(^٣) لبعدها عن الرياء وهذا في صدقة التطوع. أما الزكاة فإظهارها أفضل لئلا يهم بتركها، وليكون قدوة حسنة.\n(^٤) أي نظر رحمة، بل نظر غضب.\n(^٥) الذي يمن بعطائه.\n(^٦) الذي يطيل ثوبه كبرا وفخرا. وسيأتي حكم ذلك في اللباس إن شاء الله.\n(^٧) المنفق بالتشديد، أي المروج الذي يغر المشتري فيما يشتريه بالأيمان الكاذبة، وسيأتي في البيع إن شاء الله.\n(^٨) ولكن النسائي هنا ومسلم في الأيمان وأبو داود في اللباس.\n(^٩) تقدم في باب المساجد والله أعلم.","vol":"2","page":43},{"text":"<span data-type='title' id=toc-292>كتاب الصيام </span>(^١)\nوفيه ثمانية أبواب وخاتمة (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-293>الباب الأول: في فرضية صوم رمضان </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ (^٤) ﴿الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^٥).\n\n• عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: نُهِينَا (^٦) أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ (^٧)، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ الْعَاقِلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ (^٨) فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ (^٩) قَالَ:\n_________\n(كتاب الصيام وفيه ثمانية أبواب وخاتمة. الباب الأول في فرضية صوم رمضان)\n(^١) الصيام لغة مطلق الإمساك: ومنه قول الله تعالى عن مريم ﵍ ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. والصيام شرعًا الإمساك عن المفطرات من الفجر إلى غروب الشمس بنية مخصوصة، وفرض صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وحكمة الصوم صحة الجسم، وكسر النفس، وقهر الشيطان، وطيب الفم عند الله تعالى، وصفاء القلب، وغفران الذنوب، وعظيم الأجر وعلى المنزلة في الآخرة، والإتصاف بوصف الملائكة، والقرب من الله جل شأنه.\n(^٢) فيه فأل حسن فإن أبواب الجنة ثمانية، وحملة العرش ثمانية.\n(^٣) في النصوص الدالة على أنه فرض فضلا عما تقدم في الإسلام من أنه ركن من أركانه وفي أول الصلاة، وسيأتي الباب الثاني في فضائله.\n(^٤) أي فرض.\n(^٥) بلام الأمر، فتفيد أن صوم رمضان فرض، كما أفادت التي قبلها فرض الصوم.\n(^٦) بقوله تعالى ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ وسيأتي سببها في التفسير إن شاء الله.\n(^٧) لا حاجة إليه وإلا وجب السؤال لقوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n(^٨) أي من البدو خلاف الحضر ممن لم يبلغهم النهي.\n(^٩) أي قال لنا على لسانك إن الله أرسلك، فالزعم هنا القول الحق. وربما أطلق على الباطل، ومنه ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا﴾ ولذا قيل: الزعم مطية الكذب.","vol":"2","page":44},{"text":"«صَدَقَ». قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءِ. قَالَ: «اللَّهُ». قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الأَرْضَ. قَالَ: «اللَّهُ». قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ (^١) قَالَ: «اللَّهُ». قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَخَلَقَ الأَرْضَ وَنَصَبَ هذِهِ الْجِبَالَ آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ (^٢) قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ في يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا. قَالَ: «صَدَقَ». قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا (^٣) قَالَ: «صَدَقَ». قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرَ رَمَضَانَ فِي سَنَتِنَا (^٤) قَالَ: «صَدَقَ». قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: «صَدَقَ» (^٥) قَالَ ثُمَّ وَلَّي قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لإِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ». وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ (^٦): فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جَئْتَ بِهِ وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي (^٧) وَانَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ ﷿ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ تَفَتَّحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتغَلَّقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ وَتُغْلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ (^٨)، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ (^٩)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ.\n\n• عَنِ النَّضْرِ بْنِ شَيْبَانَ ﵁ قَالَ: قلْتُ لأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ:\n_________\n(^١) من المعادن والعيون والزروع والثمار وغيرها.\n(^٢) آلله بمد الهمزة للاستفهام أي هل الله أرسلك؟.\n(^٣) وفي رواية: تؤخذ من أغنيائنا فترد على فقرائنا.\n(^٤) محل الشاهد وبيت القصيد.\n(^٥) لم يسأله عن الشهادتين؛ لأنه مقتنع بفرضيتهما.\n(^٦) أي للبخاري في العلم، وأما لفظ الحديث فهو لمسلم في الإيمان.\n(^٧) فهم ينتظروني ليسمعوا مني فيقتنعوا كما اقتنعت ويؤمنوا بالله ورسوله - ﷺ -.\n(^٨) أي تقيد بالأغلال.\n(^٩) هي ليلة القدر، وستأتي مبسوطة إن شاء الله.","vol":"2","page":45},{"text":"حَدِّثْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ أَبِيكَ سَمِعَهُ أَبُوكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بَيْنَ أَبِيكَ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدٌ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ قَالَ: نَعَمْ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ ﵎ فَرَضَ صِيَامَ رَمَضَانَ عَلَيْكُمْ (^١)، وَسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ (^٢)، فَمَنْ صَامَهُ وَقَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسابًا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ (^٣)».\nرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-294>الباب الثاني: في فضائل الصوم </span>(^٤)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ (^٥)، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ (^٦)، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ\n_________\n(^١) هذا وما قبله يصرحان بفرضية صوم رمضان، كما دلت عليها النصوص السابقة.\n(^٢) شرعت لكم قيامه على وجه السنية. وهي صلاة التراويح وستأتي إن شاء الله.\n(^٣) فمن صامه مصدقًا بفرضيته وأفضليته طالبًا للأجر من الله تعالى غفرت ذنوبه كلها. والله أعلم.\n\n(الباب الثاني في فضائل الصوم)\n(^٤) وهي أنه حفيظ لصاحبه من الضلال في الدنيا، ومن عذاب النار في الآخرة، وأنه عبادة خاصة بالله تعالى لم يعبد غيره به، ومطيب لرائحة الفم عند الله، ومفرح لصاحبه في الدنيا والآخرة، ورافع لذكره على رءوس الأشهاد، ومصحح للجسم من الأسقام، ومعظم للأجر، ومقرب من الله تعالى. وفي الحديث: أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسين لم يعطهن نبي قبلي، أما واحدة فإنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان ينظر الله ﷿ إليهم، ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبدًا، وأما الثانية فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك، وأما الثالثة فإن الملائكة تستغفر لهم في كل يوم وليلة، وأما الرابعة فإن الله ﷿ يأمر جنته فيقول لها: استعدي وتزيني لعبادي، أوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى داري وكرامتي. وأما الخامسة فإنه إذا كان آخر ليلة غفر الله لهم جميعًا، فقال رجل من القوم: أهي ليلة القدر يا رسول الله؟ قال: لا ألم تر إلى العمال يعملون فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم. رواه البيهقي وأحمد والبزار.\n(^٥) فالله تعالى يقول: كل عمل ابن آدم له، أي لنفسه حظ منه يتعجله في دنياه كالجاه والتعظيم وثناء الناس عليه، لاطلاعهم على أعماله إلا الصيام، فإنه خالص لي من الرياء، وسر بيني وبين عبدي لخفائه، وأنا أجازي عليه جزاء عظيما يليق بمقام الإله العظيم أو المراد إلا الصيام فإنه لي، أي لم يعبد به إلا الله تعالى، أو المراد أنا المنفرد بعلم ثوابه، أو الإضافة للتشريف كقوله تعالى ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾.\n(^٦) بضم فتشديد، أي وقاية وحفظ من المعاصي=","vol":"2","page":46},{"text":"فَلَا يَرْفثْ وَلَا يَصْخَبْ (^١)، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ (^٢)، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رَيحِ الْمِسْكِ (^٣)، للِصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ (^٤)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: «كلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ. الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ (^٥). قَالَ اللَّهُ ﷿: إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي (^٦)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ (^٧)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ. وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ (^٨)، وغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ\n_________\n=لكسره للشهوة، بل وحافظ من النار؛ لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بها.\n(^١) يرفث بتثليث الفاء وبالثاء أي لا يفحش في الكلام، وفي رواية: ولا يجهل، أي لا يفعل وهو صائم فعل الجهال؛ لأن الصوم عبادة فلا يدنسها. ولا يصخب كيعلم، أي لا يرفع صوته بخصام ولا صياح.\n(^٢) فليقل أي بلسانه: اللهم إني صائم؛ ففيه ردع للنفس وطمأنة للقلب وأسوة حسنة.\n(^٣) الخلوف بالضم: تغير رائحة الفم من عدم الأكل، فهو محبوب عند الله وقربة لصاحبه لديه.\n(^٤) أي إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بما أعده الله له من واسع النعيم.\n(^٥) أي بحسب الإتقان والإخلاص، بل ويزيد، قال تعالى ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.\n(^٦) أي لأن الصائم يترك طعامه وما تشتهيه نفسه من أجلى. ففيه أن الصيام الذي يتولى الله الجزاء عليه ما كان لله فقط، فهو إخبار يراد به الإنشاء.\n(^٧) فتحت بالتشديد وعدمه، وأما غلقت وصفدت فبالتشديد فقط، والأفعال الثلاثة بلفظ المجهول. وفي رواية فتحت أبواب السماء، وهي ترجع إلى هذه. وتفتح أبواب الجنة حقيقة لمن مات فيه، واستعداد للصائمين كما مر في الحديث: استعدي وتزيني لعبادي أو مجاز عن كون العمل فيه يؤدي إلى الجنة أو كناية عن كثرة نزول الرحمات. ولا مانع من إرادة الكل، وتغليق أبواب النار حقيقة أو مجازًا أو كناية عن تنزه الصائمين عن الأدناس ولا مانع من الكل وصفدت الشياطين أي قيدت بالأصفاد وهي القيود. وفي رواية: وسلسلت الشياطين. والتقييد على حقيقته أو مجاز عن منعهم مما يريدون، والشياطين مسترقو السمع منهم، أو كل الشياطين. فلا تغوي أحدًا ولا تؤذيه، وهو الظاهر إكرامًا لرمضان.\n(^٨) أي أشرارهم، فلا تقدر على أذية أحد إكرامًا الرمضان، وفيه أن الجن غير الشياطين.","vol":"2","page":47},{"text":"فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ (^١) وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ (^٢)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (^٣)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَأَحْمَدُ وَزَادَ: وَمَا تَأَخَّرَ.\n\n• عَنْ سَهْلٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ (^٤) يَدْخُلُ منْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرَهُمْ، يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَدَخُلُونَ مِنْهُ، فَإِذَا دَخلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: مَنْ يَحْفَظُ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ (^٥) تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ، قَالَ: لَيْسَ أَسْأَلُ عَنْ ذِهِ (^٦). إِنَّمَا أَسْأَلُ عَنِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ، قَالَ: إِنَّ دُونَ ذلِكَ بَابًا مُغْلَقًا (^٧)، قَالَ: فَيُفْتَحُ أَوْ يُكْسَرُ؟\n_________\n(^١) وينادى مناد من قبل الله تعالى: يا طالب الخير شمر ويا طالب الشر أقصر، بهمزة قطع أي انته عنه فليس هذا وقته.\n(^٢) أي في رمضان كانوا قد استوجبوا النار. وللبيهقي: إن لله ﷿ في كل ليلة من رمضان ستمائة ألف عتيق من النار فإذا كان آخر ليلة أعتق الله بعدد من مضى.\n(^٣) فمن صام رمضان حال كونه موقنًا بفرضيته وأفضليته واحتسابًا أي طالبًا للأجر من الله تعالى غفرت ذنوبه أي صغائرها على رأي الجمهور، أو كلها لظاهر الحديث. وفضل الله واسع.\n(^٤) بتشديد الياء من الري ضد العطش، ولما كان الصوم يلزمه العطش غالبًا خلق الله للصائمين في الجنة بابًا يناسبهم، فيه مزيد تكريم لهم، وهو باب الريان أحد أبواب الجنة الثمانية كما تقدم في حديث عمر في فضائل الطهارة، وما سبق في فضل الزكاة لم يسم من هذه الأبواب إلا أربعة وهي: باب الصلاة، وباب الجهاد، وباب الصدقة، وباب الريان للصائمين، وورد ما يفيد أن للجنة أكثر من ذلك وهي: باب الرحمة ويسمى باب التوبة، وباب الكاظمين الغيظ، وباب الصابرين، وباب الراضين، وباب الضحى، وباب الذكر، ولا غرابة، فكل من أكثر في نوع من الطاعات دعي من بابه وقد يدعى من كل الأبواب تكريمًا له.\n(^٥) بسبب ظلمهم وعدم قيامه بحقهم، أو اشتغاله بهم عن الواجب عليه.\n(^٦) بكسر الهاء وسكونها.\n(^٧) أي بينك وبينها باب مغلق.","vol":"2","page":48},{"text":"قَالَ: يُكْسَرُ قَالَ: ذَاكَ أَجْدَرُ أَلا يُغْلَقَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (^١) فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ الْبَابُ؟ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: نَعَمْ كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ (^٢). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيْتُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ وَصُمْتُ رَمَضَانَ وَأَحْلَلْتُ الْحَلَالَ وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: واللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى ذلِكَ شَيْئًا (^٣). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَر فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي عَنِ النَّارِ (^٤) قَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْركُ بِهِ شَيْئًا (^٥) وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ وَتَحُجُّ الْبَيْتَ». ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ (^٦)؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ وَالصَّدَقَةُ تُطْفِيءُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِيءُ الْمَاءُ النَّارَ وَصَلَاةُ\n_________\n(^١) أي وحيت إن باب الفتنة يكسر فتبقى في الأمة إلى يوم القيامة.\n(^٢) قال مسروق الحذيفة: هل كان عمر يعلم الباب الذي بين المسلمين وبين الفتنة؟ فقال: نعم. كما يعلم أن الليلة الآتية قبل غد، وبموته تولى عثمان ﵄، ودبت الفتنة بين المسلمين، وآل الأمر إلى قتله، ولا تزال إلى يوم القيامة.\n(^٣) فهذا الرجل قال للنبي - ﷺ -: أخبرني إذا صليت الفرائض فقط، وصمت رمضان فقط، وتناولت الحلال معتقدًا حله، واجتنبت الحرام معتقدا تحريمه، ولم أزد على ذلك هل أدخل الجنة بغير عذاب؟ قال نعم. فذهب الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على ذلك. ومصداق هذا في كتاب الله تعالى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. ولابن حبان والبزار وابن خزيمة: جاء رجل إلى النبي - ﷺ -؟ فقال يا رسول الله: أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقته، فمن أنا، قال: من الصديقين والشهداء.\n(^٤) أي يكون سببًا في هاتين، وإلا فالجنة بمحض فضل الله تعالى، كما يأتي في الزهد.\n(^٥) أي تعتقد بوحدانيته وتعترف بها، وتعبده بأنواع العبادة المذكورة بعد.\n(^٦) أي على أنواعه زيادة على أصوله السابقة، فهو إرشاد إلى الخير العظيم من التطوع بالصوم والصدقة والتهجد.","vol":"2","page":49},{"text":"الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ شِعَارُ الصَّالِحِينَ (^١)» قَالَ: ثُمَّ تَلَا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ (^٢). ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ». قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ (^٣)». ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذلِكَ كُلِّهِ»، قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ (^٤) فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ (^٥) وَقَالَ: «كُفَّ عَلَيْكَ هذَا». فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ (^٦) وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسنَتِهِمْ (^٧)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الإِيْمَانِ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِأَمْرٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ. قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصِّيَامِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ (^٨)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n_________\n(^١) أي علامتهم ودأبهم.\n(^٢) ونص الآية ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾.\n(^٣) برأس الأمر أي الحال والشأن الذي كلفنا به معشر المسلمين من قديم الزمان، وهو الدين الحنيف. قال تعالى حكاية عن وصية إبراهيم ويعقوب لبنيهما ﵈ ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ والذروة بالكسر والفتح. أعلى الشيء، والسنام بالفتح. ما ارتفع بظهر الجمل.\n(^٤) الملاك بالكسر، هو الرواية ويجوز الفتح لغة، والملاك ما يملك الشيء ويضبطه.\n(^٥) أي النبي - ﷺ - أخذ بلسان نفسه وقال له: أمسك عليك هذا.\n(^٦) الثكل: الموت وفقد الولد والعزيز، وليس المراد الدعاء عليه بذلك، وإنما المراد التعجب والتنبيه إلى معرفة ما يلزم في الدين.\n(^٧) أو للشك، وحصائد الألسن ما تنطق به: أي لا يكب الناس في النار على وجوههم غالبا إلا الكلام، ففيه تحذير من إطلاق اللسان، فإن جرمه عظيم.\n(^٨) أي عليك بالإكثار من الصيام فإنه لا نظير له في صحة الجسم وكسر النفس، وعظيم الأجر وصفاء القلب، والقرب من الله تعالى، وغيرها، والطبراني والبيهقي: الأعمال عند الله ﷿ سبع عملان موجبان، وعملان بأمثالها، وعمل بعشر أمثاله، وعمل بسبعمائة، وعمل لا يعلم ثواب عامله إلا الله ﷿. فأما الوجبان: فمن لقي الله يعبده مخلصًا لا يشرك به شيئًا وجبت له الجنة، ومن لقي الله قد أشرك به وجبت له النار، ومن عمل سيئة جزى بها، ومن أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها جزى مثلها،=","vol":"2","page":50},{"text":"<span data-type='title' id=toc-295>فصل: في أصل الصوم وبيان وقته </span>(^١)\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَحَضَرَ الإِفْطَارُ (^٢) فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ كَانَ صَائِمًا فَلَمَّا حَضَرَ الإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ لَهَا: أَعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لَا وَلكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ (^٣) فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتِ امْرَأَتُهُ فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ (^٤) فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ (^٥) فَذُكِرَ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ (^٦) فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا وَنَزَلَتْ\n_________\n= ومن عمل حسنة جزى عشرا، ومن أنفق ماله في سبيل الله ضعفت له نفقته: الدرهم سبعمائة والدينار سبعمائة، والصيام لله ﷿ لا يعلم ثواب عامله إلا الله تعالى. وللإمام أحمد والطبراني: الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان. وللطبراني: اغزوا تغنموا، وصوموا تصحوا، وسافروا تستغنوا، ولأبي يعلى والطبراني: لو أن رجلا صام يومًا تطوعا ثم أعطى ملء الأرض ذهبًا لم يستوف ثوابه دون يوم الحساب. ولابن ماجه: لكل شيء زكاة، وزكاة الجسد الصوم، والصيام نصف الصبر. ولأحمد والترمذي: ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم برفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين. والله أعلم.\n\nفصل في أصل الصوم وبيان وقته\n(^١) أما أصل الصوم فكان الفطر في أول الإسلام من الغروب إلى النوم، فإذا نام الشخص ولو بعد ساعة ثم استيقظ حرم عليه الطعام والشراب والنساء، كصيام أهل الكتاب، وكذا كان ينتهى وقت الإفطار بصلاة العشاء، وبما حصل لقيس بن صرمة وغيره خفف الله، ووسع وقت الإفطار إلى الفجر، فلله مزيد الحمد. وكذا كان الصوم واجبًا على التخيير، ثم صار واجبًا عينيا، كما في حديث سلمة الآتي، وأما بيان وقت الصوم المشروع الآن فإنه من الفجر الصادق إلى غروب الشمس. كما يأتي في حديث عديّ وما بعده.\n(^٢) أي وقته.\n(^٣) أي يشتغل في زراعته؛ لأنه أنصاري صاحب زرع، فنام قبل مجيء امرأته.\n(^٤) خيبة منصوب بفعل محذوف وجوبًا، أي خبت خيبة وحرمانًا لك. حيث نمت قبل أن تأكل، وروى أنها أيقظته ليأكل فأبي خوفًا من الله تعالى.\n(^٥) وهو يعمل في زراعته.\n(^٦) أي جماعهن إلى الفجر وكان حرامًا بعد العشاء.","vol":"2","page":51},{"text":"﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النّبيِّ ﷺ إِذَا صَلَّوُا الْعَتَمَةَ (^٢) حَرُمَ عَلَيْهِمُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالنِّسَاءُ وَصَامُوا إِلى الْقَابِلَةِ (^٣) فَاخْتَانَ رَجُلٌ نَفْسَهُ (^٤) فَجَامَعَ امْرَأَتَهُ وَقَدْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَلَمْ يُفْطِرْ (^٥) فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُجْعَلَ ذلِكَ يُسْرًا لِمنْ بَقِيَ وَرُخْصَةً وَمَنْفَعَةً فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ الآية (^٦).\n\n• عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كَانَ مَنْ أَرَادَ مِنَّا أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ فَعَلَ حَتَّى نَزَلَتِ الآيةُ الَّتِي بَعْدَهَا ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فَنَسَخَتْهَا (^٧).\n\n• عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ قلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجْعَلُ تَحْتَ وِسَادَتِي عِقَالَيْنِ عِقَالًا أَبْيَضَ وَعِقَالًا أَسْوَدَ أَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ. زَادَ في رِوَايَةٍ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لي، فَقَالَ ﵊: «إِنَّ وِسَادَتَكَ لَعَرِيضٌ\n_________\n(^١) فأحل لهم كل شيء من الغروب إلى الفجر.\n(^٢) أي العشاء.\n(^٣) أي إلى الليلة الآتية.\n(^٤) يفسره ما بعده.\n(^٥) هي وما قبلها جملتان حاليتان أي إن ذلك الرجل جامع امرأته بعد صلاة العشاء ولم يكن حينذاك مفطرا لمرض أو غيره. وذلك الرجل هو عمر ﵁ كان يسمر مع النبي - ﷺ - فرجع إلى بيته وأراد امرأته؟ فقالت له: إنى نمت. فقال: ما نمت، ووقع عليها. وكذا صنع مثله كعب بن مالك ﵁ فكان عملهما ذلك سببا للتخفيف بإطالة وقت الإفطار إلى الفجر.\n(^٦) تمامها. ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.\n(^٧) فكانوا في صدر الإسلام مخيرين بين الصوم، وبين الإفطار ودفع الفدية، حتى نزلت الآية الثانية فنسخت الآية الأولى وصار الصوم فرضا عينيا على كل حاضر قادر عليه وعلى هذا الجمهور. وقال ابن عباس: ليست الآية منسوخة، إنما هي في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وسيأتي ذلك في الفدية، ومن هذا يتضح أنه لا وجه لما قاله بعض المفسرين في الآية من تقدير محذوف وغيره مما يخالف هذا.","vol":"2","page":52},{"text":"إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ (^١)».\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأَدْبَرَ النَّهَارُ وَغَابَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ (^٢)». رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ الأُصُولُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مُؤَذِّنَانِ بِلَالٌ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ (^٣)، فَكلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذَّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ (^٤) قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلا أَن يَنْزِلَ هذَا وَيَرْقَى هَذَا». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-296>علامة الفجر الصادق</span>\n• عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ (^٥) مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا بَيَاضُ الأُفُقِ الْمُسْتَطِيلُ هكَذَا (^٦) حَتَّى يَسْتَطِيرَ هكَذَا (^٧)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\nوَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: «لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا الْفَجْرُ\n_________\n(^١) الوسادة: ما يوضع تحت الرأس، والعقال ما يعقل به البعير، فكان عديٌّ يجعل عقالين تحت وسادته، وينظر لها فلا يعرف الفجر، فلما سمعه النبي - ﷺ - قال له: إن وسادتك لعريض، أي إنك عريض الوسادة أو كثير النوم، إنما المراد سواد الليل وبياض النهار، ولمسلم لما نزل ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ كان الرجل إذا أراد الصوم ربط في رجله خيطا أبيض وخيطًا أسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رِئيهما، فأنزل الله - من الفجر - فعلموا أنه يعني بذلك الليل والنهار.\n(^٢) أي دخل وقت إفطاره، فحديث عديّ بين أول وقت الصوم، وهو ظهور بياض الفجر. وحديث عمر بين أول وقت الإفطار وهو تمام الغروب. ومنهما يتضح تحديد وقت الصوم وأنه من الفجر الصادق إلى غروب الشمس.\n(^٣) قبل الفجر ليستعدوا لصلاته بالطهارة ونحوها، وفيه إجزاء الأذان للصبح قبل دخول وقتها، وعليه الجمهور. وقال أبو حنيفة: لا يجزئ كسائر الصلوات، وإن وقع أعيد بعد الوقت، وهذا أحوط عملا وأقوى دليلا لأذان ابن أم مكتوم بعد الفجر ثانيا، إلا إن ثبت أن هذا كان في الصوم فقط.\n(^٤) وكان لا يؤذن إلا بعد ظهور الفجر، وقولهم له: أصبحت أصبحت، وابن أم مكتوم اسمه عمرو بن قيس العامري، وكان للنبي - ﷺ - مؤذنان آخران. أبو محذورة، وسعد القرظي.\n\nعلامة الفجر الصادق\n(^٥) أي لا يمنعنكم.\n(^٦) أي الممتد من الأرض إلى السماء، فإنه الفجر الكاذب؛ لأنه يذهب وتعقبه ظلمة.\n(^٧) وحكاه حماد بيديه، يعني معترضا.","vol":"2","page":53},{"text":"الْمُسْتَطِيلُ (^١)، وَلكِنِ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ فِي الأُفُقِ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-297>الباب الثالث: يجب الصوم والإفطار برؤية الهلال</span>\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَصُومُوا حتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ (^٣)، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ (^٤)، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ (^٥)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: «لَا تَصُومُوا قَبْلَ رَمَضَانَ، صُومُوا لِرُؤْيتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَتْ دُونَهُ غَيَابَةٌ فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا (^٦)». وَلِلْبُخَارِيِّ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّة شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ». وَفِي رِوَايَةٍ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا (^٧)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ (^٨). الشَّهْرُ هكَذَا وهكذَا، يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ\n_________\n(^١) أي رأسا.\n(^٢) أي المنتشر فيه عرضا، فالفجر الصادق بياض في الأفق الشرقي، يمتد من الشمال إلى الجنوب، وينتشر بسرعة، وربما تلون بحمرة حتى يظهر النهار. ولأبي داود والترمذي: كلوا واشربوا ولا يمنعكم الساطع المصعد، حتى يعترض لكم الأحمر. أي يظهر بياضه في أول الوقت: والله أعلم.\n\n(الباب الثالث يجب الصوم والإفطار برؤية الهلال)\n(^٣) هلال رمضان.\n(^٤) هلال شوال.\n(^٥) أي إن استتر بغيم فاقدروا له أي كملوه ثلاثين.\n(^٦) اللام في قوله لرؤيته للتأقيت لا للتعليل، وغيابة كسحابة وزنًا ومعنى، أي إن استتر بسحابة ولم تروه فكملوا الشهر ثلاثين، شعبان كان أو رمضان.\n(^٧) وفي رواية: فإن غبّي عليكم، وفي أخرى غَبي، وفي أخرى فإن أغمي، ومعناها تواري واستتر، فلا يجب صوم رمضان إلا برؤية هلاله، ولا يجب الإفطار منه إلا برؤية هلال شوال قبل الغروب أو بعده، فإن استتر الهلال وجب إكمال الشهر ثلاثين يوما.\n(^٨) أي إننا معشر العرب أمة أمية لا نعرف الكتابة، أي كلنا فلا ينافي أن بعضهم كان كاتبًا، كعبد الله بن عمرو ومعاوية وعلى ﵃. ولما كاتب اليهود النبي - ﷺ - باللغة السريانية أمر زيد بن ثابت فتعلمها في نصف شهر، وكان يكتب لهم، وإذا كتبوا للنبي - ﷺ - قرأه له زيد بن ثابت، وسيأتي ذلك في الأدب إن شاء الله. وكذا نحن جماعة لا نعرف حساب النجوم وسيرها ولم يكلفنا الله في مواقيت عبادتنا من صلاة وصيام وحج إلا بأمور واضحة، يستوي فيها الكاتب وغيره والحاسب وغيره رحمة بعباده. وهي رؤية الشمس للصلاة ورؤية الهلال للصوم وغيره. قال تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ولا عبرة بقول المنجمين والحاسبين، ولا يجب الصوم بحسابهم، لا عليهم ولا على=","vol":"2","page":54},{"text":"وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا (^١)، فَلَمَّا مَضى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا غَدَا أَوْ رَاحَ (^٢)، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ حَلَفْتَ أَلا تَدْخُلَ شَهْرًا (^٣)، فَقَالَ: «إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ. وَزَادَ مُسْلِمٌ: ثُمَّ طَبَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدَيْهِ ثَلَاثًا مَرَّتَيْنِ بِأَصَابِعِ يَدَيْهِ كُلهَا، وَالثَّالِثَةَ بِتِسْعٍ مِنْهَا (^٤). عَنْ أَبِي بَكرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ وَذو الْحِجَّةِ (^٥)». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-298>تثبت رؤية الهلال ولو بشهادة عدل</span>\n• عَنْ حُسَيْنِ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ مَكَّةَ ثمَّ قَالَ: قَالَ: عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَنْسَكَ لِلرُّؤْيَةِ، فَإِنْ لَمْ نَرَهُ وَشَهِدَ شَاهِدَا عَدْلٍ نَسَكْنَا بِشَهَادَتِهِمَا (^٦). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ\n_________\n= من صدقهم؛ لأنهم وإن كانوا مهرة فقولهم غير منضبط لأنهم كثيرًا ما يختلفون، وعلى هذا الجمهور. وقال الشافعية: إن حسابهم معتبر بالنسبة إليهم وإلى من صدقهم فيعملون بحسابهم؛ لأن هذا الحديث لم ينص على عدم العمل بالحساب، بل يشير إلى أنه علم عزيز، ولأن الأمة كلها على العمل به في أوقات الصلاة وهي أخت الصوم، فلا فرق بينهما، ولعموم قوله تعالى ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ والله أعلم.\n(^١) حلف أنه لا يدخل عليهن شهرا.\n(^٢) ذهب فدخل عليهن أول النهار أو آخره.\n(^٣) والقائل عائشة، فإنه بدأ بها.\n(^٤) فأجابها بأن الشهر يكون ناقصًا يوما واحدًا فقط وهذا الشهر ناقص، وأكد قوله بتطبيق كفيه مرتين بنشر تسع منها وبقبض الإبهام فقط، والنقص يأتي في شهرين متواليين وفي ثلاثة وفي أربعة ولا يزيد؛ فالعبرة في كمال الشهر ونقصه برؤية الهلال فقط.\n(^٥) فشهر رمضان وشهر ذي الحجة لا ينقصان غالبًا في سنة واحدة، بل لو نقص أحدها كمل الآخر، وقيل لا ينقص ثوابهما وإن نقص العدد، وقيل لا ينقص نواب ذي الحجة عن ثواب رمضان؛ لأن فيه فريضة الحج والعيد الأكبر، كما أن في رمضان فريضة الصوم وعيد الفطر. والله أعلم.\n\nتثبت رؤية الهلال ولو بشهادة عدل\n(^٦) أمير مكة هو عبد الله بن عمر ﵄، وعهد أي أمر، ونفسك من النسك وهو العبادة كصوم وحج، أي قال في خطبته: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نتعبد إذا رأينا الهلال، أو شهد عدلان بأنهما رأيا الهلال.","vol":"2","page":55},{"text":"وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ (^١) قَالَ: «اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ فَقَدِمَ أَعْرَابِيَّانِ فَشَهِدَا عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ بِاللَّهِ لأَهَلا الْهِلَالَ أَمْسِ عَشِيَّةً فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ أَنْ يُفْطِرُوا وَأَنْ يَغْدُوا إِلى مُصَلاهُمْ» (^٢) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ (^٣) فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ، فَقَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ»؟ قَالَ: نَعَمْ: «أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟» قَالَ: نَعَمْ قَالَ: «يَا بِلَالُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا» (^٤). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ (^٥).\n_________\n(^١) الجهل بالصحابي لا يضر، فإن الأصحاب كلهم عدول.\n(^٢) أمس اسم لليوم الذي قبل يومك، ويطلق على ما قبله مجازا. ففي آخر يوم من رمضان تقاول الناس برؤية الهلال ولم يشهد واحد بعينه، فجاء أعرابيان وشهدا عند النبي - ﷺ - بالله أنهما رأيا الهلال عشية أمس، فأمر النبي - ﷺ - بالفطر في الحال لظهور أن اليوم من شوال، وبخروجهم في صباح الغد الصلاة العيد كما تقدم التصريح به في صلاة العيد.\n(^٣) تقاولوا برؤيته كقول بعضهم: سمعت أن بعض الناس رأوا الهلال ولم يشهد واحد بالرؤية.\n(^٤) جاء هذا الأعرابي للنبي - ﷺ -، وشهد برؤية الهلال، فاستفهم عن إسلامه فاعترف له بالإسلام، فأمر بلالا ينادي بالصوم لثبوت رمضان بشهادة الأعرابي، وفيه إجزاء الشهادة من ظاهر الإسلام؛ لأن الأصل في المسلمين العدالة. وفيه وما قبله أن الرؤية تثبت بشهادة المسلم الواحد. ويترتب عليها وجوب الصوم والحج وغيرها، وعليه بعض الصحب والتابعين وابن المبارك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي: إذا كان مكلفًا وعدلا، وقال مالك والليث والثوري والأوزاعي وإسحاق: لا بد من شهادة عدلين للحديثين الأولين، ولكن لو رأي إنسان الهلال وجب عليه الصوم.\n(^٥) ورواه الدارقطني والبيهقي. والله أعلم.","vol":"2","page":56},{"text":"<span data-type='title' id=toc-299>لكل قطر رؤية </span>(^١)\n\n• عَنْ كرَيْبٍ ﵁ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ (^٢) لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَسَأَلَنِي ابْنِ عَبَّاسٍ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، قَالَ: رَأَيْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ: لكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَة السَّبْتِ (^٣) فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ (^٤) فَقُلْتُ: أَوْ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ، فَقَالَ: لَا، هكذَاَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^٥). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n_________\nلكل قطر رؤية\n(^١) فرؤية الهلال في الشام لا تسرى على أهل الحجاز أو اليمن مثلا وبالعكس؛ لأن كل إقليم مخاطبون بما يظهر لهم فقط كأوقات الصلاة، ولو كلفوا بما يظهر في جهة أخرى لشق عليهم ذلك. ومعلوم أن المطالع تختلف، فربط كل جهة بمطلعها أخف وأحكم. فإذا ثبتت رؤية الهلال في جهة وجب على أهل الجهة القريبة منها من كل ناحية أن يصوموا، والقرب يحصل باتحاد المطلع بأن يكون دون أربعة وعشرين فرسخا، وعلى هذا بعض الصحب والتابعين وإسحاق والشافعي، وقال الجمهور: إذا ثبتت رؤية الهلال في بلد وجب على كل المسلمين العمل بها، وعليه الأئمة الثلاثة، قاله الخطابي. وقال ابن الماجشون: لا يلزم أهل بلد رؤية غيرهم إلا أن يثبت ذلك عند الإمام الأعظم، فيلزم الناس كلهم؛ لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد، وحكمه نافذ على الجميع. وفي الشروح هنا كلام طويل. ولابن حجر في الفتح عدة أقوال فارجع إليها إن شئت.\n(^٢) استهل رمضان أي ظهر هلاله، ولفظ الترمذي: فرأينا، وهو أنسب.\n(^٣) وأصبحنا صاغين يوم السبت.\n(^٤) أي الهلال.\n(^٥) أي أمرنا النبي - ﷺ - أن نتعبد على رؤية مطلعنا دون رؤية مطلع آخر يخالف مطلعنا، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ..\n\n(فائدة)\nأهل الأقطار إذا ذهبوا للحج وعلموا أن الرؤية في الحجاز خالفت الرؤية في بلادهم فهل يعملون برؤية الحجاز أو برؤية بلادهم؟ الظاهر الأول لأن مشاعر الحج ومناسكه في الحجاز، فيلزم أن تكون على مطلعه ورؤيته، ولا يأتي في حديث سليمان بن يسار في الإحصار في كتاب الحج، وهذا على القول الأول، أما على قول الجمهور فالعبرة بالرؤية الأولى. والله أعلم.","vol":"2","page":57},{"text":"<span data-type='title' id=toc-300>الباب الرابع: في النية وما يستحب للصائم </span>(^١)\n• عَنْ حَفْصةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَرضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ (^٢)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَاهُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ»: قُلْنَا: لَا، قَالَ: «فَإِنِّي إِذَنْ صَائُمٌ (^٣)» ثُمَّ أتَانَا يَوْمًا آخَرَ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: «أَرِينيِهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا فَأَكَلَ (^٤)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً (^٥)» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا\n_________\n(في الباب الرابع في النية وما يستحب للصائم)\n(^١) أي في نية الصيام وما يندب للصائم فعله، من سحور وفطور ودعاء عند الإفطار، ونحوها مما يأتي.\n(^٢) يجمع من أجمع أمره إذا صمم عليه أو من الإجماع وهو إحكام النية، أي من لم ينو الصيام قبل الفجر أي ليلا وهو من الغروب إلى الفجر، وفي رواية: من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له، أي صحيح؛ لأن النفي أقرب إلى الصحة، فتجب نية الصوم كل ليلة في رمضان وفي كل صوم مفروض لهذا، ولأن صوم كل يوم عبادة مستقلة، أما النفل فتكفي نيته قبل الزوال بشرط ألا يسبقها مناف للصوم، الحديث الآتي، وعليه الحنفية والشافعية والحنابلة، بل تكفي نية النفل بعد الزوال عند الحنابلة. وقال مالك والليث: يجب التبييت في الفرض والنفل. ولكن قال مالك: تكفي نية صوم رمضان في أول ليلة منه؛ لأن الشهر كله فرض واحد، وكذا كل صوم وجب تتابعه، ولفظ النية كقوله: نويت صوم غد عن أداء فرض رمضان الله تعالى، أو نوبت صوم غد عن قضاء رمضان، أو عن الكفارة مثلا، فلابد من تعيين الصوم.\n(^٣) فلما لم يجد شيئًا يأكله ضحوة نوى الصيام نقلا، فتصح نية النفل نهارًا أو عليه الجمهور.\n(^٤) حيس بفتح فسكون طعام يعمل من التمر والسمن والأقط أو الدقيق وكان أحسن طعامهم. ففيه أن الصائم التطوع أمير نفسه، إن شاء تم صيامه وإن شاء أفطر، وستأتي أقوال الأمة فيه في الصائم المتطوع إن شاء الله تعالى.\n(^٥) السحور بالضم هو الأكل في السحر بنية الصوم وهو سنة، فالأمر للندب. والسحور بالفتح هو ما يؤكل سحرًا بنية الصوم، وقوله فإن في السحور بركة أي قوة على الصوم وأجرًا عظيمًا؛ لأنه أكل بنية العبادة، وفي رواية: تسحروا ولو بجرعة من ماء.","vol":"2","page":58},{"text":"وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَهُ السَّحَرِ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ (^٢) قلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسُّحُورِ؟ قَالَ: «قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً (^٣)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَلِلنَّسَائِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ: «عَلَيْكُمْ بِغَدَاءِ السَّحُورِ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَدَاءُ الْمُبَارَكُ (^٤)».\nوَلِأَبِي دَاوُدَ: «نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ (^٥)».\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اسْتَعِينُوا بِطَعَامِ السَّحَرِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ وَبِالْقَيْلُولَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ (^٦)». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ والْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ.\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ (^٧)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ: «لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ، لأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَهُ (^٨)»، وَللتِّرمِذِيِّ وَأَحْمَدَ (^٩): قَالَ اللَّهُ ﷿: «أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا (^١٠)».\n\n• عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْنَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ كِلَاهُمَا لَا يَأْلُو عَنِ الْخَيْرِ (^١١)\n_________\n(^١) أكلة بالفتح مضاف إلى السحر، أي السحور هو الفارق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، فإنهم كانوا لا يتسحرون لحرمة الأكل عليهم إذا ناموا كما كان في بدء الإسلام، وفيه تأكيد للسحور الطلب مخالفتهم.\n(^٢) أي صلاة الفجر.\n(^٣) أي كان الزمن بين نهاية السحور وبدء الأذان قدر قراءة خمسين آية بطريقة وسطى، وقدرت بسورة المرسلات عرفا. ففيه طلب السحور وأن يكون قبيل الفجر.\n(^٤) الإضافة في غداء السحور للبيان، وسمي غداء لأنه يقوم مقامه. والغداء مأكول الصباح خلال العشاء فإنه مأكول المساء.\n(^٥) فالتمر في السحور ممدوح لأنه حلو وسهل الهضم وكثير التغذية ويقوي البصر الذي يضعف. بالصوم، وكان النبي - ﷺ - يحب الإفطار به كما يأتي.\n(^٦) القيلولة: هي النوم وسط النهار، فبالسحور يقوى على الصيام، وبالنوم نهارا يقوى على قيام الليل.\n(^٧) فلا يزال الناس بخير في دينهم ودنياهم ما داموا يبادرون بالإفطار عقب تحقق الغروب إذا رأوه أو أخبرهم به عدلان أو عدل واحد، ومنه الساعات المضبوطة المجربة، وكالغروب في هذا ظهور الفجر.\n(^٨) ظاهرا أي منصورا على بقية الأديان، وقوله يؤخرون أي الفطر حتى تظهر النجوم وقد أمرنا بمخالفهم في عدة أحاديث.\n(^٩) بسند حسن.\n(^١٠) فما أعظمها مزية.\n(^١١) لا يتوانى عن فعله.","vol":"2","page":59},{"text":"أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ وَالصَّلَاةَ (^١) وَالآخَرُ يُؤَخِّرُ الإِفطَارَ وَالصَّلَاةَ، قَالَتْ: أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ وَالصَّلَاةَ؟ قُلْنَا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَتْ: كَذلِكَ كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالآخَرُ أَبُو مُوسى (^٢). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَفْطِرْ عَلَى ماءٍ فَإِنَّهُ طَهُورٌ (^٣)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٤).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَعَلَى تَمَرَاتٍ فَإِنْ لَمْ تَكنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦).\nوَلِلتِّرْمِذِيِّ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُفْطِرُ في الشِّتَاءِ عَلَى تَمَرَاتٍ وَفِي الصَّيْفِ عَلَى الْمَاءِ (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-301>الدعاء عند الإفطار</span>\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: «ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوق وَثَبَتَ الأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (^٨)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٩) وَالنَّسَائِيُّ.\nوَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالطَّبَرَانِيُّ. وَلَفْظُهُ: «بِسْمِ اللَّهِ\n_________\n(^١) صلاة المغرب.\n(^٢) الذي كان يؤخرها.\n(^٣) تفاؤلا بأن يكون صومه مطهرا له باطنا وظاهرا.\n(^٤) بسند صحيح.\n(^٥) الحسوة بالضم: الجرعة من الشراب وبالفتح المرة الواحدة.\n(^٦) بسند حسن.\n(^٧) فكان النبي - ﷺ - يفطر على رطبات، فإن لم تكن فعلي تمرات، وإلا فالماء. وكان أكثر إفطاره عليه صيفًا لأنه يطفي الحرارة ويروي الجسم، ومعنى ما تقدم أنه يندب السحور، وأن يكون قبيل الفجر وأن يكون على حلو أو فيه حلو، كما يندب تعجيل الفطر إذا تحقق الغروب، وفي الفردوس: ثلاثة لا يحاسب عليها العبد: أكلة السحر وما أفطر عليه وما أكل مع الإخوان. ويندب الإفطار على شيء حلو، وأفضله الرطب، فالتمر، فالشراب الحلو البارد في الصيف، وإلا فالماء، وبعد ذلك يصلى المغرب ثم يعود فيأكل، وبهذا تدرك فضيلة تعجيل الإفطار والصلاة. والله أعلم.\n\nالدعاء عند الإفطار\n(^٨) إذا أفطر أي فرغ منه كما هو ظاهر الحديثين الأولين، أو إذا أراد الإفطار كما هو ظاهر لفظ الطبراني، وكلاهما حسن.\n(^٩) هو وما بعده بسندين صالحين.","vol":"2","page":60},{"text":"اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ (^١)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: أَفْطَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ (^٢) فَقَالَ: أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ (^٣). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-302>حفظ اللسان </span>(^٤)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ (^٥)»، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَ أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ (^٦)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلا الجُوْعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلا السَّهَرُ (^٧)». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ (^٨).\n_________\n(^١) فيه طلب ذكر النعم فإن الصوم وما أفطر عليه توفيق ونعمة من الله تعالى، وفيه إيذان بالشكر وهو يستلزم المزيد. وفيه أنه يندب للصائم أن يدعو عند إفطاره بما يشاء من أمر الدنيا والآخرة للحديث السابق في فضل الصوم: ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حين يفطر. وكان ابن عمر إذا أفطر يقول: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي ذنوبي.\n(^٢) سيد الأوس، وسيأتي فضله في الفضائل إن شاء الله تعالى.\n(^٣) أي جعلكم الله أهلا لذلك دائما، فهو وما بعده إخبار يراد به الإنشاء، والأبرار جمع بار وهو الصالح، ففيه طلب إكرام الصالحين لعله يكون منهم، نسأل الله ذلك. والله أعلم.\n\nحفظ اللسان\n(^٤) واجب في كل وقت ولكنه مؤكد للصائم.\n(^٥) قول الزور كشهادة الزور، والكذب، والنميمة، والغيبة ونحوها، وعمل الزور كل فعل يغضب الله ورسوله، فمن كان صائما ويقول قولا باطلا أو يفعل الحرام فصيامه غير مقبول. هذا هو المراد وإلا فالله لا يحتاج إلى شيء، فإن الله غني عن العالمين.\n(^٦) تقدم هذا في فضائل الصوم.\n(^٧) فكثير من الناس يصومون عن الأكل والشرب ولكنهم لا يتحفظون عن فعل الحرام أو قوله. هؤلاء لا أجر لهم كمن يكثرون من التهجد رياء وسمعة فهم لا ثواب لهم.\n(^٨) بسند صحيح.","vol":"2","page":61},{"text":"<span data-type='title' id=toc-303>السواك </span>(^١)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ للرَّبِّ (^٢)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ مَا لَا أَعُدُّ وَلَا أُحْصِي (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤) وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n<span data-type='title' id=toc-304>تلاوة القرآن والكرم فى رمضان </span>(^٥)\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ (^٦) وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ (^٧) وَكَانَ جِبْرِيلُ ﵇ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ (^٨) يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ الْقُرْآنَ (^٩). وَفِي رِوَايَةٍ: فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ (^١٠) فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ ﵇ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ (^١١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\nالسواك\n(^١) هو مستحب في كل وقت، ومؤكد عند تغير الفم، وعند القيام من النوم، وعند كل عبادة، من وضوء وصلاة، وقراءة، وتدريس ونحوها، وسبق الكلام على السواك في سنن الصلاة، ولكنا أعدناه هنا للخلاف فيه بعد الزوال للصائم.\n(^٢) مطهرة ومرضاة بفتح فسكون فيهما أي سبب في طهارة الفم، ورضاء الرب جل شأنه.\n(^٣) أي رأيته يستاك وهو صائم كثيرا، ففيه ندب السواك للصائم في كل وقت وعليه الجمهور والأئمة الثلاثة، وقيل إنه يكره من الزوال إلى الغروب للصائم استبقاء لخلوفه السابق في الفضائل، وعليه ابن عمر وعطاء ومجاهد والشافعي والأوزاعي.\n(^٤) بدأت بذكره لأن اللفظ له، وأما البخاري فذكره تعليقا. والله أعلم.\n\nتلاوة القرآن والكرم في رمضان\n(^٥) أي مندوبان في رمضان أكثر من غيره.\n(^٦) بفعل الخير لعباد الله تعالى.\n(^٧) أي وكان أجود أكوانه حاصلا في رمضان حينما يجتمع بجبريل.\n(^٨) أي ينتهي.\n(^٩) ليثبت حفظه في قلبه - ﷺ -.\n(^١٠) يقرأ جبريل أولا والنبي - ﷺ - يسمع، ثم يسكت جبريل والنبي - ﷺ - يقرأ ثانيا.\n(^١١) لاجتماعه بجبريل أو لمدارسته القرآن وهو يحث على المكارم، وكان النبي - ﷺ - خلقه القرآن، يرضي لرضاه ويسخط لسخطه ويسارع إلى ما حث عليه، ويحتمل أن زيادة السخاء كانت لهذه ولشهر رمضان المبارك.","vol":"2","page":62},{"text":"• عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا (^١)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ (^٢).\n\n• عَنْ أُمِّ عِمَارَةَ الأَنْصَارِيَّةِ ﵂ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ طَعَامًا فَقَالَ: «كِلي» فَقَالَتْ: إِنِّي صَائِمَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الصَّائِمَ تُصَلِّي عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ إِذَا أُكِلَ عِنْدَهُ حَتَّى يَفْرُغُوا، وَرُبَّمَا قَالَ حَتَّى يَشْبَعُوا (^٣)». وَفِي رِوَايَةٍ: «الصَّائِمُ إِذَا أَكَلَ عِنْدَهُ الْمَفَاطِيرُ (^٤) صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-305>قيام رمضان وهو التراويح </span>(^٥)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النّبِيُّ ﷺ يُرَغِّبُ في قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ (^٦) فَيَقُولُ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمانًا واحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ (^٧)» فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ كَانَ الأَمْرُ عَلى ذلِكَ (^٨) فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا\n_________\n(^١) فمن فطر صائما بأي شيء فله أجر كأجره والأفضل إشباعه مما يحبه لنفسه، قال تعالى ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾.\n(^٢) بسند صحيح.\n(^٣) لإمساكه عن الطعام بسبب الصوم وبذله الطعام لغيره فهو كمن يؤثر على نفسه.\n(^٤) المفاطير جمع مفطر، فالملائكة تصلى على الصائم الذي يطعم المفطرين لعدم تكليفهم أو لعذر شرعي ومعنى ما تقدم أن الجود حسن وأحسنهما كان في رمضان فإنه شهر مبارك تتضاعف فيه الأعمال وترجوه الفقراء والمساكين وأن تلاوة القرآن في رمضان من أفضل العبادات للحديث الآتي في فضل القرآن: ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه، أي القرآن، وستأتي فضائل القرآن واسعة في كتاب فضل القرآن إن شاء الله تعالى.\n\nقيام رمضان وهو التراويح\n(^٥) القيام والتراويح نافلة تصلى ليلا في رمضان بعد العشاء وسيأتي عددها.\n(^٦) أي بعزم وقطع فيكون فرضا بل يأمرهم أمر ندب وترغيب، فالتراويح سنة مؤكدة للرجال والنساء.\n(^٧) أي من صغير وكبير لظاهر الحديث؛ وجزم به ابن المنذر. وقيل غفرت الصغار فقط وهو الشهور. والحديث رواه أحمد ولفظه» غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» وفضل الله واسع.\n(^٨) أي على الترغيب في القيام وصلاته منفردين.","vol":"2","page":63},{"text":"مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةٍ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ (^٢) فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ وَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ (^٣) فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَصَلَّوْا مَعَهُ (^٤) فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ (^٥) فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ (^٦) حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ ولكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا»، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالأَمْرُ عَلَى ذلِكَ. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ قَالَ: صُمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَمَضَانَ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ (^٧) فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ (^٨) فَلَمَّا كَانَتِ السَّادِسَةُ (^٩) لَمْ يَقُمْ بِنَا فلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ (^١٠) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَفَّلْتَنَا قِيَامَ هذهِ اللَّيْلَةِ (^١١) فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ اللَّيْلَةِ»\n_________\n(^١) أي زمنًا من خلافته ثم أمرهم بالجماعة في القيام كما يأتي في حديث عبد الرحمن.\n(^٢) أي في رمضان وهذه الرواية لم تبين هذه الليلة ولكن رواية أبي ذر الآتية تقول: إنها الثالثة والعشرون.\n(^٣) مؤتمين به.\n(^٤) في الليلة الثانية.\n(^٥) أي صلوا القيام معه في الليلة الثالثة، وهل كان خروجه متواليًا كما هو الظاهر أو متفرقة في العشر الأواخر كما في حديث أبي ذر الآتي.\n(^٦) من كثرة المجتمعين لصلاة التراويح ولكن النبي - ﷺ - لم يخرج لهم في الليلة الرابعة حتى خرج لصلاة الصبح، فلما صلاها خطبهم فقال: إنه لم يخف على اجتماعكم الليلة الصلاة القيام ولكني لم أخرج لأصليها معكم خوفا من فرضها عليكم فتعجزوا عنها. فإنه - ﷺ - كان إذا واظب على شيء من الطاعات واقتدى به الناس فرض عليهم وقال في الفتح: قوله ولكني خشيت أن تفرض عليكم أي جماعة التهجد في المسجد فتعجزوا عنها.\n(^٧) أي من ليالي الشهر وكذا السادسة والخامسة والرابعة والثالثة يراد بها الباقيات من الشهر.\n(^٨) أي قام بنا في هذه الليلة وهي ليلة الثالث والعشرين يصلى ويقرأ القرآن حتى مضى ثلث الليل الأول.\n(^٩) وهي الرابعة والعشرون.\n(^١٠) الخامسة هي الخامسة والعشرون صلى بهم حتى مضى نصف الليل.\n(^١١) نفلتنا بتشديد الفاء أي لو أحيينا بقية ليلتنا بصلاة النافلة.","vol":"2","page":64},{"text":"قَالَ: فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ (^١) لَمْ يَقُمْ فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَالنَّاسَ فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ، قُلْتُ: وَمَا الْفَلَاحُ؟ قَالَ: «السُّحُورُ»، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا بَقِيَّةَ الشَّهْرِ (^٢). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣).\n\n• عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ (^٤) ﵁ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ (^٥) مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لنَفْسِهِ وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ (^٦) فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ (^٧) لَكَانَ أَمْثَلَ، ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ قَالَ عُمَرُ: نِعْمَ الْبِدْعَة هذِهِ (^٨) وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ (^٩). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) الرابعة هي السادسة والعشرون.\n(^٢) أي فلما كانت السابعة والعشرون جمع أهله ونساءه وخواص الناس وصلى بهم القيام وطوله حتى خافوا أن يفوت السحور ولم يقم بقية الشهر رحمة بالناس. ففي هذين الحديثين أن النبي - ﷺ - صلى بهم قيام رمضان في بضع ليال، وفيهما رد على من زعم أنها بدعة، وحديث أبي ذر يفيد أن النبي - ﷺ - صلى القيام في أول الليل. وحديث عائشة يفيد أنه صلاه في آخره، ولا منافاة لاحتمال أنه - ﷺ - فعل الأمرين.\n(^٣) بسند صحيح.\n(^٤) عبد بالتنوين. والقاري نسبة إلى قارة بن ديش المدني وكان عاملا لعمر على بيت المال.\n(^٥) أي جماعات.\n(^٦) الرهط كشرط بالتحريك: ما دون العشرة من الرجال أو من ثلاثة إلى عشرة من الرجال.\n(^٧) أي إمام واحد.\n(^٨) أي صلاتهم وراء إمام واحد وسماها بدعة لأنها لم تكن دائمة وراء إمام واحد فيما سبق وإلا فقد صلاها النبي - ﷺ - بضع ليال جماعة كما تقدم.\n(^٩) فعمر ﵁ خرج ليلة في رمضان إلى المسجد فوجد الناس يصلون القيام فرادي وجماعات، فقال: لو جمعناهم على إمام واحد لكان أفضل، فجمع الأصحاب وشاورهم فوافقوه، فصار إجماعًا، وكان ذلك في السنة الرابعة عشرة هجرية فجمل إمام الرجال أبي بن كعب لأنه كان أقرأ الناس فقد حفظ القرآن في زمن النبي - ﷺ - وجعل إمام النساء تميما الداري أو سليمان بن أبي حثمة أوولاها إمامين للنساء ولم يكن عمر ﵁ يصلي معهم القيام أول الليل بل كان يصليه آخر الليل؛ فخرج ليلة أخرى فوجدهم يصلون القيام فسر بذلك وقال: نعم البدعة هذه، ولكن لو كان قيامهم هذا آخر الليل لكان أفضل؛ لأنه يكون قيامًا وتهجدا كما تقدم في صلاة الليل ولم يصل عمر القيام معهم لأن عادته القيام في آخر الليل من زمن النبي - ﷺ -. والله أعلم.","vol":"2","page":65},{"text":"<span data-type='title' id=toc-306>عدد قيام رمضان </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ ﵁ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ: كَيْفَ كَانتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَان (^٢)؟ فَقَالَتْ: مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ (^٣) ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي (^٤)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي رَمَضَانَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً (^٥).\n_________\nعدد قيام رمضان\n(^١) الذي اشتهر بالتراويح لأن أهل مكة كانوا يطوفون بين كل أربع ركعات فينالون فضل الطواف ويستريحون.\n(^٢) أي ما عدد صلاة القيام في رمضان؟\n(^٣) أي كان يصلي أربعًا في نهاية الحسن من الإتقان والتطويل وكمال الخشوع، ثم يتبعها بأربع أخرى.\n(^٤) ثم ينام نومة خفيفة ثم يقوم فيصلي ثلاثًا بنية الوتر بتسليمة واحدة، وسبق الحديث في قيام الليل، وقول عائشة ذلك لا ينافي أنه - ﷺ - صلى القيام أكثر من هذا ولم تره عائشة كما روت في صلاة الضحى ولكنها ما رأته - ﷺ - يصليها، ومثل هذا رواية لمالك: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. ولمحمد بن نصر عن السائب قال: كنا نقوم في زمن عمر ﵁ بثلاث عشرة ركعة أي بالوتر فيهما.\n(^٥) منها الوتر ثلاثًا والقيام عشرون، ومنه حديث البيهقي الصحيح عن السائب بن يزيد: كانوا يقومون على عهد عمر ﵁ في شهر رمضان بعشرين ركعة، ولا منافاة بين هذه النصوص لاحتمال أنهم كانوا مرة يقومون بإحدى عشرة، وأخرى بثلاث عشرة، وأخرى بثلاث وعشرين بالوتر، أو أهم صلوا القليل أولا كما في حديث عائشة واللذين بعده في الشرح؛ ثم ظهر لهم أنه لا حرج عليهم في الزيادة لأنها صلاة ليل لا حد لها. والحديث أبي ذر: في الليلة الثالثة فزادوا فيها إلى عشرين. وداوموا عليها فصار إجماعا من الصحابة وفعلا حسنا عندهم وعند الله تعالى كما يأتى» ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن». ولما يأتي في الفضائل» اقتدوا باللذين من بعدي». وهل من قام في رمضان بثمان أو عشر ركعات ثم أوتر يعد في القائمين؟ الظاهر نعم لحديث عائشة ولكن الأئمة الأربعة على أن التراويح عشرون ركعة؛ ويجب السلام من كل ركعتين عند الشافعي؛ ويندب عند غيره؛ وفعلها جماعة في المسجد أفضل لصلاتهم مع النبي - ﷺ - ولتعيين عمر للأئمة فيها. بل وروي ذلك عن عليّ وابن مسعود وأبي بن كعب وتميم الداري وغيرهم، وعليه جمهور =","vol":"2","page":66},{"text":"وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ (^١). رَوَاهُمَا الإِمَامُ مَالِكٌ ﵁.\n\n<span data-type='title' id=toc-307>الباب الخامس: في الأمور المنهيِّ عنها في الصوم: - منها الجماع </span>(^٢)\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ (^٣) إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ (^٤) قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ (^٥) قَال: «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» قَالَ: لَا، قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهذَا» (^٦) فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا\n_________\n= الشافعية وأبو حنيفة وأحمد وبعض المالكية؛ وقال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية: إن فعلها فرادي في البيت أفضل لحديث: خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة، وتقدم ذلك في النوافل.\n(^١) المراد بالمؤمنين خواصهم؛ وهم أهل العلم والكتاب والسنة والفقه؛ والصحابة من أهل ذلك ومما رأوه حسنا صلاة التراويح عشرين ركعة فصار شرعا عند الله والمسلمين؛ ولما كان أهل مكة يطوفون مرة بين كل أربع ركعات؛ زاد أهل المدينة مكان كل طواف أربع ركعات؛ ليساووا أهل مكة في العبادة فكانت تراويحهم ستًّا وثلاثين ركعة؛ وقد قال داود بن قيس: أدركت أهل المدينة في إمارة أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز؛ يقومون بست وثلاثين؛ ويوترون بثلاث؛ وقال الإمام مالك: الأمر عندنا بتسع وثلاثين؛ وبمكة بثلاث وعشرين أي بالوتر فيهما، ولا حرج في شيء من ذلك لأنها صلاة ليل لا حد لها؛ ولكن ما يفعله أهل المدينة خاص بهم فقط بخلاف بقية البقاع الإسلامية فمقدارها في التراويح على عشرين ركعة ومن أراد الزيادة فليتهجد آخر الليل كما يشاء. والله أعلم.\n\n﴿الباب الخامس في الأمور المنهي عنها في الصوم﴾\n(^٢) وهو أعظمها ذنبًا ولذا كان فيه كفارة عظمى.\n(^٣) أعرابي وهو سلمة بن صخر أو سلمان ابن صخر.\n(^٤) أي فعلت سبب هلاكي.\n(^٥) أي جامعتها.\n(^٦) العرق بفتحتين ويسمى قفة ومكتلا وزنبيلا: مضفور من خوص النخل يسع خمسة عشر صاعا والصاع أربعة أمداد، فيكون ما فيه ستين مدًّا وهو المطلوب للستين مسكينًا لكل مسكين مد، وهو رطل وثلث وقدره بالكيل المصرى ثلث قدح، وقدر بملء الكفين المتوسطتين من غالب قوت البلد، وعليه المالكية والحنابلة والشافعية.","vol":"2","page":67},{"text":"أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجَ إِلَيْهِ مِنَّا (^١) فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» (^٢). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-308>ومنها الأكل والشرب والقيء عمدًا</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ فِي غَيْرِ رُخْصَةٍ رَخَّصَهَا اللَّهُ لَهُ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ (^٣)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا\n_________\n=وقال الحنفية: لكل مسكين نصف صاع من البر أو قيمته أو صاع من غيره كتمر أو زبيب أو شعير أو قيمته، ويكفي عندهم في إطعام الستين مسكينا أن يشبعهم في غداءين أو عشاءين أو في إفطار وسحور.\n(^١) اللابتان تثنية لابة وهي أرض ذات حجارة سود وتسمى حرة. وكانت المدينة بين لابتين، وأهل بالرفع اسم ما وأحوج خبرها. أي قال: والله يا رسول الله ليس في المدينة قوم أحوج إليه منا. فضحك النبي - ﷺ - حتى ظهرت أنيابه، جمع ناب وهو السن التي يلى الرباعية على خلاف عادة النبي - ﷺ - في الضحك وهي التبسم فقط، فالمعنى المراد أن من يواقع امرأته أو غيرها في رمضان عامدًا عالمًا بالتحريم فإنه يجب عليه كفارة: وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يقدر عليها فإنه يصوم شهرين متتابعين لا يتخللها فطر يوم، فإن لم يقدر على الصوم فإنه يجب عليه إطعام ستين مسكينا، لكل واحد مد كما تقدم. أما المرأة التي جامعها فلا كفارة عليها؛ لأن الأمر كان للرجل فقط، وعليه الشافعي والأوزاعي. وقال الجمهور: تجب عليها كفارة مثله لاشتراكها في الجماع؛ ويجب عليهما قضاء اليوم بيوم آخر لزيادة أبي داود» وصم يوما واستغفر الله» ولو تعدد الوطء في يوم واحد فعليه كفارة واحدة بخلاف ما لو تعدد في أيام من رمضان فعليه كفارات بعدد الأيام وعليه الجمهور، وقال الحنفية: لا تتعدد بتعدد مقتضيها مطلقًا وهذا أسهل.\n(^٢) أي الآن لاضطرارك إلى القوت وعند اليسار تجب عليك الكفارة، وعليه الجمهور. أو هذا خاص به أو سقطت عنه لإعساره، وبه جزم عيسى بن دينار المالكي وهو أحد قولي الشافعي والله أعلم.\n\nومنها الأكل والشرب والقيء عمدا\n(^٣) فمن أفطر في يوم من رمضان بغير عذر شرعي كمرض وسفر عالمًا بالتحريم عامدًا فإنه يفوته ثواب عظيم لا يدركه ولو صام الدهر كله، وهذا تنويه بعظيم ثواب الصوم، ولكن يسقط القضاء بصوم يوم واحد ولا كفارة وعليه الجمهور، وقال مالك وأبو حنيفة: من أفطر يومًا عامدًا عالما فعليه القضاء، والكفارة كالإفطار بالوقاع. فالفطر في رمضان عمدا حرام باتفاق.","vol":"2","page":68},{"text":"أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: «مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فَلَا يُفْطِرْ فَإِنَّمَا هُوَ رُزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ» (^١).\n\n• عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَتْ: أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ. قِيلَ لِهِشَامٍ: فَأُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؟ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَىْءُ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَإِنِ اسْتَقَاءِ فَليَقْضِ (^٣)». وَفِي رِوَايَةٍ: «وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n_________\n(^١) فمن أكل أو شرب مثلا ناسيًا فإنه لا يفطر بل يواصل صومه فإنه باق ولا قضاء عليه ولا كفارة الحديث ابن حبان والحاكم:» من أفطر في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة» وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا. وقال مالك: من أفطر ناسيًا بطل صومه ولزمه القضاء.\n(^٢) فأسماء تقول: كان غيم في يوم من رمضان فظننا غروب الشمس فأفطرنا وبعده طلعت الشمس فقال قائل لهشام بن عروة الراوي عن زوجته وهي عن أسماء: هل أمرهم الشارع بالقضاء؟ فقال: القضاء لابد منه؛ فمن ظن الغروب فأفطر فظهر خلافه فإنه يجب عليه الإمساك بقية اليوم لحرمة الوقت ويجب عليه قضاء اليوم لفساد صومه ولا كفارة عليه، ومثله من أكل يظن بقاء الليل فبان له أن أكله كان نهارا يجب عليه الإمساك بقية اليوم والقضاء لفساد صومه بالأكل وعليه الجمهور والأئمة الأربعة، وروي عن مجاهد وعطاء وعروة عدم القضاء لأنهم أخطؤا كالناسي وقد رفع القلم عنهم.\n(^٣) ذرعه أي غلبه، والقيئ خروج ما في المعدة من الفم فمن كان صائمًا وغلبه القيئ فصومه صحيح لهذا. والحديث ابن أبي شيبة الذي رواه البخاري موقوفًا» الفطر مما دخل وليس مما خرج» أي يحصل الفطر ما دخل دون ما خرج؛ وأما من استقاء عمدا فإن صومه يبطل ويجب عليه القضاء وعلى هذا جمهور الصحب والتابعين والأئمة الأربعة إلا أن الحنفية اشترطوا في الإفطار بالقيئ عمدا أن يكون ملء الفم، وحكى ابن المنذر الإجماع على هذا؛ ولكن قال ابن مسعود وعكرمة وربيعة: لا يفسد الصوم بالقيئ مطلقا ما لم يرجع منه شيء باختياره، والأمر بالقضاء محمول على ذلك أو للترهيب من القيئ، وهذا الحديث» الفطر مما دخل وليس مما خرج» كالقاعدة الأغلبية وإلا فما دخل من غير منفذ مفتوح كالحقنة تحت الجلد لا تفطر. وقوله وليس مما خرج لا يشمل خروج المني من تعدي بنحو تقبيل واستمناء فإنه يفطر. والله أعلم.","vol":"2","page":69},{"text":"<span data-type='title' id=toc-309>ومنها الوصال </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «وَأَيُّكُمْ مِثْلِي إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» (^٢) فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ فَقَالَ: «لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ، كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا» (^٣). وَفِي رِوَايَةٍ: «إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ مَرَّتَيْنِ». قِيلَ: «إِنَّكَ تُوَاصِلُ» قَالَ: «إِنِّي أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي فَاكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تَطِيقُونَ (^٤)». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-310>ومنها المباشرة والقبلة </span>(^٥)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنْ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ فَرَخَّصَ لَهُ. وَأَتَاهُ آخَرُ فَسَأَلَهُ فَنَهَاهُ فَإِذَا رَخَّصَ لَهُ شَيْخٌ وَالَّذِي نَهَاهُ شَابٌّ (^٦). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ\n_________\nومنها الوصال\n(^١) هو مواصلة يومين فأكثر بالصوم بدون تناول شيء بالليل مطلقًا وهو من خصائصه - ﷺ - دون أمته.\n(^٢) أي يعطيني قوة الآكل والشارب.\n(^٣) وفي رواية كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا.\n(^٤) أي تكلفوا من الأعمال ما يسهل عليكم المداومة عليه، فمواصلته بهم لم تكن تقريرا بل تقريعًا وتنكيلا لتظهر لهم حكمة النهي فيمتثلوا ولهذا قال الجمهور والأئمة الأربعة: إنه مكروه وإن كان الأصح عند الشافعية أنها كراهة تحريم. ولو كان حرامًا ما أقرهم النبي - ﷺ - فإنه لا يقر على باطل، ويؤيد هذا حديث البزار والطبراني: نهى النبي - ﷺ - عن الوصال وليس أي النهى بالعزيمة. وقال جماعة: إن الوصال حرام لظاهر النعي. ولا سيما الرواية الثانية ولأنه خاص به - ﷺ - وقال جماعة بجوازه مع عدم المشقة، وقال أحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة وبعض المالكية بجوازه إلى السحر. لحديث: فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر. والحديث أحمد والطبراني: كان النبي - ﷺ - يواصل من سحر إلى سحر أي أحيانا. والله أعلم\n\nومنها المباشرة والقبلة\n(^٥) القبلة معروفة، والمباشرة هي اللمس باليد والمعانقة ونحوها مما يثير الشهوة.\n(^٦) فرخص النبي في المباشرة للشيخ أي كبير السن لأنه يقدر على ضبط نفسه، ومنع الشاب لأنه في عنفوان الشباب فلا يقدر على نفسه، فإذا عانق امرأته أو قبلها وقع في الجماع أو على الأقل أنزل فبطل صومه.","vol":"2","page":70},{"text":"وَالْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-311>ومنها المبالغة في المضمضة والاستنشاق</span>\n• عَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضوءِ قَالَ: «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ (^٢) وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ وَبَالغْ في الاسْتِنْشَاقِ (^٣) إِلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا (^٤)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-312>لا بأس بالجنابة للصائم</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ فِي رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ (^٦) فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ (^٧).\nوَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ\n_________\n(^١) فكان النبي - ﷺ - يقبل ويباشر من يشاء من زوجاته الطاهرات، وكان هذا لعائشة أكثر لقولها: كان النبي - ﷺ - يقبلني وهو صائم وأنا صائمة، والإرب بكسر فسكون أشهر من ضبطه بفتحتين معناه الحاجة والعضو والوطر، فالنبي - ﷺ - كان يصنع ذلك وهو صائم ولكن كان يملك نفسه لأنه معصوم، فالمدار في جواز المباشرة وعدمها على ضبط النفس وعدمه، ولكن مع الكراهة إذا أمن الوقوع في المحرم كالإنزال والجماع، فإن علم الوقوع فيه أو ظنه أو شك فيه حرمت المباشرة وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا ومالك والشافعي وأحمد، وقال السادة الحنفية: إن أمن المحرم فلا كراهة في المباشرة وإلا كرهت وهذا. أسهل، وقول الجمهور أحوط، واتفقوا على أن المباشرة لا تبطل الصوم إلا إذا أنزل. والله أعلم.\n\nومنها المبالغة في المضمضة والاستنشاق\n(^٢) كمله بفعل واجباته وسننه.\n(^٣) أي والضمضة بجذب الماء بأنفه في الاستنشاق والغرغرة في المضمضة.\n(^٤) فلا مبالغة فيهما خوفًا من سبق الماء إلى جوفه فالمبالغة مكروهة للصائم احتياطًا، وإذا بالغ وسبق الماء إلى جوفه أفطر لوقوعه من منهي عنه، وإن لم يبالغ وسبق الماء فإنه لا يفطر لحصوله من مأذون فيه، وعليه الجمهور وقال بعضهم بفساد صومه لعدم تحفظه.\n(^٥) بسند صحيح والله أعلم.\n\nلا بأس بالجنابة للصائم\n(^٦) الحلم بضمتين الاحتلام.\n(^٧) أي يقع غسله بعد الفجر وهو صائم في رمضان، وفيه جواز الاحتلام على الأنبياء ولكن يكون من امتلاء الأوعية لا من الشيطان، والأشهر عدم وقوعه لأنه غالبًا من تلاعب الشيطان.","vol":"2","page":71},{"text":"لَا مِنْ حُلُمٍ ثُمَّ لَا يُفْطِرُ وَلَا يَقْضِي (^١). رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-313>لا بأس بالحجامة والكحل والغسل </span>(^٢)\n\n• عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ (^٣)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا (^٤). وَقِيلَ لأَنَسٍ: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ؟ قَالَ: لَا، إِلا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ (^٥). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحَرْمٌ وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ (^٦). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا. وَفِيِ رِوَايَةٍ: لَا يُفْطِرُ مَنْ قَاءَ وَلَا مَنِ احْتَلَمَ وَلَا مَنِ احْتَجَمَ (^٧).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ اشْتَكَتْ عَيْنِي أَفَاكْتَحِلُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٨).\n_________\n(^١) فكان النبي - ﷺ - يدركه الفجر في رمضان وهو جنبٌ فيغتسل وهو صائم ولا يحكم بالفطر ولا القضاء، فالجنابة لا تضر الصوم من جماع أو احتلام وعليه الجهور سلفًا والإجماع خلفا وحكي عن بعض التابعين أنه يصوم ولكن يقضي، وعن الحسن البصري والنخعي أنه يجزئ في النفل دون الفرض، أما إذا أجنب من استمناء أو تعمد نظر وكان الإنزال عادته فإنه يفطر، والله أعلم.\n\nلا بأس بالحجامة والكحل والغسل\n(^٢) الحجامة هي أخذ الدم من الرأس ومثلها الفصد الذي هو أخذ الدم من أي مكان، والكحل هو وضع الدواء في العين وسيأتيان في الطب إن شاء الله.\n(^٣) أي بطل صومهما، أما المحجوم فللضعف الذي يناله وأما الحاجم فربما يصل إلى جوفه دم من الآلة التي يمص بها الدم.\n(^٤) ولكن رواه البخاري معلقًا.\n(^٥) أفاده أن الكراهة للخوف من الضعف ولم يفده أنها تبطل الصوم.\n(^٦) فيه التصريح بالحجامة وهو صائم، وقيل كان هذا في حجة الوداع.\n(^٧) تقدم الكلام على حكم القيئ من الصائم. فهنا في الحجامة أحاديث ثلاثة، الأول يفيد أنها تفطر الحاجم والمحجوم وعليهما القضاء فقط، وهذا قال بعض الصحب والتابعين وأحمد وإسحاق، وقال عطاء من احتجم وهو صائم في رمضان فعليه القضاء والكفارة، وقال الجهور سلفًا وخلفًا: إنها لا تفطر لحديث أنس وابن عباس ولكنها مكروهة عند المالكية وعند الحنفية إذا كانت تضعف، وعند الشافعية إلا لحاجة فلا كراهة، وأجاب الجمهور عن الحديث الأول بأن معناه تعرضا للإفطار أو أنه منسوخ بحديث ابن عباس فإنه متأخر عنه.\n(^٨) بسند ضعيف وكذا حديث ابن ماجه.","vol":"2","page":72},{"text":"وَاكْتَحَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.\nوَكَانَ أَنَسٌ ﵁ يَكْتَحِلُ وَهُوَ صَائِمٌ.\nوَقَالَ الأَعْمَشُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا يَكْرَهُ الْكُحْلَ للصَّائِمِ. رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ.\nوَلَمْ يَرَ أَنَسٌ وَالْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ بِالْكُحْلِ للصَّائِمِ بَأْسًا (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْعَرْجِ (^٢) يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ مِنَ الْحَرِّ أَوْ الْعَطَشِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣) وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-314>الباب السادس: في أسباب الفطر للمريض (^٤) الذي يرجى برؤه وللمسافر أن يفطر أو عليهما القضاء </span>(^٥)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) أنس بن مالك صحابي جليل مشهور بل وكان يخدم النبي - ﷺ -، والأعمش والحسن البصري وإبراهيم النخعي من أكابر علماء التابعين ﵃؛ فالحديثان وإن كانا ضعيفين ولكن يؤيدها أفعال وأقوال هؤلاء الأئمة البررة الخيار، وعلى هذا فالكحل وكل ما يوضع في العين لا شيء فيه للصائم وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا والحنفية والشافعية ولكنه خلاف الأولى، وقال المالكية والحنابلة وابن أبي ليلى: إنه يفسد الصوم إذا وجد طعمه في حلقه لحديث البيهقي والدارقطني والبخاري تعليقًا: الفطر مما دخل والوضوء مما خرج. ولحديث أبي داود أن النبي - ﷺ - أمر بالإثمد المروح أي المطيب بالمسك عند النوم وقال: ليتقه الصائم. وأجاب الجمهور بأنهما ضعيفان.\n(^٢) بفتح فسكون قرية من أعمال الفرع على أيام من المدينة. فثبت بهذا أن النبي - ﷺ - اغتسل وهو صائم من الحر أو العطش أو منهما، فيجوز للصائم الغسل ولو مباحا كالغسل للتبرد. وعليه الجمهور سلفًا وخلفا والأئمة الأربعة. وفي قول للحنفية: إنه مكروه للصائم الحديث النهي عن دخول الصائم الحمام وهو مع كونه أخص ضعيف والله أعلم.\n(^٣) بسند صحيح.\n\n﴿الباب السادس في أسباب الفطر﴾\n(^٤) وهي المرض للمريض، والسفر للمسافر، والحمل للحبلى، والهرم للكبير، والرضاع للمرضع ودم الحيض والنفاس.\n(^٥) فللمريض والمسافر أن يفطرا وعليهما القضاء بعد الشفاء وبعد الإقامة.\n(^٦) أي فمن كان حاضرًا ببلده في رمضان فإنه يجب عليه الصوم، ومن كان مريضًا أو مسافرًا يشق=","vol":"2","page":73},{"text":"• عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ (^١) فَصَامَ حتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ثُمَّ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ (^٢) وَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَّبِعُونَ الأَحْدَثَ فَالأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ (^٣).\nوَفِي رِوَايَةٍ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَرَفَعَهُ إِلَى فِيهِ لِيرَاهُ النَّاسُ فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ وَذلِكَ فِي رَمَضَانَ (^٤) فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَفطَرَ فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَقَالَ أَنَسٌ ﵁: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ فَحَسَنٌ، وَمَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ فَحَسَنٌ (^٥). رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ:\n_________\n= عليه الصوم فله الفطر وعليه القضاء بعدد الأيام التي أفطرها بعد شفائه، وبعد إقامته تخفيفا ورحمة من الله تعالى بالمسلمين، والمرض الذي يباح له الفطر هو ما يشق معه الصوم كما عليه الجمهور، أو مطلق المرض ولو خفيفا كوجع الإصبع، وعليه بعضهم لإطلاق المرض في الآية، والفطر للمسافر رخصة لحديث مسلم عن حمزة الأسلمي أنه قال: يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل على جناح؛ قال: هي رخصة من الله فمن أخذ بها حسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه.\n(^١) عام فتح مكة.\n(^٢) الكديد كالحديد: عين ماء في طريق المدينة إلى مكة على مرحلتين منها.\n(^٣) أي المتأخر من فعله - ﷺ - إذا علموه ناسخًا أو راجحًا مع جواز الأمرين، وإلا فلا لأنه - ﷺ - فعل غير الأكمل لبيان الجواز كالبول قائمًا.\n(^٤) عسفان بضم فسكون: قرية جامعة على مرحلتين من مكة، والكديد التي مرت، والقديد، وكراع الغميم في بعض الروايات من أعمال عسفان، فلا اختلاف بينها لأن الكل في قضية واحدة وهي السفر لفتح مكة.\n(^٥) فمعنى ما تقدم أن النبي - ﷺ - خرج في رمضان مع أصحابه الكرام إلى فتح مكة. فلما وصل إلى الكديد ورأى ما هم عليه من الضعف وهم قادمون على جهاد أفطر وأفطروا حتى بلغه - ﷺ - أن قومًا لم يفطروا، فقال: أولئك العصاة، لعدم قبول الرخصة التي رخصها الله لهم، وكان صائمهم لا يعيب مفطرهم ولا عكسه، بل من وجد في نفسه قوة على الصوم فصام ففعله حسن، ومن أفطر لضعفه ففطره حسن، وهذا هو ميزان الطريقة المثلى.","vol":"2","page":74},{"text":"مَا هَذا؟ قَالُوا: صَائِمٌ فَقَالَ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ في سَفَرٍ فَصَامَ بَعْضٌ وَأَفْطَرَ بَعْضٌ فَتَحَزَّمَ الْمُفْطِرُونَ وَعَمِلُوا (^٢) وَضَعُفَ الصُّوَّامُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ (^٣)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَخْرُجُ إِلَى الْغَابَةِ فَلَا يَقْصُرُ وَلَا يُفْطِرُ (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦).\n_________\n(^١) فالنبي - ﷺ - كان مسافرًا فرأى قومًا مزدحمين على رجل ينظرونه، فسأل ما هذا؟ فقالوا: هذا قيس العامري، ويلقب بأبي إسرائيل وقد غشي عليه من الحر والعطش لأنه صائم وهو مسافر. فقال ليس من البر - أي الطاعة - الصوم في السفر لمن لا يطيقه، بل يكره صومه والفطر أفضل، وإلا فالصوم البراءة الذمة.\n(^٢) أي العمل اللازم للركب من نصب الخيام وجلب الماء وسقيه ونحوها.\n(^٣) فازوا بالأجر العظيم لخدمة المجاهدين في الحر الشديد، فخازوا رضاء الله ورسوله، وما يأتي في تحديد المسافة التي تبيح الفطر للصائم.\n(^٤) فكان ابن عمر وابن عباس ﵃ يقصران الصلاة ويفطران في رمضان إذا كانت مسافة السفر أربعة برد، جمع بريد وتقدم معناه وبيان المسافة، في صلاة السفر، وهي مرحلتان بسير الأثقال أي سفر يومين تقريبًا بالإبل المثقلة بالأحمال، فلا ضرر في نقصها ميلين مثلا، وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا والأئمة الثلاثة، وقال الحنفية والكوفيون: مسافة القصر والفطر قدرها ثلاثة أيام من أقصر أيام السنة، ويكفي أن يسافر فيها من الصباح إلى الزوال بسير الإبل والمشي على الأقدام. وهي في قطرنا كمن مصر إلى طنطا برًّا كانت أو بحرا أو هواء، ولكن الصوم أفضل إذا لم تنله مشقة لفضيلة الوقت ولبراءة الذمة، وتقدير المسافة بأربعة برد هي للذهاب فقط، وفي المسافة أقوال أخرى منها ثلاثة أميال، لحديث أنس السابق في صلاة السفر، قال النووي في الفتح: وهو أصح حديث ورد في هذا وأصرحه، ومنها أن أقل المسافة بيوم وليلة، ومنها أن أقلها ميل لحديث صحيح لابن أبي شيبة بهذا، ولإطلاق السفر في الآية وعلى هذا ابن حزم اه شوكاني في صلاة السفر.\n(^٥) الغاية موضع بعوالى المدينة من ناحية الشام فيه أموال لأهل المدينة على بريد منها.\n(^٦) بسند صالح.","vol":"2","page":75},{"text":"<span data-type='title' id=toc-315>للكبير والحبلى والمرضع والمريض الذي لا يرجى أن يفطروا وعليهم الفدية</span>\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (^١) هِيَ رُخْصَةٌ للِشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ (^٢) وَهُمَا يُطِيقَانِ الصَّوْمَ أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعَمِا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَالحُبْلَى وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتا (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ في التَّفْسِيرِ. وَلَفْظُهُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: هِيَ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، هِيَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.\n\n• وَعَنْهُ فِي هَذِهِ الآيَةِ: لَا يُرَخَّصُ فِي هذَا (^٤) إِلا لِلَّذِي لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ أَوْ مَرِيضٍ لَا يُشْفَى. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ﵁ عَنْ رَجُلٍ (^٥) قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيِّ ﷺ لِحَاجَةٍ فَإِذَا هُوَ يَتَغَدَّى قَالَ: «هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ (^٦)» فَقُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ قَالَ: «هَلُمَّ أُخْبِرْكَ عَنِ\n_________\nللكبير والحبلى والمرضع والمريض الذي لا يرجى أن يفطروا وعليهم الفدية\n(^١) فالآيه نسخت بالنسبة للأقوياء كما مر في أصل الصوم، أما بالنسبة للضعفاء فهي باقية معمول بها. وقال ابن عباس: إنها ليست منسوخة بل هي في الضعفاء.\n(^٢) الطاعنين في السن، وقوله وهما يطيقان الصوم أي بمشقة، وقوله ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ أي بمشقة للروايتين الآتيتين، فللمرأة والرجل اللذين لا يطيقان الصوم لكبرهما أن يفطرا ويطعما عن كل يوم مدا كما عليه الجمهور، أو نصف صاع من البر أو صاعًا من غيره عند الحنفية كما تقدم في كفارة الوقاع، وهذا الإطعام يسمى فدية لأنه افتدى الصيام به، ويسمي كفارة أيضًا، وإذا أخرجا الطعام فلا قضاء عليهما الحديث الدارقطني والحاكم وصححاه: رخص للكبير أن يفطر ويطعم كل يوم مسكينا ولا قضاء عليه.\n(^٣) فالحبلى والمرضع إذا خافتا ولو على أولادها كما في رواية: أفطرتا وعليهما الفدية كالكبير ولا قضاء عليهما، لقول ابن عباس لأم ولد له حبلى: أنت بمنزلة الذي لا يطيق فعليك الفداء ولا قضاء، رواه البزار وصححه الدارقطني.\n(^٤) أي الإفطار والفدية إلا للذي لا يطيق الصوم الشخص الكبير، أو لمريض لا يرجى شفاؤه بقول أهل الخبرة.\n(^٥) هو أنس بن مالك من بني عبد الله بن كعب، وليس أنسًا خادم النبي - ﷺ -.\n(^٦) تعال كل معي.","vol":"2","page":76},{"text":"الصَّوْمِ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ نِصْفَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمَ (^١) وَرَخَّصَ لِلْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ (^٢)» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-316>على الحائض والنفساء الفطر والقضاء </span>(^٤)\n\n• عَنْ مُعَاذَةَ ﵂ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بحَرُورِيَّةٍ ولكِنِّي أَسْأَلُ، قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ (^٥). عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ إِنْ كَانَتْ إِحْدَانَا لَتُفْطِرُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٦) فَمَا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَقْضِيَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَأْتِيَ شَعْبَانُ (^٧). رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَضَاءُ رَمَضَانَ إِنْ شَاءَ فَرَّقَ وَإِنْ شَاءَ تَابَعَ (^٨)». رَوَاهُ الدَّارِقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ.\n_________\n(^١) أي تعال أخبرك عن حكم الصوم للمسافر: إن الله تعالى وضع نصف الصلاة عن المسافر بقصر الرباعية إلى ركعتين، ووضع الصوم عن المسافر بإباحة الفطر له إذا شق عليه الصوم.\n(^٢) أي في الإفطار إذا خافتا مطلقا وعليهما الفدية ولا قضاء لظاهر هذه النصوص. هذا وقال مالك: إذا خافتا مطلقًا فلهما الفطر وعلى الحامل القضاء دون الفدية بخلاف المرضع فعليها القضاء والفدية، وقال الحنفية: عليهما القضاء دون الفدية كالمريض الذي يرجي، وقال الشافعية والحنابلة: إذا خافتا على الولد فقط فعليهما القضاء والفدية؛ لأنه فطر ارتفق به شخصان، وإلا فعليهما القضاء فقط، والله أعلم.\n(^٣) بسند حسن للترمذي وسند النسائي صحيح.\n\nعلى الحائض والنفساء الفطر والقضاء\n(^٤) أي يجب عليهما الفطر لأن الصوم لا يصح مهما بل ويحرم، فإن شرطه الطهارة من دم الحيض والنفاس.\n(^٥) أي هل أنت حرورية؟ نسبة إلى حروراء بلد بقرب الكوفة، اجتمعت فيه الخوارج أولا، وإنما نسبتها إليهم لأنهم يقولون بقضاء الصوم والصلاة على الحائض، فقالت معاذة: لست بحرورية ولكني أستفهم عن الحكم. فقالت عائشة: كان يصيبنا معشر نساء آل بيت النبي - ﷺ - الحيض والنفاس فيأمرنا النبي - ﷺ - بعدم الصوم والصلاة وبعد الطهارة منهما يأمرنا بقضاء الصوم دون الصلاة لكثرتها، والمرأة مشغولة بأولادها وزوجها وبيتها، فلو أمرت بقضاء الصلاة لشق عليها، بخلاف الصوم فإنه في العام مرة فلا يشق فضاؤه.\n(^٦) أي بسبب دم الحيض أو النفاس.\n(^٧) فتقضى فيه ما أفطرته من رمضان، وفيه أن قضاء رمضان لا يجب على الفور بل على التراخي.\n(^٨) فمن أراد أن يقضي ما عليه =","vol":"2","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-317>يقضي الصيام عن الميت بصوم أو إطعام</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ (^١)». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فَقَالَ: «لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضى (^٢)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَجَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ (^٣) أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أَكَانَ يُؤَدِّي ذلِكَ عَنْهَا؟» قَالَتْ: نَعَمْ: قَالَ: «فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ (^٤)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ فَلْيُطْعِمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا (^٥)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦) وَابْنُ مَاجَهْ.\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِذَا مَرِضَ الرَّجُلُ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَصُمْ، أُطْعِمَ عَنْهُ وَلَا قَضَاءَ، وَإِنْ نَذَرَ قَضى عَنْهُ وَلِيُّهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ هَكَذَا وَالْبَيْهَقِيُّ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مَوْصُولًا (^٧).\n_________\n= من رمضان فله أن يتابع وله أن يفرق، لهذا ولقول البخاري: قال ابن عباس: لا بأس أن يفرق لقوله تعالى ﴿فعدة من أيام أخر﴾ وسكت عن التتابع وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا، ولكن التابع أفضل ليحكي القضاء الأداء. والحديث الدارقطني: من كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يقطعه، وصرفه عن الوجوب تلك النصوص، وحكي عن بعض الصحب والتابعين وجوب التتابع وهو قول للشافعي ﵁ والله أعلم.\n\nيقضى الصيام عن الميت بصوم أو إطعام\n(^١) فمن مات وعليه صيام وجب بنذر أو قضاء تمكن منه ولم يقضه صام عنه وليه، أي فليصم عنه ندبا وليه أي قريبه ولو غير ما صب ولو بغير إذنه؛ أو أجنبي بإذن الولي أو الميت ولو بأجرة.\n(^٢) أي دين الله أولى بالقضاء إجلالا لله تعالى.\n(^٣) وفي رواية صوم شهر، وفي أخرى صوم شهرين.\n(^٤) فيه وما قبله مشروعية القياس وضرب الأمثال ليكون أسرع إلى فهم السامع وأوقع في نفسه، وفيه تشبيه ما خفي وأشكل بما اتفق عليه.\n(^٥) فمن مات وعليه صيام فعلى الولى أن يطعم عنه مكان كل يوم مسكينًا.\n(^٦) بسند ضعيف.\n(^٧) وصححه الحافظ، ففي قضاء الصوم عن الميت =","vol":"2","page":78},{"text":"<span data-type='title' id=toc-318>الباب السابع: في ليلة القدر </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ﴾ (^٢) فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (^٣) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (^٤) تَنَزَّلُ الْمَلَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم (^٥) مّن كُلّ أَمْرٍ سَلَمٌ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (^٦).\n_________\n=هنا أحاديث خمسة: الثلاثة الأول تقول بالصوم عنه. وعليه بعض الصحب والتابعين والمحدثون وأحمد والليث وإسحاق والشافعي في القديم، وقال جماعة منهم مالك وأبو حنيفة والشافعي في الجديد: لا يجوز الصوم عنه؛ لأنه عبادة بدنية لا تقبل الإنابة في الحياة والممات كالصلاة بل الواجب الإطعام عنه الحديثين الأخيرين والعمل أهل المدينة بالإطعام ولحديث النسائي الصحيح:» لا يصل أحد عن أحد ولا يصم أحد عن أحد» ولفتوى عائشة وابن عباس بعدم الصوم فقد قالت عائشة: لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم. وقال ابن عباس في رجل مات وعليه رمضان: يطعم عنه ثلاثون مسكينا، وأجاب الأولون بأن الأحاديث الأول صحيحة فتقدم على الأخيرين وعلى عمل أهل المدينة وعلى فتيا عائشة وابن عباس، ولا عبرة برأي الصحابي إذا خالف حديثه الصحيح، وحديث» لا يصم أحد عن أحد» يعني في الحياة، والصيام وإن كان بدنيًّا كالصلاة ولكن ورد فيه النص فيعمل به، ولو قيل بجواز الصيام والإطعام على التخيير لكان حسنًا لأن فيه عملا بكل ما ورد، وإنما كان قضاء الصوم عن الميت مندوبا وقضاء دينه واجبا لأن حق الله مبني على المسامحة وحق الآدمي مبني على المشاحّة. والله أعلم.\n\n﴿الباب السابع في ليلة القدر﴾\n(^١) أي فيما عمل فيها وفيما يجري فيها كل عام وفي فضل قيامها وفي سببها وفي بيان وقتها وفي بيان المذاهب فيها وفي بيان علامتها على ما يأتي، والصحيح المشهور أنها خاصة بهذه الأمة المحمدية، وأنها باقية إلى يوم القيامة.\n(^٢) أي القرآن في ليلة القدر أي الشرف العظيم، أمر الله ملائكة فنقلوه من اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى بيت العزة في سماء الدنيا، قال تعالى ﴿في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة﴾ ثم نزل بعد ذلك على النبي - ﷺ - مفرقًا حسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة.\n(^٣) تعظيم لشأنها.\n(^٤) ليس فيها ليلة القدر - أي بركتها على العباد خير من ألف شهر؛ والعمل الصالح فيها أفضل منه في ألف شهر خالية منها.\n(^٥) أي تتنزل الملائكة وهم سكان سدرة المنتهى أو غيرهم، والروح قيل هو جبريل لقوله تعالى ﴿نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين﴾ وقوله» ﴿بإذن ربهم﴾» أي بأمره تعالى» ﴿من كل أمر﴾» أي بسبب كل شيء قضاه الله فيها إلى السنة القابلة.\n(^٦) سلام خير مقدم، وهي مبتدأ مؤخر أي هي سلام إلى طلوع الفجر، وأطلق ﵍ لكثرته من الملائكة، فقد روى: إذا كانت ليلة القدر نزلت ملائكة إلى الأرض يبلغون السلام من الله تعالى إلى=","vol":"2","page":79},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ أَيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nعَن: النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذلِكَ فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَلا يَبْلُغُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمُرِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (^٢).\nرَوَاهُ الإِمَامُ مَالِكٌ.\n_________\n=عباده، فلا يدعون بيتا فيه مؤمن ولا مؤمنة إلا دخلوه، وقالوا: يا مؤمن أو يا مؤمنة: السلام يقرئك السلام. فالسورة فيها بيان ما عمل في ليلة القدر وبيان ما يجري فيها كل عام، وبيان فضل العمل فيها.\n(^١) فمن قام ليلة القدر بنية صالحة غفر له ما تقدم من ذنبه، وزاد أحمد والنسائي - وما تأخر - وقيامها يحصل بصلاة العشاءين والفجر في جماعة، لما سبق في فضل الجماعة» من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله» ولكن أكمل القيام يحصل بإحياء الليل كله أو معظمه بالصلاة أو القرآن أو الذكر ونحوها من أنواع الطاعات.\n(^٢) فلما علم النبي - ﷺ - أن أعمار الأمم السالفة كانت تربو على خمسمائة سنة وما شاء الله من ذلك ككثرة أعمالهم الصالحة استقصر أعمار أمته لعدم إدراكهم من الصالحات كما بلغ غيرهم فأعطاه الله له ولأمته ليلة القدر، ومما ورد في كثرة أعمالهم الصالحة ما روى أن أحد الملوك السابقين أعطاه الله ألف ولد فكان يجهز الولد في جيش ويأمره بالجهاد فيخرج فيجاهد شهرًا ثم يستشهد فيأمر ولده الآخر، فيخرج فيجاهد شهرًا ويستشهد، وهكذا حتى استشهدوا كلهم والملك قائم بطاعة الله تعالى وحمده وشكره خير قيام، فأمر بجيش عرمرم وخرج على رأسه يجاهد في سبيل الله تعالى، حتى استشهد إلى رحمة الله تعالى، فلما سمع الصحابة ذلك من النبي - ﷺ - غبطوا ذلك الملك وتمنوا مثل هذا العمل الجليل الشأن، فأعطاهم الله ليلة القدر وهي خير من ألف شهر اهـ من فضائل ليلة القدر لمولانا المرحوم الشيخ السقا الكبير - ﵁ - ولابن أبي حاتم بسنده أن رسول الله - ﷺ - ذكر يوما أربعة من أنبياء بني إسرائيل وهم: أيوب، وزكريا، وحزقيل، ويوشع بن نون، عليهم الصلاة والسلام عبدوا الله ثمانين سنة لم يعصوه طرفة عين، فعجب أصحاب النبي - ﷺ - من ذلك فأتاه جبريل فقال: عجبت أمتك من هذا، إن الله تعالى أنزل عليكم خيرا من ذلك فقرأ عليه - إنا أنزلناه في ليلة القدر - وقال: هذا أفضل مما عجبت منه أمتك فسر ذلك النبي - ﷺ - والناس معه. وللبيهقي وابن أبي حاتم أن النبي - ﷺ - ذكر رجلا من بني إسرائيل حمل السلاح في سبيل الله ألف شهر فعجب المسلمون من ذلك، فأنزل الله ليلة القدر، وهي خير من ألف شهر تعويضا لهم من قصر أعمارهم فيبلغون السابقين، وقد سبقوهم بفضل الله تعالى. قال تعالى ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ وقال تعالى ﴿وكذلك جعلناكم أمةً وسطا لتكونوا شهداء على الناس﴾ وسيأتي فضل الأمة المحمدية في كتاب الفضائل إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-319>هي في العشر الأواخر من رمضان</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَلَفْظ التِّرْمِذِيِّ: كَانَ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهَا.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُجَاورُ (^٢) فِي الْعَشْر الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَيَقُولُ: تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ (^٣). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّمْعِ الأَوَاخِرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ (^٤)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ (^٥)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ (^٦) في تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِي سَابِعَةٍ\n_________\nهي في العشر الأواخر من رمضان\n(^١) المئزر كمنبر: الإزار وهو هنا كناية عن الجد والاجتهاد فكان النبي - ﷺ - إذا دخل العشر الأواخر من رمضان جد واجتهد في عبادة الله تعالى وأحيا الليل كله وأمر أهله بذلك.\n(^٢) أي يعتكف في المسجد.\n(^٣) فاعتكافه - ﷺ - في العشر الأواخر أملًا في ليلة القدر.\n(^٤) معلوم أن الرؤيا جزءٌ من النبوة كما يأتي في كتاب الرؤيا. لهذا قال رسول الله - ﷺ -: أرى رؤياكم قد توافقت في السبع الأواخر، فمن أحب أن يصادف ليلة القدر فلينتظرها في السبع الأواخر، وهذا تخصيص من العشر الأواخر وأرجاها الأوتار كما يأتي.\n(^٥) أي تعرضوا لليلة القدر في ليالي الوتر من العشر الأواخر وهن إحدى وعشرون وثلاث وعشرون وخمس وعشرون وسبع وعشرون وتسع وعشرون.\n(^٦) بيان للضمير في التمسوها وقوله في تاسعة بدل من في العشر وقوله تبقى صفة لتاسعة أي أطلبوا في الليلة التاسعة من الليالي الأخيرة وهي ليلة إحدى وعشرين لأن المحقق المقطوع ببقائه بعد العشرين تسع ليال، وبهذا تكون في أوتار العشر الأواخر، ومثل هذا يقال في سابعة وخامسة الآتيتين، وهذا=","vol":"2","page":81},{"text":"تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ (^١) قَالَ: فَأَخَذَ الْحَصِيرَ بِيَدِهِ فَنَحَّاهَا فِي نَاحِيَةِ الْقُبَّةِ ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فَكَلَّمَ النَّاسَ فَدَنَوْا مِنْهُ فَقَالَ: «إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هذِهِ اللَّيْلَةَ (^٢) ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ (^٣). فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفُ» فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ، قَالَ: «وَإِنِّي أُرِيتُهَا لَيْلَةَ وِتْرٍ وَأَنِّي أَسْجُدُ صَبِيحَتَهَا فِي طِينٍ وَمَاءٍ»، فَأَصْبَحَ مِنْ لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ (^٤) فَأَبْصَرْتُ الطيِّنَ وَالْمَاءَ، فَخَرَجَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَجَبِينُهُ وَرَوْثَةُ أَنْفِهِ فِيهِمَا الطِّينُ وَالْمَاءُ (^٥)، وَإِذَا هِيَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ. وَفِي رِوَايَةٍ: «أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا وَأَرَانِي صُبْحَهَا أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطينٍ قَالَ: فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ (^٦)».\n_________\n=على عادة العرب في التاريخ إذا جاوز نصف الشهر فإنهم يؤرخون بالباقي منه باعتبار أن بدء العدد من آخر الشهر، هكذا فسره مالك والجمهور، وقال الطيب: التاسعة هي الثانية والعشرون والسابعة الرابعة والعشرون والخامسة هي السادسة والعشرون الحديث مسلم عن أبي سعيد» التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» قال أبو نضرة: يا أبا سعيد إنك أعلم بالعدد منا، قال أجل ما التاسعة والسابعة والخامسة؛ وقال أبو سعيد إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها ثنتان وعشرون وهي التاسعة، فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة فإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة، فهذا التفسير على اعتبار أن الشهر كامل بخلاف ما قاله الجمهور فإنه المحقق من كل شهر والموافق للأوتار التي في الحديث الذي قبله والحديث الذي بعده.\n(^١) تركية أي صغيرة من لبود، وسبود، والسدة كالظلة الستارة على الباب، وقيل هي الباب أو هي الساحة بين يديه.\n(^٢) ليلة القدر.\n(^٣) وفي رواية أن جبريل أتاه فقال له: إن الذي تطلب أمامك، وبهذا ظهر أن هذا الحديث كالأصل لما تقدمه، فإن النبي - ﷺ - لم يعلم أنها في العشر الأواخر إلا من هذا.\n(^٤) نزل ماء المطر من سقفه.\n(^٥) الجبين الجبهة، وروثة الأنف: طرفه، وتسمى أرنبة الأنف.\n(^٦) أريت ليلة القدر أي أعلت بها ثم أنسيتها وفي رواية نسيتها أي نسيت علم تعيينها، وقوله فمطرنا =","vol":"2","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-320>المشهور أنها في السابعة والعشرين </span>(^١)\n• عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقُلْتُ: إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَقَالَ: ﵀ أَرَادَ أَلا يَتَّكِلَ النَّاسُ، أَمَا إِنَّهُ\n_________\n= ليلة ثلاث وعشرين، لعل هذا في سنة أخرى فلا منافاة بينه وبين ما قبله، وفي رواية: خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان (تشاتما لدين كان بينهما) فرفعت، أي رفع علمها بالتعيين من شؤم التخاصم في المسجد في رمضان، وعسى أن يكون خيرًا لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة؛ فمعنى هذا أن النبي - ﷺ - اعتكف العشر الأول من رمضان في قبة في المسجد، ثم اعتكف العشر الأوسط منه، ثم قال لأصحابه: إني اعتكفت هذه الأيام ألتمس ليلة القدر ولكن جاءني رسول ربي فأخبرني أنها في العشر الأواخر وسأعتكفها، فمن أحب ذلك فليعتكف، فاعتكف الناس معه ثم قال: وإني رأيها في النوم في ليلة وتر وأنا نصلي صبحها ونسجد في ماء المطر. فظهرت هذه العلامة في ليلة إحدى وعشرين، وقال - ﷺ - مرة أخرى: أعلمت بليلة القدر ثم أنسيتها وأراني صبحها أسجد في ماء وطين فنزل المطر ليلة ثلاث وعشرين. وقال تارة أخرى: خرجت لأعلمكم بليلة القدر فتخاصم اثنان منكم، فرفع علمها وهذا خير لكم لتجدوا في العشر الأواخر كلها، ولكن تحروها في الأوتار، فإنها أرجى الليالى، فظهر من هذه النصوص أن ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان وأنها تنتقل فيها تكون سنة في ليلة وسنة أخرى في ليلة أخرى وهكذا، وبهذا اتفقت هذه الأحاديث التي جاء كل منها بليلة، وعليه مالك وأحمد وسفيان الثوري وإسحاق وجمهور المحدثين، ولكن أرجى العشر الأواخر أوتارها، وأرجاها ليلة إحدى وعشرين، ومال إليه الشافعي ﵁، وليلة ثلاث وعشرين. ولا يرد على هؤلاء حديث أبي بن كعب وحديث معاوية الآتيان القائلان بأنها ليلة سبع وعشرين؛ لأنهم يقولون بهذا ولكنها قد تنتقل إلى غيرها من ليالي العشر لتلك النصوص ولأن هذين الحديثين ليس فيهما أداة حصر فمصدوقهما واقع في بعض السنين، وقيل هي مختصه برمضان وممكنة في كل لياليه. وروى هذا عن بعض الصحابة وأبي حنيفة وعليه بعض الشافعية وابن المنذر ورجحه السبكي، وقيل إنها لا تنتقل، بل هي في ليلة بعينها في كل السنين وعليه ابن مسعود والحنفية، وقيل هي في ليلة بعينها في العشر الأواخر، وقيل في أوتاره، وقيل في أشفاعه، وقيل في ثلاث وعشرين، وقيل في سبع وعشرين، وسيأتي أنه المشهور، وحكمة إخفائها أن يجتهد الناس في رمضان كله فينالوا عظيم الأجر بخلاف ما لو أعلموا ليلتها فإنهم يقتصرون عليها. والله أعلم.\n\nالمشهور أنها ليلة السابع والعشرين\n(^١) أي المشهور في الأمة الآن أنها السابعة والعشرون، وهو راي لفريق من الصحب وغيرهم على ما يأتي.","vol":"2","page":83},{"text":"قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ وَأَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ حَلَفَ لا يَسْتَثْنِي أنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ فَقُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَقُولُ ذلِكَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؟ قَالَ: بالْعَلَامَةِ أَوْ بالآيَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ لَا شُعَاعَ لَهَا (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ. وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ: قلْتُ: مَا الآيَةُ؟ قَالَ: تُصْبِحُ الشَّمْسُ صَبِيحَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِثْلَ الطَّسْتِ لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ حَتَّى تَرْتَفِعَ. عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ (^٢).\n_________\n(^١) زر بالكسر وحبيش بالتصغير. وحلف لا يستثني أي بقوله: إن شاء الله، بل حلف جازمًا، وأبو المنذر كنية أبي بن كعب، والعلامة والآية معنى، وأو للشك، والطست - كالشرط - إناء الاغتسال المستدير، والشعاع ما يرى من الشمس بعد طلوعها وقبل غروبها كالخيوط متصلا بالرأي، ومعنى الحديث أن ابن حبيش قال لأبي: إن أخاك ابن مسعود يقول ليلة القدر في ليلة في كل السنة ومن يقم السنة كلها فإنه يصيب ليلة القدر. فقال أبي: إن ابن مسعود قال ذلك ليقوم الناس بإحياء العام كله، ولكنه يعلم أنها في رمضان في ليلة سبع وعشرين، ثم حلف على ذلك. فقال ابن حبيش: هل فيه علامة على ذلك؟ قال: نعم أخبرنا النبي - ﷺ - بعلامتها وهي أن تطلع الشمس في يومها خالية من الشعاع، بل بيضاء قليلة الضوء من كثرة الملائكة هبوطًا وصعودًا فسترضوؤها، وقد رأينا هذه العلامة في صبح سبع وعشرين. ومنه حديث معاوية الآتي، فلهذا يقول أبي بن كعب ومعاوية وكثير من الصحب والتابعين إنها ليلة سبع وعشرين من رمضان بل وحكاه صاحب الحلية عن أكثر العلماء، وروى الحاكم وعبد الرزاق: أن عمر بن الخطاب دعا الأصحاب ﵃ وسألهم عن ليلة القدر فأجمعوا على أنها في العشر الأواخر، فقال ابن عباس: إني لأعلم أو أظن أي ليلة هي، قال عمر: ما هي؟ قال: سابعة تمضي من العشر الأواخر أو سابعة تبقي منها أي هي ليلة سبع وعشرين أو ثلاث وعشرين. فقال عمر: من أين علمت ذلك؟ قال: خلق الله سبع سموات وسبع أرضين وسبعة أيام، والدهن يدور في سبع، والإنسان خلق من سبع، ويأكل من سبع، ويسجد على سبع، والطواف سبعًا، والجمار بسبع. فقال عمر: لقد فطنت لأمر ما فطنا له. والله أعلم.\n(^٢) بسند صحيح، وينبغي إحياء يوم ليلة القدر فإنه في الفضل كليلته لحديث أبي نعيم: أربع ليال كأيامهن وأيامهن كلياليهن يبر الله فيهن القسم ويعتق النسم ويعطى فيهن الخير الجزيل: ليلة القدر وصباحها، وليلة النصف من شعبان وصباحها، وليلة عرفة وصباحها، وليلة الجمعة وصباحها، صدق رسول الله - ﷺ -.","vol":"2","page":84},{"text":"<span data-type='title' id=toc-321>الأيام المنهيّ عن صيامها أيام العيد والتشريق</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ يَوْمِ الأَضْحَى وَيَوْمِ الْفِطْرِ (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ (^٢) ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى» (^٣). رَوَاهُ أحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَوْمَ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلَامِ وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ (^٤)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٥).\n_________\nالأيام المنهي عن صيامها\n(^١) فالنبي - ﷺ - نهى عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى نهي تحريم، فصومهما حرام ولا ينعقد، وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا والأئمة الثلاثة. وقال السادة الحنفية: إن صومهما مكروه تحريمًا إلا في الحج، فصوم يومي العيد وأيام التشريق ينعقد مع الإثم عندهم، وحكمة النهي أنها أيام أكل وشرب، الأكل عقب صوم رمضان والأكل من الضحية التي هي قربة إلى الله تعالى وأنها أيام فرح وسرور بتمام صوم رمضان وفريضة الحج الأكبر في صومها إعراض عن ضيافة الله تعالى.\n(^٢) الهذلي والهذيلي مصغرا نسبة إلى هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن عدنان تلك السلسلة الشريفة.\n(^٣) أيام التشريق هي أيام مني أي أيام الإقامة فيها، وسميت أيام التشريق لأنها تشرق فيها لحوم الضحايا أي تنشر في الشمس لتقدد، وهي ثلاثة أيام عقب يوم النحر لحديث الدارقطني: نهى النبي - ﷺ - عن صوم خمسة أيام في السنة: يوم الفطر ويوم النحر وثلاثة أيام التشريق، فيحرم صومها ولا يصح عند الشافعية، وقال الحنابلة: إنه يحرم صومها إلا في الحج للمتمتع والقارن إذا لم يجد هديًا. وقال الحنفية: إن صوم أيام التشريق الثلاثة مكروه تحريمًا إلا في الحج. وقال إسحاق ومالك: يحرم صوم يومين بعد العيد إلا في الحج للمتمتع والقارن فلهما صومهما إذا لم يجدا هديًا الحديث البخاري: لم يرخص في صوم أيام التشريق إلا لمن لم يجد الهدى، وأما اليوم الرابع فصومه مكروه.\n(^٤) أما صوم عرفة فمكروه ممن كان في الحج، وقوله عيدنا خبر عما قبله، وقوله أهل الإسلام منصوب على الاختصاص، فيوم عرفة والعيد وأيام التشريق عيد الإسلام وأهله وسرورهم، وتمام ذلك بإباحة ما تشتهيه نفوسهم، قال الله تعالى ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾.\n(^٥) بسند صحيح.","vol":"2","page":85},{"text":"<span data-type='title' id=toc-322>نصف شعبان الأخير</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصمْهُ (^١)». رَواهُ الْخَمْسَةُ.\nولأَصْحَابِ السُّنَنِ (^٢): «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا (^٣)».\n\n<span data-type='title' id=toc-323>يوم الشك </span>(^٤)\n\n• عَنْ صِلَةَ (^٥) ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فَأُتِيَ بِشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ (^٦) فَقَالَ: كُلُوا فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ فَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ فَقَالَ عَمَّارٌ: مَنْ صَامَ الْيَوْم الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ النَّاسُ فَقدْ عَصى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ (^٧). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٨)، وَالْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا.\n_________\nنصف شعبان الأخير\n(^١) أي لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو أكثر لئلا يختلط النفل بالفرض، ولئلا يزاد في رمضان ما ليس منه. كما فعل أهل الكتاب، وليستقبل رمضان بجد ونشاط، والنهي للتحريم فيحرم الصوم بنية رمضان احتياطًا كذا قالوا، أما من كان يعتاد صومًا كصوم الاثنين والخميس، أو كان عليه قضاء أو نذر فلا نهى عن ذلك.\n(^٢) بسند صحيح.\n(^٣) فإذا مضى نصفه الأول وجاء الثاني الذي يبتدئ من السادس عشر كره الصيام فإذا بقي يومان حرم الصيام، والظاهر من كتب الفقه للأئمة الأربعة أن الصوم في النصف الثاني مكروه مطلقا، والله أعلم.\n\nيوم الشك\n(^٤) هو يوم الثلاثين من شعبان إذا تحدث الناس بالرؤية ولم تثبت عند الحاكم.\n(^٥) صلة هو ابن زفر كعمر الكوفي من كبار علماء التابعين.\n(^٦) مشوية بالنار.\n(^٧) فصلة القول: كنا عند عمار ﵁ فحضر الطعام وفيه شاة، فقال عمار: كلوا، فتنحى بعض الناس وقال إني صائم، وكانوا في يوم شك فذكر عمار الحديث. والعصيان لا يكون إلا بفعل حرام، وقول الصحابي ذلك في حكم المرفوع فيكون صوم يوم الشك حرامًا، وعليه الجمهور ومالك والشافعي إلا أن يوافق عادة له، وحكمة النهى ما سبق في نصف شعبان الأخير وقبل النهي عنه إذا نواه من رمضان عن مالك وأبي حنيفة: إنه لا يجوز صومه عن رمضان فقط، وذهب بعض الصحب والتابعين والإمام فإن نواه من شعبان جاز، وقال في الفتح أحمد إلى صومه حتى قال على ﵁: لأن أصوم يوما من شعبان أحب إليّ من فطر يوم من رمضان للحديث الآتي. كان النبي - ﷺ - يصوم شعبان كله».\n(^٨) بسند صحيح.","vol":"2","page":86},{"text":"<span data-type='title' id=toc-324>إفراد يوم الجمعة أو السبت</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلا أَنْ يَصُومَ قَبْلَةُ أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ عَنْ أُخْتِهِ ﵄ (^٢) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلا لِحَاءَ عِنَبَةٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ (^٣)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-325>الباب الثامن: في صيام النفل </span>(^٤)\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (^٥) بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا (^٦)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\nإفراد يوم الجمعة أو السبت\n(^١) فإفراد يوم الجمعة بالصوم مكروه للتشبه باليهود في إفرادهم يوم السبت، أو لضعفه عن المطلوب منه يوم الجمعة أو لأنه عيد الأسبوع الحديث:» يوم الجمعة عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده» أي فلا كراهة وعليه بعض الصحب والتابعين والأئمة الثلاثة، وقيل النهي للتحريم، وقال مالك وجماعة: إنه لا كراهة في إفراده، والله أعلم.\n(^٢) اسمها بهية وتعرف بالصماء.\n(^٣) لحاء العنبة قشرتها، وهذا مبالغة في النهي عن إفراده بالصوم، وكما يكره إفراده يكره إفراد يوم الأحد بصوم للتشبه بالنصارى. ولحديث الحاكم وصححه:» لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» لأن اليهود تعظم يوم السبت والنصارى يوم الأحد، ولا يكره جمعهما بصوم لعدم الإفراد ولأنه لم يفعله أحد، وكراهة إفراد يوم الجمعة وما بعده بالصوم إذا كان تطوعًا، أما صومه قضاء أو نذرًا فلا شيء فيه. والله أعلم.\n\n﴿الباب الثامن في صيام النفل﴾\n(^٤) في بيان الأيام التي يندب صيامها.\n(^٥) أي في الغزو لجمعه بين مشقته ومشقة الصوم، أو المراد لوجه الله تعالى طلبًا لمرضاته.\n(^٦) وفي رواية بعّد. والخريف أحد فصول السنة، والمراد العام من إطلاق الجزء على الكل فمن صام يومًا ابتغاء مرضاة الله بعده الله عن النار سبعين عامًا، أي وكان من أهل الجنة، قال تعالى ﴿فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾.","vol":"2","page":87},{"text":"<span data-type='title' id=toc-326>صوم شهر المحرم </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ (^٢) وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرْيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ». رَوَاهُ الْخَمْسَة إِلا الْبُخَارِيَّ.\nوَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ جَاءَ رَجُلٌ فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ شَهْرٍ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصُومَ بَعْدَ رَمَضَانَ؟ قَالَ: «إِنْ كُنْتَ صَائِمًا بَعْدَ رَمَضَانَ فَصُمِ الْمُحَرَّمَ، فَإِنَّهُ شَهْرُ اللَّهِ، فِيهِ يَوْمٌ تَابَ فِيهِ عَلَى قَوْمٍ، وَيَتُوبُ فِيهِ عَلَى قَوْمٍ آخَرِينَ (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-327>يوم عاشوراء </span>(^٤)\n\n• عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الأَعْرَجِ ﵁ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ (^٥) عِنْدَ زَمْزَمَ فَقُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ (^٦) فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ (^٧) وَأَصْبِحْ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا قُلْتُ: هكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ (^٨). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَالَ: «فَإِذَا\n_________\nصوم شهر المحرم\n(^١) شهر المحرم من الأشهر الحرم التي قال الله فيها ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ أي ذات حرمة وتعظيم وهي المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾.\n(^٢) أي المعظم، ومعلوم أن المشهور كلها لله إيجادا وملكا، فالإضافة إلى الله للتعظيم لأنه شهر حرام ولأنه رأس السنة الهجرية، ولأنه اسم إسلامي، فإنهم كانوا يسمونه صفر الأول ولاشتماله على يوم فضله الله وهو يوم عاشوراء، فصيامه أفضل من كل شهر بعد رمضان.\n(^٣) فمحرم أفضل الشهور بعد رمضان لأن فيه يوم عاشوراء، وقد تاب الله فيه على قوم من السابقين ويتوب فيه على قوم من العصاة اللاحقين.\n\nيوم عاشوراء\n(^٤) قال في القاموس: العاشوراء والمشوراء ويقصران، والعاشور عاشر المحرم أو تاسعه اهـ.\n(^٥) أي متكئ عليه.\n(^٦) أي يوم هو لأصومه.\n(^٧) أي الأيام.\n(^٨) كان يصوم التاسع.","vol":"2","page":88},{"text":"كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ (^١)» فَلَمْ يَأتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَوْمِ عَاشُورَاءَ يَوْمَ الْعَاشِرِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-328>فضل صيام </span>(^٢)\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تَرَكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ (^٣). رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ (^٤) قَالُوا:\n_________\n(^١) أي مع العاشر، فابن عباس أخبر بأن النبي - ﷺ - صام عاشوراء اليوم التاسع فقط وصامها أيضا اليوم العاشر فقط، فلما سمع أن أهل الكتاب تعظم اليوم العاشر قال: لئن بقيت إلى قابل (أي إلى عام قابل) لأصومن التاسع، أي مع العاشر وخالفنا أهل الكتاب الذين يصومون العاشر فقط. ففي الحديث الأول أن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع وعليه ابن عباس ومنه قول العرب: وردت الإبل عشرا، بالكسر إذا وردت اليوم التاسع، واللذان بعده يصرحان بأنه اليوم العاشر وهو الموافق للاشتقاق، وهذا هو المشهور الذي عليه الجمهور سلفًا وخلفا والأئمة الأربعة، ولكن قال الشافعي وأحمد وغيرها: يندب صوم التاسع والعاشر لأن النبي - ﷺ - وإن صامهما منفردين ولكنه نوي صومهما معًا إن طالت حياته ولقول ابن عباس: صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود وكان بعضهم يصوم التاسع والعاشر والحادي عشر، وهذا أحوط. والله أعلم.\n\nفضل صيامه والتوسعة فيه\n(^٢) أي بيان سبب صيامه وفضله والتوسعة فيه.\n(^٣) فكان النبي - ﷺ - قبل النبوة يصوم عاشوراء تبعا لقومه فإنهم كانوا يعظمونه ويصومونه، ولما هاجر صامه وأمر بصيامه حتى فرض رمضان، فخيرهم في صيام عاشوراء ثم حثهم بعد ذلك على صيامه فصار سنة مؤكدة.\n(^٤) أي ما سبب صومكم لعاشوراء؟ فقالوا: هذا يوم نجى الله فيه موسى وقومه وأهلك عدوهم. وفي رواية: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكرا لله فنحن نصومه؛ فقال النبي - ﷺ - نحن أولى باتباع موسى منكم فإننا واحد في أصول الدين ومؤمنون بما جاء به.","vol":"2","page":89},{"text":"هذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسى، قَالَ: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسى مِنْكُمْ»، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. رَوَاهُ الثَّلَاثَة.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ قَالَ: كَانَ أَهْلُ خَيْبَرَ (^١) يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَتَّخِذُونَهُ عِيدًا وَيُلْبِسُونَ نِسَاءَهُمْ فِيهِ حُلِيَّهُمْ وَشَارَتَهُمْ (^٢) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فَصُومُوهُ أَنْتُمْ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ (^٣) أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ (^٤) أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنِ الرُّبِيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ ﵂ قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ (^٥) فَكُنَّا بَعْدَ ذلِكَ نَصُومُهُ وَنُصَوِّمُ صِبيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ (^٦) فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ إِلَى الإِفْطَارِ.\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلا هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ (^٧)، وهذَا الشَّهْرَ شَهْرَ رَمَضَانَ. رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ (^٨)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n_________\n(^١) يهود خيبر.\n(^٢) ما يتجملن به عادة، والشارة والشورة: الهيئة الحسنة.\n(^٣) اسم قبيلة.\n(^٤) ناد فيهم.\n(^٥) فالنبي - ﷺ - أمر المنادي في صباح عاشوراء أن يقول برفع صوته: من نوى فليتمه ومن لم ينو فإن كان أكل فليمسك بقية اليوم احتراما له وله ثوابه.\n(^٦) العهن هو الصوف.\n(^٧) بيان لما قبله.\n(^٨) إني أحتسب على الله أي أرجوه تعالى أن يكفر بصيامه ذنوب السنة الماضية، فهذه الأحاديث تدل على أن صوم عاشوراء سنة مؤكدة، بل فضله عظيم حيث إنه يكفر ذنوب العام الماضي، ولهذا الحديث مسلسل مشهور يدرس في كل يوم عاشوراء بين أهل العلم.","vol":"2","page":90},{"text":"• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي سَنَتِهِ كُلِّهَا (^١)». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-329>صيام رجب</span>\nقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ ﵁ سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ صَوْمِ رَجَبٍ وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ فِي رَجَبٍ، فَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ حتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ (^٢). رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ مُجِيبَةَ الْبَاهِلِيَّةِ ﵂ عَنْ أَبِيهَا أَوْ عَمِّهَا أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَتَاهُ بَعْدَ سَنَةٍ وَقَدْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ وَهَيْئَتُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: «وَمَنْ أَنْتَ»؟ قَالَ: أَنَا الْبَاهِلِيُّ الَّذِي جِئْتُكَ عَامَ الأَوَّلَ قَالَ: «فَمَا غَيَّرَكَ وَقَدْ كُنْتَ حَسَنَ الْهَيْئَةِ»، قَالَ: مَا أَكَلْتُ طَعَامًا مُنْذُ فَارَقْتُكَ إِلا بِلَيْلٍ (^٣) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِمَ عَذَّبْتَ نَفْسَكَ؟» ثُمَّ قَالَ: «صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ (^٤) وَيَوْمًا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ» قَالَ: «زِدْنِي فَإِنَّ بِي قُوَّةً»، قَالَ: «صُمْ يَوْميْنِ»، قَالَ: زِدْنِي قَالَ: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ»، قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: «صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرْمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُك»، وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثَةِ فَضَمَّهَا ثُمَّ أَرْسَلَهَا (^٥). رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.\n_________\n(^١) التوسعة هي التبسط في الأكل والشرب وهي تفرح الأولاد، فمن أفرح أهل بيته ووسع عليهم في يوم فضله الله ورسوله وسع الله عليه في كل سنته جزاء وفاقًا. والله أعلم.\n\nصيام رجب\n(^٢) فالنبي - ﷺ - كان أحيانًا يصوم ويطيل الصوم وكان أحيانًا يفطر ويطيل الفطر، فرجب وغيره في هذا سواء.\n(^٣) أي فأنا دائمًا صائم.\n(^٤) وهو رمضان؛ لأن الصبر هو الحبس، والصائم يحبس نفسه عن الطعام وما تشتهيه.\n(^٥) الحرم بضمتين الأشهر الحرم وهي المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة؛ فرجب فرد بين جمادى وشعبان والثلاثة متوالية متعاقبة، وسئل أعرابي عن الأشهر الحرم فقال: ثلاثة سرد وواحد فرد، فالنبي - ﷺ - لما علم من الباهلي أنه يصوم الدهر وقد أضعفه لامه وأرشده إلى صوم يوم من كل شهر فاستزاده فأرشده إلى يومين ثم إلى ثلاثة، فاستزاده فأرشده إلى الصوم من الأشهر الحرم،=","vol":"2","page":91},{"text":"<span data-type='title' id=toc-330>صيام شعبان</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ كَانَ يَصُومُهُ إِلا قَلِيلًا بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ. رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\nوَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ (^١). رَوَاهُ التِّرْمِذِي بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنْ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: «هَلْ صُمْتَ مِنْ سَرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا»؟ قَالَ: لَا، قَالَ: «فَإِذَا أَفْطَرْتَ مِنْ رَمَضَانَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ (^٢)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\n= وقال أي أشار بأصابعه الثلاثة أي صم من كل شهر حرام ثلاثة أيام، فأصل الصوم مندوب إليه لأنه طاعة يحبها الله ورسوله، ولا سيما في الأشهر الحرم ورجب منها فصار صومة مستحبًّا بل ورد فيه بالخصوص نصوص، فلأبي الفتح عن الحسن: رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي. وللطبراني: من صام يومًا من رجب فكأنما صام سنة ومن صام منه سبعة أيام غلقت عنه أبواب جهنم ومن صام منه ثمانية أيام فتحت له ثمانية أبواب الجنة ومن صام منه عشرة لم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه، ومن صام خمسة عشر يوما نادى مناد من السماء قد غفر لك ما مضى فاستأنف العمل ومن زاد زاده الله، فهذان الحديثان وإن كانا ضعيفين ولكنهم اتفقوا على جواز العمل بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال. والله أعلم\n\nصيام شعبان\n(^١) فالنبي - ﷺ -، كان يكثر من الصيام في شعبان، بل كان أحيانًا يصومه كله.\n(^٢) الإشارة في هذا الشهر إلى شعبان، والسرر بالتثليث جمع سرة وهي الوسط أي الأيام البيض. وفي رواية: أصمت من سرر شعبان؟ قال لا، قال: فإذا أفطرت فصم يومين بدل ما عليك، فإنه يظهر أنه كان عليه نذر يومين، أو هذا تأكيد لصيام شعبان، فإنه شهر يغفل الناس عنه لحديث النسائي عن أسامة: قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان. قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم ولهذا فضله بعضهم على صيام المحرم ويكون الحديث القائل: أفضل الصيام بعد رمضان صيام المحرم أي بعد شعبان، والله أعلم.","vol":"2","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-331>يوم النصف</span>\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النَّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصومُوا نَهَارَهَا فَإِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ، أَلَا مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ، أَلَا مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ، أَلَا كَذَا أَلَا كَذَا، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ (^١)». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (^٢).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فَقَدْتُ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ (^٣)، فَخَرَجْتُ أَطْلُبُهُ، فَإِذَا هُوَ بِالْبَقِيعِ (^٤) رَافِعٌ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ أَكُنْتِ تَخَافِينَ أَنْ يَحِيفَ (^٥) اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ» قُلْتُ: ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَتَيْتَ بَعْضَ نِسَائِكَ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْزِلُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَغْفِرُ لأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعْرِ غَنَمِ كَلْبٍ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ في لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ (^٧)». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ وَأَحْمَدُ.\n_________\nيوم نصف شعبان\n(^١) ليلة النصف من شعبان في ليلة الخامس عشر منه، وبيان القيام تقدم في ليلة القدر، والنزول وهو الهبوط إلى أسفل محال على الله تعالى فيراد لازمه وهو القرب والتجلي على عباده.\n(^٢) هذا واللذان بعده بأسانيد ضعيفة لابن ماجه والترمذي، ولكنها في الترغيب كما لا يخفى.\n(^٣) انتبهت ليلا فلم أجده.\n(^٤) البقيع كالنقيع مقبرة المدينة.\n(^٥) أي يجوز.\n(^٦) ولفظه: غنم بني كلب وهي أكثر القبائل غنما.\n(^٧) المشاحن المخاصم وللإمام أحمد: يطلع الله ﵎ إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا اثنين، مشاحن وقاتل نفس، فحاصل ذلك أن النبي - ﷺ - كان يجتهد ليلة النصف في عبادة الله تعالى، وقال: إن الله يتجلى على عباده في هذه الليلة ويقول لهم: هلموا إليّ واطلبوا ما تشاءون، فأبواب العطايا والإحسان مفتحة على مصاريعها، فينبغي الاجتهاد في العبادة في هذه الليلة من أولها إلى آخرها وصوم يومها، فإنه في الفضل ليلته والإكثار من طلب المغفرة فإن الله يغفر لجميع خلقه إلا لعاق والديه والظالم والفاجر ونحوهم من كل متلبس بما يغضب الله تعالى ولم يتب إلى ربه، ولهذه الليلة مؤلف خاص للمرحوم مولانا الشيخ السقا الكبير ﵀ ورضي عنه وعن كل العلماء آمين.","vol":"2","page":93},{"text":"<span data-type='title' id=toc-332>صيام ستة أيام من شوال</span>\n• عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-333>عشر ذي الحجة </span>(^٢)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلى اللَّهِ مِنْ هذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ (^٣)» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذلِكَ بِشَيْءٍ (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَ(^٥) الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\nوَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَوْ حَفْصَةُ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ (^٦). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا\n_________\nصيام ستة أيام من شوال\n(^١) فمن صام رمضان وأعقبه بست من شوال فكأنما صام الدهر لأن اليوم بعشرة أيام ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾، فرمضان بعشرة شهور والست بشهرين، وصرحت بذلك رواية للنسائي ولو فرقها أو صامها في النصف الثاني كفي، ولكن الأفضل أن تكون متوالية، وعقب يوم العيد، وحكمة صومها أن النفوس. عقب رمضان أرغب في الطعام وما تشتهيه، فإذا عادت للصيام بأمر الله تعالى كان شاقا عليها فكان أجره عظيما. لهذا كان صومها مستحبًا وعليه الشافعي وأحمد وغيرها. وقال مالك وأبو حنيفة: يكره صومها لأنها ربما ظن وجوبها. وقال مالك: لم أر أحدا من أهل العلم يصومها، وهذا رأي ضعيف فإن الحديث الصحيح فوق كل رأي والله أعلم.\n\nعشر ذي الحجة\n(^٢) وهي التي أقسم الله بها في قوله تعالى: ﴿والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر هل في ذلك قسم لذي حجر﴾.\n(^٣) هي العشر الأول من ذي الحجة.\n(^٤) فالعمل الصالح في هذه العشر أفضل منه في كل وقت إلا من خرج يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله فاستشهد فإن درجته أعظم.\n(^٥) واللفظ له.\n(^٦) إلا إذا كان في الحج فلا يصوم عرفة كما يأتي.","vol":"2","page":94},{"text":"مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ يَعْدِلُ (^١) صِيَامُ كلِّ يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-334>صيام عرفة لغير الحاج </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ (^٤)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَفْطَرَ بِعَرَفَةَ وَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أُمُّ الْفَضْلِ بِلَبَنٍ فَشَرِبَ (^٥). رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\nوَسُئِلَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَقَالَ: حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَ عُمَرَ وَمَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُومُوا يَوْمَ عَرَفَةَ وَأَنَا لَا أَصُومُهُ وَلَا آمُرُ بِهِ وَلَا أَنْهى عَنْهُ (^٦). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n_________\n(^١) يعدل كيضرب أي يساوي.\n(^٢) بسند ضعيف، ولكن يؤيده ما قبله، ومعناه أن الله تعالى يحب العبادة في عشر ذي الحجة أكثر من كل وقت، بل ثواب صوم اليوم الواحد منهن كثواب صوم سنة، وقيام الليلة فيها كقيام ليلة القدر، وهذا ترغيب عظيم وفضل الله أعظم.\nوالله أعلم.\n\nصيام عرفة لغير الحاج\n(^٣) يوم عرفة هو تاسع ذي الحجة، وسمي بهذا لأن الحجاج يقفون فيه بعرفة؛ مكان معلوم في الحج.\n(^٤) أحتسب على الله أي أرجوه ورجاؤه - ﷺ - محقق، فصوم يوم عرفة يكفر ذنوب السنة الماضية والسنة الآتية، إن وقعت فيها ذنوب تقع مغفورة والمراد الصغائر وإن لم تكن فيرجى التخفيف من الكبار وإلا رفع له به درجات.\n(^٥) سببه أنهم كانوا بعرفة واختلفوا هل النبي - ﷺ - صائم أو لا؟ فأرسلت إليه - ﷺ - أم الفضل زوجة عمه العباس لبنًا فشربه وفي رواية: أرسلت إليه بقدح لبن وهو على بعيره بعرفة فشربه فعرفوا أنه مفطر لأنه في حج. وفي رواية لأبي داود والنسائي: نهى النبي - صلى الله عليه وسل -، عن صوم يوم عرفه بعرفة أي نهي استحباب لا نهي إيجاب.\n(^٦) فلما سئل ابن عمر عن صوم عرفة لمن كان بها أجاب بأنه حج مع النبي - ﷺ - وخلفائه الراشدين فما رآهم صاموه في الحج فهو لا يصومه ولا يأمر به ولا ينهى عنه أي في الحج، وحاصل ما تقدم أن صوم يوم عرفة مستحب بل فضله عظيم لأنه يكفر ذنوب السنتين إلا لمن كان في الحج، فصومه غير مستحب لأنه يضعفه عن المطلوب في عرفة من كثرة الذكر والتلبية والدعاء والابتهال إلى الله تعالى، فضلا عن هذا فالحاج في سفر وليس من البر الصوم في السفر، والله أعلم.","vol":"2","page":95},{"text":"<span data-type='title' id=toc-335>صيام ثلاثة من كل شهر كصيام الدهر</span>\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَذلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَلِمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ: «صَوْمُ ثَلاثَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَمَضَانُ صَوْمُ الدَّهْرِ».\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَذلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ تَصْدِيقَ ذَلِكَ في كِتَابهِ ﴿مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ الْيَوْمُ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ (^١)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\nوَقَالَتْ مُعَاذَةُ الْعَدَوِيَّةُ ﵂ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ؟ قَالَتْ: لَمْ يَكُمْ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ (^٢). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-336>صيام أيام البيض </span>(^٣)\n\n• عَنْ مِلْحَانَ الْقَيْسِيِّ (^٤) ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأَمُرُنَا أَنْ نَصُومَ الْبِيضَ ثَلَاثَ عَشَرَةَ وَأَرْبَعَ عَشَرَةَ وَخَمْسَ عَشَرَةَ قَالَ: وَقَالَ: «هُنَّ كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٥) وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: «إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلَاثَ عَشَرَةَ وَأَرْبَعَ عَشَرَةَ وَخَمْسَ عَشَرَةَ (^٦)».\n_________\nصيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام الدهر\n(^١) فهذه الأحاديث الثلاثة تصرح بأن صوم ثلاثة أيام من كل شهر كصيام الدهر.\n(^٢) فلم يكن له - ﷺ - ميعاد في صوم الثلاثة، ولكن كان في أوله أكثر. لحديث أصحاب السنن: كان النبي - ﷺ - يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام. والله أعلم.\n\nصيام أيام البيض\n(^٣) أي أيام الليالي البيض بنور القمر وهي ليلة الثالث عشر واللتان بعدها.\n(^٤) ملحان بكسر فسكون.\n(^٥) بسند حسن.\n(^٦) أي إذا أردت صيام ثلاثة أيام من كل شهر فصم الثالث عشر واللذين بعده، فهذا صرف الأول عن الوجوب الظاهر منه إلى الندب، فتندب المحافظة على صيام البيض فإنها ثلاثة من كل شهر وفى الليالي البيض، ففيها المزيتان، وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا والله أعلم.","vol":"2","page":96},{"text":"<span data-type='title' id=toc-337>صوم الاثنين والخميس</span>\n• عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الإثْنَيْنِ وَالخَمْيسِ قَالَ: «فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ الْقُرْآنُ (^١)» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ.\nوَانْطَلَقَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ (^٢) ﵁ إِلَى وَادِي الْقُرَى (^٣) فِي طَلَبِ مَالٍ لَهُ فَكَانَ يَصُومُ يَوْمَ الإثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخِميسِ فَقَالَ لَهُ مَوْلَاهُ (^٤): لِمَ تَصُومُ يَوْمَ الإثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ وَأَنْتَ شَيْخٌ كَبِيرٌ؟ فَقَالَ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَصُومُهُمَا (^٥) وَسُئِلَ عَنْ ذلِكَ فَقَالَ: إِنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ تُعْرَضُ يَوْمَ الإثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ (^٦). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٧).\nوَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنِي أَنْ أَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ أَوَّلُهَا الإثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ (^٨). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ السَّبْتَ والأَحَدَ والإثْنَيْنِ وَمِنَ الشَّهْرِ الآخَرِ الثَّلَاثَاءَ وَالأَرْبَعَاءَ وَالْخَمِيسَ (^٩). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.\n_________\nصوم الاثنين والخميس\n(^١) فسبب صومه يوم الاثنين أنه - ﷺ - ولد في يوم الاثنين من شهر ربيع الأول على المشهور، وكذا نزل عليه القرآن في يوم الاثنين السابع عشر من رمضان. وميلاده - ﷺ - ونزول القرآن حادثان عظيمان، وما وقعا في يوم الاثنين إلا لعظم فضله.\n(^٢) مولى رسول الله - ﷺ - ومحبوبه، وسيأتي في الفضائل فضله إن شاء الله.\n(^٣) واد بين المدينة والشام من أعمال المدينة، ولأهلها فيه أموال كثيرة.\n(^٤) أي خادمه.\n(^٥) لفظ الترمذي: كان يتحرى صومهما.\n(^٦) هذا صريح في أن الأعمال تعرض على الله يوم الإثنين والخميس فقط، وسيأتي في تفسير البقرة حديث» يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل»، وهذا صريح في العرض يوميًّا، ويجمع بينهما بأن العرض اليومي تفصيلي وعرض الاثنين والخميس إجمالي أو بالعكس، ولكل عرض حكم يعلمها الله، ولعل منها ظهور فضل الآدميين في الملأ الأعلى، ومنها الخوف من ذلك المرض.\n(^٧) بسند حسن.\n(^٨) الواو بمعنى أو.\n(^٩) فكان - ﷺ - يختم بالاثنين في شهر ويختم بالخميس في آخر محبة في صومهما. فتندب المحافظة على ذلك لأنهما يومان عظمان لما وقع فيهما ولعرض الأعمال فيهما على الله تعالى.","vol":"2","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-338>صوم يوم وفطر يوم</span>\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ ﷿ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا (^١)، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ». رَوَاهُ الْخَمْسَة.\n\n<span data-type='title' id=toc-339>صوم الدهر </span>(^٢)\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: لأَقُومَنَّ اللَّيْلَ وَلأَصُومَنَّ النَّهَارَ مَا عِشْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «آنْتَ الَّذِي تَقُولُ ذلِكَ (^٣)»؟ فَقُلْتُ: قَدْ قُلْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذلِكَ فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَنَمْ وَقُمْ (^٤) وَصُمْ مِنَ الشَّهِرْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَذلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ»، قَالَ قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ (^٥) قَالَ: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ»، قَالَ قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا وَذلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇ وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ»، قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ (^٦)، قَالَ: «لَا أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لأَنْ أَكونَ قَبِلْتُ الثَّلَاثَةَ الأَيَّامَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي (^٧)».\n_________\nصوم يوم وفطر يوم\n(^١) إنما كان هذا أحب إلى الله تعالى لأنه مع كثرة الصوم لا يضعف عن وظائف العبودية كصوم الدهر، ولأنه أشق على النفس لأنها لا تستمر على حال، فكان أجره عظيما، وتقدم الكلام على بقية الحديث في صلاة الليل. والله أعلم.\n\nصوم الدهر\n(^٢) أي ما ورد فيه.\n(^٣) آنت بمد الهمزة للاستفهام.\n(^٤) أي صم في بعض الأيام وأفطر في بعضها ونم بعض الليل وصل في بعضه.\n(^٥) أي أكثر منه.\n(^٦) أي مطلقًا أو بالنسبة إليك ليمكنك القيام ببعض ما عليك للعباد.\n(^٧) لأنه مرغوب النبي - ﷺ - ولضعفه في آخر عمره ﵁.","vol":"2","page":98},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ لَهُ: «لَا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنَيْكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْرِكَ (^١) عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ بِحَسْبِكَ (^٢) أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ».\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: «إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ (^٣) وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ (^٤)، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ (^٥)، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ». رَوَاهُ الثَّلَاثَة وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ؟ قَالَ: «لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ»، أَوْ قَالَ: «لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ (^٦)» قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنِ وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ: «ويُطِيقُ ذلِكَ أَحَدٌ (^٧)»؟ قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ: «ذلِكَ صَوْمُ دَاوُدَ ﵇». رَواهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n_________\n(^١) أي ضيفك.\n(^٢) أي يكفيك ثلاثة من كل شهر فإنها كصوم الدهر.\n(^٣) ضعفت.\n(^٤) نفهت بفتح فكسر أي سئمت وكلت.\n(^٥) دعاء عليه أو لا يصح صومه كله لأن فيه المنهي عنه كأيام العيد والتشريق وعلى كل فالمراد منه الزجر عن صوم الدهر، وحاصل ذلك وسببه أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان رجلا لبيبًا حاذقًا، وكان يكتب الوحي للنبي - ﷺ -، وكان يكتب لنفسه كل ما يسمعه من النبي - ﷺ -، وكان تقيًّا ورعًا زاهدًا حتى آلى على نفسه أن يصوم الدهر ويقوم الليل وانقطع لذلك فجاء أبوه عمرو لزيارته فسأل امرأته وكانت قرشية جميلة: أين بعلك، وكيف حاله؟ فقالت نعم الرجل من رجل لا ينام الليل ولا يفطر النهار، وفي رواية: نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشا ولم يفتش لنا كنفًا منذ أتيناه. فغضب أبوه ونهاه عن ذلك وقال له زوجتك امرأة من المسلمين فعضلتها. فلم يسمع لقوله فزجره مرة أخرى زجرًا شديدًا فلم يلتفت إليه، فشكاه للنبي - ﷺ - فقال ائتني به، فأخذه وذهب به إلى النبي ﷺ فقال له أنت الذي تصوم الدهر وتقوم الليل، قال نعم فنهاه عن ذلك وأرشده إلى ثلاثة من كل شهر فلم يقبل، فأرشده إلى صوم يوم وفطر يومين فأبي، فأرشده إلى صوم يوم وفطر يوم، وقال له إنه أعدل الصيام وأحسنه فأبى إلا أفضل من هذا فقال له: لا أفضل من ذلك، فلم يقبل نصح النبي ﷺ وبقي على حاله حتى ضعف في آخر حياته وظهر له أن إرشاد النبي ﷺ له كان نصح حكيم، فكان يقول لو قبلت نصح النبي ﷺ لكان عندي أحسن من المال والأهل.\n(^٦) أي لا صام صومًا فيه كمال الفضل، ولا أفطر فطرًا يمنع جوعه وعطشه.\n(^٧) أي لا يطيقه أو هو استفهام تقرير أي إن أطاقه فلا بأس، أو هو أفضل.","vol":"2","page":99},{"text":"• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَجَاءَهُ فَقَالَ: «يَا عُثْمَانُ أَرْغِبْتَ عَنْ سُنَّتِي؟» قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ولَكِنْ سُنَّتَكَ أَطلُبُ قَالَ: «فَإِنِّي أَنَامُ وَأُصَلِّي وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَنْكِحُ النِّسَاءَ فَاتَّقِ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ فَإِنَّ لأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَصَلِّ وَنَمْ (^١)» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-340>الصائم المتطوع أمير نفسه</span>\n• عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَجَلَسَتْ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ ﷺ وَأُمُّ هَانِئٍ عَنْ يَمِينِهِ، فَجَاءَتِ الْوَلِيدَةُ (^٢) بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ فَنَاوَلَتْهُ فَشَرِبَ مِنْهَ، ثُمَّ نَاوَلَهُ أُمَّ هَانِئٍ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أَفْطَرْتُ وَكُنْتُ صَائِمَةً فَقَالَ لَهَا: «أَكُنْتِ تَقْضِينَ شَيْئًا»؟ قَالَتْ: لَا قَالَ: «فَلَا يَضُرُّكِ إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا». وَفِي رِوَايَةٍ: «الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِينُ أَوْ أَمِيرُ نَفْسِهِ (^٣) إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَن (^٤) وَالإِمَامُ أَحْمَدُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أُهْدِيَ لِي وَلِحَفْصَةَ طَعَامٌ وَكُنَّا صَائِمَتَيْنِ فَأَفْطَرْنَا ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ فَاشْتَهَيْنَاهَا فَأَفْطَرْنَا\n_________\n(^١) عثمان بن مظعون هذا هو أخو النبي ﷺ من الرضاع وكان انقطع للعبادة فلامه النبي ﷺ وأرشده إلى التوسط في العمل والدوام عليه فهو أفضل كما تقدم في الإيمان: أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، فظاهر هذه الأحاديث كراهة صوم الدهر وبه قال بعضهم، بل قال بعضهم بحرمته ولكن الجمهور على استحبابه للأحاديث السابقة القائلة: من صام كذا فكأنما صام الدهر، ولأن كثرة العبادة تستلزم كثرة الأجر وعلى الدرجة، ولابن ماجه: صام نوح الدهر إلا يوم الفطر ويوم الأضحى، والنهي السابق لخوف مشقة أو فوت حق واجب. والله أعلم.\n\nالصائم المتطوع أمير نفسه\n(^٢) الوليدة هي الأمة.\n(^٣) أو للشك.\n(^٤) هذا الحديث وما بعده بسندين صالحين لأبي داود وأما الترمذي فقد قال إن في الأول مقالا وسكت عن الثاني. وأما سند النسائي فصحيح ويؤيدها الصحيح السابق في النية أن النبي ﷺ كان صائما نقلا فأفطر.","vol":"2","page":100},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا عَلَيْكُمَا، صُومَا مَكَانَهُ يَوْمًا آخَرَ (^١)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-341>يجيب الصائم الدعوة</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: قَالَ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ (^٢)». وَفِي رِوَايَةٍ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ مُفِطرًا فَلْيَطْعَمْ (^٣) وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-342>الخاتمة في الاعتكاف </span>(^٤)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْقَآئِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (^٥).\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) أي لا بأس عليكما في الإفطار ولكن صوما بدله يوما آخر على سبيل الندب، فإن البدل حكمه كحكم أصله، فالحديثان يفيدان أن الصائم المتطوع له أن يفطر ولا شيء عليه إلا القضاء على سبيل الندب، وعلى هذا الجمهور سلفًا وخلفًا والشافعي وأحمد، وقال غيرهم من تلبس بنفل حرم عليه إفساده، ووجب قضاؤه لتعينه بالشروع فيه ولقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ وأجاب الجمهور بأن معناها ولا تبطلوا أعمالكم بالرياء وارتكاب الكبائر. والله أعلم.\n\nيجيب الصائم الدعوة\n(^٢) أي للداعي إعلاما بحاله واعتذارًا عن الحضور فإن قبل عذره سقط عنه الوجوب أو الندب وإلا حضر.\n(^٣) كيعلم أي وجوبًا إن شق على الداعي عدم الأكل وإلا فلا، وإن كان صائما فليصل في بيت الداعي فرضًا أو نفلا لتحصل بركة الصلاة، أو المراد بالصلاة الدعاء بالمغفرة والبركة، والأفضل الجمع بينهما وهذا ظاهر في صوم الفرض، فإنه يحرم عليه الفطر، فإن كان الصوم نقلا فالأفضل الأكل إن كان يفرح به وإلا فلا يفطر. وستأتي الوليمة وأحكامها في كتاب النكاح على سعة إن شاء الله تعالى. والله أعلم.\n\nالخاتمة في الاعتكاف\n(^٤) هو لغة الحبس والمكث واللزوم، وشرعًا: مكث في مسجد من شخص طاهر بنية الاعتكاف ويسمى جوارًا. والكلام في بيان حكمه وفي محله وفي خروج المعتكف لحاجته وفي اشتراط الصوم وعدمه وفي فضله، فالاعتكاف سنة بإجماع ويتأكد في العشر الأواخر من رمضان، ويجب بالنذر.\n(^٥) هذا أمر من الله تعالى لإبراهيم ﵇ بطهارة البيت الحرام لعابدين طائفين وعاكفين فيه أي معتكفين للعبادة وفيه أن الاعتكاف شرع قديم وندب إليه شرعنا.\n(^٦) فلا يجوز للمعتكف مباشرة النسوة.","vol":"2","page":101},{"text":"• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِن بَعْدِهِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرينَ يَوْمًا (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ (^٢) وَأَنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ أَرَادَ الاعْتِكَافَ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَجْرَ نَظَرَ فَإِذَا الأَخْبِيَةُ فَقَالَ: «آلْبِرَّ تُرِدْنَ؟» فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ وَتَرَكَ الاعْتِكَافَ فِي رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اعْتَكَفَ طُرِحَ لَهُ فِرَاشٌ أَوْ يُوضَعُ لَهُ سَرِيرٌ وَرَاءَ أُسْطوَانَةِ التَّوْبَةِ (^٤). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ مُوَثَّقٍ.\n_________\n(^١) من أواخره لأنه شعر بانقضاء أجله فاستكثر من صالح الأعمال، والتعليم الأمة إذا بلغوا أقصى الكبر.\n(^٢) مكان اعتكافه وهو الخباء، وظاهره أن أول الاعتكاف بعد الفجر، وهذا في مطلق اعتكاف، أما من أراد اعتكاف شهر أو عشرة أيام فإن أوله قبيل الغروب لأن الليل تابع ليومه.\n(^٣) الخباء ما يعمل من صوف أو شعر أو وبر وينصب على عمودين أو ثلاثة فإن زاد فهو البيت، فلما نصب الخباء للنبي - ﷺ - اقتدى به الزوجات الطاهرات رغبة في المسجد وقربهن من النبي - ﷺ -، ولكنه خاف تضييق المسجد فأنكر عليهن بقوله: آلبر تردن! بالاستفهام الإنكارى، أي أترغبن في الطاعة بهذا وأمر بحل خبائه وترك الاعتكاف حتى اعتكف العشر الأول من شوال.\n(^٤) أسطوانة التوبة هي العمود الذي ربط فيه الصحابي نفسه حتى تاب الله عليه، فكان اعتكافه - ﷺ - وراء هذه الأسطوانة على فراش أو سرير، وفيه أن الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد وعليه الجمهور سلفا وخلفًا ومالك والشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: يصح اعتكاف المرأة في مسجد بينها وهو المكان المعد لصلاتها، وقال بعض المالكية والشافعية: يصح في مسجد البيت ولو لرجل، وعند الجمهور: يصح الاعتكاف في كل مسجد وقف للصلاة، وقال أبو حنيفة: إنه يختص بمسجد تصلى فيه الصلوات كلها، وقال أحمد: إنه يختص بمسجد تقام فيه الجماعة الراتبة. والله أعلم.","vol":"2","page":102},{"text":"<span data-type='title' id=toc-343>يخرج المعتكف من المسجد للحاجة</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَقَالَتْ صَفِيَّةُ ﵂ (^٢) كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ إِلَى بَيْتِي فَقَامَ مَعِي النَّبيُّ ﷺ لِيَقْلِبَني (^٣) وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ ﷺ أَسْرَعَا فَقَالَ ﵊: «عَلى رِسْلِكُمَا (^٤) إِنَّهَا صَفِيَّةُ بنْتُ حُيَيِّيٍ» قَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّم فَخَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا أَوْ قَالَ شَرًّا (^٥)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n_________\nيخرج المعتكف من المسجد للحاجة\n(^١) فكان النبي - ﷺ -، وهو معتكف في المسجد يخرج رأسه من باب الحجرة لعائشة، وهي في غرفتها المجاورة للمسجد كباقي غرفات الزوجات الطاهرات فترجل شعره أي تسرحه وتدهنه وتطيبه، وكان - ﷺ - لا يخرج من المسجد وهو معتكف إلا للحاجة وهي هنا البول والغائط ومثلهما الفصد والحجامة والغسل والطهارة، وأما الأكل والشرب فلا يخرج لهما لجوازها في المسجد، وقال بعضهم يخرج لهما.\n(^٢) هي بنت حييّ إحدى أمهات المؤمنين.\n(^٣) يقلب كيضرب أي يمشي معي إلى بيتي المعد لسكناي ويسكن فيه أسامة بن زيد مولى النبي - ﷺ -.\n(^٤) رسلكما بكسر فسكون فكسر أي لا تسرعا.\n(^٥) فالرجلان لما رأيا مع النبي - ﷺ - امرأة أسرعا لئلا يراها النبي - ﷺ -، ولكنه رآها؛ فقال لهما: تمهلا فإنها زوجتى صفية، فقالا: سبحان الله يا رسول الله نحن لا نظن بك شيئا فإنك معصوم فقال: إنى خفت عليكما من وسوسة الشيطان فإنه يجري في الإنسان كالدم، وفي هذين الحديثين جواز خروج المعتكف لما يلزمه، ولكن بنية العودة إلى الاعتكاف وإن نسي جدد النية، ولا يبطل الاعتكاف بكلام دنيوي ولا صنعة لا تقدر المسجد، ككتابة وخياطة، وليس للاعتكاف ذكر مخصوص بل هو اللبث فقط، فلو دخل المسجد لصلاة فريضة أو نافلة ونوى الاعتكاف كقوله نويت الاعتكاف لله وخرج بعد الصلاة صح اعتكافة هذه المدة عند بعضهم كما يأتي إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":103},{"text":"<span data-type='title' id=toc-344>هل يشترط الصوم للاعتكاف</span>\n• عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (^١)، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ. فَاعْتكَفَ لَيْلةً (^٢)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَائَشَةَ ﵂ قَالَتْ: السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَلا يَعُودَ مَرِيضًا وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً وَلَا يُبَاشِرَهَا (^٣) وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إِلا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ. وَلَا اعْتِكَافَ إِلا بِصَوْمٍ (^٤). وَلَا اعْتِكَافَ إِلا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-345>فصل: الاعتكاف </span>(^٦)\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي الْمُعْتكِفِ: «هُوَ يَعْكِفُ الذُّنُوبَ وَيُجْرِي لَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ كَعَامِلِ الْحَسَنَاتِ كُلِّهَا (^٧)». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (^٨).\n_________\nهل يشترط الصوم للاعتكاف\n(^١) وفي رواية لمسلم: يومًا وجمع بينهما بأنه نذر يومًا بليلته، فمن روى ليلة أراد ويومها، ومن روي يوما أراد وليلته.\n(^٢) في المسجد الحرام وفاء بنذره، ومعلوم أن الليل ليس محلا للصوم، فلو كان الصوم شرطا في صحة الاعتكاف لما صح نذره، ولما أمره النبي - ﷺ - بوفائه. ومنه حديث البيهقي والحاكم وصححه» ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه»، ومنه ما تقدم من أن النبي - ﷺ - اعتكف العشر الأول من شوال وفيها العيد، فلهذا قال بعض الصحب والتابعين والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يشترط الصوم للاعتكاف بل يصح ولو ساعة ولو لحظة واحدة تزيد على طمأنينة الركوع. وللطبراني: من اعتكف فواق ناقة (قدر حلبها) فكأنما أعتق نسمة. وقال جمهور السلف والخلف ومالك وأبو حنيفة: يشترط الصوم فلا يصح اعتكاف بدونه لحديث عائشة الآتي.\n(^٣) فإن خرج لواحد من هذه الأمور أو عرج عليه في طريقه بطل اعتكافه الذي هو ملازمة مسجد بنية العبادة.\n(^٤) فلا يصح من مفطر، عندها وعند من وافقها.\n(^٥) تقدم الكلام عليه. والله أعلم.\n\nفضل الاعتكاف\n(^٦) أخرنا فضل الاعتكاف على خلاف المادة لأنه ليس من أصول الكتاب الخمسة.\n(^٧) فالاعتكاف يحفظ المعتكف من الشرور ويكتب له كثواب فاعل الطاعات كلها لأنه حبس نفسه في بيت الله تعالى طلبًا لرضاه.\n(^٨) بسند ضعيف ولكنه في الترغيب.","vol":"2","page":104},{"text":"• وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ يَقُولُ: مَنْ مَشَى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ وَبَلَغَ فِيهَا (^١) كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنَ اعْتِكَافِ عَشْرِ سِنِينَ، وَمَنِ اعْتَكَفَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ ثَلَاثَ خَنَادِقَ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ (^٢). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنِ الْحَسَيْنِ بْنِ عَلَيَ ﵄ عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اعْتَكَفَ عَشْرًا فِي رَمَضَانَ كَانَ كَحَجَّتَيْنِ وَعُمْرَتَيْنِ (^٣)». رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَاللَّهُ أعْلَمُ.\n_________\n(^١) أي مطلوبه.\n(^٢) الخنادق جمع خندق وهو حفير حول البلد لمنع الأعداء، والخافقان تثنية خافق وهو حاجب السماء؛ والمراد أن اعتكاف يوم الله تعالى يبعد صاحبه عن النار أكثر مما بين المشرق المغرب.\n(^٣) هذا ترغيب عظيم في الاعتكاف وفضل الله واسع. والله أعلم.","vol":"2","page":105},{"text":"<span data-type='title' id=toc-346>كتاب الحج والعمرة </span>(^١)\nوفيه سبعة أبواب وخاتمة\n\n<span data-type='title' id=toc-347>الباب الأول: في فضائل الحج</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ (^٢)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا (^٣) وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ (^٤)». رَواهُمَا الْخَمْسَة إِلا أَبَا دَاوُدَ.\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرَى الْجِهَادَ أَفْضلَ الْعَمَلِ أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: «لَا\n_________\nبسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين\n\nك تاب الحج والعمرة\n(^١) الحج بالفتح والكسر لغة: القصد. وشرعا: قصد البيت الحرام لأعمال النسك. وفرض الحج في السنة الخامسة من الهجرة وقيل في السادسة، وعليه الجمهور لأنه نزل فيها ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ أي أقيموها، والحج أحد أركان الإسلام السابقة. وهو معلوم من الدين بالضرورة فيكفر جاحده إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام؛ أو نشأ بعيدا عن العلماء؛ وحكمة الحج غفران الذنوب؛ ونفي الفقر والتعارف بين الأقاليم الإسلامية والعطف على أهل الحرمين؛ إجابة لدعوة إبراهيم ﵇؛ ﴿واجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾؛ وتذكر البعث بالتجرد من ملابسه؛ وتذكر الوقوف بين يدي الله تعالى بوقوفهم بعرفة يبتهلون إلى الله بالتلبية ويرجون عفوه ورضاه؛ قال الله تعالى ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ - وقال تعالى - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ وستأتي العمرة في الباب الخامس إن شاء الله.\n(^٢) أي طاهرا من الذنوب كلها وعليه بعضهم لظاهر الحديث إلا حقوق الآدميين فلا بد فيها من السماح أو القضاء في الدنيا.\n(^٣) فالعمرة بعد العمرة كفارة لما يقع بينهما.\n(^٤) الحج المبرور هو ما سلم من الإثم والرياء أو ما كان فيه جود وحسن أخلاق الحديث أحمد قالوا: يا رسول الله ما بر الحج؟ قال: إطعام الطعام وإفشاء السلام.","vol":"2","page":106},{"text":"لكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ: «وَلكِنَّ أَحْسَنُ الْجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ حَجُّ الْبَيْتِ (^١)».\nوَعَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُوا ثمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ» فَيَقُولُ: «مَا أَرَادَ هؤُلَاءِ (^٢)»؟. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (^٣) فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (^٤) وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلا الْجَنَّةُ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيُحَجَّنَّ الْبَيْتُ وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُروجِ يَأجوجَ وَمَأْجُوجَ (^٥)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي فَضْلِ الْحَرَمِ.\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الأَقْصى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ (^٦)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.\nوَلِلنَّسَائِيِّ: «وَفْدُ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: الْغَازِي وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ (^٧)».\n_________\n(^١) وللنسائي: جهاد الكبير والصغير والضعيف والمرأة الحج والعمرة. وللإمام أحمد:» قيل يا رسول الله هل على النساء من جهاد؟ قال: نعم عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة» فليس على النساء جهاد لأنه فرض كفاية على الرجال القادرين.\n(^٢) فالله تعالى يعتق في يوم عرفة أكثر من كل الأيام ويتجلى الله على عباده ويفاخر بهم ملائكته كقوله: ما أراد هؤلاء؟ وكقوله: انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرا من كل فج عميق أشهدكم أني قد غفرت لهم.\n(^٣) أي والوا بينهما بفعل العمرة عقب الحج فإنهما يجلبان الغني ببركة الإنفاق فيهما؛ قال تعالى: - ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾.\n(^٤) الكير آلة النفخ على النار التي يستعين بها الحداد والصائغ على عمله، والخبث بالتحريك الوسخ.\n(^٥) بلفظ المجهول في الفعلين أي والله لا تزال طائفة على الحق وتحج البيت إلى قرب الساعة حتى بعد ظهور العلامات؛ فإذا دنت الساعة انقطع الحج لحديث: لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت.\n(^٦) فيه جواز الإحرام قبل الميقات المكاني والترغيب فيه وعليه بعض الصحب والتابعين، وللشافعي والحاكم عن عليّ ﵁: إتمام الحج والعمرة في قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ بأن تحرم لهما من دويرة أهلك. وثبت رفعه.\n(^٧) الوفد: الجماعة المختارة من القوم، فهؤلاء اختاره الله ورضي عنهم. وفقه ما تقدم أن فضل الحج عظيم ومزاياه كثيرة جسيمة نسأل الله أن يوفقنا له مرة أخرى.","vol":"2","page":107},{"text":"• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَّ ثَلَاثَ حِجَجٍ (^١) حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ (^٢) وَحَجَّة بَعْدَمَا هَاجَرَ (^٣) وَمَعَها عُمْرَةٌ فَسَاقَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً وَجَاءَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبَقِيَّتِهَا (^٤) فِيهَا جَمَلٌ لأَبِي جَهْلٍ فِي أَنْفِهِ بُرَةٌ مِنْ فِضَّةٍ (^٥) فَنَحَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^٦) وَأَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبِضْعَةٍ فَطُبِخَتْ وَشَرِبَ مِنْ مَرَقِهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-348>الباب الثاني: في فرضية الحج</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (^٧) وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ الْعَلَمِينَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا (^٨)» فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ (^٩) وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ ثُمَّ قَالَ: ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ. فَإِذَا أَمَرْتكُمْ بِشَيْءٍ\n_________\n(^١) بكسر ففتح جمع حجة كقرب وقربة أي حج ثلاث مرات.\n(^٢) وفيهما بايع النقباء من أهل المدينة الذين اجتمع بهم في العقبة في سنتين.\n(^٣) وهي حجة الوداع سنة عشر.\n(^٤) أي المائة فإن هديه كان مائة كما يأتي في صفة حجه - ﷺ -.\n(^٥) البرة كثبة: الحلقة في أنف البعير.\n(^٦) أي معظمها وأمر عليا فنحر بقيتها. والله أعلم.\n\n(الباب الثاني في فرضية الحج)\n(^٧) أي ولله على عباده فرض لازم وهو حج البيت بشرط الاستطاعة وهي الزاد والراحلة لحديثي عليّ وابن عمر الآتيين ولحديث الحاكم:» قيل يا رسول الله ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة» والمراد ما وصله ويرجعه إلى وطنه أيًّا كان وعليه الشافعي وأحمد، فمن عجز لمرض أو كبر أو خوف مثلا وقدر على إنابة الغير وجب عليه لحديث الخثعمية الآتي، وقال مالك: الاستطاعة بالبدن فمن قدر على المشي والكسب وجب عليه الحج، وقال أبو حنيفة: الاستطاعة بمجموع الأمرين، فمن قدر على أحدها فقط فلا حج عليه، وهذا أسهل وما قبله أشد وأحوط.\n(^٨) هذا أمر وظاهره الوجوب فيفيد الفرضية، ومنه حديث أبي داود: لا صرورة في الإسلام. والصرورة كالضرورة الذي لم يحج فالإسلام لا يعرفه.\n(^٩) أي فريضة الحج.","vol":"2","page":108},{"text":"فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (^١) وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ (^٢)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ الأَقْرَعَ بْنَ جَابِسٍ ﵁ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْحَجُّ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَوْ مَرَّدةً وَاحِدَةً؟ قَالَ: «بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥) وَأَحْمدُ وَزَادَ: «فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ وَتَضِلُّ الرَّاحِلَةُ وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ».\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ (^٦) فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا وَذلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ فِي كِتَاب ﴿وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾».\n\n• عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ قَالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ (^٧)». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٨) وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ (^٩) يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ (^١٠) وَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ (^١١) فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ (^١٢)\n_________\n(^١) قال تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.\n(^٢) أي كله لأن ترك المحرمات كلها ميسور لكل واحد بخلاف الطاعات كلها.\n(^٣) فالفريضة مرة واحدة والزائد تطوع، وفيه أن الأمر لا يقتضي التكرار، وإنما يفهم من نصوص أخرى.\n(^٤) الأمر للوجوب أو للندب، فعلى الأول يكون الحج واجبًا على الفور عند الاستطاعة، وعليه الجمهور والأئمة الثلاثة، وعلى الثاني يكون واجبًا على التراخي وعليه الشافعي والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد وبعض أهل البيت، لأن النبي - ﷺ - حج سنة عشر مع أنه فرض في الخامسة والسادسة.\n(^٥) بسند صالح.\n(^٦) حتى مات ولا عذر له.\n(^٧) ومنه ما رواه ابن عدي بلفظ: من مات ولم يحج حجة الإسلام في غير مرض حابس أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائر فليمت أيّ الميتين شاء إما يهوديًا أو نصرانيا؛ فهذا تهديد على ترك الحج كقوله ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ووعيد شديد على ترك الحج فيفيد فرضيته.\n(^٨) الثاني بسند حسن والأول روي من عدة طرق تصل به إلى درجة الحسن.\n(^٩) أي بعضهم.\n(^١٠) لا يتخذون زادًا مطلقًا أو يأخذون قليلا.\n(^١١) فهما منهم أن الزاد ينافي التوكل ويقولون نحج بيت الله ولا يكفينا.\n(^١٢) فاستثقلهم الناس.","vol":"2","page":109},{"text":"فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ (^٢) فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ (^٣) أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، وذلِكَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ. رَوَاهُ الْخَمْسَة.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ قَالَ: «مَنْ شُبْرُمَةُ؟» قَالَ: أَخٌ لِي أَوْ قَرِيبٌ لِي (^٤) قَالَ: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟» قَالَ: لَا قَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَاهُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ يَقُولُ: «لَا يخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا وَمَعَهَا ذو مَحْرَمٍ (^٦) وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حآجَّةً (^٧) وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا قَالَ: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ (^٨)». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-349>يقضى الحج عن الميت كما يصح من الصبي</span>\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ (^٩) جَاءَتْ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ\n_________\n(^١) خذوا زادكم فأحسنه ما يقى صاحبه السؤال. وفيه أن الحج لا يجب على الفقير.\n(^٢) اسم قبيلة.\n(^٣) أي لم تيسر حاله ويجب عليه الحج إلا في حال الكبر، فأمرها بالحج عنه، وإذا جازت إنابة المرأة فالرجل أولى.\n(^٤) أو للشك.\n(^٥) ففيه وما قبله أن من وجب عليه الحج ليساره ولم يقدر عليه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أو خوف وجب عليه أن ينيب عنه شخصا آخر ولو أجنبيا بشرط أن يكون أدى فرضه وهذا باتفاق في الفرض دون النفل.\n(^٦) فخلوة الرجل بالأجنبية حرام إلا إذا كان معها زوجها أو أحد محارمها فإنه مانع من الفتنة.\n(^٧) أي عزمت على الحج وأنا سأخرج للجهاد فأمره بالخروج معها للحج.\n(^٨) فشرط حج المرأة أن يكون معها زوجها أو أحد محارمها فإنه حفيظ لها وتكفي النسوة الثقات والله أعلم.\n\nيقضي الحج عن الميت كما يصح من الصبي\n(^٩) بالتصغير اسم قبيلة، والسائلة هي امرأة سنان الجهني أو عمته:=","vol":"2","page":110},{"text":"إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ (^١) اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجَّ (^٢) أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ هُنَا وَمُسْلِمٌ فِي الصَّوْمِ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَبِي مَاتَ وَعَلَيْهِ حُجَّةُ الإِسْلَامِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ أَبَاكَ تَرَكَ دَيْنًا عَلَيْهِ أَتَقْضِيهِ عَنْهُ»؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: «فَأَحْجُجْ عَنْ أَبِيكَ (^٣)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالشَّافِعِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: رَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ (^٤)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَقَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: حُجَّ بِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ (^٥). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-350>لا بأس بالتكسب مع النسك </span>(^٦)\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﵄ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ فِي أَوَّلِ الْحَجِّ (^٧) كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِمِنًى وَعَرَفَةَ\n_________\n(^١) قالت نعم.\n(^٢) أي حجة الإسلام.\n(^٣) فصريح هذه النصوص يدل على أن من مات وعليه واجب للعباد كالدين أو لله كالحج والكفارة والزكاة والنذر وجب على وليه قضاؤه من رأس ماله إن كان، وإلا ندب له قضاؤه ولو قضاه أجنبي بإذن وليه كفي، ويجب الوفاء بنذر الحج ولا يسقط به الفرض لأنه أصلى، وقيل يجزئ عن النذر وحج الإسلام.\n(^٤) أي أيصح له حج إن صنعنا به كما يصنع المحرم وطاف وسعي معنا وحضر المواقف كلها قال نعم يصح حجه ولك أجر كأجره، الدال على الخير كفاعله.\n(^٥) أي مع آبائي. ولكن حج الصبي لا يجزئ عن حج فريضة الإسلام عليه إذا بلغ واستطاع فإن عبادة الصبي كلها تقع نفلا لأنه غير مكلف. والله أعلم.\n\nلا بأس بالكسب مع النسك\n(^٦) النسك بضمتين: العبادة، والمناسك جمع منسك بفتح سينه وكسرها: المتعبّد. ويقع على الزمان والمكان والحدث. والمراد هنا أعمال الحج والعمرة.\n(^٧) أي الإسلام.","vol":"2","page":111},{"text":"وَسُوقِ ذِي الْمَجَازِ (^١) وَمَوَاسِمِ الْحَجِّ (^٢) فَخَافُوا الْبَيْعَ وَهُمْ حُرُمٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ (^٣).\nرَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ التَّيْمِيِّ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا أُكْرِى فِي هذَا الْوَجْهِ (^٤) وَكَانَ نَاسٌ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ حَجٌّ، فَلَقِيتُ ابْنَ عُمَرَ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: أَلَيْسَ تُحْرِمُ وَتُلَبِّي وَتَطوفُ بِالْبَيْتِ وَتُفِيضُ مِنْ عَرَفَاتٍ وَتَرْمِي الْجِمَارَ؟ قُلْتُ: بَلَى قَالَ: فَإِنَّ لَكَ حَجًّا. وَسَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذلِكَ فَسَكَتَ عَنْهُ حَتَّى نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ وَقَرَأَهَا عَلَيْهِ وَقَالَ: لَكَ حَجٌّ (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَندٍ صَالِحٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-351>مواقيت الحج والعمرة </span>(^٦)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ (^٧).\nقَالَ ابْنُ عمَرَ ﵄، أَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ (^٨). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ (^٩)\n_________\n(^١) مكان بجوار عرفة.\n(^٢) جمع موسم كمسجد مجتمعات الحجاج.\n(^٣) وكان ابن عباس وعكرمة وغيرهما يقرءونها في تلاوتهم.\n(^٤) أي أؤجر الرواحل للحجاج يركبونها.\n(^٥) فأجابه ابن عمر بالجواز إذا فعل المناسك وأسمعه الحديث، فمن حج وكان يتجر في مواسم الحج أو يتكسب في ذهابه وإيابه فحجه صحيح، وإن كان الأكمل التفرغ من كل شيء والإقبال على الله تعالى ظاهرًا وباطنًا والله أعلم.\n\nمواقيت الحج والعمرة\n(^٦) المواقيت جمع ميقات، من التأقيت وهو تحديد وقت الشيء، ثم أطلق على الكان توسعًا، والمراد هنا الأمكنة التي يحرم فيها من يريد الحج أو العمرة والأوقات التي يفعل الحج فيها، وأما العمرة فكل السنة وقت لها.\n(^٧) أي في أوقات معلومة وهي الآتية في قول ابن عمر.\n(^٨) فلا يصح الإحرام بالحج في غير هذه الأوقات.\n(^٩) ذو الحليفة - بالتصغير - مكأن به بئر يسمى بئر علي، وبينه وبين المدينة ستة أميال. والجحفة بضم فسكون قرية خربة على خمس أو ست مراحل من مكة.","vol":"2","page":112},{"text":"ولأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ (^١) وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ (^٢) وَقَالَ: «هُنَّ لَهُمْ وَلِكُلَ آتٍ عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَمَنْ كَانَ دُونَ ذلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعِقيقَ (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٤).\nوَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ: وَقَّتَ النَّبِيُّ ﷺ لأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا فُتِحَ الْمِصْرَانِ (^٥) أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا (^٦) وَإِنْ أَرَدْنَاهَا شَقَّ عَلَيْنَا، قَالَ: «انْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ (^٧)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) قرن المنازل ويسمى قرن الثعالب لكثرتها فيه: جبل شرقى مكة على مرحلتين منها.\n(^٢) يلملم ويسمى ألملم غير منصرف: جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة، فالنبي - ﷺ - بين في هذا مكان الإحرام بالنسك بقوله لأهل المدينة أي ومن جاورهم ذا الحليفة، ولأهل الشام أي ومصر والمغرب الجحفة، ولأهل نجد أي والهند وفارس قرن المنازل، ولأهل اليمن أي والسودان والحبشة يلملم، وقال هذه المواقيت لهذه الأقطار ولمن جاورهم ومن جاء من طريقهم ومن كان دون هذه المواقيت فإحرامه من مسكنه حتى أهل مكة، لكن من أراد العمرة منهم فإنه يخرج إلى أدنى الحل ويحرم بها ليجمع فيها بين الحل والحرم، أما المكي إذا أراد الحج فإنه يحرم من مسكنه لأنه سيخرج إلى الحل في عرفات.\n(^٣) المراد بالمشرق هنا العراق فميقاتهم العقيق أو ذات عرق، وهي على مرحلتين من مكة والعقيق قبلها والأحوط إحرامهم من العقيق.\n(^٤) بسند حسن وما بعده صحيح.\n(^٥) تثنية مصر وهما الكوفة والبصرة.\n(^٦) أي بعيد عنه.\n(^٧) أي باجتهاد منه ﵁ ولكنه وافق الحديث السابق الذي لم يبلغه بفراسته الصادقة، فمن كان مسكنه بين الميقاتين أو مر بينهما، فإنه يحرم عند محاذاة أقربهما منه، وهذه المواقيت ليست حدودًا للحرم بل هي في الحل، وأما الحرم فهو مكة والبقعة المحيطة بها وله حدود معروفة هناك، وحكمة الإحرام قبل الدخول في الحرم الاستعداد لدخول حرم الله تعالى والتأهب لزيارة بيت الله الذي عظمه وشرفه وجعله مأمنًا للناس ومثابة لهم وهدى للعالمين. والله أعلم.","vol":"2","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-352>الباب الثالث: فيما يحرم على المحرم (^١): - منها لبس الثياب والطيب</span>\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ (^٢): «لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ (^٣) وَلَا الْخِفَافَ إِلا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكعْبَيْنِ (^٤) وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًَا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ (^٥)». وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ».\n\n• عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْجعْرَانَةِ (^٦) قَدْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ وَهُوَ مُصَفِّرٌ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَهُ (^٧) وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَحْرَمْتُ بِعُمْرَةٍ وَأَنَا كَمَا تَرَى، فَقَالَ: «أَنْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ وَاغْسِلْ عَنْكَ الصُّفْرَةَ، وَمَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حِجِّكَ فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ (^٨)». رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَجُلًا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ (^٩) وَهُوَ مُحْرِمٌ فَمَاتَ فَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ (^١٠) وَلَا تَمِسُّوهُ بِطِيبٍ\n_________\n(الباب الثالث فيما يحرم على المحرم)\n(^١) أي في بيان الأمور التي تحرم على المحرم بحج أو عمرة أو بهما من ملبوس وتعطر وصيد ونكاح ومقدماته كما يأتي.\n(^٢) سأله عما يلبس فأجابه بما لا يلبس لحصره ولفهم ما يجوز منه.\n(^٣) القمص جمع قميص، والعمائم جمع عمامة، والسراويلات جمع سروال ويقال شروال وسروان ما يستر أسفل الجسم، والبرانس جمع برنس قلنسوة طويلة أو كل ثوب رأسه منه، فنبه بالقميص والسروال على كل محيط، وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطى الرأس، فكل مخيط وكل محيط حرام على المحرم.\n(^٤) وللإمام أحمد: وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما بل القطع نسخ بالرواية الآتية لسكوتها عنه.\n(^٥) الزعفران معروف؛ والورس - كالورد نبات - أصفر باليمن طيب الرائحة يصبغ به ولونه بين الصفرة والحمرة.\n(^٦) بكسر فسكون مكان في طريق الطائف على ستة فراسخ من مكة.\n(^٧) أي بالطيب.\n(^٨) من تحريم اللباس العادي والصيد والعطر ونحوها، ومن إيجاب الطواف سبعًا والسعي سبعًا والتحلل بالحلق.\n(^٩) أي أوقعته.\n(^١٠) اللذين عليه وهما إزار ورداء.","vol":"2","page":114},{"text":"وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ (^١) فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ ﷺ نَهَى النِّسَاءَ فِي إِحْرامِهِنَّ عَنِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرانُ مِنَ الثِّيَابِ، وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ مُعَصْفَرًا أَوْ خَزًّا أَوْ حُلِيًّا أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ قَمِيصًا أَوْ خَفًّا (^٢). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَأَحْمَدُ (^٣).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمَاتٌ فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاه (^٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ صَالِحٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-353>ومنها قتل الصيد إلا الضارّ منه </span>(^٥)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (^٦)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: أَهْدَى الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حِمَارَ وَحْشٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: «لَوْلَا أَنَّا مُحْرِمُونَ لَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ». وَفِي رِوَايَةٍ: «أُهْدِيَ لَهُ عُضْوٌ\n_________\n(^١) أي لا تغطوه بشيء. وفي رواية: ولا تخمروا رأسه ولا وجهه.\n(^٢) القفازان تثنية قفار كرمان وهو ما يلبس في الكفين، والنقاب ما يستر الوجه وسمى نقابًا لأن فيه نقبين تنظر منهما العينان.\n(^٣) ورواه البخاري بلفظ لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين.\n(^٤) فستر وجه المحرمة حرام إلا عن أجنبي فلا شيء فيه؛ ومعنى ما تقدم أن الرجل إذا أراد الإحرام وجب عليه كشف رأسه ووجهه ونزع اللباس المعتاد إلا إزارًا ورداء ونعلين، وإن المرأة إذا أرادت الإحرام جاز لها ليس كل شيء ولكن يجب كشف وجهها وكفيها، وأما الطيب فإنه يحرم على الذكر والأنثى بعد التلبس بالإحرام كبقية المحرمات والله أعلم.\n\nومنها قتل الصيد إلّا الضار منه\n(^٥) المراد بالصيد كل حيوان بري ولو طائرًا، والمراد بقتله التعرض له بأي أذى.\n(^٦) فصيد البر حرام على المحرم؛ أما صيد البحر وما يقذفه ميتًا فهو حلال لكل أحد ولا سيما السيارة أي المسافرون.","vol":"2","page":115},{"text":"مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ فَرَدَّهُ» وَقَالَ: «إِنَّا لَا نَأْكُلُهُ إِنَّا حُرُمٌ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ (^٢)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّهُ أَحْسَنُ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَ أَوْ عُمْرَةٍ فَاسْتَقْبَلَنَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ فَجَعَلْنَا نَضْرِبُهُ بِسِيَاطِنَا وَعِصِيِّنَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كُلُوهُ فَإِنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٤).\n\n• عَنْ حَفْصَةَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ». وَفِي رِوَايَةٍ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ وَالْغُرَابُ الأَبْقَعُ وَالْفَارَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ وَالْحُدَيًّا (^٥)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n_________\n(^١) حرم بضمتين جمع حرام.\n(^٢) هذا بيان للحديث والآية اللذين قبله، فصيد البر حلال للمحرم إذا صيد لغيره وعليه الجمهور ومالك والشافعي وأحمد، وقال بعض السلف والحنفية: إذا صاده الحلال وذبحه جاز للحرم أكله مطلقًا؛ بل قال بعضهم: يجوز أكل الصيد مطلقا لقول أبي قتادة: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - عام الحديبية فأهلوا بعمرة إلا أنا فلم أحرم، فاصطدت حمار وحش فأطعمت أصحابي وهم محرمون، ثم أخبرت النبي - ﷺ - بذلك وإن عندنا من لحمه. فقال كلوه وهم محرمون. وفي رواية: إنما هي طعمة أطعمكموها الله. وفي رواية قال: هل معكم منه شيء؛ قالوا نعم رجله، فأخذها رسول الله - ﷺ -، فأكلها. رواه الأربعة.\n(^٣) الرجل - كبئر - الطائفة من الجراد فللمحرم أكله لأنه من صيد البحر.\n(^٤) بسند ضعيف ولذا لم يأخذ به الجمهور وأصحاب المذاهب.\n(^٥) الغراب الأبقع الذي في ظهره وبطنه بياض، والحدأة كالعنبة - والحديا واحد - والفأرة بالهمزة وعدمها، ونبه بالغراب والحدأة على كل ما له مخلب قوي يجرح به، ونبه بالعقرب على كل ذي سم يمشي على بطنه، ونبه بالكلب على كل ماله ناب قوى يعدو به كالأسد والنمر والذنب، وسميت هذه الحيونات فواسق لخروجهن على الناس، والفسق الخروج عن الحد، فكل حيوان يؤذى يطلب من كل أحد قتله في كل وقت وفي كل مكان منعًا لأذاه، وسيأتي جزاء قتل الصيد كما سيأتي بيان الحيوانات الضارة مبسوطا في الصيد والذبائح إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":116},{"text":"<span data-type='title' id=toc-354>ومنها النكاح</span>\n• عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ﵁: وَهِمَ (^٢) ابْنُ عَبَّاسٍ في ذلِكَ لِانْفِرَادِهِ بِهِ عَنْ رُوَاةِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ مِنْهُمْ أَبُو رَافِعٍ وَمَيْمُونَةُ نَفْسُهَا فَقَدْ قَالَتْ ﵂: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفَ (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَلَفْظهُ: تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ حَلَالٌ وَبَنَى بِهَا حَلَالًا وَمَاتَتْ بِسَرِفَ وَدُفِنَتْ بِالْمَكَانِ الَّذِي دَخَلَ بِهَا فِيهِ (^٤).\n_________\nومنها النكاح\n(^١) برفع الأفعال الثلاثة على معنى النهى، ويجزمها على النهى وهو الأصح. ولا ينكح الأولى كيضرب أي لا يعقد لنفسه، ولا ينكح الثانية بضم أوله وكسر ثالثه أي لا يعقد لغيره بولاية أو وكالة، والنهي للتحريم فلا يصح العقد وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا ومالك والشافعي وأحمد، وقال بعض التابعين وسفيان والحنفية: إن العقد يصح ولكن لا يدخل إلا بعد أن يحل من إحرامه لحديث ابن عباس الآتي. وقوله ولا يخطب من الخطبة بالكسر، أي لا يطلب امرأة للتزوج بها، والنهي للتنزيه فالخطبة مكروهة.\n(^٢) أي أخطأ.\n(^٣) سرف بكسر الراء مكان دون وادي فاطمة على ستة أميال من مكة، فسعيد يقول إن ابن عباس أخطأ في حديثه فإن الزوجة وهي ميمونة وأبا رافع خادم النبي - ﷺ -، - وكان السفير بينهما - يقولان إن الزواج والدخول وقعا وهما حلالان.\n(^٤) هذا من محاسن الصدف وهو دفنها بالمكان الذي كانت فيه عروسًا للنبي - ﷺ - فهو موضع مبارك، فالمحرمات السابقة في هذا الباب تحرم على كل محرم بنسك ومثلها الحلق أو التقصير، فالبعد عن هذه أحد واجبات الحج عند الشافعية وبقيتها الإحرام من الميقات والحضور بمزدلفة ولو لحظة في نصف الليل الثاني ورمي الجمار والمبيت بمنى ليالى التشريق. وعند الحنفية: واجبات الحج السعي بين الصفا والمروة والحضور بمزدلفة ولو ساعة قبل الفجر ورمي الجمار والحلق أو التقصير وطواف الصدر، بل كل ما في تركهـ دم فهو واجب عند أبي حنيفة والشافعي، والواجبات عند المالكية النزول بمزدلفة ولو بقدر حط الرحال وتقديم جمرة العقبة على الحلق وطواف الإفاضة، والحلق والمبيت بمنى ليالي التشريق ورمي الجمار في أيامه والفدية والهدى للفساد وللقران أو التمتع والواجبات عند الحنابلة في الإحرام من الميقات والوقوف بعرفة إلى الغروب والحضور بمزدلفة ولو لحظة في النصف الثاني والمبيت =","vol":"2","page":117},{"text":"<span data-type='title' id=toc-355>للمحرم الغسل والحجامة والكحل</span>\n• عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيِّ ﷺ يَغْتَسِلُ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَحَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ وَقَالَ: هكَذَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَفْعَلُ (^١). رَوَاهُ الثَّلَاثَة.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِلَحْي جَمَلٍ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ (^٢). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: مِنْ دَاءٍ كَانَ بِهِ.\n\n• عَنْ عُثْمَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرَّجُلِ إِذَا اشْتَكَى عَيْنَيْهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ ضَمَّدَهُمَا بِالصَّبِرِ (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-356>الإهلال من الميقات </span>(^٤)\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ (^٥). رَوَاهُ\n_________\n= بمنى ليالى التشريق إلا السقاة والرعاة فلا يجب عليهم المبيت ولا النزول بمزدلفة، والحلق أو التقصير ورمي الجمار وطواف الوداع، وهذه واجبات مستقلة فلا ينافي أن هناك واجبات تابعة لبعض المناسك كالطواف وستأتي كلها وافية إن شاء الله.\n\nللحرم الغسل والحجامة والكحل\n(^١) سببه أن ابن عباس والمسور اختلفا هل يغسل المحرم رأسه أو لا فأرسلا رسولا إلى أبي أيوب فذكر الحديث، وأكده بأنه كان يدلك رأسه من أمام إلى خلف وعكسه.\n(^٢) اللحى بفتح فسكون موضع بطريق مكة؛ ووسط بفتحتين فيما كان متصل الأجزاء كالدار والرأس، أما ما كان متفرق الأجزاء كالناس والدواب فبالسكون.\n(^٣) ضمدها بالتشديد وعدمه، والصبر - ككتف - دواء مر معروف، فللمحرم مداوة عينيه بأي دواء غير معطر، وله أن يحتجم عند الحاجة، وله أن يغتسل ولو للتنظف أو التبرد، ولكن يدلك رأسه خفيفا لئلا يتساقط من شعره شيء، والله أعلم.\n\nالإهلال من الميقات\n(^٤) الإهلال في الأصل رفع الصوت بالتلبية، ثم أطلق على الإحرام بالحج أو بالعمرة أو بهما أي نية الدخول في ذلك، فهو الركن الأول للحج أو العمرة وبقيتها للحج، الوقوف بعرفة والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، وهذه أركان الحج عند مالك وأحمد والشافعي وزاد عليها الحلق أو التقصير وترتيب المعظم بتقديم الوقوف على طواف الإفاضة وتقديم الطواف على السعي، وعند الحنفية للحج ركنان فقط وهما الوقوف بعرفة ومعظم طواف الإفاضة وهو أربعة أشواط والثلاثة الباقية واجبة فقط، وستأتي هذه الأركان وافية إن شاء الله.\n(^٥) تجرد أي من ملابسه العادية.","vol":"2","page":118},{"text":"التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطوفَ بِالْبَيْتِ (^١). وَفِي رَوَايَةٍ: كَأَنِّي أَنظرُ إِلَى وَبِيصِ الْمِسْكِ فِي مَفْرِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ (^٢).\nوَقَالَ أَنَسٌ ﵁: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ (^٣) ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهْلَّ (^٤). رَوَاهُمَا الْخَمْسَة.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ بَعْدَمَا تَرَجَّلَ (^٥) وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأَرْدِيَةِ وَالأُزُرِ تُلْبَسُ إِلا الْمُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ (^٦) فَأَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ (^٧) وَقَلَّدَ بُدْنَهُ (^٨)، وذلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ فَقَدِمَ مَكَّةَ لأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلَمْ يَحِلَّ لأَنَّهُ سَاق الْهَدْيَ ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الْحَجُونِ وَهُوَ مُهِلٌّ بِالْحَجِّ (^٩) وَلَمْ يَقْرَبِ الْكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطُوفوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ يُقَصِّرُوا ثُمَّ يَحِلُّوا، وَذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا، وَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَهِيَ لَهُ حَلَالٌ وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ (^١٠). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ\n_________\n(^١) أي وبعد حله الأول بعد رمي جمرة العقبة وقبل طواف الإفاضة، وهذا يحل به كل شيء إلا النساء.\n(^٢) الوبيص - كالبريق - وزنًا ومعنى. والمفرق - كمسجد محل فرق شعر الرأس فيندب تنظيف الجسم والغسل والطيب قبل الإحرام ولا يضر بقاء أثره من لون وريح بعده وعليه جمهور العلماء.\n(^٣) مقصورة للسفر.\n(^٤) أي رفع صوته بالتلبية.\n(^٥) أي سرح شعر رأسه.\n(^٦) أي نهى عن المصبوغة بالزعفران التي تنضح على الجلد فقد تجردوا من ملابسهم ولبسوا الأردية والأزر من المدينة.\n(^٧) البيداء - كالبيضاء - جبل هناك.\n(^٨) سيأتي التقليد.\n(^٩) الحجون بالفتح: جبل شرقى مكة عند مقبرتها على ميل ونصف من البيت الحرام.\n(^١٠) فخرجوا من المدينة=","vol":"2","page":119},{"text":"بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (^١) فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَأَنَا شَاكِيَةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي وَقولِي اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي». وَكَانَتْ تَحْتَ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ (^٢). رَوَاهُ الْخَمْسَة.\n\n<span data-type='title' id=toc-357>التلبية </span>(^٣)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ فَقَالَ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ (^٤)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَزَادَ غَيْرُ الْبُخَارِيِّ: وَكَانَ\n_________\n= في اليوم الخامس والعشرين وباتوا بميقاتهم وهو ذو الحليفة، وقاموا في الصباح، وأهلوا بالنسك، ودخلوا مكة في رابع ذي الحجة، ونزلوا بالحجون وطافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة، ثم أمرهم النبي - ﷺ - أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة إلا من كان معه هدى فلا يحل من إحرامه حتى يبلغ الهدى محله.\n(^١) أحد أعمام النبي - ﷺ -، وقولها شاكية أي أشعر بالمرض وأخاف مهاجمته في الطريق، وفي رواية أنها أتت النبي - ﷺ - فقالت يا رسول الله إنى امرأة ثقيلة وإني أريد الحج معك، فقال اخرجي واشترطى التحلل إذا طرأ المرض، وفائدة هذا الشرط أن تصير حلالا إذا مرضت بدون دم الإحصار وعلى هذا الشافعي وأحمد، وقال مالك وأبو حنيفة إن هذا خاص بها فقط.\n(^٢) أي زوجة له.\n\nالتلبية\n(^٣) أي بيان ألفاظها وفضلها وأن وقتها من الأول إلى رمي جمرة العقبة في الحج وإلى استلام الحجر الأسود في العمرة، والتلبية سنة عند الشافعي وأحمد، فلو نوى النسك ولم يلب صح نسكه ولا شيء عليه، وقال المالكية لا ينعقد النسك إلا بنية مقرونة بقول كالتلبية، أو بفعل متعلق به كالتوجه إلى الطريق، وقال الحنفية لو اقتصر على النية ولم يلب لا ينعقد إحرامه لأن أقوال الحج وأفعاله بيان للواجب المجمل في قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ولحديث: خذوا عني مناسككم. فالتلبية عندهم جزء من الركن الأول وهو النية، ونقل عن الثوري وابن حبيب أنها فرض لحديث سعيد بن منصور: التلبية فرض الحج.\n(^٤) لفظ لبيك مثنى ولكن المراد منه التكثير والمبالغة في الإجابة، فإن معناه أجيبك إجابة بعد إجابة وأنا على طاعتك إلبابا بعد إلباب من غير نهاية كأنه من ألب بالمكان إذا أقام به، وكرر مبالغة في الإجابة للدعوة على لسان إبراهيم ﵇، ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾.","vol":"2","page":120},{"text":"ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: كَانَ عُمَرُ يُهِلُّ بِإِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَيَزِيدُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ (^١).\n\n• عَنِ السَّائِبِ الأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَتَانِي جِبْريِلُ ﵇ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي وَمَنْ مَعِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالإِهْلَالِ أَوْ بِالتَّلْبِيَةِ (^٢)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّ النبِيَّ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْعَجُّ وَالثَّجُّ (^٣)».\n\n• عَنْ سَهْلٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ ههُنَا وَههُنَا (^٤)». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنًى. وَأَخْبَرَنِي الْفَضْلُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (^٦). رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُلبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ (^٧)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n_________\n(^١) سعديك مثنى في اللفظ فقط، والمراد التكثير كما سبق في لبيك، ومعناه أسعدك بالإجابة إسعادًا بعد إسعاد، أو مساعدة على طاعتك بعد مساعدة.\n(^٢) فرفع الصوت بالتلبية مستحب عند الجمهور، ولكن لا يشوش على غيره، والمرأة تسمع نفسها فقط.\n(^٣) أي أعماله أكثر ثوابًا بعد الأركان والواجبات، قال: العج بالعين من العجيج وهو رفع الصوت بالتلبية لأنه شعار الحجاج، والثج بالثاء نحر الهدى النفع أهل الحرم.\n(^٤) المدر بالتحريك قطع الطين اليابس فما من مسلم يلبي إلا أجابه كل شيء بلسان الحال أو المقال، قال تعالى ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ويكون أجره كأجر من يجيبه» الدال على الخير كفاعله».\n(^٥) الثاني لا طعن فيه والأول غريب ولكنه للترغيب.\n(^٦) الفضل هو ابن العباس ركب وراء النبي - ﷺ -؛ من جمع - كشرط - أي من مزدلفة إلى منى، وقال لأخيه ابن العباس: إن النبي - ﷺ - لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، فالحاج يلبي إلى أن يريد رمي العقبة ولا تلبية بعدها وعلى هذا الجمهور.\n(^٧) وأما المعتمر فإنه يشتغل بالتلبية حتى يريد استلام الحجر الأسود للطواف وتنتهي التلبية وعلى هذا الجمهور والشافعي وأحمد والثوري، وقال بعضهم: نهايتها وصوله إلى بيوت مكة المكرمة. والله أعلم.","vol":"2","page":121},{"text":"<span data-type='title' id=toc-358>الباب الرابع: في أنواع النسك وأعماله </span>(^١)\n<span data-type='title' id=toc-359>النوع الأول: الإفراد </span>(^٢)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ. وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: أَهْلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ (^٣) وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ (^٤) فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يَحِلِّ حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِجَابِرٍ: أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا.\n_________\n(الباب الرابع في أنواع النسك وأعماله)\nالنوع الأول الإفراد\n(^١) أعمال النسك هي الآتية من الطواف والسعى والوقوف بعرفة ومزدلفة، ورمي الجمار والحلق ونحوها أي تفصيل أعماله وأقواله، وتقدم عدد واجبات الحج وأركانه إجمالا، وسيأتى الكلام على العمرة في الباب الخامس، وأما أنواع النسك فثلاثة: وهى الإفراد والتمتع والقران الآتية؛ وأجمع العلماء على جوازها ولكنهم اختلفوا في الأفضل منها، فقال مالك والشافعى وجماعة: أفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القران، وقال أحمد وآخرون: أفضلها التمتع. وقال أبو حنيفة وجماعة: أفضلها القران. والصحيح تفضيل الإفراد ثم التمتع لانفراد كل منهما بأعماله ولأن النبي - ﷺ - أفرد أولا وقرن ثانيًا لوجود الهدى معه وللإعلام بجوازه، ولأن الخلفاء الراشدين كانوا يفردون ويرون أنه أفضل.\n(^٢) وهو عمل الحج أولا ثم عمل العمرة بعده في أشهر الحج.\n(^٣) بعد تخييرهم كما يأتى في الانتقال من العمرة في أيام الحج، فلما أبيحت لهم في أيامه أخبر بها أصحابه وخيرهم إلا من ساق هديا، وأدخلها - ﷺ - على الحج فصار قارنًا، لأحاديث القران الآتية ولأنه - ﷺ - لم يرافق عائشة في عمرتها بعد الحج، بل أرسل أخاها معها ولم يعمل عمرة وحده ويبعد أنه يرجع بحج فقط ويرجع غيره بحج وعمرة، فتعين أنه كان قارنًا في حجة الوداع، وسميت بذلك لأنه - ﷺ - ودع الناس فيها ولم يحج بعدها.\n(^٤) اختلفت روايات الأصحاب في حجه - ﷺ - حجة الوداع، فعائشة وابن عمر وجابر وابن عباس رووا الإفراد، وأنس وعمر وغيرهما رووا القران، وروى آخرون التمتع، فمن روى الإفراد أخبر عما رآه أولا، ومن روى القران أخبر عما شاهده آخرا، ومن روى التمتع أراد أنه أمر أصحابه به، ولا منافاة فكل أخبر بما رآه وهو حق، وبهذا انتظمت الروايات الواردة في ذلك.","vol":"2","page":122},{"text":"<span data-type='title' id=toc-360>النوع الثاني: التمتع </span>(^١)\nعَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَقَالَ: أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً (^٢) إِلا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ (^٣)» وَقَالَ: «مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (^٤)». ثمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ (^٥) أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ (^٦)، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ الْمَنَاسِكِ جِئْنَا فَطفْنَا بِالْبَيْتِ وَبالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الْهَدَيُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ (^٧) فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلى أَمْصَارِكمْ، الشَّاةُ تَجْزِي (^٨) فَجَمَعُوا نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ بَيْن الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَسنَّهُ نَبِيُّهُ وَأَبَاحَهُ لِغَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (^٩). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ ﵁ قَالَ:\n_________\nالنوع الثاني - التمتع\n(^١) وهو عمل العمرة قبل الحج في أشهره.\n(^٢) أي اصرفوا عملكم إلى عمرة مخالفة لعمل الجاهلية الذين كانوا يرون أن العمرة في أيام الحج من أفجر الفجور. ورحمة بالأصحاب من طول الإحرام، ففيه جواز قلب الحج إلى العمرة وعليه أبو حنيفة والشافعى، وقال غيرها: لا يجوز وهذا خاص بهم.\n(^٣) بعد أن قصرنا شعورنا.\n(^٤) أي لا يحل له شيء من محظور الإحرام حتى يبلغ الهدى محله بنحره في منى.\n(^٥) في اليوم الثامن من ذى الحجة.\n(^٦) أي ننويه ونحن في مكة.\n(^٧) أي تمتع بعمل العمرة وبمحظورات الإحرام بعدها إلى الحج.\n(^٨) عن واحد يذبحها بعد الإحرام بالحج في مكة أو يوم النحر بعد رمى جمرة العقبة.\n(^٩) حاضر والمسجد الحرام أهل مكة وأهل ذى طوى ومن كان دون مسافة القصر من مكة وهذا قول المالكية، وقال الحنفية: هم أهل المواقيت ومن دونهم. وقال الشافعية: هم أهل الحرم كله ومن اتصل به إلى مسافة القصر، فهؤلاء لا دم عليهم إذا تمتعوا أو قرنوا.","vol":"2","page":123},{"text":"تَمَتَّعْتُ فَنَهَانِي نَاسٌ عَنْ ذلِكَ (^١) فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَأَمَرَنِي بِهَا ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى الْبَيْتِ فَنِمْتُ فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي فَقَالَ: عُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ وَحَجٌّ مَبْرُورٌ قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرْتهُ بِمَا رَأَيْتُ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ سُنَّة أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ وَزَادَ: فَقَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَقِمْ عِنْدِي فَأَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي فَقُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: لِلرُّؤْيَا الَّتِي رَأَيْتَ (^٢).\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: أُنْزِلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُحَرِّمُهَا قُرْآنٌ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ (^٣). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَلكِنَّ الْبُخَارِيَّ فِي التَّفْسِيرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-361>النوع الثالث: القِرَآن </span>(^٤)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ (^٥) عَلَى الْبَيْدَاءِ حَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ (^٦) ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجَ وَعُمْرَةٍ وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا (^٧) فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَ النَّاسَ فَحَلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ قَالَ: وَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَامًا وَذَبَحَ بِالْمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ (^٨). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا يَقُولُ: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» (^٩). رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n_________\n(^١) هذا في زمن عبد الله بن الزبير وكان ينهى عن المتعة واشتهر النهى أيضًا عن عمر وعثمان ومعاوية.\n(^٢) ومعلوم أن الرؤيا الصالحة جزء من النبوة، فهى تؤيد فتوى ابن عباس وأنه على حق فيها.\n(^٣) فهذه النصوص صريحة في مشروعية التمتع بل فضّله جماعة كما تقدم.\n\nالنوع الثالث - القران\n(^٤) القران هو الإحرام بالحج والعمرة معًا في أشهر الحج، وسيأتى أن عملهما واحد.\n(^٥) أي راحلته.\n(^٦) بالتلبية السابقة وغيرها.\n(^٧) هذا ليس في الأول كما سبق في أول الباب.\n(^٨) بعد رجوعه من الحج وليمة لقدومه - ﷺ -.\n(^٩) أي نويت حجة وعمرة.","vol":"2","page":124},{"text":"• عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِوَادِي الْعَقِيقِ (^١) يَقُولُ: «أَتَانِي اللَّيْلَة آتٍ مِنْ رَبِّي (^٢) فَقَالَ: صَلِّ فِي هذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ» (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمُرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ مُطَرِّفٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا عَسى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ حَجَ وَعُمْرَةٍ ثُمَّ لَمْ يَنْهُ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ (^٤) وَلَمْ يَنْزِلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ وَقَدْ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ حَتَّى اكْتَوَيْتُ فَتُرِكْتُ ثُمَّ تَرَكْتُ الْكَيَّ فَعَادَ (^٥). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي التَّمَتُّعِ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا (^٦). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-362>إدخال الحج على العمرة</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ (^٧): «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَن يُهِلَّ بِحَجَ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ\n_________\n(^١) وادى العقيق بينه وبين المدينة أربعة أميال.\n(^٢) هو جبريل ﵇.\n(^٣) أي قل لأصحابك يهلوا بهما إذا شاءوا فإنه جائز وكذا أنت يا محمد.\n(^٤) عنه أي عن الجمع.\n(^٥) عمران بن حصين هذا كان مريضًا بالبواسير وكان صابرًا وراضيًا؛ قال: كانت الملائكة تسلم عليّ في خلوتى حتى تداويت بالكيِّ فلم يسلموا عليّ فتركت الكيِّ وسلمت أمرى إلى الله تعالى، فعادت الملائكة تسلم عليّ أي تكريمًا له وتبركا به ﵁.\n(^٦) أي وسمى سعيًا واحدًا كما يأتى، وهذا إخبار بآخر النسك، فلا ينافى قوله السابق في الإفراد، فهذه النصوص صريحة في مشروعية القران بل أصرح مما في الإفراد والتمتع. والله أعلم.\n\nإدخال الحج على العمرة\n(^٧) في أثناء الطريق بسرف أو بغيره، فلا ينافى قولها في بعض الروايات: لا نرى إلا أنه الحج. فإنهم نووه أولا ثم خيروا فنوت عائشة عمرة فلما تعذرت عليها بسبب الحيض أمرها النبي - ﷺ - بفسخها إلى الحج.","vol":"2","page":125},{"text":"فَلْيُهِلَّ»، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ (^١)، وَأَهَلَّ نَاسٌ مَعَهُ وَأَهَلَّ نَاسٌ بِهِمَا وَأَهَلَّ نَاسٌ بِعُمْرَةٍ، وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (^٢): «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا»، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ وَلَمْ أَطفْ بِالْبَيْتِ (^٣) وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَشَكَوْتُ ذلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ». فَفَعَلْتُ (^٤) فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ ﷺ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي بَكْر إِلَى التَّنْعِيمِ (^٥) فَاعْتَمَرْتُ فَقَالَ: هذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ.\nرَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-363>المبيت بذي طوى ودخول مكة نهارًا</span>\n• عَنْ نَافِعٍ ﵁ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْدَمَ مَكَّةَ إِلا بَاتَ بِذِي طِوًى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهَارًا (^٦). وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِذَا نَفَرَ مِنْ مَكَّةَ (^٧) مَرَّ بِذِي طِوًى وَبَاتَ بِهَا حَتَّى يُصْبِحَ. وَيَذكرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ. زَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَمُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ أَسْفَلَ مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ هُنَاكَ (^٨). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n_________\n(^١) أولا ثم قرن بعد ذلك بوادى العقيق.\n(^٢) حينما دخلوا مكة.\n(^٣) بسبب الحيض فإن شرط الطواف الطهارة كما يأتى.\n(^٤) فتركت العمرة أي عملها وتنظفت وأهلت بالحج. ففيه جواز إدخال الحج على العمرة ولا شيء فيه، وعليه الجمهور، وقوله: ودعى العمرة. وقولها: فلما قضينا الحج صريح في عدم القران وأنها حجت ثم اعتمرت. وعليه الحنفية والله أعلم.\n(^٥) أقرب أرض الحل على فرسخ من مكة مشهور بمساجد عائشة، فنوت العمرة وهى فيه ثم عادت إلى الحرم فطافت وسعت وقصرت شعرها. وبهذا انتهت عمرتها، وفى رواية: لما كانت ليلة الحصبة قلت يا رسول الله يرجع الناس بحج وعمرة وأرجع أنا بحجة فقط، فأرسلها مع أخيها إلى التنعيم العمل العمرة والله أعلم.\n\nالمبيت بذي طوى ودخول مكة نهارا\n(^٦) طوى بتثليث أوله والتنوين وعدمه: بئر في مكان داخل الحرم قرب مكّة وفيه بلد صغير ومسجد، فينبغى المبيت بها والغسل بنية دخول مكة المكرمة، فهو مستحب عند الشافعي وجماعة ثم يدخل مكة نهارًا.\n(^٧) أي خرج منها.\n(^٨) أي المكان الذي كان يصلى فيه على أكمة بفتحات قطعة مرتفعة هناك.","vol":"2","page":126},{"text":"• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مِنْ كَدَاءٍ (^١) مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ وَخَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى (^٢). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-364>الطواف بالبيت </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ (^٤) وَالْعَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ (^٥). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا طَاف فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَوَّلَ (^٦) مَا يَقْدَمُ فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ (^٧) ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعَةً ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ (^٨) ثمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَلَفْظ التِّرْمِذِيِّ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ (^٩) ثُمَّ مَضى عَنْ يَمِينِهِ (^١٠) فَرَمَلَ ثَلَاثًا\n_________\n(^١) كداء كسماء وبالصرف وعدمه.\n(^٢) الثنية: هي العقبة في الطريق، ومكة بين ثنيتين: عليا، وهى التى في طريق المقابر الآتى من منى شرقى مكة، وسفلى وهى التى غربى مكة نحو جدة. فكان النبي - ﷺ - يدخل مكة من علياها ويخرج من سفلاها تفاؤلا بعلو دينه على الأديان كلها. والله أعلم.\n\nالطواف بالبيت\n(^٣) أي بالكعبة المشرفة أي بيان ما ورد في الطواف من البدء بالحجر الأسود وجعل البيت عن يساره، وأن تكون أشواطه سبعة واستلام الحجر وتقبيله واستلام الركنين والحطيم وما يقال فيه وركعتي الطواف، وأنواع الطواف ثلاثة: طواف الإفاضة وطواف الوداع وسيأتيان، وطواف القدوم وهو المذكور هنا في الحديث الأول والثانى، وطواف القدوم سنة لكل من دخل مكة تحية للبيت كتحية المسجد لداخله، وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا والأئمة الثلاثة، وقال المالكية وبعض الشافعية: إنه واجب أي وفى تركه دم.\n(^٤) فيه أن الطواف شرع قديم.\n(^٥) فطواف القدوم سنة.\n(^٦) بنصبه على الظرفية.\n(^٧) السعى والرمل والخبب بالتحريك فيهما الآتيان معناها: العدو وهو سرعة المشى.\n(^٨) ركعتين سنة الطواف.\n(^٩) وضع كفيه عليه.\n(^١٠) أي وجعل البيت عن يساره وطاف.","vol":"2","page":127},{"text":"وَمَشى أَرْبَعًا ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ (^١) فَقَالَ: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَالْمَقَامُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ ثُمَّ أَتَى الْحَجَرَ فَاستَلَمَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا أَظُنُّهُ قَالَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾. وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا طَافَ طَوَافَهُ الأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا وَمَشى أَرْبَعًا (^٢).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ (^٣) فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَفْدٌ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ (^٤) فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ (^٥) وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأَمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ (^٦). وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: هؤُلَاءِ الَّذِيِنَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى وَهَنَتْهُمْ، إِنَّهُمْ أَجْلَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا (^٧). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنِّي مَرِيضَةٌ فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ». فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ وَهُوَ يَقْرَأُ ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مُّسْطُورٍ﴾ (^٨). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِي.\n_________\n(^١) المكان الذي كان يقوم فيه إبراهيم ﵇ حينما بنى الكعبة.\n(^٢) فالخبب في الطواف الأول سنة عند الجمهور، وقال ابن عباس: ليس بسنة، فمن شاء سعى ومن شاء ترك.\n(^٣) أي مكة وهم محرمون بعمرة قبل الفتح.\n(^٤) أضعفهم حمى المدينة.\n(^٥) أي اليمانيين فلا رمل بينهما في الأشواط الثلاثة.\n(^٦) إلا الرحمة بهم.\n(^٧) أي أقوى الناس، فحكمة الرمل في الطواف والسعى رد ما فهمه المشركون وإغاظتهم، وللترمذى والبخارى: إنما سعى رسول الله - ﷺ - في الطواف والسعي ليرى المشركين قوته.\n(^٨) فللمريض والضعيف أن يحضر المناسك كلها ولو راكبا أو محمولا ويكفيه ذلك ولا شيء عليه، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.","vol":"2","page":128},{"text":"<span data-type='title' id=toc-365>استلام الحجر والركنين والملتزم </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: نَزَلَ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ (^٢).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي الْحَجَرِ: «وَاللَّهِ لَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ يَشْهَدُ عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقَ (^٣)». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُمَا.\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ وَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتكَ (^٤). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ الْبَيْتِ إِلا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ (^٥). وَفِي رِوَايَةٍ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِير (^٦) يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ\n_________\nاستلام الحجر والركنين والملتزم\n(^١) المكان الذي يلتزمه الطائفون من حائط الكعبة بين الحجر والباب، ويسمى الحطيم لأنه يحطم الذنوب، أو كانوا يحطمون فيه بالأيمان، وقلّ من حلف فيه كاذبًا إلا أعجلته العقوبة.\n(^٢) فما من مذنب استلمه أو قبله تائبًا إلا غفرت ذنوبه فلهذا صار أسود.\n(^٣) أي بإخلاص أي يشهد له بالجنة، فالحجر الأسود له مقام خاص ومنزلة سامية من بين الشهود الذين يشهدون للحجاج والمعتمرين يوم القيامة، نسأل الله أن يكون لنا شهيدا.\n(^٤) فعمر بن الخطاب ﵁ لا يفعل ذلك بالحجر فهما منه أنه يضر أو ينفع، كلا فإنه موحد ظاهرًا وباطنا، ولكنه يفعله اقتداء بالنبي - ﷺ - وكذا ينبغى لكل مسلم، والحديث رواه الحاكم وزاد: فقال عليّ ﵁: يا أمير المؤمنين بل إنه يضر وينفع، وذلك في تأويل كتاب الله تعالى في قوله ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا بَلَى﴾ فلما أقروا أنه الرب ﷿ وأنهم العبيد كتب ميثاقهم في رق وألقمه هذا الحجر وإنه يبعث يوم القيامة وله عينان ولسان وشفتان يشهد لمن وافى بالموافاة فهو أمين الله في هذا الكتاب. فقال له عمر: لا أبقاني الله بأرض لست فيها يا أبا الحسن. اهـ ولكن في سنده أبو هرون.\n(^٥) هما الركن الذي فيه الحجر والركن الذي قبله وسميا بهذا لأنهما جهة اليمن كما سمى الآخران بالشامى والعراقى لاتجاههما لها.\n(^٦) لأنه كان مريضًا.","vol":"2","page":129},{"text":"بِمِحْجَنٍ (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ: كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّرَ (^٢).\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ﵄ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: طُفْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ فَمَضى حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَأَقَامَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ فَوَضَعَ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَكَفَّيْهِ هكَذَا وَبَسَطَهُمَا بَسْطًا ثُمَّ قَالَ: هكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n• عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ صَفْوَانَ ﵁ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ قلْتُ: لأَلْبَسَنَّ ثِيَابِي فَلَأَنْظرَنَّ كَيْفَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَانْطَلَقْتُ فَرَأَيْتُهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ الْكَعْبَةِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَاسْتَلَمُوا الْبَيْتَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الْحَطِيمِ (^٤) وَقَدْ وَضَعُوا خُدُودَهُمْ عَلَى الْبَيْتِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسْطَهُمْ (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ\n_________\n(^١) المحجن كمغفر عصا محنية الرأس.\n(^٢) فيسن تقبيل الحجر الأسود واستلامه بالكفين أو بأحدهما إذا لم يمكنه وتقبيلهما وإلا استلمه بعصا في يده، وكذا يندب استلام الركن اليمانى بالكفين أو بأحدهما أو بشيء في يده لحديث الترمذى: كان ابن عمر يزاحم على الركنين زحامًا شديدًا فسئل عن ذلك. فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن مسحهما كفارة للخطايا، وخص هذان الركنان بالعناية لأنهما على أصل بناء الخليل ﵇، وركن الحجر الأسود أفضل الأركان باتفاق ويليه اليمانى، وينبغى للطائف الإكثار من ذكر الله تعالى كاستغفار وتسبيح وتهليل ودعاء كما يأتى، فيكون عابدًا بجسمه ولسانه، والعبادة هنا مقبولة وسيأتى في فضل الحرمين جواز دخول الكعبة والصلاة فيها إن شاء الله.\n(^٣) فينبغى عمل هذا إلا لزحمة فلا.\n(^٤) إلى الركن الذي فيه الحجر الأسود، فالملتزم من الركن إلى باب الكعبة لهذين الحديثين وبه قال بعضهم، وقال مالك: هو من الباب إلى المقام. وقال بعضهم: إنه من الركن إلى المقام. وحديث عبد الرحمن أقرب إليه فإن النبي - ﷺ - وأصحابه لا يسعهم إلا ذلك، فيستحب التزام أي جزء من الجهة الشرقية، وظاهر أن أفضلها ما بين الباب والركن.\n(^٥) بسكون السين في متفرق الأجزاء، والقوم هنا من هذا القبيل والله أعلم. وللشافعى في مسنده: كان النبي - ﷺ - إذا رأى البيت رفع يديه؛ وقال: اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيما وتكريمًا ومهابة وزد من شرفه وكرمه ممن حجه واعتمره تشريفًا وتعظيا وتكريمًا وبرا. وللحاكم والبيهقى: كان عمر ﵁ إذا نظر إلى البيت؛ قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام فحيِّنا ربنا بالسلام. فيندب لمن رأى الكعبة أن يرفع يديه ويقول ذلك والله أعلم.","vol":"2","page":130},{"text":"فِي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ بِسُورَتَيِ الإِخْلَاصِ ﴿قُلْ يأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-366>شرط الطواف</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَشَكَوْتُ ذلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَلا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي (^١). رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ (^٢) يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ أَلا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ (^٣) وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ (^٤). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ إِلا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلا بِخَيْرٍ» (^٥). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦) وَالْحَاكِمُ.\n_________\nشرط الطواف\n(^١) لما خيرهم النبي - ﷺ - بين أنواع النسك نوت عائشة عمرة، ولما تعذرت عليها بسبب الحيض المانع لها من الطواف - فإن شرطه الطهارة - أمرها بترك العمرة وتنوى حجًا وتعمل كل أعماله وتؤخر الطواف حتى تطهر.\n(^٢) مرتبط ببعثنى.\n(^٣) قال الله تعالى - ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ -.\n(^٤) بل يجب للطواف ستر العورة إبطالا لما ابتدعته قريش من إيجابها على القادم أن يطوف في ثياب قريش، فإن لم يجد طاف عريانا، فإن طاف في ثيابه ألقاها بعد الطواف ولم ينتفع بها، وقالت قائلهم في هذا:\nاليوم يبدو كله أو بعضه … فما بدا منه فلا أحله\n(^٥) فالطواف شرطه كالصلاة من الستر بلباس طاهر والطهارة الكاملة، وقال بعض الكوفيين: إن الطهارة ليست شرطا.\n(^٦) بسند حسن.","vol":"2","page":131},{"text":"<span data-type='title' id=toc-367>السعي بين الصفا والمروة </span>(^١)\n\n• عَنْ عَاصِمٍ ﵁ قُلْتُ لأَنَسٍ: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ لأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الْجَاهِلِيَّةِ (^٢) حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ (^٣)﴾ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا (^٤). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَقَالَ عُرْوَةُ ﵁ قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: إِنِّي لأَظُنُّ رَجُلًا لَوْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَا ضَرَّهُ قَالتْ: لِمَ؟ قُلْتُ: لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فَقَالَتْ: مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلَا عُمْرَتَهُ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ لَكَانَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، وَهَلْ تَدْرِي فِيمَا كَانَ ذَاكَ (^٥)؟ إِنَّ الأَنْصَارَ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُهِلُّون لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ (^٦) يُقَالُ لَهُمَا إِسَافٌ وَنَائِلَهُ ثُمَّ يَجِيئُونَ فَيَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ يَحْلِقُونَ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ كَرِهُوا الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا كَمَا كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ\n_________\nالسعي بين الصفا والمروة\n(^١) الصفا جمع صفاة كقناة وهو الحجر الأملس، والمروة حجر أبيض براق، والمراد مكانان هناك بجوار المسجد الحرام من الجهة الشرقية.\n(^٢) أهل مكة ومن دان دينهم ومن على شاكلتهم.\n(^٣) جمع شعيرة وهى العلامة أي من أعلام مناسك دينه.\n(^٤) فالآية أفادت نفى الذنب الذي كانوا يفهمونه من السعى بينهما، والوجوب أتى من فعل النبي - ﷺ - المبين للأمر الإجمالي في قوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾.\n(^٥) أي سبب نزولها بهذا الأسلوب.\n(^٦) أي كانوا يأتون لعبادة هذين الصنمين الموضوعين على شط البحر، هذا خطأ والصواب ما يأتى من أنهم كانوا يأتون لعبادة مناة الطاغية وهى بالحرم وليست على شط البحر بل إساف ونائلة أيضًا بالحرم، فإنهما على الصفا والمروة، وإساف ككتاب وكسحاب صنم وضعه عمرو بن لحي على الصفا ونائلة على المروة، وكان يذبح عليهما، أو هما إساف بن عمرو ونائلة بنت سهل زنيا في الكعبة فمسخا حجرين ونصبا ليتعظ الناس بهما، وكان إساف على صورة الرجل ونائلة على صورة المرأة؛ فصارت قريش تعبدهما بعد ذلك حتى فتحت مكة فكسرهما النبي - ﷺ -.","vol":"2","page":132},{"text":"فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ فَطَافُوا. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ لَهُ: بِئْسَمَا قُلْتَ يَا بْنَ أَخِي طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَطَافَ الْمُسْلِمُونَ فَكَانَتْ سُنَّةً (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: إِنَّمَا أُنْزِلَتْ فِي الأَنْصَارِ كَانُوا قَبْلَ الْإِسْلَام يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ (^٢) الَّتِيكَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ الْمُشَلَّلِ فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ لَهَا يَتَحَرَّجُ الطَّوَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (^٣) فَلَمَّا أَسْلَمُوا سَأَلُوا النَّبِيِّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَنَزَلتِ الآيَةُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَأَسْمَعُ هذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا فِي الَّذِينَ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَتَحَرَّجُونَ الطَّوَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (^٤) وَالَّذِينَ كَانُوا يَطُوفُونَ بِهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ تَحَرَّجُوا ذلِكَ فِي الإِسْلَامِ (^٥).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا وَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَكَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (^٦). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\nوَقَالَ جَابِرٌ ﵁ قَدِمَ النبِيُّ ﷺ مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَقَالَ: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ ثُمَّ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ قَالَ: «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَبَدَأَ بِالصَّفَا وَقَرَأَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ (^٧)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n_________\n(^١) فكانت أعمالهم هذه طريقة لازمة للمسلمين.\n(^٢) مناة كحصاة اسم صنم عند المشلل بلفظ المفعول مع التشديد ثنية مشرفة على قديد، والذى نصب المناة عليها عمرو بن لحي.\n(^٣) أي يخاف الحرج والإثم بالطواف بينهما لكراهتهم أصنام أهل مكة التى منها إساف ونائلة وأما الأنصار فكان صنمهم مناة.\n(^٤) وهم الأنصار.\n(^٥) وهم قريش.\n(^٦) بطن المسيل المكان الذي يجتمع فيه السيل بين الميلين المغروزين بجدار المسجد الحرام، فالسعى فيه مستحب للقادر عليه؛ لأن ابن عمر كان يمشى بين الصفا والمروة، فقيل له تمشى والناس يسعون؛ فقال: لقد رأيت رسول الله - ﷺ - يسعى مرة ويمشى أخرى وأنا الآن شيخ كبير.\n(^٧) فيجب في السعى أن يكون سبع مرات وأن =","vol":"2","page":133},{"text":"<span data-type='title' id=toc-368>الذكر والدعاء في الطواف والسعي</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ (^١) الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بَيْنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْحَجَرِ: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (^٣)». رَوَاهُ أَحمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\nوَلِلشَّافِعِيِّ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ إِذَا اسْتَلَمْنَا الْبَيْتُ؟ قَالَ: «قُولُوا بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ» إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا (^٤) لِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ.\nوَلِلْبَزَّارِ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّكِّ وَالشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ وَالشِّقَاقِ وَسُوءِ الأَخْلَاقِ (^٥)».\nوَلِابْنِ مَاجَهْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وُكِّلَ بالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ سَبْعُونَ مَلَكًا، فَمَنْ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»، قَالُوا آمِينَ.\n_________\n=يبدأ بالصفا ويختم بالمروة ويعود منها إلى الصفا وهكذا، كما يجب في الطواف بالكعبة أن يبدأ بالحجر ويمشى على يمينه حتى يعود للحجر سبع مرات، وكل دورة تحسب مرة، كما أنه في السعى يحسب كل شوط مرة، وقد روى الإمام أحمد أن الخليل ﵇ سعى بين الصفا والمروة، وكذا روى البخارى ما يأتى في تفسير البقرة من أن أم إسماعيل ﵉ لما نفد الماء وعطشت تركت إسماعيل عند البيت تحت الشجرة وصعدت إلى الصفا تستغيث بمن يأتيها بالماء، ثم سعت منه إلى المروة، ثم عادت إلى الصفا تستغيث سبع مرات حتى أغاثها جبريل ينبع الماء بجوار إسماعيل ﵈، وعلى هذا يكون السعى قديمًا كالطواف والله أعلم.\n\nالذكر والدعاء في الطواف والسعي\n(^١) أي شرع.\n(^٢) أي للإكثار منه، وسيأتى ذكر الطواف في حديث ابن السائب وما بعده، وأما الذكر في السعي بين الصفا والمروة فسيأتى في صفة حجة النبي - ﷺ -، وكذا الذكر عند الرمي سيأتي إن شاء الله.\n(^٣) الحسنة في الدنيا هي الإيمان ومعرفة الله تعالى، والحسنة في الآخرة هي الجنة، نسأل الله إياها.\n(^٤) مفعول له.\n(^٥) الشك هو التردد في الإيمان بالله أو بنبيه أو بشيء مما جاء به، آمنا بالله ومحمد مه وبكل ما جاء به.","vol":"2","page":134},{"text":"وَلِابْنِ مَاجَهْ أَيْضًا: مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَلَا يتَكَلَّمُ إِلا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، مُحِيَتْ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ وَكُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ بِهَا عَشْرُ دَرَجَاتٍ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-369>يكفي للقارن طواف واحد وسعي واحد</span>\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَصْنَعُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً (^٢) ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْبَيْدَاءِ قَالَ: مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلا وَاحِدٌ. أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي، وَأَهْدَى هَدْيًا اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ (^٣) وَلَمْ يَنْحَرْ وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ (^٤) وَلَمْ يَحْلِقْ وَلَمْ يُقَصِّرْ حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَنَحَرَ وَحَلَقَ وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ (^٥) وَقَالَ: هكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَقَالَ جَابِرٌ ﵁: لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلا طَوَافًا وَاحِدًا طَوَافَهُ الأَوَّلَ (^٦). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلُّوا (^٧) ثمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى (^٨) وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا (^٩). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) هذه السيئات والحسنات والدرجات عظيمة في الكيف كعظم البيت الحرام.\n\nيكفي للقارن طواف واحد وسعى واحد\n(^٢) أي نويتها.\n(^٣) وفى رواية من قديد بالتصغير اسم واد هناك؛ والهدى واجب على القارن كالمتمتع.\n(^٤) أي حرم عليه فعله.\n(^٥) هذا صريح في عدم طوافه وسعيه ثانيًا اكتفاء بطوافه وسعيه الأولين.\n(^٦) المراد بأصحابه الذين كان معهم الهدى وقرنوا، فإنهم لم يعودوا للسعى ثانيًا بخلاف الطواف فإنهم رجعوا له يوم النحر.\n(^٧) بعد أن قصروا.\n(^٨) وهو طواف الحج ثم سعوا بعده بين الصفا والمروة للحج أيضًا.\n(^٩) لأن أفعال العمرة تندرج في أفعال الحج.","vol":"2","page":135},{"text":"وَعَنْهَا ﵂ قَالَ لَهَا: «طَوافُكِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَكْفِيكِ لِحَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-370>الحائض والنفساء تعملان المناسك كلها إلا الطواف بالبيت</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٢) لَا نَذْكُرُ إِلا الْحَجَّ حَتَّى جِئْنَا سَرِفَ فَطَمِثْتُ (^٣) فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ»؟ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ خَرَجْتُ الْعَامَ قَالَ: «لَعَلكِ نَفِسْتِ» (^٤)؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: «هذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ (^٥) افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَلا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» قَالَتْ: فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ: «اجْعَلُوهَا عُمْرَةً فَأَحَلَّ النَّاسُ (^٦) إِلا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ» قَالَتْ: فكَانَ الْهَدْيُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَذَوِي الْيَسَارَةِ (^٧) ثُمَّ أَهَلُّوا حِينَ رَاحُوا (^٨) قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ طَهَرْتُ فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَفَضْتُ (^٩) قَالَتْ: فَأُتِينَا بِلَحْمِ بَقَرٍ (^١٠) فَقُلْتُ: مَا هذَا؟ قَالُوا: أَهْدَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَرْجِعُ\n_________\n(^١) أي لو كنت قرنت بينهما. وللترمذى وصححه. من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعى واحد عنهما حتى يحل منهما جميعًا، فصريح ما تقدم أن القارن يكفيه طواف واحد وسعى واحد للحج والعمرة، وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا والأئمة الثلاثة، وقال الحنفية: لابد لهما من طوافين وسعيين؛ لأنهما عبادتان لا تتحققان إلا بأفعالهما كل على حدة، ويؤيدهم الحديث الآتى في صفة حج النبي - ﷺ -، وهذا أشد ولكنه أحوط، وما قاله الجمهور أخف وأسهل، والله أعلم.\n\nالحائض والنفساء تعملان المناسك كلها إلا الطواف بالبيت\n(^٢) في حجة الوداع.\n(^٣) كفرحت أي حضت.\n(^٤) بالفتح والضم أي حضت ويسمى نفاسا.\n(^٥) أي قدره وأراده لهن فلابد منه ولا لوم عليك فيه.\n(^٦) بعد عمل العمرة.\n(^٧) أي أصحاب اليسار والغنى، ومنهم طلحة بن عبيد الله.\n(^٨) أي إن الذين عملوا عمرة نووا الحج وخرجوا عشية يوم التروية إلى عرفات.\n(^٩) أي طفت طواف الإفاضة.\n(^١٠) أي ونحن بمنى.","vol":"2","page":136},{"text":"النَّاسُ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَأَرْجِعُ بِحَجَّةٍ؟ قَالَتْ: فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَأَرْدَفَنِي عَلَى جَمَلِهِ حَتَّى جِئْنَا إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ جَزَاءً بِعُمْرَةِ النَّاسِ الَّتِي اعْتَمَرُوهَا (^١) (وَالتَّنْعِيمُ أَقْرَبُ بُقْعَةٍ مِنْ أَرْضِ الْحِلِّ إِلَى الْحَرَمِ). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-371>السير إلى عرفة وكلها موقف </span>(^٢)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ وَهُوَ يَسِيرُ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هذَا الْيَوْمِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَقَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّا الْمُهِلُّ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ وَيُكَبِّرُ مِنَّا الْمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ (^٣). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَحَرْتُ ههُنَا وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ (^٤) فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ (^٥) (^٦) وَوَقَفْتُ ههُنَا وَعَرَفَةُ كلُّهَا مَوْفِفٌ وَوَقَفْتُ ههُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ (^٧)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n_________\n(^١) الحصبة. مكان واسع سهل يبيتون فيه بعد منى، وقبل مقبرة مكة، وقوله: جزاء بعمرة الناس التى اعتمروها، أي عوضًا عن عمرتهم لتكون مثلهم، فعائشة لحيضها حجت أولا ثم اعتمرت بعد حجها. ولأبى داود والترمذى: الحائض والنفساء إذا أتتا على الوقت أي إذا مرتا على الميقات تغتسلان وتحرمان وتقضيان المناسك كلها غير الطواف بالبيت حتى تطهرا، فثبت بهذا أنه لا يشترط أي طهارة للمناسك كلها إلا للطواف بالبيت فإنه كالصلاة، والسعي كبقية المناسك عند الجمهور، وروى عن الحسن وبعض الحنابلة: أنه يشترط له الطهارة لرواية الطبراني وابن أبي شيبة: الحائض تقضى المناسك كلها إلا الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة. وهذا كله لا ينافى أن الأكل الطهارة في كل شيء والله أعلم.\n\nالسير إلى عرفة وكلها موقف\n(^٢) ومزدلفة كلها موقف كما يأتى.\n(^٣) فالسائر إلى عرفة يشتغل بالتهليل والتكبير والتسبيح ونحوها ولكن التلبية شعار الحاج إلى الجمرة الأولى.\n(^٤) هاهنا أي عند جمرة العقبة.\n(^٥) ففى أي مكان يحزئ النحر، وحد منى من وادى محسر إلى العقبة.\n(^٦) هاهنا عند الصخرات في عرفة، وأي مكان يكفى الوقوف فيه؛ وعرفة مكان شرقى مكة على اثنى عشر ميلا، وسميت بهذا لأن آدم وحواء ﵉ تعارفا بها، وحد عرفة غربًا إلى وادى عرنة وجنوبًا إلى البساتين التى عن يسار مستقبل الكعبة، وشرقًا إلى جادة طريق المشرق، وشمالا إلى حافات الجبل المتصلة بأرضها.\n(^٧) جمع كشرط هي مزدلفة، مكان في الطريق إلى منى وزاد أبو داود في رواية: وكل فجاج مكة طريق ومنحر.","vol":"2","page":137},{"text":"• عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَيْبَانَ ﵁ قَالَ: أَتَانَا ابْنُ مِرْبَعٍ الأَنْصَارِيُّ وَنَحْنُ بِعَرَفَةَ فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ عَنِ الإِمَامِ (^١) فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُمْ يَقُولُ لَكُمْ: قِفُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ (^٢). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: كَانَ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ (^٣) وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلامُ أَمَرَ اللَّهُ ﷿ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ فَيَقِفَ بِهَا ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا (^٤) فَذلِكَ قَوْلهُ سُبْحَانَهُ ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-372>الدعاء يوم عرفة مقبول</span>\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ» (^٥). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ.\nوَقَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵄: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَاتٍ فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو فَمَالَتْ بِهِ نَاقَتُهُ فَسَقَطَ خُطَامُهَا فَتَنَاوَلَ الْخُطَامَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَهُ الأُخْرَى (^٦). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.\n_________\n(^١) أي النبي - ﷺ - وأمراء الحج بعده.\n(^٢) المشاعر جمع مشعر وهو العلم، أي قفوا في مواقفكم فإنها قديمة من عهد إبراهيم ﵇ ولا تحقروها لبعدها عن الإمام، فإن عرفة كلها موقف، وفى الحديث: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت أتاه جبريل، فأراه الطواف بالبيت سبعًا وبين الصفا والمروة ثم أتى به عرفة؛ فقال: أعرفت؟ قال: نعم؛ ثم أتى به جمعًا، فقال: هاهنا يجمع الناس الصلاة، ثم أتى به منى فعرض لها الشيطان فأخذ جبريل سبع حصيات فقال: ارمه بها وكبر مع كل حصاة.\n(^٣) الحمس كحمر جمع أحمس وهو الشجاع فكانت قريش ومن على دينها يقفون بالمزدلفة لأنها من الحرم ويقولون: نحن أهل الحرم فلا تخرج عنه.\n(^٤) يسير منها إلى مزدلفة والمشعر الحرام ومنى.\n\nالدعاء يوم عرفة مقبول\n(^٥) وزاد في رواية: وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلى لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وللبيهقي عن عليّ ﵁: اللهم اجعل في قلبى نورًا وفى بصرى نورا، اللهم اشرح لي صدرى ويسر لي أمرى.\n(^٦) حرصًا على الدعاء. فيندب لمن بعرفة الإكثار من =","vol":"2","page":138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-373>يفوت الحج بفوت عرفة</span>\nعَن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَعْمَرَ الدَّيلِيِّ (^١) ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِعَرَفَةَ فَجَاءَ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ فَأَمَرُوا رَجُلًا فَنَادَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ الْحَجُّ؟ (^٢) فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا فَنَادَى فِي النَّاسِ الْحَجُّ الْحَجُّ يَوْمُ عَرَفَةَ مَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ فَتَمَّ حَجُّهُ (^٣)، أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ (^٤). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ.\n\n• عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ الطَّائِيِّ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِالْمُزْدَلِفَةِ (^٥) قلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ مِنْ جَبَلَيْ طَيِّئٍ (^٦) أَكْللْتُ مَطِيَّتِي (^٧) وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ حَبْلٍ إِلا وَقَفْتُ عَلَيْهِ (^٨) فَهَلْ لِي مِنْ حَجَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَأَتَى عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضى تَفَثَهُ (^٩)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.\n_________\n= التلبية والذكر بأى نوع كان والابتهال في الدعاء إلى الله تعالى، فإنه يوم عظيم يباهى الله بهم ملائكته وحسبنا ما يأتى في الحج، الحج يوم عرفة. والله أعلم\n\nيفوت الحج بفوت عرفة\n(^١) يعمر كيعلم ممنوع من الصرف لوزن الفعل.\n(^٢) أي ما أظهر أعماله وأفضلها؟ قال: الوقوف بعرفة.\n(^٣) أي من حضر هاهنا بعرفة قبل فجر ليلة المزدلفة فقد أدرك الحج.\n(^٤) فالأفضل كون الإقامة بمنى ثلاثة أيام بعد العيد ولو تعجل ونزل في اليوم الثاني بعد رميه كفى.\n(^٥) حين خرج لصلاة الصبح.\n(^٦) طيئ بالهمزة اسم قبيلة وجبلاها هما جبل سلمى وجبل آجا.\n(^٧) أعيينها من سرعة السير.\n(^٨) الحبل أحد حبال الرمل وفى رواية: من جبل.\n(^٩) التفث - بالتحريك - الشعث، والمراد قضى ما عليه، ووقت الوقوف بعرفة بين زوال الشمس وطلوع الفجر الثاني ليوم العيد، فوقوفه في أي لحظة بكفى وعليه الجمهور، وقال أحمد: يوم عرفة يدخل من الفجر، وظاهر ما تقدم أن من لم يدرك عرفة قبل فجر يوم العاشر فقد فاته الحج ويعمل عمرة ويهدى وعليه الحج في العام القابل، وعلى هذا الجمهور سلفًا وخلفًا والشافعى وأحمد وإسحق.","vol":"2","page":139},{"text":"<span data-type='title' id=toc-374>الدفع من عرفة إلى المزدلفة والمبيت بها</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالى: ﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ (^١) فَاذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ (^٢).\n\n• عَنْ عُرْوَةَ ﵁ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ وَأَنَا جَالِسٌ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ (^٣) قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ (^٤).\nرَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ زَجْرًا شَدِيدًا وَضَرْبًا وَصَوْتًا للإِبِلِ (^٥) فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالإِيْضَاعِ» (^٦). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\nوَقَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵁: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ (^٧) نَزَلَ فَبَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ (^٨) فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةَ، قَالَ: الصَّلَاةُ أَمَامَكَ فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةِ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلاهَا وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا (^٩). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\nوَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةً إِلا لِمِيقَاتِهَا (^١٠) إِلا صَلَاتَيْنِ: صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (^١١)\n_________\nالدفع من عرفة إلى مزدلفة والمبيت بها\n(^١) صدرتم عنها.\n(^٢) هو جبل في آخر المزدلفة يسمى قزح وسيأتى.\n(^٣) أي انصرف من عرفة.\n(^٤) العنق بالتحريك: السير الوسط، والنص - كالفص -: السوق الشديد.\n(^٥) متعلق بالمصادر الثلاثة قبله.\n(^٦) أي الإسراع، فالتأنى والرفق بالناس مندوبان لاسيما في الزحام كوقت الإفاضة والوقوف بمزدلفة والمشعر الحرام ورمى الجمار والطواف ونحوها.\n(^٧) الشعب بالكسر الطريق بين جبلين.\n(^٨) بل اقتصر على فرائضه فقط.\n(^٩) وفى رواية: وصلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين قصرًا وجمع تأخير للنسك وللسفر.\n(^١٠) لوقتها.\n(^١١) جمع تأخير بمزدلفة، والجمع الصلاة فيها سميت جمعا.","vol":"2","page":140},{"text":"وَصَلَّى الْفَجْرَ يَؤْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا (^١) رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: أَصْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ (^٢) وَقَدْ وَقَفَ عَلَى قُزَحَ (^٣) فَقَالَ: هذَ قُزَحُ وَهُوَ الْمَوْقِفُ (^٤) وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\nوَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: شَهِدْتُ عُمَرَ ﵁ صَلَّى الصُّبْحَ بِجَمْعٍ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ (^٥) وَيَقُولُونَ أَشْرِقْ ثَبِيرُ، وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-375>تقدم الضعفاء إلى منى</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتْ سَوْدَةُ امْرَأَةً ضَخْمَةً ثَبِطَةً، فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُفِيضَ مِنْ جَمْعٍ بلَيْلٍ فَأَذِنَ لَهَا (^٦) قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَيْتَنِي كُنْتُ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ (^٧). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ: وَقَالَ: لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ (^٨).\n_________\n(^١) أي المعتاد بل في أول الفجر الصادق ليتسع الوقت للسير إلى المشعر الحرام، وسيأتى في الحديث الطويل أن النبي - ﷺ - اضطجع بالمزدلفة حتى صلى الفجر، ثم ركب إلى المشعر الحرام.\n(^٢) أي بالمزدلفة.\n(^٣) كعمر غير منصرف للعلمية والعدل: جبل بمزدلفة.\n(^٤) أي الأفضل في مزدلفة.\n(^٥) ثبير كأمير: جبل بجوار مزدلفة فكان المشركون لا يسيرون منها إلى منى إلا بعد طلوع الشمس؛ ويقولون: أضئ يا ثبير. والنبي - ﷺ - خالفهم فكان يصدر من مزدلفة قبل طلوع الشمس ليتسع وقت المناسك والله أعلم.\n\nتقدم الضعفاء إلى منى\n(^٦) سودة أم المؤمنين ﵂، كانت امرأة سمينة ثبطة بكسر الباء وسكونها بطيئة السير، فاستأذنت النبي - ﷺ - أن ترتحل من مزدلفة إلى منى قبل زحمة الناس فأذن لها.\n(^٧) الضعفة جمع ضعيف وهم الصبيان والنساء، فينبغى تقديم الضعفاء من آخر الليل إلى منى، وأما غيرهم فيمكث بمزدلفة حتى يصلى الصبح.\n(^٨) فلا ترمى جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس وعليه الجمهور، وقال بعض التابعين والشافعى: يدخل وقتها من نصف الليل فيكون بعد الشمس كمالا فقط والله أعلم.","vol":"2","page":141},{"text":"<span data-type='title' id=toc-376>المبيت بمنى أيام العيد والتشريق</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَبْنِي لَكَ بَيْتًا يُظِلُّكَ بِمِنًى؟ قَالَ: لَا. مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\nوَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ بِمِنًى وَنَزَّلَهُمْ مَنَازِلَهُمْ فَقَالَ: لِيَنْزِلِ الْمُهَاجِرُونَ ههُنَا وَأَشَارَ إِلَى مَيْمَنَةِ الْقِبْلَةِ (^٢) وَالأَنْصَارُ ههُنَا وَأَشَارَ إِلَى مَيْسَرَةِ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ لَيْنَزِلِ النَّاسُ حَوْلَهُمْ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ (^٣)». رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^٤).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ الْعَبَّاسَ ﵁ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ لِيَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ (^٥). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-377>رمي جمرة العقبة </span>(^٦)\n\n• عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ ﵁ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَرَآهُ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ (^٧) وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ: هذَا مَقَامُ الَّذِي\n_________\nالمبيت بمنى أيام العيد والتشريق\nالمناخ بالضم: محل الإناخة، فلا يجوز البناء بمنى لعدم التضييق على الناس، وأما نصب الخيام لمنع الشمس أو المطر فلا شيء فيه وربما وجب إذا تحقق الضرر.\n(^٢) أي إلى يمين مستقبل الكعبة.\n(^٣) أما يوم النحر فلأنه يوم العيد الأكبر ويوم إتمام الحج؛ وأما يوم القر بالفتح فهو اليوم الثاني للعيد لاستقرار الناس فيه بمنى.\n(^٤) بسندين صالحين.\n(^٥) فإن سقاية زمزم كانت وظيفة له ولأولاده، ولهذا سقط عنه المبيت بمنى الذي هو واجب، وكذا من خاف على نفسه أو أهله أوماله، ولأهل منى كلهم أن يقصروا مع الإمام ولو كانوا من أهل مكة لحديث ابن عمر المروى للخمسة: صليت مع النبي - ﷺ - بمنى والناس أكثر ما كانوا فصلى بنا ركعتين في حجة الوداع، وعليه مالك وإسحاق وقال الجمهور: القصر للمسافرين فقط والله أعلم.\n\nرمي جمرة العقبة\n(^٦) الجمار هناك ثلاث في طريق منى إلى مكة، وجمرة العقبة أفضلها وهى الأولى عن يمين الطريق وهى التى ترمى يوم النحر.\n(^٧) وفى رواية: يكبر مع كل حصاة.","vol":"2","page":142},{"text":"أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\nوَقَالَ جَابِرٌ ﵁: رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ (^٢) وَيَقُولُ: لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هذِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: رَمَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى وَأَمَّا بَعْدُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَلكِنَّ الْبُخَارِيَّ تَعْلِيقًا.\nوَقَالَ قَدَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمي الْجَمْرَةَ عَلَى نَاقَةٍ لَيْسَ ضَرْبٌ وَلَا طَرْدٌ وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ (^٤). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَاللَّهُ أَعْلمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-378>الحل الأول </span>(^٥)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلا النِّسَاءَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦) وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى مِنًى فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ ثُمَّ قَالَ لِلْحَلاقِ: خُذْ وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الأَيْمَنِ ثمَّ الأَيْسَرِ ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ (^٧). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n_________\n(^١) أي موقفي الآن كموقف النبي - ﷺ - حين رمى الجمرة، وكان متجهًا لها عن يمينه منى وعن يساره الكعبة المشرفة.\n(^٢) فلا بأس بالرمى من الراكب لعذر وربما طلب من عالم لينتفع الناس به كما يشعر به ما بعده.\n(^٣) فجمرة العقبة ترمى ضحوة يوم العيد، وأما بعده فترمى الجمار الثلاث بعد الزوال، والرمى يكون بحصى كالخذف أي قدر ما يرمى بطرفي الأصبعين وهو قدر الفول، والأولى أن يؤتى به من المزدلفة.\n(^٤) فلم يأمر النبي - ﷺ - بضرب الناس ولا بطردهم ولا بتوسيع الطريق له كما يفعل مع الملوك والجبابرة والأمراء، فإن هذا من الكبر والعظمة، وهذه أمكنة عبادة ينبغى فيها التواضع لله جل شأنه والله أعلم.\n\nالحل الأول\n(^٥) أي بيان وقت الحل الأول من المحرمات في الحج، وأما العمرة فلها حل واحد وهو بعد الطواف والسعى والحلق أو التقصير.\n(^٦) بسند حسن.\n(^٧) سيأتي الكلام على الحلق وإعطاء الشعر لأبى طلحة ليعطيه الناس.","vol":"2","page":143},{"text":"وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَيَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ (^١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالشَّيْخَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-379>الذبح وما يجزئ في الضحية </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (^٣) ﴿وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ (^٤) ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ (^٥) ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآئِسَ الْفَقِيرَ﴾ (^٦) ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ﴾ (^٧) ﴿وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾ (^٨) ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ (^٩). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الإِبِلِ وَالْبَقَرِ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ. وَفِي أُخْرَى: اشْتَرَكْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كُلُّ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ (^١٠).\n_________\n(^١) وللإمام أحمد: إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب وكل شيء إلا النساء، فبالرمى والحلق يحل له كل شيء إلا الوطء، وهذا هو الحل الأول والثانى بعد طواف الإفاضة وبه يحل كل شيء وعلى هذا الجمهور سلفًا وخلفا.\n\n(فائدة)\nالترتيب الحسن لأعمال يوم النحر على ما في حديث أنس، فالرمى أولا، ثم الذبح ثانيًا، ثم الحلق، على حروف (رذح) ثم الغسل واللبس والطيب والطواف والله أعلم.\n\nالذبح وما يجزئ في الضحية\n(^٢) واجبة كالفدية والنذر، أولا أوفى النسك، أولا، أما مكان الذبح فكل منى وكل مكة، بل قيل كل الحرم، وأما وقته فمن بعد رمى العقبة إلى آخر أيام التشريق لحديث أحمد: كل أيام التشريق ذبح.\n(^٣) من جاءوا للنسك.\n(^٤) هي عشر ذى الحجة وأيام التشريق.\n(^٥) هدايا الحرم وضحايا العيد.\n(^٦) شديد الفقر.\n(^٧) بإزالة شعورهم وأظفارهم وأوساخهم.\n(^٨) بالهدايا والضحايا.\n(^٩) حينما أحصروا عن البيت وتحللوا بالذبح والحلق.\n(^١٠) فالبدنة هي الواحد من الإبل والبقر.","vol":"2","page":144},{"text":"وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَحَضَرَ الأَضْحى، فَاشْتَرَكْنَا فِي الْبَقَرَةِ سَبْعَةً وَفِي الْجَزُورِ عَشَرةً (^١). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَنْحَرُ بَدَنَتَهُ بَارِكَةً قَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً (^٢) سُنَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ. وَلِلْبُخَارِيِّ: نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ سَبْعَ بُدْنٍ قِيَامًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-380>يتصدقون من الضحايا ويأكلون</span>\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا (^٣) وَأَلَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا قَالَ: نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا (^٤). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\nوَقَالَ جَابِرٌ ﵁: كُنَّا لَا نَأَكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثِ مِنًى (^٥) فَرَخَّصَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «كُلُوا وَتَزَوَّدُوا» فَأَكَلْنَا وَتَزَوَّدْنَا.\nوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: لَا يُؤْكَلُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَالنَّذْرِ وَيُؤْكَلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ. رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) الجزور: البعير، وظاهره أنه يكفى عن عشرة وبه قال إسحاق؛ ولكن الجمهور على أنه لا يجزئ إلا عن سبعة كما في الأحاديث التى قبله، فسبع البدنة يكفى عن واحد في الضحية وفى الفداء والهدى، ولكن الشاة أفضل لحديث أبى داود والحاكم: خير الضحية الكبش الأقرن. ولحديث أحمد والترمذى: نعمت الأضحية الجذع من الضأن.\n(^٢) معقولة اليد اليسرى فقط وهذه سنة نبيكم - ﷺ -، فالسنة في نحر الإبل أن تكون قائمة مقيدة باليد اليسرى، قال الله تعالى ﴿فاذكروا اسم الله عليها صواف﴾ وسيأتى في الصيد والذبائح بيان كيفية الذبح وآلته كما ستأتى الضحية وحكمها مستوفى إن شاء الله.\n\nيتصدقون من الضحايا ويأكلون\n(^٣) الأجلة جمع جل بالضم والفتح: ما يوضع على ظهر الدابة لحفظها، ولكن المشهور في جمعه جلال.\n(^٤) فالنبى - ﷺ - أمر عليًا أن يتصدق بضحاياه حتى بجلودها وجلالها ولم يأكل منها إلا بضعة من كل بدنة كما في حديث صفة حجه - ﷺ - الآتى.\n(^٥) أي أولا ثم رخص لهم فقال: كلوا وتزودوا أي اتخذوا منها زادا في أسفاركم، فظاهره استحباب الأكل من الضحية مطلقا؛ وعليه الجمهور لقوله تعالى=","vol":"2","page":145},{"text":"<span data-type='title' id=toc-381>الحلق أو التقصير</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (^١).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ» (^٢) قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَالْمُقَصِّرينَ» (^٣). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَقَالَ أَنَسٌ ﵁: لَمَّا رَمَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْجَمْرَةَ وَنَحَر نُسُكَهُ نَاوَلَ الْحَلاقَ (^٤) شِقَّهُ الأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ، ثُمَّ نَاوَلَ الْحَلاقَ الشِّقَّ الأَيْسَرَ فَحَلَقَهُ (^٥) فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ: اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ (^٦). وَفِي رِوَايَةٍ: فَوَزَّعَهُ الشَّعَرَةَ وَالشَّعْرَتَيْنِ بَيْنَ النَّاسِ. رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ\n_________\n=فكلوا منها - والأمر للندب عندهم، وقال بعضهم: لا تجوز لما يأتي في الهدي للحرم: لا تطعمها أنت ولا أحد من رفقتك، وقال الشافعي وجماعة: يأكل من المندوبة دون الواجبة كجزء الصيد وهدي التمتع والقران ونحوهما لحديث ابن عمر والله أعلم.\n\nالحلق أو التقصير\n(^١) فالحلق أو التقصير مأمور بهما في الكتاب، فهما من مناسك الحج وعليه الجمهور، وقال بعضهم إنه تحليل من الإحرام فقط.\n(^٢) وفى رواية: اللهم اغفر للمحلقين. والمحلقين والمقصرين بلفظ الفاعل مشددا.\n(^٣) وفى رواية: ثم قال في الرابعة والمقصرين، فتكرير الدعاء للمحلقين يفيد أن الحلق أفضل كما حلق النبي ﷺ، ويجب حلق كل الرأس عند مالك وأحمد، ويستحب عند أبي حنيفة والشافعى ويجزئ عنده ثلاث شعرات، وعند الحنفية: الربع أو النصف.\n(^٤) واسمه معمر العدوى.\n(^٥) فالأفضل في الحلق والتقصير البدء بالشق الأيمن من الرأس وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا.\n(^٦) فلما كان الناس يتسابقون على أخذ شعر النبي - ﷺ - يتبركون به أعطاه النبي - ﷺ - لأبى طلحة ليقسمه بين الناس، وفيه جواز التبرك بآثار الصالحين، كما روى أن النبي - ﷺ - ليلة الإسراء أمر بالنزول في الطريق غير مرة ليصلى في أمكنة حل فيها صالحون كمكان ماشطة بنت فرعون، ومكان وقوف موسى ﵇ للمناجاة، ومحل ميلاد عيسى ﵇ وغير ذلك.","vol":"2","page":146},{"text":"قَالَ: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ الْحَلْقُ إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢) وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: زُرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ (^٣) قَالَ: «لَا حَرَجَ»، قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ: «لَا حَرَجَ»، قَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: «لَا حَرَجَ (^٤)». وَفِي رِوَايَةٍ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى للِنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ قَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ»، فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ»، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلا قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ (^٥)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-382>خطبة يوم النحر </span>(^٦)\n\n• عَنْ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو والْمُزَنِيِّ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى\n_________\n(^١) فالتقصير هو المستحب من النسوة في النسك بخلاف الحلق فإن الشعر جمال ولكنه يجزئ.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) أي طفت بالبيت قبل الرمى؛ قال: لا حرج.\n(^٤) وفى رواية: رميت بعد الزوال؛ قال: لا حرج.\n(^٥) فظاهر هذا أن أعمال يوم النحر من رمى وذبح وحلق وطواف لا يجب الترتيب بينها ولكنه سنة على حروف (رذح) فالراء لرمى العقبة والذال للذبح والحاء للحلق، وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا ولا شيء على من لم يرتب، وقال مالك وأبو حنيفة: إنه واجب وفى تركه دم، وقالا: لا حرج أي لا إثم للجهل ولكن عليه الفدية والله أعلم.\n\nخطبة يوم النحر\n(^٦) هذه هي الخطبة الثالثة وقبلها خطبتا سابع ذى الحجة ويوم عرفة، وهاتان باتفاق، وأما خطبة يوم النحر فقال بها الشافعي وأحمد وجماعة للأحاديث الآتية، وعندهم الرابعة في ثالث يوم النحر لحديث أبى داود: خطب النبي - ﷺ - أوسط أيام التشريق، وقال المالكية والحنفية: الخطبة الثالثة في ثانى يوم النحر ولا رابعة عندهما، وهذه الخطب مندوبة لتعليم الناس المناسك، كل خطبة ترشد لما بعدها لحديث أبى داود والنسائى: خطبنا النبي - ﷺ - ونحن بمنى ففتحت أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا، فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار.","vol":"2","page":147},{"text":"حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحى (^١) عَلَى بَغْلَةٍ شَهبْاءَ (^٢) وَعَلِيٌّ ﵁ يُعَبِّرُ عَنْهُ وَالنَّاسُ بَيْنَ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: «يَا أَيُهَا النَّاسُ أَيُّ يَوْمٍ هذَا؟» قَالوا: يَوْمٌ حَرَامٌ (^٤) قَالَ: «فَأَيُّ بَلَدٍ هذَا»؟ قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا»؟ قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هذَا»، فَأَعَادَهَا مِرَارًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ (^٥)». قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ (^٦) فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ (^٧) لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ (^٨). رَوَاهُ الشَّيْخَانَ وَأَحْمَدُ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْر بَيْنَ الْجَمْرَاتِ فِي حَجَّتِهِ الَّتِي حَجَّ بِهذَا وَقَالَ: «هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ (^٩)» وَطَفِقَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ وَوَدَّعَ النَّاسَ» فَقَالُوا: هذِهِ حَجَّةُ الْوَدَاعِ (^١٠).\n\n• عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حِجَّتِهِ فَقَالَ: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمواتِ وَالأَرْضَ (^١١) السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ\n_________\n(^١) قبل النحر.\n(^٢) في لونها بياض وسواد.\n(^٣) يعبر عنه أي وقف في نهاية صوته - ﷺ -، فكان يسمع ويبلغ الناس لكثرتهم في حجة الوداع حيث بلغوا مائة ألف وثلاثين ألفا.\n(^٤) ذو حرمة وتعظيم.\n(^٥) هل بمعنى قد، كقوله تعالى - ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ -.\n(^٦) إنها أي هذه الخطبة.\n(^٧) الشاهد الحاضر السامع، وزاد في رواية: فرب مبلغ أوعى من سامع.\n(^٨) كفارًا جمع كافر إن استحللتم ما نهيتم عنه أو كفارا بنعم الله وشرعه تتقاتلون على الدنيا وفى رواية: ضلالا.\n(^٩) بهذا أي بالحديث السابق وزاد عليه هذا يوم الحج الأكبر. والحج الأصغر يوم عرفة أو يوم العمرة.\n(^١٠) واشتهرت بحجة الوداع.\n(^١١) من تحليل حلاله وتحريم حرامه بخلاف ما قبل الإسلام فإن الجاهلية كانوا إذا نشبوا في قتال وحضر شهر حرام استمروا في قتالهم وجعلوا التحريم لشهر آخر فربما حرموا شهرًا في هذه السنة وأحلوه في سنة أخرى، وهذا هو النسيء، الذي قال الله فيه - ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ - فجاء الإسلام وحلل ما أحل الله وحرم ما حرمه.","vol":"2","page":148},{"text":"ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ (^١)». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-383>طواف الإفاضة </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (^٣).\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْر ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذلِكَ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ (^٥). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَلِلْبُخَارِيِّ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَزُورُ الْبَيْتَ أَيَّامَ مِنًى (^٦).\n_________\n(^١) القعدة بالفتح أفصح بخلاف الحجة. وقوله مضر: غير منصرف، وهى قبيلة مشهورة أضيف رجب إليها لتعظيمها له أكثر من غيرها، وفى رواية: وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم. وللإمام أحمد: خطب النبي - ﷺ - في أوسط أيام التشريق؛ فقال: يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربى على عجمى ولا لعجمى على عربى ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى أبلغت. قالوا بلغ رسول الله - ﷺ -. والله أعلم.\n\nطواف الإفاضة\n(^٢) ويسمى طواف الزيارة لزيارة الكعبة المشرفة، وطواف الركن لأنه ركن من أركان النسك بإجماع لا يصح حج ولا عمرة إلا به، وذكر الطواف هنا ثانيًا لمكانه الترتيبى في النسك، وإلا فقد سبق مبسوطا.\n(^٣) طواف الإفاضة.\n(^٤) زرنا البيت يوم النحر بعد الرمى والذبح والحلق، وهذا أول وقت الطواف وأفضله، ويمتد إلى آخر أيام التشريق بإجماع، فإن طاف بعدها أجزأ عنه ولا شيء عليه عند الجمهور. وقال مالك وأبو حنيفة: إذا طال الزمن لزمه دم.\n(^٥) هذا لا ينافى قول جابر في الحديث الطويل الآتى إنه صلى الظهر بمكة لاحتمال أنه - ﷺ - من صلاها بمكة، فلما عاد لمنى وجدهم لم يصلوا فصلى بهم مرة أخرى كما صلى مرتين ببطن نخل كل مرة بجماعة، وهذا جمع حسن.\n(^٦) للطواف به فقط دون سعى بين الصفا والمروة، فإنه لا يكرر بخلاف الطواف فإن الإكثار منه مندوب لحديث: الطواف بالبيت صلاة. وسبقت أركان الحج في الإحرام من الميقات كما سبقت واجباته في محرمات الإحرام فارجع إليهما إن شئت.","vol":"2","page":149},{"text":"<span data-type='title' id=toc-384>رمي الجمار في أيام التشريق </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (^٢).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ كَانَ إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ (^٣) ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَهَا فوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ رَافِعًَا يَدَيْهِ يَدْعُو وَكَانَ يُطِيلُ الْوُقُوفَ (^٤)، ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ (^٥)، ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ الْيَسَارِ مِمَّا يَلِي الْوَادِيَ فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الْعَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا (^٦). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي الْجِمَارَ فِي الأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ مَاشِيًا ذَاهِبًا وَرَاجِعًا وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذلِكَ (^٧). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرِعَاءِ الإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَيَرْمُونَهُ فِي أَحَدِهِمَا.\n_________\nرمي الجمار في أيام التشريق\n(^١) فرمي الجمار الثلاث في أيام التشريق الثلاثة واجب.\n(^٢) الأيام المعدودات هي أيام التشريق الثلاثة وذكر الله فيها بالعبادة والتكبير حين رمى الجمار في الأيام الثلاثة، ولكن من نزل إلى مكة بعد يومين فلا حرج عليه.\n(^٣) وفى رواية: يكبر على إثر كل حصاة؛ والجمرة التى تلى المسجد هي جمرة العقبة وهى الأولى وأفضلها. ولفظ التكبير: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.\n(^٤) للدعاء بقدر سورة البقرة كما ورد.\n(^٥) الجمرة الثانية الوسطى.\n(^٦) أي الجمرة الأخيرة.\n(^٧) فيندب المشي للجمار ذهابًا وإيابًا إلا لعذر.","vol":"2","page":150},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا وَيَدَعُوا يَوْمًا (^١). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-385>السير من منى إلى الأبطح والمبيت به</span>\n• عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ (^٢) ﵁ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَخْبِرْنِي بِشْيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى (^٣) قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ (^٤)؟ قَالَ: بِالأَبْطَحِ (^٥): اِفْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَقَالَ أَنَسٌ ﵁: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَرَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ (^٦) ثُمَّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ (^٧). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\nوَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَنْزِلُونَ الْأَبْطَحَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَقَالَ أَبُو رَافِعٍ ﵁: لَمْ يَأْمُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَنْزِلَ الأَبْطَحَ حِينَ خَرَجَ مِنْ مِنًى وَلكِنِّي جِئْتُ فَضَرَبْتُ فِيهِ قُبَّتَهُ فَجَاءَ فَنَزَلَ (^٨). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ بِمِنًى نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا\n_________\n(^١) رعاء جمع راع، ويقال رعاة، وقوله في البيتوتة أي في ترك المبيت بمنى، وأن يجمعوا رمى اليومين في أحدهما أي في اليوم الأول أو الثاني من أيام التشريق، أو يرموا في الأول والثالث رحمة بهم لأن وادى منى لا نبات فيه ولو باتوا لهلكت مواشيهم، وتقدم في النزول بمنى الترخيص للعباس بالمبيت في مكة للسقاية، ففيهما أن من ترك البيت لعذر لا شيء عليه وبه قال بعض الأئمة، وقال الشافعي وأحمد: إنه يجب دم على من ترك المبيت في الليالى الثلاث لأنه واجب وعزيمة. لقوله: رخص، والرخصة ضد العزيمة. والله أعلم.\n\nالسير من منى إلى الأبطح والمبيت به\n(^٢) بالتصغير.\n(^٣) وبات بها وأصبح منها إلى عرفة.\n(^٤) أي الدفع من منى إلى مكة.\n(^٥) الأبطح والبطحاء والمحصب والتحصيب والحصبة وخيف. بنى كنانة: أسماء المكان واسع سهل بين منى ومكة متصل بمقابرها.\n(^٦) مرتبط بصلى ورقد.\n(^٧) طواف الوداع.\n(^٨) أبو رافع هذا كان من خدم النبي - ﷺ - وكان مكلفًا بنقل أمتعة النبي - ﷺ -.","vol":"2","page":151},{"text":"إِنْ شَاءَ بخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ (^١) حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ (^٢) وَذلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا وَبَنِي كِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ أَلا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ (^٣) حَتَّى يُسْلِمُوا إِلَيْهِمُ النَّبِيَّ ﷺ (^٤). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ لَيْلَةَ النَّفْرِ فَقَالَتْ: مَا أُرَانِي إِلا جَابِسَتَكُمْ (^٥)، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَقْرَى حَلْقَى أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قِيلَ: نَعَمْ قَالَ: «فَانْفِرِي». رَوَهُ الْخَمْسَةُ.\n_________\n(^١) هذا لا ينافي قول أبي رافع السالف فإنه إخبار بغيب معجزة له - ﷺ -؛ وأصل الخيف ما انحدر من الجبل وارتفع عن المسيل.\n(^٢) أي تحالفوا وتعاهدوا بدوامهم عليه.\n(^٣) بل ويقاتلوهم وينصبوا لهم شركة العداء دائما.\n(^٤) ليفعلوا به ما يشاءون، وكتبوا بذلك وثيقة وعلقوها بالكعبة فأرسل الله عليها الأرضة فأكلت ما فيها من كفر وضلال وأبقت ما فيها من ذكر الله تعالى فأخبر جبريل بذلك النبي - ﷺ - فأخبر عمه أبا طالب به وأخبر أبو طالب الكفار بذلك ففتحوا الصحيفة فوجدوها كما أخبر النبي - ﷺ -، ونزل - ﷺ - بخيف بني كنانة إشارة إلى انتصاره وظهوره عليهم في المكان الذي تآمر وافيه عليه - ﷺ - ولأن دوره بمكة ورثها أولاد عمه؛ فقد قال أسامة بن زيد: يا رسول الله أنزل في دارك بمكة؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور. وكان عقيل وطالب ورثا أباهما أبا طالب وبقية أملاك الأسرة لبقائهما على كفرهما دون على وجعفر اللذين أسلما فلم يرثا من أبيهما لعدم التوارث بين المسلم والكافر؛ رواه الشيخان.\n(^٥) فصفية أم المؤمنين وهم في المحصب حاضت فقالت: أظن أني سأمنعكم من السفر بسبب حيضي الذي يمنعني من الطواف. فقال - ﷺ -: عقرى حلقى - كسكرى فيهما - أي جرحها الله وحلق شعرها وليس دعاء عليها ولكنه حث على تعلمها ما يلزمها، هل طافت طواف الإفاضة؟ قالوا: نعم. قال: فسيري معنا ولا حاجة إلى انتظار الطهر لطواف الوداع فليس بواجب عليك وسيأتي حكمه إن شاء الله.","vol":"2","page":152},{"text":"<span data-type='title' id=toc-386>حديث حجة الوداع </span>(^١)\n\n• عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ﵄ عَنْ أَبِيهِ (^٢) قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَسَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلَيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (^٣) فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِي فَنَزَعَ زِرِّي الأَعْلَى ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الأَسْفَلَ ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ أَخِي سَلْ عَمَّا شِئْتَ فَسَأَلْتُهُ وَهُوَ أَعْمى (^٤) وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَقَامَ فِي نِسَاجَةٍ مُلْتَحِفًا بِهَا كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْهِ مِنْ صِغَرِهَا (^٥) وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنْبِهِ عَلَى الْمِشْجَبِ (^٦) فَصَلَّى بِنَا فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بِيَدِهِ (^٧) فَعَقَدَ تِسْعًا فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجٌّ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَوَلَدَتْ\n_________\nحديث حجة الوداع\n(^١) هذا حديث جليل القدر عظيم الفضل حوى كل ما فعله النبي - ﷺ - في حجة الوداع من أركان وواجبات ومندوبات إلا قليلا، وهو أول حديث طويل في كتاب التاج ويليه في الطول حديثا الإسراء والهجرة الآتيان في كتاب النبوة، وحديث هجرة إسماعيل وأمه ﵈ من القدس إلى مكة المكرمة، وحديث كعب بن مالك وحديث موسى مع الخضر ﵈، وحديث الإفك وحديث الشاب العابد مع صاحب الأخدود، هذه الخمسة في التفسير وبضع أحاديث في الشفاعة ستأتي في القيامة إن شاء الله، وجابر ﵁ كان يقود راحلة النبي - ﷺ - في حجة الوداع، فإذا كان أعلم الناس بها.\n(^٢) أبوه محمد بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب ﵃.\n(^٣) ﵃ وعن أمهم فاطمة الزهراء. وسلسلة نسبنا والحمد لله تنتهي إلى هؤلاء المصابيح ﵃ وحشرنا في زمرتهم آمين.\n(^٤) فكان جابر ﵁ قد كف بصره في آخر حياته فلما دخلوا عليه استفهم عن كل واحد حتى وصل إلى محمد بن على بن الحسين فوضع يده على رأسه ثم أنزلها إلى صدره وكشفه ووضع يديه تبركابآل البيت ﵃.\n(^٥) النساجة ويقال ساجة هي الطيلسان.\n(^٦) المشجب كمنبر عيدان تضم أصولها وتفرج رءوسها توضع عليه الملابس.\n(^٧) حرك أصابعه.","vol":"2","page":153},{"text":"أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ (^١) مُحَمَّدَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: «اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي» (^٢) فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ فِي الْمَسْجِدِ (^٣) ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذلِكَ وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذلِكَ وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذلِكَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ، فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ. قَالَ جَابِرٌ ﵁: لَسْنَا نَنْوِي إِلا الْحَجَّ لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ (^٤) حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ (^٥) اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشى أَرْبَعًا ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ (^٦) فَقَرَأَ\n﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ يأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا (^٧) فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ «ابْدَأُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَقَالَ: «لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِله إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ\n_________\n(^١) بالتصغير زوجة أبي بكر ﵃.\n(^٢) استثفري بالسين والتاء والماء والفاء أي تحفظى بثوب من نزول الدم وأحرمي.\n(^٣) أي بذي الحليفة صلاة العصر وركب ناقته القصواء وأهل بالحج.\n(^٤) أي في أيام الحج وإلا فهي معلومة وعملوها غير مرة كما يأتي في العمرة.\n(^٥) أي النبي - ﷺ - استلم الركن أي الحجر الأسود بمسحه وتقبيله.\n(^٦) أي سار إليه.\n(^٧) أي الباب القريب من الصفا ويسمى باب بني مخزوم.","vol":"2","page":154},{"text":"وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ»، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذلِكَ قَالَ مِثْلَ هذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ نَزَلَ إِلى الْمَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعى حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَيْهَا كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا (^١) حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ قَالَ: «لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً (^٢) فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً» فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه أَلِعَامِنَا هذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ (^٣) فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الأُخْرَى وَقَالَ: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ مَرَّتَيْنِ لَا بَلْ لأَبَدِ أَبَدٍ».\nوَقَدِمَ عَلَيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدَ فَاطِمَةَ ﵂ مِمَّنْ حَلَّ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا (^٤) وَاكْتَحَلَتْ فَأَنْكَرَ ذلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بهذَا (^٥). قَالَ: فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ لِلَّذِي صَنَعَتْ مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَ: «صَدَقَتْ صَدَقَتْ مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ (^٦)»؟ قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ قَالَ: «فَإِنَّ مَعِي الْهَدْيَ فَلَا تَحِلَّ» قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ (^٧) الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ وَالَّذِي أَتَي بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِائَةً قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلا النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَلُّوا\n_________\n(^١) من استقبال الكعبة والتوحيد يتخلله الدعاء.\n(^٢) أي لو أمكنني استدراك ما فات أو لو ظهر لي قبل الآن ما ظهر لي الآن ما سقت هديا وعملت العمرة أولا لأتمتع بمحظور الإحرام قبل الحج ولنفي ما يزعمه الناس من قبحها في أشهره وتطييبًا لقلب من لم يهد من الأصحاب، ولا منافاة بين ما هنا وبين ما تقدم في القران من الحديث القائل: وقل عمرة في حجة، فإن هذا إباحة لها بعد حظرها.\n(^٣) أي هل فسخ الحج إلى عمرة وجوازها في شهره خاص بعامنا فقط أم دائما؟ فأجابه بالثاني وأكده بتشبيك أصابعه وتكرير الجواب مرتين؛ وقوله: لا بل لأبد أبد أي ليس جوازها خاصًا بهذا العام بل للأبد.\n(^٤) أي بالورس ونحوه مما لا يجوز للمحرم.\n(^٥) أي مع من أمرهم بالتمتع.\n(^٦) أي نويته.\n(^٧) أي جملته.","vol":"2","page":155},{"text":"بِالْحَجِّ وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِهَا (^١) الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ (^٢) فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمِشْعَرِ الْحَرَامِ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ (^٣) فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ (^٤) فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ (^٥) أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ (^٦) فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي (^٧) فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا فِي شَهْرِكُمْ هذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعُ (^٨) وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ (^٩) كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ (^١٠) وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ مِنْ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ (^١١) فَاتَّقُوا اللَّهَ\n_________\n(^١) أي بمنى وقد نزلوا وباتوا فيها.\n(^٢) نمرة بفتح فكسر موضع قبيل عرفات ليس منها بل بين الحل والحرم.\n(^٣) إلا زائدة ونظم الكلام ولا تشك قريش في أنه واقف بالمشعر الحرام وهو لفظ أبي داود، وكانت قريش تقف به في الجاهلية لأنه من الحرم ويقولون: نحن أهل الحرم فلا تخرج عنه، وأما سائر العرب فكانوا يقفون بعرفات فأمر النبي - ﷺ - بالوقوف بها في قوله تعالى ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾.\n(^٤) أي قرب منها.\n(^٥) مالت عن وسط السماء.\n(^٦) فركبها.\n(^٧) وادي عرنة الذي ليس من عرفة عند كافة العلماء إلا مالكا، وفيه استحباب الخطبة في هذا المكان وعليه أهل العلم كلهم إلا مالكا، ومذهب الشافعي وأحمد: أن في الحج أربع خطب مندوبة إحداها يوم السابع من ذي الحجة عند الكعبة والثانية هذه التي يبطن عرنة يوم عرفات، والثالثة يوم النحر بمنى، والرابعة يوم النفر الأول، وكلها إفراد وبعد صلاة الظهر إلا التي يوم عرفة فإنها خطبتان، وقبل الظهر، ويعلمهم في كل خطبة ما يحتاجون إليه إلى الأخرى.\n(^٨) لا قيمة له كالشيء الذي يداس عليه.\n(^٩) اسمه إياس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب جد النبي - ﷺ -.\n(^١٠) وهي في حرب بني سعد أصابه حجر وهو يحبو بين البيوت فقتله.\n(^١١) إنما نص على الدماء والربا لعظم شأنهما ونص على دم ابن عمه وربا عمه لأنه أدعى إلى امتثال أمره حيث بدأ بنفسه وأهله كقول خطيب الأنبياء شعيب ﵇: وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت.","vol":"2","page":156},{"text":"فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ (^١) وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ (^٢) وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلا يُوطِئْنَ فَرْشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنَّ فَعَلْنَ ذلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (^٣) وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِن اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ. وأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي (^٤) فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ»؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ (^٥) يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ (^٦): «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ (^٧) فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ (^٨) فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ (^٩) بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^١٠) وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ (^١١) وَيَقُولُ أَيْ يُشِيرُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ، كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الْحِبَالِ (^١٢) أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا (^١٣) ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ وَصَلاهُ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ\n_________\n(^١) أي بأمانته وعهده في شرعه.\n(^٢) التي أمرنا بها وهي الإيجاب والقبول.\n(^٣) وستأتي الحقوق الزوجية في النكاح وافية إن شاء الله.\n(^٤) أي في الآخرة.\n(^٥) أي أشار بها.\n(^٦) ينكتها بالتاء وصوابه بالموحدة أي ردها إليهم.\n(^٧) أي أمر بهما وصلى الظهر والعصر جمع تقديم للنسك عند الحنفية وللسفر عند الشافعية.\n(^٨) الموقف الخاص به في عرفات وهو بجوار الصخرات أي الأحجار المفترشات في أسفل جبل الرحمة الذي بوسط عرفات فيستحب الوقوف فيه أو بقربه بقدر الإمكان.\n(^٩) أي جماعهم.\n(^١٠) نزل من عرفة إلى مزدلفة وبيده زمام ناقته.\n(^١١) أي مقدمه.\n(^١٢) الحبل: التل الخفيف من الرمل.\n(^١٣) أي صلاها جمع تأخير كما تقدم.","vol":"2","page":157},{"text":"فَدَعَا اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ (^١) فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعَرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا (^٢) فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ (^٣) فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ (^٤) حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلًا (^٥) ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى (^٦) الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ (^٧) فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي (^٨) ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ (^٩) فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ (^١٠) ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبِضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا (^١١) ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ (^١٢) وَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ\n_________\n(^١) بنحو لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.\n(^٢) أي حسن الطلعة.\n(^٣) الظعن بضمتين جمع ظعينة كسفينة وهي المرأة في الهودج.\n(^٤) حال من وجهه. فوضع يده - ﷺ - وجهه لمنعه من النظر إلى تلك النسوة.\n(^٥) محسر كمحدث: مكان قبل مني نزلت فيه النقمة على الجيش الذي جاء لهدم الكعبة، وسمي بذلك لأن الفيل حسر فيه أي تعب وكل كقوله تعالى - ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير - أي كليل.\n(^٦) وهي غير الطريق التي ذهب منها إلى عرفات تفاؤلا بتغير الحال كما دخل مكة من علياها وخرج من سفلاها.\n(^٧) بقرب مسجد الخيف وقوله: مثل حصى الخذف صفة لسبع أي حب الفول.\n(^٨) لا من أعلاه. وعن يمينه مني وعن يساره مكة المكرمة.\n(^٩) المنحر مكان النحر بقرب مسجد الخيف.\n(^١٠) وهي التي ساقها معه، ونحر عليٌّ ما غير أي ما بقي من المائة، وهي ما جاء بها من اليمين فكان على شريكا في الهدى والنحر.\n(^١١) أي النبي - ﷺ - وعلي ﵁. فالأكل من هدى التطوع سنة بخلاف الهدى الواجب فلا يجوز الأكل منه كما تقدم.\n(^١٢) أي ذهب إلى البيت فطاف طواف الإفاضة؛ وأما طوافه الأول فكان للقدوم.","vol":"2","page":158},{"text":"يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ فَقَالَ: «انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (^١) فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ»، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ (^٢). وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-387>الباب الخامس: في العمرة </span>(^٣)\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهِ﴾ (^٤).\nوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: لَيْسَ أَحَدٌ إِلا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ (^٥). رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْليِّ ﵁ (^٦) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ وَلَا الظَّعَنَ قَالَ: «حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ (^٧)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٨).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ قَالَ: «لَا وَأَنْ تَعْتَمِرُوا هُوَ أَفْضَلُ (^٩)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١٠) وَأَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لامْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهَا أُمُّ سِنَانٍ: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتِ مَعَنَا»؟ قَالَتْ: نَاضِحَانِ (^١١) كَانَا لأَبِي فُلَانٍ (^١٢) حَجَّ هُوَ وَأبْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا وَكَانَ الآخَرُ يَسْقِي عَلَيْهِ غُلَامُنَا\n_________\n(^١) أولاد العباس؛ لأن السقاية كانت وظيفتهم ﵃.\n(^٢) أي بهذا اللفظ ورواه النسائي مختصرًا وللبخاري والترمذي بعضه. والله أعلم.\n\n(الباب الخامس في العمرة)\n(^٣) أي في حكمها وفضلها وبيان أعمالها ووقتها، والعمرة لغة: الزيارة وشرعًا: زيارة البيت الحرام للطواف والسعي.\n(^٤) إنها أي العمرة لقرينتها أي فريضة الحج في قوله تعالى - وأتموا الحج والعمرة الله - أي ائتوا بهما تأمين والأمر للوجوب.\n(^٥) عند الاستطاعة مرة واحدة.\n(^٦) رزين كرحيم اسمه لقيط بن عامر.\n(^٧) الظعن بالتحريك والسكون أي لا يقدر على السفر وركوب الراحلة لكبر سنه، قال: حج عن أبيك واعتمر، فظاهر هذه النصوص أن العمرة فرض وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري، وقال مالك وأبو حنيفة: إنها مندوبة لحديث جابر الآتي ولحديث بني الإسلام على خمس الخالي من العمرة. ولحديث ابن ماجه وابن أبي شيبة: الحج فريضة والعمرة تطوع.\n(^٨) بسند صحيح ورواه أحمد وقال لا أعلم في إيجاب العمرة حديثة أجود من هذا.\n(^٩) أي وأعماركم أفضل.\n(^١٠) وقال صحيح ولكن الحفاظ اتفقوا على ضعفه.\n(^١١) بعيران.\n(^١٢) هو زوجها أبو سنان.","vol":"2","page":159},{"text":"قَالَ: «فَعُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: إِذَا كَانَ رَمَضَانُ اعْتَمِرِي فِيهِ فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ حَجَّةٌ. وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ: الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ (^٢) حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا (^٣)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-388>كم اعتمر النبي ﷺ</span>\n• عَنْ قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا كَمْ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: حَجَّةً وَاحِدَةً (^٤) وَاعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إِلا الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ عُمْرَةٌ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ أَوْ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ (^٥) وَعُمْرَةٌ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَعُمْرَةٌ مِنْ جِعْرَانَةَ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ (^٦) وَعُمْرَةٌ مَعَ حَجَّتِهِ (^٧). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ وَاللَّهُ أَعْلمُ.\n_________\n(^١) أي تساويها لجمعها بين مشقة الصوم ومشقة النسك، وهذا وما بعده في فضل العمرة.\n(^٢) مكان بين مكة والمدينة.\n(^٣) أي يجمع بين الحج والعمرة فهما فريضتان باقيتان ما بقيت الدنيا والله أعلم.\n\nكم اعتمر النبي - ﷺ -\n(^٤) أي بعد فرض الحج سنة عشر من الهجرة وهي حجة الوداع، وحج قبل الهجرة مرتين كما تقدم في فضائل الحج.\n(^٥) الحديبية بتخفيف الياء وتشديدها اسم لبئر بقرب مكة على تسعة أميال منها فجاء النبي وهو وأصحابه معتمرين سنة ست من الهجرة فصدهم أهل مكة عند الحديبية فنحروا الهدى وحلقوا وتحللوا من إحرامهم ورجعوا للمدينة واتفقوا مع الكفار أن يعودوا للعمرة في العام القابل قضاء لهذه وعادوا فيه فاعتمروا.\n(^٦) جعرانة بكسر فسكون مكان بين الطائف ومكة أقرب لها اعتمر النبي - ﷺ - منها وهم في غزوة حنين بعد فتح مكة.\n(^٧) التي قرنها بها في حجة الوداع.","vol":"2","page":160},{"text":"<span data-type='title' id=toc-389>أعمال العمرة</span>\n• عَنْ مَرْوَانَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ النَّبِيُّ ﷺ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا (^٢) أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ قَدْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ وَهُوَ مُصَفِّرٌ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَهُ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَحْرَمْتُ بِعُمْرَةٍ وَأَنَا كَمَا تَرَى فَقَالَ: انْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ وَاغْسِلْ عَنْكَ الصُّفْرَةَ وَمَا كُنْتَ صَانِعًَا فِي حَجِّكَ فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَسُئِلَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالْبَيْتِ فِي عُمْرَتِهِ وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَقَالَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى ﵁: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاعْتَمَرْنَا مَعَهُ فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ طَافَ وَطُفْنَا مَعَهُ وَأَتَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ وَأَتَيْنَاهُمَا مَعَهُ وَكُنَّا نَسْتُرُهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَرْمِيَهُ أَحَدٌ فَقَالَ صَاحِبٌ لِي: أَدَخَلَ الْكَعْبَةَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَحَدِّثْنَا مَا قَالَ لِخَدِيجَةَ\n_________\nأعمال العمرة\n(^١) قلد الهدى بتعليق النعل في عنقه، وأشعره أي بجرح سنامه إشهارًا بأنه هدى، وأحرم بالعمرة أي نواها من الميقات بعد أن تجرد من ملابسه وارتدي واتزر ولبس نعليه، فميقات العمرة هو ميقات الحج لمن يأتي من أهل الآفاق، وأما من كان في مكة أو داخل الحرم وأراد العمرة فإنه يجب عليه الخروج لأقرب أرض الحل فيقف بها وينوي العمرة بعد التجرد من ملابسه ليجمع في عمرته بين الحل والحرم كالحاج يجمع بينهما في وقوفه بعرفة فإنها في الحل.\n(^٢) قيل إنه عطاء أخو يعلى الراوي للحديث.\n(^٣) من البعد عن المحرمات وفعل المأمورات لكن ليس لها وقوف بعرفة ولا نزول بمزدلفة ولا بمنى ولا جمار.\n(^٤) فكما فعل النبي - ﷺ - نفعل لأنه المبلغ عن ربه تعالى.","vol":"2","page":161},{"text":"قَالَ: بَشِّرُوا خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَقَالَ جَابِرٌ ﵁: نَحَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ (^٢). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-390>لا وقت للعمرة</span>\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ قُرَيْشًا وَمَنْ دَانَ دِينَهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الأَرْضِ وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا (^٣) وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ وَعَفَا الأَثَرْ وَانْسَلَخَ صَفَرْ حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ (^٤) فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابَعةٍ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً فَتَعَاظَمَ ذلِكَ عِنْدَهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: «الْحِلُّ كُلُّهُ (^٥)». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (^٦): «هذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الْهَدْيُ فَلْيُحِلَّ الْحِلَّ كُلَّهُ فَإِنَّ الْعُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ\n_________\n(^١) القصب والصخب والنصب بفتحات فيها، والقصب: الدر واللؤلؤ المجوف الفخم، والصخب: الصياح، والنصب: التعب.\n(^٢) وفقه ما تقدم أن أركان العمرة النية والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة والحلق أو التقصير والترتيب كما ذكر. وأما الهدى فإن كان لإحصار عنها فواجب وإلا فمندوب، وواجبات العمرة: التحرز عن المحرمات، والإحرام من الميقات وعلى هذا الشافعي وجماعة، وقال الحنفية: للعمرة ركن واحد وهو معظم الطواف أربعة أشواط؛ وأما الإحرام فشرط لها؛ وأما واجباتها فالسعي بين الصفا والمروة والحلق أو التقصير، والله أعلم.\n\nلا وقت للعمرة\n(^٣) أي يجعلون صفرًا من الأشهر الحرم دون المحرم، وهذا هو النسيء المذكور في القرآن.\n(^٤) إذا برأ الدبر بفتحتين أي التأمت جروح الإبل من كثرة الأسفار؛ وعفا الأثر بالتحريك أي اندرست آثار المشي لمرور الأيام بعده، وانسلخ صفر أي مضي المحرم المسمى عندهم بصفر، حلت العمرة لمن أرادها.\n(^٥) فأمرهم النبي - ﷺ - بجعلها عمرة لأن هذا كان بعد الطواف والسعي والتقصير.\n(^٦) أي لمن أمرهم بالعمرة الذين لم يكن معهم هدى.","vol":"2","page":162},{"text":"فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (^١)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ مُحَرِّشٍ الْكَعْبِي ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ لَيْلًا مُعْتَمِرًا فَدَخَلَ مَكَّةَ لَيْلًا فَقَضى عُمْرَتَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ لَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ بِالْجِعْرَانَةِ كَبَائِتٍ بِهَا (^٢). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-391>الإقامة بمكة بعد النسك وطواف الوداع</span>\nقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِلسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﵃: هَلْ سَمِعْتَ فِي الإِقَامَةِ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا (^٣)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وُجْهٍ (^٤) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ. وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: «مَنْ حَجَّ هذَا الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: خَرِرْتَ مِنْ يَدَيْكَ (^٥) سَمِعْتَ هذَا\n_________\n(^١) أي لا بأس بها في أيامه. قاله الشافعي وأحمد وإسحاق.\n(^٢) هذا في غزو حنين وكان في شهر القعدة، وليس لمحرش الكعبى حديث إلا هذا، فمعنى ما تقدم أن العمرة جائزة في كل وقت لأن النبي - ﷺ - أمر أصحابه بها في أيام الحج وفعلها في القعدة، وتقدم حديث: عمرة في رمضان تعدل حجة معي، والله أعلم\n\nالإقامة بمكة بعد النسك وطواف الوداع\n(^٣) المهاجر أي الذي ليس من أهل مكة، فله أن يقيم بها بعد قضاء نسكه ثلاث ليال لقضاء حوائجه ولا يزيد عليها لأنها بلد للمسلمين كلهم فتضيق وتغلو مرافقها، وفي رواية: أقام النبي - ﷺ - بمكة في عمرة القضاء ثلاثًا.\n(^٤) أي ينصرفون بعد نسكهم من غير طواف؛ فقال - ﷺ -: لا يخرج من مكة أحد حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت.\n(^٥) خررت بفتح فكسر أي سقطت وهو كناية عن الخجل وفي رواية: أذن النبي - ﷺ - في أصحابه بالرحيل فارتحل فمر بالبيت قبل صلاة الصبح فطاف به ثم انصرف متوجها إلى المدينة، فظاهر هذه النصوص أن طواف الوداع واجب على كل آفاقي قبل خروجه من مكة ويجب بتركهـ دم، وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا، وقال مالك: إنه لا يجب ولكنه سنة من كل من رحل عن مكة وإن كان لنحو تجارة كطواف القدوم لكل داخل.","vol":"2","page":163},{"text":"مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ تُخْبِرْنَا بِهِ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إِلا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ (^١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-392>الباب السادس: في الإحصار والقضاء والفدية</span>\n<span data-type='title' id=toc-393>الإحصار في الحج </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (^٣) ﴿وَلَا تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ﴾ (^٤) - صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ (^٥) طَافَ بِالْبَيْتِ وَبالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا فَيُهْدِي أَوْ يَصُومُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا (^٦). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عُمْرٍو ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ (^٧) وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ». قَالَ عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْتُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرةَ ﵃ عَنْ ذلِكَ فَقَالَا: صَدَقَ. رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٨).\n\n• عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ﵁ أَنَّ هَبَّارَ بْنَ الأَسْوَدِ جَاءَ يَوْمَ النَّحْرِ وَعُمَرُ ﵁ يَنْحَرُ هَدْيَهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْطَأْنَا الْعِدَّةَ (^٩) كُنَّا نُرَى أَنَّ هذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ، فَقَالَ عُمَرُ:\n_________\n(^١) أو النفساء فلا تنتظر الطهر للطواف رفقًا بها وبمن معها إلا إذا كانت لم تطف طواف الإفاضة: فإنه يجب عليها الانتظار حتى تطهر وتطوف، وعلى أمراء الحج انتظارها حتى تطوف. والله أعلم.\n\n﴿الباب السادس في الإحصار والقضاء﴾\n(^٢) هو المنع من إتمامه.\n(^٣) أي تيسر من الهدى وهو شاة أو سبع بدنة كما تقدم.\n(^٤) هو مكان الإحصار عند الشافعي فيذبح فيه الهدى ويفرق على مساكينه ثم يحلق بنية التحلل، وقيل محله الحرم.\n(^٥) أي عن عرفة لأنها هي التي تفوت بفوات يومها وبفواتها يفوت الحج.\n(^٦) أي يصوم عشرة أيام كما يأتي.\n(^٧) فمن عطب أو مرض هو أو راحلته، وأولى إذا منعه الغير فقد حل له محرمات الإحرام بعد الهدى والحلق.\n(^٨) بسند صحيح.\n(^٩) أي عدد الأيام.","vol":"2","page":164},{"text":"اذْهَبْ إِلَى مَكَّةَ فَطُفْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ وَانْحَرُوا هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَكمْ ثُمَّ احْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا وَارْجِعُوا (^١) فَإِذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ فَحُجُّوا وَأَهْدُوا فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ ﵁ خَرَجَ حَاجًّا حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْبَادِيَةِ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ أَضَلَّ رَوَاحِلَهُ (^٢) فَقَدِمَ عَلَى عُمَرَ ﵁ يَوْمَ النَّحْرِ فَذَكَرَ ذلِكَ لَهُ فَقَالَ عُمَرُ: اصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ ثُمَّ قَدْ حَلَلْتَ فَإِذَا أَدْرَكَكَ الْحَجُّ قَابِلًا فَاحْجُجْ وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (^٣). رَوَاهُمَا الإِمَامُ مَالِكٌ. وَقَالَ: وَمَنْ قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ثُمَّ فَاتَهُ الْحَجُّ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ قَابِلًا وَيَقْرُنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَيُهْدِي هَدْيَيْنِ هَدْيًا لِقِرَانِهِ وَهَدْيًا لِمَا فَاتَهُ مِنَ الْحَجِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-394>الإحصار في العمرة</span>\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُعْتَمِرِينَ فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْتِ (^٤) فَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بُدْنَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَلَقَ رَأْسَهُ وَجَامَعَ نِسَاءَهُ (^٥) وَنَحَرَ هَدْيَهُ حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا (^٦). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) أي إلى بلادكم حتى تحجوا وتهدوا في العام القابل بمشيئة الله تعالى.\n(^٢) أي تاهت منه وبحث عنها حتى فات يوم عرفة.\n(^٣) فمعنى ما تقدم أن من أحصر عن الحج لأي سبب، فإن كان قبل وصوله لمكة فإنه يتحلل مكانه بنحر الهدى وتفرقته على أهل المكان ثم يحلق أو يقصر بنية التحلل ويعود إلى وطنه وعليه الحج في العام الآتي والهدى، وإن كان بعد وصوله لمكة فإنه يتحلل بعمل عمرة وعليه الحج في العام القابل والهدى. والله أعلم.\n\nالإحصار في العمرة\n(^٤) منعونا من الوصول إليه في الحديبية.\n(^٥) أي بعد النحر فهو متأخر في الذكر فقط.\n(^٦) فمن أحصر عن العمرة قبل مكة فإنه يتحلل بالهدى والحلق أو التقصير وعليه العمرة في القابل والمتحلل ما ذكر في الحج والعمرة إذا كان الإحصار بعد الإحرام بالنسك فإن حصل قبله فلا شيء عليه لأنه لم يدخل في نسك حتى يتحلل منه والله أعلم.","vol":"2","page":165},{"text":"<span data-type='title' id=toc-395>حكم الوطء في النسك</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (^١) -\nسُئِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵃ عَنْ رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ فَقَالُوا: يَنْفُذَانِ لِوَجْهِهِمَا حَتَّى يُتِمَّا حَجَّهُمَا ثُمَّ عَلَيْهِمَا حَجٌّ قَابِلٌ وَالْهَدْيُ (^٢). رَوَاهُ الإِمَامُ مَالِكٌ ﵁.\n\n<span data-type='title' id=toc-396>أسباب الفدية وبيانها </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (^٤) ذلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (^٥).\n_________\nحكم الوطء في النسك\n(^١) أي فمن فرض على نفسه الحج في أيامه ونواه فليبتعد عن الرفث أي الكلام مع النساء، والوقاع أولى، وكذا لا فسق ولا جدال في الحج بل هو عمل وقول في طاعة الله لأنهم وافدون إلى بيت الله تعالى.\n(^٢) فمن جامع وهو محرم بالحج أي قبل طواف الإفاضة كما قاله الأئمة، وكذا من جامع في العمرة قبل السعي باتفاق وقبل الحلق أو التقصير عند الشافعي فإنه يتم حجه وعمرته وعليه القضاء في القابل والهدى ولو كان النسك تطوعا، الرجل والمرأة في هذا سواء. والله أعلم.\n\nأسباب الفدية وبيانها\n(^٣) الفدية ويقال فداء وفدى: هو ما يقدم عوضًا عن شيء ويسمى هنا هديا؛ والمراد به قربة لله من شاة أو سبع بدنة أو طعام أو صيام جبرًا لما وقع في النسك كسجود السهو في الصلاة، وزكاة الفطر لصوم رمضان، وأسباب الفدية التمتع والقران السالفان في أنواع النسك والإحصار والوطء وفوت عرفة والطيب واللبس والحلق ولو لعذر فيهما، وقتل الصيد وترك الإحرام من الميقات وترك البيت بمزدلفة أو بمني وترك الرمى، ويجمعها ترك أي واجب من واجبات النسك أو فعل محظور من محرمات الإحرام.\n(^٤) فصيام أي فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى وطنه.\n(^٥) أي فمن كان منكم في نسك ولبس ملابسه لمرض أو حلق رأسه لقمل أو مرض به فعليه فدية بشاة أو صدقة أو صوم.","vol":"2","page":166},{"text":"• عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَهُوَ يُوقِدُ تَحْت قِدْرٍ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِهِ (^١) فَقَالَ لَهُ: «آذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟» قَالَ: نَعَمْ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «احْلِقْ رَأْسَكَ ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكًا أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ» (^٢). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: فِيَّ خَاصَّةً نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا﴾ وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-397>جزاء الصيد</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا﴾ (^٣) فَجَزَآء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ هَدْيًا بَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَو عَدْلُ ذلِكَ صِيَامًا لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ.\n_________\n(^١) أي يتساقط من رأسه على وجهه لكثرته بسبب مرضه، وقوله نسكا عبادة واجبة للفقراء وأو للتخيير بين الثلاثة.\n(^٢) الآصع جمع صاع وهو أربعة أمداد، والمد رطل وثلث؛ فالواجب هنا لكل مسكين مدان من غالب قوتهم، وخص التمر لأنه غالب قوتهم حينذاك، فالآية الأولى ذكرت من أسباب الفدية التمتع، والثانية ذكرت الحلق واللبس ولو لعذر، ومثل الحلق واللبس بقية محرمات الإحرام إذا فعل شيئا منها وكذا إذا ترك واجبًا من واجبات النسك السالفة فعليه الفدية بشاة أو صدقة أو صوم عشرة أيام.\n\nجزاء الصيد\n(^٣) متعمدًا أي وعالمًا بالتحريم، أما الناسي والجاهل المعذور فلا شيء عليهما، وقوله فجزاء أي فعليه جزاء من النعم يكون شبيهًا في الخلق والوصف بما قتله، يحكم بمثل الصيد رجلان عدلان منكم، وقوله: هديا، حال من جزاء، وقوله: بالغ الكعبة أي يبلغ الحرم فيذبح فيه ويفرق على مساكينه، وقوله: طعام مساكين أي من غالب قوت البلد ما يساوي الجزاء، وأو فيه وما بعده للتخيير وقوله: أو عدل ذلك صيامًا أي مثل هذا الطعام صيامًا عن كل مد يومًا، فقاتل الصيد مخير بين مثله من النعم وبين قيمة المثل طعامًا أو بدل الطعام صيامًا فإن لم يكن للصيد مثل فعليه قيمته أو صيام بقدرها.","vol":"2","page":167},{"text":"• عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَضى فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ وَفِي الْغَزَالِ بِعَنْزٍ وَفِي الأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ وَفِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ.\nوَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ﵁ يَقُولُ فِي حَمَامِ مَكَّةَ إِذَا قُتِلَ شَاةٌ (^١). رَوَاهُمَا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَزَادَ: وَفِي غَيْرِ حَمَامِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِ مِنَ الطَّائِرِ قِيمَتُهُ (^٢)، وَقَضَى عُمَرَ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ فِي النَّعَامَةِ بِبَدَنَةٍ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ: فِي بَقَرَةِ الْوَحْشِ أَوْ حِمَارِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ (^٣).\nوَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ ﵁ فِي الثَّعْلَبِ شَاةٌ وَفِي الْوَبَرِ إِنْ كَانَ يُؤْكَلُ شَاةٌ وَفِي الضَّبِّ شَاةٌ. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: إِنْ أَرَادَ شَاةً صَغِيرَةً فَبِذلِكَ نَقُولُ وَإِنْ أَرَادَ مُسِنَّةً خَالَفْنَاهُ (^٤). وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-398>الهدى إلى الحرم الشريف </span>(^٥)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَا هَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (^٦) كَذلِكَ سَخَّرْنَهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.\n_________\n(^١) للشبه الظاهر بين الصيد وبين هذه ولشبه الشاة بالحمام في العب، وسبق سعيدًا إلى ذلك عمر وابن عباس ﵃.\n(^٢) لم يكن غير حمام مكة كحمام مكة لفضله بنسبته للحرم ولأنه من نسل الحمامتين اللتين باضتا على باب الغار وحفظت النبي - ﷺ - من أيدي الكفار.\n(^٣) للشبه الظاهر في كل هذه الحيوانات.\n(^٤) قوله إن أراد شاة صغيرة أي في الضب والوبر والثعلب وافقناه وإلا خالفناه للفرق الظاهر بين الكبيرة وهذه الحيوانات، فهذه الأفضية أمثلة يقاس عليها والفراسة بيد الله يعطيها لمن يشاء جل شأنه والله أعلم.\n\nالهدي إلى الحرم الشريف\n(^٥) الهدي هو إهداء النعم الفقراء الحرم وهو سنة مؤكدة من المحرم وغيره للتوسعة على أهل ذلك الوادى الذي لا زرع فيه وهم أهل الله وسكان حرمه الشريف، وينبغي اختيار الهدى من أحسن النعم صحة وسمنًا فإنه تعظيم المعالم الدين وزيادة في التقوى قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ويقاس على النعم غيرها من طعام وثياب ونقود فيندب إهداء ما تيسر من ذلك للحرم رحمة بأهله وإجابة لدعوة الخليل ﵇ ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.\n(^٦) البدن جمع بدنة وهي الواحد من الإبل والبقر التي تهدى للحرم وقوله: من شعائر الله أي معالم =","vol":"2","page":168},{"text":"• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ وَأَهْدَى فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْي مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ (^١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: أَهْدَى النَّبِيُّ ﷺ مِائَةَ بَدَنَةٍ فَأَمَرَنِي بِلُحُومِهَا فَقَسَمْتُهَا وَأَمَرَنِي بِجِلَالِهَا فَقَسَمْتهَا ثمَّ بِجُلُودِهَا فَقَسَمْتَهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ مَرْوَانَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ النَّبِيُّ ﷺ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَ وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ (^٢) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ.\nوَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ دَعَا بِبَدَنَةٍ فَأَشْعَرَهَا مِنْ صَفْحَةِ سَنَامِهَا الأَيْمَنِ ثُمَّ سَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا وَقَلَّدَهَا بِنَعْلَيْنِ عَلَّقَهُمَا فِي عُنُقِهَا (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتْرمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ بِيَدَيَّ ثُمَّ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا وَأَهْدَاهَا فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ أُحِلَّ لَهُ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ الْغَنَمِ للِنَّبِيِّ ﷺ فَيَبْعَثُ بِهَا ثُمَّ يَمْكُثُ حَلَالًا (^٤). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n_________\n=دينه. وقوله: لكم فيها خير أي بركوبها وحمل متاعكم عليها. وقوله: ﴿فاذكروا اسم الله عليها﴾ أي حين ذبحها حال كونها صواف أي قائمة مقيدة اليد اليسرى كما تقدم في الذبح. وقوله: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ أي سقطت على الأرض وخرجت روحها، فكلوا منها على ما تقدم ﴿وأطعموا القانع﴾ أي الذي يقنع بما يعطي ولا يسأل والعتر الذي يتعرض أو يسأل.\n(^١) قوله تمتع فهم ابن عمر ذلك من أمر النبي - ﷺ - أصحابه بالتمتع وإلا فهو كان قارنا كما تقدم.\n(^٢) ورد أنه - ﷺ - في هذه المرة أهدى سبعين بدنة عن سبعمائة رجل من أصحابه.\n(^٣) التقليد تعليق نعلين في عنق البدنة، والإشعار جرح جانب السنام الأيمن وتلطيخه بالدم وهما علامة على أن هذا النعم هدى للحرم فلا يتعرض له أحد وهو مستحب، ويكفي في بدنة تكون في مقدمة الهدى.\n(^٤) قوله قلائد أي حبائل جمع قلادة وهي هنا ما يعلق فيه النعل في عنق الهدى، وقوله ثم أهداها فما حرم عليه شيء، أي أهداها وهو على حاله، ففيه جواز الهدى من المحرم والحلال، وفيه أن إرسال الهدى لا يحرم شيئا على الحلال الذي أرسله، وفيه جواز تقليد الغنم للإشعار بأنها هدى وفي رواية: فتلت قلائدها من عهن أي صوف كان عندي فالنبي - ﷺ - أهدى للحرم وهو محرم بالعمرة وأهدى في حجة الوداع وأرسل الهدى وهو في المدينة، ولقد كان لنا في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرة. والله أعلم.","vol":"2","page":169},{"text":"<span data-type='title' id=toc-399>لا بأس بركوب البدن (^١) عند الحاجة</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوق بَدَنَةً قَالَ: ارْكَبْهَا قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ (^٢) قَالَ: ارْكَبْهَا قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النَّبِيَّ ﷺ (^٣) وَالنَّعْلُ فِي عُنُقِهَا رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ ﵁: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا (^٤). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-400>إن عطب الهدْي في الطريق يذبح للناس</span>\n• عَنْ ذُؤَيْبٍ أَبِي قَبِيصَةَ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ مَعِي بِالْبُدْنِ (^٥) ثُمَّ يَقُولُ: إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ فَخِفْتَ عَلَيْهِ مَوْتًا فَانْحَرْهَا ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا (^٦) وَلَا تَطْعَمْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ (^٧). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ. وَاللَّهُ أَعْلمُ.\n_________\nلا بأس ركوب البدن عند الحاجة\n(^١) أي البدن المهداة للحرم الشريف.\n(^٢) أي هدية للحرم.\n(^٣) أي في المسير ويحدثه.\n(^٤) بالمعروف أي إن كانت تطيق، وحملها ما تطيق حتى تجد مركوبًا آخر، ففيهما جواز ركوب الهدي ولقول الله تعالى: ﴿لكم فيها خير﴾ والله أعلم.\n\nإن عطب الهدي في الطريق يذبح للناس\n(^٥) هدية للحرم ويبقى النبي - ﷺ - في المدينة وفي رواية. بعث النبي - ﷺ - مرة بثمان عشرة بدنة مع رجل وقال له إن عطب منها الخ.\n(^٦) أي صفحة سنامها الأيمن لتعلم أنها هدي فلا يأكلها الأغنياء ويأكلها الفقراء.\n(^٧) قال بظاهره جماعة، ولكن الجمهور على جواز الأكل منه لما سبق في الضحية، والنهي هنا لئلا يتوسل إلى أكلها بدعوى العطب مثلا. والله أعلم.\nإلى هنا وأنا أشكل الكتاب أمام الطبع في صباح يوم الاثنين المبارك الموافق ٣ ذي القعدة سنة ١٣٥١ هـ تفضل الله وتكرم علينا بمولود وأسميناه عبد الرحمن الحديث الآتي في كتاب الأدب: أفضل الأسماء عند الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن، وتفاؤلا بأنه يعيش ويكون عبدًا لله ورحيما بعباده، وبهذا كملت الذرية أربعة بعد الأول الذي اختصه الله بجواره، وهم السيدة زينب والسيد محمد ولى الدين والسيدة بهيمة =","vol":"2","page":170},{"text":"<span data-type='title' id=toc-401>الباب السابع: في الحرمين الشريفين (^١) وفيه خمسة فصول وخاتمة</span>\n\n<span data-type='title' id=toc-402>الفصل الأول: في فضل الحرم المكي</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ (^٢) ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾. وَقَالَ: ﴿إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبِّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ (^٣) ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إِنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ (^٥) عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ (^٦) فَأُخْبِرَ بِذلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ\n_________\n= والسيد عبد الرحمن، أحمد الله على ذلك بعدد ما في علم الله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أسأل الله أن يجعلهم نباتًا حسنًا وذرية طيبة إنه سميع الدعاء آمين. والحمد لله رب العالمين.\n\n(الباب السابع في الحرمين الشريفين وفيه خمسة فصول وخاتمة)\nالفصل الأول في الحرم المكي\n(^١) أي في فضلهما وبيانهما وعدم التعرض لصيدها وشجرهما.\n(^٢) آمنا أي أهله وصيده وشجره.\n(^٣) حرمها أي حرم دمها وصيدها وغرسها.\n(^٤) يجبى إليه أي تجلب إليه الثمرات والحبوب والثياب والهدى وكل شيء بفضل الله على أهل ذلك الحرم العظيم، والحرم مكة والمحيط بها، وحده من طريق المدينة التنعيم على ثلاثة أو أربعة أميال من مكة، ومن جهة حده عشرة أميال ومن الجعرانة تسعة ومن جهة الطائف واليمن والعراق سبعة. ونظمها بعضهم في قوله:\nوللحرم التحديد من أرض طيبة … ثلاثة أميال إذا رمت إتقانه\nوسبعة أميال عراق وطائف .... وحدة عشر ثم تسع جعرانه\n(^٥) خزاعة وبنو ليث قبيلتان مشهورتان.\n(^٦) بمقابلة مقتول من خزاعة قتله بنو ليث فاقتص خزاعة منهم.","vol":"2","page":171},{"text":"﷿ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ (^١) وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ (^٢)، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي وَلَنْ تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ (^٣)، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هذِهِ حَرَامٌ (^٤) لَا يُنْحْبِطُ شوْكُهَا وَلَا يُعْضَدُ شجَرُهَا (^٥)». زَادَ فِي رِوَايَةٍ: «وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَهَا إِلا مُنْشِدٌ (^٦) وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُعْطَى وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ (^٧)» فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهْ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّه فَقَالَ: «اكْتُبُوا لأَبِي شَاهُ» (^٨) فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلا الإِذْخِرَ فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِلا الإِذْخِرَ» (^٩). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «لَا هِجْرَةَ وَلكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا (^١٠) إِنَّ هذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمواتِ وَالأَرْضَ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا يَحِلُّ لأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلَاحَ» (^١١).\n_________\n(^١) الذي جاء في جيش لهدم الكعبة سنة ميلاده - ﷺ -، فأهلكه الله بوادي محسر بالطير الأبابيل كما يأتي في التفسير إن شاء الله.\n(^٢) في فتح مكة.\n(^٣) لن تحل لأحد بعدي أي يقاتل فيها وإنما حلت لي ساعة من أول النهار إلى العصر.\n(^٤) أي يحرم فيها الآتي وأولى منه القتال.\n(^٥) أي لا يقطع ولو غصنًا ولا يخبط، والنهي كله للتحريم.\n(^٦) إلا من يعرفها وستأتي لقطة مكة والحاج في باب اللقطة إن شاء الله.\n(^٧) إما أن يعطي أي الدية فيأخذها، وأما أن يقاد أي يقتل القاتل، فصاحب الدم بالخيار بين الدية والقصاص، ففيه أن الحرم لا يمنع إقامة الحد ولا القصاص لأنه تنفيذ لأمر الله.\n(^٨) أبو شاه بسكون الهاء وصلا ووقفًا قال يا رسول الله اكتب لي هذه الخطبة فأمر بكتابها له.\n(^٩) القائل هو العباس عم النبي - ﷺ - طلب منه أن يبيح لهم أخذ نبات الإذخر لحاجتهم إليه للوقود ولسقف القبور فأجابه النبي - ﷺ -.\n(^١٠) لا هجرة واجبة على أهل مكة بعد إسلامهم وكانت الهجرة واجبة قبل الفتح وسيأتي بسطها في الجهاد إن شاء الله ولكن يجب الجهاد ونيته إذا استنفرتم أي طلبتم للخروج له.\n(^١١) أي للقتال فيها؛ أما حمله للتحفظ فلا بأس به وربما وجب عند الخوف.","vol":"2","page":172},{"text":"• عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ (^١): إِئْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ (^٢) سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ (^٣) أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا (^٤) وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ فِيهَا فَقُولُوا لَهُ إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ (^٥) وَقَدْ عادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ». فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لكَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعيِذُ عَاصِيًا (^٦) وَلَا فَارًّا بِدَمٍ وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ (^٧). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ حَمْرَاءَ ﵁: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاقِفًا عَلَى الْحَزْوَرَةِ (^٨) فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ (^٩).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لِمَكَّةَ: «مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ». رَوَاهُما التِّرْمِذِيُّ (^١٠).\n_________\n(^١) عمرو هذا كان أميرًا على المدينة من قبل يزيد بن معاوية، وكان يخطب على منبر المدينة ويحث الناس. على قتال ابن الزبير الذي لم يبايع يزيد وتحصن بمكة، فاعترض أبو شريح على عمرو فرد عمرو عليه بقوله: إن الحرم لا يحفظ العاصي.\n(^٢) اليوم الثاني منه.\n(^٣) أي النبي - ﷺ - وهذه مبالغة في حفظه لما سمعه من النبي - ﷺ -.\n(^٤) إلا قصاصًا.\n(^٥) وهي من أول النهار إلى العصر: فالمراد قطعة من الزمن.\n(^٦) لا يحفظه من إقامة الحد عليه.\n(^٧) بفتح الحاء والباء وسكون الراء أي خيانة.\n(^٨) الحزورة - كقسورة - مكان بمكة.\n(^٩) فمكة أحب البلاد إلى الله وإلى النبي - ﷺ - وإلى المسلمين.\n(^١٠) وصحح الأول وحسن الثاني.","vol":"2","page":173},{"text":"<span data-type='title' id=toc-403>يجوز دخول مكة بغير إحرام</span>\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ مِغْفَرٌ فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ» (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ (^٢). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-404>شرب ماء زمزم ونقله</span>\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ (^٣). قَالَ عَاصِمٌ: فَحَلَفَ عِكْرِمَةُ مَا كَانَ يَوْمَئِذٍ إِلا عَلَى بَعِيرٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَلَفْظُهُ: شَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ مِنْ دَلْوٍ مِنْهَا وَهُوَ قَائِمٌ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وَتُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَحْمِلُهُ (^٤). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n_________\nيجوز دخول مكة بغير إحرام\n(^١) المغفر - كمنبر - زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يحفظه من السلاح، وابن خطل كان اسمه أولا عبد العزى فلما اسم سمي نفسه عبد الله وبعد إسلامه ارتد عن الإسلام وقتل مسمًا كان يخدمه وكان يهجو النبي - ﷺ -، فلما فتح النبي - ﷺ - مكة وجلس بجوار الكعبة شعر ابن خطل بالخطر فاستغاث بالكعبة فجاء نضلة بن عبيد فقال: يا رسول الله إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. فأمر بقتله فقتله نضلة وشاركه سعيد بن حريث، فيه جواز إقامة الحدود في الحرم وعليه الشافعي وجماعة، وقال الحنفية: لا يجوز. وقتل ابن خطل في الساعة التي أبيحت فيها مكة للنبي - ﷺ -.\n(^٢) محل الشاهد، وأيضًا لو كان محرمًا لم يلبس عمامة ولا مغفرا، والعامة لا تنافي المغفر لإمكان لبس العامة فوق المغفر فظاهره أنه لا يجب الإحرام على من دخل مكة وعليه الشافعي وجماعة، وقال الأئمة الثلاثة: يجب الإحرام بنسك لأن البيت الحرام خلق للعبادة. والله أعلم.\n\nشرب ماء زمزم ونقله\n(^٣) شرب وهو قائم لبيان الجواز، وستأتي آداب الأكل والشرب في كتاب الطعام والشراب إن شاء الله.\n(^٤) أي من مكة إلى المدينة تبركا واستشفاء به.","vol":"2","page":174},{"text":"• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» (^١). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-405>فضل سقاية الحاج </span>(^٢)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ (^٣) وَاسْتَسْقَى فَقَالَ الْعَبَّاسُ (^٤): يَا فَضْلُ اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا (^٥) فَقَالَ: اسْقِنِي قَالَ: «اسْقِنِي» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ قَالَ: «اسْقِنِي» (^٦) فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا (^٧) فَقَالَ: «اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ»، ثُمَّ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ تغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الْحَبْلَ عَلَى هذِهِ وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ (^٨)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ جَالِسًا عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَا لِي أَرَى بَنِي عَمِّكُمْ (^٩) يَسْقُونَ الْعَسَلَ وَاللَّبَنَ وَأَنْتُمْ تَسْقُونَ النَّبِيذَ أَمِنْ حَاجَةٍ بِكُمْ أَمْ مِنْ بُخْلٍ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:\n_________\n(^١) فإن شربه بنية الشفاء شفاء الله، أو بنية النصر نصره الله، أو بأي مطلوب ناله، وشربه جماعة من السلف لآمال فبلغوها كما شاء الله. والدارقطني والحاكم: ماء زمزم لما شرب له، فإن شربته تستشفي به شفاك الله، وإن شربته مستعيذًا أعاذك الله، وإن شربته لتقطع ظمأك قطعه الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله وهي هزمة جبريل (أي غمزة بيده) وسقيا إسماعيل. وفي رواية: من شربه لمرض شفاه الله، أو لجوع أشبعه الله، أو لحاجة قضاها الله. فيندب الشرب والتضلع منه مرة بعد أخرى. ونقله إلى الأوطان بنية صالحة. والله أعلم.\n\nفضل سقاية الحاج\n(^٢) ك انوا يهتمون بها في الجاهلية حتى فهم بعضهم أنها تعدل الإيمان بالله فرد الله عليهم بقوله: ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله؟ لا يستوون عند الله﴾.\n(^٣) التي يستقي منها الماء واستسقى أي طلب الشرب.\n(^٤) لولده الفضل.\n(^٥) أنظف من هذا.\n(^٦) أي مما يشرب منه الناس.\n(^٧) ينزحون الماء من بئرها.\n(^٨) فلم يمنع النبي - ﷺ - من نزح الماء إلا خوفه من غلبة الناس على بني عمه.\n(^٩) أي من العرب يسقون العسل واللبن أبي الممزوجين بالماء، وكانت كرام العرب تفعل ذلك عزًا وكرمًا.","vol":"2","page":175},{"text":"الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا بِنَا مِنْ حَاجَةٍ وَلَا بُخْلٍ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَخَلْفَهُ أُسَامَةُ فَاسْتَسْقَى فَأَتَيْنَاهُ بِإِنَاءٍ مِنْ نَبِيذٍ فَشَرِبَ وَسَقَى فَضْلَهُ أُسَامَةَ وَقَالَ: «أَحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ» (^١) كَذَا فَاصْنَعُوا فَلَا نُرِيدُ تَغْيِيرَ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-406>الفصل الثاني: في الكعبة حفظها اللَّه </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ (^٣) ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (^٤) وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ (^٥) ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\n_________\n(^١) النبيذ هو منقوع التمر والزبيب الذي لا يسكر، وأحسنتم وأجملتم أي فعلتم الحسن الجميل، ففيه الحث على سقاية الناس ولا سيما الحجاج فإنهم وفد الله وفي بقاع قليلة الماء، ولكن مشاعر الحج صارت الآن روضة بفضل ما فعلته تلك السيدة الجليلة زبيدة امرأة أمير المؤمنين هارون الرشيد التي أجرت فيها نهرًا يرويها ما بقيت الدنيا جزاها الله ومن تحب أحسن الجزاء. آمين.\n\nالفصل الثاني في الكعبة حفظها الله\n(^٢) أي في فضلها وفي جواز الصلاة فيها وفي عدم التعرض لكنزها وفي خسف من يتعرض لها بسوء وغير ذلك.\n(^٣) فأول بيت وضع في الأرض بيت مكة وهو الكعبة، بنتها الملائكة وبعده المسجد الأقصى وبينهما أربعون سنة، ثم بناها آدم بعد أن خلق وقيل له أنت أول الناس وهذا أول بيت وضع للناس، ثم بناها أولاد آدم حتى نسفها الطوفان، ثم بناها إبراهيم الخليل ﵇، ثم بناها العمالقة، ثم جرهم، ثم قصي بن كلاب ثم قريش قبل المبعث بخمس سنين، ثم عبد الله بن الزبير على قواعد إبراهيم ﵇ وأدخل فيها الحجر وجعل فيها بابين شرقيًا وغربيًا جزاه الله أحسن الجزاء، ثم الحجاج بن يوسف الثقفي وهو الموجود الآن.\n(^٤) منها مقام إبراهيم، وهو الحجر الذي وقف عليه عند بناء البيت، فأثر قدماه فيه وبقي للآن مع تطاول وتداول الأيدى عليه، ومنها تضعيف الحسنات، ومنها كون الطير لا يعلوه، ومنها رد من أراده بسوء، ومنها حفظ من كان فيه.\n(^٥) عطف على إبراهيم فهما قد رفعا قواعد الكعبة وهما يقولان: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾. وأما الأسس فكانت من قبل، ورد أنه حين أسستها الملائكة انشقت الأرض إلى منتهاها وقذفت فيها حجارة أمثال الإبل، فتلك قواعد البيت التي بني عليها إبراهيم وإسماعيل ﵉، قال يزيد =","vol":"2","page":176},{"text":"وَقَالَ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ﴾ (^١). -\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا بُنِيَتِ الْكَعْبَة ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَبَّاسٌ يَنْقُلَانِ الْحِجَارَةَ فَقَالَ الْعَبَّاسُ للنَّبِيِّ ﷺ: اِجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ فَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ فَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ (^٢) فَقَالَ: أَرنِي إِزَارِي فَشَدَّهُ عَلَيْهِ. زَادَ فِي رِوَايَةٍ: فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذلِكَ الْيَوْمِ عُرْيانًا (^٣). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-407>تجوز الصلاة في الكعبة والحجر منها</span>\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ أَبى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الآلِهَةُ (^٤) فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا الأَزْلَامُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ». فَدَخَلَ الْبَيْتَ فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ (^٥). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n_________\n= ابن رومان: شهدت ابن الزبير حين هدم البيت وبناه فكشفوا له عن أساسه فإذا هي حجارة كأسنمة الإبل. وفي رواية: فإذا هي كالإبل العظام متداخلة في بعضها فبنوا عليها.\n(^١) البيت الحرام بدل من الكعبة، وقيامًا للناس أي يقوم به أمر دينهم بالحج والعمرة وأمر دنياهم بأمن داخله وجلب الثمرات إليه.\n(^٢) طمحت بفتحات أي شخصتا إلى السماء خوفًا من ربه لكشف عورته الذي لم يتعوده.\n(^٣) فقريش شرعت في بناء الكعبة لتصدعها بالسيول وطول الزمن، وكان النبي - ﷺ - حينذاك في الخامسة والثلاثين من عمره، وكان ينقل الحجارة معهم، فوضع إزاره على عاتقه بأمر عمه ليحفظه من الحجارة، فوقع على الأرض لكشف عورته فاتزر إزاره، وما رئي بعد ذلك مكشوف العورة - ﷺ - ووفقنا للعمل بشريعته آمين.\n\nتجوز الصلاة في الكعبة والحجر منها\n(^٤) فلم يدخل الكعبة لوجود الأصنام فيها أي التماثيل التي وضعها الكفار ويزعمون أنها آلهة ويعبدونها من دون الله.\n(^٥) الأزلام القداح، وهي أعواد ثلاثة مكتوب في أحدها افعل، وفي الثاني لا تفعل، والثالث غفل لا شيء فيه، كان أحدهم إذا أراد حاجة كسفر ونحوه ألقاها في الوعاء فإن خرج افعل،=","vol":"2","page":177},{"text":"• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ هُوَ وَأُسَامَةُ وَبِلَالٌ وَعُثْمَانُ ابْنُ طَلْحَةَ (^١) فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ فَلَقِيتُ بِلَالًا فَسَأَلْتُهُ هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ (^٢). وَفِي رِوَايَةٍ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ ثُمَّ صَلَّى (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِي وَهُوَ مَسْرُورٌ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ وَهُوَ كَئيبٌ، فَقَالَ: «إِنِّي دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا دَخَلْتُهَا، إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ شَقَقْتُ عَلَى أُمَّتِي (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ الْبَيْتَ وَأُصَلِّيَ فِيهِ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي فَأَدْخَلَنِي فِي الْحِجْرِ فَقَالَ: «صَلِّي فِي الْحِجْرِ إِنْ أَرَدْتِ دُخُولَ الْبَيْتِ فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنْ الْبَيْتِ فَإِنَّ قَوْمَكِ اقْتَصَرُوا حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ فَأَخْرَجُوهُ مِنَ الْبَيْتِ (^٥)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ\n_________\n= فعل ما أراد، وإن خرج لا تفعل امتنع، وإن خرج الثالث أعاد الإلقاء حتى يخرج الآمر أو الناهي، وهو فسق كما قال الله تعالى ﴿وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق﴾ والذي ابتدع الأزلام عمرو بن لحي الذي سيب السوائب للآلهة، وإبراهيم وإسماعيل ﵉ قبل عمرو بزمن طويل، فنسبة الأزلام إليهما افتراء وتضليل.\n(^١) عثمان هو القائم بخدمة الكعبة وبيده مفتاحها.\n(^٢) المجاورين للحائط الجنوبي، فاستقبله - ﷺ - وكان الحجر عن يساره.\n(^٣) أي ركعتين كما في رواية، ويقاس على النفل كل صلاة.\n(^٤) فالنبي - ﷺ - ندم على دخول الكعبة خوفًا على أمته من أن تفهم أنه فرض لازم فيجهدوا أنفسهم في دخولها.\n(^٥) الحجر الجزء المتصل بالكعبة من الجهة الشمالية المحيط به جدار قصير وهو من الكعبة، وتركته قريش لقلة النفقة التي أعدوها لبنائها من كسبهم الطيب، فإن أبا وهب المخزومي قال لقريش: لا تدخلوا فيه من كسبكم إلا طيبًا ولا تدخلوا فيه مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلة أحد من الناس، ففي هذه صحة الصلاة في الكعبة والحجر فرضًا أو نقلا إلى أي جهة فيها وعليه الجمهور سلفًا وخلفا. وقال مالك: يصح فيها النفل المطلق دون الفرض والوتر وركعتي الفجر وركعتي الطواف لأن النبي - ﷺ - حينما دخلها صلى ركعتين نافلة، وقال الظاهرية: لا تصح فيها صلاة مطلقًا.","vol":"2","page":178},{"text":"• عَنِ الْجَدْرِ أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» (^١) قُلْتُ: فَلِمَ لَمْ يُدْخِلوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: «إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ» قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا (^٢)؟ قَالَ: «فَعَلَ ذلِكَ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاؤُوا وَيَمْنَعُوا منْ شَاؤُوا وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ (^٣) فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تنْكِرَ قُلُوبُهُمْ لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ وَأَنْ أُلْزِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ». وَفِي رِوَايَةٍ: لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ فَأَلْزَقْتُهَا بِالأَرْضِ وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا بَابٌ يَدْخُلُونَ مِنْهُ وَبَابٌ يَخْرُجُونَ مِنْهُ وَزِدْتُ فِيهَا سِتَّةَ أَذْرُعِ (^٤) مِنَ الْحِجْرِ فَإِنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْهَا حَيْثُ بَنَتِ الْكَعْبَةَ (^٥). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-408>كنز الكعبة </span>(^٦)\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ أَوْ قَالَ بِكُفْرٍ لأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالأَرْضِ\n_________\n(^١) الجدر - كالبدر - هو الحجر السابق ذكره ويسمى حجر إسماعيل ﵇.\n(^٢) بابه أي البيت وهو الكعبة فإن بابها مرفوع.\n(^٣) فاعل بحديث.\n(^٤) وفي رواية: خمسة أذرع، وهذا تقريبي فإنه لم يكن عليه جدار في زمن النبي - ﷺ - وأبي بكر ﵁، ولكن أحاطه بالجدار عمر ﵁، وهو من البيت لتصريح أحاديث الباب ولحديث الشيخين: الحجر من البيت. فلابد للطائف من المرور حوله وعليه جميع المحدثين والفقهاء ﵃.\n(^٥) ومعنى ما تقدم أن أرض الكعبة وبابها مرفوعان عن أرض المسجد الحرام، وقد تمنى النبي - ﷺ - لو تمكن من هدمها لبناها على قواعد إبراهيم وأدخل فيها الحجر وجعلها كالأرض وجعل لها بابين أحدهما للدخول والآخر للخروج، وفعل ذلك ابن الزبير ﵁ ولكن بالأسف لم يبقه الحجاج لما وقع بينهما رحم الله الجميع، ولمسلم: أن النبي - ﷺ - قال لعائشة: فإن بدا لقومك أن يبنوه بعدي فهلمي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبًا من سبعة أذرع وهو حجر إسماعيل ﵇.\n\nك نز الكعبة\n(^٦) هو مال مدفون فيها زائد عن حاجتها من هدايا الجاهلية التي كانوا يهدونها للكعبة.","vol":"2","page":179},{"text":"وَلأَدْخَلْتُ فِيهَا منَ الْحِجْرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَقَالَ شَقِيقٌ ﵁: كنْتُ مَعَ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ فَقَالَ: قَعَدَ عُمَرُ فِي مَقْعَدِكَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ (^١) فَقَالَ: لَا أَخْرُجُ حَتَّى أَقْسِمَ مَالَ الْكَعْبَةِ قُلْتُ: مَا أَنْتَ بِفاعِلٍ قَالَ: بَلَى لأَفْعَلَنَّ، قُلْتُ: مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ قَالَ: لِمَ؟ قُلْتُ: لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ رَأَى مَكَانَهُ وَأَبُو بَكْرٍ (^٢) وَهُمَا أَحْوَجُ مِنْكَ إِلَى الْمَالِ فَلَمْ يُحَرِّكَاهُ فَقَامَ فَخَرَجَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ. وَلَفْظهُ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَلا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلا قَسَمْتُهُ قُلْتُ: إِنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلَا، قَالَ: هُمَا الْمَرْآنِ أَقْتَدِي بِهِمَا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-409>يخسف بمن يغزو الكعبة</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ وَفِيهئِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: «يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ» (^٤).\n_________\n(^١) وكان شقيق وعثمان خادم الكعبة جالسين في الكعبة.\n(^٢) أي رآه.\n(^٣) الصفراء: الذهب والبيضاء: الفضة؛ فعمر كان جالسًا في الكعبة مع خادمها وأراد أخذ مالها فمنعه عثمان واحتج بأن النبي - ﷺ - وأبا بكر تركاه مع اضطرارها إلى المال فقال عمر: هما المرآن العظيمان أقتدي بهما. وانصرف ولم يتعرض لكنزها هذا، ولكن لا مانع من إنفاق ما زاد على حاجتها في المصالح العامة وللفقراء لأن المانع للنبي - ﷺ - من أخذه قربهم من الكفر وقد زال؛ ولأنه ككسوة الكعبة القديمة إذا جاءها الكسوة الجديدة فإنها تصرف في مصالحها وفي مصالح المسجد الحرام إذا احتيج لذلك وإلا جاز صرفها للمسلمين ينتفعون بها لبسًا وغيره كما كان عمر يقسمها كل سنة على الحجاج وعليه ابن عباس وعائشة وأم سلمة، قال النووي وهو متعين لئلا تتلف بالبلى، وكانت الكعبة تكسى في الجاهلية وكساها النبي - ﷺ - الثياب اليمانية ثم كساها عمر وعثمان وكساها معاوية الديباج وكساها المأمون وكساها المتوكل العباسي والناصر العباسي، ولم تزل الملوك تتداول كسوتها إلى أن وقف لها الصالح ابن الناصر محمد بن قلاوون في القرن الثامن قرية تسمى بيسوس بضواحي مصر في القليوبية وكذا وقفت لها أميرة مصر شجرة الدر المشهورة أوقافًا لا تزال تعمل منها الكسوة إلى الآن، رحم الله الجميع وجزاهم على صنعهم. خير الجزاء، آمين.\n\nيخسف بمن يغزو الكعبة\n(^٤) سيأتي لغزو الكعبة جيش حتى إذا كان بفلاة من الأرض خسف الله بهم الأرض كلهم حتى=","vol":"2","page":180},{"text":"روَاهُ الْخَمْسَةُ (^١).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ». وَفِي رِوَايَةٍ: كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا (^٢). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-410>الفصل الثالث: في فضل المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام</span>\n• عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الْمَدِينَةَ طَابَةَ» (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكلُ الْقُرَى (^٥) يَقُولونَ يَثْرِبَ وَهِيَ الْمَدِينَةُ تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» (^٦). رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ.\n_________\n=صالحيهم بشؤن أشرارهم قال الله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ ولكن في الآخرة يعامل كل إنسان بنيته جزاء وفاقًا.\n(^١) ولكن البخارى هنا وبقيهم في الفتن.\n(^٢) السويقتان تثنية سويقة بالتصغير أي له ساق صغيرة، من الحبشة أي السودان وأسود منصوب على الذم أو الاختصاص أو الحال، وأفحج بالحاء فالجيم من يتقارب صدر قدميه ويتباعد عقباه.\n(^٣) ولكن البخاري هنا ومسلم في الفتن، فالكعبة في آخر الزمان يأتيها جيش لتخريبها ولكنه يخسف به في الطريق فإذا قربت القيامة وفنى الموحدون جاءها عدو من الحبشة فيهدمها، والنبي - ﷺ - يقول كأني أنظر إلى حبشي ضئيل معوج الساقين بيده مسحاة يقلع الكعبة حجرًا بعد حجر: نعوذ بالله من الفتن ونسأله السلامة إلى الممات آمين.\n\nالفصل الثالث في فضل المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام\n(^٤) لطيب أهلها وتسمى طيبة لحديث مسلم: إنها طيبة.\n(^٥) أي أمرني ربي بالإقامة في قرية تأكل القرى أي تغلبها وهي المدينة لأنها كانت مقر النبي - ﷺ - والخلفاء الراشدين وكانت تخرج منها الجيوش التي فتحت المشرق والمغرب.\n(^٦) كره النبي - ﷺ - من تسميتها بيثرب لأنه قول المنافقين، ولأن معناه اللوم قال تعالى: ﴿لا تثريب عليكم﴾ أي لا لوم عليكم. وقوله تنفي الناس أي أشرارهم.","vol":"2","page":181},{"text":"• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَبَايَعَهُ عَلَى الإِسْلَامِ فَجَاءَ مِن الْغَدِ مَحْمُومًا فَقَالَ: أَقِلْنِي فَأَبَى ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَخَرَجَ الأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْضَعُ طَيِّبُهَا» (^١).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الإِيْمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا» (^٢) رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «آخِرُ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الإِسْلَامِ خَرَابًا الْمَدِينَةُ (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْمَسَاجِدِ فَضْلُ الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-411>الفصل الرابع: في حرمها </span>(^٤)\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ (^٥) وَدَعَا لِأَهْلِهَا (^٦) وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ (^٧) كَمَا حَرَّمَ إِبْراهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إِبْراهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ» (^٨). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَؤُهُ إِلا كِتَابَ اللَّهِ وَهذِهِ الصَّحِيفَةَ\n_________\n(^١) فالأعرابي جاء للنبي - ﷺ - وبايعه على الإسلام والإقامة بالمدينة فأصبح مريضًا بالحي فطلب من النبي - ﷺ - أن يقيله من بيعته مرارًا فلم يجبه النبي - ﷺ - فخرج من المدينة فقال من: المدينة كالكير تنفي خبثها. وينصع كيمنع أي يصفو طيبها.\n(^٢) إن الإيمان ليأرز براء فزاي كيضرب أو كينصر: أي يجتمع وينصاع إلى المدينة كما تنصاع الحية إلى جحرها.\n(^٣) فالمدينة آخر بلاد الإسلام عمارًا، وفقه ما تقدم أن المدينة تطرد الأشرار وأنها تسمى طابة وطيبة مخففًا ومشدَّدًا. والمدينة، وطايب ككاتب، ودار الأخيار، ودار الأبرار ودار الإيمان، ودار السنة، ودار السلامة، ودار الهجرة، ودار الفتح، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى غالبًا، وأن الإيمان يأوي إليها أي يرتفع من كل بقاع الأرض ولا يكون إلا فيها صلى الله على ساكنها وسلم.\n\nالفصل الرابع في حرمها\n(^٤) أي في بيان حرمها.\n(^٥) أي أظهر حرمتها وإلا فالذي حرمها هو الله تعالى.\n(^٦) بما أخبرنا الله عنه بقوله ﴿رب اجعل هذا بلدًا آمنًا وارزق أهله من الثمرات﴾ وغير ذلك مما في القرآن.\n(^٧) أي أظهرت حرمتها.\n(^٨) ستأتي أدعيته - ﷺ - لأهل المدينة في الفصل الخامس.","vol":"2","page":182},{"text":"فَقَدْ كَذَبَ (^١) فِيهَا أَسْنَانُ الإِبِلِ وَأَشْيَاءُ مِنَ الْجِرَاحَاتِ (^٢) وَفِيهَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ غَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ (^٣) فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (^٤) لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا (^٥) وَذِمَّةٌ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعى بِهَا أَدْنَاهُمْ» (^٦). زَادَ في رِوَايَةٍ: «فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا (^٧) فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنِ ادَّعى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ (^٨) أَوِ انْتَمى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا».\nرَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا بَيْنَ لَابَتِي الْمَدِينَةِ فَلَوْ وَجَدْتُ الظِّبَاءَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا مَا ذَعَرْتُهَا وَجَعَلَ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حَوْلَ الْمَدِينَةِ حِمًى (^٩). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) الإشارة لصحيفة معلقة في قراب سيفه أي لورقة مطوية وموضوعة في جراب السيف.\n(^٢) أي في الصحيفة بيان أسنان الإبل التي تعطى في الدية وأمور أخرى ستأتي في الحدود إن شاء الله، وسبب هذا أنهم كانوا يفهمون أن النبي ﷺ اختص عليًا وآل البيت ﵃ بأمور من أسرار الدين وكنوز الشريعة دون بقية الأمة فنفى ذلك على ﵁ بما قال.\n(^٣) عمر وثور - كشرط - جبلان على طرفي المدينة المشرفة فعير في جنوبها وثور في شمالها خلف أحد وقوله ما بين عمر وفي لفظ ما بين عائر إلى ثور كقوله الآتي: حرمت المدينة ما بين مأزميها، أي جبليها، فهو تحديد المسافة الحرم المدني من الجنوب إلى الشمال، وتحديدها من غرب إلى شرق يأتي في قوله ما بين لابتيها، ويأتي واضحًا في قوله وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى وما رواه أبو داود حمى رسول الله ﷺ كل ناحية من المدينة بريدًا بريدًا.\n(^٤) من أحدث فيها حدثًا أي يخالف حكم الله أو آوى محدثًا أي نصره وحفظه فعليه اللعنة العظيمة الدائمة.\n(^٥) الصرف: النفل، والعدل: الفرض وقيل عكسه.\n(^٦) فلأي مسلم حق إعطاء الأمان لأي كافر.\n(^٧) نقض عهده الذي بينه وبينه.\n(^٨) انتسب إليه، وقوله أو انتمى أي انتسب إلى غير أسياده فعليه عظيم اللعنة.\n(^٩) لابتيها تثنية لابة وهى الحرة أي الأرض ذات الحجارة السود والمدينة بين حرتين عظيمتين إحداهما شرقية والأخرى غربية، وقوله ما ذعرتها أي ما نفرتها، وبهذا ظهر تحديد مسافة الحرم المدني.","vol":"2","page":183},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَجَعَلَهَا حَرَمًا وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ حَرَامًا مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا أَلا يُهَرَاقَ فِيهَا دَمٌ وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ وَلَا تخْبَطَ فِيها شَجَرَةٌ إِلا لِعَلْفٍ (^١)».\nوَلِأَبِي دَاوُدَ: «لَا يُخْتَلَى خَلاها (^٢) وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا تُلْتَقَط لَقَطَتهَا إِلا لِمَنْ أَنْشَدَهَا» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-412>من تعرض لشجر الحرم أو صيده تسلب ملابسه</span>\nرَكِبَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَاصٍ ﵁ إِلَى قصْرِهِ بِالْعَقِيقِ فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا أَوْ يَخْبِطُهُ فَسَلَبَهُ فَجَاءَ أَهْلُ الْعَبْدِ فَكَلَّمُوهُ فِي رَدِّ مَا أَخَذَهُ مِنَ الْغُلَامِ فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبى أَنْ يَرُدَّ عَليْهِمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ. وَلَفْظهُ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَطَعَ مِنْ شَجَرِ الْمَدِينَةِ شَيْئًا فَلِمَنْ أَخَذَهُ سَلَبُهُ» (^٤).\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّمَ هذَا الْحَرَمَ (^٥) وَقَالَ: «مَنْ وَجَدَ أَحَدًا يَصِيدُ فِيهِ فَلْبَسْلُبْهُ ثِيَابَهُ» (^٦) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) قوله مأزميها تثنية مأزم كمسجد وهو الجبل.\n(^٢) بسند صحيح.\n(^٣) الخلا بالقصر: الرطب من الكلأ، فالمدينة وحرمها الذي هو بريد من كل جهة حرام على كل إنسان يحرم عليه التعرض لصيدها وشجرها ونباتها إلا ما تمس الحاجة إليه من هذين، وأولى سفك الدماء، ولا يجوز أخذ لقطها إلا لمن يعرفها دائما فلا تملك لقطتها أبدًا، وعليه الشافعي وجماعة، وقال مالك: يجوز تملكها بعد تعريفها سنة وتأتي اللقطة في بابها وافية إن شاء الله.\n\nمن تعرض لشجر الحرم أو صيده تسلب ملابسه\n(^٤) فسلبه أي أخذ ما معه من ثياب وغيرها ولكن أبقى له ما يستر عورته وقوله نفلنيه أي جعله لي نفلا خالصًا.\n(^٥) الإشارة إلى حرم المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.\n(^٦) فالتعرض لشجر حرم المدينة أو صيده حرام ولكن لأندية فيه إنما يؤخذ سلب من تعرض لها وهو للآخذ الظاهر هذه النصوص وعليه بعض الصحب وقيل لمساكين المدينة وقيل لبيت المال. والله أعلم.","vol":"2","page":184},{"text":"<span data-type='title' id=toc-413>المدينة محروسة بعناية اللَّه تعالى</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ لَا يَدْخُلَهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ». وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابِ لِكُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ (^١).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ إِلا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ لَيْسَ مِنْ نِقَابِهَا نَقْبٌ إِلا عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونهَا ثمَّ تَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلُّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ». رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ.\nوَلِمُسْلِمٍ: «يَأْتِي الْمَسِيحُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ هِمّتُهُ الْمَدِينَةُ حَتَّى يَنْزِلَ دُبُرَ أُحُدٍ ثُمَّ تَصْرِفُ الْمَلَائِكَةُ وَجْهَهُ قِبَلَ الشَّامِ وَهُنَالِكَ يَهْلِكُ».\n\n• عَنْ سَعْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَكِيدُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ إِلا انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَسْلِمٌ. وَلَفْظُهُ: «مَنْ أَرَادَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ (^٢)». وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\nالمدينة محروسة بعناية الله تعالى\n(^١) الأنقاب جمع نقب وهو الطريق، والطاعون: وباء مشهور نعوذ بالله منه، والمسيح الدجال سيظهر في آخر الزمان وتعم فتنته كل الأرض إلا مكة والمدينة، وأول ظهوره من جهة الشرق من جهة خراسان فيأتي المدينة وينزل خلف أحد فتضطرب المدينة ثلاث مرات فيخرج إليه كل كافر يتبعه ويسير معه فإن المدينة تنفي خبثها ويبقى طيبها ولكنه لا يتمكن من دخولها لوجود ملائكة حولها يحرسونها فينصرف جهة الشام ويهلك عند قرية تسمى: لد، وسيأتي ذلك في علامات الساعة إن شاء الله تعالى.\n(^٢) انماع أي ذاب؛ وفي رواية: لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص، المدينة محفوظة بالملائكة ومحروسة بعناية الله تعالى ببركته وبركة دعائه - ﷺ - نسأل الله تعالى أن تكون مأوانا إلى الممات، آمين.","vol":"2","page":185},{"text":"<span data-type='title' id=toc-414>الفصل الخامس: في دعاء النبي ﷺ للمدينة وأهلها</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا وَصَحِّحْهَا لَنَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلى الْجُحْفَةِ (^١)». قَالَتْ: وَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِي نَجْلًا (^٢)، قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ (^٣) فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ:\nكُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ … وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ (^٤)\nوَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ الْحُمَّى يَرْفَعُ عَقِبرَتَهُ يَقُولُ (^٥):\nأَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً … بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ\nوَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجِنَّةٍ … وَهَلْ يَبْدُونَ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ. (^٦)\nرَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَلَفْظُ مُسْلِمٍ قَالَتْ: قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهِيَ وَبِيئَةٌ فَاشْتَكى أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ (^٧) فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَكْوَى أَصْحَابِهِ قَالَ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ\n_________\nالفصل الخامس في دعاء النبي - ﷺ - للمدينة وأهلها\n(^١) وصححها أي ارزق أهلها الصحة وانقل الحمى التي تعودتها إلى الجحفة، وخصها لأنها كانت دار كفر ليشتغلوا بها عن معاونة كفار مكة فصارت أكثر البلاد وباء لا يشرب أحد من مائها إلا حم.\n(^٢) بطحان كقربان: واد بصحراء المدينة كان يجرى نجلا بفتح فسكون أي يجرى ماؤه على وجه الأرض وهو متغير بسبب كثرة الأوبئة.\n(^٣) بلفظ المجهول أي مرضا بالحمى.\n(^٤) مصبح بضم ففتح فتشديد يقال له صبحك الله بالخير ونحوه، فكان أبو بكر يسلي نفسه حين تأخذه الحمى بقوله: كل إنسان يحيى صباحًا في أهله والموت أقرب إليه من شراك نعله.\n(^٥) إذا أقلع بلفظ المجهول والمعلوم أي إذا زالت عنه الحمى برفع عقيرته أي صوته بالآتي حسرة وحنانًا على مكة وزرعها ومياهها وجبالها.\n(^٦) بواد، وروى بفج والإذخر بكسر فسكون فكسر، وجليل ككبير نباتان بأودية مكة المكرمة، ومجنة بكسر وفتح موضع على أميال من مكة نحو مر الظهران، يقام فيه سوق هجر؛ وشامة كهامة، وطفيل كرحيم: جبلان على نحو ثلاثين ميلا من مكة، أو هما عينان، ومعنى البيتين: أتمنى أن أبيت ليلة بنواحي مكة وحولي نباتها البهيج كما أتمنى أن أمر على مياه مجنة وأن تظهر لي جبالها الشامخة.\n(^٧) مرضا.","vol":"2","page":186},{"text":"كَمَا حَبَّبْتَ مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا وَحَوِّلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ». وَفِي رِوَايَةٍ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ».\nوَلِمُسْلِمٍ: «اللَّهُم بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا (^١)، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ (^٢)».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَنَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَوْضَعَ رَاحِلَتهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُحُدٍ فَقَالَ: «إِنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ (^٤)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-415>خاتمة في الترغيب في سكنى المدينة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام</span>\n• عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ الشَّامُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبُسُّونَ فَيتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (^٥)» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ\n_________\n(^١) هي المدينة.\n(^٢) المراد بالصاع والمد أرزاقهم التي تكال بهما فإنهم كانوا أهل زراعة.\n(^٣) أوضع راحلته: حثها على سرعة السير حبًا في المدينة فإن الله استجاب دعاءه - ﷺ - فكان هو وأصحابه الكرام يحبون المدينة حبًا جما، بل ولا زالت محبوبة للمسلمين إلى الآن، اللهم حببنا فيها وحبب صالحيها وساكنيها فينا وارزقنا زيارتها في القريب العاجل آمين والحمد لله رب العالمين.\n(^٤) أحد بضمتين جبل على شمال المدينة، يحبنا لأنه وطن أهل المدينة وحاجز بينهم وبين ما يؤذيهم، فنحن نحبه لذلك ونرتاح لرؤيته وتأنس به.\n\nخاتمة في الترغيب في سكنى المدينة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام\n(^٥) اليمن: إقليم مشهور عن يمين الكعبة وعن يمين مستقبل الشمس في طلوعها، والشام: إقليم مشهور عن شمال الكعبة ومطلع الشمس، والعراق: إقليم مشهور شرق الشام، ويبسون بضم فكسر=","vol":"2","page":187},{"text":"قَالَ: «يَتْرُكونَ الْمَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ لَا يَغْشَاهَا إِلا الْعَوَافِي (^١) وَآخِرُ مَنْ يحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ الْمَدِينَة يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا فَيَجِدَانِهَا وَحُوشًا حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا (^٢)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمَهِ وَقَرِيبَهُ: هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ (^٣) وَالْمَدِينَة خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْهُمْ رَغْبَةً عَنْهَا إِلا أَخْلَفَ اللَّهُ فِيهَا خَيْرًا مِنْهُ، أَلَا إِنَّ الْمَدِينَةَ كَالْكِيرِ تُخْرِجُ الْخَبِيثَ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ مَوْلَاةً لَهُ أَتَتْهُ فَقَالَتْ: اشْتَدَّ عَلَيَّ الزَّمَانُ (^٤) وَإِنِّي أُرِيدُ الْخُرُوجَ إِلَى الْعِرَاقِ قَالَ: فَهَلا إِلَى الشَّامِ أَرْضِ الْمَنْشَرِ (^٥) وَاصْبِرِي لَكَاعِ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ صَبَرَ عَلَى شِدَّتِهَا وَلأْوَائِهَا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^٦). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَصْبِرُ عَلَى لأْوَاءِ الْمَدِينَةِ وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي إِلا كنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.\n_________\n= وبفتح فضم أو كسر، وأصل البس السوق الشديد والمراد هنا السير السريع، فالنبي ﷺ أخبر بأن هذه الأقاليم ستفتح ويرغب كثير من الناس فيها لكثرة خيراتها؛ ولكن الإقامة بالمدينة خير لهم لأنها حرم الرسول ﷺ ومهبط الوحي ومنزل الرحمات والبركات فهي خير البلاد بعد مكة المكرمة، رزقنا الله الإقامة فيها آمين.\n(^١) العوافي جمع عافية وهي ما يطلب القوت من الحيوان والطيور.\n(^٢) وحوشًا؛ وفي رواية وحشا أي خالية ليس بها أحد، في آخر الزمان يترك الناس المدينة على أحسن ما كانت من المهارة والنظام لا ينزلها إلا الحيوان وآخر من يدخلها راعيان بغنمهما فيجدانها خرابًا حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا ميتين وستأتي علامات الساعة مبسوطة إن شاء الله.\n(^٣) أي أسرع بنا إلى جهات الرخاء.\n(^٤) وضاقت أرزاقي.\n(^٥) سافري إلى الشام فإنه أرض المحشر؛ وهذه الجملة للترمذي فقط، وفي النفس منها شيء لقول الله تعالى ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات﴾.\n(^٦) اللكاع: الحمقاء، واللأواء: الشدة.","vol":"2","page":188},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَن اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا» (^١).\n\n• عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ أَوْحى إِلَيَّ أَيُّ هؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ نَزَلْتَ فَهِيَ دَارُ هِجْرَتِكَ: الْمَدِينَةِ أَوِ الْبَحْرَيْنِ أَوْ قِنِّسْرِينَ» (^٢). رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٣).\nوَقَالَ عُمَرُ ﵁: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِك وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ ﷺ (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-416>زيارة قبر النبي ﷺ </span>(^٥)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي (^٦) حَتَّى أَرُدَّ ﵇». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧) وَالْبَيْهَقِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَجْعَلوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا (^٨) وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا (^٩) وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ\n_________\n(^١) ترغيب في سكن المدينة فهو المستطاع دون الموت، وفيه بشارة عظيمة لأهل المدينة وساكنيها حشرنا الله في زمرهم آمين.\n(^٢) البحرين: بلد مشهور بنجد جهة الخليج الفارسي، وقنسرين بكسر القاف فالنون المشددة: مدينة مشهورة بالشام بين حلب وحمص، وظاهره أنه خير بين هذه البلاد الثلاثة ولعله قبل الأمر بالهجرة إلى المدينة السابق في قوله: أمرت بقرية تأكل القرى.\n(^٣) الأول حسن والثاني غريب.\n(^٤) وقد أجابه الله وطعن وهو يؤم الناس في صلاة الفجر فمات ﵁ شهيدًا؛ ودفن بجوار النبي ﷺ وصاحبه الأعظم أبي بكر ﵄ وحشرنا في زمرتهم آمين آمين آمين والحمد الله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات كلها.\n\nزيارة قبر النبي - ﷺ -\n(^٥) وهي فضلا عن دخولها في زيارة القبور السابقة مندوبة ندبًا مؤكدًا لإيجابها لشفاعة النبي ﷺ ومجاورته في الجنة.\n(^٦) رد الله عليَّ روحي أي نطقي وإفاقتي من استغراقي في أحوال الملكوت وإلا فالأنبياء أحياء في قبورهم كما تقدم في باب الجمعة.\n(^٧) بسند صالح.\n(^٨) كالقبور في عدم العبادة فيها.\n(^٩) باجتماعكم لزيارته كاجتماعكم للعيد فإنه يؤدى للمشقة وربما تجاوزوا حد التعظيم فيؤدي إلى الكفر، وهذا غير موجود والحمد لله.","vol":"2","page":189},{"text":"تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢) وَالضِّيَاءُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ زَارَنِي فِي الْمَدِينَةِ مُحْتَسِبًا كَانَ فِي جِوَارِي وَكُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^٣)». وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي (^٤)». رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءُ ﵁\nأَسأَلُ اللَّه أن يشفي صدورنا وقلوبنا بالإيمان والعلم، وأن يملأهما باليقين والحلم، آمين آمين آمين، والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) أي أكثروا منها فإنها في أي حال تبلغني وتسرني.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) محتسبًا أي طالبًا للأجر من الله وأولى إذا كانت لله فقط، وقوله: كان في جواري أي في الجنة.\n(^٤) لأن الأنبياء أحياء في قبورهم صلى الله عليهم وسلم ووفقنا لزيارته - ﷺ -.","vol":"2","page":190},{"text":"أتممت بتوفيق الله قسم العبادات في ٢٩ شهر ذي الحجة سنة ١٣٤٣ هجري (^١)\n(عدد الأحاديث من أول الكتاب إلى هنا ١٧٣٥ خمسة وثلاثون وسبعمائة ألف)\n(انتهى قسم العبادات ويليه قسم المعاملات. وأوله كتاب البيوع والزروع إن شاء الله)\n_________\n(^١) صادفني في تأليف الكتاب أن كنت في كتاب الحج، في موسم الحج، سنه ١٣٤٣ هـ ونحن الآن أمام الطبع أتممنا كتاب الحج ونحن في موسم الحج في يوم الاثنين ١٧ ذي القعدة سنة ١٣٥١ هجرية، وهاتان من جميل الصدف التي أحاطت بهذا الكتاب المبارك، فتح الله على من تلقاه بقلب سليم آمين.\n\n﴿فائدة﴾\nتتأكد زيارة النبي ﷺ بعد الحج، لحديث الطبراني: من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني، وفي رواية: من حج فزار قبرى كان كمن زارني في حياتي، وينبغي لمن أراد زيارة المدينة المنورة أن يقصد شيئين أولها زيارة المسجد النبوى لما تقدم في فضل المساجد الثلاثة: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا ومسجد الحرام ومسجد الأقصى؛ وثانيهما زيارة النبي - ﷺ - التي هي أفضل المندوبات وأسمى القربات، وحسبنا إيجابها للشفاعة ومجاورة النبي ﷺ في الجنة، وإذا أبصر حيطان المدينة فليرفع صوته بالصلاة على النبي ﷺ؛ ثم يقول: اللهم هذا حرم نبيك فاجعله وقاية لي من النار وأمانًا من العذاب وسوء الحساب، فإذا دخل المدينة قال: اللهم رب السموات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه البلدة وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر أهلها، اللهم هذا حرم رسولك فاجعل دخولي فيه وقاية لي من النار وأمانًا من العذاب وسوء الحساب، فإذا استقر به المقام في مكان اغتسل ولبس أحسن ملابسه وتطيب بأحسن الطيب ثم سار إلى المسجد المبارك خاشعًا متواضعًا ثم يدخل فيه مراعيا آداب دخول المسجد السالفة في باب المساجد، ثم يصلى ركعتين تحية المسجد ثم يقوم إلى القبر الشريف فيقف أمامه مستقبله بينه وبين القبلة ذليلا خاشعًا بباطنه وظاهره، ثم يقول: السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أول خلق الله وخاتم رسل الله. ثم يتأخر عن يمينه خطوة ثم يقف ويقول: السلام عليك يا أبا بكر ورحمة الله وبركاته. ثم يتأخر خطوة أخرى، فيقف ويقول: السلام عليك يا عمر ورحمة الله وبركاته، ثم يرجع لمقامه الأول فيقف ويقرأ الفاتحة وسورة يس أو ما تيسر من القرآن، ثم يهب ثواب ذلك إلى روح النبي ﷺ وصاحبيه العظيمين، ثم يدعو لنفسه ولوالديه ولمن أحب وللمسلمين كلهم بخير الدنيا والآخرة، وأفضل عبادة في هذا الحرم المنيف بعد الصلاة قراءة القرآن الذي نزل فيه، والصلاة على صاحب القبر الذي فيه ﷺ، أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يوفقنا لزيارته آمين، والحمد لله رب العالمين.\nوصلت إلى هنا فانتهيت من شرح العبادات يوم الاثنين المبارك الثامن من شهر شعبان المعظم سنة ١٣٤٩ هجرية. أسأل الله العظيم أن يوفقنا لإتمام ذلك الشرح. إنه سميع مجيب آمين.","vol":"2","page":191},{"text":"<span data-type='title' id=toc-418>كتاب البيوع والزروع والوقف </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (^٢)\nوفيه اثنا عشر بابًا وخاتمة\n\n<span data-type='title' id=toc-419>الباب الأول: في طلب الكسب الحلال</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأَرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ ﴿(^٣) وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾.\n\n• عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِن الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَن اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعى حَوْلَ الْحِمى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ (^٤)\n_________\nكتاب البيوع والزروع والوقف\n(^١) أي وغيرها مما يأتي الحث على الصدق في المعاملة والكسب الحلال، والسلم، والرهن والشفعة، والإجارة، والشركة، والوكالة، والصلح، والعارية، والهبات، واللقطة وغيرها.\n(^٢) البيع لغة: المبادلة، وشرعًا: مقابلة مال بمال مع إيجاب وقبول، وحكمته تمام نظام الحياة، فإن الإنسان لا يمكنه الانفراد بما يحتاج إليه، وربما لا يسمح له به من هو في يده، فشرع البيع لبلوغ المراد بسلام.\n\n﴿الباب الأول في طلب الكسب الحلال﴾\n(^٣) أي اطلبوا أرزاقكم من فضل الله ورحمته، قال تعالى: ﴿فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور﴾ أي اسعوا في نواحي الأرض لطلب الأرزاق من فضل الله تعالى.\n(^٤) إن الحلال بيّن أي واضح لا يخفى وهو ما دخل في ملكك يقينا وحل لك فعله من مأكول ومشروب وملبوس ومنكوح ونحوها وإن الحرام بيّن أي ظاهر. وهو ما علم ملكه للغير وما حرم عليك فعله كالزنا، وشرب الخمر ونحوهما، وبين الحلال والحرام أمور اشتهت على كثير من الناس لخفاء الحكم فيها من جهات: أوّلا ورود نصين أحدهما بالتحليل، والآخر بالتحريم، ولا يعلم السابق منهما أو وصل نص التحايل من جهة، ونص التحريم من أخرى، وذلك كالمخابرة الآتية في البيوع النهي عنها، وكالعطية على الصنيعة، ورد في حلها ما سبق في الزكاة: ومن صنع معكم معروفًا فكافئوه، وورد في تحريمها لأبي داود: من شفع لأخيه =","vol":"2","page":192},{"text":"أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيَاتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ بِمَا أَخَذَ الْمَالَ أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ (^٢)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n_________\n=شفاعة فأهدى له هدية فقبلها فقد أتى بابًا عظيما من أبواب الربا، ولكن ترجح الحل فيها، وثانيا ورود نص خفي فيه لم يعلمه إلا قليل من الناس، وثالثًا عدم ورود نص صريح فيه، وإنما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس فتختلف أفهام العلماء فيه، ورابعًا ورود الإباحة فيه أو النهي عنه، ولكنهم اختلفوا هل هذا مؤقت أو دائم، كأكل الخير والبغال والخيل التي ستأتي في الصيد والذبائح وكلبس جلود بعض السباع، فهذه وأمثالها تخفى على كثير من الناس، ولكنها لا تخفى على العلماء فيعرفون حكمها بنص أو إجماع أو قياس أو استصحاب، فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة وليس فيه نص، اجتهد الفقيه فألحقه بأحدها الذي يتحد أو يقرب منه في العلة فصار داخلا فيه، وما لم يظهر للمجتهد فيه شيء فحكمه الحل، أو الحرمة، أو التوقف، كالأشياء قبل ورود الشرع فيها، والأصح التوقف لأن التكليف لا يثبت عند أهل الحق إلا بالشرع. والطبراني في الكبير: إنما الأمور ثلاثة، أمر تبين لك رشده فاتبعه، وأمر تبين لك غيه فاجتنبه، وأمر اختلفت فيه فرُدَّه إلى عالم. والعرض بالكسر محل المدح والذم من الإنسان، فمن ترك ما اشتبه في حله فقد طهر دينه وعرضه، ومنه» دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ومنه ما رواه البخاري والترمذى أن عقبة بن الحارث قال للني - ﷺ -: إني تزوجت بامرأة فأتتني امرأة سوداء فزعمت أنها أرضعتني أنا وزوجتي وهي كاذبة، فأعرض عنه النبي - ﷺ - فأعاد عليه ثانيًا فقال: كيف وقد زعمت أنها أرضعتكما، دعها عنك، أي احتياطًا للشبهة في تحريمها، وإلا فلو حرمت عليه لأجابه بالتحريم.\n(^١) الحمى ما يحميه الإمام من الكلأ لرعي إبل الجهاد والصدقة مثلا. والمضغة: العضو بقدر ما يمضغه الإنسان وهي هنا القلب، فبصلاحه ينصلح الجسد، وبفساده يفسد، فالقلب كالملك إذا صلح صلحت الرعية، وإذا فسد فسدت الرعية، وصلاحه يأتي من أكل الحلال ومن طهارة النفس من دنس المعاصي، وطهارة الباطن من الغل والحسد والكبر وإضمار السوء لخلق الله تعالى، ولابد من التحلي بإقامة شعائر الدين وحب الخير وعمله للناس، ففي الحديث» الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله».\n(^٢) هذا حاصل في زماننا نسأل الله السلامة.","vol":"2","page":193},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلا رَعَي الْغَنَمَ (^٢)» فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وأَنْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ (^٣)».\n\n• عَنِ الْمِقْدَامِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ». وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانَ لَا يَأْكُلُ إِلا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ (^٤)».\nوَلَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ قَالَ: لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّ حِرْفَتِي لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ عَنْ مَؤُونَةِ أَهْلِي وَشُغِلْتُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَسَيَأْكُلُ آلُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ هذَا الْمَالِ وَأَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ (^٥). رَوَى الْبُخَارِيُّ هذِهِ الثَّلَاثَة.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَلَدُ الرَّجُلِ مِنْ كَسْبِهِ، مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِهِ فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ إِذَا احْتَجْتُمْ (^٦)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٧).\n_________\n(^١) فأدنى التكسب كجمع الحطب وبيعه خير من السؤال؛ لأنه عار ومذلة كبيرة.\n(^٢) حكمة ذلك التمرن على سياسة الخلق إذا كلفوا بالرسالة، فإن من ساس الغنم في ليلها ونهارها وأشفق عليها حرصًا على مصلحتها كان أهلا لسياسة البشر.\n(^٣) جمع قيراط وهو نصف دانق، أو نصف عشر الدينار، أو جزء من أربعة وعشرين منه، فكان على كل شاة قيراط، أوله كل يوم قيراط.\n(^٤) فكان داود ﵇ يصنع الدروع من الحديد ويبيعها ويأكل من ثمنها ويتصدق. قال تعالى: ﴿وألنا له الحديد أن اعمل سابغات﴾ أي دروعًا ساترات للجسم كله، وخص بالذكر مع مشاركة الأنبياء له في ذلك لأنه كان غنيا وكان خليفة الله في أرضه، ومع هذا ما كان يأكل إلا من عمل يده ففي ذكره أسوة حسنة.\n(^٥) لما استخلف أي صار خليفة للمسلمين قال إن حرفتي أي كسبي كان يكفي أهلي، وقد شغلني أمر المسلمين فسأعمل على تنمية مالهم وآخذ كفايتي منه فكان يأخذ كفايته من بيت المال بعلم الأصحاب ﵃، وفيه أن للوالي ونوابه أن يأخذوا من بيت المال ما يكفيهم فإن عين الوالى لنوا به شيئًا وقبلوه فلا يجوز لهم أخذ شيء سواه لأنه الإجارة، والحديث الحاكم: من استعملناه على عمل فرزقناه رزقًا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول.\n(^٦) قوله من أطيب كسبه بدل.\n(^٧) بسند حسن.","vol":"2","page":194},{"text":"وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالًا وَوَلَدًا وَإِنَّ وَالِدِي يَحْتَاجُ مَالِي فَقَالَ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِوَالِدِكَ (^١)». رَوَاهُ أَو دَاوُدَ (^٢) وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n• عَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا» قَال: وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلًا تَاجِرًا وَكَانَ إِذَا بَعَثَ تِجَارَةً بَعَثَ أَوَّلَ النَّهَارِ فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ (^٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-420>كسب الحجام مكروه </span>(^٤)\n\n• عَنْ مُحَيْصَةَ ﵁ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي إِجَارَةِ الْحِجَّامِ فَنَهَاهُ فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ حَتَّى قَالَ: «اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ وَرَقِيقَكَ (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\nوَقَالَ أَنَسٌ ﵁: حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا مِنْ خَرَاجِهِ (^٦). رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَعْطَى الَّذِي حَجَمَهُ وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ (^٧). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n_________\n(^١) ظاهر ذلك أن نفقة الوالدين تجب على الولد إذا كانا فقيرين وعجزا من الكسب اللائق بهما لقوله في الأول إذا احتجتم وفي الثاني يحتاج مالي، فقيد الأكل بالحاجة وعليه الشافعي ﵁، وقال الجمهور: إنها واجبة على الولد مطلقا لأنه من كسب أبيه وهو سبب في وجوده.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) في بكورها أي سعيها في أول النهار فإنه مبارك وأثره ظاهر، ومعنى ما تقدم أن السعي في كسب الحلال فرض، وأطيبه ما كان من عمل اليد، والأولاد من كسب الإنسان، والسعي في الصباح مبروك إذا كان في طريق الحلال وهو واثق بالله ومتوكل عليه فإن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.\n\nكسب الحجام مكروه\n(^٤) أي حلال ولكنه مكروه لأنه أتى من مزاولة النجاسة، وكل ما كان كذلك فهو مكروه ودنيء.\n(^٥) في إجارة الحجام أي في أخذها، وقوله اعلفه أي أجر الحجام. وناضحك أي بعيرك الذي يسقي عليه، ومنه: كسب الحجام خبيث.\n(^٦) أبو طيبة كان عبدًا لبني بياضة وكاتبوه على ثلاثة آصع يؤديها لهم فلما حجم النبي - ﷺ - أعطاه صاعا وأمر أسياده بالتخفيف عنه فعلوا خراجه صاعين فقط.\n(^٧) فهذا وما قبله صريحان في حل أجرة الحجامة وعليه الجمهور، والنهي في الحديث الأول للتنزيه=","vol":"2","page":195},{"text":"<span data-type='title' id=toc-421>الباب الثاني: في الصدق والسماحة </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ للِنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَقَالَ: «إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ» (^٢). رَوَاهُ الثَّلَاثَة وَالنَّسَائِيُّ. وَزَادَ مُسْلِمٌ: فَكَانَ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ: لَا خِيَابَةَ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَلِمُسْلِمٍ: «إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةُ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ (^٤)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً وَهُوَ فِي السُّوقِ فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطَ لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية (^٥). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَمرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ يَبِيعُ طَعَامًا فَسَأَلَهُ كَيْفَ تَبِيعُ فَأَخْبَرَهُ فَأُوحِيَ إِلَيْهِ أَنْ أَدْخِلْ يَدَكَ فِيهِ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَإِذَا هُوَ مَبْلُولٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ (^٦)\n_________\n= وخبثها في الحديث دناءتها، وقال أحمد وجماعة: إنها حرام على الحر دون الرقيق، وكالأجرة على الحجامة أجرة الطبيب الجراح، وأما غير الجراح فأجرته كالأجرة على الرقية وهي حلال باتفاق كما يأتي والله أعلم.\n\n﴿الباب الثاني في الصدق والسماحة﴾\n(^١) أي في الحث على الصدق في المعاملة والتساهل فيها فإنهما محبوبان وممدوحان.\n(^٢) هذا رجل كان قد شج في رأسه وثقل لسانه، وكان يخدع في المعاملة لعدم فطنته، فشكا للنبي - ﷺ -، فقال له: إذا بايعت شخصًا فقل له: لا خلابة. أي لا غش في الدين ولا يلزمني.\n(^٣) بالياء بدل اللام لأنه كان ألثغ.\n(^٤) منفقة وممحقة كمنفعة فيهما أو منفقة كمحدثة وممحقة كمؤمنة، وقوله ينفق كيروج وزنا ومعنى، فالحلف فيه نفاق ورواج للمبيع ولكنه يذهب البركة منه إلا إذا طلب منه فلا شيء فيه.\n(^٥) السلعة بالكسر: المبيع فكان رجل يبيع شيئًا في السوق، فجاءه المشتري وعرض عليه ثمنًا خلف البائع أنه اشتراه بأكثر ليغرّ المشترى فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾.\n(^٦) ولكن مسلم في الأيمان.","vol":"2","page":196},{"text":"وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُمَا فَقَالَ: مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ»، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» (^١).\n\n• عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبي غَرْزَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نسَمَّى السَّمَاسِرَةَ فَمَرَّ بِنَا النَّبِيُّ ﷺ فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلِفُ فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ» (^٢). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣).\n\n• عَنْ رِفَاعَةَ ﵁ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى فَرَأَى النَّاس يَتَبَايَعُونَ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ» فَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ إِجَابَةً لَهُ فَقَالَ: «إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا إِلا مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ». وَفِي رِوَايَةٍ: التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِييِّنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ (^٤). رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى (^٦)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» فَقَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا. قَالُوا: تَذَكَّرْ قَالَ: كُنْتُ أُدَاينُ النَّاسَ فَآمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا الْمُعَسِرَ وَيَتَجَوَّزُوا عَنِ الْمُوسِرِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «تَجَوَّزُوا عَنْهُ» (^٧).\n_________\n(^١) هذا الطعام كان برًا وأصابته السماء أي المطر فرطبه فزاد حجمه ووزنه وصار لا يصلح للادخار ويحرم بيعه إلا من يعرفه، لهذا أنبه النبي - ﷺ - وقال: من غشّ فليس مني أي من غش أمتي فليس على ديني أن الكامل.\n(^٢) وفي رواية: يحضره الكذب والحلف. ولفظ الترمذي: إن الشيطان والإثم يحضران البيع فشوبوه بالصدقة، أي واقتصروا على ما فيه الفائدة.\n(^٣) بسند صحيح.\n(^٤) فالتاجر الكاذب الخائن يبعث يوم القيامة مع الجبابرة والفجار، والتاجر الصادق الأمين يبعث مع الأنبياء والشهداء.\n(^٥) الأول بسند صحيح، وإلى هنا الشق الأول من الترجمة.\n(^٦) السمح: السهل وزنا ومعنى، واقتضى أي طلب حقه.\n(^٧) فتيان أي خدمي، أن ينظروا المعسر أي يؤخروه إلى الميسرة ويتجوزوا عن الموسر أي يتساهلوا معه بقبض الميسور منه.","vol":"2","page":197},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: «إِلا أَنِّي كُنْتُ رَجُلًا ذَا مَالٍ وَكُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ فكُنْتُ أَقْبَلُ الْمَيْسُورَ وَأَتَجَاوَزُ عَنِ الْمَعْسُورِ فَقَالَ اللَّهُ: تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ (^١)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَقٌّ فَأَغْلَظَ لَهُ فَهَمَّ بِهِ الأَصْحَابُ فَقَالَ ﷺ: «دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالَا اشْتَرُوا لَهُ سِنًّا فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ فَقَالُوا: لَا نَجِدُ إِلا سِنًّا هُوَ خَيْرٌ مِنْ سِنِّهِ قَالَ فَاشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَوْ خَيْرَكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً (^٢)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤) وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-422>الباب الثالث: في شروط المبيع </span>(^٥)\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الْفَتْح وَهُوَ بِمَكَّةَ: «إِنَّ اللَّهَ\n_________\n(^١) فمن كان له دين على إنسان وتساهل معه بتأخيره إلى يساره أو بحط بعض الدين عنه، فإن الله يتجاوز عنه يوم القيامة بل ويجلسه في مقام التكريم تحت ظل العرش.\n(^٢) هذا رجل أعرابي استسلف منه النبي - ﷺ - بكرًا ثلاثيًا وأعطاه للفقراء لسد خلتهم فجاء الأعرابي فطلبه وأغلظ للنبي - ﷺ - فهم بأذاه الأصحاب، فقال. دعوه فإن لصاحب الحق مقالا. ولما لم يجدوا إلا بكرًا رباعيًا أي أسن من بكره قال - ﷺ -: أعطوه إياه فإن خيركم أحسنكم قضاء. ففيه طلب حسن الخلق في المعاملة لاسيما مع الدائن والدين وأداء الحق أحسن من أصله.\n(^٣) فمن اشترى من شخص شيئًا ثم ظهر له غبنه أو عدم حاجته إليه فجاءه فقال: أقلني بيعتي، فأجابه أقال الله عثرته وستر عيبه وفرج كربته.\n(^٤) بسند صالح.\n\n﴿الباب الثالث في شروط البيع﴾\n(^٥) وهي أن يكون طاهرًا يحل استعماله وأن يكون معلوما بالوزن في الوزون، وبالكيل في المكيل، وبالعد في الممدود، وبالذرع فيما يذرع، وأن يكون قادرًا على تسليمه، وأن يكون قابلا للتملك، فخرج الحر فلا يحل ولا يصح بيعه، وأن يكون غير مخلوط بغيره كما يأتي في الباب.","vol":"2","page":198},{"text":"وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ (^١)» فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ (^٢) فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ (^٣) فَقَالَ: لَا، هُوَ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذلِكَ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إِنَّ اللَّهَ ﷿ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا أَجْمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ (^٤)».\nرَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ (^٥).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ (^٦). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً: عَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ وَسَاقِيهَا وَبَائِعَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا وَالْمُشْتَرِيَ لَهَا وَالْمُشْتَرَى لَهُ (^٧). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٨) وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ (^٩)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَزَادَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﵄:\n_________\n(^١) لنجاستها وحرمة تناولها.\n(^٢) أي دهنها.\n(^٣) يستضيئون بها.\n(^٤) فلما حرم الله على اليهود بعض شحوم البقر والغنم أجملوه أي أذابوه وباعوه وهو حرام فما حرم تعاطيه حرم بيعه.\n(^٥) أما الكلب فلنجاسته يحرم بيعه وثمنه حرام وعليه الشافعي وأحمد وجماعة، وقال الحنفية والمالكية: يجوز بيعه وأكل ثمنه ويضمن بالقيمة إذا تلف. والبغي الزانية، والزنا حرام فثمنه كذلك والكاهن من يخبر بالغيب وعمله حرام، فحلوانه أي أجرته حرام.\n(^٦) السنور بكسر ففتح مع التشديد: هو الهر أي القط. ومنه حديث البيهقي: نهى النبي - ﷺ - عن أكل الهر وأكل ثمنه لأنه غير مقدور على تسليمه لوحشيته وإن ائتنس فبيعه وثمنه حرام، وعليه بعضهم. وقال آخرون بجواز بيع الإنسي منه لنفعه بمطاردة الحيوانات الضارة، فالنهي للتنزيه.\n(^٧) عاصرها من يعصرها بالفعل ومعتصرها من يأمره بعصرها، فلعن هؤلاء ومنهم البائع والمشتري يدل على أن البيع حرام ولا يصح النجاستها وحرمة تناولها، وحكمة النهي عن بيع ما تقدم أنها تضر بالجسم والعقل، ويقاس عليها كل ما كان كذلك، فبيعه حرام ولا يصح كالكوكايين والهوريين ونحوها مما ظهر في هذا الزمان نسأل الله السلامة.\n(^٨) بسند غريب ولكنه مؤيد بالصحاح فيها.\n(^٩) فمن ابتاع أي اشترى طعاما فلا يبعه لغيره حتى يقبضه. والنهي للتحريم فلا يصح البيع لعدم قدرته على التسليم وكالطعام غيره لقول ابن عباس.","vol":"2","page":199},{"text":"وَأَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ مِثْلَ الطَّعَامِ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ» (^١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ (^٢).\n\n• عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لأَصْحَابِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيْزَانِ: «إِنَّكُمْ قَدْ وُلِّيتُمْ أَمْرَيْنِ هَلَكَتْ فِيهمَا الأُمَمُ السَّابِقَةُ قَبْلَكُمْ (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\nوَقَالَ سُوَيْدُ بْنُ قَيْسٍ ﵁: جَلَبْتُ أَنَا وَمَخْرَفَةُ الْعَبْدِيُّ بَزًّا مِنْ هَجَرٍ فَأَتَيْنَا بِهِ مَكَّةَ فَجَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي فَسَاوَمَنَا سَرَاوِيلَ فَبِعْنَاهُ وَثَمَّ رَجُلٌ يَزِنُ بِالأَجْرِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «زِنْ وَأَرْجِحْ (^٥)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٦).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ (^٧). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\n_________\n= ولحديث البيهقي: لا تبيعن شيئًا حتى تقبضه وعلى هذا الشافعي وجماعة، وقال مالك: لا يصح في الطعام فقط ويصح في غيره، وقال أبو حنيفة: لا يصح إلا في العقار، وقال أحمد: لا يصح في المكيل والوزون فقط.\n(^١) فالعبرة في الموازين بوزن أهل مكة لأنهم تجار ويرحلون إلى الشام واليمن للتجارة فهم أدرى من غيرهم، ووزن الدينار المكى اثنتان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة بحب الشعير، والدرهم سبعة أعشار المثقال فوزنه سبع وخمسون حبة وستة أعشار حبة والرطل مائة وثمانية وعشرون درها بهذا الدرهم، وزكاة النقدين على هذا، والعبرة في الكيل بكيل أهل المدينة فإنهم أصحاب زرع فالكيل في الزكاة وفي الكفارات بصاع ومد أهل المدينة، ورجوع الناس في الجهات إلى هذا التقدير برفع الخلاف من بينهم.\n(^٢) بسند صحيح.\n(^٣) والكيل واجب عند البيع لمعرفة المبيع ومستحب عند الادخار فالعلم بالشيء. خير من جهله وكالكيل الوزن ونحوه.\n(^٤) أي فاحذروا البخس في ذلك وإلا هلكتم كما هلك السابقون.\n(^٥) البز كالقز: الثياب، وهجر كحجر: بلد بقرب المدينة، وساومنا سراويل أي اشتراه منا، وقال لمن يزن الثمن: زنه وأرجح في الميزان حتى يكون الثمن وافيًا، وللطبراني: دخل النبي - ﷺ - السوق وجلس إلى البزازين فاشترى سراويل بأربعة دراهم؛ قلت: يا رسول الله وإنك لتلبسها، قال: أجل، في السفر والحضر، والليل والنهار، فإني أمرت بالستر فلم أجد شيئًا أستر منه، ففيهما جواز دخول السوق وشراء ما يحتاجه ووزن الثمن وأجرته على المشتري.\n(^٦) بسند صحيح.\n(^٧) عسب الفحل تلقيحه للأنثى فتحرم إجارته لذلك لأن ماءه غير معلوم والأفضل إعارته لذلك.","vol":"2","page":200},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ (^٢). وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ (^٣). وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ (^٤)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَقَالَ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ ﵁: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ فَفَصَّلْتُهَا فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا فَذَكَرْتُ ذلِكَ للِنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «لَا تُبَاعُ حَتَّى تَفَصَّلَ (^٥)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n_________\n(^١) بيع الحصاة هو أن يقول: بعتك من هذه الثياب ما تقع عليه الحصاة التي أرميها أو بعتك من هذه الأرض من هنا إلى ما تقع عليه الحصاة، أو بعتك وأنت بالخيار إلى أن أرى هذه الحصاة، وبعد رميها يصير البيع لازمًا، وبيع الغرر - كالضرر - من الغرة وهي الغفلة، أو من الغرور، وهو أن يكون المبيع مجهولا أو معجوزًا عنه كعبد آبق أو كالطير في الهواء، أو السمك في الماء، أو الغائب المجهول، وبطلان البيع في هذا وما قبله لأن المبيع مجهول، أو غير مقدور على تسليمه.\n(^٢) أي أعطى باسم عهدا ثم غدر بمن عاهده.\n(^٣) وهو يعلم أنه إنسان حر لأنه استعبد ما حرره الله.\n(^٤) أي استوفي عمله وأكل أجره.\n(^٥) فصلتها أي خلصت الذهب من الخرز فكان الذهب أكثر من الثمن، فقال - ﷺ -: لا تباع حتى تفصل ليعلم ما فيها من الذهب، ففيه أن كل حلي ركب من نقد وغيره كقلادة وسوار لا يصح بيعه لجهل الأصناف التي فيه وعليه الجمهور، وقال مالك وأبو حنيفة: إن كان الثمن أكثر من الذهب الذي في الحلي جاز وإلا فلا، والنهي في الباب كله للتحريم، وحكمته عدم ظلم الناس وسلامتهم من المنازعات والمخاصمات التي ربما تؤدي إلى ما لا تحمد عقباه نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى.","vol":"2","page":201},{"text":"<span data-type='title' id=toc-423>كتابة الشروط والخيار في البيع</span>\n• عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ وَهْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي الْعَدَّاءُ بْنُ خَالِدٍ ﵁: أَلا أَقْرَأُ لَكَ كِتَابًا كَتَبَهُ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: بَلَى فَأْخْرَجَ لِي كِتَابًا: هذَا مَا اشْتَرَى الْعَدَّاءُ بْنُ خَالِدِ بْنِ هُوذَةَ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ: اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً لَا دَاءَ وَلَا غَائِلَةَ وَلَا خِبْثَةَ بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ (^١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ. وَزَادَ: الْغَائِلَةُ الزِّنَى وَالسَّرِقَةُ وَالإِبَاقُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ (^٣).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ حِينَمَا طَلَبَتْ مِنْهَا الْمُسَاعَدَةَ عَلَى مَا كَاتَبَهَا عَلَيْهِ أَهْلُهَا فَامْتَنَعُوا إِلا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ فَسَمِعَ بِذلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: اشْتَرِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ فَإِنَّمَا هُوَ لِمَنْ أَعْتَقَ، فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ (^٤) وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدَ مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ (^٥)».\n_________\nكتابة الشروط والخيار في البيع\n(^١) أو للشك ولا داء أي فيه ولا خبثة كقطعة أي ليس مسبيًّا من قوم لهم عهد، فالنبي - ﷺ - باع للعداء عبدًا وأعطاه شروطًا بأنه خالى العيوب.\n(^٢) وفي رواية: المسلمون عند شروطهم ما وافق من ذلك فهم ملزومون بإنفاذها إذا كانت مشروعة.\n(^٣) بسند صحيح.\n(^٤) بريرة كانت أمة مملوكة لقوم وكانوا كاتبوها فطلبت من عائشة أن تساعدها على أداء الكتابة فعرضت عليها أن تشتريها فرضي أسيادها بشرط بقاء الولاء لهم، والولاء هو الولاية التي يترتب عليها إرثها بعد موتها فسمع بذلك النبي - ﷺ -، فقال: اشتريها واشترطي لهم ما شاءوا فإن الولاء لمن أعتق.\n(^٥) شرط الله أوثق أي أقوى وأحق بالتنفيذ من شرطكم الباطل، وشرط الله أي حكمه أن الولاء لمن أعتق، ففيه إبطال شرطهم وبيان الحكم.","vol":"2","page":202},{"text":"• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ بَاعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بَعِيرًا وَاشْتَرَطَ ظَهْرَهُ إِلَى أَهْلِهِ (^١). رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهمَا».\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ بَيِّعَيْنِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا إِلا بَيْعَ الْخِيَارِ (^٢)». رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا أَوْ يُخَيِّرْ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ (^٣)». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَفْتَرِقَنَّ اثْنَانِ إِلا عَنْ تَرَاضٍ (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥) وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-424>الرد بالعيب</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ لَا سَمْرَاءَ (^٦)». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n_________\n(^١) فجابر كان له بعير صعب السير فباعه للنبي - ﷺ - فلما دخل في ملكه صار ذليلا سريع السير ولكن جابرا اشترط أن يركبه حتى يرجع من السفر، ففي هذه النصوص جواز كتابة البيع وذكر الشروط الجائزة وفيها جواز البيع مع شرط الركوب وعليه الجمهور، وإلى هنا الشق الأول من الترجمة، وما يأتي في الخيار وهو خيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار العيب.\n(^٢) البيعان تثنية بيع كقيم وهو البائع والمشتري فإن صدقا في قولهما وبينا ما في مبيعهما من عيب خفي بورك لهما في بيعهما وإلا فلا، وقوله لا بيع بينهما أي لازم حتى يتفرقا إلا إذا اشترط أحدهما أو كلاهما أن له الخيار ثلاثة أيام أو دونها.\n(^٣) قوله وكانا جميعا تأكيد وقوله فتبايعا على ذلك أي على إمضائه، فالخيار ثابت للمتبايعين ما داما في محل العقد وكذا إذا شرطاه ثلاثة أيام فما دونها وهذان خيار العقد والشرط، ويلزم البيع إذا تفرقا أو اختارا إمضاءه.\n(^٤) أي لا يفترق متبايعان إلا وهما راضيان فإنه تمام البيع، وسبب البركة فيه، إنما البيع عن تراض. والنهي للتنزيه لاتفاقهم على جواز التفرقة مطلقًا.\n(^٥) بسند صالح والله أعلى وأعلم.\n\nالرد بالعيب\n(^٦) الشاة المصراة هي التي ترك لبنها أيامًا ليعظم ضرعها فتشتد الرغبة فيها وتسمى المحفلة، وهو حرام=","vol":"2","page":203},{"text":"• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ (^١)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ أَوْ يَتَتَارَكَانِ (^٢)» أَيْ يَتَفَاسَخَانِ الْعَقْدَ. رَوَاهُمَا أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣) وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-425>لا يجوز التسعير ولا الاحتكار </span>(^٤)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ غَلَا السِّعْرُ فَسَعِّرْ لَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ\n_________\n= لأنه تغرير، وكالشاة: الناقة والبقرة والسمراء الحنطة، فمن اشترى بهيمة وظهر له أنها كانت مصراة فهو مخير، وفي رواية: فهو بالخيار ثلاثة أيام إن شاء أمسكها بعدها وإن شاء ردها ورد معها شيئًا من غالب قوتهم بدل اللبن الزائد عن نفقتها إذا كانت تعلف وهذا هو خيار العيب.\n(^١) الخراج بالفتح هو الفائدة التي تأتي من المبيع بالضمان أي يستحقه المشترى بسبب الضمان فإذا اشترى عبدًا أو بهيمة واستغله أياما ثم ظهر به عيب سابق على البيع بقول أهل الخبرة فله فسخ البيع وفائدته في هذه المدة للمشتري لأنه لو تلف عنده لضمنه.\n(^٢) فلو اختلف البائع والمشتري في المبيع وليس لهما بينة أو لكل منهما بينة فالحكم كقول البائع إذا رضي المشتري وإلا أحل البيع، هذا. وقال مالك والشافعي: يحلف البائع على قوله فإن حلف خير المشتري بين قبول البيع وبين الحلف ورد البيع أو قيمته إذا تلف، ولأبي داود: عهدة الرقيق ثلاثة أيام. أي إن وجد به عيب في أثنائها رد إلى بائعه وإن وجد بعدها كلف المشتري البينة بأنه اشتراه وبه العيب، ورواه أحمد وابن ماجه بلفظ: عهد الرقيق أربع ليال. وبهذا قال مالك وقال: وفي الجنون والجذام والبرص عهده سنة فإن مضت ولم يظهر شيء من ذلك فقد برئ البائع من العهدة كلها وقال الشافعي: يرجع في الداء إلى رأي أهل الخبرة به.\n(^٣) الأول بسند حسن والثاني بسند صالح والله أعلم.\n\nلا يجوز التسعير ولا الاحتكار\n(^٤) التسعير هو أن يحدد الأمير أو نائبه سعر الأشياء، والاحتكار هو شراء الشيء وحبسه ليقل بين الناس فيغلو سعره والقابض الذي يضيق على من يشاء، والباسط الذي يوسع على من يشاء كما تقتضيه الحكمة، سألوا النبي - ﷺ - أن يضع السعر فامتنع لأنه مظنة الظلم والناس مسلطون على أموالهم فلا ينبغي الحجر عليهم، ومراعاة مصلحة المشترى ليست أولى من مصلحة البائع فإذا تقابل الأمران وجب تمكين الطرفين من الاجتهاد في مصلحتهما، فالتسعير حرام وعليه الجمهور، وقال مالك: بجوازه ولعله إذا احتكر السوق أحد من الناس وتحكم في السعر فللأمير التسعير كما يراه صالحًا.","vol":"2","page":204},{"text":"يُطَالِبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١).\n\n• عَنْ مَعْمَرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ» فَقِيلَ لِسَعِيدِ: إِنَّكَ تَحْتَكِرُ قَالَ: إِنَّ مَعْمَرًا الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُ بِهذَا الْحَدِيثِ كَانَ يَحْتَكِرُ (^٢). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-426>الباب الرابع: في البيوع المنهى عنها </span>(^٣)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ وَكَانَ بَيْعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا (^٤). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ: وَالْمُلَامَسَة لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ وَلَا يُقَلِّبُهُ إِلا بِذلِكَ وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَنْبذَ إِلَى الرَّجُلِ بِثَوْبِهِ وَيَنْبِذَ الآخَرُ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ وَيَكُونُ ذلِكَ بَيْعَهُمَا\n_________\n(^١) بسند صحيح.\n(^٢) خاطئ أي عن الحق، وفي رواية: لا يحتكر إلا خاطئ. وسعيد هذا هو ابن المسيب التابعي المشهور ﵁ كان يحتكر فكلموه فيه فقال: إن معمرًا الراوي الحديث كان يحتكر، ولابن ماجه: من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس، فظاهر هذه النصوص أن الاحتكار في أي شيء حرام لإضراره بالناس وبه قال بعضهم وقال الشافعي وأحمد: الاحتكار لا يكون إلا في الطعام لأنه قوت الناس، وقال بعضهم: إذا احتكر زرعه أو صنعة يده فلا بأس، وقال بعضهم إذا كانت الأشياء تتوارد بكثرة فلا احتكار وعليه يحمل ما ورد عن سعيد ومعمر الراويين للحديث والله أعلم.\n\n﴿الباب الرابع في البيوع المنهي عنها﴾\n(^٣) كان بعضها بيعًا في الجاهلية بوحي الشيطان.\n(^٤) حبل الحبلة بالتحريك فيهما والأول مصدر والثاني جمع حابل كظلمة وظالم وكان بيعًا الخ من كلام ابن عمر يفسر الحديث، وقوله يبتاع الجزور أي يشتريه بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة ثم يلد ولدها وكالجزور غيره من بقر ونحوه، وتنتج من الأفعال المبنية للمجهول دائما كجن وزهى أي تكبر وقيل معناه بعتك الآن ولد ولد هذه الناقة وهذا أقرب إلى اللغة وأظهر في معنى حبل الحبلة والأول أقوى لأنه تفسير الراوي، والبيع فيهما باطل لجهل الأجل في الأول ولجهل المبيع في الثاني ولأنه بيع ما لم يوجد فالنهي فيه وفيما يأتي كله للتحريم.","vol":"2","page":205},{"text":"مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا تَرَاضٍ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ. وَلَفْظ أَبِي دَاوُدَ: الْمُنَابَذَةُ أَنْ يَقُولَ: إِذَا نَبَذْتُ إِلَيْكَ هَذَا الثَّوْبَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ. وَالْمُلَامَسَةُ أَنْ يَمَسَّهُ بِيَدِهِ وَلَا يَنْشُرَهُ وَلَا يُقَلِّبَهُ فَإِذَا مَسَّهُ وَجَبَ الْبَيْعُ (^١).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\nوَلأَصْحَابِ السُّنَنِ (^٣): لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ (^٤).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ». رَوَاهُ الْخَمْسَة. وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنْ تَلَقَّاهُ إِنْسَانٌ فَابْتَاعَهُ فَصَاحِبُ السِّلْعَةِ فِيهَا بِالْخِيَارِ إِذَا وَرَدَ السُّوقَ (^٥).\nوَلِمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ: «لَا يَبِعْ\n_________\n(^١) فظاهر هذه الرواية أن المنابذة والملامسة من جهة واحدة، فالمنابذة قول البائع للمشتري إذا لمست هذا الثوب في أي وقت من غير نشره وتقليبه فقد وجب البيع وبهذا يجب البيع، والرواية السالفة تفيد أن المنابذة من الطرفين وهذا أقعد بلفظ المفاعلة الذي يفيد الاشتراك ولعلها نوعان والبيع في الكل باطل للجهل بالمبيع.\n(^٢) فمن باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أي أنقصهما أو الربا أي أو لحقه الربا إن لم يقبل الأوكس وفيه للعلماء خلاف كثير، منه ما قاله ابن الأثير في النهاية كأن أسلفه دينارًا في صاع بر مثلا إلى شهر فلما حل الأجل وطالبه بالبر قال له بعنى الصاع بصاعين إلى شهرين فهذا بيع ثان ودخل في الأول فصار بيعتين في بيعة فيرد إلى أقلهما وهو الصاع وإلا كان الثاني ربا للتفاضل، أو كأن باعه دينا بدين وهو الكالئ المنهي عنه، ومنه ما قاله الشافعي كأن تقول أبيعك داري هذا بكذا على أن تبيعني غلامك بكذا، فإذا وجب لي الغلام وجبت لك الدار، ومنه أن يقول أبيعك هذا الثوب بعشرة نقدًا وبعشرين نسيئًا ويفترقا بغير اختيار لإحدى البيعتين، وهذا باطل للجهل بما وقع عليه العقد فإن اختار المشتري إحداها صح على رأي الجمهور القائل بجواز البيع بأكثر من ثمن اليوم نظرًا للتأخير.\n(^٣) بسند صحيح.\n(^٤) لا يحل سلف وبيع، قيل لأحمد ما معناه؟ قال: أن تقرضه قرضًا ثم تبايعه عليه بيعا يزداد عليه، وهو باطل لدخوله في كل قرض جر نفعا فهو ربا، وقوله ولا شرطان في بيع، قال الإمام أحمد هو أن تقول أبيعك هذا الثوب بكذا وعلى خياطته وقصارته فإن قال وعلى خياطته كان شرطا واحدا وصح كما اشترط جار ظهر بعيره إلى رجوعه، وقوله ولا ربح ما لم يضمن كأن اشترى شيئا وباعه بربح قبل قبضه فإنه باطل، وربحه حرام لأنه في ضمان البائع ما دام في يده وتقدم بيع ما ليس عندك.\n(^٥) لا تلقوا بحذف إحدى التاءين أي لا تتلقوا الركبان وهم من يأتون من البادية لبيع السلع فلا يجوز=","vol":"2","page":206},{"text":"حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ».\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا بَيِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ (^١) وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ (^٢)». وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا يَسُمِ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ (^٣)».\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النِّجْشِ (^٤).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا (^٥) وَعَنِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ، قِيلَ: وَمَا يَزْهُو؟ قَالَ: «يَحْمارُّ أَوْ يَصْفَارُّ (^٦)».\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ نَهى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ (^٧). وَفِي رِوَايَةٍ: نَهى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ وَعَنِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ. رَوَى هذِهِ الأَرْبَعَةَ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَالْمُعَاوَمَةِ وَالْمُخَابَرَةِ\n_________\n= مقابلتهم والشراء منهم قبل دخولهم السوق لأنه مظنة الغبن، ولذا قال فإن تلقاه فاشترى منه فصاحب البيع بالخيار إذا ورد السوق. ولا يبع حاضر لباد، الحاضر الواحد من أهل البلد، والباد من جاء من البادية بسلع يبيعها في البلد، فلا يكون الحاضر للباد سمسارًا ولذا قال: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض.\n(^١) كقوله لمن اشترى شيئًا في زمن الخيار افسخ بيعك وأنا أبيعك مثله أو أحسن بأقل من ثمنه وكذا لا يشترى على شراء أخيه، كقوله لمن باع شيئًا افسخ بيعك وأنا أشتريه بثمن أكثر.\n(^٢) فلا يتكلم في زواج امرأة خطبها غيره إلا أن يأذن له.\n(^٣) كقوله لمن اتفق على بيع شيء أو شرائه ولم يعقده: أنا أشتريه منك بأغلى أو أنا أبيعك خيرا منه بأرخص منه.\n(^٤) النجش كالشرط هو أن يزيد في ثمن المبيع ليغر غيره، والنهي في هذا وما قبله للتحريم لما فيه من الإضرار بالناس ولكن البيع صحيح لأن المحظور خارج عن العقد.\n(^٥) نهى عن بيع الثمرة عنبا أو غيره حتى يبدو صلاحها بوصولها إلى حال تطلب فيها غالبا وتسلم من العاهة.\n(^٦) أي فيما كان صلاحه بالحمرة والصفرة كالرطب، والإفحال الصلاح في كل شيء بحسبه كالبياض السنبل والعنب الأبيض والسواد الأسود.\n(^٧) أي نهي تحريم فبيع أي شيء قبل بدو صلاحه حرام ولا يصح لعدم ضمان سلامته ولإضراره بالمشتري وهذا مناف لحكمة البيع.","vol":"2","page":207},{"text":"وَعَنِ الثُّنْيَا وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا (^١). وَفَسَّرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ الْمُحَاقَلَةَ بِأَنَّهَا بَيْعُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ كَيْلًا، وَالْمُزَابَنَةَ بِأَنَّهَا بَيْعُ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ بِالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ كَيْلًا، وَالْمُعَاوَمَةَ بِأَنَّهَا بَيْعُ الشَّجَرِ سِنِينَ، وَالْمُخَابَرَةَ بِأَنَّهَا دَفْعُ الأَرْضِ إِلَى شَخْصٍ لِيَعْمَلَ وَيَزْرَعَهَا مِنْ عِنْدِهِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ منْهَا (^٢). رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\nوَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ فَقَالَ: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟» قَالوا: نَعَمْ فَنَهى عَنْ ذلِكَ (^٣). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٤).\n\n• عَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوانِ نَسِيئَةً. وَفِي رِوَايَةٍ: الْحَيَوَانُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ لَا يَصْلُحُ نَسِيئًا وَلَا بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَدٍ (^٥). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٦).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ عَبْدٌ فَبَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْهِجْرَةِ وَلَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ عَبْدٌ فَجَاءَ سَيِّدُهُ يَطْلُبُهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «بِعْنِيهِ» فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَدًا بَعْدُ حَتَّى يَسْأَلَهُ أَعَبْدٌ هُوَ (^٧). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n_________\n(^١) الثنيا كالدنيا هي بيع شيء مع استثناء جزء منه مجهول كقوله بعتك هذه الصبرة إلا بعضها وهذه الثياب إلا بعضها إلا إذا عين ما استثناه لحديث: نهى عن الثنيا إلا أن تعلم، وسيأتي بيع العرايا.\n(^٢) المخابرة هي المزارعة الآتية في الزرع، والمحاقلة من الحقل وهو أرض الزرع: هي بيع الزرع في الحقل بالحنطة كيلا، والمزابنة من الزين وهو الدفع لدفع كل منهما كلام الآخر إذا تنازعا: هي بيع الثمر على شجره بالتمر والزبيب كيلا، والنهي فيهما للتحريم ولا يصح البيع للجهل بالمثلية التي هي شرط في بيع النوع الواحد يمثله كما يأتي في الربا والمقاومة من الأعوام وهي السنين، كقوله أبيعك ثمر هذا الحائط أربع سنين بكذا وهو حرام وباطل لأنه بيع معدوم، وغير قادر على تسليمه.\n(^٣) أي نهي تحريم لعدم المثلية في النوع الواحد، فلا يصح بيعه بالتمر، وكذا صبرة البر لا يصح بيعها بالبر كيلا للجهل بالمثلية.\n(^٤) بسند صحيح.\n(^٥) نسيئة أي مؤجلا من الطرفين، وقوله يدًا بيد أي مقابضة، فبيع الحيوان بالحيوان مؤجلا حرام وباطل باتفاق لأنه من بيع الكالئ بالكالئ أي الدين بالدين، أما إذا كان التأجيل من جهة فجائز ولو مع التفاضل.\n(^٦) بسند صحيح.\n(^٧) فهو بيع حيوان بحيوانين مقابضة وفيه تأييد لما قبله.","vol":"2","page":208},{"text":"• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا إِلا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ (^١) وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ (^٢)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ (^٣) يَعَضُّ الْمُوسِرُ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ وَيُبَايَعُ الْمُضْطَرُّونَ وَقَدْ نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ (^٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^٦)».\nوَقَالَ عَلِيُّ ﵁: وَهَبَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غُلَامَيْنِ (^٧) أَخَوَيْنِ فَبِعْتُ أَحَدَهُمَا فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا عَلِيُّ مَا فَعَلَ غُلَامُكَ» فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: «رُدَّهُ رُدَّهُ (^٨)».\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الْمُغَنِّيَاتِ وَلَا تَشْتَرُوهُنَّ وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ وَلَا خَيْرَ فِي التِّجَارَةِ فِيهِنَّ وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ (^٩)» فِي مِثْلِهِ نَزَلَتْ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ\n_________\n(^١) التأبير الأخذ من طلع فحل النخل ووضعه في جوف طلع الأنثى منه فتثمر أكثر وأجود بإذن الله تعالى، فمن باع نخلا بعد تأبيره فثمرته له إلا إذا اشترطه المبتاع أي المشتري له، وكذا من باع أرضا وفيها زرع بدا صلاحه ومن باع أرضا وفيها شجر فهو تابع لها.\n(^٢) فمن ابتاع أي اشترى عبدًا فماله الذي بيده البائع لأنه جمعه وهو في ملكه إلا إذا اشترطه المشتري له.\n(^٣) بالفتح يفسره ما بعده.\n(^٤) أي نهي تحريم ولا ينعقد لأنه مظنة الوكس ويندب للدائن إنظاره إلى ميسرة إلا إذا اضطر للبيع لمؤنة لازمة لبيته فالبيع صحيح.\n(^٥) بسند ضعيف ولكنه للترهيب.\n(^٦) ومثل الوالد وولده الإخوة والأخوات.\n(^٧) أي عبدين.\n(^٨) رده أي البيع، فالتفريق بين كبير وصغير لا يستغني عنه حرام للتعذيب بالفرقة والوحشة إلا إذا بيع ولد البهيمة لذبحه فلا، وظاهر ما تقدم أن البيع حرام وباطل وعليه الجمهور.\n(^٩) المغنيات النسوة اللاتي يغنين بأصواتهن فبيعهن وشراؤهن وتعليمهن وثمنهن حرام، ولا يصح لأنه من لهو الحديث المذموم ويقاس عليهن كل آلة لهو فبيعها غير صحيح لأن شرط البيع كما تقدم حل استعماله أما شراؤهن للخدمة فلا شيء فيه.","vol":"2","page":209},{"text":"الْحَدِيثِ﴾ الآيَة. رَوَى الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^١).\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَرَأَيْتُهُ يُبَاعُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «لَا تَشْتَرِهِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ (^٢)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرضيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَسَكَتَ عَنْهُ (^٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-427>بيع العرايا والمزايدة </span>(^٥)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهُ\n_________\n(^١) الأولان بسندين حسنين والثالث ضعيف ولكنه للترهيب والترمذي أيضا: إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله لك تجارتك. فظاهره أن البيع والشراء في المسجد حرام وباطل، وعليه بعضهم لأن المسجد بني العبادة فقط، وقال بعضهم: إن البيع صحيح لأن المحظور خارج عن العقد، وهذا تنفير لأن البيع محله الأسواق.\n(^٢) فعمر ﵁ أعطى رجلا فرسًا يجاهد عليه فبعد مدة رأي الفرس يباع فاستأذن النبي - ﷺ - في شرائه فنهاه بقوله: لا تشتره، وفي رواية: ولو أعطاكهـ بدرهم فإنه كالعائد في هبته. ولكن النهي للتنزيه فالشراء يصح.\n(^٣) التبايع بالعينة هو بيع الشيء بثمن مؤجل ويستلمه المشتري ثم يبيعه للبائع بثمن نقدا أقل من الثمن المؤجل وهذا باطل عند الجمهور والأئمة الثلاثة ولكنه جائز عند الشافعي وصحبه لخلوه من موانع البيع، ولأن الحديث ضعيف، والعينة بالكسر من العين بفتحها وهو المال الحاضر لأن المشتري باع ثانيا ليحصل على مال ينتفع به في الحال، ومعنى الحديث إذا اشتغلتم بدنياكم وتركتم الفرائض عليكم كالجهاد وغيره نزل بك ذل عظيم لا يرتفع حتى ترجعوا إلى دينكم وهذا واقع بالمسلمين الآن نسأل الله التوفيق.\n(^٤) لكنه ضعيف لوجود إسحاق الخراساني وعطاء الخراساني في سنده والله أعلم.\n\nبيع العرايا والمزايدة\n(^٥) العرايا جمع عرية وهي أن يعرى الرجل الغني للفقير نخلة مثلا ليأكل منها ثم يتأذى صاحب المال من دخوله عليه فرخص له في شرائها منه بتمر، وقيل العرية نخل توهب للمساكين فلا يستطيعون انتظارها فرخص لهم في بيعها بالتمر، وهذا مستثنى من المزاينة السابقة للضرورة، والمزايدة عرض المتاع على قوم فيقول أحدهم أنا أشتريه بكذا، فيقول البائع من يزيد فيزيد رجل آخر حتى يبيعه صاحبه والله أعلم.","vol":"2","page":210},{"text":"إلا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ إِلا الْعَرَايَا (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتّمْرِ وَقَالَ: «ذلِكَ الرِّبَا (^٢) تِلْكَ الْمُزَابَنَةُ إِلا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ النَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا (^٣)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ (^٤). رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: بَاعَ النَّبِيُّ ﷺ حِلْسًا وَقَدْحًا قَالَ: «مَنْ يَشْتَرِي هذَا الْحِلْسَ وَالْقَدَحَ»؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَخَذْتُهُمَا بِدِرْهَمٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ يَزِيد»؟ فَأَعْطَاهُ رَجُلٌ دِرْهَمَيْنِ فَبَاعَهُمَا مِنْهُ (^٥). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n(^١) قوله إلا بالدينار والدرهم، أي لا بتمر ولا زبيب إلا العرايا لحاجة المساكين إلى بيعها.\n(^٢) لأن الثمر يقدر على شجره بالخرص والظن. وأما التمر أو الزبيب فبالكيل فلم تتحقق المثلية في بيع النوع الواحد فيكون ربًا.\n(^٣) النخلة والنخلتين بدل، أي يشتريها المالك أو غيره بعد خرصها بتمر يأخذه الفقير. فقوله: بخرصها تمرًا متعلق ببيع العرية، والخرص بالفتح تقدير التمر على الشجر، كقولهم ما على النخلة إذا صار تمرا كان قدره كذا بالكيل، وما على الشجرة من العنب إذا صار زبيبا كان قدره كذا بالكيل.\n(^٤) هذا قيد في بيع العرايا فلا تباع إلا إذا كانت أقل من خمسة أوسق عملا بالأحوط بخلاف الخسة فأكثر للشك فيها.\n(^٥) الحلس كالبئر وبفتحتين: ما يوضع على ظهر البعير تحت الرحل، والقدح: إناء الشرب، وقوله من يزيد أي في الثمن، وقوله فباعهما منه أي له، ففيه أن بيع المزايدة جاز، وعليه بعضهم والله أعلم. ولما كان الربا من البيع المنهي عنه أعقبناه به وأفردناه بباب لما له من الأهمية. نسأل الله السلامة منه.","vol":"2","page":211},{"text":"<span data-type='title' id=toc-428>الباب الخامس: في الربا والصرف </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (^٢) ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾.\n\n• عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَثَمَنِ الدَّمِ (^٣) وَثَمَنِ الْوَاشِمَةِ وَالْمَوْشُومَةِ (^٤) وَآكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ (^٥) وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ (^٦). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ: «هُمْ سَوَاءٌ (^٧)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ: الْتَمَسْتُ صَرْفًا بِمِائَةِ دِينَارٍ (^٨) فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَتَرَاوَضْنَا (^٩) حَتَّى اصْطَرَفَ مِنِّي فَأَخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ (^١٠) ثُمَّ قَالَ: حَتَّى يَأْتِيَ خَازَنِي مِنَ الْغَابةِ وَعُمَرُ يَسْمَعُ فَقَالَ:\n_________\n(الباب الخامس في الربا والصرف)\n(^١) في الربا أي في تحريمه ولعن فاعله وبيان الأصناف التي يكون فيها الربا. وهي الذهب والفضة والمطعومات، والربا لغة الزيادة، وشرعًا كل عقد حرمه الشارع، وأنواع الربا ثلاثة، ربا الفضل وهو البيع مع زيادة أحد العوضين على الآخر، وربا اليد وهو البيع مع تأخير قبض العوضين أو أحدهما، وربا النساء وهو البيع لأجل، والربا حرام باتفاق الملل السماوية لما فيه من الظلم قال تعالى - ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ - بل هو من كبائر الذنوب الواردة في حديث: اجتنبوا الموبقات السبع. وسيأتي في الحدود، والصرف بيع أحد النقدين بالآخر، فهو أخص من الربا، وعلة الربا في النقدين أنهما جنس الأثمان فاختص بهما دون غيرها من المعادن والأحجار الكريمة، وعلة الربا في البر ونحوه أنهما معلومان فتعداهما إلى كل ما شاركهما في العلة وهى الطعم.\n(^٢) فكل مال اختلط به الربا لا بركة فيه.\n(^٣) لأنهما نجسان فبيعهما وثمنهما حرام.\n(^٤) الوشم: هو غرز الإبرة في الجلد وذر كحل ونحوه عليه فيزرق أو يخضر وهو حرام لما فيه من تغيير الخلقة، وثمن الوشم: أجرته. وقوله والموشومة أي ونهي عن فعل الموشومة التي يفعل بها الوشم.\n(^٥) أي ونهي عن فعل آخذ الربا ومعطيه والنهي في الكل للتحريم.\n(^٦) الذي يصور صورة حيوان لا جماد، وسيأتي في اللباس إن شاء الله.\n(^٧) أي في الذنب واللعن الذي هو الطرد من الرحمة.\n(^٨) أي طلبت شراء دراهم بمائة دينار كانت في يدي.\n(^٩) أي تكلمنا في الصرف واتفقنا عليه.\n(^١٠) أي الدنانير.","vol":"2","page":212},{"text":"وَاللَّهِ لَا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلا هَاءَ وَهَاءَ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلا هَاءَ وَهَاءَ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَة.\n\n• عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدَا بِيَدٍ». وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: «فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى الآخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ (^٢)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا (^٣)».\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ لَا يُعْلَمُ مَكِيلَتُهَا بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ (^٤). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ الْبَرَاءَ عَنِ الصَّرْفِ فَقَالَ: سَلْ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ فَهُوَ أَعْلَمُ، فَسَأَلْتُ زَيْدًا فَقَالَ: سَلِ الْبَرَاءَ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ قَالَا (^٥): نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْوَرِقِ بِالذَّهَبِ دَيْنًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ. وَلَفْظُهُ: إِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ وَإِنْ كَانَ نَسِيئَةً فَلَا (^٦).\n_________\n(^١) هاء وهاء بالمد والفتح أو السكون أي مقابضة وقوله الذهب بالذهب أي بيع الذهب بالذهب فيه ربا إلا مقابضة، وفي نسخة، الذهب بالورق ربًا وهي نص فيما هنا لأنه الواقع بين مالك وطلحة.\n(^٢) مثلا بمثل أي متساويين في القدر، وقوله سواء بسواء تأكيد له، وقوله يدًا بيد أي مقابضة بدون تأجيل، فإذا بيع جنس بمثله كذهب بذهب وتمر بتمر اشترط التساوي في العوضين والقبض في المجلس، فإذا اختلف الجنس مع اتحاد العلة ذهب بفضة، وبر بشعير اشترط التقابض في المجلس فقط، فإذا اختلف البدلان في الجنس وعلة الربا كذهب ببر وفضة بشعير وذهب بثياب وفضة بأخشاب فلا يشترط من هذا شيء بإجماع ولما يأتي في جواز البيع إلى أجل.\n(^٣) التبر كالبئر في النقد غير المضروب منه وعين النقد ما ضرب منه والتبر والعين في هذا سواء.\n(^٤) الصبرة كالقرعة الكومة من الطعام، فالمجهولة القدر لا يصح بيعها بحكومة معلومة من جنسها للجهل بالمثلية.\n(^٥) أي زيد والبراء.\n(^٦) الورق كفخذ: الفضة لا يصح بيعها بذهب إلا يدًا بيد.","vol":"2","page":213},{"text":"وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: كُنْتُ أَبِيعُ الإِبِلَ بِالْبَقِيعِ فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ فَآخُذُ مَكَانَهَا الْوَرِقَ وَأَبِيعُ بِالْوَرَقِ فَآخُذُ مَكَانَهَا الدَّنَانِيرَ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدْتُهُ خَارِجًا مِنْ بَيْتِ حَفْصَةَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذلِكَ فَقَالَ: «لَا بَأْسَ بِهِ بِالْقِيمَةِ (^١)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ. وَلَفْظُ أَبي دَاوُدَ: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ». وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-429>يجوز البيع إلى أجل </span>(^٢)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعَامًَا مِنْ يَهُودِيَ إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ (^٣).\nرَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَوْبَانِ قِطْرِيَّانِ (^٤) غَلِيظَانِ فَكَانَ إِذَا بَعُدَ فَعَرِقَ ثَقُلَا عَلَيْهِ فَقَدِمَ بِزٌّ مِنَ الشَّامِ لِفُلَانٍ الْيَهُودِيِّ فَقُلْتُ: لَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَاشْتَرَيْتَ مِنْهُ ثَوْبَيْنِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ (^٥) فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ ما تُرِيدُ إِنَّمَا تُرِيدُ أَنْ تَذْهَبَ بِمَالِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَبَ قَدْ عَلِمَ أَنِّي مِنْ أَتْقَاهُمْ لِلَّهِ وَأَدَّاهُمْ للأَمَانَةِ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n_________\n(^١) أي تأخذ فضة بقيمة الذهب الذي بعت به بسعر يومك بشرط التقابض في الحال، وعليه بعض الصحب وأحمد وإسحاق ولم يأخذ به الجمهور لضعف الحديث والله أعلم.\n\nيجوز البيع إلى أجل\n(^٢) أي فيما لم يتحد الطرفان فيه في علة الربا، وهي الثمنية والطعمية كما في الحديث الأول من شراء طعام بنقد مؤجل، وكما في الحديث الثاني من شراء ثياب بنقد مؤجل، فلم يتحد العوضان فيهما في علة الربا.\n(^٣) اليهودي اسمه أبو الشحم، والدرع كالبئر ملبوس من صلب الحديد يحفظ جسم المجاهد من السلاح، فالنبي - ﷺ - اشترى من يهودي ثلاثين صاعًا من شعير وأعطاه درعه رهنا على ثمنها حتى يدفعه إليه.\n(^٤) الثوب القطري بالكسر: برد من اليمن، وقوله إذا بعد أي سافر فيهما.\n(^٥) البز كالقز: الثياب، ففيهما جواز البيع وتأخير الثمن إلى أجل وجواز الرهن وجواز معاملة الكافر إذا لم يتيسر الطلب عند مسلم والله أعلم. ولما كان المسلم من البيع إلى أجل أردفناه به وأعقبناه بالرهن لأنه يقع فيهما.","vol":"2","page":214},{"text":"<span data-type='title' id=toc-430>الباب السادس: في السلم </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ فَقَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ»، وَفِي رِوَايَةٍ، فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ (^٢). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُجَالِدٍ ﵁: بَعَثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ وَأَبُو بُرْدَةَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى فَقَالَا: سَلْهُ هَلْ كَانَ أَصْحَابُ النَّبيِّ ﷺ فِي عَهْدِهِ يُسْلِفُونَ فِي الْحِنْطَةِ؟ فَقَالَ: كُنَّا نُسْلِفُ نَبِيطَ أَهْلِ الشَّامِ (^٣) فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّيْتِ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، قُلْتُ: إِلَى مَنْ كَانَ أَصْلُهُ عِنْدَهُ؟ قَالَ: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذلِكَ، ثُمَّ بَعَثَانِي إِلَى ابْنِ أَبْزَى فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: نَعَمْ وَمَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ أَلَهُمْ حَرْثٌ أَمْ لَا (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَلِأَبِي دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهْ: مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ (^٥). وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(الباب السادس في السلم)\n(^١) السلم هو بيع شيء موصوف في الذمة بثمن يدفع في المجلس، وسمي سلمًا لتسليم رأس المال فيه ويسمى سلفًا لتقديم رأس المال فيه، وهو جائز للحاجة إليه بشرط عدم اتحاد البدلين في العلة، وصورته كقوله: أسلمتك هذا الدينار لتبيعني به كذا وتسلمه لي في وقت كذا في مكان كذا.\n(^٢) فكان أحدهم يعطى للآخر دينارا مثلا ويقول: بعني به رطبًا مثلا من ثمار العام الآتي أو الذي بعده من غير تقدير للرطب، وربما تنازعوا عليه فقال ﷺ: من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، أي فيما يكال وفي وزن معلوم، أي فيما يوزن وفي عدٍّ فيما يعد مثلا، والمراد بيان المبيع بما ينفي الجهل عنه؛ لأن شرط المبيع أن يكون معلومًا ولابد من ذكر محل التسليم منعا للنزاع بينهما.\n(^٣) هم أهل الزراعة أو نصارى الشام.\n(^٤) فيجوز السلم إلى شخص ولو لم يكن عنده المسلف فيه ولا أصله.\n(^٥) أي لا يطلب بدله شيئًا آخر قبل قبض الثمن أو فلا يحول المسلم فيه إلى شخص آخر يبيع أو غيره قبل قبضه، والحديث ضعيف ولكن يقويه حديث الدارقطني: من أسلف في شيء فلا يأخذ إلا ما أسلف فيه أو رأس ماله. فظاهر ما تقدم أن السلف يجوز في الطعام والثياب وغيرها مما يحد ويوصف، وهذا باتفاق إلا الحيوان فقال بجواز السلف فيه الجمهور لما يأتي في الاستقراض، وقال بعضهم: لا يجوز للحديث الماضي: نهى النبي - ﷺ - عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئا والله أعلم.","vol":"2","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-431>الرهن </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ (^٢). صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ بِعِشْرِينَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَخَذَهُ لأَهْلِهِ (^٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ نَفَقَتُهُ» (^٤). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n_________\nالرهن\n(^١) الرهن لغة. الحبس والدوام والثبوت ومنه الحالة الراهنة، وشرعًا: جعل مال وثيقة على دين ويطلق على الشيء المرهون.\n(^٢) وفي قراءة فرُهُنٌ مقبوضة جمع رهن، أي وإن كنتم مسافرين وتداينتم بدين ولم تتيسر كتابته فيكفيكم الرهن عليه وثيقة على دينكم، فيه طلب الكتابة عند المعاملة منعًا للنزاع وحفظا للمال من الضياع لا سيما في هذا الزمان الذي كثر فيه الفساد والطغيان.\n(^٣) ودرعه مرهونة أي عند البائع حتى يأخذ ثمن الطعام، وكان الرهن في الجاهلية يملك إذا حل الأجل وعجز عن الدفع فأبطله الشرع بتكليف الراهن إذا عجز ببيع الرهن وأداء الدين للمرتهن وأخذ الباقي.\n(^٤) الظهر: هو الحيوان الذي ينتفع بظهره لركوب وحمل كالإبل والخيل والبغال ونحوها، ولبن الدر أي البهيمة ذات الضرع واللبن كالبقر والغنم ونحوهما، فالظهر المرهون يركب بدل النفقة عليه، ولبن المرهونة يشرب بالنفقة عليها، وعلى الراكب والشارب النفقة. ولكنهم اختلفوا فيه فالجمهور على أن المراد به الراهن لأنه المالك، ولحديث الشافعي والحاكم: لا يغلق الرهن من صاحبه أي لا يمنع منه له غنمه وعليه غرمه. وقال أحمد وإسحاق: المراد به المرتهن ولو لم يأذن المالك لأنه في يده فله فائدته نظير الإنفاق، ولو قيل إن الحديث أجمله ليبيح لكل منهما ذلك لم يبعد، وهذا فيما يحتاج لإنفاق، أما ما لا يحتاج كثوب وأرض فلا يجوز للمرتهن أن ينتفع به إلا بإذن من الراهن على قول ضعيف، والجمهور على خلافه لحديث: كل قرض جر نفعًا فهو ربًا والله تعالى أعلى وأعلم.","vol":"2","page":216},{"text":"<span data-type='title' id=toc-432>الشفعة </span>(^١)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ (^٢). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي رَافِعٍ (^٤) ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ (^٥)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا. وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرضي لَيْسَ لأَحَدٍ فِيهَا شِرْكَةٌ وَلَا قِسْمَةٌ إِلا الْجِوَارُ فَقَالَ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ».\n\n• عَنْ سَمُرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِدَارِ الْجَارِ أَوِ الأَرْضِ».\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْجارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ يُنْتَظَرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا (^٦)»\n_________\nالشفعة\n(^١) الشفعة كالقرعة لغة: الضم. وشرعًا: حق يثبت قهرًا للشريك القديم على الشريك الجديد فيما ملك بعوض، وحكمتها دفع ضرر مؤنة القسمة من أحداث المرافق كمصعد ومنور وباب في الحصة الصائرة إلى القديم.\n(^٢) أي حكم بالشفعة في كل مشترك مشاع قابل للقسمة، فإذا قسم وظهرت الحدود ورسمت الطرق بينها فلا شفعة لأنه لا محل لها بعد تمييز الحقوق وصيرورته جارا.\n(^٣) قوله ربعة أو حائط بدل من شركة والربعة تأنيث الربع وهو المنزل، والحائط: البستان، وقوله لا يحل له أي للشريك أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن باع بدون علمه فالبيع حرام، وله الشفعة إذا طلبها لأنها حقه الثابت له بالشرع.\n(^٤) أبو رافع هذا كان خادمًا للنبي - ﷺ - وروى عنه عدة أحاديث.\n(^٥) السقب والصقب كالقصب: القرب، فظاهر هذه النصوص أن الشفعة لا تثبت إلا في العقار وهي الأرض وما ثبت فيها للدوام كالبناء والأشجار وعليه الجمهور، وقال بعضهم: إن الشفعة ثابتة في كل شيء لحديث» الشفعة في كل شيء» وقال أحمد لا تثبت في شيء منقول إلا في الحيوان.\n(^٦) فشرط ثبوت الشفعة للجار أن يكون طريقهما واحدا. وظاهر هذه النصوص أن الشفعة ثابتة للجار، وعليه الحنفية والثوري وابن سيرين، وقال الجمهور: ليس للجار شفعة بل هي للشريك فقط والجار في هذه النصوص مراد به الشريك للحديث الأول، وأجاب الحنفية عنه بأن قوله فإذا وقعت الحدود فلا شفعة مدرج من كلام الراوي،=","vol":"2","page":217},{"text":"رَوَاهُمَا أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١).\n\n• عَنْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ (^٢)»، ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْ رضينَ وَاللَّهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ (^٣). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-433>الباب السابع: في الإجارة </span>(^٤)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَحْكِي قَوْلَ شُعَيْبٍ لِمُوسَى ﵊ ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ﴾ (^٥) ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْخَازِنُ الأَمِينُ الَّذِي يُؤَدِّي مَا أُمِرَ بِهِ طَيِّبَةً نَفْسُهُ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقِينَ» (^٦).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: اسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا وَوَعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلَاثٍ فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ\n_________\n=وقال الجمهور: لا دليل على هذا، ويكفي قوله في كل ما لم يقسم وقوله في كل شركة لم تقسم، ولو قيل: إن النبي - ﷺ - أخبر بالشفعة للجار بعد أن نفاها عنه لم يبعد، وكان الجمع بين الروايات.\n(^١) الأول صحيح والثاني حسن.\n(^٢) النهي للتنزيه فيكره منع الجار من وضع أطراف أخشابه في الجدار الملاصق له لأنه مخالف للإحسان المطلوب للجار إلا إذا كان يضر به فلا.\n(^٣) الضمير في عنها وبها للوصية بالجار أي ما لكم تعرضون عنها والله لأسمعنكم إياها فرارا من كتمان العلم وأملا في العمل بها والله أعلم.\n\nالباب السابع في الإجارة\n(^٤) هي لغة: اسم للأجرة، وشرعًا: عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم.\n(^٥) الحجج جمع حجة كنعم ونعمة هي السنة، أي إني أريد أن أزوجك واحدة من بنتيّ هاتين على أن تكون أجيرا عندي ثماني سنين ولو كملتها عشرا لكان فضلا منك.\n(^٦) المتصدقين بالتثنية والجمع، فالخازن الذي هو أجير عند صاحب المال إذا فعل بسخاء ما أمره به المالك كان ثوابه كثواب المتصدق من ملكه.","vol":"2","page":218},{"text":"السَّاحِلِ (^١). رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\nوَتَقَدَّمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحِجَّامَ أُجْرَةٌ.\nوَتَقَدَّمَ حَدِيثُ: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلا رَعَى الْغَنَمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-434>الأجرة على القرآن والسمسرة </span>(^٢)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى (^٣)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرينَ وَعَطَاءٌ وَإِبْراهِيمُ وَالْحَسَنُ ﵃ بِأَجْرِ السِّمْسَارِ بَأْسًا (^٤).\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: بِعْ هذَا الثَّوْبَ بِكَذَا فَمَا زَادَ فَهُوَ لَكَ.\nوَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ ﵁: إِذَا قَالَ بِعْهُ بِكَذَا، فَمَا كَانَ مِنْ رِبْحٍ فَهُوَ لَكَ أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ (^٥). رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ الْبُخَارِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) الخريت بكسر الخاء والراء مع التشديد: الماهر بمعرفة الطرق وكان اسمه عبد الله بن أريقط وكان كافرا ولمهارته في معرفة الطرق استأجره النبي - ﷺ - وصاحبه أبو بكر ليسير معهما في الهجرة إلى المدينة فدفعا إليه الراحلتين ووعداه أن يقابلهما في الغار بعد ثلاث ليال فوفي بعهده وسار معهما إلى المدينة، وسيأتي حديث الهجرة مطولا في كتاب النبوة إن شاء الله تعالى. وتقدم: ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم. ففي هذه الأحاديث جواز الإجارة للحاجة إليها والله أعلم.\n\nالأجرة على القرآن والسمسرة\n(^٢) السمسرة هي الدلالة وهي بيع الشيء عن صاحبه والأجرة عليها جائزة لأنها نظير عمل معلوم وقد يحتاج الطرفان إلى ذلك.\n(^٣) فأطيب الكسب الأجرة على كتاب الله تعالى بتعليم أو رقية أو كتابة أو قراءة لإطلاق الحديث وعليه الجمهور، وقال أحمد والحنفية لا تجوز الأجرة على القرآن لأنه عبادة وأجرها على الله تعالى إلا في الرقية لأنها سبب الحديث، فقد كان بعض الأصحاب في سفر فمروا في ليلة بحي من العرب وطلبوا الإضافة فلم يجيبوهم فلدغ سيدهم في تلك الليلة فلجأوا إلى الأصحاب، فقال أبو سعيد: لا نرقيه حتى تجعلوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع غنم فرقاه أبو سعيد فشفى وأخذ الغنم ولكنه أمسك عن التصرف فيها حتى سأل النبي - ﷺ - فذكر الحديث، وقال: اقسموا واضربوا لي معكم سهمًا، وسيأتي ذلك في الطب مبسوطًا إن شاء الله، وأيضا لا تجوز الأجرة عليه لحديث أحمد والبزار، اقرأوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به. وكالأجرة على القرآن الأجرة على الأذكار ونحوها.\n(^٤) هؤلاء من كبار علماء التابعين وقالوا بجواز الأجرة على السمسرة لأنها عمل معين.\n(^٥) ولم يقل بذلك أحد غيرها لأن الأجرة في الصورتين مجهولة، فإذا باع له فله أجرة المثل عند الجمهور =","vol":"2","page":219},{"text":"<span data-type='title' id=toc-435>الشركة والوكالة </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ الْيَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا (^٣). رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\nوَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: اشْتَرَكْتُ أَنَا وَعَمَّارٌ وَسَعْدٌ فِيمَا نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ: فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيريْنِ وَلَمْ أَجِئْ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ (^٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥) وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ فَجَاءَهُمْ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ: أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هكَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هذَا بِالصَّاعَيْنِ وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثةِ فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا (^٦).\n_________\n= إلا أن يقال إنها معلومة بعض العلم كما يحصل في مصرنا الآن من قول المالك للسمسار: بع هذا ولك من كل مائة خمسة فهو صحيح عندهما والله أعلم.\n\nالشركة والوكالة\n(^١) الشركة لغة: الاختلاط وشرعًا: ثبوت الحق في شيء لاثنين فأكثر على الشيوع، والوكالة بالفتح والكسر إقامة الشخص غيره مقام نفسه مطلقًا أو مقيدا وهما جائزان للحاجة إليهما.\n(^٢) فالله تعالى مع الشريكين بالعون والبركة ما داما أمينين وإلا تخلى عنهما وشاركهما الشيطان.\n(^٣) فالنبي - ﷺ - بعد فتح خيبر أعطاها لليهود، ليعملوا فيها ما يلزم للزراعة من حرث وسقى وبذر ونحوها ولهم نصفها، فهذه مزارعة بين النبي - ﷺ - وبين اليهود وبقيت إلى زمن عمر ﵁ حتى أجلاهم عنها.\n(^٤) فيما نصيب يوم بدر أي من الغنائم، ولم يغنم إلا سعد فاشتركنا معه، وهذه شركة أبدان وهي أن يشترك اثنان فيما يعملانه، وأجازها مالك وأبو حنيفة، وقال الشافعي: إنها باطلة لأن كل شخص متميز عن الآخر بجسمه وعمله فيختص بفوائده كمن خلطا أغنامهما فلكل منهما فائدة غنمه.\n(^٥) بسند منقطع ولكن ورد ما يقويه واعتبره بعض الأئمة.\n(^٦) استعمله على خيبر أي وكله عليها، والجنيب كالحبيب: الطيب، والجمع: الرديء، فوكيل النبي - ﷺ - على خيبر جاءه بتمر طيب فقال - ﷺ - =","vol":"2","page":220},{"text":"• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِجَلَالِ الْبُدْنِ الَّتِي نُحِرَتْ وَبِجُلُودِهَا (^١). رَوَى الثَّلَاثَةَ الْبُخَارِيُّ.\nوَقَالَ جَابِرٌ ﵁: أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ فَقَالَ: «إِذَا أَتَيْتَ وَكِيلِي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسِقًْا فَإِنِ ابْتَغَى مِنْكَ آيَةً فَضَعْ يَدَكَ عَلَى تَرْقُوَتِهِ (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣) وَالدَّارَقُطْنِيُّ.\n\n• عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي بِهِ أُضْحِيَةً أَوْ شَاةً فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ فَبَاعَ أَحَدَهُمَا بِدِينَارٍ فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ فَكَانَ لَوِ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ (^٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ (^٥) فِي بَدْءِ الْخَلْقِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-436>الصلح </span>(^٦)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (^٧).\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ (^٨)\n_________\n= كل تمرها هكذا، قال: لا إنا نشتري الصاع من هذا بصاعين، قال: لا تفعل فإن التمر بالتمر ربًا إلا مثلا بمثل ولكن بع الرديء بدراهم ثم اشتر بها طيبًا.\n(^١) فالنبي - ﷺ - وكل عليا ﵁ يوم النحر في التصدق بجلود الضحايا وجلالها.\n(^٢) أي إن طلب منك علامة على صدقك فضع يدك على ترقوته وهي العُظَيْم الذي بين ثغر النحر والعنق.\n(^٣) بسند حسن.\n(^٤) قوله أو شاة للشك، وفيه أن الوكيل لو تصرف بأكثر مما وكل فيه فربح فتصرفه صحيح.\n(^٥) ولكن البخاري في بدء الخلق وأبو داود في المضاربة مع أن الحديث وكالة في شراء، والمضاربة أن يدفع شخص لآخر مالا ليعمل فيه والربح بينهما وسميت مضاربة لحصول الضرب وهو السفر فيها غالبا وتسمى قراضا عند الحجازيين، والعامل يسمي مضاربا، والمضارب إذا خالف المالك فبعضهم قال: إنه ضامن لرأس المال والربح للمالك كمن اتّجر في وديعة بغير إذن صاحبها، وقال آخرون: إن الربح للمضارب وهو لرأس المال ضامن والله أعلم.\n\nالصلح\n(^٦) الصلح ترك النزاع والإصطلاح على شيء.\n(^٧) أي فيه خير كثير للناس.\n(^٨) بل وبين الكافر والمسلم.","vol":"2","page":221},{"text":"إِلا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا (^١) وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا فَكَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى يَا كَعْبُ قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هذَا وَأَوْمَأَ إِلَى الشَّطْر» قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «قُمْ فَاقْضِهِ (^٣)». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-437>الباب الثامن: في العارية وضمانها </span>(^٤)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ الْمَنْدُوبُ فَرَكِبَهُ فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا (^٥).\nقَالَ أَيْمَنُ ﵁: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَعَلَيْهَا دِرْعُ قِطْرٍ ثَمَنَ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ فَقَالَتِ انْظُرْ إِلَى\n_________\n(^١) إلا صلحا حرم حلالا كمصالحة الزوجة على عدم جماع ضرتها، وقوله أو أحل حراما كالصلح على فعل حرام أو إضرار بعض العباد.\n(^٢) فكل شرط غير مشروع لا قيمة له.\n(^٣) السجف كالستر وزنًا ومعنى ولكنه بشقين على الباب، فابن أبي حدرد كان عليه دين لكعب فطالبه به في المسجد وارتفعت أصواتهما حتى سمعهما النبي - ﷺ - فجاء فكشف ستر باب حجرته ونادى كعبا فأجابه فأشار إليه بوضع نصف الدين وأخذ الباقى رحمة بالمدين ومنعا للنزاع، فأجابه كعب ﵁، وهذا صلح على ترك بعض الدين وإرشاد للدائنين إلى الرفق بالمدينين. نسأل الله أن يعمنا برحمته ورضوانه آمين.\n\n(الباب الثامن في العارية وضمانها)\n(^٤) العارية هي إباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع به مع بقاء عينه كإعارة حيوان لركوبه وثوب وإناء لاستعمالهما وردهما، قال الله تعالى ﴿ويمنعون الماعون﴾ فسرت بما يستعيره الجيران من بعضهم كالأواني والرحى ونحوهما.\n(^٥) وجدناه أي الفرس لبحرًا أي واسع الجري، شاع في المدينة قول بقدوم العدو ففزع الناس، وكان لأبي طلحة فرس يسمى المندوب وكان بطيء السير فاستعاره النبي - ﷺ - فركبه فصار سريع السير وخرج يركض وحده، فلما رجع قال ما رأينا من شيء.","vol":"2","page":222},{"text":"جَارِيَتِي فَإِنَّهَا تُزْهَى أَنْ تَلْبَسَهُ فِي الْبَيْتِ وَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُنَّ دِرْعٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ تُقَيَّنُ بِالْمَدِينَةِ إِلا أَرْسَلَتْ إِلَيَّ تَسْتَعِيرُهُ (^١). رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ فِي الْعُمْرَى.\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقَ حَقَّهُ فلا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وَلَا تُنْفِقُ الْمَرْأَةُ شَيْئًا مِنْ بَيْتِهَا إِلا بِإِذْنِ زَوْجِهَا»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الطَّعَامَ؟ قَالَ: «ذلِكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا» ثمَّ قَالَ: «الْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ سَمُرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ ثُمَّ إِنَّ الْحَسَنَ نَسِيَ فَقالَ: هُوَ أَمِينُكَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ (^٣). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٤).\n\n• عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى ﵄ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَتَتْكَ رُسُلي فَأَعْطِهمْ ثَلَاثِينَ دِرْعًا وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعَارَيةً مَضْمُونةً أَوْ عَارِيَةً مُؤَدَّاةً؟ قَالَ: «بَلْ مُؤَدَّاةً (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦) وَالنسَّائِيُّ.\n_________\n(^١) درع قطر بالإضافة أي قميص من برود اليمن فيه غلظ وخشونة، وثمن منصوب على نزع الخافض أي بثمن هو خمسة دراهم، وقولها تزهي بلفظ المجهول أي تتكبر عن لبسه، وقولها تقين كتزين وزنا ومعنى، فهذا القميص الخشن كان يستعمار للعروس والآن تتكبر الجارية عن لبسه في البيت لما تيسرت الأمور وكثرت الفتوحات فسبحان الفتاح العليم، فالاستعارة مذكورة في الحديثين.\n(^٢) المنحة كالنعمة ما يمنحه الشخص لغيره ينتفع به ثم يرده لمالكه كبهيمة لشرب لبنها وأرض لزرعها وشجرة لثمرها، والدين مقضى أي يجب قضاؤه شرعا، والزعيم أي الضامن غارم لما ضمنه إذا عجز الدين، والعارية مؤداة أي تؤدي وتعاد إلى صاحبها وجوبا بعد استيفاء نفعها، فإن تلفت بتقصير ضمنها المستعير وإلا فلا.\n(^٣) على اليد ما أخذت، أي يجب على اليد حفظ ما أخذته بإجارة أو إعارة أو غيرها حتى ترده إلى مالكه، وظاهره أن عليه الضمان مطلقا ولو لم يقصر، ولكن الحسن الراوي عن سمرة قال لا ضمان عليه، ولعله إن تلفت في مأذون فيه أو بدون تقصير.\n(^٤) بسند حسن.\n(^٥) أعارية مضمونة أي أتستعيرها عارية مضمونة تضمن بالقيمة إن تلفت، أو عارية مؤداة أي تؤدي لمالكها إن بقيت، وإن تلفت فلا ضمان أي بدون تقصير.\n(^٦) بسند صالح.","vol":"2","page":223},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمِهَا قَصْعَةً فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ (^١) فَضَمَّ النَّبِيُّ ﷺ إِحْدَى الْكَسْرَتَيْنِ إِلَى الأُخْرَى وَجَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ وَيَقُولُ: «غَارَتْ أُمُّكُمْ كلُوا» فَأَكَلُوا حَتَّى جَاءَتْ قَصْعَتُهَا قَالَ: «كُلُوا» وَحَبَسَ الرَّسُولُ وَالْقَصْعَةَ الْمَكْسُورَةَ حَتَّى فَرَغُوا فَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الرَّسُولِ (^٢). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا وَلَفْظُهُ لأَبِي دَاوُدَ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-438>الباب التاسع: في الاستقراض والاستدانة </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ (^٤) وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾.\n_________\n(^١) التي كان النبي - ﷺ - في بيتها هي عائشة وهي التي كسرت القصعة التي جاءت بطعام من عند زينب بنت جحش أو أم سلمة أو صفية ضرائرها غيرة من حسن طعامها.\n(^٢) وفي رواية قالت عائشة: ما رأيت صانعا طعاما مثل صفية، بعثت لرسول الله - ﷺ - طعاما فأخذني - أفكل، كأكبر - أي رعدة شديدة، فكسرت الإناء فقلت: يا رسول الله: ما كفارة ما صنعت، قال: إناء مثل إناء وطعام مثل طعام، وكالإناء غيره للعموم فيما تقدم، ومنه حديث أبي داود والترمذي: أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك، ففي هذه النصوص أن من كان تحت يده شيء بإجارة أو إعارة ونحوهما وأتلفه أو تلف بتقصيره وجب عليه رد مثله إن تيسر وإلا فقيمته وهذا باتفاق؛ فإن تلف وحده أو بمأذون فيه فلا، وقال بعض الصحب والتابعين وأحمد إن العارية مضمونة مطلقا لظاهر حديث سمرة والله تعالى أعلى وأعلم.\n\n(الباب التاسع في الاستقراض والاستدانة)\n(^٣) الاستقراض طلب القرض بالفتح أشهر من الكسر وهو تمليك الشيء لغيره على أن يرد بدله وسمي قرضًا لأن المقرض يقطع للمقترض قطعة من ماله ويسميه الحجازيون سلفًا وهو جائز للحاجة. والاستدانة هي أخذ الشيء دينا عليه حتى يرد مثله فالاستقراض والاستدانة شيء واحد.\n(^٤) فكتابة الدين مطلوبة حفظا للحق ومنعا للنزاع وإبقاء على السلام والأمان.","vol":"2","page":224},{"text":"• عَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا (^١) فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَةُ فَقُلْتُ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلا خِيَارًَا رَبَاعِيًا فَقَالَ: «أَعْطِهِ إِيَّاهُ، إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً (^٢)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ﵁ قَالَ: اسْتَقْرَضَ مِنِّي النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ أَلْفًا فَجَاءَهُ مَالٌ فَدَفَعَهُ إِلَيَّ وَقَالَ: «بَارَكَ اللَّهُ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْحَمْدُ وَالأَدَاءُ (^٣)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ (^٤)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنِ الْمُغِيرَةِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عَقُوقَ الأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ الْبَنَاتِ وَمَنْعًا وَهَاتِ (^٥) وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ (^٦)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ (^٧)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n_________\n(^١) هو الفتى من الإبل وكان ثلاثيًا.\n(^٢) قوله رباعيًا هو من الإبل ما أتى عليه ست سنين ودخل في السابعة وطلعت رباعيته، وفي رواية فلما أعطوه الرباعي قال: أوفيتني أوفاك الله، وفيه جواز السلف في الإبل ويقاس عليه بقية الحيوان، وعليه الجمهور، ومنعه الحنفية للنهي عن بيع الحيوان بالحيوان، وحمله الجمهور على النسيئة من الطرفين.\n(^٣) فالنبي - ﷺ - استلف من عبد الله أربعين ألف درهم، ولما جاءه المال ردها إليه ودعا له، وفيه جواز السلف في النقدين وهو باتفاق وأما غيرهما ففيه خلاف لأهل العلم.\n(^٤) وللحاكم وغيره ما من مسلم يدّان دينا يعلم الله أنه يريد أداءه إلا أداه الله عنه في الدنيا.\n(^٥) عقوق الأمهات أي أذية الآباء والأمهات ووأد البنات أي دفنهن بالحياة خوف العار أو الفقر كما كان في الجاهلية قال تعالى ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ وحرم منعًا أي منع الحقوق عن أصحابها وحرم هات أي أخذ ما لا يحل.\n(^٦) وكره لكم قيل كذا، وقال فلان كذا من فضول الكلام وبالأولى ما يؤذى، وكره كثرة السؤال أي في العلم امتحانا، أو في المال استكثارًا، وكره إضاعة المال أي حرم إتلافه أو صرفه فيما لا يحل.\n(^٧) أي تسويف الغني في دفع الواجب عليه ظلم منه لنفسه وللعباد. وقال الشافعي: إذا تكرر منه ذلك ردت شهادته.","vol":"2","page":225},{"text":"وَلِلْبُخَارِيِّ وَأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيّ: «لَيُّ الْواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ (^١)».\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَعْظَمَ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يَلْقَاهُ بِهَا عَبْدٌ بَعْدَ الْكَبَائِرَ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنْهَا أَنْ يَمُوتَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَدَعُ لَهُ قَضَاءً (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣).\nوَلِلنَّسَائِيِّ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيِيَ ثمَّ قُتِلَ ثُمَّ أُحْيِيَ ثُمَّ قُتِلَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يُقْضى عَنْهُ دَيْنُهُ (^٤)».\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَأُتِيَ بِمَيِّتٍ فَقَالَ: «أَعَلَيْهِ دَيْنٌ»؟ قَالُوا: نَعَمْ دِينَارَانِ قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحبِكُمْ». قَالَ أَبُو قتَادَةَ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ قَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ فَمَنْ تَركَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثتِهِ (^٥)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: قُتِلَ أَبِي يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَاشْتَدَّ الْغُرَمَاءُ في حُقُوقِهِمْ (^٦) فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَكلَّمْتُهُ فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا تَمْرَ حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي فَأَبُوا (^٧) فَقَالَ ﷺ:\n_________\n(^١) ليّ أصله لوى قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، فمطل الغني في دفع الحق يسوغ الطعن فيه بأنه مماطل وظالم، وللحاكم حبسه وتعزيره بما يراه أدبًا له وزجرًا لغيره.\n(^٢) فأعظم الذنوب بعد الكبائر أن يموت وعليه دين لم يترك له قضاء وكان قصر في وفائه أو استدانه لمعصية وإلا فلا.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) فالدين بغير عذر مانع من دخول الجنة ولو استشهد غير مرة.\n(^٥) فالنبي - ﷺ - أولا ما كان يصلى على من مات وعليه دين لم يترك له قضاء إشعارا بعظم ذنبه الذي يكاد يجعله مع المنافقين المنهي عن الصلاة عليهم وتنفيرا عن الدين، ولكن لما كثرت الأموال من الغنائم كان النبي - ﷺ - يدفع الدين عن كل مسلم مات، ومعنى ما تقدم جواز الاستدانة مع نية الأداء والسعي فيه والتلطف بالدائن إذا ضاق صدره، وينبغي حفظ الأموال والعمل في تنميتها، فإنها زينة الحياة الدنيا وسبب كل خير للصالح، بل هي مفاتيح الخير بين الناس أجمعين.\n(^٦) أي ألحوا في طلبها.\n(^٧) امتنعوا من قبول رجائه - ﷺ - في أخذ التمر كله ومسامحة أبيه.","vol":"2","page":226},{"text":"سَنَغْدُوا عَلَيْكَ (^١) فَغَدا عَلَيْنَا حِينَ أَصْبَحَ فَطَافَ فِي النَّخْلِ وَدَعَا فِي تَمْرِهَا بِالْبَرَكَةِ فَجَدَدْتُهَا فَقَضَيْتُهُمْ وَبَقِيَ لَنَا مِنْ تَمْرهَا (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-439>من أدرك ماله عند المفلس فهو أحق به </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ (^٤)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ لأَبِي دَاوُدَ (^٥): «فَإِنْ كَانَ قَضَاهُ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرْمَاءِ وَأَيُّمَا امْرِئٍ هَلَكَ وَعِنْدَهُ مَتَاعُ امْرِئٍ بِعَيْنِهِ اقْتَضى مِنْهُ أَوْ لَمْ يَقْتَضِ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ (^٦)».\n\n• عَنْ سَمُرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ رَجُلٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَيَتَّبِعُ الْبَيِّعُ مَنْ بَاعَهُ أَيْ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ (^٧)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٨) وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: أَعْتَقَ\n_________\n(^١) سنأتيك صباحا عند قطع التمر في بستانك.\n(^٢) فبارك الله في التمر فقضينا الغرماء ديونهم وبقى لنا منه، معجزة له - ﷺ - وحشرنا في زمرته آمين.\n\nمن أدرك ماله عند المفلس فهو أحق به\n(^٣) المفلس هو من ارتكبته ديون ولم يجد لها وفاء وحكم الحاكم بإفلاسه.\n(^٤) أو للشك ولكنه أعم من رجل.\n(^٥) بسند مرسل وقد احتج به مالك وسفيان وغيرها أما الشافعي ومن بعده فلا.\n(^٦) فإذا تراكم الغرماء على المفلس ووجد أحدهم ماله الذي كان اشتراه المفلس منه ولم يدفع شيئا من ثمنه فهو أولى به من الغرماء، فإن كان قد أخذ من ثمنه شيئًا أو مات المفلس فصاحب الشيء مثل الغرماء، وعلى هذا الجمهور، وقال الشافعي: صاحب الشيء أولى به من الغرماء سواء في حياة المفلس أو بعد موته وسواء أخذ بعض الثمن أولا، ولكنه في الصورة الأولى يرد بعض الثمن للحديث الأول، والحديث أبي داود وابن ماجه قال عمر بن خلدة: أتينا أبا هريرة في صاحب لنا أفلس فقال: لأقضين بينكم بقضاء رسول الله ﷺ: من أفلس أو مات فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به.\n(^٧) فمن وجد ماله الذي غصب منه أو سرق مثلا عند شخص فهو أولى به ويرجع المشتري على بائعه فيأخذ منه الثمن لأنه ظهر أنه باعه ما لا يملكه.\n(^٨) بسند صالح.","vol":"2","page":227},{"text":"رَجُلٌ مِنَّا غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي، فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَخَذَ ثَمَنَهُ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-440>الحوالة والكفيل </span>(^٢)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِئٍ فَلْيَتْبَعْ (^٣)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَزِمَ رَجُلٌ غَرِيمًا لَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ (^٤) فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُفَارِقُكَ حَتَّى تَقْضِيَنِي أَوْ تَأْتِيَني بِحَمِيلٍ (^٥) قَالَ: فَتَحَمَّلَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ فَأَتَاهُ بِقَدْرِ مَا وَعَدَهُ (^٦) فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَ هذَا الذَّهَبَ؟» قَالَ: مِنْ مَعْدِنٍ قَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا لَيْسَ فِيهَا خَيْرٌ، فَقَضَاهَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^٧). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ (^٨).\nوَلِلتِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ: «الْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ (^٩)».\n_________\n(^١) فرجل من الأنصار يسمى أبا مذكور له عبد قبطى اسمه يعقوب قال له سيده: إن مت فأنت حر، وكان أبو مذكور قد أفلس فباع النبي - ﷺ - عبده بثمانمائة درهم وأعطاها له، وقال له: اقض دينك فإن أداء الدين فرض والإعتاق سنة والفرض مقدم على السنة، وفيه أن الحاكم يبيع مال المفلس لسد ما عليه وبيعه صحيح، وفيه جواز بيع المدبّر وسيأتي في العتق إن شاء الله والله أعلم.\n\nالحوالة والكفيل\n(^٢) الحوالة أن يحوّل المدين دائنه على مدين له، والكفيل: الضامن وهما جائزان للحاجة.\n(^٣) الأمر للندب فإذا حول صاحب الدين على شخص موسر فالأفضل أن يقبل.\n(^٤) الغريم هنا هو ما عليه الدين، والدينار قدره بالعملة المصرية اثنان وستون قرشا صاغا.\n(^٥) أي ضامن.\n(^٦) ردها للنبي - ﷺ - في الميعاد.\n(^٧) المعدن كمجلس منبت الجواهر من ذهب وغيره، ورد النبي - ﷺ - وقوله ليس فيها خير يحتمل أنه لأمر علمه النبي - ﷺ - من هذا الرجل لا لذات الذهب من المعدن فإن عامة النقدين مأخوذة من المعادن وسيأتي: أقطع النبي - ﷺ - لبلال بن الحارث معادن القبلية وكانوا يؤدون زكاتها وهو عمل الناس إلى اليوم ويحتمل غير ذلك.\n(^٨) بسند صالح.\n(^٩) ومعنى ما تقدم جواز الحوالة وقبولها سماحة، وجواز ملازمة الغريم، وجواز طلب الكفيل وأنه ملزم بالأداء إذا عجز المدين ويرجع عليه الكفيل بحقه والله أعلم.","vol":"2","page":228},{"text":"<span data-type='title' id=toc-441>الباب العاشر: في الأرض والغرس والزرع </span>(^١)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ»، قَالَ عُرْوَةُ: قَضى بِهِ عُمَرُ ﵁ فِي خِلَافَتِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ فِيهِ حَقٌّ (^٢).\n\n• عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا حِمَى إِلا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ (^٣) وَحَمَى النَّبِيُّ ﷺ النَّقِيعَ وَحَمى عُمَرُ السَّرَفَ وَالرَّبَذَة (^٤)».\nرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَضى النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَشَاجَرُوا فِي الطَّرِيقِ بِسَبْعَةِ أَذْرُعٍ (^٥). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(الباب العاشر في الأرض والغرس والزرع)\n(^١) أي في جواز إحياء الأرض وفضل الغرس والزرع.\n(^٢) الأرض الميتة هي التي ليست ملكا لأحد ولا حريما لملك معمور بالبناء أو الزرع أو الغرس بل وليست للمنفعة العامة كمحل اجتماع الناس لسوق ونحوه، والتعمير والإحياء يحصل بما جرى به العرف بين الناس من تحويط الأرض وتسويها لبناء أو زرع وحفر بئر ونحوه مما يلزم عرفا للإحياء، وليس لعرق ظالم بالتنوين صفة لعرق أو بالإضافة، والعرق هنا الغرس، فمن أحيا أرضا ميتة فهي ملك له ولو لم يأذن له الحاكم اكتفاء بإذن الشارع وليس لأي إنسان ولو ظالما حق فيها.\n\n(فائدة):\nقال ربيعة وغيره: العروق أربعة، عرقان ظاهران وهما النبات والغرس، وعرقان باطنان وهما المياه والمعادن، ولأبي داود: من وجد دابة قد عجز عنها أهلها أن يعلفوها فسيبوها فأخذها فأحياها فهي له، وفي رواية من ترك دابة بمهلك فأحياها رجل فهي لمن أحياها، وعليه أحمد وإسحاق، وقال أكثر الفقهاء: إنها كاللقطة، وقالت الشافعية: يجب على رب الدابة أن يعلفها أو يبيعها أو يتركها في مرتع وقالت الحنفية: لا يجب ولكن يؤمر بذلك استصلاحا كالشجر.\n(^٣) الحمى - كإلى - لغة المحظور وشرعا ما يحميه الإمام من الموات لترعى فيه إبل الجهاد والصدقة ويمنع الناس منه، وهذا خاص بالإمام ونائبه. وأما غيره فيرعي من الكلأ ولا يمنع غيره.\n(^٤) النقيع كالبقيع موضع على عشرين فرسخا من المدينة وقدره ميل في ثمانية أميال، والسرف بالسين والشين مكان قريب من التنعيم، والربذة محل مشهور بين الحرمين.\n(^٥) أي حكم النبي - ﷺ - في قدر سعة الطريق بسبعة أذرع ليمكن المرور فيه لنحو القوافل المثقلة، وكان هذا كافيا حينذاك وإلا فالعبرة بما يكفي بقول الخبراء. وهذا في طريق ينشأ جديدًا، أما الطريق المسلوك فلا يجوز مسه بأخذ شيء منه.","vol":"2","page":229},{"text":"وَلَفْظُهُ: إِذَا تَشَاجَرْتُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاجْعَلُوهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ (^١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إِلا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ وَمَا أَكَلَتِ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إِلا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ (^٢)». وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا يَغْرِسُ الْمُسْلِمُ غَرْسًا فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ وَلَا دَابَّةٌ وَلَا طَيْرٌ إِلا كَانَ لَهُ صَدَقَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (^٣)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَاللَّهُ أَعْلَى وأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-442>المزارعة ببعض ما يخرج منها</span>\n• عَنْ رَافِعٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَقْلًا (^٤) وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ فَيَقُولُ: هذِهِ الْقِطْعَةُ لِي وَهذِهِ لَكَ فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ (^٥). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: مَا كُنَّا نَرَى بِالْمُزَارَعَةِ بَأْسًا حَتَّى سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنْهَا فَذَكَرْتُهُ لِطَاوُسٍ فَقَالَ: قَالَ لِي أَعْلَمُهُمْ (^٦) إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا\n_________\n(^١) الغرس ما كان له ساق كالنخل والعنب والرمان والتفاح، والزرع ما لا ساق له كالبر والشعير.\n(^٢) لا يرزؤه أحد أي لا ينتفع به مخلوق إلا كان له صدقة.\n(^٣) فللغارس من غرسه صدقات بعدد الآكلين منه. ومثله إحياء الأرض وحفر الآبار وشق الطرق والأنهار، فكل هذه يجري ثوابها لفاعلها، ما دامت باقية، وتقدم في العمل الأمور التي يبقى ثوابها والله أعلم.\n\nالمزارعة ببعض ما يخرج منها\n(^٤) أي زرعًا أو أرضا تزرع.\n(^٥) وفي رواية كانوا يزارعون على أن المالك له القطع التي على الأنهار والسواقي والمزارع له ما ليس كذلك فربما جاءت هذه القطع دون تلك فيتنازعون عند الحصاد وتخاصموا إلى النبي - ﷺ - فنهاهم عن المزارعة منعا للنزاع.\n(^٦) هو ابن عباس ﵄.","vol":"2","page":230},{"text":"وَلكِنْ قَالَ: لأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَرْضَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَا وَاللَّهِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ إِنَّمَا جَاءَ للنَّبِيِّ ﷺ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ قَدِ اقْتَتَلَا فَقَالَ: «إِنْ كَانَ هذَا شَأْنَكُمْ فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ فَسَمِعَ رَافِعٌ قَوْلَهُ فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُكْرِي مَزَارِعَةُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ مُعَاوِيَةَ فَلَمَّا سَمِعَ حَدِيثَ رَافِعٍ تَرَكَ ذلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَحْدَثَ فِيهَا شَيْئًا (^١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يحَرِّمِ الْمُزَارَعَةَ وَلكِنْ أَمَرَ أَنْ يَرْفُقَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ بِقَوْلِهِ ﷺ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ (^٢)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ﵁: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلا يَزْرَعونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبْعِ (^٣) وَزَارَعَ عَلِيٌّ ﵁ وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْقَاسِمُ وَعُرْوَةُ وَآلُ أَبِي بَكْرٍ وَآلُ عُمَرَ وآلُ عَلِيَ وَابْنُ سِيرِينَ ﵃ (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n(^١) من باب دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.\n(^٢) معنى ما تقدم أنه كان يقع نزاع عند الحصاد بين المالكين والمزارعين فنهاهم النبي - ﷺ - ففهم رافع أن النهي لذات المزارعة فقال به وامتنع عنها ابن عمر احتياطا ولكن رد على رافع زيد وقال: إن النهي لمنع النزاع فقط وكذا رد عليه جبر الأمة ابن عباس وقال إنما نهى النبي - ﷺ - عنها ليرشدهم إلى ما هو خير لهم وهو المنح بقوله من كانت له أرض أي زائدة عن حاجته فليعطها لأخيه يزرعها بدون شيء.\n(^٣) أبو جعفر هو محمد الباقر بن علي بن الحسين ﵃، فأبو جعفر يقول كل المهاجرين بالمدينة يزارعون على الثلث أو الربع كما يتفق الطرفان، فإن معظم المهاجرين لم يكن لهم أرض يزرعونها بل الأرض كانت للأنصار بل وزارع من الصحب والتابعين من ذكروا وهم من عظماء الصحابة والتابعين، ويبعد كل البعد أن تكون مزارعتهم على غير علم من النبي - ﷺ - لأنها أرزاقهم فلا تخفى.\n(^٤) فاتضح من هذا أن المزارعة على بعض الأرض أو على بعض الخارج منها جائزة وسيأتي الخلاف فيها في كراء الأرض بالنقد إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":231},{"text":"<span data-type='title' id=toc-443>كراء الأرض بالنقد وغيره</span>\n• عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنُ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ فَقَالَ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ فَقُلْتُ: أَبِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَقَالَ: أَمَّا بِالذَّهَبِ والْوَرِقِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\nوَقَالَ سَعْدٌ ﵁: كنَّا نكْرِي الأَرْضَ بِمَا عَلَى السَّوَاقِي مِنَ الزَّرْعِ فَاخْتَلَفُوا فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذلِكَ وَأَمَرَنَا أَنْ نُكْرِيَهَا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (^١).\n\n• عَنْ رَافِعٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا يَزْرَعُ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ لَهُ أَرْضٌ فَهُوَ يَزْرَعُهَا، وَرَجُلٌ مُنِحَ أَرْضًا فَهُوَ يَزْرَعُهَا، وَرَجُلٌ اسْتَكْرَى أَرْضًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (^٢)». رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^٣) وَالنَّسَائِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-444>المساقاة والخرص </span>(^٤)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: عَامَلَ النَّبيُّ ﷺ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ\n_________\nكراء الأرض بالنقد وغيره\n(^١) أي كنا نكرى الأرض من مالكيها ونعطيهم زرع ما على السواقى والأنهار لخصوبته ونأخذ غيره فاختلفنا فيه فنهانا النبي - ﷺ - عنه وأمرنا أن نكريها بالنقد.\n(^٢) ففي هذه الأحاديث جواز كراء الأرض بالنقد، ومثل النقد غيره كثياب وطعام معلوم، وعلى هذا أبو حنيفة والشافعي فإنهما قالا يجوز كراء الأرض بكل شيء إلا بجزء منها أو جزء من زرعها لأنها المخابرة المنهي عنها للغرر، وقال مالك: يجوز بالنقد وغيره إلا الطعام، وقال أحمد وبعض المالكية والشافعية: تجوز المزارعة بالنقد وبالطعام وبجزء من الأرض والزرع وبكل شيء لما تقدم من فعل الصحابة والتابعين ﵃ والنهي عنها لحسم النزاع فقط فهو للتنزيه، قال النووي ﵀ وهذا هو الراجح المختار من كل الأقوال وحكمة المزارعة معاونة الطرفين فربما لا يحسن المالك زراعة أرضه وربما يحسن الزراعة من لا يملك أرضا فجوزت رفقا بالطرفين.\n(^٣) بسندين صالحين والله تعالى أعلى وأعلم.\n\nالمساقاة والخرص\n(^٤) أي جائزان ومعمول بهما، والمساقاة دفع شجر الثمر إلى شخص ليعمل ما يلزمه من سقي ونحوه وله جزء من ثمره، والخرص بالفتح والكسر تقدير الثمر على الشجر، وهما جائزان عند كل العلماء إلا أبا حنيفة =","vol":"2","page":232},{"text":"فَكَانَ يُعْطِي أَزْواجَهُ كُلَّ سَنةٍ مِائَةَ وَسْقٍ ثَمَانِينَ مِنْ تَمْرٍ وَعِشْرِينَ مِنْ شَعِيرٍ فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ وَقَسَمَ خَيْبَرَ خَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ الأَرْضِ وَالْمَاءِ وَبَيْنَ الأَوْسَاقِ كُلَّ عَامٍ فَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الأَرْضَ وَالْمَاءَ وَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الأَوْسَاقَ كُلَّ عَامٍ فَكَانَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ مِمَّنِ اخْتَارَتَا الأَرْضَ وَالْمَاءَ (^١). رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\nوَقَالَتْ الأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ قَالَ: لَا، فَقَالُوا: تَكْفُونَا الْمَئُونَةَ وَنشْرِكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ خَيْبَرَ فَأَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا كَانُوا وَجَعَلَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَبَعَثَ ابْنَ رَوَاحَةَ فَخَرَصَهَا عَلَيْهِمْ. وَفِي رِوَايَةٍ: خَرَصَهَا ابْنُ رَوَاحَةَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ وَسْقٍ وَخَيَّرَهُمْ فَأَخَذُوا الثَّمَرَ وَعَلَيْهِمْ عِشْرُونَ أَلْفَ وَسْقٍ (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤). وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n(^١) فالنبي - ﷺ - استعمل اليهود على أرضهم بعد فتحها بنصف ما يخرج منها من الثمر والزرع فهي مزارعة بالشطر تابعة للمساقاة، وكان النبي - ﷺ - يدخر قوت أهله من هذا، فلما تولى عمر ﵁ وتذكر قول النبي - ﷺ - في مرضه» لا يجتمع في جزيرة العرب دينان» أجلى اليهود عن خيبر وقسمها كما قال الله تعالى ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وخير أمهات المؤمنين في سهمهن ونزل على رغبتهن.\n(^٢) قوله إخواننا أي المهاجرين، فالأنصار عرضوا على النبي - ﷺ - أن يشرك معهم المهاجرين في النخيل فأبى، فقالوا: يتولون أمر النخيل ولهم شطره فأجابوهم جزاهم الله خير الجزاء.\n(^٣) فحكمة الخرص حفظ الثمر ومعرفة الزكاة التي عليه قبل التبديد.\n(^٤) وتقدم الخرص أبسط من هذا في الزكاة، ويجوز الخرص أيضًا في الزرع لحديث أصحاب السنن والحاكم وصححه: إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع، ولحديث أبي نعيم: أن النبي - ﷺ - قال للخارص: أثبت لنا النصف ولهم النصف فإنهم يسرقون ولا تصل إليهم والله أعلم.","vol":"2","page":233},{"text":"<span data-type='title' id=toc-445>الكلب للحراسة والبقر للحرث </span>(١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ وَلَا مَاشِيَةٍ وَلَا أَرْضٍ فَإِنَّهُ يَنْقَصُ مِنْ أَجْرِهِ قِيرَاطَانِ كُلَّ يَوْمٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ. وَلَفْظُهُ: «مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا فَإِنَّهُ يَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ إِلا كَلْبَ غَنَمٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ صَيْدٍ (^٢)».\n\n• وَعَنْهُ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى بَقَرةٍ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: لَمْ أُخْلَقْ لِهذَا خُلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ، قَالَ: آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. وَأَخَذَ الذِّئْبُ شَاةً فَتَبِعَهَا الرَّاعِي فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي، قَالَ: آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ (^٣). قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَمَا هُمَا يَوْمَئِذٍ فِي الْقُوَم (^٤). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَاللَّهَ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\nالكلب للحراسة والبقر للحرث\nفالكلب يقتنى لحراسة البيت أو الزرع أو المواشي أو للصيد ونحوهما مما ينفع الإنسان، والبقر يقتنى لدره ونسله وحرث الأرض ونحوها.\n(^٢) القيراط جزء من صالح العمل، فمن اقتنى كلبًا ليس لغرض شرعي نقص من عمله كل يوم قيراط أو قيراطان بقدر أذيته قلة وكثرة، فإن حكمة النهي عن اقتنائه ما فيه من تنجيس الأواني وأذية المارة لا سيما الأطفال وبعد ملائكة الرحمة عن البيت الذي هو فيه.\n(^٣) وفي رواية: بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فالتفتت إليه وقالت: لم أخلق للركوب إنما خلقت لحرث الأرض، فلما أخبر الرجل بهذا عجب الناس من كلام البقرة، فقال رسول الله - ﷺ -: آمنت به، أي بنطق البهيم الأعجم أنا وأبو بكر وعمر ﵄.\n(^٤) فالذئب أخذ شاة وفر فتبعه الراعي فانتزعها منه، فقال الذئب: أخذتها مني اليوم، ومن يحفظها يوم لا راعي لها إلا أنا، يوم تنتشر الفتن وتعم الناس وتترك الماشية وحدها، فعجب الناس من كلام الذئب، فقال رسول الله - ﷺ - لا عجب في ذلك فالقادر على إنطاق الإنسان قادر على إنطاق الحيوان آمنت بهذا أنا وصاحباي وكانا غائبين، فيه تنويه بمزيد فضلهما ﵄.","vol":"2","page":234},{"text":"<span data-type='title' id=toc-446>وضع الجوائح </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلا ذلِكَ (^٢)».\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ (^٣) ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقَ (^٤)». رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وأَبُو دَاوُدَ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-447>في الزرع والسقي والبئر </span>(^٥)\n\n• عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَلَيْسَ لهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيْءٌ وَلَهُ نَفَقَتُهُ (^٦)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.\n_________\nوضع الجوائح\n(^١) الجوائح جمع جائحة وهي آفة تصيب الثمر أو الزرع فتهلكه، وقال عطاء: الجائحة ظاهر مفسد كمطر أو برد أو ريح أو جراد أو حرق أو غرق، ومنه الندوة التي تصيب الزرع المشهورة الآن في القطر المصري.\n(^٢) ابتاعها أي اشتراها ولم يدفع ثمنها، والغرماء أصحاب الدين.\n(^٣) أي لأخيك.\n(^٤) ظاهر ما تقدم أن من استأجر أرضًا وزرعها أو اشترى زرعًا أو ثمرًا بعد بدو صلاحه ثم أصابته جائحة فالحكم وضعها أي سقوط إجارة الأرض وثمن الزرع والثمر بسببها، وعليه جماعة ومنهم الشافعي في القديم، وقال في الجديد وأبو حنيفة: عليه الضمان، ولكن ينبغي للدائن التساهل معه للحديث الأول، وقال مالك: إن أصيب دون الثلث فعليه الضمان وإلا فلا ضمان عليه، وهو رأي أهل المدينة ﵃ والله أعلم.\n\nفي الزرع والسقي والبئر\n(^٥) أي أحاديث في شأن هذه وغيرها كالمعدن والعجماء.\n(^٦) فمن زرع في أرض قوم بغير إذنهم فلا زرع له بل له ما أنفقه عليه كقيمة بذر وحرث وسقي ونحوها والزرع لصاحب الأرض سواء طلبه وهو قائم أو بعد حصاده، وقال الشافعي وأكثر الفقهاء: إن صاحب الأرض يملك إجبار الغاصب على قلعه للحديث السابق: وليس لعرق ظالم حق. وإن كان حصده فهو له وعليه أجرة الأرض وتسويتها لمالكها.","vol":"2","page":235},{"text":"وَكَانَ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ نَاقَةٌ ضَارِيَةٌ (^١) فَدَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْ فِيهِ فَكُلِّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهَا فَقَضى أَنَّ حِفْظَ الْحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا وَأَنَّ حِفْظَ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا وَعَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْهُ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣) وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ عُرْوَةَ ﵁ قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ (^٤) فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا زُبَيْرُ اسْقِ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءِ (^٥)» فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: إِنَّهُ ابْنُ عَمَّتِكَ، فَقَالَ ﵇: «اِسْقِ يَا زُبَيْرُ حَتَّى يَبْلغَ الْمَاءُ الْجَدْرَ ثُمَّ أَمْسِكْ (^٦)». قَالَ الزُّبَيْرُ: فَأَحْسِبْ هِذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ وَالْعَجْمَاءُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ (^٧)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ حَلَفَ\n_________\n(^١) ضارية أي اعتادت رعي زرع الناس.\n(^٢) فما أفسدته المواشي ليلا فضمانه على مالكها لأن عليه حفظها ليلا دون ما أفسدته نهارًا، وهذا إذا لم يكن المالك معها وإلا فعليه الضمان في أي وقت، وعليه مالك والشافعي، وقال محمد وأبو يوسف: إذا لم يكن معها فلا ضمان عليه في أي وقت.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) في السقى.\n(^٥) إلى جارك.\n(^٦) وفي رواية فتغير وجه النبي - ﷺ -، فالزبير تنازع مع رجل أنصارى على السقى وكان الماء يمر على أرض الزبير أولا فأمره النبي - ﷺ - أن يسقى أولا ثم يرسل الماء إلى الأنصاري فقال: حكمت له بالسقى أولا لأنه ابن عمتك، فغضب النبي - ﷺ - وقال: اسق يا زبير حتى تمتلئ الحفر ويصل الماء إلى جدر النخل، وفيه أن الماء يسقي ما جاوره أولا ثم ما اتصل به وهكذا إلا إذا اضطر الأبعد إلى السقي فإنه يقدم حفظا له.\n(^٧) الركاز تقدم في الزكاة، وجبار في الحديث كغراب أي هدر، والمعدن - كمسجد - منبت الجواهر كذهب ونحوه، فإذا حفر شخص في معدن لأخذ ما فيه وكان في ملكه أو في موات أو جبل وسقط فيه إنسان فدمه هدر أي لا ضمان على صاحب الحفر، وكذا من حفر بئرا في ملكه أو في موات فسقط فيها شخص فهو هدر وكذا لو انهال الحفر على الأجير أو سقط من عال فدمه هدر، والعجماء أي البهيمة جبار أي تالفها هدر إذا لم يقصر مالكها، فإن قصر في ضبطها أو كان معها فعليه الضمان.","vol":"2","page":236},{"text":"عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لِيَقْطِتِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ (^١). رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-448>منع الماء والكلأ حرام </span>(^٢)\n\n• عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الْكَلَإِ (^٣)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ مَنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ فَضْلَ مَاءٍ عِنْدَهُ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ يَعْني كَاذِبًا (^٤)، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا فَإِنْ أَعْطَاهُ وَفى لَهُ وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ لَمْ يَفِ لَهُ». رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ.\nوَلأَبِي دَاوُدَ (^٥): «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ فِي الْمَاءِ وَالْكَلإِ وَالنَّارِ (^٦)».\n_________\n(^١) فاجر أي تعمد الكذب، فمن حلف وهو كاذب عمدًا ليأخذ بذلك مال مسلم أو غيره فعليه غضب الله ورسوله وله في الآخرة شديد العقاب لجرأته على اسم الله تعالى. والله تعالى أعلى وأعلم.\n\nمنع الماء والكلأ حرام\n(^٢) الكلأ ما ترعاه الماشية والمراد الماء والكلأ الزائدان عن حاجته فمنعهما حرام لأن الله خلقهما لنفع الناس، فمن منعهما فقد حارب الله في حكمه.\n(^٣) نص على منعه لمنع الكلأ لأنه الواقع منهم حينذاك وإلا فمنع الماء الفاضل حرام مطلقا، ويجب بذله للغير إذا طلبه لشرب إنسان أو حيوان أو زرع وعليه مالك، وقالت الشافعية والحنفية: لا يجب بذله للزرع لأنه ليس محترما، بل ويحرم بيعه للمحتاج إليه وإن كان مملوكا له لحديث مسلم وأصحاب السنن: نهى النبي - ﷺ - عن بيع فضل الماء.\n(^٤) خص ابن السبيل لشدة حاجته وإلا فكل محتاج كذلك كما خص الكذب في اليمين بعد العصر لأنه وقت ارتفاع الملائكة بعمل النهار.\n(^٥) بسند صالح.\n(^٦) المراد بهذه الثلاث التي ليست ملكا لأحد كماء البحار والأنهار والأمطار والعيون، وكالكلأ في الأراضي التي ليست ملكا لأحد، والمراد بالنار الشجرة التي توقدها، قال تعالى - ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ - أو الحطب المباح لوقود النار، فكل الناس في هذه الأمور سواء إلا إذا ادخر إنسان شيئا من ذلك فلا يجوز التعرض له إلا برضاه وإن وجب عليه بذله للمضطر والله أعلم.","vol":"2","page":237},{"text":"<span data-type='title' id=toc-449>الغصب حرام </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ (^٢) وَلَا ينْتَهِبُ نَهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ (^٣)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِه فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالشَّيْخَانِ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-450>الباب الحادي عشر: في الهبات </span>(^٥)\n<span data-type='title' id=toc-451>الهدية</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا (^٦). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوعَنْهَا قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟\n_________\nالغصب حرام\n(^١) الغصب هو أخذ الشيء قهرًا عن صاحبه، وهو النهبة الآتية في الحديث، ويجب رده أو مثله أو قيمته شرعا.\n(^٢) فلا إيمان عند من يرتكب هذه المحرمات إذا استحلها وإلا فهو ناقص الإيمان.\n(^٣) النهبة كالغرفة الشيء المنهوب وبالفتح المصدر.\n(^٤) فإذا قصدك إنسان بسوء في نفسك أو مالك أو عرضك وجب عليك دفعه بالأخف فإن رجع وإلا فادفعه بالأشد، فإن قتلته فهو هدر لا شيء عليك، وإن قتلك فأنت شهيد، وبالأولى إذا أراد إرجاعك عن الدين كما إذا أرغمك على إهانة مصحف أو سجود لصنم فإن الدين أعز من كل شيء والله أعلم.\n\n(الباب الحادي عشر في الهبات: الهدية)\n(^٥) الهبات جمع هبة وهي ما تمنحه غيرك بدون عوض ويسمى هدية وعطية ومنحة وصدقة، ولكن الصدقة يلاحظ فيها فقر الآخذ وغيرها يلاحظ فيه الإكرام غالبًا، ولذا كان النبي - ﷺ - يمتنع من الصدقة ويقبل الهدية والمنحة.\n(^٦) أي يكافئ عليها فيرسل بدلها شيئا آخر والمكافأة مستحبة فقط وإن كانت من أعلى لأدنى، وقال بعض المالكية: إنها من أعلى لأدنى واجبة.","vol":"2","page":238},{"text":"قَالَ: «إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا (^١)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ (^٢)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ وَلَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ (^٣)». رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-452>المنيحة </span>(^٤)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلَا رَجُلٌ يَمْنَحُ أَهْلَ بَيْتٍ نَاقَةً تَغْدُو بِعُسَ وَتَرُوحُ بِعُسَ إِنَّ أَجْرَهَا لَعَظِيمٌ (^٥)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ في الزَّكَاةِ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نِعْمَ الْمَنِيحَةُ اللِّقْحَةُ الصَّفِيُّ وَالشَّاةُ الصَّفِيُّ تَغْدُو بِإِنَاءٍ وَتَرُوحُ بِإِنَاءٍ (^٦)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ (^٧)» فَقَالَ الرَّجُلُ:\n_________\n(^١) لأنه الأقرب فيطلع على كل شيء فحقه أكثر من الأبعد، قال تعالى - ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾.\n(^٢) الكراع كالغراب: ساق الشاة فكان - ﷺ - لا يرد الهدية وإن قلت ولا يمتنع من إجابة الداعي ولو على أقل شيء تواضعًا وكرمًا منه - ﷺ - ولنا فيه أسوة حسنة.\n(^٣) وحر الصدر بالتحريك حقده وغله، والفرسن - كزبرج - للشاة كالإصبع للإنسان وهو لا يؤكل ولكنه عبر به لأنه غاية في القلة، أي فلا ينبغي تحقير من أهدى إليك شيئا ولو قليلا لأن الهدية على قدر مهديها وما على المحسنين من سبيل بل له الشكر فإن من لم يشكر الناس لم يشكر الله، وينبغي التعفف عن هدية المشرك فقد أهدى رجل للنبي - ﷺ - ناقة فقال له: أسلمت، قال: لا، قال: إني نهيت عن زبد المشركين أي أخذ هداياهم، رواه أبو داود والترمذي وصححه والله أعلم.\n\nالمنيحة\n(^٤) المنيحة كقريحة هي الناقة أو الشاة أو البقرة ذات اللبن تعطيها غيرك لينتفع بلبنها ثم يردها عليك، والمراد هنا ما يعم الشجرة ذات الثمرة.\n(^٥) العس كقس الإناء الكبير.\n(^٦) اللقحة كالنعمة: الناقة ذات اللبن، والصفي: الكثيرة اللبن، فمن يمنح ناقة ونحوها لقوم تصبحهم وتمسيهم باللبن فله عند الله أجر عظيم.\n(^٧) الثرى كالهوى: التراب الرطب.","vol":"2","page":239},{"text":"«لَقَدْ بَلَغَ هذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ مَاءً فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لأَجْرًا؟ فَقَالَ: «فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ (^١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-453>يحرم الرجوع في العطية </span>(^٢)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ (^٣).\n\n• وَعَنْهُ عِنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيهَا إِلا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ، وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَأْكُلُ فَإِذا شَبِعَ قَاءَ ثُمَّ عَادَ فِي قَيْئِهِ (^٤)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٥).\n_________\n(^١) فكان رجل يمشي فعطش عطشا شديدًا فوجد بئرا فشرب منها ثم رأي بعد ذلك كلبًا يلهث من العطش فقال: لقد ناله من العطش كما أصابني فنزل البئر فملأ خفه فسقاه فشكر الله له صنيعه وغفر له، فقالوا يا رسول الله وإن لنا على رحمة البهائم أجرا؟ فقال في كل إحسان إلى أي حيوان ثواب عند الله، فإن الخلق كلهم عباد الله وأحبهم إليه أنفعهم لعباده والله أعلم.\n\nيحرم الرجوع في العطية\n(^٢) هبة كانت أو هدية أو صدقة إذا قبضها الآخذ لأنه ملكها بالقبض.\n(^٣) بيان لمثل السوء.\n(^٤) فالرجوع إلى أكل ما قاءه قبيح، وضربه المثل بالكلب الذي هو من أخس الحيوان في أخس أحواله تقبيح آخر للرجوع في الهبة، فهذا أبلغ وأدل على التحريم من قوله، لا تعودوا في الهبة فالعود فيها حرام، وعليه مالك والشافعي، وقالت الحنفية: لا يحرم بل يكره فقط، لحديث أبي داود والنسائي: الواهب أحق بهبته، إلا الوالد أبًا كان أو أمًّا وإن علا إذا وهب لولده - ذكر كان أو أنثى وإن سفل - شيئًا فله الرجوع فيه ولو بعد حين؛ لأن الولد وما في يده لأبيه.\n(^٥) بسند صحيح.","vol":"2","page":240},{"text":"<span data-type='title' id=toc-454>العمرى والرقبى </span>(^١)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالْعُمْرَى أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ (^٢). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْمَرَ رَجُلًا عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبهِ فَقَالَ: قَدْ أَعْطَيْتُكَهَا وَعَقِبَكَ مَا بَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدٌ فَإِنَّهَا لِمَنْ أُعْطِيَهَا وَإِنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ (^٣)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا، وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يُفْتِي بِهِ (^٤). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ أَعْطَاهَا ابْنُهَا حَدِيقَةً مِنْ نَخْلٍ فَمَاتَتْ فَقَالَ ابْنُهَا: إِنَّمَا أَعْطَيْتُهَا حَيَاتَهَا، وَلَهُ إِخْوَةٌ قَالُوا: نَحْنُ فِيهِ سَوَاءٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هِيَ لَهَا حَيَاتَهَا وَمَوْتَهَا (^٥)» قَالَ: كُنْتُ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْها قَالَ: «ذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ (^٦)».\n_________\nالعمرى والرقبى\n(^١) العمرى كحبلى من العمر وهو الحياة لقولهم فيها: أعمرتك هذه الدار أي جعلتها لك عمرك. والرقبي كحبلى من الرقوب؛ لأن كلا منهما يرقب موت صاحبه ولفظها. أرقبتك داري، أي جعلتها لك رقبى أي فإن مت قبلى عادت لي وإن مت قبلك استقرت لك، وحكم العمري والرقبى حكم الهبة فتملك بالقبض وقوله إن مت قبلى عادت لي لغو.\n(^٢) أي ملك له ولأولاده لا ينازعهم فيها أحد.\n(^٣) ومنه من أُعمر عمرى فهي له ولعقبه، ومنه العمري ميراث لأهلها، فهذه الأحاديث صريحة في أنها ملك عين لمن وهبت له ولعقبه بل وإن اشترط المعمر رجوعها إليه فيلغو الشرط، بل وإن اقتصر على قوله: أعمرتك هذه الدار وعليه الجمهور وأبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: إن العمرى تمليك للمنافع فقط دون العين، وقال أحمد: إن المؤقتة لا تصح لأن التأقيت ينافي مدلول اللفظ.\n(^٤) هذا اجتهاد من جابر وتبعه الزهري فيه ولكنه لا يخصص عموم الأحاديث السالفة.\n(^٥) فيه أي في النخل، وقوله هي لها أي الحديقة.\n(^٦) ذاك رجوعك في الحديقة أبعد لك بعد قبضها منك، فإن الصدقة تملك بالقبض، وفيه تأييد لمذهب الجمهور.","vol":"2","page":241},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١) وَأَحْمَدُ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-455>القطائع </span>(^٢)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ الأَنْصَارَ لِيُقْطِعَ لَهُمْ بِالْبَحْرَيْنِ فَقَالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ فَعَلْتَ فَاكْتُبْ لإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا فَلَمْ يَكُنْ ذلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي (^٣)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ وَائِلٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ أَقْطَعَهُ أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ وَبَعَثَ مَعَهُ مُعَاوِيَةَ لِيُقْطِعَهَا إِيَّاهُ (^٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\nوَقَالَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ ﵁ خَطَّ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَارًا بِالْمَدِينَةِ بِقَوْسٍ وَقَالَ: «أَزِيدُكَ أَزِيدُكَ (^٥)».\nوَأَقْطَعَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَالَ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ فَتِلْكَ الْمَعَادِنُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إِلا الزَّكَاةُ إِلَى الْيَوْمِ (^٦). وَكَتَبَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هذَا مَا أَعْطَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ بِلَالَ بْنِ حَارِثٍ الْمُزَنِيَّ أَعْطَاهُ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ جَلْسَهَا وَغَوْرَهَا وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزَّرْعُ مِنْ قُدْسٍ وَلَمْ يُعْطِهِ حَقَّ مُسْلِمٍ (^٧)».\n_________\n(^١) بسند صحيح والرقبى كالعمرى في كل شيء وبه قال الجمهور، لحديث العمرى والرقبى سواء، ولحديث من أعمر شيئا أو أرقبه فهو لمن وهب له حياته ومماته. والله تعالى أعلى وأعلم.\n\nالقطائع\n(^٢) القطائع جمع قطيعة وهو ما يخص به الإمام بعض الرعية من الأراضي والمعادن وتسمى أقطاعا وهي جائزة للإمام.\n(^٣) البحرين بلفظ التثنية إقليم بجزيرة العرب سمي بأشهر بلاده، فالنبي - ﷺ - أراد أن يمنح الأنصار من أراضى البحرين فقالوا: إن كان فلابد من اشتراك إخواننا المهاجرين ولم تكن الأراضي تكفيهما. فقال النبي - ﷺ - سترون بعدى حرمانًا فاصبروا حتى تلقوني على الحوض في القيامة فستوفون أجوركم كاملة إن شاء الله.\n(^٤) حضرموت بلد باليمن وقبيلة به.\n(^٥) هذا استفهام أي أزيدك إن شئت أو خذه الآن وسأزيدك إن شاء الله.\n(^٦) القبلية نسبة إلى قبل بالتحريك مكان بساحل البحر بينه وبين المدينة خمسة أيام.\n(^٧) الجلس: المرتفع من الأرض، والغور: المنخفض منه، وقدس كقرء: جبل عظيم بنجد، أي وكل بقعة تصلح للزرع من قدس إلا ما كان مملوكا لمسلم فلا يدخل في العطاء.","vol":"2","page":242},{"text":"رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^١). وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-456>الباب الثاني عشر: في الوقف (^٢) والترغيب فيه</span>\nعنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ (^٣)». رَواهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-457>وقف الأرض </span>(^٤)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيَ بِالْمَدِينَةِ مَالًا وَكَانَ أَحَبُّ\n_________\n(^١) بسندين صالحين، ولأبي داود. أقطع النبي - ﷺ - للزبير قدر عدو فرسه فأجراه الزبير حتى وقف ولم يقدر على المشى فرمى بسوطه فقال النبي - ﷺ -: أعطوه ما بلغ سوطه، ففيه أن الإمام جواز الإقطاع في أرض الزرع والمعادن والماء بشرط ألا يؤذي مسلمًا ولا يضايق مصلحة عامة. نسأل الله أن يلهمنا الصواب وأن يوفقنا إلى ما فيه رضاه آمين والحمد لله رب العالمين.\n\n﴿الباب الثاني عشر في الوقف﴾\n(^٢) هو لغة: الحبس، لحبس العين الموقوفة عن التصرف فيها، وشرعا: تحبيس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه ليصرف ريعه في جهة خير تقربًا إلى الله تعالى، وحكمة الوقف حبس العين على الجهة الوقوف عليها فلا تعبث بها الأيدي وتأبيد الانتفاع بها فيكون الأجر دائما، والوقف نوعان وقف أهلى ووقف خيري، فالأهلى ما كان على الأهل والأقارب كوقف أبي طلحة في الحديث الأول، والخيري ما كان على جهة خيرية غير الأقارب وربما وقف الواقف على أقاربه وغيرهم كوقف عمر ﵁ في الحديث الثاني، وألفاظ الوقف قسمان صريح وكناية، فالصريح كوقفت وحبست وسبلت وما اشتق منها كمالى موقوف على كذا، والكتابة كحرمت هذه الدار وتصدقت بها على كذا إذا نوى الوقف فإن الصدقة قد يراد بها الوقف كما في وقف أبي طلحة الآتي وكما في حديث سعد الأخير.\n(^٣) الصدقة الجارية هي الوقف وتقدم هذا الحديث في كتاب العلم. والله أعلى وأعلم.\n\nوقف الأرض\n(^٤) أي وما فيها من شجر وبناء.","vol":"2","page":243},{"text":"أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَا (^١) وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ فَلَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَا وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْتَ (^٢) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَخْ ذلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذلِكَ مَالٌ رَابِحٌ (^٣) قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ» فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ في أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ (^٤). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَمُرَ ﵄ قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأُمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ فَمَا تأْمُرُنِي بِهِ (^٥)؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا (^٦)» فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُبْتَاعُ وَلَا يُورَثُ وَلَا يُوهَبُ (^٧) قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ وَفِي الْقُرْبَى وَفي الرِّقَاب وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالضَّيْفِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ\n_________\n(^١) بيرحا بفتح أوله وثالثه وبضمه مقصورًا وممدودًا هو بستان من نخيل بجوار المسجد الحرام وكان النبي - ﷺ - يدخله فيستظل بظله ويشرب من ماء بئره الحلو.\n(^٢) أي تصرف فيها كما تشاء.\n(^٣) بخ بفتح فسكون تفخيم لعمله وإعجاب به.\n(^٤) وفي رواية: فجعلها في حسان بن ثابت وأبي بن كعب أي وغيرهما من أقاربه الفقراء، أي أوقفها وقسمها عليهم كما أشار عليه النبي - ﷺ -، وهذا هو الوقف الأهلى وهو جائز باتفاق.\n(^٥) قوله يستأمره أي يستشيره وينتظر أمره.\n(^٦) قوله حبست أصلها من التحبيس وهو الوقف، أي إن أردت أوقفت أصلها وتصدقت بريعها فإن التصدق بالريع فقط، وأما الأصل فهو باق على ملك الواقف.\n(^٧) قوله أنه: الضمير للمال الموقوف أو للشأن، وقوله ولا يبتاع أي لا يشترى، وهو بيان للتحبيس، وهو من كلام النبي - ﷺ - كما في رواية البخاري في الوصية، وزاد في رواية: حبيس ما دامت السموات والأرض.","vol":"2","page":244},{"text":"أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ (^١).\nرَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَتَبَ مُعَيْقِيبٌ وَشَهِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الأَرْقَمِ (^٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هذَا مَا أَوْصى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ إِنَّ ثَمْغًا وَصِرْمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ والْعَبْدَ الَّذِي فِيهِ وَالْمِائَةَ سَهْمٍ الَّتِي بِخَيْبَرَ وَرَقِيقَهُ الَّذِي فِيهِ وَالْمِائَةَ الَّتِي أَطْعَمَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالْوَادِي تَلِيهِ حَفْصَةُ مَا عَاشَتْ ثمَّ يَلِيهِ ذُو الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا أَلا يُبَاعَ وَلَا يُشْتَرى ينْفِقُهُ حَيْثُ رَأَى مِنَ السَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَذِي الْقُرْبَى وَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ إِنْ أَكَلَ أَوْ وَاكَلَ أَوِ اشْتَرَى رَقِيقًا مِنْهُ (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤).\n_________\n(^١) لا جناح على من وليها أي أرض الوقف أن يأكل منها أو يطعم صاحبا له غير متمول فيه، وفي رواية غير متأثل مالا أي بشرط ألا يتخذ منه ملكا لنفسه، وتقدم بيان الفقراء وما بعدها في الزكاة.\n(^٢) معيقيب هذا كان كاتبًا لعمر في خلافته، فوقفية عمر في حياة النبي - ﷺ - وكتابتها في أيام خلافته وكانت مكتوبة في رقعة من أديم أحمر.\n(^٣) قوله إن حدث به حدث يريد الموت، وثمغ كفلس، وصرمة كنعمة، ضيعتان كانتا لعمر المدينة، أو المراد بالصرمة هنا القطعة الخفيفة من النخل والإبل، والعبد الذي فيه أي الذي يعمل في ثمغ، وقوله والمائة سهم بخيبر أي التي أوقفها في زمن النبي - ﷺ - وقوله والمائة التي أطعمه محمد - ﷺ - بالوادي أي من الأوساق وهى سهمه في الوادي وهو قرى بين المدينة والشام من أعمال المدينة وقوله تليه حفصة خبر إن ثمغا وما عطف عليه، فثمغ وما بعده وقف تتولى أمره حفصة أم المؤمنين بنت عمر ﵄ وتصرفه في مصارفه المذكورة ما دامت على قيد الحياة وبعدها يتولاه من له رأى صائب من أهلها، ولا إثم على الناظر إذا أكل منه أو أطعم صديقًا له بالمعروف أو اشترى شيئًا لمصلحة الوقف كآلة حرث أو عبد بل ذلك مطلوب، وربما وجب إذا توقفت مصلحة الوقف عليه.\n(^٤) بسند صالح، ويؤخذ مما تقدم أن الوقف مشروع وأنه من أنواع البر على الأهل وعلى غيرهم وأنه لازم بمجرد الصيغة لقوله حبيس ما دامت السموات والأرض. وقوله لا يباع ولا يشترى فلا يجوز للواقف ولا لغيره التصرف فيه بأي شيء كان من شأنه إزالة الوقفية، وهذا بإجماع العلماء من الصحابة إلى الآن كما قاله الترمذي إلا أبا حنيفة فإنه قال إنه غير لازم ويجوز التصرف فيه ولا يلزم من قوله لا يباع ولا يشترى أنه مؤبد بل التأبيد موقوف على الاختيار، قال في الفتح وهذا توجيه ضعيف فإنه لا يفهم من قوله وقفت وحبست إلا التأبيد، وفضلا عما هنا من وقف عمر وعثمان وأبي طلحة وسعد أمام النبي - ﷺ - =","vol":"2","page":245},{"text":"<span data-type='title' id=toc-458>وقف المسجد والبئر</span>\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَأَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ قَالَ: «يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هذَا»، فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَيْ فَأَخَذَهُ فَبَنَاهُ مَسْجِدًا (^١). رَواهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَفَرَ بِئْرَ رُومَةَ فَلَهُ الْجَنَّةُ» فَحَفَرْتُهَا (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْمَاءُ»، فَحَفَرَ بِئْرًا وَقَالَ: هذِهِ لأُمِّ سَعْدٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَزَادَ: فَتِلْكَ سِقَايَةُ سَعْدٍ بِالْمَدِينَةِ (^٣). وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n= وإرشاده لهم فيما سلكوا قد ثبت الوقف عن أبي بكر وعلى والزبير وسعيد وأنس وحكيم بن حزام وعمرو بن العاص وزيد بن ثابت ﵃ كما رواه البيهقي وغيره والله أعلم.\n\nوقف المسجد والبئر\n(^١) فبنوا النجار كانوا يملكون حائطًا فيه نخل وبعض قبور المشركين فقال - ﷺ - ثامنوني حائطكم أي بيعوني إياه لنبنيه مسجدًا لله تعالى، فقالوا لا نكلمك في بيعه والله ولا تأخذ ثمنه إلا من الله تعالى، وفي رواية: إن الحائط كان ليتيمين من بني النجار فلم يقبله النبي - ﷺ - إلا بالثمن، فاشتراه بعشرة دنانير ودفعها أبو بكر عن النبي - ﷺ -، واختلف فيمن بنى مسجدًا، ولم يصرح بأنه وقف والجمهور على أنه لا تثبت وقفيته إلا بالتصريح بها، وعند الحنفية إن أذن الإمام بالصلاة فيه ثبتت الوقفية وإلا فلا.\n(^٢) ولفظ الترمذي والنسائي: قدم النبي - ﷺ - المدينة وليس بها ماء عذب إلا بئر رومة، فقال - ﷺ - من يشتري بئرًا يحمل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة فاشتريتها من صلب مالى بخمسة وعشرين، أو بخمسة وثلاثين ألف درهم وكانت عينًا لأحد بني غفار فحفرها عثمان بئرًا وبناها وجعلها المسلمين دلوه كدلائهم ﵁.\n(^٣) قوله أي الصدقة أفضل أي أكثر ثوابًا، قال الماء لحاجة كل مخلوق إليه فحفر بئرا وأوقفها لأمه ولا تزال بالمدينة إلى الآن وكذا أوقاف الأصحاب ﵃. نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى آمين.","vol":"2","page":246},{"text":"<span data-type='title' id=toc-459>خاتمة في اللقطة </span>(^١)\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا (^٢)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلا فَشَأْنَكَ بِهَا (^٣)» قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «هِيَ لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ (^٤)» قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا (^٥)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ الذَّهَبِ أَوِ الْوَرِقِ فَقَالَ:\n_________\nخاتمة في اللقطة\n(^١) وتسمى لقطا ولقاطة وهي الشيء الملقوط. وشرعًا ما وجد من مال ضائع محترم غير ممتنع بقوته، والملتقط أمين على اللقطة يملكها بعد تعريفها مع ضمانها إذا ظهر صاحبها.\n(^٢) فمن أخذ لقطة ولم يعرفها فهو ضال عن الهدى لعدم تعريفها كأمر الشارع والتعريف كأن ينادي هو أو وكيله في محل التقاطها وفي المجتمعات القريبة منه كالأسواق وأبواب المساجد: من ضاع له شيء فليأتني. وإن وجدها في طريقه أو في فلاة فليعرفها في البلد الذي يقصده قريبا من ذلك، ولا ينبغي تعريف اللقطة ولا طلبها في المساجد لما سبق في آداب المساجد، من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا، إلا إذا سأل بدون تشويش وإلا في المساجد الثلاثة فلا بأس من التعريف والسؤال فيها بدون تشويش.\n(^٣) عن اللقطة أي عن حكمها سواء كانت نقدًا أو غيره، قال اعرف عفاصها بالكسر وعاءها الذي هي فيه من أدم أو صوف أو غيرها، وكذا اعرف وكاءها بالكسر والمد الخيط الذي يربط به رأس نحو الصرة وكذا اعرف عددها، والمراد معرفتها تماما حتى لا تختلط بغيرها، وحتى إذا جاء صاحبها وطلبها كان خبيرًا بها وبصدقه أو كذبه ثم يعرفها سنة هلالية وهي كافية لاشتمالها على الفصول الأربعة ولأن صاحبها يجد في طلبها سنة واحدة في الغالب وينساها بعدها، فإن ظهر صاحبها في بحر السنة ووصفها تماما أخذها وإلا تملكها الملتقط مع الضمان.\n(^٤) سأله عن ضالة الغنم فقال هي للذئب يأكلها إن تركتها، فالأولى أخذها فمآلها لك إن لم يظهر صاحبها بعد التعريف أو لصاحبها إن ظهر وكلاكما خير من الذئب.\n(^٥) سأله عن ضالة الإبل، فقال لا شأن لك بها معها سقاؤها فإذا عطشت وردت الماء فشربت منه وكالإبل ما يمتنع بقوته من صغار السباع كالبقر والخيل أو بعدوه كالظبي والأرنب أو بطيرانه كالحمام فكل هذه لا يحل أخذها إلا بنية التعريف لأنها مصونة بنفسها حتى يأتيها ربها.","vol":"2","page":247},{"text":"«اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ صَاحِبَهَا فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ (^١)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ الْتَقَطَ لُقَطَةً يَسِيرَةً حَبْلًا أَوْ دِرْهَمًا أَوْ شِبْهَ ذلِكَ فَلْيُعَرِّفْهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ كَانَ فَوْقَ ذلِكَ فَلْيُعَرِّفْهُ سِتَّةَ أَيَّامٍ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلا فَلْيَتَصَدَّقْ بِهَا (^٢)». رَواهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ (^٣).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَتُكْسَرَ فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ\n_________\n(^١) فهذا صريح في أن اللقطة بعد مدة التعريف مضمونة إذا ظهر صاحبها أخذها أو مثلها أو قيمتها وعليه نفقها للملتقط.\n(^٢) الأمر بالتصدق للتورع والتعفف فقط، وإلا فله التصرف فيها بما يشاء كما تقدم، والحديثان السابقان على هذا يفيدان أن مدة التعريف سنة صغيرة كانت اللقطة أو كبيرة، ولكن لا يجب استيعاب السنة بالتعريف بل في الأسبوع الأول في كل يوم مرتان في أوله وآخره، وفي الثاني كل يوم مرة، ثم في كل أسبوع مرتان، ثم في كل شهر مرتان، ثم في كل شهر مرة وعلى عادتهم في ذلك وعلى هذا الجمهور، وظاهر حديث أحمد والبيهقي أن مدة التعريف في كل شيء بحسب قيمته، فالدرهم ثلاثة أيام ونصف الدينار أسبوع والشاة ثلاثة أسابيع، وهكذا في كل شيء بقدر قيمته ولا يزيد على سنة وبهذا قال بعضهم، وقيل إن الأمور الحقيرة لا تعرف لحديث أحمد وأبي داود عن جار قال: رخص لنا رسول الله - ﷺ - في العصا والسوط والحبل وأشباهها يلتقطه الرجل ينتفع به، وقال جماعة ومنهم الحنفية الأمر الحقير يعرف ثلاثًا. لحديث الترمذي وغيره: جاء علي ﵁ إلى النبي - ﷺ - بدينار التقطه في السوق فقال عرفه فلم يجد صاحبه فسأل النبي - ﷺ - فقال استمتع به، والنفس أميل إلى القول في كل شيء بقدره ويكون حديثه مخصصا للروايات الأخرى. قال ابن رسلان وهو الذي ينبغي العمل به فإن تعريف الحقير سنة يشق على الناس، وفيه ضياع لذلك الشيء.\n(^٣) بسند حسن، ووجوب التعريف سنة أو غيرها إذا كانت اللقطة تمكث بدون تلف، فإن كانت مأكولا يسرع التلف إليه كرطب وعنب ونحوها عرفها حتى إذا خاف تلفها تصرف فيها بأكل أو صدقة أو غيرهما، فإذا ظهر ربها ضمنها، وإن أنفق على اللقطة استرده من صاحبها إن ظهر إلا إذا انتفع منها بركوب أو در فهو بالإنفاق، فإن كان في الجهة التي وجد اللقطة فيها حكومة منظمة فيها محل لحفظ اللقطة ومشهور بين الناس كما في مصرنا هذه حفظها الله فإنه يجب تسليم اللقطة إلى الحكومة لأنها أضمن وأسهل=","vol":"2","page":248},{"text":"إِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيِهِمْ أَطْعِمَتَهُمْ فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِهِ (^١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَلَفْظُهُ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَسْتَأْذِنْهُ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ وَلَا يَحْمِلْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَحَدٌ فَلْيُصَوِّتْ ثَلَاثًا فَإِنْ أَجَابَهُ أَحَدٌ فَلْيَسْتَأْذِنْهُ وَإِلا فَلْيَحْتَلِبْ فَلْيَشْرَبْ وَلَا يَحْمِلْ (^٢)».\n\n<span data-type='title' id=toc-460>لقطة مكة والحاج</span>\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ فِي فَتْحِ مَكَّةَ: «وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلا لِمُنْشِدٍ (^٣)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عُثْمانَ التَّيْمِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n(^١) المشربه مكان عال لحفظ الطعام والمتاع، والخزانة بالكسر مكان الحزن، ومن اللطائف لا تفتح الجراب والخزانة ولا تكسر القصعة.\n(^٢) فحلب ماشية الغير بدون إذنه حرام، فإن لم يجد صاحبها وكان مضطرا حلب وشرب كفايته ولا يحمل شيئا. والله أعلم.\n\nلقطة مكة والحاج\n(^٣) أي لا يحل لإنسان أن يأخذ لقطة مكة إلا ليعرفها، وكذا لقطة الحجاج، ويجب تعريفهما دائما حتى يظهر صاحبها، وحكمة ذلك أن أهل مكة فقراء لأنهم في واد غير ذى زرع وبالتعريف يعثر المكي على لقطته والحاج في ضرورة إلى المال، وفي زيارة بيت الله تعالى، والوارد في كل موسم من الآفاق لا ينقطع، فبالتعريف يمكن وصول اللقطة إلى صاحبها، وعلى هذا الجمهور، وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية: لقطة مكة والحاج كغيرهما، فالنهي للتنزيه وخصهما للمبالغة فيهما وللتورع عن تملكهما بعد التعريف وتقدمت لقطة المدينة في فضلها. نسأل الله تعالى التوفيق لما يحب ويرضى آمين.","vol":"2","page":249},{"text":"<span data-type='title' id=toc-461>كتاب الفرائض والوصايا والعتق</span>\nوفيه ثمانية فصول وخاتمة\n\n<span data-type='title' id=toc-462>الأول: في الحث على تعليمه والعدل في القسمة </span>(^١)\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ وَمَا سِوَى ذلِكَ فَهُوَ فَصْلٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَالْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوا النَّاسَ فَإِنِّي مَقْبُوضٌ (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٥) وَالْحَاكِمُ.\n\n• عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: انْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلُنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَالِي (^٦) فَقَالَ: «أَكُلَّ بَنِيكَ قَدْ نَحَلْتَ مِثْل هَذَا؟» قَالَ: لَا: قَالَ: «فَأَشْهِدْ عَلَى هذَا غَيْرِي» ثُمَّ قَالَ: «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟» قَالَ: بَلَى قَالَ: «فَلَا إِذًا (^٧)». وَفِي رِوَايَةٍ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n_________\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\nكتاب الفرائض والوصايا والعتق. وفيه ثمانية فصول وخاتمة\nالفصل الأول في الحث على تعليمه والعدل في القسمة\n(^١) تعليمه أي علم الفرائض جمع فريضة، من الفرض وهو التقدير، وشرعا هو النصيب المعلوم من الميراث.\n(^٢) هي الحكم الذي يحصل العدل به في قسمة المواريث، وقيل هي الإجماع، وقيل القياس لأنه فرض على العلماء فيما يحدث من الأمور، وتقدم الحديث في العمل.\n(^٣) سند الحاكم صحيح.\n(^٤) مقبوض أي راحل إلى الآخرة، فلو لم تتعلموا تعملوا لضاعت الشريعة وأن المسئولون.\n(^٥) بسند ضعيف.\n(^٦) أي عبدًا كما في رواية.\n(^٧) وفي رواية: أشهد غيري فإني لا أشهد على جور، وفي أخرى: فارجعه. وفي أخرى: فرده فرجع فرد تلك الصدقة، فتفضيل بعض الأولاد على بعض مكروه لقوله - ﷺ - أشهد غيرى ولو كان حراما لقال إنه حرام ولا يقال إنه تهديد لأن الأصل عدمه، والجور هو الميل حراما أو مكروها والنبي - ﷺ - لا يفعلهما، والأمر في قوله اعدلوا في أولادكم للندب فقط، وقوله فارجعه إرشاد=","vol":"2","page":250},{"text":"• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اقْسِمُوا الْمَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى (^١)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-463>موانع الإرث </span>(^٢)\n\n• عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ (^٣)». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\nوَلأَصْحَابِ السُّنَنِ: «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى (^٤)».\nوَلأَبِي دَاوُدَ: اخْتَصَمَ أَخَوَانِ إِلَى يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ يَهُودِيٌّ وَمُسْلِمٌ فِي مِيرَاثِ أَبِيهِمَا\n_________\n= إلى الكمال وهو العدل بين الأولاد، ولأنهم اتفقوا على أنه يجوز للرجل أن يعطى ماله كله لغير ولده، فإذا جاز الحرمان التفضيل أولى، وعلى هذا الجمهور، وقال طاوس وعروة ومجاهد والثوري وأحمد وإسحاق وبعض الشافعية والمالكية: إنه حرام لامتناعه - ﷺ - من الشهادة ولأمره له برد العطية ولأن الجور ظاهر في الظلم، فالتفضيل عند هؤلاء حرام لهذه النصوص ولأنه مدعاة للعداوة والحقد الدائمين، والتسوية فرض، ولكنهم اختلفوا فيها فقال طاوس والثوري: التسوية المفروضة إعطاء الأنثى كالذكر سواء بسواء، لحديث الطبراني والبيهقي: سووا بين أولادكم في العطية ولو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء، وقال أحمد والباقون: التسوية المفروضة إعطاء الأنثى نصف الذكر لأنه حظها من المال بعد الوفاة، وهذا كله إذا لم يكن سبب للتفضيل كزمانة وكثرة أولاد ودين وفضل وإلا فلا شيء في التفضيل كما قاله الإمام أحمد ﵁ والنفس إلى هذا أميل.\n(^١) هذا أمر لن يتولى قسمة المواريث والواجب فيها باتفاق العمل بما قص الله علينا في كتابه - ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ الخ. والله أعلى وأعلم.\n\nموانع الإرث\n(^٢) هي الأوصاف التي تمنع المتصف بها من الإرث كالكفر والقتل والرق، قال في الرحبية.\nويمنع الشخص من الميراث … واحدة من علل ثلاث\nرق وفتل واختلاف دين … فافهم فليس الشك كاليقين\n(^٣) المراد بالكافر ما ليس بمسلم يهوديًا أو نصرانيًا أو عابد صنم أو غيرهم؛ لأن الكفر كله ملة واحدة قال تعالى ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾.\n(^٤) بفتح فتشديد أي حال كونهما متفرقين في الدين وظاهره أنه لا توارث بين من اختلف دينهم مطلقا كيهودى ونصراني وعابد وثن ونحوهم وعليه بعضهم ولكن الجمهور على التوارث بين الكفار كلهم لأن الكفر كله ملة واحدة.","vol":"2","page":251},{"text":"فَوَرَّثَ المُسْلِمَ فَقَطْ وَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ مُعَاذٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الإِسْلَامُ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ (^١)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ (^٢)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣) وَالدَّارقُطْنِيُّ. واللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-464>الفصل الثاني: في ميراث الأولاد </span>(^٤)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ فِي بَنِي سَلِمَةَ يَمْشِيَانِ فَوَجَدَانِي لَا أَعْقِلُ فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ مِنْهُ فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَنَزَلَتْ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ (^٥). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) يحيى بن يعمر كان ثقة فصيحا بصري الأصل، وكان قاضيا بمدينة مرو فجاءه أخوان مسلم وكافر يتنازعان في إرث أبيهما اليهودي فورث المسلم فقط وذكر الحديث الإسلام يزيد ولا ينقص أي يزيد بالداخلين فيه أو أن حكمه يغلب على غيره كالحكم بإسلام من أحد أبويه مسلم وكتوريث المسلم فقط كما هنا، ومنه الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فصريح هذه النصوص أن الكافر أيًا كان لا يرث المسلم، وهذا بإجماع المسلمين وأن المسلم لا يرث الكافر وعلى هذا الجمهور، وقال جماعة: إنه يرث الكافر لحديثي: الإسلام يزيد، والإسلام يعلو، وأما المرتد فلا يرث ولا يورث بل ماله لبيت المال وعلى هذا الجمهور، وقالت الحنفية: ما اكتسبه قبل الردة ورثه أقاربه المسلمون وما بعدها فهو لبيت المال، وهذا حسن.\n(^٢) فالقاتل لا يرث من مقتوله شيئًا ولو كان القتل خطأ ولو كان المقتول أصلا أو فرعًا له وعليه الجمهور، وقال مالك والنخعي: إن القاتل خطأ يرث من المال دون الدية.\n(^٣) بسند ضعيف ولكن عامة أهل العلم على العمل به، وحكمة منع الإرث بالكفر والقتل أن الإرث حق نشأ عن صلة بالقرابة أو الزوجية أو نعمة العتق، والكفر قاطع للولاء بينه وبين الإسلام والقاتل قطع كل صلة بينه وبين مقتوله، وبانقطاع الصلة انقطع الإرث والله أعلم.\n\nالفصل الثاني في ميراث الأولاد\n(^٤) جمع ولد وهو المولود ذكرًا كان أو أنثى أي في بيان إرث الأولاد وأولادهم وإن نزلوا.\n(^٥) قوله للذكر مثل حظ الأنثيين إن كانت الأولاد ذكورا وإناثا فإن كانت الأولاد بنتين فأكثر وليس لهن أخ ذكر فلهن الثلثان وعليه المسلمون إلا ابن عباس فقال الثلثان للثلاث فأكثر لقوله تعالى فوق اثنتين - وإن كانت الوارثة واحدة فلها نصف الميراث.","vol":"2","page":252},{"text":"• وَعَنْهُ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بِابْنَتَيْهَا مِنْ سَعْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا فَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا مَالًا وَلَا تَنْكِحَانِ إِلا وَلَهُمَا مَالٌ (^١) قَالَ: «يَقْضِي اللَّهُ فِي ذلِكَ» فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمَوَارِيثِ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (^٢) فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عَمِّهِمَا فَقَالَ: «أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ» (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ هُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ ﵁ قَالَ: سُئِلَ أَبُو مُوسى عَنِ ابْنَةٍ وَابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ فَقَالَ: لِلاِبْنَةِ النِّصْفُ وَلِلأُخْتِ النِّصْفُ (^٤) وَائْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُتَابِعُنِي فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسى فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (^٥) وَلِكنِّي أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ لِلابْنَةِ النِّصْفُ وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ وَمَا بَقِيَ فَلِلأُخْتِ (^٦) فَأَتَيْنَا أَبَا مُوسى فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هذَا الْخَبْرُ فِيكُمْ (^٧). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فَفَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ (^٨). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. وَلَفْظُهُ: جَعَلَ\n_________\n(^١) أي لا يرغب في زواجهما إلا إذا كان لهما مال.\n(^٢) هذا لا ينافي ما تقدم أنها نزلت جوابا السؤال جار لاحتمال أن السؤالين تقاربا فنزلت الآية بعدهما.\n(^٣) قوله وأعط أمهما الثمن لقوله تعالى (فإن كان لكم ولد فلهن - أي الزوجات - الثمن مما تركتم) وقوله: وما بقي فهو لك. أي بالتعصيب للحديث الآتي» ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» وحكمة أخذ الذكر مثل حظ الأنثيين أن الذكر مكلف بمؤنة بيته وأولاده ومعاونة الولاة بالمال في المصالح العامة، وأما الأنثى فليس عليها شيء من ذلك، بل مئونتها على زوجها.\n(^٤) أي ولا شيء لبنت الابن كما فهمه أبو موسى ﵁.\n(^٥) أي إن وافقت أبا موسى.\n(^٦) لأنها عصبة مع البنات، قال في الرحبية\nوالأخوات إن تكن بنات … فهن معهن معصبات\n(^٧) الحبر كالبحر العالم الكبير.\n(^٨) لاعن امرأته أي رماها بالزنا وتبرأ من ولدها فألحقه النبي - ﷺ - بأمه أي نسبه إليها ويثبت التوارث بينهما وستأتي الملاعنة في النكاح إن شاء الله.","vol":"2","page":253},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِيرَاثَ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ لأُمِّهِ وَلِوَرَثَتِهَا مِنْ بَعْدِهَا (^١).\nوَلِلتِّرْمِذِيِّ: «أَيُّمَا رَجُلٍ عَاهَرَ بِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ فَالْوَلَدُ وَلَدُ زِنًى لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ (^٢)».\nقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ بْنُ يَزِيدَ ﵁ أَتَانَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ بِالْيَمَنِ مُعَلِّمًا وَأَمِيرًا فَسَأَلْنَاهُ عَنْ رَجُلٍ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ ابْنَتَهُ وَأُخْتَهُ فَأَعْطَى الِابْنَةَ النِّصْفَ والأُخْتَ النِّصْفَ (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. وَزَادَ: وَنَبِيُّ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ حَيٌّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وُرِّثَ (^٤)» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-465>ميراث الأبوين والعصبة </span>(^٥)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) أي إذا لم يكن له غيرها فتأخذ الأم سهمها ثم عصبتها، فإن كان معها غيرها كولد وزوجة اشتركوا كباقى المواريث.\n(^٢) قوله عاهر أي زنى بامرأة فجاءت بولد فلا إرث بينه وبين أبيه، أما بينه وبين أمه وأقاربها فالتوارث ثابت لنسبته لها. والحديث ضعيف ولكن عليه كافة العلماء، فابن الملاعنة وإن الزنا لا توارث بينهما وبين أبويهما بإجماع المسلمين لانتفاء النسب الشرعي.\n(^٣) فمعاذ أعطى الابنة النصف لقوله تعالى ﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ وأعطى الأخت النصف لقوله تعالى - وله أخت فلها نصف ما ترك -.\n(^٤) الاستهلال رفع الصوت والمراد إذا ظهرت حياة المولود ورث، وعلامتها صوت أو تنفس أو عطاس أو نحوها وعليه الثوري والأوزاعي والثاني وأصحاب أبي حنيفة. وقال غيرهم الاستهلال رفع الصوت فقط، ويكفي في هذا خبر امرأة عدلة، وقال مالك: لابد من عدلتين، وقال الشافعي: لابد من أربع، فلو مات إنسان ووارثه حمل أو في الورثة حمل أوقف تقسيم الميراث حتى تضع وهذا بإجماع المسلمين. نسأل الله التوفيق لما يحب ورضي آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nميراث الأبوين والعصبة\n(^٥) جمع عاصب وهو من يأخذ جميع المال إذا انفرد ويأخذ ما بقى بعد أصحاب الفروض.\n(^٦) فللأم السدس من تركة ولدها إن كان له ولد أو إخوة وإلا فلها الثلث، وللأدب السدس من =","vol":"2","page":254},{"text":"قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ (^١) فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذلِكَ مَا أَحَبَّ فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبْعُ وَللزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأَوْلى رَجُلٍ ذَكَرٍ (^٣)». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n= تركة ولده إذا كان له ولد فإن لم يكن له ولد فلأبيه الباقي بعد أصاحب الفروض كزوجة وإلا فله كل المال تعصيبًا، وإن كان له إخوة فلا شيء لهم لحجبهم بالأب قال في الرحبية.\nوتحجب الإخوة بالبنينا … وبالأب الأدنى كما روينا\nوبينى البنين كيف كانوا … سيان فيه الجمع والوحدان\n(^١) كان المال للولد أي في أول الإسلام، وكانت الوصية واجبة للوالدين قال تعالى - كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين - فنسخ الله ذلك بآية - يوصيكم الله في أولادكم -.\n(^٢) فالثمن فرض الزوجة إذا كان لزوجها ولد وإلا فلها الربع، والنصف فرض الزوج إذا لم يكن لزوجته ولد وإلا فله الربع.\n(^٣) وفي رواية: اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله تعالى فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر أي أعطوا الفرائض لأصحابها المستحقين لها بنص القرآن كالنصف أو الربع للزوج والربع أو الثمن للزوجة وهكذا، والباقى حق لأقرب ذكر من العصبة إلى الميت كالأخ مع العم وكالعم مع ابنه فإن الأخ يحجب العم وهو يحجب ابنه لقربهما فإن استووا في القرب إلى الموروث كالأخوة اشتركوا، وأقرب المحبة الابن وإن نزل والأب وإن علا والأخ الشقيق والأخ لأب وابن الأخ الشقيق وإن الأخ لأب والعم لأبوين والعم لأب وأبناؤها والمولى العتق ذكرا كان أو أنثى، فكل واحد مما ذكر يأخذ كل المال إذا انفرد ويأخذ الباقى بعد أصحاب الفروض ويحجب من بعده إذا اجتمع معه إلا الوالدين فلا يحجبان بحال نسأل الله التوفيق والهداية آمين.","vol":"2","page":255},{"text":"<span data-type='title' id=toc-466>الفصل الثالث: في ميراث الأخوات والكلالة </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (^٢).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ فَتَوَضَّأَ فَصَبُّوا عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ فَعَقَلْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالةٌ فَنَزَلَتْ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (^٣). رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\nقَالَ عُمَرُ ﵁: مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي شَيْءٍ مِثْلَ الْكَلَالَةِ وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَطَ لِي فِيهِ حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ: «يَا عُمَرُ أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي النِّسَاءِ» (^٤). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَسْتَفْتُونَكَ فِي الْكَلَالَةِ فَمَا الْكَلَالَة؟ قَالَ: «تُجْزِئكَ آيَةُ الصَّيْفِ». قُلْتُ لأَبِي إِسْحَاقَ: هُوَ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَلدًا وَلَا وَالِدًا قَالَ: كَذلِكَ ظَنُّوا (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: إِنَّكُمْ تَقْرَأُونَ هذِهِ\n_________\nالفصل الثالث في ميراث الأخوات والكلالة\n(^١) أي والإخوة أشقاء أم لا وبيان الكلالة.\n(^٢) قوله يورث صفة لرجل أو امرأة عطف عليه وكلالة حال من رجل، أي وإن كان رجل أو امرأة يورث حال كونه كلالة أي لا أصل ولا فرع له وله أخ أو أخت أي من أم فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من واحد فهم شركاء في الثلث يستوى ذكورهم وإناثهم فيه.\n(^٣) قوله كلالة أي أخوات سبع أو تسع كما في رواية فنزلت - يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا - أي - الأختان اثنتين - أي - فأكثر فلهما الثلثان مما ترك، وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين -.\n(^٤) قوله فيه أي في هذا السؤال، وقوله آية الصيف التي في النساء هي - يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة - فهذه نزلت في الصيف والآية الأولى نزلت في الشتاء.\n(^٥) أي فهموا، ففي هذه النصوص أن الكلالة هو من مات ولم يترك أصلا ولا فرعًا وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا، وقيل هو من لا والد له فقط، وقيل من لا ولد له فقط، وقيل الكلالة اسم للورثة غير=","vol":"2","page":256},{"text":"الآيَةِ ﴿مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ (^١) وَإِنَّ أَعْيَانَ بَني الْأُمِّ يَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِي الْعَلاتِ الرَّجُلُ يَرِثُ أَخَاهُ لأَبِيهِ وَأُمِّهِ دُونَ أَخِيِه لأَبِيهِ (^٢).\nرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣) وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-467>الفصل الرابع: في ميراث الزوجين </span>(^٤)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لَحْيَانَ\n_________\n=الأبوين والأولاد لقول جابر إنما يرثني كلالة، سموا بذلك لأنهم تكملوه وأحاطوا به في الإرث، ولو قيل إن لفظ الكلالة من الألفاظ المشتركة لم يبعد.\n(^١) أي حكم بسداد الدين الذي على التركة قبل الوصية لأن أداء الدين فرض والوصية تبرع.\n(^٢) قوله أعيان بني الأم أي الإخوة الأشقاء يتوارثون دون بني العلات، أي الضرائر أي الإخوة لأب، والعلات بالفتح جمع علة وهي المرة لأنها العلة مع الأخرى وبنو العلات بنو أمهات شتى من أب واحد، وقوله الرجل الخ بيان، أي الأخ الشقيق يحجب الأخ لأب وابن الأخ الشقيق يحجب ابن الأخ لأب والأعمام وبنوهم كذلك، وهذا باتفاق لأن الشقيق يتصل بالميت من أبيه وأمه بخلاف غيره فهو أبعد، والجهة البعدي تحجب بالقربي، قال في الرحبية.\nوما لذى البعدى مع القريب … في الإرث من حظ ولا نصيب\n(^٣) بسند ضعيف ولكن أهل العلم كلهم عليه. نسأل الله التوفيق للرشد والهداية آمين.\n\nالفصل الرابع في ميراث الزوجين\n(^٤) أي الزوج والزوجة وتسمى زوجة كما في الآية.\n(^٥) فالربع فرض الزوج من إرث زوجته إذا كان لها ولد منه أو من غيره وإلا فله النصف كله، والزوجة واحدة أو أكثر لها من إرث زوجها الثمن إن كان له ولد منها أو من غيرها وإلا فلها الربع، وقسمة التركة لا تحصل إلا بعد سداد الدين وتنفيذ الوصية.","vol":"2","page":257},{"text":"سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ توُفِّيَتْ فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا (^١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: كَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ: الدِّيَة لِلْعَاقِلَةِ وَلَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا حَتَّى قَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ كَتَبَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ وَرِّثِ امْرَأَةَ أَشَيْمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا فَرَجَعَ عُمَرُ (^٢) ﵁. رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-468>الفصل الخامس: في ميراث الجد والجدة </span>(^٣)\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ ابْنِي مَاتَ فَمَا لِي مِنْ مِيرَاثِهِ؟ قَالَ: لَكَ السُّدُسُ. فَلَمَّا أَدْبَرَ دَعَاهُ فَقَالَ: لَكَ سُدْسٌ آخَرُ. فَلَمَّا أَدْبَرَ دَعَاهُ\n_________\n(^١) قوله بغرة متعلق بقضى وقوله عبد أو أمة بيان للغرة فكانت امرأة من بني لحيان حبلى فضربتها امرأة على بطنها فسقط حملها ذكر النبي - ﷺ - على الضاربة بغرة للمضروبة ثم ماتت بعد ذلك فحكم النبي - ﷺ - بالعقل أي الدية على عصبة الجانية لأن القتل خطأ، وجعل إرث المرأة لبنيها وزوجها وهو الشاهد.\n(^٢) العاقلة هم العصبة من جهة الأب الذين يدفعون دية الخطأ فعمر كان يقول العاقلة كما تدفع دية الخطأ عمن قتل منهم تأخذها عمن قُتل منهم دون الزوجة فقال له الضحاك: إن النبي - ﷺ - كتب لي أن أعطى امرأة أشيم الضبابى من دية زوجها فرجع عمر ﵁، والضحاك هذا كان فارسًا يعد بمائة فارس، وكان يقوم على رأس النبي - ﷺ - بالسيف وولاه النبي - ﷺ - على من أسلم من قومه، والضبابى بالكسر نسبة إلى ضباب قلعة بالكوفة، كان صحابيًا وقتل خطأ فأمرهم النبي - ﷺ - أن يورثوا امرأته من ديته، وهذا معقول أن الدية وجبت للمقتول أولا ثم انتقلت إلى ورثته كباقى أملاكه، وعلى هذا الجمهور سلفًا وخلفًا، وروي عن علي ﵁ أنه كان لا يورث الإخوة للأم ولا الزوجة ولا الزوج من الدية شيئًا. نسأل الله التوفيق للرشد والهداية آمين.\n\nالفصل الخامس في ميراث الجد والجدة\n(^٣) الجد أبو الأب وإن علا دون أبي الأم فإنه من ذوي الأرحام، والمراد بالجدة أم الأم وأم الأب وإن علتا.","vol":"2","page":258},{"text":"فَقَالَ: إِنَّ السُّدُسَ الآخَرَ طُمْعَةٌ (^١). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢).\n\n• عَنِ الْحَسَن ﵁ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: أَيُّكُمْ يَعْلَمُ مَا وَرَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجَدَّ فَقَالَ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ: أَنَا. وَرَّثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السُّدُس. قَالَ: مَعَ مَنْ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي قَالَ: لَا دَرَيْتَ فَمَا تُغْنِي إِذًا (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٤) وَالنسَّائِيُّ.\nوَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يسَارٍ: فَرَضَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵃ لِلْجَدِّ مَعَ الإِخْوَةِ الثُّلُث (^٥). رَوَاهُ مَالِكٌ.\n\n• عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ﵁ قَالَ: جَاءَتِ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ تَسْأَلُهُ مِيرَاثهَا فَقَالَ: مَالَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ فَسَأَلَ. فَقَالَ الْمُغَيْرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَاهَا السُّدُسَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلَمَةَ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁، ثُمَّ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الأُخْرَى إِلَى عُمَرَ ﵁ تَسْأَلُهُ مِيرَاثهَا فَقَالَ: مَالَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ وَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قُضِيَ بِهِ إِلا لِغَيْرِكِ وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ وَلكِنْ هُوَ ذلِكِ السُّدُسُ فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا فِيهِ\n_________\n(^١) قوله لك السدس أي فرضا لأنه فرض الأب مع الولد فإذا لم يكن أب ورثه الجد وإن كان أب حجب الجد لأنه أقرب منه، فلما ولى الرجل دعاء النبي - ﷺ - فقال إن السدس الآخر طعمة أي رزق لك بسبب قلة أصحاب الفروض، وصورة المسألة أن الميت ترك بنتين وجدًا فأعطاه النبي - ﷺ - السدس فرضًا وأعطى البنتين الثلثين فبقى سدس فأعطاه له تعصيبًا.\n(^٢) بسند صحيح.\n(^٣) أي ما أغنيتنا عن السؤال بل لا زلنا في حاجة إلى العلم بحق الجد مع الورثة.\n(^٤) بسند صالح.\n(^٥) فللجد مع الأخوين فأكثر ولو لأب الثلث لأن بينه وبين الميت الأب الإخوة ويقاسم الأخ الواحد فيأخذ النصف، وكذا يقاسمه مع الأم بعد أخذ فرضها وهو الثلث فيأخذ نصف الباقي وهو ثلث المال ولا ينقص الجد عن السدس بحال قال في الرحبية:\nوتارة يأخذ سدس المال … وليس عنه نازلا بحال\nوهذا مع الولد أو ولد الولد وإن كان معه ذو فرض كزوجة أخذ الباقي بعد فرضها بالتعصيب.","vol":"2","page":259},{"text":"فَهُوَ بَيْنَكُمَا وَأَيَّتُكُمَا مَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا (^١). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢).\n\n• عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ إِذَا لَمْ تَكُنْ دُونَهَا أُمٌّ (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤) وَالنَّسَائِيُّ. واللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-469>الفصل السادس: في الإرث بالولاء </span>(^٥)\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْطَى الْوَرِقَ وَوَلِيَ النِّعْمَةَ (^٦)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَلِلْبُخَارِيِّ: مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. أَوْ كَمَا قَالَ (^٧).\n\n• عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَرْأَةُ تَحُوزُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ عَتِيقَهَا وَلَقِيطَهَا وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ (^٨)».\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: مَاتَ رَجُلٌ وَلَمْ يَتْرُكْ\n_________\n(^١) فالجدة أم الأب جاءت لأبي بكر تسأله حقها من إرث ولد ولدها فسأل فعلم بأن حقها السدس فأعطاها ثم جاءت الجدة الأخرى وهي أم الأم إلى عمر ﵁ تطلب حقها من إرث ولد ابنتها فقال لها: ليس لك في الكتاب شيء، وتقدم الحكم بإعطاء السدس لأم الأب وأنها أخذته فإن اجتمعتها في وقت واحد فهو بينكما نصفين ومن سبقت إليه أخذته كله ولا شيء للأخرى.\n(^٢) بسند صحيح.\n(^٣) فشرط إرث الجدة عدم وجود الأم وإلا حجبت الجدة كما أن الأب يحجب الجد والجدة التي هي أمه فإن الجد والجدة مع الأب والأم جهة بعدى وهى محجوبة بالقربي كما تقدم.\n(^٤) بسند صالح. والله أعلم.\n\nالفصل الثالث في الإرث بالولاء\n(^٥) الولاء لغة: القرابة وشرعًا: عصوبة سببها نعمة المعتق على عتيقه ويرث به المعتق وعصبته المتعصبون بأنفسهم.\n(^٦) أعطى الورق أي دفع ثمنه واشتراه وأولاه نعمة الإعتاق، وفي رواية: إنما الولاء لمن أعتق.\n(^٧) أي أو قال مولى القوم منهم والمراد الولى الأسفل وهو العتيق أي ينتسب بنسبتهم ويعزى إلى قبيلتهم ويرثونه إن لم يكن له وارث.\n(^٨) عتيقها هو العبد الذي أعتقته، واللقيط هو الطفل الذي وجدته ملقى في الطريق لا يعرف له والد ثم ربته، فمن التقط طفلا ورباه ثم عاش وجمع مالا ومات عن غير وارث فإرثه لمن رباه، وعلى هذا إسحاق بن راهويه، وقال عامة العلماء لا يرثه لأنه ليس بينه وبينه نسب ولا نكاح ولا ولاء عتق بل ماله لبيت المال، وربما يقال أي ولاء بعد التقاطه وتربيته وقد كان عرضه للهلاك، وولد الملاعنة تقدم في ميراث الأولاد، فالمرأة تحوز مواريث هذه الثلاثة إذا مات كل منهم على غير وارث، ومعنى حيازة المرأة لهذه أن تكون عاصبة لهم، ولأحمد والدارقطني: توفي مولى لحمزة وترك بنتًا فأعطاها النبي - ﷺ - نصف ميراث أبيها العتيق وأعطى بنت حمزة الباقي تعصيبًا.","vol":"2","page":260},{"text":"وَارِثًا إِلا غُلَامًا كَانَ أَعْتَقهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ لَهُ أَحَدٌ؟» قَالُوا: لَا إِلا غُلَامًا كَانَ أَعْتَقَهُ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِيرَاثَهُ لَهُ (^١). رَوَاهُمَا أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢).\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَرِثُ الْوَلَاءَ مَنْ يَرِثُ الْمَالَ (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-470>توريث ذوي الأرحام </span>(^٤)\nقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ» كَانَ الرَّجُلُ يُحَالِفُ الرَّجُلَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ فَيَرِثُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَنُسِخَ ذلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وَأْوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ (^٦).\n_________\n(^١) فلما مات الرجل ولم يترك وارثًا إلا عتيقه أعطاه النبي - ﷺ - ميراثه، فهذا أثبت الإرث للطرفين بالولاء، وعليه شريح وطاوس. وقال الجمهور: لا يرث العتيق معتقه بل ماله لبيت المال وما فعله النبي - ﷺ - مع هذا العتيق عطاء لا إرث.\n(^٢) بسندين حسنين، فإذا مات العتيق ولم يترك وارثًا وترك مالا فإنه يرثه المعتق أو عصبته الذكور بولاء الإعتاق، وهذا باتفاق، أما العتيق فإنه لا يرث من معتقه إذا لم يترك وارثًا، وعلى هذا الجمهور إلا شريحًا وطاوسًا.\n(^٣) ظاهر هذا أن الولاء يرثه كل من يرث المال ولو أنثى كبنت العتق وأخته ويكون نصيبها في الولاء كنصيبها في غيره، ويؤيده حديث أحمد السابق في توريث بنت حمزة ﵄، ولكن الجمهور على خلافه ولا سيما ضعف الحديث لوجود ابن لهيعة في سنده والله أعلم.\n\nتوريث ذوي الأرحام\n(^٤) أي وغيرها كإرث من أسلم على يديك وإرث ابن بلدك في الغربة إذا لم يعلم وارثه، والأرحام تجمع رحم وهو القرابة وشرعًا كل قريب ليس بذي فرض ولا عصبة كأولاد البنات وأولاد بنات الابن وإن نزلوا وكالجدات والأجداد الفاسدين وإن علوا وكأولاد الأخوات وبنات الأخوة وكالعمات وأولادهن وإن سفلوا.\n(^٥) فكان في صدر الإسلام الإرث بالتحالف وهو أن يقول الرجل لمن يريد محالفته بعد وضع يده في يده عاقدني وعاهدني على النصرة والمعاونة فيجيبه على قوله فيعيشان على هذه المحالفة ويتوارثان بها بعد الموت فنسخ الله ذلك وجعل التوارث بالقرابة في قوله: - وأولوا الأرحام بعضهم أولى بعض - أي أولى بالميراث - في كتاب الله - أي في حكمه وفي ظاهره تمسك من قال بتوريث ذوي الأرحام، والجمهور، على أن معنى في كتاب الله أي على ما فيه من آية - يوصيكم الله في أولادكم -.\n(^٦) ولفظه: آخى=","vol":"2","page":261},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنِ الْمِقْدَامِ الْكِنْدِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِن مِنْ نَفْسِهِ فَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيْعَةً فَإِلَيَّ (^٢) وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَأَنَا مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ أَرِثُ مَالَهُ وَأَفُكُّ عَانَهُ وَالْخَالُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ يَرِثُ مَالَهُ وَيَفُكُّ عَانَهُ (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَلَفْظُهُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ (^٤).\n\n• عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا السُّنَّةُ فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَيِ الرَّجُلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: «هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ (^٥)».\nرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ مَوْلى لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاتَ وَتَرَكَ شَيْئًا وَلَمْ يَدَعْ وَلَدًا وَلَا حَمِيمًا فَقَالَ ﷺ: «هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ أَرْضِهِ»؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: «فَأَعْطُوهُ مِيرَاثَهُ (^٦)».\n_________\n= النبي - ﷺ - بين أصحابه فكانوا يتوارثون بذلك حتى نزلت - وأولوا الأرحام بعضهم أولى بعض في كتاب الله - فتوارثوا بالنسب، والآية باتفاق ناسخة للتوارث بهذه المؤاخاة بعد الهجرة في صدر الإسلام وبالمخالفة التي كانت في الجاهلية وبقيت إلى صدر الإسلام.\n(^١) أي له ما لهم وعليه ما عليهم، فظاهره ثبوت الإرث لابن الأخت.\n(^٢) أي فمن مات وترك دينًا وضيعة فعليّ سداد دينه ومؤنة ضيعته أي عياله.\n(^٣) أي أرث مال من لا وارث له لأن مالى بيت مال المسلمين وأفك عانه أي أسيره وهذه بيان لما قبلها.\n(^٤) فظاهر هذه النصوص توريث الخال وابن الأخت ومثلهما بقية ذوي الأرحام، وعلى هذا أكثر الأصحاب والتابعين وأبو حنيفة، وقال بعض الصحب والتابعين وجمهور الفقهاء: إنهم لا يرثون لأنه لم يرد في الشرع توريثهم لا بالفرض ولا بالتعصيب، فإذا لم يكن عاصب ولا صاحب فرض فالمال لبيت مال المسلمين إن كان يعطى الحقوق لأصحابها والأرد على ذوى الأرحام.\n(^٥) فمن أسلم على يد رجل من المسلمين ومات ولم يترك وارثًا ورثه من أسلم هو على يديه، وبه قال إسحاق والحنفية بشرط أن يكون بينهما معاقدة على النصر في الحياة والإرث في الممات، والجمهور على أنه لا إرث بينهما لعدم التصريح به في الحديث ولا سيما أنه ضعيف عند أحمد وفيه مجهول عند الشافعي بل ماله لبيت مال المسلمين.\n(^٦) فكان رجل يخدم النبي - ﷺ - ومات على شيء ولم يكن له وارث فأمره النبي - ﷺ - بإعطائه لابن بلده صدقة عليه فقط، وإلا فأهل العلم على أن مال هذا ونحوه لبيت مال المسلمين.","vol":"2","page":262},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كُلُّ قَسْمٍ قُسِمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى مَا قُسِمَ وَكُلُّ قُسْمٍ أَدْرَكَهُ الإِسْلَامُ فَإِنَّهُ عَلَى قَسْمِ الإِسْلَامِ (^١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢) وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-471>مال النبي ﷺ لأمته </span>(^٣)\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهِمًا وَلَا دِينَارًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَة وَلَا شَاةً إِلا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ، وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً (^٤). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ فَاطِمَةَ وَالْعَبَّاسَ ﵃ أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَطْلُبَانِ أَرضيهِمَا مِنْ فَدَكٍ وَسَهْمَهُمَا مِنْ خَيْبَرَ فَقَالَ لَهُمَا أَبُو بَكْر: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هذَا الْمَالِ. وَاللَّهِ لَا أَدَعُ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُهُ فِيهِ إِلا صَنَعْتُهُ» قَالَ: فَهَجَرَتْهُ فَاطِمَةُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى مَاتَتْ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نفَقَةِ نِسَائِي وَمَؤُونَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ (^٥). رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n(^١) فكل مال قسم في الجاهلية فهو ثابت على قسمته، ويؤخذ منه أن أحكام الجاهلية في الأموال والأنساب والأنكحة وغيرها إذا دخل عليها الإسلام أقرها، ولكن ما أدركه الإسلام فإنه يجرى على أحكامه.\n(^٢) بسند صالح.\n\nمال النبي - ﷺ - لأمته\n(^٣) أي تنتفع به كلها ولكن بعد كفاية أمهات المؤمنين وآل البيت ﵃.\n(^٤) قوله ولا أمة أي في الرق، وأما مارية أم إبراهيم ﵇ فإنها عتقت بموته كما يأتي وقوله ولا شاة وفي رواية ولا شيئًا وهي أعم إلا بغلته وآلة الحرب وأرضا تصدق بها، وتلك الأرض هي نصف أرض فدك وثلث أرض وادي القرى وسهمه من خيبر وسهمه من بني النضير، وهذه الأراضي وهذه الأسهم في حكم الوقف وفي معنى الوصية لبقائها بعد الموت.\n(^٥) فدك بالتحريك وبالصرف وعدمه =","vol":"2","page":263},{"text":"<span data-type='title' id=toc-472>الفصل السابع في الوصية </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِىَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ (^٢)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا وَلَا أَوْصى بِشَيْءٍ (^٣). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ ليَعْمَلُ أَوِ الْمَرْأَةَ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى سِتِّينَ سَنَةً ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ\n_________\n= قرية على ميلين من المدينة فيها نخل وعين فوارة أفاءها الله على رسوله صلحا كقريظة والنضير وخيبر وقرى عرينة وهذه هي المرادة بقوله - ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول والذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل - فلما استخلف أبو بكر بعد الرسول - ﷺ - جاءت فاطمة والعباس ﵄ يطلبان ميراثهما عن رسول الله - ﷺ - من تلك الأراضي والأسهم، تطلب فاطمة ﵄ نصف تلك الأشياء والعباس النصف الآخر تعصيبا فأسمعهما أبو بكر الحديث الذي لم يسمعاه قبل وهو لا نورث ما تركنا صدقة، أي لا يرثنا أحد كبقية الأنبياء فما تركناه من الأموال فهو صدقة للناس بعد كفاية نسائي وآل بيتي ومؤونة عاملي وهو الخليفة أو عامل الصدقة، وحكمة عدم إرث الأنبياء ألا يتمنى أحد موتهم فيهلك. نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى. والله أعلم.\n\nالفصل السابع في الوصية\n(^١) أي في معناها والترغيب فيها والترهيب من الجور فيها وفي أنها من الثلث فقط وأنها لا تجوز لوارث وغير ذلك مما يأتى، وهي لغة: الإيصال؛ لأن الموصى وصل خير دنياه يخير عقباه، وشرعًا: تبرع بحق مضاف إلى ما بعد الموت، وكانت واجبة للوالدين والأقربين في صدر الإسلام ثم نسخ وجوبها وبقى ندبها غالبًا إلا من عليه حق كزكاة أو حج أو حق آدمي بلا شهود فإنه يجب عليه أن يوصي بأداء ذلك وهي نوع من الهبات ولكن لا يتسلمها إلا بعد الوفاة.\n(^٢) فلا ينبغي لمسلم ميسور أن يمكث قليلا بدون كتابة الوصية والإشهاد عليها فإنه خير عاجل يفوت بالموت.\n(^٣) أي من الأموال لأن الوصية تكون فيها يورث وماله - ﷺ - لا يورث ولكنه كالوقف للأمة تنتفع به، وأوصى - ﷺ - عند موته بقوله: الصلاة وما ملكت أيمانكم، وقال: أخرجوا اليهود من جزيرة العرب وأجيزوا الوفود بنحو ما كنت أجيزهم.","vol":"2","page":264},{"text":"فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ (^١)». وَقَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ - مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارَ ـ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-473>الوصية بالثلث</span>\n• عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: مَرِضْتُ عَامَ الْفَتْحِ مَرَضًا أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ (^٢) فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا وَلَا يَرِثُنِي إِلا ابْنَتِي أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: فَثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: فَالشَّطْرَ (^٣)؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: فَالثُّلثَ؟ قَالَ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ (^٤) وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً إِلا أُجِرْتَ فِيهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ (^٥)» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَأُخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِي؟ قَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي فَتَعَمْلَ بِهِ عَمَلًا ترِيدُ بِه وَجْهَ اللَّهِ إِلا ازْدَدْتَ بِهِ رِفْعَةً وَدَرَجَةً (^٦) وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ (^٧) اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي\n_________\n(^١) قوله أو المرأة عطف على الرجل، فربما يعمل المسلم بطاعة الله دهرا طويلا وعند موته يوصى ويجور فيها كحرمان بعض الورثة أو نقصهم عن حقهم في الميراث بدون شيء يقتضيه فتجب له النار، ومنه حديث النسائي وغيره: الأضرار في الوصية من الكبائر، ففي هذين وعيد شديد لمن جار في وصيته. ويتضح منه أن ما يفعله بعض الناس من قصر الميراث على الذكور وحرمان الإناث حرام وكذا حرمان بعض الورثة حرام. نسأل الله التوفيق.\n\nالوصية بالثلث\n(^٢) أي قربت منه على الموت.\n(^٣) أي النصف أوصى به.\n(^٤) أي المشروع في الوصية الثلث وهو كثير بل النقص عنه مطلوب فإن تركك ورثتك أغنياء خير من تركهم فقراء يسألون الناس بأكفهم.\n(^٥) قوله فيها أي عليها حتى اللقمة التي تضمها في فم امرأتك ومن تعولهم.\n(^٦) أأخلف عن هجرتى أي أأتخلف عن الهجرة وأبقى بمكة لمرضى؟ وذا منه تحسر وتحزن لكراهتهم للتخلف عن النبي - ﷺ - فأجابه بأن تخلفه مرضا لا يضره بل بصالح العمل يرفعه الله درجات.\n(^٧) لعلك أن تخلف أي تعيش حتى يضر بك الكفار وينتفع بك المسلمون، وقد تحقق رجاؤه - ﷺ - فشفي سعد وعاش حتى مات سنة خمس عشرة من الهجرة.","vol":"2","page":265},{"text":"هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنِ عِمْرَانَ بْن حُصَيْن ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ فَدَعَا بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا ثُمَّ أَقرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةُ وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا (^١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-474>لا وصية لوارث</span>\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كلِّ ذِي حَقَ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ (^٢) الْوَلَدُ لِلْفِراشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ (^٣) وَمَنِ ادَّعى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوِ انْتَمى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ التَّابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا تُنْفِقُ امْرَأَةٌ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلا بِإِذْنِهِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الطَّعَامَ؟ قَالَ: «ذلِكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَاحِبَاهُ (^٤).\n_________\n(^١) فهذا الرجل كان يملك من الرقيق ستة ولم يكن له شيء سواهم فأعتقهم في مرضه فلما علم النبي - ﷺ دعاهم وأقرع بينهم فخرجت القرعة لاثنين فأمضى عتقهما وأبقي حكم الرق على الأربعة، ولامه على هذا التصرف السيء فإن العتق في مرض الموت كالوصية، وباقي التبرعات لا تجوز إلا بالثلث، وللإمام أحمد: إن الله تصدق عليكم عند موتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم، ويندب النقص عنه إذا كانت الورثة فقراء وإلا فلا، قال في الفتح: واستقر الإجماع على عدم الزيادة على الثلث إلا إذا أجازها الورثة، وهذا إن كان هناك وارث وإلا فلا حجر عليه عند بعضهم، وفي الحديث: جواز عمل القرعة واعتبارها، وعليه الجمهور وسيأتى في تفسير سورة النور، وقالت الحنفية: لا تجوز القرعة في شيء لأنها من عمل الجاهلية ومن القهار. والله أعلم.\n\nلا وصية لوارث\n(^٢) أي أن الله بين الحقوق لأصحابها في المواريث السابقة، فلا تصح الوصية بعدها لوارث إلا إذا أجازها باقي الورثة لحديث الدارقطني: لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة. وعلى هذا الجمهور، وقال بعضهم: لا تصح وإن أجازها باقيهم لأن المنع منها حق الشرع فلا يملكونه.\n(^٣) الولد للفراش أي ينسب إلى الزوج صاحب الفراش لا لمن يدعيه من طريق الزنا بأمه، ولهذا المدعى الرجم بالحجر؛ لأنه أقر بالزنا على نفسه، وسيأتي ذلك في النكاح إن شاء الله. وتقدم الحديث في العارية.\n(^٤) بسند صحيح. نسأل الله التوفيق.","vol":"2","page":266},{"text":"<span data-type='title' id=toc-475>يأكل الوصي من مال اليتيم بالمعروف </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (^٢).\nقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: - وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ (^٣) - أُنْزِلَتْ فِي وَالِي الْيَتِيمِ أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ إِذَا كَانَ مُحْتاجًا بِقَدْرِ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي فَقِيرٌ لَيْسَ لِيَ شَيْءٌ وَلِي يَتِيمٌ فَقَالَ: «كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيِمكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلَا مُبَادِرٍ وَلَا مُتَأَثِّلٍ (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥) وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا أَبَا ذَرَ إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي فَلَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ (^٦)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ.\n_________\nيأكل الوصى من مال اليتيم بالمعروف\n(^١) الوصى: هو الذي وكل إليه أمر اليتامي أو المحجور عليهم بسفه وتبذير سواء وله أقاربهم أو الحاكم، ويجب أن يكون مشهورًا بالدين والأمانة.\n(^٢) سيحترقون في السعير، وهذه في الوصاية على اليتيم، وأما في المحجور عليه بالتبذير ففي قوله تعالى ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾.\n(^٣) فللوصي أن يأخذ من مال اليتيم والمحجور عليه بالمعروف بين الناس في أجرة مثله لمثل هذا العمل كما يجب عليه أن يعمل في مال اليتيم والمحجور عليه ما ينميه ويزيد فيه.\n(^٤) قوله ولي يتيم أي أنا وصى عليه، فقال - ﷺ -: كل من ماله بغير إسراف ولا مبادر أي في إنفاق ماله قبل بلوغه، ولا متأثل أي لا تجمع منه مالا، والمراد النهي عن أخذ أكثر من أجرة مثله وإلا فله الاقتصاد منها فإنه مطلوب.\n(^٥) بسند صالح.\n(^٦) قوله أراك ضعيفًا أي عن إدارة الأمور وأحب لك ما أحب لنفسي أي من السلامة، وطريق ذلك أن تبتعد عن الرياسة ولو على اثنين وأن تبتعد عن الوصاية فإنهما مظنة العلو والفخر، =","vol":"2","page":267},{"text":"لا يُتم بعد بلوغ (^١)\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ وَلَا صُمَاتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣).\nعنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَيْشِ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يَقْبَلْنِي فَعُرِضْتُ عَلَيْهِ مِنْ قَابِلٍ فِي جَيْشٍ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَقَبِلَنِي. قَالَ نَافِعٌ: وَحَدَّثْتُ بِهذَا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: هذَ حَدُّ مَا بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ. وَفِي رِوَايَةٍ: هذَا حَدُّ مَا بَيْنَ الذُّرِّيَّةِ وَالْمُقَاتِلَةِ (^٤). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ ﵁ قَالَ: عُرِضْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ فَكُنْتُ مِمَّنْ لَمْ يُنْبِتْ فَخُلِّيَ سَبِيلي. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي السِّيَرِ (^٥) وَالنَّسَائِيُّ فِي طَلَاقِ الصَّبِيِّ بِلَفْظِ: فَمَنْ كَانَ مُحْتَلِمًا أَوْ نَبَتَتْ عَانَتُهُ قُتِلَ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كذلكَ تُرِكَ (^٦). وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n= بل منصة الظلم والطغيان فأبو ذر ﵁ كان ضعيفًا لا يمكنه القيام بأعباء الولاية بل يكون مذموما الحديث الطبراني: الإمام الضعيف ملعون، فقوله أحب لك ما أحب لنفسى أي لو كان حالى كحالك وإلا فالنبي - ﷺ - كان واليًا بل كان سيد الولاة وحاكمًا لجميع المسلمين وكان أفضلهم لوفور عقله وعدله وعلمه - ﷺ - نسأل الله التوفيق لاتباع سنته آمين.\n\nلا يتم بعد بلوغ\n(^١) أي تنتهي صفة اليتيم عن الشخص إذا ثبت بلوغه بالاحتلام أو السن أو نبات العانة.\n(^٢) الاحتلام: هو رؤية الجماع في النوم والمراد نزول المني ولو يقظة، والصمات - كالغراب -: السكوت، وكان بعض الجاهلية يرى فيه فضلا فيفعله فنفاه شرعنا أي لا عبرة به ولا فضيلة فيه.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) فإكمال الخمس عشرة سنة هلالية هو الحد الفاصل بين الصغير والكبير، والحديث تقدم في شروط الصلاة.\n(^٥) بسند صحيح.\n(^٦) عطية القرظى من بني قريظة الذين نقضوا عهدهم مع النبي - ﷺ - فجاء وحاصرهم شهرًا ثم نزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁ فجاء فحكم بقتل الرجال وسبي النساء والذرية فقال - ﷺ -: لقد حكمت فيهم بحكم الله تعالى، ولما شرعوا يميزون الرجال من الصغار تعذرت معرفة البالغين بالاحتلام والسن فعدلوا إلى العلامة الثالثة وهي ظهور شعر العانة فكان عطية ممن لم ينبت =","vol":"2","page":268},{"text":"<span data-type='title' id=toc-477>الفصل الثامن: في العتق </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا اقتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (^٢).\n\n• عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرةَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأَ مُسْلمًا اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» (^٣). قَالَ سَعِيدٌ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ ﵄ فَأَخْبَرْتُهُ فَعَمَدَ إِلَى عَبْدٍ لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ فَأَعْتَقَهُ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَلِمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ: مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ حَتَّى يُعْتِقَ فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ.\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ». قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أفْضَلُ؟ قَالَ: «أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا» (^٤). قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: «تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ (^٥)». قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: «تَدَعُ\n_________\n= شعر عانته فلم يقتلوه، فعلامة البلوغ: إكمال خمس عشرة سنة هلالية أو الاحتلام أو ظهور شعر العانة وهذه في الذكر، وأما الأنثى فتزيد على هذه بظهور حيضها، فبعلامة من هذه العلامات يصير الشخص بالغا ومكلفًا بكل شيء، ولكن لا يسلم اليتيم ماله إلا إذا صار حسن التصرف بشهادة عدلين لقوله تعالى ﴿فإن آنستم منهم رشدًا فادفعو إليهم أموالهم﴾ والله أعلم.\n\nالفصل الثامن في المعتق\n(^١) أي في فضله وفي العتق بالملكية للقريب، وفي بيع الولاء، وفي المكاتبة، وفي حقوق السيد والرقيق والعتق من قولهم: عتق الفرخ إذا طار؛ لأن الرقيق يخلص به ويذهب حيث شاء، وشرعا زوال الرق وثبوت الحرية.\n(^٢) ﴿فلا اقتحم العقبة﴾ أي تجاوزها. وما أدراك ما العقبة - هي - فك رقبة - من الرق - أو إطعام في يوم ذي مسغبة - أي مجاعة - يتيما ذا مقربة - أي قرابة - أو مسكينا ذا متربة - أي ذا فقر، فمجاوزة العقبة الكؤود في إعتاق الرقبة أو إطعام الطعام في الجدب لليتيم القريب أو المسكين المحتاج.\n(^٣) استنقذ أي خاص الله بكل عضو منه أي العتيق عضوًا منه أي المعتق من النار.\n(^٤) أي أعزها عند المالكين.\n(^٥) أي عاجز، أي تساعده وترشده.","vol":"2","page":269},{"text":"النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ (^١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَلأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ (^٢): أَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ رَجُلًا مُسْلِمًا فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ وِقَاءَ كلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهِ عَظْمًا مِنْ عِظَامِ مُحَرَّرِهِ مِنَ النَّارِ (^٣) وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ أَعْتَقَتِ امْرَأَةً مُسْلِمَةً فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ وِقَاءَ كُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهَا عَظْمًا مِنْ عِظَامِ مُحَرَّرِهَا مِنَ النَّارِ (^٤).\nوَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ (^٥): مَثَلُ الَّذِي يُعْتِقُ عِنْدَ الْمَوْتِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي إِذَا شَبِعَ (^٦).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ إِلا أَنْ يَشْتَرِطَهُ السَّيِّدُ (^٧)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَلَدُ الزِّنَى شَرُّ الثَّلَاثَةِ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لأَنْ أُمَتِّعَ بِسَوْطٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ وَلَدَ زِنْيَةٍ (^٨). رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^٩) وَالنَّسَائِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n(^١) فإنها أي هذه الخصلة صدقة.\n(^٢) بسند صحيح.\n(^٣) الوقاء كالوعاء ما يمنع الأذى عن الشيء، وقوله من عظامه أي المعتق أي فكل عظم من العتيق يكون حافظا لمثله من المعتق من النار.\n(^٤) وفيه أن الأفضل للذكر عتق الذكر والأنثى عتق الأنثى.\n(^٥) بسند صحيح.\n(^٦) فالعتق عند الموت كالصدقة بعد الشبع ثوابها قليل لما تقدم في الزكاة» أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى».\n(^٧) فمال العبد إذا عتق له أي للعبد لعود الضمير لأقرب مذكور إلا أن يشترطه السيد له. وللإمام أحمد: من أعتق عبدًا وله مال فالمال للعبد، وهذا إتمام للنعمة عليه وقد جرت عادة الكرام أنهم إذا أعتقوا عبدًا منحوه شيئا يقتات منه حتى تنفتح له السبل.\n(^٨) الثلاثة أبوه وأمه وهو، وكان شرهم مع أنه لم يقترف الزنا كما ارتكبوا لأنه جاء من ماء حرام وخبيث من الطرفين فيكون في الغالب منبعًا للشرور والقبائح، وإن كان لا شيء عليه من ذنب أبويه فلا تزر وازرة وزر أخرى، وقوله: لأن أمتع بصوت في سبيل الله أي لأن أعطي غيرى سوطا في سبيل الله أحب إليّ من عتق ولد زنية بالكسر والفتح أي ولد زنا يقال له ولد زنية وولد غية. ويقال لغيره ولد رشدة ففيه حث على عتق المسلم الصالح الطاهر الأصل.\n(^٩) بسندين صالحين. نسأل الله التوفيق.","vol":"2","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-478>القريب يعتق بالملكية كما يعتق الباقي على الميسور</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ (^٢)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ مِنْ مَمْلُوكٍ فَعَلَيْهِ عِتْقُهُ كُلِّهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ (^٣)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\nالقريب يعتق بالملكية كما يعتق الباقي على الميسور\n(^١) المراد بالولد المولود ذكرا أو غيره وإن سفل، والمراد بالوالد الأب والأم وإن علوا فلا يكافئ ولد والده إلا إذا كان مملوكا فاشتراه فأعتقه بالشراء، ومثل الأصول الفروع بالأولى فإنهم أقرب من الأصول، فمن ملك واحدًا من والديه أو أولاده عتق عليه بمجرد الملكية، وعلى هذا أهل العلم كلهم.\n(^٢) أصل الرحم: محل تكوين الولد في المرأة والمراد به القرابة، ومحرم كمصنع وبالضم والتشديد من لو كان أنثى لحرمت كالأصول والفروع والإخوة والأخوات وأولادهم والأعمام والعمات والأخوال والخالات وإن علوا، فكل قريب محرم تملكه يعتق بالملكية أصلا كان أو فرعًا أو غيرهما وعليه أكثر الصحب والتابعين والحنفية وأحمد، وقال بعض الصحب والتابعين والشافعية: لا يعتق إلا الأصول والفروع وهم المرادون بالمحرم، وقال مالك: تعتق الأصول والفروع والإخوة فقط، وحكمة عتق القريب بالملكية أن الإنسان أمر بإكرام أقاربه والإحسان إليهم والإعتاق رأس أنواع الإكرام.\n(^٣) قوله شركا بكسر فسكون أي نصيبا، وفي رواية شقصا وفي أخرى شقيصا فمن كان شريكا في عبد وأعتق نصيبه وكان ميسورا عتق باقيه ووجب عليه دفع ثمنه وإلا فلا شيء عليه وتبقى حصة الشريك على الرق. وللفقهاء هنا كلام في كتب الفقه فارجع إليه إن شئت.","vol":"2","page":271},{"text":"<span data-type='title' id=toc-479>المكاتبة </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (^٢).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: إِنَّ أَهْلِي كَاتَبُونِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي تِسْعِ سِنِينَ فِي كُلِّ سَنَةٍ أُوقِيَّةٌ (^٣) فَأَعِينِيني فَقُلْتُ لَهَا: إِنْ شَاءَ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقَكِ وَيَكُونَ الْوَلَاءُ لِي فَعَلْتُ فَذَكَرَتْ ذلِكَ لأَهْلِهَا فَأَبَوْا إِلا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ فَأَتتْنِي فَذَكَرَتْ ذلِكَ فَانْتَهَرْتُهَا (^٤) فَقَالَتْ: لَا هَاءَ اللَّهِ إِذًا (^٥) قَالَتْ: فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: اشْتَرِيهَا وأَعْتِقِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ، فَفَعَلْتُ ثُمَّ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشِيَّةً فَحَمِدَ اللَّهَ وأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ. ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ». وَفِي رِوَايَةِ: فَعَتَقَتْ (^٦) وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ\n_________\nالمكاتبة\n(^١) المكاتبة كانت معلومة قبل الإسلام فأقرها الشرع.\n(^٢) فإذا طلب رقيقك المكاتبة فكاتبه إن علمت فيه خيرا بأن كان أمينا مكتسبا، فالمكاتبة سنة إذا طلبها العبد وهي عقد بين السيد وعبده على أنه إذا أدى له كذا من المال في وقت كذا فهو حر، كقوله: كاتبتك على خمسة دنانير مثلا في خمس سنين فإذا أديتها فأنت حر، فيقول العبد: قبلت، وهي لازمة من جهة السيد إلا إذا عجز العبد فله فسخها وسميت مكاتبة لحصول الكتابة فيها بين السيد وعبده غالبًا.\n(^٣) بالضم أربعون درهما وتقدم الحديث في البيوع.\n(^٤) أنكرت عليها ما ذكرته.\n(^٥) وفي بعض النسح لا هاء الله ذلك، قال أهل العربية وهذان خطأ والصواب لا ها الله ذا بقصرها وحذف ألف إذا ومعناه لا والله هذا ما أقسم به.\n(^٦) قوله فعتقت أي بعتقى لها بعد الشراء وكان زوجها عبدًا يسمى مغيثا فخيرها النبي - ﷺ - بين البقاء على الزوجية وبين اختيار نفسها وتنحل الزوجية فاختارت نفسها وكان زوجها يحبها حبًّا جمًا ورجا النبي - ﷺ - في رجوعها فكلمها فأبت فانقلبت الحال عليها لردها شفاعة النبي - ﷺ -. نسأل الله السلامة، وفي الحديث: جواز بيع المكاتب إذا عجز عن الأداء وبقاء الزوجية إذا عتقت زوجة الرقيق.","vol":"2","page":272},{"text":"فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ عَنِ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا عَبْدٍ كَاتَبَ عَلَى مِائَةِ أُوقِيَّةٍ فَأَدَاهَا إِلا عَشَرَةَ أَوَاقٍ فَهُوَ عَبْدٌ وَأَيُّمَا عَبْدٍ كَاتَبَ عَلَى مِائَةِ دِيِنَارٍ فَأَدَّاهَا إِلا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَهُوَ عَبْدٌ (^١)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَة ﵂ قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا كَانَ لإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ فَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي فَلْيَحْتَجِبْ مِنْهُ (^٢)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣). وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-480>يجوز بيع المدبر </span>(^٤)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَبَلَغَ ذلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي»؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِثَمانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ (^٥). رَوَاهُ الْخَمحسَةُ. وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فَقِيرًا فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ فَعَلَى عِيَالِهِ فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ فَعَلَى ذِي قَرَابَتِهِ». وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n(^١) فإذا أدى المكاتب مال الكتابة إلا قليلا فهو كالعبد في كل شيء، ومنه حديث أبي داود ومالك: الكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم، ولو مات وعليه شيء من مال الكتابة فماله وولده ورقيقه لسيده ولو كان عنده ما يفى بكتابته، وعلى هذا الجمهور سلفًا وخلفًا والشافعى وأحمد. وقال مالك: إن ولده يعتق، وقال أبو حنيفة. إن ترك ما يفى بكتابته فهو حر وإلا فلا.\n(^٢) فإذا كان المكاتب يؤدي ما عليه أو عنده ما يؤدي فإنه يحرم على سيدته النظر إليه لأنه بالأداء صار حرا، وأما إذا لم يكن عنده، فلها النظر إليه لأنه مملوك لها، وهل له النطر إليها قال به أكثر السلف وعليه بعض الأئمة، وقالت الحنفية. المملوك كالأجنبي؛ لأن له زواجها إذا عتق، والمفهوم ليس بحجة.\n(^٣) بسند صحيح.\n\nيجوز بيع المدبر\n(^٤) المدبر بلفظ المفعول من دبره سيده أي علق عتقه على موته كقوله: إذا مت فأنت حر.\n(^٥) وقال: اقض دينك وفي رواية أنت أحق بثمنه والله غني عنه، وتقدم الحديث في الباب التاسع في البيوع، وفيه دليل على جواز بيع المدبر كجواز بيع من أوصى بعتقه وعليه بعض الصحب والتابعين =","vol":"2","page":273},{"text":"<span data-type='title' id=toc-481>لا يجوز بيع الولاء ولا أم الولد </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ (^٢). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: بِعْنَا أُمَّهَاتِ الأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأَبِي بَكْرٍ فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ نَهَانَا فَانْتَهيْنَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٣).\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَهِيَ مُعْتَقَةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ (^٤)». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-482>خاتمة في حق السيد على عبده وحقه على سيده</span>\n• عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ». وَفِي رِوَايَةٍ: «إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ (^٥)». وَفِي أُخْرَى:\n_________\n= والشافعى وأحمد وإسحاق، وقال الجمهور ومالك وأبو حنيفة: لا يجوز. وبيع النبي - ﷺ - لهذا كان لدين على سيده، فكان للضرورة، نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى والله أعلم.\n\nلا يجوز بيع الولاء ولا أم الولد\n(^١) الولاء: هو ولاية السيد على عتيقه إذا مات بغير وارث فإن السيد وورثته يرثونه، وكانت العرب تبيع الولاء وتهبه متى شاءوا. قال قائلهم:\nفباعوه مملوكا وباعوه معتقا … فليس له حتى الممات خلاص\nفنهاهم الشرع عن ذلك، وأم الولد هي الجارية التي واقعها سيدها فحملت ووضعت.\n(^٢) أي نهي تحريم ولا يصح. فإن الولاء كالنسب لا يزول بالتصرف فيه لحديث: الولاء لحمة كملحمة النسب، وهذا وإجماع أهل العلم كلهم.\n(^٣) بسند حسن ولفظ النسائي كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد والنبي - ﷺ - حى ما يرى بأسا.\n(^٤) أي فبموته تصير حرة كولدها ولو من غيره، ومن هذا حديث الدارقطنى وابن ماجه: أن مارية أم إبراهيم ﵇ ذكرت عند النبي - ﷺ - فقال: أعتقها ولدها، فهذان الحديثان يدلان على أن أم الولد يحرم بيعها وهي تعتق من رأس المال كولدها، وأما حديث أبي داود والنسائى المجوز لبيعهن. فإنه كان أولا ثم نسخ وما علموا كلهم بالنسخ إلا في خلافة عمر - ﵃ - فنهاهم عن البيع، فانتهوا. نسأل الله أن يوفقنا لطرق الخير آمين والله أعلم.\n\nخاتمة في حق السيد على عبده وحقه على سيده\n(^٥) فأي عبد أبق أي فر من أسيادة فقد كفر بنعمتهم، وفي رواية فقد برئت منة الذمة أي بريء منه الدين، والمراد الزجر عن عصيان سيده فإنه ذنب كبير.","vol":"2","page":274},{"text":"«مَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَدْلٌ وَلَا صَرْفٌ (^١)» رَوَى مُسْلِمٌ هذِهِ الثَّلَاثَةَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعَبْدُ إِذَا نَصَحَ سَيِّدَهُ وَأَحْسَنَ عَبَادَةَ رَبِّهِ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ (^٢)» رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الصَّالِحِ أَجْرَانِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي لأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ ﵁ قَالَ: مَرَرْنَا بِأَبِي ذَرَ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ وَعَلَى غُلَامِهِ مِثْلُهُ فَقُلْنَا: يَا أَبَا ذَرَ لَوْ جَمَعْتَ بَيْنَهُمَا كَانَتْ حُلَّةً فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ إِخْوَانِي كَلَامٌ وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً فَعَيَّرْتُهُ بِهَا فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَقِيتُهُ فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرَ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ سَبَّ الرِّجَالَ سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمَّهُ. قَالَ: «يَا أَبَا ذَرَ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ. هُمْ إِخْوَانُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِن كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ (^٣)». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ: «إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ فَضَّلَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَمَنْ لَمْ يُلَائِمْكُمْ فَبِيعُوهُ وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ تَعَالَى».\n_________\n(^١) قوله من تولى قومًا أي انتسب إليهم بغير إذن أسياده فعليه اللعنة العظمى ولا يقبل منه عدل ولا صرف أي فرض ولا نفل.\n(^٢) قوله نصح سيده أي أخلص في خدمته، وفي رواية: أيما عبد أدى حق الله وحق مواليه فله أجران. أي أجر على إخلاصه في خدمة سيده وأجر على قيامه بفرائض الله.\n(^٣) الربذة بفتحات مكان على ثلاث مراحل من المدينة فيه قبر أبي ذر - ﵁ -، فالمعرور مر عليه بالربذة فوجد عليه بردا وعلى خادمه مثله فقال له: لو لبست البردين لكانت حلة فإن الحلة عند العرب ثوبان من جنس واحد، فقال أبو ذر: تنازعت مع رجل (قيل إنه بلال) فعيرته بأمه الأعجمية أي قلت له يا ابن السوداء فشكانى للنبي - ﷺ - فقال: إن فيك من أخلاق الجاهلية، فقلت: يا رسول الله من سب الرجال سبوا أبويه، فقال: إن فيك من أخلاق الجاهلية. ثم قال: إن أتباعكم إخوانكم في الدين سخرهم الله لكم فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون وساعدوهم فيما يعملون إن كان يشق عليهم.","vol":"2","page":275},{"text":"عنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: كَانَ آخِرُ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ (^١) اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ فَإِنْ لَمْ يُجْلِسُهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ لقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ أَوْ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلَاجَهُ (^٣)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ (^٤)». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَلِمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ: «مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أَوْ ضَرَبَهُ فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ (^٥)». وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n(^١) أي أقيموها وحافظوا عليها.\n(^٢) أي ارحموا مواليكم وأحسنوا إليهم وكذا افعلوا بالبهائم، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.\n(^٣) أي تولى صنعه بيده، لهذا ينبغى أن تجلسه معك أو تبقي له منه. فإنه من تمام الإحسان إليه وأهنأ لكم، وأما الواجب فإشباعه من أي شيء.\n(^٤) فيحرم ضرب الوجه فإنه أشرف الأعضاء لأنه مجمع المحاسن، وفي رواية: إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته أي على صفته جل شأنه أو على صورة المضروب وهذا رأى الأكثر.\n(^٥) فمن لطم مملوكه على وجهه أو ضربه فكفارة ذلك أن يعتقه. وهذا إذا كان بغير ذنب وإلا فالأدب مطلوب كما تقتضيه الحال. نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى آمين والله أعلم.","vol":"2","page":276},{"text":"<span data-type='title' id=toc-483>كتاب النكاح والطلاق والعدة </span>(^١)\nوفيه عشرة أبواب وخاتمة\n\n<span data-type='title' id=toc-484>الباب الأول: في الترغيب في النكاح </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً﴾ (^٣). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٤).\n_________\nكتاب النكاح والطلاق والعدة وفيه عشرة أبواب وخاتمة\n\n(الباب الأول في الترغيب في النكاح)\n(^١) النكاح هو لغة: الضم والجمع وشرعا: عقد بين الزوجين يحل به الوطء، والنكاح حقيقة في العقد مجاز في الوطء، فكل نكاح في القرآن فمعناه العقد إلا حتى إذا بلغوا النكاح فهو بمعنى الحلم، وقال أبو حنيفة وجماعة: إن النكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد لحديث: تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة. وحديث: لعن الله ناكح يده. وقيل إنه مشترك بين العقد والوطء وهذا أحسن، وحكمة النكاح العمران الكونى بالتناسل، وتكثير الأمة المحمدية، والأولاد الذين هم زهرة الدنيا وزينها، والتعاون بين الأسر المصاهرة والتآلف بها. والتحافظ من الفسق والآفات، والعون على طاعة الله واكتساب الأجر الدائم بالأولاد، وسمة الأرزاق، والابتلاء بالأخلاق، ومزيد الأجر بالصبر على ذلك، والأئتناس والتحاب والتآلف والتمتع بلذة النكاح بين الزوجين. قال تعالى ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾.\n(^٢) أي والترهيب من الرهبانية والاختصاء.\n(^٣) أي تزوجوا بما شئتم من النسوة الخالية من الزواج واحدة أو أكثر إلى أربع، وإن خفتم الجور فاقتصروا على واحدة فهو أهدأ لكم وأسلم لدينكم.\n(^٤) الأيامى جمع أيم وهو من لا زوج له رجلا أو امرأة بكرة أو ثيبًا، وظاهره أن الشخص يجب عليه إنكاح من تحت إمرته، ويجب عليه النكاح بالأولى فهو واجب عينى إذا تيسرت حاله، ومالت نفسه، وخاف الزنا، وعليه بعضهم وقال الجمهور: إن الأمر للندب لقوله تعالى ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ فخير بين النكاح والتسرى ولو كان النكاح واجبا لما خير بينه وبين التسرى وإلا بطلت حقيقة الواجب كما قاله الأصوليون، فالنكاح مندوب عند الجمهور.","vol":"2","page":277},{"text":"وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغْضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (^١).\nرَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدْ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي (^٢)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ؛ الْحَيَاءُ وَالتَّعَطُّرُ وَالسِّوَاكُ وَالنِّكَاحُ (^٣)». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n_________\n(^١) سبب الحديث أن عبد الله كان يمشي بمنى فلقيه عثمان - ﵁ - فوقف يكلمه حتى قال له: ألا نزوجك جارية شابة لعلها تذكرك بعض ما مضى من زمانك فذكر الحديث. والشباب جمع شاب وهو من بلغ ولم يجاوز الثلاثين، والباءة: النكاح ونفقات الزوجية، فمن قدر على هذا فليتزوج، فإنه أحفظ للبصر وللفرج ومن لم يقدر فليصم فإن الصوم له وجاء كبناء أي قاطع لثوران الشهوة كالوجاء الذي هو قطع الخصيتين في قطع الشهوة فهو تشبيه بليغ.\n(^٢) الرهط: جماعة الرجال وهم هنا: عليّ وعبد الله ابن عمرو وعثمان بن مظعون، سألوا عن عبادة النبي - ﷺ - فكأنهم تقالوها أي استقلوها ثم قالوا ما ذكر فرد عليهم النبي - ﷺ - بقوله: إني أخشاكم لله وأتقاكم له وأتوسط في عبادة ربي وأتزوج، وهذه طريقتي الكاملة التي تسهل المداومة عليها، فمن ترهب فليس على طريقتى الكاملة والتوفيق بيده تعالى.\n(^٣) فهذه الأربع من أخلاق الرسل المرضية الشرعية.","vol":"2","page":278},{"text":"وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَالنِّسَائِيِّ وَالْحَاكِمِ (^١) ثَلَاثَةٌ حَقَّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: الْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ، وَالْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (^٢).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ (^٣)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ.\n\n• عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاسٍ ﵁ قَالَ: أَرَادَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ أَنْ يَتَبَتَّلَ فَنَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ أَجَازَ لَهُ ذلِكَ لَاخْتَصَيْنَا (^٤). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّه إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذلِكَ فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذلِكَ فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذلِكَ فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ فَاخْتَصِ عَلَى ذلِكَ أَوْ ذَرْ (^٥)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ (^٦): قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵃: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ بِمَائَةِ امْرَأَةٍ تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ غُلَامًا\n_________\n(^١) والدارقطنى وصححه.\n(^٢) فهذه الثلاثة لما كانت نيتهم صالحة حق على الله فضلا منه أن يحوطهم بإعانته ورعايته.\n(^٣) قوله من الدنيا وفي رواية من دنياكم أي حببنى الله في هذه أكثر من غيرها وهي نعيم في العاجل وقربة في الآجل، أما النساء فلأنهن مصابيح البيوت وعمارها وأنسها ومنبت الأولاد وأنسها وما أعظمها مزية. وأما الطيب فلأنه منعش للنفوس ومفرح للملائكة الكرام، وأما الصلاة ففيها قرة العين وعظيم السرور ولذة المناجاة بين العبد وربه تعالى، وهذه أسعد أحوال الإنسان وأشرفها.\n(^٤) التبتل الانقطاع من الأهل والدنيا والتفرغ للعبادة. والاختصاء قطع الخصيتين فتنقطع شهوة النساء، فعثمان هذا أخو النبي - ﷺ - من الرضاع أراد أن يتبتل فنهاه النبي - ﷺ - فإنه لا رهبانية في الإسلام لحديث: إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة، وقال عبد الله كنا نغزو مع النبي - ﷺ - ليس معنا نساء فقلنا يا رسول الله ألا نستخصى؟ فنهانا عن ذلك أي نهى تحريم لأنه إعدام لنعمة التذكير التي اختص بها الرجل.\n(^٥) العنت بالتحريك أصله المشقة، والمراد هنا الزنا أي إني أخاف الزنا ولا أجد ما أتزوج به فأذن لي أن أختصى فسكت عنى حتى كررت السؤال مرارًا ثم قال: جف القلم بما أنت لاق أي قد كتب ما قدر لك من أمر الدنيا والآخرة فافعل ما تشاء، وليس هذا تخييرًا بل هو تهديد له حيث لم يصبر إلى الميسرة.\n(^٦) وفي رواية عن النبي - ﷺ - قال.","vol":"2","page":279},{"text":"يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: قلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِيَ، فَطَافَ بِهِنَّ وَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلا امْرأَةٌ نِصْفَ إنْسَانٍ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ وَكَانَ أَرْجَى لِحَاجَتِهِ (^١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-485>ما أبيح للنبي ﷺ من النساء </span>(^٢)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ\n_________\n(^١) فكان في شرع سليمان ﵇ جواز النساء من غير حصر، وكان سليمان متزوجًا بمائة امرأة أو كان بعضهن بالتسرى، وقوله بمائة امرأة، وفي رواية أو تسع وتسعين كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله فقال له صاحبه وهو جبريل ﵇ أو آصف بن برخيا: قل إن شاء الله فنسى أن يقولها فطاف بهن وجامعهن وكان فيه قوة على ذلك كما أعطاه الله ملكا عظيما فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة ولدت نصف إنسان، فلو قال إن شاء الله ما حنث في يمينه المذكور جوابه في قوله: لأطوفن الليلة، وكان أرجى لأمله بمجئ الأولاد المجاهدين، ففي ذكر المشيئة تبرك بذكر الله وتوكل عليه وبلوغ للآمال، قال تعالى - ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ولأحمد وابن ماجه: كان النبي - ﷺ - يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهيًا شديدا ويقول: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة، ولابن ماجه:» النكاح من سنتى فمن لم يعمل بسنتى فليس مني، وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ومن كان ذا طول فلينكح» وللبيهقى: تزوجوا فإني مكاثر بكم الأم ولا تكونوا كرهبانية النصارى، وللديلمي: حجوا تستغنوا وسافروا تصحوا وتناكحوا تكثروا فإني أباهى بكم الأمم. وللدارقطني» امرأة ولود أحب إلى الله من امرأة حسناء لا تلد، إني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى. والله أعلم.\n\nما أبيح للنبي - ﷺ - من النساء\n(^٢) أبيح له الزواج أولا من غير حد ثم نهى عنه، أما التسرى فكان مباحا له - ﷺ - كما يشاء. قال الله تعالى ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾.\n(^٣) فكان يطوف عليهن أحيانا في ليلة واحدة ويواقعهن، وكان الله أعطاه قوة على ذلك معجزة له - ﷺ - كما كان سليمان ﵇.","vol":"2","page":280},{"text":"وَعِنْدَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ (^١).\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: مَا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنَ النِّسَاءِ مَا شَاءَ (^٢). رَوَاهُمَا النَّسَائِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-486>الباب الثاني: في الزوجة المحمودة </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ، لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ (^٤)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n_________\n(^١) وهن المذكورات في قول بعضهم:\nعن تسع نسوة وفاة المصطفى … خيرن فاخترن النبي المصطفى\nعائشة وحفصة وسوده … صفية ميمونة ورمله\nهند وزينب كذا جويريه … للمؤمنين أمهات مرضيه\nوتزوج النبي - ﷺ - قبلهن خديجة - ﵂ - وولدت له كل الأولاد إلا إبراهيم ﵇ فإنه من مارية القبطية، ولم يتزوج على خديجة حتى ماتت - ﵂ -، فتزوج بامرأة تسمى زينب أم المساكين وماتت في حياته - ﷺ - وكان تحته سرية وهى مارية القبطية، وأما ريحانة فقيل كانت زوجة وقيل كانت سرية وهو المشهور.\n(^٢) مسارعة في رضاه ثم نهى بما سبق. وحكمة استكثار النبي - ﷺ - من النساء أمور: أحدها كثرة الأعوان والأنصار من الأصهار ليقوى على من يعاديه حتى يبلغ رسالة ربه، وثانيها تشريف القبائل بمصاهرته - ﷺ -، وثالثها كثرة من يشاهد أحواله الباطنة فينتفى عنه ما أشاعه الكفرة من أنه ساحر أو كاهن أو يتعلمه من أعجمى مثلا، ورابعها خرق العادة في كثرة الجماع مع قلة أكله وشربه والعرب تتمدح بقلة الطعام وكثرة الوقاع لدلالته على كمال الرجولية كما يأتى في حديث أم زرع، وخامسها الاطلاع على محاسن أخلاقه الباطنة فقد تزوج - ﷺ - أم حبيبة بنت أبي سفيان وهو من ألد أعداء النبي - ﷺ - حينذاك لأنه كان كافرا بل رأس الكفار وكذا تزوج صفية بعد قتل أبيها وعمها وزوجها فلو لم يكن أكمل الخلق في أخلاقه لنفرن منه، بل كان عندهن أحب الناس كلهم. وسادسها زيادة التكليف حيث كلف ألا يشغله ما حبب إليه منهن عن كمال التبليغ، وسابعها نقل الأحكام الشرعية التي لا يطلع عليها الرجال لأن أكثر ما يقع مع الزوجة من شأنه أن يخفى اهـ من الفتح باختصار. نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى آمين آمين آمين.\n\n(الباب الثاني في الزوجة المحمودة)\n(^٣) أي التي يرغب الناس فيها والتي تحمد شرعا.\n(^٤) الحسب بالتحريك هو الشرف بالآباء والأقارب كاشتهارهم بالكرم أو الشجاعة أو النجدة والمروءة، ويطلق على المال لحديث: الحسب المال =","vol":"2","page":281},{"text":"وَلِلنَّسَائِيِّ وَمُسْلِمٍ: «إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ متَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ (^١)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ صَالِحُو نِسَاءِ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ (^٢)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: تَزَوَّجْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا تَزَوَّجْتَ؟» فَقُلْتُ: ثَيِّبًا، فَقَالَ: «مَالَكَ وَلِلْعَذَارَى وَلِعَابِهَا» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ مَاتَ وَتَرَكَ سَبْعَ بَنَاتٍ أَوْ تِسْعًا فَجِئْتُ بِمَنْ يَقُومُ عَلَيْهِنَّ، قَالَ فَدَعَا لِي (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِيًا وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا وَشَجَرَةٌ لَمْ يُؤْكَلُ مِنْهَا فِي أَيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ؟ قَالَ: فِي الَّتِي لَمْ يُرْتَعَ مِنْهَا، تَعْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَتَزوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ جَمَالٍ وَحَسَبٍ وَإِنَّهَا لَا تَلِدُ أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟ قَالَ: «لَا»،\n_________\n= والكرم التقوى، فالمرأة يرغب فيها عادة لمالها أو لجمالها أو لحسبها، ولكن الشرع يقول اظفر أي ابحث عن ذات الدين وفز بها، تربت يداك أي افتقرت إن لم تطلب ذات الدين، فهي السعادة.\n(^١) الدنيا متاع، أي شيء يتمتع به وما له الزوال قال تعالى ﴿وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع﴾ وخير شيء في الدنيا المرأة الصالحة المدينة الرشيدة فإنها من سعادة الرجل، وسيأتي وصفها في حديث أي النساء خير.\n(^٢) أحناه من الحنو والشفقة، وأرعاه من الرعاية والحفظ. فنساء العرب خير من نساء العجم، وأفضل نساء العرب الصالحات من قريش لشدة شفقتهن على الولد ولشدة حرصهن على مال الزوج.\n(^٣) فلما علم النبي - ﷺ - بأن جابر تزوج ثيبا قال له مالك وللعذارى ولعابها أي الأبكار وملاعبتها، وفي رواية. هلا جارية تلاعبها وتلاعبك، وفي رواية: ولعابها بضم اللام وهو الريق إشارة إلى مص اللسان ورشف الشفة الذي يحصل عند الملاعبة أحيانًا، فأجابه جابر بأن عبد الله أي أباه مات وترك له سبع أو تسع بنات، فلهذا تزوج جابر بامرأة ثيب تقوم بأمر البيت وتربية أخواته فدعا له النبي - ﷺ - لأنه آثر مصلحة أخواته على حظ نفسه.\n(^٤) في أيها كنت ترتع بعيرك أي تتركه للأكل منها قال في التي لم يؤكل منها، فمرادها أن الرغبة في البكر أكثر، أي فهي أحظى من غيرها لأن النبي - ﷺ - لم يتزوج بكرا غيرها، وهذا غالبا، وإلا فربما كانت الثيب أحسن من وجوه.","vol":"2","page":282},{"text":"ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَنَهَاهُ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكمُ الأُمَمَ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\nوَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا، ولَا مَالِهَا بِمَا يَكَرَهُ (^٢)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣).\nوَلِلشَّيْخَيْنِ وَالتِّرْمِذِيِّ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّساءِ (^٤)».\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَمْنَعُ يَدَ لَامِسٍ، قَالَ: «غَرِّبْهَا»، قَالَ: أَخَافُ أَنْ تَتْبَعَهَا نَفْسِي، قَالَ: «فَاسْتمْتِعْ بِهَا (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-487>الزوج المحمود </span>(^٧)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (^٨).\n\n• عَنْ سَهْلٍ ﵁ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «مَا تَقُولُونَ فِي هذَا؟» قَالوا:\n_________\n(^١) الودود التي تحب زوجها والولود التي تلد كثيرا، ويعرف ذلك بأمها وأقاربها، فإن الغالب اتحاد الطباع، فالنبى - ﷺ - نهى عن زواج المقيم وأمر بالولود لتكثير الأمة المحمدية.\n(^٢) فالمرأة التي تطيع زوجها في نفسها ومالها وتسره إذا نظر لها لنظافتها وبهجتها وابتسامها خير النساء لا شك، إلا إذا طلب منها محرما فإنه لا طاعة في معصية، وستأتي حقوق الزوجية إن شاء الله.\n(^٣) بسند صحيح.\n(^٤) ففتنة المرأة أعظم من أي فتنة، لهذا يجب اختيار المرأة الصالحة للتزوج بها.\n(^٥) لا تمنع يد لامس أي يريد الزنا بها أو يريد أخذ مال زوجها، قال غربها أي طلقها، فالزوج شكا فجورها أو إسرافها فأمره النبي - ﷺ - بطلاقها فأخبره أنه يحبها فأمره بإمساكها مع التحفظ عليها خوفا من الزنا بها إذا طلقها.\n(^٦) بسند صحيح، وفقه ما تقدم أنه ينبغي التزوج بالبكر الولود الودود ذات الدين فإنها مجمع المحاسن، ولابن ماجه والبزار والبيهقى: لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا زوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمة سوداء ذات دين أفضل. نسأل الله التوفيق والله أعلم.\n\nالزوج المحمود\n(^٧) أي الذي يحمده الشرع وينبغى تزويجه.\n(^٨) أي لا أغناكم، ولا أعلمكم، ولا أعلاكم حسبًا=","vol":"2","page":283},{"text":"حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ، ثُمَّ سَكَتَ فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: «مَا تَقُولُونَ فِي هذَا؟» قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَلا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَلا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ: أَلا يُسْتَمَعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هذَا (^١)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي حَاتِمٍ الْمُزْنِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ. إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟ قَالَ: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (^٢)». رَوَاهُ الترْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-488>ينبغي النظر إلى المخطوبة </span>(^٣)\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ إِذَا رَجُلٌ يَحْمِلُكِ فِي سَرَقَةِ حَرِيرٍ» فَيَقُولُ: هذِهِ امْرَأَتكَ، فَأَكْشِفُهَا فَإِذَا هِيَ أَنْتِ، فَأَقُولُ: إِنْ يَكُنْ هذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ (^٤). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا»؟\n_________\n(^١) قوله حرى - كوصى - أي حقيق، فالأول لغناه قوله مسموع وطلبه مجاب، والثاني وهو جعيل بن سراقة لفقره لا يسمع قوله ولا يجاب طلبه، فقال - ﷺ - هذا الفقير الصالح عند الله أفضل من ملء الأرض من هذا الغنى.\n(^٢) أبو حاتم المزنى صحابى ليس له إلا هذا الحديث، قالوا يا رسول الله وإن كان فيه أي فقر وخسة أصل، قال إذا جاءكم الرجل الصالح فزوجوه وكررها ثلاثا، فليس التفضيل بالمال إنما هو بصالح الأعمال. قال تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ نسأل الله التوفيق. والله أعلم.\n\nينبغي النظر إلى من يريد زواجها\n(^٣) أي يستحب النظر إلى وجهها وكفيها ليكون على علم بها.\n(^٤) الرجل هو جبريل ﵇، والسرقة بالتحريك قطعة حرير، فقبل زواجه - ﷺ - بعائشة جاءه جبريل في النوم مرتين بصورتها في قطعة حرير وقال هذه امرأتك، فيقول يا رب إن كانت هذه صورة زوجة لي فعجل بها.","vol":"2","page":284},{"text":"قَالَ: لَا، قَالَ: «فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّ في أَعْيُنِ الأَنْصَارِ شَيْئًا (^١)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنِ الْمُغِيرَةِ ﵁ أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا (^٣)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ (^٤)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-489>الكفاءة </span>(^٥)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) قوله تزوج امرأة أنصارية أي شرع في زواجها فأمره بالنظر إليها فإن في أعين الأنصار صغرًا أو زرقة، ففيه جواز ذكر مثل هذه الأوصاف للنصيحة.\n(^٢) بقية الحديث: فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجها، فيفهم منه أن الأمر بالنظر ليس للوجوب بل للندب فقط.\n(^٣) أي انظر إليها فإنه أدعى إلى دوام المحبة بينكما، أي إن صادف الوفاق وإلا ابتعدا، ففي هذه النصوص طلب النظر إلى المخطوبة، والمطلوب النظر إلى وجهها وكفيها فقط ولو أكثر من مرة فإن حسنهما يدل على حسن بقية الجسم، وللزوجة أن تنظر من الرجل ذلك أيضا، ومن لم يمكنه النظر بنفسه فليرسل من تنظرها وتصفها له لأن النبي - ﷺ - بعث أم سليم لتنظر له امرأة يريد زواجها.\n(^٤) النهي للتحريم لما فيه من أذى المسلم وهو حرام. والخطبة بالكسر في خطبة النكاح دون غيرها، فيحرم التكلم في زواج امرأة خطبها غيره إلا إذا أذن له أو تركها. والله أعلى وأعلم.\n\nالكفاءة\n(^٥) هي المساواة بين الزوجين في الدين، وهذه باتفاق إلا في زواج المسلم الكتابية.\n(^٦) فيحرم على المسلم أن يتزوج بالمشركة إلا إذا أسلمت ولأمة مؤمنة خير منها كما يحرم عليه أن =","vol":"2","page":285},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ أَبَا هِنْدٍ حَجَمَ النَّبِيِّ ﷺ في الْيَافُوخِ فَقَالَ ﷺ: «يَا بَنِي بَيَاضَةَ أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ وَانْكِحُوا إِلَيْهِ» (^١) وَقَالَ: «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَدَاوَوْنَ بِهِ خَيْرٌ فَالْحِجَامَةُ» (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ (^٣).\nقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا\n_________\n=يزوج موليته لمشرك بل العبد المؤمن خير منه، أما الكتابية للمسلم نكاحها لقوله تعالى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وليس للكتابي أن يتزوج بالمسلمة لما سبق في الفرائض: الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.\n(^١) أبو هند هو يسار وكان مولى لبنى بياضة وكان حجامًا، ولما حجم النبي - ﷺ - في اليافوخ - ملتقى مقدم عظم الرأس بمؤخره - قال لأسياده أنكحوا أبا هند أي زوجوه منكم إن طلب وانكحوا إليه أي تزوجوا من بناته إذا شئتم ولا تبتعدوا عنه لأنه مولاكم وصناعته الحجامة.\n(^٢) ستأتي الحجامة في الطب إن شاء الله.\n(^٣) وحسنه الحافظ في التلخيص، وسيأتي في الخاتمة قول النبي - ﷺ - لفاطمة بنت قيس القرشية: أنكحي أسامة بن زيد مولى النبي - ﷺ -، وللدارقطني كانت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال بن رباح، فهاتان قرشيتان والأولى تحت مولى والثانية تحت عتيق، فهذه النصوص السابقة تفيد أن الكفاءة في الدين فقط فهو المعتبر في المساواة بين الزوجين دون شيء سواه، وروي عن بعض الصحب والتابعين والإمام مالك، ولهم أيضا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وما تقدم في الزوج المحمود: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، ولكن الجمهور على أن الكفاءة أكثر من الدين فقط لحديث عليّ السابق في الصلاة القائل: يا على لا تؤخر الأيم إذا وجدت لها كفؤا. ولحديث جابر: لا يزوج النساء إلا الأولياء ولا يزوَّجن من غير الأكفاء. فالكفارة عند الجمهور فضلا عن الدين معتبرة بأمور وهي: السلامة من عيوب النكاح التي توجب الفسخ، والحرية والنسب والصناعة، وزاد الشافعي العفة فليس فاسق كفؤا لصالحة، وزاد أبو حنيفة اليسار لحديث أحمد والنسائى والحاكم: إن حسب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه المال. أما الدين فللنصوص السابقة، وأما السلامة من العيوب فلأنها إذا أوجبت فسخ النكاح بعد انعقاده فأولى أن نمنعه قبله، وأما الحرية فلتخيير النبي - ﷺ - السابق في العتق لبريرة لما عتقت، وأما النسب فلأن العرب أشرف من العجم وقريش أشرف العرب وأشرف قريش بنو هاشم وبنو المطلب، وقال أبو حنيفة: قريش كلهم أكفاء لبعضهم، وأما الصناعة فلأنه ليس الكنّاس كفؤا لبنت الخياط، وليس الخياط كفؤا لبنت التاجر، والموظف كالتاجر، وليس التاجر كفؤا لبنت العالم، والحاكم كالعالم، ولكن العلم أعلى الصناعات كلها لقوله تعالى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ولحديث. العلماء ورثة الأنبياء: أي فأهل العلم مع بعضهم في طبقة واحدة وهم أكفاء لأعلى الطبقات، قال الشافعي - ﵁ -: ليس نكاح غير الأكفاء حراما يرد به =","vol":"2","page":286},{"text":"وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهِي بِنْتُ تِسْعٍ وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَزَادَ مُسْلِمٌ: وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ بِنْتُ ثَمَان عَشْرَةَ سَنَةً. وَفِي رِوَايَةٍ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي شَوَّالٍ وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَحْظَى عنْدَهُ مِنِّي؟ وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا في شَوَّالِ (^٢).\n\n• عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ فَاطِمَةَ ﵂ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّهَا صَغِيرَةٌ فَخَطَبَهَا عَلِيٌّ ﵁ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ (^٣). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-490>يجوز العرض على أهل الفضل </span>(^٤)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ مِنْ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ (^٥) فَقَالَ عُمَرُ: عَرَضْتُ حَفْصَةَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ لَقِيَنِي فَقَالَ: قَدَ بَدَا لِي أَلا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هذَا (^٦). فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ\n_________\n=النكاح وإنما هو تقصير بالمرأة والأولياء، فإذا رضوا بعدم الكفء صح العقد وكان حقا لهم تركوه، ولو لم تعلم الزوجة أو أكرهت على غير كفئها فلها فسخ النكاح إن شاءت لحديث أحمد والنسائى الصحيح: جاءت فتاة للنبي - ﷺ - فقالت: إن أبى زوجني ابن أخيه ليرفع بى خسيسته فجعل الأمر لها فقالت: قد أجزت ما صنع أبى ولكن أردت أن أعلم النساء أن الآباء ليس لهم من الأمر شيء.\n(^١) فكان سنها حين العقد عليها ست سنين ولكنها أدخلت عليه بعد سنتين وسنه - ﷺ - خمس وخمسون سنة ومكثت عنده تسعا ومات عنها - ﷺ - فكان سنها ثمان عشرة سنة.\n(^٢) فكانت عائشة تحب أن تدخل نساءها في شوال لأن النبي - ﷺ - عقد عليها في شوال وبني بها فيه أي دخل عليها فيه، وسمى بناء لأن عادة العرب إنشاء بناء جديد العروس.\n(^٣) أي أعطاها له لقربهما في السن بخلاف الشيخين، وفيه وما قبله أن الكفاءة في السن لا تجب ولكن ينبغي مراعاتها فإنها من دواعي الألفة والدوام. والله أعلم.\n\nيجوز العرض على أهل الفضل\n(^٤) أي من ولي المرأة أو من المرأة ذاتها.\n(^٥) تأيمت أي صارت أيما بوفاة زوجها خنيس وكان بدريًا.\n(^٦) أي الآن فالمراد باليوم مطلق الزمن.","vol":"2","page":287},{"text":"الصِّدِّيقَ فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ زَوَّجْتُكَ حَفْصَةَ فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ وَكُنْتُ أَوْجَدَ عَلَيْهِ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ (^١) فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ فَلَمْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ شَيْئًا (^٢) قَالَ عُمَرُ: قُلْتُ نَعَمْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنعْنِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ عَلَيَّ إِلا أَنِّي كُنْتُ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ ذَكَرَهَا فَلَمْ أَكُنْ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ تَرَكَهَا قَبِلْتُهَا (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ تَعْرِضُ نَفْسَهَا عَلَيْهِ فَخَفَّضَ فِيهَا النَّظَرَ وَرَفَعَهُ (^٤). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ أَنَسٌ: إِنَّ امْرَأَةً عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَي النَّبِيِّ ﷺ فَضَحِكَتِ ابْنَةُ أَنَسٍ فَقَالَتْ: مَا كَانَ أَقَلَّ حَيَاءَهَا، فَقَالَ أَنَسٌ: هِيَ خَيْرٌ مِنْكِ عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (^٥). نَسْأَلُ اللَّهَ السَّتْرَ وَالتَّوْفِيق وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-491>الباب الثالث: في المحرمات </span>(^٦)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم\n_________\n(^١) أي غضبت منه أكثر من غضبي على عثمان لقوة المودة بينهما.\n(^٢) أي غضبت مني حيث لم أجبك في طلبك.\n(^٣) فيه أن الكلام في الزواج من الأسرار التي ينبغى كتمانها فربما لا يتم فتحوم حول تلك المرأة إشاعات فاسدة.\n(^٤) فيه جواز النظر إلى من تعرض نفسها.\n(^٥) قوله ما كان أقل، كان زائدة أي ما أقل حياءها، وفيه وما قبله أنه يجوز للرجل أن يعرض بنته مثلا على الرجل الصالح، وكذا للمرأة عرض نفسها عليه للزواج، ولا عار ولا لوم فيه شرعًا ولا عرقًا، وينبغى لمن عرض عليه ذلك أن بكتمه حفظًا لكرامة الناس. والله أعلم.\n\n(الباب الثالث في المحرمات)\n(^٦) أي بيان النسوة التي يحرم نكاحهن ولا يصح شرعًا.","vol":"2","page":288},{"text":"مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (^١) ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ﴾ (^٢) ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (^٣) ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ (^٤) ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (^٥). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (^٦). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ (^٧).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ (^٨)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَرُغِّبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي نِكَاحِ بِنْتِ عَمِّهِ حَمْزَةَ فَقَالَ: «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي. إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّحِمِ (^٩)». رَوَاهُ الشيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا (^١٠)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ انْكِحْ أُخْتِي\n_________\n(^١) سيأتي من تحرم بالرضاع.\n(^٢) فبمجرد العقد على الزوجة تحرم أمها.\n(^٣) الربائب جمع ربيبة وهي بنت الزوجة التي دخلت عليها، فإن لم تدخل عليها وطلقها حلت لك بنتها.\n(^٤) الحلائل جمع حليلة وهي هنا زوجة الابن.\n(^٥) أي وحرم عليكم الجمع بين الأختين ولو لأم، ولكن ما سبق من بعض هذه الأنكحة لا ذنب عليكم فيه.\n(^٦) أي وحرم عليكم المحصنات أي المتزوجات إلا ما ملكتموهن من السبى ولهن أزواج كفار فهن حلال بعد الاستبراء الآتى، وقوله كتاب الله عليكم أي كتب الله ذلك وأوجبه عليكم.\n(^٧) فزوجة الأب وإن علا تحرم على الابن وإن سفل إلا ما تقدم في الجاهلية فلا لوم عليه.\n(^٨) أي يحرم بسبب الرضاع عدد كالعدد الذي يحرم من النسب وهن. الأم والبنت والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت من الرضاع، والتحريم النسب والرضاع مؤبد، وأما بالمصاهرة كأخت الزوجة وعمتها وخالتها فلا، وزوجة الأب وإن علا وزوجة الابن وإن سفل من المؤبدات.\n(^٩) أي القرابة. فالنبى - ﷺ - وعمه حمزة رضعا من ثدى واحد. فلذا لم يتزوج بنته لأنها بنت أخيه من الرضاع.\n(^١٠) فالجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها حرام، ونكاح السابقة هو الصحيح واللاحقة باطل، ولكن له أن يطلق الواحدة ويأخذ الأخرى وإن وقع عقدها في كلمة واحدة لم يصح.","vol":"2","page":289},{"text":"بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: «وَتُحِبِّينَ»؟ قُلْتُ: نَعَمْ لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ ذلِكَ لَا يَحِلُّ لِي (^١)» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَة. قَالَ: «بِنْتُ أَمِّ سَلَمَة»؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي. إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ (^٢) أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ (^٣)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ ابْنَتِهَا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَلْيَنْكِحِ ابْنتَهَا. وَأَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ أُمِّهَا (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٥) وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-492>فصل: في الرضاع </span>(^٦)\n\n• عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ أَوِ الرَّضْعَتَانِ أَوِ الْمَصَّةُ أَوِ الْمَصَّتَانِ (^٧)».\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَت: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ\n_________\n(^١) لست لك بمخلية: أي منفردة بك. قال إنها لا تحل لي لأنه يكون جمعا بين الأختين.\n(^٢) فدرة بنت أم سلمة تحرم من جهتين. من جهة أنها ربيبة النبي - ﷺ - أي بنت زوجته أم سلمة، ومن جهة أخرى أنها بنت أخيه من الرضاع.\n(^٣) فبنات الزوجات وأخواتهن حرام.\n(^٤) فبالعقد على البنات تحرم الأمهات ولا تحرم البنات إلا بالدخول على الأمهات، وحكمة الأولى اضطرار الزوج وأم زوجته إلى التشاور في أمر البنت وما يلزمها في الزفاف.\n(^٥) بسند ضعيف. ولكن الآية الأولى تؤيده. والجمهور عليه. والله أعلى وأعلم.\n\nفصل في الرضاع\n(^٦) أي الذي تثبت المحرمية به.\n(^٧) وفي رواية: سئل النبي - ﷺ - أتحرم المصة؟ قال لا. وأو الثانية للشك وغيرها للتنويع، والرضعة والمصة بمعنى وهى المرة الواحدة من رضع الصبى، وفي رواية: لا تحرم الإملاجة والإملاجتان، فالرضع والمص فعل الصبى والإرضاع والإملاج فعل المرضع.","vol":"2","page":290},{"text":"مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمَنْ. ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ. فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ (^١). رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدِي رَجُلٌ قَاعِدٌ فَاشْتَدَّ ذلِكَ عَلَيْهِ وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ. فَقَالَ: «انْظُرْنَ إِخْوَتَكُنَّ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ (^٢)». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ ﵁: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءٌ فَقَالتْ: أَرْضَعْتُكُمَا. فَأَتَيْتُ النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ وَقُلْتُ: إِنَّ الْمَرَأَةَ كَاذِبَةٌ فَأَعْرَضَ، فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ وَقُلْتُ: إِنَّهَا كَاذِبَةٌ. قَالَ: «كَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْكُمَا؟» دَعْهَا عَنْكَ (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄\n_________\n(^١) قولها ثم نسخن أي تلاوة وحكما، وقولها وهن فيما يقرأ أي عند بعض الناس الذي لم يبلغه نسخهن تلاوة، فإنه قبل وفاته - ﷺ - بقليل. وبقى حكمهن كآية الرجم، ومعلومات أي لا شك فيهن، فلابد من التحقق من خمس رضعات في خمسة مجالس، وعليه بعض الصحب والتابعين والليث بن سعد والشافعى، وقال الجمهور إن الرضاع قليلًا أو كثيرة يحرم لعموم ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾.\n(^٢) قولها رأيت الغضب في وجهه أي من الغيرة حينما رأى الرجل، وقوله انظرن من إخوتكن من الرضاعة أي تأملن وتفكرن فيمن ثبت رضاعه الشرعى. فإنما الرضاعة من المجاعة أي ما كانت في مدة الرضاع. لحديث أبي داود:» لا رضاع إلا ما شد العظم وأنبت اللحم» ولحديث الترمذى والدارقطنى:» لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الحولين» ففي هذه النصوص أن الرضاع الذي يحرم ما كان في الحولين، ولقوله تعالى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ وعليه الجمهور، وقال بعضهم: إن الرضاع الذي يحرم ما كان في مدة الرضع قلّت أو كثرت. لحديث الترمذى الصحيح» لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام» في الثدى أي بسبب رضاعه، وما ورد في الشيخين من قوله - ﷺ - لامرأة أبي حذيفة: أرضعيه تحرمى عليه. أي سالما مولاهم - وكان كبيرا - فهو خاص بها كما أخبرت بذلك أمهات المؤمنين إلا عائشة - ﵅ -.\n(^٣) أي اتركها فقد تبين عدم صحة النكاح بهذه الشهادة، ففيه قبول شهادة المرأة الواحدة في الرضاع وعليه بعض الصحب والتابعين وأحمد وإسحاق، وقال الجمهور: لا تقبل شهادتها وحدها والنبي - ﷺ - أمره بتركها للشبهة إحتياطًا وورعًا وليس حكما عليه بفراقها لأنه لم تقع الشهادة من أربع نسوة وإلا وجب الفراق.","vol":"2","page":291},{"text":"• عَنِ امْرَأَتَيْنِ فِي عِصْمَةِ رَجُلٍ أَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا جَارِيَةً والأُخْرَى غُلَامًا أَتَحِلُّ الْجَارِيَةُ لِلْغُلَامِ؟ فَقَالَ: لَا إِنَّ اللِّفَاحَ وَاحِدٌ (^١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-493>الباب الرابع: في الاستئذان وأركان النكاح</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذنَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: «أَنْ تَسْكُتَ» (^٢). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بَنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا (^٣)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إِذْنُهَا وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا (^٤)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٥).\n\n• عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِدَامٍ الأَنْصَارِيَّةِ ﵂ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذلِكَ فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَدَّ نِكاحَهُ (^٦). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n_________\n(^١) أي لقاحهما من رجل واحد فكأن الجارية والغلام رضعا من امرأة واحدة وعليه أحمد وإسحاق قاله الترمذي والله أعلم.\n\n(الباب الرابع في الاستئذان وأركان النكاح)\n(^٢) الأيم: الثيب، والاستئمار والاستئذان واحد إلا أنه يكفى في البكر سكوتها لشدة حيائها بخلاف الثيب فلابد من إذنها بالقول.\n(^٣) قوله الثيب أحق بنفسها من وليها أي أولى منه بالإذن في نكاحها كما قاله الجمهور أو بالعقد على نفسها كما قاله الشعبى والزهرى والحنفية، فكل ثيب بلغت، صح عقدها على نفسها، والولى من تمام العقد فقط عند هؤلاء، وقوله في البكر: وإذنها سكوتها أي جبرا لخاطرها، وكذا تستحب مشاورة الأمهات لحديث أبي داود» آمروا النساء في بناتهن» أي تطييبا لنفوسهن.\n(^٤) أي لا إجبار عليها ولكن لا تزوج اليتيمة إلا بعد بلوغها وإذنها ولو بالسكوت مراعاة لمصلحتها وعليه الجمهور، وقال أحمد وإسحاق: إذا بلغت تسع سنين وزوجت برضاها فلا خيار لها إذا بلغت لقول عائشة: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة.\n(^٥) بسند حسن.\n(^٦) قوله فكرهت ذلك أي الزواج، فرد النبي - ﷺ - النكاح أي أبطله، وفيه أنه لابد في إنكاح الثيب البالغ من رضاها وإذنها وإلا فلا يصح وعليه الجمهور والأئمة الأربعة، وأما الثيب غير البالغ فللأب إجبارها وعليه مالك وأبو حنيفة، وعند الشافعي حتى تبلغ وتأذن.","vol":"2","page":292},{"text":"وَجَاءَتْ جَارِيَةٌ بِكْرٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ (^١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢) وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٤).\nوَعَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا نِكَاحَ إِلا بِوَلِيَ (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦) وَأَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ. وَلَفْظُهُمَا: «لَا نِكَاحَ إِلا بِوَلِيَ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ (^٧)».\n_________\n(^١) أي بين بقاء النكاح وفسخه لكراهتها له، ففيه أن إنكاح البكر مع الإكراه يقع صحيحا صغيرة كانت أو كبيرة وعليه الأئمة إلا الحنفية فقالوا في الكبيرة: لا يصح إنتاجها مع الإكراه.\n(^٢) ورواه ابن ماجه وابن أبي شيبة بسند موثق. إلى هذا الشق الأول من الترجمة وما يأتى في أركان النكاح وهي الولى والشاهدان والزوجان والصيغة.\n(^٣) فكل امرأة تزوجت بغير إذن أوليائها فنكاحها باطل وإذا دخل بها فعليه لها مهر المثل بالوقاع ولا سبيل له عليها البطلان نكاحه، فإذا تنازع أولياؤها أو امتنعوا من زواجها للكفء فوليها السلطان أي الحاكم.\n(^٤) بسند حسن.\n(^٥) أي لا نكاح صحيح إلا بولى ذكر حر مكلف لحديث ابن ماجه والدارقطنى على شرط الشيخين لا تزوج المرأةُ المرأةَ ولا تزوج المرأة نفسها. فلا بد منه في صحة النكاح عند الجمهور سلفًا وخلفًا لهذه النصوص ولقوله تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وقوله ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ وقوله ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ وقال الحنفية لا يشترط الولى مطلقا بل لها أن توكل غيره ولها أن تزوج نفسها للحديث السابق» الثيب أحق بنفسها» وفي لفظ لمسلم» البنت أحق بنفسها» وقالوا لا نكاح إلا بولى أي كامل وقال الجمهور: الثيب أحق أي بالإذن فقط والولى في النكاح هو الأب وإن علا والابن وإن سفل إلى آخر عصبة الميراث السابقة بشرط الحرية والتكليف وليس ذوو الأرحام منهم عند الجمهور.\n(^٦) بسند حسن.\n(^٧) ومنه حديث الترمذى: البغايا اللائى ينكحن أنفسهن بغير بينة. فكل نكاح بغير شاهدى عدل باطل. ويكفى مسلمان مستوران وعلى هذا الجمهور، وقال أحمد وإسحاق: تجوز شهادة رجل وامرأتين في النكاح لقوله تعالى ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان من ترضون من الشهداء﴾.","vol":"2","page":293},{"text":"• عَنْ سَمُرةَ ﵁ قَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ فَهِيَ لِلأَوَّلِ مِنْهُمَا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ بَيْعًا مِنْ رَجُلَيْنِ فَهُوَ لِلأَوَّلِ مِنْهُمَا (^١). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢).\n\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَحَقَّ الشَّرْطِ أَنْ يُوفَى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ (^٣)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-494>خطبة النكاح</span>\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُطْبَةَ الْحَاجَةِ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ (^٤): الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًَا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ (^٥) ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ (^٦) ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي\n_________\n(^١) فمن باع شيئا لشخصين فالبيع للأول فقط، ولو زوج الإخوان أختهما لرجلين كل رجل فالزواج الأول هو الصحيح فإن وقع العقدان مما أو جهل الحال بطلا.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) وفي رواية: إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج، فأحق الشروط بالوفاء شروط النكاح أي فما اشترطه الزوجان أو أحدهما عند العقد يجب تنفيذه مطلقا، وعليه بعض الصحب وأحمد وإسحاق فلو شرطوا عليه ألا يخرجها من بلدها وجب عليه ذلك عندهم وقال الجمهور: لا يجب لأنها تابعة للرجل فالمراد من الحديث الشروط التي لا تنافى مقتضى النكاح حسن العشرة والإنفاق والكسوة ونحوها، وأما ما يخالف مقتضاه كعدم السفر بها وعدم القسمة لضرتها فلا يجب لحديث» كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» ولو كان الشرط في مقابلة البضع كأن تزوجها على ألا يتزوج عليها بطل الشرط ووجب مهر المثل نسأل الله الستر والتوفيق آمين.\n\nخطبة النكاح\n(^٤) أي الخطبة التي تقال قبل التكلم في أي موضوع هام لتحصل بركتها فيرجى نجاحه لحديث» كل كلام لا يبدأ فيه بذكر الله فهو أبتر». والنكاح من أهم الأمور، فالخطبة قبله مستحبة.\n(^٥) زاد في رواية أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئًا.\n(^٦) أي داوموا على الإسلام حتى تموتوا عليه.","vol":"2","page":294},{"text":"تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (^١) ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢).\n\n• عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ: خَطَبْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أُمَامَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَنْكَحَنِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَشَهَّدَ (^٣). رَوَاهُ أَبُو داوُدَ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيِخِهِ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-495>فصل: في الصداق </span>(^٥)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآتُواْ النِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ﵁ سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا، قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ فَتِلْكَ خَمْسُمَائَةِ دِرْهْمٍ (^٧). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n_________\n(^١) الأرحام بالنصب عطفًا على لفظ الجلالة أي اتقوا الله واحذروا قطع الأرحام.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) فرجل من بني سليم قيل هو عباد بن شيبان خطب من النبي - ﷺ - عمته أمامة فزوجه بها ولم يذكر خطبة قبل النكاح فهي سنة فقط، ولكن ما أعظمها سنة بدونها لا يكمل الشئ.\n(^٤) أي التي بها داء الجذام والمراد كل شيء لا يبدأ فيه بذكر الله فهو ناقص وقليل البركة، فينبغى أن يبدأ الخطيب خطبته بحمد الله والاستغفار والشهادتين والوصية بتقوى الله تعالى ثم يتكلم بما أراد فذلك مظنة التوفيق والنجاح إن شاء الله تعالى والله أعلى وأعلم.\n\nفصل في الصداق\n(^٥) أي ما ورد في الصداق وهو ما يعطيه الزوج لامرأته في مقابلة انتفاعه ببعضعها، وربما كان الصداق عملا، وذكره في صلب العقد مستحب فقط كما يأتى.\n(^٦) صدقاتهن جمع صدقة، نحلة أي عطية عن طيب نفس، فإن سمحت أنفسهن لكم عن شيء منه فهو لكم هنئ مرئ.\n(^٧) فالنش نصف أوقية بعشرين درهما والأوقية أربعون درهما فالثنتى عشرة ونصف بخمسمائة درهم وتقدم هذا في الزكاة.","vol":"2","page":295},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ (^١) فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ: «فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ (^٢)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْش فَمَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ فَزَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَمْهَرَهَا عَنْهُ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَبَعَثَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ (^٤) ﵁ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: أَلَا لَا تُغَالُوا بِصَدَاقِ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ كَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ، مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أُصْدِقَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشَرَةَ أُوقِيَّةً. رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٥).\nوَتَزَوَّجَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ عَلَى نَعْلَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَرضيتِ نَفْسِكِ وَمَالِكِ بِنَعْلَيْنِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ\n_________\n(^١) من طيب فيه زعفران كانوا يستعملونه للعروس.\n(^٢) المرأة هي بنت ابن رافع بن امرئ القيس أمهرها وزن نواة من ذهب قيمتها خمسة دراهم أو ربع دينار فدعا له وأمره بالوليمة وستأتى إن شاء الله.\n(^٣) فأم حبيبة بنت أبي سفيان واسمها رملة أو هند كانت زوجة لعبيد الله، فمات بعد أن تنصر وثبتت أم حبيبة على الإسلام، وكانا في جماعة من المهاجرين بأرض الحبشة، وكان ملكها وهو النجاشى مسلمًا حينذاك، فلما علم هذا النبي - ﷺ - أرسل عمرو بن أمية الضمرى للنجاشى ليكون وكيلا عنه في زواج أم حبيبة وفي المهاجرين خالد بن سعيد ابن عم أبى سفيان، فكان وليًا لأم حبيبة في زواجها بالنبي - ﷺ - والنجاشى كان وكيلا عنه - ﷺ - ثم أمر النجاشى بصب الصداق بين يدي خالد أمام القوم وكان الصداق أربعة آلاف درهم أو مائتى دينار وقيل أربعمائة دينار، وخطب النجاشى وخطب خالد بعده وحصل الإيجاب والقبول بحضور من كان هنالك من المسلمين وأكلوا الوليمة بعد ذلك وجهزها النجاشي ﵀ ورضي عنه وأرسلها مع شرحبيل للنبي - ﷺ - (نص الخطبتين في شرح أبي داود).\n(^٤) أبو العجفاء اسمه هرم ابن نسيب وثقه يحيى، وقوله أكثر من ثنتى عشر أوقية لا ينافى مهر أم حبيبة فإنه الذي دفعه النجاشى.\n(^٥) بسند صحيح.","vol":"2","page":296},{"text":"فَأَجَازَهُ (^١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: «أَتَرْضى أَنْ أُزَوِّجَكَ فُلَانَةَ»؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «ت رضينَ أَنْ أُزَوِّجَكَ فُلَانًا؟» قَالَتْ: نَعَمْ فَزَوَّجَ أَحَدَهُمَا صَاحِبَهُ (^٢) فَدَخَلَ بِهَا وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يُعْطِهَا شَيْئًا وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ وَكَانَ مَنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ لَهُ سَهْمٌ بِخَيْبَرَ. فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ زَوَّجَنِي فُلَانَةَ وَلَمْ أَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ أُعْطِهَا شَيْئًا وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أَعْطَيْتُهَا مِنْ صَدَاقِهَا سَهْمِي بِخَيْبَرَ. فَأَخَذَتْ سَهْمًا فَبَاعَتْهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ ﵄ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَعْطِهَا شَيْئًا». قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ قَالَ: «أَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ»؟ قَالَ: هِيَ عِنْدِي قَالَ: «فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ (^٥)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n(^١) فلما اتفقت مع زوجها على أن مهرها نعلان أجازه النبي - ﷺ - فالمدار على ما اتفق عليه الزوجان ولو قليلا لهذا وللحديث الآتى» التمس ولو خاتمًا من حديد» ولحديث أبي داود» من أعطى في صداق امرأة ملء كفيه سويقًا أو تمرة فقد استحل، وله: أيضا» خير النكاح أيسره»، وعلى هذا الجمهور سلفًا وخلفًا، وقال مالك: أقله ربع دينار، وقالت الحنفية: أقله عشرة دراهم لأنه قدر ما تقطع فيه يد السارق يجامع أن كلا منهما فيه إتلاف عضو، ولا حد لأكثر الصداق لقوله تعالى ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ ولكن يستحب ألا يزيد على اثنتى عشرة أوقية كمهر نساء النبي - ﷺ - ولا ينقص عن عشرة دراهم مراعاة لمذهب الحنفية وقدرها بالنقود المصرية سبعة وعشرون قرشا صاغًا بالتقريب.\n(^٢) أي تولى النبي - ﷺ - طرفي العقد بنفسه كقوله: زوجت فلانة لفلان. وهذا جاز للنبي - ﷺ - فإنه ولى المؤمنين. قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.\n(^٣) قوله من صداقها أي بدل صداقها سهمي بخيبر فباعته بمائة ألف درهم، وفيه أنه لا يجب في صحة النكاح ذكر الصداق ولكن يستحب لعدم النزاع وليطمئن الزوجان كما يستحب إعطاؤها شيئا منه قبل الدخول تكريما لها ولأهلها.\n(^٤) بسند صالح.\n(^٥) الحطمية بضم ففتح نسبة لحطم بن محارب أبي بطن من عبد القيس اشتهروا بصنع الدروع أو لأنها كانت تحطم السيوف، ففيه أن للزوجة الامتناع حتى تأخذ كل الصداق أو بعضه، وتزوج عليّ - ﵁ - السيدة فاطمة - ﵂ - في السنة الثانية من الهجرة في رمضان ودخل بها في ذي الحجة وولدت له الحسن والحسين وزينب ورقية وأم كلثوم، وماتت بالمدينة بعده - ﷺ - بستة شهور أو بثمانين يوما والله أعلم.","vol":"2","page":297},{"text":"<span data-type='title' id=toc-496>قد يكون الصداق عملًا </span>(^١)\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ لِأَهَبَ لَكَ نَفْسِي (^٢) فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ (^٣) فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ»؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا» فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا. قَالَ: «انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» فَذَهَبَ ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ (^٤) وَلكِنْ هذا إِزَارِي فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ». فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ ثُمَّ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: «مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ»؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّدَهَا (^٥) قَالَ: «أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ»؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: «اذْهَبِ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ».\nوَفِي رِوَايَةٍ: «زَوَّجْتُكَهَا\n_________\nقد يكون الصداق عملا\n(^١) أي يعمله الزوج لامرأته كتعليمها شيئا من القرآن كما في الحديث الأول وكعتقها من الرق كما في الحديث الثاني.\n(^٢) تتزوجني بلا مهر، وهذا خاص به - ﷺ - قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n(^٣) صعد النظر إليها وصوبه أي رفعه وخفضه ثم طأطأ رأسه أي أطرق وسكت.\n(^٤) قوله انظر ولو خاتما أي ولو كان الذي تجده خاتما من حديد، فأصدقها إياه فإنه جائز. فذهب ثم عاد فقال: لا والله ولا خاتما، أي ولا وجدت خاتما من حديد.\n(^٥) قيل هي البقرة وآل عمران كان يحفظهما على قلبه.","vol":"2","page":298},{"text":"بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَنَس ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: عَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ فَذلِكَ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ (^٣). وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ جَارِيَةٌ وَضِيئَة فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا يَبْتَغِي بِذلِكَ وَجْهَ اللَّهِ فَذَلِكَ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ وَرَجُلٌ آمَنَ بِالْكِتَابِ الأَوَّلِ ثُمَّ جَاءَ الْكِتَابُ الْآخِرُ فَآمَنَ بِهِ فَذَلِكَ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ (^٤)». رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ (^٥). وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-497>يجب الصداق بالوفاة أو بالدخول </span>(^٦)\nسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ فَقَالَ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ (^٧)\n_________\n(^١) الباء للعوض أي زوجتك إياها بمهر هو تعليمها ما معك من القرآن، وفي رواية: علمها عشرين آية وهي امرأتك، وفي أخرى: أزوجك إياها على أن تعلمها خمس سور من القرآن، قال الحافظ ولعل القضية تعددت ومنه قال الشافعي: يجوز النكاح على تعليم شيء من القرآن وقال أحمد: يجوز مع الكراهة وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز.\n(^٢) صفية هذه: بنت حيى سيد قومه، وجاءت في سهم دحية فأعطاها للنبي - ﷺ - وأخذ بدلها فلم يشأ أن يطأها يملك اليمين بل أعتقها وتزوجها إكراما لها ولحسبها.\n(^٣) وضيئة أي جميلة فأدبها وأعتقها وتزوجها فلهذا كان أجره مضاعفًا.\n(^٤) لإيمانه بالكتاب الأول وهو التوراة أو الإنجيل وبالكتاب الآخر وهو القرآن لما جاء به سيدنا محمد - ﷺ -.\n(^٥) ولكن اللفظ فيهما للترمذى - ﵁ - والله أعلم.\n\nيثبت الصداق بالوفاة أو بالدخول\n(^٦) فإذا سمى في العقد صداقا وجب بالتسمية، وإن لم يذكر في العقد ومات أحد الزوجين أو دخل بها وجب لها مهر المثل.\n(^٧) لم يفرض لها صداقًا، أي لم يعين لها شيئًا، ومثل صداق نسائها كأمها وعمتها وخالتها وأختها، والوكس: النقص والشطط - بالتحريك - الزيادة، فمن مات عنها زوجها قبل الدخول ولم يذكر لها صداقًا في العقد فعليها عدة وفاة ولها الميراث ومهر مثلها. وعليه بعض الصحب والتابعين وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق، وقال علي وابن عمر وابن عباس ومالك والليث والشافعى: عليها العدة ولها الميراث فقط، وأما المهر فلا لأنه يجب بالوطء ولم يقع.","vol":"2","page":299},{"text":"فَقَامَ مَعْقِلْ بْنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِيُّ فَقَالَ: قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ مِثْلَ الَّذِي قَضَيْتَ فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ. رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١).\n\n• عَنْ بَصْرَةَ بْنِ أَكْثَمَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ للِنَّبِيِّ ﷺ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً بِكْرًا فِي سِتْرِهَا فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا فَإِذَا هِيَ حُبْلَى فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا وَالْوَلَدُ عَبْدٌ لَكَ (^٢) فَإِذَا وَلَدَتْ فَاجْلِدْها أَوْ فَاجْلِدُوهَا أَوْ فَحُدُّوهَا». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣). نَسْأَلُ اللَّهَ السَّتْرَ وَالتَّوْفِيقَ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-498>الجهاز </span>(^٤)\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: جَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاطِمَةَ فِي خَمِيلٍ وَقِرْبَةٍ وَوِسَادَةٍ حَشْوُهَا إِذْخِرٌ (^٥). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (^٦). نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n(^١) بسند صحيح.\n(^٢) فحكم لها بالصداق بسبب الوطء أي الذي سمى أو مهر المثل إن لم يسم لها شيء لأنه إذا وجب بنكاح الشبهة فأولى بالنكاح الصحيح. وقوله والولد عبد لك أي تعاهده بالتربية والإحسان إليه فيكون لك كالعبد، فبالإحسان يستعبد الإنسان وإلا فولد الزنا من الحرة حر ومنسوب لأمه، وزاد في رواية: وفرق بينهما، وهو حجة للثورى وأحمد وإسحاق في قولهم: إن الحمل من الزنا يمنع عقد النكاح، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يمنع لأنه لا قيمة له ولكنه مكروه ولا عدة عليها عند الشافعي. والله أعلم.\n(^٣) بسند صالح.\n\nالجهاز\n(^٤) الجهاز - بالفتح -: ما يعد للميت وللمسافر وللعروس، والكسر لغة رديئة، قال عمر بن عبد العزيز - ﵁ -:\nتجهزى بجهاز تبلغين به … يا نفس قبل الردى لم تخلقى عبثا\nوالمراد به هنا ما تعده الزوجة وأهلها لتستصحبه إلى بيت زوجها كأثاث ونحوه.\n(^٥) الخميل - ككريم - هي القطيفة وهي كل ثوب له خمل ووبر من أي شيء. والإذخر: نبت معروف عندهم طيب الريح تحشى به الوسائد، فانظر يا أخي ما جهزه النبي - ﷺ - لابنته فاطمة سيدة نساء العالمين وهو كساء يلتحفون به ووسادة يضعون رءوسهم عليها وقربة للماء، فأين هذا مما يصنعه المسلمون الآن من الترف والتوسعة في الجهاز إلى حد يؤدي إلى الخراب - نسأل الله السلامة - مع أن المطلوب ما تدعو الحاجة إليه وما تعوده خيار الناس من أمثاله يسارًا ومقامًا لإدخال السرور على الزوج وآله وعونًا للزوجين على استقبال حياة جديدة.\n(^٦) بسند صحيح. نسأل الله العون والتوفيق والله أعلم.","vol":"2","page":300},{"text":"<span data-type='title' id=toc-499>علان النكاح واللهو فيه </span>(^١)\n• عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ ﵄ قَالَتْ: جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ هذَا فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ إِذْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَالَ: دَعِي هذِهِ وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا زَفَّتِ امْرَأَةً إِلى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ نَبِيُّ ﷺ: يَا عَائِشَةُ مَا كَانَ مَعَكُمْ لَهْوٌ فإِنَّ الأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمُ اللَّهْوُ (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَرَامِ وَالْحَلَالِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ (^٤)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ\n_________\nإعلان النكاح واللهو فيه\n(^١) أي إظهاره مطلوب بما جرت به عادتهم في الأفراح زيادة في السرور، وفرقا بينه وبين نكاح السر كما يأتي.\n(^٢) فالنبى - ﷺ - دخل على الربيع في صبيحة عرسها فجلس على الفراش، وكانت تزوجت بإياس بن البكير الليثى فشرعت الجويريات يضربن بالدف ويندبن من استشهدوا يوم بدر من آل العروس بذكر محاسنهم كالكرم والشجاعة، وكان أبوها معوذ وعماها عوف ومعاذ قتلوا في بدر إلى أن قالت من تغنى: وفينا نبى يعلم الغيب، فنهاها عن ذلك وأمرها أن تعود إلى ذكر الشهداء، ففيه أن صوت النساء ليس بعورة، وعليه جماعة والشافعى: إذا أمنت الفتنة وكان من وراء حجاب.\n(^٣) فكانت عند عائشة امرأة اسمها الفارعة بنت أسعد يتيمة تليها أو قريبة لها، فلما بلغت زوجها لنبيط ابن جار الأنصار. وسارت معها في زفافها إلى بيت زوجها، فلما عادت قال لها - ﷺ -: ما كان معكم هو فإنه يعجب الأنصار. وهذا استفهام، وفي رواية: فهل بعثتم جارية تضرب بالدف وتغنى؟ قالت: ماذا تقول يا رسول الله؟ قال تقول:\nأتيناكم أتيناكم * فحيانا وحياكم * ولولا الذهب الأحمر * ما حلت بواديكم * ولولا الحنطة السمراء * ما سمنت عذاريكم.\nوفي رواية: أتيناكم أتيناكم * فحيونا نحييكم.\n(^٤) أي الأمر الفاصل بين النكاح الحرام والحلال الضرب بالدف وصوت الغناء أي فهما مطلوبان في النكاح المشروع.","vol":"2","page":301},{"text":"وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ (^١)». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.\n\n• عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى قُرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ فِي عُرْسٍ وَإِذَا جَوَارٍ بُغَنِّينَ فَقُلْتُ: أَنْتُمَا صَاحِبَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمِنْ أَهْلِ بَدْرٍ يُفْعَلُ هذَا عِنْدَكُمْ؟ فَقَالَا: اجْلِسْ إِنْ شِئْتَ فَاسْمَعْ مَعَنَا وَإِنْ شِئْتَ فَاذْهَبْ قَدْ رُخِّصَ لَنَا فِي اللَّهْوِ عِنْدَ الْعُرْسِ (^٢). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-500>الدعاء للعروسين </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَفَّأَ الْإِنْسَانَ إِذَا تَزَوَّجَ قَالَ: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ (^٤)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٥).\n\n• عَنِ الْحَسَنِ ﵁ قَالَ: تَزَوَّجَ عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ امْرَأَةً مِنْ بَنِي جُشَمٍ فَقِيلَ لَهُ: بِالرِّفَاءِ وَالْبَنِينِ، قَالَ: قُولُوا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ وَبَارَكَ لَكمْ (^٦)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.\n_________\n(^١) فهذا أمر بإعلان النكاح والضرب بالدف والأمر بجعله في المساجد ليكون خاليا من المحرمات فإن المساجد ليست لهذه بل يجتمعون في المسجد على نحو قرآن أو ذكر إعلانًا بالزواج.\n(^٢) في هذا قول الأصحاب: رخص لنا في اللهو في العرس وحضورهم في مجلس اللهو وسماعهم له وردهم على من أنكر عليهم، وفيها قبلة الأمر بالدف والغناء بل الإرشاد إلى كلميات تقال، وفي الحديث الأول سماع النبي - ﷺ - للدف والغناء، فهذه الأحاديث تفيد أن اللهو في الأفراح جائز بما جرت به عادتهم بشرط ألا يشتمل على محرم كشرب خمر واختلاط بنساء، وللصوفية ﵏ هنا كلام فارجع إليه إن شئت في كتبهم، نسأل الله أن ينور بصائرنا وأن يوفقنا للعمل بسنته - ﷺ - والله أعلم.\n\nالدعاء للعروسين\n(^٣) أي مطلوب، وهي التهنئة بالدعاء للزوجين بدوام المودة والأولاد والبركة والخير، والعروسين تثنية عروس وهو الزوج والزوجة ما داما في إعراسهما.\n(^٤) قوله إذا رفأ الإنسان بتشديد الفاء أي هنأه بزواجه دعا له بما ذكر.\n(^٥) بسند صحيح.\n(^٦) كره عقيل قولهم بالرفاء والبنين لأنه من عاداتهم القديمة ولم يقله النبي - ﷺ - ومعنى بالرفاء والبنين أي أدعو لك بالاتفاق والتحاب والأولاد.","vol":"2","page":302},{"text":"• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَأَتَتْنِي أُمِّي فَأَدْخَلَتْنِي الدَّارَ فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي الْبَيْتِ فَقُلْنَ عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْأَدَبِ.\nوَلأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ: إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً أَوِ اشْتَرَى خَادِمًا فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ وَإِذَا اشْتَرَى بَعِيرًا فَلْيَأْخُذْ بذِرْوَةِ سَنَامِهِ وَلْيَقُلْ مِثْلَ ذلِكَ (^٢). وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-501>الباب الخامس: في الوليمة </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُواْ﴾ (^٤)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَ دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا» (^٥).\n_________\n(^١) أم السيدة عائشة اسمها أم رومان بنت عامر بن عبد شمس ولما زفت عائشة إلى بيت النبي ﷺ وجدت في البيت نسوة منهن أسماء بنت يزيد بن السكن فقلن على خير طائر أي قدمت على أسعد حظ ونصيب وعلى الخير والبركة، وللإمام أن أمها أجلستها في حجر النبي - ﷺ - وقالت: هؤلاء أهلك يا رسول الله بارك الله لك فيهم.\n(^٢) قوله وخير ما جبلتها عليه أي من حسن الأخلاق، وقوله في الثاني ما جبلتها عليه أي من سوء الأخلاق. نسأل الله السلامة والله أعلم.\n\n(الباب الخامس في الوليمة)\n(^٣) أي في معناها وفي أنواعها وفي حكمها عند الأئمة وفي وقتها، والوليمة: طعام يدعى إليه الناس لحادث سرور كزواج وختان وعقيقة وحفظ قرآن ونحوها.\n(^٤) أي انصرفوا إلا لداع إلى البقاء كسماع.\n(^٥) هذا أمر وظاهره كالنصوص الآتية وجوب الإجابة إلى الوليمة مطلقا وعليه جمهور الصحب والتابعين وبعض الفقهاء. ولكن المشهور بين الفقهاء الفرق بين ولمية العرس وغيرها، فالإمام مالك وجمهور الشافعية والحنابلة على أن الإجابة لوليمة العرس فرض عين، وقال بعض الشافعية والحنابلة: إنها فرض كفاية، وقال بعض منهما: إنها مستحبة، وأما غير وليمة العرس فلا تجب الإجابة لها إلا عند بعض الشافعية، وجمهور الحنفية على أن الإجابة للوليمة مطلقًا مندوبة، فمن قالوا بوجوب الإجابة حملوا الأمر في الأحاديث على الوجوب، ومن قالوا بالندب حملوه على الندب المؤكد.","vol":"2","page":303},{"text":"رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَلِلْبُخَارِيِّ: «فَكُّوا الْعَانِيَ وَأَجِيبُوا الدَّاعِيَ وَعُودُوا الْمَرْضى» (^١).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا (^٢) وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصى اللَّهَ وَرَسُولُهُ».\nوَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَليمَةِ يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ. وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ (^٣). رَوَاهُمَا الثَّلَاثَةُ.\nوَلأَبِي دَاوُدَ: مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِقًا وَخَرَجَ مُغِيرًا (^٤).\nوَجَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ إِلى غُلَامٍ لَهُ لَحَّامٍ فَقَالَ: اصْنَعْ لِي طَعَامًا يَكْفِي خَمْسَةً فَإِنِّي رَأَيْتُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجُوعَ، فَصَنَعَ طَعَامًا ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَدَعَاهُ وَجُلَسَاءَهُ الَّذِينَ مَعَهُ، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ اتَّبَعَهُمْ رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ حِينَ دُعُوا، فَلَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْبَابِ قَالَ لِصَاحِبِ الْمَنْزِلِ: «إِنَّهُ اتَّبَعَنَا رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ مَعَنَا حِينَ دَعَوْتَنَا فَإِنْ أَذِنْتَ لَهُ دَخَلَ» قَالَ: قَقَدْ أَذِنَّا لَهُ فَلْيَدْخُلْ (^٥). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والشَّيْخَانِ (^٦).\nوَلأَصْحَابِ السُّنَنِ (^٧): طَعَامُ أَوَّلِ يَوْمٍ حَقٌّ وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّالِثِ سُمْعَةٌ (^٨) وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ.\n_________\n(^١) قوله: فكوا العاني أي الأسير أي خلصوه.\n(^٢) من يأتيها أي من الفقراء، ويدعى من يأباها أي من الأغنياء، فالوليمة التي بهذه المثابة شر الولائم.\n(^٣) هذا يفيد وجوب الإجابة فإن العصيان لا يأتي إلا من ترك واجب.\n(^٤) قوله دخل سارقًا أي كالسارق الذي يدخل مختفيا، وخرج مغيرًا أي كالذي أغار أي نهب وخرج ظاهرا.\n(^٥) قوله لحام أي يبيع اللحم، وفيه تصريح بإجابة النبي - ﷺ - للدعوة في غير النكاح.\n(^٦) ولكن الترمذي هنا والشيخان في الطعام والشراب.\n(^٧) بسند صالح.\n(^٨) طعام أول يوم حق أي لازم وواجب إجابته أو سنة مؤكدة، وطعام يوم الثاني سنة أي صنعه وإجابته، وطعام الثالث سمعة أي يسمع به الناس فخرًا ورياء وتكره إجابته، ففيه جواز الوليمة يومين لداع كعدم مكان يسع الناس.","vol":"2","page":304},{"text":"وَلِأَبِي دَاوُدَ وَأَحَمَدَ (^١): إِذَا اجْتَمَعَ الدَّاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا فَإِنَّ أَقْرَبَهُمَا بَابًا أَقْرَبُهُمَا جُوَارًا وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ (^٢). وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-502>في وليمة العرس </span>(^٣)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ (^٤)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّهُ دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي عُرْسِهِ وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ يَوْمَئِذٍ خَادِمَتَهُمْ وَهِيَ الْعَرُوسُ فَلَمَّا أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَقتْهُ نَقِيعَ تَمْرٍ كَانَتْ نَقَعَتْهُ مِنَ اللَّيْلِ (^٥). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي الأَشْرِبَةِ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثلَاثًا يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيَ فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَةٍ، فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ، أَمَرَ بِالأَنْطَاعِ فَأُلْقِيَ فِيهَا مِنَ التَّمْرِ وَالأَقِطِ وَالسَّمْنِ فَكَانَتْ وَلِيمَتَهُ (^٦). فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ؟ فَقَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ\n_________\n(^١) بسند صالح.\n(^٢) فإن دعاك اثنان وسبق أحدهما فأجبه وإن جاءا في وقت واحد فأجب أقربهما نسبا وإلا فأقربهما بابا فإن حقه آكد من البعيد فإن استويا في القرب فأجب أفضلهما في العلم والدين، فإن استويا في الفضل فأقرع بينهما، نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى والله أعلم.\n\nفي وليمة العرس\n(^٣) أي ما ورد في خصوصها وما سبق كان في مطلق الوليمة.\n(^٤) أمر بالإجابة إلى وليمة العرس وذهب إليها - ﷺ - في عرس أبي أسيد الآتي وصنعها في بنائه بصفية وزينب ﵄، وقوله عرسًا أو نحوه من كلام الراوي على رأي بعضهم.\n(^٥) فأبو أسيد دعا رسول الله - ﷺ - عنده في صباح عرسه فحضر عنده وأكل ثم سقته الغروس شراب تمر كانت نقعته من الليل.\n(^٦) الأنطاع جمع نطع بالفتح والكسر وكعنب: بساط من جلد يوضع عليه الطعام. والأقط: اللبن الجامد، فالنبي - ﷺ - لما غزا قريظة والنضير وسبي النساء والذرية جاء في سهم دحية صفية بنت حيي سيد قريظة فلما عرفها جاء بها للنبي - ﷺ - فأعطاها له وأخذ بدلها، فأقام النبي - ﷺ - ثلاث ليال في الطريق لما دخل عليها وأولم بالتمر والأقط والسمن.","vol":"2","page":305},{"text":"وَإِلا فَمِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّى لَهَا خَلْفَهُ وَمَدَّ الْحِجَابَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيِّ ﷺ أَوْلَمَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ، أَوْ لَمَ بِشَاةٍ (^٢). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ أُبيُّ بْنُ كَعْبٍ ﵁ يَسْأَلُنِي عَنِ الْحِجَابِ وَكُنْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِهِ، أَصْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالْمَدِينَةِ فَدَعَا النَّاسَ للِطَّعَامِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ فَجَلَسَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رِجَالٌ بَعْدَمَا قَامَ الْقَوْمُ حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَشى وَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ مَكَانَهُمْ (^٣) فَرَجَعَ فَرَجَعْتُ الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ حُجْرَةَ عَائِشَةَ فَرَجَعَ فَرَجَعْتُ فَإِذَا هُمْ قَدْ قَامُوا فَضَرَبَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ بِالسِّتْرِ وَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ (^٤) - ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُواْ\n_________\n(^١) فاختلف الناس في صفية هل سيطؤها بملك اليمين أو سيجعلها زوجة بعد عتقها فتكون من أمهات المؤمنين، فلما ارتحل النبي - ﷺ - أركبها خلفه وسترها عنهم فعلموا أنه أعتقها فتزوجها كما تقدم في الصداق فكانت من أمهات المؤمنين.\n(^٢) أولم بشاة وأكثر من الطعام ودعوة الناس كما في الحديث بعده.\n(^٣) هؤلاء الرجال الذين جلسوا يتحدثون وأطالوا الجلوس عددهم خمسة أو سبعة.\n(^٤) فلما تركهم النبي ﷺ مرتين وعاد وجدهم قاموا فضرب الستر بينه وبين أنس أي أنزله لزول آية الحجاب، وفي رواية فسمعته يقرأ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ - (أي لا ترقبوا الطعام فتدخلوا وقت الأكل بغير إذن) ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا أكلتم فاخرجوا ولا تجلسوا تتحدثون فإن هذا يؤذي النبي ﷺ ويستحي أن يأمركم بالخروج ولكن الله لا يستحيي من قول الحق، وإذا سألتموهن أي الزوجات الطاهرات متاعا أي شيئًا فاسألوهن من وراء حجاب، فصريح الحديث أن الوليمة كانت صباح ليلة الدخول فيكون وقتها بعد الدخول وعليه الجمهور، وقال جماعة: عند الدخول وقال آخرون: عند العقد، والظاهر أن وقتها موسع من العقد إلى الدخول، ففي أي وقت عملت كفي؛ لأنها نوع من إعلان النكاح ومن أنواع البر والإكرام والله أعلم.","vol":"2","page":306},{"text":"وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-503>وليمة العودة من السفر </span>(^١)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ نَحَرَ جَزُورًا أَوْ بَقَرَةً (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْجِهَادِ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-504>لا إجابة إذا كان هناك منكر </span>(^٣)\nكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: إِنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ طَعَامِ الْمُتَبَارِيَيْنَ أَنْ يُؤْكَلَ (^٤).\nوَأَضافَ رَجُلٌ عَلِيًّا ﵁ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَتْ فَاطِمَةُ ﵂: لَوْ دَعَوْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَكَلَ مَعَنَا؟ فَدَعَوْهُ فَجَاءَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى عِضَادَتِي الْبَابِ فَرَأَى الْقِرَامَ قَدْ ضُرِبَ بِهِ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ فَرَجَعَ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: الْحَقْهُ فَانْظُرْ مَا أَرْجَعَهُ، فَتَبِعْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَدَّكَ؟ فَقَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ لِي أَوْ لِنَبِيَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتًا مُزَوَّقًا (^٥)».\n_________\nوليمة العودة من السفر\n(^١) وتسمى دعوة النقيعة من النقع وهو الغبار لكثرته على المسافر.\n(^٢) الجزور: البعير ذكرًا أو أنثى، وقوله أو بقرة شك، ففيه جواز الوليمة عند القدوم من السفر فرحًا بقدوم الغائب وشكرًا لله على عودته سالما. نسأل الله التوفيق آمين والله أعلم.\n\nلا إجابة إذا كان هناك منكر\n(^٣) فإذا كان في محل الوليمة شيء ينكره الشارع سقطت الإجابة.\n(^٤) قوله أن يؤكل بدل من طعام، والمتباريان المتفاخران، من باراه في فعله إذا فعل أحسن منه وفاخره به، وإذا كان الشيء افتخارًا كان للشيطان فلا ينبغي حضوره.\n(^٥) العضادتان: الخشبتان القائمتان في جنبي الباب، والقرام ككتاب: ستر رقيق فيه رقوم ونقوش، فرجل أهدى لعلى في بيته طعاما فدعا رسول الله - ﷺ - فحضر فنظر سترًا منقوشًا على حيطان البيت فلم يدخل ورجع فتبعه على وسأله فقال: لا ينبغي لنبي أن يدخل بيتًا مزينًا، فإن الزينة من عادة أهل الدنيا والترف والتنعم الذي لا يليق بالزهاد وأكابر أهل الفضل.","vol":"2","page":307},{"text":"رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^١). وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-505>فصل: في آداب الوقاع </span>(^٢)\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلُهُ قَالَ بَاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا (^٣)».\nرَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّيَ فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لَا يُفَارِقُكُمْ إِلا عِنْدَ الْغَائِطِ وَحِينَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى أَهْلِهِ فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ (^٤)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الأَدَبِ (^٥).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: إِذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ فَنَزَلَتْ ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^٦). رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n_________\n(^١) بسندين صالحين، ففيه أن وجود المنكر في محل الدعوة مانع من الإجابة فإن قدر على إزالته بدون أذى يناله وجب عليه الذهاب وإزالته وإلا فلا يذهب، لاسيما إذا كان يقتدى به، فإنه شين للدين وأهله، قال في الفتح: وشرط وجوب الإجابة إلى وليمة العرس أن يكون الداعي مكلفًا مسلمًا رشيدًا وألا يخص الأغنياء، وأن يكون في اليوم الأول، وأن لا يكون هناك منكر أو ما يتأذى به، وألا يكون عنده عذر. نسأل الله أن يوفقنا وأن يهدينا سواء السبيل والله أعلم.\n\nآداب الوقاع\n(^٢) هي التعوذ من الشيطان. والتسمية قبل الجماع، والستر، واجتناب الدبر ووقت الحيض، وعدم العزل، وعدم التكلم وقت الجماع، واللطف بالمرأة والتأني عليها حتى تقضي حاجتها إذا سبقها في الإنزال والملاعبة التي تقتضيها الحال لدوام المودة بينهما.\n(^٣) الكلام حال الواقع ممنوع إلا لضرورة أو بما يختص بالوقاع، فمن أراد الوقاع فقال ما ذكر في الحديث لم يشاركه الشيطان، ولو جاء ولد من هذا الوطء فإن الشيطان لا ينويه كثيرا أو يكون محفوظًا منه كمن قيل فيهم ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ والأفضل أن تسمى الزوجة أيضا وإن كانت سنة كفاية.\n(^٤) إن معكم خلقا يعقل لا يفارقكم إلا عند قضاء الحاجة وعند الوقاع، وهم الكتبة والحفظة فاستحيوا منهم بالتباعد عن القبيح والتعرى إلا لضرورة وأكرموهم بفعل الجميل والتعطر فإنه يسرهم.\n(^٥) بسند ضعيف ولكنه للترهيب.\n(^٦) فاليهود كانت تقول إذا جامع الرجل امرأته في قبلها من خلف جاء الولد أحول أي في عينيه =","vol":"2","page":308},{"text":"وَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ (^١): مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا (^٢).\n\n• عَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ ﵁ قَالَ: أَتَى أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ مِنَّا يَكُونُ فِي الْفَلَاةِ فَتكُونَ مِنْهُ الرُّوَيْحَةُ وَيَكُونُ فِي الْمَاءِ قِلَّةٌ، فَقَالَ ﷺ: «إِذَا فَسَا أَحَدُكمْ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ» (^٣).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً فِي الدُّبُرِ (^٤)». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٥) وَأَحْمَدُ.\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ بَاطِلٌ إِلا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ وَمُلَاعَبَتهُ أَهْلَهُ فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقّ (^٦)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٧) وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةٍ بِالْمُصْطَلِقِ فَسَبَيْنَا كَرَائِمَ الْعَرَبِ فَطَالَتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ وَرَغِبْنَا فِي الْفِدَاءِ فَأَرَدْنَا أَنْ نَسْتَمْتِعَ وَنَعْزِلَ فَقُلْنَا نَفْعَلُ\n_________\n= حول، فنزلت ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ أي على أي حال شئتم من أمامها أو خلفها قاعدة أو قائمة أو نائمة ما دام الوطء في القبل فلا يضركم شيئًا، ولأحمد والترمذي: أقبل وأدبر واتقوا الدبر والحيضة.\n(^١) بسند صالح.\n(^٢) وفي رواية: ملعون من أتى امرأته في دبرها أي مطرود عن رحمة الله، وهذا لا يأتي إلا من حرام، فالوطء في الدبر حرام.\n(^٣) فالأعرابي سأل النبي - ﷺ - عن خروج الريح القليل من الدبر عند قلة الماء فأجابه بأن خروج الريح ناقض للوضوء مطلقا وزاده النهي عن الوطء في الدبر، وعلى بن طلق ليس له إلا هذا الحديث.\n(^٤) لا ينظر الله إلى من يطأ في الدبر أي نظر رحمة بل نظر مقت وغضب، وللإمام أحمد إن الإتيان في الدبر هو اللوطية الصغرى، فهذه الأحاديث تفيد أن وطء الزوجة في دبرها حرام لما فيه من التنجيس والإضرار بالرجل والمرأة وقطع النسل الذي عليه العمران الكوني.\n(^٥) بسندين حسنين.\n(^٦) قوله إلا رميه بقوسه وهي المناضلة بالسهام تمرينًا على الجهاد، وقوله وتأديبه فرسه أي تمرينًا على الكر والفر استعدادًا للجهاد عليها، وقوله وملاعبته أهله أي مداعبة الزوجة فإنها من الملاطفة المطلوبة مع الأهل، ولابن سعد كان النبي ﷺ إذا اجتلى النساء أقعى وقبّل. اجتلى النساء أي كشفهن لإرادة الجماع، وأقعى أي جلس على ألييه وقبلهن، فمعانقة الزوجة وتقبيلها والقبض على نهودها ونحو ذلك كله مطلوب ومرغب فيه لدوام المحبة التي عليها نظام الزوجية.\n(^٧) في فضل الجهاد وصححه.","vol":"2","page":309},{"text":"وَرُسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَنَا لَا نَسْأَلُهُ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: «لَا عَلَيْكُمْ أَلا تَفْعَلُوا، مَا كَتَبَ اللَّهُ خَلْقَ نَسَمَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلا سَتَكُونُ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جَارِيَةً وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ وَأُرِيدُ مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ، وَإِنَّ الْيَهُودَ تُحَدِّثُ أَنَّ الْعَزْلَ مَوْؤُودَةُ الصُّغْرَى. فَقَالَ: «كَذَبَتْ يَهُودُ، لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ (^٢)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣).\nوَلِمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي جَارِيَةً وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا فَقَالَ ﵊: «إِنَّ ذلِكَ لَنْ يَمْنَعَ شَيْئًا أَرَادَهُ اللَّهُ»، فَجَاءَ الرَّجُلُ (^٤) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْجَارِيَةَ قَدْ حَمَلَتْ. فَقَالَ ﵊: «أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ (^٥)».\nوَقَالَ جَابِرٌ ﵁: كُنَّا نَعْزلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَلَغَهُ ذلِكَ فَلَمْ يَنْهَنَا (^٦). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيّ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَشَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ\n_________\n(^١) فالراوي يقول. غزونا مع النبي - ﷺ - غزوة بالمصطلق بكسر لامه قبيلة خزاعية من العرب وسبينا كرائمهم، أي حسان نسائهم وطالت علينا العزبة (البعد عن النساء) ورغبنا في بيع السبايا لثمنهن فأردنا أن نطأهن ونعزل، أي ننزل خارج الفرج خوفا من الحمل الذي يمنع بيعهن، فإن أم الولد لا تباع، فسألنا النبي - ﷺ - عن العزل فقال: لا عليك ألا تفعلوا أي لا ضرر عليكم في ترك العزل فإن القدر لا بد منه، وفي الحديث. جواز الرق على العرب. وعليه الجمهور ومالك والشافعي وقال غيرهم: لا يجوز لشرفهم.\n(^٢) الوأد: دفن البنت حية، وكانت العرب تفعله خوفا من العار أو الفقر، فنهاهم الشرع عنه، فاليهود كانت تزعم أن العزل موءودة الصغرى أي النفس الصغرى أي وأنه يمنع الحمل فقال - ﷺ -: كذبوا. أي في زعمهم أنه يمنع الحمل فإن الله لو أراده لكان، وليس تكذيبهم في تسميته وأدًا، فلمسلم وأحمد أن النبي - ﷺ - سئل عن العزل فقال: ذلك الوأد الخفي.\n(^٣) بسند صحيح.\n(^٤) أي بعد مدة فقال: إنها حملت.\n(^٥) قوله فقال ﵊ أي لما سمع من الرجل أن الجارية حملت: أنا عبد الله ورسوله. أي الصادق في قولى: إن العزل لا يمنع الحمل.\n(^٦) ففي هذا جواز العزل مطلقًا وعليه بعض الصحب والتابعين والشافعي لأنه يقول لا حق للزوجة في الوطء، والنهي في الأحاديث الأول للتنزيه، وقال بعض العلماء: إنه حرام مطلقا لتلك الأحاديث. فالنهي فيها للتحريم ولأن المرأة تتأذى به، ولأن الجماع من حقها ولها المطالبة به كما لها =","vol":"2","page":310},{"text":"مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا (^١)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ.\nوَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ (^٢): إِنَّمَا مَثَلُ ذلِكَ مَثَلُ شَيْطَانَةٍ لَقِيَتْ شَيْطَانًا فِي السِّكَّةِ فَقَضى مِنْهَا حَاجَتَهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-506>يجوز وطء الحامل والمرضع </span>(^٤)\n• عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّةِ ﵂ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذلِكَ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ (^٥)».\nوَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَعْزِلُ عَنِ امْرَأَتِي فَقَالَ: «لِمَ؟» قَالَ: أُشْفِقُ عَلَى وَلَدِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ كَانَ ذلِكَ ضَارًّا ضَرَّ فَارِسَ وَالرُّومَ (^٦)». رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.\n_________\n= فسخ النكاح بالعنة، فحكمة النهي عن العزل التأذي ومنع الحمل، ولكن الذي يظهر وينبغي التعويل عليه الفرق بين الجارية والحرة، فالأولى يجوز العزل عنها مطلقا لأن تلك النصوص وردت فيها، وأما الحرة فلا يجوز العزل عنها إلا بإذنها، وعلى هذا جمهور السلف والخلف ومالك وأبو حنيفة وأحمد ﵃.\n\n(فائدة)\nحكم العزل هذا يجري على استعمال دواء لمنع الحمل مؤقتا ويجرى على إسقاط النطفة قبل نفخ الروح فيها، فإن الحكمة في الكل واحدة وهي منع الحمل. والله أعلم.\n(^١) ينشر سرها أي يحكى ما يقع منها حال الجماع من قول أو فعل تعوده بعض النساء مما يشهي الرجل، وإذا طلبه من امرأته وجب عليها إجابته فإن طاعته فرض عليها.\n(^٢) بسند صحيح.\n(^٣) قوله إنما مثل ذلك أي من يفشي سر امرأته كالشيطان يطأ شيطانة أمام الناس، فإفشاء ذلك من أحد الزوجين حرام لجعله في شر منزلة يوم القيامة ولتشبيهه بشيطان مع شيطانة. نسأل الله التوفيق والله أعلم.\n\nيجوز وطأ الحامل والمرضع\n(^٤) كانت العرب تمتنع من ذلك خوف الضرر بالولد فنهاهم النبي - ﷺ -.\n(^٥) لقد هممت أن أنهى عن الغيلة (بالكسر وطء المرضع خوفًا على الولد) فذكرت. وفي رواية: فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون فلا يضر أولادهم فله أنه عنه.\n(^٦) وحيث إنه لم يضر هؤلاء فلا يضرنا، ففيه جواز الاجتهاد أحيانًا اعتمادًا على التجربة، ولكن الأفضل الإقلال من وطأ المرضع رحمة بها وبولدها. فإن الإرضاع مضعف والجماع مضعف كما ظهر بالتجربة، ومثلها الحامل إن أضعفها الوطأ. والله أعلم.","vol":"2","page":311},{"text":"<span data-type='title' id=toc-507>لا توطأ المملوكة حتى تستبرأ </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ بَعْثًا يَوْمَ حُنَيْنٍ إِلَى أَوْطَاسٍ فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ وَأَصَابُوا مِنْهُمْ سَبَايًا، فَتَحَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَاب النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غِشْيَانِهِنَّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ الْمُشْرِكِينَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ﴾ أيْ فَهُنَّ لَكُمْ حَلَالاٌ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).\nوَمَرَّ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ فِي غَزْوَةٍ بِامْرَأَةٍ مُجِحَ عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ فَقَالَ: «لَعَلَّ صَاحِبَهَا أَلَمَّ بِهَا» قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنَةً تَدْخُلُ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ، كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ (^٤)، كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً (^٥)».\n\n• عَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ (^٦). وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ\n_________\nلا توطأ المملوكة حتى تستبرأ\n(^١) فيحرم وطأ الجارية التي دخلت في ملكك حتى تظهر براءة رحمها من الحمل.\n(^٢) فالنبي - ﷺ - وهم في غزو حنين (مكان بين مكة والطائف على بضعة عشر ميلا) بعث جيشا إلى أوطاس (مكان على ثلاث مراحل من مكة) فغزوهم وسبوا منهم ومالوا إلى وطنهن ولكنهم خافوا من أزواجهن فنزلت الآية بحل الوطأ إذا انقضت عدتهن بوضع حمل الحامل وبحيضة لغيرها، وفيه أن سبي الكافرة يفسخ نكاحها ولو سبي معها زوجها الكافر، وعليه مالك والشافعي وأبو ثور.\n(^٣) بسند حسن.\n(^٤) قوله مجحّ - بضم فكسر - أي حامل قربت ولادتها فقال: لعل صاحبها ألمّ بها. أي جامعها قالوا نعم قال: لقد هممت أن ألعنه لعنة يعذب به في قبره. لوطئه لهذه قبل وضعها، كيف يورثه أي الحمل الذي في بطنها أي يجعله وارثا له إن اعتبره ابنا، وهذا لا يحل لاحتمال أنه من غيره، كيف يستخدمه أي يتخذه خادما وعبدًا يباع ويشري إن اعتبره رقيقا، وهذا لا يحل لاحتمال أنه منه ونزل لأقل الحمل، فالخلاص من هذا المحظور الاستبراء.\n(^٥) هذا قيل في سبايا أوطاس ولكنه حكم عام.\n(^٦) قوله ماءه أي منيه زرع غيره أي الحامل التي دخلت في ملكه.","vol":"2","page":312},{"text":"يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنَ السَّبْيَ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ». رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^١). وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-508>الباب السادس: في الحقوق الزوجية ما للزوج على امرأته </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلا بِإِذْنِهِ (^٥)». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِئَ لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ (^٦). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ الْحِيرَةَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانٍ لَهُمْ (^٧). فَقُلْتُ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحَقُّ بِذلِكَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ ذلِكَ\n_________\n(^١) فمن دخلت في ملكه جارية بشراء أو سبي أو هبة حرم عليه وطؤها حتى يستبرئها أي تظهر له براءة رحمها إن كانت حاملا فبوضع الحمل، وإن كانت تحيض فبحيضة وإن كانت لا تحيض لكبرها أو صغرها فبراءتها بشهر واحد، والاستبراء واجب باتفاق الأمة.\n(^٢) الثاني بسند حسن والأول بسند صالح. نسأل الله التوفيق والله أعلم.\n\n(الباب السادس في حقوق الزوجية، ما للزوج على امرأته)\n(^٣) أي الحقوق الواجبة على المرأة لزوجها.\n(^٤) فالرجال مهيمنون على النساء لفضلهم عليهن بالعقل والدين والرأي والإنفاق عليهن.\n(^٥) فلا يصح من زوجة صوم نفل وزوجها شاهد أي حاضر، وكذا لا تأذن لأحد في دخول بيته مطلقا إلا بإذنه فيهما؛ لأن حق الزوج فرض عليها في كل وقت فلو كان زوجها مسافرًا صح صومها، أما الفرض فإنه لا يحتاج إلى إذن اكتفاء بإذن الشارع، ولو علمت رضاه بدخول بعض الناس أذنت له.\n(^٦) فلو طلبها للوقاع فامتنعت بغير عذر شرعي فغضب عليها لعنتها الملائكة حتى يرضى عنها. ولفظ مسلم: ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها.\n(^٧) الحيرة: بلد قديم، والمرزبان: بفتح فسكون فضم: الفارس المقدم على غيره دون الملك.","vol":"2","page":313},{"text":"فَقَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ مَرَرْتَ بِقَبْرٍ أَكُنْتَ تَسْجُدُ لَهُ»؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا (^١) لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًَا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لأَمَرْتُ النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لِأَزْوَاجِهِنَّ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْحَقِّ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكُمُ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢).\nوَلَفْظُهُ: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا (^٣)».\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلَا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوطِئْنَ فَرْشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ (^٤) أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كُسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ (^٥)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا الرَّجُلُ دَعَا زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ (^٦)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٧) وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ دَخَلَتْ الْجَنَّةَ (^٨)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٩) وَالْحَاكِمُ.\n\n• عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا إِلا قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ: لَا تُؤْذِيهِ قَاتَلَكِ اللَّهُ فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكِ دَخِيلٌ يُوشِكُ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا (^١٠)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.\n_________\n(^١) فالحي كالميت في عدم استحقاق السجود وهو لا يكون إلا للحي الذي لا يموت.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) هذا يفيد أن حق الزوج على زوجته عظيم جدًّا.\n(^٤) فليس للزوجة أن تأذن لأحد في دخول بيت زوجها، وبالأولى في الجلوس على فراشه إلا إذا علمت رضا زوجها بذلك.\n(^٥) وللزوجة على زوجها الكسوة والإنفاق كزوجات أقرانه مقاما ومالا.\n(^٦) التنور ما يسوى فيه الخبز كالفرن عند المصريين، فعلى المرأة إجابة زوجها وإن كانت غريقة في عمل المنزل، وهذا للمبالغة في وجوب إطاعتها لزوجها.\n(^٧) بسند حسن.\n(^٨) عظم رضا الزوج على زوجته حتى أدخلها الجنة.\n(^٩) بسند حسن.\n(^١٠) قولها عندك دخيل أي قليل الإقامة وعما قريب يأتي إلينا، فجملة يوشك بيان لدخيل والله أعلم.","vol":"2","page":314},{"text":"<span data-type='title' id=toc-509>حقوق الزوجة على زوجها</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (^١).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا (^٢)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا (^٣)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَ يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رضي مِنْهَا آخَرَ (^٤)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْبُثِ الطَّعَامُ وَلَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ (^٥) وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ (^٦)». رَوَاهُ\n_________\nحقوق الزوجة على زوجها\n(^١) أي وللنسوة على أزواجهن حق كالحق الواجب للأزواج على النسوة من حسن العشرة وترك الإضرار، وللرجال عليهن درجة أي فضيلة في الحق من وجوب طاعتهن سرا وجهرا لما قدموه من المهر ولما يقومون به من العناية بهن ومن القيام بكل ما يلزمهن.\n(^٢) فضلع الإنسان معوج رأسه أي أعلاه، والنسوة أي أصلهن الأول وهو حواء خلقت من ضلع آدم ﵉ قبل دخوله الجنة أو بعده، فالعوج في أصلها ويظهر من لسانها وعقلها.\n(^٣) فالمرأة غير ثابتة بل سرعة التقلب من طبعها (وما بالطبع لا يتغير) فإن أردت تعديلها كسرتها وكسرها طلاقها، وحيث إنه لا غنى عنها فالواجب الصبر عليها ومداراتها حتى تنتفع منها بقسطك في الحياة كما في حديث - فدارها تعش معها -.\n(^٤) لا يفرك مؤمن مؤمنة أي لا يبغضها لوصف سيء فيها فإن فيها غيره حسنًا، فهذا بذاك.\n(^٥) فلولا بنو إسرائيل ما خبث طعام وخنز لحم أي ما فسد وأنتن وظهرت حموضته، وذلك أنهم لما نزل عليهم المن والسلوى أمروا بالأكل منهما ونهوا عن الادخار فادخروا ففسد وأنتن واستمر بعد ذلك إلى الآن.\n(^٦) أي فالخيانة من الأم الأولى وهي حواء، فإنها على ما قيل حينما أغواها إبليس على الأكل من الشجرة بدأت بالأكل منها ثم ناولت آدم ﵇ فأكل تبعة لها، وسميت حواء لأنها أم كل حي فإنها ولدت لآدم عشرين بطنًا في كل بطن ذكر وأنثى وأمر أن يزوج ولد هذه البطن لبنت البطن الأخرى.","vol":"2","page":315},{"text":"الشَّيْخَانِ (^١).\n\n• عَنْ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ ﵁ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: «تُطْعِمُهَا إِذَا طَعِمْتَ وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ (^٢) وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ (^٣) وَلَا تَهْجُرْ إِلا فِي الْبَيْتِ (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥) وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الْغَيْبَةَ فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا».\nوَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَكْرَهُ أَنْ يَأْتِي الرَّجُلُ أَهْلَهُ طُرُوقًا (^٦).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ (^٧)». رَوَى الأُصُولُ الْخَمْسَةُ هذِهِ الثَّلَاثَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-510>الزوجة تخدم بيتها وتخرج للحاجة مع الاحتشام </span>(^٨)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ لَيْلًا فَرَآهَا عُمَرُ فَعَرَفَهَا فَقَالَ:\n_________\n(^١) ولكن مسلم هنا والبخاري في بدء الخلق.\n(^٢) أي تعاملها كما تعامل نفسك وولدك في الإطعام والكسوة كعادة أمثالك.\n(^٣) أي إذا ضربتها فاجتنب الوجه لأنه مجمع المحاسن، ولا تقبح أي لا تقل قولا قبيحا، ومنه قبحك الله.\n(^٤) فلا تفردها في بيت وحدها والهجر حرام إلا لداع كما يأتي في ضرب المرأة.\n(^٥) بسند صالح.\n(^٦) ومنه حديث مسلم: نهى رسول الله - ﷺ - أن يطرق الرجل أهله ليلا يتخونهم أو يلتمس عثراتهم، فلا ينبغي للزوج الذي طال غيابه أن يدخل ليلا أو نهارا بغتة يلتمس عثرات زوجته، وهذا لا يمنع من الحيطة إذا حامت حولها شبهات.\n(^٧) قوله لكي تمتشط الشعثة هي المغبرة الرأس المنتشرة الشعر أي تسرح شعرها وتدهنه، وقوله وتستحد المغيبة هي التي غاب زوجها أي تزيل شعر العانة بالحديدة وهي الموسي التي تستعمل في هذا غالبا وإلا فالنتف للمرأة أحسن بخلاف الرجل فالحلق له أفضل، وليس المراد الأمر بالدخول ليلا حتى ينافي ما تقدم، بل المراد الإعلام بالدخول قبله لتتنظف المرأة وتتزين لزوجها فربما اطلع منها على ما ينفره إذا دخل على غفلة، وفي رواية: فعليك بالكيس الكيس أي اقصد بالوطء العفة لك ولها ومجيء الولد فهو زهرة الدنيا كما في حديث اطلبوا الولد والتمسوه فإنهم ثمرات القلوب وقرة الأعين. فمن حق الزوجة ألا يدخل عليها زوجها بغتة ولا سيما بعد طول غيبته. نسأل الله الستر والتوفيق والله أعلم.\n\nالزوجة تخدم بيتها وتخرج للحاجة مع الاحتشام\n(^٨) تخدم بيتها أي بيت زوجها التي هي مقيمة فيه.","vol":"2","page":316},{"text":"إِنَّكِ وَاللَّهِ يَا سَوْدَةُ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا فَرَجَعَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي حُجْرَتِي يَتَعَشَّى فَذَكَرَتْ ذلِكَ لَهُ وَإِنَّ فِي يَدِهِ لَعَرْقًا فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ فَرُفِعَ عَنْهُ وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَوَائِجِكُنَّ (^١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ فَإِذَ خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ (^٢)».\n\n• عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ سَعْدٍ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الرَّافِلَةِ فِي الزِّينَةِ فِي غَيْرِ أَهْلِهَا كَمَثَلِ ظُلْمَةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا نُورَ لَهَا (^٣)». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ أَنَّ فَاطِمَةَ ﵃ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحى وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ فَلَمْ تُصَادِفْهُ فَذَكَرَتْ ذلِكَ لِعَائِشَةَ فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ قَالَ فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخْذَنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْنَا نَقُومُ فَقَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمَا فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمِهِ عَلَى بَطْنِي فَقالَ: أَلا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا\n_________\n(^١) فسودة أم المؤمنين خرجت ليلا لقضاء حاجاتها فعرفها عمر لأنها كانت سمينة، فقال: عرفناك يا سودة. غيرة عليها فغضبت على عمر لاضطرارها للخروج ورجعت للنبي - ﷺ - فدخلت عليه عند عائشة وهو يأكل وبيده عرق أي عظم عليه لحم، فشكت له من عمر فنزل الوحي عليه ثم رفع عنه وهو يقول: قد أذن الله لكن في الخروج لقضاء ما تحتاجونه، وإذا جاز الخروج لأمهات المؤمنين فغيرهن أولى رحمة بعباد الله.\n(^٢) المرأة عورة أي كالعورة في وجوب سترها عن الأعين، فإذا خرجت استشرفها الشيطان أي لزمها فوسوس لها أنها أجمل الناس فتعمل ما يدعو إلى الالتفات إليها كتكسر في المشي وغيره وهذا حرام.\n(^٣) فميمونة بنت سعد هذه كانت خادمة للنبي - ﷺ - وسمعت منه هذا، فمثل الرافلة في الزينة أي المتبرجة لغير زوجها كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها، وحيث إن المرأة عورة وتبرجها لغير زوجها حرام فلا تخرج إلا للضرورة بشرط الاحتشام وعدم الطيب وعدم التبرج فإنه يغضب الله ورسوله والمؤمنين.\n\n(فائدة)\nما يفعله نساء اليوم من خروجهن سافرات الرءوس والوجوه والصدور والأيدي ومن الملابس الضيقة التي تحكي شكل الجسم وأعضاءه جرم عظيم لأنه نهاية التبرج بل نهاية التهتك وكشف للعورات ومواضع الزينة التي أمرت النسوة بسترهن، وعلى رجالهن قسط عظيم من تلك الذنوب ولا سيما أنهم يسمحون لهن بالخروج متى شئن. نسأل الله السلامة.\n(^٤) الأول بسند حسن والثاني ضعيف ولكنه للترهيب.","vol":"2","page":317},{"text":"إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وثَلَاثِينَ وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ (^١)». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ (^٢). نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-511>حديث أَم زرع </span>(^٣)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَلَسَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً (^٤) فَتَعَاهَدْنَ وَتَعَاقَدْنَ أَلا يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا. قَالَتِ الأَولَى: زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٌّ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ لَا سَهْلٍ فَيُرْتَقَى وَلَا سَمِينٍ فَيُنْتَقَلُ (^٥). قَالَتِ الثَّانِيَةُ: زَوْجِي لَا أَبُثُّ خَبَرَهُ إِنِّي أَخَافُ أَلّا أَذَرَهُ\n_________\n(^١) ففاطمة ﵂ تعبت وتقرحت يدها من إدارة الرحى في طحن الحبوب فسمعت أن النبي - ﷺ - جاءه أسرى فذهبت تطلب منه خادما فلم تجده فذكرت ذلك لعائشة فلما جاء النبي - ﷺ - أخبرته عائشة فجاء لفاطمة ليلا فوجدهم نائمين فأرادوا أن يقوموا فنهاهم ولكنه جلس بين على وفاطمة فرحا بهما ﵄، فلما سمع منها ما تطلبه قال لها: أدلكما على ما هو خير لكما من الخادم وهو التسبيح والتحميد والتكبير مائة مرة قبل النوم أي فقوة الذكر وثوابه خير من الخادم، ولأبي داود: أنها جرت بالرحى حتى أثرت في يدها، واستقت بالقربة حتى أثرت في نحرها، وقمت البيت أي كنسته حتى اغبرت ثيابها وأوقدت القدر حتى دكنت ثيابها، ففي هذا أن الزوجة تخدم بيتها من طبخ وخبز وكنس وغيرها، والظاهر أنه واجب عليها لإقرار النبي - ﷺ - لذلك ولم يأمر عليا ولا غيره بإحضار خادم لامرأته وعليه بعض الصحب والتابعين والإمام مالك إذا كان زوجها معسرًا. وقال بعض السلف والخلف ومنهم الشافعي لا يجب عليها ذلك لأن الأحاديث لا تفيد الوجوب بل قال الشافعي: إنه يجب على الزوج إخدامها إن كانت ممن يخدم مثلها.\n(^٢) ولكن البخاري في النفقات وبقيتهم في آداب النوم.\n\nحديث أم زرع\n(^٣) اشتهر بها لأنها أكثرت من الثناء على زوجها وآله.\n(^٤) أي من مكة وقيل من اليمن لحديث الزبير بن بكار: قالت عائشة: دخلت على النبي - ﷺ - ومعي نسوة فقال: يا عائشة أنا لك كأبي زرع لأم زرع. قلت: يا رسول الله: وما أبو زرع وأم زرع قال: إن قرية في اليمن فيها بطن من بطون اليمن وكان فيهن إحدى عشرة امرأة فخرجن إلى مجلس فقلن تعالين فلنذكر بعولتنا بما فيهم ولا نكذب.\n(^٥) غث بالجر صفة لجمل وبالرفع صفة للحم، والغث: شديد الهزال ضد السمين، وقولها لا سهل =","vol":"2","page":318},{"text":"إِنْ أَذْكُرُهُ أَذْكُرْ عَجَرَهُ وَبُجَرَهُ (^١). قَالَتِ الثَّانِيَةُ: زَوْجِي الْعَشَنَّقُ إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ (^٢) قَالَتِ الرَّابِعَةُ: زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ لَا حَرٌّ وَلَا قُرٌّ وَلَا مَخَافةَ وَلَا سَآمَةَ (^٣). قَالَتِ الْخَامِسَةُ: زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ (^٤). قَالَتِ السَّادِسَةُ: زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ وَإِنِ اضْطَجَعَ الْتَفَّ وَلَا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ (^٥). قَالَتِ السَّابِعَةُ: زَوْجِي غَيَايَاءُ أَوْ عَيَايَاءُ طَبَاقَاءُ كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ شَجَّكِ أَوْ فَلَّكِ أَوْ جَمَعَ كُلا لَكِ (^٦). قَالَتِ الثَّامِنَةُ: زَوْجِي الْمَسُّ\n_________\n= بالجر صفة لجبل، وقولها ولا سمين بالجر صفة لجمل فهذه تشبه زوجها بلحم جمل مهزول على جبل وعر لا يسهل الوصول إليه لأخذه ولا يرغب فيه لهزاله، فهو كناية عن شدة بخله وعلو أنفه وسوء خلقه فهو ميئوس من خيره.\n(^١) قالت الثانية وهي عمرة بنت عمرو التميمي: إني لا أشيع خبر زوجي فإنه سيئ وإن ذكرت شيئا فإني أذكر عجره وبجره بضم ففتح فيهما أي عيوبا فيه ظاهرة وباطنة فهي تذمه بكل شيء. وفي الإشارة ما يغني عن العبارة.\n(^٢) قالت الثالثة واسمها حُبي بنت كعب اليماني: زوجي العشنق أي الطويل المذموم السيئ الخلق إن أنطق أي بعيوبه يطلقني وإن أسكت عليها يعلقى أي يتركني معلقة لا ذات بعل فأنتفع به ولا أيما، فأتفرغ لغيره فقد أشارت إلى سوء خلقه وعدم سماعه لشكواها بما هي فيه من سوء الحال.\n(^٣) تهامة بالكسر: مكة المكرمة وما انخفض من بلاد الحجاز وليلها معتدل لا حر ولا برد، فهذه المرأة وهي مهدد بنت أبي هرومة تمدح زوجها بأنه كليل تهامة ولا مخافة منه ولا سآمة أي لا ملالة من معاشرته فهو حسن الأخلاق آلف ومألوف.\n(^٤) فهد كفرح أي كالفهد حيوان مشهور بالنوم وبالوثوب يقال: أنوم من فهد وأوثب من فهد، وأسد كفرح أيضا أي فعل فعل الأسد، فهذه المرأة وهي كبشة تصف زوجها بأنه إذا دخل البيت كان كالفهد في كثرة النوم وكثرة الوقاع والغفلة عن عيوب البيت وإذا كان خارج البيب كان كالأسد على الأعداء ولا يسأل عما يعرفه في البيت من طعام ونحوه، فهي تمدح زوجها بأنه سهل الأخلاق مع الأهل والأحباب شديد على الأعداء.\n(^٥) قالت السادسة واسمها هند تذم زوجها: بأنه إن أكل لف أي أكثر حتى لا يبقى من الطعام شيئا وإن شرب اشتف أي استوعب المشروب كله، وإن اضطجع التف أي في ثيابه وحده ولا يولج الكف أي كفه على جسمها ليعلم البث أي ما عندها من الميل للرجال، فهي تصفه باللؤم والبخل وسوء الخلق مع كثرة أكله وشربه وقلة وقاعه، والعرب، تمدح قليل الأكل والشرب كثير الجماع لأنه يدل على تمام الفحولة.\n(^٦) قالت السابعة وهي حبى بنت علقمة: زوجي غياياء بالغين ممدودا من الغي وهو =","vol":"2","page":319},{"text":"مَسُّ أَرْنَبٍ وَالرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ (^١). قَالَتِ التَّاسِعَةُ: زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ طَويلُ النِّجَادِ عَظِيمُ الرَّمَادِ قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادِ (^٢). قَالَتِ الْعَاشِرَةُ: زَوْجِي مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذلِكِ لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمبَارِكِ قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحِ وَإِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ (^٣). قَالَتِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ فَمَا أَبُو زَرْعٍ أَنَاسَ مِنْ حُلِيَ أُذُنَيَّ وَمَلَأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ وَبَجَّحَني فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقَ فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَقَ فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ وَأَشْرَبُ فَأَتَقَمَّحُ (^٤) أُمُّ أَبي زَرْعٍ فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ عُكُومُهَا رَدَاحٌ\n_________\n= الخيبة، أو عياياء بالعين ممدودا من العي وهو العجز عن الجماع، وهذا شك أو تنويع: طباقاء بالفتح والمد الذي تنطبق عليه الأمور لحماقته ويغيب عنه معنى الكلام فيعجز عنه، وكل داء له داء أي كل داء في الناس فهو فيه، شجك أو فلك بفتح أولها وشد ثانيهما أي أصابك بشجة في رأسك أو بجرح في جسدك أو جمع بين الشج والفل، وفي رواية: إن حدثته سبك وإن مازحته فلك وإلا جمع كلّا لك، فهي تذمه بالخيبة والعجز والحماقة وكل الأمراض وسوء العشرة، فإذا كلته سبها، وإذا مازحته ضربها، وهذا نهاية الذم.\n(^١) قالت الثامنة وهي ياسر بنت أوس: زوجي المس مس أرنب أي ناعم الجلد كالأرنب، والريح ريح زرنب هو الزعفران أو شجر طيب الرائحة، وزادت في رواية: وأنا أغلبه وهو يغلب الناس فهي تمدحه بلين الجانب وحسن الخلق ودوام التعطر وجميل الذكر في الناس.\n(^٢) قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد أي العمد التي يرفع البيت عليها، طويل النجاد أي حمائل السيف، عظيم الرماد من دوام النار لعمل الأكل للضيفان، قريب البيت من الناد، أي مجلس القوم لاضطرارهم إلى مشاورته دائما لأصالة رأيه وشرفه في قومه فهي تمدحه بطول القامة وعظم الشجاعة وواسع الكرم وعلو الشرف وإصابة الرأي.\n(^٣) المزهر كمنبر: العود الذي يضرب عليه عند الغناء للضيفان فرحا بهم، فالزوجة العاشرة وهي كبشة بنت الأرقم تقول: إن زوجي مالك عظيم وهو خير ممن أثنيتم عليهم فإن له إبلا كثيرة ولا تخرج للمرعي إلا قليلا استعدادا لنحرهن للضيوف حتى إذا سمعت ضرب، العود أيقنت بالذبح.\n(^٤) قالت الحادية عشرة وهى عاتكة بنت أكيمل: إن زوجي أبو زرع شأنه عظيم فقد أناس أذني من الحلى أي ملأها منه وملأ من شحم عضدي تثنية عضد وهو أعلى الذراع أي أكثر على من نعمه حتى سمن جسمي ومنه عضداي. وبجحني فبجحت نفسي أي عظمني وبجلني ففرحت بذلك نفسي، وجدني في أهل غنيمة بشق أي وجد مال أهلى غنمًا قليلة بموضع صغير فأفاض عليهم حتى جعلهم في أهل صهيل =","vol":"2","page":320},{"text":"وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ (^١)، ابْنُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا بْنُ أَبِي زَرْعٍ؟ مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ سَطْبَةٍ وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ (^٢)، بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ؟ طَوْعُ أَبِيهَا وَطَوْعُ أُمِّهَا وَمِلْءُ كِسَائِهَا وَغَيْطُ جَارَتِهَا (^٣)، جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا جَارِيَةُ أَبي زَرْعٍ؟ لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا وَلَا تُنَفِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا وَلَا تَمْلَأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا (^٤). قَالَتْ: خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالأَوْطَابُ تُمْخَضُ (^٥) فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كَالْفَهْدَيْنِ يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بُرُمَّانَتَيْنِ فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا (^٦) فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلًا سَرِيًّا رَكِبَ شَرِيًّا وَأَخَذَ خَطِّيًّا وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمَا ثَرِيًّا وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا وَقَالَ: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ وَمِيرِي أَهْلَكِ قَالَتْ: فَلَوْ جَمَعْتُ كلَّ شَيْءٍ\n_________\n= أي صوت خيل وأهل أطيط أي صوت إبل من ثقل أحمالها وأهل دائس أي زرع يداس في بيدره ليتميز حبه من سنبله، وأهل منق أي آلة تنقي الحب من غلثه - كالغربال والمنخل - فعنده أقول فلا أقبح أي إذا سمع كلامي قبله، وأرقد فأتصبح أي أنام الليل كله إلى الصباح حتى أشبع نوما لوجود الخدم عندى، وأشرب فأتقمح أي أمتلئ من الرى، فهي تمدح زوجها بعظيم إقباله عليها وبكثرة الأموال وواسع الكرم حتى صير أهلها بعد القلة في ثروة واسعة من أنواع المواشي والزرع وغيرها.\n(^١) أم أبي زرع عكومها رداح، عكوم جمع عكمة وهى الغرارة التي يوضع فيها المتاع، رداح أي ثقيلة من مائها، وبينها فساح أي واسع.\n(^٢) الشطبة الخوصة ومسلُّها موضع سلخها من الشجرة، والجفرة أنثى المعز، فهي تمدح ابن أبي زرع بأنه قليل الأكل يشبه ذراع الجفرة ويكفيه للنوم موضع صغير، فهو ظريف ومهفهف لطيف.\n(^٣) وبنت أبي زرع عظيمة أيضا لأنها تغيظ جارتها أي ضرتها لجمالها وعفتها ولأنها ملء كسائها لسمنها، وفضلا عن هذا فهي طوع أبيها وأمها.\n(^٤) وجارية أبي زرع لا تفشي لنا سرا ولا تنقث ميرتنا تنقيثًا أي لا تفسد شيئا من طعامنا بل تصلحه وتحسنه ولا تملأ بيتنا تعشيشًا، لا تترك الكناسة فيه كعش الطائر بل تقوم بنظافته على ما يرام.\n(^٥) الأوطاب جمع وطب - كشرط - وهو زق اللبن تمخض أي تحرك ليؤخذ زبده.\n(^٦) قولها: كالفهدين وفي رواية كالصقرين وفي أخرى كالشبلين وقولها: برمانتين أي نهدين كالرمانتين، فأبو زرع خرج في فصل الربيع فوجد امرأة لها ولدان يلعبان بنهديها كولدى الأسد فطلق أم زرع وتزوج بهذه المرأة رغبة في نجابة الولد وأم زرع تزوجت بالرجل الموصوف بالآتي.","vol":"2","page":321},{"text":"أَعْطَانِيهِ مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ (^١) قَالَتْ عَائِشَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ» (^٢) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ (^٣). نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ، وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-512>الباب السابع: في القسم بين الزوجات</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» (^٥).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ هذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» (^٦).\n_________\n(^١) قولها: سريا أي سيدا شريفا ذا يسار، ركب شريا أي فرسا سريع السير، وأخذ خطيا أي أمسك رمحًا خطيا نسبة إلى موضع يسمى الخط جهة البحرين اشتهر بصنع الرماح، وأراح على نعما ثريا أي أفاض على بكثير من النعم وأعطاني من كل رائحة زوجا أي أعدادا والرائحة الماشية التي تغدو وتروح، وقال: كلي يا أم زرع وميرى أهلك أغدقى عليهم بالميرة وأنواع الطعام قالت أم زرع: فلو جمعت كل شيء أعطانيه هذا الرجل الذي تزوجت به بعد أبي زرع ما بلغ أصغر إناء لأبي زرع، فمحبتها لأبي زرع أعمتها عن فضل غيره كقولهم: ما الحب إلا للحبيب الأول، والحديث الآتي في الأخلاق: حبك للشيء يعمي ويهم، ولا شك أن هذا الحديث آية عظيمة على فصاحة نساء العرب وبلاغتهن، كما أنه مثل أعلى في تفاوت أخلاق الرجال ومكانتهم عند النساء.\n(^٢) أي أنا لك كأبي زرع لأم زرع، وفي رواية كنت لك في الألفة والوفاء لا في الفرقة والجلاء كأبي زرع لأم زرع، وفي رواية: قالت: بأبي وأمي لأنت يا رسول الله خير لي من أبي زرع لأم زرع.\n(^٣) ولكن البخاري والنسائي هنا ومسلم في الفضائل.\n\n(الباب السابع في القسم بين الزوجات)\n(^٤) فمعنى الآية يا أيها الرجال إنكم لا تستطيعون العدل بين الزوجات ولو حرصتم عليه فلا تميلوا الميل كله على من لا تحبونها فتصير كالملعقة التي لا تعرف إن كانت متزوجة أو خالية.\n(^٥) أي مفلوج ومشوه ومائل كما كان مائلا في دنياه.\n(^٦) فكان النبي - ﷺ - يقسم بين نسائه فيعدل بينهن في النفقة والكسوة والبيت والتودد ويقول اللهم هذا قسمى فيما أملك فلا تلمني فيما تملكه أنت ولا أملكه أنا - وهو الميل القلبي - لأنه ليس مقدورًا لي، ويتبعه الجماع فلا يجب العدل في الحب والجماع لأنهما ليسا في =","vol":"2","page":322},{"text":"رَوَاهُمَا أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١).\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْقَسْمِ مِنْ مُكْثِهِ عِنْدَنَا وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إِلا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا فَيَدْنُو مِن كُلِّ امْرأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ حَتَّى يَبْلُغَ الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتُ عِنْدَهَا (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ (^٣).\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا (^٤) غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ ﵂. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ فِي مِسْلَاخِهَا مِنْ سَوْدَةَ لَمَّا كَبِرَتْ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِي مِنْكَ لِعَائِشَةَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ (^٥). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَسْمَاءَ ﵂ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ضُرَّةً فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ إِنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الَّذِي يُعْطِينِي. فَقَالَ: «الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ (^٦)». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n_________\n=الاستطاعة ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ ولعل قوله تعالى - فلا تميلوا كل الميل - مراد به هذا، فمن كان عنده زوجتان فأكثر وجب عليه القسم والعدل وله أن يتركهن كلهن وقتًا لما تقدم في الصوم أن النبي - ﷺ - آلى من نسائه شهرًا أي حلف لا يدخل عليهن شهرًا.\n(^١) بسندين صالحين ومصحح ابن حبان الثاني.\n(^٢) فكان النبي - ﷺ - في أكثر الأيام يطوف على زوجاته كلهن فيدنو من كل واحدة فيقبل ويعمل ما يقتضي الود والمحبة من غير مسيس أي جماع حتى يصل إلى صاحبة الليلة فيبيت عندها.\n(^٣) ولفظه كان النبي - ﷺ - إذا انصرف من صلاة العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن بغير وقاع، ففيه جواز الدخول على غير صاحبة اليوم.\n(^٤) فمن خرجت لها القرعة سافر بها وبعد الرجوع من السفر لا تحسب أيامه على من كانت مسافرة، وقوله كان يقسم لكل منهن يومها وليلتها ليس قيدًا بل المدار على ما اتفق عليه الزوجان.\n(^٥) المسلاخ - كالفتاح - معناه هنا الهدى والسيرة فعائشة تقول: ما تمنيت أن أكون شبيهة بامرأة إلا سودة لهديها وسيرتها الحسنى، لما كبر سنها وخافت أن يسأم منها النبي - ﷺ - فيغضب عليها أو يفارقها وهبت يومها لعائشة فقبل منها النبي - ﷺ -، ففيه جواز هبة حق المرأة لضرها إذا رضي زوجها.\n(^٦) قولها إن تشبعت من زوجي غير الذي يعطيني، كقولها لضرتها: =","vol":"2","page":323},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-513>للبكر سبع وللثيب ثلاث </span>(^٢)\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَقَسَمَ.\nوَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى الْبِكْرِ أَقامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَسَمَ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَلَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (^٣). رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَهَا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا وَقَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\nوَلِمُسْلِمٍ: إِنْ شِئْتِ زِدْتُكِ وَحَاسَبْتُكِ بِهِ لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ (^٤). وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n= إن زوجي أعطاني كذا وفعل معي كذا وكذا زورا وكذبا، فقال المتشبع - أي المستكثر بما لم يعط - كلابس ثوبي زور أي كمن لبس ثوبين لغيره وأظهر للناس أنهما ملك له، فيظهر أمره وأنهما ملك لغيره فيفتضح بين الناس، فهو حرام لأنه كذب وفيه أذى لزوجها وضرتها.\n(^١) كان يطوف عليهن في ليلة واحدة أي ويواقعهن، وكان - ﷺ - أعطى قوة ثلاثين أو أربعين رجلا كما في رواية، ففيه جواز المرور على الزوجات كلهن مع وجود القسمة بل وكان عنده جاريتان: مارية وريحانة. والله أعلم.\n\nللعروس البكر سبع وللثيب ثلاث\n(^٢) أي من الليالي وأيامها تبع لها.\n(^٣) قوله من السنة أي من قول النبي - ﷺ -: إذا تزوج البكر وعنده زوجة أخرى فللبكر سبع ليال بأيامها وإذا تزوج الثيب فلها ثلاث فقط. وهذا واجب لدفع الحشمة ولجلب الألفة، واكتفي بثلاث للثيب لأنها جربت الرجال بخلاف البكر فإنها لا تزال في خدرها وحيائها فتحتاج إلى إمهال وصبر، ولا تحسب أيام العرس في القسمة لأنها منحة للزوجة الجديدة، وقوله: ولو شئت لقلت رفعه إلى النبي - ﷺ -، هذا قول أبي قلابة الراوي عن أنس يرويه بالمعنى، فيه جواز الرواية بالمعني وهو رأي الجمهور خلافا للشيخين كما سبق في شرح الخطبة.\n(^٤) فالنبي - ﷺ - لما تزوج أم سلمة وكانت ثيبًا أقام عندها ثلاثا وقال لها: ليس بك هوان أي احتقار بسبب الاقتصار على ثلاث ليال فإنهن حكم الله فإن زدتك حاسبتك عليه، وفي رواية قالت: ثلث وعلى نسائك، فللبكر سبع وللثيب ثلاث وعلى هذا الجمهور، وقال الكوفيون: إن البكر والثيب سواء، نسأل الله الستر والتوفيق والله أعلم.","vol":"2","page":324},{"text":"<span data-type='title' id=toc-514>للزوجة التنازل عن حقها لزوجها </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قَالَتْ فِيهَا عَائِشَةُ: هِيَ الْمَرْأَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ لَا يَسْتَكْثِرُ مِنْهَا فَيُرِيدُ طَلَاقَهَا وَزَوَاجَ غَيْرِهَا فَتَقُولُ لَهُ: أَمْسِكْنِي وَلَا تُطَلقْنِي ثُمَّ تَزَوَّجَ غَيْرِي فَأَنْتَ فِي حِلَ مِنَ النَّفَقَةِ وَالْقِسْمَةِ لِي، فَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَكَانَتْ عِنْدَ رَافِعٍ بْنِ خَدِيجٍ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَكَرِهَ مِنْهَا أَمْرًا إِمَّا كِبَرًا أَوْ غَيْرَهُ فَأَرَادَ طَلَاقَهَا فَقَالَتْ: لَا تُطَلِّقْنِي وَأَمْسِكْنِي وَاقْسِمْ لِي مَا بَدَا لَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ﴾ الآية (^٣). رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُسْنَدِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-515>تضرب الزوجة بعد الوعظ والهجر </span>(^٤)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (^٥).\n_________\nللزوجة التنازل عن حقها لزوجها\n(^١) ولا عار ولا مذمة في هذا.\n(^٢) قوله خافت من بعلها نشوزًا أي ترفعا عنها بعدم الإنفاق والمضاجعة أو إعراضا عنها بوجهه، وقوله لا يستكثر منها أي من مضاجعتها لكبرها أو لقبحها مثلا.\n(^٣) فلما خافت الطلاق فوضت حقها إليه، فإذا رأت الزوجة من زوجها كراهة وتنازلت عن حقوقها أو عن بعضها جاز، ولا يخرج الزوج بهذا عن العدل المطلوب منه نسأل الله التوفيق والله أعلم.\n\nتضرب الزوجة بعد الوعظ والهجر\n(^٤) تخويفا لها وتقويمًا لأخلاقها لتعيش في كنف زوجها في هناء وسرور.\n(^٥) فالله تعالى يقول - واللاتي تخافون نشوزهن - من الزوجات فعظوهن بالكلام وخوفوهن غضب الله ورسوله من هذا النشوز، فإن لم يمتثلن فاهجروهن في المضاجع أي اعتزلوا عنهن في فراش آخر واتركوهن وحدهن، فإن لم يرجعن إلى الطاعة فاضربوهن ضربا غير مبرح لا يكسر عظما ولا يشوه خلقة مع اجتناب الوجه، ونشوز الزوجة خروجها بغير إذن زوجها أو أذيته بلسانها أو أذية أبيه أو أمه أو أخيه أو أخته بغير سبب، وأولى من ذلك الإسراف في المال والامتناع في الوقاع بغير عذر=","vol":"2","page":325},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَجْلِدْ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ (^١)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُسْأَلُ الرَّجُلُ فِيمَا ضَرَبَ امْرَأَتَهُ (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤) وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ إِيَاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللَّهِ». فَجَاءَ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَئِرَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ فَأَذِنَ فِي ضَرْبِهِنَّ، فَأَطَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ سَبْعُونَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ يَشْتَكِينَ أَزْوَاجَهُنَّ وَلَا تَجِدُونَ أُولئِكَ خِيَاركُمْ (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-516>التحكيم </span>(^٦)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَآ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (^٧).\n_________\n(^١) فيحرم ضرب الزوجة ضربا شديدا كضرب العبد، وللترمذي: اضربوهن ضربا غير مبرح.\n(^٢) لفظه: ثم لعله أن يضاجعها من آخر يومه.\n(^٣) أي إذا ضربها بعد الوعظ والهجر فلا يسأل عن ذلك ولا إثم عليه.\n(^٤) بسند صالح.\n(^٥) فالنبي - ﷺ -، قال: لا تضربوا إماء الله. جمع أمة وهي الزوجة فقال عمر: يا رسول الله ذئر: أي تمرد النساء على أزواجهن فأذن في ضربهن فجاءت الزوجات إلى رسول الله - ﷺ - باكيات شاكيات، فقال: كثرت الشكوى من ضرب الأزواج، ومن يضربون نساءهم فليسوا من خيار الناس بل الخير من يترك الضرب ويتحمل الأذى ويعاشر بالمعروف، وتقدم في الإيمان: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائهم، وفي الحديث: أن النبي لم يضرب امرأة ولا خادمًا قط. والله أعلم.\n\nالتحكيم\n(^٦) هو أن يفوض الزوجان المتنازعان أمرهما إلى حكمين وعليهما العمل بما يقولان، والتحكيم لا يكون إلا بعد العجز عن تقويمها وبعد العجز عن الاصطلاح معها فيلجآن إلى التحكيم لعل فيه الوفاق كما أمر الله تعالى.\n(^٧) فالله تعالى يقول: إن خفتم من الخلاف بين الزوجين فأرسلوا حكما من أهله =","vol":"2","page":326},{"text":"وَجَاءَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ إِلَى عَلِيَ ﵁ وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِئَةٌ مِنَ النَّاسِ فَأَمَرَهُمْ عَليٌّ فَبَعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكمًَا مِنْ أَهْلِهَا ثُمَّ قَالَ لِلْحَكَمَيْنِ: تَدْرِيَانِ ما عَلَيْكُمَا؟ إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا فَافْعَلَا، وَإِنْ رَأَيْتُمَا التَّفْرِيقَ فَافْعَلَا. قَالَتِ الْمَرْأَةُ: رضيتُ بِكِتَابِ اللَّهِ بِمَا عَلَيَّ فِيهِ وَمَا لِي. وَقَالَ الرَّجُلُ: أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَا، فَقَالَ عَلَيٌّ ﵁: كَذَبْتَ وَاللَّهِ حَتَّى تُقِرَّ بِمَا أَقَرَّتْ بِهِ (^١). رَوَاهُ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-517>حكم العيب في أحد الزوجين</span>\n• عَنْ كَعْبِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي غِفَارِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا فَوَضَعَ ثَوْبَهُ وَقَعَدَ عَلَى الْفِرَاشِ أَبْصَرَ بِكَشْحِهَا بَيَاضًا (بَرَصًا) فَانْحَازَ عَنِ الْفِرَاشِ ثُمَّ قَالَ: «خُذِي عَلَيْكِ ثِيَابَكِ وَلمْ يَأْخُذُ مِمَّا آتَاهَا شَيْئًا (^٢)». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ.\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَبِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ فَمَسَّهَا فَلَهَا صَدَاقُهَا كَامِلًا، وَذلِكَ لِزَوْجِهَا غُرْمٌ عَلَى وَلِيِّهَا (^٣). رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.\nوَقَالَ مَالِكٌ ﵁: وَإِنَّمَا يَكُونُ ذلِكَ إِذَا كَانَ وَلِيُّهَا الَّذِي أَنْكَحَهَا هُوَ أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ مَنْ يُرَى أَنَّهُ يَعْلَمُ ذلِكَ مِنْهَا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الَّذِي أَنْكَحَهَا ابْنُ عَمَ أَوْ مَوْلًى\n_________\n= وحكما من أهلها فيجتمعان وينظران في الخلاف وعليهما الاجتهاد في وعظهما وبذل النصح لها لعلهما رجعان إلى الطاعة إن رأيا ذلك وإلا فرقا بينهما.\n(^١) فالمرأة اعترفت بأنها ستقبل رأى الحكمين وأما الرجل فأظهر أنه لا يقبل الفرقة إذا رآها الحكمان فأنّبه على ﵁ وأفهمه أن التحكيم لا يصح إلا إذا نزل الزوجان على رأيهما، وفيه أن الحكمين بيدهما الرجعة والفرقة بعوض أولا. والله أعلم.\n\nحكم العيب في أحد الزوجين\n(^٢) فردها بسبب البرص ولم يأخذ مما أعطاها شيئًا.\n(^٣) قوله فمسها أي جامعها فلها كامل الصداق أي المسمى وإلا فمهر المثل ويرجع به زوجها على وليها، وهذا رأي مالك وأصحاب الشافعي، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا رجوع على أحد لأن المهر وجب بالوطء.","vol":"2","page":327},{"text":"مِنَ الْعَشِيرَةِ مِمَّنْ يُرَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذلِكَ مِنْهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ غُرْمٌ، وَتَرُدُّ تِلْكَ الْمَرْأَةُ مَا أَخَذَتْ مِنْ صَدَاقِهَا وَيُتْرَكُ لَهَا قَدْرُ مَا تُسْتَحَلُّ بِهِ (^١).\n\n• عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ﵁ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ وَبِهِ جُنُونٌ أَوْ ضَرَرٌ فَإِنَّهَا تُخَيَّرُ، فَإِنْ شَاءَتْ قَرَّتْ وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْ (^٢).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا فَإِنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ سَنَةٍ فَإِنْ مَسَّهَا وَإِلا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا.\nوَسُئِلَ ابْنُ شِهَابٍ ﵁: مَتَى يُضْرَبُ الأَجَلُ؟ فَقَالَ: مِنْ يَوْمِ التَّرَافُعِ إِلَى السُّلْطَانِ. رَوَاهُمَا مَالِكٌ وَقَالَ: فَأَمَّا الَّذِي قَدْ مَسَّ امْرَأَتَهُ ثُمَّ اعْتَرَضَ عَنْهَا فَلَا يُضْرَبُ لَهُ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا (^٣). وَسَيَأْتِي حُكْمُ فَقْدِ الزَّوْجِ فِي بَابِ الطَّلاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n(^١) قوله وإنما يكون ذلك أي غرم وليها الصداق لزوجها إذا كان الولي ممن يرى أي يظن أنه يعرف مرضها ذلك كأبيها وإن علا وأخيها عقابا له حيث كتم عيبها بخلاف ما إذا كان ممن لا يعرف ذلك كان عمها أو مولي من العشيرة أي قريب لها فلا غرامة عليه لجهله بها بل يرجع الزوج عليها بالصداق ولكن يترك لها منه شيئًا جبرا لخاطرها.\n(^٢) فإذا ظهر بالزوج جنون أو ضرر كجذام وبرص فلها الخيار إن شاءت أبقت الزوجية وإن شاءت فارقته ولها الصداق إذا دخل بها، وإذا لم يكن دخل بها فالظاهر أن لها نصفه كالمطلقة قبل الدخول.\n(^٣) فمن تزوج امرأة ومسها أي جامعها ولو مرة ثم عجز عن جماعها فلا تفريق بينهما لأن الإحصان يحصل بالوطء ولو مرة، وأما إذا لم يجامعها ولو مرة بأن كان عنينا لا تنتشر آلته فلها رفع أمرها للحاكم الشرعي فيؤجله إلى سنة فإن جامعها وإلا فرق بينهما، ويثبت الجماع وعدمه بإقرارهما، فتلك العيوب تثبت الخيار للطرف الآخر إذا ظهر أنها كانت عند الزواج. وهل حدوثها بعده كذلك يراجع كلام الفقهاء، ولا يثبت فسخ النكاح بأي عيب إلا بواسطة الحاكم الشرعي الذي ثبت له العيب، فاتضح مما تقدم أن الجنون والجذام والبرص عيوب للزوجة والزوج يرد بها النكاح إذا شاء الطرف الآخر، وزيد عليها للرجل العنة وهى العجز عن الوطء كما رواه مالك عن سعيد، وكذا الجب وهو قطع الذكر لأنه في معنى العنة، وزيد عليها للزوجة الداء في الفرج كالرتق وهو انسداد الفرج بلحم، والقرن وهو انسداده بعظم، وعلى هذا بعض الصحب والتابعين ومالك والشافعي. وقال بعض الشافعية: إن الزوجة ترد بكل عيب كالجارية في البيع ورجحه ابن القيم، وقال الزهري: إن النكاح يفسخ بكل داء عضال، وقالت الحنفية: إن الزوجة لا ترد بأي عيب فإن الطلاق بيد الرجل متى شاء بخلاف الزوج فإنه يرد بتلك العيوب، وعدم الكفاءة من عيوب النكاح أيضا. والله أعلم.","vol":"2","page":328},{"text":"<span data-type='title' id=toc-518>تحرم الخلوة بالأجنبية والنظر إليها</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (^١).\n\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولِ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (^٢). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَلِجُوا عَلَى الْمُغِيبَاتِ (^٣) فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ أَحَدِكُمْ مَجْرَى الدَّمِ». قُلْنَا: وَمِنْكَ. قَالَ: وَمِنِّي وَلكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمُ (^٤).\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا كَانَ ثَالِثُهُمُ الشَّيْطَانُ». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عِنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّهِ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً (^٥) وَاكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا قَالَ: «ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n_________\nتحرم الخلوة بالأجنبية والنظر إليها\n(^١) فالله تعالى يأمر المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار وحفظ الفروج فإنه لهم أطهر. وعبر بمن إشارة إلى أنه يجوز النظر إلى الوجه والكفين لمن يريد الزواج كما تقدم، ويجوز أيضا عند المعاملة في بيع أو شراء أو نحوها، ويجوز أيضا للطبيب النظر إلى محل المرض إذا لم توجد طبيبة ماهرة وبالعكس، بل قال بعضهم: يجوز النظر إلى الوجه والكفين إذا أمنت الفتنة لقوله تعالى - ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ - وهو الوجه والكفان. والجمهور على أنه لا يجوز سدا للباب، وإذا حرم النظر بالآية حرمت الخلوة واللمس من باب أولى.\n(^٢) فلما حذر النبي - ﷺ - من الدخول على الأجنبيات سئل عن الزوج وهو قريب الزوج فقال: هو الموت، أي كالموت في عظم الضرر تحت ستار أنه قريب الزوج كأخيه وابن عمه ومثله قريب الزوجة الذي ليس بمحرم كابن عمها فلا يدخلون إلا مع الزوج أو مع المحرم.\n(^٣) أي لا تدخلوا على النسوة في غيبة أزواجهن.\n(^٤) أي فأنا أسلم من فتنته، أو فأسلم الشيطان الملازم لي، فهو فعل مضارع على الأول وفعل ماض على الثاني.\n(^٥) أي عزمت على الحج وأنا سأخرج للجهاد فأمره بالحج معها تقديما للأهم على المهم وإلا فهما فرضان.","vol":"2","page":329},{"text":"وَلِمُسْلِمٍ: «أَلَا لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ إِلا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا أَوْ ذَا مَحْرَمٍ (^١)».\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَفِي الْبَيْتِ مُخِنَّثٌ فَقَالَ أَيِ الْمُخَنَّثُ لأَخِي أُمِّ سَلَمَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَّيَّةَ: إِنْ فَتَحَ اللَّهُ لَكُمُ الطَّائِفَ غَدًا أَدُلُّكَ عَلَى بِنْتِ غَيْلَانَ فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يَدْخُلَنَّ هذَا عَلَيْكُنَّ (^٢)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُبَاشِرِ الْمَرْأَةَ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا (^٣)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\n\n• عَنْ جَرِيرٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ نَظَرِ الْفَجْأَةِ فَقَالَ: «اصْرِفْ بَصَرَكَ (^٤)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَا عَلِيُّ لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الأُوْلَى ولَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى امْرَأَةً فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ وَهِيَ تَمْعَسُ مُنِيئَةً لَهَا (^٦) فَقَضى حَاجَتَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ\n_________\n(^١) والبكر كالثيب في هذا، والمراد بما تقدم النهي عن الخلوة بالأجنبية فإنه ما خلا رجل بامرأة إلا كان معهما الشيطان فيغويهما حتى يوقعهما في الزنا.\n(^٢) فالنبي - ﷺ - دخل على أم سلمة فوجد في البيت أخاها عبد الله ومعه - مخنث بفتح نونه وكسرها - وهو من يتشبه بالنساء في كلامهن وحركاتهن وكان اسمه هيتا، وكان يدخل على أمهات المؤمنين يستجديهن، فسمع النبي - ﷺ - ذلك المخنث يقول لعبد الله إن فتح الله لكم الطائف غدا أدلك على بنت غيلان بن سلمة بن مالك واسمها بادية، فإنها امرأة جميلة سمينة ولهذا تقبل بأربع أي عكن وطيات في بطنها لسمنها، وتدبر بثمان هي أطراف تلك العكن من الجنبين، وزاد في رواية: إن قعدت تثنت وإن تكلمت تغنت، وبين فخذيها كالإناء المكفوء فلما سمع النبي - ﷺ - قوله ذلك قال: لا يدخلن هذا عليكم، فنهي عن دخوله لأنه مفسدة عظيمة، والتخنث مذموم إن كان تصنعا وإلا فلا.\n(^٣) فلا تباشر المرأة امرأة أخرى أي لا تنام معها في ثوب واحد ولا تنظرها عارية فتصفها لرجل فربما أعجبته فافتتن بها أو فارق الناعتة وتزوجها، وإن وصفتها بقبيح كان غيبة، فيحرم وصف المرأة إلا لمن يريد زواجها.\n(^٤) فجرير سأل عن نظر الفجأة كأن رفع بصره فوقع على امرأة فقال: اصرف بصرك عنها.\n(^٥) لا تتبع النظرة أي الأولى وهي نظرة الفجأة بنظرة ثانية فإنها حرام بخلاف الأولى فلا لوم عليها لطروئها بغتة.\n(^٦) أي تدلك جلدا لتدبغه. والجلد في أول دبغة يسمى منيئة.","vol":"2","page":330},{"text":"فَقَالَ: «إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ وَتُدْبِرُ فِي صُورَةٍ شَيْطَانٍ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّ ذلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ (^١)».\nوَفِي رِوَايَةٍ: «إِذَا أَحَدَكُمْ أَعْجَبَتْهُ الْمَرْأَةُ فَوَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ فَلْيَعْمِدْ إِلَى امْرَأَتِهِ فَلْيُوَاقِعْهَا فَإِنَّ ذلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَى أَدْرَكَ ذلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَى الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَى اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ» زَادَ فِي رِوَايَةٍ: «وَزِنَى الْيَدَيْنِ الْبَطْشُ، وَزِنَى الرِّجْلَيْنِ الْمَشْيُ، وَزِنَى الأُذُنِ الاسْتِمَاعُ، وَزِنَى الْفَمِ الْقُبلُ وَالنَّفْسُ تَمَنَّى ذلِكَ وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذلِكَ وَيُكَذِّبُهُ (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالشَّيْخَانِ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-519>الغيرة محمودة </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَالْمُؤْمِنُ يَغارُ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَرَى عبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ تَزْنِي، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ\n_________\n(^١) فالمرأة كالشيطان في الفتنة فإذا رآها شخص فأعجبته فليجامع امرأته فإنه يرد ميله.\n(^٢) إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أي قدر عليه نصيبه منه، وحيث كان كذلك فهو واقع فيه لا محالة، والزنا أنواع فهو من العينين النظر إلى ما لا يحل، ومن اللسان النطق بما لا يحل، فكل عضو أذنب فقد زنى، والنفس تتمنى الزنا وتشتهيه بطبعها قال تعالى - ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ - والفرج يصدق ذلك أي زنا الأعضاء إن وقع في الزنا ويكذبه إن امتنع منه. نسأل الستر والتوفيق لما يحب ويرضى آمين والله أعلم.\n\nالغيرة محمودة\n(^٣) الغيرة بفتح العين: تغير القلب وهيجان الغضب لإرادة الانتقام بسبب المشاركة فيما لا يقبلها وأشدها ما كان بين الزوجين، وهي محمودة ومندوب إليها لأنها من أخلاق الله، وفي الحديث: تخلقوا بأخلاق الله تعالى.\n(^٤) فالله يغار من فعل الحرام والمؤمن يغار على الدين والأهل والعشيرة.","vol":"2","page":331},{"text":"لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا (^١)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ﵁: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ فَقَالَ ﷺ: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ. لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيرُ مِنِّي (^٢)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَزَادَ مُسْلِمٌ: مِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ بَعَثَ اللَّهُ الْمُرْسَلِينَ مَبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ (^٣) وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ (^٤). وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-520>الباب الثامن: في النكاح المنهي عنه: من نكاح الجاهلية</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النِّكَاحُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ (^٥): فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوْ ابْنَتَهُ فَيُصْدِقْهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا (^٦). وَنِكَاحٌ آخَرُ كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لامْرَأَتِهِ إِذَا طَهَرَتْ مِنْ طَمْثِهَا: أَرْسِلِي إِلَى فُلَانِ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا فَإِذَا تَبَيَّنَ أَصَابَهَا إِذَا أَحَبَّ وَإِنَّمَا\n_________\n(^١) لو تعلمون ما أعلى من أمور الموت وما بعده لقل الضحك وكثر البكاء.\n(^٢) غير مصفح بضم فسكون فكسر أي غير ضارب بصفحة السيف وعرضه، بل أضر به بحده لأقتله، وروى بفتح الفاء حالا من السيف فقال - ﷺ -: لا تعجبوا من غيرة سعد فأنا أغير منه والله أغير مني.\n(^٣) لئلا يكون للناس على الله حجة يوم القيامة أي فلا تعذيب إلا بعد إنذار، قال تعالى - وما كنا معذبين حتَّى نبعث رسولا -.\n(^٤) ولا شخص أحب إليه المدحة أي المدح من الله، فلهذا وعد بالجنة فيدوم الثناء عليه جل شأنه. والله أعلم\n\n(الباب الثامن في النكاح المنهي عنه: منه نكاح الجاهلية)\n(^٥) جمع نحو وهو النوع.\n(^٦) فالنكاح الأول هو أن يخطب الرجل من الرجل أخته أو بنته مثلا فيعطيها صداقا ثم يتزوجها بإيجاب وقبول بحضور سراة الناس، وهذا هو النكاح الشرعي الذي صادف أصول النَّبِيّ - ﷺ - من أبويه إلى آدم - ﵇ - كما سيأتي في النبوة: خلقت من نكاح ولم أخلق من سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء -.","vol":"2","page":332},{"text":"يَفْعَلُ ذلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الْوَلَدِ وَيُسَمَّى هذَا نِكَاحَ الاسْتِبْضَاعِ (^١). وَنِكَاحٌ آخَرُ يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ فَيدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا فَإِذا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ وَمَرَّ عَلَيْهَا لَيَالِي أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا تَقُولُ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمْ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ وَقَدْ وَلَدْتُ فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلَانُ تُسَمِّى مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُ الرَّجُلُ (^٢). وَنِكَاحُ الرَّابِعِ (^٣) يجْتَمِعُ نَاسٌ كَثِيرٌ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا وَهُنَّ الْبَغَايَا يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنِّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا، فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ جُمِعُوا لَهَا وَدَعَوْا لَهُمُ الْقَافَةَ ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ فَالْتَاطَ بِهِ وَدُعِيَ ابْنَهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذلِكَ فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالْحَقِّ هَدَمَ نِكَاحَ الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إِلا نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْمَ (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو داودَ.\n_________\n(^١) فنكاح الاستبضاع كان الرجل يقول لامرأته عقب طمثها أي حيضها: أرسلى لفلان (المشهور بالشجاعة أو الكرم مثلا) فاستبضعي منه أي اطلبي منه المباضعة وهي الجماع لتأتي بولد على وصفه ويجتنبها حتَّى يظهر حملها ثم يجامعها إذا شاء.\n(^٢) والنوع الثالث أن تتفق المرأة مع رهط فيجامعونها في يوم أو ليلة مثلا وتمتنع من الوطء حتَّى يتم حملها وتضع، وبعد أيام ترسل إليهم فيحضرون فتذكرهم بما مضى وتلحق الولد بمن تشاء منهم فيقبله ويثبت النسب بينهما.\n(^٣) ونكاح الرابع أي النوع الرابع يدخل ناس كثير على إحدى البنايا اللاتي يضعن علي أبوابهن علامات لمن أرادهن فيجامعونها فإذا حملت ووضعت حضروا عندها ودعوا القافة فألحقوا الولد بمن أشهه منهم فالتاط به أي التصق به وثبت النسب بينهما، والقافة: جمع قائف وهو من يلحق الولد بأبيه بعلامات خفية.\n(^٤) وهو النوع الأول. نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى.","vol":"2","page":333},{"text":"<span data-type='title' id=toc-521>ومنه نكاح الشغار </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا شِغَارَ فِي الإِسْلَامِ (^٢)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنِ الشِّغَارِ. وَالشِّغَارُ أَنْ يَزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: وَالشِّغَارُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ وَأُزَوِّجَكَ ابْنَتِي أَوْ زَوِّجْنِي أُخْتَكَ وَأُزَوِّجَكَ أُخْتِي (^٤). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-522>ومنه نكاح المتعة </span>(^٥)\n\n• عَنْ جَابِرٍ وسَلَمَةَ ﵄ قَالَا: كُنَّا فِي جَيْشٍ فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُمْ\n_________\nومنه نكاح الشغار\n(^١) الشغار، من الشغر وهو الخلو، لخلوه من المهر.\n(^٢) أي لا يحل فيه شغار.\n(^٣) بل يضع كل منهما صداق للأخرى.\n(^٤) فالبنت فيما قبله ليس قيدًا، وقول أبي هريرة بدل على أن البيان السابق من كلام ابن عمر، وقول الصحابي في حكم المرفوع بل ورد الحديث بهذا البيان في رواية الطبراني: لا شغار في الإسلام: قالوا يا رسول الله وما الشغار؟ قال: نكاح المرأة بالمرأة لا صداق بينهما، والنهي للتحريم وحكمته التشريك في البضع حيث جعل موردًا لنكاح امرأة وصداقا لنكاح أخرى فأشبه تزويج امرأة بامرأتين، وقيل حكمته التعليق كأنه قال لا ينعقد لك نكاح حتَّى ينعقد لي، وهذا خلاف مقتضى العقد، فنكاح الشغار باطل عند الجمهور، وقالت الحنفية وسفيان: إنه يصح ولكل امرأة منهما مهر المثل، فالنهي عندهم للكراهة، ولأبي داود سمع معاوية برجلين تزوجا شغارًا فكتب إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما وقال: هذا هو الشعار الذي نهى عنه رسول الله - ﷺ -. نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى آمين والله أعلم.\n\nومنه نكاح المتعة\n(^٥) نكاح المتعة هو النكاح المؤقت بمدة معلومة أو مجهولة كقوله: أزوجك فلانة شهرا من اليوم أو حتَّى يحضر فلان بصداق قدره كذا فيجيبه على هذا، فإذا انتهى الشهر أو جاء فلان وقعت الفرقة، ونكاح المتعة باطل لأن التوقيت خلاف مقتضى النكاح وهو دوام الزوجية، وكان جائزا في صدر الإسلام للضرورة ثم نسخ، وسمي متعة لأنَّهُ كان الغرض منه التمتع فقط دون التناسل وغيره.","vol":"2","page":334},{"text":"أَنْ تَسْتَمْتِعُوا فَاسْتَمْتِعُوا (^١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ نَهى عَنِ الْمُتْعَةِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ (^٢). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَقَالَ سَلَمَةُ ﵁: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا ثُمَّ نَهى عَنْهَا (^٣). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. عنْ سَبْرَةَ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا بَيْنَ الرُّكْنُ وَالْبَاب وَهُوَ يَقُولُ: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الاسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّم ذلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا (^٤)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n(^١) إذن لكم أن تستمتعوا أي بالنساء فاستمتعوا بلفظ الماضي أو بلفظ الأمر.\n(^٢) عن لحوم الحمر الأهلية أي عن أكلها.\n(^٣) أي ثالثا بعد النهي في غزو خيبر وبعد النهى في فتح مكة، فقد أباحها - ﷺ - مرات للضرورة ثم نهى عنها مؤبدا في حجة الوداع.\n(^٤) قوله بين الركن والباب أي بين ركن الحجر الأسود وبين باب الكعبة في حجة الوداع وقال: إن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، وبهذا حرمت مؤبدا وعليه الإجماع، وقال ابن عباس بحلها للمضطر ولكن شاع عنه حلها مطلقا فقال له سعيد بن جبير: هل تدري ما صنعت وقد سارت بفتياك الركبان وقال بها الشعراء، قال: وما قالوا؟ قال قالوا:\nقد قلت للشيخ لما طال مجلسه … يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس\nهل لك في رخصة الأطراف آنسة … تكون مثواك حتَّى مصدر الناس\nفقال ابن عباس: إنا لله وإنا إليه راجعون. والله ما بهذا أفتيت ولا أحللت إلا ما أحل الله للمضطر من الميتة والدم ولحم الخنزير، فسلك فيه ﵁ طريق القياس ولكنه غير صحيح فإن الميتة أبيحت الدفع الهادك وحبس الشهوة لا هلاك فيه انتهى كلام الخطابي، وقال الترمذي بسنده عن ابن عباس قال إنما كانت المتعة في أول الإسلام كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه مقيم تخدمه حتَّى نزلت - إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم - فكل فرج سوى هذين فهو حرام، فهذا صريح في أنه لم يقل بحلها مطلقا بل في صدر الإسلام. نسأل الله التوفيق آمين. والله أعلى وأعلم.","vol":"2","page":335},{"text":"<span data-type='title' id=toc-523>ومنه نكاح المحرم والتحليل والعبد</span>\n• عَنْ عُثْمَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُحِلَّ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ (^٢)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَاحِبَاهُ (^٣).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَهُوَ عَاهِرٌ». وَفِي رِوَايةٍ: فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ (^٤) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\nومنه نكاح المحرم والتحليل والعبد\n(^١) فالمتلبس بالإحرام لا يصح أن يتزوج ولا أن يزوج غيره بولاية أو وكالة لأنَّهُ متلبس بعبادة يفسدها الوطء فحرم النكاح أيضًا لأنَّهُ بابه ومنه يدخل، وتقدم الحديث في محرمات الإحرام.\n(^٢) المحل بلفظ اسم الفاعل هو من يتزوج المرأة ليحللها لزوجها الأول الذي طلقها ثلاثا، والمحلل له بلفظ المفعول هو الذي طلقها ثلاثا، واللعن لا يكون إلا لفعل حرام، فنكاح التحليل حرام وباطل إذا شرط في العقد أنه إذا واقعها بانت منه أو طلقها لأنَّهُ مؤقت كنكاح المتعة، فاللعن في الحديث منزل على هذا. وإذا لم يشترط في العقد شيء ولو نوى الطلاق بعد الوقاع صح العقد وكان مكروها لأن النية حديث النفس ولا مؤاخذة به وعلى هذا الشافعي وجماعة، بل قال أبو ثور: إن المحل مأجور لأنَّهُ كان سببا في عود المرأة لزوجها، ونقل عن الحنفية مثل ذلك كما نقل عنهم عدم الحل إذا نوى التحليل، ونقل عنهم الحل وإن نواه بل وإن شرط الطلاق وبلغو الشرط، وقال ابن عمر وجماعة لا يحللها للأول إلا نكاح رغبة، وإنما لعنهما الحديث لما فيه من هتك المروءة وقلة الحمية وخسة النفس بالنسبة للثاني. وأما الأول فإنه أعار نفسه بالوطء لغرض الغير فهو كالحيوان المستعار الحديث ابن ماجه: ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا بلى يا رسول الله قال: هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له.\n(^٣) بسند صحيح.\n(^٤) قوله عاهر أي زان، فزواج الرقيق بغير إذن سيده حرام ولا يصح لأنَّهُ مشغول بخدمة سيده فلا يحمل نفسه عملا آخر بغير إذنه، وعليه الشافعي وأحمد وغيرها وإن أجازه السيد بعد العقد، وقال المالكية والحنفية: إن أجازه السيد بعد العقد صح وإلا فلا. والله أعلى وأعلم.","vol":"2","page":336},{"text":"<span data-type='title' id=toc-524>الباب التاسع: في الطلاق </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ ﷿ الطَّلَاقُ (^٢)» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امرْأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤) والنَّسَائِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا وَلِتَنْكِحَ فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا (^٥)». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجنَّةِ (^٦)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ\n_________\n(الباب التاسع في الطلاق)\n(^١) أي في بيانه وحكمته وفي كراهته وفي شروطه، أما بيانه فهو لغة حل القيد، من أطلق الفرس والأسير حل قيدها، وأما اصطلاحا فهو حل القيد الثابت شرعًا بالنكاح، وحكمته الخلاص من ضيق المعاشرة واليسر بعد العسر، قال تعالى ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعًا حكيمًا﴾ وأما كراهته فستأتي في الأحاديث الأربعة الأول، وأما شروطه فما بعدهن وهي أن يتلفظ به الزوج ولو هازلا وأن يكون مكلفًا مختارا ليس مكرها ولا مملوءة بالغضب كما يأتي.\n(^٢) إنما كان الطلاق مبغوضا لبغض أسبابه الداعية إليه كسوء العشرة وكثرة الشقاق والنزاع وإلا فهو حلال بالقرآن والسنة، والنبي - ﷺ - طلق حفصة وراجعها، وفي رواية: ما أحل الله شيئًا أبغض إليه من الطلاق.\n(^٣) فليس على ديننا الكامل من خبب أي أفسد عبدا على سيده أو سيدا على عبده أو امرأة على زوجها أو أفسد الزوج على امرأته أو الولد على أبيه أو الوالد على ولده، فكل إفساد بين اثنين حرام ولا سيما القريبين.\n(^٤) بسند صالح.\n(^٥) لا تسأل، نفي يراد به النهي، فيحرم على المرأة السعي في طلاق أختها ولو في الإسلام لتستفرغ صحفتها أي لتخلى عصمتها من النكاح ولتحظى بزوجها فإنه يغضب الله ورسوله للإضرار بتلك المرأة. وفي رواية بسكون اللام في ولينكح أي بل تفكر في زواج من تشاء فالمقسوم لها لابد منه.\n(^٦) فلو كانت هناك أسباب لطلب الطلاق كسوء عشرة فلا حرمة، وفي رواية المحتلمات من المنافقات؛ أي فالنسوة اللاتي يسعين في الطلاق ولو ببذل مال منافقات أي إذا لم يكن لهن عذر شرعي كما سبق، وإلى هنا ما ورد في ذم الطلاق وما يأتي في شروطه.","vol":"2","page":337},{"text":"قَالَ: «لَا طَلَاقَ إِلا فِيمَا تَمْلِكُ (^١) وَلَا عِتْقَ إِلا فِيمَا تَمْلِكُ (^٢) وَلَا بَيْعَ إِلا فِيمَا تَمْلِكُ (^٣) وَلَا وَفَاءَ نَذْرٍ إِلا فِيمَا تَمْلِكُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَجَاوَزَ اللَّهُ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا مَا لَمْ تَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ (^٥)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرِّجْعَةُ (^٦)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ (^٧)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا (^٨).\n_________\n(^١) فلا طلاق قبل النكاح لأنَّهُ أصله فإذا انتفى الأصل انتفي الفرع، فلو قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق أو كل امرأة أتزوجها فهي طالق لا يقع طلاق بعد زواجه، وعلى هذا الجمهور سلفا وخلفة والشافعية، وقال الحنفية: يقع مطلقا لأنه يمين فلا توقف صحته على ملك المحل، وقال المالكية وجماعة بالتفصيل فإن عم لا يقع وإن حصر لزم كقوله: إن تزوجت فلانة أو كل امرأة أتزوجها من بني فلان أو من بلد كذا فهي طالق وقع إن تزوج بها.\n(^٢) فلو قال إن دخل هذا العبد في ملكي فهو حر لا يعتق إذا ملكه.\n(^٣) فلو قال له على إن دخل هذا في ملكي لأتصدقن به لا ينعقد النذر.\n(^٤) بسند حسن.\n(^٥) فحديث النفس لا مؤاخذة فيه إلا إذا تكلم أو عمل به، ومنه ما لو حدث نفسه بالطلاق ولم يتلفظ به فلا وقوع، والإشارة المفهومة بالطلاق التلفظ به لدخولها في الحديث ولقولهم إنها كالنطق، ولما تقدم في التقاضي في السبع وأشار بيده أن ضع الشطر، ولما يأتي في القصاص في الجارية التي شدخ رأسها أقتلك فلان؟ فأشارت أن لا، أقتلك فلان؟ فأشارت برأسها نعم فأمر النَّبِيّ - ﷺ - بقتله، فإذا اعتبرت الإشارة في الحدود التي ورد فيها ادرأوا الحدود بالشبهات في غيرها أولى، بيت الكتابة فمن طلق امرأته بالكتابة ولم يتلفظ وقع الطلاق لدخوله في الحديث في قوله: أو تعمل به، وعلى هذا الجمهور، واشترط مالك أن يشهد على الكتابة.\n(^٦) الجد بالكسر ما يراد به ما وضع له ولو مجازا، والهزل ما يراد به غير ما وضع له بغير مناسبة بينهما. والرجعة بالكسر والفتح عود المطلق إلى مطلقته، فمتى وقعت صيغة الزواج بحضور شهود أو تلفظ بالطلاق أو بالرجعة لزمه ذلك ولا يقبل القول بأنه هازل لقوله تعالى ﴿ولا تتخذوا آيات الله هزوا﴾ وذلك لتأكيد أمر الفروج والحيطة لها فلا تلوكها الألسن.\n(^٧) قوله: رفع انقل أي قلم التكليف والمؤاخذة عن هذه الثلاثة، فلو تلفظ النائم بالطلاق أو الصبي ولو مميزا أو المجنون لم يقع لعدم التكليف ولكن الصبي يكتب له صالح عمله لما تقدم في الصلاة مروا الصبي بالصلاة لسبع واضربوه على تركها لعشر. وفي الحج من صحة حجه.\n(^٨) ولكن البخاري رواه موقوفًا على عليٍّ ﵁.","vol":"2","page":338},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ (^١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ مَوْقُوفًا.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-525>عدد الطلاق </span>(^٣)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَنُسِخَ ذلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (^٤) رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَتَعْلَمُ أَنَّمَا كَانَتِ\n_________\n(^١) فكل طلاق جائز أي صحيح إلا من المعتوه المغلوب عليه أي الذي لم ينتظم في قوله ولا فعله، وهذا ظاهر إذا كان اختلال عقله بالقضاء والقدر فإن كان هو الذي تسبب فيه كأن تعاطي مسكرًا أو حشيشًا ونحوه أو ألقى بنفسه من عال أو في بحر فاختل عقله ثم طلق امرأته فإنه يقع لتعديه، وعلى هذا الجمهور.\n(^٢) الإغلاق: الإكراه فلا يقع طلاق ولا إعتاق من مكره، وعلى هذا الجمهور والمالكية والشافية وأحمد، وقال الحنفية: يصح طلاقه وعتاقه، وقال أبو داود بعد رواية الحديث: الإغلاق أظنه الغضب، وكذا رآه أحمد، ولعلهما أرادا غضبا يخرج الإنسان عن حد الاعتدال وهذا لا يقع فيه طلاق باتفاق، وأما مطلق غضب فبعيد لأن الإنسان لا يطلق إلا وهو غضبان فلو راعينا أي غضب ما وقع طلاق، نسأل الله الستر والتوفيق. والله أعلم.\n\nعدد الطلاق\n(^٣) الطلاق الذي يحرم الزوجة ثلاث، أما واحدة أو اثنتان فلا، وله مراجعتها، وألفاظ الطلاق نوعان صريح وكناية، فالصريح ثلاثة ألفاظ وهى الطلاق والفراق والسراح وما اشتق منها، والكناية كل لفظ يحتمل الطلاق وغيره ولا بد فيها من نية الطلاق كاذهبي إلى أهلك، وأنت خلية، وحبلك على غاربك، واذهبي كما تشائين، وأنت حرة، وأنت برية، وأنت بائن، ونحوها.\n(^٤) فكان للرجل مراجعة امرأته إذا طلقها ولو كثيرا، ولفظ الترمذي - كان الرجل يطلق امرأته ولو مائة مرة ويرجعها إذا شاءت ما دامت عدتها باقية نسخ هذا بقوله تعالى - ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ - كقوله: أنت طالق، أنت طالق، أو أنت طالق طلقتين أو المراد الطلاق مرتان في جلستين كما يأتي في حديث أحمد وأبي يعلى فإمساك بمعروف أي بعدها أو تسريح بإحسان.\n(^٥) بسند صحيح.","vol":"2","page":339},{"text":"الثَّلَاثُ تُجْعَلُ واحِدَةً عَلَى عَهْدِ النَّبيِّ ﷺ وأَبِي بَكْرٍ وَثَلَاثًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ (^١).\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ ﵄: كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ (^٢) رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ رُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي الْبَتَّةَ فَقَالَ: «مَا أَرَدْتَ بِهَا؟» قُلْتُ: وَاحِدَةً، قَالَ: «وَاللَّهِ» قُلْتُ: وَاللَّهِ، قَالَ: «فَهُوَ مَا أَرَدْتَ (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n_________\n(^١) قوله وثلاثًا أي من السنين والمراد جزء من الزمن فلا ينافي قوله الآتي وسنتين لرواية: وصدرًا من إمارة عمر.\n(^٢) قوله طلاق الثلاث بدل من لفظ الطلاق، والأناة هي التأني، فعنى الحديثين أنهم في عهد النَّبِيّ - ﷺ - وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر كانوا يحملون الطلاق بالثلاث في لفظ واحد، كأنت طالق ثلاثا واحدة فقط، فقال عمر: إن الناس قد تعجلوا في أمر الطلاق ومصلحتهم فيه التأني والعمل بالأحوط وجعله ثلاثا مع أصحابه وشاورهم في ذلك فوافقوه فأمضاه عليهم أي حكم بجمله ثلاثا فصار إجماعا من الصحابة - ﵃ -، فمن قال لامرأته أنت طالق ثلاثا، أو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وقع ثلاثا، وعلى هذا الجمهور والأئمة الأربعة، وقال جماعة: إنه يقع واحدة كالطلاق في مجلس واحد الذي يأتي في حديث أحمد، ونقل هذا عن علي وابن عباس وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وعن عطاء وطاوس وابن دينار وعكرمة وعن بعض أصحاب مالك وبعض الحنفية وبعض أصحاب أحمد، وحجتهم في هذا هذان الحديثان وحديث أحمد وأبي يعلى الصحيح أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد مخزن عليها حزنا شديدا فسأله رسول الله - ﷺ - كيف طلقها قال ثلاثا، قال: في مجلس واحد. قال: نعم، قال: فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت. قال فراجعها، قال في الفتح: وهذا نص في المسألة لا يقبل التأويل الذي في غيره، فهذا صريح في أن الطلاق في مجلس واحد وإن كثر يعد طلقة واحدة، ولكن نقل عن ابن عباس بوقوع الثلاث، ففي الموطأ قال رجل لابن عباس: إني طلقت امرأتي مائة طلقة فماذا ترى. قال: طلقت منك ثلاثا، وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزوًا، ولأبي داود بسند صحيح عن مجاهد قال كنت مع ابن عباس فجاءه رجل فقال: طلقت امرأتي ثلاثا فسكت حتَّى ظننت أنه يردها له ثم قال ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول يا ابن عباس إن الله قال: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا﴾ وأنت لم تتق الله فلم أجد لك مخرجًا عصيت ربك وبانت منك امرأتك.\n(^٣) قوله طلقت امرأتي البتة من البت وهو القطع =","vol":"2","page":340},{"text":"• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَ: «طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ (^١)» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢). وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-526>طلاق السنة والرجعة </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (^٤) وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ وَاتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ.\nعَن ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذلِكَ فَقَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُم لْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ أمْسَكَ بَعْدَ وإنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ (^٥)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ\n_________\n=كأنه قطع حبل النكاح بقوله: أنت طالق البتة، فلما علم منه النَّبِيّ - ﷺ - أنه أراد به واحدة حكم عليه بها فقط، ففيه أن الطلاق المبتوت ينزل على نية الحالف وعليه الشافعي، وقال مالك: هو ثلاث ونقل عن عمر أنه واحدة وعليه الحنفية والله أعلم.\n(^١) فعدة الأمة حيضتان إن كانت تحيض وإلا فشهران وتطليقها مرتان ولا تحل حتى تنكح زوجا غيره سواء كانت تحت عبد أو حر، وعلى هذا الحنفية والثوري، وقال الجمهور إذا كانت تحت حر فطلاقها ثلاث لأن الطلاق بالرجال والعدة بالنساء؛ لحديث ابن ماجه والدارقطني: إنما الطلاق من أخذ بالساق.\n(^٢) بسند ضعيف ولكن عليه أهل العلم كلهم. نسأل الله التوفيق لما بحب ورضى. والله أعلم.\n\nطلاق السنة والرجعة\n(^٣) أي بيان وقت الطلاق المرغوب فيه شرعا وبيان المراجعة.\n(^٤) أي إذا أردتم طلاق النسوة فطلقوهن لعدتهن أي عند الشروع فيها لئلا تطول فتتضرر المرأة. وهذا في المدخول بها التي تحيض وأما غيرها في أي وقت.\n(^٥) فكان لابن عمر زوجة تسمى آمنة بنت غفار فطلقها وهي حائض فبلغ عمر ذلك للنبي - ﷺ -، فأمره أن يراجعها ثم يمسكها حتَّى تطهر ثم تحيض حيضة ثانية ثم تطهر ولا يقربها ثم يطلقها إذا شاء فتلك العدة التي أمر الله بالطلاق فيها، وفي رواية: مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملا؛ أي فإن العدة تنتهي بالوضع، فيه أن طلاق السنة أن يطلقها طاهرا بغير جماع أو حاملا ولكن مع الإشهاد منعا للنزاع.","vol":"2","page":341},{"text":"أُحِبُّهَا وَكَانَ أَبِي يَكْرَهُهَا فَأَمَرَنِي أَنْ أُطَلِّقَهَا فَأَتَيْتُ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ طَلِّقِ امْرَأَتَكَ (^١)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٢).\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّ النبِيَّ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَقَالَ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ ﵁: أُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا فَقَامَ غَضْبَانَ ثُمَّ قَالَ: أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَقْتُلُهُ (^٤). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ\n\n<span data-type='title' id=toc-527>لا تحل المطلقة ثلاثًا حتى تنكح زوجًا غيره</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (^٥).\n\n• عَنْ عَائِشةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ امْرَأَةَ رِفَاعَةَ الْقُرْظِيِّ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي وَإِنِّي نَكَحْتُ بَعْدَهُ عَبْد الرَّحْمنِ بْنِ الزَّبِيرِ\n_________\n(^١) أي مرضاة لوالدك فإنه محق في كراهتها لشيء يراه عمر - ﵁ -، وهذا خاص به وإلا فالطلاق لا ينبغي إلا لسبب شرعي وليس منه مجرد طلب الوالدين فإنهما غالبا يكرهان الزوجة من غير شيء.\n(^٢) بسند صحيح.\n(^٣) أي بأمر من الله تعالى فإنه أوحي إليه: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة، ولفظ المراجعة كقوله: راجعت زوجتى إلى عصمتي وكقوله أمسكت امرأتي لنكاحى كما كانت، ويجب الإشهاد على الرجعة عند مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: يسن فقط.\n(^٤) قوله ثلاث تطليقات جميعا أي بلفظ واحد فقام غضبان وقال: يلعب بكتاب الله وأنا بينكم، يريد قوله تعالى ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ إلى قوله تعالى ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فإن معناه التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال مرة واحدة كقوله تعالى - ثم ارجع البصر كرتين - أي كرة بعد كرة لا كرتين اثنتين، فمن أدب الطلاق أن يكون في طهر وأن يكون طلقة واحدة أملا في العودة. والله أعلم.\n\nلا تحل المطلقة ثلاثًا حتَّى تنكح زوجا غيره\n(^٥) فإن طلق امرأته بعد المرتين مرة ثالثة فلا تحل له بعدها حتَّى تنكح زوجا غيره.","vol":"2","page":342},{"text":"الْقُرَظِيَّ وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ الْهُدْبَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَجَاءَتِ الْعُمَيْصَاءُ أَوِ الرُّمَيْصَاءِ ﵂ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَشْتَكِي زَوْجَهَا أَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا (^٢) فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ زَوْجُهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هِيَ كَاذِبَةٌ وَهُوَ يَصِلُ إِلَيْهَا (^٣) ولكنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى زَوْجِهَا الأَوَّلِ فَقَالَ ﵊: لَيْسَ ذلِكِ لَكِ حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-528>تخيير الزوجة وتفويض أمرها لها</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرْنَا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَلَمْ يَعُدَّ ذلِكَ عَلَيْنَا شَيْئًا (^٤). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ قَالَتْ: كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا\n_________\n(^١) فامرأة رفاعة واسمها تميمة بنت وهب جاءت للنبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي أي قطعه كليا، وفي رواية: طلقنى آخر ثلاث تطليقات؛ أي ثلاثًا متفرقة واحدة بعد أخرى فتزوجت بعده عبد الرحمن القرظي ولكن ما معه مثل هبة الثوب: أي قبله كطرف الرداء الذي لم ينسج لصغره أو استرخائه، فقال - ﷺ -: لا رجوع لك إلى رفاعة حتَّى تذوقي لذة الجماع من عبد الرحمن، وأطلق عليها عسيلة تصغير عسلة وهي قطعة العسل تشبيها للذة الجماع بلذة العسل أي لا رجوع حتَّى يجامعك جماعا صحيحا.\n(^٢) أي لا يواقعها لصغر قبله أو استرخائه.\n(^٣) بل قال في رواية: إنه ينفضها نفض الأديم ولكنها تريد زوجها الأول فقال - ﷺ - لها: لا سبيل إلى ذلك حتَّى تذوقي عسيلته، فالوطء الصحيح هو المسوغ لرجوعها لزوجها الأول، وهذا بإجماع إلا سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وداود فإنهم قالوا: يكفي العقد على الثاني في حلها للأول نظرا لظاهر الآية حتَّى تنكح زوجا غيره. والنكاح يحصل بالعقد ولعل الحديث لم يبلغهم وقيل إنهم رجعوا عن ذلك، وسمعت من أحد كبار الشيوخ ﵀ أنه اشترط الوطء عقابا لها على كذبها وإلا لما اشترطه في حلها الأول، وهذا إن صح يؤيد المذهب القائل باكتفاء العقد، وحكمة اشتراط الوطء من الثاني تأديب الزوجين حتَّى يبتعدا عن طلاق الثلاث فإن في وطء الثاني لها مذلة وعارا كبيرين بين الأسر. نسأل الله الستر لنا وللمسلمين آمين. والله أعلم.\n\nتخيير الزوجة وتفويض أمرها لها\n(^٤) لما نزل قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ=","vol":"2","page":343},{"text":"فَخَيَّرَهَا النَّبيُّ ﷺ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَلَفْظُ مُسْلِمٍ فِي الْعِتْقِ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ أَرَادَ أَهْلُهَا أَنْ يَبِيعُوهَا وَيَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا فَقَالَ ﷺ: «إِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَعَتَقَتْ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا. قَالَتْ: وَكَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا وَتُهْدِي لَنَا فَذَكَرْتُ ذلِكَ للنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَهُوَ لَكُمْ هَدِيَّةٌ فَكُلُوهُ (^٢)».\nوَعَنْهَا قَالَتْ: إِنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ عَبْدٍ لآلِ أَبِي أَحْمَدَ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ لَهَا: «إِنَّ قَرِبَكَ فَلَا خيَارَ لَكِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣) وَأَحْمَدُ وَلَفْظُهُ: «إِذَا أُعْتِقَتِ الْأَمَةُ فَهِيَ بِالْخِيَارِ إِنْ تَشَأْ فَارَقَتْهُ مَا لَمْ يَطَأْهَا (^٤)».\n\n• عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قُلْتُ لأَيُّوبَ: هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ أَحَدًا قَالَ فِي أَمْرُكِ بِيَدِكِ إِنَّهَا ثَلَاثٌ إِلا الْحَسَنُ؟ فَقَالَ: لَا، اللَّهُمَّ غَفْرًا إِلا مَا حَدَّثَنِي قَتَادَةُ عَنْ كَثِيرٍ مَوْلَى بَنِي سَمُرَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:\n_________\n=وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، - خير النَّبِيّ - ﷺ - أمهات المؤمنين بين البقاء على الزوجية وعدمه، ولكنه بدأ بعائشة فقرأ عليها هاتين الآيتين وقال: لا تعجلي حتَّى تستأمري أبويك، وقد علم أنهما لا يأمرانها بالفراق فقالت: في أي شيء أستأمرهما إني اخترت الله ورسوله، وخير بقية زوجاته فاخترن النَّبِيّ - ﷺ - فلم يكن ذلك طلاقا، فإذا خير امرأته فاختارته لم يكن طلاقا ولا فرقة، وعليه جمهور الصحب والتابعين والفقهاء، وقال جماعة إذا خيرها وقعت طلقة بائنة وإن اختارت زوجها، ومعني بائنة أنها تحتاج إلى عقد جديد.\n(^١) فبريرة لما أعتقتها عائشة خيرها النَّبِيّ - ﷺ - نظرًا لرق زوجها مغيث، فقالت: اخترت نفسي فانفسخ النكاح وصارت طالقا منه بواحدة بائنة.\n(^٢) قولها كان في بريرة ثلاث قضيات أي مسائل شرعية من أمهات الأحكام، الأولى أن الولاء لمن أعتق، الثانية تخيير الرقيقة إذا عتقت وهي تحت رقيق، الثالثة أن العطية للفقير صدقة وهي منه للغني هدية.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) فإذا عتقت الأمة وهي تحت رقيق فلها الخيار ولكن على التراخي ما لم تمكنه من وطئها وإلا انقطع الخيار وثبتت الزوجية، وعلى هذا الأئمة الأربعة، ولأبي داود والنسائي أن عائشة أرادت أن تعتق مملوكين لها زوجين فسألت النَّبِيّ - ﷺ - فقال: ابدئي بالرجل قبل المرأة، وذلك لأنَّهُ أكمل ولعدم إعطائها الخيار في أمر النكاح فربما استنكرت البقاء تحت الرقيق.","vol":"2","page":344},{"text":"«ثَلَاثٌ» (^١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَاحِبَاهُ (^٢) وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ\n\n<span data-type='title' id=toc-529>الخلع </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (^٤).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دَينٍ وَلكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ»؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «أقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (^٥). رَوَاهُ\n_________\n(^١) فحماد قال لأيوب: هل علمت أن أحدا قال في أمرك بيدك أنه طلاق ثلاث إلا الحسن، قال: لا، ثم تذكر أن غيره قاله فقال: اللهم مغفرة لي، بل حدثني قتادة بسنده أن النبي - ﷺ - قال: هو ثلاث.\n(^٢) بسند ضعيف والصحيح وقفه على أبي هريرة، فظاهر هذا أن الحسن وأبا هريرة يقولان في أمرك بيدك أنه طلاق ثلاث وإن لم تنطق بشيء ولكن المنقول إذا قال الزوج لامرأته أمرك بيدك فالقضاء على ما قضت به من طلقة أو أكثر، وعلى هذا بعض الصحب والتابعين وجمهور الفقهاء، وقال بعض الصحب والتابعين: إنه واحدة بائنة وإن أكثرت من الطلاق عملا بالقليل مع شيء من الحيطة، وعلى هذا سفيان والكوفيون، وقال ابن عمر: إذا قال أمرك بيدك فطلقت نفسها ثلاثًا، وقال الزوج: لم أجعل أمرها بيدها إلا في طلقة واحدة فقط استحلف وكان الحكم على قوله ويمينه نسأل الله الستر والتوفيق. والله أعلم.\n\nالخلع\n(^٣) هو فراق الزوجه على أخذ شيء منها، من خلع ثوبه: نزعه لأن كلا الزوجين لباس للآخر.\n(^٤) فإن خفتم أن لا يقيما أي الزوجان حدود الله التي بينها لكل منهما على الآخَر وعجزتم عن التوفيق بينهما فلا ذنب عليهما في افتداء نفسها بشيء تعطيه لزوجها ويطلقها.\n(^٥) فامرأة ثابت وهي جميلة بنت أبي سلول جاءت للنبي - ﷺ - فقالت يا رسول الله إني أريد فراق زوجي ولا أذمه في خلق ولا دين ولكني أكره صفة الكفر وأنا مسلمة، أو الرجوع إليه بعد إسلامي فقال - ﷺ -: تردين عليه حديقته التي أعطاها لك صداقا. قالت: نعم، فأمره النَّبِيّ - ﷺ - بقبولها وتطليقها طلقة منعا للشقاق فأجابه، وكان الثابت هذا امرأة أخرى تسمى حبيبة بنت سهل جاءت تشكو للنبي - ﷺ - وأنه ضربها حتَّى كسر بعض جسمها وقالت مرة: إنه دميم وطلبت فراقه فأخذ منها وجلست في أهلها، فالخلع تكرر منه - ﵁ - -، قال الخطابي: في هذا دليلٌ على أن الخلع فسخ وليس بطلاق لأنَّهُ لو كان طلاقًا لاقتضى شروط الطلاق =","vol":"2","page":345},{"text":"الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عِدَّتَهَا حَيْضَةً. رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١).\nوَاخْتَلَعَتِ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ ﵂ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَهَا أَوْ أُمِرَتْ أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ (^٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-530>الإيلاء وتحريم الزوجة </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٤).\n_________\n= من وقوعه في طهر لم تمس فيه ومن كونه من قبل الزوج وحده من غير مراضاة المرأة فلما لم يتعرف النَّبِيّ - ﷺ - الحال في ذلك وأذن له في مخالعتها في مجلسه دل ذلك على أنه فسخ وليس بطلاق ولأن العدة منه حيضة واحدة وعدة الطلاق ثلاث وعلى هذا ابن عباس واحتج بقوله تعالى - الطلاق مرتان - ثم ذكر الخلع بقوله تعال - فإن خفتم ألا يقيا حدود الله - ثم عاد للطلاق بقوله - فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره - فلو كان الخلع طلاقا لكان الطلاق أربعا ووافقه في هذا طاوس وعكرمة وأحمد وإسحاق وأبو نور وهو قول ضعيف للشافعي ولا ينقص عدد الطلاق إذا كان بلفظ المخالعة أو المناداة ولم ينو طلاقا، وقال ابن القيم: الدليل على أنه فسخ وليس بطلاق أنه رتب على الطلاق بعد الدخول ثلاثة أحكام كلها منفية عن الخلع، أولها أن الزوج أحق بالرجعة، والثاني أنه محسوب من الثلاث، والثالث عدة الطلاق ثلاثة قروء، وقال جمهور الصحب والتابعين والفقهاء: إنه طلاق بائن وهو أصح قول الشافعي، فعلى هذا ينقص عدد الطلاق بخلافه على أنه فسخ، وعلى الرأين هو بينونة صغرى تملك به المرأة نفسها فلا رجوع إلا بعقد جديد وهو يخلص من الطلاق المعلق ولو كان بالثلاث، فلو حلف لا يكلم زيدا مثلا وأراد تكليمه فإنه يخالع امرأته ثم يكلمه ويعقد عليها ثانيا فلا يقع عليه شيء لأن البائن لا يلحقها الطلاق ولكن يحسب هذا الخلع عليه طلقة عند الجمهور بخلاف غيرهم.\n(^١) بسند حسن.\n(^٢) قوله أو أمرت للشك، فصريح هذين أن عدة المختلعة حيضة واحدة وعلى هذا ابن عمر وجماعة، ولكن الجمهور على أن عدتها ثلاثة قروء الطلقة لأنَّهُ طلاق أو نوع منه، والله أعلم.\n\nالإيلاء وتحريم الزوجة\n(^٣) الإيلاء لغة: الحلف. وشرعًا: حلف الزوج ألا يطأ امرأته أربعة أشهر فأكثر، وهو حرام لما فيه من إضرار الزوجة، وكان إيلاء الجاهلية سنة وسنتين فوقته الله بأربعة أشهر.\n(^٤) فالذين يحلفون على عدم وطء زوجاتهم ينتظرون أربعة أشهر فإن فاءوا ورجعوا إلى حسن المعاشرة فإن الله يتوب عليهم، وإن أرادوا الطلاق فليمضوه ولا يتركون الزوجات كالمعلقات فإنه حرام.","vol":"2","page":346},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ وَكَانَتِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ثُمَّ نَزَلَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ آلَيْتَ شَهْرًا فَقَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\nوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ فِي الإِيلَاءِ الَّذِي سَمَّى اللَّهُ: لَا يَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدَ الأَجَلِ أَنْ يُمْسِكَ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يَعْزِمَ الطَّلَاقَ (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ وَحَرَّمَ فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلَالًا وَجَعَلَ فِي الْيَمِينِ كَفَّارَةً (^٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا. وَقَالَ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (^٥). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n(^١) أي هذا الشهر عدة لياليه تسع وعشرون أي فقدتم وبررت في يميني، وهذا مطلق إيلاء وسبق الحديث في الصوم.\n(^٢) فبعد الأشهر الأربعة يجب عليه حسن العشرة أو الفراق وإلا وقع في الإثم ولا طلاق عند الجمهور، وقال بعض الصحب والتابعين وسفيان والكوفيون: إذا مضت فهي طلقة بائنة.\n(^٣) آلى من نسائه وحرم أي على نفسه بعض الحلال كوطء مارية وكشرب العسل لأمور قضت به ثم رجع عن هذا، فعل الحرام حلالا وكفر عن يمينه لما نزل عليه قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾.\n(^٤) وقال في الفتح: رجاله موثقون.\n(^٥) فمن قال لامرأته: أنت علي حرام أو أنت محرمة علي لم يقع طلاق ولكن عليه كفارة يمين ولنا في هذا أسوة حسنة بما وقع له - ﷺ - فقد روى النسائي بسند صحيح كانت للنبي - ﷺ - أمة يطؤها فلم تزل به حفصة وعائشة حتَّى حرمها فأنزل الله تعالى - يا أيها النَّبِيّ لم تحرم ما أحل الله لك - الآيات فتحريم الزوجة ليس طلاقا ولكن فيه كفارة يمين، وعلى هذا ابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت، ونقل عن بعض الصحب والتابعين والمحدثين أنه لغو لا شيء فيه، وروي عن علي ﵁ أنه طلاق ثلاث وعليه المالكية، وقال الحسن البصري والشافعية: إنه كناية إن نوى به الطلاق وقع وإلا فلا، وقال الحنفية: إن نوى طلاقا وقع بائنا وإلا فهو يمين، وقال أحمد وجماعة فيه كفارة ظهار. والله أعلم","vol":"2","page":347},{"text":"<span data-type='title' id=toc-531>اللعان </span>(^١)\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَأْنِهِ مَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَمْرِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ (^٢). فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قَدْ قَضَى اللَّهُ فِيكَ وَفِي امْرَأَتِكَ فَتَلَاعَنَا فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ (^٣)»، فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ فَرَغَا مِنَ التَّلَاعُنِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَكَانَتِ السُّنَّةُ بَعْدُهُمَا التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، وَكَانَتْ حَامِلًا وَكَانَ ابْنُهَا يُدْعى لِأُمِّهِ، ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي الْمِيرَاثِ أَنَّهُ يَرِثهَا وَتَرِثُهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا (^٤). زَادَ فِي رِوَايَةٍ فَقَالَ ﷺ: «إِنْ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَرَ قَصِيرًا كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَلَا أُرَاهَا إِلا قَدْ صَدَقَتْ وَكَذَبَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ أَعْيَنَ ذَا أَلْيَتَيْنِ فَلَا أُرَاهُ إِلا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى الْمَكْرُوهِ مِنْ ذلِكَ (^٥)». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ لَهُمَا:\n_________\nاللعان\n(^١) من اللعن وهو الطرد والإبعاد لاشتمال شهادة الرجل عليه، وشرعا: حلف الزوج أمام الحاكم أنه صادق فيما رمي به زوجته من الزنا تم تحلف هي بعده بأنه كاذب، واللعان جاز إن تحقق زناها، وحكمته البراءة من العار ودفع الحد عنه ولحوق الولد بأمه، وإذا وقع التلاعن حرمت عليه أبدا لقوله الآتي: لا سبيل لك عليها. ولحديث البيهقي: المتلاعنان لا يجتمعان أبدا. وعلى هذا الجمهور، وقال الحنفية: إنه لا يقتضي التحريم ولا تقع الفرقة حتى يوقعها الحاكم.\n(^٢) وهو ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾.\n(^٣) أي حاضر أرى وأسمع، وسيأتي في حديث ابن عمر كيفية التلاعن.\n(^٤) وفي رواية: لاعن النَّبِيّ - ﷺ - بين رجل وامرأته فانتفى من ولدها ففرق بينهما وألحق الولد بالمرأة.\n(^٥) أي إن جاءت بالمولود أحمر اللون قصير القامة كأنه وحرة - بالتحريك دويبة حمراء تترامى على الطعام - فلا أراها أي لا أظنها إلا صادقة لأنَّهُ وصف زوجها، وإن جاء مولودها عظيم العينين أسودها كبير الأليتين فلا أظنها إلا كاذبة لأنَّهُ وصف من رميت به، فجاء الولد على وصفه.","vol":"2","page":348},{"text":"«حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ (^١) لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا (^٢)» قَالَ الرَّجُلُ: مَا لِي قَالَ: «لَا مَالَ لَكَ عَلَيْهَا إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ (^٣)».\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ (^٤) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ أَوْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ افْتَحْ» وَجَعَلَ يَدْعُو فَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ فَتَلَاهَا عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ دَعَاهَا فَوَعَظَهَا وَذَكَّرَهَا وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ قَالَتْ: «لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ، فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا (^٥)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ. نَسْأَلُ اللَّهَ السَّتْرَ وَالتَّوْفِيقَ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n(^١) حسابكما على الله أي جزاؤكما في الواقع على الله فهو علام الغيوب وأنا حكمت بالظاهر، وفي رواية: الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب.\n(^٢) أي هي محرمة عليك للأبد.!\n(^٣) قال الزوج مالي الذي أخذته في المهر وغيره، قال: لا شيء لك عليها إن كنت صادقا فهو بوطئك لها وإن كنت كاذبا فهو أبعد منك لأنك تمتعت بها ثم افتريت عليها، وهذا في المدخول بها باتفاق، وأما غيرها فلها نصف المهر عند الشافعي ومالك وأبي حنيفة وقيل لها الكل وقيل لا شيء لها.\n(^٤) فرجل أنصارى اسمه عويمر العجلاني جاء للنبي - ﷺ - فقال يا رسول الله إذا رأى الرجل مع امرأته رجلا بزني بها إن تكلم بذلك جلدتموه حد القذف، وإن قتل أحدها قتلتموه، وإن سكت قتله الغيظ فدعا النَّبِيّ - ﷺ - ربه فنزلت آيات اللعان فدعاها النَّبِيّ - ﷺ - وقرأها عليهما ووعظهما لعلهما رجعان ويتوبان إلى الله فأنبيا فأجرى بينهما اللعان في المسجد بحضور فئة من الناس ثم فرق بينهما لدفع المذلة والمعار إن دامت الزوجية.\n(^٥) ولفظ شهادة الرجل أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة من الزنا أربع مرات ثم=","vol":"2","page":349},{"text":"<span data-type='title' id=toc-532>الولد للفراش </span>(^١)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ ﵄ فِي غُلَامٍ فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هذَا ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ وَانْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ هذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ (^٢) فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ فَقَالَ: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ (^٣)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فُلَانًا ابْنِي عَاهَرْتُ بِأُمِّهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ ﷺ: «لَا دَعْوَةَ فِي الإِسْلامِ، ذَهَبَ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ الْوَلَدُ لِلْفِراشِ وَللعَاهِرِ الْحَجَرُ (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n= يقول في المرة الخامسة وعليه لعنة الله إن كان من الكاذبين، ثم تشهد الزوجة بأن تقول أشهد بالله أن زوجي فلان من الكاذبين فيما رماني به أربع مرات، ثم تقول في الخامسة وعليها غضب الله إن كان من الصادقين، وكرر لفظ الشهادة أربع مرات ليقوم مقام شهادة الأربعة على الزنا، وخصت المرأة بالغضب لأن جرمها عظيم، واختلفوا فيمن وجد مع امرأته رجلا يزني بها، فالجمهور على أنه لا يقتله وإن قتله اقتص منه إلا أن يأتي ببينة، وقال بعضهم لو قتله لا يقتل إذ ظهرت أمارة صدقه لأنَّهُ معذور. والله أعلم.\n\nالولد للفراش\n(^١) فالولد من نكاح الزنا لا يلحق بالزاني بل بأمه إن كانت حرة كما تقدم في اللعان، وإن كانت أمة كان لسيدها كما هنا.\n(^٢) الوليدة: الجارية.\n(^٣) فكان لزمعة جارية حملت سفاحا من عتبة بن أبي وقاص فلما دنت وفاته أوصى أخاه سعدا بأن ولد هذه الجارية ابنه من الزنا كعادتهم في الجاهلية، فما طالبه عمه سعد عارضه عبد الله بن زمعة وقال هو أخي ولد على فراش أبي من جاريته فاختصما إلى النَّبِيّ - ﷺ - فحكم به لعبد الله بقوله: هو لك يا عبد، الولد للفراش أي لصاحبه وهو هنا سيدها. وللعاهر أي الزاني الحجر أي الخيبة فلا شيء له، والعرب تقول في ذلك له الحجر وبنية التراب أي لا شيء له.\n(^٤) جاء رجل فقال يا رسول الله فلان ولدي عاهرت بأمه أي زنيت بها في الجاهلية، فقال - ﷺ -: لا دعوة في الإسلام أي بلحوق ولد الزنا بالزاني، =","vol":"2","page":350},{"text":"<span data-type='title' id=toc-533>ينبغي الاحتراس وتحسين الظن </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ فَقَالَ: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ»؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: «فَمَا أَلْوَانُهَا»؟ قَالَ: حُمْرٌ قَالَ: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ»؟ قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ: «فَأَنَّي أَتَاهَا ذلِكَ»؟ قَالَ: عَسى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ قَالَ: «وهذَا عَسى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ (^٢)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَلَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ وَلَنْ يُدْخِلَهَا اللَّهُ جَنَّتَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ احْتَجَبَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ وَفَضَحَهُ عَلَى رُؤُوسِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n_________\n= ذهب أمر الجاهلية وبطلت عوائدهم وظهر عليها الإسلام، فالولد للفراش أي لأمه لأنها كانت حرة بخلاف الرقيقة فالولد لسيدها. نسأل الله الستر والتوفيق لما يحب ويرضى والله أعلم.\n\nينبغي الاحتراس وتحسين الظن\n(^١) أي بالنسبة للزوجة ومن تحت رعايته من النسوة.\n(^٢) فهذا الرجل لما وضعت امرأته غلاما أسود وليس السواد لونه ولا لون أمه دخله الشك من امرأته فسأل النَّبِيّ - ﷺ - فقال: ما لون إبلك: قال حمر، جمع أحمر، قال: قل فيها أورق، أي في لونه بياض، قال فيها ورق كثيرة، جمع أورق، قال: فمن أين، قال لعله نزعه عرق أي جذبه لون كان في واحد من أصوله، قال وهذا كذلك، فمخالفة اللون لا تدل على أن الولد من الزنا فربما كان لونه في أحد أصوله. وفي المثل العرق نزاع، فينبغي تحسين الظن إلا إذا قويت الشبهة أو تحقق .. وسيأتي: ادرأوا الحدود بالشبهات.\n(^٣) فأي امرأة جاءت بولد من الزنا ونسبته إلى قوم فليست من الله في شيء أي ليس لها حظ من دينه بل لها النار، وأي رجل انتفي من ولده أعرضي الله عنه وفضحه على رءوس الأشهاد يوم القيامة. نسأل الله السلامة والستر في الدارين.","vol":"2","page":351},{"text":"<span data-type='title' id=toc-534>يعمل برأي القائف وإلا فالقرعة </span>(^١)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُؤُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ: إِنَّ هذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ (^٢)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^٣).\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: أُتِيَ عَلِيٌّ ﵁ بِثَلَاثَةٍ وَهُوَ فِي الْيَمَنِ وَقعُوا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ فَسَأَلَ اثْنَيْنِ أَتُقِرَّانِ لِهذَا بِالْوَلَدِ؟ قَالَا: لَا، حَتَّى سَأَلَهُمْ جَمِيعًا فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالَّذِي صَارَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ وَجَعَلَ عَلَيْهِ ثُلُثَيِ الدِّيَةِ لِصَاحِبَيْهِ، فَذَكَرَ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ (^٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\nيعمل برأي القائف وإلا فالقرعة\n(^١) القائف: هو من يتبع الآثار ويعرفها ويعرف شبه الرجل بأبيه وجده وأخيه مثلا.\n(^٢) الأسارير: جمع أسرار وهي جمع سرر، والأسرار: خطوط الجبهة، فعائشة تقول: دخل عليّ النَّبِيّ - ﷺ - وهو مسرور يهلل وجهه من الفرح فقال: أما علمت أن مجززة المدلجي وهو من القافة دخل. علينا فرأى أسامة وزيد بن حارثة أباه مستورين بقطيفة ولكن ظهرت أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فزيد هذا كان مولى للنبي - ﷺ - وكان لونه أبيض وولده أسامة كان لونه أسود لأن أمه بركة الحبشية كانت سوداء، فكان بعض الناس يرتاب في نسبه لسواده وبياض أبيه وكان هذا يسوء النَّبِيّ - ﷺ - لنسبتهم إليه، فلما دخل القائف وقال: هذه الأقدام بعضها من بعض أي فأحد هذين ولد للآخر فرح النَّبِيّ - ﷺ -، وفرحه لا يكون إلا لحق، فقول القائف حجة وبه حكر عمر وابن عباس وعليه عطاء ومالك والشافعي وأحمد وعامة المحدثين، وقال الحنفية: لا عبرة بقول القائف لأنَّهُ بالظن يصيب ويخطئ.\n(^٣) أي هنا إلا البخاري في الميراث.\n(^٤) فعلي - ﵁ - وهو وال باليمن جاءه ثلاثة يتنازعون في ولد كانوا وقعوا على أمه في طهر واحد على ظن أنها الزوجة أو أنهم كانوا شركاء في أمة كما قاله صاحب المنتقى وإن كان الواجب على كل منهم عدم وطنها حتَّى يستبرئها منعا لاختلاط الأنساب، فعرض على كل اثنين منهم أن يقرا للثالث بالولد فأبوا فعمل لهم قرعة وأعطى الولد لمن صارت له وألزمه لكل واحد ثلث دية، فلما أخبر النَّبِيّ - ﷺ - بذلك فرح كثيرا، فهذا إقرار منه - ﷺ - للقرعة =","vol":"2","page":352},{"text":"<span data-type='title' id=toc-535>الظهار </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (^٢).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ ظَاهَرْتُ مِنَ امْرأَتِي فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ فَقَالَ: «وَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذلِكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟» قَالَ: رَأَيْتُ خَلْخَالَهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ قَالَ: فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ (^٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَاحِبَاهُ (^٤).\nعن سلمة بن صخر ﵁ قال: كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري (^٥) فلما دخل رمضان خفت أن أصيب من امرأتي فظاهرت منها حتى ينسلخ رمضان فبينا هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء\n_________\n= فالعمل بها صحيح وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا إلا مالكا وأبا حنيفة رضي الله عن الجميع، فلو تنازع جماعة في ولد وهناك بينة عمل بها وإن لم تكن عمل بقول القائف إن وجد وإلا فالقرعة، وقال الحنفية: لا يعمل بالقائف ولا بالقرعة بل لو تساوي جماعة في ولد كان مشتركا بينهم وورث من كل منهم كابن كامل وورثوه جميعا كأب واحد والله أعلى وأعلم.\n\nالظهار\n(^١) الظهار مصدر ظاهر ظهارًا إذا قال لامرأته أنت عليّ كظهر أي، وشرعا تشبيه الزوج زوجته في الحرمة بأمه، وكان الظهار طلاق في الجاهلية كالإيلاء فغير الشرع حكمه إلى تحريمها بعد العود حتَّى يكفر، ولو لم يذكر الأم كقوله: أنت عليّ كظهر أختى لا يكون ظهارا عند الجمهور بل الظهار يختص بالأم كما ورد في الكتاب والسنة، وقال الحنفية والثوري: بقية المحارم كالأم لأن العلة التحريم المؤبد.\n(^٢) بقية ما ورد فيه ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ صدق الله العظيم.\n(^٣) فيحرم وطؤها حتَّى يكفر كنص القرآن - فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا -.\n(^٤) بسند صحيح.\n(^٥) كناية عن شدة حبه النساء وكثرة جماعهن.","vol":"2","page":353},{"text":"فنزوت عليها (^١) فلما أصبحت أخبرت قومي وقلت: امشوا معي إلي النبي ﷺ قالوا: لا والله، فانطلقت إليه فأخبرته فقال: أنت بذاك يا سلمة (^٢) قلت: أنا بذاك يا رسول الله مرتين وأنا صابر لأمر الله ﷿ فاحكم فيّ بما أراك الله. قال: حرّر رقبة، قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك غيرها وضربت صفحة رقبتي، قال: فصم شهرين متتابعين، قلت: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال: فأطعم وسقًا من تمر بين ستين مسكينًا (^٣) قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشين ما لنا طعام (^٤) قال: فانطلق إلى صاحب صدقة فليدفعها إليك (^٥) فأطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر وكل أنت وعيالك بقيّتها فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند النبي ﷺ السّعة وحسن الرأي، وقد أمر لي بصدقتكم. رواه أبو داود والترمذي (^٦). والله أعلى وأعلم.\n_________\n(^١) أي وافقتها.\n(^٢) أي أنت ارتكبت ذلك.\n(^٣) الوسق: ستون صاعا لستين مسكينا لكل واحد صاع، وقوله من تمر لأنَّهُ كان طعامهم حينذاك، وإلا فالواجب مما يقتاتون به أيًا كان.\n(^٤) بتنان وحشين يقال: رجل وحش بالسكون إذا كان جائعا لا طعام له، وقد أوحش أي جاع.\n(^٥) هو جابي الزكاة من بني زريق وهي قبيلة كبيرة منها بياضة التي منها سلمة هذا الذي ظاهر من امرأته، فظاهر هذه الرواية أن الواجب لكل مسكين صاع وعليه الحنفية إلا من البر فيكفي نصف صاع. ولكن الجمهور على أن الواجب لكل مستكين مد طعام لحديث خولة بنت الصامت الذي يأتي في التفسير إن شاء الله وقياسا على ما تقدم في كفارة الجماع في رمضان.\n(^٦) وأحمد والحاكم وصححه، فمن قال لامرأته. أنت على حرام كأي مثلا حرم عليه جماعها حتَّى يكفر بإعتاق رقبة فإن لم يجدها فصيام شهرين متتابعين فإن لم يقدر على الصيام فليطعم ستين مسكينا، ولو جامعها قبل التكفير فلا تتعدد الكفارة عند الجمهور، وقال بعضهم: عليه كفارتان ولا تسقط بالعجز عنها بل يجب إخراجها عند اليسار. والله أعلم.","vol":"2","page":354},{"text":"<span data-type='title' id=toc-536>إذا أسلم وتحته أختان أو أكثر من أربع</span>\nعن فيروز الديلمي (^١) ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إني أسلمت وتحتي أختان، قال: اختر أيتهما شئت. رواه الترمذي (^٢) وأبو داود ولفظه: طلّق أيتهما شئت (^٣). عن الحارث بن قيس ﵁ قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: اختر منهن أربعًا (^٤). رواه أبو داود (^٥) عن ابن عمر ﵄ أنّ غيلان بن سلمة الثّقفي أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه فأمره النبي ﷺ أن يختار أربعًا منهن (^٦). رواه الترمذي (^٧) وابن ماجه.\n_________\nإذا أسلم وتحته أختان أو أكثر من أربع\n(^١) فيروز هذا ممنوع من الصرف لأنَّهُ من فارس، وهو الذي قتل الأسود العنسي الكذاب الذي ادعى النبوة في اليمن.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) ففيروز هذا أسلم هو وزوجتاه وكانتا أختين فسأل النَّبِيّ - ﷺ - فقال. طلق من تشاء وأمسك الأخرى فإنه يحرم الجمع بين الأختين، وظاهره أن له ذلك مطلقا وعلى هذا الجمهور، وقال الحنفية: يختار من سبق عقدها، وإن تزوجهما مما فرق بينه وبينهما ويعقد على من يشاء بعده، وإذا قال: اخترت فلانة وقت الفرقة الأخرى، والأحسن أن يتلفظ بطلاق من لا يريدها للفظ أبي داود.\n(^٤) فالحارث أسلم هو وزوجاته الثمانية فسأل النَّبِيّ - ﷺ - فقال: اختر منهن أربعا وطلق باقيهن من غير نظر إلى العقد الأول، وعلى هذا الجمهور، وقال الحنفية والثوري: إن نكحهن في عقد واحد فرق بينه وبينهن وإن نكحهن مرتبا فله اختيار الأربع الأول.\n(^٥) بسند صالح.\n(^٦) في هذه النصوص أن أنكحة الكفار صحيحة فإنهم لما أسلموا لم يؤمروا بتجديد العقد. والله أعلم.\n(^٧) بسند صحيح.","vol":"2","page":355},{"text":"<span data-type='title' id=toc-537>إسلام أحد الزوجين </span>(^١)\nعن ابن عباس ﵄ أن رجلًا جاء مسلمًا على عهد النبي ﷺ ثم جاءت إمرأته مسلمة فقال: يا رسول الله إنها كانت أسلمت معي فردّها عليّ فردها عليه (^٢). رواه الترمذي وأبو داود (^٣). وعنه قال: أسلمت امرأة على عهد رسول الله ﷺ فتزوجت فجاء زوجها الأول إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد كنت أسلمت وعلمت بإسلامي فانتزعها النبي ﷺ من زوجها الثاني وردّها للأول (^٤). رواه أبو داود وابن ماجه (^٥). وعنه قال: ردّ النبي ﷺ ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بعد ست سنين بالنكاح الأول ولم يحدث نكاحًا (^٦) رواه الترمذي وأبو داود (^٧).\nوعنه قال: إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه (^٨). رواه البخاري. والله أعلم.\n_________\nإسلام أحد الزوجين\n(^١) فإسلام أحدها يوجب فسخ النكاح إذا تأخر الآخَر عنه طويلا.\n(^٢) فردها عليه أي بقوله: هي زوجتك، فإذا أسلم الزوجان معا فهما على نكاحهما ولا يسألان عن العقد الأول ما لم يكن البطل قائما بأن كانت محرما له بنسب أو رضاع.\n(^٣) بسند صحيح.\n(^٤) فإذا أسلم أحد الزوجين وتبعه الآخَر قبل انقضاء العدة ثبت النكاح بينهما سواء كانا كتابيين أولا وعليه الجمهور، وقال الحنفية. تحصل الفرقة بينهما بأحد ثلاثة: انقضاء المدة، أو عرض الإسلام على الآخَر وامتناعه، أو انتقال أحدهما من دار الإسلام إلى دار الحرب.\n(^٥) بسند صالح.\n(^٦) فزينب بنت النَّبِيّ - ﷺ - كانت متزوجة بأبي العاص فلما أرسل النَّبِيّ - ﷺ - وأسلمت لم يسلم زوجها معها فأخذها النَّبِيّ - ﷺ - وبعد ست سنين أو ثلاث أو سنتين أسلم، فطلبها من النَّبِيّ - ﷺ - فردها له بغير عقد جديد، وفي رواية بنكاح ومهر جديدين، وعلى هذا الفقهاء لما تقدم، وإن كانت رواية الكتاب أجود إسناده.\n(^٧) بسند صالح.\n(^٨) المراد بالنصرانية مطلق الكافرة فإذا أسلمت قبل زوجها ولو بساعة حرمت عليه لعدم التساوي في الدين، وعلى هذا ابن عباس وعطاء، ولكن الجمهور على خلافهما فلا تحرم عليه إلا إذا مضت العدة ولم يسلم. نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى. والله أعلم","vol":"2","page":356},{"text":"<span data-type='title' id=toc-538>الولد يتبع المسلم من أبويه </span>(^١)\nعن رافع بن سنان ﵁ أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم (^٢) فقالت للنبي ﷺ: ابنتي وقال رافع: ابنتي فقال له النبي ﷺ: اقعد ناحية وقال لها اقعدي ناحية وأقعد الصبية بينهما ثم قال: ادعواها فمالت الصبية إلى أمها فقال النبي ﷺ: اللهم اهدها فمالت الصبية إلى أبيها فأخذها (^٣) رواه أبو داود والنسائي والله أعلى وأعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-539>الحضانة </span>(^٤)\nعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن امرأة قال: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء وإن أباه طلّقني وأراد أن ينتزعه منّي فقال لها رسول الله ﷺ: أنت أحق به ما لم تنكحي (^٥). رواه أبو داود وأحمد والحاكم وصححه. عن علي ﵁ قال: خرج زيد بن حارثة إلى مكة فقدم بابنة حمزة فقال جعفر:\n_________\nالولد يتبع المسلم من أبويه\n(^١) فإذا أسر أحد الزوجين الكافرين ولما ولد فالمسلم منهما أحق به الحديث: الإسلام يزيد ولا ينقص.\n(^٢) وكان لها من رافع ولد فطيم.\n(^٣) فلما مالت إلى أبيها المسلم أخذها فأقره النَّبِيّ - ﷺ - وإقراره حجة؛ فإذا أسلم أحد الزوجين أو ارتد أحد المسلمين ولما ولد فالمسلم أولى به لأن الفرع يتبع أشرف أبويه في الدين، والإسلام يعلو ولا يعلى، وعليه الشافعي وجماعة، وقال الحنفية: إن الأم أحق بولدها مسلة كانت أو ذمية ما لم تتزوج. نسأل الله التوفيق. والله أعلم.\n\nالحضانة\n(^٤) هي تربية الطفل حتَّى يترعرع ويفهم الخطاب ويرد الجواب.\n(^٥) الوعاء: الظرف، والسقاء: ما يوضع فيه الماء، وحجرى بالتثليث، كان له حواء أي حافظا، فرادها أنها أحق بالولد لاختصاصها بهذه الأوصاف دون الأب فقال - ﷺ -: أنت أولى به ما دمت خالية، فإذا فارق الرجل امرأته ولما ولد فهي أحق بحضانته ما لم تتزوج وعلى هذا الجمهور سلفا وخلفا، وقال الحنفية: إذا تزوجت بذي رحم للمحضون كعمه لم يبطل حق حضانها، وقال الحسن وأحمد: لا يسقط حق الحضانة إذا رضي بها الزوج.","vol":"2","page":357},{"text":"أنا آخذها أنا أحق بها ابنة عمي وعندي خالتها وإنما الخالة أمّ. فقال عليّ: أنا أحق بها ابنة عمي وعندي ابنة رسول الله ﷺ وهي أحق بها. فقال زيد: أنا أحق بها أنا خرجت إليها وسافرت وقدمت بها. فخرج النبي ﷺ عليهم فقضى بها لجعفر وقال: تكون مع خالتها وإنما الخالة أم (^١). رواه أبو داود والشيخان. عن أبي هريرة ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ فجاءت امرأة فقالت: يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني فقال: رسول الله ﷺ: استهما عليه فقال زوجها: من يحاقني في ولدي فقال النبي ﷺ: هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت فأخذ يبد أمّه فانطلقت به (^٢). رواه أصحاب السنن (^٣). نسأل الله الستر والتوفيق. والله أعلى وأعلم.\n_________\n(^١) فزيد سافر إلى مكة فجاء، بعمارة بنت حمزة وتكنى بأم الفضل فتسابق إلى أخذها عليٌّ وجعفر لأنها ابنة عمهما. فقضى بها النَّبِيّ - ﷺ - لجعفر بن أبي طالب لوجود خالتها تحته وهي أسماء بنت عميس وقال: الحالة أم، فالخالة أحق بعد الأم بالحضانة والزوج هنا لا يمنع فإنه راض، فالأولى بالحضانة الأم وإن علت قام أبيه وإن علت فأخت غالة فبنت أخت فبنت أخ فعمة والشقيقة منهن أولى فالتي لأب.\n(^٢) فلما تنازع الرجل والمرأة في ولدها عرض النَّبِيّ - ﷺ - عليهما القرعة فقال الأب: من يحاقني في. ولدى أي من يخاصمني فيه، فلما لم يرضيا بالقرعة خير النَّبِيّ - ﷺ - الغلام فاختار أمه فأقره النَّبِيّ - ﷺ - وهذا فيمن انتهت حضانته فتعمل القرعة إذا رضيا وإلا خير الولد، ونهاية مدة الحضانة سبع أو ثمان سنين عند الشافعي وإسحاق. وقال الحنفية والثوري: الأم أحق بالغلام حتَّى يأكل وحده ويلبس وحده، وبالجارية حتَّى تحيض ثم الأب أحق بهما بعد، وقال مالك: الأم أحق بالجارية حتَّى تتزوج والأب أحق بالغلام حتَّى يحتلم.\n(^٣) بسند صحيح.","vol":"2","page":358},{"text":"<span data-type='title' id=toc-540>حكم فقد الزوج </span>(^١)\nعن عمر ﵁ قال: أيما امرأة فقدت زوجها لم تدر أين هو فإنها تنتظر أربع سنين ثمّ تعتدّ أربعة أشهرٍ وعشرًا ثم تحلّ. رواه مالك وقال: وإن تزوجت بعد انقضاء عدتها فدخل بها زوجها أو لم يدخل بها فلا سبيل لزوجها الأول إليها (^٢). وقال ابن المسيب ﵁: إذا فقد في الصف في القتال تتربص امرأته سنة (^٣). وقال الزهريّ في الأسير يعلم مكانه لا تتزوج امرأته ولا يقسم ماله فإذا انقطع خبره فسنّته سنة المفقود (^٤). رواهما البخاري. والله أعلى وأعلم.\n_________\nحكم فقد الزوج\n(^١) جعلناه عقب الطلاق لأنَّهُ فرقة فهو نوع منه، وأخرناه لأنَّهُ ليس من أصولنا.\n(^٢) فإذا غاب الزوج ولم يعلم مكانه ولم تأت منه مكاتبات، فعلى امرأته انتظاره أربع سنين وهي أقصى مدة الحمل، ثم تمتد عدة وفاة لاحتمال موته، ثم بعدها تتزوج إذا شاءت ولا عبرة بحضوره بعدها لتقصيره في عدم إخبارها به، ولا بد في هذا من على الحاكم الشرعي وإذنه، ومعلوم أن رأى عمر هذا من الشرع لما يأتي في الفضائل: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. ولأنه غالبا لا يقوله إلا بعد مشورة مع بعض الأصحاب، وعلى هذا الزهري ومالك، وقال الشافعي: إذا قامت بينة بموته أو حكم به قاض على مضي مدة لا يعيش فوقها غالبا اعتدت زوجته وتزوجت وقسم ميراثه.\n(^٣) ثم تعتد عدة وفاة وتزوج إذا شاءت وتقسم تركته، وعلى هذا مالك.\n(^٤) فإذا كان الأسير معلوما حياته فلا يقسم ماله ولا تتزوج امرأته فإن انقطع خبره انتظرت امرأته أربع سنين واعتدت عدة وفاة، ولها أن تزوج وكذا يقسم ماله، ولا عبرة بحضوره بعدها لتقصيره. نسأل الله الستر والتوفيق آمين والله أعلم.","vol":"2","page":359},{"text":"<span data-type='title' id=toc-541>الباب العاشر في العدة والإحداد </span>(^١)\nقال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (^٢) وقال جلّ شأنه: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّتِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (^٣) وقال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (^٤) وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (^٥) قال أبو هريرة ﵁: اجتمع أبو سلمة وابن عبّاس ﵃ وهما يذكران أن المرأة تنفس (^٦) بعد وفاة زوجها بليال فقال ابن عباس: عدّتها آخر الأجلين (^٧). وقال أبو سلمة ﵁: قد حلّت بالوضع فجعلا يتنازعان فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي فبعثوا ركيبًا (^٨) إلى أم سلمة يسألها فجاء فقال: إن أم سلمة قال: نفست سبيعة\n_________\n(الباب العاشر في العدة والإحداد)\n(^١) العدة: هي مدة تتربص بها المرأة عن التزوج بعد وفاة زوجها أو فراقه لها، وحكمتها التحقق من خلو الرحم من الحمل، والإحداد: هو امتناع المرأة من الزينة والطيب لموت زوجها أو أحد قرباها.\n(^٢) القروء جمع قرء بالفتح والضم وهو الطهر أو الحيض أو هو مشترك بينهما وما خلق الله في أرحامهن هو الحمل والحيض، فعدة المطلقة التي تحيض ثلاثة قروء.\n(^٣) فاللائي يئسن من الحيض بأن كبرن وانقطع حينهن وكذا اللائي لم يحضن بطبيعهن أو لصغرهن عدهن ثلاثة أشهر هلالية، وأما الحوامل فعدتهن بوضع الحمل.\n(^٤) فالمطلقات قبل الدخول بهن لا عدة عليهن.\n(^٥) فالمتوفى عنها زوجها عدها أربعة أشهر وعشرة أيام ما لم تكن حاملا وإلا فبوضع الحمل.\n(^٦) أي تلد.\n(^٧) أطول المدتين وهي عدة الوفاة.\n(^٨) مولى ابن عباس، ابن عباس وأبو سلمة تنازعا فيمن وضعت بعد وفاة زوجها بأيام فقال ابن عباس: عدتها عدة وفاة، وقال أبو سلمة: عدتها بالوضع فوافقه أبو هريرة ثم أرسلوا خادم ابن عباس لأم سلمة فقالت: عدتها بالوضع.","vol":"2","page":360},{"text":"الأسلمية بعد وفاة زوجها بليالٍ فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأمرها أن تتزوج (^١). رواه الخمسة. ولفظ الترمذي: وضعت سبيعة ﵂ بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين أو خمسة وعشرين يومًا فتشوّقت للنكاح فأنكر عليها فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: إن تفعل فقد حلّ أجلها. وتقدّم في الصداق أنّ ابن مسعود ﵁ قضى على امرأة مات زوجها قبل الدخول بها بالعدّة وقال معقل الأشجعي ﵁: هكذا قضى النبي ﷺ (^٢). وللترمذي وأبي داود: طلاق الأمة تطليقتان وعدّتها حيضتان (^٣).\nعن حميد بن نافع ﵁ قال: أخبرتني زينب بنت أبي سلمة بهذه الأحاديث الثلاثة (^٤) قالت: دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ حين توفي أبوها أبو سفيان فدعت بطبيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها (^٥) ثم قالت: والله مالي من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر:\n_________\n(^١) أي إن تشأ الزواج فهذا وقته لأن العدة قد انتهت بوضع الحمل.\n(^٢) فمن مات زوجها فعليها عدة وفاة وإن لم يدخل بها. وحاصل ما تقدم أن المعتدة إما أن تكون حاملا أولا، فإن كانت حاملا فبوضعه وإن كانت غير حامل فإن كانت العدة لوفاة فهي أربعة أشهر وعشرة أيام، وإن لم تكن حاملا والعدة ليست لوفاة فإن كانت تحيض فثلاثة قروء وإلا فثلاثة أشهر، والأمة على النصف من الحرة.\n(^٣) الحديث تقدم في الطلاق ومعه شرحه واسعا، وكانت عدة الأمة حيضتين لأنها على النصف من الحرة، وبالحيضة الواحدة يتبين خلو الرحم، والحيضتان والثلاث لزيادة الحيطة، وأما الأمة التي لم تحض فعدتها شهر ونصف وعن الوفاة خمسة وستون يوما. وإلى هنا الشق الأول من الترجمة وما يأتي في الإحداد.\n(^٤) زينب هذه كانت ربيبة النَّبِيّ - ﷺ - وكانت أفقه أهل زمانها. وروت هذه الأحاديث الثلاثة، الأول عن أم حبيبة، والثاني عن زينب بنت جحش، والثالث عن أمها أم سلمة وكلها تحرم الإحداد أكثر من ثلاثة أيام إلا على الزوج.\n(^٥) الخلوق بالفتح، عطف بيان وهو مزيج من الطيب، فأم حبيبة طلبت هذا الطيب وضمخت به يديها ثم طيبت جارتها لتخففه من يديها، ثم مرت بهما على وجهها لتخرج من حرمة الإحداد على غير الزوج فإن المتوفي لها حينذاك أبوها.","vol":"2","page":361},{"text":"لا يحل لإمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوجٍ أربعة أشهرٍ وعشرًا. قالت زينب ثمّ دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطبيب فمسّت منه ثمّ قالت: والله مالي بالطبيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحدّ على ميت فوق ثلاث إلاّ على زوج أربعة أشهرٍ وعشرًا، قالت زينب: سمعت أمي أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفّى عنها زوجها وقد اشتكت عينها أنكحلها؟ قال: لا (^١)، ثمّ قال: إنما هي أربعة أشهر وعشر (^٢) وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول قال حميد قلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشًا ولبست شرّ ثيابها (^٣) ولم تمسّ طيبًا ولا شيئًا حتّى تمر بها سنة ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتضّ به (^٤) فقلّما تفتضّ بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعدما شاءت من طيب أو غيره (^٥)\n_________\n(^١) أي مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول: لا، وإنما منعها لئلا يتذرع النساء بالمرض توصلا إلى الزينة في زمن العدة وإلا فالمرض يبيح بل يوجب الكحل إن لم يكن دواء غيره.\n(^٢) أي عدة الوفاة.\n(^٣) أي دخلت حفشا أي بيتا صغيرا ولبست شر ثيابها أي أردأها حزنا على زوجها.\n(^٤) قوله حمار أو شاة بدل من دابة، وقوله فتفتض به أي تمسح به قبلها من أثر الدم والقذر.\n(^٥) فأم سلمة تقول: جاءت امرأة للنبي - ﷺ - ببنتها التى مات زوجها تستأذنه في الكحل لمرض عينها فمنعها، ثم قال: إنما عدة الوفاة أربعة أشر وعشر. وهى أسهل من عادتهم في الجاهلية، وقد كانت الواحدة ترمى بالبعرة على رأس الحول، فاستفهم حميد من زينب عن هذا فقالت: كانت المرأة إذا مات زوجها دخلت بيتا ضيقا ولبست شر لباسها وامتنعت عن الزينة والطيب سنة ثم يؤتى لها بحيوان فتنظف به وربما مات، ثم تخرج فتعطى بعرة حيوان فترمى بها إشارة إلى أن ما فعلته على زوجها أهون من تلك البعرة بالنسبة للواجب عليها نحوه، فكان الإحداد وعدة الوفاة في الجاهلية سنة على هذه الحال.","vol":"2","page":362},{"text":"رواه الخمسة. عن أم عطية ﵂ قالت: كنا ننهى أن تحدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة وعشرًا ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب (^١) وقد رخص لنا عند الطّهر إذا اغتسلت إحدانا من حيضها في نبذة من كست أظفار (^٢). رواه الخمسة إلا الترمذي. والله أعلى وأعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-542>خاتمة في السكنى والنفقة </span>(^٣)\nقال الله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُوْلَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (^٤) عن الفريعة بنت مالك الخدريّ ﵁ أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأل أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة فإن زوجها خرج في طلب أعبد (^٥) له أبقوا حتّى إذا كانوا بطرف القدوم لحقهم فقتلوه فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي فإنه لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة فقال رسول الله ﷺ: نعم. فخرجت حتّى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمر بي (^٦) فدعيت له فقال: كيف قلت؟\n_________\n(^١) ولا نكتحل وفى رواية: ولا نختضب، وثوب العصب: برد يمنى يصبغ غزله قبل النسج.\n(^٢) وفى رواية: من قسط أو أظفار، والقسط والكست نوعان من طيب فيه كافور للتطيب به وللبخور، فالمرأة التى في عدة الوفاة ممنوعة من الزينة والطيب إلا شيئا يسيرا تضعه في قبلها عقب الطهر لمنع الروائح الكريهة. والله أعلم.\n\nخاتمة في السكنى والنفقة\n(^٣) فهما واجبان لمن كانت مطلقة طلاقًا رجعيا أو كانت حاملا حتى تلد، وأما البائن التى ليست حاملا ففيها خلاف يأتي.\n(^٤) - أسكنوهن - أي المطلقات - من حيث سكنتم من وجدكم - أي في بعض مساكنكم اللائقة بكم - ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن - في السكن والنفقة فيلجآن إلى الخروج، فالحوامل تجب لهن النفقة والسكنى حتى يضعن.\n(^٥) الأعبد جمع عبد، وقولها أبقوا أي فروا والقدوم بفتح فتشديد موضع على ستة أميال من المدينة.\n(^٦) قولها الحجرة أي النبوية وأو في الموضعين للشك.","vol":"2","page":363},{"text":"فرددت عليه القصة الّتي ذكرت من شأن زوجي، فقال: امكثي في بيتك حتّى يبلغ الكتاب أجله قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا وأخبرت عثمان بهذا فاتّبعه وقضى به (^١). رواه أصحاب السنن (^٢). عن فاطمة بنت قيس ﵂ أن أبا عمرو ابن حفص طلّقها البتة (^٣) وهو غائب فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: ليس لك عليه نفقة (^٤) فأمرها أن تعتدّ في بيت أم شريك ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي (^٥) اعتدّي عند أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك فإذا حللت فآذنيني (^٦) قالت: فلمّا حللت ذكرت له أن معاوية وأبا جهم خطباني فقال: أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له انكحي أسامة بن زيد فكرهته فقال: انكحي أسامة فنكحته فجعل الله فيه خيرًا واغتبطت به (^٧).\n_________\n(^١) امكثى في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله أي حتى تنقضى عدة الوفاة في بيت زوجك الذي توفى فيه فمكثت فيه مدة العدة. وأخبرت عثمان ﵁ بهذا فقضى به، فالمتوفى عنها زوجها يجب لها السكنى في المحل الذي كانت فيه مع زوجها إن كان آمنا حتى تنقضى عدتها ويحرم خروجها وإخراجها وعليه جمهور الصحب والتابعين والفقهاء ولا نفقة لها، وكانت واجبة بالوصية لقوله تعالى: - ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ - ثم نسخت بآية المواريث.\n(^٢) بسند صحيح.\n(^٣) أي ثلاثًا كما في الحديث بعده، وفى رواية: طلقها آخر ثلاث تطليقات، وفى أخرى أنه بعث إليها بتطليقة كانت بقيت لها.\n(^٤) أي ولا سكنى أيضًا لأنه أمرها أن تعتد في بيت أم شريك.\n(^٥) أي يدخلون عليها.\n(^٦) أي فإذا انتهت العدة فأخبريني.\n(^٧) فلما انتهت عدتها جاءت للنبي - ﷺ - وأخبرته أن معاوية بن أبى سفيان وأبا جهم وهو عامر بن حذيفة العدوى القرشى الذي طلب النبي - ﷺ - منه أنبجانيته، لا أبا جهم الذي في التيمم كلاهما خطبها فقال لها - ﷺ -: أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، كناية عن كثرة أسفاره أو عن كثرة ضربه للنساء كما في رواية، وأما معاوية فصعلوك أي لا مال له ولكن تزوجى بأسامة بن زيد بن حارثة مولى النبي - ﷺ - ومحبوبه فظهر عليها عدم الرغبة لأنه أسود اللون ولأنه دخيل في قريش فقال: تزوجى به فتزوجته فكان =","vol":"2","page":364},{"text":"رواه الخمسة إلا البخاري. وعنها قالت: طلقني زوجي ثلاثًا فلم يجعل لي رسول الله ﷺ سكنى ولا نفقة (^١). رواه مسلم وأبو داود. عن أبي إسحاق ﵁ قال: كنت جالسًا مع الأسود بن يزيد في المسجد الأعظم ومعنا الشّعبي فحدّث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة فأخذ الأسود كفًّا من حصىً فحصبه به وقال: ويلك تحدّث بمثل هذا؟! قال عمر بن الخطاب ﵁: لا نترك كتاب الله وسنة نبيًا لقول امرأةٍ لا ندري لعلها حفظت أو نسيت لها السكنى والنفقة. قال الله ﷿: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ (^٢) - رواه الخمسة إلا البخاري.\nوقال جابر ﵁: طلقت خالتي ثلاثًا فخرجت تجد نخلها فلقيها رجل فنهاها فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال لها: اخرجي فجدّي نخلك لعلّك أن تصدّقي منه أو تفعلي خيرًا (^٣). رواه أبو داود ومسلم والنسائي.\n_________\n=فيه خير وغبطها النساء عليه، وما فعله النبي - ﷺ - هو النصح الواجب على كل مسلم استشير فإنه يجب عليه بذل النصيحة للمستشير.\n(^١) صريح في أن المطلقة ثلاثا لا سكنى لها ولا نفقة وعليه ابن عباس وأحمد؛ وقال عمر ﵁ والحنفية: لها السكنى والنفقة لقوله تعالى - ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ - كما في الحديث الآتى، وقال جماعة والمالكية والشافعية: إنه يجب لها السكنى بنص القرآن ولا نفقة لها بحديث فاطمة هذا.\n(^٢) المسجد الأعظم هو مسجد الكوفة، فعلماؤها وهم إسحاق والأسود بن يزيد والشعبى كانوا جلوسًا في هذا المسجد فحدث الشعبى بحديث فاطمة بنت قيس فرماه الأسود بالحصى وقال: ويلك تحدث بهذا وقد قال عمر ﵁: لا نأخذ بقول امرأة ربما تنسى ما وقع لها ونترك قول الله تعالى - ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ - أي فلها السكنى والنفقة بنص القرآن، وحاصل ما تقدم أن الحوامل تجب لهن النفقة والسكنى حتى يضعن مطلقا والمتوفى عنها زوجها لها السكنى دون النفقة، والمطلقة ثلاثًا فيها خلاف، بقيت الرجعية وهى في حكم الزوجة أي فلها السكنى والنفقة.\n(^٣) قوله تجد نخلها أي تقطع ثمره، ففيه جواز الخروج للمعتدة نهارا لحاجتها وعليه بعضهم للضرورة، وقال الحنفية: لا تخرج ليلا ولا نهارا كالرجعية، وقد ذيلنا الخاتمة ببضع أحاديث تفيد وجوب الإنفاق على الزوجات والأولاد والأتباع وتقدم في كتاب الزكاة عدة أحاديث تصرح بذلك.","vol":"2","page":365},{"text":"عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: أفضل الصدقة ما ترك غنيّ واليد العليا خير من اليد السّفلى وابدأ بمن تعول، تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني (^١) ويقول العبد أطعمني واستعملني ويقول الابن أطعمني إلى من تدعني؟ فقالوا: يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة (^٢). رواه البخاري وأحمد. عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم (^٣). رواه البخاري.\nعن عائشة ﵂ أن هندًا بنت عتبة قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (^٤). رواه الشيخان. نسأل الله السّتر والتوفيق والله أعلى وأعلم.\nتم الجزء الثاني. وعدة أحاديثه ١٣٨٠ ثمانون وثلاثمائة وألف - ويليه الجزء الثالث وأوّله (كتاب الحدود والديات)\n_________\n(^١) قوله بمن تعول أي بمن تمونه، يقال: عال الرجل أهله إذا قام بما يحتاجونه. زاد في رواية ومن أعول يا رسول الله. قال: امرأتك وولدك وجاريتك، وقوله وإما أن تطلقنى يفيد أن نفقة الزوجة واجبة على زوجها، وإذا أعسر وثبت إعساره واختارت فراقه فرق بينهما، ونقل هذا عن علي وعمر وأبى هريرة والحسن وسعيد بن المسيب ومالك والشافعى وأحمد لقوله تعالى - ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ - وقيل إذا أعسر فعلى الزوجة الصبر مع زوجها ولا يفرق بينهما وبه قال عطاء والزهرى والثورى والحنفية وهو أحد قولي الشافعي.\n(^٢) فيه أيضًا وجوب الإنفاق على الخادم والأولاد.\n(^٣) فكان النبي - ﷺ - يبيع ثمر النخل من سهمه مما أفاء الله عليه من القرى ويدخر لأمهات المؤمنين قوت العام، ففيه جواز الادخار للأهل وللضيف، ولا ينافى التوكل فإنه الاعتماد على الله تعالى بالقلب والسعي في الأسباب مطلوب بل واجب لحكم كثيرة.\n(^٤) فامرأة أبى سفيان شكت للنبي - ﷺ - بخل زوجها وأنه لا يعطيها وولدها كفايتهما فأمرها بأن تأخذ ما يكفيها، فيه جواز ذكر العيوب للحاجة وفيه جواز أخذ المرأة والأولاد كفايتهم من مال الشحيح لتقصيره في الواجب عليه، نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى آمين والله أعلم.","vol":"2","page":366},{"text":"التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول ﷺ\n\nتأليف\nالشيخ منصور علي ناصف\nمن علماء الأزهر الشريف\n\nوعليه\nغاية المأمول - شرح التاج الجامع للأصول\n\nالجزء الثالث\n\nالطبعة الخامسة\n١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م\n\nجميع الحقوق محفوظة\nدار إحياء التراث العربي\nبيروت - لبنان","vol":"3","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type='title' id=toc-543>كتاب الحدود </span>(^١)\nوفيه سبعة أبواب وخاتمة\n\n<span data-type='title' id=toc-544>الباب الأول في الترهيب من القتل وما يوجب الحد </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (^٣).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ» (^٤).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ» (^٥). وَفِي رِوَايَةٍ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الصَّلَاةُ، وَأَوَّلُ مَا يُقْضى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ» (^٦). رَوَاهُما الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n_________\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\nكتاب الحدود وفيه سبعة أبواب وخاتمة. الباب الأول في الترهيب من القتل وما يوجب الحد.\n(^١) الحدود جمع حد وهو لغة الحاجز بين الشيئين وشرعًا عقوبة مقدرة على من أذنب، وحكمتها زجر النفوس وحياتها وصيانة الأرواح والأعراض والأموال، فإن من علم بأنه إن قتل أو زنى قتل وإن سرق قطعت يده انكف وحفظت الأرواح والأعراض والأموال.\n(^٢) كالزنا والسرقة والقذف.\n(^٣) هذا تنفير عظيم ووعيد شديد لمن يقتل عمدا، والمراد بالخلود طول المكث عند العلماء إلا ابن عباس كما يأتى، وهذا إذا لم يستحل القتل وإلا فهو مخلد باتفاق لأنه كفر.\n(^٤) ابن آدم الأول هو قابيل الذي قتل أخاه هابيل كما قال الله تعالى ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ والكفل النصيب، وكان زائدة، فلما كان قابيل أول من أراق الدم في الأرض كان عليه ذنب من كل قتل يقع في الأرض كما تقدم في العلم» من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة».\n(^٥) أي في إراقتها وهو القتل.\n(^٦) فأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله الصلاة لأنها رأس الدين ومناره، وأول ما يحاسب عليه من حقوق العباد القتل لأنه أعظم ذنب بعد الشرك بالله.","vol":"3","page":3},{"text":"• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^١).\nوَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ: «كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إِلاَّ مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا أَوْ مُؤْمِنٌ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا» (^٢).\nوَلِلتِّرْمِذِيِّ (^٣) وَالنَّسَائِيِّ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» (^٤).\nوَلِلتِّرْمِذِيِّ (^٥): «لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَأَهْلَ الْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ» (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا (^٧) وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا (^٨) وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أَبَدًا» (^٩). رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ (^١٠) وَأَكلُ الرِّبَا\n_________\n(^١) ولفظه لا يزال المؤمن معنقا (بلفظ الفاعل أي خفيف الظهر صالحًا) ما لم يصب دمًا حراما (أي ما لم يقتل عمدا) فإذا أصاب دما حراما بلح (أي انقطع من السير وهذا كناية عن هلاكه).\n(^٢) هكذا الرواية برفع لفظ مؤمن فكل ذنب يرجى غفرانه إلا ذنب الشرك والقتل.\n(^٣) بسند صحيح.\n(^٤) لمكانته عند ربه كما يأتى في الزهد. قال الله تعالى» وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددى في قبض روح عبدى المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته».\n(^٥) بسند غريب ولكن يؤيده ما قبله وما بعده.\n(^٦) فمن أعان على القتل بإرشاد أو إحضار آلة أو نحوها فحكمه كالقاتل في القصاص في الدنيا والعقاب في الآخرة.\n(^٧) المراد بالجبل كل شيء مرتفع، فمن تردى من جبل أي ألقى نفسه من فوقه ليموت فمات فهو في الآخرة في النار يتردى فيه أي الجبل خالدا أبدا.\n(^٨) السم بالتثليث: سائل يقتل شاربه والمراد كل مطعوم يقتل، فمن تحساه أي شربه فهو في النار يشربه دائما.\n(^٩) قوله يجأ أي يطعن، فمن قتل نفسه بحديد كسكين وسيف فهو في النار يقتل نفسه به، فكل شخص قتل نفسه بشيء عذب به في النار خالدا أبدا جزاء وفاقا كلما أمات نفسه بذلك الشئ أحيى ثم أمر بإماتة نفسه وهكذا، وأولى من قتل غيره بشيء.\n(^١٠) قوله الموبقات أي المهلكات التى تهلك =","vol":"3","page":4},{"text":"وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقَ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ (^٢)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزْنِي الْعَبْدُ حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَقْتُلُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ». وَزَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي رِوَايَتِه لِهذَا: وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَمَّنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا\n_________\n= صاحبها، والشرك هو عبادة غير الله أو إشراكه مع الله، ولا حظ له من المغفرة. قال تعالى - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ - والسحر أي العمل به فإنه كبيرة بإجماع، وأما تعلمه فجائز للتحفظ منه عند بعضهم وسيأتى بيانه في حد القذف إن شاء الله، وقتل النفس إلا بالحق كقتل القصاص وقتل المرتد ورجم الزانى المحصن فإنهن من الحق المشروع، وفى رواية: الكبائر سبع أعظمهن إشراك بالله وقتل النفس بغير حق، والربا، وتقدم في البيوع، وأكل مال اليتيم وتقدم في الوصايا.\n(^١) التولى يوم الزحف هو الفرار من صف القتال، وكان من الكبائر لأنه ربما كان سببا في انهزام الجيش، وقذف المحصنات الغافلات عن الشر أي رميهن بالزنا، والذكور كالإناث في هذا، وكان القذف من الكبائر لأنه تجريح بل تمزيق في الأعراض التى هي أعز شيء لدى الإنسان بعد الدين. نسأل الله السلامة.\n(^٢) قوله أبغض الناس أي عصاة المسلمين، وإلا فالكافر مبغوض أكثر منهم، وقوله ملحد في الحرم أي مائل عن الحق إلى الباطل بارتكاب المعاصى في الحرم الذي عظمه الله فقد عصى من جهتين، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية أي عادتهم كالنياحة والكهانة ومطالبة الأب بدين ابنه أو الابن بدين أبيه وليس للمدين مال، وقوله ومطلب دم امرئ ليهريقه أي ومن يبالغ في طلب شخص ليقتله ظلما وعدوانا، فهذه الثلاثة شر الناس عند الله.\n(^٣) فالزانى والسارق وشارب الخمر والقاتل ليسوا بمؤمنين حين تلبسهم بهذه المعاصى بل هم كفار إن علموا تحريمها واستحلوها، أو هذا تغليظ للتنفير عن تلك المحرمات أو يخرج إيمانهم حين عصيانهم، فإن عادوا وتابوا رجع إليهم الحديث أبى داود» إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان فكان على رأسه كالظلة فإذا أقلع رجع إليه الإيمان» وكالزانى غيره، وقوله والتوبة معروضة بعد أي بابها مفتوح لكل تائب إلا إذا وصل إلى حد الغرغرة أو طلعت الشمس من مغربها كما يأتى في كتاب الذكر والدعاء والتوبة إن شاء الله.","vol":"3","page":5},{"text":"ثُمَّ تَابَ وَاهْتَدَى فَقَالَ: وَأَنَّى لَهُ بِالتَّوْبَةِ (^١) سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: «يَجِئُ الْمَقْتُولُ مُتَعَلِّقًا بِالْقَاتِلِ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا (^٢)» فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ سَلْ هذا فِيمَ قَتَلَنِي ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ نَزَلَتْ وَمَا نَسَخَهَا شَيْءٌ (^٣) وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: هَلْ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا تَوْبَةٌ؟ قَالَ: لَا، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ آيَةَ الفُرْقَانِ إِلَى - إِلاَّ مَنْ تَابَ - قَالَ: هذِهِ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ - وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ (^٤). رَواهُمَا النَّسَائِيُّ وَالشَّيْخانِ فِي التَّفْسِيرِ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ\n_________\n(^١) أي لا توبة له.\n(^٢) أي تسيل دما.\n(^٣) نزلت أي - ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ - الآية.\n(^٤) فسعيد قال لابن عباس: هل للقاتل عمدا توبة؟ قال: لا، فقرأ عليه سعيد - ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ - فهذه الآية بعد ذكر الإشراك والقتل والزنا ظاهرة في قبول التوبة من هؤلاء. فقال ابن عباس: هذه آية مكية نسختها التى نزلت بعدها في المدينة وهى - ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ - وورد عن ابن عباس أن آية الفرقان نزلت في أهل الشرك وآية النساء نزلت في أهل الإسلام الذين علموا شرائعه وحدوده. وعلى أي حال فالقاتل عمدا لا توبة له عند ابن عباس وهو مخلد في النار لظاهر تلك النصوص، وقال العلماء سلفًا وخلفًا: إن له توبة كغيره من العصاة، ولقوله تعالى - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. ولحديث الإسرائيلى الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا وسيأتى في كتاب الذكر والاستغفار إن شاء الله. ولحديث الطفيل بن عمرو الدوسى الآتى هنا، وقياسًا على توبة الكافر الذي فعل كل شيء قال الله تعالى - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ - فالمسلم المحمدى أولى من الكافر ومن الإسرائيلى، وتلك النصوص محمولة على المستحل، أو المراد منها التغليظ. والله أعلم.\n(^٥) ولفظه من قتل نفسًا معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله فلا يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفًا. وفى رواية مائة عام، المعاهد من عاهده المسلمون أو أمنوه أو كان كتابيًا، فمن قتله عمدا فقد أخفر بذمة الله أي غدر وخان عهده ولم يشم ريح الجنة الذي يشم من مسافة بعيدة، فالمعاهد كالمسلم في حرمة دمه وعرضه وماله.","vol":"3","page":6},{"text":"فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنَعَةٍ (^١) فَأَبَى النَّبِيُّ ﷺ لِلَّذِي ذَخَرَ اللَّهُ لِلْأَنْصَارِ فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ وَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَمَرِضَ الرَّجُلُ فَجَزِعَ فَقَطَعَ بَرَاجِمَهُ بِمَشَاقِصَ فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ (^٢) فَرَآهُ الطُّفَيْلُ فِي مَنَامِهِ بِهَيْئَةٍ حَسَنَةٍ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ» (^٣). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْإِيمَانِ. نَسْأَلُ اللَّهَ السَّتْرَ وَالتَّوْفِيقَ آمِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-545>فصل في القصاص</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يأُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^٤).\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنْثَى﴾ (^٥).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَقِيلَ لَهَا: مَنْ عَمَلَ هذَا بِكِ\n_________\n(^١) أي هل تهاجر إلى بلادنا يا رسول الله فإننا نحفظك في حصن حصين ونمنعك من كل سوء.\n(^٢) البراجم جمع برجمة وهى مفاصل الأصابع، والمراد أطرافها، فلما اشتد مرضها عليه قطعها بمشاقص - جمع مشقص وهو سهم عريض النصل -.\n(^٣) هذا صريح في أن الله غفر له إلا يديه، ولما طلب من ربه أن يغفرهما له قال له: لا نصلح لك ما أفسدته، ولكن دعا له النبي - ﷺ - ودعاؤه مقبول، وفيه دليل للجمهور، ولا يقال هذه رؤية منامية لا يعول عليها في الأحكام؛ لأنا نقول لما أقرها النبي - ﷺ - صارت في حكم الحديث. والله أعلم.\n\nفصل في القصاص\n(^٤) القصاص القود وهو أن يفعل بالجاني كما فعل في غيره، أي ولكم في مشروعية القصاص حياة طويلة فإن الشخص إذا علم أنه سيقتل إن قتل غيره انكف فبقيت حياته وحياة من كان يريد قتله.\n(^٥) القتلى جمع قتيل، والمعنى فرض الله عليكم القصاص والمماثلة فيه، أي المساواة بين القاتل والقتيل، فالحر يقتل بالحر لا بالعبد، والعبد يقتل بالعبد، والأنثى بالأنثى، والمساواة في قصاص الأعضاء فرض أيضًا قال تعالى: - ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ -.","vol":"3","page":7},{"text":"أَفُلَانٌ؟ أَفُلَانٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ الْيَهُودِيُّ فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا فَجِيءَ بِالْيَهُودِيِّ فَاعْتَرَفَ فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَرُضَّ رَأْسُهُ بِحَجَرَيْنِ (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ ابْنَةَ الخَّضْرِ لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَها فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ أُخْتَ الرُّبَيِّعِ أُمَّ حَارِثَةَ جَرَجَتْ إِنْسَانًا فاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «الْقِصَاصُ الْقِصَاصُ» (^٣) فَقَالَتْ أُمُّ الرَّبِيعِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُقْتَصُّ مِنْ فُلَانَةَ؟ وَاللَّهِ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا (^٤) فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أُمَّ الرَّبِيعِ الْقِصَاصُ كِتَابُ اللَّهِ». قَالَتْ: وَاللَّهِ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا أَبَدًا. قَالَ: فَمَا زَالَتْ حَتَّى قَبِلوا الدِّيَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» (^٥). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ\n_________\n(^١) رض أي شدخ والجارية هي الأنثى التى لم تبلغ كالغلام، فرجل يهودى رأى على جارية أنصارية أوضاحًا من فضة فأوقعها في قليب وشدخ رأسها بين حجرين، فجيء بها النبي - ﷺ - في حال النزع فقال لها: أقتلك فلان؟ فأشارت برأسها لا، عدة مرات فقال أقتلك اليهودى فلان؟ فأشارت نعم فجاءوا به فاعترف، فأمر النبي - ﷺ - بقتله بين حجرين جزاء وفاقا وعملا بالمساواة، ولقوله تعالى - ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ - ولقوله تعالى - ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ - فالقاتل يقتل بما قتل به وعليه الجمهور، وخالف الكوفيون محتجين بحديث البزار» لا قود إلا بالسيف» وهو ضعيف من طرقه كلها، وعلى فرض ثبوته فهو خلاف قاعدتهم أن السنة لا تنسخ الكتاب ولا تخصصه، وفيه أن الرجل يقتل بالمرأة وعليه الجمهور أو هو إجماع من يعتد بهم.\n(^٢) بأن يفعل في بنت النضر كما فعلت بالجارية من كسر ثنيتها إحدى الثنايا مقدم الأسنان.\n(^٣) بالنصب على الإغراء ويجوز الرفع، أي المشروع القصاص.\n(^٤) ليس ردًا لحكم النبي - ﷺ - بل تسويف لرجاء قبول الدية وشفاعة الشافعين وكان كذلك فقبلوا الدية، وقوله القصاص كتاب الله إشارة إلى قوله تعالى - ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ - وقيل إلى قوله - ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ - وهذه رواية مسلم ولكن في البخارى وأبي داود أن الذي راجع النبي - ﷺ - أنس بن النضر في أخته الربيع المشار إليها في الحديث السابق، ولعل الواقعة تعددت.\n(^٥) أي إن من العباد عبدا لو أقسم على الله ورجاه لأجابه لمكانته عنده. نسأل الله أن نكون منهم.","vol":"3","page":8},{"text":"فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ (^١) وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. نَسْأَلُ اللَّهَ الرُّشْدَ وَالْهِدَايَةَ. واللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-546>الباب الثاني في الدية </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (^٣) ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (^٤).\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَإِنْ شَاؤُوا قَتَلُوا وَإِنْ شَاؤُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ وَهِيَ ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً (^٥) وَمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ (^٦) وَذلِكَ لِتَشْدِيدِ الْعَقْلِ (^٧)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٨) وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:\n_________\n(^١) كتب الإحسان على كل شيء أي أمر بالإتقان في كل شيء كحديث» إذا عمل أحدكم عملا فليتقنه» وقوله» إذا قتلتم فأحسنوا القتلة» بالكسر هيئة القتل باللطف بمن يقام عليه الحد وإجابته في طلبه قبله وعرض الشهادتين عليه حتى يموت على الإسلام، وسيأتى الكلام على بقية الحديث في كتاب الصيد والذبائح إن شاء الله. والله أعلى وأعلم.\n\n(الباب الثاني في الدية)\n(^٢) الدية هو ما يعطى في مقابلة النفس أو ما دونها.\n(^٣) فإذا عفا أولياء الدم عن القاتل فلهم مطالبته بالدية وعلية الأداء بإحسان بكل الواجب بدون تسويف، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة، وذكر الأخ حمل لهم على العفو وإيذان بأن القتل لم يقطع أخوة الإسلام.\n(^٤) فيه أن القاتل خطأ عليه كفارة وهى عتق رقبة مؤمنة فإن لم تيسر فعليه صيام شهرين متتابعين، وهل في العمد وشبهه كفارة؛ الظاهر نعم بالأولى.\n(^٥) فيه أن الواجب أولا القصاص والدية بدل عنه، وقيل الواجب أحدهما، وبيان الحقة وما منها في الحديثين تقدم في الزكاة، وفيه أن دية العمد مثلثة على هذا البيان وعليه الشافعي وجماعة.\n(^٦) أي وما تصالحوا عليه من غير ذلك فهو جائز لهم.\n(^٧) أي الدية.\n(^٨) بسند حسن.","vol":"3","page":9},{"text":"«فِي دِيَةِ الْخَطَإِ عِشْرُونَ حِقَّةً وَعِشْرُونَ جَذَعَةً وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِشْرُونَ بَنِي مَخَاضٍ ذُكُورًا (^١)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَدِيَ قُتِلَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا أَيْ مِنَ الدَّرَاهِمِ. رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣).\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ قَالَ: كَانَتْ قِيمَةُ الدِّيَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمانَمِائَةِ دِينَارٍ، أَوْ ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَوْمَئِذٍ النَّصْفُ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ ذلِكَ كَذلِكَ حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: أَلَا إِنَّ الْإِبِلَ قَدْ غَلَتْ، فَفَرَضَهَا عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مَائَتيْ بَقَرَةٍ وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِائَتَيْ حُلَّةٍ (^٤) وَتَرَكَ دِيَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَرْفَعْهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥) وَالنَّسَائِيُّ مَرْفُوعًا فِي الْبَقَرِ وَالشَّاءِ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ وَبِهِ قَضى عُمَرُ ﵁» (^٦). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧) وَأَحْمَدُ.\n_________\n(^١) فدية الخطأ مخمسة كهذا، قال الترمذى وعليه بعضهم وأحمد وإسحاق، وفى عون المعبود وعليه أبو حنيفة. وذهب الليث ومالك والشافعى إلى أن دية الخطأ عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة.\n(^٢) بسند ضعيف.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) قوله وعلى أهل الورق اثنى عشر ألفًا، قد وافق حكم النبي - ﷺ - في الحديث قبله، وقوله مائتي بقرة وألفى شاة ينظر في سن البقر والشياه، وقوله مائتى حلة كل حلة إزار ورداء وقميص وسراويل من أي نوع من الثياب، فالدية على أهل الذهب ألف دينار، وهذا باتفاق وعلى أهل الورق اثنا عشر ألفًا وعلى هذا الجمهور والأئمة الثلاثة، وقال الثورى والكوفيون: إنها عشرة آلاف فقط، وفى هذا أن الدية تكون من الإبل أو البقر أو الغنم أو الثياب أو النقدين على حسب الميسور عندهم ولكن قال الشافعي: لا أعرفها إلا من الإبل وهى مائة أو قيمتها، ولا خلاف بين حديث عمرو هذا وحديث ابن عباس قبله فإن النقدين قيمة للإبل وهى تختلف بالزمان والمكان.\n(^٥) بسند صالح.\n(^٦) أما عدم قتلة فباتفاق، وأما كونها كدية العمد فعليه الجمهور إلا أبا حنيفة وأحمد فإنهما على قول عبد الله الآتى.\n(^٧) بسند صالح.","vol":"3","page":10},{"text":"وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: فِي شِبْهِ الْعَمْدِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتُ مَخَاضٍ (^١).\nوَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: فِي شِبْهِ الْعَمْدِ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثٌ وَثَلَاثونَ جَذَعَةً وَأَرْبعٌ وَثَلَاثُونَ ثَنِيَّةً كُلُّهَا خَلِفَةٌ (^٢). رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^٣).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلَا إِنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا (^٤)» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥) وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنه النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَطَبَّبَ وَلَا يُعْلَمُ مِنْهُ طِبٌّ فَهُوَ ضَامِنٌ (^٦)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهِ (^٧)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.\nوَلِلْبَيْهَقِيِّ: دِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ (^٨).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «دِيَةُ عَقْلِ الْكَافِرِ نِصْفُ دِيَةِ عَقْلِ الْمُؤْمِنِ». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَأَحْمَدُ (^٩).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَصَابَ الْمُكَاتَبُ حَدًّا\n_________\n(^١) وعلى هذا بعض السلف وأبو حنيفة وأحمد.\n(^٢) كلها أي الأربع وثلاثون خلفة أي حوامل.\n(^٣) بسندين صالحين.\n(^٤) في هذا بيان لشبه العمد وهو أن يضربه بشيء لا يقتل عادة ولا يقصد قتلة كالسوط والعصا فيموت، بخلاف العمد فإنه يضربه بما يقتل عادة ويقصد قتله، وبخلاف الخطأ فإنه يضرب شيئًا كصيد فيصيب شخصا فيقتله، فدية شبه العمد كدية العمد السابقة في الحديث الأول وعليه الجمهور. وقال مالك: ليس في كتاب الله إلا الخطأ والعمد فقط، ودية العمد معجلة على الجانى وأما دية شبه العمد ودية الخطأ فعلى العاقلة مؤجلة في ثلاث سنين.\n(^٥) بسند صالح.\n(^٦) فمن تطبب بشد الباء أي ادعى علم الطب ولا يعلمه وعالج مريضًا فمات فهو قتل خطأ وعلى عاقلته الدية.\n(^٧) فأرش المرأة في الجراحات كأرش الرجل فيما دون الثلث، فإن بلغه أو زاد فعل النصف من أرش الرجل وعليه الجمهور، وقال الليث والثورى والشافعية والحنفية: إنها نصف الرجل في القليل والكثير لحديث البيهقي.\n(^٨) سنده ضعيف ولكن ورد من طريق أخرى بلفظ دية المرأة على النصف من دية الرجل في الكل.\n(^٩) بسند حسن ولفظ النسائي وأحمد: عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين، فهذه الرواية تبين الكافر في الرواية الأولى وأنه =","vol":"3","page":11},{"text":"أَوْ وَرِثَ مِيرَاثًا يَرِثُ عَلَى قَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ (^١)». وَفِي رِوَايَةٍ: «قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي دِيَةِ الْمُكَاتَبِ يُقْتَلُ يُودَى ما أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ دِيَةَ الْحُرِّ وَمَا بَقِيَ دِيَةَ الْمَمْلُوكِ (^٢)» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قُتِلَ فِي عِمِّيَا (^٤) فِي رَمْيٍ يَكُونُ بَيْنَهُمْ بِحِجَارَةٍ أَوْ بِالسِّيَاطِ أَوْ ضَرْبٍ بِعَصًا فَهُوَ خَطَأٌ وَعَقْلُهُ عَقْلُ الْخَطَإِ، وَمَنْ قُتِلَ عَمْدًا فَهُوَ قَوَدٌ، وَمَنْ حَالَ دُونَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ».\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ غُلَامًا لِأُنَاسٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لِأُنَاسٍ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَوْمٌ فُقَرَاءُ فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ شَيْئًا (^٥). رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^٦) وَالنَّسَائِيُّ. نَسْأَلُ اللَّهَ السَّتْرَ وَالتَّوْفِيقَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n=الكتابى فقط، والروايتان صريحتان في أن دية الكتابي على النصف من دية المسلم وعليه بعض الصحب والتابعين ومالك وأحمد، وقال بعض الصحب والتابعين والشافعى وإسحاق: إنها ثلاث دية المسلم لقول عمرو بن شعيب السابق في خطبة عمر، وروى عن بعض الصحب أنها كدية المسلم وعليه سفيان والحنفية، وأما دية المجوسى وكل مشرك فثمانمائة درهم. لحديث ابن حزم» دية المجوسى ثمانمائة درهم» وروى هذا عن علي وابن مسعود وقضى به عمر كما رواه الشافعي وغيره.\n(^١) فإذا استحق دية قريب له أو ورث ميراثًا عن قريب له حر لم يترك وارثًا غيره فإنه يأخذ من الدية ومن الميراث بقدر ما أدى من كتابة.\n(^٢) قوله يودى مضارع مجهول من وداه يديه أعطى ديته، فإذا قتل المكاتب فعلى قاتله دية حر بقدر ما أدى من كتابته وباقيه دية مملوك، ومعلوم أن دية المملوك قيمته، فالمكاتب في الجناية له وعليه كالحر بقدر ما أدى من كتابته، وروى هذا عن علي ﵁ وقال به إبراهيم النخعى، ولكن أهل العلم كلهم على أن المكاتب عبد ما بقى عليه درهم كما تقدم في العتق.\n(^٣) بسند حسن.\n(^٤) قوله في عميا بكسر العين والميم مع تشديدها مقصورًا من العمى أي في حال عمى أمره ولم يتبين قاتله، وقوله فهو خطأ أي شبه الخطأ كما قاله البيهقي فمن قتل في معركة لا يدرى قاتله ففيه دية مغلظة على عاقلة الأسرة الأخرى، ومن قتل عمدًا فهو قود أي حكمه القود، ومن نازع في هذا فعليه اللعنة والغضب، ولا يقبل منه فرض ولا نفل.\n(^٥) لم يقتص من الغلام لعدم تكليفه، ولفقرهم أسقط عنهم الأرش، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، والغلام الجانى هنا كان حرًا، وأما المملوك فجنايته في رقبته حرًا كان المجنى عليه أولا، باتفاق العلماء كلهم.\n(^٦) بسندين صالحين.","vol":"3","page":12},{"text":"<span data-type='title' id=toc-547>دية الجنين غرة </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضى فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لَحْيَانَ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ ابنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوفِّيَتْ فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا أَيِ الْجَانِيَةِ (^٢).\nوعَنْهُ قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ: عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ (^٣) وَقَضى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِيَةِ وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ، فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ فِمِثْلُ ذلِكَ يُطَلُّ (^٤) فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا هذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ». رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ.\n_________\nدية الجنين غرة\n(^١) الجنين هو حمل المرأة ما دام في بطنها، وسمي جنينًا لاجتنانه أي استتاره.\n(^٢) قوله عبد أو أمة بيان للغرة، وقوله قضى عليها - أي لها - ماتت فحكم النبي - ﷺ - بأن ميراثها لأولادها وزوجها ومنه العقل أي الدية التى وجبت لها على عصبة الجانية السابق بيانهم في الميراث.\n(^٣) أي أمة.\n(^٤) قوله على عاقلة الجانية متعلق بالفعلين قبله، فدية الجنين ودية المرأة على عاقلة الجانية دية شبه خطأ. وقوله وورثها أي جعل إرث القتيلة لولدها وباقى ورثتها، فقال حمل بن النابغة أحد عصبة الجانية يا رسول الله كيف أغرم أي أدفع دية من لم يظهر منه شيء من علامات الحياة كالأكل والشرب والصياح، فمثل هذا يطل أي يهدر دمه، والقتل هنا كان خطأ لأنه كان بحجر لا يقتل، أما لو ضربتها بما يقتل فماتت فعليها القود كما في رواية أن امرأة رمت أخرى بمسطح (عود الخباء) فقتلتها وما في بطنها فقضى رسول الله - ﷺ - بغرة وأن تقتل والله أعلم.","vol":"3","page":13},{"text":"<span data-type='title' id=toc-548>دية الأطراف </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «هذِهِ وَهذِهِ سَوَاءٌ يَعْنِي الْخِنْصَرَ وَالْإِبْهَامَ (^٢)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فِي دِيَةِ الْأَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءً عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ لِكُلِّ إِصْبَعٍ (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَاحِبَاهُ (^٤).\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَوِّمُ دِيَةَ الْخَطَإِ (^٥) عَلَى أَهْلِ الْقُرى أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ عَدْلَهَا مِنَ الْوَرِقِ وَيُقَوِّمُهَا عَلَى أَثْمَانِ الْإِبِلِ فَإِذَا غَلَتْ رَفَعَ قِيمَتَهَا، وَإِذَا رَخُصَتْ نَقَصَ قِيمَتَهَا وَبَلَغَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا بَيْنَ أَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى ثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ عَدْ لِهَا مِنَ الْوَرِق ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَقَضى عَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتيْ بَقَرَةٍ وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ وَقَالَ: الْعَقْلُ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ عَلَى قَرَابَتِهِمْ، فَمَا بَقِيَ فَلِلْعَصَبَةِ (^٦) وَقَضى فِي الْأَنْفِ إِذَا جُدِعَ الدِّيَةَ كَامِلَةً وَإِنْ جُدعَتْ ثُنْدُؤَتُهُ فَنِصْفُ الْعَقْلِ (^٧) وَفِي الْيَدِ إِذَا قُطِعَتْ نِصْفَ الْعَقْلِ (^٨) وَفِي الرِّجْلِ نِصْفَ الْعَقْلِ (^٩). وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثَ الْعقْلِ وَالْجَائِفَةُ مِثْلُ ذلِكَ (^١٠) وَفِي الْأَصَابِعِ فِي كُلِّ\n_________\nدية الأطراف\n(^١) المراد بالأطراف أعضاء الجسم ولو غير مرئى كقوة السمع والبصر والعقل.\n(^٢) فلا فرق بين طويلة وغيرها بل كلها في القيمة سواء.\n(^٣) قوله اليدين والرجلين بدل، وقوله سواء حال، وعشر من الإبل لكل أصبع مبتدأ وخبر.\n(^٤) بسند صحيح.\n(^٥) قوله دية الخطأ ومثلها دية العمد إذا عفوا عن القاتل، قوله أو عدلها من الورق أي قيمتها من الفضة، وقوله ويقومها على أثمان الإبل لهذا وردت متفاوتة.\n(^٦) فالدية لورثة القتيل الفرائض لأهلها وللعصبة الباقى، ولا يعتبر العفو في قتل العمد إلا منهم.\n(^٧) ففى قطع الأنف كله الدية كاملة وفى ثندؤته نصفها والثندؤة بضم الثاء والدال وبالهمز وبالفتح بدون همز طرف الأنف الذي يتحرك بتحريكه.\n(^٨) وقضى في قطع اليد ولو من الرسغ بنصف الدية وكالقطع إعدام حركتها بأن صارت شلاء.\n(^٩) أي وفى قطع الرجل ولو من الكعبين نصف العقل.\n(^١٠) أي وقضى في المأمومة والجائفة بثلث الدية والمأمومة الشجة التى تصل إلى جلدة تسمى أم الدماغ، والجائفة هي الطعنة التى تصل إلى جوف الرأس أو البطن والظهر، وهذا إن لم تقتل وإلا صار قتلا.","vol":"3","page":14},{"text":"إِصْبَعٍ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْأَسْنَانِ فِي كُلِّ سِنَ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ (^١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢) وَالنَّسَائِيُّ.\nوَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ: «مَنِ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا عَنْ بَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ قَوَدٌ إِلا أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ (^٣) وَإِنَّ فِي النَّفْسِ الدِّيَةَ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ. وَفِي الْأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، (^٤) وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ (^٥)، وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشَرَةَ مِنَ الْإِبِلِ (^٦)، وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ مِنَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ (^٧)، وإِنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَصَاحِبَاهُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: قَضى النَّبِيُّ ﷺ فِي الْعيْنِ الْعَوْرَاءِ السَّادَّةِ لِمَكَانِهَا إِذَا طَمِسَتْ بِثُلُثِ دِيَتِهَا، وَفِي الْيَدِ الشَّلاَّءِ إِذَا قُطِعَتْ بِثُلُثِ دِيَتِهَا، وَفِي السِّنِّ السَّوْدَاءِ إِذَا نُزِعَتْ بِثُلُثِ دِيَتِهَا (^٨). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٩).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فِي الْمَوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ (^١٠)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَاحِبَاهُ (^١١).\n_________\n(^١) ودية كل إصبع ولو قطع من المفصل عشر من الإبل ودية كل سن خمس من الإبل لا فرق بين ضرس وغيره، وإذا كانت الجناية على الأطراف عمدًا أو شبهه فالدية مغلظة وإلا فمخففة.\n(^٢) بسند صالح.\n(^٣) أي من قتل مؤمنًا عمدًا وشهد عليه من رآه أو سمعه يعترف بقتله فإنه يقتص منه إلا إذا رضى أولياء الدم بالدية.\n(^٤) وهل في الحشفة الدية أو نصفها.\n(^٥) وفى الصلب أي وفى كسر صلب الظهر الدية، وفى العينين أي في فقئهما أو إذهاب الإبصار منهما الدية، وفى الواحدة نصفها.\n(^٦) والمنقلة بلفظ اسم الفاعل مع التشديد الشجة التى ينتقل بسببها قشور تكون على العظم دون اللحم فيها خمس عشرة.\n(^٧) الموضحة بكسر الضاد الجراحة التى ترفع اللحم عن العظم وتوضحه أي تكشفه صغيرة أو كبيرة.\n(^٨) ففى فقء حبة العين التى لم تبصر وقطع اليد الشلاء ونزع السن المسوسة في كل ثلث دية.\n(^٩) بسند صالح.\n(^١٠) المواضح جمع موضحة وتقدمت، وفى الواحدة منها خمس من الإبل أو قيمتها إن لم تتيسر الإبل.\n(^١١) بسند حسن، وما لم ينص عليه يقاس على غيره إن شاركه في العلة وإلا ففيه حكومة، وهى الفرق بين قيمته صحيحًا ومجروحًا لو كان رقيقًا. وهذا يجب أصلا من الدية. والله أعلم.","vol":"3","page":15},{"text":"<span data-type='title' id=toc-549>القسامة </span>(^١)\n\n• عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ أَنَّ مُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا قِبَلَ خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ فَاتَّهَمُوا الْيَهُودَ، فَجَاءَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمنِ وَابْنَا عَمِّهِ حُوَيِّصَة وَمُحَيِّصَةُ (^٢) إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمنِ فِي أَمْرِ أَخِيهِ وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْهُمْ فَقَالَ ﷺ: «كَبِّرِ الْكُبْر» (^٣) أَوْ قَالَ: «لِيَبْدَإِ الْأَكْبَرُ» فَتَكَلَّمَا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ». قَالوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ كَيْفَ نَحْلِفُ قَالَ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ». قَالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمٌ كُفَّارٌ. فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قِبَلِهِ (^٤).\nرَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\nالقسامة\n(^١) القسامة - بالفتح أيمان تحلف بسبب قتيل جهل قاتله فيحلف خمسون من أولياء الدم على شخص فيقام عليه الحد وإلا فيحلف خمسون من المتهمين على براءتهم ويبرأون، وهى من أمر الجاهلية وأقرها الشارع.\n(^٢) حويصة ومحيصة - بضم ففتح فكسر مع التشديد.\n(^٣) الكبر - بضم فسكون أي عظم من هو أكبر منك ودعه يتكلم أدبًا معه.\n(^٤) قوله فيدفع برمته، الرمة - كقبة - الحبل، والمراد هنا الحبل الذي يربط به القاتل ويسلم إلى أولياء الدم، وقوله فوداه بتخفيف الدال أي أعطى ديته من عنده منعًا للعداوة، ولفظ البخارى: تأتونى بالبينة على من قتله، قالوا ما لنا بينه قال فيحلفون قالوا لا نرضى بأيمان اليهود، فكره النبي - ﷺ - أن يبطل دمه فوداه بمائة من إبل الصدقة، ولفظ اليمين من أولياء القتيل: والله العظيم إن فلانًا قتل فلانًا، والذي يحلف الورثة والأقارب، ولفظ اليمين من المتهمين: أقسم بالله العظيم إنى ما قتلت فلانًا، فإذا قتل شخص بين قوم فإن كانت بينة عمل بها وإلا فيحلف خمسون من أولياء الدم على شخص معين ثم يقتص منه، فإن أبوا حلف خمسون من المتهمين ببراءتهم ولا شيء عليهم، ففيه أن القصاص يثبت بالقسامة وعلية الجمهور والأئمة الثلاثة، وقال الكوفيون: لا يثبت القصاص ولكن تجب الدية. نسأل الله الهداية والتوفيق والله أعلم.","vol":"3","page":16},{"text":"<span data-type='title' id=toc-550>الباب الثاث فيمن يُهدَر </span>(^١)\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﷺ أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتَاهُ فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ لَا دِيَةَ لَك (^٢)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: «الْعَجْمَاءُ عَقْلُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ (^٣)». رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَقَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ». وَفِي رِوَايَةٍ: «فَلَا قَوَدَ وَلا دِيَةَ (^٤)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي قَالَ: «فَلا تُعْطِهِ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي قَالَ: «قَاتِلْهُ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي قَالَ: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ قَالَ: «هُوَ فِي النَّارِ (^٥)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْإِيمَانِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-551>حكم المرتد والساعي بالفساد والخوارج</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^٦).\n_________\n(الباب الثالث فيمن هدر)\n(^١) في بيان الذين يهدرون إذا قتلوا أو تلف عضو منهم، فلا قصاص ولا دية لهم لأنهم تسببوا في قتل أنفسهم.\n(^٢) حكم بإهداره لتعديه بما لا يجوز.\n(^٣) تقدم هذا في الزروع من كتاب البيوع.\n(^٤) فلو نظر شخص في داخل بيتك متعمدًا فرميته بحصاة ففقأت عينه مثلا فهو هدر لنظره بدون إذن.\n(^٥) لأنه صائل وآثم، فلا قصاص ولا دية إن لم يرجع بالأخف وهذا باتفاق، وسبق في الزروع: من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد. نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى والله تعالى أعلم.\n\nحكم المرتد والساعى بالفساد والخوارج\n(^٦) فمن يرجع عن دين الإسلام فقد كفر وحبط عمله وسيخلد في النار، وسيأتى حل دمه في الحديث.","vol":"3","page":17},{"text":"وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (^١).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلا بِأَحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي وَالْمُفَارِقُ لِدِينِهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ (^٢)» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ حَرَّقَ قَوْمًا ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ فَبَلَغَ ذلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ. «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ». فَبَلَغَ ذلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: صَدَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ (^٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ نَفَرٌ مِنْ عُكْلٍ فأَسْلَمُوا فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ\n_________\n(^١) فمن يحاربون الله ورسوله بأنواع العصيان ويسعون في الأرض بالفساد فجزاؤهم القتل إن قتلوا، والقتل والصلب إن قتلوا وأخذوا المال، وتقطيع الأيدى والأرجل إن أخذوا المال فقط، والنفى إن أخافوا الناس فقط، وكالنفى ما يشبهه في التنكيل كالحبس والتشهير.\n(^٢) فلا يحل قتل مسلم إلا بإحدى ثلاث وهي: النفس بالنفس كمن ثبت عليه القتل عمدا بشهادة أو باعتراف منه فحكمه القتل قصاصا بمثل ما قتل غيره إلا إذا عفوا عنه، والثيب الذي ثبت زناه بشهادة أربع أو باعترافه فحكمه الرجم، والتارك لدينه المفارق لجماعة المسلمين حكمة القتل بعد أن يستتاب مرات عديدة ولا يرجع لدينه.\n(^٣) ففى إمارة على ﵁ ارتد قوم عن الإسلام، فأمر على بتحريقهم بالنار فحرقوهم، فسمع بهذا ابن عباس وكان أميرا على البصرة من قبل علي ﵄، فقال: لو كنت مكانه ما حرقتهم بالنار، فإنه لا يعذب بها إلا الله تعالى، بل كنت قتلتهم بالسيف بعد دعوتهم للإسلام مرارا كما قال رسول الله - ﷺ - لمعاذ لما بعثه لليمن» أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن عاد وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن عادت وإلا فاضرب عنقها» فلما سمع على بقول ابن عباس قال: صدق، فرجع للحق واعترف به وهى فضيلة كبرى لاسيما إذا كانت من كبير كما هنا.\n(^٤) ولكن أبو داود هنا والبخارى في الجاسوس في كتاب الجهاد، وإلى هنا حكم المرتد وما يأتى في الساعى بالفساد.","vol":"3","page":18},{"text":"فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَفَعَلُوا فَصَحُّوا، فَارْتَدُّوا فَقَتَلُوا رُعَاتَهَا وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَأُتِيَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنهُمْ ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا. زَادَ فِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ أُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَمَا سُقُوا حَتَّى مَاتُوا (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^٢)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).\n_________\n(^١) النفر من ثلاثة إلى عشرة وكانوا هنا سبعة، وعكل - كقفل - قبيلة من العرب وفى رواية: من عرينة، وفى أخرى: من عكل وعرينة وهو الصواب لرواية الطبراني: كانوا أربعة من عرينة وثلاثة من عكل، فهؤلاء السبعة جاءوا للنبي - ﷺ - بالمدينة فأسلموا وأقاموا بها فاجتووا المدينة أي كرهوا الإقامة لما أصابهم الجوى وهو داء في الجوف إذا تطاول قتل صاحبه، فأمرهم النبي - ﷺ - بالخروج إلى البادية مع إبل الصدقة فيشربون من ألبانها وأبوالها ففعلوا فعادت صحتهم فارتدوا عن الإسلام وقتلوا راعى النبي - ﷺ - واسمه يسار النوبى، وسرقوا إبل الصدقة وذهبوا بها، فبعث النبي - ﷺ - وراءهم عشر من فارسا وأميرهم كرز، فأدركوهم فجاءوا بهم، فأمر النبي - ﷺ - بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف لحد السرقة، وكذا أمر بسمل أعينهم أي فقئها وإلقائهم في الحرة ولم يحسموا جروحهم ولم يسقوهم حتى ماتوا لأنهم قتلوا وسرقوا وكفروا بعد إيمانهم وفيهم نزلت - إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله - الآية وعلى هذا الجمهور سلفًا وحلفا.\n(^٢) سببه أن عليا ﵁ كان يقاتل الخوارج فقال كما في مسلم وهو يخاطبهم: إذا حدثتكم عن رسول الله - ﷺ -: فلأن أخر من السماء أحب إلى من أن أقول عليه ما لم يقل، وإذا حدثتكم فيما بينى وبينكم فإن الحرب خدعة، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان جمع حدث وهو الصغير سفهاء الأحلام ضعاف العقول يقولون من قول خير البرية أي يتكلمون بالقرآن والحديث ولكن إيمانهم لا يجاوز حناجرهم أي فإيمانهم بلسانهم فقط ولم تؤمن قلوبهم ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية أي محل رميه إذا خرقه وخرج منه أي فلا دين لهم لخلو قلوبهم منه فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ففى قتلهم أجر كبير. أمر النبي - ﷺ - بقتل من كان بهذه الصفة فردًا كان أو جماعة لأن في بقائه في الأرض فتنة عظيمة على الدين وأهله. نسأل الله السلامة، ومعلوم أن الذي يقتلهم هو الحاكم الذي يقيم الحدود في الأرض.\n(^٣) ولكن البخارى في القرآن ومسلم في الزكاة والترمذى في الفتن وسيأتى فيها وصف الخوارج على سعة إن شاء الله.","vol":"3","page":19},{"text":"<span data-type='title' id=toc-552>من سب النبي ﷺ يُقتل</span>\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَشْتِمُ النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ فَخَنَقَهَا رَجُلٌ حَتَّى مَاتَتْ فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَمَها (^١).\nوَرُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمى قَتَلَ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ فَجَمَعَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ وَسَأَلَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَنَهَيْتُهَا مِرَارًا وَزَجَرْتُهَا فَلَمْ تَسْمَعْ فَوَضَعْتُ الْمِغْوَرَ فِي بَطْنِهَا وَقَتَلْتُهَا فَقَالَ ﷺ: «أَلَا اشْهَدُوا إِنَّ دَمَهَا هَدَرٌ (^٢)». رَواهُمَا أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدَيْنِ صَالِحَيْنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-553>الباب الرابع في حد السرقة ونصابها </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ\n_________\nمن سب النبي - ﷺ - يقتل\n(^١) جعله هدرا لا قصاص فيه ولا دية.\n(^٢) المغور - كمنبر - كالسيف ولكنه قصير يشتمل به الرجل تحت ملابسه. وفقه الحديثين أن النبي - ﷺ - أهدر دم من سبه مسلمًا كان كما في الحديث الثاني أو ذميًا كما في الأول ولا خلاف في وجوب قتل المسلم الذي يسب النبي - ﷺ - وإنما الخلاف في الذمي، فعند مالك يجب قتله إلا أن يسلم، وعند الشافعي يقتل وتبرأ منه الذمة، وقال أبو حنيفة: لا يقتل وما هو عليه من الشرك أعظم. نسأل الله الرشد والهداية والله أعلم.\n\n(الباب الرابع في حد السرقة ونصابها)\n(^٣) أما نصابها الموجب للقطع فهو ما يأتى في الأحاديث، وأما حدها فهو المذكور في الآية.\n(^٤) أي إن ثبتت السرقة على شخص باعترافه أو بشهادة عدلين فاقطعوا يده اليمنى من الكوع في المرة الأولى، فإن سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم، فإن سرق ثالثا قطعت يده اليسرى من الكوع، فإن عاد قطعت رجله اليمنى كذلك، فإن عاد عزر وقيل يقتل، وهذا نكال لهم وزجر لغيرهم فتأمن الناس على أموالهم وأرواحهم.","vol":"3","page":20},{"text":"وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ (^١)».\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا (^٢)». رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنَ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ (^٣). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مِجَنَ قِيمَتُهُ دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤) وَالنَّسَائِيُّ.\nوَسُئِلَ فَضَالَة بْنُ عُبَيْدٍ ﵁ عَنْ تَعْلِيقِ الْيَدِ فِي الْعُنُقِ لِلسَّارِقِ أَمِنَ السُّنَّةِ هُوَ؟ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَارِقٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ (^٥). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ. واللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-554>ما لا قطع فيه </span>(^٦)\nعَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فَقَالَ: «مَنْ أَصابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلِهِ\n_________\n(^١) البيضة هي بيضة الحديد التى يلبسها المجاهد على رأسه تحفظه من السلاح، والحبل واحد الحبال ومنهما ما يساوى عدة دراهم.\n(^٢) الدينار قدره بالعملة المصرية ستون قرشا فيكون ربعه بالنقد المصرى خمسة عشر قرشا.\n(^٣) المجن بكسر ففتح آلة يتقى بها المقاتل السلاح.\n(^٤) بسند صالح، وهذا الحديث لا ينافى ما قبله فإن قيمة المجن تختلف باختلاف نوعه وصنعه كبقية الأشياء، لحديث عائشة» لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فأكثر أوما قيمته ذلك» وعليه بعض الصحب والتابعين والليث والشافعى وإسحاق وغيرهم، وقال مالك وأحمد: تقطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما قيمته أحدهما لحديثي عائشة وابن عمر، وقال العراقيون ومنهم الحنفية: لا قطع إلا في عشرة دراهم فصاعدا أو ما قيمته ذلك لحديث ابن عباس ولحديث البيهقي وغيره: كان المجن يقوَّم على عهد رسول الله - ﷺ - بعشرة دراهم.\n(^٥) فتعليق اليد في العنق بعد قطعها تنكيل له وعبرة لغيره فإن فيه من الزجر ما لا مزيد عليه. نسأل الله الستر والتوفيق آمين.\n\nما لا قطع فيه\n(^٦) بيان الأشياء التى لو أخذها شخص لا تقطع يده لسماح النفوس بها غالبا.","vol":"3","page":21},{"text":"وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَمَنْ سَرَقَ دُونَ ذلِكَ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلِهِ وَالْعُقُوبَةُ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢) وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ (^٣)».\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ (^٤)».\n\n• عَنْ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي الْغَزْوِ (^٥)». رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٦).\n_________\n(^١) الثمر يطلق على الثمار كلها، ويغلب على ثمر النخل وهو الرطب ما دام على شجره، وذو الحاجة شديد الفقر، والخبنة - كالغرقة طرف الثوب والإزار، والجرين - كالحزين - موضع تجفيف الثمر كالبيدر الموضع الذي تداس فيه الحنطة ليخلص حبها من عيدانه، فمن كان جائعا وأكل من ثمر الشجر فلا شيء عليه، ومن أخذ منه شيئًا فعليه قيمته وعقوبة كما يراها الحاكم زجرًا له وعبرة لغيره، وكذا إن أخذ من الجرين ثمرًا لم يبلغ ثمن المجن، فإن بلغه فعليه قطع حد السرقة لأنه أخذه من حرز مثله، وهل من أقيم عليه حد السرقة يجب عليه رد ما سرقه أو قيمته؟ الظاهر نعم لأن الحد حق الله والمال حق العباد ولا يسقط أحدهما بالآخر.\n(^٢) بسند صالح.\n(^٣) الكثر كالقمر: الجمار، فلا قطع فيه ولا في الثمر إذا أخذهما من الشجر لعدم وصولهما إلى حرز المثل وعليه الجمهور ومالك والشافعى، وقال الحنفية بعمومه: فلا قطع في شيء من الفواكه ولو كانت في حرز مثلها وقاسوا عليها اللحوم والألبان والأشربة، ولكن فيها العقوبة.\n(^٤) الخائن من يأخذ المال مما اؤتمن عليه كوديعة أو عارية، والمنتهب من يأخذ المال علانية قهرًا كالغاصب والمختلس من يأخذ المال ويختطفه بسرعة، فلا قطع على واحد من هؤلاء لأنه يمكن إرجاعه بالاستغاثة إلى ولاة الأمور لمعرفتهم ولكن يؤدبهم الحاكم بما يراه بخلاف السرقة فعظم أمرها واشتدت عقوبتها ليكون أعظم في الزجر عنها، وعلى هذا بعض الصحب والتابعين والأئمة الأربعة بلى حكى بعضهم الإجماع عليه، ولكن مذهب إسحاق القطع فيمن جحد العارية وروى ذلك عن أحمد.\n(^٥) فلا تقام الحدود في الجهاد حتى يعودوا للأوطان خوفًا من أن يلحق بالأعداء.\n(^٦) الثاني بسند صحيح والأول والآخر بسندين صالحين. نسأل الله التوفيق.","vol":"3","page":22},{"text":"الباب الخامس في حد الزنا (^١)\nقَالَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمُوهُ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ وَيَظْهَرَ الزِّنَى وَيَقِلَّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِلْخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ (^٣)».\n\n• عَنْ سَهْلٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَكَّلَ لِي مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ وَمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ تَوَكَّلْتُ لَهُ بِالْجَنَّةِ (^٤)». رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﷺ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصِنْ (^٥) جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَجُلًا أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْشُدُكَ اللَّهَ (^٦) إِلا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللَّه فَقَالَ الْخَصْمُ وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ: نَعَمْ فَافْضِ بَيْنَنَا\n_________\n(الباب الخامس في حد الزنا)\n(^١) أي في بيان الحد على الزنا ولا يثبت إلا بالاعتراف أو بشهادة أربع كما يأتى، وحكمة تحريم الزنا ما فيه من اختلاط الأنساب وهتك الأعراض التى هي أعز شيء لدى الإنسان.\n(^٢) فمن ثبت زناه ولم يتزوج فإنه يضرب مائة جلدة على ظهره بعصا ونحوه بحضور جمع من المؤمنين للزجر والعبرة.\n(^٣) فمن علامات الساعة رفع العلم بموت أهله ولا يخلفهم غيرهم فيفشوا الجهل في الناس ويضلوا، ومن العلامات ظهور الخمر والزنا وقد كثرا في زماننا هذا حتى صارت مواضعهما رسمية. نسأل الله السلامة، ومن العلامات قلة الرجال بموتهم في الفتن ويلزمه كثرة النساء حتى يتبع الخمسون منهن رجلا واحدًا.\n(^٤) فمن توكل أي حفظ لي ما بين رجليه وهو الفرج وما بين لحييه وهو اللسان ضمنت له الجنة، ونص عليهما لأن معظم البلاء منهما.\n(^٥) لم يحصن - بكسر الصاد أي لم يتزوج زواجا صحيحًا وبفتحها أي لم يحصن نفسه بنكاح صحيح.\n(^٦) أي أسألك بالله.","vol":"3","page":23},{"text":"بِكِتَابِ اللَّهِ وَأْذَنْ لِي فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هذَا (^١) فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ وَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هذَا الرَّجْمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ (^٢) وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا (^٣)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ (^٤)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ عُمَرَ ﵁ وَهُوَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا (^٥) فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ فَأَخْشى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ\n_________\n(^١) أي أجيرًا عنده.\n(^٢) أي مردودان عليك لأن ما أخذ بعقد فاسد كهذا لا يملك بل يجب رده وأنيس هذا تصغير أنس بن الضحاك الأسلمي من قبيلة هذه المرأة.\n(^٣) فصريح ما تقدم أن البكر ذكرًا أو غيره إذا زنى يضرب مائة جلدة وينفى من وطنه إلى مسافة القصر سنة كاملة متوالية لإيحاشه ببعده عن أهله ووطنه فينزجر، والرقيق كالحر إلا أنه على النصف منه وعلى هذا الشافعي والجمهور، وقال مالك والأوزاعى: لا نفى على المرأة والعبد، وعن أحمد روايتان، وقال الكوفيون لا نفى على الزانى مطلقًا لعدم ذكره في القرآن، ولكنهم محجوجون بهذه النصوص، وقد غرب عمر إلى الشام وعثمان إلى مصر وعلى إلى البصرة وهو أبلغ في الزجر لشدة الوحشة.\n(^٤) قوله خذوا عنى أي الحكم فيمن يزنى، قد جعل الله لهن سبيلا أي النسوة التى ورد ذكرهن في قوله - واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا - فهذا الحديث بين السبيل وهو: الجلد والتغريب للبكر والجلد والرجم لغيره، وعلى هذا بعض الصحب والتابعين، ولكن الجمهور والأئمة الأربعة على أن الثيب عليه الرجم فقط لأنه أكبر حد وللاقتصار عليه في بقية الأحاديث.\n(^٥) وهى: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم،=","vol":"3","page":24},{"text":"أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، وَإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الاِعْتِرَافُ (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَجَاءَ مَاعِزٌ الْأَسْلِمِيُّ ﵁ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ زَنَى فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ جَاءَ مِنْ شِقِّهِ الآخَرِ فَقالَ إِنَّهُ زَنَى فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ جَاءَ مِنْ شِقِّهِ الآخَرِ فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ زَنَى فَأَمَرَ بِهِ فِي الرَّابِعَةِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْحَرَّةِ فَرُجِمَ بِالْحِجَارَةِ فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ فَرَّ يَشْتَدُّ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مَعَهُ لَحْيُ جَمَلٍ فَضَرَبَهُ بِهِ وَضَرَبَهُ النَّاسُ حَتَّى مَاتَ فَذَكَرُوا ذلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «هَلا تَرَكْتُمُوهُ (^٢)». وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ لَهُ: «أَبِكَ جُنُونٌ؟» قَالَ: لَا. وَفِي أُخْرَى: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ» قَالَ: لَا قَالَ: «أَحْصَنْتَ؟» قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ (^٣). وَفِي رِوَايَةٍ: فَاخْتَلَفَتْ فِيهِ الصَّحَابَة فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ (^٤)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَلَفْظُهُ لِلتِّرْمِذِيِّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أُتِيَ بِيَهُودِيَ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَانْطَلَقَ إِلَى يَهُودَ فَقَالَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟ قَالُوا:\n_________\n=هذه كانت آية تتلى ثم نسخت تلاوتها وبقى حكمها.\n(^١) فشرط إقامة الحد الإقرار من الزانى أو الشهود الأربعة أو ظهور الحمل من الأم ولم تذكر إكراها ولا شبهة، وبسط ذلك في كتب الفروع.\n(^٢) في قوله الرابعة أي المرة الرابعة واعترافه أربع مرات كشهادة الأربعة، وقوله مس الحجارة أي حرارتها فرّ هاربا، وقوله هلا تركتموه يشير إلى سقوط الحد بالفرار.\n(^٣) قوله لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت تعريض له بالرجوع عن الاعتراف والستر على نفسه، ولكنه لم يرجع حتى قال له في رواية تبكيتا له هل نكتها؟ قال نعم، فأمر برجمه بأن يوقف بين جماعة ورموه بالحجارة حتى يموت.\n(^٤) قوله اختلفت فيه الصحابة أي في قبول توبته لكشف ما اقترفه وكان جديرًا به أن يستر على نفسه فمن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، وإن الله ستير يحب الستيرين، فأجابهم النبي - ﷺ - بأنه تاب توبة تسع أمة عظيمة.","vol":"3","page":25},{"text":"نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا وَنُحَمِّلُهُمَا وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا وَيُطَافُ بِهِمَا (^١) قَالَ: فَاتُوا بِالتَّوْرَاةِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَأَتَوْا بِهَا فَقَرَؤُهَا حَتَّى إِذَا جاءتْ آيَةُ الرَّجْمِ سَتَرَهَا الَّذِي يَقْرَأُ بِيَدِهِ وَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَهُوَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ: مُرْهُ فَلْيَرْفَعْ يَدَهُ فَرَفَعَهَا فَإِذَا تَحْتَهَا آيَةُ الرَّجْمِ فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُمَا وَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَقِي الْمَرْأَةَ مِنَ الْحِجَارَةِ بِنَفْسِهِ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا زَنتِ الْأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبُ ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ ثُمَّ إِنْ زَنتِ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ (^٣)». رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ. نَسْأَلُ الله السَّتْرَ وَالتَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضى آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-556>لا يقام الحد على النفساء والحامل حتى تضع </span>(^٤)\nخَطَبَ عَلِيٌّ ﵁ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْحَدَّ مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ\n_________\n(^١) أي قالوا عقابهما أن نسود وجوههما ونركبهما على دابتين ووجوههما إلى الخلف ونطوفهما القرية فضيحة لهما وتركوا الرجم المأمور به في التوراة.\n(^٢) أي ينحنى عليها ليحفظها من الحجارة لأنها خليلته التى كان يخلو بها، وفى الحديث: أن أهل الكتاب إذا ترافعوا إلينا في أي شيء عاملناهم بشرعنا قال تعالى - فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين -.\n(^٣) فإذا ثبت زنا الأمة فعلى سيدها جلدها، ولا يثرب أي لا يعنف ولا يوبخ، فإن زنت مرة ثانية فليجلدها، فإن زنت ثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر، وفى رواية: ولو بضفير. أي بحبل مضفور، وظاهره أن للسيد إقامة الحد على مملوكه وعلى هذا الجمهور، فالرقيق لا يرجم وإن كان محصنًا بل يجلد خمسين على النصف من الحر لقوله تعالى - ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ - وعليه جمهور الصحب والتابعين والأئمة الأربعة، ومن قال بالتغريب كالشافعى يوجب على الرقيق نصف سنة. والله جل شأنه أعلى وأعلم.\n\nلا يقام الحد على النفساء والحامل حتى تضع\n(^٤) فيؤخر الحد عن النفساء حتى تصح وعن الحامل حتى تضع وتصح وتستغنى عنهما الأولاد رحمة بالجميع.","vol":"3","page":26},{"text":"لَمْ يُحْصِنْ فَإِنَّ أُمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنتْ فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا فَإِذَا هِيَ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ (^١) فَخَشِيتُ إِنْ جَلَدْتُهَا قَتَلْتُهَا فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «أُحْسَنْتَ».\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَى فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أُصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ (^٢) فَدَعَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَلِيَّهَا فَقَالَ: «أَحْسِنْ إِلَيْهَا فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا فَفَعَلَ فَأَمَرَ بِهَا فَفَعَلَ فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا (^٣) ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا» فَقَالَ لَهُ عُمرُ: تُصَلِّى عَلَيهَا يَا نَبِنَّ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ فَقَالَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى (^٤)». رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-557>حكم اللواط وإتيان البهائم والمحارم </span>(^٥)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ (^٦)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٧).\n_________\n(^١) قوله بنفاس أي بولادة فأخرت الحد عليها فاستحسنه النبي - ﷺ -.\n(^٢) أي ارتكبت ذنبًا يوجب الحد فأقمه على.\n(^٣) أي لفت عليها لئلا تنكشف حين رجمها.\n(^٤) أي وهل وجدت توبة أفضل من بيع الروح في مرضاة الله تعالى حيث اعترفت بذنبها وقبلت الرجم خوفًا من الله وطلبًا لمرضاته أي لا أفضل من هذه. نسأل الله الستر لنا وللمسلمين في الدنيا والآخرة آمين.\n\nحكم اللواط وإتيان البهائم والمحارم\n(^٥) اللواط هو النكاح في الدبر، وإتيان البهائم نكاحها، والمحارم جمع محرم وهى من حرمت عليه بنسب أو رضاع أو مصاهرة.\n(^٦) عمل قوم لوط هو نكاح الذكر في دبره قال تعالى فيهم - ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ - والحديث يأمر بقتلهما برميهما من مكان عال أو بهدم بناء عليهما كذا قيل، وقال مالك وأحمد: إن اللوطى يرجم محصنًا أولا. وقال الكوفيون والشافعى: إن حكم الفاعل كحكم الزانى، وعلى المفعول به جلد مائة ونفى سنة محصنًا أولا. ذكرًا أو غيره.\n(^٧) بسند ضعيف ولفظ النسائي: لعن الله من عمل عمل قوم لوط.","vol":"3","page":27},{"text":"وَلِلتِّرْمِذِيِّ (^١): إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي عَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ (^٢).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: مَا شَأَنُ الْبَهِيمَةِ؟» قَالَ: مَا أُرَاهُ قَالَ: «ذلِكَ إِلا أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُؤْكَلَ لَحْمُهَا وَقَدْ عُمِلَ بِهَا هذَا الْعَمَلُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣) كَمَا رَوَيَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَيْسَ عَلَى الَّذِي يَأْتِي الْبَهِيمَةَ حَدٌّ.\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: لَقِيتُ عَمِّي وَمَعَهُ رَايَةٌ فَقُلْتُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةَ أَبِيهِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ وَآخُذَ مَالَهُ (^٤).\nوَوَقَعَ رَجُلٌ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ فَرُفِعَ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الكُوفَةِ فَقَالَ: لَأَقْضِيَنَّ فِيكَ بِقَضِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنْ كَانَتْ أَحَلَّتْهَا لَكَ جَلَدْتُكَ مِائَةً وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَلَّتْهَا لَكَ رَجَمْتُكَ بِالْحِجَارَةِ فَوَجَدُوهُ قَدْ أَحَلَّتْهَا لَهُ فَجَلَدُوهُ مِائَةً (^٥) رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٦).\n_________\n(^١) بسند حسن.\n(^٢) إنما خافه وأمر بقتلهما لما فيه من الإضرار وقطع النسل الذي عليه العمران الكوني.\n(^٣) مرفوعة وموقوفة على ابن عباس ولذا كان ضعيفًا ولم يأخذ به الأئمة الأربعة فلا تقتل البهيمة ولا الفاعل بل يعزر بما يراه الحاكم.\n(^٤) قوله نكح امرأة أبيه أي تزوج بها بعد وفاته كعادة الجاهلية وقد أبطلها الشرع بقوله تعالى ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقوله فأمرني بضرب عنقه وأحذ ماله لأنه استحل ما حرم الله تعالى فارتد عن الإسلام ولدمه وماله.\n(^٥) أي إن كانت امرأتك جعلتها حلالا لك عزرتك وبالغت فيه إلى جلد مائة فإنها لما أحلتها له صارت إعارة فروج وهي لا تصح فوطؤها وطء شبهة، وإلا رجمتك لأنه محصن فظهر الأول فجلده مائة، ولم يوقع الحد على الجارية لأنها مغلوب عليها.\n(^٦) الأول بسند حسن والثاني فيه اضطراب.","vol":"3","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-558>حد القذف والسب والسحر </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (^٢).\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَاعْتَرَفَ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ سَمَّاهَا فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَلَيْهَا فَسَأَلَهَا فَأَنْكَرَتْ فَجَلَدَهُ الْحَدَّ وَتَرَكَهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: وَكَانَ بِكْرًا فَجَلَدَهُ مِائَةً وَسَأَلَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَرَأَةِ فَعَجَزَ وَكَذَّبَتْهُ فَجَلَدَهُ حَدَّ الْفِرْيَةِ ثَمَانِينَ (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤) وَالنَّسَائِيُّ.\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَذَكَرَ ذلِكَ وَتَلَا الْقُرْآنَ فَلَمَّا نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ أَمَرَ بِالرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَةِ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ (^٥). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٦).\n_________\nحد القذف والسب والسحر\n(^١) القذف هو الرمي بالزنا، والسب أعم منه، والسحر مزاولة النفس الخبيثة لأقوال وأفعال يترتب عليها أمور خارقة للعادة، وله تأثير في القلوب الحب والبغض وفي الأبدان بالألم ونحوه، ولكنه لا يقلب الجماد حيوانًا وبالعكس، وإن كان فيه ما يقتضي كفرًا كفر، وتعلمه التحفظ منه جائز، وإن كان يقتل ففيه القصاص عند الشافعية اهـ شرح الجامع الصغير، وسيأتي في الطب ما وقع للنبي - ﷺ - منه إن شاء الله.\n(^٢) فمن يرمي محصنًا مشهورًا بالعفة بالزنا وليس له شهود أربعة على قوله فإنه يجلد حد القذف ثمانين جلدة ولا تقبل شهادته لأن رميه كبيرة إلا إذا تاب وحسن حاله فإنه ينتهي فسقه وتقبل شهادته.\n(^٣) الفرية - بالكسر الكذب والبهتان، فمن اعترف أنه زني بامرأة سماها وأنكرت هي فإنه يقام عليه حد الفرية فقط دون الزنا لأن إنكارها شبهة تدرأ الحد عنه، وعلى هذا الأوزاعي وأبو حنيفة، وقال مالك والشافعي: يحد للزنا فقط للرواية الأولى ولأنه أكبر الحدين، وقيل يحد للزنا وللقذف عملا بالروايتين ووفاء بحق الخالق والمخلوق.\n(^٤) بسندصالح.\n(^٥) فلما سبت عائشة ونزلت براءتها صعد النبي - ﷺ - المنبر. وقرأ ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم﴾ الآيات، ثم نزل وأمر بإقامة حد القذف على من ظهر منهم وهم حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش، وسيأتي الحديث بهذا مطولا في تفسير سورة النور.\n(^٦) بسند حسن.","vol":"3","page":29},{"text":"وَلِلْبُخَارِيِّ: مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ وَهُوَ بَرِئٌ مِمَّا قَالَ جُلِدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^١).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ يَا يَهُودِيُّ فَاضْرِبُوهُ عِشْرِينَ وَإِذَا قَالَ يَا مُخَنِّثُ فَاضْرِبُوهُ عِشْرِينَ (^٢) وَمَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ فَاقْتُلُوهُ (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (^٤).\n\n• عَنْ جُنْدُبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: قَالَ: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ (^٥)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. نَسْأَلُ اللَّهُ السَّتْرَ وَالتَّوْفِيقَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-559>الباب السادس في حد شارب الخمر </span>(^٦)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ ثُمَّ جَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ وَدَنَا النَّاسُ مِنَ الرِّيفِ وَالْقُرَى قَالَ: مَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ الْخَمْرِ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ: أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا كَأَخَفِّ الْحُدُودِ فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ (^٧).\nرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ الْحَدَّ بِنَعْلَيْنِ أَرْبَعِينَ (^٨).\n_________\n(^١) ظاهره أنه لا عقاب عليه إلا في الآخرة لأنه في الدنيا مالك له.\n(^٢) هذا تنفير فقط للحديث الآتي: لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله، وقال الجمهور: هو على ظاهره كما يأتي، فحد القذف ثمانون، وأما السب والشتم فعليه عقوبة بما يراه الحاكم.\n(^٣) فمن نكح محرما له وهو يعلم فإنه يقتل بالسيف، قال الترمذي: وعليه أصحابنا، وقال أحمد: من تزوج أمه قتل لأنه استحل ما حرم الله فارتد فحل قتله، وعموم الحديث يشمل كل ناكح وكل زان بمحرمه.\n(^٤) ولكن يؤيده حديث البراء السابق.\n(^٥) فمن سحر فإنه يقتل بالسيف وعليه بعض الصحب والتابعين ومالك وأحمد. بل قال مالك: إنه كافر بالسحر فيقتل ولا يستتاب فإن توبته لا تقبل، وقال الشافعي: لا يقتل إلا إذا عمل في سحره ما يبلغ به الكفر وإلا فلا وهذا كله إذا لم يقتل بسحره وإلا قتل بلا خلاف والله أعلم.\n\n(الباب السادس في حد شارب الخمر)\n(^٦) المراد بالخمر ما خامر العقل وستره سائلا كان أو غيره مما ظهر في هذا الزمان من الحشيش والكوكايين ونحوها.\n(^٧) قوله جلد بالجريد والنعال أي أمر بهما، والريف الأرض الزراعية ذات المياه.\n(^٨) فالنبي - ﷺ - وأبو بكر أقاما الحد على شارب الخمر بضربه أربعين على ظهره، ولكن لما كثر شرب =","vol":"3","page":30},{"text":"قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ قَالَ: «اضْرِبُوهُ فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ وَالضَّارِبُ بِثوْبِهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ قَالَ ﵊: لَا تَقُولُوا هكَذَا لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ (^١)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\nوَكَانَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيَّ ﷺ يُسَمَّى عَبْدَ اللَّهِ وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا وَكَانَ يُضْحِكُ النَّبِيَّ ﷺ وَكَانَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ فَقالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلا أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (^٢)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي سَاسَانَ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ ﵁ وَأُتِيَ بِالْوَلِيدِ قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ أَزِيدُكُمْ فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ أَحَدُهُما حُمْرَانُ أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ فَقَالَ عُثْمَان: مَا قَاءَ إِلا بَعْدَ مَا شَرِبَ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ قُمْ فَاجْلِدْهُ فَقَالَ عَلِيٌّ: قُمْ يَا حَسَنُ فَاجْلدْهُ فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا فَقَالَ: يَابْنَ جَعْفَرٍ قُمْ فَاجْلِدْهُ فَجَلَدَهُ وَعَلِيٌّ يَعُدُّ حَتَّى بَلغَ أَرْبَعِينَ فَقَالَ: أَمْسِكْ ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ وَهذَا أَحَبُّ إِلَيَّ (^٣). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n_________\n= الخمر في زمن عمر استشار أصحابه فأشار عليه عبد الرحمن بن عوف وعلى بن أبي طالب بأن يجعل حده كأقل الحدود التي أمر الله بها وهي حد القذف ثمانون فأنقذه عمر ﵃.\n(^١) فيه جواز الضرب بكل شيء يؤلم، ومن ضرب بثوبه فتله قبله.\n(^٢) فيه النهي عن اللعن وهو لا يجوز ولو لحيوان، بل فيما قبله النهي عن مطلق الدعاء على المرتكب بل المطلوب الدعاء له بالهداية، وفي هذا أن محبة الله ورسوله لا تمنع من الزلل أحيانًا ليدوم ذل العبد لربه.\n(^٣) أبو ساسان اسمه حضين بن المنذر قال: كنت مع عثمان وهو خليفة فجاؤا بالوليد وقالوا إنه صلى الصبح ركعتين ثم قال أزيدكم أي على ركعتين لأنه سكران بل وشهد عليه حمران بن أبان مولى عثمان أنه رآه يشرب الخمر وشهد آخر أنه رآه يتقيأ فقال عثمان لعلي قم فاجلده، فقال على للحسن، قم فاجلده فقال ولِّ=","vol":"3","page":31},{"text":"<span data-type='title' id=toc-560>التعزير بالضرب والحبس والنفي </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ﷺ قَالَ: «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَداتٍ إِلا فِي حَدَ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى (^٢)» رَوَاهُ الْخمْسَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: إِنَّ النَّبِيُّ ﷺ ضَرَبَ وَغَرَّبَ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ وَإِنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ (^٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَصَححَهُ.\nوَحَبَسَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا فِي تُهَمَةٍ ثُمَّ خَلَّى عَنْهُ. رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٤). وَحَبَسَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَوْمًا اتُّهِمُوا بِسَرِقَةٍ أَيَّامًا ثُمَّ خَلَّى عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ وَلَا امْتِحَانٍ (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦) وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَعَنَ\n_________\n= حارَّها من تولى قارها أي باردها، أي كلف من يتمتع بلذيذ الخلافة من خواص أقاربك باقامة الحدود، وقد اشتهر حينذاك أن عثمان يؤثر أقاربه، وذاك مثل من أمثال العرب، فأمر عثمان بن جعفر فضربه الحد، فلما ضربه أربعين قال على كفي، جلد النبي - ﷺ -، وأبو بكر أربعين وجلد عمر ثمانين وكل أمر حسن، ولكن هذا أي الأربعون أحسن عندي لأنها فعل النبي - ﷺ -، وعليه بعض الصحب والتابعين والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال بعض الصحب والتابعين ومالك وأبو حنيفة: حد الخمر ثمانون. والرقيق على النصف من الحر، والذي لا حد عليه إلا إذا احتكموا إلينا. ومن تكرر منه الشرب يحد ثمانين فقط ويوبخ بما يراه الحاكم لعله ينزجر. وما ورد في أبي داود والترمذي من أن من تكرر شربه يقتل في الرابعة منسوخ كما قاله الترمذي ولم يأخذ به أحد، أو أنه محمول على من استحل ذلك. والله أعلم.\n\nالتعزير بالضرب والحبس والنفي\n(^١) التعزير التأديب بما يراه الحاكم من ضرب ونحوه.\n(^٢) وفي رواية: لا عقوبة فوق عشر ضربات إلا في حد من حدود الله. فلا تجوز الزيادة عليها في التأديب. وعليه بعض السلف وأحمد وبعض الشافعية، وقال مالك والشافعي ومحمد وأبو يوسف: تجوز الزيادة عليها إذا دعت الحال لحديث الترمذي السابق في القذف: إذا قال الرجل للرجل يا يهودي فاضربوه عشرين. وضرب عمر أكثر من مائة وأقره الأصحاب.\n(^٣) فالنبي - ﷺ - وصاحباه ضربوا الأشرار ونفوهم عن الأوطان تأديبًا لهم ومنعًا لشرهم عن الناس.\n(^٤) بسند حسن.\n(^٥) فيجوز التهديد بنحو الحبس بقصد أن يعترفوا وإلا فينزجروا.\n(^٦) بسند صالح.","vol":"3","page":32},{"text":"النَّبِيُّ ﷺ الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النَّسَاءِ وَقَالَ: «أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكمْ وَأَخْرَجَ فُلَانًا وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلَانًا (^١)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمُخَنَّثٍ قَدْ خَضَبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا بَالُ هذَا؟» فَقالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ فَأَمَرَ بِهِ فَنُفِيَ إِلَى النَّقِيعِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَقْتُلُهُ قَالَ: «إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-561>لا يضرب الوجه ولا يقام حد في المسجد</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَن النَّبِيِّ قَالَ: «إِذا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ (^٣)». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُسْتَقَادَ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ الْأَشْعَارُ وَأَنْ تُقَامَ فِيهِ الْحُدُودُ (^٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥) والتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) الرجل المخنث المتشبه بالنساء. والمترجلات من النساء المتشبهات منهن بالرجال تصنعًا. فالنبي - ﷺ - أمر بنفيهم حفظًا للأخلاق. ونفى فلانًا هو أنجشة العبد الذي كان يحدو لركب النبي - ﷺ - ونفى عمر فلانًا هو ماتع وفي رواية: ونفي عمر فلانًا وفلانًا وهما بعيث وماتع عند بعضهم.\n(^٢) فلما رأى النبي - ﷺ - مخنثًا خضب يديه ورجليه بالحناء أنكر ذلك لأنها عادة النساء وأمر بنفيه إلى النقيع - كالبقيع - موضع بضواحي المدينة. وفقه ما تقدم أن على الإمام ونوابه تأديب الأشرار بما يراه زاجرًا لنفوسهم ومقومًا الأخلاقهم من ضرب وحبس ونفي وتشهير ونحوها لكسر شوكتهم ولتأمين الناس على حياتهم. والله أعلم.\n\nلا يضرب الوجه ولا يقام حد في المسجد\n(^٣) لأنه أشرف الأعضاء ومجمع المحاسن، فضربه وتشويهه حرام ولو لحيوان إذا صال. وتقدم الحديث في العتق.\n(^٤) قوله أن يستقاد في المسجد أي يقام فيه القود وهو القصاص. وقوله وأن تنشد فيه الأشعار أي المذمومة كهجو من لا يجوز هجوه، أما أشعار الحكمة فلا، وسيأتي الشعر في كتاب الأدب إن شاء الله، وقوله وأن تقام فيه الحدود تعميم بعد تخصيص، فلا تجوز إقامة أي حد في المساجد سواء كان لله أو للناس حفظًا لها من التنجيس ولتبقى معدة للعبادة كما جعلت لها. والله أعلم.\n(^٥) بسند صالح.","vol":"3","page":33},{"text":"<span data-type='title' id=toc-562>شروط إقامة الحدود </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا ﵁ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَقَالَ مَرَّةً لَيْسَ عِنْدَ النَّاسِ، فَقَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا عِنْدَنَا إِلا مَا فِي الْقُرْآنِ إِلا فَهْمًا يُعْطَى رَجُلٌ فِي كِتَابِهِ وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ (^٢) وَفَكَاكُ الْأَسِيرِ وَأَلا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ رَجُلًا فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَقَرَّ فَسَلّمَهُ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ فَذَهَبَ بِهِ وَفِي عُنُقِهِ نِسْعَةٌ فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: «الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، فَبَلَغَ الْوَلِيَّ مَقَالَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَفَا عَنْهُ (^٣)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\nوَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ (^٤): «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ (^٥)».\n\n• عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ\n_________\nشروط إقامة الحدود\n(^١) فيشترط فيمن يقام عليه الحد أن يكون بالغًا رشيدًا مختارًا، وأن لا يكون أصلا لصاحب الحق، وأن يعترف أو تشهد الشهود وأن يساوي صاحب الحق في الحرية على خلاف يأتي.\n(^٢) قوله العقل أي بيان الدية، وقوله وألا يقتل مسلم بكافر أي حربي أو مشرك وهذا بإجماع. أما الذي فيقتل فيه المسلم عند الشعبي والنخعي والحنفية. وقال الجمهور: إنه لا يقتل فيه لدخوله في الكافر.\n(^٣) قوله فأقر محل الشاهد. وقوله في عنقه نسمة بكسر فسكون: حبل من جلد يجعل في عنق القاتل ويسلم به لأولياء المقتول، وقوله القاتل والمقتول في النار. وفي رواية: إن قتله فهو مثله. أي عليه الإدانة لأن القتل كان شبه عمد أي ففيه الدية ولكنه كان فقيرًا فلا قصاص عليه.\n(^٤) بسند حسن.\n(^٥) قوله ومن جدع عبده أي قطع أنفه، جدعناه أي قطعنا أنفه قصاصًا، وإذا ثبت القصاص بينه وبين عبده فغيره أولى، فليست المساواة في الحرية شرطا في القصاص وعليه النخعي والثوري. وقال أصحاب أبي حنيفة: يقتل بعبد غيره فقط دون عبده. وقال الجمهور. إن المساواة في الحرية شرط في القصاص لقوله تعالى ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ فهذه الآية ناسخة للحديث أو هو للزجر.","vol":"3","page":34},{"text":"يَقِيدُ الْأَبَ مِنَ ابْنِهِ وَلَا يَقِيدُ الاِبْنَ مِنْ أَبِيهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَا يُقْتَلُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ (^١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ (^٣)» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالْبُخَارِيُّ مَوْقُوفًا.\n\n• عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وائِلٍ عَنْ أَبِيهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «قَالَ لاِمْرَأَةٍ أُكْرِهَتْ عَلَى الزِّنَى اذْهَبِي فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكِ (^٤)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مُطَوَّلًا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\nوَاسْتُكْرِهَتِ امْرَأَةٌ عَلَى الزِّنَى عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ وَأَقَامَهُ عَلَى الَّذِي أَصَابَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ جَعَلَ لَهَا مَهْرًا (^٥). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦). واللَّهُ تَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَمُ. نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضى آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-563>الباب السابع في العفو والستر ما لم يبلغ الإمام </span>(^٧)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (^٨).\n\n• عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ ﵁ قَالَ: «مَنْ أُصِيبَ بِقَتْلٍ أَوْ خَبْلٍ فَإِنَّهُ\n_________\n(^١) قوله يقيد بفتح الياء، من قاده أي يأخذ القود للأب من ابنه بخلاف العكس لأن الأب كان سببًا في وجود الابن فلا يكون سببًا في عدمه فلا يقتص من الأصل لفرعه.\n(^٢) بسند ضعيف ولكن أهل العلم كلهم عليه.\n(^٣) فالنائم والصبي والمجنون لا إدانة عليهم لعدم تكليفهم وإن صحت عبادة الصبي وأجر عليها. وتقدم الحديث في شروط الصلاة.\n(^٤) فمن أكره على الزنا فلا حد ولا ذنب عليه لقوله تعالى ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ولحديث: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. ولكن من زنى بها أقيم عليه الحد بعد اعترافه.\n(^٥) قوله فدرأ عنها الحد أي لم يأمر بإقامة الحد عليها لإكراهها ولم يجعل لها مهرًا، وهلا تقاس بمن وطئت بشبهة وكأنه لم يطالبه بأكثر من الموت فإنه رجم كما في الترمذي.\n(^٦) بسند غريب ولكن يؤيده ما قبله.\n\n(الباب السابع في العفو والستر ما لم يبلغ الإمام)\n(^٧) فإذا بلغ الحد الحاكم فلا عفو ولا ستر وإلا تعطلت الحدود وتجرأت الأشرار، وفي الحديث: لحد يقام في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحا.\n(^٨) في العفو عظيم الأجر ورضا الرب جل شأنه.","vol":"3","page":35},{"text":"يَخْتَارُ إِحْدَى ثَلَاثٍ إِمَّا أَنْ يَقْتَصَّ وَإِمَّا أَنْ يَعْفُوَ وَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ، فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ وَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رُفِعَ إِلَيْهِ شَيْءٌ فِيهِ قِصَاصٌ إِلا أَمَرَ بِالْعَفْوِ فِيهِ (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣) وَالنَّسَائِيُّ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ: مَا مِنْ رَجُلٍ يُصَابُ بِشَيْءٍ فِي جَسَدِهِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ إِلا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهِ خَطِيئَةً (^٤).\nوَجَاءَ مَاعِزٌ ﵁ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَقَرَّ عِنْدَهُ بِالزِّنَى أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ وَقَالَ لِهَزَّالٍ الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِ بِالاعْتِرَافِ: لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ (^٥).\n\n• عَنْ عَائِشةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَقِيلُوا ذَوِي الْهيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلا الْحُدُودَ».\nوَفِي رِوَايَةٍ: «تَعَافَوُا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدَ فَقَدْ وَجَبَ (^٦)». رَوَى الثَّلَاثَةَ أَبُو دَاوُدَ (^٧) وَالنَّسَائِيُّ.\nوَعَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ادْرَأُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الْإِمَامَ لَأَنْ يخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ (^٨)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ (^٩).\nوَعَنْهَا أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَفَتْ فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ قَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلا أُسَامَةُ\n_________\n(^١) قوله الخبل - كحبل - هو فساد الأعضاء، فمن ثبت له قتل فله القصاص أو الدية أو العفو فإن طلب الرابعة أي الزائدة عن الثلاث نفذوا على يديه أي امنعوه.\n(^٢) إرشاد لمكارم الأخلاق قال تعالى ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) قوله فيتصدق به أي بالعفو عن الجاني.\n(^٥) فإن من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة.\n(^٦) الأمر في قوله أقيلوا وفي قوله تعافوا لذوي الحقوق، أي تجاوزوا عن الحدود فيما بينكم قبل أن تبلغني وإلا أنها لا سيما عثرات أهل الفضل والدين فسترهم واجب في غير الحدود لمكانتهم الدينية.\n(^٧) بأسانيد صالحة.\n(^٨) الأمر في ادرأوا للولاة، أي اتركوا الحدود من المسلمين بقدر الاستطاعة إن وجدتم للجاني مخرجا، فإن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، فلا يقام الحد إلا على من ليس له سبيل للخلاص.\n(^٩) سند الحاكم والبيهقي صحيح.","vol":"3","page":36},{"text":"حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتَشْفَعَ فِي حَدَ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟» ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا». وَفِي رِوَايَةٍ «ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَلِلنَّسَائِيِّ: إِقَامَةُ حَدَ بِأَرْضٍ خَيْرٌ لِأَهْلِهَا مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (^٢). نَسْأَلُ اللَّهَ السَّتْرَ وَالتَّوْفِيقَ لِمَا يُحبُّ وَيَرْضى آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-564>خاتمة: الحدود جوابر </span>(^٣)\n\n• عَنْ عُبَادَةَ (^٤) بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ: «تُبَايِعُونِي عَلَى أَلا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ فَمَنْ وَفَى (^٥) مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنيَا\n_________\n(^١) المرأة المخزومية هي فاطمة بنت الأسود المخزومي من بني مخزوم قبيلة قرشية مشهورة، ففاطمة هذه سرقت حليا فاهتم لها قريش لشرفها فيهم وخافوا الفضيحة من الحد عليها وفكروا فيمن يشفع لها عند النبي - ﷺ - فوقع اختيارهم على أسامة بن زيد، حب أي محبوب رسول الله - ﷺ -، فكلمه أسامة في رفع الحد عنها فقال رسول الله - ﷺ -: لا تشفع في حد من الحدود .. ثم خطبهم فقال: إنما هلك السابقون لأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف أي الغني تركوه لغناه، وإذا سرق الضعيف حدوه، وايم الله بقطع الهمزة ووصلها وبضم الميم أي وايم الله قسمي لو سرقت فاطمة بنتي لأقمت الحد عليها، ومعلوم أنها أحب الناس إليه وهي التي بقيت بعد وفاة أولادهم - ﷺ - كلهم، ومنها كان النسل الشريف الحسن والحسين وذريتهما ﵃.\n(^٢) ففي إقامة الحدود كسر لشوكة الظالمين وإخافة لأهل الشر والمفسدين، فتحفظ الأرواح والأعراض والأموال بإرادة الله تعالى. والله أعلى وأعلم نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى آمين.\n\nخاتمة الحدود جوابر\n(^٣) فإقامة الحد على من ارتكب تكفر ذنبه لقول رسول الله - ﷺ - فيمن زنى وقدم نفسه فرجم» لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم» ولقوله الآتي: فهو كفارة له.\n(^٤) فعبادة هذا أحد النقباء الذين بايعوا النبي - ﷺ -، ليلة العقبة.\n(^٥) قوله فمن وفى بالتشديد وعدمه فأجره على الله وفي رواية: فله الجنة.","vol":"3","page":37},{"text":"فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذلِكَ فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ». زَادَ فِي رِوَايَةٍ: فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذلِكَ (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n(عدد أحاديث كتاب الحدود ١٠٧ مائة وسبعة فقط)\n_________\n(^١) قوله: فهو كفارة له. صريح في أن الحدود مكفرات لا زاجرات. وفي رواية للترمذي» ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة» وعلى هذا الجمهور. وقال بعضهم: إنها زاجرات فقط وعليه العقاب في الآخرة. والنفس إلى الأول أميل فإنه هو اللائق بالكرم الإلهي. نسأل الله التوفيق للرشد والهداية آمين والله أعلم.","vol":"3","page":38},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type='title' id=toc-565>كتاب الإمارة والقضاء </span>(^١)\nوفيه خمسة فصول وخاتمة\n\n<span data-type='title' id=toc-566>الفصل الأول في بيان من هو أحق بالإمارة</span>\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ هذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَانِ (^٢)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ هذَا الْأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلا كَبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ (^٣)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هذَا الشَّأْنِ مُسْلِمُهُمْ لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ لِكَافِرِهِمْ». وَفِي رِوَايَةٍ: «النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ (^٤)» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ الْإِسْلَامُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَى عَشَرَ خَلِيفَةً»، ثمَّ قَالَ كَلِمَةً لَمْ أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ لِأَبِي مَا قَالَ؟\n_________\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\nكتاب الإمارة والقضاء\n(^١) الإمامة والإمارة: هي الولاية العامة. والقضاء: هو الحكم بين الناس بما أنزل الله.\n(^٢) فلا يزال أمير الولاية العامة حقًّا لقريش ما بقي منهم اثنان.\n(^٣) هذا شرط في استحقاقهم الخلافة دون الناس.\n(^٤) قوله في هذا الشأن، أي شأن الخلافة. وقوله: مسلمهم المسلمهم وكافرهم لكافرهم. وقوله: في الخير والشر. أي في الإسلام والجاهلية فهم سادة الناس في كل زمان وفي كل حال، وللترمذي في الفتن» قريش ولاة الناس في الخير والشر إلى يوم القيامة».\n\n﴿فائدة﴾\nسئل النبي - ﷺ - من قريش فقال: من ولد النضر بن كنانة. وقيل من ولد فهر بن مالك. وعلى الأول الشافعي والولى العراقي والنووي والحافظ العلائي وعزاه للمحققين وإنما خصت قريش بالولاية دون سائر الناس لأنها شجرة النبي - ﷺ -، ولأنها جبلت على المروءة والكرم والشجاعة وقوة الحزم وأصالة الرأي ولحديث أحمد والحاكم: إن للقرشي مثل قوة الرجلين من غير قريش.","vol":"3","page":39},{"text":"قَالَ: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^١).\n\n• عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ عَنْ سَفِينَةَ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْخِلَافَةُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ مُلْكٌ بَعْدَ ذلِكَ ثُمَّ قَالَ سَفِينَةُ: أَمْسِكْ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيَ فَوَجَدْنَاهَا ثَلَاثِين سَنَةً» قَالَ سَعِيدٌ قُلْتُ لَهُ: إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْخِلَافَةَ فِيهِمْ قَالَ: «كَذَبُوا بَنُوا الزَّرْقَاءَ بَلْ هُمْ مُلُوكٌ مِنْ شَرِّ الْمُلُوكِ (^٢)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-567>الزهد في الإمارة </span>(^٣)\n\n• عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا عَبْدَ الرَّحْمنِ لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا (^٤) وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وأْتِ الَّذِي\n_________\n(^١) ورواه أبو داود في كتاب الهدي بلفظ» لا يزال هذا الدين قائمًا حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة» وهؤلاء الخلفاء الذين يعتز بهم الإسلام هم من أبي بكر الصديق إلى عمر بن عبد العزيز ﵃ بعد حذف معاوية بن يزيد ومروان بن الحكم فإن إماراتهما لم تصح ولم تطل مدتها. وعددهم اثنا عشر وبهم كان الإسلام قويًا منيعًا إلى موت عمر بن عبد العزيز في نهاية القرن الأول الذي هو أفضل القرون، وإن كانت الخلافة الكاملة في ثلاثين سنة كما سيأتي.\n(^٢) سفينة مولى النبي - ﷺ -، والزرقاء حدة لبني أمية. فمدة الخلافة التي على طريقته - ﷺ - ثلاثون سنة فهى خلافة نبوة ثم ملك بعد ذلك أي ثم يكون الخليفة على طريقة الملوك. وأولهم معاوية مع ما اشتهر عنه من أصالة الرأي وشدة الحزم وتمام نظام الملك. ومدة خلافة النبوة بينها حديث أحمد بقوله: أمسك خلافة أبي بكر ﵁ سنتين، وخلافة عمر ﵁ عشر سنين، وعثمان ﵁ اثنتي عشرة سنة، وخلافة علي ﵁ ست سنين. وبعضهم زاد في بعضها وبعضهم نقص، وبعضهم أدخل فيها مدة الحسن ﵁ ستة أشهر، والأمر في ذلك سهل نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى آمين.\n\nالزهد في الإمارة\n(^٣) أي مطلوب ومرغوب فيه.\n(^٤) فمن أتته الإمارة من غير طلب أعانه الله عليها ومن طلبها تركه ونفسه.","vol":"3","page":40},{"text":"هُوَ خَيْرٌ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَة.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ قَالَ: دَخَلْتَ أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلاَّكَ اللَّهُ وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَ ذلك فَقَالَ: «إِنَّا وَاللَّهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ (^٢)». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ. وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ: إِنَّ أَخْوَنَكُمْ عِنْدَنَا مَنْ طَلَبَهُ فَاعْتَذَرَ أَبُو مُوسى وَقَالَ: لَمْ أَعْلَمْ مَا جَاءَا لَهُ فَلَمْ يَسْتَعِنْ بِهِمَا عَلَى شَيْءٍ حَتَّى مَاتَ ﷺ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ (^٣)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَقَالَ أَبُو ذَرَ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرَ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا (^٤)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n_________\n(^١) سيأتي هذا في كتاب الإيمان إن شاء الله.\n(^٢) قوله أمِّرنا أي اجعلنا أمراء على بعض الجهات فقال: لا نولي الإمارة أحدًا سألها ولا حرص عليها فإن أخونكم عندنا من طلب هذا الأمر.\n(^٣) قوله: وستكون ندامة يوم القيامة، أي لمن لم يعمل فيها بحكم الله. وقوله فنعم المرضعة أي الإمارة في أيامها لما فيها من المنافع واللذات العاجلة. وبئست الفاطمة أي عند ذهابها بموت أو عزل فتنقطع اللذات وتبقى الحسرات.\n(^٤) قوله ألا تستعملني أي تجعلني عاملا في جهة من الجهات، فضرب على منكبي وقال: إنك ضعيف عن الولاية وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من قام بحقها فله في الآخرة رفيع الدرجات. للحديث الذي تقدم في المساجد» سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل» الخ، والبزار» أولها ملامة وثانيها ندامة وثالثها عذاب يوم القيامة» وللطبراني» الإمارة أولها ندامة وأوسطها غرامة وآخرها عذاب يوم القيامة» فالسلامة في البعد عن الولاية إلا لمن كان قادرًا على القيام بأعبائها بأصالة رأيه وقوة دينه فلا بأس بها، وربما وجب عليه قبولها إذا لم يصلح غيره. والتوفيق بيد الله تعالى.","vol":"3","page":41},{"text":"<span data-type='title' id=toc-568>الفصل الثاني في البيعة والوفاء بها </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٢).\nعَن مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: جِئْتُ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ أُبَايِعُهُ عَلَى الْهِجْرَةِ فَقَالَ: «إِنّ الْهِجْرَةَ قَدْ مَضَتْ لِأَهْلِهَا وَلكِنْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ وَالْخَيْرِ» (^٣). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا نُبَايِعُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَيُلَقِّنُنَا فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ (^٤). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَعَلَى أَثرَةٍ عَلَيْنَا وَعَلَى أَلا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهَ لَوْمَةَ لَائِمٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَعَلَى أَلا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ قَالَ: «إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ (^٥)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ\n_________\nالفصل الثاني في البيعة والوفاء بها\n(^١) البيعة والمبايعة مبادلة المال بالمال والمعاهدة على النصرة، ولكن المراد هنا العاهدة على السمع والطاعة مطلقًا إلا في المعصية فلا سمع ولا طاعة وهي التي وقعت للنبي - ﷺ - والخلفاء الراشدين من بعده. ولا تعتبر البيعة إلا إذا كانت من أهل الحل والعقد أي أهل الكلمة النافذة، فإذا اختاروا شخصًا وبايعوه صار خليفة عليهم ووجب عليهم إطاعته وحرم عليهم مخالفته، وكذا يصير أميرًا من تغلب عليها للضرورة كما هو مقرر في محله.\n(^٢) فمن بايع النبي - ﷺ - فإنما يبايعون الله وهو معهم أينما كانوا، فمن وفى فله عظيم الأجر ومن نقض البيعة فعليه أكبر ذنب.\n(^٣) إن الهجرة قد مضت لأهلها أي فاز ثوابها من هاجر قبل فتح مكة، ولكن بايعوني على الإسلام والجهاد وفعل الخير. وستأتي الهجرة أي حكمها في الجهاد إن شاء الله.\n(^٤) فكنا نضع أيدينا واحدًا بعد واحد في يد النبي - ﷺ -، ونقول: بايعناك على السمع والطاعة. زاد في رواية: والنصح لكل مسلم فيقول فيها استطعتم.\n(^٥) أي بايعناه على كل حال ولو آثر الغير علينا، وعلى ألا نطلب الولاية من أهلها، وعلى ألا ننازع الولاة في شيء إلا إن رأينا منهم كفرًا بواحا أي جهارًا أو أمروا بمعصية، وإلا فلا سمع ولا طاعة.","vol":"3","page":42},{"text":"تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَتَكْثُرُ»، قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ (^١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَلِمُسْلِمٍ: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخِرَ مِنْهُمَا (^٢)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ يَمْنَعُ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلا لِلدُّنْيَا فَإِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ وَإِلا لَمْ يَفِ لَهُ (^٣)، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا كَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ فَأَخَذَهَا وَلَمْ يُعْطَ بِهَا». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ يُقَالُ هذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ (^٤)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبَايِعُ النِّسَاءَ بالْكَلَامِ بِهذِهِ الْآيَةِ: ﴿لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ وَمَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ إِلا امْرَأَةً يَمْلِكُهَا (^٦). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَقَالَتْ أُمَيْمَةُ بِنْتُ رُقَيْقَةَ ﵄: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نِسْوَةٍ مِنَ\n_________\n(^١) كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء أي ترشدهم لصالح دنياهم وأخراهم في بعد نبي صلى الله عليهم وسلم، ولكن سيظهر في أمتي قوم كل يدعي الخلافة فإن رأيتم ذلك فوفوا ببيعة الأول فإنها البيعة الصحيحة.\n(^٢) فإذا بايع الناس شخصًا وظهر آخر يطلبها فاقتلوه إن لم يندفع بدون القتل لأنه طالب فتنة.\n(^٣) فمن بايع الإمام لأمر دنيوي فإن أعطاه وفّى بعهده وإلا نقض عهده فهذا لا يكلمه الله ولا ينظر إليه يوم القيامة وله العذاب الأليم. والحديث تقدم في الزروع.\n(^٤) الغادر من يغدر بمن عاهده إماما كان أو غيره فينصب له لواء يوم القيامة فضيحة له على رءوس الأشهاد. فالغدر حرام، والوفاء بالعهد فرض قال تعالى ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾.\n(^٥) ولكن مسلم في الجهاد والبخاري في ترك الحيل.\n(^٦) فكان النبي - ﷺ - يبايع النساء بغير مصافحة ولكن يقرأ هذه الآية - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.","vol":"3","page":43},{"text":"الْأَنْصَارِ نُبَايِعُهُ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نُبَايِعُكَ عَلَى أَلا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا نَسْرِقَ وَلَا نَزْنِيَ وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا وَلَا نَعْصِيَكَ فِي مَعْرُوفٍ قَالَ: «فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ» قَالَتْ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا هَلُمَّ نُبَايِعْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: «إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ (^١)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي السِّيَرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-569>تجب إطاعة الأمير ويحرم الخروج عليه </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي (^٤) فَقَدْ عَصَانِي».\nرَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِبَةٍ فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ (^٥)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n_________\n(^١) قولها ولا نأتي ببهتان أي بولد من الزنا كعادتهن في الجاهلية إذا خافت فراق زوجها الذي لا ولد له منها جاءت به من الزنا رغبة في البقاء معه. وقولها ولا نعصيك في معروف أي في أمر معروف للشارع. وقولها هل نبايعك أي امدد يدك للبيعة، فقال إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولى لامرأة واحدة: هذا. ولكن ورد أنه - ﷺ - كان يصافحهن من فوق ثوب، ولعله فعل هذه مرة وتلك أخرى، وتقدم في الأيمان بضعة أحاديث في البيعة. والله أعلم نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى آمين.\n\nتجب إطاعة الأمير ويحرم الخروج عليه\n(^٢) أي لقتاله أو عزله.\n(^٣) هم الولاة.\n(^٤) المراد بالأمير الوالى العام ونائبوه فإطاعتهم إطاعة الله ولرسوله يؤجر الشخص عليها.\n(^٥) وفي رواية: لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف.","vol":"3","page":44},{"text":"وَلِلْبُخَارِيِّ: «اِسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ (^١)».\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الأَطْرَافِ. وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ أَسْوَدُ يَقُودُكمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا (^٢)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ فَمِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ (^٣)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَلِمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ: إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ وَلكِنْ مَنْ رضي وَتَابَعَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: «لَا ما صَلَّوْا (^٤)».\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵁ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا بِشَرَ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ (^٥) فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ ذلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ». قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذلِكَ؟ قَالَ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ».\n_________\n(^١) مبالغة في إطاعة الوالى وإن كان حقيرًا، وإلا فقد أجمعوا على أن الولاية من الأمور الهامة التي لا يتولاها العبيد والنساء. وسيأتي في استخلاف الثقة: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة.\n(^٢) قوله أسمع وأطيع وإن كان مجدع أي مقطع الأطراف. وهذا غاية في إطاعة الوالى وإن كان مشوها.\n(^٣) فمن فارق جماعة المسلمين ولو قليلا ثم مات فإنه يموت كموت الجاهلية الذين لا إمام لهم ولا جماعة بل هم شيع وأحزاب حتى الموت.\n(^٤) قوله فتعرفون وتنكرون أي تعرفون منهم أمورًا محمودة وتنكرون منهم أمورًا مذمومة، فمن كرهها فقد بريء منها ومن أنكرها بلسانه أو بيده فقد سلم من الإثم وكان له أجر النهي عن المنكر، ولكن يحرم قتالهم ما أقاموا الصلاة. وفي رواية: فمن أنكر فقد بريء ومن كره فقد سلم.\n(^٥) وفي رواية: جاءنا الله بخير. والمراد بالشر الجاهلية والمراد بالخير الإسلام.","vol":"3","page":45},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ». قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذلِكَ (^١)» رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ ثُمَّ مَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً وَمَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِلْعَصَبِيَّةِ وَيُقَاتِلُ لِلْعَصَبِيَّةِ فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِي (^٢) وَمَنْ خَرَجَ مِنْ أُمَّتِي عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا لَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلَا يَفِي عَهْدِهَا فَلَيْسَ مِنِّي (^٣)».\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طاعَةٍ لَقِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً».\n\n• عَنْ عَرْفَجَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ (^٤) فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ». وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَميعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ (^٥)».\n\n• عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ (^٦)\n_________\n(^١) المراد بالشر بعد الخير مرة بعد أخرى ظهور الفتن والفساد مرة بعد أخرى على ما يكون الولاة والحكام كما قال: يكون بعدى أمة لا يهتدون بهداي ولا يعملون بسنتي، ويكون فيهم رجال كصورة الإنس ولكن قلوبهم قلوب الشياطين وحينئذ يلزم السمع والطاعة ولزوم الجماعة بأي حال، فإن لم تكن جماعة ولا رئيس فاعتزل الناس كلهم حتى تموت، فهذا أسلم لك.\n(^٢) فم اندرج تحت راية لجماعة عمية - بضم وكسر مع تشديد الميم والياء، أي لا تدرى الحق بل تقاتل للعصبية والقرابة ولو كانت على باطل فمات فليس من الأمة المحمدية.\n(^٣) قوله ولا يفي بذي عهدها أي من لهم عهد من أهل الذمة.\n(^٤) الهنات - جمع هنة وهي كلمة يكنى بها عن كل شيء والمراد بها هذا الشرور.\n(^٥) فإذا كانت الأمة ملتفة حول أمير وأراد واحد أن يشقها ويفرقها فإنه يحل قتله لأنه يريد أن يثير فتنة بين المسلمين.\n(^٦) أي يدعون لكم وتدعون لهم. وهذا يأتي من العدل والمساواة غالبًا.","vol":"3","page":46},{"text":"وَشِرَارُ أَئِمَّتِكمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ» فَقَالَ: «لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ (^١)». رَوَى مُسْلِمٌ هذِهِ الْخَمْسَةَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-570>الفصل الثالث فيما يجب على الأمير </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (^٤) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (^٥).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْل بَيْتِهِ وَهُوَ\n_________\n(^١) فيه أنه يحرم الخروج على الإمام وإن حدث فسقه وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا بل قال بعضهم: إنه إجماع. قال علي ﵁: أمير غشوم خير من فتنة تدوم. أما الشخص الفاسق فإن بيعته لا تنعقد وفقه ما تقدم أن طاعة الولاة فرض بل يطلب الدعاء لهم بالتوفيق وصواب القول والفعل والتأبيد، ويحرم الخروج عليهم وإن ظهر فسقهم، لما فيه من إراقة الدماء وهتك الأعراض وإثارة الفتن والفساد، وهذا لا يمنع من أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر حيث لا يضره ذلك.\n(^٢) وروى أبو داود الثالث منها في الفتن وكذا روى الترمذي الأخير. ولما انتهينا من واجب الرعية نحو الأمير أردفناه بما يجب للرعية على الولاة.\n\nالفصل الثالث فيما يجب على الأمير\n(^٣) الذي يجب على الأمير لرعيته النصح وعدم الغش والعدل والرحمة والرأفة والعمل على صالحها للدنيا والأخرى.\n(^٤) العدل هو المساواة بين الناس لا فرق بين قريب وغيره، ولا بين شريف وغيره، لأن الخلق كلهم عباد الله، والإحسان هو إتقان العمل، وفي الحديث: إذا عمل أحدكم عملا فليتقنه.\n(^٥) أي اعدلوا فإن الله يحب العادلين، يقال أقسط إذا عدل وقسط إذا جار، قال تعالى - وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا -.","vol":"3","page":47},{"text":"مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَدَخَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ ﵁ عَلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ يَعُودُهُ فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهُمْ إِلا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ (^٢)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَفِي رِوَايَةٍ: «مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِالنَّصِيحَةِ إِلا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ ﷿ وَعَدَلَ كَانَ لَهُ بِذلِكَ أَجْرٌ، وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ (^٣)» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ (^٤)».\nوَدَخَلَ عَائِذُ بْنُ عَمْرٍو ﵁ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهُ بْنِ زِيَادٍ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ\n_________\n(^١) الراعي هو الحافظ المؤتمن على ما يليه وكل شخص راع ومسئول: فالحاكم راع على محكوميه، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وأولاده وماله، وولد الرجل راع على مال أبيه، والخادم راع على مال سيده، والكل مسئولون إن قصروا ومثابون إن أخلصوا في أعمالهم. بقي الشخص الفرد الذي لا زوج ولا ولد ولا خادم له فهو راع على جوارحه بحفظها من الحرام وقيامها بالواجب عليها شكرا لله تعالى، فصدقت الكلية: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.\n(^٢) فعبيد الله بن زياد كان أميرًا على البصرة من قبل معاوية فسمع بمرض معقل بن يسار الصحابي فذهب لعيادته فقال معقل سمعت النبي - ﷺ - يقول: كل راع يموت وهو غاش لرعيته فالجنة عليه حرام. بل إن ترك نصحها لم يدخل الجنة، أي إن استحل ذلك أو لم يدخلها مع السابقين أو هذه النصوص للزجر فقط.\n(^٣) قوله إنما الإمام جنة - كأمة - أي حام لرعيته تعتمد عليه في أمورها كلها، فإن أمر بتقوى الله وعدل كان له أجر الحاكم العادل وإلا كان عليه الوزر الكبير.\n(^٤) الشيخ لغة من بلغ الأربعين وخصه مع تحريم الزنا على كل واحد لأنه لكبر سنه جدير بالتوبة. والكذب لا يجوز من أي إنسان ولكن يرتكبه بعض الناس لجلب منفعة أو دفع مضرة، والملك لا حاجة له إلى ذلك، فغلظ عليه الكذب وعائل مستكبر أي فقير متكبر، وكان الأحرى به لفقره أي يتواضع.","vol":"3","page":48},{"text":"إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُطَمَةُ (^١) فَإِيَّاكَ أَنْ تَكونَ مِنْهُمْ»، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ نُخَالَةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَالَ: «وَهَلْ كَانَتْ لَهُمْ نُخَالَةٌ؟» إِنَّما النُّخَالَةُ بَعْدَهُمْ وَفِي غَيْرِهِمْ.\nعَن عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي بَيْتِي هذَا: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي فَشَقَّ عَلَيْهِمْ (^٢) فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ». رَوَى الثَّلَاثَةَ مُسْلِمٌ (^٣).\nقَالَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ لِمُعَاوِيَةَ ﵄: إِنِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ إِمَامِ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالخَلَّةِ والْمَسْكَنَةِ إِلا أَغْلَقَ اللَّهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ (^٤) وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ، فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٥) وَأَبُو دَاوُدَ.\nوَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ (^٦) وَالْحَاكِمِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ (^٧).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: الْإِمامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ\n_________\n(^١) فعائذ بن عمرو الصحابي دخل على ابن زياد فأراد أن يعظه فقال يا بني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن شر الرعاء الحطمة - كهمزة - الراعي الغشوم فاحذر أن تكون منهم. فقال اجلس فإنما أنت من نخالة الأصحاب، فقال له النخالة بعدهم وفي غيرهم.\n(^٢) أي فمن شق على رعيته وشدد عليهم شدد الله عليه، ومن رحمها ﵀.\n(^٣) ولكن الأول في الإيمان.\n(^٤) الخلة - بالفتح الفقر وفي المثل: الخلة تدعو إلى السلة. أي الفقر يدعو إلى السرقة. وللترمذي وأبي داود» من ولاه الله من أمر الناس شيئًا فاحتجب عن حاجتهم احتجب الله عن حاجته يوم القيامة، واختلف في اتخاذ الحاجب للحاكم فمنعه الشافعي وأجازه آخرون. وقال جماعة يستحب لدفع الأشرار ومنع المستطيل وترتيب الخصوم، ودوامه مكروه أو حرام إن تعطل الفصل بين الناس.\n(^٥) بسند غريب.\n(^٦) بسند صحيح.\n(^٧) لا يدخل الجنة صاحب مكس، أي إن استحله كما كان في الجاهلية. وصاحب المكس هو من يأخذ من بائعي الأمتعة مكسًا باسم العشر سواء كان حاكما أو غيره. وأما العشر على ما فرض الله كعشر ما سقت السماء في الزكاة فهو حق كعشر تجارة أهل الذمة الآتي في الجزية في الجهاد، أما ما تأخذه حكومتنا المصرية من البائعين في أسواق الأرياف كقرش على كل بهيمة، فهو جائز لأنه لإصلاح تلك الأسواق وكأجرة للقائمين عليها من مراقب وكاتب وخفير ونحوها","vol":"3","page":49},{"text":"قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ (^٢) عَنْ يَمِينِ الرَّحْمنِ ﷿ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائيُّ.\nوَلِلتِّرْمِذِيِّ (^٣): «إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِلٌ. وَأَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ وَأَبْعَدَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ جَائِرٌ». نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضى آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-571>ينتقى الأمير الوزراء والولاة ولهم كفايته </span>(^٤) ٥\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ مُوسى عَلَيْهِ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: وَاجْعَلْ لِي\n_________\n(^١) تقدم هذا الحديث في فضل المساجد من كتاب الصلاة فارجع إليه إن شئت.\n(^٢) فالمقسطون أي العادلون في الدرجات العلى عند الله تعالى يوم القيامة وهم الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم، وما ولوا بفتح فتخفيف أي تولوه. وروى بضم الواو واللام مع تشديدها، أي جعلوا ولاة عليه كوقف ومال يتيم.\n(^٣) بسند حسن. ومعنى ما تقدم أنه يجب على الحاكم أن ينصح للرعية، وأن يشفق عليهم، وأن يعمل على مصلحتهم دائمًا، وأن يحوطهم بعطفه ولطفه وإحسانه، وأن يمثل العدل بينهم جميعًا على السواء، فإن الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله. نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى آمين والله أعلم.\n\nينتقي الأمير الوزراء والولاة ولهم كفايتهم\n(^٤) أي يجب على الأمير أن يختار حاشية ونوابًا من أصدق الناس وأحسنهم سيرة وكفاية ويعطيهم كفايتهم من بيت المال، وذلك ليستعين بهم على مهام الدولة ومصالح الناس، بل إن تهاون في انتقائهم كان خائنا الحديث الحاكم الصحيح» من استعمل رجلا من عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين».","vol":"3","page":50},{"text":"وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي (^١) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِالْأَمِيرِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ (^٢)، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ غَيْرَ ذلِكَ جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سُوْءٍ إِنْ نَسِيَ لَمْ يُذَكِّرْهُ وَإِنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣) وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ عَلَى مَنْكبِهِ ثُمَّ قَالَ: «أَفْلَحْتَ يَا قُدَيْمُ (^٤) إِنْ مِتَّ وَلَمْ تَكُنْ أَمِيرًا وَلَا كَاتِبًا وَلَا عَرِيفًا». وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ الْعِرَافَةَ حَقٌّ وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنَ الْعُرَفَاءِ وَلكِنَّ الْعُرَفَاءَ فِي النَّارِ».\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ ﵃: السِّجِلُّ كَاتِبٌ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ (^٥). رَوَى الثَّلَاثَةَ أَبُو دَاوُدَ (^٦).\n\n• عَنْ سَعِيدِ بنِ أَبِي بُرْدَةَ ﵄ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَبِي وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: «يَسِّرَا وَلا تَعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا (^٧)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَنَا عَامِلًا\n_________\n(^١) فلما أرسل الله موسى إلى المصريين فرعون وقومه فكر فيمن يكون وزيرًا له، فلم يجد أخلص ولا أعون له على تبليغ رسالته من أخيه هارون ﵉ فطلبه من ربه فأجابه وأرسله معه.\n(^٢) فمن سعادة الوالي أن يكون وزيره مخلصًا حاذقا قوي العزيمة أصيل الرأي، ومن شقاوته أن يكون غير ذلك.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) قديم تصغير مقدام بحذف الزوائد، والعريف هو رئيس القبيلة أو الجماعة من الناس بلى أمورهم ويبلغها للأمير فينظر في مصلحتهم، والعرافة - كرياسة عمل العريف وهي حق، ولكن العرفاء في النار لأنها مظنة العلم والجور، وسببه أن رجلا طلب من النبي - ﷺ - أن يجعل له العرافة بعد أبيه فذكر الحديث.\n(^٥) أي أن السجل اسم شخص كان كاتبًا عند النبي - ﷺ -.\n(^٦) بأسانيد صالحة.\n(^٧) فكان النبي - ﷺ - يوصي نوابه في الجهات بالتسهيل والتبشير، فإنه أدعى للامتثال كقولهم إذا أردت أن تطاع فمر بما يستطاع.","vol":"3","page":51},{"text":"فَلْيَكْتَسِبْ زَوْجَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَكْتَسِبْ خَادِمًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ فَلْيَكْتَسِبْ مَسْكَنًا». قَالَ أَبُو بكْرٍ: أُخْبِرْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَ ذلِكَ فَهُوَ غَالٌّ أَوْ سَارِقٌ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١).\n\n• عَنْ بُرَيْدَةَ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ.\nوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لَمَّا اسْتُخْلِفَ: لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّ حِرْفَتِي لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ عَنْ مَؤُونَةِ أَهْلِي وَشُغِلْتُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَسَيَأْكُلُ آلُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ هذَا الْمَالِ وَأَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْبُيُوع. نَسْأَلُ اللَّهُ السَّتْرَ وَالتَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضى آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-572>الإخلاص للأمير </span>(^٤)\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيَ وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ\n_________\n(^١) بسند صالح.\n(^٢) فللعامل أن يأخذ مما تحت يده مسكنًا وخادمًا لائقين به، وزوجة وما يلزمها إذا شاء فإن زاد فهو غال أي خائن، وهذا إذا لم يجعل له مال معين وإلا فلا يجوز له أخذ شيء سواه لأنه أجرة وقد رضي بها.\n(^٣) لقد علم قومي أن حرفتي أي كسبي كان يكفيني وشغلت الآن يأمر المسلمين فسيأكل بيتى من مالهم وأعمل على تنميته بأن يوكل من يتجر فيه فيأتي بربح يعادل ما يأخذه. وسبب قوله ذلك ﵁ أنه لما استخلف أصبح غاديًا إلى السوق ومعه الثياب يتجر فيها كعادته، فلقيه عمر وأبو عبيدة فقالا له كيف تصنع هذا وقد وليت أمر المسلمين، فقال فمن أين يأكل عيالى، قالوا نفرض لك ففرضوا له من بيت المال كل يوم شطر شاة باتفاق الصحابة. ففي هذه النصوص أن الوالي ونوابه يأخذون كفايتهم من بيت المال من غير إسراف ولا تقتير؛ لأن أوقاتهم مصروفة في المنافع العامة التي هي في مصلحة الناس كلهم. ومنهم المدرسون والخطباء والوعاظ وأئمة المساجد، والمؤذنون. وهذا إذا لم يفرض لهم قدر معين ورضوا به وإلا فلا يجوز لهم أخذ شيء مما تحت أيديهم كما تقدم والله أعلم.\n\nالإخلاص للأمير\n(^٤) أي واجب على الرعية لاسيما الحاشية فعليها صلاح الأمير وفساده.","vol":"3","page":52},{"text":"إِلا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ (^١) بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيَّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ (^٢)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهؤُلَاءِ بِوَجْهِ (^٣)». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَهَانَهُ اللَّهُ (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْفِتَنِ (^٥).\n\n• عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ (^٦): أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قالَ: «كَلِمَةُ حَقَ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ».\n\n• عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ تِسْعَةٌ فَقَالَ: «إِنَّهُ سَتَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ مَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ وَلَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَيَّ الْحَوْضَ\n_________\n(^١) البطانة مصدر وضع موضع الاسم يطلق على الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، قال البخاري: البطانة الدخلاء. جمع دخيل وهو من يدخل على الأمير في خلوته ويفضى إليه بسره. ومنه ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ وبطانة الرجل ووليجته صاحب سره، والمراد بها هنا الوزراء والحاشية، فالوالى الموفق لا يأخذ برأي أهل السوء، ولا يكونون للرسل صلى الله عليهم وسلم.\n(^٢) فنصح الحاشية للوالى واجب عليهم وجوبًا عينيًا.\n(^٣) فذو الوجهين أشر الناس لاسيما إذا كان وزرا فإنه يضر الأمير ورعيته.\n(^٤) سبب الحديث أن أبا بكرة كان يخطب وعليه ثياب رقاق فقال أبو بلال انظروا إلى أميرنا يلبس ملابس الفساق، فقال أبو بكرة اسكت فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من أهان سلطان الله أهانه الله.\n(^٥) بسند حسن.\n(^٦) الغرز - كشرط - الركاب، ولفظ الترمذي: إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر تنهاه عن ظلمه. وكانت من أفضل الجهاد لأنه عرض نفسه للهلاك في مرضاة الله تعالى كمن ثبت في صف القتال.","vol":"3","page":53},{"text":"وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَلَمْ يُعِنْهمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ وَهُوَ وَارِدٌ عَلَيَّ الْحَوْضَ (^١)». رَوَهُمَا النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢). وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-573>تحرم الرشوة والهدية على الحاكم </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ ﵁ قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا منَ الْأَسْدِ (^٤) يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هذَا لَكُمْ وَهذَا أُهْدِيَ لَي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: «مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ فَيَقُولُ هذَا لَكُمْ وَهذَا أُهْدِيَ لِي أَفَلَا قَعَدَ فِي بَبْتِ أَبِيهِ أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى يَنْظَرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَنَالُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ بِعَيرٌ لَهُ رُغَاءٌ (^٥) أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، مَرَّتَيْنِ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ ثُمَّ قَالَ: «لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِئُ\n_________\n(^١) هذا ترغيب عظيم لمن يأمر الولاة وينهاهم ويرشدهم فبصلاحهم تصلح الرعية وبفسادهم تفسد، فمفروض على حاشية الولاة أن يبالغوا في نصحهم وإرشادهم وأن يبحثوا عن علل الرعية ويعملوا على، صلاحها سائلين الله التوفيق.\n(^٢) بسندين حسنين.\n\nتحرم الرشوة والهدية على الحاكم\n(^٣) كان الأولى تأخير هذا عن الفصل الرابع فإنه كما يحرم على الحاكم الإداري يحرم على القاضي الشرعي.\n(^٤) قوله من الأسد أي من بني أسد بطن من قريش، واللتبية بضم اللام المشددة وسكون التاء، ولفظ البخاري يقال له: ابن الأتبية اسم أمه واسم أبيه عبد الله.\n(^٥) الرغاء بالمدّ صوت الإبل والخوار صوت البقر، واليعار صوت الغنم، والألفاظ الثلاثة كغراب، وقوله بعير أي إن كان المسروق بعيرا، وقوله أو بقرة إن كان بقرة، وقوله أو شاة تيعر بفتح العين وكسرها إن كان المسروق شاة تشهيرا بالسارقين، وقوله عفرتي إبطيه تثنية عفرة وهي بياض يخالطه لون كلون التراب، والمراد أنه بالغ في رفع يديه حتى بدا لون ابطيه.","vol":"3","page":54},{"text":"يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتكَ. لَا أُلْفِيَنَّ (^١) أَحَدَكُمْ يَجِئُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ (^٢) يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ (^٣) يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أَلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ (^٤) فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ (^٥) تَخْفِقُ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِئُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ (^٦) فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ». وَفِي رِوَايَةٍ: «يَأَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عُمِّلَ (^٧) مِنْكمْ لَنَا عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِنْهُ مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ فَهُوَ غُلٌّ يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ فَلَمَّا سِرْتُ أَرْسَلَ فِي أَثَرِي فَرُدِدْتُ فَقَالَ: «أَتَدْرِي لِمَ بَعَثْتُ إِلَيْكَ؟ لَا تُصِيبَنَّ شَيْئًا\n_________\n(^١) قوله لا ألفين أحدكم أي لا أراه يجيء يوم القيامة يحمل ما سرقه، بالغ في نهيهم حتى نهي نفسه عن رؤيهم في هذه الحال، وقوله: لا أملك لك شيئا، أي لا أدفع عنك من عذاب الله شيئا فقد بلغتك.\n(^٢) قوله فرس له حمحمة أي صوت وصهيل.\n(^٣) قوله ثغاء كغراب أي صوت.\n(^٤) قوله نفس لها صياح أي إن كان المسروق إنسانًا.\n(^٥) قوله رقاع تخفق أي تضطرب في الرياح إن كان المسروق ثيابًا.\n(^٦) قوله صامت أي مال صامت كذهب وفضة.\n(^٧) قوله عمل بالتشديد أي ولي شيئًا فكتمنا مخيطا - كمنبر - فهو غل أي هو غلول وحرام يأتي به في الآخرة. ولفظ مسلم» من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطا فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة». وسيأتي في الجهاد الغال وعقوبته.","vol":"3","page":55},{"text":"بِغَيْرِ إِذْنِي فَإِنَّهُ غُلُولٌ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. لِهذا دَعَوْتُكَ فَامْضِ لِعمَلِكَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-574>للأمير استخلاف الثقة </span>(^٣)\n\n• عَنْ جُبَيْرٍ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجعَ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْمَوْتَ قَالَ: «إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأُتِي أَبَا بَكْرٍ (^٤)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\n(^١) بسند حسن. وفقه ما تقدم أن الحاكم إذا أخذ خفية من مال المسلمين جاء به يحمله يوم القيامة وله صوت فضيحة له وتشهيرة به على رءوس الأشهاد. قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ وكذا قبول الحاكم والموظف للهدية من أهل عمله حرام لأنها مظنة المحاباة وظلم الغير ولأنها كالرشوة الآتية.\n(^٢) الراشي الذي يعطى الرشوة، والمرتشي الذي يأخذها، واللعن يقتضي التحريم، وفي رواية لأحمد:» لعن الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما» والرشوة بالتثليث ما يعطى الإبطال حق أو لإحقاق باطل، وهي بهذا المعنى حرام على الطرفين باتفاق كما أنها حرام على الحاكم مطلقًا، أما إعطاؤها للوصول إلى حقه أو لدفع ظل عن نفسه فلا بأس به، وعلى هذا بعض التابعين حيث قالوا: لا بأس أن يصانع عن نفسه وماله إذا خاف الظلم. وقال الشوكاني: لا دليل على هذا التخصيص، والحق التحريم مطلقًا لعموم الحديث. ويرد عليه أن الضرورات تبيح المحظورات. والله أعلم.\n\nللأمير استخلاف الثقة\n(^٣) أي للأمير أن يختار واليًا بعده كما اختار أبو بكر عمر ﵄ بشرط أن يكون ذكرًا حرًا سليم الحواس قادرًا على الولاية ثقة عادلا.\n(^٤) فهذه المرأة طلبت من النبي - ﷺ - شيئًا لم يكن عنده فأمرها أن تعود بعد مدة فقدرت الموت وقالت: إن جئت فلم أجدك يا رسول الله، قال: اذهبي إلى أبي بكر. وللطبراني» بايع النبي - ﷺ - أعرابيًا شيئًا وثمنه إلى أجل، فقال الأعرابي إن جئت ولم أجدك، قال يقضيك أبو بكر، قال إن لم أجده، قال يقضيك عمر» فيهما إشارة إلى أن أبا بكر هو الخليفة بعده - ﷺ -، وكذا إنابته - ﷺ - لأبي بكر في الجماعة التي تقدمت فيها.","vol":"3","page":56},{"text":"• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ أَلَا تَسْتَخْلِفُ قَالَ إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو بَكْرٍ وَإِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَركَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ فَقَالَ رَاغِبٌ رَاهِبٌ وَدِدْتُ أَنِّي نَجَوْتُ مِنْهَا كَفَافًا لَا لِي وَلَا عَلَيَّ لَا أَتَحَمَّلُهَا حَيًّا وَمَيِّتًا (^١).\nرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: عَصَمَنِي اللَّهُ بِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَّا هَلَكَ كِسْرَى قَالَ: «مَنِ اسْتَخْلَفُوا؟» قَالُوا: بِنْتَهُ قَالَ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً (^٢)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣). نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضى آمِين. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-575>الفصل الرابع في القضاء (^٤) الله مع القاضي العادل</span>\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «لَا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا\n_________\n(^١) فعمر ﵁ لما ضربه الشقي وظهرت عليه علامات الموت قالوا: ألا تولى علينا من تراه أهلا للولاية؟ قال إن وليت عليكم أحدًا في قدوة بمن هو خير مني وهو أبو بكر الذي ولى عمر قبل موته، وإن أترك ذلك فقد ترك من هو خير مني وهو النبي - ﷺ -، فإنه لم يصرح باسم الخليفة ولكن بالإشارة في الحديثين السابقين وفي الجماعة. ومع استصواب عمر للأمرين فقد سلك طريقًا وسطًا بينهما وجعل الأمر شوري بين من قطع لهم بالجنة فأثنى الأصحاب على عمر، فقال: إني راغب فيما عند الله وراهب منه ولا أتحمل أمر الأمة حيًا وميتًا وأتمنى أن أخلص من الدنيا لا لي ولا علي، ﵁.\n(^٢) فلما سمع النبي - ﷺ - بموت كسرى ملك فارس قال: ولوا بعده من؟ قالوا ولوا ابنته قال» لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» أي لن يفلحوا فلاحا للدنيا والآخرة فإن الولاية العامة أكبر عمل في الناس فلا تصلح له المرأة لأنها ناقصة العقل والدين.\n(^٣) ولكن النسائي هنا والأخيران في الفتن.\n\nالفصل الرابع في القضاء\n(^٤) أي فيما ورد فيه من الترهيب عنه والترغيب فيه للعادل وآدابه وشروطه، وما يلزم لثبوت الحق من البينة والتبيين ونحوهما.","vol":"3","page":57},{"text":"فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَآخَرُ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا (^١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُ مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَجُرْ فَإِذَا جَارَ تَخَلَّى اللَّهُ عَنْهُ وَلَزِمَهُ الشَّيْطَانُ (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ ابْتَغَى الْقَضَاءَ وَسَأَلَ فِيهِ شُفَعَاءَ وَكِلَ إِلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَنْزَل اللَّهُ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٥) وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ (^٦)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَالِحٍ. نَسْأَلُ اللَّهَ السَّتْرَ وَالتَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضى آمِين. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) فلا ينبغي الحسد والغبطة أي تمني مثل ما للغير إلا لشخصين: رجل غنى يصرف ماله في مرضاة الله، ورجل أعطاه الله الحكمة - العلم النافع - فهو يقضي بها، أي يحكم بها بين الناس ويعلمها لهم ويعمل بها. وتقدم هذا الحديث في العلم.\n(^٢) فالقاضي الجائر معه الشيطان، والعادل محفوظ برعاية الله.\n(^٣) بسند حسن.\n(^٤) فمن تولى القضاء على كره منه أنزل الله عليه ملكا يسدده أي يرشده للسداد والصواب.\n(^٥) بسند حسن.\n(^٦) فمن غلب عدله جوره فله الجنة وإلا فله النار. والجور القليل المفهوم جوازه ما وقع خطأ كما يأتي في الاجتهاد: إذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر. وقد اشترط الشافعية في القاضي أن يكون مسلمًا مكلفًا ذكرًا حرًا عدلا سميعًا بصيرًا ناطقا، وأن يكون عارفًا بالكتاب والسنة والقياس والإجماع ولغة العرب، فإن لم يوجد من تتوفر فيه هذه الصفات ولي من فيه بعضها وتنفذ أحكامه للضرورة لئلا تتعطل مصالح العباد، ويندر جدًّا اجتماع هذه الصفات في شخص في هذا الزمان؛ لأن هذه هي صفات المجتهد. ولكن لا حرج على فضل الله. فسيأتي في فضل الأمة حديث» إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها» وحديث» أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره» نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى والله أعلم.","vol":"3","page":58},{"text":"<span data-type='title' id=toc-576>التورع عن القضاء </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْقُضَاةُ ثَلَاثةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ. فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضى بِهِ. وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ قَضى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ (^٢)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ (^٣)». رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-577>آداب القضاء </span>(^٥)\n\n• عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ كَتَبَ إِلَيَّ أَبِي وَأَنَا بِسِجِسْتَانَ بِأَلا تَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ (^٦)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ\n_________\nالتورع عن القضاء\n(^١) أي مطلوب لأنه ولاية وهي مظنة الفتنة والجور والعلو على الضعفاء والمساكين.\n(^٢) فيا ويل من جار في الحكم أو قضى على جهل.\n(^٣) كخشبة وحجر ليسا بحادين وكالخنق لأنه أشد على المذبوح. فمن تولى القضاء فقد ذبح في المعنى لأنه بين عذاب الدنيا إن رشد، وبين عذاب الآخرة إن فسد.\n(^٤) الأول قال فيه أبو داود: هذا أصح شيء في حديث ابن بريدة، والثاني بسند حسن.\n\nآداب القضاء\n(^٥) المراد بآدابه ما يلزم القاضي مراعاته حين الحكم بين الناس من كونه خاليًا من الغضب ومن كل الشواغل، وعليه التسوية بين الخصمين في السؤال وفي كل شيء، ولا يحكم لها حتى يسمع منهما.\n(^٦) فعبد الرحمن كان قاضيًا بسجستان بلد مشهور بالسند، فكتب له والده لا تقضين بين اثنين وأنت غضبان، كالحديث. والغضب: فوران دم القلب لشيء مؤلم، وهذا يحول الطبع عن الاعتدال. فأمر القاضي باجتناب الحكم في هذه الحال لئلا يقع في الخطأ، وكالغضب مرض مؤلم وجوع أو عطش مفرط وفزع مدهش وخوف مقلق ونحوها.","vol":"3","page":59},{"text":"قَاضِيًا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُرْسِلُنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ وَلَا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ (^١) فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ فَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الْخَصْمَانِ فَلَا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الْآخَرِ (^٢) كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ» قَالَ: فَمَا زِلْتُ قَاضيًا أَوْ مَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَعْدُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-578>البينة على المدعي واليمين على من أنكر </span>(^٣)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (^٤)»،\nوَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ (^٥) إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ كَانَتْ لِأَبِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرضي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ\n_________\n(^١) أي لا تجربة لي فيه وإلا فعله كان الحديث» أنا دار الحكمة وعليٌّ بابها».\n(^٢) قوله حتى تسمع من الآخر، هذا هو العدل، وبه يتبين الحق كما قال فإنه أحرى أي جدير أن يظهر لك الحق. قال فما شككت في قضاء بعد، أي بعد دعائه - ﷺ -، وفيه أنه يحرم على القاضي أن يحكم قبل سماع حجة الخصمين ولو حكم كان باطلا ووجب نقضه ولا بأس من مناقشتهما فإن الحق يظهر من ثناياها قال علي ﵁: إذا أتاك أحد الخصمين وقد فقئت عينه فلا تحكم له لعل الآخر قد فقئت عيناه. رضي عنه وعن آل بيت رسول الله - ﷺ -.\n\nالبينة على المدعى واليمين على من أنكر\n(^٣) البينة هي الشهود الذين يثبت بهم الحق، وسموا بينة لأن الحق يبين ويظهر بهم.\n(^٤) فلو أجيب كل أحد في دعواه لادعى قوم على غيرهم بدماء وأموال ظلمًا وعدوانًا. ولكن العبرة بيمين المدعى عليه إذا لم تكن للمدعى بينة وإلا حكم بها الحاكم. وفي رواية» قضى النبي - ﷺ - باليمين على المدعى عليه».\n(^٥) حضرموت موضع بأقصى اليمين وكندة قبيلة باليمن، فالحضرمي والكندي جاءا للنبي - ﷺ - يختصمان في أرض فقال الحضرمي: إن هذا غلبني وأخذ أرضي، فقال الكندى: هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق، فطلب النبي - ﷺ - من الحضرمي البينة فقال: ليس لي بينة. قال: فلك عليه اليمين. فقال يا رسول الله: إنه فاجر يفعل كل قبيح. قال: ليس لك عليه إلا اليمين.","vol":"3","page":60},{"text":"فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْحَضْرَمِيِّ: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟» قَالَ: لَا قَالَ: «فَلَكَ يَمِينُهُ». قالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي بِمَا حَلَفَ لَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ: «لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلا ذلِكَ». فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ لِيَحْلِفَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِكَ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا لَيَلْقَيَنَّ اللَّهُ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ». رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-579>لفظ اليمين </span>(^٢)\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ لِرَجُلٍ حَلَّفَهُ: «احْلِفْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلهَ إِلا هُوَ مَالَهُ عِنْدَكَ شَيْءٌ (^٣)» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤) وَالنَّسَائِيُّ.\n_________\n(^١) بسند ضعيف ولكن يؤيده ما قبله ورواه الطبراني والبيهقي بلفظ: ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر. فهذه قاعدة عظيمة في إثبات الحقوق، فلو أعطى كل مدع ما يدعيه بمجرد دعواه لوقع الظلم وضاعت الحقوق ولكن الشارع جعل للمدعى برهانًا على صدقه وهو الشهود، وجعل للمدعى عليه ما يصون به حقه وهو اليمين، فإن نكل عنه حلف المدعى واستحق دعواه، وهذا ليقوم العدل بين الناس ويأمنوا على أعراضهم وأموالهم. وعلى هذا الشافعي والجمهور، وقال المالكية وبعض الفقهاء: لا تتوجه اليمين إلا على من بينه وبينه خلطة لئلا يبتذل السفهاء أهل الفضل بتحليفهم مرارًا في اليوم الواحد. والله أعلم.\n\nلفظ المين\n(^٢) أي التي يحلفها المدعى عليه تصديقًا لقوله.\n(^٣) قوله ماله أي المدعى، وقوله الذي لا إله إلا هو تغليظ في اليمين، وإلا فيكفي الاقتصار على لفظ الجلالة أو أي اسم من أسمائه تعالى أو أي صفة كما يأتي في كتاب الأيمان.\n(^٤) بسند صالح.","vol":"3","page":61},{"text":"<span data-type='title' id=toc-580>بيان الشهود </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾ (^٢).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضى بَيَمِينٍ وَشَاهِدٍ (^٣).\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أَخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا (^٤)». رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n_________\nبيان الشهود\n(^١) أي بيان عدد الشهود الذين تثبت بهم الحقوق شرعا، وبيان شرط الشاهد ذكرا أو غيره وبيان من ترد شهادته.\n(^٢) أي أشهدوا رجلين فإن لم يوجدا فأشهدوا رجلا وامرأتين من خيار الناس ولم يقم مقام الرجل إلا امرأتان لأن الواحدة على النصف من الرجل، فإن نسيت ذكرتها الأخرى، وفهم من قوله: من رجالكم، أنه يشترط في الشاهد أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلا حرا. ومن قوله: ممن ترضون من الشهداء اشتراط كونه عدلا وسميعًا وبصيرا وناطقًا؛ لأن هذا هو المرضى عنه بين الناس، وفي قوله ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ وجوب أداء الشهادة إذا طلب إليها.\n(^٣) أي قضى للمدعى بيمينه وشاهد واحد كأنه أقام يمينه مقام الشاهد الثاني. وفي رواية: إنما كان هذا في الأموال أي وما يقصد به الأموال، فعدد الشهود فيها رجلان أو رجل وامرأتان أو شاهد ويمين. وعليه جمهور السلف والخلف والأئمة الثلاثة. وقال الحنفية والكوفيون: لا يحكم بيمين وشاهد في شيء أبدا للحديث السابق» البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه» وأجاب الجمهور بأنه لا تعارض لأن له بينة مع يمينه، وهذا في الأموال وما يفضي إليها، أما العبادات كالأذان والصلاة والصوم فيكفي فيها شهادة العدل الواحد، لقول ابن عمر السابق في الصوم: أخبرت النبي - ﷺ - أني رأيت الهلال فصام وأمر الناس بصيامه. وأما فيما يختص بالنساء كالوضع وحياة المولود والرضاع فتكفي فيه امرأة واحدة، لحديث المرأة السوداء السابق في الرضاع، وعليه بعض الصحب والتابعين وأحمد. وقال مالك: لابد من شهادة امرأتين، وقال الحنفية: الرضاع كغيره لا بد من رجلين أو رجل وامرأتين. وقال الشافعي: تقبل شهادة المرضعة مع ثلاث نسوة بشرط ألا تعرض بطلب أجرة وحملوا الحديث على أنه من قبيل دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.\n(^٤) فخير الناس من يؤدى الشهادة قبل طلبها منه بأن كان عنده شهادة الإنسان ولا يعلم ذلك الإنسان=","vol":"3","page":62},{"text":"• عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ شَهَادَةَ الْخَائِنُ وَالْخَائِنَةِ وَذِي الْغِمْرِ (^١) عَلَى أَخِيهِ وَرَدَّ شَهَادَةَ الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ وَأَجَازَهَا لِغَيْرِهِمْ. وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢) وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).\nوَلِأَبِي دَاوُدَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيَ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ (^٤). نَسْأَلُ اللَّةَ التَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-581>التحذير من شهادة الزور </span>(^٥)\n\n• عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَامَ قَائِمًا\n_________\n= بها فيخبره بأنه مستعد للشهادة لأنها أمانة عنده يجب عليه أداؤها كذا أوله مالك والشافعي، أو هو محمول على شهادة الحسبة في نحو طلاق وعتق ووقف ووصية، فمن علم شيئًا من هذا وجب عليه إعلام الحاكم به لقوله تعالى - وأقيموا الشهادة لله -.\n(^١) الخائن من خان في حق الله أو حق عباده ولو بالإشاعة. وذي الغمر - كالبئر - أي ذى الحقد والعداوة، فلا تجوز شهادة عدو على عدوه. وعليه الجمهور والأئمة الثلاثة، وقال الحنفية: العداوة لا تمنع الشهادة كالصداقة. والقانع لأهل البيت التابع لهم كالخادم لأنه مظنة التهمة. ومثله شهادة أحد الزوجين للآخر وشهادة الولد لوالده وبالعكس.\n(^٢) بسند صالح.\n(^٣) وزاد الترمذي ولا مجلود في حد ولا مجرب في شهادة أي متعود لها ولا ظنين في ولاء ولا قرابة. وليس المراد الحصر فيمن ذكروا، بل كل مرتكب سواء أقيم عليه الحد أولا، ولكن اشتهر بسوء السلوك فهؤلاء ترد شهادتهم لظن السوء فهم، لاسيما الزاني ومن أقيم عليه حد إلا إذا تابوا وأحسنوا ومضى على ذلك سنة هلالية وشهد شاهدان بهذا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾.\n(^٤) البدوي هو ساكن البادية الذي يرتحل من مكان إلى آخر. وصاحب القرية الساكن فيها ويسمى حضريا ومصريا. ولم تصح شهادة البدوي على الحضرى لجفانهم وجهلهم، فلا معرفة عندهم ولا دين لهم ولا عدل بينهم، وعليه جماعة ومالك وأحمد، وقال الجمهور: إن شهادتهم صحيحة والحديث منزل على جهلتهم وعصاتهم فقط. والله أعلم.\n\nالتحذير من شهادة الزور\n(^٥) الزور: الكذب والباطل، أي الشهادة بخلاف الواقع.","vol":"3","page":63},{"text":"فَقَالَ: «عُدِلَتْ (^١) شَهَادَةُ الزُّورِ بِالْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢). عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ (^٣) وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَوْ قَوْلُ الزُّورِ (^٤)». قَالَ: فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ (^٥)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٦) وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلونَهُمْ ثَلَاثًا ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ مِنْ بَعْدِهِمْ يَتَسَمَّنُونَ وَيَجِبُّونَ السِّمْنَ يُعْطُونَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ أَنْ يُسَأَلُوهَا (^٧)».\n_________\n(^١) قوله عدلت شهادة الزور بالشرك أي ساوت الشرك. وهذا تفظيع وتنفير عنها وإلا فالشرك لا يعدله شيء، وقوله فاجتنبوا الرجس أي النجس من الأوثان، جمع وثن وهو الصنم. وقوله قول الزور أي كل قول باطل. وقوله غير مشركين به أي مخلصين له.\n(^٢) بسند صحيح.\n(^٣) أي إغضابهما أو أحدهما بغير حق لأنهما كانا سببًا في وجوده، فلا يكون عذابًا عليهما ولا سيما ما تحملاه في تربيته.\n(^٤) قوله أو قول الزور أعم من شهادته. فالنبي - ﷺ - أكثر من ذكر شهادة الزور والتنفير عنها حتى تمنينا سكوته.\n(^٥) قوله: خير الناس قرني. أي أصحابي، والقرن هو القوم في زمن واحد ثم الذين يلونهم هم الأتباع، ثم الذين يلونهم هم أتباع التابعين، ثم يجيء قوم الخ هم قوم لا دين لهم، فلا يتورعون عن شهادة الزور ولا عن اليمين الباطلة كزماننا هذا. نسأل الله السلامة.\n(^٦) ولكن البخاري في الأيمان وأبو داود في السنة.\n(^٧) قوله ثلاثا أثبت الفضل لقرون ثلاثة بعد الأصحاب. وقوله ثم يجيء قوم يتسمنون ويحبون السمن، أي يفعلون ما به تسمن بطونهم وأبدانهم. وهذا مذموم لأن البطين يثقل عن كثير من الخيرات. ونظر النبي - ﷺ - إلى رجل بطين فأشار إلى بطنه وقال لو كان هذا في غير هذا لكان أحسن، أي لو كان العظم في عقله لكان أحسن. وقوله يعطون الشهادة قبل أن يسألوها. وفي رواية ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد ويحلف الرجل ولا يستحلف، ولذا منع بعضهم شهادة من يشهد بدون طلب لإنه مظنة التهمة، وأجازها آخرون لحديث زيد بن خالد السابق في بيان الشهود، وقصرها بعضهم على حقوق الله فقط، فيكون جمعًا بينهما وهذا أولى.","vol":"3","page":64},{"text":"• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَنْ تَزُولَ قَدَمُ شَاهِدِ الزُّورِ حَتَّى يُوجِبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ (^١)». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (^٢). نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضى آمِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-582>الفصل الخامس في الاجتهاد </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (^٤).\n_________\n(^١) فلا تتحول قدماه عن مكانهما حتى يحكم عليه بالنار.\n(^٢) بسند صحيح. وفقه ما سبق أن شهادة الزور من أكبر الذنوب؛ لأن فيها كذبًا ونصرًا للظالم وظلما للمظلوم ونشرا للعداوة بين الناس وإضلالا للقضاء وإغضابا لله ورسوله والمؤمنين، نسأل الله السلامة. فلا ينبغي للمسلم أن يشهد إلا بما رآه بعينه أو سمعه بأذنه، وإذا طلب وجب عليه أن يقول ما علمه الله تعالى، قال تعالى: - وأقيموا الشهادة لله - نسأل الله التوفيق والله أعلم.\n\nالفصل الخامس في الاجتهاد\n(^٣) الاجتهاد في اللغة مصدر اجتهد إذا جد في الأمر، وشرعا بذل الطاقة في الوصول إلى الحق من كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -. قال في شرح السنة ولا يكون الإنسان مجتهدا إلا إذا جمع خمسة علوم: على كتاب الله تعالى، وعلم سنة رسول الله - ﷺ -، وأقاويل السلف من إجماعهم واختلافهم، وعلم اللغة، وعلم القياس، وهو طريق استنباط الحكم من الكتاب والسنة إذا لم يجده صريحًا فيهما. ويكفي المجتهد أن يعرف من الكتاب والسنة آيات وأحاديث الأحكام فقط دون القصص وغيرها، كما يكفي أن يعرف من اللغة ما في الكتاب والسنة فقط، وكما يكفي أن يعرف من أقاويل علماء السلف ما قالوه في الأحكام والفتاوى، فإذا عرف هذا شخص وتوفرت فيه الصفات السالفة في القاضي، كان اجتهاده صحيحا وأثيب على حكمه، ولو أخطأ كما يأتي في الحديث الأول.\n(^٤) أي واذكر داود وسليمان إذ يحكمان في الحرث أي الزرع حينما تفرقت فيه غنم قوم فأكلته فتخاصما إلى داود فحكم بأن الغنم لصاحب الزرع، ثم خرجا فلقيهما سليمان فأخبراه فقال: غير هذا أرفق بالطرفين. فعادا فأخبرا داود بقول سليمان فدعاه داود وقال: بحق النبوة والأبوة إلا ما أخبرتني بما هو أرفق، فقال سليمان: يأخذ صاحب الزرع الغنم فينتفع بدرها وصوفها حتى يزرع صاحب الغنم الأرض ويرعاها حتى يعود الزرع كما كان ثم يسلمه لصاحبه ويتسلم غنمه، فقال داود: القضاء ما قضيت ورضى الطرفان بعد جزعهما وانصرفا، وكان حكمهما ذلك باجتهاد =","vol":"3","page":65},{"text":"• عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَلَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: «كَيْفَ تَقْضِي؟» قَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ الله. قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟». قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: أَجْتَهِد بِرَأْيِي (^٢). قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٣).\nوَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوَارِيثَ لَهُمَا لَيْسَتْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ إِلا دَعْوَاهُمَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِشَيْءٍ فَلَا يَأْحُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» فَبَكَى الرَّجُلَانِ وَقَالَ كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: حَقِّي لَكَ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ «أَمَّا إِذَا فَعَلْتُمَا مَا فَعَلْتُمَا فَاقْتَسِمَا وَتَوَاخَّيَا الْحَقَّ ثمَّ اسْتَهِمَا ثُمَّ تَحَالا». وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا بِرَأْيِي فِيمَا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيهِ (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥).\n_________\n= منهما، ولكن سليمان أصاب عين الحق وأثنى الله عليه بقوله - ففهمناها سليمان - كما وصفهما بالعلم والحكمة في قوله - وكلا آتينا حكما وعلما - ولا غرابة في حكم داود ﵇، فقد كان في شرع أجداده يوسف ويعقوب ﵉ أن السارق يؤخذ عبدا بما سرق، لقوله تعالى على لسان يوسف ﵇ ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾.\n(^١) فإذا حكم الحاكم فاجتهد أي بذل وسعه في الوصول للحق فأصابه فله أجران؛ أجر على اجتهاده وأجر على وصوله للحق، وإذا أخطأ فله أجر على اجتهاده فقط.\n(^٢) قوله أجتهد برأيي، وفي نسخة أجتهد رأيي أي أبذل طاقتي في الوصول للحق بالقياس على كتاب أو سنة فيما اتفقا أو تقاربا في العلة، وفيه بيان سبيل الاجهاد وأنه يرجع إلى البحرين العظيمين وهما الكتاب والسنة.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) فلما لم تكن لها بينة أمرها بقسمة المال وتوخي الحق فيها وإحلال كل منهما لصاحبه بعد أخذ نصيبه بالقرعة. وقوله إنما أقضي بينكما رأيي أي باجتهادي فيما لم يأتني حكمه من الله تعالى.\n(^٥) بسند صالح.","vol":"3","page":66},{"text":"• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيرًا أَوْ دَابَّةً إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَتْ لِوَاحَدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَجَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا (^١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي الْيَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي مَتَاعِ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ مَا كَانَا أَحَبَّا ذلِكَ أَوْ كَرِهَا». وَفِي رِوَايَةٍ: «إِذَا كَرِهَ الاِثْنَانِ الْيَمِينَ أَوِ اسْتَحَبَّا فَلَيَسْتَهِمَا عَلَيْهِ (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣) وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ أَنْتِ، وَقَالَتِ الْأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ. فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ ﵇، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى فَخَرجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵉، فَأَخْبَرَتَاهُ فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا.\n_________\n(^١) قوله ليست لواحد منهما بينة، وفي رواية: وكل منهما بينة. فجعله النبي - ﷺ - بينهما لاستوائهما في الحجة كالحديث الذي قبله، وهذا ظاهر إذا كان البعير في يديهما أو في يد غيرهما، فإن كان في يد أحدهما فعلى خصمه البينة، وإلا فالقول لصالحب اليد بيمينه. ومن استواء الحجة ما إذا حلفا أو نكلا عن اليمين أو كان لكل منهما بينة وكان المتنازع عليه في يديهما فإنه يجعل بينهما. ولكن هذا إذا تساوت البينة عددًا وعدلا. وعليه الشافعية والحنفية. وقال أحمد وإسحاق: يقرع بينهما ويعطى لمن خرجت له القرعة، فإن كانت بينة أحد الخصمين أعدل أو أكثر عددا فالحكم له.\n(^٢) قوله أحبا ذلك أي اليمين. وقوله: فليستهما عليه أي اليمين، وهذه جامعة للتبين قبلها والثلاث تفريع لما سبق، فإذا ادعيا شيئا في يديهما أو في يد غيرها ولا بينة لها عرضت عليهما القسمة، فإن رضياها كان عملا بما سبق وانتهت الخصومة». وإلا فإن اتفقا على تحليف أحدهما حلف وكان الحكم له، فإن تسابقا إلى اليمين أو نكلا عنها عملت قرعة لمن يحلف، فإن حلف حكم له. ويظهر لي أن القسمة أوجه لأن صاحب الحق فيها يصيب نصف حقه بخلاف القرعة فربما لا يصيبه شيء والله أعلم.\n(^٣) بسند صالح.","vol":"3","page":67},{"text":"فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا، يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى» فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ إِلا يَوْمَئِذٍ مَا كنَّا نَقُولُ إِلا الْمُدْيَةَ (^١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ: نَسْأَلُ اللَّهُ السَّتْرَ وَالتَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضى آمِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-583>للحاكم حبس المتهم</span>\n• عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَبَسَ رَجُلًا فِي تُهَمَةٍ (^٢) ثُمَّ خَلَّى عَنْهُ. رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣).\n\n• عَنِ الشِّرِّيدِ بْنِ سُوَيْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥) وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ.\n_________\n(^١) قوله فقضى به للكبرى، إما لشبه ظهر له بينهما، وإما لأن شرعه يرجح قول الكبرى، وإما لأنه كان في يدها، فلما خرجتا على سليمان وأخبرتاه ظهر له باجتهاده أن يسلك طريق الحيلة وطلب السكين لشقه، فقالت الصغرى: تنازلت عنه للكبرى، فانكشفت الحقيقة وحكم به للصغرى. ففي هذه النصوص السابقة جواز الاجتهاد وأنه وقع من الرسل السابقين. وقد يصيب وقد يخطئ وكل مأجور كما سبق. وفيه أيضا جواز سلوك طريق الحيلة في الأمور الغامضة لكي تنكشف الحقائق ويعود الحق إلى نصابه. ولكن هذه منح من الله تعالى يمنحها لمن يشاء من عباده. نسأل الله العلم النافع والتقوى فإنها أساس كل خير، قال تعالى - واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم - سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم - اللهم تقبل يا كريم آمين.\n\nللحاكم حبس المتهم\n(^٢) حبس في تهمة كسرقة بقصد أن يعترف وليكون عبرة لغيره.\n(^٣) بسند حسن، وسبق في الحدود أن للحاكم التعزير والضرب والنفي كما يراه مع الأشرار لكسر شوكتهم عن الناس.\n(^٤) قوله: ليُّ الواجد، من أوجد وهو الغني، أي مماطلة الميسور في دفع ما عليه تحل عرضه أي تبيح للدائن أن يتكلم في عرضه، كقوله أنت مماطل أنت ظالم أنت ضار، دون التعرض لأحد من ذويه، كما له أن يشكوه لمن يظن أنه يقدر عليه من حاكم وغيره، ولحاكم عقوبته بغليظ الكلام والحبس ونحوهما.\n(^٥) بسند صحيح والله أعلم.","vol":"3","page":68},{"text":"<span data-type='title' id=toc-584>حكم الحاكم لا يحلل الحرام</span>\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِى لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدَ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ (^٢) وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سُخْطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْهُ (^٣) وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ (^٤) حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ وَمَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةِ بِظُلْمٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﷿ (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَالِحٍ. نَسْأَلُ اللَّهَ السَّتْرَ وَالتَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضى آمِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\nحكم الحاكم لا يحل الحرام\n(^١) قوله ألحن بحجته أي أقوى وأبلغ، وقوله فأقضي له على نحو ما أسمع، ولفظ مسلم فأحسب أنه صادق فأقضي له أي فإني أمرت أن أحكم بالظاهر لي والله يتولى السرائر. وسببه أن النبي - ﷺ - خرج من بيته فوجد قوما يرفعون أصواتهم في خصومة بينهم فذكر الحديث. وفيه تجويز الخطأ على كل حاكم تعليمًا للأمة، وإلا فأحكامه - ﷺ - كانت موافقة لما في الواقع فإنه معصوم، وفيه أنه يجب على الحاكم أن يحكم بالأدلة الظاهرة دون غيرها وإن وافق الواقع كعلمه بطريق الكشف. وفيه تحذير من أكل الحرام وإن حكم الحاكم به. فمن شهد له شاهدا زور بشيء فحكم له به الحاكم حرم عليه أخذه، وكذا إذا شهدا بطلاق امرأة حرم عليهما أو أحدها زواجها، وكذا من علم أن الشهادة كانت زورًا، وكذا لو شهدا بقتل حرم على رب الدم أخذ القصاص أو الدية إذا على كذبهما. فحكم الحاكم لا يحل حراما ولا يحرم حلالًا في الأموال وغيرها لا في الدنيا ولا في الآخرة وإن نفذ في الظاهر وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا وأصحاب أبي حنيفة. وقال أبو حنيفة: إنه يحل الفروج دون الأموال. والله أعلم.\n(^٢) فمن تسبب في منع إقامة حد بعد وصوله للحاكم فقد حارب الله لأن محاربة أمر الله محاربة لله.\n(^٣) أي حتى يرجع عنه.\n(^٤) الردغة: الطين. والخبال: عصارة أهل النار، أي ما يسيل من أبدانهم فهو مسكن من يقدح في أعراض المسلمين.\n(^٥) فمن أعان خصما في باطل بتشجيعه أو شهادته معه فقد استحق غضب الله تعالى فما بالك بمن يخاصم باطلا ويؤذى المسلمين. نسأل الله التوفيق والله أعلم.","vol":"3","page":69},{"text":"<span data-type='title' id=toc-585>يجوز التحكيم </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَآ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَارًا فَوَجَدَ الْمُشْتَرِي فِيهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ فَقَالَ لِلْبَائِعِ: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الْأَرْضَ وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ، فَقَالَ الَّذِي شَرَى الْأَرْضَ (^٣): إِنَّمَا بِعْتُكَ الْأَرْضَ وَمَا فِيهَا. قَالَ: فَتَحَاكَمَا إِلَى رجُلٍ فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلَامٌ وَقَالَ الْآخَرُ: لِي جَارِيَةٌ قَالَ: أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِكُمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا (^٤)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (^٥). نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\nيجوز التحكيم\n(^١) أي يجوز للحاكم شرعيًا أو سياسيًا إذا تفاقم الأمر بين الخصمين أن يحكّم بينهما رجلا رشيدًا أو رجلين فإنه أقرب إلى فض النزاع، وكذا للخصمين أن يلجآ إلى التحكيم من أنفسها، والتحكيم تفويض المتنازعين إلى واحد أو أكثر ليحكم بينهما وعليهما العمل بقوله.\n(^٢) الآية وردت في نزاع الزوجين ويقاس عليه كل نزاع بين اثنين، فإن التحكيم لغرض الإصلاح وهو محبوب في كل وقت.\n(^٣) قوله عقارًا، وكانت دارا كما في لفظ البخاري. وقوله: ولم أبتع منك الذهب أي لم أشتر. وقوله: شرى الأرض أي باعها، فإن البيع والشراء من الأضداد ويستعمل كل منهما مكان الآخر.\n(^٤) فلما لم يقبل كل منهما الذهب وتحاكما إلى رجل أمرهما أن يزوج كل منهما ولده لولد الآخر وينفقا هذا الذهب في الزواج ويتصدقا منه على المساكين، فرضيا بحكمه وعملا به. ففي الحديث جواز التحكيم إلى رجل واحد كما يجوز إلى أكثر كما في الآية. وفيه أن الموضوع في المبيع لا يدخل في البيع إلا إذا كان. جزأ منه كالعدن في الأرض، أو كالجزء كالبناء والزرع الذي لم يبد صلاحه.\n(^٥) ولكن رواه مسلم هنا والبخاري في بدء الخلق.","vol":"3","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-586>الخاتمة في الصلح</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتَغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^١).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلدُّ الْخَصِمُ (^٢)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ سَهْلٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ بَيْنَ بَنِي عَمْرٍو قِتَالٌ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثمَّ أَتَاهُمْ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ بِالْكَاذِبِ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ خَيْرًا أَوْ نَمَى خَيْرًا (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟» قَالوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ. وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥). وَزَادَ: «لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ (^٦)». نَسْأَلُ اللَّهَ السَّتْرَ وَالتَّوْفِيقَ آمِينَ آمِينَ آمِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.\n_________\nالخاتمة في الصلح\n(^١) أي لا خير في كثير من حديث الناس في اجتماعهم إلا حديثهم في الحث على الصدقة أو المعروف أو الصلح بين الناس ولمن يفعل ذلك الأجر العظيم.\n(^٢) فأبغض الناس عند الله الألد شديد الخصومة. الخصم بفتح فكسر كثير الخصومة لأنه شر وخطر على الناس بخلاف من يميل للصلح ويسعى فيه فهو خير الناس.\n(^٣) أي ذهب ليصلح بينهم من تلقاء نفسه كما هو الظاهر فإن الصلح بين الناس أمر عظيم ولنا فيه - ﷺ - قدوة حسنة.\n(^٤) أي ليس كاذبا من شرع في الصلح وقال قولا خيرا عنهما ونشره ليقرب بينهما أو نمى خيرًا أي بلّغ كلا منهما عن الآخر خبرا لم يسمعه منهما. كقوله لأحدهما فلان خصمك لا يقول فيك إلا خيرا ويقول أنا المخطئ، فهذا كذب للإصلاح لا إثم فيه، بل فيه أجر كبير. ومنه لغز، وهو: ما قولك في كذب يؤدي إلى الجنة وصدق يؤدي إلى النار؟ الجواب الأول الكذب للإصلاح، والثاني نقل العيبة إلى صاحبها. وسيأتي في الأخلاق ما يجوز فيه الكذب إن شاء الله.\n(^٥) بسند صحيح.\n(^٦) فإصلاح ذات البين - أي ذات بينكم، أي الحالة التي بينكم وهي مضمرات الصدور كالحقد والعداوة - أعلى درجة من الصلاة والصيام والصدقة لأن العداوة بين الناس مصدر لكل شر. وأما فساد ذات البين فهي الحالقة التي تحلق الدين وتذهبه. نسأل الله التوفيق آمين.","vol":"3","page":71},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type='title' id=toc-587>كتاب الأيمان والنذور </span>(^١)\nوفيه بابان وخاتمة\n\n<span data-type='title' id=toc-588>الباب الأول في اليمين</span>\n<span data-type='title' id=toc-589>لا يكون القسم إلا باسم من أسماء الله تعالى</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ (^٢).\nوقَالَ تَعَالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَن نُّبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ (^٣).\n\n• عَنِ ابْن عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ ﷺ لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ (^٤). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اجْتَهَدَ فِي الْيَمِينِ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦).\n_________\nكتاب الأيمان والنذور، وفيه بابان وخاتمة\n(^١) الأيمان جمع يمين وهو لغة خلاف اليسار. وأطلقت على الخلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل يمين صاحبه. وقيل لحفظها المحلوف عليه حفظ اليمين، وشرعًا تحقيق الأمر المحتمل أو توكيده يذكر اسم الله تعالى أو صفة من صفاته. وسيأتي النذر إن شاء الله.\n\n(الباب الأول في اليمين - لا يكون القسم إلا باسم من أسمائه تعالى)\n(^٢) أي وحق رب السموات والأرضين إنما توعدون من الرزق وغيره لحق ثابت لازم لكم كالنطق منكم.\n(^٣) أي وما نحن بعاجزين عن إبدالهم بغيرهم.\n(^٤) أي لا أفعل ذلك أو لا أترك ذلك وحق مقلب القلوب أي محولها من حال إلى حال كما يشاء جل شأنه.\nولفظ النسائي» لا ومصرف القلوب» وفيه جواز تسمية الله بما ثبت من صفاته الخاصة به تعالى.\n(^٥) كان إذا اجتهد في اليمين أي بالغ فيها، قال والذي نفس أبي القاسم بيده، أي روح محمد - ﷺ - بقدرته. وفي رواية: كان إذا حلف يقول: لا وأستغفر الله، أي لا أقسم بالله وأستغفر الله أو المراد أستغفر الله إن كان الأمر على خلاف هذا. وهو ليس يمينًا ولكنه يشبهه من حيث التأكيد.\n(^٦) بسند صالح.","vol":"3","page":72},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى (^١)».\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا (^٢)». رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) فإذا هلك كسرى أي ملك فارس، فلا كسرى ثانيًا بل الإسلام، وإذا هلك قيصر ملك الروم، فلا قيصر ثانيًا. وكان كذلك فتحت فارس والروم في زمن عمر ﵁، وكانت كنوزهما غنيمة للمسلمين.\n(^٢) لو تعلمون ما أعلم من أهوال الموت والقبر وما بعدهما لقل الضحك وكثر البكاء. وفيه القسم بالاسم، وفيما قبله القسم بالصفة، فلا يصح اليمين وتجب فيه الكفارة إلا إذا كان باسم من أسماء الله تعالى أو بصفة من صفاته، كقوله وعزته وقدرته وإرادته وعلمه وعظمته وكبريائه وجلاله وكلامه وآياته جل شأنه. وستأتي الأسماء الحسنى في كتاب الذكر إن شاء الله.\n\n﴿فائدة﴾\nورد القسم من النبي - ﷺ - بألفاظ منها: وايم الله في عدة أحاديث وهو بهمزة وصل عند الأكثر، وهمزة قطع عند الكوفيين: بفتح الهمزة وكسرها وميمه مضمومة، وهو حرق عند الزجاج واسم عند الجمهور ولكنه اسم مفرد عند سيبويه وطائفة، وجمع يمين عند الكوفيين وأصله عندهم أيمن حذفت نونه للتخفيف. قال زهير *فيجمع أيمن منا ومنكم* ومعنى وايم الله، والله لأفعلن كذا، أو وحق الله كما صرح به النووي في التهذيب، وعلى هذا فهى يمين. وأما لفظ يمين الله فنقل عن ابن عباس أنه اسم من أسماء الله تعالى ومنه قول امرئ القيس *فقلت يمين الله أبرح قاعدًا* وقيل معناه بالله أو أحلف بالله. وهي يمين عند المالكية والحنفية. وعند الشافعية إن نوى اليمين انعقدت وإلا فلا. وعن أحمد روايتان أصحهما الانعقاد، ومنها لعمر الله في بعض أحاديث، والعَمر والعُمر الحياة. فمعنى لعمر الله أحلف ببقاء الله، وتنعقد بها اليمين عند المالكية والحنفية؛ لأن البقاء من صفات الله تعالى، وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: لا يكون يمينا إلا بالنية، ولعمر الله مبتدأ والخبر محذوف أي قسمي، وكذا أيم الله ويمين الله، ومنها أقسمت عليك وأقسمت بالله، فقال قوم: هي يمين وإن لم ينوها. روي ذلك عن بعض الصحب والتابعين والكوفيين، وقال الأكثرون: لا يكون يمينًا إلا إن نواه. وقال مالك: أقسمت بالله يعين مطلقًا بخلاف أقسمت عليك وأقسمت، فليست يمينًا إلا بالنية. وقال الشافعي أقسمت بالله وأقسم بالله ونحوهما مما فيه لفظ الجلالة يكون يمينًا بخلاف ما ليس فيه لفظ الجلالة فليس يمينًا وإن نواه. والله أعلم.","vol":"3","page":73},{"text":"<span data-type='title' id=toc-590>من حلف بغير الله فقد أثم </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَدْرَكَ عُمَرَ ﵁ فِي رَكْبٍ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ»، قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ بِالَّلاتِ والْعُزَّى فَلْيَقُلْ لا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ (^٣)».\n\n• عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضحَّاكِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ كَمَا قَالَ (^٤) وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ (^٥) وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ (^٦) وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكفْرِ فَهُوَ كَقَتْلِهِ (^٧)».\nرَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ\n_________\nمن حلف بغير الله فقد إثم\n(^١) أي إن أعتقد تعظيمه وإلا فلا كما يأتي.\n(^٢) فكان عمر في ركب أي جماعة مسافرين فسمعه النبي - ﷺ - يحلف بأبيه كعادتهم في الحلف بالآباء، فقال: إن الله ينهاكم عن الحلف بالآباء، فإن الحلف يقتضى تعظيم المحلوف به وحقيقة العظمة مختصة بالله تعالى. فمن يريد الحلف فليحلف بالله أو بذاته أو بصفة من صفاته. ولا يرد قوله تعالى والضحى والليل، والتين والزيتون ونحوهما، فإنها على حذف مضاف أي ورب الضحى ورب التين. وقيل إن تلك الأحكام بالنسبة للعباد، وأما الله جل شأنه فله أن يقسم بما شاء من خلقه تنويهًا برفع شأنه. وقول عمر: ما حلفت بأبي بعد هذا ذاكرًا أي من قبل نفسي ولا آثر أي حاكيا عن غيري.\n(^٣) اللات والعزى صنمان لأهل مكة كانوا يحلفون بهما في الجاهلية، فمن جرى لسانه كعادته في الجاهلية وحلف بهما فليقل: لا إله إلا الله، فإنها كفارة حلفه بهما، ومن طلب من صاحبه لعب القمار فليتصدق بشيء كفارة لقوله وفي رواية» لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد - أي الأصنام - ولا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون».\n(^٤) فمن قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي مثلا ففعله كفر.\n(^٥) تقدم في أول الحدود وفيه أن جناية المرء على نفسه جنايته على غيره لأن نفسه ملك لله تعالى فلا يتصرف فيها إلا بإذن الله.\n(^٦) أي في التحريم والظاهر أنه للزجر عن اللعن فإنه لا يجوز ولو لحيوان.\n(^٧) رميه بالكفر كقوله يا كافر أو يا يهودي مثلا فهو كقتله في التحريم وهو زجر كالذي قبله، ولكنه يضرب عشرين كما تقدم في الحدود.","vol":"3","page":74},{"text":"الْأُصُولُ الْخَمْسَةُ.\nوَسَمِعَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ رَجُلًا يَحْلِفُ لَا وَالْكَعْبَةِ. فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ (^٢).\n\n• عَنْ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ إِنِّي بَرِئٌ مِنَ الْإِسْلَامِ فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤) وَالنَّسَائِيُّ. نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-591>اليمين الغموس </span>(^٥)\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ» (^٦). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَوْ قَالَ أَخِيهِ\n_________\n(^١) فقد أشرك أي إن اعتقد تعظيمه كتعظيم الله تعالى وإلا كان مكروها ويكون زجرًا وتنفيرا ولا كفارة عليه، ولأبي داود: من حلف بالأمانة فليس منا. أي ليس على طريقتنا الكاملة، وأما من حلف بأمانة الله فهي يمين عند الحنفية دون غيرهم لأن الأمانة هي الطاعة والعبادة والوديعة فليست اسمًا ولا صفة لله تعالى.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) فمن تبرأ من الإسلام كاذبا فهو كقوله عقابا له على كذبه، وإن كان صادقا فهو منه بريء.\n(^٤) بسند صالح.\n\n﴿فائدة﴾\nمن قال: أكفر بالله أو نحوه إن فعلت كذا ثم فعله فقال بعض الصحب والتابعين وجمهور الفقهاء: لا يمين ولا كفارة عليه ولا يكفر إلا إن أضمر الكفر بالله تعالى. وقال الحنفية وأحمد وإسحاق وسفيان والأوزاعي: هو يمين وعليه الكفارة، وهذا أحوط ولكن الأول أخف وأصح لأن النصوص كلها لم تذكر كفارة ولكنها اقتصرت على التهديد والزجر الشديد، فالتحقيق أن من حلف بغير الله تعالى ولو بالنبي - ﷺ - لا تنعقد يمينه ولا كفارة عليه، ولكنه مكروه لإشعاره بتعظيم غير الله تعالى نسأل الله الستر والتوفيق والله أعلم.\n\nاليمين الغموس\n(^٥) أي ذنبها عظيم لما فيها من الكذب والإضلال والظلم.\n(^٦) اليمين الغموس بالفتح هي ما قصد بها الباطل، وسميت غموسا لأنها تغمس قائلها في النار.","vol":"3","page":75},{"text":"لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهُ» ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ الْآيَة (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ مَصْبُورَةٍ كَاذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ بِوَجْهِهِ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا يَحْلِفُ أَحَدٌ عِنْدَ مِنْبَرِي هذا عَلَى يَمِينٍ آثِمَةٍ وَلَوْ عَلَى سِوَاكٍ أَخْضَرَ إِلا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ أَوْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٥).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَ الطَّالِبَ الْبَيِّنَةَ فَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَاسْتَحْلَفَ الْمَطْلُوبَ فَحَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلهَ إِلا هُوَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَلَى قَدْ فَعَلْتَ وَلكِنْ قَدْ غُفِرَ لَكَ بِإِخْلَاصِ قَوْلِ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ (^٦)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧) وَالنَّسَائِيُّ. نَسْأَلُ اللَّهَ السَّتْرَ وَالتَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) قوله تصديقه أي قول نبيه - ﷺ -، فمن حلف كاذبا ليأكل مال غيره أو نحوه فعليه غضب الله ورسوله في الدنيا والآخرة.\n(^٢) فمن حلف على يمين مصبورة أي ألزم بها وحبس عليها وكانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم فكذب في يمينه فقد وجبت له النار.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) أو للشك، فمن حلف كاذبا ولو على شيء قليل عند منبر الرسول من فقد استوجب النار لأنه كذب في يمينه عند المنبر والروضة والقبر الذي فيه صاحب الشرع - ﷺ -. وفي رواية لا يقتطع أحد مالًا بيمينه إلا لقي الله وهو أجذم.\n(^٥) بسند صالح.\n(^٦) فلما حلف المدى عليه بالله الذي لا إله إلا هو ما فعل ما يدعيه المدعي، قال - ﷺ - بلى قد فعلت أي بوحي من الله تعالى لحديث أحمد: إن النبي - ﷺ - قال لرجل فعلت كذا قال لا والذي لا إله إلا هو ما فعلت، فقال له جبريل قد فعل ولكن الله غفر له بقوله لا والذي لا إله إلا هو: أي بالإخلاص في النطق بكلمة التوحيد غفر له ذنب الكذب في اليمين، فلا إثم ولا كفارة قاله أبو داود. وفيه أن الكبائر تغفر بكلمة التوحيد.\n(^٧) بسند صالح والله أعلى وأعلم.","vol":"3","page":76},{"text":"<span data-type='title' id=toc-592>لا ينبغي اللجاجُ في اليمين </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^٢) وَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ (^٣)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَاللَّهُ أَعْلَى وأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-593>لغو اليمين </span>(^٤)\n\n• عَنْ عَائِشةَ ﵂ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالَّلغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي قَوْلِهِ لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ (^٥). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَعَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: هُوَ كَلَامُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ كَلَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ (^٦).\n_________\nلا ينبغي اللجاج في اليمين\n(^١) أي لا يجوز التمادي فيها.\n(^٢) فنحن الآخرون ظهورًا في الدنيا السابقون في الآخرة.\n(^٣) قوله يلج بفتح أوله وثانيه من اللجاج وهو الإصرار على الشيء مطلقًا. أي فمن حلف على شيء فعلا أو تركا وتمادي في يمينه وكان أهله يتضررون بذلك فالحنث له أفضل، ويكفّر عن يمينه إذا لم يترتب عليه حرام، فالحنث هنا مندوب كما لو حلف على ترك سنة أو فعل مكروه، ويجب الحنث والكفارة إن حلف على ترك واجب أو فعل حرام. ويكره الحنث ويندب البر إن حلف على فعل مباح أو تركه والله أعلم.\n\nلغو اليمين\n(^٤) أي ما ورد فيه. واللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره.\n(^٥) قوله في قوله أي الشخص وهو يحاور غيره لا والله، كأن يدعوه لبيته فيقول لا والله أي لا يمكنني ثم شدد عليه فذهب معه فلا ذنب ولا كفارة عليه.\n(^٦) فهؤلاء الثلاثة رووه مرفوعًا والبخاري رواه موقوفًا على عائشة وهي بلغة العرب أعرف وقد شهدت التنزيل فقولها صواب ولا سيما إن وافق الحديث. فعلى هذا لغو اليمين هو ما يجري على اللسان من غير قصد اليمين، كلفظ لا والله وكلفظ بلى والله، وعليه جماعة من الصحب والتابعين والشافعي. وقال مالك والليث والأوزاعي والحنفية: لغو اليمين أن يحلف على شيء يظن صدقه فيظهر خلافه فكأنه عند هؤلاء من الخطأ ولا مؤاخذة فيه، وعند الأولين من سقط الكلام ولا شيء فيه أيضا. وعن أحمد روايتان: رواية بالأول ورواية بالثاني والله أعلم.","vol":"3","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-594>اليمين على نية المستحلف</span>\nعَنْأَبِي هُرَيْرَةَ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ». وَفِيَ رِوَايَةٍ: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ (^١)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ سُوَيْدِ بْنِ حَنْظَلَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا نُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ وَمَعَنَا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ فَأَخَذَهُ عَدُوٌّ لَهُ فَتَحَرَّجَ الْقَوْمُ أَنْ يَحْلِفُوا وَحَلَفْتُ أَنَّهُ أَخِي، فَخَلَّى سَبِيلَهُ فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ الْقَوْمَ تَحَرَّجُوا أَنْ يَحْلِفُوا وَحَلَفْتُ أَنَّهُ أَخِي قَالَ: «صَدَقْتَ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَالِحٍ وَابْنُ مَاجَهْ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-595>لا حنث مع الاستثناء </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ (^٤) وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾.\n_________\nاليمين على نية المستحلف\n(^١) قوله المستحلف وقوله صاحبك هما بمعنى، وهو طالب اليمين.\n(^٢) حجر بالحاء والجيم - كقفل - فجماعة خرجوا يريدون النبي - ﷺ - ومعهم وائل بن حجر فأخذه خصم له لعداوة بينهما فقال: لست بوائل بن حجر فقال خصمه للذين معه احلفوا أنه ليس بوائل وأنا أتركه، فتحرج القوم أي خافوا الحرج والإثم إذا حلفوا أنه ليس بوائل وحلفت أنه أخي ليتركوه وأضمرت أنه أخي في الإسلام فتركوه، فقال - ﷺ -» صدقت المسلم أخو المسلم» وهذه هي التورية التي ترجم لها البخاري وقال فيها عمر ﵁: أما في المعاريض ما يكفي المسلم من الكذب، والمعاريض خلاف التصاريح فالنبي - ﷺ - أقر التورية في هذا، والحديث الأول يقول العبرة بنية المستحلف ولعل هذا إذا كان محقا وإلا جازت التورية وصحت فاتفق الحديثان، ولكن قال النووي إن اليمين على نية الحالف في كل الأحوال إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجهت عليه فهي على نية القاضي أو نائبه ولا تصح التورية هنا وتصح في كل حال ولا يحنث بها وإن كانت للباطل حراما. والله أعلم.\n\nلا حنث مع الاستثناء\n(^٣) هو تعقيب اليمين بقولك إن شاء الله.\n(^٤) أي لا تقل سأفعل كذا غدا بدون إن شاء الله، فما تشاءون إلا أن يشاء الله.","vol":"3","page":78},{"text":"• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَدِ اسْتَثْنَى (^١)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢).\nوَلِلنَّسَائِيِّ وَأَبِي داوُدَ (^٣): مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى فَإِنْ شَاءَ مَضى وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ غَيْرَ حَنِثٍ (^٤).\n\n• عَنْ عِكْرِمَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا. ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ». وَفِي رِوَايَةٍ: «ثُمَّ سَكَتَ ثُمَّ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ لَمْ يَغْزُهُمْ (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦) وَالْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ. وَلَفْظُهُ: «وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ثَلَاثًا ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (^٧)».\n_________\n(^١) فمن حلف على شيء فعلا أو تركا ثم قال إن شاء الله فقد استثنى، أي ولا حنث عليه إن خالف يمينه.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) فمن استثنى فهو مخير إن شاء وفّى وإن شاء. ترك غير حنث - كفرح - أي غير حانث. وهذا ظاهر إذا قصد التعليق أو أطلق وإلا فلا.\n(^٥) لأنه استثني فلم تنعقد يمينه.\n(^٦) وقال روي مرسلا هكذا ومسندا إلى ابن عباس عن النبي - ﷺ -.\n(^٧) قوله في الأول ثم سكت أي سكتة التنفس ومثلها سكتة إلى وهما للضرورة. ويسمى الاستثناء بعدها متصلا. وقوله في الثانية ثم سكت ساعة وهي أكثر من هاتين السكتتين، والمراد زمن طويل ويسمى الاستثناء بعدها منفصلا. ومعنى ما تقدم أن من حلف ثم استثني متصلا بيمينه لم تنعقد يمينه أو انحلت فكأنها لم تكن لأن الاستثناء يبطل ما قبله، واليمين شاملة لكل يمين سواء كان بالله تعالى أو بالطلاق أو بالعتاق أو بغيرها لعموم النصوص وعليه الجمهور، وقال مالك والأوزاعي: إن الاستثناء لا ينفع في الطلاق والعتاق بل يقعان مع الاستثناء لأنه ينفع فيما فيه كفارة كاليمين والنذر. وقال أحمد إنه لا ينفع في العتق فقط لحديث: إذا قال أنت طالق إن شاء الله لم تطلق، ولو قال لعبده أنت حر إن شاء الله فإنه حر. وهذا كله في الاستثناء المتصل، أما المنفصل السابق فقد قال به جماعة من التابعين ولكنهم اختلفوا في قدره: فالحسن وطاوس وجماعة قالوا: إن له الاستثناء ما دام في مجلسه فقط. وقال قتادة ما لم يقم أو يتكلم. وقال عطاء قدر حلبة ناقة، وقال سعيد بن جبير إنه يصح في أربعة أشهر. وعن ابن عباس أن له الاستثناء أبدا. والله أعلم.","vol":"3","page":79},{"text":"<span data-type='title' id=toc-596>الباب الثاني في النذر </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ (^٢) ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (^٣). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ (^٤) ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾.\n\n• عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّذْرِ وَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَلكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ (^٥)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَرِّبُ مِنَ ابْنِ آدَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ قَدَّرَهُ لَهُ وَلكِنِ النَّذْرُ يُوَافِقُ الْقَدَرَ فَيُخْرَجُ بِذلِكَ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ (^٦)». رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ\nفَلَا يعْصِهِ (^٧)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\n_________\n﴿الباب الثاني في النذر﴾\n(^١) النذر لغة: الوعد: بخير أو شر من الإنذار وهو التخويف لمن لم يف به، وشرعًا التزام قربة غير لازمة في أصل الشرع بلفظ يشعر بذلك كقوله: لله علي صدقة بدينار أو صيام ثلاثة أيام، وإن شفي الله مريضي فعلى صيام كذا أو صدقة بكذا ونحو ذلك.\n(^٢) أي فيجازيكم عليه.\n(^٣) قوله وليوفوا نذورهم أي بعمل الهدايا والضحايا.\n(^٤) هذا في وصف الأبرار وهم الصالحون، وإن نزلت الآية في حق على وفاطمة ﵄.\n(^٥) ليس النهي على ظاهره وإلا بطل حكمه وسقط الوفاء به، إنما النهي لمن يعتقد أنه يرد القضاء\nأو يقرب من الإنسان شيئا لم يكن له. أو النهي لتأكيد أمره والحث على الوفاء به.\n(^٦) وفي رواية: إن النذر لا يقدم شيئا ولا يؤخره. ولكنه قد يوافق المقسوم للإنسان فيخرج به البخيل من ماله ما لا تسمح به نفسه بغير النذر.\n(^٧) فمن نذر طاعة كصلاة وصدقة وجب عليه الوفاء لأنه يرضى الله، ومن نذر معصية وجب عليه الحنث والكفارة كما يأتي.","vol":"3","page":80},{"text":"• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». قَالَ عِمْرَانُ: لَا أَدْرِي ذَكَرَ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً بَعْدَ قَرْنِهِ ـ، ثُمَّ يَجِئُ قَوْمٌ يَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يَؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِني نَذَرْتُ لِلَّهِ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ قَالَ: «صَلِّ ههُنَا ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ». فَقَالَ: صَلِّ ههُنَا ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ: شَأْنَكَ إِذًا (^٢). زَادَ فِي رِوَايَةٍ: «وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ لَوْ صَلَّيْتَ ههُنَا. لَأَجْزَأَ عَنْكَ صَلَاةً فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\nوَأَتَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ قَالَ: «أَوْفِي بِنَذْرِكِ (^٣)» قَالَتْ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ بِمَكَانِ\n_________\n(^١) قوله ينذرون ولا يفون محل الشاهد، فالوفاء بالنذر واجب، وسبق الحديث في القضاء وسيأتي في الفضائل.\n(^٢) شأنك منصوب بمحذوف أي الزم شأنك فأنت أعلم بحالك، وإذا بالتنوين جواب وجزاء أي إذا أبيت إلا الصلاة في بيت المقدس فافعل، وقوله صل هاهنا أي في المسجد الحرام فإنه يكفي عن صلاتك في بيت المقدس لفضل المسجد الحرام على بيت المقدس، فيكفي الوفاء بالنذر في مكان الناذر إذا كان أفضل من المكان المنذور فيه بخلاف ما إذا كان مفضولا أو مساويا فإنه يجب الذهاب إلى المكان المنذور فيه.\n(^٣) الدف بضم فتشديد: آلة من آلات الطرب، ولفظ الترمذي: خرج رسول الله - ﷺ - في بعض مغازيه، فلما عاد جاءت جارية سوداء فقالت يا رسول الله: إني كنت نذرت إن ردك الله صالحًا أن أضرب بين يديك بالدف، قال أوفي بنذرك. وفي رواية لابن حبان. إن كنت نذرت فافعلي وإلا فلا، قالت: بل نذرت. فقعد رسول الله - ﷺ - وقامت فضربت بالدف فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل عمر فألقت الدف وجلست عليه، فقال - ﷺ -: إني لأحسب الشيطان يفرق منك يا عمر. ففيه: أن النذر في المباح ينعقد وعليه بعضهم. ولحديث» لا نذر في معصية» فنفاه عنها فقط وبقي في غيرها، وقال آخرون لا ينعقد في المباح لحديث أبي إسرائيل الآتي والحديث أحمد: لا نذر إلا فيما يبتغي به وجه الله تعالى.","vol":"3","page":81},{"text":"كَذَا وَكَذَا قَالَ: «لِصَنَمٍ»؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ: «لِوَثَنٍ؟» قَالَتْ: لَا، قَالَ: «أَوْفِي بِنَذْرِكِ (^١)» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِي بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-597>يقضى النذر عن الميت </span>(^٢)\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ قَضَائِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَافْضِهِ عَنْهَا (^٣)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ وَقَدْ مَاتَتْ فَقَالَ: إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ وَقَدْ مَاتَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكْنْتَ قَاضِيَهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاقْضِ اللَّهَ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ (^٤)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ امْرَأَةً رَكِبَتِ الْبَحْرَ فَنَذَرَتْ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ أَنْ تَصُومَ شَهْرًا، فَنَجَّاهَا اللَّهُ فَلَمْ تَصُمْ حَتَّى مَاتَتْ، فَجَاءَتْ بِنْتُهَا أَوْ أُخْتَها إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَهَا أَنْ تَصُومَ عَنْهَا (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٦). وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n(^١) الصنم والوثن بمعنى وهو صورة تعبد، وقيل الوثن صورة من حجر أو خشب أو نحوهما كصورة الإنسان، والصنم صورة بلا جثة. فلما علم - ﷺ - أن النحر ليس لصنم في هذا المكان أمرها بالنحر. فمن نذر نذرًا كهدية أو صدقة لمكان من الأمكنة فإنه يجب عليه الوفاء به في ذلك المكان ولا يصرفه لغيره. وعليه الشافعي وجماعة. وقال غيرهم يجوز له نقله لحصول مراده ببذله للعباد، وهذا إذا لم يقبضه أهل الجهة المنذور لها، وإلا حرم أخذه منهم لأنهم ملكوه بالقبض لما سبق في البيوع» العائد في هبته كالعائد في قيئه» والمراد بقبضه دخوله في حماهم كدار أو صناديق خاصة بهم. والله أعلم.\n\nيقضي النذر عن الميت\n(^٢) أي يجب على وليه قضاؤه عنه لأنه دين عليه.\n(^٣) قوله في نذر كان على أمه، قيل كان صياما وقيل صدقة.\n(^٤) أمره بوفاء نذرها في الحج وهو حق لله فغيره أولى. وتقدم الحديث في الحج.\n(^٥) فهذه الأحاديث صريحة في وجوب وفاء نذر الميت من صدقة وحج ونحوها كالديون والكفارات التي تزمته قبل موته فإنها تخرج من رأس ماله إلا إن وقع النذر في مرض موته فإنه يكون من الثلث، وعليه الجمهور. وشرط المالكية والحنفية أن يوصى بذلك وإلا فلا وجوب. والله أعلم وسبق من هذا في الصوم والحج.\n(^٦) بسند صالح.","vol":"3","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-598>لا نذر فيما لا يستطيع ولا نذر في معصية</span>\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فِي الشَّمْسِ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَدْرَكَ شَيْخًا يَمْشِي بَيْنَ ابْنَيْهِ يَتَوَكَّأُ عَلَيْهِمَا (^٢) فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا شَأَنُ هذَا؟» قَالَ ابْنَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرُ الْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فَقَالَ: «ارْكَبْ أَيُّهَا الشَّيْخُ فَإِنَّ اللَّهَ غنِيٌّ عَنْكَ وَعَنْ نَذْرِكَ (^٣)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ﵁: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ حَافِيَةً فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِي لَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَفْتَيْتُهُ فَقَالَ: «لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ (^٤)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا وَفَاءِ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ وَلَا فِيمَا\nلَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ (^٥)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ.\n_________\nلا نذر فيما لا يستطيع، ولا نذر في معصية، ولا نذر فيما لا يملك\n(^١) أبو إسرائيل هذا رجل من بني عامر بن لؤي من قريش نذر ما ذكر في الحديث، ولما تضمن\nنذره طاعة ومعصية ومباحا أمره بإتمام الطاعة ونهاه عن غيرها رأفة به في المباح. والمعصية لا نذر فيها.\n(^٢) أي يستند عليهما.\n(^٣) فإنه لا نذر فيما لا يستطيع، والله غني عن العالمين.\n(^٤) قوله حافية أي غير منتعلة، زاد في رواية وغير مختمرة أي كاشفة رأسها وهذا عصيان والمشي\nغير مستطاع. وفي رواية» إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا فلتركب ولتختمر ولتصم ثلاثة أيام»\nفهذه النصوص صريحة في عدم اعتبار النذر فيما لا يستطيع فلا وفاء به ولكن فيه الكفارة.\n(^٥) لا وفاء لنذر في معصية. أي لأنه لم ينعقد فإن أصل النذر أن يكون في قربة لحديث أحمد وأبي\nداود» لا نذر إلا فيما يبتغي به وجه الله» وقوله لا نذر فيما لا يملك العبد فإن النذر تصرف وهو فرع\nالملكية، فإذا انتفى الأصل انتفى فرعه. وسبب الحديث أن امرأة نذرت أن تنحر ناقة ليست ملكا لها\nفلما سمع بها النبي - ﷺ - ذكره.","vol":"3","page":83},{"text":"• عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ﵁ أَنَّ أَخَوَيْنِ كَانَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ الْقِسْمَةَ فَقَالَ: إِن عُدْتَ سَأَلْتَنِي عَنِ الْقِسْمَةِ فَكُلُّ مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرَ ﵁: إِنَّ الْكَعْبَةَ غَنِيَّةٌ عَنْ مَالِكَ، كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَكَلِّمْ أَخَاكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَمِينَ عَلَيْكَ وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ، وَلَا فِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَلَا فِيمَا لَا تَمْلِكُ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢) وَالنَّسَائِيُّ.\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمح يُسَمِّهِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا أَطَاقَهُ فَلْيَفِ بِهِ (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤) وَالتِّرْمِذِيُّ. وَلَفْظُهُ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ».\nوَلِلنَّسَائِيِّ: النَّذْرُ نَذْرَانِ فَمَا كَانَ مِنْ نَذْرِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ فَذلِكَ لِلَّهِ وَفِيهِ الْوَفَاءُ، وَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَذلِكَ لِلشَّيْطَانِ وَلَا وَفَاءَ فِيهِ وَيُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ (^٥).\n_________\n(^١) الرتاج بالكسر الباب والمراد في مصلحتها، فأخوان من الأنصار كان بينهما عقار ونخيل، فطلب أحدهما من أخيه القسمة فغضب وقال: إن كلمتني في هذا ثانيًا فإني أرصد مالى كله للكعبة - فرد عليه عمر بأن الكعبة غنية عنه وأمره بالكفارة وتكليم أخيه. وقال: سمعت النبي - ﷺ - يقول:» لا يمين عليك» أي لا ينبغي تنفيذ هذا اليمين لأن الخروج من ملكه غير مستطاع وقطع أخيه معصية.\n(^٢) بسند صالح.\n(^٣) النذر الذي لم يسم هو النذر المطلق كقوله: لله على نذر. ففيه كفارة إن لم يقدم شيئا أي من ماله. وفيه أن النذر الذي لا يطيقه فيه كفارة يمين تغليظا عليه.\n(^٤) مرفوعًا وموقوفا على ابن عباس ولكن سنن الترمذي حسن.\n(^٥) فيه وما قبله أن النذر في المعصية لا وفاء فيه ولكن عليه كفارة يمين تغليظا عليه. وبه قال الحنفية وأحمد. وقال الجمهور والمالكية والشافعية: لا كفارة عليه لأن نذره لم ينعقد. ولحديث عائشة في الباب الأول» ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» وسكت عن الكفارة، وكذا حديث عمران، وأجاب الجمهور من الأحاديث التي صرحت بالكفارة بأنها لا تصل إلى درجة حديث عائشة وعمران. أو ذكر الكفارة فيها الزجر عن المعصية. والأول أحوط والثاني أوسع. والله أعلى وأعلم.","vol":"3","page":84},{"text":"<span data-type='title' id=toc-599>من نذر التصدق بماله انعقد بالثلث</span>\n• عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَزَادَا: «فَقُلْتُ إِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ (^١)».\n\n• وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَوْ أَبُو لُبَابَةَ أَوْ مَنْ شَاءَ اللَّهُ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي الَّتِي أَصَبْتُ فِيهَا الذَّنْبَ وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي كلِّهِ صَدَقَةً. قَالَ: «يَجْزِي عَنْكَ الثُّلثُ (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ (^٣).\n\n• وَعَنْهُ قَال: إِنَّ مَنْ تَوْبَتِي أَنْ أَخْرُجَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ صَدَقَةً (^٤) قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: فَنِصْفَهُ؟ قَالَ: لَا، قُلتُ: فَثُلُثَهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: فَإِنِّي سَأَمْسِكُ سَهْمِي مِنْ خَيْبَرَ (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. نَسْأَلُ اللَّهَ السَّتْرَ وَالتَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضى آمِين.\n_________\nمن نذر التصدق بماله انعقد بالثلث\n(^١) كعب بن مالك هذا أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك فهجرهم النبي - ﷺ - وأصحابه حتى تاب الله عليهم بقوله تعالى - وعلى الثلاثة الذين خلفوا - الخ وسيأتي في التفسير حديثهم إن شاء الله.\n(^٢) أو في الموضعين للشك. وقوله يجزي عنك الثلث صريح في أن نذره بكل ماله انعقد بالثلث.\n(^٣) حديثه بالجزم لأبي لبابة، ولفظه:» إن أبا لبابة بن عبد المنذر لما تاب الله عليه قال يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قوي وأساكنك وأن أنخلع من مالى صدقة لله ﷿ ولرسوله، فقال رسول الله - ﷺ - يجزي عنك الثلث». أي يكفيك التصدق بالثلث.\n(^٤) الجار قبله متعلق به.\n(^٥) قوله فنصفه أي فأخرج نصفه. قال لا، قلت فثلثه قال: نعم. والرواية وإن تعددت عن كعب ولكنها في وقعة واحدة وهي تخلفه عن الخروج مع النبي - ﷺ - في تبوك، فمن نذر التصدق بكل ماله فعليه التصدق بثلثه فقط، وعليه مالك وجماعة. وقيل يلزمه التصدق بالجميع لأن تلك النصوص لا نذر فيها بل فيها استشارة فأرشدهم النبي - ﷺ - إلى الثلث، وقال أبو حنيفة: إن علقه بصفة فالقياس إخراجه كله. وقال الشافعي: إن كان نذر تبرر كإن شفي الله مريضي فعلى التصدق بمالى، فشفاه فعليه الكل، وإن كان لجاجًا فهو مخير بين الوفاء به كله أو كفارة يمين. والله أعلى وأعلم.","vol":"3","page":85},{"text":"<span data-type='title' id=toc-600>يجوز الرجوع في اليمين والنذر وعليه الكفارة</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (^١)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ فَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ فَاسْتَحْمَلْنَاهُ فَحَلَفَ أَلا يَحْمِلَنَا ثُمَّ قَالَ: «وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَأَ أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ\nوَتَحَلَّلْتُهَا (^٢)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَلِمُسْلِمِ: أَعْتَمَ (^٣) رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فَوَجَدَ الصِّبْيَةَ قَدْ نَامُوا فَأَتَاهُ أَهْلُهُ بِالطَّعَامِ فَحَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ أَجْلِ صِبْيَتِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَكَلَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذلِكَ لَهُ فَقَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيأْتِهَا وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ.\nوَلِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ: «وَإِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى خَيْرًا مِنْهَا إِلا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ».\nوَلِمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَفْعَلْ (^٤)».\n_________\nيجوز الرجوع في اليمين والنذر وعليه الكفارة\n(^١) أي شرع الله لكم تحليل الأيمان بعمل الكفارة التي ستأتي في الخاتمة إن شاء الله تعالى.\n(^٢) فأبو موسى الأشعري مع جماعة من قومه أتوا رسول الله - ﷺ - فاستحملوه أي طلبوا منه ما يركبونه وكان غضبان ولم يكن عنده ما يعطيهم فقال: والله لا أحملكم، وما عندي ما أحملكم عليه. فذهبوا وبعد قليل جاءته الإبل فاستحضرهم فأعطاهم ثم قال: والله لا أحلف على شيء فأرى غيره خيرًا منه إلا فعلته وكفرت عن يميني.\n(^٣) أعتم رجل أي مكث مع النبي - ﷺ - حتى دخل في العتمة وهي شدة الظلمة ثم عاد إلى بيته فوجد الصبية - جمع صبي - قد ناموا من غير عشاء لغيبته، فحلف لا يأكل ثم عاد فأكل فذكر هذا للنبي - ﷺ - فأمره بالكفارة، فمن رجع عن يمينه أو حنث فيها فعليه الكفارة.\n(^٤) أي ما ظهر له أنه خير. وفي هذين الحديثين أن الكفارة قبل الحنث وفيما قبلهما أنها بعده أي يجوز الأمران، وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا والأئمة الثلاثة، ولكن يستحب تأخير الكفارة فقط،=","vol":"3","page":86},{"text":"• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-601>خاتمة في بيان كفارة اليمين والنذر </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ\nأَيْمَانَكُمْ (^٣)﴾ ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\n_________\n= ويجب تأخير الصوم عند الشافعي. وقال الحنفية: لا تصح الكفارة إلا بعد الحنث لتحقيق موجبها حينئذ، واتفق الكل على أنها لا تجب إلا بعد الحنث.\n(^١) هذا صريح في أن كفارة النذر إذا رجع عنه أو حنث فيه هي كفارة اليمين. والله أعلم.\n\nخاتمة في بيان كفارة اليمين والنذر\n(^٢) الحكمة في إيجاب الكفارة على الحانث أن الحنث خلف لليمين أو النذر وعدم وفاء به، فوجبت الكفارة جبرًا لهذا.\n(^٣) قوله - ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان - أي بالأيمان التي قصدتموها إن حنثتم فيها، فكفروا بواحد من ثلاثة على التخيير بينها أولها إطعام عشرة مساكين من أوسط طعامكم أي غالب أقواتكم لكل مسكين مد بمد النبي - ﷺ -، وسيأتي قدره، وتقدم في كفارة الجماع في الصوم أوضح من هذا. وثانيها كسوة عشرة مساكين بما يسمى كسوة كقميص وعمامة كما يكفي عرقية أي طاقية أو منديل أو نحوهما، ويكفي واحد منها ولو ملبوسًا لم تذهب قوته ولو لم يصلح للمدفوع إليه كقميص صغير لرجل. وثالثها عتق رقبة مؤمنة ككفارة القتل والظهار حملا للمطلق على المقيد وعليه الجمهور والأئمة الثلاثة. وقال الحنفية: لا يحمل المطلق على المقيد إلا إذا اتحد السبب وهنا اختلف فلا حمل. وتكفي هنا الكافرة كإطلاق الآية، ويشترط في الرقبة أن تكون قادرة على الكسب، والإعتاق أفضل أنواع الكفارة للقادر عليه، فمن عجز عن واحد من هذه الثلاثة فعليه صوم ثلاثة أيام بنية الكفارة ولو متفرقة لعموم الآية. وعليه مالك والشافعية. وقال الحنفية: يشترط التتابع، فالكفارة مخيرة ابتداء مرتبة انتهاء. وقوله ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ أي ببرها إلا إذا كان في الحنث خير كما تقدم.","vol":"3","page":87},{"text":"• عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﵁ قَالَ: كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مُدًّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمُ الْيَوْمَ فَزِيدَ فِيهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\nقَالَ نَافِعٌ ﵁: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي زَكَاةَ رَمَضَانَ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ الْمُدِّ الْأَوَّلِ وَفِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا امْرِئ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا كَانَ فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ يَجْزِي كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ، وَأَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كَانَتَا فَكَاكَهُ مِنَ النَّارِ يَجْزِي كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُمَا عُضْوًا مِنْهُ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتِ امْرَأَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فَكَاكَهَ مِنَ النَّارِ يَجْزِي كُلُّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهَا (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤) وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ ﵁ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِي جَارِيَةٌ صَكَكْتُهَا صَكَّةً فَعَظَّمَ ذلِكَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: «ائْتِني بِهَا فَجِئْتُهُ بِهَا» فَقَالَ: «أَيْنَ اللَّهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ قَالَ: «فَمَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: «أَنتَ رَسُولُ اللَّهِ» فَقَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ (^٥)» رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ.\n_________\n(^١) فكان قدر الصاع في زمن النَّبِيّ - ﷺ - مدا وثلثًا. والمد رطل وثلث بغدادي فزيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز. هذا، ولكن اشتهر أن صاع النَّبِيّ - ﷺ - كان خمسة أرطال وثلثا، وعلى هذا الجمهور، وقال الحنفية: إن صاع النَّبِيّ - ﷺ - ثمانية أرطال، ولما حضر أبو يوسف المدينة وناظر مالكا في الصاع بحضرة الرشيد دخل مالك بيته وأخرج صاع النَّبِيّ - ﷺ - فقدروه فإذا هو خمسة أرطال وثلث، فرجع أبو يوسف لهذا وخالف صاحبيه أي فليس بعد العيان بيان.\n(^٢) ومد النبي - ﷺ - رطل وثلث بالبغدادي. وبالرطل المصرى رطل وأوقيتان وربع أوقية.\n(^٣) قوله يجزى كل عضو منها عضوًا منها أي يخلص كل عضو من العتيق عضوًا من المعتق من النار، وكذا القول في الضمائر الآتية.\n(^٤) بسند صحيح.\n(^٥) قوله صككتها صكة أي لطمتها بكفي على وجهها. وقولها الله في السماء إشارة إلى رفعة مكانة الله، وإلا فهو جل شأنه لا يحويه مكان، قال تعالى - وهو الله في السموات وفي الأرض يعمل سركم وجهركم -.","vol":"3","page":88},{"text":"وَجَاءَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَة فَقَالَ لَهَا: «أَيْنَ اللَّهُ؟» فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ بإِصْبَعِهَا فَقَالَ لَهَا: «فَمَنْ أَنَا؟» فَأَشَارَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَإِلَى السَّمَاءِ (^١) فَقَالَ: «أَعْتِقْهَا فإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢) وَأَحْمَدُ. نَسْأَلُ اللَّهَ السَّتْرَ وَالتَّوْفِيقَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) أي أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة. ففيه وما قبله أنه يكفي في الإيمان الاعتراف بوجود الله وبرسالة محمد - ﷺ -.\n(^٢) بسند صالح.","vol":"3","page":89},{"text":"<span data-type='title' id=toc-602>كتاب الصيد والذبائح </span>(^١)\nوفيه أربعة فصول وخاتمة\n\n<span data-type='title' id=toc-603>الفصل الأول فيما يؤكل من الحيوان</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ (^٢)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكلُ دَجَاجًا (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ أَوْ سِتًّا كنَّا نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ (^٤).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا وَنَحْنُ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَسَعَى الْقَوْمُ فَتَعِبُوا فَأَخَذْتَها فِجِئْتُ بِهَا إِلَى أَبِي طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا فَبَعَثَ بِوَرِكَيْهَا أَوْ قَالَ بِفَخِذَيْهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَبِلَهَا (^٥).\n\n• عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ\n_________\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\nكتاب الصيد والذبائح\n(^١) الصيد هو ما يصاد ويؤخذ من الحيوان، والذبائح جمع ذبيحة وهى المذبوح. والمراد بيان ما يحل أكله من الحيوان وما لا يحل وبيان آلة الصيد والذبح. وبيان الضحية وأحكامها.\n(^٢) قوله بهيمة الأنعام هي الإبل والبقر والغنم بأنواعها. فهذه كلها يحل أكلها بعد الذبح. وقوله إلا ما يتلى عليك أي تحريمه في آية» حرمت عليكم الميتة» وستأتي.\n(^٣) الدجاج بالتثليث واحده دجاجة لذكره وأنثاه طير معروف يربى في البيوت ويألفها ويسمى ذكره ديكًا، ويصيح إذا رأى ملكا كما يأتي في الذكر» إذا رأيتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكا» وكالدجاج الطير المعروف بالأوز والبط والديكة الرومية.\n(^٤) فأكله حلال مطلقا ولو لم تمسه النار وعليه الجمهور للحديث الآتي:» أحلت لنا ميتتان الحوت والجراد». وقال مالك وأحمد: إنه حلال إذا شوى أو طبخ أو قطع جزء منه بخلاف ما إذا وجد ميتًا أو أماته بعصا ونحوها.\n(^٥) فأنس يقول: كنا بمر الظهران - اسم مكان - فأنفجنا أي هيجنا أرنبا - دويبة تشبه العناق - فسعى القوم لأخذها فعجزوا فأخذتها =","vol":"3","page":90},{"text":"النَّبِيِّ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ فَأُتِيَ بِضَبَ مَحْنُوذٍ فَأَهْوَى إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ: أَخْبِرُوا النَّبِيَّ ﷺ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ فَقَالُوا: هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فرَفَعَ يَدَهُ فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا، وَلكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ». قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ (^١).\n\n• عَنْ جَابِرِ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ (^٢) وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ. رَوَى هذِهِ الْأَرْبَعَةَ الْأُصُولُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَسْمَاءَ ﵂ قَالَتْ: نَحَرَنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَكَلْنَاهُ (^٣). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّهُ أَصَابَ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ حَلَالٌ فَأَتَى بِهِ أَصْحَابَهُ وَهُمْ مُحْرِمُونَ فَأَكَلُوا مِنْهُ (^٤) فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ سَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْهُ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: «قَدْ أَحْسَنْتُمْ هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟» قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَهْدُوا لَنَا» فَأَتَيْنَاهُ مِنْهُ فَأَكَلَ مِنْهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ\n_________\n= فذهبت بها إلى أبي طلحة فذبحها وأرسل بوركيها إلى النَّبِيّ - ﷺ - فقبلها أي للأكل، فالعناق والأرنب حلال بعد الذبح بالإجماع.\n(^١) قوله بضب محنوذ أي مشوي ومنه» فما لبث أن جاء بعجل حنيذ» وقوله فأهوى إليه بيده أي مدها ليأكل منه فقيل هو ضب يا رسول الله فرفع يده. فسئل عنه فقال: ليس بحرام ولكنه ليس بأرض قومي التي نشأت فيها وهي مكة وما حولها، فنفسي لا تميل إليه فجذبه خالد وصار يأكل منه والنبي - ﷺ - ينظر إليه. والضب: دويبة معروفة والأنثى ضبة، يعيش نحو سبعمائة سنة ولا يشرب ويبول كل أربعين يوما قطرة. ولمسلم» كلوه فإنه حلال ولكنه ليس من طعامي» فالضب حلال بعد الذبح باتفاق السلف والخلف إلا ما نقل عن علي وأصحاب أبي حنيفة من كراهتهم له.\n(^٢) فالحمر الأهلية التي يقتنيها الناس لركوبها والحمل عليها حرام أكلها بخلاف الحمر الوحشية فإنها حلال كما يأتي.\n(^٣) فيه تصريح بحل لحوم الخيل. وعليه جمهور السلف والخلف والشافعي وأحمد، وقال مالك وأبو حنيفة: بكراهته الآية ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ ولم يذكر الأكل.\n(^٤) قوله فأكلوا منه أي بعضهم وامتنع آخرون لتلبسهم بالإحرام، فلما سألوا النَّبِيّ - ﷺ - استحسن أكل من أكلوا وطلب منهم شيئًا منه فأكله لأن الذي صاده حلال، فالحمار الوحشي يحل أكله بعد الذبح باتفاق.","vol":"3","page":91},{"text":"النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الضَّبُعِ فَقَالَ: «هُوَ صَيْدٌ وَفِيهِ كَبْشٌ إِذَا صَادَهُ الْمُحَرِمُ (^١)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢).\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ سَفِينَةَ ﵄ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَكَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَحْمَ حُبَارَى (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ إِنْسَانٍ قَتَلَ عُصْفُورًا فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا إِلا سَأَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: «يَذْبَحُهَا فَيَأْكُلُهَا وَلَا يَقْطَعُ رَأْسَهَا يَرْمِي بِهَا (^٥)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَالْحَاكِمُ.\nوَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفَرَاءِ (^٦) فَقَالَ: «الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ أَشْيَاءَ وَيَتْرُكُونَ أَشْيَاءَ تَقَذُّرًا فَبَعَثَ اللَّهُ نَبيَّهُ ﷺ وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ وَأَحَلَّ حَلَالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ فَمَا أَحَلَّ فَهُوَ حَلَالٌ وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ (^٧) وَتَلَا: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ\n_________\n(^١) قوله صيد أي يحل أكله، والضبع للواحد الذكر، والأنثى ضبعان، ومن عجيب أمره أنه يكون سنة ذكرًا وسنة أنثى، فيلقح في حال الذكورة ويلد في حال الأنوثة.\n(^٢) بسند صحيح ولفظ الترمذي - قيل لجابر الضبع صيد هي؟ قال نعم، قلت آكلها؟ قال نعم قلت أقاله النَّبِيّ - ﷺ -؟ قال نعم. فالضبع يحل أكله بعد الذبح، وعليه بعض الصحب والتابعين والشافعي وأحمد. وقال الشافعي: إن العرب تستطيبه وتمدحه، ولا يزال يباع ويشترى بين الصفا والمروة من غير نكير. وقال الجمهور إنه حرام لأنَّهُ سبع وقد نهي عن أكل كل ذي ناب من السباع. وأجاب الأولون بأنه خص من ذلك بالنص عليه.\n(^٣) الحبارى بالضم والقصر طائر معروف للذكر والأنثى واحدها وجمعها سواء، وهي سريعة الطيران عنقها كبير ولونها رمادي ولحمها بين لحم الدجاج ولحم البط، أي فأكلها حلال.\n(^٤) بسند غريب ولكن العرب تستطيبها.\n(^٥) فأكل العصفور حلال وقطع رأسها أو جزء منها حرام لأنَّهُ تعذيب.\n(^٦) الفراء حمار الوحش وهو حلال كما تقدم. ومنه» كل الصيد في جوف الفرا» السمن والجبن فرعان من اللبن الحلال بنص القرآن.\n(^٧) قوله تقذرًا أي استقذارًا وكراهة لها. وقوله عفو - كشرط - أي معفو عنه وحلال.","vol":"3","page":92},{"text":"فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً (^١)﴾ ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾. رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ (^٢).\nومن حيوان البحر وميتة (^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ (^٤)﴾.\n\n• عَنْ جَابِرِ ﵁ قَالَ: بَعَثَنَا النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَمِائَةِ رَاكِبٍ وَأَمِيرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ نَرْصُدُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ حَتَّى أَكَلْنَا الْخَبَطَ، فَسُمِّيَ جَيْشَ الْخَبَطِ، وَأَلْقَى الْبَحْرُ حُوتًا يُقَالُ لَهُ الْعَنْبَرُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ وَادَّهَنَّا بِوَدَكِهِ حَتَّى صَلَحَتْ أَجْسَامُنَا قَالَ فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنَصَبَهُ فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ (^٥) وَكَانَ فِينَا رَجُلٌ لَمَّا اشْتدَّ الْجُوعُ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ ثُمَّ ثَلَاثَ جَزَائِرَ ثُمَّ نَهَاهُ أَبو عُبَيْدَةَ (^٦). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n_________\n(^١) قوله ميتة هي ما زالت حياتها بغير ذبح شرعي، وقوله مسفوحًا أي سائلا، وقوله أو فسقًا أهل لغير الله به أي ذبح وذكر اسم غير الله عليه.\n(^٢) ولفظ الحاكم: ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئًا ثم تلا ﴿وما كان ربك نسيا﴾ فهذه النصوص تدل على أن الحلال ما أحله الشرع كتابًا أو سنة، والحرام ما حرمه الشرع كتابًا أو سنة، والمسكوت عنه حلال أيضًا إلا ما استخبثته العرب أرباب الطباع السليمة، فعلى هذا الأصل في الأشياء الحل ولا يصح مع هذا خلاف، نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى آمين والحمد لله رب العالمين والله أعلم.\n\nومنه حيوان البحر وميتته\n(^٣) أي ومن الحيوان الحلال أكله حيوان البحر ولو كان ميتا إلا إذا أنتن فيحرم لضرره.\n(^٤) قوله صيد البحر وهو ما لا يعيش إلا فيه ولو كان على صورة الإنسان أو الكلب، أما ما يعيش فيه وفي البر كالضفدع والتمساح غرام أكله، وكذا أحل لكم طعامه وهو ما يقذفه ميتا ما لم ينتن. وقوله وللسيارة أي المسافرين، أي فصيد البحر حلال لكم وللمسافرين.\n(^٥) قوله نرصد عيرًا لقريش أي نتربص تجارتها فنأخذها، والخبط بالتحريك ورق الشجر لأنَّهُ يتناثر بالخبط، وقوله وادّهنا بودكه بفتحتين أي شحمه.\n(^٦) أي رحمة به.","vol":"3","page":93},{"text":"وَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ (^١): هُوَ (^٢) الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتَهُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ (^٣)». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-604>الفصل الثاني فيما لا يؤكل من الحيوان</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (^٤)﴾ ﴿وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ أَصَبْنَا مِنَ الْقَرْيَةِ حُمُرًا فَطَبَخْنَا مِنْهَا فَنَادَى النَّبِيُّ ﷺ: «أَلَا إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْهَا (^٥) فَإِنَّهَا رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَأُكْفِئَتِ الْقُدُورُ وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِمَا فِيهَا». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n_________\n(^١) بسند صحيح.\n(^٢) هو أي البحر الملح ماؤه طاهر مطهر وميتته حلال والحديث تقدم في أحكام المياه.\n(^٣) فالميتة والدم حرام بنص الآية ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ إلا ميتة البحر والجراد وإلا الكبد والطحال فإنهما دم تجمد، وحيوان البحر كالجراد يحل أكله ولو لم يذبح ولو لم تمسه نار، ولكن الأحسن أكله بعد تسويته بالنار لسهولة هضمه. ويحرم وضعه فيها قبل موته أو ذبحه لأنَّهُ تعذيب، وإن كان كبيرًا فينبغي ذبحه بقطع ذيله. والله أعلم.\n\nالفصل الثاني فيما لا يؤكل من الحيوان\n(^٤) قوله الميتة هي ما زالت حياتها بغير ذكاة شرعية، والدم أي المسفوح أي السائل بخلاف الكبد والطحال، ولحم الخنزير أي أكله، وما أهل لغير الله به أي وما ذكر اسم غير الله عليه عند ذبحه كما كانت تفعله عبدة الأوثان، والمنخنقة هي التي ماتت خنقا، والموقوذة المقتولة بالضرب، والمتردية الساقطة من علو إلى سفل فماتت، والنطيحة التي نطحتها بهيمة أخرى فماتت. وما أكل السبع أي وما أكل السبع جزءًا منه، إلا ما ذكيتم أي إلا ما أدركتم فيه حياة مستقرة من هذه الأشياء، فذبحتموه فهو لكم حلال، وما ذبح على النصب أي الأنصاب وهي الأصنام أي وما ذبح بجوار الأصنام كما كانت تفعله عبدتها، وإنما حرمت هذه الأشياء وما يأتي بعدها لضررها بالإنسان فلا تصلح لطعامه.\n(^٥) إن الله ورسوله ينهيانكم عن الحمر=","vol":"3","page":94},{"text":"• عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ (^١) أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَان (^٢) عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ وَلَا لُقْطَةُ مُعَاهَدٍ إِلا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا (^٣) وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥) وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنِ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَلَمْ يَنْهَنَا عَنِ الْخَيْلِ (^٦). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ.\nوَذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ الْقُنْفُذُ فَقَالَ: «خَبِيثَةٌ مِنَ الْخَبَائِثِ (^٧)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ.\n_________\n= فإنها رجس؛ أي خبيث؛ فأكفئوا القدور أي ألقوا ما فيها من لحوم الحمر، واختلف الناس فيها بعدئد فقال بعضهم: نهى عنها لأنها لم تقسم. وقال آخرون حرمها البتة. وقال ابن عباس: لا أدري تحريمها أدائما أم لأنها حمولة الناس حينذاك حتَّى لجأوا إلى سعيد بن جبير فقال. حرمها البتة فارتفع الخلاف واتفقوا على تحريمها.\n(^١) من السنة التي هي كالقرآن في وجوب الأخذ بها قال تعالى ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾.\n(^٢) شبعان ممنوع من الصرف وهو كناية عن البلادة وسوء الفهم لجهله. والأريكة السرير؛ أي سيظهر قوم في أمتي ربوا في النعيم وظهرت عليهم البلادة، يقولون لا نعرف إلا القرآن فقط، وهذا تحذير من مخالفة السنة كما وقع من الخوارج والروافض ونحوهم الذين تمسكوا بالقرآن وتركوا السنة فضلوا لأنها بيان القرآن وتمام الشريعة. مثلا مقدار الزكاة والأنواع التي تجب فيها ما بينها إلا السنة، وكذا ركعات الفرائض، ونحو ذلك لا يعد ولا يحصى، نعوذ بالله من الجهل والعناد، وهذه معجزة للنبي - ﷺ - فإنه إخبار بغيب قد وقع.\n(^٣) ولقطة المسلم كذلك وتقدم الكلام عليها في البيوع.\n(^٤) فعليهم أن يقروه أي عليهم إكرامه وإلا فله أن يعقبهم بقراه أي له أخذ كفايته ولو بالقوة، والظاهر أن هذا للمضطر وإلا فما على المحسنين من سبيل.\n(^٥) أي في لزوم السنة والترمذي بسند حسن.\n(^٦) والنهي عن البغال والحمير للتحريم لأنها خلقت للحمل والركوب، والخيل وإن شاركتها ولكنها للزينة أكثر.\n(^٧) القنفذ حيوان صغير ينطوي على بعضه فيكون كالكرة وكله شوك. وقوله من الخبائث أي يحرم أكلها وعليه مالك وأبو حنيفة وأحمد، ورخص فيه الشافعي والليث لأن العرب تسطيبه ولأن حديثه ضعيف.","vol":"3","page":95},{"text":"وَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الذِّئْبِ فَقَالَ: «وَيَأْكُلُ الذِّئْبَ أَحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ (^١)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (^٢).\nوَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُكَ لِأَسْأَلَكَ عَنْ أَحْنَاشِ الْأَرْضِ مَا تَقُولُ فِي الثَّعْلَبِ؟ قَالَ: «وَمَنْ يَأْكلُ الثَّعْلَبَ (^٣)». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَجُبُّونَ أَسْنِمَةَ الْإِبِلِ وَيَقْطَعُونَ أَلْيَاتِ الغَنَمِ فَقَالَ: مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. (^٦)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْجلالَةِ وَأَلْبَانِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: نَهَى عَنِ الْجَلالَةِ فِي الْإِبِلِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْها أَوْ يُشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِهَا (^٧). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٨).\n\n• عَنِ أَبِي ثعْلَبَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَعَنْ كُلِّ ذِي\nمِخْلَبٍ مِنَ الطُّيُورِ (^٩). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) فلهذا حرم أكله ولأنه داخل في ذي الناب الآتي ومشهور بالافتراس.\n(^٢) بسند ضعيف.\n(^٣) أي لا يأكله أحد وعليه بعضهم. وقال الشافعي بجوازه لأنَّهُ لا ناب له فلا يعدو.\n(^٤) بسند ضعيف.\n(^٥) فكان أهل المدينة يجبون أسنمة الإبل. جمع سنام وهو أعلى الظهر. أي يشقونها ويأخذون دسمها لأكله. وكذا يفعلون في أليات الغنم، فقال - ﷺ -: ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة أي كالميتة في تحريم أكله لعدم التذكية.\n(^٦) بسند حسن.\n(^٧) الجلالة هي البهيمة التي تأكل الجلة أي العذرة، وكذا الطيور كالدجاج إذا كان الأكل كله أو أكثره نجاسة، وقال بعضهم: لا تكون جلالة إلا إذا كان في لحمها أو في مرقها أو في لبنها ريح منتنة، فلحم الجلالة ولبنها بل وركوبها حرام عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد. ولا يؤكل لحمها إلا إذا حبست وعلفت أياما حتَّى يظن أنه طاب. وروى أن البقر يعاف أربعين يوما. والغنم سبعة أيام. والدجاج ونحوه ثلاثة أيام ثم تذبح. وقال الحسن البصري ومالك: إنه لا بأس بلحم الجلالة ولبنها، فالنهي للتنزيه فقط.\nولعل هذا إذا لم يقع تغير والأولين إذا وقع تغير.\n(^٨) بسند حسن.\n(^٩) الناب: السن الذي خلف الرباعية، والسباع جمع سبع بضم الباء وفتحها وسكونها الحيوان المفترس. أي ما يفترس الحيوان ويأكله فيحرم أكل كل حيوان مفترس كالأسد والنمر والفيل والذئب والقرد والكلب ونحوها، وعليه =","vol":"3","page":96},{"text":"<span data-type='title' id=toc-605>ومنه ما نهى عن قتله وما أمر بقتله </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ نَمْلَةً قَرَصَتْ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءَ فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحى اللَّهُ إِلَيْهِ أَفِي أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَهْلَكَتْ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ؟» (^٢). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْهِرِّ وَعَنْ أَكْلِ ثَمَنِهِ (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ (^٤).\n\n• عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ فَنَهَاهُ\n\n• عَنْ قَتْلِهَا (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ.\n_________\n= الشافعي وجماعة. وقال أبو حنيفة: كل ما أكل اللحم فهو سبع ولو ضيعًا ويربوعًا. وكذا يحرم كل ذي مخلب من الطيور، والمخلب - كمنبر - للطير والسبع، كالظفر للإنسان. وذو المخلب من الطيور كالصقر والنسر والبازي والغراب والحدأة، والنهي في الحديثين للتحريم فكل ما له مخلب من الطيور يحرم أكله، وكل ما له ناب قوى من السباع يعدو به على غيره فحرام أكله إلا ما نص على إباحته كالضبع. وهذه قاعدة عظيمة فيما يحرم أكله كقاعدة الحلال السابقة. والله أعلم.\n\nومنه ما نهى عن قتله وما أمر بقتله\n(^١) أي ومن المحرم أكله ما نهى الشرع عن قتله أو نهي عن بيعه أو أمر بقتله كما يأتي.\n(^٢) ولفظ أبي داود» نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحته ثم أمر بها فأحرقت فأوحى الله إليه فهلا نملة واحدة» أي هلا قتلت واحدة فقط. قيل إن ذلك النَّبِيّ هو موسى ﵇ قال: يا رب تعذب أهل القرية بمعاصيهم وفيهم الطائع، ثم نام تحت شجرة فقرصته نملة فأمر بإحراقه كله أي فعاقب الكل بعصيان البعض، وكذلك عادة الله مع بعض عباده قال تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾.\n(^٣) نهى عن أكل الهر ويسمى سنورًا واشتهر بالقط والنهي للتحريم، فأكله حرام باتفاق، وحشيًا أو أهليًا لأنَّهُ ذو ناب يعدو به.\n(^٤) ولكن مسلم والترمذي في البيع وأبو داود هنا.\n(^٥) الضفدع بتثليث أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه وكسره دويبة مائية لها صوت عال، فالطبيب سأل عن قتلها فنهاه لأنها كثيرة التسبيح وللبيهقي» لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح ولا تقتلوا الخفاش فإنه لما خرب بيت المقدس قال يا رب سلطني على البحر حتَّى أغرقهم» فقتلهما حرام وأكلهما لا يجوز إلا إذا تعينتا للدواء كأكل الميتة.","vol":"3","page":97},{"text":"• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ\nوَالْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ (^١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ (^٢).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ حَتَّى إِنّ الْمَرْأَةَ تَقْدَمُ مِنَ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقَتُلُهُ ثُمَّ نَهى عَنْ قَتْلِهَا وَقَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ». وَفِي رِوَايَةٍ: «لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا فَاقْتُلُوا مِنْهَا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ (^٣)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا (^٤). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ وَزَغَةً فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً، وَمَنْ قَتَلَهَا فِي الضَّرْبَةِ الثَّانِيَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً لِدُونِ الْأُولَى\n_________\n(^١) نهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد، أما النحلة فإن كانت نحلة العسل فلكثرة فائدتها. وأما النملة والهدهد فلسر علمه الشارع لأن خلقهما لا يخلو من فائدة قال تعالى ﴿وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين﴾ فلا يجوز قتل النمل لا فرق بين صغيره وكبيره إلا إذا كثر وصار ضارًا فلا بأس من قتله والصرد بضم ففتح طائر كبير الرأس يصطاد العصافير وهو أول طائر صام لله تعالى. وللبيهقي: نهى النَّبِيّ - ﷺ - عن قتل الخطاطيف. وله أيضًا نهى النَّبِيّ - ﷺ - عن أكل الرخمة.\n(^٢) بسند صحيح. إلى هنا انتهى الكلام على الشق الأول في الترجمة، وما يأتي فيما أمر بقتله.\n(^٣) فالنبي - ﷺ - أمر بقتل الكلاب لما امتنع جبريل ﵇ من الدخول على النَّبِيّ - ﷺ - بعد أن أذن له فسأله فقال: أما علمت أنا لا ندخل بيتا فيه كلب فأمر النَّبِيّ - ﷺ - بإخراج الكلب من البيت وأمر بقتل الكلاب. وأيضًا لما فيها من أذى الناس وتنجيسهم حتَّى نزلت ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ فنهى عن قتلها إلا الأسود البهيم الذي لونه كله أسود ذا النقطتين أي الذي فوق عينيه نقطتان بيضاوان فإنه كالشيطان في كثرة ضرره فقتله مندوب، ولولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها أي ينبغي إبقاء نوعها فإنها تنفع للحراسة والصيد ونحوها إلا ما كان ضارًا كالأسود المذكور وما مرض بالكلب.\n(^٤) الوزغ بالتحريك واحده وزغة وهي دويبة مؤذية ويسمى فويسقا تصغير فاسق. ويسمى كبيرها سام أبرص. والفسق الخروج عن الحد لخروجها عن شكل الحيوان ولضررها ولذا أمر بقتلها، وفي البخاري في بدء الخلق» اقتلوا الوزغ فإنه كان ينفخ على إبراهيم» أي في النار ليقويها.","vol":"3","page":98},{"text":"وَمَنْ قَتَلَها فِي الضَّرْبَةِ الثَّالِثَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً لِدُونِ الثَّانِيَةِ» (^١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ خَمْسِ فَوَاسِقَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْفَأْرَةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْغُرَابِ وَالْحُدَيَّا وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ (^٢). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^٣).\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ وَإِنِّي لَا أُرَاهَا إِلا الْفَأْرَ إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الْإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْ وَإِذا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْ (^٤)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٥). نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضى آمِين.\n_________\n(^١) ورد أن من قتلها في الضربة الأولى فله مائة حسنة ومن قتلها في الضربة الثانية فله سبعون حسنة ومن قتلها في الثالثة فله ثلاثون، وهذا للحض على المبادرة بالخير كقوله تعالى» فاستبقوا الخيرات» وأولى أن يكون هذا الفضل في قتل الحية والعقرب ونحوها فإن ضررها عظيم.\n(^٢) أمر بقتل خمس فواسق في الحل والحرم أي في أرض الحرم وغيره ويقتلهن المحرم وغيره: الفأر والكلب العقور والغراب معلومات والحديا تصغير حدأة كعنبة وهي أنثى الغراب بأنواعه. وأما العقرب فالمراد به ما يشمل الحية والثعبان ونحوهما مما يمشي على بطنه من ذوات السموم، ففي أبي داود» اقتلوا الحيات كلهن فمن خاف ثأرهن فليس مني» وفي رواية» من ترك الحيات مخافة طلبهن فليس منا، ما سالمناهن منذ حاربناهن» وهذا مخصوص بغير عوامر البيوت الآنية. وزاد أبو داود والترمذي: والسبع العادي أي الذي يعدو على الناس بأنيابه للافتراس سواء كان سبعا أو ذئبا أو غيرها دفعًا لشرهن.\n\n(ملاحظة) مرويات أبي داود هنا وما بعده في كتاب الأدب\n(^٣) أي في كتاب الحج وتقدم الحديث هناك\n(^٤) قوله لا أراها إلا الفأر أي لا أظنها إلا هذا الفأر لأنها لا تشرب ألبان الإبل فإن لحومها وألبانها حرمت على بني إسرائيل كما حرمها أبوهم إسرائيل عليه ﴿كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه﴾ ولكن تشرب لبن الغنم، وهذا فيه شيء. فقد ورد» ما عاش ممسوخ فوق ثلاث» إلا أن يقال إنه في غير الفأر. والله أعلم وعلمه أتم.\n(^٥) ولكن البخاري في بدء الخلق ومسلم في الزهد.","vol":"3","page":99},{"text":"<span data-type='title' id=toc-606>عوامر البيوت تنذر ثلاثًا </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: «اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ وَيُسْقِطَانِ الْحَبَلَ» فَبَيْنَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً لِأَقْتُلَهَا نَادَانِي أَبُو لُبَابَةَ: لَا تَقْتُلْهَا قُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ قَالَ: إِنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذلِكَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ وَهِيَ الْعَوَامِرُ (^٢).\nوَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَوْمًا عِنْدَ هَدْمٍ لَهُ فَرَأَى وَبِيصَ جَانَ (^٣) فَقَالَ: اتَّبِعُوا هذَا فَاقْتُلُوهُ قَالَ أَبُو لُبَابَةَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْبُيُوتِ إِلا الْأَبْتَرَ وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ فَإِنَّهُمَا اللَّذَانِ يَخْطِفَانِ الْبَصَرَ وَيَتّبِعَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ. وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ قَدْ أَسْلَموا فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مِنْ هذِهِ الْعَوَامِرِ فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلَاثًا فَإِنْ بَدَا بَعْدُ فَلْيَقْتُلْهُ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ» (^٤). وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ لِهذِهِ الْبُيُوتِ عَوَامِرَ فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْهَا فَحَرِّجُوا عَلَيْهَا ثَلَاثًا فَإِنْ ذَهَبَ وَإِلا فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ كَافِرٌ» (^٥). رَوَاهَا الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي لَيْلَى ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ فَقَالَ:\n_________\nعوامر البيوت تنذر ثلاثًا\n(^١) عوامر البيوت هي الحيات التي تظهر في المساكن فلا تقتل إلا إذا ظهرت بعد إنذارها ثلاث مرات.\n(^٢) الطفيتان تثنية طفية وهي خط أسود كالخوصة يكون في ظهر الحية. والأبتر قصير الذنب كمقطوعه، وهذان أخبث الحيات لأنهما يطمسان البصر أي يضرانه بمجرد النظر إليهما لخاصة السمية فيهما أو يقصدان البصر باللسع والنهش وكذا يسقطان الحَبَل بمجرد النظر إليهما أو من الخوف الناشئ عنهما.\n(^٣) أي لمعانه؛ أي رأي جانا.\n(^٤) قوله إن بالمدينة أي بمدينة الرسول نفرا من الجن أي جماعة منهم أسلموا ولذا خص مالك الإنذار بالمدينة صلى الله على ساكنها وسلم ولكن العموم أولى، فإن الجن تسكن كل بلد وقرية، فمن رأى من هذه العوامر شيئًا فليؤذنه ثلاثا بالعهد الآتي، فربما كان من مسلمي الجن، فإن ظهر بعد هذا فليقتله فإنما هو شيطان أي كالشيطان أو جني كافر.\n(^٥) قوله فحرجوا عليها أي أنذروها بالعهد الآتي ثلاثا فإنها لا تظهر بعد ذلك إن كانت من العوامر.","vol":"3","page":100},{"text":"«إِذَا رَايْتُمْ مِنْهُنَّ شَيْئًا فِي مَسَاكِنِكُمْ فَقُولُوا: أَنْشَدُكُنَّ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْكُنَّ نُوحٌ أَنْشَدُكُنَّ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْكُنَّ سُلَيْمَانُ إِلا تُؤَذُونَا فَإِنَّ عُدْنَ فَاقْتُلُوهُنَّ (^١)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢).\nوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ كُلَّهَا إِلا الْجانَّ الْأَبْيَضَ الَّذِي كَأَنَّهُ قَضِيبُ فِضَّةٍ (^٣).\nرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٤). نَسْأَلُ اللَّهُ السَّتْرَ وَالتَّوْفِيقَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-607>الفصل الثالث في الصيد والذبح </span>(^٥)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (^٦)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ إِوْ زَرْعٍ انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ (^٧). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَالشَّيْخَيْنِ:\n_________\n(^١) أنشدكن العهد أي أسألكن بالعهد الذي أخذه عليكن نوح ﵇ عند دخول السفينة والعهد الذي أخذه عليكن سليمان حينما كنتن في تسخيره ألا تظهرن لنا.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) الجان الأبيض هو الذي ينعطف في مشيته لاستقامته كأنه من مؤمني الجن فلا يقتل ولو ظهر في البيت، فإن في وجوده فائدة، ومعنى ما تقدم أن ذا الطفيتين والأبتر يقتلان من غير إنذار في أي مكان، والجان الأبيض لا يقتل. وغير هذه الثلاثة إن ظهر في البيوت ينذر ثلاثًا فإن ذهب وإلا قتل دفعًا لشره ولأنه خالف العهد وتعدي.\n(^٤) بسند حسن.\n\nالفصل الثالث في الصيد والذبح\n(^٥) أي في بيان حيوان الصيد وآلته. وفي بيان الذبح الشرعي وآلته.\n(^٦) قوله من الجوارح أي الكواسب من سبع أو طير. وقوله مكلبين حال من التاء في علمتم أي مرسلين أو معلمين أي وما علمتموه الصيد وأرسلتموه وذكرتم لسم الله عليه فجاءكم بصيد فكلوه.\n(^٧) فلا يجوز اقتناء الكلب إلا للحراسة أو للصيد، وتقدم شرحه في الزرع، وإطلاق الكلب للانتفاع به يشمل كل كلب وعليه الجمهور. وقال بعض التابعين وأحمد وإسحاق: إلا الكلب الأسود فإنه شيطان، ويظهر من هذا طهارة الكلب المأذون باتخاذه لأن في ملازمته مع التحرز عنه مشقة شديدة، فالإذن باتخاذه إذن بمكملات=","vol":"3","page":101},{"text":"انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ».\n\n• عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْبَازِي قَالَ: «مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ (^١)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n• وَعَنْهُ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرْسِلُ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ فَيُمْسِكْنَ عَلَيَّ وَأَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ وَإِنْ قَتَلْنَ مَا لَمْ يَشْرَكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مَعَهَا (^٣)» قُلْتُ: فَإِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْدَ فَأُصِيبُ، فَقَالَ: «إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا (^٤)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَلِلْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ: «إِنْ رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَوَجَدْتهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَيْسَ بِهِ إِلا أَثَرُ سَهْمِكَ فَكُلْ وَإِنْ وَقَعَ في الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ».\nوَلِلْبُخَارِيِّ وَأَبي دَاوُدَ: يَرْمِي الصَّيْدَ فَيَقْتَفِي أَثَرَهُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ ثُمَّ يَجِدُهُ مَيْتًا وَفِيهِ سَهْمُهُ قَالَ: «يَأْكُلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»\n_________\n= مقصودة كالمنع من اقتنائه مناسب للمنع منه، وهذا لا ينافي غسل ما أصابه سبعًا كأمر الحديث السالف في الطهارة.\n(^١) الباز والبازي نوع من الصقور جمعه بواز وبزاة. ففي هذه النصوص أن الصيد يحل بكل سبع له ناب قوي يعدو به كالكلب، وبكل طير له مخلب قوي يجرح به إذا تعلم الصيد بحيث إذا أرسل ذهب وإذا طلب رجع وإذا صاد لا يأكل منه شيئًا، فإذا فعل هذا مرارًا ثلاثًا على الأقل كان معلمًا وحل قتيله.\n(^٢) بسند غريب ولكن عليه أهل العلم.\n(^٣) أي لم يكن مرسلا للشك هل هو من صيده أم لا، فإن كان السكلب مرسلا من صائد آخر حل الصيد، وفي رواية:» قلت فإن أكل من الصيد قال فلا تأكل فإنه لم يمسك عليك وإنما أمسك على نفسه» وفي رواية:» إن أمسك عليك فأدركته حيًا فاذبحه وإن قتل ولم يأكل منه فكله».\n(^٤) المعراض كالمفتاح خشبة أو عصا محددة الطرف أو فيها حديدة تجرح الصيد فإذا رميت المعراض فخزق بخاء فزاى أي نقد في الصيد أو جرحه فهو حلال وإن أصاب الصيد بعرضه فمات فلا يحل لأنَّهُ موقوذة ككل صيد بمثقل كحجر أو عصا لا يحل لأنَّهُ وقيذ إلا إذا أدركه حيًا وذبحه، وشرط السهم أن يكون محددًا يجرح أي جزء من الحيوان، ومنه البارود المشهور الآن بالرش لأنَّهُ ينفذ ويسيل الدم. وقال بعضهم: هو من المثقل فصيده وقيذ إلا أن يدركه حيًا ويذبحه.","vol":"3","page":102},{"text":"وَلِمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ فِي الَّذِي يُدْرِكُ صَيْدَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ (^١).\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا (^٢) وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ (^٣) وَمَنْ أَتَى السُّلْطَانَ افْتَتَنَ (^٤)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٥).\nوَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّل ﵁ رَجُلًا يَخْذِفُ فَقَالَ: لَا تَخْذِفْ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ أَوْ كَانَ يَكْرَهُ الْخَذْفَ وَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ وَلَا يُنْكَى بِهِ عَدُوٌّ وَلكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ» ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذلِكَ يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ: أُحَدِّثُكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ وَأَنْتَ تَخْذِفُ لَا أُكَلِّمُكَ كَذَا وَكَذَا (^٦). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-608>الذبح </span>(^٧)\n\n• عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى قَالَ: «أَعْجِلْ أَوْ أَرِنْ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأَحَدِّثُكَ\n_________\n(^١) فمن رمى بسهمه صيدًا وسعى وراءه يومًا أو يومين أو ثلاثة ثم وجده فله أكله إلا إذا وجده في الماء فلا يحل للشك هل مات بالسهم أو بالغرق وإلا إذا وجده أنتن فلا يحل أكله لإضراره.\n(^٢) أي صار جافيًا وغليظًا طبعه كأهل البوادي.\n(^٣) أي لها به حتَّى صار فيه غفلة.\n(^٤) أي صار مفتونًا في دينه، ولأبي داود» وما ازداد عبد من السلطان دنوا إلا ازداد من الله بعدًا إلا من عصمه الله».\n(^٥) بسند حسن.\n(^٦) الخذف بخاء فذال ففاء: الرمي بحصاة أو نواة يجعلها بين إصبعيه. وقد نهى النَّبِيّ - ﷺ - عنه لعدم حل صيده لأنَّهُ ليس محددًا يجرح ولا ينكي به عدو من النكاية - وهي المبالغة في الأذى - وروي بالهمزة ولكنها أي الحصاة قد تكسر السن وتفقأ العين، فلما رأى عبد الله رجلا يخذف ونهاه فلم يسمع هجره - شهرًا أو سنة لعدم عمله بالحديث بعد سماعه - لله تعالى لما تقدم في الإيمان» من أحب لله وأبغض لله فقد استكمل الإيمان». نسأل الله الستر والتوفيق والله أعلم.\n\nالذبح\n(^٧) أي بيان آلة الذبح وموضعه من الحيوان.","vol":"3","page":103},{"text":"أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ (^١)» قَالَ: وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ فَقَال ﷺ: «إِنَّ لِهذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَاصْنَعُوا بِهِ هكَذَا (^٢)» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَكَانَتْ جَارِيَةٌ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ تَرْعَى غَنَمًا لَهُ بِسَلْعغ فَأُصيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا فَأَدْرَكَتْهَا فَذَبَحَتْهَا بِحَجَرٍ فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «كُلُوهَا (^٣)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِأَبِي دَاوُدَ (^٤): نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ وَهِيَ الَّتِي تُذْبَحُ فَيُقْطَعُ الْجِلْدُ وَلَا تُفْرَى الْأَوْدَاجُ ثُمَّ تُتْرَكُ حَتَّى تَمُوتَ (^٥) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إِلا فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ قَالَ: «لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا لَأَجْزَأَ عَنْكَ (^٦)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٧).\n_________\n(^١) المدى جمع مدية وهي السكين. زاد في رواية: أفنذبح بشقة العصا والمروة وهي الحجر المحدد، قال: أعجل أو أرن بفتح فكسر فسكون، وروى بتسكين الراء وكسر النون بل وروي بزيادة ياء في آخره وهي كأعجل من الإعجال والنشاط والخفة أي عجل بكل ما أنهر الدم وأساله كحجر وقصب وحديد واذكر اسم الله عليه وكله إلا السن والظفر، أما السن فعظم لا يحل به الذبح لأنَّهُ يتنجس وهو زاد مؤمنى الجن فتنجيسه حرام، وأما الظفر فمدى الحبشة لأنهم يذبحون بأظفارهم ويطيلونها لذلك وهم كفار وقد نهينا عن التشبه بهم بل وفيه تعذيب للحيوان.\n(^٢) أصبنا نهب إبل وغنم أي غنيمة منهما فند منها بعير أي شرد فلم نقدر عليه فحبسه رجل بسهم أي أصابه في جسمه فوقف فسال دمه فمات فأباحه لنا النَّبِيّ - ﷺ - ثم قال إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش - جمع آبدة وهي التي توحشت - فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا، أي ارموها في أي محل من جسمها فيسيل دمها فتحل.\n(^٣) سلع كشرط جبل بالمدينة ففيه حل الذبح بالحجر، ومثله كل ما أسال الدم.\n(^٤) بسند صالح.\n(^٥) فشريطة الشيطان هي قطع جلد الرقبة وعدم قطع الحلقوم والعروق المحيطة به التي يجب قطعها في الذبح وتركه حتَّى يموت من نزف الدم فهذه حرام للتعذيب. ولا تحل الذبيحة ونسبت هذه للشيطان لأنها من وسوسته لهم في الجاهلية.\n(^٦) في الحلق واللبة أي الرقبة، قال لو طعنت في فخذها لكفاك، قال الترمذي وهذا في حال الضرورة كالحيوان الذي تمرد أو شرد فلم نقدر عليه أو وقع في بحر وخفنا غرقه فنضربه بسكين أو بسهم فيسيل دمه فيموت فهو حلال، وقال أبو داود: هذا لا يكون إلا في المتردية والمتوحش أي ما توحش من الأهلى، والوحشي أولى. وقال على وابن عباس وابن عمر وعائشة:» ما أعجزك من البهائم مما في يدك فهو كالصيد وما تردى في بئر فذكاته حيث قدرت عليه» رواه البخاري، فشرط الذبح أن يكون بآلة حادة تقطع الحلقوم والمريء والودجين، وأما الصيد وما لا نقدر عليه فيكفي جرحه من أي جزء لأنَّهُ الميسور.\n(^٧) بسند غريب. والله أعلم.","vol":"3","page":104},{"text":"<span data-type='title' id=toc-609>ذكاة الجنين بذكاة أمه </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قُلْنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ تُنْحَرُ النَّاقَةُ وَتُذْبَحُ الْبَقَرَةُ وَالشَّاةُ فَنَجِدُ فِي بَطْنِهَا الْجَنِينَ أَنُلْقِيهِ أَمْ نَأْكُلُهُ؟ قَالَ: «كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣). نَسْأَلُ اللَّهَ السَّتْرَ وَالتَّوْفِيقَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-610>التسمية وإحسان الذبح </span>(^٤)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قَوْمًا حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ يَأْتُونَنَا بِلُحْمَانٍ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَمْ لَا أَنَأْكُلُ مِنْهَا؟ فَقَالَ: «سَمُّوا اللَّهَ وَكُلُوا (^٥)».\nرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ (^٦)\n_________\nذكاة الجنين بذكاة أمه\n(^١) الذكاة الذبح، والجنين الولد ما دام في البطن، وذكاة أمه تسري عليه لأنَّهُ جزء منها.\n(^٢) قوله تنحر الناقة وتذبح البقرة اشتهر النحر للإبل والذبح لغيرها، وينبغي أن يكون النحر فيما طال عنقه كالإبل في أسفل العنق على اللبة والذبح فيما قصر عنقه كالشاه بجوار رأسه فإنه أرفق بالمذبوح، وقوله ذكاة الجنين ذكاة أمه لأنَّهُ جزء منها والذكاة تحل كل أجزاء الذبيحة فلا ذكاة الجنين إذا خرج ميتًا أو به حياة مذبوح، وعليه السلف والخلف إلا أبا حنيفة فإنه أوجب ذبحه بعد خروجه، ولعله حمل الحديث على التشبيه؛ أي ذكاة الجنين ذكاة أمه. أما إذا خرج وفيه حياة قوية فإنه يجب ذبحه باتفاق.\n(^٣) بسند حسن نسأل الله الستر والتوفيق لما يحب ويرضى.\n\nالتسمية وإحسان الذبح\n(^٤) أي مطلوبان.\n(^٥) إن قوما حديثو عهد بجاهلية أي أسلموا قريبًا ولا علم لهم بأمور الدين التي منها التسمية، ويأتوننا بلحمان جمع لحم والأكثر جمعه على لحوم، قال تسميتكم تكفي. والذبح صحيح حملا لحال المسلم على الصلاح، فيه أن التسمية عند الذبح غير واجبة وعليه الشافعي ومالك وأحمد وقال الحنفية وسفيان وإسحاق: إن تركها ساهيا حلت وإلا لم تحل. وقال جماعة: إن تركها بحال من الأحوال لم تحل لقوله تعالى: ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين﴾.\n(^٦) القتلة بالكسر هيئة القتل بعمل أسهل الطرق وأقلها إيلاما في إزهاق الروح.","vol":"3","page":105},{"text":"وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَغُلَامٌ مِنْ بَنِيهِ رَابِطٌ دَجَاجَةً يَرْمِيهَا (^٢) فَمَشَى إِلَيْهَا ابْنُ عُمَرَ فَحَلَّهَا فَأَتَى بِهَا وَبِالْغُلَامِ (^٣) فَقَالَ: ازْجُرُوا غُلَامَكُمْ عَنْ أَنْ يَصْبِرَ هذَا الطَّيْرَ لِلْقَتْلِ فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ تُصْبَرَ بَهِيمَةٌ أَوْ غَيْرُهَا لِلقَتْلِ (^٤). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-611>ذبائح أهل الكتاب حلال</span>\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ (^٥)﴾ قَالَ نُسِخَا وَاسْتَثْنَى مِنْهَا ذَبِيحَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ بقَوْلِهِ - وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ (^٦) ـ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧).\n_________\n(^١) وإحسان الذبح بسقيها قبل الذبح وإضجاعها بلطف وإحداد المدية بعيدًا عنها وإمرارها بسرعة ونحو ذلك.\n(^٢) أي بالحصا.\n(^٣) أي إلى يحيى بن سعيد.\n(^٤) والنهي للتحريم لما فيه من التعذيب، وإصبار البهيمة حبسها ورميها حتَّى تموت. ولمسلم والترمذي: نهى النَّبِيّ - ﷺ - أن يتخذ شيء فيه الروح غرضا؛ أي يرمي حتَّى يموت. ولمسلم لعن النَّبِيّ - ﷺ - من فعل ذلك. والله أعلم.\n\nذبائح أهل الكتاب حلال\n(^٥) أي لا تأكلوا ذبيحة من لا يعتقد التسمية ولو كتابيًا لحديث أبي داود والترمذي: قالت اليهود يا رسول الله إنا نأكل مما قتلنا أي ذبحنا ولا تأكل مما قتل الله أي الميتة فنزلت هذه الآية.\n(^٦) يؤيد ما قاله ابن عباس أن آية - وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم - مدنية والآيتان قبلها مكيتان فنسختا بالمدينة ومعنى هذه الآية أن ذبيحة اليهود والنصارى حلال لكم ولو غيروا. وعلى هذا مالك، وقال الشافعي: بشرط عدم التغيير.\n(^٧) بسند صالح.","vol":"3","page":106},{"text":"<span data-type='title' id=toc-612>العقيقة وما يعمل للمولود </span>(^١)\n\n• عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مع الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ فَأَهَرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى (^٢)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\n\n• عَنْ أُمِّ كُرْزٍ الْكَعْبِيَّة ﵂ (^٣) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ\nشَاةٌ (^٤)».\n\n• عَنْ سَمُرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سابِعِهِ وَيُحْلَقُ\nوَيُسَمَّى (^٥)». رَوَاهُمَا أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٦).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ﵄ كَبْشًا كَبْشًا (^٧). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٨). وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: عَقَّ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْحَسَنِ بِشَاةٍ وَقَالَ: «يَا فَاطِمَةُ احْلِقِي رَأْسَهُ وَتَصَدَّقِي بِزِنَةِ شَعَرِهِ فِضَّةً فَوزَنَّاهُ فَكَانَ وَزْنُهُ دِرْهَمًا أَوْ بَعْضَ دِرْهَمٍ (^٩)».\n_________\nالعقيقة وما يعمل للمولود\n(^١) العقيقة من العق وهو الشق، والمراد بها الذبيحة عن المولود، وما يعمل للمولود هو الأذان في أذنه وتحنيكه بتمر من رجل صالح وتسميته باسم حسن، وحلق رأسه يوم السابع والتصدق بزنة شعره فضة وتلطيخ رأسه بطيب كزعفران.\n(^٢) أي تعمل مع المولود عقيقة فأهريقوا عنه أي أزيلوا عنه القذر كدم ورطوبة ظهرت عليه حين نزوله من البطن.\n(^٣) صحابية من بني خزاعة.\n(^٤) فيكفي عن البنت شاة لأنها على النصف من الذكر، وعنه شاتان مكافئتان أي متساويتان أو يذبحان متقابلتين أو مجزئتان في الضحية. وزاد في رواية: لا يضركم أذكرانًا كن أم إناثًا. وينبغي أن لا يكسر شيء من عظام العقيقة تفاؤلا بسلامة المولود ويوزع لحمها على المساكين، ولا بأس من إهداء الجيران بشيء وكذا القابلة.\n(^٥) فالمولود رهين حتَّى يعق عنه أي ممنوع من الشفاعة لأبويه إن مات طفلا قاله البيهقي عن عطاء الخراساني وعليه الإمام أحمد. وقيل: إن المولود مرهون عن الإنبات الحسن والمستقبل السعيد حتَّى يعق عنه فهي واجبة وعليه الليث وداود. ولكن الجمهور على أنها سنة مؤكدة. والحلق والتسمية يوم السابع ويجوزان قبله والعقيقة في السابع أيضًا فإن لم تتيسر في السابع ففي أربع عشرة لحديث البيهقي» العقيقة تذبح لسبع والأربع عشرة ولإحدى وعشرين».\n(^٦) بسندين صحيحين.\n(^٧) أي كبشًا عن كل واحد منهما.\n(^٨) بسند حسن.\n(^٩) فحلق رأس المولود في السابع والتصدق بزنة شعره ذهبًا أو فضة مستحب لينبت نباتًا حسنًا.","vol":"3","page":107},{"text":"• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ قَالَ: وُلِدَ لِي غُلَامٌ فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ فَحنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ وَدَفَعَهُ إِلَيَّ، قَالَ: وَكَانَ أَكْبَرَ أَوْلَادِي (^١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيَ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ ﵃ (^٢). رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا وُلِدَ لِأَحَدِنَا غُلَامٌ ذَبَحَ شَاةً وَلَطَخَ رَأْسَهُ بِدَمِهَا فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ كُنَّا نَذْبَحُ شَاةً وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ وَنَلْطَخُهُ بِزَعْفَرَانٍ (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَالِحٍ. نَسْأَلُ اللَّهَ الْحِفْظَ مِنَ الزَّلَلِ وَالْغَوَايَةِ، وَالتَّوْفِيقَ لِلرُّشْدِ وَالْهِدَايَةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-613>الفرع والعتيرة </span>(^٤)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةً (^٥)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n_________\n(^١) قوله فحنكه بتمرة أي مضغها في فمه - ﷺ - وجعلها في فم الصبي لتناله بركة النبي - ﷺ -. وفيه استحباب تحنيك الصبي من شخص صالح، وأن يكون بتمر، وفيه جواز التبرك بالصالحين.\n(^٢) فأبو رافع ﵁ - وكان أحد خدم رسول الله - ﷺ - - قال: رأيت النَّبِيّ - ﷺ - أذن في أذن الحسن بعد ولادته، فيندب الأذان في أذن المولود اليمني والإقامة في اليسرى ليكون الذكر أول ما يطرق سمه فتشمله بركته. ولابن السني» من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى لم تضره أم الصبيان» وأم الصبيان هي التابعة من الجن، فالحفيظ هو الله ولكن لكل شيء سبب.\n(^٣) فكانوا في الجاهلية إذا ولد لهم مولود ذبحوا شاة ولطخوا رأسه بدمها فأبطله الإسلام لما فيه من تنجيس الولد وأمر بالعقيقة وحلق الرأس وتلطيخه بما له رائحة حسنة لأنها تنعش النفوس ولا سيما الملائكة الكرام ﵈. نسأل الله الهداية والتوفيق آمين.\n\nالفَرَع والعتيرة\n(^٤) الفرع بفتحتين أول ولد الناقة كانوا يذبحونه لأصنامهم. والعتيرة ذبيحة في رجب تعظيمًا له، فلما سألوا النَّبِيّ - ﷺ - عنهما نهى عن الفرع بما يفهمونه وأمرهم به كل سنة عن كل مائة من الإبل يذبح للفقراء، وكذا أمرهم بالذبيحة في رجب يأكلون ويطعمون من يشاءون على وجه البر والإحسان فقط، ولكنه - ﷺ - حذرهم بشدة من الذبح لغير الله تعالى.\n(^٥) أي واجبان، بل الأول باطل.","vol":"3","page":108},{"text":"وَقَالَ نُبَيْشَةُ ﵁: نَادَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّا كُنَّا نَعْتِرُ عَتِيرَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي رَجَبَ فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «اذْبَحُوا للَّهِ فِي أَيِّ شَهْرٍ كَانَ وَبَرُّوا اللَّهَ وَأَطْعِمُوا (^١)» قَالَ: إِنَّا كُنَّا نُفْرِعُ فَرَعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «فِي كُلِّ سَائِمَةٍ فَرَعٌ تغْذُوهُ ماشِيَتُكَ حَتَّى إِذَا اسْتَجْمَلَ ذَبَحْتَهُ فَتَصَدَّقْتَ بِلَحْمِهِ عَلَى ابْنِ السَّبِيلِ فَإِنَّ ذلِكَ خَيْرٌ (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣) وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي رَزِينٍ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنَّا نَذْبَحُ فِي الْجاهِلِيَّةِ فِي رَجَبَ فَنَأْكُلُ وَنُطْعِمُ مَنْ جَاءَنَا فَقَالَ: «لَا بَأْسَ بِهِ (^٤)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.\nوَقِيلَ لِعَلِيَ ﵁: أَخْبِرْنَا بِشَيْءٍ أَسَرَّهُ إِلَيْكَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَا أَسَرَّ إِلَيَّ شَيْئًا كَتَمَهُ النَّاسَ وَلكِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا (^٥)، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ الْمَنَارَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَاللَّهُ أَعْلَى وأَعْلَمُ.\n_________\n(^١) أي اذبحوا لله في أي وقت كان وأطعموا المساكين برًا لله وإرضاء له.\n(^٢) قيل لأبي قلابة: كم السائمة؟ قال: مائة من الإبل فعن كل سائمة في كل عام فرع إذا استجمل أي صار جملا، وبالحاء المهملة أي صار قويا على الحمل ذبحته للمساكين.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) فأباح لهم ذبيحة رجب كما أباح لهم الفرع بالمعنى السالف.\n(^٥) قوله من آوى محدثا أي مبتدعا. وقوله من لعن والديه أي تسبب في لعنهما بقول أو عمل منكر. وقوله: من غير النار أي منار الأرض بنقله الحد بينه وبين جاره خفية عنه أو جهرًا.","vol":"3","page":109},{"text":"<span data-type='title' id=toc-614>الفصل الرابع في الضحية </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (^٢)﴾.\n\n• عَنْ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا وُقُوفًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَاتٍ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَةٌ وَعَتِيرَةٌ، هَلْ تَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَةُ؟ هِيَ الَّتِي تُسَمُّونَهَا الرَّجَبِيَّةَ (^٣)». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٤).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْأَضْحى فِي الْمُصَلَّى فَلَمَّا قَضَى خُطْبَتَهُ نَزَلَ عَنْ مِنْبَرِهِ وَأُتِي بِكَبْشٍ فَذَبَحَهُ بِيَدِهِ وَقَالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ هذَا عَنِّي وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦).\nوَسُئِلَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنِ الْأُضْحِيَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ قَالَ: ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ والْمُسْلِمُونَ، فَأَعَادَهَا فَقَالَ: أَتَعْقِلُ ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ (^٧). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٨).\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ بِيَوْمِ الْأَضْحى عِيدًا جَعَلَهُ اللَّهُ لِهذِهِ الْأُمَّةِ»، قَالَ رَجُلٌ:\n_________\nالفصل الرابع في الضحية\n(^١) أي في حكمه وفضلها ووقتها وما يجزئ فيها وما لا يجزئ. وفي آدابها وجواز ادخارها. وستأتي على هذا الترتيب إن شاء الله.\n(^٢) قوله: أعطيناك الكوثر، هو الخير الكثير نحو النبوة والرسالة والقرآن والشفاعة. وقوله فصل لربك، أي صلاة الأضحى أو كل صلاة، وانحر؛ أي اذبح ضحيتك.\n(^٣) قال أبو داود: هذا منسوخ بالنسبة للعتيرة لحديث» لا فرع ولا عتيرة» السالف وعليه جماعة. وقال آخرون: المنسوخ وجوبها فقط جمعا بين النصوص وعملا بها.\n(^٤) بسند حسن.\n(^٥) هذا يدل على عدم وجوب الضحية وإلا لما سقطت بفعله - ﷺ - فإن الواجب لا يسقط بفعل الغير، فهي سنة مؤكدة فقط. وعليه الجمهور سلفًا وخلفًا، وقال أبو حنيفة وبعض المالكية: إنها واجبة على الموسر لظاهر، الآية والحديث الأول، ولحديث أحمد» من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا».\n(^٦) بسند غريب ولكن سند أبي داود صالح.\n(^٧) عدم إجابته بالصريح محتمل للوجوب والندب.\n(^٨) بسند صحيح.","vol":"3","page":110},{"text":"أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَجِدْ إِلا مَنِيحَةً أُنْثَى أَفَأْضَحِّي بِهَا؟ قَالَ: «لَا، وَلكِنْ تَأْخُذُ مِنْ شَعَرِكَ وَأَظْفَارِكَ وَتَقُصُّ شَارِبَكَ وَتَحْلِقُ عَانَتَكَ فَتِلْكَ تَمَامُ أُضْحِيَتِكَ عِنْدَ اللَّهِ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَسُئِلَ أَبو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ ﵁ كَيْفَ كَانَتِ الضَّحَايَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَقَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ حَتَّى تَبَاهَى النَّاسُ فَصَارَتْ كَمَا تَرَى (^٢).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ إِنَّهَا لَتَأْتِي يَوَمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلَافِهَا وَإِنَّ الدَّمَ ليَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الْأَرْضِ فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا (^٣)». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ فَمَنْ فَعَلَ ذلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلُ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ». وَكَانَ أَبُو بُرْدَةَ ﵁ قَدْ ذَبَحَ فَقَالَ: عِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ فَقَالَ: «اذْبَحْها وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ (^٥)».\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ\n_________\n(^١) المنيحة هي شاة يعطيها مالكها لغيره لينتفع بلبنها ونحوه ثم يردها لصاحبها، فكان لهذا السائل منيحة عند غيره وقال: يا رسول الله لم أجد غيرها أفأضحى بها. قال: لا. ففيه دليل على سقوطها عن العسر.\n(^٢) فيه دليلٌ على أنها مطلوبة على سبيل الكفاية. وأن الشاة الواحدة تكفي عن أهل البيت سواء قلنا بوجوبها أو ندبها. وإلى هنا انتهى الكلام على حكمها. وما بعده في فضلها.\n(^٣) قوله: من إهراق الدم أي إسالة دم الضحية. وقوله: إن الدم ليقع من الله بمكان، كناية عن سرعة قبول الضحية قبل سيلان دمها. وفي رواية: في الأضحية لصاحبها بكل شعرة حسنة، فالضحية في يوم النحر من أفضل الأعمال وأنها تأتي في الآخرة أحسن ما كانت فتثقل ميزان صاحبها وتشهد له، وله بكل شعرة حسنة بشرط أن يقدمها بطيب نفس لله تعالى.\n(^٤) الأول صحيح والثاني حسن.\n(^٥) إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا وكان يوم عيد أكبر أن نصلي صلاة العيد ثم نرجع إلى بيوتنا فننحر الضحايا وهذا سنة المسلمين. ومن ذبح قبل الصلاة فليس بضحية يثاب عليها، فقال أبو بردة =","vol":"3","page":111},{"text":"فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَوَجَّهَ قِبْلَتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَلَا يَذْبَحْ حَتَّى يُصَلِّيَ (^١)». رَوَاهُمَا الْأَرْبَعَةُ. نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضى آمِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-615>ما يجزئ من الضحية وما لا يجزئ</span>\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا (^٢). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ هَلُمِّي الْمُدْيَةَ اشْحَذِيْهَا بِحَجَرٍ فَفَعَلْتُ فَأَخَذَهَا ثُمَّ أَضْجَعَ الْكَبْشَ فَذَبَحَهُ ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ ضَحَّى بِهِ (^٣)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ ضَحَايَا فَبَقِيَ عَتُودٌ فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «ضَحِّ بِهِ أَنْتَ (^٤)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n_________\n= ذبحت قبل الصلاة مسنة ولكن عندي جذعة خير منها، قال: اذبحها ولا تكفي لغيرك إلا إذا كان معسرًا، وهذا كمال وإلا فهي تكفي كما يأتي في حديث:» لا تذبحوا إلا مسنة».\n(^١) قوله: ونسك نسكنا أراد أن يضحى الضحية الشرعية فلا يذبح حتَّى يصلى صلاة العيد. وفي رواية» من ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين» فما تعوده بعض الناس من الذبح قبل صلاة العيد لا يثاب عليه ثواب الضحية وإن أثيب عليه من جهة التوسعة على العيال. فوقت ذبح الضحية يدخل بعد صلاة العيد ويمتد إلى آخر أيام التشريق لأنها من العيد. وقال ابن المبارك: يصح لأهل القرى إذا طلع الفجر، والله أعلم.\n\nما يجزئ في الضحية وما لا يجزئ\n(^٢) قوله أملحين تثنية أملح وهو ما يخالط بياضه سواد. والأقرن ما له قرن. وقوله ووضع رجله على صفاحهما أي وضع رجله على جانب العنق الأيمن من الذبيحة وأمسك بيساره رأسها وبيمينه السكين بعد إلقائها على الجانب الأيسر بلطف فإنه أسهل على الذابح وأرفق بالمذبوح.\n(^٣) قوله: يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد أي في قوائمه وبطنه وحول عينيه سواد وقوله: هلمي المدية بتثليث الميم أي هات السكين اشحذيها أي حدديها بالحجر لتسرع في القطع.\n(^٤) قوله عتود هو صغير المعز الذي تم له سنة.","vol":"3","page":112},{"text":"• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَذْبَحُوا إِلا مُسِنَّةً إِلا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا\nجَذَعَةً مِنَ الضّأْنِ (^١)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو داوُدَ وَالنَّسائِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: كنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَحَضَرَ الْأَضْحى فَاشْتَرَكْنَا فِي الْبَقَرَةِ سَبْعَةً وَفِي الْبعِيرِ عَشَرَةً (^٣) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤) وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنِ الْبَراءِ ﵁ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصَابِعِي أَقْصَرُ مِنْ أَصَابِعِهِ وَأَنَامِلِي أَقْصَرُ مِنْ أَنَامِلِهِ (^٥) فَقَالَ: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِي: الْعَوْرَاءُ بَيِّنٌ عَورُهَا (^٦)، وَالْمَرِيضَةُ بَيِّنٌ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ بَيْنٌ ظَلْعُهَا، وَالْكِسيرُ الَّتِي لَا تُنْقَى». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٧).\n_________\n(^١) قوله إلا مسنة هي الكبيرة في السن، ويقال مسن وهما كثنى وثنية، وهي من الإبل ما لها خمس سنين، ومن البقر ما لها سنتان، ومن الضأن والمعز ما لها سنة، والجذعة من الغنم فيها خلاف فالمشهور عند اللغويين والأصح عند الشافعية ما لها سنة، وقال الحنيفة والحنابلة: ما لها ستة شهور، وقيل ما لها سبعة وقيل ثمانية، وقيل ستة شهور إن تولدت من شابين، وثمانية إن كانت من هرمين. وقوله إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة أفاد إجزاءها للمعسر. وهذا في غير الغنم، أما الجذعة من الغنم فمجزئة باتفاق الحديث» نعمت الأضحية الجذع من الضان».\n(^٢) الحديبية مكان مشهور أحصروا فيه عن العمرة فتحللوا بالذبح والحلق وسبق هذا في الحج.\n(^٣) وهذا كان في المدى والتحلل ومثله الأضحية في الحضر.\n(^٤) بسند حسن. ففهم مما تقدم أن شرط الضحية أن تكون من الإبل أو البقر أو الغنم والأفضل أن تكون مسنة، وتكفى الشاة عن أهل البيت الواحد، وكذا يكفي سبع البدنة، وسبع البقرة وهذا باتفاق أما عشر البدنة الذي في حديث ابن عباس فلم يأخذ به إلا إسحاق بن راهويه وابن خزيمة. وإلى هنا انتهى الكلام على الشق الأول من الترجمة وما يأتي فيما لا يجزئ وهي ما بها عيب بنقصها في البيع كالمرض والعرج والعور ونحوها مما يأتي.\n(^٥) أصابعه وأنامله أقصر من أصابع وأنامل النبي - ﷺ - لصغر جسمه عن جسم النبي - ﷺ - وهذا توثيق في سماء الحديث لقربه من النَّبِيّ - ﷺ -.\n(^٦) قوله: العوراء بين عورها بالتحريك فاعل بين الذي هو صفة أي ما فيها عور ظاهر، فتكفي ما فيها عور يخفى، ومن البين عورها البخقاء وهي ما ذهب نور عينيها وبقى شكلها. وقوله: العرجاء بين ظلعها بفتح فسكون أي عرجها، والكسير التي لا تنقى من الإنقاء أي التي لا نقى لها أي لا مخ فيها، وهذه الأربعة لا تجزئ في الضحية باتفاق ومثلها ما كان في معناها أو أقبح كالعمى، وقطع الرجل لأن نقص الظاهر يدل على رداءة اللحم.\n(^٧) بسند صحيح.","vol":"3","page":113},{"text":"• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ (^١) وَلَا نُضَحِّيَ بِعَوْرَاءِ وَلَا مُقَابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ وَلَا خَرْقَاءَ وَلَا شَرْقَاءَ. قُلْتُ: فَمَا الْمُقَابَلَةُ؟ قَالَ: «يُقْطَعُ طَرَفُ الْأُذُنِ»، قُلْتُ: فَمَا الْمُدَابَرَةُ؟ قَالَ: «يُقْطَعُ مُؤَخَّرُ الْأُذُنِ»، قُلْتُ: فَمَا الشَّرْقَاءُ؟ قَالَ: «تُشَقُّ الْأُذُنُ»، قُلْتُ: فَمَا الْخَرْقَاءُ؟ قَالَ: «تُخْرَقُ أُذُنُهَا لِلسِّمَةِ (^٢)». رَوَاهُ أَصْحَابُ\nالسُّنَنِ (^٣).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُضَحَّى بِعَضْبَاءِ الْأُذُنِ وَالْقَرْنِ (^٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥). نَسْأَلُ اللَّهَ السَّتْرَ وَالتَّوْفِيقَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-616>خاتمة في آداب الضحية وجواز ادخارها </span>(^٦)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: ذَبَحَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الذَّبْحِ (^٧) كَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مُوجَأَيْنِ فَلَمَّا وَجَّهَهُمَا قَالَ: «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ - عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ (^٨) - حَنِيفًا\n_________\n(^١) أي ننظر إليهما.\n(^٢) أي يفعل بها واحد من هذه علامة على ملك صاحبها فلا تختلط بمواشي الغير، وعدم إجزاء هذه إن كان عيبا ينقص اللحم وإلا فلا، ويكون إرشادًا للكمال في الذبيحة.\n(^٣) بسند صحيح.\n(^٤) عضباء الأذن والقرن أي مقطوعة الأذن مكسورة القرن، فلا تجزئان في الضحية إذا كان الذاهب\nنصفًا فأكثر وإلا أجزأتا، وهذا عند المحدثين، وقال جمهور الفقهاء: تجزئ مكسورة القرن مطلقًا،\nوقال مالك: هو عيب إن كان يدمى وإلا فلا، والخصي يكفي في الضحية كما يأتي.\n(^٥) بسند صحيح.\n\nخاتمة في آداب الضحية وجواز ادخارها\n(^٦) آداب الضحية مما سلف وما يأتي في سن السكين وعرض الماء على المذبوح قبل ذبحه وإضجاعه بلطف على جانبه الأيسر مستقبل القبلة وألا يكون بحضور ذبيح آخر وأن يذبح بنفسه إذا تيسر له وإلا فيحضر الذبح وأن يقول قبل الدبح: باسم الله إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا، إلى آخر ما في الحديث.\n(^٧) قوله يوم الذبح أي يوم العيد الأكبر الذي يقع فيه الذبح وقوله موجَأين وفي نسخة موجيين وفي رواية موجوأين أي خصيين، وفيه دليل على أن الخصى ليس بمكروه لأن الخصباء يطيب لحمه وينفي الزهومة وخبث الرائحة، وكرهه بعضهم لنقص عضوه.\n(^٨) قوله على ملة إبراهيم حال من التقاء في وجهت. وقوله اللهم منك ولك أي منك هذا الذبيح ولك أقدمه.","vol":"3","page":114},{"text":"وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ ثمَّ ذَبَحَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١) وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أَهَلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعَرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّي (^٢)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنْ لَحْمِ أُضْحِيَتِهِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَفِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ فَلمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا (^٣) فِي الْعَامِ الْمَاضِي؟ قَالَ: «كُلُوا وَأَطْعِمُوا وادَّخِرُوا فَإِنَّ ذلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا». رَوَاهُ الْخَمْسةُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) بسند صالح.\n(^٢) قوله ذبح يذبحه أي من كان له ذبيحة يريد أن يضحي بها فليمسك عن أخذ شعره وأظفاره من أول ذي الحجة حتَّى يضحي، والنهي للكراهة فأخذها مكروه، والحكمة في هذا أن يبقى كامل الأجزاء حتَّى يعمه العتق بالضحية، وهذا مطلوب لأهل البيت كلهم فيعمهم العتق إن شاء الله. وإلى هنا انتهى الكلام على الآداب. وما يأتي في جواز الادخار.\n(^٣) قوله تفعل كما فعلنا في العام الماضي أي من عدم إبقاء شيء من الضحية فوق ثلاثة أيام قال: كلوا وادخروا فإن ذلك العام كان بالناس جهد أي جوع فأردت أن تساعدوا المساكين، ولكن الآن زالت الشدة فكلوا وادخروا كما تشاءون. وينبغي للمضحي أن يتصدق بثلثها وأن يهدي منها من يشاء إدخالا للسرور على عباد الله فأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعباده. نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى، آمين آمين آمين والحمد لله رب العالمين.","vol":"3","page":115},{"text":"<span data-type='title' id=toc-617>كتاب الطعام والشراب</span>\nوفيه خمسة فصول وخاتمة\n\n<span data-type='title' id=toc-618>الفصل الأول في آداب الطعام </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ (^٢)﴾ وَاعْمَلُواْ صَلِحًا إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (^٣)﴾.\n\n• عَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: قَرأْتُ فِي التَّوْرَاةِ إِنَّ بَركَةَ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوضُوءُ قَبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ (^٤)». رَوَاهُ دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n• عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ﵄ (^٦) قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: «يا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n_________\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\nكتاب الطعام والشراب. وفيه خمسة فصول وخاتمة، الفصل الأول في آداب الطعام\n(^١) وهي غسل الكفين والتسمية قبل الأكل، والأكل باليمين مما يليك، والجلوس، وعدم تعييب الطعام، وعدم كثرة الأكل، وتصغير اللقمة، وإجادة منها، ولعق الأصابع، ونظافة الكفين والفم بعد الأكل، وحمد الله تعالى.\n(^٢) أمرهم بأكل الحلال قبل العمل الصالح لأنَّهُ شرط في قبوله.\n(^٣) قوله ولا تسرفوا أي بالإكثار منهما، فإنه تخمة تضر.\n(^٤) فبركة الطعام غسل الكفين قبل الأكل وبعده لأن فيه نظافة وإكبارًا للنعمة وشكرًا لها.\n(^٥) بسند ضعيف ولكنه في الفضائل.\n(^٦) فعمر بن أبي سلمة كان بعد موت أبيه يربى في حجر النَّبِيّ ﷺ بتثليث الحاء؛ أي في بيته تحت رعايته مع أمه أم سلمة زوج النَّبِيّ ﷺ، وكان إذا أكل طاشت يده في الصحفة أي امتدت في نواحيها. فقال النَّبِيّ - ﷺ -: يا غلام كل بيمينك وسم الله وكل مما يليك. قال: فما زالت تلك طعمتي بالكسر أي صفة أكلى، وظاهر هذا الحديث وما بعده أن التسمية واجبة وهو أحد قولين لأصحاب أحمد، ولكن الجمهور سلفًا وخلفًا على أنها سنة عين الواحد، وسنة كفاية للجماعة.","vol":"3","page":116},{"text":"• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ (^١): لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ. وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ (^٢) فَأَدْخَلَهُ مَعَهُ فِي الْقَصْعَةِ ثُمَّ قَالَ: «كُلْ بِاسْمِ اللَّهِ ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣) وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: كنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^٤) وَإِنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ مَرَّةً طَعامًا فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّهَا تُدْفَعُ فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا فِي الطَّعَامِ فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهَا ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنمَا يُدْفَعُ فَأَخَذَ بِيَدِهِ (^٥) فَقَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَلا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ جَاءَ بِهذِهِ الْجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا فَجَاءَ بِهذَا الْأَعْرَابِيِّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ يَدَهُ فِي يَدِي مَعَ يَدِهَا» (^٦). رَوَاهُ مُسْلِمٌ\n_________\n(^١) المراد بالشيطان القرين الملازم للإنسان، فإذا دخل الشخص بيته وذكر الله منع الشيطان من الدخول وقال: لا مبيت لنا ولا عشاء، وإذا لم يذكر الله عند الدخول دخل وبات، وإذا لم يسم الله عند الأكل شاركه فيه، وكذا عند الجماع، والمراد بالذكر أي ذكر كان والأفضل التسمية، وما يأتي في كتاب الذكر مما يقال عند دخول البيت.\n(^٢) فرجل مريض بالجذام حضروهم يأكلون فتقذره الجماعة، فأجلسه النَّبِيّ - ﷺ - بجواره وقال: كل ثقة بالله. أي فإني أثق بربي ثقة عظيمة في الحفظ من كل شيء، وفيه من التواضع واللطف بالسكين ما لا يخفى.\n(^٣) أي واستغربه وأبو داود في الطب بسند صالح.\n(^٤) رغبة في تعظيم الكبير. وقوله كأنها تدفع أي كأنها لسرعتها يدفعها دافع.\n(^٥) قوله فأخذ بيده أي منعه من الأكل حتَّى يجيء وقته، ولفظ أبي داود إن الشيطان يستحل الطعام الذي لم يذكر اسم الله عليه وشرع في أكله، أما إذا لم يشرع في أكله فلا.\n(^٦) ولفظ أبي داود مع أيديهما، فالنبي - ﷺ - يبصر الشياطين وله عليهم قوة وسلطان، حتَّى قال: إني قبضت على يد الشيطان مع أيديهما، وهذا من معجزاته - ﷺ -.","vol":"3","page":117},{"text":"وَأَبُو دَاودَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكَرَ اسْمَ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ بِاسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢).\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْكُلُ فِي سِتَّةٍ مِنَ أَصْحَابِهِ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَأَكَلَهُ بِلقْمَتَيْنِ فَقَالَ ﷺ: «أَما إِنَّهُ لَوْ سَمَّى كَفَاكُمْ (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\nوَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا وَرَجُلٌ يَأْكُلُ فَلَمْ يُسَمِّ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إِلا لُقْمَةٌ فَلَمَّا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ اسْتَقَاءَ مَا فِي بَطْنِهِ (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥) وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ (^٦)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشِمَالِهِ فَقَالَ: كُلْ بِيَمِينِكَ فَقَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: «لَا اسْتَطَعَتَ مَا مَنَعَهُ إِلا الْكِبْرُ» قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ (^٧). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: ما عَابَ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا قَطُّ إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ (^٨). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n_________\n(^١) قوله إذا أكل أحدكم أي أراد الأكل فليسم الله في أوله فإن نسي في أوله وتذكر في أثنائه أو في آخره والأكل باق فليقل: باسم الله أوله وآخره فإن الشيطان يقيء ما أكله وتحل بركة التسمية.\n(^٢) بسند صحيح.\n(^٣) لحصول البركة من التسمية.\n(^٤) أي استقاء ما أكله بسبب التسمية.\n(^٥) بسند صالح.\n(^٦) ففي الأكل والشرب باليمين بركة فإنها من اليمن والبركة ومخالفة للشيطان الكافر، وظاهر هذه النصوص أن الشيطان له أيد وأرجل وأنه يأكل ويشرب كالآدمي، وعليه جمهور السلف والخلف، وقيل إن هذه مجازات وتشبهات، وقيل إن أكلهم شم واسترواح فقط. والله أعلم بحقيقة خلقه.\n(^٧) أي ما قدر على رفع يمينه إلى فمه كما دعا عليه النبي - ﷺ - لكبره وكذبه فكانا مشؤمين عليه.\n(^٨) بدون تعييب فإنه نعمة من الله يجب شكرها فكيف إذا عابها.","vol":"3","page":118},{"text":"• عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي لَا آكُلُ مُتَّكِئًا (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\nوَقَالَ أَنَسٌ ﵁ رَأَيْتُ النَّبِي ﷺ مُقْعِيًا يَأْكُلْ تَمْرًا (^٢). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\nوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ مَطْعَمَيْنِ: عَنه الْجُلوسِ عَلَى مَائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ وَعَنِ الْأَكْلِ وَهوَ مُنْبَطِحٌ عَلَى وَجْهِهِ (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤) وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا فَقِيلَ: الْأَكْلُ؟ قَالَ: ذَاكَ أَشَدُّ.\nرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ: ذَاكَ أَشَرُّ أَوْ أَخْبَثُ (^٥).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَأْكُلْ مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ وَلكِنْ يَأْكُلُ مِنْ أَسْفَلِهَا فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا (^٦)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٧). وَلَفْظُهُ: «الْبَرَكَةُ تَنْزِلُ وَسَطَ الطَّعَامِ فَكلُوا مِنْ حَافَتَيْهِ وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ (^٨)».\n_________\n(^١) فلم يأكل النبي - ﷺ - متكئًا على أي جهة أدبًا للأكل وانتظامًا لمجاريه، فإن المائل لا ينحدر طعامه في مجاريه سهلا فضلا عن عدم الأدب، فهو مكروه أو خلاف الأولى، والأكل على ظهره أو على جنبه أو على بطنه أولى بالمنع لضرره، والمستحب في جلوس الأكل أن يكون جاثيًا على ركبتيه وظهور قدميه، أو جالسًا على يساره ناصبًا يمناه، ولا بأس من التربع لأن المحظور هو النهي عنه فقط، وغيره على الإباحة.\n(^٢) الإقعاء: الجلوس على أليتيه ناصبًا ساقيه، فهو نوع من جلسات الأكل.\n(^٣) قوله يشرب عليها الخمر أي وإن لم يشرب فإن الرضا بالشر شر، وقوله وهو منبطح على وجهه أي نائم على بطنه. والنهي في الأول للتحريم وفي الثاني للكراهة.\n(^٤) ورواه الحاكم وصححه.\n(^٥) قوله فقيل الأكل أي مثله قال ذاك أشر أو أخبث أو أشد أي في النهي لئلا يتناثر شيء من الطعام ويوطأ بالأقدام، ومن تعود الأكل ماشيًا سقطت هيبته، وذهبت مروءته.\n(^٦) قوله فلا يأكل من أعلى الصحفة أي مما على فيها كالأرز ولا من وسطها في غيره فإن البركة فيه.\n(^٧) بسند صحيح.\n(^٨) الوسط بالتحريك ما بين الحافتين وهو المراد هنا وبالسكون الظرف وليس مرادًا هنا.","vol":"3","page":119},{"text":"• عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِي يَدِهِ فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَاهَا وَالسِّكِّينَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ (^١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكِّينِ فَإِنَّهُ مِنْ صَنِيعِ الْأَعَاجِمِ وَانْهَشُوهُ فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا فَأَسْلَمَ فَكَانَ يَأْكُلُ قَلِيلًا فَذُكِرَ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ (^٤)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَافَهُ ضَيْفٌ (^٥) وَهُوَ كَافِرٌ فَأَمَرَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِحِلَابِ شَاةٍ فَشَرِبَهُ ثُمَّ آخَرَ فَشَرِبَهُ ثُمَّ آخَرَ فَشَرِبَهُ حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاهٍ ثُمَّ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ فَأَمَرَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِشَاةٍ فَشَرِبَ حِلَابَهَا ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا (^٦) فَقَالَ ﷺ: «الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَيْلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا (^٧).\n_________\n(^١) قوله يحتز من كتف شاة أي يقطع منها بالسكين ويأكل. ولأبي داود: أتى النبي - ﷺ - وهو في تبوك بجبنة فدعا بسكين فسمى وقطع، ففيهما جواز قطع المأكول بالسكين.\n(^٢) قوله: من صنيع الأعاجم فيه نهي عن الأكل بالسكين وهذا إذا كان تكبرًا أو يتشبه بالكفار، وإلا فلا ولا سيما إذا دعت حاجة إلى السكين كما في الحديث قبله، وقوله وانهشوه بالسين والشين أي كلوه بأطراف الأسنان فإنه أهنأ وأمرأ.\n(^٣) بسند ضعيف.\n(^٤) المعى - كإلى واحد الأمعاء وهي المصارين؛ وليس ظاهره مرادًا، فإن الأمعاء واحدة في كل إنسان، وإنما المراد أن المؤمن مبارك له في كل شيء فهو قنوع يأكل قليلا بخلاف الكافر ففيه شره ولا بركة عنده فيأكل كثيرًا قال تعالى ﴿والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم﴾.\n(^٥) جاءه ضيف كافر.\n(^٦) أي لم يتم شربها بل شبع وقنع.\n(^٧) قوله يأكل بثلاث أصابع أي غالبًا وربما أكل الثريد بالأصابع كلها، والأكل بأصبع أو بأصبعين مذموم لما روى: الأكل بأصبع أكل الشيطان والأكل بأصبعين أكل الجبابرة.","vol":"3","page":120},{"text":"• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عَنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ حَتَّى (^١) يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى ثُمَّ لَيْأْكُلْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ تَكُونُ الْبَرَكَةُ». وَفِي رِوَايَةٍ: «وَأَمَرَنَا أَنْ نَسْلُتَ (^٢) الْقَصْعَةَ وَقَالَ: فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ». رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\nوَقَالَ سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ ﵁: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ فَلَمَّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ (^٣) دَعَا بِطَعَامٍ فَمَا أُتِيَ بِسَوِيقٍ فَأَكَلْنَا فَقَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فَتَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا (^٤)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n_________\n(^١) قوله عند كل شيء من شأنه أي في كل أمر من أموره، وقوله فليمط ما بها أي ينحِّى القذر عنها ويأكلها إذا شاء أو يعطيها لنحو هرة ولا يتركها للشيطان، فإذا فرغ فليعلق أصابعه فربما كانت البركة في البقية التي عليها.\n(^٢) قوله وأمرنا أن نسلت القصعة أي نلحسها بأصابعنا ثم نلعقها، فربما كانت البركة في الباقي في الإناء، والمراد بالبركة ما به التغذية والسلامة والقوة على طاعة الله تعالى. وللترمذي» من أكل في قصعة ثم لحسها استغفرت له القصعة» أي لأنه نظفها فلا يلعقها شيطان الحديث البزار.» من أكل في قصعة ثم لحسها استغفرت له القصعة» فتقول اللهم أجره من النار كما أجارني من لعق الشيطان» وهذا إذا لم يكن هناك من يطلب له إبقاء شيء من الطعام وإلا كان أكله كله مذمومًا كما روي» إذا أكلتم فأفضلوا» ولما يأتي في طعام الجماعة» إذا كفى أحدكم خادمه فليجلسه معه وإلا فليناوله شيئا من الطعام».\n(^٣) قوله بالصهباء اسم مكان وقوله بسويق هو طعام من البر والشعير، وقوله فتمضمض ومضمضنا فنظافة الفم مطلوبة كاليد بل أشد فإن قذر الفم ينزل مع الريق في المعدة وربما ضرها والفم محل القرآن والعبادة فهو أولى بالنظافة وسيأتي في الأخلاق» إن الله نظيف يحب النظافة».\n(^٤) قوله أو يلعقها أي يعطيها لغيره يلعقها كولده وزوجه فربما كانت البركة فيما عليها.","vol":"3","page":121},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَامَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ (^١) وَلَمْ يَغْسِلْهُ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلَا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢).\nوَقَالَ أَنَسٌ ﵁: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرٍ عَتِيقٍ فَجَعَلَ يُفَتِّشُهُ يُخْرِجُ السُّوسَ مِنْهُ (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَأُوا بِالْعَشَاءِ (^٤)». وَفِي رِوَايَةٍ: «إِذَا أُقِيمتِ الصَّلَاةُ وَحَضَرَ الْعَشَاءُ فَابْدَأُوا بِالْعَشَاءِ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَعَشَّوْا وَلَوْ بِكَفَ مِنْ حَشَفٍ (^٥) فَإِنَّ تَرْكَ الْعَشَاءِ مَهْرَمَةٌ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا الْقَنَاعَةَ وَالْيَقِينَ آمِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-619>الفصل الثاني في آداب الشرب</span>\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: شَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ قَائِمًا مِنْ زَمْزَمَ (^٦). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَفْظَهُ: شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ مِنْ دَلْوِ مِنْهَا وَهُوَ قَائِمٌ.\n_________\n(^١) من نام وفي يده غمر بالتحريك أي دسم من لحم وغيره ولم يغسله فأصابه شيء أي من الشياطين كلمم وبرص فلا يلم إلا نفسه لتقصيره في النظافة، وللترمذي» إن الشيطان حساس لحاس فاحذروه على أنفسكم، من بات وفي يده ريح غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه» وكاليد غيرها ولا سيما الفم فإنه باب الجسم.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) فيه جواز تفتيش المأكول قبل أكله ليخرج ما فيه من دود ونحوه وإن جاز أكل الجبن والتمر ونحوهما بما فيها لحديث الطبراني: نهى النبي - ﷺ - أن يفتش التمر عما فيه.\n(^٤) فإذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة فالأحسن تقديم الأكل ليتفرغ للعبادة فتقع كاملة، وهذا إذا كان الوقت واسعًا وإلا قدم الصلاة، وإنما نص على العشاء لأنه مظنة الجوع للصائم.\n(^٥) قوله ولو بكف من حشف - بالتحريك - رديء التمر فإن ترك العشاء مهرمة بفتح فسكون أي جالب للهرم والضعف، والمراد بالعشاء أكل المساء كالغداء أكل الصباح، فيصدق العشاء بكل أكل بعد الظهر.\n\nالفصل الثاني في آداب الشرب\n(^٦) بئر مشهور في الحرم بجوار الكعبة سبق الكلام عليه في فضل الحرمين.","vol":"3","page":122},{"text":"وَأُتِيَ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى بَابِ الرَّحَبَةِ (^١) بِمَاءٍ فَشَرِبَ قَائِمًا فَقَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَشْرَبَ وَهُوَ قَائِمٌ وَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ كَمَا رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\nوَأَرْسَلَتْ أُمُّ الْفَضْلِ ﵂ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ فَأَخَذَهُ وَشَرِبَهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَلِمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا وَلِمُسْلِمٍ: «لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ (^٢)».\n\n• عَنْ عَمْرٍو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَشْرَبُ قَائِمًا وَقَاعِدًا (^٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنِ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ فَقَالَ رَجُلٌ: الْقَذَاةُ أَرَاهَا فِي الْإِنَاءِ؟ قَالَ: «أَهْرِقْهَا»، قَالَ: فَإِنِّي لَا أَرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: عَلَى «فَأَبِنِ الْقَدَحَ إِذَنْ عَنْ فِيكَ (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٥) وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ (^٦)».\n_________\n(^١) قوله على باب الرحبة، أي رحبة الكوفة وهو أمير المؤمنين.\n(^٢) قوله فمن نسي فليستقئ أي فليخرج ما شربه قائمًا لأنه لا يروى لانحداره بسرعة، والمستحب في الشرب أن يكون ثلاثًا في حال القعود.\n(^٣) يشرب قائمًا أي أحيانًا وقاعدًا أي أحيانًا، ففي هذه النصوص أنه - ﷺ - فعل الأمرين البيان الجواز ولكنه نهى عن الشرب قائمًا فيحمل على الكراهة. قال بعضهم:\nإذا رمت تشرب فاقعد تفز … بسنة صفوة أهل الحجاز\nوقد صححوا شربه قائمًا … ولكنه لبيان الجواز\n(^٤) نهي عن النفخ في الشراب فقال رجل: القذاة - كقناة - ما يسقط في المائع والشراب، أي ما أعمله فيها؟ قال أخرجها بغير نفخ في الإناء. قال لا أروى من نفس واحد. قال ابن القدح أي ارفع الإناء عن فمك وتنفس.\n(^٥) بسند صحيح.\n(^٦) وفي رواية: نهى عن الشرب من ثلمة القدح محل كسره وعن النفخ في الشراب، والنهى للكراهة فربما سال الماء على بدنه إن شرب من محل الكسر، وربما خرج من ريقه شيء فيقع في الشراب إذا تنفس فيه أو كان فيه متغيرا فيغير الشراب.","vol":"3","page":123},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا وَيَقُولُ: «إِنَّهُ أَرْوَى وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ». قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا (^١). رَوَاهُمَا الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَشْرَبُوا وَاحِدًا كَشُرْبِ الْبَعِيرِ وَلكِنِ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلَاثَ وَسَمُّوا إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ مِنْهُ وَقَالَ: إِنَّ لَهُ دَسَمًا (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ اخْتِنَاثِ الْأَسْقِيَةِ (^٥). رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يُحَوِّلُ الْمَاءَ فِي حَائِطِهِ فَقَالَ: «إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ هذِهِ اللَّيْلَةَ فِي شَنَ وَإِلا كَرَعْنَا» قَالَ: بَلَى عِنْدِي مَاءٌ بَاتَ فِي شَنَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ وَزَادَ: فَانْطَلَقَ إِلَى الْعَرِيشِ فَسَكَبَ مَاءً فِي قَدَحٍ وَحَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ دَاجِنٍ لَهُ فَشَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ أَعادَ فَشَرِبَ\nصَاحِبُهُ (^٦).\n_________\n(^١) كان يتنفس في الشراب ثلاثًا أي يرفع الإناء فيتنفس خارجه مرتين في أثناء الشرب، والأخيرة بعد الشرب. فهي كرواية: كان يتنفس مرتين في أثناء الشرب ويقول إنه أروى، أي أكثر ريًا وأبرأ، أي من الأذى وأمرأ بعدم ثقله في المعدة، وفي رواية: فإنه أهنأ وأمرأ. يقال هنأنى الطعام إذا خف على المعدة وكان طيبًا.\n(^٢) لا تشربوا واحدا كشرب البعير أي نفسًا واحدًا كذا لا تعبوه بملء الفم، بل المستحب أن يكون ثلاث مرات وأن يمص الماء لأنه أحكم وأشفى ولحديث البيهقي» مصوا الماء مصا ولا تعبوه عبا» وسمعت من بعض شيوخي ﵀ زيادة فإنه يورث الكباد أي مرضا في الكبد، فآداب الشرب أن يكون جالسًا، وأن يكون ثلاثًا، وأن يكون مصًا، وألا ينفخ في الإناء، والتسمية أوله والحمد آخره.\n(^٣) بسند غريب ولكن يؤيده ما قبله.\n(^٤) فتستحب المضمضة بعد شرب اللبن للنظافة من دسمه.\n(^٥) الأسقية جمع سقاء وهو وعاء الماء كالقربة، واختناثها قلب أفواهها ليشرب منها، والنهي للتحريم فإنه ينتنها. وفي رواية: نهى عن الشرب من في السقاء.\n(^٦) الشن: القربة، والداجن الشاة. والعريش مأوى الرجل في كرمه وزرعه. فالنبي - ﷺ - وأبو بكر دخلا على رجل في بستانه وهو يسقيه فقال: إن كان عندك ماء بائت فأتنا به وإلا كرعنا، أي شربنا بفمنا من الماء، فقال عندي يا رسول الله، وذهب إلى عريشه فمزج الماء البائت عنده بلبن شاة له وأعطاه للنبي - ﷺ - فشرب ثم ملأ الإناء ثانيًا فشرب أبو بكر ﵁، ففيه جواز الكرع من الماء إن لم يتيسر قدح.","vol":"3","page":124},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ وَعَنْ شِمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ فَشَرِبَ ثُمَّ أَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ وَقَالَ: «الْأَيْمَنُ الْأَيْمَنُ (^١)». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-620>الحمد عقب الأكل والشرب</span>\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيَ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا (^٣)» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\nوَلِلْبُخَارِيِّ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانَا وَأَرْوَانَا غَيْرَ مَكْفِيَ وَلَا مَكْفُورٍ (^٤)».\nوَلِمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا\n_________\n(^١) بلبن قد شيب بماء أي خلط به ليكثر، وكان هذا معروفًا عند العرب ويسمى مذقا وهو جائز إن لم يعرض للبيع وإلا كان غشًا. قال قائلهم:\nحتى إذا جن الظلام واختلط … جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط\nفالنبي - ﷺ - وبعض صحبه كانوا عند أنس فمزج لهم اللبن بالماء فشرب النبي - ﷺ - وأعطى الأعرابي لأنه كان عن يمينه، وقال الأيمن يقدم على غيره، فإذا كان جماعة وجيء لهم بشيء فينبغي البدء بالأفضل ثم بمن عن يمينه ولو كان غيره أفضل ثم يدور عليهم.\n(^٢) فمن يسقي القوم فإنه يشرب آخرهم، وكذا من\nيفرق على جماعة مطعومًا أو غيره فهو آخرهم لاشتغاله بخدمتهم وكفاه الأجر على ذلك. نسأل الله التواضع وحسن الخلق آمين والله أعلم.\n\nالحمد عقب الأكل والشرب\nحكمة الحمد بعد الأكل والشرب الاعتراف لله تعالى بانفراده بالعطاء وتجديد الحد لله تعالى على نعمه وشكره عليها، وهذا يلزمه المزيد. قال تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾.\n(^٣) قوله إذا رفع مائدته أي أمر برفعها، وفي رواية: كان إذا فرغ من طعامه ورفعت مائدته وهي ما يوضع عليه الطعام، وقوله غير مكني من الكفاية أي لم يكفه غيره رزق عباده بل لا رازق لهم سواه. وقوله ولا مودع أي ولا متروك ولا يستغني عنه أحد. وقوله ربنا بالنصب على المدح أو الاختصاص أو النداء.\n(^٤) أي ولا مجحود فضله.","vol":"3","page":125},{"text":"أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا (^١)».\nوَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ (^٢) قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ».\nوَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ: كَانَ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى وَسَوَّغَهُ (^٣) وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا».\n\n• عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ (^٤) غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٥) وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ وَإِذَا سُقِيَ لَبَنًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِئُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلا اللَّبَنُ (^٦)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٧). نَسْأَلُ اللَّهَ السَّتْرَ وَالتَّوْفِيقَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-621>الأواني </span>(^٨)\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَةِ وَلَا تَلْبَسُوا\nالْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ (^٩) فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n_________\n(^١) فإذا كان الحمد بعد الطعام أو الشراب يرضي مولانا جل شأنه فإنه يكون واجبًا.\n(^٢) ولفظ الترمذي كان إذا أكل أو شرب الخ.\n(^٣) قوله وسوغه أي سهل دخوله وخروجه.\n(^٤) قوله من غير حول مني ولا قوة أي مع نهاية عجزي، وقوله ما تقدم من ذنبه أي من الصغار والكبائر ولا حرج على فضل الله فإنه يغفر كل ذنب لمن يشاء جل ربنا.\n(^٥) بسند حسن.\n(^٦) أي لا يكفي الإنسان عن المطعوم والمشروب إلا اللبن فإن فيه كل ما يحتاجه الجسم.\n(^٧) بسند حسن. نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى.\n\nالأواني\n(^٨) أي ما ورد فيها من عدم استعمال آنية الذهب والفضة ومن التغطية ومن جواز استعمال آنية الكفار بعد غسلها وغير ذلك.\n(^٩) لا تلبسوا الحرير والديباج وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب اللباس إن شاء الله. وقوله» لا تشربوا في آنية الذهب والفضة» وفي رواية: ولا تأكلوا في صحافها جمع صحفة وهي إناء الطعام فإنها للكفار في الدنيا ولكم في الآخرة.","vol":"3","page":126},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ شَرِبَ (^١) فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ».\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «غَطُّوا الْإِنَاءَ وَأَوْكُوا السِّقَاءَ (^٢) وَأَغْلِقُوا الْبابَ وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَحُلُّ سِقَاءً وَلَا يَفْتَحُ بَابًا وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلا أَنْ يَعْرُضَ عَلَى إِنَائِهِ عُودًا وَيَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ فَلْيَفْعَلْ فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ» رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\nوَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ: أَغْلِقْ بَابَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وَأَطْفِ مِصْبَاحَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وَخَمِّرْ إِنَاءَكَ (^٣) وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وَأَوْكِ سِقَاءَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «غَطُّوا الْإِنَاءَ وَأَوْكُوا السِّقَاءَ فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً (^٤) يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ إِلا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذلِكَ الْوَبَاءِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَقَعَ\n_________\n(^١) من شرب أي أو أكل في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر أي يدخل في بطنه نارًا من جهنم، فهذا الوعيد والنهي قبله يفيدان التحريم، فالأكل أو الشرب في إناء ذهب أو فضة حرام على الذكر وغيره لتضييق النقدين ولما فيه من الخيلاء وكسر قلوب الفقراء، وكالأكل والشرب كافة الاستعمالات، كالتطهير والتجمير ونحوهما ويجوز المموه بذهب أو فضة إذا كان قليلا وما فيه ضبة صغيرة أو سيور منهما، كما روى أنه كان للنبي - ﷺ - قدح قد انصدع فسلسله أنس بفضة.\n(^٢) أوكوا السقاء أي اربطوه لئلا يسيل ما فيه. وقوله فإن الشيطان لا يحل سقاء أي ذكر اسم الله عليه فهو المانع له، وقوله فإن لم يجد إلا أن يعرض عودًا على إنائه ويذكر اسم الله فليفعل أي فإن العود سبب فقط، والحافظ اسم الله تعالى، وقوله فإن الفويسقة هي - الفأر - تضرم النار أي تشعلها على أهل البيت إن لم يطفئوا السراج، وهذا ظاهر فيما كان من المسارج، أما ما حدث اليوم (من المصابيح والكهرباء) فلا يقال فيه ذلك، ولكن الأحوط إطفاؤها إلا لحاجة كمرض ورضاع وللترمذي» لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون».\n(^٣) وخمر إناءك أي غطه وهذه تصرح بذكر اسم الله عند كل عمل وهو المطلوب.\n(^٤) قوله فإن في السنة ليلة وفي رواية: فإن في السنة يوما. قال الليث:» فالأعاجم عندنا يتقون ذلك اليوم في كانون الأول» وهو أحد الشهور العجمية، ولا يمكن معرفته بالشهر العربي لأن الحساب العربي تابع للهلال وهو يتقدم، ولكن ضبطه بغيره أسهل، وكانون الأول يبتدئ من خمس ليال في شهر كيهك بالحساب القبطى ومن أربع عشرة ليلة من شهر ديسمبر أحد الشهور الإفرنكية وهذا بالتقريب والله أعلم.","vol":"3","page":127},{"text":"الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الْآخَرِ دَاءً». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. وَزَادَ: «وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ (^١)».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مَا عَلِمْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ عَلَى سُكْرُجَةٍ قَطُّ (^٢) وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ قَطُّ وَلَا أَكَلَ عَلَى خُوَانٍ قَطُّ قِيلَ لِقَتَادَةَ: فَعَلَامَ كَانُوا يَأْكُلُونَ؟ قَالَ: عَلَى السُّفَرِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ ﵁ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمْ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمْ الْخَمْرَ فَقَالَ: «إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَكُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهًّ فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ (^٣) وَكُلُوا وَاشْرَبُوا». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ (^٤).\nوَقَالَ جَابِرٌ ﵁: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَنُصِيبُ مِنْ آنِيَهِ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْقِيَتِهِمْ فَنَسْتَمْتِعُ بِهَا وَلَا يَعِيبُ عَلَيْنَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\nوَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قُدُورِ الْمَجُوسِ (^٥) فَقَالَ: «أَنْقُوهَا غَسْلًا وَاطْبُخُوا فِيهَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦). نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضى آمِين. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) تقدم هذا الحديث في الطهارة فارجع إليه إن شئت شرحه طويلا.\n(^٢) قوله سكرجة بضم فسكون فضم: ما يأكل عليه الأعاجم مما يجمع ألوان الطعام، والخوان - كغراب وكتاب - شيء مرتفع يوضع عليه الطعام كالكرسي، والسفر جمع سفرة وهي ما يفرش على الأرض فيوضع عليه الطعام، فالنبي - ﷺ - لم يأكل على سكرجة ولا على خوان لأن هذا كان من شأن أهل الترف والكبر، والنبي - ﷺ - يرشد إلى التواضع والزهد فلم يناسب ذلك كماله - ﷺ - وإلا فهذا جائز لمن لم يفعله كبرا وفخرا.\n(^٣) قوله فار حضوها بالماء أي اغسلوها به.\n(^٤) ولفظه لأبي داود.\n(^٥) المجوس مشركون يعبدون النار وقيل الشمس ويقولون إن للعالم أصلين النور والظلمة، فمن النور الخير ومن الظلمة الشر، ففي هذه النصوص جواز استعمال أواني أهل الكتاب والمشركين بشرط غسلها جيدا.\n(^٦) وقال هذا حديث مشهور.","vol":"3","page":128},{"text":"<span data-type='title' id=toc-622>الفصل الثالث في طعام الجماعة والضيافة </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «طَعَامُ الاِثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الْأَرْبَعَةِ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذيُّ.\nوَلِمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ: «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الاِثْنَيْنِ وَطَعَامُ الاِثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيةَ (^٢)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَفَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ طَعَامَهُ (^٣) حَرَّهُ وَدُخَانَهُ فَلْيأْخُذْ بِيَدِهِ فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيَأْخُذْ لُقْمَةً فَلْيُطْعِمْهَا إِيَّاهُ». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ تَمْرًا فَأَعْطَى كُلَّ إِنْسَانٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ فَأَعْطَانِي سَبْعًا إِحْدَاهُنَّ حَشَفَةٌ (^٤) فَلَمْ يَكُنْ فِيهِنَّ تَمْرَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ مِنْهَا شَدَّتْ فِي مَضَاغِي. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقْرِنَ (^٥) الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﷺ قَالَ: دَعَوْنَا النَّبِيَّ ﷺ إِلَى مَنْزِلِنَا\n_________\nالفصل الثالث في طعام الجماعة والضيافة\n(^١) أي في الحث على الضيافة والمواساة والترغيب في الأكل مع الجماعة فإن بركتها أكثر.\n(^٢) ليس العدد مرادًا وإنما المراد الحث على المواساة فإن طعام القليل يكفي الكثير ولو قوتًا يقوم الجسم به، والطعام يفنى وبذله باق عند الله والناس.\n(^٣) أحدكم مفعول وخادمه فاعله، وطعامه مفعول ثان وحره ودخانه بدل من طعامه أي إذا كفاكم الخادم تعب طهي الطعام فأجلسوه معكم إذا سمحت الحال وإلا فأطعموه منه ولو قليلا لئلا يحرم منه. ولفظ الحديث للترمذي، وفي رواية: إذا كان الطعام مشفوها أي قليلا فليضع في يده أي يد خادمه أكلة أو أكلتين. والأكلة بالضم ما يؤكل دفعة واحدة.\n(^٤) إحداهن حشفة بالتحريك أي رديئة فكانت أحبهن إلي لأنها شدت في مضاغي أي تصمغت بأضراسي فطال مضغها فسررت منها. ولفظ الترمذي: قال ابن عباس: قسم النبي - ﷺ - سبع تمرات بين سبعة من أصحابه أصابهم جوع فأعطى كل واحد تمرة تمرة، ففيه جواز قسم الطعام أحيانًا.\n(^٥) الإقران ضم تمرة إلى أخرى وهو حرام إذا كان التمر مشتركا بينهم إلا برضاهم وكذا إذا كان لغيره لدلالته على الشره وعدم الأدب إلا إذا كان كثيرًا، وكالتمر غيره مما يماثله.","vol":"3","page":129},{"text":"فَجَاءَ بِأَصْحَابِهِ وَكَانَ يَأْمُرُ بِدُخُولِهِمْ لِلْأَكْلِ عَشَرَةً عَشَرَةً (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مُطَوَّلًا.\nوَقَالَ جَمَاعَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَأْكُلُ وعلَا نَشْبَعُ قَالَ: «فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣) وَقَالَ: إِذَا كُنْتَ فِي وَلِيمَةٍ وَوُضِعَ الْأَكْلُ فَلَا تَأْكلْ حَتَّى يَأْذَنَ رَبُّ الدَّارِ (^٤).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَصْعَةٌ يُقَالُ لَهَا الْغَرَّاءُ يَحْمِلُهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ فَلَمَّا أَضْحَوْا وَسَجَدُوا الضُّحى أُتِيَ بِتِلْكَ الْقَصْعَةِ وَفِيهَا الثَّرِيدُ فَالْتَفُّوا عَلَيْهَا فَلَمَّا كَثُرُوا جَثَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: مَا هذِهِ الْجِلْسَةُ؟ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا، ثُمَّ قَالَ: كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا وَدَعُوا يُبَارَكْ فِيهَا (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦) وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ صَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ (^٧)». وَفِي رِوَايَةٍ: «فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ (^٨)، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n_________\n(^١) فينبغي تقسيم الجمع الكثير إلى فرق كعشرة بحسب الحال تسهيلا لرب البيت والآكلين.\n(^٢) فالبركة مع الجماعة أكثر، وللبيهقي والضياء: أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) لأنه صاحب الطعام إلا إذا سمح لهم فلا بأس من الأكل.\n(^٥) قصعة يقال لها الغراء أي صحفة كبيرة تسمى الغراء لبياضها يحملها أربعة رجال ويجيئون بها مملوءة بالثريد بعد صلاة الضحى فيجلسون حولها ويأكلون فلما كثروا مرة جثا النبي - ﷺ - أي جلس على ركبتيه توسعة لأصحابه فقال أعرابي ما هذه الجلسة يا رسول الله؟ قال إن الله جعلني عبدا كريمًا ولم يجعلني جبارًا عنيدًا.\n(^٦) بسند صالح. إلى هنا انتهى الشق الأول، من الترجمة وما يأتى في الحث على إكرام الضيف.\n(^٧) أي يواسي أقاربه.\n(^٨) قوله فليكرم جاره أي يتحمل أذاه ومساعدته بما يمكنه من مال وجاه وغيرهما، وقوله فليقل خيرًا أو ليصمت أي يسكت عن الكلام.","vol":"3","page":130},{"text":"• عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِره فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَومٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا بَعْدَ ذلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَفْشُوا السَّلَامَ (^٣) وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَاضْرِبُوا الْهَامَ تُوَرَّثُوا الْجِنَانَ» وَفِي رِوَايَةٍ: «اعْبُدُوا الرَّحْمنَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَأَفْشُوا السَّلَامَ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحهُ.\n\n• عَنْ جَابِرِ ﵁ قَالَ: صَنَعَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيْهَانِ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا وَدَعَاهُ وَأَصْحَابَهُ فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ: أَثِيبُوا أَخَاكُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا إِثَابَتُهُ؟ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا دُخِلَ بَيْتُهُ فَأُكِلَ طَعَامَهُ وَشُرِبَ شَرَابُهُ فَدَعَوْا لَهُ فَذلِكَ إِثَابَتُهُ (^٤)».\nوَأَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ بِخُبْزٍ وَزَيْت فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: «أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ (^٥) وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلَائِكَةُ (^٦)». رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ.\n_________\n(^١) جائزته يوم وليلة، أي يكرم جائزته يوما وليلة بما جرت به عادتهم في التوسعة للضيف زمانًا ومكانا واليومان الباقيان من الضيافة يقدم له ما يأكلونه وما زاد على الثلاثة فصدقة، ولا يجوز للضيف أن يثوي أي يقيم عند صاحب البيت حتى يؤلمه.\n(^٢) والكلمة الأولى منه للشيخين.\n(^٣) أفشوا السلام أي تعودوه كثيرا حتى يفشو فيكم. وقوله: واضربوا الهام أي جدوا في قتال الكفار لإعلاء كلمة الله تعالى.\nوقوله: تورثوا الجنان أي يورثكم الله الجنان عنده. وسيأتي فضل الجهاد على سعة إن شاء الله تعالى.\n(^٤) فيندب للمدعو أن يدعو لصاحب الطعام بالبركة والإخلاف والتوفيق، فتلك إثابته.\n(^٥) الأبرار جمع بار وهو التقي. وقوله: أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار. أي جعلكم الله أهلا لذلك دائمًا. وقوله: وصلت عليكم الملائكة أي استغفرت لكم لفعل الخير لعباد الله. قال تعالى ﴿والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض﴾ وتقدم في الزكاة:» ومن صنع معكم معروفًا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له».\n(^٦) بسندين صالحين والله أعلم.","vol":"3","page":131},{"text":"<span data-type='title' id=toc-623>الفصل الرابع في المطعوم </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ (^٢)﴾ ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ خَيَّاطًا دَعَا النَّبِيَّ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ قَالَ: فَذَهَبْتُ مَعَهُ فقَرَّبَ خُبْزًا مِنْ شَعِيرٍ وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ (^٣) فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوْلِ الْقَصْعَةِ فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمَئِذٍ.\nرَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵄ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأَكُلُ الرُّطَبَ بِالْقُثَّاءِ (^٤). رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ بِالرّطَبِ فَيَقُولُ نَكْسِرُ حَرَّ هذَا بِبَرْدِ هذَا وَبَرْدَ هذَا بِحَرِّ هذَا (^٥). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٦).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ\n_________\nالفصل الرابع في المطعوم\n(^١) أي في بيان ما أكله النبي - ﷺ - وما كان مشهورا عند العرب؛ وليس المراد حصر المطعوم في ذلك والنهي عن غيره.\n(^٢) الطيبات جمع طيب وهو الحلال والمستلذ، فالله تعالى يقول لعباده: كلوا ما شئتم من أنواع الحلال والمستلذات واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون.\n(^٣) القديد - كحديد - لحم مملوح مجفف بالشمس. والدباء - كرمان - نبت معروف بارد الطبع سهل الهضم يقوى القلب ويسمى قرعًا ومنه صغير وكبير وأبيض وأخضر وأحمر وهو اليقطين المذكور في قوله تعالى: ﴿وأنبتنا عليه شجرة من يقطين﴾ فالرجل قدم لهم خبزا وطبيخا مركبًا من مرق ودباء ولحم، فصار النبي - ﷺ - يأخذ الدباء من أمامه ومن نواحي القصعة حبًا فيه، وهذا لا ينافي ما تقدم» وكل مما يليك» فإن هذا لعدم التقذر والنبي - ﷺ - فضلا عن عدم التقذر منه يسمح له ويتبرك به كل مخلوق.\n(^٤) القثاء - كرمان - وبالكسر نوع من فاكهة الصيف كالخيار.\n(^٥) قوله حر هذا، أي الرطب ببرد هذا أي البطيخ، فقد أكل النبي - ﷺ - الرطب وهو حار بالقثاء أو البطيخ وهو بارد ليتساوى الطعام، وكالرطب غيره من كل حار، وكالقثاء كل بارد وكل فاكهة صيفية كالشمام فإن الله تعالى خلق للصيف فاكهة باردة لدفع الحرارة كما خلق لكل فصل ما يناسبه، ويصح أن تكون هذه قاعدة عامة فيمزج الحار بالبارد إن بقي الطعم مقبولا، وإلا يؤخذ أحدهما عقب الآخر فلا تتغلب غريزة على أخرى في الجسم فيختل نظامه، وقد ورد في البطيخ عدة أحاديث لم يصح منها إلا هذا.\n(^٦) بسند حسن.","vol":"3","page":132},{"text":"بِمَرِّ الظَّهْرَانِ (^١) وَنَحْنُ نَجْنِي الْكَبَاثَ فَقَالَ ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ مِنْهُ» فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّكَ رَعَيْتَ الْغنَمَ قَالَ: «نَعَمْ، وَهَلْ مِنْ نَبِيَ إِلا وَقَدْ رَعَاهَا». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ كِسْرَةً مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ فَوَضَعَ عَلَيْهَا تَمْرَةً وَقَالَ: «هذِهِ إِدَامُ هذِهِ (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣) وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنَيْ بُسْرٍ السُّلَمِيَّيْنِ ﵄ قَالَا: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَدَّمْنَا لَهُ زُبْدًا وَتَمْرًا وَكَانَ يُحِبُّ الزُّبْدَ وَالتَّمْرَ (^٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥) وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ جُلُوسٌ إِذْ أُتِيَ بِجُمَّارِ نَخْلَةٍ (^٦) فَقَالَ ﷺ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ الْمُسْلِمِ فَظَنَنْتُهُ النَّخْلَةَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا عَاشِرُ عَشَرَةٍ أَنَا أَحْدَثُهُمْ فَسَكَتُّ فَقَالَ ﷺ: هِيَ النَّخْلَةُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ سَهْلٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تَأْخُذُ أُصُولَ السِّلْقِ (^٧) فَتَجْعَلهُ فِي قِدْرٍ لَهَا وَتَجْعَلُ عَلَيْهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ إِذَا صَلَّيْنَا زُرْنَاهَا فَقَرَّبَتْهُ لَنَا وَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ لِذلِكَ وَمَا كُنَّا نَتَغَذَّى وَلَا نَقِيلُ إِلا بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَاللَّهِ مَا فِيهِ شَحْمٌ وَلَا وَدَكٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) مر الظهران اسم مكان بقرب مكة. والكباث بالفتح ثمر الأراك وهو مأكول عند العرب.\n(^٢) وقال هذه أي التمرة إدام الكسرة.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) الزبد ما يستخرج بالمخض من لبن البقر والغنم، وأما من لبن الإبل فيسمى جنابا، وكان النبي - ﷺ - يحب الزبد والتمر لأنهما بارد وحار وحلو وسهل الهضم، وفي هذا وما قبله جواز الجمع بين لونين في الأكل.\n(^٥) بسند صالح.\n(^٦) الجمار - كرمان - قلب النخلة، ويسمى شحم النخل وجذبه بالتحريك، وهو يعقل البطن وينفع من الصفراء والحرارة والدم الحاد أكلا، ومن القروح ولسع نحو الزنبور ضمادا وقوله - ﷺ -: إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم. فظن ابن عمر أنها النخلة ولم يتكلم لأنه أصغر الحاضرين، فلما سكتوا كلهم قال - ﷺ -: هي النخلة. أي أنها كالإنسان في الاستواء وامتياز ذكره عن أنثاه، وأنها لا تحمل إلا بالتلقيح، بل هي كالمؤمن في كثرة خيرها ونفعها دائما بكل أجزائها وثمرها يؤكل رطبًا ويابسًا وهو غذاء ودواء وحلو وفاكهة.\n(^٧) السلق بكسر فسكون بقلة كثيرة المنافع، كانت تلك المرأة تطبخها بحبات من شعير يوم الجمعة فإذا صلى النبي - ﷺ - وأصحابه الجمعة مروا عليها فقدمته لهم فيأكلون وهم فرحون. قوله وما كنا نتغدي ولا نقيل أي نستريح إلا بعد الجمعة. وقوله: والله =","vol":"3","page":133},{"text":"• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهْلَهُ الْأُدْمَ فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا إِلا خَلٌّ فَدَاعَا بِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُ وَيَقُولُ: «نَعِمْ الْأُدْمُ الْخَلُّ نِعْمَ الْأُدْمُ الْخَلُّ (^١)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ أَخَذَنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى بَيْتِهِ فَقَالَ: «هَلْ مِنْ غَدَاءٍ (^٢)» فَقَالُوا: نَعَمْ، فَأُتِيَ بِثَلَاثَةِ أَقْرِصَةٍ فَأَخَذَ قُرْصًَا فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَخَذَ آخَرَ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيَّ وَأَخَذَ الثَّالِثَ فَكَسَرَهُ فَوَضَعَ نِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَنِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيَّ، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ مِنْ أُدْمٍ؟» قَالُوا: لَا، إِلا شَيْءٌ مِنْ خَلَ فَقَالَ: «هَاتُوهُ فَنِعْمَ الْأُدْمُ هُوَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُوا الزَّيْتَ (^٣) وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَآسِيَة امْرَأَةُ فِرْعونْ (^٤)، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n=ما فيه شحم ولا ودك بالتحريك أي دسم، عطف عام على خاص أي مع خلو الطبيخ من هذا فهو لذيذ الطعم وكفاه أنه يعمل النبي - ﷺ - وصحبه.\n(^١) أدم - كقفل - والإدام ككتاب ما يؤدم به الخبز أي يساغ به، وأما الأدم بفتحتين فالجلد وليس مرادا هنا. وفي رواية» نعم الإدام الخل» لأنه أقل مؤونة وأقرب إلى القناعة.\n(^٢) هل من غداء أي هاتوا النداء بالغين وبالدال ما يؤكل أول النهار، فأتي بثلاثة أقرصة - كأرغفة - وزنًا ومعنى، فقسمها النبي - ﷺ - بينه وبين جابر، ففيه مواساة الضيف وجواز وضع الخبز أمامه بل وغيره، ولما طلب الأدم قالوا: ليس عندنا إلا الخل، قال: هاتوه فنعم الأدم هو. ولابن ماجه» اللهم بارك في الخل فإنه كان إدام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام» وفي رواية:» لم يفتقر بيت فيه خل» وإنما امتدحه - ﷺ - ترغيبا في الرضا بالقليل. وشكرا لله على نعمه.\n(^٣) قوله كلوا الزيت أي أدما للخبز وادهنوا به من بعض أمراض فإنه من شجرة مباركة هي الزيتونة التي قال فيها القرآن» يوقد من شجرة مباركة زيتونة» وسيأتي في الطب إن شاء الله.\n(^٤) ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران وآسية امرأة فرعون، وكفاهما فخرًا ثناء القرآن عليهما، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام.","vol":"3","page":134},{"text":"وَلِأَبِي دَاوُدَ: كَانَ أَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الثَّرِيدُ مِنَ الْخُبْزِ والثَّرِيدُ مِنَ الحَيْسِ (^١).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا شْتَرَى أَحَدُكُمْ لَحْمًا فَلْيُكْثِرْ مَرَقَتَهُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَحْمًا أَصَابَ مَرَقَةً وَهُوَ أَحَدُ اللَّحْمَيْنِ (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوعَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﵁ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ (^٤)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-624>تجوز الميتة للمضطر</span>\n• عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا نَزَلَ الْحَرَّةَ (^٥) وَمَعَهُ أَهْلَهُ وَوَلَدُهُ فَوَجَدَ نَاقَةً ضَلَّتْ مِنْ صَاحِبِهَا وَكَانَ سَأَلَهُ إِمْسَاكَهَا إِنْ وَجَدَهَا فَمَرِضَتْ فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ انْحَرْهَا فَأَبى فَنَفَقَتْ فَقَالَتِ اسْلُخْهَا حَتَّى نُقَدِّدَ لَحْمَهَا وَشَحْمَهَا وَنَأْكُلَهُ، فَقَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ النَّبِيَّ فَسَأَلَهُ فَقَالَ:\n_________\n(^١) أما الحيس بفتح فسكون فهو تمر ممزوج بأقط وسمن وهو أحسن طعام لما فيه من التغذية والحلاوة ولسهولة إساغته وهضمه، وأما الثريد من الخبز فلقلة مؤنته وسهولة إساغته وخفته في المعدة وسرعة هضمه.\n(^٢) إنما كان المرق أحد اللحمين لأن دسم اللحم فيه. والحديث وإن كان ضعيفا ولكن ورد من جهة أخرى صحيحًا بلفظ» لا يحقرن أحدكم شيئا من المعروف وإن لم يجد فليلق أخاه بوجه طلق وإذا اشتريت لحما فأكثر مرقته واغرف لجارك منه».\n(^٣) كان يحب الحلواء والعسل، المراد بالحلواء كل حلو، والمراد بالعسل عسل النحل، أما الحلو فلأنه لذيذ الطعم وكثير التغذية ويقوي البصر، وأما العسل فكفاه قول الله تعالى: ﴿فيه شفاء للناس﴾ وفيه ما في الحلو.\n(^٤) فالتمر في البيت يغني أهله عن القوت والإدام. وسيأتي في الطب إن شاء الله تعالى فضل عجوة المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.\n\nتجوز الميتة للمضطر\n(^٥) الحرة مكان بجوار المدينة أرضه حجارة ذات ألوان، والمدينة بين حرتين. وقوله فنفقت بفتحات أي ماتت.","vol":"3","page":135},{"text":"«هَلْ عِنْدَكَ غِنًى يُغْنِيكَ» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَكُلُوهَا قَالَ فَجَاءَ صَاحِبُهَا فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: هَلا كُنْتَ نَحَرْتَهَا» قَالَ: اسْتَحَيْتُ مِنْكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١) وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنِ الْفُجَيْعِ الْعَامِرِيِّ ﵁ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: مَا يَحِلُّ لَنَا مِنَ الْمَيْتَةِ؟ قَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قُلْنَا: نَغْتَبِقُ وَنَصْطَبِحُ (^٢) قَالَ: «ذَاكَ وَأَبِي الْجُوعُ فَأَحَلَّ لَهُمُ الْمَيْتَةَ عَلَى هذِهِ الْحَالِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-625>البقول المكروهة</span>\n• عَنْ جَابِرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا (^٣) فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ، وَأُتِيَ بِبَدْرٍ فِيهِ بُقُولٌ فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا فَسَأَلَ فَأَخْبِرَ بِمَا فِيهَا فَقَالَ: قَرِّبُوهَا إِني بَعْضِ الْأَصْحَابِ فَكَرِهَ أَكْلَهَا فَقَالَ: كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَلَفْظُهُ لِأَبِي دَاوُدَ.\n_________\n(^١) بسند صالح.\n(^٢) قوله نغتبق أي نأخذ قدحا من اللبن مساء ونصطبح نشرب قدحا صباحا، قال ذاك وأبي الجوع أي ذاك الجوع وحق أبي، ولا ينافي ما تقدم في الأيمان» من كان حالفا فليحلف بالله» لأن هذا كان قبل النهي، فأثبت لهم الجوع وأباح لهم أكل الميتة مع قدح لبن في الصباح والمساء لأنه وإن حفظ الجسم من الهلاك ولكنه لا يغذيه التغذية الكافية، وبالأولى إذا لم يكن شيء كالحديث الأول. وفيه إباحة الأكل من الميتة حتى تأخذ الأجسام حاجتها من القوت وهو رواية لمالك وقول للشافعي والراجح عنده الاقتصار على سد الرمق وعليه أبو حنيفة، والوصف بالاضطرار يوجد إذا وصل إلى حد الهلاك أو إلى مرض يفضي إليه وعليه الجمهور، وقال بعض المالكية إذا لم يأكل شيئا ثلاثة أيام فمن اضطر فله أكل الميتة وما تيسر له من مال غيره ما يدفع به عن نفسه الهلاك قال تعالى ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم﴾ نسأل الله التوفيق والعناية والحفظ والرعاية آمين.\n\nالبقول المكروهة\n(^٣) قوله أو بصلا. زاد في رواية: أو كراثا، وقوله ببدر - كشرط - أي إناء مستدير كالبدر. وقوله كل فإني أناجي من لا تناجي وفي رواية؛ إني أخاف أن أوذي صاحبي هو جبريل ﵇.","vol":"3","page":136},{"text":"• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَفَلَ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَفْلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ (^١)، وَمَنْ أَكَلَ مِنْ هذِهِ الْبَقْلَةِ الْخَبِيثَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا ثَلَاثًا (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣).\nوَقَالَ أَبو أَيُّوبَ ﵁ (^٤): كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ أَكَلَ مِنْهُ وَبَعَثَ بِفَضْلِهِ إِلَيَّ وَإِنَّهُ بَعَثَ لِي يَوْمًا بِطَعَامٍ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ لِثُومٍ فِيهِ فَسَأَلْتُهُ أَحْرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: لَا، وَلكِنِّي أَكْرَهُهُ مِنْ أَجْلِ رِيحِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَسُئِلَتْ عَائِشَةُ ﵂ عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ فَقَالَتْ: آخِرُ طَعَامٍ أَكَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامٌ فِيهِ بَصَلٌ (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) فمن بصق في حائط القبلة أو في أي جزء من المسجد غير المعد للطهارة جاء يوم القيامة وتفله في وجهه فضيحة له إلا إذا كان المسجد ترابيا ودفنها في ترابه.\n(^٢) ومن أكل من هذه البقلة الخبيثة (ما له رائحة كريهة كبصل ونحوه) فلا يقربن مسجدنا. وفي رواية: المساجد أي كلها قال تعالى: ﴿وأن المساجد الله فلا تدعوا مع الله أحدا﴾.\n(^٣) بسند فيه شيء ولكن يؤيده ما قبله.\n(^٤) أبو أيوب هذا كان النبي - ﷺ - نزل في بيته ومكث فيه أياما حينما دخل المدينة لأنه من أخوال أبيه عبد الله ثم تحول النبي - ﷺ - إلى بيوته التي اشتراها لأمهات المؤمنين ﵅.\n(^٥) أي مطبوخ. وفي رواية: نهي عن أكل الثوم إلا مطبوخا وفي أخرى إن كنتم لابد آكليها فأميتوها (أي البصل والثوم ونحوهما) طبخا ومثله الشي والقلي فإن النار تذهب الرائحة الكريهة منه، فأكل ما له رائحة كالبصل النيء مكروه للتأذي منه برائحته ولا سيما في الجماعات إلا إذا أزال الرائحة أو زالت بنفسها فلا كراهة ولأبي داود» من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا حتى يذهب ريحها» فالكراهة من حيث الرائحة فقط وإلا فهي بقول تغذي وتكثر الدم لمن قويت معدته عليها نسأل الله التوفيق لما يرضيه آمين والله أعلم.","vol":"3","page":137},{"text":"<span data-type='title' id=toc-626>الفصل الخامس في الشراب </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ (^٢)﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ﴾ (^٣).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُفِعَتْ إِلَيَّ السِّدْرَةُ (^٤) فَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ نَهْرَانِ ظَاهِرَانِ وَنَهْرَانِ باطِنَان فَأَمَّا الظَّاهِرَانِ النِّيلُ وَالْفُرَاتُ، وَأَمَّا الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ وَأُتِيتُ بِثَلَاثةِ أَقْدَاحٍ قَدَحٌ فِيهِ لَبَنٌ وَقَدَحٌ فِيهِ عَسَلٌ وَقَدَحٌ فِيهِ خَمْرٌ فَأَخَذْتُ الَّذِي فِيهِ اللَّبَنُ فَشَرِبْتُ فَقِيلَ لِي أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ أَنْتَ وَأُمَّتُكَ».\nوَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ (^٥) بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا فَأَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ وَلَوْ أَخَذْتُ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ.\nوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: لِمَّا خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَرَرْنَا بِرَاعٍ وَقَدْ عَطِشَ النَّبِيُّ ﷺ فَحلَبْتُ لَهُ كَثْبَةً (^٦) مِنْ لَبَنٍ فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَشَرِبَ حَتَّى رضيتُ رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ الشَّيْخَانِ.\n_________\nالفصل الخامس في الشراب\n(^١) أي في بيان ما شربه النبي - ﷺ - وما كان مشهورا عند العرب. وليس المراد حصر المشروب في الآتي والنهي عن غيره.\n(^٢) فكأن الله تعالى يقول: يا عبادي لَكم في الأنعام عبرة بليغة وهي أننا خلقنا لكم من بين فرثها ودمها لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين: جدت قدرته.\n(^٣) يخرج من بطونها أي النحل شراب ذو ألوان فيه شفاء للناس وهو العسل، عظمت حكمة ربنا وكثرت نعمه فله الشكر بقدرها.\n(^٤) قوله رفعت إليّ السدرة أي سدرة المنتهى وهي شجرة عظيمة بعد السماء السابعة رآها النبي - ﷺ - ليلة المعراج مجللة بآيات بينات. قال تعالى: ﴿إذ يغشى السدرة ما يغشى﴾ وقوله أربعة أنهار أي تخرج من أصلها، أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات وقدرة الله أوسع من ذلك. وقوله أصبت الفطرة أي الدين الحنيف قال تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾.\n(^٥) بإيلياء أي بيت القدس. وقوله ولو أخذت الخمر غوت أمتك أي ضلوا كلهم وهلكوا.\n(^٦) أصل الكثبة: القليل من الماء واللبن. والمراد هنا قدح لبن.","vol":"3","page":138},{"text":"وَقَالَ أَنَسٌ: سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِقَدَحِي هذَا الشَّرابَ كُلَّهُ الْعَسَلَ (^١) وَالنَّبِيذَ وَالْمَاءَ وَاللَّبَنَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُ بِيْرُحَاءَ (^٢) فَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ يُسْتَعْذَبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ الْمَاءُ مِنْ بُيُوتِ السُّقْيَا (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤) وَأَحْمَدُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-627>ما ورد في الخمر </span>(^٥)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ (^٦) ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ (^٧) ﴿وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ مِنْ فَضِيخِ\n_________\n(^١) قوله العسل وما بعده بيان للشراب. وقوله النبيذ أي نقيع التمر أو الزبيب الذي لا إسكار فيه كما يأتي.\n(^٢) بيرحاء بالمد والقصر بستان لأبي طلحة بجوار المسجد النبوي، وكان فيها بئر عذب الماء، وكان النبي - ﷺ - يدخله فيستظل ويشرب من مائه وسبق هذا في الوقف.\n(^٣) أي كان يجلب له الماء العذب من بيوت السقيا وهي عين على يومين من المدينة، وقيل قرية جامعة بين مكة والمدينة.\n(^٤) بسند صالح.\n\nما ورد في الخمر\n(^٥) أي في بيانها وأصلها وتحريمها بعد أن كانت حلالا.\n(^٦) سكرا بالتحريك أي خمرا تسكر ورزقا حسنا كالتمر والزبيب والنبيذ والخل، فكانت الخمر أولا حلالا بهذه الآية فدخل رجل في الصلاة وهو سكران فخلط في قراءته فهاج الناس فقال عمر اللهم بين لنافي الخمر بيانا شافيا فنزلت الآية» لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون» الآية ﴿ويسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾ فقرئتا على عمر فقال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ إلى قوله ﴿فهل أنتم منتهون﴾ فدعي عمر فقرئت عليه فقال انتهينا، وحكمة تحريم الخمر حفظ الأجسام والألباب والأعراض والأموال فإن شارب الخمر يصرف ماله فيما يضر جسمه وعقله بل هو عرضة لكل هلاك.\n(^٧) إنما الخمر أي شربها والميسر أي القمار، والأنصاب الأصنام التي نصبوها للعبادة، والأزلام هي القداح التي يستقسمون بها، رجس أي نجس وخبيث، من عمل الشيطان أي وسوسته، فاجتنبوه أي الرجس المعبر به عما ذكر في الآية لعلكم تفلحون.","vol":"3","page":139},{"text":"زَهْوٍ وَتَمْرٍ فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: قُمْ يَا أَنَسُ فَأَهْرِقْهَا فَأَهْرَقْتُهَا (^١). رَوَاهُ الثَّلَاثَة.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ ﷺ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَسَلِ، وَالْخَمْرُ ما خَامَرَ الْعَقْلَ (^٢) وَثَلَاثٌ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُفَارِقْنَا حَتَّى يَعْهَدَ إِلَيْنَا عَهْدًا: الْجَدُّ، وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنَ الرِّبَا (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلُوهُ عَنِ النَّبِيذِ فَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْتَبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ وَالْحَنْتَمِ (^٤). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَقِيلَ لاِبْنِ عُمَرَ ﵄: حَدِّثْنِي بِمَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْأَشْرِبَةِ بِلُغَتِكَ وَفَسَرْهُ لَنَا بلُغَتِنَا قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْخَنْتَمِ وَهِيَ الْجَرَّةُ وَعَنِ الدُّبَّاءِ وَهِيَ الْقَرْعَةُ، وَعَنِ الْمُزَفَّتِ، وَهُوَ الْمَطْلِيُّ بِالْقَارِ، وَعَنِ النَّقِيرِ وَهِيَ النَّخْلَةُ تُنْسَحُ نَسْحًا وَتُنْقَرُ نَقْرًا، وَأَمَرَ أَنْ يُنْتَبَذَ فِي الْأَسْقِيَةِ (^٥). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) الزهو - كاللهو - البسر الأحمر والأصفر، وفضيخ الزهور والتمر الخمر المأخوذة منهما وقوله فأهرقتها أي أرقتها على الأرض.\n(^٢) وهي من خمسة أشياء أي بحسب المشهور عندهم حينذاك، والعنب وما بعده بيان للخمسة وليست الخمر قاصرة عليها، ولذا قال عمر والخمر ما خامر العقل أي كل شيء غطى العقل وستره فيشمل ما يسمى خمرا وكنياكا وشمبانيا وبيرة وبوظة ونحوها حتى يشمل ما ليس بسائل مما ظهر الآن الكوكايين والهورين لحديث أحمد وأبي داود» نهى النبي - ﷺ - عن كل مسكر ومفتر» أي ما حصل منه فتور كالحشيش ونحوه.\n(^٣) حتى يعهد إلينا فيها أي حتى يبينها لنا فإنها من غوامض العلم، وقوله وأبواب من الربا هي ربا الفضل، وأما ربا النسيئة فمتفق عليه، وقد اختلفوا في بيان الكلالة كما اختلفوا في حق الجد مع الإخوة هل يحجبهم أو يحجب بهم أو يقاسمهم، وهذا كان أولا وإلا فقد تقرر حكمهم وقد سبق في الفرائض.\n(^٤) فوفد عبد القيس قبيلة مشهورة سألوا النبي - ﷺ - عن النبيذ أي عن أوانيه بدليل الجواب فأمرهم بالانتباذ في كل إناء إلا أربعة وهي: الدباء - كرمان - إناء القرع، والنقير - كأمير - إناء من الخشب وكان غالبه من النخل، والمزفت - كمعظم - المطلى بالزفت ويسمى القار، والحنتم - بحاء ونون وتاء كجعفر - الجرة المموهة بمادة ملساء.\n(^٥) من الأشربة أي أوعيتها التي ينتبذ فيها. وقوله بلغتنا أي بما نفهمه. وقوله تنسح =","vol":"3","page":140},{"text":"• عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ وَأَنَا آمُرُكُمْ بِهِنَّ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّ فِي زِيَارَتِها تَذْكِرَةً، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الْأَشْرِبَةِ إِلا فِي ظُرُوفِ الْأَدَمِ (^١) فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ غَيْرَ أَلا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لحُومِ الْأَضَاحِي بَعْدَ ثَلَاثٍ فَكُلُوا وَاسْتَمْتِعُوا بِهَا فِي أَسْفَارِكُمْ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوف وَإِنَّ ظَرْفًا لَا يُحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» (^٢). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْبِتْعِ وَهُوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ فَقَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ طَارِقٍ الْجُعْفِي ﵁ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا (^٤) فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ فَقَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلكِنَّهُ دَاءٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ دَيْلَمٍ الْحِمْيَرِيِّ (^٥) ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضٍ بَارِدَةٍ نُعَالِجُ فِيهَا عَمَلًا شَدِيدًا وَإِنَّا نَتَّخِذُ شَرَابًا مِنْ هذَا الْقَمْحِ نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى أَعْمَالِنَا وَعَلَى بَرْدِ بِلَادِنَا قَالَ: «هَلْ يُسْكِرُ؟» قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: «فَاجْتَنِبُوهُ» فَقُلْتُ: إِنَّ النَّاسَ\n_________\n= نسحًا أي تقشر ثم تنقر، وأمر أن ينتبذ في الأسقية جمع سقاء وهو إناء الماء من الجلد كالقرب المشهورة، وإنما نهى أولا عن الانتباذ في هذه الظروف لسرعة الشدة إلى ما فيها فربما صار خمرا ولا يشعرون، بخلاف الأسقية فلذا أمرهم بالانتباذ فيها.\n(^١) إلا في ظروف الأدم بالتحريك أي الجلد.\n(^٢) عن الظروف أي عن بعضها وهو ما تقدم، والظرف لا يحلل ولا يحرم، فانتبذوا في كل ظرف ولا تشربوا مسكرًا، وكالنهي عن بعض الأوعية أولا النهي عن الخليطين كتمر بزبيب وكتمر بحنطة وكشعير بزبيب لأن الإسكار يسرع إلى الخليطين قبل تغير طعمهما فيظن أنه ليس بمسكر وهو مسكر، وقد وردت عدة نصوص بهذا ولكن المدار على الإسكار وعدمه سواء كان المنبوذ واحدا أو أكثر. والله أعلم.\n(^٣) البتع كبئر شراب أهل اليمن. فقال كل ما أسكر فهو حرام من أي شيء وفي أي وعاء.\n(^٤) أو كره للشك.\n(^٥) ديلم الحميري بكسر فسكون نسبة إلى حمير كدرهم أبو قبيلة بموضع غربي صنعاء اليمن.","vol":"3","page":141},{"text":"غَيْرُ تَارِكِيهِ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَتْرُكُوهُ فَقَاتِلُوهُمْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرَقُ (^٣) فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-628>التحذير من شرب الخمر</span>\nقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ مُسْكِر خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَماتَ وَهُوَ يُدْمِنهَا (^٤) لَمْ يَتُبْ لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخِرَةِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا (^٥) وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦) وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) بسند صالح. فطارق الجعفي سأله عنها للدواء فنهاه عنها بل وزاده أنها داء ضار. والحميري ذكر للنبي - ﷺ - أن بلادهم شديدة البرد وأنهم يزاولون أعمالا شاقة وأن الخمر لازمة لهم لدفع البرد وإعانتهم على أعمالهم، فنهاه عنها، بل وأمره بقتال من يشربها، فهذان يدلان على أنها حرام من الكبائر وأنها لا تصلح للدواء ولا غيره. ومنه ما روي» لن يجعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليها».\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) قوله الفرق بالتحريك: مكيال يسع ستة عشر رطلا، ففيهما أن كل ما أسكر الكثير منه فقليله حرام وإن لم يسكر سواء كان من العنب أو غيره. والله تعالى أعلى أعلم.\n\nالتحذير من شرب الخمر\n(^٤) وهو يدمنها أي يداوم عليها، فمن داوم على شرب الخمر ولم يتب حتى مات حرم منها في الآخرة أي لم يشربها في الجنة.\n(^٥) ومبتاعها أي مشتريها.\n(^٦) بسند صالح.","vol":"3","page":142},{"text":"وَقَدِمَ رَجُلٌ مِنْ جَيْشَانَ (^١) فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنَ الذُّرَةِ يُقَالُ لَهُ الْمِزْرُ فَقَالَ ﷺ: «أَوَ مُسْكِرٌ هُوَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ إِنَّ عَلَى اللَّهِ ﷿ عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا بُخِسَتْ صَلَاتُهُ (^٢) أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ». قِيلَ: وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ، وَمَنْ سَقَاهُ صَغِيرًا لَا يَعْرِفُ حَلَالَهُ مِنْ حَرَامِهِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ (^٤) وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا فَيُبَيِّتَهُمُ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعَلَمَ وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٥).\n_________\n(^١) جيشان موضع باليمن، والمزر مشروب لهم من الذرة، استفهموا عن إباحة شربه فلما علم أنه مسكر نهاهم عنه.\n(^٢) بخست صلاته أربعين صباحا أي لم تقبل صلاته هذه المدة. وقوله فإن عاد الرابعة أي المرة الرابعة. ولفظ الترمذي من شرب الخمر لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحًا فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد الرابعة لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحًا فإن تاب لم يتب الله عليه وسقاه من نهر الخبال، قيل يا أبا عبد الرحمن وما نهر الخبال؟ قال نهر من صديد أهل النار.\n(^٣) بسند حسن.\n(^٤) يستحلون الحر بكسر الحاء وتخفيف الراء الفرج والمراد الزنا، والحرير، أي نبسه والخمر أي شربها والمعازف جمع معزفة وهي آلة اللهو كالعود والطنبور، ولينزلن أقوام إلى جنب علم أي جبل عال يروح عليهم بسارحة لهم أي يسرح لهم راعيهم بمواشيهم ويرجع بها، يأتيهم أي الفقير لحاجة له فيقولون ارجع لنا غدًا فيبيتهم الله أي يهلكهم ويضع العلم أي يوقعه عليهم، ومن لم يهلكوا بهذا يمسخون قردة وخنازير إلى الأبد، ففيه وقوع المسخ في هذه الأمة وأنه باق إلى يوم القيامة.\n(^٥) ولكن البخاري هنا وأبو داود في اللباس.","vol":"3","page":143},{"text":"وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَها بِغَيْرِ اسْمِهَا (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَنَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاقْتُلُوهُ». وَفِي رِوَايَةٍ: «فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ (^٢)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: اجْتَنِبُوا الْخَمْرَ فَإِنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ (^٣) إِنَّهُ كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ خَلَا قَبْلَكُمْ فَعَلِقَتْهُ امْرَأَةٌ غَوِيَّةٌ (^٤) فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ جَارِيَتَهَا تَطْلُبُهُ لِلشَّهَادَةِ فَانْطَلَقَ مَعَهَا فَجَعَلَتْ كُلَّمَا دَخَلَ بَابًا أَغْلَقَتْهُ دُونَهُ حَتَّى أَفْضى إِلَى امْرَأَةٍ وَضِيئَةٍ (^٥) عِنْدَهَا غُلَامٌ وَبَاطِيَةُ خَمْرٍ فَقَالَتْ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا دَعَوْتُكَ لِلشَّهَادَةِ وَلكِنِّي دَعَوْتُكَ لِتَقَعَ عَلَيَّ أَو تَشْرَبَ مِنْ هذِهِ الْخَمْرَةِ كَأْسًا أَوْ تَقْتُلَ هذَا الْغُلَامَ (^٦) قَالَ: فَاسْقِنِي مِنْ هذَا الْخَمْرِ كَأْسًا فَسَقَتْهُ قَالَ: زِيدُونِي فَلَمْ يَرِمْ حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا وَقَتَلَ النَّفْسَ، فَاجْتَنِبُوا الْخَمْرَ فَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَا يَجْتَمِعُ وَالْإِيمانَ أَبَدًا إِلا يُوشِكُ أَحَدُهُمَا أَنْ يُخْرِجَ صَاحِبَهُ.\n_________\n(^١) والمراد من الحديثين التحذير من الاسترسال في المعاصي فربما استحلها فيكفر وسيشرب الخمر ناس ويزعمون أنها ليست خمرا لأسماء سموها بها كالكونياك والبيرة والشمبانيا ونحوها، فإن الخمر في نظر الشارع ما غطى العقل سواء كان اسمه خمرًا أو غيره كما تقدم.\n(^٢) صرح بقتله إن عاد للشرب مرة رابعة وهذا منسوخ بحديث الترمذي عن جابر عن النبي - ﷺ - قال» إن شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه» ثم أتى النبي - ﷺ - بعد ذلك برجل قد شرب الخمر في الرابعة فضربه ولم يقتله. قال الترمذي: وعامة أهل العلم سلفا وخلفًا على ذلك، ويؤيده حديث» لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث» وتقدم في الحدود.\n(^٣) أم الخبائث، أي أصلها فإن من شرب الخمر غاب عقله وارتكب كل مكروه.\n(^٤) أي تعلقت بحبه امرأة زانية.\n(^٥) أي دخل على امرأة جميلة عندها غلام وباطية أي إناء فيه خمر. وقوله فلم يرم، من رام يريم أي لم يفارق مكانه.\n(^٦) فلما عرضت عليه الزنا أو القتل أو شرب الخمر طلب الخمر لفهمه أنه أخف لأنه حق الله فقط بخلاف القتل والزنا، ولكنه لما شرب ما فارق مجلسه حتى زنا بها وقتل الغلام، فاجتنبوا الخمر فإنها لا تتفق مع الإيمان أبدا.","vol":"3","page":144},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ (^١) وَلَا عَاقٌّ وَلَا مَدْمِنُ خَمْرٍ». رَوَاهُمَا النَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-629>خاتمة - الخمر لا تخلل</span>\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلا (^٢) فَقَالَ: لَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ ﵁ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا قَالَ: «أَهْرِقْهَا» قَالَ: أَفَلَا أَجْعَلُهَا خَلا قَالَ: «لَا (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَالِحٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-630>يباح النبيذ ما لم يسكر </span>(^٥)\nدَعَا أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ﵁ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي عُرْسِهِ فَكَانَتِ امْرَأَتُهُ يَوْمَئِذٍ خَادِمَهُمْ وَهِيَ الْعَرُوسُ قَالَ سَهْلٌ ﵁: تَدْرُونَ مَا سَقَتِ النَّبِيَّ ﷺ أَنْقَعَتْ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ فَلَمَّا أَكَلَ سَقَتْهُ إِيَّاهُ (^٦).\nرَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\n(^١) المنان هو من يمن على من أعطاه، والمن حرام لأنه يبطل المعروف قال تعالى ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ إلا من الوالد والأستاذ والرجل على زوجته لعظم حقهم، وقوله ولا عاق أي لوالديه، فالمنان والعاق لوالديه ومد من الخمر لا يدخلون الجنة أي مع السابقين أو إن استحلوا ذلك أو هو للتنفير عن تلك الصفات الذميمة. اللهم وفقنا يا رحمن آمين والله أعلم.\n\n﴿خاتمة﴾ الخمر لا تخلل\n(^٢) تتخذ خلا أي تعالج حتى تصير خلا فيحل تناوله قال: لا.\n(^٣) ولكن مسلم هنا والترمذي في البيع.\n(^٤) فظاهرهما أن الخمر باقية على نجاستها ولا تطهر بحال من الأحوال فلا تصير خلا ولا غيره وعليه الجمهور، وهذا إذا خللها بوضع شيء فيها كبصل وخبز لأنه يتنجس بها أولا ثم يعود عليها بالتنجيس إذا تخللت، أما تخليلها بنقلها من شمس إلى ظل وعكسه فيصح وتصير طاهرة، وإذا طهرت طهر ذنها تبعًا لها. وعليه الشافعية، وعن مالك ثلاث روايات. وقال الأوزاعي وأبو حنيفة إنها تطهر إذا تخللت ولو بإلقاء شيء فيها لأنها استحالت من نجاسة إلى طهارة. والله أعلم.\n\nيباح النبيذ ما لم يسكر\n(^٥) المراد بالنبيذ نقيع التمر والزبيب ونحوها من كل ثمر حلو جاف كالتين فيجوز شربه ما لم يسكر.\n(^٦) قال سهل هو الراوي عن أبي أسيد ﵄، والتور الإناء من حجر والسقاء الإناء من جلد.","vol":"3","page":145},{"text":"• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنَّا نَنْبِذ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي سِقَاءٍ يُوكى أَعْلَاهُ (^١) وَلَهُ عَزْلَاءُ نَنْبِذُهُ غُدْوَةً فَيَشْرَبُهُ عِشَاءً وَنَنْبِذُهُ عِشاءً فَيَشْرَبُهُ غُدْوَةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُنْقَعُ لَهُ الزَّبِيبُ مَسَاءً (^٢) فَيَشْرَبُهُ الْيَوْمَ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ إِلَى مَسَاءِ الثَّالِثَةِ ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِ فَيُسْقَى أَوْ يُهَرَاقُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ.\nوَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ: كَانَ يُنْبَذُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي سِقَاءٍ فإِذَا لَمْ يَجِدُوهُ نَبَذُوا لَهُ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ (^٣). وَاللَّهُ أَعْلَمُ. نَسْأَلُ اللَّهَ السَّتْرَ وَالتَّوْفِيقَ آمِين.\n_________\n(^١) يوكى أعلاه أي يربط أعلاه بالوكاء وله عزلاء أي ثقب في أسفله للصب منه فكأنه معلق من أعلاه والصب من أسفله.\n(^٢) فكانوا ينقعون للنبي - ﷺ - الزبيب مثلا فيشرب منه ثلاثة أيام كلما أخذوا منه وضعوا ماء إلى الليلة الثالثة ثم يأمرهم فيسقونه لغيره إن لم يظهر فيه تغير وإلا أمرهم بإراقته.\n(^٣) ففي هذه النصوص جواز الانتباذ وشربه ولو أياما ما دام حلوا إلا إذا اشتد وتغير وصار مسكرًا فإنه يحرم لأنه صار خمرا، ومن هذا ما يصنعه عندنا بائعو الشراب كشراب الزبيب والتين فهو من نوع ما كان في زمنه - ﷺ -. نسأل الله التوفيق آمين والحمد لله رب العالمين.","vol":"3","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-631>كتاب اللباس</span>\nوفيه خمسة أبواب وخاتمة\n\n<span data-type='title' id=toc-632>الباب الأول في تحريم الحرير والذهب والفضة على الرجال </span>(^١)\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ (^٢)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\nوَكَانَ حُذَيْفَةُ ﵁ بِالْمَدَائِنِ (^٣) فَاسْتَسْقَى فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ بِمَاءٍ فِي إِنَاءِ فِضَّةٍ فَرَمَاهُ بِهِ وَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَرْمِهِ إِلا أَنِّي نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْحَرِيرُ وَالدِّيبَاجُ هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ». وَفِي رِوَايَةٍ: نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيهِ. رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ثَوْبُ حَرِيرٍ فَجَعَلْنَا نَلْمِسُهُ (^٤) وَنَتَعَجَّبُ مِنْهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ هذَا؟» قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «مَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ هذَا». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ: قَالَ أَنَسٌ ﵁ حِينَمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَدَخَلَ عَلَيْهِ وَاقِدُ بْنُ عَمْرِو\n_________\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\nكتاب اللباس وفيه خمسة أبواب وخاتمة. الباب الأول في الحرير والذهب\n(^١) إنما حرم على الرجال الذهب والفضة لأنهما خلقا للتعامل ولما فيهما من الخيلاء وكسر قلوب الفقراء، وإنما جازا للنساء للتزين بهما، وإنما حرم الحرير على الرجال لأن فيه نعومة لا تناسب شهامتهم ولأنه للزينة وهي بالنساء أليق.\n(^٢) أي من الرجال.\n(^٣) المدائن مدينة عظيمة يقطنها ملوك الأكاسرة، والدهقان بالضم والكسر رئيس القرية، والحرير المستخرج من الدود مطلقا، والديباج ما غلظ من ثياب الحرير كالاستبرق، والسندس الرقيق منه، فالثلاثة أنواع للحرير. وقوله نهانا أن نشرب في آنية الذهب والفضة، الواو بمعنى أو.\n(^٤) قوله نلمسه بضم الميم أكثر من الفتح والكسر وكان هذا قبل تحريم الحرير على الرجال.","vol":"3","page":147},{"text":"بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ كَانَ سَعْدٌ أَعْظَمَ النَّاسِ وَأَطْوَلَهُمْ ثُمَّ بَكَى فَأَكْثَرَ الْبُكَاءَ وَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ إِلَى أُكَيْدِرَ (^١) صَاحِبِ دُومَةَ بَعْثًا فَأَرْسَلَ أُكَيْدِرُ إِلَيْهِ بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ مَنْسُوجٍ فِيهَا الذَّهَبُ فَلَبِسَهَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَامَ علَى الْمَنْبَرِ وَقَعَدَ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ وَنَزَلَ فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْمِسُونَهَا بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ: «أَتَعجَبُونَ مِنْ هذِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْهَا».\n\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ (^٢) فَلَبِسَهُ فَصَلَّى فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ ثُمَّ قَالَ: «لَا يَنْبَغِي هذَا لِلْمُتَّقِينَ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَخَطَبَ عُمَرُ ﵁ بِالْجَابِيَةِ (^٣) فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلا مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَاشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ مِنَ السُّوقِ ثَوْبًا شَامِيًّا فَرَأَى فِيهِ خَيْطًا أَحْمَرَ (^٤) فَرَدَّهُ فَسُئِلَتْ عَنْ ذلِكَ أَسْمَاءُ فَقَالَتْ: يَا جَارِيَةُ نَاوِلِينِي جُبَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْرَجَتْ جُبَّةُ طَيَالِسَةٍ مَكْفُوفَةَ الْجَيْبِ وَالْكُمَّيْنِ وَالْفَرْجَيْنِ بِالدِّيبَاجِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ وَزَادَ وَقَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لْلْمَرْضى يُسْتَشْفَى بِهَا (^٥).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ\n_________\n(^١) قوله أكيدر مصغرًا وغير مصروف أجد ملوك العرب، والديباج الحرير، ودومة بالضم والفتح هي دومة الجندل مكان به حصن مشهور في جزيرة العرب جهة اليمن.\n(^٢) فرُّوج حرير بالإضافة أي من حرير، والفروج بفتح ففم مع التشديد: قباء مشقوق من خلفه، فلما لبسه النبي - ﷺ - وصلى فيه نزعه بشدة وقال لا ينبغي هذا للمتقين، وبهذا صار الحرير حرامًا على الرجال ولبسه في الحديث السابق كان قبل تحريمه.\n(^٣) الجابية مكان بالشام. وقوله إلا موضع إصبعين الخ ظاهره العموم أي في الأطراف وغيرها.\n(^٤) فرأى فيه خيطًا أحمر أي من حرير فرده لهذا فسئلت أسماء فأمرت بإحضار حبة النبي - ﷺ - فإذا هي جبة طيالسة أي جبة غليظة كأنها من الطيلسان ولكنها مطرزة بالحرير في جيبها أي طوقها وكيها وذيلها، ففيه رد على ابن عمر وجواز مثل هذا.\n(^٥) فهم يغسلونها ويستشفون ويتبركون بمائها، ففيه جواز التبرك بآثار الصالحين.","vol":"3","page":148},{"text":"عَنه الثَّوْبِ الْمُصْمتِ مِنَ الْحَرِيرِ فَأَمَّا الْعَلَمُ وَسَدَى الثَّوْبِ مِنَ الْحَرِيرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ (^١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحِكَّةٍ (^٢) كَانَتْ بِهِمَا. رَوَاهُ الثَّلَاثةُ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ أَنْهُمَا شَكَوَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الْقَمْلَ فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصٍ الْحَرِيرِ فِي غَزَاةٍ لَهُمَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا (^٣) بِبُخَارَى عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ عَلَيْهِ عِمَامَةُ خَزَ سَوْدَاءُ فَقَالَ: كَسَانِيهَا النَّبِيُّ ﷺ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَأَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: قَدْ لَبِسَ الْخَزَّ عِشْرُونَ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ أَخَذَ حَرِيرًا فَجَعَلَهُ فِي يَمِينِهِ وَأَخَذَ ذَهَبًا فَجَعَلَهُ فِي شِمالِهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذكُورِ أُمَّتِي (^٤). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٥).\nوَقَالَ مُعَاوِيَةُ وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ: أَتَعْلَمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ: وَنَهَى عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلا مُقَطَّعًا (^٦) قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.\n_________\n(^١) المصمت الخالص من الحرير، والعلم بالتحريك كالطراز والسجاف، والسدي - كالحصى - خيوط الطول في المنسوج خلاف اللحمة فإنها نسيج العرض.\n(^٢) الحكة - كالعفة - هي الجرب ويشعله ما فيه خشونة، فلهذا أباح لها الحرير الخالص لنعومته كما أباحه لها من القمل في الحديث الآتي.\n(^٣) ذلك الرجل هو أمير خراسان واسمه عبد الله السلمي، والخز ما سداه حرير ولحمته من غيره. وقيل الخز الذي كان في زمنه - ﷺ - حرير ممزوج بوبر الأرنب. فمعنى ما تقدم أنه يجوز لبس ما بعضه من الحرير، بل عند الشافعية يجوز ما بعضه أو نصفه من الحرير، ومنه القطنية المشهورة عندنا صنع الشام ومصر، فإن الصانعين لها يعترفون أن غير الحرير أكثر، أما ما كان خالصا من الحرير فحرام على الرجال، وهذا كله حيث لا عذر وإلا فلا حرمة لحديث أنس. وإلى هنا انتهى الكلام على الحرير وما يأتي في الذهب.\n(^٤) هذا صريح في تحريم الذهب والحرير على الذكور دون الإناث بأى استعمال كان وإن كان لفظ الترمذي» حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم».\n(^٥) بسند صحيح.\n(^٦) قوله إلا مقطعًا أي قطعا صغيرة كالسن والأنف وجزء الإصبع، وليس من القليل الساعة الذهبية التي اشتهرت الآن.","vol":"3","page":149},{"text":"• عَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ أَسْعَدَ ﷺ قَالَ: أُصِيبَ أَنْفِي يَوْمَ الْكُلَابِ (^١) فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَاتَّخَذْتُ أَنْفًَا مِنْ وَرِقٍ فَأَنْتَنَ عَلَيَّ فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢) وَصَاحِبَاهُ. نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-633>يجوز الحرير والذهب للإناث</span>\nقَالَ أَنَسٌ ﵁: رَأَيْتُ عَلَى أُمِّ كُلْثُومٍ ﵍ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ بُرَدَ حَرِيرٍ سِيَرَاءَ (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: أَهْدَى لِيَ النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةً سِيَرَاءَ فَلَبِسْتُهَا فَعَرَفْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ: «إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا إِنَّمَا بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتُشَقِّقَهَا خُمُرًا (^٤) بَيْنَ النِّسَاءِ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n_________\n(^١) الكلاب موضع كانت به وقائع، فأجاز له الأنف من الذهب لأنه لا ينتن لصفاء جوهره، ويقاس عليه مثله كالسن والإصبع.\n(^٢) بسند حسن، وقال الترمذي روي عن غير واحد من أهل العلم أنهم شدوا أسنانهم بالذهب.\n\nيجوز الحرير والذهب للنساء\n(^٣) قوله برد حرير بالإضافة، وسيراء بكسر ففتح نوع من البرود مضلع بالقز أي فيه خطوط حرير غليظة كالضلوع.\n(^٤) خمُرًا بضمتين جمع خمار وهو ما يغطى به الرأس والرقبة من المرأة. وفي رواية» إن أكيدر دومة أهدى للنبي - ﷺ - ثوب حرير فأعطاه عليًا وقال شققه خمرًا بين الفواطر» وهي فاطمة بنت أسد أم على ﵁، وفاطمة زوجة على بنت النبي - ﷺ -، وفاطمة بنت حمزة عم على ﵃ أجمعين، ففي هذه النصوص جواز الحرير للنساء، وجواز الذهب لهن تقدم في حديث علي ﵁ القائل: (حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم) والله أعلم.","vol":"3","page":150},{"text":"<span data-type='title' id=toc-634>الباب الثاني في أنواع الملبوسِ </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَحْكِي قَوْلَ يُوسُفَ ﵇ لِإِخْوَتِهِ: ﴿اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي﴾ (^٢) ﴿هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ أَحَبَّ (^٣) الثِّيَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقَمِيصُ. رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٤). قَالَ مَخْرَمَةُ ﵁ لِابْنِهِ الْمِسْوَرِ: يَا بُنَيَّ بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَتْهُ أَقْبِيَةٌ (^٥) فَهُوَ يَقْسِمُهَا فَاذهَبْ بِنَا إِلَيْهِ فَذَهَبْنَا فَوَجَدْنَاهُ فِي الْمَنْزِلِ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ ادْعُهُ لِي فَأَعْظَمْتُ ذلِكَ فَقُلْتُ: أَدْعُو لَكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّهُ لَيْسَ بِجَبَّارٍ فَدَعَوْتُهُ فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرَّرٌ بِالذَّهَبِ فَقَالَ: «يَا مَخْرَمَة هذَا خَبَأْنَاهُ لَكَ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَلْبَسَها الْحِبَرَةَ (^٦). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا (^٧) فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسائِيُّ.\n_________\n(في الباب الثاني في أنواع الملبوس)\n(^١) ليس المراد حصر الملبوس في الآتي وإنما المراد بيان ما لبسه النبي - ﷺ - وما كان مشهورا عند العرب.\n(^٢) القميص معروف وهو ملبوس قديم.\n(^٣) بنصب أحب على الخبرية ورفعه على الاسمية، وإنما كان القميص أحب إليه - ﷺ - لأنه أستر من نحو رداء وإزار ولا يحتاج إلى ربط مثلهما.\n(^٤) بسند حسن.\n(^٥) جاءته أقبية جمع قباء بالفتح والمد وهو ملبوس له كمان مفتوح من أمام يلف أحد طرفيه على الآخر وهو من صنع العجم فهو فارسي معرب وقد اشتهر في مصرنا بالقفطان وهذا كان قبل تحريم الحرير، وفيه جواز الأزرار من ذهب لأنه من القليل السابق جوازه أو كان قبل تحريم الذهب.\n(^٦) الحبرة بالرفع والنصب كما تقدم في الحديث الأول، والحبرة - كعنية - برد يماني من قطن\nذو ألوان، وقيل لونها أخضر وكان النبي - ﷺ - ما يحبه لأنه لباس أهل الجنة.\n(^٧) الإزار والسراويل كلاهما ملبوس يستر من السرة إلى أسفل الجسم، إلا أن السراويل مخيط، والإزار ليس بمخيط ولكن يلف طرفه على الآخر.","vol":"3","page":151},{"text":"قَالَ أَنَسٌ ﵁: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِبَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً أَثَّرَتْ فِي صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذهي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ ضْحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِالْعَطَاءِ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ (^٢) فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَسَجْتُ هذِهِ بِيَدِي أَكْسُوكَهَا فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ فَحَبَسَّهَا رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اكْسُنِيهَا قَالَ: نَعَمْ، فَجَلَسَ مَا شَاءَ اللَّهُ فِي الْمَجْلِسِ ثُمَّ رَجَعَ فَطَواهَا ثمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، سَأَلْتَهَا إِيَّاهُ وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ سَائِلًا فَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهَا إِلا لِتَكُونَ كَفَنِي يَوْمَ أَمُوتُ، فَكَانَتْ كَفَنَهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-635>يجوز لبس الصوف والشعر وغيرهما </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ (^٤) ﴿وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.\n_________\n(^١) البرد ملبوس مخطط يستر أعلى الجسم ليس بمخيط ولكن يلف طرفه على الآخر ويسمى رداء، وهو المشهور في مصرنا بالشال، ونجراني نسبة لنجران بلد باليمن، وقوله فجبذه بياء وذال ويصح لغة عكسه فالنبي - ﷺ - فضلا عن عفوه عنه أكرمه وأعطاه، وهذا نهاية الكرم. وسيأتي الحديث في الأخلاق إن شاء الله.\n(^٢) البردة هي الشملة التي يتغطى بها ونسيج حاشيتها يخالف أصلها وتلبس إزارا ورداء. والله أعلم\n\nيجوز لبس الصوف والشعر وغيرهما\n(^٣) الصوف من الضأن والشعر من المعز والوبر من الإبل ونحوها مما يؤكل قال تعالى ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعا إلى حين﴾.\n(^٤) من حرم زينة الله التي أخرج لعباده أي من أجناس الملبوس وأنواعه الحلال، والطيبات من الرزق أي من الحلال والمستلذ منه، أي لا أحد يحرمها بعد أن أحلها الله لعباده فهى حلال لهم في الدنيا ولا حساب عليها في الآخرة.","vol":"3","page":152},{"text":"• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي سَفَرٍ فَقَالَ: «أَمَعَكَ مَاءٌ؟» قُلْتُ: نَعَمْ فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَشَى حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فِي سَوَادِ اللَّيْلِ ثُمَّ جَاءَ فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ الْإِدَاوَةَ (^١) فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا منْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: «دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ وَعَلَيْهِ مِرْطٌ (^٢) مُرَحَّلٌ مِنْ شَعَرٍ أَسْوَدَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا إِزَارًا غَلِيظًا مِمَّا يُصْنَعُ بِالْيَمَنِ (^٣) وَكِسَاءً مِنَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْمُلَبَّدَةَ فَأَقْسَمَتْ بِاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُبِضَ فِي هذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ. رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي أَبِي: يَا بُنَيَّ لَوْ رَأَيْتَنَا وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ أَصَابَتْنَا السَّمَاءُ (^٤) حَسِبْتَ أَنَّ رِيحَنَا رِيحُ الضَّأْنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥).\nوَقَالَ عُقْبَةُ السُّلَمِيُّ ﵁: اسْتَكْسَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَكَسَانِي خَيْشَتَيْنِ (^٦) فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَأَنَا أَكْسَى أَصْحَابِي.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَهْدَى مَلِكُ ذِي يَزَنَ (^٧) إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حُلَّةً بِثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثينَ نَاقَةً فَقَبِلَهَا.\n_________\n(^١) الإداوة إناء صغير من جلد للماء. والجبة معروفة. وقوله من صوف محل الشاهد وسبق الحديث في الخفين.\n(^٢) المرط - كالبئر - كساء يؤتزر به من شعر أو صوف أو كتان. وقولها، مرحل أي عليه صور الحال.\n(^٣) أما الإزار صنيع اليمن فقد تقدم أنه الخبرة، وأما الكساء الملبدة فمن التلبيد وهو الترقيع، وقيل ما ثخن وسطه وغلظ حتى صار يشبه اللبد فلم تذكر جنسه من صوف أو غيره ولكن الظاهر أنه من صوف.\n(^٤) السماء المطر ظننت أن ريحنا كريم الضأن من ثياب الصوف التي تباشر أبداننا وتبتل من المطر والعرق فتتغير.\n(^٥) بسند صحيح.\n(^٦) خيشتين تثنية خيشة وهي من رديء الكتان بخيوط غليظة ونسيج واسع.\n(^٧) ملك ذي يزن بياء فزاي فنون مفتوحات: اسم واد ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل، وعلم على بطن من حمير، فملك ذي يزن ملك حمير.","vol":"3","page":153},{"text":"وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: اشْتَرَى النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةً بِبِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ قَلُوصًا (^١) فَأَهْدَاهَا إِلَى ذِي يَزَنَ. رَوَى الثَّلَاثَةَ أَبُو دَاوُدَ (^٢).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَوْبًا مِثْلَهُ (^٣) ثُمَّ تَلَهَّبُ فِيهِ النَّارُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-636>ألوان الثياب</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَآئِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي رِمْثَةَ (^٤) ﵁ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي نَحْوَ النَّبِيِّ ﷺ فَرَأَيْتُ عَلَيْهِ بُرْدَيْنِ أَخْضَرَيْنِ. رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٥).\n\n• عَنْ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ بِشِمَالِ النَّبِيِّ ﷺ (^٦) رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ يَوْمَ أُحُدٍ مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الْفَضَائِلِ. وَزَادَ يَعْنِي جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ ﵉.\n_________\n(^١) القلوص بالفتح الشابة من الإبل، فالنبي - ﷺ - لما أهدى له ملك حمير حلة ثمينة قبلها وأثابه عليها أي كافأه بإهداء مثلها.\n(^٢) بأسانيد صالحة.\n(^٣) وفي رواية: ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة.\nوثوب الشهرة ما خالف لونه ثياب الناس أو كان مرقعًا فيزهو لابسه ويختال على الناس تظاهرا لهم بزهده فمن فعل هذا شهر الله به وفضحه يوم القيامة وأشعل ملابسه بالنار زيادة عذاب عليه. ففي هذه الأحاديث جواز لبس الصوف والشعر والكتان ونحوها، ويقاس عليها كل طاهر يستر الجسم ويحفظه بل ويجوز لبس ما غلا ثمنه وما رخص ولو كثيرا ما لم يكن للشهرة وإلا كان وبالا عليه. والله أعلم.\n\nألوان الثياب\n(^٤) أبي رمثة بكسر فسكون واسمه رفاعة أو حبيب بن وهب، ذهب مع أبيه للنبي - ﷺ - فرأى عليه ردين أخضرين أي لونهما كله أخضر أو مخطط بالأخضر لأن البرود غالبًا كانت مخططة بالألوان واللون الأخضر نافع للأبصار وجميل في أعين الناظرين، ولذا كان لون لباس أهل الجنة.\n(^٥) بسند حسن.» تنبيه» مرويات الترمذي هنا في كتاب الأدب.\n(^٦) بشمال النبي - ﷺ - أي واقفين على يساره يحفظانه في غزوة أحد، وهما جبريل وميكائيل ﵉.","vol":"3","page":154},{"text":"• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ نَائِمٌ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذلِكَ إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ (^١) فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ وَإِنَّ خَيْر أَكْحَالِكُمُ الْإِثْمِدُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعَرَ». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢).\nوَمَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحْمَرَانِ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (^٣) فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَرْبُوعًا وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ (^٥) مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: صُنِعَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: بُرْدَةٌ سَوْدَاءُ فَلَبِسَهَا فَلَمَّا عَرِقَ فِيهَا وَجَدَ رِيحَ الصُّوفِ فَقَذَفَهَا (^٦) وَكَانَ يُعْجِبُهُ الرِّيحُ الطَّيِّبُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧) وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: نَهَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنَزَعْفَرَ الرَّجُلُ (^٨). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: نَهَانِي النَّبِيُّ ﷺ عَنِ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ وَعَنْ لِبَاسِ الْقَسِّيِّ (^٩) وَعَنِ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وعَنْ لِبَاسِ الْمُعَصْفَرِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n_________\n(^١) إنما كان الأبيض من خير الثياب لدلالته على التواضع وعدم الكبر لخلوه من الألوان. وسيأتي الإثمد في الطب إن شاء الله.\n(^٢) بسند صحيح.\n(^٣) كراهة للبسه الأحمر أو لإعجابه به.\n(^٤) بسند حسن.\n(^٥) الحلة لا تكون إلا من ثوبين لحلول أحدهما على الآخر، وهذا قد نسخ ما قبله أو نسخ تحريمه.\n(^٦) قذفها أي نزعها ورماها لأنه شم منها رائحة الصوف.\n(^٧) بسند صالح، ومعنى ما تقدم أن النبي ﷺ لبس الأخضر والأبيض والأحمر والأسود بل ولبس المخطط من لونين، فهذا كله جائز إلا ما عزّ لونه فإنه يكون من قبيل ثوب الشهرة السالف.\n(^٨) أي يتضمخ بالزعفران أي يلطخ جسمه به أو يلبس المصبوع به.\n(^٩) القسى الحرير أو ما أكثره حرير، والمعصفر المصبوغ بعصفر.","vol":"3","page":155},{"text":"وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄: رَأَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ: إِنَّ هذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ (^١). وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ: أُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهذَا؟ قُلْتُ: أَغْسِلُهُمَا قَالَ: بَلِ احْرِقْهُمَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-637>العمامة والعذبة </span>(^٢)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ (^٣).\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ (^٤) قَدْ أَرْخَى طَرَفَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ. رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ حَرْقَانِيَّةٌ (^٥). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.\nوَقَالَ كَانَةُ ﵁: صَارَعْتُ\n_________\n(^١) من ثياب الكفار أي من زيهم الذي لا يناسب المسلم، فالنهي عن المزعفر والمعصفر للذكر فقط للونهما الذي هو من زى الكفار، أو لأنه يلفت الأنظار فيكون ثوب شهرة، أو لرائحتهما، أو لأنه من لبس النساء وزيهن فلا يليق بالرجل، وهل النهى للتحريم؟ قال به بعضهم. أو الكراهة قال به آخرون، ولكن الجمهور سلفًا وخلفًا على أنه للتنزيه لحديث أبي داود والنسائي وبعضه للشيخين» كان ابن عمر يصبغ لحيته بالصفرة حتى تمتلئ ثيابه منها، فقيل له لم تصبغ بالصفرة، فقال إني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها ولم يكن شيء أحب إليه منها، وقد كان يصبغ ثيابه كلها حتى عمامته» والحديث البراء السابق» رأيت النبي ﷺ في حلة حمراء» وكان الصبغ بالأحمر لا يخلو من الزعفران، ولعل النهي عن المزعفر والمعصفر لمن كان في إحرام. والله تعالى أعلم.\n\nالعمامة والعذبة\n(^٢) العمامة بالكسر ما يلف على الرأس، والعذبة طرف العمامة المرسل من الخلف.\n(^٣) اللون الأسود اتفاق ولكن فيه إشارة إلى سيادته ﷺ في الدنيا والآخرة.\n(^٤) هذه هي العذبة وهذا الحديث وحديث ابن عمر الآتي تقدما في العمامة في سنن الصلاة كما تقدم شرحهما وحكمة العمامة.\n(^٥) حرقانية بفتح فسكون لونها كلون ما أحرقته النار نسبة إلى الحرق بزيادة ألف ونون.","vol":"3","page":156},{"text":"النَّبِيَّ ﷺ فَصَرَعَنِي (^١) وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ الْعَمَائِمُ عَلَى الْقَلَانِسِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢).\nوَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: عَمَّمَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَسَدَلَهَا بَيْنَ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤).\nوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اعْتَمَّ سَدَلَ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَسْدِلُ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ (^٥). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n_________\n(^١) فصرعني أي غلبني ورماني على الأرض، وفيه جواز المغالبة لأنها نوع من الفروسية، وقوله فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس جمع قلنسوة وهي ما يلبس تحت العمامة، فلبس العمامة على القلنسوة زى المسلمين، ولبس القلنسوة وحدها زي المشركين، والمراد الحث على مخالفتهم بلبس العمائم على القلانس.\n(^٢) بسند صالح ولكن الترمذي استغربه.\n(^٣) أي أرسل أحد طرفيها على نحرى والآخر بين كتفي.\n(^٤) بسند صالح.\n(^٥) وهذا هو المعول عليه كحديث عمرو بن حريث، فالعذبة إرسال الطرف من خلف فقط، والعذبة وإن كانت مستحبة ولكن لا كراهة في تركها لعدم مواظبته عليها، فقد كان يلبس القلنسوة أحيانًا بدون عمامة والعمامة أحيانا بدون قلنسوة، وكثيرا ما كان يجمعهما، وكان طول عمامته - ﷺ - سبعة أذرع وكانت قلانس أصحاب النبي - ﷺ - بطحا أي لاصقة بالرأس وليست مرفوعة لحديث الترمذي» كانت كمام أصحاب النبي - ﷺ - بطحا» وكمام جمع كمة بوزن - قبة - وهي القلنسوة الصغيرة وليست جمع كم للقميص كما وهم بعضهم. والله أعلم.\n\n(فائدة) يجوز التقنع وهو تغطية الرأس وأكثر الوجه بشيء ولو بدوران جزء من العامة على الأذنين وتحت الفم وربما غطى الفم، وهو نافع للتستر ولدفع البرد وقد فعله النبي - ﷺ - حينما أمر بالهجرة فتقنع وذهب إلى أبي بكر وقت الظهيرة ليخبره. وسيأتي في حديث الهجرة في كتاب النبوة إن شاء الله تعالى نسأل الله الستر والهداية بمنه وفضله آمين.","vol":"3","page":157},{"text":"<span data-type='title' id=toc-638>فصل في الخاتم يحرم من الذهب ويستحب من الفضة </span>(^١)\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اصْطَنَعَ خَاتِمًَا (^٢) مِنْ ذَهَبٍ وَجَعَلَ قَصَّةُ فِي بَطْنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ فَاصْطَنَعَ النَّاسُ الْخَوَاتِيمُ مِنْ ذَهَبٍ فَرقِيَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأُثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ اصْطَنَعْتُهُ وَإِنِّي لَا أَلْبَسُهُ فَنَبَذَهُ فَنَبَذَ النَّاسُ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى خَاتِمًَا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ فَنَزَعَهُ (^٣) فَطَرَحَهُ وَقَالَ: «يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ» فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَ ما ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ خُذْ خَاتَمَكَ انْتَفِعْ بِهِ قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا آخُذُهُ أَبَدًا وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ شَبَهٍ (^٤) قَالَ لَهُ: «مَا لِي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الْأَصْنَامِ؟» فَطَرَحَهُ ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ فَقَالَ: «مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ؟» فَطرَحَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَتَّخِذُهُ؟ قَالَ: «اتَّخِذْهُ مِنْ وَرِقٍ وَلَا تُتِمَّهُ مِثْقَالًا». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٥).\n_________\nفصل في الخاتم\n(^١) يحرم من الذهب ويستحب من الفضة أي للرجال، وأما النساء فالذهب لهن مباح، وإنما جاز للرجال خاتم الفضة مع تحريم استعمالها على الرجال لأنه بعض الزينة قال تعالى» خذوا زينتكم عند كل مسجد» ولأنه ينفع في الختم إذا كتب اسمه عليه.\n(^٢) اصطنع خاتمًا بفتح تائه وكسرها من ذهب ولبسه فتبعه الناس، فلما حرم خطبهم وألقاه من إصبعه أمامهم، فألقى الناس خواتيمهم اقتداء به - ﷺ -.\n(^٣) نزع النبي - ﷺ - له وإلقاؤه من يد صاحبه يفيد أنه حرام على الذكر، وهذا بإجماع كما أنه حلال للأنثى بالإجماع ولا تقدم» هذان حرامان على ذكور أمتي حل لإناثهم».\n(^٤) رأى على رجل خاتما من شبه بالتحريك أي نحاس، فقال: ما لي أشم منك ريح الأصنام. لأن غالبها من نحاس، فجاء ثانيًا وعليه خاتم من حديد فقال: ما لى أرى عليك حلية أهل النار. أي ما بأبدانهم من السلاسل والأغلال، فالخاتم من النحاس والحديد والرصاص ونحوها مكروه للذكر، والأحسن أن يكون من فضة ولا يبلغ مثقالا فإنه مكروه للسرف.\n(^٥) بسند صالح.","vol":"3","page":158},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيَّ (^١) فَقِيلَ إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلا بِخَاتَمٍ، فَصَاغَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا حَلْقَتُهُ فِضَّةٌ وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ وَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.\nوَقَالَ لِلنَّاسِ: إِنِّي اتَّخَذْتُ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ وَنَقَشْتُ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَلَا يَنْقُشْ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِهِ (^٢). رَوَاهُما الْخَمْسَةُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَسْطُر مُحَمَّدٌ سَطْرٌ وَرَسُولُ سَطْرٌ وَاللَّهِ سَطْرٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ فِضَّةٍ وَكَانَ فَصُّهُ مِنْهُ (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ لَبِسَ خَاتَمَ فِضَّةٍ فِي يَمِينِهِ فِيهِ فَصٌّ حَبَشِيُّ (^٤) كَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• وَعَنْهُ كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ ﷺ فِي هذِهِ وَأَشَارَ إِلَى الْخِنْصَرِ مِنَ الْيُسْرَى (^٥). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَكَانَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ﵄ يَتَخَتَّمَانَ فِي يَسَارِهِمَا (^٦). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: نَهَانِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَتَخَتَّمَ فِي إِصْبَعَيَّ هذ أَوْ هذِهِ وَأَوْمَأَ إِلَى الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا (^٧). رَوَاهُ مُسْلِمٌ\n_________\n(^١) كسرى ملك فارس، وقيصر ملك الروم، والنجاشي ملك الحبشة.\n(^٢) نهاهم عن كتابة هذه الكلمة على خواتيمهم ليكون هذا النقش خاصا به - ﷺ - يختم به على مكاتباته، ففيه جواز نقش الاسم وغيره كاسم الله تعالى على الخاتم.\n(^٣) وقد رأيت صورة الخاتم الشريف وفصه مستدير هكذا:\n(رسول\nمحمد).\n(^٤) فصه حبشي أي حجر حبشي من أرض الحبشة واليمن مشهور، وفي رواية: كان له خاتم فضة فصه عقيق، ولا منافاة بينها لاحتمال تعدد خواتيمه - ﷺ -، وقوله فصه مما يلي كفه هذا هو الكثير، فلا ينافي ما روي عن ابن عباس أنه - ﷺ - كان فص خاتمه إلى ظهر كفه.\n(^٥) لا منافاة فقد كان - ﷺ - يلبسه أحيانا في خنصر يمناه وأحيانا في خنصر يسراه.\n(^٦) لعله أحيانا.\n(^٧) أي من جهة الإبهام وهي المسبحة لحديث النسائي» نهاني النبي - ﷺ - عن الخاتم في السبابة والوسطى» وهل هو للتحريم=","vol":"3","page":159},{"text":"وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ نَزَعَ خَاتِمَهُ (^١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (^٢).\n\n• عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: اتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ فَكَانَ فِي يَدِهِ ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُمَرَ ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ حَتَّى وَقَعَ مِنْهُ فِي بِئْرِ أَرِيسَ (^٣). رَوَاهُ الثَّلاثةُ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-639>النعل </span>(^٤)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «اسْتَكْثِرُوا مِنَ النِّعَالِ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ رَاكِبًا مَا انْتَعَلَ (^٥)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيُمْنَى (^٦) وَإِذَا خَلَعَ فَلْيَبْدَأُ بِالشِّمَالِ\n_________\n=أو الكراهة ينظر فيه، ولم يرد نهى عن الإبهام والبنصر ولكن النص على الخنصر يمنع منهما، فالمستحب التختم في الخنصر للذكر وأما المرأة فلها التختم في كل إصبع، ومعنى ما تقدم أن خاتم الذهب حرام على الذكر، والمستحب أن يكون الخاتم من فضة وفصه منه أو من أي جوهر آخر كعقيق بل يجوز أن يكون الخاتم كله من عقيق ونحوه كياقوت ومرجان والماس، لقوله تعالى ﴿وتستخرجوا منه حلية تلبسونها﴾ ويندب لبس الخاتم في الخنصر من أحد الكفين كما يندب جعل فصه جهة الكف.\n(^١) ودفعه إلى من معه خارج الكنيف احترامًا لاسم الجلالة المسطور عليه.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) أريس - كأمير - غير مصروف لأنه علم على حديقة بقرب قباء، وقال أبو داود: لم يختلف الناس على عثمان حتى سقط منه الخاتم ومكث عثمان وبعض الصحب ﵃ يترددون على البئر ثلاثة أيام حتى نزحوا ماءها فلم يجدوا الخاتم، وبفقده ظهرت الفتن، فكان فيه سر عظيم. ولا عجب فقد اختل ملك سليمان ﵇ لما فقد خاتمه فسبحان خالق الكون وما فيه من أسرار. نسأل الله أن يعلمنا وأن يلهمنا الرشد بفضله ورحمته آمين آمين آمين والله أعلم.\n\nالنعل\n(^٤) النعل الذي كان في زمنه - ﷺ - ما كان أسفله من جلد ثخين وأعلاه مكشوفا ولكن فيه سيور تمسكه بالرجل، والمراد هنا بالفعل كل ما يلبس في الرجلين ويمكن المشي فيه بأى اسم كان، مركوبا أو نعلا أو جزمة أو غيرها من اصطلاح الجهات في الأرض.\n(^٥) فالانتعال يحفظ الأرجل كما يحفظها الركوب.\n(^٦) فينبغي البدء باليمين في لبس النعل وغيرها لشرفها بخلاف النزع، والأفضل لبس النعل وهو جالس للنهي عن الانتعال قائما.","vol":"3","page":160},{"text":"وَلْيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ: «إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ (^١) أَحَدكُمْ فَلَا يَمْشِ فِي الْأُخْرَى حَتَّى يُصْلِحَهَا».\nقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ (^٢) وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا فَأَنَا أُحِبُّ لُبْسَهَا. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\nوَقَالَ أَنَسٌ ﵁: إِنَّ نَعْلَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ لَهَا قِبَالَانِ (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا جَلَسَ الرَّجُلُ أَنْ يَخلَعَ نَعْلَيْهِ فَيَضَعَهُمَا بِجَنْبِهِ (^٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥).\nعَنه الْمُغِيرَةِ ﵁ قَالَ: أَهْدَى دِحْيةُ الْكَلْبِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ خُفَّيْنِ فَلَبِسَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ (^٦).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَانَ عَلَى مُوسى يَوْمَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ كِسَاءُ صُوفٍ وَجُبَّةُ صُوفٍ وَكُمَّةُ (^٧) صُوفٍ وَسَرَاوِيلُ صُوفٍ وَكَانَتْ نَعْلَاهُ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٨).\n_________\n(^١) شسع النعل بالكسر سيره، وفيه جواز المشي بدون نعل، ولأبي داود كان النبي - ﷺ - يأمرنا أن نحتفى أحيانا.\n(^٢) السبتية بالكسر التي لا شعر فيها.\n(^٣) قبالان تثنية قبال بالكسر سيران في مقدم الفعل يكون أحدهما بجوار الإبهام والآخر بين الوسطى والبنصر ويتصلان بالشسع الذي يعترص على ظهر القدم.\n(^٤) أي الأيسر، دون الأيمن والأمام، لشرف الأيمن والأمام، لا يضعهما خلف ظهره لئلا يسرقا.\n(^٥) بسند صالح.\n(^٦) وفي رواية: فلبسهما النبي - ﷺ - حتى تخرق النعل ولم يسأل هل هما من مذكر أم لا.\n(^٧) الكمة - كقبة - القلنسوة الصغيرة، وكانت نعلاه من جلد حمار ميت ولبسهما الضرورة لشدة البرد حينئذ، ولما طلبه الله تعالى ليكلمه قال له:» فاخلع نعليك إنك بالواد القدس طوى».\n(^٨) وحسن الأول واستغرب الثاني، في هذه النصوص طلب لبس النعل لأنه يحفظ من الضرر ومن القذر وكان معروفا في سالف الأزمان، ولا ينبغي البحث هل هو طاهر أم لا لأن الأصل في الأشياء الطهارة. والله أعلم.","vol":"3","page":161},{"text":"<span data-type='title' id=toc-640>تستحب النظافة </span>(^١)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: أَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَرَأَى رَجُلًا شَعِثًا (^٢) قَدْ تَفَرَّقَ شَعَرُهُ فَقَالَ: «أَما كَانَ هذَا يَجِدُ مَا يُسَكِّنُ بِهِ شَعَرَهُ». وَرَأَى رَجُلًا آخَرَ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَسِخَةٌ (^٣) فَقَالَ: «أَمَا كَانَ هذَا يَجِدُ مَا يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ».\nوَقَالَ أَبُو الْأَحْوَصِ ﵁: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي ثَوْبٍ دُونٍ (^٤) فَقَالَ: «أَلَكَ مَالٌ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: مِنْ أَيِّ الْمَالِ؟ قُلْتُ: مِنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمٍ وَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ قَالَ: «فَإِذَا آتَاكَ اللَّهُ مَالًا فَلْيُرَ أَثَرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِ». رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^٥) وَالنَّسَائِيُّ.\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ (^٦) يُحِبُّ الطَّيِّبَ نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، فَنَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُطَهِّرَنَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.\n_________\nتستحب النظافة\n(^١) أي نظافة البدن والملبوس بل والمكان، والتجمل بما أنعم الله به على عبده.\n(^٢) شعثًا كفرح أي تفرق شعر رأسه.\n(^٣) وسخة بفتح فكسر أي غير نظيفة.\n(^٤) في ثوب دون، أي دنيء ورديء، ومن هذا حديث الترمذي: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.\n(^٥) بسندين صالحين.\n(^٦) إن الله يحب الطيب بتشديد الياء في اللفظين، أي إن الله منزه عن النقائص يحب الطيب أي العبد المستقيم، وجواد بالتخفيف أي كريم فياض يحب الكريم، فنظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود جمع فناء وهو الساحة أمام الدار، ومعنى هذا كله أن الله يحب من عبده أن يظهر نعمة الله عليه وأن يتجمل بما عنده وأن ينظف جسمه بل وقلبه وثوبه وبيته داخلا وخارجا فإن الله نظيف يحب النظافة وجميل يحب الجمال. والله أعلم.","vol":"3","page":162},{"text":"<span data-type='title' id=toc-641>الباب الثالث في آداب اللباس</span>\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُلَاءَ (^١) لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ إِزَارِي يَسْتَرْخِي إِلا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذلِكَ مِنْهُ فَقَالَ ﷺ: «لَسْتَ مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلَاءَ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ (^٢) يَمْشِي قَدْ أَعْجَبَتْهُ جُمَّتُهُ وَبُرْدَاهُ إِذْ خُسِفَ بِهِ الْأَرْضُ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَجُرُّ إِزَارَهُ فَجَعَلَ يَضْرِبُ الْأَرْضَ بِرِجْلِهِ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْبَحْرَيْنِ (^٣) وَهُوَ يَقُولُ: جَاءَ الْأَمِيرُ جَاءَ الْأَمِيرُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى مَنْ يَجُرُّ إِزَارَهُ بَطَرًا (^٤)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْمَنَّانُ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إِلا مَنَّهُ، وَالْمُنْفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحِلفِ الْفَاجِرِ، وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ (^٥)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ (^٦).\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مخِيلَةٍ». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: كُلْ مَا شِئْتَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ مَا خَطِئَتْكَ اثْنَتَانِ سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ (^٧). رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\n_________\n(الباب الثالث في آداب اللباس)\n(^١) فمن أطال ثوبه حتى جر على الأرض خيلاء بضم فمد أي عجبًا وكبرًا لم ينظر الله له يوم القيامة نظر رحمة بل نظر غضب ومقت، فقال أبو بكر: أحد جانبي إزاري يسترخي ولكني أرفعه، قال لا ضرر عليك فلست ممن يفعله تكبرا.\n(^٢) فبينما رجل هو قارون أو رجل فارسي أعجبته جمته أي شعره النازل إلى منكبيه، وبرداه أي ملابسه انخسفت به الأرض فهو يتجلجل أي هوى فيها إلى يوم القيامة لا يصل إلى قرارها جزاء على كبره.\n(^٣) أي أبو هريرة.\n(^٤) أي كبرًا وعلوا.\n(^٥) أي الذي يرخيه حتى يجر على الأرض والحديث تقدم غير مرة.\n(^٦) ولكن مسلم في الإيمان.\n(^٧) المخيلة - كرذيلة - هي الاختيال والتكبر، والسرف والإسراف: مجاوزة الحد الشرعي.","vol":"3","page":163},{"text":"• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْإِسْبَالُ فِي الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ (^١) مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظَرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢) وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَفِي إِزَارِي اسْتِرْخَاءٌ فَقَالَ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ ارْفَعْ إِزَارَكَ فَرَفَعْتُهُ ثُمَّ قَالَ: زِدْ فزِدْتُ فَمَا زِلْتُ أَتَحَرَّاهَا (^٣) بَعْدُ» فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: إِلَى أَيْنَ فَقَالَ: «أَنْصَافِ السَّاقَيْنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَقَالَ حُذَيْفَةُ ﵁: أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَضَلَةِ سَاقِي (^٤) أَوْ سَاقِهِ فَقَالَ: «هذَا مَوْضِعُ الْإِزَارِ فَإِنْ أَبَيْتَ فَأَسْفَلَ فَإِنْ أَبَيْتَ فَلَاحَقَّ لِلْإِزَارِ فِي الْكَعْبَيْنِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٥) وَالنَّسَائِيُّ.\nوَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ ﵁: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ عَنِ الْإِزَارِ فَقَالَ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِزْرَةُ الْمُسْلِمِ (^٦) إِلَى نِصْفِ السَّاقِ وَلَا حَرَجَ أَوْ لَا جُنَاحَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ فِي النَّارِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ بْنِ سُلَيْمٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا يَصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيِهِ لَا يَقُولُ شَيْئًا إِلا صَدَرُوا عَنْهُ (^٧) قُلْتُ: مَنْ هذا؟ قَالُوا: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ قَالَ: «لَا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلَامُ فَإِنَّهَا تَحِيَّةُ الْمَيتِ (^٨) قُلْ السَّلَامُ عَلَيْكَ»\n_________\n(^١) فالإسبال في الإزار والقميص بتطويلهما حتى يمسا الأرض، وفي القميص أيضا زيادة كمه عن الأصابع إلا إذا جرت عادة بالزيادة والإسبال في العمامة بزيادة العذبة على أربع أصابع.\n(^٢) بسند صحيح قال النووي.\n(^٣) أتحراها أي هيئة الرفع إلى أنصاف الساقين.\n(^٤) فعضلة الساق بالتحريك أي لحمته موضع نهاية الإزار أو تحتها، ولا ينبغي مساواته للكعبين أي لمن أراد الكمال كما يأتي.\n(^٥) بسند صحيح.\n(^٦) إزرة المسلم أي هيئة طول إزاره إلى نصف الساق أو تحته أو إلى الكعبين فما نزل عنهما فهو في النار.\n(^٧) أي لا يقول شيئا إلا قبلوه وسارعوا في إنقاذه.\n(^٨) أي من عادتهم في أشعارهم كقول بعضهم: * عليك سلام الله قيس بن عاصم * وإلا فالمشروع في السلام للحي وللميت واحد كما تقدم في الجنائز.","vol":"3","page":164},{"text":"قُلْتُ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنَا رَسُولُ اللَّهِ الَّذِي إِذَا (^١) أَصَابَكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَهُ عَنْكَ وَإِنْ أَصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَهَا لَكَ وَإِنْ كُنْتَ بِأَرْضٍ قَفْرٍ أَوْ فَلَاةٍ فَضَلَّتْ رَاحِلَتُكَ فَدَعَوْتَهُ رَدَّهَا عَلَيْكَ» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْهَدْ إِلَيَّ (^٢) قَالَ: «لَا تَسُبَّنَّ أَحَدًا قَالَ: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرًّا وَلَا عَبْدًا وَلَا بَعِيرًا وَلَا شَاةً قَالَ: وَلَا تَحْقِرَنَّ شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ فَذلِكَ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَارْفَعْ إِزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ وَإِنِ امْرُؤٌ شَتَمَكَ وَعَيَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ (^٣) فَلَا تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ فَإِنَّمَا وَبَالُ ذلِكَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤).\nوَقَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ ﵂: كَانَتْ يَدُكَمْ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الرُّسْغِ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا لَبِسْتُمْ وَإِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَأُوا بِمَيَامِنِكُمْ (^٦)». رَوَاهُمَا أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٧).\n\n• عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ﵁ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنْ مُزَيْنَةَ\n_________\n(^١) قوله الذي إذا: صفة لله تعالى. وقوله عام سنة أي قحط.\n(^٢) أي أوصني.\n(^٣) بما يعلم فيك أو بما لا يعلم فلا تعيره بشيء ولو كان فيه. ففي هذه الأحاديث أن المستحب في نهاية ملابس المسلم إلى نصف الساق لأنه أبقى لها وأطهر ويجوز إلى الكعبين فإن نزل عنهما فهو حرام إن مسته النجاسة أو اختال بذلك، فإن رفعها على الأرض فلا بأس كأبي بكر ﵁ وهذا للرجال، أما النساء فالإسبال منهن مطلوب كما يأتي.\n(^٤) بسند صالح.\n(^٥) الرسغ بالسين والصاد مفصل ما بين الكف والساعد، ولابن حبان والحاكم: كان رسول الله - ﷺ - يلبس قميصة فوق الكعبين مستوى الكمين بأطراف أصابعه، فكان الرسول الله ﷺ قميص كمه إلى الرسغ وآخر كمه إلى رءوس الأصابع فالأول أفضل والثاني جائز ولا سيما في البرد.\n(^٦) فيستحب البدء باليمين في لبس القميص والسراويل ونحوها لشرفها بخلاف النزع فالبدء باليسار وكذا التيمن في الطهارة كما تقدم فيها.\n(^٧) الأول بسند حسن والثاني بسند صالح.","vol":"3","page":165},{"text":"فَبَايَعْنَاهُ وَإِنَّ قَمِيصَهُ لَمُطْلَقُ الْإِزْرَارِ فَبَايَعْتُهُ ثُمَّ أَدْخَلْتُ يَدِي فِي جَيْبِ قَمِيصِهِ فَمَسِسْتُ الْخَاتَمَ قَالَ عُرْوَةُ: فمَا رَأَيْتُ مُعَارِيَةَ وَلَا ابْنَهُ قَطُّ إِلا مُطْلِقَيْ أَزْرَارِهِمَا فِي شِتَاءٍ وَلَا حَرَ (^١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْبَزَّارُ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-642>الحمد عند اللبس </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا (^٤) سَمَّاهُ بِاسْمِهِ إِمَّا قَمِيصًا أَوْ عِمَامَةً ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ كَسَوتَنِيهِ أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهِ وَخَيْرِ مَا صُنِعَ لَهُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ». وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا لَبِسَ أَحَدُهُمْ ثَوْبًا جَدِيدًا قِيلَ لَهُ: «تُبِلِي (^٥) وَيُخْلِفُ اللَّهُ تَعَالَى» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٦).\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ طَعَامًا ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هذَا الطَّعَامَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ منًى وَلَا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ (^٧) قَالَ: وَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كسَانِي هذَا الثَّوْبَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِ وَمَا تَأَخَّرَ»\n_________\n(^١) فقُرة بن إياس ذهب للنبي ﷺ مع وفد من قومه فبايعوه ثم استأذن من النبي ﷺ وأدخل يده في جيب قميصه حتى مس خاتم النبوة، وكان قميص النبي ﷺ محلول الأزرار فكان معاوية بن قرة وولده دائما أزرار قميصهما محلولة كأزرار النبي ﷺ.\n(^٢) بسند حسن ولفظه: كان ابن عمر دائما محلول الأزرار، وقال رأيت النبي ﷺ محلول الأزرار. نسأل الله الهداية والتوفيق آمين.\n\nالحمد عند اللبس\n(^٣) المراد بالحمد ما يعم الدعاء وهو اعتراف بالنعمة، وهذا شكر يستلزم المزيد قال تعالى ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾.\n(^٤) قوله إذا استجد ثوبا أي لبس ثوبا جديدا دعا بهذا الدعاء.\n(^٥) تبلى من الإبلاء أي تعيش حتى تبليه ويعطيك ربك غيره.\n(^٦) بسند صحيح.\n(^٧) أي من الصغائر ولا حرج على فضل الله تعالى.","vol":"3","page":166},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^١).\nوَقَالَ عُمَرُ ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أَوَارِي بِهِ عَوْرَتِي وَأَتَجَمَّلُ بِهِ فِي حَيَاتِي ثُمَّ عَمَدَ إِلَى الثَّوْبِ الَّذي أَخْلَقَ (^٢) فَتَصَدَّقَ بِهِ كَانَ فِي كَنَفِ اللَّهِ وَفِي حِفْظِ اللَّهِ وَفِي سِتْرِ اللَّهِ حَيًّا وَمَيِّتًا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدٍ ﵂ قَالَتْ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ (^٤) سَوْدَاءُ صَغِيرَةٌ فَقَالَ: «مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُو هذِهِ؟» فَسَكَتَ الْقَوْمُ فَقَالَ: «ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ» فَأُتِيَ بِهَا (^٥) تُحْمَلَ فَأَخَذَ الْخَمِيصةَ بِيَدِ فَأَلْبَسَها وَقَالَ: «أَبْلِي وَأَخْلِقِي» وَكَانَ فِيهَا عَلَمٌ أَخْضَرُ أَوْ أَصْفَرُ فَقَالَ: «يَا أُمَّ خَالِدٍ هذَا سَنَاهْ (^٦)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُجَمِّلَنَا بِلِبَاسِ الْعَافِيَةِ وَالتَّقْوَى آمِين وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-643>لباس النساء </span>(^٧)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ﴾ ﴿وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (^٨).\n_________\n(^١) بسند حسن.\n(^٢) قوله أخلق صار خلقًا قديما.\n(^٣) في الدعوات واستغربه ولكنه في الفضائل ويؤيده ما قبله.\n(^٤) الخميصة - كعظيمة - ثوب أسود من حرير أو صوف فيه أعلام خضر أو صفر.\n(^٥) وفي رواية: فأتى بي.\n(^٦) سناه لفظ حبشي ومعناه حسن، فالنبي - ﷺ - دعا لها بقوله أبلى وأخلق وهنأها بقوله هذا ملبوس حسن، وكلها بلسان الحبشة لأنها ولدت بأرض الحبشة. والله أعلم.\n\nلباس النساء\n(^٧) أي بيان ما ورد فيه.\n(^٨) يدنين عليهن من جلابيبهن، جمع جلباب وهو ما تلبسه المرأة فوق الحمار والقميص يستر البدن كله ويسمى في مصرنا بالتطريحة والملاءة، ومعنى الآية وقل يا محمد للمؤمنات: يرخين على وجوههن الجلباب إلا عيونهن للأبصار يبصرن بها إذا خرجن لحاجة ليعرفن أنهن حرائر فلا يتعرض لهن المنافقون الذين كانوا يتعرضون للإماء، وكان لباس النسوة كلهن حينذاك درع وقناع.","vol":"3","page":167},{"text":"وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ (^١) ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾.\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خَرَجَ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ كَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِهِنَّ الْغِرْبَانَ (^٢) مِنَ الْأَكْسِيَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ لَمَّا نَزَلَ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ شَقَقْن أَكْنَفَ مُرُوطِهِنَّ (^٤) فَاخْتَمَرْنَ بِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ (^٥).\nوَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ تَخْتَمِرُ فَقَالَ: «لَيَّةً لَا لَيَّتَيْنِ (^٦)».\nوَعَنْهَا أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ﵂ دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاقٌ (^٧) فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَقَالَ: «يَا أَسْمَاءُ إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ لَهَا أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلا هذَا وَهذَا وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ». رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ.\n_________\n(^١) ولا يبدين زينتهن أي محل الزينة إلا ما ظهر منها وهو الوجه والكفان فيجوز كشفهما وليضربن بخمرهن على جيوبهن جمع جيب وهو طوق القميص والمراد مكانه أي يسترن بالقناع الرءوس والأعناق والصدور، وكانت عادتهن لبس الخمار على الرأس مرسلا خلفها.\n(^٢) الغربان جمع غراب وهو طائر أسود غالبا، والأكسية جمع كساء وهو الملاءة، أي خرجت النساء ملفوفات بجلابيبهن طاعة الأمر الله تعالى.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) شققن أكنف - كأنحن - لفظًا ومعنى، والمروط جمع مرط وهو كساء تستتر به المرأة، وفي رواية للبخاري» أخذن أزرهن فشققنها من جهة الحواشي فاختمرن بها».\n(^٥) ولكن أبو داود هنا والبخاري في التفسير.\n(^٦) أي لا تديرى الخمار على العنق والصدر إلا لية واحدة أي مرة واحدة.\n(^٧) دخلت أسماء وعليها ثياب رقاق جمع رقيق وهو ما لا يستر لون البشرة فأعرض عنها، وقال: إن المرأة إذا بلغت المحيض أي زمن الحيض وهو البلوغ لا يصح أن يرى منها إلا الوجه والكفان، ففي هذه النصوص أن المرأة يجب عليها ستر جميع بدنها لأنها عورة إلا الوجه والكفين فلا يجب سترهما ويجوز للأجنبي أن ينظرهما إذا أمنت الفتنة، وهذا مذهب المالكية وقول الشافعية والقول الآخر يحرم النظر إليهما لأنه مظنة الفتنة وهو الراجح للاحتياط.","vol":"3","page":168},{"text":"• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: «يُرْخِينَ شِبْرًا» فَقَالَتْ: إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ قَالَ: «فَيُرْخِينَ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ (^١)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢) وَصَاحِبَاهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-644>الصماء والاحتباء</span>\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: نَهَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ وأَنْ يَحْتَبيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَة.\n\n<span data-type='title' id=toc-645>الباب الرابع في سنن الفطرة </span>(^٤)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ (^٥): قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ\n_________\n(^١) أمرهن بإرخاء الذيل ذراعًا مبالغة في الستر، والذراع الزائد هذا عن إزرة الرجل التي هي إلى نصف الساق فيكون الزائد عن الجسم الذي يكون على الأرض شبرا واحدا، وبهذا اتفقت مع رواية الترمذي والطبراني» إن النبي - ﷺ - شبر لفاطمة من عقبها شبرا وقال. هذا ذيل المرأة» والله أعلم.\n(^٢) بسند صحيح والله أعلم.\n\nالصماء والاحتباء\n(^٣) نهى النبي - ﷺ - عن اشتمال الصماء وهي عند اللغويين تغطية جسمه بثوب لا يرفع منه شيئًا ولا منفذ فيه ليده ونهى عن هذه لتعسر إخراج يده. وقيل: هي أن يلبس ثوبه وأحد شقيه على عاتقه، ومال إلى هذا الفقهاء، والاحتباء أن يحتبي الرجل في ثوب واحد أي أن يجلس على أليتيه ناصبًا ساقيه ويلف عليه ثوبًا وفرجه مكشوف، وكانت عادة العرب ذلك فنهى الشرع عنها لكشف العورة. والله أعلم.\n\n(الباب الرابع في سنن الفطرة)\n(^٤) السنن جمع سنة وهي الطريقة، والفطرة الخلقة والدين الحنيف قال تعالى ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾.\n(^٥) عشر من الفطرة أي مأموراتها التي أمرت بها الرسل والأمم قديما قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وبعض هذه الأمور واجب كالختان وبعضها سنة، ولا مانع من اجتماعهما في أسلوب واحد قال تعالى ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم =","vol":"3","page":169},{"text":"اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ» قَالَ مُصْعَبٌ: ونَسِيتُ الْعَاشِرَةَ، إِلا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^١).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِّرُوا اللِّحى وَأَحْفُوا الشَّوارِبَ (^٢)». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ قَبَضَ (^٣) عَلَى لِحْيَتِهِ فَمَا فَضَلَ أَخَذَهُ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٥) وَالنَّسَائِيُّ.\n_________\n=حصاده - فهذا فرض والأكل مباح. وقوله. واستنشاق الماء أي نظافة الأنف. وقوله: وغسل البراجم جمع برجمة بضم فسكون وهي غضون الأصابع من ظاهرها وباطنها، ونتف الإبط أي إزالة شعره بحلق أو نتف وهو أولى لأن بقاءه يورث رائحة كريهة، وحلق العانة أي إزالة شعرها بأي شيء. والأولى للأنثى النتف وللذكر الحلق، والمراد بالعانة الشعر النابت حول القبل ذكرا أو فرجًا وكذا النابت حول الدبر. وهو آكد لتأكد النظافة حوله وما بين القبل والدبر. وقوله وانتقاص الماء أي الاستنجاء بالماء للفظ النسائي القائل وغسل الدبر، قال مصعب أحد الرواة ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. ويحتمل أنها الختان لحديث الشيخين» الفطرة خمس: الختان والاستحداد - نظافة العانة بالحديدة - وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط».\n(^١) ولفظه لمسلم في الطهارة.\n(^٢) وفي رواية» جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس» فالمشركون والمجوس يحلقون لحاهم ويتركون شواربهم فأمرنا بمخالفتهم. وقوله: وفروا اللحى من التوفير وهو الترك، واللحى جمع لحية وهي شعر الذقن، والمراد ما يعم العارضين، فحلق اللحية مكروه عند الجمهور وحرام عند الحنفية لهذا وللتشبه بالنساء، وفي الحديث الأول قص الشارب وفي هذا أحفوا، وفي رواية جزوا وفي أخرى انهكوا، ولذا اختلفت الأئمة فيه فقال الشافعية والحنفية والحنابلة المستحب في قص الشارب أخذ ما طال من شعره حتى تبدو حمرة الشفة، وقال بعضهم المستحب الاستئصال بنحو قص أو حلق ونسب للمالكية والكوفيين، وقال بعضهم أنت بالخيار بينهما لثبوت كل منهما وهذا حسن.\n(^٣) فالمستحب في طول اللحية قبضة فقط، وينبغي تسوية اللحية بقص ما زاد من شعرها وحلق ما تناثر حولها الحديث الترمذي» كان النبي - ﷺ - يأخذ من عرض لحيته وطولها».\n(^٤) أي إن قصد التشبه بالكفار أو ليس على طريقتنا الكاملة، وللترمذي أيضا» كان النبي - ﷺ - يقص أو يأخذ من شاربه وكان إبراهيم خليل الرحمن يفعله».\n(^٥) بسند صحيح.","vol":"3","page":170},{"text":"وَقَالَ أَنَسٌ ﵁: وُقِّتَ لَنَا (^١) فِي قَصِّ الشَّارِبِ وتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَنَتْفِ الْإِبْطِ وحَلْقِ الْعَانَةِ أَلا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ أَنَّ امْرَأَةً (^٢) كَانَتْ تَخْتَنُ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَنْهَكِي فَإِنَّ ذلِكَ أَحْظَى للْمَرْأَةِ وَأَحَبُّ إِلَى الْبَعْلِ» رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ (^٣) وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ وَلَفْظُهُ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا أُمُّ عَطِيَّةَ تَخْفِضُ الْجَوَارِيَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا أُمَّ عَطِيَّةَ اخْفِضي وَلَا تَنْهَكِي فَإِنَّهُ أَنْضَرُ لِلْوَجْهِ وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ».\n_________\n(^١) أي علمنا النبي - ﷺ - أن نتنظف بهذه الأشياء وقتًا بعد آخر وأن لا نتركها أكثر من أربعين ليلة، وليس التحديد مرادًا بل المراد مراعاة النظافة من حين لآخر، وإنما شرعت سنن الفطرة هذه للنظافة والتجمل بإبقاء اللحية فإن الله جميل يحب الجمال.\n\n(تنبيه) مرويات الترمذي هنا في كتاب الأدب.\n(^٢) تلك المرأة هي أم عطية الآتية في الرواية الثانية وكانت تختن الجواري فقال لها - ﷺ -: لا تنهكي في ختان الأنثى ولا تستأصلي الزائد بين حافتي الفرج الذي هو كالنواة أو كعرف الديك فوق مدخل الذكر بل اتركي منه شيئًا، فإنه أحظى للمرأة أي ألذ لها وأنضر لوجهها وأحب إلى البعل أي الزوج، وذلك أن الدلك بالإصبع أو بالذكر في محل الختان يلذ المرأة كثيرًا ويحرك منيها البارد البطئ فتتعلق بالرجل وتحبه فيحبها ويدوم نظام الزوجية، وختان الأنثى يسمى خفضًا وختان الذكر يسمى إعذارا وهو قطع الجلدة التي على الحشفة، وحكمته النظافة وكثرة اللذة، وينبغي إظهاره دون ختان الأنثى، وهل تختن النساء كلهن أو نساء المشرق دون نساء المغرب لعدم تلك الزائدة، ينظر في هذا، والختان واجب للذكر والأنثى عند بعض التابعين وجمهور الشافعية. وقال مالك وأبو حنيفة: إنه سنة لهما. وقال أحمد: إنه واجب للذكر سنة للأنثى لحديث أحمد وغيره:» الختان سنة للرجال مكرمة للنساء» وروي عن أبي حنيفة أنه واجب. وروى عنه: أنه سنة يأثم بتركه.\n(^٣) في كتاب الأدب وضعفه ولكنه مؤيد بحديث الشيخين السابق في الشرح: الفطرة خمس. والحكمة التي ذكرها الحديث تقتضيه. نسأل الله التوفيق آمين والله أعلم.","vol":"3","page":171},{"text":"<span data-type='title' id=toc-646>الشعر وترجيله </span>(^١)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَضْرِبُ شَعَرُهُ مَنْكِبَيْهِ (^٢). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ شَعَرُهُ ﷺ إِلَى شَحْمَةِ أُذَنَيْهِ (^٣). رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدُلُونَ (^٤) أَشْعَارَهُمْ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرِقُونَ رُؤُوسَهُمْ فَسَدَلَ النَّبِيُّ ﷺ نَاصِيَتَهُ ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كلِّهِ فِي طُهُورِهِ وَتَرَجُّلِهِ (^٥) وَتَنَعُّلِهِ وَسِوَاكِهِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^٦).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ التَّرَجُّلِ إِلا غِبًّا (^٧). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٨).\n_________\nالشعر وترجيله\n(^١) أي ما ورد في الشعر وترجيله، والنهي عن حلق رأس الأنثى وإباحته للذكر، والنهي عن القزع.\n(^٢) كان شعر رأسه يصل إلى منكبيه تثنية منكب وهو أعلى الكتف.\n(^٣) وفي رواية: إلى أنصاف أذنيه ولا تنافي بينهما فكان إذا مد وصل إلى المنكبين وإذا ترك كان إلى الأذنين وإذا قصره كان إلى الأذنين وإذا تركه كان إلى المنكبين.\n(^٤) يسدلون كينصرون ويضربون، والسدل: إرسال الشعر حول الرأس، والفرق قسمه نصفين أو ثلاث، فسدل النبي - ﷺ - أولا تأليفا لأهل الكتاب ثم فرق ثانيًا بأمر من الله تعالى. والناصية: شعر مقدم الرأس. وقالت عائشة» كنت إذا أردت أن أفرق رأس رسول الله - ﷺ - صدعت الفرق من يافوخه - أعلى الرأس - وأرسلت ناصيته بين عينيه» أي قسمت شعره نصفين أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره. ولأبي داود والترمذي» قدم النبي - ﷺ - مكة وله أربع غدائر أي ضفائر» ولها أيضا» كان شعره - ﷺ - فوق الوفرة ودون الجمة» أي أطول من الوفرة وأكثر من الجمة.\n(^٥) الترجل تسريح الشعر، والتنعل لبس النعل، والتيمن مطلوب في كل شيء إلا ما كان من قبيل الامتخاط والاستنجاء فإنه باليسار.\n(^٦) ولفظه لأبي داود. وفي رواية له» من كان له شعر فليكرمه» أي بالتسريح والدهان فهو إكرامه.\n(^٧) أي نهي عن الترجل، إلا غبا أي وقتًا بعد وقت، فإن كثرته ترفه لا يليق، وكان النبي - ﷺ - يأمر بترك كثير الإرفاه.\n(^٨) بسند صحيح.","vol":"3","page":172},{"text":"• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْقَزَعِ (^١) قِيلَ لاِبْن عُمَرَ: وَمَا الْقَزَعُ؟ قَالَ: «يُحْلَقُ بَعْضُ رَأْسِ الصَّبِيِّ وَيُتْرَكُ بَعْضٌ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ صَبِيًّا قَدْ حُلِقَ بَعْضُ رَأْسِهِ وَتُرِكَ بَعْضُهُ فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «احْلِقُوهُ كُلَّهُ أَوِ اتْرُكُوهُ كُلَّهُ (^٢)». رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ (^٣) وَالنَّسَائِيُّ.\nوَقَالَ أَنَسٍ ﵁: كَانَتْ لِي ذُؤابَةٌ فَقَالَتْ لِي أُمِّي: لَا أَجُزُّهَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمُدّهَا وَيَأْخُذُ بِهَا.\nرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤). وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-647>خضب الشعر </span>(^٥)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ (^٦) فَخَالِفُوهُمْ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَأُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ (^٧) ﵁ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «غَيِّرُوا هذَا بِشَيْءٍ وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو داوُدَ.\n_________\n(^١) القزع بالتحريك فسره ابن عمر بأنه حلق بعض رأس الصبي وترك بعضه والبعض المتروك يسمى ذؤابة، وقصة إذا كان في الناصية والنهى للكراهة، فالقزع مكروه.\n(^٢) فيه أن حلق الرأس للذكر مباح إلا في النسك كما تقدم، أما الأنثى فيحرم عليها حلق الرأس أو قصه. لحديث النسائي» نهى النبي - ﷺ - أن تحلق المرأة رأسها؛ لأن الشعر زينة وجمال، والنسوة أحوج الناس إلى الجمال إلا للنسك أو لمرض فلا شيء فيه وإلا إذا جرت العادة بتقصيره فيجوز.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) وللنسائي بسند صحيح عن زيادة بن حصين عن أبيه أنه أتي للنبي - ﷺ - فوضع يده على ذؤابته ودعا له، ففيه مع حديث أنس جواز الذؤابة وفيما قبله نهى عنها ويمكن الجمع بينهما بأن القزع المنهي عنه هو حلق بعض الرأس وترك البعض الآخر، والذؤابة الجائزة في إرسال بعض شعر الرأس وضفر الباقي اهـ الحافظ. والله أعلم.\n\nخضب الشعر\n(^٥) الخضب تغيير الشيب للذكر والأنثى وهو مستحب لمخالفة الكفار فإنهم لا يفعلونه، وأصل الشيب قلة الدم في بصيلات الشعر فيتغير لونه إلى بياض.\n(^٦) لا يصبغون بضم الباء.\n(^٧) أبو قحافة هو والد أبي بكر ﵄ ولم يسلم إلا يوم فتح مكة، وعاش إلى خلافة عمر ﵁، فجيء به يوم الفتح ورأسه ولحيته كالثغامة بالفتح نبت أبيض الزهر والثمر يشبه به الشيب الذي يتخلله سواد. فقال - ﷺ -. غيروا هذا الشيب بشيء واجتنبوا اللون الأسود.","vol":"3","page":173},{"text":"وَسُئِلَ أَنَسٌ ﵁ أَخَضَبَ النَّبِي ﷺ؟ قَالَ: لَمْ يُبْلُغِ الشَّيْبَ إِلا قَلِيلًا. وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّهُ لَمْ يَخْضِبْ وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتِهِ فِي لِحْيَتِهِ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ وَلَفْظَهُ: لَمْ يَخْضِبْ إِنَّمَا كَانَ الشَّمَطُ (^١) عِنْدَ الْعَنْفَقَةِ يَسِيرًا وَفِي الصُّدْغَيْنِ يَسِيرًا وَفِي الرَّأْسِ يَسِيرًا.\nوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ (^٢) وَيُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَقَالَ أَبُو رِمْثَةَ (^٣) ﵁: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَأَبِي وَكَانَ قَدْ لَطَخَ لِحْيَتَهُ بِالْحِنَّاءِ.\n\n• عَنْ أَبِي ذَرِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَحَسَنَ مَا غُيِّرَ بِهِ هذَا الشَّيْبُ الْحِنَّاءُ (^٤) وَالْكَتَمُ». رَوَاهُمَا أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٥).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَكُونُ قَوْمٌ يَخْضِبُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِالسَّوَادِ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ (^٦)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧) وَالنَّسَائِيّ.\nوَسُئِلَتْ عَائِشَةُ ﵂ عَنْ خِضَابِ الْحِنَاءِ فَقَالَتْ: لَا بَأْسَ بِهِ وَلكِنِّي أَكْرَهُهُ فَإِنَّ حِبِّي ﷺ كَانَ يَكْرَهُ رِيحَهُ (^٨).\n_________\n(^١) الشمط بالتحريك ظهور شعر أبيض وسط سواد شعر الرأس وكان فيه - ﷺ - قليلا في العارضين وفي الرأس وفي العنفقة وهي شعيرات بين الشفة السفلى والذقن. وفي رواية» لم يكن شاب النبي - ﷺ - إلا يسيرا ولكن أبا بكر وعمر بعده خضبا».\n(^٢) السبتية التي لا شعر فيها، والزعفران معروف، والورس كالورد نبت يمني أصفر يصبغ به ومصبوغهما أحمر، فابن عمر رآه يصبغ بهما وكان يفعله، وهذا لا ينافي قول أنس إنه لم يخضب فإنه لم يره ولهذا نظائر فلا غرابة.\n(^٣) أبو رمثة - كقربة - تميمي من ولد امرئ القيس.\n(^٤) الحناء: نبات صبغه أحمر، والكتم بالتحريك: نبات يمني صبغه أسود، فإذا مزج أحدهما بالآخر كان الصبغ به أسود مائلا إلى الحمرة، وهو أفضل ألوان الصبغ، وقد خضب النبي ﷺ بالصفرة والحمرة في الحديثين قبله.\n(^٥) الأول بسند حسن والثاني بسند صحيح.\n(^٦) يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يشمون ريح الجنة، يحتمل أن هذا لجعل لحاهم كحواصل الحمام بحلق عوارضهم وإبقاء لحاهم كعادة بعض الكفرة، ويحتمل أنه لخضبهم بالسواد تغريرا أو خيلاء، وعلى كل هو للزجر والتنفير فإن حلق اللحية والصبغ بالأسود مكروه.\n(^٧) بسند صالح.\n(^٨) فيه أن الحناء ليس بطيب وإلا لأحبه النبي ﷺ.","vol":"3","page":174},{"text":"وَعَنْها قَالَتْ: أَوْمَأَتِ امْرَأَةٌ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ بِيَدِهَا كِتَابٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَبَضَ يَدَهُ فَقَالَ: «مَا أَدْرِي أَيَدُ رَجُلٍ أَمْ يَدُ امْرَأَةٍ قَالَتْ: بَلْ امْرَأَةٍ قَالَ: لَوْ كُنْتِ امْرَأَةً لَغَيَّرْتِ أَظْفَارَكِ بِالْحِنَّاءِ (^١)». رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^٢) وَالنَّسَائِيُّ. نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-648>يحرم الوصل والوشم ونحوهما </span>(^٣)\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ (^٤) وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ\n_________\n(^١) فيه أن خضب اليدين والرجلين مستحب للأنثى لتمتاز عن الرجل وهو حرام للرجل.\n(^٢) بسندين صالحين، ففي هذه النصوص أن الصبغ مستحب للرجل والمرأة بأي لون كان إلا بالسواد فإنه مكروه تنزيها، ومال النووي إلى أنها كراهة تحريم ولكن رخص فيه جماعة من الصحب والتابعين والسلف الصالح كعثمان وسعد بن أبي وقاص وعقبة بن عامر وجرير والحسن والحسين وابن سيرين وغيرهم وفعلوه ﵃، ولعل حجتهم أن حكمة الأمر بالخطاب مخالفة للكفار كالحديث الأول وكحديث الطبراني: كان النبي - ﷺ - يأمر بتغيير الشيب مخالفة للأعاجم، وأما حديث ابن عباس فلا يدل على كراهة الخضاب بالسواد، بل فيه الإخبار عن قوم هذه صفتهم، أو أنه ذمهم لأنهم يفعلونه للعجب والخيلاء، أو بقصد التغرير، ونهى أبي قحافة عن السواد لأن شيبه كان مستبشعًا فلا يسرى إلا على مثله. وقال ابن شهاب كنا نخضب بالسواد وفي الوجه نضارة فلما ذهبت تركناه، وهذا كله إذا لم يكن لغرض شرعي كالجهاد وإلا كان مطلوبا لأن السواد مظهر الشباب والقوة وهو أرهب للأعداء وأخوف لهم، ولا يقال إن الخضاب فيه تغيير الخلقة لأنه مأمور به، بخلاف نتف الشيب فإنه مكروه لحديث أصحاب السنن: لا تنتفوا الشيب، ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نورا يوم القيامة. وفي رواية: إلا كتب الله له بها حسنة وحط عنه بها خطيئة، وروى أن أول ما ظهر فيه الشيب إبراهيم عليه وعلى الأنبياء أفضل الصلاة والسلام، فقال: ما هذا يا رب. قال: وقار. قال رب زدني وقارا. وحكمة الشيب احتشام النفس وخوفها من الله تعالى فإنه علامة على كبر السن ونذير من نذر الموت. نسأل الله الخوف والخشية آمين.\n\nيحرم الوصل والوشم ونحوها\n(^٣) الوصل وصل الشعر بشعر آخر ليطول، والوشم غرز إبرة ونحوها في الجلد حتى يسيل الدم ويذر عليه بنحو كل أو نيلة فيخضر، ومثل الوصل والوشم النمص والفلج والوشر الآتية.\n(^٤) الواصلة التي تصل الشعر بآخر والمستوصلة الطالبة لذلك، وهذا حرام لا يجوز بحال، فقد جاءت امرأة للنبي ﷺ فقالت يا رسول الله إن لي ابنة عروسًا وقد تمزق شعرها من حصبة أفأصله؟ فذكر الحديث، والواشمة التي =","vol":"3","page":175},{"text":"وَالْمُسْتَوْشِمَةَ».\nوَسُمِعَ مُعَاوِيَةُ ﵁ عَامَ حَجَّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَبِيَدِهِ قُصَّةٌ مِنْ شَعَرٍ (^١) وَيَقُولُ: أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هذِهِ وَقَالَ: «إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هذِهِ نِسَاؤُهُمْ». رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ. وَزَادَ الشَّيْخَانِ: مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ أَحَدًا يَفْعَلُهُ إِلا الْيَهُودَ وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ زُورًا حِينَ بَلَغَهُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ (^٢) وَالنَّامِصَاتِ (^٣) وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ، فَبَلَغَ هذَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ اسْمُها أُمُّ يَعْقُوبَ فَأَتَتْهُ فَكَلَّمَتْهُ فَقَالَ: وَمَالِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^٤) وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ لَوْحَيِ الْمُصْحَفِ فَمَا وَجَدْتُهُ قَالَ: لَوْ قَرَأَتِيهِ لَوَجَدْتِيهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ﴾ (^٥)، قَالَتِ الْمَرْأَةُ: إِنِّي أَرَى شَيْئًا مِنْ هذَا عَلَى امْرَأَتِكَ الْآنَ\n_________\n= تفعل الوشم، والمستوشمة الطالبة له؛ ومحل الوشم يصير نجسًا وتجب إزالته إن فعله مكلف عالم به إلا إذا خاف ضررا فيعفي عنه.\n(^١) فمعاوية خطب الناس على منبر المدينة وبيده قصة شعر بالضم أي خصلة منه. وقال أين علماؤكم وأنتم تصلون الشعر فإن النبي ﷺ نهى عنه وسماه زورا لأنه تضليل بإيهام أنه شعرها وليس كذلك، وكان هذا من أسباب هلاك بني إسرائيل.\n(^٢) ولفظ أبي داود:\nوالمستوشمة من غير داء. أي مرض فإن كان لمرض لا دواء له إلا الوشم جاز للضرورة.\n(^٣) النامصات جمع نامصة وهي التي تنتف الشعر بالمنماص (الملقاط) من وجهها أو جبينها، والمتنمصات الطالبات لهذا. وقال بعضهم النامصة التي تحف الحاجب حتى يصير رقيقًا وهو التزجيج كما في كلام الشاعر: * وزججن الحواجب والعيونا * وقوله المتفلجات بكسر اللام جمع متفلجة وهي التي تطلب الفلج بالتحريك وهو تفريق ما بين الثنايا والرباعيات، أو ترقيق الأسنان بالمبرد رغبة في الجمال. والنمص والفلج يوجبان اللعن إذا كان لغير زوجها أو اشتغلت بهما حتى نسيت الواجب عليها لربها ولزوجها كما هو واقع في مصرنا الآن. نسأل الله السلامة. وقوله: المغيرات خلق الله. بيان لحكمة النهي.\n(^٤) فابن مسعود سمعه من النبي - ﷺ -.\n(^٥) فأمر الرسول من أمر الله ونهيه من نهي الله.","vol":"3","page":176},{"text":"فَقَالَ: اذْهَبِي فَانْظُرِي فَدَخَلَتْ عَلَى امْرَأَتِهِ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا فَعَادَتْ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا فَقَالَ: أَمَا لَوْ كَانَ ذلِكَ لَمْ نُجَامِعْهَا (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\nوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵃: لَا بَأْسَ بِالْقَرَامِلِ (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ (^٣) ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ عَشْرٍ: «عَنِ الْوَشْرِ، وَالْوَشْمِ، وَالنَّتْفِ، وَعَنْ مُكَامَعَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ بِغَيْرِ شِعَارٍ، وَعَنْ مُكَامَعَةِ الْمَرْأَةَ بِغَيْرِ شِعَارٍ، وَأَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ فِي أَسْفَلِ ثِيَابِهِ حَرِيرًا مِثْلَ الْأَعَاجِمِ أَوْ يَجْعَلَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ حَرِيرًا مِثْلَ الْأَعَاجِمِ، وَعَنِ النّهْبَى، وَرُكُوبِ النُّمُورِ، وَلُبُوسِ الْخَاتَمِ إِلا لِذِي سُلْطَانٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤) وَالنَّسَائِيُّ. نَسْأَلُ اللَّهَ السَّتْرَ وَالتَّوْفِيقَ آمِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) أي لو كان فيها شيء من هذا لم نجتمع معها ولم نعاشرها بل نفارقها، فعمل شيء من تلك الأمور حرام لأن اللعن يقتضي التحريم، ولأنه تغيير لخلق الله تعالى، وهو من فتنة الشيطان حيث قال ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾.\n(^٢) لا بأس بالقرامل جمع قرمل وأصله نبات لين طويل الفرع، والمراد لا بأس بالوصل بالقرمل ونحوه كصوف وحرير وكتان. فالضفائر من هذا لا شيء فيها لعدم الغرر، وعليه بعض التابعين والليث وأحمد، وقال بعضهم: لا يجوز لعموم الأحاديث ولحديث مسلم» نهى رسول الله - ﷺ - أن تصل المرأة بشعرها شيئًا».\n(^٣) أبو ريحانة اسمه شمعون أنصارى أو قرشي، ويقال له مولى رسول الله - ﷺ - والوشر - كالورد - تحديد الأسنان بالمبرد لترق وتبيض، وتقدم الوشم، والنتف هو نتف الشعر الأبيض أو عند المصيبة. والمكامعة هي مضاجعة الرجل للرجل أو المرأة للمرأة وهم عرايا، وهي حرام إلا في رجل مع ولده الصغير أو امرأة مع بنتها لحاجة كاغتسال فلا، وقوله وأن يجعل الرجل في أسفل ثيابه أي أو أعلاها حريرا مثل الأعاجم، هذا إذا كثر وزاد عن القدر الجائز وهو قدر أربع أصابع كما تقدم، وقوله ونهي عن النهى من النهب والغارة، وقوله وركوب النمور جمع نمر - ككتف - وهو حيوان مفترس معروف، فنهي عن ركوبها خوفًا من الخطر، أو المراد النهي عن الركوب على جلودها لأنه من دأب الأعاجم والمتكبرين، وقوله ولبوس الخاتم بضمتين أي ونهي عن لبس خاتم الفضة زهدًا في الزينة إلا لذي سلطان أي ولاية فإنه أهيب، والنهي في هذا وما قبله للتنزيه وفيما عداها للتحريم.\n(^٤) بسند ضعيف ولكن سند النسائي صحيح.","vol":"3","page":177},{"text":"<span data-type='title' id=toc-649>الجلاجل </span>(^١)\nدَخَلَتْ مَوْلَاةٌ لِلزُّبَيْرِ بِابْنَةٍ لَهُ عَلَى عُمَرَ ﵁ وَفِي رِجْلِهَا أَجْرَاسٌ (^٢) فَقَطَّعَهَا عُمَرُ وَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ مَعَ كُلِّ جَرَسٍ شَيْطانًا». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلَا جَرَسٌ (^٣)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\nوَدُخِلَ عَلَى عَائِشَةَ بِجَارِيَةٍ وَعَلَيْهَا جَلَاجِلُ يُصَوِّتْنَ فَقَالَتْ: لَا تُدْخِلْنَهَا عَلَيَّ إِلا أَنْ تُقَطِّعُوا جَلَاجِلَها، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جَرَسٌ (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَالِحٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-650>يحرم التشبه بالغير الزور </span>(^٥)\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ (^٦) وَالْمُتَشَبِّهَاتِ\n_________\nالجلاجل\n(^١) الجلاجل جمع جلجل بضمتين وهو ما يعلق بعنق الدابة أو برجل الصبي أو بعض الطيور وله جلجلة أي صوت ذهبا أو فضة أو غيرها.\n(^٢) أجراس جمع جرس بالتحريك وهو الجلجل، فقطعه وقال سمعت النبي - ﷺ -: يقول مع كل جرس شيطان، ولفظ مسلم» الجرس مزامير الشيطان» أي يحبه لأن الملائكة والكتبة يكرهونه.\n(^٣) فملائكة الرحمة لا ترافق من معهم كلب أو جرس إلا إذا كانا للحاجة، أما الحفظة فإنهم لا يفارقون الإنسان.\n(^٤) كراهة في الجرس، وإنما كان مكروهًا لأنه مزمار الشيطان وناقوس النصارى الذي يدعو للكفر، وكان النبي - ﷺ - يكرهه، لاسيما في الجيش لدلالته عليه والمطلوب قدومه فجأة على الكفار، ومنه ما تعلقه النساء في آذانهن أو في أعناقهن أو في أيديهن أو أرجلهن فإنه مكروه، فالجرس مكروه في كل مكان وفي كل زمان إلا لحاجة إليه لاستدعاء الخادم ونحوه أو للتنبيه به كالمنبهات التي أحدثت الآن لإيقاظ الناس لصلاتهم وأعمالهم فلا شيء فيها، كالكلب لا يجوز اقتناؤه إلا لحاجة إليه كراسة ونحوها. والله أعلم.\n\nيحرم التشبه بالغير والزور\n(^٥) يحرم الزور لأنه باطل، ويحرم التشبه بالغير لأنه خروج عما فطره الله عليه.\n(^٦) تشبه الرجل بالمرأة في المشي أو الكلام أو الزي ونحوها، وتشبه المرأة بالرجل في هذا.","vol":"3","page":178},{"text":"مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُخَنِّثِينَ (^١) مِنَ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ، فَأَخْرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فُلَانًا وَأَخْرَجَ عُمَرُ فَلَانًا. رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ (^٢) الْمَرْأَةِ والْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣) وَالنَّسَائِيُّ.\nوَلِأَبِي دَاوُدَ وَالطَّبَرَانِيِّ (^٤): مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا (^٦): قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلاتٌ رُؤوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ\n_________\n(^١) المخنث بفتح نونه وكسرها من الأخناث وهو التثني والتكسر؛ لأنه يتثني في أحواله ويتشبه بالنساء في زيهن أو مشيهن أو كلامهن عمدا، أما من طبعه ذلك فلا شيء عليه، ولكن يمرن نفسه على ترك هذا، والمترجلة والرجلة من النساء التي تتشبه بالرجال. فأخرج النبي - ﷺ - فلانًا هو أنجشة - عبد أسود - كان يتشبه بالنسوة، وأخرج عمر ماتعًا أو غيره لئلا تفسد بهم أخلاق الناس.\n(^٢) اللبسة بالكسر هيئة اللبس.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) بسند حسن.\n(^٥) ففي هذه الأحاديث أن التشبه بالغير حرام، فالتشبه بالكفرة كفر وبالفجرة فجور وبالفسقة فسق وبالصالحين صلاح وفلاح. نسأل الله محبتهم.\n(^٦) صنفان من أهل النار لم أرهما لعدم وجودهما في زمانه - ﷺ - أحدهما قوم معهم سياط يضربون بها الناس أي بعض الحكام وأشباههم، بأيديهم سياط يظلمون بها الضعفاء، والسياط جمع سوط وهو آلة الضرب. والمراد هنا عصا صغيرة في طرفها شعر طويل كذيل الفرس، وتسمى في مصرنا الآن بالمنشة ولكن حملها لدفع ذباب ونحوه لا شيء فيه، والصنف الثاني نساء كاسيات في الظاهر ولكنهن عاريات في الواقع للبسهن الرقيق ولكشفهن عن الصدور والأعناق والأيدي والوجوه، وهذه زينتهن التي أمرن بسترها، يعظمن رءوسهن بشعر أو خرق فتصير كأسنمة البخت، وهن بهذا مائلات أي زائغات عن الهدى مميلات أي لغيرهن ممن يقتدين بهن، أو مميلات للقلوب الفاسدة بهذا، أو بتكسرهن في المشي والقول، وهذا إخبار بغيب قد وقع، فإن هذا كله في مصرنا الآن كثير. نسأل الله السلامة. فمثل هؤلاء لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها الذي يشم من مسيرة أربعين سنة، وهذا لمن استحل ذلك، أو تهديد ووعيد شديد للزجر والتنفير.","vol":"3","page":179},{"text":"كَذَا وكَذَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُ عَشْرَ خِلَالٍ: الصُّفْرَةَ (^١)، وَتَغْييرَ الشَّيْبَ، وَجَرَّ الْإِزَارِ، وَالتَّخَتُّمَ بِالذَّهَبِ، وَالتَّبَرُّجَ بِالزِّينةِ لِغَيْرِ مَحَلِّهَا، وَالضَّرْبَ بِالْكِعَابِ، وَالرُّقَى إِلا بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَعَقْدَ التَّمَائِمِ، وَعَزْلَ الْمَاءِ عَنْ مَحَلِّهِ، وَفَسَادَ الصَّبِيِّ غَيْرَ مُحَرِّمِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢) وَالنَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-651>يحرم ضرب الوجه ووسمه </span>(^٣)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْوَجْهِ وَعَنِ الْوَسْمِ فِيهِ (^٤) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ حِمَارٌ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الَّذِي وَسَمَهُ (^٥).\n_________\n(^١) الصفرة وما بعده بالنصب والرفع، والصفرة هي التطيب باللون الأصفر، ومثلها الحمرة، وكراهتهما للرجل فقط لحديث الترمذي الآتي» خير طيب الرجل ما ظهر ريحه وخفي لونه، وخير طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه» وقوله وتغيير الشيب أي بالسواد أو النتف. وقوله بالذهب أي للذكر وهو محرم عليه باجماع مباح للأنثى بإجماع. وقوله والتبرج بالزينة لغير محلها أي تزين المرأة لغير زوجها وهذا حرام. وقوله والضرب بالكعاب جمع كعب وهي فصوص النرد والمراد لعبه وهو حرام. وسيأتي في الأدب إن شاء الله. وقوله والرقى وعقد التمائم أي حملها وسيأتيان في الطب إن شاء الله. وقوله وعزل الماء أي المنى عن محله أي الفرج وهو العزل السابق. وقوله وفساد الصبي أي الرضيع بوطء أمه فتحمل فيفسد اللبن ويتأذى الرضيع، وتقدم الكلام عليه وعلى العزل في النكاح. وقوله غير محرمه بنصب غير على الحال من فاعل يكره، ومحرمه بلفظ اسم الفاعل أي غير محرم الأخير وهو فساد الصبى أو راجع للكل أي كره هذه الأمور ولم يحرمها، وهذا في غالبها وإلا فخاتم الذهب والتبرج للأجنبي حرام باتفاق وفي الباقي أقوال. والله أعلم.\n(^٢) بسند صالح.\n\nيحرم ضرب الوجه ووسمه\n(^٣) الوسم هو الكى بالميسم وهو حديدة تحمى بالنار ثم يكوى بها.\n(^٤) أي نهي تحريم للعن الآتي.\n(^٥) لأنه تعذيب من غير حاجة.","vol":"3","page":180},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا وَلَدَتْ أُمِّي (^١) قَالتِ: انْظُرْ هذَا الْغُلَامَ فَلَا يُصِيبَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُحَنِّكُهُ قَالَ: فَغَدَوْتُ فَإِذَا هُوَ فِي الْحَائِطِ وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ جَوْنِيَّةٌ وَهُوَ يَسِمُ الظَّهْرَ الَّذِي قَدِمَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ فِي يَدِ النَّبِيِّ ﷺ الْمِيسَمَ وَهُوَ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ (^٢). رَوَى الثَّلَاثَةَ مُسْلِمٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-652>الباب الخامس في آثاث البيت</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ (^٣) ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ (^٤) ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثًا وَمَتَاعًا﴾ (^٥) ﴿إِلَى حِينٍ﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n_________\n(^١) فأم أنس أمرته أن يذهب بولدها إلى النبي - ﷺ - ليحنكه فذهب أنس بأخيه إليه فوجده في البستان وعليه خميصة - كقطيفة - وهي كساء مربع من صوف أو غيره له أعلام جونية بفتح فسكون منسوبة إلى بني الجون قبيلة من الأزد أو منسوبة إلى الجون وهو الألوان لأنها ذات ألوان، وهو يسم الإبل التي قدمت عليه من فتح مكة وحنين.\n(^٢) أي الزكاة. وفي رواية» رأيت النبي - ﷺ - في مربد يسم غنما» قال شعبة وأكبر علمى أنه قال في آذانها، والمربد - كمنبر - مأوى الإبل، ومأوى الغنم يسمى حظيرة، ومعنى ما تقدم أن ضرب الوجه من إنسان أو حيوان محترم حرام لأن الوجه مجمع المحاسن، ووسم الوجه أولى بالتحريم لأنه تعذيب لا حاجة إليه، وفي الوجه الذي كرمه الله تعالى، وأما وسيم غير الوجه من الحيوان فجائز لتمييز المواشى بل ومستحب في مواشي الزكاة والجزية، وعليه الجمهور سلفًا وخلفا إلا أبا حنيفة فإنه قال بكراهته لأنه تعذيب ومثلة منهي عنهما، وأجاب الجمهور بأن الوسم قد ورد فيخصص هذا العام، ويستحب وسم الغنم في آذانها بمكوى صغير، وفي غير الغنم في أصول أفخاذها لقلة الألم ولخفة شعره فيظهر الوسم فيه. وفي هذه النصوص أن النبي - ﷺ - كان عظيم التواضع وكان يعمل كل شيء بيده إذا أمكنه حتى ما يختص بالمواشي من وسم وسقى وحلب وغيرها ليكون قدوة حسنة لأمته - ﷺ - والله أعلم.\n\n(الباب الخامس في أثاث البيت)\n(^٣) مواضع تسكنون فيها.\n(^٤) وهي الخيام التي تضربونها في سفركم وحضركم.\n(^٥) وجعل لكم من الصوف والوبر والشعر أثاثًا في بيوتكم تنتفعون بها كالفرش والغطاء.","vol":"3","page":181},{"text":"• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَحْتَجِرُ حَصِيرًا بِاللَّيْلِ (^١) يُصَلِّي عَلَيْهِ وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ يَجْلِسُ عَلَيْهِ فَجَعَلَ النَّاسُ يَثُوبُونَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ حَتَّى كَثُرُوا فَأَقْبَلَ فَقَالَ: «يَا أيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ فِرَاشُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ أَدَمًا (^٢) حَشْوُهُ لِيفٌ. رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\nوَعَنْهَا كَانَتْ وِسَادَةُ (^٣) النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي يَتَّكِئُ عَلَيْهَا مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ وَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ وَضُوءَ النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّاسُ يَبْتَدِرُونَ الْوَضُوءَ (^٤) فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ وَمَنْ لَمْ يُصِبْ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِي.\nوَقَالَ أَبُو رِفَاعَةَ ﵁: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ غَرِيبٌ جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ لَا يَدْرِيهِ فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ وَأَتَى بِكُرْسِيَ قَوَائِمُهُ مِنْ حَدِيدٍ فَجَلَسَ عَلَيْهِ (^٥) وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّهَا. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.\n_________\n(^١) فكان للنبي - ﷺ - حصير من خوص النخل يحتجره ليلا أي يجعله كالحجرة يتعبد فيه، ويفرشه بالنهار يجلس عليه. وقوله يثوبون إليه أي يذهبون إليه ليصلوا بصلاته ليلا فأمرهم بعمل ما يمكن الدوام عليه.\n(^٢) الأدم بالتحريك الجلد، والليف معروف، فكان فراش النبي ﷺ الذي يجلس عليه والذي ينام عليه جلدًا محشوا بليف.\n(^٣) الوسادة ما يسند ظهره عليها أو يضع رأسه عليها كالمخدة عندنا، فكانت من أدم وحشوها ليف، وكانت لهم أيضا ملاحف للغطاء، فللنسائي كان النبي - ﷺ - لا يصلى في لحفنا أو ملاحفنا.\n(^٤) فكان النبي ﷺ إذا توضأ تسابقوا إلى وضوئه ليتبركوا به، والنبي ﷺ ينظرهم فهذا إقرار منه. وإقراره حق لا شك فيه.\n(^٥) ففيه جواز اتخاذ الكرسي والجلوس عليه.","vol":"3","page":182},{"text":"• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ وَفِرَاشٌ لِامْرَأَتِهِ وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ (^١)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجْتُ قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «أَتَخَذْتَ أَنْمَاطًا (^٢)»؟ قُلْتُ: وَأَنَّى لَنَا أَنْمَاطٌ؟ قَالَ: «أَمَا إِنَّهَا سَتَكُونُ». قالَ جَابِرٌ: وَعِنْدَ امْرَأَتِي نَمَطٌ فَأَنَا أَقُولُ نَحِّيهِ عَنِّي وَتَقُولُ قَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّهَا سَتَكُونُ.\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا تَمَاثِيلُ (^٣)». قَالَ زَيْدٌ ﵁: فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ فَسَأَلْتُهَا عَنْ هذَا فَقَالَتْ: سَأُحَدِّثُكُمْ بِمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّهُ خَرَجَ فِي غَزَاتِهِ فَأَخَذْتُ نَمَطًا فَسَتَرْتُهُ عَلَى الْبَابِ فَلَمَّا قَدِمَ فَرَأَى النَّمَطَ عَرَفْتُ الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِهِ فَجَبَذَهُ فَهَتَكَهُ وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ». قَالَتْ: فَقَطَعْنَا مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ وَحَشَوْتهُمَا لِيفًا فَلَمْ يَعِبْ ذلِكَ عَلَيَّ. رَواهُمَا مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا تَرْكَبُوا الْخَزَّ (^٤) وَلَا النِّمَارَ». وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ\n_________\n(^١) هذا إذا لم يكن أولاد وإلا لزم الفرش الذي يكفيهم، وإنما كان الرابع للشيطان لأنه لما زاد على الحاجة كان إسرافا وخيلاء فاتخذه الشيطان.\n(^٢) الأنماط جمع نمط بالتحريك وهو بساط له خمل أي وبر وكانت عزيزة في زمنه - ﷺ - ولكنها كثرت عندهم لما كثرت الفتوحات فكان جابر يتنزه عنها لأنها من زينة الدنيا وكانت زوجته تحتج عليه بقوله - ﷺ - أما إنها ستكون.\n(^٣) تماثيل أي صور. وسيأتي الكلام عليها، وقولها سترت الباب بنمط أي زينته ببساط فيه صور خيل ذات أجنحة، فلما رآه هتكه أي مزقه وقال: إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة، فصنعت منه وسادتين فلم ينكر عليها، وإنكاره - ﷺ - الستر الحيطان ولا سيما ببساط ذي صور وهذا وإن كان مكروها ولكنه لا يناسبه ﷺ.\n(^٤) لا تركبوا الخز أي الحرير أي لا تجعلوه على السرج كما تقدم نهى عن المياثر جمع ميثرة وهي حرير يجعله الراكب تحته؛ لأنه نوع من الاستعمال المحرم، وقوله ولا النمار جمع نمر وهو حيوان مفترس في جلده بياض وسواد فلا يجوز الركوب على جلودها ولا افتراشها لأنه من عادة العجم. ولفظ الترمذي: نهي عن افتراش جلود السباع. والظاهر أن النهي للكراهة.","vol":"3","page":183},{"text":"رُفْقَةً فِيهَا جِلْدُ نَمِرٍ». رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَمَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَجُرُّونَ شَاةً لَهُمْ كَالْحِمَارِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا». قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ قَالَ: «يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عَلَى بَيْتٍ فَإِذَا قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَسَأَلَ الْمَاءَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا مَيْتَةٌ (^٢) قَالَ: «دِبَاغُهَا طُهُورُهَا». رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَلَفْظُهُ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بِمَاءٍ مِنْ عِنْدِ امْرَأَةٍ قَالَتْ: مَا عِنْدِي إِلا فِي قِرْبَةٍ لِي مَيْتَةٍ قَالَ: «أَلَيْسَ قَدْ دَبَغْتِيهَا» قَالَتْ: بَلَى قَالَ: «فَإِنَّ دِبَاغَهَا ذَكَاتُهَا (^٣)». قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْجِلْدُ إِذَا لَمْ يُدْبَغْ يُسَمَّى إِهَابًا فَإِذَا دُبِغَ سُمِّيَ شَنًّا وَقِرْبَةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-653>التصوير حرام ويمنع الملائكة</span>\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ (^٤)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\nوَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ ﵁: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي دَارِ مَرْوَانَ فَرَأَى فِيهَا تَصَاويرَ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ ﷿ وَمَنْ أَظْلمْ (^٥) مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\n(^١) القرظ بالتحريك ثمر شجر يدبغ به لحرافة فيه، والماء يطهر الجلد بعد دبغه.\n(^٢) إنها ميتة أي من جلد ميتة.\n(^٣) فجلد الميتة إذا دبغ بشيء حريف كقرظ صار طاهرا وجاز استعماله في ماء ومائع وفرش وغيرها، وسبق في الطهارة بيان الدبغ وأنه من المطهرات. والله أعلم.\n\nالتصوير حرام\n(^٤) أي فيها أبدا، فيعظم عذابه إن كان كافرا ويطول إن كان مسلما.\n(^٥) فلا أحد أظل من المصورين، وقوله فليخلقوا ذرة تهديد وتعجيز.","vol":"3","page":184},{"text":"وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرَامٍ (^١) فِيهِ تَمَاثِيلُ فَلَمَّا رَآهُ هَتَكَهُ وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ وَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ أَشَدُّ النَّاس عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَطَعْنَاهُ فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ سَتَرْتُ عَلَى بَابِي دُرْنُوكًا (^٢) فِيهِ الْخَيْلُ ذَوَاتُ الْأَجْنِحَةِ فَأَمَرَنِي فَنَزَعْتُهُ. رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَجَاءَ رَجُلٌ إِلى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَقَالَ: إِنِّي أُصَوِّرُ هذِهِ الصُّوَرَ فَأَفْتِنِي فِيهَا، فَقَالَ لَهُ ادْنُ مِنِّي فَدَنَا مِنْهُ ثُمَّ أَعَادَهَا فَدَنَا مِنْهُ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَ: أُنَبِّئَكَ بِمَا سَمِعْتُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ (^٣)» وَقَالَ: «إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ الصُّوَرُ». قَالَ بُسْرٌ: ثمَّ اشْتَكَى زَيْدٌ فَعُدْنَاهُ فَإِذَا عَلَى بَابهِ سِتْرٌ فيهِ صُوَرٌ فَقُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ رَبِيبِ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا زَيْدٌ عَنِ الصُّوَرِ يَوْمَ الْأَوَّلِ فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَلَمْ تَسْمَعْهُ حِينَ قَالَ إِلا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ (^٤). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n_________\n(^١) القرام ستر رقيق، والسهوة ما يشبه الرف والطاق يوضع عليه الشيء، أو هي بيت صغير كالخزانة.\nوقولها فقطعناه فجعلنا منه وسادتين يفيد جواز نقش صورة الحيوان في الفرش وكذا الثوب الحديث بسر الآتي.\n(^٢) الدرنوك - كعصفور - ثوب أو بساط وكان فيه صور خيل لها أجنحة.\n(^٣) فيه أن الصورة تعذب من صورها في النار كما أنه يكلف بنفخ الروح في كل صورة صورها، والتشديد على التصوير في هذه الأحاديث ونحوها لمن صور صورًا تعبد أو يضاهى بها خلق الله تعالى فهو بهذا كافر وإلا فهو صاحب كبيرة، وفي الحديث تصريح بجواز تصوير ما لا روح له كالأشجار والجبال والأنهار.\n(^٤) فيه جواز رقم الحيوان في الثوب، ويقاس عليه الصورة الفوتغرافية إذا كانت لحاجة بالأولى فإنها ليست في الثوب.","vol":"3","page":185},{"text":"وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَاعَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلُ ﵇ فِي سَاعَةٍ يَأْتِيهِ فِيهَا فَجَاءَتْ تِلْكَ السَّاعَةُ وَلَمْ يَأْتِهِ وَفِي يَدِهِ عَصًا فَأَلْقَاهَا وَقَالَ: «مَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَا رُسُلُهُ فَإِذَا جِرْوُ كَلْبٍ (^١) تَحْتَ سَرِيرِهِ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ مَتَى دَخَلَ هذَا الْكَلْبُ هُنَا» فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا دَرَيْتُ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ. زادَ فِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ أَخَذَ مَاءً فَنَضَحَ مَكَانَهُ فَجَاءَ جِبْرِيلُ فَقَالَ ﷺ: «وَاعَدْتَنِي فَجَلَسْتُ لَكَ فَلَمْ تَأْتِ» فَقَالَ: مَنَعَنِي الْكَلْبُ الَّذِي كَانَ فِي بَيْتِكَ إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: اسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ ﵇ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «ادْخُلْ» فَقَالَ: كَيْفَ أَدْخُلُ وَفِي بَيْتِكَ سِتْرٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ فَإِمَّا أَنْ تُقَطَّعَ رُؤُوسُهَا أَوْ تَجْعَلَ بِسَاطًا يُوطَأُ فإِنَّا مَعْشَرَ الْمَلائِكَةِ لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ تَصَاوِيرُ (^٣). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَصَاحِبَاهُ (^٤).\nوَقَالَتْ عَائِشَةَ ﵂: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ (^٥) إِلا نَقَضَهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وأَبُو دَاوُدَ. وَاللَّهُ أَعْلَم.\n_________\n(^١) جرو الكلب بالتثلث ولده الصغير.\n(^٢) وزاد مسلم وأبو داود: فأصبح النبي - ﷺ - فأمر بقتل الكلاب حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير ويترك كلب الحائط الكبير.\n(^٣) هذه ليس فيها ذكر للكلب ولكن رواية الترمذي فيها كلب صغير، ولفظها» فمُرْ بالستر فليقطع ويجمل منه وسادتان منتبذتان بوطآن ومر بالكلب فليخرج وكان جروًا للحسن أو الحسين ﵄».\n(^٤) بسند صحيح.\n(^٥) لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب أي تصاوير كما في نسخة، إلا نقضه أي مزقه وكسره، وحاصل ما في المقام أن تصوير الحيوان حرام ولو نقشا ولو عضوا منه لأنه مضاهاة لخلق الله تعالى بخلاف تصوير غير الحيوان فلا شيء فيه، وأما الاقتناء ففيه تفصيل، إن كانت الصورة مجسمة كاملة فهى حرام وإن كانت ناقصة بحال لا تعيش بها فلا، وإن كانت نقشا فجائزة مع الكراهة إلا أن حديث أصحاب السنن لا يجيز الكاملة المرفوعة ولكن عند المالكية مكروهة أو خلاف الأولى فقط، وهذا كله في غير لعبة الأطفال، أما هي فجائزة ولو مجسمة كاملة كما يأتي في الأدب إن شاء الله. والله أعلم.","vol":"3","page":186},{"text":"<span data-type='title' id=toc-654>خاتمة يستحب الطيب</span>\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ وَيَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ (^١) رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ طِيبٌ فَلَا يَرُدُّهُ فَإِنَّهُ طَيِّبُ الرِّيحِ خَفِيفُ الْمَحْمِلِ». وَلِلتِّرْمِذِيِّ ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ: الْوَسَائِدُ (^٢)، وَالطِّيبُ، وَاللَّبَنُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ سُكَّةٌ (^٣) يَتَطَيَّبُ مِنْهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي بِذَرِيرَةٍ (^٤) فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَطَيِّبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ إِحْرَامِهِ بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ (^٥).\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ ﷺ بِأَطْيَبِ مَا نَجِدُ حَتَّى أَجِدَ وَبِيصَ الطِّيبِ (^٦) فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اسْتَعْطَرَتِ الْمَرْأَةُ فَمَرَّتْ عَلَى الْقَوْمِ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ كَذَا وَكَذَا (^٧) قَالَ قَوْلًا شَديدًا». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٨).\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْعِشَاءِ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا (^٩)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n_________\nخاتمة يستحب الطيب\n(^١) أي إذا أهدى إليه.\n(^٢) الوسائد جمع وسادة وهي ما يتكأ عليها، وللترمذي» إذا أعطى أحدكم الريحان فلا يرده فإنه خرج من الجنة» والريحان كل نبات فيه ريح طيبة كالورد والفل والياسمين ونحوها فلا ينبغي رد واحد من هذه لعدم المنة فيها، وأما اللبن فلأنه أعظم مطعوم.\n\n(تنبيه) مرويات الترمذي هنا في كتاب الأدب.\n(^٣) السكة بضم فتشديد طيب حسن الرائحة أو إناء فيه طيب.\n(^٤) الذريرة - كفضيلة - مسحوق نبات طيب الريح يجلب من الهند. وقولها للحل والإحرام أي عند تحلله من الإحرام وقبل إحرامه.\n(^٥) ولكن البخاري هنا ومسلم في الحج.\n(^٦) وبيص الطيب أي بريقه ولمعانه، وهذا في طيب كالدهان.\n(^٧) فهي كذا وكذا أي زانية.\n(^٨) بسند صحيح.\n(^٩) ولفظ أبي داود» أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهدن معنا العشاء» أي فلا تحضر معنا الجماعة ولا سيما العشاء، أي لأن الليل مظنة الفتنة، فيحرم على المرأة التعطر عند خروجها لأنه مدعاة للفتنة ولمخالفتها أمر الشارع من جعله لونًا فقط، ولا بأس بعطر ذي ريح في بيتها.","vol":"3","page":187},{"text":"• عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا تَقْرَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ: جِيفَةُ الْكَافِرِ (^١)، وَالْمُتَضَمِّخُ بِالْخَلُوقِ، وَالْجُنُبُ إِلا أَنْ يَتَوَضَّأَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢).\nوَأَبْصَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مُتَخَلِّقًا (^٣) قَالَ: «اذْهَبْ فَاغْسِلْهُ ثُمَّ اغْسِلْهُ ثُمَّ لَا نَعُدْ».\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ خَيْرَ طِيبِ الرَّجُلِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ، وَخَيْرَ طِيبِ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخِفِيَ رِيحُهُ (^٤)». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدَيْنِ حَسَنَيْنِ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُجَمِّلَنَا بِالتَّقْوَى وَالذِّكْرَى الْحَسَنَةِ.\n_________\n(^١) جيفة الكافر أي جسمه إذا مات، والمتضمخ بالخلوق بالفتح طيب مركب من زعفران وغيره تغلب عليه الحمرة، والنهي للونه لأنه طيب النساء، والجنب أي الواجد للماء ولم يتطهر، والمراد الحث على سرعة التطهر والتنفير من الكفر ومن طيب النساء.\n(^٢) بسند صالح.\n(^٣) متخلقًا أي متطيبًا بالخلوق.\n(^٤) إنما كان ما خفي ريحه وظهر لونه خير طيب النساء لعدم انتباه الأجنبي لها ولتزينها لزوجها. وإنما كان خير طيب الرجال ما خفي لونه وظهر ريحه لأن المطلوب الرائحة الحسنة. نسأل الله أن يجمل بواطننا وظواهرنا وأن يحسن خلقنا وخلقتنا آمين والحمد لله رب العالمين.","vol":"3","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-655>كتاب الطب والرقي </span>(^١)\nوفيه مقدمة وأربعة فصول وخاتمة\n\n<span data-type='title' id=toc-656>مقدمة في فضل الأمراض والصبر عليها</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ما يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصِبٍ (^٢) وَلا وَصَبٍ وَلَا هَمَ وَلَا حَزَنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمَ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَدَخَلَ شَبَابٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ وَهِيَ بِمِنًى وَهُمْ يَضْحَكُونَ فَقَالَتْ: مَا يُضْحِكُكُمْ؟ فَقَالُوا: فُلَانٌ خَرَّ عَلَى طُنُبِ فُسْطَاطٍ (^٣) فَكَادَتْ عُنُقُهُ أَوْ عَيْنُهُ أَن تَذْهَبَ فَقَالَتْ: لَا تَضْحَكُوا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا إِلا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ (^٤)».\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٥). رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\nوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهوَ يُوعَكُ (^٦) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا قَالَ: «أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ» قُلْتُ: ذلِكَ بِأَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ، قَالَ: «أَجَلْ ذلِكَ كَذلِكَ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى\n_________\nكتاب الطب والرقى. وفيه مقدمة وأربعة فصول\n(^١) المراد بالطب الطب النبوي الذي فعله وأمر به النبي - ﷺ - وما اعتادوه في زمن النبي - ﷺ - وليس المراد حصر الطب في ذلك، والرقي جمع رقية وهي كلمات تقال على المريض فيشفى بإذن الله.\n(^٢) النصب التعب، والوصب المرض الملازم، والهم على المستقبل، والحزن على الماضي، والأذى والغم عامان.\n(^٣) عثر في حبل خيمة توقع.\n(^٤) أي يبتليه.\n(^٥) لعظم مقامه يعظم بلاؤه.\n(^٦) يعاني مرضًا شديدا.","vol":"3","page":189},{"text":"شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا مَثَلُ الْمَرِيضِ إِذَا بَرَأَ وَصَحَّ كَالْبَرَدَةِ (^١) تَقَعُ مِنَ السَّمَاءِ فِي صَفَائِهَا وَلَوْنِهَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ فَقَالَ: «مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ تُزَفْزِفِينَ (^٢)؟» قَالَتِ: الْحُمَّى لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا فَقَالَ: «لَا تَسُبِّي الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَعَادَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ وَعْكٍ كَانَ بِهِ فَقَالَ: «أَبْشِرْ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ هِيَ نَارِي (^٣) أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُذْنِبِ لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَطَاءٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قُلْتُ بَلَى قَالَ: هذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ (^٥) فَادْعُ اللَّهَ لِي قَالَ: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ» فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، قَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ لِي أَلا أَتَكَشَّفَ، «فَدَعَا لَهَا (^٦)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ (^٧) فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّة». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ هُنَا وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الزُّهْدِ. نَسْأَلُ اللَّهُ أَنْ يَشْفِيَنَا مِنَ الْأَمْرَاضِ الْجِسْمِيَّةِ وَالْقَلْبِيَّةِ آمِين.\n_________\n(^١) البردة حبة الثلج التي تنزل مع المطر.\n(^٢) أي ترتعدين.\n(^٣) هي ناري أي الحمى وسيأتي» الحمى من فوْر جهنم فأردوها عنكم بالماء».\n(^٤) إذا رضي بحكم الله تعالى.\n(^٥) كان بها صرع إذا جاءها ألقاها على الأرض وانكشفت عورتها.\n(^٦) فكان يأتيها الصرع ولا تنكشف.\n(^٧) تثنية حبيبة وهي العين لأنها محبوبة للشخص أكثر من بقية أعضائه. نسأل الله أن يحفظنا من المكروه والله أعلم.","vol":"3","page":190},{"text":"<span data-type='title' id=toc-657>أجبر الصبر في الطاعون</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَبْطُونُ شَهِيدٌ وَالْمَطْعُونُ شَهِيدٌ (^١)».\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ فَأَخْبَرَهَا أَنَّهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ (^٢) فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ (^٣). رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الطَّاعُونُ رِجْزٌ (^٤) أَوْ عَذَابٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ أَنَّ عُمَرَ ﵁ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ حَتَّى إِذا كَانَ بِسَرْغٍ (^٥) لَقِيَهُ أَهْلُ الْأَجْنَادِ (^٦) أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ (^٧) قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ فَقَالَ عُمَرُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ فَاخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ (^٨) وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هذَا الْوَبَاءِ فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي (^٩)\n_________\nأجر الصبر في الطاعون\n(^١) المبطون الذي مات من مرض بطنه والمطعون الذي مات بالطاعون (الوباء المشهور).\n(^٢) فيفنيهم في الدنيا.\n(^٣) فمن يصبر على الطاعون الذي نزل في بلده فله أجر الشهيد وإن لم يمت به.\n(^٤) الرجز: العذاب، وأوفى الموضعيين للشك.\n(^٥) سرغ بالصرف وعدمه قرية في طرف الشام مما يلى الحجاز.\n(^٦) ولفظ البخاري أمراء الأجناد والمراد بالأجناد هنا مدن الشام الخمس المشهورة وهي فلسطين والأردن ودمشق وحمص وقنسرين، من تسمية المكان باسم أهله كقوله نزلت في بني أسد، وكان عمر قسم الشام إلى هذه الخمس وجعل لكل واحدة أميرا.\n(^٧) الوباء: الطاعون.\n(^٨) خرجت لأمر هو تفقد أحوال الرعية.\n(^٩) انصرفوا عني.","vol":"3","page":191},{"text":"ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِيَ الْأَنْصَارَ فَدَعَوْتُهُمْ لَهُ فَاسْتَشَارَهُمْ فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ فِي الاِخْتِلَافِ فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي. ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ (^١) فَدَعَوْتَهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ رَجُلَانِ فَقَالُوا: نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هذا الْوَبَاءِ، فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنَّي مُصْبّحٌ عَلَى ظَهْرٍ (^٢)، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ (^٣)، فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلَافَهُ، نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ. أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عِدْوَتَانِ (^٤) إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ وَالْأُخْرَى جِدْبَةٌ أَلَيْسَ رَعَيْتَ الْخِصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ، قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي مِنْ هذَا عِلْمًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْض فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ»، قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ثُمَّ انْصَرَفَ (^٥). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\n(^١) كبراء قريش من مهاجرى الفتح.\n(^٢) إني راجع إلى المدينة في الصباح على راحلتي.\n(^٣) أي أترجع فرارا من المقدر. فقال عمر: لو قالها غيرك لضربته.\n(^٤) تثنية عدوة أي له طرفان:\n(^٥) فعمر ﵁ في هذا ضرب للناس أحسن مثل إذا وقعوا في أمر هام ولا سيما الحكام فإنه خرج إلى الشام في ربيع الآخر سنة ثماني عشرة يتفقد أحوال الرعية، فلما وصل إلى سرغ تلقاه أمراء الأقاليم فأخبروه أن بالشام وباء فشاور المهاجرين. فقال بعضهم خرجت لأمر فلا ترجع عنه لأن القدر لابد منه وقال آخرون معك أشراف الناس وأصحاب الرسول - ﷺ - فلا تقدم بهم على الوباء لقوله تعالى ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فأمر بانصرافهم عنه وكذا شاور الأنصار فاختلفوا فأمر بانصرافهم عنه أيضا ثم أحضر كبراء مهاجرى الفتح وشاورهم فاتفقوا على رجوعه فأعلن أنه راجع في الصباح فعارضه أبو عبيدة بقوله أتفر من قدر الله؟ فقال: نفر من قدر الله إلى قدر الله، وضرب له المثل براعي الإبل، فقد أخذ بالحذر وأثبت القدر عملا بدليلي الفريقين فاقتنع أبو عبيدة ﵃. وبينما هم على هذه الحال إذ حضر من غيبته عبد الرحمن بن عوف ﵁ فرآهم في هذه الحال فقال: عندي علم في هذا يا أمير المؤمنين فذكر الحديث ففرح به عمر وحمد الله تعالى على موافقة اجتهاده للحديث وعادوا إلى المدينة بسلامة الله تعالى.","vol":"3","page":192},{"text":"<span data-type='title' id=toc-658>السحر </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ يُقَالُ لَهُ لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ (^٢) حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^٣) ثُمَّ دَعَا ثُمَّ دَعَا ثُمَّ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ (^٤) جَاءَنِي رَجُلَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ أَوِ (^٥) الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟» قَالَ مَطْبُوبٌ (^٦) قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ (^٧) قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ. قَالَتْ: فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ وَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نَقَاعَةُ الْحِنَّاءِ ولَكأَنَّ نَخْلَهَا رُؤوسُ الشَّيَاطِينِ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ (^٨) قَالَ: «لَا أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللَّهُ وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُفِنَتْ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. نَسْأَلُ اللَّهُ السَّلَامَةَ آمِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\nالسحر\n(^١) جمهور الأمة على أن السحر ثابت، وله حقيقة كغيره من الأشياء، وحسبنا فيه القرآن والحديث، وتقدم بيانه وحكم فاعله في كتاب الحدود.\n(^٢) فكان يخيل له أنه فعل كذا وكذا والواقع أنه لم يفعله.\n(^٣) أي دعا ربه مرات والتجأ إليه في رفع البلاء.\n(^٤) أجابني فيما طلبت.\n(^٥) أو للشك.\n(^٦) أي مسحور.\n(^٧) المشط والمشاطة بالضم فيهما، والمشط معروف، والمشاطة الشعر الذي يسقط عند التسريح، وجف طلعة ذكر أي نخل ذكر، أي وعاء طلع النخل، فعمل السحر بهذه الأشياء ووضع في بئر ذي أروان في المدينة في بستان لبني زريق.\n(^٨) أفلا أحرقته، أي ما أخرجته من البئر قال: لا ولكني أمرت بدفنها في الأرض، ولا يقال إن تأْثير =","vol":"3","page":193},{"text":"<span data-type='title' id=toc-659>السم </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اجْمِعُوا لِي مَنْ كَانَ هُنَا مِنَ الْيَهُودِ»، فَجُمِعُوا لَهُ فَقَالَ لَهُمْ: «إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ؟» فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبا الْقَاسِمِ فَقَالَ: «مَنْ أَبُوكُمْ؟» قَالُوا: أَبونَا فُلَانٌ قَالَ: «كَذَبْتُمْ بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ» (^٢) قَالُوا: صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ. فَقَالَ: «إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ وَإِنْ كَذَبْنَاكَ عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا فَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟» قَالُوا: نَكُون فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَنَا فِيهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اخْسَأُوا فِيهَا وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا». ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكمْ عَنْهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: «هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟» قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذلِكَ؟» قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَذَّابًا نَسْتَرِيحُ مِنْكَ وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ (^٣) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهَا عَنْ ذلِكَ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ، قَالَ: «مَا كَانَ اللَّهُ\n_________\n= السحر فيه - ﷺ - يوجب لبسًا في النبوة والرسالة لأنا نقول إن أثر السحر لم يتجاوز ظاهر الجسم الشريف فلم يصل إلى القلب والعقل فيوجب لبسا في الرسالة، بل التشريع كله محفوظ. قال تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾».\n\nالسم\n(^١) السم بالتثليث: مطعوم يقتل من تعاطاه سائلا أو غيره.\n(^٢) إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق أن إبراهيم خليل الرحمن - ﷺ -.\n(^٣) لأن الرسول - ﷺ - محفوظ ومعصوم قال تعالى:» ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾».","vol":"3","page":194},{"text":"لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذاكِ أَوْ قَالَ عَلَيَّ (^١)». قَالُوا: أَلَا نَقْتُلهَا؟ قَالَ: «لَا». قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ يَهُودِيَّةً (^٢) مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ أَهْدَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةً مَسْمُومَةً فَأَكَلَ مِنْهَا وَأَكَلَ مَعَهُ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: «ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ وَأَرْسَلَ إِلَى الْيهُودِيَّةِ» فَقَالَ لَهَا: «أَسَمَمْتِ الشَّاةَ؟» قَالَتْ: مَنْ أَخْبَرَكَ؟ قَالَ: «أَخْبَرَتْنِي هذِهِ الذِّرَاعُ (^٣)»، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «فَمَا أَرَدْتِ إِلَى ذلِكَ؟» قَالَتْ: قُلْتُ إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَمْ يَضُرَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا اسْتَرَحْنَا مِنْهُ فَعَفا عَنْهَا.\nوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ فَأَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ بِخَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّةً (^٤) مَسْمُومَةً فَأَكَلَ مِنْهَا وَأَكَلَ الْقَوْمُ فَقَالَ: «ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ فَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ فَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ فَسَأَلَهَا مَا حَمَلَكِ عَلَى هذَا؟» قَالَتْ: إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ وَإِنْ كُنْتَ مَلِكًا أَرَحْتُ النَّاسَ مِنْكَ، «فَأَمَرَ بِهَا فَقُتِلَتْ» لأَنَّهُ مَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ مِنْ أَكْلِهَا ثُمَّ قَالَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: لَا زِلْتُ أَجِدُ أَلَمًا مِنْ أُكْلَةِ خَيْبَرَ فَهذَا أَوَانُ قَطَعَتْ أَبْهَرِي (^٥). رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ فِي الدِّيَّاتِ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n(^١) ما كان الله ليسلطك عليّ أي الآن، وإلا فهي كانت سبب موته - ﷺ - لقوله الآتي: فهذا أوان قطعت أبهري، ولم يأمر بقتلها أولا نظرًا لحقه ولكن لما مات بشر بن البراء أمر بقتلها فيه كما يأتي. وقول أنس فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله - ﷺ - جمع لهاة وهي اللحمة الحمراء المعلقة في أعلى الحنك، أي لا زالت اللهاة متغيرة بسبب هذه الأكلة.\n(^٢) هذه المرأة اسمها زينب بنت الحارث أخي مرحب، أو هي بنت مرحب اليهودي.\n(^٣) ذراع الشاة المشوية نطقت للنبي - ﷺ - وأخبرته بأنها مسمومة، ففي هذه الحادثة معجزة ظاهرة لكل الناس. نسأل الله كمال الإيمان والقدوة به ﷺ.\n(^٤) أي مشوية بالنار:\n(^٥) الأبهر: عرق في الظهر وهما أبهران، وقيل هما الأكحلان اللذان في الذراعين، وقيل عرق في باطن القلب إذا انقطع لم تبق معه حياة، فالنبي - ﷺ - وإن مات في نهاية أجله ولكن بسبب أكلة خيبر المسمومة وذلك ليحوز المرتبتين مرتبة الرسالة ومرتبة الشهادة.","vol":"3","page":195},{"text":"<span data-type='title' id=toc-660>عيادة المريض سنة</span>\n• عَنْ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: اشْتَكَيْتُ بِمَكَّةَ فَجَاءَنِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِي ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِي وَبَطْنِي ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْفِ سعْدًا وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ» قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَجِدُ بَرْدَهُ عَلَى كَبِدِي فِيمَا يُخَالُ إِلَيَّ حَتَّى السَّاعَةِ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَجَلٍ يَعُودُهُ فَقَالَ: «لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» فَقَالَ: كَلا بَلْ حُمَّى تَفُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ حَتَّى تُزِيرَهُ الْقُبُورَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَنَعَمْ إِذًا (^٢)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَكَانَ غُلَامٌ لِيَهُودَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ فَقَالَ: «أَسْلِمْ»، فَأَسْلَمَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: «أَسْلِمْ»، فَنَظَرَ الْغُلَامُ إِلَى أَبِيهِ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ فَأَسْلَمَ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ (^٣)».\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَيَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ (^٤)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أُعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟»\n_________\nعيادة المريض سنة\n(^١) أي لا زلت أشعر ببرد كفه ﷺ على جسمي كله حتى كبدي، وفيه استحباب وضع اليد على جبهة المريض.\n(^٢) فلما دعا له النبي ﷺ بقوله: لا بأس عليك طهور إن شاء الله. رد عليه بقوله كلا أي لا تقل ذلك بل هي حمى تفور فورًا شديدا حتى تدخله القبور فأجابه بقوله نعم إذًا، وكان الأحرى به أن يقول اللهم استجب.\n(^٣) أي بإسلامه قبل وفاته على يدي النبي ﷺ، وفيه استحباب عيادة الكتابي إذا كانت له صلة به.\n(^٤) وفي رواية وألحقني بالرفيق الأعلى.","vol":"3","page":196},{"text":"قَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ (^١). يَا بْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي» قَالَ: «يَا رَبِّ كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذلِكَ عِنْدِي (^٢). يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتُ ذلِكَ عِنْدِي (^٣)» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ (^٤)». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا خُرْفَةِ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «جَنَاهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَعُودُ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلَهُ فَيَقُولُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلا عُوفِيَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٥) وَصَاحِبَاهُ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فنَفِّسُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ (^٧) فَإِنَّ ذلِكَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَيُطَيِّبُ بِنَفْسِهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَسَبَقَ نُبْذَةٌ مِنْهَا فِي الْجَنَائِزِ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَشْفِيَ قُلُوبَنَا آمِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) أي وجدت ثوابي وإكرامي الواسع.\n(^٢) أي ثوابك العظيم.\n(^٣) فيه أن إكرام المسلم بعيادته أو بأي شيء عظيم عند الله تعالى:\n(^٤) عظم أجر العائد حتى صار كمن في الجنة يجني ثمارها.\n(^٥) ولفظ غيره: إلا عافاه الله من ذلك المرض.\n(^٦) بسند حسن.\n(^٧) فنفسوا له في أجله بنحو: إن حالك حسنة وإنك بخير وإنك ستشفى إن شاء الله فإن هذا يهدئ نفسه.","vol":"3","page":197},{"text":"<span data-type='title' id=toc-661>ما يقال في المصيبة</span>\nقالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ (^١) ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أَجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَاخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا». قَالَتْ: فَلَمَّا تُوفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ قلْتُ كَما أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي خَيْرًا مِنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ الْخَمْسَة إِلا الْبُخَارِيَّ. وَلَفْظ التِّرْمِذِيِّ فِي الدَّعَوَاتِ: إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَقُلْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ عِنْدَكَ أَحْتَسِبُ مُصِيبَتِي (^٢) فَأْجُرْنِي فِيهَا وَأَبْدِلْنِي مِنْهَا خَيْرًا، فَلَمَّا احْتُضِرَ أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: اللَّهُمَّ اخْلُفْ فِي أَهْلِي خَيْرًا مِنِّي، فَلَمَّا قُبِضَ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ عِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ مُصِيبَتِي فَأْجُرْنِي فِيهَا فَتَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُمَا وَعَوَّضَهُمَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-662>الفصل الأول في جواز التداوي</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﷿ (^٤)».\n_________\nما يقال في المصيبة\n(^١) إنا لله أي ملكا وإيجادا، وإنا إليه راجعون في الآخرة فيجازينا على ما قدمنا.\n(^٢) أي أدخر ثوابها عندك.\n(^٣) وهو خير من كل الناس فقد أكرم الله أبا سلمة وأم سلمة بإجابة دعوتهما على أحسن وجه والله أعلم.\n\nالفصل الأول في جواز التداوي\n(^٤) أي فإذا نزل الدواء على الداء بشرب أو غيره برأ المريض من علته بإذن الله تعالى.","vol":"3","page":198},{"text":"• عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُؤوسِهِمْ الطَّيْرُ فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ فَجَاءَ الْأَعْرَابُ مِنْ ههُنَا وَههُنَا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَدَوَى؟ قَالَ: «تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً (^١) إِلا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\nوَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ قَالَ: «هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\nوَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁: مَرِضْتُ فَعَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا فِي فؤادِي فَقَالَ: «إِنَّكَ رَجُلٌ مَفْؤُودٌ (^٣) ائْتِ الْحَارِثَ بْنَ كَلَدَةَ أَخَا ثَقِيفٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ يَتَطَبَّبُ فَلْيَأْخُذْ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ فَلْيَجَأْهُنَّ بِنَوَاهُنَّ (^٤) ثُمَّ لِيَلُدَّكَ بِهِنَّ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-663>الحمية رأس الدواء </span>(^٥)\n\n• عَنْ أُمِّ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ عَلِيٌّ ﵁\n_________\n(^١) لم يضع داء أي لم يخلق مرضا إلا جعل له دواء إلا الهرم أي الكبر فإنه لا دواء له، وفي الحديث: الأمر بالتداوي عملا بالأسباب والسعي المطلوب لقوله تعالى» ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾» وللحديث» إعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا».\n(^٢) فالتداوي مستحب لهذه وللاقتداء به - ﷺ - ولا سيما من كانت حياته في مصلحة العباد بخلاف من لم يكن كذلك وقدر على نفسه وكان متوكلا على الله تعالى فإن تركه له أفضل، وتقاة نتقيها أي أداة نتحفظ بها هل ترد القدر؟ قال هي من القدر، فالإيمان بالقدر واجب، وكل بلاء فهو بقدر الله، والتداوي أيضا من القدر أي فتداووا وتوكلوا على الله فهو الفاعل الحقيقي، وتلك أسباب ظاهرة تقتضيها الحكمة.\n(^٣) مريض بفؤادك.\n(^٤) فليجأهن بنواهن أي يدقهن بنواهن ثم لبلدّك بهن، أي يسقيك إياهن، وهذا في عجوة بالمدينة غرس نخلها النبي - ﷺ - وستأتي إن شاء الله. والله أعلى وأعلم.\n\nالحمية رأس الدواء\n(^٥) الحمية هي المنع، يقال حماه الطعام والشراب إذا منعه منه، وحماه من أعدائه حفظه منهم.","vol":"3","page":199},{"text":"وَلَنَا دَوَالٍ (^١) مَعَلَّقَةٌ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَامَ عَلِيٌّ لِيَأْكُلَ فَطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لِعَلِيَ: «مَهْ إِنَّكَ نَاقِةٌ (^٢) فَكَفَّ عَلِيٌّ»، قَالَتْ: وَصَنَعْتُ لَهُمْ شَعِيرًا وَسِلْقًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا عَلِيُّ أَصِبْ مِنْ هذَا فَهُوَ أَنْفَعُ لَكَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا حَماهُ الدُّنْيَا كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحْمِي سَقِيمَهُ الْمَاءَ (^٣)».\n\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُكْرِهُوا مَرْضاكُمْ عَلَى الطَّعَامِ فَإِنَّ اللَّهَ يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ (^٤)». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدَيْنِ حَسَنَيْنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-664>الفصل الثاني في الطب النبوي - منه العسل وكي النار والحجامة </span>(^٥)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ﴾ (^٦).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ (^٧)\n_________\n(^١) أعذاق نخل فيها بسر فإذا أرطب أكلناه.\n(^٢) أي لا تأكل منه فإنك ناقه أي قائم من المرض.\n(^٣) فينبغي منع المريض من شرب الماء إذا كان يضر به.\n(^٤) ولا ينبغي إكراه المريض على أخذ شيء فإن الله يكفيه كل شيء إلا دواء وصفه طبيب حاذق. وأحسن ما ورد في الحمية قول النبي - ﷺ - (أصل كل داء البردة) والبردة بالتحريك إدخال الطعام على الطعام، ولما أهدى ملك مصر للنبي - ﷺ - طبيبًا وجارية وعسلا وبغلا قبلها كلها إلا الطبيب وقال» لا حاجة لنا به نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع» وللبيهقي: اختار الحكماء من كلام الحكمة أربعة آلاف كلمة، واختير منها أربعمائة، واختير منها أربعون كلمة، واختير منها أربع كلمات وهي: لا تثق بالنساء، لا تُحمل معدتك ما لا تطيق، لا يغرنك المال وإن كثر، يكفيك من العلم ما تنتفع به.\n\nالفصل الثاني في الطب النبوى. منه العسل والكي والحجامة\n(^٥) المراد بالعسل عسل النحل، والكي بالنار معروف، والمراد بالحجامة أخذ الدم من الجسم، وهو من الرأس يسمى حجامة ومن باقي الجسم يسمى فصدًا.\n(^٦) يخرج من بطونها أي النحل شراب مختلف ألوانه باختلاف المكان والمرعى، فمنه أبيض ومنه أحمر ومتوسط بينهما، فيه شفاء للناس من بعض الأمراض كما يأتي.\n(^٧) المحجم - كمنبر - آلة الحجم، وأنهى عن الكي لأنه تعذيب وكانوا يكوون محل المرض بحديدة كالمسمار والمشقص.","vol":"3","page":200},{"text":"أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ أَوْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوَيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ تُوَافِقُ الدَّاءَ وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِىَ (^١)». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ. وَفِي لَفْظٍ: اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ فَقَال: «اسْقِهِ عَسَلًا»، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: اسْقِهِ عَسَلًا، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلا اسْتِطْلَاقًا فَقَالَ: «صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ اسْقِهِ عَسْلًا»، فَسَقَاهُ فَبَرَأَ (^٢). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي أَكْحَلِهِ (^٣) فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ بِمِشْقَصٍ ثُمَّ وَرِمَتْ يَدُهُ فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: رُمِيَ أَبِيُّ يَوْمَ الْأَحْزابِ عَلَى أَكْحَلِهِ فَكَواهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^٤). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمذِيُّ.\n_________\n(^١) إلا إذا لم يفلح غير الكي فيكون مطلوبًا كمثل العرب: آخر الدواء الكي، ومنه ما أحدثه الناس من القدرة ومن كاسات الهواء ونحوها فهي من الكي بالنار المأمور به.\n(^٢) فلما سقاه الثالثة بنية صالحة وقلب سليم شفاه الله، وظاهره أن العسل يشفى من البطن بأى استعمال وقد جربناه فوجدناه صحيحًا والحمد لله، فإني وأنا في أول طلب العلم مرض أخي الكبير بإسهال حتى كان يضع الشيء في فمه وبعد دقائق ينزل من دبره فشكوت إلى أستاذنا شيخ الطريقة البكرية المرحوم الشيخ على الشافعي ﵁ وأرضاه فقال: ضع أربعة فناجيل عسل نحل في إناء وضع عليها ستة فناجيل ماء وضعه على النار حتى يغلي فتعلوه رغوة فتنزعها ثم تعود ثانيا فترميها حتى يصير خالصًا لا رغوة فيه فتنزله عن النار وتتركه حتى يبرد ويمكن شربه فتسقيه لأخيك ففعلت له ذلك فشفاه الله تعالى.\n(^٣) فسعد ﵁ رمى يوم الأحزاب بسهم في أكحله - عراق في الذراع - فحسمه النبي - ﷺ - أي كواه بمشقص - سهم عريض النصل - ثم ظهر ورم بيده فكواه ثانيا ليرقأ الدم فيشفى.\n(^٤) وممن كواهم النبي - ﷺ - أسعد بن زرارة من الشوكة وهي حمرة تظهر على الجلد رواه الترمذي، والكي في هذا يميت الحمرة فلا تنتشر.","vol":"3","page":201},{"text":"• وَعَنْهُ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ طَبِيبًا فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ (^١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْكَيِّ فَاكْتَوَيْنَا فَمَا أَفْلَحْنَا وَلَا أَنْجَحْنَا (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَقَالَ أَبُو دَاوُدَ ﵁: كَانَ عِمْرَانُ هذَا يَسْمَعُ تَسْلِيمَ الْمَلائِكَةِ فَلَمَّا اكْتَوَى انْقَطَعَ عَنْهُ فَلَمَّا تَرَكَ الْكَيَّ رَجَعَ إِلَيْهِ التَّسْلِيمُ (^٣). نَسْأَلُ اللَّهُ الشِّفَاءَ آمِينَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-665>موضع الحجامة وزمنها</span>\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي رَأْسِهِ مِنْ شَقِيقَةٍ (^٤) كَانَتْ بِهِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• عَنْ سَلْمى خَادِمِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: مَا كَانَ أَحَدٌ يَشْتَكِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَجَعًا فِي رَأْسِهِ إِلا قَالَ احْتَجِمْ وَلَا وَجَعًا فِي رِجْلَيْهِ إِلا قَالَ اخْضِبْهُمَا (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي كَبْشَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْتَجِمُ عَلَى هَامَتِهِ (^٦) وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ وَيَقُولُ: مَنْ أَهْرَاقَ مِنْ هذِهِ الدِّمَاءِ فَلَا يَضُرُّهُ أَلا يَتَدَاوَى بِشَيْءٍ لِشَيْءٍ. رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْتَجِمُ فِي الأَخْدَعَيْنِ وَالْكَاهِلِ (^٧)\n_________\n(^١) فيه أن للطبيب أن يفعل ما يراه في مصلحة المريض ولا ضمان عليه إذا كان عالمًا بالطب فإنه يبذل ما في جهده لشفاء مريضه.\n(^٢) لأنه اكتوى على محل خطر وهو البواسير التي كانت به فما نجح الكي وإلا فالكي أحد أدوية الشفاء كما مر.\n(^٣) ولا ينافى هذا ما ورد من أن انقطاع الملائكة عنه كان لشفائه فلما أخبر النبي - ﷺ - بذلك وخيره بين الشفاء وانقطاعها وبين المرض وزيارتها له اختار المرض وزيارة الملائكة لأن هذا كان في زمنه - ﷺ - وانقطاعهم بسبب الكي كان بعده - ﷺ -.\n\nموضع الحجامة وزمنها\n(^٤) الشقيقة وجع في أحد شقى الرأس، والصداع وجع الرأس فهو أعم.\n(^٥) أي بالحناء ولا شيء فيها للتداوي.\n(^٦) الهامة: الرأس أو وسطه، وبين كتفيه هو أعلى الظهر.\n(^٧) الأخدعان. عرقان في جانبي العنق يحجم منهما أحيانا، والكاهل أعلى الظهر، فالنبي - ﷺ - احتجم أحيانا في رأسه، وأحيانا في الأخدعين، وأحيانا في الكاهل بحسب المرض.","vol":"3","page":202},{"text":"وَكَانَ يَحْتَجِمُ لِسَبْعَ عَشْرَةَ وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى وعِشْرِينَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ احْتَجَمَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ (^١) وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ كَانَ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ».\nوَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْهَى عَنِ الْحِجَامَةِ يَوْمَ الثَّلَاثَاءِ (^٢) وَيَقُولُ: «إِنَّهُ يَوْمُ الدَّمِ وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَرْقَأُ». رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَمُرَّ عَلَى مَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلا أَمَرَهُ أَنْ مُرْ أُمَّتَكَ بِالْحِجَامَةِ.\nوَقَالَ عِكْرِمَةِ ﵁: كَان لاِبْنِ عَبَّاسٍ ﵁ غِلْمَةٌ ثَلَاثَةٌ حَجَّامُونَ فَكَانَ اثْنَانِ مِنْهُمْ يَغُلانِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ (^٣) وَوَاحِدٌ يَحْجُمُهُ وَيَحْجَمُ أَهْلَهُ. قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «نِعْمَ الْعَبْدُ الْحَجَّامُ يُذْهِبُ الدَّمَ وَيخِفُّ الصُّلْبَ وَيَجْلُو عَنِ الْبَصَرِ». وَفِي رِوَايَةٍ: «مَا مَرَّ عَلَى مَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلا قَالُوا عَلَيْكَ بِالْحِجَامَةِ (^٤)». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدَيْنِ حَسَنَيْنِ.\n_________\n(^١) كانت الحجامة ممدوحة في الأوتار لأن الله وتر يحب الوتر، وكانت حسنة في النصف الثاني من الشهر لأن الدم يكثر في أوله ويقل في آخره، والأطباء يقولون ذلك، فمن احتجم في يوم من هذه كانت شفاء من كل داء سببه غلبة الدم.\n(^٢) وكان النبي - ﷺ - ينهى عن الحجامة يوم الثلاثاء ويقول إنه يوم الدم أي يوم فورانه في الأجسام، أو يوم قتل قابيل لأخيه هابيل وفيه ساعة لا يرقأ أي لا ينقطع فينبغي اجتنابه.\n(^٣) أي يكتسبان بهم بالحجامة.\n(^٤) وإنما أمروه بالحجامة لأن معظم أمراضهم كانت من فوران الدم لشدة حرارة الشمس في أرض الحجاز. والله أعلم.","vol":"3","page":203},{"text":"<span data-type='title' id=toc-666>ومنه الحبة السوداء</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلا السَّامَ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: «عَلَيْكُمْ بِهذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءَ كُلِّ دَاءٍ إِلا السَّامَ، وَالسَّامُ الْمَوْتُ».\nوَدَخَلَ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ ﵁ عَلَى مَرِيضٍ فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِهذِهِ الْحُبَيْبَةِ السُّوَيْدَاءِ فَخُذُوا مِنْهَا خَمْسًا أَوْ سَبْعًا فَاسْحَقُوهَا ثُمَّ اقْطُرُوهَا فِي أَنْفِهِ بِقَطَرَاتِ زَيْتٍ فِي هذَا الْجَانِبِ وَهذَا الْجَانِبِ فَإِنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْنِي أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ فِي هذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلا السَّام (^١) قُلْتُ: وَمَا السَّامُ؟ قَالَ: «الْمَوْتُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-667>ومنه العود الهندي </span>(^٢)\n\n• عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «عَلَيْكُمْ بِهذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ (^٣) يُسْعَطُ بِهِ مِنَ الْعُذْرَةِ وَيُلَدُّ بِهِ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ»\n_________\nومنه الحبة السوداء\n(^١) فابن أبي عتيق التابعي دخل على مريض فقال لأهله عليك بالحبة السوداء فاسحقوا منها خمسا أو سبعا أو أكثر بالوتر واقطروها في أنفه بزيت الزيتون فإن عائشة حدثتني أنها سمعت النبي - ﷺ - يقول» إن في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا الموت» فإنه إذا حان وقته لا دواء له، وظاهر الحديث أنها تشفي من أي مرض وبأى استعمال إذا كان بنية صالحة، ولكن الأقرب أنها تشفى من الرطوبة والبلغم أكلا أو شربًا بعد غليانها لأنها حارة يابسة فتنفع في الأمراض التي تقابلها، ففيه أن الشيء يداوى بضده وهو معقول، فإن الضدين لا يجتمعان والشفاء بيد الله تعالى. والله أعلم.\n\nومنه العود الهندي\n(^٢) العود الهندي: خشب يجلب من الهند طيب الرائحة قابض فيه مرارة ويمضغ ويمضمض بمائه لطيب النكهة، وإذا شرب منه نحو مثقال نفع لمرض المعدة وسكن حرارتها، وإذا مزج ماؤه بالماء وشرب نفع من وجع الكبد ووجع الجنب وتقرح الأمعاء.\n(^٣) فإن فيه سبعة أشفية أي يشفى من سبعة أمراض يسعط به من العذرة (ورم يظهر في أعلى حلق الصبي) أي يدق العود ثم يوضع عليه زيت ويقطر =","vol":"3","page":204},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِابْنٍ لِي قَدْ أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ (^١) مِنَ الْعُذْرَةِ فَقَالَ: «عَلَامَ تَدْغَرْنَ أَوْلَادَكُنَّ بِهذَا الْعَلَاقِ عَلَيْكُنَّ بِهذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ يُسْعَطُ مِنَ الْعُذْرَةِ وَيُلَدُّ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ». رَواهُ الثَّلَاثَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-668>ومنه اللدود والسعوط والمشي </span>(^٢)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَدَدْنَا النَّبِيَّ ﷺ فِي مَرَضِهِ (^٣) فَأَشَارَ إِلَيْنَا لَا، فَقُلْنَا كَراهِيَةَ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: «أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي» قُلْنا: كَرَاهِيَةَ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ فَقَالَ: «لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلا الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ (^٤)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعَطَ (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالشَّيْخَانِ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ السَّعُوطُ (^٦) وَاللَّدُودُ وَالْحِجَامَةُ وَالْمَشِيُّ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n= منه في أنف الصبي، أو يؤخذ ماؤه فيقطر منه في أنفه فإنه يصل إلى العذرة فيقبضها لأنه حار يابس. وقوله ويُلَدُّ من ذات الجنب أي يشرب ماؤه فإنه يشفى من تلك العلة.\n(^١) قد أعلقت عليه من العذرة أي عالجته منها بالدغر، فقال: علام تدغرن أولادكن بهذا العلاق، أي لأي شيء تعصرن أعلى الحنك وتغمزنه بأصبعكن ليرتفع منه الورم؟ يكفيكن العود الهندي في شفاء العذرة بدل التعذيب بالدغر. والله أعلم.\n\nومنه اللدود والسعوط والمشى\n(^٢) اللدود: الدواء الذي يصب في فم المريض، والسعوط الدواء الذي يقطر في الأنف، والمشى - كغني - الدواء المطلق للبطن.\n(^٣) صببنا دواء في فمه اعتدناه لمثل مرضه.\n(^٤) فيه أنه لا يجوز إكراه المريض على الدواء.\n(^٥) أي قطر له دواء في أنفه بعد وضعه على ظهره ورفع أعلاه بشيء.\n(^٦) السعوط دواء اعتادوه لبعض الأمراض يقطر في الأنف، واللدود دواء اعتادوه لبعض الأمراض يصب في الفم، والحجامة تقدمت، والمشي كل مطلق للبطن وكان أشهره عندهم السنا المكى كما يأتي إن شاء الله تعالى.","vol":"3","page":205},{"text":"<span data-type='title' id=toc-669>ومنه العجوة والكمأة</span>\n• عَنْ عَامِرٍ بْنِ سَعْدٍ ﵄ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةٍ لَمْ يَضُرَّهُ ذلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ (^١)». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْكَمْأَةُ (^٢) مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ: «وَالْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهِيَ شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ»، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: أَخَذْتُ ثَلَاثَةَ أَكْمُؤٍ أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا فَعَصَرْتُهُنَّ فَجَعَلْتُ مَاءَهُنَّ فِي قَارُورَةٍ فَكَحَلْتُ بِهِ جَارِيَةً لِي فَبَرَأَتْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-670>ومنه الماء للمحموم والمعين </span>(^٣)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ (^٤)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَكَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ﵂ إِذَا أُتِيَتْ بِالْمَرْأَةِ قَدْ حُمَّتْ تَدْعُو لَهَا أَخَذَتِ الْمَاءَ فَصَبَّتْهُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَيْبِهَا وَقَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نَبْرُدَهَا بِالْمَاءِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَصَابَ\n_________\nومنه العجوة والكمأة\n(^١) فمن أكل على الريق سبع تمرات من عجوة المدينة لم يضره سم ولا سحر في هذا اليوم، وذلك في عجوة غرس نخلها النبي - ﷺ - بيده الشريفة.\n(^٢) الكمأة. نبت يظهر في البادية وإذا عصر ماؤها ووضع في العين مرات برأت بإذن الله تعالى، وقوله من المن أي الذي نزل على بنى إسرائيل كرواية مسلم أي من نوعه في الخير والبركة وإلا فهذا سمائي، والكمأة: نبت أرضي، والمن كل طل نزل من السماء على شجر أو حجر فيحلو وينعقد عسلا ويجف كالصمغ الذي يظهر على بعض الشجر. والله أعلم.\n\nومنه الماء للمحموم والمعين\n(^٣) المحموم المريض بالحمى، والمعين من أصيب بالعين.\n(^٤) وفي رواية: الحمى من فيح جهنم أي حرها فأطفئوها بالماء فإنه يطفئ النار.","vol":"3","page":206},{"text":"أَحَدَكُمُ الْحُمَّى فَإِنَّ الْحُمَّى قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيُطْفِئْهَا عَنْهُ بِالْمَاءِ فَلْيَسْتَنْقِعْ نَهَرًا جَارِيًا لِيَسْتَقْبِلَ جَرْيَةَ الْمَاءِ فَيَقُولُ بِسْم اللَّهِ اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ وَصَدِّقْ رَسُولَكَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلْيَغْتَمِسْ فِيهِ ثَلَاثَ غَمَسَاتٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي ثَلَاثٍ فَخَمْسٍ وَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي خَمْسٍ فَسَبْعٍ وَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي سَبْعٍ فَتِسْعٍ فَإِنَّهَا لَا تَكَادُ تُجَاوِزُ تِسْعًا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى (^١)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعَيْنُ حَقٌّ (^٢)». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَزَادَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ: «وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرِ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا» وَبَيَانُ الْغَسْلِ فِي حَدِيثِ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ كَالآتِي: يَغْسِلُ الْعَائِنُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَمِنْ سُرَّتِهِ إِلَى أَسْفَلِ جِسْمِهِ وَيُوضَعُ الْمَاءُ فِي قَدَحٍ وَيُصَبُّ عَلَى الْمَعِينِ عَلَى رَأْسِهِ وَظَهْرِهِ ثُمَّ يُكْفَأُ الْقَدَحُ فَيَبْرَأُ بِإِذْنِ اللَّهِ.\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ يُؤْمَرُ الْعَائِنُ (^٣) فَيَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ الْمَعِينُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سُفْعَةٌ (^٤) فَقَالَ: «اسْتَرْقُوا لَهَا فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\n(^١) فأسماء كانت تطفئ الحمى بصب الماء في جيب المحموم، وحديث ثوبان يقول: من مرض بالحمى ينزل في نهر جار بعد الصبح قبل الشمس ويستقبل جرى الماء وينغمس فيه ثلاث مرات ثلاثة أيام، فإن ذهبت وإلا فخمسة أيام وإلا فسبعة وإلا فتسعة ولا تجاوزها بإذن الله تعالى، وهذا أحسن، وإلا فالاغتسال بالماء مطلقًا يكفى للحديث الأول، فهذه النصوص كقاعدة طبية وهي أن الشيء يداوى بضده فإن الحرارة من النار وضدها البرودة وهي من الماء فكان شفاء للحمى.\n(^٢) العين حق أي الإصابة بها حق ثابت لا شك فيه، ولو كان هناك شيء يسبق القدر الإلهى لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا، أي إذا طلب منكم - يعني العائن منكم - ماء الغسل للاستشفاء به من الإصابة بالعين فأجيبوا الطلب.\n(^٣) العائن الحاسد الذي يصيب بعينه والمعين الحسود الذي أصيب بالعين، وفي هذا أن ماء الوضوء يكفي ولكن ما في حديث أحمد أكمل وأحسن.\n(^٤) رأى في بيتها جارية فيها سفعة أي سواد أو حمرة يعلوها سواد أو صفرة فقال استرقوا لها أي اطلبوا من يرقيها فإن بها نظرة من الإنس أو الجن. فقد قال الخطابى: عيون الجن أنفذ من الأسنة.","vol":"3","page":207},{"text":"وَقَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ ﵂: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ وَلَدَ جَعْفَرٍ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ الْعَيْنُ أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ؟ قَالَ: «نَعَمْ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرِ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ (^١)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-671>ومنه التلبينة والكحل </span>(^٢)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا فَاجْتَمَعَ لِذلِكَ النِّسَاءُ ثُمَّ تَفَرَّقنَ إِلا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ فَطُبِخَتْ ثُمَّ صُبَّتْ عَلَى ثَرِيدٍ ثُمَّ قَالَتْ: كُلْنَ مِنْهَا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «التَّلْبِينَةُ (^٣) مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ تُذْهِبُ بَعْضَ الْحُزْنِ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَعَنْهَا كَانَتْ تَأْمُرُ بِالتَّلْبِينِ لِلْمَرِيضِ وَلِلْمَحْزُونِ عَلَى الْهَالِكِ (^٤) وَتَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ التَّلْبِينَةَ تُجِمُّ فُؤَادَ الْمَرِيضِ وَتَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) ففي هذه النصوص أن الإصابة بالعين ثابتة وأن الشفاء منها إما بالماء وإما بالرقية وستأتي إن شاء الله، والإصابة بالعين طبع في بعض الناس وربما كان في الصالحين، ومن تكررت منه الإصابة بالعين وأتلف شيئًا فعليه ضمانه، ولو قتل فعليه القصاص أو الدية، كذا قال بعضهم. وقال الشافعي لا شيء عليه لأنها لا تقتل غالبًا ولأن الحكم إنما يترتب على منضبط عام دون ما يختص بعض الناس، وعلى كل إن تكررت منه ولم يحصن ما نظره فللحاكم حبسه وإعطاؤه كفايته دفعًا لشره عن الناس. والله أعلم.\n\nومنه التلبينة والكحل\n(^٢) التلبينة ويقال التلبين طبيخ من دقيق ولبن وعسل، أو دقيق ودهن وعسل، وسمي تلبينه تشبيها باللبن في رقته وبياضه ويسمى حريرة في بعض الجهات ومهلبية أيضا ويسمي حساء لأنه يحتسي أي يشرب، والكحل ما يوضع في العين.\n(^٣) التلبينة: مجمه، كملمة أو كمذمة أي مقوية لفؤاد المريض أي معدته، وتذهب عنه بعض الأحزان لأنها سهلة المساغ والهضم، وخفيفة على المعدة، وحلوة تنعش النفس من همومها.\n(^٤) وللمحزون على الهالك أي الحزين على الميت.","vol":"3","page":208},{"text":"وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَخَذَ أَهْلَهُ الْوَعْكُ (^١) أَمَرَ بِالْحَسَاءِ فَصُنِعَ ثُمَّ أَمَرَهُمْ فَحَسَوْا مِنْهُ وَيَقُولُ: «إِنَّهُ لَيَرْتُوا فُؤَادَ الْحَزِينِ وَيَسْرُو عَنْ فُؤَادِ السَّقِيمِ كَمَا تَسْرُو إِحْدَاكُنَّ الْوَسَخَ بِالْمَاءِ عَنْ وَجْهِهَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ خَيْرًا أَكْحَالِكُمُ الْإِثْمِدُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعَرَ. رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢) وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ: وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ بِهَا عِنْدَ النَّوْمِ ثَلَاثًا فِي كُلِّ عَيْنٍ (^٣). وَاللَّهُ أَعْلَم.\n\n<span data-type='title' id=toc-672>ومنه الزيت والسنا </span>(^٤)\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْعَتُ الزَّيْتَ وَالْوَرْسَ (^٥) مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ.\n_________\n(^١) الوعك: الحمى فكانت إذا جاءت لأحد من أهله أمر بالحساء، ثم أمر المريض فحسا منه أي شرب منه، ويقول إنه ليرتو فؤاد الحزين أي يقوي معدته وقلبه ويسرو عن السقيم أي يغسل الهمم عنه كما تغسل المرأة الوسخ عن وجهها.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) الإثمد - كزبرج - حجر في بعض الجبال أسود يميل إلى الحمرة وأجوده الأصبهاني يدق جيدا ثم ينخل بشيء حتى يصير كالدقيق الناعم ثم يكتحل به فإنه يجلو البصر أي يزيد في إبصاره، وينبت شعر الأجفان إن لم تكن أو يطيلها إن كانت، واستعماله قبل النوم أحسن، ولكن ينظر هل كانوا يستعملونه وحده أو مركبًا مع شيء آخر. نسأل الله الشفاء ظاهرا وباطنا آمين. والله أعلى وأعلم.\n\nومنه الزيت والسنا\n(^٤) المراد بالزيت زيت الزيتون قال تعالى ﴿يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار﴾ والسنا بالقدر هو السنا المكي: نبات مسهل بأرض الحجاز.\n(^٥) الورس نبت يمني طيب الريح، وذات الجنب مرض الجنب، والقسط البحري عود هندي بدر البول ويفيد الكبد والجنب، ويقال فيه كست، فكان النبي - ﷺ - ينعت أي يصف للمريض بجنبه الزيت والورس وأحيانًا كان يصف له القسط والزيت بمعنى أنه يدق الورس ويعجن بالزيت أو يدق القسط ويعجن بالزيت ثم يدلك به الجنب المريض نحو خمس دقائق، كل ثلاث ساعات مع التحفظ من الهوى فإنه يشفي بإذن الله تعالى إذا قوى اليقين بوعد الرسول - ﷺ - وصح التوكل على الله تعالى.","vol":"3","page":209},{"text":"• وَعَنْهُ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَدَاوَى مِنْ ذَاتِ الْجِنْبِ بِالْقُسْطِ الْبَحَرِيِّ وَالزَّيْتِ.\n\n• عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلَهَا: «بِمَ تَسْتَمْشِينَ؟ (^١)» قَالَتْ: بِالشُّبْرُمِ، قَالَ: «حَارٌّ جَارٍ»، ثُمَّ اسْتَمْشَيْتُ بِالسَّنَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوْ أَنَّ شَيْئًا كَانَ فيهِ شِفَاءٌ مِنَ الْمَوْتِ لَكَانَ فِي السَّنَا». رَوَى التِّرْمِذِيُّ هذِهِ الثَّلَاثَةَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-673>ومنه ألبان الإبل وأبوالها</span>\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ أُنَاسًا اجْتَوَوْا فِي الْمَدِينَةِ (^٣) فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَلْحَقُوا بِرَاعِيهِ فِي الْإِبِلِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَلَحِقُوا بِرَاعِيهِ فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا (^٤) حَتَّى صَحَّتْ أَبْدَانُهُمْ فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَسَاقُوا الْإِبِلَ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَبَعَثَ فِي طَلَبِهِمْ فِجِيءَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ. رَوَاهُ الْخَمْسةُ.\nوَقَالَ الْحَجَّاجُ لِأَنَسٍ ﵁: حَدِّثْنِي بِأَشَدِّ عُقُوبةٍ عَاقَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَحَدَّثَهُ بِهذَا فَبَلَغَ الْحَسَنَ فَقَالَ: وَدِدْتُ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِّثْهُ بِهذَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) بأي شيء تستمشين أي تطلقين بطنك قالت بالشبرم، قال إنه حار جار أي شديد، قالت ثم استمشيت بعده بالسنا، قال لو كان شيء يشفي من الموت لكان السنا، وكيفية أخذه أن يؤكل منه شيء على النوم، أو الريق أو يؤخذ ماؤه بعد النقع أو الغليان، وتقدير كل هذه الأشياء التي وردت في الطب النبوي يرجع إلى العارفين بها المنقطعين لخواصها، فإن الله تعالى بحكمته هيأ من شاء من عباده لما شاء من العلوم والأسرار. نسأل الله تعالى أن ينور بصائرنا آمين.\n(^٢) الأولان بسندين صحيحين والثالث بسند غريب. نسأل الله الهداية والتوفيق بمنه وفضله آمين والله أعلى وأعلم.\n\nومنه ألبان الإبل وأبوالها\n(^٣) مرضوا بالجوى وهو داء بالبطن إذا تطاول قتل صاحبه.\n(^٤) فذهبوا إلى إبل الزكاة فشربوا من ألبانها وأبوالها فعادت صحتهم فقتلوا الراعي وأخذوا الإبل جاءوا بهم للنبي - ﷺ - فقطع أي أمر بقطع أيديهم وسمر أعينهم أي كيها بالنار وفي رواية وسمل أعينهم أي فقأها بحديدة محماة بالنار وألقوا في حر الشمس حتى ماتوا جزاء على عملهم الفظيع وتقدم الحديث في الحدود.","vol":"3","page":210},{"text":"وَسُئِلَ ابْنُ شِهَابٍ ﵁ عَنْ أَلْبَانِ الْأُتنِ (^١) وَمَرَارَةِ السَّبُعِ وَأَبْوَالِ الْإِبِلِ فَقَالَ: قَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَدَاوَوْنَ بِهَا وَلَا يَرَوْنَ بِهَا بَأْسًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-674>ومنه الرماد للجروح </span>(^٢)\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كُسِرَتْ عَلَى رَأْسِ النَّبِيَّ ﷺ الْبَيْضَةُ (^٣) وَأُدْمِيَ وَجْهُهُ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ كَانَ عَلِيٌّ يَخْتَلِفُ بِالْمَاءِ فِي الْمِجَنِّ وَفَاطِمَةُ تَغْسِلُ الدَّمَ فَلَمَّا رَأَتْهُ يَزيِدُ عَلَى الْماءِ عَمَدَتْ إِلَى حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهَا وأَلْصَقَتْهَا عَلَى الْجُرْحِ فَرَقَأَ الدَّمُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) ألبان الأتن جمع أتان وهي أنثى الحمير، فقال كانوا يتداوون بها ولا يرون بها بأسًا، أي إذا لم يفلح غيرها وإن كانت نجسة للضرورة كما أمر النبي ﷺ من اجتووا المدينة بشرب أبوال الإبل. والله أعلى وأعلم.\n\nومنه الرماد لسد الجروح\n(^٢) الرماد تراب ما أحرقته النار، والمراد هنا رماد ما أحرق من الحصير.\n(^٣) البيضة قلنسوة من أصلب أنواع الحديد يلبسها المقاتل على رأسه لتقيه السلاح، والرباعية بالتخفيف السن التي بين الثنايا والناب، والمجن بالكسر الترس آلة بيد المقاتل يلتقي بها السلاح، فالنبي - ﷺ - يوم أحد تهشمت البيضة التي على رأسه من حطم السيوف وشج جبينه، وانكسرت رباعيته وسال الدم على وجهه الشريف، فصار على ﵁ يجيء بالماء لفاطمة ﵂ وهي تغسل الدم عن وجهه، ولما رأته لا ينقطع حرقت جزءًا من حصير ووضعت الرماد على الجرح، فرقأ الدم أي انقطع لأن الرماد مجفف وقابض بإذن الله تعالى. وكل ما في معناه نافع للجروح ولا سيما البن الذي تعمل منه القهوة في هذا الزمان. نسأل الله السلامة آمين. والله أعلم.","vol":"3","page":211},{"text":"<span data-type='title' id=toc-675>ومنه القثاء والرطب للسمنة </span>(^١)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵁ قَالَتْ: أَرَادَتْ أُمِّي أَنْ تُسَمِّنَنِي لِدُخُولِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ أُقْبِلْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ مِمَّا تُرِيدُ حَتَّى أَطْعَمَتْنِي الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ فَسَمِنْتُ عَلَيْهِ كَأَحْسَنِ السِّمَنِ (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-676>لا يجوز التداوي بحرام</span>\n• عَنْ طَارِقِ بْنِ سُوَيْدٍ ﵁ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَنَهَاهُ فَقَالَ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّهَا دَوَاءٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا وَلكِنَّهَا دَاءٌ (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ (^٤).\nوَسَأَلَ طَبِيبٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعِ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا (^٥).\nرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ (^٦). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\nومنه القثاء والرطب للسمنة\n(^١) السمنة بالضم دواء لسمن الجسم.\n(^٢) فأم عائشة ﵄ عالجتها بأمور كثيرة لتنمية جسمها فلم تفلح فأطعمتها القثاء بالرطب أيامًا فامتلأ جسمها، وهذا جائز للاستصلاح فقط، وإلا فالتسمن منهي عنه لأنه يثقل عن كثير من الخيرات، وقد اشتهر الآن أن كل المواد النشوية كالأرز واللوبيا وكذا لحوم الضأن تسمن الأجسام التي فيها استعداد للسمنة نسأل الله أن يشرح صدورنا للإسلام وأن يوفقنا لصالح الأعمال آمين. والله أعلم.\n\nلا يجوز التداوي بحرام\n(^٣) فلما كانت الخمر حرامًا ما صلحت للتداوي بل كانت مجلبة للداء والمرض، وهذا حق فإنه شوهد أنها تفتت أكباد من يشربونها، والمراد بالخمر كل مسكر كما تقدم.\n(^٤) ولكن الأولان هنا ومسلم في الشراب.\n(^٥) وإذا حرم قتلها حرم التداوي بها لأنه يتوقف على قتلها وقد نهى عنه كما تقدم لأنها نجس أو مستقذر، فإن ما نهى عن قتله إما لحرمته كالإنسان أو لنجاسته واستقداره كالهدهد، والضفدع منه.\n(^٦) وخبثه لأنه نجس كالحيوان الذي لا يؤكل وكفضلة الحيوان، أو لأنه مسكر كالخمر، أو لأنه ضار كالسم، وإنما نهى عن الدواء الخبيث لأن الغرض من الدواء إبعاد المرض وجلب الشفاء وهذه ليست صالحة لذلك بل بالعكس فيها الضرر وعلى فاعلها الإثم لمخالفته أمر الرسول - ﷺ -.","vol":"3","page":212},{"text":"• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ وَجَعَلَ لِكُلِّ داءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا وَلَا تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ (^١)».\nوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا أُبَالِي مَا أَتَيْتُ إِنْ أَنَا شَرِبْتُ تُرْيَاقًا (^٢) أَوْ تَعَلَّقْتُ تَمِيمَةً أَوْ قُلْتُ الشِّعْرَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي». رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-677>الفصل الثالث في الرقى </span>(^٣)\n\n• عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَرْقِى فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي ذلِكَ فَقَالَ: «اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ (^٤)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَدَغَتْ رَجُلًا مِنَّا عَقْرَبٌ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْقِي؟ قَالَ: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ».\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ لِي خَالٌ يَرْقِي مِنَ الْعَقْرَبِ فَجَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى (^٥) وَأَنَا أَرْقِى مِنَ الْعَقْرَبِ فَقَالَ: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ\n_________\n(^١) القول في هذا كالذي قبله.\n(^٢) الترياق بتثليث أوله والكسر أشهر: ما يستعمل لدفع السم من الأدوية والمعاجين، والتميمة ما يعلق على الشخص للحفظ من المرض والعين ونحوها، فالنبي ﷺ يقول إن شربت ترياقًا أو تعلقت تميمة أو قلت الشعر قصدا فلا أبالي بأي شيء محرم فعلته بعد ذلك، والمراد التنفير عن هذه الأمور لأن الترياق دواء مركب من النجس كلحوم الأفاعي والخمر، والنميمة فيها كلمات لا تجوز من عمل الجاهلية وإذا كانت من القرآن وأسماء الله لا شيء فيها كما يأتي، (هذا) ولكن بعض العلماء لا يرى بأسًا في التداوي بالنجس إذا لم يوجد غيره ولحديث العرنيين ولقول ابن شهاب السابقين. نسأل الله الحفظ والرعاية آمين. والله أعلم.\n\nالفصل الثالث في الرقى\n(^٣) أي في جواز الرقى جمع رقية كرؤى ورؤية وهي التعويذ بكلمات من أسماء الله تعالى أو من كتابه العزيز.\n(^٤) ما لم يكن فيه أي القول شرك كتعوذ بوثن أو اسم من أسماء الجان أو الشياطين ونحو ذلك.\n(^٥) إنما نهى النبي - ﷺ - أولا عن الرقى لأنهم كانوا يرقون بما فيه شرك وبغير لغة العرب، وربما كان =","vol":"3","page":213},{"text":"فَلْيَفْعَلْ». رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.\nوَقَالَتِ الشِّفَاءُ بِنْتُ عَبْدُ اللَّهِ ﵂ دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا عِنْدَ حَفْصَةَ فَقَالَ لِي: «أَلَا تُعَلَّمِينَ هذِهِ رُقْيَةَ النِّمْلَةِ كَمَا عَلَّمْتِهَا الْكِتَابَةَ (^١)» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\nوَكَانَتْ نِسَاءُ الْعَرَبِ تَرْقِى مَرَضَ النَّمْلَةِ بهذِهِ الْكَلِمَاتِ: الْعَرُوسُ تَحْتَفِلُ وَتَخْتَضِبُ وَتَكْتَحِلُ وَكُلَّ شَيْءٍ تَفْتَعِلُ غَيْرَ أَلا تَعْصِيَ الرَّجُلَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: رَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ (^٢) وَالْحُمَةِ وَالنَّمْلَةِ. رَوَاهُ الْأَرْبَعَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-678>كلمات الرقى </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِثابِتٍ حِينَ قَالَ لَهُ اشْتَكَيْتُ: أَلَا أَرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: بَلَى، قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ مُذْهِبَ الْبَاسِ (^٤) اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شَافِيَ\n_________\n= فيه كفر أو سحر كعادتهم في الجاهلية. فلما علم أنهم لا يرقون بذلك أجاز لهم الرقية بقوله» من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل» وستأتي كلمات الرقى إن شاء الله.\n(^١) في هذا حث على الرقية وتعلمها وإن كانت بتلك الكلمات لا تنفع ولا تضر والنبي - ﷺ - أراد تأنيب حفصة على إفشائها ما أسره إليها بل الرقية الجائزة بما ورد وفيه دليل على جواز تعليم النساء الكتابة لأنه يسهل عليهن فهم الكتاب والسنة والنملة قروح تظهر في الجنب، فكانت نساء العرب ترقيها بتلك الكلمات مرات صباحا ومرات مساء.\n(^٢) رخص في الرقية من العين أي من الإصابة بها والحمة - كثبة - السم، والمراد رخص في الرقية من لدغ ذوات السموم كالحية وكذا رخص في رقية النملة بسكون الميم في ضبط مسلم وبكسرها في شرح أبي داود، ومنه حديث أبي داود والترمذي» لا رقية إلا من عين أو حمة» وليس الحصر في هذه مرادا بل ورد الحديثان جوابا للسؤال عنهما، وإلا فالرقية جائزة على كل مرض لعموم الأحاديث الآتية. نسأل الله التوفيق والله أعلم.\n\nكلمات الرقى\n(^٣) أي الكلمات التي كان النبي - ﷺ - يرقي بها ويعلمها لأصحابه الأعلام، والكلمات التي كان جبريل يرقي بها النبي - ﷺ -، وهذا كله قبل نزول المعوذتين فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما من الرقى كما سيأتي.\n(^٤) رب ومذهب منصوبان على النداء، والبأس الشدة، شفاء لا يغادر سقما، أي اشفه شفاء لا يترك فيه مرضا.","vol":"3","page":214},{"text":"إِلا أَنْتَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سُقْمًا». رَوَاهُ الْأَرْبَعَة.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى (^١) وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ اذْهِبِ الْبَاسَ وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سُقَمَا». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ مَسَحَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ: «اذْهِبِ البَاسَ إِلَى آخِرِهِ»، فَلَمَّا مَرِضَ وَثَقُلَ أَخَذْتُ بِيَدِهِ لِأَصْنَعَ بِهِ مَا كَانَ يَصْنَعُ فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ يَدِي (^٢) ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَاجْعَلْنِي مَعَ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ قَدْ قَضَى». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ إِذَا اشْتَكَى إِنْسَانٌ شَيْئًا (^٣) أَوْ كَانَتْ بِهِ قُرْحَةٌ أَوْ جَرْحٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِصْبَعِهِ هكَذَا ثُمَّ رَفَعَهَا وَقَالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا لِيُشْفَى بِهِ سَقِيْمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ إِذَا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَقَاهُ جِبْرِيلُ قَالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ يُبْرِيكَ وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيكَ وَمِنْ كُلِّ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ وَشَرِّ كُلِّ ذِي عَيْنٍ (^٤)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: اشْتَكَيْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ:\n_________\n(^١) فينبغي للراقى أن يمسح بيمينه على المريض لتناله بركتها فإن الرقية لا تفلح إلا من رجل صالح لأنها عمله وأثره.\n(^٢) فانتزع يده من يدي لأنه أعلم بإنهاء أجله - ﷺ -، والرفيق الأعلى الملأ الأعلى بجوار الرب الكريم، وقولها فإذا هو قد قضى أي ما عليه في دنياه وخرجت الروح إلى ربها مرضيا عنها.\n(^٣) كان إذا اشتكى إنسان شيئا، أي مرض بشيء أو كانت به قرحة أو جرح بفتح الأول وضمه فيهما والقرحة والجرح معناهما واحد. قال بإصبعه هكذا أي أخذ من ريقه على سبابته ثم وضعها على التراب فيعلق منه عليها فيمسح بها على موضع الجرح أو العلة. ويقول باسم الله أي أرقيك باسم الله تربة أرضنا أي تراب أرضنا مع ريق بعضنا يشفى به مريضنا فيبرأ بإذن الله تعالى، قال القاضي البيضاوي شهدت المباحث الطبية على أن الريق له مدخل في النضج وتعديل المزاج، ولتراب الوطن تأثير في حفظ المزاج الأصلى ودفع المرض والمضرات، وللرقى والعزائم آثار عجيبة تقاعد العقول عن الوصول إلى كنهها، فسبحان خالق الكون وما فيه من أسرار.\n(^٤) وشر كل ذي عين من إنس وجن وحيوان يؤذي.","vol":"3","page":215},{"text":"بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ (^١) مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ نَقْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللَّهُ يَشْفِيك بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ﵄ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ فَقَالَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمُ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ بِاسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلفْظُهُمَا: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَبِي وَجَعٌ قَدْ كَادَ يُهْلِكُنِي فَقَالَ: «امْسَحْهُ (^٢) بِيَمِينِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَقُلْ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ بِي فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهِ أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ».\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ مِنَ الْفَزَعِ كَلِمَاتٍ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ (^٣) مِنْ غَضَبِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ. وَكَانَ ابْنُ عَمْرٍو ﵄ يُعَلِّمُهُنَّ مَنْ عَقَلَ مِنْ بَنِيهِ وَمَنْ لَمْ يَعْقِلْ كَتَبَهُ فَأَعْلَقَهُ عَلَيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَأَحْمَد.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ يَقُولُ: «أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ (^٤) مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ ثُمَّ يَقُولُ: كَانَ أَبُوكُمْ\n_________\n(^١) باسم الله أرقيك أي أعوذك وأحفظك بذكر اسم الله تعالى من شر كل شيء فإنه الخالق لكل شيء والقادر على منع الضرر لا غيره.\n(^٢) فقال امسحه أي موضع الوجع.\n(^٣) التامة بلفظ الإفراد والمراد الجمع، وقوله همزات الشياطين أي خطراتها التي تلقيها بقلب الإنسان كقوله تعالى ﴿رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون﴾. وقوله كتبه أي الدعاء وأعلقه عليه أي الصبي ولفظ الترمذي» ومن لم يبلغ منهم كتبها في صك ثم علقها في عنقه» ففيه دليل على جواز تعليق التميمة على الصغار.\n(^٤) بكلمات الله التامة الخالية من العيوب المستوفية لأنواع الكمال وهامة هي كل ذات سم من الحيوان، ومن كل عين لامة أي ذات لمم وذنب بحسدها، ويقول كان أبوكم إبراهيم يعود بها أي هذه الكلمات إسماعيل وإسحاق عليهم الصلاة والسلام.","vol":"3","page":216},{"text":"يُعَوِّذُ بِهِمَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحاقَ ﵈». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتَّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\nوَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لُدِغْتُ اللَّيْلَةَ فَلَمْ أَنَمْ حَتَّى أَصْبَحْتُ قَالَ: «مَاذَا»؟ قَالَ: عَقْرَبٌ قَالَ: «أَمَا إِنَّكَ لَوْ قلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّكَ إِنْ شَاءَ اللَّهَ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\nوَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ مِنَ الْحُمَّى وَمِنَ الْأَوْجَاعِ كُلِّهَا أَنْ يَقُولَ: «بِاسْمِ اللَّهِ الْكَبِيرِ أَعُوذ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ مِنْ شَرِّ كُلِّ عِرْقٍ نَعَّارٍ وَمِنْ شَرِّ حَرِّ النَّارِ (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-679>الرقية بالقرآن وجواز الأجرة عليها</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ (^٣). وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُهُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَتَعَوَّذُ مِنَ الْجَانْ وَعَيْنِ الْإِنْسَانِ حَتَّى نَزَلَتِ الْمُعَوِّذَتَانِ فَلَمَّا نَزَلَتَا أَخَذَ بِهِمَا (^٤) وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n_________\n(^١) والمدار على قوة اليقين بهذا الخبر النبوي وحسن التوكل على الله تعالى.\n(^٢) عرق نعار وفي لفظ يعار، العرق النعار الذي يضرب من فوران الدم، ومن شر حر النار أي من شر الحرارة الناشئة عن اختلال مزاج العضو المريض. نسأل الله التوفيق والله أعلم.\n\nالرقية بالقرآن وجواز الأجرة عليها\n(^٣) أي قرأ المعوذتين ثم نفث عليه وهو النفخ بقليل من الريق رجاء بركته من القراءة.\n(^٤) لأنهما نزلنا التعوذ، ولأنهما قرآن معجز كريم، وإن كانت التعوذات قبلهما بتعليم من جبريل ﵇ عن الله تعالى.","vol":"3","page":217},{"text":"• وَعَنْهُ أَنَّ رَهْطًا (^١) مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ انْطَلَقُوا فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا بِحَيَ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ (^٢) فَلُدِغَ (^٣) سَيِّدُ ذلِكَ الْحَيِّ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هؤُلَاءِ الرَّهْط الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا: إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ فَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ يَنْفَعَهُ فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيْءٌ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ إِنِّي وَاللَّهِ لَرَاقٍ وَلكِنْ وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا (^٤) فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ (^٥) فَانْطَلَقَ فَجَعَلَ يَتْفُلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (^٦) فَكَأَنمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَانْطَلَقَ يَمْشِي مَا بِهِ قَلَبَةٌ (^٧)، قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظَرَ مَا يَأْمُرُنَا فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ (^٨) أَصَبْتُمْ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ». وَفِي رِوَايَةٍ: فَكَرِهَ بَعْضُهُمْ ذلِكَ وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا فَقَالَ: إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ ﷿ (^٩).\n_________\n(^١) وكانوا ثلاثين رجلا.\n(^٢) طلبوا منه الضيافة فلم يقبلوا.\n(^٣) لدغته عقرب، ولفظ الترمذي: فأتونا فقالوا هل فيكم من يرقي من العقرب. قلت نعم أنا ولكن لا أرقي حتى تعطونا غنما قال فإنا نعطيكم ثلاثين شاة فقبلنا فقرأت عليه الحمد لله سبع مرات فبرأ وقبضنا الغنم.\n(^٤) القائل لهذا هو أبو سعيد.\n(^٥) عدده ثلاثون شاة كما تقدم.\n(^٦) قرأ عليه الفاتحة سبع مرات وكلما قرأها مرة تفل عليه بريقه.\n(^٧) فقام المريض كأنه بعير فك من عقاله فصار يمشي ليس به قلبة بالتحريك أي مرض من شأنه تقليب صاحبه.\n(^٨) وفي رواية: قال حق ألقي في روعي أي قلبي، قال أصبتم اقتسموا واضربوا لي معكم بسهم أي اجعلوا لي سهما معكم تطمينًا لقلوبكم.\n(^٩) أي أحل أجر تأخذونه ما كان على كتاب الله سواء كان على رقية أو قراءة أو كتابة أو تعليم أو غيرها لعموم الحديث وعليه الجمهور، وقال أبو حنيفة =","vol":"3","page":218},{"text":"رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^١).\n\n• عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ التَّمِيمِيِّ عَنْ عَمِّهِ ﵄ قَالَ: أَقْبَلْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَرَرْنَا عَلَى حَيَ مِنَ الْعَرَبِ فَقَالُوا: إِنَّا أُنْبِئْنَا أَنْكُمْ جِئْتُمْ مِنْ عِنْدِ هذَا الرَّجُلِ بِخَيْرٍ فَهَلْ عِنْدَكُمْ دَوَاءٌ أَوْ رُقْيَةٌ فَإِنَّ عِنْدَنَا مَعْتُوهًا (^٢) فَقُلْنَا: نَعَمْ فَجَاؤُوا بِمَعْتُوهٍ فِي الْقُيُودِ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً كُلَّمَا خَتَمْتُهَا أَتْفُلُ بِبُزاقِي عَلَيْهِ فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَأَعْطَوْنِي جُعْلًا فَقُلْتُ لَا حَتَّى أَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: «كُلْ فَلَعَمْرِي مَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقَ (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَالِحٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-680>الفصل الرابع في نفي مزاعم الجاهلية لا عدوى ولا طيرة والاحتياط أسلم</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى (^٤) وَلَا هَامَةَ وَلَا نَوْءَ وَلَا صَفَرَ». رواه الثلاثة\n_________\n= وأحمد: لا تجوز الأجرة على القرآن إلا في الرقية لأنها مورد الحديث بخلاف غيرها لأن القرآن عبادة وأجرها على الله تعالى، والحديث أحمد والبزار (اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به).\n(^١) هنا وفي باب الإجارة في البيع.\n(^٢) أي مجنونًا.\n(^٣) أي إن أكل غيرك برقية باطلة فإنما تأكل أنت بالرقية الحقة، وهذه غير التي قبلها فإنها في الدين والراقي أبو سعيد وهذه في معتوه والراقي عم خارخة فالرقية مشروعة ومطلوبة عند الحاجة بشرط أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه أو صفاته. وأن تكون باللفظ العربي، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بنفسها بل بتقدير الله تعالى، والتميمة كالرقية في هذا والله أعلم.\n\nالفصل الرابع في نفي مزاعم الجاهلية. لا عدوى ولا طيرة والاحتياط أسلم\n(^٤) العدوى هي سريان المرض من صاحبه إلى غيره، والهامة طائر أو البوم إذا سقط في مكان تشاءم أهله، أو دابة تخرج من رأس القتيل أو من دمه فلا تزال تصيح حتى يؤخذ بثأره، والنوء نجم يأتي بالمطر وآخر يأتي بالريح وهكذا، وصفر شهر صفر كانوا يحلونه عامًا ويحرمونه عاما. وقيل داء في البطن يعدي.","vol":"3","page":219},{"text":"• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى وَلَا غُولَ (^١) وَلَا صَفَرَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ وَلَا هَامَةَ» فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا بَالُ الْإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ (^٢) فَيُخَالِطُهَا الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ فَيُجْرِبُهَا كُلَّهَا قَالَ: «فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُورِدُوا الْمُمْرِضَ عَلَى الْمُصِحِّ (^٣)». رَوَاهُمَا الثَّلَاثَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيرَةَ (^٤) وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الْأَسَدِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجُذَامِ.\nوَكَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ (^٥). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامةَ آمِين.\n_________\n(^١) الغول أحد الغيلان نوع من الجن والشياطين تظهر للناس بصور شتى تضلهم عن السبيل وتهلكهم فكانت العرب تعتقد أحقية هذه الأشياء فنفاها الشرع ونهاهم عن اعتقاد شيء منها، ومن نوع هذين قول النبي - ﷺ - للمجذوم لما أجلسه يأكل بجواره» كل ثقة بالله وتوكلا عليه» وتقدم هذا في كتاب الطعام.\n(^٢) كأنها الظباء أي الغزلان فيخالطها البعير الأجرب فيجربها، قال فمن أعدى الأول أي إذا كان البعير الأجرب أعدى الإبل السليمة فمن أعدى البعير الأول. فسكت الأعرابي وانقطعت حجته.\n(^٣) وفي رواية (لا يورد ممرض على مصح) أي لا توردوا الإبل المريضة على الإبل الصحيحة فتمرض فيقال هذا من العدوى، ولما حدث أبو هريرة بهذا اعترض عليه وقيل له قد رويت حديث لا عدوى فكيف هذا فغضب ورطن بالحبشية كأنه نسي، قال أبو سلمة فلا أدري أنسى أبو هريرة حديث لا عدوى أو نسخ أحد الحديثين الآخر.\n(^٤) ولا طيرة كان الرجل إذا أراد سفرا أو غيره خرج إلى طير أو ظباء فزجرها فإن طار يمينًا تيمن واستبشر، وإن طار شمالا تشاءم ورجع فنهاهم الشرع عن ذلك، وقوله وفر من المجذوم المصاب بالجذام كما تفر من الأسد أي ابتعد عن مخالطته.\n(^٥) فالنبي ﷺ بايعه من بعيد لمرضه بالجذام، ولا تعارض بين الأحاديث الثلاثة الأول التي تنفي العدوى وبين ما بعدها لأن معنى لا عدوى أي لا مرض يعدي بطبعه لا بفعل الله تعالى كما كانت تزعمه الجاهلية، وما بعدها ترشد إلى الاحتياط وتجنب المريض الذي يظهر مثل مرضه على من جاوره أو لامسه بتقدير الله تعالى خوفًا من فهم العدوى وقيل غير ذلك، فالاحتياط أسلم وهو بتقدير العزيز العليم. نسأل الله السلامة آمين. والله أعلى وأعلم.","vol":"3","page":220},{"text":"<span data-type='title' id=toc-681>إن كان شؤوم ففي ثلاث</span>\n• عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرةَ إِنَّمَا الشُّؤْمُ (^١) فِي ثَلَاثٍ فِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةَ وَلَفْظَ أَبِي دَاوُدَ: لَا هَامَةَ وَلَا طِيَرَةَ وَإِنْ تَكُنِ الطِّيَرَةُ فِي شَيْءٍ فَفِي الْفَرَسِ (^٢) وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ.\nوَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي دَارٍ كَثِيرٍ فِيهَا عَدَدُنَا وَكَثِيرٍ فِيهَا أَمْوَالُنَا فَتَحَوَّلْنَا إِلَى دَارٍ أُخْرَى فَقَلَّ فِيهَا عَدَدُنَا وَقَلَّتْ فِيهَا أَمْوَالُنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذَرُوهَا ذَمِيمَةً (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَالِحٍ. نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِمَا يُ رضيهِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-682>ما أحسن الفأل الحسن</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا طِيَرَةَ وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْفَأْلُ (^٤)؟ قَالَ: «الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ». وَفِي رِوَايَةٍ: «لا طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الصَّالِحُ الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n_________\nإن كان شؤم ففي ثلاث\n(^١) الشؤم التشاؤم والتطير، ولمسلم: إن كان في شيء ففي الربع (أي الدار) والخادم والفرس.\n(^٢) الشؤم في الفرس جموحها أي عدم انقيادها في السير أو عدم الجهاد عليها، والشؤم في المرأة سوء خلقها أو عقمها فلا تلد، قال عمر ﵁ حصير في البيت خير من امرأة لا تلد.\n(^٣) أي اتركوها حال كونها مذمومة، فلما أظهروا للنبي ﷺ أنهم تشاءموا منها أمرهم بالتحول عنها ليخلصوا من التشاؤم وسوء الظن. إنما الشؤم عند التشاؤم. وهذا جواب مالك ﵁ لما سئل عن شؤم الدار فقال كم من دار سكنها ناس فهلكوا ثم سكنها آخرون فهلكوا، وقيل شؤم الدار ضيقها وضيق مرافقها كالكنيف والسلم ومحل خزن الطعام، وقيل سوء خلق جيرانها. والله أعلم.\n\nما أحسن الفأل الحسن\n(^٤) الفأل كالفأر ضد الطيرة ويستعمل في الخير والشر، والمعنى لا تطير ثابت ولكني أحب أن أسمع الكلمة الصالحة نحو يا سالم يا غانم با منصور يا ناصر.","vol":"3","page":221},{"text":"• وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ كَلِمَةً فَأَعْجَبَتْهُ فَقَالَ: «أَخَذْنَا فَالَكَ مِنْ فِيكَ (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَبُو نُعَيْمٍ.\n\n• عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَتَطَيَّرُ مِنْ شَيْءٍ وَكَانَ إِذَا بَعَثَ عَامِلًا (^٢) سَأَلَ عَنِ اسْمِهِ فَإِذَا أَعْجَبَهُ فَرِحَ بِهِ وُرُؤَىَ بِشْرُ ذلِكَ فِي وَجْهِهِ وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهُ رُئِيَ ذلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِذَا دَخَلَ قَرْيَةً سَأَلَ عَنِ اسْمِهَا فَإِنْ أَعْجَبَهُ فَرِحَ بِهَا وَرُئِيَ بِشْرُ ذلِكَ فِي وَجْهِهِ وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهَا رُؤَىَ ذلِكَ فِي وَجْهِهِ (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا (^٤) فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُلِ (^٥) اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلا أَنْتَ وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلا أَنْتَ وَلا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلا بِكَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ الطِّيَرَةُ شِرْكٌ ثَلَاثًا (^٦) وَمَا مِنَّا إِلا وَلكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\nوَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَنْ يَسْمَعَ يَا رَاشِدُ يَا نَجِيحُ (^٧). رَوَاهُ التُرْمِذِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n(^١) أي من فمك.\n(^٢) أي إذا أراد أن يبعث عاملا أو غلاما كما في نسخة سأل عن اسمه.\n(^٣) فكان النبي ﷺ يحب اسم العامل الحسن واسم القرية الحسن والبزار والطبراني» إذا بعثتم إليّ رجلا فابعثوا حسن الوجه حسن الاسم».\n(^٤) أي عن قصده بل يمضي ويتوكل على الله.\n(^٥) فمن تشاءم بشيء فليقرأ هذا الدعاء فإن الله يصرف عنه الشر، والمدار على التوكل على الله تعالى.\n(^٦) الطيرة شرك قالها ثلاثًا زجرًا وتنفيرا عنها أي من اعتقد أنها تجلب نفعًا أو تدفع ضرًا فقد أشرك مع الله كاعتقاد الجاهلية. وقوله وما منا إلا، أي ما منا أحد إلا يخطر بباله شيء منها ولكن الله يذهبه بالتوكل عليه وبذكر الدعاء السالف.\n(^٧) فكان إذا خرج لحاجة وسمع قائلا يقول يا راشد يا نجيح فرح بهذا لأنه رشد ونجاح. نسأل الله الرشد والنجاح والهداية آمين.","vol":"3","page":222},{"text":"<span data-type='title' id=toc-683>الكهانة والخط والطرق </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: نَهَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: سَأَلَ أُنَاسٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْكُهَّانِ فَقَالَ: «لَيْسُوا بِشَيْءٍ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيانًا بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا، قَالَ: «تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ (^٣) فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مَائَةِ كَذْبَةٍ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ أَنْصَارِيٌّ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ جُلُوسٌ لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ (^٤)، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَاذَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هذَا؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، كُنَّا نَقُولُ وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ\n_________\nالكهانة والخط والطرق\n(^١) الكهانة بالفتح والكسر حرفة الكاهن وهو من يدعي علم الغيب في الأخبار بما يكون في الأرض، وقد كان في العرب كهنة مشهورون كشق وسطيح بعضهم يزعم أنه تابعًا من الجن يأتيه بالأخبار، وبعضهم يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات يستدل بها ككلام السائل أو فعله أو حاله، وهذا هو العراف الذي يدعي معرفة الأشياء كمكان المسروق ومكان الضالة ونحوها، والخط هو الخط بالكتابة أو في الرمل بعد حساب اسمه واسم أمه ويوم سؤاله كما يفعله بعض الناس، والطرق الضرب بالحصى أو هو الخط بالرمل، وله كيفيات في شرح أبي داود، وكلها لا يجوز لأن مفادها ادعاء علم الغيب وهو لا يعلمه إلا الله تعالى وبعض من اصطفاهم من عباده لقوله تعالى ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا﴾ وللحديث الشريف» مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ولا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله تعالى».\n(^٢) نهى عن حلوان الكاهن أي أجرة كهانته لأن الزنا والكهانة حرام فكسبهما كذلك.\n(^٣) فما تحدثوا به ويظهر صدقه هو كلمة سمعها الجني من الملك كما في الحديث الآتي فيقرها أي يلقيها في أذن وليه هو الكاهن كقر الدجاجة أي صوتها إذا انقطع فيخلط الكاهن معها أي يقول بجوارها أكثر من مائة كلمة مكذوبة.\n(^٤) وقع نجم فأنار الأرض.","vol":"3","page":223},{"text":"أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلكِنْ رَبُّنَا ﵎ اسْمُهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ هذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ فَيُخْبِرُونَهُمْ مَاذَا قَالَ فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّموَاتِ بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ هذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا (^١) فَتَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ\nوَيُرْمَوْنَ بِهِ (^٢) فَمَا جَاؤُوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ وَلكِنَّهُمْ يَقْرِفونَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ (^٣)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٤) وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ بَعْضِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ﵅ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (^٦)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَلَفْظُهُ: مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ.\n_________\n(^١) قال تعالى ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾.\n(^٢) فإذا خطف الجني كلمة وسمعها ليبلغها للكاهن ربما رمى بالنجم قال تعالى ﴿إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب﴾.\n(^٣) يقرفون ويزيدون مترادفان أي يزيدون فيه، فإذا قضى الله شيئًا من أمر العباد صدع الأمر الإلهي به فسبح له حملة العرش إجلالا ومهابة ثم سبح من سمعهم ممن تحتهم وهكذا حتى يصل إلى السماء الدنيا فإذا أفاقوا مما غشيهم سأل من يلون العرش حملة العرش ماذا قال ربكم فيخبرونهم ثم تستخبر كل طائفة من فوقها حتى يصل الخبر إلى السماء الدنيا فيسترق الجني كلمة فيبلغها للكاهن فيكذب ويزيد عليها كثيرًا وربما وقع الشهاب على الجني فأحرقه قبل أن يبلغ شيئًا.\n(^٤) ولكن مسلم هنا والأخيران في تفسير سورة سبأ.\n(^٥) فمن تعلم شيئًا من علم النجوم فكأنما تعلم سحرا وكلما زاد فيه زاد في السحر، وهذا مذموم إذا كان يفهم منه أن للنجوم تأثيرًا في الكون كنجم كذا يجيء بالأمطار ونجم كذا يأتي بالرياح ونجم كذا يأتي بالقحط وعلو الأسعار، ونجم كذا يأتي بالوباء، ونجم كذا يأتي بالحروب ونحو ذلك، أما معرفة النجوم للاهتداء بها إلى عظم الخالق جل شأنه أو إلى الأوقات والقبلة والشهور أو إلى جهة المسير فلا، بل هي لهذا مطلوبة قال تعالى ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾.\n(^٦) قوله لم تقبل صلاته أربعين ليلة وقوله الآتي فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ - هذا إن استحله، وإلا فهو زجر ووعيد شديد.","vol":"3","page":224},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى كَاهنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ أَوْ أَتَى امْرَأَتَهُ حَائِضًا أَوْ أَتَى امْرَأَتهُ فِي دُبُرِهَا فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ» (^١). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ.\n\n• عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ ﵁ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُمُورًا كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ (^٢) كُنَّا نأْتِي الْكُهَّانَ قَالَ: «فَلَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ». قُلْتُ: كُنَّا نَتَطَيّرُ قَالَ: «ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ (^٣)».\nقُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ قَالَ: «كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطُّهُ فَذَاكَ (^٤)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ قَبِيصَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْعِيَافَةُ وَالطِّيرَةُ وَالطَّرْقُ مِنَ الْجِبْتِ (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَالِحٍ.\n_________\n(^١) لأن شرعه يحرم تصديق الكاهن والوطء في الحيض والدبر وهذا إن استحله وإلا فهو للزجر والتنفير لأن هذه ليست من الكبائر إلا إذا أصر عليها.\n(^٢) أي أذكر لك أمورًا كنا نفعلها في الجاهلية.\n(^٣) أي عن مرادكم ومقصودكم ولكن توكلوا على الله.\n(^٤) كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك جائز له ومن لا فلا، وهذا النبي قيل إدريس وقيل دانيال ﵉ كان يخط بالرمل بإلهام أو بأمر إلهي وهذا مجهول الآن، فلا يجوز تصديق من يدعيه.\n(^٥) الطرق الضرب بالحصى كما تقدم، والطيرة التشاؤم بأي شيء والعيافة زجر الطير، والتفاؤل بأسمائها وأصواتها كالتفاؤل بالعقاب على العقاب، وبالغراب على الغربة، وبالهدهد على الهدى ونحو ذلك، فهذه الثلاثة وشبهها مما تقدم من الجبت والباطل فعملها حرام وتصديقها حرام على حد قول القائل:\nلعمرك ما تدري الطوارق بالحصى … ولا زاجرات الطير ما الله صانع","vol":"3","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-684>(خاتمة) الأفضل التوكل على اللَّه </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (^٢) ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾. صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ (^٣) فَجعلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ (^٤) فَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ أُمَّتِي فَقِيلَ هذَا مُوسى وَقَوْمُهُ ثُمَّ قِيلَ لِي انْظُرْ فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ فَقِيلَ لِي انْظُرْ هكَذَا وَهكَذَا (^٥) فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ فَقِيلَ هؤُلَاءِ أُمَّتُكَ وَمَعَ هؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ (^٦) فَتَذَاكَرَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ» فَقَالُوا: أَمَّا نَحْنُ فَوُلِدْنَا فِي الشِّرْكِ وَلكِنَّا آمَنَّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلكِنْ هؤُلَاءِ هُمْ أَبْنَاؤُنَا فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ (^٧) وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ». فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، فَقَامَ آخَرُ» فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا؟ فَقَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَاشَةُ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٨).\n_________\nخاتمة الأفضل التوكل على الله تعالى\n(^١) أي الأفضل التوكل على الله تعالى وترك التداوي مطلقًا لأن النفس تركن إليها نوعا ما وهذه صفة خواص الأولياء ولا يرد أن النبي - ﷺ - تداوى وأمر به لأنه كان في أعلى درجات العرفان والتوكل فلا تؤثر الأسباب فيه شيئًا، وأيضا كان ذلك منه لبيان الجواز والتشريع لأمته.\n(^٢) فمن يتوكل على الله فإنه يكفيه كل شيء.\n(^٣) أي في منامي.\n(^٤) أي ناسًا كثيرين لا يدركهم الطرف.\n(^٥) أي يمينًا وشمالا فرأيت قومًا أكثر ممن قبلهم.\n(^٦) أي السبعين ألفا.\n(^٧) هم الذين لا يتطيرون أي لا يتشاءمون من شيء ولا يستعملون الكي ولا الرقية لأن فاعلهما لا يأمن من ركون نفسه إليها فيكون شركًا خفيا بل هم على ربهم يتوكلون في كل شيء، ودخول هؤلاء الجماعة بغير حساب لا يقتضي أفضليتهم على بقية الأمة لأن المزية لا تقتضي الأفضلية كما هو معلوم.\n(^٨) ولكن البخاري هنا ومسلم في الإيمان.","vol":"3","page":226},{"text":"وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهِ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ (^١)». فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرُّقَى (^٢) وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ»، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ زَيْنَبُ كَيْفَ هذَا وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَتْ عَيْنِي تَقْدِفُ (^٣) فَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى فُلَانٍ الْيَهُودِيِّ فَيَرْقِيهَا فَتَسْكُنُ، قَالَ: «ذلِكَ عَمَلُ الشَّيْطَانِ كَانَ يَنْحُسُهَا بِيَدِهِ فَإِذَا رَقَاهَا كَفَّ عَنْهَا إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكِ أَنْ تَقُولِي مَا كانَ النَّبِيُّ يَقُولُ: أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سُقْمًا». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n• عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اكْتَوَى أَوِ اسْتَرْقَى فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ (^٤)».\n\n• عَنْ عِيسى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ ﵄ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مِعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ أَعُودُهُ وَبِهِ حُمْرَةٌ فَقُلْنَا: أَلَا تُعَلِّقُ شَيْئًا قَالَ: الْمَوْتُ أَقْرَبُ مِنْ ذلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ (^٥)». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٦). وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n(^١) وكانت ساعة إجابة فكان منهم ولذا لم يجب الآخر.\n(^٢) إن الرق أي بعمل الجاهلية، والتمائم جمع تميمة وهي خرزات كانت تعلقها العرب تقاة النظرة. شرك أي من عمل المشركين، والتولة كعنبة وبالضم نوع من السحر يحبب الرجل في امرأته، وهذه من عمل المشركين وسحر يقتل فاعله كما تقدم في الحدود.\n(^٣) تقذف أي ترمى بالدموع فكنت أختلف إلى اليهودى أي أتردد عليه فيزقيها فتسكن قال ذلك عمل الشيطان وكان يكفيك الرقية التي علمها لنا النبي - ﷺ -.\n(^٤) أي إن نسي الله تعالى.\n(^٥) أي إن ركنت نفسه إليه.\n(^٦) الأول بسند صحيح. نسأل الله التوفيق والهداية والله أعلم.","vol":"3","page":227},{"text":"<span data-type='title' id=toc-685>كتاب النبوة والرسالة</span>\nوفيه ثمانية فصول وخاتمة\n\n<span data-type='title' id=toc-686>الفصل الأول في فضائل النبي ﷺ</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ﴾ (^١) ﴿لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا (^٢) حَتَّى كُنْتُ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ (^٣)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ وَمَا مِنْ نَبِيَ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلا تَحْتَ لَوَائِي وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَلَا فَخْرَ (^٤)».\n_________\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\nكتاب النبوة وفيه ثمانية فصول وخاتمة. الفصل الأول في فضائل النبي - ﷺ -\n(^١) فالله تعالى أخذ الميثاق على النبيين إن طالت حياتهم حتى جاءهم محمد ﷺ يؤمنون به وينصرونه فأجابوه فقال الله لهم أأقررتم بهذا قالوا أقررنا قال فاشهدوا على ذلك وأنا معكم من الشاهدين ففيه أنه - ﷺ - أفضل الأنبياء الذين هم أفضل الناس فيكون أفضل الخلق على الإطلاق.\n(^٢) القرن ثمانون سنة وقيل مائة وعشرون وقيل مائة فقط. لقوله - ﷺ - لرجل عش قرنًا فعاش مائة سنة. والمعنى كنت من خير الطبقات طبقة بعد طبقة حتى كنت خير الطبقة التي ظهرت فيها.\n(^٣) فالنبي - ﷺ - أول من يطلب الشفاعة وأول من يجاب فيها.\n(^٤) ورواه أحمد بلفظ: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وقوله وبيدي لواء الحمد أي يحمدني الأولون والآخرون حينما أشفع الشفاعة العظمى فكأن الحمد ملك لي فقط، وكأن آدم وأولاده تحت لوائي ولا فخر أي لا أقول ذلك فخرا وعلوا بل هو الحق الواقع.","vol":"3","page":228},{"text":"وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ كُنْتُ إِمَامَ النَّبِيِّينَ وَخَطِيبَهُمْ (^١) وَصَاحِبُ شَفَاعَتِهِمْ غَيْرَ فَخْرٍ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَعى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ (^٢) وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مَثَلِي ومَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ (^٣) مِنَ زَاوِيَةٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلا وُضِعَتْ هذِهِ اللَّبِنَةُ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِييِّنَ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى وَجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ قَالَ: «وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوْحِ وَالْجَسَدِ (^٤)».\nوَقَالَ الْعَبَّاسُ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قُرَيْشًا جَلَسُوا فَتَذَاكَرُوا أَحْسَابَهُمْ بَيْنَهُمْ فَجَعَلُوا مَثَلَكَ كَمَثَلِ نَخْلَةٍ فِي كَبْوَةٍ مِنَ الْأَرْضِ (^٥) فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِهِمْ مِنْ خَيْرِ فِرَقِهِمْ وَخَيْرِ الْفَرِيقَيْنِ ثُمَّ تَخَيَّرَ الْقَبَائِلَ فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِ قَبِيلَةٍ ثُمَّ تَخَيَّرَ الْبُيُوتَ فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِ بُيُوتِهِمْ فَأَنَا خَيْرُهُمْ نَفْسًا وَخَيْرُهُمْ بَيْتًا (^٦)».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا وَفَدُوا (^٧) وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا أَيِسُوا لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ\n_________\n(^١) كنت إمام النبيين وخطيبهم أي سابقهم في الشفاعة والمرور على الصراط ودخول الجنة.\n(^٢) كنانة أحد أجداد النبي - ﷺ - وقريش من فهر أحد الأجداد أيضا فالنبي - ﷺ - مختار من خيار من خيار من خيار فيكون - ﷺ - أصفى الخلق.\n(^٣) اللبنة الطوبة التي يبني بها فبظهوره - ﷺ - حتم النبيون وبشرعه تمت الشرائع والأخلاق كحديث» بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».\n(^٤) أي قبل نفخ الروح فيه ﵇.\n(^٥) أي كناسة فيها.\n(^٦) فالنبي - ﷺ - من خير القبائل ومن خير البيوت، فكان أحسن الناس أصلا وفرعا.\n(^٧) أنا خطيبهم إذا وفدوا أي على ربهم، وأنا مبشرهم إذا أيسوا أي إذا اشتد الكرب على الناس في الآخرة ويئسوا كنت سببًا في تفريجه بطلب الشفاعة.","vol":"3","page":229},{"text":"عَلَى رَبِّي وَلَا فَخْرَ».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيءٍ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ (^١)».\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَنْتَظِرُونَهُ فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ فَقَالَ: بَعْضُهُمْ: عَجَبًا إِنَّ اللَّهَ ﷿ اتَّخَذَ مِنْ خَلْقِهِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَقَالَ آخَرُ: مَاذَا بِأَعْجَبَ مِنْ كَلَامِ مُوسى كَلَّمَهُ رَبُّهُ تَكْلِيمًا، وَقَالَ آخَرُ: فَعِيسى كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحُهُ، وَقَالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ. فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ وَقَالَ: «قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَعَجَبَكُمْ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ وَهوَ كَذلِكَ، وَمُوسى نَجِيُّ اللَّهِ وَهُوَ كَذلِكَ، وَعِيسى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ وَهُوَ كَذلِكَ، وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ وَهُوَ كَذلِكَ؛ أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَنَا أَوَّلُ مُشَفَّعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حَلَقَ الْجَنَّةِ فَيَفْتَحُ اللَّهُ لِي فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ (^٢) وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ وَلَا فَخْرَ».\nوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ﵁: مَكْتُوبٌ في التَّوْرَاةِ صِفَةُ مُحمَّدٍ وَصِفَةُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ﵈ وَيُدْفَنُ عِيسى مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ (^٣). رَوَى التِّرْمِذِيُّ هذِهِ السِّتَّةَ (^٤).\n_________\n(^١) مثله في كلام الله تعالى ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين﴾ وللحديث بقية وهي» وما نفضنا عن رسول الله - ﷺ - الأيدي وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا».\n(^٢) فالنبي - ﷺ - أول من يدخل الجنة، وأمته أول الأمم في دخولها. وقوله وأنا أكرم الأولين والآخرين صريح في تفضيله - ﷺ - على الخلق كلهم. ومنه قول البوصيري ﵁:\nفمبلغ العلم فيه أنه بشر … وأنه خير خلق الله كلهم\n(^٣) وقد بقي في الروضة الشريفة موضع قبر فهو لعيسى ﵇.\n(^٤) الأول والرابع بسندين صحيحين، والخامس بسند غريب، والباقي بأسانيد حسنة.","vol":"3","page":230},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ فِي يَدِهِ لِيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ وَلَا يَرَانِي ثُمَّ لَأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُمْ (^١)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-687>مولد النبي ﷺ ونسبه وأسماؤه</span>\n• عَنْ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَة ﵁ قَالَ: وُلِدْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفِيلِ (^٢).\nوَسَأَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ قُبَاثَ (^٣) بْنَ أَشْيَمَ بْنِ لَيْثٍ ﵃: أَأَنْتَ أَكْبَرُ أَمْ رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَكْبَرُ مِنِّي وَأَنَا أَقْدَمُ مِنْهُ فِي الْمِيلَادِ» وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفِيلِ وَرَفَعَتْ بِي أُمِّي عَلَى الْمَوْضِعِ وَرَأَيْتُ خَرْءَ الْفِيلِ أَخْضَرَ مُحِيلًا. رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\nأَمَّا نَسَبُ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ ملِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:\n_________\n(^١) فيه تقديم وتأخير ومعناه يأتي على أحدكم يوم لأن يراني فيه لحظة ثم لا يراني بعدها أحب إليه من أهله وماله جميعا. والمراد الحث على ملازمته - ﷺ - حضرًا وسفرا لاقتباس العلوم والآداب والأخلاق وإذاعتها للناس فيكون خليفة للرسول - ﷺ - نسأل الله أن يجعلنا من خير أتباعه في الدنيا والأخرى آمين والله أعلم.\n\nمولد النبي - ﷺ - ونسبه وأسماؤه\n(^٢) الذي جاء في جيش أبرهة لهدم الكعبة فأهلكهم الله قبل دخول مكة بوادي محسر والله تعالى قص ذلك علينا بقوله ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾ وكان هذا بعد ميلاد عيسى ﵇ بنحو ستمائة سنة.\n(^٣) فقال قباث: النبي - ﷺ - أكبر مني مقاما وأنا ولدت قبله، فإنه ولد عام الفيل وكنت ولدت قبله فإن أمي أرتني موضع الفيل ورأيت خرأه أي غائطه أخضر محيلا أي متغيرًا.\n(^٤) ولكل واحد من هذه السلسلة عدة مكارم ومفاخر مبسوطة في كتب السير والتاريخ. والبخاري روي هذا في مبعث النبي - ﷺ -، فهؤلاء عشرون جدًّا ورد أن النبي - ﷺ - ذكرهم وسكت، ثم قال كذب النسابون بعد ذلك وإن صدقوا. ونسبه هذا ينتهي إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام.","vol":"3","page":231},{"text":"«لِي خَمْسَةُ أَسْماءٍ أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحْمَدُ وَأَنَا الْمَاحِي (^١) الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي وَأَنَا الْعَاقِبُ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَقَالَ أَبُو مُوسى الْأَشْعَرِيُّ ﵁: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَمِّي لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءً فَقَالَ: «أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَالْمُقَفِّي (^٢) وَالْحَاشِرُ وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-688>الفصل الثاني في أوصاف جسمه الشريف ﷺ</span>\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ (^٣) أَزْهَرَ اللَّوْنِ لَيْسَ بِأَبْيَضَ أَمْهَقَ وَلَا آدمَ (^٤) لَيْسَ بِجَعْدٍ قَطَطٍ وَلَا سَبْطٍ رَجِلٍ (^٥) أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ (^٦) فَلَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ وَقُبِضَ وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ.\n\n• عَنِ الْبَراءِ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مَرْبُوعًا بعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ (^٧) عَظِيمَ الْجُمَّةِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ ﷺ. رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) الماحي والحاشر بيانهما بعدهما، والعاقب الذي ليس بعده نبي.\n(^٢) المقفى هو العاقب للأنبياء قبله لأنه قفاهم وتبعهم في الزمن، فأسماء النبي - ﷺ - على ما في أصولنا هذه سبعة وهي محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب ونبي التوبة ونبي الرحمة، وهذا لا ينافي أن له - ﷺ - أسماء أخرى كثيرة.\n\nالفصل الثاني في أوصافه - ﷺ - الجسمية\n(^٣) بيان لربعة.\n(^٤) ليس بأبيض أمهق أي ناصع البياض لا يخالطه شيء، ولا آدم من الأدمة وهي السمرة وهما بيان لأزهر، فكان بياضه ﷺ ممزوجًا بحمرة.\n(^٥) أي ليس شعره بجعد قطط بين الجمودة كشعر السودانيين، ولا سبط رجل أي ليس بمرسل مستر كموج الماء وهو أحسن الشعر.\n(^٦) ولكنه لم يؤمر بتبليغ الرسالة إلا في ثلاث وأربعين كما سيأتي في بدء الوحي إن شاء الله.\n(^٧) بعيد ما بين المنكبين أي عريض الصدر. وقوله عظيم الجمة - كقبة - هي الشعر النازل من رأسه، وهذان يدلان على وفور جسمه وغزارة دمه - ﷺ -.","vol":"3","page":232},{"text":"• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُمْ خُلُقًا لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ (^١) وَلَا بِالْقَصِيرِ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَسُئِلَ الْبَرَاءُ ﵁: أَكَانَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ السَّيْفِ؟ قَالَ: لَا بَلْ مِثْلَ الْقَمَرِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ رَجُلٌ رَآهُ غَيْرِي (^٢) فَقِيلَ لَهُ: كيْفَ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: كَانَ أَبْيَضَ مَلِيحًا مُقَصَّدًا (^٣). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَفِي لَفْظٍ لَهُ: رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ أَبْيَضَ مَلِيحًا إِذا مَشَى كَأَنَّما يَهْوِي فِي صُبُوبٍ (^٤).\nوَقَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ ﵁: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَلِيعَ الْفَمِ (^٥) أَشْكَلَ الْعَيْنِ مَنْهُوسَ الْعَقِبَيْنِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ (^٦) ضَخْمَ الرَّأْسِ، ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ طَوِيلَ الْمَسْرُبَةِ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا كَأَنَّمَا انْحَطَّ مِنْ صَبَبِ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ.\nوَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ إِذَا وَصَفَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَمْ يَكُنْ بِالطَّوِيلِ الْمُمَغَّطِ (^٧) وَلَا بِالْقَصِيرِ الْمُتَرَدِّدِ. وَكَانَ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ وَلَمْ يَكُنْ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ\n_________\n(^١) يؤخذ من قوله البائن أنه أطول من الوسط ولكنه - ﷺ - كان إذا مشى مع الطويل ساواه.\n(^٢) فأبو الطفيل حينما حدث بهذا لم يكن على قيد الحياة من الأصحاب سواه مات سنة مائة من الهجرة.\n(^٣) أي معتدلا في الطول والعرض.\n(^٤) أي انحدار.\n(^٥) كان - ﷺ - ضليع الفم أي واسعه، وهذه علامة البلاغة، أشكل العين أي واسع العينين حسنهما، منهوس العقبين أي لحهما خفيف.\n(^٦) شثن الكفين والقدمين أي عظيمهما، ضخم الكراديس أي رءوس العظام، طويل المسربة أي شعر الصدر إلى العانة، من صبب - كسبب - أي عال.\n(^٧) الممغط الطويل الرفيع، والقصير المتردد المتداخل في بعضه، لم يكن بالجعد ولا بالسبط أي شعره، تقدم هذا، لم يكن بالمطهم أي كثير اللحم، ولا بالمكلثم كثير لحم الوجه والخدين، وكان أبيض مشربًا، أي بحمرة، كأنما يمشي في صبب بيان لتقلع، إذا التفت التفت معًا، أي بجسمه كله.","vol":"3","page":233},{"text":"وَلَا بِالسَّبْطِ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْمُطَهَّمِ وَلَا بِالْمُكَلْثَمِ، وَكَانَ فِي الْوَجْهِ تَدْوِيرٌ أَبْيَضَ مُشْرَبًا إِذَا مَشَى تَقَلَّعَ كَأَنَّمَا يَمْشِي فِي صَبَب، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ مَعًا، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوُّةِ وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِييِّنَ، أَجْوَدَ النَّاسِ كَفًّا. وَأَشْرَحَهُمْ صَدْرًا، وَأَصْدَقَ النَّاسِ لَهْجَةً، وَأَلْيَنَهُمْ عَرِيكَةً (^١)، وَأَكْرَمَهُمْ عِشْرَةً، مَنْ رَآهُ بِدِيهَةً هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ، يَقُولُ نَاعِتُهُ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ.\nوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مِشْيَتِهِ كَأَنَّمَا الْأَرْضُ تَطْوَى لَهُ وَإِنَّا لَنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا وَإِنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ. رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-689>شعر النبي ﷺ</span>\n• عَنْ قَتَادَةَ ﵁ قُلْتُ لِأَنَسٍ: كَيْفَ كَانَ شَعَرُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَانَ شَعَرًا رَجِلًا لَيْسَ بِالْجَعْدِ وَلَا السَّبِطِ بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ (^٣). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَضْرِبُ شَعَرُهُ مَنْكِبَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَى أَنْصَاف أُذنِيْهِ. وَفِي أُخْرَى إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ (^٤). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ أَشْعَارَهُمْ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ\n_________\n(^١) ألينهم عريكة أي ألينهم جانبًا، أكرمهم عشرة، أي أسهلهم معاشرة، من رآه بديهة هابة أي من نظره فجأة أخذته الهيبة ومن خالطه أحبه، يقول ناعته أي من يصفه لم أر قبله ولا بعده إنسانا مثله في حسن الظاهر والباطن فهو - ﷺ - كامل في أوصافه الجثمانية والروحانية.\n(^٢) الأول بسند صحيح. والثاني بسند حسن. والثالث بسند غريب. والله أعلى وأعلم.\n\nشعر النبي - ﷺ -\n(^٣) أي نهايته بين الأذنين والعاتق أي الكتف.\n(^٤) ولا تنافي بين هذه الروايات فإنه كان إذا سرح ومد كان إلى منكبيه، وإذا ترك كان تارة إلى شحمة أذنيه وتارة فوقها وتارة تحتها.","vol":"3","page":234},{"text":"يَفْرُقونَ رُؤوسَهُمْ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ فَسَدَلَ نَاصِيَتَهُ ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ (^١). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ شَمِطَ (^٢) مُقَدَّمُ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ وَكَانَ إِذَا ادَّهَنَ لَمْ يَتَبَيَّنْ وَذَا شَعِثَ رَأْسُهُ تَبَيَّنَ وَكَانَ كَثِيرَ شَعَرِ اللِّحْيَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَجْهُهُ مِثْلُ السَّيْفِ (^٣)؟ قَالَ: لَا بَلْ كَانَ مِثْلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَكَانَ مُسْتَدِيرًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-690>طيب رائحة النبي ﷺ</span>\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مَا شَمِمْتُ عَنْبَرًا قَطُّ وَلَا مِسْكًا وَلَا شَيْئًا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٤) وَلَا مَسِسْتُ شَيْئًا قَطُّ دِيباجًا وَلَا حَرِيرًا أَلْيَنَ مَسًّا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ إِلَى الْبَطْحَاءِ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى فَقَامَ النَّاسُ فَجَعَلُوا يَأْخُذُونَ يَدَيْهِ فَيَمْسَحُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَوَضَعْتُهَا عَلَى وَجْهِي فَإِذَا هِيَ أَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ وَأَطْيَبُ رَائِحَةً مِنَ الْمِسْكِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَقَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ ﵁: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ صَلَاةَ الْأُولَى (^٥) ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ\n_________\n(^١) تقدم هذا في كتاب اللباس مبسوطا.\n(^٢) الشمط بالتحريك: اختلاط بياض الشعر بسواده وكان إذا ادهن لم يتبين أي الشيب، فإن الدهان يكسو الشعر كله لونًا واحدا، وإذا شعث رأسه أي ذهب الدهان وتفرق الشعر تبين الشيب ولكنه كان قليلا في مقدم رأسه وفي صدغيه وفي عنفقته - ﷺ -.\n(^٣) مثل السيف أي أبيض لامعًا، قال لا بل مثل الشمس والقمر أي في التدوير والبياض ولكنه كان مشربًا بحمرة وهو أفضل الألوان في الدنيا بخلاف لون أهل الجنة فإنه أبيض نباتي.\n\nطيب رائحة النبي - ﷺ -\n(^٤) فرائحة النبي - ﷺ - أطيب من كل طيب، ولا غرابة فكل المخلوقات من نوره - ﷺ - فهو أصل والكل فرع، وكان كفه - ﷺ - ألين وأنعم من كل شيء.\n(^٥) صلاة الأولى أي الظهر، وجؤنة - كغرفة - بالهمزة وعدمها سلة مستديرة منشاة بالجلد يوضع فيها الطيب.","vol":"3","page":235},{"text":"فَخَرَجْتُ مَعَهُ فَاسْتَقْبَلَهُ وِلْدَانٌ فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّيْ أَحَدِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا وَأَمَّا أَنَا فَمَسَحَ خَدِّي، قَالَ: فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا وَرِيحًا كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُؤْنَةِ عَطَّارٍ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ عِنْدَنَا (^١) فَعَرِقَ وَجَاءَتْ أُمِّي بِقَارُورَةٍ فَجَعَلَتْ تَسْلُتُ الْعَرَقَ فِيهَا فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «يا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا هذَا الَّذِي تَصْنَعِينَ؟» قَالَتْ: هذَا عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ فِي طِيبِنَا وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ. رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-691>كلام النبي ﷺ</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ (^٢). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ: وَلكِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ بَيْنَهُ فَصْلٌ يَلْفَظُه مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لِأَحْصَاهُ (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَلَامًا فَصْلًا يَفْهَمُهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ (^٤).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قالَ: كَانَ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْتِيلٌ وَتَرْسِيلٌ (^٥). رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ فِي الْأَدَبِ.\n_________\n(^١) فقال عندنا، أي نام وقت القيلولة فصارت أم سلمة تسلت عرقه بيدها وتضعه في قارورة فلما سألها قالت نجعله في الطيب. وفي رواية: نجعله في طيبنا ونرجو بركته لصبياننا قال أصبت، فكان طيب ريحه من صفته - ﷺ - وإن لم يمس طيبًا كرامة ومعجزة له ﷺ. ومع هذا كان يستعمل الطيب في كثير من الأوقات مبالغة في طيب ريحه لملاقاة الملائكة، وأخذ الوحي الكريم ومجالسة المسلمين وليكون لهم قدوة حسنة.\n\nكلام النبي - ﷺ -\n(^٢) سرد الحديث تتابعه والعجلة فيه، والفصل: القول الحق والبين الواضح.\n(^٣) أي لو أراد السامع أن يعد كلماته وحروفه لأمكنه.\n(^٤) لبيانه ووضوحه.\n(^٥) الترتيل والترسيل ضد العجلة، فكان كلام النبي - ﷺ - لا سقط ولا عيب فيه ولا عجلة فيه، بل كان فصلا فصيحًا واضحًا بينا لكل سامع. وفيه ترتيل وترسيل كحبات اللؤلؤ إذا توالت في عقدها.","vol":"3","page":236},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعِيدُ الْكَلِمَةَ ثَلَاثًا لِتُعْقَلَ عَنْهُ (^١) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-692>ضحك النبي ﷺ</span>\nقِيلَ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁: أَكُنْتَ تُجَالِسُ النَّبِيَّ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ كَثِيرًا كانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ (^٢) فَيَأَخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَوِيلَ الصَّمْتِ (^٣) قَلِيلَ الضَّحِكِ. رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ فِي سَاقَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُمُوشَةٌ (^٤) وَكَانَ لَا يَضْحَكُ إِلا تَبَسُّمًا وَكُنْتَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِ قُلْتَ أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ وَلَيْسَ بِأَكْحَلَ (^٥).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٦). رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٧). نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ آمِين.\n_________\n(^١) ليفهمها ويثبت منها كل سامع، وهذا في التشريع غالبا.\n\nضحك النبي - ﷺ -\n(^٢) فيه جواز الكلام المباح في المسجد، وهذا في بعض الأحيان وإلا فقد كان النبي - ﷺ - إذا سلم من الصبح التفت إلى أصحابه وقال هل رأى منكم أحد الليلة رؤيا فإن رأى أحد شيئًا قصه وربما قص النبي - ﷺ - عليهم ما رآه كما سيأتي في كتاب الرؤيا إن شاء الله.\n(^٣) طويل الصمت أي يتفكر في مصنوعات الله تعالى وربما رئي عليه علامة الحزن، قليل الضحك إلا لسبب، وفي رواية: كان النبي - ﷺ - قليل الكلام قليل الطعام.\n(^٤) أي رقة وخفة.\n(^٥) لغزارة الأهداب وسوادها.\n(^٦) لأنه - ﷺ - كان يتبسم في وجه من لقيه من أصحابه، وهذا من البشاشة المطلوبة، وفي رواية: تبسمك في وجه أخيك صدقة فما كان النبي - ﷺ - يضحك إلا تبسما وما كان يقهقه لحديث» لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب» ولأنها من عادة أهل الأهواء.\n(^٧) الأول بسند صحيح والثاني بسند حسن. نسأل الله أن يحسن أحوالنا آمين والله أعلم.","vol":"3","page":237},{"text":"<span data-type='title' id=toc-693>نوم النبي ﷺ</span>\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ يُحَدِّثُنَا عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبةِ جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحى إِلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي مَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَالَ أَوَّلُهُمْ أَيُّهُمْ هُوَ فَقَالَ أَوْسَطُهُمْ هُوَ خَيْرُهُمْ وَقَالَ آخِرُهُمْ خُذُوا خَيْرَهُمْ فَكَانَتْ تِلْكَ فَلَمْ يَرَهُمْ حَتَّى جَاؤُوا لَيْلَةً أُخْرَى فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ والنَّبِيُّ ﷺ نَائِمَةٌ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ وَكَذلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ فَتَوَلاهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ (^١).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَنَامُ قَبْلَ أَن تُوتِرَ قَالَ: «تَنَامُ عَيْنِي وَلَا يَنَامُ قَلْبِي (^٢)». رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-694>شق صدر النبي ﷺ</span>\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَهُ جِبْرِيلُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ فَاسْتَخْرَجَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَقَالَ: هذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ لَأَمَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ يَعْنِي ظِئْرَهُ (^٣) فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ.\n_________\n(^١) فالنبي ﷺ كان نائما في المسجد الحرام بين اثنين هما عمه حمزة وابن عمه جعفر ﵄ إذ جاءه نفر - ثلاثة - جبريل وميكائيل وإسرافيل، وهذا قبل أن يوحى إليه للإسراء فقال أولهم أيهم هو فقال أوسطهم هو خيرهم وقال آخرهم خذوا خيرهم فكانت القصة على هذا فقط، ثم جاءوا ليلة الإسراء والنبي ﷺ نائم عينه دون قلبه شأن الأنبياء فعملوا معه ما أمروا به ثم عرجوا به إلى السماء.\n(^٢) تقدم هذا الحديث في صلاة الليل طويلا، ففيهما أن النبي - ﷺ - كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه كبقية الأنبياء استعدادًا للوحي النومي الذي هو من أقسام النبوة. كما يأتي في الرؤيا إن شاء الله. نسأل الله الحفظ من معاصيه واليقظة لما يرضيه آمين والله أعلم.\n\nشق صدر النبي - ﷺ -\n(^٣) أي مرضعته وهي حليمة ﵂، يقال ظئر رءوم خير من أم سئوم.","vol":"3","page":238},{"text":"قَالَ أَنَسٌ: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ ﷺ (^١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْمِعْرَاجِ (^٢). نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ آمِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-695>الفصل الثالث في أخلاق النبي ﷺ</span>\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا (^٣) وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ فَاحِشًا (^٤) وَلَا مُتَفَحِّشًا وَقَالَ: إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا. رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ. وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا.\nوَلِلْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ: مَا عَابَ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا قَطُّ\n_________\n(^١) فالنبي - ﷺ - وهو رضيع عند حليمة السعدية كان يلعب مع الصبيان فجاءه جبريل مع بعض الملائكة في صور رجال فأخذوه فصرعوه أي ألقوه على ظهره وشقوا بطنه وأخرجوا قلبه فشقوه وأخذوا منه كعلقة وألقوها وقالوا هذا حظ الشيطان منك أي ما كان يرجوه في إضلالك ثم غسلوا القلب بماء زمزم ثم لأموه أي أطبقوه وأعادوه مكانه ثم أطبقوا البطن فكأنه لم يكن به شق ثم أقاموه. وفي رواية: قال له جبريل لو علمت ما فعل بك لقرت عينك فذهب الذين كانوا يلعبون معه إلى حليمة فقالوا إن أخانا القرشي قتل فجاءت تسعى هي وزوجها فوجدوه قائما منتقع أي متغير اللون فسألوه عما حصل فأخبرهم فأخذوه وذهبوا ثم سافروا به وسلموه لأمه ﵃ أجمعين، والمراد من هذا زيادة التطهير له - ﷺ - وإلا فليس للشيطان عليه سبيل قال تعالى ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ وكان أنس ﵁ يرى أثر الشق خطًا مستطيلا من صدره إلى نهاية بطنه، وهذه أولى مرات الشق الذي وقع له - ﷺ - وآخرها ليلة الإسراء كما سيأتي في حديثه إن شاء الله وفيه أنهم بعد غسل القلب ملأوه إيمانا وحكمة.\n(^٢) وقد روي شق صدره ﷺ البخاري وغيره خصوصا في حديث الإسراء نسأل الله التوفيق والرفعة آمين.\n\nالفصل الثالث في أخلاق النبي ﷺ\n(^٣) فكان ﷺ أكثر حياء من العذراء في خدرها أي من البكر في سترها وكان إذا كره شيئا أي غضب من شيء تغير وجهه ولم يتكلم به لشدة حيائه.\n(^٤) الفحش القبح في القول فلم يكن من طبعه ولم يتكلفه، وحقيقة حسن الخلق هي التحلي بالفضائل والبعد عن الرذائل وقيل بشاشة الوجه وكف الأذى وبذل الندى أي المال.","vol":"3","page":239},{"text":"إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلا تَرَكَهُ (^١).\n\n• عَنْ عَطَاءٍ ﵁ قالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ قَالَ: أَجَلْ (^٢) وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ يأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا (^٣) وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظَ (^٤) وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ولكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ (^٥) وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ (^٦) بِأَنْ يَقُولُوا لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غلْفًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٧).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ لَا (^٨).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ\n_________\n(^١) وهذا إعظام للنعمة ولخالقها.\n(^٢) قال أجل أي نعم.\n(^٣) شاهدًا أي للمؤمنين وعلى الكافرين، ومبشرًا أي للمؤمنين بالجنة ونذيرًا أي للكافرين والمنافقين بالنار الخالدة، وحرزا أي حصنا للأميين جمع أمي من لا يقرأ ولا يكتب وهم العرب، فكان النبي ﷺ حصنًا لهم من سطوة العجم ومن نار الآخرة.\n(^٤) ليس بفظ أي سيء الخلق، ولا غليظ أي قاسي القلب قال تعالى ﴿لو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ ولا سخاب في الأسواق أي ليس برافع صوته على الناس لسوء خلقه ولا صيّاح عليهم، فالسخاب والصّخاب الذي يرفع صوته.\n(^٥) فلا يسيء من أساء إليه ولكنه يعفو ويصفح.\n(^٦) الملة العوجاء هي ملة إبراهيم ﵇ التي اعوجت بالشرك وعبادة الأصنام في زمن الفترة، والأعين العمى جمع عين عمياء وهي التي لا تبصر، والآذان الصم جمع أذن صماء وهي التي لا تسمع، والقلوب الغلف جمع قلب أغلف وهو الذي ختم عليه فلا يقبل خيرا، فالله تعالى لن يميت محمدا - ﷺ - حتى يعيد به ملة إبراهيم إلى ما كانت عليه برجوعهم إلى كلمة التوحيد فتنفتح بها الأعين والأذان والقلوب وتمتلئ بالهداية وذكر الله تعالى ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾.\n(^٧) في كراهية السخب في السوق من كتاب البيوع.\n(^٨) بل إن كان عنده أعطى السائل وإلا وعده بالإعطاء إذا أتاه المال، وفي هذا يقول حسان ﵁:\nما قال لا قط إلا في تشهده … لولا التشهد لم تسمع له لا لا","vol":"3","page":240},{"text":"فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: «أَيْ قَوْمِ أَسْلِمُوا فَوَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ (^١)»، فَقَالَ أَنَسٌ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلا الدُّنْيَا فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدْنْيَا وَمَا فِيهَا.\nوَقَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ ﵁: وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حُنَيْنٍ مَا أَعْطَانِي (^٢) وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ (^٣). رَوَى مُسْلِمٌ هذِهِ الثَّلَاثَةَ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ فَتَلَقَّاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ راجِعًا وَكَانَ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ عُرْيٍ لِأَبِي طَلْحَةَ فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ: «لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا (^٤)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ أَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ، قَالَ: «فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ عَشْرَ سِنِينَ واللَّهِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَ هكَذَا وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هذا هكَذَا». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n_________\n(^١) الرجل لم يأمر قومه بالإسلام رغبة في العطاء ولكن يظهر لهم أن النبي ﷺ صادق في نبوته لأنه يعطي ولا يخاف فقرا. وهذا لا يصدر إلا من شخص تأيد بالمعجزات وامتلأ يقينًا بوعد ربه تعالى ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين﴾.\n(^٢) أعطاه مائة من النعم ثم مائة ثم مائة، ففي هذه النصوص أن النبي ﷺ كان أكرم الناس وأجود الناس على الإطلاق.\n(^٣) أي لا تخافوا فليس هناك ما يفزع، وكان فرس أبي طلحة هذا يسمى مندوبا وكان بطيئا في سيره فلما ركبه النبي ﷺ صار ذليلا سريعا واسع الخطى.\n(^٤) فأنس بن مالك مات أبوه وهو صغير فتزوجت أمه بأبي طلحة فلما قدم النبي ﷺ المدينة رأى أبو طلحة وزوجته أم سليم أن يقدموا أنسًا للنبي ﷺ يخدمه فينتفع ويتعلم أنس ويكون لأمه وزوجها بهذا=","vol":"3","page":241},{"text":"• وَعَنْهُ قالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ فَقُلْتُ لَهُ: وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ (^١) وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقَالَ: «يَا أُنَيْسُ أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَهَبْتُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كَانَ إِبْرَاهِيمُ» مُسْتَرْضَعًا لَهُ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ (^٢) فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْيِ وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ تَكَمِّلَانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ».\n_________\n= حظوة عند النبي ﷺ فأخذ أبو طلحة أنسا وذهب للنبي ﷺ فقال يا رسول الله إن أنسا غلام كيس - كقيم - أي عاقل فاتخذه خادما فقبله النبي ﷺ قال أنس فخدمته عشر سنين بقية حياته - ﷺ - فما اعترض عليّ بشيء لا فعلا ولا تركا؛ لأن أنسا كان عاقلا يضع الشيء في محله فلا وجه للوم، أو أن النبي - ﷺ - كان يرى أن الفاعل في كل شيء هو الله تعالى فيكون كل شيء جميلا على حد قول بعضهم:\nإذا ما رأيت الله في الكل فاعلا … شهدت جميع الكائنات ملاحا\nوإن لم تر إلا مظاهر صنعه … حجبت فصيرت الحسان قباحا\nويحتمل الأمران.\n(^١) لم يؤاخذه النبي ﷺ على قوله والله لا أذهب ولا على وجوده مع من يلعبون بل نظر إليه وهو يضحك لأنه لم يكن مكلفا حينذاك.\n(^٢) فإبراهيم ابن النبي ﷺ من مارية القبطية كان رضيعا في عوالى المدينة أي ضواحيها، وكان النبي ﷺ يذهب إليه لينظره ويقبله فيدخل بيت المرضعة وهو مملوء بالدخان لأن ظئر إبراهيم ﵇، أي زوج مرضعته كان قينا أي حدادا ولم يغضب النبي ﷺ، ومات إبراهيم وهو في الثدي أي في زمن الرضاع لأنه كان ابن سبعة عشر شهرا تقريبا، فقال ﷺ إن له ظئرين أي مرضعتين تكملان رضاعه في الجنة، فكما يطلق الظئر على زوج المرضعة يطلق على نفس المرضعة.","vol":"3","page":242},{"text":"• وَعَنْهُ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ يَكِيدُ (^١) بِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ: «تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ وَلَا نَقُولُ إِلا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَاللَّهِ يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ». رَوَاهُمَا الْأَرْبَعَةُ (^٢).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَادٍ حَسَنُ الصَّوْتِ اسْمُهُ أَنْجَشَةُ (^٣) فَمَرَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَسُوقُ الْإِبِلَ بِالزَّوْجَاتِ الطَّاهِرَاتِ فَقَالَ لَهُ: «رُوَيْدًا يَا أَنْجَشَةُ لَا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ». رَوَاهُ الشَّيخَانِ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَ خَدَمُ الْمَدِينَةِ بِآنِيَتِهِمْ فِيهَا الْمَاءُ فَمَا يُؤْتَى بِإِنَاءٍ إِلا غَمَسَ يَدَهُ (^٤) فَرُبَّما جَاؤُوا فِي الْغَدَاةِ الْبَارِدَةِ فَيَغْمِسُ يَدَهُ فِيهَا.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْحَلاقُ يَحْلِقُهُ وَأَطَافَ بِهِ أَصْحَابُهُ فَمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَةٌ إِلا فِي يَدِ رَجُلٍ (^٥).\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِها شَيْءٌ (^٦) فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً فَقَالَ: «يَا أُمَّ فُلَانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ\n_________\n(^١) يكيد. وفي رواية. يجود بنفسه أي في حال النزع.\n(^٢) ولكن مسلم هنا وباقيهم رووه في الجنائز.\n(^٣) فكان للنبي ﷺ عبد يسمى أنجشة وكان حسن الصوت فكان يسوق الإبل ويحدو لها أي ينشدها شيئا من الشعر فتسرع في المسير، فلما رأى النبي ﷺ سرعة الإبل بالزوجات الطاهرات وهذا بالطبع يؤلمهن، أمره بالرفق بقوله رويدا يا أنجشة، أي تمهل لا تكسر القوارير أي النسوة الشبيهة بالزجاج في ضعفهن وسرعة كسرهن، فإنهن لا يطقن السرعة.\n(^٤) فكان في صباح كل يوم يأتي أهل المدينة إلى النبي ﷺ بأوانيهم فيها ماء ليغمس النبي - ﷺ - يده في هذا الماء يتبركون به فيجيبهم إلى طلبهم ولو كان البرد شديدا إكراما لهم ورحمة بهم.\n(^٥) فكانوا يتسابقون إلى شعر النبي - ﷺ - يتبركون به، وقد تقدم مثل هذا في الحلق بمنى، ففيه وما قبله جواز التبرك بآثار الصالحين نسأل الله أن يحشرنا في زمرتهم.\n(^٦) فكانت امرأة ناقصة العقل تسمى أم زفر ماشطة لخديجة ﵂، قالت يا رسول الله لي عندك حاجة سرية فقال لها في أي طريق تذهبين فأنا معك، فسار معها حتى انتهت حاجتها، ففي هذه النصوص أن النبي - ﷺ - كان في نهاية اللطف واللين والرحمة والرأفة بخلق الله لا فرق بين كامل وناقص وذكر وأنثى.","vol":"3","page":243},{"text":"حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا». رَوَى مُسْلِمٌ هذِهِ الثَّلَاثَةَ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَيْسَرُ مِنَ الْآخَرِ إِلا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا (^١) مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ إِلا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ ﷿ (^٢). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إِلا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ (^٣) فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ ﷿. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْرًا فَتَرَخَّصَ فِيهِ (^٤) فَبَلَغَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ فَبَلَغَهُ ذلِكَ فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: «ما بَالُ رِجَالٍ بَلَغَهُمْ عَنِّي أَمحرٌ تَرَخَّصْتُ فِيهِ فَكَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) فما خير النبي - ﷺ - بين أمرين إلا اختار الأسهل منهما كالاجتهاد في العبادة والاقتصاد فيها وكالسعة في الدنيا والكفاف منها، فالاقتصاد أخف وتسهل المداومة عليه، والكفاف أسهل ولا مسئولية عليه.\n(^٢) وما انتقم لنفسه خاصة كعفوه عن الرجل الذي رفع صوته عليه وقال إنكم يا بني عبد المطلب مطل رواه الطبراني، وكعفوه عن الرجل الذي جبذ بردائه حتى أثر في عنقه وقال أعطني مما عندك فليس مالك ولا مال أبيك، وسيأتي في الأخلاق، إلا إذا انتهكت حرمة الله فينتقم، كأمره بقتل عبد الله بن خطل وعقبة بن أبي معيط ونحوهما ممن كانوا ينتهكون حرمة الله تعالى.\n(^٣) وما نيل منه شيء أي ما قصده أحد بسوء فانتقم منه بل كان يعفو ويصفح، لكن من ينتهك محارم الله فإنه يؤدبه بما يراه من حد وغيره إقامة لحق الله وزجرا للأشرار.\n(^٤) الأمر الذي ترخص فيه النبي ﷺ هو قيام الليل كله إلا في رمضان، والذين تنزهوا عنه جماعة من الأصحاب مرّ ذكرهم سألوا عن عبادة النبي ﷺ ليلا فلما سمعوا كأنهم استقلوها، وقالوا أين نحن من النبي ﷺ، فقال بعضهم أما أنا فإني أقوم الليل كله، وقال آخر أنا أصوم الدهر أبدا. فسمع النبي ﷺ بهذا فذكر الحديث على المنبر. والله أعلم.","vol":"3","page":244},{"text":"<span data-type='title' id=toc-696>شفقة النبي ﷺ على الأمة</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (^١) - صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ نَبِيَ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ (^٢) فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبيَ دَعْوَتَهُ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةَ لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا قَوْلَ اللَّهِ ﷿ فِي إِبْرَاهِيمَ ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (^٤). وَقَالَ عِيسى ﵇: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي وَبَكَى (^٥)» فَقَالَ اللَّهُ ﷿: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ فَسَلْهُ يُبْكِيكَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَمُ فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ إِنَّا سَنُرضيكَ\n_________\nشفقة النبي ﷺ على أمته\n(^١) فالله تعالى يقول لقد أرسلنا إليكم رسولا منكم، عزيز عليه ما عنتم أي شديد عليه مشقتكم ومضرتكم بل هو حريص على هدايتكم ورءوف ورحيم بالمؤمنين.\n(^٢) لكل نبي دعوة مستجابة أي محققة الإجابة فتعجل كل نبي دعوته في دنياه كدعوة نوح وموسى على من لم يؤمن من قومهما، والنبي ﷺ قد ادخر دعوته إلى يوم القيامة لتكون شفاعة لعصاة أمته - ﷺ -.\n(^٣) ولكن مسلم في الإيمان وغيره في كتاب الدعاء.\n(^٤) رب إنهن أي الأصنام أضللن كثيرا من الناس بعبادتهم لهن من وسوسة الشيطان، فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فأمره إليك لأنك غفور رحيم.\n(^٥) فإبراهيم وعيسى صلى الله عليهما وسلم وكلا إلى الله تعالى أمر أمتهما، ولكن النبي - ﷺ - طلب لأمته الرحمة وبكى، فقال الله لا تحزن فإننا سنفعل مع أمتك ما يرضيك ويسرك، فهذه شفقة منه - ﷺ - على أمته لم تكن عند نبي غيره - ﷺ -.","vol":"3","page":245},{"text":"فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِنْ عِبَادِهِ قَبَضَ نَبِيهًَا فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا وَسَلَفًا بَيْنَ يَدَيْهَا وَإِذَا أَرَادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيٌّ فَأَهْلَكَهَا وَهُوَ يَنْظُرُ فَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِهَلَكَتِهَا حِينَ كَذَّبُوهُ وَعَصَوْا أَمْرَهُ (^١)». رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-697>الفصل الرابع في أعلام نبوته ﷺ (^٢) منها خاتم النبوة</span>\n• عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزيدَ ﵁ قَالَ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ (^٣). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ خَاتَمًا فِي ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّهُ بَيْضَةُ حَمَامٍ. رَواهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظَهُ: كَانَ خَاتَمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيْهِ غُدَّةً حَمْرَاءَ (^٤) مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ.\n\n• عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ ﵃ قالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَكَلْتُ مَعَهُ خُبْزًا وَلَحْمًا أَوْ قَالَ ثَرِيدًا، قَالَ عَاصِمٌ: فَقُلْتُ لَهُ أَسْتَغْفَرَ لَكَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: نَعَمْ وَلَكَ، ثُمَّ هذِهِ الآيَةَ ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾،\n_________\n(^١) كما أهلك الله قوم نوح وفرعون وقومه في زمن نوح وموسى لأنهم كذبوهما وتمادوا في الكفر فأهلكهم الله وطهر الأرض منهم وأقر عين أنبيائهم بهذا وأبدلهم خيرا منهم كما قضت الحكمة بذلك. والله أعلى وأعلم.\n\nالفصل الرابع في أعلام نبوته - ﷺ -. منها خاتم النبوة\n(^٢) أي في ذكر العلامات التي تدل على أن محمد - ﷺ - نبي الله ورسوله إلى العالمين.\n(^٣) الحجلة - كالعجلة - جمعها حجال وهي بيت كالقبة له عرى وأزرار كبار.\n(^٤) غدة، أي بضعة كبيضة الحمامة لونها أحمر، أو الشعر الذي يعلوها.","vol":"3","page":246},{"text":"قَالَ: ثُمَّ دُرْتُ خَلْفَهُ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عِنْدَ نَاغِضِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى (^١) جُمْعًا عَلَيْهِ خِيلَانٌ كَأَمْثَالِ الثَّآلِيلِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-698>ومنها إخبار الراهب برسالة ﷺ قبلها</span>\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ قَالَ: خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ (^٢) وَمَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قرَيْشٍ فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى الرَّاهِبِ (^٣) هَبَطُوا فَحَلُّوا رِحَالَهُمْ فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّاهِبُ، وَكَانُوا قَبْلَ ذلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلَا يَخْرُجُ وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ فَجَاءَ الرَّاهِبُ وَهُمْ يَحُلُّونَ رِحَالَهُمْ فَصَارَ يَتَخَلَلُهُمْ حَتَّى جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: هذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ هذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ بِهذَا؟ فَقَالَ: إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَقْتُمْ مِنَ الْعَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ إِلا خَرَّ سَاجِدًا (^٤).\n_________\n(^١) ناغض الكتف أي أعلاه، وقيل ما يظهر من عظمه عند التحرك. وقوله جمعا أي كصورة الكف بعد جمع أصابعه وضمها، ولا تنافي بين هذه النصوص فإن كلا أخبر بما ظهر له، والخيلان جمع خال وهي الغدة الصغيرة، والثآليل جمع ثألول وهي حبيبات تعلو الجسد فمن علامة النبوة في جسمه الشريف ﷺ أنه كان في أعلى ظهره من الجهة اليسرى غدة كقدر بيضة الحمامة تقريبا عليها حبيبات لونها أحمر أو عليها شعر أحمر، وهذه هي خاتم النبوة الذي ورد في الكتب السالفة والذي هو علامة على أنه نبي الله ورسوله إلى الناس كلهم ﷺ والله أعلم.\n\nومنها إخبار الراهب برسالته قبلها\n(^٢) كان لقريش رحلتان في السنة إحداهما للشام في الصيف والأخرى لليمن في الشتاء يجلبون منهما ما يحتاجونه، فلما جاء وقت خروجهم لرحلة الصيف وكان الخارج لبني هاشم أبا طالب رق لمحمد - ﷺ - الذي كان يربي في حجره وتعلق به النبي - ﷺ - وكان سنه حينذاك ثنتي عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة فقال أبو طالب والله لا يفارقني محمد ولا أفارقه أبدا فأخذه معه.\n(^٣) الراهب هذا اسمه جرجيس ولقبه بحيرا بفتح فكسر كان عالما بالنصرانية ومترهبا مشهورا، وهذا كان بحوران أول مدن الشام من جهة الحجاز.\n(^٤) وسجود الشجر ميلها أمامه وسجود الحجر دحرجته أمامه - ﷺ -.","vol":"3","page":247},{"text":"وَلَا يَسْجُدَانِ إِلا لِنَبِيَ وَإِنِّ أَعْرِفُهُ بخَاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غضْرُوفِ كَتِفِيهِ (^١) مِثْلَ التُّفَّاحَةِ ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَعِيَّةِ الْإِبِلِ قَالَ: «أَرْسِلُوا إِلَيْهِ»، فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ فَلَمَّا دَنَا مِنَ القَوْمِ وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوهُ إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ (^٢) فَلَمَّا جَلَسَ ﷺ مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ، فَقَالَ الرَّاهِبُ: انْظُرُوا إِلَى فَيْءٍ الشَّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يُنَاشِدُهُمْ (^٣) إِلا يَذْهَبُوا بِهِ إِلَى الرُّومِ فَإِنَّهُمْ إِذَا رَأَوْهُ عَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ فَيَقْتُلُونَهُ فَالْتَفَتَ فَإِذَا بِسْبَعَةٍ قَدْ أَقْبَلُوا مِنَ الرُّومِ فَاسْتَقْبَلَهُمْ (^٤) فَقَال: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا: جِئْنَا إِنَّ هذَا النَّبِيَّ (^٥) خَارِجٌ فِي هذَا الشَّهْرِ فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلا بُعِثَ إِلَيْهِ بِأُنَاسٍ وَإِنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ (^٦) بُعِثْنَا إِلَى طَريقِكَ هذَا فَقَالَ: هَلْ خَلْفَكُمْ أَحَدٌ هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: إِنَّمَا اخْتِرْنَا خِيَرَةً (^٧) لِطَرِيقِكَ هذَا قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَهُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ رَدَّهُ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَبَايَعُوهُ (^٨) وَأَقَامُوا مَعَهُ قَالَ (^٩): أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ قَالُو: أَبُو طَالِبٍ فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ حَتَّى رَدَّهُ أَبُو طَالِبٍ وَبَعَثَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ بِلَالًا وَزَوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنَ الْكَعْكِ وَالزَّيْتِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n_________\n(^١) أسفل من غضروف كتفه أي عظم كتفه، والغضروف والغرضوف - كعصفور - العظم، ثم نظر الراهب الخاتم فزاد يقينه.\n(^٢) أي ظلها.\n(^٣) يناشدهم أي يسألهم بالله ألا يسافروا به إلى الروم فيعرفونه بالصفة فيقتلونه، الصفة هي سجود الشجر والحجر له وخاتم النبوة في ظهره - ﷺ -:\n(^٤) أي بحيرا الراهب.\n(^٥) هذا النبي أي نبي الأميين وهو محمد ﷺ خارج من بلده في هذا الشهر.\n(^٦) خبره أي بخبره، وبعثنا خبر إن وما بينهما جملة حالية.\n(^٧) أي فنحن أفضل من أرسلوا من اليهود لمقابلته والتنكيل به.\n(^٨) فبايعوه أي النبي ﷺ وكتموا خبره وذلك بإرشاد الراهب الذي أضافهم وأكرم ضيافتهم.\n(^٩) قال أي الراهب لقريش، فلم يزل يناشد عمه ألا يسافر به حتى اقتنع ورجع به ومعهم بلال من قبل أبي بكر، وأتحفهم الراهب بالكعك والزيت=","vol":"3","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-699>ومنها تسليم الحجر والشجر عليه ﷺ </span>(^١)\n\n• عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالترْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: إِنَّ بِمَكَّةَ حَجَرًا كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ لَيَالِيَ بُعِثْتُ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ (^٢).\nوَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ فَخَرَجْنَا فِي بَعْضِ نَوَاحِيهَا فَمَا اسْتَقْبَلَهُ جَبَلٌ وَلَا شَجَرٌ إِلا وَهُوَ يَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (^٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-700>ومنها إخبار الجن والهواتف بالنبي ﷺ</span>\n• عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: مَا سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ لِشَيْءٍ قَطُّ إِنِّي لَأَظُنُّهُ كَذَا إِلا كَانَ كَمَا قَالَ (^٤) بَيْنَمَا عُمَرُ جَالِسًا إِذْ مَرَّ به رَجُلٌ جَمِيلٌ (^٥) فَقَالَ: لَقَدْ أَخْطَأَ ظَنِّي أَوْ إِنَّ هذَا\n_________\n= إكراما للنبي ﷺ. والمراد من هذا أن الراهب حينما رأى محمدًا ﷺ نزل إليهم وأخذ بيده وقال بصوت عال هذا سيد العالمين. هذا رسول رب العالمين، فكبر على قريش وقالوا أين لك هذا؟ قال رأيت الشجر والحجر يسجدان له ولا يسجدان إلا لنبي، وأزيدكم أن في جسمه خاتم النبوة وكشف عن ظهره فإذا الخاتم فيه وأكرمهم بالطعام، ولما جاء بعث الروم قابلهم وحاجهم حتى أقنعهم فبايعوه وكتموا الأمر ورجعوا إلى بلادهم، فالراهب لو لم يوقن بما يقول وأنه رآه في سالف الكتب ما فعل ذلك. نسأل الله التوفيق لحسن الاقتداء به ﷺ والعمل بشرعه الشريف آمين والله أعلم.\n\nومنها تسليم الحجر والشجر عليه - ﷺ -\n(^١) أي قبل البعثة إرهاصا لنبوته ﷺ.\n(^٢) لا تنافي بين هذه والتي قبلها فكان يسلم عليه - ﷺ - قبل البعثة وحين البعثة من باب أولى.\n(^٣) فكان الجبل والحجر والشجر كل منها يقول إذا مر عليه النبي ﷺ: السلام عليك يا رسول الله، وهذا إلهام وتمييز خلقه الله فيها إكرامًا للنبي ﷺ ولا غرابة قال الله تعالى في الحجارة» وإن منها لما يهبط من خشية الله» وقال تعالى ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا﴾.\n\nومنها إخبار الجن والهواتف بالنبي - ﷺ -\n(^٤) لأنه كان من الملهمين للحق ﵁.\n(^٥) هو سواد بن قارب.","vol":"3","page":249},{"text":"عَلَى دِينِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ لَقَدْ كَانَ كَاهِنَهُمْ، عَلَيَّ الرَّجُلَ (^١) فَدُعِيَ لَهُ فَجَاءَ فَقَالَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ اسْتُقْبِلَ بِهِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ (^٢)، قَالَ عُمَرُ: فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكَ إِلا مَا أَخْبَرْتَنِي (^٣)، قَالَ: كُنْتُ كَاهِنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: فَمَا أَعْجَبُ ما جَاءَتْكَ بِهِ جِنِّيَّتُكَ؟ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا يَوْمًا فِي السُّوقِ جَاءَتْنِي أَعْرِفُ فِيهَا الْفَزَعَ فَقَالَتْ: أَلَمْ تَرَ الْجِنَّ وَإِبْلَاسَهَا (^٤) وَيَأْسَهَا مِنْ بَعْدِ إِنْكَاسِهَا وَلُحُوقَهَا بِالْقِلَاصِ وَأَحْلاسِهَا، فَقَالَ عُمَرُ: صَدَقْتَ بَيْنَمَا أَنَا عِنْدَ آلِهَتِهِمْ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ بِعِجْلٍ فَذَبَحَهُ فَصَرَخَ بِهِ صَارِخٌ لَمْ أَسْمَعْ صَارِخًا قَطُّ أَشَدَّ صَوتًا مِنْهُ (^٥) يَقُولُ: يَا جَلِيحْ أَمْرٌ نَجِيحْ رَجُلٌ فَصِيحْ يَقُولُ لا إِلهَ إِلا اللَّهُ فَوَثَبَ الْقَوْمَ فَقُلْتُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَعْلَمَ مَا وَرَاءَ هذَا الصَّارِخِ ثُمَّ نَادَى: يَا جَلِيحْ أَمْرٌ نَجِيحْ رَجُلٌ فَصِيحْ يَقُولُ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ فَقُمْتُ فَمَا نَشِبْنَا أَنْ قِيلَ هذَا نَبِيٌّ ظَهَرَ (^٦).\nرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْفَضائِلِ فِي إِسْلَامِ عُمَرَ ﵁ وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَتِهِ آمِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) أي أحضروا الرجل ولقد أخطأ ظني فيه أو أصاب وهو إما على كفره أو كان كاهن قومه في الجاهلية، فلما سأله ظهر الثاني.\n(^٢) أي ما رأيت يوما سمع فيه رجل مسلم ما يؤلمه كاليوم. وفي رواية قد جاءنا الله بالإسلام فما لنا والجاهلية.\n(^٣) أي ألزمك أن تحدثني.\n(^٤) ألم تر الجن وإبلاسها أي ألم تنظر إلى الجن وخوفها، ويأسها من بعد إنكاسها أي ويأسها من استراق السمع من بعد انقلابها على رأسها بتتابع الشهب عليها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها أي ولحوق الجن لأصحاب الإبل وهم العرب ومتابعتهم لهم في الدين، والمراد ألم تنظر إلى الجن وما اعتراها من عظيم الهول بظهور النبي العربي الذي سيؤمن به الإنس والجن لأنه مرسل لكل الخلق ولكن للثقلين تكليفا ولغيرهما تشريفا.\n(^٥) قال عمر من هذا العجب ما رأيته يوما وأنا عند الأصنام حينما جاء رجل بعجل فذبحه لصنم منهن فسمعت صارخا بصوت شديد ما سمعت مثله قط ينادى الذابح للصنم بقوله: يا جليح أي يا عدو الله يا ظاهر العداوة، أمر نجيح أي هذا أمر ناجح وهو رجل فصيح يقول لا إله إلا الله هو محمد ﷺ ظهر ينادي بها، فوثب القوم وقاموا من هول هذا القول.\n(^٦) ولكني جلست حتى سمعته مرة ثانية ثم قمت، فما نشبنا أي ما لبثنا قليلا حتى قيل هذا نبي ظهر للناس وهو محمد ﷺ، فإخبار الجن وقول الهاتف بظهور النبي ﷺ حق لا شك فيه لأنهما ليسا من صنع الآدمي بل بخلق الله الذي أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا.","vol":"3","page":250},{"text":"<span data-type='title' id=toc-701>الفصل الخامس في الوحي والنبوة والرسالة </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ (^٢) ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-702>كيف كان ينزل الوحي على النبي ﷺ</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ: كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ (^٣)؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ فَيَفْصِمُ عَنِّي (^٤) وَقَدْ وعيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ» قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا (^٥). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ كُرِبَ لِذلِكَ وَتَرَبَّدَ وَجْهُهُ (^٧).\n_________\nالفصل الخامس في الوحي والنبوة والرسالة\n(^١) أي في بيان أحوال الوحي حينما كان ينزل على النبي ﷺ وفي ذكر حديث أول النبوة والرسالة.\n(^٢) وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا أي قرآنا من عندنا تحيا به النفوس كما تحيا بالأرواح نهدي به من أحببناه من العباد ومن هذا قول الله تعالى ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ صدق الله العظيم.\n\nكيف كان ينزل الوحي على النبي - ﷺ -\n(^٣) أي جبريل ﵇.\n(^٤) فيفصم أي ينفصل ويذهب عني.\n(^٥) أي يتصبب بالعرق.\n(^٦) ولكن البخاري في أول كتابه والآخران هنا.\n(^٧) أي ظهرت عليه شدة وتغير وجهه من ثقل الوحي.","vol":"3","page":251},{"text":"• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ نَكَسَ رَأْسَهُ ونَكَسَ أَصْحَابُهُ رُؤُوسَهُمْ فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ (^١) رَفَعَ رَأْسَهُ. رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-703>أول نزول الوحي بالنبوة والرسالة</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ (^٢) ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ (^٣) وكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ - أَيْ يَتَعَبَّدُ - فِيهِ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِع إِلَى أَهْلِهِ (^٤) وَيَتَزَوَّدُ لِذلِكَ (^٥)، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى جَاءَهُ\n_________\n(^١) وفي رواية: فلما أتلى عنه وفي أخرى فلما سرى عنه ومعناهما واحد أي لما تركه رفع رأسه ومعنى ما تقدم أن جبريل ﵇ كان يجيء للنبي - ﷺ - بحالتين إحداهما في صورة رجل ذي هيئة له لحية وعليه ملابس نظيفة كأنه دحية الكلبي فيكلم النبي - ﷺ - بما أمر به ويذهب، وهذه حال سهلة على النبي - ﷺ - لأنه في صورة آدمي مثله، والأخرى يجيئه غير ظاهر ولكنه يسمع صوتًا كصلصلة الجرس إذا وقع على شيء صلب كحجر، وهذه كانت شديدة على النبي - ﷺ - حتى كان يتغير وجهه ويمتلئ جبينه بالعرق ولو كان البرد شديدا، وكان النبي ﷺ في هذه الحال ينكس رأسه ويتبعه الأصحاب إن كانوا معه ويتحرك لسانه وشفتاه بتلقي الوحي وعلى كل كان يعي ما يلقيه عليه ويحفظه تماما - ﷺ -، بقي من أنواع الوحي الرؤيا المنامية وستأتي في أول نزول الوحي والإلهام القلبي لحديث» إن روح القدس نفث في رُوعى لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب» ولقول الله جل شأنه» وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا» في المنام والإلهام» أو من وراء حجاب» كما كلم موسى ﵇» أو يرسل رسولا» كجبريل ﵇» فيوحي بإذنه ما يشاء إنه عليّ حكيم» صدق الله العظيم والله أعلى وأعلم.\n\nأول نزول الوحي بالنبوة والرسالة\n(^٢) في الوضوح لأنها وحي من الله تعالى.\n(^٣) أي حبب الله له أن يختلى عن الناس في غار جبل حراء على ثلاثة أميال من مكة فيتحنث فيه أي يعبد ربه على دين أبيه إبراهيم ﵉ ويتفكر في مصنوعات الله استعدادا للوحي الإلهي، وهذا أصل الخلوة التي اتخذها الصوفية عند إرادة الوصول إلى ملك الملوك جل شأنه.\n(^٤) أي يرجع لهم.\n(^٥) ويتزود لذلك أي يأخذ الزاد للاختلاء فإذا فرغ رجع إلى خديجة ﵂ فتزود ورجع لخلوته.","vol":"3","page":252},{"text":"الْحَقُّ (^١) وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ اقْرَأْ قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي (^٢) حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. فَرَجَعَ بِهَا (^٣) النَّبِيُّ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ (^٤) بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂ فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي (^٥) فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كلا (^٦) وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةُ (^٧) وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ\n_________\n(^١) الحق والملك هو جبريل ﵇ نزل عليه يوم الاثنين لسبع عشرة من شهر رمضان وهو ابن أربعين سنة - ﷺ -. وقوله الآتي قلت: ما أنا بقارئ انتقال من الغيبة إلى التكلم.\n(^٢) فأخذني فغطني أي ضمني إلى صدره وعصرني حتى بلغ مني الجهد أي المشقة، فعل بي هذا ثلاث مرات ثم أرسلني فقال اقرأ باسم ربك، إلى الأكرم.\n(^٣) فرجع بها أي بهذه الآيات يرجف فؤاده أي يضرب قلبه، وفي رواية: ترجف بوادره جمع بادرة وهي صفحة العنق من هول رؤية الملك الذي لم يره من قبل هذا.\n(^٤) وهي زوجته التي لم يتزوج عليها حتى ماتت ﵂، وسيأتي فضلها في الفضائل إن شاء الله.\n(^٥) زملوني أي غطوني بالثياب فزملوه حتى ذهب عنه الروع أي الخوف، وأخبرها الخبر جملة حالية بين القول ومقوله أي قال لخديجة في حال إخباره لها بما رآه لقد خشيت على نفسي أي الهلاك مما رأيت كأنه شيطان مارد.\n(^٦) فقالت خديجة كلا أي لا تقل هذا فإنك محفوظ بعناية الله تعالى لأنك تصل رحمك وتحمل الكل أي تعين الضعيف، وتكسب المعدوم أي تكسب الناس المعدوم عندهم كالمروءة والنجدة ومكارم الأخلاق، وتكرم الضيف، وتعين على نوائب الحق أي تفرج عن الناس الكروب والشدائد لأنها من عند الله تعالى. وفي رواية. وتصدق الحديث.\n(^٧) فذهبا إلى ابن عم خديجة =","vol":"3","page":253},{"text":"فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَبَرِ ما رَأَى فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هذَا النَّامُوسُ (^١) الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ.\nوَقَالَ جَابِرٌ ﵁ وَهُوَ يحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَرفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيَ (^٢) بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَرُعِبْتُ مِنْهُ فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَأَنْزَلَ\n_________\n= وهو ورقة بن نوفل وكان رجلا طاعنًا في السن ويعرف الكتب السالفة والكتابة العبرية فضلا عن العربية، فله إلمام كبير بملمات الدهر.\n(^١) فلما ذهبا إليه وسمع من النبي ﷺ قال له هذا الناموس أي صاحب السر الإلهي الذي كان يتنزل على الأنبياء قبلك وسيعود لك فيأمرك بالرسالة، ثم قال يا ليتني فيها أي مدة الرسالة جذعًا أي شابًا قويا ليتني أكون حيًا حينما يخرجك قومك من بلدك هذا، فعجب النبي - ﷺ - من قوله هذا لأنه يرى نفسه الآن محبوبًا بينهم بل كان مشهورا بالصادق الأمين، ورد على ورقة بقوله هل سيخرجني قومي؟ قال نعم لم يأت رجل قط بالرسالة إلا عاداه قومه ولكنى لو عشت وأدركت رسالتك لنصرتك نصرًا مؤزرا أي نصرا قويًا عزيزا، فلم ينشب ورقة أن توفي، أي لم يلبث بعد هذه الجلسة إلا زمنا قليلا ثم مات إلى رحمة الله طاويًا في قلبه نصر النبي - ﷺ - ودينه القويم، وفتر الوحي أي لم ينزل جبريل على النبي - ﷺ - بعد هذه المرة إلا بعد ثلاث سنين أو سنتين ونصف ليزداد شوقه إليه ويقبل بكليته عليه.\n(^٢) فبعد فترة الوحي كان النبي - ﷺ - يمشي إذ سمع قائلا من السماء يقول يا محمد فنظر فإذا هو جبريل على كرسي في الهواء فخاف منه فرجع إلى بيته فقال. زملوني ففعلوا حتى ذهب خوفه فأنزل الله تعالى» ياأيها المدثر» أي المتلفف بالثياب» قم فأنذر» أي الناس» وربك فكبر» أي عظمه» وثيابك فطهر» أي من النجاسات وقصرها عن الأرض» والرجز فاهجر» أي اهجر الأصنام ولا تعبدها، فحمى الوحي وتتابع، أي صار ينزل كثيرا.","vol":"3","page":254},{"text":"اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ فَحَمِيَ الْوحْيُ وَتَتَابَعَ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ يَحْيَى ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: يأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، فَقُلْتُ: أَوِ اقْرَأْ، قَا سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: يأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، فَقُلْتُ: أَوِ اقْرَأْ، قَالَ جَابِرٌ: أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَا «جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا (^١) فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي نَزَلْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ الْوَادِيَ فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا جِبْرِيلُ عَلَى الْعَرْشِ في الْهَوَاءِ فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ فَأَتَيْتُ خَدِيجَةُ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي فَدَثِّرُونِي فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ ﴿يأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ آمِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) جاورت بحراء شهرا أي أقمت فيه أعبد الله شهرا ثم أردت الذهاب إلى بيتي لأنظر مصلحته فخرجت من الغار فسرت حتى استبطنت الوادي، أي صرت في بطنه في الطريق ناداني مناد مرات فنظرت فإذا هو جبريل ﵇ على العرش أي الكرسي في الهواء فرعبت منه فأسرعت إلى بيتي فقلت دثروني أي غطوني بالملابس حتى يذهب خوفي فدثروني فصبوا عليّ ماء لإطفاء حرارة الخوف والهم فأنزل الله تعالى على نبيه هذه الآيات التي تأمره بتبليغ الرسالة، فثبتت رسالته من هنا، وأما النبوة فمن نزول جبريل عليه في الغار بقوله ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ ولا منافاة بين حديث جابر هذا وحديث عائشة فإن ﴿ياأيها المدثر﴾ أول ما أنزل للرسالة، و» اقرأ باسم ربك» أول ما نزل للنبوة على صاحبهما أفضل الصلاة والسلام.","vol":"3","page":255},{"text":"<span data-type='title' id=toc-704>عمر النبي ﷺ ومدة رسالته </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَرْبَعِينَ سَنَةً (^٢) فَمَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيْهِ ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ أَيْ إِلَى المَدِينَةِ فَهَاجَرَ إِلَيْهَا وَأَقَامَ بِهَا عَشْرَ سِنِينَ وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً (^٣). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَقَالَ أَنَسٌ ﵁: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَأَبُو بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَعُمَرُ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ (^٤). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: تُوُفِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.\nوَقَالَ جَرِيرٌ ﵁: كُنَّا قُعُودًا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ فَذَكَرُوا سِنِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً وَمَاتَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَقُتِلَ عُمَرُ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَأَنَا ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ (^٥). رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\nعمر النبي - ﷺ - ومدة رسالته\n(^١) فعمر النبي - ﷺ - من ولادته إلى موته ثلاث وستون سنة هلالية، ومدة الرسالة من وقت أن كلف بها إلى موته ﷺ عشرون سنة هلالية.\n(^٢) بعث لأربعين سنة أي نزل الوحي عليه وهو ابن أربعين سنة، وإلا فبعثته بالرسالة لثلاث وأربعين، وبقي بمكة ثلاث عشرة سنة ثم هاجر للمديند فأقام بها عشر سنين ثم انتقل إلى الرفيق الأعلى.\n(^٣) هذا باحتساب سنة الولادة وسنة الوفاة، وما قبله القائل بثلاث وستين لم ينظر إلى هاتين السنتين بل احتسب السنين الكاملة فقط، فلا تعارض بينهما.\n(^٤) فيه إشعار بفضلهما على الناس وقربهما من النبي ﷺ.\n(^٥) فكأن معاوية ﵁ بهذا يشعر بقرب وفاته ويرجو القرب من النبي - ﷺ - وصاحبيه العظيمين رضي الله عن الجميع وحشرنا في زمرتهم آمين، والحمد لله رب العالمين.","vol":"3","page":256},{"text":"<span data-type='title' id=toc-705>الفصل السادس في الإسراء</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ (^١) ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.\n\n• عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ (^٢) وَذَكَرَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَلْأَى حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ الْبَطْنِ ثُمَّ غُسِلَ الْبَطْنُ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمانًا (^٣)» وَأُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ دُونَ الْبَغْلِ وَفوْقَ الْحِمَارِ الْبُرَاقُ (^٤) فَانْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا (^٥) قِيلَ: مَنْ هذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَأَتَيْتُ عَلَى آدَمَ فَسَلَّمْتُ\n_________\nالفصل السادس في الإسراء\n(^١) أي تنزه ربنا جل شأنه الذي أسرى بعبده محمد - ﷺ - من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في أرض الشام المباركة لينظر من الآيات الكونية ما يزيد في إيمانه ومعجزاته ﷺ.\n(^٢) بين النائم واليقظان أي آخذا من كل طرفًا فجاءوه فأيقظوه، وذكر بين الرجلين أي كان نائما بين عمه حمزة وابن عمه جعفر.\n(^٣) الفاعل لهذا جبريل وميكائيل وإسرافيل كما تقدم في شق صدره، وهذه هي المرة الرابعة، وقبلها ثلاث: عند حليمة السعدية، وعند البلوغ، وعند البعثة، وهذا لزيادة التطهير وملئه بالإيمان والحكمة ﷺ.\n(^٤) فبعد ما تقدم جاءوا بالبراق الذي كان يركبه الأنبياء قبل النبي - ﷺ - وهو حيوان أبيض أعلى من الحمار وأقل من البغل له جناحان في جنبيه ويضع حافره عند منتهي طرفه، إذا انحدر طالت يداه وإذا صعد طالت رجلاه ليكون ظهره مستويا دائما، فركبه النبي - ﷺ - وسار معه جبريل وميكائيل حتى وصلوا لبيت المقدس فنزل النبي ﷺ عن البراق ودخل المسجد فوجد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليهم وسلم في انتظاره فصلى بهم ركعتين إمامًا إشارة إلى أنه ﷺ أفضلهم وأكرمهم على الله تعالى.\n(^٥) بعد صلاته مع الأنبياء - ﷺ - نصب له المعراج وهو سلم له درجات بعدد السموات، فمن استقر على درجة رفعته إلى الأخرى أسرع من طرفة العين =","vol":"3","page":257},{"text":"عَلَيْهِ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنَ ابْنٍ وَنَبِيَ (^١). وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَإِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ (^٢) وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ قُلْتُ: مَنْ هذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هذَا آدَمُ وَهذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَالَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِه ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِ بَكَى. فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ قِيلَ: مَنْ هذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ (^٣) فَأَتَيْتُ عَلَى عِيسى وَيَحْيى فَقَالَا: مَرْحَبًا بِكَ مَنْ أَخٍ وَنَبِيَ (^٤). فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ قِيلَ: مَنْ هذَا؟ قِيلَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَأَتَيْتُ عَلَى يُوسُفَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيَ (^٥). فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ قِيلَ: مَنْ هذَا؟ قِيلَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ: مُحَمَّدٌ،\n_________\n= فصعد عليه النبي ﷺ ومعه جبريل إلى السماء الدنيا فاستفتح جبريل من خازن السماء فقال خازن السماء من هذا؟ قال أنا جبريل. قال ومن معك؟ قال محمد. قال وهل أرسل الله إليه؟ قال نعم. قال مرحبا به أي أتى مكانا رحبا أي واسعا يفرح به أهله، ولنعم مجيئه هذا لرب العالمين، ثم فتح لهما باب السماء فدخلا.\n(^١) فلما دخل النبي - ﷺ - وجبريل سارا في السماء فلقيا آدم ﵇ فسلم عليه النبي ﷺ فرد عليه وقال مرحبا بك من ابن ونبي أي أرحب بك لأنك ابني ونبي.\n(^٢) عن يمينه أسودة جمع سواد كأفئدة وفؤاد أي عن يمينه ناس كثير مجتمعون يظهرون من بعد كالسواد، والنسم جمع نسمة وهى الروح، فالأرواح السعيدة عن يمين آدم ﵇ إذا نظر لهم فرح وضحك والأشقياء عن يساره إذا نظرهم حزن وبكى لأن الكل بنوه يفرح لهم ويحزن عليهم - ﷺ -.\n(^٣) القول فيه كالذي قبله.\n(^٤) فلما دخلا السماء الثانية وسارا فيها وجدا عيسى ويحيى ابن خالته ﵉ فسلم عليهما النبي - ﷺ - فردا عليه وقالا مرحبا بك من أخ ونبي.\n(^٥) وفي رواية: فإذا هو قد أعطى شطر الحسن صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم وحشرنا في زمرتهم آمين.","vol":"3","page":258},{"text":"قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قِيلَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَأَتَيْتُ عَلَى إِدْرِيسَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِهِ مِنْ أَخٍ وَنَبِيَ. فَأَتيْنَا السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ قِيلَ: مَنْ هذَا؟ قِيلَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْنَا عَلَى هَارُونَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيَ. فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّادِسَةَ قِيلَ: مَنْ هذَا؟ قِيلَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ مَرْحبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسى فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبيَ فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ بَكَى (^١) فَقِيلَ: مَا أَبْكَاكَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ هذَا الْغُلَامُ الَّذِي بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَفْضَلُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي. فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّابِعَةَ قِيلَ: مَنْ هذَا؟ قِيلَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أَرْسِلَ إِلَيْهِ؟ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمجِيءُ جَاءَ فَأَتيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنَ ابْنِ وَنَبِيَ فَرُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ (^٢) فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ: هذَا\n_________\n(^١) فلما جاوزه النبي - ﷺ - بكى فقال الله له ما أبكاك؟ قال يا رب هذا الغلام الذي بعث بعدي (محمد - ﷺ -) يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل من أمتي فهو يبكي لا حسدا منه للنبي ﷺ ولكنه يبكي على قلة أتباعه نظرا لكثرة أتباع النبي ﷺ فإنه أكثر الأنبياء تابعًا لأنه أرسل لجميع الخلق وشرعه باق ما دامت الدنيا، وقوله الغلام ليس تحقيرا للنبي - ﷺ - بل على عادة العرب من تسمية الرجل البالغ في السن غلاما ما دام فيه شيء من قوة.\n(^٢) فرفع لي البيت المعمور بكثرة الملائكة أي كشف لي عنه فرأيته واضحا وهو بيت في السماء السابعة تحجه ملائكتها كل يوم يدخله سبعون ألف ملك يصلون فيه ويخرجون ولا يعودون إليه، ففيه دليل على كثرة الملائكة إلى حد لا يعلمه إلا الله لقوله تعالى ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو﴾ ولحديث» أطت السماء وحق لها أن تئط ما من موضع قدم إلا وفيه ملك راكع لله أو ساجد» وفي كل سماء بيت لأهلها يحجونه أولها في السماء الدنيا وهو بيت العزة وآخرها في السابعة وهو البيت المعمور وكلها بحذاء الكعبة المشرفة التي هي بيت الله لحج أهل الأرض حفظها الله تعالى.","vol":"3","page":259},{"text":"الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرُ مَا عَلَيْهِمْ وَرُفِعَتْ لِيَ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى (^١) فَإِذَا نَبِقْهُا كَأَنَّهُ قِلَالُ هَجَرَ وَوَرَقُهَا كَأَنَّهُ آذَانُ الْفُيُولِ فِي أَصْلِهَا أَرْبَعَة أَنْهَارٍ نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَفِي الْجَنَّةِ وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُراتُ (النِّيلُ بِأَرْضِ مِصْرَ وَالْفُرَاتُ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ). وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ (^٢) ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً (^٣) فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جِئْتُ مُوسى فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟\n_________\n(^١) وكشف لي عن سدرة المنتهى أي التي ينتهي إليها على الخلائق ولم يجاوزها إلا النبي - ﷺ - وهي شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، نبقها أي ثمرها كقلال هجر جمع قلة وهي الجرة العظيمة، وهجر بلد معروف لهم، وورقها كآذان الفيول جمع فيل أي في الشكل والاستدارة فقط، وإلا فالورقة منها تغطى الجبل. وقوله في أصلها أربعة أنهار أي يتفجر من تحتها أربعة أنهار اثنان في الجنة والآخران الفرات بالعراق والنيل بأرض مصر أي البركة فيهما من أصل سدرة المنتهى أو بعض مائهما من أصلها، فلا ينافي أن السحب تحمل ماء البحر الملح وتلقيه في أصولهما كما هو مشاهد.\nوفي رواية» فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، غشيها ألوان لا أدري ما هي» ولمسلم والترمذي:» لما أسري برسول الله ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها» قال تعالى ﴿إذ يغشى السدرة ما يغشى﴾ قال مراش من ذهب (طائر ذو جناحين) قال فأعطى رسول الله - ﷺ - ثلاثا أعطى الصلوات الخمس وأعطى خواتيم سورة البقرة وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات» أي الذنوب، فصريح هذا أن سدرة المنتهى في السماء السادسة، وظاهر ما قبله أنها في السابعة ولا تنافي بينهما فأصلها في السادسة وتمتد في العلو إلى ما شاء الله.\n(^٢) ثم علا النبي - ﷺ - بعد السموات السبع وبعد سدرة المنتهى حتى وصل إلى مكان سمع فيه صريف الأقلام أي صوت كتابتها للمقادير، والظاهر أن هذا عند الكرسي واللوح والقلم بقرب عرش الرحمن جل شأنه.\n(^٣)» ثم فرضت عليه خمسون صلاة أي كلمه الله تعالى وأوحى إليه ما أوحى من العلوم والأسرار وفرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة في اليوم والليلة فعاد النبي ﷺ ومر على إبراهيم ﵇ فلم يسأله لأنه خليل الرحمن من شأنه التسليم فمرّ على موسى فسأله لأنه كليم الرحمن=","vol":"3","page":260},{"text":"قُلْتُ: فَرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِالنَّاسِ مِنْكَ عَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ وَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ فَرَجَعْتُ فَسَأَلْتُهُ فَجَعَلَهَا أَرْبَعِينَ ثُمَّ مِثْلَهُ ثُمَّ ثَلَاثِينَ ثُمَّ مِثْلَهُ فَجَعَلَ عِشْرِينَ ثُمَّ مِثْلَهُ فَجَعَلَ عَشْرًا فَأَتَيْتُ مُوسى فَقَالَ مِثْلَه فَجَعَلَهَا خَمْسًا فَأَتَيْتُ مُوسى فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: جَعَلَهَا خَمْسًا فَقَالَ مِثْلَهُ قُلْتُ: سَلَّمْتُ بِخَيْرٍ فَنُودِيَ إِنِّي قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي وَأَجْزِي الْحَسَنَةَ عَشْرًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَدْءٍ الْخَلْقِ وَمُسِلْمٌ فِي الْإِيمَانِ وَعِبَارَتُهُ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي ﵎ وَبَيْنَ مُوسى ﵇ حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ فَذلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَمَّا كَذَّبَتْنِي قرَيْشٌ فِي الْإِسْرَاءِ قمْتُ فِي الْحِجْرِ فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ فَسَأَلَتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ لَمْ أُثْبِتْهَا فَكُرِبْتُ كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ فَرَفَعَهُ\n_________\n= فلما علم بأن الفريضة خمسون قال أنا أعلم بالناس منك عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة على ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي فما قدروا عليهما، ارجع إلى ربك فسله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك لأنها أقصر الأمم أعمارًا وأضعفها أجسامًا فرجع النبي - ﷺ - وسأل ربه التخفيف فحط عنه عشرا، فرجع إلى موسى ﵇ فسأله فأخبره، قال ارجع إلى ربك فسله التخفيف فما يزال يتردد بين موسى ﵇ وبين ربه جل شأنه حتى صارت الفرائض خمسًا فقال موسى ﵇ ارجع إلى ربك فسله التخفيف فقال سلمت بخير أي بهذا الفرض الذي هو خير، وبينما هما واقفان معًا سمعا النداء من قبل الله تعالى» إني قد أمضيت فريضتي وخففتها عن عبادى وأجزيهم على الفرض عشرة» وفي رواية:» ما يبدل القول لدى وما أنا بظلام للعبيد».","vol":"3","page":261},{"text":"اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلا أَنبَأْنُهُمْ بِهِ (^١) وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ (^٢) فَإِذَا مُوسى قَائِمٌ يُصَلِّي فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةً وَإِذَا عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ قَائِمٌ يُصَلِّي أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقْفِيُّ وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ قَائِمٌ يُصَلِّي أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ يَعْنِي نَفْسَهُ ﷺ فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَممْتُهُمْ فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ قائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ هذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ». رَوَاهُما مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الإِيمَانِ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنَا الْإِيمَانَ الْكَامِلَ آمِينَ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n(^١) ففي صباح الإسراء أخبر النبي ﷺ قومه به فأنكروه وعجبوا من قوله وصار بعضهم يضع يده على رأسه وبعضهم يصفق استهزاء به، وقالوا نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس شهرا وأنت تزعم أنك ذهبت إليه وعدت في ليلة واحدة، إن هذا لشيء عجاب، ثم قال قائل منهم أحضروا صاحبه أبا بكر فليسمع قوله، فجاء أبو بكر فسمع منه - ﷺ - فقال: صدقت صدقت والله إنى أصدقه ولو جاء بخبر السماء. فلهذا سمي» أبو بكر الصديق» ﵁ وأخيرا قالوا له: يا محمد إنا نعرف أوصاف بيت المقدس نصفه لنا إن كنت ذهبت له، وكان اجتماعهم هذا بجوار الكعبة في حجر إسماعيل ﵇ فكشف الله عن نبيه محمد - ﷺ - حتى رأي بيت المقدس كأنه أمامه ينظر إليه فصار النبي ﷺ يجيبهم عن كل سؤال من أوصافه وأبوابه وجهاته وغيرها حتى قالوا آخرا أما النعت فقد أصاب فيه، ولكنهم لم يؤمنوا لأنهم قد ختم على قلوبهم إلا من سبقت له السعادة فآمن وازداد إيمانًا كأبي بكر ﵁ وأرضاه.\n(^٢) وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء أي في بيت المقدس عرفت منهم موسى بن عمران قائما يصلى، جسمه ضرب أي خفيف شعره جعد كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى بن مريم قائما يصلى أشبه الناس به عروة بن مسعود ورأيت فيهم إبراهيم ﵇ قائما يصلى وهو يشبه صاحبكم يعني النبي ﷺ، وحان وقت الصلاة فأذن جبريل ﵇ وصلى بهم النبي ﷺ إمامًا وبعد الصلاة جاءه مالك خازن النار فسلم على النبي ﷺ، ففيه أن النبي ﷺ أفضل الخلق كلهم قال اللقاني ﵁:\nوأفضل الخلق على الإطلاق … نبينا فمل عن الشقاق","vol":"3","page":262},{"text":"<span data-type='title' id=toc-706>الفصل السابع في الهجرة </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾ (^٢) ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ﴾ (^٣) ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ الْإِسْلَامِيَّ (^٤) وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرَفَي النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ خَرَجَ أَبو بَكْرٍ مُهَاجِرًا نَحْوَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ حَتَّى بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ (^٥) لَقِيَهُ ابْنُ الدُّغُنَّةِ وَهُوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي فَأُرِيدُ\n_________\nالفصل السابع في الهجرة\n(^١) أي في سبب الهجرة وبيانها، وهي هنا انتقال النبي ﷺ من مكة إلى المدينة وبصحبته أبو بكر ﵁.\n(^٢) أي اذكر يا محمد إذ يمكر بك الذين كفروا وهم أهل مكة، وقد اجتمعوا في دار الندوة وتشاوروا في أمرك ليثبتوك أي يوثقوك ويحبسوك في بيت، وهذا ما رآه بعضهم ولكنهم زيفوه، أو يخرجوك من مكة أي يوثقوك على ظهر راحلة ويتركوها في الصحاري بين الجبال وهذا رأي آخر وزيفوه، أو يقتلوك كلهم قتلة رجل واحد، وهذا ما اتفقوا عليه وأضمروه وأخروا تنفيذه إلى الليل، ويمكرون أي بك ويمكر الله بهم بإخبارك بصنيعهم وأمرك بالخروج ليلا إلى الغار، فكان لك الفوز والظفر ولهم الخيبة والفشل.\n(^٣) إلا تنصروه أي محمدًا - ﷺ - فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا أي ألجأوه إلى الخروج فخرج بأمر الله ثاني اثنين أي أحد اثنين، والثاني أبو بكر ﵁ فوصلا إلى الغار في جبل ثور فدخلاه وكان يقول لأبي بكر لما رأى أقدام الكفار على باب الغار في صباح الليلة الأولى لا تحزن إن الله معنا، أي بنصره فأنزل الله سكينته على رسوله أي وصاحبه، وأيده بجنود خفية وخذل الكفار ودعوتهم ونصر النبي - ﷺ - ودينه نصرًا عظيما.\n(^٤) أي يتمسكان به.\n(^٥) إقليم باليمن على ساحل البحر بينه وبين مكة خمس ليال.","vol":"3","page":263},{"text":"أَنْ أَسِيحَ فِي الْأَرْضِ وَأَعْبُدَ رَبِّي. قَالَ ابْنُ الدّغُنَّةِ (^١): فَإِنْ مِثْلكَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ إِنَّكَ تُكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوائِبِ الْحَقِّ فَأَنَا لَكَ جَارٌ (^٢) فَارْجِعَ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِكَ، فَرَجَعَ وَارْتَحَلَ مَعَهُ ابْنُ الدُّغْنَّةِ فَطَافَ ابْنُ الدُّغُنَّةِ عَشِيَّةً فِي أَشْرَافِ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلَا يُخْرَجُ أَتَخْرِجُونَ رَجُلًا يُكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَيَصِلُ الرَّحِمَ وَيَحْمِلُ الْكَلَّ وَيَقْرِي الضَّيْفَ وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، فَلَمْ تُكَذِّبْ قُرَيْشٌ بِجِوَارِ ابْنِ الدُّغْنَّةِ (^٣) وَقَالُوا لَهُ: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَلْيُصَلِّ فِيهَا وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ وَلَا يُؤْذِينَا بِذلِكَ وَلَا يَسْتَعْلِنْ بِهِ فَإِنَّا نَخْشى أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، فَقَالَ ذلِكَ ابْنُ الدَّغِنَّةِ لِأَبِي بَكْرٍ فَلَبِثَ أَبُو بَكْرٍ بِذلِكَ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِصَلَاتِهِ وَلَا يَقْرأُ فِي غَيْرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ (^٤) فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَنْقَذِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَعْجَبُونَ مِنْهُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَفْزَعَ ذلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَّةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ بِجِوَارِكَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَقَدْ جَاوَزَ ذلِكَ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ فَأَعْلَنَ بِالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ فِيهِ\n_________\n(^١) الدغنة بضمتين وتشديد الدال والنون وبفتح فكسر. إنك تكسب المعدوم إلى آخره بيان هذه الكلمات تقدم في حديث بدء النبوة والرسالة.\n(^٢) أي ضامن وناصر.\n(^٣) أي رجعت عن أذى أبي بكر لانضمام ابن الدغنة إليه ونصره له.\n(^٤) ثم بدا لأبي بكر أي ظهر له أن يبني في ساحة داره مسجدا فبناه وصار يعبد ربه ويقرأ القرآن فيه ويبكي، فكانت نساء الكفار وأبناؤهم تنقذف أي تجتمع عليه فتسمع منه وتعجب له.","vol":"3","page":264},{"text":"وَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا فَانْهَهُ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ وَإِنْ أَبى فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ (^١) فَإِنَّا قَدْ كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لِأَبِي بَكْرٍ الاِسْتِعْلَانَ، فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَّةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ مَا عَاقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذلِكَ وَإِمَّا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيَّ ذِمَّتِي فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنِّي أَرُدُّ لَكَ جِوَارَكَ وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ ﷿ (^٢) وَالنَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ: «إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ وَهُمَا الْحَرَّتَانِ فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ قِبَلَ الْمَدِينَةِ» فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلَى رِسْلِكَ (^٣) فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلْ تَرْجُو ذلِكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَصْحَبَهُ وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ وَهُوَ الْخَبَطُ أَرْبَعَةَ أَشْهَرٍ.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ (^٤) فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ». رَوَاهُمَا\n_________\n(^١) فسله يرد لك ذمتك أي جوارك وضمانك له فإنا نكره أن نخفرك أي ننقض عهدك.\n(^٢) فلما قال ابن الدغنة لأبي بكر إما أن تقتصر على دارك وإما أن ترد لي جواري، قال له أبو بكر إني أرد لك جوارك وأرضى بجوار الله وضمانه وحفظه فتركه ابن الدغنة وذهب وبقي أبو بكر ﵁ محفوظا برعاية الله حتى هاجر مع النبي - ﷺ -.\n(^٣) على رسلك أي تمهل ولا تعجل، وقوله بأبي أنت وأمى أي أفديك بهما. وقوله ورق السمر هو شجر معلوم عندهم، وورقة يسمى خبطا لسقوطه بالخبط وهو أحسن علف للمواشي.\n(^٤) رأيت في النوم أني أهاجر إلى أرض بها نخل فذهب وهلي أي ظننت أنها اليمامة أو هجر، ولكن تبين أنها يثرب أي المدينة، واليمامة مدينة من اليمن على مرحلتين من الطائف، وهجر بلد من البحرين فيها مساكن عبد القيس.","vol":"3","page":265},{"text":"الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ يَوْمًا فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ (^١) قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ هذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَقَنِّعًا، فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا فَقَالَ أَبو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هذِهِ السَّاعَةِ إِلا أَمْرٌ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ» فَقَالَ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ» (^٢) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصَّحَابَةَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَعَمْ»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَخُذْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بِالثَّمنِ». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَبَّ الْجِهَازِ وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ (^٣) فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ أُخْتِي قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الْجِرَابِ بِذلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقِ (^٤)، قَالَتْ ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ (^٥) يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ شَابٌ ثَقِفٌ لَقِنٌ (^٦) فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ فَيُصْبِحُ مَع قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ بِهَا فَلَا يَسْمَعُ بِأَمْرٍ يُكَادَانِ بِهِ إِلا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ (^٧)\n_________\n(^١) في نحر الظهيرة أي شدة الحر، ومتقنعًا أي مغطيا رأسه وأكثر وجهه وكانت من عاداتهم.\n(^٢) في الخروج أي الهجرة، والصحابة أي لي أي أنا صاحبك فيها قال نعم.\n(^٣) أي شوينا لهما شاة ووضعناها في جراب.\n(^٤) النطاق ويقال منطق: ما يشد به الوسط فوق الملابس تلبسه المرأة عند أشغالها، وأول من لبسه هاجر أم إسماعيل ﵍ ويسمى الحزام. وفي رواية: أنها شقت نطاقها شقتين فربطت بإحداهما على الزاد وبالأخرى على فم السفرة فسميت ذات النطاقين.\n(^٥) كمنا أي مكثا.\n(^٦) ثقف لقن أي حاذق سريع الفهم، فيدلج أي يخرج، يكادان وفي نسخة يكتادان فكان عبد الله يذهب العشاء فيبيت معهما ولا يسمع بأمر يراد منه الكيد لهما إلا خفظة وبلغه لهما ثم يقوم بغلس فيرجع لمكة كبائت بها.\n(^٧) وكان عامر يرعى أغنام أبي بكر بجوار الغار وينام =","vol":"3","page":266},{"text":"مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلٍ وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرضيفِهِمَا حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرٌ بِغَلَسٍ يَفْعَلُ ذلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ. وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا (^١) قَدْ غَمَسَ حِلْفًا فِي آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلَاثٍ وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فَهَيْرَةَ وَالدَّلِيلُ فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلَ.\nقَالَ سُرَاقَةَ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيُّ جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ يَجْعَلونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ دِيَةَ كلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (^٢) لِمَنْ قَتَلَهُ أَوْ أَسَرَهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ مَعَ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ أُرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ. قَالَ سُرَاقة: فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ فَقُلْتُ إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ وَلكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلَانًا انْطَلَقُوا بِأَعْيُنِنَا (^٣)\n_________\n= بها على بابه، فيبيت النبي - ﷺ - وأبو بكر في رسل أي في سعة من الطعام بتقديم لبن الغنم لهما في إناء خزف حمي بالشمس أو فيه الرضيف وهو الحجارة المحماة بالشمس لتذهب وخامة اللبن وثقله، حتى ينعق أي يصيح بها عامر بغلس، فيسمعه النبي - ﷺ - وأبو بكر وهذا كالأمن لهما، وقال أبو بكر ﵁ وهما في الغار والكفار على بابه يبحثون عنهما، يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما، وفيه نزلت الآية ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾.\n(^١) هذا الرجل اسمه عبد الله بن أريقط كان هاديا خريتا أي ماهرا في الدلالة على الطرق، وكان قد غمس حلفا في آل العاص أي عقد تحالفًا معهم، وكانوا إذا تحالفوا غمسوا أيديهم في شيء ملون كدم أو خلوق تأكيدا للتحالف فكان على دينهم، ومع هذا استأجره النبي - ﷺ - وصاحبه ودفعا له الراحلتين يأتيهما بهما بعد ثلاث ليال في الغار فوفى بوعده وجاءها فركب النبي - ﷺ - وأبو بكر وسار معهم عامر بن فهيرة خادم أبي بكر والدليل الذي سار بهم من السواحل أي سلك طريقًا غير المعتاد للمدينة.\n(^٢) وهي مائة ناقة.\n(^٣) عمي عليه الأمر ليغنم الديتين وحده.","vol":"3","page":267},{"text":"ثُمَّ لَبِثْتُ فِي الْمَجْلِسِ سَاعَةً ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تَخْرُج بِفَرَسِي وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ (^١) فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ وَأَخَذْتُ رُمْحِي فَخَرَجْتُ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ الْأَرْضَ وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ (^٢) حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا فَرَفَعْتُهَا (^٣) تُقَرِّبُ بِي حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُمْ فَعَثَرَتْ بِي فَرَسِي فَخَرَرْتُ عَنْهَا فَقُمْتُ فَأَخَذْتُ مِنْ كِنَانَتِي الْأَزْلَامَ فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا أَضُرُّهُمْ أَمْ لَا فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ فَعَصَيْتُ الْأَزْلَامَ وَرَكِبْتُ فَرَسِي تُقَرِّبُ بِي حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الاِلْتِفَاتَ سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الْأَرْضِ حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبتَيْنِ فَخَرَرْتُ عَنْهَا ثمَّ زَجَرْتهَا فَنَهَضَتْ فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا (^٤) فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةَ إِذَا لِأَثَرِ يَدَيْهَا غَبَارٌ سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَانِ (^٥) فَاسْتَقْسَمْتُ بِالْأَزْلَامِ (^٦) فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ فَنَادَيْتُهُمْ بِالْأَمَانِ فَوَقَفُوا فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّى جِئْتُهُمْ وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنَ الْحَبْسِ عَنْهُمْ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيةَ وَأَخْبَرْتُهُمْ بِمَا يَرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الزَّادَ وَالْمَتَاعَ فَلَمْ يَرْزَآنِي (^٧) وَلَمْ يَسْأَلَانِي إِلا أَنْ\n_________\n(^١) الأكمة: رابية مرتفعة.\n(^٢) أي خفضت أعلاه وجررت بزجه على الأرض تسترا من قومى.\n(^٣) فرفعتها أي فرسى أي أسرعت بها السير، تقرب بي أي ترفع يديها معا وتضعهما معا، حتى دنوت من النبي - ﷺ - وصحبه فعثرت بى فرسي فخررت أي نزلت عنها، فأخذت الأزلام من كنانتى وهى كيس السهام والأزلام.\n(^٤) أي ما خلصت يديها، من الأرض إلا بعد مشقة عظيمة.\n(^٥) غبار مبتدأ مؤخر وخبره لأثر يديها، أي فلما نزعت الفرس يديها من الأرض كان الغبار منتشرا في السماء كالدخان.\n(^٦) فاستقسمت بالأزلام أي طلبت قسمة الخير والشر بالأزلام فظهر ما أكره، والأزلام جمع زلم بفتحتين وهى أقلام كانوا يكتبون على بعضها نعم وعلى الآخر لا، وهكذا، فإذا أرادوا أمرا استقسموا بها فإن خرج نعم تفاءلوا وإن خرج لا تشاءموا ورجعوا. وهى من باطلهم فإنه لا يعلم الغيب إلا الله تعالى كما تقدم.\n(^٧) أي لم يأخذا شيئا.","vol":"3","page":268},{"text":"قَالَ أَخْفِ عَنَّا فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ فَأَمَرَ عَامِرَ بْنِ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدِيمٍ (^١) ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَقِيَ الزُّبَيْرَ فِي رَكْبٍ (^٢) مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا تِجَارًا قَافِلِينَ مِنَ الشَّامِ، فَكَسَا الزُّبَيْرُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْر ثِيَابَ بَيَاضٍ وَسَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ بِمَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ فَكَانُوا يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الْحَرَّةِ فَيَنْتظِرُونَهُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَة فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَ مَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ فَلَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ (^٣) لِأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهُ مُبَيَّضِينَ يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ (^٤) فَلَمْ يَمْلِكِ الْيَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ هذَا جَدُّكُمُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَهُ (^٥) فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى السِّلَاحِ (^٦) فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِظَهْرِ الْحَرَّةِ فَعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرٍو بْنِ عَوْفٍ وَكَانَ ذلِكَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ (^٧) وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَامِتًا فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ حَتَّى أَصَابَتِ الشَّمْسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ\n_________\n(^١) وفى نسخة من أدم أي جلد مدبوغ أي طلب من النبي - ﷺ - كتابا فيه الأمن له فأعطاه النبي - ﷺ - فأخذه فوضعه في كنانته ثم رجع وكل من قابله يرده.\n(^٢) في ركْبٍ: تجار من المسلمين كانوا قافلين أي راجعين من الشام وفيهم الزبير بن العوام فكسا النبي - ﷺ - وأبا بكر ملابس بيضاء. وفى رواية أن طلحة بن عبيد الله كان معهم فكساهما أيضًا رضى الله عن الجميع.\n(^٣) أوفى، أي طلع، على أطم من آطامهم أي حصن من حصونهم.\n(^٤) مبيضين أي عليهم الثياب البيض يزول بهم السراب الذي يرى في الحر من بعد كأنه ماء وليس بماء.\n(^٥) فلم يملك اليهودى نفسه بل قال بصوت عال: يا معشر العرب هذا جدكم، أي هذا حظكم وصاحب سعدكم الذي تنتظرونه قد أتى.\n(^٦) فثار المسلمون إلى السلاح أي أسرعوا إلى السلاح فتقلدوه وقابلوا النبي - ﷺ - من بعيد فنزل بهم في بنى عمرو بن عوف بقباء طلبًا للراحة من تعب السفر وإكرامًا لأهل قباء ﵃ وحشرنا في زمرتهم آمين.\n(^٧) أي يستقبل الآتى منهم ويحييه نيابة عن النبي ﷺ.","vol":"3","page":269},{"text":"أَبُو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذلِكَ فَلَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَنِي عَمْرٍو بْنِ عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَأُسِّسَ الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى وَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَسَارَ يَمْشِي مَعَهُ النَّاسُ حَتَّى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ يَوْمَئِذٍ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ مِرْبَدًا لِلتَّمْر لِسُهَيْلٍ وَسَهْلٍ غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حَجْرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ: هذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ الْمَنْزِلُ ثُمَّ دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْغُلَامَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا فَقَالا: لَا بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَبى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقْبلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا وَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْقُلُ مَعَهُمْ اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ وَيَقُولُ وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ:\nهذَا الْحِمَالُ لَا حِمَالُ خَيْبَرْ … هذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ (^١)\nوَيَقُولُ:\nاللَّهُمَّ إِنَّ الْأَجْرَ أَجْرُ الْآخِرَهْ … فَارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ\nفَتَمَثَّلَ بِشِعْرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُسَمَّ لِي (^٢). قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ يَبْلُغْنَا فِي الْأَحَادِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَمَثَّلَ بِبَيْتِ شِعْرٍ تَامَ غَيْرِ هذِهِ الْأَبْيَاتِ (^٣).\nوَقَالَ أَنَسٌ ﵁: أَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهُوَ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ (^٤)\n_________\n(^١) هذا الحمال أي هذا المحمول وهو اللبن الذي يبنى به بيت الله تعالى أبر وأزكى وأكثر ثوابًا عند الله تعالى من كل شيء حتى من محمول خيبر كتمر وزبيب مما يغتبط به حاملوه، وقوله ربنا: أي يا ربنا.\n(^٢) قد سمى لغيره بأنه عبد الله بن رواحة.\n(^٣) الممنوع عليه - ﷺ - إنشاء الشعر لا إنشاده وهذا إنشاد.\n(^٤) مردف أبا بكر، أي أركبه خلفه على الراحلة التى هو عليها، وأبو بكر شيخ قد ظهر الشيب في لحيته بخلاف النبي - ﷺ - فلم يظهر شيبه فكأنه شاب بالنسبة لأبى بكر وإلا فهو أسن منه كما تقدم، وكان أبو بكر معروفا لأهل الجهات لتردده في التجارة بخلاف النبي - ﷺ -.","vol":"3","page":270},{"text":"وَالنَّبِيُّ ﷺ شَابٌّ لَا يُعْرَفُ وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ يُعْرَفُ فَيَلْقَاهُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَنْ هذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ فَيقُولُ: هذَا الَّذِي يَهْدِينِي السَّبِيلَ فَيَحْسِبُ الْحَاسِبُ أَنَّهُ يَعْنِي الطَّرِيقَ وَإِنَّمَا يَعْنِي الْخَيْرِ، فَالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هُوَ بِفَارِسٍ قَدْ لَحِقَهُمْ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هذَا فَارِسٌ لَحِقَ بِنَا فَالْتَفَتَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «اصْرَعْهُ» فَصَرَعَهُ فَرَسُهُ ثُمَّ قَامَتْ تُحَمْحِمُ (^١) فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مُرْنِي بِمَا شِئْتَ قَالَ: «فَقِفْ مَكَانَكَ لَا تَتْرُكَنَّ أَحَدًا يَلْحَقُ بِنَا» قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ جَاهِدًا عَلَى نَبِيِّ اللَّه ﷺ وَكَانَ آخِرَ النَّهَارِ مَسْلَحَةً لَهُ (^٢) فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَانِبَ الْحَرَّةِ (^٣) فَبَعَثَ إِلَى الْأَنْصَارِ فَجَاؤُوا فَسَلَّمُوا عَلَيْهَا وَقَالُوا: ارْكَبَا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ. فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَحَفُّوا دُونَهُمَا بِالسِّلَاحِ (^٤) فَقِيلَ فِي الْمَدِينَةِ جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ فَأَشْرَفُوا يَنْظَرُونَ وَيَقُولُونَ جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ، فَأَقْبَلَ يَسِيرُ حَتَّى نَزَلَ جَانِبَ دَارِ أَبِي أَيُّوبَ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّ بُيُوتِ أَهْلِنَا أَقْرَبُ؟» فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ (^٥): أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ هذِهِ دَارِي وَهذَا بَابِي قَالَ: فَانْطَلِقْ فَهَيِّئْ لَنَا مَقِيلًا قَالَ: «قُومَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعَالَى». رَوَى الْبُخَارِيُّ هذِهِ الثَّلَاثَةَ.\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَبِي رَحْلًا بِثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًَا\n_________\n(^١) أي لها صوت وصهيل من هول ما أصابها.\n(^٢) فكان سراقة أول النهار يسعى في هلاك النبي - ﷺ - وآخر النهار ينصره ويسعى لحفظه.\n(^٣) أي نزل بقباء يوم الاثنين ومكث عندهم خمسة عشر يوما وبنى فيها مسجدهم الذي أسس على التقوى، وقوله فبعث إلى الأنصار هذا ما فهمه أنس، وإلا فهم كانوا ينتظرونه يوميا وعلموا بقدومه من اليهودى كما تقدم ويحتمل الأمران.\n(^٤) أحاطوا بهما وهم مسلحون فرحا بهما وإظهارًا لنصرهما.\n(^٥) وكان أبو أيوب هذا من بني النجار قبيلة سلمى بنت عمرو بن مالك بن النجار والدة عبد المطلب جد النبي - ﷺ - كما يأتى فلذا قال له النبي - ﷺ - قم فهيئ لنا مقيلا أي مكانا نقيل ونستريح فيه، ففعل ثم عاد فقال قوما أي إلى بيتى على بركة الله، فقاما معه ومكث النبي - ﷺ - في بيته حتى أعدت له البيوت اللازمة.","vol":"3","page":271},{"text":"وَسَاقَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ حَدِيثًا فِي الْهِجْرَةِ إِلَى أَنْ قَالَ: فَلَمَّا دَنَا أَيْ مِنَّا سُرَاقَةُ دَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَسَاخَ فَرَسُهُ فِي الْأَرْضِ إِلَى بَطْنِهِ (^١) فَوَثَبَ عَنْهُ وَقَالَ: يا مُحَمَّدُ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هذَا عَمَلُكَ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُخَلِّصَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ وَلَكَ عَلَيَّ لَأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِي وَهذِهِ كِنَانَتِي فَخُذْ سَهْمًا مِنْهَا فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ عَلَى إِبِلي وَغِلْمَانِي بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ فَقَالَ: «لَا حَاجَةَ لَنَا فِي إِبِلِكَ»، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَيْلًا فَتَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَنْزِلُ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ أَخْوَالِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَكْرِمُهُمْ بِذلِكَ» فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنَّسَاءُ فَوْقَ الْبُيُوتِ وَتَفَرَّقَ الْغِلْمَانُ وَالْخَدَمُ فِي الطُّرُقِ يُنَادُونَ يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ (^٢). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَا يُقْرِئَانِ النَّاسَ (^٣) فَقَدِمَ بِلَالٌ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ثمَّ قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ مِنْ أَصْحَابِ\n_________\n(^١) فساخ فرسه في الأرض إلى بطنه مع أن الأرض كانت صلبة كما قال سراقة في رواية: ونحن في جلد من الأرض أو في جدد من الأرض أي في أرض مستوية صلبة، ولك على لأعمين على من ورائي أي أخفى أمركم على من يسعى ضدكم، فانخساف الأرض الصلبة بالفرس معجزة وكرامة للنبي ﷺ.\n(^٢) فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة. هاجت وماجت فرحًا وسرورًا به - ﷺ -، أما الرجال الكاملون فقد تقلدوا سلاحهم وقابلوه - ﷺ - من بعيد وأحاطوا به كإحاطة الهالة بالقمر، وأما الخدم والصبيان فكانوا يسعون في طرقها ويقولون برفع صوت يا محمد يا رسول الله ها نحن أتباعك الناصرون وأولياؤك المخلصون، وأما الضعفاء والنساء فقد علون على ظهور البيوت والفرح يملؤهن وهن ينشدن بصوت رخيم:\nطلع البدر علينا … من ثنيات الوداع\nوجب الشكر علينا … ما دعا لله داع\nأيها المبعوث فينا … جئت بالأمر المطاع\n﵃ وجزاهم عن النبي ودينه أحسن الجزاء.\n(^٣) أي يعلمان الناس القرآن الذي حفظاه من النبي ﷺ.","vol":"3","page":272},{"text":"النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَعَلَ الْإِمَاءُ يَقُلْنَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-707>هجرة أصحاب السفينة </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ قَالَ: بَلَغَنَا مَخْرَجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٢) وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصْغَرُهُمَا أَحَدُهُمَا أَبُو بُرْدَةَ وَالْآخَرُ أَبُو رُهْمٍ فِي بِضْعٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي فَرَكِبْنَا سَفِينَةً فَأَلْقَتْنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ فَوَجَدْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابَهُ عِنْدَهُ فَقَالَ جَعْفَرٌ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَنَا ههُنَا وَأَمَرَنا بِالْإِقَامَةِ فَأَقِيمُوا مَعَنَا فأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا (^٣) فَوَافَقْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ فَأَسْهَمَ لَنَا أَوْ قَالَ أَعْطَانَا مِنْهَا وَمَا قَسَمَ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا إِلا لِأَصْحَابِ سَفِينَتِنَا مَعَ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ فَقَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَنَا (^٤): نَحْنُ سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ، فَدَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ عَلَى حَفْصَةَ ﵂ تَزُورُهَا فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَيْهِمَا فَقَالَ: مَنْ هذِهِ؟ فَقَالَتْ: أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فَقَالَ عُمَرُ: الْحَبَشِيَّةُ هذِهِ الْبَحْرِيَّةُ هذِهِ (^٥) فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: نَعَمْ فَقَال عُمَرُ: سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ فَنَحْنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْكُمْ فَغَضِبَتْ وَقَالَتْ: كَذَبْتَ يَا عُمَرُ كَلا وَاللَّهِ كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ\n_________\nهجرة أصحاب السفينة\n(^١) هم جعفر بن أبي طالب وزوجته أسماء بنت عميس وفريق من أهل مكة وأبو موسى الأشعرى وأخواه وفريق من قومه من اليمن.\n(^٢) أي هجرته للمدينة.\n(^٣) أي رجعنا في سفينة إلى النبي ﷺ.\n(^٤) بعض الناس أي ممن لم يهاجروا للحبشة.\n(^٥) أي المنسوبة للبحر والحبشة لهجرتها للحبشة في البحر.","vol":"3","page":273},{"text":"وَكُنَّا فِي أَرْضِ الْبُعَدَاءِ الْبُغَضَاءِ (^١) فِي الْحَبَشَةِ وَذلِكَ اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ (^٢)، وَايْمُ اللَّهِ لَا أَطْعَمُ طَعامًا وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَذْكُرَ مَا قُلْتَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ كُنَّا نُؤْذَي وَنَخَافُ وَسَأَذْكُرُ ذلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَسْأَلُهُ وَوَاللَّهِ لَا أَكْذِبُ وَلَا أَزِيغُ وَلَا أَزهيدُ عَلَى ذلِكَ. فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ عُمَرَ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ (^٣) وَلَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ» قَالَتْ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسى وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ يَأْتُونِي أَرْسَالًا (^٤) يَسْأَلُونِي عَنْ هذَا الْحَدِيثِ مَا مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ وَلَا أَعْظَمُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِمَّا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَكَانَ أَبُو مُوسى يَسْتَعِيدُ هذَا الْحَدِيثَ مِنِّي (^٥) رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْفَضَائِلِ وَالْبُخَارِيُّ فِي هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-708>رأى النبي ﷺ في أمور الدنيا </span>(^٦)\n\n• عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ فَأَتَيْنَا وَادِيَ الْقُرَى عَلَى حَدِيقَةٍ (^٧) لامْرَأَةٍ، فَقَالع رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اخْرِصُوهَا» (^٨) فَخَرَصْنَاهَا وَخَرَصَهَا\n_________\n(^١) البعداء أي في النسب، البغضاء أي لنا في الدين وهم الحبشة لأنهم كانوا كفارا إلا النجاشى الذي كان يخفى إسلامه ﵁.\n(^٢) أي في إرضائهما.\n(^٣) عمر ليس بأحق بى منكم أي في الهجرة فقط وإلا فعمر أفضل الأمة بعد أبي بكر الصديق، فلعمر وأصحابه الذين لم يهاجروا للحبشة هجرة واحدة وأما أنتم يا أصحاب السفينة فلكم هجرتان الأولى الحبشة والثانية للمدينة رضى الله عن الجميع.\n(^٤) أي جماعة بعد جماعة.\n(^٥) أي يسألنى عنه مرة أخرى تلذذًا بقول النبي - ﷺ -.\n\nرأي النبي - ﷺ - في أمور الدنيا\n(^٦) أي في الأمور الدنيوية الخالصة، كان يصيب فيها إلا قليلا لأنها ليست من الله تعالى بل من الظن والتجربة.\n(^٧) الحديقة هي بستان النخل عليه حائط.\n(^٨) اخرصوها أي قدروا ثمرها فخرصوها كل بما ظهر له فقال رسول الله ﷺ فيها عشرة أوسق. ففيه استحباب امتحان العالم لأصحابه تنبيهًا لأذهانهم وتمرينا لهم كحديث» إن من الشجر شجرة كالمسلم».","vol":"3","page":274},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرَةَ أَوْسُقٍ وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: أَحْصِيهَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَانْطَلَقْنَا حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَتَهُبُّ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ» فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَقَامَ رَجُلٌ فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ (^١) وَجَاءَ رَسُولُ ابْنِ الْعَلْمَاءِ صَاحِبِ أَيْلَةَ (^٢) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِكِتَابٍ وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْدَى لَهُ بُرْدًا ثمَّ رَجَعْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِيَ الْقُرَى فَسأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةَ عَنْ حَدِيقَتِهَا كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا فَقَالَتْ: عَشْرَةَ أَوْسُقٍ (^٣) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي مُسْرِعٌ فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيُسْرِعْ مَعِي وَمَنْ شَاءَ فَلْيَمْكُثْ فَخَرَجْنَا حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ» (^٤) فَقَالَ: «هذِهِ طَابَةُ وَهذَا أُحُدٌ وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» (^٥)، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ خَيْرَ دُورِ الْأَنْصَارِ دَارُ بَنِي النَّجَّارِ ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ثُمَّ دَارُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ثُمَّ دَارُ بَنِي سَاعِدَةَ وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ»، فَلَحِقَنَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ (^٦): أَلَمْ تَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَيَّرَ دُورَ الْأَنْصَارِ فَجَعَلَنَا آخِرًا فَأَدْرَكَ سَعْدٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ خَبَّرْتَ دُورَ الْأَنْصَارِ فَجَعَلْتَنَا آخِرًا فَقَالَ: «أَوَ لَيْسَ بِحسْبِكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنَ الْخِيَارِ (^٧)».\n_________\n(^١) طيء كسيد أبو قبيلة في اليمن وجبلاهما هما أجا وسلمى، ففيه الإخبار بالغيب معجزة له - ﷺ - وإنذار لهم من ضررها.\n(^٢) فابن العلماء سيد فلسطين أرسل للنبي - ﷺ - مكتوبًا وأهداه ببغلة وهى المسماة بدلال إكراما للنبي - ﷺ - فرد عليه النبي - ﷺ - الجواب وأهداه ببرد ثمين جزاء وفاقًا.\n(^٣) كما قدره النبي - ﷺ -.\n(^٤) أي وقع نظرنا عليها.\n(^٥) لأنه كحائل بيننا وبين كفار مكة ونحب أهله وهم الأنصار وهم يحبوننا ﵃.\n(^٦) أي الخزرجى لسعد بن عبادة الخزرجى يلفته إلى ذلك التفضيل.\n(^٧) أي يكفيكم أن تكونوا من الخيار.","vol":"3","page":275},{"text":"• عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَأْبِرُونَ النَّخْلَ (^١) فَقَالَ: «مَا تَصْنَعُونَ؟» قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ، فَقَالَ: «لَعَلَّكُمْ لَوْ لمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا» فَتَرَكُوهُ فنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ فَذَكَرُوا لَهُ ذلِكَ فَقَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ». وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ». رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-709>الفصل الثامن في معجزات النبي ﷺ منها نبع الماء من بين أصابعه ﷺ </span>(^٣)\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِنَاءٍ وَهُوَ بِالزَّوْرَاءِ (^٤) مَعَ أَصْحَابِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَجَعَلَ الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأْ الْقَوْمُ. قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَلَاثَمِائَةٍ أَوْ زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ.\nرَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\n(^١) قدم النبي ﷺ على قوم يأبرون النخل أي يجعلون طلع الذكر في طلع الأنثى فتعلق وتثمر بإذن الله تعالى، فقال: ما هذا الذي تعملونه قالوا: شيء تعودناه. قال: ربما لو تركتموه كان خيرا فتركوه فنفضت أو قال فنقصت أي جاء ثمره شيصا أي رديئا فأخبروا النبي ﷺ، فقال: إنما أنا بشر، أي يجوز عليّ ما يجوز على البشر. وفى رواية: إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذونى به ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإنى لن أكذب على الله ﷿. وفى رواية: أنتم أعلم بأمر دنياكم أي منى، فإن أمور الدنيا مدارها على التمرين والتجربة وأنتم أعلم بها منى. والله أعلم.\n(^٢) الأول في معجزاته ﷺ. والثانى في وجوب امتثال قوله إلا ما قاله في الأمور الدنيوية على سبيل الظن. والله أعلى وأعلم. نسأل الله حسن الأدب آمين.\n\nالفصل الثامن في معجزات النبي - ﷺ -\n(^٣) المعجزات جمع معجزة وهى الأمر الخارق للعادة الذي يظهر على يد النبي ﷺ كنبع الماء من أصابعه وسجود الجمادات له ﷺ ونحوها مما يأتى.\n\nمنها نبع الماء من بين أصابعه ﷺ\n(^٤) الزوراء موضع بالمدينة عند السوق أو عند المسجد، أو زهاء ثلاثمائة أي قدرها.","vol":"3","page":276},{"text":"• وَعَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَالْتُمِسَ الْوَضُوءُ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضُوءٍ (^١) فَوَضَعَ يَدَهُ فِي ذلِكَ الْإِنَاءِ فَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ (^٢) فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّأُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَعْضِ مَخَارِجِهِ (^٣) وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَانْطَلَقُوا يَسِيرُونَ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلَمْ يَجِدُوا مَاءً يَتَوَضَّأُونَ فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ مَدَّ أَصَابِعَهُ الْأَرْبَعَ عَلَى الْقَدَحِ ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا تَوَضَّأُوا» فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ حَتَّى بَلَغُوا مَا يُرِيدُونَ مِنَ الْوَضُوءِ وَكَانُوا سَبْعِينَ أَوْ نَحْوَهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رِكْوَةٌ (^٤) فَتَوَضَّأَ فَجَهِشَ النَّاسُ نَحْوَهُ (^٥) فَقَالَ: «مَا لَكُمْ؟» قَالُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضأُ وَلَا نَشْرَبُ إِلا مَا بَيْنَ يَدَيْكَ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الرِّكْوَةِ فَجَعَلَ الْمَاءُ يَفُورُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّاينَا قِيلَ: «كَمْ كُنْتُمْ؟» قَالَ: لَوْ كُنَّا مائةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٦).\n_________\n(^١) بوضوء أي بإناء فيه ماء للوضوء.\n(^٢) من بين أصابعه. وفى رواية: من تحت أصابعه.\n(^٣) في بعض مخارجه أي في بعض أسفاره.\n(^٤) الركوة بالتثليث إناء صغير من جلد يشرب فيه.\n(^٥) أي أسرعوا إلى الماء متهيئين لأخذه. وقوله يفور أي ينبع وفى نسخة يثور بالمثلثة ومعناهما واحد.\n(^٦) ولكن البخارى هنا ومسلم في غزوة ذى قرد. فظاهر هذه النصوص أن الماء كان ينبع من نفس أصابعه - ﷺ - وهو أبلغ في المعجزة من نبعه من الحجر كما كان لموسى ﷺ لأن الحجر من الأرض وشأن الماء أن ينبع منها، وهذا من قبيل إيجاد المعدوم بخلاف ما يأتى فهو من قبيل تكثير الوجود. والله أعلى وأعلم.","vol":"3","page":277},{"text":"<span data-type='title' id=toc-710>ومنه تكثير الماء القليل ببركة ﷺ</span>\nعَن الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ فَنَزَحْنَاهَا حَتَّى لَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَفِيرِ الْبِئْرِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَجَّ فِي الْبِئْرِ فَمَكَثْنَا (^١) غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ اسْتَقَيْنَا حَتَّى رَوِينَا وَرَوَتْ أَوْ صَدَرَتْ رَكَائِبُنَا.\n\n• عَنْ عِمْرَانِ بْنِ حُصَيْنٍ ﷺ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسِيرٍ وَجَعَلَنِي فِي رَكُوبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ (^٢) فَعَطِشْنَا عَطَشًا شَدِيدًا فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ إِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ سَادِلَةٍ رِجْلَيْهَا بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ (^٣) فَقُلْنَا لَهَا: أَيْنَ الْمَاءُ؟ فَقَالَتْ: إِنَّهُ لَا مَاءَ، فَقُلْنَا: كَمْ بَيْنَ أَهْلِكِ وَبَيْنَ الْمَاءِ؟ قَالَتْ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، فَقُلْنَا: انْطَلِقِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَتْ: وَمَا رَسُولُ اللَّهِ، فَلَمْ نُمَلِّكْهَا مِنْ أَمْرِهَا حَتَّى اسْتَقْبَلْنَا بِهَا النَّبِيَّ ﷺ فَحَدَّثَتْهُ بِمِثْلِ الَّذِي حَدَّثَتْنَا غَيْرَ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا مُؤْتَمِةٌ (^٤) فَأَمَرَ بِمَزَادَتَيْهَا فَمَسَحَ بِالْعَزْلَاوَيْنِ (^٥) فَشَرِبْنَا عِطَاشًا أَرْبَعِينَ رَجُلًا حَتَّى رَوَينَا فَمَلَأْنَا كُلَّ قِرْبَةٍ مَعَنَا وَإِدَاوَةٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ نَسْقِ بَعِيرًا وَهِيَ تَكَادُ تَنِضُّ مِنَ الْمِلْءِ، ثُمَّ قَالَ: «هَاتُوا مَا عِنْدَكُمْ» فَجُمِعَ لَهَا مِنَ الْكِسْرَ وَالتَّمْر\n_________\nومنها تكثير الماء القليل ببركته - ﷺ -\n(^١) فمكثنا بفتح الكاف وضمها، وروت أو صدرت ركائبنا معناهما واحد، فلما كانوا بالحديبية نزحوا ماء بئرها حتى لم يبق منه قطرة فجاء النبي - ﷺ - فجلس على شفير البئر أي حافتها وملأ فمه ماء وأداره فيه ثم مج في البئر أي رماه فيه، وبعد قليل ظهر ماء البئر بكثرة حتى أخذوا كفايتهم وتركوه وهو مملوء بالماء معجزة للنبي - ﷺ -.\n(^٢) أي أمرنى بالسير في الركب الذي بين يديه مباشرة.\n(^٣) تثنية مزادة وهى القربة التى يزاد فيها جلد آخر لتكبر.\n(^٤) أي ذات أيتام.\n(^٥) فأمر بمزادتيها أي أمر بإنزالهما فأنزلوهما فمسح بالعزلاوين تثنية عزلاء وهو فم القربة الأسفل أي أمرّ يده - ﷺ - عليهما ثم أمرهم بالشرب فشربوا حتى رووا وكانوا أربعين رجلا ثم ملأوا أوانيهم. وكل قربة تكاد تنض من الملء أي تنشق منه معجزة له - ﷺ -، يقال نض الماء من العين إذا نبع وسال.","vol":"3","page":278},{"text":"حَتَّى أَتَتْ أَهْلَهَا فَقَالَتْ: لَقِيتُ أَسْحَرَ النَّاسِ أَوْ هُوَ نَبِيٌّ كَمَا زَعَمُوا فَهَدَى اللَّهُ ذلِكَ الصِّرْمَ (^١) بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَأَسْلَمَتْ وَأَسْلَمُوا. رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-711>ومنها تكثير الطعام حتى وفى بالقوم وزاد</span>\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ يَقُولُ: قالَ أبو طَلْحَةَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ: لقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا أعْرِفُ فيه الجُوعَ فَهلْ عِنْدَكِ مِن شيءٍ؟ قالَتْ: نَعَمْ، فأخْرَجَتْ أقْرَاصًا مِن شَعِيرٍ ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا لَهَا فَلَفَّتِ الخُبْزَ ببَعْضِهِ ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدِي وَلَائَتْنِي بِبَعْضِهِ (^٢) ثُمَّ أرْسَلَتْنِي إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ فَذَهَبْتُ فَوَجَدْتُهُ في المَسْجِدِ ومعهُ النَّاسُ فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ لِي رَسولُ اللَّهِ ﷺ: أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: بِطَعَامٍ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ فَقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ لِمَن معهُ: قُومُوا (^٣) فَانْطَلَقَ وانْطَلَقْتُ بيْنَ أيْدِيهِمْ حتَّى جِئْتُ أبَا طَلْحَةَ فأخْبَرْتُهُ فَقالَ أبو طَلْحَةَ: يا أُمَّ سُلَيْمٍ قدْ جَاءَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ وليسَ عِنْدَنَا ما نُطْعِمُهُمْ فَقالَتْ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، فَانْطَلَقَ أبو طَلْحَةَ إلى رَسولَ اللَّهِ ﷺ\nفَجَاءَ مَعَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ (^٤) فَأَتَتْهُ بِذَلِكَ الْخُبْزِ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فَفُتَّ وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً فَأَدَمَتْهُ (^٥) ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ\n_________\n(^١) الصرم القوم النازلون بمواشيهم على جهة من الماء. والله أعلى وأعلم.\n\nومنها تكثير الطعام حتى وفى بالقوم وزاد\n(^٢) أي لفت ببعض خمارها الخبز ووضعته تحت إبط أنس ولفته ببقية الخمار تسترًا عليه.\n(^٣) أي إلى بيت أبى طلحة فنأكل ما أرسله لنا فيه وأمر أنسا بالعودة إلى البيت.\n(^٤) أي هات ما عندك من الطعام.\n(^٥) ففتتت الأقراص وعصرت عليها سمنًا من عكتهم وهي إناء من جلد يوضع فيه السمن والعسل فصار مفتونًا ممزوجا بالإدام.","vol":"3","page":279},{"text":"ما شَاءَ اللَّهُ أنْ يَقُولَ (^١)، ثُمَّ قالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ (^٢) فأذِنَ لَهُمْ فأكَلُوا حتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فأذِنَ لَهُمْ فأكَلُوا حتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فأذِنَ لهمْ فأكَلُوا حتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فأكَلَ القَوْمُ كُلُّهُمْ وشَبِعُوا والقَوْمُ سَبْعُونَ أوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا. رَوَاهُ الْخَمْسَة إِلَّا أَبَا دَاوُدَ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمَصًا شَدِيدًا (^٣) فَانْكَفأْتُ إِلَى امْرَأَتِي (^٤) فَقُلْتُ: هَلْ عِنْدَكَ شَيْءٌ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمَصًا شَدِيدًا فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ (^٥) فَدَبَحْتُهَا وَطَحَنَتِ الشَّعِيرَ فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي وَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٦) فَقَالَتْ: لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِمَنْ مَعَهُ فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتهُ (^٧) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا وَطَحَنَّا صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ فَصَاحَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُورًا فَحَيَّ هَلًا بِكُمْ (^٨)» فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n_________\n(^١) وفى رواية: قال باسم الله وفى أخرى: فمسحها ودعا فيها بالبركة، وفى أخرى: باسم الله اللهم أعظم فيها البركة.\n(^٢) ثم قال: ائذن لعشرة أي أدخل عشرة وأذن لهم بالأكل فدخلوا فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا وأدخل عشرة غيرهم فأكلوا وشبعوا وخرجوا وهكذا حتى أكل القوم كلهم وشبعوا وهم ثمانون رجلا. وروى أحمد وزاد ثم أكل رسول الله - ﷺ - بعد ذلك وأهل البيت وتركوا سؤرًا. قال أنس: وفضلت فضلة فأهديناها لجيراننا، فعلى العاقل أن يتأمل ويفكر في بضعة أقراص أكل منها هذا العدد الكثير وبقى منها. ما هذه إلا معجزة باهرة لنبي ورسول قد تأيد بالمعجزات ﷺ.\n(^٣) أي جوعًا ظاهرا.\n(^٤) أي رجعت لها في البيت وكانوا حينذاك يشتغلون بحفر الخندق ليتحصنوا به من الأحزاب وهم كفار مكة ومن معهم جاءوا لقتال النبي ﷺ في المدينة فخذلهم الله وردهم بكيدهم لم ينالوا خيرا كما في سورة الأحزاب.\n(^٥) داجن. أي شاة صغيرة فذبحها جابر وقطعها في البرمة أي إناء الطبخ وطحنت امرأته الشعير، وفرغت إلى فراغى أي انتهينا من عملنا معا.\n(^٦) أي ادعوه للأكل عندنا.\n(^٧) أي أخبرته بالآتى سرا.\n(^٨) سؤرا بالهمز وعدمه أي وليمة فحي هلًا بكم، أي أقبلوا مسرعين.","vol":"3","page":280},{"text":"«لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ» فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْدُمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ (^١) فَقُلْتُ: قَدْ قُلْتُ الَّذِي قُلْتِ فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ (^٢) وَبَارَكَ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ادْعِي خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ (^٣) وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلوهَا» وَهُمْ أَلْفٌ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ أَبِي سَعِيدٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا كَانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ قَالُوا: يَا رَسُولَ للَّهِ لَوْ أَذِنْتَ لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا (^٤) فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا فَقَالَ: «افْعَلُوا». فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ وَلكِنِ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ ثُمَّ ادْعُ اللَّهَ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ لَعَلَّ اللَّهَ يَجْعَلُ فِي ذلِكَ (أَيْ بَرَكَةً وَخَيْرًا) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَعَمْ»، فَدَعَا بِنِطَعٍ (^٥) فَبَسَطَهُ ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ\n_________\n(^١) أي فعل الله بك كذا وبك كذا لمجئ كل القوم وليس عندنا ما يكفيهم.\n(^٢) فأخرجت امرأة جابر للنبي - ﷺ - العجين فبصق فيه بريقه الشريف، وقال اللهم بارك فيه ثم قصد البرمة فبصق فيها وبارك.\n(^٣) فلتخبز معك وفى نسخة معي، واقدحى أي اغرفى من برمتكم ولا تنزلوها عن التنور، والمغرفة تسمى القدحة، وقدح من المرق غرف منه، وهم ألف أي الذين أكلوا من هذا الصاع وهذه البهيمة كانوا ألفًا. قال جابر فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه أي الطعام وانحرفوا عنه لشبعهم، وإن البرمة لتغط كما هي أي مملوءة بالطبيخ على حالها وإن عجيننا ليخبز كما هو فلم ينقص كل منهما عن حاله، معجزة للنبي - ﷺ -. وفى هذا قال الولى العراقى ﵁:\nوأطعم الألف زمان الخندق … من دون صاع وبهيمة بقى\nبعد انصرافهم من الطعام … أكثر مما كان من طعام\n(^٤) النواضح من الإبل التى تحمل الماء، والمراد هنا كل بعير، والإدهان طلى الجسم بالدهن.\n(^٥) النطع - كالضلع - بساط من جلد يوضع بين يدى الحكام لقتل من يشاءون عليه، وأحيانًا كانوا يأكلون عليه.","vol":"3","page":281},{"text":"أَزْوَادِهِمْ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ وَيَجِئُ الْآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكِسْرَةٍ حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ قَالَ: خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ، قَالَ: فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلا مَلَأُوهُ، قَالَ: فَأَكَلُوا حتَّى شَبِعُوا وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكَ فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ (^١)».\n\n• عَنْ جَابِرِ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَطْعِمُهُ فَأَطْعَمَهُ شَطْرَ وَسْقِ شَعِيرٍ فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْهُ وَزَوْجَتُهُ وَضَيْفُهُمَا حَتَّى كَالَهُ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ وَلَقَامَ لَكُمْ (^٢). رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ (^٣).\n\n• عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﷺ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَتَدَاوَلُ فِي قَصْعَةٍ عَنْ غُدْوةٍ حَتَّى اللَّيْلِ يَقُومُ عَشَرَةٌ وَيَقْعُدُ عَشَرَةٌ قُلْنَا: فَمَا كَانَتْ تُمَدُّ قَالَ: مِنْ أَيَّ شَيْءٍ تَعْجَبُ مَا كَانَتْ تُمَدُّ إِلا مِنْ ههُنَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ السَّمَاءِ (^٤). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَعُمَّنَا بِبَرَكَتِهِ ﷺ.\n_________\n(^١) فلما اشتد عليهم الجوع في غزوة تبوك التمسوا من النبي - ﷺ - نحر الإبل التى معهم ليأكلوها ويدهنوا بشحمها فأذن لهم فلما جاء عمر قال يا رسول الله لو فعلوا هذا لقلت الإبل التى هي ضرورية لنا، ولكن مرهم بجمع ما معهم وادع الله عليه بالبركة، فأجابه النبي - ﷺ - وفعلوا هذا فملأوا أوعيتهم كلها وفضل منه، فنطق رسول الله بالشهادتين إعلانًا بأنه رسول الله إلى الخلق ومؤيد بالمعجزات الباهرة - ﷺ -.\n(^٢) فهذا الرجل أعطاه النبي ﷺ نصف وسق شعير فصار يأكل منه هو وبيته وضيفهما زمنا طويلا وهو على حاله معجزة للنبي - ﷺ - حتى كاله فذهبت البركة منه ونفد ثم ذهب للنبي - ﷺ - فقال له لو لم تكله لبقي لكم تأكلون منه زمنًا طويلا.\n(^٣) ولكن الأول في كتاب الإيمان.\n(^٤) فأكل الأصحاب ﵃ من القصعة عشرة بعد عشرة من أول النهار إلى الليل معجزة لا يدانيها شيء، وهى تمد بالمدد الإلهى لا شك في ذلك. وإكرام الله لنبيه - ﷺ - لا نهاية له.","vol":"3","page":282},{"text":"<span data-type='title' id=toc-712>ومنها تسبيح الطعام بين يديه ﷺ</span>\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ الْآيَاتِ بَرَكَةً وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَلَّ الْمَاءُ فَقَال: «اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ» فَجَاؤُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ فَأَدْخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ ثُمَّ قَالَ: «حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ (^١) وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ» فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ﷺ وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ: كُنَّا نَأْكُلُ الطَّعَامَ مَعَ الطَّعَامِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-713>ومنها تكثير التمر القليل حتى استوفى الغرماء</span>\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: تُوُفِّيَ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ أَبِي تَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا وَلَيْسَ عِنْدِي إِلا مَا يُخْرِجُ نَخْلَهُ وَلَا يَبْلُغُ مَا يُخْرِجُ سِنِينَ مَا عَلَيْهِ فانْطَلِقْ مَعِي لِكَيْ لَا يُفْحِشَ عَلَيَّ الْغُرَمَاءُ فَمَشَى حَوْلَ بَيْدَرٍ (^٤) مِنْ بَيَادِرِ التَّمْرِ فَدَعَا اللَّهَ ثُمَّ آخَرَ ثمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ فَقَالَ: «انْزِعُوهُ» فَأَوْفاهُمُ الَّذِي لَهُمْ وَبَقِيَ مِثْلُ مَا أَعْطَاهُمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\nومنها تسبيح الطعام بين يديه ﷺ\n(^١) حي على الطهور المبارك أي أسرعوا إلى الماء المبارك للوضوء منه.\n(^٢) أي بين يدى النبي - ﷺ -.\n(^٣) أي كنا نأكل أنواعا من الطعام عدة مرات مع النبي - ﷺ - ونحن نسمع تسبيح الطعام بين يديه - ﷺ -! ومعلوم أن الطعام جماد لا روح فيه فتسبيحه بين يدى النبي - ﷺ - أكبر معجزة لمن سبق له الإيمان والهدى.\n\nومنها تكثير التمر القليل حتى استوفى الغرماء\n(^٤) البيدر الموضع الذي يداس فيه الطعام بعد حصاده، فعبد الله أبو جابر ﵄ مات وعليه دين ليهودى ثلاثون وسقًا فطلب اليهودى دينه من جابر فقال أنظرني إلى ميسرة فأبى فذهب جابر للنبي - ﷺ - وأخبره أن أباه ترك دينًا وثمر نخلهم لا يفى به ولو سنين وطلب من النبي - ﷺ - أن يذهب معه لئلا يؤذيه الغرماء بكلامهم، فذهب معه النبي - ﷺ - إلى البيادر موضع جمع الثمر، ودار حول واحد منها ودعا فيه بالبركة =","vol":"3","page":283},{"text":"<span data-type='title' id=toc-714>ومنها حنين الجذع لـ ﷺ</span>\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ الْمَسْجِدُ مَسْقُوفًا عَلَى جُذُوعٍ (^١) مِنْ نَخْلٍ فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَطَبَ يَقُومُ إِلَى جِذْعٍ مِنْهَا فَلَمَّا صُنِعَ الْمِنْبَرُ فَكَانَ عَلَيْهِ سَمِعْنَا لِذلِكَ الْجِذْعِ صَوْتًا كَصَوْتِ الْعِشَارِ حَتَّى جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا فَسَكَنَتْ وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَرُفِعَ إِلَى الْمِنْبَرِ صَاحَتِ النَّخْلَةُ صِيَاحَ الصَّبِيِّ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ: فَحَنَّ الْجِذْعُ حَنِينَ النَّاقَةِ فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَمَسَّهُ فَسَكَنَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-715>ومنها انقياد الشجر له ﷺ</span>\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحُ (^٢) فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ فَاتَّبعْتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ (^٣) فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ فَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الْوَادِي (^٤) فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى إِحْدَاهُمَا\n_________\n= ثم دار حول بيدر آخر وجلس عليه وقال انزعوه أي الثمر من البيدر أي كيلوا للغرماء حقوقهم فكالوا لهم جميع حقوقهم وبقى مثلها. وفى رواية: وبقى سبعة عشر وسقا فهذه معجزة باهرة ظاهرة لكل الناس. نسأل الله التوفيق وكمال الإيمان به - ﷺ - آمين.\n\nومنها حنين الجذع له ﷺ\n(^١) الجذوع جمع جذع وهو عود النخلة وكانت أعمدة مسجد النبي ﷺ من جذوع النخل، والعشار جمع عشراء وهى الناقة التى مضى عليها من يوم إرسال الفحل عليها عشرة أشهر، فكان النبي ﷺ أولا إذا خطب وقف واستند إلى جذع نخل من أعمدة المسجد فلما صنع له المنبر وكان عليه يوم الجمعة أي جلس عليه سمع كل من في المسجد لذلك الجذع صوتا كصوت العشار أو كبكاء الصبي فذهب له النبي ﷺ فوضع يده عليه فسكت، فحنين الجماد لفراقه ﷺ أعظم معجزة لمن فكر وأنصف واهتدى.\n\nومنها انقياد الشجر له ﷺ\n(^٢) أي أوسع.\n(^٣) إناء فيه ماء ليتطهر به.\n(^٤) أي بعيدتين عنه ﷺ.","vol":"3","page":284},{"text":"فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا فَقَالَ: انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ (^١) فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ (^٢) حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الْأُخْرَى فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا فَقَالَ: انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنَهُمَا لَأَمَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: الْتِئِمَا عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَالْتأَمَتَا (^٣). قَالَ جَابِرٌ: فَخَرَجْتُ أُحْضِرُ (^٤) مَخَافَةَ أَنْ يَحِسَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقُرْبِي فَيَبْتَعِدَ أَوْ فَيَتَبَعَّدَ فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي (^٥) فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَدِ افْتَرَقَتَا فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ وَقْفَةً فَقَالَ بِرَأْسِهِ هكَذَا (^٦) ثُمَّ أَقْبَلَ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيَّ قَالَ: «يَا جَابِرُ هَلْ رَأَيْتَ مَقَامِي؟» قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثٍ طَويلٍ لِأَبِي الْيُسْرِ ﵁ وَسَيَأْتِي انْشِقَاقُ الْقَمَرِ فِي سُورَةِ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ ﴿وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ فِي التَّفْسِيرِ إِنْ شاءَ اللَّهُ.\n_________\n(^١) أي سيرى معى.\n(^٢) البعير المخشوش الذي في أنفه حلقة فيها حبل يقاد به لسهولة سيره.\n(^٣) أي حتى إذا كان بالمنصف أي المكان المتوسط بين الشجرتين لأمهما أي جمعهما وقال التئما عليّ بإذن الله فاجتمعتا أي التصقتا ببعضهما ليكونا سترة له ﷺ حتى يقضى حاجته.\n(^٤) فخرجت أحضر أي أسمى بشدة وأتباعد عن النبي ﷺ لئلا يرانى قريبًا منه فيبتعد عن مكانه الذي جمع فيه الشجرتين.\n(^٥) أي بهذه المعجزة العظيمة التى ما رآها غيرى.\n(^٦) أي أشار برأسه يمينا وشمالا كأنه يكلم أحدا أو يصرف الشجرتين اللتين وقفتا في خدمته ﷺ، فانقياد الشجر الذي هو جماد للنبي ﷺ معجزة كبرى لمن فكر واعتبر. قال تعالى ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾.","vol":"3","page":285},{"text":"<span data-type='title' id=toc-716>ومنها سرعة إجابة دعوته ﷺ</span>\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَصَابَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ قَحْطٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ جُمُعَةٍ إِذْ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ (^١): يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْكُرَاعُ هَلَكَتِ الشَّاءُ فَادْعُ اللَّهَ يَسْقِينَا فَمَدَّ يَدَيْهِ وَدَعَا. قَالَ أَنَسٌ: وَإِنَّ السَّمَاءَ كَمَثَلِ الزُّجَاجَةِ (^٢) فَهَاجَتْ رِيحٌ أَنْشَأَتْ سَحَابًا ثُمَّ اجْتَمَعَ ثُمَّ أَرْسَلَتِ السَّمَاءُ عَزَالِيَهَا (^٣) فَخَرَجْنَا نَخُوضُ الْمَاءَ حَتَّى أَتَيْنَا مَنَازِلَنَا فَلَمْ نَزَلْ نُمْطَرُ إِلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، فَقَامَ إِلَيْهِ ذلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ فَادْعُ اللَّهَ يَحْبِسْهُ فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا (^٤) فَنَظَرْتُ إِلَى السَّحَابِ تَصَدَّعَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ كَأَنَّهُ إِكْلِيلٌ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنَا الْإِجَابَةَ آمِين.\n_________\nومنها سرعة إجابة دعوته ﷺ\n(^١) الذي سأل هو خارجة بن حصن الفزارى، قال: يا رسول الله هلكت الكراع أي الخيل، والشاء أي الغنم من عدم المطر.\n(^٢) أي في الصفاء لعدم السحاب فيها.\n(^٣) جمع عزلاء وهى فم القربة الأسفل والمراد نزل المطر كأفواه القرب.\n(^٤) أي قال اللهم أنزله حولنا لا علينا فتصدع السحاب أي انكشف عن المدينة وصار حولها كأنه الإكليل الذي يحيط بالرأس، فبمجرد دعوة النبي ﷺ ظهر السحاب وأمطرت السماء وما ارتفع إلا بدعوته ﷺ في الجمعة الأخرى، تلك آية كبرى ومعجزة عظمى لمن أراد الحق وسعى إليه، وهذه ونظائرها دعوات عامة فلا ينافى أن له ﷺ دعوة مخصوصة عظيمة الشأن قد ادخرها لأمته في الآخرة كما تقدم في شفقته ﷺ فلا منافاة بين ما هنا وما تقدم. والله أعلم نسأل الله العلم والعمل واليقين آمين.","vol":"3","page":286},{"text":"<span data-type='title' id=toc-717>ومنه الإخبار بالمغيبات </span>(^١)\n• عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ (^٢) ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ (^٣)»؟ قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا، قَالَ: «فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةَ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلا اللَّهَ»، قُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي: فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا الْبِلَادَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى. قُلْتُ: كِسْرَى ابْنِ هُرْمُزَ (^٤) قَالَ: «نَعَمْ وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يَخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهُ. وَلَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ فَيَقُولَنَّ لَهُ: أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغَكَ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَقُولُ: أَلَمْ أُعْطِكَ مَالًا وَوَلدًا وَأَفْضِلْ عَلَيْك (^٥) فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلا جَهَنَّمَ وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلا جَهَنَّمَ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجهدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ (^٦)». قَالَ عَدِيٌّ: فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إِلا اللَّهَ (^٧)\n_________\nومنها الإخبار بالمغيبات\n(^١) المغيبات: هي الأمور الغائبة التى ليست معلومة للناس، وقد أذن للنبي ﷺ أن يخبر عنها ليقوى إيمان المؤمنين ويعظم عذاب الجاحدين.\n(^٢) الناقة: الفقر، وقطع السبيل أي الطريق بوجود الأشرار فيه.\n(^٣) الحيرة: بلد ملوك العرب تحت حكم فارس وكان ملكها حينذاك إياس بن قبيصة الطائي وليها من تحت الملك كسرى بعد قتل النعمان بن المنذر. والظعينة - كالعظيمة -: المرأة في الهودج، ودعار طيء جمع داعر وهو الشيطان الخبيث أي أشرارهم الذين سعروا البلاد أي ملأوها فسادا.\n(^٤) كسرى بن هرمز هو ملك فارس.\n(^٥) أي وتفضلت عليك وزدتك من كل خير.\n(^٦) أي تحفظوا من النار بأنواع البر ولو قليلا، وإلا فبكلمة طيبة لوجه الله تعالى كدلالة على خير أو شفاعة لضعيف.\n(^٧) فانتشر الأمن في زمن الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم كعمر بن عبد العزيز حتى عم هذه المنطقة كلها.","vol":"3","page":287},{"text":"وَكُنْتُ فِيمَنِ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ ما قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ ﵁ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا، قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ (^٢) فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلا اللَّهَ أَو الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْجِهَادِ.\n_________\n(^١) فكل ما أخبر به النبي ﷺ وقع وشاهده عدى بن حاتم ﵁ في حياته إلا كثرة الأموال إلى هذا الحد فإنها ستأتى في زمن عيسى ﵇، وسيأتى هذا في علامات الساعة، ومضى من هذا شيء في زمن عمر بن عبد العزيز ﵁.\n(^٢) المنشار بميم فنون أو بميم فياء آلة النشر، والأمشاط جمع مشط بالضم والكسر ما يمشط به، وصنعاء قاعدة اليمن ومدينته العظمى، وحضرموت بلد باليمن بينها وبين صنعاء أكثر من أربعة أيام، أو المراد بصنعاء صنعاء الشام فيكون أبلغ في البعد، فخباب بن الأرت ﵁ جاء للنبي ﷺ وهو متوسد أي متكئ على بردة في ظل الكعبة وقال يا رسول الله: قد بلغ أذى الكفار منا منتهاه فهل تدعو الله أن ينصرنا عليهم. فقال رسول الله ﷺ هل أصابكم كما أصاب الأولين من الأنبياء والمؤمنين؟ كان الواحد منهم يحفر له في الأرض ويوضع فيها ثم يهدد بالقتل إن لم يرجع عن الدين فلا يرجع فينشر بالمنشار نصفين فيموت وهو على دينه وكان الواحد منهم يمشط جلده ولحمه وعصبه بأمشاط الحديد ليرجع عن دينه فلا يرجع حتى يموت عليه وهذا هو أسمى الجهاد وهذا هو البلاء، وهذه هي البأساء والضراء، فهل نالكم كهذا؟ قال الله جل شأنه ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ثم قال رسول الله - ﷺ - والله ليتمن هذا الأمر - الدين الإسلامي - وينتشر حتى يسير الراكب من اليمن إلى الشام لا يخاف إلا الله تعالى، وقد وقع ذلك وانتشر الإسلام في الأرض غربا وشرقًا وهابه أهل الأرض كلهم وكانت كلمته العليا حتى تفرق أهله فذهبت سطوته. نسأل الله التوفيق واتحاد الكلمة آمين.","vol":"3","page":288},{"text":"• عَنِ ابْنِ عُمَر ﵄ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ العِشَاءِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هذِهِ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ». قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَهَلَ النَّاسُ فِي هذَا (^١) وَتَحَدَّثُوا عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ كُلٌّ بِمَا فَهِمَهُ وَلكِنْ مَعْنَاهُ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ فَيَنْخَرِمُ ذلِكَ الْقَرْنُ (^٢). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيٌّ (^٣).\nوَقَالَ جَابِرٌ ﷺ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ: «تَسْأَلُونِي عَنِ السَّاعَةِ وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ (^٤) تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ».\nرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَاثِلَاتٌ رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنْ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا (^٦)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُوشِكُ إِنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ أَنْ تَرَى قَوْمًا فِي أَيْدِيهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ يَغْدُونَ فِي غَضَبِ اللَّهِ وَيَرُوحُونَ فِي سَخَطِ اللَّهِ (^٧)». رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ فِي صِفَةِ أَهْلِ النَّارِ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا\n_________\n(^١) فوهل الناس في هذا أي خاضوا فيه كثيرا بالظن.\n(^٢) أي ينتهى.\n(^٣) ولكن مسلم في الفضائل وأبو داود في الملاحم والترمذى في الفتن.\n(^٤) ما على الأرض من نفس منفوسة أي مخلوقة ومولودة تأتى عليها مائة سنة وهى حية، بل بعد مائة سنة لا يبقى من هذا القرن أحد، فالحديثان معناهما واحد.\n(^٥) ولكن مسلم في الفضائل والترمذى في الفتن.\n(^٦) تقدم هذا الحديث وشرحه في كتاب النكاح فارجع إليه إن شئت.\n(^٧) هؤلاء هم الحكام وأشرار الناس الذين جبلوا على الشر وأذى العباد ولا سيما الضعفاء منهم والمساكين فهؤلاء في غضب الله بكرة وعشيًا. نسأل الله السلامة آمين.","vol":"3","page":289},{"text":"هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (^١)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الْفِتَنِ. وَسَبَقَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ تُخْبِرُ عَنِ الْغَيْبِ فِي أَبْوَابٍ هِيَ أَشَدُّ لَهَا مُنَاسَبَةً (^٢). وَسَيَأْتِي كِتَابُ الْفِتَنِ وَعَلَامَاتِ السَّاعَةِ وَكِتَابُ الْقِيَامَةِ وَكُلُّهُمَا إِخْبَارٌ بِالْغَيْبِ قَطْعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-718>ومنها انكشاف الغيب له ﷺ</span>\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: «إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِيَ الْآنَ (^٣) وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ أَوْ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ (^٤) وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَتَنَافَسُوا فِيهَا (^٥)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ (^٦) فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: «سَلُونِي، لَا تَسْأَلُوني عَنْ شَيْءٍ إِلا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ»، فَلَمَّا سَمِعَ الْقَوْمُ ذلِكَ الْقَوْمُ ذلِكَ أَرَمُّوا (^٧) وَرَهِبُوا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ أَمْرٍ قَدْ حَضَرَ.\n_________\n(^١) فكانت المملكتان العظيمتان قديما: فارس بالعراق وملكها كسرى، والروم بالشام وملكها قيصر، فأخبر النبي - ﷺ - بأن هاتين المملكتين ستفتحان وتصيران بلاد إسلام وستنفق كنوزهما في سبيل الله، وكان كذلك ففتحتا في زمن عمر ﵁ وغنم المسلمون منهما ما لا يعلمه إلا الله تعالى.\n(^٢) كحديث أصحاب الغار في كتاب الإيمان وكحديث أبى رغال وحديث من يعذبون في قبورهم في باب الجنائز. والله أعلم.\n\nومنها انكشاف الغيب له - ﷺ -\n(^٣) أي نظرًا بصريًا لانكشافه له ﷺ.\n(^٤) أي في المنام فهو وحي من الله تعالى. وفيه أن أمته ستملك الأرض وخيراتها وكان ذلك.\n(^٥) لا أخاف عليكم أن تشركوا بعدى أي كلكم بالله تعالى، ولكن أخاف عليكم من التنافس في الدنيا والتضارب عليها. فيه تحذير من فتنة المال فهى أعظم فتنة بعد النساء. نسأل الله السلامة.\n(^٦) أي ألحوا عليه فيها.\n(^٧) أي سكتوا.","vol":"3","page":290},{"text":"قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبَهِ يَبْكِي، وَكَانَ رَجُلٌ يُلَاحِي فَيُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ (^١) فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ أَبِي؟ قَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: رضينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ قَطُّ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، إِنِّي صُوِّرَتْ لِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَرَأَيْتُهُمَا دُونَ هذَا الْحَائِطِ (^٢)». وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالتْ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ لِعَبْدِ اللَّهِ مَا سَمِعْتُ بِابْنِ قَطُّ أَعَقَّ مِنْكَ أَأَمِنْتَ أَنْ تَكُونَ أُمُّكَ قَدْ قَارَفَتْ بَعْضَ مَا تُقَارِفُ نِسَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ (^٣) فَتَفْضَحَهَا عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَاللَّهِ لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ أَسْوَدَ لَلْحِقْتُهُ.\n\n• عَنْ أُسَامَةَ ﵁ قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُطُمٍ مِنَ الْآطَامِ (^٤) فَقَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي أَرَى الْفِتَنَ تَقَعُ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ مَوَاقِعَ الْقَطْرِ». رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ فِي الْفِتَنِ.\n\n• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ»، ثُمَّ قَالَ: «أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ ثَلَاثًا»، وَبَسَط يَدَهُ كَأَنَّهُ يتَنَاوَلُ شَيْئًا فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ» قُلْنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذلِكَ، وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَك قَالَ: «إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي فَقُلْتُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قُلْتُ أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ\n_________\n(^١) يلاحى فيدعى لغير أبيه أي يخاصم إنسانا فينسبه إلى غير أبيه.\n(^٢) أي كشف عنه - ﷺ - حتى رآهما كأنهما في حائط المسجد.\n(^٣) أي زنت كما كانت نساء الجاهلية.\n(^٤) فالنبي ﷺ وقف على أطم من الآطام أي على مكان عال في المدينة ثم قال: هل ترون ما أرى؟. قالوا لا. قال إني أرى الفتن أي الهرج والقتل تقع في بيوتكم كوقع المطر، وكان كذلك، فقد عمت الفتن كل بيت بعده ﷺ، ولكن كان أولها قتل عثمان ﵃ أجمعين.","vol":"3","page":291},{"text":"فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ، وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ (^١) لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي الصَّلَاةِ. وَسَبَقَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ رُؤْيَتُهُ ﷺ لِلنَّارِ وَالْجَنَّةِ وَمَا فِيهِما. وَقَالَ فِي آخِره الْحَدِيثِ: «فَمَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هذَا». وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الرَّقَائِقِ: «إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ (^٢)». نَسْأَلُ اللَّهَ كَمَالَ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ آمِينِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-719>لا يموت نبي حتى يُخير بين الدنيا والآخرة </span>(^٣)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَهُوَ مُسْنِدٌ إِلَى صَدْرِهَا (^٤): «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وارْحَمْنِي وأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ».\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ، قَالَتْ: فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَرَضِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ (^٥) يَقُولُ: «مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ\n_________\n(^١) دعوة سليمان ﵇ هي قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فأجابه الله وسخر له كل شيء حتى الجن والشياطين، ففيه أن النبي ﷺ رأى إبليس اللعين وهو في صلاته جاءه بشعلة نار ليشغله عن عبادة ربه فما قدر على هذا بل ظفر به النبي ﷺ وقبض على رقبته وعصره حتى شعر بلسانه على ظهر يده وأراد أن يوثقه في عمود المسجد لينظره الناس صباحًا ولكن تذكر دعوة أخيه سليمان ﵉ فرماه خاسئًا ذليلا، ومعلوم أن إبليس - لعنه الله - يقدر على التشكل بما يشاء كصاعقة محرقة وكأكبر أسد مفترس، فقهر النبي ﷺ له إلى هذا الحد قوة إلهية ومعجزة نبوية لا يصل إليها أحد من البشر.\n(^٢) في هذين أن النبي ﷺ كان يبصر ويرى كل شيء زيادة في علمه وإيمانه ومعجزاته - ﷺ -.\n\nلا يموت نبى حتى يخير بين الدنيا والآخرة\n(^٣) زيادة تكريم له ومسارعة فيما يرضيه.\n(^٤) وهو مسند إلى صدرها أي مسند رأسه إلى صدرها بالرفيق: أي بالرفيق الأعلى، أو بالرفيق أي الرفقة والجماعة الذين هم في الملأ الأعلى، كالنبيين والصديقين والشهداء.\n(^٥) وأخذته بحة أي في صوته وهي الخشونة التى تظهر في الصوت قبل الوفاة، قولها فظننته خير حينئذ فاختار الله والآخرة بقوله مع الذين أنعم الله عليهم.","vol":"3","page":292},{"text":"وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا»، قَالَتْ: فَظَنَنْتُهُ خُيِّرَ حِينَئِذٍ. رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ فِي فَضْلِ عَائِشَةَ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ: «إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى مَقْعَدَهُ فِي الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ» قَالَتْ: فَلَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ أَفَاقَ فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقُ الْأَعْلَى»، قُلْتُ: إِذًا لَا يَخْتَارُنَا وَعَرَفْتُ الْحَدِيثَ الَّذِي كَانَ يَذْكُرُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ فَكانَتْ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْلَهُ: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى (^١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٢).\nوَعَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ (^٣) أَوْ عُلْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْمَاءِ وَيَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ وَيَقُولُ: «لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الرَّقَائِقِ.\n_________\n(^١) الرفيق الأعلى منصوب بمحذوف أي أسألك أو أختار الرفيق الأعلى.\n(^٢) ولكن مسلم في الفضائل والبخارى في الرقائق.\n(^٣) فكان النبي - ﷺ - وهو في النزع بين يديه ركوة: إناء من جلد، أو علبة: إناء من خشب فيها ماء، فكان يبل يده في الماء ويمسح وجهه ويقول. لا إله إلا الله إن للموت سكرات، أي فالموت بطبعه صعب على كل إنسان لأن الروح دخلت كرها وتخرج كرها. وللحديث القدسي الآتى في الرقائق يقول الله ﷿» ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدى المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته» نسأل الله تمام التوفيق وواسع اللطف آمين.\n\n(فائدة) نبينا محمد ﷺ أفضل خلق الله على الإطلاق لا فرق بين عاقل كالملك والإنسان أو غير عاقل كالحيوان والجهاد من الأرضين إلى السموات إلى عرش الرحمن جل شأنه لأنه ﷺ أصل الكون كله لحديث عبد الرزاق والبيهقى: أول ما خلق الله نور محمد ﷺ إلى آخره، ونبينا محمد ﷺ أحرص الناس على أمته وأرأف الناس على أمته حيًا وميتًا لحديث» حياتي خير لكم تحدثون (أي أمورًا يخفى حكمها) ويحدث لكم (بلفظ المجهول أي أبين لكم حكمها) فإذا أنا مت كانت وفاتى خيرًا لكم تعرض على أعمالكم فإن رأيت خيرا حمدت الله وإن رأيت شرًا استغفرت لكم» أي كل يوم خصوصية له ﷺ، وتعرض عليه أيضًا مع الأنبياء والآباء يوم الاثنين والخميس. رواه ابن سعد بسند موثق اهـ الجامع الصغير.","vol":"3","page":293},{"text":"<span data-type='title' id=toc-720>خاتمة في فضائل بعض الأنبياء صلى اللَّه عليهم وسلم إبراهيم ﵊</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ (^١)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ ﵇ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ (^٢)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ ﵇ قَطُّ إِلا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ (^٣): قَوْلُهُ إِنِّي سَقِيمٌ، وَقَوْلُهُ بَلْ فَعَلْهُ كَبِيرُهُمْ هذَا، وَوَاحِدَةً فِي شَأْنِ سَارَةَ فَإِنَّهُ قَدِمَ أَرْضَ جَبَّارٍ (^٤)» وَمَعَهُ سَارَةُ وَكَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ فَقَالَ لَهَا: «إِنَّ هذَا الْجَبَّارَ إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَتِي يَغْلِبْنِي عَلَيْكِ فَإِنْ سَأَلَكِ فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِي فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الْإِسْلَامِ فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ مُسْلِمًا غَيْرِي وَغَيْرَكِ فَلَمَّا دَخَلَ أَرْضَهُ رَآهَا بَعْضُ أَهْلِ الْجَبَّارِ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ لَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَكُونَ إِلا لَكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَأُتِيَ بِهَا فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ ﵇\n_________\nخاتمة في ذكر بعض الأنبياء - إبراهيم ﷺ\n(^١) هذا قبل علمه ﷺ بأنه أفضل الناس أو هذا تواضع وإكرام لإبراهيم ﵇ لأبوته وخلته وإلا فنبينا أفضل الناس أجمعين.\n(^٢) القدوم: آلة النجر واسم مكان وهو المراد هنا فإبراهيم ﵇ حتن فيه نفسه وهو ابن ثمانين سنة أو مائة وعشرين حينما أمره الله تعالى.\n(^٣) ثنتين في ذات الله أي في مرضاته أملا في إسلامهم هما قوله لقومه: إنى سقيم وليس بسقيم، وقوله بل فعله كبيرهم هذا ولكنه هو الفاعل، والثالثة قوله لامرأته: إن سألك الجبار فقولي إنك أختى وما هي بأخته إلا في الإسلام، ولا يقال إنه كذب أيضًا في قوله للكوكب: هذا ربيى لأنه لم يكن مكلفًا حينذاك أو هو محاورة بخداع لاستدراجهم إلى التوحيد.\n(^٤) قيل إن ذلك الجبار ملك مصر.","vol":"3","page":294},{"text":"إِلَى الصَّلَاةِ (^١) فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا فَقُبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً (^٢) فَقَالَ لَهَا: ادْعِي اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي وَلَا أَضُرُّكِ فَفَعَلَتْ فَعَادَ فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَةِ الْأُولَى، فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذلِكَ فَفَعَلَتْ، فَعَادَ فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فَقَالَ لَهَا: ادْعِي اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي فَلَكِ اللَّهَ أَلا أَضُرَّكِ (^٣) فَفَعَلَتْ وَأُطْلِقَتْ يَدُهُ وَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ وَلَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرضي وَأَعْطِهَا هَاجَرَ (^٤) قَالَ فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ انْصَرَفَ فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ قَالتْ: خَيْرًا كَفَّ اللَّهُ يَدَ الْفَاجِرِ وَأَخْدَمَ خَادِمًا». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ. رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ هُنَا وَالْبُخَاريُّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عُرِضَ عَلَيَّ الأَنْبِيَاءُ (^٥) فَإِذَا مُوسى ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ (^٦)، وَرَأَيْتُ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبِهًَا عُرْوَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ (^٧)، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَإِذَا أَقْرَبُ\n_________\n(^١) لقوله تعالى ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ ولحديث كان النبي ﷺ إذا حزبه أي أهمه أمر صلى أي تلبس بصلاة.\n(^٢) أي شلت يده.\n(^٣) الله نصب على القسم أي أقسم لك بالله لا أضرك.\n(^٤) فلما لم يتمكن الجبار من سارة قال لمن أتاه بها إنك أتيتنى بشيطان لا بإنسان أخرجها من أرضى وأعطها هاجر خادما لها، فأخذتها فذهبت إلى إبراهيم ﵇ فلما رآها انصرف من صلاته وقال لها مهيم أي ما الخبر؟ قالت: كف الله الفاجر وأعطانى خادما. قال أبو هريرة: فتلك السيدة وهي هاجر أمكم يا بني ماء السماء، أي يا معشر العرب لصفاء نسبهم أو لعيشهم على ما تنبت السماء، وكانت هاجر أمهم لأن سارة وهبتها إبراهيم فولدت له إسماعيل ﵉، والعرب كلهم من ولد إسماعيل الذي كانت حياته بمكة حتى مات ﵇، وسيأتى هذا واسعًا في تفسير سورة البقرة إن شاء الله تعالى.\n(^٥) أي كشف الله عني فرأيتهم ليلة الإسراء.\n(^٦) أي خفيف اللحم ممشوق مستدق كأنه من تلك القبيلة.\n(^٧) فكان رجلا آدم اللون شعره إلى منكبيه في أحسن هيئة.","vol":"3","page":295},{"text":"مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ يَعْنِي نَفْسَهُ ﷺ، (^١) وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ ﵇ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْإِسْرَاءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-721>موسى ﷺ</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (^٢) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ (^٣) رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ وَرَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى الْعَالَمِينَ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسى ﵇ عَلَى الْعَالَمِينَ، فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذلِكَ فَلَطَمَ وَجْهَ الْيهُودِيِّ فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسى فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ (^٤) فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا مُوسى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنِى اللَّهُ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ (^٥).\n_________\n(^١) فجسم إبراهيم وهيئته كمحمد صلى الله عليهما وسلم، ودحية أي دحية الكلبي ذلك الرجل الوسيم نسأل الله حسن الظاهر والباطن آمين.\n\nموسى ﷺ\n(^٢) فالله تعالى وصفه بأنه مخلص، وأنه نبي ورسول، وأنه ناداه بجانب الطور وكلمه وقربه نجيا - ﷺ -.\n(^٣) أي تشاتما وسب كل منهما صاحبه.\n(^٤) يصعقون أي تأخذهم غشية من سماع صوت شديد. أو المراد يموتون بنفخة الصعق، فإذا موسى باطش بجانب العرش أي متعلق به. وفى رواية فإذا موسى آخذ بالعرش أي بقائمة من قوائمه، فلما تشاتم اليهودى والمسلم وفضل كل منهما نبيه ولطم المسلم اليهودى وترافعا للنبي - ﷺ -، قال: لا تفضلوني على موسى فإنى أفيق أول الناس في الآخرة فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدرى هل أفاق قبلي أو كان ممن استثناهم الله بقوله ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. وفى رواية: أو اكتفى بصعقة الطور، وهذا تواضع من نبينا - ﷺ - وإلا فهو أفضل الناس كما تقدم.\n(^٥) ولكن مسلم في الفضائل والبخارى في التفسير.","vol":"3","page":296},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسى ﵇ فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ فَفَقَأَ عَيْنَهُ (^١)» فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ قَالَ: «فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ» وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ قَالَ: أَيْ رَبِّ ثُمَّ مَهْ، قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ، قَالَ: فَالْآنَ، فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ تَحْتَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٢).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَرَرْتُ عَلَى مُوسى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِيَ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ (^٣)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n_________\n(^١) فملك الموت ذهب لموسى ﵉ فصكه أي لطمه على عينه ففقأها فرجع إلى ربه فأخبره فرد عليه عينه وقال: قل له يضع يده على متن ثور أي ظهر ثور (ذكر البقر) فله بكل شعرة تحتها سنة فلما بلغه ملك الموت قال يا رب ثم مه إلى أين؟ قال إلى الموت. قال فهو الآن خير لي ولكنه سأل ربه جل شأنه أن يقربه من الأرض المقدسة (بيت المقدس) رمية بحجر أي قدر ذلك، وكان موسى ﵇ حينئذ بأرض التيه (الأرض الواسعة الصماء بجوار الطور) فأجابه الله تعالى وقربه لبيت المقدس فقبره الآن في الكثيب الأحمر وهو تل أحمر من الرمل مستطيل بقرب بيت المقدس، ولا يقال كيف يلطم موسى ملك الموت الذي هو رسول الله؟ لأنا نقول: إنه دخل عليه في بيته بغير إذن في صورة إنسان فظن فيه الشر فلطمه ابتلاء كما وقع لداود وسليمان وغيرهما - ﷺ -، ولكن لا يزال في النفس شيء من هذا.\n(^٢) إلا أن البخارى رواه في الجنائز.\n(^٣) مر النبي ﷺ على موسى فوجده قائما يصلى في قبره ثم سبقه فاجتمع بالأنبياء ببيت المقدس لانتظار النبي - ﷺ -، ثم ظهرت روحه في السماء السادسة فحاججت النبي - ﷺ - في تخفيف الفرائض، ولا عجب في هذا فأحوال البرزخ لا تدركها العقول، والغيب أعجب من كل شيء، وفيه أن الأنبياء أحياء في قبورهم يعبدون الله تعالى نسأل الله حسن الختام آمين.","vol":"3","page":297},{"text":"<span data-type='title' id=toc-722>عيسى ﷺ</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ (^١) ﴿يمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَرَانِي لَيْلَةً عِنْدَ الْكَعْبَةِ (^٢) فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ (^٣) كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ لَهُ لِمَّةٌ (^٤) كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَم قَدْ رَجَّلَهَا فَإِذَا هِيَ تَقْطُرُ مَاءً مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَسَأَلْتُ مَنْ هذَا فَقِيلَ هذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ». ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ (^٥) أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ فَسَأَلْتُ مَنْ هذَا فَقِيلَ هذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى مُوسى بْنِ عِمْرَانَ ﵇ رَجُلٌ آدَمَ (^٦) طُوَالٍ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ مَرْبُوعَ الْخَلْقِ (^٧) إلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ سَبِطَ الرَّأْسِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي التَّفْسِيرِ.\n_________\nعيسى ﷺ\n(^١) ﴿إذ قالت الملائكة﴾ أي جبريل ﴿يا مريم إن الله يبشرك بكلمة﴾ أي بولد منه أي من فضله ورحمته ﴿اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا﴾ بالنبوة والرسالة والمعجزات» والآخرة» بالشفاعة ورفيع الدرجات. ﴿ومن المقربين * ويكلم الناس في المهد﴾ وهو رضيع قبل أوان التكلم ﴿وكهلا ومن الصالحين﴾.\n(^٢) أي في النوم.\n(^٣) آدم أي أسمر.\n(^٤) له لمة - كهمة - أي شعر جاوز شحمة أذنيه فقط فإذا بلغ المنكبين فهو جمة كقبة.\n(^٥) جعد قطط أي شعره كشعر الزنجي، أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية أي بارزة ظاهرة.\n(^٦) رجل آدم أي أسمر، جعد الشعر طوال أي طويل.\n(^٧) مربوع الخلقة أي متوسط الطول والعرض، إلى الحمرة والبياض أي أبيض مشربًا بحمرة، سبط الرأس أي مسترسل الشعر.","vol":"3","page":298},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مَوْلودٍ يُولَدُ إِلا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ (^١) فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ الشّيْطَانِ إِلا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ» قَالُوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلاتٍ (^٢) وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ فَلَيْسَ بَيْنَنَا نَبِيٌّ». وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ الْأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلاتٍ ولَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ». رَوَاهُمَا الثَّلَاثةُ (^٣).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَأَى عِيسى ﵇ رَجُلًا يَسْرِقُ» فَقَالَ لَهُ: سَرَقْتَ، فَقَالَ: «كَلا وَالَّذِي لَا إِلهَ إِلا هُوَ»، فَقَالَ عِيسى: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ نَفْسِي (^٤). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. نَسْأَلُ اللَّهَ كَمَالَ الْإِيمَانِ آمِين.\n_________\n(^١) فكل مولود ينزل من بطن أمه ينخسه الشيطان أي بطعنه في خاصرته فيصرخ إلا عيسى وأمه ﵉ فذهب يطعن فمنعه الحجاب إجابة لدعوة أم مريم ﵄ ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ومثل عيسى وأمه جميع الأنبياء - ﷺ - لقوله تعالى ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾.\n(^٢) الأنبياء إخوة من علات جمع علة وهي الضرة لأنها تتعلل من ضرتها، وأمهاتهم شتى ودينهم واحد بيان لذلك فالأنبياء إخوة لأنهم أولاد آدم ﵇ ودينهم واحد وهو الإسلام وإن تفاوتت أمهاتهم ونبينا محمد ﷺ أولى الناس بعيسى ﵇ لأنه أخوه وليس بينهما نبي.\n(^٣) ولكن مسلم هنا والبخاري في بدء الخلق.\n(^٤) أي صدقت من حلف بالله وكذبت نفسي فيما ظهر لي لاحتمال أنه محق في ذلك، وهذه مسارعة إلى الإيمان بالله والحلف به لكثرة إيابه إلى ربه واستغراقه في جلاله وجماله نسأل الله ذلك آمين.","vol":"3","page":299},{"text":"<span data-type='title' id=toc-723>يونس وزكريا صلى اللَّه عليهما وسلم</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (^١) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسِيرُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَمَرَّ بِوَادٍ فَقَالَ: «أَيُّ وَادٍ هذَا؟» فَقَالُوا: هذَا وَادِي الْأَزْرَقِ، قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسى ﵇ هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ» (^٢) ثُمَّ مَرَّ عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى (^٣) فَقَالَ: «أَيُّ ثَنِيَّةٍ هذِهِ؟» قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونسَ بْنِ مَتَّى ﵇ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ خِطَامُ ناقَتِهِ خُلْبَةٌ وَهُوَ يُلَبِّي». رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْمِعْرَاجِ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا (^٤) خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n_________\nيونس وزكرياء صلى الله عليهما وسلم\n(^١) فالله تعالى أرسل يونس ﵇ إلى قومه بنينوى بأرض الموصل فكذبوه فوعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا بعد ثلاث ليال فلم يأت العذاب فخرج من بلده وركب سفينة بغير إذن من ربه فأوشكت أن تفرق فقال الملاحون: هنا عبد آبق من سيده وعملوا قرعة فخرجت عليه فألقى نفسه في البحر فالتقمه الحوت ومكث في بطنه أيامًا ثم ألقاه إلى الشاطئ في نهاية السقم فأنبت الله عليه شجرة تظله وسخر له وعلة تأتيه صباحًا ومساء فيشرب من لبنها حتى صح وعادت إليه قوته فأمره الله بالعودة إلى قومه ليبلغهم الرسالة فآمنوا به وبربه فمتعهم الله إلى حين، فانظر أيها المسلم لهذا البلاء الذي كان يحل بخيرة الناس وهم الأنبياء المصطفون الأخيار صلى الله عليهم وسلم.\n(^٢) أي وصوته عال بالتلبية والاستغاثة إلى الله تعالى.\n(^٣) فلما وصل النبي - ﷺ - إلى ثنية هرشي - كمرحي - جبل قرب الجحفة، قال كشف لي من الغيب فرأيت يونس على ناقة حمراء جعدة أي مكتنزة اللحم خطامها خلبة من الليف وعليه جبة من صوف وهو مار بهذا الوادي يلبي ربه تعالى.\n(^٤) لفظ أنا عائد للنبي - ﷺ -، وهذا قبل أن يعلمه الله بأنه أفضل الناس أو هو تواضع منه - ﷺ -، أو هذا للتأدب مع الأنبياء حديث» لا تخيروا بين الأنبياء» - صلى الله عليهم وسلم -.","vol":"3","page":300},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَانَ زَكَرِيَّاءُ ﵇ نَجَّارًا (^١)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الصِّنَاعَةِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-724>أيوب ﷺ</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَيُّوبُ (^٢) يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِي فِي ثَوْبِهِ فَنَادَاهُ رَبُّهُ يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ وَلكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْغُسْلِ فِي الطَّهَارَةِ. وَسَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَضْلُ يُوسُفَ وَكَثِيرٍ مِنَ الْأَنْبَيَاءِ.\n_________\n(^١) كان زكريا نجارًا أي يعيش من صنعة النجارة، ففيه جواز الصنائع وأنها لا تخل بالمروءة بل الكسب من عمل اليد أفضل كما تقدم في البيوع» ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده - ﷺ -.\n\nأيوب ﷺ\n(^٢) أيوب ﵇ ابن العوص بن رزاح بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم - ﷺ - كان أعبد أهل الأرض وكان غنيًا بالمال والولد ولكنه ابتلى بذهابهما سبع سنين فصبر صبرا جميلا حتى كان مثلا في هذا، وبينما هو يغتسل يومًا في الفلاة وحده عريانًا إذ نزل عليه جراد من ذهب أي صورة جراد من ذهب فجعل يأخذ بيديه ويضع في ثوبه، فقال له ربه تعالى يا أيوب ألم أكن أغنيتك عن هذا قال بلى يا رب قد أغنيتني ولكن لا زلت في حاجة إلى خيرك وبركتك، فيه جواز الغسل عريانًا أي إذا كان وحده وجواز المزيد من المال إذا أنفق في طرق الخير لحديث» نعم المال الصالح للرجل الصالح» وحديث» نعم الدنيا مطية المؤمن بها يصل إلى الخير وبها ينجو من الشر».","vol":"3","page":301},{"text":"<span data-type='title' id=toc-725>ذو القرنين وعزيز وتبع ﵃</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾. وَقَالَ تَعَالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.\nوَقَالَ تَعَالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ (^١).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَدْرِي أَتُبَّعٌ لَعِينٌ هُوَ أَم لَا، وَمَا أَدْرِي أَعُزَيْرٌ نَبِيٌّ هُوَ أَمْ لَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢) وَالْحَاكِمُ وَلَفْظُهُ: «وَمَا أَدْرِي ذَا الْقَرْنَيْنِ نَبِيًّا كَانَ أَمْ لَا (^٣)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَدْرِي أَلْحُدُودُ طَهَارَةٌ لِأَهْلِهَا أَمْ لَا وَلَا أَدْرِي تُبَّعٌ لَعِينًا كَانَ أَمْ لَا، وَلَا أَدْرِي ذُو الْقَرْنَيْنِ نَبِيًّا كَانَ أَمْ مَلِكًا». رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ. وَلِأَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ: «لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ (^٤)». وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\nعدد أحاديث كتاب النبوة ١٣٧\n_________\nذو القرنين وعزير وتبع ﵈\n(^١) الكلام على هذه الآيات مبسوط في التفسير.\n(^٢) بسند صالح.\n(^٣) هذا قبل أن ينزل عليه أنها طهارة لأهلها وتقدم في آخر الحدود.\n(^٤) فالمستور عنا في ذي القرنين وعزير نبوتّهما فقط، أما إسلامهما فتفق عليه، وقوله لا أدرى تبع لعينًا أي كافرا أم لا هذا أولا ولكن ثبت إسلامه بهذا الحديث. وقال قتادة إن كعبًا كان يقول في تبع الرجل الصالح وكانت عائشة ﵂ تقول لا تسبوا تبعًا فإنه قد كان رجلا صالحًا نسأل الله أن يحشرنا في زمرة الصالحين آمين والحمد لله رب العالمين.","vol":"3","page":302},{"text":"<span data-type='title' id=toc-726>(القسم الثالث في الفضائل والتفسير والجهاد)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type='title' id=toc-727>كتاب الفضائل</span>\nوفيه سبعة فصول وخاتمة\n\n<span data-type='title' id=toc-728>الفصل الأول في فضائل أصحاب النبي ﷺ إجمالًا</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (^١) ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي (^٢) ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». قَالَ عِمْرَانُ: فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ وَيَنْذِرُونَ وَلَا يَفَونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ\n_________\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\nكتاب الفضائل. وفيه سبعة فصول وخاتمة. الفصل الأول في فضائل الأصحاب إجمالا\n(^١) سيماهم على وجوههم من أثر السجود. أي علامتهم في وجوههم نور يظهر عليها في الدنيا والآخرة وهذا مثلهم في التوراة. ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه أي فراخه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه أي فقواه فقام واستوى على أصوله يعجب الزراع أي زارعيه لحسنه، فأصحاب النبي - ﷺ - كالزرع يبدو في قلة وضعف ثم يكثر ويقوى على أحسن الوجوه فهم غيظ للكفار ولهم الغفران والأجر العظيم.\n(^٢) خير أمتي قرني أي أصحابي، فالمراد بقرنه ﷺ الذين رأوه وآمنوا به، فهم خير الأمة ثم الذين يلونهم وهم الأتباع ثم الذين يلونهم وهم أتباع التابعين، ثم يأتي بعدهم قوم يتسابقون للشهادة عمل طلبها ويتسارعون لليمين قبل طلبها، وهذا كناية عن عدم تورعهم.","vol":"3","page":303},{"text":"الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِئُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ». رَوَاهُمَا الْأَرْبَعَةُ.\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِ ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيَقُولُونَ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (^١) فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ. ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ». ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ: «ثُمَّ يَكُونُ البَعْثُ الرَّابِعُ فَيُقَالُ انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ أَحَدًا رَأَى مَنْ رَأَى أَحَدًا رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَمَعَهُمَا مِثْلُ الْمِصْبَاحَيْنِ يُضِيئَانِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ (^٢)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ قَالَ: صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قُلْنَا نَجْلِسُ حتَّى نُصَلِّيَ الْعِشَاءَ فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا زِلْتُمْ ههُنَا، قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْنَا نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ الْعِشَاءَ قَالَ: «أَحْسَنْتُمْ أَوْ أَصَبْتُمْ»، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ\n_________\n(^١) فسيأتي زمان تخرج فيه للغزو فئام أي جماعة من الناس فيستنصرون بالواحد من الأصحاب وينصرون به، ثم يأتي زمان فيستنصرون بالواحد من الأتباع ثم بالواحد من أتباع التابعين ثم بالواحد من أتباع أتباع التابعين فيفتح لهم وينصرون لقربهم من النبي ﷺ ونور النبوة والرسالة.\n(^٢) إكرامًا لهما ومعجزة لنبيهما ﷺ وهذان الرجلان هما أسيد بن حضير وعباد ابن بشر ﵄.","vol":"3","page":304},{"text":"وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَفْعَلُهُ فَقَالَ: «النُّجُومُ أَمَنةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أُتِيَ السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ (^١) وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي فَإِذا ذَهَبْتُ أُتِيَ أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ (^٢) وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أُتِيَ أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ (^٣)». رَوَاهُ مُسْلمٌ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبٍ جَاءَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَشْكُو حَاطِبًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ فَقَالَ: «كَذَبْتَ لَا يَدْخُلُهَا فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ عِنْدَ حَفْصَةَ: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ (^٤) الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا»، قَالَتْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَانْتَهَرَهَا فَقَالَتْ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قَال اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَهَا: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَمَسُّ النَّارُ مُسْلِمًا رَآنِي أَوْ رَأَى مَنْ رَآنِي».\n\n• عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي يَمُوتُ بأَرْضٍ إِلا بُعِثَ قَائِدًا وَنُورًا لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٥).\n_________\n(^١) من فساد الكون ومجيء القيامة، والأمنة بالتحريك الأمن.\n(^٢) من الفتنة والشقاق والتفرق.\n(^٣) من اتباع الهوى والتنافس في الدنيا.\n(^٤) أصحاب الشجرة هم المذكورون في قوله تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ فورودهم على النار مرورهم على الصراط الذي فوقها كالقنطرة فقط.\n(^٥) الأول بسند حسن والثاني بسند غريب.","vol":"3","page":305},{"text":"<span data-type='title' id=toc-729>سب الأصحاب جرم عظيم</span>\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحابِي اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي (^١) فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي وَمَنْ آذني فَقَدْ آذى اللَّهَ وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: كَانَ بَيْنَ خَالِدٍ بْنِ الْوَلِيدِ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ شَيْءٌ فَسَبَّهُ خَالِدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَو أَنْفَقَ (^٣) مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ. ولِلتِّرْمِذِيِّ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَسُبُّونَ أَصْحَابِي فَقُولُوا لَعْنَة اللَّهِ عَلَى شَرِّكُمْ».\n\n<span data-type='title' id=toc-730>الفصل الثاني في فضائل الخلفاء الأربعة فضائل أبي بكر ﵁ </span>(^٤)\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ ذلِكَ الْعَبْدُ مَا عنْدَ اللَّهِ» قَالَ: فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ\n_________\nسب الأصحاب جرم عظيم\n(^١) الله الله في أصحابي أي اتقوا الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضًا بعدي فترمونهم بألسنتكم.\n(^٢) أي بالهلاك العظيم.\n(^٣) أي لو أنفق غير الصحابي مثل جبل أحد من الذهب في سبيل الله ما بلغ ثواب المد ولا نصفه الذي ينفقه الصحابي لمكانته العظمى عند الله ونبيه ﷺ.\n\nالفصل الثاني في فضائل الخلفاء الأربعة ﵃ - فضل أبي بكر ﵁\n(^٤) أبو بكر اسمه عبد الله بن أبي قحافة واسمه عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب فهو يجتمع مع النبي ﷺ في الحد السادس. وهو قرشي لأن قريشًا من فهر بن مالك ولأن اسم فهر قريش مصغر قرش اسم لدابة في البحر، وقيل قريش من النضر بن كنانة، واسم أم أبي بكر سلمى بنت صخر بن مالك أسلمت وهاجرت وكذا أبوه أسلم يوم الفتح ﵃.","vol":"3","page":306},{"text":"فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الْمُخَيَّرَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ (^١) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مَنْ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ وَلكِنْ أُخْوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ (^٢) لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلا سُدَّ إِلا بَابَ أَبِي بَكْرٍ». وَفِي رِوَايَةٍ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ وَلكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي وَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا (^٣)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرِ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ (^٤)» فَسَلَّمَ وَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الْخَطَّابِ شَيْءٌ فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ (^٥) ثُمَّ نَدِمْتُ فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي (^٦) فَأَبى عَلَيَّ فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ فَقَالَ: «يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ثَلَاثًا». ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ فَسَأَلَ أَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ (^٧) فَقَالُوا: لَا، فَأَتَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَلَّمَ فَجَعَل وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ يَتَمَعَّرُ (^٨) حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ (^٩) فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ (^١٠) فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي مَرَّتَيْنِ فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا».\n_________\n(^١) أي فكان هذا التخيير للنبي - ﷺ - ولم يفهمه إلا أبو بكر فلذا أكثر من البكاء.\n(^٢) أي بيننا أقوى ما تكون.\n(^٣) وفي رواية: لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلا لاتخذت ابن أبي قحافة خليلا ولكن صاحبكم خليل الله.\n(^٤) أي وقع في غمرة وشدة.\n(^٥) أي بكلام شديد.\n(^٦) أن يسامحني.\n(^٧) أي هنا أبو بكر.\n(^٨) يتمعر بالعين المهملة، وروى بالمعجمة، أي يتغير من الغيظ.\n(^٩) أي خاف على عمر مجلس على ركبتيه يستعطف النبي - ﷺ -.\n(^١٠) فهو أول من آمن من الرجال وواسى النبي - ﷺ - بالنفس والمال.","vol":"3","page":307},{"text":"• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَاتَ وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ (^١) فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلا ذَاكَ وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ (^٢) فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبَّلَهُ (^٣) وَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُذِيقُكَ اللَّهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَدًا (^٤)، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: أَيُّهَا الْحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ فَجَلَس عُمَرُ فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾. وَقَالَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. قَالَ: فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ (^٥) قَالَ: وَاجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ (^٦) فَقَالُوا: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فَذَهَبَ عُمَرُ يَتَكَلَّمُ فَأَسْكَتَهُ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِذلِكَ إِلا أَنِّي\n_________\n(^١) بضواحي المدينة في منازل بني الحارث عند زوجته بنت خارجة الأنصاري.\n(^٢) القائلين بموته - ﷺ -.\n(^٣) أي بين عينيه.\n(^٤) أي في الدنيا بل هي واحدة.\n(^٥) أي غلبهم البكاء من تأثير خطبة أبي بكر ﵁، فانظر إلى الفرق. الواسع بينه وبين عمر حيث ذهل عمر وأقسم أن النبي - ﷺ - ما مات وسيبعثه الله فينتقم ممن قال بموته، وأما أبو بكر فأسكت عمر وخطب بما يناسب المقام حتى تغلب على شعور الحاضرين وأبكاهم فاعترفوا له بالعقل، التكامل والعلم الوافر والرأي الصائب فبايعوه رضي الله عن الجميع.\n(^٦) موضع يجتمع فيه الأنصار للشورى بينهم فاجتمعوا ورأى بعضهم أن الخلافة لسعد بن عبادة نقيب بني ساعدة، ورأى آخرون أن الخلافة تكون الاثنين: من الأنصار واحد، ومن المهاجرين واحد، فأبى المهاجرون وقال أبو بكر: قريش أوسط العرب دارًا أي أفضلهم مكانا وهي مكة حفظها الله، وأعربهم أحسابا أي أشبههم في الشمائل وحسن الخصال، وأخيرًا تم الأمر لأبي بكر ﵃ أجمعين.","vol":"3","page":308},{"text":"قَدْ هَيَّأْتُ كَلَامًا قَدْ أَعْجَبَنِي خَشِيتُ أَلا يَبْلَغَهُ أَبُو بَكْرٍ ثمَّ تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَتَكَلَّمَ أَبْلَغَ النَّاسِ فَقَالَ فِي كَلَامِهِ: نَحْنُ الْأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ فَقَالَ: حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: لَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ، مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا وَلكِنَّا الْأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ هُمْ أَوْسَط الْعَرَبِ دَارًا وَأَعْرَبُهُمْ أَحْسَابًا فَبَايِعُوا عُمَرَ أَوْ أَبَا عُبَيْدَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: بَلْ نُبَايِعُكَ أَنْتَ فَأَنْتَ سَيِّدُنَا وَخَيْرُنَا وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ فَبَايَعَهُ وَبَايَعَهُ الناسُ فَقَالَ قَائِلٌ: قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فَقَالَ عُمَرُ: قَتَلَهُ اللَّهُ.\n\n• عَنْ عَمَّارِ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَا مَعَهُ إِلا خَمْسَةَ أَعْبُدٍ (^١) وَامْرَأَتَانِ وَأَبُو بَكْرٍ. رَوَى الْبُخَارِيُّ هذِهِ الثَّلَاثَةَ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ: «ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنَ وَيَقُولُ قَائِلٌ أَنَا أَوْلَى وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلا أَبَا بَكْرٍ (^٢)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. قَال: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا»؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟» قَأُع أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ (^٣)». رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.\n_________\n(^١) الأعبد هم: بلال وزيد بن حارثة وعامر بن فهيرة وأبو فكيهة مولى صفوان بن أمية وعبيد بن زيد الحبشي وأبدل بعضهم أبا فكيهة بعمار بن ياسر، والمرأتان هما خديجة أم المؤمنين وأم أيمن أو سمية، وأبو بكر ﵃ فهؤلاء سبقوا الناس كلهم إلى الإسلام ولكن أولهم من الرجال أبو بكر ومن النساء خديجة ومن الموالي زيد بن حارثة مولى النبي - ﷺ -، ومن الأرقاء بلال بن رباح ﵃ أجمعين.\n(^٢) فالنبي - ﷺ - طلب أبا بكر ليكتب له كتابًا بالخلافة ولكنه لم يفعل فقال إني أخاف أن يقول قائل أنا أولى أي بالخلافة ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر فهو أهل للخلافة، ففيه إشارة إلى أنه سيقع نزاع فيها وستؤول لأبي بكر وقد كان.\n(^٣) أي بغير سابقة عذاب.","vol":"3","page":309},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَرَانِي بَابَ الْجَنَّةِ الَّذِي تَدْخُلُ مِنْهُ أُمَّتِي» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَدَدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَكَ حتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَا إِنَّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي (^١)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\nوعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا لِأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ إِلا وَقَدْ كَافَيْنَاهُ (^٢) مَا خَلَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا يَدًا يُكَافِئُهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَا نَفَعَنِي مَالُ أَحَدٍ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ».\n\n• عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: «أَنْتَ صَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ (^٣) وَصَاحِبِي فِي الْغَارِ».\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَنتَ عَتِيقُ اللَّهِ مِنَ النَّارِ قَالَتْ: «فَمِنْ يَوْمَئِذٍ سُمِّيَ عَتِيقًا».\nوَعَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْبَغِي لِقَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ». رَوَى هذِهِ الْأَرْبَعَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٤).\n_________\n(^١) فأبو بكر أول من يدخل الجنة من الأمة فعمر فعثمان فعلى فبقية العشرة المبشرين بالجنة وسيأتي الكلام عليهم ﵃ فبقية الأصحاب فالتابعون فأتباع التابعين مع ملاحظة أن فقراء كل طبقة تتقدم عليها.\n(^٢) هكذا الرواية كافيناه ويكافئه الله به أي بعمله وفضله، ومن هذا قول الله تعالى ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾.\n(^٣) فأبو بكر يكون مع النبي - ﷺ - على الحوض وعمر وعثمان وعليّ كل على ركن من أركانه يقابلون من يأتيه يشرب منه من الأمة المحمدية صلى الله على نبينا وسلم.\n(^٤) الأول بسند حسن والثاني بسند صحيح والأخيران بسندين غريبين.","vol":"3","page":310},{"text":"<span data-type='title' id=toc-731>فضائل عمر ﵁ </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذلِكَ وَمَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قِمِيصٌ يَجُرُّهُ»، قالُوا: مَاذَا أَوَّلْتَ ذلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الدَّينَ (^٢)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ رَأَيْتُ قَدَحًا أُتِيتُ بِهِ فِيهِ لَبَنٌ فَشَرِبْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَجْرِي فِي أَظْفَارِي ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ». قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْعِلْمَ (^٣)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَقَدْ كانَ قَبْلَكُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رِجَالٌ يُكَلَّمُونَ (^٤) مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ فَإِنْ يَكنْ فِي أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ فَعُمَرُ». رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ مِنْ\n_________\nفضائل عمر ﵁\n(^١) هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، فهو يجتمع مع النبي - ﷺ - في الجلد السابع. وهو قرشي وعدوى، وكناه النبي - ﷺ - بأبي حفص لشدته فإن الحفص الأسد، ولقبه بالفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل. وقيل لقبه به أهل الكتاب. وقيل جبريل ﵇، ولهذا قال عبد الله: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر ﵁.\n(^٢) فالنبي - ﷺ - رأى في نومه الناس يمرون عليه وعليهم قمص - جمع قميص - بعضها إلى الثُّديِ جمع ثدي وبعضها دون ذلك أي أقصر أو أطول إلى السرة أو للركبتين أو لأنصاف الساقين حتى مر عليه عمر وقيصه يجر على الأرض، قالوا يا رسول الله ما تأويل ذلك؟ قال تأويله الدين أي فدين عمر أقوى الناس ﵁ أي بعد أبي بكر ﵄.\n(^٣) فالنبي - ﷺ -، يقول رأيت في منامي أني أشرب لبنًا في قدح حتى امتلأ جسمي بالري ثم أعطيت اللبن لعمر فشرب منه، قالوا فما أولته يا رسول الله؟ قال أولته بالعلم أي فعمر أعلم الناس وأكثرهم وثوقًا بربه وخوفا منه.\n(^٤) يكلمون أي يتكلمون بالشيء قبل ظهوره ولمسلم قد كان يكون في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم، أي فقد كان يتكلم بالشيء قبل ظهوره إلهاما من الله تعالى.","vol":"3","page":311},{"text":"قرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ عَلَى صَوْتِهِ فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمْنَ فَبَادِرْنَ الْحِجَابَ (^١) فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُ فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَجِبْتُ مِنْ هؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي فَلمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ» قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُنَّ عُمَرُ: يَا عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَ: نَعَمْ أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظ (^٢) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِيهًا ابْنَ الْخَطَّابِ (^٣) وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ فَإِذَا امْرَأَةٌ (^٤) تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ فَقُلْتُ: لِمَنْ هذَا الْقَصْرُ»؟ قَالُوا: لِعُمَرَ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فَولَّيْتُ مُدْبِرًا فَبَكَى عُمَرُ وَقَالَ: أَعَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ ﷺ قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَعَا بِلالًا فَقَالَ: «يَا بِلَالُ بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنةِ مَا دَخَلْتُ الْجَنَةَ قَطُّ إِلا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي (^٥) دَخَلْتُ الْبَارِحَةَ (^٦) الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامي فَأَتَيْتُ عَلَى قَصْرِ مُرَبَّعٍ مُشَرَّفٍ (^٧) مِنْ ذَهَبٍ فَقُلْتُ: لِمَنْ هذَا الْقَصْرُ؟» فَقَالُوا: لِرَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ، فَقُلْتُ: «أَنَا عَرَبِيٌّ لِمَنْ هذَا الْقَصْرُ؟ قَالُوا: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، قُلْتُ: أَنَا قرشِيٌّ لِمَنْ هذَا الْقَصْرُ؟»\n_________\n(^١) أي ظهر عليهن الخوف وصرن يتأهبن للخروج.\n(^٢) أي فيك فظاظة وغلظ بخلاف رسول الله - ﷺ - فإنه ألطف الناس.\n(^٣) وفي نسخة ايه يا ابن الخطاب أي كف عن مناقشتهن فإنهن ضعيفات لا يقدرن عليك لأن الشيطان ما لقيك في فج أي طريق إلا سلك غيره خوفا منك فكيف بالنسوة.\n(^٤) تلك المرأة هي أم سليم وكانت حينئذ على قيد الحياة فرآها النبي - ﷺ - في الجنة توضأ بجوار قصر فخم عظيم فسأل عنه فقيل لعمر بن الخطاب فأراد أن يدخله فتذكر غيرة عمر فامتنع فلما سمع ذلك عمر بكى وقال: إني لا أغار منك يا رسول الله.\n(^٥) الخشخشة هي صوت حركة المشي وحركة السلاح.\n(^٦) البارحة هي أقرب ليلة مضت.\n(^٧) المشرف المرفوع العالي.","vol":"3","page":312},{"text":"قَالُوا: لِرَجُلٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، قُلْتُ: «أَنَا مُحَمَّدٌ لِمَنْ هذَا الْقَصْرُ؟» قالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَقَالَ بِلَالٌ: يَارَسُولَ اللَّهِ مَا أَذَنْتُ قَطُّ إِلا صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ وَمَا أَصَابَنِي حَدَثٌ قَطُّ إِلا تَوَضَّأْتُ عِنْدَهَا (^١) وَرَأَيْتُ أَنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «بِهِمَا (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالشَّيْخَانِ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيم (^٣)، وَفِي الْحِجَابِ، وَفِي أُسَارَى بَدْرٍ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ» قَالَ: «فَكَانَ أَحَبُّهُمَا إِلَيْهِ عُمَرَ فَأَصْبَحَ فَغَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ (^٤)».\nوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: مَا نَزَلَ بالنَّاسِ أَمْرٌ قَطُّ فَقَالُوا فِيهِ وَقَالَ فِيهِ عُمَرُ إِلا نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ عُمَرُ (^٥).\n\n• عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَيْ رَجَعَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ صَالِحًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى فَقَالَ لَهَا:\n_________\n(^١) أي لحظة الحدث.\n(^٢) بهما أي بهاتين الخصلتين أدركت هذه المنزلة العالية. وفيه من فضل عمر ما لا يخفى رضي الله عن الجميع.\n(^٣) في مقام إبراهيم فإنه قال للنبي - ﷺ - وهم عند الكعبة لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلي﴾، وفي الحجاب فإنه قال للنبي - ﷺ - لو أمرت نساءك بالحجاب فإنه يراهن البر والفاجر فنزلت آية الحجاب، وفي أسارى بدر فإنه أشار على النبي بقتلهم، وأشار أبو بكر بأخذ الفداء وتركهم فأخذ النبي - ﷺ - برأي أبي بكر رغبة في الرحمة، فنزلت الآية تحبذ رأي عمر وهي ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. وقوله في ثلاث لا ينافي أنه وافق ربه في أكثر منها فإنه نهى النبي - ﷺ - عن الصلاة على المنافقين فنزلت ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾ الآية.\n(^٤) كفاه هذا شرفا لا يدانيه شرف ﵁.\n(^٥) فبلغت الأمور التي نزل القرآن يوافق رأيه فيها خمسة عشر أمرًا ﵁.","vol":"3","page":313},{"text":"«إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي وَإِلا فَلَا»، فَجَعَلَتْ تَضْرِبُ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَأَلْقَتِ الدُّفَّ تَحْتَ سْتِهَا (^١) فَقَعَدَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ إِنِّ كُنْتُ جَالِسًا وَهِيَ تَضْرِبُ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ ثُمَّ دَخَلَ عَلِيُّ وَهِيَ تَضْرِبُ ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانَ وَهِيَ تَضْرِبُ فَلَمَّا دَخَلْتَ أَنْتَ يَا عُمَرُ أَلْقَتِ الدُّفَّ».\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا فَسَمِعْنَا لَغَطًا وَصَوْتَ صِبْيَانٍ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^٢) فَإِذَا حَبَشِيَّةٌ تَزْفِنُ (^٣) وَالصِّبْيَانَ حَوْلَهَا فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ تَعَالَىْ فَانْظُرِي»، فَجِئْتُ فَوَضَعْتُ لَحْبَيَّ عَلَى مَنْكِبٍ رَسُولِ اللَّهِ (^٤) فَجَعلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهَا فَقَالَ: «أَما شَبِعْتِ أَمَا شَبِعْتِ فَجَعَلْتُ أَقُولُ لَا لِأَنْظُرَ مَنْزِلَتِي عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ عُمَرُ فَارْفَضَّ النَّاسُ عَنْهَا» (^٥) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَأَنْظُرُ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ والْجِنِّ قَدْ فَرُّوا مِنْ عُمَرَ» قَالَتْ فَرَجَعْتُ (^٦).\n\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ (^٧)».\nوَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ ﵄: يَا خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَا إِنَّكَ إِنْ قُلْتَ ذَاكَ فَلَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ\n_________\n(^١) تحت استها أي تحت مقعدتها فجلست عليه خوفا من عمر لشدته عليهن، ففيه الوفاء بالنذر في المباح. وتقدم هذا في كتاب الإيمان والنذور.\n(^٢) أي ينظر سبب هذا.\n(^٣) تزفن أي ترقص وتضرب بالدف.\n(^٤) لتستتر به وهي تنظر الراقصة.\n(^٥) فروا من حولها خوفا من عمر.\n(^٦) ففي هذين عظيم لطف النبي - ﷺ - بالعباد، وجواز سماع اللهو بقدر الحاجة، وفيه عظيم فضل عمر ﵁ وأرضاه وحشرنا في زمرته آمين.\n(^٧) ومعلوم أن درجة النبوة لا درجة بعدها للبشر إلا الرسالة، ولو أردنا بالنبوة في الحديث ما يشمل الرسالة لكان عمر في الدرجة العليا ﵁.","vol":"3","page":314},{"text":"يَقُولُ: «مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى رَجُلٍ خَيْرٍ مِنْ عُمَرَ (^١)». رَوَى التِّرْمِذِيُّ هذِهِ السِّتَّةَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-732>مناقب أبي بكر وعمر ﵄</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ (^٣) يَسُوقُ بَقَرَةً لَهُ قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا الْتَفَتَتِ الْبَقَرَةُ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهذَا وَلكِنِّي إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، تَعَجُّبًا وَفَزَعًا، أَبَقَرَةٌ تَكَلَّمُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ». وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَيْنَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ (^٤) فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً فَطَلَبَهُ الرَّاعِي حَتَّى اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الذِّئْبُ فَقَالَ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإِنِّي أُومِنُ بِذلِكَ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ». راهُمَا الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ: وَمَا هُمَا فِي الْقَوْمِ يَوْمَئِذٍ.\n\n• عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ﵄ (^٥) قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ؟\n_________\n(^١) فهذا وما قبله يفيدان أن عمر ﵁ في أعلى الدرجات أي بعد النبيين والمرسلين صلى الله عليهم وسلم وبعد أبي بكر ﵁.\n(^٢) الأول والثالث والرابع بأسانيد صحيحة والثاني والخامس بسندين حسنين والسادس بسند غريب.\n\nمناقب أبي بكر وعمر ﵄\n(^٣) بينما رجل أي من بني إسرائيل حمل على بقرة وأجهدها، فقالت له: إني لم أخلق للحمل ولكني خلقت لحرث الأرض.\n(^٤) وبينما رجل يرعى غنمه إذ أخذ الذئب شاة منها فسعى وراءه الراعي فأخذها منه فقال له الذئب: من يكون للغنم يوم السبع إذا لم يكن لها غيري، فلما سمع الناس بكلام البقرة وكلام الذئب تعجبوا وقالوا سبحان الله بقرة وذئب يتكلمان! فقال رسول الله - ﷺ - فإني أومن بذلك أي بنطق الحيوان أنا وأبو بكر وعمر فإن الذي أنطق الإنسان قادر على إنطاق الحيوان، ففيه مزيد فضل لأبي بكر وعمر ﵄ لمسارعتهما إلى الإيمان بالغيب.\n(^٥) محمد بن الحنفية هذا وصف لأمه واسمها خولة بنت جعفر من بني حنيفة، قال قلت لأبي هو عليّ بن أبي طالب ﵄ أي الناس أفضل، قال أبو بكر ثم عمر ثم سكت ﵁.","vol":"3","page":315},{"text":"قَالَ: أَبُو بَكْرٍ، قلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ، وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ عُثْمَانَ، فَقُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ قَالَ: مَا أَنَا إِلا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: وُضِعَ عُمَرُ عَلَى سَرِيرِهِ (^١) فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدْعُونَ وَيُصَلُّونَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ وَأَنَا فِيهِمْ فَلَمْ يَرُعْنِي إِلا رَجُلٌ آخِذٌ مَنْكِبِي فَإِذَا عَلِيٌّ فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ وَقَالَ: مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَظنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ وَحَسِبْتُ أَنِّي كُنْتُ كَثِيرًا أَسْمَعُ النَّبِيَّ ﷺ: يَقُولُ: «ذَهَبْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَا لَيَرَاهَمْ مَنْ تَحْتَهُمْ كَمَا تَرَوْنَ النَّجْمَ الطَّالِعَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا (^٢)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيَ إِلا وَلَهُ وَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَوَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ فَجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ (^٣)».\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ». وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنِّي لَا أَدْرِي مَا بَقَائِي فِيكُمْ فَاقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي وَأَشَارَ إِلَيْهِمَا (^٤)».\n\n• عَنْ عَلِيَ ﷺ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ طَلَعَ\n_________\n(^١) وضع عمر على سريره أي بعد غسله وتكفينه، فتكتنفه الناس أي أحاطوا به يصلون عليه ويدعون له وأنا معهم، فإذا عليّ وضع يده على منكبي وقال يخاطب عمر: ما تركت أحدا أحب إليّ أن ألقى ربي بمثل عمله منك، وقد كنت أظن أن تكون مع صاحبيك النبي - ﷺ - وأبي بكر ﵁ في قبر واحد لأن النبي - ﷺ - كان يذكر اسمك واسم أبي بكر كثيرا وتم ذلك.\n(^٢) أي أرفعا، أو زادا فضلا، أو وحق لهما ذلك فإنهما أهله.\n(^٣) وما أعظمهما بذلك فخرا.\n(^٤) هذا دليل على فضلهما العظيم وعلى أن كل ما قالا به في الدين فهو حق لأنهما جبلا عليه.","vol":"3","page":316},{"text":"أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ (^١) أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ إِلا النَّبِييِّنَ وَالْمُرْسَلِينَ يَا عَلِيُّ لَا تُخْبِرْهُمَا».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ ﷺ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأَى أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ: «هذَانِ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ (^٢)».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ عَلَى أَصْحَابِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَهُمْ جُلُوسٌ فيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَلَا يَرْفَعُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَصَرَهُ إِلا أَبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَإِنَّهُمَا كَانَا يَنْظُرَانِ إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمَا وَيَتَبَسَّمانِ إِلَيْهِ وَيَتَبَسَّمُ إِلَيْهِمَا (^٣).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِه وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ وَهُوَ آخِذٌ بِأَيْدِيهِمَا وَقَالَ: «هكَذَا نُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^٤)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ (^٥) ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ آتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَيُحْشَرُونَ مَعِي ثُمَّ أَنْتَظِرُ أَهْلَ مَكَّةَ حَتَّى أُحْشَرُ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَطَّلِعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَاطَّلَعَ أَبُو بَكْرٍ» ثُمَّ قَالَ: «يَطَّلِعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَاطَّلَعَ عُمَرُ» رَوَى التِّرْمِذِيُّ هذِهِ التِّسْعَةَ (^٦). نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَرْوِيَنَا مِنْ عِلْمِهِ اللَّدُنِّيِّ آمِين.\n_________\n(^١) الكهول جمع كهل وهو من زاد على الثلاثين إلى الخمسين، وهذا نظرا لوصفهم في الدنيا وإلا فأهل الجنة كلهم شباب، والمراد أن أبا بكر وعمر سيدا أهل الجنة إلا النبيين والمرسلين صلى الله عليهم وسلم فهما بعدهما أفضل أهل الدنيا والآخرة ﵄.\n(^٢) فأبو بكر وعمر ﵄ منزلتهما من النبي - ﷺ - وأمته كالسمع والبصر وأعظم بها رفعة.\n(^٣) وهذا لشده قربهما وعظيم منزلهما عند النبي - ﷺ -.\n(^٤) أي نقوم من القبور فنلتقي ونكون هكذا إلى أرض المحشر الجديدة.\n(^٥) فالنبي - ﷺ - يقوم من قبره أول الناس فأبو بكر فعمر ثم أهل البقيع أي أهل المدينة ثم ينتظرون أهل مكة بين الحرمين ليحشروا جميعًا على الأرض الجديدة.\n(^٦) الأربعة الأول بأسانيد حسنة والباقي بعضه مسكوت عنه وبعضه بسند غريب نسأل الله التوفيق آمين.","vol":"3","page":317},{"text":"<span data-type='title' id=toc-733>إسلام عمر ﵁</span>\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ فِي الدَّارِ خَائِفًا إِذْ جَاءَهُ الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ (^١) عَلَيْهِ حُلَّةُ حِبَرَةٍ وَقَمِيصٌ مَكْفُوف بِحَرِيرٍ وَهُوَ مِنْ بَنِي سَهْمٍ وَهُمْ حُلَفَاؤُنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ لَهُ: مَا بَالُكَ؟ قَالَ: زَعَمَ قَوْمُكَ أَنَّهُمْ سَيَقْتُلُونِي إِنْ أَسْلَمْتُ قَالَ: لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَيْكَ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا أَمِنْتُ فَخَرَجَ الْعَاصِ فَلَقِيَ النَّاسَ قَدْ سَالَ بِهِمُ الْوَادِي فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ الَّذِي صَبَا قَالَ: لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ فَكَرَّ النَّاس. وَفِي رِوَايَةٍ: لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ اجْتَمَعَ النَّاسُ عِنْدَ دَارِهِ وَقَالُوا: صَبَا عُمَرُ وَأَنَا غُلامٌ فَوْقَ ظَهْرِ الْبَيْتِ فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ فَقَالَ: قَدْ صَبَا عُمَرُ فَمَا ذَاكَ؟ فَأَنَا لَهُ جَارٌ فَرَأَيْتُ النَّاسَ تَصَدَّعُوا عَنْهُ، فَقُلْتُ: مَنْ هذَا؟ قَالُوا: الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\nإسلام عمر ﵁\n(^١) فبينما عمر في داره خائفا من قومه لما أسلم إذ جاء العاص بن وائل السهمي من بني سهم وكانوا حلفاء لبنى عدى الذين منهم عمر في الجاهلية، والعاص هذا أبو عمرو بن العاص وكان ذا يسار وذا هيبة في قومه فجاء لبيت عمر وعليه حلة من حرير وقيص مكفوف بالحرير فوجد الناس قد ملأوا الوادى لما سموا بإسلام عمر. فقال له: ما لك خائفا. قال زعم قومك أنهم سيقتلونني إن أسلمت. قال لا سبيل لهم إليك، فبعد هذه الكلمة قال ابن عمر أمنت. ثم خرج العاص إلى الناس وقال أين تريدون؟ قالوا نريد ابن الخطاب الذي صبا أي خرج عن دين آبائه. قال: لا سبيل إليه. فكر الناس وانصرفوا وفي رواية: قال لهم أنا له جار أي ناصر فانصرف الناس عنه. نسأل الله كمال الأمن والإيمان آمين.","vol":"3","page":318},{"text":"<span data-type='title' id=toc-734>وصية عمر والبيعة لعثمان ﵄</span>\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُصَابَ بِأَيَّامٍ بِالْمَدِينَةِ وَقَفَ عَلَى حُذَيْفَةَ وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ (^١) قَالَ: كَيْفَ فَعَلْتُمَا أَتَخَافَانِ أَنْ تكُونَا حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ؟ قَالَا: حَمَّلْنَاهَا أَمْرًا هِيَ لَهُ مُطِيقَةٌ مَا فِيهَا كَبِيرُ فَضْلٍ، قَالَ: انْظُرَا أَنْ تَكُونَا حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ قَالَا: لَا، فَقَالَ عُمَرُ: لَإِنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ لَأَدَعَنَّ أَرَامِلَ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَا يَحْتَجْنَ إِلَى رَجُلٍ بَعْدِي أَبَدًا (^٢) قَالَ: فَمَا أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا رَابِعَةٌ حَتَّى أُصِيبَ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلا ابْنُ عَبَّاسٍ غَدَاةَ أُصِيبَ، وَكَانَ إِذَا مَرَّ بَيْنَ الصَّفيْنِ قَالَ اسْتَوُوا، حَتَّى إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ خَلَلًا تَقَدَّمَ فَكَبَّرَ وَرُبَّمَا قَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ أَوِ النَّحْلِ أَوْ نَحْوِ ذلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ فَمَا هُوَ إِلا أَنْ كَبَّرَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَتَلَنِي أَوْ أَكَلَنِي الْكَلْبُ حِينَ طَعَنَهُ فَطَارَ الْعِلْجُ بِسِكِّينٍ ذَاتِ طَرَفَيْنِ لَا يَمُرُّ عَلَى أَحَدٍ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا إِلا طَعَنَهُ حَتَّى طَعَنَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مَاتَ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ، فَلَمَّا رَأَى ذلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ طَرَحَ عَلَيْهِ بُرْنُسًا فَلَمَّا ظَنَّ الْعِلْجُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ نَحَرَ نَفْسَهُ (^٣) وَتَنَاوَلَ\n_________\nوصية عمر والبيعة لعثمان ﵄\n(^١) فعمر مر على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف وكان أرسلهما إلى العراق لتقدير الخراج على أرضه ولتقدير الجزية على أهل الذمة فسافرا وفعلا ما كلفا به وعادا بسلامة الله، فلما مر عمر عليهما قال لهما لعلكما لا تكونان حملتما الأرض ما لا تطيق، أي أخاف أن تكونا ظلمتما الناس، قالا: لا ما فيها أي عمليتنا هذه فضل كبير.\n(^٢) من كثرة ما أعطيهن من الأموال.\n(^٣) فعمر ﵁ سوى الصفوف كعادته في صلاة الصبح ثم كبر للإحرام فسمعوه يقول قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه العلج أي الرجل الشديد من كفار العجم فإنه طعن عمر بسكين ذات حدين ثلاث مرات إحداهن في أسفل بطنه وهي التي كانت السبب في موته ﵁، ثم فر مسرعا لا يمر بأحد إلا طعنه فطعن ثلاث عشر رجلا فمات سبعة أو تسعة فطرح عليه واحد من المسلمين اسمه حطان التميمي برنسا - كساء ذو رأس - فدهمه فنحر نفسه فمات على دين المجوسية، ذلك العلج هو أبو لؤلؤة فيروز مولى المغيرة بن شعبة وكان حاذقا يكتسب من عدة=","vol":"3","page":319},{"text":"عُمَرُ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ لِلصَّلَاةِ فَمَنْ يَلِي عُمَرَ فَقَدْ رَأَى الَّذِي رَأَيْتُ، وَأَمَّا نَوَاحِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ غَيْرَ أَنَّهُمْ قَدْ فَقدُوا صَوْتَ عُمَرَ وَهُمْ يَقُولُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ فَصَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمنِ صَلَاةً خَفِيفَةً فَلَمَّا انْصَرَفُوا قَالَ عُمَرُ: يَا بْنَ عَبَّاسٍ انْظُرْ مَنْ قَتَلَنِي فَجَالَ سَاعَةً ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: غُلَامُ الْمُغِيرَةِ قَالَ: الصَّنَعُ (^١) قَالَ: نَعَمْ قَالَ: قَاتَلَهُ اللَّهُ لَقَدْ أَمَرْتُ بِهِ مَعْرُوفًا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ مَنِيَّتِي بِيَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ (^٢) قَدْ كُنْتَ يَابْنَ عَبَّاسٍ أَنْتَ وَأَبُوكَ تُحِبَّانِ أَنْ تَكْثُرَ الْعُلُوجُ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ الْعَبَّاسُ أَكْثَرَهُمْ رَقِيقًا فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ قَتَلْنَاهُمْ قَالَ: كَذَبْتَ بَعْدَمَا تَكَلَّمُوا بِلِسَانِكُمْ وَصَلُّوْا قِبْلَتَكُمْ وَحَجُّوا حَجَّكُمْ، فَاحْتُمِلَ عُمَرُ ﷺ إِلَى بَيْتِهِ فَانْطَلَقْنَا مَعَهُ وَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ تُصِبْهُمْ مُصِيبَةٌ قَبْلَ هذِهِ، فَقَائِلٌ يَقُولُ لا بَأْسَ وَقَائِلٌ يَقُولُ أَخَافُ عَلَيْهِ، فَأُتِيَ بِنَيذٍ (^٣) فَشَرِبَهُ فَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِلَبَنٍ فَشَرِبَهُ فَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ فَعَلِمُوا أَنَّهُ مَيِّتٌ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَجَاءَ النَّاسُ يُثْنُونَ عَلَيْهِ وَجَاءَ شَابٌّ فَقَالَ: أَبْشرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ، لَكَ مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدَمٍ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ (^٤) ثمَّ وَلِيتَ فَعَدَلْتَ ثُمَّ شَهَادَةٌ قَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ ذلِكَ كَفَافٌ لَا عَلَيَّ وَلَا لِيَ فَلَمَّا أَدْبَرَ إِذَا إِزَارُهُ يَمَسُّ الْأَرْضَ قَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ الْغُلَامَ فَجَاءَ فَقَالَ: يَا بْنَ أَخِي ارْفَعْ\n_________\n= صناعات فكان حدادا ونقاشا ونجارا فضرب عمر عليه خراجا قدره مائة كل شهر فشكا لعمر، فقال عمر: ما هذا بكثير عليك بالنسبة لكسبك، ألم تقل لو شئت لصنعت رحا تطحن بالريح، فعبس إلى عمر وقال لأصنعن لك رحًا يتحدث الناس بها، فلم يعبأ به عمر ﵁ حتى نفذ ما أضمره من أشنع الأعمال.\n(^١) الصنَع الحاذق في صنعته.\n(^٢) الحمد لله الذي لم يجعل منيتي، وفي رواية: ميتتي بيد رجل يدعى الإسلام بل على يد رجل مجوسي وهو أبو لؤلؤة قاتله الله.\n(^٣) بنبيذ أي نقيع تمر غير مسكر كما تقدم في الشراب، فشربه فخرج من جوفه لتمزق أمعائه ﵁.\n(^٤) مبتدأ مؤخر تلك.","vol":"3","page":320},{"text":"ثَوْبَكَ فَإِنَّهُ أَبْقَى لِثَوْبِكَ وَأَتْقَى لِرَبِّكَ. ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ انْظرْ مَا عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ فَحَسَبُوهُ فَوَجَدُوهُ سِتَّةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا أَوْ نَحْوَهُ قَالَ: إِنْ وَفَى لَهُ مَالُ آلِ عُمَرَ فَأَدِّهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَإِلا فَسَلْ فِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ فَإِنْ لَمْ تَفِ أَمْوَالُهُمْ فَسَلْ فِي قُرَيْشٍ وَلَا تَعْدُهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ فَأَدِّعَنِّي هذَا الْمَالَ (^١) ثُمَّ قَالَ: انْطَلِقْ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْ يَقْرَأُ عَلَيْكَ عُمَرُ السَّلامَ وَلَا تَقُلْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنِّي لَسْتُ الْيَوْمَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَمِيرًا وَقُلْ يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ، فَذَهَبَ فَسَلَّمَ وَاسْتَأْذَنَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهَا فَوَجَدَهَا تَبْكِي (^٢) فَقَالَ لَهَا مَا قَالَهُ عُمَرُ فَقَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي وَلَأُوثِرَنَّ بِهِ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي، فَلَمَّا أَقْبَلَ قِيلَ هذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَدْ جَاءَ قالَ عُمَرُ: ارْفَعُونِي فَأَسْنَدَهُ رَجُلٌ إِلَيْهِ فَقَالَ لابْنِ عُمَرَ: مَا لَدَيْكَ قَالَ: الَّذِي تُحِبُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَذِنَتْ. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذلِكَ فَإِذَا أَنَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي ثُمَّ سَلِّمْ فَقُلْ يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فأَدْخِلُونِي وَإِنْ رَدَّتْنِي رُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَجَاءَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةُ وَالنِّسَاءُ تَسِيرُ مَعَهَا فَلَمَّا رَأَيْنَاها قُمْنَا فَوَلَجَتْ عَلَيْهِ فَمَكَثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً وَاسْتَأْذَنَ الرِّجَالُ فَولَجَتْ دَاخِلًا (^٣) فَسَمِعْنَا بُكَاءَهَا مِنَ الدَّاخِلِ فَقَالُوا:\n_________\n(^١) أي ضعه في بيت مال المسلمين فإنه كان أخذها منه، وفي رواية: أن عبد الرحمن بن عوف سأله عن سبها، فقال: أنفقتها في حجج حججتها ونوائب كانت تنوبني لأنه ﵁ ما كان يأخذ من بيت مال المسلمين لنفسه إلا الضروري للأكل والشرب واللبس وهو نصف دانق كل يوم، أما ما أخذه للحج ونوائب الدهر فأخذه دينا عليه ﵁ مع أن الوالى ورجاله لهم أن يأخذوا كفايتهم من بيت المال كما تقدم في الإمارة.\n(^٢) فوجدها تبكي أي على عمر ﵄ فكلمها فأجابت وقالت: لأوثرنه به على نفسي وإنما أرسل عمر إلى عائشة ﵄ يستأذنها في الدفن بجوار النبي - ﷺ - وصاحبه أبي بكر لأن هذا المكان بيت عائشة ﵂.\n(^٣) فولجت داخلا أي مكانا داخلا وصارت تبكي بصوت مرتفع =","vol":"3","page":321},{"text":"أَوْصِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اسْتَخْلِفُ قَالَ: مَا أَجِدُ أَحَقَّ بِهذَا الْأَمْرِ مِنْ هؤُلَاءِ النَّفَرِ أَوِ الرَّهْطِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ رَاضٍ عَنْهُمْ فَسَمَّى عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَالزُّبَيْرَ وَطَلْحَةَ وَسَعْدًا وَعَبْدَ الرَّحْمنَ وَقَالَ: يَشْهَدُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ كَهَيْئَةِ التَّعْزِيَةِ لَهُ فَإِنْ أَصَابَتِ الْإِمْرَةُ سَعْدًا فَهُوَ ذَاكَ وَإِلا فَلَيْسْتَعِنْ بِهِ أَيُّكُمْ مَا أُمِّرَ فَإِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ عَنْ عَجْزٍ وَلَا خِيَانَةٍ ثُمَّ قَالَ: أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ (^١) أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ وَيَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ وَأُوصِيهِ بِالْأَنْصَارِ خَيْرًا (^٢) الَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَأَنْ يُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوصِيهِ بِأَهْلِ الْأَمْصَارِ خَيْرًا (^٣) فَإِنَّهُمْ رِدْءُ الْإِسْلَامِ وَجُبَاةُ الْمَالِ وَغَيْظُ الْعَدُوِّ، وَأَلا يُؤْخَذَ مِنْهُمْ إِلا فَضْلُهُمْ عَنْ رِضَاهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالْإِعْرَابِ خَيْرًا فَإِنَّهُمْ أَصْلُ الْعَرَبِ وَمَادَّةُ الْإِسْلَامِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ حَوَاشِي أَمْوَالِهِمْ وَيُرَدَّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ (^٤) وَذِمَّةِ رَسُولِهِ أَن يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَلَا يُكَلَّفُوا إِلا طَاقَتَهُمْ قَالَ: فَلَمَّا قُبِضَ خَرَجْنَا بِهِ نَمْشِي فَسَلَّمَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى عَائِشَةَ وَقَالَ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ قَالَتْ: أَدْخِلُوهُ فَأُدْخِلَ فَوُضِعَ هُنَالِكَ مَعَ صَاحِبَيْهِ (^٥)\n_________\n(^١) أوصيه بالمهاجرين الأولين أي الذين صلوا إلى القبلتين أو أهل بيعة الرضوان.\n(^٢) وأوصيه بالأنصار الذين تبوأوا الدار أي دار السلام والهجرة وهي المدينة والإيمان أي أخلصوا فيه قبلهم أي قبل الهجرة إليهم. وقوله: أن يقبل من محسنهم ويعفي عن مسيئهم بلفظ المجهول فيهما أي المطلوب لهم ذلك من كل وال.\n(^٣) وأوصيه بأهل الأمصار جمع مصر وهي البلد الكبير كالكوفة والبصرة فإنهم رده الإسلام أي سنده، وجباة المال أي منهم الأموال، وغيظ العدو أي بهم يغتاظ العدو لكثرتهم وقوتهم.\n(^٤) وأوضيه بذمة الله أي بأهل الذمة أن يوفى بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم أي إذا قصدوا بسوء.\n(^٥) فلما قبض عمر أي بعد ثلاث ليال من ضربه غسلوه وكفنوه وصلوا عليه وذهبوا لبيت عائشة فاستأذنوا فأذنت لهم فأدخلوه ودفنوه في الروضة الشريفة مع النبي - ﷺ - وأبي بكر - وراء أبي بكر ﵄.","vol":"3","page":322},{"text":"فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ دَفْنِهِ اجْتَمَعَ هؤُلَاءِ الرَّهْطُ (^١) فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ: اجْعَلُوا أَمْرَكُمْ إِلَى ثَلَاثَةٍ مِنْكُمْ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: قَدْ جَعَلْتَ أَمْرِي إِلَى عَلِيَ، فَقَالَ طَلْحَةُ: قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عُثْمَانَ، وَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ (^٢): أَيُّكُمَا تَبَرَّأَ مِنْ هذَا الْأَمْرِ فَنَجْعَلُهُ إِلَيْهِ وَاللَّهُ عَلَيْهِ وَالْإِسْلَامُ لَينْظَرَنْ أَفْضَلَهُمْ فِي نَفْسِهِ فَأُسْكِتَ الشَّيْخَانِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ: أَفَتجْعَلُونَهُ إِلَيَّ (^٣) وَاللَّهُ عَلَيَّ أَلا آلُوَا عَنْ أَفْضَلِكُمْ قَالَا: نَعَمْ، فَأَخَذَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا (عَلِيَ) فَقَالَ: لَكَ قَرَابَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقِدَمُ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، فَاللَّهُ عَلَيْكَ لَئِنْ أَمَّرْتُكَ لَتَعْدِلَنَّ وَلَئِنْ أَمَّرْتُ عُثْمَانَ لَتَسْمَعَنَّ وَلَتُطِيعَنَّ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ خَلَا بِالْآخَرِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذلِكَ فَلَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَيْهِمَا قَالَ: ارْفَعْ يَدَكَ يَا عُثْمَانُ فَبَايَعَهُ فَبَايَعَ لَهُ عَلِيٌّ وَوَلَجَ أَهْلُ الدَّارِ فَبَايَعُوهُ (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) الذين ذكرهم عمر وهم: علي وعثمان وسعد والزبير وطلحة وعبد الرحمن ﵃.\n(^٢) فقال عبد الرحمن لعلي وعثمان: أيكما تبرأ من أمر الخلافة نجملها له والله رقيب عليه والإسلام شاهد عليه لينظرن أحسنهم في اعتقاده فأسكت بلفظ الفاعل والمفعول أي سكت الشيخان.\n(^٣) أفتجعلونه أي أمر الخلافة إليّ والله رقيب عليّ لا آلو أي لا أقصر عن أفضلكم، قالا: نعم.\n(^٤) وولج أهل الدار أي دخل أهل المدينة فبايعوه تبعا لبيعة هؤلاء له، وروى أن عبد الرحمن اختار عثمان بإشارة سعد ومن أخذ رأيهم من هؤلاء فإن عثمان كان ذا يسار مذكور مشكور في الناس، وإلا فعلي ﵁ كان أعظم علما وآصل رأيا وأقرب نسبا ﵃ أجمعين وحشرنا في زمرتهم آمين.","vol":"3","page":323},{"text":"<span data-type='title' id=toc-735>فضائل عثمان ﵁ </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ قَالَ: كنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَحَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «افْتحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» فَفَتَحْتُ لَهُ فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ فَبَشَّرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَح فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» فَفَتَحْتُ لَهُ فَإِذا هُوَ عُمَرُ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّه، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ» فَفَتَحْتُ فَإِذَا عُثْمَانُ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ (^٢). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ لَا نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ.\nرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ (^٣) وَرَسُولُ اللَّهِ ﵁ حَيٌّ أَفْضَلُ أُمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ\n_________\nفضائل عثمان ﵁\n(^١) هو عثمان بن عفان بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الجد الثالث للنبي - ﷺ - فهو قرشي أيضا، ويقال له أموي نسبة إلى جده أمية وإليه ينسب الأمويون، وعثمان يلقب بذي النورين لأنه تزوج بنتي النبي - ﷺ - ولم يسمع بواحد تزوج بنتي نبي غيره ﵁.\n(^٢) فالنبي - ﷺ - دخل بستانًا وأمر أبا موسى أن يجلس على بابه فلا يدخل أحد إلا بإذنه وفي البستان بئر تسمى بئر أريس فجلس النبي - ﷺ - على حافتها ودلى رجليه فيها فجاء أبو بكر فاستأذن فأذن له النبي - ﷺ - وبشره بالجنة فدخل فجلس على يمين النبي - ﷺ - ودلى رجليه فيها ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له وبشره بالجنة فدخل فجلس على يسار النبي - ﷺ - ودلى رجليه فيها فجاء عثمان فاستأذن فأذن له النبي - ﷺ - وبشره بالجنة على بلوى تصيبه فدخل ولكنه لم يدل رجليه في البئر حياء من النبي - ﷺ - بل جلس تلقاءه. وفي رواية: أن النبي - ﷺ - لما دخل عثمان كانت ركبته مكشوفة فغطاها حياء منه، وتلك البلوى هي ما أصابه ﵁ من الفتنة بسبب أقاربه الذين ولاهم في الجهات لفهمه أنهم أعدل الناس وأخلص الناس إليه حتى انتهت بقتله ﵁.\n(^٣) وفي رواية: إنكم لتعلمون أنا كنا نقول على عهد النبي ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يعني في الخلافة على هذا.","vol":"3","page":324},{"text":"بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ﵁ عُثْمَانُ ﵃. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالطَّبَرَانِيُّ وَزَادَ: فَيَسْمَعُ النَّبِيُّ ﷺ ذلِكَ فَلَا يُنْكرُهُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَعِدَ أُحُدًا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانَ فَرَجَفَ بِهِمْ فَقَالَ: اثْبُتْ أُحُدُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\nوَقِيلَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيَ ﷺ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُكَلِّمَ عُثْمَانَ فِي أَخِيهِ الْوَلِيدِ (^٢) فَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِيهِ فَقَصَدْتُ لِعُثْمَانَ حِينَ خَرَجَ لِلصَّلَاةِ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً وَهِيَ نَصِيحَةٌ لَكَ قَالَ: يأَيُّهَا الْمَرْءُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ (^٣) فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمْ فَجَاءَ رَسُولُ عُثْمَانَ فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ: مَا نَصِيحَتُكَ؟ فَقُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَكُنْتَ مِمَّنِ اسْتَجَابَ للَّهِ وَلِرَسُولِهِ فَهَاجَرْتَ الْهِجْرَتَيْنِ (^٤) وَصَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَرَأَيْتَ هَدْيَهُ ﷺ وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي شَأَنِ الْوَلِيدِ (^٥) قَالَ: أَدْرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ قُلْتُ: لَا ولكِنْ خَلَصَ إِلَيَّ مِنْ عِلْمِهِ مَا يَخْلُصُ إِلَى الْعَذْرَاءِ فِي سِتْرِهَا (^٦)، قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ فَكُنْتُ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَآمَنْتُ بِمَا بُعِثَ بِهِ وَهَاجَرْتُ الْهِجْرَتَيْنِ كَمَا قلْتَ وَصَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَبَايَعْتُهُ فَوَاللَّهِ مَا عَصَيْتُهُ وَلَا غَشَشْتُهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ\n_________\n(^١) فالنبي ﷺ صعد على جبل أحد هو وأبو بكر وعمر وعثمان فاهتز الجبل فرحًا بهم فأراد النبي ﷺ أن يبين لأصحابه أنها ليست هزة غضب كرجفة الجبل بقوم موسى بل هزة فرح وسرور بهم فضرب برجله على الجبل وقال: اثبت يا أحد فإنما عليك نبي وصديق وهو أبو بكر وشهيدان وهما عمر وعثمان، ففيه معجزة للنبي - ﷺ - لأنه إخبار بغيب قد وقع بعد هذا.\n(^٢) الوليد كان أخًا لعثمان من أمه وكان قد ولاه الكوفة بعد فصل سعد منها فأكثر الناس من الطعن فيه لارتكابه وزادوا في الكلام على عثمان لسكوته عنه.\n(^٣) أجابه بذلك لأنه ظن أنه سيكلمه بغير ذلك فيحزنه.\n(^٤) هما هجرة الحبشة وهجرة المدينة.\n(^٥) بسبب سوء سيره وعدم إقامة الحد عليه. والرضا بالمنكر قبيح.\n(^٦) أي وصل إلى شرعه وهديه - ﷺ - كما وصل إلى العذراء من وراء الحجاب.","vol":"3","page":325},{"text":"أَبُو بَكْرٍ مِثْلُهُ ثُمَّ عُمَرُ مِثْلُهُ ثُمَّ اسْتُخْلِفَتُ، أَفَلَيْسَ لِي مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لَهُمْ؟ قُلْتُ: بَلَى قَالَ: فَمَا هذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي تَبْلُغنِي عَنْكُمْ؟ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ الوَلِيدِ فَسَنَأْخُذُ فِيهِ بِالْحَقِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ دَعَا عَلِيًّا فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِدَهُ فَجَلَدَهُ عَلِيٌّ ثَمَانِينَ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ يَحْفِرُ بِئْرَ رُومَةَ (^٢) فَلَهُ الْجَنَّةُ فَحَفَرَهَا عُثْمَانُ، وَمَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرِةِ (^٣) فَلَهُ الْجَنَّةُ فَجَهَّزهُ عُثْمَانُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهِبٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ (^٤) وَحَجَّ الْبَيْتَ فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا فَقَالَ: مَنْ هؤُلَاءِ الْقَوْمُ؟ فَقَالُوا: قُرَيْشٌ، قَالَ: فَمَنِ الشِّيْخُ فِيهِمْ (^٥)؟ قَالوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: يَابْنَ عُمَرَ إِنِّي سَائِلكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي هَلْ تَعْلمُ أَنَّ عُثْمَانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: نَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ (^٦) قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ أُبَيَنْ لَكَ، أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ (^٧)، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ مَرِيضَةً فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ (^٨)»، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ\n_________\n(^١) أي تولى عليّ ﵁ إقامة حد الشراب عليه.\n(^٢) الكلام على بئر رومة تقدم في الوقف.\n(^٣) جيش العسرة كان لغزوة تبوك فجهزه عثمان بألف دينار وخمسين فرسًا وألف بعير إلا خمسين.\n(^٤) اسمه يزيد بن بشر.\n(^٥) أي الذي يرجعون إليه.\n(^٦) استحسانًا لقول ابن عمر لأنه وافق ما يسمعه من تنقيص عثمان ﵁.\n(^٧) بقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.\n(^٨) فالنبي - ﷺ - أمره بالتخلف ومعه أسامة بن زيد لخدمة زوجته رقية بنت النبي - ﷺ - وكان سنها عشرين سنة فأرسل له النبي ﷺ زيد بن حارثة يبشره بالنصر وأن له أجر وسهم من شهد بدرًا فماتت حين وصول زيد ﵃ أجمعين.","vol":"3","page":326},{"text":"بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ (^١) فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمَانَ وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانَ إِلَى مَكَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: «هذِهِ يَدُ عُثْمَانَ فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى» فَقَالَ: «هذِهِ لِعُثْمَانَ» ثُمَّ قَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: اذْهَبْ بِهَا الْآنَ مَعَكَ (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِي كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ أَوْ ساقَيْهِ فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَتَحَدَّثَ ثمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذلِكَ فَتَحَدَّثَ ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانَ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَوَّى ثِيَابَهُ (قَالَ مُحَمَّدٌ وَلَا أَقُولُ ذلِكَ في يَوْمٍ وَاحِدٍ) فَدَخَلَ فَتْحَدَّثَ فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ (^٣) وَلَمْ تبَالِهِ ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تَبَالِهِ ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ فَقَالَ: «أَلَا أَسْتَحْي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِيي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ». وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «إِنَّ عُثْمَانَ رَجُلٌ حَيِيٌّ (^٤) وَإِنِّي خَشِيتُ إِنْ أَذِنْتُ لَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ أَلا يَبْلغَ إِلَيَّ فِي حَاجَتِهِ». رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.\n_________\n(^١) بيعة الرضوان هي المذكورة في قوله تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ فلما صد المشركون النبي - ﷺ - وأصحابه عن دخول مكة للعمرة رأى النبي - ﷺ - أن يرسل أحسن رجل لهم ليعلمهم أنه جاء معتمرًا لا محاربا فأرسل عثمان لهم فشاع أنهم يتهيأون لحرب المسلمين فاستعد المسلمون للقتال وحصلت البيعة في غيبة عثمان ولذا قال ﷺ» إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله» فضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال» هذه لعثمان» فكانت يده ﷺ لعثمان خيرًا من أيديهم لأنفسهم ﵃.\n(^٢) اذهب بها أي بهذه الأجوبة معك الآن لعله يزول عنك ما تسمعه في عثمان فإنه الخليفة الثالث وزوج بنتي النبي ﷺ وله منزلة سامية ﵁.\n(^٣) فلم تهتش له أي لم تنبسط منه ولم تباله أي لم تهتم به، فلما دخل عثمان جلست له وتلطفت معه، قال كيف لا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة.\n(^٤) أي إن عثمان رجل حيي أي كثير الحياء ولو أذنت له على تلك الحال أخاف ألا يبلغ إليّ =","vol":"3","page":327},{"text":"• عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ السُّلَميِّ ﵁ قَالَ: لَمَّا حُصِرَ عُثْمَانُ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فَوْقَ دَارِهِ ثُمَّ قَالَ لِمَنْ حَاصَرُوهُ: أُذَكَرُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ حِرَاءَ (^١) حِينَ انْتَفَضَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اثْبُتْ حِرَاءُ فَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلا نَبِيٌّ أَوْ صَدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ» قَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ قَالَ: «اذَكَرْكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ مَنْ يُنْفِقُ نَفَقَةً مَتَقَبِّلَةً وَالنَّاسُ مُجْهِدونَ مُعْسِرُونَ فَجَهَّزْتُ ذلِكَ الْجَيْشَ» قَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ قَالَ: «أُذَكِّرُكُمْ باللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ بِئْر رُومَةَ لَمْ يَكُنْ يَشْرَبُ مِنْهَا أَحَدٌ إِلا بِثَمَنٍ فَابْتَعْتُهَا (^٢) فَجَعَلْتُهَا لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَابْنِ السَّبِيلِ» قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ وَأَشْيَاءَ عَدَّدَهَا.\n\n• عَنْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ الْفِتَنَ وَقَرَّبَهَا فَمَرَّ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ فِي ثَوْبٍ (^٣) فَقَالَ: «هذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى» فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَأَقْبَلْتُ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: هذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ».\n\n• عَنْ أَبِي سَهْلَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ عُثْمَانَ يَوْمَ الدَّارِ (^٤): إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا فَأَنَا صَابِرٌ عَلَيْهِ.\n\n• عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ حَزَنٍ الْقُشَيْرِيِّ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ الدَّارَ حِينَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ فَقَالَ: ائْتُونِي بِصَاحِبَيْكُمُ اللَّذَيْنِ أَلَّبَاكُمْ عَلَيَّ، قَالَ: فَجِئَ بِهِمَا كَأَنَّهُمَا جَمَلَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا حِمَارَانِ (^٥) فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَالْإِسْلَامِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ غَيْرُ بِئْرِ رُومَةَ فَقَالَ مَنْ يَشْتَرِي\n_________\n= في حاجته أي لا يكاشفني بحاجته ﵁ فضلا عن هذا فمنزلة الشيخين كانت عند النبي - ﷺ - في الدرجة العليا أي تكاد تكون بغير تكليف.\n(^١) أي جبل حراء الذي بمكة.\n(^٢) فابتعتها أي اشتريتها فجعلتها للناس كلهم.\n(^٣) مقنع في ثوب أي مستتر به.\n(^٤) قال عثمان يوم الدار يوم حاصروه فيها إن رسول الله - ﷺ - قد عهد إليّ عهدًا فأنا صابر عليه والعهد هو هذا البلاء.\n(^٥) سكت الشارح عن هذين الصاحبين سترا على عباد الله تعالى.","vol":"3","page":328},{"text":"بِئْرَ رُومَةَ فَيَجْعَلُ دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ (^١) لَهُ مِنْهَا فَي الْجَنَّةِ، فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تَمْنَعُونِي أَنْ أَشْرَبَ مِنْهَا حَتَّى أَشْرَبَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ، قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَالْإِسْلَامِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَسْجِدَ ضَاقَ بِأَهْلِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلَانٍ فَيَزِيدُهَا فِي الْمَسْجِدِ بِخَيْرٍ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ»، فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي فَأَنْتمُ الْيَوْمَ تَمْنَعُونِي أَنْ أُصَلِّي فِيهَا رَكْعَتَيْنِ، قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَالْإِسْلَامِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنِّي جَهَّزْتُ جَيْشَ الْعُسْرَةِ مِنْ مَالِي قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، ثمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَالْإِسْلَامِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَلَى ثَبِيرِ مَكَّةَ (^٢) وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَنَا فَتَحَرَّكَ الْجَبَلُ حَتَّى تَسَاقَطَتْ حِجَارَتُهُ بِالْحَضِيضِ (^٣) فَرَكَضُهُ النَّبِيُّ ﷺ بِرِجْلِهِ وَقَالَ: «اسْكُنْ ثَبِيرُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ» قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ شَهدُوا لِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ أَنِّي شَهِيدٌ ثَلَاثًا (^٤)».\nوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِتْنَةً فَقَالَ: يُقْتَلُ فِيهَا هذَا مَظْلُومًا (^٥).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَا عُثْمَانُ إِنَّهُ لَعَلَّ اللَّهَ يُقَمِّصُكَ قَمِيصًا فَإِنْ أَرَادُوكَ عَلَى خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ لَهُمْ (^٦)».\nوَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ سَمُرَةَ ﵁: جَاءَ عُثْمَان إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِأَلْفِ دِينَارٍ في كُمِّهِ حِينَ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَيَنْثُرُهَا فِي حِجْرِهِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَلِّبُهَا فِي حِجْرِهِ، وَيَقُولُ: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ (^٧)». مَرَّتَيْنِ.\n_________\n(^١) بخير متعلق بيشتري.\n(^٢) ثبير - كأمير - جبل بمكة.\n(^٣) أسفل الجبل فركضه أي ضربه النبي - ﷺ - برجله وقال: اسكن يا ثبير فعليك نبي وصديق وشهيدان.\n(^٤) أي كرر شهدوا لي أني شهيد ثلاثا.\n(^٥) الإشارة لعثمان.\n(^٦) هذا القميص هو الخلافة فإن أهل الأمصار لما أبغضت عمال عثمان طلبوا عزلهم فلم يجبهم في طلبهم فجاءوا فحاصروا عثمان طالبين منه أن يتنازل عن الخلافة فلم يقبل حتى قتلوه ﵁.\n(^٧) أي قال ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين، أي فكل شيء يعمله بعد الآن مغفور له حديث أهل بدر» اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».","vol":"3","page":329},{"text":"وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ خَبَّابٍ ﵁: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَحُثُّ عَلَى جَيْشِ الْعُسْرَةِ فَقَامَ عُثْمَانُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيَّ مَائَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا (^١) وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ثُمَّ حَضَّ عَلَى الْجَيْشِ فَقَامَ عُثْمَانُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيَّ مِائَتَا بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ حَضَّ عَلَى الْجَيْشِ فَقَامَ عُثْمَانَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيَّ ثَلَاثُمَائَةِ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى. فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْزِلُ عَنِ الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: «مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ هذِهِ، مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ هذِهِ». رَوَى التِّرْمِذِيُّ هذِهِ الثَّمَانِيَةَ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ مِنْهَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-736>مناقب علي بن أبي طالب ﵁ </span>(^٣)\n\n• عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﷺ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ قَدْ تَخَلَّفَ عَنه النَّبِيِّ ﷺ فِي خَيْبَرَ (^٤) وكَانَ رَمِدًا فَقَالَ: أَنَا أَتَخَلفُ فَخَرَجَ فَلَحِقَ بالنَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلةِ الَّتِي فَتَحَهَا اللَّهُ فِي صَبَاحِهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ أَوْ لَيَأْخُذَنَّ بِالرَّايَةِ غَدًا رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَوْ قَالَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَإِذَا نَحْنُ بِعَلِيَ\n_________\n(^١) الأحلاس جمع حِلس كساء رقيق تحت الرحل، والأقتاب جمع قتب - كسبب - هو للجمل كالإكاف لغيره.\n(^٢) والأخير بسند غريب والأربعة قبله بأسانيد حسنة نسأل الله حسن الحال آمين.\n\nمناقب علي بن أبي طالب ﵁\nالمناقب: جمع منقبة وهي ضد المثلبة، والفضائل: جمع فضل وفضيلة، وضده النقص والنقيصة، فالمناقب والفضائل بمعنى واحد.\n(^٣) هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الجد الأول للنبي - ﷺ -، فهو هاشمي وقرشي وابن عم النبي - ﷺ - لأبويه، وكنيته أبو الحسن وأبو تراب كما يأتي به وأسلم وهو غلام له ثمان سنين ﵁ وكرم وجهه الذي لم يسجد لصنم قط، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وهي أول هاشمية ولدت في الإسلام هاشمية، أسلمت وماتت بالمدينة ﵂.\n(^٤) في خيبر أي في الخروج لغزوها، وكان رمدا أي مريضا بالرمد في عينيه، فإذا نحن بعليّ وما نرجوه أي ما نرجو حضوره معنا لمرضه، فأعطاه النبي - ﷺ - الراية وتقدم بها أمام الجيش ففتح الله عليهم وانتصروا على خيبر، والراية: العلم التي هي علامة الإمارة.","vol":"3","page":330},{"text":"وَمَا نَرْجُوهُ»، فَقَالُوا هذَا عَلِيٌّ فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّايَةَ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ».\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيَنَّ هذِهِ الرَّايَةَ رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيْحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» فَبَاتَ النَّاسُ يَدْوكونَ لَيْلَتَهُمْ (^١) أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّهُمْ يَرْجُونَ أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ»؟ فَقَالُوا: هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، قَالَ: «فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ» فَأُتِي بِهِ فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ عَليٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلهُمْ حَتَّى يَكونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ (^٢) ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَحِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِي اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النعَمِ (^٣)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيَنَّ هذِهِ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ»، قَالَ عُمَرُ: مَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ أَلا يَوْمَئِذٍ فَتَسَاوَرْتُ لَهَا (^٤) رَجَاءَ أَنْ أُدْعَى لَهَا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا وَقَالَ:\n_________\n(^١) وفي رواية: يذكرون ليلتهم أي يتحدثون فيمن سيأخذها.\n(^٢) أي سر بجيشك متأنيًا حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وما يجب عليهم لله ولرسوله فإن أجابوك فلا سبيل لك عليهم وإلا فالقتال.\n(^٣) حمر النعم هي الإبل الحمر وضرب بها المثل لأنها أعز وأنفس أموال العرب أي والله لأن يهدي الله بسببك شخصًا واحدا خير لك من حمر النعم أي أكثر ثوابًا وأبقى من التصدق بالإبل الحمر لأن ثوابها ينقطع بموتها وثواب العلم والهدى باق إلى يوم القيامة، ففيه حض على تعليم العلم وبثه في الناس لأنه هو الحياة والسعادة الدائمة.\n(^٤) فتساورت لها أي تطاولت للإمارة يومئذ. وقوله: فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم أي حفظوهما إلا بحقها أي لا إله إلا الله، أي إذا اعترفوا بالشهادتين فقد حرم التعرض لهم بأي شيء إلا بحق الإسلام كإقامة الحد وأخذ مال الزكاة، ففيه الدعاء إلى الإسلام قبل القتال، وهو واجب لمن لم تبلغهم الدعوة، ومستحب لغيرهم، قال تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.","vol":"3","page":331},{"text":"«امْشِ وَلَا تَلْتَفِتْ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ» فَسَارَ عَلِيٌّ شَيْئًا ثُمَّ وَقَفَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ فَصَرَخَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مَاذَا أُقَاتِلُ النَّاسَ؟ قَالَ: «قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا إِلا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِذَا فَعَلُوا ذلِكَ فَقَدْ مَنَعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى». رَوَى الشَّيْخَانِ هذِهِ الثَّلَاثَةَ.\n\n• عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قالَ: خَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخَلِّفُنِي فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ فَقَالَ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسى غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي (^١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: اسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ مِنْ آلِ مَرْوَانَ فَدَعَا سَهْلًا فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتِمَ عَلِيًّا فَأَبى سَهْلٌ فَقَالَ لَهُ: أَمَّا إِذَا أَبَيْتَ فَقُلْ لَعَنَ اللَّهُ أَبَا التُّرَابِ فَقَالَ سَهْلٌ: مَا كَانَ لِعَلِيَ اسْمٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ هذا وَكَانَ يَفْرَحُ إِذَا دُعِيَ بِهَا (^٢) فَقِيلَ لَهُ: أَخْبِرْنَا لِمَ سُمِّيَ أَبَا تُرَابٍ؟ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا ﵉ فَقَالَ: «أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟» قَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي (^٣) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِإِنْسَانٍ (^٤): «انْظُرْ أَيْنَ هُوَ فَجَاءَ» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ وَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ:\n_________\n(^١) فالنبي - ﷺ - لما خرج لتبوك أناب عليًا عنه في أهله فقال المنافقون: ما تركه إلا استثقالا له، فسمع بهذا عليّ فتسلح فخرج فلحق برسول الله - ﷺ - وهو نازل بالجرف فأخبره بقول المنافقين، فقال: كذبوا إنما خلفتك لمن تركتهم ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أما ترضى يا عليّ أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، تأول قول الله تعالى ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ فعلي من النبي - ﷺ - كهارون من موسى أي في الأُخوة وقرب المرتبة والظاهرة به في أمور الدين.\n(^٢) أي بهذه الكنية.\n(^٣) أي لم يمكث وقت القيلولة في البيت النزاع حصل.\n(^٤) ذلك الإنسان هو سهل الراوي.","vol":"3","page":332},{"text":"«قُمْ أَبَا التّرَابِ قُمْ أَبَا التُّرَابِ (^١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: أَمَرَنِي مُعَاوِيَة أَنْ أَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ فَقُلْتُ: أَمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَنْ أَسُبَّهُ (^٢) لَأَنْ تَكونَ لِي وَاْدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ: قَدْ خَلَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ خَلْفْتَنِي مَع النِّساءِ وَالصِّبْيَانِ فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَما تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسى إِلا أَنَّهُ لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي». وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، فَتَطَاوَلْنَا لَهَا فَقَالَ: ادْعُوا لِي عَلِيًّا فَأُتِيَ بِهِ أَرْمَدَ فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْهِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَلَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ الْآيَةُ ﴿فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا وَقَالَ: «اللَّهُمَّ هؤُلَاءِ أَهْلِي (^٣)». رَوَاهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ (^٤)».\n\n• وَعَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ عَلِيٌّ» قَالَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فَقَالَ: أَوَّلُ مِنْ أَسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ (^٥).\n_________\n(^١) أي قم يا أبا التراب أي يا من أصابه التراب تلطفًا منه صلى الله عليهم وسلم لعلي ﵁.\n(^٢) أي ما دمت متذكرًا لقول النبي - ﷺ - فيه فلن أسبه أبدا.\n(^٣) فهذه الأحاديث الثلاثة في علي لم يقلها النبي - ﷺ - في أحد غيره، ففيها دلالة على رفع مكانة عليّ ﵁. وفي الحديث اثنتان من علامات النبوة: فعلية وقولية، أما الفعلية: فبصقه في عين عليّ وبرؤها في الحال، وأما القولية: فهي قوله: خذ الراية وسر إليهم فسيفتح الله عليك، وكان كذلك.\n(^٤) قال الشافعي ﵁ أراد به مولاه في الإسلام كقوله تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ وسببه أن أسامة بن زيد قال لعليّ لست مولاي إنما مولاي رسول الله - ﷺ - فسمعه النبي - ﷺ - فذكره.\n(^٥) كلاهما صادق فإن عليًا أول من أسلم من الصبيان، وأبا بكر أول من أسلم من الرجال.","vol":"3","page":333},{"text":"• عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: «أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ (^١)».\n\n• عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِالرَّحَبَةِ (^٢) قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْحُدَيْبِيَةِ خَرَجَ إِلَيْنَا نَاسٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَيهِمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَنَاسٌ مِنْ رُؤَسَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ إِلَيْكَ نَاسٌ مِنْ أَبْنَائِنَا وَإِخْوَانِنَا وَأَرقَّائِنَا وَلَيْسَ لَهُمْ فِقْهٌ فِي الدِّينِ وَإِنَّمَا خَرَجُوا فِرارًا مِنْ أَمْوَالِنَا وَضِيَاعِنَا (^٣) فَارْدُدْهُمْ إِلَيْنَا، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِقْهٌ فِي الدِّينِ سَنُفَقِّهُهُمْ، ثمَّ قَالَ ﷺ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَتَنْتَهُنَّ أَوْ لَيَبْعَثَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مَنْ يَضْرِبُ رِقَابَكُمْ بِالسَّيْفِ عَلَى الدِّينِ قَدِ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ عَلَى الْإِيمَانِ»، قَالُوا: مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَقَالَ عُمَرُ: مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «هُوَ خَاصِفُ النَّعْلِ»، وَكَانَ أَعْطَى عَلِيًّا نَعْلَهُ يَخْصِفُهَا (^٤) قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا عَليٌّ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَلِيًّا فَمَضَى فِي السَّرِيَّةِ (^٥) فَأَصَابَ جَارِيَةً فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ وَتَعَاقَدَ أَرْبَعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنْ يَخْبِرُوا النَّبِيَّ ﷺ إِذَا رَجَعُوا وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا رَجَعُوا مِنَ السَّفَرِ بَدَأُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ ثُمَّ انْصَرَفوا إِلَى رِحَالِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَتِ السَّرِيَّةُ سَلَّمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَمْ تَرَ إِلَى عَلَيَ صَنَعَ كَذَا وَكَذَا فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ قَامَ الثَّانِي فَقَالَ مِلَ مَقَالَتِهِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ قَامَ الثَّالِثُ فَقَالَ مِثْلَهُمَا\n_________\n(^١) فلعلى من الحرمة ما للنبي ﷺ.\n(^٢) بالرحبة أي برحبة الكوفة وهو أمير المؤمنين.\n(^٣) الضياع جمع ضيعة وهي العقار والأرض المغلة سمي ضيعة لأن صاحبها يضيع بإهمالها.\n(^٤) أي يخيطها، أي فالذي يهددكم الله به والذي امتحن الله قلبه للإيمان هو علي بن أبي طالب ﵁.\n(^٥) السرية هي الجماعة إلى ثلاثمائة.","vol":"3","page":334},{"text":"فأَعْرَضَ عَنْهُ، ثمَّ قَامَ الرَّابِعُ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالُوا فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْغَضَبُ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ: «مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيَ وَكَرَّرَهَا ثَلَاثًا»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ عَلِيًّا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي (^١)».\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يُحِبُّ عَلِيًّا مُنَافِقٌ وعلَا يُبْغِضُهُ مُؤْمِنٌ (^٢)».\n\n• عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِحُبِّ أَرْبَعَةٍ وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُحِبُّهُمْ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِّهِمْ لَنَا، قَالَ: «عَلِيٌّ مِنْهُمْ قَالَهَا ثَلَاثًا وَأَبُو ذَرَ وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَسَلْمَان (^٣) أَمَرَنِي بِحُبِّهِمْ وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُحِبُّهُمْ».\n\n• عَنْ حَبَشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَلِيٌّ مِنِّي وَأَنَا مِنْ عَلِيَ وَلَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلا أَنَا أَوْ عَلِيٌّ (^٤)»،\nوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَجَاءَ عَلِيٌّ تَدْمَعُ عَيْنَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ آخَيْتَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ وَلَمْ تُؤَاخِ بَيْنِي وَبَيْنَ أَحَدٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنْتَ أَخِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخَرِةِ (^٥)».\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ إِذَا سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَانِي وَإِذَا سَكَتُّ ابْتَدَأَنِي (^٦).\n\n• عَنْ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ جَيْشَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَى أَحَدِهِمَا عَلِيًّا وَعَلَى الْآخَرِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَقَالَ: إِذَا كَانَ\n_________\n(^١) النبي - ﷺ - أعرض عن شكواهم في عليّ لأنه ظهر له أن ما فعله على ليس منكرًا وإلا لأجابهم، وقوله وهو ولي كل مؤمن بعدى هذه من قوله ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ أي وعلى ولي المؤمنين بعدي وفيها لعلي ﵁ أفخر منقبة.\n(^٢) فالمنافق لا يحب عليًا لأنه ضده والمؤمن لا يبغضه لأنه مثله، ومنه الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، ومنه الضدان لا يجتمعان.\n(^٣) وسلمان الفارسي، فالله تعالى يحبهم أي أكثر ممن دونهم، وذكر على ثلاثًا تنويه بمزيد فضله وعلو قدره ﵁.\n(^٤) كان من دأب العرب إذا كان بينهم نقض أو إبرام أو صلح لا يؤدي ذلك إلا سيد القوم أو من يليه من قرابته القريبة.\n(^٥) هذه المؤاخاة وقعت بعد الهجرة فقد آخى النبي - ﷺ - بين المهاجري والأنصاري لزيادة الرابطة والمودة بينهما كما يأتي وبهذا الحديث امتاز على عن بقية الأصحاب ﵃.\n(^٦) فكان علي ﵁ في ذاكرة النبي - ﷺ - دائما، وما أعظمها مزية.","vol":"3","page":335},{"text":"الْقِتَالُ فَعَلِيٌّ (^١) فَافْتَتَحَ عَلِيٌّ حِصْنًا فَأَخَذَ مِنْهُ جَارِيَةً فَكَتَبَ مَعِي خَالِدٌ كِتَابًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَشِي بِعَليَ فَقَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْطَيْتُهُ الْكِتَابَ فَقَرَأَهُ فَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ ثُمَّ قَالَ: «مَا تَرَى فِي رَجُلٍ يُحِبُّ اللَّهُ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، قلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ وَإِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ فَسَكَتَ (^٢).\nوَقَالَ جَابرٌ ﵁: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا يَوْمَ الطَّائِفِ (^٣) فَانْتَجَاهُ فَقَالَ النَّاسُ: لَقَدْ طَالَ نَجْوَاهُ مَعَ ابْنِ عَمِّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا انْتَجَيْتُهُ وَلكِنَّ اللَّهَ انْتَجَاهُ».\nوَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵁ لِعَلِيَ: «يَا عَلِيُّ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يَجْنَبُ فِي هذَاالْمَسْجِدِ غَيْرِي وَغَيْرُكَ (^٤)».\n\n• عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ جَيْشًا وَفِيهِمْ عَليٌّ، قَالَتْ: فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَا تُمِتْنِي حَتَّى تُرِيَنِي عَلِيًّا (^٥)».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ طَيْرٌ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اثْتِنِي بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ يَأْكُلُ مَعِي هذَا الطَّيْر فَجَاءَ عَلِيٌّ فَأَكَلَ مَعَهُ (^٦)».\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ زَوَّجَنِي ابْنَتَهُ وَحَمَلَنِي إِلَى دَارِ الْهِجْرَةِ (^٧) وَأَعْتَقَ بَلَالًا مِنْ مَالِهِ رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ يَقُولُ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، تَرَكَهُ الْحَقُّ وَمَا لَهُ صَدِيقٌ (^٨)، رَحِمَ اللَّهُ عُثْمَانَ\n_________\n(^١) أي فعلي هو الأمير.\n(^٢) فمن كانت صفته هذه فكل عمله مقبول لأنه مجبول على ما يرضي الله ورسوله وإن خفي على بعض الناس.\n(^٣) يوم الطائف أي يوم غزوته فانتجاه أي كلمه سرًا وطال الكلام فسئموا واعترضوا فقال - ﷺ - ما انتجيته ولكن الله انتجاه أي أمرني بنجواه.\n(^٤) أي لا يحل لأحد أن يمشي في المسجد النبوي وهو جنب إلا النبي - ﷺ -، وعليًا ﵁ لعلو منزلتهما.\n(^٥) فيه دعاء لعلي بطول العمر وخوف عليه وشوق إليه ﵁.\n(^٦) فيه أن عليًا ﵁ أحب الخلق إلى الله تعالى.\n(^٧) وحملني إلى دار الهجرة أي ساعدني وصاحبي فيها وإن كان النبي - ﷺ - قبل الراحلة منه بالثمن ولكن كان الزاد من مال أبي بكر ﵁ كما تقدم في الهجرة.\n(^٨) أي من العوام إلا فالخواص كانوا يقدرونه ﵁ فإنه لما ضرب علاهم الحزن بأجلى مظاهره.","vol":"3","page":336},{"text":"تَسْتَحْيِيهِ الْمَلَائِكَةُ، رَحِمَ اللَّهُ عَلِيًّا اللَّهُمَّ أَدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ (^١)». رَوَى التِّرْمِذِيُّ السَّتَّةَ عَشَرَ (^٢).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَنَا دَارُ الْحِكْمَةِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\n• عَنِ الْأَقْرَعِ مُؤَذِّنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَعَثَنِي عُمَرُ إِلَى الْأُسْقُفِّ (^٤) فَدَعَوْتُهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلْ تَجِدُنِي فِي الْكِتَابِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: كَيْفَ تَجِدُنِي؟ قَالَ: أَجِدُكَ قَرْنًا، قَالَ: فَرَفَعَ عُمَرُ عَلَيْهِ الدِّرّةَ فَقَالَ: قَرْنَ مَهْ؟ قَالَ: قَرْنٌ حَدِيدٌ أَمِينٌ شَدِيدٌ، قَالَ عُمَرُ: كَيْفَ تَجِدُ الَّذِي يَجِئُ بَعْدِي؟ قَالَ: أَجِدُهُ خَلِيفَةً صَالِحًا غَيْرَ أَنَّهُ يُؤْثِرُ قَرَابَتَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَرْحَمُ اللَّهُ عُثْمَانَ ثَلَاثًا فَقَالَ: كَيْفَ تَجِدُ الَّذِي بَعْدَهُ؟ قَالَ: أَجِدُهُ صَدَاءَ حَدِيدٍ، فَوَضَعَ عُمَرُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَ: يَا دَفْرَاهُ يَا دَفْرَاهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ خَلِيفَةٌ صَالِحٌ وَلكِنَّهُ يُسْتَخْلَفُ حِينَ يُسْتَخْلَفُ وَالسَّيْفُ مَسْلُولٌ والدَّمُ مُهْرَاقٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَالِحٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) فكان الحق دائما مع علي ﵁ تحقيقًا لدعوة النبي - ﷺ -.\n(^٢) الثلاثة الأول بأسانيد صحيحة، والأخيران بسندين غريبين وما بينهما بأسانيد حسنة.\n(^٣) ورواه ابن عبد البر ولفظه أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأته من بابه، فهذه منقبة لعلي لم يشاركه فيها غيره ﵁ فكان أعلم الناس بعد النبي ﷺ وأقدرهم على حل المعضلات حتى ضرب المثل به (قضية ولا أبا حسن لها) وكتاب نهج البلاغة أكبر دليل على ذلك والله أعلم.\n(^٤) فعمر ﵁ أرسل إلى الأسقف عالم النصارى ورئيسهم وشرع يسأله ليسمع منه ما يعرفه في كتبهم من وصف الأصحاب ﵃، فقال له كيف وصفي عندكم؟ قال إنك قرن فرفع عمر الدرة عليه يريد ضربه لفهمه أنه ذم فيه ثم استفهم عمر فقال قرن مه أي ما تريد بالقرن، قال قرن حديد أي حصن من حديد للأمة أمين عليها شديد على أعدائها، ثم سأله عمن يأتي بعده، فقال هو خليفة صالح ولكنه يؤثر أقاربه على الناس فترحم عمر عليه ثلاثًا، ثم سأله عن الذي يأتي بعد عثمان فقال صداء حديد أي وسخ الحديد، فتكدر عمر ووضع يده على رأسه وقال يا دفراه أي يا نتن الإسلام ففهم منه أن هذا ذم، فقال الأسقف يا أمير المؤمنين إنه خليفة صالح ولكنه يستخلف والفتن في المسلمين كثيرة فهو مضطر إلى سل السيوف لقطع دابرها وتطهير الأرض والمسلمين=","vol":"3","page":337},{"text":"<span data-type='title' id=toc-737>الفصل الثالث في فضائل بقية العشرة المبشرين بالجنة ﵃ (^١) مناقب الزبير بن العوم ﵁</span>\n• عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ (^٢) فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ ثُمَّ نَدَبَهُمْ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ ثُمَّ نَدَبَهُمْ فَانْتَدَبَ الزّبَيْرُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيَ حَوَارِيٌّ وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: كُنْتُ يَوْمَ الْأَحْزَابِ جُعِلْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي النِّسَاءَ (^٣) فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِالزَّبَيْرِ عَلَى فَرَسِهِ يَخْتَلِفُ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (^٤) فَلَمَّا رَجَعْتُ قُلْتُ: يَا أَبَتِ رَأَيْتُكَ تَخْتَلِفُ إِلَى قُريْظَةَ قَالَ: وَهَلْ رَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَالَ مَنْ يَأْتِ\n_________\n= منها، هذا قول عالم النصارى عن سالف الكتب وهو حق فإن عمر كان حصنا للأمة ومهيبًا وشديدة في الدين، ﵁، وكان عثمان كما قال ﵁، وكانت أيام خلافة علي ﵁ كلها فتن وحروب ضد فرق ضالة كثيرة اضطرته إلى شهر السلاح عليهم حتى مات ﵁ وأرضاه وحشرنا في زمرته آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nالفصل الثالث في بقية العشرة المبشرين بالجنة\n(^١) العشرة المبشرون بالجنة هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة وسعيد بن زيد ﵃، تقدم منهم الأربعة الأول وبقي هذه الستة.\n\nمناقب الزبير بن العوام ﵁\nهو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، فهو يجتمع مع النبي - ﷺ - في قصى، ويقال له القرشي الأسدي نسبة لجده أسد، وأمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي - ﷺ -، أسلم وهو ابن ثمان سنين أو خمس عشرة سنة وحضر يوم اليرموك وفتح مصر مع عمرو بن العاص وقتل وهو نائم بوادي السباع راجعًا من واقعة الجمل سنة ٣٦ هـ ﵁.\n(^٢) ندب رسول الله - ﷺ - الناس يوم غزو الخندق أي دعاهم للجهاد وحرضهم عليه فانتدب الزبير أي فأجابه الزبير ثلاث مرات فقال رسول الله - ﷺ - لكل نبي حواري أي ناصر وحواري الزبير ﵁.\n(^٣) أي في حفظ نساء النبي - ﷺ -.\n(^٤) أي يتردد إليهم ذهابًا وإيابًا.","vol":"3","page":338},{"text":"بَنِي قُرَيْظَةَ فَيَأْتِنِي بِخَبَرِهِمْ» فَانْطَلَقْتُ فَلَمَّا رَجَعْتُ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ فَقَالَ: «فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي (^١)». رَوَاهمَا الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَلَى جَبَلِ حِرَاءٍ فَتَحَرَّكَ (^٢) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُسْكُنْ حِرَاءُ فَمَا عَلَيْكَ إِلا نَبِيٌّ أَوْ صَدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ وَعَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵃». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَة: أَبَوَاكَ (^٣) وَاللَّهِ مِنَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسولِ مِنْ بَعْدِمَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٤).\n\n• عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ﵁ قَالَ: أَصَابَ عُثْمَانَ ﵁ رُعَافٌ شَدِيدٌ سَنَةَ الرُّعَافِ (^٥) حَتَّى حَبَسَهُ عَنِ الْحَجِّ وَأَوْصَى فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: اسْتَخْلِفْ، قَالَ: وَقَالُوهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَمَنْ؟ فَسَكَتَ. ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ (^٦) فَقَالَ: اسْتَخْلِفْ، فَقَالَ عُثْمَانُ: وَقَالُوا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَمَنْ هُوَ؟ فَسَكَتَ، قَالَ: فَلَعَلَّهُمْ قَالُوا الزُّبَيْرُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَخَيْرُهُمْ مَا عَلِمْتُ (^٧) وَإِنْ كَانَ لَأَحَبَّهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\n_________\n(^١) جمع لي رسول - ﷺ - أبويه في النداء تعظيما وإعلاء لقدرى فقال فداك أبي وأمي أي أفديك بهما، فإن الإنسان يفدي من يعظمه فيبذل نفسه له، فالزبير ﵁ خاطر بنفسه في الله ورسوله في غزو الخندق وبني قريظة فجعله النبي - ﷺ - حواريه وفداه بأبيه وأمه وما أعظمهما مزية.\n(^٢) فتحرك أي اضطرب حتى تساقطت بعض حجارته، أو صديق أو شهيد أو بمعنى الواو والمراد بالشهيد الجنس فإنهم كلهم شهداء ﵃ وأرضاهم.\n(^٣) أبواك من الذين استجابوا لله وللرسول أي أجابوهما من بعد ما أصابهم القرح في غزوة أحد، فأجابها وسارا إلى حمراء الأسد وفيهم يقول الله تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.\n(^٤) ولكن البخاري في التفسير.\n(^٥) وكانت سنة إحدى وثلاثين.\n(^٦) قيل إن ذلك الآخر هو الحارث بن الحكم أخو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية وكانا أجرأ الناس على عثمان لقرابتهم له وتقربهم منه.\n(^٧) إنه لخيرهم ما علمت أي في علمي وكان أحبهم إلى رسول الله - ﷺ - في خصوص حسن الخلق والضمير في الكلمتين للمرشحين للخلافة أو لمن أشاروا بها وهذا أظهر.","vol":"3","page":339},{"text":"• عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا يَوْمَ الْيَرْمُوكِ (^١): أَلَا تَشُهدُّ عَلَى الْكُفَّارِ فَنَشُدَّ مَعَكَ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ فَضَرَبُوهُ ضَرْبَتَيْنِ عَلَى عَاتِقِهِ بَيْنَهُمَا ضَرْبَةٌ ضُرِبَهَا يَوْمَ بَدْرٍ، قَالَ عُرْوَةُ: فَكُنْتُ أُدْخِلُ أَصَابِعِي فِي تِلْكَ الضَّرَبَاتِ أَلْعَبُ وَأَنَا صَغِيرٌ. رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: أَوْصَى الزُّبَيْرُ إِلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ صَبِيحَةَ الْجَمَلِ فَقَالَ: ما مِنِّي عُضْوٌ إِلا وَقَدْ جُرِحَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَهَى ذلِكَ إِلَى فَرْجِهِ (^٢).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي بَيْتِ الزُّبَيْرِ مِصْبَاحًا فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ مَا أَرَى أَسْمَاءَ إِلا قَدْ نُفِسَتْ (^٣) فَلا تُسَمُّوهُ حَتَّى أُسَمِّيَهُ» فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ وَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ بِيَدِهِ. رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدَيْنِ حَسَنَيْنِ.\n_________\n(^١) اليرموك موضع بالشام حصلت فيه موقعة كبيرة في أول خلافة عمر ﵁ بين المسلمين والروم وكان عدد المسلمين فيها ستة وثلاثين أو خمسة وأربعين ألفا وعدد الروم سبعمائة ألف فهابهم المسلمون فقالوا للزبير ألا تبدأ بالحمل عليهم. فقال نعم، فحمل عليهم وتبعه المسلمون ﵃ وأبلوا بلاء حسنا وانتصر المسلمون عليهم فقتلوا منهم مائة ألف وخمسة آلاف وأسروا أربعين ألفا ولكن استشهد من المسلمين أربعة آلاف ﵃ وأرضاهم.\n(^٢) فكان هذا إشعارًا بقرب أجله ﵁، وكان كذلك فإنه كان في وقعة الجمل مع عائشة ضد علي ﵃ فطلبه على بين الجيشين وذكره بقول النبي - ﷺ - له حينما التقوا في الطريق مرة: تقاتله وأنت له ظالم، قال نعم، فتاب ورجع فنام تحت شجرة فجاء قاتل على غفلة وقطع رأسه وجاء يبشر عليا بقتله فأنّبه على وتوعده بما معناه: بشر قاتل الزبير بالنار.\n(^٣) قد نفست أي ولدت واهتم النبي - ﷺ - بشأنها لأنها أخت عائشة وكانت متزوجة بالزبير رضي الله منهم فالزبير أحد المبشرين بالجنة وحوارى النبي - ﷺ - وابن عمته صفية وزوج أخت عائشة ﵃ أجمعين وحشرنا في زمرتهم آمين والحمد لله رب العالمين.","vol":"3","page":340},{"text":"<span data-type='title' id=toc-738>مناقب طلحة بن عبيد اللَّه ﵁ </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَيَّامِ (^٢) الَّتِي قَاتَلَ فِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ طَلْحَةَ وَسَعْدٍ عَنْ حَدِيثِهِمَا. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَقَالَ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٌ ﵁: رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ الَّتِي وَقَى بِهَا النَّبِيَّ ﷺ قَدْ شَلَّتْ (^٣) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنِ الزُّبَيْرِ ﵁ قَالَ: كَانَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ دِرْعَانِ (^٤) فَقَبَضَ إِلَى صَخْرَةٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَأَقْعَدَ تَحْتَهُ طَلْحَةَ فَصَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الصَّخْرَةِ فَقَالَ: أَوْجَبَ طَلْحَةَ.\n\n• عَنْ طَلْحَةَ ﷺ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا لِأَعْرَابِيَ جَاهِلٍ: سَلْهُ عَمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ مَنْ هُوَ؟ وَكَانُوا لَا يَجْتَرِئونَ عَلَى مَسْأَلَتِهِ يُوَقِّرُونَهُ وَيَهَابُونَهُ فَسَأَلَهُ الْأَعْرَابِيُّ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ إِنِّي اطَّلَعْتُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ وَعَلَيَّ ثِيَابٌ خُضْرٌ فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ عَمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ» قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هذَا مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ (^٥).\n_________\nمناقب طلحة بن عبيد الله ﵁\n(^١) هو طلحة بن عُبَيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب يجتمع مع النبي - ﷺ - في مرة بن كعب ومع أبي بكر في كعب بن سعد وكان يقال له طلحة الخير وطلحة الجود لكثرة جوده، وأمه الصعبة بنت الحضرمي أخت العلاء أسلمت وهاجرت وعاشت بعد ابنها قليلا وقتل طلحة يوم الجمل سنة ست وثلاثين. ذكر أن عليا ﵁ لما وقف على مصرع طلحة ﵁ بكى حتى اخضلت لحيته بدموعه ثم قال، إني أرجو أن أكون أنا وأنت ممن قيل فيهم ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين﴾.\n(^٢) فلم يثبت مع النبي - ﷺ - في بعض مغازيه - وهي أُحد - إلا طلحة وسعد بن أبي وقاص ﵄ وذلك عن حديثهما.\n(^٣) ففي وقعة أحد أراد بعض المشركين أن يضرب النبي - ﷺ - بالسيف فتلقاه طلحة بيده فشلت وصارت مفخرة عظيمة له ﵁.\n(^٤) درعان تثنية درع وهو كقميص من صلب الحديد يلبسه المجاهد ليقية السلاح، أوجب طلحة أي عمل ما يوجب له الجنة قطعا.\n(^٥) هذا أي طلحة ممن قضى نحبه أي مات في سبيل الله أي سيموت شهيدًا فإنه قتل بعد هذا شهيدا في وقعة الجمل ﵁.","vol":"3","page":341},{"text":"• عَنْ عَلِيَ ﷺ قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنِي مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: «طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ جَارَايَ فِي الْجَنَّةِ (^١)».\n\n• عَنْ جَابِرٍ صلى الله عليه وسلمعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظَرَ إِلَى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ». رَوَى التِّرْمِذِيُّ هذِهِ الْأَرْبَعَةَ (^٢). نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-739>مناقب سعد بن أبي وقاص ﵁ </span>(^٣)\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ غَيْرِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ (^٤) فَإِنَّهُ جَعَلَ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ: «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ: ارْمِ أَيُّهَا الْغُلَامُ الْحَزَوَّرُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: سَهِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقْدَمَهُ الْمَدِينَةَ (^٥) لَيْلَةً فَقَالَ: «لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ» قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ كَذلِكَ سَمِعْنَا خَشْخَشَةَ سِلَاحٍ فَقَالَ: «مَنْ هذَا؟» قَالَ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا جَاءَ بِكَ؟» فَقَالَ: وَقَعَ فِي نَفْسِي خَوْفٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَجِئْتُ أَحْرُسُهُ فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ نَامَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ.\n_________\n(^١) وما أعظم جوار النبي - ﷺ - في الجنة فهي السعادة الكاملة نسأل الله مجاورة النبي - ﷺ - آمين.\n(^٢) الأول بسند صحيح والثاني بسند حسن والأخيران بسندين غريبين. وبالله التوفيق.\n\nمناقب سعد بن أبي وقاص ﵁\n(^٣) هو سعد بن مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة يجتمع مع النبي - ﷺ - في كلاب بن مرة، وأهيب جد سعد عمر آمنة أم النبي - ﷺ - أخو أبيها وهب بن عبد مناف بن زهرة، فبنو زهرة أخوال النبي - ﷺ -، وسعد بن مالك حضر المشاهد كلها مع النبي - ﷺ - وكان يسمى فارس الإسلام، وكان مجاب الدعوة توفي سنة خمس وخمسين عن ثلاث وثمانين سنة ﵁.\n(^٤) ما جمع أبويه لغير سعد أي في الفداء بقوله: ارم فداك أبي وأمي، ارم أيها الغلام الحزور أي المقارب للبلوغ الشديد القوي.\n(^٥) مقدمه المدينة أي عقب قدومه المدينة، ففيه فضل سعد وأنه من الصالحين الملهمين للحق، وفيه الاحتراس من العدو وترك الإهمال والأخذ بالحزم وهذا قبل نزول ﴿والله يعصمك من الناس﴾ فإنه ترك الحراسة بعدها.","vol":"3","page":342},{"text":"• عَنْ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: حَلَفَتْ أُمُّ سَعْدٍ أَلا تُكَلِّمَهُ أَبَدًا وَلَا تَأْكلَ وَلَا تَشْرَبَ حَتَّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ (^١) وَزَعَمَتْ أَنَّ اللَّهَ وَصَّاكَ بِوَالِدَيْكَ وَأَنَا أُمُّكَ وَأَنَا آمُرُكَ بِهذَا فَمَكَثَتْ ثَلَاثًا حَتَّى غَشِيَ عَلَيْهَا مِنَ الْجَهْدِ فَقَامَ ابْنٌ لَهَا يُقَالُ لَهُ عُمَارَةُ فَسَقَاهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِذَا أَرَادُوا أَنْ يَسْقُوهَا شَجَرُوا فَاهَا بِعَصًا ثُمَّ أَوْجَرُوهَا فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى سَعْدٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَآ﴾ رَوَاهُ مُسْلِمٌ هُنَا وَالتِّرْمهذِيُّ فِي التَّفْسِيرِ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: مَا أَسْلَمَ أَحَدٌ إِلا فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمْتُ فِيه وَلَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَإِنِّي لَثُلُثُ الإِسْلامِ (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لِسَعْدٍ إِذَا دَعَاكَ (^٣)».\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: أَقْبَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هذَا خَالِي فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ (^٤)». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٥) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) فلما حلفت أم سعد لا تتناول شيئا حتى يكفر بالإسلام ولدها سعد لم يعبأ بها فقتلها الجوع فكان ابنها عمارة يفتح فمها بقوة ويضع فيه عصا لئلا تطبقه ثم يصب فيه الطعام فصارت تدعو على سعد فنزلت ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ الآيات.\n(^٢) لأنه أسر على يد أبي بكر وقبلهما النبي - ﷺ - فيكون ثلث من أسلم من الرجال الكاملين، وهذا في علمه وإلا فقد أسلم جماعة قبله وكان سابعهم ﵃.\n(^٣) فكان ﵁ مجاب الدعوة.\n(^٤) ومن يقول هذا فيه النبي - ﷺ - فهو بلا شك في منزلة عالية سامية ﵁.\n(^٥) بسندين حسنين والله أعلم.","vol":"3","page":343},{"text":"<span data-type='title' id=toc-740>مناقب أبي عبيدة بن الجراح ﵁ </span>(^١)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا وَإِنَّ أَمِينَنَا أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ (^٢) أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاج».\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: جَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ (^٣) إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا أَمِينًا فَقَالَ: «لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ قَالَ فَاسْتَشْرَفَ لَهَا النَّاسُ فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ». رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ (^٤) قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: «يَا رَسُولِ اللَّهِ ابْعَثْ مَنَا رَجُلًا يُعَلِّمُنَا السُّنَّةَ وَالْإِسْلَامَ»، قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ فَقَالَ: «هذَا أَمِينُ هذِهِ الْأُمَّةِ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\nمناقب أبي عبيدة بن الجراح ﵁\n(^١) هو عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك يجتمع مع النبي - ﷺ - في فهر، وأمه من بني الحارث بن فهر أسلمت، وأما أبوه فقتل يوم بدر كافرا وقيل هو الذي قتله، وتوفي أبو عبيدة وهو أمير على الشام من قبل عمر بن الخطاب سنة ثمان عشرة بالطاعون، وكان طويلا نحيفًا خفيف اللحية أثرم الثنيتين أي ساقطهما بسبب انتزاع سهمين من جبهة النبي - ﷺ - يوم أُحد ﵁ وأرضاه آمين.\n(^٢) برفع لفظ الأمة على أنه صفة المنادى ونصبه على الاختصاص.\n(^٣) نجران: بلد باليمن قدم أشرافها وهم السيد والعاقب وجماعة على النبي - ﷺ - سنة تسع فقالوا يا رسول الله ابعث معنا رجلا أمينًا يعلمنا الدين، فقال لأبعثن معكم رجلا أمينًا حق أمين أي أمينًا حقا، فتطلع الناس لها أي للإمارة ولينالوا وصف الأمانة فبعث معهم أبا عبيدة، وقال: هذا أمين هذه الأمة. أي أغلب صفاته وشمائله الأمانة وهي فيه أكثر من غيره كرأفة أبي بكر وشدة عمر وحياء عثمان وعلم عليّ، وإلا فكل الأصحاب أمناء ﵃. والأمانة قوة الشخص على حفظ ما وكل إليه.\n(^٤) إن كان أهل اليمن هنا هم أهل نجران فالقصة واحدة، وإن كانوا غيرهم فتكون قصة أخرى، وعلى كل ففيها مزيد فضل أبي عبيدة ﵁ وأرضاه آمين.","vol":"3","page":344},{"text":"<span data-type='title' id=toc-741>مناقب عبد الرحمن بن عوف ﵁</span>\n• عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَبُو بَكْرِ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعِيدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ (^١)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٢).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ أَمَرْكُنَّ مِمَّا يُهِمُّنِي بَعْدِي وَلَنْ يَصْبِرَ عَلَيْكنَّ إِلا الصَّابِرُونَ (^٣)». قَالَ ثُمَّ تَقُولُ عَائِشَةُ: فَسَقَى اللَّهُ أَبَاكَ (^٤) مِنْ سَلْسَبِيلِ الْجَنَّةِ ترِيدُ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ عَوْفٍ وَكَانَ قَدْ وَصَلَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَالٍ يُقَالُ يَبْعَثُ بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا.\n\n• عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: إِن عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ عَوْفٍ أَوْصَى بِحَدِيقَةٍ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ يَبْعَثُ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ (^٥) رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٦).\n_________\nمناقب عبد الرحمن بن عوف ﵁\n(^١) معنى أن هؤلاء في الجنة أي مقطوع لهم بدخولها من غير سابقة عذاب. وبقية الأصحاب كذلك ولكن لم يذكرهم النبي - ﷺ - في سلك هذا الحديث بل اقتصر على العشرة لمزيد فضلهم ورفع شأنهم.\n(^٢) الحديث صحيح كما يأتي في مناقب سعيد.\n(^٣) لعظم شأنهن وعلو منزلتهن.\n(^٤) فهي تخاطب نجل عبد الرحمن لأن أباه كان يعرف قدرهن فيبعث إليهن بما يرضيهن، كان يبعث بأربعين ألف درهم ونحوها لأنه كان ذا يسار عظيم.\n(^٥) أي يبعث ريعها بأربعمائة ألف. جزاه الله خير الجزاء وأعلاه وأحسنه آمين.\n(^٦) الأول بسند صحيح والثاني بسند حسن.","vol":"3","page":345},{"text":"<span data-type='title' id=toc-742>مناقب سعيد بن زيد ﵁ </span>(^١)\n\n• عَنْ حُمَيْدٍ ﵁ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ ﵁ حَدَّثَهُ فِي نَفَرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «عَشَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ وَطَلْحَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَسَكَتَ عَنِ الْعَاشِرِ»، فَقَالَ الْقَوْمُ: نَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا أَبَا الْأَعْوَرِ مِنَ الْعَاشِرُ؟ قَالَ: «نَشَدْتُمُونِي بِاللَّهِ أَبُو الْأَعْوَرِ (^٢) فِي الْجَنَّةِ».\n\n• عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَفَيْلٍ ﵃ أَنَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى التِّسْعَةِ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ وَلَوْ شَهِدْتُ عَلَى الْعَاشِرِ لَمْ آثَمْ، قِيلَ: وَكَيْفَ ذلِكَ؟ قَالَ: كُنَّا معَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحِرَاءٍ (^٣) فَقَالَ: «اثْبُتْ حِرَاءُ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إِلا نَبِيٌّ أَوْ صَدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ»، قِيلَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُبَيْرُ وَسَعْدٌ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ قِيلَ: وَمَنِ الْعَاشِرُ؟ قَالَ: أَنَا. رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٤).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ وَهُوَ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنَّ عُمَرَ لَمُوثِقِي عَلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عُمَرَ وَلَوْ أَنَّ أُحُدًا ارْفَضَّ لِلَّذِي صَنَعْتُمْ بِعُثْمَانَ لَكَانَ (^٥). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي إِسْلَامِ سَعِيدٍ ﵁.\n_________\nمناقب سعيد بن زيد ﵁\n(^١) وهو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وهو ابن عم عمر بن الخطاب وزوج أخته فاطمة أم جميل بنت الخطاب وكان أبوه زيد يطلب الدين الحنيف قبل المبعث فكان يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا وكان يصلى إلى الكعبة حتى مات على ذلك ﵀.\n(^٢) أبو الأعور سعيد بن يزيد الذي يروي هنا عن النبي - ﷺ -.\n(^٣) بحراء أي بجبل حراء فاضطرب؛ فقال النبي - ﷺ -: اثبت يا حراء فما عليك إلا نبي وهو محمد - ﷺ - أو صديق وهو أبو بكر أو شهيد أي أو شهداء فسألوه عنهم فعد منهم تسعة بالنبي - ﷺ - والصديق ﵁، فسألوه عن العاشر، فقال: أنا. أي سعيد بن زيد.\n(^٤) بسندين صحيحين.\n(^٥) فسعيد بن زيد هذا كان متزوجًا بأخت عمر فأسلم هو وامرأته قبل عمر فعلم عمر فدخل عليهما فأوثق سعيدا بحبل في عنقه كالأسير ثم وطئه وصار يضربه فجاءت امرأته التي هي أخت عمر فدفعته عن =","vol":"3","page":346},{"text":"<span data-type='title' id=toc-743>الفصل الرابع في مناقب أهل البيت ﵃</span>\nسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَجِلْتَ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ فَقَالَ إِلا أَنْ تَصِلوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّفْسِيرِ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ (^٢) مِنْ شَعَرٍ أَسْوَدَ فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيَ فَأَدْخَلَهُ ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُ ثُمَّ جَاءَتْ فاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: نَزَلَتْ هذِهِ الْآيَةُ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ\n_________\n= زوجها بشدة فلطمها على وجهها فأدماه، فسعيد يصف ما أصابهم من تعذيب عمر بقوله، لو أن جبل أحد ارفض وزال عن مكانه لعملكم القبيح بعثمان لكان خليقًا بهذا من تعذيب عمر لنا. رضي الله عن الجميع وجزاهم عن الدين وأهله خير الجزاء آمين.\n\nالفصل الرابع في مناقب أهل البيت ﵃\n(^١) فلما فهم سعيد أن القربي هم أقارب النبي - ﷺ - كلهم وهذا يشمل كل قريش مؤمنهم وكافرهم قال ابن عباس ليس هذا مرادًا إنما المراد لا أسألكم على التبليغ أجرا إلا صلة القرابة التي بيني وبينكم وهم الذين آمنوا بالنبي - ﷺ - وصحبوه من ولد جده الأقرب عبد المطلب وهم عليّ وأولاده وجعفر وأولاده وعقيل بنو أبي طالب وحمزة والعباس وأولادهما، وفاطمة الزهراء من باب أولى فهؤلاء هم قرب النبي - ﷺ - وهم أهل البيت ﵃ وحشرنا في زمرتهم آمين. وإطلاق الأجر على صلة القرابة من باب قوله:\n\nولا عيب فيهم غير أن سيوفهم … بهن فلول من قراع الكتائب\n(^٢) مرط مرحل أي كساء يمني منقوش فيه صور الرحال فجاء الحسن فأدخله أي غطاه بالكساء ثم الحسين فاطمة فعليّ ثم قال ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس - أي الإثم يا - أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ فهذه الآية تشمل أهل البيت كلهم ذكورًا وإناثًا حتى النسوة لأن الآيات قبلها وبعدها في نساء النبي - ﷺ - ولعلامة جمع الذكور في عنكم ويطهركم ولأن النبي - ﷺ - أدخل في الكساء النوعين.","vol":"3","page":347},{"text":"الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ فَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ (^١) وَعَلِيٌّ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هؤُلَاءِ أَهْلِ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَأَنَا مَعَهُمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ وَأَنْتِ إِلَى خَيْرٍ.\n\n• عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّان ﵁ قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بنُ سَبْرَةَ وَعُمَرُ بنُ مُسْلِمٍ إلى زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ فَلَمَّا جَلَسْنَا إلَيْهِ قالَ له حُصَيْنٌ: لقَدْ لَقِيتَ يا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا رَأَيْتَ رَسولَ اللهِ ﷺ وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ وَغَزَوْتَ معهُ وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لقَدْ لَقِيتَ يا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا حَدِّثْنَا يا زَيْدُ ما سَمِعْتَ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ قالَ: يا ابْنَ أَخِي وَاللَّهِ لقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي وَقَدُمَ عَهْدِي وَنَسِيتُ بَعْضَ الذي كُنْتُ أَعِي مِن رَسولِ اللهِ ﷺ فَما حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا وَما لَا فلا تُكَلِّفُونِيهِ ثُمَّ قالَ: قَامَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا (^٢) بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عليه وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ثُمَّ قالَ: أَمَّا بَعْدُ أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فإنَّما أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسولُ رَبِّي (^٣) فَأُجِيبَ وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ (^٤) أَوَّلُهُما كِتَابُ اللهِ فيه الهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بكِتَابِ اللهِ وَاسْتَمْسِكُوا به، فَحَثَّ علَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: وَأَهْلُ بَيْتي أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتي\n_________\n(^١) فجللهم بكساء أي غطاهم بذلك الكساء المرحل، ثم دعا لهم بذلك الدعاء، ولم يسمح لأم سلمة بالدخول معهم لمزيد العناية بهؤلاء، وإلا فأمهات المؤمنين داخلات في أهل البيت مقامًا واحتراما.\n(^٢) بماء يدعى خما هو موضع على ثلاثة أميال من الجحفة فيه غدير مشهور يضاف إلى خم، فيقال غدير خم.\n(^٣) رسول ربه هنا هو الموت.\n(^٤) ثقلين تثنية ثقل - كقمر - وهما الكتاب، وأهل البيت سموا ثقلين لعظمهما وكبير شأنهما ولثقل العمل بحقهما.","vol":"3","page":348},{"text":"فَقالَ له حُصَيْنٌ: وَمَن أَهْلُ بَيْتِهِ يا زَيْدُ أَليسَ نِسَاؤُهُ مِن أَهْلِ بَيْتِهِ (^١)؟ قالَ: نِسَاؤُهُ مِن أَهْلِ بَيْتِهِ وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَن حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قالَ: وَمَن هُمْ يَا زَيْدُ؟ قالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، قالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قالَ: نَعَمْ. وَفِي رِوَايَةٍ: مَن أَهْلُ بَيْتِهِ؟ نِسَاؤُهُ؟ قالَ: لَا، وَايْمُ اللهِ إنَّ المَرْأَةَ تَكُونُ مع الرَّجُلِ العَصْرَ مِنَ الدَّهْرِ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَتَرْجِعُ إلى أَبِيهَا وَقَوْمِهَا، أَهْلُ بَيْتِهِ أَصْلُهُ وَعَصَبَتُهُ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ والتِّرْمِذِيُّ. وَلَفْظُهُ: إنِّي تارِكٌ فيكُم ما إن تمسَّكتُمْ بِهِ لن تضلُّوا بَعدي أحدُهُما أعظَمُ منَ الآخرِ كتابُ اللَّهِ حَبلٌ ممدودٌ منَ السَّماءِ إلى الأرضِ (^٢) وعِترتي أَهْلُ بيتي ولَن يتفرَّقا حتَّى يَرِدا عليَّ الحوضَ فانظُروا كيفَ تخلُفوني فيهِما.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَحِبُّوا اللهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِن نِعَمهِ (^٣)، وأَحِبُّوني بحُبِّ اللهِ، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي لِحُبِّي.\n\n• عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ أَخَذَ بِيَدِ حَسَنٍ وَحُسَينٍ فَقَالَ: مَنْ أَحَبَّنِي وَأَحَبَّ هَذَيْنِ وَأَبَاهُمَا وَأُمَّهُمَا كَانَ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.\n_________\n(^١) سأله عن نسائه هل هن من أهل بيته، قال: هن من أهل بيته أي الساكنات معه ويعولهن وأمر باحترامهن وإكرامهن وذهب الرجس عنهن وطهروا تطهيرا، ولكنهن لسن من أهل البيت الذين حرمت عليهم الصدقة أي الزكاة؛ لأنها أوساخ الناس فلا تليق بالأشراف، فسأله عن أهل البيت بهذا المعنى، فقال آل عباس وآل عليّ وآل جعفر وآل عقيل، أي العباس ونسله وعليّ وجعفر وعقيل أولاد أبي طالب ونسلهم وهؤلاء هم بنو هاشم وعليه الجمهور، وقال الشافعي: أهل البيت الذين تحرم عليهم الصدقة هم بنو هاشم وبنو الطلب لحديث: إنما بنو هاشم وبنو الطلب شيء واحد. وتقدم هذا في الزكاة.\n(^٢) حبل ممدود من السماء إلى الأرض: أي عهد الله الذي أمر به، قال تعالى ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ وقال تعالى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ فالقرآن هو نور الله وهداه الموصل إليه، قال تعالى ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾.\n(^٣) أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه، أي لكثرة نعمه عليكم ظاهرة وباطنة، وأحبوني بحب الله أي بسبب الحب في الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي أي لهم.","vol":"3","page":349},{"text":"• عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لِعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ: أَنَا حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبَتُمْ وَسِلْمٌ لِمَنْ سَالَمَتُمْ (^١). رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ: الْأَوَّلَانِ بِسَنَدَيْنِ حَسَنَيْنِ.\n<span data-type='title' id=toc-744>فضائل العباس ﵁ </span>(^٢)\n\n• عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ إِذَا قَحَطوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا ﷺ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ فَيُسْقَوْنَ (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵃ أَنَّ الْعَبَّاسَ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُغْضَبًا وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالَ: «مَا أَغْضَبَكَ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهَ مَا لَنَا وَلِقُرَيْشٍ إِذَا تَلَاقَوْا بَيْنَهُمْ تَلَاقَوا بِوُجُوهٍ مُبَشِّرَةٍ (^٤) وَإِذَا لَقُونَا\n_________\n(^١) حرب أي عدو، وسلم أي ولى، فالنبي - ﷺ - عدو لعدوهم وحبيب لحبيبهم، في هذه النصوص أن فاطمة وعليًا والحسن والحسين وذريتهما خواص أهل البيت وهما أقرب إلى رسول الله - ﷺ - من كل الناس ﵃ وأرضاهم وحشرنا في زمرتهم آمين.\n\n(فائدة) لهذه المناسبة أحمد الله حق حمده وأشكره بوافر شكره الذي جعلنا من هذه الشجرة المباركة فإن نسبنا يتصل بسيدى على زين العابدين ابن سيدنا الحسين ابن سيدتنا السيدة فاطمة الزهراء بنت نبينا محمد - ﷺ - نسأل الله التوفيق للعمل بشريعته والتحلى بهديه وسيرته آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nفضائل العباس ﵁\n(^٢) العباس بن عبد المطلب وكان من أعاظم قريش وكانت سقاية زمزم بيده وكذا سقاية الحاج أيضا وكان رجلا جميلا وسيما أبيض اللون له ضفيرتان، وكان معتدل القامة أو فيه طول فهو عم النبي - ﷺ - وكان أسن منه بسنتين أو ثلاث، وكنيته أبو الفضل لأنه كان أجود قريش كفًّا وأوصلها رحمًا، أسلم قديمًا ولكن لم يظهر إسلامه إلا يوم فتح مكة، وكان ذا رأي وذا دعوة مرجوة، مات ﵀ في خلافة عثمان يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة من رجب سنة ٣٢ عن ٨٨ سنة وصلى عليه عثمان ودفن بالبقيع ﵁ وأرضاه.\n(^٣) تقدم هذا وشرحه في صلاة الاستسقاء في الصلاة.\n(^٤) بوجوه مبشرة أي ذات بشر وبشاشة، إنما عم الرجل صنو أبيه أي مثل أبيه لأنهما من أصل واحد وأصل الصنو أن تنبت تخلقان فأكثر من أصل واحد.","vol":"3","page":350},{"text":"لَقُونَا بِغَيْرِ ذلِكَ، قَالَ: فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهِ ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الْإِيمَانُ حَتَّى يُحِبَّكُمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» ثُمَّ قَالَ «أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ آذَى عَمِّي فَقَدْ آذَانِي فَإِنَّمَا عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ».\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعُمَرَ وَكَانَ قَدْ تَكَلَّمَ فِي صَدَقَةِ الْعَبَّاسِ: «إِنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ». وَفِي رِوَايَةٍ: الْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَإِنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ أَوْ مِنْ صِنْوِ أَبِيهِ.\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعَبَّاسُ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ (^١)».\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْعَبَّاسِ: «إِذَا كَانَ غَدَاةُ الاِثْنَيْنِ فَأْتِنِي أَنْتَ وَوَلَدُكَ حَتَّى أَدْعُوَ لَكَ بِدَعْوَةٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا وَوَلَدَكَ فَغَدَا وَغَدَوْنَا مَعَهُ وَأَلْبَسَنَا كِسَاءً (^٢)» ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْعَبَّاسِ وَوَلَدِهِ مَغْفِرَةً ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً لَا تُغَادِرُ ذَنبًا، اللَّهُمَّ احْفَظْهُ فِي وَلَدِهِ». رَوَى التِّرْمِذِيُّ هذِهِ الْأَرْبَعَةَ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-745>فضائل جعفر بن أبي طالب </span>(^٤)\n• عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: «أَشْبَهْتَ خَلْقِي (^٥)\n_________\n(^١) لأنه من أصل النبي - ﷺ - في الظاهر وهو فرعه، والأصل وفرعه من معدن واحد.\n(^٢) وألبسنا كساء أي أعطاهم رداء إكرامًا لهم أو غطاهم بكساء ودعا لهم كما فعل بعليّ وفاطمة والحسن والحسين ﵃ أجمعين، وقوله: لا تغادر ذنبًا أي لا تترك ذنبًا إلا غفرته، فللعباس فضل عظيم لأنه عم النبي - ﷺ - وواحد من أهل البيت، وكان مجاب الدعوة، ودعا له ولولده النبي - ﷺ - فكان نسله مباركا ومكثت الخلافة فيهم دهرًا طويلا وانتفع الناس بمالهم وهديهم ﵃ وحشرنا في زمرتهم آمين.\n(^٣) الأخير بسند حسن والثلاثة قبله بأسانيد صحيحة.\n\nفضائل جعفر بن أبي طالب ﵁\n(^٤) جعفر شقيق عليّ وأكبر منه بعشر سنين، أسلم قديمًا وهاجر الهجرتين وكان آية في الكرم وكذا ولده عبد الله وكان له غيره عون ومحمد ولكنه كان يكنى بأبي عبد الله ومات بغزوة مؤتة ونعاه جبريل للنبي ﷺ قبل أن يأتيهم خبر الموقعة، ﵃ وحشرنا في زمرتهم آمين.\n(^٥) أشبهت خلقي أي خلقتي وهيئتي الجثمانية كما أشبهت خلق أي أخلاقي وشيمي وصفاتي، فكان لجعفر بهذا مكانة عظمي ﵁.","vol":"3","page":351},{"text":"وَخُلُقي». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُولونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ (^١) وَإِنِّي كُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشِبَعِ بَطْنِي حَتَّى لَا آكلُ الْخَمِيرَ (^٢) وَلَا أَلْبَسُ الْحَرِيرَ وَلَا يَخْدُمُنِي فُلَانٌ وَلَا فُلَانَةُ وَكُنْتُ أُلْصِقُ بَطَنِي بِالْحَصْبَاءِ مِنَ الْجُوعِ وَإِنْ كُنْتُ لَأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الْآيَةَ هِيَ مَعِي كَيْ يَنْقَلِبَ بِي فَيُطْعِمَنِي، وَكَانَ خَيْرَ النَّاسِ لِلْمَسَاكِينِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَنْقَلِبُ بِنَا فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى كَانَ يَخْرِجُ إِلَيْنَا الْعُكَّةَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ فَنَشُقُّهَا فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ: وَكَانَ جَعْفَرٌ يُحِبُّ الْمَسَاكِينَ وَيَجْلِسُ إِلَيْهِمْ وَيَحَدِّثُهُمْ وَيُحِدِّثُونَهُ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَنِّيهِ بِأَبِي الْمَسَاكِينِ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: مَا احْتَذَى النِّعَالَ (^٣) وَلَا رَكِبَ الْمَطَايَا وَلَا رَكِبَ الْكُورَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَأَيْتُ جَعْفَرًا يَطِيرُ فِي الْجَنَّةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ (^٤)». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٥).\nوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا سَلَّمَ عَلَى ابْنِ جَعْفَرٍ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا بْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنِ (^٦). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى آمِين.\n_________\n(^١) أي من رواية الحديث.\n(^٢) الخمير الخبز الذي في عجينته خمير، والحرير. وفي رواية. الحبير أي البرد المخطط. وكنت ألصق بطني بالحصباء أي الأرض من شدة الجوع لتنكسر حرارته من برودة الأرض، وكنت أستقرئ الرجل أي أطلب منه أن يعلمنى الآية وأنا أعرفها لينقلب بي أي ليذهب بي إلى بيته فيطعمني، وكان خير الناس للمساكين جعفر فكان يأخذنا لبيته فيطعمنا ما فيه حتى إذا لم يجد شيئا قدم لنا المسكة - إناء السمن - فنشقها فنلعق ما فيها ﵁.\n(^٣) ما احتذى النعال أي ما لبسها، ولا ركب المطايا جمع مطية وهي الناقة لأنه يركب مطاها وظهرها، ولا ركب الكور أي الرحل بعد النبي - ﷺ - أفضل من جعفر ﵁.\n(^٤) فرؤية النبي - ﷺ - له وهو في الجنة يطير مع الملائكة تدل على منزلته السامية الممتازة ﵁.\n(^٥) الأول صحيح والثاني غريب.\n(^٦) لأنه كان أميرًا في غزوة مؤنة الشام بيده راية الإسلام فقطعت يداه فعوضه الله منهما جناحين يطير بهما مع الملائكة، وقال رسول الله - ﷺ - =","vol":"3","page":352},{"text":"<span data-type='title' id=toc-746>مناقب السيدة فاطمة بنت النبي صلى اللَّه عليهما وسلم </span>(^١)\n• عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: «إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي أَن يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طالِبٍ فَلَا آذَنُ لَهُمْ ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ إِلا أَنْ يُحِبَّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ فَإِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي (^٢).\nوَلَمَّا عَلِمَتْ فَاطِمَةُ بِخِطْبَةِ عَلِيَ لَبِنْتِ أَبِي جَهْلٍ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ يتحَدَّثُونَ أَنَّكَ لا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ وَهذَا عَلِيٌّ نَاكِحًا ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ (^٣) فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ «أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ (^٤) فَحَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي وَإِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ مُضْغَةٌ مِنِّي\n_________\n= عبد الله: هنيئًا لك أبوك يطير مع الملائكة في السماء - رواه الطبراني. وروى الحاكم: أن النبي - ﷺ - قال. مر بي جعفر الليلة في ملأ من الملائكة وهو مخضب الجناحين بالدم، وللطبراني: دخلت البارحة الجنة فرأيت فيها جعفرا يطير مع الملائكة، وفي رواية: أن جعفرا يطير مع جبريل وميكائيل له جناحان عوضه الله ﷿ من يديه، ولهذا اشتهر بجعفر الطيار، وكانت له تلك المنازل السامية ﵁ وأرضاه وحشرنا في زمرته آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nمناقب السيدة فاطمة بنت النبي - ﷺ -\n(^١) هي فاطمة بنت نبينا محمد ﷺ وتلقب بالزهراء لصفائها ونورها، وبالبتول لكثرة عبادتها، وأمها السيدة خديجة بنت خويلد ﵄.\n(^٢) أي إن بني هاشم استأذنوني أن يزوجوا بنتهم لعليّ ﵁ ولكني لا آذن لهم إلا إذا طلق عليّ بنتي فإنها بضعة مني أي قطعة مني يؤذيني ما يؤذيها ويريبني ما رابها، وكل شيء خفت عقباه فقد رابك.\n(^٣) وبنت أبي جهل هذه التي خطبها عليّ اسمها جويرية أسلمت وبايعت ﵂.\n(^٤) أبو العاص هذا كان متزوجًا بالبنت الكبرى للنبي - ﷺ - وهي زينب ﵂ وكان محسنًا لعشرتها ومحبًّا لها وطلبت منه قريش أن يطلقها فأبى ولما أسر ببدر فدته زينب امرأته ﵂ بقلادة لها كانت أهدتها لها أمها خديجة ﵂، فلما رآها النبي - ﷺ - رق لها وقال لأصحابه تسمحون برد القلادة إلى صاحبتها ورد زوجها لها=","vol":"3","page":353},{"text":"وَإِنَّمَا أَكَرَهُ أَنْ يَفْتِنُوهَا (^١) وَإِنَّهَا وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا». قَالَ: فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ فَاطِمَةَ ابْنَتهُ فِي شَكَوْاهُ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا (^٢) فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ فَبَكَتْ ثُمَّ دَعَاهَا فَسَارَّهَا فَضَحِكَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهَا عَنْ ذلِكَ فَقَالَتْ: سَارَّنِي النَّبِيُّ ﷺ فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ هذَا فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِهِ أَتْبعُهُ فَضَحِكْتُ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُنَّ عِنْدَهُ فِي مَرَضِهِ فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِشْيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِابْنْتِي فَأَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا» فَبَكَتْ فَاطِمَةُ ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّهَا فَضَحِكَتْ أَيْضًا، فَقُلْتُ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ (^٣) فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ سَأَلْتُهَا فَقَالَتْ: كَانَ حَدَّثَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً وَإِنَّهُ عَارَضَهُ بِهِ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْنِ وَلَا أُرَانِي إِلا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي (^٤) وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقًا بِي وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ فَبَكَيْتُ لِذلِكَ ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّنِي فَقَالَ «أَلَا تَ رضينَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هذِهِ الْأُمَّةِ» فَضَحِكْتُ لِذلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والْبُخارِيُّ وَلَفْظُهُمَا:\n_________\n= فسمحوا، فردت لها القلادة وأطلق سراحه، ولما نزل تحريم المسلمة على المشرك أرسل لها النبي - ﷺ - فأجابه فأرسلها له فمكثت عنده حتى أسلم زوجها فردها عليه النبي - ﷺ -.\n(^١) أن يفتنوها أي بتزويج عليّ عليها، بنت عدو الله هو أبو جهل الذي هلك على كفره في وقعة بدر.\n(^٢) في شكواه التي قبض فيها أي في مرضه الذي مات فيه فسارها بشيء أي كلمها سرا.\n(^٣) أي ما رأيت عجبًا كضحك عقب بكاء.\n(^٤) أي كان جبريل يدارسه القرآن كل عام في رمضان مرة واحدة ولكنه في هذا العام دارسه مرتين ولهذا يرى النبي - ﷺ - أن أجله قد قرب فبكت فاطمة فعاد النبي - ﷺ -، فأخبرها سرًا أنها سيدة النساء فضحكت ﵂.","vol":"3","page":354},{"text":"ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنِّي سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلا مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ فَضَحِكْتُ (^١).\nوَعَنْهَا وَقَدْ سُئِلَتْ أَيُّ النَّاسِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتْ: فَاطِمَةُ (^٢) فَقِيلَ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَتْ: زَوْجُهَا. إِنْ كَانَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: إِنَّ فَاطِمَةَ ﵍ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْر تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ (^٣)، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ؛ إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هذَا الْمَالِ (^٤) وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَاتِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا فِي عَهْدِهِ وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ ﵁» ثُمَّ قَالَ: «إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَضِيلَتَكَ». وَذَكَرَ قَرَابَتَهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَقَّهُمْ، فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٥) أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي (^٦). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n_________\n(^١) هذا لا ينافي ما تقدم في الرواية الأولى من أن الذي أضحكها هو إخبارها بأنها أول أهله موتًا بعده - ﷺ - لاحتمال تعدد المسارّة.\n(^٢) أي الناس كان أحب إلى رسول الله - ﷺ -، قالت: فاطمة فهي أحب الأقارب إليه لأنها بنته وفلذة كبده فقيل: ومن الرجال. قالت: عليّ زوجها ولا أعرفه إلا كثير الصيام والقيام ﵃ أجمعين.\n(^٣) من قريظة والنضير وخيبر وقرى عرينة.\n(^٤) أي لآل محمد - ﷺ - وهم قرباه وزوجاته الطاهرات كفايتهم من ذلك المال.\n(^٥) أي عليّ وزوجه وقرباهم ﵃.\n(^٦) أي صلة قرابة النبي - ﷺ - أحب عندى من صلة قرابتي، وهذا الحديث تقدم في كتاب الفرائض والمواريث فارجع إليه إن شئت. والله أعلم.","vol":"3","page":355},{"text":"<span data-type='title' id=toc-747>مناقب الحسن والحسين ﵄ </span>(^١)\nسَأَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنِ الْمُحرِمِ يَقْتُلُ الذُّبَابَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَهْلُ الْعِرَاقِ يَسْأَلُونَ عَنِ الذُّبَابِ وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هِمَا رَيْحانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا (^٢)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: سَأَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ ابْنَ عُمَرَ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: انْظُرُوا إِلَى هذَا يَسْأَلُ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا».\n\n• عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ إِلَى جَنْبِهِ يَنْظرُ إِلَى النَّاسِ مَرَّةً وَإِلَيْهِ مَرَّةً وَيَقُولُ: «ابْنِي هذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (^٣)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: «إِنَّ ابْنِي هذَا سَيِّدٌ يُصْلِحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ فِئَتَيْنِ عِظِيمَتَيْنِ».\n_________\nمناقب الحسن والحسين ﵄\n(^١) الحسن والحسين ولدا عليّ من فاطمة الزهراء ﵃ ويكنى الحسن بأبي محمد، وولد في رمضان سنة ثلاث من الهجرة ومات بالمدينة مسمومًا سنة خمسين عن سبع وأربعين سنة، والحسين يكنى بأبي عبد الله وولد في شعبان سنة أربع من الهجرة واستشهد بكربلاء في العراق سنة إحدى وستين عن سبع وخمسين سنة ﵃ أجمعين.\n(^٢) فرجل عراقي سأل ابن عمر عن المحرم إذا قتل الذباب ما يلزمه، وفي الرواية الثانية: عن دم البعوض إذا أصاب ثوبًا، فندد عليه ابن عمر لأنه يسأل عن الحقير وقد فعلوا الأمر الخطير، وهو قتل الحسين الذي قال فيه النبي - ﷺ - وفي أخيه: هما ريحانتاي من الدنيا أي هما عندي كالريحانة التي تحب فتشم وتُقبل، وابن عمر لم يجب السائل لعله كان متعنتًا فأعرض عنه، والجواب: لا يجوز للمحرم قتل الذباب وإذا قتله فعليه صدقة، ودم البعوض إذا كثر وجبت إزالته لنجاسة الدم.\n(^٣) وكان ذلك، فإنه وقع نزاع بينه وبين معاوية على الخلافة ومع كل واحد منهما فئة عظيمة من المسلمين وكان الحسن أولى بالخلافة لأنه فرع بيتها وبايعه على القتال عليها أربعون ألفا من المسلمين، ومع هذا كله تنازل عنها لمعاوية حقنًا لدماء المسلمين ﵁ وأرضاه.","vol":"3","page":356},{"text":"• عَنْ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَالْحَسَنُ عَلَى عَاتِقِهِ (^١) يَقُولُ «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنَ النَّهَارِ لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ حَتَّى أَتَى سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ ثُمَّ انْصَرَفَ حَتَّى أَتَى خِبَاءَ فَاطِمَةَ (^٢) فَقَالَ: أَثَمَّ لَكَعُ أَثَمَّ لُكَعْ؟ يَعْنِي حَسَنًا فَظَنَنَّا أَنَّ أُمَّهُ تَحْبِسُهُ لِتُغْسِّلَهُ وَتُلْبِسَهُ سِخَابًا فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ يَسْعَى حَتَّى اعْتَنَقَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ».\n\n• عَنْ إِيَاسٍ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: لَقَدْ قُدْتُ بَنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ بَغْلَتَهُ الشَّهْبَاءَ حَتَّى أَدْخَلْتُهُمْ حُجْرَةً النَّبِيِّ ﷺ هذَا قُدَّامَهُ وَهذَا خَلْفَهُ. رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَشْبَهَ بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ ﵁ وَحَمَلَ الْحَسَنَ وَهُوَ يَقُولُ: بِأَبِي شَبِيهٌ. بِالنَّبِيِّ لَيْسَ شَبِيهًا بِعَلِيَ. وَعَلِيٌّ يَضْحَكُ (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ زِيَادٍ فَجِيءَ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ فَجَعَلَ يَقُولُ بِقَضِيبٍ لَهُ فِي أَنْفِهِ وَيَقُولُ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هذَا حُسْنًا (^٤) قُلْتُ: أَمَا إِنَّهُ كَانَ مِنْ أَشْبَهِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) العاتق ما بين المنكب والعنق.\n(^٢) خباء فاطمة: بيتها، واللكع: الصغير، والمراد هنا الحسن، والسخاب: قلادة حباتها من المسك والقرنفل والعود كالسبحة يلبسها الأطفال والجواري.\n(^٣) فكان الحسن ﵁ شبيهًا بالنبي - ﷺ - في شكله وهيئته وأخلاقه وسمته وهديه.\n(^٤) فلما استشهد الحسين ﵁ جاءوا برأسه في طست إلى عبيد الله بن زياد وكان واليًا على الكوفة من قبل يزيد بن معاوية فصار ينكت بقضيب في يده في أنف الحسين وعينه ويقول: ما رأيت حسنا كهذا، فقال له زيد بن أرقم: ارفع قضيبك فقد رأيت في رسول الله - ﷺ - في موضعه وكان هذا في سنة إحدى وستين وبعدها بسنة واحدة قتل ابن زياد وأصحابه وجيء برءوسهم في رحبة =","vol":"3","page":357},{"text":"• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ (^١)».\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ أَبْصَرَ حَسَنًا وَحُسَيْنًا فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا (^٢)».\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: الْحَسَنُ أَشْبَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا بَيْنِ الصَّدْرِ إِلَى الرَّأْسِ وَالْحُسَيْنُ أَشْبَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذلِكَ (^٣).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ كُلَّ نَبِيَ أُعْطِيَ سَبْعَةَ نُجَبَاءَ أَوْ نُقَبَاءَ (^٤) وَأُعْطِيتُ أَنَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ»، قُلْنَا: مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «أَنَا وَابْنَايَ وَجَعْفَرٌ وَحَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَبِلَالٌ وَسَلْمَانُ وَالْمِقْدَادُ وَأَبُو ذَرَ وَعَمَّارٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ».\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: سَأَلَتْنِي أُمِّي متَى عَهْدُكَ بِالنَّبِيِّ ﷺ (^٥) قُلْتُ: مَا لِي بِهِ عَهْدٌ مُنْذ كَذَا وَكَذَا فَنَالَتْ مِنِّي فَقُلْتُ لَهَا: دَعِينِي آتِي النَّبِيَّ ﷺ فَأُصَلِّيَ مَعَهُ الْمَغْرِبَ وَأَسْأَلَهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي وَلَكِ، فَذَهَبْتُ فَصَلَّيْتُ مَعَهُ الْمَغْرِبَ فَصَلَّى حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ انْفَتَلَ (^٦) فَتَبِعْتُهُ فَسَمِعَ صَوْتِي فَقَالَ: «مَنْ هذَا؟ حُذَيْفَةُ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «مَا حَاجَتُكَ؟ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ وَلِأُمِّكَ». ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هذَا مَلَكٌ لَمْ يَنْزِلِ\n_________\n= الكوفة فجاءت حية وصارت تتخلل الرءوس حتى دخلت في أنف ابن زياد فمكثت فيه هنيهة ثم خرجت وبعد قليل عادت فدخلت في أنفه؛ فعلت ذلك ثلاث مرات والناس ينظرون ويعجبون، ولا غرابة فهذا قليل جدًّا مما أعده الله لهم من أنواع العقاب وأفظعه.\n(^١) أي أحسنهم جمالا وشأنًا ورفعة.\n(^٢) وحيث كانا محبوبين للنبي ﷺ فالله يحبهما تبعًا لمحبته وإجابة لدعوته ﷺ.\n(^٣) فالحسنان ﵄ كانا شبيهين بالنبي ﷺ ولكن كان الحسن أكثر شبهًا به في جسمه من صدره إلى رأسه وكان الحسين أكثر شبها به من سرته إلى قدميه.\n(^٤) النقباء جمع نقيب وهو العريف، والنجباء جمع نجيب وهو السيد الفاضل. وفيه فضل النبي - ﷺ - على بقية الأنبياء صلى الله عليهم وسلم كما فيه فضل لهؤلاء النجباء.\n(^٥) متى عهدك بالنبي ﷺ أي متى كنت معه، قال من وقت كذا كثلاثة أيام مثلا. فنالت منه أي سبته لطول عهده بالنبي - ﷺ -.\n(^٦) ثم انفتل أي خرج من الصلاة فتبعته فلما عرفنى ابتدأنى بالدعاء لي ولوالدتي، وهذا مرادنا، ومعجزة منه ﷺ.","vol":"3","page":358},{"text":"الْأَرْضَ قَطُّ قَبْلَ هذِهِ اللَّيْلَةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيَّ (^١) وَيُبَشِّرَنِي أَنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ».\n\n• عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُنَا إِذْ جَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ﵉ وَعَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثَرَانِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمِنْبَرِ فَحَمَلَهُمَا وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «صَدَقَ اللَّهُ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ نَظَرْتُ إِلَى هذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا (^٢)».\n\n• عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا، حُسَيْنٌ سِبْطٌ مِنَ الْأَسْبَاطِ (^٣)».\n\n• عَنْ سَلْمَى ﵂ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ تَبْكِي فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ وَعَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ التُّرَابُ فَقُلْتُ: مَالَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «شَهِدْتُ قَتْلَ الْحُسَيْنِ آنِفًا (^٤)».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ أَهْلِ بَيْتِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ»، وَكَانَ يَقُولُ لِفَاطَمِةَ: «ادْعِي ابْنَيَّ فَيَشُمُّهُمَا وَيَضُمُّهُمَا إِلَيْهِ (^٥)».\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ حَامِلَ الْحُسَيْنِ\n_________\n(^١) فالملائكة تشتاق إلى النبي ﷺ كما يشتاق الآدميون وكل شيء إليه.\n(^٢) هذا دليل على عظيم محبته ﷺ لهما وحشرنا في زمرتهم آمين، والظاهر أن هذا لم يكن في يوم الجمعة المشقة السير عليهما فيه.\n(^٣) السبط: ولد الولد، والجماعة، والمراد هنا أن الحسين ﵁ في أخلاقه وأعماله الصالحة في دنياه كأمة صالحة، كقوله تعالى» إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين﴾ ويبعث الحسين في الآخرة له شأن وجاه عظيم كأمة ذات شأن عظيم.\n(^٤) شهدت قتل الحسين آنفا: أي تلك الساعة فنحن في حزن كبير من أثر هذه الفتنة التى آلت بقتل الحسين وتشتيت أهل بيته ﵃ وأرضاهم.\n(^٥) زيادة اشتياق لهما ومحبة فيهما ﵄ فيه جواز شم الأولاد وضمهم وتقبيلهم شفقة وعطفا عليهم.","vol":"3","page":359},{"text":"عَلَى عَاتِقِهِ فَقَالَ رَجُلٌ: نِعْمَ الْمَرْكَبُ رَكِبْتَ يَا غُلَامُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَنِعْمَ الرَّاكِبُ هُوَ (^١)». رَوَى التِّرْمِذِيُّ هذِهِ الْعَشَرَةَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-748>فضل عبد اللَّه بن العباس ﵄ </span>(^٣)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: ضَمَّنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى صَدْرِهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ (^٤)» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: دَعَا لِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُؤْتِينِي الْحِكْمَةَ مَرَّتَيْنِ (^٥). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْخَلَاءَ فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا (^٦) فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: «مَنْ وَضَعَ هذَا؟» قُلْتُ: ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: «اللَّهُمَّ فَقِّهِهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n_________\n(^١) فالمركب والراكب خير الناس صلى الله عليهما وسلم.\n(^٢) الثلاثة الأخيرة بأسانيد غريبة، والثلاثة الأول بأسانيد صحيحة، وما بينهما بأسانيد حسنة والله أعلم.\n\nفضل عبد الله بن العباس ﵄\n(^٣) ولد ابن العباس ﵁ قبل الهجرة بثلاث سنين وحنكه النبي ﷺ بريقه وسماه ترجمان القرآن، وكان طويلا جسيما أبيض وسيما صبيح الوجه، قال فيه عمر بن الخطاب: عبد الله فتى الكهول، له لسان سيول، وقلب عقول، وقال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، فإذا تكلم قلت: أفصح الناس، فإذا تحدث قلت: أعلم الناس، وفي أواخر عمره كف بصره وتوفي بالطائف سنة ثمان وستين، وهو ابن سبعين سنة وصلى عليه محمد بن الحنفية ﵃ أجمعين.\n(^٤) الحكمة هي العلم النافع والعمل به، وقال الشافعي ﵁: الحكمة هي السنة النبوية لقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.\n(^٥) فالنبي ﷺ دعا له مرتين أن يؤتيه الله الحكمة، ودعاء النبي ﷺ مقبول.\n(^٦) وضعت له وضوءًا أي ماء يتوضأ به فلما خرج ورآه قال: اللهم فقهه، أي علمه الفقه في الدين، وفى رواية قال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، فكان أعلم الناس بالقرآن الكريم، وهذه أحسن دعوة فإن من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين. نسأل الله العلم والعمل به واليقين آمين.","vol":"3","page":360},{"text":"<span data-type='title' id=toc-749>فضل عبد اللَّه بن جعفر ﵄</span>\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفِرٍ ﵄ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ تُلُقِّيَ بَصِبْيَانِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَإِنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَسُبِقَ بِي إِلَيْهِ فَحَمَلَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ جِيءَ بِأَحَدِ ابْنَيْ فَاطِمَةَ فَأَرْدَفَهُ خَلْفَهُ فَأُدْخِلْنَا الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةً عَلَى دَابَّةٍ (^١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ (^٢).\nرَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nإلى هنا انتهى ذكر أهل البيت المعدودين في حديث زيد بن أرقم السابق في أهل البيت ﵃.\n\n<span data-type='title' id=toc-750>فضل زيد بن حارثة مولى النبي ﷺ </span>(^٣)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْثًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَطَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنْ تَطْعُنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعُنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ (^٤) لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ وَإِنَّ هذَا\n_________\nفضل عبد الله بن جعفر ﵄\n(^١) فلما قدم النبي ﷺ من السفر وتلقاه الناس والصبيان كان عبد الله أسبقهم إليه فأركبه بين يديه فجاء أحد الحسنين فأردفه، ففيه التلطف بالصبيان وإكرامهم وجواز ركوب أكثر من واحد على الداية إذا كانت تطيق ذلك.\n(^٢) فركوب عبد الله مع النبي ﷺ أكسبه منزلة رفيعة زيادة على أنه من الأصحاب الكرام ومن آل البيت الفخام ﵃ أجمعين.\n\nفضل زيد بن حارثة مولى النبي - ﷺ -\n(^٣) زبيد هذا من بنى كلب أسر في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة ﵃ فوهبته للنبي - ﷺ - وجاء أخوه جبلة بن حارثة من قبل أبيه وعمه يطلبان فداءه فخيره النبي ﷺ بين البقاء معه وبين الذهاب معه فاختار النبي - ﷺ - كما يأتى في حديث جبلة أخيه.\n(^٤) إن كان أي أبوه زيد لخليقًا: أي أهلا وكفؤا للإمارة.","vol":"3","page":361},{"text":"لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ وَزَادَ: «فَأُوصِيكُمْ بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ صَالِحِيكُمْ».\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: «مَا كُنَّا نَدْعُو زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إِلا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتَّى نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ ﴿ادْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ (^١)» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا (^٢)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ جَبَلَةَ بْنِ حَارِثَةَ ﵁ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ابْعَثْ مَعِي أَخِي زَيْدًا قَالَ: «هُوَ ذَا فَإِن انْطَلَقَ مَعَكَ لَمْ أَمْنَعْهُ». قَالَ زَيْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أَخْتَارُ عَلَيْكَ أَحَدًا، قَالَ جَبَلَةُ: فَرَأَيْتُ رَأْيَ أَخِي أَفْضَلَ مِنْ رَأْيِي (^٣).\nوَفَرَض عُمَرُ ﵁ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَفَرَضَ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لِأَبِيهِ: لِمَ فَضَّلْتَ أُسَامَةَ عَلَيَّ فَوَاللَّهِ مَا سَبَقَنِي إِلَى مَشْهَدٍ، فَقَالَ: لِأَنَّ زَيْدًا كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَبِيكَ، وَكَانَ أُسامَةُ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْكَ فَآثَرْتُ حِبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى حِبِّي (^٤). رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدَيْنِ حَسَنَيْنِ.\n_________\n(^١) لأنه لما دخل في ملكه - ﷺ - أعتقه وتبناه فكانوا يدعونه زيد بن محمد حتى نزلت الآية، وكان زيد حسن الأخلاق وكان النبي - ﷺ - يحبه ﵁.\n(^٢) فالنبي - ﷺ - قال لزيد: أنت أخونا أي في الدين ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ ومولانا أي تابعنا وناصرنا.\n(^٣) فزيد بن حارثة أبى أن يعود إلى أهله ويكون حرًا وسيدا واختار النبي ﷺ مع التبعية فكان له عند الله ونبيه المنزلة السامية ﵁.\n(^٤) فعمر ﵁ أعطى أسامة بن زيد من الغنيمة أكثر من ولده عبد الله بن عمر فاعترض عليه ولده بأن أسامة لم يسبقه في مشهد من المشاهد، قال نعم ولكن النبي - ﷺ - كان يحب أباه أكثر من أبيك، وكان يحب أسامة أكثر منك، فقدمت حب أي محبوب النبي ﷺ على حبي أي محبوبي رضى الله عن الجميع وحشرنا في زمرتهم آمين والحمد لله رب العالمين.","vol":"3","page":362},{"text":"<span data-type='title' id=toc-751>فضل أسامة بن زيد ﵄ </span>(^١)\n\n• عَنْ أُسَامَةَ ﵁ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَ عَلَيٌّ وَالْعَبَّاسُ يَسْتَأْذِنَانِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ يَسْتَأْذِنَانِ، فَقَالَ: «أَتَدْرِي مَا جَاءَ بِهِمَا»؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي فَقَالَ: «لكِنِّي أَدْرِي»، فَأَذِنَ لَهُمَا فَدَخَلَا فَقَالَا: يَا رَسُولِ اللَّهِ جِئْنَا نَسْأَلُكَ أَيُّ أَهْلِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: «فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ»، فَقَالَ مَا جِئْنَا نَسْأَلُكَ عَنْ أَهْلِكَ، قَالَ: «أَحَبُّ أَهْلِي إِلَيَّ مَنْ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتُ عَلَيْهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ (^٢)»، قَالَا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ»، قَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلْتَ عَمَّكَ آخِرَهُمْ، قَالَ «لِأَنَّ عَلِيًّا قَدْ سَبَقَكَ بِالْهِجْرَةِ».\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^٣) هَبَطْتُ وَهَبَطَ النَّاسُ الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَقَدْ أَصْمَتَ فَلَمْ يَتَكَلمْ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَيَّ وَيَرْفَعُهُمَا فَأَعْرِفُ أَنَّهُ يَدْعُوَ لِي.\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُنَحِّيَ مُخَاطَ أُسَامَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّذِي أَفْعَلُ، قَالَ: «يَا عَائِشَةُ أَحِبِّيهِ فَإِنِّي أُحِبُّهُ (^٤)». رَوَى التِّرْمِذِيُّ هذِهِ الثَّلَاثَةَ وَالْأَوَّلَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ (^٥).\n_________\nفضل أسامة بن زيد ﵄\n(^١) أسامة بن زيد هذا هو ابن زيد بن حارثة السابق ﵄ تربى في بيت النبي ﷺ وكان تابعًا مخلصًا وشجاعا كبيرا وذا أخلاق كريمة كأبيه فحازا رضاء النبي ﷺ ومحبته.\n(^٢) أحب أهلي إليّ من قد أنعم الله عليه أي بالإسلام، وأنعمت عليه أي بالعتق وهو أسامة أي بالنظر لأبيه زيد بن حارثة فإنه لما وهبته خديجة للنبي ﷺ أعتقه وتبناه، فانظر إلى هذا جعله من أهله بل من أحبهم وعقب فاطمة ﵃.\n(^٣) لما ثقل برسول الله ﷺ: أي لما كان في مرض موته هبطت أنا والناس إليه أي ذهبنا إليه وكان في حال شديدة منعته الكلام، ومع هذا كان يدعو لي في هذا مزيد العناية بأسامة ﵁.\n(^٤) فالنبي ﷺ أراد أن ينحى مخاطه ولعله كان مريضًا فجعله كطفل من ذريته ثم قال لعائشة: أحبيه فإنى أحبه. ففى هذا كبير فضل لأسامة ﵁ وأرضاه.\n(^٥) والأخيران بسندين حسنين. نسأل الله التوفيق.","vol":"3","page":363},{"text":"<span data-type='title' id=toc-752>فضل بلال بن رباح الحبشي مؤذن النبي ﷺ </span>(^١)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَقُولُ أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا يَعْنِي بِلَالًا (^٢).\n\n• عَنْ قَيْسٍ ﵁ أَنَّ بِلَالًا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا اشْتَرَيْتَنِي لِنَفْسِكَ فَأَمْسِكْنِي وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا اشْتَرَيْتَنِي لِلَّهِ فَدَعْنِي وَعَمَلِي لِلَّهِ (^٣). رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ بَعْدَ صَلَاةِ غَدَاةٍ: «يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَي عَمَلٍ عَمِلْتَهُ عِنْدَكَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْفَعَةً فَإِنِّي سَمِعْتُ اللَّيْلَةَ خَشْفَ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ (^٤)»، قَالَ بِلَالٌ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا فِي الْإِسْلَامِ أَرْجَى عِنْدِي مَنْفَعَةً مِنْ أَنِّي لَا أَتَطَهَّرُ طُهُورًا تَامًّا فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلا صَلَّيْتُ بِذلِكَ الطُّهُورِ\n_________\nفضل بلال بن رباح الحبشي مؤذن النبي - ﷺ -\n(^١) بلال بن رباح حبشي الأصل أسود اللون طويل نحيف خفيف العارضين، كان مملوكا لبنى جمح فلما سمع بالإسلام بادر إليه فصار أسياده يعذبونه عذابًا شديدا على الإسلام فلا يرجع، وكان أمية بن خلف يوالى تعذيبه ويغرى به الولدان يطوفون به في شعاب مكة يعذبونه ويشهرون به فلا يفتر لسانه عن قول: أحد، أحد، وكان هلاك أمية هذا على يده. فقال له أبو بكر أبياتًا منها:\nهنيئا زادك الرحمن خيرا … فقد أدركت ثأرك يا بلال\nفلما اشتد تعذيبه ودفنوه في الحجارة حيا اشتراه أبو بكر بخمس أواق وأعتقه لله تعالى ﵃ وأرضاهم أجمعين.\n(^٢) فقول عمر (الذي هو من الملهمين) هذا في حق بلال له شأن كبير.\n(^٣) أراد بلال بعد موت النبي ﷺ أن يخرج للجهاد فمنعه أبو بكر وطلب منه البقاء مؤذنا كما كان فقال له بلال ذلك، فأنشده بالله أن يقيم معه فأقام معه حتى مات. ولما تولى عمر طلب منه الخروج للجهاد وقال: إنى أرى الجهاد للمؤمن أفضل عمل، فأذن له عمر فخرج للشام مجاهدا وبقى بها حتى توفى بطاعون عمواس بدمشق سنة عشرين عن ثلاث وستين سنة ﵁، وأذن بالشام مرة واحدة فبكى وأبكى السامعين ﵀.\n(^٤) خشف نعليك أي سمعت خفق نعليك وصوت مشيك أمامي في الجنة فما الذي تعمله صالحا؟ قال: الصلاة بعد كل وضوء وسبق: ما أحدثت ليلا أو نهارًا إلا توضأت وصليت ركعتين، ففيه عظيم فضل الوضوء والصلاة عند كل حدث، وفيه مزيد فضل بلال لأنه ﷺ رآه في الجنة يمشي أمامه، فتلك مكانة عظمى ومنزلة عليا ﵁ وأرضاه وحشرنا في زمرته آمين.","vol":"3","page":364},{"text":"مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي أَنْ أُصَلِّيَ. رَواهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ وَلَفْظُهُ: «سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ».\n\n<span data-type='title' id=toc-753>فضل مصعب بن عمير القرشي ﵁ </span>(^١)\n\n• عَنْ خَبَّابٍ ﵁ قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا، وَإِنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُميْرِ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ إِلا ثَوْبًا كَانُوا إِذَا غَطَّوْا بِهِ رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ وَإِذَا غُطِّيَ بِهَا رِجْلَاهُ خَرَجَ رَأْسُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «غَطُّوا رَأْسَهُ واجْعَلَوا عَلَى رِجْلَيْهِ الْإِذْخِر (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَالْبُخَارِيُّ.\n_________\nفضل مصعب بن عمير القرشي ﵁\n(^١) هو مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي الجد الرابع للنبي - ﷺ - كان من أجلة الصحابة وفضلائهم أسلم قديما وبعثه النبي - ﷺ - بعد العقبة الثانية إلى المدينة ليقرئهم القرآن ويصلى بهم، وقيل إنه أول من صلى الجمعة بالمدينة قبل الهجرة واستشهد في غزوة أحد ﵁ وأرضاه.\n(^٢) الإذخر: نبات معروف لهم، أي هاجرنا مع النبي - ﷺ - نريد وجه الله فوجب أجرنا على الله فضلا منه وكرما، ولكن منا من أدركه الموت قبل ثمرة الهجرة الدنيوية، ومنا من عاش حتى أينعت ثمرته فهو يهدبها أي أثمرت هجرته كثيرًا فهو يجنيها في دنياه فضلا عما له في أخراه، ومصعب بن عمير من الأولين، ولفظ البخارى منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد وترك نمرة كنا إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه إلى آخره ﵃ أجمعين وحشرنا في زمرتهم آمين.","vol":"3","page":365},{"text":"<span data-type='title' id=toc-754>فضل عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ﵄ </span>(^١)\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا فَأَقُصُّهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَكُنْتُ غُلَامًا أَعْزَبَ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ حِينَذَاكَ فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ (^٢) وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ كَقَرْنَيِ الْبِئْرِ وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ، فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ لِي: لَنْ تُرَاعَ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ». قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ عَبْدَ اللَّهِ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلا قَلِيلًا. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ وَلَا أُشِيرُ بِهَا إِلَى مَوْضِعٍ مِنَ الْجَنَّةِ إِلا طَارَتْ بِي إِلَيْهِ. فَقَصَصْتهَا عَلَى حَفْصَةَ فَقَصَّتْهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ أَخَاكِ رَجُلٌ صَالِحٌ، أَوْ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالشَّيْخَانِ.\n_________\nعبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄\n(^١) عبد الله بن عمر يكنى بأبى عبد الرحمن، وأمه زينب أو رابطة بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون. أسلم عبد الله مع أبيه بمكة صغيرًا وهاجر مع أبويه وشهد المشاهد كلها إلا بدرًا واحدا لصغره، وكان عالما عظيما وناسكا كبيرا وشديدًا في دينه، وكان إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به، أو رقيق أعتقه حتى أعتق ما يربو على ألف إنسان، ولد ﵀ في السنة الثالثة من البعثة وتوفى سنة ثلاث وسبعين عن ثلاث وثمانين سنة ﵁.\n(^٢) مطوية كطي البئر أي مبنية كبنائه، لها قرنان كقرنى البئر، قرناه هما البناء الذي في حافيته ليوضع عليه الخشبة التى تعلق فيها البكرة، وهذا بحسب ما ظهر له وإلا فالنار طبقات نعوذ بالله منها، وقوله: لن تراع أي لا تخف فإنك محفوظ منها، قال سالم أي ابن عبد الله: فكان أبى بعد هذا يحيى معظم الليل.\n(^٣) لأن الطيران في المنام صلاح وكونه في الجنة صلاح آخر ففيه وما قبله تنويه بعلو قدره ورفيع شأنه.","vol":"3","page":366},{"text":"• وَعَنْهُ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أُتِيَ بِجُمَّارِ نَخْلَةٍ (^١)، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ الْمُسْلِمِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟» فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي فَظَنَنْتُ النَّخْلَةَ وَأَرَدْتُ أَن أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا عَاشِرُ عَشَرَةٍ أَنَا أَحْدَثُهُمْ فَسَكَتُّ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هِيَ النَّخْلَةُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَطْعِمَةِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْأَمْثَالِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-755>فضل عبد اللَّه بن مسعود ﵁ </span>(^٢)\n\n• عَنْ مَسْرُوقٍ ﵁ قَالَ: ذَكَرُوا ابْنَ مَسْعُودٍ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ (^٣) مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَبَدَأَ بِهِ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَأَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذٍ بْنِ جَبَلٍ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ قَالَ: قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنَ الْيَمَنِ\n_________\n(^١) الجمار - كرمان - قلب النخلة، ولما قال رسول الله - ﷺ -: إن من الشجر شجرة كالمسلم أي في الاستقامة وفى موتها بقطع رأسها، وفى النفع بكل أجزائها لم يفهم الجواب إلا ابن عمر وما منعه من التكلم إلا الحياء لصغره. ففيه دليل على فضله وشدة ذكائه وكثرة حيائه ﵁ وأرضاه وحشرنا في زمرتهم آمين.\n\nفضل عبد الله بن مسعود ﵁\n(^٢) عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس يجتمع مع النبي ﷺ في مدركة فليس من قريش، وأمه هذلية من فخذ أبيه، أسلم ابن مسعود قديما فكان سادس ستة، وهاجر الهجرتين وصلى إلى القبلتين، وشهد بدرا والحديبية وشهد له رسول الله ﷺ بالجنة، وكان نحيفا قصيرا يكاد طوله يوازى جلوس الرجل الطويل، وكان أعبد الناس وأورعهم وأقرأهم لكتاب الله، توفى سنة ٣٢ من الهجرة عن بضع وستين سنة ودفن بالبقيع وصلى عليه عثمان ﵃ وأرضاهم وحشرنا في زمرتهم آمين.\n(^٣) استقرئوا القرآن أي خذوه عن هؤلاء الأربعة فإنهم حفظوه وأتقنوه لتفرغهم له أكثر من غيرهم وإلا فكل صحابي أهل للأخذ عنه، وابن مسعود مهاجرى والثلاثة أنصاريون ﵃. وسيأتى فضلهم في الأنصار.","vol":"3","page":367},{"text":"فَكُنَّا حِينًا وَمَا نَرَى ابْنَ مَسْعُودٍ وَأُمَّهُ إِلا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ كَثْرَةِ دُخُولِهِمْ وَلُزُومِهِمْ لَهُ (^١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ ﵁ قَالَ: سَأَلْنَا حُذَيْفَةَ عَنْ رَجُلٍ قَرِيبِ السَّمْتِ وَالْهَدْيِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى نَأْخُذَ عَنْهُ فَقَالَ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَقْرَبَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلا (^٢) بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ: حَتَّى يَتَوَارَى مِنَّا فِي بَيْتِ وَلَقَدْ عَلِمَ الْمَحْفُوظُونَ مِنَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ هُوَ أَقْرَبُهُمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى.\n\n• عَنْ عَلْقَمَةَ ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ الشَّامَ (^٣) فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَرَأَيْتُ شَيْخًا مُقْبِلًا (^٤) فَلمَّا دَنَا قُلْتُ: أَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ اسْتَجَابَ، قَالَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، قَالَ: أَفَلَمْ يَكُنْ فِيكُمْ صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ وَالْوِسَادِ وَالْمِطْهَرَةِ (^٥)، أَوَ لَمْ يَكُنْ فِيكُمْ الَّذِي أُجِيرَ مِنَ الشَّيْطَانِ (^٦)، أَوَ لَمْ يَكُنْ فِيكُمْ صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ (^٧)، (قَالَ ذلِكَ الشَّيْخُ) كَيْفَ قَرَأَ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، فَقَرَأْتُ وَللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، قَالَ الشَّيْخُ: اقْرَأَنِهيَا النَّبِيُّ ﷺ فَاهُ إِلَى فِيَّ فَمَا زَالَ هؤُلَاءُ حَتَّى كَادُوا يَرُدُّونِي (^٨). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) أي هاجرت إلى المدينة أنا وأخي، هو أبو بردة أو أبو رهم فكنا حينًا أي مكثنا زمنًا طويلا ونحن نظن أن ابن مسعود وأمه من أهل البيت لكثرة ترددهم على بيت النبي - ﷺ -.\n(^٢) السمت: الهيئة الحسنة، والهدى: الطريقة والمذهب، والدل: السيرة والحال والهيئة، فلم يكن شبيه بالنبي - ﷺ - في هذا إلا ابن مسعود ﵁ وكان يتوارى منهم في بيته وهم يعلمون أنه أقربهم إلى الله تعالى.\n(^٣) أي دمشق فصليت ركعتين في المسجد ودعوت الله بجليس صالح.\n(^٤) هو أبو الدرداء ﵁.\n(^٥) صاحب النعلين والوساد أي المخدة، والمطهرة أي الذي كان يحملهن للنبي - ﷺ - كثيرا هو ابن مسعود ﵁.\n(^٦) هو عمار بن ياسر ﵁.\n(^٧) هو حذيفة بن اليمان ﵁، أعلمه النبي - ﷺ - بأسماء المنافقين وصفاتهم.\n(^٨) أي كما يقرؤها ابن مسعود أقرأنيها النبي - ﷺ - ولكن ما زال أهل الشام بي حتى كادوا يردونني إلى قراءتهم التى فيها ﴿وما خلق الذكر والأنثى﴾ ومعلوم أن القراءتين صحيحتان ولكن تمسك كل بما سمعه ﵃.","vol":"3","page":368},{"text":"• عَنْ خَيْثَمَةَ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا فَيَسَّرَ لِي أَبَا هُرَيْرَةَ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: إِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ لِي جَليسًا صَالِحًا فَوُفِّقْتَ لِي فَقَالَ لِي: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ جِئْتُ أَلْتَمِسُ الْخَيْرَ وَأَطْلُبُهُ قَالَ: أَلَيْسَ فَيِكُمْ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ مُجَابُ الدَّعْوَةِ (^١)، وَابْنُ مَسْعُودٍ صَاحِبُ طَهُورِ النَّبِيِّ ﷺ وَنَعْلَيْهِ، وَحُذَيْفَةُ صَاحِبُ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَعَمَّارٌ الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ، وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ صَاحِبُ الْكِتَابَيْنِ (^٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَآمَنُواْ﴾ الآية (^٣) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قِيلَ لِي أَنْتَ مِنْهُمْ».\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: «وَالَّذِي لَا إِلهَ غَيْرُهُ مَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ سُورَةٌ إِلا أَنَا أَعْلَمُ حَيْثُ نَزَلَتْ وَمَا مِنْ آيَةٍ إِلا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَا أُنْزِلَتْ (^٤)».\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ (^٥). قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذلِكَ عَلَيْهِ وَلَا يَعِيبُهُ. رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ مُسْلِمٌ.\n_________\n(^١) هو أحد العشرة المبشرين بالجنة وقد تقدموا.\n(^٢) أي الذي حفظ الإنجيل والقرآن ﵁ وأرضاه.\n(^٣) تمام الآية ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فبشرى لهؤلاء وعبد الله منهم ﵃.\n(^٤) فكل سورة وكل آية يعلمها ابن مسعود. في أي مكان نزلت وبأى معنى جاءت وبأى سر أشارت.\n(^٥) صرح عبد الله بأنه أعلم الناس بكتاب الله ولو علم أن هناك أفضل منه لرحل إليه للتعلم منه، ويجوز هذا للعالم ليعرفه الناس فيأخذوا عنه، وعبد الله أعلم الناس بالكتاب أي بعد الخلفاء الأربعة وإلا فهم أعلم الناس مطلقًا بالكتاب والسنة ﵃ أجمعين.","vol":"3","page":369},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي مِنْ أَصْحَابِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَاهْتَدُوا بِهَدْيِ عَمَّارٍ وَتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ ابْنِ مَسْعُودٍ (^١)».\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ مُؤَمِّرًا أَحَدًا مِنْ غَيْرِ مَشْوَرَةٍ مِنْهُمْ لَأَمَّرْتُ عَلَيْهِمُ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ (^٢)». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٣). نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الرِّوَايَةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-756>فضل سالم مولى أبي حذيفة الفارسي ﵄</span>\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ (^٤) مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\n(^١) عهدا ابن مسعود وهدى عمار هما الطريقة والمذهب، والمراد الحث على الاقتداء بهما بعد الخلفاء الراشدين ﵃ وحشرنا في زمرتهم آمين.\n(^٢) فلا يمنع من إمارته على نحو جيش إلا عدم رضاهم به لصغر جسمه ولأنه غير قرشى، ولا يرد زيد وأسامة لأنهما من بيت النبي - ﷺ - تربية وشهرة ﵃ أجمعين.\n(^٣) الأول بسند حسن والثانى بسند غريب.\n\nفضل سالم مولى أبى حذيفة الفارسي ﵄\n(^٤) سالم هذا هو ابن معقل وكنيته أبو عبد الله من أهل فارس من اصطخر، كان من فضلاء الموالى ومن كبار الصحابة، وكان مملوكا لسلمى أو لعمرة زوجة أبى حذيفة فأعتقته فأمسكه أبو حذيفة وتبناه وهاجر معه إلى المدينة، وأبو حذيفة قرشي لأنه يجتمع مع النبي ﷺ في عبد مناف، فسالم معدود في المهاجرين لهذا وفى الأنصار لأن مولاته وهي زوجة أبى حذيفة أنصارية، وسالم من القراء المشهورين ﵃ وحشرنا في زمرتهم آمين.","vol":"3","page":370},{"text":"<span data-type='title' id=toc-757>فضل عمار بن ياسر ﵄ </span>(^١)\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: جَاءَ عَمَّارٌ يَسْتَأْذِنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «ائْذَنُوا لَهُ مَرْحَبًا بِالطَّيْبِ الْمُطَيَّبِ (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَبْشِرْ عَمَّارُ تَقْتُلكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ (^٤).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا خُيِّرَ عَمَّارٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلا اخْتَارَ أَسَدَّهُمَا (^٥)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦) وَابْنُ مَاجَهْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.\n_________\nفضل عمار بن ياسر ﵄\n(^١) عمار بن ياسر ويكنى بأبي اليقظان العنسي، واسم أمه سمية، أسلوا قديما وعُذبوا في الله كثيرا لأنهم كانوا من المستضعفين حتى ماتت سمية في العذاب إلى رحمة الله ورضوانه على يد أبى جهل لعنه الله، ومرّ النبي ﷺ وهم يعذَّبون، فقال: صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة ﵃ وأرضاهم. وهاجر عمار الهجرتين وصلى إلى القبلتين واستشهد بصفين مع عليّ ﵄ سنة ٣٧ هـ.\n(^٢) أي بالطاهر المطهر.\n(^٣) أي أبشر يا عمار فإنك ستموت شهيدًا بيد فئة ظالمة وهى جماعة معاوية التي كانت ضد عليّ وجيشه ﵃، وكان عمار في جيش عليّ بصفين فلما استشهد صلى عليه عليّ ودفن هناك ﵃. وفى رواية لمسلم: بؤس ابن سمية تقتلك فئة باغية، والبؤس كالبأس الشدة، وفى رواية: ويس ابن سمية، ترحم وترفق به مثل ويح، وفيه أن عليًا ﵁ كان على الحق وأنه كان أحق بالخلافة لا شك في هذا وفيه معجزة للنبي - ﷺ - لأنه إخبار بغيب وقع.\n(^٤) ولكن الترمذى هنا ومسلم في الفتن.\n(^٥) أي أقربهما إلى السداد.\n(^٦) بسند حسن ولفظ ابن ماجه: ما عرض عليه أمران إلا اختار الأرشد منهما، ولأبي نعيم: عمار ملئ إيمانًا إلى مشاشه أي رءوس عظامه، ولابن عساكر: عمار خلط الله الإيمان ما بين قرنه إلى قدمه وخلط الإيمان بلحمه ودمه، يزول مع الحق حيث زال، ولا ينبغى للنار أن تأكل منه شيئا ﵁ وحشرنا في زمرته آمين.","vol":"3","page":371},{"text":"<span data-type='title' id=toc-758>فضل عمر بن العاص ﵁ </span>(^١)\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَسْلَمَ النَّاسُ (^٢) وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ».\n\n• عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ مِنْ صَالِحِي قُرَيْشٍ (^٣)». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَنِي عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ (^٥) فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: «عَائِشَةُ»، قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ، قَالَ: «أَبُوهَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي فَضْلِ عَائِشَةَ وَالْبُخَارِيُّ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ وَزَادَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «عُمَرُ، فَعَدَّ رِجَالًا»، فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ.\n\n• عَنْ ابْنِ شَمَاسٍ ﵁ قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ (^٦) يَبْكِي طَوِيلًا وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا أَمَا بَشَّرَكَ بِكَذَا، قَالَ: فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةُ إِلا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إِنِّ قَدْ كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلَاثٍ (^٧) لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ (^٨) فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ\n_________\nفضل عمرو بن العاص ﵁\n(^١) عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي أسلم في هدنة الحديبية سنة ثمان مع خالد بن الوليد ﵄.\n(^٢) المراد بالناس فئة مخصوصة وهم مسلمة الفتح الذين آمنوا لما رأوا بريق السيوف.\n(^٣) المراد بصالحيهم هنا مؤمنو الفتح.\n(^٤) بسندين ضعيفين.\n(^٥) استعملني على جيش ذات السلاسل أي جعلنى أميرًا على الجيش الذي غزا ذات السلاسل بأرض جذام.\n(^٦) أي في حال النزع.\n(^٧) أي أحوال ثلاثة وهى الآتية في الحديث: أولا كنت أبغض النبي - ﷺ - أشد البغض وثانيًا كنت أحبه وأجله وأهابه أشد الحب وأعظم الإجلال والمهابة، وثالثًا كنت واليًا على أهل مصر ولا أدري أمرى حين الولاية؛ لهذا أبكي وأرجو رحمة ربي.\n(^٨) أي قبل إسلامه ﵁.","vol":"3","page":372},{"text":"فَلْأُبَايِعْكَ فَبَسَطَ يَمِينَهُ فَقَبَضْتُ يَدِي فَقَالَ: مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟ فَقُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ قَالَ: تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟ قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ (^١) وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ (^٢) وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ لَا أَدْري مَا حَالِي فِيهَا، فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ (^٣) فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشَنُّوا التّرَابَ عَلَيَّ شَن ثمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا (^٤) حَتَّى أَسْتَأَنِسَ بِكُمْ وَأَنظرَ مَاذَا أُراجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي. رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْإِيمَانِ. نَسْأَلُ اللَّهَ كَمَالَ الْإِيمَانِ آمِين.\n_________\n(^١) قال الله تعالى ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا - أي عن الكفر ويدخلوا في الدين - يغفر لهم ما قد سلف﴾.\n(^٢) أي بعد إسلامه ﵁.\n(^٣) لا تصحبني نار أي ببخور كما يصنع كثير من الناس، قوله: فشنوا التراب عليّ أي ارموه على كفنى وأنا في اللحد، تواضعا منه ﵁.\n(^٤) أي قفوا بعد الدفن قليلا قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها؛ فأستأنس بكم وأفكر في جواب الملكين الكريمين، فقد اجتمع عنده الخوف والخشية من الله ورجاء رحمته، ولا يجتمعان لعبد في مثل هذا إلا كان من أهل الجنة. نسأل الله حسن الخاتمة آمين والحمد لله رب العالمين.","vol":"3","page":373},{"text":"<span data-type='title' id=toc-759>فضل خالد بن الوليد القرشي ﵁ </span>(^١)\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵁ نَعَى زَيْدًا وَجَعْفَرًا (^٢) وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ فَقَالَ: أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِبَ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَهَا سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَسَيَأْتِي فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَزَلْنَا مَنْزِلًا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ النَّاسُ يَمُرُّونَ فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ هذَا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ»؟ فَأَقُولُ فُلَانٌ فَيَقُولُ: «نِعْمَ عَبْدُ اللَّهِ هذَا»، وَيَقُولُ: «مَنْ هذَا»؟ فَأَقُولُ فُلَانٌ فَيَقُولُ: «بِئْسَ عَبْدُ اللَّهِ هذَا» حَتَّى مَرَّ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَقَالَ: «مَنْ هذَا؟» فَقُلْتُ: هذا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَقَالَ: «نِعْمَ عَبْدُ اللَّهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n_________\nفضل خالد بن الوليد ﵁\n(^١) هو ابن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب يجتمع مع النبي ﷺ وأبي بكر في مرة بن كعب، ويكنى بأبى سليمان، أسلم في هدنة الحديبية، وعزماته يوم مؤتة وفى الردة وفى فتوح الشام والعراق أكثر من أن تحصى، فكان له فيها الجهاد العظيم والبلاء الحسن الجميل، توفي بحمص سنة إحدى وعشرين عن بضع وأربعين سنة ﵁ وأرضاه.\n(^٢) نعى زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب أي أخبر بموتهم قبل أن يأتيهم الناعي وهو ﷺ يبكى، قال: ثم أخذها سيف من سيوف الله من غير تأمير من النبي - ﷺ - وهو خالد بن الوليد ففتح الله عليهم وانتصروا.\n(^٣) سيف من سيوف الله، أي شخص عظمت شجاعته جدا حتى صار كله كأنه سيف وسهم لا يخطئ من عند الله يسلطه على من يشاء. وللحاكم وابن حبان: لا تؤذوا خالدا فإنه سيف من سيوف الله صبه على الكفار، ﵁ وأرضاه وحشرنا في زمرته آمين.","vol":"3","page":374},{"text":"<span data-type='title' id=toc-760>فضل معاوية بن أبي سفيان ﵄ </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي مُلَيْكَةَ ﵁ قِيلَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: هَلْ لَكَ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ فَإِنَّهُ مَا أَوْتَرَ إِلا بِوَاحِدَةٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَصَابَ إِنَّهُ فَقِيهٌ (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي عُمَيْرَةَ ﵁ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا وَاهْدِ بِهِ (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n_________\nفضل معاوية بن أبى سفيان ﵄\n(^١) هو ابن أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الجد الثالث للنبي - ﷺ -، وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس أسلم هو وأبوه وأمه وأخوه يزيد في فتح مكة، وكان معاوية يقول إنى أسلمت يوم الحديبية ولكنى كتمت إسلامى عن أهلى حتى أسلموا في الفتح، وكان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم ومن الطبقة الأولى في غنائم حنين، ولكن حسن إسلامهما بعد، فكان معاوية من كاتبى الوحى للنبي - ﷺ -، وكان واليًا على الشام لعمر وعثمان عشرين سنة؛ وولى الخلافة من بعد الحسن إلى سنة ستين وكان أبيض جميلا وعالمًا كبيرا وذا رأي وحلم واسع، توفى بدمشق سنة ستين عن اثنتين وثمانين سنة أو ثمانية وسبعين. ﵀ ورضى عنه آمين.\n(^٢) فمعاوية صلى العشاء والوتر بعدها واقتصر على ركعة واحدة، فاعترض عليه كريب مولى ابن عباس وقال: ألا تكلم معاوية الذي اقتصر في الوتر على واحدة قال ابن عباس: لا تنكر عليه فإنه فقيه وقد أصاب السنة وصحب رسول الله - ﷺ -، وتقدم الكلام على الوتر في الصلاة.\n(^٣) اللهم اجعله مهديا أي على الهدى وهاديا واهد به أي عبادك، فيه إشارة إلى الإمارة ومزيد فضل لمعاوية ﵁ وأرضاه، ولا يرد ما وقع بينه وبين علي ﵁ فإن عليًا وإن كان على الحق فمعاوية كان مجتهدا وأخطأ. وتقدم في كتاب الإمارة: إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر. ولا يجوز الخوض فيهم لأنهم أصحاب النبي - ﷺ -. ويعجبنى جواب عمر بن عبد العزيز ﵁ لمن سأله عما وقع بين علي ومعاوية ﵄ فقال: تلك دماء طهر الله أيدينا منها فلا نخوض فيها بألسنتنا. ﵏ ورضى عنهم. آمين","vol":"3","page":375},{"text":"<span data-type='title' id=toc-761>فضل أبي سفيان بن حرب ﵁</span>\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ وَلَا يُقَاعِدُونَهُ (^١) فَقَالَ للنَّبِيِّ ﷺ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ ثَلَاثٌ أَعْطِنِيهِنَّ، قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: عِنْدِي أَحْسَنُ الْعَرَبِ وَأَجْمَلُهُمْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ أُزَوِّجُكَهَا، قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَمُعَاوِيَةُ تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ (^٢)، قَالَ: «نَعَمْ»، قالَ: وَتُؤَمِّرُنِي حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ (^٣): وَلَوْلَا أَنَّهُ طَلَبَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَا أَعْطَاهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُسْأَلُ شَيْئًا إِلا قَالَ نَعَمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nإلى هنا انتهى ذكر المهاجرين إلا النفر الأخير ﵃ أجميعين، وجميع من تقدم من أبي بكر إلى هنا هم قرشيون إلا زيد بن حارثة وولده أسامة وبلالًا وابن مسعود وسالمًا مولى أبي حذيفة وعمار بن ياسر ﵃\n_________\nفضل أبي سفيان بن حرب ﵁\n(^١) لكثرة عدائه وأذاه للنبي - ﷺ - والمسلمين وهو مشرك فكانوا لا ينسون مواقفه ضدهم، وأسلم يوم الفتح مكرها وكان من المؤلفة قلوبهم أولا ثم حسن إسلامه ﵁.\n(^٢) فأجابه النبي - ﷺ - وصاهره وأذن لولده بالكتابة وأمّره على بعض السرايا فصار له اتصال بالنبي - ﷺ - وظهر له جاه فأقبل عليه المسلمون وجالسوه ﵃ أجمعين.\n(^٣) قال أبو زميل أي الراوي عن ابن عباس: لو لم يطلب أبو سفيان ذلك ما أعطاه النبي - ﷺ - وعلى كل فله عظيم الفضل والشرف بصحبة النبي - ﷺ - ومصاهرته ﵁ وأرضاه آمين.","vol":"3","page":376},{"text":"<span data-type='title' id=toc-762>الفصل الخامس في فضائل زوجات النبي ﷺ</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ينِسَآءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَآءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (^١) وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ (^٢) وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الاْولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ وَءاتِينَ الزَّكَوةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ (^٣) ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ (^٤) ﴿وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾.\nوَقَالَ تَعَالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (^٥) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-763>فضل السيدة خديجة بنت خويلد ﵂ </span>(^٦)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ إِلا عَلَى خَدِيجَةَ وَإِنِّي لَمْ أُدْرِكْهَا\n_________\nالفصل الخامس في فضائل زوجات النبي - ﷺ -\n(^١) الذي في قلبه مرض هو المنافق.\n(^٢) وقرن في بيوتكن؛ فلا يجوز لهن الخروج إلا لحاجة كما تقدم في النكاح.\n(^٣) الرجس هو الإثم.\n(^٤) آيات الله القرآن، والحكمة هي السنة النبوية.\n(^٥) وأزواجه أمهاتهم، أي كأمهاتهم في تحريم النكاح وفى الاحترام والإجلال، لا في جواز النظر والخلوة ﵃ أجمعين.\n\nفضل السيدة خديجة بنت خويلد ﵂\n(^٦) السيدة خديجة هي الزوجة الأولى للنبي - ﷺ - وأولاده كلهم منها وهم القاسم وعبد الله وهو الملقب بالطيب والطاهر وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، وبقي إبراهيم ﵇ فإنه من مارية القبطية المصرية ولم يتزوج النبي - ﷺ - على خديجة حتى ماتت ﵂.\nوهي خديجة بنت خويلد بن عبد العزى بن قصى القرشية الأسدية أول خلق الله إسلاما باتفاق، وكانت أكبر سند للنبي - ﷺ - من اضطهاد الكفار له، وكانت تدعى في الجاهلية الطاهرة، تزوجها النبي - ﷺ - وسنه خمس وعشرون سنة، وتوفيت بعد النبوة بعشر سنين في رمضان وكل أولاده منها إلا إبراهيم ﵇، وولدت فاطمة بعد المبعث بسنة وزوجها عليّ بعد بدر في السنة الثانية من الهجرة وولدت له حسنا وحسينا ومحسنا وزينب وأم كلثوم ورقية، ولكن محسنًا مات صغيرا ولم يتزوج عليّ على فاطمة حتى ماتت=","vol":"3","page":377},{"text":"وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ يَقُولُ: أَرْسِلُوا إِلَى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ، قَالَتْ: فَأَغْضَبْتُهُ يَوْمًا فَقُلْتُ خَدِيجَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا (^١)». وَفِي رِوَايَةٍ: فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ كأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا إِلا خَدِيجَةُ، فَيَقُولُ إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ، وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: مَا غِرْتُ لِلنَّبِيُّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ لِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ إِيَّاهَا وَمَا رَأَيْتُهَا قَطُّ لِأَنَّهَا مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي بِثَلَاثِ سِنِينَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْكَ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ (^٢) فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا ﷿ وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنتُ خُوَيْلِدٍ (^٣)». رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n=بعد النبي - ﷺ - بستة أشهر وقيل بثمانية ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان عن ثلاث وعشرين سنة. ولم يكن للنبي - ﷺ - عقب إلا من ولد فاطمة ﵃ أجمعين.\n(^١) الغيرة هي الأنفة والحمية على من يريد مشاركتك فيما هو في اختصاصك، والغيرة طبيعة في النسوة لا فرق بين فاضلة وغيرها، بل هي محمودة في الرجال كما تقدم في النكاح: إن الله يغار والمؤمن يغار، فعائشة كانت تغار من خديجة ﵄ لكثرة ذكر النبي - ﷺ - لها ومحبته فيها مع أنها لم ترها لهوتها قبل زواج عائشة بثلاث سنين أي قبل الدخول عليها، أما عقدها فكان بعد خديجة بأقل من هذا.\n(^٢) أو طعام أو شراب شك من الراوى، والقصب اللؤلؤ المجوف المنظوم بالدر والياقوت الأحمر، والصخب: الصياح، والنصب: الهم والتعب، فخديجة كانت آتية للنبي - ﷺ - بطعام؛ فقال جبريل للنبي - ﷺ - قبل وصولها: إذا أتتك خديجة فاقرأ ﵍ من ربها جل شأنه ومنّى وبشرها ببيت في الجنة من أعظم ما خلق الله لعباده، فلما بلّغها النبي - ﷺ - قالت: هو السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته، فهذه منقبة لم ترد لأحد من بنات آدم ﵇ فما أعظمها مفخرة للدنيا والآخرة.\n(^٣) مريم خير نساء الدنيا في زمانها وخديجة خير نساء هذه الأمة. ورواية الترمذى: تقدم خديجة ﵄، وللبزار والطبرانى: فضلت خديجة على نساء أمتى كما فضلت مريم على نساء العالمين،=","vol":"3","page":378},{"text":"وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلَدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَرَفَ اسْتِأْذَانَ خَدِيجَةَ وَتَذَكَّرَهُ فارْتَاعَ لِذلِكَ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَالَةُ بِنْتُ خُويْلِدٍ (^١)» فَغِرْتُ فَقُلْتُ: وَمَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ حَمْرَاءِ الشِّدْقيْنِ هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ فَأَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ ابْنَهُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنتُ مُحَمَّدٍ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣) وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-764>فضل السيدة عائشة بنت أبي بكر ﵄</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ جَاءَنِي بِكِ\n_________\n=وتفضيل هاتين لعظم بلائهما وجميل صبرهما وجليل ما صنعاه من أعمال صالحة وآثار نافعة قيمة وإن كان أصل الفضل من الله يؤتيه من يشاء.\n(^١) هالة أخت خديجة زوجة الربيع بن عبد العزى والد أبى العاص بن الربيع زوج زينب بنت النبي - ﷺ -، استأذنت هالة على النبي - ﷺ - فتذكر خديجة لشبه صوتهما، فقال: اللهم هذه هالة، فغارت عائشة فقالت: وما تذكر إلا عجوزا من عجائز قريش حمراء الشدقين أي سقطت أسنانها وبقيت حمرة اللثات ماتت وذهبت وأبدلك الله خيرا منها؛ تريد نفسها لصغر سنها، فغضب النبي - ﷺ - حتى قالت له: لا أذكرها بعد هذا إلا بخير. رضى الله عن الجميع.\n(^٢) أي يكفيك من فاضلات النساء كلهن هؤلاء الأربع. وفضل مريم وآسية، لما تقدم وللقول بنبوتهما، وفضل فاطمة لأنها بضعة من محمد - ﷺ - وأم النسل الشريف كله، ولفظ الحاكم: أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية ﵅ وحشرنا في زمرتهن آمين.\n(^٣) بسند صحيح.\n\nفضل السيدة عائشة بنت أبى بكر ﵄\nعائشة بنت أبى بكر وأمها أم رومان وكنيتها أم عبد الله بعبد الله بن الزبير ابن أختها أسماء، وفضلها لما يأتى ولمحبة النبي ﷺ لها أكثر ولنزول القرآن ببراءتها ولكثرة علمها، قال عطاء: كانت عائشة أعلى الناس وأفقه الناس، وقال ابن الزبير: ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة، ولدت قبل الهجرة بنحو ثمان سنين، وهاجرت، مع أمها وأختها أسماء بعد أبى بكر بزمن يسير وماتت سنة ثمان وخمسين عن نحو ست وستين سنة لسبع عشرة من رمضان وصلى عليها أبو هريرة رضى الله عن الجميع وحشرنا في زمرتهم آمين.","vol":"3","page":379},{"text":"الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ (^١) فَيَقُولُ: هذِهِ امْرَأَتُكَ فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ فَإِذَا أَنْتِ هِيَ فَأَقُولُ إِنْ يَكُ هذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظَهُ: جَاءَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِصُورَةِ عَائِشَةَ فِي خِرْقَةِ حَرِيرٍ خَضْرَاءَ فَقَالَ: «إِنَّ هذِهِ زَوْجَتُكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ».\nوَقَالَ عُرْوَةُ ﵁: تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِثَلَاثِ سَنِينَ فَلَبِثَ سَنَتَيْنِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذلِكَ (^٢) وَنَكَحَ عَائِشَةَ وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ثُمَّ بَنَى بِهَا فِي شَوَّالٍ (^٣) وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ (^٤) فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَنَزَلْنَا فِي بَنِي الْحرِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ (^٥) فَوُعِكْتُ (^٦) فَتَمَزَّقَ شَعَرِي فَوَفَى جُمَيْمَةً فَأَتَتْنِي أُمِّي أُمُّ رُومَانَ وَإِنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ وَمَعِي صَوَاحِبٌ لِي (^٧) فَصَرَخَتْ بِي فَأَتَيْتُهَا لَا أَدْرِي مَا تُرِيدُ بِي فَأَخَذَتْ بِيَدِيَ حَتَّى أَوْقَفَتْنِي عَلَى بَابِ الدَّارِ (^٨) وَإِنِّي لَأَنْهَجُ حَتَّى سَكَنَ نَفْسِي فَأَخَذَتْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي وَرَأْسِي، ثُمَّ أَدْخَلَتْنِي الدَّارَ فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي الْبَيْتِ فَقُلْنَ عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ فَأَصْلَحْنَ مِنْ شَأْنِي فَلَمْ يَرُعْنِي\n_________\n(^١) سرقة من حرير قطعة من جيد الحرير الأخضر، فجبريل ﵇ أتاه - ﷺ - في النوم ومعه صورة سيدة في قطعة حرير وقال هذه زوجتك في الدنيا والآخرة، فكشفت عن وجهها فإذا أنت الآن تلك الصورة فأقول إن يك هذا من عند الله يمضه أي ينفذه بسرعة، فيه مزيد فضل عائشة لأن الله. زوجه بها في السماء قبل زواجها في الأرض.\n(^٢) وفى هذه الفترة تزوج بالسيدة سودة بنت زمعة القرشية وسيأتى ذكر حديثها إن شاء الله.\n(^٣) بنى بها أي دخل عليها في شوال بعد الهجرة.\n(^٤) أي عقد عليها.\n(^٥) أي بضواحى المدينة.\n(^٦) فوعكت أي مرضت بالحمى. والجميمة تصغير جمة وهى الشعر إذا وصل المنكبين.\n(^٧) الأرجوحة آلة يلعب عليها الصبيان (هي المرجيحة) ومعى صواحب لي أي أمثالى يلعبن معى.\n(^٨) على باب الدار أي دارنا، وبعد أن مسحت وجهى ورأسى بالماء أدخلتني الدار فإذا فيها نسوة من الأنصار فقلن على الخير والبركة وعلى خير طائر أي قدمت على خير حظ ونصيب.","vol":"3","page":380},{"text":"إِلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضُحًى فَأَسْلَمْنَنِي إِلَيْهِ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا عَائِشُ هذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ» فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ تَرَى يَا رَسُولُ اللَّهِ مَا لَا أَرَى (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْله الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ (^٣)». رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ فَاجْتَمَعَ صَوَاحِبِي (^٤) إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقُلْنَ: يَا أُمَّ سَلَمَةَ وَاللَّهِ إِنَّ النَّاسَ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ وَإِنَّا نُرِيدُ الْخَيْرَ كَمَا تُرِيدُهُ عَائِشَةُ فَمُرِي النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ أَنْ يُهْدُوا إِلَيْهِ حَيْثُمَا كَانَ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَعْرَضَ عَنِّي فَلَمَّا عَادَ فِي الثَّانِيَةِ ذَكَرْتُ لَهُ ذلِكَ فَأَعْرَضَ عَنِّي فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ ذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ: «يَا أُمَّ سَلَمَةَ لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا نَزَلَ عَلَيَّ الْوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِهَا (^٥)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) أي فإذا رسول الله - ﷺ - قد دخل عليّ في الضحى، وللإمام أحمد: فإذا رسول الله ﷺ جالس على سرير وعنده رجال ونساء من الأنصار. فأجلستني في حجره ثم قالت: هؤلاء أهلك يا رسول الله بارك الله لك فيهم، فوثب الرجال والنساء وبنى بى أي دخل عليّ رسول الله ﷺ في بيتنا.\n(^٢) ففيه مزيد فضل عائشة واستحباب إرسال السلام إلى الغائب ولو أجنبية إذا أمنت الفتنة ويجب الرد وسيأتى في الأدب الكلام على السلام واسعًا إن شاء الله.\n(^٣) وفضل عائشة على النساء أي نساء هذه الأمة بعد خديجة وفاطمة ﵅ كفضل الثريد على كل طعام: أي كفضل الثريد واللحم على كل طعام، هذا بالنسبة لزمانهم لقلة أنواع الأطعمة عندهم، أما الآن فهناك أطعمة فاخرة، نسأل الله التوفيق لشكرها.\n(^٤) أي الضرائر.\n(^٥) فلما جاء لأم سلمة في نوبتها كلمته فأعرض عنها فلما جاء ثانيًا كلمته فأعرض، فلما كلمته في المرة الثالثة أجابها بما ذكر، وظاهره أن الوحى كان ينزل عليه - ﷺ - وهى بجواره ولكنها تكون مستورة.","vol":"3","page":381},{"text":"وَعَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَرَضِهِ جَعَلَ يَدُورُ فِي نِسَائِهِ وَيَقُولُ: أَيْنَ أَنَا غَدًا أَيْنَ أَنَا غَدًا حِرْصًا عَلَى بَيْتِ عَائِشَةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي سَكَنَ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ: كَانَ يَتَفَقَّدُ يَوْمِي أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ أَيْنَ أَنَا غَدًا اسْتِبْطَاءَ لِيَوْمِ عَائِشَةَ فَلَمَا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللَّهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي (^٢).\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ تَأْتِيني صَوَاحِبِي فَكُنَّ يَنْقَمِعْنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ يُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ (^٣).\nوَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى»، فَقُلْتُ: وَمِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذلِكَ؟ قَالَ: «أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ وَإِذَا كُنْتِ غَضْبَى قُلْتِ لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ»، قُلْتُ: أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَهْجُرُ إِلا اسْمَكَ (^٤). رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ قَالَ: مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا (^٥). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n_________\n(^١) أي استقر فيه حتى توفاه الله إلى رحمته ورضوانه.\n(^٢) أي وهو مسند ظهره إلى صدرها، والسحر كالنحر الرئة وما تعلق بها.\n(^٣) فكانت تلعب بصور البنات ومعها صواحبها فينقمعن أي يستترن من النبي - ﷺ - إذا رأينه حياء وهيبة منه فيأمرهن بالذهاب لعائشة، ففيه جواز اللعب بالصور للصبيان والجوارى.\n(^٤) وأما الذات المحمدية فهى معها حينما كانت.\n(^٥) أصحاب منصوب على الاختصاص، وفيه أنها على جانب عظيم من العلم حتى إنها تعلم المشكلات فضلا عن غيرها، وروى: (خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء) يريد عائشة ذات اللون المشرب بحمرة ﵂ وأرضاها آمين.","vol":"3","page":382},{"text":"<span data-type='title' id=toc-765>فضل سورة بنت زمعة ﵂ </span>(^١)\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ فِي مِسْلَاخِهَا مِنْ سَوْدَةَ (^٢) لَمَّا كَبِرَتْ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِي مِنْكَ لِعَائِشَةَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ (^٣). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-766>فضل أم سلمة ﵂ </span>(^٤)\n\n• عَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: لَا تَكُونَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ (^٥) إِنِ اسْتَطَعْتَ وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ. قَالَ سَلْمَانَ: وَأُنْبِئْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَى نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ لِأُمِّ سَلَمَةَ: مَنْ هذَا؟ أَوْ كَمَا قَالَ، قَالَتْ: هذَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلا إِيَّاهُ (^٦) حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ نَبِيِّ اللَّهِ يُخْبِرُ خَبَرَنَا أَوْ كَمَا قَالَ، فَقُلْتُ لِأَبِي عُثْمَانَ: مِمَّنْ سَمِعْتُ هذَا؟ قَالَ: مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ زَوَاجِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي بَابِ الصَّدَاقِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ.\n_________\nفضل سودة بنت زمعة ﵂\n(^١) هي سودة بنت زمعة بن قيس العامرية القرشية.\n(^٢) المسلاخ - كالمفتاح - الهدى والسيرة، فعائشة تقول: لا أتمنى أن أكون مثل امرأة في هديها إلا مثل سودة فإنها ذات سيرة صالحة ﵄.\n(^٣) تقدم هذا الحديث في باب القسم من كتاب النكاح فارجع إليه إن شئت.\n\nفضل أم سلمة ﵂\n(^٤) أم سلمة اسمها هند، وهاجرت أولا إلى الحبشة مع زوجها الأول أبى سلمة، ثم هاجرت ثانيًا إلى المدينة، ولما مات أبو سلمة زوجها النبي ﷺ.\n(^٥) السوق يؤنث ويذكر، والمراد ذم المكث فيها إلا بقدر الحاجة فإنها ملعب الشياطين لما فيها من الكذب والغش وظلم الناس، نسأل الله السلامة.\n(^٦) فأم سلمة رأت جبريل يتحدث مع النبي - ﷺ - فلما سألها من هذا ما فهمت إلا أنه دحية الكلبي لأنه كان يأتى في صورته أحيانًا، ففيه فضل أم سلمة لرؤيتها لجبريل ولحضوره في مجلسها، وتقدم =","vol":"3","page":383},{"text":"<span data-type='title' id=toc-767>فضل زينب بنت جحش ﵂</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (^١) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَسْرَعُكنَّ لَحَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا» (^٢) قَالَتْ: فَكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا، فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زِيْنَبُ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَتَصَدَّقُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-768>فضل صفية بنت حُيي ﵂ </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: بَلَغَ صَفِيَّةَ أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ إِنَّهَا بِنْتُ يَهُودِيَ فَبَكَتْ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ؟» فَقَالَتْ: قَالَتْ لِي حَفْصَةُ إِنِّي بِنْتُ يَهُودِيَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ابنَّكِ لَابْنَةُ نَبِيَ وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيٌّ وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيَ (^٤)\n_________\n= أنه كان ينزل على النبي ﷺ وهو في لحاف أي فراش عائشة، فهذه منزلة أسمى رضى الله عن الجميع وحشرنا في زمرتهم آمين.\n\nفضل زينب بنت جحش ﵂\n(^١) هي زينب بنت جحش بن رئاب كانت تحت زيد بن حارثة فلم يحصل بينهما وفاق، فلما طلقها وانتهت عدتها زوجها النبي - ﷺ - جبرًا لخاطرها فإنها تزوجت زيدا بأمر النبي - ﷺ - وكانت ترى نفسها مهضومة وتعلو عليه لجمالها ولأنها قرشية وزيد من الموالى رضى الله عن الجميع.\n(^٢) ولفظ البخاري: إن بعض أزواج النبي - ﷺ - قلت له: أينا أسرع بك لحوقا؟ قال: أطولكن يدا، فأخذن قصبة يذرعنها فكانت سودة أطولهن يدًا، فلا توفى النبي ﷺ كانت التالية له زينب بنت جحش، فتبين أن المراد باليد الصدقة لأن زينب كانت تحب الصدقة ﵂ وأرضاها.\n\nفضل صفية بنت حيى ﵂\n(^٣) هي صفية بنت حيى بن أخطب ملك خيبر فإنهم لما فتحوها كانت صفية في الأسرى فجاءت في سهم النبي - ﷺ - فأعتقها وتزوجها ﵂.\n(^٤) إنك لابنة نبى وهو هارون ﵇، وإن عمك لنبي ورسول وهو موسى عليه ألف سلام، وإنك لتحت نبى وهو محمد ﷺ، فلا فخر لهم مثلك ولا فخر أعظم من ذلك، فنسبها يتصل بإسحاق ويعقوب وإبراهيم صلى الله عليهم وسلم ورضى الله عن صفية وأرضاها آمين.","vol":"3","page":384},{"text":"فَفِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ»، ثُمَّ قَالَ: «اتَّقِي اللَّهَ يَا حَفْصَةُ». وَفِي رِوَايَةٍ: بَلَغَنِي عَنْ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ أَنَّهُمْ قَالُوا: نَحْنُ أَكْرَمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ صَفِيَّةَ نَحْنُ أَزْوَاجُهُ وَبَنَاتُ عَمِّهِ فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذلِكَ لَهُ، فَقَالَ: أَلَا قُلْتِ: «فَكَيْفَ تَكُونَانِ خَيْرًا مِنِّي وَزَوْجِي مُحَمَّدٌ وَأَبِي هرُونُ وَعَمِّي مُوسى». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\nإلى هنا زوجات النبي ﷺ ومنهم حفصة بنت عمر ﵄ وكلهن قرشيات ومهاجرات إلا صفية ﵅ أجمعين وإلّا خديجة فإنها توفيت قبل الهجرة رحمها اللَّه ورضي عنها ولكنها من أعاظم قريش كما تقدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-769>فضل أم أيمن مولاة النبي ﷺ </span>(^١)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ وَكُنْتُ مَعَهُ فَنَاوَلَتْهُ إِنَاءً فِيهِ شَرَابٌ فَلَا أَدْرِي أَصَادَفَتْهُ صَائِمًا أَوْ لَمْ يُرِدْهُ فَجَعَلْتْ تَصْخَبُ عَلَيْهِ وَتَذَمَّرُ عَلَيْهِ (^٢).\nوعَنْهُ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ ﵄ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَزُورُهَا فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ فَقَالَا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ فَقَالَتْ: مَا أَبْكِي لِجَهْلِي بِذلِكَ وَلكِنْ أَبْكِي لِأَنَّ الْوحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا (^٣). رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.\n_________\nفضل أم أيمن مولاة النبي - ﷺ -\n(^١) أم أيمن هذه كانت مولاة السيدة آمنة أم النبي ﷺ وصارت إليه بالميراث وكفلته بعد أمه فأعتقها وزوجها لمولاه زيد بن حارثة فولدت له أسامة وكان - ﷺ - يبرها مبرة الأم ويقول: أم أيمن أمى بعد أمي. ﵂ وأرضاها.\n(^٢) فلما لم يشرب النبي ﷺ مما قدمته لصومه أو لعدم رغبته صارت تتذمر وترفع صوتها دلالا عليه لمكانتها عنده ﷺ.\n(^٣) في هذا دلالة على مكانتها العلمية وفضلها العظيم ﵂ وأرضاها آمين.","vol":"3","page":385},{"text":"<span data-type='title' id=toc-770>فضل أم سليم ﵂ </span>(^١)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ بَعْدَ نِسَائِهِ إِلا عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا (^٢) فَقِيلُ لَهُ فِي ذلِكَ فَقَالَ: إِنِّي أَرْحَمُهَا قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْفَةً (^٣)» فَقُلْتُ: مَنْ هذَا؟ قَالوا: «هذِهِ الْغُمَيْصَاءُ بِنْتُ مِلْحَانَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ». وَفِي رِوَايَةٍ: أُرِيتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ امْرَأَةَ أَبِي طَلْحَةَ ثُمَّ سَمِعْتُ خَشْخَشَةً أَمَامِي فَإِذَا هُوَ بِلَالٌ. رَوَى مُسْلِمٌ هذِهِ الثَّلَاثَةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-771>الفصل السادس في فضائل الأنصار ﵃ </span>(^٤)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ (^٥) وَالإيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مّمَّآ أُوتُواْ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ الْبَرَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْأَنْصَارُ لَا يُحِبُّهُمْ إِلا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُهُمْ\n_________\nفضل أم سليم ﵂\n(^١) أم سليم اسمها الغميصاء بنت ملحان أم أنس خادم النبي - ﷺ -.\n(^٢) فكان يدخل عليها وكذا على أختها أم حرام تسلية لها ولأنهما كانتا من بنى النجار أخوال أبيه، فهما خالتان له - ﷺ -، ولما أسلم قوم أم سليم أسلمت معهم فغضب زوجها مالك وخرج إلى الشام فهلك به كافرا فخطبها أبو طلحة، فقالت لا أتزوج به حتى يسلم وصداقى منه هو الإسلام، فأسلم وتزوجها فحسن إسلامه رضى الله عن الجميع.\n(^٣) خشفة أي صوت مشى، فتردد النبي - ﷺ - عليها ورؤيته لها في الجنة وهى أمامه تدل على عظيم فضلها ورفيع شأنها ﵂ وأرضاها.\n\nالفصل السادس في فضائل الأنصار ﵃\n(^٤) الأنصار جمع ناصر، والمراد هنا أهل المدينة ﵃.\n(^٥) الدار: المدينة، والذين تبوءوها وأخلصوا في الإيمان قبل غيرهم هم الأنصار الذين يحبون من هاجر إليهم ولا يحسدونهم بل يقدمونهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة أي شدة جوع فقد حفظوا أنفسهم من الشح فلهم الفوز العظيم.","vol":"3","page":386},{"text":"إِلا مُنَافِقٌ فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ».\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى صِبْيَانًا وَنِسَاءً مِنَ الْأَنْصَارِ مُقْبِلِينَ مِنْ عُرْسٍ فَقَامَ مُمْثِلًا (^١) فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ ثَلَاثَ مِرَارًا».\n\n• وَعَنْهُ قَالُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَخَلَا بِهَا (^٢) وَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. رَوَى الشَّيْخَانِ هذِهِ الثَّلَاثَةَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ الأَنْصَارَ سَلَكُوا وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ فِي وَادِي الْأَنْصَارِ (^٣) وَلَوْلَا الْهجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ (^٤)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقِيلَ لِأَنَسٍ ﵁: أَرَأَيْتَ اسْمَ الْأَنْصَارِ أَكُنْتُمْ تُسَمَّوْنَ بِهِ أَمْ سَمَّاكُمُ اللَّهُ؟ قَالَ: بَلْ سَمَّانَا اللَّهُ ﷿ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَتِ الْأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ النَّخْلَ، قَالَ: «لَا»، قَالَ: تَكْفُونَا الْمؤُونَةَ وَتُشْرِكُونَا فِي التَّمْرِ (^٦). قَالَ الْمُهَاجِرُونَ: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَتِ الْأَنْصَارُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِكُلِّ نَبِيَ أَتْبَاعٌ وَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاكَ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ أَتْبَاعَنَا مِنَّا فَدَعَا بِهِ قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَتْبَاعَهُمْ مِنْهُمْ (^٧)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هذِهِ الثَّلَاثَةَ.\n_________\n(^١) فقام ممثلا أي منتصبًا.\n(^٢) خلا بها: أي متى انتهت حاجتها ثم حلف بالله أن الأنصار أحب الناس عنده ثلاث مرات، فهنيئًا للأنصار ﵃ وأرضاهم.\n(^٣) لو سلك الأنصار واديًا أي مكانا منخفضًا أو فيه ماء، أو شعبًا بالكسر طريقًا في الجبل لاتبعهم فيه.\n(^٤) منتسبًا إِلى بلدهم.\n(^٥) قال الله تعالى ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.\n(^٦) وفى رواية: تكفوننا المؤنة أي بالسقى والتربية وتشركوننا في التمر فأجابوهم ﵃ وأرضاهم.\n(^٧) فيطلق عليهم الأنصار ويدخلون في الوصية لهم بإحسان.","vol":"3","page":387},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: كَتَبَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ﵁ تَعْزِيَةً لِأَنَسٍ فَقَالَ: إِنِّي أُبَشِّرُكَ بِبُشْرَى مِنَ اللَّهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلِذَرَارِيِّ الْأَنْصَارِ وَلِذَرَارِيِّ ذَرَارِيِّهِمْ».\nوَلِمُسْلِمٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «اسْتَغْفَرَ لِلْأَنْصَارِ وَلِذَرَارِيِّ الْأَنْصَارِ وَلِمَوَالِي الْأَنْصَارِ».\nوَلِلتِّرْمِذِيُّ ﵁: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ وَلِنِسَاءِ الْأَنْصَارِ (^١).\n\n• عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ (^٢) ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ ثُمَّ بَنُو الْحَرِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ وَفِي كلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ»، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ﵁: مَا أَرَى النَّبِيَّ ﷺ إِلا قَدْ فَضَّلَ عَلَيْنَا، فَقِيلَ: قَدْ فَضَّلَكُمْ عَلَى كَثِيرٍ (^٣). وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ خَيَّرْتَ دُورَ الْأَنْصَارِ فَجَعَلْتَنَا آخِرًا، فَقالَ: أَوَلَيْسَ بِحَسْبِكمْ أَنْ تَكُونُوا مِنَ الْخِيَارِ.\nرَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مَرَّ أَبُو بَكْرٍ وَالْعبَّاسُ ﵄ بِمَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْأَنْصَارِ وَهُمْ يَبْكُونَ فَسَأَلَهُمْ (^٤) فَقَالُوا: ذَكَرْنَا مَجْلِسَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَّا فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَخَرجَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ عَصَبَ عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدِهِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَلَمْ يَصْعَدْهُ بَعْدَ ذلِكَ الْيَوْمِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أُوصِيكُمْ بِالْأَنْصَارِ فَإِنَّهُمْ كَرِشِي وَعَيْبَتِي (^٥) وَقَدْ قَضَوُا الَّذِي عَلَيْهِمْ وَبَقِيَ الَّذي لَهُمْ فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ\n_________\n(^١) فالأنصار وأولادهم وأتباعهم مغفور لهم.\n(^٢) بنو النجار بطن من الخزرج، وبنو عبد الأشهل بطن من الخزرج الأصفر وبنو ساعدة بن كعب بن الخزرج الأكبر أخو الأوس.\n(^٣) لأنه من بني ساعدة التي هي في المرتبة الرابعة.\n(^٤) فسألهم أي أبو بكر أو العباس فقالوا: ذكرنا مجاس النبي - ﷺ - بيننا ونخاف عليه من الموت لأنه كان مريضًا حينذاك، فدخل فأخبر النبي - ﷺ - ببكاء الأنصار فخرج عاصبًا رأسه وخطبهم بما ذكر.\n(^٥) الكرش: المعدة، والعيبة ما يوضع فيه الشيء النفيس والمراد أنهم موضع سره وأمانته.","vol":"3","page":388},{"text":"وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئَهِمْ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُتَعَطِّفًا بِهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ (^١) حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَنْثَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَتَقِلُّ الْأَنْصَارُ حَتَّى يَكُونُوا كالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ أَمْرًا يَضُرُّ فِيهِ أَحَدًا أَوْ يَنْفَعُهُ فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ الْأَنْصَارَ إِلَى أَنْ يُقْطِعَ لَهُمُ الْبَحْرَيْنِ فَقَالُوا: لَا إِلا أَنْ تُقْطِعَ لِأَخْوَانِنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَهَا، قَالَ: «إِمَّا لَا فَاصْبرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي فَإِنَّهُ سَيُصِيبُكمْ بَعْدِي أَثَرَةٌ (^٢)». رَوَى الْبُخَارِيُّ هذِهِ الثَّلَاثَةَ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ (^٣): يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلَانًا قَالَ: سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَتِ الْأَنْصَارُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ تَقُولُ:\nنَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا … عَلَى الْجِهَادِ مَا حَيِينَا أَبَدَا\nفَأَجَابَهُمْ:\nاللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلا عَيْشُ الْآخِرَهْ … فَأَكْرِمِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ\nرَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\nوَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﵁: «أَقْرِئُ قَوْمَكَ السَّلَامَ فَإِنَّهُمْ مَا عَلِمْتُ أَعِفَّةٌ صُبُرٌ (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n_________\n(^١) أي لونها أسود.\n(^٢) فامتنعوا إلا إذا أعطى المهاجرين، ولم يكن عنده - ﷺ - ما يكفي الأنصار والمهاجرين فأمرهم بالصبر إذا استأثر غيرهم عليهم.\n(^٣) السائل هو أسيد بن حضير الأنصاري، وفلان هو عمرو بن العاص القرشي.\n(^٤) أي أقرئ الأنصار السلام فإني ما علمتهم إلا أعفة جمع عفيف، صبر جمع صار فهم أهل صبر وعفة ﵃ وحشرنا في زمرتهم آمين.","vol":"3","page":389},{"text":"<span data-type='title' id=toc-772>مناقب سعد بن معاذ سيد الأوس ﵁ </span>(^١)\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: أُهْديتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُلَّةُ حَريرٍ فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَلْمُسُونَهَا وَيَعْجَبُونَ مِنْ لِينِهَا فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هذِهِ المَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَلْيَنُ (^٢).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمنِ (^٣) لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَنَازَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ: اهْتَزَ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمنِ. رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\nوَقَالَ أَنَسٌ ﵁: لَمَّا حُمِلَتْ جَنَازَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ قَالَ الْمُنَافِقُونَ: مَا أَخَفَّ هذِهِ، وَذلِكَ لِحُكْمِهِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَبَلَغَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تَحْمِلُهُ (^٤). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحْيحٍ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ نَاسًا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ فَلَمَّا بَلغَ قَرِيبًا مِنَ الْمَسْجِدِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قُومُوا إِلَى خَيْرِكُمْ أَوْ سَيِّدِكُمْ» فَقَالَ: يَا سَعْدُ إِنَّ هؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ، قَالَ: «فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وَتُسْبَى ذَرَايُّهُمْ»، قَالَ: حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ أَوْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ (^٥). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\nمناقب سعد بن معاذ سعد الأوس ﵁\n(^١) هو سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن عبد الأشهل الأنصاري كبير الأوس كما أن سعد بن عبادة كبير الخزرج وهما اللذان أرادها الشاعر بقوله:\nفإن يسلم السعدان يصبح محمد … بمكة لا يخشى خلاف المخالف\n(^٢) هذه الحلة كانت هدية من ملك دومة الجندل (حصن بين المدينة والشام) وهو ابن عبد الملك الكندي وهدية الملوك ملكة الهدايا، فذكر سعد بخصوصه دليل على علو مقامه ﵁.\n(^٣) أي انتعش العرش وحاملوه فرحًا بقدوم روحه ﵁ ففيه دليل على رفع مكانته لأن العرب تنسب الشيء العظيم لأعظم الأشياء، فتقول أظلمت الأرض لموت فلان واهتزت له الجبال ﵁ وأرضاه.\n(^٤) فيه أن الملائكة تحمل جنازة بعض الصالحين وهذا لا يدل على ذم ثقلها فربما كان من كثرة الملائكة المشيعين لها.\n(^٥) فبنو قريظة كان بينهم وبين النبي - ﷺ - عهد فنقضوه والنبي - ﷺ - =","vol":"3","page":390},{"text":"<span data-type='title' id=toc-773>فضل أسير بن حصير وعباد بن بشر ﵄ </span>(^١)\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَعَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ تَحَدَّثَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةٌ فِي لَيْلَةٍ شَدِيدَةِ الظُّلْمَةَ ثُمَّ خَرَجَا وَبِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُصَيَّةٌ فَأَضَاءَتْ عَصَا أَحَدِهِمَا حَتَّى مَشَيَا فِي ضَوْئِهَا حَتَّى إِذَا افْتَرَقَتْ بِهِمَا الطَّرِيقُ أَضَاءَتْ عَصَا الْآخَر فَمَشَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ضَوْءِ عَصَاهُ حَتَّى بَلَغَ أَهْلَهُ (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\n= في غزو الخندق فأمرهم بالذهاب لهم فذهبوا فحاصروهم خمسًا وعشرين ليلة وهم خائفون في حصونهم وأخيرًا رضوا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ وكان مريضًا في المسجد من سهم أصابه في الأكحل وهم في غزو الخندق فأرسل له النبي - ﷺ - فجاء راكبًا على حمار وكان النبي - ﷺ - جالسًا في مسجد أعده للصلاة في هذه الغزوة فلما قرب منهم قال - ﷺ - للحاضرين من الأنصار قوموا لسيدكم، فقاموا له ونزل فجلس فذكر له النبي - ﷺ - نقضهم العهد وأنهم رضوا أن ينزلوا على حكمك، فقال سعد بعد أن فكر في الحكم: إني أحكم عليهم بقتل المقاتلين وسبي الذراريّ وهم النساء والصبيان، فقال - ﷺ - لقد حكمت فيهم بحكم الله تعالى وهو القتل لمن نقض العهد جزاء وفاقًا، فرضاء اليهود به ونزولهم على حكمه وكون حكمه صادف حكم الله تعالى تدل على منزلة عالية ومكانة سامية لسعد ﵁ وأرضاه وحشرنا في زمرته آمين.\n\nفضل أسيد بن حضير وعباد بن بشر ﵄\n(^١) أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس جد سعد بن معاذ السابق توفي سنة ٢٠ وصلى عليه عمر ﵄، وعباد بن بشر الأنصاري الخزرجي أسلم قبل الهجرة وشهد بدرًا وأبلى في يوم اليمامة بلاء حسنًا واستشهد بها ﵁ وأرضاه.\n(^٢) فأسيد وعباد كانا عند النبي - ﷺ - في ليلة مظلمة فلما خرجا أضاءت لهما عصا كانت بيد أحدهما كالمصباح فسارا في نورها فلما افترقا أضاءت عصا الآخر له حتى دخلا منازلها ﵄ وأرضاهما، وصلى قتادة بن النعمان مع النبي - ﷺ - العشاء في ليلة مظلمة مطيرة فأعطاه النبي - ﷺ - عرجونًا وقال انطلق به فإنه سيضيء لك من بين يديك عشرا ومن خلفك عشرا فإذا دخلت بيتك فسترى سوادا فاضربه حتى يخرج فإنه الشيطان فانطلق فأضاء له العرجون حتى دخل بيته ووجد السواد فضربه حتى خرج. فهذه وأمثالها معجزات النبي - ﷺ - وكرامات لأصحابه ﵃ وأرضاهم.","vol":"3","page":391},{"text":"<span data-type='title' id=toc-774>فضل سعد بن عبادة رئيس الخزرج ﵁</span>\n• عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ ثمَّ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ ثُمَّ بَنُو الْحرِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ثُمَّ بَنُو ساعِدَةَ وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ»، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَكَانَ ذَا قَدَمٍ فِي الْإِسْلَامِ: أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ فَضَّلَ عَلَيْنَا، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ فَضَلَكمْ عَلَى نَاسٍ كَثِيرٍ (^١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرَطِ مِنَ الْأَمِيرِ (^٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ. نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الْحَالِ فِي الْحَالِ وَالْمآلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-775>فضل معاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ﵃</span>\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَأُبَيَ، وَمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ (^٣)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ مُعَاذُ بْنُ حَبَلٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو زَيْدٍ. قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: مَنْ أَبُو زَيْدٍ؟ قَالَ: أَحَدُ عُمُومَتِي (^٤). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\nفضل سعد بن عبادة ﵁\n(^١) تقدم هذا الحديث وشرحه قريبًا، وكان سعد هذا يرسل كل ليلة إلى بيوت النبي - ﷺ - بطعام وغالبه كان ثريدًا في قصعة كبيرة ﵁ وأرضاه.\n(^٢) فكان قيس بن سعد للنبي - ﷺ - كصاحب الشرط للأمير أي يلازمه للخدمة ﵁ وعن أبيه وأرضاها آمين.\n\nفضل معاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ﵃\n(^٣) تقدم هذا الحديث في فضل عبد الله بن مسعود ﵁.\n(^٤) أي أحد أعمامي وهو سعد بن سعيد الأوسي ﵁، وهذا بحسب ما فهمه أنس وإلا فغيرهم كثير ممن جمعوا القرآن أي حفظوه في زمن النبي - ﷺ - كالخلفاء الأربعة وابن مسعود ومولى أبي حذيفة ﵃ وأرضاهم.","vol":"3","page":392},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرِ وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ وَأَصْدَقَهُمْ حَيَاءً عُثْمَانَ وَأَقْرَأُقُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ (^١) وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذ بْنُ جَبَلٍ».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو بَكْرٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ عُمَرُ، نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو عُبَيْدَةَ، نِعْمَ الرَّجُلُ أُسَيْدُ ابْنُ حُضَيْرٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٢). نَسْأَلُ اللَّهُ حُسْنَ الرِّوَايَةِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-776>فضل أبي طلحة ﵁ </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ مُجَوِّبٌ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ لَهُ (^٤) وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ الْقِدِّ (^٥) يَكْسِرُ يَوْمَئِذٍ قَوْسيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ الْجَعْبَةُ مِنَ النَّبْلِ (^٦) فَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «انْشُرْهَا لِأَبِي طَلْحَةَ»، فَأَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ:\n_________\n(^١) وأفرضهم زيد بن ثابت أي أعلمهم بعلم الميراث أي أنه اشتهر بهذا وغلب عليه أكثر من بقية الصفات وكذا يقال في غيره، وإلا فكل صحابي موصوف بهذه الصفات ﵃ وأرضاهم وفي رواية: وأقضاهم عليّ بن أبي طالب (أي أعلمهم بالقضاء والفتوى).\n(^٢) والأول بسند صحيح والثاني بسند حسن.\n\nفضل أبي طلحة ﵁\n(^٣) هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي، توفي سنة إحدى وخمسين وكان صومه قليلا في زمن النبي - ﷺ - لكثرة جهاده فلما توفي النبي - ﷺ - صام الدهر كله إلا يومي العيد ﵁ وأرضاه.\n(^٤) أي محوط على النبي - ﷺ - بترس له من الجلد ويسمى الدرقة.\n(^٥) أي شديد وتر القوس في النزع والمد حتى إنه يكسر قوسين أو أكثر من شدته.\n(^٦) الجعبة كيس النبل.","vol":"3","page":393},{"text":"يا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي لَا تُشْرِفْ يُصِبْكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ (^١) وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ أَبِي طَلْحَةَ إِمَّا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (^٢). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَسَبَقَتْ إِجَابَتُهُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فِي بَابِ الْوَقْفِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ وَالزُّرُوعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-777>فضل جابر بن عبد اللَّه الأنصاري ﵄</span>\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِرَاكِبِ بَغْلٍ وَلَا بِرْذَوْنٍ (^٣).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: اسْتَغْفَرَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْبَعِيرِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً (^٤).\nوَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْرُّ جَابِرًا وَيَرْحَمُهُ لِأَنَّ وَالِدَهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ بَنَاتٍ فَكَانَ جَابِرٌ يَعُولَهُنَّ وَيَقُومُ بِأَمْرِهِنَّ (^٥). رَوَى التِّرْمِذِيُّ هذِهِ الثَّلَاثَةَ بِأَسَانِيدَ صَحيحَةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-778>فضل عبد اللَّه بن عمرو والد جابر ﵄ </span>(^٦)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: أُصِيبَ أَبِي يَوْمَ أُحُدٍ وَجِيءَ بِهِ مُجَدَّعًا (^٧) بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ\n_________\n(^١) أي أقف أنا فيكون صدري حافظًا لصدرك.\n(^٢) من النعاس أمنة لهم، قال تعالى ﴿إذ يغشيكم النعاس أمنة منه﴾ وفي رواية: ولقد رأيت عائشة وأم سليم مشمرتين تحملان القرب على ظهورهما ثم تفرغانها في أفواه القوم ثم تعودان إلى مثلها، وهذا كان قبل الحجاب رضي الله عن الجميع وأرضاهم.\n\nفضل جابر بن عبد الله ﵄\n(^٣) البغل معلوم، والبرذون الدابة، فالنبي - ﷺ - ذهب لزيارة جابر ماشيًا على قدميه ﷺ.\n(^٤) فكان جابر مع النبي - ﷺ - في سفر فاشترى بعيرا من جابر واشترط جابر أن يركبه إلى المدينة فحصل الاستغفار في تلك الليلة.\n(^٥) فزيارة النبي - ﷺ - لجابر واستغفاره له زاداه شرفًا ورفعة زيادة على شرف الصحبة ﵁ وأرضاه آمين.\n\nفضل عبد الله بن عمرو والد جابر ﵄\n(^٦) هو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري استشهد يوم أحد إلى رحمة الله ورضوانه.\n(^٧) وجيء به للنبي ﷺ مجدعا أي مقطع الأنف والأذنين من تمثيل الكفرة به، فتظليل الملائكة عليه دليل على علو مقامه ورفيع شأنه ﵁ وحشرنا في زمرته آمين.","vol":"3","page":394},{"text":"فَجَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ وَأَبْكِي وَهُمْ يَنْهَوْنَنِي وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَنْهَانِي وَجَاءَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرٍ وَعَمَّةُ جَابِرٍ تَبْكِيهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَبْكِيهِ أَوْ لَا تَبْكِيهِ مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-779>فضل سماك بن خرشة ﵁ </span>(^١)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ سَيْفًا يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: «مَنْ يَأْخُذُ مِنِّي هذَا» فَبَسَطُوا أَيْدِيَهُمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ يَقُولُ أَنَا أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ (^٢)»، فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ، فالَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ أَبُو دُجَانَةَ: أَنَا آخُذُهُ بِحَقِّهِ، قَالَ: «فَأَخَذَهُ فَفَلَقَ بِهِ هَامَ الْمُشْرِكِينَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-780>فضل جليبيب ﵁</span>\n• عَنْ أَبِي بَرْزَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي مَغْزًى لَهُ (^٣) فَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدِ؟» قَالُوا: نَعَمْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟» قَالُوا: نَعَمْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟» قَالُوا: لَا، قَالَ: لكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا فاطْلُبُوهُ فَطَلِبَ فِي الْقَتْلَى فَوَجَدُوهُ إِلى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ ثُمَّ قَتَلُوهُ فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: «قَتَلَ سَبْعَةً ثُمَّ قَتَلُوهُ هذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ هذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ»، قَالَ: فَوَضَعَهُ عَلَى سَاعِدَيْهِ لَيْسَ لَهُ سَرِيرٌ إِلا سَاعِدَيِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى حُفِرَ لَهُ وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ غُسْلًا (^٤). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. نَسْأَلُ اللَّهَ كَمَالَ الطَّهَارَةِ.\n_________\nفضل سماك بن خرشة ﵁\n(^١) هو سماك بن خرشة بن لوذان ﵁.\n(^٢) فمن يأخذه بحقه أي وهو الجهاد به فأخذه سماك فصار يفلق به هام المشركين، جمع هامة وهي الرأس، ﵁ وأرضاه.\n\nفضل جليبيب ﵁\n(^٣) كان في مغزى له أي في غزو في سفر فانتهت الوقعة وجمعت الغنيمة.\n(^٤) أي لم يغسلوه. ولم =","vol":"3","page":395},{"text":"<span data-type='title' id=toc-781>فضل أنس بن مالك ﵁ </span>(^١)\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا وَمَا هُوَ إِلا أَنَا وَأُمِّي وَأُمُّ حَرَامٍ (^٢) خَالَتِي فَقَالَتْ أُمِّي: يَا رَسُولَ اللَّهِ خُوَيْدِمُكَ أَنَسٌ ادْعُ اللَّهَ لَهُ، قَالَ: فَدَعَا لِي بِكلِّ خَيْرٍ وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا بِهِ أَنْ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: جَاءَتْ بِي أُمِّي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَزَّرَتْنِي بِنِصْفِ خِمَارِهَا وَرَدَّتْنِي بِنِصْفِهِ (^٣)، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هذَا أَنَيْسٌ (^٤) ابْنِي أَتَيْتُ بِهِ يَخْدُمُكَ فَادْعُ اللَّهَ لَهُ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ». قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللَّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ صَوْتَهُ فَقَالَتْ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ هذَا أُنَيْسٌ (^٥) فَدَعَا لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ دَعَوَاتٍ قَدْ رَأَيْتُ مِنْهَا اثْنَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَرْجُو الثَّالِثَةَ فِي الْآخِرَةِ. رَوَاهُمَا مِسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَسلَّمَ\n_________\n= يصلوا عليه لأنه شهيد، فقول النبي - ﷺ - فيه: هذا مني وأنا منه مرتين، وحمله على ساعديه حتى دفنوه دليل على رفيع مكانته ﵁ وحشرنا في زمرته آمين.\n\nفضل أنس بن مالك خادم النبي - ﷺ -\n(^١) هو أنس بن مالك الأنصاري كان يجني بقلة اسمها حمزة فرآه النبي - ﷺ - يجنيها فكناه بأبي حمزة ﵁.\n(^٢) أم أنس وأختها أم حرام بنتا ملحان من بني النجار أخوال النبي - ﷺ -، وقولها خويدمك أنس تصغير خادمك.\n(^٣) أي لفت جسمي كله بخمارها فصار عليّ كالإزار والرداء.\n(^٤) هذا أنيس تصغير أنس، وقوله: ليتعادون على نحو المائة أي يبلغ عددهم نحو مائة.\n(^٥) أنيس، أي هذا أنيس فادع له، فدعا له بثلاث دعوات: الأولى كثرة المال. فاستجاب الله له حتى ضاقت أودية المدينة عن مواشيه فسار بها إلى جهات أخرى وكان له بستان بالبصرة يثمر في العام مرتين وكان فيه من الريحان ما هو أفضل من المسك، والثانية كثرة الولد فما مات حتى رأى من نسله فوق المائة بل ورد أنه دفن من أولاده أكثر من مائة وعمر طويلا ﵁، والدعوة الثالثة مدخرة في الآخرة.","vol":"3","page":396},{"text":"عَلَيْنَا فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ فَأَبْطَأْتُ عَلَى أُمِّي فَلَمَّا جِئْتُ قَالَتْ: مَا حَبَسَكَ؟ قُلْتُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَاجَةٍ قالَتْ: مَا حَاجَتُهُ؟ قُلْتُ: إِنَّهَا سِرٌّ، قَالَتْ: لَا تُحَدِّثنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدًا. قَالَ أَنَسٌ: وَاللَّهِ لَوْ حَدَّثْتُ بِهِ أَحَدًا لَحَدَّثْتُكَ يَا ثَابِتُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: أَسَرَّ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِرًّا فَمَا أَخبَرْتُ بِهِ أَحَدًا بَعْدُ. رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: رُبَّمَا قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليع وسلم «يَا ذَا الْأُذنَيْنِ (^١)».\n\n• عَنْ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي أَنَسٌ: يَا ثَابِتُ خُذْ عَنِّي فَإِنَّكَ لَنْ تَأْخُذَ عَنْ أَحَدٍ أَوْثَقَ مِنِّي إِنِّي أَخَذْتَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ جِبْرِيلَ وَأَخَذَهُ جِبْرِيلُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى (^٢). رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-782>فضل حذيفة بن اليمان ﵁ </span>(^٤)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ هَزِيمَةً بَيِّنَةً فَصَاحَ إِبْلِيسُ أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ فَرَجَعَتْ أَوْلَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ (^٥) فَاجْتَلَدتْ مَعَ أُخْرَاهُمْ فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ (^٦) فَقَالَ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أَبِي أَبِي فَوَاللَّهِ مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهَا بَقِيَّةُ خَيْرٍ\n_________\n(^١) هذا مزاح حق فإن كل إنسان له أذنان، وقد كان النبي ﷺ يمزح مع بعض الناس ولا يقول إلا حقًّا، ففيه جواز المزاح الحق.\n(^٢) خذ عني أي العلم فإنك لا تجد أوثق وأحفظ مني لأني تلقيت عن النبي ﷺ وهو عن جبريل وجبريل ﵇ عن الله ﷿.\n(^٣) الأول صحيح والثاني حسن.\n\nفضل حذيفة بن اليمان ﵁\n(^٤) هو من بني عبس ولكنه معدود من بني عبد الأشهل فإن النبي - ﷺ - قال له: إن شئت كنت من الأنصار، وإن شئت كنت من المهاجرين، قال أكون من الأنصار، قال: فأنت منهم. فهو أنصارى وصاحب سر رسول الله - ﷺ - في وصف النفاق ومعرفة المنافقين ﵁ وأرضاه آمين.\n(^٥) أي قاتلنا قتالا شديدا واستشهد من المسلمين نحو الستين ﵃.\n(^٦) أي يضرب خطأ.","vol":"3","page":397},{"text":"حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ ﷿ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لوِ اسْتَخْلَفْتَ (^٢) قَالَ: إِنْ أَسْتَخْلِفْ عَلَيْكُمْ فَعَصَيْتُمُوهُ عُذِّبْتُمْ وَلكِنْ مَا حَدَّثَكُمْ حُذَيْفَةُ فَصَدِّقُوهُ وَمَا أَقْرَأَكُمْ عَبْدُ اللَّهِ فَاقْرَأُوهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-783>فضل البراء بن مالك ﵁</span>\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-784>فضل حسان بن ثابت ﵁ </span>(^٤)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ عُمَرَ مَرَّ بِحَسَّانٍ وَهُوَ يَنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَحَظَ إِلَيْهِ (^٥)\n_________\n(^١) فلما رجعت أولى المشركين إلى أخراهم احتدم القتال واشتبك الجيشان وجها لوجه وعظم الهول حتى خفي على المسلمين بعضهم فوقعوا في اليمان أبي حذيفة فأبصرهم فصار يناديهم ارجعوا عن أبي فما انتبهوا حتى قتلوه فترحم عليهم حذيفة وما زال غنده بعض حزن حتى توفاه الله تعالى.\n(^٢) لو استخلفت أي صرحت باسم الخليفة بعدك، قال لو حصل وخالفتموه لنزل بكم العذاب لأنه بتخليف النبي له يكون في حكمه، ولكن خذوا الحديث عن حذيفة والقرآن عن عبد الله ﵄ وحشرنا في زمرتهما آمين.\n\nفضل البراء بن مالك ﵁\n(^٣) أي رب شخص أشعث أي منتشر شعره. أغبر أي عليه غبار. ذي طمرين أي ثوبين خلقين. لا يؤبه له أي لا يبالي به أحد ولكنه لو طلب من ربه شيئًا لأجابه لكمال إيمانه وحسن يقينه وتوكله على الله تعالى، ومن هؤلاء البراء بن مالك ﵁. فليست العبرة بحسن الظاهر بل بحسن السرائر كالحديث السابق في كتاب النية والإخلاص: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. نسأل الله لكمال الإيمان واليقين آمين.\n\nفضل حسان بن ثابت ﵁\n(^٤) هو ابن ثابت بن المنذر بن عمير بن النجار الأنصاري، وكنيته أبو الوليد أو أبو عبد الرحمن وفضل الشعراء لأنه كان شاعر الأنصار جاهلية وإسلامًا وشاعر النبي - ﷺ - في النبوة وشاعر العرب كلها في الإسلام ﵁ وأرضاه.\n(^٥) فلحظ إليه عمر كأنه ينكر عليه، وقوله: اللهم أيده بروح القدس هو جبريل ﵇، لقوله الآتي: وجبريل معك.","vol":"3","page":398},{"text":"فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَنْشِدُ وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَجِبْ عَنِّي اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ.\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ: «اهِجُهُمْ أَوْ هَاجِهِمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ (^١)».\n\n• عَنْ مَسْرُوقٍ ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَنْشِدُهَا شِعْرًا يُشَبِّبُ بِأَبْيَاتٍ لَهُ (^٢) فَقَالَ:\nحَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ … وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ (^٣)\nفَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لكِنَّكَ لَسْتَ كَذلِكَ، قَالَ مَسْرُوقٌ فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَأْذَنِينَ لَهُ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فَقَالَتْ: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ أَوْ يُهَاجِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٤).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ حَسَّانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي أَبِي سُفْيَانَ (^٥) قَالَ: كَيْفَ بِقَرَابَتِي مِنْهُ، قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَأَسُلَنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْخَمِيرِ فَقَالَ حَسَّانُ:\nوَإِنَّ سَنَامَ الْمَجْدِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ … بَنُو بِنْتِ مَخْزُومٍ وَوَالِدُكَ الْعَبْدُ (^٦)\n_________\n(^١) أي ذم المشركين وجبريل يؤيدك.\n(^٢) أي يمدحها بأبيات منها البيت الآتي.\n(^٣) حصان أي محصنة عفيفة. رزان أي ثابتة كاملة العقل ما تزن بريبة أي لا تتهم بشيء. وتصبح غرثي أي تصبح وتمسي جائعة من لحوم الناس فلا تغتاب أحدًا ولا تذمه ﵂. فلما قال ذلك قالت له لكنك لست كذلك فإنه كان ممن تكلموا فيها، وكان في آخر حياته قد كف بصره فلذا أجابت مسروقًا بالآتي.\n(^٤) أي يدافع ويناضل عنه وكفاه هذا غفرانًا ورفعة.\n(^٥) في أبي سفيان أي في ذمه. والخمير العجين.\n(^٦) بنت مخزوم هي فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، كانت زوجة لعبد المطلب فولدت له ثلاثة: عبد الله أبا النبي - ﷺ - وأبا طالب والزبير ومعنى البيت أن المجد العالي من آل هاشم في أولاد فاطمة بنت مخزوم ولا سيما عبد الله أبو النبي - ﷺ -.","vol":"3","page":399},{"text":"قَصِيدَتَهُ هذِهِ. رَوَى مُسْلِمٌ هذِهِ الْأَرْبَعَةَ.\nوَعَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اهْجُوَا قُرَيْشًا فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْلِ فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ فَقَالَ اهْجُهُمْ فَهَجَاهُمْ فَلَمْ يُرْضِ (^١)». فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ ملِكٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ حَسَّانُ: قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هذَا الْأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ (^٢) فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فَرْيَ الْأَدِيمِ (^٣) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَجْعَلْ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي»، فَأَتَاهُ حَسَّانُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لِأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَخْتَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ». قَالَ حَسَّانُ ﵁.\nهَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ … وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ\nهَجَوْتَ مُحَمَّدًا بَرًّا حَنِيفًا … رَسُولَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ\nفَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِ رضي … لِعَرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ\nثَكِلْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا … تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَيْ كَدَاءِ (^٤)\nيُبَارِينَ الْأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ … عَلَى أَكْتافِهَا الْأَسَلُ الظِّمَاءُ (^٥)\nتَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ … تُلطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ (^٦)\n_________\n(^١) أي لم يكن في نظرهم.\n(^٢) بيان لما قبلها.\n(^٣) أي لأقطعنهم تقطيع الجلد بأبيات شعرية تبقى خالدة.\n(^٤) كداء - كسماء: الثنية التي بأعلى مكة، وكدا كهدى: التي بأسفلها.\nوالنقع: الغبار. والمعنى فقدت أولادى إن لم تروها تغار عليكم من كل جانب.\n(^٥) الأعنة جمع عنان الفرس، والأسل: الرماح، ومعناه تبارى أولادى الخيل في الكر والفر وعلى أكتافها الرماح الظماء إلى دمائكم.\n(^٦) تبقى الخيل متصببات بالعرق حتى تمسحهن النساء بالخمر.","vol":"3","page":400},{"text":"فَإِنْ أَعْرَضْتُمُو عَنَّا اعتَمَرْنَا … وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ (^١)\nوَإِلا فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ يَوْمٍ … يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ\nوَقَالَ اللَّهُ قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا … يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ\nوَقَالَ اللَّهُ قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا … هُمُ الْأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ (^٢)\nيُلَاقِي كُلَّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدَ … سِبَابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ (^٣)\nفَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ … وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ\nوَجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا … وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ (^٤)\nقَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «هَجَاهُمْ حَسَّانُ فَشَفَى وَاشْتَفَى (^٥)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-785>إخاء النبي ﷺ بين الأنصار والمهاجرين </span>(^٦)\n• عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ\n_________\n(^١) فإن تركتمونا دخلنا الحرم واعتمرنا وحصل الوفاق وزال الجفاء، ويظهر أن هذا كان في الحديبية حينما منعوهم من دخول البيت للعمرة.\n(^٢) أي شأنها وقصدها الحرب.\n(^٣) يلاقي أي العبد الذي أرسله الله وهو محمد - ﷺ - أي يلاقيه السباب.\n(^٤) أي لا يقاومه أحد.\n(^٥) فشفى أي المؤمنين، واشتفى أي هو منهم بما قاله في تمزيق أعراض الكفار، ومعلوم أن اللسان يعمل في الناس ما لا تعمله الصوارم والسهام لأنه ذم يبقى خالدًا أبدا، فحسان ﵁ قد قام بما عليه من الجهاد لله ورسوله والمؤمنين بل شفاهم وأرضاهم من هؤلاء الكفرة ﵁ وأرضاه وحشرنا في زمرته آمين.\n\nإخاء النبي - ﷺ - بين الأنصار والمهاجرين ﵃\n(^٦) فالنبي - ﷺ - آخي بين مائة وخمسين من المهاجرين ومائة وخمسين من الأنصار قبل بدر بخمسة أشهر في المدينة فكان يقول: يا فلان أنت أخو فلان، والمراد بهذه المؤاخاة التعاقد والتعاهد على نصر الحق ونصر الله ورسوله والتعاون على أمور الدنيا والآخرة.","vol":"3","page":401},{"text":"بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمنِ: إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا فَأَقْسِمُ مَالِي نِصْفَيْنِ بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَلِيَ امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبُهُمَا إِلَيْكَ فَسَمِّهَا لِي أُطَلِّقْهَا فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجْهَا، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، أَيْنَ سُوقُكُمْ فَدَلُّوهُ عَلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ (^١) فَمَا انْقَلَبَ إِلا وَمَعَهُ فَضْلٌ مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ إِلَى السُّوقِ ثُمَّ جَاءَ يَوْمًا وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ (^٢)، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَهْيَمْ (^٣)»، قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: «كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا؟» قَالَ: وَزْنُ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ». رَوَاهُ الثَلاثةُ.\n\n• عَنْ أَبي حُجَيْفَةَ ﷺ قَالَ: آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَسَلْمَانَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nعَنْءَنَسٍ ﵁ قَالَ: آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَبَيْنَ أَبِي طَلْحَةَ (^٤).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: حَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ والْأَنْصَارِ فِي دَارِهِ الَّتِي بِالْمَدِينَةِ (^٥).\n\n• عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ (^٦) وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلا شِدَّةً». رَوَى مُسْلِمٌ هذِهِ الثَّلَاثَةَ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n(^١) بنو قينقاع بطن من اليهود أضيف إليهم السوق، وقينقاع ممنوع من الصرف إذا أريد به القبيلة،\nومصروف إذا أريد به الحي. وقوله: فما انقلب أي ما رجع من السوق إلا ومعه أقط وسمن.\n(^٢) الصفرة طيب يستعمله العروسان.\n(^٣) مهيم لفظة يمانية أي ما هذا.\n(^٤) وكان عليّ ﵁ غائبًا وقت هذه المؤاخاة فلما حضر بكى وقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد. قال: أنت أخي في الدنيا والآخرة، فما أربحه وما أرفعه بهذه المؤاخاة. ﵁ وأرضاه.\n(^٥) المحالفة هي المؤاخاة.\n(^٦) لا حلف في الإسلام. أي على نصر الحليف مطلقًا ولو ظالمًا كما كان في الجاهلية، فهذه منهي عنها، وأما المحالفة على الحق ونصر المظلوم فمطلوبة كما تقدم وهي المرادة من بقية الحديث هنا.","vol":"3","page":402},{"text":"<span data-type='title' id=toc-786>الفصل السابع في رهط من الأصحاب ليسوا من قريش ولا من الأنصار منهم أبو ذر الغفاري ﵁ </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرَ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لِأَخِيهِ (^٢): ارْكَبْ إِلَى هذا الْوَادِي فَاعْلَمْ لِي عِلمَ هذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ، وَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ ائْتِنِي، فَانْطَلَقَ الْأَخُ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرَ فَقَالَ لَهُ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ (^٣) فَقَالَ أَبُو ذَرَ: مَا شَفَيْتَنِي مِمَّا أَرَدْتُ، فَتَزَوَّدَ وَحَمَلَ شَنَّةً فِيهَا مَاءٌ (^٤) حتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فَأُتَي الْمَسْجِدَ فَالْتَمَسَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَا يَعْرِفُهُ وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ (^٥) حَتَّى أَتَى اللَّيْلُ فَاضْطَجَعَ فَرَآهُ عَلِيٌّ ﷺ فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ (^٦) فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ اْحتَمَلَ قِرْبَتَهُ وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَظَلَّ ذلِكَ الْيَوْمَ وَلَا يَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَمْسى فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِهِ فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ فَقَالَ أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْرِفَ مَنْزِلَهُ (^٧) فَأَقَامَهُ فَذَهَبَ مَعَهُ لَا يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ فَعَادَ عَلِيٌّ عَلَى مِثْلِ ذلِكَ (^٨) فَأَقَامَهُ مَعَهُ ثُمَّ قَالَ: أَلَا تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ؟ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا لَتُرْشِدَنّني فَعَلْتُ، فَفَعَلَ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا جَاءَ لَهُ، قَالَ عَلِيٌّ: فَابنَّهُ حَقٌّ وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا أَصْبَحْتَ\n_________\nالفصل السابع في رهط من الأصحاب ليسوا من قريش ولا من الأنصار منهم أبو ذر الغفاري ﵁\n(^١) أبو ذر اسمه جندب بن جنادة الغفاري ﵁ وأرضاه.\n(^٢) أخو أبي ذر هذا اسمه أنيس كما يأتي.\n(^٣) أي ويقول كلام ليس بشعر وهو القرآن.\n(^٤) الشنة: القربة.\n(^٥) خوفا من كفار قريش.\n(^٦) أي طلبه عليّ ﵁ إلى منزله فسار معه.\n(^٧) أي أما آن للرجل أن يهتدي لمسكن له أو أما آن له أن يعود لبيتي.\n(^٨) من أخذه لبيته ليلة ثالثة.","vol":"3","page":403},{"text":"فَاتَّبِعْنِي فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ (^١) فَإِنْ مَضَيْتُ فَاتَّبِعْنِي حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي فَفَعَلَ، فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ (^٢) حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَدَخَلَ مَعَهُ فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيكَ أَمْرِي»، قَالَ أَبُو ذَرَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ (^٣) فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَشْهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَامَ الْقَوْمُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ (^٤) وَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَالَ: وَيْلَكُمْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ وَأَنَّ طَرِيقَ تِجَارِكُمْ إِلَى الشَّامِ عَلَيْهِمْ فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ (^٥) ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ لِمِثْلِهَا (^٦) فَضَرَبُوهُ وَثَارُوا إِلَيْهِ فَأَكَبَّ الْعَبَّاسُ عَلَيْهِ فَأَنْقَذَهُ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلَمٍ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ» فَعَادَ فَأَسْلَمَ أَخُوهُ أَنَيْسٌ وأُمُّهمَا وَأَتَوْا قَوْمَهُمْ فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ وَكَانَ يَؤْمُّهُمْ أَيْمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ وَكَانَ سَيِّدَهُمْ وَأَسْلَمَ بَاقِيهِمْ حِينَمَا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَجَاءَتْ أَسْلَمُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ إِخْوَتُنَا فَأَسْلَمُوا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ (^٧)».\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ (^٨) مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ\n_________\n(^١) أي وقفت بجوار الحائط كأني أتبول. وفي رواية: كأني أصلح نعلي.\n(^٢) أي يتبعه.\n(^٣) أي لأجهرن بكلمة التوحيد في مجمعهم.\n(^٤) أي ألقوه على الأرض.\n(^٥) فخلصه العباس منهم بعد أن فهمهم أن هذا خطر على تجارتهم من غفار.\n(^٦) ثم عاد في الغد لمثله أي ذهب للمسجد وجهز بكلمة التوحيد فضربوه حتى خلصه العباس منهم.\n(^٧) فلما أسلم باقي غفار بعد الهجرة جاءت قبيلة أسلم للنبي - ﷺ - وقالوا: نسلم على ما أسلمت عليه حليفتنا غفار. فأسلموا فدعا لهم النبي - ﷺ - بتلك الدعوة المباركة.\n(^٨) الخضراء السماء والغبراء الأرض أي فليس بين السماء والأرض أصدق ولا أوفى من أبي ذر، فباطنه وظاهره واحد ﵁ حتى كان غريبًا وحيدًا وجهر بكلمة التوحيد بين أعدائها.","vol":"3","page":404},{"text":"وَلَا أَوْفَى مِنْ أَبِي ذَرَ شَبَهُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇»، فَقَالَ عُمَرُ كَالْحَاسِدِ لَهُ: أَفَنَعْرِفُ ذلِكَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: نَعَمْ فَاعْرِفُوهُ لَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-787>ومنهم سلمان الفارسي وصهيب الرومي ﵄</span>\n• عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ مَرَّ عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ الرُّومِيِّ وَبِلَالٍ فِي نَفَرٍ فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللَّهِ مِنْ عُنُقِ عَدُوِّ اللَّهِ مَأْخَذَها فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَتَقُولُونَ هذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ وَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أَغْضَبْتُهُمْ إِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتُهُمْ فَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ» فَأَتَاهمْ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهُ أَغْضَبْتُكُمْ قَالُوا: مَا غَضِبْنَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَأَخِي (^١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَنَس ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْجَنَّةَ لَتَشْتَاقُ إِلَى ثَلَاثَةٍ عَلِيَ وَعَمَّارِ وَسَلْمَانَ (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n• عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسيِّ ﵁ قَالَ: أَنَا مِنْ رَامَ هُرْمُزَ (^٣).\n_________\n=الألداء الذين لم يقو أقاربهم المسلمون على الإقامة بينهم وهاجروا من ديارهم وأموالهم، فجهر أبو ذر ﵁ بالتوحيد ليصدق ظاهره وباطنه ولم يكترث بما يناله من أذى قريش واضطهادهم له، فقد مثل بهذا أحسن الصدق وأرفع الجهاد الذي قال فيه النبي - ﷺ -:» أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» ﵁ وأرضاه وحشرنا في زمرته آمين.\n\nومنهم سلمان الفارسي وصهيب الرومي ﵄\n(^١) فسلمان وصحبه قالوا هذا في أبي سفيان لما مر عليهم، وكان هذا قبل إسلامه ولكنه كان في الهدنة بعد صلح الحديبية وهم معذورون فإن مواقفه ضد المسلمين كثيرة مشهورة، ولما أنبهم أبو بكر ﵁ أشار عليه النبي - ﷺ - باستعطافهم لمكانتهم عند الله تعالى فإنهم من الضعفاء المنكسرين والله تعالى معهم. وقد ورد في صهيب حديث» نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» فهو لا يعصى ربه ولو أمنه إجلالا وخشية لله تعالى.\n(^٢) في هذا دلالة على رفيع مقامهم وعلو شأنهم ﵃ وأرضاهم وحشرنا في زمرتهم آمين.\n(^٣) رام هرمز كلمة مركبة تركيبًا مزجيًا كبعلبك وهي اسم لمدينة مشهورة بفارس.","vol":"3","page":405},{"text":"• وَعَنْهُ أَنَّهُ تَدَاوَلَةُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ رَبَ إِلَى رَبَ (^١).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: فَتْرَهُ مَا بَيْنَ عِيسى وَمُحَمَّدٍ سِتُّمِائَةٍ سَنَةٍ. رَوَى الثَّلَاثَةَ الْبُخَارِيُّ فِي مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-788>ومنهم عبد اللَّه بن سلام الإسرائيلي ﵁ </span>(^٢)\n\n• عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لِأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ وَفِيهِ نَزَلَتْ هذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ (^٣).\n\n• عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ ﵁ قَالَ: كنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَابْنُ عُمَرَ فَمَرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَقَالُوا: هذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّهُمْ قَالُوا كَذَا وكَذَا قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ\n_________\n(^١) وذلك أنه كان مجوسيًا وكان أبوه رئيسًا في قومه، فهرب من أبيه لطلب الإسلام، فلحق براهب وصحبه إلى الممات، ثم براهب آخر إلى الممات وهكذا، وتعلم التوراة والإنجيل من طول ملازمته للرهبان، فلما كان مع الأخير دله على ظهور النبي - ﷺ - فقصده مع بعض الأعراب فغدروا به في وادي القرى فباعوه ليهودي ثم باعه اليهودي ليهودي آخر من بني قريظة فقدم به المدينة فلما رأى النبي - ﷺ - وفيه علامة النبوة أسلم فكاتبه سيده على أربعين أوقية من ذهب وغرس ثلاثمائة نخلة، فأعانه النبي - ﷺ - وصحبه على أداء المكاتبة فأداها وصار حرًا فلزم النبي - ﷺ - وأقام معه في دار الهجرة حتى مات سنة ست وثلاثين عن مائتين وخمسين سنة إلى رحمة الله. فرجل ابتلى هذا البلاء في سبيل طلب الطريق الحق لهو جدير بأرفع منزلة وأسمى مكانة ﵁ وأرضاه وحشرنا في زمرته آمين.\n\nومنهم عبد الله بن سلام الإسرائيلي ﵁\n(^٢) كان اسمه في الجاهلية حصينا فسماه النبي - ﷺ - حينما أسلم عبد الله وهو ابن سلام بن الحارث اليهودي الأنصاري من بني قينقاع من ولد يوسف بن يعقوب ﵉ وكان إسلامه عقب قدوم النبي - ﷺ - المدينة ﵁ وأرضاه.\n(^٣) أي شهد عبد الله بن سلام بأن القرآن من عند الله تعالى وهذه شهادة من عالم بالكتاب الأول فلها أثر عظيم ولا سيما إذا اعتبرها الله وجعلها حجة وآية تتلى.","vol":"3","page":406},{"text":"بِهِ عِلْمٌ (^١) إِنَّمَا رَأَيْتُ كَأَنَّ عَمُودًا نُصِبَ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ وَفِي رَأْسِهِ عُرْوَةٌ وَفِي أَسْفَلِهِ مِنْصَفٌ (^٢) فَقِيلَ لِي ارْقَهْ فَرَقَيْتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ فَقَصَصْتُهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَمُوتُ عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ آخِذٌ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى». وَفِي رِوَايَةٍ: «تِلْكَ الرَّوْضَةُ الْإِسْلَامُ وَذلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الْإِسْلَامِ وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى وَلَنْ تَزَالَ مُتَمَسِّكًا بِهَا حَتَّى تَمُوتَ (^٣)». رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ فَقَالَ: أَلَا تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ سَوِيقًا وَتَمْرًا وَتَدْخُلَ فِي بَيْتٍ ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ بِأَرْضٍ، الرِّبَا فِيهَا فَاشٍ فَإِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَأَهْدَى لَكَ حِمْلَ تَبْنٍ أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ فَلَا تَأْخُذْهُ فَإِنَّهُ رِبًا (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَلَمَّا حَضَرَ الْمَوْتُ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قِيلَ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ أَوْصِنَا قَالَ أَجْلِسُونِي ثُمَّ قَالَ إِنَّ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ مَكَانَهُمَا مِنَ ابْتَغَاهُمَا وَجَدَهُمَا قَالَ ذلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (^٥) ثُمَّ قَالَ الْتَمِسُوا الْعِلْمَ عِنْدَ أَرْبَعَةِ رَهْطٍ: عِنْدَ عُوَيْمِرٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَعِنْدَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ الَّذِي كَانَ يَهُودِيًّا وَأَسْلَمَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّهُ عَاشِرُ عَشَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ (^٦)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا أُرِيدَ قَتْلُ عُثْمَانَ جِئْتُ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ؟ قُلْتُ: جِئْتُ فِي نَصْرِكَ، قَالَ: اخْرُجْ إِلَى النَّاسِ فَاطْرُدْهُمْ عَنِّي\n_________\n(^١) هذا منه تواضع أو لم يبلغه الحديث السابق.\n(^٢) المنصف - كمنبر - والوصيف الخادم.\n(^٣) فالروضة الخضراء محمود الإسلام والعمود فيها أركانه والرقي عليه والتمسك بالعروة كمال الإيمان والدوام عليه إلى الممات.\n(^٤) فأبو بردة الأشعري من اليمن فلما رآه ابن سلام طلبه للضيافة ولفت نظره إلى كثرة الربا في بلادهم ولو قبل شيئا من مدين له كان ذلك ربا كحديث: كل قرض جر نفعا فهو ربا.\n(^٥) مكانهما أي موجودان لكل راغب فيهما وطالب لهما.\n(^٦) فهذا دليل على رسوخهم في العلم وكمال يقينهم ﵃ وأرضاهم.","vol":"3","page":407},{"text":"فَإِنَّكَ خَارِجًا خَيْرٌ لِي مِنْكَ دَاخِلًا فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ كَانَ اسمِي في الْجَاهِلِيَّةِ فُلَانًا فَسمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ وَنَزَلَتْ فِيَّ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَنَزَلَتْ فِيَّ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، ونَزَلَتْ فِيَّ: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (^١)﴾ إِنَّ لِلَّهِ سَيْفًا مَغْمُودًا عَنْكُمْ وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ جاوَرَتْكُمْ فِي بَلَدِكُمْ هذَا الَّذِي نَزَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّهَ اللَّهَ فِي هذَا الرَّجُلِ أَنْ تَقْتَلُوهُ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَتَطْرُدُنَّ جِيرَانَكُمْ الْمَلَائِكَةَ وَلَتَسُلُّنَّ سَيْفَ اللَّهِ الْمَغْمُودَ عَنْكُمْ فَلَا يُغْمَدُ عَنْكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالُوا: اقْتُلُوا الْيَهُودِيَّ وَاقْتُلُوا عُثْمَانَ رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ، الْأَوَّلَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَالثَّانِيَ بِسَنَدٍ غَرِيبٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-789>ومنهم أبو هريرة ﵁ </span>(^٢)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: يَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ أَكْثَرَ (^٣) وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ وَيَقُولُونَ\n_________\n(^١) وهو عبد الله بن سلام فأضافه الله تعالى له في الشهادة على أحقية النبي - ﷺ - وما جاء به وهذا قرآن يتلى ما دامت الدنيا. فلعبد الله بن سلام بهذا عظيم الشرف وكبير الفخر ورفيع المنزلة ﵁ وأرضاه وحشرنا في زمرته آمين.\n\nومنهم أبو هريرة ﵁\n(^٢) كان اسمه في الجاهلية عبد شمس أو عبد عمرو وفي الإسلام عبد الله أو عبد الرحمن بن صخر وهذا هو الأصح. أسلم عام خيبر وشهدها مع النبي - ﷺ - ولزمه الخدمة في السفر والحضر مكتفيًا بملء بطنه راغبا في العلم والهدى حتى توفاه الله ورآه النبي - ﷺ - يومًا يحمل هرة صغيرة في كمه فسأله، فقال: هذه هرة يا رسول الله، فقال: اجلس يا أبا هريرة. فصارت كنية له واشتهر بها حتى غلبت عليه. وبلغ ما رواه من الحديث خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وستين حديثا وتوفي بالمدينة سنة تسع وخمسين عن ثمان وسبعين سنة ودفن بالبقيع ﵁ وأرضاه.\n(^٣) قد أكثر أي من رواية الحديث. والله الموعد أي سيسألني إن كنت كاذبا.","vol":"3","page":408},{"text":"مَا بَالُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لَا يَتَحَدَّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذلِكَ، إِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَرضيهِمْ وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ (^١) وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا: «أَيُّكُمْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ فَيَأْخُذُ مِنْ حَدِيثِي هذَا ثُمَّ يَجْمَعُهُ إِلَى صَدْرِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْسَ شَيْئًا سَمِعَهُ (^٢) فَبَسَطْتُ بُرْدَةً عَلَيَّ حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَدِيثِهِ ثُمَّ جَمَعْهُا إِلَى صَدْرِي فَما نَسِيتُ بَعْدَ ذلِكَ الْيَوْمِ شَيْئًا حَدَّثِنِي بِهِ وَلَوْلَا آيَتَانِ أَنْزَلَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مَا حَدَّثْتُ شَيْئًا أَبَدًا» ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ ﴿مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ (^٣). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فَأَسْمَعْتَنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَكْرَهُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ فَتَأَبَى عَلَيَّ فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيهَا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ» فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا جِئْتُ الْبَابَ فَسَمِعْتُ أُمِّ خَشْفَ قَدَمَيَّ (^٤) فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ، قَالَ: فَاغْتَسَلَتْ وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا (^٥) فَفَتَحَتِ الْبَابَ ثُمَّ قَالَتْ أَشْهَدُ أَن لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَرَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ قُلْتُ:\n_________\n(^١) فكان الأنصار مشغولين بزرع أراضيهم وكان المهاجرون مشغولين بطلب أرزاقهم في التجارة.\n(^٢) ثم يجمعه إليه أي يضمه إليه بعد فراغي من الحديث فإنه لا ينسى ما سمعه مني.\n(^٣) تمامهما: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾.\n(^٤) أي حركة مشي.\n(^٥) لبست درعها أي قميصها، وعجلت عن الخمار نسيته فرحًا بإسلامها.","vol":"3","page":409},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْشِرْ قَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: «خَيْرًا» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا (^١) قَالَ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هذَا وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي وَلَا يَرَانِي إِلا أَحَبَّنِي (^٢)». رَوَاهُ. وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مِمَّنْ أَنْتَ؟» قلْتُ مِنْ دَوْسٍ قَالَ: «مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ فِي دَوْسٍ أَحَدًا فِيهِ خَيْرٌ (^٣)». وَعَنْهُ قَالَ: لَيْسَ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي إِلا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَكُنْتُ لَا أَكْتُبُ (^٤).\nوَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: لِمَ كُنِّيتَ أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: كنْتُ أَرْعَى غَنَمَ أَهْلِي فَكَانَتْ لِيَ هُرَيْرَةٌ صَغِيرَةٌ فَكُنْتُ أَضَعُهَا بِاللَّيْلِ فِي شَجَرَةٍ فَإِذَا كَانَ النَّهَارُ حَمَلْتُهَا فَلَعِبْتُ بِهَا فَكَنُّونِي أَبَا هُرَيْرَةَ (^٥).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بتَمَرَاتٍ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ فَضَمَّهُنَّ وَدَعَا لِي فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ فَقَالَ: «خُذْهُنَّ وَاجْعَلْهُنَّ فِي مِزْوَدِكَ هذَا (^٦)» كُلَّمَا أَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا فَأَدْخِلْ يَدَكَ فِيهِ وَخُذْ وَلَا تَنْثُرْهُ نَثْرًا، قَالَ: «فَقَدْ حَمَلْتُ مِنْ ذلِكَ التَّمْرِ كَذَا وَكَذَا مِنْ وَسْقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَكُنَّا نَأْكُلُ مِنْهُ وَكَانَ لا يُفَارِقُ حِقْوِي حَتَّى كَانَ يَوْمُ قُتِلَ عُثْمَانُ فَإِنَّهُ انْقَطَعَ (^٧)». رَوَى التِّرْمِذِيُّ هذِهِ الْأَرْبَعَةَ (^٨).\n_________\n(^١) لفظ إلى في الموضعين بمعنى في لأن حروف الجر تنوب عن بعضها.\n(^٢) ففيه سرعة إجابة دعوة النبي - ﷺ - في الأولى والثانية وهذه معجزة ظاهرة.\n(^٣) لأن قبيلة دوس غير مشهورة بالأخلاق وهذا قبل إسلامها كما يأتي.\n(^٤) فأبو هريرة ما كان يعرف الكتابة، وأما عبد الله بن عمرو بن العاص فإنه كان يكتب كل شيء يسمعه من النبي - ﷺ - فلهذا كان أكثر حديثا من أبي هريرة ﵃.\n(^٥) كما كناه النبي - ﷺ - بأبي هريرة حينما رآها في كمه فأطلقت عليه الكنية من قومه ومن النبي ﷺ.\n(^٦) المزود كمنبر: وعاء الزاد: أي كلما أردت التمر فأدخل يدك فيه وخذ منه ولا تفرغه فتبقى البركة فيه.\n(^٧) وذهبت بركته من شؤم الفتنة. نسأل الله السلامة آمين والحمد لله رب العالمين.\n(^٨) الأولان صحيحان والثالث بسند حسن والرابع بسند غريب.","vol":"3","page":410},{"text":"<span data-type='title' id=toc-790>ومنهم أبو موسى وأبو عامر الأشعريان ﵄ </span>(^١)\n• عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَأَتَى أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: أَلَا تُنْجِزُ لِي مَا وَعَدْتَنِي يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَبْشِرْ (^٢)»، فَقَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ: أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ أَبْشِرْ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلَالٍ كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ فَقَالَ: «إِنَّ هذَا قَدْ رَدَّ الْبُشْرَى فَاقْبَلَا أَنْتُمَا»، فَقَالَا قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ وَمَجَّ فِيهِ (^٣) ثمَّ قَالَ: «اشْرَبَا مِنْهُ وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا وَأَبْشِرَا»، فَأَخَذَا الْقَدَحَ وَفَعَلَا مَا أَمَرَهُمَا بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَنَادَتْهُمَا أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ أَفْضِلَا لِأُمِّكُمَا مِمَّا فِي إِنَائِكُمَا فَأَفْضَلَا لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً (^٤). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ﵁ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حُنَيْنٍ بَعَثَ أَبَا عَامرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ فَلَقِيَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ فَقُتِلَ دُرَيْدٌ وَهَزَمَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ فَقَالَ أَبُو مُوسَى وَبَعَثَنِي مَعَ أَبِي عَامرٍ (^٦) فَأَصَابَهُ بِسَهْمٍ فِي رُكْبَتِهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُشَمٍ فَلَحِقْتُهُ فَقَتَلْتُهُ ثُمَّ رَجعْتُ إِلَى أَبِي عَامِرٍ فَنَزَعْتُ إِلَى أَبِي عَامِرٍ فَنَزَعْتُ السَّهْمَ مِنْ رُكْبَتِهِ فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءَ وَاسْتَعْمَلَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ وَقَالَ: انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ وَقُلْ لَهُ اسْتَغْفِرْ لِأَبِي عَامِرٍ وَمَكَثَ يَسِيرًا وَمَاتَ ﵀ فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ عَلَى\n_________\nأبو موسى وأبو عامر الأشعريان ﵄\n(^١) الأشعريون قبيلة تنسب إلى أبيهم الأشعر بأرض اليمن ﵃.\n(^٢) أي بخير كثير على إسلامك وصحبتك للنبي - ﷺ - في العاجل والآجل.\n(^٣) أي وضع ماء في فمه وأداره ومجه في الإناء لتنزل فيه البركة.\n(^٤) فكان لأبي موسى وبلال من هذا فضل عظيم ومكان رفيع ﵄.\n(^٥) ولكن البخاري في غزو الطائف والأخيران هنا.\n(^٦) وبعثني أي النبي - ﷺ -.","vol":"3","page":411},{"text":"سَريرٍ مُرْمَلٍ (^١) وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ وَقَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَجَنْبَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبرِنَا وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ وَطَلَبِهِ الاِسْتِغْفَارَ فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيتُ بَيَاض إِبْطَيْهِ (^٢) ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمْ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقع كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ أَوْ مِنَ النَّاسِ» فَقُلْتُ: وَلِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاسْتَغْفِرْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ وَأَدْخِلَهُ يَوْمَ الْقَيَامَةِ مُدْخَلًا كَرِيمًا» قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: إِحْدَاهُمَا لِأَبِي عَامِرٍ وَالْأُخْرَى لِأَبِي مُوسَى (^٣).\nرَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ أَصْوَاتَ رُفْقَةِ الْأَشْعَرِيِّينَ بِالْقُرْآنِ حِينَ يَدْخلُونَ بِاللَّيْلِ وَأَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بِالْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَرَ مَنَازِلَهُمْ حِينَ نَزَلوا بِالنَّهَارِ (^٥) وَمِنْهُمْ حَكِيمٌ (^٦) إِذَا لَقِيَ الْخَيْلَ أَوْ قَالَ الْعَدُوَّ قَالَ لَهُمْ إِنَّ أَصْحَابِي يَأْمُرُونَكُمْ أَنْ تَنْظرُوهُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا (^٧) فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ واحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ» رَوَاهُ الشَّيخانِ (^٨).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا أَبَا مُوسى لَقَدْ أُعْطِيتَ\n_________\n(^١) أي منسوج وجهه بسعف.\n(^٢) من عنايته بالدعاء وابتهاله إلى ربه تعالى.\n(^٣) إحداهما أي الدعوتين لأبي عامر والأخرى لأبي موسى ﵄.\n(^٤) ولكن مسلم هنا والبخاري في غزوة أوطاس.\n(^٥) فمنازلهم تعرف بالليل من بين المنازل بكثرة قراءة القرآن.\n(^٦) ومنهم حكيم هو اسم رجل أو صفة له من الحكمة فكانوا إذا التقى الجيشان قالوا لعدوهم انتظرونا لطلب الصلح أو لإيهامهم بالصلح وفيه من التخذيل ما لا يخفى.\n(^٧) إذا أرملوا أي قلّ زادهم في الغزو أو الحضر جمعوا ما عندهم واقتسموه بالسوية بينهم رفقا ورحمة بفقيرهم ﵃، لهذا قال ﷺ: فهم منى وأنا منهم.\n(^٨) ولكن مسلم هنا والبخاري في قدوم الأشعريين.","vol":"3","page":412},{"text":"مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ (^١)».\n\n• عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نِعْمَ الْحَيُّ الْأَشْعَرِيُّونَ لَا يَفِرُّونَ فِي الْقِتَالِ وَلَا يَغُلُّونَ (^٢)، هُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-791>ومنهم جرير بن عبد اللَّه البجلي ﵁ </span>(^٣)\n\n• عَنْ جَرِيرٍ ﵁ قَالَ: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَا رَآنِي إِلا ضَحِكَ وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْتٌ يُقَالُ لَهُ ذُو الْخَلَصَةِ (^٤) وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْكَعْبَةُ الْيَمانِيَةُ وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ أَنْتَ مِرِيحِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ فَنَفَرْتُ إِلَيْهِ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ (^٥) فَكَسَرْنَاهُ وَقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَاهُ عِنْدَهُ فَأَتَيْنَاهُ فَأَخْبَرْنَاهُ فَدَنَا لَنَا وَلِأَحْمَسَ (^٦)».\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا جَرِيرُ أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ بَيْتٍ لِخَثْعَمَ كَانَ يُدْعَى كَعْبَةَ الْيَمَانِيَةِ» فَنَفَرْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةٍ فَارِسٍ وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبَ يَدَهُ\n_________\n(^١) سببه أن النبي ﷺ كان يمشي ليلا فسمع أبا موسى يقرأ القرآن بصوت حسن فأعجبه فوقف قليلا ثم سار فأخبره في الصباح وذكر الحديث، وفي رواية: قال أبو موسى لو علمت أنك تسمع يا رسول الله لحبرته لك تحبيرا.\n(^٢) ولا يغلون أي لا يخونون، ففيهم شجاعة وأمانة ﵃ وأرضاهم آمين.\n\nومنهم جرير بن عبد الله البجلي ﵁\n(^٣) هو جرير بن عبد الله بن جابر الشليل بن مالك البجلي نسبة لبجيلة بنت مصعب بن سعد العشيرة ولما دخل جرير على النبي ﷺ ليسلم أكرمه وبسط له رداءه لأنه كان سيدا في قومه، وقال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، وكان حسن الصورة حتى قال فيه عمر ﵄: جرير يوسف هذه الأمة. توفي سنة إحدى وخمسين إلى رحمة الله ورضوانه.\n(^٤) ذو الخلصة: بيت لخثعم في اليمن فيه أصنام يعبدونها من دون الله.\n(^٥) أحمس قبيلة جرير ﵁ وعنها وأرضاهم آمين.\n(^٦) فنفرت إليه أي خرجت إليه في مائة وخمسين من قومى فهدمناه بالنار فدعا لنا رسول الله - ﷺ -.","vol":"3","page":413},{"text":"فِي صَدْرِي فَقَالَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا»، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَحَرَّقْنَاهَا بِالنَّارِ (^١) وَبَعَثْنَا رَجُلًا مِنَّا يُكْنَى أَبَا أَرْطَأَةَ يُبَشِّرُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْنَاهَا كَالْجَمَلِ الْأَجْرَبِ فَبَرَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ (^٢). رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-792>خير التابعين أويس القرني ﵁ </span>(^٣)\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ وَلَهُ وَالِدَةٌ وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ (^٤) فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ».\n\n• عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَفَدُوا إِلَى عُمَرَ وَفِيهِمْ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَسْخَرُ بِأُوَيْسٍ فَقَالَ عُمَرُ: هَلْ هُنَا أَحَدٌ مِنَ الْقَرَنِيِّينَ؟ فَجَاءَ ذلِكَ الرَّجُلُ فَقَالَ عُمَرُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَالَ: «إِنَّ رَجُلًا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أَوَيْسٌ لَا يَدَعُ بِالْيَمَنِ غَيْرَ أُمَ لَهُ قَدْ كَانَ بِهِ بَيَاضٌ فَدَعَا اللَّهَ فَأَذْهَبَهُ عَنْهُ إِلا مَوْضِعَ الدِّينَارِ أَوِ الدِّرْهَمِ فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ (^٥)».\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ عُمَرُ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ (^٦) سَأَلَهُمْ أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ، فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ\n_________\n(^١) فحرقناها أي الكعبة اليمانية.\n(^٢) أي قال اللهم بارك في أحمس وفي رجالها وفرسانها وخيلها وكفاهم ذلك عزًا وفخرًا للدنيا والآخرة ﵃ وأرضاهم آمين.\n\nخير التابعين أويس القرني ﵁\n(^٣) أويس القرني رجل صالح من اليمن كان موجودًا في زمن النبي ﷺ وآمن به ولكنه لم يره، وكان خاملا في الناس لا يعبأ به أحد ولكن كان على جانب عظيم مع الله فلذا قال - ﷺ -» خير التابعين أويس القرني فمن لقيه فليطلب منه الدعاء».\n(^٤) وكان به بياض أي برص كما يأتي.\n(^٥) فإن دعاءه مقبول لصلاحه.\n(^٦) الأمداد جمع مدد وهو الجماعة التي تأتي من الجهات لمدد الجيوش.","vol":"3","page":414},{"text":"بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ (^١)؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ (^٢) فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ» فَاسْتَغْفِرْ لِي فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةَ، قَالَ: أَلَا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا قَالَ: أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ (^٣)، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ فَسَأَلَه عُمَرُ عَنْ أُوَيْسٍ فَقَالَ: تَرَكْتُهُ رَثَّ الْبَيْتِ قَلِيلَ الْمَتَاعِ فَأَسْمَعَهُ عُمَرُ الْحَدِيثَ السَّابِقَ فَلمَّا عَادَ هذا الرَّجُلُ أَتَى أُوَيْسًا فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدٍ بِسَفَرٍ صَالِحٍ فَاسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدٍ بِسَفَرٍ صَالِحٍ فَاسْتَغْفِرْ لِي، ثُمَّ قَالَ: لَقِيتَ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ (^٤). رَوَى الثَّلَاثَةَ مُسْلِمٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) قرن - كقمر - حي من مراد لأن قرن بن رومان بن ناجية بن مراد.\n(^٢) أي لو طلب من ربه شيئا لأجابه في الحال لعظيم مكانته عند الله تعالى.\n(^٣) أي ضعفائهم وأخلاطهم فلم يرغب في الظهور فإنه شاغل عن الله تعالى.\n(^٤) أي خرج سائحًا في الدنيا لما انتبه له الناس وأقبلوا عليه ﵁، وهكذا شأن الخواص يفرون من الناس ويخلون بربهم فتصفو خلوتهم وتحلوا نجواهم وتعظم قربتهم من ربهم. وهذا مرادهم ﵃ وحشرنا في زمرتهم آمين.","vol":"3","page":415},{"text":"<span data-type='title' id=toc-793>خاتمة في ذكر قبائل من العرب</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (^١) ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: الشُّعُوبُ الْقَبَائِلُ الْعِظَامُ وَالْقَبَائِلُ الْبُطُونُ. وَفِي لَفْظٍ: الشُّعُوبُ النَّسَبُ الْبَعِيدُ وَالْقَبَائِلُ دُونَ ذلِكَ (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فِقُهُوا (^٣) وَتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاسِ فِي هذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ (^٤) وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَيَأْتِي هؤُلَاءِ بِوَجْهٍ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ (^٥) وَالسَّكِينَةُ فِي أَهلِ الْغَنَمِ وَالْإِيمَانُ يَمَانٍ (^٦) وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ».\n_________\nخاتمة في ذكر قبائل من العرب\n(^١) الذكر والأنثى آدم وحواء ﵉، فكل الناس منهما وحيث كان كذلك فلا فخر لأحد على أحد إلا بالتقوى. إن أكرمكم عند الله أتقاكم لا أغناكم ولا أقواكم ولا أجملكم ولا أرفعكم ذكرًا في الدنيا.\n(^٢) هذا بيان للآية، فالشعوب جمع شعب - ككعب - وهو طبقة النسب العليا، والقبائل جمع قبيلة وهى ما دون الشعب وبعدها العمائر فالبطون فالأفخاذ فالفصائل آخرها، وذلك كشعب كنانة، فقبيلة قريش، فعمارة قصي، فبطن هاشم، ففخذ العباس، فصيلته.\n\n(تنبيه): مرويات البخاري هنا في بدء الخلق.\n(^٣) فالمتفقه في دينه خير الناس.\n(^٤) وأحسن الناس للولاية من يزهد فيها لأن هذا دليل على تقواه.\n(^٥) فالكبر والفخر كثير في الفدادين، أهل الوبر أي الإبل الذين تعلو أصواتهم وهم يسوقونها بخلاف أهل الغنم ففيهم السكينة.\n(^٦) الإيمان يمان: أي منسوب لليمن وهو الإقليم الذي عن يمين الكعبة كما أن الشأم هو الإقليم الذي عن شمال الكعبة، وهذا بالنسبة للواقف في الكعبة ومستقبل مطلع الشمس، فالفقه في الدين والحكمة في أهل اليمن أكثر من غيرهم لصفاء قلوبهم فكانت معدنًا للحكمة وهذا في غير المهاجرين والأنصار فإنهم أفضل الناس كلهم ﵃.","vol":"3","page":416},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مِنْ هُنَا جَاءَتِ الْفِتَنُ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَالْجَفَاءُ وَغِلَظُ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْكُفْرُ قِبَلَ الْمَشْرِقِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ، وَالْفَخْرُ وَالرِّيَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْخَيْلِ والْوبَرِ (^١)». رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-794>غفار وأسلم وأشجع وجهينة ومزينة</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قُرَيْشٌ وَالْأَنْصَارُ وَجُهَيْنَةُ وَمُزَيْنَةُ وَأَسْلَمُ وَأَشْجَعُ وَغِفَارُ (^٣) مَوَالِيَّ لَيْسَ لَهُمْ مَوْلًى دُونَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَسْلَمُ سَالمَهَا اللَّهُ وَغِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا أَمَا إِنِّي لَمْ أَقُلْهَا وَلكِنْ قَالَهَا اللَّهُ ﷿ (^٤)». رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ. وَلَهُمَا وَلِلتِّرْمِذِيِّ: غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (^٥).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْأَنْصَارُ وَجُهَيْنَةُ وَمُزَيْنَةُ وَغِفَارُ وَأَشْجَعُ وَمَنْ كَانَ مِنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ (^٦) مَوَالِيَّ دُونَ النَّاسِ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَاهُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَجَاءَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ ﵁ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّمَا بَايَعَكَ سُرَّاقُ الْحجِيجِ\n_________\n(^١) فيه أن أصحاب البقر والخيل من أهل الفدادين، وفيه أن أصل الفتن من جهة المشرق وهي نجد كما يأتي في فضل الشام.\n(^٢) ولكن مسلم في الإيمان والترمذي في الفتن.\n\nغفار وأسلم وأشجع وجهينة ومزينة\n(^٣) جهينة ومزينة وأسلم ومثلها تصرف باعتبار الحي وتمنع باعتبار القبيلة.\n(^٤) فهؤلاء القبائل محبوبة لله ولرسوله أكثر من غيرها لأنهم ما حاربوا النبي - ﷺ - بل جاءوا للإسلام طائعين ﵃ وأرضاهم.\n(^٥) وعصية التي هي بطن من بني سليم عصمت الله ورسوله بنقضهم العهد وقتلهم القراء ببئر معونة.\n(^٦) من بني عبد الله أي من بني عبد العزى، تحاشاه ﷺ لفحشه.","vol":"3","page":417},{"text":"مِنْ أَسْلَمَ وَغِفَارَ وَمُزَيْنَةَ قَالَ: وَأَحْسِبُ وَجُهيْنَةَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ أَسْلَمُ وَغِفَارُ وَمُزَيْنَةُ - وَأَحْسَبُ وَجُهَيْنَةٌ - خَيْرًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي عَامِرٍ وَأَسَدٍ وَغَطَفَانَ أَخَابُوا وَخَسِرُوا»؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُمْ لَأَخْيَرُ مِنْهُمْ (^١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَلِلشَّيْخَيْنِ: أَسَلْمُ وَغِفَارُ وَشَيْءٌ مِنْ مُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ أَوْ قَالَ وَشَيْءٌ مِنْ جُهَيْنَةَ وَمُزَيْنَةَ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ أَوْ قَالَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَسَدٍ وَتَمِيمٍ وَهُوَازِنَ وَغَطَفَانَ. وَلِمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَغِفَارُ وَأَسْلَمُ وَمُزَيْنَةُ وَمَنْ كَانَ مِنْ جُهَيْنَةَ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَسَدٍ وَطَيِّئٍ وَغَطَفَانَ. وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-795>بنو تميم ودوس وطيء</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ لِثَلَاثٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ» فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ» فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ (^٢)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٣).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: قَدِمَ الطُّفَيْلُ وَأَصْحَابُهُ ﵃ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ دَوْسًا قَدْ كَفَرَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا فَقِيلَ هَلَكَتْ دَوْسٌ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَائْتِ بِهِمْ (^٤)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\n(^١) فأسلم وغفار ومزينة وجهينة وإن كان لبعضهم سيئات كسرقة الحجاج ولكنهم خير من القبائل الأخرى الذين حاربوا النبي - ﷺ - أولا وإن أسلموا ثانيا رضي الله عن الجميع وأرضاهم.\n\nبنو تميم ودوس وطيئ\n(^٢) هذا يشهد بأن العرب قسمان: عرب الحجاز من ولد إسماعيل ﵇، وعرب اليمن من ولد قحطان قبل إسماعيل ويؤيده الحديث الآتي: سام أبو العرب، والحديث الطويل الآتي في تفسير البقرة في بناء الكعبة وفيه: فتعلم إسماعيل العربية من جرهم.\n(^٣) ولكن مسلم هنا والبخاري في وفد بني تميم وكذا ما بعده.\n(^٤) فدعا لهم النبي - ﷺ - فجاءوا طائعين وأسلموا، ودوس أبو هذه القبيلة ابن عدنان=","vol":"3","page":418},{"text":"• وَعَنْهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ:\nيَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا … عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نَجَّتِ (^١)\nوَكَانَ مَعِي غُلَامٌ فَأَبَقَ فِي الطَّرِيقِ فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبَايَعْتُهُ وَأَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الْغُلَامُ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هذَا غُلَامُكَ»، فَقُلْتُ: هُوَ لِوَجْهِ اللَّهِ فَأَعْتَقْتُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ عُمَرَ ﵁ فَقَالَ لِي: إِنَّ أَوَّلَ صَدَقَةٍ بَيَّضَتْ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوُجُوهَ أَصْحَابِهِ صَدَقَةُ طَيِّئٍ الَّتِي جِئْتَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٢). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ عُمَرَ فِي وَفْدٍ فَجَعَلَ يَدْعُو رَجُلًا رَجُلًا وَيُسَمِّيهِمْ (^٣)، فَقُلْتُ: أَمَا تَعْرِفُنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: بَلَى أَعْرِفُكَ أَسْلَمْتَ إِذْ كَفَرُوا وَأَقْبَلْتَ إِذْ أَدْبَرُوا وَوَفَيْتَ إِذْ غَدَرُوا وَعَرَفْتَ إِذْ أَنْكَرُوا، فَقَالَ عَدِيٌّ: فَلَا أُبَالِي إِذًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي قِصَّةِ وَفْدِ طَيِّئٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-796>ثقيف وبنو حنيفة</span>\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَحْرَقَتْنَا نِبَالُ ثَقِيفٍ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا (^٤).\nوأَهْدَى أَعْرَابِيٌّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَكَرَةً فَعَوَّضَهُ مِنْهَا سِتَّ بَكَرَاتٍ\n_________\n= ابن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن الأزد، وإليه تنسب دوس.\n(^١) أي ما أطول تلك الليالي وأتعبها ليالى السفر إلى النبي - ﷺ - ولكنها سعيدة علينا لأنها أنقذتنا من الكفر.\n(^٢) فصدقة طيئ التي جاء بها عديّ أفرحت النبي - ﷺ - وأصحابه وسرتهم لإشعارها بكثرة الأتباع، ففيه. فضل طيئ وهم قوم عدي ﵁.\n(^٣) قوله ويسميهم أي يسأل عن أسمائهم إلى أن وصل إلى عدي فقال له ذلك ففرح عدي، وقال: لا أبالى بما ينالني بعد هذا. ففيه تنويه بمزيد فضله ورفيع شأنه ﵁ وأرضاه وحشرنا في زمرته آمين.\n\nثقيف وبنو حنيفة\n(^٤) يظهر أن هذا كان في غزوة حنين.","vol":"3","page":419},{"text":"فَتَسَخَّطَ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ فُلَانًا (^١) أَهْدَى إِلَيَّ نَاقَةً فَعَوَّضْتُهُ مِنْهَا سِتَّ بَكَرَاتٍ فَظَلَّ سَاخِطًا وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَلا أَقْبَلَ هَدِيَّةً إِلا مِنْ قُرَشِيَ أَوْ أَنْصَارِيَ أَوْ ثَقَفِيَ أَوْ دَوْسِيَ.\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يُكْرِمُ ثَلَاثَةَ أَحْيَاءٍ ثَقِيفًا وَبَنِي حَنِيفَةَ وَبَنِي أُميَّةَ (^٢). رَوَى الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-797>فضل العرب والحجاز </span>(^٤)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «غِلَظُ الْقُلُوبِ وَالْجَفَاءُ فِي الْمَشْرِقِ وَالْإِيمَانُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ (^٥)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَتَفِرَّنَّ النَّاسُ مِنَ الدَّجَّالِ حَتَّى يَلْحَقُوا بِالْجِبَالِ»، قَالَتْ أُمُّ شَرِيكٍ: فَأَيْنَ الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «قَلِيلٌ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الْفِتَنِ.\n\n• عَنْ سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَامُ أَبُو الْعَرَبِ، وَيَافِثُ أَبُو الرُّومِ، وَحَامُ أَبُو الْحِبْشِ (^٦)».\n\n• عَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا سَلْمَانُ لَا تُبْغِضْنِي فَتُفَارِقْ دِينَكَ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ أُبْغِضُكَ وَبِكَ هَدَنَا اللَّهُ؟ قَالَ: «تُبْغِضُ الْعَرَبَ فَتُبْغِضُنِي (^٧)».\n_________\n(^١) فلان هو أعرابي من بني فزارة.\n(^٢) ففي هذه الأحاديث فضل تلك القبائل ﵃.\n(^٣) والأول بسند صحيح.\n\nفضل العرب والحجاز\n(^٤) المراد بالعرب عرب الحجاز وهم نسل إسماعيل ﵇، وعرب اليمن الذين هم ولد قحطان.\nوالحجاز: مكة والمدينة والطائف وتوابعهن. وسميت حجازًا لأنها حجزت بين نجد وتهامة.\n(^٥) فكان منبعه منه لأن النبي - ﷺ - وصحبه من نبت الحجاز ومنهم انتشر الإيمان في الأرض كلها.\n(^٦) فسام أبو العرب الذين هم في الجزيرة كلها، ويافث أبو الروم الذين هم في الشمال، وحام أبو الحبش الذين هم في الجنوب فيشمل السودان، فالناس كلهم بعد الطوفان من سام وحام ويافث أولاد نوح فهو آدم الصغير ﷺ.\n(^٧) فبغضهم بغض للنبي - ﷺ - وحبهم حب للنبي - ﷺ -.","vol":"3","page":420},{"text":"• عَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ غَشَّ الْعَرَبَ لَمْ يَدْخُلْ فِي شَفَاَعَتِي وَلَمْ تَنَلْهُ مَوَدَّتِي». رَوَى التِّرْمِذِيُّ هذِهِ الثَّلَاثَةَ (^١).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْصَى بِثَلَاثٍ فَقَالَ: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ، وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ كَأَنَّهُ نَسِيَهَا وَقِيلَ هِيَ لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنًا (^٢)» رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَكُونُ قِبْلَتَانِ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَقَالَ عُمَرُ ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَلَا أَتْرُك فِيهَا إِلا مُسْلِمًا (^٤)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-798>فضل اليمن وعُمان</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْفِقْهُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ». وَفِي رِوَايَةٍ: أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَلْيَنُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِئَةً الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ وَرَأَسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ (^٥). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) الأولان بسندين حسنين والأخير بسند غريب.\n(^٢) أي لا تعبدوه كالأوثان، وأجيزوا الوفد أي الذين يأتونكم من نواحي الأرض أكرموهم.\n(^٣) أي لا ينبغي إبقاء دينين في الجزيرة.\n(^٤) فالنبي - ﷺ - أوصى الخليفة الذي يكون بعده بإخراج المشركين من الجزيرة وهي ما أحاط به خليج العرب وهو بحر القلزم وبحر الهند والخليج الفارسي ودجلة والفرات وبحر الشام أو ما بين عدن إلى أطراف الشام طولا وما بين جدة إلى ريف العراق عرضًا، وقال إن طالت حياتي لأخرجن كل دين من جزيرة العرب إلا الإسلام لشرفها فلا يبقى فيها إلا أشرف الأديان وحكمة ذلك أن الجزيرة فيها الأماكن الطاهرة كالحرم المكي والحرم المدني وبيت المقدس ومسكن الأنبياء والمرسلين والأبدال والصالحين فلا ينبغي أن يبقي فيها نجاسة قال تعالى ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ نسأل الله الدوام عليه آمين.\n\nفضل اليمن وعمان\n(^٥) رأس الكفر قبل المشرق أي أصل الفتن والضلال من جهة نجد، وأما أهل اليمن فقلوبهم رقيقة وصافية وفيهم كمال الإيمان والفقه والحكمة ﵃.","vol":"3","page":421},{"text":"وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: إِنْ لَمْ نَكُنْ مِنَ الْأَزْدِ (^١) فَلَسْنَا مِنَ النَّاسِ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْأَزْدُ أُسْدُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ يُرِيدُ النَّاسُ أَنْ يَضَعُوهُمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يَرْفَعَهُمْ وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَقُولُ الرَّجُلُ يَا لَيْتَ أَبِي كَانَ أَزْدِيًّا يَا لَيْتَ أُمِّي كَانَتْ أَزْدِيَّةً (^٢)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمُلْكُ فِي قُرَيْشٍ وَالْقَضَاءُ فِي الْأَنْصَارِ وَالْأَذَانُ فِي الْحَبَشَةِ وَالْأَمَانَةُ فِي الْأَزْدِ (^٣)».\n\n• وَعَنْهُ قَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْعَنْ حِمْيَرًا فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَجَاءَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «رَحِمَ اللَّهُ حِمْيَرًا (^٤) أَفْوَاهُهُمْ سَلَامٌ وَأَيْدِيهِمْ طَعَامٌ وَهُمْ أَهْلُ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ هذِهِ الْأَرْبَعَةَ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي بَرْزَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا إِلَى حَيَ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَسَبُّوهُ وَضَرَبُوهُ فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ أَهْلَ عُمَانَ (^٦) أَتَيْتَ مَا سَبُّوكَ وَلَا ضَرَبُوكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n_________\n(^١) الأزد ويقال الأسد أبو حي من اليمن والمراد أزد شنوءة لا أزد عمان.\n(^٢) فالشجاعة والإيمان والعفة في أهل اليمن ﵃.\n(^٣) فقريش أهل لتدبير الملك ونظامه، والقضاء في الأنصار أحكم لوجود مهرة القرآن فيهم كأبي بن كعب ومعاذ بن جبل ﵃. والأذان في الحبشة والأمانة في الأزد أي اليمن.\n(^٤) حمير قبيلة باليمن والنبي - ﷺ - لم يلعنهم بل ترحم عليهم وأثنى عليهم بأنهم يحبون إفشاء السلام وإطعام الطعام.\n(^٥) الأول بسند صحيح والباقي بأسانيد غريبة.\n(^٦) عمان - كفؤاد - بلد باليمن وهو المراد هنا بخلاف عمان - كعمار - فإنها بلد بفلسطين، وكل ما ورد في اليمن فهو في العرب لأنهم منهم كما علمت. والله أعلم.","vol":"3","page":422},{"text":"<span data-type='title' id=toc-799>فضل فارس </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ كَانَ الدِّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَذَهَبَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ فَارِسٍ - أَوْ قَالَ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسٍ - حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ (^٢)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْجُمُعَةِ فَلَمَّا قَرَأَ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾ قَالَ رَجُلٌ: مَنْ هؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَلَمْ يُكَلَمْهُ حَتَّى سَأَلَهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. قَالَ: وَفِينَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ وَقَالَ: لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هؤُلَاءِ (^٣). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: ذُكِرَتِ الْأَعَاجِمُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ ﷺ: «لَأَنَا بِهِمْ أَوْ بِبَعْضِهِمْ أَوْثقُ مِنِّي بِكُمْ أَوْ بِبَعْضِكُمْ (^٤)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ غَرِيبٍ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-800>فضل الشام </span>(^٥)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمِنِنَا»، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا، قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي يَمِنَنِنَا»، قَالُوا:\n_________\nفضل فارس\n(^١) أي أهل فارس وهم العجم سكان البقاع الشرقية الواقعة في شرق الخليج الفارسي كفارس وكرمان وسجستان وما وراء النهر وخراسان تلك التي أنبتت رجال الحديث كالبخاري وأبي داود والترمذي والنسائي والبيهقي والدارقطني ﵃، ومسلم وإن كانت إقامته مع هؤلاء الشموس ولكنه عربي الأصل فإنه قشيري ﵁.\n(^٢) يظهر أن المراد بهذا سلمان فقط ﵁.\n(^٣) قيل المراد بهم أهل خراسان لأن هذه الصفات فيهم دون أهل المشرق وكفاهم هذا شرفًا وفخرا للدنيا والآخرة ﵃.\n(^٤) أو للشك في الموضعين والله أعلم.\n\nفضل الشام\n(^٥) الشام هو الأرض المباركة التي قال الله تعالى فيها ﴿ونجيناه ولوطًا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين﴾ وذلك لما فيها من الأنهار والأشجار وما تخرجه من أنواع الزرع والثمار لخلق الله تعالى=","vol":"3","page":423},{"text":"وَفِي نَجْدِنَا، قَالَ: «هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا - أَوْ قَالَ وَمِنْهَا - يَخْرُجُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ (^١)».\nرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ هُنَا وَالْبُخَارِيُّ فِي الْفِتَنِ وَلَفْظُهُ: فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ «هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ».\n\n• عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ﵁ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلَا خَيْرَ فِيكُمْ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ (^٢)».\n\n• عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ تَأْمُرُنِي (^٣)، قَالَ ههُنَا وَنَحَا بِيَدِهِ نَحْوَ الشَّامِ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «سَتَخْرُجُ نَارٌ مِنْ نَحْوِ حَضْرَمَوْتَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَحْشُرُ النَّاسَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ». رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْفِتَنِ (^٤).\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ مِنَ الرِّقَاعِ (^٥) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «طُوبَى لِلشَّامِ فَقُلْنَا: لِأَيَ ذلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِأَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمنِ بِاسِطَةٌ أَجْنِحَتِهَا عَلَيْهَا (^٦)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ. نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الْحَالِ.\n_________\n=ولأنها بلاد الأنبياء والرسل صلى الله عليهم وسلم ومسكن الصالحين والأبدال. قال يوسف ﵇ عند موته ﴿توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين﴾ وقال موسى ﵇ عند موته» رب قربني من الأرض المقدسة رمية بحجر».\n(^١) أي أصل الكفر والضلال والقلاقل والفتن بأرض نجد، فلذا لم يدع لها النبي - ﷺ - مع طلب الدعاء لها ودعا للشام واليمن من غير طلب لهما.\n(^٢) قال الأستاذ البخاري وعليّ بن المديني: المراد بهم رجال الحديث ﵃ وحشرنا في زمرتهم آمين.\n(^٣) أين تأمرني أي في الفتن فنحا بيده أي أشار بها نحو الشام رضي الله عن ساكنيها.\n(^٤) بأسانيد صحيحة نسأل الله صحة البدن والإيمان آمين.\n(^٥) أي نجمعه من قطع الجلد.\n(^٦) أي على بلاد الشام حفظًا لها وفرحًا بأهلها ﵃ وحشرنا في زمرتهم آمين.","vol":"3","page":424},{"text":"<span data-type='title' id=toc-801>وصية النبي ﷺ بأهل مصر</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا أَوْ قَالَ ذِمَّةً وَصِهْرًَا فَإِذَا رَأَيْتَ رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فِيهَا فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا (^١)» قَالَ: فَرَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ شُرَحْبِيلَ وَأَخَاهُ رَبِيعَةَ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَخَرَجْتُ مِنْهَا (^٢). وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحَونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا (^٣)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَ وَكَمَالَ الْإِيْمَانِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-802>فضل الأمة المحمدية صلى اللَّه على نبيها وسلم </span>(^٤)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ\n_________\nوصية النبي - ﷺ - بأهل مصر\n(^١) القيراط جزء من الفدان وجزء من الدرهم والدينار، وهذا دأب المصريين قديمًا، والذمة هي الإيمان بالإنجيل والتوراة، والصهر والرحم القرابة بإسماعيل ﵇ فإن أمه هاجر منهم كما يأتي في تفسير البقرة إن شاء الله، والقرابة بالنبي - ﷺ - فإن مارية القبطية أم إبراهيم ابن النبي - ﷺ - من المصريين.\n(^٢) أي أبو ذر أو الراوي عنه.\n(^٣) الأرض التي يذكر فيها القيراط هي مصر، فالنبي - ﷺ - قال لأصحابه إنكم ستفتحون مصر وهي أرض يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها وأحسنوا إليهم فإنهم مؤمنون بالكتاب الأول ولهم قرابة بجدي إسماعيل ﵇ لأنهم أخواله، وقرابة بي لأن أم ولدى إبراهيم ﵇ منهم فللمصريين بهذا عظيم الشرف الدنيا والأخرى. وفيه معجزة للنبي - ﷺ - فإنه إخبار بغيب وقع وفتحت مصر على يد عمرو بن العاص في خلافة عمر ﵃.\n\nفضل الأمة المحمدية صلى الله على نبيها وسلم\n(^٤) ومنه ما تقدم في الصوم أن الله أعطاها ليلة القدر خيرًا من ألف شهر، ومنه أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسًا إلى آخره.","vol":"3","page":425},{"text":"الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (^١) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (^٢) كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا إِلَى اللَّيْلِ فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ» فَقَالُوا لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ (^٣) فَاسْتَأْجَرَ آخَرِينَ فَقَالَ: «أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَلَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ لِهؤُلَاءِ (^٤) فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ». قَالُوا لَكَ مَا عَمِلْنَا (^٥) فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ (^٦).\n\n• عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا بَقَاؤكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِهَا حَتَّى إِذَا انْتصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا». ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ الْإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا. ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ فَقَالَ: أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ: أَيْ رَبَّنَا أَعْطَيْتَ هؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا، فَقَالَ اللَّهُ\n_________\n(^١) ومنه قول الله تعالى ﴿» كذلك جعلناكم أمة وسطا (عدولا) لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ وحكمة ذلك أن محمدا أفضل الأنبياء فكانت أمته أفضل الأمم. قال البوصيري ﵁:\nلما دعا الله داعينا لطاعته … بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم\n(^٢) أي مع أنبيائهم.\n(^٣) وتركوا العمل.\n(^٤) أي لمن قبلكم.\n(^٥) أي لا حاجة لنا إلى عملك وأجرتك.\n(^٦) أي الأولين، فهذا مثل المسلمين الذين أجابوا محمدا - ﷺ - ومثل اليهود والنصارى الذين غيروا وبدلوا وكفروا بالنبي الذي بعد نبيهم - ﷺ -.","vol":"3","page":426},{"text":"﷿: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ (^١). رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n• عَنْ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ الْعَالِيَةِ (^٣) فَمَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ فَدَخَلَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلًا ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْنَا وَقَالَ: «سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً: سَأَلْتُ رَبِّي أَلا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا (^٤)، وَسَأَلْتُهُ أَلا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَلا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَانِيهَا (^٥)، وَسَأَلْتُهُ أَلا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا (^٦)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَلِأَبِي دَاوُدَ (^٧): إِنَّ اللَّهَ أَجَارَكُمْ مِنْ ثَلَاثِ خِلَالٍ: أَلا يَدْعُو عَلَيْكُمْ نَبِيُّكُمْ فَهْلِكُوا جَمِيعًا، وَأَلا يَظْهَرَ أَهْلُ الْبَاطِلِ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ، وَأَلا يَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ.\n_________\n(^١) هذا في أهل الكتاب الذين ماتوا قبل التحريف والتبديل فلذا أعطوا قيراطا قيراطا، فزمن الأمة المحمدية بالنسبة لزمن السالفين كما بين العصر إلى الغروب، وزمن اليهود كما بين الصبح إلى الظهر، وزمن النصارى كما بين الظهر إلى العصر، فالأمة المحمدية مع قصر زمنها وقلة أعمالها أعطيت أكثر من السالفين. وما ظلمهم الله شيئًا ولكن وفاهم بما عملوا. وزاد للأمة المحمدية فضلا منه وكرما جل شأنه، ولفظ الإمامين مالك وأحمد ﵄: إنما أجلكم فيما خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغارب الشمس؛ وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل من غدوة إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعملت اليهود. ثم قال: من يعمل من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى ثم قال: من يعمل من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين قيراطين فأنتم هم. فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: ما لنا أكثر عملا وأقل عطاء. قال: هل ظلمتكم من حقكم شيئا؛ قالوا: لا. قال: فذلك فضلى أوتيه من أشاء.\n(^٢) ولكن البخاري في فضل صلاة العصر.\n(^٣) إحدى ضواحي المدينة.\n(^٤) السنة: القحط والجوع.\n(^٥) فلا يستأصلون بواحدة من هاتين ولكن يقع بعضهما.\n(^٦) فالنزاع والاختلاف واقع بين أفراد الأمة إلى يوم القيامة، قال تعالى ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.\n(^٧) هذا واللذان بعده في الفتن والملاحم.","vol":"3","page":427},{"text":"• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُمَّتِي هذِهِ (^١) مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الْآخَرِةِ عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ وَالزَّلَازِلُ وَالْقَتْلُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةٍ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا (^٣)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلَهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ (^٥)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦) وَالْحَاكِمُ وَلَفْظُهُ: أُمَّتِي أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ مَغْفُورٌ لَهَا مُتَابٌ عَلَيْهَا.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي أَوْ قَالَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى ضَلَالَةٍ وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ (^٧)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ. نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ مِنَ الْفِتَنِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ آمِين.\nبحمد الله وتوفيقه تم طبع الجزء الثالث وعدد أحاديثه خمسة عشر وثلاثمائة وألف حديث ويليه الجزء الرابع وأوّله» كتاب فضائل القرآن والتفسير» إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) أمتي هذه أي الموجودون في زمنه ﷺ مرحومون وليس عليهم عذاب وهذا ظاهر، أو المراد كل الأمة مرحومة أي مخصوصة بمزيد الرحمة وإتمام النعمة وتخفيف الإصر الذي كان على السالفين كقتل النفس في التوبة وإخراج ربع المال في الزكاة، وقرض موضع النجاسة فالأمة مرحومة بهذا وليس عليها عذاب في الآخرة كغيرها من الأمم وإن كان سيقع منه على من أراد الله تعذيبه.\n(^٢) بسند صحيح.\n(^٣) أي بنشر الشريعة بالتعليم أو بالتأليف أو بحمل الناس على العمل بالدين فيكون دائمًا قشيبا جديدا.\n(^٤) بسند صحيح.\n(^٥) أي ففيها كلها خير إن شاء الله.\n(^٦) بسند حسن.\n(^٧) فإذا أجمع علماء الأمة على شيء فهو حق لأن يد الله مع الجماعة وهم أهل العلم بالكتاب والسنة ومن شذّ عنهم فهو ضال ومآله النار، فالأمة المحمدية أفضل الأمم لأن نبيها أفضل الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، ولأنها أعطيت ليلة القدر، ولأنها تعطى من الأجر أضعاف ما يعطى للسالفين ولأنها لا تجتمع على ضلالة، ولا تزال طائفة منها على الحق إلى يوم القيامة، ولأنها ستشهد على الأمم في الآخرة وسيزكيها نبينا محمد - ﷺ - ولأنها ستدخل الجنة قبل الأمم كلها إن شاء الله. نسأل الله الموت على الإيمان وأن يحشرنا في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين. والحمد لله رب العالمين.","vol":"3","page":428},{"text":"التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول ﷺ\n\nتأليف\nالشيخ منصور علي ناصف\nمن علماء الأزهر الشريف\n\nوعليه\nغاية المأمول - شرح التاج الجامع للأصول\n\nالجزء الرابع\n\nالطبعة الخامسة\n١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م\n\nجميع الحقوق محفوظة\nدار إحياء التراث العربي\nبيروت - لبنان","vol":"4","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type='title' id=toc-803>كتاب فضائل القرآن</span>\nوفيه أربعة أبواب وخاتمة\n\n<span data-type='title' id=toc-804>الباب الأول في فضائل القرآن وحامليه ومعلميه</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ (^١). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (^٢) ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ عُثْمَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (^٣). رَوَاهُ\n_________\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\nكتاب فضائل القرآن الكريم. وفيه أربعة أبواب وخاتمة\nالباب الأول في فضل القرآن وحامليه ومعلميه\n(^١) قد جاءكم برهان من ربكم. هو النبي ﷺ. وأنزلنا إليكم نورا مبينا. هو القرآن الكريم. يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم.\n(^٢) أوحينا إليك روحًا من أمرنا. هو القرآن الذي تحيا به القلوب كما تحيا الأشباح بالأرواح، ولكن جعلناه أي القرآن نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا. اللهم اجعله نورًا وشافعًا لنا واهدنا به يا رحمن آمين.\n(^٣) لأنه صار خليفة الله وخليفة رسول الله ﷺ ونافعًا لعباده. وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعباده.","vol":"4","page":3},{"text":"الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرةِ (^١) وَالَّذِي يَقْرَأُ وَهُوَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ لَهُ أَجْرَانِ». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ (^٢) رِيحُهَا طَيِّبٌ وطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِن الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمَهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الْحَنْظَلَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا مُرٌّ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ (^٣) فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلى بُطْحَانَ أَوِ الْعَقِيقِ فَيَأْتِيَ مِنْهُ بنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ فِي غَيْرِ إِثْمِ بِاللَّهِ وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟» فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ\n_________\n(^١) البررة: جمع بار وهو المطيع. والسفرة: جمع سافر ككتبة وكاتب وهم الملائكة الذين يتولون القرآن في عالم الملكوت، قال تعالى ﴿في صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدي سفرة * كرام بررة﴾. فحافظ القرآن المتقن له العامل به في درجة تلك الملائكة الكرام، وأما الذي يقرؤه ويريد حفظه وهو شديد عليه فله أجران: أجر القراءة وأجر التعب في حفظه. وفي رواية: والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران. نسأل الله التوفيق للعمل به آمين.\n(^٢) الأترجة بضم فسكون فضم فتشديد. ثمرة حلوة الطعم طيبة الريح جميلة اللون، والتمرة: ثمرة النخل، والريحانة: كل بقلة طيبة الريح كالورد والياسمين والريحان، والحنظلة: ثمر نبات في البادية مر الطعم ولا ريح له ولكنه كثير الفوائد كما في القاموس. فحامل القرآن العامل به في درجة عالية وذكره حسن عند الله والناس، والمنافق الذي لا يقرأ القرآن خبيث الظاهر والباطن نسأل الله الهداية.\n(^٣) الصفة كالقفة: مكان مظلل في المسجد كانت تأوى إليه المساكين ويسمون ضيوف الإسلام وسيأتي حديثهم في الزهد إن شاء الله. وبطحان كقربان أو بفتح فكسر: مكان بضواحي المدينة، والعقيق: واد من أودية المدينة، والكوماوين: تثنية كوماء وهي الناقة العظيمة السنام، فحفظ آيتين من القرآن والعمل بهما أفضل عند الله من اكتساب ناقتين؛ لأنهما متاع يذهب ويفنى، وثواب القرآن باق ونامٍ بل آية واحدة خير من الدنيا وما فيها.","vol":"4","page":4},{"text":"كُلُّنَا نُحِبُّ ذلِكَ، قَالَ: «فَلَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَتَعَلَّمَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﷿ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ» (^١).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينةُ (^٢) وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأُ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَة تَقْرَؤُهَا» (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ يَا رَبِّ حَلِّهِ (^٤) فَيُلْبَسُ تَاجَ الْكَرَامَةِ، ثُمَّ يَقُولُ يَا رَبِّ زِدْهُ فَيُلْبَسُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ، ثُمَّ يَقُولُ يَا رَبِّ ارْضَ عَنْهُ فَيَرْضَى عَنْهُ فَيُقَالُ لَهُ اقْرَأْ وَارْقَ وَتُزَادُ بِكُلِّ آيَةٍ حَسَنَةً». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\nوَلِأَبِي دَاوُدَ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ أُلْبِسَ وَالِدُهُ تَاجًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ضَوْءُهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بُيُوتِ الدُّنْيَا لَوْ كَانَتْ فِيكُمْ\n_________\n(^١) أي وأكثر من أربع خير من مثلهن من الإبل.\n(^٢) فالقارئ للقرآن أو المفسر له تنزل عليه السكينة وهي طمأنينة القلب بزيادة الإيمان. وتغشاه الرحمة وتحوط به الملائكة ويسمو ذكره في الملأ الأعلى. وتقدم الحديث بطوله في كتاب العلم.\n(^٣) فلصاحب القرآن درجات في الجنة بعدد ما يحفظ منه، وسيطلب منه في الجنة أن يقرأ ويرتل ليسمعوا منه، فما أرفع منزلته وما أعلى شأنه حينذاك. نسأل الله أن يجعلنا من أهل القرآن آمين.\n(^٤) يا رب حله: من التحلية والزينة، فالقرآن يطلب من الله لصاحبه في الجنة التكريم ورفيع الدرجات فيلبسه الله تاج الكرامة فيستزيد ربه فيلبسه حلة الكرامة فيلتمس الرضا عنه حتى يقول الله تعالى له: اقرأ وارتق بقدر ما تقرأ، وأزيدك على كل آية حسنة.","vol":"4","page":5},{"text":"فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهذَا» (^١).\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ» (^٢).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ ولامٌ حرفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ» (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أَعْطِي السَّائِلِينَ (^٤) وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ» (^٥).\n\n• عَنْ عَلِيَ رضي الله عنهعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَاسْتَظْهَرَهُ (^٦) فَأَحَلَّ حَلَالَهُ وحَرَّمَ حَرَامَهُ أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ وَشَفَّعَهُ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كُلُّهُمْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ» (^٧).\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِعَبْدٍ فِي شَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا وَإِنَّ الْبِرَّ لَيُذَرُّ عَلَى رَأْسِ الْعَبْدِ مَا دَامَ فِي صَلَاتِهِ (^٨) وَمَا تَقَرَّبَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ يَعْنِي الْقُرآنَ» (^٩).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «الْحَالُّ الْمُرْتَحِلُ»، قَالَ: وَمَا الْحَالُّ الْمُرْتَحِلُ؟ قَالَ:\n_________\n(^١) لا شك أن درجة حافظ القرآن العامل به أعظم من درجة أبيه الذي لم يحفظ القرآن.\n(^٢) أي الخالي من الخير والسكان، فحامل القرآن مملوء بالخير ومغمور بالإحسان.\n(^٣) فلقارئ القرآن بكل حرف من كل كلمة يقرؤها حسنة مضاعفة.\n(^٤) فمن اشتغل بالقرآن والذكر عن مطلوبه أعطاه الله مناه وزاده؛ لأنه لما اشتغل بطاعة الله كفاه الله كل شيء. وفي رواية: من شغله القرآن عن ذكري ومسئلتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين.\n(^٥) فكلام مالك الملك ملك الكلام كله فثوابه أعظم من كل شيء.\n(^٦) أي حفظه عن ظهر قلب.\n(^٧) وربما شفعه الله في أكثر فإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ومعلوم أن درجة الشفاعة أعلى درجة في القيامة لدلالتها على علو المكانة.\n(^٨) فما دام العبد في صلاة فالإحسان نازل عليه.\n(^٩) وفي رواية: إنكم لن ترجعوا إلى الله بأفضل مما خرج منه وهو القرآن.","vol":"4","page":6},{"text":"«الَّذِي يَضْرِبُ مِنْ أَوَّلِ الْقُرْآنِ إِلَى آخِرِهِ كُلَّمَا حَلَّ ارْتَحَلَ» (^١).\n\n• عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ ﵁ قَالَ: مَرَرْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ فِي الْأَحَادِيثِ فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيَ ﵁ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلا تَرَى أَنَّ النَّاسَ قَدْ خَاضُوا فِي الْأَحَادِيثِ؟ قَالَ: وَقَدْ فَعَلُوهَا؟ (^٢) قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: أَمَا إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ» فَقُلْتُ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ (^٣) وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ (^٤) مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَهوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ (^٥) وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ (^٦) وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ وَلَا يَخْلُقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ (^٧) وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾ ﴿قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ خُذْهَا إِلَيْكَ يَا أَعْوَرُ» (^٨). رَوَى هذِهِ السَّبْعَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٩).\n_________\n(^١) أي كلما أتم القرآن عاد لتلاوته من أوله، فالقرآن أفضل عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه تعالى بعد الفرائض التي افترضها عليه، وحكى عن الإمام أحمد ﵁ أنه رأى ربه في المنام عدة مرات فقال: والله إن رأيته مرة أخرى لأسألنه أي شيء يقرب العبد إلى ربه. فرأى ربه جل شأنه فقال: يا رب بأي شيء يتقرب العبد إليك؟ قال: بتلاوة كلامي يا أحمد. قال: فهم المعنى أو لم يفهم يا رب؟ قال: فهم المعنى أو لم يفهم.\n(^٢) فعلوها أي هذه الخصلة وهي الخوض في الأحاديث.\n(^٣) ففيه أخبار السالفين وكثير من علامات الساعة الآتية كالدابة وطلوع الشمس من مغربها وأحوال القيامة وأهوالها.\n(^٤) هو الفصل أي الحكم الفارق بين الهدى والضلال.\n(^٥) أي لا تميل عن الحق باتباعه أو ما دامت تتبعه.\n(^٦) أي لا يختلط به غيره فيشتبه الأمر ويلتبس الحق بالباطل بل هو محفوظ بعناية الله تعالى قال تعالى ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾.\n(^٧) لا يخلق أي لا يبلى، فمع كثرة تلاوته وتكراره لا يبتذل ولا تسأمه النفوس.\n(^٨) خذها أي هذه المواعظ والحكم البالغة إليك أي ارجع بها معك أيها الأعور.\n(^٩) الأول والثاني بسندين صحيحين والثالث بسند حسن والباقي بأسانيد غربية.","vol":"4","page":7},{"text":"• عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالى قَرَأَ طه وَيس قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ والْأَرْضَ بِأَلفِ عَامٍ فَلَمَّا سَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ الْقُرْآنَ قَالَتْ: طُوبى لِأُمَّةٍ يَنْزِلُ هذَا عَلَيْهَا، وَطُوبى لِأَجْوَافٍ تَحْمِلُ هذَا، وطُوبى لِأَلْسِنَةٍ تَتَكَلَّمُ بِهذَا» (^١). رَوَاهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْمَصَابِيح.\n\n<span data-type='title' id=toc-805>التحذير من نسيان القرآن</span>\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ».\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا» (^٢). رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بِئْسَمَا لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ هُوَ نُسِّيَ (^٣) اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ فَلَهُو أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ\n_________\n(^١) طوبى: شجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، وفيها من كل الثمرات ومن كل فاكهة، وفيها خير كثير وهو المراد هنا، وفي هذا إشارة إلى علو شأن الأمة المحمدية نسأل الله تعالى أن يجعلنا من خيارها آمين.\n\nالتحذير من نسيان القرآن\n(^٢) الإبل المعقلة: الممسوكة بالعقال، والتفصي: التقلت والشراد، فصاحب الإبل المعقلة إن لازمها بقيت له وإن تركها ذهبت، كذلك صاحب القرآن إن تعاهده بالتلاوة مرة بعد أخرى بقى له وإلا ذهب عنه ونسيه فإنه أسرع ذهابًا من الإبل.\n(^٣) فلا ينبغي لمن نسي شيئًا من القرآن أن يقول نسيت كذا وكذا فإن النسيان هو الترك ولا يليق هذا بالقرآن ولأنه بتقدير الله تعالى فلا ينسبه لنفسه، بل الأدب أن يقول: أنسيت كذا وكذا.","vol":"4","page":8},{"text":"ﷺ رَجُلًا يَقْرأُ بِاللَّيْلِ فَقَالَ: «يَرْحَمُه اللَّهُ قَدْ أَذْكَرَنِي آيَةَ كَذَا وَكَذَا كُنْتُ أُنْسِيتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا» (^١). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا» (^٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-806>الباب الثاني في آداب القراءة</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (^٣)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ كَانَتْ مَدًّا (^٤) ثُمَّ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يَمُدُّ بِبِسْمِ اللَّهِ وَيَمُدُّ بِالرَّحْمنِ وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n_________\n(^١) أي نسي تلاوتها من تلك السورة ولكن قد سمعها الأصحاب وكتبها بعضهم فلا اعتراض، والنسيان وقع من النبي - ﷺ - في بعض التشريعات لحكم منها بيان الحكم كما تقدم في سجود السهو ولكنه يدرك لتقدير الله يحفظه، قال تعالى ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾.\n(^٢) ولأبي داود \"ما من امرئ يقرأ القرآن ثم ينساه إلا لقي الله يوم القيامة أجذم\" أي فيه تشويه كبير كمرض الجذام. فنسيان القرآن أو شيء منه إثم عظيم إلا إذا كان معذورا كمرض فلا \"لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها\". نسأل الله أن يوفقنا للقيام بحقه وأن يحشرنا في زمرة حامليه آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nالباب الثاني في آداب القراءة\n(^٣) أي تثبت في تلاوته وبيّن الكلمات والحروف مع التأني.\n(^٤) فقال كانت مدا: أي ذات مد فيما يمد وهو أنواع: أولها المد الطبيعي وهو ما اتصل به ألف أو ياء أو واو كاللام في بسم الله والميم في الرحمن والحاء في الرحيم وهذا يجب مده حركتين الواحدة منهما بقدر ضم الأصبع، وثانيها: المد المتصل وهو الذي اتصل بهمزة كجاء وشاء وكجيء، وهذا يمد بقدر أربع حركات على المشهور .. وثالثها: المنفصل وهو ما كان المد في كلمة والهمزة في كلمة أخرى كقوله تعالى ﴿قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ وقدر هذا حركتان أو أربع أو ست على تفاوت القراء فيه، ورابعها: المد اللازم وهو الذي اتصل بتشديد العامة =","vol":"4","page":9},{"text":"• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ثُمَّ يَقِفُ (^١)، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ يَقِفُ وَكَانَ يَقْرَؤُهَا مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ (^٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقَرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» (^٤). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فِي مَسِيرٍ لَهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ سُورَةَ الْفَتْحِ فَرَجَّعَ فِي قِرَاءَتِهِ، قَالَ مُعَاوَيةُ: لَوْلَا خَوْفِي مِنَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَيَّ\n_________\n= والخاصة، وحاجه قومه قال: أتحاجوني في الله، وهذا يجب مده بقدر ست حركات، ولا شك أن القراءة بهذه الكيفية تكون بينة واضحة يفهمها كل سامع كحديث أبي داود والترمذي: كانت قراءة النبي - ﷺ - مفسرة حرفًا حرفًا بحيث يسهل على السامع عدها، وهذا العلم مشهور عند أربابه بعلم التجويد وهو عندهم لازم للقراءة لقوله تعالى ﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾ حتى قال قائلهم:\nوالأخذ بالتجويد حتم لازم … من لم يجود القرآن آثم\nلأنه به الإله أنزلا … وهكذا منه إلينا وصلا\nوله عدة مؤلفات كالتحفة والجزرية رضي الله عن مؤلفيهما، وقد منّ الله عليّ بحفظهما والحمد لله.\n(^١) أي وهكذا يقف على رأس كل آية ترويحًا للقارئ وبيانًا للسامع، فالوقف على رءوس الآي مندوب وهذا كمال وإلا فلو تلا بضع آيات في نفس واحد لصح وجاز.\n(^٢) أي بحذف ألف مالك، وهذه رواية أم سلمة وإلا فقد روى أنس: أن النبي - ﷺ - وصحبه الأعلام كانوا يقرءون مالك يوم الدين وكله مشروع كما هو مشهور في علم القراءات.\n(^٣) بسند غريب.\n(^٤) فأبو موسى الأشعري ﵁ كان حسن الصوت فسمعه النبي - ﷺ - يقرأ ليلا فلما قابله صباحًا قال له: لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك ليلا لسررت لقد أعطيت مزمار من مزامير آل داود أي لقد أعطيت لحنا من حسن صوت داود ﵇. وكان صوت داود في نهاية الحسن وكان يقرأ الزبور بسبعين لحنا وكان إذا قرأ بكى وبكّى كل من سمعه من إنس وجن وحيوان في بر أو بحر، وفي رواية: دخلت دار أبي موسى الأشعري فما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا ناي أحسن من صوته، والصنج كالشرط: آلة من نحاس كالطبقين يضرب بأحدهما على الآخر، والبربط كجعفر: آلة كالعود، والناي: المزمار، فلما سمع أبو موسى ذلك قال: لو علمت يا رسول الله أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا أي لحسنته وزينته لك تزيينا.","vol":"4","page":10},{"text":"لَحَكَيْتُ لَكمْ قِرَاءَتَهُ (^١).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيَ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» (^٢). رَوَاهُمَا الثَّلَاثَةُ.\nوَلِأَبِي دَاوُدَ وَالْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» (^٣).\n\n• عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اقْرَؤوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ» (^٤). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ وَيَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ يَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلَا يَرَى شَيْئًا وَيَنْظَرُ فِي الْقِدْحِ فَلَا يَرَى شَيْئًا وَيَنْظُرُ في الرِّيشِ فَلَا يَرَى شَيْئًا وَيَتَمَارَى فِي الْفُوقِ» (^٥).\n_________\n(^١) فرجع في قراءته أي ردد صوته بها وأظهر المد في مواضعه وأشبع الحروف به.\n(^٢) ما أذن الله لشيء أي ما استمع لشيء كاستماعه لحسن الصوت من نبي أي أو غيره من أهل القرآن الصالحين، والمراد إعطاء الأجر العظيم على حسن الصوت.\n(^٣) أي حسنوا القرآن بتحسين الصوت فإنه يزيد في بهائه وجلاله وينعش الأبدان والأرواح ويصل بمواعظه إلى أعماق القلوب. فتحسين الصوت بالقرآن مستحب ولو بالألحان المعروفة مع آداب القراءة المذكورة في علم التجويد، فإن زاد في الجلد أو الغن أو تركهما كان مكروها، وقيل كان حرامًا وأثم القارئ ووجب على السامع الإنكار إن كان الخروج ظاهرًا وإلا فلا.\n(^٤) اقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم أي ما اتفقتم على معانيه فإذا اختلفتم فقوموا عنه أي انصرفوا لئلا يحصل التجادل والتخاصم، أو المراد اقرأوه ما دامت نفوسكم منشرحة له فإذا ملت وسئمت فاتركوا القراءة إجلالا للقرآن الكريم.\n(^٥) لا يجاوز حناجرهم: جمع حنجرة وهي الحلقوم، وفي الرواية الآتية: تراقيهم جمع ترقوة وهي عظمة النحر المجاورة للرقبة، والمراد لا يصل إلى قلوبهم، والرمية كعطية: الصيد، والمراد يفرون من الدين كالسهم الذي يصيب الصيد فيخرج منه بسرعة، ينظر: أي الرامي في النصل وهو حديد السهم، والقدح: السهم قبل أن يراش ويركب سهمه، والريش: الذي على السهم، ويتمارى: أي يشك في الفوق مدخل الوتر منه، والمعنى سيظهر في زمنكم قوم يكثرون من=","vol":"4","page":11},{"text":"• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^١). رَوَاهُمَا الْأَرْبَعَةُ (^٢).\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَاصَ يَقْرَأُ ثُمَّ سَأَلَ فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلْيَسْأَلِ اللَّهَ بِهِ فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ يَسْأَلُونَ بِهِ النَّاسَ» (^٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ» قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً حَتَّى قَالَ: «اقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذلِكَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\n= العبادة ولكن رياء وسمعة وهم بعيدون عن الدين كالسهم إذا نفذ من مرماه بسرعة، فينظر الرامي في النصل والقدح والريش فلا يرى فيها أثرا للإصابة. وهؤلاء هم الخوارج خرجوا على الناس بأحموقة ظهرت لهم في زمن عليّ ﵁ فقاتلهم قتالا شديدًا، وهم فرقة من المسلمين ضلوا عن الهدى ولكن تجوز مناكحتهم وأكل ذبائحهم وشهادتهم نظرًا لظاهرهم. وسئل عنهم عليّ ﵁ أهم كفار؟ فقال: من الكفر فروا، فقيل: منافقون؟ فقال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا وهؤلاء يذكرون الله بكرة وأصيلا، فقيل: من هم؟ فقال: قوم أصابتهم فتنة فعموا وصموا، نسأل الله التوفيق والهداية آمين.\n(^١) حدثاء الأسنان: أي صغارها، سفهاء الأحلام: أي ضعفاء العقول، يقولون من خير قول البرية: أي من قول خير البرية - ﷺ -، فقوم هذه صفتهم سيظهرون في آخر الزمان، يجب على الإمام أن يطلب منهم التوبة والرجوع إلى ما عليه المسلمون عدة مرات فإن تابوا وإلا قاتلهم فإن قتالهم جهاد لقوله في قتلهم: أجر لمن قتلهم يوم القيامة، ففيه وما قبله أن قراءة القرآن لا تكون إلا للإيمان به والعمل به لله تعالى.\n(^٢) ولكن البخاري وأبو داود هنا ومسلم في الزكاة.\n(^٣) على قاص أي قارئ، فاسترجع أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، كأنه رأى السؤال بالقرآن مصيبة فاسترجع لها وذكر الحديث. فقراءة القرآن وسؤال الناس بعدها وكذا من يقرأ وهو ماد يده للسؤال، ومن يقرأ في الطرق بنية السؤال كل هذا مذموم فإن القرآن أعظم شيء بيننا لأنه كلام الله فلا يكون عرضة لحطام الدنيا الفاني.","vol":"4","page":12},{"text":"• وَعَنْهُ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَمْ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: «اخْتِمْهُ فِي شَهْرٍ» قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفَضَلَ مِنْ ذلِكَ قَالَ: «اخْتِمْهُ فِي عِشْرِينَ»، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ قَالَ: «اخْتِمْهُ فِي خَمْسَ عَشرَةَ»، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ قَالَ: «اخْتِمْهُ فِي عَشْرٍ»، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ قَالَ: «اخْتِمْهُ فِي خَمْسٍ» (^١) قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ فَمَا رَخَّصَ لِي (^٢).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمْ يَفْقَهْ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ» (^٣). رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدَيْنَ صَحِيحَيْنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-807>ينبغي استماع القرآن بتدبر وخشوع</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (^٤).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْرَأْ عَلَيَّ»، قُلْتُ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِنِّي أَشْتَهي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي»، قَالَ: فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قَالَ: «كُفَّ أَوْ أَمْسِكْ» فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَذْرِفَان (^٥). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\n= أما قراءة القرآن في مكان محترم كالخيام التي تقام للأفراح والمآتم فلا بأس بها بشرط عدم المحرم وعدم التشويش على القارئ نسأل الله التوفيق.\n(^١) وفي رواية: قال اختمه في سبع أي من الليالي.\n(^٢) لأن القراءة بالسرعة تكون خالية من التدبر.\n(^٣) أي لم يفهم الواجب عليه في القراءة من قرأ القرآن في أقل من ثلاث ليال. فالأدب المطلوب من قارئ القرآن أن يكون طاهرًا وأن يكون جالسًا مستقبل القبلة وأن يجود القرآن وأن يتدبر في معانيه وأن يلاحظ أن الله ناظر إليه ويجيبه في كل كلمة وأن ينوى العمل بما فيه ما دام حيًّا نسأل الله التوفيق آمين.\n\nينبغي استماع القرآن بتدبر وخشوع\n(^٤) أي إذا قرئ القرآن في مجلس أنتم فيه فاستمعوا له وأنصتوا عن الكلام لعلكم ترحمون بالقرآن.\n(^٥) طلب النبي - ﷺ - من عبد الله بن مسعود أن يسمعه شيئا من القرآن فقرأ عبد الله سورة =","vol":"4","page":13},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾» قَالَ: وَسَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَبَكَى (^١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-808>تنزل السكينة لقراءة القرآن</span>\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ وَعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ بِشَنَطَيْنِ فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدُورُ وَتَدْنُو وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنْهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذلِكَ لَهُ فَقَالَ تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ (^٢). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّكِينَةَ وَالْهِدَايَةَ آمِينَ.\n_________\n= النساء فلما وصل إلى تلك الآية بكى النبي - ﷺ - وأمره بالسكوت.\n(^١) بكي أبي بن كعب لما علم أن الله ذكر اسمه للنبي - ﷺ -. ففيه استحباب استماع القرآن من أهله المتقين له وعلى السامع الخشوع والإنصات والتفكر في معانيه والاتعاظ بما فيه من الحكم والمواعظ وذكر الماضين وأيام الله معهم. وبالإجمال الجالس في مجلس القرآن كأنه في مجلس الله تعالى يحاكيه ويناجيه.\n\nتنزل السكينة لقراءة القرآن\n(^٢) الرجل الذي كان يقرأ هو أسيد بن حضير السابق في الفضائل، والشنطان: تثنية شنط وهو الحبل، وتلك السحابة هي السكينة نزلت للقراءة، والسكينة شيء من مخلوقات الله تعالى فيه طمأنينة ورحمة ومعه الملائكة سميت بذلك لأن القلب يصفو بها ويستنير ويسكن نسأل الله ذلك آمين.","vol":"4","page":14},{"text":"<span data-type='title' id=toc-809>الباب الثالث في فضائل السور </span>(^١)\n<span data-type='title' id=toc-810>فضل الفاتحة والبقرة وآل عمران </span>(^٢)\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ﵁ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فَدَعَانِي النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ قُلْتُ: يَا رسُولَ اللَّهِ كُنْتُ أُصَلِّي، قَالَ: «أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ ﴿اسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم﴾ (^٣)» ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ»، فَأَخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أَرَدْنَا الْخُرُوجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ قُلْتَ لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ» (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا وَإِنَّهَا سَبْعٌ مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ» (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أُمُّ الْقُرْآنِ (^٦) وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ سَمِعَ نَقِيضًا (^٧) مِنْ فَوْقِهِ\n_________\nالباب الثالث في فضائل السور\nفضل الفاتحة والبقرة وآل عمران\n(^١) السور جمع سورة وهي قطعة من القرآن لها أول وآخر كالشيء المحدد بسور.\n(^٢) الفاتحة هي السورة التي افتتح القرآن بها ترتيبًا لا تزولا، والبقرة السورة التي ذكرت فيها البقرة في قوله ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ وآل عمران هي التي ذكر فيها آل عمران في قوله ﴿إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين\".\n(^٣) ظاهره أن إجابة النبي - ﷺ - واجبة في كل وقت وعلى أي حال.\n(^٤) هي السبع المثاني أي هي السبع آيات التي تثني وتقرأ في كل ركعة في الصلاة، والقرآن العظيم الذي لا نظير له.\n(^٥) أي في قوله جل شأنه ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم﴾ \".\n(^٦) أم القرآن أي أصله لأنها أوله رتبة وتلاوة.\n(^٧) النقيض كالنقيع صوت كصوت فتح الباب، فرفع رأسه فقال: أي جبريل.","vol":"4","page":15},{"text":"فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: هذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلا الْيَوْمَ (^١) فَنَزَلَ مِنْه مَلَكٌ فَقَالَ: هذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلا الْيَوْمَ (^٢) فَسَلَّمَ وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ؛ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلا أُعْطِيتَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اقْرَؤوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ (^٣) اقْرَؤوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقْرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ (^٤) فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَؤوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ».\nرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ: «يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ (^٥) سُوَرَةُ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ» وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَمْثَالٍ مَا نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ؛ قَالَ: «كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ» إِلَى آخِرِهِ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا وَهُمْ ذُو عَدَدٍ فَاسْتَقْرَأَهُمْ (^٦) فَقَرَأَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ فَأَتَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا فَقَالَ: «مَا مَعَكَ\n_________\n(^١) فيه أن السماء لها عدة أبواب.\n(^٢) فيه أنه كان ينزل على النبي - ﷺ - غير جبريل من الملائكة، فما من قارئ يقرؤها بإخلاص إلا أعطاه الله ما فيهما. اللهم ارزقنا الإخلاص يا كريم يا رحمن يا رحيم آمين.\n(^٣) أي العاملين به بخلاف غيرهم فإنه عليهم، للحديث الذي تقدم في فضل الطهارة (والقرآن حجة لك أو عليك).\n(^٤) البقرة وآل عمران بيان للزهراوين تثنية زهراء تأنيث الأزهر وهو المضيء الشديد الضوء، والغمامتان تثنية غمامة وهي السحابة، والغيايتان تثنية غياية وهي ما يظل الإنسان، وفرقان تثنية فرقة وهي طائفة الطير الصافة لأجنحتها أي الباسطة لها، وسورة البقرة أخذها بركة وتركها حسرة في الدنيا والآخرة ولا تستطيعها البطلة أي السحرة، فيه أن البقرة تمنع السحر عن حاملها حفظا أو كتابة بإذن الله تعالى.\n(^٥) تقدمه أي القرآن أي تقدمه لعظمها نسأل الله أن نكون من أهلها آمين.\n(^٦) فاستقرأهم أي طلب من كلٍّ قراءة ما يحفظه من القرآن.","vol":"4","page":16},{"text":"يَا فُلَانُ؟» قَالَ: مَعِي كَذَا وَكَذَا وَسُورَةُ الْبَقَرَةِ، قَالَ: «أَمَعَكَ سُورَةُ الْبقَرَةِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «اذْهَبْ فَأَنْتَ أَمِيرُهُمْ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مَنَعَنِي أَنْ أَتَعَلَّمَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ إِلا خَشْيَةَ أَلا أَقُومَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فاقْرَؤوهُ وَأَقْرِئُوا (^١) فَإِنَّ مَثَلَ الْقُرْآنِ لِمَنْ تَعَلَّمَهُ فَقَرَأَهُ وَقَامَ بِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ مَحْشُوَ مِسْكًا يَفُوحُ بِرِيحِهِ كُلُّ مَكَانٍ، وَمَثَلُ مَنْ تَعَلَّمَهُ فَيَرْقُدُ وَهُوَ فِي جَوْفِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ وُكِئَ عَلَى مِسْكٍ» (^٢).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ وَإِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ الْبَقَرَةُ لَا يَدْخُلُهُ الشَّيْطَانُ» (^٣). رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-811>فضل آية الكرسي وأواخر البقرة </span>(^٥)\n\n• عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ اللَّهُ لَا إِلهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وقَالَ: «وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ» (^٦). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n_________\n(^١) فاقرأوه أي لأنفسكم، وأقرئوا أي غيركم.\n(^٢) أي مليء بالمسك وربط عليه.\n(^٣) فيه وما قبله أن سورة البقرة لها شأن عظيم لأنها حوت من العلوم والشرعيات وأخبار السالفين والإلهيات ما لم يحوه غيرها.\n(^٤) الأول حسن والثاني صحيح.\n\nفضل آية الكرسي وأواخر البقرة\n(^٥) آية الكرسي هي التي ذكر فيها لفظ الكرسي وهي في سورة البقرة آية ٢٥٥ أولها: الله لا إله إلا هو الحي القيوم، وأواخر البقرة من أول آمن الرسول إلى آخرها.\n(^٦) أبا المنذر كنية أبي بن كعب، وإنما كانت آية الكرسي أعظم آية في الكتاب لأنها خاصة بالله تعالى وذكر أسمائه وصفاته العلية، وقوله: ليهنك العلم أي ليكن العلم هنيئًا لك ونافعًا لك ورافعًا لذكرك.","vol":"4","page":17},{"text":"• عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ سَهْوَةٌ فِيهَا تَمْرٌ (^١) فَكَانَتْ تَجِيءُ الْغُولُ فَتَأْخُذُ مِنْهُ، فَشَكَا ذلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فَاذْهَبْ فَإِذَا رَأَيْتهَا فَقُلْ بِاسْمِ اللَّهِ أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ» قَالَ: فَأَخَذَهَا فَحَلَفَتْ أَلا تَعُودَ فَأَرْسَلَهَا فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟» قَالَ: حَلَفَتْ أَلا تَعُودَ، قَالَ: «كَذَبَتْ وَهِيَ مُعاوِدَةٌ لِلْكَذِبِ» (^٢) قَالَ: فَأَخَذَهَا مَرَّةً أُخْرَى فَحَلَفَتْ أَلا تَعُودَ فَأَرْسَلَهَا فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟» قَالَ: حَلَفَتْ أَلا تَعُودَ، فَقَالَ: «كَذَبَتْ وَهِيَ مُعَاوِدَةٌ لِلْكَذِبِ فَأخَذَهَا» فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِكِ حَتَّى أَذْهَبَ بِكِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي ذَاكِرَةٌ لَكَ شَيْئًا آيَةَ الْكُرْسِيِّ اقْرَأْهَا فِي بَيْتِكَ فَلَا يَقْرَبْكَ شَيْطَانٌ وَلَا غَيْرُهُ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟» فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَتْ، قَالَ: «صَدَقَتْ وَهِيَ كَذُوبٌ» (^٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامٌ وَإِنَّ سَنَامَ (^٤) الْقُرْآن سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَفِيهَا آيَةٌ هِيَ سَيِّدَةُ آيِ الْقُرْآنِ»؛ هِيَ آيَةُ الْكُرْسِيِّ.\n_________\n(^١) سهرة - كرحمة - بيت صغير محفور في الأرض أو كرف أو طاق توضع فيه الأشياء، والغول: نوع من الجن والشياطين وجمعه غيلان.\n(^٢) أي هي كاذبة وستعود.\n(^٣) فآية الكرسي إذا قرئت بإخلاص في بيت صباحا حفظ من الشيطان طول اليوم، وإن قرئت مساء حفظ في تلك الليلة نسأل الله تمام الإخلاص.\n(^٤) السنام - كالطعام - أرفع عضو في جسم الجمل، فآية الكرسي أعظم آي القرآن. وقال عبد الله: ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي. وقال سفيان: لأنها كلام الله وهو أعظم من كل المخلوقات. وقد ورد فيها أحاديث كثيرة منها: من قرأها عند خروجه من بيته كان في ضمان الله حتى يرجع، ومنها: من قرأها دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ومنها: ما قرئت في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوما ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة. يا على علمها ولدك وأهلك وجيرانك فما نزلت آية أعظم منها، ومنها: من قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات التي حوله، ومنها: سيد الكلام القرآن وسيد القرآن البقرة وسيد البقرة آية الكرسي. ومنها: أنه نزل جبريل على موسى ﵉ وقال له. ربك يقول لك من قرأ=","vol":"4","page":18},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ حم الْمُؤْمِنَ (^١) إِلَى إِلَيْهِ الْمَصِيرُ، وَآيةَ الْكُرْسِيِّ حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُمْسِيَ وَمَنْ قَرَأَهُمَا حِينَ يُمْسِي حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُصْبِحَ». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدَيْنِ ضَعِيفَيْنِ.\n\n• عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» (^٢). رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا (^٣) قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ أَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَلَا يُقْرَآنِ فِي دَارٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَيَقَرْبَهَا شَيْطَانٌ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n= عقب كل صلاة: اللهم إني أقدم إليك بين يدي كل نفس ولمحة وطرفة يطرف بها أهل السماوات وأهل الأرض وكل شيء هو في علمك كائن أو قد كان. أقدم إليك بين يدي ذلك كله الله لا إله إلا هو الحي القيوم إلى آخرها، فإن الليل والنهار أربع وعشرون ساعة ليس منها ساعة إلا ويصعد إلى الله منه فيها سبعون ألف ألف حسنة حتى ينفخ في الصور اهـ حاشية الصاوي في التفسير.\n(^١) حم المؤمن هي السورة التي بعد سورة الزمر. وسميت حم المؤمن لقول الله فيها ﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه﴾ ومراد الحديث الآيات الثلاث التي في أولها وهي ﴿حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير﴾.\n(^٢) فمن قرأ الآيتين اللتين في آخر البقرة وهما ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه﴾ إلى آخر السورة في ليلة كفتاه ما أهمه للدنيا والآخرة أو كفتاه عن قراءة القرآن المطلوبة من حامله كل ليلة، والمدار على الإخلاص.\n(^٣) لعل المراد بالكتاب جنس الكتب التي نزلت على الرسل صلى الله عليهم وسلم لهداية الناس. فلا ينافي أسبقية كتابة المقادير على هذا كما سبق في الإيمان بالقدر: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. والتنصيص على خواتيم البقرة يدل على مزيد فضلها لما فيها من الاعتراف بأركان الإيمان والدعاء برفع الأثقال والعفو والغفران. نسأل الله العفو والعافية آمين.","vol":"4","page":19},{"text":"<span data-type='title' id=toc-812>فضل الإسراء والزمر</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَنامُ حَتَّى يَقْرَأَ الزُّمَرَ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ (^١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ نَسْأَلُ اللَّهَ كَمَالَ الرِّفْعَةَ وَالْيَقِينِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-813>فضل سورة الكهف </span>(^٢)\n\n• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ» (^٣). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: «مَنْ قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِتْنَةَ الدَّجَالِ». وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ حَفِظَ مِنْ خَوَاتِيمِ سُورَةِ الْكَهْف عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ». وَفي نُسْخَةٍ: «أَضَاءَ لَهُ النُّورُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعتِيقِ» (^٤). رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ.\n_________\nفضل سورة الإسراء والزمر\n(^١) الإسراء هي التي قال الله تعالى في أولها ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ وتسمى سورة بني إسرائيل لقوله تعالى ﴿وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل﴾ والزمر: هي السورة التي قال الله فيها ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا﴾ بعد يس بسورتين، فقراءة النبي - ﷺ - لهاتين السورتين قبل النوم دليل على فضلهما.\n\nفضل سورة الكهف\n(^٢) هي السورة التي ذكر فيها الكهف في قوله تعالى \" ﴿ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا﴾ \".\n(^٣) فمن حفظ عشر آيات أو ثلاث آيات من أول الكهف وقرأها صباحًا ومساء حفظ من فتنة المسيح الدجال، وكذا من واظب على قراءة خواتيم الكهف من أول \" ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا﴾ \" إلى آخرها صباحًا ومساء، ولعل حكمة ذلك أن الكهف حصن عظيم لأنه بيت في الجبل، وقول الله تعالى في سد ذي القرنين ﴿فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا﴾.\n(^٤) البيت العتيق - أي القديم - هو الكعبة المكرمة لأنه أول بيت بني للعبادة، فيندب قراءتها في يوم الجمعة وكذا ليلتها لإدراك هذا الفضل ونص عليه الشافعي ﵁ وأرضاه واحشرنا في زمرته آمين.","vol":"4","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-814>فضل سورة يس والدخان </span>(^١)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا وَقَلْبُ الْقُرْآنِ يس وَمَنْ قَرَأَ يس كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِقِرَاءَتِهَا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ عَشْرَ مَرَّاتٍ» (^٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣) وَالْبَيْهَقِيُّ.\n\n• عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَلْبُ الْقُرْآنِ يس لَا يَقْرَؤُهَا رَجُلٌ يُرِيدُ اللَّهَ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ إِلا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، اقْرَؤوهَا عَلَى مَوْتَاكُمْ» (^٤). رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ يس فِي لَيْلَةٍ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ غُفِرَ لَهُ» (^٥). رَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَالْبَيْهَقِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ حم الدُّخَانَ فِي لَيْلَةٍ أَصْبَحَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ» (^٦). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ حم الدَّخَانَ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ غُفِرَ لَهُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\nوَلِلطَّبَرَانِيِّ: «مَنْ قَرَأَ حم الدُّخَانَ فِي لَيْلَةِ جُمُعَةٍ أَوْ يَوْمِ جُمُعَةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» (^٧).\n_________\nفضل سورة يس والدخان\n(^١) سورة يس مشهورة، بين سورة فاطر والصافات، وأولها \" ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ \" وسورة الدخان في الحواميم بين سورة الزخرف والأحقاف، وأولها \" ﴿حم والكتاب المبين﴾ \".\n(^٢) فمن قرأ يس مرة واحدة بإخلاص أعطاه الله أجر قراءة القرآن عشر مرات بدون بس لاشتمالها على معان وأسرار كثيرة ليست في غيرها.\n(^٣) بسند ضعيف ولكنه في الفضائل.\n(^٤) تقدم بسط الكلام على قراءة القرآن على الأموات في كتاب الجنائز من كتاب الصلاة.\n(^٥) ظاهره: ذنوبه كلها. إلا حقوق العباد فإنه لا يبرأ منها الشخص إلا بأدائها أو بمساحة أصحابها، ولسورة يس دعاء وتلاوة بكيفية معلومة للخلاص من الشدائد، وقد جرب ذلك الصالحون سلفا وخلفا، وقالوا: ليس لتفريج الكروب أحسن منها. والمدار على الإخلاص وحسن التوكل وقوة اليقين.\n(^٦) والملائكة مطهرون فاستغفارهم مقبول.\n(^٧) ظاهره أن البيوت تتعدد بتعدد القراءة ولا حرج على فضل الله فإنه واسع الفضل عظيم العطاء، والله أعلم.","vol":"4","page":21},{"text":"<span data-type='title' id=toc-815>فضل سورة الفتح </span>(^١)\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ثُمَّ قَرَأَ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا». رَوَاهُ الْبُخَاريُّ هُنَا وَمُسْلِمٌ فِي الْحُدَيْبِيَةِ وَلَفْظُهُ: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-816>فضل المسبحات وسورة الحشر </span>(^٣)\n\n• عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ الْمُسَبِّحَاتِ قَبْلَ أَنْ يَرْقُدَ وَيَقُولُ: «إِنَّ فِيهِنّ آيَةً خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ آيَةٍ» (^٤).\n\n• عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعليمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَقَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ (^٥) وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكْ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ\n_________\nفضل سورة الفتح\n(^١) سورة الفتح هي التي بين سورة الحجرات وسورة محمد - ﷺ - وأولها \" ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينا﴾ \".\n(^٢) وأوله لما نزلت ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينا﴾ - إلى - ﴿فوزا عظيما﴾ مرجعه من الحديبية وهم في حزن وقد نحروا الهدى. قال - ﷺ -: لقد أنزلت على آية هي أحب إلي من الدنيا جميعا، والمراد بالآية الجنس وإلا فهي أكثر كما أنها أحسن من كل الدنيا لأن ثوابها باق وكل الدنيا فانية. نسأل الله التوفيق.\n﴿فائدة﴾. عن عبد الله عن النبي - ﷺ - قال: من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا.\nرواه البيهقي. قال المناوي ﵁ وهذا لسر علمه الشارع وهو من الطب النبوي.\n\nفضل المسبحات وسورة الحشر\n(^٣) سورة الحشر هي التي بين سورة المجادلة والممتحنة وأولها \" ﴿سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم﴾ \" وسميت بذلك لقول الله تعالى فيها \" ﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم الأول الحشر﴾ \" الآية، والمسبحات هي السور التي في أولها سبحان وسبح لله ويسبح لله وهي خمس: الحديد، والحشر، والصف، والجمعة، والتغابن.\n(^٤) هي مبهمة لتقرأ المسبحات كلهن كإبهام ليلة القدر وساعة الإجابة التي تقدم ذكرها في صلاة الجمعة. وقيل تلك الآية هي قوله تعالى \" ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله﴾ \".\n(^٥) الآيات الثلاثة من آخر سورة الحشر هن: \" ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم﴾ \" إلى آخر السورة.","vol":"4","page":22},{"text":"حَتَّى يُمْسِيَ وَإِنْ مَاتَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^١). نَسْأَلُ اللَّهَ رَفِيعَ الْمَنْزِلَةِ آمِين وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-817>فضل سورة الملك</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سُورَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ ثلَاثُونَ آيَةً تَشْفَعُ لِصَاحِبِهَا حَتَّى غُفِرَ لَهُ، تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» (^٢) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: ضَرَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ خِبَاءَهُ عَلَى قَبْرٍ (^٤) وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَإِذَا فِيهِ إِنْسَانٌ يَقْرَأُ سُورَةَ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ حَتَّى خَتَمَهَا فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ضَرَبْتُ خِبَائِي عَلَى قَبْرٍ وَأَنَا لَا أَحْسِبُ أَنَّهُ قَبْرٌ فَإِذَا فِيهِ إِنْسَانٌ يَقْرَأُ تَبَارَكَ حَتَّى خَتَمَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هِيَ الْمَانِعَةُ هِيَ الْمُنَجِّيَةُ تُنَجِّيهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ».\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ لَا يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ الم تَنْزِيلُ وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ (^٥) رَوَاهُمَا التِّرْمِذيُّ (^٦) نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الرِّوَايَةِ آمِين.\n_________\n(^١) الأول بسند حسن والثاني بسند غريب ولكنه للترغيب.\n\nفضل سورة الملك\n(^٢) فمن يحفظ \" ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾ \" ويقرأها كل يوم أو كل ليلة فإنها تشفع له حتى يغفر له، وعدد آياتها ثلاثون آية.\n(^٣) عند حسن. نسأل الله حسن الحال.\n(^٤) الحياء - كبناء - هو الخيمة من صوف أو وبر أو شعر على عمود أو اثنين أو ثلاثة فإن زاد فهو بيت. فرجل مسافر نصب خباءه على قبر فسمع فيه من يقرأ تبارك، فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال هي المانعة أي تمنع الشر عن تاليها وتنجيه من عذاب القبر، وإذا جازت قراءة القرآن من في قبره فأولى من الحي على القبر لأن الحي أفضل من الميت.\n(^٥) الم تنزيل: هي سورة السجدة التي بين سورة لقمان والأحزاب.\n(^٦) والأول بسند حسن والثاني ضعيف ولكنه للترغيب.","vol":"4","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-818>فضل سورة الزلزلة والكافرون والنصر</span>\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ إِذَا زُلْزِلَتْ عَدَلَتْ لَهُ بِنِصْفِ الْقُرْآنِ، وَمَنْ قَرَأَ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ عَدَلَتْ لَهُ بِرُبْعِ الْقُرْآنِ، وَمَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عَدَلَتْ لَهُ بِثُلُثِ الْقُرْآنِ» (^١).\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: «هَلْ تَزَوَّجْتَ يَا فُلَانُ»، قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا عِنْدِي مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ مَعَكَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»، قَالَ: بَلَى. قَالَ: «ثُلُثُ الْقُرْآنِ» (^٢) قَالَ: «أَلَيْسَ مَعَكَ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ»، قَالَ: بَلَى، قَالَ: «رُبُعُ الْقُرْآنِ»، قَالَ: «أَلَيْسَ مَعَكَ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ»، قَالَ: بَلَى، قَالَ: «رُبُعِ الْقُرْآنِ»، قَالَ: «أَلَيْسَ مَعَكَ إِذَا زُلْزِلَتْ»، قَالَ: بَلَى، قَالَ: «رُبُعُ الْقُرْآنِ تَزَوَّجْ تَزَوَّجْ» (^٣). رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيّ (^٤). نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ آمِين.\n_________\nفضل سورة الزلزلة والكافرون والنصر\n(^١) من قرأ \" ﴿إذا زلزلت﴾ \" عدلت له بنصف القرآن أي ساوي ثواب قراءتها ثواب قراءة نصف القرآن لأن ما في القرآن للدنيا والآخرة وما في الزلزلة للآخرة. وثواب \"قل يا أيها الكافرون\" يساوي ثواب ربع القرآن لأنها تأمر برفض الشرك وبعبادة الله تعالى. وسيأتي الكلام على \"قل هو الله أحد\".\n(^٢) أي معك ثلث القرآن، \"وإذا جاء نصر الله\" تعدل ربع القرآن لأنها أعلنت بالنصر والفتح وكثرة الداخلين في الدين.\n(^٣) أي سورة الزلزلة تعدل ربع القرآن، ولا يعارض ما تقدم من أنها تعدل نصفه فإن هذا يختلف باختلاف القارئين إتقانا وعدمه وإخلاصا وعدمه. وفيه أن من كان معه تلك السور فليس بفقير بل هو غني بها فما بالك بمن كان يحمل القرآن كله. لا شك أنه أغنى الناس بهذا الخير الكثير العظيم وهو القرآن فمن أعطيه وظن أن أحدًا أعطى خيرًا منه فقد صغر ما عظم الله تعالى.\n(^٤) الأول بسند غريب ولكنه مؤيد بالصحاح الآتية في \"قل هو الله أحد\"، والثاني بسند حسن. نسأل الله حسن الحال.","vol":"4","page":24},{"text":"<span data-type='title' id=toc-819>فضل قل هو الله أحد</span>\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رجُلًا يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يُرَدِّدُهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَذَكَرَ ذلِكَ لَهُ وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا (^١) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» (^٢) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فهي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ»، قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأُ فِي لَيْلةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، قَالَ: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» (^٣). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «احْشُدُوا فَإِنِّي سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ»، فَحَشَدَ مَنْ حَشَدَ (^٤) فَخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثُمَّ دَخَلَ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: إِنِّي أَرَى هذَا خَبَرًا جَاءَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَذَاكَ الَّذِي أَدْخَلَهُ ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ أَلَا إِنَّهَا (^٥) تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ (^٦) فَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَجَعُوا\n_________\nفضل قل هو الله أحد\nوتسمى الصمدية لقوله تعالى فيها \"الله الصمد\" وسورة الإخلاص لإخلاص التوحيد فيها.\n(^١) يتقالها أي يستقلها لقصرها.\n(^٢) لأن علوم القرآن ثلاثة وهي: علم التوحيد، وعلم التشريع وعلى تهذيب النفوس والأخلاق، وعلى التوحيد كله في \"قل هو الله أحد\"، لحديث مسلم: إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء جمل قل هو الله أحد جزء من أجزاء القرآن.\n(^٣) فثواب قراءتها مرة واحدة كثواب قراءة القرآن في الكم لا في الكيف.\n(^٤) احشدوا أي اجتمعوا، فحشد من حشد أي اجتمع من اجتمع.\n(^٥) ألا إنها أي: \"قل هو الله أحد\".\n(^٦) بعث النبي - ﷺ - سرية أي جماعة للجهاد وأمّر عليهم رجلا منهم فكان يصلى بهم ويختم قراءته بقل هو الله أحد، فلا ذكروا هذا للنبي - ﷺ - وأمرهم بسؤاله فسألوه فقال: إني أحبها لأنها صفة الرحمن. قال - ﷺ -: أخبروه أن الله يحبه لحبه تلك السورة.","vol":"4","page":25},{"text":"ذُكِرَ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذلِكَ»، فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمنِ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ فَكَانَ كُلَّمَا أَمَّهُمْ فِي الصَّلَاةِ قَرَأَ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا وَكَانَ يَصْنَعُ ذلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ إِمَّا أَنْ تَقْرَأَ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِسُورَةٍ أُخْرَى فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا؛ إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِهَا فَعَلْتُ وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُ وَكَانُوا يَرَوْنَهُ أَفْضَلَهُمْ فَلَمَّا أَتَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: «يَا فُلَانُ مَا يَمْنَعُكَ مِمَّا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ وَمَا يَحْمِلُكَ أَنْ تَقْرَأَ هذِهِ السُّورَةَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنِّي أُحِبُّها فَقَالَ: «إِنَّ حُبَّهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ» (^١).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَقْبَلْتُ مع النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْرأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَجَبَتْ»، قُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: «الْجَنَةُ».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَتَيْ مَرَّةٍ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مُحِيَ عَنْهُ ذُنُوبُ خَمْسِينَ سَنَةً إِلا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ» (^٢). رَوَى التِّرْمِذِيُّ هذِهِ الثَّلَاثَةَ (^٣).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ». رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n• عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَصَابَنَا طَشٌّ (^٤) وَظُلْمَةٌ فَانْتَظَرْنَا رَسُولَ اللَّهِ\n_________\n(^١) أي إن حبك لها كان سببا في كونك من أهل الجنة.\n(^٢) وللترمذي بهذا السند: من أراد أن ينام على فراشه فنام على يمينه ثم قرأ قل هو الله أحد مائة مرة إذا كان يوم القيامة يقول له الرب يا عبدي ادخل على يمينك الجنة.\n(^٣) الأول صحيح والثاني حسن والثالث غريب ولكنه في الفضائل والله أعلم.\n(^٤) أي مطر.","vol":"4","page":26},{"text":"ﷺ لِيُصَلِّيَ بِنَا فَخَرَجَ فَقَالَ: «قُلْ»، قُلْتُ، مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثًا يَكْفِكَ كُلَّ شَيْءٍ» (^١). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الاِسْتِعَاذَةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-820>فضل المعوذتين </span>(^٢)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ (^٣) وَيَنْفُثُ فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا. رَوَاهُ الثَّلَاثَة.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنهقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ (^٥) قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كُنْتُ أَقُودُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاقَتَهُ فِي السَّفَرِ فَقَالَ لِي: «يَا عُقْبَةُ أَلَا أَعَلِّمُكَ خَيْرَ سُورَتَيْنِ قُرِئَتَا»؛ فَعَلَّمَنِي قُلْ أَعُوذُ\n_________\n(^١) فقراءة سورة الإخلاص والمعوّذتين صباحًا ومساء ثلاث مرات مع الإخلاص والتوكل على الله تعالى تكفيك كل شيء.\n\nفضل المعوذتين\n(^٢) هما \"قل أعوذ برب الفلق - وقل أعوذ برب الناس\" وها بعد الصمدية آخر القرآن ترتيبًا.\n(^٣) فكان النبي - ﷺ - إذا اشتكى أي مرض يقرأ على نفسه بالمعوذتين. ولفظ البخاري: بالمعوذات وهي الإخلاص والفلق والناس. وينفث أي ينفخ بقليل ريق في كفيه ثم يمسح بهما جسده رجاء الشفاء بالمعوذات فلما مرض مرضه الأخير كانت عائشة تقرأ وتمسح عليه بيده الشريفة.\n(^٤) فكان النبي - ﷺ - إذا أخذ مضجعه كل ليلة قرأ المعوذات ثم نفث في كفيه ثم مسح بهما جسمه كله من رأسه إلى قدمه ثلاث مرات تحصنا وتبركا بالمعوذات، فيستحب عمل هذا كل ليلة أسوة برسول الله - ﷺ -.\n(^٥) لم ير مثلهن قط لأنهن كلهن معوذات ومحصنات من شر كل شيء.","vol":"4","page":27},{"text":"بِرَبِّ الْفَلَقِ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْجُحْفَةِ وَالْأَبْوَاءِ (^١) إِذْ غَشِيَتْنَا رِيحٌ وَظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَيَقُولُ: «يَا عُقْبَةُ تَعَوَّذْ بِهِمَا فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا»، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَؤُمُّنَا بِهِمَا فِي الصَّلَاةِ (^٢). رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-821>الباب الرابع في رجال القرآن ورواياته </span>(^٣)\n\n• عَنْ قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ أَنسَ بْنَ مَالِكٍ: مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ؟ قَالَ: أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ: أُبيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ (^٤). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ\n_________\n(^١) الجحفة والأبواء مكانان في الطريق بين مكة والمدينة، والأبواء هو المكان الذي ماتت ودفنت به السيدة آمنة أم النبي - ﷺ - وهي راجعة من المدينة ﵂ وسنه - ﷺ - أربع سنين.\n(^٢) فكان يقرأ بهما في الصلاة وهو إمام بالناس، فمن هذا وما تقدم في الفاتحة وآية الكرسي وخواتيم البقرة يتضح لك أن السادة الصوفية أخذوا ختم الصلاة من الكتاب العزيز والسنة الغراء جزاهم الله أحسن الجزاء وحشرنا في زمرتهم آمين. وتقدم التسبيح في الذكر عقب الصلاة من كتاب الصلاة وسيأتي الذكر الذي في أول ختم الصلاة في كتاب الذكر والدعاء إن شاء الله.\n\n(تنبيه) هذا ما في أصولنا الخمسة من فضل بعض سور القرآن الكريم وإلا فكل سورة بل كل آية وكل كلمة من كتاب الله العزيز فضائلها لا تحصى ولا تعد وأسرارها جلت عن الحصر. نسأل الله أن يعلمنا من لدنه علما آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nالباب الرابع في رجال القرآن ورواياته\n(^٣) المراد برجال القرآن الأصحاب الذين اشتهروا بالتفرغ له والحفظ والإتقان كابن مسعود ومن معه ﵃. والمراد بروايات القرآن حروفه ووجوهه التي نزل عليها كما يأتي: نزل القرآن على سبعة أحرف.\n(^٤) أبو زيد أحد أعمام أنس واسمه سعد بن عبيد الأرسى المشهور بسعد القاري، والحديث تقدم في فضل معاذ ﵃.","vol":"4","page":28},{"text":"وَلَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ: أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَمُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. قَالَ: وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِله غَيْرُهُ مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ، وَلَا أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلا أَعْلمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللَّهِ تُبَلِّغُنِيهِ الْإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ (^٢).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ أَنِّي مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَمَا أَنَا بِخَيْرِهِمْ. قَالَ شَقِيقٌ: وَمَا سَمِعْنَا مُخَالِفًا لَهُ فِي ذلِكَ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ هُنَا وَسَبَقَا لِمُسْلِمٍ فِي الْفَضَائِلِ.\n_________\n(^١) أبو الدرداء هو عويمر بن مالك أو ابن عامر أو ابن ثعلبة الخزرجي، قال بعضهم: ذكر أبي الدرداء سهو من بعض الرواة وصوابه أبي بن كعب لذكره في كل الروايات، ولكن روى هذا الحديث الطبراني وذكر في أوله: افتخر الحيان الأوس والخزرج، فقال الأوس منا أربعة؛ من اهتز له عرش الرحمن سعد بن معاذ، ومن عدلت شهادته شهادة رجلين خزيمة بن ثابت، ومن غسلته الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومن حمته الدبر عاصم بن ثابت، فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن؛ وذكروا هؤلاء أي دون الأوس وهذا بحسب ما فهمه أنس وإلا فقد حفظه من المهاجرين الخلفاء الأربعة وطلحة وسعد وحذيفة وسالم وأبو هريرة وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن السائب والعبادلة الأربعة وهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن مسعود وتميم الداري وعقبة بن عامر وكذا حفظه من الأنصار غير من ذكروا في الحديثين عبادة بن الصامت ومجمع بن حارثة ومعاذ أبو حليمة وفضالة بن عبيد ومسلمة بن مخلد، وكذا حفظه من النساء عائشة وحفصة وأم سلمة ولكن بعض هؤلاء كمل حفظه بعد موته - ﷺ - ﵃ أجمعين وحشرنا في زمرتهم آمين.\n(^٢) هذا وما بعده تقدما في فضائل عبد الله بن مسعود ﵁.","vol":"4","page":29},{"text":"<span data-type='title' id=toc-822>نزل القرآن على سبعة أحرف </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُني حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» (^٢). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْرَأَنِيهَا فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (^٣) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي سَمِعْتُ هذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتنِيهَا فَقَالَ: «أَرْسِلْهُ»، اقْرَأْ يَا هِشَامُ، فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهَا فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «هَكَذَا أُنزِلَتْ» ثُمَّ قَالَ لِي: «اقْرَأْ» فَقَرَأْتُ فَقَالَ: «هكَذَا أُنزِلَتْ، إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَؤوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ» (^٤). رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ (^٥) فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ فَقَالَ:\n_________\nنزل القرآن على سبعة أحرف\n(^١) أي وجوه وقراءات.\n(^٢) الأحرف جمع حرف وهو اللغة أو القراءة، فالمعنى على الأول حتى انتهى إلى سبعة أحرف أي أوجه من اللغات، وعلى الثاني حتى انتهى إلى سبع قراءات رحمة بالناس.\nقال ابن شهاب. بلغني أن تلك الأحرف السبعة إنما هي في الأمر الذي يكون واحدًا لا يختلف في حلال ولا حرام أي أن تلك القراءات تكون أحيانا في آية واحدة وفي كلمة واحدة ولكن لا يتغير معناها من حلال إلى حرام وعكسه، بل المعني باق كمالك يوم الدين وفي قراءة ملك يوم الدين، وكالصراط المستقيم بالكسر والضم والصاد والسين وكأنعمت عليهم بكسر الهاء وضمها والمعنى في الكل واحد وهكذا. ولهذا الفن علم مشهور يسمى علم القراءات له عدة مؤلفات أشهرها الشاطبية.\n(^٣) فكدت أن أعجل عليه أي أخاصمه وهو في الصلاة ولكني انتظرته حتى فرغ من الصلاة ثم لببته بردائه أي جمعته إلى عنقه وقبضت عليه كشأن الخصام ثم ذهبت به إلى رسول الله - ﷺ -.\n(^٤) فأقرّ قراءتيهما ثم قال هكذا نزل فاقرأوا الميسور لكم مما سمعتموه مني رحمة بكم.\n(^٥) الأضاة كحصاة: غدير الماء.","vol":"4","page":30},{"text":"«أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذلِكَ»، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ فَقَالَ: «أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذلِكَ»، ثُمَّ جَاءَهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ فَقَالَ: «أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذلِكَ»، ثُمَّ جَاءَهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَأَيُّمَا حَرْفٍ قَرَؤوا عَلَيْهِ فَقَدْ أَصَابُوا (^١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: «يَا جِبْرِيلُ إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ مِنْهُمُ الْعَجُوزُ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْغُلامُ وَالْجَارِيَةُ وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا قَطُّ» قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ (^٢).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ فَلَمَّا قَضَيَا الصَّلَاةَ دَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ هذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرتُهَا عَلَيْهِ وَدَخَلَ هذَا فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَآ فَحَسَّنَ النَّبِيُّ ﷺ شَأْنُهُمَا فَسُقِطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ (^٣) فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَدْ غَشِيَنِي ضَرَبَ فِي صَدْرِي فَفِضْتُ عَرَقًا وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ ﷿ فَرَقًا (^٤) فَقَالَ لِي: «يَا أُبَيُّ أُرْسِلَ إِلَيَّ أَنِ اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ فَرَددْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي فَرَدَّ إِلَيَّ\n_________\n(^١) فكل رواية قرأ بها قارئ فقد أصاب الحق النازل من عند الله تعالى.\n(^٢) فبطلب النبي - ﷺ - التخفيف عن الأمة نزل القرآن بعدَّة لغات وفقنا الله له آمين.\n(^٣) أي فندمت وحزنت ووقع في خاطري من تكذيب النبوة لتصويبه قراءة الرجلين ما لم يقع مثله في الإسلام والجاهلية.\n(^٤) فلما رأى رسول الله - ﷺ - ما علاه من الندم ضرب في صدره فامتلأ جسمه عرقا، وفرقا أي خوفا من الله تعالى وحياء من النبي - ﷺ -.","vol":"4","page":31},{"text":"الثَّالِثَةَ اقْرَأْهُ عَلَى سْبَعَةِ أَحْرُفٍ فَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا» (^١) فَقُلْتُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ ﷺ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-823>خاتمة في جمع القرآن في عهد الخلفاء الراشدين ﵃</span>\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ (^٢) فَإِذَا عُمَرُ ابْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقالَ إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ (^٣) يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ عُمَرُ: هذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذلِكَ وَرَأَيْتُ الَّذِي رَأَى عُمرُ. قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ (^٤)\n_________\n(^١) فلك بكل ردة رددتكها مسألة أي لك بكل دفعة من هذه المراجعات مسألة أجيبك فيها وهن ثلاث، اقرأه على حرف واقرأه على حرفين، واقرأه على سبعة، فدعا - ﷺ - لأمته مرتين وأخّر الثالثة إلى يوم القيامة الذي يرغب فيه الخلق كلهم إليه أي يضطرون فيلجأون إليه - ﷺ - فيلتمس من ربه جل شأنه الشفاعة العظمى فيجيبه، وهذه هي الدعوة المدخرة للخلائق كلهم في الآخرة، وفي هذه الرواية حذفت مرة من مرات المراجعة فلا معارضة بينها وبين ما قبلها واتضح مما تقدم أن هذه المراجعة أفادت شيئين التخفيف والدعوات للأمة وللخلائق كلهم في الآخرة والله أعلم.\n\nخاتمة في جمع القرآن في عهد الخلفاء الراشدين ﵃\n(^٢) اليمامة كالحمامة بلد بالحجاز فيه نخيل كثير ظهر منه مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة وتبعه كثير فجرد له أبو بكر ﵁ جيشًا فذهب فقاتله حتى قتل هو وأصحابه واستشهد في هذه المعركة من الأصحاب نحو سبعمائة ومنهم طائفة من القراء ﵃.\n(^٣) قد استحر أي اشتد وكثر.\n(^٤) فأبو بكر اختار زيدا لجمع القرآن لأنه من رجاله المشهورين ولذكائه وغزارة علمه وشدة فطنته وكان يكتب الوحي لرسول الله - ﷺ - كثيرًا وكان يرد على المكاتبات التي ترد على النبي - ﷺ - حتى باللغة السريانية التي تعلمها لذلك ﵁.","vol":"4","page":32},{"text":"وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ. فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْر وَعُمَرَ ﵄ فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ (^١) حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾، الْآيَتَيْنِ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَياتَهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ﵃.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانَ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ (^٢) فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلافَهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ (^٣)، فَقَالَ\n_________\n(^١) العسب جمع عسيب: كقضيب وهو أصل جريد النخل المريض الخالي من الحوض، واللخاف جمع لخفة: وهي قطعة الحجر أو الخزف الرقيقة، وفي رواية: والرقاع جمع رقعة وهي قطعة الأديم، فلما مات كثير من القراء في وقعة اليمامة قال عمر لأبي بكر: إني أخاف على القرآن من موت القراء وإني أرى أن تأمر بكتابته. وبعد أخذ ورد ظهر لهما أن هذا فرض عيني فأحضر أبو بكر زيد بن ثابت وأمره بجمع القرآن فتوقف حتى أقنعه الشيخان ثم شرع في جمعه، وقد كان القرآن من عهد النبي - ﷺ - إلى هذا الحين مفرقًا عند الأصحاب حفظًا وكتابة؛ عند بعضهم في العسب وعند بعضهم في الرقاع وعند آخرين في ألواح، كل واحد كتب ما سمعه من النبي - ﷺ -، فيما تيسر له؛ فقال زيد: من تلقى من رسول الله - ﷺ - شيئًا من القرآن فليأت به وكان زيد لا يكتفي منهم بالمكتوب ولا بالسماع حتى يستشهد شاهدين فضلا عن حفظه ﵁ فجمع القرآن كله من تلك الأشياء ومن صدور الرجال وكتبه في صحف ووجد الآيتين من آخر سورة التوبة مع واحد من الأصحاب فقط وهو أبو خزيمة الأنصاري ﵁ وبقيت هذه الصحف عند أبي بكر ﵁ حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر ﵂ حتى طلبها عثمان ونسخها في عدة مصاحف كما في الحديث الآتي.\n(^٢) إرمينية: مدينة عظيمة بين بلاد الروم وخلاط، وأذربيجان: إقليم واسع فيه مدن كثيرة أشهرها تبريز.\n(^٣) فإن أهل الشام يقرأون بقراءة أبي بن كعب وما سمعها أهل العراق الذين يقرأون بقراءة ابن مسعود فكان كل فريق يخطئ الآخر بل يكفّره.","vol":"4","page":33},{"text":"حُذَيْفَةُ لَعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هذِهِ الْأُمَةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ (^١).\n_________\n(^١) فحذيفة ﵁ جاء لعثمان وهو يجيش الجيوش من الشام والعراق لفتح إرمينية وأذربيجان فقال: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة فإنها تختلف في القرآن كاليهود والنصارى. فقال عثمان: وماذا ترى؟ قال أرى أن تجمع الناس على مصحف واحد فلا يكون بين المسلمين اختلاف. فأمر عثمان بإحضار الصحف التي كتبت في زمن أبي بكر من عند حفصة ﵃ فجيء بها وأحضر أربعة من خيار الأصحاب المهرة في القراءة والكتابة كلهم قرشيون إلا زيد بن ثابت فإنه أنصاري وأمرهم بكتابة المصحف من تلك الصحف. وروى أن عثمان ﵁ قال: من أكتب الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله - ﷺ - زيد بن ثابت. قال: من أعرب الناس وأفصحهم؟ قالوا: سعيد بن العاص. قال: فليمل سعيد وليكتب زيد بحضور إخوانهما ولكن اشترك معهم فضلا عمن ذكروا في الحديث جماعة منهم مالك بن أبي عامر جد الإمام مالك ﵁ وعبد الله بن عباس وأبي بن كعب وأنس بن مالك وكثير بن أفلح ﵃. وبالإجمال أنهم كتبوا المصحف بعلم الأصحاب كلهم وإجماعهم على ما كتبوه فيه على الترتيب الذي تلقوه عن النبي - ﷺ - كما قرأه مع جبريل ﵇ في العام الأخير على وفق ترتيبه في اللوح المحفوظ فجاء سالمًا محفوظا بعناية الله تعالى القدير الحفيظ. قال تعالى \"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون\" وقد كتبوا منه سبعة مصاحف فأمسك عثمان ﵁ بالمدينة واحدًا، وأرسل إلى مكة واحدا وإلى اليمن واحدا، وإلى البحرين واحدا، وإلى البصرة واحدا، وإلى الكوفة واحدا، وإلى دمشق الشام واحدا، وأمر بتحريق ما عداها منعًا للالتباس. رضي الله عن الأصحاب وجزاهم عن الأمة خير الجزاء آمين والحمد لله رب العالمين.","vol":"4","page":34},{"text":"وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: فَقَدْتُ آيَةً مِنَ الْأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ. رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ: فَاخْتَلَفُوا فِي التَّابُوتِ وَالتَّابُوهِ فَقَالَ الْقُرَشِيُّونَ بِالْأَوَّل وَقَالَ زَيْدٌ بِالثَّانِي فَرَفَعُوا اخْتِلَافَهُمْ إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَ: اكْتُبُوهُ بِالتَّابُوتِ فَإِنَّهُ نَزَلَ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَمُ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَنَا بِالْقُرْآنِ آمِين.\nعدد أحاديث كتاب فضائل القرآن خمسة وتسعون حديثًا فقط","vol":"4","page":35},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين\n\n<span data-type='title' id=toc-824>كتاب التفسير </span>(^١)\n<span data-type='title' id=toc-825>الحذر من التفسير بالرأي</span>\n• عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِرَأَيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنَ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (^٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-826>ما ورد في سورة الفاتحة</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ (^٣) وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ (^٤)، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ اللَّهُ\n_________\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\nكتاب التفسير - الحذر من التفسير بالرأي\n(^١) المراد بالتفسير في هذا الكتاب ما روته أصولنا الخمسة مما قاله النبي - ﷺ - في التفسير وليس المراد تفسير الآيات والكليات كلهن فإن هذا مبسوط في كتب التفسير المشهورة.\n\n(تنبيه) قسط كبير من أحاديث التفسير الآتية تقدم في عدة أبواب وجب ذكرها فيها لبيان الأحكام وستذكر ثانيًا في التفسير باعتبار أنها مفسرة لكلام الله تعالى فلا تكرار.\n(^٢) فمن تكلم في كتاب الله برأيه وهواه الذي لم يوافق ما قاله النبي - ﷺ - ولا أصحابه ولا العلماء فقد أخطأ الحق وضل ووجبت له النار لجرأته وافترائه على الله ورسوله، ولا سيما إذا كان يجهل علوم اللغة العربية فإنه مخطئ ولو أصاب لتكلمه بغير علم، قال تعالى ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ صدق الله العظيم.\n\nما ورد في سورة الفاتحة\n(^٣) المراد بالنصف مطلق الشطر وإلا فللعبد من أول اهدنا الصراط المستقيم إلى آخرها، ولله جل شأنه الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، وإياك نعبد وإياك نستعين بين العبد وبين ربه تعالى.\n(^٤) أي وله ما طلبه بعينه إن كان في وقته وفي مصلحته وإلا بدله الله بما فيه مصلحته.","vol":"4","page":36},{"text":"تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي (^١) وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قَالَ: هذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي (^٢) وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، قَالَ: هذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ الْيَهُودُ. وَالضَّالِّينَ النَّصَارَى». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: «الْيَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ وَالنَّصَارى ضُلالٌ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-827>ما ورد في سورة البقرة</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (^٤) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِي فَقَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ ﷿ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ (^٥) وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَخَلَقَ\n_________\n(^١) أي ذكرني بكلمات التمجيد.\n(^٢) هذا بيني وبين عبدي أي فعلى العبد عبادة الله بإخلاص وعلى الله عونه فضلا منه وكرما.\n(^٣) فالضلال جمع ضال وهو المائل عن الحق. والمراد بهم النصارى والمغضوب عليهم هنا هم اليهود لقوله تعالى فيهم \"فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين\" نسأل الله رضاه آمين.\n\nما ورد في تفسير سورة البقرة\n(^٤) فالله تعالى قال للملائكة: إني أريد أن أخلق في الأرض خليفة هو آدم ﵇ \" ﴿قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ \" قال تعالى: قضت حكمتي أني أخلقه، وإني أعلم ما لا تعلمون فخلق آدم ﵇ ذلك الإنسان المبارك أبو البشر كله وأبو الأنبياء والرسل صلى الله عليهم وسلم.\n(^٥) التربة كالغرفة: الأرض لأنها ذات تراب. والمراد الأرض وما فيها من بحار وأنهار.","vol":"4","page":37},{"text":"الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ (^١) وَخَلَقَ آدَمَ ﵇ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ» (^٢).\nرَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣) وَأَحْمَدُ ﵄.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا» (^٤) ثُمَّ قَالَ: «اذهَبْ فَسَلِّمَ عَلَى أُولئِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ وَهِيَ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ (^٥) فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الْآنَ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيّ (^٦). وَلَفْظُهُ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ يَا آدَمُ اذْهَبْ إِلَى أُولَئِكَ الْمَلَائِكَةِ (^٧) فَقُلِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ قَالُوا: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: إِنَّ هذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ بَنِيكَ بَيْنَهُمْ فَقَالَ اللَّهُ لَهُ وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ: اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتَ قَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ ثُمَّ بَسَطَهَا فَإِذَا فِيهَا آدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ قَالَ: يَا رَبِّ مَا هؤُلَاءِ؟ قَالَ: هؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ فَإِذَا كُلُّ إِنْسَانٍ مَكْتُوبٌ عُمُرُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ (^٨).\n_________\n(^١) أي خلقها وبثها في الأرض يوم الخميس.\n(^٢) فيه أن أول الأسبوع يوم السبت وآخره يوم الجمعة فهو عيد الأسبوع كما تقدم في باب الجمعة فالعبرة بالخواتيم ولذا خلق فيه آدم أبا البشر وأكرم الخلق الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأباح له جنته وأسجد له ملائكته ثم اجتباه ربه فهداه وقربه وناجاه ﷺ، والسماوات أيضًا خلقت في يومين من هذا الأسبوع لقوله تعالى \" ﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام﴾ \" أي في قدرها ولقوله تعالى \" ﴿فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها﴾ \"، كل هذا في قدر أسبوع واحد جل شأن ربنا وعلا.\n(^٣) أي في كتاب القيامة.\n(^٤) أي بذراع نفسه وعرضه سبعة أذرع به لحديث أحمد: كان طول آدم ستين ذراعًا في سبعة أذرع عرضا.\n(^٥) فالتحية بالسلام من لدن آدم ﵇.\n(^٦) ولكن البخاري في خلق آدم ومسلم في نعيم الجنة والترمذي في آخر التفسير.\n(^٧) لنفر منهم جالسين.\n(^٨) فلما بسط الله يمينه ظهرت صور لأرواح آدم وبنيه وعمر كل منهم مسطور بين عينيه.","vol":"4","page":38},{"text":"• عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذلِكَ وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ» (^١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (^٢) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْبُثِ الطَّعَامُ وَلَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ (^٣) وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ» (^٤). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) السهل والحزن والخبيث والطيب أي في الطباع، فالله تعالى أمر بعض الملائكة أن يأتيه بقطعة من الأرض من كل طباعها وألوانها ففعل كما أمره الله. قيل إن هذا هو عزرائيل ﵇ فلذا اختصه الله بقبض الأرواح ثم أمر بالطينة فعجنت بأنواع المياه كحلو وحامض ومر فجاء بنو آدم مختلفي الألوان والطباع كأنواع الماء وكألوان الأرض وطباعها، فسبحان الخلاق العظيم.\n(^٢) وظللنا عليكم يا بني إسرائيل العام السحاب من حر الشمس وأنتم في أرض التيه، وأنزلنا عليكم فيها المن والسلوى وهما مطعومان أولهما كعسل النحل والثاني كالطير السماني، وقلنا كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تدخروا؛ فكفروا بالنعمة وادخروا فقطع عنهم وما ظلمونا بهذا ولكن ظلموا أنفسهم لأنهم حرموه.\n(^٣) لم يخبث الطعام أي لم يتلف بالحموضة. ولم يخنز اللحم أي لم يفسد بالنتن وذلك أنهم أمروا بالأكل وعدم الادخار فادخروا فاستحال إلى نتن وفساد.\n(^٤) تقدم هذا في النكاح.\n(^٥) فالله تعالى قال لبني إسرائيل بعد أن أنقذهم من التيه الذي مكثوا فيه أربعين سنة وهم مع يوشع بن نون ﵇ وفتح لهم بيت المقدس: ادخلوا بابه سجدًا، أي ركعًا شكرًا لله على ذلك وتمتعوا بكل ما فيه وقولوا حطة أي أمرنا حطة أي حط عنا خطايانا نغفر لكم ذنوبكم بل ونزيد المحسنين فبدل الدين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم ودخلوا يزحفون على أستاههم أي ألياتهم وقالوا مستهزئين حطّة حبة في شعره. فأنزل الله عليهم رجزا أي عذابا من السماء بما كانوا يفسقون فهلك منهم في ساعة واحدة بالطاعون نحو سبعين ألفا، فهم في هذا بدلوا أمر الله فعلا وقولا فنزل بهم العذاب، والعبرة في هذا =","vol":"4","page":39},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ادْخُلُوا الْبَابع سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ فَبَدَّلُوا وَقَالُوا حِطَّةٌ حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (^١) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ وَكِتَابُكُمْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْدَثُ تَقْرَؤونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ (^٢) وَقَدْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا كِتَابَ اللَّهِ وَغَيَّرُوهُ وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ وَقَالُوا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ لَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الاِعْتِصَامِ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٤).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ\n_________\n= وما قبله أن من خالف أمر ربه هلك وإن كان أشرف الناس فإن بني إسرائيل هؤلاء كانوا أفضل العالمين في زمنهم نسأل الله السلامة والهداية آمين.\n(^١) فويل: هلاك شديد لأحبار اليهود الذين يغيرون كثيرًا من التوراة بأيديهم كصفة محمد - ﷺ - وآية الرجم حبًا في إبقاء الرياسة لهم وفي جلب المال فهؤلاء لهم عذاب عظيم في الآخرة كشأن من يفترى الكذب على الله ورسوله - ﷺ -.\n(^٢) أي لم يختلط بشيء من التغيير والتبديل.\n(^٣) لا والله أي لا تسألوهم عن شيء والله ما رأينا أحدا منهم يسألكم عن شيء فأنتم أولى بعدم السؤال لأن شرعكم مع سلامته من التبديل فيه كل شيء للدنيا والأخرى.\n(^٤) قل من كان عدوًا لجبريل فليمت غيظا فإنه نزل عليك بأمر الله بالقرآن المصدق للكتب السالفة والهادي من الضلال والمبشر للمؤمنين بالجنة أي فلا عبرة بعداوة اليهود لجبريل ﵇، وسبب الآية أن اليهود قالوا للنبي - ﷺ -.\nإنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك قال: جبريل. قالوا: جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال عدونا لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان، فنزلت الآية.","vol":"4","page":40},{"text":"بْنُ سَلَامٍ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي أَرْضٍ يَخْتَرِفُ (^١) فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلا نَبِيٌّ. فَمَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ وَمَا يَنْزِعُ الْوَلَدَ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ (^٢) قَالَ: «أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا»، قَالَ: جِبْرِيلُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَقَرَأَ هذِهِ الْآيَةَ: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاَعةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ (^٣)، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ نَزَعَتْ»، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ (^٤) وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ تَسأَلَهُمْ يَبْهَتُونِي فَجَاءَتِ الْيَهُودُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ فِيكُمْ؟» فَقَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ»، فَقَالُوا: أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذلِكَ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَال: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ»، فَقَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا وَانْتَقَصُوهُ، قَالَ: فَهذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَتَقَدَّمَ لِمُسْلِمٍ بَعْضُهُ فِي الْغُسْلِ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٥) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى\n_________\n(^١) أي يجنى ثمرها.\n(^٢) وفي رواية: وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ أي ما الذي يجذبه إلى أحدهما فيجيء شبيها به قال: أخبرني بهن جبريل آنفا أي هذه الساعة.\n(^٣) أي القطعة المنفردة المتعلقة بالكبد وهي أطيب الأطعمة وأهنؤها. وهل هذا الحوت هو المذكور في قوله تعالى \"فالتقمه الحوت وهو مليم\" أو غيره في الجنة؟ الله أعلم.\n(^٤) بهت جمع بهوت: وهو كثير الكذب والجدل الذي لا يرجع للحق. وتقدم فضل عبد الله بن سلام في الفضائل.\n(^٥) فلله تعالى الجهات كلها فأينما تولوا وجوهكم في الصلاة بأمره فهناك وجه الله أي قبلته التي رضيها =","vol":"4","page":41},{"text":"راحِلَتِهِ تَطَوُّعًا أَيْنَمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ وَهُوَ جَاءٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عُمَرَ: ﴿وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ الْآيَة. وَقَالَ: «أُنْزِلَتْ فِي هذَا» (^١).\n\n• عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا عَلَى حِيالِهِ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (^٢). رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ (^٤).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذلِكَ وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذلِكَ.\nفَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَزعمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ (^٥) وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ وَلَدًا» (^٦). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\n=إن الله واسع فضله ورحمته، عليم بكل شيء. هذا قول الجلال ﵁. ومعناها على حديث ابن عمر فأينما تولوا وجوهكم في أسفاركم فتطوعوا فهناك وجه الله أي قبلته المشروعة، وعلى حديث عامر: فأينما تولوا وجوهكم لما ظننتموها قبلة في نحو الغيم فهناك وجه الله إن الله واسع عليم وهو اللطيف الخبير.\n(^١) فللمسافر التطوع وهو متوجه إلى مقصده.\n(^٢) فمن اشتبهت عليه القبلة لظلمة أو غيم أو حبس مثلا اجتهد في القبلة وصل إلى الجهة التي ظنها القبلة وصحت صلاته للضرورة وإدراكا لفضيلة الوقت وكثرة الثواب.\n(^٣) الأول بسند صحيح والثاني بسند غريب.\n(^٤) أي قالت اليهود والنصاري ونحوه ممن يعتقد أن الملائكة بنات الله اتخذ الله ولدًا قال تعالى سبحانه تنزيها له عن الولد بل له ما في السموات والأرض خلقا وملكا وعبيدًا، والملكية تنافي الولادة. كل له قانتون طائعون.\n(^٥) هؤلاء طائفة كفروا بالبعث ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)﴾، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ فرد الله زعمهم بقوله ﴿بلى﴾ سيبعثه وعدا عليه حقًّا.\n(^٦) إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا لقد أحصاهم وعدهم عدًا.","vol":"4","page":42},{"text":"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ. قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ أَبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (^١). وَآيَةُ الْحِجَابِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ (^٢) وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُنَّ: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ فَنَزَلَتْ هذِ الْآيةُ (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّلَاةِ وَمُسْلِمٌ فِي الْفَضَائِلِ وَلَفْظُهُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي الْحِجَابِ، وَفِي أَسَارَى بَدْرٍ (^٤).\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (^٥).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَوَّلُ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لِتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَّةَ ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبَابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ (^٦) وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ.\n_________\n(^١) وافقت ربي في ثلاث: أي قضايا. وفي رواية: وافقني ربي في ثلاث، والثلاث ليست قيدا بل وافقه في كثير كتحريم الخمر وكقضية الأسرى وكعدم الصلاة على المنافقين الآتية بل هي أكثر من خمس عشرة ﵁، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى. مقام إبراهيم الحجر الذي كان يقف عليه عند بناء الكعبة، أي لو جعلنا مقام إبراهيم بيننا وبين الكعبة حين الصلاة لكان حسنًا فأمرهم الله بذلاء إجابة لأمنية عمر ﵁.\n(^٢) فما كانت النسوة تحتجب عن مجالس الرجال كعادة العرب حتى تمناها عمر فنزلت آية الحجاب ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾.\n(^٣) سيأتي هذا إن شاء الله في سورة التحريم.\n(^٤) سيأتي هذا في سورة الأنفال إن شاء الله.\n(^٥) اذكر يا محمد إبراهيم وولده إسماعيل وهما يبغيان الكعبة ويقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم فلم يشغلهما العمل بالجسم عن ذكر الله تعالى.\n(^٦) المنطق - كمنبر - الحزام الذي يشد به الوسط عند الشغل، فأول من فعله هاجر أم إسماعيل التي وهبها ملك مصر لسارة امرأة إبراهيم عليه =","vol":"4","page":43},{"text":"ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا (^١) فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكَنَا بِهذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذلِكَ مِرَارًا (^٢) وَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا فَقَالَتْ: آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِذًا لَا يُضَيِّعُنَا، ثُمَّ رَجَعَتْ؛ فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ لَا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ ثُمَّ دَعَا بِهؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ: ﴿رَّبَّنَآ إِنَّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾، حَتَّى بَلَغَ يَشْكُرُونَ؛ وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذلِكَ الْمَاءِ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى (^٣) فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ يَلِيهَا فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَ أَحَدًا فَلَمْ تَرَى أَحَدًا فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتِ الْوَادِيَ\n_________\n= فوهبتها سارة لإبراهيم فولدت له إسماعيل فغارت منها سارة وحلفت لتقطعن منها ثلاثة أعضاء، فقال إبراهيم لسارة: اثقبي أذنيها فتمنطقت بالحزام وجرت ذيلها وهي تعمل في البيت إشعارا بأنها خادمة لسارة لعله يزول ما عندها وتتركها. وقوله لتعفي أثرها أي لتمحوه عن سارة بظهورها بمظهر الخادم لتستميل خاطرها وتخفف منها الحقد والغيرة ولكنه لم يزل فأخذها إبراهيم وولدها إسماعيل الرضيع ﵈ حتى وضعهما عند البيت قبل بنائه تحت دوحة أي شجرة كبيرة ولم يكن هناك أحد ولا بنيت مكة المكرمة ثم عاد إلى بلده.\n(^١) أي رجع إلى وطنه ببيت المقدس الذي فيه سارة.\n(^٢) قالت له ذلك مرارا. وفي رواية: نادته ثلاثا فأجابها في الثالثة، فقالت له: من أمرك بهذا؟ قال: الله. قالت: حسبى الله، وقوله عند الثنية أي التي بأعلى مكة في طريق منى وعرفات، وقوله عند بيتك المحرم فيه أنه كان يعلم أن البيت الحرام هنا وأزاله عن وجه الأرض الطوفان، والمحرم الذي يحرم عنده ما لا يحرم عند غيره وهو حرام من يوم خلق الله السموات والأرض ومحفوف بسبعة من الملائكة، وتمام الآية ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ وهذه الآية في سورة إبراهيم ﵇.\n(^٣) فلما فرغ الماء عطشت فانقطع لبنها فعطش إسماعيل وصار يتلوى أي يتقلب من العطش. وفي رواية: يتلبط أي يتمرغ ويضرب في الأرض. وفي أخرى: يتلمظ أي يخرج لسانه فيبل به شفتيه وكان سنه حينئذ سنتين.","vol":"4","page":44},{"text":"ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا فَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَفَعَلَتْ ذلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ (^١). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَذلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا» (^٢)، فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا فَقَالَتْ صَهْ تُرِيدُ نَفْسَهَا ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أَيْضًا فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غُوَاثُ (^٣) فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هكَذَا وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ منَ الْمَاءِ فِس سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمزَمَ» أَوْ قَالَ: «لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا» (^٤) فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ (^٥): لَا تَخافُوا الضَّيْعَةَ فَإِنَّ ههُنَا بَيْتَ اللَّهِ يَبْنِيهِ هذَا الْغُلَامُ وَأَبُوهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضَيِّعُ أَهْلَهُ. وَكَانَ الْبيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الْأَرْض كَالرَّابِيَةِ تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ فَكَانَتْ كَذلِكَ (^٦) حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ\n_________\n(^١) الصفا والمروة جبلان بجوار البيت الحرام؛ فصعدت على الصفا أولا لعلها تجد من يغيثها بالماء فلم تجد فنزلت الوادي أي الطريق ورفعت الدرع أي القميص شمرته وسعت حتى صعدت المروة لعلها تجد من يغيثها فلم تجد فعادت إلى الصفا سبع مرات.\n(^٢) أي فمن هذا شرع السعي بين الصفا والمروة في النسك ذكرى لبلاء إسماعيل وأمه ﵈ وشكرا لله على نعمه.\n(^٣) غواث بالتثليث أي إغاثة، فلما صعدت على المروة في المرة الأخيرة سمعت صوتا كأنه يناديها فقالت لنفسها اسكتي وأنصتي فتحققت من صوت جهة ولدها فقالت سمعت وإن كان عندك طلبي فأغثني فذهبت لولدها فوجدت الماء ينبع بجواره بحفر جبريل ﵇ بعقبه أو بجناحه، ففرحت وصارت تجمع التراب حوله كالحوض لئلا يتبعثر وتغرف في سقائها والماء يفور من العين.\n(^٤) أي لو لم تحوط على الماء لكان عينا تجرى ما دامت الدنيا.\n(^٥) فقال لها جبريل وهو في صورة رجل: لا تخافوا الضيعة أي الهلاك فإن هنا بيت الله سيبنيه غلامك هذا وأبوه ﵉ وأنتم أهل هذا البيت الله معكم وحافظكم. وفي رواية: لا تخافي على أهل هذا الوادي ظمأ فإنها عين يشرب بها ضيفان الله، وكان البيت حينئذ كالرابية أي مرتفعا عن الأرض. وفي رواية: كان مدرة حمراء أي بقعة حمراء.\n(^٦) فكانت كذلك أي بقيت هاجر ترضع ولدها وتشرب من ماء زمزم وهو يكفي عن الطعام والشراب حتى مر بهم جماعة من جرهم حي =","vol":"4","page":45},{"text":"جُرْهُمَ أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمَ مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا فَقَالُوا إِنَّ هذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ، لَعَهْدُنَا بِهذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ فَأَرْسَلُوا جرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ فَأَقْبَلُوا وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الْمَاءِ، فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ وَلكِنْ لَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَأَلْفَى ذلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُحِبُّ الْأُنْسَ» فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ (^١) حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ وَشَبَّ الْغُلَامُ وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ (^٢) فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمُ وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ (^٣) فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ فَسَأَلَ امْرأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ\n_________\n= من اليمن من ولد سام بن نوح ﵇ جاءوا من طريق كداء أي أعلى مكة ثم نزلوا بأسفاها فنظروا طيرا يعوف ويحوم كأنه على ماء وهم يعلمون أن هذا المكان لا ماء فيه فأرسلوا جريا أو جريين أي رسولا أو اثنين لينظروا هل هناك ماء عند هذا الطير فرجعوا فأخبروهم بالماء.\n(^١) فجاءوا لأم إسماعيل واستأذنوها في النزول بجوار الماء فأذنت لهم رغبة في الائتناس بهم ورحمتهم بالماء بشرط أن الماء لها فلا يأخذون منه إلا بإذنها. فقبلوا وجاءوا بأهليهم فنزلوا كلهم بجوارها رغبة في الماء وحسن الهواء، وقوله: فألفي ذلك أم إسماعيل أي وجد هذا الحي الجرهمي هاجر وهي في حال أنها تود الائتناس فطلبوا مجاورتها فأجابهم.\n(^٢) فلما كثر الجرهميون بتلك البقعة وشب الغلام إسماعيل وأدرك وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم أي صار نفيسا عندهم يرغبون فيه ويعجبون بأخلاقه زوجوه امرأة منهم اسمها عمارة بنت سعد، ولا يرد على هذا حديث الحاكم أول من نطق بالعربية إسماعيل لأن المراد أول من نطق بها من ولد إبراهيم أو أول من نطق بالعربية الفصحى وإلا فهي في ولد جرهم وقحطان وحمير من قبل هذا. وماتت هاجر عن تسعين سنة ودفنت بالحجر \"جزء من الكعبة في الجهة الشمالية\".\n(^٣) فجاء إبراهيم يطالع تركته أي يتفقد ما تركه هنا وهو إسماعيل وأمه، (وكان يأتي لزيارتهم كل شهر يركب البراق فيزورهم ويرجع لبيته بالشام في غدوة واحدة) فذهب لبيته فسأل امرأته عنه فقالت خرج يطلب لنا رزقا ثم سألها عن معيشتهم فشكت سوء الحال، فقال لها: إذا جاء زوجك فبلغيه سلامي وقولي له يغير عتبة بابه أي يطلق امرأته لعدم صبرها ورضاها فلما جاء إسماعيل وأخبرته قال لها ذاك أبي وقد أمرني بفراقك اذهبي لأهلك، فالعتبة كناية عن الزوجة بجامع الاستعلاء على كل منهما، وزيارة إبراهيم =","vol":"4","page":46},{"text":"يَبْتَغِي لَنَا، ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرَ نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ فَشَكَتْ إِلَيْهِ قَالَ فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇ وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بابِهِ فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ أَحَدٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكَ أَبِي وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَتَاهُمْ فَلَمْ يَجِدْهُ فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ (^١) فَسَأَلَهَا عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ: اللَّحْمُ، قَالَ: فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ: الْمَاءُ، قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ وَلَوْ كَانَ لَهُمْ لَدَعا لَهُمْ فِيهِ»، قَالَ: فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلا لَمْ يُوَافِقَاهُ،\n_________\n= هذه كانت بعد المرة التي أمر فيها بذبح إسماعيل ﵉ فإن هذه كانت وهو صغير في حياة أمه ﵂. وسكوت الحديث عنها لا يدل على عدم وقوعها والله أعلم.\n(^١) فبعد أن فارق إسماعيل الزوجة الأولى تزوج بامرأة أخرى من جرهم أيضا اسمها عاتكة أو بشامة أو سلمة بنت مهلهل وبعد مدة جاء لزيارتهم إبراهيم ﵇ فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت خرج يطلب لنا الرزق فسألها عن حالهم ومعيشتهم فقالت نحن بخير وسعة والحمد لله، فسألها عن طعامهم وشرابهم فقالت اللحم والماء. فدعا لهم بالبركة فيهما فلا يمكن لأحد أن يعيش عليهما فقط إلا أهل مكة لدعوة إبراهيم ﵇، ولأبي جهم: ليس أحد يخلو على اللحم والماء بغير مكة إلا اشتكى بطنه، ولم يكن بمكة حينئذ حبوب، وزوجة إسماعيل هذه طلبت من إبراهيم ﵇ النزول للضيافة فأب ولكنه غسل رأسه ووجهه عندها ثم قال لها: إذا جاء زوجك فبلغيه السلام وقولي له يثبت عتبة بابه فإنها صلاح المنزل، ثم رجع إلى الشام بسلامة الله، فلما جاء إسماعيل ﵇ أخبرته بما حصل، قال لها ذاك أبي وأنت العتبة أمرني بالمحافظة عليك، في هذا طلب زيارة الأقارب والتودد إليهم ولو بعدوا، وفيه أن الغيرة في النساء غريزة، فعلى رب البيت ملاطفتهن والعمل على ما لا يثيرها منعًا للنزاع والشقاق وإبقاء للود والوفاق.","vol":"4","page":47},{"text":"قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇ وَمُرِيهِ يُثَبِّتْ عَتَبَةَ بَابِهِ فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ، قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثَبِّتَ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكَ أَبِي وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ؛ ثُمَّ لَبِثَ إِبْرَاهِيمُ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَصَنَعَ كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ (^١)؛ ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ، قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ، قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا، قَال: فَعِنْدَ ذلِكَ رَفَعَا الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ فَجَعَلَ إِسْمَاعِلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ بَيْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَهُمَا يَقُولَانِ: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلَمْ تَرَىْ أَنَّ قَوْمَكِ بَنَوُا الْكَعْبَةَ وَاقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ»،\n_________\n(^١) فبعد مدة جاء إبراهيم لولده إسماعيل ﵉ فوجده جالسًا تحت شجرة بقرب زمزم يسوى نيلا ليصيد بها فلما رآه إسماعيل قام إليه فتعانقا وتصافحا وقبل كل منهما الآخر، ثم قال إبراهيم: يا إسماعيل إن الله أمرني أن أبني بيتًا هنا وأشار إلى أكمة بفتحتين أي رابية من الأرض فهل تعينني؟ قال: نعم، فشرعا في البناء فكان إسماعيل يأتي بالحجارة من الجبل ويسويها ويبنى بها إبراهيم ﵇ وهما يقولان: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾. فلما ارتفع البناء جاء إسماعيل بحجر عظيم فكان إبراهيم يقف عليه ويبني. وهذا الحجر يسمى مقام إبراهيم الآن في الحرم الشريف في داخل بناء وكان طول الكعبة ببناء إبراهيم تسعة أذرع وعرضها أي محيطها ثلاثين ذراعًا أي بذراعهم.","vol":"4","page":48},{"text":"فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ» (^١) فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هذَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَا أَرَاهُ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ إِلا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾» الآيَةَ (^٢). رَوَاهُما الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ»، فَيقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ وَيَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا، فَذلِكَ قوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) فقريش لما أرادوا بناء الكعبة قبل البعث رأوا أن ما جمعوه من المال الحلال لا يفي ببنائها على قواعد إبراهيم فتركوا الجزء الشمالي (حجر إسماعيل) فقالت عائشة: ألا تبنيها على قواعد إبراهيم يا رسول الله؟ قال: لولا حدثان أي حداثة قومك بالكفر لفعلت ذلك، ولذا كان النبي - ﷺ - في طوافه لا يستلم الركنين المجاورين للحجر، وتقدم في كتاب الحج الكلام على الكعبة والحجر الأسود والملتزم وزمزم في فضل الحرمين الشريفين.\n(^٢) لفظ الآية ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ فإذا حدثنا أهل الكتاب بشيء فإن وافق ما في شرعنا صدقناهم كموسى رسول الله وعيسى رسول الله، وإن خالفه كقول بعضهم عزير ابن الله وكقول بعضهم المسيح ابن الله، وإن الله ثالث ثلاثة كذبناهم، وإن قالوا بما لم يرد عندنا كالإخبار عن بعض ما مضى أو عن بعض ما يأتي لا نصدقهم ولا نكذبهم بل نقرأ تلك الآية فتسلم من القول بغير علم.\n(^٣) فالله تعالى يدعو نوحًا ﵇ يوم القيامة فيقول له هل بلغت قومك الرسالة فيقول نعم يا رب فيسأل أمته فتقول ما جاءنا =","vol":"4","page":49},{"text":"• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةَ (^١) فَصَلَّى رَجُلٌ مَعَهُ الْعَصْرَ ثُمَّ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ نَحْوَ بَيْت الْمَقْدِسِ فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّهُ قَدْ وَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ فَانْحَرَفُوا وَهُمْ رُكُوعٌ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ يُصَلُّونَ الصُّبْحَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ إِذْ جَاءَهُمْ جَاءٍ فَقَال: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قُرْآنًا أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا فَتَوَجَّهُوا إِلَى الْكَعْبَةَ (^٢).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا وُجِّهَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْكَعْبَةِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (^٣). رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ (^٤).\n_________\n= نذير فيقول الله لنوح ﵇ هل لك شاهد على التبليغ؟ فيقول نعم يا رب محمد وأمته فيجاء بهم فيشهدون عليهم بأن نوحا قد بلغهم، فيقولون كيف يشهدون علينا مع تأخرهم عنا في الزمان؟ فتقول الأمة المحمدية يا رب علمنا من كلامك القديم وأنت أصدق القائلين أن هؤلاء كانوا مكذبين، فتطعن أمة نوح في شهادتهم إلا إذا زكاهم معصوم فيجيء محمد - ﷺ - فيقول أمتي عدول فتنفذ شهادتهم وذلك مني قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي عدولا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أي الكفار ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ أي مزكيا لكم، وكأمة نوح غيرها من الأمم التي كذبت رسلها صلى الله عليهم وسلم، ويظهر أن تلك الشهادة لا تكون إلا من خيار الأمة المحمدية.\n(^١) أي توجه نحو الكعبة.\n(^٢) فالنبي - ﷺ - صلى جهة بيت المقدس نحو سبعة عشر شهرًا وكان يتمنى أن يأمره الله باستقبال الكعبة فنزلت عليه ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ أي نحن نعلم تردد وجهك نحو السماء تطلعًا للوحي الذي يأمرك باستقبال الكعبة فقد أمرناك بما تحب وفي أي جهة كنت فتوجه للكعبة. وتقدم هذا مبسوطًا في شروط الصلاة.\n(^٣) فبعض الأصحاب قالوا: يا رسول الله كيف بصلاة إخواننا الذين ماتوا قبل التوجه للكعبة فنزلت ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي صلاتكم لبيت القدس فإنها قبلة قديمة بأمر الله تعالى والله بالناس رءوف رحيم.\n(^٤) أي هنا في التفسير فلا ينافي أن مسلما رواها في موضع آخر وكذا يقال فيما يأتي والله أعلم.","vol":"4","page":50},{"text":"﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ﴾ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (^١).\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ﴾ ﴿عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (^٢).\n\n• عَنْ عُرْوَةَ ﵁ قُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا أَرَى عَلَى أَحَدٍ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ شَيْئًا وَمَا أُبَالِي أَلا أَطُوفَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتْ: بِئْسَمَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي (^٣) طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَطَافَ الْمُسْلِمُونَ وَإِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ (^٤) الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فَلَوْ كَانَتْ كَمَا تَقُولُ لَكَانَتْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلا يَطَّوَّفَ بِهِمَا. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ فَأَعْجَبَهُ وَقَالَ: إِنَّ هذَا الْعِلْمُ. وَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ إِنَّمَا كَانَ مَنْ لَا يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنَ الْعَرَبِ يَقُولَ: إِنَّ هذَا مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَقَالَ آخَرُونَ مِنَ الْأَنْصَارِ: إِنَّمَا أُمِرْنَا بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَلَمْ نُؤْمَرْ بِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ قَالَ أَبُو بَكْرٍ (هذَا) فَأُرَاهَا نَزَلَتْ فِي هؤُلَاءِ وَهؤُلَاءِ (^٥). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^٦).\n_________\n(^١) فأهل الكتاب يعرفون محمدا - ﷺ - بنعته وصفته التي في كتبهم كما يعرفون أبناءهم، ولكن فريقا منهم يكتم ذلك حتى أن عمر ﵁ سأل عبد الله بن سلام عن محمد - ﷺ - فقال: لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني بل أشد لأني لم أشك في نبوة محمد - ﷺ -، أما ولدى فربما أمه خانت به.\n(^٢) الصفا جمع صفاة وهي الصخرة الصماء، والمروة: الحجارة الصغار. والمراد هنا مكانان بجوار الحرم من الناحية الشرقية فهما من شعائر الدين فعلى من حج أو اعتمر أن يسعى بينهما سبع مرات.\n(^٣) فإن عروة بن أسماء أخت عائشة ﵃.\n(^٤) مناة - كحصاة - اسم صنم حذاء قديد بطريق من طرق مكة إلى المدينة كانت تعبد في الجاهلية.\n(^٥) أي فيمن كانوا لا يطوفون بينهما قبل الإسلام، ومن قالوا أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر بالسعي بين الصفا والمروة.\n(^٦) ولكن البخاري والترمذي هنا وكلهم رووه في كتاب الحج.","vol":"4","page":51},{"text":"• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ ثُمَّ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ قَالَ: «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ وَقَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ (^١)». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n• عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، وَفاتِحَةُ آلِ عِمْرَانَ: ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (^٢). رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ فِي ثَلَاثِ سُورٍ مِنَ الْقُرْآنِ فِي الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ وَطه» (^٣). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n_________\n(^١) تقدم هذا في كتاب الحج.\n(^٢) فالاسم الأعظم في واحد من هاتين الآيتين أو في كل منهما.\n(^٣) في ثلاث سور أي في واحدة منهن أو في كل منهن، في البقرة وآل عمران أي في الآيتين المذكورتين في الحديث قبله أو آية البقرة هي آية الكرسي، وفي طه في قوله تعالى ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما﴾ والدعاء بهذه الآيات أو بما تضمنته من الأسماء الحسنى وهي الرحمن الرحيم الحى القيوم وما في آية الكرسي قال المشايخ بالثانى، ولكن يلزم لمن أراد أن يدعو بها أن يتخلى أولا عن الأوصاف الذميمة ظاهرا وباطنا وأن يتحلى بالأخلاق الشرعية الكريمة ثم يصلى ركعتين وقبل الفجر أفضل ثم يتوب ويستغفر الله نحو مائة مرة ويصلى على النبي - ﷺ - نحو مائة مرة ثم يدعو الله بتلك الأسماء والأفضل أن يضم إليها الله وهو وذو الجلال والإكرام لأنه نقل عن بعض أهل الكشف أن الاسم الأعظم هو، وعن بعضهم أنه ذو الجلال والإكرام ويقول بعضهم إن الاسم الأعظم الله؛ لأنه علم على الذات العلية ولم يتسم به سواه تعالى، فبعد الاستغفار مائة والصلاة على النبي - ﷺ - مائة يقول أسألك يا الله يا هو، يا رحمن، يا رحيم، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، نحو ساعة أو بعدد حروفها بالجمل الذي هو ١٩٠٣ ثلاثة وتسعمائة وألف فقط، أو بعدد حروفها فقط وهو تسع وثلاثون حرفا ثم يدعو الله بما يشاء فإن الله يستجيب له إن شاء الله تعالى.","vol":"4","page":52},{"text":"﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (^١).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرَى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ». وَقُلْتُ أَنَا: مَنْ مَاتَ وَهُوَ لَا يَدْعُو لِلَّهِ نِدًّا دَخَلَ الْجَنَّةَ (^٢).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِهذِهِ الْأُمَّةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (^٣) يَتَّبِعُ بالْمَعْرُوفِ وَيُؤَدِّي لَهُ بِإِحْسَانٍ ﴿ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ مِمَّا كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ الرُّبَيِّعَ (^٤) عَمَّتَهُ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ فَطَلَبُوا إِلَيْهَا الْعَفْوَ فَأَبَوْا فَعَرَضُوا الْأَرْشَ فَأَبَوْا فَأَتَوْا\n_________\n(^١) الأنداد الأضداد جمع ند وهو المثل، والمراد أن من الناس قوما يعبدون غير الله ويحبونه كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله لأنهم لا يعدلون عنه بحال من الأحوال بخلاف عباد الأنداد فإنهم في الشدة يلجأون إلى الله. قال تعالى فيهم ﴿وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا﴾.\n(^٢) فإذا وجبت النار لمن يعبد غير الله فإن الجنة تجب لمن يعبد الله جل شأنه.\n(^٣) يتبع أي يطلب ولى المقتول الدية بالمعروف من غير عنف وشدة ويؤدى له المعفو عنه الدية بإحسان من غير مطل ولا بخس، فمن اعتدى بعد ذلك وقتل بعد أخذ الدية فله عذاب أليم. وهذا أي العفو والدية رحمة بكم وتخفيف بالنسبة لمن كان قبلكم فإن أهل التوراة كتب عليهم القصاص وحرم عليهم العفو والدية، وأهل الإنجيل كتب عليهم العفو وحرم عليهم القصاص والدية، وخيرت هذه الأمة بين الثلاثة: القصاص والدية والعفو، رحمة بهم وتيسيرًا لهم.\n(^٤) فالربيع - بالتصغير - بنت النضر عمة أنس بن مالك. كسرت أي قلعت ثنية جارية امرأة شابة لا أمة فإنه لا قصاص بين حر ورقيق، فطلب أهلها القصاص وامتنع أهل الجانية فأتوا رسول الله - ﷺ - فقال: كتاب الله القصاص، فقال أنس بن النضر أخو الربيع: والذي بعثك بالحق يا رسول الله لا يقتص منها وبعد أخذ ورد عفا أهل المجنى عليها عن الجانية فلم يقتصوا منها كما رجا وتوقع أنس أخوها فذكر النبي - ﷺ - الحديث وتقدم في كتاب الحدود.","vol":"4","page":53},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَوْا إِلا الْقِصَاصَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ» فَ رضي الْقَوْمُ فَعَفَوْا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ». رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^١).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُهُ فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ وتَرَكَ عَاشُورَاءَ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٢).\n\n• عَنْ سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ فَعَلَ حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) كتب عليكم أي فرض عليكم الصيام كما فرض على الذين من قبلكم لعلكم تتقون المعاصي وتوصفون بتقوى الله تعالى، وهل المراد التشبيه في صوم رمضان. قال به جماعة لحديث ابن أبي حاتم عن ابن عمر: صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم. وروى أن رمضان كتب على النصارى فكان يأتى في الحر الشديد والبرد الشديد فنقلوه إلى الفصل المعتدل وزادوا فيه عشرين يوما فضلوا بذلك ووصفوا بالضالين في سورة الفاتحة، أو المراد مطلق الصوم دون وقته وقدره كما روى أن آدم ﵇ كان عليه أيام البيض، وكان على قوم موسى ﵇ يوم عاشوراء.\n(^٢) وكذا رواه غيره وتقدم في كتاب الصوم والله أعلم.\n(^٣) فكانوا في أول الإسلام إذا أراد أحدهم أن يفطر رمضان ويفدى عن كل يوم فعل حتى نزلت ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ فصار الصوم فرضًا عينيًا على كل مسلم إلا مريضًا أو مسافرا ونحوها ممن تقدم في الصوم فعلى هذا تكون آية وعلى الذين يطيقونه نسخت بالتى بعدها وعليه ابن عمر وكثير وقرأ ابن عباس وعلى الذين يطوقونه فدية طعام مسكين، وقال إنها لم تنسخ بل هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان الصوم فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا، رواه البخاري.","vol":"4","page":54},{"text":"﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ (^١).\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضَانَ كَانُوا لَا يَقْرَبُونَ النِّسَاءَ رَمَضَانَ كُلَّهُ وَكَانَ رِجَالٌ يَخُونُونَ أَنْفُسَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (^٢).\nرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَحَضَرَ الْإِفْطَارُ فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ كَانَ صَائِمًا فَلَمَّا حَضَرَ الْإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لَا وَلَكِنِّي أَنْطَلِقُ أَطْلُبُ لَكَ، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ، وَجَاءَتِ امْرَأَتَهُ فَلَمَّا رَأْتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ فَذُكِرَ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (^٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤).\n_________\n(^١) أحل لكم ليلة الصيام أي كل ليلة فيه الرفث إلى نسائكم أي الإفضاء إليهن بالجماع. هن لباس لكم وأنتم لباس لهن فكل من الزوجين لصاحبه كاللباس يستره عن الفجور ويستره بالمعانقة قال القائل:\nإذا ما الضجيع ثنى عطفها … تثنت فكانت عليه لباسا\n(^٢) فكانوا في أول الإسلام يحرم عليهم الجماع في رمضان ليلا ونهارا فوقع فيه بعض الصحب ليلا كعمر بن الخطاب وكعب بن مالك فخفف الله عنهم وأنزل على نبيه - ﷺ - ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن﴾ كل ليلة إن شئتم ﴿وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ أي اطلبوا ما قدره لكم وهو الولد، والمراد أن يكون الجماع بنية صالحة وهي إقناع النفس فلا تنظر للحرام، والولد الصالح لعبادة الله ولعمارة الأرض: نسأل الله التوفيق.\n(^٣) فكانت مدة الإفطار في أول الإسلام من الغروب إلى أن ينام الشخص، فجاء قيس بن صرمة الأنصارى بعد الغروب وطلب الطعام فلم يجد فذهبت امرأته فأحضرت له طعاما فلما جاءت به وجدته قد نام فقالت خيبة لك أي حرمانًا لك حيث نمت قبل الأكل فبات طاويًا وأصبح صائما وكان يعمل في زرعه فغشى عليه نصف النهار من الجوع فذكر هذا للنبي - ﷺ - فنزلت ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ فأباح لهم كل شيء في ليالى رمضان فلله وافر الحمد وجزيل الشكر.\n(^٤) هذا وما قبله وما بعده تقدم في الصوم أوسع من هذا.","vol":"4","page":55},{"text":"• عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْودِ أَهُمَا الْخَيْطَانِ؟ قَالَ: «إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا إِنْ أَبْصَرْتَ الْخَيْطَيْنِ»، ثُمَّ قَالَ: «لَا بَلْ هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ» (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا أَحْرَمُوا أَتَوْا الْبَيْتَ مِنْ ظَهْرِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا﴾ الآية. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ: كَانَتِ الْأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا فَرَجَعُوا لَمْ يَدْخُلُوا الْبُيُوتَ إِلا مِنْ ظُهُورِهَا فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَدَخَلَ مِنْ بَابِهِ فَلَامُوهُ فَنَزَلَتِ الْآيَةَ (^٢).\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للَّهِ فَإِنِ انْتَهَواْ فَلَا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (^٣).\n\n• عَنْ نَافِعٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ لاِبْنِ عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَحُجَّ عَامًا وَتَعْتَمِرَ عَامًا وَتَتْرُكَ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ عَلِمْتَ مَا رَغَّبَ اللَّهُ فِيهِ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: إِيمَانٍ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالصَّلَاةِ الْخَمْسِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، قَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ أَلَا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾.\n_________\n(^١) فعدى بن حاتم لما سمع حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود وضع عقالين أي حبلين أسود وأبيض تحت وسادته أي مخدته وكان ينظر إليهما فلا يميز الليل من النهار فلما أصبح ذكر هذا للنبي - ﷺ - فقال: إنك لعريض القفا أي أبله إنما هما سواد الليل وبياض النهار ولذا قال من الفجر والله أعلم.\n(^٢) فكانت الأنصار وكل العرب إلا قريشًا إذا حجوا أو اعتمروا ثم رجعوا إلى بيوتهم لا يدخلون من أبوابها بل يثقبون من ظهورها ثقبا فيدخلون ويخرجون منه ويزعمون أن هذا هو البر، فحج رجل ثم رجع فدخل من بابه فلاموه فنزل ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى﴾ المحارم والشبهات ﴿واتقوا الله﴾ في تغيير أحكامه والاعتراض على أفعاله ﴿لعلكم تفلحون﴾ وتظفرون بخير الدنيا والآخرة.\n(^٣) وقاتلوهم أي أهل مكة حتى لا تكون فتنة أي شرك ويكون أي يصير الدين الله لا لغيره فإن انتهوا عن الشرك وقتال المؤمنين فكفوا عنهم.","vol":"4","page":56},{"text":"قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ قَالَ: فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ الْإِسْلَامُ قَلِيلًا فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ إِمَّا قَتَلُوهُ وَإِمَّا يُعَذِّبُوهُ حَتَّى كَثُرَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ (^١)، قَالَ: فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيَ وَعُثْمَانَ؟ قَالَ: أَمَّا عُثْمَانُ فَكَأَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَكَرِهْتُمْ أَنْ تَعْفُوا عَنْهُ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَتَنَهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ فَقَالَ: هذَا بَيْتُهُ حَيْثُ تَرَوْنَ (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٣)، قَالَ حُذَيْفَةُ: نَزَلَتْ فِي النَّفَقَةِ (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَسْلَمَ النَّجِيبِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ (^٥) فَبَرَزَ لَنَا صَفٌّ عَظِيمٌ مِنْهُمْ وَخَرَجَ لَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُمْ أَوْ أَكْثَرُ وَعَلَى أَهْلِ مِصْرَ عُقْبةُ بْنُ عَامِرٍ وَعَلَى الْجَمَاعَةِ فَضَالَةُ\n_________\n(^١) أي شرك. وهذا كان في زمن الفتنة بين الحجاج وعبد الله بن الزبير حيث حاصره الحجاج بمكة سنة ٧٣ ثلاث وسبعين هجرية بعد أن نشب القتال بينهما زمنًا، فكان ابن عمر بعيدا عن الطرفين لأنه المطلوب في الفتنة فلما سألوه تلك الأسئلة أجابهم بما ذكر. وفي رواية: أتاه رجلان فقالا: إن الناس صنعوا ما ترى وأنت ابن عمر وصاحب رسول الله - ﷺ - فما يمنعك أن تخرج للجهاد؟ فقال: يمنعنى أن الله حرم دم أخى فقالا. ألم يقل الله ﴿وقاتلوهم حتى لا تكن فتنة﴾ فقال قاتلنا: حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله وأنتم تريدون القتال حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله.\n(^٢) يظهر أن السائل كان من الخوارج الذين يوالون الشيخين ويخطئون عثمان وعليًا أما عثمان فلتأخره يوم أحد، وأما عليّ فلقبوله التحكيم بينه وبين معاوية فأجابه بذكر مزاياهما بقوله: أما عثمان ﵁ فالله عفا عنه بقوله ﴿ولقد عفا الله عنهم﴾ وأما عليّ ﵁ فابن عم النبي - ﷺ - وختنه أي زوج ابنته وهذا بيته في وسط بيوت النبي - ﷺ - فهو أقرب الناس إليه - ﷺ - منزلا ومنزلة. ومضمون الجواب أنه لا يصح الخوض في أصحاب النبي - ﷺ - بل المطلوب ذكر مناقبهم ﵃ أجمعين.\n(^٣) ﴿وأنفقوا في سبيل الله﴾ أي في الجهاد لإعلاء كلمة الله ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ أي الهلاك بترك الغزو ﴿وأحسنوا﴾ أخلاقكم وأعمالكم ﴿إن الله يحب المحسنين﴾.\n(^٤) سيفسرها حديث أبي أيوب الآتي.\n(^٥) أي نغزوهم ليدخلوا في الإسلام.","vol":"4","page":57},{"text":"ابْنُ عُبَيْدٍ فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ فَصَاحَ النَّاسُ وَقَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ يُلْقي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ؟ فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ فَقَالَ: «يا أيها الناس إنكم تتأولون» هذِهِ الْآيَةَ هذَا التَّأْوِيلَ وَإِنَّمَا نَزَلَتْ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرَا: إِنَّ أَموَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ وَإِنَّ اللَّهَ أَعَزَّ الْإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ يَرُدُّ عَلَيْنَا قَوْلَنَا ﴿وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ فَكَانَتِ التَّهْلُكَةُ الْإِقَامَةَ عَلَى الْأَمْوَالِ وَإِصْلَاحِهَا وَتَرْكَنَا الْغَزْوَ، فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوبَ شَاخِصًا فِي سَبِيلِ الله حَتَّى اسْتُشْهِدَ وَدُفِنَ بِأَرْضِ الرُّومِ (^١). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (^٢).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ ﵁ قَالَ: قَعَدْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ﴾ فَقَالَ: حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ الْجَهْدَ قَدْ بَلَغَ بِكَ هذَا (^٣) أَمَا تَجِدُ شَاةً؟» قُلْتُ: لَا، قَالَ: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ وَاحْلِقْ رَأْسَكَ». فَنَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) فلما حدثهم أبو أيوب بهذا الحديث هامت نفسه للجهاد في سبيل الله وصبت روحه للقاء الله فما زال واقفا في صف القتال حتى فاضت روحه إلى لقاء الله تعالى ودفن هناك بأرض الروم ﵁ وحشرنا في زمرته آمين.\n(^٢) فمن كان منكم مريضًا ولبس ملابسه العادية في الإحرام أو به أذى في رأسه كقمل فحلق رأسه فعليه فدية وهي صيام ثلاثة أيام أو صدقة على ستة مساكين أو ذبح شاة للفقراء.\n(^٣) ما كنت أرى بفتح الهمزة بمعنى أعلم وبضمها بمعنى أظن أن الجهد أي الشقة قد وصلت بك إلى هذا الحد وأمره بالحلق والفدية تخفيفا عليه كما في الآية.","vol":"4","page":58},{"text":"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (^١).\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: أُنْزِلَتْ آيةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَنْزِلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ (^٢) وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَتْ عُكَاظُ (^٣) وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي الْمَوَاسِمِ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أَيْ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا (^٤) يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ ثُمَّ يَقِفَ بِهَا ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا فَذلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ:\n_________\n(^١) فمن تمتع بالعمرة أي بمحظورات الإحرام بعد فراغه منها إلى الإحرام بالحج فعليه الهدى شاة يذبحها للفقراء بعد الإحرام بالحج وهو بمكة أو يوم النحر وهذا أفضل فإن لم يتيسر له هدي فعليه صيام عشرة أيام ثلاثة في الحج قبل يوم عرفة وسبعة إذا رجع إلى أهله، ذلك أن الحكم المذكور لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام أي الحرم الشريف بأن بعدوا عنه مرحلتين فأكثر فإن كان أهله بالحرم أو دون مرحلتين منه فلا شيء عليه وإن تمتع والله أعلم.\n(^٢) يحرمه أي التمتع، قال رجل أي وإن قال رجل ما شاء هو عثمان ﵁ فإنه كان ينهى عنها.\n(^٣) عكاظ كغراب بالصرف عند الحجازيين وبعدمه عند بنى تميم، ومجنة كمذمة وذو المجاز: أسماء لأسواق كانت في الجاهلية وبقيت في الإسلام فكرهوا الاتجار فيها في مواسم الحج فنزلت ﴿ليس عليكم جناح﴾ أي إثم في أن تبتغوا فضلا من ربكم أي لا حرج عليكم في ذلك.\n(^٤) كانت قريش وأمثالها وهم بنو عامر وثقيف وخزاعة يقفون بالمزدلفة لأنها في الحرم ويقولون: نحن أهل الحرم فلا تخرج عنه. وكانوا يوصفون بالحمس جمع أحمس وهو الشديد الصلب لتصلبهم فيما هم عليه وكان كل العرب يقفون بعرفات فنزلت ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ أي قفوا بعرفة وأفيضوا منها كعمل الناس الأولين آدم وإبراهيم وغيرهما صلى الله عليهم وسلم.","vol":"4","page":59},{"text":"«اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ (^٢) ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْحَجُّ عَرَفَاتٌ الْحَجُّ عَرَفَاتٌ الْحَجُّ عَرَفَاتٌ أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثٌ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (^٤).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَبْغَضُ الرِّجَال إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ (^٥)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) التنوين في حسنة للتعظيم فالحسنة العظيمة في الدنيا هي تمام العافية وواسع الرزق والعلم النافع والتوفيق، والحسنة في الآخرة هي الجنة، نسأل الله ذلك آمين.\n(^٢) واذكروا الله عند رمى الجمرات بالتكبير الذي ورد فيه في أيام معدودات هي أيام التشريق الثلاثة فمن تعجل في يومين ونزل بعد رمى اليوم الثاني منها فلا شيء عليه، ومن تأخر حتى رمى الجمرات في اليوم الثالث فلا شيء عليه لمن اتقى الله في حجه واتقوا الله في كل أحوالكم لأنكم سترجعون إليه فيجازيكم عليها.\n(^٣) أي إن أظهر أعمال الحج وأكثرها ثوابًا الوقوف بعرفة لأنهم يمثلون وقوفهم بين يدي الله تعالى في القيامة والله يتجلى فيه على عباده ويعتق منهم فيه من النار ما لا يعتق في غيره كما تقدم، ومن أدرك الوقوف بعرفة قبل فجر يوم العيد ولو ساعة فقد أدرك الحج، والإقامة بمنى ثلاثة أيام ومن اقتصر على يومين كفاه.\n(^٤) ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا﴾ ولا يعجبك في الآخرة لمخالفته لاعتقاده ﴿ويشهد الله على ما في قلبه﴾ أنه موافق لاعتقاده ﴿وهو ألد الخصام﴾ أي شديد العداوة للنبي - ﷺ - وللمسلمين هذا هو الأخنس بن شريق كان منافقًا حلو الكلام خبيث النية والأفعال.\n(^٥) فأبغض الناس عند الله شديد العداوة قوى الجدل والخصومة للمسلمين، وأما المؤمن فخصومته سريعة الزوال أو يسامح فلا يعادي أصلا.","vol":"4","page":60},{"text":"﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (^١).\n\n• عَنْ خَبَّابٍ ﵁ قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا أَلا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا فَجَلَس مُحْمَرًّا وَجْهُهُ فَقَالَ: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُؤْتَى بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ فرْقَتَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عَظْمِهِ مِنْ لَحْمٍ وَعَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذلِكَ عَنْ دِينِهِ (^٢) وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَحَضَرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلكِنَّكُمْ تَعْجَلُونَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ (^٣).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ نَسَخَتْهُمَا الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^٤) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْأَشْرِبَةِ.\n_________\n(^١) بل ظننتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة ولم يصبكم من البلاء كما أصاب المؤمنين قبلكم فاصبروا إن أردتم إرضاء الله ورسوله والجنة فقد أصيبوا بأنواع البلاء حتى قالوا متى نصر الله ألا إن نصر الله للمؤمنين قريب.\n(^٢) فلما جاء خباب للنبي - ﷺ - وهو متكئ على برده بجوار الكعبة وقال: يا رسول الله قد اشتد علينا اضطهاد الكفار وأذاهم فهل تدعو الله أن ينصرنا عليهم؟ فاعتدل النبي - ﷺ - وعليه علامة الغضب فقال: هل أصابكم من البلاء كما أصاب المؤمنين السالفين؟ كان يؤتى بالرجل منهم فيطلب منه أن يرجع عن دينه فلا يرجع فينشرونه بالمنشار نصفين حتى يموت وهو على الدين الحنيف، وكان بعضهم يمشط جلده ولحمه بأمشاط الحديد ليرجع عن دينه فلا يرجع بل يموت عليه، فهل أصابكم أيها المسلمون من قريش كما أصاب هؤلاء؟ الجواب: لا، يعنى فاصبروا كما صبر الكرام السالفون ﵃ وحشرنا في زمرتهم آمين.\n(^٣) ولكن أبو داود في الأسير والبخاري في مبعث النبي - ﷺ - وتقدم هذا الحديث في كتاب النبوة.\n(^٤) الخمر كانت جائزة في صدر الإسلام، قال تعالى=","vol":"4","page":61},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَتِ الْيَهُودُ إِذَا حَاضَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ لَمْ يُوَاكِلُوهَا وَلَمْ يُشَارِبُوهَا وَلَمْ يجَامِعُوهَا فِي الْبُيُوتِ (^١) فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ فأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُوَاكِلُوهُنَّ وَيُشَارِبُوهُنَّ وَأَنْ يَكُونُوا مَعَهُنَّ فِي الْبُيُوتِ وَأَنْ يَفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلا النِّكَاحَ فَقَالَتِ الْيَهُودُ: مَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلا خَالَفَنَا فِيهِ فَجَاءَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَاهُ بِذلِكَ وَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَنْكِحُهُنَّ فِي الْمَحِيضِ فَتَمَعَّرَ (^٢) وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ غَضِبَ عَلَيْهِمَا فَاسْتَقْبَلَتْهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ فَأَسْرَسَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَقَاهُمَا فَعَلِمَا أَنَّهُ لَمْ يَغْضَبْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ مَنْ أَتعى امْرَأَتَهُ فِي قُبُلِهَا (مِنْ دُبُرِهَا) كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ فَنزَلَتْ: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ، قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟» قَالَ: حَوَّلْتُ رَحْلِيَ اللَّيْلَةَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فنَزَلَتْ: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ وَاتَّقِ الدُّبُرَ وَالْحَيْضَةَ (^٤). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n_________\n= ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرًا ورزقًا حسنًا﴾ ولكن وقع بسببها أمور مؤلمة فنزلت آيتا النساء والبقرة ولم تصرحا بتحريم الخمر وكان عمر ﵁ يقول: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيا. فنزلت آية المائدة مصرحة بتحريمها فنسخهما فلما سمعها عمر قال: انهينا. وسيأتي في المائدة الكلام عليها أوسع إن شاء الله.\n(^١) بل يفردونها في بيت وحدها حتى ينتهي حيضها وتطهر.\n(^٢) فتمعر أي تغير وجهه من قولهما. فاليهود كانت تحمل المرأة وحدها إذا حاضت فنزل القرآن ينفي زعمهم ويأمر بمخالطتها في كل شيء إلا النكاح فهو حرام لأنه في زمن الحيض ربما ضر الرجل وإذا حملت المرأة ربما جاء الولد مشوهًا.\n(^٣) وتقدم للأصول الخمسة إلا البخاري في باب الحيض من كتاب الطهارة.\n(^٤) فكانت اليهود تزعم أن من جامع امرأته في فرجها من ورائها=","vol":"4","page":62},{"text":"• عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ أَنَّهُ زَوَّجَ أُخْتَهُ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَتْ عِنْدَهُ مَا كَانَتْ ثُمَّ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً لَمْ يُرَاجِعْهَا حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ فَهَوِيَهَا وَهَوِيَتْهُ ثُمَّ خَطَبَهَا مَعَ الْخُطَّابِ، فَقَالَ لَهُ: يَا لُكَعُ أَكْرَمْتُكَ بِهَا وَزَوَّجْتُكَ فَطَلَّقْتَهَا وَاللَّهِ لَا تَرْجِعُ إِلَيْكَ أَبَدًا، قَالَ: فَعَلِمَ اللَّهُ حَاجَتَهُ إِلَيْهَا وَحَاجَتَهَا إِلَى بَعْلِهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ الْآيَةَ فَلَمَّا سمِعَهَا مَعْقِلٌ قَالَ: سَمْعًا لِرَبِّي وَطَاعَةً ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ: أُزَوِّجُكَ وَأُكْرِمُكَ (^١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (^٢).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ ﵁ ﴿وَالَّذِينَ\n_________\n= جاء الولد أحول أي جاء في عينيه حول، وجاء عمر فقال يا رسول الله هلكت لأني حولت رحلى الليلة أي جامعت امرأتي في قبلها من خلف، والرحل كناية عن الزوجة لأن كلا منهما يركب فنزلت الآية تنفي زعم اليهود وتبيح النكاح من أي جهة ما دام في القبل ولذا قال - ﷺ - أقبل وأدبر واجتنب الدبر والحيضة أي جامعها في القبل من أي جهة ولكن اجتنب وقت الحيض والدبر، ومعنى الآية نساؤكم حرث لكم أي محل حرثكم بوضع المني في القبل فيتخلق الولد بأمر الله تعالى كوضع البذر في الأرض فينبت الزرع إذا شاء الله جل شأنه وعلا أمره.\n(^١) فبعد أن طلق الرجل امرأته تطليقة واحدة أحبها وأحبته فلما انقضت عدتها خطبها أناس وخطبها زوجها أيضًا، فقال له أخوها معقل: يا لكع أي يا لئيم أكرمتك وزوجتك أختي فطلقتها من غير ذنب يوجب الطلاق والله لا أرجعها لك أبدا. فعلم الله بالمحبة التي بين الزوجين فأمر أخاها بإرجاعها بقوله تعالى ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾ (أي لا تمنعوهن من الرجوع إلى أزواجهن) ﴿إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ فدعا أخوها زوجها فقال: سمعًا وطاعة لربي أكرمك بإرجاعها لك. فزوجه بها ﵃. ففيه أنه يحرم على الولى أن يمنع المرأة من الرجوع لزوجها إذا رغبا في الرجوع دفعًا للفتنة بينهما.\n(^٢) فمن مات عنها زوجها فإنه يجب عليها أن تتربص أي تعقد أربعة أشهر وعشرا إلا إذا كانت حاملا فعدتها بوضع الحمل، وتقدم الكلام على العدة في النكاح واسعا.","vol":"4","page":63},{"text":"يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قَدْ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الْأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبُهَا أَوْ تَدَعُهَا؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ عَنْ مَكَانِهِ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ نُسِخَ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ وَنُسِخَ أَجَلُ الْحَوْلِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الطَّلَاقِ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ﴾.\n\n• عَنْ عَلَيَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ (^٣): «اللَّهُمَّ امْلَأْ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ».\n_________\n(^١) فابن الزبير قال لعثمان ﵄: إذا كانت آية ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصية لأزواجهم﴾ نسخت بالآية التي نزلت بعدها وهي آية الكتاب فلأي شيء تكتبها، أو قال تتركها في المصحف؟ فقال: لا أغير شيئًا من القرآن عن مكانه.\n(^٢) قوله نسخ أي الحكم المفهوم من الآية وهو الوصية للزوجة واعتدادها سنة كاملة (فالوصية نسخت بآية الميراث وهي: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ والعدة سنة نسخت بآية ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ والنسخ لغة الإزالة، والنقل كنسخ الظل بالشمس وكنسخ الكتاب. واصطلاحًا بيان انتهاء الحكم، والنسخ قد يكون للفظ والحكم كآية ﴿عشر رضعات معلومات يحرمن﴾ نسخت بخمس معلومات يحرمن، وبقى حكمها دون تلاوتها. وقد يكون اللفظ دون الحكم كالشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم. وقد يكون للحكم دون اللفظ كآية ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول﴾ وحكمة النسخ التخفيف عن العباد والرحمة بهم فإنه مثلا لو بقيت الوصية للزوجة لكان مظنة الهضم والإجحاف بها ولو بقيت عدة الوفاة سنة لشق هذا على الناس فقضت الحكمة برحمتهم والتخفيف عنهم، قال الله تعالى ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير\".\n(^٣) يوم الأحزاب أي غزوة الأحزاب التي حفروا لها الخندق. اللهم املأ بيوتهم وقبورهم أي الكفار الذين جاءوا لقتالنا، فإنهم شغلونا عن الصلاة الوسطى وهي العصر حتى غابت الشمس.","vol":"4","page":64},{"text":"• عَنْ أَبِي يُونسَ ﵁ مَوْلَى عَائِشَةَ قَالَ: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا فَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هذِهِ الْآيَةَ: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فَآذِنِّي فَلَمَّا بَلَغْتُهَا أَعْلَمْتُهَا فَأَمْلَتْ عَلَيَّ: «حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ (^١)» وَقَالَتْ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدَيْنِ صَحِيحَيْنِ.\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ، يُكَلِّمُ أَحَدُنَا أَخَاهُ فِي حَاجَتِهِ حَتَّى نَزَلَتْ هذِهِ الْآيَةُ: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ (^٣).\nكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ قَالَ: يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ وَطَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ فَيُصَلِّي بهمْ رَكْعَةً وَتَكُونُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ لَمْ يُصَلُّوا، فَإِذَا صَلَّى الَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا وَلَا يُسَلِّمُونَ وَيَتَقَدَّمُ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا فَيُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ يَنْصَرِفُ الْإِمَامُ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَتَقُومُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ فَيُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً بَعْدَ أَنْ يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ\n_________\n(^١) ظاهر العطف يقتضى المغايرة فتكون الصلاة الوسطى غير العصر وهي الظهر عند عائشة وبعض الصحب لوقوعها ظاهرة وسط النهار ولكن صريح الحديث قبله أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر لتوسطها بين صلاتين قبلها وصلاتين بعدها وعليه الجمهور كما تقدم في أول كتاب الصلاة فارجع إليه إن شئت.\n(^٢) وقوموا لله قانتين أي مطيعين أو خاشعين ذليلين ساكتين بين يديه تعالى كما قال فأمرنا بالسكوت أي عن الكلام الدنيوي فإنه يبطل الصلاة كما تقدم في شروطها.\n(^٣) فإن خفتم أي من عدو أو سبع فصلوا رجالا أي مشاة جمع راجل خلاف الراكب أو ركبانا جمع راكب أي صلوا كيف أمكنكم مع استقبال أولا ولو بإيماء للركوع والسجود فإذا زال خوفكم فصلوا صلاة كاملة كما علمكم الله تعالى.","vol":"4","page":65},{"text":"فَتَكُونُ كُلُّ طَائِفَةٍ قَدْ صَلَّتْ رَكْعَتَيْنِ (^١) فَإِن كَانَ خَوْفٌ أَشَدَّ مِنْ ذلِكَ صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْر مُسْتَقْبِلِيهَا (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ قَالَ: قَامَ فِينَا\n_________\n(^١) فالإمام يقسمهم قسمين قسم يحرسهم وقسم يصلي معه ركعة ثم يفارقه ويذهب للحراسة ويتم صلاته وحده ويجيء القسم الذي كان يحرس فيجد الإمام ينتظره في الركعة الثانية فيصلي معه ركعة فإذا جلس الإمام قام فصلى الثانية فيكون الإمام وكل فرقة قد صلوا ركعتين صلاة السفر. وهذه الكيفية اختارها الحنفية، ومثل هذا لا يقوله ابن عمر إلا بتوقيف. وتقدمت صلاة الخوف واسعة في الصلاة.\n(^٢) هذا معنى الآية السالفة.\n(^٣) الله لا إله إلا هو الحى القيوم، الحي: أي دائم الحياة والبقاء بلا أول ولا آخر. القيوم: أي المبالغ في القيام بتدبير ملكه، لا تأخذه سنة: أي نعاس ولا نوم، والسنة: النوم بالعين فقط دون القلب كنوم الأنبياء، والنوم: فترة طبيعية تهجم على الشخص فتمنعه من الحركة والإدراك، وذكر النوم بعد النعاس للإيضاح. فالله تعالى لا ينام وإلا لاختل نظام الملك وفسد في الحال، له ما في السموات وما في الأرض ملكا وخلقا وعبيدًا، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه أي لا أحد يشفع عنده لأحد إلا بأمره تعالى، يعلم ما بين أيديهم من أمور الدنيا وما خلفهم من أمور الآخرة أي كلها بخلاف العباد فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء أن يعلمهم به بواسطة رسله أو بإلهام منه جل شأنه، قال تعالى: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. اللهم علمنا من لدنك علما نافعا يا رحمن آمين، وسع كرسيه السموات والأرض أي أحاط علمه بهما، قال تعالى ﴿وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا﴾ أو نفس الكرسي الذي هو فوق السماء السابعة يحمله أربعة أملاك مشتمل على السموات والأرض مع عظمهن الهائل لحديث: ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس، فعظم المخلوق يدل بداهة على عظم الخالق جل شأنه ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾ أي لا يثقله حفظ السموات والأرض بل هو سهل عليه وهو العلى فوق خلقه بالقهر، العظيم أي فوق كل عظيم.","vol":"4","page":66},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ (^١) يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارُ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ (^٢) حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبْحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ (^٣)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ في الْإِيمانِ وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ» إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا وَمُسْلِمٌ فِي الْإِيمَانِ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) إن الله تعالى لا ينام ولا ينبغي له أن ينام فلا يقع منه نوم ولا يجوز عليه النوم تعالى ربنا، يخفض القسط: أي الميزان ويرفعه بأعمال العباد الصاعدة إليه وأرزاقهم النازلة لهم، أو المراد يقتر الرزق على من يشاء ويبسطه لمن يشاء، أو المراد يخفض العاصي ويرفع الطائع بعدله جل شأنه وعلا.\n(^٢) فعمل النهار يرفع بعد صلاة العصر كل يوم، وعمل الليل يرفع بعد الصبح كل يوم، وهذا رفع تفصيلي وأما رفع الأعمال يوم الاثنين ويوم الخميس فهو إجمالي والمباحات لا ترفع فيه بل ترفع في التفصيلي.\n(^٣) حجابه النور. وفي رواية: النار أي ما يشبهها كالنور في حجب الأشياء، فالله تعالى محتجب لا محجوب. والسبحات: جمع سبحة كغرفات وغرفة وهي صفات الجلال والجمال سميت سبحات لأنه يسبح عند رؤيتها، والوجه الذات، فمعنى هذا أن الله تعالى لو أزال الحجاب المانع من رؤيته وتجلى لخلقه لأحرق جلال ذاته جميع مخلوقاته.\n(^٤) أي لو كان الشك في قدرة الله تعالى متطرقا إلى الأنبياء لكنت أنا أحق به وأنا لم أشك فإبراهيم أولى بعدمه لأنه خليل الرحمن وهذا لقول الله تعالى: واذكر يا محمد إذ قال إبراهيم لربه رب أرني كيف تحيي الموتى؟ قال أولم تؤمن بقدرتي على الإحياء؟ قال: بلى آمنت بقدرتك على كل شيء ولكني سألتك ليطمئن قلبي بالعيان، قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك أي قطعهن وامزج لحمهن بعضه ببعض ثم اجعل على كل جبل جزءًا منهن ثم ادعهن إليك يأتينك سعيًا أي سريعًا واعلم أن الله عزيز حكيم.\n(^٥) الإعصار: الريح الشديدة، أي لا يحب أحدكم الذي كبر سنه وله أولاد صغار وبستان يجود بأنواع الثمرات أن تتلفه الآفات لأنه أحوج ما يكون إليه الآن حتى الشاب=","vol":"4","page":67},{"text":"قَالَ عُمَرُ ﵁ يَوْمًا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: فِيمَ تَرَوْنَ هذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ قَالُوا: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَغَضِبَ عُمَرُ فَقَالَ: قُولُوا نَعْلَمُ أَوْ لا نَعْلَمُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ عُمَرُ: يَا ابْنَ أَخِي قُلْ وَلَا تَحْقِرْ نَفْسَكَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ، قَالَ عُمَرُ: أَيُّ عَمَلٍ؟ قَالَ: لِعَمَلٍ، قَالَ عُمَرُ: لِرَجُلٍ غَنِيَ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ ﷿ ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطَانَ فَعَمِلَ بِالْمَعَاصِي حَتَّى أَغْرَقَ أَعْمَالَهُ (^١).\nرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَصْحَابَ نَخْلٍ فَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي مِنْ نَخْلِهِ عَلَى قَدْرِ كَثْرَتِهِ وَقِلَّتِهِ وَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي بِالْقِنْوِ وَالْقِنْوَيْنِ فَيُعَلِّقُهُ بِالْمَسْجِدِ وَكَانَ أَهْلُ الصُّفَّةِ (^٢) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ فَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا جَاعَ أَتَى الْقِنْوَ فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ فَيَسْقُطُ مِنَ الْبُسْرِ والثَّمَرِ فَيَأْكُلُ وَكَانَ نَاسٌ مِمَّنْ لَا يَرْغَبُ فِي الْخَيْرِ يَأْتِي أَحَدُهُمْ بِالْقِنْوِ فِيهِ الشِّيصُ وَالْحَشَفُ وَبِالْقِنْوِ قَدِ انْكَسَرَ فَيُعَلِّقُهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ﴾ ﴿تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾،\n_________\n= الخالي من الولد لا يحب ذلك لأنه إتلاف مال نامٍ وهذا تمثيل لنفقة المرائى في ذهابها وعدم نفعها في الآخرة وهو أحوج ما يكون لها.\n(^١) فالآية مثل لشخص أطاع ربه طويلا بماله وبدنه ثم ضل فبدل حسناته بسيئات فإنه يكون أكثر الناس ندما في الآخرة لتضييعه ما هو أشد الناس حاجة إليه الآن، نسأل الله التوفيق آمين.\n(^٢) كان يقيم بالمسجد النبوى فقراء لا ملك ولا كسب لهم وهم أهل الصفة وكان للأنصار نخل فكانوا يأتون بالقنو والقنوين فيعلقونه في المسجد ليأكل منه أهل الصفة ولكن بعضهم يأتى بالقنو الذي انكسر على نخلة وبعضهم يأتي بالذي فيه الشيص والحشف أي رديء التمر، فنزلت الآية ومعناها باختصار: يا أيها المؤمنون أنفقوا من أحسن كسبكم ومن أحسن ما أخرج الله لكم من الأرض من حب وثمر ولا تنفقوا من ردئ المال فإنكم لا تقبلونه من غيركم إلا بتساهل وحياء فكيف تقدمونه لله تعالى الذي خلقكم وخلق لكم تلك النعم واعلموا أن الله غني عنكم وعن أعمالكم، حميد: أي محمود في كل حال، فصارت الأنصار بعد هذا تنفق من صالح أموالها.","vol":"4","page":68},{"text":"قَالَ: لوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أُهْدِيَ إِلَيْهِ مِثْلُ مَا أَعْطَاهُ لَمْ يَأْخُذْهُ إِلا عَلَى إِغْمَاضٍ وَحَيَاءٍ، قَالَ فَكُنَّا بَعْدَ ذلِكَ يَأْتِي أَحَدُنَا بِصَالِحِ مَا عِنْدَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لِمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لِمَّةً، فَأَمَّا لِمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا لِمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ فَمَنْ وَجَدَ ذلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ الْأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (^١)»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (^٢).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ (^٣) فَخَلَقَ الْجِبَالَ فَعَادَ بِهَا عَلَيْهَا فَاسْتَقَرَّتْ فَعَجِبَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ شِدَّةِ الْجِبَالِ»، قَالُوا: يَا رَبِّ\n_________\n(^١) اللمة كهمة: الخطرة بالقلب. فلابن آدم لمة من الشيطان ولمة من الملك؛ فلمة الشيطان وسوسته بالسوء، ولمة الملك الكريم وحيه بالخير، فمن شعر بهذه فليحمد الله، ومن أحس بالأولى فليتعوذ بالله من الشيطان فإنه يحفظه منه والظاهر أن المراد بالشيطان القرين وهذا الملك من طائفة مسخرة لهذا أو من الملازمين للإنسان كالكتبة ثم قرأ النبي - ﷺ - الشيطان يعدكم الفقر أي يخوفكم منه إن تصدقتم ويأمركم بالفحشاء أي بالبخل ومنع الزكاة عن مستحقيها والله يعدكم على الإنفاق مغفرة منه وفضلا أي رزقا واسعا خلفا من الإنفاق فإن الله واسع فضله عليم بخلقه، قال تعالى ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾.\n(^٢) فالصدقة الجهرية ممدوحة إذا رافقها إخلاص لأنها قدوة حسنة ولكن الصدقة السرية أفضل وأكثر ثوابًا لخلوها عن الشوائب، وهذا في الصدقة المندوبة، أما المفروضة كالزكاة فإظهارها أفضل لئلا يتهم بمنعها وليكون قدوة حسنة.\n(^٣) تميد: أي تتحرك، فخلق الجبال فعاد بها عليها أي أمر بوضعها على الأرض فاستقرت فقالت الملائكة: يا رب هل في خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: الحديد، أي لأنه يقطع الحجر.","vol":"4","page":69},{"text":"فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدَّ مِنَ الْجِبَالِ قَالَ: نَعَمْ الْحَديدُ، قَالُوا: يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدَّ مِنَ الْحَدِيدِ؟ قَالَ: قَالَ: نَعَمْ النَّارُ (^١)، قَالُوا: يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدَّ مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: نَعَمْ الْمَاءِ (^٢) قَالُوا: يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدَّ مِنَ الْمَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ الرِّيحُ (^٣)، قَالُوا: يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدَّ مِنَ الرِّيحِ، قَالَ: نَعَمْ ابْنُ آدَمَ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا عَنْ شِمَالِهِ (^٤). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي آخِرِ التَّفْسِيرِ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَلَا اللُّقْمَةُ وَلَا اللُّقْمَتَانِ إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ». واقْرؤوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (^٥). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (^٦).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرِّبَا قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ (^٧). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) لأنها تؤثر في الحديد وتذيبه.\n(^٢) لأنه يطفئ النار ويميتها.\n(^٣) لأنه ينشف الماء.\n(^٤) فالمتصدق الذي يخفي صدقته أشد وأقوى عزيمة من كل شيء، وصدقته في دفع البلاء عنه وسرعة قبولها عند الله أقوى من كل شيء، وروى: إن الله تعالى ليضحك لعبده إذا مد يده بالصدقة.\n(^٥) فليس المسكين الذي يطلب اللقمة فيأخذها فيذهب لأنه ربما كان غنيًا ولكن المسكين الذي لا ملك ولا كسب له ولا يعرفه الناس ولا يسألهم، والمراد الحث على إعطاء المساكين المتعففين فهم أولى وأفضل.\n(^٦) يمحق الله الربا أي يذهب البركة منه ويربي الصدقات أي يزيدها وينميها ويضاعف ثوابها والله لا يحب كل كفار أثيم أي فاجر يحلل الربا.\n(^٧) فلما نزلت آيات الربا وهي ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس …﴾ إلى ﴿إن كنتم تعلمون﴾، قرأها رسول الله - ﷺ - على الناس في المسجد وحرم عليهم التجارة في الخمر لتحريم شربها.","vol":"4","page":70},{"text":"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ ﴿مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (^١)﴾.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ آيةُ الرِّبَا (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿للَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٣) اشْتَدَّ ذلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَوْهُ ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ كُلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْجِهَادُ وَالصَّدَقَةُ وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هذِهِ الْآيَةُ وَلَا نُطِيقُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكَمْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا بَلْ قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ»، قَالَهَا مَرَّتَيْنِ (^٤) فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ\n_________\n(^١) ﴿واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله﴾ يوم القيامة ﴿ثم توفى فيه كل نفس ما كسبت﴾ من خير وشر ﴿وهم لا يظلمون﴾ بنقص حسنة ولا بزيادة سيئة.\n(^٢) أي آيات الربا التي هنا آخر ما نزل. وأخرج الطبري من طرق عن ابن عباس: آخر آية أنزلت على النبي - ﷺ - ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله﴾ ويجمع بينهما بأن المراد آيات الربا الشاملة لآية ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله﴾ أو المراد آخر آية نزلت آية الربا أي في نوع الربا والله أعلم.\n(^٣) ﴿لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه﴾ من السوء وخواطره يحاسبكم به الله أي في الآخرة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير.\n(^٤) أي ﴿سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾، وقوله: فلما اقترأها القوم أي قرأوها وذلت أي لهجت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها أي عقبها آمن الرسول الآية. وحاصل هذا كله أنه لما نزل قوله تعالى ﴿لله ما في السموات وما في الأرض﴾ الآية دخل في قلوب الأصحاب من الخوف والحزن شيء عظيم فجاءوا لرسول الله - ﷺ - وبركوا على الركب وقالوا: يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيقه كالصلاة والجهاد فقبلناه وقد نزلت عليك ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ ولا نطيقها. فحذرهم النبي - ﷺ - من العصيان كما عصى اليهود والنصارى وأمرهم أن يقولوا ﴿سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ فقالوها وكرروها فنزل ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾. فلما هدأت نفوسهم واستسلمت لأمر الله تعالى أنزل الله تعالى ناسخًا لتلك الآية ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها =","vol":"4","page":71},{"text":"وَذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي إِثْرِهَا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾، فَلَمَّا فَعَلُوا ذلِكَ نَسَخَها اللَّهُ تَعَالَى فَأَنْزَلَ ﷿: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قَالَ: نَعَمْ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾، قَالَ: نَعَمْ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾، قَالَ: نَعَمْ، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾، قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْإِيمَانِ وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ هُنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n= لها ما كسبت﴾ أي من الخير ﴿وعليها ما اكتسبت﴾ أي من الشر ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ قال الله تعالى ﴿نعم قد فعلت ورفعت هذا﴾ أي كما تقدم في كتاب الإيمان: إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرًا﴾ أي أمرا ثقيلا ﴿كما حملته على الذين من قبلنا﴾ كقتل النفس في التوبة وربع المال في الزكاة وقرض موضع النجاسة، قال الله تعالى \"نعم قد فعلت﴾ فإنه بدّل هذه الأمور بالأخف منها ﷾ ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ من أي شيء، قال الله تعالى: نعم ﴿واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾ قال الله تعالى نعم قد فعلت، وأعفو وأغفر لمن تاب إليّ ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى﴾ فكانت تلك الآية وخوف الأصحاب منها وشكواهم للنبي - ﷺ - سببًا في هذه التخفيفات والرحمات التي لم تنلها أمة أخرى في أسلوب يشعر بالذلة والانكسار والاعتراف الله تعالى بهذه النعم الجزيلة العظيمة الشأن.","vol":"4","page":72},{"text":"<span data-type='title' id=toc-828>سورة آل عمران </span>(^١)\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾ (^٢).\nقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قَالَ: «فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتّبِعُون مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولئِكَ الّذِينَ سَمّى اللَّهَ فَاحْذَرُوهُمْ» رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\nوَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ فَعُرِفَ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ وَقَال: إِنّمَا هَلكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِاخْتِلافِهِمْ فِي الْكِتَابِ (^٣). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْعِلْمِ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ الّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ فِي هذِهِ الْآيَةِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ\n_________\nسورة آل عمران\n(^١) سميت بهذا القول الله تعالى فيها ﴿إن الله اصطفى آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين﴾.\n(^٢) ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات﴾ أي واضحات الدلالة ﴿هنَّ أُمُّ الكتاب﴾ أي أصله المعتمد عليه في الأحكام ﴿وأخر متشابهات﴾ لا تفهم معانيها كأوائل السور ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ أي ميل عن الحق فيتبعون ما تشابه منه ﴿ابتغاء﴾ أي طاب ﴿الفتنة﴾ للجهال بوقوعهم في الشبهات والتلبيس ﴿وابتغاء تأويله﴾ أي تفسيره ﴿وما يعلم تأويله إلا الله * والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾ فالنبي - ﷺ - تلا هذه الآية ثم قال: ﴿فإذا رأيت الذين يتبعون المتشابه من القرآن فاجتنبوهم فإنهم فتنة﴾.\n(^٣) الاختلاف الممقوت في الكتاب ما كان عن جهل للرياء وحب الظهور والعلو وربما أدى إلى الكفر لحديث أبي داود: ﴿المراء في القرآن كفر﴾ وتقدم في آداب العلم بضع أحاديث في الشرح تذم الجدل والمراء. أما الجدل في القرآن بنية الوصول إلى فهم معانيه فجائز بل هو مطلوب.","vol":"4","page":73},{"text":"وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾» (^١). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ إِلا مَرْيَمَ وَابْنَهَا وَاقْرؤوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾» (^٢). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنَبَيْهِ بِأُصْبُعِهِ حِينَ يُولَدُ غَيْرَ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَهَبَ يَطْعُنُهُ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.\n\n• عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هذِهِ الْآيَةَ: ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ هؤُلَاءِ أَهْلِي (^٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ هُنَا وَمُسْلِمٌ فِي الْفَضَائِلِ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ (^٤) قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ (^٥) قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّامِ إِذْ جِيءَ بِكِتابٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى هِرقْلَ جَاءَ بِهِ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ\n_________\n(^١) لهذا اتخذها السادة الصوفية في ختم الصلاة الكبير عقب كل صلاة.\n(^٢) فكل مولود من بني آدم يطعنه الشيطان في جنبه حين يولد ابتداء للتسلط عليه فيرفع صوته بالبكاء إلا مريم وولدها عيسى ﵉ فإن الشيطان طعنه فجاءت في الحجاب الذي كان عليه في بطن أمه وهو المشيمة، ومثل عيسى كل الأنبياء صلى الله عليهم وسلم فإنهم محفوظون من تسلط الشيطان عليهم، قال تعالى ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾.\n(^٣) فيه أن هؤلاء هم خواص أهل البيت ﵃ وحشرنا في زمرتهم آمين، وتقدم فضلهم في الفضائل على سعة.\n(^٤) أي مشافهة منه إليّ.\n(^٥) في المدة أي مدة صلح الحديبية التي كانت بين النبي - ﷺ - وبين قريش على ترك الحرب عشر سنين ففي آخر سنة ست هجرية بعث النبي - ﷺ - دحية الكلبي بكتاب إلى هرقل الملقب بقيصر عظيم الروم فسلمه دحية إلى عظيم بصرى واسمه الحارث الغساني فدفعه الحارث إلى هرقل فقال: هل هنا أحد من بلد هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قالوا: نعم، وصادف هذا وجود أبي سفيان ورفقته في الشام للتجارة فأرسل لهم فجاءوا فصار يسألهم عن النبي - ﷺ - بواسطة ترجمانه بالضم والفتح الذي يفسر لغة بأخرى.","vol":"4","page":74},{"text":"فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ فَقَالَ هِرَقْلُ: هَلْ هُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشِ فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ فَأُجْلِسْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسبًا مِنْ هذَا الرَّجُل الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَنَا، فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي، ثُمَّ دَعَا بِتُرْجُمَانِهِ فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ إِنّي سَائِلٌ هذَا عَنْ هذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَإنْ كَذَبَنِي فَكَذّبُوهُ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وايْمُ اللَّهِ لَوْلَا أَنْ يُؤْثِرُوا عَلَيَّ الْكَذِبَ لَكذَبْتُ (^١)، ثُمَّ قالَ لِتُرْجُمَانِهِ: سَلْهُ كَيْفَ حَسبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ (^٢) قَالَ: هَلْ كَانَ فِي آبائِهِ مَلكٌ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: أَيَتَّبِعُهُ أَشْرَافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ (^٣)، قَالَ: يَزيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: لَا بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيه سَخْطَةَ لَهُ؟ قُلْتُ: لَا (^٤)، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: تَكونُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالًا يُصِيبُ مِنَّا وَنُصِيبُ مِنْهُ (^٥)، قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ (^٦)؟ قُلْتُ: لَا. وَنَحْنُ مِنْهُ\nفِي هذِهِ\n_________\n(^١) أي والله لولا خوفي من إشاعة الكذب عليّ لكذبت.\n(^٢) كيف حسبه فيكم، الحسب: ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه وهذا يلزمه النسب الذي ورد في رواية: فقال هو فينا ذو حسب رفيع، وفي رواية: هو في حسب لا يفضل عليه أحد.\n(^٣) أشرف الناس هنا أكابر أهل الدنيا والضعفاء أصاغر أهلها.\n(^٤) سخطة له أي كراهة له قال لا.\n(^٥) السجال ككتاب بينه بقوله يصيب أي يكسب منا ونكسب منه، وقد كانت الحرب وقعت بينه - ﷺ - وبينهم في بدر فأصاب المسلمون من المشركين، وفي أحد فأصاب المشركون من المسلمين وفي الخندق فأصيب من الطائفتين فريق قليل.\n(^٦) فهل يغدر أي ينقض العهد، قال: لا. ثم أعقبه بقوله: ونحن الآن في عهد معه ولا ندري هل وفى أو غدر بنا ونحن غائبون، قال: وما تمكنت من انتقاصه إلا بهذه الكلمة.","vol":"4","page":75},{"text":"الْمُدَّةِ لَا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا، قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هذِهِ، قَالَ: فَهَلْ قَالِ هذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا. ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فِيكُمْ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ وَكَذلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا (^١). وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قُلتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ. وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ أَضُعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشْرَافُهُمْ فَقُلْتَ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ (^٢). وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِب قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ (^٣). وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا وَكَذلِكَ الْإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ (^٤). وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذلِكَ الْإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ (^٥). وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْوَبَيْنَهُ سِجَالًا يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ وَكَذلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ (^٦). وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لَا يَغْدِرُ وَكَذلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ هذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا فَقُلْتُ لَوْ قَالَ هذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ قُلْتُ رَجُلٌ ائْتَمَّ بِقَوْلٍ\n_________\n(^١) لينظر إليهم بالإجلال، قال تعالى عن قوم شعيب ﵇ ﴿ولولا رهطك لرجمناك﴾.\n(^٢) أي غالبًا، قال تعالى حكاية عن قول قوم نوح له ﴿ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأي﴾.\n(^٣) فمن لم يكذب على الناس لم يكذب على الله بالأولى.\n(^٤) أي التي يدخل فيها وهي منشرحة.\n(^٥) فإنه يبدو صغيرًا ثم ينمو كما تقدم في الفرائض: الإسلام يزيد ولا ينقص.\n(^٦) قال تعالى ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾.","vol":"4","page":76},{"text":"قِيلَ قَبْلَهُ. قَالَ (^١) ثُمَّ قَالَ: بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ قَالَ: إِنْ يَكُ مَا تَقُولُ فِيهِ حَقًّا فَإِنَّه نَبِيٌّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ (^٢) وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلصُ إِلَيْهِ لَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ وَلَيبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قدَمَيَّ. قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ (^٣): «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى. أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ (^٤)\nو﴿قُلْ يأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (^٥). فَلَمَّا فَرَغَ\n_________\n(^١) قال أي أبو سفيان ثم قال أي هرقل: بم يأمركم؟ قال: يأمرنا بالصلاة والزكاة وصلة الأرحام والعفاف قال: إن يكن قولك حقًّا فإنه نبي.\n(^٢) وكنت أعلم أنه خارج أي سيظهر في هذا الزمان ولكني ما كنت أظنه منكم يا معشر العرب. وفي رواية: أنه أخرج لهم سفطا (كسبب) علبة من ذهب عليها قفل من ذهب فأخرج منه حريرة مطوية فيها صور فعرضها عليهم إلى آخر صورة فقالوا جميعًا هذه صورة محمد - ﷺ -، فقال: هذه صور الأنبياء وهذه صورة خاتمهم صلى الله عليهم وسلم، وقوله ﴿وليبلغن ملكهـ ما تحت قدمي هاتين﴾ أي أرض بيت المقدس وملك الروم كله وكان كذلك.\n(^٣) فقرأه أي بنفسه أو ترجمانه بأمره.\n(^٤) سلام على من اتبع الهدى هذا كقول موسى وهارون لفرعون: والسلام على من اتبع الهدى، أدعوك بدعاية الإسلام أي بالكلمة الداعية إليه وهي شهادة التوحيد، أسلم تسلم: أي ادخل في الإسلام تسلم من شر الدنيا والآخرة، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين لإيمانك بنبيك ثم بمحمد - ﷺ - ولأن إيمانك يترتب عليه إيمان رعيتك فإن توليت ولم تسلم فإن عليك إثم الأريسيين أي الزارعين وكل الرعية أو الأريسيين نسبة إلى عبد الله بن أريس رجل كانت النصارى تعظمه لأنه ابتدع في دين عيسى ﵇ أمور كثيرة ليست منه.\n(^٥) يا أهل الكتاب اليهود والنصارى تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أي نعترف بها ونقوم بأمرها جميعًا وهي ﴿ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابا من دون الله﴾ كما اتخذتم الأحبار والرهبان أربابا ﴿فإن تولوا﴾ أي أعرضوا عن الإسلام ﴿فقولوا﴾ لهم ﴿اشهدوا بأنا مسلمون﴾.","vol":"4","page":77},{"text":"مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ ارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ عِنْدَهُ وَكَثُرَ اللَّغَطُ (^١) وَأُمِرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ خَرَجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ إِنَّهُ لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ (^٢) فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَدَعَا هِرَقْلُ عُظَمَاءَ الرُّومِ فَجَمَعَهُمْ فِي دَارٍ لَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ آخِرَ الْأَبَدِ وَأَنْ يَثْبُتَ لَكُمْ مُلكُكمْ، قَالَ: فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ فَقَالَ: عَلَيَّ بِهِمْ فَدَعَا بِهِمْ فَقَالَ: إِنِّي إِنَّمَا اخْتَبَرْتُ شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ فَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكُمُ الَّذِي أَحْبَبْتُ فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا وَمُسْلِمٌ فِي الْجِهَادِ.\n_________\n(^١) من عظماء الروم كراهة فيما ظهر لهم من ميل هرقل إلى الإيمان بمحمد - ﷺ -.\n(^٢) أبو كبشة كنية للحارث بن عبد العزي أبي النبي - ﷺ - من الرضاع كانوا ينتقصونه به، فلما خرج أبو سفيان من مجلس هرقل، قال أبو سفيان وأصحابه: لقد أمر، أي عظم شأن ابن أبي كبشة حتى إنه يخافه ملك بني الأصفر أي الروم.\n(^٣) فعاد هرقل إلى حمص الشام وجمع عظاء الروم في داره ثم قال لهم: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد الدائمين وثبات الملك دائمًا إن أردتم هذا فبايعوا محمدًا وآمنوا به فإني علمت من عدة أمور أن الأمة الدائمة هي الأمة المحمدية، فحاصوا حيصة الحمر الوحشية أي نفروا كالحمر الوحشية إلى الأبواب ليخرجوا منها كراهة في عرض الإسلام عليهم فوجدوها مغلقة فلما رأى هرقل جبنهم ذلك قال عليّ بهم أي أحضروهم ثم قال لهم: إني أردت بتلك المقالة أن أختبر تمسككم بدينكم فقد رأيت منكم ما أحب فسجدوا له كعادتهم سجودا بالجبهة أو تقبيلا للأرض بين يديه ثم انصرفوا راضين عنه، وفي البخاري في بدء الوحي ما معناه: أن هرقل في سنة صلح الحديبية انتقل إلى القدس لينظر جنوده هناك بعد أن انتصروا على فارس ولكنه نزل ضيفا عند أمير القدس وهو ابن الناطور، وكان هرقل حزاء أي كاهنا وماهرًا في علم النجوم فأصبح يوما كئيبا مهموما فسأله بطارقته وأمراء الدولة فقال لهم: رأيت في علم النجوم الليلة أن ملك الختان قد ظهر أي الذي يأمر بالختان فمن يختتن من هذه الأمم؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود فلا يهمنك شأنهم وإن أردت إبادتهم فاكتب إلى أمراء مملكتك يقتلونهم فإنهم تحت حكمك فبينما هم يتشاورون في هذا إذ جاءهم رجل من قبل الحارث بن أبي شمر ملك غسان أحد ملوك العرب يخبر ذلك الرجل عن ظهور رسول الله - ﷺ - فقال هرقل: انظروا هذا الرجل أمختتن هو؟ فنظروه فوجدوه مختتنا =","vol":"4","page":78},{"text":"وَنَزَلَ لَمَّا قَالَتِ الْيَهُودُ نَحْنُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَقَالَتِ النَّصَارَى نَحْنُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (^١).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيَ وُلاةً مِنَ النَّبِييِّنَ وَإِنَّ وَلِيِّي أَبِي وَخَلِيلِي وَخَلِيلُ رَبِّي (^٢) ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ ﴿أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٤). عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ ﵁ قَالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ هذِهِ الْآيَةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ\n_________\nفأحضره هرقل وسأله عن العرب أيختتنون؟ قال: نعم، قال هرقل. هذا ملك هذه الأمة قد ظهر، أي أن محمدًا الذي ظهر يدعى النبوة والرسالة على حق كما رأيت في علم النجوم الليلة، وكان لهرقل صاحب له في مدينة رومية محل الرياسة الدينية للروم اسمه ضفاطر وله إلمام تام بعلم النجوم فكتب له هرقل بما رأى في علم النجوم وما جاءه من ظهور محمد بالنبوة والرسالة ثم عاد هرقل إلى عاصمة ملكه حمص الشام فوافاه مكتوب ضفاطر يوافقه في ظهور محمد - ﷺ - وأنه رسول الله حقًّا، فكتب له هرقل يستدعية للحضور بحمص ثم جمع عظماء دولته وقواده ووزراءه في دسكرة أي قصر عظيم له يحوطه بيوت كثيرة ثم جلس هرقل في مكان عال وأشرف عليهم وعرض عليهم مبايعة محمد - ﷺ - والإيمان به فنفروا منه فاستعطفهم وتركهم (هذا) ولم يثبت إيمان هرقل بل ثبت أنه قاتل النبي - ﷺ - بعد هذا فأمر إيمانه موكول إلى الله تعالى.\n(^١) فإن اليهودية والنصرانية بعد إبراهيم ﵇ بزمن طويل لأن موسى ﵇ بعد إبراهيم بألف سنة تقريبًا وعيسى ﵇ بعده بنحو ألفي سنة.\n(^٢) إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.\n(^٣) ولما قال أهل الكتاب نحن على دين إبراهيم فنحن أولى ﴿به﴾ منكم نزلت ﴿إن أولى الناس بإبراهيم الذين اتبعوه﴾ في زمانه ﴿وهذا النبي﴾ محمد - ﷺ -. ﴿والذين آمنوا﴾ به ﴿والله ولى المؤمنين﴾ نعم الولي ربنا وهو حسبنا ونعم الوكيل.\n(^٤) إن الذين يشترون أي يستبدلون ﴿بعهد الله﴾ إليهم في الإيمان وأداء الأمانة ﴿ثمنًا قليلا﴾ من الدنيا ﴿أولئك لا خلاق لهم في الآخرة﴾ أي لا حظ لهم فيها ﴿ولا يكلمهم الله﴾ غضبا عليهم ﴿ولا ينظر إليهم﴾ نظر رحمة ﴿ولا يزكيهم﴾ أي لا يطهرهم ﴿ولهم عذاب أليم﴾.","vol":"4","page":79},{"text":"يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمَ لِي، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ» فَقُلْتُ: إِذَنْ يَحْلِفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» (^١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَن اقْتَطَعَ حَقَّ امْرئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»، فَقَالَ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ» (^٢). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْإِيمَانِ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄ أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً (^٣) فِي السُّوقِ فَحَلَفَ لَقَدْ أُعْطِي فِيهَا مَا لَمْ يُعْطَهُ لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية.\n\n• عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا تَخْرِزَانِ فِي بَيْتٍ وَفِي الْحُجْرَةِ فَجُرِحَتْ إِحْدَاهُمَا وَقَدْ أُنْفِذَ بِإِشْفَى فِي كَفِّهَا (^٤) فَادَّعَتْ عَلَى الْأُخْرَى فَرُفِعَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَقَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَذَهَبَ دِمَاءُ قَوْمٍ وَأَمْوَالُهُمْ ذَكِّرُوهَا\n_________\n(^١) فكان بين الأشعث الكندي وبين ابن عمه معدان خصومة في بئر كانت للأشعث تحت يد ابن عمه فجحدها فترافعا للنبي - ﷺ - فقال للأشعث: بينتك، أي الواجب بينتك فتثبت البئر لك وإلا فعليه اليمين أن البئر له، فقال الأشعث: حينئذ يحلف ويأخذ مالي فإنه لا بينة لي وهو لا يبالي باليمين فقال - ﷺ -: من حلف على شيء ليأخذه وهو في يمينه فاجر أي متعمد للكذب لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان، ويمين الصبر ما ألزمها وجبس عليها.\n(^٢) أي وإن كان عودًا من شجر الأراك لافترائه وجرأته على اليمين.\n(^٣) السلعة هي المتاع المعروض للبيع وتقدم الحديث في كتاب البيوع.\n(^٤) فكانت امرأتان في حجرة في بيت تخرزان النعال فجرح كف إحداها ونفذ فيه الإشفى أي آلة الخرز فادعت على الأخرى أنها صنعت بها هذا فأنكرت فرفع أمرهما إلى ابن عباس فقال: قال رسول الله - ﷺ - لو يعطى الناس ما يدعونه على غيرهم من غير بينة لضاعت أموال الناس ودماؤهم وحيث لا بينة لهذه فعلى صاحبتها اليمين أنها بريئة، ولكن ذكّروها بالله وأسمعوها الآية وخوّفوها من عذاب الله إن حلفت كاذبة ففعلوا معها ذلك فاعترفت أنها جرحت صاحبتها فذكر ابن عباس الحديث.","vol":"4","page":80},{"text":"بِاللَّهِ» وَاقْرَؤوا عَلَيْهَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ فَذَكَّرُوهَا فَاعْتَرَفَتْ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ». رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أُنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيَ بِالْمَدِينَةِ نَخْلًا وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بِيْرَحَا وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ فَلَما أُنْزِلَتْ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ ﵁ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إليَّ بَيْرُحَا وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرِهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ (^١) اللَّهُ فَقَالَ ﷺ «بَخْ ذلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذلِكَ مَالٌ رَابِحٌ وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ» قَالَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ.\nزَادَ فِي رِوَايَةٍ: فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وَأُبَيَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ. ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^٢).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقْبلَتْ يَهُودُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا:\n_________\n(^١) أبو طلحة اسمه زيد بن سهل الأنصاري، وبيرحا أحسن بستان يملكه، وذلك مال رابح بالموحدة أي ربحه وأجره عظيم، وفي رواية: ذلك مال رايح بالياء من الرواح ضد العدو، أي من شأنه الذهاب والفوات فإذا ذهب في الخير كان أولى، فالنبي - ﷺ - فرح بعمله هذا وبشره بالخير العظيم ولكنه أرشده أن يقسمه بين أقاربه فهم أولى بمعروفه فقسمه بين حسان بن ثابت وأبي بن كعب ﵃ أجمعين، وتقدم الحديث في باب الوقف من كتاب البيوع.\n(^٢) كان النبي - ﷺ - يقول أنا على ملة إبراهيم، فقالت اليهود كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها؟ فقال: كانت حلالا لإبراهيم فنحن نحلها فقالت اليهود: كل شيء نحرمه اليوم كان حراما على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا. فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم وتصديقا لمحمد - ﷺ - كل الطعام كان حلا أي حلالا لبني إسرائيل أي أولاد يعقوب إلا ما حرمه على نفسه وهو لحوم الإبل وألبانها قبل نزول التوراة.","vol":"4","page":81},{"text":"يَا أَبَا الْقَاسِمِ أَخْبِرْنَا عَمَّا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ قَالَ: «اشْتَكَى عِرْقَ النَّسَا فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يُلَائِمُهُ إِلا لُحُومَ الْإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا فَلِذلِكَ حَرَّمَهَا»، قَالُوا: صَدَقْتَ (^١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ في الزهْدِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ الْيَهُودَ جَاؤُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ قَدْ زَنَيَا فَقَالَ لَهُمْ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ بِمَنْ زَنَى مِنْكُمْ؟ قَالُوا: نُحَمِّمُهُمَا (^٢) وَنَضْرِبُهُمَا فَقَالَ: لَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ فَقَالُوا: لَا نَجِدُ فِيهَا فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَوَضَعَ مِدْراسُهَا الَّذِي يُدَرِّسُهَا مِنْهُمْ كَفَّهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَطَفِقَ يَقْرَأُ مَا دُونَ يَدِهِ وَمَا وَرَاءِها وَلَا يَقْرَأُ آيَةَ الرَّجْمِ فَنَزَعَ يَدَهُ عن آيَةِ الرَّجْمِ فَقَالَ: مَا هذِهِ؟ فَلَمَّا رَأَوْا ذلِكَ قَالُوا: هِيَ آيَةُ الرَّجْمِ فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ مَوْضِعُ الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ فَرَأَيْتُ صَاحِبَهَا يَحْنِي عَلَيْهَا يَقِيَها الْحِجَارَةَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ،\n_________\n(^١) عرق النسا - كالعصا مرض في الرجل مرض به يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇ فنذر إن شفاه الله منه لا يأكل أحب شيء إليه وهو لحوم الإبل وألبانها فشفاه الله فحرمها على نفسه وفاء بنذره.\n(^٢) قوله نحممهما من التحميم وهو تسويد الوجه، فاليهود جاءوا للنبي - ﷺ - برجل وامرأة قد زنيا واعترفا بالزنا وشهد عليهما أربعة كما في أبي داود، فقال - ﷺ -: ما تفعلون بالزاني والزانية في دينكم؟ قالوا: نسود وجوههما ونضربهما، قال: أليس عندكم الرجم؟ قالوا لا، قال عبد الله: كذبتم هاتوا التوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فجاء بها عبد الله بن صوريا ووضع يده على آية الرجم وصار يقرأ ما قبلها وما بعدها فرفع عبد الله بن سلام يده وقال: أليست هذه آية الرجم؟ فقالوا نعم، فأمر النبي - ﷺ - بالزانيين فرجما في موضع الجنائز وكان الزاني ينحني بجسمه على صاحبته ليحفظها من الحجارة.\n(^٣) فأول بيت أمر الله ببنائه في الأرض للعبادة بيت مكة المكرمة وهو الكعبة المباركة التي يطوف بها الناس.","vol":"4","page":82},{"text":"قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْأَقْصى»، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ عَامًا» (^١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (^٢).\n\n• عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنِ الْحَاجُّ؟ قَالَ: «الشُّعْثُ الثُّفْلُ». فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: أَيُّ الْحجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْعَجُّ والثَّجُّ». فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: مَا السَّبِيلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» (^٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال كُنْتُمْ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ»، قَالَ: تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى (^٥). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n_________\n(^١) فأول مسجد بني في الأرض مسجد مكة ثم مسجد بيت المقدس وبينهما أربعون سنة؛ وهذا بناء أولى سابق على بناء إبراهيم ﵇ للكعبة وعلى بناء داود وسليمان ﵍ لبيت المقدس وإلا فالمسافة بين إبراهيم وداود ﵉ أكثر من ألف سنة وتقدم الحديث في فضل المساجد.\n(^٢) فمن تيسرت حاله وسهل عليه الحج إلى بيت الله تعالى وجب عليه الحج لأنَّهُ أحد أركان الإسلام.\n(^٣) فالسبيل في الآية الزاد والراحلة، والمراد ما يوصله إلى البيت الحرام ورجعه إلى وطنه، وأفضل أعمال الحج وأظهرها العج وهو رفع الصوت بالتلبية والثج الذي هو نحر الهدى للعبادة. والحجاج هم الشعث جمع أشعث وهو المنتشر شعره. التفل: جمع أتفل وهو الأغبر ظاهره. والمراد أن الحاج الحقيقي هو المنهمك بالشعائر -، وذكر الله تعالى دون حظ نفسه وزينة ظاهره نسأل الله التوفيق.\n(^٤) تأتون بهم أي الأسرى في السلاسل حتَّى يعتنقوا الإسلام بعد أن كانوا كفارًا فيسعدوا، ومنه عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل وهم الأسرى الذين يسلمون فلهذا كانت الأمة المحمدية خير الناس للناس.\n(^٥) فأنتم أيتها الأمة المحمدية تختمون سبعين أمة من الأمم الإسلامية المشهورة كأمة عيسى وأمة موسى وأمة إبراهيم وهكذا ولكنكم أفضلها وأكرمها عند الله تعالى لأنكم أمة أفضل خلق الله محمد - ﷺ - وسبق فضل الأمة المحمدية في كتاب الفضائل.","vol":"4","page":83},{"text":"• عَنْ جَابِرٍ ﵁ يَقُولُ: فِينَا نَزَلَتْ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ قَالَ: نَحْنُ الطَّائِفَتَانِ بَنُو حَارِثَةَ وَبَنُو سَلِمَةَ وَمَا يَسُرُّنِي أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ (^١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (^٢).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنَ الْفَجْرِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلانًا» بَعْدَ مَا يَقُولُ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ أَبَا سُفْيَانَ اللَّهُمَّ الْعَنِ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامِ اللَّهُمَّ الْعَنْ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ» فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأَسْلَمُوا فَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ (^٣).\nوَلِلْبُخَارِيِّ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَرُبَّمَا قَالَ إِذَا قَالَ «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ اللَّهُمَ أَنْ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ (^٤)، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ\n_________\n(^١) فالطائفتان بنو حارثة وهم من الأوس وبنو سلمة من الخزرج همتا بالفشل في الحرب ولكن الله ثبتهما وأيدهما بنصره فكان لهما وليا ونعم الولي ربنا، فلذا كانتا مسرورتين بهذه الآية التي هي قرآن يتلى أبد الآبدين.\n(^٢) ليس لك يا محمد من الأمر شيء بل الأمر كله لله، أي إلى أن يتوب عليهم بالإسلام أو يعذبهم فإنهم ظالمون بكفرهم.\n(^٣) فلانا وفلانا وفلانا هم المذكورون في هذه الرواية. وتاب الله عليهم فأسلموا.\n(^٤) الوليد هذا أخو خالد بن الوليد، وسلمة وعياش أولاد أعمام للوليد، أسلموا وكانوا بين أهليهم الكفار بمكة فكانوا يؤذونهم على الإسلام فلذا كان النَّبِيّ - ﷺ - يدعو لهم بالنجاة من الكفار ويدعو على الكفار بقوله: اللهم اشدد وطأتك أي بأسك على كفار مضر واجعل حالهم شدة وفاقة كحال المصريين الثانية في أيام يوسف - ﵇ - وقد استجاب الله تعالى لنبيه - ﷺ - فنزل بهم قحط لم يروا مثله.","vol":"4","page":84},{"text":"وَاجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» يَجْهَرُ بِذلِكَ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ (^١) وَشُجَّ وَجْهُهُ شَجَّةً فِي جَبْهَتِهِ حَتَّى سَالَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِهِ فَقَالَ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هذَا بَنِبيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (^٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ رَجُلًا إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ وَإِذَا حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتَحْلَفْتُهُ فَإِذَا حَلَفَ صَدَّقْتُهُ وَإِنَّهُ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَدْ صَدَقَ (^٣) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ ثُمَّ يُصَلِّي فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» (^٤)، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) الرباعية كثمانية: هي السن التي بين الثنية والناب، وشج في جبهته من حلقة من المغفر الذي على رأسه دخلت في عظمه من وقع السيف عليها فسال الدم على وجهه - ﷺ -.\n(^٢) لا منافاة بين هذا وما قبله فإنهما في غزوة أحد فحديث أنس قال: وهو يمسح الدم عن وجهه - ﷺ - ثم شرع يدعو عليهم في الصلاة بعد هذا فنزلت الآية تأمره بالتسليم لله تعالى فهو الفاعل المختار.\n(^٣) أي والحال أنه صادق.\n(^٤) فأي شخص يرتكب ذنبا من حقوق الله ثم يقوم بنية التوبة فيتطهر ويصلى لله أي صلاة ثم يستغفر الله إلا غفر الله له لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ أي ذنبًا فاحشًا كالزنا ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، بأقل منه كالقبلة ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ أي تذكروا الله فخافوه ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ﴾؟ أي لا ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ بل أقلعوا عنه ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾.\n(^٥) ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ أي تبعدون في الجبل هاربين ﴿وَلَا تَلْوُونَ﴾ أي لا تعرجون على أحد ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُم﴾ أي من =","vol":"4","page":85},{"text":"• عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الرَّجَّالَةِ (^١) يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ وَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمْ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ وَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵄ قَالَ: غَشِيَنَا النُّعَاسُ وَنَحْنُ فِي مَصَافِّنَا يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُط مِنْ يَدِي وَآخُذُهُ وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ: وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى الْمُنَافِقُونَ لَيْسَ لَهُمْ هَمٌّ إِلاأَنْفُسُهُمْ أَجْبَنُ قَوْمٍ وَأَرْغَبُهُ وَأَخْذَلُهُ لِلْحَقِّ (^٢).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: رَفَعْتُ رَأْسِي يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ وَمَا مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلا يَمِيدُ تَحْتَ حَجَفَتِهِ مِنَ النُّعَاسِ فَذلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنْكُمْ﴾ (^٣) روَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: افْتُقِدَتْ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ\nأَخَذَهَا (^٤) فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ\n_________\n= ورائكم بقوله: عليّ عباد الله على عباد الله ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ أي جازاكم ﴿غَمًّا﴾ أي بالهزيمة \"بغم\" أي بسبب غمكم للرسول - ﷺ - بالمخالفة ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ من الغنيمة ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ من القتل والهزيمة.\n(^١) الرجالة بالتشديد هم المشاة وكانوا خمسين رجلا رماة.\n(^٢) فالمنافقون أجبن الناس وأخذهم للحق وأشدهم طمعا في الغنيمة.\n(^٣) يميد أي يميل، والحجفة: محركة آلة من آلات الحرب. ففي غزوة أحد أشاع إبليس أن النَّبِيّ - ﷺ - قتل ففر بعض المسلمين فتوجه لهم النَّبِيّ - ﷺ - ودعاهم فعادوا وقد دب فيهم الخوف فلما اصطفوا للقتال ألقى الله عليهم النوم برهة صغيرة فامتلأوا ثباتا وأمنا وشجاعة، ولكنهم لما فروا لم يثبت مع النَّبِيّ - ﷺ - إلا عدد قليل، فمن المهاجرين العشرة المبشرون بالجنة ومن الأنصار سعد بن معاذ وأسيد بن حضير والحباب بن المنذر والحارث بن الصمة وأبو دجانة وعاصم بن ثابت وسهل بن حنيف ﵃.\n(^٤) ففي غزوة بدر فقدت من الغنيمة قطعة قطيفة فقال بعض الناس لعل رسول الله - ﷺ - أخذها، فأنزل الله تعالى ﴿وما كان لنَبِيٍّ أن يغل﴾ أي يخون في الغنيمة ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾ يحمله فضيحة له ثم يوفي جزاه، وتقدم شيء من هذا في كتاب الإمارة وسيأتي الغلول في الجهاد إن شاء الله.","vol":"4","page":86},{"text":"يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِي: «يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا (^١)، قَالَ: «أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟» قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَأَحْيَا اللَّهُ أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا» (^٢). فَقَالَ: «يا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِيني فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً، قَالَ الرَّبُّ ﷿: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لا يُرْجَعُونَ (^٣)، قَالَ: وَأُنْزِلَتْ هذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: إِنَّا سَأَلْنَا عَنْ ذلِكَ فَأُخْبِرْنَا أَنَّ أَرْوَاحَهُمْ فِي طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءتْ وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّكَ اطِّلَاعَةً (^٤) فَقَالَ: هَلْ تَسْتَزِيدُونَ شَيْئًا فَأَزِيدَكُمْ؟ قَالُوا: رَبَّنَا وَمَا نَسْتَزِيدُ وَنَحْنُ فِي الْجَنَّةِ نَسْرَحُ حَيْثُ شَئْنَا ثُمَّ اطَّلَعَ إِلَيْهِمُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: هَلْ تَسْتَزِيدُونَ شَيْئًا فَأَزِيدَكُمْ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَمْ يُتْرَكُوا قَالُوا: تُعِيدُ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَامِنَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَنُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى.\n_________\n(^١) ترك ﵀ عدة بنات وترك عليه دينًا ثمانين وسقا.\n(^٢) أي بدون حجاب.\n(^٣) تمن عليّ أي اطلب ما تشاء أعطك، قال: ترجعني إلى الدنيا فأجاهد في سبيلك فأقتل مرة أخرى، قال تعالى: \"قضت حكمتي أن أهل الدنيا إذا ماتوا لا يرجعون لها\".\n(^٤) أي كشف الحجب عنهم وأمرهم أن يطلبوا ما يشتهون، فقالوا: يا رب ماذا نطلب ونحن نتمتع بكل شيء في الجنة؛ فأعاد عليهم مرة ثانية فلما رأوا أنهم لن يتركوا حتَّى يطلبوا شيئًا قالوا: يا رب إن كان لنا طلب فارجعنا إلى الدنيا لنقتل في سبيلك، فقال \"لا رجعة لها\" قالوا: تبلغ نبينا عنا السلام وتخبره بما نحن فيه، فأنزل الله تعالى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.","vol":"4","page":87},{"text":"وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَتُقْرِئُ نَبِيَّنَا السَّلَامَ وَتُخْبِرُهُ عَنَّا أَنَّا قَدْ رضينَا وَرضي عَنَّا رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيّ (^١).\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ للَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (^٢).\nقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ لِعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: يَا ابْنَ أُخْتِي لَمَّا أَصَابَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ مَا أَصَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَانْصَرَفَ عَنْهُ الْمُشْرِكُونَ خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا فَقَالَ: «مَنْ يَذْهَبُ فِي إِثْرِهِمْ» فَانْتَدَبَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ رَجُلًا كَانَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (^٤).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ» (^٥) يقُولُ: أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ ثُمَّ تَلَا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ\n_________\n(^١) الأول حسن والثاني صحيح.\n(^٢) القرح: الجراح.\n(^٣) فبعد غزوة أحد وقتل من قتل من المسلمين وذهاب المشركين خاف النَّبِيّ - ﷺ - أن يرجعوا للمسلمين على غفلة فأمر أبا بكر والزبير بن العوام وطائفة من الأصحاب أن يتبعوا المشركين فأجابوه وهم مجروحون ومتعبون ومحزونون مما أصابهم فنزلت فيهم ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية.\n(^٤) فلما سمع النبي - ﷺ - وأصحابه أن المشركين يجمعون الجيوش لهم قال - ﷺ - حسبنا الله ونعم الوكيل، أي يكفينا الله كل شيء، ونعم الوكيل: الله، ثم خرج النَّبِيّ - ﷺ - وصحبه إلى سوق بدر وكان موعدًا بينهم وبين المشركين للقتال فنزل الرعب بالمشركين حتَّى ملأ قلوبهم فلم يحضروا فباع المسلمون تجارتهم في سوق بدر وعادوا بربح عظيم، فكانت حسبنا الله ونعم الوكيل نصرًا لهم عظيما كما كانت لإبراهيم - ﵇ - من النار حصنا منيعا، حسبنا الله ونعم الوكيل في كل حال، وفي الحديث: إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.\n(^٥) أي بشدقيه، وتقدم هذا الحديث في أول كتاب الزكاة.","vol":"4","page":88},{"text":"هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مَوْضِعَ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا (^١) اقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ» ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَحَلَفُوا وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا (^٢) فَنَزَلَتْ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا وَمُسْلِمٌ فِي صِفَةِ الْمُنَافِقِينَ.\nقَالَ مَرْوَانُ لِبَوَّابِهِ: اذْهَبْ يَا رَافِعُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْ لَهُ لَئِنْ كَانَ كلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِمَا أُوتِيَ وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعذَّبًا لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَا لَكُمْ وَلِهذِهِ إِنَّمَا دَعَا النَّبِيُّ ﷺ يَهُودَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ فَأَرَوْهُ أَنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَأَلَهُمْ وَفَرِحُوا بِمَا أَتَوْا مِنْ كِتْمَانِهِمْ، ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ وَتَلَا ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ﴾ (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) السوط آلة الضرب كالعصا، فقدره في الجنة خير من الدنيا وما فيها لأنها فانية، ونعيم الجنة دائم وخالد.\n(^٢) فلما كذبوا على الله ورسوله رد الله عليهم وفضح أمرهم وتوعدهم بالعذاب الأليم، نسأل الله الستر والسلامة آمين.\n(^٣) نزلت هاتان الآيتان في اليهود كما نزلت الثانية في المنافقين في الحديث قبل هذا فقد تتعدد أسباب الآية الواحدة.","vol":"4","page":89},{"text":"• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً (^١) ثُمَّ رَقَدَ فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ قَعَدَ فَنَظَرَ إِلى السَّمَاءِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ إِلَى آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَاسْتَنَّ فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أَسْمَعُ اللَّهَ ذَكَرَ النِّسَاءِ فِي الْهِجْرَةِ، وَكَانَتْ أُمّ سَلَمَةَ أَوَّلَ ظَعِينَةٍ هَاجَرَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ (^٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الرِّوَايَةِ آمِين.\n_________\n(^١) فتحدث رسول الله - ﷺ - مع أهله أي زوجته ميمونة ساعة أي وقتا من الليل ثم نام حتَّى قام في ثلث الليل الآخَر فنظر إلى السماء فقرأ ﴿إن في خلق السموات والأرض﴾ إلى آخر السورة ثم استن أي استاك فتوضأ فأحسن الوضوء ثم صلى إحدى عشرة ركعة وهي أكثر الوتر الذي كان يصليه في آخر الليل فيكون وترة وتهجدا وكان يطيل في هذه الركعات حتَّى يقرب الفجر فإذا أذن الفجر صلى سنة الصبح ثم خرج فصلى بالجماعة وتقدم هذا في صلاة الليل.\n(^٢) فأم سلمة ﵂ أول امرأة هاجرت إلى المدينة، فقالت: يا رسول الله لا نسمع الله ذكر النساء في الهجرة فنزلت ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾؟ أي الذكور من الإناث وبالعكس ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ ففيه إشعار بعلو مكانة أم سلمة حيث أجابها الله بسرعة ﵂. ونفعنا بها آمين.","vol":"4","page":90},{"text":"<span data-type='title' id=toc-829>سورة النساء </span>(^١)\nقَالَ عُرْوَةُ ﵁: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (^٢)، فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي هذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حجْرِ وَلِيِّهَا تُشْرِكُهُ فِي مَالِهِ وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا فَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا فَنُهُوا عَنْ ذلِكَ إِلا أَنْ يَبْلُغُوا لَهُنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ فِي الصَّدَاقِ وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ (^٣).\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: نَزَلَتْ فِي وَالِي الْيَتِيمِ إِذا كَانَ فَقِيرًا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ مَكَانَ قِيَامِهِ عَلَيْهِ بِمَعْرُوفٍ (^٤). رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ فَي بَنِي سَلَمَةَ مَاشِيَيْنِ فَوَجَدَنِي النَّبِيُّ ﷺ لَا أَعْقِلُ شَيْئًا فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ وَرَشَّ عَلَيَّ فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ: مَا تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي مَالِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَنَزَلَتْ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ (^٥). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ\n_________\nسورة النساء\n(^١) سميت بذلك لكثرة ذكر النساء فيها كقوله تعالى ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾.\n(^٢) ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾؟ أي إن خفتم ألا تعدلوا معهن وقد أردتم زواجهن فاتركوهن وتزوجوا بغيرهن.\n(^٣) وكان رجل تحته يتيمة ذات مال فتزوجها لمالها، فنزلت الآية لهذا وذاك، فيحرم على الولى أن يتزوج اليتيمة أو يزوجها لولده ونحوه إلا إذا عدل لها في الصداق وغيره.\n(^٤) فلوالى اليتيم أن يأكل من ماله بالمعروف أي بقدر عمله. ومن كان غنيا فتعفف عنه كان أحسن وأفضل، وتقدم هذا في الوصية.\n(^٥) تقدم هذا في كتاب الفرائض.","vol":"4","page":91},{"text":"لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ﴾ ﴿أَوْ دَيْنٍ (^١)﴾ ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ﴾ ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ (^٢).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذلِكَ مَا أَحَبَّ فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ وَالثُّلُثَ وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ وَللِزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا وَإنْ شَاؤُوا زَوَّجُوهَا وَإِنْ شَاؤُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا فَنَزَلَتْ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ (^٤).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخْوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نُسِخَتْ (^٥). رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) فللزوج من ميراث زوجته النصف إذا لم يكن لها ولد، فإن كان لها ولد ذكر أو أنثى ولو من غيره ففرضه الربع فقط وهذا بعد سداد الدين وتنفيذ الوصية.\n(^٢) وللزوجة من إرث زوجها الثمن إن كان له ولد ولو من غيرها وإلا فلها الربع بعد سداد الدين وتنفيذ الوصية.\n(^٣) فكان في صدر الإسلام الإرث كله للولد والوصية واجبة للأقربين والوالدين بما يراه ولدهما لقوله تعالى ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين﴾ فنسخ الله ذلك وأنزل آيات المواريث ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ إلى آخرها.\n(^٤) ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ﴾ أي ذاتهن كرها ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أي لا تمنعوهن من التزوج حتَّى تأخذوا مهورهن فإن هذا ظل لا يرضاه الله ورسوله.\n(^٥) نسخت: أي الوراثة بالأخوة والتحالف بتلك الآية، ثم نسخت بآيات المواريث أيضًا.","vol":"4","page":92},{"text":"• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أَوْطَاسٍ أَصَبْنَا نِسَاءً لَهُنَّ أَزْوَاجٌ فِي الْمُشْرِكِينَ فَكَرِهَهُنَّ رِجَالٌ فَسَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَتْ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ﴾ (^١).\nرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ فِي النِّكاحِ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ»، قَالُوا: وَمَا هُنَّ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحقِّ، وَأَكْلُ الرِّبا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ» (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَلَفْظُ التِّرْمِذِيُّ: «الْكَبَائِرُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَوْلُ الزُّورِ». زَادَ فِي رِوَايَةٍ: «وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ» (^٤).\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّها قَالَتْ: يَغْزُو الرِّجَالُ وَلَا يَغْزُو النِّسَاءُ وَإِنَّمَا لَنَا نِصْفُ الْمِيرَاثِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ (^٥). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) أصبنا نساء أي في السبي فكره بعض الناس التمتع بهن نظرا لأزواجهن المشركين فنزلت ﴿والمحصنات﴾؟ أي وحرمت عليكم المحصنات أي المتزوجات ﴿من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ بالسبي فلكم وطؤهن بملك اليمين بعد الاستبراء.\n(^٢) الكبائر كل ذنب جعل له الشارع حدا كالقتل والسرقة والزنا. وقيل كل ما ورد عليه وعيد، وعن ابن عباس أنها تقرب إلى السبعمائة، فمن يجتنب الكبائر ويفعل الفرائض فإن الله يكفر عنه ذنوبه ويدخله المدخل الكريم وهو الجنة، نسأل الله الجنة آمين.\n(^٣) تقدم هذا الحديث وشرحه في أول كتاب الحدود.\n(^٤) قول الزور هو شهادة الزور، واليمين الغموس هي ما قصد بها الباطل. وتقدمت في كتاب النذور.\n(^٥) ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ في أمور الدنيا أو الدين ليبقى حبل الود بينكم ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ أي لهم ثواب عملهم من غزو وغيره ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ من طاعة الأزواج وتربية الأولاد ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ اللهم أفض علينا من فضلك الواسع يا رحمن آمين.","vol":"4","page":93},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ ليَ النَّبِيُّ ﷺ: «اقْرَأْ عَلَيَّ»، قُلْتُ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ: «فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي» فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾، قَالَ: «أَمْسِكْ» فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ (^١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: صَنَعَ لَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ طَعَامًا فَدَعَانَا وَسَقَانَا مِنَ الْخَمْرِ فَأَخَذَتِ الْخَمْرُ مِنَّا (^٢) وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَقَدَّمُونِي فَقَرَأْتُ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: هَلَكَتْ قِلَادَةٌ لِأَسْمَاءَ (^٣) فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبِهَا رِجَالًا فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسُوا عَلَى وُضُوءٍ وَلَمْ يَجِدُوا مَاءً فَصَلَّوْا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ التَّيمُّمِ (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (^٥).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵄.\n_________\n(^١) فلما سمع النَّبِيّ - ﷺ - هذه الآية بكى من هول ذلك اليوم، ومعنى الآية ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة﴾ من الأمم الكافرة ﴿بشهيد﴾ يشهد عليها بالكفر وهو نبيها ﴿وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ هؤلاء هم كفار قريش ﴿يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا﴾.\n(^٢) أي سكرنا منها فلما قاموا للصلاة وأمهم عليّ ﵁ خلط في قراءته فنزلت ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ وهذا قبل تحريم الخمر.\n(^٣) ضاعت قلادة لأسماء كانت تلبسها عائشة أختها وهم في سفر.\n(^٤) فلما صلوا بغير وضوء أنزل الله التيمم في قوله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.\n(^٥) فالله تعالى لا يغفر للمشرك ولا بد من خلوده في النار، وأما غيره فمغفور له إذا شاء الله.","vol":"4","page":94},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: خَاصَمَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ الزُّبَيْرَ فِي شرَاجِ الْحَرَّةِ (^١) الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ سَرِّحِ الْمَاءَ يَمُرُّ فَأَبَى فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِلزُّبَيْرِ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ وَأَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ» فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ وَقَالَ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ (^٢) فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «يَا زُبَيْرُ اسْقِ وَاحْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ»، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْسِبُ هذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (^٣) الآية. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ نَبِيَ يَمْرَضُ إِلا خَيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ أَخَذَتْهُ بَحَّةٌ شَدِيدَةٌ (^٤) فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ (^٥)، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أُحُدٍ وَكَانَ النَّاسُ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ فَرِيقٌ يَقُولُ اقْتُلْهُمْ وَفَرِيقٌ يَقُولُ لَا فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ (^٦)، وَقَالَ: «إِنَّهَا طَيْبَةُ تَنْفِي الْخَبْثَ (^٧) كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ هُنَا وَمُسْلِمٌ فِي صِفَةِ الْمُنَافِقِينَ.\n_________\n(^١) مسيل الماء من الجبل إلى السهل.\n(^٢) أي حكمتَ له بالسقي أولا لأنَّهُ ابن عمتك، فغضب النَّبِيّ - ﷺ - وأمر الزبير بالسقي حتَّى يعم الماء الأرض لأن الماء يمر أولا على أرض الزبير، وتقدم هذا في الزرع من كتاب البيوع.\n(^٣) أي فوربك لا يثبت لهم الإيمان حتَّى يحكموك في قضاياهم ويرضوا بحكمك.\n(^٤) أي في مرض موته، والبحة: خشونة في الحلق وغلظ في الصوت.\n(^٥) أي في الجنة فعلمت أنه خُير فاختار الآخرة - ﷺ -. وتقدم هذا في كتاب النبوة.\n(^٦) ﴿فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم﴾ أي بددهم بما كسبوا وفضحهم بما في سورة التوبة.\n(^٧) إنها أي المدينة تنفي الخبث أي القذر.","vol":"4","page":95},{"text":"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﵁: اخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَرَحَلْتُ فِيهَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا فَقَالَ. هذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾ آخِرُ مَا نَزَلَ وَمَا نَسَخَها شَيْءٌ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْفِتَنِ وَلَفْظُهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ﴾ ﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ قَالَ مُشْرِكُو أَهْلِ مَكَّةَ نَحْنُ فَعَلْنَا ذلِكَ كُلَّهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ فَهذِهِ لِأُولئِكَ، فَأَمَّا الَّتِي فِي النِّسَاءِ ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الْآيَةَ فَالرَّجُلُ إِذَا عَرَفَ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ وَلَا تَوْبَةَ لَهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُجَاهِدٍ فَقَالَ: إِلا مَنْ نَدِمَ (^١).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِالْقَاتِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاصِيَتُهُ وَرَأْسُهُ بِيَدِهِ وَأَوْدَاجُهُ تَشْخُبُ دَمًا يَقُولُ: يَا رَبِّ هذَا قَتَلَنِي حَتَّى يُدْنِيَهُ مِنَ الْعَرْشِ (^٢) فَذَكَرُوا لاِبْنِ عَبَّاسٍ التَّوْبَةَ فَتَلَا: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾ فَقَالَ: وَمَا نُسِخَتْ هذِهِ الْآيةُ وَلَا بُدِّلَتْ وَأَنَّى لَهُ بِالتَّوْبَةِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n_________\n(^١) فابن عباس يرى أن آية ﴿إلا من تاب﴾ في مشركي قريش ترغيبًا لهم في الإسلام، وأما المسلم الذي عرف شرائع الإسلام إذا قتل مؤمنًا متعمدا فلا توبة له وهو خالد في النار لقوله تعالى ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا﴾ الآية ولكن كافة العلماء على خلافه وإلا من تاب على عمومها ومن يقتل مؤمنا متعمدا مقيدة بعموم قوله تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ وبالحديث الآتي في كتاب الذكر \"لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم\" وتلك الآية محمولة على المستحل للقتل أو هي للتهويل والتنفير من القتل وتقدم هذا واسعًا في أول كتاب الحدود.\n(^٢) فالمقتول يجيء يوم القيامة ودمه يسيل من عنقه وهو قابض على رأس القاتل حتَّى يوقفه بين يدي أحكم الحاكمين فيقول يا رب هذا قتلني فاحكم بيني وبينه، هنا يود القاتل أن يفدي نفسه ولو بملء الأرض ذهبا ولا ينفع تمنيه.","vol":"4","page":96},{"text":"• وَعَنْهُ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ غَنَمٌ لَهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ قَالُوا: مَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا لِيَتَعَوَّذَ مِنْكُمْ (^١) فَقَامُوا فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غَنَمَهُ فَأَتَوْا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ﴾ (^٢) ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (^٣). رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمْلَى عَلَيْهِ ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ وَكَانَ أَعْمَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي (^٤) فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تُرَضَّ فَخِذِي ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوادَهُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْتِي السَّهْمُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (^٥) الْآية. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) أي ليتخلص من القتل.\n(^٢) إذا ضربتم في سبيل الله أي سافرتم، فتبينوا. أي تثبتوا.\n(^٣) تمامها ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾.\n(^٤) أي تدق من ثقل فخذه - ﷺ - حين نزول الوحي، ثم سرى عنه أي ارتفع الوحي عنه فأملاني ﴿غير أولى الضرر﴾ فالقاعد لا ينال درجة المجاهد إلا إذا كان ذا عذر كأعمى ومريض وتمنى الجهاد.\n(^٥) فبعض المسلمين كانوا مع المشركين في القتال فقتلوا فأنزل الله ﴿إن الذين توفاهم الملائكة﴾ عزرائيل وأعوانه وهم ستة: للمسلمين ثلاثة والكفار ثلاثة، ﴿ظالمى أنفسهم﴾ بخروجهم مع المشركين ﴿قالوا فيم كنتم؟ قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا﴾.","vol":"4","page":97},{"text":"ثُمَّ خَفَّفَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الضُّعَفَاءِ الَّذِينَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (^١) ﴿فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ الْمسْتَضْعَفِينَ. وَفِي رِوَايَةٍ. كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾.\n\n• عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ ﵁ إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ وَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ فَقَالَ عُمَرُ: عَجِبْتُ مِمصا عَجِبْتَ مِنْهُ فَذَكَرْتُ ذلِكَ لرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ﴾ ﴿وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (^٤) ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ بَيْنَ ضَجْنَانَ وَعُسْفَانَ (^٥)، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ لِهؤُلَاءِ صَلَاةً هِيَ أَحَبُّ\n_________\n(^١) ﴿لا يستطيعون حيلة﴾ أي في الخروج من مكة لعجزهم وفقرهم ﴿ولا يهتدون سبيلا﴾ لا يعرفون طريق الهجرة للمدينة.\n(^٢) فابن عباس كان صغيرا وأمه كانت مستضعفة لأنها زوجة للعباس ولم يسلم إلا بعد فتح مكة فهما ممن عذرهم الله تعالى.\n(^٣) فالقصر رخصة لكل مسافر سفرا بعيدا، وتقدم هذا واسعا في قصر الصلاة من كتاب الصلاة.\n(^٤) ﴿وإذا كنت﴾ يا محمد حاضرا في أصحابك وخفتم العدو وأردتم الصلاة فقسمهم طائفتين طائفة منهم تحرس العدو والطائفة الأخرى تصلى معك ركعة ومعها أسلحتها ثم تصلى الثانية وحدها وتذهب للحراسة، وتأتي الطائفة الأخرى فتصلى معك ركعة ثم تنفرد بالثانية.\n(^٥) بين ضجنان كمرجان، وعسفان كقربان موضع بين مكة والمدينة.","vol":"4","page":98},{"text":"إِلَيْهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَهِيَ الْعَصْرُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ فَمِيلُوا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً فَأَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ أَصْحَابَهُ شَطْرَيْنِ فَيُصَلِّيَ بِمْ وَتَقُومُ طَائِفَةٌ أُخْرَى وَرَاءَهُمْ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ثُمَّ يَأْتِي الْآخَرُونَ وَيُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يَأْخُذُ هؤُلَاءِ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ فَتَكُونُ لَهُمْ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَانِ (^١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n• عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ ﵁ قَالَ: سُرِقَ طَعَامٌ وَسِلَاحٌ لِعَمِّي رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ (^٢) فَأَخْبَرَنِي بذلِكَ فَسَأَلْنَا وَتَحَسَّسْنَا فِي الدَّارِ فَقِيلَ لَنا إِنَّهُمْ بَنُو أُبْيَرِقٍ وَهُمْ بَشِيرٌ وَبِشْرٌ وَمُبَشِّرٌ وكَانَ بَشِيرٌ مُنَافِقًا يَهْجُو أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ بِالشِّعْرِ وَينْسُبُهُ\nلِغَيْرِهِ (^٣) وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ حَاجَةٍ وَفَاقَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ والْتَمَسْتُ مِنْهُ رَدَّ السِّلَاحِ فَقَطْ، فَقَالَ ﷺ: «سَآمُرُ فِي ذلِكَ» (^٤)، فَسَمِعَ بَنُو أُبَيْرِقٍ بِهذَا فَأَوْفَدُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ أُسَيْدَ بْنَ عُرْوَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَنُو أُبَيْرِقٍ مِنَّا أَهْلُ صَلَاحٍ وَإِسْلَامٍ يُرْمَوْنَ بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، قَالَ قَتَادَةُ: فَكَلَّمْتُ النَّبِيَّ ﷺ ثَانِيًا فَقَالَ: «رَمَيْتَ بِالسَّرِقَةِ أَهْلَ بَيْتٍ فِيهِمْ إِسْلَامٌ وَصَلَاحٌ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا ثَبَتٍ» (^٥) فَرَجَعْتُ وتَمَنَّيْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ بَعْضِ مالِي وَلَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَنِي عَمِّي فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ لِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ فَلَمْ يَلْبَثْ» أَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا﴾\n_________\n(^١) فتكون لهم ركعة ركعة أي الجماعة ولرسول الله - ﷺ - ركعتان، وهذا إذا كان العدو في غير جهة القبلة، وتقدمت صلاة الخوف مبسوطة في كتاب الصلاة.\n(^٢) وكان في مشربة له فنقبت وأخذ السلاح ودرع وسيف وطعام وكان درمكا أي دقيق حنطة حواريا وكان طعام أهل اليسار بخلاف عامة الناس فكان طعامهم التمر والشعير.\n(^٣) يهجو الأصحاب أي يذمهم ويقول قاله فلان.\n(^٤) أي سأنظر فيه.\n(^٥) ثبت - كسبب - هو الحجة، ورجل ثبت - كعدل - حجة.","vol":"4","page":99},{"text":"(بَنِي أُبَيْرِقٍ) ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهِ﴾ (أَيْ مِمَّا قُلْتَ لِقَتَادَةَ) ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ (^١) إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا * هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (^٢) فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ (^٣). فَلَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ الْآيَاتُ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسِّلَاحِ. قَالَ قَتَادَةُ: وَكُنْتُ أَشُكُّ فِي إِسْلَامِ عَمِّي رِفَاعَةَ لِأَنَّهُ كَانَ شَيْخًا قَدْ عَصَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا أَتَيْتُهُ بِالسِّلَاحِ قَالَ: يَا بْنَ أَخِي هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَعَرَفْتُ أَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ صَحِيحًا. فَلَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ الْآيَاتُ لَحِقَ بَشِيرٌ بِالْمُشْرِكِينَ فَنَزَلَ عَلَى سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ سُمَيَّةَ فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ الآيَتَان (^٤) فَرَمَى حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ سُلَافَةَ هذِهِ بِأَبْيَاتٍ مِنَ الشِّعْرِ فَأَخَذَتْ رَحْلَ بَشِيرٍ عَلَى رَأْسِهَا وَرَمَتْ بِهِ فِي الْأَبْطَحِ وَقَالَتْ: أَهْدَيْتَ لِي شِعْرَ حَسَّانَ ومَا كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرِ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ هذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ شَقَّ ذلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَشَكَوْا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَفِي كُلِّ مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ كَفَّارَةٌ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا أَوِ النَّكْبَةِ\n_________\n(^١) يخونوها بالمعاصي لأن وبالها عائد عليهم.\n(^٢) ها أنتم هؤلاء خطاب لمن دافعوا عنهم عند النَّبِيّ - ﷺ - وهو أسيد بن عروة.\n(^٣) بعدها ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾.\n(^٤) تمامهما ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾.\n(^٥) أي لأنها تجوز الغفران لكل مذنب إلا للمشرك.","vol":"4","page":100},{"text":"يُنْكَبُهَا». وَفِيَ رِوَايَةٍ: «هذِهِ مُعَاتَبَةُ اللَّهِ الْعَبْدَ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنَ الْحُمَّى وَالنَّكْبَةِ حَتَّى الْبِضَاعَةِ يَضَعُهَا فِي كُمِّ قَمِيصِهِ فَيَفْقِدُهَا فَيَفْزَعُ لَهَا حَتَّى أَنَّ الْعَبْدَ لَيَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا يَخْرُجُ التِّبْرُ الْأَحْمَرُ مِنَ الْكِيرِ» (^١). رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٢).\n﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾.\n\n• عَنْ عَائِشةَ ﵂ قَالَتْ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا (^٣) يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ فِي شَأْنِي مِنْ حِلَ فَنَزَلَته الْآيَةُ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: خَشِيَتْ سَوْدَةُ أَنْ يُطَلِّقَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَتْ: لَا تُطَلِّقْنِي وَأَمْسِكْنِي وَأَجْعَلُ يَوْمِي لِعَائِشَةَ فَفَعَل فَنَزَلَته الْآيَةُ فَمَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ (^٤).\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِن امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ﴾ (^٥).\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَهِدَ إِلَيْنَا فِيهَا: الْجَدُّ، وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنَ الرِّبَا (^٦). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةٌ وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو ﵄: آخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (^٧). رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ وَالْأَوَّلُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n_________\n(^١) فكل شيء يصيب المسلم يخرح منه نقيا من الذنوب كما يخرج الذهب الأحمر من تحت الكير نظيفًا فالبلايا للمسلم كفارة لذنوبه إن كان مذنبا وإلا أعطى درجات.\n(^٢) الأول بسند غريب والأخيران بسندين حسنين.\n(^٣) أي في المحبة والمعاشرة.\n(^٤) تقدم هذا في كتاب النكاح.\n(^٥) الكلالة هو من مات ولم يترك أصلا ولا فرعًا بل ترك غيرهما.\n(^٦) كان عهد إلينا أي بينها لنا، الجد أي ميراثه، والكلالة أي ما هي؟ وتقدما بإيضاح في كتاب الفرائض.\n(^٧) لا منافات بين قول البراء وعبد الله بن عمرو، وابن عباس - ﵃ - فإن كلا أخبر بما فهمه، أو أن براءة آخر ما نزل=","vol":"4","page":101},{"text":"<span data-type='title' id=toc-830>سورة المائدة </span>(^١)\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلَامَ دِينًا﴾ (^٢). صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\nقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ لِعُمَرَ ﵁: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ عَلَيْنَا أُنْزِلَتْ هذِهِ الْآيَةُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ لَاتَّخَذْنَا ذلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أَعْلَمُ أَيَّ يَوْمٍ أُنْزِلَتْ هذِهِ الْآيَةُ أُنْزِلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ (^٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالشَّيْخَانِ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (^٤).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَقَطَتْ قِلَادَةٌ لِي بالْبَيْدَاءِ وَنَحْنُ دَاخِلُونَ الْمَدِينَةَ فَأَنَاخَ النَّبِيُّ ﷺ وَنَزَلَ فَثَنَى رَأْسَهُ فِي حِجْرِي راقِدًا\n_________\n= في شأن الحرب، والمائدة آخر ما نزل في غير الحرب، و﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ آخر ما نزل من السور القصيرة، وآية الكلالة آخر ما نزل في المواريث فلا ينافي ما تقدم في سورة البقرة آخر آية نزلت آية الربا وكذا ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ والله أعلم وعلمه أتم وأكمل.\n\nسورة المائدة\n(^١) سميت بذلك لقول عيسى ﵇: اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء.\n(^٢) اليوم أكملت لكم دينكم ببيان أحكامه وأتممت عليكم نعمتي ورضيت أي اخترت لكم الإسلام دينا.\n(^٣) ولفظ البخاري: إني لأعلم حيث أنزلت وأين أنزلت وأين رسول الله - ﷺ -، أنزلت يوم عرفة وأنا والله بعرفة؟ واليهودي الذي سأل هو كعب الأحبار قبل إسلامه وقد أسلم في خلافة عمر - ﵄، - فنزول هذه الآية في عرفة التي هي أظهر معالم الحج وفي يوم جمعة الذي هو عيد الأسبوع معلنة بإكمال الدين وإتمام النعمة، واختيار أحسن الأديان جدير بأن يكون من أعظم الأعياد فلله مزيد الحمد ووافر الشكر.\n(^٤) الطيب: الطاهر؛ والصعيد: التراب والرمل أو كل ما كان من جنس الأرض، والحرج: الضيق والمشقة.","vol":"4","page":102},{"text":"وَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَكَزَنِي لَكْزَةً شَدِيدَةً وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ، فَبِيَ الْمَوْتُ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَوْجَعَنِي (^١) ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ وَحَضَرَتِ الصُّبْحُ، فَالْتُمِسَ الْمَاءُ فَلَمْ يُوجَدْ فَنَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الْآيَةَ. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: لَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ لِلنَّاسِ فِيكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ مَا أَنْتُمْ إِلا بَرَكَةٌ لَهُمْ. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنِ الْمِقْدَادِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: يَا رَيُولَ اللَّهِ إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسى ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلكِنِ امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ.\nفَكَأَنَّهُ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (^٣) ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ (^٤) ﴿أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ﴾ (^٥) ﴿ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ (^٦) فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ (^٧) وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَانْطَلَقُوا فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ\n_________\n(^١) القلادة: العقد الذي يلبس في الرقبة، وكان لأسماء واستعارته عائشة، والبيداء: مكان في الطريق بين مكة والمدينة، في رأسه في حجري: وضعه عليه أو على الفخذ، لكزة شديدة: أي دفعني بيده في صدري، وكذا كان يطعنها في خاصرتها، وقولها: فبي الموت: أي كأني في شدة الموت من الضرب وخوفي من استيقاظ النَّبِيّ - ﷺ - وتقدم التيمم واسعًا في كتاب الطهارة.\n(^٢) هذا من الأنصار تشجيع وزيادة إخلاص للنبي - ﷺ -، فلما سمعها سرى عنه أي زال الهم عنه وفرح، ورواه أحمد وزاد: ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.\n(^٣) بمحاربة المسلمين.\n(^٤) بقطع الطرق.\n(^٥) فالقتل لمن قتل فقط، والقتل والصلب لمن قتل وأخذ المال، والقطع لمن أخذ المال فقط، والنفي والحبس ونحوهما لمن أخاف الناس فقط، والصلب ثلاثا بعد القتل أو قبله فيقتل وهو مصلوب زجرا للأشرار.\n(^٦) مرضوا ببطونهم فاستوخموها.\n(^٧) أي بالخروج إلى لقاح وهي إبل الصدقة.","vol":"4","page":103},{"text":"النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ فَجَاءَ الْخَبَرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ فَأَمَرَ بِقَطْعِ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ وَسُمِّرَتْ أَعْيُنُهُمْ (^١) وَأُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ حَتَّى مَاتُوا. قَالَ أَبو قِلَابَةَ: فَهؤُلَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الطَّهَارَةِ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: (^٢) لَوْ كَانَتْ لَكَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هذَا (^٣) وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ أَلا تُشْرِكَ بِي وَلَا أُدْخِلَكَ النَّارَ فَأَبَيْتَ إِلا الشِّرْكَ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٤).\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَمِينُ الرَّحْمنِ مَلْأَى سَحَّاءُ (^٦) لا يَغِيضُهَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذ خَلَقَ السَّموَاتِ\n_________\n(^١) سمرت مخففة ومشددة أي كحلت بمسامير محماة بالنار حتَّى فقئت.\n(^٢) أي يوم القيامة.\n(^٣) أردت منك أي أمرتك بأهون من هذا وأنت في صلب آدم أي حينما أخذ العهد من بني آدم المذكور في قوله تعالى ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا بلى﴾ وسيأتي في تفسير الأعراف إن شاء الله.\n(^٤) ولكن مسلم في صفة القيامة والبخاري في بدء الخلق.\n(^٥) ﴿وقالت اليهود﴾ لما ضاقت حالهم بتكذيهم النَّبِيّ - ﷺ - بعد أن كانوا أكثر الناس مالا ﴿يد الله مغلولة﴾؟ أي مقبوضة عن إدرار الرزق علينا، قال تعالى دعاء عليهم ﴿غُلت أيديهم﴾؟ أي أمسكت عن فعل الخيرات ﴿ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾.\n(^٦) سحاء: كثيرة السح وإدرار الأرزاق، لا يغيضها أي لا ينقصها مرور الأيام والليالي وإن طالت شيئًا، وتقدم هذا في كتاب الزكاة.","vol":"4","page":104},{"text":"وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ. وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْمِيزَانُ يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ هُنَا وَالْبُخَارِيُّ فِي هُودٍ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (^١). قَالَ: رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ:\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فَأَخْرَجَ النَّبِيُّ ﷺ رَأْسَهُ مِنَ الْقُبَّةِ فَقَالَ لَهُمْ: «يَا أيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ» (^٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ غَرِيبٍ.\n\n• عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا وَقَعَ فِيهِمُ النَّقْصُ كَانَ الرَّجُلُ يَرَى أَخَاهُ عَلَى الذَّنْبِ فَيَنْهَاهُ عَنْهُ فَإِذَا كَانَ الْغَدُ لَمْ يَمْنَعْهُ مَا رَأَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَخَلِيطَهُ فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْض» وَنَزَلَ فِيهِمُ الْقُرْآنَ ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ (^٣) حَتَّى بَلَغَ ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ قَالَ: وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: «لَا حَتَّى تَأْخُذُوا عَلَى يدَي الظَّالِمِ فَتَأْطِرُوهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا» (^٤)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٥).\n_________\n(^١) فلو كتم النَّبِيّ - ﷺ - شيئًا ما بلغ رسالة ربه مع أنه بلغها كلها بتمامها إلا ما اختصه الله به.\n(^٢) وقد حفظه الله تعالى في كل لحظة وفي كل حال من اغتيال الكفرة، قال البوصيري - ﵁ -:\nوقاية الله أغنت عن مضاعفة … من الدروع وعن عال من الأطم\n(^٣) تمامها ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾ فالكفار الذين لعنوا على لسان داود هم أصحاب أيلة فمسخوا قردة، والذين لعنوا على لسان عيسى ﵇ هم أصحاب المائدة فمسخوا خنازير.\n(^٤) أي لا تنجوا حتَّى تأخذوا بيدى الظالم فتأطروه أي تقودوه إلى الحق، وهذا فيمن قدر عليه وإلا فعليه الإنكار باللسان ثم بالقلب كما تقدم في الإيمان: من رأى منكم منكرا … إلى آخره.\n(^٥) ولكن الترمذي هنا وأبو داود في كتاب السنة.","vol":"4","page":105},{"text":"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (^١).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ فَقُلْنَا أَلَا نَخْتَصِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَنَهَانَا وَرَخَّصَ لَنَا بَعْدَ ذلِكَ أَنْ نَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ (^٢) ثُمَّ قَرَأَ الْآيَةَ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي إِذَا أَصَبْتُ اللَّحْمَ انْتَشَرْتُ لِلنِّسَاءِ وَأَخَذَتْنِي شَهْوَتِي فَحَرَّمْتُ عَلَيَّ اللَّحْمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الْآيَتَانِ (^٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ هذِهِ الْآيَةُ: ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالَّلغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ (^٤).\nوَعَنْهَا أَنَّ أَبَاهَا كَانَ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ حتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا أَرَى يَمِينًا أُرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلا قَبِلْتُ رُخْصَةَ اللَّهِ وَفَعَلْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ (^٥). رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^٦).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ\n_________\n(^١) نزلت في قوم من الصحابة - ﵃ - أرادوا أن يبتعدوا عن النساء وأكل اللحوم والنوم على الفرش وأن يداوموا على الصيام والقيام.\n(^٢) ورخص لنا في زواج المرأة بالثوب أي ونحوه وهذا في نكاح المتعة، ثم قرأ عبد الله الآية، ففيه أنه كان يرى إباحة نكاح المتعة كابن عباس ولعله قبل أن يسمع الناسخ فلا سمعه رجع، وتقدم الكلام عليه في كتاب النكاح.\n(^٣) الآية الثانية ﴿وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون﴾.\n(^٤) فمن طلب منه فعل شيء فقال لا والله لا أفعله ثم شدد عليه ففعله فلا شيء عليه، وكقول شخص لآخر: أنت لا تفعل كذا؟ فقال: بلى والله أي أفعله ثم لم يفعله فلا شيء عليه لأنَّهُ لغو يمين.\n(^٥) فكان أَبُو بكر ﵁ إذا حلف على شيء أمضاه فلما نزلت الكفارة كان إذا رأى خلاف يمينه خيرا حنث فيه وفعل ما ظنه خيرا.\n(^٦) فالخمر: ما خامر العقل وغطاه، والميسر: القمار، والأنصاب: الأصنام، والأزلام: القداح التي =","vol":"4","page":106},{"text":"عُمَرَ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ مِنَ: الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، والْعَسَلِ، وَالْحِنْطةِ، وَالشَّعِيرِ. وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ (^١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nقَالَ عُمَرُ ﵁: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ (^٢) فَنَزَلَتْ آيَةُ الْبَقَرَةِ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ فَنَزَلَتْ آيَةُ النِّسَاءِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمَائِدَةِ (^٣) ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا (^٤). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّننِ (^٥).\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: مَاتَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُهَا قَالَ بَعْضٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِأَصْحَابِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا\nطَعِمُواْ (^٦)﴾ الْآيَةَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ.\n_________\n=كانوا يستقسمون بها، هذا كله رجس وخبيث من وسوسة الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون؛ لأن الخمر تضر العقل والميسر يبدد الأموال، وعبادة الأصنام شرك، والعمل بالأزلام تكذيب للقرآن الذي يقول ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾ فهي لهذا حرام.\n(^١) تقدم هذا في الكلام على الخمر من كتاب الطعام والشراب.\n(^٢) ولفظ أبي داود والنسائي بيانًا شافيا.\n(^٣) أي مع الآية قبلها.\n(^٤) فالخمر كانت حلالا لهم في صدر الإسلام ولكن وقع بسببها أمور مؤلمة فلم يحرمها القرآن دفعة واحدة رحمة بهم بل أشار بآية البقرة ثم وقعت أمور أخرى فلمح بآية النساء فابتهل عمر - ﵁ - إلى ربه فنزلت آيات المائدة تحرمها بتاتًا، فقال عمر: انتهينا انتهينا يا رسول الله.\n(^٥) ولكن الترمذي هنا وصاحباه في الأشربة.\n(^٦) تمام الآية ﴿إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين﴾.","vol":"4","page":107},{"text":"• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتِهْزَاءً (^١)، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: مَنْ أَبِي؟ وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ نَاقَتُهُ: أَيْنَ نَاقَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كُلِّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كُلِّ عَامٍ؟ قَالَ: «لَا وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ» (^٢) فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ فَخَطَبَ فَقَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشِّرِّ وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» قَالَ: فَمَا أَتَى عَلَى الْأَصْحَابِ يَوْمٌ أَشَدُّ مِنْهُ حَتَّى غَطَّوْا رُؤوسَهُمْ وَلَهُمْ حَنِينٌ، (^٣) فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: رضينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا فَقَامَ ذَاكَ الرَّجُلُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ (^٤) قَالَ: أَبُوكَ فُلَانٌ فَنَزَلَتْ: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ سَعْدٍ رضي الله عنهعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ أَمْرٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ عَلَى النَّاسِ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» (^٥). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْفَضَائِلِ.\n_________\n(^١) يسألون استهزاء وهذا لا يكون إلا من المنافقين فإن الاستهزاء بالرسول - ﷺ - كفر لا شك فيه.\n(^٢) أي فريضة الحج وتقدم هذا الحديث في كتاب الحج.\n(^٣) أي صوت بكاء.\n(^٤) ذاك الرجل هو عبد الله بن حذافة وكان إذا خاصم أحدا نسبه لغير أبيه فلما قال للنبي - ﷺ - من أبي؟ قال أبوك حذافة، وتقدم هذا الحديث في كتاب النبوة.\n(^٥) هذا في سؤال للتعنت أولا حاجة إليه. فأعظم الناس ذنبًا من كان سببًا في تحريم شيء كان حلالا للناس لأنَّهُ كان سببًا في الضيق بعد السعة =","vol":"4","page":108},{"text":"• عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّكُمْ تَقْرَؤونَ هذِهِ الْآيَةَ: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا ظَالِمًا فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ الله بِعِقَابِ». (^١) وَقَالَ أَبُو أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ عَنْ ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الْآيَةَ. فَقَالَ: أَما وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا، سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ (^٢) وَدَعِ الْعَوَامَّ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: «بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ». رَوَاهُما التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٣).\n_________\n(^١) فالناس إذا تركوا الظالم وهم قادرون عليه، أوشك أي قرب نزول العقاب عليهم، وهذا كقوله تعالى ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾، والآية يبينها الحديث الآتي: حتَّى إذا رأيت شحًا مطاعا إلى آخره.\n(^٢) شحًا مطاعا أي بخلا شديدًا في الناس، وهوى متبعا أي أهواء فاسدة شاعت فيهم، ودنيا مؤثرة أي قدموها على الآخرة، وإعجاب كل ذي رأى برأيه فلم يسمعوا نصحا ولا رشدا، فإذا رأيت هذه الأمور فشت في الناس فاتركهم واشتغل بما ينفعك لدنياك وأخراك واحرص على دينك فإنه سيأتي زمن كله فساد والمتمسك فيه بدينه كالقابض على النار ولمن يعمل فيه صالحًا أجر خمسين من الأصحاب الكرام وهذا لبعض من اصطفاهم الله في دنياهم وأبلوا فيها وانتفع الناس بهم في حياتهم وبعد مماتهم كالأئمة المجتهدين ورجال الطريق المشهورين ﵃، ولكن الظاهر أن هذا ترغيب في التمسك بالدين إذا فسد الزمان وإلا فضل الصحابي لا يناله من بعده لما تقدم في كتاب الفضائل.\n(^٣) الأول بسند صحيح والثاني بسند حسن ورواية الترمذي هنا وأبي داود في الأمر بالمعروف.","vol":"4","page":109},{"text":"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَآئِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (^١).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ» (^٢). قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: الْبَحِيرَةُ هِيَ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ. وَالسَّائِبَةُ كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ. وَالْوَصِيلَةُ النَّاقَةُ الْبِكْرُ تُبَكِّرُ بِأُنثَى ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثَى لَيْس بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ وَكَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ. وَالْحَامُ فَحْلُ الْإِبِلِ يَضْرِبُ الضِّرَابَ الْمَعْدُودَ فَإِذَا قَضَاهُ وَدَعُوهُ لِلطَّوَاغِيتِ وَأَعْفَوْهُ مِنَ الْحَمْلِ (^٣). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضِ لَيْسَ فِيهَا مُسْلِمٌ فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا (^٤) مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ فَأَحْلَفَهُمَا\n_________\n(^١) ما جعل الله أي ما شرع الله بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حاميا ولكنه افتراء على الله من الكفار.\n(^٢) يجر قصبه أي أمعاءه في النار لأنَّهُ أول من سيب السوائب للأصنام فهي بدعة سيئة عليه وزرها إلى يوم القيامة لما سبق في العلم: من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.\n(^٣) فكان المشركون يتقربون إلى الأصنام بهذه الأمور بعضهم بالسائبة وآخر بالوصيلة وبعضهم بالحامي وهكذا فأبطلها الشارع.\n(^٤) الجام الكأس والمراد هنا إناء من فضة محلى بذهب كالخوص، فتميم الداري قبل إسلامه وهو نصراني كان في الشام يتجر ومعه عدي بن بداء فقدم عليهما مولى للعاصي بن وائل السهمي اسمه بديل بتجارة ومعه ذلك الجام فمرض بديل فأوصى صاحبيه أن يوصلا ما معه إلى أسياده بني سهم ففعلا ولكنهما باعا الجام بألف درهم واقتسماها وأنكراه فلما أسلم تميم وقدم المدينة أظهر الجام ودفع لبني سهم خمسمائة درهم فطلبوا من عدي ما أخذه فأنكر فترافعوا إلى النَّبِيّ - ﷺ - فسألهم البينة فلم يجدوا فاستحلفوه خلف فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾ إلى آخر الآيات الثلاث، فهذه الآيات تأمر بإشهاد اثنين عند الوصية فإن ظهرت خيانتهما شهد اثنان من أقرب الورثة وثبت لهما ما يدعونه، والكلام على الآيات مبسوط في التفسير.","vol":"4","page":110},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ وُجِدَ الْجَامُ بِمَكَّةَ فَقِيلَ اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ عَدِيَ وَتَمِيمٍ فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفَا بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَأَنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ، قَالَ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿يِاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُنْزِلَتِ الْمَائِدَةُ مِنَ السَّمَاءِ خُبْزًا وَلَحْمًا وَأُمِرُوا أَلا يَخُونُوا وَلَا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ فَخَانُوا وَادَّخَرُوا وَرَفَعُوا لِغَدٍ فَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِير» (^١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا أيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» (^٢). ثُمَّ قَالَ: «كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ». ثُمَّ قَالَ: «أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ (^٣) أَلَا وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، فَيُقَالُ: إِنَّ هؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ» (^٤). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. نَسْأَلُ اللَّهَ الْمَوْتَ عَلَى الْإِيمَانِ آمِين.\n_________\n(^١) فقوم عيسى - ﵇ - طلبوا منه إنزال مائدة من السماء تكون عيدا لهم وآية على صدقه. فقال عيسى - ﵇ - ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾ فأنزل الله ملائكة تحمل مائدة فيها سبعة أرغفة وسبعة أحوات، ولعله زيادة على اللحم الذي في الحديث وأمروا بالأكل حتَّى يشبعوا ولا يدخروا فأكلوا وادخروا فخالفوا وخانوا فمسخهم الله تعالى.\n(^٢) غرلا جمع أغرل وهو الأقلف.\n(^٣) لأنَّهُ أول من عرى في ذات الله ما أرادوا إلقاءه في النار، وهذه لا تستلزم أفضليته على نبينا - ﷺ - كما تقدم في كتاب النبوة.\n(^٤) هؤلاء هم قوم من جفاة الأعراب لا بصيرة لهم في الدين وارتدوا عنه بعد النَّبِيّ - ﷺ - والله أعلم. نسأل الله ثابت اليقين وكامل الإيمان آمين.","vol":"4","page":111},{"text":"<span data-type='title' id=toc-831>سورة الأنعام </span>(^١)\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: إِنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّا لَا نُكَذِّبُكَ وَلكِنْ نُكَذِّبُ بِمَا جِئْتَ بِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ الْآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ (^٢) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ: ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾» (^٣) قَالَ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾» قَالَ: «هذَا أَهْوَنُ أَوْ هذَا أَيْسَرُ» (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ فِي هذِهِ الْآيَةِ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. فَقَالَ ﷺ: «أَمَا إِنَّهَا كَائِنَةٌ وَلَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُهَا بَعْدُ» (^٥). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n_________\nسورة الأنعام\n(^١) سميت بهذا الذكر الأنعام فيها كثيرة كقول الله تعالى ﴿ومن الأنعام حمولة وفرشًا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾، روي أنه لما نزلت سورة الأنعام نزل معها موكب من الملائكة سد الخافقين لهم دوي بالتسبيح، والأرض بهم ترتج ورسول الله - ﷺ - يقول سبحان الله العظيم، وروى أنها نزلت ليلا بمكة وحولها سبعون ألف ملك يجأرون إلى الله بالتسبيح.\n(^٢) أي من السماء كالحجارة والصيحة.\n(^٣) أي من الأرض كالخسف والإغراق.\n(^٤) أو يلبسكم شيعًا أي يخلطكم فرقا مختلفة الأهواء. ويذيق بعضكم بأس بعض أي يقاتل بعضكم بعضا، فقال - ﷺ - هذا أهون أو أيسر لأن الفتن بين الخلق وعذاب بعضهم لبعض أهون من عذاب الله تعالى.\n(^٥) أي أنها ستقع لا محالة، ومنه حديث أحمد في هذه الآية: من أربع وكلهن واقع لا محالة، ولا منافاة بين هذه الأحاديث لأن النبي - ﷺ - تعوذ بالله من عذاب السماء والأرض العام فأجابه الله فلم يقع في حياته - ﷺ - ولا بعد موته بخلاف الخاص منه فإنه وقع وعلمه الناس كثيرا كالبراكين التى =","vol":"4","page":112},{"text":"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (^١).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ غَبَرَةٌ\nوَقَتَرَةٌ» (^٢)، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ أَبُوهُ فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ، فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنّكَ وَعَدْتَنِي أَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ فَأَيُّ خِزِيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَدِ؟ قَالَ: فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. ثُمَّ يُقَالُ يَا إِبْرَاهِيمُ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ (^٣) فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِبْحٍ مُلْتَطِخٍ فَيُؤخَذُ بِقَوَائِمهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ شَقَّ ذلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: لَيْسَ ذلِكَ إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ ﴿يبُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. (^٤) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالشَّيْخَانِ.\n_________\n= تظهر من حين لآخر في بقاع الأرض وسيقع إلى قيام الساعة لهذين الحديثين ولما يأتي في علامات الساعة إن شاء الله، أما اختلاف الناس وقال بعضهم لبعض فذاك واقع من أيام أولاد آدم ﵇ إلى أن تقوم الساعة، قال تعالى ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾.\n(^١) واذكر يا محمد ﴿إذ قال إبراهيم لأبيه آزر﴾ (ولقبه تارخ بالخاء والحاء أو هذا اسمه وآزر لقبه) ﴿أتتخذ أصناما آلهة﴾ تعبدها ﴿إني أراك وقومك في ضلال مبين﴾ أي بين بعبادة الأصنام.\n(^٢) الغبرة والقترة كالفجرة غبار وظلمة وسواد.\n(^٣) أي انظر ما تحت رجليك فينظر فإذا هو بذبيح يتقلب في دمه فيؤخذ فيلقى في النار هذا تمثيل لحال آزر. فللكافر النار ولو كان أصله أو فرعه نبيا ورسولا.\n(^٤) فالمراد بالظلم الشرك الجلى والخفى، وتقدم الشرك في كتاب النية والإخلاص.","vol":"4","page":113},{"text":"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (^١).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى» (^٢).\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (^٣).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نَبِيُّكُمْ ﷺ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ (^٤). رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (^٥).\nقَالَ مَسْرُوقٌ ﵁: كُنْتُ مُتَّكِئًا عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: ثَلَاثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ: (^٦) مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾، وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْظِرِينِي وَلَا تَعْجَلِينِي أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾، قَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ سَأَلَ عَنْ هذَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا ذَاكِ جِبْرِيلُ مَا رَأَيْتُهُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي خُلِقَ فِيهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُهْبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» (^٧).\nوَمَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ\n_________\n(^١) أي بالنبوة والرسالة.\n(^٢) فلا ينبغى لأحد ولو بلغ ما بلغ أن يفضل نفسه على يونس فإن درجة النبوة أعلى الدرجات فكيف بالرسالة، أو المراد لا ينبغي لأحد أن يفضل محمدا على يونس صلى الله عليهما وسلم وهذا قبل علمه بأنه أفضل الناس أو تواضع منه - ﷺ -.\n(^٣) أولئك أي إبراهيم وإسحاق ومن ذكروا معهم، هؤلاء هم الذين هداهم الله واجتباهم فكانوا أعلاما لهداية الناس فاقتد بهم يا محمد أنت وأمتك.\n(^٤) فالأمر في اقتده للنبي - ﷺ - ولأمته.\n(^٥) لا تدركه الأبصار أي لا ترى الأبصار مولانا جل شأنه أو لا تحيط به، وهو تعالى يدرك الأبصار أي رأها ويحيط بها، وهو اللطيف بخلقه الخبير بهم.\n(^٦) الفرية: كالقربة الكذب الشديد.\n(^٧) الظاهر أَنَّ هذه هي مرة الأفق المبين وهو بالبقيع في المدينة وقبلها المرة الأخرى عند سدرة المنتهى ليلة الإسراء.","vol":"4","page":114},{"text":"عَلَى اللَّهِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ وَاللَّهُ يَقُولُ ﴿قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاواتِ والأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالشَّيْخَانِ (^١).\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ (^٢)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْإِسْرَاء وَالتِّرْمِذِيُّ فِي النَّجْمِ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَتَى أُنَاسٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَأْكُلُ مَا نَقْتُلُ ولَا نَأْكُلُ مَا يَقْتُلُ اللَّهُ فَنَزَلَتْ: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ﴿وَإِن كُنْتُمْ﴾ ﴿بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (^٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَآ أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (^٤).\n\n• عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ\n_________\n(^١) الترمذى هنا ومسلم في الإسراء والبخاري في النجم.\n(^٢) وفى رواية: رأيت نورا. وقوله: أنى أي كيف أراه أي ما رأيته تعالى لأن النور شيء مخلوق والله تعالى ليس كمثله شيء، فصريح هذه النصوص أَن النبي - ﷺ -: ما رأى ربه فغيره من باب أولى. فالرؤية في الدنيا لم تقع لأحد، ولذا لما قال موسى ﵇ ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾ وعلى هذا طائفة كبيرة من السلف والخلف، وقال ابن عباس والجمهور: إن النبي - ﷺ - رأى ربه ليلة الإسراء، وسيأتى الكلام على هذا أوسع في سورة النجم إن شاء الله. وهذا كله في الدنيا أما في الآخرة فحاصلة للمؤمنين باتفاق لقوله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة﴾ وللأحاديث الآتية في صفة الجنة من كتاب القيامة إن شاء الله تعالى.\n(^٣) إنا نأكل ما نقتل أي بالذبح ولا نأكل ما يقتل الله بأن مات وحده أي لأى شيء ذلك؟ فنزلت ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾ أي عند الذبح ﴿إن كنتم بآياته مؤمنين﴾ إلى أن قال ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ بأن مات أو ذبح وذكر اسم الغير عليه ﴿وإنه لفسق﴾ أي الأكل منه ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾ في تحليل الميتة ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ وتقدم الكلام على الذبح والتسمية في كتاب الصيد والذبائح.\n(^٤) ﴿وعلى الذين هادوا﴾ =","vol":"4","page":115},{"text":"لَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهَا ثُمَّ بَاعُوهَا فَأَكَلُوهَا» (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الصَّحِيفَةِ الَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلْيَقْرَأُ هذِهِ الْآيَاتِ: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمعُونَ وَذلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا» (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ: الدَّجَّالُ، وَالدَّابَّةُ، وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَوْ مِنْ مَغْرِبِهَا» (^٥).\n_________\n= اليهود ﴿حرمنا كل ذي ظفر﴾ وهو ما لم تفرق أصابعه كالإبل والنعام ﴿ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما﴾ وهي الثروب وشحم الكلى ﴿إلا ما حملت ظهورهما﴾ ما علق بها من الشحوم ﴿أو الحوايا﴾ جمع حاوية وهي الأمعاء ﴿أو ما اختلط بعظم﴾ وهو شحم الألية ﴿ذلك جزيناهم بينهم وإنا لصادقون﴾ كما مر في سورة النساء ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾.\n(^١) فلما حرم الله عليهم تلك الشحوم جملوها أي أذابوها فباعوها فأكلوا ثمنها.\n(^٢) فهذه الآيات كانت في صحيفة مختوم عليها بختم النبي - ﷺ - لأنها آيات محكمات كل ما فيهن مأمور به في كل الشرائع فلها مكانة ممتازة من بين الآيات، ولفظ الآية الأولى ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ أي فقر ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾.\n(^٣) فإذا ظهر بعض آيات الساعة وهي طلوع الشمس من المغرب لا ينفع إيمان للكافر ولا توبة للعاصي.\n(^٤) أفاد الحديث أَن يوم يأتى بعض آيات ربك هو يوم طلوع الشمس من مغربها وصرح به حديث الترمذى القائل: يوم يأتي بعض آيات ربك طلوع الشمس من مغربها.\n(^٥) فثلاث من آيات الساعة إذا ظهرن كلهن لا ينفع الإيمان، المسيح الدجال وظهور الدابة التى تكلم الناس، وطلوع الشمس من مغربها وستأتي الثلاثة في كتاب علامات الساعة إن شاء الله.","vol":"4","page":116},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَوْلُهُ الْحَقُّ: «إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَا تَكْتُبُوهَا فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا فَإِنْ تَرَكَهَا أَوْ قَالَ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَة (^١)» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدَيْنِ صَحِيحَيْنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-832>سورة الأعراف </span>(^٢)\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهِيَ عُرْيَانَةٌ فَتَقُولُ: مَنْ يُعِيرُنِي تِطْوَافًا تَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا وَتَقُولُ:\nالْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ … فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ\nفَنَزَلَتْ: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (^٣). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (^٤) ﴿وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n_________\n(^١) تقدم هذا الحديث في كتاب النية والإخلاص نسأل الله حسن النية وكامل الإخلاص آمين.\n\nسورة الأعراف\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^٢) سميت بهذا لقول الله تعالى فيها: ونادى أصحاب الأعراف.\n(^٣) فكان أهل مكة يحرمون على أهل الآفاق أن يطوفوا في ملابسهم لدنسها بل يطوفون في ملابس قريش بأجرة، أو عراة فكانت المرأة الفقيرة تقول من يعيرني تطوافًا أي ثوبا تستر به عورتها تطوف به وتقول اليوم يبدو بعضه أو كله أي جسمها فما بدا منه فلا أبيحه لأحد، فنزلت ﴿خذوا زينتكم﴾ أي ملابسكم ﴿عند كل مسجد﴾ للصلاة أو الطواف فحرمت الصلاة والطواف بدون ستر.\n(^٤) ﴿إنما حرم ربي الفواحش﴾ أي الكبائر ﴿ما ظهر منها وما بطن﴾ أي سرها وجهرها ﴿والإثم والبغي﴾ على الناس ﴿بغير الحق﴾ أما قصاصا فلا.","vol":"4","page":117},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ فَلِذلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ فَلِذلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ» (^١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُنَادِي مُنادٍ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْتَئِسُوا أَبَدًا» (^٢) فَذلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (^٣). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا﴾ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ مِنَ الْأَنْصَارِ لَطَمَ وَجْهِي قَالَ: «ادْعُوهُ» فَدَعَوْهُ قَالَ: «لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي مَرَرْتُ\n_________\n(^١) الغيرة: الغضب على من أراد مشاركتك فيما هو خاص بك، والمدحة: المدح، وتقدم هذا في كتاب النكاح.\n(^٢) فالحياة والصحة والشباب والنعيم صفات ثابتات خالدات لأهل الجنة.\n(^٣) التحقيق أَن المنازل في الجنة على قدر الأعمال وأما الجنة فعطاء من الله كما سيأتي.\n(^٤) الميقات هو الميعاد المذكور قبل هذا في قوله ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة﴾ أي نكلمه بعد صيامها وهي شهر ذى القعدة ﴿وأتممناها بعشر﴾ من شهر ذى الحجة صامها موسى بتمامها ﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون: اخلفنى في قومى وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين، ولما جاء موسى لميقاتنا﴾ أي للوعد الذي وعدناه أَن نكلمه فيه بجبل الطور ﴿وكلمه ربه﴾ بلا واسطة وسمع كلامه من كل جهة ﴿قال رب أرني﴾ نفسك ﴿أنظر إليك قال لن تراني﴾ أي لا تطيق رؤيتى ﴿ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل﴾ أي كشف عن نور ذاته قدر نصف أنملة ﴿جعله دكا﴾ أي اندك في الأرض ﴿وخر موسى صعقًا﴾ أي غشى عليه من هول ما رأى ﴿فلما أفاق﴾ من غشيته ﴿قال سبحانك تبت إليك﴾ أي من سؤالي هذا ﴿وأنا أوَّل المؤمنين﴾.","vol":"4","page":118},{"text":"بِالْيَهُودِيِّ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسى عَلَى الْبَشَرِ فَقُلْتُ وَعَلَى مُحَمَّدٍ وَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ فَلَطَمْتُهُ فَقَالَ: «لَا تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ (^١) فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^٢) فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا أَنَا بِمُوسى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ» (^٣). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ هذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قَالَ حَمَّادٌ: هكَذَا وَأَمْسَكَ سُلَيْمَانُ بِطَرَفِ إِبْهَامِهِ عَلَى أَنْمُلَةِ أُصْبُعِهِ الْيُمْنَى (^٤)، قَالَ: فَسَاخَ الْجَبَلُ وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ (^٥).\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ ﷿ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي» (^٧). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (^٨).\n_________\n(^١) أي لا تفضلوني عليهم وهذا تواضع منه - ﷺ -.\n(^٢) أي يموتون بالصعقة.\n(^٣) سبق هذا الحديث في كتاب النبوة.\n(^٤) فسليمان أحد رجال السند، يحكى إشارة حماد وهو يروى له الحديث بأن ما تجلى الله به من نوره على الجبل قدره أنملة الخنصر فاندك هذا الجبل العظيم وساخ في الأرض فكيف بنا إذا وقفنا بين يديه يوم القيامة وقد تجلى ربنا بغضب لم يغضب مثله قط.\n(^٥) بسندين صحيحين.\n(^٦) ﴿ورحمتي وسعت﴾ أي عمت ﴿كل شيء﴾ في الدنيا فهى عرض حاضر ينتفع به البر والفاجر ﴿فسأكتبها﴾ أي في الآخرة ﴿للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾.\n(^٧) إن رحمتى غلبت أي سبقت غضبى فلا عقاب إلا بعد إنذار وإعذار جل شأن ربنا وعلا، وسبق هذا الحديث في كتاب الإيمان.\n(^٨) فالله تعالى أحضر آدم وبنيه واستخرج منهم الذرية أي الأرواح كلها ونصب لهم دلائل ربوبيته ومنحهم إدراكاوعقلا وقال لهم: ألست بربكم؟ =","vol":"4","page":119},{"text":"سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَنْ هذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْأَلُ عَنْهَا فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ (^١) فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فَقَالَ: خَلَقْتُ هؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فَقَالَ: هؤُلَاءِ خَلَقْتُ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ، وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلُهُ اللَّهُ النَّارَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبو دَاوُدَ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ (^٣) هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ\n_________\n= قالوا بلى﴾ أي أنت ربنا ثم أشهدهم على أنفسهم وأشهد ملائكته فقالوا جميعًا ﴿شهدنا﴾، وهذا لئلا يقولوا يوم القيامة ﴿إنا كنا عن هذا غافلين﴾ وروى أنهم لما اجتمعوا قال الله لهم اعلموا أنه لا إله غيرى وأنا ربكم لا رب لكم غيرى فلا تشركوا بي شيئًا فإني سأنتقم ممن أشرك بي ولم يؤمن، وإنى مرسل إليكم رسلا يذكرونكم عهدى وميثاقى ومنزل عليكم كتبًا فتكلموا جميعًا وقالوا شهدنا أنك ربنا لا رب لنا غيرك فأخذ بذلك مواثيقهم ثم كتب الله آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم فنظر إليهم آدم ﵇ فرأى منهم الغنى والفقير وحسن الصورة ودون ذلك فقال رب هلا سويت بينهم؟ فقال إنى أحب أن أشكر. فلما قررهم بتوحيده وأشهدهم على أنفسهم أعادهم إلى صلب آدم ﵇.\n(^١) أي أمر بعض الملائكة بمسح ظهره أو تجلى عليه ربنا تعالى بما يعبر عنه بمسح ظهره.\n(^٢) ولكن أبو داود في القدر والترمذى هنا بسند صحيح، فظاهر هذا الحديث أن إحضارهم كان لبيان مآلهم في الآخرة وأنهم فريق للجنة وفريق للنار، وصريح الآية قبله أن الاجتماع كان لأخذ العهد عليهم، ولا تعارض بينهما فلعله أخذ العهد عليهم ثم أعقبه بمسح الظهر وبيان أهل الجنة وأهل النار، ويمكن أن يقال إن الاجتماع تعدد ولكنه بعيد عن سياق تفسير الحديث. للآية، وهذا الاجتماع كان بوادى نعمان بجنب عرفة أو بسرنديب بأرض الهند حيث هبط آدم ﵇، وقيل بين مكة والطائف، وقال عليّ ﵁ أخذ العهد عليهم في الجنة وكتب في كتاب وأودع في الحجر الأسود الموضوع بالكعبة المشرفة.\n(^٣) النسمة هي الروح أو النفس.","vol":"4","page":120},{"text":"مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ (^١) ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ» فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هؤُلَاءِ؟ قَالَ: «هؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ»، فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هذَا؟ قَالَ: «هذَا رَجُلٌ مِنْ آخِرِ الْأُمَمِ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ يُقَالُ لَهُ دَاوُدَ» (^٢) فَقَالَ: رَبِّ كَمْ جَعَلْتَ عُمُرَهُ، قَالَ: «سِتِّينَ سَنَةً»، قَالَ: أَيْ رَبِّ زِدْهُ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً فَلَمَّا قُضِيَ عُمُرُ آدَمَ جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فَقَالَ: «أَوَ لَمْ يَبْقَ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً»، قَالَ: أَوَ لَمْ تُعْطِهَا ابْنَكَ دَاوُدَ، قَالَ: «فَجَحَدَ آدَمُ فَجَحَدَتْ ذرِّيَّتُهُ وَنَسِيَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ وَخَطِئَ آدَمُ فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُهُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ هُنَا (^٣) وَفِي آخِرِ التَّفْسِيرِ وَزَادَ فِيهِ: «فَلَمَّا أَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ قَالَ: إِنَّكَ عَجِلْتَ قَدْ كُتِبَ لِي أَلْفُ سَنَةٍ قَالَ: بَلَى وَلكِنَّكَ جَعَلْتَ لِابْنِكَ دَاوُدَ سِتِّينَ سَنَةً فَجَحَدَ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ وَنَسِيَ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، قَالَ: فَمِنْ يَوْمَئِذٍ أُمِرَ بِالْكِتَابِ وَالشُّهُودِ» (^٤).\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^٥).\n\n• عَنْ سَمُرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ طَافَ بِهَا إِبْلِيسُ وَكَانَ لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ فَقَالَ: سَمِّيهِ عَبْدَ الْحارِثِ فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الْحارِثِ فَعَاشَ ذَلِكَ». وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْيِ الشَّيْطَانِ وَأَمْرِهِ (^٦). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n_________\n(^١) الوبيص: البريق والنور.\n(^٢) وظهور النور بين عيني داود أكثر من غيره لا يستلزم أفضليته على الرسل ﵈ فإن المزية لا تقتضى الأفضلية.\n(^٣) بسند حسن.\n(^٤) فلما نسى آدم أنه أعطى من عمره لولده داود ﵉ أربعين سنة أمر الله تعالى عباده في المعاملة بينهم بالكتابة والإشهاد قال الله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾.\n(^٥) ﴿فلما آتاهما﴾ أي آدم وحواء ﴿صالحا﴾ أي ولدا صالحا ﴿جعلا له شركاء فيما آتاهما﴾ بتسميته عبد الحارث وهو ليس عبدًا إلا لله تعالى.\n(^٦) فإذا كان إبليس لعنه الله قد لعب دورًا مع أبينا آدم أبي البشر ﵇ وعاد إلى زوجته الطاهرة النقية أم البشر حواء ﵍ فكيف لأولادها بالخلاص منه. نسأل الله الستر والتوفيق والرشد والهداية لأقوم طريق آمين.","vol":"4","page":121},{"text":"<span data-type='title' id=toc-833>سورة الأنفال </span>(^١)\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ جِئْتُ بِسَيْفٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ شَفَى صَدْرِي مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَهَبْ لِي هذَا السَّيْفَ فَقَالَ: «هذَا لَيْسَ لِي وَلَا لَكَ» فَقُلْتُ عَسى أَنْ يُعْطَى هذَا مَنْ لَا يُبْلَى بَلَائِي فَجَاءَنِي الرَّسُولُ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّكَ سَأَلْتَنِي وَلَيْسَتْ لِي وَقَدْ صَارَتْ لِي وَهُوَ لَكَ» (^٢)، قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ الآيَة. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ أَصْحَابَ بَدْرِ ثلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ بِعِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهْرَ وَمَا جَاوَزَ مَعَهُ إِلا مُؤْمِنٌ (^٣).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ (^٤) اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ (^٥)» فَأَخَذَ أَبو بَكْرٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: «حَسْبُكَ» (^٦) فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (^٧). رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ.\nقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: نَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ\n_________\nسورة الأنفال\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^١) سميت بهذا لقوله تعالى ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾.\n(^٢) فسعد بعد وقعة بدر طلب من النبي - ﷺ - سيفا مخصوصا فأبى أن الغنائم ما كانت قسمت، فلما قسمت وجاء ذلك السيف في غنيمة النبي - ﷺ - أعطاه لسعد. واختلف الأصحاب في الغنيمة فقال شبانهم: إن الغنيمة لنا لأننا باشرنا القتال. وقال شيوخهم: كنا ردءًا لكم فنحن وأنتم سواء، فنزلت ﴿يسألونك﴾ يا محمد ﴿عن الأنفال﴾ أي الغنائم لمن هي ﴿قل﴾ لهم ﴿الأنفال لله والرسول﴾ يحكمان فيها فقسمها النبي - ﷺ - بينهم بالسوية.\n(^٣) طالوت هو المذكور في قوله تعالى ﴿إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا﴾.\n(^٤) أي أسألك النصر الذي وعدتني به.\n(^٥) إن شئت أي هلاك هؤلاء المسلمين لم يعبدك أحد.\n(^٦) كفاك ذلك.\n(^٧) وكان كذلك فهزموا وقتل عظماؤهم وولى باقيهم كما أخبره الله تعالى.","vol":"4","page":122},{"text":"وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ الْقِبْلَةَ وَمَدَّ يَدَيْهِ وَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ (^١): «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ» فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّك (^٢) إِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (^٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الْجِهَادِ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَدْرٍ قِيلَ لَهُ عَلَيْكَ الْعِيرَ (^٤) لَيْسَ دُونَها شَيْءٌ، فَنَادَاهُ الْعَبَّاسُ وَهُوَ فِي وَثَاقِهِ لَا يَصْلُحُ لأَنَّ اللَّهَ وَعَدَكَ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَقَدْ أَعْطَاكَ مَا وَعَدَكَ. قَالَ: «صَدَقْتَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n• وَعَنْهُ ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (^٥) قَالَ: «هُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْمُعَلَّى ﵁: كُنْتُ أُصَلِّي فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَعَانِي فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَ أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾» ثُمَّ\n_________\n(^١) يصيح به ويدعوه.\n(^٢) أي دعاؤك له.\n(^٣) فحقق الله رجاء أبى بكر ﵁ وأنزل ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾ أي متتابعين يردف بعضهم بعضا.\n(^٤) أي اذهب إلى العير أي تجارة قريش فليس معها أحد فناداه العباس وهو مربوط في وثاقه مع الأسرى لا يصلح لك الذهاب للعير لأن الله وعدك العير أو النفير وقد فزت بالثاني، فقال - ﷺ -: صدقت واكتفى بهذا.\n(^٥) فقوم من بنى عبد الدار بن قصى كانوا يقولون نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد توجهوا مع أبى جهل لقتال النبي - ﷺ - ببدر فقتلوا كلهم إلا مصعب بن عمير وسبيط بن حرملة فنزل فيهم ﴿إن شر الدواب عند الله الصم﴾ عن سماع الحق ﴿البكم﴾ عن النطق به ﴿الذين لا يعقلون﴾ شيئًا ﴿ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾.","vol":"4","page":123},{"text":"قَالَ: «لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ» ثُمَّ قَالَ: «هِيَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ السَّبْعُ الْمَثَانِي (^١)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (^٢).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ» (^٣). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٤).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَليْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (^٥) فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (^٦) ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَآءَهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٧).\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ أَمَانَيْنِ لِأُمَّتِي» ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. إذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة (^٨). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) سبق هذا الحديث في فضائل القرآن.\n(^٢) اتقوا فتنة أي احذروا المعاصي التي هي سبب الفتنة أي العذاب الذي إذا نزل عم العاصى وغيره الذي ينكر عليه وهو قادر.\n(^٣) فكل إنسان يبعث على ما مات عليه من خير أو شر جزاء وفاقا.\n(^٤) ولكن مسلم في كتاب الجنة والنار.\n(^٥) هذا أي الذي يقرؤه محمد - ﷺ -.\n(^٦) ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ يا محمد لأن العذاب يعم وما عذب الله أمة إلا بعد خروج نبيها والمؤمنون من بينهم ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ حيث يقولون في طوافهم: غفرانك غفرانك، وقيل هم ضعفاء المؤمنين بينهم.\n(^٧) ولكن البخارى هنا ومسلم في صفة القيامة.\n(^٨) فما دام في الأمة طائفة تستغفر الله فلا ينزل عليهم عذاب يستأصلهم، أما العذاب الخاص كالمرض والحرب والفقر فواقع في كل جهة لعصياننا، قال تعالى ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾.","vol":"4","page":124},{"text":"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ (^١).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: «مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ» (^٢).\nوَقَالَ حَكِيمُ بْنُ حِزِامٍ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ (^٣) مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ أَو صِلَةِ رَحِمٍ أَفِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ» (^٤) رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ فِي الْإِيمَانِ.\n\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ﴾ قَالَ: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (^٥) أَلَا إِنَّ اللَّهَ سَيَفْتَحُ لَكُمُ الْأَرْضَ وَسَتُكْفَوْنَ الْمَؤْونَةَ فَلَا يَعْجِزَنَّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ شَقَّ ذلِكَ عَلى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَلا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ فَجَاءَ التَّخْفِيفُ ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ فَلَمَّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ (^٦). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) فالكفار إذا انتهوا عن الكفر ودخلوا في الإسلام غفر الله لهم ما صنعوه في الكفر.\n(^٢) فالإسلام يغفر ما مضى في الكفر إذا أحسن المسلم.\n(^٣) أتحنث أي أتعبد.\n(^٤) فالعمل الصالح في الكفر يبقى لصاحبه إذا أسلم.\n(^٥) فالقوة المأمور بها في الآية هي الرمي بالسهام الذي هو أقوى آلات الحرب في زمنهم وإلا فالمطلوب عند قتال الكفار الاستعداد لهم بكل ما يمكن لإعلاء كلمة الله تعالى. وسبق في النكاح أن اللهو مذموم إلا مع الأهل تأليفًا لهم وإلا الرمي بالسهام وتمرين الفرس على الكر والفر استعدادا للجهاد فإنهن من الحق.\n(^٦) فلما نزلت الآية الأولى كلف المسلمون في الجهاد أن يقف الواحد منهم أمام العشرة من الكفرة، فشق هذا عليهم فخفف الله عنهم وأنزل الآية الثانية تأمرهم بأن يقف المسلم أمام اثنين من الكفرة ففرحوا بهذا التخفيف ولكن نقص قدره من صبرهم.","vol":"4","page":125},{"text":"• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: «مَا تَرَوْنَ فِي هذِهِ الْأُسَارَى (^١)»؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ أَرَى أَنْ تَأْخُذ مِنْهُمْ فِدْيَةً فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟» قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ وَلكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَنَا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ (^٢) وَتُمَكِّنَنِي مِنْ فُلَانٍ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ (^٣) فَإِنَّ هؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا (^٤) فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قَالَ عُمَرُ (^٥)، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ وَإِلا تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا (^٦) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ (^٧)» وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ (^٨) ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ (^٩).\nرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْجِهَادِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) وكانوا نحو سبعين أسيرا.\n(^٢) عقيل هذا هو ابن أبي طالب أخو الإمام عليّ وكان لم يسلم حينئذ وخرج لقتال النبي - ﷺ - مع عمه العباس وابن عمه نوفل بن الحارث.\n(^٣) فلان هذا قريب لعمر.\n(^٤) أئمة الكفر وصناديدها جمع صنديد أي رؤساء الكفرة وعظماؤها.\n(^٥) وأمر مناديا فنادى في الناس إن من يفدى نفسه بعشرين أوقية من الذهب يطلق سراحه، فجاءوا بالفداء وأطلق سراحهم فأنزل الله عليه الآيات الآتية عتابا على هذا.\n(^٦) هذا كلام عمر من أول، فلما كان.\n(^٧) الإشارة لشجرة قريبة من النبي - ﷺ -.\n(^٨) ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى﴾ أي يفديهم ﴿حتى يثخن في الأرض﴾ أي يبالغ في قتل الكفار فتظهر شوكة الإسلام، وهذا في أوَّل الأمر فلما انتشر الإسلام وعلا شأنه خير في الأسرى، قال تعالى ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾.\n(^٩) وثانيها ﴿لولا كتاب من الله﴾ الآتية، والثالثة ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبًا واتقوا الله إن الله غفور رحيم﴾.","vol":"4","page":126},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِأَحَدِ سُودِ الرُّؤوسِ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتَأْكُلُهَا (^١) فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَقَعُوا فِي الْغَنَائِمِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ لَهُمْ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (^٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. نَسْأَلُ اللَّهَ صِحَّةَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-834>سورة التوبة </span>(^٣)\nمدنية وهي مائة وتسع وعشرون آية\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ ﵁ مَا حَمَلَكُمْ أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الْأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي وَإِلَى بَرَاءَةَ وَهِيَ مِنَ الْمِئِينِ (^٤) فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذلِكَ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: كَانَ\n_________\n(^١) فلم يحل تعاطى الغنائم لأحد من بني آدم إلا للأمة المحمدية، بل كان السالفون يجمعون الغنائم في مكان حتى تنزل نار من السماء فتأكلها.\n(^٢) ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ أي لولا حكمه الذي سبق في علمه بإحلال الغنائم لكم ﴿لمسكم فيما أخذتم﴾ من الفداء ﴿عذاب عظيم﴾ وهذا هو عذابهم الذي عرض قريبًا منهم كما تصوره النبي - ﷺ - فبكى ولكنه عتاب له فقط لأخذهم الفداء الذي هو خلاف الأولى.\n\nسورة التوبة\nمدنية وهي مائة وتسع وعشرون آية\n(^٣) سميت بهذا لقول الله تعالى فيها ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار﴾ وتسمى سورة براءة لقوله تعالى ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ وتسمى سورة العذاب لأنها أمرت بنقض عهد المشركين وشهر السلاح عليهم حتى يدخلوا في الإسلام، وتسمى الفاضحة لأنها فضحت المنافقين بقوله ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات﴾ و﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩)﴾ ونحو هذا.\n(^٤) من المثاني أي من السور القصيرة، وبراءة من المئين أي من السور الطويلة التي تربو آياتها على المائة.","vol":"4","page":127},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ فَيَقُولُ: «ضَعُوا هؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا» وَإِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ فَيَقُولُ: «ضَعُوا هذِهِ الْآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا» وَكَانَتِ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا أُنْزِلَ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَتْ بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا فَظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنْهَا فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا فَلِذلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ (^١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢).\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (^٣).\n\n• عَنْ عَمْرو بْنِ الْأَحْوَصِ ﵁ أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَّرَ وَوَعَظَ ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ يَوْمٍ أَحْرَمُ؟ أَيُّ يَوْمٍ أَحْرَمُ؟ أَيُّ يَوْمٍ أَحْرَمُ (^٤)»؟ فَقَالَ النَّاسُ: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا،\n_________\n(^١) الطول: جمع طولى كأخر وأخرى، والسبع الطول: هي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والتوبة، فلما نزلت الأنفال والتوبة بالمدينة وكانتا متشابهتين لأنهما في القتال والجهاد ولم يأمر النبي - ﷺ - بكتابة البسملة بينهما قرنوا بينهما بدون ذكر البسملة، ولأنها نزلت بالسيف والعذاب، والبسملة أمان ورحمة. وقدموا الأنفال لسبقها في النزول.\n(^٢) بسند صحيح.\n(^٣) الأذان: الإعلام، ويوم الحج الأكبر يوم النحر لوقوع أكثر المناسك فيه كالرمى والذبح والحلق والطواف، ورسوله أي بريء من المشركين وعهودهم أيضا ولهذا بعث النبي - ﷺ - عليًا في الحجة التي كان أميرها أبا بكر قبل حجة الوداع يؤذن في الناس يوم النحر لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان كما يأتي.\n(^٤) أي أكثر حرمة وتعظيما.","vol":"4","page":128},{"text":"فِي بَلَدِكُمْ هذَا، فِي شَهْرِكُمْ هذَا. أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلا عَلَى نَفْسِهِ لَا يَجْنِي وَالِدٌ عَلَى وَلَدِهِ (^١) وَلَا وَلَدٌ عَلَى وَالِدِهِ أَلَا إِنَّ الْمُسْلِمَ أَخُو الْمُسْلِمِ فَلَيْسَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ إِلا مَا أَحَلَّ مِنْ نَفْسِهِ (^٢) أَلَا وَإِنَّ كُلَّ رِبًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ (^٣) لَكُمْ رُؤوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ غَيْرَ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوضُوعٌ كُلُّهُ (^٤) أَلَا وَإِنَّ كُلَّ دَمٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ دَمٍ وُضِعَ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ دَمُ الْحارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، أَلا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ (^٥) عِنْدَكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذلِكَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ (^٦) فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا، أَلَا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلا يُوطِئْنَ فَرْشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، أَلَا وَإِنَّ حَقَّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فَقَالَ: «يَوْمُ النَّحْرِ (^٧)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ\n_________\n(^١) فجناية الولد لا يؤاخذ عليها الوالد وبالعكس ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ والكلمتان بيان لما قبلهما.\n(^٢) أي إلا ما أعطاه بطيب نفس أو المراد إلا ما تسبب فيه كالضمان في الإتلاف والقصاص في الحدود.\n(^٣) أي باطل يحرم دفعه وأخذه.\n(^٤) من هنا إلى آخره تقدم في كتاب الحج.\n(^٥) عوان جمع عانية وهي الأسير، فالمرأة مع زوجها كالأسير لا تفعل ولا تترك شيئا إلا بإذنه.\n(^٦) الفاحشة المبينة هي الزنا الذي استبان بالشهود أو الإقرار وهذا عليه الحد الذي سبق في الحدود، فيكون ما هنا منسوخا، أو إذا لم تصل الفاحشة للحاكم فللزوج سترها وتأديبها.\n(^٧) أما الحج الأصغر فالعمرة لقلة أعمالها بالنسبة للحج. نسأل الله إتمام الحج والعمرة آمين.","vol":"4","page":129},{"text":"في الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ بِمِنًى أَلا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ ثُمَّ أَرْدَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَلِيَ يُؤَذِّنُ بِبَراءَةَ فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ بِبَرَاءَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظهُ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا بَكْرٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ بِهؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ (^١) ثُمَّ أَتْبَعَهُ عَلِيًّا فَبَيْنَا أَبُو بَكْرٍ فِي الطَّرِيقِ سَمِعَ رُغَاءَ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقَصْوَاءِ (^٢) فَخَرَجَ فَزِعًا فَظَنَّ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ عَلِيٌّ فَدَفَعَ إِلَيْهِ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يُنَادِيَ بِهؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ (^٣) فَانْطَلَقَا فَحجَّا فَقَامَ عَلِيٌّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ فَنَادَى: ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بَرِيئَةٌ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ (^٤)، وَلَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا مُؤْمِنٌ، وَكَانَ عَلِيٌّ يُنَادِي فَإِذَا عَيِيَ قَامَ أَبُو بَكْرٍ فَنَادَى بِهَا.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ (^٥) ﴿فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.\nسُئِلَ عَلِيٌّ ﵁: بِأَيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ فِي الْحَجَّةِ (^٦)؟ قَالَ: بُعِثْتُ بِأَرْبَعٍ: أَلا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ فَهُوَ إِلَى مُدَّتِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ\n_________\n(^١) الآتية التي أولها ذمة الله ورسوله.\n(^٢) رغاء الناقة: صوتها.\n(^٣) وأمر أي النبي - ﷺ - عليًا أن ينادي بهذه الكلمات زيادة على أن ينادي في الناس بسورة براءة فإن النبي - ﷺ - قال لا ينبغي أن يبلغ عنى سورة براءة إلا رجل من أهل بيتى، فأردف عليا لينادى براءة مع تلك الكلمات، وكذا ينادى بالكلمات أبو بكر ونوابه.\n(^٤) من كل مشرك نقض العهد كقريش ومخالفيهم ولهم الأمان إلى نهاية أربعة أشهر من شوال كمن ليس لهم عهد.\n(^٥) أي لم يعاونوه.\n(^٦) أي التي قبل حجة الوداع.","vol":"4","page":130},{"text":"عَهْدٌ فَأَجَلُهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، وَلَا يَجْتَمِعُ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُسْلِمُونَ بَعْدَ عَامِهِمْ هذَا (^١).\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسْجِدَ (^٢) فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ». قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾. رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هذَا الْوَثَنَ» وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ (^٤). قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوهُمْ وَلكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ (^٥)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (^٦).\n﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ (^٧)».\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ﵁ قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى أَبِي ذَرَ بِالرُّبَذَةِ فَقُلْتُ: مَا أَنْزَلَكَ بِهذِهِ الْأَرْضِ؟ قَالَ: كُنَّا بِالشَّامِ، فَقَرَأْتُ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الْآيَةَ\n_________\n(^١) أي لا يحج بعد هذا العام مشرك.\n(^٢) وفي رواية: يتعاهد المسجد، وسبق هذا في فضل المساجد.\n(^٣) بسندين حسنين، نسأل الله حسن الحال آمين.\n(^٤) تمامها ﴿والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ ومعنى الآية ﴿اتخذوا﴾ أي اليهود والنصارى ﴿أحبارهم﴾ وهم علماء اليهود ﴿ورهبانهم﴾ وهم عباد النصارى، ﴿أربابا من دون الله﴾ حيث اتبعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله ﴿و﴾ كذا اتخذوا ﴿المسيح ابن مريم﴾ ربا ﴿وما أمروا﴾ في التوراة والإنجيل ﴿إلا ليعبدوا إلها واحدة لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾.\n(^٥) أي من غير أن يكون في شرعهم وإلا لم يكن مذموما، وتعليقهم الصليب في أعناقهم كان من افتراء الرهبان.\n(^٦) الكنز هو ما بلغ النصاب ولم تؤد زكاته.\n(^٧) فالمال الذي لم يزك يمثل لصاحبه ثعبانا عظيما يعذبه، وسبقت هذه الآية وهذا الحديث مطولا في كتاب الزكاة.","vol":"4","page":131},{"text":"قَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا هذِهِ فِينَا، مَا هِيَ إِلا فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، قُلْتُ: إِنَّهَا لَفِينَا وَفِيهِمْ (^١).\nوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: هذَا قَبْلَ الزَّكَاةِ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرًا لِلْأَمْوَالِ (^٢). رَوَى الثَّلَاثَةَ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُول اللَّهِ أُنْزِلَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا أُنْزِلَ لَوْ عَلِمْنَا أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ فَنَتَّخِذَهُ فَقَالَ: «أَفْضَلُهُ لِسَانٌ ذَاكِرٌ وَقَلْبٌ شَاكِرٌ وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُعِينُهُ عَلَى إِيمَانِهِ (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ (^٤)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ. السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ\n_________\n(^١) فأبو ذر الغفارى كان بالشام وكان يقول إن هذه الآية فينا وفي أهل الكتاب، فقال معاوية: إن الآية في أهل الكتاب فقط نظرا للسياق قبلها. وكان معاوية أميرًا على الشام من قبل عثمان ﵃ فاشتد الخلاف بينه وبين أبي ذر وكان جمهور الناس مع أبى ذر فكتب معاوية لعثمان بهذا فاستدعى أبا ذر فحضر له بالمدينة فأقبل الناس عليه كثيرا، فقال له عثمان: لو أقمت في مكان قريبا منا لكان أحسن فاختار الربذة - مكان بقرب المدينة - فأقام بها.\n(^٢) قال ابن عمر هذا جوابا لأعرابي سأله عن الآية، والظاهر أن المراد من الآية قول أبي ذر عملا بعمومها رضي الله عن الجميع آمين.\n(^٣) فلما رأوا أن المال ربما كان شرًا سألوا عن خير المال فقال: اللسان الذاكر والقلب الشاكر والزوجة الصالحة فإنهن هناء الدنيا وسعادة الآخرة.\n(^٤) ﴿إن عدة﴾ أي عدد ﴿الشهور﴾ المعتبرة للسنة الهلالية ﴿عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله﴾ اللوح المحفوظ ﴿يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم﴾ محرمة معظمة وهى ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ﴿ذلك الدين القيم﴾ أي المستقيم ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ أي لا تظلموها بالمعاصى فإنها فيها أعظم ذنبا، فالسنة الهلالية المعتبرة بظهور الهلال اثنا عشر شهرا وهي ثلاثمائة وخمسة وخمسون يوما، والسنة القبطية الشمسية المعتبرة بدورة الشمس في الفلك ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم، وبسط هذا في علم الفلك.","vol":"4","page":132},{"text":"ذو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ (^١)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا (^٢)﴾ ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثهُ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ فِي الْغَارِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَنْظُرُ إِلَى قَدَمَيْهِ لِأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ (^٣) فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظنُّكَ باثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) سبق هذا الحديث في خطبة النبي - ﷺ - يوم النحر في كتاب الحج.\n(^٢) ﴿إلا تنصروه﴾ أي محمدًا - ﷺ - ﴿فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا﴾ أي ألجأوه للخروج من مكة لما تآمروا على حبسه أو نفيه أو قتله ﴿ثاني اثنين﴾ أحد اثنين هو وأبو بكر ﴿إذ هما في الغار﴾ غار ثور ﴿إذ يقول لصاحبه﴾ أبي بكر حينما رأى المشركين وقال: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ بحفظه ونصه. ﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾ وعلى صاحبه ﴿وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا﴾ دعوة الشرك ﴿السفلى﴾ أي المغلوبة، ﴿وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم﴾.\n(^٣) فإن المشركين اجتمعوا بدار الندوة يوم السبت للتآمر عليه - ﷺ - وبعد أخذ ورد اتفقوا إذا جاء الليل يخرجون النبي - ﷺ - من بيته ويقتلونه؛ فأخبر جبريل النبي - ﷺ - فأمر عليًّا فنام مكانه على فراشه ثم خرج - ﷺ - وكان واعد أبا بكر أن يلقاه في غار ثور؛ فدخلاه فكمنا فيه فلما كان الليل دخل الكفار بيت النبي - ﷺ - فوجدوا عليا فأسفوا أشد الأسف وأرسلوا القافة في كل طريق يتتبعون الأثر، فسار فريق منهم يتتبع الأثر إلى الغار ثم وقف فقال: إلى هنا انقطع الأثر ولا أدري أين ذهب، فقال أحدهم: ادخلوا هذا الغار؛ فنظروا إليه فإذا نسيج العنكبوت على بابه والحمام على بيضه؛ فقالوا: إن عليه عنكبوتًا أقدم من ميلاد محمد - ﷺ - ولو دخله لتمزق وتكسر بيض الحمام؛ فوقفوا حيارى، وكان أبو بكر ينظرهم ويخافهم كما في الحديث فالله تعالى أعماهم وخذلهم وحفظ نبيه وصاحبه ونصرهم وبعنايته أحاطهم كما قال البوصيري ﵁:\nوقاية الله أغنت عن مضاعفة … من الدروع وعن عال من الأطم","vol":"4","page":133},{"text":"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (^١)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: بُعِثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِشَيْءٍ فَقَسَمَهُ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ وَقَالَ: «أَتَأَلَّفُهُمْ»، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا عَدَلْتَ، فَقَالَ ﷺ: «يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِيءِ هذَا قَوْمٌ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ (^٢)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (^٣)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ كنَّا نَتَحَامَلُ فَجَاءَ أَبُو عَقِيلٍ بِنِصْفِ صَاعٍ وَجَاءَ إِنْسَانٌ بِأَكثَرَ مِنْهُ فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هذَا. وَمَا فَعَلَ هذَا الْآخَرُ إِلا رِثَاءً فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ فَأَعْطَاهُ (^٤) ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ رَبُّكَ فَقَالَ ﷺ: «إنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ\n_________\n(^١) هذا وصف لبعض المنافقين، الذي يلمزك أي يعيبك في قسم الصدقات فإن أعطى منها رضى وإلا كان ساخطًا.\n(^٢) فعليّ ﵁ وهو باليمن أرسل للنبي - ﷺ - ذهبا فقسمه بين أربعة من المؤلفة قلوبهم ليثبتوا على الإسلام وهم الأقرع بن حابس الحنظل وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الطائى النبهانى وعلقمة العامرى الكلابى؛ فقال ذو الخويصرة التميمى واسمه حرقوص بن زهير: ما عدلت يا محمد، فقال - ﷺ - يخرج من ضئضئ هذا أي نسله قوم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية جاءت الخوارج من نسله.\n(^٣) فلما عاب المنافقون على المؤمنين وسخروا منهم رد الله عليهم وتوعدهم بالعذاب الأليم.\n(^٤) فالنبي - ﷺ - يعلم أن عبد الله بن أبي منافق بل رأسهم من قوله تعالى في آيات الإفك ﴿والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم﴾ ولكنه - ﷺ - ما كان يرد سائلا فلما سأله قميصه أعطاه فلما سأله الصلاة على أبيه صلى عليه وهنا ظهر فضل عمر وأضاء نوره ونزل القرآن كما رأى ﵁.","vol":"4","page":134},{"text":"إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ»، قَالَ عُمَرُ: إنَّهُ مُنَافِقٌ، قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ (^١)﴾. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (^٢)﴾.\n\n• عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ فَابْتَعَثَانِي (^٣) فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ (^٤) فَتَلقَّانَا رِجَالٌ، شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ قَالَا لَهُمْ: اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذلِكَ النَّهْرِ فَوَقَعُوا فِيهِ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ (^٥) قَالَا لِي: هذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ وَهذَاكَ مَنْزِلُكَ. أَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ فَإِنَّهُمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ (^٦)﴾\n_________\n(^١) تمام الآية ﴿إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾.\n(^٢) فقوم آخرون من أهل المدينة ﴿اعترفوا بذنوبهم﴾ من التخلف عن غزو تبوك ﴿خلطوا عملا صالحا﴾ وهو جهادهم قبل هذا ﴿وآخر سيئا﴾ هو التخلف ﴿عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم﴾ نزلت في قوم من الصحابة تخلفوا عن الخروج مع النبي - ﷺ - في الغزو فلما شعروا بذنوبهم حلفوا ليربطن أنفسهم ولا يطلقونها إلا إذا أطلقها النبي - ﷺ - فلما حضر وعلم بهذا قال: وأنا والله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومره بذلك، فنزلت الآية فعذرهم وأطلقهم.\n(^٣) أتانى ملكان، فابتعثاني أي من نومى.\n(^٤) اللبن جمع لبنة وهي القطعة التي يبني بها.\n(^٥) أمروهم بالانغماس في نهر الحياة فانغمسوا فيه فصاروا في أحسن صورة.\n(^٦) المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء لظاهر سياق الآية أو المسجد النبوى للحديث الآتي ولا مانع من إرادتهما، فكل منهما بنى على التقوى.","vol":"4","page":135},{"text":"﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (^١)﴾.\nقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁: تَمَارَى رَجُلَانِ (^٢) فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى فَقَالَ رَجُلٌ: هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ، وَقَالَ الْآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هُوَ مَسْجِدِي هذَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ هُنَا وَمُسْلِمٌ فِي الْحَجِّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَزَلَتْ هذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءٍ كانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَزَّارُ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (^٤)﴾.\n\n• عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ﵄ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا عَمِّ قُلْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ (^٥)»، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدَانِ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ حَتَّى قَالَ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَبى أَنْ يَقُولَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n_________\n(^١) فيه - أي مسجد قباء - رجال يحبون أن يتطهروا وهم بنو عامر بن عوف. لما نزلت هذه الآية أتاهم النبي - ﷺ - في قباء فقال: إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئًا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود وكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا. وفي رواية: نحن نتبع الحجارة بالماء، فقال: هو ذاك فعليكموه.\n(^٢) تمارى رجلان أي تجادلا.\n(^٣) هذه الآية هي ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾.\n(^٤) ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ أي لا ينبغي ولا يصح منهم الاستغفار للمشركين ﴿ولو كانوا أولى قربي﴾ أي ذوى قرابة لهم ﴿من بعد ماتبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ أي النار إن ماتوا على الكفر ولم ينطقوا بالشهادتين.\n(^٥) ولفظ البخارى: قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله.","vol":"4","page":136},{"text":"«أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ (^١)». فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآيَةَ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذُكِرَ عَنْدَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ: «لَعَلَّهُ تَنْفعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجْعَلُ فِي ضَخضَاحٍ مِنْ نَارٍ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ (^٢)».\n\n• عَنِ الْعَبَّاسِ بْن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالَبٍ بَشَيْءٍ؟ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطَكَ وَيَغْضَبُ لَكَ، قَالَ: «نَعَمْ، هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ منْ نَارٍ وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ (^٣)». وَفِي رِوَايَةٍ: «قَالَ نَعَمْ، وَجَدْتُهُ فِي غَمَرَاتٍ مِنَ النَّارِ\n_________\n(^١) وقصد النبي بهذا الاستغفار تأليفه للإسلام لعله يهتدى وإلا فرسول الله - ﷺ - يعلم أن الله لا يغفر له إن كان مشركا فإنه لا ينفع الاستغفار إلا مع الإيمان.\n(^٢) أصل الضحضاح: الماء القليل إلى نحو الكعبين، واستعير هنا للنار التى لا تغطى ظهر القدم.\n(^٣) كان يحوطك أي يصونك ويذب عنك، والدرك الأسفل من النار: قعرها، والغمرات: جمع غمرة وهي شدة الشيء ومزدحمه، من غميه الماء غطاه. فظاهر هذه الأحاديث الثلاثة أن أبا طالب مات على دين قومه. وقال جماعة إنه ناج في الآخرة لأنه ربى النبي - ﷺ - وكان يحبه حبًا شديدًا أكثر من أولاده وكان يتوسم فيه قبل النبوة كل خير وبركة، فلما أرسل النبي - ﷺ - كان يحث الناس على اتباعه، وكان يصونه ويذب عنه قريشًا حينما تعرضوا لأذاه وكان يؤيده في كل أموره ويصدقه في كل أحواله، وكلامه على هذا أصدق شاهد كقوله:\nوأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل\nوكقوله:\nوالله لن يصلوا إليك بجمعهم … حتى أوسد في التراب دفينًا\nفاصدع بأمرك ما عليك غضاضة … وابشر بذاك وقر منك عيونًا\nودعوتني وعلمت أنك صادق … ولقد صدقت وكنت ثم أمينًا\nولقد علمت بأن دين محمد … من خير أديان البرية دينًا\nومن الدلائل على نجاته حديثا أبي سعيد والعباس هذان اللذان يثبتان له شفاعة النبي - ﷺ - في الآخرة بتخفيف العذاب عنه فإن الكفار لا يشفع لهم أحد لقوله تعالى حكاية عنهم ﴿فما لنا من شافعين ولا صديق حميم﴾ فلو لم يكن ناجيًا ما دخل في شفاعته - ﷺ -، ومنها قوله: إذا كان يوم القيامة شفعت لأبى وأمى وعمى أبي طالب وأخ لي كان في الجاهلية أي من الرضاع، رواه الطبرى وأبو نعيم وتمام الرازى،=","vol":"4","page":137},{"text":"فَأَخْرَجْتُهُ إِلَى ضَحْضَاحٍ». رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ الشَّيْخَانِ (^١).\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يسْتَغْفِرُ لِأَبَوَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَتَسْتَغْفِرُ لِأَبَوَيْكَ وَهُمَا مُشْرِكَانِ فَقَالَ: أَوَ لَيْسَ اسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَهُوَ مُشْرِكٌ فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ (^٢)﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ (^٣).\n\n• عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ إِلا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ (^٤) غَيْرَ أَنِّي قَدْ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَلَمْ يُعَاتِبِ النَّبِيُّ ﷺ أَحَدًا\n_________\n=ويكفيه في إيمانه تصديقه بالقلب فإن الإيمان هو التصديق القلبى فقط والنطق باللسان ليس شرطًا إلا لإجراء الأحكام الدنيوية، وتعذيبه لعدم النطق والقيام بتلك الأحكام، قال ابن حجر في شرح الأربعين: إن لكل من الأئمة الأربعة قولا بأنه مؤمن عاص بترك النطق باللسان، ويجاب عن حديث سعيد بن المسيب الأول بأن الآية بل السورة كلها نزلت في المدينة آخرة وأبو طالب مات قبل هذا ببضع عشرة سنة فيكون التحقيق أن الآية نزلت تنعى المؤمنين عن الاستغفار لأقاربهم المشركين فإنه لا ينفعهم. وحديث عليّ الآتي يصرح بهذا. وإليك خطبة أبى طالب في الاحتفال زواج النبي - ﷺ - بخديجة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها. آمين.\nالحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضئ معد ﴿نسله﴾ وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس ثم إن ابن أخى هذا محمد بن عبد الله لا يوزن رجل إلا رجح به شرفا ونبلا وفضلا وعقلا. وإن كان في المال قل فإن المال ظل زائل وأمل حائل، ومحمد ممن عرفتم قرابته وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها ما آجله وعاجله كذا. وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل جسيم اه. فهذه الخطبة تعرب عما يكنه أبو طالب لمحمد - ﷺ - من الإجلال والإعظام واعتقاد أنه أفضل الأولين والآخرين. نسأل الله القادر الأعلى الرؤوف الرحيم أن يغفر لنا وله وللمسلمين آمين والحمد لله رب العالمين اهـ. بتصرف من أسنى المطالب في نجاة أبى طالب لا بن دحلان الهاشمى شيخ العلماء بالحرم المكى سابقًا ﵁ آمين.\n(^١) البخارى روى الأول هنا والأخيرين في الفضائل، ومسلم روى الثلاثة في الإيمان.\n(^٢) والآية التى بعدها وهى ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم﴾.\n(^٣) الترمذى بسند حسن والحاكم بسند صحيح.\n(^٤) تبوك: مكان بطرف الشام جهة المدينة على أربع عشرة مرحلة منها كان غزوها في السنة التاسعة من الهجرة.","vol":"4","page":138},{"text":"تَخَلَّفَ عَنْهُ إِنَّمَا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ يُرِيدُونَ عِيرَ قُرَيْشٍ حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ. وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ (^١) حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا وَكَانَ مِنْ خَبَرِي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ وَاللَّهِ مَا جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْنِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ.\nفَغَزَاهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي حَرَ شَدِيدٍ وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا (^٢) وَاسْتَقْبَلَ عَدَدًا كَثِيرًا (^٣) فَجَلَا لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أَهْبَةَ غَزْوِهِمْ فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِمُ الَّذِي يُرِيدُ (^٤) وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرٌ وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابُ حَافِظٍ (^٥) فَقَلَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ يَظُنُّ أَنَّ ذلِكَ سَيَخْفَى مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ. وَكَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ فَأَنَا إِلَيْهَا أَصْعَرُ (^٦) فَتَجَهَّزَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا فَأَقُولُ فِي نَفْسِي أَنَا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ إِذَا أَردْتُ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ غَادِيًا وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ\n_________\n(^١) عمر قريش: تجارتهم الآتية من الشام، وليلة العقبة: هي الليلة التى بايع النبي - ﷺ - فيها الأنصار على الإسلام سرًّا عند العقبة بمنى في موسم الحج قبل الهجرة فبايعوه على الإسلام وأن يأووه وينصروه. وكانت بيعة العقبة هذه مرتين في سنتين، في الأولى كانت مع اثنى عشر وفي الثانية كانت مع سبعين من الأنصار فكانت سبب ظهور الإسلام ونصره فكان منهم كعب هذا والبراء وعبادة بن الصامت ﵃.\n(^٢) أي مفاوز برية طويلة قليلة الماء يخاف منها الهلاك.\n(^٣) أي من الأعداء.\n(^٤) لفظ البخارى ولم يكن النبي - ﷺ - يريد غزوة إلا ورى بغيرها إلا تلك الغزوة فجلى للمسلمين أمرهم ليستعدوا لها.\n(^٥) بالإضافة وعدمها أي لا يحصرهم كتاب لكثرتهم.\n(^٦) أي أميل لأباشر جناها بنفسي.","vol":"4","page":139},{"text":"وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ وَيَا لَيْتَنِي فَعَلْتُ ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لِي فَطَفِقْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ يُحْزِنُنِي أَنِّي لَا أَرَى لِي أُسْوةً إِلا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِي النِّفَاقِ (^١) أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْنِي النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ: «مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ (^٢) فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قُلْتَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلا خَيْرًا فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَبيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ رَأَى رَجُلًا مُبَيِّضَا يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ (^٣) فَقَالَ ﷺ: «كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ فَإذَا هُوَ أَبُو خَيْثَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِينَ لَمَزَهُ الْمُنَافِقُونَ (^٤)» فَلَمَا بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ تَوَجَّه قَافِلًا مِنْ تَبُوكَ حَضَرَنِي بَثِّي (^٥) فَطَفِقْتُ أَتَذَكَرُ الْكَذِبَ وَأَقُولُ: بِمَ أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا. وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ كُلَّ رَأْيٍ مِنْ أَهْلي. فَلَمَّا قيلَ لِي إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْهُ بِشَيْءٍ أَبدًا فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ (^٦) وَصَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَادِمًا وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ (^٧) فَجَاءَ الْمُخَلَّفُونَ فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ (^٨) وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا فَقَبِلَ مِنْهُمْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ حَتَّى جِئْتُ فَلَمَّا\n_________\n(^١) مطعونا عليه به.\n(^٢) أي حبسه اختياله وإعجابه بنفسه ولباسه.\n(^٣) السراب: ما يرى في شدة الحر كأنه ماء وليس بماء، فلما رأى النبي - ﷺ - رجلا يتحرك به السراب قال: كن أبا خيثمة، أي أنت أبو خيثمة فكان أبا خيثمة.\n(^٤) عابوه.\n(^٥) قافلا أي راجعًا، وبثي أي حزني، فطفقت أي صرت أفكر في الكذب لئلا يغضب على النبي - ﷺ -.\n(^٦) أي عزمت على صدقي معه، وصبح قادما أي دخل صباحا.\n(^٧) حتى يسلموا عليه.\n(^٨) المخلفون هم الذين تخلفوا عن هذه الغزوة، جاءوا للنبي - ﷺ - فاعتذروا له وحلفوا فقبل منهم.","vol":"4","page":140},{"text":"سَلَّمْتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ ثُمَّ قَالَ: «تَعَالَ» فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لِي: «مَا خَلَّفَكَ أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ (^١)» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا وَلكِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي لِيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى اللَّهِ (^٢) وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي عُذْرٌ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَّا هذَا فَقَدْ صَدَقَ فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ»، فَقُمْتُ وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَني سَلِمَةَ فَاتَّبَعُونِي فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هذَا لَقَدْ عَجَزْتَ فِي أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِمَا اعْتَذَرَ بِهِ إِلَيْهِ الْمُخَلَّفُونَ فَقدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكَ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي حَتَّى أَرْدْتُ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هذَا مَعِي مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ لقِيَهُ مَعَكَ رَجُلَانِ قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ قُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مَرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعَةِ الْعَامِرِيُّ وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا فِيهِمَا أُسْوَةٌ فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ وَتَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ لِي فِي نَفْسِي الْأَرْضُ فَمَا هِيَ بِالْأَرْضِ الَّتِي أَعْرِفُ فَلَبِثْنَا عَلَى ذلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ فَكُنْتُ\n_________\n(^١) اشتريت رواحلك الجهاد.\n(^٢) تجد على أي تغضب على بسببه إنى أرجو عقبى الله أي أن يعقبنى خيرا، وفي رواية عفو الله.","vol":"4","page":141},{"text":"أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ وَأَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَأَقُولُ فِي نَفْسِي هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ أَمْ لَا ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ (^١) فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إِلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي حَتَّى إِذَا طَالَ ذلِكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمَنَّ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَسَكَتَ فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ فَسَكَتَ فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَفَاضَتْ عَيْنَايَ وَعُدْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ. فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطيٌّ (^٢) مِنْ نَبَطِ أَهْلِ الشَّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ حَتَّى جَاءَنِي فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ وَكُنْتُ كَاتِبًا فَقَرَأَتُهُ فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ (^٣) فَقُلْتُ حِينَ قَرَأْتُهَا: وَهذِهِ أَيْضًا مِنَ الْبَلَاءِ فَتَيَامَمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهَا بِهَا (^٤) حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْخَمْسِينَ وَاسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ (^٥) إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْتِينِي فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لَا بَلْ اعْتَزلْهَا فَلَا تَقْرَبَنَّهَا وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذلِكَ فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هذَا الْأَمْرِ، قَالَ: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ\n_________\n(^١) أي أنظر إليه خفية.\n(^٢) النبط والنبيط والأنباط هم فلاحو العجم.\n(^٣) بلغنا أن صاحبك أن محمدا - ﷺ - جفاك أي هجرك فلا تنبغي الإقامة معه بذل وإهانة وهاجر إلينا تجد السعة واليسار.\n(^٤) قرأتها أي الصحيفة، فتياممت أي قصدت، التنور أي النار، فسجرتها بها ألقيتها فيها فاحترقت.\n(^٥) أي تأخر جبريل عن النزول.","vol":"4","page":142},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هِلَالًا شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: «لَا وَلكِنْ لَا يَقْرَبَنَّكِ»، فَقَالَتْ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيءٍ وَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هذَا، قَالَ: فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي امْرَأَتِكَ فَقَدْ أَذِنَ لِامْرَأَةِ هِلَالٍ أَنْ تَخْدُمَهُ فَقُلْتُ: لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِينِي مَا يَقُولُ لِي إِذَا اسْتَأْذنْتُهُ فِيهَا وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ، قَالَ: فَلَبَثْتُ بذلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ فَكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نُهِيَ عَنْ كَلَامِنَا ثُمَّ صَلَّيْتُ الْفَجْرَ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ مِنَّا قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى سَلْعٍ (^١) يَقُولُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا (^٢) وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ فَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَسًا وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ قِبَلِي وَأَوْفَى الْجَبَلَ فَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ (^٣) فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي فَنَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا بِبِشَارَتِهِ وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا فَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﵁ يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنِّئُونَنِي بِالتَّوْبَةِ وَيَقُولُونَ لِتَهْنِئْكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحَوْلَهُ النَّاسُ فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهرْوِلُ حَتَّى\n_________\n(^١) أي صعد على جبل سلع بجوار المدينة.\n(^٢) سجدة الشكر فهي مشروعة كما تقدم.\n(^٣) ركض رجل إلى فرسًا أي ركبه وأسرع به إليّ وجاء رجل من أسلم نحوي وصعد الجبل فنادى يا كعب أبشر فكان صوته أسرع إلى من الفارس.","vol":"4","page":143},{"text":"صَافَحَني وَهَنَّأَنِي وَاللَّهِ مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ فَكُنْتُ لَا أَنْسَاهَا لَهُ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ قَالَ: أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ، فَقُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «لَا بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ كَأَنَّ وجْهَهُ قِطْعَةُ قمَرٍ وَكنَّا نَعْرِفُ ذلِكَ. فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَقَالَ: «أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» فَقُلْتُ: إِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ. وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَنْجَانِي بِالصِّدْقِ وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَلا أُحَدِّثَ إِلا صِدْقًا مَا بَقِيتُ قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِلَى يَوْمِي هذَا أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي اللَّهُ بِهِ. وَاللَّهِ مَا تَعَمَّدْتُ كَذِبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هذَا وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيَ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ (^١)﴾ وَالْمُهَجِرِينَ وَالاْنصَرِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءوفٌ رَّحِيمٌ (^٢) وَعَلَى الثَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلّفُواْ (^٣)\n_________\n(^١) أي أدام توبته عليه، أو تاب عليه من إذنه للمتخلفين حتى يظهر المؤمن من غيره قال تعالى ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾.\n(^٢) وكذا تاب على الأنصار والمهاجرين الذين اتبعوه في ساعة العسرة أي خرجوا معه في غزوة تبوك لعسرها وشدتها في الحر الشديد والسفر البعيد وقلة الرواحل والزاد والماء حتى كان الرجلان يقتسمان التمرة، والعشرة يتناوبون البعير الواحد للركوب عليه. والذين خرجوا مع النبي - ﷺ - في هذه الغزوة ثلاثون أو سبعون ألفًا بين راكب وماش، وكان هذا الجيش يسمى جيش العسرة، ولشدة هذه الغزوة وقع في قلوبهم وساوس وخواطر كادت تردي بهم كما قال تعالى: ﴿من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم﴾.\n(^٣) أي ﴿و﴾ تاب ﴿على الثلاثة الذين خلفوا﴾ وهم كعب بن مالك وصاحباه ﴿حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت﴾ =","vol":"4","page":144},{"text":"﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ﴾ ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾\nـ قَالَ كَعْبٌ: وَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَط بَعْدَ إِذْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَلا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا (^١) فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ فِيهِمْ بِشَرِّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ، قَالَ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (^٢)﴾. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣). وَفِي رِوَايَةٍ: فَاجْتَنَبَ النَّاسُ كَلَامَنَا فَلَبِثْتُ كَذَلِكَ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ الْأَمْرُ وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ فَلَا يُصَلِّيَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ يَمُوتَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَكُونَ مِنَ النَّاسِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ فَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ حِينَ بَقِيَ الثُّلثُ الْآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ وَكَانَتْ مُحْسِنَةً فِي شَأْنِي مَعْنِيَّةً فِي أَمْرِي (^٤) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا أُمَّ سَلَمَةَ تِيبَ عَلَى كَعْبٍ» قَالَتْ: أَفَلَا أُرْسِلُ إِلَيْهِ\n_________\n= أي مع رحبها وسعتها فلا يجدون مكانا يطمئنون إليه ﴿وضاقت عليهم أنفسهم﴾ أي قلوبهم همًّا وحزنًا التأخير توبتهم فلا سعة فيها لإنس ﴿وظنوا﴾ أي أيقنوا ﴿ألا ملجأَ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم﴾ وفقهم وقبل توبتهم ﴿ليتوبوا إن الله هو التواب الراحيم﴾.\n(^١) ألا أكون كذبته، بدل من صدقي أي ما أنعم الله علي بنعمة أعظم من عدم كذبي فأهلك مع الهالكين.\n(^٢) هاتان الآيتان في المتخلفين من المنافقين الذين لما عاد النبي - ﷺ - وجاءوه فاعتذروا وحلفوا فقبل منهم النبي - ﷺ - ظاهرهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى فنزلت الآيتان تكشفان عن بواطنهم، وأما المؤمنون المتخلفون فإنما كان تخلفهم لعذر شرعي.\n(^٣) ولكن البخاري في غزوة تبوك والترمذي هنا ومسلم في كتاب التوبة واللفظ له والرواية الآتية للبخاري هنا.\n(^٤) أي تذكرني بخير وتتمنى لي كل خير جزاهم الله خير الجزاء وحشرنا في زمرتهم آمين.","vol":"4","page":145},{"text":"فَأُبَشِّرُهُ، قَالَ: إِذًا يَحْطِمَكُمُ النّاسُ فَيَمْنَعُونَكُمْ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ حَتّى إِذَا صَلّى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ آذَنَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَكَانَ إِذَا اسْتَبْشَرَ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ الْقَمَرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-835>سورة يونس </span>(^١)\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ صُهَيْبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نَادَى مُنَادٍ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكَمُوهُ». قَالُوا: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا، وَتُنْجِنَا مِنَ النَّارِ وَتُدْخِلْنَا الْجَنَةَ. قَالَ: «فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ (^٢) فَوَاللَّهِ مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الْإِيمَانِ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (^٤)﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيوةِ الدُّنْيَا وَفِى الاْخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.\nقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ: سَأَلْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ عَنْ هذِهِ الآيَةِ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا﴾ قَالَ: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ مُنْذُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ\n_________\nسورة يونس\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^١) سميت بهذا لقول الله تعالى فيها ﴿إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا﴾.\n(^٢) أي المانع لهم من رؤية الله تعالى فيرونه.\n(^٣) فيكون المراد من الحسنى في الآية الجنة ومن الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم نسأل الله النظر إليه آمين.\n(^٤) الأولياء جمع ولي وهو المؤمن التقي الفاعل للواجبات التارك للمحرمات، سمي وليًا لأنه تولى الله بالعبادة فتولاه الله بالحفظ والرعاية، فهؤلاء الأولياء آمنون في الآخرة ولهم فيها رفيع الدرجات، ولهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.","vol":"4","page":146},{"text":"عَنْهَا قَالَ: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ غَيْرُكَ مُنْذُ أُنزِلَتْ، فَهِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ (^١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ» قَالَ: آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ فَلَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالِ الْبَحْرِ فَأَدُسُّهُ فِي فيهِ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ (^٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ. نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الْحَالِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-836>سورة هود </span>(^٣)\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (^٤)﴾ ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.\nسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ هذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: أُنَاسٌ كَانُوا يَسْتَحْيُونَ أَنْ يَتَخَلَّوْا فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ (^٥) وَأَنْ يُجَامِعُوا نِسَاءَهُمْ فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ فَنَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) فبشراهم في الدنيا هي الرؤيا الصالحة أي المبشرة يراها المسلم لنفسه أو يراها الغير له وسيأتي كتاب الرؤيا واسعًا إن شاء الله.\n(^٢) فلما قال فرعون تلك الكلمة أخذ جبريل من حال أي طين البحر ودسه في فمه لئلا تدركه الرحمة لأنه طغى وبغى وتكبر وقال أنا ربكم الأعلى فجعله الله عبرة للأولين والآخرين. نسأل الله السلامة آمين.\n\nسورة هود\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^٣) سميت بهذا لقول الله تعالى فيها: ﴿وإلى عاد أخاهم هودا﴾.\n(^٤) ﴿ألا إنهم﴾ أي الكفار ﴿يثنون صدورهم﴾ أي يطوونها على ما في قلوبهم من الكفر ﴿ليستخفوا منه﴾ تعالى ﴿ألا حين يستغشون ثيابهم﴾ أي يتغطون بها كراهة أن يسمعوا القرآن فلا فائدة لهذا فإن الله ﴿يعلم ما يسرون وما يعلنون﴾.\n(^٥) فكان ناس إذا أرادوا قضاء الحاجة استحيوا من كشف عوراتهم إلى السماء فانعطفوا ومالوا بصدورهم وإذا أرادوا الجماع استحيوا أيضًا من الإفضاء إلى السماء فغطوا رءوسهم استخفاء من الله تعالى فنزلت الآية تقول ﴿يعلم ما يسرون وما يعلنون﴾ ولا مانع من هذا وذاك.","vol":"4","page":147},{"text":"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (^١)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي رَزِينٍ ﵁ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟ قَالَ: «كَانَ فِي عَمَاءٍ مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ وَخَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\nقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «يَدْنُو الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ (^٣) فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا» يَقُولُ: يَا رَبِّ أَعْرِفُ مَرَّتَيْنِ فَيَقُولُ: سَتَرْتُهَا فِي الدُّنْيَا وَأَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ يُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ (^٤) وَأَمَّا الْآخَرُونَ أَوِ الْكُفَّارُ (^٥) فَيُنَادَى عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ هؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ (^٧) حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يَفْلِتْهُ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) فالله تعالى خلق السموات والأرض أي وما فيهما في ستة أيام أي في قدرها فخلق السموات في يومين والأرض في يومين والجبال والأقوات في يومين كما في سورة فصلت أول الأيام الأحد أو السبت كما تقدم في أول البقرة وكان عرشه قبلهما على الماء والماء على الهواء، فخلقهما وما فيهما لمصلحتكم ليبلوكم ليختبركم أيكم أحسن عملا.\n(^٢) أبو رزين هذا اسمه لقيط بن عامر، قال يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال في عماء أي كان جل شأنه في الأزل وليس معه شيء، ومن هذا قال شيخ الصوفية سيدي مصطفى البكري - ﵁ - في بعض أوراده.\nبعماء كنت به أزلا … بمحمد من جا بالبلج\nفجاء البلج والنور من نور محمد - ﷺ -.\n(^٣) ستره ولطفه ورحمته.\n(^٤) أي بيمينه فسؤال المؤمنين تقريرهم بذنوبهم فقط.\n(^٥) بيان للآخرين.\n(^٦) ولكن البخاري هنا ومسلم في التوبة.\n(^٧) أي يمهله لعله يتوب ويرجع وإلا أَخذه أخذ عزيز مقتدر.","vol":"4","page":148},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (^١)، وَلَوْ لِبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِي (^٢)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٣).\n\n• عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً فَأَتَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ذلِكَ فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الْلَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (^٤)﴾، قَالَ الرَّجُلُ: أَلِي هذِهِ؟ قَالَ: «لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي».\nرَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي الْيَسَرِ ﵁ قَالَ: أَتَتْنِي امْرَأَةٌ تَبْتَاعُ تَمْرًا (^٥) فَقُلْتُ لَهَا: إِنَّ فِي الْبَيْتِ تَمْرًا أَطْيَبَ مِنْهُ فَدَخَلَتْ مَعِي فَمِلْتُ عَلَيْهَا فَقَبَّلْتُهَا فَسَأَلْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: اسْتُرْ عَلَى نَفْسِكَ وَلَا تُخْبِرْ أَحَدًا وَتُبْ إِلَى اللَّهِ فَلَمْ أَصْبِرْ وَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَخَلَفْتَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي أَهْلِهِ بِمِثْلِ هذَا حَتَّى تَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ إِلا تِلْكَ السَّاعَةَ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» وَأَطْرَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَوِيلًا حَتَّى أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الْلَّيْلِ (^٦)﴾ الآيَةَ فَقَرَأَهَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهذَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟ قَالَ: «بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ. نَسْأَلُ اللَّهَ السَّتْرَ وَحُسْنَ الْحَالِ والْمآلِ آمِين.\n_________\n(^١) وهو الله جل شأنه وهذا رد على قوله لقومه ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾.\n(^٢) ولم أنتظر جواب النسوة.\n(^٣) ولكن البخاري في بدء الخلق ومسلم في الإيمان.\n(^٤) ذلك الرجل هو أبو اليسر الآتي وقيل نبهان التمار وقيل غيرهما، وفي رواية جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال يا رسول الله وجدت امرأة في بستان ففعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها أي قبلتها والتزمتها فافعل بي ما شئت فنزلت الآية و﴿طرفي النهار﴾ الغداة والعشي والصلاة فيهما الصبح والظهر والعصر ﴿وزلفا﴾ أي أوقاتا من الليل المغرب والعشاء ﴿إن الحسنات﴾ من تلك الصلوات ﴿يذهبن السيئات﴾، فلما صلى الرجل بعد أن أذنب بتقبيل الأجنبية نزلت الآية تقول إن ذنبه غفر فقال الرجل هذه لي فقط فقال - ﷺ - لكل من عمل بها.\n(^٥) تشتري مني تمرة.\n(^٦) إذا كان الرجل في الرواية الأولى هو أبا اليسر فتكون الروايتان واحدة وإلا فتكون أسباب النزول قد تعددت وهذا كثير نسأل الله الستر الجميل آمين.","vol":"4","page":149},{"text":"<span data-type='title' id=toc-837>سورة يوسف ﵇ </span>(^١)\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذلِكَ يَجْتَبِي كَرَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ﴾ ﴿عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (^٢)﴾.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (^٣)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ؟ قَالَ: «أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ». قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هذَا نَسْأَلَكَ قَالَ: «فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ» قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هذَا نَسْأَلُكَ قَالَ: «فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي» قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: «فَخِيارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوُا (^٤)» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ﴾ ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾. قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ» قَالَ عِكْرِمَةُ: هَيْتَ لَكَ بِالْحَوْرَانِيَّةِ هَلُمّ. وَقَالَ ابْنُ جَبَيْرٍ تَعَالَهْ (^٥). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\nسورة يوسف\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^١) سميت بهذا لأنها كلها في يوسف وقرباه - صلى الله عليهم وسلم -.\n(^٢) ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ يختارك يا يوسف ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ علم تعبير الرؤيا ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أي بالنبوة ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ بخلقه ﴿حكيم﴾ في صنعه بهم فيصطفي من يشاء من عباده.\n(^٣) فقد جمع يوسف مكارم الأخلاق مع حسن الباطن والظاهر ومع شرف النبوة ومجد الأصل لأنه ابن ثلاثة من الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم -.\n(^٤) فخيار الناس من الأولين والآخرين أهل العلم العاملون به نسأل الله أن نكون منهم آمين.\n(^٥) ﴿وَغَلَّقَتِ﴾ أي زليخا امرأة العزيز ﴿الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ﴾ ليوسف ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ أي هلم إلى ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ أي أعوذ بالله من هذا. فعكرمة يقول عن ابن عباس إن معنى هيت باللغة الحورانية هل. وقال سعيد بن جبير معناها =","vol":"4","page":150},{"text":"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾.\nقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَبْطَؤوا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْإِسْلَامِ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ فَأَصَابَهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ (^١) حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِثْلَ الدُّخَانِ (^٢) قَالَ اللَّهُ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ (^٣)﴾ قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾ أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَدْ مَضَى الدُّخَانُ وَمَضَتِ الْبَطْشَةُ (^٤). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْكَرِيمَ ابْنَ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْن إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبثَ ثُمَّ جَاءَنِي الرَّسُولُ لَأَجَبْتُ (^٦)» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ قَالَ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى لُوطٍ إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ إِذْ قَالَ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (^٧)﴾ فَمَا بَعَثَ اللَّهُ بَعْدَهُ نَبِيًّا إِلا فِي ذِرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ (^٨). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ.\n_________\n= تعاله بهاء السكت، وهي معربة عن القبطية أو عن السريانية أو عن العبرانية لغة الكنعانيين يوسف وأقاربه، والجمهور على أنها عربية، وعلى كل هي حث على الإقبال أي أقبل بسرعة، وهي فعل أو اسم أو فيها الأمران.\n(^١) أي أهلكته.\n(^٢) من ضعف بصره من الجوع.\n(^٣) فلما نزل بهم ذلك قال أبو سفيان للنبي - ﷺ - يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم فدعاه فقرأ ﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ ثم طلب منه فدعاه فعفا عنهم كما عفا يوسف عن زليخا فأجابه الله بقوله ﴿إنا كاشفوا العذاب قليلا﴾.\n(^٤) مضى الدخان الذي ظهر من الجوع، ومضت البطشة أي يوم غزوة بدر.\n(^٥) ولكن البخاري هنا ومسلم في صفة القيامة.\n(^٦) هذا تواضع منه - ﷺ - وإلا فهو أصبر الناس وأعقلهم.\n(^٧) قال لوط لقومه هذا لأنه لم يكن منهم بل هو ابن أخي إبراهيم ﵈ كانوا بالعراق ثم هاجروا إلى الشام فنزل إبراهيم بالقدس ونزل لوط بأرض مدائن لوط.\n(^٨) الذروة - كسدرة - الكثرة والمنعة.","vol":"4","page":151},{"text":"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا (^١)﴾ ﴿فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾.\nقَالَ عُرْوَةُ ﵁ لِعَائِشَةَ: أَكُذِبُوا أَمْ كُذِّبُوا؟ قَالَتْ: كُذِّبُوا، قُلْتُ: فَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ، قَالَتْ: أَجَلْ لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذلِكَ، فَقُلْتُ لَهَا: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا (^٢)، قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذلِكَ بِرَبِّهَا، قُلْتُ: فَمَا هذِهِ الآيَةُ؟ قَالَتْ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ وَظَنَّتِ الرُّسُلُ أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ (^٣) جَاءَهُمْ نَصْرُ اللَّهِ عِنْدَ ذلِكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-838>سورة الرعد </span>(^٤)\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ﴾، قَالَ: «الدَّقْلُ وَالْفَارِسِيُّ وَالْحُلْوُ وَالْحَامِضُ (^٥)».\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقْبَلَتْ يَهُودُ\n_________\n(^١) ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ أي يئسوا وظنوا أنهم قد كذبوا بالتشديد فلا إيمان بهم وبالتخفيف أي ظن أممهم أنهم أخلفوا ما وعدوا به من النصر ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ إنجاءه ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ الكافرين.\n(^٢) أي من الله تعالى.\n(^٣) فيما وعدوهم من نصر الله لهم جاءهم نصر الله تعالى. اللهم انصرنا على من عادانا يا قوي يا متين آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nسورة الرعد\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^٤) سميت بهذا لقول الله فيها ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾.\n(^٥) ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا﴾ أي الزروع والثمار على بعض في الأكل، فالأرض واحدة وتسقى بماء واحد ويأتي البعض طيبًا والبعض رديئًا، فمن النخلة الواحدة يأتي الدقل (رديء التمر) والفارسي (طيبه) ومن الرمانة ونحوها يأتي الحلو والحامض وهذا من دلائل قدرته وأنه الفاعل المختار جل شأنه.","vol":"4","page":152},{"text":"إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ أَخْبِرْنَا عَنِ الرَّعْدِ مَا هُوَ؟ قَالَ: «مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ مَعَهُ مَخَارِيفُ مِنْ نَارٍ يَسُوقُ بِهَا السَّحَابَ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ (^١)»، قَالُوا: فَمَا هذَا الصَّوْتُ الَّذِي نَسْمَعُ؟ قَالَ: «زَجْرُهُ بِالسَّحَابِ إِذَا زَجَرَهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى حَيْثُ أُمِرَ»، قَالُوا: صَدَقْتَ. رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدَيْنِ حَسَنَيْنِ. نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الرِّوَايَةِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-839>سورة إبراهيم ﵇ </span>(^٢)\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقِنَاعٍ عَلَيْهِ رُطَبٌ (^٣) فَقَالَ: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ»: ﴿وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ قَالَ: «هِيَ الْحَنْظَلُ (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ (^٥) فَذلِكَ\n_________\n(^١) المخاريف جمع مخراف كمحاريب ومحراب، وأصله: ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضا، والمراد به هنا آلة يزجر بها الملك السحاب، فالرعد في قوله تعالى ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ ملك يسوق السحاب إلى المكان الذي يشاء الله أن يمطر فيه، والصوت الذي يسمع من الرعد حركة سوقه.\n\nسورة إبراهيم ﵇\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^٢) سميت بهذا لقول الله فيها ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾.\n(^٣) القناع: إناء من عسب النخل.\n(^٤) فالكلمة الطيبة وهي لا إله إلا الله كالشجرة الطيبة الثابتة في الأرض الذاهبة في السماء التي تثمر للناس كل حين ثمرًا طيبًا وهي النخلة. والكلمة الخبيثة وهي كلمة الكفر كالشجرة الخبيثة وهي الحنظل، اجتثت: استؤصلت من فوق الأرض ما لها من قرار ثابت، فكلمة التوحيد نافعة في الدنيا والأخرى. وكلمة الكفر: لا ولا، بل هي ضارة أكبر الإضرار.\n(^٥) أي يجب بهذا.","vol":"4","page":153},{"text":"قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ قَالَ: «فِي الْقَبْرِ إِذَا قِيلَ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ (^١)»؟\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (^٢)﴾.\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: هُمْ كُفَّارُ أَهْلِ مَكَّةَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ مَسْرُوقٍ ﵁ قَالَ: تَلَتْ عَائِشَةُ ﵂ هذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ (^٣)﴾ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ؟ قَالَ: «عَلَى الصِّرَاطِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ (^٤). نَسْأَلُ اللَّهَ كَامِلَ الْإِسْلَامِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-840>سورة الحجر </span>(^٥)\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هذِهِ الْآيَةَ: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ قَالَ: «إِذَا أُخْرِجَ أَهْلُ التَّوْحِيدِ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُوا الْجَنَّةَ وَدَّ\n_________\n(^١) فمعنى الآية أن الله يوفق المسلم للجواب على هذه الأسئلة في قبره، فيجيب على قولهم من ربك بقوله ربى الله، وعلى قولهم: ما دينك؟ بقوله: ديني هو الإسلام، وعلى قولهم: من نبيك؟ بقوله: نبي محمد رسول الله - ﷺ -، وتقدم هذا واسعًا في باب الجنائز من كتاب الصلاة.\n(^٢) ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أي شكرها ﴿كُفْرًا وَأَحَلُّوا﴾ أنزلوا قومهم بإضلالهم إياهم ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ الهلاك وهي ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ فهذه نزلت في كفار مكة فيا ويلهم.\n(^٣) يوم التبديل هو يوم القيامة فتبدل السماء والأرض بأرض جديدة بيضاء نقية، وفي لحظة التبديل تكون الخلائق على الصراط وسيأتي هذا واسعا في كتاب القيامة إن شاء الله.\n(^٤) ولكن الترمذي هنا ومسلم في صفة القيامة.\n\nسورة الحجر\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^٥) سميت بهذا لقول الله فيها ﴿ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين﴾.","vol":"4","page":154},{"text":"الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْإِيمَانِ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ تُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ بَعْضُ الْقَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يَكُونَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ لِئَلا يَرَاهَا. وَيَسْتَأْخِرُ بَعْضٌ حَتَّى يَكُونَ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ فَإِذَا رَكَعَ نَظَرَ مِنْ تَحْتِ إِبْطَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (^١)﴾.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ (^٢)﴾.\n\n• عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ بَابٌ مِنْهَا لِمَنْ سَلَّ السَّيْفَ عَلَى أُمَّتِي أَوْ قَالَ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعَالَى» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (^٣)﴾. رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٤).\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (^٥)﴾.\n\n• عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ (^٦)».\n_________\n(^١) فالله يعلم المستقدم والمستأخر ويجازي كلا على عمله ونيته.\n(^٢) لها أي للنار، سبعة أبواب أي طباق لكل باب أي طبقة، جزء مقسوم أي معلوم، وباب منها لمن سل السيف على الأمة المحمدية أي أثار الفتن بينها.\n(^٣) أي المتفرسين، والفراسة نور يقذفه الله في قلب من يشاء فيرى به الأمور الخفية، ولعلم الفراسة قواعد وعلامات مدونة في مؤلفات لا بد منها الكثير من الناس، أما الخواص أصحاب النبي - ﷺ - والأئمة المجتهدين ونحوهم فلا حاجة بهم إليها.\n(^٤) الأخيران بسندين غريبين والأول مسكوت عنه.\n(^٥) الحجر. واد بين الشام والمدينة وهو موطن ثمود الذين كذبوا صالحًا فهلكوا.\n(^٦) فإن لم تحزنوا على ما أصابهم فلا تدخلوا لئلا ينالكم شيء مما أصابهم.","vol":"4","page":155},{"text":"• وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا نَزَلَ الْحِجْرَ أَرْضَ ثَمُودَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَهُمْ أَلا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا وَلَا يَسْتَقُوا مِنْهَا (^١) فَقَالُوا: قَدْ عَجَنَّا مِنْهَا وَاسْتَقَيْنَا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوا الْعَجِينَ وَيُهَرِيقُوا ذلِكَ الْمَاءَ. روَاهُمَا الْبُخَارِيُّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ وَمُسْلِمٌ فِي الزُّهْدِ وَزَادَ: وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (^٢)﴾.\n\n• عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ مِثْلَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَهِيَ مَقْسُومَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ جَزَّؤُوهُ أَجْزَاءً فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ (^٤) وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ قَالَ: عَنْ قَوْلِ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: الْيَقينُ الْمَوْتُ (^٥). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) لا يملأوا أسقيتهم.\n(^٢) السبع المثاني: هي الفاتحة لأنها تثني في الصلاة أو لأنها نزلت مرتين مرة بمكة وأخرى بالمدينة معها سبعون ألف ملك.\n(^٣) وتقدم فضل الفاتحة في فضائل القرآن، ومنه حديث سعيد بن المعلى.\n(^٤) بيان للتجزئة.\n(^٥) فاليقين في الآية هو الموت لأنه متيقن الوقوع.","vol":"4","page":156},{"text":"<span data-type='title' id=toc-841>سورة النحل </span>(^١)\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ بَعْدَ الزَّوَالِ تَحْسَبُ بِمِثْلِهِنَّ مِنْ صَلَاةِ السَّحَرِ وَلَيْسَ مِنْ شَيْءٍ إِلا وَيُسَبِّحُ اللَّهَ تِلْكَ السَّاعَةَ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (^٢)﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ غَرِيبٍ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ (^٣)﴾.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو: «أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ وَالْكَسَلِ وَأَرْذَلِ الْعُمُرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ (^٤)».\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾.\nقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: الْأُمَّةُ مُعَلِّمُ الْخَيْرِ وَالْقَانِتُ الْمُطِيعُ (^٥). رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أُصِيبَ مِنَ الْأَنْصَارِ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا وَمِنَ الْمُهَاجِرينَ سِتَّةٌ فِيهِمْ حَمْزَةُ فَمَثَّلُوا بِهِمْ (^٦)، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: لَئِنْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ يَوْمًا مِثْلَ هذَا لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ،\n_________\nسورة النحل\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^١) سميت بهذا لقول الله تعالى فيها ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾.\n(^٢) نص الآية ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ له ظل كالجبل والشجر ﴿يتفيأ﴾ أي يميل ﴿ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ أي عن جانبيهما أول النهار وآخره ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ خاضعين لما يراد منهم ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي ذليلون، وحيث إن كل شيء يسبح الله في تلك الساعة فنحن أولى لأننا أفضل خلق الله.\n(^٣) أول الآية ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ أنشأكم ولم تكونوا ﴿ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ عند نهاية آجالكم ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أي يعمر طويلا حتى يضعف جسمه وقواه.\n(^٤) تعوذ من أرذل العمر لئلا يثقل على الناس وتعليما للأمة.\n(^٥) فهذا بيان للأمة والقانت في الآية.\n(^٦) أي مثل الكفار بمن قتل من المسلمين بقطع أنف البعض وقطع أذن البعض وشق =","vol":"4","page":157},{"text":"فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾، فَقَالَ رَجُلٌ: لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُفُّوا عَنِ الْقَوْمِ إِلا أَرْبَعَةً». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-842>سورة الإسراء </span>(^١)\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفِ وَمَرْيَمَ: إِنَّهُنَّ مِنَ الْعِتَاقِ الْأُوَلِ وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (^٣)﴾.\n_________\n= بطن آخر وتقطيع كبده وهكذا، فقال الأنصار: إن عاد بيننا وبينهم حرب لنربين أي لنزيدن عليهم في التمثيل. وفي رواية: أنهم مثلوا بحمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء فلما رآه النبي - ﷺ - حزن حزنًا شديدا وقال: أما والله لئن ظفرني الله بهم الأمثلن بسبعين منهم مكانك، فلما فتحوا مكة وكان النصر للمسلمين أرادوا التمثيل بهم قصاصا منهم فنزلت الآية فأمرهم النبي - ﷺ - بالكف عنهم إلا أربعة، وكفر عن يمينه - ﷺ -، وهؤلاء الأربعة سيأتي ذكرهم في الباب الخامس من كتاب الجهاد إن شاء الله.\n\nسورة الإسراء\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^١) سميت بهذا لقول الله تعالى فيها ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾.\n(^٢) وزاد في رواية وطه والأنبياء، وبنو إسرائيل سورة الإسراء، والعتاق جمع عتيق وهو ما بلغ النهاية في الجودة، والتلاد القديم ضد الطارف، فهذه السور في نهاية البلاغة والحسن ومن أوائل ما نزل وحفظهن عبد الله.\n(^٣) ﴿سُبْحَانَ﴾ تنزه ربنا تعالى ﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ محمد - ﷺ - ﴿لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ بيت المقدس بأرض الشام المباركة بالأنهار والأشجار والثمار ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ الدالة على وحدانية الله وعظيم قدرته ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أي السميع للأقوال البصير بالأحوال كلها.","vol":"4","page":158},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِالْبُرَاقِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ به مُلْجَمًا مُسْرَجًا فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هذَا فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ، قَالَ: فَارْفَضَّ عَرَقًا (^١).\n\n• عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ جِبْرِيلُ بِأَصْبُعِهِ فَخَرَقَ الْحَجَرَ وَشَدَّ به الْبُرَاقَ (^٢)». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدَيْنِ حَسَنَيْنِ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «حِينَ أُسْرِيَ بِي لَقِيتُ مُوسى ﵇ فَإِذَا رَجُلٌ مُضْطَرِبٌ رَجِلُ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ (^٣)، وَلَقِيتُ عِيسى فَإِذَا رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ (^٤)»، قَالَ: «وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ (^٥)»، قَالَ: «فَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ وَفِي الْآخَرِ خَمْرٌ فَقِيلَ لِي: خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرَبْتُهُ فَقِيلَ لِي: هُدِيتَ الْفِطْرَةَ (^٦) أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٧).\nوَلِلْبُخَارِيِّ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ به بِإِيلِيَاءَ (^٨) بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا وَأَخَذَ اللَّبَنَ فَقَالَ جِبْرِيلُ:\n_________\n(^١) فاستصعب عليه أي اضطرب ولعب بذنبه وأذنيه ولم يثبت للركوب عليه؛ فقال له جبريل: أتفعل هذا بمحمد - ﷺ - فما ركبك أحد أكرم على الله منه، فاستحيا وتصبب عرقه وسال.\n(^٢) قال جبريل بأصبعه أي خرق بها الحجر (صخرة بيت المقدس) وربط به البراق حتى عادا من المناجاة فركبه النبي - ﷺ - ثانيًا إلى مكة المكرمة.\n(^٣) مضطرب خفيف اللحم مع طول، رجل الرأس أي شعره بين الجعودة والسبوطة. وشنوءة: قبيلة معروفة بهذا الوصف.\n(^٤) ربعة: وسط القامة، أحمر: أي لونه مشرب بحمرة، والديماس: الحمام.\n(^٥) أي أنا أشبه به من كل أولاده - ﷺ -.\n(^٦) أي إلى الفطرة ولو أخذت الخمر لغوت أمتك كلها وتقدمت هذه الأحاديث في كتاب النبوة.\n(^٧) رواية مسلم في المعراج وفي الشراب والترمذي هنا والرواية الآتية للبخاري هنا.\n(^٨) إيلياء بيت المقدس، ورؤيته - ﷺ - لهؤلاء الكرام كانت ببيت المقدس ليلة الإسراء قبل المعراج فإنه لما دخل النبي - ﷺ - مع جبريل بيت المقدس وجده مملوءا بالأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - فأذن جبريل وتقدم النبي - ﷺ - فصلى بهم إمامًا إشارة إلى أنه أفضل خلق الله - ﷺ - ثم نصب له المعراج فرقي عليه مع جبريل ﵇ إلى السماء كما تقدم في الإسراء في كتاب النبوة.","vol":"4","page":159},{"text":"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمّتُكَ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ حِينَ أُسْرِيَ بِي إِلَى بَيْتِ الْقْدِسِ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ (^١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا * وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (^٢)﴾.\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿يأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ الآيَتَانِ وَهُوَ فِي سَفَرٍ فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ ذلِكَ؟» فَقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «ذلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ: ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ (^٣)؟ قَالَ: تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ إِلَى النَّارِ ووَاحِدٌ إِلَى الْجَنَّةِ»، قَالَ: فَأَنْشَأَ الْمُسْلِمُونَ يَبْكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَإِنَّها لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إِلا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهَا جَاهِلِيَّةٌ، قَالَ: فَيُؤْخَذُ الْعَدَدُ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنْ تَمَّتْ وَإِلا كُمِّلَتْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ (^٤) وَمَا مَثَلُكُمْ وَالْأُمَمِ إِلا كَمَثَلِ الرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الدَّابَّةِ أَوْ كَالشَّامَةِ\n_________\n(^١) تقدم هذا الحديث في كتاب النبوة لمسلم - ﵁ -.\n(^٢) ﴿وما كنا معذبين﴾ أحدا ولا مثيبينه ﴿حَتَّى نَبْعَثَ﴾ له ﴿رَسُولًا﴾ يبين له ما يجب عليه ولذا قال ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ المنعمين منهم بالترفه وهي النعمة ولذيذ الطعام ورفيع اللباس أمرنا هؤلاء على لسان رسلنا بالواجب عليهم ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ خرجوا عن أمرنا وعصوه ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ بالعذاب ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ خربناها وأهلكناهم، فلهذا كان أهل الفترة ناجين وإن غيروا وبدلوا لأنهم لم يأتهم رسول من الله، وما ورد بتعذيب بعضهم فلمظالم ارتكبوها بينهم (أهل الفترة هم من بين الرسولين) كالعرب الموجودين بين موت إسماعيل ورسالة محمد - صلى الله عليهما وسلم -، فأهل الفترة ناجون وعلى هذا الجمهور، إلا إذا أردنا بالرسول أي رسول بلغتهم دعوته فإنهم لا ينجون إذا لم يتبعوه وعلى هذا جماعة.\n(^٣) أي ميز فريق أهل الجنة من فريق أهل النار حتى يؤمر كل بالدخول لداره.\n(^٤) بين يديها أي قبلها طائفة جاهلية وهم أهل الفترة فيؤخذ العدد منهم فإن تمت أي العدة المطلوبة=","vol":"4","page":160},{"text":"فِي جَنْبِ الْبَعِيرِ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنَّ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَكَبَّرُوا. قَالَ عِمْرَانُ: لَا أَدْرِي قَالَ الثُّلُثَيْنِ أَمْ لَا؟ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْحَجِّ وَالْبُخَارِيُّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.\nقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: كُنَّا نَقُولُ لِلْحَيِّ إِذَا كَثُرُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَمِرَ بَنُو فُلَانٍ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (^٢)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقِرَاءَةُ فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَابَّتِهِ لِتُسْرَجَ فَكَانَ يَقْرَأُ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (^٣)﴾. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: كَانَ ناسٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعْبُدونَ نَاسًا مِنَ الْجِنِّ فَأَسْلَمَ الْجِنُّ وَتَمَسَّكَ هؤُلَاءِ\nبِدِينِهِمْ (^٤).\nرَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\n=وإلا كملت من المنافقين، وفضلا عن هذا فالأمة المحمدية قليلة بالنسبة للكفار كالرقمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير، فلا خوف على الأمة بل هي أكثر أهل الجنة إن شاء الله، والرقمة واحدة الرقمتين اللتين في قائمتي الدابة قدر الواحدة كالدرهم، والشامة بقعة صغيرة يخالف لونها بقية الجسم، ففيه أن أهل الفترة غير ناجين إلا إذا أريد ببعث النار ما يشمل من يعذب ولو للتطهير والله أعلم بحال خلقه في الأولى وفي الآخرة.\n(^١) فيكون معني أمرنا مترفيها في الآية السابقة أكثرناهم.\n(^٢) فالله تعالى أعطى داود ﵇ الزبور كتابا مزبورا أي مكتوبا وهو مائة وخمسون سورة ليس فيها أحكام ولا حلال ولا حرام بل كلها مواعظ وعبر وتسبيح وتقديس وتحميد وثناء على الله تعالى، وخفف الله عليه القراءة أو القرآن فكان يتلوها قبل أن تسرج له الدابة.\n(^٣) قبلها ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنهم آلهة ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ كالملائكة والجن وعيسى وعزير ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ أي له إلى غيركم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أي يدعونهم آلهة ويعبدونهم ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ أي يطلبون القرب منه بطاعتهم ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ أي أنتم أو هم ﴿و﴾ الحال أنهم ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ أي يحذره ويخافه كل أحد، نعوذ بالله منه.\n(^٤) وكان الأحرى بهم أن يتبعوا آلهتهم ويسلموا كما أسلموا.","vol":"4","page":161},{"text":"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾.\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُريَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ (^١) بِهِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ قَالَ: «يُدْعَى أَحَدُهُمْ فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَيُمَدُّ لَهُ فِي جِسْمِهِ سِتُّونَ ذِرَاعًا وَيُبَيَّضُ وَجْهُهُ وَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ منْ لُؤْلُؤٍ يَتَلَأْلَأُ فَيَنْطَلِقُ إِلَى\nأَصْحَابِهِ (^٢) فَيَرَوْنَهُ مِنْ بَعِيدٍ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ائْتِنَا بِهذَا وَبَارِكْ لَنَا فِي هذَا حتَّى يَأْتِيَهُمْ فَيقُولُ: أَبْشِرُوا لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مِثْلُ هذَا». قَالَ: «وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُسَوَّدُ وَجْهُهُ وَيُمَدُّ لَهُ فِي جِسْمِهِ سِتُّونَ ذِرَاعًا عَلَى صُورَةِ آدَمَ (^٣) فَيُلْبَسُ تَاجًا فَيَرَاهُ أَصْحَابُهُ فَيَقُولُونَ: نَعُوذ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هذَا»، اللَّهُمَّ لَا تَأْتِنَا بِهذَا، قَالَ: فَيَأْتِيهِمْ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اخْزِهِ، فَيَقُولُ: أَبْعَدَكُمُ اللَّهُ فَإِنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هذَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ. وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فَضْلُ صَلَاةِ الْجَمِيعِ عَلَى صَلَاةِ الْوَاحِدِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ (^٤)»، يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ:\n_________\n(^١) ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ عيانًا ليلة الإسراء ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ أهل مكة الذين كذبوا بها وارتد بعضهم لما سمعها، فقال ابن عباس: هي رؤيا عين لا منام أو أن الإسراء كان بالجسم لا بالروح فقط، وإن كان لفظ رؤيا يقل في البصرية ويكثر في المنامية، والمرئي المحذوف هو المذكور في الآية ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ كما في رواية: هو ما أرى في طريقه إلى بيت المقدس، وكذا قال ابن عباس والشجرة الملعونة في القرآن هي شجرة الزقوم طعام أهل النار. نسأل الله السلامة آمين.\n(^٢) الذين كانوا أصحابا له في الدنيا وهذه بشارة معجلة في الموقف للمؤمنين.\n(^٣) بل ورد أن ضرس الكافر يصير في النار كالجبل وقوله فيلبس تاجًا أي من أنواع لبس أهل النار.\n(^٤) صلاة الجميع أي الجماعة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار أي الحفظة في صلاة الفجر وتصعد ملائكة الليل ثم يعودون فيجتمعون في صلاة العصر، وبعدها تصعد ملائكة النهار كما سبق في أول كتاب الصلاة.","vol":"4","page":162},{"text":"﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (^١)﴾. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا (^٢)﴾.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^٣)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ هذِهِ الآيَةِ فَقَالَ: «هِيَ الشَّفَاعَةُ (^٤)».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ وَمَا مِنْ نَبِيَ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلا تَحْتَ لِوَائِي، فَيَأْتِينِي النَّاسُ فَأَنْطَلِقُ مَعَهُمْ»، إِلَى أَنْ قَالَ: «فَأَخِرُّ سَاجِدا فَيُلْهِمُنِي اللَّهُ مِنَ الثَّنَاءِ وَالْحَمْدِ فَيُقَالُ لِي: ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَقُلْ يُسْمَعْ لِقَوْلِكَ وَهُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا (^٥)﴾».\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا (^٦)﴾. رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٧).\n_________\n(^١) ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ أي صلاة الفجر ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ أي تشهده هؤلاء الملائكة لتشهد للمصلين.\n(^٢) ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ صل بالقرآن ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ فضيلة عن الفرائض الخمس ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ يقيمك في الآخرة مقاما يحمدك فيه الأولون والآخرون وهو مقام الشفاعة العظمى.\n(^٣) سبق هذا في الأذان في كتاب الصلاة.\n(^٤) أي العظمى التي تعم الناس كلهم.\n(^٥) هذا الحديث سيأتي بطوله في الشفاعة في كتاب القيامة إن شاء الله، وفيه وما قبله بيان المقام المحمود في الآية وأنه الشفاعة العظمى.\n(^٦) ﴿وَقُلْ﴾ يا محمد ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي﴾ المدينة ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ أي إدخالا مرضيًا ﴿وَأَخْرِجْنِي﴾ من مكة ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ لا ألتفت لها بقلبى ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ قوة تنصرني بها.\n(^٧) الثالث بسند صحيح والأولان بسندين حسنين.","vol":"4","page":163},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ وَحَوْلَ الْبَيْتِ سِتّونَ وَثَلَاثُمَائَةِ نُصُبٍ فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ: ﴿جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ - ﴿جَآءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (^١)﴾. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرْثٍ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ (^٢) فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ سَأَلْتُمُوهُ، فَقَالُوا: لَا تسْأَلُوهُ فَإِنَّهُ يُسْمِعُكُمْ مَا تَكْرَهُونَ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِم حَدِّثْنَا عَنِ الرُّوحِ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً (^٣) وَرَفَعَ رَأْسَهُ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُوحى إِلَيْهِ حَتَّى صَعِدَ الْوَحْيُ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالشَّيْخَانِ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (^٤)﴾.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى رِجْلَيْهِ فِي الدُّنْيَا\n_________\n(^١) النصب بضمتين الأصنام، فكان النبي - ﷺ - يطعنها بعود في يده ويقول ﴿جَاءَ الْحَقُّ﴾ الإسلام والقرآن ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ ذهب وهلك الشرك والشيطان ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ذاهبًا لا ثبات له، ثم أمر النبي - ﷺ - بتكسيرها كلها حتى كان فوق الكعبة صنم من نحاس لخزاعة فصعد إليه عليّ فرمى به فكسره، وسبق هذا في فضل الحرمين الشريفين.\n(^٢) الحرث النخل، والعسيب كالقضيب عصا من جريد النخل.\n(^٣) وقف برهة صغيرة حتى نزل عليه الوحي بقوله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الذي يحيا به البدن ما هو ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ من علمه الذي اختص به ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ بالنسبة لعلم الله تعالى، فكان جواب النبي - ﷺ - لهم موافقا لما في التوراة لأن التوراة سكتت عنه حيث قالت إن الروح مما انفرد الله بعلمه ولا يطلع عليه أحدا من عباده، وجمهور المتكلمين: على أن الروح جسم لطيف مشتبك بالبدن اشتباك الماء بالعود الأخضر، وقال مالك: هي صورة كصورة الجسم والله وحده العلم بحقيقة خلقه.\n(^٤) ﴿وَنَحْشُرُهُمْ﴾ الكفار ماشين ﴿عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ﴾ سكن لهبها ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ تلهبًا واشتعالا.","vol":"4","page":164},{"text":"قَادِرًا على أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». قَالَ قَتَادَةُ: بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّنَا (^١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ (^٣): صِنْفًا مُشَاةً، وَصِنْفًا رُكْبَانًا، وَصِنْفًا عَلَى وُجُوهِهِمْ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ؟ قَالَ: «إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَمَا إِنَّهُمْ يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وَشَوكٍ (^٤)». وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ رِجَالًا وَرُكْبَانًا وَعَلَى وُجُوهِهِمْ (^٥)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى﴾ ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يمُوسَى مَسْحُورًا (^٦)﴾.\n\n• عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ﵁ أَنَّ يَهُودِيَّيْنِ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هذَا النَّبِيِّ نَسْأَلْهُ فَقَالَ: لَا تَقُلْ نَبِيٌّ\n_________\n(^١) قال قتادة الراوي عن أنس: بلى وعزة ربنا، أي هو قادر على هذا وأعظم منه.\n(^٢) ولكن البخاري في الرقائق ومسلم في صفة القيامة واللفظ له.\n(^٣) أي على ثلاث حالات.\n(^٤) يتقون بوجوههم أي يتحفظون بها، من كل حدب أي مرتفع وشوك.\n(^٥) فبعض الناس يحشر ماشية أي يكون في الموقف ماشيا، وبعضهم يكون راكبا، وبعضهم يمشي على وجهه بحسب أعمالهم ودرجاتهم، وهل البعث أي السير من القبور إلى الموقف يكون هكذا؟ الظاهر نعم.\n(^٦) ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ ظاهرات دالة على الصدق وهي اليد والعصا والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس والسنين، أما اليد والعصا فهما المذكورتان في قوله تعالى ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ وفي قوله ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ وأما الطوفان فإنه الماء ملأ بيوتهم، فكانوا لا يستطيعون أن يوقدوا نارا أبدا، والجراد ظهر بكثرة حتى أكل زرعهم وحبوبهم، والقمل هو السوس أو القمل المعروف، والضفادع كثرت حتى ملأت بيوتهم وطعامهم وشرابهم، وأما الدم فإن مياههم قد انقلبت دمًا حتى كادوا يموتون عطشا، وهذه مذكورة في قوله تعالى ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ والطمس مسخ الأموال حجارة إجابة لقول موسى ﵇ ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ والسنين هي المذكورة في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.","vol":"4","page":165},{"text":"فَإِنَّهُ إِنْ سَمِعَهَا كَانَتْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ (^١) فَأَتَيَا النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَاهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَسْحَرُوا، وَلَا تَمْشُو بِبَرِيءٍ إِلَى سُلْطَانٍ فَيَقْتُلَهُ (^٢)، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا، وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً (^٣)، وَلَا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ (^٤)، وَعَلَيْكُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ خَاصَّةً لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ (^٥)». فَقَبَّلَا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبيٌّ، قَالَ: «فَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْ تُسْلِمَا؟» قَالَا: إِنَّ دَاوُدَ دَعَا اللَّهَ أَلا يَزَالَ فِي ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ أَسْلَمْنَا أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحْيحٍ.\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قَالَ: نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ كَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ فَإِذَا سَمِعَهُ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ أَيْ بِقِرَاءَتِكَ فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ، وَلَا تُخَافِتْ بِهَا عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِلَ سَبِيلًا (^٦). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) إن سمعها أي كلمة نبى كانت له أربعة أعين أي تكبر واستعلى علينا.\n(^٢) أي لا تنموا بشخص بريء إلى الحاكم فيضره.\n(^٣) أي لا ترموا شخصًا عفيفا بالزنا.\n(^٤) أي من صف القتال. وبيان هذه الكلمات تقدم في أول كتاب الحدود.\n(^٥) وعليكم - خصوص اليهود - ألا تعدوا: لا تعتدوا في يوم السبت باصطياد السمك فيه كما نهاكم الله تعالى، فما في هذا الحديث آيات بينات محكمات لازمات على كل إنسان للعمل بها، وهي مراد السائل فلا تنافي ما سبق في بيان الآية فإنهن آيات بينات معجزات لموسى ﵇، ودالة على صدقه لعلهم يؤمنون، ولهذا قبّل اليهوديان يدى النبي - ﷺ - ورجليه واعترفا بنبوته، وقولهم إن داود ﵇ دعا الله أن يبقى في ذريته نبى، هذا إلى ظهور محمد خاتم النبيين والمرسلين - صلى الله عليهم وسلم -، وفيه مشروعية تقبيل الأيدي والأرجل وسيأتي هذا واسعًا في كتاب الأدب إن شاء الله.\n(^٦) فكان النبي - ﷺ - إذا صلى بأصحابه جهر بالقراءة فيسمعه المشركون فيسبون القرآن ومن أنزله وهو الله تعالى ومن جاء به وهو محمد - ﷺ -. وفي رواية: أنهم قالوا لا تجهر فتؤذى آلهتنا فنهجو إلهك =","vol":"4","page":166},{"text":"<span data-type='title' id=toc-843>سورة الكهف </span>(^١)\nمكية وهي مائة وإحدى عشرة آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ لَيْلًا قَالَ: «أَلَا تُصَلُّونَ؟» قُلْتُ: إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا (^٢) فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَيَقُولُ: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (^٣)﴾.\n\n• عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ نَوْفًا الْبَكَّالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسى صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ (^٤) حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ مُوسى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ (^٥)\n_________\n= فأنزل الله الآية تأمره بالتوسط بقدر سماع الأصحاب؛ وهذا في صلاة الليل كالعشاءين والفجر، قال بعضهم: فلما أسلم عمر وحمزة جهروا كما يشاءون والله أعلى وأعلم.\n\nسورة الكهف مكية وهي مائة وإحدى عشرة آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^١) سميت بهذا القول الله تعالى فيها ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾.\n(^٢) طرقه وفاطمة ليلا ذهب لهما في جوف الليل فوجدها نائمين فقال: أفلا تعبدون؟ فقال عليّ - ﵁ -: إنما أرواحنا بيد الله فإذا شاء أن يوقظنا أيقظنا، فخرج النبي - ﷺ - وهو ساكت من رد عليّ عليه ثم صار يضرب فخذه بيده تعجبًا من رده ويقول ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ أي أكثر جدلا من كل شيء.\n(^٣) ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ يوشع بن نون كان يخدمه ويأخذ العلم عنه ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ ملتقى بحري فارس والروم من جهة الشرق ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ زمنًا أي سأسير حتى أصل إلى مجمع البحرين.\n(^٤) نوف البكالى من بني بكال ككتاب أو شداد: بطن من حمير كان يقول إن موسى صاحب الخضر هو موسى بن ميشا بن إفرائيم بن يوسف بن يعقوب ﵈، فقال ابن عباس لما بلغه ذلك: كذب عدو الله. هذا زجر وتنفير لا قدح في نوف لأنه مسلم وتابعي.\n(^٥) حتى إذا أفاضت العيون ورقت القلوب ولى.","vol":"4","page":167},{"text":"فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ قَالَ: أَنَا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ (^١) فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ إِنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ الْبَحَرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ قَالَ مُوسى يَا رَبِّ فَكَيْفَ لِي به؟ قَالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ (^٢) فَأَخَذَ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ ثُمَّ انْطَلَقَ وَمَعَهُ فَتَاةُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ وَضَعَا رُؤُوسَهُمَا فَنَامَا (^٣) وَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنْهُ فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا، وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الْحُوتِ جِرْيَةَ الْمَاءِ فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلَ الطَّاقِ (^٤)». وَفِي رِوَايَةٍ: فِي أَصْلِ الصَّخْرَةِ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا الْحَيَاةُ لَا يُصِيبُ مِنْ مَائِهَا شَيْءٌ إِلا حَيي فَأَصَابَ الْحُوتَ مِنْ مَائِهَا فَتَحَرَّكَ وَانْسَلَّ مِنَ الْمِكْتَل فَدَخَلَ الْبَحْرَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ مُوسى نَسِيَ صَاحِبُهُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِالحُوتِ فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتَهُمَا حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ\n﴿قَالَ﴾ مُوسى ﴿لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (^٥)﴾ قَالَ: وَلَمْ يَجِدِ النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ\nعَجَبًا (^٦)﴾ قَالَ: فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا وَلِمُوسَى وَلِفَتَاهُ عَجَبًا (^٧) قَالَ مُوسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ (^٨)﴾ ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ قَالَ: رَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا حَتى انتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ (^٩) فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى فَقَالَ\n_________\n(^١) فلما لم يرد العلم الله بقوله الله أعلم عتب الله عليه بالآتي.\n(^٢) تسافر إلى مجمع البحرين ومعك حوت في مكتل (في قفة) فحيثما تغيب الحوت فهناك الخضر ﵇.\n(^٣) الصخرة التي عند مجمع البحرين ناما في ظلها.\n(^٤) السرب كالعرب: الشق الطويل. فالله أمسك الماء عن موضع دخوله فصار كالطاق عقد البناء.\n(^٥) أي تعبا.\n(^٦) أي سبيلا عجبا كالسرب.\n(^٧) كان عجبا لهما لأنه حوت مملح يحيا ويتسرب.\n(^٨) أي نطلب ونحب لأنه آية على المطلوب وهو الخضر ﵇.\n(^٩) مغطى به مستلقيًا على قفاه في جزيرة من جزائر البحر.","vol":"4","page":168},{"text":"الْخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ (^١) قَالَ: أَنَا مُوسَى قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ: نَعَمْ أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (^٢)﴾ قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ (^٣) وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَ اللَّهُ لَا أَعْلَمُهُ، فَقَالَ مُوسَى: ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (^٤)﴾ فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَمرَّتْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ فَعَرَفُوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ (^٥) فَلمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إِلا وَالْخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوحًا مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ بِالْقَدُومِ فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدَتْ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقَتْهَا ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (^٦)﴾ قَالَ: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (^٧)﴾\nقَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتِ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيانًا (^٨)» قَالَ: وَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ مِنَ الْبَحْرِ نَقْرَةً قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ فِي عِلْمِ اللَّهِ إِلا مِثْلُ مَا نَقَصَ هذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هذَا الْبَحْرِ (^٩) ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ فَبَيْنَمَا\n_________\n(^١) فسلم عليه موسى بعد أن كشف عن وجهه فقال الخضر: وأنى، أي كيف بأرضك السلام.\nوفي رواية: وهل بأرضي من سلام؟ لأنهم لم يكونوا مسلمين أو كانت تحيتهم بغير السلام.\n(^٢) وفي رواية: قال ما شأنك؟ قال: جئت لتعلمني مما علمت رشدًا.\n(^٣) أي كله وهو علم الحقيقة وأنت أعطاك الله علما من الشريعة لا أعلمه كله، فلكل مزية خاصة به، وهذا لا يستلزم أفضلية الخضر على موسى ﵉ لأن موسى رسول من أولي العزم ونجيّ لله تعالى.\n(^٤) حتى أبدأك بذكره قبل سؤالك.\n(^٥) أي أجرة.\n(^٦) أي منكرًا عظيما، ومع هذا لم يدخلها الماء كرامة للخضر ورحمة بالمساكين أصحابها.\n(^٧) لا تكلفني مشقة في صحبتي لك بل عاملني بالعفو واليسر.\n(^٨) وكانت المراجعة في المرة الأولى على خرق السفينة نسيانًا.\n(^٩) فعلمهما بالنسبة لعلم الله تعالى كما أخذه العصفور من البحر.","vol":"4","page":169},{"text":"هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ إِذْ أَبْصَرَ الْخَضِرُ غُلَامًا يَلْعَبُ مَعَ الْغلْمَانِ فَأَخَذَ الْخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَاقْتَلَعَهُ فَقَتَلَهُ فَقَالَ لَهُ مُوسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا (^١)﴾ ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ قَالَ: وَهذِهِ أَشَدُّ مِنَ الْأُولَى (^٢)، قَالَ: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلْغَتْ مَنْ لَدُنِّي عُذْرًا (^٣) ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ (^٤) قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾، فَقَالَ مُوسى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا وَلَمْ يُضَيِّفُونَا لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا، قَالَ: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (^٥)﴾، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَدِدْنَا أَنَّ مُوسى كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا (^٦)». قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذ\n_________\n(^١) منكرا عظيما، روى أن الخضر غضب من رد موسى عليه كثيرا فعاد فاقتلع كتف الصبى الأيسر وقشر اللحم عنه فإذا مكتوب فيه كافر لا يؤمن بالله أبدا فهدأ موسى ﵇.\n(^٢) وهذه أي كلمة الخضر أشد من الأولى لزيادة لك.\n(^٣) أي أعذرتني مرة بعد أخرى فلا اعتذار بعد هذا.\n(^٤) القرية هي أنطاكية، واستطعما أهلها طلبا منهم الطعام بضيافة فأبوا فسارا فرأيا جدارا مائلا يكاد يسقط على من يمر بجواره فأمر الخضر يده عليه فاعتدل (وكان ارتفاع الجدار مائة ذراع وعرضه خمسين وامتداده على الأرض خمسمائة).\n(^٥) بقية القصة (أما السفينة) التي خرقتها ﴿فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ يسترزقون منها ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ كافر ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ سليمة ﴿غَصْبًا (٧٩) وَأَمَّا الْغُلَامُ﴾ الذي قتلناه ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ فإنه طبع كافرا من نشأته ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ أوصل للرحم فأبدلهما الله بنتًا تزوجت نبيا فولدت نبيا فهدى الله به أمة عظيمة ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ هو ذهب وفضة كما رواه الترمذي ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ﴾ ما ذكر من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار ﴿عَنْ أَمْرِي﴾ بل بأمر وإلهام من الله تعالى ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾.\n(^٦) ولأبي داود: رحمة الله علينا وعلى موسى لو صبر لرأى من صاحبه العجب ولكنه قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني.","vol":"4","page":170},{"text":"كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا وَكَانَ يَقْرَأُ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^١).\n\n• عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْغُلَامُ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِرًا (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْقَدَرِ وَزَادَ: «لَوْ عَاشَ لَأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا (^٣)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرَ لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَاهْتَزَّتْ تَحْتَهُ خَضْرَاءَ (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَالُواْ يذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (^٥)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي السَّدِّ قَالَ: «يَحْفِرُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى إِذَا كَادُوا يَخْرِقُونَهُ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا فَسَتَخْرِقُونَهُ غَدًا فَيُعِيدُهُ اللَّهُ كَأَشَدِّ مَا كَانَ حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعثَهُمْ عَلَى النَّاسِ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا فَسَتَخْرِقُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ\n_________\n(^١) ولكن البخاري والترمذي هنا ومسلم في الفضائل.\n(^٢) فهو مستثنى مما تقدم في القدر كل مولود يولد على الفطرة أي الإسلام.\n(^٣) أي حملهما على البغي والكفر.\n(^٤) فما سمي الخضر خضرا إلا أن الفروة أي الأرض التي جلس عليها تحركت أي هشيمها وصارت خضراء فهذا لقبه واسمه بليا ومعناه بالعربية أحمد وكنيته أبو العباس، واسم أبيه ملكان، قال بعض العارفين. من عرف اسمه ولقبه وكنيته واسم أبيه مات على الإسلام، وكان أبوه من الملوك، وكان الخضر نبيًا أو وليًا وعليه الجمهور.\n(^٥) ﴿قَالُوا﴾ أي المجاورون ليأجوج ومأجوج بمنقطع بلاد الترك ﴿يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ قبيلتان أعجميتان ﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالنهب والسلب والظلم ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ أي مالا ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ يمنعهم من الوصول إلينا ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي﴾ من المال وغيره ﴿خَيْرٌ﴾ من خرجكم ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ سدا حصينا، ووفقه الله فصنع سدا بينهم وبين الناس حفظوا من شرهم.","vol":"4","page":171},{"text":"وَاسْتَثْنَى (^١) فَيَرْجِعُونَ فَيَجِدُونَهُ كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ فَيَخْرِقُونَهُ فَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ فَيَسْتَقُونَ الْمِيَاهَ وَيَفِرُّ النَّاسُ مِنْهُمْ فَيَرْمُونَ بِسِهَامِهِمْ فِي السَّمَاءِ فَتَرْجِعُ مُخَضَّبَةً بِالدِّمَاءِ فَيَقُولُونَ: قَهَرْنَا مَنْ فِي الْأَرْضِ وَعَلَوْنَا مَنْ فِي السَّمَاءِ قَسْرًا وَعُلُوًّا (^٢) فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَغَفًا فِي أَقْفَائِهِمْ فَيَهْلِكُونَ (^٣) فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ دَوَابَّ الْأَرْضِ تَسْمَنُ وَتَبْطَرُ وَتَشْكَرُ شَكْرًا مِنْ لُحُومِهِمْ (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ\nصُنْعًا (^٥)﴾.\nقَالَ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ ﵄: سَأَلْتُ أَبِي أَهُمُ الْحَرُورِيَّةُ (^٦)؟ قَالَ: لَا هُمُ الْيهُودُ وَالنَّصَارَى أَمَّا الْيَهُودُ فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ وَأَمَّا النَّصَارَى فَكَفَرُوا بِالْجَنَّةِ وَقَالُوا: لَا طَعَامَ فيها وَلَا شَرَابَ، وَالْحَرُورِيَّةُ الَّذِين يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَكَانَ سَعْدٌ يُسَمِّيهِمُ الْخَاسِرِينَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالحَاكِمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ (^٧)» وَقَالَ: «اقْرَؤُوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\n(^١) بقوله إن شاء الله.\n(^٢) جبروتًا واستكبارا.\n(^٣) النغف - كسبب - دود يظهر في أنف الإبل والغنم فتهلك.\n(^٤) تسمن وتبطر وتشكر كلهن - كتفرح - أي تسمن من لحومهم، فإذا أراد الله وخرجوا في آخر الزمان طغوا وبغوا واستكبروا على الله فأهلكهم الله تعالى.\n(^٥) الأخسرون أعمالا هم اليهود والنصارى كما يأتي في الحديث.\n(^٦) الحرورية: طائفة من الخوارج ينسبون إلى حروراء قرية بقرب الكوفة، كان ابتداء ظهور الخوارج على على - ﵁ -، منها بسبب أحموقة ظهرت لهم فضلوا بها.\nفالآية في الرهبان وأصحاب الصوامع من اليهود والنصارى تعبدوا على غير أصل فابتدعوا فخسروا الأعمار والأعمال، وأما الحرورية فإنهم نقضوا العهد وبيعة أمير المؤمنين علي - ﵁ -.\n(^٧) العظيم في الطول والجاه، السمين الأكول الشروب وهذا في الكافر فلا يزن في الآخرة جناح بعوضة وفي رواية: فيوزن بحبة فلا يزنها لقول الله تعالى ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ لأن الوزن يكون لأصحاب الأعمال الصالحة، والكفار فيها لا صالح لهم، أو لا نجعل لهم مقدارًا واعتبارا.","vol":"4","page":172},{"text":"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ﴾ ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (^١)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ عِليِّينَ لَيُشْرِفُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ فَتُضِيءُ بِوَجْهِهِ كَأَنَّهَا كَوكَبٌ دُرِّيٌّ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمِنْهُمْ وَأَنْعَمَا (^٢)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِيَهُودَ أَعْطُونَا شَيْئًا نَسْأَلُ عَنْهُ هذَا الرَّجُلَ فَقَالَ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ فَسأَلُوهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ قَالُوا: أُوتِينَا عِلْمًا كَثِيرًا التَّوْرَاةَ وَمَنْ أُوتِيَ التَّوْرَاةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا فَأُنْزِلَتْ: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (^٣)﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْإِسْرَاءِ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا﴾.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ نَادَى مُنَادٍ مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ أَحدًا فَلْيطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الزُّهْدِ. نَسْأَلُ اللَّهَ كَامِلَ التَّقْوَى وَحُسْنَ الْوَرَعِ آمِين.\n_________\n(^١) ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ﴾ في علم الله ﴿جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ الفردوس أعلى الجنة وأوسطها فهى منزل المؤمنين الصالحين ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ أي لا يطلبون التحول عنها، نسأل الله أن يجعلنا منهم.\n(^٢) عليون: مكان رفيع تحت العرش وليس هذا إلا الفردوس، فالرجل من أهل عليين ليشرف على أهل الجنة أي يطلع عليهم بوجهه فتضيء كالكوكب الدري، فما بالك به وأن أبا بكر وعمر منهم، وأنعما أي زادا على الناس في كل نعيم.\n(^٣) ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ﴾ أي ماؤه ﴿مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ يكتب به كلمات الله ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ إذا كانت كلمات الله هكذا فأين التوراة بل أين الكتب المنزلة كلها جل شأن ربنا وعلا.\n(^٤) فالله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه فقط ولا يعطى ثوابا إلا للمخلصين=","vol":"4","page":173},{"text":"<span data-type='title' id=toc-844>سورة مريم ﵂ </span>(^١)\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى نَجْرَانَ فَقَالُوا لِي: أَلَسْتُمْ تَقْرَؤونَ يَا أُخْتَ هرُونَ وَقَدْ كَانَ بَيْنَ مُوسى وَعِيسى مَا كَانَ فَلَمْ أَدْرِ الْجَوَابَ فَرَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: «أَلَا أَخْبَرْتَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ هُنَا وَمُسْلِمٌ فِي الْأَدَبِ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ (^٣) حَتَّى يُوقَفَ عَلَى السُّور بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ (^٤) فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هذَا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ فَيَضْجَعُ فَيُذْبَحُ (^٥) ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ هؤُلاءِ فِي غَفْلَةٍ، أَهْلُ الدُّنْيَا ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (^٦)﴾». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ: «فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ قَضَى لِأَهْلِ الْجَنَّةِ الْحَيَاةَ فِيهَا\n_________\n= بل يكفيهم كل شيء للدنيا والأخرى لحديث \"اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها. وتقدم أنواع الشرك وبيان الإخلاص وافيًا في كتاب النية والإخلاص.\n\nسورة مريم عليها وعلى عيسى السلام\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^١) سميت بهذا لذكر قصة مريم فيها، عليها وعلى ولدها عيسى رفيع السلام.\n(^٢) نجران: إقليم باليمن مشهور، فقولهم: يا أخت هارون أي المشهور في زمنهم بالصلاح والتقوى وإلا فليس لها أخ اسمه هارون.\n(^٣) في لونه سواد وبياض.\n(^٤) فيشرئبون، أي يرفعون رءوسهم فينظرون.\n(^٥) الذي يأتي بالموت في صورة الكبش جبريل، والنبي - ﷺ - حاضر، والذابح له يحيى بن زكريا ﵈ تفاؤلا بخلود الحياة بعد هذا.\n(^٦) ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ أهل مكة ﴿يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ يوم يتحسرون =","vol":"4","page":174},{"text":"وَالْبَقَاءَ لَمَاتُوا فَرَحًا، وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ قَضَى لِأَهْلِ النَّارِ الْحَيَاةَ فِيهَا وَالْبَقَاءَ لَمَاتُوا تَرَحًا أَيْ حُزْنًا».\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًَّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (^١)﴾.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمَّا عُرِجَ بِي رَأَيْتُ إِدْرِيسَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِجِبْرِيلَ: «مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا» فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلِكَ (^٢)﴾. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nقَالَ السُّدِّيُّ: سَأَلْتُ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيَّ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ فَحَدَّثَنِي أَن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ حَدَّثَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَرِدُ النَّاسُ النَّارَ ثُمَّ يَصْدُرُونَ بِأَعْمَالِهِمْ فَأَوَّلُهُمْ كَلَمْحِ الْبَرْقِ ثُمَّ كَالرِّيحِ ثُمَّ كَحُضْرِ الْفَرَسِ ثُمَّ كَالرَّاكِبِ فِي رَجِلِهِ ثُمَّ كَشَدِّ الرَّجُلِ ثُمَّ كَمَشْيهِ (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\nقَالَ خَبَّابٌ ﵁: كُنْتُ قَيْنًا بِمَكَّةَ (^٤) فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ سَيْفًا فَجِئْتُ أَتقَاضَاهُ فَقَالَ: لَأَ أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ قُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَكْفرُ حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ\n_________\n= حسرة لا حسرة بعدها وهو يوم ذبح الموت ﴿وَهُمْ﴾ كفار مكة ﴿فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وهذا الذبح وهذا النداء إذا استقر أهل الجنة فيها وأهل النار فيها وخرج منها العصاة الموحدون وبقى أهل النار الخالدون فيقال يا أهل الجنة: خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. فلو مات أحد من شدة الفرح لمات أهل الجنة ولو مات أحد من شدة الحزن لمات أهل النار، نعوذ بالله منها.\n(^١) إدريس هذا لقبه لأنه كان كثير الدراسة فيما نزل عليه وهو ثلاثون صحيفة واسمه اخنوخ بن شيث ابن آدم ﵈، وهو جد النوح لأنه ابن لمك بن متوشلخ بن إدريس عليهم رفيع السلام: والمكان العلى هو السماء الرابعة، وإدريس أول من خط بالقلم وخاط الثياب واتخذ السلاح وقاتل الكفار ونظر في علم النجوم والحساب.\n(^٢) ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ من أمور الآخرة ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ من أمور الدنيا ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ من هذا الوقت إلى قيام الساعة أي يعلم الله ذلك كله فلو أمرنا بالنزول إليك ما تأخرنا.\n(^٣) حضر الفرس شدة عدوه، والراكب في رجله الفارس وشدة الرجل عدوه.\n(^٤) قينا: أي حدادا، أصنع السيوف والمدى ونحوها.","vol":"4","page":175},{"text":"ثُمَّ يَبْعَثَكَ قَالَ: فَذَرْنِي حَتَّى أَمُوتَ ثُمَّ أُبْعَثَ فَسَوْفَ أُوتَى مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيَكَ فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (^١)﴾ ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا (^٢)﴾ ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَما يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِّمَنِي وَتَكَذِّبَنِي وما يَنْبَغِي لَهُ. أَمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ إِنَّ لِي وَلَدًا، وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأَنِي (^٣)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جبْرِيلَ إِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ فَلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُنَادِي فِي السَّمَاءِ ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ الْمَحَبَّةُ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ (^٤) فَذلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (^٥)﴾ وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ إِنِّي قَدْ أَبْغَضْتُ فُلَانًا فَيُنَادِي فِي السَّمَاءِ ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ (^٦)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالشيْخَانِ (^٧).\n_________\n(^١) ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ وهو العاصى السهمي ﴿وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ في الآخرة إن كانت؛ فرد الله عليه بقوله ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ بأنه سيعطى في الآخرة المال والولد ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ بإعطائه ذلك ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ تزيده بقوله هذا عذابا فوق عذاب كفره.\n(^٢) ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ لا يليق به ذلك ﴿أَنْ﴾ ما ﴿كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ذليلا خاضعًا في الآخرة حتى من زعموا أنهم أبناء الله كعزير وعيسى ﵉ ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ أي أحاط علمه بهم من كل الوجوه.\n(^٣) والله تعالى يقول ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾، وسبق هذا في تفسير سورة البقرة.\n(^٤) فينادي أي جبريل في السماء بقوله: إن الله قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء والأرض.\n(^٥) يحبهم ويحبب فيهم عباده، نسأل الله أن نكون منهم.\n(^٦) فمحبة الناس لبعض العباد وكذا بعضهم الآخرين من الله تعالى، نسأل الله كامل المودة.\n(^٧) ولكن الترمذي هنا وسيأتي في البر والأخلاق إن شاء الله تعالى.","vol":"4","page":176},{"text":"<span data-type='title' id=toc-845>سورة طه ﵊ </span>(^١)\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ أَسْرَى لَيْلَةً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى أَنَاخَ فَعَرَّسَ ثُمَّ قَالَ: «يَا بِلَالُ اكْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ (^٢)» فَصَلَّى بِلَالٌ ثُمَّ تَسَانَدَ إِلَى رَاحِلَتِهِ مُسْتَقْبِلَ الْفَجْرِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ أَوَّلَهُمْ فَقَالَ: «أَيْ بِلَالُ»، فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْتَادُوا»، ثُمَّ أَنَاخَ فَتَوَضَّأَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ ثُمَّ صَلَّى مِثْلَ صَلَاتِهِ لِلْوَقْتِ» ثُمَّ قَالَ: «أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (^٤)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «حَاجَّ مُوسى آدَمَ (^٥) فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنَ الْجَنَّةِ بِذَنْبِكَ وَأَشْقَيْتَهُمْ قَالَ آدَمُ: يَا مُوسى أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ\n_________\nسورة طه ﵇\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^١) سميت بهذا لقوله تعالى فيها ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾.\n(^٢) لما قفل أي رجع النبي - ﷺ - من غزوة خيبر أسرى ليلة حتى أدركهم الكرى أي النوم أمرهم فنزلوا؛ ثم قال: يا بلال احفظ لنا الليل أي أيقظنا لصلاة الفجر، فاستند بلال إلى راحلته فنام وناموا حتى طلعت الشمس فاستيقظ النبي - ﷺ - قبلهم، فقال يا بلال كيف قولك؟ فقال: يا رسول الله أنامني الذي أنامكم، فقال: اقتادوا رواحلكم إلى مكان آخر ثم نزلوا فتوضئوا ثم صلوا سنة الفجر ثم الفريضة ثم قرأ ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ أي لتذكرني فيها.\n(^٣) بسند ضعيف ولكن تقدم في أعذار الصلاة للشيخين وأبي داود.\n(^٤) قال الله تعالى لموسى ﵇ ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ﴾ أي اخترتك ﴿لِنَفْسِي﴾ لتكون رسولا بيني وبين عبادي.\n(^٥) أي حاججه ولامه على الأكل من الشجرة وهذه المحاججة بين أرواحهما حينما كانا ببيت المقدس ينتظران النبي - ﷺ - أو في السماء الله أعلم.","vol":"4","page":177},{"text":"أَوْ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي (^١)». قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسى». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-846>سورة الأنبياء صلى الله عليهم وسلم </span>(^٣)\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَالُواْ يوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (^٤)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنهعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْوَيْلُ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يَهْوِي فِيه الْكَافَرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ».\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَعَدَ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَمْلُوكَيْنِ يَكْذِبُونَنِي وَيَخُونُونَنِي وَيَعْصونَنِي وأَشْتِمُهُمْ وَأَضْرِبُهُمْ، فَكَيْفَ أَنَا مِنْهُمْ؟ قَالَ: «يُحْسَبُ مَا خَانُوكَ وَعَصَوْكَ وَكَذَبُوكَ وَعِقَابُكَ إِيَّاهُمْ فَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كَانَ كَفَافًا لا لَكَ وَلَا عَلَيْكَ وَإنْ كَانَ عقَابُكَ إيّاهُمْ فُونَ ذُنُوبِهِمْ كَانَ فَضْلًا لَكَ وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ دُونَ ذُنُوبِهِمْ اقْتُصَّ لَهُمْ مِنْكَ الْفَضْلُ» فَتَنَحَّى الرَّجُلُ فَجَعَلَ يَبْكِي وَيَهْتِفُ (^٥) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَّا تَقْرأُ كِتَابَ اللَّهَ ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ\n_________\n(^١) أو للشك، فحج آدم موسى أي غلبه بالحجة بقوله أتلومنى على أمر كتبه الله عليّ قبل أن يخلقنى أي وإذا قدر الله على مخلوق شيئًا فلا بد من وقوعه.\n(^٢) ولكن البخاري هنا ومسلم في القدر وتقدم هذا في الإيمان بالقدر والله أعلى وأعلم.\n\nسورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^٣) سميت بهذا لذكر طائفة من الأنبياء فيها كإبراهيم وداود وسليمان ﵈.\n(^٤) ﴿قَالُوا﴾ أي الكفار في الآخرة ﴿يَاوَيْلَنَا﴾ يا هلاكنا أو هو واد شديد العذاب ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ لأنفسنا بالكفر.\n(^٥) اقتص لهم منك الفضل: أي القدر الزائد، ويهتف بربه أي بدعوه بالعفو عنه =","vol":"4","page":178},{"text":"الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (^١)﴾»، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلِهؤُلَاءِ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ مُفَارِقَتِهِمْ أُشْهِدُكُمْ أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ كُلُّهُمْ. رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٢). وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-847>سورة الحج </span>(^٣)\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثَ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَعِنْدَهُ (^٤) يَشِيبُ الصَّغِيرُ ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيُّنَا ذلِكَ الْوَاحِدُ؟ قَالَ: «أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا (^٥)»، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَكَبَّرْنَا (^٦)، فَقَالَ: «أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: «أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ\n_________\n(^١) ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ ذوات العدل ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي فيه ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ بنقص حسنة أو بزيادة سيئة ﴿وَإِنْ كَانَ﴾ العمل ﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ أي زنتها ﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾ في ميزانه ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ عالمين بكل شيء.\n(^٢) بسندين غريبين. نسأل الله حسن التوفيق.\n\nسورة الحج\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^٣) سميت بهذا لقول الله تعالى فيها لإبراهيم ﵇ ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ أي مشاة ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ بعير مهزول ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ طريق بعيد.\n(^٤) أي يوم القيامة.\n(^٥) فإن منكم رجلا أي من المسلمين من كل أمة والباقي الكفار وهم بعث النار وفي رواية من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد.\n(^٦) فرحا بذلك.","vol":"4","page":179},{"text":"أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: «مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلا كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ (^١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٢) وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: «مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ فَبَئُسَ الْقَوْمُ حَتَّى مَا أَبْدَوْا بِضَاحِكَةٍ» فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الَّذِي بِأَصْحَابِهِ قَالَ: «اعْمَلُوا وَأَبْشِرُوا فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لَمَعَ خَلِيقَتَيْنِ مَا كَانَتَا مَعَ شَيْءٍ إِلا كَثَّرَتَاهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَمَنْ مَاتَ مِنْ بَنِي آدَمَ وَبَنِي إِبْلِيسَ» فَسُرِّيَ عَنِ الْقَوْمِ بَعْضُ الَّذِي يَجِدُونَ فَقَالَ: «اعْمَلُوا وَأَبْشِرُوا فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلا كَالشَّامَةِ فِي جَنْبِ الْبَعِيرِ أَوح كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ\nالدَّابَّةِ (^٣)».\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآُخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (^٤)﴾.\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ الْمَدِينَةَ فَإِنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلَامًا وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ قَالَ هذَا دِينٌ صَالِحٌ وَإِنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ قَالَ هذَا دِينُ سَوْءٍ (^٥). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) فلا خوف على مؤمني الأمة المحمدية فإن بعث النار من غيرها، فضلا عن هذا فإنهم نصف أهل الجنة.\n(^٢) ولكن البخاري في بدء الخلق ومسلم في الإيمان والترمذي هنا.\n(^٣) فبئس القوم: من البؤس والحزن، ويأجوج ومأجوج بيان لخليقتين، ومن مات من بني آدم أي كافرًا أي لا تحزنوا فأهل النار من غيركم كثيرون كيأجوج ومأجوج والكفار من الإنس والجن والشياطين، فسرّى عن القوم أي زال حزنهم، وسبق بيان الشامة والرقمة في سورة الإسراء.\n(^٤) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ شك في عبادته كمن هو على حرف جبل لا ثبات له ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾ في نفسه وأهله وماله ﴿اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ رضي به ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ بلاء في أي شيء ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ رجع إلى كفره ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.\n(^٥) ظاهره أن هذا في بعض مهاجرى الأعراب، وقال بعضهم. هذا في المنافق إن صلحت دنياه أقام على عبادته أي ظاهرًا وإلا تركها وعاد لأصله، وعلى كل فالآية تذم من كان هذا وصفه والمطلوب التمسك بالدين والرضا بحكم الله تعالى في كل حال.","vol":"4","page":180},{"text":"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (^١)﴾.\nكَانَ أَبُو ذَرَ يُقْسِمُ إِنَّ هذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ وَصَاحِبَيْهِ وَعُتْبَةَ وَصَاحِبَيْهِ يَوْمَ بَرَزُوا فِي يَوْمِ بَدْرٍ (^٢).\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُوَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^٣)، قَالَ قَيْسٌ: وَفيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ وَعُبيْدَة، وَشَيْبَةَ بْنُ رَبِيعَةَ وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا سُمِّيَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ\nجَبَّارٌ (^٤)».\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَمَّا أُخْرِجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ\n_________\n(^١) ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ تثنية خصم وهو يقال للواحد والجمع والمراد هنا جماعة المؤمنين وهم على وصاحباه. وجماعة الكافرين وهم شيبة وصاحباه ﴿اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ في دينه كل خصم يمدح دينه ويقدح في دين الآخر ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ يلبسونها فيها ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ الماء البالغ نهاية الحرار ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ يذاب بسببه ما في بطونهم من شحوم وغيرها ﴿وَالْجُلُودُ﴾ تشوي به ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ يضربون بها على رءوسهم نعوذ بالله من ذلك.\n(^٢) حمزة وصاحباه وهما على بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث بن عمه وعتبة وصاحباه هما شيبة والوليد ففى يوم بدر اصطف الجيشان فبرز عتبة وطلب واحدًا من المسلمين فخرج له حمزة - ﵁ - ثم برز شيبة فخرج له عبيدة، ثم برز الوليد فخرج له علي - ﵁ - فقتل المسلمون من برزوا لهم من الكفار إلا عبيدة - ﵁ - فإنه اختلف مع شيبة بضربتين فوقعت الضربة في ركبته فمال حمزة وعلى إليه فأعانه على قتل شيبة ولكنه استشهد من أثر تلك الضربة وهم راجعون - ﵃ -.\n(^٣) أنا أول من يجثو أي يجلس على ركبتيه يوم القيامة بين يدي ربي لطلب الخصومة مع هؤلاء الكفرة. وكفاهم توعدات الآية القرآنية.\n(^٤) فالعتيق في قوله تعالى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ القاهر لكل جبار لأن الله أعتقه من غلبتهم له ومعناه القديم أيضًا لأنه أول بيت وضع للناس.","vol":"4","page":181},{"text":"لَيَهْلِكُنَّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (^١)﴾ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ﴾، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ سَيَكُونُ. رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٢). وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-848>سورة المؤمنون </span>(^٣)\nمكية وهي مائة وثمان عشرة آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ (^٤)﴾ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (^٥)﴾ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (^٦)﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (^٧)﴾ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (^٨)﴾ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\nقَالَ عُمَرُ ﵁: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيِّ النَّحْل فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ يَوْمًا فَمَكَثْنَا سَاَعةَ فَسُرِّيَ عَنْهُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ زِدْنَا\n_________\n(^١) فلما أخرج الكفار النبي - ﷺ - وأصحابه من مكة، قال أبو بكر: حيث أخرجوا نبيهم فلا بد من هلاكهم فنزلت الآيتان تخبران بأن المسلمين ظلموا وأن الله قادر على نصرهم، فقال أبو بكر: قد علمت أن المسلمين سينصرون وقد كان ذلك.\n(^٢) الأول بسند صحيح والثاني بسند حسن.\n\nسورة المؤمنين\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^٣) سميت بهذا لبدئها بقول الله تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.\n(^٤) اللغو هو ما لا فائدة فيه الدنيا والآخرة.\n(^٥) يؤدونها لمستحقيها.\n(^٦) ما ملكت أيمانهم من السراري والإماء.\n(^٧) فمن طلب غير الحلال فهو العادي والتجاوز للحد الشرعي.\n(^٨) والذين هم يحافظون على الأمانات والعهود للخلق ولله تعالى.","vol":"4","page":182},{"text":"وَلَا تَنْقُصْنَا وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا وَآثِرْنَا وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا (^١) وَأَرْضِنَا وَارْضَ عَنَّا. ثُمَّ قَالَ ﷺ: أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى خَتَمَ عَشْرَ آيَاتٍ (^٢).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ وَكَانَ ابْنُهَا الْحارِثُ أُصِيبَ يَوْمَ بَدْرٍ بِسَهْمٍ\nغَرْبٍ (^٣) فَقَالَتْ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَارِثَةَ لَئِنْ كَانَ أَصَابَ خَيْرًا احْتَسَبْتُ وَصَبَرْتُ وَإِلا اجْتَهَدْتُ فِي الدُّعَاءِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جَنَّةٌ فِي جَنَّةٍ وَإِنَّ ابْنَكِ أَصابَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى (^٤)، وَالْفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُهَا وَأَفْضَلُهَا». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ وَلَا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا (^٦) وَإنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ» فَقَالَ: ﴿يأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُواْ صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وَقَالَ: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ (^٧)﴾، قَالَ: وَذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبُّ يَا رَبُّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذلِكَ (^٨). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ (^٩).\nقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ\nوَجِلَةٌ (^١٠)﴾ قُلْتُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ\n_________\n(^١) وآثرنا: راعنا بفضلك أولا ولا تؤثر غيرنا علينا.\n(^٢) من أقامهن أي عمل بهن دخل الجنة من غير عذاب.\n(^٣) أي حاد لا يعلم من رماه فاستشهد إلى رحمة الله تعالى.\n(^٤) أي قسمته الجنة المالية.\n(^٥) بسندين صحيحين.\n(^٦) إن الله طيب أي منزه عن النقائص لا يقبل إلا طيبًا أي حلالا من الأموال وخالصا من الأعمال.\n(^٧) فشرط قبول العمل أكل الحلال، والآيتان بيان الأمر المؤمنين بما أمر به المرسلين.\n(^٨) وذكر أي النبي - ﷺ - الرجل أي الشخص يتجول شرقا وغربا وهو أشعث أغبر وسخ ومنتشر شعره منهمك في طاعة الله والتضرع إليه ولكن طعامه وشرابه ولباسه وتغذيته حرام فكيف يستجاب لذلك أي فلا يستجاب له.\n(^٩) ولكن الترمذي في تفسير البقرة.\n(^١٠) فالذين يؤتون ما آتوا هم الصالحون الخاشعون الخائفون من ربهم.","vol":"4","page":183},{"text":"ولكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَلا يُقْبَلَ مِنْهُمُ ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيد الْخدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (^١)﴾، قَالَ: «تَشْوِيهِ النَّارُ فَتَقَلَّصُ شَفَتُهُ الْعالِيَةُ حَتَّى تَبْلُغَ وَسْطَ رَأْسِهِ وَتَسْتَرْخِي شَفَتُهُ السُّفْلَى حَتَّى تَضْرِبَ سُرَّتَهُ». رَوَاهُما التِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-849>سورة النور </span>(^٣)\nمدنية وهي ثنْتَانِ أو أربع وستون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ مَرْثَدِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ ﵁ قَالَ: كَانتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ بِمَكَّةَ يُقَالُ لَهَا عَنَاقُ وَكَانَتْ صَدِيقَةً لِي فَقَابَلَتْنِي بِمَكَّةَ (^٤) لِيْلَةً فَقَالَتْ: هَلُمَّ فَبِتْ عِنْدَنَا اللَّيْلَةَ، فَقُلْتُ: يَا عَنَاقُ حَرَّمَ اللَّهُ الزِّنَا، فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْكِحُ عَنَاقًا فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (^٥)﴾.\n_________\n(^١) فالكلوح من شوي النار: انسلاخ الشفة العليا حتى تصل إلى وسط رأسه، وانسلاخ الشفة السفلى حتى تصل إلى سرته فيكون منظره من أفظع المناظر.\n(^٢) الأول مسكوت عنه والثاني بسند صحيح.\n\nسورة النور\nبسم الله الرحمن الرحيم\nكتب عمر - ﵁ - إلى الكوفة: علموا نساءكم سورة النور، وقالت عائشة: لا تنزلوا النساء في الغرف ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن سورة النور والغزل لما في سورة النور من كثير الآداب.\n(^٣) سميت بهذا لقول الله تعالى فيها ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.\n(^٤) مرثد كمسكن، كان رجلا يذهب لمكة خفية فيحمل الأسرى فينقلهم للمدينة، بغى: زانية، هلم أي تعال.\n(^٥) ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ﴾ لا يتزوج ﴿إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ فلا يرغب فيهما إلا الزاني، ﴿والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك﴾ فلا يرغب فيها إلا واحد من هذين ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ لما فيه =","vol":"4","page":184},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا مَرْثَدُ لَا تَنْكِحْهَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيّة قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ (^٢)، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الْبَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ (^٣)»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «الْبَيِّنَةَ وَإِلا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ»، فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبْرَئُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (^٤)﴾ فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ ﷺ: يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ»؟ ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا وَقَالُوا إِنَّهَا مُوجِبَةٌ فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرجِعُ (^٥) ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ فمَضَتْ، فَقَالَ ﷺ: «أَبْصرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَينِ سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكَ بْنِ سَحْمَاءَ» فَجَاءَتْ بِهِ كَذلِكَ (^٦)؟.\nفَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:\n_________\n= من الطعن والتعرض للتهم والواجب التزوج بالعفيفات لحديث \"تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس\" وقيل هذا نسخ بقوله تعالى بعدها: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾.\n(^١) أي مطولا بسند حسن.\n(^٢) قذف زوجته وهي خولة بنت عاصم أي بالزنا بشريك بن سحماء وهذا اسم أمه.\n(^٣) أي أحضر البينة أو عليك حد القذف في ظهرك.\n(^٤) أي يقول: أشهد بالله إنني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة من الزنا، ثم يقول في المرة الخامسة: عليه لعنة الله إن كان من المكذبين.\n(^٥) قوله: فشهدت، أي أربع مرات إنه لمن الكاذبين، فلما كانت عند القولة الخامسة أوقفوها وذكروها أنها موجبة أي للعذاب الأليم فتلكأت ونكصت أي وقفت متحيرة ثم مضت في المرة الخامسة، وهي عليها غضب الله إن كان من الصادقين.\n(^٦) أبصروها أي خولة هذه فإن جاءت به أي الولد الذي في بطنها سابغ الأليتين أي عظيمهما خدلج الساقين غليظهما فهو لشريك صاحبها، فجاء الولد على هذا الوصف فقال - ﷺ -: لولا ما مضى من كتاب الله بأمره باللعان لكان لي ولها شأن بإقامة الحد عليها.","vol":"4","page":185},{"text":"«لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ». زَادَ فِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ قَضَى بِالْولَدِ لِلْمَرْأَةِ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ (^١) ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي الْمِيرَاثِ أَنْ يَرِثَهَا وَتَرِثَ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَآءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (^٢)﴾.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ (^٣) فَأَيَّتَهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا (^٤) فَخَرَجَ سَهْمِي فَخَرَجْتُ مَعَهُ بَعْدَ مَا نَزَلَ الْحِجَابُ فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلكَ وَقَفَلَ (^٥) وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ (^٦) فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ قَدِ انْقَطَعَ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي وَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ (^٧) فَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي وَهُمْ\n_________\n(^١) وتقدم هذا وافيًا في اللعان من كتاب النكاح.\n(^٢) ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ أسوأ الكذب على عائشة بالزنا ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ جماعة من المؤمنين وهم حسان بن ثابت ومسطح وحمنة بنت جحش ورأسهم عبد الله بن أبي ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾ الخطاب للنبي - ﷺ - وأبي بكر وعائشة وصفوان ﴿شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يأجركم الله عليه وتظهر براءة عائشة وفضل أبيها في قرآن يتلى ما دام الليل والنهار ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ أي جزاء ما افتراه في الدنيا بحد القذف الذي أقيم عليهم ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في الآخرة بالنار الخالدة وهو عبد الله بن أبيّ بن سلول كما قالت عائشة فإنه هلك على كفره.\n(^٣) يخرج أي لسفر.\n(^٤) هي غزوة بني المصطلق وستأتي في الجهاد.\n(^٥) رجع.\n(^٦) أي وقضيت حاجتي.\n(^٧) أخرني عن الرجوع بسرعة البحث عليه.","vol":"4","page":186},{"text":"يَحْسَبُونَ أَنِّي فِيهِ وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يُثْقِلْهُنَّ اللَّحْمُ إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ (^١) فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ (^٢) فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٍ (^٣) فَأَقمْتُ مَنْزِلِي (^٤) الَّذِي كُنْتُ بِهِ وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ. فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ (^٥) فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي. فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي. وَاللَّهِ مَا كَلَّمَنِي كَلِمَةً وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ (^٦) حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا فَرَكِبْتُهَا فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَمَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ (^٧) فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ (^٨) وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الْإِفْكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبَيَ ابْنَ\nسَلُول (^٩) فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ شَهْرًا (^١٠) وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الْإِفْكِ لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذلِكَ وَيَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَرَى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي (^١١) إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ:\n_________\n(^١) فكانت النسوة حين ذاك خفيفات الجسم لأكلهن العلقة أي القليل من الطعام، والمراد إظهار عذر من حملوا هودجها.\n(^٢) بعد أن سار.\n(^٣) ليس بها أحد.\n(^٤) أي قصدت مكاني الذي كنت به.\n(^٥) فصفوان هذا كان يتأخر عن الجيش حتى يسير ثم ينظر مكانه فإن رأى شيئًا ضل أو سقط منهم أخذه وأدرك الجيش.\n(^٦) بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون.\n(^٧) فوطئ على يدها: وضع رجله على ركعة الراحلة فركبتها وقادها. حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة: أي في شدة الحر والشمس في نهاية ارتفاعها.\n(^٨) تسببوا في هلاكهم من قالوا بالإفك والقذف.\n(^٩) ابن سلول صفة ثانية لأنه اسم أمه.\n(^١٠) مرضت شهرا.\n(^١١) ولكن دخلني وهم من عدم ملاطفة النبي - ﷺ - لي وأنا مريضة كعادته.","vol":"4","page":187},{"text":"«كَيْفَ تِيكُمْ (^١)» ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَ مَا نَقَهْتُ فَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ وَهُوَ\nمُتَبَرَّزُنَا (^٢) وَكُنَا لَا نَخْرُجُ إِلا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ وَذلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي التَّبَرُّزِ قِبَلَ الْغَائِطِ (^٣) فَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحِ ابْنِ أُثَاثَةَ وَهِيَ بِنْتُ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَأُمُّهَا خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ (^٤) فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي وَقَدْ فرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا، قَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهُ (^٥) أَوَ لَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قُلْتُ: وَمَا قَالَ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ فَزْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَ رضي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: «كَيْفَ تِيكُمْ» فَقُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ، قَالَتْ: وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِجِئْتُ أَبَوَيَّ فَقُلْتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّتَاهُ مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرُ إِلا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا (^٦)، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَلَقَد تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهذَا؟ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ\n_________\n(^١) كيف تيكم إشارة للأنثى أي كيف هذه المريضة؟ فتجيبه أم عائشة واسمها أم رومان كانت تمرضها في بيت النبي - ﷺ -.\n(^٢) فكان تبرزهم أي قضاء حاجتهم في مكان خارج المدينة اسمه المناصع.\n(^٣) وعادتنا كالعرب الأول في التبرز خارج البلدة.\n(^٤) أم مسطح اسمها سلمى بنت أنيس بن عبد المطلب بن عبد مناف.\n(^٥) عثرت في مرطها أي كسائها، فقالت: تعس مسطح أي هلك غضبًا عليه من خوضه مع الخائضين، فردت عليها عائشة، فقالت أم مسطح: أي هنتاه أي يا هذه أما سمعت ما قال؟ فأخبرتها فزاد مرضها فاستأذنت النبي - ﷺ - في الذهاب لأبويها ثم ذهبت لهما.\n(^٦) وضيئة: حسنة جميلة، وكثرن عليها أي من القول حقًّا وباطلا وهذا شأن الضرائر وإلا فأمهات المؤمنين لم يقع منهن شيء وإن وقع من بعض قرباهن تشيعًا لهن.","vol":"4","page":188},{"text":"لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ (^١) حَتَّى أَصْبَحْتُ أَبْكِي، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْتَأْمِرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ (^٢) فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْوُدِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهْلَكَ وَمَا نَعْلَمُ إِلا خَيْرًا (^٣)، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ (^٤) وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرِبَرَةَ فَقَالَ: «أَيْ بَرِيرَةُ هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟» قَالَتْ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَديثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ (^٥) فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ فَقَالَ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَتِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي (^٦) فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلا خَيْرًا وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا (^٧) مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلا خَيْرًا وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلا مَعِي»، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ (^٨) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ إِنْ كَانَ مِنَ الْأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ\n_________\n(^١) أي لم ينقطع دمعي ولم أذق نومًا.\n(^٢) استلبث الوحي: تأخر نزوله، يستأمرها أي يستشيرها في أمر عائشة.\n(^٣) في نفسه أي النبي - ﷺ - من محبته لعائشة، فقال: يا رسول الله: أمسك أهلك أو هم أهلك العفيفات وما نعلم فيهن والله إلا كل خير.\n(^٤) لم يقل عليّ هذا كراهة في عائشة أو كراهة في سلوكها وإنما أراد التفريج عن النبي - ﷺ - مما اعتراه من الهم والقلق ولذا أحاله على جاريتها فإنها أعلم بها ولا تقول فيها إلا خيرا.\n(^٥) هل رأيت شيئًا يريبك من قول أهل الإفك؟ قالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق إن - أي ما - رأيت عليها أمرا أغمصه أعيبه عليها إلا أنها أنثى صغيرة تنام عن العجين فتأتي الداجن أي الشاة التي في البيت فتأكله، فهذا عيبها إن كان عيبا، وبريرة هذه كانت تخدم عائشة فقط وتنتفع منها ثم اشترتها وأعتقها بعد ذلك وبقيت عندها تخدمها.\n(^٦) من يعذرني أي يقيم عذري وينصرني من رجل هو ابن سلول، بلغني أذاه أي طعنه في أهلى.\n(^٧) ذكروا رجلا أي بالسوء وهو صفوان.\n(^٨) هو سيد الأوس - ﵃ -.","vol":"4","page":189},{"text":"فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ (^١) وَكَانَ قَبْلَ ذلِكَ رَجُلًا صَالِحًا وَلكِنِ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَقَالَ لِسَعْدٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقَتُلَنَّهُ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ (^٢) فَتَثَاوَرَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَلَمْ يَزَلْ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا\nوَسَكَتَ (^٣) قَالَتْ: فَبَكَيْتُ يَوْمِي ذلِكَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ فَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا وَهُمَا يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكاءَ فَالِقٌ كَبِدِي. فَبَيْنَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ كَذلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِبلَ قَبْلهَا وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحى إِلَيْهِ في شَأْنِي قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا (^٤) فَإِنْ كُنْتِ بِرَيئَةً فَسَيُبَرِّئكِ اللَّهُ. وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ إِلَى اللَّهِ تَابَ عَلَيْهِ (^٥)» قَالَتْ: فَلَمَّا قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً (^٦) فَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا قَالَ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ لِأُمِّي:\n_________\n(^١) هو سيد الخزرج - ﵃ -.\n(^٢) فسعد بن عبادة لما سمع قول سعد بن معاذ غلبته الحمية والأنفة إذ تولى سعد بن معاذ نصر النبي - ﷺ - ويريد أن يتولى ذلك هو، فرد عليه بما قال؛ فقام ابن عم سعد بن معاذ وهو أسيد بن حضير فرد على سعد بن عبادة انتصارا لابن عمه.\n(^٣) وانصرف النبي - ﷺ - إلى بيته.\n(^٤) كناية عن قول أهل الإفك.\n(^٥) ألممت بذنب أي وقعت فيه بخلاف عادتك فاستغفري الله وتوبي إلى الله فإن الله يقبل توبة من أناب إليه.\n(^٦) قلص دمعي أي انقطع لأن الحزن إذا اشتد فقد الدمع لشدة حرارة المصيبة.","vol":"4","page":190},{"text":"أُجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: مَا أَدْرِي ما أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: فَقُلْتُ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ: إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمُ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَقْتُمْ بِهِ فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي بِذلِكَ وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي (^١) وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لَكُمْ مَثَلًا إِلا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ قَالَ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ (^٢) وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ، قَالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى\nفِرَاشِي (^٣) وَأَنَا أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَلكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي أَحْقَرُ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى وَلكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (^٤) وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِن أَهْلِ الْبَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ فِي يَوْمٍ شَاتٍ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي يُنْزَلُ عَلَيْهِ (^٥) فَلَمَّا سُرِّي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلموَهُوَ يَضْحكُ فَكَانَ أَوَّلُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا: «يَا عَائِشَةُ أَمَّا اللَّهُ ﷿ فَقَدْ بَرَّأَكِ» فَقَالتْ أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ (^٦)، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ وَلَا أَحْمَدُ إِلا اللَّهَ ﷿ فَأَنْزَلَ اللَّهُ:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ جَآءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ الْعَشْرَ الآيَاتِ كُلَّهَا (^٧) فَلَمَّا أَنْزَلَ\n_________\n(^١) أي إن قلت إلى كما قالوا لتصدقني.\n(^٢) الصبر الجميل هو الذي لا شكوى معه.\n(^٣) ثم تحولت عنهم وتوجهت للحائط ونمت على الفراش لاجئة لربي فقط.\n(^٤) أي ما فارق مجلسه.\n(^٥) فأخذه من البرحاء: شدة الوحي حتى إنه ليتساقط عرقه مثل الجمان أي الدر مع أننا في الشتاء، فلما سرى أي كشف عن رسول الله - ﷺ - وصعد الوحي وهو يضحك كان أول ما قال: يا عائشة أما الله فقد برأك.\n(^٦) إلى النبي - ﷺ - فاجلسي بجواره على بشارته لك، فقالت: والله لا أقوم إليه دلالا منها على النبي - ﷺ - حيث لم يكذب ما سمعه فيها اكتفاء بأخلاقها وتقواها.\n(^٧) قال بعضهم: الصواب أنها اثنتا عشرة آية أي بما نزل في أبي بكر - ﵁ - إلى غفور رحيم.","vol":"4","page":191},{"text":"اللَّهُ تَعَالَى هذَا فِي بَرَاءَتِي قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَمَا قَالَ فِي عَائِشَةَ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ (^١) فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُواْ أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (^٢)﴾. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُ زَيْنَبَ ابْنَةَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي فَقَالَ: «يَا زَيْنَبُ مَاذَا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيْتِ؟» قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي مَا عَلِمْتُ إِلا خَيْرًا، قَالَتْ: وَهِيَ الَّتِي كَانتْ تُسَامِينِي (^٣) مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ وَطَفِقَتْ أُخْتَهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْإِفْكِ (^٤) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥).\nوَعَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَذَكَرَ ذلِكَ وَتَلَا الْقُرْآنَ فَلَمَّا نَزَلَ أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ (^٦). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ لَمَّا نَزَلَ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ (^٧)﴾ شَقَقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا.\n_________\n(^١) لأن مسطحا ابن خالة أبي بكر - ﵄ -.\n(^٢) ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ لا يحلف ﴿أُولُو الْفَضْلِ﴾ الغني ﴿مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا﴾ على ألّا يؤتوا ﴿أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ عنهم ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n(^٣) أي تطلب من العلو والرفعة والخطوة عند النبي - ﷺ - ما أطلب أو تعتقد أن لها مثل مكانتي عند النبي - ﷺ -.\n(^٤) فأقيم عليها الحد وأثمت مع الآثمين.\n(^٥) ولكن البخاري والترمذي هنا ومسلم في التوبة.\n(^٦) الرجلان هما حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة، والمرأة هي حمنة بنت جحش تكلموا بكلام أهل الإفك فلما نزلت براءة عائشة - ﵂ - تلا رسول الله - ﷺ - آياتها على المنبر ثم أمر بإقامة حد القذف على هؤلاء ثم تابوا وصاروا من أحسن المسلمين - ﵃ -.\n(^٧) الخمر جمع خمار وهو ما تغطى به المرأة رأسها وعنقها وصدرها، والجيوب جمع جيب وهو طوق القميص وكانت عادة النساء سدل الخمر من=","vol":"4","page":192},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: أَخَذْنَ أُزْرَهُنَّ فَشَقَقْنَهَا مِنْ قِبَلِ الْحَوَاشِي فَاخْتَمَرْنَ بِهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيَ ابْنِ سَلُولَ جَارِيَتَانِ إِحْدَاهُمَا تُسَمَّى مُسَيْكَةَ وَالْأُخْرَى تُسَمَّى أُمَيْمَةَ فَكَانَ يُكْرِهُهُمَا عَلَى الزِّنَا فَشَكَتَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَآءِ﴾ الْآيَةَ (^١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-850>سورة الفرقان </span>(^٢)\nمكية وهي سبع وسبعون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (^٣)﴾.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟» قَالَ قتَادَةُ: بَلَى وَعِزَّةِ رَبَّنَا (^٤). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\n= خلف فتبقى الوجوه والأعناق والصدور بادية فأمرهم الله بستر تلك المواضع بقوله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فصارت كل امرأة تأخذ قطعة من كسائها أو إزارها فتختمر بها.\n(^١) ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾ أي إماءكم ﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾ أي الزنا ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ تعففا وهذا لأنه الواقع وإلا فالإكراه على الزنا حرام ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n\nسورة الفرقان مكية وهي سبع وسبعون آية\n(^٢) سميت بهذا لبدئها بقول الله تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾.\n(^٣) قبلها ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ في إبطال نبوتك ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الدامغ له ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أي بيانًا، فما من سؤال أوردوه عليك إلا أجبناهم بأحسن رد. هؤلاء هم كفار مكة ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ يسحبون إليها وهم مقالوبون، رءوسهم ووجوههم في الأرض وبقية أجسامهم مرفوعة ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ عقابهم في أشر الأمكنة ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أخطأ من كل الناس فإنهم رأوا النبي - ﷺ - وعاندوه وعادوه والمؤمنين.\n(^٤) تقدم هذا في سورة الإسراء.","vol":"4","page":193},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ أَوْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَكْبَرُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ\nخَلَقَكَ (^١)»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «أَنْ تَقْتُلُ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعكَ (^٢)»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «أَن تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ (^٣)»، قَالَ: وَنَزَلَتْ هذِهِ الْآيَةُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ (^٤)﴾. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﵁: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ فَرَحَلْتُ فِيهِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَقَالَ: نَزَلَتْ فِي آخِرِ مَا نَزَلَ وَلَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ قَالَ: لا تَوْبَةَ لَهُ. وَعَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ﴾ قَالَ: كَانَتْ هذِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَفِي رِوَايَةِ: كَانَتْ هذِهِ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَلَفْظُهُ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَلِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: لَا، فَتَلَوْتُ عَلَيْهِ آيَةَ الْفُرْقَانِ: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ﴾ قَالَ: هذِهِ آيةٌ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتْها آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾ الآيَةَ (^٥).\n_________\n(^١) فأعظم ذنب يرتكبه الإنسان أن يجعل لله ندا أي مثلا في الألوهية ويعبده لأن الله مالك الملك وعلى كل مخلوق توحيده وعبادته.\n(^٢) أي خوفا من الفقر وكانت عادة لبعض الكفرة في الجاهلية فنهاهم الله تعالى بقوله ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ فقر ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ والولد ليس قيدا بل كل قتل ذنب كبير.\n(^٣) ثم الزنا بحليلة أي امرأة جارك لأنه ظلم من جهتين من جهة أنه زنا ومن جهة أنه هتك لعرض الجار الذي أوصى الله ورسوله به.\n(^٤) تمام الآية ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ واحدا من الثلاثة ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ عقابا ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ فمن يفعل شيئا من هذا يخلد في أشد العذاب.\n(^٥) فآية ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ مكية نزلت بمكة لترغيب المشركين في الإسلام وأنه يغفر لهم ما مضى ثم نسختها آية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ هذا قول ابن عباس - ﵄ - فعنده أن من قتل مؤمنًا متعمدا لا توبة له ويخلد في النار، ولكن كل العملاء على خلافه لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وتقدم هذا وافيًا في سورة النساء وفي أول كتاب الحدود.","vol":"4","page":194},{"text":"قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ قَالَ أَهْلُ مَكَّةَ: قَدْ عَدَلْنَا بِاللَّهِ وقَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَأَتَيْنا الْفَوَاحِشَ (^١) فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخَانُ، وَالْقَمَرُ، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ، وَاللِّزَامُ. فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (^٢). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-851>سورة الشعراء </span>(^٣)\nمكية وهي مائة وست وعشرون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵊ يَرَى أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ الْغَبَرَةُ وَالْقَتَرَةُ (^٤)»، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَلا تُخْزِنِي\n_________\n(^١) فلما نزلت ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ قال كفار مكة: قد فعلنا هذه الأمور فما فائدة الإسلام فنزلت ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ منهم ﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ بفعل الواجبات والبعد عن المحرمات ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ يمحو السيئات ويثبت مكانها الحسنات من عمل الصالحات، ولا يبعد تبديل كل سيئة مضت بحسنة، بمجرد الدخول في الإسلام والاستقامة.\n(^٢) خمس من الآيات قد مضين أي وقعن: الدخان المذكور في قوله تعالى ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ والقمر المذكور في قوله تعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ والروم في قوله تعالى ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ والبطشة المذكورة في قوله تعالى ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ وهو قتلهم ببدر، واللزام العذاب بما وقع لهم في بدر كذا قال عبد الله وفريق، وقال آخرون: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أي سيكون العذاب ملازمًا لكم في الآخرة وهو النار الخالدة نعوذ بالله منها آمين.\n\nسورة الشعراء\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^٣) سميت بهذا لقوله تعالى فيها ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾.\n(^٤) الغبرة والقترة سواء كالدخان.","vol":"4","page":195},{"text":"يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَيَقولُ اللَّهُ: «إِنَّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ (^١)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: «لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (^٢)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَنْزلَ اللَّهُ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾، قَالَ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أَغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا (^٣)، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَلَفْظُهُ: «يَا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِنَّ لَكِ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا\nبِبِلالِها (^٤).\n_________\n(^١) فشرط إنجاز الوعد الإيمان، وأبو إبراهيم لم يؤمن، وسبق الحديث في سورة الأنعام.\n(^٢) ابن جدعان اسمه عبد الله: جواد مشهور كانت له جفنة يأكل منها القائم والراكب لعظمها، وقوله: لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي كناية عن عدم إيمانه.\n(^٣) فلما أمر الله نبيه - ﷺ - بإنذار أقاربه أولا ذهب فوقف على الصفا بجوار الحرم ثم قال: يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من النار الخالدة باعتناق الإسلام فإني لا أغني لا أدفع عنكم من عذاب الله شيئًا إن بقيتم على كفركم، ثم ترقى في القرابة فنادى بني عبد مناف ثم عمه العباس ثم عمته صفية أم الزبير ثم أنذر فاطمة ابنته أيضًا إشارة إلى أنه لا ينفع الإنسان إلا ما قدمت يداه ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.\n(^٤) ببلاها: جمع بلل وهو ما بل الخلق كماء ولبن أبي سأصلها في دنياي بما يمكنني والله أعلم.","vol":"4","page":196},{"text":"<span data-type='title' id=toc-852>سورة النمل </span>(^١)\nمكية وهي بضع وتسعون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (^٢)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَخْرُجُ الدَّابَّةُ مَعَهَا خَاتَمُ سُلَيْمَانَ وَعَصَا مُوسى فَتَجْلُو وَجْهَ الْمُؤْمِنِ وَتَخْتُمُ أَنْفَ الْكَافِرِ بِالْخَاتَمِ حَتَّى أَنَّ أَهْلَ الْخِوَانِ لَيَجْتَمِعُونَ فَيَقُولُ: هَا هَا يَا مُؤْمِنُ وَيُقَالُ: هَا هَا يَا كَافِرُ وَيَقُولُ: هذَا يَا كَافِرُ وَهذَا يَا مُؤْمِنُ (^٣)».\nرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n_________\nسورة النمل\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^١) سميت بهذا لقول الله تعالى فيها ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\n(^٢) ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ حق العذاب أن ينزل عليهم أي الكفار ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ تقول لهم بالعربية ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ أي صاروا لا يؤمنون بالقرآن وما فيه من البعث واليوم الآخر.\n(^٣) الخوان: ما يوضع عليه ألوان الطعام للأكل عليه. وها ها أي خذ هذا يا مؤمن. فإذا دنت الساعة خرجت من الحرم دابة عظيمة طولها ستون ذراعا لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب وهي الجساسة، لها أربع قوائم وريش وجناحان. وقيل في وصفها: رأس ثور، وعين خنزير، وأذن فيل، وقرن أيل، وعنق نعامة، وصدر أسد، ولون نمر، وذنب كبش، وخف بعير. وروي أن عيسى ﵇ يطوف بالبيت ومعه المسلمون إذ تضطرب الأرض وتنشق فتخرج الدابة من جهة الصفا ومعها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما الصلاة والسلام تضرب المؤمن في مسجده بالعصا فتنكت نكتة بيضاء فتفشو حتى يضيء بها وجهه، وتكتب بين عينيه مؤمن. وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه فتفشو النكتة حتى يسود بها وجهه، وتكتب بين عينيه كافر ثم تقول لهم: أنت يا فلان من أهل الجنة، وأنت يا فلان من أهل النار، وهذه الدابة من الآيات الكبرى طلوع الشمس من مغربها وحيث ظهرت إحداها فالأخرى على أثرها وبظهورها لا ينفع إيمان ولا توبة ويرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنه لا فائدة منهما، وهذه الدابة هي فصيل ناقة صالح =","vol":"4","page":197},{"text":"<span data-type='title' id=toc-853>سورة القصص </span>(^١)\nمكية وهي بضع وثمانون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ: «قُلْ لا إِلهَ إِلا اللَّهُ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ يَقُولُونَ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذلِكَ الْجَزَعُ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ (^٢)﴾. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عُثْمَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ (^٣)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْإِيمَانِ.\n_________\n= لأنه لما عقرت أمه هرب فانفتح له حجر فدخل فيه ثم انطبق عليه حتى يخرج بإذن الله تعالى الذي يحيي العظام وهي رميم. والله أعلم بما كان وما يكون.\n\nسورة القصص\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^١) سميت بهذا لاشتمالها على قصص وأخبار مروية عن الله تعالى وتسمى سورة موسى ﵇ وهذه السورة مكية إلا آية ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أي إلى مكة المكرمة فإنها نزلت بالجحفة بعد خروج النبي - ﷺ - من الغار، فاطمأن قلبه - ﷺ - وعلم أنه عائد إليها فائزا منصورا وكان كذلك، ومن هذا قال بعض العارفين ينبغي قراءة الآية عند توديع المسافر أو يقرؤها المسافر تفاؤلا بعودته سالما إن شاء الله تعالى.\n(^٢) قال لعمه أبي طالب أي وهو في حال النزع، وتقدم هذا وافيا في سورة التوبة.\n(^٣) فمن مات وهو يعتقد أنه لا إله إلا الله كان من أهل الجنة ولو عوقب على ترك واجب أو فعل محرم فمآله إلى الجنة إن شاء الله. ففيه أن أبا طالب ناج لأنه كان يعتقد التوحيد وعقابه سيكون على ترك النطق كما تقدم، نسأل الله أن يعمنا برحمته وإحسانه والله أعلى وأعلم.","vol":"4","page":198},{"text":"<span data-type='title' id=toc-854>سورة العنكبوت </span>(^١)\nمكية وهي تسع وتسعون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أُنْزِلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَات فَذَكَرَ قِصَّةً فَقَالَتْ أُمُّ سَعْدٍ: أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالْبِرِّ وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُ طَعَامًا وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَمُوتَ أَوْ تَكْفُرَ، قَالَ: فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُطْعِمُوهَا شَجَرُوا فَاهَا فَنَزَلَتِ الْآيَةُ: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَآ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (^٢)﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الْفَضَائِلِ.\n\n• عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ﵂ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قَالَ: «كَانُوا يَحْذِفونَ أَهْلَ الْأَرْضِ وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤).\n_________\nسورة العنكبوت\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^١) سميت بهذا لقول الله تعالى فيها ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.\n(^٢) فسعد بن أبي وقاص - ﵁ - لما أسلم كرهت أمه إسلامه وصارت تحثه على الرجوع لدينه فما كان يعبأ بها فخلفت لا تتناول شيئًا حتى تموت أو يكفر سعد بدين محمد - ﷺ - فكانوا يشجرون فمها (يفتحونه بقوة) ويدخلون الطعام فيه وسعد مغتبط بدينه متغلغل فيه فنزلت الآيات ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ إيصاء ذا حسن ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n(^٣) فالمنكر في الآية في حق قوم لوط هو السخرية بالناس ورميهم بالحصى. قيل كانوا يجلسون على الطريق وبجوار كل منهم إناء فيه حصى فإذا مر عليهم إنسان حذفوه فمن أصابه منهم فهو أولى أن يفحش به ويغرمه ثلاثة دراهم وكان لهم قاض بهذا ولم يؤمنوا بلوط ولم يرجعوا عن ظلمهم حتى أنزل الله عليهم العذاب فأبادهم وخرب ديارهم. قال تعالى ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾.\n(^٤) بسند حسن.","vol":"4","page":199},{"text":"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُجَادِلُواْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (^١)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَؤونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالله وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا» الآيَةَ (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الاِعْتِصَامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-855>سورة الروم </span>(^٣)\nمكية وهي ستون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ يَنَّارِ بْنِ مُكْرَمٍ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ (^٤)﴾ فَكَانَتْ فَارِسُ حِينَئِذٍ قَاهِرينَ لِلرُّومِ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُمْ عَلَى فارِسَ لِأَنَّهُمْ وَإِيَّاهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ وَذلِكَ قوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ وَكَانَتْ\n_________\n(^١) تمام الآية ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ وقوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ بأن امتنعوا عن الجزية فجادلوهم وحاربوهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.\n(^٢) سبق هذا الحديث في سورة البقرة.\n\nسورة الروم\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^٣) سميت بهذا لذكر الروم فيها. والروم أمة من الناس جدهم روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم ﵈ سمي عيصو لأنه كان مع أخيه يعقوب في بطن فعند خروجهما تزاحما وأراد كل أن يخرج قبل أخيه فقال عيصو: إن لم أخرج قبلك وإلا خرجت من الجنب، فتأخر يعقوب شفقة على أمه فلذا كان أبا الأنبياء وكان عيصو أبا الجبارين.\n(^٤) ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ وهم أهل كتاب غلبتها فارس وهم عباد الأوثان ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ التقى الجيشان ببصرى أدنى الشام إلى أرض العرب والعجم فغلبت فارس الروم ففرح كفار مكة وقالوا للمسلمين: سنغلبكم كما غلبت فارس الروم ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ والروم بعد غلبتهم هذه سيغلبون فارس في بضع سنين، فالتقى الجيشان في السنة السابعة وغلبت الروم فارس كما وعد الله تعالى.","vol":"4","page":200},{"text":"قُرَيْشٌ تُحِبُّ ظهُورَ فَارِسَ لِأَنَّهُمْ وَإِيَّاهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ وَلَا إِيمَانٍ بِبَعْثٍ فَلَمَّا نَزَلَتِ الآيَةُ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَصِيحُ فِي نَوَاحِي مَكَّةَ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ الآيَةَ قَالَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِأَبِي بَكْرٍ: فَذلِكَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ زَعَمَ صَاحِبُكُمْ أَنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ فَارِسَ فِي بِضْعِ سَنِينَ أَفَلَا نُرَاهِنُكَ عَلَى ذلِكَ؟ قَالَ: بَلَى وَذلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّهَانِ فَارْتَهَنَ أَبُو بَكْرٍ وَالْمُشْرِكُونَ وَتَوَاضَعُوا الرِّهَانَ وَقَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ: كَمْ نَجْعَلُ الْبِضْعَ ثَلَاثَ سِنِينَ إِلَى تِسْعِ سَنِينَ فَسَمِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ وَسَطًا نَنْتَهِي إِلَيْهِ قَالَ: فَسَمَّوْا بَيْنَهُمْ سِتَّ سِنِينَ فَمَضَتْ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ الرُّومُ فَأَخَذَ الْمُشْرِكُونَ رَهْنَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمَّا دَخَلَتِ السَّنَةُ السَّابِعَةُ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ (^١) فَعابَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْمِيَةَ سِتِّ سِنِينَ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ قَالَ: وَأَسْلَمَ عِنْدَ ذلِكَ نَاسٌ كَثِيرٌ.\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْبِضْعَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ». رَوَاهُما\nالتِّرْمِذِيُّ (^٢). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنْصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ (^٣)». ثُمَّ يَقُولُ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) فلما صاح أبو بكر بالآية قال المشركون له: زعم محمد أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين فهل تقامروننا وتراهنوننا على هذا؟ قال أبو بكر: نعم، وهذا قبل تحريم الرهان؛ فاتفق أبيّ بن خلف مع أبي بكر على كل منهما مائة ناقة إن غلبت فارس أخذها أبيّ وإن غلبت الروم أخذها أبو بكر فجعلوا الأجل ست سنين فمضت ولم يقع بينهما حرب فأخذ أبي الرهان؛ وفي السنة السابعة تحاربوا وغلبت الروم فارس ووافق هذا غزوة بدر فأخذ المائتين أبو بكر وكان القمار قد حرم فأمره النبي - ﷺ - أن يتصدق بها فعل أبو بكر - ﵁ -.\n(^٢) الأول بسند صحيح والثاني بسند غريب.\n(^٣) فكل مولود يولد على الفطرة - الدين الحنيف - إلا أن أبويه يهودانه يجعلانه يهوديًا أو ينصرانه بالنصرانية أو يمجسانه بالمجوسية وسبق الحديث في الإيمان بالقدر، نسأل الله كامل الإيمان آمين.","vol":"4","page":201},{"text":"<span data-type='title' id=toc-856>سورة لقمان </span>(^١)\nمكية وهي أربع وثلاثون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الْقَيْنَاتِ وَلَا تَشْتَرُوهُنَّ وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ وَلَا خَيْرَ فِي تِجَارَةٍ فِيهِنَّ وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ فِي مِثْلِ ذلِكَ» أُنْزِلَتْ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ (^٢)﴾ الآية. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شَقَّ ذلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ فَقَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّهُ لَيْسَ بِذَاكَ أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (^٤)».\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلَيمٌ\nخَبِيرٌ (^٥)﴾. رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\n_________\nسورة لقمان\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^١) سميت بهذا لذكر لقمان فيها ﵁، والسورة مكية كلها إلا آيتين ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام﴾ إلى ﴿سميع بصير﴾.\n(^٢) القينات الإماء المغنيات فلا يجوز شراؤهن ولا بيعهن وثمنهن حرام إن كان للغناء لأنه لهو مذموم بقوله تعالى ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ ما يلهي منه عما ينفع كالأضاحيك والخرافات والمعاني والمزامير ﴿ليضل عن سبيل الله﴾ طريق الإسلام ﴿بغير علم ويتخذها هزوا﴾ أي يهزأ بالآيات ﴿أولئك لهم عذاب مهين﴾.\n(^٣) بسند غريب.\n(^٤) الحديث تقدم في سورة الأنعام. والظلم في الآية هو الشرك جليًا أو خفيًّا لقول لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾.\n(^٥) مفاتيح الغيب خمس أي الأمور التي استأثر الله بعلمها خمس مذكورة في قوله تعالى ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ متى تأتي ﴿وينزل الغيث﴾ المطر في وقت يعلمه ﴿ويعلم ما في الأرحام﴾ هل هو ذكر أو أنثى ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا﴾ =","vol":"4","page":202},{"text":"<span data-type='title' id=toc-857>سورة السجدة </span>(^١)\nمكية وهي ثلاثون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ هذِهِ الآيَةَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ نَزَلَتْ فِي انْتِظَارِ هذِهِ الصَّلاةِ الَّتِي تُدْعَى العَتْمَةَ (^٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ذُخْرًا بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ (^٣)»، ثمَّ قَرَأَ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n=من خير أو شر ﴿ما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير﴾ عليم بكل شيء خبير بباطنه كظاهره. وسبب نزول هذه الآية أن الحارث بن عمرو قال للنبي - ﷺ -. متى الساعة، وأنا قد ألقيت الحب في الأرض فمتى تمطر السماء، وامرأتي حامل فهل حملها ذكر أو أنثى. وأي شيء أعمله غدًا، ولقد علمت بأي أرض ولدت فبأي أرض أموت؟ فنزلت الآية.\n\nسورة السجدة\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^١) سميت بهذا الذكر سجدة التلاوة فيها في قوله تعالى ﴿إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون﴾.\n(^٢) فهذه الآية ﴿تتجافى جنوبهم﴾ ترتفع ﴿عن المضاجع﴾ مواضع النوم ﴿يدعون ربهم خوفا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقون﴾ نزلت فيمن ينتظرون صلاة العشاء جماعة لمشقة الانتظار. وأولى من يجهدون أنفسهم ويقومون لصلاة الفجر جماعة فإنها صلاة مشهودة لقوله تعالى ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾.\n(^٣) ذخرًا منصوب بأعددت أي أعددت لعبادي الصالحين في الجنة نعيما عظيما ما رأته عين ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر وجملته مذخورا لهم هناك، بله ما أطلعتم عليه أي اتركوا ما رأيتموه في الدنيا فليس بشيء بجنب ما في الآخرة لقوله تعالى ﴿فلا تعلم نفس﴾ أي مخلوق ﴿ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ وقيل هذا ترغيب في صلاة الليل فإنها ترضى الرب وتنور القلب. وفي الحديث: ما زال جبريل يوصيني بقيام الليل حتى علمت أن خيار أمتي لا ينامون، وتقدم الكلام عليها وافيًا في كتاب الصلاة، ولا مانع من إرادتهما فإن القرآن بحر زاخر.","vol":"4","page":203},{"text":"• عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ مُوسى ﵇ سَأَلَ رَبَّهُ فَقَالَ: يَا رَبِّ أَيُّ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَدْنَى مَنْزِلَةً؟ قَالَ: رَجُلٌ يَأْتِي بَعْدَ مَا يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: كَيْفَ أَدْخُلُ وَقَدْ نَزَلُوا مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ (^١)، فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مَا كَانَ لِمَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ قَدْ رضيتُ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ هذَا وَمِثْلَهُ وَمِثْلَهُ وَمِثْلَهُ، فَيَقُولُ: رضيتُ أَيْ رَبِّ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ هذَا وَعَشْرَةَ أَمْثَالِهِ، فَيَقُولُ: رضيتُ أَيْ رَبِّ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَعَ هذَا مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الْإِيمَانِ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (^٣)﴾.\nقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ﵁ فِي هذِهِ لآيَةِ: الْعَذَابُ الْأَدْنَى مَصَائِبُ الدُّنْيَا وَالرُّومُ وَالْبَطْشَةُ أَو الدُّخَانُ (^٤). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صِفَةِ الْقِيَامَةِ.\n_________\n(^١) التي أعدها الله لهم في الجنة.\n(^٢) فإذا كان هذا لمن هو أقل منزلة في الجنة فكيف بغيره وسيأتي هذا واسعًا في كتاب القيامة والجنة إن شاء الله.\n(^٣) ﴿ولنذيقهم﴾ الكفار ﴿من العذاب الأدنى﴾ في الدنيا بالجدب والقحط والأمراض والقتل والأسر وما يأتي في قول أبي ﴿دون العذاب الأكبر﴾ قبل عذاب الآخرة ﴿لعلهم يرجعون﴾ من بقي منهم إلى الإيمان.\n(^٤) سبق هذا في سورة الفرقان والله أعلم.","vol":"4","page":204},{"text":"<span data-type='title' id=toc-858>سورة الأحزاب </span>(^١)\nمدنية وهي ثلاث وسبعون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقِيلَ لاِبْنِ عَبَّاس ﵄: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ مَا عُنِيَ بِذلِكَ (^٢)، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا يُصَلِّي فَخَطَرَ خَطْرَةً (^٣) فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ مَعَهُ: أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ قَلبًا مَعَكُمْ وَقَلْبًا مَعَهُمْ (^٤) فَأَنْزَلَ اللَّهُ هذِهِ الآيَةَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا كُنَّا نَدْعُوهُ إِلا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ (^٥)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلا وَأَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا فَإِنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ (^٦)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\nسورة الأحزاب\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^١) سميت بهذا لذكر قصة الأحزاب فيها.\n(^٢) أي ما معناه.\n(^٣) سها في صلاته بزيادة أو نقص، وسبق هذا في سجود السهو وأنه كان للتشريع.\n(^٤) قلبًا معكم أي المنافقين وقلبًا معهم أي المؤمنين فأنزل الله ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه﴾ أي ما خلق لرجل عقلين: وقال الجلال: نزلت ردا على بعض الكفار الذي قال: إن لي قلبين أعقل بكل منهما أفضل من عقل محمد - ﷺ -.\n(^٥) فكان في صدر الإسلام جواز النسبة لغير الأب لولاية بينهما فأمرهم الله بالنسبة إلى الأب الحقيقي بقوله ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط﴾ أعدل عند الله تعالى.\n(^٦) أمرهم النبي - ﷺ - بالخروج الغزوة تبوك، فقال بعضهم: نستأذن آباءنا وأمهاتنا، فنزل قوله تعالى ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ فيما دعاهم إليه ودعتهم أنفسهم إلى خلافه لأن أمره من الله وهو لخير الدنيا والآخرة فطاعته واجبة بخلاف أمر النفس فلا خير فيه، فلما نزلت الآية قال - ﷺ -: \"ما من مؤمن إلا وأنا أولى به أي أرحم به من نفسه=","vol":"4","page":205},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ عَمَّهُ (^١) غابَ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَئِنْ أَشْهَدَنِي اللَّهُ قِتَالًا لِلْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ كَيْفَ أَصْنَعَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ (^٢) فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هؤلَاءِ الْمُشْرِكُونَ وَأَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا يَصْنَعُ هؤُلَاءِ الْأَصْحَابُ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ فَوُجِدَ فِيهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مِنْ ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ (^٣) وَطَعْنَةٍ بِرُمْحٍ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ فَكُنَّا نَقُولُ فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ نَزَلَتْ: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا (^٤)﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَسَخْنَا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ فَقَدْتُ آيَةً مِنْ سُورَةِ الْأَحْزَابِ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ إِلا مَعَ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهَادَتَهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ (^٥)﴾. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي فَقَالَ: «إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَلا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ (^٦)»، قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ،\n_________\n= للدنيا والآخرة فأيما مؤمن مات وترك مالا فهو لورثته، فإن ترك دينًا أو ضياعًا عيالا فليأتني رب الدين أوفه والضائع من العيال أكفله. - ﷺ - إنه رءوف رحيم.\n(^١) أنس بن النضر.\n(^٢) انهزم أكثرهم.\n(^٣) أي بين ضربة بسيف.\n(^٤) ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ من الجهاد في سبيل الله والثبات مع الرسول - ﷺ - ﴿فمنهم من قضى نحبه﴾ أي نذره بموته في الجهاد في سبيل الله كحمزة وصحبه ﴿ومنهم من ينتظر﴾ ذلك كعثمان وطلحة رضي الله عن الجميع ﴿وما بدلوا تبديلا﴾ ما بدلوا شيئًا من المهد ولا غيروه كالمنافقين.\n(^٥) فقدت آية من الصحف فوجدتها مع خزيمة بن ثابت الذي جعل رسول الله - ﷺ - شهادته بشهادة رجلين خصوصية له، ولا يقال قد ثبت القرآن بالتواتر فكيف قبلها من خزيمة لأنا نقول إن زيدا كان يحفظها وسمعها عمر وأبيّ وجماعة من النبي - ﷺ - وسبق هذا في فضائل القرآن.\n(^٦) لا بأس عليك في التأني حتى تستشيري أبويك.","vol":"4","page":206},{"text":"ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَناؤُهُ قَالَ: ﴿يأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ﴾ إِلَى تَمَامِ الآيَتَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَفِي أَيِّ شَيْءٍ أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ (^١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ﵁ رَبيبِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ هذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ فَدَعَا فَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَجَلَلَهُمْ بِكِسَاءٍ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ هؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا (^٢)» قَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ: وَأَنَا مَعهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمُرّ بِبَابِ فَاطِمَةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ إِذَا خَرَجَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ يَقُولُ: «الصَّلَاةَ يَا أَهْلَ البَيْتِ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (^٣)﴾».\n\n• عَنْ أُمِّ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَى كُلَّ شَيْءٍ إِلا لِلرِّجَالِ\n_________\n(^١) الزوجات الطاهرات طلبن من النبي - ﷺ - ما ليس عنده من زينة الدنيا، فأنزل الله الآيتين ونصهما ﴿ياأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلا﴾ أعطكن متعة الطلاق وأطلقكن من غير ضرار ﴿وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة﴾ الجنة ﴿فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرًا عظيما﴾ في الآخرة وهو النعيم الواسع في الجنة، فلما سمع ذلك أمهات المؤمنين قلن اخترن الله ورسوله، فأكرمهن الله تعالى بقوله ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾.\n(^٢) فلما نزل قوله تعالى ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس﴾ الإثم والدنس ﴿أهل﴾ يا أهل ﴿البيت ويطهركم تطهيرا﴾ دعا رسول الله - ﷺ - فاطمة وحسنا وحسينا وعليًّا وغطاهم بكساء وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، فظاهره أن المراد بأهل بيته هؤلاء، وقال جماعة: المراد بهم هؤلاء وأمهات المؤمنين نظرًا السياق ولا مانع من إرادة الكل وتخصيصه فاطمة وولديها وزوجها المزيد فضلهم وسبق الحديث في فضائل أهل البيت ﵃ وحشرنا في زمرتهم آمين.\n(^٣) فيه أن النبي - ﷺ - كان يتأول الآية بذلك.","vol":"4","page":207},{"text":"وَمَا أَرَى النِّسَاءَ يُذْكَرْنَ بَشِيْءٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (^١)﴾. رَوَاهُمَا\nالتِّرْمِذِيُّ (^٢). عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَوْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ كَاتِمًا شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ لَكَتَمَ هذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ (^٣)﴾ ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ (^٤)﴾ ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ (^٥)﴾ ﴿وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ (^٦)﴾ الآيَةَ (^٧) وَلَمَّا تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ قَالُوا: تَزَوَّجَ حَلِيلَةَ ابْنِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ تَبَنَّاهُ وَهُوَ صَغِيرٌ حَتَّى صَارَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ فَنَزَلَتْ: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ فُلَانٌ مَوْلَى فُلَانٍ وَفُلَانٌ أَخُو فُلَانٍ (^٨). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِ الْآيَةُ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشِ: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ قَالَ: فَكَاَتْ تَفُخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: زَوَّجَكَنَّ أَهْلُكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ (^٩).\n_________\n(^١) تمام الآية ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾.\n(^٢) بسندين حسنين.\n(^٣) بالإسلام.\n(^٤) بالإعتاق وهو زيد بن حارثة كان من سبي الجاهلية فاشتراه النبي - ﷺ - قبل البعثة وأعتقه وتبناه.\n(^٥) قال له النبي - ﷺ - ذلك لما جاءه يشكو زينب وزهوها عليه وهم بطلاقها.\n(^٦) الذي أخفاه هو ما أخبره الله به من أنها ستصير إحدى أمهات المؤمنين بعد طلاق زيد لها.\n(^٧) تمام الآية ﴿فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها﴾ لما طلقها وانتهت عدتها زوج الله النبي بها فدخل عليها بغير إذن ولا عقد ولا صداق خصوصية له - ﷺ - ﴿وَإِذْ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ فزواجه - ﷺ - بها لبيان حل زوجة الدعى أي من تبناه.\n(^٨) فيقال فلان مولى أي تابع فلان، وفلان أخو فلان في الدين، وإذا على أبوه فيدعى له.\n(^٩) وحق لها ذلك فكانت تقول للنبي - ﷺ - جدى وجدك واحد وليس من نسائك من هي كذلك وزوجني بك الله والسفير جبريل ﵇.","vol":"4","page":208},{"text":"٥ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ﵂ قَالَتْ: خَطَبَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَاعْتَذَرْتُ إِلَيْهِ فَعَذَرَنِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ الآيَةَ (^١)، قَالَتْ: فَلَمْ أَكُنْ أُحِلُّ لَهُ لَمْ أُهَاجِرْ كُنْتُ مِنَ الطُّلَقَاءِ (^٢). رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللاَّئِي وَهبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَقُولُ: أَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ (^٤)﴾ قُلْتُ: مَا أُرَى رَبَّكَ إِلا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتأْذِنُ فِي يَوْمِ الْمَرْأَةِ مِنَّا بعْدَ نُزُولِ هذِه الْآيَةِ: ﴿تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾ قَالَتْ مُعَاذَةُ\n_________\n(^١) ﴿ياأيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن﴾ مهورهن ﴿وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك﴾ من الكفار بالسبي كصفية بنت حيي سيدة بني قريظة والنضير وكجويرية بنت الحارث الخزاعية ﴿وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك﴾ بخلاف من لم تهاجر وهذا حينما كانت الهجرة واجبة قبل الفتح ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها﴾ يطلب نكاحها بغير صداق ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾، وهذه خاصة بك أي النكاح بلفظ الهبة بغير شهود وصداق ووليّ. واللاتي وهبن أنفسهن للنبي - ﷺ - أربع: ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة أم المساكين الأنصارية، وأم شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم ﵅.\n(^٢) فلم تكن أم هانئ من المهاجرات بل كانت من الطلقاء الذين قال لهم النبي - ﷺ - يوم الفتح: أنتم الطلقاء أي عفوت عنكم.\n(^٣) بسندين صحيحين.\n(^٤) ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ أي تؤخر من تشاء من الزوجات عن نوبتها وتضم إليك من تشاء منهن ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ أي ومن طلبتها بعد عزلها من القسمة فلا جناح عليك في طلبها، والمراد لا قسمة عليك واجبة ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ فإذا علمن أنك مخير في أمرهن وقد قسمت وعدلت بينهن سررن وقنعن بما تعمل ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ من أمر النساء وغيره ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾.","vol":"4","page":209},{"text":"فَقُلْتُ لَهَا: مَا كُنْتِ تَقُولِينَ؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَقُولُ لَهُ إِنْ كَانَ ذَاكَ إِلَيَّ فَإِنِّي لَا أُوثِرُ عَلَيْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ (^١). رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: بُنِيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ فَأُرْسِلْتُ دَاعِيًا عَلَى\nالطَّعَامِ (^٢) فَيَجِيءُ قَوْمٌ فَيأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ فَدَعَوْتُ حَتَّى مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُو فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُوهُ، قَالَ: «ارْفَعُوا طَعَامَكُمْ» وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَيْتِ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَانْطَلَقَ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ (^٣) فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ»، فَقَالَتْ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فَتقَرَّى حُجَرَ نِسَائِهِ كُلِّهِنَّ يَقُولُ لَهُنَّ كَمَا يَقُولُ لِعَائِشَةَ وَيَقُلْنَ لَهُ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ (^٤) ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ فَإِذَا ثَلَاثَةُ رَهْطٍ فِي الْبَيْتِ يَتَحَدَّثُونَ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ شَدِيدَ الْحَيَاءِ (^٥) فَخَرَجَ مُنْطَلِقًا نَحْوَ حُجَرَةِ عَائِشَةَ فَأُخْبِرَ أَنَّ الْقَوْمَ خَرَجُوا فَرَجَعَ حَتَّى إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي أُسْكُفَّةِ الْبَابِ دَاخِلَةً وَالْأُخْرَى خَارِجَةً أَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ (^٦). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا إِلَى أَنْ قَالَ (^٧) فَأُنْزِلَتْ هذِهِ الْآيَةُ فَقَرَأَهَا عَلَى النَّاسِ: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ (^٨)﴾\n_________\n(^١) قالت عائشة بعد نزول هذه الآية: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك، ومع هذا كان النبي - ﷺ - يستأذن الزوجة في يومها أحيانا فكانت تأذن له إلا عائشة ﵅ كلهن.\n(^٢) أدخلت زينب على النبي - ﷺ - ليلة زفافها فصنع وليمة من الخبز واللحم وأرسل أنسا يدعو الناس.\n(^٣) بيت عائشة.\n(^٤) فتقرى أي تتبع وذهب لبيوت الزوجات حتى يخرج الجالسون.\n(^٥) فلم يأمرهم بالخروج.\n(^٦) أسكفة الباب: عتبته، فلما عاد ثانيًا ووضع رجله داخل العتبة والأخرى خارجها أرخى الستر بينه وبين أنس ثم قرأ آية الحجاب الآتية.\n(^٧) وفيه أن من أكلوا في وليمة زينب هذه كانوا قدر ثلاثمائة.\n(^٨) إلا أن يؤذن لكم في الدخول بالدعاء إلى طعام فتدخلوا.","vol":"4","page":210},{"text":"﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ (^١)﴾ ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُواْ وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ (^٢)﴾ ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ\nوَقُلُوبِهِنَّ (^٣)﴾.\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجابِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ (^٤)﴾. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ ﵂ لِحَاجَتِهَا بَعْدَ مَا نَزَلَ الْحِجَابُ وَكَانَتِ امْرَأَةً جَسِيمَةً لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا فَرَآهَا عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: يَا سَوْدَةُ أَمَا وَاللَّهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي يَتَعَشَّى وَبِيَدِهِ عَرْقٌ فَدَخَلَتْ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي فَقَالَ لِي عُمَرُ كَذَا وَكَذَا فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ وَإنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ (^٥)».\nرَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا (^٦)﴾.\n\n• عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَّا السَّلَامُ عَلَيْكَ\n_________\n(^١) غير منتظرين إدراكهـ ووقت نضجه.\n(^٢) ولا تمكثوا مستأنسين لحديث من بعضكم لبعض.\n(^٣) ﴿وإذا سألتموهن﴾ أمهات المؤمنين ﴿متاعا﴾ حاجة ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾.\n(^٤) وروى أن النبي - ﷺ - كان يأكل ومعه أمهات المؤمنين وبعض أصحابه يأكلون معه فأصابت يد رجل منهم يد عائشة وهي تأكل فكره ذلك النبي - ﷺ - فنزلت آية الحجاب، فعلى هذا تكون أسباب النزول قد تعددت، ولا عجب فهذا كثير.\n(^٥) العرق كالعقل عظم عليه اللحم، ففيه جواز خروج النساء للحاجة مع الاحتشام وسبق هذا في كتاب النكاح.\n(^٦) الصلاة من الله الرحمة والإحسان اللائقان بمحمد - ﷺ -، وقيل صلاته عليه ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، وصلاة الملائكة عليه استغفارهم ودعاؤهم له، وصلاة الناس وسلامهم على محمد - ﷺ - بأي صيغة ولكن الأفضل في الصلاة بالآتي.","vol":"4","page":211},{"text":"فَقَدْ عَرَفْنَاهُ (^١) فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ (^٢)؟، قَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ في الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ (^٣)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مُوسى ﵇ كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا (^٤) مَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ (^٥) فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ: مَا يَسْتَتِرُ هذَا السَّتْرَ إِلا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ إِمَّا بَرَصٌ وَإِمَّا أُدْرَةٌ وَإِمَّا\nآفَةٌ (^٦) وَإِنَّ اللَّهَ ﷿ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالوا فَخَلَا مُوسى ﵇ يَوْمًا وَحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى حَجَرٍ ثمَّ اغْتَسَلَ فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ إِلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا فَعَدَا الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ (^٧) فَأَخَذَ مُوسى عَصَاهُ فَطَلَبَ الْحَجَرَ فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ\nثَوْبِي حَجَرُ (^٨) حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَرَأَوْهُ عُرْيانًا أَحْسَنَ النَّاسِ خَلْقًا وَأَبْرَأَهُ مِمَّا كانُوا يَقُولُونَ وَقَامَ الْحَجَرُ\n_________\n(^١) بما علمتنا في التشهد بقولك: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.\n(^٢) ولأحمد وأبي داود والحاكم: يا رسول الله أما السلام فقد عرفناه، فكيف نصلى عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا؟ فقال: قولوا اللهم صل على محمد إلى آخره، وبه استدل الشافعي على وجوبها في التشهد الأخير.\n(^٣) وسبق هذا في الصلاة. وفي رواية: قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، وستأتي الصلاة على النبي - ﷺ - في كتاب الذكر والدعاء إن شاء الله.\n(^٤) شديد الحياء والتستر.\n(^٥) استحياء منه.\n(^٦) الأدرة - كالغرفة - عظم الخصيتين ومنه رجل آدر عظيم الخصيتين.\n(^٧) فرّ بثوبه.\n(^٨) دع ثوبي يا حجر.","vol":"4","page":212},{"text":"فَأَخَذَ ثَوْبَهُ وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصَاهُ فَوَاللَّهِ إِنَّ بِالْحَجَرِ لَنَدَبًا مِنْ أَثَرِ عَصَاهُ ثَلاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا (^١) فَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَى فَبرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢). وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-859>سورة سبأ </span>(^٣)\nمكية وهي أربع وخمسون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ فَرْوَةَ الْمُرَادِيِّ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلا أُقَاتِلُ مَنْ أَدْبَرَ مِنْ قَوْمِي بِمَنْ أَقْبَلَ مِنْهُمْ فَأَذِنَ لِي فِي قِتَالِهِمْ وَأَمَرَنِي فَلَمَّا خَرَجْتُ سَأَلَ عَنِّي مَا فَعَلَ الْقُطَيْفِيُّ فَأُخْبِرَ بِمَسِيرِي فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِي فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «ادْعُ الْقَوْمَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَاقْبَلْ مِنْهُ وَمَنْ يُسْلِمْ فَلَا تَعْجَلْ حَتَّى أُحْدِثَ إِلَيْكَ (^٤)»، قَالَ: وَأَنْزلِ فِي سَبَأٍ مَا أُنْزِلَ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا سَبَأٌ أَرْضٌ أَوِ امْرَأَةٌ؟ قَالَ: «لَيْسَ\n_________\n(^١) وطفق بالحجر ضربا: شرع يضربه بعصاه فصار بالحجر ندب بفتحتين أي أثر من ضربه ثلاث أو أربع أو خمس، فبنو إسرائيل كانوا يغتسلون عراة مع بعضهم وكان موسى ﵇ يغتسل وحده، فقالوا: ما يعمل ذلك إلا من عيب في جسمه، فكان يغتسل يومًا وحده وثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه فتبعه موسى حتى وقف على ملأ من بني إسرائيل فأخذ موسى ثوبه وصار يضربه بعصاه فرأوا موسى وجسمه سليم من أحسن الناس فظهر افتراؤهم وبرأه الله من إفكهم كما قال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا﴾ مع نبيكم ﴿كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهًا﴾ ذا جاه عظيم.\n(^٢) ولكن الترمذي ومسلم في فضل موسى والبخاري في الغسل، نسأل الله كمال الطهارة آمين.\n\nسورة سبأ\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^٣) سميت بهذا الذكر سبأ فيها.\n(^٤) حتى أكتب لك بما يعمل.","vol":"4","page":213},{"text":"بِأَرْضٍ وَلَا امْرَأَةٍ وَلكِنَّهُ رَجُلٌ وَلَدَ عَشَرَةً مِنَ الْعَرَبِ فَتَيَامَنَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ وَتَشَاءَمَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ (^١) فَأَمَّا الَّذِينَ تَشَاءَمُوا فَلَخْمٌ وَجُذَامٌ وَغَسَّانٌ وَعَامِلَةُ وَأَمَّا الَّذِينَ تَيَامَنُوا فَالْأَزْدُ وَالْأَشْعَرِيُّونَ وَحِمْيَرٌ وَمَذْحِجٌ وَأَنْمَارٌ وَكِنْدَةُ (^٢)» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا أَنْمَارٌ؟ قَالَ: «الَّذِينَ مِنْهُمْ خَثْعَمٌ وَبَجِيلَةُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣) وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ (^٤) فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا لِلَّذِي قَالَ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ\nالْكَبِيرُ (^٥) فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ (^٦) فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ ثُمَّ يُلْقيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ\n_________\n(^١) فتيامن منهم ستة سكنوا في الجهة اليمنى وهي أرض اليمن، وتشاءم منهم أربعة أي سكنوا في الجهة الشمالية وهي أرض الشام.\n(^٢) وكل واحد من هؤلاء جاء منه بطون وقبائل؛ وأبوهم سبأ ابن يشجب بن يعرب بن قحطان.\n(^٣) بسند حسن، والذي أنزل في سبأ قوله تعالى ﴿لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال﴾ أي لقبيلة سبأ باليمن آية على قدرة الله تعالى وهي جنتان عن يمين واديهم وشماله وقيل لهم ﴿كلوا من رزق ربكم واشكروا له﴾ على نعمه ولكم ﴿بلدة طيبة﴾ ليس بها سباخ ولا بعوض ولا عقرب ولا حية ولا برغوث ﴿ورب غفور﴾ يغفر ذنوبكم ويستر عيوبكم ﴿فأعرضوا﴾ عن شكر ربهم وكفروا \"فأرسلنا عليهم سيل العرم﴾ الماء المخزون في واديهم بين الجبال داخل السد الذي بنته بلقيس فأغرق جنتهم وأموالهم ﴿وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط﴾ مأكول مرِّ بشع ﴿وأثل وشيء من سدر قليل﴾ السدر شجر النبق، والمراد هنا رديئة وهو الضال. والأثل الطرفاء: شجر عظيم لا ثمر له ﴿ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور﴾ وفي هذه عبرة عظيمة لكل من ينعم الله عليه ولا يشكر نعمته بأنواع الحمد والشكر وأعمال البر كلها، نسأل الله خالص التوفيق.\n(^٤) إذا قضى الله الأمر أي إذا تكلم بالوحي ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا أي خاضعين طائعين الأمر الله تعالى؛ كأنه أي القول المسموع صوت سلسلة على صفوان حجر أملس.\n(^٥) فإذا فزع أي كشف عن قلوبهم الفزع قالوا أي بعض الملائكة لبعض: ماذا قال ربكم؟ فيقولون قال القول الحق وهو العلي الكبير.\n(^٦) هم الشياطين الراكبون بعضهم فوق بعض.","vol":"4","page":214},{"text":"الْكَاهِنِ فَرُبَّمَا أَدْرَكَهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا (^١) وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ هُنَا وَأَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَّةِ وَلَفْظُهُ: «إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ لِلسَّمَاءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفا (^٢) فَيَصْعَقُونَ فَلَا يَزَالُونَ كَذلِكَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ جِبْرِيلُ فَإِذَا جَاءَهُمْ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيلُ مَاذَا قَالَ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: الْحَقَّ فَيقُولُونَ الْحَقَّ الْحَقَّ».\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما كنتم تقولون لمثل هذا في الجاهلية»؟ قَالُوا: كُنَّا نَقُولُ يَمُوتُ عَظِيمٌ أَوْ يُولَدُ عَظِيمٌ فَقَالَ ﷺ: «فَإِنَّهُ لَا يُرْمَى بِهِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلكِنْ رَبُّنَا ﷿ إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ لَهُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ إِلَى هذِهِ السَّمَاءِ ثُمَّ سَأَلَ أَهْلُ السَّمَاءِ السَّادِسَةِ أَهْلَ\nالسَّمَاءِ السَّابِعَةِ (^٣) مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ فَيُخْبِرُونَهُمْ ثُمَّ يَسْتَخْبِرُ أَهْلُ كُلِّ سَمَاءٍ حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ أَهْلَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَيَخْتَطِفُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَيُرْمَوْنَ فَيَقْذِفُونَهَا إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ فَمَا جَاؤُوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ وَلكِنَّهُمْ يُحَرِّفُونَهُ وَيَزِيدُونَ (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ هُنَا وَمُسْلِمٌ فِي الطِّبِّ. نَسْأَلُ اللَّهَ تَمَامَ الشِّفَاءِ آمِين.\n_________\n(^١) فربما وقع الشهاب المضيء على من سمع الكلمة قبل إلقائها فأحرقه وربما ألقاها قبل أن ينزل عليه فتصل للكاهن فيكذب عليها كثيرا.\n(^٢) الحجر الأملس.\n(^٣) بعد أن أفاقوا مما غشيهم من الأمر الإلهي الذي ظنوه قيام الساعة.\n(^٤) معناهما واحد وسبق هذا في نفي مزاعم الجاهلية من كتاب الطب، نسأل الله تمام الشفاء للأشباح والقلوب والأرواح آمين.","vol":"4","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-860>سورة فاطر </span>(^١)\nمكية وهي خمس وأربعون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَنَّهُ قالَ فِي هذِهِ الآيةِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (^٢)﴾ قَالَ: «هؤُلَاءِ كُلُّهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ وَكُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣). نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ التَّوْفِيقِ آمِين.\n_________\nسورة فاطر\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^١) وتسمى سورة الملائكة أيضا لقوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾.\n(^٢) ﴿ثم أورثنا الكتاب﴾ أعطينا القرآن الكريم ﴿الذين اصطفينا من عبادنا﴾ الذين اخترناهم من العباد ليهتدوا بهديه ويعملوا به وهم أمتك من حفظه منهم ومن لم يحفظه ﴿فمنهم ظالم لنفسه﴾ بالتقصير في العمل بالقرآن ﴿ومنهم مقتصد﴾ عامل به في أغلب الأوقات ﴿ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله﴾ السابق العامل بالكتاب والمعلم له والمرشد والهادي إليه ﴿ذلك﴾ أي إيراث القرآن ﴿هو الفضل الكبير﴾ فالأقسام الثلاثة بمنزلة واحدة أي في الجنة وإلا فكل يعطى على قدر عمله فإن الدرجات بالأعمال والجنة بخالص فضل الله تعالى ولذا قال ﴿جنات عدن﴾ إقامة ﴿يدخلونها﴾ أي المقتصد وصاحباه ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا﴾ مرصعا بذهب ﴿ولباسهم فيها حرير﴾ وقيل الظالم لنفسه من غلبت سيئاته على حسناته، والمقتصد من غلبت حسناته على سيئاته والسابق الذي لم تقع منه سيئة أصلا، وقيل المقتصد: من تساوت حسناته وسيئاته، والسابق هو الذي رجحت حسناته، وفي الحديث: سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له.\n(^٣) بسند غريب. والله أعلى وأعلم.","vol":"4","page":216},{"text":"<span data-type='title' id=toc-861>سورة يس </span>(^١)\nمكية أو مدنية وهي ثنتان وثمانون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَتْ بَنُو سَلِمَةَ فِي نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ فَأَرَادُوا النُّقْلَةَ إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ فَنَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ آثَارَكُمْ تُكْتَبُ، فَلَمْ يَنْتَقِلُوا (^٢)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالشَّيْخَانِ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مع النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرَ أَتَدْرِي أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَسْتَأْذِنُ فَيُؤْذَنُ لَهَا وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ فَلَا يُقْبَلَ مِنْهَا وَتَسْتَأْذِنَ فَلَا يُؤْذَنَ لَهَا فَيُقَالُ لَهَا ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَذلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (^٤)﴾». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥).\n_________\nسورة يس\n(^١) سميت بهذا لبدئها بقول الله تعالى ﴿يس والقرآن الحكيم﴾.\n(^٢) فبنو سلمة كانت ديارهم بضواحي المدينة فأرادوا أن ينتقلوا بقرب المسجد النبوي فنزلت ﴿إنا نحن نحيي الموتى﴾ للبعث ﴿ونكتب﴾ في صحف الملائكة ﴿ما قدموا﴾ في دنياهم من خير وشر ليجازوا عليه ﴿وآثارهم﴾ خطواتهم للخيرات ﴿وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾ ضبطناه في كتاب بيّن وهو اللوح المحفوظ، فقال - ﷺ -: إن خطواتكم تكتب، فلم يتحولوا.\n(^٣) وسبقت رواية الشيخين في فضل المساجد والسعي لها.\n(^٤) فإنها تسجد تحت العرش أي تنقاد لربها انقياد الساجدين وتسير حتى تصل إلى فلكها الرابع نصف الليل فصارت أبعد ما يكون من العرش فتسجد لربها وتستأذن في الطلوع من الشرق على عادتها فيؤذن لها فإذا جاء وقت الآية الكبرى وأرادت السجود والاستئذان فلا يؤذن لها بل يقال لها ارجعي من حيث جئت فتعود فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى ﴿والشمس تجري لمستقر لها﴾ وفي رواية: سألت رسول الله مع عن هذه الآية فقال: مستقرها تحت العرش، هذا ما قالوه. وفي النفس منه شيء فإن الشمس في السماء الرابعة والعرش أعظم مخلوق يعلو الملك والملكوت، ولكننا نؤمن بهذا ونفوض أمره إلى الله ورسوله - ﷺ -.\n(^٥) رواه البخاري هنا ورواه في بدء الخلق وهي التي هنا. والله أعلى وأعلم.","vol":"4","page":217},{"text":"<span data-type='title' id=toc-862>سورة الصافات </span>(^١)\nمكية وهي مائة واثنتان وثمانون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ دَاعٍ دَعَا إِلَى شَيْءٍ إِلا كَانَ مَوْقُوفًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَازِمًا بِهِ لَا يُفَارِقُهُ وَإِنْ دَعَا رَجُلٌ رَجُلًا» ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (^٢)﴾.\n\n• عَنْ سَمُرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ قَالَ: «حَامُ وَسَامُ وَيَافِثُ». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَامُ أَبُو الْعَرَبِ وَحَامُ أَبُو الْحَبَشِ وَيَافِثُ أَبُو الرُّومِ (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ.\n_________\nسورة الصافات\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^١) سميت بها لبدئها بقول الله تعالى ﴿والصافات صفا﴾ الملائكة تصف نفوسها للعبادة أو أجنحتها في الهواء تنتظر ما تؤمر به.\n(^٢) فما من داع أي عابد دعا الناس إلى شيء يعبدونه إلا كان لازمًا له يوم القيامة وإن كان المعبود. رجلا لقوله تعالى ﴿احشروا الذين ظلموا﴾ أنفسهم بالشرك ﴿وأزواجهم﴾ قرناءهم من الشياطين أو نساءهم اللاتي على دينهم ﴿وما كانوا يعبدون من دون الله﴾ غيره الأوثان ﴿فاهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ دلوهم إلى طريق النار ﴿وقفوهم إنهم مسئولون﴾ عما قدموا في دنياهم ويقال لهم توبيخًا ﴿ما لكم لا تناصرون﴾ لا ينصر بعضكم بعضًا حالكم في الدنيا ويقال عنهم ﴿بل هم اليوم مستسلمون﴾ خاضعون ذليلون.\n(^٣) الأول بسند غريب والثاني بسند حسن.\n(^٤) هذا بيان لذرية نوح ونسلها في قوله تعالى ﴿وجعلنا ذريته﴾ أي نوح ﵇ ﴿هم الباقين﴾ إلى نهاية الدنيا. فأولاده ثلاثة: سام، وحام، ويافث: فسام أبو العرب وفارس. وحام أبو الحبش والسودان ويافث أبو الروم والترك والخزر ويأجوج ومأجوج ونحوهم، وسام وأخواه أولاد نوح لصلبه ولكنه لأمر أغضبه دعا على حام بأن تختلف ذريته فكان لونها السواد وكانت عبيدًا لأولاد يافت وسام، ودعا لسام فكان من نسله الأنبياء الكرام، وكذا دعا ليافث فكان من نسله الملوك. ولكنه حنّ على حام بعد هذا فدعا له.","vol":"4","page":218},{"text":"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (^١)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ (^٢)» رَوَاهُ البُخَارِيُّ. قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ﵁: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قَالَ: «عِشْرُونَ أَلْفًا (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ غَرِيبٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-863>سورة ص </span>(^٤)\nمكية وهي ست أو ثمان وثمانون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ فَجَاءَتْهُ قُرَيْشٌ وَجَاءَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدَ أَبِي طَالِبٍ مَجْلِسُ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَقَامَ أَبُو جَهْلٍ كَيْ يَمْنَعَهُ (^٥) وَشَكَوْهُ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي مَا تُرِيدُ مِنْ قَوْمِكَ؟ فَقَالَ: «إِنِّي أُرِيدُ مِنْهُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً تَدِينُ لهُمْ بِهَا الْعَرَبُ (^٦) وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمُ الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ»، فَقَالَ: كَلِمَةً وَاحِدَةً؟ قَالَ: «كَلِمَةً وَاحِدَةً يَا عَمِّ\n_________\n(^١) أرسله الله إلى أهل نينوى بأرض الموصل فلم يؤمنوا فتوعدهم بالعذاب إلى أجل فلما لم ينزل بهم خرج غاضبًا منهم وركب البحر في سفينة فكادت تغرق بهم فساهموا فجاءت القرعة عليه فألقي بنفسه في البحر فالتقمه الحوت وبعد بضعة أيام ألقاه على الشاطئ حتى قوى جسمه ثم أمره الله بالعود إلى قومه فرجع لهم وبلغهم رسالة ربه ﴿فآمنوا فمتعناهم إلى حين﴾.\n(^٢) الضمير في قوله: أنا، عائد على نبينا محمد - ﷺ - وهذا تواضع أو قبل علمه بأنه أفضل الناس، وتقدم في النبوة: لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى.\n(^٣) فالذين أرسل إليهم يونس مائة ألف وعشرون ألفًا فأمنوا به - ﷺ - والله أعلم.\n\nسورة ص\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^٤) سميت بهذا لبدئها بقول الله تعالى فيها ﴿ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق﴾.\n(^٥) كراهة فيه وخوفًا من أن يحمل أبا طالب على الإسلام.\n(^٦) أي تخضع وتذل لهم لأن النبوة في قريش.","vol":"4","page":219},{"text":"يَقُولُوا لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ»، فَقَالُوا: إِلهًا وَاحِدًا مَا سَمِعْنَا بِهذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذَا إِلا اخْتِلَاقٌ فَنَزَلَ فِيهِمُ الْقُرْآنُ: ﴿ص﴾ ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (^١)﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (^٢)﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِى الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلَاقٌ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ وَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ (رب هب .. من بعدي) فَرَدَّهُ خَاسِئًا (^٤)» رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: احْتَبَسَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ\n_________\n(^١) ﴿ص﴾ علمه عند الله تعالى ﴿والقرآن في الذكر﴾ ذي البيان والشرف، والجواب محذوف أي ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة.\n(^٢) ﴿بل الذين كفروا في عزة﴾ حمية وتكبر عن الإيمان ﴿وشقاق﴾ خلاف وعداوة للنبي - ﷺ - ﴿كم أهلكنا من قبلهم من قرن﴾ أمة عصت رسلها ﴿فنادوا﴾ حين نزول العذاب بهم ﴿ولات حين مناص﴾ وليس الحين حين فرار ﴿وعجبوا أن جاءهم منذر منهم﴾ رسول من أنفسهم وهو محمد وينذرهم البعث والنار بعده ﴿وقال الكافرون هذا ساحر كذاب * أجعل الآلهة إلهًا واحدا﴾ حيث قال لهم: قولوا لا إله إلا الله ﴿إن هذا لشيء عجاب﴾ أي مجيب غريب ﴿وانطلق الملأ منهم﴾ بعد قيامهم من مجلس أبي طالب وسماعهم فيه من النبي - ﷺ -: قولوا لا إله إلا الله ﴿أن امشوا واصبروا على آلهتكم﴾ يقول بعضهم لبعض امشوا واصبروا على عبادة آلهتكم ﴿إن هذا الشيء يراد﴾ أي بنا ﴿ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة﴾ ملة عيسى ﵇ ﴿إن هذا إلا اختلاق﴾ أي ما هذا إلا كذب.\n(^٣) بسند حسن.\n(^٤) فعفريت تعرض للنبي - ﷺ - في الصلاة فجأة ليشغله عنها ولكن النبي - ﷺ - قبض على رقبته وأراد أن يربطه بعمود في المسجد حتى ينظروا إليه في الصباح ولكنه تذكر دعوة سلمان فرماه ذليلا، ودعوة سليمان ﴿رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ فسخر الله له الريح تحمل جيشه كما يشاء والجن والشياطين في قطع الجبال واستخراج النحاس والحديد والرصاص وبناء القصور وغوص البحار لاستخراج الأحجار الكريمة فضلا عن ملكه للإنس والجن والطير وما في أرض الله تعالى، فلم يعط أحد كملكهـ ﵇، وليس طلبه هذا مفاخرة بالدنيا، بل معجزة له لأنه كان في زمن الجبارين وتفاخرهم بالملك، فطلب ملكًا أكثر منهم فأعطاه الله تعالى. فإن معجزة كل نبي ما اشتهر في عصره.","vol":"4","page":220},{"text":"حَتَّى كِدْنَا نَتَرَايَا عَيْنَ الشَّمْسِ فَخَرَجَ سَرِيعًا فَثَوِّبَ بِالصَّلَاةِ (^١) فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ وَتَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ (^٢) فَلَمَّا سَلَّمَ دَعَا بِصَوْتِهِ قَالَ لَنَا: «عَلَى مَصَافِّكُمْ كَمَا أَنْتُمْ» ثُمَّ انْفَتَلَ إِلَيْنَا فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الْغَدَاةَ إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَتَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ لِي فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي (^٣) حَتَّى اسْتُثْقِلْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي ﵎ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي، قَالَهَا ثَلَاثًا، قَالَ: فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ فَتَجَلَّى لِيَ كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ، قَالَ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ، قَالَ: مَا هُنَّ؟ قُلْتُ: مَشْيُ الْأَقْدَامِ إِلْى الْحَسَنَاتِ (^٤) وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ حِينَ الْكَرِيهَاتِ، قَالَ: فِيمَ؟ قُلْتُ: إِطْعَامِ الطَّعَامِ وَلِينِ الْكَلَامِ وَالصَّلَاةِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ (^٥) قَالَ: سَلْ قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمنِي وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ»، قَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ: «إِنَّهَا حَقٌّ فَادَرْسُوهَا ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦).\nقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ اللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (^٧)﴾. رَوَاهُ البُخَارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) أي أقيمت.\n(^٢) خففها عن عادته.\n(^٣) وهو جالس أو بعد سلامه وهو في مكانه.\n(^٤) كسعي في مصالح الناس وعيادة المريض وتشييع الجنازة.\n(^٥) صلاة العشاء والصبح، وسبق هذا الحديث في أول الصلاة وفي باب الجماعة.\n(^٦) بسند صحيح.\n(^٧) ﴿قل ما أسألكم عليه﴾ على تبليغ الشرع ﴿من أجر وما أنا من المتكلفين﴾ المتقولين من تلقاء أنفسهم بل قولي عن جبريل عن الله تعالى والله أعلى وأعلى.","vol":"4","page":221},{"text":"<span data-type='title' id=toc-864>سورة الزمر </span>(^١)\nمكية إلا بضع آيات وهي خمس وسبعون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُكَرَّرُ عَلَيْنَا الْخُصُومَةُ بَعْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا فِي الدُّنْيَا (^٢) قَالَ: «نَعَمْ»، فَقَالَ: إِنَّ الْأَمْرَ إِذَنْ لَشَدِيدٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا فَأَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: انَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ (^٤)﴾ وَنَزَلَ: ﴿قُلْ يعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ ﴿لَا تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا (^٥)﴾. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ (^٦): قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ: ﴿لَا تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ وَلَا يُبَالِي (^٧).\n_________\nسورة الزمر\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^١) سميت بهذا لقول الله تعالى فيها ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرًا﴾ أي جماعات، وكل السورة مكية إلا ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ الآية فإنها مدنية وقيل والست الآيات بعدها مدنية أيضا وقيل آية ﴿الله الذي نزل أحسن الحديث﴾ مع آية ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾.\n(^٢) من الحروب وأهوال الدنيا.\n(^٣) بسند صحيح.\n(^٤) أي إلى قوله ﴿إلا من تاب﴾ فإنه الجواب لهم.\n(^٥) ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ بترك الطاعات وعمل الموبقات ﴿لا تقنطوا﴾ لا تيأسوا من ﴿رحمة الله﴾ فإنها تسع كل شيء ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾ لمن تاب إليه وآمن وعمل صالحًا.\n(^٦) بسند حسن.\n(^٧) لأنه مالك الملك كله، فإذا أراد شيئًا كان ولا معقب لحكمه جل شأنه.","vol":"4","page":222},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنْ الْأَحْبَارِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّا نَجِدُ (^١) أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّموَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْأَ رضينَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ فَيَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ (^٢) فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَرَّ يَهُودِيٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: «يَا يَهُودِيُّ حَدِّثْنَا» فَقَالَ: كَيْفَ تَقُولُ يَا أَبَا الْقَاسِمِ إِذَا وَضَعَ اللَّهُ السَّموَاتِ عَلَى ذِهِ وَالْأَرْضَ عَلَى ذِهِ وَالْمَاءَ عَلَى ذِهِ وَالْجِبَالَ عَلَى ذِهِ وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى ذِهِ وَأَشَارَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ بِخِنْصَرِهِ أَوَّلًا ثُمَّ تَابَعَ حَتَّى بَلَغَ الْإِبْهَام (^٣) فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (^٤)﴾ ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (^٥)﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. وَلِلشَّيْخَيْنِ: «يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّموَاتِ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ (^٦)».\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّها قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، فَأَيْنَ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «عَلَى الصِّرَاطِ يَا عَائِشَةُ (^٧)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٨).\n_________\n(^١) أي في التوراة.\n(^٢) المراد بالإصبع القدرة الإلهية. والثرى التراب الندى. والمراد الأرضون السبع كلهن حتى ثراها. وفي رواية والجبال على إصبع. والمراد أن الله تعالى يتجلى يوم القيامة على ملكه كله فيرفعه بيده كالكرة إذا رفعها الإنسان بيده إظهارا لانفراده بالألوهية والعظمة والقهر جل شأن ربنا وعلا ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الدنيا.\n(^٣) وأشار محمد بن الصلت أحد الرواة يبين أن المراد بالإشارة الأولى الخنصر وبالثانية البنصر وهكذا، وهذا تمثيل فقط وإلا فالله تعالى منزه عن الجارحة.\n(^٤) أي ما عرفوه حق معرفته وما عظموه حق تعظيمه وإلا ما كفروا وما عصوه جل شأن ربنا.\n(^٥) أي والأرضون كلهن والسموات كلهن في قبضته يوم القيامة سبحانه وتعالى عما يشركون.\n(^٦) لعل هذا بعض الحكمة المرادة من قبض السموات والأرضين.\n(^٧) وفي رواية: فأين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: على جسر جنهم وهو الصراط.\n(^٨) بسند صحيح.","vol":"4","page":223},{"text":"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ (^١)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ»، قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ (^٢)، قَال أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ أَبَيْتُ، قَالَ: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ وَيَبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلا عَجْبَ ذَنَبِهِ فِيهِ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ (^٣). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنهعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَيْفَ أَنْعَمُ وَقَدِ الْتَقَمَ صَاحِبُ الْقَرْنِ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ وَأَصْغَى سَمْعَهُ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْمَرَ أَنْ يَنْفُخَ فَيَنْفُخَ (^٤)»، قَالَ الْمُسْلِمُونَ: فَكَيْفَ نَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا».\nوَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الصُّورِ فَقَالَ: «قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ (^٥)». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٦).\n_________\n(^١) ﴿ونفخ في الصور﴾ النفخة الأولى ﴿فصعق﴾ مات ﴿من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ كجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل والحور والولدان ﴿ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم﴾ كل الخلائق الموتى ﴿قيام ينظرون﴾ ينتظرون ما يفعل بهم. ورد في الحديث أن الخلق كلهم يموتون إلا رؤساء الملائكة الأربعة فيأمر الله بموت إسرافيل وميكائيل ثم بموت عزرائيل ثم بموت جبريل فيقول سبحانك ربي تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، ثم يقع ساجدًا يخفق بجناحيه ويبقى وجه ربنا تعالى.\n(^٢) أي أمتنع عن الجواب فإني لا أدريه ولكن ورد عن ابن عباس والحسن مرفوعًا: بين النفختين أربعون سنة يميت الله تعالى بها كل حي والأخرى يحيى الله تعالى بها كل ميت.\n(^٣) يبلى أي يفني كل جزء من الإنسان إلا عجب ذنبه، وهو الجزء الأخير من الصلب كحبة الخردل بين الأليتين. فيه أي منه يركب الخلق أي يبتدئ بناء الجسم منه عند النشأة الأخرى.\n(^٤) كيف أنعم أي أتنعم بالنعمة والمسرة والفرح وقد التقم إسرافيل الصور وينتظر الأمر بالنفخ فيه أي لا ينبغي الفرح بهذه الدنيا التي على وشك الزوال.\n(^٥) فالصور كالبوق الذي ينفخ فيه الجندي للعسكر.\n(^٦) بسندين حسنين. نسأل الله حسن الحال آمين.","vol":"4","page":224},{"text":"<span data-type='title' id=toc-865>سورة المؤمن </span>(^١)\nمكية وهي خمس وثمانون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\nسُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄ عَنْ أَشَدِّ مَا صَنعَهُ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُم (^٢)﴾.\nرَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (^٣)﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤).\n_________\nسورة المؤمن\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^١) سميت بهذا القول الله تعالى فيها ﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله﴾ وتسمى سورة غافر لقوله تعالى فيها ﴿غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب﴾، وهذه أولى الحواميم جمع حم وهي على مستور وسر محجوب استأثر الله به، وقال الصديق: الله في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور، وقد ورد فيها أحاديث كثيرة منها قوله - ﷺ -: الحواميم ديباج القرآن، ومنها قوله - ﷺ -: لكل شيء ثمرة وإن ثمرة القرآن ذوات حم هي روضات حسان مخصبات متجاورات من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ الحواميم، ومنها: لكل شيء لباب ولباب القرآن الحواميم، ومنها: الحواميم سبع، وأبواب النار سبع: جهنم، والحطمة، ولظى، والسعير، وسقر، والهاوية، والجحيم. فكل حم تقف يوم القيامة على باب من هذه الأبواب فتقول: لا يدخل النار من كان يؤمن بي ويقرؤني.\n(^٢) عقبة بن أبي معيط هذا كان أمويا وقتل كافرًا بعد وقعة بدر بيوم واحد، فلما رآه أبو بكر ﵁ قد خنق النبي - ﷺ - دفعه وقال ﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم﴾ فكان خيرا من مؤمن آل فرعون الذي يكتم إيمانه.\n(^٣) ﴿ادعوني﴾ اعبدوني ﴿أستجب لكم﴾ أثبكم، وداخرين: ذليلين، فكل دعاء في القرآن فمعناه العبادة لهذا.\n(^٤) بسند صحيح.","vol":"4","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-866>سورة فصلت </span>(^١)\nمكية وهي ثلاث وخمسون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ (^٢) أَوْ ثَقِفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلٌ فِقْهُ\nقُلُوبِهِمْ (^٣)، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ: قَالَ الْآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَزنَا وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَزنَا فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ الآيَةَ (^٤). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-867>سورة الشورى </span>(^٥)\nمكية إلا أربع آيات (^٦) وهي ثلاث وخمسون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ (^٧)\n_________\nسورة فصلت\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^١) سميت بهذا لقوله تعالى ﴿كتاب فصلت آياته﴾، وتسمى حم السجدة وسورة المصابيح لذكر آيتيهما فيها.\n(^٢) رجل من ثقيف اسمه عبد ياليل بن عمرو، والقرشيان: صفوان وربيعة ابنا أمية.\n(^٣) كبار الأجسام صغار المعقول والأفهام ولذا جهل اثنان منهم أن الله يسمع كل شيء.\n(^٤) ﴿وما كنتم تستترون﴾ عند عمل الفواحش من ﴿أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم﴾ عند استتاركم أن الله لا يعلم كثيرا ما كنتم تعملون ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ أهلككم ﴿فأصبحتم من الخاسرين﴾ نسأل الله السلامة آمين.\n\nسورة الشورى\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^٥) سميت بهذا لقوله تعالى ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ وتسمى سورة حم عسق.\n(^٦) أولها ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾.\n(^٧) في كل يد كتاب مرئي أو هو كناية عن الفراغ من الحكم على العباد.","vol":"4","page":226},{"text":"فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا هذَانِ الْكِتَابَانِ؟» قُلْنَا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلا أَنْ تُخْبِرَنَا فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى: «هذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ ثُمَّ أَجْمَلَ عَلَى آخِرِهِمْ (^١) فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا». ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ: «هذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ ثُمَّ أَجْمَلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا»، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيَدَيْهِ فَنَبَذَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: «فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ الْعِبَادِ» ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِير (^٢)﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْقَدَرِ (^٣).\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَجِلْتَ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ فَقَالَ: «إِلا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ (^٤)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَكُلُّ نَبِيَ كَانَ (^٥): الزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَالْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللهِ، وَالْمُتَسَلِّطُ بِالْجَبَرُوتِ\n_________\n(^١) أي أبانهم تماما، فأهل الجنة معلومون واحدا واحدا نسأل الله أن نكون منهم آمين.\n(^٢) فنبذهما أي رمي الكتابين وأشار بيديه كمن يصنع ذلك، ثم قال: فرغ ربكم من العباد أي حكم بينهم وجعلهم قسمين قسم للجنة وقسما للنار، نعوذ بالله منها ونسأله الجنة آمين.\n(^٣) بسند صحيح.\n(^٤) فسعيد فهم أن المراد بالقربى قربى آل محمد - ﷺ - فيشمل قريشًا كلهم ويكون الخطاب لجميع المكلفين، فقال ابن عباس: أسرعت وأخطأت فإن الخطاب لقريش، أي لا أسألكم على التبليغ أجرًا إلا أن توادوا النبي - ﷺ - للقرابة التي بينكم وبينه أي أنا لا أطلب منك أجرا أصلا، وتقدم هذا في فضائل آل البيت ﵃ آمين.\n(^٥) لأنهم كفروا إن علوا ذلك واستحلوه.","vol":"4","page":227},{"text":"لِيُعِزَّ بِذلِكَ مَنْ أَذَلَّ اللهُ وَيُذِلَّ مَنْ أَعَزَّ اللَّهُ، وَالْمُسْتَحِيلُ لِحُرُمِ اللَّهِ (^١)، وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ (^٢)، وَالتَّارِكُ لِسُنَّتِي (^٣)».\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُصِيبُ عَبْدًا نُكْتَةٌ (^٤) فَمَا فَوْقَهَا أَوْ دُونَهَا إِلا بِذَنْبٍ وَمَا يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أَكْثَرُ» قَالَ وَقَرَأَ: ﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾. رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٥).\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ\nحَكِيمٌ (^٦)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيَ إِلا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^٧)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْإِيمَانِ.\n_________\n(^١) أي للمحرمات.\n(^٢) والظالم لأهل البيت وهو مستحل لظلمه بل كل ظلم حرام ولكنه لآل البيت أكبر.\n(^٣) والتارك لشريعة النبي - ﷺ - وهو يستحل هذا.\n(^٤) النكتة كالنقطة والمراد هنا جرح صغير.\n(^٥) الأول في القدر بسند صحيح والثاني هنا بسند غريب.\n(^٦) ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا﴾ إلا أن يوحى إليه وحيًا في المنام أو الإلهام ﴿أو من وراء حجاب﴾ أو إلا أن يكلمه من وراء حجاب ولا يراه كما وقع لموسى ﵇ ﴿أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء﴾ جبريل فيوحي للنبي بإذن الله ما أمره الله به ﴿إنه عليٌّ﴾ عن صفات المحدثين ﴿حكيم﴾ في صنعه بعباده جل وعلا.\n(^٧) فكل نبي أيده الله بمعجزات تكفي للإيمان به. ونبينا محمد - ﷺ - أعطى من المعجزات كثيرا ولا سيما القرآن الذي يتلى ما دامت الدنيا وهو مملوء بالآيات البينات ومحفوظ بعناية الله تعالى، ولهذا كانت الأمة المحمدية أكثر الأمر. صلى الله على نبيها وسلم، نسأل الله أن نكون من خيارها آمين.","vol":"4","page":228},{"text":"<span data-type='title' id=toc-868>سورة الزخرف </span>(^١)\nمكية وهي تسع وثمانون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلا أُوتُوا الْجَدَلَ»، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هذِهِ الْآيَةَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلَا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (^٢)﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُنَادِي مُنَادٍ (^٤) إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأْسُوا أَبَدًا (^٥)» فَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ (^٦).\n_________\nسورة الزخرف\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^١) سميت بهذا لقوله تعالى فيها ﴿وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين﴾ الزخرف: الذهب والزينة.\n(^٢) أول الآية ﴿وقالوا﴾ المشركون ﴿أآلهتنا خير أم هو﴾ عيسى ﵇ ﴿ما ضربوه﴾ هذا المثل ﴿لك إلا جدلا﴾ خصومة بالباطل ﴿بل هم قوم خصمون﴾ شديدو الخصومة، فلما نزل قوله تعالى ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ قالوا: رضينا أن تكون آلهتنا مع عيسى لأنه عبد من دون الله، وهذا جدل باطل، فإنهم يعلمون أن ﴿ما﴾ لغير العاقل، فخرج عيسى ﵇.\n(^٣) بسند صحيح.\n(^٤) أي في أهل الجنة.\n(^٥) لا ينالكم بؤس أبدا. وسيأتي وصف الجنة وافيًا في كتاب القيامة إن شاء الله.\n(^٦) ولكن الترمذي في سورة الزمر ومسلم في صفة الجنة، نسأل الله الفردوس الأعلى آمين.","vol":"4","page":229},{"text":"<span data-type='title' id=toc-869>سورة الدخان </span>(^١)\nمكية وهي سبع وخمسون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: إِنَّ قُرَيْشًا لَمَّا اسْتَعْصَوْا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (^٢) دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي\nيُوسُفَ (^٣) فَأَصَابَهُمْ قَحْطٌ وَجَهْدٌ حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الْجَهْدِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَسْقِ اللَّهَ لِمُضَرَ فَإِنَّهَا قَدْ هَلَكَتْ (^٤) قَالَ: «لِمُضَرَ؟ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ» فَاسْتَسْقَى لَهُمْ فَسُقُوا فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾ فَلَمَّا أَصَابَتْهُمُ الرَّفَاهِيَةُ عَادُوا إِلَى حَالِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلا وَلَهُ بَابَانِ بَابٌ يَصْعَدُ مِنْهُ عَمَلُهُ وَبَابٌ يَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ فَإِذا مَاتَ بَكَيَا عَلَيْهِ فَذلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَآءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ (^٥)﴾». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦).\n_________\nسورة الدخان\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^١) سميت بهذا القول الله تعالى فيها ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾.\n(^٢) أظهروا العصيان والبقاء على الشرك.\n(^٣) أعني سني القحط.\n(^٤) اطلب من الله المطر لقومك فامتنع - ﷺ - أولا ثم حن عليهم ثانيًا فدعا لهم فنزل الغيث عليهم فأخصب عيشهم فعادوا لحالهم، وفي رواية: لا رأى النبي - ﷺ - من كفار مكة إعراضًا مستمرًا عن الإسلام دعا عليهم بالقحط فأخذتهم سنة أهلكت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع، وينظر أحدهم إلى السماء فيري كهيئة الدخان فأتاه أبو سفيان فقال يا محمد: إنك جئت تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم، فأنزل الله تعالى ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم﴾ إلى قوله ﴿إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون﴾.\n(^٥) ﴿فما بكت عليهم﴾ على قوم فرعون لما هلكوا ﴿السماء والأرض وما كانوا منظرين﴾ مؤخرين حتى يتوبوا، فمفهومه أن المسلم لما يموت يبكي عليه مصلاه من الأرض وأبوابه في السماء بل وتشهد له في الآخرة.\n(^٦) بسند غريب. نسأل الله الأنس في كل حال آمين.","vol":"4","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-870>سورة الجاثية </span>(^١)\nمكية وهي سبع وثلاثون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (^٢)». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-871>سورة الأحقاف </span>(^٤)\nمكية وهي خمس وثلاثون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\nكَانَ مُعَاوِيَةَ ﵁ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْحِجَازِ مَرْوَانَ فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيد بْنَ مُعَاوِيَةَ كَيْ يُبَايَعَ لَهُ بَعْدَ أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا، فَقَالَ: خُذُوهُ فَدَخَلَ\n_________\nسورة الجاثية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^١) سميت بهذا لقول الله تعالى فيها ﴿وترى كل أمة جاثية﴾ على الركب يوم القيامة، وتسمى سورة الشريعة لقوله تعالى ﴿ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها﴾.\n(^٢) يؤذيني ابن آدم أي بلسانه كسبّ الدهر إذا أصابه مكروه بنحو قوله: بئس الدهر، وتبًّا له، وأنا الدهر. أي خالقه، بيدي الأمر كله حتى الليل والنهار، فمن سب الدهر لشيء آلمه فكأنه سب الله تعالى لأنه الخالق لكل شيء وهذا من وادي الآية القائلة ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر﴾ فإنهما يذمان من ينسب الأمور إلى الدهر وما الدهر إلا خلق من خلق الله تعالى.\n(^٣) وسيأتي في كتاب الأدب إن شاء الله تعالى.\n\nسورة الأحقاف\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^٤) سميت بهذا لقول الله تعالى فيها ﴿واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف﴾ جمع حقف وهو التل من الرمل، والمراد هنا واد باليمن كانت فيه ديار عاد.","vol":"4","page":231},{"text":"بَيْتَ عَائِشَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ مَرْوَانُ: إِنَّ هذَا الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ الآيَةَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ إِلا أَنَّهُ أَنْزَلَ عُذْرِي (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ (^٢) إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ، قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ (^٣)، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةُ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ مَا يُؤْمِنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ». عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيح وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقالُوا هذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا (^٤). رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n_________\n(^١) فمعاوية ولى على المدينة مروان وأمره أن يخطب الناس على المنبر ويحثهم على مبايعة يزيد ابنه إذا تنازل له أبوه عن الخلافة؛ ففعل فرد عليه عبد الرحمن بقوله: هرقلية إن أبا بكر والله ماجعها في أحد من ولده ولا أهل بيته، فقال مروان: خذوه، فالتجأ إلى بيت أخته عائشة فتركوه، فقال مروان: هذا الذي ذمه القرآن بقوله ﴿والذي قال لوالديه أف لكما﴾ أتضجر منكم ﴿أتعداني أن أخرج﴾ من قبري ﴿وقد خلت القرون من قبلي﴾ ولم تخرج من قبورها ﴿وهما يستغيثان الله﴾ يسألانه الغوث برجوعه ويقولان له ﴿ويلك آمن﴾ بالله وبالبعث ﴿إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين﴾ ما هذا القول إلا أكاذيب الأولين، وبعد الخطبة ذهب مروان لبيت عائشة فكلمها فيما حصل من أخيها فقالت له: كذبت والله ما نزل القرآن فينا بشيء إلا ببراءتي، ورأى مروان في الآية ضعيف فإن عبد الرحمن أسلم فكان من خيار المسلمين والآية في الكافر العاق لوالديه والله أعلم.\n(^٢) جمع لهاة وهي اللحمة الحمراء المعلقة في أعلى الحنك.\n(^٣) التغير والكراهة.\n(^٤) القوم في الموضعين هم عاد قوم هود ﵇، والنكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى إلا لقرينة كما هنا فتكون عينها وكقوله تعالى ﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾، فعاد أهلكوا ريح صرصر عاتية رأوها كسحاب لقوله تعالى ﴿فلما رأوه عارضًا مستقبل أوديتهم﴾ سحابًا عارضا في السماء سائرا نحوهم ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ قال تعالى ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ وهلكوا رجالا ونساء وأطفالا وأموالا وبقي هود ومن آمن به وهم أربعة آلاف، حوط حولهم بخط فكانت الريح لا تعدوه.","vol":"4","page":232},{"text":"وَلِلشَّيْخَيْنِ (^١): «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ (^٢)».\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم\nمُّنذِرِينَ (^٣)﴾.\nقَالَ عَلْقَمَةُ ﵁ قُلْتُ لِابْنِ مَسْعُودٍ: هَلْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ مِنْكُمْ أَحَدٌ؟ قَالَ: لَا وَلكِنْ قَدِ افْتَقَدْنَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ بِمَكَةَ فَقُلْنَا اغْتِيلَ أَوِ اسْتُطِيرَ (^٤) فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ حَتَّى إِذَا أَصْبَحْنَا إِذَا نَحْنُ بِهِ يَجِيءُ مِنْ قِبَلِ حِرَاءٍ فَذَكَرُوا لَهُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ فَقَالَ ﷺ: «أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ فَأَتَيْتُهُمْ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ فَانْطَلَقَ فَأَوَانَا آثَارَهُمْ وَأَثَرَ نِيرَانِهِمْ (^٥)» وَسَأَلُوهُ الزَّادَ فَقَالَ: «كُلُّ عظْمٍ يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا كَانَ لَحْمًَا وَكُلُّ بَعَرَةٍ أَوْ رَوْثَةٍ عَلَفٌ لِدوابِّكُمْ (^٦)» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا (^٧) فَإِنَّهُمَا زَادُ إِخْوَانِكُمُ الْجنِّ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٨).\n_________\n(^١) سيأتي في الجهاد إن شاء الله.\n(^٢) الصبا كالعصا، وتسمى القبول وهي الريح التي تهب من جهة مطلع الشمس ونصر بها النبي - ﷺ - في غزوة الأحزاب، والدبور كالزبور التي تهب من جهة الغرب وبها هلكت عاد.\n(^٣) ﴿وإذ صرفنا﴾ أملنا ﴿إليك نفرا من الجن﴾ النفر والنفير من ثلاثة رجال إلى عشرة وكانوا هنا سبعة من جن نصيبين بلد باليمن ﴿يستمعون القرآن﴾ منك وأنت نازل بطن نخلة وعائد من الطائف بعد موت أبي طالب وخديجة ﵄ ولم يكن معه إلا تابعه زيد بن حارثة ﴿فلما حضروه قالوا﴾ بعضهم لبعض ﴿أنصتوا فلما قضى﴾ فرغ النبي - ﷺ - من القراءة ﴿ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابًا﴾ قرآنا ﴿أنزل من بعد موسى﴾ وكانوا يهودا فإن الجن فيهم اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان وهم مكلفون كالإنس ﴿مصدقا لما بين يديه يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم * يا قومنا أجيبوا داعي الله﴾ محمدا - ﷺ - ﴿وآمنوا به يغفر﴾ الله تعالى ﴿لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم﴾ فأجابوا وأسلم منهم سبعون ﵃.\n(^٤) اغتيل أو استطير أي هل اغتاله أحد أو طار به من بيننا شيء تلك الليلة فيظهر أن هذه غير مرة عوده من الطائف فإنه مكث فيهم شهرًا يدعوهم للإسلام فأبوا فعاد لمكة وسمعه نفر الجن في طريقه كما ورد في الآية.\n(^٥) وكانوا من جن الجزيرة.\n(^٦) يذكر اسم الله عليه حين ذبحه أو حين أكله أو حين رميه، والبعرة من ذي الظلف والخف كالإبل، والروثة من ذي الحافر كالحمار.\n(^٧) بهما أي العظم والفضلة بنوعيها فإنهما زاد إخوانكم فلا تنجسوهما.\n(^٨) بسند صحيح.","vol":"4","page":233},{"text":"وَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ ﵁: مَنْ آذَنَ النَّبِيَّ ﷺ بِالْجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ؟ قَالَ: آذَنَتْ بِهِمْ شَجَرَةٌ (^١). وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا بَالُ الْعَظْمِ وَالرَّوْثِ لَا يُسْتَنْجَى بِهِمَا؟ قَالَ: «هُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنَّ، وَإِنَّهُ أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ\nنَصِيبِينَ (^٢) وَنِعْمَ الْجِنُّ فَسَأَلُونِي الزَّادَ فَدَعَوْتُ اللَّهَ لَهُمْ أَلا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَة إِلا وَجَدُوا عَلَيْهِ طَعَامًا (^٣)». رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-872>سورة محمد ﷺ </span>(^٤)\nمدنية وهي تسع وثلاثون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً (^٥)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحِقْوِ الرَّحْمنِ فَقَالَ: مَهْ، قَالَتْ: هذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: أَلَا تَرضينَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَال فَذَاكِ (^٧)».\n_________\n(^١) هذا في النفر الذي أخبر عنه القرآن. وأما جن الجزيرة فإنهم دعوه عندهم وبات عندهم وكان وحده.\n(^٢) لعلهم عادوا للنبي - ﷺ - مرة أخرى بعد إيمانهم.\n(^٣) إلا وجدوه أحسن ما كان، فينبغي وضع العظم في مكان طاهر وتركه يسيرًا قبل إلقائه مع الكناسة حتى يطعم منه مؤمنو الجن.\n\nسورة محمد - ﷺ -\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^٤) سميت بهذا لقول الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ وتسمى سورة القتال للامر بقتال الكفار فيها.\n(^٥) وفي رواية: مائة مرة إجابة لأمر الله تعالى. وسيأتي في كتاب الذكر صيغ استغفاره - ﷺ -.\n(^٦) بسند صحيح.\n(^٧) الحقو الإزار والخصر. والمراد هنا شدة القرب، فلما تم حكم الله في خلقه قامت الرحم - القرابة - فاستجارت بربها، فقال: مه، أي ما مرادك؟ قالت: أقوم أمامك مقام المستجير، قال: يرضيك أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك، قالت: نعم، قال: فهذا لك.","vol":"4","page":234},{"text":"قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ (^١): اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ﴾. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ إِنْ تَوَلَّيْنَا اسْتُبْدِلُوا بِنَا ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَنَا (^٢)، قَالَ: وَكَانَ سَلْمَانُ بِجَنْب النَّبِيِّ ﷺ فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى فَخِذِ\nسَلْمَانَ (^٣) وَقَالَ: «هذَا وَأَصْحَابُهُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ مَنُوطًا بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ فَارِسَ (^٤)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-873>سورة الفتح </span>(^٥)\nمدنية وهي تسع وعشرون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَرَ قَدَمَاهُ (^٦)\nفَقُلْتُ: لِمَ تَصْنَعُ هذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ:\n_________\n(^١) وفي رواية: قال رسول الله - ﷺ - اقرءوا إن شئتم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ لعلكم إن أعرضتم عن الإيمان ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ كما كنتم في الجاهلية، والحديث رواه أحمد وفيه: أنها تتكلم بلسان طلق ذلق.\n(^٢) سألوا النبي - ﷺ - حينما كان يقرأ ﴿وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾.\n(^٣) وفي رواية: على منكبه.\n(^٤) وفي رواية: لو كان الإيمان معلقًا بالثريا لناله رجال من فارس. وهذا حق فإن رجال الحديث وأساطينه ما كانوا إلا من فارس وقد ظهرت شمسهم في القرن الثالث فأضاءت مشارق الأرض ومغاربها ﵃، وتقدم فضل فارس في الفضائل.\n\nسورة الفتح\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^٥) سميت بهذا لبدئها بقول الله تعالى ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينا﴾.\n(^٦) تتشقق، وفي رواية: حتى تورمت قدماه.","vol":"4","page":235},{"text":"«أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا (^١)»، فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ ثُمَّ رَكَعَ (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ مَرْجِعَهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ (^٣) فَقَالَ ﷺ: «لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عَلَى الْأَرْضِ» ثُمَّ قَرَأَهَا عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: هَنِيئًا مَرِيئًا يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكَ مَاذَا يَفْعَلُ بِكَ فَمَاذَا يَفْعَلُ بِنَا؟ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا (^٤)﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: إِنَّ هذِهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ: ﴿يأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ قَالَ فِي التَّوْرَاةِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظَ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ ولكِنْ يَعْفُوَ وَيَصْفَحُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ فَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا (^٦). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (^٧)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي وَائِلٍ ﵁ قَالَ:\n_________\n(^١) فغفران الله تعالى لي نعمة عظيمة يجب عليّ شكرها بالعبادة والتهجد.\n(^٢) فيه تصريح بزيادة جسمه الشريف - ﷺ - في آخر حياته ولكنها زيادة لم تجعله مطهمًا بل متناسبة مع قوامه - ﷺ -.\n(^٣) حينما عادوا منها.\n(^٤) تمام الآية ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.\n(^٥) بسند صحيح.\n(^٦) تقدم هذا في كتاب النبوة.\n(^٧) ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ سمرة من الطلح وهو الموز بالحديبية، وقعت المبايعة هناك بين النبي - ﷺ - وأصحابه وهم ألف وأربعمائة على قتال قريش وألا يفروا من الموت ﴿فعلم﴾ الله ﴿ما في قلوبهم﴾ الأصحاب من الصدق والوفاء ﴿فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا﴾ هو فتح خيبر بعد عودهم من=","vol":"4","page":236},{"text":"كُنَّا بِصِفِّينَ (^١) فَقَالَ رَجُلٌ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذينَ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: نَعَمْ، فَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُشْرِكِينَ وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ (^٢) عَلَى البَاطِلِ؟ أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي\nدِينِنَا (^٣) وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا، فَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا فَرَجَعَ مُتَغَيِّظًا فَلَمْ يَصْبِرْ حَتَّى جَاءَ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ (^٤). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الْحُدَيْبِيَةِ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ ثَمَانِينَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مِنْ جَبِلِ التَّنْعِيمِ\n_________\n= الحديبية، سبب تلك المبايعة أن النبي - ﷺ - وأصحابه أرادوا عمرة فسافروا لملكة فمنعهم المشركون عند الحديبية فبعث النبي - ﷺ - لهم رسولا يخبرهم أنهم جاءوا لعمل عمرة وما جاءوا لحرب؛ فقالوا لا يمكن دخولهم مكة، فبعث لهم عثمان ﵁ فأخبرهم بمرادهم فصمموا على رأيهم بل واحتبسوا عثمان عندهم؛ فلا سمع بهذا النبي - ﷺ - بايع المسلمين على حربهم فلما علم الكفار بهذا أرسلوا عثمان وعشرة من المسلمين كانوا بمكة بإذن من النبي - ﷺ -.\n(^١) صفين موضع بجوار الفرات كانت فيه حرب بين معاوية وعليّ ﵄ فلا أشرف جيش معاوية على الهلاك اتفقوا على أن يرسلوا المصحف إلى عليّ ﵁ ويطلبوا الصلح على كتاب الله فلما أرسلوا المصحف لعليّ ﵁ قال: أنا أولى بالإجابة إذا دعيت للعمل بكتاب الله، فكره بعض الجند ونددوا على ذلك؛ فقال سهل ردا عليهم لا تكرهوا الصلح فإننا كرهناه يوم الحديبية وكانت عقباه خيرًا لنا وكان عمر وعلي أكثر الناس كراهة له ﵃.\n(^٢) وهم أي المشركون.\n(^٣) الدنية أي الخصلة الدنية وهي المصالحة بهذه الشروط الدالة على\nالعجز وهي: لا يدخلون مكة إلا في العام القابل، ولا يمكثون أكثر من ثلاثة أيام، ولا يكون معهم سلاح إلا السيف والقوس ونحوها، ومن أتاه مسلمًا من المشركين رده إليهم ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه، وهذا كان شديدا على الأصحاب ولكن كانت عاقبته الخير.\n(^٤) تعلن بأن النبي - ﷺ - والمسلمين سينصرون قريبًا على المشركين وسيفتحون مكة المكرمة وكان كذلك فكان وعد الله مفعولا.","vol":"4","page":237},{"text":"عِنْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ وَهُمْ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ فَأُخِذُوا أَخْذًا فَأَعْتَقَهَمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^١) فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى» قَالَ: لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ (^٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-874>سورة الحجرات </span>(^٣)\nمدنية وهي ثمان عشرة آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمِّرِ الْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدٍ، وَقَالَ عُمَرُ: أَمِّرِ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إِلا خِلافِي، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ فَتَمَارَيَا (^٤) حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فَنَزَلَ: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (^٥)﴾ ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي مُلَيْكَةَ ﵁ قَالَ: كَادَ الْخَيِّرَانِ أَنْ يَهْلِكَا\n_________\n(^١) فالنبي - ﷺ - وصحبه وهم بالحديبية في صلاة الصبح نزل عليهم من التنعيم ثمانون رجلا وأحاطوا بعسكر المسلمين فأخذوهم وذهبوا بهم إلى النبي - ﷺ - فعفا عنهم وخلى سبيلهم فكان هذا سببًا للصلح بينهم.\n(^٢) فمن قال بها وقام بحقها فهو من المتقين. نسأل الله أن نكون منهم آمين.\n\nسورة الحجرات\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(^٣) سميت بهذا لقول الله تعالى فيها ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ وهذه أول سور المفصل لكثرة الفصل فيه بالسور أو لأنه محكم لا نسخ فيه.\n(^٤) تجادلا.\n(^٥) لا تفتاتوا على رسول الله حتى يقضى الله على لسانه ما يشاء.","vol":"4","page":238},{"text":"أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ (^١) رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْبُ بَنِي تَمِيمٍ فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ وَأَشَارَ الْآخَرُ بِرَجُلٍ آخَرَ (^٢) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: مَا أَرَدْتَ إِلا خِلَافِي، فَقَالَ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فِي ذلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الْآيَةَ (^٣). قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَمَا كَانَ عُمَرُ يُسْمِعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هذِهِ الآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ افْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ (^٤) فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ فِي بَيْتِهِ جَالِسًا مُنَكِّسًا رَأْسَهُ فَقَالَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: شَرٌّ كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ (^٥) فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: «اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَلكِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ (^٦)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٧).\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ فِي قَوْلِهِ: ﴿إَنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ قَالَ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ جَمْدِي زَيْنٌ وَإِنَّ ذَمِّي شَيْنٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ذَاكَ اللَّهُ (^٨)».\n_________\n(^١) بيان للخيرين تثنية خير وهو كثير الخير.\n(^٢) بيانه في الرواية السالفة.\n(^٣) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ إذا تكلمتم ﴿فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إذا تكلم ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ إذا ناجيتموه ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ بل دون هذا إجلالا له ﴿أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾ فصار جماعة من الصحب يخفضون أصواتهم عند النبي - ﷺ - فنزل فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ﴾ اختبر ﴿اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.\n(^٤) وكان خطيب الأنصار لفصاحته.\n(^٥) يريد بهذا نفسه لعلو صوته.\n(^٦) ونعمت البشارة هذه.\n(^٧) ولكن البخارى هنا ومسلم في الإيمان.\n(^٨) فظاهره أن الآية نزلت في هذا ولكن قال الجلال ﵁ إنها نزلت في وفد جاءوا للنبي - ﷺ - وقت الظهيرة ولم يعلموه في أي حجرة من حجر نسائه فنادوه جميعًا كل منهم خلف حجرة بغلظة وجفاء فنزلت فيهم هذه الآية وبعدها ﴿ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم﴾ فالواجب على كل مسلم الأدب في حضرة النبي - ﷺ -، ولو كان يزور قبره لأنه حي فيه ومجلس حديث النبي - ﷺ - كجلسه.","vol":"4","page":239},{"text":"قَرَأَ أَبُو سَعِيدٍ: ﴿وَآعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ (^١)﴾ قَالَ: هذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ يُوحَى إِلَيْهِ وَخِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ لَوْ أَطَاعَهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لعَنِتُوا فَكَيْفَ بِكُمُ الْيَوْمَ. رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيَ (^٣) فَرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ حِمَارًا وَانْطَلَقَ إِلَيْهِ مَعَ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَتِ الْأَرْضُ سَبَخَةً فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي (^٤) فَوَاللَّهِ لَقَدْ آذَاني نَتْنُ حِمَارِكَ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: وَاللَّهِ لِحَمَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ وَغَضِبَ لِلْأَنْصَارِيِّ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ قَالَ: فَكَانَ بَيْنَهُمْ ضَرْبٌ بِالْأَيْدِي وَالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ قَالَ: فَبَلَغَنَا أَنَّهُ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا (^٥)﴾. رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْجِهَادِ.\nقَالَ أَبُو جُبَيْرَةَ بْنُ الضَّحَّاكِ: كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا يَكُونُ لَهُ الاِسْمَانِ وَالثَّلَاثَةَ فَيُدْعَى بِبَعْضِهِمَا فَعَسَى أَنْ يَكْرَهَ فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَا تَنَابَزُواْ بِالأَلْقَابِ (^٦)﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٧).\n_________\n(^١) ﴿لو يطيعكم في كثير من الأمر﴾ الذي تخيرون فيه ونزل على رأيكم ﴿لعنتم﴾ أثمتم فإذا كان هذا في حال النبوة مع خيار الأمة فكيف بعدهم، فينبغي التأني في الأمور ومشاورة أهل الرأي فيها وتمحيصها قبل السير فيها لقول الله تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.\n(^٢) الأول بسند حسن والثاني بسند صحيح.\n(^٣) ابن سلول وعرضت عليه الإسلام لأسلم.\n(^٤) أي لا تقربني.\n(^٥) وورد في سببها أن النبي - ﷺ - ذهب لعيادة سعد بن عبادة في بني الحارث فمرّ في طريقه على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود فسلم عليهم النبي - ﷺ - ونزل عن دابته وقرأ عليهم القرآن وكان في المجلس عبد الله بن أبي بن سلول فرد على النبي - ﷺ - ردا غير حسن فرد عليه عبد الله بن رواحة وانتصر للنبي - ﷺ - فثار المجلس فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا أن يقتتلوا فسكتهم النبي - ﷺ - ثم ذهب لعيادة سعد بن عبادة فنزل ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ﴾ ترجع ﴿إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ الحق ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ اعدلوا ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.\n(^٦) أي لا يدع بعضكم بعضا بلقب يكرهه، ومنه قولهم: يا كلب، يا حمار، يا دون ونحوها.\n(^٧) بسند صحيح.","vol":"4","page":240},{"text":"وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْأَدَبِ بِلَفْظِ قَدِمَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ وَمَا مِنَّا رَجُلٌ إِلا وَلَهُ اسْمَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «يَا فُلَانُ» فَيَقُولُونَ مَهْ (^١) يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَغْضَبُ مِنْ هذَا الاِسْمِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ (^٢) وَتَعَاظمَهَا بِآبَائِها. فَالنَّاسُ رَجُلَانِ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ. وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى (^٣)﴾» الآيَةَ.\n\n• عَنْ سَمُرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْحَسَبُ الْمَالُ وَالْكَرَمُ التَّقْوَى». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-875>سورة ق </span>(^٥)\nمكية وهي خمس وأربعون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُقَالُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، فَيَضَعُ الرَّبُّ ﵎ قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتَقُولُ قَطٍ قَطٍ (^٦)» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) مه أي انكف يا رسول الله.\n(^٢) فخرها وكبرها.\n(^٣) ﴿ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ آدم وحواء ﵉ ﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾ الشعوب: جمع شعب ككعب وهو أعلى طبقات النسب. والقبائل: جمع قبيلة وهي دون الشعب، وبعدها العمائر. فالبطون، فالأفخاذ، فالفصائل، فالعشائر، وكل واحدة داخلة فيما قبلها، وذلك كفخذ العباس من بطن هاشم من عمارة قصي من قبيلة قريش من شعب كنانة، كنتم هكذا لتعارفوا لا لتتفاخروا فإنما الفخر بالتقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ببواطنكم كظواهركم.\n(^٤) الأول بسند غريب والثاني بسند صحيح.\n\nسورة ق مكية وهي خمس وأربعون آية\n(^٥) سميت بهذا لبدئها بقول الله تعالى ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ وق علمه عند الله تعالى، وقيل جبل محيط بالأرض.\n(^٦) قط بالسكون والكسر مع التنوين وهذا كقوله تعالى ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ\n_________\n(*) إلا آية ٣٨ فإنها مدنية.","vol":"4","page":241},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَحَاجَّتِ الْجَنَّةَ وَالنَّارُ (^١) فَقَالَتِ النَّارُ: أَوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ (^٢)، قَالَ اللَّهُ ﷿ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَلْؤُهَا (^٣) فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ قَطٍ قَطٍ فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ ﷿ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا (^٤)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nقَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ (^٥) كَمَا تَرَوْنَ هذَا لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ (^٦) فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (^٧)﴾. رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (^٨)﴾.\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَمَرَهُ أَنْ يُسَبِّحَ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا (^٩). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n_________\n=امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ فجهنم عظيمة جدا ولا تزال تقول هل من مزيد حتى يتجلى الله عليها بالقهر فتخضع وتذل وتقول قط قط أي حسبي فقد اكتفيت.\n(^١) تخاصمتا بلسان الحال أو المقال.\n(^٢) السقط كسبب الساقط من أعين الناس لتواضعه وذله لربه تعالى.\n(^٣) وفي نسخة ولكل منكما ملؤها.\n(^٤) لم تعمل خيرا فتملأها، وفي رواية لمسلم: يبقى من الجنة ما شاء الله ثم ينشئ الله لها خلقًا مما يشاء. وفي رواية: لا يزال في الجنة فضل أي زائد فينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة.\n(^٥) في الجنة إن شاء الله.\n(^٦) لا ينالكم ضيم وظلم في رؤيته برؤية البعض دون البعض وستأتي رؤية الله في كتاب القيامة.\n(^٧) فالتسبيح قبل طلوع الشمس بصلاة الصبح وقبل الغروب بصلاة العصر، وتقدم هذا في فضائل الصلاة.\n(^٨) ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ بصلاة العشاءين ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ بصلاة النوافل عقب الفرائض كذا قال المفسرون.\n(^٩) وقال ابن عباس ﵄: هو التسبيح عقب الصلاة. وقد سبق في كتاب الصلاة والله أعلم.","vol":"4","page":242},{"text":"<span data-type='title' id=toc-876>سورة الذاريات </span>(^١)\nمكية وهي ستون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ الْبَكْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٢) فَذَكَرْتُ عِنْدَهُ وَافِدَ عَادٍ فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِثْلَهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَا وَافِدُ عَادٍ (^٣)»؟ قُلْتُ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ (^٤) إِنَّ عَادًا لَمَّا أَقْحَطَتْ بَعَثَتْ قَيْلًا (^٥) فَنَزَلَ عَلَى بَكْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ (^٦) فَسَقَاهُ الْخَمْرَ وَغَنَتْهُ الْجَرَادَتَانِ (^٧) ثُمَّ خَرَجَ يُرِيدُ جِبَالَ مَهَرَةَ (^٨) فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ آتِكَ لِمَرِيضٍ فَأُدَاوِيَهُ وَلَا لِأَسِيرٍ فَأُدَادِيَهُ فَاسْقِ عَبْدَكَ مَا كُنْتَ مُسْقِيَهُ وَاسْقِ مَعَهُ بَكْرَ بْنَ مُعَاوَيَةَ (^٩) فَرُفِعَ لَهُ سَحَابَاتٌ فَقِيلَ لَهُ: اخْتَرْ إِحْدَاهُنَّ فَاخْتَارَ مِنْهُنَّ السَّوْدَاءَ فَقِيلَ لَهُ خُذْهَا رَمَادًا رَمْدَدًا لَا تَذَرُ مِنْ عَادٍ أَحَدًا (^١٠) وَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّيحِ إِلا قَدْرُ هذِهِ الْحَلْقَةِ يَعْني حَلْقَةَ الْخَاتَمِ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ ﴿مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (^١١)﴾. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ. نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الصِّنَاعَةِ وَالرِّوَايَةِ آمِين.\n_________\nسورة الذاريات مكية وهي ستون آية\n(^١) الذاريات هي الرياح التي تذرو الهشيم والتراب.\n(^٢) وفي رواية: قدمت على رسول الله - ﷺ - أشكو العلاء بن الحضرمي (وكان واليًا عليهم) فدخلت المسجد فإذا هو غاص بالناس وفيه رايات سود تخفق وبلال متقلد بسيفه بين يدي رسول الله - ﷺ -؛ قلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص في جيش.\n(^٣) النبي - ﷺ - يعرفه ولكنه يريد أن يسمع عنه.\n(^٤) مثل سائر في العرب أي على الخبير بهذا سقطت.\n(^٥) بعثت رجلا اسمه قيل إلى الحرم يستسقى لهم.\n(^٦) بمكة المكرمة ومكث عنده شهرا.\n(^٧) جاريتان مشهورتان بحسن الصوت والغناء.\n(^٨) ليقف عليها ويطلب من الله السقيا. ومهرة كبقرة حي من العرب.\n(^٩) يشكر له حسن ضيافته له.\n(^١٠) فظهرت له في السماء عدة سحابات وسمع منها من يقول له اختر إحداهن؛ فاختار السوداء فقيل له خذها رمادا رمددا أي متناهية في الشدة والحرارة وهذا للمبالغة كيوم أيوم وليل أليل.\n(^١١) ﴿وفي عاد﴾ وفي هلاكهم آية على وحدانيته جل شأنه ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ التي =","vol":"4","page":243},{"text":"<span data-type='title' id=toc-877>سورة الطور </span>(^١)\nمكية وهي تسع وأربعون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقَالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ ﵁: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ فَلَمَّا بَلَغَ هذِهِ الآيَاتِ: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ (^٢)﴾ ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (^٣)﴾ ﴿أَمْ خَلَقُواْ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ (^٤)﴾ ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ (^٥)﴾ كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ (^٦). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ: «إِدْبَارَ النُّجُومِ الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ (^٧)». نَسْأَلُ اللَّهَ تَمَامَ التَّوْفِيقِ آمِين.\n_________\n= لا تحمل مطرا ولا تلقح شجرا وهي الدبور ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ﴾ نفس أو مال ﴿أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ البالى المتفتت أو الرماد أو التراب المدقوق (هذا) فصادف طلب سقياهم هذا وهلاكهم إحقاق العذاب عليهم بتكذيب نبيهم هود ﵇، نسأل الله السلامة آمين.\n\nسورة الطور مكية وهي تسع وأربعون آية\n(^١) سميت بهذا لقول الله تعالى ﴿وَالطُّورِ﴾ الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ التوراة أو القرآن أو كل الكتب المنزلة على الأنبياء ﵈ ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ السماء ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ المملوء ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ بمستحقيه ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ عنه ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ تتحرك وتدور ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ فتصير هباء منثورا، وهذا في يوم القيامة.\n(^٢) من غير إله.\n(^٣) لأنفسهم ولا يعقل مخلوق بدون خالقه ولا معدوم بخلق.\n(^٤) ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ولا يقدر على هذا إلا الله الواحد القادر فلم لا يعبدونه ويؤمنون برسوله وبكتابه ولكنهم لا يوقنون به تعالى.\n(^٥) ﴿خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾ من النبوة والرزق وغيرها فيخصون من شاءوا بما شاءوا ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ الجبارون.\n(^٦) مما تضمنته من الحجج البالغة.\n(^٧) هذا بيان لقوله تعالى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ بكثرة التسبيح أو بصلاة العشاءين ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ عقب غروبها بالتسبيح، أو بصلاة الصبح فدخل فيه الركعتان قبل الصبح كما دخلت سنة المغرب في أدبار السجود.","vol":"4","page":244},{"text":"<span data-type='title' id=toc-878>سورة النجم</span>\nمكية وهي اثنتان وستون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقَالَ الشَّيْبَانِيُّ ﵁: سَأَلْتُ زِرًّا (^١) عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى﴾ ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ (^٢). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَقَالَ مَسْرُوقٌ ﵁ لِعَائِشَةَ ﵂: أَيْنَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ قَالَتْ: ذَاكَ جِبْرِيلُ كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرِّجَالِ وَإِنَّهُ أَتَاهُ هذِهِ الْمَرَّةَ فِي صُورَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ فَسَدَّ الْأُفُقَ (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ جِبْرِيلَ ﵇ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ: مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَمَرَّةً فِي جِيَادٍ (^٤) لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ ﷺ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي ذَرَ لَوْ أَدْرَكْتُ النَّبِيَّ ﷺ لَسْأَلْتُهُ، فَقَالَ: عَمَّا كُنْتَ تَسْأَلُهُ؟ قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُهُ هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟ قَالَ: قَدْ سَأَلْتُهُ فَقَالَ: «نُورًا أَنى أَرَاهُ (^٥)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ.\n_________\nسورة النجم مكية وهي اثنان وستون آية\n(^١) هو ابن حبيش.\n(^٢) يتناثر منها تهاويل من الدر والياقوت، وللترمذي: رأى محمد - ﷺ - جبريل في حلة من رفرف ﴿سُنْدُسٍ﴾ قد ملأ ما بين السماء والأرض.\n(^٣) فكل مرة كان جبريل يأتي في صورة دحية الكلبي أو غيره من الأصحاب إلا ليلة الإسراء فإنه رآه عند سدرة المنتهى في صورته الأصلية.\n(^٤) اسم مكان بمكة أو بحراء.\n(^٥) أي رأيت نورا فكيف أراه جل شأنه، وعبارة مسلم برفع لفظ نور أي المرئي إلى نور فكيف أراه أي ما رأيته، وبيان الآيات على هذه الروايات ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ أي قرب النبي - ﷺ - من جبريل وزاد قربه منه وهو على صورته الملكية ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ أي قدر قوسين أو أقل ثم أفاق وسكن روعه ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ أوحى الله =","vol":"4","page":245},{"text":"• عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ، قُلْتُ: أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ قَالَ: وَيْحَكَ ذَاكَ إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ الَّذِي هُوَ نُورُهُ (^١) وَقَالَ: أُرِيَهُ مَرَّتَيْنِ.\nقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَقِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَعْبًا ﵃ بِعَرَفَةَ فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَكَبَّرَ حَتَّى جَاوَبَتْهُ الْجِبَالُ (^٢)، فَقَالَ ابْنُ عبَّاسٍ: إِنَّا بَنُو هَاشِمٍ (^٣) فَقَالَ كَعْبٌ: إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَمُوسى فَكَلَّمَ مُوسى مَرَّتَيْنِ وَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٤).\nوَقَالَ أَنَسٌ ﵁: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَهُ. رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِإِسْنَادٍ قَوِيَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قَالَ: رآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ (^٥). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n_________\n= تعالى لعبده جبريل ما أوحاه إلى النبي - ﷺ - ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ما أنكر فؤاد النبي - ﷺ - ما رآه ببصره من صورة جبريل الأصلية، وسبق شيء من هذا في تفسير سورة الأنعام \"مرويات مسلم هنا في كتاب الإيمان\".\n(^١) فإذا تجلى بنوره الذي هو نور فلا يمكن المخلوق رؤيته وإلا احترق للحديث السابق في آية الكرسي: حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، ولكنه تعالى تجلى لمحمد - ﷺ - بغير ذلك حتى رآه - ﷺ -.\n(^٢) كبر برفع صوت وإخلاص حتى سمع صداه من الجبال.\n(^٣) فلا تزهو علينا بسؤالي لك.\n(^٤) الأول بسند حسن والثاني لا طعن فيه.\n(^٥) رأى النبي - ﷺ - ربه بفؤاده وبصره مرتين لقوله ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ما رآه وهو الله تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ أي النبي - ﷺ - رأى ربه ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾ مرة أخرى في أول البعثة، وعلى هذا يكون معنى الآيات السالفة ما يأتي ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ أي تجلى الله تعالى بالقرب على محمد - ﷺ - حتى وصل إلى مكان لم يصل إليه مخلوق ﴿فَأَوْحَى﴾ أي الله تعالى ﴿إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ إلى عبده محمد - ﷺ - من العلوم والمعارف والأسرار ما لا يعلمه إلا الله جل شأنه، فابن عباس وأنس وكعب يقولون إن النبي - ﷺ - رأى ربه، وعلى هذا الجمهور. قال العارف البرعي ﵁:\nوإن قابلت لفظة لن تراني … بما كذب الفؤاد فهمت معنى\nفموسى خر مغشيًا عليه … وأحمد لم يكن ليزيغ ذهنا\nوأولوا نصوص نفي الرؤية برؤية الإحاطة أو على تلك الحال التي قالها ابن عباس وقال جماعة: إن الرؤية في الدنيا لم تقع لأحد الأحاديث الأول، والله أعلم وعلمه أكمل.","vol":"4","page":246},{"text":"قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: لَمَّا بَلَغ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى قَالَ: «انْتَهَى إِلَيْهَا مَا يَعْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ وَمَا يَنْزِلُ مِنْ فَوْقُ (^١)»، قَالَ: فَأَعْطَاهُ اللَّهُ عِنْدَهَا ثَلَاثًا لَمْ يُعْطِهِنَّ نَبِيًّا قَبْلَهُ: فُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ خَمْسًا، وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِأُمَّتِهِ الْمُقْحِمَاتُ (^٢) مَا لَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾.\nقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: رَأَى رَفْرَفًا أَخْضَرَ قَدْ سدَّ الْأُفُقَ (^٣) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: الَّلاتَ وَالْعُزَّى كَانَ اللاَّتُ رَجُلًا يَلُتُّ سَوِيقَ الْحَاجِّ (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ (^٥). قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:\n«إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمّ تَغْفِر جَمَّا … وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا» (^٦)\nرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٧).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ (^٨).\nوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيهَا سَجْدَةٌ وَالنَّجْمِ فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَجَدَ مَنْ خَلْفَهُ إِلّا رَجُلًا رَأَيْتُهُ أَخَذَ كَفًّا مِنْ تَرَاب، وَسَجَدَ عَلَيْهِ فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذلِكَ قُتِلَ كَافِرًا (^٩). رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ. نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ آمِين.\n_________\n(^١) علة التسمية. وسدرة المنتهى شجرة عظيمة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، فيها من كل فاكهة وما من قصر في الجنة إلا وفيه غصن منها، وفيها آيات كثيرة.\n(^٢) المقحمات الذنوب العظيمة.\n(^٣) الرفرف هنا البساط العظيم الحديث الحاكم: أبصر النبي - ﷺ - جبريل على رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض.\n(^٤) قيل هذا الرجل عمرو بن لحي أو صرمة بن غنم كان يأت السمن والسويق عند صخرة ويطعمه الحاج فلما مات عبدوا ذلك الحجر إجلالا لهذا الرجل وسموه باسمه.\n(^٥) اللمم صغار الذنوب كالنظرة واللمسة والقبلة.\n(^٦) إن تغفر يا الله فاغفر جما أي غفرانا عظيما وأى عبد لك لا ألما وقع في اللمم، وهذا ليس إنشاء منه - ﷺ - بل إنشاد لهذا البيت وهو لأمية بن الصلت فلا يعارض قوله تعالى ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾.\n(^٧) بسند صحيح.\n(^٨) أي سجد الحاضرون كلهم تبعا له - ﷺ - المسلون منهم اقتداء به، والمشركون منهم لوهمهم أن السجود للات والعزى، أو لمعارضة المسلمين بالسجود لآلهتهم.\n(^٩) هو أمية بن خلف.","vol":"4","page":247},{"text":"<span data-type='title' id=toc-879>سورة القمر</span>\nمكية وهي خمس وخمسون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً (^١) فَانْشَقَّ الْقَمَرُ بِمَكَّةَ فَنَزَلَتِ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ ﴿وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ﴿وَإِن يَرَوْاْ آيَةً﴾ ﴿يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ (^٢).\nوَقَالَ عَبْدُ اللَّهُ ﵁: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى فَانْشَقَّ الْقَمَرُ فِلْقَتَينِ فِلْقَةٌ مِنْ وَرَاءَ الْجَبَلِ وَفِلْقَةٌ دُونَهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اشْهَدُوا». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ وَالشَّيْخَانِ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى صَارَ فِرْقَتَيْنِ عَلَى هذَا الْجَبَلِ وَعَلَى هذَا الْجَبَلِ (^٣)، فَقَالُوا: سَحَرَنَا مُحَمَّدٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ كَانَ سَحَرَنَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ (^٤).\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (^٥).\nقَالَ قَتَادَةُ ﵁: أَبْقَى اللَّهُ سَفِينَةَ نوحٍ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَائِلُ هذِهِ الْأُمَّةِ.\n_________\nسورة القمر مكية وهي خمس وخمسون آية\n(^١) معجزة تدل على نبُوَّته.\n(^٢) ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ قربت القيامة ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ انفلق فلقتين نزلت إحداهما على أبي قبيس والأخرى على قعيقعان جبلان بمكة ﴿وَإِنْ يَرَوْا﴾ كفار قريش ﴿آيَةً﴾ معجزة له - ﷺ -: ﴿يُعْرِضُوا﴾ عنه ﴿وَيَقُولُوا﴾ له هذا ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قوي دائم حيث تعدى إلى السماء.\n(^٣) أبي قبيس وقعيقعان السالفين.\n(^٤) أي اسألوا أهل الآفاق هل رأوا ذلك، فكفار قريش كانوا يظنون أن كل معجزة منه - ﷺ - سحر فطلبوا آية سماوية واتفقوا على انشقاق القمر فتواعدوا في ليلة واجتمعوا فلما جاء الوقت قال - ﷺ -: انظروا فنظروا جميعا فرأوا أن القمر انشق شقتين نزلت كل واحدة وحدها فقال - ﷺ - اشهدوا، فقالوا لقد سحر الأرض والسماء إن هذا سحر مستمر.\n(^٥) ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا﴾ سفينة نوح ﴿آيَةً﴾ لمن يعتبر بها ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ معتبر يتعظ بها فإنها بقيت بالجودي - جبل بجزيرة العرب قرب الموصل - حتى رآها أوائل الأمة المحمدية.","vol":"4","page":248},{"text":"• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ وَهوَ فِي قُبَّةٍ يَومَ بَدْرٍ: «اللَّهُمَّ أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ تَشَأْ لَا تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ» (^١)، فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ وَهُوَ يَثِبُ فِي الدِّرْعِ (^٢) فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ (^٣). رَوَاهُمَا البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخَاصِمُونَ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْقَدَرِ فَنَزَلَتْ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (^٤). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ فِي الْقَدَرِ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْنَتَيْهِ الرُّمَّانُ (^٥) فَقَالَ: «أَبِهذَا أُمِرْتُمْ أَمْ بِهذَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هذَا الْأَمْرِ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَلا تَتَنَازَعُوا فِيهِ (^٦)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْقَدَرِ.\n_________\n(^١) إن تشأ هلاك جماعة المؤمنين هذه لا يعبدك أحد.\n(^٢) يقوم فيه.\n(^٣) وكان كذلك فهزموا وولوا على أدبارهم ذليلين.\n(^٤) في القدر بقولهم: إنه لا قدر؛ فنزلت ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ ويقال لهم ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ عذابها ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ خلقنا كل شيء بتقدير سابق عليه.\n(^٥) كأن في وجنتيه حبيبات زمان.\n(^٦) عزمت عليكم أي أمرتكم أمرا مؤكدا ألا تتنازعوا فيه بعد هذا فإنه سر مكتوم. وسبق هذا وافيًا في الإيمان بالقدر والله أعلى وأعلم.","vol":"4","page":249},{"text":"<span data-type='title' id=toc-880>سورة الرحمن</span>\nمكية وهي ثمان وسبعون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمنِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا فَسَكَتُوا فَقَالَ: «لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الجِنِّ لَيْلَةَ الْجِنِّ فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ (^١) كُنْتُ كَلَّمَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قَالُوا لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكَ الْحَمْدُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (^٢).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْس ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا (^٣) وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلا رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ (^٤)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٥).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُهَا سِتّونَ مِيلًا، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الآخَرِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُونَ (^٦)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الرِّوَايَةِ آمِين.\n_________\nسورة الرحمن مكية وهي ثمان وسبعون آية\n(^١) كانوا أحسن ردا منكم لأنهم كانوا كلما قرأت عليهم ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قالوا لا بشيء من نعمك يا ربنا نكذب فلك الحمد، ومعناها فبأي نعمة من نعم ربكما أيها الإنس والجن تكذبان وتنكران، أي لا يمكن ذلك.\n(^٢) فكل إنسان خاف ربه واتقاه وخالف نفسه وهواه له جنتان أي بستانان ومن دونهما جنتان أيضا قيل إحداهما له والأخرى لزوجاته كعادة الأكابر في الدنيا.\n(^٣) قال ابن عباس. الجنتان بستانان في عرض الجنة كل بستان مسيرة مائة عام في وسط كل بستان دار من نور وليس منهما شيء إلا يهتز نعمة وخضرة قرارها ثابت وشجرها ثابت، وفيها من كل فاكهة لا مقطوعة ولا ممنوعة.\n(^٤) المراد بالوجه الذات، والمراد بالرداء صفة الجلال والعظمة كحديث \"الكبرياء ردائي والعظمة إزاري\" وفي جنة عدن ظرف للقوم.\n(^٥) ولكن البخاري هنا ومسلم في الإيمان.\n(^٦) هذا من قوله تعالى ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ أي محبوسات فيهن وقصر طرفهن وأنفسهن على أزواجهن لا يبغين غيرهم بل متعشقات فيهم. نسأل الله رضاه والجنة آمين.","vol":"4","page":250},{"text":"<span data-type='title' id=toc-881>سورة الواقعة </span>(^١)\nمكية وهي سبع وتسعون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً (^٢) يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، وَاقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾». رَوَاهُ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: «ارْتِفَاعُهَا كا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَسِيرَةُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُمَائَةِ عَامٍ».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قَالَ: «مِنَ الْمُنْشَآتِ الَّتِي كُنَّ فِي الدُّنْيَا عَجَائِزَ عُمْشًا رُمْصًا (^٣)». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٤).\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ (^٥) ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٦). قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ، قَالَ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَالْوَاقِعَةُ وَالْمُرْسَلَاتُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (^٧)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٨).\n_________\nسورة الواقعة مكية وهي سبع وتسعون آية\n(^١) سميت بهذا لقول الله تعالى ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ قامت القيامة ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ نفس تكذبها وتنفيها كما كان في الدنيا ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ خافضة لقوم بدخولهم النار ورافعة لقوم بدخولهم الجنة ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ زلزلت زلزالا شديدا ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ فتتت ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كالغبار المنتشر.\n(^٢) الشجرة قيل هي طوبى.\n(^٣) ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ الحور العين من غير ولادة، ونساء الدنيا أيضا لقوله من المنشآت التي كن في الدنيا عجائز، عمشا جمع عمشاء ضعيفة البصر، رمصا جمع رمصاء وهي وسخة العين.\n(^٤) بسندين غريبين.\n(^٥) حكمنا به على كل مخلوق فلا يستطيع أحد رده.\n(^٦) ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي بعاجزين ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ﴾ أي نجعل ﴿أَمْثَالَكُمْ﴾ مكانك ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من الصور كالقردة والخنازير.\n(^٧) لما فيهن من قصص الأنبياء وهلاك الأمم والعبر والمواعظ والآيات البينات والحجج الدامغات وذكر الموت والجنة والنار. وروي عن أبي على الشبوي أنه رأى النبي - ﷺ - في النوم؛ فقال يا رسول الله: روي عنك أنك قلت شيبتني هود، قال: نعم، قال: ما الذي شيبك منها؟ قال: قوله تعالى ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾.\n(^٨) بسند حسن.","vol":"4","page":251},{"text":"• عَنْ عَلِيَ رضي الله عنهعَنِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قَالَ: «شُكْرَكُمْ تَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا وَبِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا (^١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢) وَلَفْظَ مُسْلِمٍ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ قَالُوا هذِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ (^٣) وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا (^٤)» فَنَزَلَتْ هذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إِلَى ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (^٥) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-882>سورة الحديد </span>(^٦)\nمدنية وهي تسع وعشرون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَبِسُّ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ وَأَصْحَابُهُ إِذْ أَتَى عَلَيْهِمْ سَحَابُ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ تَدْرونَ هذَا؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هذَا الْعَنَان (^٧) هذِهِ رَوَايَا الْأَرْضِ (^٨) يَسُوقُهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْكُرُونَهُ وَلَا يَدْعُونَهُ (^٩)»، قَالَ:\n_________\n(^١) ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي شكر رزقكم من المطر ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ سقيا الله لكم حيث تقولون: مطرنا بنجم كذا وكذا.\n(^٢) تقدم هذا في الاستسقاء وفي مزاعم الجاهلية ولفظ مسلم هذا في الإيمان.\n(^٣) هذا قول الشاكر وهو المؤمن.\n(^٤) هذا قول الكافر.\n(^٥) أولها ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ بمساقطها لغروبها، ولا زائدة ﴿وَإِنَّهُ﴾ القسم بها لقسم ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ﴾ المتلو عليكم ﴿لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ مصون من التغيير والتبديل وهو المصحف ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ من الأحداث وهذا إخبار يراد به الإنشاء ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ العَالَمين * أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ القرآن ﴿أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ متهاونون مكذبون ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾.\n\nسورة الحديد مدنية وهي تسع وعشرون آية\n(^٦) سميت بهذا القول الله تعالى فيها ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾.\n(^٧) العنان كالسحاب وزنا ومعنى.\n(^٨) جمع راوية وهي ما تروى الأرض بالماء.\n(^٩) يسوقه أي العنان إلى قوم لا يدعونه أي لا يعبدونه.","vol":"4","page":252},{"text":"«هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَكُمْ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولَهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهَا سَقْفٌ مَحْفُوظٌ وَمَوْجٌ مَكْفُوفٌ (^١)»، قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَها»؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ (^٢)». ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذلِكَ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ فَوْقَ ذلِكَ سَمَاءَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ حَتَّى عَدَّدَ سَبْعَ سَمَواتٍ مَا بَيْنَ كُلِّ سَمَاءَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ». ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذلِكَ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ فَوْقَ ذلِكَ الْعَرْشَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ بُعْدُ مِثْلِ مَا بَيْنَ السَّمَاءَيْنِ». ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا الَّذِي تَحْتَكُمْ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: «فَإِنَّهَا الْأَرْضُ». ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا الَّذِي تَحْتَ ذلِكَ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: «فَإِنَّ تَحْتَهَا الْأَرْضَ الْأُخْرَى بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ حَتَّى عَدَّدَ سَبْعَ أَرضينَ بَيْنَ كُلِّ أَرضينِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ» (^٣).\nثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّكُمْ دَلَّيْتُمْ رَجُلًا بِحَبْلٍ إِلَى الْأَرْضِ السُّفْلَى لَهَبَطَ عَلَى اللَّهِ (^٤)» ثُمَّ قَرَأَ ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٥). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦).\n_________\n(^١) الرفيع: الأمر الرفيع، وسقف محفوظ مصون، وموج مكفوف عن البعثرة والتلف أي لون السماء كون موج البحار.\n(^٢) أي بالسير المعتاد بالرواحل، وإلا فملائكة الرحمن تنزل إلى الأرض في طرفة عين.\n(^٣) صريح في أن السموات سبع طبقات منفصلات بعضهن فوق بعض وكذا الأرضون ولا بعد ولا غرابة فقدرة الله صالحة لكل شيء.\n(^٤) على عمله وقدرته فإن ربنا في كل مكان بعلمه وصفاته كقدرته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه جل شأنه.\n(^٥) ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ قبل كل شيء بلا بداية ﴿وَالْآخِر﴾ بعد كل شيء بلا نهاية ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بآثاره قال القائل:\nففي كل شيء له آية … تدل على أنه الواحد\n﴿وَالْبَاطِنُ﴾ عن إدراك الحواس، وقيل الظاهر فليس فوقه شيء والباطن فليس دونه شيء ولا مانع من إرادتهما ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\n(^٦) بسند غريب.","vol":"4","page":253},{"text":"قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللَّهُ بِهذِهِ الآيَةِ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ إِلَا أَرْبَعُ سِنِينَ (^١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-883>سورة المجادلة </span>(^٢)\nمدنية وهي ثنتان وعشرون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ﵁ قَالَتْ: ظَاهَرَ مِنِّي زَوْجي أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَشْكُو إِلَيْهِ فَجَادَلَنِي فِيهِ وَقَالَ: «اتَّقي اللَّهَ فَإِنَّهُ ابْنُ عَمّكِ» فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إِلَى الْفَرْضِ (^٣) فَقَالَ: «يُعْتِقُ رَقَبَةً». قَالَتْ: لَا يَجِدُ. قَالَ: «يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ». قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ. قَالَ: «فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا». قَالَتْ: مَا عِنْدَهُ شَيْءٌ يَتَصَدَّقُ بِهِ. قَالَتْ: فَأُتِيَ سَاعَتَئِذٍ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنِّي أُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ. قَالَ:\n_________\n(^١) لما تيسرت الأمور للأصحاب ونالتهم رفاهية العيش فرح بعضهم وفتر عما كان عليه وأكثر من المزاح فعتب الله عليهم بقوله ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ يحن ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ القرآن ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ الزمن بينهم وبين أنبيائهم ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ لم تلن لذكر الله ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى آمين.\n\nسورة المجادلة مدنية وهي ثنتان وعشرون آية\n(^٢) سميت بهذا الذكر المجادلة فيها.\n(^٣) فلما أخبرت النبي - ﷺ - بأن زوجها قال لها: أنت على كظهر أي، قال: حرمت عليه. فحلفت أنه ما ذكر طلاقا قال: حرمت عليه. وكان الظهار قبل هذا فرقة مؤبدة فرفعت رأسها إلى السماء وقالت أشكو إلى الله فاقتي فأنزل الله ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ إلى الفرض أي إلى ما فرض الله من الكفارة وهي ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ إلى ﴿سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ فأخبرها رسول الله - ﷺ - بالكفارة ثم تعود لزوجها، فكانت هذه السيدة سببا في إبدال حكم الظهار.","vol":"4","page":254},{"text":"«قَدْ أَحْسَنْتِ اذْهَبِي فَأَطْعِمِي عَنْهُ بِهَا سِتِّينَ مِسْكِينًا وَارْجِعِي إِلَى ابْنِ عَمِّكِ». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١).\nقَالَ أَنَسٌ ﵁: أَتَى يَهُودِيٌّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ فَقَالَ: السَّامُ عَلَيْكُمْ (^٢) فرَدّ عَلَيْهِ الْقَوْمُ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ هذَا؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ سَلَمَ يَا نَبيّ اللَّهِ قَالَ: «لَا وَلكِنَّهُ قَالَ كَذَا وَكذا رُدُّوهُ عَلَيّ» فَرَدُّوهُ فَقَالَ: قُلْتُ السّامُ عَلَيْكُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ ﷺ عِنْدَ ذلِكَ: «إِذَا سَلّم عَلَيْكُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقُولُوا عَلَيْكَ مَا قُلْتَ» قَالَ: ﴿وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ﴾ ﴿بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ (^٣).\nقَالَ عَلِيٌّ ﵁: لَمْا نَزَلَتْ: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (^٤) قَالَ لِيَ النّبيُّ ﷺ: «ما تَرَى؟ دِينارًا؟» قُلْتُ: لا يُطِيقُونَهُ قَالَ: «فَنِصْفَ دِينارٍ»؟ قُلْتُ: لَا يُطِيقُونَهُ. قَالَ: «فَكَمْ»؟ قُلْتُ: شعِيرَةً، قَالَ: «إِنّكَ لزَهِيدٌ» (^٥) فَنَزَلَتْ: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ الْآيَةَ. قَالَ: «فَبِي خفَّفَ اللَّهُ عَنْ هذِ الْأُمّةِ (^٦)». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٧).\n_________\n(^١) ولكن الترمذي لسلمة بن صخر بسند صحيح، وسبق الظهار وافيا في كتاب النكاح.\n(^٢) السام: الموت، وهو مراده.\n(^٣) ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ﴾ أي اليهود ﴿حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ بما لم يشرعه، وهو السام عليك.\n(^٤) ﴿نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ أي أردتم مناجاته ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ﴾ قبلها ﴿صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n(^٥) شعيرة أي وزن شعيرة ذهبا، قال إنك لزهيد أي قليل.\n(^٦) فبسبب شفقة علي ﵁ وتقديره القليل خفف الله عن الأمة ونسخ وجوب الصدقة قبل المناجاة بقوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.\n(^٧) الأول بسند صحيح والثاني بسند حسن.","vol":"4","page":255},{"text":"<span data-type='title' id=toc-884>سورة الحشر </span>(^١)\nمدنية وهي أربع وعشرون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﵁ قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ التَّوْبَةِ (^٢) قَالَ: التَّوْبَةِ هِيَ الْفَاضِحَةُ مَا زَالَتْ تَنْزِلُ وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهَا لَمْ تُبْقِ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلا ذُكِرَ فِيهَا. قُلْتُ: سُورَةُ الْأَنْفَالِ (^٣)؟ قَالَ: نَزَلِتَ فِي بَدْرٍ. قُلْتُ: سُورَةُ الْحَشْرِ؟ قَالَ: نَزَلَتْ فِي بَنِي النَّضِيرِ (^٤). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nقَالَ ابْنُ عُمَرَ: حَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ - وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (^٥). رَوَاهُ الْبُخَارِي وَالتِّرْمِذِيُّ.\nقَالَ عُمَرُ ﵁: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ (^٦)\n_________\nسورة الحشر مدنية وهي أربع وعشرون آية\n(^١) سميت بهذا لقوله تعالى فيها ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ فالحشر الأول إخراج اليهود من ديارهم، والحشر الثاني إخراج عمر إياهم من الجزيرة إلى الشام.\n(^٢) استفهام إنكاري.\n(^٣) ما سبب نزولها.\n(^٤) قبيلة من اليهود.\n(^٥) البويرة: موضع بقرب المدينة فيه نخل لبني النضير وكانوا عاهدوا النبي - ﷺ - حينما دخل المدينة على ألا يكونوا معه ولا عليه؛ فلما حصلت وقعة أُحد عاهدوا قريشًا على حرب النبي - ﷺ -، فأخبره جبريل بذلك فذهب النبي - ﷺ - لقتالهم فتحصنوا بحصونهم فحاصرهم النبي - ﷺ - إحدى وعشرين ليلة وأمر بقطع نخلهم وتحريقه ليخرجوا من حصونهم فما خرجوا وقالوا: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد فكيف بقطع النخل وتحريقه؛ فوقع في نفوس المسلمين شيء من هذا فأنزل إليه ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ نخلة ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، لا حرج عليكم في ذلك ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ اليهود في اعتراضهم عليكم، فلما طال حصارهم ووقع الرعب في قلوبهم طلبوا الصلح من النبي - ﷺ - فصالحهم على الجلاء وليس لهم من مالهم إلا حمل بعير لكل أهل بيت كما يشاءون من أمتعتهم ولا يحملون شيئًا من السلاح فخرجوا من مدينتهم كلهم إلا أهل بيتين فلحقوا بخيبر ولم يسلم منهم أحد إلا سفيان بن عمير وسعد بن وهب فأحرزا مالهما.\n(^٦) لم يوجف: لم يسرع المسلمون عليه بخيل ولا ركاب إبل، فالفيء: الذي أتى بدون مشقة.","vol":"4","page":256},{"text":"فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً يُنْفِقُ مِنْهَا عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُوتَشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ» فَبَلَغَ ذلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ تُسَمَّى أُمَّ يَعْقُوبَ فَجَاءَتْ فَقَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ فَقَالَ. وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَقَالَتْ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ مَا تَقُولُ قَالَ: لَوْ قَرَأَتِيهِ لَوَجَدْتِيهِ، أَمَا قَرَأْتِ: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ﴾ (^٢) قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْهُ، قَالَتْ: فَإِنِّي أَرى أَهْلَكَ يَفْعَلُونَهُ، قَالَ: فَاذْهَبِي فَانْظُرِي، فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ مِنْ حَاجَتِهَا شَيْئًا، فَقَالَ: لَوْ كَانَتْ كَذلِكَ مَا جَامَعْتُهَا (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعَتُمْ (^٤) فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nقَالَ عُمَرُ ﵁: أُوصِي الْخَلِيفَةَ بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ\n_________\n(^١) الكراع: الخيل، فكانت أموال بني النضير لرسول الله - ﷺ - ولقرباه من بني هاشم وبني المطلب ولليتامى الفقراء وللمساكين وابن السبيل كشأن كل فيء لقوله تعالى ﴿وَمَا أَفَاءَ﴾ ما رد ﴿اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ كالصفراء ووادي القرى وأرض قريظة والنضير بقرب المدينة وفدك على ثلاثة أميال منها وينبع وقرى عرينة ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ بني هاشم وبني المطلب ﴿وَالْيَتَامَى﴾ الفقراء ﴿وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فظاهر الآية أن التخميس للمال كله وليس مرادا بل المراد التخميس في خمس واحد كذا قال بعض الأئمة ﵃.\n(^٢) ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ من مال وعلم ﴿فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\n(^٣) أي ما سكنت معي في بيت واحد، وسبق هذا في كتاب اللباس.\n(^٤) فالحديث مقيد للآية كقوله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وأما المنهي عنه فيجتنب كله.","vol":"4","page":257},{"text":"أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ بِالانْصَارِ الَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُهَاجِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَعْفُوَ عَنْ مُسِيئِهِمْ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَنِي الْجَهْدُ (^٢) فَأَرْسلَ إِلَى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ: «أَلَا رَجُلٌ يُضَيِّفُهُ هذِهِ اللَّيْلَةَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ»، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ (^٣)، فَذَهَب إِلى أَهْلِهِ فَقَالَ لاِمْرَأَتِهِ: ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا تَدَّخِرِيهِ شَيْئًا، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلا قُوتُ الصِّبْيَةِ، قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ الْعَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ (^٤) وَتَعَالَي فَأَطْفِيءَ السِّرَاجَ وَنَطْوِي بُطُونَنَا (^٥) اللَّيْلَةَ فَفَعَلَتْ، ثُمَّ غَدا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ أَوْ ضَحِكَ اللَّهُ ﷿ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (^٦). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ. نَسْأَلَ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضى.\n_________\n(^١) هذه بعض وصيته وهو في مرض الموت ﵁، وتقدم هذا في الفضائل.\n(^٢) رجل هو أبو هريرة، والجهد: الجوع الشديد.\n(^٣) هو أبو طلحة زيد بن سهل؛ وقوله لا تدخريه شيئًا أي أكرميه غاية جهدك.\n(^٤) أشغلهم عن طعامهم حتى يناموا فيبقى الطعام للضيف.\n(^٥) فإذا وضعت الطعام أمامنا فأطفئي السراج وأظهري أنك تصلحينه؛ فعملت وصار أبو طلحة يتظاهر بالأكل ولا يأكل حتى أكل الضيف وشبع، وبات أبو طلحة وزوجته وأولاده جياعا.\n(^٦) فلما أصبح أبو طلحة وذهب للنبي - ﷺ - قال له: لقد عجب أو ضحك ربك من صنعك أنت وامرأتك الليلة وتقبله قبولا حسنا وأنزل فيهما ﴿وَيُؤْثِرُونَ﴾ غيرهم ﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ حاجة إلى ما قدموه ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ نسأل الله السماحة آمين.","vol":"4","page":258},{"text":"<span data-type='title' id=toc-885>سورة الممتحنة </span>(^١)\nمدنية وهي ثلاث عشرة آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ فَقَالَ: «انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً (^٢) مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا»، فَذَهَبْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا (^٣) حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوضَةَ فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ، قَالَتْ: مَا مَعِيَ، فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ أَوْ لَتُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا (^٤) فَأَتَيْنَا بِهَا النَّبِيَّ ﷺ فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِمَّنْ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ ﷺ (^٥): «مَا هذَا يَا حَاطِبُ؟» قَالَ: لَا تَعْجَلَ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مِنْ قُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (^٦) وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوالَهُمْ بِمَكَّةَ فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي النَّسَبُ فِيهِمْ أَنْ أَصْطَنِعَ إِلَيْهِمْ يَدًا يَحْمُونَ قَرَابَتِي وَمَا فَعَلْتُ ذلِكَ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ» فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَضْرِبَ عُنُقهُ، فَقَالَ: «إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ ﷿ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ\nلَكُمْ (^٧)»، وَنَزَلَتْ فِيهِ:\n_________\nسورة الممتحنة مدنية وهي ثلاث عشرة آية\n(^١) سميت بهذا لقوله تعالى فيها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾.\n(^٢) روضة خاخ: موضع بين مكة والمدينة، ظعينة: امرأة في هودج اسمها سارة.\n(^٣) تعادي أي تتباعد وتسرع بنا الخيل.\n(^٤) شعرها المضفور.\n(^٥) بعد أن أحضره أمامه.\n(^٦) كنت من قريش بالحلف والولاء ولم أكن منهم نسبا.\n(^٧) الترجي بلعل راجع إلى عمر وإلا فهو محقق عند النبي - ﷺ -، فقال تعالى مخاطبًا لأهل بدر الذين حضروا وقعتها \"اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم\" نسأل الله أن يحشرنا في زمرتهم آمين.","vol":"4","page":259},{"text":"﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ الْآيَةَ (^١). رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ (^٢)﴾ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ (^٣)﴾.\nقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمْتحِنُ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ بِهذِهِ الْآيَةِ: ﴿يأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ (^٤)﴾ إِلَى ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فَمَنْ أَقَرَّ بِهذَا الشَّرْطِ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَدْ بَايَعْتُكِ - كَلامًا - وَلَا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ فِي الْمُبَايَعَةِ مَا يُبَايعُهُنَّ إِلا بِقَوْلِهِ قَدْ بَايَعْتُكِ عَلَى ذلِكَ (^٥)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-886>سورة الصف </span>(^٦)\nمكية أو مدنية وهي أربع عشرة آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقَالَ عَبْدُ اللَّهُ بْنُ سَلَامٍ ﵁: قَعَدْنَا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَتَذَاكَرْنَا فَقُلْنَا لَوْ نَعْلَمُ\n_________\n(^١) تمامها ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ القرآن ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.\n(^٢) وكان النبي - ﷺ -، إذا جاءته المرأة لتسلم، حلفها بقولها: والله ما خرجت من بغض زوجي وما خرجت إلا حبًا لله ولرسوله، رواه الترمذي.\n(^٣) فلا تحل مؤمنة لمشرك وبالعكس.\n(^٤) تمامها ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ أي بولد ملقوط ينسبنه إلى الزوج ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قالت امرأة يا رسول الله: ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟ قال: النياحة ﴿فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n(^٥) فكانت مبايعة النبي - ﷺ - للنسوة بالكلام فقط بقوله للواحدة منهن: قد بايعتك على ذلك؛ وسبق بيعة الرجال للنبي - ﷺ - في كتاب القضاء والإمارة.\n\nسورة الصف مكية أو مدنية وهي أربع عشرة آية\n(^٦) سميت بهذا لقول الله تعالى فيها ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾.","vol":"4","page":260},{"text":"أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ لَعَمِلْنَاهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (^١)﴾ ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (^٢)﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ (^٣)﴾ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (^٤)﴾.\n\n• عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِي أَسْمَاءً أَنا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ (^٥)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-887>سورة الجمعة </span>(^٦)\nمدنية وهي إحدى عشرة آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﵁ حِينَ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْجُمُعَةِ فَتَلَاهَا فَلَمَّا بَلَغَ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هؤُلَاءِ\n_________\n(^١) نزهه عما لا يليق به من في السموات ومن في الأرضين أي السموات والأرضون وكل شيء فيهن وهو العزيز في ملكه الحكيم في صنعه.\n(^٢) تمنيتم الجهاد فلما كنتم بأحد وليتم ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وتعدد الأسباب جائز وواقع، وأفضل الأعمال الإيمان والجهاد لقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\n(^٣) خصه مع أن محمدا أشرف وأظهر لأنه المذكور في التوراة ولأنه المسمى به في السماء.\n(^٤) ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ لما جاء أحمد الكفار بالآيات الدالة على صدقه ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ما جئت به سحر بين وكفروا.\n(^٥) تقدم هذا وافيًا في كتاب النبوة.\n\nسورة الجمعة مدنية وهي إحدى عشرة آية\n(^٦) سميت بهذا لقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.","vol":"4","page":261},{"text":"الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِنَا؟ فَلَمْ يُكَلِّمْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^١)، قَالَ: وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ فِينَا فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ هؤُلَاءِ (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: أَقْبَلَتْ عِيرٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَثَارَ النَّاسُ إِلا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّواْ إِلَيْهَا (^٣)﴾. رَوَاهُ الْبُخَارِي وَالتِّرْمِذِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-888>سورة المنافقون </span>(^٤)\nمدنية وهي إحدى عشرة آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَمِّي (^٥) فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيَ ابْنَ سَلُولَ\n_________\n(^١) حتى سأل ثلاثا.\n(^٢) من فارس، ومعنى الآية \"وآخرين منهم\" عطف على ما قبلها أي\nوهو الذي بعث في الأميين رسولا منهم \"وآخرين\" الموجودين \"منهم\" والآتين منهم بعدهم \"لما\" لم \"يلحقوا بهم\" في الفضل والسبق للإسلام والشرف؛ فلما سألوا النبي - ﷺ - عنهم قال: فارس؛ لأنهم أقوى الناس إيمانا أي بعد الأصحاب ﵃.\n(^٣) أقبلت عير أي تجارة قدم بها دحية الكلبي من الشام وفيها كل ما يحتاجون إليه كدقيق وزيت يتقدمها الطبل والمزمار فرحًا بها لأنها صادفت غلاء بالمدينة وكان النبي - ﷺ - يخطب الناس يوم الجمعة فخرجوا ولم يبق إلا اثنا عشر وقيل ثلاثة عشر أو أربعة عشر أو أربعون، منهم أبو بكر وعمر وكبار الأصحاب، لهذا اختلف الأئمة في العدد الذي تنعقد به الجمعة؛ فأنزل الله تعالى ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ خرجوا للتجارة ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ وإنما خرجوا حال الخطبة لأنهم كانوا يصلون الجمعة قبلها كالعيد؛ فلما خرجوا ونزلت الآية قدم النبي - ﷺ - الخطبة وأخر الصلاة، وفي الحديث \"لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد لسال بكم الوادي نارا\" نسأل الله التوفيق آمين.\n\nسورة المنافقون مدنية وهي إحدى عشرة آية\n(^٤) سميت بهذا لأنها نزلت في المنافقين.\n(^٥) هو سعد بن عبادة أو عبد الله بن رواحة وكانوا في شدة وضنك في غزوة تبوك أو بني المصطلق وتشاجر رجل مهاجري مع رجل أنصارى وسيأتي اسمهما.","vol":"4","page":262},{"text":"يَقُولُ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَقالَ: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعْزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ (^١) فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِعَمِّي فَذَكَرَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيَ وَأَصْحَابِهِ فَحَلَفُوا مَا قَالُوا، فَصَدَّقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَذَّبَنِي، فَأَصَابَني هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ فَجَلَسْتُ فِي بَيْتِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ إِلى قَوْله: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ فَأَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَهَا عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ يَا زَيْدُ (^٢)».\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ (^٣) فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا\nلَلْأَنْصَارِ (^٤) وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمِعَ ذلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «مَا بَالُ دَعْوَى\nالْجَاهِلِيَّةِ (^٥)» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ (^٦) فَسَمِعَ بِذلِكَ ابْنُ أُبيَ فَقَالَ: فَعَلوهَا، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ (^٧) فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولِ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هذَا الْمُنَافِقِ\n_________\n(^١) يريد بالأعز نفسه وبالأذل الرسول - ﷺ - والمؤمنين.\n(^٢) فصدق الله المؤمنين وكذب المنافقين بقوله ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ إلى أن قال ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n(^٣) ضربه بيده على أليته وهم في غزوة تبوك. والمهاجري اسمه جهجاه الغفاري، والأنصاري اسمه سنان الجهني.\n(^٤) أي أغيثوني.\n(^٥) لأي شيء يدعون دعوة الجاهلية.\n(^٦) دعوها أي كلمة الجاهلية وهي يا للأنصار فإنها منتنة خبيثة.\n(^٧) بل قال: والله ما مثلنا ومثل المهاجرين إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك.","vol":"4","page":263},{"text":"فَقَالَ ﷺ: «دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ (^١)». رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ ﵁ قُلْنَا لِعَمَّارٍ: أَرَأَيْتَ قِتَالَكُمْ مَعَ عَلِيَ ﵁ لِأَهْلِ الشَّامِ أَرَأْيًا رَأَيْتُمُوهُ فَإِنَّ الرَّأْيَ يُصِيبُ وَيُخْطِئُ أَوْ عَهْدًا عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^٢) فَقَالَ: مَا عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ شَيْئًا لَمْ يَعْهِدْهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي أُمَّتِي اثْنَيْ عَشَرَ مُنَافِقًا (^٣) لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلَةُ سِرَاجٌ مِنَ النَّارِ يَظْهَرُ فِي أَكْتَافِهِمْ حَتَّى يَنْجُمَ مِنْ صُدُورِهِمْ (^٤)».\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ سَفَرٍ فَلَمَّا قَرُبَ مِنَ الْمَدِينَةِ هَاجَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ تَكَادُ أَنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ فَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «بُعِثَتْ هذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ». فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَإِذَا مُنَافِقٌ عَظِيمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ قَدْ مَاتَ (^٥).\n\n• عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ (^٦) تَعِيرُ إِلَى هذِهِ مَرَّةً وَإِلَى هذِهِ مَرَّةً». رَوَى الثَّلَاثَةَ\n_________\n(^١) فلما حصل ما حصل ونزل القرآن في المنافقين كان لعبد الله بن سلول ولد من خيار الأصحاب فتقلد سلاحه وجاء بأبيه وأوقفه أمام النبي - ﷺ - وقال له: والله لا تبرح من مكانك حتى تقر أنك الذليل وأن رسول الله - ﷺ - هو العزيز فاعترف. رضي الله عن الأصحاب كلهم.\n(^٢) هو رأي من على وأصحابه وكانوا على حق ﵃، بخلاف معاوية وصحبه فإنهم مجتهدون ولكنهم مخطئون رضي الله عن الجميع.\n(^٣) هم الذين قصدوا قتل النبي - ﷺ - مرجعه من تبوك حينما سلك طريق الثنية والقوم ببطن الوادي فأمر حذيفة أن يرجع لهم فلما أبصروه خافوا ورجعوا حتى خالطوا الناس. فقال - ﷺ - لحذيفة: هل عرفتهم؟ قال: لا فإنهم كانوا متلثمين، فقال له: أخبرني جبريل بأسمائهم وأسماء آبائهم وسأخبرك بهم صباحًا إن شاء الله؛ فمن ثم كان حذيفة أعلم الناس بالمنافقين، وكان تقاة بينهم وبين المؤمنين.\n(^٤) دماميل تنبت في أكتافهم فتظهر من صدورهم فتقتلهم.\n(^٥) أي بتلك الريح كأنها من ريح عاد.\n(^٦) المترددة بينهما، تعير أي تتردد إلى هذه مرة وإلى تلك أخرى، كذلك المنافق مذبذب بين هؤلاء وهؤلاء وله عند كل فئة وجه يلائمهم.","vol":"4","page":264},{"text":"مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْمُنَافِقِينَ.\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُبَلِّغُهُ حَجَّ بَيْتِ رَبِّهِ أَوْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَمْ يَفْعَلْ سَأَلَ الرَّجَعَةَ عِنْدَ الْمَوْت، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ اتَّقِ اللَّهَ إِنَّمَا يَسْأَلُ الرَّجْعَةَ الْكُفَّارُ، قَالَ: سَأَتْلُوا عَلَيْكَ بِذلِكَ قُرْآنًا: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إِلى آخِرِ السُّورَةِ (^١)، قَالَ: فَمَا يُوجِبُ الزَّكَاةَ؟ قَالَ: إِذَا بَلَغَ الْمَالُ مَائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا، قَالَ: فَمَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ قَالَ: الزَّادُ وَالْبَعِيرُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-889>سورة التغابن </span>(^٢)\nمدنية وهي ثمان عشرة آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ هذِهِ الْآيَةِ: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ\nفَاحْذَرُوهُمْ (^٣)﴾، قَالَ: هؤُلَاءِ رِجَالٌ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ\n_________\n(^١) تمام الآيات ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فابن عباس لهذا يقول: من قصر في الزكاة أو في الحج إذا جاءه الموت طلب الرجعة إلى الدنيا ولا يجاب في طلبه؛ وهل من قصر في فريضة يتمنى الرجعة، الظاهر نعم والله أعلم.\n\nسورة التغابن مدنية وهي ثمان عشرة آية\n(^٢) سميت بهذا لقوله تعالى ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ يوم القيامة ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ يغبن المؤمنون الكافرين بأخذ منازلهم وأهليهم في الجنة لو آمنوا ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\n(^٣) أن تطيعوهم في التخلف عن الخيرات. تمام الآية ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا﴾ لهم ما يقع منهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر لكم ويرحمكم.","vol":"4","page":265},{"text":"وَأَرَادُوا أَنْ يَأْتُوا النَّبِيَّ ﷺ (^١) فَأَبى أَزْوَاجُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ ذلِكَ وَمَنَعُوهُمْ فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَرَأَرُوا النَّاسَ قَدْ فَقِهُوا فِي الدِّينِ هَمُّوا أَنْ يُعَاقِبُوهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ (^٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صحِيحٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-890>سورة الطلاق </span>(^٣)\nمدنية وهي ثنتا عشرة آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ سَالِمٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ عُمَرُ ذلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ\nفَتَغَيَّظَ فِيهِ (^٤) ثُمَّ قَالَ: «لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يَمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فِتِلْكَ الْعِدَّةُ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ ﷿ (^٥)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nقَالَ أَبُو سَلَمَةَ ﵁: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ عِنْدَهُ فَقَالَ: أَفْتِنِي فِي امْرَأَةٍ وَلَدَتْ بَعْدَ زَوْجِهَا بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً (^٦)، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: آخِرُ الْأَجَلَيْنِ (^٧)، قُلْتُ أَنَا: وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ أَبِي سَلَمَةَ فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ غلَامَهُ كُرَيْبًا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا فَقَالَتْ: قُتِلَ زَوْجُ\n_________\n(^١) يهاجروا إليه.\n(^٢) فعفوا عنهم كما أمر الله تعالى؛ والمراد الحث على الصفح والعفو لاسيما مع الأهل والعشيرة فإنه أدعى إلى دوام الألفة والمودة.\n\nسورة الطلاق مدنية وهي ثنتا عشرة آية\n(^٣) سميت بهذا لذكر الطلاق وبيان العدة فيها.\n(^٤) أي منه.\n(^٥) في قوله جل شأنه ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، المراد هو وأمته ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ أردتم ذلك ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ لأولها بأن يكون الطلاق في طهر لم تمس فيه وهذا رحمة بالمرأة في قصر المدة ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ احفظوها فربما تراجعونهن قبل انتهائها ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ أطيعوه في أمره ونهيه، وسبق هذا في النكاح.\n(^٦) بعد وفاته بأربعين ليلة.\n(^٧) عدة الوفاة.","vol":"4","page":266},{"text":"سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ وَهِيَ حُبْلَى فَوَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَخُطِبَتْ فَأَنْكَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ أَبُو السَّنَابِلِ فِيمَنْ خَطَبَهَا (^١).\nرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-891>سورة التحريم </span>(^٢)\nمدنية وهي ثنتا عشرة آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَيَمْكثُ عِنْدَهَا فَوَاطَيْتُ (^٣) أَنَا وَحَفْصَة عَلَى أَيَّتِنَا دَخَلَ عَلَيْهَا فَلْتَقُلْ لَهُ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ (^٤) إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، قَالَ: «لَا وَلكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَلَنْ أَعُودَ لَهُ وَقَدْ حَلفْتُ لَا تُخْبِرِي بِذلِكِ أَحَدًا». رَوَاهُ الثلَاثةُ (^٥).\n_________\n(^١) سبق هذا وافيًا في باب المدة في النكاح.\n\nسورة التحريم مدنية وهي ثنتا عشرة آية\n(^٢) سميت بهذا لذكر التحريم فيها.\n(^٣) فواطيت أي اتفقت.\n(^٤) مغافير جمع مغفور - كعصفور - وهو صمغ حلو الطعم كريه الريح ينضحة شجر يسمى العرفط، فلما دخل النبي - ﷺ - على كل منهما قالت له: هل أكلت مغافير؟ قال: لا ولكني شربت عسلا عند زينب وقد حلفت لا أعود إلى شربه خوفا من الرائحة الكريهة ولكن اكتمي هذا، وفي رواية: إن صاحبة العسل هي حفصة بنت عمر ﵄ والتي دبرت الحيلة عائشة وسودة ﵄.\n(^٥) ولكن مسلم في الطلاق وأبو داود في شراب العسل، وقال أنس: إن النبي - ﷺ - كانت له أمة يطؤها (مارية القبطية التي أهداها له - ﷺ - ملك مصر) فلم تزل به حفصة وعائشة حتى حرمها فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ رواه النسائي والطبراني والضياء بسند صحيح، فصريح هذا أن الذي حرمه النبي - ﷺ - هي مارية، وعليه الخطابي ورجحه الحافظ بن حجر؛ وقال جماعة: هو العسل للحديثين الأولين وصححه ابن كثير ولو قيل بتعدد السبب لم يبعد فإن هذا كثير وعلى كل قد أحل الله له ما حرمه إذا كفر عن يمينه بقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ﴾ شرع ﴿لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ تحليلها بالكفارة المذكورة في سورة المائدة ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ قيل كفر بعتق رقبة وقيل لم يكفر لأنه مغفور له، فمن حرم شيئًا حل له بعد الكفارة، ومن قال لامرأته: أنت عليّ حرام، فإن نوى به طلاقًا وقع وإلا فعليه كفارة يمين فقط.","vol":"4","page":267},{"text":"قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: مَكَثْتُ سَنَةً أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ ﵁ عَنْ آيَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ هَيْبَةً لَهُ حَتَّى خَرَجْتُ فِي الْحَجِّ مَعَهُ فَلَمَّا رَجَعْنَا وَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ إِلَى الْأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ (^١) فَوَقَفْتُ لَهُ حَتَّى فَرَغَ ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَزْوَاجِهِ (^٢) فَقَالَ: تِلْكَ حَفْصَةَ وَعَائِشَةُ قُلْتُ: وَاللَّهِ كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هذَا مِنْ سَنَةٍ فَمَا أَسْتَطِيعُ هَيْبَةً لَكَ قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، مَا ظَنَنْتَ عِلْمَهُ عِنْدِي فَاسْأَلْنِي عَنْهُ فَإِنْ كَانَ لِي عِلْمٌ خَيَّرْتُكَ بِهِ. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ ﵁: وَاللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ وَقسَّمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ (^٣) قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا فِي أَمْرٍ أَتَأَمَّرُهُ (^٤) إِذْا قَالَتِ امْرَأَتِي لَوْ وَضَعَتْ كَذَا وَكَذَا فَقُلْتُ لَهَا: مَا لَكِ وَلِمَا ههُنَا وَمَا تَكَلُّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ فَقَالَتْ لِي: عَجَبًا لَكَ يَا بْنَ الْخَطَّابِ مَا ترِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنتَ وَإِنَّ ابْنَتَكَ (^٥) لَتُرَاجِعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ؟ فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَقَالَ لَهَا: يَا بُنَيَّةُ إِنَّكِ لَترَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: وَاللَّهِ إِنَّا لَنُرَاجِعُهُ فَقُلْتُ: تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ اللَّهِ وَغَضَبَ رَسُولِهِ ﷺ لَا تَغُرَّنَّكِ هذِهِ الَّتِي أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا وَحُبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهَا (^٦) قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لِقَرَابَتِي مِنْهَا فَكَلَّمْتُهَا فَقَالَتْ: عَجَبًا لَكَ يَا بْنَ الْخَطَّابِ دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَبْتَغِيَ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ فَأَخَذَتْنِي وَاللَّهِ أَخْذًا (^٧) كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَجِدُ، فَخَرَجْتُ وَكَانَ لِي\n_________\n(^١) عدل عن الطريق ودخل في شجر الأراك وتبرز.\n(^٢) تظاهرتا أي تعاونتا على النبي - ﷺ -؛ قال حفصة وعائشة: لإفراط غيرتهما حتى حرم ما أحل الله له.\n(^٣) أمرًا أي في الشورى، ولفظ الترمذي: كنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم.\n(^٤) أتفكر فيه.\n(^٥) حفصة أم المؤمنين.\n(^٦) يريد عائشة ﵂.\n(^٧) أقنعتني بكلامها وزال غضبي.","vol":"4","page":268},{"text":"صَاحِبٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِذَا غِبْتُ أَتَانِي بِالْخَبَرِ وَإِذَا غَابَ أَتَيْتُهُ بِالْخَبَرِ (^١) وَكُنَّا نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ سَمِعْنَا أَنَّهُ يُرِيدُ السَّيْرَ إِلَيْنَا (^٢) وَقَدِ امْتَلَأَتْ صُدُورُنَا مِنْهُ فَإِذَا صَاحِبِي الْأَنْصَارِيُّ يَدُقُّ الْبَابَ فَقَالَ: اِفْتَحْ افْتَحْ، فَقُلْتُ: جَاءَ الْغَسَّانِيُّ، قَالَ: بَلْ أَشَدُّ مِنْ ذلِكَ اعْتَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْوَاجَهُ، فَقُلْتُ: رَغَمَ أَنْفُ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ فَأَخَذْتُ ثَوْبِي فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ يَرْقَى عَلَيْهَا بِعَجَلَةٍ، وَغَلَامٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْوَدُ عَلَى رَأْسِ\nالدَّرَجَةِ (^٣) فَقُلْتُ لَهُ: قلْ هذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَذِنَ لِي، قَالَ عُمَرُ: فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هذَا الْحَدِيثَ فَلَمَّا بَلَغَتْ كَلَامَ أُمِّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ وَتَحْتَ رأْسِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظٌ مَصْبُوبٌ (^٤) وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبٌ مُعَلَّقَةٌ (^٥) فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَيْتُ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمْ فِيهِ (^٦) وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ (^٧) ﷺ، فَقَالَ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ (^٨)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) عبارة الترمذي: وكان منزلى بالعوالي في بني أمية وكان لي جار من الأنصار (اسمه عتبان بن مالك أو أوس بن خولي) كنا نتناوب النزول إلى النبي - ﷺ - فينزل يوما يأتيني بخبر الوحي وغيره وأنزل يوما فآتيه بمثل ذلك.\n(^٢) لحربنا.\n(^٣) بعجلة أي درجة وغلام أسود للنبي - ﷺ - اسمه رباح جالس على رأس الدرجة.\n(^٤) مجموع، والقرظ ثمر العضاه وهي السنط يدبغ به.\n(^٥) الأهب بفتحتين وبضمهما جمع إهاب وهو جلد دبغ أم لا.\n(^٦) من زينة الدنيا ونعيمها.\n(^٧) فأنت أولى بذلك.\n(^٨) وزاد الترمذي قلت: يا رسول الله ادع الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدونه، قال: فاستوى جالسًا، وقال: أوفى شك أنت يا بن الخطاب أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، قال: وكان أقسم ألا يدخل على نسائه شهرًا فعاتبه الله في ذلك وجعل له كفارة اليمين، وفي رواية: فلما مضت تسع وعشرون دخل على نسائه.","vol":"4","page":269},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وس لم فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُنَّ عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ فَنَزَلَتْ هذِهِ الْآيَةَ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-892>سورة تبارك الذي بيده الملك</span>\nمكية وهي ثلاثون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\nلَمْ يَرِدْ فِي أُصُولِنَا فِي تَفْسِيرِهَا شَيْءٌ (^٢).\n_________\n(^١) فلما ظهرت كل منهن بمظهر الغيرة الشديدة على النبي - ﷺ - وتأذى بذلك قال لهن عمر: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن فأنزل الله تعالى ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ﴾ مخلصات مطيعات ﴿تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ﴾ صائمات ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ وروى أن النبي - ﷺ - دخل على خديجة ﵂ وهي في النزع؛ فقال: يا خديجة إذا لقيت ضرائرك فأقرئيهن مني السلام، فقالت: يا رسول الله وهل تزوجت قبلي؟ قال: لا ولكن الله زوجني مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وكلثم أخت موسى ﵇، والله أعلم.\n\nسورة تبارك مكية وهي ثلاثون آية\n(^٢) ولكن سبق ما ورد في فضلها في فضائل القرآن، ومنه إذا وضع الميت في قبره يؤتي من قبل رجليه فتقول رجلاه: ليس لكم عليه سبيل لأنه كان يقوم بسورة الملك، ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول لسانه: ليس لكم عليه سبيل لأنه كان يقرأ بي سورة الملك؛ ثم قال: هي المانعة من عذاب الله، وهي في التوراة سورة الملك من قرأ بها في ليلة فقد أكثر وأطنب أي من الخير، ومنها وددت أن تبارك الذي بيده الملك في قلب كل مؤمن والله أعلم.","vol":"4","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-893>سورة ن والقلم وما يسطرون </span>(^١)\nمكية وهي ثنتان وخمسون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الْأَبَدِ (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ، كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعَّفٍ (^٤) لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ (^٥) أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ، كُلُّ عُتُلَ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ (^٦)».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِثَاءٍ وَسُمْعَةً فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا (^٧)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الرِّوَايَةِ آمِين.\n_________\nسورة ن مكية وهى ثنتان وخمسون آية\n(^١) ﴿ن﴾ علمه عند الله تعالى ﴿وَالْقَلَمِ﴾ الذي كتب به الكائنات في اللوح المحفوظ أو كل قلم ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ الملائكة الذين ينسخون المقادير من اللوح المحفوظ أو من يكتبون أعمال العباد ﴿مَا أَنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ رد على الكفار في زعمهم أنه مجنون.\n(^٢) أول ما خلق الله القلم أي بعد اللوح المحفوظ ثم أمره بكتابة المقادير إلى الأبد، فيه إشارة إلى أنه المراد من الآية.\n(^٣) بسند حسن.\n(^٤) متضعف بكسر العين أي متواضع وبفتحها يستضعفه الناس ويحتقرونه.\n(^٥) لو حلف يمينًا طمعا في إكرام الله له لأبره أو لو دعاه لأجابه.\n(^٦) عتل: فظ أو شديد الخصومة، جواظ: كثير اللحم، مستكبر: متعالٍ، وهذا إشارة لقوله تعالى في الوليد بن المغيرة ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ دعي في قريش ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة.\n(^٧) هذا كقوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ كناية عن شدة الأمر في الموقف أو عن كشف ساق جهنم أو عن ساق العرش أو يكشف عنهم الحجب الرؤية الله تعالى ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ امتحانًا لهم ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ الكفار والمنافقون بل تصير ظهورهم طبقا واحدا، وأما المؤمنون فيسجدون لربهم فيرضى عنهم وينزلهم رفيع الدرجات. نسأل الله ذلك آمين.","vol":"4","page":271},{"text":"<span data-type='title' id=toc-894>سورة الحاقة </span>(^١)\nمكية وهي ثنتان وخمسون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (^٢)﴾.\nقَالَ الْعَبَّاسُ ﵁: كُنْتُ جَالِسًا فِي البَطْحَاءِ فِي عِصَابَةٍ (^٣) وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ إِذْ مَرَّتْ عَلَيْهِمْ سَحَابَةٌ فَنَظَرُوا إِلَيْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا اسْمُ هذِهِ»؟ قَالُوا: نَعَمْ هذَا السَّحَابُ فَقَالَ ﷺ: «وَالْمُزْنُ» قَالُوا: وَالْمُزْنُ قَالَ ﷺ: «وَالْعنَانُ» قَالُوا: وَالْعَنَانُ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بُعْدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»؟ فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ مَا نَدْرِي. قَالَ: «إِنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَهُمَا وَاحِدَةٌ أَوِ اثْنَتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً وَالسَّمَاءُ الَّتِي فَوْقَهَا كَذَلِكَ حَتَّى عَدَّهُنَّ سَبْعَ سَمَواتٍ كَذلِكَ (^٤)». ثُمَّ قَالَ: «فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ كَمَا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّمَاءِ وَفَوْقَ ذلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ بَيْنَ أَظْلَافِهِنَّ وَرُكَبِهِنَّ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ (^٥) فَوْقَ ظُهُورِهِنَّ الْعَرْشُ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ ابلَى سَمَاءٍ وَاللَّهُ فَوْقَ ذلِكَ (^٦)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٧).\n_________\nسورة الحاقة مكية وهي ثنتان وخمسون آية\n(^١) سميت بهذا لبدئها بقوله تعالى ﴿الْحَاقَّةُ﴾ القيامة التي يحق فيها ما أنكر من البعث والحساب والجزاء ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ تعظيم لشأنها فهي أمر لا تحيط به العبارة ولا تحصره الإشارة.\n(^٢) ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾ أي الملائكة التي على أرجائها ﴿يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ من الملائكة سيأتي وصفهم في الحديث.\n(^٣) البطحاء: المكان الواسع، والعصابة: الجماعة.\n(^٤) المراد بعد المسافة فلا ينافي ما تقدم في سورة الحديد.\n(^٥) أو عال أي ملائكة على صورة الأوعال جمع وعل ككتف وهو تيس الجبل، والأظلاف جمع ظلف وهو للحيوان كالظفر للإنسان، والركب جمع ركعة وهي مفصل الساق والفخذ.\n(^٦) فالله تعالى بعلمه وقدرته فوق خلقه كلهم الملك والملكوت، قال تعالى ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾.\n(^٧) أبو داود في السنة والترمذي هنا بسند حسن؛ نسأل الله حسن الحال آمين.","vol":"4","page":272},{"text":"<span data-type='title' id=toc-895>سورة المعارج </span>(^١)\nمكية وهي أربع وأربعون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ كَالْمُهْلِ قَالَ: «كَعَكَرِ الزَّيْتِ فَإِذَا قُرِّبَ إِلى وَجْهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فِيهِ (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (^٤)﴾.\nأَتِيَ النَّبِيُّ ﷺ مَالًا فَأَعْطَى قَوْمًا وَمَنَعَ آخَرِينَ فَبَلَغَهُ أَنَّهُمْ عَتَبُوا فَقَالَ: «إِنِّي أُعْطِي الرَّجُلَ وَأَدَعَ الرَّجُلَ وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي. أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْجَزَعِ وَالْهَلَعِ، وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِنَى وَالْخَيْرِ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ»، فَقَالَ عَمْرٌو: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُمْرَ النَّعَمِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّوْحِيدِ. نَسْأَلُ اللَّهَ خَالِصَ التَّوْحِيدِ آمِين.\n_________\nسورة المعارج مكية وهي أربع وأربعون آية\n(^١) سميت بهذا لقوله تعالى ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ مصاعد الملائكة في السموات، جمع معرج وهو المصعد.\n(^٢) فروة الوجه: جلدته، والمهل: عكر الزيت ورديئه وهذا وصف شراب أهل النار. وقيل ذائب الفضة وهو المناسب لوصف السماء.\n(^٣) بسند غريب.\n(^٤) فالأصل في طبع الإنسان الهلع، أي إذا مسه الشر كان جزوعا: شديد الجزع قليل الصبر وإذا مسه الخير أي المال كان منوعا حريصا عليه مانعًا لحق الله تعالى.","vol":"4","page":273},{"text":"<span data-type='title' id=toc-896>سورة نوح ﵇</span>\nمكية وهي تسع وعشرون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا﴾ ﴿وَلَا سُوَاعًا﴾ ﴿وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيرًا (^١)﴾.\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: صَارَتِ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدَهُ أَمَّا وُدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ. وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانتْ لِهُذَيْلٍ. وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبني غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ عِنْدَ سَبَإٍ (^٢). وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ. وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرٍ لِآلِ ذِي الْكَلَاعِ، أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ (^٣) فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَان إِلَى قَوْمِهِمْ أَن انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ التِي كَانُوا يَجْلِسُونَ فِيهَا أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا (^٤) فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُوَلئِكَ وَنُسِخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. نَسْأَلُ اللَّهُ حُسْنَ الرِّوَايَةِ آمِينَ.\n_________\nسورة نوح مكية وهي تسع وعشرون آية\n(^١) وقالوا أي رؤساء قوم نوح ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ أسماء أصنام لهم ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ من الناس بها بأن أمروهم بعبادتها.\n(^٢) وفي رواية: بالجرف.\n(^٣) فهذه الخمسة أسماء الرجال صالحين من قوم نوح.\n(^٤) إلى مجالسهم أي عليها أنصابا وسموها بأسمائهم ليجتهدوا في العبادة كلما رأوها ففعلوا؛ فلما مات هؤلاء سوّل الشيطان لخلفهم أن يعبدوها فعبدوها، ومن هنا انتشرت عبادة الأصنام.","vol":"4","page":274},{"text":"<span data-type='title' id=toc-897>سورة الجن </span>(^١)\nمكية وهي ثمان وعشرون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ\nعُكاظٍ (^٢) وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينَ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ فَرجَعَتِ الشَّيَاطِينُ فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ قَالَ (^٣): مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلا مَا حَدَثَ (^٤) فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَانْظُرُوا مَا هذَا الَّذِي حَدَثَ، فَانْطلَقُوا يَنْظُرُونَ، فَالَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ سَمِعُوا قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي الْفَجْرَ بِأَصْحَابِهِ بِنَخْلَةَ (^٥) فَتَسَمَّعُوا لَهُ فَقَالُوا هذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ: لَمَّا رَأَى الْجِنُّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ فَيَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ فَعَجِبُوا مِنْ طَوَاعِيَةِ أَصْحَابِهِ لَهُ وَقَالُوا لِقَوْمِهِمْ: ﴿لَّمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (^٦)﴾. نَسْأَلُ اللَّهَ كَمَالَ الطَّاعَةِ آمِين.\n_________\nسورة الجن مكية وهي ثمان وعشرون آية\n(^١) سميت بهذا الذكر الجن فيها.\n(^٢) عكاظ كغراب أشهر أسواق العرب وأعظمها في واد كثير النخل بين مكة والطائف.\n(^٣) أي إبليس بعد أن حدثوه بما رأوه.\n(^٤) في الأرض ولذا قال: فطوفوا مشارق الأرض ومغاربها.\n(^٥) نخلة موضع على ليلة من مكة وهو سائر إلى سوق عكاظ.\n(^٦) (وهذا بيان لما أوحى إليه من قول الجن) ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ محمد - ﷺ - ﴿يَدْعُوهُ﴾ يعبده ﴿كَادُوا﴾ الجن السامعون لقراءته ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ جمع لبدة في ازدحامهم حرصا على سماع القراءة.","vol":"4","page":275},{"text":"<span data-type='title' id=toc-898>سورة المزمل</span>\nلَمْ يَرِدْ فِي الْأُصُولِ حَدِيثٌ فِيهَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-899>سورة المدثر</span>\nمكية وهي خمس وخمسون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ يَحْيَى قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ ﵄ أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ أَوَّلُ؟ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُلْتُ: أُنْبِئْتُ أَنَّهُ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، فَقَالَ: لَا أُخْبِرُكَ إِلا بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^١)، قَالَ: «جَاوَرْتُ فِي حِرَاءٍ فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ الْوَادِيَ فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ أَمَامي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ (^٢) عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا فَفَعَلُوا وَأُنْزِلَ عَلَيَّ: ﴿يأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (^٣)﴾. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الصَّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَتَصَعَّدُ فِيهِ الْكَافِرُ سَبْعِينَ خَرِيفًا ثُمَّ يَهْوِي كَذلِكَ فِيهِ أَبَدًا (^٤)».\n_________\n= وهذه غير المرة التي ورد فيها ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ فإنه كان فيها مع مولاه زيد فقط، وكذا غير المرة التي دعاه فيها الجن وبات عندهم فإنه كان وحده، وسبقتا في سورة الأحقاف، ولكن هذه المرة كان مع أصحابه وكانوا عامدين إلى سوق عكاظ. وقيل كان هذا في واد اسمه الحجون، وكان عدد الجن في هذه اثني عشر أي بعد سماع نفر منهم فاستدعوا الباقين، وقيل كان عددهم سبعين ألفًا وبايعوا النبي - ﷺ - كلهم، والله أعلم بما كان وما يكون.\n\nسورة المدثر مكية وهي خمس وخمسون آية\n(^١) سبق هذا وشرحه وافيًا في كتاب النبوة.\n(^٢) فإذا هو أي جبريل ﵇.\n(^٣) ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ياأيها النبي الذي قال لأهله حينما رأى جبريل: دثروني لففوني بالثياب ليذهب روعي فدثروه حتى ذهب روعه ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ خوف قومك النار إن لم يؤمنوا ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عظمه عن إشراك المشركين بتوحيده وعبادته.\n(^٤) بيان لقوله تعالى ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ في الوليد بن المغيرة أي سأعذبه عذابا عظيما، أو سنكلفه بالصعود والهوى في ذلك الجبل دائما.","vol":"4","page":276},{"text":"• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ لِأُنَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: هَلْ يَعْلَمُ نَبِيُّكُمْ عَدَدَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ؟ قَالُوا: لَا نَدْرِي حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ غُلِبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ، قَالَ: «وَبِمَ غُلِبُوا؟» قَالَ: سَأَلَهُمُ الْيَهُودُ فَقَالُوا لَا نَدْرِي حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا، قَالَ: «أَيُغْلَبُ قَوْمٌ سُئِلُوا عَمَّا لَا يَعْلَمُونَ فَقَالُوا حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيّنَا، لكِنَّهُمْ قَدْ سَأَلُوا نَبِيَّهُمْ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً، عَلَيَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ إِنِّي سَائِلهُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ وَهِيَ الدَّرْمَكُ»، فَلَمَّا جَاؤُوا قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ؟ قَالَ: «هكَذَا وَهكَذَا فِي مَرَّةٍ عَشَرَةً وَفِي مَرَّةٍ تِسْعًا (^١)»، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟» فَسَكَتُوا هُنَيْهَةً ثمَّ قَالُوا: أَخْبِرْنَا يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَقَالَ ﷺ: «الْخُبْزُ مِنَ الدَّرْمَكِ (^٢)».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي هذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ قَالَ: قَالَ اللَّهُ ﷿: أَنَا أَهْلُ أَنْ أُتَّقَى فَمَنِ اتَّقَانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إِلهًا فَأَنَا أَهْلُ أَنْ أُغْفِرَ لَهُ. رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٣). وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-900>سورة القيامة </span>(^٤)\nمكية وهي أربعون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ\n_________\n(^١) أشار بأصابعه العشر مرة وبتسع منها مرة أخرى أي فعدد الخزنة تسعة عشر، قال تعالى ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾.\n(^٢) النوع النقي الجيد من الدقيق.\n(^٣) بأسانيد غريبة.\n\nسورة القيامة مكية وهي أربعون آية\n(^٤) سميت بهذا لقول الله تعالى ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ التي تلوم نفسها وإن اجتهدت في طاعة الله.","vol":"4","page":277},{"text":"لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ وَكَانَ يُعْرَفُ مِنْهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قَالَ: عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ وَقُرْآنَهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ (^١) فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَ اللَّهُ ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ تَوَعُّدٌ (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى جِنَانِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَخَدَمِهِ وَسُرُرِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ وَأَكْرَمَهُمْ عَلَى اللَّهِ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً» ثُمَّ قَرَأَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (^٣)﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ مِنْكُمْ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فَانْتَهَى إِلَى آخِرِهَا فَلْيَقلْ بَلَى وَأَنَا عَلَى ذلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (^٥). وَمَنْ قَرَأَ ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فَانْتَهَى إِلَى آخِرِهَا فَلْيَقُلْ بَلَى، وَمَنْ قَرَأَ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ فَبَلَغَ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فَلْيَقُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ (^٦)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الرُّكوعِ وَالسُّجُودِ والتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) أي سكت.\n(^٢) فكلمة أولى لك فأولى يراد بها التوعد والتهديد أي هذا وعيد من الله على وعيد لك يا أبا جهل، وقيل هي اسم فعل واللام للتبيين أي وليك ما تكره يا أبا جهل وقرب منك، وقيل أولى من الويل، أي الويل لك يوم تحيا والويل لك يوم تموت ويوم تبعث ويوم تدخل النار، والله أعلم.\n(^٣) ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة ﴿نَاضِرَةٌ﴾ حسنة مضيئة ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ يرون ربهم جل شأنه في الآخرة ولكنهم يتفاوتون فيها كما سيأتي في كتاب القيامة إن شاء الله.\n(^٤) بسند غريب.\n(^٥) فيكون مصدقا لله ومجيبًا له.\n(^٦) نسأل الله كمال الإيمان وتمام اليقين آمين.","vol":"4","page":278},{"text":"<span data-type='title' id=toc-901>سورة هل أتى </span>(^١)\nمدنية وهي إحدى وثلاثون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (^٢)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلَ خَيْرٌ (^٣) احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ (^٤) وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ اللَّهُ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ (^٥)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْقَدَرِ.\n_________\nسورة هل أتى مدنية وهي إحدى وثلاثون آية\n(^١) وتسمى سورة الإنسان وسورة الدهر لقوله تعالى ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾.\n(^٢) ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ سلوك سبيل الطاعة ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا. (٣) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أعد للكافرين عذابا مؤلما.\n(^٣) ففي كل مؤمن خير وبركة، ولكن قوي الجسم والقلب أحب إلى الله لأنه أنشط وأجرأ وأمضى عزما في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو أكثر عملا وأنفع للعباد.\n(^٤) فلا تكسل عن كل خير وتوكل على الله يبلغك الآمال لقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.\n(^٥) اترك الأسف على ما أصابك وما فاتك فإنه يفتح بابًا لوسوسة الشيطان، وقل: هذا قدر الله وما شاء الله تعالى، فتكون راضيًا عن الله تعالى فيرضى عنك قال تعالى ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾.","vol":"4","page":279},{"text":"<span data-type='title' id=toc-902>سورة المرسلات </span>(^١)\nمكية وهي خمسون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَارٍ (^٢) إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ وَالْمُرْسَلَاتِ فَإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا وَإِنِّي لَأَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵁: «عَلَيْكُمُ اقْتُلوهَا فَذَهَبَتْ (^٣)» فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وَقِيتُمْ شَرَّهَا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. نَسْأَلُ اللَّهُ السَّلَامَةَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-903>سورة عم يتساءلون </span>(^٤)\nمكية وهي أربعون آية\nلَمْ يَرِدْ فِي تَفْسِيرِهَا شَيْءٌ.\n_________\nسورة المرسلات مكية وهي خمسون آية\n(^١) سميت بهذا لبدئها بقوله تعالى ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ الرياح متتابعة كعرف الفرس يتلو بعضه بعضا ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ الرياح الشديدة ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ الرياح تنشر المطر ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ آيات القرآن تفرق بين الحق والباطل ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ الملائكة تنزل بالوحي إلى الرسل لهداية الناس ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ للإعذار والإنذار ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ﴾ يا كفار مكة ﴿لَوَاقِعٌ﴾ بكم لا محالة.\n(^٢) كأنا يمشيان فأويا إلى غار منى نزلت عليه هذه السورة فصار يعلمها العبد الله.\n(^٣) دخلت جحرها وسبق هذا في كتاب الصيد والذبائح وافيًا بعون الله تعالى.\n\nسورة عم يتساءلون مكية وهي أربعون آية\n(^٤) وتسمى سورة النبأ العظيم لقوله تعالى ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ كفار قريش ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ وهو القرآن الدال على البعث وغيره ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ فالمؤمنون يثبتونه والكافرون ينكرونه ﴿كَلَّا﴾ ردع وتهديد ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ ما يحل بهم على إنكارهم ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ تأكيد لما قبله.","vol":"4","page":280},{"text":"<span data-type='title' id=toc-904>سورة النازعات </span>(^١)\nمكية وهي ست وأربعون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ بِإِصْبَعَيْهِ هكَذَا بِالْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ: «بُعِثْتُ وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ (^٢)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-905>سورة عبس </span>(^٣)\nمكية وهي اثنتان وأربعون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٤) فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْشِدْنِي، وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَجَعَلَ\n_________\nسورة النازعات مكية وهي ست وأربعون آية\n(^١) سميت بهذا لبدئها بقوله تعالى ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ الملائكة التي تنزع أرواح الكفار نزعا شديدا ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ الملائكة التي تسل أرواح المؤمنين برفق ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ الملائكة التي تسبح وتنزل من السماء للأرض بأمر الله تعالى ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ الملائكة التي تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ الملائكة التي تنزل لتدبير أمور الدنيا بإذن الله وهم رؤساء الملائكة الأربعة: جبريل موكل بالرياح والجنود، وميكائل بالمطر والنبات، وعزرائيل بقبض الأرواح، وإسرافيل بالنفخ في السور، وجواب القسم محذوف أي لتبعثن يا كفار مكة.\n(^٢) فالنبي - ﷺ - ضم الوسطى والسبابة وأشار بهما وقال: بعثت والساعة كهاتين أي أنا خاتم المرسلين وورائي تقوم القيامة، وستأتي علامات الساعة وافية في كتاب الفتن وعلامات الساعة إن شاء الله تعالى.\n\nسورة عبس مكية وهي اثنتان وأربعون آية\n(^٣) وتسمى سورة السفرة، وسورة الأعمى لذكرهما فيها.\n(^٤) أم مكتوم كنية أمه واسمها عاتكة بنت عامر المخزومي، والأعمي اسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤي وهو ابن خالة خديجة ﵃.","vol":"4","page":281},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْرِضُ عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ وَيَقُولُ: «أَتَرَى بِمَا تَقُولُ بِأْسًا» فَيَقُولُ: لَا، فَفِي هذَا نَزَلَتْ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَآءَهُ الأَعْمَى﴾ الآيَاتُ (^١).\nرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢).\nوَعَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ (^٣) وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ».\nرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا»، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَيُبْصِرُ بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَال «يَا فُلَانَةُ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٥).\n_________\n(^١) وقيل كان معه صناديد قريش كأبي جهل والعباس وأبي بن خلف والوليد بن المغيرة يتألفهم للإسلام رجاء أن يسلموا فيتبعهم بقية القوم ويعلو شأن الإسلام؛ فجاء الأعمى فقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله؛ وكررها فأعرض عنه النبي - ﷺ - لشغله بهؤلاء الكفرة، ثم انصرف النبي - ﷺ - إلى بيته فعاتبه الله بقوله ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ أي قطب وجهه وأعرض حينما جاءه الأعمى وشغله عن ذلك الأمر العظيم ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ يتطهر بما يسمع منك ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يتعظ فتنفعه العظة ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ بدنياه ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ أي يتطهر بالإيمان ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى﴾ الله ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ تتشاغل ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ لا تفعل ذلك فإن هذه الآيات عظة للخلق ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي ما ذكر فاتعظ به، نسأل الله حسن الذكرى.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) فالسفرة: الكرام في الحديث هم الذين في قوله ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ وهم الملائكة الذين ينسخون القرآن من اللوح المحفوظ، وسبق هذا في فضائل القرآن.\n(^٤) فلما قال - ﷺ -: تحشرون يوم القيامة حفاة، جمع حاف، عراة: جمع عار من الثياب، غرلا: جمع أغرل أي بقلفته التي قطعت في الختان، قالت امرأة: يا رسول الله ينظر الناس بعضهم عورة بعض، قال: لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، أي لكل شخص في القيامة حال تشغله عن غيره أيًا كان فكل مشغول بنفسه فقط.\n(^٥) بسند حسن.","vol":"4","page":282},{"text":"<span data-type='title' id=toc-906>سورة التكوير </span>(^١)\nمكية وهي تسع وعشرون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا السَّمَاءِ انْفَطَرَتْ، وَإِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (^٢)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-907>سورة الانفطار</span>\nلَمْ يَرِدْ فِيهَا شَيْءٌ فِي أُصُولِنَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-908>سورة المطففين </span>(^٤)\nمدنية وهي ست وثلاثون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذنَيْهِ (^٥)». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\nسورة التكوير مكية وهي تسع وعشرون آية\n(^١) سميت بهذا لقوله تعالى ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ لفت وذهب نورها وألقيت في البحر ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ ذهب نورها فسقطت على الأرض ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ سارت على الأرض فصارت هباء منبثا ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ تركت بلا راع لما دهاهم من الأمر العظيم وهو يوم القيامة.\n(^٢) لأن في هذه السور أهوالا عظيمة مما سيجرى في القيامة؛ نسأل الله اللطف.\n(^٣) بسند حسن.\n\nسورة المطففين مدنية وهي ست وثلاثون آية\n(^٤) سميت بهذا لقوله تعالى ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ أي منهم ﴿يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ كالوا لهم أو وزنوا لهم ينقصون.\n(^٥) فيشتد الأمر ويعظم الهول في الموقف فيرشح العرق من أحدهم حتى يصل إلى الأذنين وقد يكون أقل أو أكثر بحسب عمل كل إنسان.","vol":"4","page":283},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطأَ خَطِيئَةً نَكَتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ (^١) فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سَقَلَ قَلْبُهُ (^٢) وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (^٣)﴾» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤). نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-909>سورة الانشقاق </span>(^٥)\nمكية وهي خمس وعشرون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ أَحَدٌ يَحاسَبُ إِلّا هَلَكَ» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ قَالَ: «ذَاكِ الْعرْضُ يُعْرَضُونَ وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ (^٦)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) نبتت في قلبه نقطة سوداء.\n(^٢) نظف وابيض ولمع.\n(^٣) غلب على قلوبهم وغطاها أثر عملهم السيء وهو السواد المسمى بالران، نسأل الله تمام الطهارة آمين.\n(^٤) بسند صحيح.\n\nسورة الانشقاق مكية وهي خمس وعشرون آية\n(^٥) سميت بهذا لقوله تعالى ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ تصدعت من جوانبها فخرج منها غمام كالبياض، لقوله تعالى ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ سمعت وأطاعت ربها وحق لها ذلك ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ كما يمد الأديم وزيد فيها ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾ من الموتى ﴿وَتَخَلَّتْ﴾ عنه ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ كل هذا يوم القيامة والجواب محذوف تقديره، علمت نفس بكل ما قدمت.\n(^٦) فالمراد من الآية عرض أعمال المؤمنين عليهم خيرا وشرا فيعترفون بها فيتجاوز الله عنهم كما سبق في سورة هود. وأما الحساب والمناقشة فيه فهلاك بنفس المناقشة أو بالنار.","vol":"4","page":284},{"text":"<span data-type='title' id=toc-910>سورة البروج </span>(^١)\nمكية وهي ثنتان وعشرون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَالْيَوْمُ الْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَمَا طَلعَتِ الشّمْسُ وَلَا غَرَبَتْ عَلَى يَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْهُ، فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ بِخَيْرٍ إِلّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وَلَا يَسْتَعِيذُ مِنْ شَرَ إِلّا أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْهُ (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ صُهَيْبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ فَلَمَا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ فَابْعَثْ إِلَيَّ غُلَامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلَامًا يُعْلِّمُهُ فَكَانَ فِي طَرِيقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ (^٤) فَقَعَدَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ كَلَامَه فَأَعْجَبَهُ فَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بِالرَّاهِبِ وَقَعدَ إِلَيْهِ فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ فَشَكَا إِلَى الرَّاهِبِ فَقَالَ لَهُ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ حَبَسَنِي أَهْلِي وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ فَقُلْ حَبَسَنِي السَّاحِرُ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذلِكَ إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتِ\nالنَّاس (^٥)، فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ السَّاحِرُ أَفْضَلُ أَمِ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ؟ فَأَخَذَ حَجَرًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هذِهِ الدَّابَّةَ حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ\n_________\nسورة البروج مكية وهي ثنتان وعشرون آية\n(^١) سميت بهذا لبدئها بقوله تعالى ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ جمع برج، وأصله الأمر الظاهر والقصر العالى لظهوره؛ والمراد هنا الطرق التي تسير الكواكب فيها، وبسط الكلام على هذا في علم الفلك ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ بيانها في الحديث الآتي والجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ جمع خد وهو الشق في الأرض فيه النار ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ جلوس حولها على الكراسي ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ينظرون تحريق المؤمنين بالنار إن لم يكفروا ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.\n(^٢) سبق هذا في صلاة الجمعة.\n(^٣) بسند حسن.\n(^٤) فكان الراهب في أثناء طريقه للساحر.\n(^٥) في الطريق الذي يذهب إلى بيت الراهب.","vol":"4","page":285},{"text":"فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا وَمَضَى النَّاسُ فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أَيْ بُنَيَّ (^١) أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى فَإِن ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ وَكَانَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ (^٢) وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الْأَدْوَاءِ فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ فَقَالَ: مَا ههُنَا لَكَ أَجْمَعُ إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي فَقَالَ: إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا إِنَّما يَشْفِي اللَّهُ فَإِنْ أَنْتَ آمَنتَ بِاللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ فَآمَنَ بِاللَّهِ فَشَفَاهُ اللَّهُ فَأَتَى الْمَلِكَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلَامِ فَجِيءَ بِالْغُلَامِ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: أَيْ بُنَيَّ قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الْأَكْمَه وَالْأَبْرَصَ وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ وتَفْعَلُ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبى فَدَعَا بِالْمِنْشَارِ فَوَضَعَهُ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْملِكِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبى فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ ثُمَّ جِيءَ بِالْغُلَامِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبى فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا فَاصْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذِرْوَتَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلا فَاطْرَحُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَ شِئْتَ، فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَسَقَطُوا وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ (^٣) فَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ\n_________\n(^١) أي بني، أي يا بني.\n(^٢) الأكمه: من ولد أعمى. والأبرص: المريض بالبرص.\n(^٣) سفينة صغيرة.","vol":"4","page":286},{"text":"فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلا فَاقْذِفُوهُ فَذَهَبُوا بِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَ شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةَ فَغَرِقُوا وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ. فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ (^١) وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعِ ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي وَضَعْهُ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ ثُمَّ ارْمِنِي فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذلِكَ قَتَلْتَنِي، فَفَعَلَ الْمَلِكُ كَمَا قَالَ لَهُ ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي مَوْضِعِ السَّهْم فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، فَقِيلَ لِلْمَلِكِ: قَدْ وَقَعَ بِكَ وَاللَّهِ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ قَدْ آمَنَ النَّاسُ، فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا أَوْ قِيلَ لَهُ اقْتَحِمْ (^٢) ففَعَلُوا حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ (^٣) أَنْ تَقَعَ فِيهَا فَقَالَ لَهَا الْغُلَامُ: يَا أُمَّاهُ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ هَمَسَ فَسُئِلَ عَنْ ذلِكَ فَقَالَ: «إِنَّ نَبِيًّا\n_________\n(^١) في أرض مستوية ظاهرة. وروى أن الغلام دفن وظهرت جثته وأصبعه على صدغه كما كان حين مات وهذا في خلافة عمر ﵃ وحشرنا في زمرتهم آمين.\n(^٢) وفي رواية: فأقحموه فيها، ومعنى الألفاظ الثلاثة ارموه فيها. وروى أن الأخاديد التي وقعت ثلاثة: واحدة بنجران باليمن، والأخرى بالشام، والثالثة بفارس، حرق المؤمنون فيها على إيمانهم، وهذه غير نار العراق التي عملت لإبراهيم ﵇.\n(^٣) تأخرت ووقفت خوفا من النار وشفقة على ولدها، فقال لها الطفل بلسان فصيح: يا أمي اصبري على هذا البلاء وارمي بنفسك فإنك على الحق؛ فرمت بنفسها وطفلها ولم تكد تحس بالنار حتى كانت روحهما في الجنة كشأن كل من قتلوا بالنار على إيمانهم، وقيل قبضت أرواحهم قبل مس النار لهم فما شعروا إلا برحمة الله ونعيمه في الجنة، قال تعالى ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ فهؤلاء باعوا أرواحهم لله ولدينه فكانوا أعظم الشهداء ﵃ وحشرنا في زمرتهم.","vol":"4","page":287},{"text":"مِنَ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ أَعْجَبَ بِأُمَّتِهِ فَقَالَ: مَنْ يَقُومَ لِهؤُلَاءِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ خَيِّرْهُمْ بَيْنَ أَنْ أَنْتَقِمَ مِنْهُمْ وَبَيْنَ أَنْ أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ، فَاخْتَارَ النِّقْمَةَ فَسُلِّطَ عَلَيْهِمُ الْمَوْتُ فَمَاتَ مِنْهُمْ فِي يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا (^١)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-911>سورة والسماء والطارق</span>\nلَمْ يَرِدْ فِيهَا شَيْءٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-912>سورة الأعلى </span>(^٣)\nمكية وهي تسع عشرة آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَجَعَلَا يُقْرِآنِنَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ جَاءَ عَمَّارٌ وَبِلالٌ وَسَعْدٌ (^٤)، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْوَلَائِدَ (^٥) وَالصِّبْيَانَ يَقُولُونَ: هذا رَسُولُ اللَّهِ قَدْ جَاءَ، فَمَا جَاءَ حَتَّى قَرَأْتُ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فِي سُوَرٍ مِثْلِهَا (^٦). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) همس أي حرك شفتيه كأنه يتعوذ مما حصل لتلك الأمة التي عجب نبيها من كفرها وعنادها فهلك منها سبعون ألفا لعله يؤمن باقيهم، ويحتمل أنه أعجب بكثرتها وإطاعتها، فعاقبهم الله بموت سبعين ألفًا منهم فماتوا في أسرع وقت وأحسن حال، وكان لهم بذلك رفيع الدرجات في الآخرة، هذا ولا زال في نفسي من هذا شيء. أسأل الله العفو والفهم والفتح آمين.\n(^٢) بسند حسن.\n\nسورة الأعلى مكية وهي تسع عشرة آية\n(^٣) سميت بهذا لبدئها بقوله تعالى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ أي نزه اسم ربك عن إطلاقه على غيره كما تنزهه عما لا يليق به ﴿الْأَعْلَى﴾ في المكانة فهو القاهر الغالب لما سواه.\n(^٤) عمار بن ياسر وبلال بن رباح وسعد بن أبي وقاص.\n(^٥) الولائد جمع وليدة وهي الأمة.\n(^٦) فبمجرد استقراره بالمدينة حفظت منه ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ وسور مثلها من المفصل. والله أعلم.","vol":"4","page":288},{"text":"<span data-type='title' id=toc-913>سورة الغاشية </span>(^١)\nمكية وهي ست وعشرون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ جابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ (^٢) فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ (^٣)﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-914>سورة الفجر </span>(^٥)\nمكية وهي ثلاثون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ فَقَالَ: «هِيَ الصَّلَاةُ بَعْضُهَا شَفْعٌ وَبَعْضُهَا وَتْرٌ (^٦)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-915>سورة البلد</span>\nلَم يَرِدْ فِيهَا شَيْءٌ.\n_________\nسورة الغاشية مكية وهي ست وعشرون آية\n(^١) سميت بهذا لبدئها بقوله تعالى ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ قد أتاك حديث القيامة التي تغشي الخلائق بأهوالها، نسأل الله السلامة.\n(^٢) هذا في المشركين؛ وأما أهل الكتاب والمطلوب منهم الإسلام أو الجزية كما تقدم في الإيمان.\n(^٣) أي بمسلط، وهذا قبل الأمر بالجهاد.\n(^٤) بسند صحيح.\n\nسورة الفجر مكية وهي ثلاثون آية\n(^٥) سميت بهذا لقول الله تعالى ﴿وَالْفَجْرِ﴾ فجر كل يوم أو فجر أول الحجة أو فجر يوم النحر ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ عشر ذي الحجة أو أواخر رمضان أو أوائل المحرم ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ الزوج والفرد، أو الصلاة للحديث الآتي، وجوابه محذوف أي لتبعثن يا كفار مكة.\n(^٦) الوتر: المغرب، والشفع باقيها.\n(^٧) بسند غريب.","vol":"4","page":289},{"text":"<span data-type='title' id=toc-916>سورة والشمس وضحاها</span>\nمكية وهي خمس عشرة آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ وَذَكَرَ النَّاقَةَ (^١) وَالَّذِي عَقَرَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ (^٢)»، وَذَكَرَ النِّسَاءَ فَقَالَ: «يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ فَيَجْلِدُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ فَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ (^٣)»، ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِي ضَحِكِهِمْ مِنَ الضَّرْطَةِ وَقَالَ: «لِمَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ (^٤). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-917>سورة الليل</span>\nمكية وهي إحدى وعشرون آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فِي جَنَازَةٍ (^٥) فَقَالَ: «مَا مِنْكمْ\n_________\nسورة والشمس مكية وهي خمس عشرة آية\n(^١) المذكورة في قوله تعالى ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ﴾ صالحا ﵇ ﴿فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ أطبق العذاب عليهم ﴿فَسَوَّاهَا﴾ الدمدمة عمهم بها فلم ينج منها أحد.\n(^٢) العارم: الخبيث وأبو زمعة عمر الزبير بن العوام كان عزيزا في قريش.\n(^٣) أي لا ينبغي له ضرب زوجته إلا في الضرورة القصوى بأن وعظها فلم يفد ثم هجرها فلم يفد فله الضرب بعد ذلك كما سبق في النكاح.\n(^٤) فلا ينبغي الضحك من شيء يفعله الإنسان، كانوا يضحكون إذا وقعت من أحدهم ضرطة فنهاهم عن ذلك وإن كان ستر الضراط مطلوبًا فإنه من العورة.\n\nسورة الليل مكية وهي إحدى وعشرون آية\n(^٥) بقيع الغرقد: مقبرة المدينة لكثرة شجر الغرقد فيها، وفي رواية: كنا في جنازة في البقيع فأخذ النبي - ﷺ - عودا فجعل ينكت به الأرض وذكر الحديث.","vol":"4","page":290},{"text":"مِنْ أَحَدٍ إِلا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ (^١)»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَملِ أَهْلِ الْشَّقَاوَةِ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (^٢)﴾. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ. نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِلْيُسْرَى آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-918>سورة الضحى</span>\nمكية وهي إحدى عشرة آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ ﵁ قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَجَاءَت\nامْرَأَةٌ (^٣) فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانَكَ قَدْ تَرَكَكَ لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالضُّحَى﴾ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (^٤)﴾. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غارٍ\n_________\n(^١) أي كتب مكانه فيهما ولكن المسلم يرث مكان الكافر في الجنة وبالعكس كما سبق في التغابن.\n(^٢) ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ حق الله في كل شيء ﴿وَاتَّقَى﴾ الله ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ لا إله إلا الله محمد رسول الله ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ نهيئه للجنة ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ بحق الله ﴿وَاسْتَغْنَى﴾ عن ثوابه ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ للنار ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ سقط في النار وهلك فيها.\n\nسورة الضحى مكية وهي إحدى عشرة آية\n(^٣) هي العوراء بنت حرب أخت أبي سفيان وهي زوجة أبي لهب التي نزل فيها وامرأته حمالة الحطب، كما يأتي.\n(^٤) فلما مرض النبي - ﷺ - في بيته ثلاث ليال قالت تلك المرأة هذه الكلمة الشنيعة فرد الله تعالى عليها بقوله: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ غطى بظلامه كل شيء ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ما تركك وما أبغضك يا محمد بل أنت الرسول الحبيب - ﷺ -، وقيل تأخر الوحي خمسة عشر يوما فقال الكفار ودعه ربه وقلاه فرد الله عليهم بهذا.","vol":"4","page":291},{"text":"فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَلْ أَنْتِ إِلا إِصْبَعٌ دَمِيتِ. وَفِي سَبِيله اللَّهِ مَا لَقِيتِ». قَالَ: فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ، فَأَنْزلَ اللَّهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-919>سورة ألم نشرح</span>\nمكية وهي ثمان آيات\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ أَيْ لِلْإِسْلَامِ (^٢) ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: أيْ مَعَ ذلِكَ الْعُسْرِ يُسْرًا آخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ (^٣). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) ولكن الترمذي هنا ومسلم في الجهاد، ولما نزلت هذه السورة كبر النبي - ﷺ - بقوله: الله أكبر، وروى: لا إله إلا الله والله أكبر، وروى بزيادة ولله الحمد فيسن التكبير بعدها وبعد كل سورة إلى سورة الناس والله أعلم.\n\nسورة ألم نشرح مكية وهي ثمان آيات\n(^٢) وقيل للإيمان والنبوة والعلم والحكمة، وكلها نالها النبي - ﷺ - ﴿ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض﴾ أثقل ﴿ظهرك﴾ وهذا كقوله تعالى: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك) ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ بأن تذكر مع ذكرى في الأذان والإقامة والخطبة ونحوها.\n(^٣) فالعسر في الموضعين واحد لأنه معرفة واليسر فيهما اثنان لأنه نكرة للقاعدة المشهورة: المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت عينا والنكرة إذا أعيدت نكرة كانت غيرا كقوله: إلا إحدى الحسنيين فللمؤمن في التربص حسن الظفر وحسن الثواب وللحديث لن يغلب عسر - أي واحد - يسرين اثنين فيكون اليسر أكثر وأغلب نسأل الله اليسر في كل حال.","vol":"4","page":292},{"text":"<span data-type='title' id=toc-920>سورة التين </span>(^١)\nمكية وهي ثمان آيات\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾» فَقَرَأَ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ «فَلْيَقُلْ بَلَى وَأَنَا عَلَى ذلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-921>سورة اقرأ باسم ربك </span>(^٣)\nمكية وهي تسع عشرة آية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ لَأَطَأْنَّ عَلَى عُنُقِهِ (^٤) فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﵁ فَقَالَ: «لَوْ فَعَلَهُ لَأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عِيَانًا». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَلَفْظُ مُسْلِمٍ (^٥) قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ قِيلَ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَالَّلاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَأَتَى\n_________\nسورة التين مكية وهي ثمان آيات\n(^١) سميت بهذا لبدئها بقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ المأكولين أو جبلان ينبتانهما بالشام ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﵇، ومعنى سينين المبارك والحسن بالأشجار ذات الثمار ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ مكة المكرمة، لأمن الناس فيها. والجواب ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾.\n(^٢) تقدم هذا طويلا في سورة لا أقسم بيوم القيامة والله أعلم.\n\nسورة اقرأ باسم ربك مكية وهي تسع عشرة آية\n(^٣) وتسمى سورة العلق وسورة القلم لقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وسبق في حديث بدء الوحي في النبوة أن هذه الآيات أول ما نزل على النبي - ﷺ - وهو في الغار.\n(^٤) بوضع رجله لعنه الله على عنق النبي - ﷺ -.\n(^٥) في صفة القيامة.","vol":"4","page":293},{"text":"النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: «إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً»، فَقَالَ ﷺ: «لَوْ دَنَا منِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا (^١)»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾ ﴿أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿كَلاَّ لَا تُطِعْهُ﴾.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فَجَاءَ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هذَا أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هذَا؟ فَزَبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ (^٢) فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا بِهَا نَادٍ أَكْثَرُ مِنِّي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (^٣)﴾. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوَاللَّهِ لَوْ دَعَا نَادِيَهُ لَأَخَذَتْهُ زَبَانِيَةُ اللَّهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n_________\n(^١) فلو دنا من النبي - ﷺ -: وهو يصلى لقطعته الملائكة.\n(^٢) انتهره وأغلظ له.\n(^٣) النادى المجلس والمراد أهله، والزبانية الملائكة الغلاظ الشداد، ونص الآيات التي نزلت في هذا الرجل الشقي ﴿كلا﴾ حقا ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ الرجوع من الغنى للفقر ومن العز للذل ومن الحياة للموت أي انزجر فلا مفر من ربك ﴿أَرَأَيْتَ﴾ للتعجب في المواضع الثلاثة ﴿الَّذِي يَنْهَى﴾ هو أبو جهل ﴿عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ هو محمد - ﷺ -: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ﴾ المنهى ﴿عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ﴾ الناهى النبي ﴿وَتَوَلَّى﴾ عن الإيمان به ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ ما حصل منه وهو كافر شديد العناد وينهي أفضل الناس عن عبادة الله تعالى لا شك أنه سيجازى أشد الجزاء بأنواع العذاب ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ عما هو عليه ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ نفاجئه بالهلاك ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ بيان للناصية ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ﴾ يا محمد ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ أي من ربك فلك الشرف الأعلى.","vol":"4","page":294},{"text":"<span data-type='title' id=toc-922>سورة القدر</span>\nمكية وهي خمس آيات\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ يُوسُفَ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيَ ﵄ بَعْدَ مَا بَايَعَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: سَوَّدْتَ وُجُوهَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ يَا مُسَوِّدَ وُجُوهِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: لَا تُؤْنِّبْنِي رَحِمَكَ اللَّهُ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى\nمِنْبَرِهِ (^١) فَسَاءَهُ ذلِكَ فَنَزَلَ: ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ يَا مُحَمَّدُ يَعْنِي نَهَرًا فِي الْجَنَّةِ (^٢)، وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ يَمْلِكُهَا بَنُو أُمَيَّةَ يَا مُحَمَّدُ. قَالَ الْقَاسِمُ: فَعَدَدْنَاهَا فَإِذَا هِيَ أَلْفُ يَوْمٍ لَا يَزِيدُ يَوْمٌ وَلَا يَنْقُصُ (^٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-923>سورة لم يكن </span>(^٥)\nمكية وهي ثمان آيات\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵁ قَالَ لِأَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُقْرِئَكَ الْقُرْآنَ» قَالَ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَقَدْ ذُكِرْتُ عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»،\n_________\nسورة القدر مكية وهي خمس آيات\n(^١) أي في النوم يخطبون على منبره - ﷺ -.\n(^٢) سيأتي الكلام على الكوثر في سورته، وسبق تفسير سورة القدر وكل ما ورد فيها في كتاب الصيام.\n(^٣) صوابه ألف شهر كالآية، فلما رأى النبي - ﷺ - في النوم أن بني أمية على منبره وساءه ذلك أعطاه الله الكوثر وأعطاه ليلة القدر وهي خير من ألف شهر التي يملكها بنو أمية.\n(^٤) بسند غريب، نسأل الله العون في سفرنا وحضرنا.\n\nسورة لم يكن مدنية وهي ثمان آيات\n(^٥) وتسمى سورة البينة لقوله تعالى فيها ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾.","vol":"4","page":295},{"text":"فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ لَمْ يَكُنْ»، قَالَ: وَسَمَّانِي؟ قَالَ: «نَعَمْ» فَبَكَى (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْفَضَائِلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-924>سورة الزلزال</span>\nمدنية وهي تسع آيات\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ أَخْبَارَهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا تَقُولُ: عَمِلَ يَوْمَ كَذَا، كَذَا وَكَذَا فَهذِهِ أَخْبَارُهَا (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْحُمْرِ (^٤) فَقَالَ: «لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلا هذِهِ الآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ (^٥)» ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (^٦)﴾. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هُنا وَمُسْلِمٌ فِي الزَّكَاةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-925>سورة العاديات والقارعة</span>\nلَمْ يَرِدْ فِيهِمَا شَيْءٌ فِي أُصُولِنَا.\n_________\n(^١) تقدم هذا في فضل أبيّ بن كعب في كتاب الفضائل ﵁.\n\nسورة الزلزال مدنية وهي تسع آيات\n(^٢) فالتحديث بأخبارها أن تشهد في الآخرة على كل شخص بما عمل عليها.\n(^٣) بسند صحيح.\n(^٤) هل فيها زكاة.\n(^٥) المنفردة في معناها.\n(^٦) ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ أي من يعمل خيرا كوزن نملة صغيرة فإنه يراه في الآخرة ويعطى أجره عليه ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ وهذا كقوله تعالى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ نسأل الله أن يجعل حسابنا يسيرا وأن يعمنا بلطفه ورأفته ورحمته آمين.","vol":"4","page":296},{"text":"<span data-type='title' id=toc-926>سورة التكاثر </span>(^١)\nمكية وهي ثمان آيات\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ﵁ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَّاثُرُ﴾ قَالَ: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي (^٢) وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلا مَا تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ (^٣) أَوْ أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ هُنَا وَمُسْلِمٌ فِي الزُّهْدِ.\nقَالَ عَلِيٌّ ﵁: مَا زِلْنَا نَشُكُّ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَّاثُرُ (^٤)﴾.\n\n• عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيُّ النَّعِيمِ. نُسْأَلُ عَنْهُ وَإِنَّمَا هُمَا الْأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ؟ قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ سَيَكُونُ (^٥)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يوْمَ القِيَامَة يَعْنِي الْعَبْدَ مِنَ النَّعِيمِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ نَصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ وَنَرْوِيكَ مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ (^٦)».\nرَوَى الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٧).\n_________\nسورة التكاثر مكية وهي ثمان آيات\n(^١) سميت بهذا لبدئها بقوله تعالى ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ شغلكم التفاخر بالأموال والأولاد والرجال ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ ألهاكم عن طاعة الله الحرص على الدنيا حتى أتاكم الموت وأنتم على ذلك ﴿كَلَّا﴾ ردع وزجر ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ سوء عاقبة تفاخركم عند النزع ثم عند القبر ﴿كَلَّا﴾ حقا ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ عاقبة التفاخر ما اشتغلتم به ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ النار ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ تأكيد والكلمتان جواب لقسم محذوف أي والله لتنظرن النار رؤية عين ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ الذي تمتعتم به في دنياكم كصحة وأمن وفراغ، وفاخر ملبوس وأثاث، ولذيذ طعام وشراب، هل قمتم بحقه؟ وهل شكرتم الله عليه، نسأل الله التوفيق.\n(^٢) أحفظه وأنميه.\n(^٣) أبقيته لك في الآخرة.\n(^٤) فإنها مؤذنة بعذاب القبر.\n(^٥) فإذا كان طعامنا التمر والماء فكيف نسأل؟ قال: لابد من السؤال عنه.\n(^٦) فهل عرفت هذا وشكرتنا، وفي رواية: عن أي النعيم نسأل فإنما هما الأسودان والعدو حاضر وسيوفنا على عواتقنا، قال: إن ذلك سيكون.\n(^٧) الأول والثالث بسندين غريبين والثاني بسند حسن.","vol":"4","page":297},{"text":"<span data-type='title' id=toc-927>سورة العصر والهمزة والفيل وقريش والماعون</span>\nلَمْ يَرِدْ فِيهِنَّ شَيْءٌ فِي أُصُولِنَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-928>سورة الكوثر </span>(^١)\nمكية وهي ثلاث آيات\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمَّا عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ (^٢) أَتَيْتُ عَلَى نَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ مُجَوِّفًا، فَقُلْتُ: مَا هذَا يَا جِبْرِيلُ؟» قَالَ: هذَا الْكَوْثَرُ (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَسُئِلَتْ عَائِشَةُ ﵂ عَنْ قَوْلِهه تَعَالَى: ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قَالَتْ: نَهَرٌ أُعْطِيَهُ نَبِيُّكُمْ ﷺ شَاطِئَاهُ عَلَيْهِ دُرٌّ مُجَوَّفٌ آنِيَتُهُ كَعَدَدِ النُّجُومِ (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ إِذْ عَرَضَ لِي نَهَرٌ (^٥) حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُؤْلُوءَ، قُلْتُ لِلْمَلَكِ: مَا هذَا؟ قَالَ: هذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَهُ اللَّهُ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى طِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِسْكًا ثُمَّ رُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى فَرَأَيْتُ عِنْدَهَا نُورًا عَظِيمًا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦) وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْكَوْثَرُ\n_________\nسورة الكوثر مكية وهي ثلاث آيات\n(^١) سميت بهذا لقوله تعالى ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ الكوثر الخير العظيم وهو له - ﷺ - بكل معناه كالإيمان والنبوة والرسالة والقرآن والجاه العظيم والمنزلة العليا في الآخرة، والكوثر ذلك النهر الآتي وهو من أفراد ما سبق فلا معارضة.\n(^٢) ودخلت الجنة.\n(^٣) وفي نسخة مجوف، واللؤلؤ معروف من الأحجار الكريمة.\n(^٤) فعلى حافتيه لؤلؤ ودر وذهب وقباب منها، للجلوس فيها والنظر إليه. ولمسلم: قال أنس: بينما نحن عند النبي - ﷺ - إذ أغفى إغفاءة (أخذته حالة الوحي) ثم رفع رأسه متبسما؛ فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت عليّ سورة؛ فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ إلى آخرها، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي، عليه خير كثير.\n(^٥) ظهر لي فرأيته.\n(^٦) بسند صحيح.","vol":"4","page":298},{"text":"نَهَرٌ فِي الْجَنَّةِ حَافَتَاهُ مِنْ ذَهَبٍ وَمَجْرَاهُ عَلَى الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ تُرْبَتُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ وَمَاؤُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ\nوَأَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ (^١)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-929>سورة الكافرون</span>\nلَمْ يَرِدْ فِيهَا شَيْءٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-930>سورة إذا جاء نصر الله</span>\nمدنية وهي ثلاث آيات\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» يَتَأَوَّلُ الْقرْآنَ (^٢). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ (^٣) فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ: لِمَ يَدْخُلُ هذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءُ مِثْلُهُ (^٤)، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ (^٥) فَدَعَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ فَمَا رُئِيَتُ أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلا لِيُرِيَهُمْ (^٦)، قَالَ:\n_________\n(^١) مجراه أي أرضه التي يجري عليها الدر والياقوت يتخللهما طينة أطيب من المسك، وهذه الرواية أجمع وصف له. نسأل الله رؤيته والشرب منه في بحبوحة الجنة آمين، وهل هذا خاص به - ﷺ - وبآل بيته، أو تشرب الناس كلهم منه اغترافًا من بحار كرمه وعطاياه التي عمت الخلائق كلهم في الدنيا والأخرى، ويظهر لي الثاني فيكون - ﷺ - ماثلا في أذهان الناس بالعظمة السرمدية ما زالوا في شمس الحياة الأبدية.\n\nسورة النصر مدنية وهي ثلاث آيات\n(^٢) يعمل بالقرآن القائل ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.\n(^٣) كبار من حضروا وقعة بدر في مجلس الشورى.\n(^٤) فوجد: أي غضب بعضهم وهو عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة، وقال لعمر: لأي شيء تدخل معنا ابن عباس وهو صغير السن ولنا أولاد مثله.\n(^٥) وقال لهم أيضا: إن له لسانًا سؤولا وقلبًا عقولا.\n(^٦) وفي نسخة: فما رئيت أي ما ظننت أنه دعاني معهم إلا ليريهم فضلي.","vol":"4","page":299},{"text":"مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدُ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ، فَقَالَ لِي: أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ لَهُ قَالَ: «إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَذلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا»، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلا مَا تَقُولُ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-931>سورة أبي لهب </span>(^٣)\nمكية وهي خمس آيات\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ وَرَهْطَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلِصِينَ (^٤) خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا فَهَتَفَ «يَا صَبَاحَاهُ» فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ (^٥) فَقَالَ: «أَرَأَيْتمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟» قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا، قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ»،\n_________\n(^١) فالأمر بالاستغفار دليل على قرب أجله - ﷺ - ولم يفهم هذا إلا ابن عباس وعمر لأنه معنى إشاري لا يصل إليه إلا نور البصيرة الثاقب، فكان - ﷺ - بعد نزولها يكثر من قوله: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه.\n(^٢) وزاد: فكيف تلومونني على حب ما ترون، رضي الله عن الأصحاب أجمعين.\n\nسورة أبي لهب مكية وهي خمس آيات\n(^٣) سميت بهذا لأنها نزلت في ذم أبي لهب أحد أعمام النبي - ﷺ - كان كافرا شديد العداء للنبي - ﷺ - وكذا امرأته العوراء، وهلكا كافرين وكان هلاكه بعد بدر بسبع ليال بداء العدسة.\n(^٤) بيان لما قبله أو قراءة شاذة ونسخت.\n(^٥) فهتف أي نادى يا صباحاه، أصلها استغاثة أي غشينا الصباح فتأهبوا للعدو؛ والمراد احضروا لأمر هام فحضروا.","vol":"4","page":300},{"text":"قَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَك (^١) مَا جَمَعْتَنَا إِلا لِهذَا ثُمَّ قَامَ، فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (^٢)﴾. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَرَأَى الْعَبَّاسُ ﵁ فِي النَّوْمِ أَبَا لَهَبٍ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي أَسْوَإِ حَالٍ، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ خَيْرًا غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هذِهِ وَأَشَارَ إِلَى النّقْرَةِ الَّتِي تَحْتَ إِبْهَامِهِ بِإِعْتَاقِي ثُوَيْبَةَ (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الرَّضَاعِ وَالنِّكَاحِ.\n_________\n(^١) أي هلاكا لك.\n(^٢) ثم قام النبي - ﷺ - فنزلت السورة تذم أبا لهب وهي ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ أي هلكت يداه، والمراد الدعاء عليه بالهلاك ﴿وَتَبَّ﴾ أي قد هلك، ولما خوفه النبي - ﷺ - بالعذاب قال: إن كان ما يقول ابن أخي حقًّا فإني أفتدي بمالي وولدي، فنزل ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ فماله وكسبه لا يدفعان عنه شيئا ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ﴾ سيحترق في نار لها لهب شديد وكذا امرأته ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ التي تحمل الشوك وتلقيه في طريق النبي - ﷺ - ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ في عنقها حبل من ليف تربط به الشوك الذي تحمله للنبي - ﷺ -، وكذا سيكون في عنقها وهي في النار حبل منها كالليف فضيحة وزيادة عذاب لها، وقال ابن عباس هو سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعًا تدخل من فيها وتخرج من دبرها ويكون سائرها في عنقها فتلت من حديد فتلا محكما في النار.\n(^٣) فالعباس رأى أخاه أبا لهب بعد موته في النوم بشر خيبة؛ فقال العباس له: ما حالك؟ قال: لم ألق بعدكم خيرا غير أني سقيت ماء في هذه وأشار إلى النقرة التي بين الإبهام والسبابة بسبب إعتاقي ثويبة التي أرضعت النبي - ﷺ - قال شيخ الإسلام: وأشار بذلك إلى حقارة ما سقي من الماء في جهنم. وقال القرطبي: سقي نقطة من ماء جهنم بسبب ذلك. ففيه أن الكافر ينتفع بصالح عمله في الآخرة، وهذا مردود بقوله ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ وأيضًا فهذه رؤيا منامية لا يثبت بها حكم شرعي، ويحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبي - ﷺ - مخصوصًا من ذلك. والله أعلم.","vol":"4","page":301},{"text":"<span data-type='title' id=toc-932>سورة الإخلاص </span>(^١)\nمكية وهي أربع أو خمس آيات\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ (^٢) فأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ «فَالصَّمَدُ الَّذِي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُولَدُ إِلا سَيَمُوتُ وَلَا شَيْءٌ يَمُوتُ إِلا سَيُورَثُ وَاللَّهُ ﷿ لَا يَمُوتُ وَلَا يُورَثُ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾» قَالَ: «لَمْ يَكُنْ لَهُ شَبِيهٌ وَلَا عَدْلٌ (^٣) وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ».\nرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ إِنِّي لَنْ أُعِيدَهُ كَمَا بَدَأَتُهُ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَأَنَا الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًّا أَحَدٌ (^٥)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\nسورة الإخلاص مكية وهي أربع أو خمس آيات\n(^١) سميت بهذا لأنها خلصت في صفاته خاصة، وتسمى سورة الصمد لذكره فيها.\n(^٢) وقيل السائل أحبار اليهود أو النصارى؛ قالوا: إن آلهتنا ثلاثمائة وستون ولم تقض حوائجنا فكيف بإله واحد، وقيل إنهم قالوا: ما صفة ربك هل هو من نحاس أو من زبرجد أو من ذهب أو كيف هو؟ فأنزل الله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في ذاته وصفاته وأفعاله ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ المقصود في الحوائج دائما والذي لم يلد كما في الحديث.\n(^٣) العدل: المثل والنظير، والشبيه مثله، وقد يكون في بعض الوجوه.\n(^٤) بسند لا طعن فيه.\n(^٥) تقدم هذا الحديث مرتين، مرة في البقرة ومرة في سورة مريم، نسأل الله التوفيق.","vol":"4","page":302},{"text":"<span data-type='title' id=toc-933>سورة الفلق </span>(^١)\nمكية أو مدنية وهي خمس آيات\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n• عَنْ عَائِشَة ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هذَا فَإِن هذَا الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ (^٢)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-934>سورة الناس</span>\nلَمْ يَرِدْ فِي تَفْسِيرِهَا شَيْءٌ.\nنَسْأَلُ اللَّهَ السَّتْرَ الْجَمِيلَ وَالتَّوْفِيقَ الْكَامِلَ آمِين.\n_________\nسورة الفلق مكية أو مدنية وهي خمس آيات\n(^١) سميت بهذا لقوله تعالى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ الصبح أو بيت في جهنم إذا فتح صاح أهل النار من حره ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ من شر كل ذي أذى ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ الليل إذا أظلم أو القمر إذا غاب ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ السواحر التي تنفخ في عقد الخيط ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ أظهر حسده وعمل بمقتضاه.\n(^٢) استعيذي بالله من شر هذا أي بقولك أعوذ بالله من شر هذا أو بقراءة المعوذتين فإنهما نزلتا للتحفظ بهما من السحر ومن كل شيء، فمن حافظ عليهما صباحا ومساء ثلاث مرات مع حسن النية والتوكل على الله تعالى حفظه الله من كل شيء. وسبق فضلهما في فضائل القرآن. والله أعلم.","vol":"4","page":303},{"text":"<span data-type='title' id=toc-935>كتاب الرؤيا والأمثال </span>(^١)\nوفيه فصول أربة وخاتمة\n\n<span data-type='title' id=toc-936>الفصل الأول في أقسام الرؤيا وما يقوله الرائي </span>(^٢)\n• عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ\nجُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ (^٣)». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ قَدْ انْقَطَعَتْ فَلَا رَسُولَ بَعْدِي وَلَا نَبِيَّ»، قَالَ: فَشَقَّ ذلِكَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «لكِن الْمُبَشِّرَاتُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: «رُؤْيَا الْمُسْلِمِ وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ (^٤)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ.\n_________\nبسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين\n\nكتاب الرؤيا والأمثال\n(^١) الأمثال: جمع مثل والمراد بها هنا الأحاديث التي ضربت فيها الأمثال. وقد عقد الترمذي ﵁ لها بابًا مستقلا، والرؤيا: ما يراه الشخص في نومه مما أفاضه الله على قلبه من أمور تدل على ما كان أو ما يكون كدلالة السحاب على الأمطار، ولكنها إذا كانت صالحة حضرها ملك كريم وإلا حضرها شيطان للحديث الآتي \"الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان\" والرؤيا المنامية بالقصر كحبلى ويقل فيها رؤية بعكس الرؤية البصرية.\n(^٢) أقسام الرؤيا تأتي في حديث أبي هريرة، وما يقوله الرائي يأتي في حديث أبي قتادة.\n(^٣) وفي رواية: من خمسة وأربعين جزءا، وفي أخرى من أربعين، وفي أخرى: من سبعين. وهذا التفاوت بحسب حال الرائي فرؤيا الفاسق تكون من سبعين، ورؤيا الصالح تكون من أربعين أي صدقها أكثر، ولكن أشهر الروايات جزء من ستة وأربعين فإن زمن الوحي الذي كان ينزل على النبي - ﷺ - ثلاث وعشرون سنة منها ستة أشهر بالرؤيا المنامية ونسبتها إلى ثلاث وعشرين سنة جزء من ستة وأربعين، فالرؤيا تدل على الغيب كما يدل عليه الوحي السماوي.\n(^٤) لكن المبشرات أي باقية وهي الرؤيا التي تبشر بخير أو تنبه من غفلة ومثلها الرؤيا المنذرة التي تنذر بشر فيستعد له بالصبر الجميل.","vol":"4","page":304},{"text":"• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهِ وَلْيَتَحَدَّثْ بِهَا (^١). وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا وَلَا يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ فإِنَّهَا\nلَا تَضُرُّهُ (^٢)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ (^٣) وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا (^٤)». وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ وَالرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ: فَرُؤْيَا الصَّالِحَةِ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ، وَرُؤْيَا تَخْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ (^٥). فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ وَلَا يُحَدِّثْ\nبِهَا النَّاسَ (^٦)»، قَالَ: «وَأُحِبُّ الْقَيْدَ وَأَكْرَهُ الْغُلَّ (^٧)».\n_________\n(^١) فإذا رأى رؤيا يحبها لحسن ظاهرها كأن رأى أنه يصلي أو يعبد الله، أو لحسن تأويلها كنكاح بعض المحارم المعبر عنه بصلته وكالموت لبعض الناس المؤول بالانقطاع إلى الله فإنه يحمد الله على هذا ويقصها على عالم أو حبيب.\n(^٢) وإذا رأى ما يكره كأن وقع في نار أو سقط من عال أو طارت رأسه فإنه يبصق عن يساره ثلاثا ويتعوذ بالله من شر الشيطان ومن شر هذه الرؤيا ثلاثا ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره لأن هذا سبب لحفظه من مكروه يترتب عليها كالصدقة سبب لحفظ المال ودفع البلاء عن صاحبها.\n(^٣) وأصدق الرؤيا إذا اقترب الزمان أي استوى زمن ليله ونهاره كوسط فصل الخريف ووسط فصل الربيع ووقت القيلولة والسحر لحديث: أصدق الرؤيا بالأسحار.\n(^٤) فإذا كان الشخص صادقًا في قوله صدقت رؤياه كثيرا، وقد قيل منام الصادقين علم اليقين، وللبخاري \"الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة\".\n(^٥) فأقسام الرؤيا ثلاثة: حديث النفس وهو أن يكون الشخص مهموما بأمر فيرى في نومه ما يتعلق به ولا عبرة بهذا، وتحزين من الشيطان وهو أن يرى في منامه شيئًا يحزنه وكثيرا ما يسمى هذا بالحلم، والثالثة المبشرة. وللبخاري \"الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فإذا حلم أحدكم فليتعوذ منه وليبصق عن شماله فإنها لا تضره\".\n(^٦) فليصل إن كان نشيطًا وإلا بصق عن يساره وتعوذ ثلاثا وتحول إلى جنب آخر.\n(^٧) قال أبو هريرة: وأحب القيد (ربط الرجلين) لأنه ثبات في الدين ورسوخ فيه، وأكره الغل (الطوق في العنق) لأنه تحمل دين أو مظالم أو حكم عليه، فالقيد في النوم حسن والغل مكروه.","vol":"4","page":305},{"text":"• عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا فَتُمْرِضُنِي حَتَّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلَا يُحَدِّثْ بِهَا إِلا مَنْ يُحِبُّ (^١)، وَإِنْ رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا (^٢) وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشَرِّهَا (^٣) وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ». رَوَاهُمَا الْأَرْبَعَةُ. نَسْأَلُ اللَّهَ الْعِلْمَ بِالتَّعْبِيرِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-937>إذا قصت الرؤيا وقعت</span>\n• عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمُ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا (^٤)»؟. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَزَادَ: وَيَقُولُ: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ إِلا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ».\n\n• عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْليِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ وَهِيَ عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ يَتَحَدَّثْ بِهَا فَإِذَا تَحَدَّثَ بِهَا سَقَطَتْ»، قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ «وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا إِلا لَبِيبًا أَوْ حَبِيبًا (^٥)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. وَلِابْنِ مَاجَهْ: «اعْتَبَرُوهَا بِأَسْمَائِهَا، وَكَنُّوهَا بِكُنَاهَا وَالرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ (^٦)».\n_________\n(^١) أو عالمًا بالتعبير.\n(^٢) إذلالا للشيطان الذي يوسوس في القلب جهة اليسار.\n(^٣) أي ثلاثا أيضًا فإن الله يحفظه إن شاء الله.\n\nإذا قصت الرؤيا وقعت\n(^٤) هل رأى منكم أحد الليلة رؤيا فيذكرها لنعبرها له.\n(^٥) فالرؤيا كالشيء المعلق في الهواء\nلا استقرار لها حتى تعبر، فإذا عبرها شخص وقعت كما عبر، وهي لأول عابر إذا عبرها أكثر من واحد وكان لها تأويلان فأكثر ولذا قال: ولا تحدث بها إلا لبيبًا أي عالما أو حبيبا.\n(^٦) فقد تعبر الرؤيا من الأسماء والكنى، كالهدى من رؤية الهدهد، والغربة من رؤية الغراب، وكالرفعة من اسم رافع، والهداية من اسم مهدي، والنصر من اسم منصور، والعلو من كنية أبي على، والخير والبركة من أبي الخير، والعقبي المحمودة من أم يعقوب والنصر من أم نصر وهكذا.","vol":"4","page":306},{"text":"• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي ضُرِبَ فَتَدَحْرَجَ فَاشْتَدَدْتُ عَلَى أَثَرِهِ فَقَالَ: «لَا تُحَدِّثِ النَّاسَ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِكَ فِي مَنَامِكَ (^١)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. نَسْأَلُ اللَّهَ كَمَالَ الْإِسْلَامِ وَقُوَّةَ الْيَقِينِ آمِين.\n_________\n(^١) كأن رأسي ضرب أي بسيف فقطع وتدحرج بعيدا فسميت نحوه؛ قال: لا تحدث بها فإنها تلاعب من الشيطان ولكن تعوذ بالله منها كما تقدم.\n(فائدة) يلزم للمعبر أن يكون عارفا بشيء من كتاب الله تعالى كالعهد من الحبل في قوله تعالى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ وكالنجاة من السفينة في قوله تعالى ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ وكالحج من الأذان في أشهره لقوله تعالى ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالً﴾، وكالنسوة من البيض في قوله تعالى ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾، وكالمنافقين من الأخشاب لقوله تعالى فيهم ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ وكالظلمة من رؤية الأحجار لقوله تعالى ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ وكالرفعة من سجود الكواكب، والسنين المخصبات من رؤية البقر السمان، والمجدبات من البقر العجاف الواردة في سورة يوسف ﵇ ورؤيا صاحبيه في السجن ونحو ذلك، وكذا يلزم للمعبر شيء من السنة الغراء كالأحاديث الآتية وكذا يلزمه معرفة شيء من أمثلة العرب كقول إبراهيم لإسماعيل ﵉: غير أسكفة بابك؛ أي زوجتك، وكقول لقمان لابنه: بدل فراشك أي زوجتك، وكقول عيسى ﵇ حينما دخل على مومسة يعظها: إنما يدخل الطبيب على المريض أي العالم على المذنب ليهديه. وروى أن النبي - ﷺ - قال لأبي بكر: رأيت كأني أنا وأنت نرقى في درجة (نصعد سلما) فسبقتك بمرقاتين؛ فقال: يا رسول الله يقبضك الله إلى رحمته وأعيش بعدك سنتين ونصفا، فكان كذلك، وقال رسول الله - ﷺ -: رأيت كأنه يتبعني غنم سود وتبعها غنم بيض؛ فقال أبو بكر: تتبعك العرب وتتبع العجم العرب، فكان كذلك، وقال رسول الله - ﷺ -: خير ما يرى أحدكم في المنام أن يرى ربه أو نبيه أو يرى أبويه مسلمين، قالوا: يا رسول الله وهل يرى أحد ربه؟ قال: السلطان والسلطان هو الله تعالى. ومدار التعبير على التمثيل والتشبيه من الأمور المتناسبة في الرؤيا والنظر إلى الملائم منها دون سواه، وعلى المعبر أن يتفرس في الرأي وحرفته وما يلوح عليه ويعبر له من حاله كما كان يفعل ابن سيرين ﵁ فقد جاءه رجل فقال: رأيت في منامي كأني أؤذن؛ فنظر إليه ثم قال: يسرق الأبعد وتقطع يده، ثم جاءه آخر فقال: رأيت في منامي كأني أؤذن؛ فنظر إليه فقال: تحج بيت الله الحرام؛ فكان في المجلس رجل فقال: كيف هذا يا ابن سيرين؟ الرؤيا واحدة والتعبير مختلف؛ فقال: نعم تفرست في وجه الأول الشر فأولت له من قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ والثاني توسمت فيه الخير والصلاح=","vol":"4","page":307},{"text":"<span data-type='title' id=toc-938>يحرم الكذب في قص الرؤيا</span>\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يَفْعَلَ (^١)، وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^٢)، وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا وَلَيْسَ بِنَافِخٍ (^٣)». رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَلِلْبُخَارِيِّ: «إِنَّ مِنْ أَفْرَى الْفِرَى أَنْ يُرِيَ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَهُ (^٤)». نَسْأَلُ اللَّهَ الصِّدْقَ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-939>الفصل الثاني فيما رآه النبي ﷺ</span>\n• عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً (^٥) أَقْبَلَ عَلَيْنَا يِوَجْهِهِ فَقَالَ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ (^٦)» فَسَأَلَنا يَوْمًا فَقَال: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟» قُلْنَا: لَا. قَالَ: «لكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي\n_________\n= فعبرت له من قوله تعالى ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ وينبغي للمعبر أن يقول حينما يسمع الرؤيا من رائيها خيرًا لنا وشرا لأعدائنا، وأن يعبرها بما يسره إن كانت تعطى ذلك وإلا قال خيرا وسكت، وعلم التعبير عزيز وهو إلهاميا أكثر منه اكتسابيًا، فمداره على التقوى لقوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ ولقوله تعالى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾.\n\nيحرم الكذب في قص الرؤيا\n(^١) فمن قال: رأيت في منامي كذا وكذا وهو لم ير شيئا أو زاد فيما رآه حبس عن مقامه في الجنة حتى يعقد شعيرتين في بعضهما ولا يمكنه ذلك أبدا. كناية عن دوام عذابه.\n(^٢) الآنك: الرصاص المذاب بالنار أي الحار يصب في أذنيه اللتين كان يستمع بهما ممن لا يحب ذلك.\n(^٣) ولا يمكنه نفخ الروح فيها أبدا، كناية عن دوام تعذيبه.\n(^٤) فمن أفرى الفرى أي أكذب الكذب أن يقول: رأيت كذا وكذا وهو لم ير شيئًا لأنه كذب على الله تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي لا أحد أظلم منه.\n\nالفصل الثاني فيما رآه النبي - ﷺ -\n(^٥) المراد بها الصبح كما تقدم في: إذا قصت الرؤيا وقعت.\n(^٦) يعبرها بما شاء الله تعالى.","vol":"4","page":308},{"text":"فَأَخَذَا بِيَدِي فَأَخْرَجَانِي إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ (^١). فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ (^٢) يُدْخِلُهُ فِي شِدْقِهِ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ (^٣) ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الْآخَرِ مِثْلَ ذلِكَ وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هذَا فَيَعُودُ فَيَضَعُ مِثْلَهُ (^٤)، فَقُلْتُ: مَا هذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ (^٥) وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ (^٦) أَوْ صَخْرَةٍ فَيَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الْحَجَرُ (^٧) فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ فَلَا يَرْجِعُ إِلَى هذَا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ (^٨)، قُلْتُ: مَنْ هذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ (^٩) أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ تَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارٌ فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادُوا يَخْرُجُونَ (^١٠). فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمِ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسْطِ النَّهَرِ وَعَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ (^١١)، فَقُلْتُ: مَا هذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ فانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا\n_________\n(^١) أي المطهرة وهي الشام. وفي رواية: فانطلقا بي إلى السماء.\n(^٢) الكلوب بفتح فضم مع التشديد ويقال كلاب كتفاح هو الخطاف.\n(^٣) الشدق جانب الفم؛ والقفا مؤخر العنق.\n(^٤) فالرجل القائم بيده كلوب يضربه في شدق الجالس حتى يظهر في قفاه ثم ينزعه فيضربه في شدقه الآخر فإذا نزعه منه عاد شدقه الأول سليما كما كان فعادله فضربه وهكذا.\n(^٥) نائم على ظهره.\n(^٦) الفهر كالبئر حجر صغير.\n(^٧) فيشدخ أي يضرب، تدهده كتدحرج وزنًا ومعنى.\n(^٨) فالقائم على رأس النائم بيده حجر فيضرب به رأس النائم فينكسر ثم يتدحرج الحجر فإذا أتى به عاد رأسه سليما كما كان فعاد له فضربه وهكذا.\n(^٩) وفي رواية: نقب مثل التنور الذي يخبز فيه.\n(^١٠) وفي رواية: حتى كادوا أن يخرجوا، أي مروا على إناء كبير فيه رجال ونساء عراة في ماء يغلى تحته نار إذا قوى لهبها غلي الماء وارتفع بمن فيه حتى كادوا يخرجون فإذا سكن عادوا في داخل الإناء وهكذا.\n(^١١) ومروا على نهر كالدم وفي وسطه رجل يسبح فيه وعلى شط النهر أي حافته رجل أمامه =","vol":"4","page":309},{"text":"إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ (^١) وَإِذَا رَجُلٌ قَريبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا فَصَعِدَا بِي فِي الشّجَرَةِ فَأَدْخَلَانِي دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا فَصَعِدَا بي الشَّجَرَةَ فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ، فَقُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ، قَالَا: نَعَمْ. أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأَسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ يُفعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمْ الزُّنَاةُ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا، وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ (^٢)، وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، وَالدَّارُ الْأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ: الْجَنَّةُ دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمَّا هذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ (^٣) وَأَنَا جِبْرِيلُ وَهذَا مِيكَائِيلُ فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ (^٤) قَالَا: ذَاكَ مَنزِلُكَ، قُلْتُ: دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي، قَالَا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمْرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٥).\n_________\n= حجارة فكلما أراد الرجل الذي في النهر أن يخرج رماه الذي على الشاطئ بحجر في فمه فرجع في وسط النهر كما كان وهكذا، فالله تعالى مثل لنبيه - ﷺ - عذاب البرزخ للكذاب والذي لم يعمل بالقرآن والزناة وآكل الربا لعلهم ينزجرون.\n(^١) الشجرة العظيمة هي سدرة المنتهى والشيخ الجالس بجوارها إبراهيم الخليل ﵇ وحوله الأطفال الذين ماتوا دون البلوغ حتى يدخلوا مع أهليهم الجنة إن شاء الله.\n(^٢) ظاهره العموم لأولاد المسلمين والمشركين رواية البخاري هنا القائلة: وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة، فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله - ﷺ - وأولاد المشركين.\n(^٣) فالدار العالية التي هي أحسن وأفضل دار الشهداء ﵃.\n(^٤) وفي رواية: مثل الراية البيضاء أي دار عظيمة وفخمة جدا تناسب مقامه - ﷺ -.\n(^٥) البخاري ﵁ روى هذا الحديث هنا ورواه في باب الجنائز وما هنا لفظه في الجنائز.","vol":"4","page":310},{"text":"• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا عَلَى بِئْرٍ أَنْزِعُ مِنْهَا إِذْ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ الدَّلْوَ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ (^١)» ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ مِنْ يَدِ أَبِي بَكْرٍ فَاسْتَحَالَتْ فِي يَدِهِ غَرْبًا (^٢) فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاس يَفْرِي فَرْيَهُ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنِ (^٣). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُرِيَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ صَالِحٌ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ نِيطَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٤) وَنِيطَ عُمَرُ بِأَبِي بَكْرٍ وَنِيطَ عُثْمَانُ بِعُمَرَ». قَالَ جَابِرٌ: فَلَمَّا قُمْنَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا أَمَّا الرَّجُلُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَأَمَا تَنَوُّطُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ فَهُمْ وُلَاةُ هذَا الْأَمْرِ الَّذِي بُعِثَ بِهِ نَبِيُّهُ ﷺ (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي بَابِ التَّفْضِيلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-940>ما رآه النبي ﷺ وعبره</span>\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذلِكَ». وَمَرَّ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ. قَالُوا: مَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الدِّينَ (^٦) \".\n_________\n(^١) الذنوب: الدلو المتلئ ماء.\n(^٢) فاستحالت أي تحولت. غربا أي دلوًا عظيما من جلود البقر.\n(^٣) العبقري الكامل: الحاذق في عمله، والعطن: موضع بروك الإبل بعد شربها، والفرى: العمل الجيد، فأبو بكر أخذ الدلو من النبي - ﷺ - فملأها للناس مرتين فتولى الخلافة بعده - ﷺ - سنتين، وأما عمر فإنه لما تولى الخلافة انتشر الإسلام وقويت شوكته وكثرت الفتوحات حتى عمهم اليسار وقسموا المسك بالصاع ﵃.\n(^٤) أي علق وربط به.\n(^٥) ومفاد الحديثين أن أبا بكر وعمر وعثمان ولاة أمر الدين بعده - ﷺ - وكان كذلك، وعليّ ﵁ وإن لم يذكر في هذا الحديث فهو منهم.\n\nما رآه النبي - ﷺ - وعبره\n(^٦) فاللباس في المنام هو الدين لأن اللباس يحفظ صاحبه من الحر والبرد كالدين يحفظ من عذاب الدنيا والآخرة، فكمال اللباس وحسنه كمال في دينه، ونقصه وقدمه نقص في دينه.","vol":"4","page":311},{"text":"• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرَبْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ مِنْ أَظْفَارِي ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ». فَقَالُوا: مَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْعِلْمَ (^١)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا فأُوحِيَ إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ أَنِ انْفُخْهُمَا فَنَفَخْتهُمَا فَطَارَا فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ مِنْ بَعْدِي». فَكَانَ أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيَّ صاحِبَ صَنْعَاءَ وَالْآخَرُ مُسَيْلِمَةَ صَاحِبَ الْيَمَامَةِ (^٢). رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ فَذَهَبَ وَهْلَيِ إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ (^٣) وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ وَرَأَيْتُ فِيهَا أَيْضًا بَقَرًا (^٤) وَاللَّهُ خَيْرٌ فَإِذَا هُمُ النَّفَرُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ. وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ بَعْدُ وَثَوَابُ الصِّدْقِ الَّذِي أَتَانَا اللَّهُ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ (^٥)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\n(^١) فشرب اللبن الحليب في النوم يدل على القرآن والتوحيد والعلم لأن اللبن طعام النشأة الأولى وعليه حياتها كالعلم حياة القلوب والأخلاق، بخلاف الرائب والمخيض فلا خير فيهما، ولبن ما لا يؤكل لحمه مال حرام وديون وهموم، وأما الجبن الرطب الذي بزبده فمال رابح وعمر طويل، وسبق هذان الحديثان في فضائل عمر ﵁.\n(^٢) يخرجان من بعدي أي تظهر شوكتهما ودعواهما النبوة بعده - ﷺ - وكان كذلك فظهر أحدهما بصنعاء اليمن وهو الأسود العنسي الذي قتله فيروز الديلمي، وظهر الثاني باليمامة وهو مسيلمة الكذاب وقتلا بشر قتلة، فادعاء النبوة منهما حرام وتمويه باطل كالزينة بالذهب في يد الرجال.\n(^٣) وهلي: همي واعتقادي، هجر مدينة معروفة هي قاعدة البحرين، وتحققت رؤياه بالمدينة لأنها ذات نخل وقدرت لها السعادة الأزلية.\n(^٤) أي تنحر كما في حديث أحمد.\n(^٥) فأول السيف بالأصحاب بجامع التحصن والغنيمة بكل منهما وكذا البقر هم بعض الصحب الذين استشهدوا في أحد ﵃، فرؤية بقرة ونحوها تنحر أو ماتت في مكان تدل على موت لبعض أهله.","vol":"4","page":312},{"text":"• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَأَيْتُ كَأَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى قَامَتْ بِمَهْيَعَةَ وَهِيَ الْجُحْفَةُ فَأَوَّلْتُ أَنَّ وَبَاءَ الْمَدِينَةِ نُقِلَ إِلَيْهَا (^١)» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ فَجَذَبَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الْأَصْغَرَ مِنْهُمَا فَقِيلَ لِي كَبِّرْ فَدَفَعْتُهُ إِلَى الْأَكْبَر (^٢)».\nرَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٣).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ فَأُتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبٍ ابْنِ طَابٍ فَأَوَّلْتُ الرِّفْعَةَ لَنَا فِي الدُّنْيَا وَالْعَاقِبَةَ فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ (^٤)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-941>الفصل الثالث في الرؤى التي عبرها النبي ﷺ</span>\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي رَوْضَةٍ وَوَسَطَ الرَّوْضةِ عَمُودٌ، فِي أَعْلَى الْعَمُودِ عُرْوَةٌ فَقِيلَ لِي ارْقَهْ فَقُلْتُ لَا أَسْتَطِيعُ فَأَتَانِي وَصِيفٌ فَرَفَعَ ثِيَابِي فَرَقِيتُ (^٥) فَاسْتَمْسَكْتُ بِالْعُرْوَةِ فَانْتَبَهْتُ وَأَنَا مُسْتَمْسِكٌ بِهَا فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «تِلْكَ\n_________\n(^١) أول هذا بأن وباء المدينة وهي الحمى نقلت إلى الجحفة ووجه ذلك أنه اشتق من السوداء السوء والداء وكان المتفشي في المدينة حينذاك الحمى فأولها بها وكان كذلك.\n(^٢) فيه أن المطلوب تقديم الأكبر وهذا إن استويا في الفضل وإلا قدم الأفضل.\n(^٣) ولكن مسلم هنا والبخاري في الوضوء.\n(^٤) أخذ الرفعة من لفظ رافع، والعاقبة من لفظ عقبة، وديننا قد طاب: كمل واستقر من لفظ رطب ابن طاب ويقال عذق ابن طاب وتمر ابن طاب لرجل من أهل المدينة، ففيه التعبير من الاسم، وفي حديث: المرأة السوداء التعبير من الاشتقاق، نسأل الله الفهم والفتح آمين.\n\nالفصل الثالث في الرؤى التي عبرها النبي - ﷺ -\n(^٥) الروضة أرض مخضرة ذات زهور، والعمود والعروة معروفان، والوصيف والمنصف: الخادم.","vol":"4","page":313},{"text":"الرَّوْضَةُ رَوْضَةُ الْإِسْلَامِ وَذلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الْإِسْلَامِ وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الوُثْقَى لَا تَزَالُ مُسْتَمْسِكًا بِهَا حَتَّى تَمُوتَ (^١)».\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدِي سَرَقَةً مِنْ حَرِيرٍ لَا أُهْوِي بِهَا (^٢) إِلَى مَكَانٍ فِي الْجَنَّةِ إِلا طَارَتْ بِي إِليْهِ فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ فَقَصَّتْهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ أَخَاكِ رَجُلٌ صَالِحٌ (^٣)». رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ (^٤).\n\n• عَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ ﵂ قَالَتْ: رَأَيْتُ لَعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فِي النَّوْمِ عَيْنًا تَجْرِي فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «ذَاكِ عَمَلَهُ يَجْرِي لَهُ (^٥)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرَى اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ\nظَلَّةً (^٦) تَنْطُفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَفُونَ مِنْهَا بِأَيْدِيهِمْ (^٧) فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ، وَأَرَى سَبَبًا (^٨) وَاصِلًا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَعَلَا ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ بِهِ ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي فَلَأَعبُرَنَّهَا. قَالَ: «اعْبُرْهَا» قالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا الظُّلَّةُ فظُلَّةُ الْإِسْلَامِ. وَأَمَّا الَّذِي يَنْطُفُ مِنَ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ فَالْقُرْآنُ حَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ. وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ. وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فَالحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعِليكَ اللَّهُ بِهِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ ثُمَّ\n_________\n(^١) فالروضة: الإسلام وجميع ما يتعلق بالدين، والعمود: أركان الإسلام، والعروة الوثقى: الإيمان وشدة التمسك بالدين.\n(^٢) أي لا أشير بها.\n(^٣) فكونه في الجنة يطير حيث شاء دليل على تقواه وصلاحه.\n(^٤) ولكن البخاري هنا ومسلم في الفضائل.\n(^٥) عثمان هذا أخو النبي - ﷺ - من الرضاع ورؤيت هذه الرؤيا له بعد موته ﵁.\n(^٦) الظلة: السحابة، تنطف أي تقطر قليلا قليلا.\n(^٧) يأخذون بأكفهم.\n(^٨) السبب الحبل.","vol":"4","page":314},{"text":"يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ (^١) فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ؟ قَالَ: «أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا (^٢)»، قَالَ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّي مَا الَّذِي أَخْطَأْتُ، قَالَ:\n«لَا تُقْسِمْ (^٣)». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\nوَقَالَ رَجُلٌ (^٤): يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ كَأَنّ مِيزَانًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ فَوُزِنْتَ أَنْتَ وَأَبُو بَكْرٍ فَرَجَحْتَ أَنْتَ، وَوُزِنَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَرَجَحَ أَبُو بَكْرٍ، وَوُزِنَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ فَرَجَحَ عُمَرُ ثُمَّ رُفِعَ الْمِيْزَانُ، قَالَ: فَرَأَيْنَا الْكَرَاهِيَةِ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵁ قَالَتْ: سَأَلَتْ خَدِيجَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ كَانَ صَدَّقَكَ وَلكِنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُرِيتُهُ فِي الْمَنَامِ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بَيَاضٌ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَكَانَ عَلَيْهِ لِبَاسٌ غَيْرُ ذلِكَ (^٧)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) الرجل الأول أبو بكر والثاني عمر والثالث عثمان ﵃، وانقطاع السبب به ما ناله من الفتنة ولكنها لم تعقه عن المنزلة العليا.\n(^٢) قيل ما أخطأ فيه هو السمن وتأويله السنة الغراء.\n(^٣) لم يُبر قسمه النبي - ﷺ - سترا لما سيقع بعده - ﷺ -.\n(^٤) سببه أن النبي - ﷺ - قال ذات يوم: من رأى منكم رؤيا؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله وذكر ذلك.\n(^٥) معنى الرجحان الأفضلية؛ فأفضل الناس بعد النبي - ﷺ - أبو بكر فعمر رضي الله عن الجميع، وإنما ظهرت الكراهية في وجه رسول الله - ﷺ - لانحصار درجات الفضائل في ثلاثة، أو لما ظهر له من انحطاط أمر الأمة بعد عمر رضي الله عن الجميع.\n(^٦) بسند صحيح.\n(^٧) ورقة هذا قريب خديجة ﵂؛ ولما نزل الوحي على النبي - ﷺ - وهو في الغار أول مرة فزع منه وعاد إلى خديجة فقال لها: زملوني بالملابس فزملوه حتى ذهب روعه ثم ذهبت به إلى ورقة فأخبره النبي - ﷺ - بما رآه؛ فقال: هذا الناموس الذي نزله الله على موسى يا ليتني فيها جذعا، ليتنى أكون حيًا إذ يخرجك قومك، إلى آخر ما سبق في حديث النبوة ثم توفي قبل أن يجيء الوحي بالرسالة فلما سئل عنه النبي - ﷺ - قال: رأيته في ملابس بيضاء وهي لباس أهل الجنة، نسأل الله الجنة آمين.","vol":"4","page":315},{"text":"<span data-type='title' id=toc-942>رؤية النبي ﷺ في النوم</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي (^١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ (^٢) وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَلِلشَّيْخَيْنِ: «مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَكَوَّنُنِي (^٣)».\n\n<span data-type='title' id=toc-943>الفصل الرابع في آداب النوم ودعائه</span>\n• عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ (^٤) وَقُلِ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ\n_________\nرؤيا النبي - ﷺ - في النوم\n(^١) من رآني في النوم فقد رآني رؤيا حقة لا أضغاث أحلام، فإن الشيطان لا يتمثل بي وفي رواية: لا يتخيل بي؛ أي لا يتشكل بشكله - ﷺ - يقظة ولا مناما وإلا اشتبه الحق بالباطل فإن الشياطين فيهم قوة على التشكل بما يشاءون وتحكم عليهم الصورة أي إذا قتلت مات صاحبها بخلاف الملائكة فإنهم يتشكلون بالأشكال الشريفة الإنسان ولا تحكم عليهم الصورة فسبحان الخلاق العظيم.\n(^٢) بأن يسهل الله الهجرة فيراه في المدينة، أو المراد سيراه في الآخرة على الحوض وغيره فتكون رؤيته - ﷺ - في المنام مبشرة بالموت على الإسلام وقد رأيناه - ﷺ - في المنام غير مرة فلله مزيد الحمد ووافر الشكر.\n(^٣) من رآني في نومه فقد رأى الحق أي رؤية الحق لا الباطل فإن الشيطان لا يتكونني أي لا يتكون كوني ولا يتصور بصورتي سواء رآه بصورته المعروفة أو لا، ولكن إذا رآه بصورته تكون دليلا على كمال إيمان الرائي وإن رآه بغيرها كأن رآه أسود اللون أو قصيرا أو ملابسه قصيرة أو رثة أو نحوها فإنه يكون من حال الرائي، نسأل الله كمال الإيمان آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nالفصل الرابع في آداب النوم ودعائه\n(^٤) إذا أتيت مضجعك أي موضع نومك، فتوضأ وضوء الصلاة أي ندبا فربما جاء الموت بغتة فتكون كامل الطهارة، ثم اضطجع على شقك أي جنبك الأيمن لأنه أنبه للقلب وأسرع في الاستيقاظ، فآداب النوم أن يكون على طهارة كاملة وأن يكون على جنبه الأيمن ومستقبل القبلة وأن يتوب إلى ربه وأن يدعو بدعاء من الأدعية الآتية وأن يقرأ سورة من كتاب الله تعالى.","vol":"4","page":316},{"text":"أَمْرِي إِليْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلا إِلَيْك (^١)، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ (^٢) فَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ»، فَقُلْتُ أَسْتَذْكِرُهُنَّ: وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، قَالَ: «لَا وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ».\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ (^٣) ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا (^٤)». وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (^٥)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ (^٦) ثُمَّ يَقُولُ بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا (^٧). وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ (^٨)».\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ شَكَتْ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى (^٩) فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَسْأَلُهُ خَادِمًا (^١٠) فَلَمْ تَجِدْهُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ فَجَاءَنَا (^١١) وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْتُ أَقُومُ فَقَالَ: «مَكَانَكَ» فَجَلَسَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي فَقَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ إِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا أَوْ أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَكَبِّرَا ثَلَاثًا وَثَلاثِينَ، وَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ.\nفَهَذَا خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ (^١٢)».\n_________\n(^١) لا ملجأ أي لا مهرب، ولا منجا أي لا مخلص إلا إليك.\n(^٢) دين الإسلام، نسأل الله الموت عليه آمين.\n(^٣) أي الأيمن.\n(^٤) أموت أي الموت الصغير، وهو النوم، وأحبا منه بالاستيقاظ.\n(^٥) الإحياء للبعث والقيامة.\n(^٦) من المستقذرات والمؤذيات كحية وعقرب.\n(^٧) إن أمسكت نفسي أي توفيتها فارحمها، وإن أرسلتها أي رددتها لي فاحفظها.\n(^٨) وزاد الترمذي: فإذا استيقظ فليقل: الحمد لله الذي عافاني في جسدي ورد عليّ روحي وأذن لي بذكره.\n(^٩) من تقرح كفها من إدارة الرحى.\n(^١٠) أي جارية من جوارى السبي.\n(^١١) أي النبي - ﷺ -.\n(^١٢) فإن بركة الذكر تذهب عنكما التعب ويبقى لكما ثوابه وسبق هذا الحديث في النكاح.","vol":"4","page":317},{"text":"وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبَ الْفَلَقِ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدَهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (^١). رَوَى هَذِهِ الْخَمْسَةَ الْأُصُولُ الْأَرْبَعَةَ.\nوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا أَخَذَ أَحَدُنَا مَضْجَعَهُ أَنْ يَقُولَ «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّموَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ (^٢) وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى (^٣) وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ (^٤) اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَاغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ». رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَأَمَرَ ابْنُ عُمَرَ رَجُلًا إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ خَلَقْتَ نَفْسِي وَأَنتَ تَوَفَّاهَا لَكَ مَمَاتُهَا وَمَحْيَاهَا إِنْ أَحْييْتَهَا فَاحْفَظْهَا وَإِنْ أَمَتَّهَا فاغْفِرْ لَها اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ» فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَسَمِعْتَ هذَا مِنْ عُمَرَ؟ قَالَ: مِنْ خَيْرٍ مِنْ عُمَرَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ حِبَّانَ.\n\n• عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ما مِنْ مُسْلِمٍ يَبِيتُ عَلَى ذِكْرٍ طَاهِرًا\nفَيَتَعَارُّ مِنَ اللَّيْلِ (^٥) فَيَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ (^٦)».\n_________\n(^١) فكان يقرأ سورة الإخلاص والمعوذتين ثم ينفث في كفيه ثم يمسح بهما جسمه يبدأ برأسه ووجهه إلى رجليه ثلاثًا تحصنا بذلك؛ والمراد تعليم الأمة وإلا فالنبي - ﷺ - محفوظ.\n(^٢) لفظ الترمذي ورب الأرضين.\n(^٣) أي عن نبتهما ليخرج.\n(^٤) قابض على أمره.\n(^٥) أي يستيقظ كأنه تعار من نومه.\n(^٦) ولفظ الترمذي: من أوى إلى فراشه طاهرا يذكر الله حتى يدركه النعاس لم ينقلب ساعة من الليل سأل الله شيئًا من خير الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه.","vol":"4","page":318},{"text":"• عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ ﵄ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ (^١): «اقْرَأُ قَلُ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ (^٢)».\n\n• عَنْ حَفْصَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْقُدَ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ (^٣)» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. رَوَى الثَّلَاثَةَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ الْأَنْمَارِيِّ ﵁ (^٥) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ وَضَعْتُ جَنْبِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي وَاخْسَأْ شَيْطَانِي (^٦) وَفُكَّ رِهَانِي (^٧). وَاجْعَلْنِي فِي النَّدِيِّ الْأَعْلَى (^٨)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عَنْدَ مَضْجَعِهِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ وَكَلِمَاتِكَ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ تَكْشِفُ الْمَغْرَمَ وَالْمَأْثَمَ (^٩) اللَّهُمَّ لَا يُهْزَمُ جُنْدُكَ، وَلَا يُخْلَفُ وَعْدُكَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدّ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ».\n\n• عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانِي وَآوَانِي وَأَطْعَمَنِي وَسَقَانِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيَّ فَأَفْضَلَ وَالَّذِي أَعْطَانِي فَأَجْزَلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ اللَّهُمَّ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ وَإِلهَ كُلِّ شَيْءٍ أَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ (^١٠)». رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ.\n_________\n(^١) حينما قال: يا رسول الله علمني شيئًا أقوله إذا أويت إلى فراشي.\n(^٢) أي فمن قرأها ثم مات في ليلته مات على التوحيد.\n(^٣) ولفظ الترمذي: يوم تجمع عبادك أو تبعث عبادك.\n(^٤) الثالث بسند صحيح.\n(^٥) الأنماري: ليس له إلا هذا الحديث.\n(^٦) اطرده عنى واحفظني منه وهو القرين الملازم لكل إنسان.\n(^٧) خلص رقبتي من كل حق عليّ.\n(^٨) الندي هو النادي: مجتمع القوم ولفظ الحاكم في الملأ الأعلى.\n(^٩) المغرم: الدين، والمأثم: الذنب.\n(^١٠) ومليكه أي مالكه.","vol":"4","page":319},{"text":"• عَنْ طَفْخَةَ بْنِ قَيْسٍ الْغِفَارِيِّ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا مُضْطِجعٌ فِي الْمَسْجِدِ مِنَ السَّحْرِ عَلَى بَطْنِي إِذَا رَجُلٌ يُحَرِّكُنِي بِرِجْلِهِ فَقَالَ: «إِنَّ هذِهِ ضِجْعَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ» فَنَظَرْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^١).\n\n• عَنْ عَلِيَ بْنِ شَيْبَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَاتَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَيْسَ عَلَيْهِ حِجَارٌ (^٢) فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ (^٣)». وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَطْحٍ لَيْسَ بِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اضْطَجَعَ مُضْطَجَعًا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ فِيهِ إِلا كانَ عَلَيْهِ تِرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^٤)». رَوَى الثَّلَاثَةَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n• عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَقْرَأُ عِنْدَ نَوْمِهِ سُورَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكًا فَلَا يَقْرَبُهُ شَيْءٌ حَتَّى يَهُبَّ مَتَى هَبَّ (^٦)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٧).\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا إِلهَ إِلا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (^٨) غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ وَرَقِ الشَّجَرِ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ رَمْلِ عَالِجَ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٩). نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ آمِين.\n_________\n(^١) من السحر أي من مرض السحر وهو الرئة فإن المريض بها يرتاح في نومه على بطنه؛ فلما رآه النبي - ﷺ - قال: هذه ضجعة مبغوضة لله تعالى، وقيل إنها ضجعة الشياطين، فالنوم على الوجه مكروه إلا لعذر والمستحب النوم على الجنب الأيمن مستقبل القبلة ولا بأس بالنوم على الأيسر أو على الظهر لعدم النهى عنهما بل ورد نومه - ﷺ - على ظهره كما سبق في آداب المساجد.\n(^٢) وفي نسخة حجاب.\n(^٣) العهد المذكور في قوله تعالى ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقيل من نام على سطح لا حاجز له فوقع فمات فدمه هدر لتعديه.\n(^٤) الترة بالكسر: الحسرة والندامة.\n(^٥) ولكن رواية الترمذي للأولين في كتاب الأدب.\n(^٦) أي حتى يستيقظ.\n(^٧) بسند حسن.\n(^٨) أي قال ذلك بلسانه وقلبه وتاب إلى ربه ظاهرا وباطنا غفر الله له إن شاء الله، ورمل عالج: جبال متواصلة مستطيلة واسعة جدًّا حتى قيل إنها تحيط بأكثر أرض العرب.\n(^٩) بسند حسن.","vol":"4","page":320},{"text":"<span data-type='title' id=toc-944>ما يقول إذا استيقظ</span>\n• عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ (^١) فَقَالَ حِينَ يَسْتَيْقِظُ: لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ولَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قوَّةَ إِلا بِاللَّهِ ثُمَّ دَعَا (^٢) اسْتُجِيبَ لَهُ. فَإِنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. (^٣)\nوَقَالَتْ عَائِشَةَ ﵁: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: «لَا إِلهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ اللَّهُمَّ رِذْنِي عِلْمًا وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ مَكَانَهَا عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَر اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدَهُ كُلُّهَا فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَان». (^٤)\n_________\nما يقول إذا استيقظ\n(^١) أي استيقظ.\n(^٢) زاد في رواية: ثم قال رب اغفر لي.\n(^٣) بسند صحيح، وللترمذي بسند صحيح، كان النبي - ﷺ - إذا أراد أن ينام قال: اللهم باسمك أموت وأحيا؛ وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيا نفسي بعد ما أماتها وإليه النشور.\n(^٤) يعقد الشيطان أي يربط على قافية رأس أحدكم أي مؤخرها ثلاث عقد يضرب كل عقدة مكانها أي يقول عليها: يأتي عليك ليل طويل فارقد، وهذا ربط معنوي براد به الحجب عن الإدراك وعمل ما يمنع به الاستيقاظ، وكان في القافية لأنها محل الواهمة التي هي أسرع في إجابة الشيطان، فإن استيقظ الإنسان فذكر الله بأي ذكر انحلت عقدة فإن توضأ انحلت الثانية فإن صلى انحلت كلها فأصبح نشيطا طيب النفس، وإن لم يفعل شيئا أصبح خبيث النفس كسلان عن كل خير وهذا مخصوص بغير الصالحين، قال تعالى ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ =","vol":"4","page":321},{"text":"وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَهُ حَتَّى أَصْبَحَ، قَالَ: «ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ» أَوْ قَالَ «فِي أُذُنِهِ». (^١) رَوَاهُمَا لْبُخَارِيُّ فِي بِدْءِ الْخَلْقِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-945>خاتمة في الأمثال</span>\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: «إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأْسِي وَمِيكَائِيلَ عِنْدَ رِجْلَيَّ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اضْرِبْ لَهُ مَثَلًا فَقَالَ: اسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ، واعْقِلْ عَقَلَ قَلْبُكَ، إِنَّمَا مَثَلُكَ وَمَثَلُ أُمَّتِكَ كَمَثَلِ مَلِكٍ اتَّخَذَ دَارًا ثُمَّ بَنَى فِيهَا بَيْتًا ثُمَّ جَعلَ فِيهَا مَائِدَةً ثُمَّ بَعَثَ رَسُولًا يَدْعُو النّاسَ إِلَى طَعَامِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ الرَّسُولَ وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَهُ، فَاللَّهُ هُوَ الْمَلِكُ، وَالدَّارُ الْإِسْلَامُ، وَالْبَيْتُ الْجَنَّةُ، وَأَنتَ يَا مُحَمَّدُ رَسُولٌ فَمَنْ أَجَابَكَ دَخَلَ الْإِسْلَامَ، وَمَنْ دَخَلَ الْإِسْلَامَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ أَكَلَ مَا فِيهَا». (^٢) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي وَخَرَجَ إِلَى بَطْحَاءِ مَكَّةَ (^٣) فَأَجْلَسَنِي وَخَطَّ عَلَيَّ خَطًّا (^٤) وَقَالَ: «لَا تَبْرَحْهُ وَلَا تُكَلِّمْ أَحَدًا»\n_________\n= سلطان\" وبغير من قرأ عند نومه سورة من كتاب الله لما سبق، ولحديث من قرأ عند النوم سورة من القرآن كانت له حرزًا من الشيطان.\n(^١) بال الشيطان في أذنيه بولا حقيقيا كما سبق في كتاب الطعام أنهم يأكلون ويشربون وينكحون، أو المراد فعل به ما يشبه ذلك تثبيطا له عن القيام لطاعة الله وهذا لمن لم يتحصن قبل نومه كما سبق، نسأل الله الحفظ والتوفيق آمين.\n\nخاتمة في الأمثال\n(^٢) فمن يتبع محمدا - ﷺ - فإنه يكون أجاب الله ودخل بيته وأكل من مائدته أي فمن يعتنق الإسلام فماله مجاورة الله تعالى والنعيم الدائم في الجنة، نسأل الله رضاه والجنة آمين.\n\n(تنبيه): مرويات الترمذي في هذه الخاتمة في باب الأمثال.\n(^٣) بعض ضواحها.\n(^٤) أي أحاطني بخط خطه بيده حفظًا لي.","vol":"4","page":322},{"text":"ثُمَّ ذَهَبَ وَجَاءَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ فَدَخَلَ عَلَيَّ فِي خَطَى فَتَوَسَّدَ فَخِذِي (^١) فَرَقَدَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَقَدَ نَفَخَ فَبَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ وَهوَ مُتَوَسِّدٌ فَخِذِي إِذَا أَنَا بِرِجَالٍ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ بِيضٌ اللَّهُ أَعْلَمُ مَا بِهِمْ مِنَ الْجَمَالِ فَانْتَهَوْا إِلَيَّ فَجَلَس طَائِفَةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَالُوا بَيْنَهُمْ: مَا رأَيْنَا عَبْدًا قَطُّ أُوتِيَ مثْلَ مَا أُوتِيَ هذَا النَّبِيُّ (^٢) إِنَّ عَيْنَيْهِ تَنَامَانِ وَقَلْبَهُ يَقْظَانُ اضْرِبُوا لَهُ مَثلًا، مَثَلُ سَيِّدٍ بَنَى قَصْرًا ثُمَّ جَعَلَ مَأْدبَةً فَدَعَا النَّاسَ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ. فَمَنْ أَجَابَه أَكَلَ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرِبَ مِنْ شَرَابِهِ وَمَنْ لَمْ يُجِبْهُ عَاقَبَهُ أَوْ قَالَ عَذَّبَهُ ثُمَّ ارْتَفَعُوا وَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «سَمِعْتَ مَا قَالَ هؤُلَاءِ، وَهَلْ نَدْرِي مَنْ هؤُلَاءُ؟» قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «هُمُ الْمَلَائِكَةُ فَتَدْرِي مَا الْمَثَلُ الَّذِي ضَرَبُوا؟» قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «الْمَثَلُ الَّذِي ضَرَبُوا الرَّحْمنُ ﵎ بَنَى الْجَنَّةَ ودَعَا عِبَادَهُ فَمَنْ أَجَابَهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يُجِبهُ عَاقَبَهُ أَوْ عَذَّبَهُ». (^٣) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. (^٤)\n\n• عَنِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا وَإِنَّهُ كَادَ أَنْ يُبْطِئَ بِهَا». (^٥) فَقَالَ عِيسى: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ لِتَعْمَلَ بِهَا وَتَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا فَإِمَّا أَنْ تَأْمُرَهُمْ وَإِمَّا أَنَا آمُرُهُمْ (^٦) فَقَالَ يَحْيَى: أَخْشى إِنْ سَبَقْتَنِي بِهَا أَنْ يُخْسَفَ بِي أَوْ أُعَذَّبَ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ\n_________\n(^١) وضع رأسه على فخذى.\n(^٢) من الجمال والجلال والإيمان واليقين والكمال.\n(^٣) هذا أخص من المثل السابق فإن صريح المثل هنا من لم يجب ربه عاقبه وعذبه، نسأل الله حسن الإجابة آمين.\n(^٤) بسند صحيح.\n(^٥) لعذر شرعى كمرض وإلا فالأنبياء أسرع الناس في تنفيذ أوامر الله تعالى.\n(^٦) ومعلوم أن يحيى وزكريا ولدا خالة صلى الله عليهما وسلم وهذه الخمس هي التوحيد، والصلاة، والصيام والصدقة وكثرة الذكر.","vol":"4","page":323},{"text":"فَامْتَلَأَ الْمَسْجِدُ وَقَعَدُوا عَلَى الشُّرَفِ (^١) فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ وَأَمَرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ.\nأَوَّلُهُنَّ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شيْئًا وَإِنَّ مَثَلَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ كَمثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ فَقَالَ هذِهِ دَارِي وَهذَا عَمَلِي فَاعْمَلْ وَأَدِّ إِلَيَّ فَكَانَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ فَأَيُّكُمْ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذلِكَ. (^٢) وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ (^٣)، وَأَمَرَكُمْ بِالصِّيَامِ فَإِنَّ مَثَلَ ذلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ فِي عِصَابَةٍ مَعَهُ صُرَّةٌ فِيهَا مِسْكٌ فَكُلُّهُمْ يُعْجِبُهُ رِيحُهَا وَإِنَّ رِيحَ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ. وَأَمَرَكُمْ بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ مَثَلَ ذلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَأَوْثَقُوا يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ وَقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ فَقَالَ أَنَا أَفْدِيهِ مِنْكُمْ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَفَدَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ (^٤). وَأَمَرَكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فَإِنَّ مَثَلَ ذلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِراعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ كَذلِكَ الْعَبْدُ لَا يَحْرُزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى (^٥). قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ اللَّهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ (^٦) وَالْجِهَادُ وَالْهِجْرَةُ وَالْجَمَاعَةُ (^٧) فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبَقَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ إِلا أَنْ يَرْجِعَ، وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ\n_________\n(^١) الشرف كغرف جمع شرفة كغرفة وهي الحلية التي على حائط المسجد.\n(^٢) لا يرضى أحد بهذا، كذلك لا ينبغي للعبد الذي خلقه ربه وأحاطه بنعمه ويمده بمدده دائما أن ينصرف إلى غيره وإلا كفر بربه وبنعمه عليه.\n(^٣) أي يقبل عليه في صلاته ما لم يلتفت.\n(^٤) أفديه أي أفدى عنقى بكل شيء فالزكاة والصدقة ينجيان من الهلاك كما يفدى الأسير نفسه بكل شيء، نسأل الله التوفيق آمين.\n(^٥) فكثرة الذكر تحفظ من الشرور ومن وساوس الشيطان.\n(^٦) أي للأمير، وقوله الهجرة هذا قبل فتح مكة كما سيأتي في الجهاد إن شاء الله.\n(^٧) والجماعة أي ولزوم جماعة المسلمين فإنه من فارقها قيد أي قدر شبر فقد نزع عروة الإسلام من عنقه حتى يعود.","vol":"4","page":324},{"text":"فَإِنَّهُ مِنْ جُثَّا جَهَنَّمَ» (^١)، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ، قَالَ: «وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ فَادْعُوا بِدَعْوَى اللَّهِ الَّذِي سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللَّهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢). وَاللَّهُ أَعْلَمُ. نَسْأَلُ اللَّهَ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ وَالتَّوْفِيقَ آمِين.\nعدد أحاديث كتاب الرؤيا ستون حديثًا فقط\n_________\n(^١) ومن ادعى دعوى الجاهلية أي دعا إليها حمية وعصبية على حق أولا كقولهم لحادث شديد يا آل فلان، فإنه يكون من جثا جهنم جمع جثوة كغرف وغرفة ما يجمع فيها أو وقودها.\n(^٢) بسند صحيح.","vol":"4","page":325},{"text":"<span data-type='title' id=toc-946>كتاب الجهاد والغزوات </span>(^١)\nوفيه أبواب\n\n<span data-type='title' id=toc-947>الباب الأول في فضل الجهاد</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ﴾ ﴿عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ (^٣) أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا». فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ، قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبيلِ اللَّهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ أُرَاه» (^٤) قَالَ: «وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمنِ وَمِنْهُ تفجَّرُ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ هُنَا وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الجَنَّةِ.\n_________\nبسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين\n(^١) الجهاد: قتل الكفار لنصر الإسلام وإعلاء كلمة التوحيد، ويطلق على جهاد النفس والشيطان وهو أعظم الجهاد، والجهاد بالمعنى الأول فرض كفاية وقد يكون فرض عين إذا دخل الكفار بلادنا، وستأتي الغزوات إن شاء الله.\n(^٢) ومنه ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾.\n(^٣) حقًّا على الله: فضلا وكرما لا وجوبًا فإن الله لا يجب عليه شيء.\n(^٤) أراه بالضم: أي أظنه.","vol":"4","page":326},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَضَمَّنَ الَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يَخْرِجُهُ إِلا جِهَادًا فِي سَبِيلِي (^١) وَإِيمَانًا بِي وَتَصْدِيقًا بِرُسُلِي فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ (^٢) فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ حِينَ كُلِمَ، لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ وَرِيحُهُ مِسْكٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ (^٣) تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدًا وَلكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ وَلَا يَجِدُونَ سَعةً وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدَدْتُ أَنِّي أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٤) وَالبُخَارِيُّ وَلَفْظُهُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَده لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ (^٥) فَأُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ فَأُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ». وَعَنْهُ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبيلِ اللَّهِ ﷿؟ قَالَ: «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ»، فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذلِكَ يَقُولُ «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ» وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ (^٦) لَا يَفْتَرُ مِنْ صَلَاةٍ (^٧) وَلَا صِيَامٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبيلِ اللَّهِ».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَقَابُ قَوْسٍ (^٨) فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ». وَقَالَ: «لَغَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ» (^٩). رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ.\n_________\n(^١) تضمّن أي تكفل الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه شيء إلا جهادا في سبيل الله، فجهادا مفعول له كإيمانا وتصديقا، وقوله على ضامن أي مضمون.\n(^٢) أي جرح يجرح.\n(^٣) ما تخلفت عن سرية - كعطية - أي جماعة تخرج للجهاد.\n(^٤) والترمذي والنسائي بعضه.\n(^٥) فيه تمنى القتل أربع مرات.\n(^٦) التالى لآيات الله.\n(^٧) لا يفتر من صلاة أي لا ينقطع عنها.\n(^٨) لقاب أي قدر قوس في الجنة خير مما في الدنيا لأنها فانية والآخرة باقية خالدة. فالقاب: القدر وقيل ما بين المقبض والطرف، والقوس من آلات الحرب.\n(^٩) الغدوة من أول النهار إلى الزوال. والروحة من الزوال إلى آخر النهار، وفي رواية: \"الروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها\".","vol":"4","page":327},{"text":"وَلِلْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ: «وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ\nلَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا (^١) ولَمَلأَتْهُ رِيحًا وَلَنصِيفُهَا (^٢) عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».\nوَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ»، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ (^٣) مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَلِلشَّيْخَيْنِ: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةُ يُقَاتِلُ هذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «يَا أَبَا سَعِيدٍ مَنْ رضي بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَةُ» فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ فَقَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَفَعَلَ، ثُمَّ قَالَ: «وَأُخْرى يُرْفَعُ بِهَا الْعَبْدُ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»، قَالَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (^٤) الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ. وَلِأَبِي دَاوُدَ (^٥): «ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ ﷿ (^٦): رَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ (^٧) فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلَامٍ (^٨)\n_________\n(^١) أي الجنة والأرض.\n(^٢) النصيف هنا الخمار على رأسها.\n(^٣) الشعب: الوادي بين جبلين، ويدع الناس من شره يمنعه عنهم.\n(^٤) إنما كان هذا للمجاهد لأنه ترك وطنه وأهله وماله وأحبابه وخرج غازيا في سبيل الله وعرض نفسه للقتل ابتغاء مرضاة الله تعالى.\n(^٥) بسند صالح.\n(^٦) أي مضمون على الله كعيشة راضية أي مرضية.\n(^٧) ذهب إليه لعبادة أو لتعلم علم أو تعليمه.\n(^٨) دخل بيته فسلم على من فيه كقوله تعالى ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ أو بنية السلامة من الناس وأن يسلموا منه، ولأبي داود أيضا \"قفلة كغزوة\" أي أن أجر الغازي في انصرافه كأجره في ذهابه.","vol":"4","page":328},{"text":"فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ ﷿».\nوَلِمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ (^١) تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلا تَمَّ أُجُورُهُمْ» (^٢).\nوَلِلْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيِّ والتِّرْمِذِيِّ: «مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ» (^٣).\nوَلِلتِّرْمِذِيِّ: «لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ (^٤) وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَان جَهَنَّمَ».\nوَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي أَهْلِ بَدْرٍ: «وَمَا يُدْرِيكَ (^٥) لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةَ.\nوَلِلشَّيْخَيْنِ وَالتِّرْمِذِيِّ: «وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ» (^٦).\nوَلِمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ وَالنِّسَائِيِّ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ» (^٧).\nوَلِمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ: «لَا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ فِي النَّارِ أَبَدًا».\n\n• عَنْ أُمِّ حَرَامٍ (^٨) ﵂ قَالَتْ: أَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ «عِنْدَنَا» (^٩) فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟ قَالَ: «أُرِيتُ قَوْمًا مِنْ أُمَّتِي\n_________\n(^١) الغازية: جماعة من الجيش تغزو، والسرية كهدية: أربعمائة.\n(^٢) الإخفاق أن يغزوا فلا يغنموا شيئا، فأي جماعة غزت فسلت وغنمت فقد تعجلوا ثلثي الأجر فإن استشهدت فلها أجرها كاملا، وإن سلت فقط فلها ثلث الأجر إن شاء الله.\n(^٣) ولفظ الترمذي من اغبرت قدماه في سبيل الله فهما حرام على النار.\n(^٤) وهذا مستحيل عادة فما علق عليه وهو تعذيب من بكى من خشية الله مستحيل.\n(^٥) خطاب لعمر ﵁ لما قال يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، لحاطب حينما كاتب المشركين، وسبق هذا في سورة الممتحنة.\n(^٦) كناية عن سرعة دخول الشهيد للجنة جعلنا الله منهم آمين.\n(^٧) أي نوع منه ولكن قال ابن المبارك ﵁: فنرى أن ذلك كان على عهد النبي - ﷺ -، والجمهور على عمومه.\n(^٨) هي خالة أنس بن مالك من بني النجار أخوال عبد الله أبي النبي - ﷺ -. وما كان النبي - ﷺ - يدخل بيتا ينام فيه إلا عندها وعند أختها أم أنس لأنهم من أخواله رضي الله عن الجميع.\n(^٩) نام وقت القيلولة.","vol":"4","page":329},{"text":"يَرْكَبُونَ ظَهْرَ الْبَحْرِ كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّة (^١)، فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: فإِنَّكِ مِنْهُمْ» ثُمَّ نَامَ فَاسْتَيْقَظَ أَيْضًا وَهُوَ يَضْحَكُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: أَنْتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ قَالَ فَتَزَوَّجَهَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بَعْدُ (^٢) فَغَزَا بِهَا فِي الْبَحْرِ فَلَمَّا جَاءَتْ قُرِّبَتْ لَهَا بَغْلَةٌ فَرَكِبَتْهَا فَصَرَعَتْهَا فَمَاتَتْ (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَعَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَائِدُ فِي الْبَحْرِ الَّذِي يُصيبُهُ الْقَيْءُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ وَالْغَرِيقُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ» (^٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥).\nوَلِلْتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِي (^٦): «مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فُوَاقَ نَاقَةٍ (^٧) وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ».\nوَلَهُمَا أَيْضًا (^٨): «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ؟ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (^٩) أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَتْلُوهُ؟ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ فِيهَا (^١٠) أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النّاسِ؟ رَجُلٌ يُسْأَلُ بِاللَّهِ وَلَا يُعْطِي بِهِ» (^١١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ومُسْلِمٌ.\nوَمَالَتْ نَفْسُ رَجُلٍ إِلَى الْعُزْلَةِ فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْهَا، فَقَالَ: «لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ مَقَامَ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ\n_________\n(^١) أي رأيت في نومى قوما من أمتي غزاة في سبيل الله يركبون هذا البحر كالملوك الجالسين على السرر لسعة حالهم وبسط الدنيا لهم؛ ففرح بهم النبي - ﷺ - وضحك البقاء شعائر الدين قائمة بعده.\n(^٢) وفي رواية: وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت فغزا بها في زمن معاوية فصرعت عن دابتها فماتت.\n(^٣) ففيه أن من كان مع الغزاة لخدمتهم أو خدمة دوابهم ومات يكون شهيدا.\n(^٤) المائد: الذي يدور رأسه من اضطراب البحر والسفينة فيقيء، له أجر الشهيد وإن لم يمت، والغريق وفي نسخة: والغرق له أجر شهيدين، ظاهره وإن لم يكن غازيا ولكن إذا كان سفره لطاعة كحج وطلب علم وصلة رحم وتجارة محتسبا.\n(^٥) بسند صالح.\n(^٦) بسند حسن.\n(^٧) قدر حلبها.\n(^٨) بسند صحيح.\n(^٩) يديم الجهاد إن تيسر له.\n(^١٠) ويتلوه في الدرجة رجل اعتزل الناس في واد يرعى غنمه فيه ويؤدى فرائض الله عليه.\n(^١١) مع تيسر الإعطاء وإلا فلا.","vol":"4","page":330},{"text":"مِنْ صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ سَبْعِينَ عَامًا. أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَيَدْخِلَكُمُ الْجَنَّةَ؟ أُغْزُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-948>الباب الثاني في الشهداء وفضلهم</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ﴿فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطِرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ» (^٣). وَقَالَ «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ،\n_________\n(^١) بسند حسن.\n\nالفصل الثاني في الشهداء وفضلهم\n(^٢) قال مسروق: سألنا عبد الله عن هذا فقال: إنا سألنا فقيل لنا إن أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربهم اطلاعة أي مرة؛ فقال: هل تشتهون شيئًا؟ فقالوا: أي شيء نشتهى ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؛ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب تريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى؛ فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركهم، رواه مسلم والترمذي في التفسير وأبو داود ولفظه: لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلا وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد، فقال الله تعالى \"أنا أبلغهم عنكم\" فأنزل الله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ الآيتين.\n(^٣) فلما أبعد الشوك عن طريق الناس لئلا يؤذيهم شكر الله له وأثنى عليه وقبل عمله وغفر له، فكيف بمن عمل للناس شيئًا ينتفعون به.","vol":"4","page":331},{"text":"وَالْغَرِقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ (^١)، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى». رَوَاهُ الشَّيْخَانَ والتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا تَعُدّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: «إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ». قَالُوا: فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهيدٌ (^٢)، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهيدٌ (^٣)، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ» (^٤). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «يَخْتَصِمُ الشُّهَدَاءُ وَالْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ إِلَى رَبَّنَا فِي الَّذينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنَ الطَّاعُونِ، فَيَقُولُ الشُّهَدَاءُ: إِخْوَانُنَا قُتِلوا كَمَا قُتِلْنَا، وَيَقُولُ الْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ: إِخْوَانُنَا مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ كَمَا مِتْنَا، فَيَقُولُ رَبُّنَا: انْظُرُوا إِلَى جِرَاحِهِمْ فَإِنْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَ الْمَقْتُولِينَ فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ وَمَعَهُمْ فَإِذَا جِرَاحُهُمْ قَدْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ» (^٥).\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الشُّهَدَاءُ أَرْبَعَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الْإِيمَانِ لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَقَ اللَّهَ حَتَّى قُتِلَ فَذلِكَ الَّذِي يَرْفَعُ النَّاسُ أَعْيُنَهُمْ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هكَذَا» وَرَفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى وَقَعَتْ قَلَنْسُوَتُهُ، قَالَ: فَمَا أَدْرِي قَلَنسُوَةَ عُمَرَ أَمْ قَلَنْسُوَةَ النَّبِيِّ ﷺ، «وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الْإِيمَانِ لَقِيَ الْعَدُوَّ فَكَأَنَّمَا ضُرِبَ جِلْدُهُ بِشَوْكِ طَلْحٍ مِنَ الْجُبْنِ أَتَاهُ سَهْمُ غَرْبٍ (^٦) فَقتَلَهُ فَهُوَ فِي الدَّرَجَةِ الثَانِيَةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا\n_________\n(^١) من وقعت عليه حائط ونحوها فمات، والمطعون والمبطون يأتي بيانهما.\n(^٢) كأن كان مع الغزاة يخدمهم برعى مواشيهم أو بسقي الماء أو بطهي الطعام ونحو ذلك.\n(^٣) بمرض بطنه أو عضو من أعضائه الباطنة.\n(^٤) وفي رواية: ومن ماتت في نفاسها، ومعنى شهيد أنه يشهده جمع عظيم من الملائكة في الموت وما بعده.\n(^٥) فيحشرون في زمرة الشهداء، وقد سبق في شرح كتاب العلم: إذا جاء الموت لطالب العلم وهو على هذه الحالة مات وهو شهيد، وفي رواية: من جاءه أجله وهو يطلب العلم لم يكن بينه وبين النبيين إلا درجة النبوة، فهذا صريح في أن أهل العلم شهداء، نسأل الله أن نكون منهم آمين.\n(^٦) سهم غرب بالإضافة والوصفية أي لا يدري من رماه.","vol":"4","page":332},{"text":"لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَقَ اللَّهَ حَتَّى قُتِلَ فَذلِكَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَقَ اللَّهَ حَتَّى قُتِلَ فَذلِكَ فِي الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ» (^١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلا الشَّهِيدَ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى» (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنَّ لَهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ غَيْرُ الشَّهِيدِ فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ».\nوَلِلنَّسَائِيِّ: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ كَيْفَ وَجَدْتَ مَنْزِلَكَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ خَيْرَ مَنْزِلٍ فَيَقُولُ: سَلْ وَتَمَنَّ، فَيَقُولُ: أَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا فَأُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ». وَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ إِلا الدَّيْنَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ لِي ذلِكَ» (^٤). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ما يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ الْقَتْلِ إِلا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ الْقَرْصَةِ» (^٥). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (^٦).\n_________\n(^١) فالتقيّ الذي يقاتل بكامل الشجاعة حتى يستشهد في أعلى درجة، والتقى الذي يقاتل ولكن بجبن وخوف حتى يستشهد في درجة ثانية، ومن خلط عملا صالحًا وآخر سيئًا وقاتل حتى استشهد فهو في درجة ثالثة، والمؤمن المرتكب الذي قاتل حتى استشهد في الدرجة الرابعة.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) جملة يسره أن يرجع، خبر لما، والجملتان قبلها صفة لعبد.\n(^٤) فالقتل في سبيل الله يكفر كل ذنب إلا حقوق العباد فلا بد من ردها أو مسامحة أصحابها في الدنيا وإلا أخذوها من حسناته في الآخرة إن كانت وإلا حطت عليه من سيئاتهم بقدرها؛ وقيل القتل في الغزو في البحر يكفر كل شيء.\n(^٥) فألم القتل على الشهيد سهل كألم القرصة.\n(^٦) بسند صحيح.","vol":"4","page":333},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عُرِضَ عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ شَهِيدٌ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ (^١)، وَعَبْدٌ أَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ وَنَصَحَ لِمَوَالِيهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَجِبَ رَبُّنَا ﷿ (^٣) مِنْ رَجُلٍ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ فَرَجَعَ حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿ لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ وَأَثَرَيْنِ: قَطْرَةٍ مِنْ دُمُوعٍ فِي خَشْيَةِ اللَّهِ وَقَطْرَةِ دَمٍ تُهَرَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَأَمَّا الْأَثَرَانِ فَأَثَرٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَثَرٌ فِي فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ» (^٥). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦).\nوَلِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ أَنَا إِنْ قُتِلْتُ؟ قَالَ: «فِي الْجَنَّةِ». فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ كُنَّ فِي يَدِهِ ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّبِيتِ (^٧) فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَمِلَ هذَا يَسِيرًا وَأُجِرَ كَثِيرًا» (^٨).\nوَقَالَ جَابِرٌ: جِيءَ بِأَبِي إِلَى النَّبيِّ ﷺ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ وَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَذَهَبْتُ أَكْشِفُ وَجْهَهُ فَنَهَانِي قَوْمِي فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ فَقِيلَ ابْنَةُ عَمْروَ أَوْ أُخْتُ عَمْرو (^٩) فَقَالَ: «لِمَ تَبْكِي؟ أَوْ: لَا تَبْكِي مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ». رَوَاهُمَا الشَّيخانِ.\n_________\n(^١) عفيف عن الحرام ومتعفف عنه.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) أي رضي عنه ورفع ذكره في الملأ الأعلى وأنزله رفيع المنازل.\n(^٤) بسند صالح.\n(^٥) الأثر المشي.\n(^٦) بسند حسن.\n(^٧) قبيل من الأنصار.\n(^٨) فيه شهادة له بالدرجة العظمى والمنزلة العليا على قتله في سبيل الله عقب إسلامه، ولفظ البخارى: جاء للنبي - ﷺ - رجل مقنع بالحديد (عليه سلاح الجهاد) فقال: يا رسول الله أقاتل وأسلم؟ قال: أسلم ثم قاتل؛ فأسلم ثم قاتل فقتل فقال رسول الله - ﷺ -: عمل قليلا وأجر كثيرا.\n(^٩) هي أخت عبد الله عمة جابر ﵃.","vol":"4","page":334},{"text":"وَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ فِي الْجَنَّةِ؟ (^١) قَالَ: «النَّبِيُّ فِي الْجَنَّةِ، وَالشَّهِيدُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْمَوْلُودُ فِي الْجَنَّةِ (^٢)، وَالْوَئِيدُ فِي الْجَنَّةِ» (^٣).\nرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-949>الشهيد يشفع في خلق كثير</span>\n• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُشَفَّعُ الشَّهِيدُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ» (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦)، وَلَفْظُهُ: «لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ، يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ (^٧) وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ (^٨) وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ». وَلِابْنِ مَاجَهْ «يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ العلَمَاءُ، ثُمَّ الشُّهَدَاءُ» (^٩). نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ نَكُونَ مِنْهُمْ.\n_________\n(^١) أي من مقطوع له بالجنة وإلا فأهلها كثيرون.\n(^٢) السقط والطفل ومن مات قبل بلوغه.\n(^٣) الموءود: الذي دفن حيًا وكان ذلك في الجاهلية، قال تعالى ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾.\n(^٤) بسند صالح. نسأل الله صلاح الحال في الحال والمال آمين.\n\nالشهيد يشفع في خلق كثير\n(^٥) يأذن الله الشهيد فيشفع لكثير من أقاربه كأصوله وفروعه وحواشيه وزوجاته فيدخلون الجنة إن شاء الله.\n(^٦) بسند صحيح.\n(^٧) أي مع من يغفر لهم أولا أو في أول دفعة تسيل من دمه.\n(^٨) المراد ويعطى من الحور كثيرا وإلا فأقل أهل الجنة له سبعون حورية وزوجتان من نساء الدنيا.\n(^٩) فالأنبياء في الدرجة الأولى، ثم العلماء العاملون في الدرجة الثانية، ثم الشهداء في سبيل الله تعالى نسأل الله أن نكون منهم آمين.","vol":"4","page":335},{"text":"<span data-type='title' id=toc-950>فضل المرابط والحارس في سبيل الله </span>(^١)\n\n• عَنْ سَهْلِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٣) وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَهُ وَلِلنَّسَائِيِّ «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ أَوْ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَمَنْ مَاتَ فِيهِ وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَنَمَا لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (^٤). وَلَهُمَا (^٥) «رِبَاطُ يَوْمِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ».\n\n• عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ الْمَيْتِ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ (^٦) إِلا الْمُرَابِطِ فَإِنَّهُ يَنْمُوَ لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيُؤَمَّنُ مِنْ فُتَّانِ الْقَبْرِ» (^٧). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ (^٨).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ (^٩). وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\nفضل المرابط والحارس في سبيل الله\n(^١) المرابط هو الملازم للثغر ليحرس المسلمين من هجوم الكفار.\n(^٢) لفظ الترمذي وما فيها.\n(^٣) بسند حسن.\n(^٤) زاد وبقى جاريا إلى يوم القيامة.\n(^٥) بسند صحيح.\n(^٦) لفظ الترمذي: كل ميت وهي أحسن لإفادة العموم، فكل شخص يموت ينقطع عمله إلا المرابط فإن أجره يبقى دائما ناميًا، ومثله كل من عمل الناس عملا ينتفعون به كمعلم ووقف عقار أو أرض لاستغلالها، وسبق هذا في كتاب العلم وافيا.\n(^٧) فتان جمع فاتن ككفار وكافر، ولفظ الترمذى: ويأمن من فتنة القبر وسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: المجاهد من جاهد نفسه.\n(^٨) بسند صحيح.\n(^٩) بسند حسن. نسأل الله حسن الحال آمين.","vol":"4","page":336},{"text":"<span data-type='title' id=toc-951>فضل الإنفاق في سبيل الله تعالى</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ﴾ ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (^١).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دَعَاهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ كُلُّ خَزَنَةِ بَابِ أَيْ فلَ هَلُمَّ» (^٢). قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَاكَ الَّذِي لَا تَوَى عَلَيْهِ (^٣). فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَجَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ فَقَالَ: هذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعُمائَةِ نَاقَةٍ كُلُّها مَخْطُومَةٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ: «الْغَزْوُ غَزْوَانِ فَأَمَّا مَنِ ابْتَغَى وَجْهَ اللَّهِ وَأَطَاعَ الْإِمَامَ وَأَنْفَقَ الْكَرِيمَةَ (^٤) وَيَاسَرَ الشَّرِيكَ (^٥) وَاجْتَنَبَ الْفَسَادَ فَإِنَّ نَوْمَهُ وَنَبْههُ (^٦) أَجْرٌ كُلُّهُ، وَأَمَّا مَنْ غَزَا فَخْرًا ورِيَاءً وَسُمْعَةً وَعَصَى الْإِمَامَ وَأَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ بِالْكَفَافِ» (^٧).\nوَللِتِّرْمِذِيِّ (^٨) وَالنَّسَائِيِّ: «مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كُتِبَتْ لَهُ بِسَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ».\nوَلِلتِّرْمِذِيِّ (^٩): «أَفْضَلُ الصَّدَقَاتِ ظِلُّ فُسْطَاطٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (^١٠)، وَمَنِيحَةُ خَادِمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (^١١) أَوْ طَرُوقَهُ فَحْلٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (^١٢). نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ آمِين.\n_________\nفضل الإنفاق في سبيل الله تعالى\n(^١) فالنفقة في سبيل الله بسبعمائة وربما أعطى أكثر من هذا على قدر إخلاصه.\n(^٢) يا فلان تعال فادخل من هنا، وهذا زيادة تكريم له وإلا فالدخول لا يكون إلا من باب واحد.\n(^٣) لا بأس عليه وسبق هذا في الزكاة.\n(^٤) المختارة من ماله.\n(^٥) ساهل رفيقه وعامله باليسر.\n(^٦) نبهه: انتباهه.\n(^٧) بل يرجع بالإثم.\n(^٨) بسند حسن.\n(^٩) بسند صحيح.\n(^١٠) كتقديم خيمة للمجاهدين.\n(^١١) كتقديم عبده أو خادمه لخدمة المجاهدين.\n(^١٢) هي ما استحقت أن يطرقها الفحل من دواب الجهاد الإبل والبغال والحمير لزيادة قوتها.","vol":"4","page":337},{"text":"<span data-type='title' id=toc-952>فضل إعانة الغازي</span>\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا» (^١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «إِنِّي أُبْدِعَ بِي فاحْمِلْنِي» (^٢)، فَقَالَ: مَا عِنْدِي، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ، فَقَالَ: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ». رَوَاهُ الْأَرْبَعةُ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا إِلَى بَنِي لِحْيَانَ لِيَخْرُجْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ رَجُلٌ (^٣)، ثُمَّ قَالَ لِلْقَاعِدِ: «أَيُّكُمْ خَلَفَ الْخَارِجَ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ بِخَيْرٍ كَانَ لَهُ مِثْلُ نِصْفِ أَجْرِ الْخَارِجِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ بُرَيْدَةَ رضي الله عنهعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ (^٤)، وَمَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْقَاعِدِينَ يَخْلُفُ رَجُلًا مِنَ الْمُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِهِ فَيَخُونُهُ فِيهِمْ (^٥) إِلا وُقِفَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأْخُذَ مِنْ عَمَلِهِ مَا شَاءَ فَمَا ظَنُّكُمْ» (^٦). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n_________\nفضل إعانة الغازي\n(^١) فمن جهز غازيًا أي قدم له الأمور اللازمة للجهاد فكأنه غزا في سبيل الله تعالى، كمن يخلف الغازي أي يقوم بتدبير أموره حتى يعود، والمماثلة في أصل الأجر لا في قدره لحديث أبي سعيد الآتي.\n(^٢) أبدع بي أي هلكت دابتي فاحملني أي أعطني راحلة أركبها، وفي رواية: إن فتى من أسلم قال يا رسول الله: إني أريد الغزو وليس معي ما أتجهز به، قال: ائت فلانًا فإنه كان قد تجهز فمرض؛ فأتاه فقال: إن رسول الله - ﷺ - يقرئك السلام ويقول أعطني الذي تجهزت به، قال: يا فلانة أعطيه جهازى ولا تحبسي عنه شيئًا فوالله لا يبارك الله فيه، فأعطته.\n(^٣) فيه أن الجهاد فرض كفاية.\n(^٤) مبالغة في احترامهن.\n(^٥) بتقصيره في الواجب لهن أو بتعرضه لعرضهن.\n(^٦) أي لا يبقى من حسناته شيئًا، نسأل الله التوفيق آمين.","vol":"4","page":338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-953>الباب الثالث في نية الجهاد وحكمه</span>\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ (^١) وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ (^٢) وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ (^٣). فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ (^٤) بَلَغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ (^٥).\nوَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ؟ فَقَالَ: «لَا شَيْءَ لَهُ». فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ: «لَا شَيْءَ لَهُ. إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وابْتُغِيَ بِهه وَجْهُهُ» (^٦). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-954>لا ثواب للأجير على الجهاد</span>\n• عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمُ الْأَمْصَارُ وَسَتَكُونَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ يُقْطَعُ عَلَيْكُمْ فِيهَا بُعُوثٌ فَيَكْرَهُ الرَّجُلُ مِنْكُمُ الْبَعْثَ فِيهَا فَيَتَخَلَّصُ مِنْ قَوْمِهِ ثُمَّ يَتَصَّفَحُ الْقَبَائِلَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ يَقُولُ: مَنْ أَكْفِهِ بَعْثَ كَذَا، مَنْ أَكْفِهِ بَعْثَ كَذَا، وَذلِكَ الْأَجِيرُ إِلَى آخِرِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ» (^٧).\n_________\nالباب الثالث في نية الجهاد وحكمه\n(^١) لأجل الغنيمة.\n(^٢) ليرتفع ذكره في الناس.\n(^٣) أي ليشتهر بالشجاعة.\n(^٤) أي تمناها من صميم قلبه.\n(^٥) وللترمذي: من سأل الله القتل في سبيله صادقا من قلبه أعطاه الله أجر الشهادة.\n(^٦) فلا ينال درجة الشهادة إلا من قاتل لإعلاء كلمة الله وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكان قتاله خالصًا لله تعالى.\n\nلا ثواب للأجير على الجهاد\n(^٧) سينتشر الإسلام شرقا وغربا ويضطر الأمير إلى جمع الجنود للجهاد وحفظ الثغور وسيعمل على =","vol":"4","page":339},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِلْغَازِي أَجْرُهُ وَلِلْجَاعِلِ أَجْرُهُ وَأَجرُ الْغَازِي» (^١). رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^٢).\nوَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ ﵄: يُقْسَمُ لِلْأَجِيرِ مِنَ الْمَغْنَمِ (^٣)، وَأَخَذَ عَطِيَّةُ بْنُ قَيْس فَرَسًا عَلَى النِّصْفِ فَبَلَغَ سَهْمُ الْفَرَسِ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ فَأَخَذَ مِائَتَيْنِ وَأَعْطَى صَاحِبَهُ مِائَتَيْنِ (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَجِيرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-955>الجهاد فرض كفاية </span>(^٥)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (^٦) ﴿وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (^٧). ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾ (^٨) نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي\n_________\n= كل بلد بعثا أي عددا معلوما بنسبتهم فيفر بعض الناس من قومه كراهة في الجهاد بلا أجرة ويعرض نفسه على قوم آخرين بالأجرة، فهذا ليس بشهيد وإن قتل في الجهاد، ومثله الموظفون كالضباط والجنود الذين يؤتى بهم من الأقاليم على نفقة الحكومة، فهؤلاء ليسوا بشهداء وإن قتلوا في الجهاد لأنهم يتقاضون أجرا وعلى نفقة الحكومة وإن كان لهم أجر السمع والطاعة للأمير.\n(^١) فللغازي أجر واحد، وللمجهز أجران، وقيل للمؤجر على الغزو أجران: أجر ما بذل وأجر الغزو لأنه سبب فيه فتكون الإجارة على الغزو صحيحة، وعلى هذا جماعة، وقال آخرون ومنهم الشافعي: لا تجوز لأن الجهاد فرض عليه، والمراد بالجاعل المجهز.\n(^٢) بسندين صالحين.\n(^٣) فالأجير يسهم له إذا شهد الموقعة.\n(^٤) صاحبه أي الفرس مائتين من الدنانير فمن غزا على الفرس أخذ نصف الدنانير وصاحب الفرس أخذ النصف الآخر والله أعلم.\n\nالجهاد فرض كفاية\n(^٥) أي إذا قام به فريق من الرجال الأحرار الأقوياء كفي، وسقط الطلب عن باقي الأمة كشأن كل فرض كفاية.\n(^٦) اخرجوا للجهاد نشاطا وغير نشاط وأقوياء وضعفاء وأغنياء وفقراء.\n(^٧) تمامها ﴿ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئًا والله على كل شيء قدير﴾.\n(^٨) تمامها \"ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطأ يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين\".","vol":"4","page":340},{"text":"بَعْدَهَا. ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾ (^١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَلِأَبِي دَاوُدَ: «الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ (^٤) خَلْفَ كَلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ. وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ (^٥) بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ».\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (^٦). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وأَبُو داوُدَ، وَزَادَ: «ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَاهُمْ (^٧) حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ». وَلِمُسْلِمِ: «لَنْ يَبْرَحَ هذَا الدِّينُ قَائِمًا يُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» (^٨).\n_________\n(^١) الظاهر نسختهما الآية التي بعدها كما نسخت الآية الأولى، فلما كانت الآيات الثلاث توجب على كل مسلم الخروج للجهاد وهذا يشق على المسلمين لضياع معايشهم نسخها الله وخفف عنهم بقوله تعالى ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ جميعا (فلولا) هلا (نفر من كل فرقة) قبيلة (منهم طائفة) جماعة ومكث الباقون (ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) من الغزو (لعلهم يحذرون) عقاب الله بامتثال أمره ونهيه فثبت بهذا أن الجهاد فرض كفاية.\n(^٢) بسند صالح.\n(^٣) لا هجرة بعد الفتح أي لا هجرة واجبة عليكم بعد الفتح أو لا هجرة من مكة لأنها صارت بلد إسلام فبعد فتحها لم يبق للهجرة ثواب عظيم لأنها صارت غير واجبة، ولكن بقي الثواب العظيم في الجهاد مع النية الصالحة، وإذا طلبكم الأمير للجهاد فاخرجوا لأن طاعته فرض.\n(^٤) على سبيل الكفاية.\n(^٥) صلاة الجنازة.\n(^٦) على الحق أي لأجله وهو الدين وهذه الطائفة هم أهل العلم عند البخاري، وقال أحمد: هم أهل الحديث وأتباعهم، وقال النووي: هي طائفة متفرقة في أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، ومنهم وعاظ، وأنواع أخرى تعمل في مصلحة الأمة، وهؤلاء مجتمعون أو متفرقون في أقطار الأرض كأن المراد طائفة تعمل لخير الدين وأهله، وفيه دليل على أن الإجماع حجة.\n(^٧) أي عاداهم حتى ينزل المسيح ﵇.\n(^٨) وفي رواية: لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهو الريح التي تهب من قبل اليمن فتأخذ =","vol":"4","page":341},{"text":"<span data-type='title' id=toc-956>لا حرج على المعذور</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. (^١)\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ وَكَانَ رَجُلًا أَعْمى فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَفِخِذُهُ عَلَى فَخِذِي فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تُرَضَّ فَخِذِي (^٢) ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ (^٣) فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ (^٤). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزَاةٍ فَقَالَ: «إِنَّ أَقْوَامًا بِالْمَدِينَةِ خَلْفَنَا مَا سَلَكْنَا شِعْبًا وَلَا وَادِيًا إِلا وَهُمْ مَعَنَا فِيهِ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ» (^٥). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: «أَلَكَ وَالِدَانِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» (^٦). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَمَنِ لِيُجَاهِدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «هَلْ لَكَ أَحَدٌ بِالْيَمَنِ؟» قَالَ:\n_________\n= روح كل مؤمن ومؤمنة، وفي رواية: لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة، قال ابن المديني: أهل الغرب هم العرب لأن الغرب هو الدلو الكبير المشهور عند العرب، وفيه بشارة ببقاء الدين في جزيرة العرب إلى الساعة كما سبق في فضل المدينة في كتاب الحج \"آخر قرية من قرى الإسلام خرابا المدينة\" صلى الله على ساكنها وسلم.\n\nلا حرج على المعذور\n(^١) فالضعيف كالكبير؛ والمريض والفقير الذي لا يجد أدوات الجهاد لا ذنب عليهم في التخلف عن الجهاد بل لهم من أجر الجهاد إذا تمنوه ونصحوا الله ورسوله بعدم التثبيط عن الخروج.\n(^٢) وكانت خذ النبي - ﷺ - على فخذي فثقلت عليها من ثقل الوحي حتى خفت أن ترض فخذي أي تدق.\n(^٣) كشف عنه.\n(^٤) إلا المعذور.\n(^٥) فلما تخلفوا العذر ولكنهم يتمنون الجهاد أعطوا أجره على نيتهم.\n(^٦) أي جاهد في خدمتهما ولعله لم يكن لهما سواه.","vol":"4","page":342},{"text":"أَبَوَايَ، فَقَالَ: «إِذِنَا لَكَ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «ارْجِعْ إِليْهِمَا فَاسْتَأْذِنْهُمَا فَإِنْ أَذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ وَإِلا فَبرَّهُمَا» (^١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الرِّوَايَةِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-957>المبايعة على الجهاد </span>(^٢)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَمْ نُبَايِعِ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْمَوْتِ إِنَّمَا بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ.\nوَسُئِلَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ ﷺ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ. رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ مُجَاشِعِ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ (^٤) أَنَا وَأَخِي، فَقُلْتُ: بَايِعْنَا عَلَى الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: «مَضَتِ الْهِجْرَةُ لِأَهْلِهَا»، قُلْتُ: عَلَامَ تُبَايِعُنَا؟ قَالَ: «عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ» (^٥). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-958>تغزو النساء مع الرجال </span>(^٦)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ\n_________\n(^١) هذا إذا كان جهاده تطوعا وإن كان فرضا عليه فلا حاجة لإذنهما إلا إذا لم يكن لها عائل سواه، وللنسائى: جاء جاهمة السلمي للنبي - ﷺ - يستشيره في الغزو؛ فقال: هل لك من أم؟ قال: نعم، قال: فالزمها فإن الجنة تحت رجليها. والله أعلم.\n\nالمبايعة على الجهاد\n(^٢) فالمبايعة عند إرادة الجهاد مستحبة لزيادة الثقة بينهم والطمأنينة فيقوي عزمهم.\n(^٣) وقال: كلا الحديثين صحيح قد بايعه قوم على ألا يفروا وبايعه آخرون على الموت كما بايعوه على الإسلام أو الهجرة في الحديث الآتي، وفي رواية: بايعوه على السمع والطاعة وألا ينازعوا الأمر أهله، والمراد من هذه الروايات أنهم تحت أمر النبي - ﷺ - في كل وقت وعلى أي حال ولو داهمهم الموت.\n(^٤) بعد فتح مكة.\n(^٥) وزاد مسلم: والخير، وقد سبقت المبايعة في هذا الكتاب مرتين مرة في كتاب الإيمان ومرة في كتاب الإمارة والقضاء والله أعلم.\n\nتغزو النساء مع الرجال\n(^٦) فإذا دعت إليهن الحاجة جاز خروجهن للجهاد.","vol":"4","page":343},{"text":"بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا (^١) تَنْقُلَانِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا ثُمَّ تُفْرِغَانِهَا فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ (^٢) ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِهَا ثمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهَا فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مَعَهُ فَيَسْقِينَ الْمَاءَ وَيُدَاوِينَ الْجَرْحى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَقَالَتِ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ ﵂: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَسْقِي الْقَوْم (^٣) وَنَخْدُمُهُمْ وَنَرُدُّ الْجَرْحَى وَالْقَتْلَى إِلَى الْمَدِينَةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَقَالتْ أُمُّ عَطِيَّةَ ﵂: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ أَخْلَفُهُمْ فِي رِحَالِهِمْ فَأَصْنَعُ لَهمُ الطَّعَامَ وَأُدَاوي الْجَرْحَى وَأَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى (^٤). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-959>الهجرة إلى بلاد الإسلام مستحبة</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ (^٥) ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (^٦) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ\n_________\n(^١) الخلاخل في سوقهما، وسمي الخلخال خدمة بفتحتين لأنه ربما كان من سيور مركب فيها ذهب وفضة، والخدمة في الأصل: السير، والمخدم: موضع الخلخال من الساق.\n(^٢) تنقلان وفي نسخة تنقزان أي تقفزان لسرعة السير بالقرب المملوءة على ظهورهما لتسقيا الغزاة.\n(^٣) أي المجاهدين.\n(^٤) أخلفهم في رحالهم: أقوم مقامهم فيها وأعمل اللازم فأصنع الطعام وأداوي الجرحى وأقوم بخدمة المرضى، ففيه جواز خروج النسوة للجهاد مع الرجال وعمل ما يمكنهن عمله مساعدة للرجال، والله أعلم.\n\nالهجرة إلى بلاد الإسلام مستحبة\n(^٥) مهاجرا كثيرا وسعة في الرزق.\n(^٦) فهذه الآية وإن نزلت في جندع بن ضمرة الليثي ولكنها عامة في كل من يترك بلاد الكفر ويهاجر إلى بلاد الإسلام ليكثر سوادهم ويجاهد معهم ويحضر جماعتهم ويتعلم من شرعهم ويتدين بأخلاقهم.","vol":"4","page":344},{"text":"كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^٢).\n\n• عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَنْقَطِعُ الْهجْرَةُ حَتّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (^٣).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ (^٤) فَخِيَارُ أَهْلِ الْأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ (^٥)، وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا تَلْفِظُهُمْ أَرَضُوهُمْ تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ (^٦) وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ» (^٧). رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^٨).\nوَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ، قَالَ: «ارْجِعْ فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا» (^٩). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n_________\n(^١) نزل هذا الحديث في رجل من المسلمين كان يحب أم قيس وكانت ذات جمال ومال خطبها فرضيت بشرط أن يهاجر معها، فلما هاجرت أم قيس مع السابقين الأولين مرضاة الله ولرسوله هاجر تبعًا لها ورغبة في زواجه بها وأظهر أن هجرته لله ولرسوله فرد الحديث عليه بقوله \"إنما الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى\" فلا أجر على عمل إلا مع النية الصالحة وسبق الكلام على الحديث واسعًا في كتاب النية والإخلاص.\n(^٢) ولفظه لمسلم.\n(^٣) فالهجرة باقية إلى طلوع الشمس من مغربها، ولا ينافي ما سبق: لا هجرة بعد الفتح. فإن الذي انقطع هو الهجرة من مكة، أو فرض الهجرة، وأما ندبها فباق.\n(^٤) الثانية هي الهجرة للشام المباركة بالأنهار والثمار.\n(^٥) مكان هجرته وهو القدس الشريف لأنه الحرم الثالث. عن عبد الله بن حوالة قال: قال رسول الله - ﷺ - سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنودًا مجندة جند بالشام وجند باليمن وجند بالعراق، فقلت: يا رسول الله خر لي إن أدركت ذلك، فقال: عليك بالشام فإنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من عباده وإن الله توكل لي بالشام وأهله، رواه أبو داود أطول من هذا.\n(^٦) أي ذاته.\n(^٧) تجمعهم وتسوقهم النار إلى البهائم وفيها قردة وخنازير.\n(^٨) بسندين صالحين.\n(^٩) يقال فيه كما قيل فيمن جاء يستأذن النبي - ﷺ - في الجهاد، فلا تجوز الهجرة إلا بإذن الوالدين.","vol":"4","page":345},{"text":"وَلِأَبِي دَاوُدَ (^١): «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ» (^٢).\nوَلِلنَّسَائِيِّ: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ» (^٣) وَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً إِلَى خَثْعَمَ فَاعْتَصَمَ نَاسٌ بِالسُّجُودِ فَأَسْرَعَ فِيهِمُ الْقَتْلُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ لَهمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ (^٤) وَقَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\nوَجَاءَ عَبْدٌ فَبَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْهِجْرَةِ وَلَا يَشْعُرُ بِهِ فَجَاءَ سَيَّدُهُ فَطَلَبَهُ فَاشْتَراهُ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ وَلَمْ يُبَايِعْ أَحَدًا بَعْدُ حَتَّى يَسْأَلَهُ أَعَبدٌ هُوَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي السِّيَرِ.\nوَدَخَلَ سَلَمَةَ بْنُ الْأَكْوَعِ ﵁ عَلَى الْحَجَّاجِ فَقَالَ: يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ (^٥) تَعَرَّبْتَ، قَالَ: لَا وَلكِنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لِي فِي الْبَدْوِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-960>الباب الرابع في السفر والدواب وآلات الجهاد</span>\n• عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ (^٦). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n_________\n(^١) في آخر كتاب الجهاد.\n(^٢) مبالغة في الفرار من بين المشركين ليخلص من شرهم فإن الإنسان يتطبع من طبع صاحبه وجاره ولا يشعر، كما قيل الطبع سراق.\n(^٣) فإنهم لا أمان لهم فكيف يركن إليهم ويجاورهم.\n(^٤) بنصف الدية لأنهم تسببوا في قتلهم بإقامتهم مع الكفار.\n(^٥) أي هل رجعت إلى الخلف لأنك تعربت وصيرت نفسك كالأعزاب بسكنك في البادية، قال: لم أرجع عن ديني وحالي في زمن النبي - ﷺ - ولكنه أذن لي في البدو أي الإقامة فيه.\n﴿فائدة﴾: ينبغي الخروج من المدن من حين لآخر إلى ضواحيها والرياض الخضراء ومجاري الماء، انتجاعا للراحة وطلبًا للهواء النقي، ورغبة في المناظر الطبيعية والخضرة والزهور فإنه يسترد صحته ويستزيد قوة في عقله وفكره، فقد سئلت عائشة ﵂ عن البداوة (الخروج للبدو) فقالت: (كان رسول الله - ﷺ - يبدو إلى هذه التلاع) جمع تلعة وهي ما ارتفع من الأرض وما انحدر منها، والمراد مجاري الماء، فكان يجلس عليها وينظر إلى الماء والزرع والخضرة، رواه أبو داود ولمسلم معناه.\n\nالباب الرابع في السفر والدواب وآلات الجهاد\n(^٦) لأنه يوم مبارك تقضي فيه الحوائج وترفع فيه الأعمال إلى الله تعالى.","vol":"4","page":346},{"text":"• عَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكورِهَا وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلًا تَاجِرًا وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١).\nوَلِأَبِي دَاوُدَ (^٢): «عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ فَإِنَّ الْأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ» (^٣).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَلِأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٤): «الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» (^٥).\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ. وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا تَسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُو» (^٦). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَقَالَ جَابِرٌ ﵁: كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا تَصَوَّبْنَا سَبَّحْنَا (^٧). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ (^٨). فَإِذَا قَضَى أَحَدُكمْ نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ» (^٩). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَدِمَ أَحَدُكُمْ لَيْلًا فَلَا يَأْتِيَنَّ\n_________\n(^١) بسند حسن.\n(^٢) بسند صالح.\n(^٣) فالسير بالليل أسهل وأسرع ولا سيما في فصل الصيف.\n(^٤) بسند صحيح.\n(^٥) فيكره للشخص أن يسافر وحده أو مع واحد بل لا بد أن يكونوا ثلاثة فأكثر فإنهم أقوى على دفع الضرر وعلى التعاون بينهم، وهذا في سفر مخيف كالسفر في الجبال والصحاري، بخلاف الطرق الآهلة، وينبغي أن يؤمروا واحدا منهم فإنه أدعى للألفة لحديث أبي داود: إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم.\n(^٦) فيكره السفر بالمصحف إلى أرض الكفار لئلا يهان ككتب المعلم الشرعي، ويكره بيعهما للكفار لهذا إلا إذا علم احترام بعضهم لذلك كالمستشرقين فلا، فإننا نسمع بإسلام بعضهم من آن لآخر.\n(^٧) فكانوا في سفرهم إذا صعدوا اشتغلوا بالتكبير وإذا انحدروا سبحوا.\n(^٨) سئل ابن الجوزى عن السفر فقال: لأن فيه فراق الأوطان والأحباب.\n(^٩) نهمته أي حاجته.","vol":"4","page":347},{"text":"أَهْلَهُ طُرُوقًا (^١) حَتَّى تَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةَ وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ» (^٢). وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ لَيْلًا وَكَانَ يَأْتِيهِمْ غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً (^٣). رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\nنَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-961>توديع الغزاة واستقبالهم</span>\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْخَطْمِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَوْدِعَ الْجَيْشَ قَالَ: «أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكُمْ وَأَمَانَتَكُمْ وَخَوَاتِيمَ أَعْمَالِكَمْ» (^٤). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٥).\nوَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ﵁ لاِبْنِ جَعْفَرٍ: أَتَذْكُرُ إِذْ تَلَقَّيْنَا النَّبِيِّ ﷺ أَنَا وَأَنْتَ وَابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: نَعَمْ فَحَمَلَنَا وَتَرَكَكَ (^٦). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَقَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ﵁: ذَهَبْنَا نَتَلَقَّى النَّبِيَّ ﷺ مَعَ الصِّبْيَانِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ (^٧). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-962>فضل الخيل وصفاتها </span>(^٨)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (^٩) ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n_________\n(^١) على غفلة.\n(^٢) حتى تتنظف الزوجة لزوجها.\n(^٣) سبق هذا في كتاب النكاح.\n\nتوديع الغزاة واستقبالهم\n(^٤) أستودع الله دينكم أي أطلب منه حفظ دينكم، وأمانتكم: ما تركه المسافر من ولد وأهل ومال.\n(^٥) بسند صحيح.\n(^٦) فجعل ابن جعفر وابن عباس أحدهما أمامه والآخر خلفه وترك ابن الزبير شفقة على الدابة.\n(^٧) هي عقبة بطريق المدينة نحو الشام كانوا يودعون المسافر إليها ويستقبلونه عندها فيستحب توديع المسافر وكذا استقباله إيناسًا وتشجيعا له وإدخالا للسرور عليه، وستأتي في كتاب الذكر أدعية التوديع والسفر إن شاء الله تعالى.\n\nفضل الخيل وصفاتها\n(^٨) ذكر ما ورد في الخيل وبيان صفاتها المحمودة.\n(^٩) ﴿وأعدوا لهم﴾ لقتال الكفار ﴿ما استطعتم من قوة﴾ هي الرمي بالسهام ﴿ومن رباط الخيل﴾ المدربة على السبق والكر والفر ﴿ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم﴾ من غيرهم كالمنافقين واليهود ﴿لا تعلمونهم الله يعلمهم﴾.","vol":"4","page":348},{"text":"• عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ» (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (^٢) إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ (^٣) وَرَوْثهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ والنَّسَائِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْخَيْلُ ثَلاثَةُ (^٤) هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ (^٥)، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِهَا فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ (^٦)، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ (^٧) فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذلِكَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إِلا كُتِبَ لَهُ عَدَدُ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ (^٨) وَكُتِبَ لَهُ عَدَدُ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا سَنَاتٌ، وَلَا تَقْطَعُ طِوَلَهَا (^٩) فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ (^١٠) إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ (^١١) وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيهَا إِلا كَتَبَ اللَّهَ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ» (^١٢). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا أَبَا دَاوُدَ (^١٣).\n_________\n(^١) الأجر في إعدادها للجهاد، والغنيمة من الجهاد عليها ومن نتاجها، وهما بيان للخير، ولأبي داود \"لا تقصوا نواصي الخيل ولا معارفها ولا أذنابها فإن أذنابها مذابها ومعارفها دفاؤها ونواصيها معقود فيها الخير\".\n(^٢) لأجل الجهاد عليه حال كونه مؤمنًا بالله ومصدقا بوعده بالأجر العظيم.\n(^٣) مأكوله ومشروبه.\n(^٤) بالنسبة لنية أصحابها وأعمالهم.\n(^٥) نواء أي عداء.\n(^٦) والتي اقتناها محتسبًا وراعي مالها من علف وغيره واكتسب من ركوبه عليها ومن نتاجها فهي معاشه وستره.\n(^٧) للجهاد عليها.\n(^٨) المرج: الأرض الواسعة ذات النبات الكثير، والروضة: الأرض ذات الزهور.\n(^٩) حبلها.\n(^١٠) عدت شوطا أو شوطين.\n(^١١) آثارها. خطواتها.\n(^١٢) وأولى وأعظم إذا أراد أو تكلف سقيها.\n(^١٣) ولفظه لمسلم في الزكاة وما يأتي في بيان صفاتها الممدوحة.","vol":"4","page":349},{"text":"• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَكْرَهُ الشِّكَالَ مِنَ الْخَيْلِ (^١). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُمْنُ الْخَيْلِ فِي شُقْرِهَا» (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ\nوَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي وَهْبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِكُلِّ كُمَيْتٍ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ أَوْ أَشْقَرَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ أَوْ أَدْهَمَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ» (^٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ الْخَيْلِ الْأَدْهَمُ الْأَقْرَحُ الْأَرْثَمُ ثُمَّ الْأَقْرَحُ الْمُحَجَّلُ طَلْقُ الْيَمِينِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدْهَمُ فَكُمَيْتٌ عَلَى هذِهِ الشِّيَةِ» (^٥). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦).\nوَلِلنَّسائِيِّ: «مَا مِنْ فَرَسٍ عَرَبِيَ إِلا يُؤْذَنُ لَهُ عِنْدَ كلِّ سَحَرٍ بِدَعْوَتَيْنِ (^٧) اللَّهُمَّ خَوَّلْتَنِي مَنْ خَوَّلْتَنِي (^٨) مِنْ بَنِي آدَمَ وَجَعَلْتَنِي لَهُ فَاجْعَلْنِي أَحَبَّ أَهْلِهِ وَمَالِهِ إِلَيْهِ أَوْ مِنْ أَحَبِّ أَهْلِهِ وَمَالِهِ إِلَيْهِ». نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضى.\n\n<span data-type='title' id=toc-963>لا تحمل الحمر على الخيل </span>(^٩)\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةٌ فَرَكِبَهَا فَقَالَ عَلَيٌّ: لَوْ حَمَلْنَا الْحَمِيرَ\n_________\n(^١) قال أبو داود: الشكال أن يكون في اليد اليمني والرجل اليسرى بياض أو بالعكس.\n(^٢) شقر جمع أشقر كحمر وأحمر وزنًا ومعنى ذلك لخاصة فيها دون غيرها، وكذا يقال فيما يأتي.\n(^٣) بسند حسن.\n(^٤) الكميت مصغرا: ما في لونه سواد وحمرة، والأغر: ما في جبهته بياض، والمحجل: أبيض القوائم، والأشقر: الأحمر، والأدهم: الأسود من الدهمة وهي السواد.\n(^٥) الأقرح: ما بوجهه قرحة دون الغرة، والأرثم من الرثم - كعبد - ما بشفته العليا بياض، وطلق اليمين: ما ليس بها بياض مع وجوده في بقية القوائم، على هذه الشية - كعنب - أي الصفة، فهذه صفات الخيل الحسنة وقد عنى بها بعض أهل العلم ولا سيما صاحب القاموس المحيط.\n(^٦) بسند صحيح.\n(^٧) لعل المراد بالدعوتين كلتان: الأولى إلى له؛ والثانية إلى آخره.\n(^٨) منحتني من شئت من عبادك والله أعلم.\n\nلا تحمل الحمر على الخيل\n(^٩) لنكاحها، يقال فيه لذي الحافر والظلف والسباع نزا الذكر على الأنثى نزاء ونزوا، وأنزاه ونزاه حمله عليه.","vol":"4","page":350},{"text":"عَلَى الْخَيْلِ فَكَانَتْ لَنَا مِثْلُ هذِهِ (^١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا يَفْعَلُ ذلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» (^٢). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-964>التحريش بين البهائم وضربها في وجهها ولعنها حرام </span>(^٤)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦) وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَمُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِحِمَارٍ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ (^٧)، فَقَالَ: «أَمَا بَلَغَكُمْ أَنِّي لَعَنْتُ مَنْ وَسَمَ الْبَهِيمَةَ فِي وَجْهِهَا أَوْ ضَرَبَهَا فِي وَجْهِهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَسَمِعَ لَعْنَةً فَقَالَ: «مَا هذِهِ؟» قَالُوا: هذِهِ فُلَانَةُ لَعَنَتْ رَاحِلَتَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ضَعُوا عَنْهَا (^٨) فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ» فَوَضَعُوا عَنْهَا. قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ﵁: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهَا نَاقَةً وَرْقَاءَ (^٩). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ، وَلَفْظُهُ: فَكَأَنِّي أَرَاهَا تَمْشِي فِي النَّاسِ ما يَعْرِضُ لَهَا أَحَدٌ (^١٠).\n_________\n(^١) أي البغلة فإن البغل ما تولد من فرس وحمار.\n(^٢) المصلحة العامة، فيكره حمل الحمار على نزو الفرس لتأتي ببغل فإن هذا يقلل الخيل مع أن منافعها أكثر من البغال والحمير.\n(^٣) ورواه الترمذي بلفظ آخر بسند صحيح.\n\nالتحريش بين البهائم وضربها في وجهها ولعنها حرام\n(^٤) التحريش: هو إغراء الحيوان وتهييج بعضه على بعض كما يفعله بعض الناس مع الكباش والديوك والكلاب وبعض الطيور.\n(^٥) نهي تحريم لأنه إضرار بدون فائدة.\n(^٦) بسند صالح.\n(^٧) الوسم: الكي بالنار، وهو في وجه الحيوان حرام كضربه في وجهه إلا إذا صال فيضرب حيث كان، ولكن يجوز الوسم في غير الوجه للتعريف كما سبق مع ضرب الوجه في كتاب اللباس.\n(^٨) أنزلوا رحلها عنها فإنها ملعونة أي استجيبت فيها الدعوة فلا يركبها أحد؛ أو قال هذا عقوبة لصاحبتها لئلا تعود للعن فإنه حرام، وفي رواية: لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة.\n(^٩) في لونها سواد.\n(^١٠) لا لأخذها ولا لركوبها كراهة فيما لعن.","vol":"4","page":351},{"text":"<span data-type='title' id=toc-965>لا يجوز الوتر والجرس </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي بَشِيرٍ ﵁ قَالَ: كنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَأَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى النَّاسِ وَهُمْ فِي مَبِيتِهِمْ لَا تَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادةٌ مِنْ وَتَرٍ أَوْ قِلَادَةٌ إِلا قُطِعَتْ (^٢). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلَا جَرَسٌ» (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-966>يجوز تسمية الدواب </span>(^٤)\n\n• عَنْ سَهْلٍ ﵁ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي حَائِطِنَا فَرَسٌ يُقَالُ لَهُ اللُّحَيْفُ (^٥). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَقَالَ مُعَاذٌ ﵁ كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ (^٦) عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ (^٧). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أنس ﵁ قَالَ: كَانَ فَزَعٌ بالْمَدِينَةِ فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا لَنَا يُقَالُ لَهُ مَنْدُوبٌ فَقَالَ: «مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَعٍ وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرَا» (^٨). رَوَاهُ الْبُخَارِي وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَقَدْ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: نَاقَةٌ يُقَالُ لَهَا الْعَضْبَاءُ (^٩). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\nوَلِأَبِي دَاوُدَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسَمِّي الْأُنْثَى مِنَ الْخَيْلِ فَرَسًا (^١٠).\n_________\nلا يجوز الوتر والجرس\n(^١) الوتر: ما يشد بالقوس؛ والجرس: ما له صلصلة.\n(^٢) كانوا يقلدون الإبل بالأوتار خشية العين فأمرهم بقطعها لأنها لا ترد شيئًا أو ربما علقت بالأشجار فتخنق الإبل.\n(^٣) إلا إذا كان الكلب للحراسة أو للصيد وسبق الكلام على ذلك في الزروع وفي اللباس.\n\nيجوز تسمية الدواب\n(^٤) ليتميز بعضها عن بعض.\n(^٥) اللحيف بالتصغير، وضبط اللحيف كرغيف لطول ذنبه كأنه يلحف به الأرض.\n(^٦) راكبًا خلفه.\n(^٧) بالتصغير من العفرة وهي حمرة يخالطها بياض.\n(^٨) واسع الخطأ: سريع السير وكان قبل هذا بطيئًا وسبق هذا في النبوة.\n(^٩) وكان له أخرى تسمى القصواء.\n(^١٠) والجمع أفراس، الذكر والأنثى سواء، وقد كان للنبي - ﷺ - أربعة وعشرون فرسا لكل منها اسم يميزه عن غيره، منها اللزاز ومنها الميمون، وكان له بغلة تسمى دلدل. والله أعلم.","vol":"4","page":352},{"text":"<span data-type='title' id=toc-967>تجب مراعاة الدواب</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^١).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ (^٢) فَأَعْطُوا الْإِبِلَ حَظَّهَا مِنَ الْأَرْضِ وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ (^٣) فَأَسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ وَإِذَا عَرَّسْتُمْ بِاللَّيْلِ فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ فَإِنَّهَا مَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ» (^٤). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَمَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ (^٥) قَالَ: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي هذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً وَكُلُوهَا صَالِحَةً» (^٦).\nوَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ فَلَمَّا رأَى النَّبِيَّ ﷺ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ (^٧) فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ (^٨) فَسَكَت فَقَالَ: «مَنْ رَبُّ هذَا الْجَمَلِ، لِمَنْ هذَا الْجَمَلُ؟» فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ لِيَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «أَفَلا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ» (^٩). رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^١٠).\n_________\nتجب مراعاة الدواب\n(^١) فالله تعالى خلق لكم الخيل والبغال والحمير لتركبوها وللزينة وكذا للحمل والنفع بالنسل وأكل لحوم الخيل وغير هذا مما يعلمه الله تعالى، كما خلق للركوب والزينة أيضا ما بهر العالم كالسكك الحديدية والمراكب البخارية والطائرات الهوائية فسبحان من علم الإنسان ما لم يعلم.\n(^٢) في زمن كثرة المرعى.\n(^٣) الجدب وعدم النبات.\n(^٤) إذا وضعتم رحالكم ليلا أو نهارًا فاجتنبوا الطريق.\n(^٥) شديد الهزال.\n(^٦) المعجمة التي لا تنطق بحاجتها، فاركبوها صالحة أي قوية وكلوها صالحة سمينة.\n(^٧) الحائط: البستان، ذرفت عيناه: بكى.\n(^٨) ذفراه: مؤخر رأسه أو أصل ذنبه.\n(^٩) تتعبه بكثرة العمل، فلما دخل النبي - ﷺ - البستان ورآه الجمل بكى فمسح النبي - ﷺ - على رأسه واستدعى صاحبه فلما حضر قال له: اتق الله في هذا الحيوان الأعجم فإنه شكا لي من الجوع وكثرة التشغيل.\n(^١٠) بسندين صالحين.","vol":"4","page":353},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارَ يُطِيفُ بِبِئْرٍ قَدْ أَدْلَعَ لِسانَهُ مِنَ الْعَطَشِ فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا (^١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي قَتْلِ الْحَيَّاتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-968>آداب الركوب</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِتَسْتَوُواْ عَلَى ظُهُورِهِ﴾ (^٢) ﴿ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (^٣) ﴿وَإِنَّآ إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ (^٤) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي جَاءَ رَجُلٌ وَمَعَهُ حِمَارٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ارْكَبْ وَتَأَخَّرَ الرَّجُلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا أَنْتَ أَحَقُّ بِصَدْرِ دَابَّتِكَ مِنِّي إِلا أَنْ تَجْعَلَهُ لِي» قَالَ: فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ لَكَ فَرَكِبَ» (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦). وَلِأَبِي دَاوُدَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْجَلالَةِ فِي الْإِبِلِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا (^٧).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اسْتُقْبِلَ مِنْ سَفَرٍ اسْتُقْبِلَ بِنَا فَأَيُّنَا اسْتُقْبِلَ أَوَّلًا جَعَلَهُ أَمَامَهُ فَاسْتُقْبِلَ بِي فَجَعَلَنِي أَمَامَهُ ثُمَّ اسْتُقْبِلَ بِحَسَن أَوْ حُسَيْنٍ فَجَعَلَهُ خَلْفَهُ فَدَخَلْنَا الْمَدِينَةَ وَإِنَّا لَكَذِلِكَ (^٨). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ.\n_________\n(^١) فامرأة بغى أي زانية من بنى إسرائيل رأت في الحر الشديد كلبًا يطوف حول بئر من شدة العطش فنزعت بموقها أي خفها ماء فسقته فغفر الله لها بسبب رحمتها لهذا الكلب، والمراد الحث على الرفق بالحيوان ومراعاة ما يلزم له من علف وسقى ونحوها فإنه مسئول عنه كما تقدم: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته والله أعلم.\n\nآداب الركوب\n(^٢) ما تركبونه.\n(^٣) أي مطيقين فينبغي لكل من ركب شيئًا أن يقرأ هذه الآية.\n(^٤) لعائدون إليه للحساب والجزاء.\n(^٥) فصاحب الدابة أحق بصدرها إلا أن يجعله لآخر.\n(^٦) بسند حسن.\n(^٧) الجلالة من الحيوان هي التي تأكل الجلة أي البعر والعذرة، فركوبها مكروه لنتن رائحتها إذا عرقت كما يكره أكل لحمها لنتنه، وتقدم هذا وافيًا في كتاب الصيد.\n(^٨) أي واحدا أمامه وواحدا خلفه.","vol":"4","page":354},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: رَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ حِمَارًا عَلَى إِكَافٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ (^١) وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ وَرَاءَهُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ وَإِنِّي لَرَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ وَبَعْضُ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ رَدِيفٌ لَهُ فَعَثَرَتْ النَّاقَةُ فقُلْتُ: الْمَرْأَةَ (^٢) فَقَالَ ﷺ: «إِنَّهَا أُمُّكُمْ» فَنَزَلْتُ فَشَدَدْتُ الرَّحْلَ (^٣) وَرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا رَأَى الْمَدِينَةَ قَالَ: «آيِبُونَ (^٤) تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ». رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِيَّايَ أَنْ تَتَّخِذُوا ظهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ (^٦) فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بِالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ وَجَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فَعَلَيْهَا فَاقْضُوا حَاجَاتِكُمْ» (^٧).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَكُونُ إِبِلٌ لِلشَّيَاطِينِ وَبُيُوتٌ لِلشَّيَاطِينِ: فَأَمَّا إِبِلُ الشَّيَاطِينِ فَقَدْ رَأَيْتُهَا يَخْرُجُ أَحَدُكُمْ بِجَنِيبَاتٍ مَعَهُ (^٨) قَدْ أَسْمَنَهَا فَلَا يَعْلو بَعِيرًا مِنْهَا وَيَمُرُّ بِأَخِيهِ قَدِ انْقُطِعَ بِهِ فَلَا يَحْمِلُهُ، وَأَمَّا بُيُوتُ الشَّيَاطِينِ فَلَمْ أَرَهَا». كَانَ سَعِيدٌ يَقُولُ: لَا أُرَاهَا إِلا هذِهِ الْأَقْفَاصَ الَّتِي تُسْتَرُ بِالدِّيبَاجِ (^٩). رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^١٠).\n_________\n(^١) الإكاف ما يوضع على ظهر الحمار، والفدكية من صنع فدك: بلد على يومين من المدينة.\n(^٢) أنقذوها فاحفظوها.\n(^٣) أحكمت ربطه.\n(^٤) آيبون أي عائدون.\n(^٥) في كتاب اللباس، وللترمذي في الأدب: قدم النبي - ﷺ - على بغلته الشهباء ومعه الحسن والحسين أحدها قدامه والآخر خلفه، ففي هذه جواز أركاب أكثر من واحد على الدابة إذا كانت تطيق، وفيه الرفق والعطف على الأطفال، وفيه تواضع عظيم من النبي - ﷺ - وأن الإرداف لا يخل بالمروءة.\n(^٦) إياي: تحذير والمشهور فيه الخطاب، منابر: كالمنار في إطالة المكث عليها.\n(^٧) فإذا كان غير سائر فلا يجوز إطالة المكث على ظهر الدابة لأنه يضرها إلا لحاجة كخطبة لجمع كثير كما كان النبي - ﷺ - يخطبهم على راحلته في مشاعر الحج.\n(^٨) بجنيبات جمع جنيبة وهي الراحلة التي تقاد ولا تركب، وفي نسخة بنجيبات جمع نجيبة وهي الناقة المختارة، فإبل الشياطين: ما يقودها الرجل معه فلا يركبها ولا يركب عليها الضعيف بل يفعل هذا فخرًا ورياء فلذا كانت للشياطين.\n(^٩) وبيوت الشياطين لم تظهر في زمنه - ﷺ -، قال سعيد بن أبي هند: لا أظنها إلا هذه الهوادج والمحامل المزخرفة بالديباج التي يتخذها المترفون في أسفارهم عزا واستكبار فلذا كانت بيوت الشياطين.\n(^١٠) بسندين صالحين.","vol":"4","page":355},{"text":"<span data-type='title' id=toc-969>المسابقة على الدواب </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَابَقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ فَأَرْسَلَهَا مِنَ الْحَفْيَاءِ (^٢) وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ، فَقُلْتُ لِمُوسى: فَكَمْ كَانَ بَيْنَ ذلِكَ؟ قَالَ: سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةٌ وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ فَأَرْسَلَهَا مِنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ وَكَانَ أَمَدُهَا مَسْجِدَ بَنِي زُرَيْقٍ (^٣)، قُلْتُ: فَكَمْ بَيْنَ ذلِكَ؟ قَالَ: مِيلٌ أَوْ نَحْوُهُ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ مِمَّنْ سَابَقَ فِيهَا. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَنَس ﵁ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَاقَةٌ تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ (^٤) لَا تُسْبَقُ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ فَسَبَقَهَا فَشَقَّ ذلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى عَرَفَهُ فَقَالَ: «حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَلا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلا وَضَعَهُ» (^٥). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَقَالَ: «هذِهِ بِتِلْكِ السَّبْقَةِ» (^٦). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا سَبَقَ إِلا فِي خُفَ أَوْ خَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ» (^٨).\n_________\nالمسابقة على الدواب\n(^١) المسابقة: جائزة وهي الغالبة في العدو والجرى في مسافة معلومة، وتجوز على مال معلوم لمن يسبق، وهذا من جهة الإمام أو واحد من الناس أو واحد منهما كقوله: إن سبقتك فلا شيء لي وإن سبقتني فلك على كذا، وإن كان المال منهما كقوله: إن سبقتني فلك عليّ كذا وإن سبقتك فلي عليك كذا فلا يجوز هذا إلا بمحلل يدخل بينهما ويكون على فرس معهما.\n(^٢) الخيل المضمرة: هي التي علفت حتى سمنت وقويت ثم قلل علفها ثم غشيت بالحلال حتى حميت وعرقت وجف عرقها فخف لحمها وقويت على الجري، وكان النبي - ﷺ - يضمر الخيل: يسابق بها، والحفياء: مكان خارج المدينة كان سباق المضمرة منها إلى ثنية الوداع.\n(^٣) فكان سباق التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق.\n(^٤) العضباء: مشقوقة الأذن ولم تكن كذلك ولكن كان لقبًا لها كما كان له ناقة تسمى القصواء ولم يكن بأذنها شيء مع أن القصواء مقطوعة طرف الأذن.\n(^٥) فيه جواز المسابقة على الإبل.\n(^٦) فيه جواز المسابقة على الأرجل ولكن بدون مال.\n(^٧) بسند صالح.\n(^٨) السبق بسكون الباء مصدر سبقه وبالفتح ما يجعل السابق على سبقه وهو المراد هنا. والخف: المعير ونحوه، والحافر: =","vol":"4","page":356},{"text":"• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ فِي الرِّهَانِ» (^١). رَوَاهُمَا أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢). نَسْأَلُ اللَّهَ الْهُدَى لِأَقْوَمِ طَرِيقٍ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-970>الرمي بالسهام </span>(^٣)\n\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ (^٤). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرَضُونَ وَيَكْفِيكُمْ اللَّهُ (^٥) فَلَا يَعَجِزْ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ» (^٦).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، أَوْ قَدْ عَصَى» (^٧). رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.\n_________\n= الفرس ونحوه، والنصل: حديد السهم والرمح. ومعناه لا يحل المال في المسابقة إلا إذا كانت على خيل أو إبل ونحوهما أو في الرمي بالسهام لأن هذا عدة للجهاد في سبيل الله وترغيب فيه ولأبي داود: سبق النبي - ﷺ - بين الخيل وفضل القرّح في الغاية، سبق وفضل بالتشديد فيهما، والقرح جمع قارح كركع وراكع: ما دخل في السنة الخامسة من الخيل.\n(^١) الرهان: المراهنة والمخاطرة والمسابقة، والجلب والجنب بالتحريك فيهما، الجلب هنا أن يتبع فرسه برجل يحثها على سرعة الجري، والجنب: أن يجنب فرسًا إلى فرسه إذا فترت تحول إلى المجنوب، فالجلب والجنب لا يصحان في المسابقة لفوات الغرض منها.\n(^٢) الأول بسند حسن والثاني بسند صحيح.\n\nالرمي بالسهام\n(^٣) الرمي بالسهام هو المناضلة والمغالبة بها، وتجوز على مال كقوله: إن أصبت الغرض أكثر منك فلي عليك كذا وإن أصبته أكثر مني فلك على كذا كما سبق في المسابقة.\n(^٤) قالها ثلاثا إشارة إلى أنه ليس شيء أحوج إلى المعالجة والتمرين للحرب من الرمي بالسهام وهذا بالنسبة لزمنهم وإلا فالمطلوب للجهاد في كل زمن ما يناسبه كما حدث اليوم من الطائرات في الهواء والغواصات في الماء ونحوها.\n(^٥) أي العدو فتغلبوه وتغنموه.\n(^٦) المراد الحض على كثرة التمرن في النضال.\n(^٧) ثم تركهـ رغبة عن السنة فليس منا أي متصلا بنا، أو قد عصى الإرشاد للكمال.","vol":"4","page":357},{"text":"• عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ (^١) فَقَالَ: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا (^٢) ارْمُوا وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَان» (^٣) فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ (^٤)، فَقَالَ: «مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ؟» قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ، قَالَ: «ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ» (^٥).\nوَفِي يَوْمِ بَدْرٍ حِينَ اصْطَفُّوا لِقِتَالِ قُرَيْشٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَكْثَبُوكَمْ فَعَلَيْكُمْ بِالرَّمْيِ» (^٦). رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\nوَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةً الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَالْمُمِدَّ بِهِ» (^٧). وَقَالَ: «ارْمُوا وَارْكَبُوا (^٨) وَلَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا».\nوَلِلتِّرْمِذِيُّ: «مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ لَهُ عَدْلُ مُحَرَّرٍ» (^٩). نَسْأَلُ اللَّهَ تَمَامَ الْعُبُودِيَّةِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-971>الاستنصار بالضعفاء </span>(^١٠)\n\n• عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ﵄ قَالَ: رَأَى أَبِي أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلا بِضُعَفَائِكُمْ» (^١١). رَوَاهُ البُخَارِيُّ والنَّسَائِيُّ.\n_________\n(^١) من قبيلة أسلم يترامون بالنضال والسهام.\n(^٢) أباكم: إسماعيل ﵇.\n(^٣) في رواية: مع محجن بن الأدرع.\n(^٤) وهو المناضل لابن الأدرع.\n(^٥) المعية في حسن النية وقصد الخير للأمة بل هو - ﷺ - أولى بهم من أنفسهم، قال تعالى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.\n(^٦) أكثبوكم أي قربوا منكم فعليكم أن ترموهم بالنبل فإنه يشردهم.\n(^٧) الذي يناوله النبل.\n(^٨) تمرنوا على الرمي وركوب الخيل للجهاد.\n(^٩) أي ثواب عتق رقبة والله أعلم.\n\nالاستنصار بالضعفاء\n(^١٠) أي مشروع ومطلوب.\n(^١١) أي بعبادتهم وإخلاصهم ودعائهم كلفظ النسائي القائل: إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم.","vol":"4","page":358},{"text":"• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ابْغُونِي الضُّعَفَاءَ فَإِنَّمَا تَرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ» (^١). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» (^٣). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵄ وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَتِهِمْ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-972>لا يستعان بالمشرك</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ قِبَلَ بَدْرٍ فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ (^٤) أَدْرَكَهُ رَجُلٌ يُذْكَرُ بِالْجُرْأَةِ وَالنَّجْدَةِ فَفَرِحَ بِهِ الْأَصْحَابُ فَقَالَ لِلنَّبَيِّ ﷺ: جِئْتُ لِأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ (^٥) فَقَالَ: «تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ» ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ كَالْمَرَّةِ الْأُولَى ثمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَنَا بِالْبَيْدَاءِ فَقَال كَالْأَوَّلِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «تُؤمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟» قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ: «انْطَلِقْ» (^٦) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) وفي نسخة: ابغوا لي الضعفاء وهم المستضعفون لفقرهم ومسكنتهم أي أحضروهم لي أستعين بهم على ما أنا فيه فإن الله ينصرنا بهم لخلو قلوبهم من الدنيا وتواضعهم وشدة إخلاصهم وصفاء قلوبهم فأعمالهم زاكية ودعاؤهم مجاب، وفيه ما يفيد التوسل إلى الله بأحبابه فإنهم أولى من صالح العمل الذي سبق التوسل به لأصحاب الغار لأن العمل الصالح أثر من آثار الصالحين.\n(^٢) بسند صحيح.\n(^٣) فرب شخص قذر لا قيمة له عند الناس ولكنه لو طلب من ربه شيئًا لأجابه في الحال، نسأل الله التواضع آمين.\n\nلا يستعان بمشرك\n(^٤) موضع على أربعة أميال من المدينة.\n(^٥) آخذ من الغنيمة.\n(^٦) فلما أسلم المشرك أذن له النبي - ﷺ - بالقتال معهم ولكنه حين كفره لم يستعن به في الجهاد، فلا يستعان بمشرك وعلى هذا جماعة، وقال آخرون: يجوز أن يستعان بالمشرك إن كان حسن الرأي وفيه إخلاص ودعت إليه الحاجة لحديث أنه - ﷺ - استعان بصفوان بن أمية قبل إسلامه، وهل يسهم له إذا حضر؟ قال بذلك جماعة، والجمهور على أنه يرضخ له فقط والله أعلم.","vol":"4","page":359},{"text":"<span data-type='title' id=toc-973>آلات الحرب </span>(^١)\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ﵄ قَالَ: مَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ إِلا سِلَاحَهُ وَبَغْلَةً بَيْضَاءَ وَأَرْضًا بِخَيْبَرَ جَعَلَهَا صَدَقَةً (^٢). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-974>الدرع والرمح </span>(^٣)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ» فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ وَهُوَ فِي الدِّرْعِ (^٤) فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. بَلِ السَّاَعةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ» (^٥). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\nوَلِأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ (^٦): ظَاهَرَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ بَيْنَ دِرْعَيْنِ أَوْ (^٧) لَبِسَ دِرْعَيْنِ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي» (^٨). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ.\n_________\nآلات الحرب\n(^١) التي كانت في زمن النبي - ﷺ - وهي التي كانت مشهورة لدى العرب.\n(^٢) بغلة بيضاء وهي دلدل التي أهداها له بعض الملوك، وأرضا بخيبر: هي أرض فدك جعلها صدقة على نسائه وآل بيته وفي سبيل الله، وفيه إبطال لعمل الجاهلية من وصيتهم عند موتهم بكسر السلاح وحرق المتاع وعقر الدواب.\n\nالدرع والرمح\n(^٣) الدرع: كقميص من زرد الحديد يحفظ من السلاح، والرمح: عود من أجود أنواع الخشب في طرفه زج من حديد.\n(^٤) أي لابس درعه وهذا محل الشاهد.\n(^٥) سبق هذا في سورة الأنفال.\n(^٦) بسند حسن.\n(^٧) لبس أحدهما فوق الآخر تظاهرا وتعاونًا بهما وأو للشك.\n(^٨) تحت ظل رمحي من الغنيمة، وجعل الذل والضيم على من خالفني ممن رضي بالجزية مع بقائه على دينه، بل وعلى كل من خالفه - ﷺ -.","vol":"4","page":360},{"text":"<span data-type='title' id=toc-975>السيف</span>\nقَالَ جَابِرٌ ﵁: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَدْرَكَتْنَا الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِير الْعِضَاهِ (^١) فَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِيهِ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، وَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ وَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ هذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي». فَقَالَ مَنْ يَمْنَعُكَ؟ قُلْتُ «اللَّهُ». فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ (^٢). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِضَّةً (^٣). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-976>البيضة والمغفر </span>(^٥)\n\n• عَنْ سَهْلٍ ﵁ قَالَ: جُرِحَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ (^٦) وَكُسرَتْ رَبَاعِيَتُهُ (^٧) وَهُشِمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ (^٨). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ فَقِيلَ لَهُ: إِنْ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ» (^٩). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والبُخَارِيُّ.\n_________\nالسيف\n(^١) كان هذا قبل نجد في غزوة غطفان وهم عائدون نزلوا ظهرا في واد كثير العضاه هي شجر أم غيلان وكل شجر عظيم له شوك.\n(^٢) فنام النبي - ﷺ - تحت سمرة وهي شجرة الطلع فجاء أعرابي اسمه غورث فأخرج سيف النبي - ﷺ - من غمده ورفعه في يده وقال للنبي - ﷺ - حين استيقظ: من يمنعك مني الآن؟ فقال: الله؛ فشام السيف أي أدخله في غمده، وعفا عنه النبي - ﷺ -.\n(^٣) قبيعة السيف: أي مقبضه على بالفضة. فيه جواز تحلية آلة الحرب بالفضة، والترمذي: دخل النبي - ﷺ - يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة.\n(^٤) بسند حسن.\n\nالبيضة والمغفر\n(^٥) البيضة والمغفر: كمنبر هما الخوذة المنسوجة من زرد الحديد تلبس تحت الطيلسان على الرأس في الجهاد لتحفظه من السلاح كخوذة رجال الحريق عندنا.\n(^٦) جرح وجنته ابن قميئة.\n(^٧) كسرها عتبة بن أبي وقاص.\n(^٨) كسرها عبد الله بن هشام.\n(^٩) فلما فتح النبي - ﷺ - مكة سنة ثمان وجلس في الحرم ونزع المغفر عن رأسه جاء رجل فقال: يا رسول الله إن عبد الله بن خطل =","vol":"4","page":361},{"text":"<span data-type='title' id=toc-977>اللواء والراية </span>(^١)\nسُئِلَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ﵁ عَنْ رَايَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «كَانَتْ سَوْدَاءَ مُرَبَّعَةً مِنْ نَمِرَةٍ» (^٢).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ. رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَتْ رَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ سَوْدَاءَ وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضَ (^٤). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-978>الباب الخامس في ملاك الجهاد </span>(^٦)\n\n<span data-type='title' id=toc-979>دعوة الملوك إلى الإسلام </span>(^٧)\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَإِلَى قَيْصَرَ وَإِلَى النَّجَاشِي وَإِلَى كلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ (^٨). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بِكِتَابِهِ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ لِيَدْفَعَهُ إِلَى\n_________\n= يستجير بالله وبالكعبة من القتل؛ فقال: اقتلوه؛ أي لأنه ارتد عن إسلامه وقتل مسلمًا كان يخدمه فقتلوه لردته وقتل المسلم؛ فيه أن الحرم لا يجير العاصي والله أعلم.\n\nاللواء والراية\n(^١) اللواء: هو العلم الكبير الذي يكون مع الأمير والجيش العظيم، والراية: العلم الصغير في الرمح يأوي إليها المجاهدون.\n(^٢) النمرة: بردة صوف فيها خطوط من سواد وبياض فيرى من بعد سوادها أكثر.\n(^٣) الأول بسند حسن والثاني بسند غريب.\n(^٤) ولأبي داود: رأيت راية رسول الله - ﷺ - صفراء ولا تعارض فلعله كانت له عدة رايات.\n(^٥) بسند حسن.\n\nالباب الخامس في ملاك الجهاد\n(^٦) الملاك بالكسر والفتح: ما يملك الشيء ويضبطه؛ والمراد هنا ذكر كثير من مقاصد الجهاد.\n(^٧) إنما كاتب النبي - ﷺ - ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام لأن بإسلامهم تسلم رعاياهم فكأنه يدعو أهل الأرض جميعا إلى الله تعالى.\n(^٨) أي صلاة الجنازة بعد موته، وقيل إنه هو قبل إسلامه سنة تسع منصرفه من تبوك.","vol":"4","page":362},{"text":"كِسْرَى فَلَمَّا قَرَأَهُ كِسْرَى مَزَّقَهُ فَدَعَا عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الرُّومِ قِيلَ لَهُ إِنَّهُمْ لَا يَقْرَؤونَ كِتَابًا إِلا أَنْ يَكُونَ مَخْتُومًا فَاتَّخَذَ خَاتِمًا مِنْ فِضَّةٍ وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٢).\n_________\n(^١) فالنبي - ﷺ - كتب إلى كسرى يدعوه إلى الله، وأرسل المكتوب مع ابن حذافة وأمره أن يسلمه لعظيم البحرين: المنذر بن ساوي: لأنه كان تحت يد كسرى، فسلمه إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فبلغ النبي - ﷺ -، فدعا عليه بتمزيق ملكه، فسلط الله على كسرى ابنه شيرويه فمزق بطنه فقتله، كدعوة النبي - ﷺ -.\n(^٢) وسبق في تفسير آل عمران صورة مكتوب النبي - ﷺ - لعظيم الروم، وكان في الشام حينذاك، فاستدعى العرب وسألهم عن النبي - ﷺ -، ثم قال لهم: إن كان قولكم حقًّا فسيملك محمد موضع قدمى هاتين، وأما المقوقس فلما جاءه مكتوب النبي - ﷺ - وضعه في حق من عاج وختم عليه ودفعه إلى جارية له لحفظه، ثم رد على النبي - ﷺ - بمكتوب هاك نصه: بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك: أما بعد: فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه، وعلمت أن نبيًا قد بقي؛ وما كنت أظن إلا أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك الذي جاء بالجواب (وهو حاطب بن أبي بلتعة فإنه منحه مائتي دينار وخمسة أثواب) وبعثت لك بجاريتين مارية وسيرين لهما في القبط مكان عظيم مع جارية أخرى، وعشرين ثوبًا من قباطي مصر، وطيبًا وعودًا وندًا ومسكا، مع ألف مثقال من الذهب، ومع قدح من قوارير وبغلة للركوب (هي دلدل) وخصيا (أي عبدًا مخصيا يقال له مابور) وفرسا وهو اللزاز فإنه سأل حاطبا: ما الذي يحب صاحبك من الخيل؟ فقال له: الأشقر؛ وقد تركت عنده فرسا يقال له المرتجز، فانتخب له فرسا من خيل مصر الموصوفة فأسرج وألجم وهو المسمى بالميمون، وأهدى له أيضا عسلا من عسل بنها: قرية من قرى مصر؛ فأعجب به - ﷺ -، وقال إن كان هذا عسلكم فهذا أحلى؛ ثم دعا فيه بالبركة اهـ. من تفسير الصاوي في سورة الأحزاب بتصرف يسير، ولم يذكر في الهدية طبيبا مع أنه مشهور على لسان أهل السير، وأن النبي - ﷺ - رده وقال: \"لا حاجة لنا بالطبيب نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع\" وهذا ليس ببعيد.","vol":"4","page":363},{"text":"<span data-type='title' id=toc-980>أصل الجهاد للدين</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للَّهِ فَإِنِ انْتَهَواْ فَلَا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (^١) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ (^٢) حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ فَمَنْ قَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ إِلا بِحَقَّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ» (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةَ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنَّ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنْ يَسْتَقْبلوا قِبْلَتَنَا وَأَنْ يَأْكُلوا ذَبِيحَتَنا وَأَنْ يُصَلُّوا صَلَاتَنَا فَإِذا فَعَلُوا ذلِكَ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا (^٤) لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وعلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ». رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٥).\n\n• عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إِلَى الْحُرَقَاتِ (^٦) فَذرُوا بِنَا (^٧) فَهَرَبُوا فَأَدْرَكْنَا رَجُلًا فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ فَضَرَبْنَاهُ حَتَّى قَتَلْنَاهُ فَذَكَرَتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ لَكَ بِلَا إِلهَ» اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^٨)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا قَالَهَا مَخَافَةَ السِّلَاحِ، قَالَ: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ مِنْ أَجْلِ ذلِكَ قَالَهَا أَمْ لَا مَنْ لَكَ بِلَا إِلهَ إِلا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أُسْلِمْ إِلا يَوْمَئِذٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ (^٩).\n_________\nأصل الجهاد للدين\n(^١) ﴿وقاتلوهم﴾ أي الكفار ﴿حتى لا تكون فتنة﴾ أي شرك ﴿ويكون الدين لله﴾ خالصًا له ﴿فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين﴾.\n(^٢) أي المشركين.\n(^٣) إلا بحقه أي إلا عن حق الإسلام كإقامة حد الردة ونحو زنا وترك صلاة وزكاة وحق آدمي فلابد منها، وحسابه على الله فيما يبطنه.\n(^٤) أي كلمة التوحيد.\n(^٥) بسند صحيح.\n(^٦) قبائل من جهينة.\n(^٧) علموا بنا.\n(^٨) من يعينك على كلمة التوحيد إذا جاءت تجادل عن قائلها يوم القيامة.\n(^٩) ولكن أبو داود هنا ومسلم في الإيمان.","vol":"4","page":364},{"text":"• عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ﵁ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِي فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ أَسْلَمْتُ لِلَّهِ أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ: «لَا تَقْتُلْهُ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ قَطَعَ يَدِي، قَالَ: «لَا تَقْتُلْهُ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ» (^١). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-981>الدعوة قبل القتال </span>(^٣)\n\n• عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ (^٤) أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا (^٥) ثُمَّ قَالَ: «اغْزُو بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَمْثُلوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا (^٦) وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ (^٧) فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ\n_________\n(^١) فإنه بمنزلتك أي في عصمة دمه قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته في إباحة الدم قبل أن يسلم؛ فمن نطق بكلمة التوحيد فقد عصم نفسه من كل شيء إذا قام بشعائر الدين.\n(^٢) ولكن أبو داود هنا والبخاري في غزوة بدر ومسلم في الإيمان والله أعلم.\n\nالدعوة قبل القتال\n(^٣) فدعوة الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم واجبة لقوله تعالى ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ ولما يأتي، ولئلا يكون للكفار حجة لا في الدنيا ولا في الآخرة.\n(^٤) الجيش: أربعة آلاف مجاهد، والسرية: أربعمائة كما يأتي.\n(^٥) أوصاه بتقوى الله، وأوصاه بالمسلمين خيرا.\n(^٦) لا تغلوا أي لا تخونوا في الغنيمة، ولا تغدروا: لا تنقضوا عهدا، ولا تمثلوا أي لا تشوهوا القتلى بقطع الأنوف والآذان ونحوها، ولا تقتلوا وليدا أي صبيًا وكذا الشيخ الكبير والمرأة لأنهم لا يقاتلون.\n(^٧) هي الإسلام والهجرة وإلا فالجزية.","vol":"4","page":365},{"text":"وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا (^١) فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (^٢) وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ (^٣) فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكفَّ عَنْهُمْ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذلِكَ (^٤) وَلكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ (^٥) وَإِذَا حَاصَرتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تَقْبَلْ مِنْهُمْ وَلكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا» (^٦). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\nوَحَاصَرَ أَحَدُ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ قَصْرًا مِنْ قُصُورِ فَارِسَ وَكَانَ الْأَمِيرُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ فَقَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَلَا تَنْهَدُ إِلَيْهِمْ (^٧) قَالَ: دَعُونِي أَدْعُهُمْ كَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو فَأَتَاهُمْ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ فَارِسِيٌّ وَالْعَرَبُ يُطِيعُونَنِي فَإِنْ أَسْلَمْتُمْ فَلَكُمْ مِثْلُ الَّذِي لَنَا وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيْنَا وَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلا دِينَكُمْ تَرَكْنَاكُمْ عَلَيْهِ وَأَعْطُونَا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَأَنْتُمْ صَاغِرُونَ، قَالَ: وَرَطَنَ إِلَيْهِمْ بِالْفَارِسِيَّةِ وَأَنْتُمْ غَيْرُ مَحْمُودِينَ (^٨) وَإِنْ أَبَيْتُمْ نَابَذْنَاكُمْ عَلَى سَوَاءٍ (^٩) قَالُوا: مَا نَحْنُ بِالَّذِي يُعْطِي الْجِزْيَةَ وَلكِنَّا نُقَاتِلُكُمْ، قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَلَا تَنْهَدُ إِلَيْهِمْ\n_________\n(^١) عن ديارهم ويجاهدوا.\n(^٢) من الأعراب أهل البادية؛ وحكم الله فيهم أنه ليس لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا إذا جاهدوا.\n(^٣) فإن أبوا أي الإسلام فسلهم الجزية، لعل هذا قبل تخصيصها بأهل الكتاب الوارد في سورة التوبة.\n(^٤) فأرادوك أي طلبوا منك.\n(^٥) الذمة: العهد والإخفار: نقض العهد.\n(^٦) والمراد التحرز عن عهد الله وحكمه احترامًا لهما.\n(^٧) تأمر الجيش بالزحف عليهم.\n(^٨) قال هذه الكلمة لهم بالفارسية.\n(^٩) أعلمناكم به وقاتلناكم.","vol":"4","page":366},{"text":"قَالَ: فَدَعَاهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَى مِثْلِ هذَا (^١) ثُمَّ قَالَ: انْهَدُوا إِلَيْهِمْ قَالَ: فَنَهَدْنَا إِلَيْهِمْ فَفَتَحْنَا ذلِكَ الْقَصْرَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-982>وصية النبي ﷺ إلى أمراء الجيوش </span>(^٢)\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ: «بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» (^٣).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا ولَا تَخْتَلِفَا» (^٤). رَوَاهُ الشَّيخَانِ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «انْطَلِقُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ولَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا (^٥) وَلَا طِفْلًا صَغِيرًا ولَا امْرَأَةً (^٦) وَلَا تَغُلُّوا وَضُمُّوا غَنَائِمَكُمْ وَأَصْلِحُوا وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧).\n_________\n(^١) فيه طلب الدعوة ثلاثة أيام رحمة بهم لعلهم يسلمون.\n\nوصية النبي - ﷺ - إلى الأمراء\n(^٢) ومنه ما سبق في الدعوة قبل القتال.\n(^٣) في بعض أمره: أي في أمر من أعمال الولاية والإدارة قال: بشروا أي من قرب إسلامه، ومن تاب من العصاة بسعة رحمة الله وعظيم ثوابه لمن آمن وعمل صالحًا، ولا تنفروا بذكر أنواع التخويف والوعيد، ويسروا على الناس ولا تشددوا عليهم فإن هذا أدعى لمحبة الدين.\n(^٤) اتركا الخلاف واعملا على الوفاق فهو أدعى للنصر والنجاح.\n(^٥) إلا إذا كان مقاتلا أو ذا رأي فقد أمر النبي - ﷺ - بقتل زيد بن الصمة الذي كان في جيش هوازن للرأي فقط وعمره يربو على مائة وعشرين سنة.\n(^٦) إلا إذا كانت مقاتلة أو والية عليهم أو لها رأي فيهم.\n(^٧) بسند صالح، نسأل الله صلاح الحال في الحال والمآل آمين.","vol":"4","page":367},{"text":"<span data-type='title' id=toc-983>تجوز الإغارة على الكفار بعد دعوتهم </span>(^١)\n• عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ﵁ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عَنِ الدَّعْوَةِ قَبْلَ الْقِتَالِ فَكَتَبَ إِلَيَّ إِنَّمَا كَانَ ذلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ (^٢) وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى سَبْيَهُمْ وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ (^٣). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ (^٤).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى خَيْبَرَ فَجَاءَهَا لَيْلًا وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَوْمًا بِلَيْلٍ لَا يُغِيرُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ. فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَتْ يَهُودُ بِمَسَاحِيِهمْ وَمَكَاتِلِهِمْ (^٥) فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ (^٦) فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إِنَا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ». وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ إِذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ يُغِرْ حَتَّى يُصْبِحَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِلا أَغَارَ بَعْدَ الصُّبْحِ (^٧). رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَةٍ: فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ: «عَلَى الْفِطْرَةِ» فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ فَقَالَ: «خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ» (^٨). نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ مِنْهَا آمِين.\n_________\nتجوز الإغارة على الكفار بعد دعوتهم للإسلام\n(^١) فيجوز الهجوم عليهم لقتالهم بعد أن بلغتهم دعوة الإسلام وأعرضوا عنه.\n(^٢) بنو المصطلق بطن شهير من خزاعة، غارون أي غافلون.\n(^٣) وكان هذا في سنة ست من الهجرة حين بلغه أنهم يجمعون لقتاله فخرج لهم - ﷺ - ولقيهم على ماء لهم يسمي المريسيع فقتل الرجال وسبى النساء والذرية واستبقي من سهمه جويرية بنت الحارث رئيسهم فتزوج بها - ﷺ -.\n(^٤) وقال أسامة: كان النبي - ﷺ - عهد إليّ فقال: أغر على أبني صباحًا وحرق (ابني كحبلى مكان بفلسطين) رواه أبو داود.\n(^٥) مساحيهم جمع مسحاة وهي المجرفة كالفاس عندنا، ومكاتلهم جمع مكتل كالقفة الصغيرة عندنا؛ والمراد أدوات الزراعة.\n(^٦) الجيش لأنه مركب من خمس فرق: المقدمة، والمؤخرة، والميمنة، والميسرة، والقلب.\n(^٧) فإن الأذان علامة على إسلامهم.\n(^٨) على الفطرة أي الدين، خرجت من النار أي حفظت منها بالشهادتين، ولأصحاب السنن كان النبي - ﷺ - إذا بعث جيشًا أو سرية يقول لهم: إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم أذانًا فلا تقتلوا أحدا؛ لأن القتال للإسلام وتلك شعائر الإسلام؛ والله أعلم.","vol":"4","page":368},{"text":"<span data-type='title' id=toc-984>الساعة التي يطلب فيها القتال </span>(^١)\n\n• عَنِ النُّعْمَانِ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ أَخَّرَ الْقِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ وَيَنْزِلَ النَّصْرُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ أَمْسَكَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَإِذَا طَلَعَتْ قَاتَلَ فَإِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ أَمْسَكَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ فَإِذَا زَالَتْ قَاتَلَ حَتَّى الْعَصْرِ ثُمَّ أَمْسَكَ حَتَّى يُصَلِّيَ الْعَصْرَ ثُم يُقَاتِلُ، وَيُقَالُ عِنْدَ ذلِكَ تَهِيجُ رِيَاحُ النَّصْرِ وَيَدْعُو الْمُؤْمِنُونَ لِجُيُوشِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ (^٢). وَلِلْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-985>الدعاء عند القتال مطلوب </span>(^٤)\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ انْتَظَرَ حَتَّى مَالَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعافِيَةَ فإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا (^٥) وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ» (^٦)\n_________\nالساعة التي يطلب فيها القتال\n(^١) على وجه الاستحسان.\n(^٢) المراد من هذا أنهم كانوا يتحينون الأوقات المناسبة للحرب ويتركونها في أوقات الصلاة وليأخذوا راحتهم وعدتهم للقتال وهذا واجب.\n(^٣) أصل العرصة: ساحة البيت، والبلد التي لا بناء ولا زرع فيها، سميت بهذا لأن الصبيان يعرصون أي يمرحون ويلعبون فيها، ومعنى الحديث كان النبي - ﷺ - إذا انتصر على قوم بقي في مكانه ثلاثة أيام ليستريحوا من عناء السفر والجهاد ولتظهر شوكتهم ولزيادة الأمان والسلام والإسلام. والله أعلم.\n\nالدعاء عند القتال مطلوب\n(^٤) لأنه التجاء إلى الله في نصرهم وليس النصر إلا بيد الله وحده.\n(^٥) وتجلدوا فإن النصر مع الصبر.\n(^٦) فالجنة أقرب للمجاهدين من كل الناس.","vol":"4","page":369},{"text":"ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ وَمُجْرِيَ السَّحَابِ وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ (^١) اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَفِي يَوْمِ الْأَحْزَابِ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ اهْزِمِ الْأَحْزَابَ اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا غَزَا قَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي بِكَ أَحُولُ وَبِكَ أَصُولُ وَبِكَ أُقَاتِلُ» (^٢). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣). وَلِأَبِي دَاوُدَ: «ثِنْتَانِ لَا تُرَدَّانِ»: الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يُلْحِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-986>الثبات عند القتال واجب </span>(^٥)\nقِيلَ لِلْبَرَاءِ ﵁: أَكُنْتُمْ فَرَرْتُمْ يَا أَبَا عُمَارَةَ يَوْمَ حُنَيْنِ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْسَ بِسِلْاحٍ (^٦) فَأَتُوْا قوْمًا رُمَاةً جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصْرٍ مَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ (^٧) فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ فَأَقْبَلُوا هُنَالِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَابْنُ عَمِّهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ (^٨) فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ (^٩) ثُمَّ قَالَ:\nأَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ … أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ\n_________\n(^١) منزل ومجري وهازم منصوبة على النداء، والأحزاب: الكفار الذين تحزبوا على قتال النبي - ﷺ -.\n(^٢) بك أحول: أحتال في دفع كيد العدو ومكره وشره، وبك أصول: أحمل على العدو وأغلبه وأستأصله.\n(^٣) بسند حسن.\n(^٤) النداء: الأذان، والبأس: القتال، والله أعلم.\n\nالثبات عند القتال واجب\n(^٥) لأنه عدة المجاهد العظمى.\n(^٦) حسرا جمع حاسر أي ليس أحدهم متلبسا بسلاح لا درع ولا مغفر وفي رواية: ليس عليهم كثير سلاح.\n(^٧) أي يخطئ.\n(^٨) وفي رواية. كان ابن عمه هذا آخذا بركابه والعباس عمه آخذا بلجام البغلة.\n(^٩) أكثر من قوله: اللهم أنزل نصرك، وحاصل هذه الوقعة باختصار كما يأتي في غزوة حنين أن جيش المسلمين حين التقي بالمشركين وقامت الحرب =","vol":"4","page":370},{"text":"ثمَّ صَفَّ أَصْحَابَهُ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَلِلْبُخَارِيِّ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُوءَيِّدُ هذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» (^١).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «شَرُّ مَا فِي الرَّجُل شُحٌّ هَالِعٌ وَجُبْنٌ خَالِعُ» (^٢).\n\n• عَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللَّهُ، فَأَمَّا الَّتِي يَحِبُّهَا اللَّهُ ﷿ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيَبةِ (^٣)، وَأَمَّا الَّتِي يُبْغِضُهَا اللَّهُ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ الرِّيبَة. وَإِنَّ مِنَ الْخُيَلَاءِ مَا يُبْغِضُ اللَّهُ وَمِنْهَا مَا يحِبُّ اللَّهُ: فَأَمَّا الْخُيَلَاءُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ فَاخْتِيَالُ الرَّجُلِ عِنْدَ اللِّقَاءِ (^٤) وَاخْتِيَالُهُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ (^٥)، وَأَمَّا الَّتِي يُبْغِضُ اللَّهُ ﷿ فَاخْتِيَالُهُ فِي الْبَغيِ وَالْفَخْرِ» (^٦). رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ.\n_________\n= لم يلبث المشركون أن انهزموا فأكب المسلمون على الغنائم فأحاط بهم الكفار ورشقوهم بالنبل ففروا، بعضهم مدبر وبعضهم لاجئ إلى النبي - ﷺ -، فأمر العباس فنادى الأصحاب فأسرعوا إليه فصفهم النبي - ﷺ - ثم حملوا عليهم وأخذ النبي - ﷺ - حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: انهزموا ورب محمد، قال العباس: فرأيت حدهم كليلا وأمرهم مدبرا وانهزموا بعون الله تعالى القائل ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾.\n(^١) سببه أنهم لما كانوا في غزوة خيبر قاتل رجل من المسلمين قتالا شديدا وأقمع الكفار، فأعجب به المسلمون، فقال - ﷺ -: إنه من أهل النار، فجرحه الكفار جرحًا بليغا فلما دخل الليل لم يصبر فقتل نفسه لأنه كان منافقًا؛ فلما علم بذلك النبي - ﷺ -، قال: إني عبد الله ورسوله وذكر الحديث، ومنه العالم الفاسق والحاكم الجائر، نسأل الله حسن الخاتمة آمين.\n(^٢) فشر أوصاف الرجل شح أي بخل شديد إن استخرج منه الواجب أو تصدق أنزل به الهلع أي الجزع الشديد، وجبن خالع شديد كأنه يخلع فؤاده وقلبه، فمفهومه أن السخاء والجرأة خير أوصاف الرجل، بخلاف المرأة فهما فيها مذمومان لأنهما مظنة التبديد والتفريط في الأعراض.\n(^٣) في الشك وعلامات الشر.\n(^٤) عند الحرب فيه تشجيع لغيره.\n(^٥) لدلالته على السماحة وربما كان فيه تشجيع لغيره على الصدقة.\n(^٦) الظلم والتفاخر على المساكين، نسأل الله حسن الأخلاق آمين.","vol":"4","page":371},{"text":"<span data-type='title' id=toc-987>التورية والحرب خدعة </span>(^١)\n\n• عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزوهَا إِلا وَرَّى بِغَيْرِهَا (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْحَرْبُ خَدْعَةٌ» (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-988>الشعار في الحرب </span>(^٤)\n\n• عَنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ ﵁ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِن بُيِّتمْ فَلْيَكُنْ شِعَارُكُمْ حَم لَا يُنْصَرُونَ» (^٥). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٦).\n\n• عَنِ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ ﵁ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ زَمَنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ شِعَارُنَا أَمِتْ أَمِتْ (^٧).\nوَعَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ شِعَارُ الْمُهَاجِرِينَ عَبْدُ اللَّهِ وَشِعَارُ الْأَنْصَارِ عَبْدُ الرَّحْمنِ (^٨). رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^٩).\n_________\nالتورية والحرب خدعة\n(^١) فيه أن المعول عليه في الحرب استعمال الرأي والمكر والخديعة.\n(^٢) أي أظهر غيرها خوفًا من أن يعلم العدو فيستعد لهم.\n(^٣) خدعة كقرية أو كقربة أو كهمزة، فالحرب الحقيقي الناجح ما كان بخداع الكفار حيث أمكن بالكذب والدهاء إلا إذا كان فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز، وللترمذي: قال عبد الله بن عوف: عبأنا النبي - ﷺ - ببدر ليلا أي جمع لها ليلا سترا على مراده والله أعلم.\n\nالشعار في الحرب\n(^٤) الشعار - ككتاب - العلامة في الحرب والسفر يتعارفون بها.\n(^٥) أي إن جاء العدو لقتالكم ليلا واختلطتم به في الظلمة فليكن شعاركم حم فإنهم لا ينصرون، أو المراد اللهم لا ينصرون وهو خبر لا دعاء.\n(^٦) بسند صالح.\n(^٧) وفي شرح السنة يا منصور أمت نداء لكل واحد من المقاتلين وهو أمر بالموت؛ والمراد به التفاؤل بالنصر بعد الأمر بالإماتة.\n(^٨) فكانت كلمة عبد الله يراد بها كل مهاجر وكلمة عبد الرحمن يراد بها كل أنصاري.\n(^٩) بسندين صالحين.","vol":"4","page":372},{"text":"<span data-type='title' id=toc-989>لا تقتل النساء والصبيان </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةٌ فِي بَعْضِ مَغَازِي النَّبِيِّ ﷺ فَنَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ (^٢).\nوَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ قَالَ: «هُمْ مِنْهُمْ» (^٣). رَوَاهُمَا الْأَرْبَعةَ.\nقَالَ عَطِيَّةُ الْقُرْظِيُّ: عُرِضْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّيَ سَبيلُهُ فَكُنْتُ مِمَّنْ لَمْ يُنْبِتْ فَخُلِّيَ سَبِيلِي (^٤). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-990>لا يعذب بالنار إلا الله</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْثٍ (^٦) فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ فَلَمَّا أَرَدْنَا الْخُرُوجَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحِرِّقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلا اللَّهُ فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا» (^٧). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ نَمْلَةً قَرَصَتْ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرهقَتْ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ (^٨)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ.\n_________\nلا تقتل النساء والصبيان\n(^١) وكذا الشيخ الهرم والأرقاء إلا إذا كان لهم رأي أو يقاتلون، وفي رواية: اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم أي غلمانهم الذين لم تنبت عانتهم.\n(^٢) أي نهي تحريم لأنهم لا يقاتلون ولأنهم غنيمة بالرق أو الفداء.\n(^٣) فحكمهم كحكمهم في البيات للضرورة.\n(^٤) سبق هذا في الوصية.\n(^٥) بسند صحيح.\n\nلا يعذب بالنار إلا الله\n(^٦) في جيش وكان أميره حمزة بن عمرو الأسلمي.\n(^٧) هذا أمر نسخ بنهي عكس كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فلانًا وفلانًا هما هبار بن الأسود ونافع بن عبد عمرو من كفار قريش كانا يبالغان في إيذاء النبي - ﷺ -؛ فالتحريق بالنار حرام إلا إذا كان قصاصا فلا شيء فيه، وفي رواية: لا يعذب بالنار إلا رب النار.\n(^٨) فعتب الله عليه لتحريق النمل بالنار ولأنه حرق القرية كلها بسبب قرصة نملة واحدة.","vol":"4","page":373},{"text":"<span data-type='title' id=toc-991>المثلة حرام </span>(^١)\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النّهْبَئ وَالْمُثْلَةِ (^٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّيْدِ.\nوَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ﵁: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحُثُّنَا عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَانَا عَنِ الْمُثْلَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-992>الغدر حرام </span>(^٣)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لِكلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ فَيُقَالُ هذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ» (^٤).\nرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\nوَكَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَبَيْنَ أَهْلِ الرُّومِ عَهْدٌ وَكَانَ يَسِيرُ فِي بِلَادِهِمْ فَلَمَّا انْقَضَى الْعَهْدُ أَغَارَ عَلَيْهِمْ فَإِذَا رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ وَإِذَا هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ فَسَأَلَهُ مُعَاوِيَةَ فَقَالُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحُلَّنَّ عَهْدًا وَلَا يَشُدَّنَّهُ حَتَّى يَمْضِي أَمَدُهُ أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ» (^٥) قَالَ: فَرَجَعَ مُعَاوِيَةَ بِالنَّاسِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُ الْأَخِيرِ: «مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَشُدَّ عُقْدَةً وَلَا يَحُلُّهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ أَمَدُهَا أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا» (^٦). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٧).\n_________\nالمثلة حرام\n(^١) المثلة: هي تشويه القتيل بقطع أنفه أو أذنه أو شفته ونحوها.\n(^٢) أي نهي تحريم ولو في حيوان لحديث البخاري في الصيد أيضا: لعن النبي - ﷺ - من مثل بالحيوان، فالإنسان أولى والله أعلم.\n\nالغدر حرام\n(^٣) الغدر: نقض العهد الذي بينك وبين غيرك.\n(^٤) وفي رواية: لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به يقال هذه غدرة فلان أي هذه الراية لفضيحة فلان الذي نقض العهد وسيعذب عذابًا شديدا.\n(^٥) حتى يعلنهم بالحرب.\n(^٦) فمن خرج على جماعة المسلمين فليس على دين محمد - ﷺ -.\n(^٧) ولكن مسلم في الإيمان والبخاري في الفتن، نسأل الله أن يحفظنا آمين.","vol":"4","page":374},{"text":"<span data-type='title' id=toc-993>الباب السادس في الغنائم والقسمة </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ﴿إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ (^٣) فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْن (^٤) وَلَا آخَرُ قَدْ بَنَى بُنْيانًا وَلَمَّا يَرْفَعْ سُقُفَهَا، وَلَا آخَرُ قَدِ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ (^٥) وَهُوَ مُنْتَظِرٌ وِلَادَهَا قَالَ: فَغَزَا فَأَدْنَى مِنَ الْقَرْيَةِ حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذلِكَ (^٦) فَقَالَ لِلشَّمْسِ: أَنْتِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ اللَّهُمَّ احْبسْهَا عَلَيْنَا فَحُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ: فَجَمَعُوا مَا غَنِمُوا فَأَقْبَلَتِ النَّارُ لِتَأْكُلَهُ فَأَبَتْ أَنْ تَطْعَمَهُ فَقَالَ: فِيكُمْ غلُولُ (^٧) فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبيلَةٍ رَجُلٌ فَبَايَعُوهُ فَلَصِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: فِيكُمْ الْغُلُولُ فَلْتُبَايِعْنِي قَبيلتكَ فَبَايَعَتْهُ فَلَصِقَتْ بِيَدِ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ فَأَخْرَجُوا لَهُ مِثْلَ رَأْسِ\n_________\nالباب السادس في الغنائم والقسمة\n(^١) أي ما ورد في حلها وبيان تقسيمها.\n(^٢) ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ أخذتموه من الكفار في غزوهم ﴿فأن لله خمسه وللرسول﴾ بأمر فيه بما يشاء ﴿ولذي القربى﴾ قربى النبي - ﷺ - من بني هاشم وبنى المطلب ﴿واليتامي﴾ أطفال المسلمين الفقراء ﴿والمساكين﴾ فقراء المسلمين ﴿وابن السبيل﴾ المنقطع في سفره من المسلمين، فللنبي - ﷺ - ولهذه الأصناف الأربعة خمس الغنيمة والأربعة الأخماس الباقية للمجاهدين لأن الحرب والغنيمة من مجهودهم ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ محمد - ﷺ - ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ في يوم بدر ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومنه نصركم مع قلتكم وكثرتهم.\n(^٣) أراد أن يغزو، نبي قيل إنه يوشع بن نون ﵇.\n(^٤) لم يدخل بها.\n(^٥) حوامل من الإبل وكذا البقر وهو ينتظر ولادتها، فلم يسمح لهؤلاء بالجهاد لانشغالهم فلا ثبات لهم.\n(^٦) من القرية التي يريد فتحها.\n(^٧) أي خيانة.","vol":"4","page":375},{"text":"الْبَقَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ (^١) فَوَضَعُوهَا فِي الْمَالِ وَهُوَ بِالصَّعِيدِ (^٢) فَأَقْبَلَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهُ (^٣) فَلَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلِنَا، ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ ﵎ رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَطَيَّبَهَا لَنَا» (^٤). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَاللَّهُ الْمُعْطِي وَأَنَا الْقَاسِمُ وَلَا تَزَالُ هذِهِ الْأُمَّةُ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» (^٥). رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أُعْطِيكُمْ وَلَا أَمْنَعُكُمْ إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ» (^٦). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً إِلَى نَجْدٍ فَخَرَجْتُ فِيهَا فَأَصَبْنَا إِبِلًا وَغَنَمًا فَبَلَغَتْ سُهْمَانُنَا اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا وَنَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعِيرًا بَعِيرًا (^٧). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: بَعَثَنَا النَّبِيُّ ﷺ فِي جَيْشٍ قِبَلَ نَجْدٍ وَانْبَعَثَتْ سَرِيَّةٌ مِنَ الْجَيْشِ فَكَانَتْ سُهْمَانُ الْجَيْشِ كُلُّ وَاحِدٍ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا وَنَفَّلَ أَهْلَ السَّرِيَّةِ بَعِيرًا بَعِيرًا فَكَانَ لِكُلَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَسَمَ فِي النَّفْلِ (^٨) لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّجُلِ سَهْمًا (^٩). رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n_________\n(^١) كانوا سرقوه من الغنيمة.\n(^٢) على الأرض.\n(^٣) وذلك علامة القبول.\n(^٤) أحلها لنا.\n(^٥) سبق هذا في العلم.\n(^٦) فالمعطى في كل شيء هو الله تعالى والنبي - ﷺ - يبين لنا ويقسم بيننا.\n(^٧) السهمان جمع سهم وهو النصيب بخلاف ما يرمي به فجمعه أسهم. ونفلنا أي زادنا بعيرا بعيرا هذه لجماعة مخصوصة كما في الرواية الآتية.\n(^٨) النفل هنا بالتحريك: الغنيمة.\n(^٩) وفي رواية: أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهمًا له وسهمين لفرسه، وهذه موضحة لرواية الكتاب، فللراجل سهم وللفارس ثلاثة لزيادة مؤنة الفرس على صاحبه، بخلاف الراجل أي المجاهد على رجليه فمؤنته قليلة، وللترمذي: قسم النبي - ﷺ - الغنيمة وعدل البعير بعشر شياه، والله أعلم.","vol":"4","page":376},{"text":"<span data-type='title' id=toc-994>النفل </span>(^١)\n\n• عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخَذَ أَبِي مِنَ الْخُمْسِ سَيْفًَا فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: هَبْ لِي هذَا فَأَبى فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنفَالُ للَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (^٢) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: «مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ مِنَ النَّفْلِ كَذَا وَكَذَا» (^٣) فَتَقَدَّمَ الْفِتْيَانُ وَلَزِمَ الْمَشْيَخَةُ الرَّايَاتِ فَلَمْ يَبْرَحُوهَا فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَالَتِ الْمَشْيَخَةُ: كُنَّا رِدْءًا لَوِ انْهَزَمْتُمْ فِئْتمْ إِلَيْنَا (^٤) فَلَا تَذْهَبُونَ بِالْمَغْنَمِ وَنَبْقَى، فَأَبى الْفِتْيَانُ وَقَالُوا: جَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنفَالُ للَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ.\nوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً سِوَى قَسْمِ عَامَّةِ الْجَيْشِ. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n_________\nالنفل\n(^١) النفل بالسكون، وقد يحرك: الزيادة، وربما يراد به الغنيمة ولا ينفل الأمير من الغنيمة أحدا حتى تخمس وتقسم ثم ينقل من شاء من الخمس الخاص به لأن النبي - ﷺ - كان ينقل من خمس الخمس الخاص به.\n(^٢) سبق هذا الحديث في سورة الأنفال؛ والمراد بالأنفال في الآية الغنيمة.\n(^٣) من النفل محركة أي زيادة على نصيبه.\n(^٤) ردءًا أي عونًا وسندا لكم لو انهزمتم رجعتم إلينا فحفظناكم.\n(^٥) وفي رواية: من جاء بأسير فله كذا ومن قتل قتيلا فله كذا، فلزم كبار الصحب الرايات والنبي - ﷺ - لئلا يأتيه العدو على غفلة، فلما انتهت الوقعة وتنازعوا نزلت الآية فقسم النبي - ﷺ - الغنيمة بينهم على السواء لاشتراكهم في الغزو جميعًا لإعلاء كلمة الدين.","vol":"4","page":377},{"text":"<span data-type='title' id=toc-995>التنفيل بعد التخميس </span>(^١)\n\n• عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُنَفِّلُ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ وَالثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ إِذَا قَفَلَ (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣) وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-996>الإمام يتولى خمس الغنيمة </span>(^٤)\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَعِيرٍ مِنَ الْمَغْنَمِ وَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ وَبَرَةً مِنْ جَنْبِ الْبَعِيرِ (^٥) ثُمَّ قَالَ: «وَلَا يَحِلُّ لِي مِنْ غَنَائِمِكُمْ مِثْلُ هذَا إِلا الْخُمُسَ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ» (^٦). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧) وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ: «آمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا خُمُس مَا غَنِمْتُمْ» (^٨). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ طَوِيلًا.\n_________\nالتنفيل بعد التخميس\n(^١) فلا ينفل الأمير أحدا إلا بعد أن يقسم الغنيمة إلى خمسة أقسام، للمجاهدين أربعة وللرسول ومن معه في الآية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الخمس وينفل منه.\n(^٢) أي ربع ما يأخذه المجاهد بعد التخميس وثلثه أحيانا، إذا قفل أي رجع أو المراد ربع ما تغنمه السرية وثلثه، وفي رواية: نقل الربع في البدأة والثلث في الرجعة أي إذا نهضت سرية من الجيش إلى عدو وغنموه كان لهم منها الربع وللجيش الباقى وإذا فعلوا هذا وهم عائدون، كان لهم مما غنموه الثلث وللجيش الباقي.\n(^٣) بسند صالح.\n\nالإمام يتولى خمس الغنيمة\n(^٤) فيصرفه في مصارفه، وهم المذكورون في الآية السالفة.\n(^٥) الوبرة: الشعرة، واحدة الوبر.\n(^٦) في مصالحكم لليتامي والمساكين وأبناء السبيل، وفي السلاح والخيل للجهاد في سبيل الله.\n(^٧) بسند صالح، وللطبراني: كان رسول الله - ﷺ -: إذا قسم الغنيمة ضرب الخمس في خمسة ثم قرأ الآية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ فجعل سهم الله وسهم رسوله واحدا، وسهم ذوي القربي مع الذي قبله في الخيل والسلاح أي بعد حاجة ذي القربي، فجعل سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل لهم لا يعطيه غيرهم ثم جعل الأربعة الأسهم الباقية، للفرس سهمان ولراكبه سهم وللراجل سهم.\n(^٨) وأربعة أخماس الغنيمة توزع على المجاهدين.","vol":"4","page":378},{"text":"• عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانَ بْنُ عَفَّانَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَيْتَ بَنِي الْمُطَّلِبِ وَتَرَكْتَنا وَنَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ: «إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُوا هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ» (^١).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: لَمْ يَقْسِمِ النَّبِيُّ ﷺ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَلَا لِبَنِي نَوْفَلٍ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَعَبْدُ شَمْسٍ وَهَاشِمٌ وَالْمُطَّلِبُ إِخْوَةٌ لِأُمَ وَأُمُّهُمْ عَاتِكَةُ بِنْتُ مُرَّةَ وَكَانَ نَوْفَلٌ أَخَاهُمْ لِأَبِيهِمْ (^٢) رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-997>الفيء </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَّآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (^٤) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ (^٥) فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ فِي الْكرَاعِ وَالسِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ (^٦). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n_________\n(^١) أي كشيء واحد لأنهما كانا متحالفين ومتحابين في الجاهلية وزاد ذلك في الإسلام حتى إن قريشًا وبني كنانة تحالفت على بني هاشم وبني المطلب ألا يناكوهم ولا يعاملوهم حتى يسلموا إليهم النبي - ﷺ -، فأبوا أن يسلموه.\n(^٢) فلما أمر الله بخمس الخمس للقربي أعطاه النبي - ﷺ - لمؤمني بني هاشم وبنى المطلب لشدة الرابطة بينهما؛ فجاء عثمان من بني عبد شمس وجبير بن مطعم من بني نوفل، وقالوا: أعطيت بني هاشم وبنى المطلب وتركتنا ونحن وهم من أصل واحد لأن هاشمًا والمطلب وعبد شمس ونوفلا أولاد عبد مناف الجد الثالث للنبي - ﷺ -، فقال بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، فكان خمس الخمس من الغنيمة لهما خالصا.\n\nالفيء\n(^٣) أي ما هو وبيان مصرفه، فالفيء: المال الذي جاء من الكفار من غير مشقة ومصرفه كما في الآية.\n(^٤) فهو للنبي - ﷺ - والأصناف الأربعة لكل منهم خمس الخمس وله الباقي، كما كان يفعله النبي - ﷺ -، وعلى هذا الشافعي وجماعة، وقال الجمهور: إن الفيء كله للنبي - ﷺ -.\n(^٥) بنو النضير قرية على ميلين من المدينة فلم يسرعوا الركوب لها لا على خيل ولا إبل، بل مشوا لها وركب النبي - ﷺ - على راحلة.\n(^٦) الكراع: الخيل.","vol":"4","page":379},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا وَأَقَمْتُمْ بِهَا فَسَهْمُكُمْ فِيهَا، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَخُمُسُهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ» (^١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\nوَقَالَ عُمَرُ ﵁: مَا أَنَا أَحَقُّ بِهذَا الْفَيْءِ مِنْكُمْ وَمَا أَحَدٌ مِنَّا بِأَحَقَّ بِهِ مِنْ أَحَدٍ (^٢) إِلا أَنَّا عَلَى مَنَازِلِنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَسْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَالرَّجُلُ وَقِدَمُهُ وَالرَّجُلُ وَبَلَاؤُهُ وَالرَّجُلُ وَعِيَالُهُ وَالرَّجُلُ وَحَاجَتُهُ (^٣).\nوَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: حَاجَتَكَ (^٤) يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ فَقَالَ: عَطَاءُ الْمُحَرَّرِينَ (^٥) فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَوَّلَ مَا جَاءَهُ شَيْءٌ بَدَأَ بِهِمْ.\nوَقَالَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ الْفَيْءُ قَسَمَهُ فِي يَوْمِهِ فَأَعْطَى الآهِلَ حَظَّيْنِ وَأَعْطَى الْعَزَبَ حَظًا (^٦). رَوَى الثَّلَاثَةَ أَبُو دَاوُدَ فِي الْخَرَاجِ (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-998>صفايا النبي ﷺ وما تركه </span>(^٨)\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثُ صَفَايَا: بَنُو النَّضِيرِ وَخَيْبَرُ وَفَدَكُ (^٩) فَأَمَّا بَنُو النَّضِيرِ فَكَانَتْ حُبْسًا لِنَوَائِبِهِ (^١٠) وَأَمَّا فَدَكَ فَكَانَتْ حُبْسًا لِأَبْنَاءِ\n_________\n(^١) فكل قرية عصت وقاتلتموها فغنمتم منها فهي لكم إلا الخمس فإنه لله ولرسوله ولذي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل، وكل قرية دخلتموها من غير قتال فما يأتي منها فيء مصرفه مصرف الفيء.\n(^٢) فيه أن الإمام في الفيء كسائر الناس مع ملاحظة أن له كفايته وكفاية من يعولهم من غير إسراف.\n(^٣) قدمه أي في الإسلام، فينظر لهؤلاء أكثر من غيرهم.\n(^٤) اذكر حاجتك.\n(^٥) جمع محرر وهو العتيق، فإنهم يعطون من الفيء إن كانوا في حاجة.\n(^٦) الآهل: الذي له أهل أي زوجة، والعزب بفتحتين: الذي لا زوجة له.\n(^٧) بأسانيد صالحة.\n\nصفايا النبي - ﷺ - وما تركه\n(^٨) الصفايا جمع صفية كعطايا وعطية: وهي ما يصطفي ويختار، وكان للنبي - ﷺ - أن يصطفي من الغنيمة ما شاء قبل أن يقسمها زيادة على خمسه وليس هذا لأحد سواه من الأئمة بعده.\n(^٩) فدك: قرية بخيبر على ثلاث مراحل من المدينة، وبنو النضير على ميلين منها.\n(^١٠) أي محبوسة لما ينوبه وينزل به من المهمات كالضيفان والرسل والسلاح والكراع.","vol":"4","page":380},{"text":"السَّبِيلِ وَأَمَّا خَيْبَرُ فَجَزَّأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، جُزْأَيْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَجْزْءًا نَفَقةَ أَهْلِهِ فَمَا فَضَلَ مِنْهُمْ جَعَلَهُ بَيْنَ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلَتْ أَبَا بَكْرٍ مِيرَاثَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ». وَقَالَ: لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْمَلُ بِهِ إِلا عَمِلْتُ بِه إِنِّي أَخْشَى إنْ تَرَكْتُ شَيْئًا أَنْ أَزِيغَ (^٢). وَكَانَتْ فَاطِمَةُ ﵂ تَسْأَلُ مِيرَاثَهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ صَدَقَتِهِ بِالْمَدِينَةِ (^٣). وَمِنْ خَيْبَرَ وَفَدَكٍ، فَأَمَّا صَدَقَتُهُ بِالْمَدِينَةِ فَدَفَعَهَا عُمَرُ إِلَى عَلِيَ وَعَبَّاسٍ فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا عَلَيٌّ وَأَمَّا خَيْبَرُ وَفَدَكُ فَأَمْسَكَهُمَا عُمَرُ وَقَالَ: هُمَا صَدَقَةُ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتَا لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ وَنَوَائِبِهِ (^٤) وَأَمْرُهُمَا إِلَى مَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ قَالَ: فَهُمَا عَلَى ذلِكَ إِلَى الْيَوْمِ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَؤُونَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ» (^٦). رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ الْأُصُولُ الْأَرْبَعَةُ.\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا فِي بَيْتِي شَيْءٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلا شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفَ لِي فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ (^٧). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) بسند صالح.\n(^٢) ولفظ الترمذي: جاءت فاطمة إلى أبي بكر فقالت: من يرثك؟ قال: أهلي وولدي، قالت: فما لي لا أرث أبي؟ قال: سمعت النبي - ﷺ -، يقول: لا نورث، ولكني أعول من كان رسول الله - ﷺ - يعوله وأنفق على من كان ينفق عليه. وفي رواية: فهجرته فلم تكلمه حتى ماتت ﵂.\n(^٣) هي غلة بني النضير من زرع وثمر.\n(^٤) تعروه أي تنزل به.\n(^٥) وفي رواية: إنما يأكل آل محمد من هذا المال.\n(^٦) تقدم هذا في آخر كتاب الفرائض.\n(^٧) فلما كان الشعير غير معلوم قدره كان المدد منه غير محدود كما سبق في النبوة، في تكثير الطعام (لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم) وفيه معرفة معيشة النبي - ﷺ - نسأل الله الرضا آمين.","vol":"4","page":381},{"text":"<span data-type='title' id=toc-999>من قتل قتيلًا فله سلبه </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ حُنَيْنٍ (^٢) فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينِ جَوْلَةٌ (^٣) فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (^٤) فَاسْتَدَرْتُ حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائه فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ (^٥) فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ ثمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَقُلْتُ: أَمْرُ اللَّهِ (^٦) ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا وَجَلَس النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ»، قَالَ: فَقُمْتُ فَقُلْتُ مَنْ يَشْهَدُ لِي (^٧) ثُمَّ جَلَسْتُ فَقَالَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَنِّةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ، فَقُمْتُ فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي ثُمَّ جَلَسْتُ ثُمَّ قَالَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ فَقَالَ رَجُلٌ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَلَبُهُ عِنْدِي فَأَرْضِهِ عَنِّي فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: لَاهَا اللَّهِ إِذا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ منْ أُسُدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يُعْطِيكَ سَلَبَهُ (^٨) فَقَالَ ﷺ: «صَدَقَ فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ» قَالَ: فَأَعْطَانِي (^٩) فَبِعْتُ الدِّرْعَ فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا (^١٠) فِي بَنِي سَلِمَةَ فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ» (^١١). رَوَاهُ الْأَرْبَعةُ. وَلِأَبِي دَاوُدَ: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ وَلَمْ يُخَمِّسْهُ (^١٢).\n_________\nمن قتل قتيلا فله سلبه\n(^١) سلب القتيل ما معه من سلاح وثياب وغيرها، وقال الشافعي: هو أدوات الحرب فقط، وقال أحمد: هو كل شيء معه إلا دابته.\n(^٢) حنين: واد على ثلاثة أميال من مكة وكان غزوها في السنة الثامنة عقب فتح مكة.\n(^٣) جولة أي غلبة ثم انهزموا إلا رسول الله - ﷺ - والذين معه ولكنهم انتصروا بعد هذا انتصارا عزيزا وغنموا كثيرا.\n(^٤) صرعه فجلس عليه.\n(^٥) بين عنقه وكتفه.\n(^٦) لم انهزم الناس؟ قال: قضاء الله.\n(^٧) بينة ولو واحدا، من يشهد لي بأني قتلت ذلك الشرك الجبار.\n(^٨) لاها الله أي لا والله، وإذا بالألف والتنوين في كل الروايات ولكن أهل العربية يقولون: إن الصواب لاها الله ذا أي لا والله لا يكون ذا.\n(^٩) أي سلبه.\n(^١٠) اشتريت به بستانا.\n(^١١) تأثلته أي تكلفت جمعه وجعلته أصل كل مال اقتنيته في الإسلام.\n(^١٢) ففيهما أن السلب للقاتل ولا يدخل في الغنيمة التي تخمس بل هو كله للقاتل وإن كثر لأن أبا طلحة في غزوة حنين قتل عشرين كافرا وأخذ أسلاهم وحده ﵁.","vol":"4","page":382},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1000>الحربي لا يملك مال المسلم </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: ذَهَبَ فَرَسٌ لَهُ فَأَخَذَهَا الْعَدُوُّ فَظَهَرَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ (^٢) فَرُدَّ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٣) وَأَبَقَ عَبْدٌ لَهُ فَلَحِقَ بِأَرْضِ الرُّومِ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ (^٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1001>يرضخ للمرأة والعبد </span>(^٦)\n\n• عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ ﵁ أَنَّ نَجْدَةَ الْحَرُورِيَّ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ يَسْأَلُهُ عَنْ خَمْسٍ خِلَالٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْلَا أَنْ أَكْتُمَ عِلْمًَا مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ (^٧). كَتَبَ نَجْدَةُ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ فَأَخْبِرْنِي هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَهَلْ كَانَ يَضْرِبُ لَهُنَّ بِسَهْمٍ؟ (^٨) وَهَلْ كَانَ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ؟ وَمَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ؟ وَعَنِ الْخُمْسِ لِمَنْ هُوَ؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ وَقَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِنَّ فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى وَيُحْذَيْنَ مِنَ الْغَنِيمَةِ (^٩) وَأَمَّا بِسَهْمٍ فَلَا وَلَمْ يَكُنِ\n_________\nالحربي لا يملك مال المسلم\n(^١) فلو انتقل مال المسلم إلى دار الحرب بغصب أو سرقة أو فرار ونحوها ثم غلهم المسلمون وجاء في الغنيمة فهو لصاحبه مطلقًا لأنه أحق به، والحربي لا يملك شيئًا بالغلبة ونحوها وعلى هذا الشافعي، وقال الجمهور: هو لصاحبه إن ظهر قبل القسمة وإن ظهر بعدها فليس له إلا بالقيمة.\n(^٢) غلبهم المسلمون.\n(^٣) بأمر النبي - ﷺ -.\n(^٤) وكان خالد أمير ذلك الجيش بعد وفاة النبي - ﷺ -، وفي رواية: أن رد هذا العبد كان بأمر النبي - ﷺ - في حياته.\n(^٥) ولكن حديث البخاري قاصر على الفرس والله أعلم.\n\nيرضخ للمرأة والعبد\n(^٦) الرضخ: العطاء القليل؛ فإذا حضر العبد والمرأة في الجهاد وعملا ما يناسبهما وحضرت الغنيمة فعلى الأمير أن يرضخ لهما أي يعطيهما قليلا من الغنيمة لَا كَسَهْمِ رجل مجاهد.\n(^٧) نجدة هذا من الخوارج ولولا خوف ابن عباس من وصفه بكتمان العمل ما كتب له.\n(^٨) أي كالمجاهد.\n(^٩) يعطين منها، والحذوة: العطية، ففيه جواز اختلاط النساء بالرجال للضرورة، ومعالجة المرأة الأجنبية للرجل الأجنبى للضرورة.","vol":"4","page":383},{"text":"النَّبِيُّ ﷺ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ وَأَنْتَ لَا تَقْتُلْهُمْ (^١)، وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ فلَعَمْرِي إِنَّ الرَّجُلَ لَتَنْبُتُ لِحْيَتُهُ وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الْأَخْذِ لِنَفْسِهِ ضَعِيفُ الْعَطَاءِ مِنْهَا فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِن صَالِحٍ مَا يَأْخُذُ النَّاسُ فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ الْيُتْمُ (^٢)، وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْخُمْسِ لِمَنْ هُوَ وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ هُوَ لَنَا فَأَبَى عَلَيْنَا قَوْمُنَا ذَاكَ (^٣). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: كَتَبَ لَهُ يَسْأَلُهُ عَنِ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ يَحْضُرَانِ الْمَغْنَمَ هَلْ يُقْسَمُ لَهُمَا؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْلَا أَنْ يَقَعَ فِي أُحْمُوقَةٍ مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ (^٤) ثُمَّ كَتَبَ لَهُ لَيْسَ لَهُمَا شَيْءٌ إِلا أَنْ يُحْذَيَا، وَقَالَ لَهُ فِي الْوِلْدَانِ: لَا تَقْتُلْهُمْ إِلا أَنْ تَعْلَمَ مِنْهُمْ مَا عَلِمَ صَاحِبُ مُوسى مِنَ الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1002>إعطاء المؤلفة قلوبهم </span>(^٦)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَالُوا يَوْمَ حُنَيْنٍ حِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ الْمِائَةَ مِنَ الْإِبِلِ (^٧)\n_________\n(^١) إلا إذا قاتلوا أو في البيات كما سبق.\n(^٢) فلا يزول عنه حكم اليتيم إلا إذا صار رشيدًا عارفا بما عليه وما له، وأما اليتم فإنه يزول بإحدى علامات البلوغ السابقة في الوصية، وعلى هذا الجمهور.\n(^٣) سبق أن الخمس يتولاه الإمام ولكنه ينفق منه على المذكورين في آية الأنفال وأولاد النبي - ﷺ - وقرباه لهم منه سهمان.\n(^٤) الأحموقة هي أن يرى رأي إخوانه الخوارج الذين يجهلون من الشرع كثيرا.\n(^٥) صاحب موسى هو الخضر علم الكفر من الغلام فقتله لأنه خلق مطبوعا على الكفر كما سبق في سورة الكهف، نسأل الله السلامة آمين.\n\nإعطاء المؤلفة قلوبهم\n(^٦) المؤلفة مهم من اسم الواحد منهم ونيته ضعيفة أي في الإسلام أو كان يتوقع بإسلامه إسلام نظرائه وأتباعه وهؤلاء لهم سهم من الزكاة وسبق هذا فيها.\n(^٧) سيأتي ذكر ثلاثة منهم وهم: الأقرع، وعيينة، وعباس، ومنهم أبو سفيان وابنه معاوية، وحكيم بن حزام، والحارث بن الحارث بن كلدة، والحارث بن هشام، وسهل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، والعلاء الثقفي، ومالك بن عوف النصري.","vol":"4","page":384},{"text":"فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِمْ فَأَرْسَلَ إِلَى الْأَنْصَارِ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ (^١) فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟» فَقَالَ لَهُ فُقَهَاءُ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَّا ذَوُوا رَأَينَا فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا وَأَمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ (^٢) قَالُوا يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ (^٣) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵁: «فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُمْ (^٤) أَفَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالْأَمْوَالِ وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ فَوَاللَّهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ» (^٥) فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رضينَا قَالَ: «فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ بَعْدِي أُثْرَةً شَدِيدَةً (^٦) فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنِّي عَلَى الْحَوْضِ» (^٧) قَالُوا: سَنَصْبِرُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَنْصَارَ فَقَالَ: «أَفِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟» فَقَالُوا: لَا إِلا ابْنَ أُخْتٍ لَنا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ ابْنَ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ» (^٨) فَقَالَ: إِنَّ قُرَيْشًا حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَمُصِيبَةٍ (^٩) وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَجْبُرَهُمْ وَأَتَأَلَّفَهُمْ (^١٠) أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى بُيُوتِكُمْ لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وادِيًا وَسَلَكَ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ (^١١).\n_________\n(^١) خيمة من جلد.\n(^٢) شبان لم يعرفوا الصواب.\n(^٣) قتالنا لهم قريب.\n(^٤) أطلب ألفتهم فيقوى إيمانهم.\n(^٥) إن الذي ترجعون به وهو رسول الله - ﷺ - خير مما رجعون به وهو المال.\n(^٦) الأثرة بالتحريك: استقلال الأمراء بالأموال دونكم.\n(^٧) فتظفروا رفيع الدرجات على عملكم وصبركم.\n(^٨) له ما لهم وعليه ما عليهم.\n(^٩) بقتل أقاربهم وفتح بلادهم.\n(^١٠) فأسليهم بكثرة المال.\n(^١١) الوادى: المكان الواسع، والشعب: ما انفرج بين الجبلين أو الطريق في الجبل، والمراد بهذا إظهار كمال محبته - ﷺ - هم لا متابعتهم.","vol":"4","page":385},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاسًا فِي الْقِسْمَةِ (^١) فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذلِكَ وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ وَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ (^٢) فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللَّهِ إِنَّ هذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا وَمَا أُرِيدُ فِيهَا وَجْهُ اللَّهِ (^٣) قَالَ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (^٤) فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ (^٥) ثمَّ قَالَ: «فَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» ثُمَّ قَالَ: «يَرْحَمُ اللَّهَ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنَ هذَا فَصَبَر، قُلْتُ: لَا جَرَمَ لَا أَرْفَعُ إِلَيْهِ بَعْدَهَا حَدِيثًا (^٦).\nرَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ مُسْلِمٌ فِي الزَّكَاةِ وَالْبُخارِيُّ هُنَا:\n\n• عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَصَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ وَعُيَيْنَةُ بْنَ حِصْنٍ وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ كلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ وَأَعْطَى عَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ دُونَ ذلِكَ فَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ (^٧):\nأَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَيْـ … ـدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ (^٨)\nفَمَا كَانَ بَدْرٌ وَلَا حَابِسٌ … يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ (^٩)\nوَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا … وَمَنْ تَخْفِضِ الْيوْمَ لَا يُرَفَعِ (^١٠)\nقَالَ: فَأَتَمَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِائَةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n_________\n(^١) أكثر من إعطائهم دون غيرهم.\n(^٢) هم من سبق ذكرهم وهم أشراف القوم وأعلاهم شأنا.\n(^٣) هو معتب بن قشير المنافق.\n(^٤) بقول ذلك المنافق.\n(^٥) الصرف: الدم، وصبغ أحمر يصبغ به الجلود.\n(^٦) لا جرم أي لابد أو لا محالة، لا أرفع للنبي - ﷺ - كلامًا بعد هذا لأنه غضب وتأذى.\n(^٧) يخاطب النبي - ﷺ - ويرجوه أن يساويه بإخوانه.\n(^٨) النهب: الغنيمة، والعبيد: اسم الفرس عباس، ولعل بين بمعنى دون.\n(^٩) بدر جد لعيينة.\n(^١٠) أي ولست بأقل منهما ومن تخفضه اليوم لا يرفعه أحد فلا عزة إلا الله ورسوله - ﷺ -.","vol":"4","page":386},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1003>الجزية </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (^٢) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرٍ (^٣) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ الْبَحْرَيْنِ وَأَخَذَهَا عُمَرُ مِنْ فَارِسَ وَأَخَذَهَا عُثْمَانُ مِنَ الْفُرْسِ أَوِ الْبَرْبَرِ (^٤). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَة بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ (^٥) وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ\n_________\nالجزية\n(^١) هي مال يؤخذ من أهل الذمة لإسكاننا إياهم في دارنا أو لحقن دمائهم وأموالهم أو لكفنا عن قتالهم.\n(^٢) ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ كإيمان الموحدين ﴿ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله﴾ كالخمر والميسر ﴿ولا يدينون دين الحق﴾ لا يتدينون بدين الإسلام ﴿من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية﴾ الخراج المضروب عليهم من جهة الإمام كل عام ﴿عن يدوهم صاغرون﴾ بأيديهم وهم منقادون لحكم الإسلام.\n(^٣) هجر بلد في جزيرة العرب، والمجوس: عبدة النار ولكن تؤخذ الجزية ممن له شبهة كتاب منهم كجوس هجر وغيرهم، ولأبي داود: أن أهل فارس لما مات نبيهم كتب لهم إبليس المجوسية، وللشافعي وغيره بسند حسن عن عليّ ﵁ كان المجوس أهل كتاب يقرءونه وعلم يدرسونه فشرب أميرهم الخمر فوقع على أخته فلما أصبح دعا أهل الطمع فأعطاهم وقال: إن آدم كان ينكح أولاده بناته؛ فأطاعوه وقتل من خالفه، فهم أهل كتاب ولكنهم بدلوه، وللبزار: قال عمر ما أدري كيف أصنع في أمر المجوس؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: سنوا بهم سنة أهل الكتاب أي في الجزية.\n(^٤) وفارس والفرس كلهم مجوس، فصريح هذا أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب ومن لهم شبهة كتاب فقط، وعلى هذا الجمهور والشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: تؤخذ من جميع الأعاجم ولو عبدة أوثان، وقال مالك: تؤخذ من كل الكفار إلا من ارتد فلابد من قتله.\n(^٥) في سنة الوفود، سنة تسع من الهجرة.","vol":"4","page":387},{"text":"الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ (^١) فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ (^٢) فَسَمِعَتِ الْأَنْصَارُ بِقُدُومِهِ فَوَافَتْ صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ (^٣) فَلَمَّا صَلَّى بِهِمْ انْصَرَفَ فَتَعَرَّضُوا لَهُ فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ رَآهُمْ وَقَالَ: «أَظُنُّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدْ جَاءَ بِشَيْءٍ» قَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ (^٤) فَوَاللَّهِ لَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» (^٥).\n\n• عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ عُمَرُ النَّاسَ فِي أَفْنَاءِ الْأَمْصَارِ (^٦) يُقَاتِلُونَ الْمُشْرِكِينَ فَأَسْلَمَ الْهُرْمُزَانُ فَقَالَ: إِنِّي مُسْتَشِيرُكَ فِي مَغَازِيَّ هذِهِ (^٧) قَالَ: نَعَمْ مَثلُهَا وَمَثَلُ مَنْ فِيهَا مِنَ النَّاسَ مِنْ عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ مَثَلُ طَائِرٍ لَهُ رَأَسٌ وَجَنَاحَانِ وَرِجْلَانِ فَإِنْ كُسِرَ أَحَدُ الْجَنَاحَيْنِ نَهَضَتِ الرِّجْلَانِ بِجَنَاحٍ وَالرَّأْسُ (^٨) فَإِنْ كُسِرَ الْجَنَاحُ الْآخَرُ نَهَضَته الرِّجْلَانِ وَالرَّأْسُ وَإِنْ شُدِخَ الرَّأَسُ ذَهَبَتِ الرِّجْلَانِ وَالْجَنَاحَانِ وَالرَّأْسُ (^٩) فَالرَّأْسُ كِسْرَى وَالْجَنَاحُ قَيْصَرُ وَالْجَنَاحُ الآخَرُ فَارِسُ فَمُرِ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَنْفِرُوا إِلَى كِسْرَى (^١٠) قَال فَنَدَبَنَا عُمَرُ (^١١) وَأَمَّرَ عَلَيْنَا النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ حَتَّى إِذَا كُنَّا\n_________\n(^١) صحابي مشهور.\n(^٢) بلد بنجد من أخصب بلاد الجزيرة وكان خراجها مائة ألف وهو أول خراج جاء النبي - ﷺ -.\n(^٣) صلت معه.\n(^٤) فيه بشري هم ببلوغ آمالهم.\n(^٥) ترغبون فيها كغيركم تهلكون.\n(^٦) جمع فنو أي في جماعات الأمصار جمع مصر وهي المدينة العظيمة.\n(^٧) الهرمزان اسمه رستم كان قائدا لأحد جيوش فارس ولما رأى انتصار المسلمين على جيوشهم صالحهم ثم نقض العهد خاصره أبو موسى طويلا ثم سألهم الأمان على أن يحمل إلى عمر فأرسلوه إليه فأسلم فقربه عمر إليه واستشاره بقوله: إني أستشيرك في مغازي هذه التي أريدها نحوكم وهي فارس وأصبهان وأذربيجان؛ فضرب به المثل.\n(^٨) ونهضت الرأس.\n(^٩) فإن ضاع الرأس ضاع الكل.\n(^١٠) يخرجوا لقتاله أولا.\n(^١١) أمرهم بالخروج فخرجوا وفيهم جمع من الصحب كالزبير وحذيفة وابن عمر ﵃.","vol":"4","page":388},{"text":"بِأَرْضِ الْعَدُوِّ خَرَجَ عَلَيْنَا عَامِلُ كِسْرَى فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا (^١) فَقَامَ تُرْجُمَانُهُمْ فَقَالَ: لِيُكَلِّمْنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: سَلْ عَمَّا شِئْتَ (^٢) قَالَ: ما أَنْتُمْ؟ قَالَ: نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ كُنَّا فِي شَقَاءٍ شَدِيدٍ وَبَلَاءٍ شَدِيدٍ نَمَصُّ الْجِلْدَ وَالنَّوَى مِنَ الْجُوعِ وَنَلْبَسُ الْوَبَرَ وَالشَّعَرَ وَنَعْبُدُ الشَّجرَ وَالْحَجَرَ فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ رَبُّ السَّموَاتِ وَرَبُّ الْأَ رضينَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَجَلَّتْ عَظَمَتُهُ إِلَيْنَا نَبِيًّا مِنْ أَنْفُسِنَا نَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ (^٣) فَأَمَرَ نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا أَنْ نقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ (^٤) وَأَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا ﷺ عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا «أَنَّهُ مَنْ قتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الْجَنَّةِ في نَعِيمٍ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا قَطُّ وَمَنْ بَقِيَ مِنَّا مَلَكَ رِقَابَكُمْ». رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ فَجَاؤُوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَحَقَنَ دَمَهُ وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ (^٥).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَالَحَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ نَجْرَانَ (^٦) عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ نِصْفُهَا فِي صَفَرٍ وَنِصْفُهَا الْآخَرُ فِي رَجَبٍ يُؤَدُّونَهَا إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَعَارِيَةٍ (^٧) ثَلَاثِينَ دِرْعًا وَثَلَاثِينَ فَرَسًا وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا وَثَلَاثِينَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ السَّلَاحِ يَغْزُو بِهَا الْمُسْلِمُونَ وَهُمْ ضَامِنُونَ لَهَا حَتَّى يَرُدُّوهَا لَهُمْ إِنْ كَانَ بِالْيَمَنِ كَيْدٌ ذَاتُ غَدْرٍ (^٨) عَلَى أَلْا تُهْدَمَ لَهُمْ بِيعَةٌ وَلَا\n_________\n(^١) أرض العدو هي نهاوند قابلهم فيها عامل كسرى وهو بندار أو ذو الجناحين بأربعين ألف مقاتل وأمداد وراءه نحو مائة ألف وعشرة آلاف.\n(^٢) المغيرة بن شعبة الصحابي المشهور.\n(^٣) زاد في رواية: أوسطها حسبا وأصدقنا حديثا.\n(^٤) هنا الشاهد فإن هؤلاء مجوس.\n(^٥) دومة: بلد أو قلعة بالشام بقرب تبوك وأكيدر دومة ملكها، واسمه عبد الملك الكندي كان نصرانيا فلما جيء به أسيرا صالحه النبي - ﷺ - على الجزية وبقي في ملكه.\n(^٦) وكانوا نصاري.\n(^٧) عطف على ألفي حلة، وعارية بيانها ما بعدها على الإضافة أو البدلية.\n(^٨) حرب وغدر.","vol":"4","page":389},{"text":"يُخْرجُ لَهُمْ قَسٌّ وَلَا يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ مَا لَمْ يحْدِثُوا حَدَثًا أَوْ يَأْكُلُوا الرِّبَا (^١). رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^٢).\n\n• عَنْ مُعَاذٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ (^٣) رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٤).\nوَقِيلَ لِمُجَاهِدٍ: مَا شَأْنُ أَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ وَأَهْلُ الْيَمَنْ عَلَيْهِمْ دِينَارٌ؟ قَالَ: جُعِلَ ذلِكَ مِنْ قِبَلِ الْيَسَارِ (^٥). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1004>العشور </span>(^٦)\n\n• عَنْ حَرْبِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁ عَنْ جَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورُ» (^٧). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٨).\n_________\n(^١) أو يحدثوا حدثا كالإخلال ببعض الشروط، فالنبي - ﷺ - صالح نصارى نجران على ألفين من الحلل يؤدونها على دفعتين في العام وعلى أنه إذا نقض أهل اليمن العهد بينهم وبين المسلمين وقامت الحرب بينهم فعلى نصارى نجران أن يعيروا المسلمين بتلك العارية عونًا لهم على ناقض العهد وهي مضمونة لأصحابها إن تلفت.\n(^٢) بسندين صالحين.\n(^٣) الحالم: المحتلم أي البالغ بأحد العلامات السابقة في الوصية، والعدل بالفتح والكسر: المثل، والمعافر: ثياب باليمن؛ فالجزية واجبة على أهل الكتاب والمجوس إذلالا لهم وعونا للمسلمين.\n(^٤) بسند حسن.\n(^٥) ففيه أن الجزية لا تؤخذ إلا من الرجال المكلفين الأحرار دون غيرهم وأنها تؤخذ من الميسور عندهم كل إنسان على قدر حاله يسارا وإعسارا بتقدير العارفين بهم من أهل النظر والعدل والله أعلم.\n\nالعشور\n(^٦) العشور جمع عشر وهو واحد من عشرة.\n(^٧) فليس على المسلمين عشور ولكن على أهل الذمة، اليهود والنصارى والمجوس أن يدفعوا عشر تجارتهم أو قيمته للمسلمين نظير اتجارهم في بلادنا، وهذا لا يجب عليهم إلا إذا نص عليه مع عقد الجزية وإلا فلا، وعلى هذا الشافعي وجماعة، وقال الحنفية: لا تؤخذ منهم عشور في بلادنا إلا إذا أخذوا منا في بلادهم وإلا فلا، ولعل ما تأخذه الحكومة من الوارد إلى بلادنا (وهو الجمارك) من هذا وهل هو يساوي العشر أو لا.\n(^٨) بسند صالح.","vol":"4","page":390},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1005>الغلول حرام </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^٢) ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (^٣).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كَرْكَرَةُ فَمَاتَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ فِي النَّارِفَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا» (^٤). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا وَرِقًا إِلا الثِّيَابَ وَالْمَتَاعَ وَالْأَمْوَالَ (^٥) فَتَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ وَادِي الْقُرَى وَقَدْ أُهْدِيَ لَهُ عَبْدٌ أَسْوَدُ يُسَمَّى مِدْعَمًا (^٦) فَبَيْنَمَا هُوَ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَصَابَهَ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كَلا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْغَنَائِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا» (^٧) فَلَمَّا سَمِعُوا ذلِكَ جَاءَ رَجُلٌ بِشَراكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ» (^٨). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ (^٩).\nوَمَاتَ رَجُلٌ يَومَ خَيْبَرَ مِنَ الْأَصْحَابِ فَبَلَغَ النَّبِي ﷺ فَقَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النَّاسِ» فَقَالَ: «إِنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيله اللَّهِ»، فَفَتَّشُوا مَتَاعَهُ فَوَجَدُوا خَرَزًا مِنْ خَرَزِ يَهُودَ لَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ (^١٠).\n_________\nالغلول حرام\n(^١) الغلول: هو الخيانة في الغنيمة.\n(^٢) يحمله على رقبته وعلى ظهره فضيحة له، قال تعالى: ﴿وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم﴾.\n(^٣) بنقص حسنة ولا بزيادة سيئة.\n(^٤) الثقل كسبب متاع المسافر. قد غلها: سرقها من الغنيمة.\n(^٥) كالمواشي والعقار والنخيل والأراضي.\n(^٦) أهداه له رفاعة بن زيد.\n(^٧) كان سرق شملة من الغانم قبل قسمتها.\n(^٨) أي إن بقيا عندي كانا نارا عليّ يوم القيامة.\n(^٩) ولكن أبو داود هنا والبخاري في خيبر ومسلم في الإيمان.\n(^١٠) الخرز كمرض: عقد من جوهر ولؤلؤ ونحوهما.","vol":"4","page":391},{"text":"• عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ سَاعِيًا ثُمَّ قَالَ: «انْطَلِقْ أَبَا مَسْعُودٍ لَا أُلْفِيَنَّكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَجِيءُ وَعَلَى ظَهْرِكَ بَعِيرٌ مِنَ الصَّدَقَةِ لَهُ رُغَاءٌ قَدْ غَلَلْتَهُ» قَالَ: إِذًا لَا أَنْطَلِقُ قَالَ: «إِذًا لَا أُكْرهُكَ» (^١). رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^٢).\nوَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فُلَانًا قَدِ اسْتُشْهِدَ قَالَ: «كَلا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ بِعَبَاءَةٍ قَدْ غَلَّهَا» ثُمَّ قَالَ: «قُمْ يَا عُمَرُ فَنَادِ إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا الْمُؤْمِنُونَ ثَلَاثًا» (^٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1006>عقوبة الغال </span>(^٥)\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَجَدْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ فَأَحْرِقُوا مَتَاعَهُ وَاضْرِبُوهُ» قَالَ: فَوَجَدْنَا فِي مَتَاعِهِ مُصْحَفًا فَسَأَلْنَا سَالِمًا عَنْهُ فَقَالَ: «بِعْهُ وَتَصَدَّقْ بِثَمَنِهِ» (^٦) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٧).\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ حَرَّقُوا مَتَاعَ الْغَالِّ وَضَرَبُوهُ (^٨). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n_________\n(^١) سبق مثل هذا طويلا في الرشوة من كتاب الإمارة.\n(^٢) بسندين صالحين. ولأبي داود: من كتم غالا فإنه مثله أي من ستر على الغال فإنه كإثمه.\n(^٣) الذين لم يغلوا، وثلاثا معمول لناد أي ناد بها ثلاثا.\n(^٤) أي في الإيمان، وفي رواية: من فارق الروح منه الجسد وهو بريء من ثلاث: الكنز، وفي رواية: الكبر، والغلول، والدين. دخل الجنة، والله أعلم.\n\nعقوبة الغال\n(^٥) أي في الدنيا وفي الآخرة النار نعوذ بالله منها.\n(^٦) في متاعه أي رجل قد غل فيحرق متاعه كله إلا الحيوان والمصحف، وعلى هذا جماعة ويضرب إن كان من أهل ذلك وإلا أنب بما يراه الأمير بل ولا سهم له.\n(^٧) بسند غريب.\n(^٨) سئل البخاري عن هذا فقال إنه منكر، وروى في غير حديث أن النبي - ﷺ - رفع إليه الغال فلم يأمر فيه بتحريق ولا ضرب ومنه الأحاديث السالفة في باب الغلول، فيكون حكمه أخذ ما غله وتأديبه بما يراه فيه الإمام والله أعلم.","vol":"4","page":392},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1007>الأسرى </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ (^٢) ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ﴾ (^٣) ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ» (^٤). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْلًا (^٥) قِبَلَ نَجْدٍ فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامةَ بْنُ أُثَالٍ سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ (^٦) فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ» (^٧)؟ فَقَالَ: عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ (^٨) وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ فَتَرَكَهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الغَدِ فَقَالَ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟» قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَانَ مِنَ الْغَدِ فَقَالَ «مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ» فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ وَإِنْ كُنْتَ\n_________\nالأسرى\n(^١) أي ما ورد في الأسرى جمع أسير كقتلى وقتيل ويقال أساري كسكارى وهو ما أسر من المحاربين.\n(^٢) إيمانًا وإخلاصًا.\n(^٣) من الفداء بأن يضعفه لكم في الدنيا ويثيبكم عليه في الآخرة.\n(^٤) أي وكانوا في الدنيا في السلاسل حتى دخلوا في الإسلام وهم الأسرى الذين يسلمون أو المراد أسرى المسلمين في أيدي الكفار حتى يموتوا أو يقتلوا، وفي رواية: عجب الله من قوم يساقون إلى الجنة في السلاسل لأن الجنة سلعة غالية يتسابق العقلاء إليها بأرواحهم فكيف لهؤلاء يساقون لها في السلاسل.\n(^٥) أي فرسانا.\n(^٦) عمود من أعمدته لأنه لم يكن في زمنه ﷺ ولا أبي بكر ولا عمرو عثمان سجن بل أحدثه عليّ ﵃، واليمامة: بلد من عروض البين وقيل من بادية الحجاز.\n(^٧) ما تظن أن أفعله بك.\n(^٨) أظن فيك الخير يا محمد فإنك لا تقتل إلا من يستحق القتل ولا تنعم إلا على من يشكرك وإن ترد المال فاطلب منه ما تشاء. وهذا كلام عظيم يدل على عظم قائله ولا شك فكلام الملوك ملك الكلام.","vol":"4","page":393},{"text":"تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَطْلِقُوا ثَمَامَةَ» فَذَهَبَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلهَ إِلا اللَّهَ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ. وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ (^١). وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ. وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ (^٢) وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: أَصَبَوْتَ (^٣) قَالَ: لَا، وَلكِنِّي أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّة حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فُكُّوا الْعَانِيَ (^٤) وَأَجِيبُوا الدَّاعِيَ (^٥) وَأَطْعِمُوا الْجَائِعَ (^٦) وَعُودُوا الْمَرِيضَ» (^٧). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ جَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا (^٨) فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذلِكَ وَرَدَّ الْبَيْعَ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٩).\n_________\n(^١) فلما كان ثمامة كافرًا كان النبيّ - ﷺ - ودينه وبلده أبغض شيء عنده فلما أسلم صار النبي - ﷺ - ودينه وبلده أحب شيء إليه، وهذا دليل على أنه اسم خالصًا لله تعالى.\n(^٢) بالخبر العظيم والمكان الرفيع عند الله تعالى على إسلامه وهداية قومه به لأنه سيدهم.\n(^٣) أي خرجت من دينك وكانوا يسمون من أسلم صابئًا مع أنه علم على جماعة من الكفار تعبد الكواكب.\n(^٤) العاني أي الخاضع الذليل وهم الأسير وجمعه عناة كغزاة ومنه الزوجة عانية لأنها خاضعة لزوجها. وفكاك الأسير واجب على الكفاية، وقال ابن إسحاق: من بيت المال.\n(^٥) إلى الولية أو إلى شفاعة أو استغاثة.\n(^٦) نديا، ووجوبا إن كان مضطرا.\n(^٧) ندبا إن كان مسلما وإلا جوازا.\n(^٨) فرق بينهما بيع أحدهما فأبطله النبي - ﷺ -، وهذا في ولد صغير بخلاف من صار يمنع نفسه من المضار.\n(^٩) بسند حسن ولفظه: من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة والله أعلم.","vol":"4","page":394},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1008>للأمير المن والفداء والقتل </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (^٢).\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ هَبَطَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: خَيِّرْ أَصْحَابَكَ فِي أُسارَى بَدْرٍ: الْقَتْلَ أَوِ الْفِدَاءَ عَلَى أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ قابِلَ مِثْلُهُمْ قَالُوا: الْفِدَاءَ وَيُقْتَلُ مِنَّا» (^٣). عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَدَى رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (^٤). رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ فِدَاءَ أَهلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعَمِائَةٍ (^٦). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٧).\n\n• عَنْ مَرْوَانَ ﵁ قَالَ: جَاءَ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ (^٨) إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ (^٩) فَقَالَ لَهُمْ: «أَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ وَقَدْ كنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ» (^١٠) فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ انْتَظَرَ\n_________\nللأمير المن والفداء والقتل\n(^١) فإذا انتهت الحرب وأسر الكفار فللأمير أن يفعل ما فيه المصلحة للمسلمين من: إطلاق سراح الكفار من غير شيء، أو على أخذ الفداء منهم، أو قتلهم للآية الآتية ولما يأتي من المن على هوازن وفداء أسرى بدر وقتل بني قريظة.\n(^٢) أول الآية ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب﴾ اضربوا رقابهم أي اقتلوهم ﴿حتى إذا أثخنتموهم﴾ أكثرتم من قتلهم ﴿فشدوا الوثاق﴾ أوثقوا الأسرى ﴿فإما منا بعد﴾ فلكم أن تمنوا عليهم بعد هذا بإطلاقهم من غير شيء ﴿وإما فداء﴾ ولكم أن تفادوهم بمال أو أسرى مسلمين.\n(^٣) وتخييرهم لا ينافي مشورتهم السابقة في سورة الأنفال، فإن المراد أخذ رأي الأصحاب وكان النبي - ﷺ - يكثر من مشورتهم لقوله تعالى ﴿وشاورهم في الأمر﴾.\n(^٤) أخذ أسيرين مسلمين من المشركين وأعطاهم أسيرا كان عنده.\n(^٥) الأول بسند حسن والثاني بسند صحيح.\n(^٦) فالفداء الذي ضربه النبي - ﷺ - يوم بدر على كل واحد من أسرى المشركين أربعمائة درهم وهو يساوي ألفًا ومائتي قرش مصري.\n(^٧) بسند موثق.\n(^٨) هوازن ومعهم بنو نصر وقبائل أخرى هم الذين كانوا يقاتلون في غزوة حنين بين عرفة والطائف بعد فتح مكة.\n(^٩) وكانت الغنائم في حنين من أنواع الأموال والسبايا أكثر من أن تحصى.\n(^١٠) تأنّيت لعلهم يرجعون.","vol":"4","page":395},{"text":"آخِرَهُمْ بِضْعَ عَشَرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ (^١) قَالُوا: إِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا (^٢) فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هؤُلَاءِ قَدْ جَاؤُوا تَائِبِينَ (^٣) وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ مَنْ أَجَبَّ أَنْ يُطَيِّبَ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَجَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهِ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ» فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذلِكَ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ (^٤) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ» فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا (^٥). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1009>إذا أسلم الرقيق لا يرد </span>(^٦)\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَبْدَانٌ (^٧) إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ الصُّلْحِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَوَالِيهِمْ وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ مَا خَرَجُوا إِلَيْكَ رَغْبَةً فِي دِينِكَ وَإِنَّمَا خَرَجُوا هَرَبًا مِنَ الرِّقِّ فَقَالَ نَاسٌ: صَدَقُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ رُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: «مَا أُرَاكُمْ (^٨) تَنْتَهُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهَ عَلَيْكُمْ مَنْ يَضْرِبُ رِقَابَكُمْ عَلَى هذَا»، وَأَبى أَنْ يَرُدَّهُمْ وَقَالَ: «هُمْ عُتَقَاءُ اللَّهِ ﷿» (^٩). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^١٠).\n_________\n(^١) رجع منه.\n(^٢) المسبى من الرجال والنساء.\n(^٣) من الشرك ومسلمين منقادين.\n(^٤) سمحنا رد سبيهم عليهم.\n(^٥) فردوا سبيهم لهم لأنهم اعتنقوا الإسلام. وأما الأموال والغنائم قسمت بين المجاهدين من قريش والمؤلفة قلوبهم دون الأنصار كما سبق.\n\nإذا أسلم الرقيق لا يرد\n(^٦) الرقيق الذي جاء من دار الحرب للمسلمين.\n(^٧) أي أرقاء.\n(^٨) ما أراكم بضم الهمزة أي ما أظنكم وبفتحها أي ما أعلمكم.\n(^٩) فبخروجهم من دار الحرب ودخولهم في الإسلام صاروا أحرارا لا يجوز ردهم إلى مواليهم وإلا كان حلا على الكفر.\n(^١٠) بسند صحيح.","vol":"4","page":396},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1010>إباحة الطعام في أرض العدو </span>(^١)\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ قَالَ أَصَبْتُ جِرَابًا مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ فَالْتَزَمْتُهُ فَقُلْتُ: لَا أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هذَا شَيْئًا قَالَ: فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَبَسِّمًا (^٢) رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ (^٣) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ فَنَأْكُلُ وَلَا نَرْفَعُهُ (^٤). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ جَيْشًا غَنِمُوا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا وَعَسَلًا فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمُ الْخُمُسَ (^٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦).\n\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَمُرُّ بِقَوْمٍ فَلَا هُمْ يُضَيِّفُونَا وَلَا يُؤَدُّونَ مَا لَنَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِّ (^٧) وَلَا نَأْخُذُ مِنْهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنْ أَبَوْا إِلا أَنْ تَأْخُذُوا كَرْهًا فَخُذُوا» (^٨). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٩).\n\n<span data-type='title' id=toc-1011>هدية المشرك مردودة</span>\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبِلَ هَدِيَّةَ كِسْرَى (^١٠) وَأَنَّ الْملُوكَ أَهْدَوْا إِلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١١).\n\n• عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ أَنَّهُ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ هَدِيَّةً أَوْ نَاقَةً\n_________\nإباحة الطعام في أرض العدو\n(^١) ولا يدخل في القسمة.\n(^٢) فأقره النبي - ﷺ - ولم يأخذه منه.\n(^٣) ولفظه لمسلم.\n(^٤) أي للنبي - ﷺ - لأنه مباح لنا.\n(^٥) فما كان يأخذه المجاهدون من الطعام والفواكه لا يدخل في القسمة.\n(^٦) بسند صالح.\n(^٧) من حق الضيافة ولا نأخذ منهم لا بالثمن ولا كرها.\n(^٨) فإن أبوا الضيافة والبيع بالثمن فخذوا منهم ولو كرها، هذا في حال الضرورة مع مسلمين أو أهل ذمة أو أمان، أما الحربي فأخذ ماله جائز مطلقا بل هو أولى من طلب قتله.\n(^٩) بسند حسن.\n\nهدية المشرك مردودة\n(^١٠) لعله أحد ملوك كسرى التابعين له فإن المشهور أن كسرى نفسه مزق كتاب النبي - ﷺ - وفارس كان لهم شبه كتاب.\n(^١١) بسند صحيح.","vol":"4","page":397},{"text":"فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَسْلَمْتَ»؟ قَالَ: لَا. قَالَ: «فَإِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ» (^١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢) وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1012>يجوز إتلاف مال الكفار </span>(^٣)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَّقَ وَلَهَا يَقُولُ حَسَّان:\nوَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيَ\nحَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ (^٤)\nوَفِيهَا نَزَلَتْ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (^٥). رَوَاهُ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةَ» وَكَانَ بَيْتًا فِي خَثْعَمَ يُسَمَّى كَعْبَةَ الْيَمَانِيَةِ (^٦) فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةٍ مِنْ أَحْمَسَ (^٧) وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ فِي صَدْرِي (^٨) فَقَالَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا»؛ فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا فَكَسَرَهَا وَحَرَّقَهَا (^٩) فَأَرْسَلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُبَشِّرُهُ فَقَالَ رَسُولُ جَرِيرٍ: (^١٠) يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا جِئْتُكَ\n_________\n(^١) زبد كعبد: العطاء والرفد، فالنبي - ﷺ - قبل هدية أهل الكتاب كالنجاشي والمقوقس حينما بعث له النبي - ﷺ - مكتوبًا مع حاطب بن أبي بلتعة فرد عليه بالمكتوب السابق بخلاف المشركين فلم يقبل هديتهم النبي - ﷺ - لئلا يميل قلبه إليهم وليكون حاملا لهم على الإسلام والنهى للكراهة فقط.\n(^٢) بسند صحيح.\n\nيجوز إتلاف مال الكفار\n(^٣) كتابيين أو حربيين إذا قضت الضرورة بذلك في الحرب.\n(^٤) البويرة: بساتين ونخيل\nلبني النضير طائفة من اليهود من بنى لؤى نقضوا عهدهم مع النبي - ﷺ - والمسلمين جاءوا لقتالهم فتحصنوا في حصونهم فحرقوا أموالهم ليخرجوا لهم.\n(^٥) وسبق هذا في تفسير سورة الحشر وسيأتي منه في الغزوات إن شاء الله.\n(^٦) خثعم: قبيلة باليمن كان لها بيت يسمى كعبة اليمانية أي الجهة اليمانية فيه صنم اسمه ذو الخلصة يعبدونه من دون الله تعالى.\n(^٧) أحمس قبيلة جرير المشهورة بالفروسية.\n(^٨) شعرت ببردها على قلبي.\n(^٩) الكعبة اليمانية والصنم الذي فيها.\n(^١٠) وهو حصين بن ربيعة الأحمسي.","vol":"4","page":398},{"text":"حَتَّى تَرَكْتَهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ (^١) فَبَارَكَ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ (^٢).\nرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1013>الصلح والهدنة </span>(^٣)\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: لَمَّا أُحْصِرَ النَّبِي ﷺ عَنِ الْبَيْتِ (^٤) صَالَحَهُ أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا فَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثًا وَلَا يَدْخُلَهَا إِلا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ السَّيْفِ وَقِرَابِهِ (^٥) وَلَا يَخْرُجُ بِأَحَدٍ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهَا وَلَا يَمْنَعُ أَحَدًا يَمْكُثُ بِهَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ قَالَ (^٦) لِعَلِيَ: «اكْتُبِ الشَّرْطَ بَيْنَنَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (^٧) هذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» فَقَالَ لَهُ الْمُشْرِكُونَ: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ تَابَعْنَاكَ وَلكِنِ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَمْحَاهَا (^٨) فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَمحَاهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَرِنِي مَكَانَهَا» فَأَرَاهُ مَكَانَهَا فَمَحَاهَا وَكَتَبَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالُوا لِعَلِيَ: هذَا آخِرُ يَوْمٍ مِنْ شَرْطِ صَاحِبِكَ فَمُرْهُ فَلْيَخْرُجْ فَأَخْبَرَهُ بِذلِكَ فَقَالَ: نَعَمْ فَخَرَجَ، رَوَاهُ الثَّلَاثَة.\n\n• عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁ أَنَّهُمُ اصْطَلَحُوا عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهِنَّ النَّاسُ وَعَلَى أَنَّ بَيْنَنَا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً وَأَنَّهُ لَا إِسْلَالَ وَلَا إِغْلَالَ (^٩).\n_________\n(^١) بعد تحريقها وهدمها صارت كالجمل الأجرب الذي زال شعره وجلده فاسود.\n(^٢) دعا لهم بالبَركة خمس مرات جزاء على جهادهم بأمر الرسول - ﷺ -.\n\nالصلح والهدنة\n(^٣) الهدنة كالغرفة: الصلح بين المسلمين وغيرهم إلى أجل.\n(^٤) لما منعه الكفار من دخول مكة هو وأصحابه وكانوا يريدون العمرة اصطلحوا بالحديبية.\n(^٥) بيان لجلبان السلاح.\n(^٦) الرسول - ﷺ -.\n(^٧) وفي رواية: ما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم ولكن اكتب ما نعرف باسمك اللهم.\n(^٨) كلمة رسول الله.\n(^٩) العيبة: وعاء الثياب، ومكفوفة: مربوطة محكمة، ولا إسلال ولا إغلال أي لا سرقة ولا خيانة، بل ولا كلام فيما مضى ولكن قلوب صافية وأمن وسلام تام. وحاصل =","vol":"4","page":399},{"text":"قَالَ جُبَيْرُ نُفَيرٍ ﵁: انْطَلَقْنَا إِلَى ذِي مِخْبَرٍ ﵁ فَسَأَلْنَاهُ عَنِ الْهُدْنَةِ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «سَتُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا وَتَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرَائِكُمْ» (^١). رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1014>المسلم يؤمن من يشاء </span>(^٣)\n\n• عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَتْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» (^٤). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: جَرْتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَحْمَائِي فَقَالَ ﷺ: «قَدْ أَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتِ» (^٥).\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ» (^٦). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والبُخَارِيُّ.\n_________\n= الشروط أن يرجع النبي - ﷺ - والمسلمون هذا العام وأن يعودوا للعمرة العام القابل ولا يحملوا إلا جلبان السلاح ولا يأخذوا من تبعهم من أهل مكة ولا يأخذوا من تأخر من المسلمين ولا يمكثوا بمكة إلا ثلاثة أيام واصطلحوا على وضع الحرب بينهم عشر سنين وأن يأمن الناس بعضهم بعضا.\n(^١) وتتفقون معهم على غزو بعض الأعداء، فيه أن الصلح جائز بل ومشروع بين الأفراد والجماعات منعًا للنزاع وحقنًا للدماء وسبق منه في كتاب الإمارة.\n(^٢) بسندين صالحين.\n\nالمسلم يؤمن من يشاء\n(^٣) فلكل مسلم ولو أنثى أن يعطى الأمان لأي حربي.\n(^٤) فأم هانئ واسمها فاختة شقيقة عليّ ﵄ أمنت جعدة بن زوجها هبيرة بن أبي وهب المخزومى فأراد عليّ أن يقتله فأخبرت النبي - ﷺ - بهذا فقال: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ، أجرنا من الجوار بالكسر بمعنى الإجارة من القتل.\n(^٥) الأحماء: جمع حمو وهو قريب الزوج.\n(^٦) فعهدهم واحد يعطيه أي شخص مسلم لأيّ إنسان أسلم ويحرم قتله بعد هذا؛ وعليه الجمهور والأئمة الأربعة، وللإمام أحمد: المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم.","vol":"4","page":400},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1015>الرسل لا تُقتل </span>(^١)\n\n• عَنْ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِرَسُولَيْ مُسَيْلَمَةَ (^٢) حِينَ قَرَأَ كِتَابَهُ: «مَا تَقُولَانِ أَنْتُمَا؟» قَالَا: نَقُولُ كَمَا قَالَ قَالَ: «أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا» (^٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵄.\n\n<span data-type='title' id=toc-1016>الجاسوس يقتل </span>(^٤)\n\n• عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ (^٥) مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ فَجَلَسَ مَعَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ ثُمَّ انْفَتَلَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اطْلُبُوهُ فَاقْتُلُوهُ» قَالَ: فَقَتَلْتُهُ فَنَفَّلَنِي سَلَبَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ فُرَاتِ بْنِ حَيَّانَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهِ (^٦) وَكَانَ عَيْنًا لِأَبِي سُفْيَانَ وَكَانَ حَلِيفًا لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَمَرَّ بِحَلْقَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ إِنِّي مُسْلِمٌ، فَقَالَ:\n_________\nالرسل لا تُقتل\n(^١) الرسل: جمع رسول، والمراد به هنا رسول الكفار الذي يرسلونه بكلام أو كتاب الإمام المسلمين.\n(^٢) اللذين جاءا بكتابه للنبي - ﷺ - وهما ابن النواحة ورفيقه.\n(^٣) لأن اعترافهما بما يقول مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة كفر في حضرة النبي - ﷺ -، ومنعه من قتلهما أنهما رسولان وقتل الرسول حرام لأنه غندر، وسيأتي الكلام على من ادعى النبوة في كتاب الفتن، وفي أبي داود: أن عبد الله لقي ابن النواحة بعد هذا في السوق فذكر الحديث وقال له: أنت الآن لست برسول فأمر قرظة بن كعب فضرب عنقه فهلك على كفره.\n\nالجاسوس يقتل\n(^٤) الجاسوس هو من يرسله الكفار سرًا يتجسس على المسلمين ويتعرف أمورهم ويبلغها للكفار.\n(^٥) عينٌ فاعل أني فجلس أي ذلك العين ثم انصرف فأمر بقتله فقتله سلمة وأخذ سلبه، وسمي الجاسوس عينًا لأن عمله بعينه.\n(^٦) ولفظ الإمام أحمد: إن النبي - ﷺ - أمر بقتله وكان ذميا.","vol":"4","page":401},{"text":"«إِنَّ مِنْكُمْ رِجَالًا لَا نَكِلُهُمْ إِلَى إِيمَانِهِمْ مِنْهُمْ فُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ» (^١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1017>بعث العيون مطلوب </span>(^٢)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بُسَيْسَةَ عَيْنًا يَنْظُرُ مَا صَنَعَتْ عِيرُ أَبِي سُفْيَانَ (^٣) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: «مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟» فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، قَالَهَا ثَلَاثًا وَيُجِيبُهُ الزُّبَيْرُ (^٥)، ثُمَّ قَالَ ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيَ حَوَارِيَّ وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1018>إخراج الكفار من جزيرة العرب</span>\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَبَ دَمْعُهُ الْحَصْبَاءَ (^٦) فَقَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعْهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَقَالَ: ائْتُونِي بِكِتَابٍ (^٧) أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، فَتَنَازَعُوا وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ (^٨)، فَقَالُوا: هَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^٩)، قَالَ: دَعُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ (^١٠).\n_________\n(^١) إلا إذا شهد له مسلم، فلما تبين أنه حليف لأحد الأنصار وشهد بعضهم بإسلامه تركوه فحسن إسلامه بعد هذا وهاجر إلى المدينة وغزا مع النبي - ﷺ - إلى أن قبض، فيها أن الجاسوس يقتل ولو ذميا أو معاهدا، وقال بعضهم: تزول ذمته وعهده. والله أعلم.\n\nبعث العيون مطلوب\n(^٢) فعلى الأمير أن يرسل عينًا واحدا أو أكثر إلى الكفار ليتعرف أمورهم ويأتي بأخبارهم.\n(^٣) العير قافلة التجارة قال تعالى: ﴿ولما فصلت العير﴾ وبسيسة بالتصغير ابن عمرو أو ابن بشر.\n(^٤) بسند صالح.\n(^٥) ففيهما طلب بعث العين للوقوف على أحوال الكفار وسبق هذا في فضل الزبير ﵁.\n\nإخراج الكفار من جزيرة العرب\n(^٦) وفي رواية: حتى بلّ دمعه الحصى. مبالغة في كثرة بكائه.\n(^٧) وفي رواية. بكتف.\n(^٨) وفي رواية: فاختلفوا وكثر اللغط فقال النبي - ﷺ -: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع.\n(^٩) أي هذي في كلامه.\n(^١٠) الذي أنا فيه: هو المراقبة والتأهب للقاء الله تعالى خير من أمركم.","vol":"4","page":402},{"text":"وَأَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ، وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ (^١). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بيْنَما نَحْنُ في المَسْجِدِ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فقالَ: انْطَلِقُوا إلى يَهُودَ فَخَرَجْنا معهُ حتَّى جِئْنا بَيْتَ المِدْراسِ (^٢)، فَقَالَ: أسْلِمُوا تَسْلَمُوا فقالوا: واعْلَمُوا أنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ ورَسولِهِ وإنِّي أُرِيدُ أنْ أُجْلِيَكُمْ مِن هذِهِ الْأَرْضَ فمَن يَجَدَ مِنكُم بِمَالِهِ شيئًا فَلْيَبِعْهُ (^٣) وإلَّا فاعْلَمُوا أنَّ الأرْضُ لِلَّهِ ورَسولِهِ (^٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لأُخْرِجَنَّ اليهودَ والنَّصَارَى مِن جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا (^٥). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا الْبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) هي لا تتخذوا قبري وثنا، أو هي بعث أسامة بن زيد وسبق هذا في الفضائل.\n(^٢) العالم الذي يدرس لهم أو البيت الذي يدرسون فيه.\n(^٣) بما له أي بدل ماله شيئًا فليبعه.\n(^٤) أي قضت حكمته أن يورثها للمسلمين ففارقوها بسلام وإلا فالحسام، وهؤلاء اليهود بقايا تأخروا بالمدينة بعد إجلاء بني قينقاع وقريظة والنضير وكل يهود المدينة وتوابعهما.\n(^٥) وفي رواية: إن عشت إن شاء الله لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، ولأبي داود والترمذي: لا تكون قبلتان في بلد واحد أي لا ينبغي إبقاء دينين في الجزيرة بل الواجب أن تكون كلها إسلاما ولم يتمكن أبو بكر من إخراج الكفار لقصر مدته واشتغاله بحرب المرتدين ولكن أخرجهم عمر ﵃، سئل المغيرة بن عبد الرحمن عن جزيرة العرب فقال مكة والمدينة واليمين واليامة رواه البخاري، وقال سعيد بن عبد العزيز: جزيرة العرب ما بين وادي القرى إلى أقصى اليمن إلى تخوم العراق إلى البحر وسبق في فضل العرب والحجاز أوسع من هذا وحكمة قصر دينها على الإسلام نسأل الله الموت على الإسلام آمين.","vol":"4","page":403},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1019>اضطهاد المشركين للنبي ﷺ</span>\n• عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعَبَةِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالْأَمْسِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلَا جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ (^١) فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ (^٢) فَأَخَذَهُ فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ لَوْ كَانَتْ مَنَعَةٌ لَطَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ (^٣) فَانْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ فَجَاءَتْ وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ ثمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ (^٤) فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ، وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا سَمِعُوهُ ذَهَبَ عَنْهُمُ الضَّحِكُ وَخَافُوا دَعْوَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ» وَذَكَرَ السَّابِعَ (^٥) وَلَمْ أَحْفَظْهُ فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ\nبِالْحَقِّ (^٦) لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ (^٧) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ أَشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ\n_________\nاضطهاد المشركين للنبي - ﷺ -\n(^١) الجزور الناقة، والسلا بالفتح والقصر ثقافة الجنين، وتسمى في الآدميات مشيمة.\n(^٢) هو عقبة بن أبي معيط الذي قتله النبي - ﷺ - صبرا بعد رجوعه من بدر والقتل صبرا أن يوثق ثم يقتل.\n(^٣) المنعة بفتحات: العزة والقوة.\n(^٤) جويرية تصغير جارية أي شابة.\n(^٥) السابع هو عمارة بن الوليد.\n(^٦) هذا كلام الراوي وهو ابن مسعود ﵁.\n(^٧) صرعى جمع صريع كقتلى وقتيل وزنًا ومعنى، وقليب بدر: بئر قديمة هناك. فالذين دعا عليهم النبي - ﷺ - قتلوا يوم بدر وجرت أجسامهم على الأرض حتى ألقوا في البئر خاسرين دنياهم وأخراهم.","vol":"4","page":404},{"text":"الْمُشْرِكُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي حِجْرِ الْكَعْبَةِ (^١) إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَرَفَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ: «أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ» الْآيَةَ (^٢). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ فَقَالَ: «لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ (^٣) وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ (^٤) إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَا لِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ (^٥) فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ (^٦) فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ (^٧) وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ (^٨) لِتأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُم قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ فَمَا شِئْتَ (^٩) إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ (^١٠)»، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ\n_________\n(^١) في حجر إسماعيل بجوار الكعبة المشرفة.\n(^٢) سبق هذا الحديث في تفسير سورة المؤمن.\n(^٣) أي إيذاء كثيرا.\n(^٤) يوم وقف على العقبة بمنى ودعا الناس للإسلام فما أجابوه بل وآذوه فصار يومًا معروفا بيوم العقبة.\n(^٥) ياليل: صنم الثقيف بالطائف، والذي كلمه النبي - ﷺ - هو عبد ياليل أخو عبد كلال وهم أشراف ثقيف بالطائف فأبوا.\n(^٦) ويسمى قرن المنازل وهو ميقات أهل نجد على يوم وليلة من مكة، والقرن: الجبل الصغير المنفصل من الكبير.\n(^٧) الذين ذهبت لهم.\n(^٨) الموكل بأمر الجبال.\n(^٩) أي مرني بما تشاء.\n(^١٠) الأخشبان: جبلان بمكة أبو قبيس وما قابله، فالنبي - ﷺ - في سنة عشر من المبعث في شوال بعد موت أبي طالب وخديجة ﵄ اشتد عليه وعلى المسلمين أذى الكفار فهاجر من هاجر وبقى النبي - ﷺ - والمستضعفون فذهب لبني ثقيف بالطائف فعرض عليهم الإسلام رجاء أن يسلموا فيعاونوه على الكفار وعلى تبليغ رسالة ربه فأبوا بل وهزأوا به، ولما انصرف عائدا إلى مكة أغروا به عبيدهم وسفهاءهم وانتظروه في مضيق في الطريق وأوقعوا =","vol":"4","page":405},{"text":"أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1020>الباب السابع في الغزوات</span>\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ (^٢) وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُمَائَةٍ (^٣) وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: لَقِيتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ﵄ فَقُلْتُ لَهُ: كَمْ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: تِسْعَ عَشْرَةَ، فَقُلْتُ: كَمْ غَزَوْتَ مَعَهُ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ، فَقُلْتُ: فَمَا أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا؟ قَالَ: ذَاتُ الْعُسَيْرِ أَوِ الْعُشَيْرِ (^٦). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n= به كل أذية حتى سالت الدماء من جسمه - ﷺ - ثم تركوه ورجعوا ولم يكن معه إلا مولاه زيد بن حارثة فلما وصل النبي - ﷺ - إلى قرن الثعالب نزل عليه جبريل ومعه ملك الجبال فسلم على النبي - ﷺ - ثم قال له: إن الله بعثني إليك للانتقام من هؤلاء الذي آذوك فإن شئت أن أطبق عليهم الجبلين فعلت، فأطرق النبي - ﷺ - رأسه ثم قال: لا، بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده، فقال له الملك: أنت كما سماك ربك رءوف رحيم، وسبق في تفسير الحجرات والمنافقين بعض ما أصاب النبي - ﷺ - من المنافقين.\n(^١) ولكن مسلم هنا والبخاري في بدء الخلق.\n\nالباب السابع في الغزوات\n(^٢) فخير الرفقة في السفر أربعة لأنه لا يتم الأمن والأنس والمعاونة إلا بأربعة وإن كفي ثلاثة لما سبق والثلاثة ركب.\n(^٣) السرايا: جمع سرية وهي قطعة من الجيش تخرج فتغير على العدو وترجع، وخيرها من ثلاثمائة وبضعة عشر كعدة أهل بدر إلى أربعمائة إلى خمسمائة، سميت بهذا لأنها تسرى خفية.\n(^٤) بل إن غلبوا فلأمر آخر كالعجب بالكثرة، وزاد العسكري: وخير الطلائع أربعون، جمع طليعة وهي ما تسبق الجيش لتخبر أمر العدو.\n(^٥) بسند حسن.\n(^٦) لكن المعروف فيها العشيرة وهي ثالثة الغزوات لرواية البخاري: أول ما عزا النبي - ﷺ - الأبواء: وتسمى ودان على ثلاثة وعشرين ميلا من الجحفة، ثم بواط: جبل من جبال جهينة بقرب ينبع، ثم العشيرة: قرية من بطن ينبع، وكانت الغزوة الأولى في صفر على رأس اثني عشر شهرا من الهجرة، والثانية في ربيع الأول، والثالثة في جمادى الأولى وكلهن في السنة الثانية من الهجرة ولم يقع في الثلاث حرب.","vol":"4","page":406},{"text":"وَقَالَ بُرَيْدَةُ ﵁: غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً قَاتَلَ فِي ثَمَانٍ مِنْهُنَّ (^١) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1021>غزوة بدر </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ الْقِبْلَةَ وَمَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ (^٣) «اللَّهُمَّ انْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلكْ هذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تَعْبَدْ فِي الْأَرْضِ»، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ (^٤) وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَفَاكَ منَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (^٥)﴾. فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالمَلَائِكَةِ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ مَشْهَدًا لَأَنْ أَكُونَ صَاحِبَهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ (^٧) أَتَى النَّبِيَّ ﷺ (^٨) وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: «لَا نَقُولُ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسى\n_________\n(^١) وقيل في تسع منهن والله أعلم.\n\nغزوة بدر\n(^٢) بدر: قرية في نصف الطريق بين مكة والمدينة وهي أقرب للمدينة، سميت باسم بئر هناك لرجل من جهينة اسمه بدر، أو نسبت إلى بدر بن النضر بن كنانة الذي نزلها، وقال الواقدي: كان شيوخ غفار يقولون بدر ماؤنا ومنزلنا وما ملكه أحد قبلنا.\n(^٣) بدعوه ويستغيث به بالكلمات الآتية ونحوها.\n(^٤) ضمه إلى صدره.\n(^٥) يردف بعضهم بعضا.\n(^٦) سبق للترمذي ومسلم في سورة الأنفال وللبخاري في اقتربت الساعة.\n(^٧) من كل ثمين يوزن.\n(^٨) أتى، أي المقداد فقال أي المقداد بن الأسود.","vol":"4","page":407},{"text":"اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا وَلكِنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ وَبَيْنَ يَدَيْكَ وَخَلْفَكَ»، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَشْرَقَ وَجْهُهُ وَسَرَّهُ قَوْلُهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: اسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْكَعْبَةَ فَدَعَا عَلَى نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى شَيْبَةَ وَعُتْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ وَأَبِي جَهْلٍ فَأَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى قَدْ غَيَّرَتْهُمُ الشَّمْسُ وَكَانَ يَوْمًا حَارًّا (^١). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَاوَرَ (^٢) حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ: إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا (^٣) وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا (^٤) فَنَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا وَوَرَدَتْ عَلَيْهِمْ رَوَايَا قُرَيْشٍ (^٥) فِيهِمْ غُلَامٌ أَسْوَدُ لِبَنِي الْحَجَّاجِ فَأَخَذَهُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانُوا يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ فَيَقُولُ: مَا لِي عِلْمٌ بِأَبِي سُفْيَانَ وَلكِنْ هذَا أَبُو جَهْلٍ وَعُتْبَةُ وَشَيْبَةُ وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ فَإِذَا قَالَ ذلِكَ ضَرَبُوهُ فَقَالَ: نَعَمْ أَنَا أُخْبِرُكُمْ هذَا أَبُو سُفْيَانَ فَإِذَا تَرَكُوهُ فَسَأَلُوهُ قَالَ: مَا لِي عِلْمٌ بِهِ وَلكِنْ هذَا أَبُو جَهْلٍ وَعُتْبَةُ وَشَيْبَةُ وَأُميَّةُ فِي النَّاسِ فَإِذَا قَالَ هذَا أَيْضًا\n_________\n(^١) حتى صارت أجسامهم جيفا ذات نتن شديد.\n(^٢) أي مع أصحابه لما بلغه إقبال أبي سفيان من الشام بتجارة قريش هل يخرج لملاقاته أو لا، وقصده اختبار الأنصار لأنهم بايعوه على أن يحفظوه فقط ولم يبايعوه على قتال العدو؛ فسمع منهم السمع والطاعة في كل ما يريد من كلام المقداد السالف ومن كلام سعد هنا؛ ففرح النبي - ﷺ - وقوي عزمه وخرج ناشطًا لهم فانتصر عليهم والحمد لله.\n(^٣) لو أمرتنا أن نخوض بخيلنا البحار لأجبناك.\n(^٤) برك الغماد: موضع أو هو أقصى معمور الأرض، وضرب الأكباد كناية عن ركض الدابة برجليه اللتين تكونان على أكبادها، وهذا مبالغة في السمع والطاعة ولو أمرهم بقتال أهل الأرض كلهم.\n(^٥) جمع راوية وهي الراحلة التي تحمل الماء.","vol":"4","page":408},{"text":"ضَرَبُوهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي فَلَمَّا رَأَى ذلِكَ انْصَرَفَ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَضْرِبُوهُ إِذَا صَدَقَكُمْ (^١) وَتَتْرُكُوهُ إِذَا كَذَبَكُمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ (^٢)» وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ ههُنَا وَههُنَا قَالَ: فَمَا مَاطَ أَحَدُهُمْ عَنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ أَقْدِمْ حَيْزُومُ (^٣) فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ فَاخْضَرَّ ذلِكَ أَجْمَعَ (^٤) فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ»، فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ (^٥). رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ (^٦) فَقُذِفُوا فِي طَوِيَ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخَبَّثٍ (^٧) وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا\n_________\n(^١) في نسخة لتضربونه.\n(^٢) أي موضع قتله، فما تجاوز أحد منهم موضعه الذي أشار له النبي - ﷺ -.\n(^٣) حيزوم: اسم لفرس الملك الذي ضرب الكافر بالسوط، وفي الزمخشري: لما حل ميعاد ذهاب موسى إلى الطور أتاه جبريل على حيزوم - فرس الحياة - ليذهب به إلى الطور؛ فأبصره السامري لا يضع حافره على شيء إلا أخضر فقال: إن لهذا شأنا، فقبض قبضة من تربة موطئه فألقاها على الحلى المسبوكة فصارت عجلا جسدا له خوار.\n(^٤) ظهر أثر السوط على أنفه ووجهه كخط أخضر.\n(^٥) قتل من الكفار يوم بدر سبعون وأسر منهم سبعون منهم العباس وصهر النبي - ﷺ - فشاور النبي - ﷺ - الأسحاب في الأسرى فأشار عمر بقتلهم وأشار أبو بكر بأخذ الفداء منهم فعمل النبي - ﷺ - برأيه وأخذوا الفداء أربعمائة درهم عن كل أسير وعاتبه الله على ذلك كما سبق في سورة الأنفال.\n(^٦) من عظمائهم الذين قتلوا فيها.\n(^٧) الطوى: البئر المبنية بالحجارة، فالنبي - ﷺ - أمر بطرح هؤلاء في تلك البئر الخبيثة كان حفرها رجل من بني النجار فصارت قبرا لشر الكفار وأمر بطرح باقي السبعين في أماكن أخرى.","vol":"4","page":409},{"text":"رَحْلُهَا ثُمَّ مَشَى وَتِبَعَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا: مَا يَنْطَلِقُ إِلا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ (^١) فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهمْ «يَا فُلانُ ابْنَ فُلَانٍ وَيَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانٍ (^٢) أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا (^٣)» فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا (^٤) فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ (^٥)». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الرُّمَاةِ يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْر فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ أَصَابُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ سَبْعِينَ أَسِيرًا وَسَبْعِينَ قَتِيلًا. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمٌ بَدْرٍ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ (^٦). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1022>فضل أهل بدر وعددهم</span>\n• عَنْ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيِّ ﵁ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرِ فِيكُمْ؟ قَالَ: «مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ» أَوْ كَلِمةً نَحْوَهَا قَالَ: «وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ (^٧)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ أَصْحَابَ بَدْرٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ بِعِدَّةِ أَصْحَابِ طالُوتَ الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهَرَ وَمَا جَاوَزَ مَعَهُ إِلا مُؤْمِنٌ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا (^٨).\n_________\n(^١) على طرف البئر التي فيها جثث الكفار.\n(^٢) رواية أحمد فيها التصريح بأسمائهم.\n(^٣) من الثواب والنصر.\n(^٤) من العذاب.\n(^٥) بل يسمعون مثلكم وقيل أحياهم الله فسمعوا هذا توبيخًا وحسرة وتحزينا.\n(^٦) أي نوب تارة لهؤلاء وتارة لغيرهم.\n\nفضل أهل بدر وعددهم\n(^٧) أي من أفضل الملائكة.\n(^٨) وسبق في تفسير سورة الممتحنة قوله - ﷺ - العمر لما أراد قتل حاطب ولعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة أو فقد غفرت لكم،=","vol":"4","page":410},{"text":"• وَعَنْهُ قَالَ: اسْتُصْغِرْتُ أَنَا وَابْنُ عُمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ (^١) وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَوْمَ بَدْرٍ نَيِّفًا عَلَى سِتِّينَ وَالْأَنْصَارُ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ (^٢). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1023>قتل أبي جهل</span>\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ (^٣)»، فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَدَ (^٤) فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فَقَالَ: أَنتَ أَبُو جَهْلٍ؟ فَقَالَ: وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ (^٥) أَوْ قَالَ قَتَلَهُ قَوْمُهُ، فَلَوْ غَيْرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِي (^٦).\nرَوَاهُ الشَّيْخَانِ. نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ وَكَامِلَ الْيقِينَ آمِين.\n_________\n=وطالوت: هو المذكور في قوله تعالى ﴿وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا﴾ إلى أن قال ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾.\n(^١) فكان النبي - ﷺ - إذا أراد قتالا أمر بأن يعرض عليه من يريد الجهاد فمن وجده صغيرا رده ومن وجده كبيرا يصلح للجهاد بأن بلغ خمس عشرة سنة أمر بخروجه، فلما عرض عليه البراء وابن عمر ردها لصغرهما.\n(^٢) النيف: كالقيم ويخفف ما بين العقدين، وسبق في الحديث الأول أنهم كانوا ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، ولابن سعد: خرج النبي - ﷺ - إلى بدر في ثلاثمائة رجل وخمسة نفر كان المهاجرون منهم أربعة وسبعين وسائرهم من الأنصار تخلف منهم ثمانية لأعذار شرعية وضرب لهم رسول الله - ﷺ - بسهامهم، منهم عثمان تخلف لمرض زوجته رقية بنت النبي - ﷺ -، ولا منافاة فكل أخبر بما فهمه والله أعلم.\n\nقتل أبي جهل\n(^٣) هل مات أولا لأنه كان شر الكفار وأخبثهم.\n(^٤) أي مات، وفي رواية. حتى برك على الأرض مهشما.\n(^٥) أي لا عار عليّ في قتلكم إياي.\n(^٦) أي لو قتلني غير أكار لكان أحب إلى وأعظم لشأني، والأكار: الزارع وكان ابنا عفراء من الأنصار أصحاب زرع ونخيل، وعفراء: اسم أمهما واسمهما معاذ ومعوذ ﵃ وحشرنا معهم آمين.","vol":"4","page":411},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1024>غزوة أحد </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (^٢)﴾ ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (^٣)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: لَقِينَا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَجْلَسَ النَّبِيُّ ﷺ جَيْشًا عَلَى الرُّمَاةِ (^٤) وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ (^٥) وَقَالَ: «لَا تَبْرَحُوا (^٦) إِنْ رَأَيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَلَا تَبْرَحُوا وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا\nفَلَا تُعِينُونَا (^٧)» فَلَمَّا لَقِينَاهُمْ هَرَبُوا حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ (^٨) يَشْتَدِدْنَ فِي الْجَبَلِ يَرْفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ قَدْ بَدَتْ خَلَاخِلهُنَّ فَأَخَذُوا يَقُولُونَ الْغَنِيمَةَ الْغَنِيمَةَ (^٩)، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ: عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ إِلا تَبْرَحُوا فَأَبَوْا فَلَمَّا أَبَوْا صُرِفَ وُجُوهُهُمْ (^١٠)\n_________\nغزوة أحد\n(^١) أحد: بضمتين، جبل بقرب المدينة من جهة الشام كانت فيه الوقعة المشهورة في شوال سنة ثلاث من الهجرة وكان المسلمون سبعمائة أو تسعمائة وفرسان أحدها مع النبي - ﷺ - والآخر مع أبي بردة بن نيار، وكان الكفار ثلاثة آلاف رجل ومعهم مائتا فرس.\n(^٢) ﴿وإذ غدوت من أهلك﴾ من المدينة ﴿تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال﴾ توقفهم في مواقفهم من الميمنة والميسرة والمؤاخرة والقلب والمقدمة ﴿والله سميع عليم﴾.\n(^٣) ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا﴾ وهما بنو سلمة وبنو حارثة جناحا العسكر همتا بالجبن والرجوع لما رجع عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه وقالوا: علام نقتل أبناءنا وأولادنا لو نعلم قتالا لاتبعناكم ﴿والله وليهما﴾ ناصر لهاتين الطائفتين ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾.\n(^٤) أي بالنبل وكانوا خمسين رجلا.\n(^٥) أخا بني عمرو بن عوف أهل قباء.\n(^٦) حتى أرسل إليكم.\n(^٧) إن غلبناهم أو غلبونا فلا تحولوا عن مكانكم.\n(^٨) أي المشركات يسعين في الجبل كاشفات عن أرجلهن فارات مع رجالهن الذين انكسروا.\n(^٩) فلما هزم المشركون صار المسلمون يقولون: خذوا الغنيمة، هلموا إليها.\n(^١٠) لما نصحهم رئيسهم عبد الله أبوا وقالوا: ليس هذا مراد النبي - ﷺ -، وذهبوا يجمعون الغنائم من رحال المشركين ولم يبق من الرماة إلا عبد الله وبضع معه فرأى فرسان المشركين وعلى رأسهم خالد بن الوليد خلو الجبل من الرماة فانقضوا عليهم فقتلوهم وانحلت صفوف المسلمين ودارت رحى الحرب بغير نظام =","vol":"4","page":412},{"text":"فَأُصِيبَ سَبْعُونَ قَتِيلًا، وأَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ (^١) فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ فَقَالَ: «لَا تُجِيبُوهُ (^٢)» فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ قَالَ: «لَا تُجِيبُوهُ» فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ (^٣): إِنَّ هؤُلَاءِ قُتِلُوا فَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لَأَجَابُوا فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ مَا يُخْزِنُكَ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: اعْلُ هُبَلُ (^٤) فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَجِيبُوهُ»، قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ»، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ (^٥) فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَجِيبُوهُ»، قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ (^٦)». قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ (^٧) وَسَتَجِدُونَ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي (^٨).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ عَمَّهُ غَابَ عَنْ بَدْر فَقَالَ: غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٩) لَئِنْ أَشْهَدَنِي اللَّهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ (^١٠) لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَجِدُ. فَجَاهَدَ يَوْمَ أُحُدٍ فَهُزِمَ النَّاسُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ الْمُسْلِمُونَ وَأَبْرأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَتَقَدَّمَ بِسَيْفِهِ فَلَقِيَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فَقَالَ: أَيْنَ يَا سَعْدُ إِنِّي أَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ فَمَضَى فَقُتِلَ فَمَا عُرِفَ حَتَّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِشَامَةٍ أَوْ بِبِنَانِهِ (^١١) وَبِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مِنْ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ (^١٢). رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\n_________\n= حتى كان المسلمون يقتل بعضهم بعضا ولا يشعرون، فقتل من المسلمين سبعون، منهم حمزة سيد الشهداء وللبخاري: قتل من المسلمون يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون في عهد أبي بكر في وقعة مسيلمة الكذاب.\n(^١) وقف على مرتفع.\n(^٢) القائل النبي - ﷺ -.\n(^٣) أبو سفيان لقومه.\n(^٤) زد علوا وأظهر دينك يا هبل (صنم كان بالكعبة).\n(^٥) العزى: اسم صنم لقريش، قال تعالى ﴿أفرأيتم اللات والعزى﴾.\n(^٦) أي ناصرنا ولا سيما في العقبى إن شاء الله وإن كان مولى الخلق كلهم إبداعا وتدبيرا جل شأنه.\n(^٧) أي نوب، نوبة لك ونوبة لنا.\n(^٨) المثلة: كغرفة تشويه القتيل بجدع أنفه وأذنه ونحو ذلك.\n(^٩) وهو غزوة بدر فإنها أول غزوة دار فيها القتال.\n(^١٠) أي قتال المشركين.\n(^١١) الشامة: هي الخال في الخد، والبنان: رءوس الأصابع.\n(^١٢) وهو ممن مثل به المشركون.","vol":"4","page":413},{"text":"• وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي سَبْعَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ (^١) فلَمَّا رَهِقُوهُ (^٢) قَالَ: «مَنْ يَرُدُّهُم عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ أَوْ هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ» فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضًا فَقَالَ كَالْأَوَّلِ فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حتَّى قُتِلَ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِصَاحِبَيْهِ (^٣) «مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: «هذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ عَلَيْهِ أَدَاةُ الْحَرْبِ (^٤)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَمَعَهُ رَجُلَانِ يُقَاتِلَانِ عَنْهُ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ كأَشَدِّ الْقِتَالِ مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلَ وَلَا بَعْدُ (^٥). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: نَثَلَ لِي النَّبيُّ ﷺ كِنَانَتَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي (^٦)».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ مُجَوِّبٌ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ لَهُ (^٧) وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ (^٨) كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً (^٩) وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لِمَنْ يَمُرُّ عَلَيْهِ بِجَعْبَةٍ مِنَ النَّبْلِ: «انْثُرْهَا لِأَبِي طَلْحَةَ» وَيُشْرِفُ النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ (^١٠) فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَا تُشْرِفْ يُصِبْكَ\n_________\n(^١) حين انهزم الناس وقرب الكفار من النبي - ﷺ - ولو لم يكن معه إلا قرشيان وسبعة من الأنصار.\n(^٢) قربوا منه.\n(^٣) أي القرشيين: ما أنصفنا أصحابنا الأنصار حتى تركناهم ينزلون الوغى وحدهم حتى فنوا.\n(^٤) يوم أحد صوابه يوم بدر، وابن عباس يرويه عن أبي بكر ولفظه أن النبي - ﷺ - يوم بدر خفق خفقة ثم انتبه فقال: أبشر يا أبا بكر هذا جبريل ﵇ آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه الغبار.\n(^٥) الرجلان: هما جبريل وميكائيل كانا يحيطان به - ﷺ - في أحد فبقي محفوظا.\n(^٦) نثل لي أي استخرج لي كنانته أي جعبته التي فيها النبل وقال: ارم المشركين مرضيًا عنك.\n(^٧) مجوب أي مترس، وحوط عليه بحجَفة له هي الترس من الجلد يتحفظ به المقاتل.\n(^٨) الجذب في القوس.\n(^٩) من كثرة رميه وشدته.\n(^١٠) يرفع رأسه لينظر المشركين في الوغى.","vol":"4","page":414},{"text":"سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ (^١). رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: جُرِحَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَهُشِمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ فَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَغْسِلُ الدَّمَ وَعَليٌّ ﵁ يَسْكُبُ الْمَاءَ بِالْمِجَنِّ فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَزِيدُ الدَّمَ إِلا كَثْرَةً أَخَذَتْ قِطْعَةَ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا ثُمَّ أَلْصَقتْهُ بِالْجُرْحِ فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ (^٢).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَشُجَّ فِي رَأْسِهِ فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهُ وَيَقُولُ: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ (^٣) وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ (^٤)﴾. رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحْكِي نَبِيَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: «رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^٥)».\n\n• عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ ﵁ قَالَ: دَمِيَتْ إِصْبَعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْمَشَاهِدِ فَقَالَ:\nهَلْ أَنْتِ إِلا إِصْبَعٌ دَمِيتِ … وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ\nرَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ مُسْلِمٌ (^٦).\n\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ (^٧)\n_________\n(^١) أفديك بنفسي.\n(^٢) الحصير الذي كان في زمنهم من سعف أي خوص النخل.\n(^٣) وفي رواية: اشتد غضب الله على قوم فعلوا هذا بنبيهم ويشير إلى رباعيته.\n(^٤) سبق هذان الحديثان أولهما في كتاب الطب وثانيهما في تفسير آل عمران.\n(^٥) اشتد غضب الله على أي رجل يقتله أي رسول أو رسولنا محمد - ﷺ -. والذي قتله النبي - ﷺ - هو أبيّ بن خلف يوم أحد هجم على النبي - ﷺ - فأراد أن يمنعه الأصحاب فقال النبي - ﷺ - دعوه ثم تناول النبي - ﷺ - حربة من الحارث بن الصمة فضربه بها فقضت عليه وهلك.\n(^٦) روى الثاني منها البخاري.\n(^٧) زاد في رواية صلاته على الميت أو دعا لهم بدعاء صلاة الجنازة.","vol":"4","page":415},{"text":"كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ ثُمَّ طَلَعَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: «إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ (^١) وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ (^٢) وَإِنَّ مَوْعِدَكُمْ الْحَوْضُ وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هذَا وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا (^٣) وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا (^٤)». رَوَاهُ الْبَخارِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1025>غزوة الخندق </span>(^٥)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ (^٦)﴾ ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا\nلَّمْ تَرَوْهَا (^٧)﴾ ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (^٨)﴾.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْهُ وَعَرَضَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَهُ (^٩). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ فَإِذَا الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ\n_________\n(^١) أي سابقكم إلى الحوض كالمهيء له لأجلكم. ففيه إشارة إلى قرب وفاته - ﷺ -.\n(^٢) أي بأعمالكم.\n(^٣) أي الإشراك كلكم.\n(^٤) ترغبوا فيها فتهلككم كما أهلكت الراغبين فيها، نسأل الله السلامة منها.\n\nغزوة الخندق وهي الأحزاب\n(^٥) سميت بهذا لأن النبي - ﷺ - لما سمع بتحزب الكفار على قتاله في المدينة استشار أصحابه فيما يصنعه فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق حول المدينة؛ فحفروا الخندق وكانت في شوال سنة أربع من الهجرة وكان عدد الكفار عشرة آلاف وعدد المسلمين ثلاثة آلاف.\n(^٦) هم الكفار الذين اجتمعوا على حرب المسلمين فصنعوا لهم الخندق.\n(^٧) وهم الملائكة.\n(^٨) بعدها ﴿إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم﴾ من أعلى الوادي وأسفله من الشرق والمغرب ﴿وإذ زاغت الأبصار﴾ مالت عن كل شيء إلى العدو من كل جانب. ﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾ أعلى الحلقوم من شدة الخوف ﴿وتظنون بالله الظنونا﴾ المختلفة من النصر وعدمه ﴿هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا﴾ من شدة الخوف إلى أن قال ﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال﴾ بالريح الباردة والملائكة ﴿وكان الله قويا عزيزا﴾.\n(^٩) عرضه أي أمر بعرضه ليسمح له بالجهاد إن كان بالغًا وإلا فلا، وسبق هذا في شروط الصلاة وفي الوصية.","vol":"4","page":416},{"text":"فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ (^١) فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذلِكَ لَهُمْ فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ (^٢) وَالْجُوعِ قَالَ:\nاللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَهْ (^٣) … فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ (^٤)\nفَقَالُوا مُجيبِينَ لَهُ:\nنَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدا … عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ وَلَقَدْ وَارَى التُّرَابُ\nبَيَاضَ بَطْنِهِ (^٥) وَهوَ يَقُولُ:\nوَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا\nفَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا … وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَا قَيْنَا (^٦)\nإِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا … إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا (^٧)\nوَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ أَبَيْنا أَبَيْنَا. رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ فَعَرضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ (^٨) فَجَاؤُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: هذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ فَقَالَ «أَنَا نَازِلٌ (^٩)» ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ وَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا (^١٠) فَتَناوَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِعْوَلَ فَضَرَبَ فَعَادَ كَئِيبًا أَهْيَلَ أَوْ أَهْيَمَ (^١١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ\n_________\n(^١) في يوم شديد البرد.\n(^٢) النصب: التعب.\n(^٣) فلا عيش كامل ودائم إلا عيش الآخرة.\n(^٤) وفي رواية: اللهم لا عيش إلا عيش الآخره … فأكرم الأنصار والمهاجره\n(^٥) ستر التراب صدره الشريف لكثرته.\n(^٦) أي إن التقينا مع الكفار في الجهاد.\n(^٧) إن الألى، وفي رواية: الملا أي الأشراف؛ والمراد أن الكفار بنوا علينا وأبوا عن الإسلام إذا أرادوا فتنة وشركاخالفناهم.\n(^٨) كدية كغرفة: قطعة من الأرض صلبة.\n(^٩) أي إليها.\n(^١٠) شيئًا لا مأكولا ولا مشروبا.\n(^١١) المعول: كمنبر، آلة لحفر الأرض فضربها فصارت كثيبا رملا أهيل أو أهيم أي سائلا.","vol":"4","page":417},{"text":"عَادٌ بِالدَّبُورِ (^١)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ وَأَخَذَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ وَقُرٌّ (^٢) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ قَالَهَا ثَلَاثًا وَنَحْنُ نَسْكُتُ ثُمَّ قَالَ: «قُمْ يَا حُذَيْفَةُ فَأْتِنَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ» فَلَمَّا دَعَانِي بِاسْمِي لَمْ أَجِدْ بُدًّا إِذْ دَعَانِي بِاسْمِي أَنْ أَقُومَ فَقُمْتُ قَالَ: «اذْهَبْ فَأُتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ وَلَا تَذْعَرْهمْ عَلَيَّ (^٣)» فَلَمَّا وَلَّيْتُ مِنْ عِنْدِهِ كَأَنَّمَا أَمْشِي فِي حَمَّامٍ حَتَّى أَتَيْتُهُمْ فَرَأَيْتُ أَبَا سُفْيَانَ يَصْلِي\nظَهْرَهُ بِالنَّارِ (^٤) فَوَضَعْتُ سَهْمًا فِي كَبِدِ الْقَوْسِ (^٥) فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْمِيَهُ فَذَكَرْتُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ «لَا تَذْعَرْهُمْ» وَلَوْ رَمَيْتُهُ لَأَصَبْتُهُ فَرَجَعْتُ وَأَنَا أَمْشِي فِي مِثْلِ الْحَمَّامِ فَلَمَّا أَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ قُرِرْتُ (^٦) فَأَلْبَسَنِي النَّبِيُّ ﷺ مِنْ فَضْلِ عَبَاءَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ يُصَلِّي فِيهَا فَلَمْ أَزَلْ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحْتُ فَقَالَ: «قُمْ يَا نَوْمَانُ (^٧)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1026>غزوة بني النضير وقريظة </span>(^٨)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ اسْمُهُ\n_________\n(^١) فالنبي - ﷺ - يوم الأحزاب نصر بالصبا بالفتح، والقصر: ريح شرقية هبت على الكفار ليلا فكفأت قدورهم ونزعت خيامهم وملأتهم ببرد ورعب شديدين فعادوا خائبين، وهلكت عاد بالدبور كالزبور وهي ريح غربية عقيمة ﴿ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم﴾.\n(^٢) القر بالضم: برد شديد.\n(^٣) لا تفزعهم فيضروك وأنا أحزن عليك.\n(^٤) بدفئه بالنار.\n(^٥) في داخل القوس.\n(^٦) شعرت ببرد شديد.\n(^٧) أي يا نائم، فلما ذهب كأمر النبي - ﷺ - كان في دفء حتى عاد ثم شعر بشدة البرد فغطاه النبي - ﷺ - بعباءته حتى الفجر ﵃ أجمعين وحشرنا في زمرتهم آمين.\n\nغزوة بني النضير وقريظة\n(^٨) بنو النضير: قبيلة من يهود خيبر على ميلين من المدينة، وبنو قريظة: قبيلة من يهود خيبر على ثلاثة أميال منها خرج إليهم النبي - ﷺ - لسبع بقين من ذي الحجة سنة خمس، في ثلاثة آلاف رجل وستة وثلاثين فرسا.","vol":"4","page":418},{"text":"ابْنُ الْعَرِقَةِ فِي الْأَكْحَلِ (^١) فَضَرَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ يَعُودُهُ مِنْ قَرِيبٍ فَلَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْخَنْدَقِ (^٢) وَضَعَ السِّلَاحَ فَاغْتَسَلَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهوَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنَ الْغُبَارِ (^٣) فَقَال: وَضَعْتَ السِّلَاحَ وَاللَّهِ مَا وَضَعْنَاهُ اخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَقَالَ ﷺ: «فَأَيْنَ؟» فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَتَاهُمُ\nالنَّبِيُّ ﷺ (^٤) فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ فَرَدَّ الْحُكْمَ فِيهِمْ إِلَى سَعْدٍ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَحَضَرَ فَقَالَ: «فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ وَالنِّسَاءُ وَأَنْ تُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ (^٥)».\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا (^٦). وَقَالَ بَعْضُهُمُ: بَلْ نُصَلِّي لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذلِكَ (^٧) فَذُكِرَ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ (^٨). رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: حَارَبَتِ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ فَأَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ (^٩) فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلا بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ فَأَمَّنَهُمْ وَأَسْلَمُوا وَأَجْلَى يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ بَنِي قَيْنُقَاعَ (^١٠)\n_________\n(^١) اسمه حبان بن العرقة اسم أمه لطيب ريحها، وقيل اسمه حبان بن قيس من بني لؤى رماه في الأكحل عرق في وسط الذراع في كل عضو منه شعبة إذا انقطع لم يرقأ الدم.\n(^٢) ودخل المدينة.\n(^٣) ورد أنه ظهر على فرس عليه عمامة سوداء قد أرخاها بين كتفيه وتحته قطيفة حمراء.\n(^٤) فتحصنوا في حصونهم فحاصرهم بضع عشرة ليلة أو خمسا وعشرين ليلة ثم نزلوا على حكمه - ﷺ - فرده إلى سعد فحكم فيهم بالقتل والأسر لأنهم كانوا في عهد مع النبي - ﷺ - فانتهزوا فرصة غزوة الخندق ونقضوا العهد واتفقوا مع قريش وغطفان على حرب النبي - ﷺ - فأخبره جبريل بهذا وأمره بالخروج لهم فكانوا غنيمة باردة للمسلمين.\n(^٥) وقال أنس: كأني أنظر إلى الغبار ساطعًا (منتشرًا في الهواء) في زقاق بني غنم (من بني النجار) موكب جبريل حين سار مع النبي - ﷺ - إلى بني قريظة، رواه البخاري.\n(^٦) عملا بظاهر نهى النبي - ﷺ -.\n(^٧) بل مراده لازمه وهو العجلة إلى بني قريظة.\n(^٨) لأنهم مجتهدون في إرضاء الله ورسوله - ﷺ -.\n(^٩) أي ثانيًا بنقض العهد السابق.\n(^١٠) وهم رهط عبد الله بن سلام.","vol":"4","page":419},{"text":"وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ وَكُلَّ يَهُودِيَ بِالْمَدِينَةِ (^١) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُ فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ فَلَمَّا دَنَا قَالَ ﷺ: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ»، فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ هؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ قَالَ: «فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ، وَأَنْ تُسْبَى الذرِّيَّةُ». قَالَ: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَلَفْظُهُ: رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ يَوْمَ الْأَحْزَابِ فَقُطِعَ أَكْحَلُهُ أَوْ أَبْجَلُهُ فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالنَّارِ فَانْتَفَخَتْ يَدُهُ فَتَرَكَهُ فَنَزَفَهُ الدَّمُ فَحَسَمَهُ أُخْرَى فَانْتَفَخَتْ يَدُهُ فَلَمَّا رَأَى ذلِكَ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَا تُخْرِجْ نَفْسِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ»، فَاسْتمْسَكَ عِرْقُهُ فَمَا قَطَرَ قَطْرَةً حَتَّى نَزَلوا عَلَى حُكْمِهِ فَحَكَمَ أَنْ تُقْتَلَ رِجَالُهُمْ وَيُسْتَحْيِي نِسَاؤُهُمْ يَسْتَعِينُ بِهِنَّ الْمُسْلِمُونَ فَقَالَ ﷺ: «أَصَبْتَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ» وَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ (^٢) فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ قَتْلِهِمْ انْفَتَقَ عِرْقُهُ فَمَاتَ رَاضِيًا مَ رضيا عَنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1027>غزوة خيبر </span>(^٣)\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيَنَّ هذِهِ الرَّايَةَ (^٤) غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَالَ: فَبَاتَ النَّاسُ يَدْوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّهُمْ يَرْجُو\n_________\n(^١) فالنبي - ﷺ - من أجلى يهود المدينة في حياته فكانت إسلاما خالصا.\n(^٢) أي المقاتلين منهم وقيل ستمائة ولعله بأتباعهم فلا معارضة والله أعلم.\n\nغزوة خيبر\n(^٣) هي مدينة عظيمة ذات حصون ومزارع على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام وهم رأس اليهود في الحجاز وكان غزوها في السنة السابعة بعد الحديبية الآتية بسنة.\n(^٤) سبق أن راية النبي - ﷺ - كانت سوداء، ولواءه أبيض مكتوب فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله.","vol":"4","page":420},{"text":"أَنْ يُعْطَاهَا فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ» فَقَالُوا: هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ قَالَ: فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ فَأُتِيَ بِهِ (^١) فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ (^٢) فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حتَّى يَكُونُوا مِثْلَنا فَقَالَ: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ (^٣) ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِي اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَمَّا قَدِمُوا خَيْبَرَ خَرَجَ مَلِكُهُمْ مَرْحَبُ يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ (^٤) وَيَقُولُ:\nقَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ … شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ (^٥)\nإِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ (^٦)\nفَقَالَ عَلِيٌّ:\nأَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ (^٧) … كَلَيْثٍ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ (^٨)\nأُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ (^٩)\nثُمَّ ضَرَبَ رَأَسَ مَرْحَبٍ فَقَتَلَهُ ثُمَّ كَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ (^١٠) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n_________\n(^١) وفي رواية: فأرسلني إليه فجئت به أقوده أرمد.\n(^٢) قال علي: فوضع رأسي في حجره ثم بزق في ألية راحته فدلك بها عيني فما رمدت ولا صدعت أي ما مرضت بأحدهما. وفي رواية: قال: اللهم أذهب عنه الحر والقر فما اشتكيتهما إلى يومي هذا.\n(^٣) امض على حالك حتى تنزل بساحتهم.\n(^٤) يرفعه مرة ويضعه أخرى.\n(^٥) شاكي السلاح: حديده وقويه، والبطل: الشجاع، والمجرب: الذي لاقى الحروب فظهرت شجاعته.\n(^٦) أي تتلهب وتشتعل.\n(^٧) الحيدرة والحيدر: الأسد وكانت أمه فاطمة بنت أسد لما ولدته كان أبوه غائبا فسمته أسدا كاسم أبيها فلما حضر أبوه سماه عليا ﵁.\n(^٨) غابات جمع غابة وهي الشجر الملتف، وتطلق على عرين الأسد أي مأواه؛ وكريه المنظرة صفة لليث أي فيه بشاعة يخيف الناظر إليه.\n(^٩) السندرة: كيل واسع، والمراد أقتل الأعداء قتلا ذريعا.\n(^١٠) ورد أن النبي - ﷺ - أرسل أبا بكر باللواء فرجع ولم يفتح حصنهم لمناعته وقوته =","vol":"4","page":421},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ أَبِي طَلْحَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ وَقَدَمِي تَمَسُّ قَدَمَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَأَتَيْنَاهُمْ حِينَ بزَغَتِ الشَّمْسُ (^١) وَقَدْ أَخْرَجُوا مَوَاشِيَهُمْ وَخَرَجُوا بِفُؤُوسِهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ وَمُرُورِهِمْ فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ (^٢) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرَ إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ» قَالَ: «فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى» وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «وَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً (^٣)». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الصُّبْحَ قَرِيبًا مِنْ خَيْبَرَ بِغَلَسٍ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ (^٤) إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ» فَخَرَجُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ فَقَتَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ (^٥) وَكَانَ فِي السَّبْيِ صَفِيَّةُ، فَصَارَتْ إِلَى دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ، ثُمَّ صَارَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا (^٦).\nقَالَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ ﵄: رَأَيْتُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ فِي سَاقِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ مَا هذِهِ الضَّرْبَةُ؟ فَقَالَ: هذِهِ ضَرْبَةٌ أَصَابَتْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ\n_________\n= وكان يسمى القموص فلما كان الغد أرسل عمر فذهب فرجع ولم يفتح الحصن وقتل محمود بن مسلمة فقال - ﷺ -: لأدفعن لوائي غدا إلى رجل يفتح الله عليه، فأرسل إلى عليّ وبصق في عينيه ودعا له ففتح الله عليه، وكان أول الفتح قتله لمرحب ملكهم.\n(^١) طلعت.\n(^٢) المرور جمع مر وهو المجرف من الحديد فكانوا خارجين لأعمالهم ولم يعلموا بجيش المسلمين ولذا قالوا: هذا محمد والجيش.\n(^٣) أخذناها قهرا لا صلحا؛ وقيل فتح بعضها عنوة وبعضها صلحا.\n(^٤) قالها بوحي وإلهام.\n(^٥) قاتلهم النبي - ﷺ - حتى ألجأهم إلى قصرهم فصالحوه على أن له الصفراء والبيضاء (الذهب والفضة) ولهم ما حملت ركابهم وعلى ألا يكتموا شيئا وإلا فلا ذمة ولا عهد لهم بل هم هدر فكتموا مسكا لحيي بن أخطب فيه فقال - ﷺ -: أين مسك حي بن أخطب؟ فقالوا: أذهبته الحروب والنفقات، ثم وجدوا المسك فأمر النبي - ﷺ - بقتل المقاتلة وسبى النساء والذرية، وهذا لا ينافي أن النبي - ﷺ - صالح نفرًا منها على أن يتولوا أمر النخيل وزرع الأرض ولهم نصف ما يخرج منها، وأمر عليهم سواد بن غزية من بني النجار، وسبق هذا في الزرع في كتاب البيوع.\n(^٦) قيل جاءت في سهم دحية الكلبي صفية بنت حيي بن أخطب سيدة خيبر وبني قريظة والنضير وكانت عروسا فقتل زوجها، فجاء بها دحية وقال: يا رسول الله هذه صفية سيدة قومها ولا تصلح إلا لك، فقدمها للنبي - ﷺ - وأخذ غيرها فأعتقها النبي - ﷺ - وتزوجها وجعل عتقها صداقها.","vol":"4","page":422},{"text":"فَقَالَ النَّاسُ أُصِيبَ سَلَمَةُ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ فَمَا اشْتَكَيْتُهَا حَتَّى السَّاعَةِ (^١). رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1028>غزوة ذات الرقاع </span>(^٢)\n\n• عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزَاةٍ وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ (^٣) بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ (^٤) قَالَ: فَنَقَبِتْ أَقْدَامُنَا (^٥) فَنَقِبَتْ قَدَمَايَ وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي فَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَقْدَامِنَا الْخَرَقَ فَسُمِّيَتْ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ لِمَا كُنَّا نُعَصِّبُ عَلَى أَرْجُلِنَا مِنَ الْخِرَقِ.\nرَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ صَالِحٍ بْنِ خَوَّاتٍ (^٦) ﵁ عَمَّنْ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ وَجَاهَ الْعَدُوِّ فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لِأَنفُسِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ (^٧). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ. نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الرِّوَايَةِ آمِين.\n_________\n(^١) فنفث فيه أي موضع الضرب ثلاث نفثات، والنفثة: النفخ بريق خفيف فبرأت إلى الآن. وهذه من معجزاته - ﷺ -.\n\nغزوة ذات الرقاع\n(^٢) كانت بنخل وهو مكان على يومين من المدينة في واد يسمى شدخا به طوائف من بني فزارة، وأشجع وأنمار، وسميت بهذا لأنهم لفوا على أرجلهم الرقاع من شدة الحر والحفاء، وهي الغزوة السابعة من الغزوات التي وقع فيها قتال، فالأولى بدر، والثانية أحد، والثالثة الخندق، والرابعة قريظة والنضير، والخامسة بنو المصطلق الآتية، والسادسة خيبر، والسابعة ذات الرقاع.\n(^٣) من الأشعريين قبيلة أبي موسى الأشعري.\n(^٤) يركبه واحد زمنًا ثم يعقبه آخر فيركبه زمنًا وهكذا.\n(^٥) رق جلدها وقطعته الأرض من الحفاء.\n(^٦) ابن جبير الأنصاري التابعي وليس له في البخاري إلا هذا الحديث.\n(^٧) فازت الأولى معه فضيلة الإحرام وحازت الثانية معه فضيلة السلام، وسبق هذا في صلاة الخوف من كتاب الصلاة، قال الإمامان مالك والشافعي ﵄: هذا أحسن ما سمعنا في صلاة الخوف.","vol":"4","page":423},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1029>غزوة بني المصطلق </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ فَأَحْبَبْنَا الْعَزْلَ فَأَرَدْنَاهُ فَقُلْنَا نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: «مَا عَلَيْكُمْ أَلا تَفْعَلُوا مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلا وَهِيَ كَائِنَةٌ (^٢)». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ﵁ قَالَ: أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّون وَأَنعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى سَبْيَهُمْ (^٣) وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1030>غزوة أنمار </span>(^٤)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي غَزْوَةِ أَنْمَارٍ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ مُتَوَجِّهًا قِبَلَ\nالْمَشْرِقِ مُتَطَوِّعًا (^٥). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n_________\nغزوة بني المصطلق\n(^١) المصطلق: لقب لجذيمة بن سعد بطن من بني خزاعة وهم حي من الأزد سمي خزاعة لأنهم تخزعوا أي تخلفوا عن قومهم وأقاموا بمكة، وتسمى المريسيع: بئر أو ماء لخزاعة، على يوم من الفرع: كالقفل من أعمال المدينة وكانت في شعبان سنة خمس أو ست من الهجرة.\n(^٢) العزل: هو عزل المني عن المرأة لئلا تحمل وكانوا أرادوه خوفا من الاستيلاد المانع من البيع وهم يحبونه لتحصيل المال، فالنبي - ﷺ - نهاهم تنزيها وسبق هذا وافيا في آداب الوقاع من كتاب النكاح.\n(^٣) فالنبي - ﷺ - أغار عليهم على غفلة فقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم ونساءهم لأنهم كانوا يجمعون الجيوش لحربه - ﷺ - وسبق هذا في جواز الإغارة على الكفار.\n\nغزوة أنمار\n(^٤) ويقال بني أنمار كأنصار: اسم قبيلة.\n(^٥) لم يذكر البخاري هذا إلا هذا فليس فيه ذكر قصة أنمار وإن كان فيه أن النبي - ﷺ - خرج معهم في هذه الغزوة والله أعلم.","vol":"4","page":424},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1031>غزوة الحديبية </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ (^٢)﴾ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ (^٣) ﴿فَأنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (^٤)﴾ ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَان اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: تَعُدُّون أَنْتُمُ الْفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ وَقَدْ كَانَ فَتْحُ مَكَّة فَتْحًا وَنَحْنُ نَعُدُّ الْفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً (^٥) وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ فَنَزَحْنَاهَا فَلَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَتَاهَا فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِهَا (^٦) ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ مَضْمَضَ وَدَعَا ثُمَّ صَبَّهُ فِيهَا (^٧) فَتَرَكْنَاهَا قَلِيلًا ثُمَّ أَصْدَرَتْنَا مَا شِئْنَا نَحْنُ وَرِكَابَنَا (^٨).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ: «أَنْتُمْ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ»\nوَكُنَّا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ (^٩) «وَلَوْ كُنْتُ أُبْصِرُ الْيَوْمَ لَأَرَيْتُكُمْ مَكَانَ الشَّجَرَةِ (^١٠)». رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ (^١١).\n_________\nغزوة الحديبية\n(^١) الحديبية بالتخفيف والتشديد: بئر على مرحلة من مكة المكرمة وكانت غزوتها في ذي القعدة سنة ست من الهجرة النبوية، وكانوا يريدون العمرة فمنعهم المشركون واصطلحوا على الشروط التي مضت في الصلح ثم عادوا في العام القابل فاعتمروا.\n(^٢) بالحديبية تحت الشجرة وهي سمرة.\n(^٣) من الصدق والوفاء.\n(^٤) جزاهم فتح خيبر بعد انصرافهم من الحديبية ومغانم كثيرة يأخذونها من خيبر وكان الله عزيزا حكيما.\n(^٥) لم يقل ألفًا وأربعمائة إشعارًا بأنهم كانوا منقسمين إلى المائة وكانت كل مائة ممتازة عن الأخرى.\n(^٦) أي حرفها.\n(^٧) توضأ ومضمض في إناء آخر تم دعا الله سرا ثم أمر بصب ما توضأ به في البئر.\n(^٨) أصدرتنا أي أرجعتنا وقد روينا ما شئنا نحن ودوابنا، وسبق هذا وافيًا في معجزاته - ﷺ -.\n(^٩) فيه أفضلية أصحاب الشجرة على بقية الأصحاب، وعثمان وإن كان غائبا بمكة في رسالة النبي - ﷺ - ولكنه - ﷺ - وضع يده اليمنى في يده اليسرى وقال: هذه لعثمان فساوى أصحاب الشجرة ﵃.\n(^١٠) التي وقعت بيعة الرضوان تحتها وقال جابر هذا لأنه كف بصره في آخر حياته كما سبق في حديث حجة الوداع.\n(^١١) وتقدم في الصلح حديث شروط الصلح بين النبي - ﷺ - والمشركين كما تقدم من هذا في تفسير سورة الفتح، نسأل الله الفتح الواسع القريب آمين.","vol":"4","page":425},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1032>غزوة الفتح </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (^٢)﴾ ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (^٣)﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابَا (^٤)﴾.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلَافٍ عَلَى رَأْسِ ثَمَانٍ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ فَسَارَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَكَّةَ يَصُومُ وَيَصُومُونَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ (^٥) أَفْطَرَ وَأَفْطَرُوا. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَبَلَغَ ذلِكَ قُرَيْشًا خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلُوا يَسِيرُونَ حَتَّى أَتَوْا\nمَرَّ الظَّهْرَانِ (^٦) فَإِذَا هُمْ بِنِيرَانٍ كَأَنَّهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا هذِهِ لَكَأَنَّهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ فَقَالَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ: نِيرَانُ بَنِي عَمْرٍو فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: عَمْرٌو أَقَلُّ مِنْ ذلِكَ فَرَآهُمْ نَاسٌ مِنْ حَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ\n_________\nغزوة الفتح\n(^١) سميت بهذا لقوله تعالى ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ ولقوله - ﷺ - بعد فتح مكة وهو في الحرم: لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وسبق أنهم كانوا اصطلحوا مع النبي - ﷺ - يوم الحديبية على وضع الحرب عشر سنين فكيف جاءهم النبي - ﷺ - بعدها بسنتين؟ الجواب: أن كفار قريش نقضوا عهدهم مع النبي - ﷺ -.\n(^٢) نصر الله نبيه - ﷺ - والمسلمين ﴿والفتح﴾ هو فتح مكة المكرمة.\n(^٣) ﴿يدخلون في دين الله﴾ هو الإسلام ﴿أفواجا﴾ جماعات جماعات بعد أن كان يدخل فيه الناس واحدا واحدا، فبعد فتح مكة جاء للنبي - ﷺ - العرب من أقطار الأرض يدخلون في الإسلام طائعين.\n(^٤) فكان النبي - ﷺ - بعد نزول هذه الآية، يكثر من قوله: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، وشعر منها بقرب وفاته - ﷺ - وكانت وفاته بعدها بسنتين.\n(^٥) الكديد كالحديد: ماء بين عسفان وقديد. وعسفان: قرية كبيرة على مرحلتين من مكة، وقديد قريبة منها، وسبق هذا في الصوم.\n(^٦) موضع بقرب مكة.","vol":"4","page":426},{"text":"فَأَدْرَكُوهُمْ فَأَخَذُوهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ فَلَمَّا سَارَ (^١) قَالَ لِلْعَبَّاسِ: احْبِسْ أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ حَطْمِ الْخيْلِ حَتَّى ينْظُرَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ (^٢) فَحَبَسَهُ الْعبَّاسُ فَجَعَلَتِ الْقَبَائِلُ تَمُرُّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ كَتِيبَةً كَتِيبَةً عَلَى أَبِي سُفْيَانَ (^٣) فَمَرَّتْ كَتِيبَةٌ فَقَالَ: يَا عَبَّاسُ مَنْ هذِهِ؟ قَالَ هذِهِ غِفَارٌ، قَالَ: مَا لِي وَلِغِفَارٍ (^٤). ثُمَّ مَرَّتْ جُهَيْنَةُ فَقَالَ مِثْلَ ذلِكَ ثُمَّ مَرَّتْ سَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ (^٥) فَقَالَ مِثْلَ ذلِكَ وَمَرَّتْ سُلَيْمٌ فَقَالَ مِثْلَ ذلِكَ حَتَّى أَقْبَلَتْ كَتِيبَةٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا قَالَ: مَنْ هذِهِ؟ قَالَ: هؤُلَاءِ الْأَنْصَارُ عَلَيْهِمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَهُ الرَّايَةُ فَقَالَ سَعْدٌ: يَا أَبَا سُفْيَانَ الْيَوْمُ يَوْمُ الْملْحَمَةِ (^٦) الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ (^٧) فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا عَبَّاسُ حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ (^٨) ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ وَهِيَ أَقَلُّ الْكَتَائِبِ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَرَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ (^٩) فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ: «أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟» قَالَ: مَا قَالَ قالَ: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: «كَذَبَ سَعْدٌ وَلكِنْ هذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الْكَعْبَةَ (^١٠) وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ (^١١)» قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ\n_________\n(^١) أي النبي - ﷺ - قال للعباس وكان أظهر إسلامه حينئذ ﵁ وسبق في الفضائل فضله هو والزبير وخالد.\n(^٢) حطم الخيل: ازدحامها وروي خطم الجبل أي أنف الجبل؛ والمراد إيقافه في مضيق حتى يرى الجيش كله واحدا واحدا.\n(^٣) الكتيبة كقبيلة من الكتب وهو الجمع قطعة من الجيش تجمعهم قرابة أو مخالفة.\n(^٤) أي ما كان بيني وبينهم حرب.\n(^٥) المعروف سعد هذيم بالإضافة.\n(^٦) كالقتلة وزنًا ومعنى.\n(^٧) يحل القتال في مكة وتقتل كفار قريش لاسيما عظماؤهم كأبي سفيان وصحبه.\n(^٨) الذمار بالذال: ما يحق على الرجل أن يحميه كقولهم: حامي الذمار؛ وقيل هذا سهو وصوابه الدمار أي الهلاك، ومراده استعطاف العباس ليحميه من القتل.\n(^٩) وأصحابه من المهاجرين وكانت الأنصار أكثر عددا منهم.\n(^١٠) بعبادة الله وإظهار الإسلام فيها.\n(^١١) وروي أن النبي - ﷺ - لما مر على أبي سفيان قال أبو سفيان له: يا رسول الله أمرت بقتل قومك، قال: لا، فذكر له قول سعد السالف ثم ناشده الله والرحم أن يعفو عنهم ويرحمهم فقال: يا أبا سفيان اليوم يوم المرحمة اليوم يعز الله قريشًا، ثم أمر النبي - ﷺ - بأخذ راية الأنصار من سعد وأمر بإعطائها لولده قيس بن سعد ﵃ وأرضاهم.","vol":"4","page":427},{"text":"ﷺ أَنْ تُرْكَزَ رَايَتُهُ بِالْحَجُونِ (^١) وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ خَالَدَ بْنَ الوَلِيدِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كُدَا (^٢) فَقُتِلَ مِنْ خيْلِ خَالِدٍ يَوْمَئِذٍ رَجُلَانِ: حُبَيْشُ بْنُ الْأَشْعَرَ (^٣) وَكُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفَهْرِي (^٤).\n\n• عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيْدٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ زَمَنَ الْفَتْحِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ مَنْزِلٍ؟» ثُمَّ قَالَ: «لَا يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُؤْمنَ». قِيلَ لِلزُّهْرِيِّ: وَمَنْ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ؟ قَالَ: وَرِثَهُ عَقِيلٌ وَطَالبٌ (^٥). رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ فَجَعَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُمْنَى وَجَعَلَ الزُّبَيْرَ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُسْرَى (^٦) وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْبَيَاذِقَةِ (^٧) وَبَطْنِ الْوَادِي فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ادْعُ لِي الْأَنْصَارَ فَدَعَوْتُهُمْ فَجَاؤوا يُهَرْوِلُونَ\n_________\n(^١) الحجون كالبتول: موضع بقرب مقبرة مكة.\n(^٢) كداء كسماء: الطريق الداخل مكة من أعلاها جهة مطلع الشمس ومنى وعرفات، وكدي كهدي: الطريق الداخل من أسفلها جهة مغرب الشمس، والصحيح أن النبي - ﷺ - دخل من أعلى مكة كما يأتي في حديث ابن عمر تفاؤلا بالعلو له دنيا وأخرى.\n(^٣) حبيش هذا أخو أم معبد التي مر عليها النبي - ﷺ - في هجرته وسألها تمرًا أو لبنًا فلم يكن عندها شيء فاستأذنها في حلب شاة عندها فأذنت فمسح ضرعها وسمى الله فدرت فحلب وملأ الإناء فشرب أبو بكر والدليل والنبي - ﷺ - ثم حلب ثانيا فلأه فشربوا ثانيا ثم حلب وملأه ثالثا وتركه عند أم معبد معجزة له - ﷺ -؛ فلما جاء زوجها ورأى اللبن استغرب هذا فأخبرته ووصفت له النبي - ﷺ - بأكمل وصف وأفصحة، فقال هذا نبي قريش وأقسم أنه لو رآه لآمن به ثم ذهبوا للنبي - ﷺ - فآمنوا به وعادوا لمنزلهم وكانوا يؤرخون بيوم مرور الرجل المبارك.\n(^٤) روى أن جماعة خالد لقيت ناسًا من قريش فيهم صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو كانوا تجمعوا لقتال المسلمين بالخدمة: مكان بأسفل مكة أو جبل بجوارها فدار القتال بينهم وبين المسلمين فقتل منهم مسلمة الجهنى وقتل من المشركين ثلاثة عشر وانهزموا.\n(^٥) فالنبي - ﷺ - نزل بالحجون ومكث فيه أيام الفتح ولما سألوه عن داره قال: ورثها عقيل وطالب ولدا أبي طالب عمه - ﷺ - وسبق هذا في النزول بالأبطح في كتاب الحج.\n(^٦) فجعل خالدا على الميمنة والزبير على الميسرة.\n(^٧) هم الحسر الذين لا دروع عليهم والرجالة.","vol":"4","page":428},{"text":"فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ (^١)؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: انْظُرُوا إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ غَدًا أَنْ تَحْصِدُوهُمْ حَصْدًا وَأَخْفَى بِيَدِهِ وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ (^٢) وَقَالَ: مَوْعِدُكُمُ الصَّفَا قَالَ: فَمَا أَشْرَفَ لَهُمْ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ إِلا أَنَامُوهُ (^٣) وَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّفَا (^٤) فَجَاءَتِ الْأَنْصَارِ فَأَطَافُوا بِالصَّفَا فَجَاءِ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ لَا قُرَيْشَ (^٥) بَعْدَ الْيَوْمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ (^٦)» وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رأَفةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ (^٧) وَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٨) قَالَ: «قُلْتُمْ أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأَفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ أَلَا فَمَا اسْمِي إِذًَا (^٩) أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ (^١٠) هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ (^١١)» قَالُوا: وَاللَّهِ مَا قُلْنَا ذلِكَ إِلا ضِنًّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ: «فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ (^١٢)».\n_________\n(^١) الأوباش: الخليط من قبائل شتى.\n(^٢) يشير إلى إبادتهم.\n(^٣) ما تعرض لهم أحد إلا قتلوه.\n(^٤) بعد أن دخلوا في اليوم الثاني وطاف رسول الله - ﷺ - بالبيت وصعد الصفا كما وعدهم قبلها بيوم.\n(^٥) هلكت جماعة قريش واستؤصلت ويعبر عن الجماعة المجتمعة بالسواد والخضرة.\n(^٦) أبو سفيان رأس قريش وشيخها في كل أطوارها السالفة فلما فتحوا مكة وقتل منهم من قتل حل بأبي سفيان ما يهون الموت بجواره فأراد النبي - ﷺ - أن يجبر من كسره ويرفع من شأنه، فقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.\n(^٧) الرجل: النبي - ﷺ -، والعشيرة: قريش، والقرية: مكة.\n(^٨) يخبره بقول بعض الأنصار.\n(^٩) قالها ثلاثا.\n(^١٠) يشير إلى أنه أكمل الخلق وأفضلهم حيث اصطفاه الله لرسالة تبقى ما دامت الدنيا. قال حسان ﵁:\nأغر عليه للنبوة خاتم … من الله من نور يلوح ويشهد\nوضم الإله اسم النبي إلى اسمه … إذا قال في الخمس المؤذن أشهد\nوشق له من اسمه ليجله … فذو العرش محمود وهذا محمد\n(^١١) أي فحياتي ومماتي معكم.\n(^١٢) فما قلنا ذلك إلا لشدة حرصنا على بقائك معنا، فصدقهم النبي - ﷺ - وعذرهم.","vol":"4","page":429},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ ﵄ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ «لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا بَعْدَ هذَا الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (^١)». رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ وَحَوْلَ الْبَيْتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ نُصُبٍ (^٢) فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ: «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَبى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الآلِهَةُ فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ وَفِيهَا صُورَةُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا مِنَ الْأَزْلَامِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قَاتَلَهُمُ اللَّهُ لَقَدْ عَلِمُوا مَا اسْتَقْسَمَا بِهَا قَطُّ» ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ وَخَرَجَ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ (^٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْبَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُرْدِفًا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَمَعَهُ بِلَالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ مِنَ الْحَجَبَةِ حَتَّى أَنَاخَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمِفْتَاحِ الْبَيْتِ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ أُسَامَةُ وَبِلَالٌ وَعُثْمَانُ فَمَكَثَ فِيهِ نَهَارًا طَوِيلًا (^٤) ثُمَّ خَرَجَ فَاسْتَبَقَ النَّاسُ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ فَوَجَدَ بِلالًا وَرَاءَ الْبَابِ قَائِمًا فَسَأَلَهُ أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فَأَشَارَ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ قَالَ: وَنَسِيتُ أَسْأَلُهُ كَمْ صَلَّى (^٥). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\n_________\n(^١) لا يقتل قرشي صبرا أي حبسا للقتل موثقا بالحبل، وذكر النووي أن معنى الحديث الإعلام بأن قريشًا يسلمون كلهم ولا يرتدون كما ارتد غيرهم فحورب وقتل صبرا.\n(^٢) النصب جمعه أنصاب وقيل هو جمع واحده نصاب وهي حجارة لهم يعبدونها ويذبحون لها، قيل هي الأصنام وقيل غيرها فإن الأصنام صور منقوشة والأنصاب بخلافها.\n(^٣) هذه غير المرة الآتية التي صلى فيها، وسبق هذا في فضل الحرمين من كتاب الحج.\n(^٤) زمنا طويلا من النهار يصلى ويدعو الله ويحمده ويشكره على هذا النصر المبين.\n(^٥) المكان الذي صلى فيه بين العمودين اليمانيين وصلى ركعتين وسبق هذا في الصلاة في الكعبة في فضل الحرمين من كتاب الحج، ورد أنه - ﷺ - وقف على باب الكعبة بعد فتح مكة ثم قال:=","vol":"4","page":430},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَقَمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرًا نَقْصُرُ الصَّلَاةَ (^١).\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ (^٢). رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «لَا تُغْزى هذه بَعْدَ الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (^٣)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1033>غزوة حنين </span>(^٤)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا﴾ ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أَنَزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذلِكَ جَزَآءُ الْكَافِرِينَ (^٥)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n_________\n= يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم؟ قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، أي أطلقت سبيلكم وعفوت عنكم لله تعالى.\n(^١) عشرا من الليالي، وروى عشرة أيام.\n(^٢) يصلي الرباعية مقصورة للسفر ولا معارضة بين الحديثين فإن حديث ابن عباس في فتح مكة وفيه دخل النبي - ﷺ - بيت بنت عمه أم هانئ فاغتسل عندها وصلى ثمان ركعات سنة الضحى، أما حديث أنس في حجة الوداع لأن النبي - ﷺ - دخل مكة في يوم أربع من ذي الحجة وخرج في أربعة عشر منه.\n(^٣) أي غزوا دينيا على كفرها بل تبقى إسلاما حتى ينقرض الإسلام وكذا المدينة فإنهما آخر البلاد إسلام، نسأل الله الموت على الإسلام الكامل آمين.\n\nغزوة حنين\n(^٤) حنين: واد بين مكة والطائف بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا من جهة عرفات سمي باسم حنين بن قابئة، خرج إليه النبي - ﷺ - في ست من شوال بعد الفتح لما بلغه أن مالك بن عوف النصري جمع قبائل هوازن وبني نصر وثقيف وقصدوا محاربة النبي - ﷺ - والمسلمين فكان عددهم أربعة آلاف، وعدد المسلمين اثني عشر ألفًا واشتبك الجيشان فكانت نهاية النصر للمسلمين.\n(^٥) واذكر يا محمد يوم غزوة حنين إذ أعجبتكم كثرتك وقلتم لن نغلب اليوم من قلة فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت أي مع رحبها وسعتها فلم تجدوا مكانا تطمئنون إليه من شدة الخوف ثم وليتم مدبرين أي =","vol":"4","page":431},{"text":"• عَنِ الْعَبَّاسِ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَلَزِمْتُ أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ نُفَارِقْهُ وَهُوَ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ بَيْضَاءَ أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ الْجُذَامِيُّ فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرينَ فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْكُضُ (^١) بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِهَا أَكُفُّها لِئَلا تُسْرِعَ وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيْ عَبَّاسُ نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ (^٢)» فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ (^٣) قَالَ: فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةَ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ (^٤) وَالدَّعْوَةُ فِي الْأَنْصَارِ يَقُولُونَ: يَا مَعْشرَ الْأَنْصَارِ يا مَعْشَرَ الأَنْصارِ ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ ابْنِ الْخَزْرَجِ يَا بَنِي الْحَارِثِ فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى قِتَالِهِمْ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ وَقَالَ: «هذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ (^٥)» ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ ثُمَّ قَالَ: «انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ» قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيمَا أَرَى قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا وَأَمْرَهُمْ مُدْبرًا. وَفِي رِوَايَةٍ: رَمَاهُمْ بِقُبْضَةٍ مِنَ التُّرَابِ وَقَالَ: «شَاهَتِ الْوُجُوهُ (^٦)» فَمَا بَقِيَ مِنْهُمْ\n_________\n= منهزمين وبقي النبي - ﷺ - وعمه العباس وابن عمه أبو سفيان بن الحارث ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين فعادوا للنبي - ﷺ - لما ناداهم العباس بأمره - ﷺ - واصطفوا للقتال وأنزل الله جنودا لم تروها وهي ملائكة وعذب الذين كفروا بالقتل والأسر وذلك جزاء الكافرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء منهم بدخولهم في الإسلام والله غفور رحيم.\n(^١) يحرك رجليه بجنبيها لتسرع.\n(^٢) وكان العباس صيتا أي عالي الصوت حتى قيل إنه كان يقف على سلع جبل بجوار المدينة وينادي غلمانه في آخر الليل وهم في الغابة فيسمعونه والغابة من عوالي المدينة على ثمانية أميال من سلع.\n(^٣) المرادون بقوله تعالى: ﴿لقد رضي الله على المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾.\n(^٤) أي مع الكفار.\n(^٥) اشتدت الحرب وإن كان أصل الوطيس التنور.\n(^٦) قبحت الوجوه وعميت العيون.","vol":"4","page":432},{"text":"إِنْسَانٌ إِلا امْتَلَأَتْ عَيْنَاهُ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَانْهَزَمُوا وَقُسِمَتْ عَنَائِمُهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ\nحُنَيْنٍ الْتَقَى هَوَازِنُ (^١) وَمَعَ النَّبيِّ ﷺ عَشَرَةُ آلَافٍ وَالطُّلَقَاءُ (^٢) فَأَدْبَروا قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ» قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، لَبَّيْكَ نَحْنُ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، فَأَعْطَى الطُّلَقَاءَ وَالْمُهَاجِرِينَ وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا، فَقَالُوا فِي ذلِكَ، فَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَدْخَلَهُمْ فِي قُبَّةٍ فَقَالَ: «أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٣) لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَاخْتَرْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ». زَادَ فِي رِوَايَةٍ قَالَ: كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا للَّذِي يُحَاذِيهِ. رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ الشَّيْخَانِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1034>غزوة أوطاس </span>(^٥)\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حُنَيْنٍ بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ فَلَقِيَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ فَقُتِلَ دُرَيْدٌ وَهَزَمَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ (^٦) قَالَ أَبُو مُوسى: وَبَعَثَنِي\n_________\n(^١) التقى جيشهم مع المسلمين.\n(^٢) هم قريش الذين قال لهم النبي - ﷺ - في يوم الفتح: اذهبوا فأنتم الطلقاء.\n(^٣) إذا اشتدت الحرب وارتفعت أصوات السلاح وعظم الخطب لجأنا إلى رسول الله - ﷺ - وهو ثابت كالجبل الراسي بل كان إذا اشتد الأمر يتقدم نحو الأعداء وهو على بغلته التي هي أقل من الخيل في الكر والفر ويقول - ﷺ -:\nأنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب\nفكان - ﷺ - أشجع الناس وأقوى الناس بقلبه وجسمه وباطنه وظاهره - ﷺ -.\n(^٤) وسبق في هذه الغزوة بضع أحاديث منها في عنوان: الثبات عند القتال واجب، ومنها في الأسرى، ومنها في عنوان: الأمير المن والفداء والقتل، ومنها في إعطاء المؤلفة قلوبهم والله أعلم.\n\nغزوة أوطاس\n(^٥) أوطاس واد في ديار هوازن اجتمع فيه الفارون من وقعة حنين وهم هوازن وثقيف تحت إمرة دريد بن الصمة فبعث النبي - ﷺ - في أثرهم جيشًا على رأسه أبو عامر الأشعري وابن أخيه أبو موسى الأشعري فهزموهم شر هزيمة.\n(^٦) الذي قتل دريدا ربيعة بن رفيع السلمي أو الزبير بن العوام.","vol":"4","page":433},{"text":"النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أَبِي عَامِرٍ فَرَمَاهُ رَجُلٌ جُشْمِيٌّ بِسَهْمٍ فِي رُكْبَتِهِ (^١) فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا عَمِّ مَنْ رَمَاكَ؟ فَأَشَارَ إِلَيَّ فَقَالَ: ذَاكَ قَاتِلِي الَّذِي رَمَانِي فَقَصَدْتُ لَهُ فَلَحِقْتُهُ فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى فَاتَّبَعْتُهُ فَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ: أَلَا تَسْتَحِيَ (^٢)\nأَلَا تَثْبُتُ فَكَفَّ (^٣) فَاخْتَلَفْنَا ضَرْبَتَيْنِ بِالسَّيْفِ فَقَتَلْتُهُ ثُمَّ رَجَعْتُ لِأَبِي عَامِرٍ فَقُلْتُ: قَتَلَ اللَّهُ صَاحِبَكَ قَالَ: فَانْزِعْ هذَا السَّهْمَ فَنَزَعْتُهُ فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ (^٤) قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أَقْرِئِ النَّبِيَّ ﷺ السَّلَامَ وَقُلْ لَهُ اسْتَغْفِرْ لِي (^٥) وَاسْتَخْلَفَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ (^٦) فَمَكُثَ يَسِيرًا ثُمَّ مَاتَ فَرَجَعْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِهِ عَلَى سَرِيرٍ مُرْمَلٍ وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ قَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِهِ وَجَنْبَيْهِ (^٧) فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ وَقَالَ قلْ لَهُ اسْتَغْفِرْ لِي فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ مِنَ النَّاسِ» فَقُلْتُ: وَلِي فَاسْتَغْفِرْ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلًا كَرِيمًا». قَالَ أَبُو بُرْدَةَ (^٨): إِحْدَاهُمَا لِأَبِي عَامِرٍ وَالْأُخْرَى لِأَبِي مُوسَى (^٩). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1035>غزوة الطائف </span>(^١٠)\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: حَاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ الطَّائِفِ فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ\n_________\n(^١) جشمي نسبة لبني جشم اسم قبيلة.\n(^٢) أي من الفرار.\n(^٣) أي وقف.\n(^٤) نزل الماء بكثرة من موضع نزع السهم.\n(^٥) هذا إشعار منه بقرب استشهاده ﵁.\n(^٦) أمرني علهم مكانه وقاتلناهم فكان الفتح بعون الله تعالى ثم عاد أبو موسى للنبي - ﷺ - بعد النصرة عليهم.\n(^٧) مرمل بلفظ المفعول مشددا ومخففا أي منسوج بالرمال وهي حبال الحصر قد أثرت بجسمه - ﷺ -. لخفة الفراش أو لعدمه فإن بعضهم قال: المحفوظ من الروايات ما عليه فراش.\n(^٨) الراوي عن أبي موسى الأشعري.\n(^٩) إحدى الدعوتين لأبي عامر والأخرى لأبي موسى، وسبق هذا في فضل أبي عامر وأبي موسى في كتاب الفضائل.\n\nغزوة الطائف\n(^١٠) الطائف: بلد كبير كثير النخيل والأعناب وحوله عدة قرى في واد شرقي مكة على مرحلتين أو ثلاث منها وهي بلاد ثقيف، وسميت بهذا لأنها من الشام، فنقلها الله إلى الحجاز بدعوة إبراهيم ﵇.","vol":"4","page":434},{"text":"شَيْئًا فَقَالَ: «إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (^١)» قَالَ أَصْحَابُهُ: تَرْجِعُ وَلَمْ تَفْتَحْهُ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: «اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ» فَغَدَوْا عَلَيْهِ فَأَصَابَهُمُ جِرَاحٌ فَقَالَ لَهَمُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا» قَالَ: فَأَعْجَبَهَمْ ذلِكَ فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ (^٢)؟ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1036>غزوة تبوك </span>(^٣)\n\n• عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ﵄ عَنْ أَبِيهِ (^٤) قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى تَبُوكَ وَاسْتَخْلَفَ عَلِيًّا فَقَالَ: «أَتُخَلِّفُنِي فِي الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ» قَالَ: «أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي (^٥)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\n= أو لأن جبريل طاف بها على البيت، أو لأنها محاطة بطائف أي بسور عظيم، ومعلوم أن أهلها كانوا يحاربون المسلمين في حنين وأوطاس السابقتين فلما انتهى النبي - ﷺ - من حنين ساروا إلى الطائف وكانت ثقيف قد رموا حصنهم وعملوا استعدادهم لأن يمكثوا فيه ولو إلى سنة.\n(^١) راجعون إن شاء الله.\n(^٢) فحاصرهم النبي - ﷺ - والمسلمون خمسة عشر أو سبعة عشر يوما أو أربعين يوما فلم ينالوا منهم شيئا بل أصاب المسلمين جراح من رميهم - وهم في أعلى السور - السهام وقِطَع الحديد المحماة بالنار على المسلمين وسهام المسلمين لا تصل إليهم فاستشار النبي - ﷺ - نوفل بن معاوية الديلي فقال هم ثعلب في جُحر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك فأمر النبي - ﷺ - أصحابه بالرجوع فأبوا، ثم عادوا فامتثلوا ورجعوا كما رآه النبي - ﷺ - ثم أسلمت ثقيف بعد ذلك.\n\nغزوة تبوك\n(^٣) تبوك: موضع بينه وبين الشام إحدى عشرة مرحلة، وتسمى غزوة العسرة لما وقع فيها من العسر في الماء والظهر والنفقة، وهذه كانت في شهر رجب سنة تسع، وكانت قبل حجة الوداع، وهي آخر غزواته - ﷺ - وسببها أن المسلمين بلغهم من الأنباط الذين يأتون من الشام إلى المدينة لبيع الدقيق والزيت ونحوهما أن الروم جمعت جيوشا من الروم وضمت إليهم لخم وجذام وغيرهم ممن ناصرهم من العرب، فندب النبي - ﷺ - الناس إلى غزوهم وأعلمهم بجهة غزوهم ليستعدوا لها فإنها كانت في حر شديد وسفر بعيد، وكان عثمان قد جهز عيرا إلى الشام فيها مائتا بعيره فحولها إلى سبيل الله، وقال: يا رسول الله هذه مائتا بعير في سبيل الله بأحلاسها وأقتابها ومائتا أوقية من الذهب وأفرغها أمام النبي - ﷺ - فصار النبي - ﷺ - ينكت فيها بعود كان بيده ويقول: ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم، وجاء عمر بمال كثير وجاء أبو بكر بنصف ماله وكذا الأنصار ﵃ أجمعين وجزاهم عن الدين وأهله خيرا.\n(^٤) هو سعد بن أبي وقاص.\n(^٥) سبق هذا في فضائل عليّ ﵁ وأرضاه.","vol":"4","page":435},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1037>غزوة مؤتة بأرض الشام </span>(^١)\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ مُوتَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ (^٢)»، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَالْتَمَسْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَوَجَدْنَاهُ فِي الْقَتْلَى وَوَجَدْنَا فِي جَسَدِهِ بِضْعًا وَتِسْعِينَ مِنْ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ (^٣).\nقَالَ أَنَسٌ ﵁: نَعَى النَّبِيُّ ﷺ زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْخَبَرُ فَقَالَ: أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ (^٤) حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ (^٥).\n\n• عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي وَاجَبَلَاهُ وَاكَذَا وَاكَذَا تُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَال حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْتُ شَيْئًا إِلا قِيلَ أنْتَ كَذلِكَ (^٦)؟ رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ الْبُخَارِيُّ.\n_________\nغزوة مؤتة بالشام\n(^١) موتة بالضم وسكون الواو: بأرض الشام، كانت غزوتها في جمادى الآخرة سنة ثمان، وجعلتها بعد تبوك لأن النبي - ﷺ - خرج معهم في تبوك.\n(^٢) فقال - ﷺ - لهم قبل خروجهم إن قتل زيد بن حارثة الأمير جعفر بن أبي طالب، فإن قتل جعفر فالأمير عبد الله بن رواحة.\n(^٣) من طعنة برمح ورمية بسهم.\n(^٤) أي النبي - ﷺ - بعد أن أخبره جبريل بقتلهم يخبر القوم بخبرهم وهو يبكي.\n(^٥) حتى أخذها سيف من سيوف الله هو خالد بن الوليد ﵁ وفتح الله عليهم وانتصروا على الأعداء والحمد لله، لما جاء يعلى بن أمية بخبر من استشهدوا في هذه الغزوة قال له - ﷺ -: إن شئت فأخبرني وإن شئت فأخبرك، قال يا رسول الله أخبرني، فأخبره بخبرهم فقال والذي بعثك بالحق نبيا ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره، قال خالد بن الوليد: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية.\n(^٦) كان عبد الله بن رواحة قبل هذه الغزوة مرض مرضا شديدا حتى أغمي عليه، فكانت أخته عمرة تعدد مآثره وتبكيه، فلما أفاق قال لأخته ما قلت فيّ شيئا إلا أنَّبوني ووبَّخوني، أي فلا تنبغي النياحة فإنها حرام كما سبق في الجنائز. وفي مرضه هذا عاده النبي - ﷺ - وهو مغمى عليه فقال: اللهم إن كان أجله قد حضر فيسر عليه وإلا فاشفه. قال فوجد خفة، فقال كأن ملكا قد رفع مرزبة من حديد يقول (ردا على نياحة أخته) أأنتَ كذا؟ فلو قلت نعم لقمعني بها، وكان ابن رواحة أنصاريا خزرجيا=","vol":"4","page":436},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1038>خاتمة في البعوث (^١)\nبعث عاصم وخبيب وأصحابهما </span>(^٢)\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةَ عَيْنًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ (^٣) ذُكِرُوا لِحَيَ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لَحْيَانَ فَتَبِعُوهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَامٍ (^٤) فَتَبِعُوا آثَارَهُمْ حَتَّى أَتَوْا مَنْزِلًا نَزَلُوا فَوَجَدُوا فِيهِ نَوَى تَمْرٍ تَزَوَّدُوهُ مِنَ الْمَدِينَةِ فَقَالُوا: هذَا تَمْرُ يَثْرِبَ (^٥) فَتَبِعُوا آثَارَهُمْ حَتَّى لَحِقُوهُمْ فَلَجَأَ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى فَدْفَدٍ (^٦) فَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ (^٧) وَقَالُوا: لَكُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيْثَاقُ إِنْ نَزَلْتُمْ إِلَيْنَا أَلا نَقْتُلَ مِنْكُمْ رَجُلًا فَقَالَ عَاصِمٌ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ (^٨)\n_________\n= وأحد السابقين وشاعرا مجيدا، فقد كان في عمرة القضاء بين يدي النبي - ﷺ - وهو داخل مكة يخاطب المشركين بقوله:\nخلوا بني الكفار عن سبيله … قد أنزل الرحمن في تنزيله\nبأن خير القتل في سبيله … نحن قتلناكم على تأويله\nكما قتلناكم على تنزيله\nفقال عمر: يا ابن رواحة انقول الشعر بين يدي رسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: دعه يا عمر فهذا أشد عليهم من رشق النبل. والله أعلم.\n\nخاتمة في البعوث\n(^١) البعوث جمع بعث وهو الفريق الذي كان يرسله النبي - ﷺ - إلى جهة، عينا أو مجاهدا، قليلا أو كثيرا فهو أعم من السرية التي يبلغ أقصاها أربعمائة، وفي القاموس: السرية من خمسة أنفس إلى أربعمائة، وقيل من مائة إلى خمسمائة وما زاد عليها يقال له منسر، فإن زاد على ثمانمائة سمي جيشا، فإن زاد على أربعة آلاف سم جحفلا، فإن زاد فجيش جرار اهـ شيخ الإسلام والله أعلم.\n\nبعث عاصم وخبيب وأصحابهما\n(^٢) بعث النبي - ﷺ - بعد بدر عشرة من الأنصار عيونا إلى مكة ليأتوه بخبر قريش منهم خبيب بن عدي وعبد الله بن طارق ومرثد بن أبي مرثد وزيد بن الدثنة وخالد بن أبي البكير ومعتب بن عبيد وأمر عليهم عاصم بن ثابت وهو خال عاصم بن عمر بن الخطاب.\n(^٣) وبينهما مرحلتان.\n(^٤) تبعهم من بني لحيان نحو مائة شخص ماهر بالرماية.\n(^٥) فعرفوا أنه نوى تمر خبيب وصحبه.\n(^٦) الفدفد - كجعفر - الرابية العالية.\n(^٧) أي الكفار.\n(^٨) في عهده فإنهم لا عهد لهم لعدم =","vol":"4","page":437},{"text":"اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا رَسُولَكَ فَرَمَوْهُمْ حَتَّى قَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةِ نَفَرٍ بِالنَّبْلِ (^١) وَبَقِيَ خُبَيْبٌ وَزَيْدٌ وَرَجُلٌ آخَرُ (^٢) فَأَعْطَوْهُمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ فَنَزُلُوا إِلَيْهِمْ فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ حَلُّوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَرَبَطُوهمْ بِهَا فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ فَأَبى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَجَرُّوهُ وَعَالَجُوهُ فَلَمْ يَمْتَثِلْ فَقَتَلُوهُ وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَزَيْدٍ حَتَّى بَاعُوهُمَا لِأَهْلِ مَكَةَ (^٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n_________\n=إيمانهم.\n(^١) على ذلك الفدفد بمكان يسمى الرجيع في بلاد هذيل.\n(^٢) هو عبد الله بن طارق.\n(^٣) بقية الحديث: وكان خبيب قتل الحارث بن عامر بن نوفل يوم بدر فاشتراه بنو الحارث فمكث عندهم زمنا أسيرا فكانت بنت الحارث تقول: ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وهو موثق في الحديد وليس بمكة يومئذ ثمرة فما كان إلا رزق رزقه الله تعالى، فلما أجمعوا على قتله خرجوا به من الحرم ليقتلوه خارجه فقال: دعوني أصل ركعتين فصلى ثم قال لهم: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت في عبادة ربي، فكان هو أول من سنّ الركعتين عند القتل، ثم قال اللهم أحصهم عددا. ثم قال:\nولست أبالى حين أُقتل مسلما … على أي شق كان في الله مصرعي\nوذلك في ذات الإله وإن يشأ … يبارك على أوصال شلو ممزع\nالأوصال جمع وصل وهو العضو، والشلو - كالبئر - الجسد، ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله، إلى رحمة الله ورضوانه، وأما زيد بن الدثنة فاشتراه صفوان بن أمية وقتله بأبيه الذي قتله زيد في بدر، وأما عاصم بن ثابت أمير هذه السرية فإنه كان قتل عظيما من قريش فلما سمعت بقتله أرسلت جماعة لتأخذ شيئا من جسده فيتشفوا فيه فأرسل الله على جسده مثل الظلة من الدبر فحمته منهم فلم يقدروا على أخذ شيء من جسمه، الدبر - كالشرط - الزنابير أو ذكور النحل. فكان كل من مال على جسمه ليأخذ منه شيئا طارت على وجهه فلدغته، قيل إن عاصما هذا كان أعطى الله عهدا ألا يمس مشركا ولا يمسه مشرك حفظه الله حيا وميتا، فظهر من هذه السرية كرامتان الأولى وجود الفاكهة في يد خبيب وهو موثق بالحديد يأكل منها وهذا في غير وقتها، وشهادة أعدائه بأنه من خير خلق الله، والفضل ما شهد به الأعداء. والثانية حفظ جسم عاصم من امتداد يد الأعداء إليه وهو جثة هامدة، ولا بعد ولا غرابة فهؤلاء أصحاب رسول الله - ﷺ - قد باعوا أموالهم وأرواحهم في مرضاة الله ورسوله ﵃ آمين.","vol":"4","page":438},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1039>بعث القراء السبعين </span>(^١)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ (^٢) اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَدُوِّهِمْ (^٣) فَأَمَدَّهُمْ بِسَبْعِينَ مِنَ الْقُرَّاءِ كُنَّا نُسَمِّيهِمُ الْقُرَّاءَ فِي زَمَانِهِمْ كَانُوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ حَتَّى كَانُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ\nغَدَرُوا بِهِمْ وَقَتَلُوهُمْ (^٤) فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَنَت شَهْرًا يَدْعُو فِي الصُّبْحِ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ (^٥). قَالَ أَنَسٌ: فَقَرَأَنَا فِيهِمْ قُرْآنًَا ثُمَّ رُفِعَ بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا\nفَرضي عَنَّا وَأَرْضَانَا (^٦). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ خَالَهُ حَرَامَ بْنَ مِلْحَانَ (^٧) فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا إِلَى بَنِي عَامِرٍ، وَكَانَ رَئِيسُهُمْ قَبْلَ هذَا - وَهُوَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ - خَيَّرَ النَّبِيَّ ﷺ بَيْنَ ثَلَاثِ خِصَالٍ (^٨) فَقَالَ: يَكُونُ لَكَ أَهْلُ السَّهْلِ وَلِي أَهْلُ الْمَدَرِ (^٩) أَو\n_________\nبعث القراء السبعين\n(^١) القراء: جماعة من الأنصار فقراء كانوا يكتسبون من جمع الحطب وبيعه نهارا ويحيون الليل بالصلاة وكثرة القراءة ولذا اشتهروا بالقراء ﵃.\n(^٢) رعل كبئر، وذكوان كسكران بن ثعلبة، وعصية مصغرا ابن خفاف، والمراد بنو هؤلاء جزاهم الله بما صنعوا.\n(^٣) طلبوا منه المدد على عدوهم.\n(^٤) بئر معونة - كمثوبة -: موضع في بلاد هذيل بين مكة وعسفان.\n(^٥) الذين قتلوا عاصما وأصحابه لأنهم متجاورون وجاء خبرهم وخبر القراء للنبي - ﷺ - في ليلة واحدة، وما حزن النبي - ﷺ - على أحد كما حزن على القراء ﵃.\n(^٦) فبعد بدر جاء رعل وذكوان وعصية للنبي - ﷺ - وطلبوا منه المساعدة على عدوهم فأمدهم النبي - ﷺ - بجماعة القراء السبعين وأمر عليهم المنذر بن عمرو الساعدي، فلما وصلوا إلى بئر معونة غدروا بهم فأحاطوا بهم فقال الفراء: اللهم إنا لا نجد من يبلغ رسولك عنا السلام غيرك فأقرئه منا السلام، فأخبره جبريل ﵇ بذلك، فقال: ﵈؛ ثم نزلت فيهم تلك الكلمات فكانت قرآنا يتلى زمنا ثم نسخت تلاوتها وبقي المعنى، وصار النبي - ﷺ - يدعو على هؤلاء القوم كل يوم في صلاة الصبح بعد الركوع الثاني بقوله: اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم سنين كسني يوسف، اللهم عليك ببني لحيان وعضل والقارة ورعل وذكوان وعصية فإنهم عصوا الله ورسوله.\n(^٧) حرام هذا خال أنس بن مالك ﵄.\n(^٨) حين قابل النبي - ﷺ - قبل هذا.\n(^٩) أهل السهل كالسهم: سكان البوادي، وأهل المدر كالقمر: سكان البلاد، خليفتك أي بعدك.","vol":"4","page":439},{"text":"أَكُونُ خَلِيفَتَكَ أَوْ أَغْزُوكَ بِأَهْلِ غَطَفَانَ بِأَلْفٍ وَأَلفٍ (^١) فَأَبى النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي عَامِرًا»، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِمْ حَرَامٌ وَمَعَهُ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَعْرَجُ. فَقَالَ حَرَامٌ لِصَاحِبَيْهِ لَمَّا دَنَوْا مِنْهُمْ: كونَا قَرِيبًا مِنِّي حَتَّى آتِيَهُمْ فَإِنْ آمَنُونِي كُنْتُمْ قَرِيبًا مِنِّي وَإِنْ قَتلُونِي أَتَيْتُمْ أَصْحَابَكُمْ فَذَهَبَ لَهُمْ حَرَامٌ فَقَالَ: أَتُؤْمِنُونِي أُبَلِّغْ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ وَأَوْمَأُوا إِلَى رَجُلٍ فَأَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ فَطَعَنَهُ قَالَ حَرَامٌ: اللَّهُ أَكْبَرُ فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ (^٢) ثُمَّ لَحِقُوا بِمَنْ كَانُوا مَعَهُ فَقَتَلُوهُمْ إِلا رَجُلًا أَعْرَجَ كَانَ فِي رَأْسِ جَبَلٍ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْنَا ثُمَّ كَانَ مِنَ الْمَنْسُوخِ: إِنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَ رضي عَنَّا وَأَرْضَانَا (^٣) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1040>بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة </span>(^٤)\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا أَسْلَمْنَا فَجَعَلُوا يَقُولُونَ صَبَأْنَا صَبَأْنَا (^٥) فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ وَدَفَعَ إِلَى كلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِد\n_________\n(^١) بدل من أهل غطفان، وألف أي فرس أشقر وألف أحمر، والمراد إن لم تقبل واحدة من هاتين غزوتك بجيش عظيم من غطفان فيه ألفا فارس على خيل شقر وحمر فضلا عن غيرهما.\n(^٢) فزت أي بالشهادة لأن الرمح نفذ من الجهة الأخرى، وقيل إن الذي طعنه هو عامر بن الطفيل.\n(^٣) وهل هؤلاء السبعون غير القراء السابقين الذين أرسلوا لرعل وذكوان أو هم القراء لرواية: فلما نزل الصحابة بئر معونة بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله - ﷺ - إلى عامر بن الطفيل فلما أتاه لم ينظر في كتابه بل عدا عليه فقتله، واستجاب الله دعوة نبيه - ﷺ - في عامر هذا فإنه كان بعد هذا عند امرأة فأصابه الطاعون فقال: غدة كغدة البكر (أي لا قيمة لهذا المرض) ائتوني بفرسي، فركبه وذهب لمنزله فمات قبل أن يصل إليه خاسرًا لدينه ودنياه والله أعلم.\n\nبعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة\n(^٤) جذيمة كعظيمة هو ابن عامر بن عبد مناة بن كنانة بن مدركة أحد أجداد النبي - ﷺ -.\n(^٥) خرجنا من الشرك إلى دين الإسلام.","vol":"4","page":440},{"text":"أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرْنَاُ فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ» مَرَّتَيْنِ (^١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1041>بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن ﵄</span>\n• عَنْ أَبِي بُرْدَةَ (^٢) ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا مُوسى وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ (^٣) وَبَعَثَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مِخْلَافٍ (^٤) ثُمَّ قَالَ: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا»\n_________\n(^١) فالنبي - ﷺ - في شوال عقب فتح مكة قبل خروجه لحنين أرسل سرية من الأنصار والمهاجرين عددهم ثلاثمائة وخمسون إلى بني جذيمة تحت إمرة خالد بن الوليد وأمره النبي - ﷺ - أن يدعوهم إلى الإسلام فإن أجابوا فلا سبيل لأحد عليهم، فلما ذهبوا لهم وعرضوا عليهم الإسلام أجابوا ولكنهم لم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا بل قالوا: صبأنا؛ ففهم خالد أنهم لم يسلموا ولم يكتف إلا بالتصريح بالإسلام فقتلوا وأسروا، وفي يوم أمر أصحابه بقتل من معهم من الأسرى فتوقف ابن عمر وغالبهم عن قتلهم إلا بني سليم فقتلوا من في أيديهم، فلما علم بهذا النبي - ﷺ - نقم على خالد وتبرأ إلى الله من فعله لعجلته وعدم التثبت في أمرهم، ولم ير عليه قودا لأنه تأول أنه كان مأمورا بقتالهم إلى أن يسلموا، ففيه أن الأمر المطلق لا يعم جميع الأحوال بل ينبغي التثبت والتبصر فربما كان الأمر خطأ كما وقع لسرية من الأنصار أرسلها النبي - ﷺ - تحت إمرة عبد الله بن حذافة السهمي فغضب منهم لأمر من الأمور، فقال أليس أمركم النبي - ﷺ - أن تطيعوني؟ قالوا: بلى أي نعم علينا إطاعتك، قال: فاجمعوا حطبا وأوقدوا نارا، ففعلوا، فقال: ادخلوها، فهموا أن يدخلوها وجعل بعضهم يمسك بعضا أي يمنعهم ويقول فررنا إلى النبي - ﷺ - من النار فما زالوا هكذا حتى خمدت النار فسكن غضبه، فتركهم، فلما رجعوا للنبي - ﷺ - ذكروا هذا له، فقال: \"لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة\"، أي لأهلكتهم لأنهم فعلوا ما نهوا عنه من قتل النفس، قال تعالى ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ فيه أن التأويل الفاسد لا يطاع آمره ولا يعذر فاعله، ولذا قال - ﷺ -: الطاعة في المعروف أي في الأمر المعروف شرعا، رواه البخاري عقب بعثة خالد.\n\nبعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن ﵄\n(^٢) هو عامر بن أبي موسى الأشعري.\n(^٣) واليين ومعلمين وجامعين للزكاة وهذا قبل حجة الوداع سنة عشر.\n(^٤) المخلاف كالمحراب: الكورة، والرستاق أي الإقليم، واليمن مخلافان عليا وسفلى فالعليا ما حاذى نجدا، والسفلى ما حاذى خليج العرب وهو بحر القلزم وكان أبو موسى واليًا على السفلى وكان معاذ واليًا على العليا.","vol":"4","page":441},{"text":"فَانْطَلَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى عَمَلِهِ وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا سَارَ فِي أَرْضِهِ كَانَ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبِهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَسَارَ مُعَاذٌ فِي أَرْضِهِ قَرِيبًا منْ صَاحِبِهِ أَبِي مُوسَى فَجَاءَ يَسِيرُ عَلَى بَغْلَتِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ قَدْ جُمِعَتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ (^١) فَقَالَ مُعَاذٌ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ (^٢): أَيُّمَ هذَا (^٣) قَالَ: هذَا رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ قَالَ: لَا أَنْزِلُ حَتَّى يُقْتَلَ قَالَ: إِنَّمَا جِيءَ بِهِ لِذَلِكَ فَانْزِلْ قَالَ: مَا أَنْزِلُ حَتَّى يُقْتَلَ فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ كَيْفَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: أَتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقًا (^٤) فَقَالَ: فَكَيْفَ تَقْرَأُ أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟ قَالَ: أَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَأَقُومُ وَقَدْ قَضَيْتُ جُزْئِي مِنَ النَّوْمِ فَأَقْرَأُ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي فَأَحْتِسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي (^٥). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1042>بعث علي وخالد بن الوليد ﵄ إلى اليمن</span>\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى الْيَمَنِ (^٦) قَالَ: ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا بَعْدَ ذلِكَ مَكَانَهُ فَقَالَ ﷺ لِعَلِيَ: «مُرْ أَصْحَابَ خَالِدٍ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ أَنْ يُعَقِّبَ مَعَكَ فَلْيُعَقِّبْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُقْبِلْ» فَكُنْتُ فِيمَنْ عَقَبَ مَعَهُ فَغَنِمْتُ أَوَاقٍ ذَوَاتِ عَدَدٍ (^٧).\n_________\n(^١) غلت يداه في عنقه أي ربطتا فيه لئلا يتمكن من الهرب.\n(^٢) هذا اسم أبي موسى.\n(^٣) بفتح الياء وضمها وحذفت الألف من لفظ ما تخفيفا أي أي شيء هذا.\n(^٤) هذا من فواق الناقة وهو أن تحلب ثم تترك ساعة حتى تدر ثم تحلب ثانيا، أي لا أقرأ وردي من القرآن مرة واحدة بل في عدة أوقات على حسب ما يتيسر لي ليلا أو نهارا.\n(^٥) أما معاذ فكان ينام أول الليل ويقوم آخره للتهجد والقرآن فيلتمس الثواب من نومه لراحة جسمه لعبادة ربه كما يلتمسه من قومته عابدًا لربه تعالى، فلم تشغلهم الولاية وعبؤها الثقيل عن طاعتهم لله تعالى ليلا ونهارا ﵃ وحشرنا في زمرتهم آمين.\n\nبعث عليّ وخالد بن الوليد ﵄ إلى اليمن\n(^٦) هذا بعد رجوعهم من الطائف وقسمة غنائم حنين بالجعرانة.\n(^٧) فالنبي - ﷺ - بعث خالدا إلى اليمن ثم عاد بأصحابه الذين كانوا معه ثم بعث عليًا مكانه وأمره أن يأخذ من أصحاب خالد من شاء منهم أن يعود فعاد البراء مع عليّ فغنم عدة أوراق من الذهب، وقال بريدة: بعث النبي - ﷺ - عليًا إلى خالد ليقبض=","vol":"4","page":442},{"text":"• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ ﵁ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا (^١) فَقَسَمَهَا النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ وَأَقْرَعَ بْنِ حَابِسٍ وَزَيْدِ الْخَيْلِ (^٢) وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ بْنُ عُلاثَةَ وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ (^٣) فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهذَا\nمِنْ هؤُلَاءِ (^٤) فَبَلَغَ ذلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَمَاءِ يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً» قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرٌ الْعَيْنَيْنِ (^٥) مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ (^٦) نَاشِزُ الْجَبْهَةِ (^٧) كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ (^٨) مُشَمَّرُ الْإِزَارِ (^٩) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ قَالَ: «وَيْلَكَ أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يَتَّقي اللَّهَ» قَالَ: ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ (^١٠) قَالَ: «لَا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي» قَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلَ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ (^١١) وَلَا أَشُقَّ\n_________\n= منه خمس الغنائم وكنت أبغض عليًّا لأني رأيته يغتسل من جارية من السبي، فقلت لخالد: ألا ترى إلى عليّ يغتسل؛ فلما قدمنا على النبي - ﷺ - ذكرت له ذلك فقال: لا تبغض عليًّا فإن له في الخمس أكثر من ذلك. رواه البخاري، ويظهر أن الجارية كانت بكرًا فلم يستبرئها وإلا فعليّ ﵁ لا يخفى عليه الحكم.\n(^١) ذهيبة بالتصغير أي قطعة ذهب من غنائم اليمن أو من معدن هناك لم تصف من ترابها وهي ملفوفة في جلد مدبوغ بالقرظ.\n(^٢) ابن مهلهل الطائي النبهاني وقيل زيد الخيل لكرائم خيله وسماه النبي - ﷺ - زيد الخير أسلم وحسن إسلامه.\n(^٣) الصواب أنه علقمة العامري وأما عامر بن الطفيل فقد هلك كافرا قبل هذا بخرّاج ظهر في أسفل أذنه من ضرب الطاعون إجابة لدعوته - ﷺ - عليه لما غدر بأصحابه الذين ذهبوا له بكتاب النبي - ﷺ - كما سلف في بعث القراء، فالنبي - ﷺ - قصر الذهيبة على هؤلاء الأربعة يتألفهم بهذا.\n(^٤) أبهمه سترا عليه.\n(^٥) أي داخلهما.\n(^٦) بارز الوجنتين وهما ما ارتفع من الخدين.\n(^٧) أي مرتفعهما.\n(^٨) وهذه سيما الخوارج في التحليق بخلاف العرب حينذاك فإنهم كانوا يوفرون شعورهم وإلا فحلق شعر الرأس مباح.\n(^٩) هذا الرجل اسمه ذو الخويصرة التميمي أو نافع أو حرقوص بن زهير.\n(^١٠) وقيل إن القائل لهذا عمر، ويمكن أنهما قالا ذلك معا.\n(^١١) وضبط أنقب من التنقيب وهو البحث والتفتيش.","vol":"4","page":443},{"text":"بُطُونَهُمْ» قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُقَفَ (^١) فَقَالَ: «إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِيءِ هذَا (^٢) قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ رَطْبًا لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ (^٣) يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» وَأَظُنُّهُ قَالَ: «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمودَ (^٤)». رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ. نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ وَالتَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ آمِين.\nتم بتوفيق الله تعالى الجزء الرابع من كتاب التاج وعدد أحاديثه ألف وخمس وسبعون حديثا. نسأل الله أن تكون خالصة لوجهه الكريم آمين. ويليه إن شاء اللهُ تعالى الجزء الخامس وأوله كتاب الأخلاق. نسأل الله التوفيق لإتمامه آمين.\n_________\n(^١) وروي مقفى أي مول قفاه وذاهب.\n(^٢) أي أصل هذا.\n(^٣) رطبا ألسنتهم به من كثرة التلاوة أو من تحسين أصواتهم به.\n(^٤) أستأصلهم كما استؤصلت ثمود، هؤلاء هم الخوارج وسبق بعض الكلام عنهم في فضل القرآن وسيأتي ذكرهم وافيًا في كتاب الفتن إن شاء الله.\n﴿تنبيه﴾ ما سبق من الغزوات والبعوث قليل بالنسبة لما وقع نظرًا لشروط الشيخين - في كتابيهما - السابقة في شرح الخطبة ولكنها مبسوطة في كتب السير والتواريخ.","vol":"4","page":444},{"text":"التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول ﷺ\n\nتأليف\nالشيخ منصور علي ناصف\nمن علماء الأزهر الشريف\n\nوعليه\nغاية المأمول - شرح التاج الجامع للأصول\n\nالجزء الخامس\n\nالطبعة الخامسة\n١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م\n\nجميع الحقوق محفوظة\nدار إحياء التراث العربي\nبيروت - لبنان","vol":"5","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type='title' id=toc-1043>القسم الرابع في الأخلاق والسمعيات </span>(^١)\n<span data-type='title' id=toc-1044>كتاب البر والأخلاق </span>(^٢)\nوفيه ثلاثة أبواب وخاتمة\n\n<span data-type='title' id=toc-1045>الباب الأول في أنواع البر </span>(^٣)\n• عَنِ النَّوَّاس بْنِ سَمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ فَقَالَ: الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَاْلْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ (^٤)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\nكتاب البر والأخلاق\n(^١) السمعيات: هي الأمور التي سمعناها عن الشارع من البعث والحشر وأحوال القيامة كالميزان والصراط والحوض والجنة والنار، وستأتي مبسوطة إن شاء الله.\n(^٢) الأخلاق جمع خلق وهو ما جبل عليه الإنسان من خير وشر، والمراد بيان الذميم منها والكريم فيجتنب الأول ويتصف بالثاني.\n(^٣) البر يكون بمعنى حسن الصحبة والعشرة، وبمعنى الطاعة، وبمعنى اللطف، وبمعنى الصلة والمبرة، فالبر اسم جامع لكل خير، كما أن الإثم اسم جامع لكل شر، قال الله تعالى ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾.\n(^٤) فالإثم ما تردد في الصدر ولم يطمئن له القلب وكرهت أن يراه الناس، والبر: حسن الخلق، وأحسن ما قيل فيه: إنه فعل الواجبات والبعد عن المحرمات والبشاشة مع الناس والإحسان إليهم، وقال وابصة بن معبد: أتيت رسول الله - ﷺ - أسأله عن البر فقال: جئت تسأل عن البر؟ قلت: نعم، قال: البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك، ومرماه كحديث الكتاب والله أعلم.","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1046>أعظم بر الوالدين </span>(^١)\nقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (^٢) إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (^٣)﴾ صَدَقَ اللهاُ العظيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي (^٤)؟ قَالَ: «أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ «أَبُوكَ (^٥)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ ثُمَّ أَبُوكَ ثُمَّ أَدْنَاكَ فَأَدْنَاكَ (^٦) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ (^٧)» قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ» أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِماَ «ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ (^٨)» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَقَالَتْ أَسْمَاءُ ﵂: قَدِمَتْ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ قُرَيْشٍ\n_________\nأعظمه بر الوالدين\n(^١) الوالدان تثنية والد وهو الأب والأم، والمراد الأب وإن علا ويلحق به الأعمام والعمات لما تقدم في الفضائل: إنما عم الرجل صنو أبيه، والأم وإن علت ويلحق بها الأخوال والخالات لما يأتي: الخالة بمنزلة الأم.\n(^٢) فالله تعالى ما قرن الإحسان إلى الوالدين بتوحيده إلا لأن حقهما عظيم على الولد لأنهما السبب في وجوده، ولما قاسياه في أمره.\n(^٣) فإذا نهى الله الولد عن التأفيف لأبويه وعن زجرهما بالكلام فأولى بالنهي الشتم والسب والطعن والضرب، فالمطلوب مخاطبتهما باللين واحترامهما وتعظيمهما، بل والإحسان إليهما بالميسور والدعاء لهما كما قال تعالى ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾.\n(^٤) أي من أولى بحسن العشرة والإحسان.\n(^٥) ذكر الأم ثلاث مرات ثم ذكر الأب بعدها لعظم حقها مما قاسته في حمله وإرضاعه ثلاثين شهرا وسهرها به واحتراق قلبها عليه حتى ربته.\n(^٦) أي الأقرب لك من الأصول والفروع والحواشي.\n(^٧) أي لصق بالرغام وهو التراب ذلا وهوانا، وقوله عند الكبر لشدة حاجتهما إلى إحسان الولد وإلا فعليه إرضاؤها في كل وقت إذا أمكنه ولم يكن حراما وإلا فلا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى.\n(^٨) لعقوقه لهما.","vol":"5","page":4},{"text":"إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَبِيهَا فاَسْتَفْتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهاَ؟ قَالَ: «نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ (^١)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: «أُمَّكَ ثُمَّ أُمَّكَ ثُمَّ أُمَّكَ ثُمَّ أَبَاكَ ثُمَّ الْأَقْرَبَ، لَا يَسْأَلُ رَجُلٌ مَوْلَاه (^٢)» مِنْ فَضْلٍ هُوَ عِنْدَهُ فَيَمْنَعَهُ إِيَّاهُ إِلا دُعِيَ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَضْلُهُ الَّذِي مَنَعَهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ (^٣)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ (^٤).\nوَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ قَالَ: «أُمَّكَ وَأَبَاكَ وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ وَمَوْلَاكَ الَّذِي يَلِي ذَاكَ (^٥) حَقٌّ وَاجِبٌ وَرَحِمٌ مَوْصُولَةٌ (^٦)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ لَقِيَهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ عَلَيْهِ فَسَلَّمَ ابْنُ عُمَرَ وَحَمَلَهُ عَلَى حِماَرٍ كاَنَ يَرْكَبُهُ وَأَعْطاَهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَأُسِهِ فَقَالَ ابْنُ دِيناَرٍ: أَصْلَحَكَ اللهاُ، إِنَّهُمُ الْأَعْرَابُ وَهُمْ يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهاَ: إِنَّ أَبَا هذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (^٨) وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَبَرَّ الْبِرَّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ (^٩)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ وَكُنْتُ أُحِبُّهَا وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُهَا فَأَمَرَنِي بِطَلَاقِها فَأَبَيْتُ فَذَكَرَ عُمَرُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «طَلِّقْها (^١٠)»، رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١١).\n_________\n(^١) فأسماء بنت أبي بكر أخت عائشة لأبيها وامرأة الزبير، جاءتها أمها وهي كافرة تلتمس منها شيئا فقالت أسماء: يا رسول الله أأصل أمي وهي كافرة؟ قال: نعم صليها، ففيه صلة الوالد ولو كان كافرا.\n(^٢) أي قريبه.\n(^٣) فمن لم يحسن إلى قريبه المضطر فإن ماله يمثل له يوم القيامة ثعبانا عظيما يعذبه والعذاب لا يكون إلا لترك واجب أو فعل حرام فتكون صلة الرحم واجبة.\n(^٤) بسند حسن.\n(^٥) قريبك الذي يقرب ممن ذكروا.\n(^٦) وروى بنصب الكلمات الأربع أي قلت قولا موافقًا للواقع، ورحما موصولة أي قرابة يجب وصلها ويحرم قطعها.\n(^٧) بسند صالح.\n(^٨) صاحبا ودودا له.\n(^٩) وفي رواية: إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولى أي بعد موته، فالإحسان إلى أصحاب الأب إحسان للأب لأنه سبب في الترحم عليه.\n(^١٠) هذا خاص بعمر ونحوه لأن كراهته لها كانت لله لأمر يقتضي الكراهة، فلذا أمره النبي - ﷺ - بطلاقها مع محبته لها، وإلا فالزوج لا يطيع أحدا في طلاق امرأته إلا إذا كان هناك ما يقتضيه لما تقدم: أبغض الحلال إلى الله الطلاق.\n(^١١) بسند صحيح.","vol":"5","page":5},{"text":"وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَويَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُما بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِما؟ قَالَ: «نَعَمْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِماَ (^١) وَالِاسْتِغْفاَرُ لَهُماَ وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِماَ مِنْ بَعْدِهِماَ (^٢) وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلا بِهِماَ (^٣) وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِماَ (^٤)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيِّ ﷺ يَقْسِمُ لَحْمًا بِالْجِعْرَانَةِ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ\nأَحْمِلُ عَظْمَ الْجَزُورِ (^٦) إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ حَتَّى دَنَتْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ إِلَيْهَا فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: مَنْ هِيَ؟ فَقَالُوا: هذِهِ أُمُّهُ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ (^٧)، آَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٨).\n\n• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقاَلَ: إِنَّ لِي امْرَأَةً وَإِنَّ أُمِّي تَأْمُرُنِي بِطَلَاقِهَا قاَلَ أَبُو الدَّرْدَاء: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذلِكَ الْبَابَ أَوِ احْفَظْهُ (^٩)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللهاِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ وَسُخْطُ الرَّبِّ فِي سُخْطِ الْوَالِدِ (^١٠)».\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ (^١١)». وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: «هَلْ لَكَ مِنْ أُمّ»؟ قَالَ: لَا، قاَلَ: «هَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ»؟ قَالَ: نَعَمْ قاَلَ: «فَبِرَّهَا (^١٢)». رَوَى هذِهِ الْأَرْبَعَةَ التِّرْمِذِيُّ (^١٣).\n_________\n(^١) الدعاء لهما ومنه صلاة الجنازة.\n(^٢) إمضاء وصيتهما.\n(^٣) كالأعمام والعمات وكالأخوال والحالات.\n(^٤) لفظ البيهقي: وصلة رحمهما التي لا رحم لك إلا من قبلهما؛ فقال: ما أكثر هذا وأطيبه يا رسول الله، قال: فاعمل به فإنه يصل إليهما.\n(^٥) بسند صالح.\n(^٦) البعير ذكرا أو أنثى.\n(^٧) هي حليمة السعدية ﵂.\n(^٨) بسند صالح.\n(^٩) المراد الحث على إكرامها إجابة طلبها إن كانت محقة فيه.\n(^١٠) فرضاء الله وسخطه على الولد تابع لرضاء الوالد الذي رضاه وسخطه لله.\n(^١١) في طلب إرضائها وإكرامها مثلا لا في الميراث.\n(^١٢) عظم بر الأم والخالة حتى صار من مكفرات الذنوب العظيمة.\n(^١٣) بأسانيد صحيحة.","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1047>ومنه بر الأبناء</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّيْمِيُّ جَالِسًا فَقَالَ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قاَلَ: مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ (^١). رَوَاهُ البُخَارِيَّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَقَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵄: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْأُخْرَى ثُمَّ يَضُمُّهُماَ ثُمَّ يَقُولُ: «الَّلهُمَّ ارْحَمْهُما فَإِنِّي أَرْحَمُهُما (^٢)». رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قاَلَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَتُقَبِّلُونَ الصِّبيْانَ فَماَ نُقَبِّلُهُمْ (^٣) فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللهاُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ (^٤)». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَعَنْهاَ قَالَتْ: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ وَمَعَهاَ ابْنَتاَنِ تَسْأَلُنِي فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَة فَأَعْطَيْتُهاَ فَقَسَمَتْهاَ بَيْنَ ابْنَتَيْهًا (^٥) ثمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ فَقاَلَ: «مَنْ بُلِيَ مِنْ هذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ (^٦) فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلِمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ: «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى يُدْرِكاَ دَخَلتُ أَنَا وَهُوَ الجَنَّةَّ كَهاَتَيْنِ (^٧)».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ\n_________\nومنه بر الأبناء\n(^١) فمن لا يرحم عباد الله لا يرحمه الله تعالى.\n(^٢) فيه عظيم الملاطفة بالأطفال.\n(^٣) ولفظ مسلم: فقال نعم؛ قال: لكنا ما نقبل.\n(^٤) أو أملك بفتح الهمزتين والواو عطف على محذوف أي هل تقول ذلك ولا أملك الرحمة لقلبك بل الله يهبها لك إن شاء، ففيه أن العطف على الأولاد من الرحمة المحمودة وأن تركه من القسوة المشئومة، نسأل الله الرحمة آمين.\n(^٥) فالمرأة مع شدة جوعها لم تطعم من التمرة شيئًا بل قسمتها بين بنتيها رحمة بهما وشفقة عليهما.\n(^٦) واحدة أو أكثر له أو لغيره.\n(^٧) من عال أي قام بأمرهن، جاريتين أي بنتين، حتى يدركا فتستغنيان عنه بالكسب أو الزواج دخل الجنة مع النبي - ﷺ -.","vol":"5","page":7},{"text":"ثَلَاثُ بَنَاتٍ أَوْ ثلاثُ أَخَوَاتٍ أَوَ أُخْتَانِ فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُنَّ (^١) وَاتَّقَى الله فِيهِنَّ فَلَهُ الْجَنَّةُ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أُنْثَى فَلَمْ يَئِدْهَا وَلَمْ يُهِنْها وَلَمْ يُؤْثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْها أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ (^٢)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣).\n\n• عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵄ قَالَ: زَعَمَتِ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ (^٤) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ مُحْتَضِنٌ أَحَدَ ابْنَيِ ابْنَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ: «إِنَّكُمْ لَتُبَخِّلُونَ وَتُجَبِّنُونَ وَتُجَهِّلُونَ وَإِنَّكُمْ لَمِنْ رَيْحاَنِ اللهِ (^٥)».\n\n• عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بصَاعٍ (^٦)».\n\n• عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا مِنْ نُحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ (^٧)»، رَوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) أي عشرتهن.\n(^٢) لم يئدها أي لم يدفنها حية كعادة الجاهلية الشنيعة، ولم يؤثر ولده أي الذكر عليها بل يحسن إلى الأولاد في حياته على السواء.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) بيان للمرأة الصالحة، وزعمت أي قالت.\n(^٥) إنكم أي أيها الأولاد، لتبخلون أي الآباء فبسببهم يصير الوالد بخيلا حرصا على بقاء ماله لهم، وتجبنون أي يصير الوالد جبانا فلا يقتحم الشدائد كالخروج للجهاد حرصا على حياته لأولاده وكذا يجهل الوالد بميله عن الحق أحيانا بسبب الأولاد، فالولد مبخلة مجبنة مجهلة بل وفتنة، قال تعالى ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾ والعاقل لا يشغله شيء عن الله تعالى.\n(^٦) لقرب ولده فهو أولى بمعروفة والأدب له وللناس.\n(^٧) والأدب الحسن أن يعلمه كيف يأكل وكيف يشرب وكيف يعامل الناس وكيف يسعى لعيشه بينهم ويحسن عشرتهم ويعلمه الواجب عليه لربه ولخلقه فيدخل في هذا تعليمه بما يناسب الزمان والمكان مع المحافظة على الدين والتوفيق بيد الله تعالى يهبه لمن يشاء.","vol":"5","page":8},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1048>تجب صلة الرحم ويحرم قطعها </span>(^١)\nقَالَ اللهاُ تَعاَلَى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾.\n\n• عَنْ أَبِي أَيُّوبَ (^٢) ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهاِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجِنَّةَّ فَقاَلَ الْقَوْمُ: مَا لَهُ مَا لَهُ (^٣) فَقاَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «أَرَبٌ مَالَهُ، تَعْبُدُ الله لَا تشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ (^٤) ذَرْهَا كأَنَّهُ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ (^٥)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَأَنْ يُنْسَاءَلَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ (^٦)»، رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ وَلِلْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحُمُه وَصَلَها (^٧)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرَّحِمَ شِجَنَةٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَقَالَ اللهاُ مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ (^٨). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ\n_________\nتجب صلة الرحم ويحرم قطعها\n(^١) المراد بالرحم القرابة وهي أعم مما تقدم فتشمل الأصول والفروع والحواشي قريبة أو بعيدة وإن كان الوعيد الآتي على قطعها لا يتنزل إلا على قطع من وجبت له النفقة كالأصول والفروع.\n(^٢) هو خالد بن زيد الأنصاري وقيل هو السائل.\n(^٣) استفهام كرر للتأكيد، وفيه معنى التعجب ولذا قال رسول الله له له أرب وحاجة يسأل عنها فلم التعجب.\n(^٤) أي تحسن إلى أقاربك بما تيسر لك على حسب حالك وحالهم من إنفاق أو سلام أو زيارة ونحوها.\n(^٥) ذرها أي الراحلة تسير وكان السائل أخذ بزمامها فأوقفها والنبي - ﷺ - على ظهرها.\n(^٦) البسط: الزيادة، والنسأ: التأخير، والأثر: الأجل، فمن أراد السعة في رزقه والزيادة في عمره فليحسن إلى أقاربه، وكانت صلة الرحم سببا في بسط الرزق لقوله تعالى ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ والمراد بزيادة العمر البركة فيه، فيوفق للأعمال الصالحة في سبعين سنة مثلا أكثر من عمل مائة وخمسين سنة.\n(^٧) فالمكافئ وهو من يعطى نظير ما أخذه لا يسمى واصلا بل الواصل هو من يعطى من قطعه الحديث \"ثلاثة من مكارم الأخلاق عند الله: أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك\".\n(^٨) الشجن واحد الشجون وهي طرق الأودية ومنه: الحديث ذو شجون أي يدخل بعضه في بعض،=","vol":"5","page":9},{"text":"الله خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ (^١)» قَالَتِ الرَّحِمُ: هذَا مَقاَمُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ (^٢) قَالَ: نَعَمْ أَمَا تَ رضينَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى ياَ ربِّ قَالَ: فَهُوَ لَكِ» قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «فَاقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ» ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ * أَوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ فَقَالَ: «لَئِنْ كُنْتَ كَماَ قُلْتَ فَكَأَنَّماَ تُسِفّهُمُ الْمَلَّ (^٣) وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ الله ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذلِكَ (^٤).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ (^٥) تَقُولُ مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ». رَوَاهُماَ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنةَّ قَاطِعُ رَحِمٍ (^٦)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَكَبَرِ الْكَبَائرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ (^٧)». رَوَاهُمَا الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «أنا الله وأنا\n_________\n=والشجنة: عروق الشجر المشتبكة في بعضها، وهنا الرحم شجنة من الرحمن أي مشتقة من اسم الرحمن تعالى فمن وصلها وصله الله بلطفه وإحسانه.\n(^١) قضاه وأتمه.\n(^٢) قالت الرحم بلسان الحال أو المقال هذا أي قيامي هذا مقام المستجير بك من القطيعة فأجابها الله بما ذكر، وتقدم هذا في سورة محمد - ﷺ - في التفسير.\n(^٣) الرماد: الحار تشبيه بما يلحقهم من الألم بما ينال آكل الرماد الحار لإساءتهم إلى من أحسن إليهم.\n(^٤) ظهير أي ناصر ومعين.\n(^٥) أي تستجير بربها وربه.\n(^٦) إن استحله مع علمه بتحريمه، أو لا يدخلها مع السابقين، أو هذا زجر وتنفير.\n(^٧) أن يسب الرجل والديه أي يتسبب في سبهما، وإنما كان سبهما من أكبر الكبائر لأنه عقوق وإساءة وكفران لحقهما الذي هو الإعظام والإكبار وتمام الإحسان.","vol":"5","page":10},{"text":"الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بنته (^١)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ فَإِنَّ صَلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ مَثْرَاةٌ فِي الْماَلِ مَنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ (^٣)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ (^٤)، نَسْأَلُ الله التَّوْفِيقَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1049>ومنه بر الأتباع </span>(^٥)\n\n• عَنْ عُباَدَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْن الصَّامِتِ ﵃ قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي نَطْلبُ الْعِلْمَ فِي هذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ قَبْلَ أَنْ يَهْلِكُوا (^٦) فَكاَنَ أَوَّلُ مَنْ لَقِيَناَ أَباَ الْيَسَرِ صَاحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ غُلَامٌ لَهُ مَعَهُ ضِمَامَةٌ مِنْ صُحُفٍ (^٧) وَعَلَى أَبِي الْيَسَرِ بُرْدَةٌ وَمَعاَفِرِيٌّ (^٨) وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدَةٌ وَمَعاَفِرِيٌّ فَقُلْتُ لَهُ أَنَا: ياَ عَمِّي لَوْ أَنَّكَ أَخَذْتَ بُرْدَةَ غُلَامِكَ وَأَعْطَيْتَهُ مَعاَفِرِيَّكَ وَأَخَذْتَ مَعاَفِرِيَّهُ وَأَعْطَيْتَهُ بُرْدَتَكَ فَكَانَ عَلَيْكَ حُلَّةٌ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ (^٩) فَمَسَحَ رَأْسِي وَقَالَ: الَّلهُمَّ باَرِكْ فِيهِ ياَ ابْنَ أَخِي بَصُرَ عَيْناَيَ هَاتاَنِ وَسَمِعَ أُذُناَيَ هَاتاَنِ (^١٠) وَوَعَاهُ قَلْبِي هذَا وَأَشَارَ إِلَي مَنَاطِ قَلْبِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: «أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ (^١١)» وَكَانَ أَنْ أَعْطَيْتُهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْياَ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ\n_________\n(^١) أي قطعته.\n(^٢) بسند صحيح.\n(^٣) فصلة الرحم توجب محبة الأهل وسعة الرزق وطول العمر، نسأل الله التوفيق.\n(^٤) بسند صحيح.\n\nومنه بر الأتباع\n(^٥) الأتباع: جمع تابع كالمملوك والخادم والأجير، فالإحسان إليهم والرأفة بهم مطلوبان لضعفهم ومسكنتهم.\n(^٦) وهم أهل المدينة ﵃.\n(^٧) رزمة من ورق مكتوب فيه.\n(^٨) البردة: شملة مخططة أو كساء مربع تلبسه الأعراب، والمعافري: نوع من الثياب يصنع بقرية تسمى معافر.\n(^٩) فإن الحلة عند العرب ثوبان من جنس واحد.\n(^١٠) تأكيد في سماعه من النبي - ﷺ - بدون واسطة.\n(^١١) أطعموهم أي الأتباع من طعامكم وألبسوهم من لباسكم، وهذا للكمال وإلا فالواجب على السيد معاملة الأتباع بما جرت به عادتهم زمانا ومكانا وهذا بإجماع.","vol":"5","page":11},{"text":"يَأْخُذَ مِنْ حَسَناَتِي يَوْمَ القِياَمَةِ (^١)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلًا فِي قِصَّةٍ لِأَبِي الْيَسَرِ.\n\n• عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي (^٢): اعْلَمْ أَباَ مَسْعُودٍ مَرَّتَيْنِ للَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ قَالَ: «أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَعَتْكَ النَّارُ أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ (^٣)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ جُلِدَ لَهُ\nيَوْمَ الْقِيامَةِ حَدًّا (^٤)».\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ نَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ فَصَمَتَ فَأَعَادَ الْكَلَامَ فَصَمَتَ فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ قَالَ: «فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً (^٥)»، رَوَى هذِ الثَّلَاثَةَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي ذَرّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ لَاءَمَكُمْ مِنْ مَمْلْوكِيكُمْ فَأَطْعِمُوهُ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُ مِمَّا تَكْتَسُونَ وَمَنْ لَمْ يُلَائْمكُمْ مِنْهُمْ فَبِيعُوهُ وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ تَعَالَى (^٧)».\n\n• عَنْ رَافِعِ بْنِ مَكِيثٍ (^٨) ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «حُسْنُ الْمَلَكَةِ يُمْنٌ وَسُوءُ الْخُلُقِ شُؤْمٌ (^٩)» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^١٠).\n\n• عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:\n_________\n(^١) أن أعطيته اسم كان وخبرها أهون عليّ، فعطائي له في دنياي أسهل من أخذ حسناتي في الآخرة.\n(^٢) ينادي بالآتي.\n(^٣) أي أحرقتك وليس عتقه واجبا عليه لهذا ولكنه أعتقه أملا في العفو عنه وفي إرضاء الله ورسوله ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾.\n(^٤) ولفظ الترمذي \"من قذف مملوكه بريئًا مما قال له أقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال\".\n(^٥) المراد التكثير دون التحديد، وإنما طلب العفو عنه كثيرا أملا في رحمة الله تعالى \"ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء\".\n(^٦) الأولان بسندين صحيحين والثالث بسند حسن.\n(^٧) فمن ارتاحت نفوسكم إليه فأبقوه وأحسنوا إليه وإلا فبدلوه بغيره ولا تعذبوا عباد الله فإن الله ينتصر لهم.\n(^٨) ليس له إلا هذا الحديث.\n(^٩) حسن الملكة - بفتحات - الصنيع مع الأتباع يمن وبركة لأنه إذا أحسن إليهم أحبوه وأخلصوا له وأتقنوا أعمالهم فنما ماله وحسن حاله بخلاف الحمق معهم فإنه تعب وخسران، وربما أدى إلى الهلاك لحديث الترمذي: لا يدخل الجنة سيء الملكة.\n(^١٠) بسندين صالحين.","vol":"5","page":12},{"text":"«ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَأَدْخَلَهُ جَنَّتَهُ: رِفْقٌ بِالضَّعِيفِ (^١) وَشَفَقَةٌ عَلَى الْوَالِدَيْنِ وَإِحْسَانٌ إِلَى الْمَمْلُوكِ».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بِغمَّا لِأَحَدِهِمْ (^٢) أَنْ يُطِيعَ رَبَّهُ وَيُؤَدِّيَ حَقَّ سَيِّدِهِ».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ فَارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ (^٣)».\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ، وَرَجُلٌ يُنَادِي بِالْصَّلَوَاتِ الخَمْسِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ (^٤)»، رَوَى هذِهِ الْأَرْبَعَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1050>ومنه رحمة اليتيم والأرملة </span>(^٦)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ ﴿وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هكَذَا وَقَالَ بِإصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى (^٧)»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَلِمُسْلِمٍ: «كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِه (^٨)\n_________\n(^١) رحمة بالضعيف كالكبير والمريض ومن شواه الفقر.\n(^٢) أي الأتباع.\n(^٣) فذكر الله مستجيرا به كقوله: اتركني بالله، أو كفى بالله فارفعوا أيديكم إجلالا لاسم الله تعالى.\n(^٤) تقدم هذا في الجماعة من كتاب الصلاة.\n(^٥) الأول والرابع بسندين حسنين والثاني بسند صحيح، وتقدم في العتق من هذا كثير، نسأل الله أن يجيرنا وأحبابنا من النار آمين.\n\nومنه رحمة اليتيم والأرملة\n(^٦) اليتيم من فقد أباه قبل أن يبلغ، ومن فقد أمه فقط فهو لطيم، ومن فقدهما فهو قطيع، والإحسان الثلاثة مطلوب، وتقدمت علامات البلوغ في الوصية من كتاب الفرائض، والأرملة: التي لا زوج لها سواء كانت تزوجت أم لا من الإرمال وهو الفقر.\n(^٧) وقال أي أشار وفرج بين السبابة والوسطى، فكافل اليتيم وهو من يقوم بتربيته حتى يستغنى عنه برشده أو موته أو زواجه إن كان أنثى له درجة عظيمة في الجنة قريبة من النبي - ﷺ -.\n(^٨) له بأن كان ولد ولده أو قريبه أو لغيره بأن كان ابنا لأجنبي.","vol":"5","page":13},{"text":"أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ» وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى.\n\n• عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعاءُ الْخَدَّيْنِ (^١) كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوْمَأَ بِالْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ، امْرَأَةٌ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا (^٢) ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا (^٣)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَبَضَ يَتِيمًا مِنَ بَيْنِ مُسْلِمَيْنِ (^٥) إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ الْبَتَّةَ إِلا أَنْ يَعْمَلَ ذَنْبًا لَا يُغْفَرُ لَهُ (^٦)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٧).\n\n• عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبيلِ اللَّهِ أَوْ كَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ الَّليْلَ (^٨)» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ آمِينَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1051>ومنه حقوق الجار </span>(^٩)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى (^١٠)﴾ ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ (^١١)﴾ ﴿وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ (^١٢)﴾ ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ (^١٣)﴾ ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ (^١٤)﴾.\n_________\n(^١) متغيرة لون الخدين من المشقة والضنك.\n(^٢) صارت أيما لا زوج لها.\n(^٣) بانوا أي كبروا واستغنوا عنها، أو ماتوا إلى رحمة الله، فمن لم تتزوج حتى ربت يتاماها لها درجة عظيمة قريبة من النبي - ﷺ -.\n(^٤) بسند صالح.\n(^٥) يتيما أبواه كانا مسلمين.\n(^٦) هو الشرك؛ قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.\n(^٧) بسند ضعيف.\n(^٨) المسكين: هو الفقير ذو العاهة أو الهرم الفقير، فمن يعول أرملة أو مسكينا لله تعالى فأجره كأجر المجاهد أو كالذي يصوم الدهر ويقوم الليل.\n\nومنه حقوق الجار\n(^٩) الجار: هو المجاور لك في السكن أو في الصناعة أو في التجارة أو في الزراعة.\n(^١٠) القريب منك فيما سبق أو في النسب.\n(^١١) البعيد عنك في الجوار إلى من يسمع النداء قاله عليّ ﵁، وقالت عائشة: حق الجوار أربعون دارا من كل جانب.\n(^١٢) الرفيق في السفر وقيل الزوج.\n(^١٣) المنقطع في سفره.\n(^١٤) من الأرقاء تمام الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ أي تيّاها يتكبر على أقاربه وجيرانه.","vol":"5","page":14},{"text":"• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ (^١)»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\nوَعَنْهَا قَالَتْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهمَا أُهْدِى؟ قَالَ إلَى أَقْرَبِهِما مِنْكِ بَابًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: إِنَّ لي جَارَيْنِ «أَيِّهِمَا أَبْدَأُ قَالَ: بِأَدْنَاهُمَا بَابًا (^٢)».\n\n• عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ» قِيلَ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ (^٣)»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلفْظُهُ: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَّ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقِهُ».\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا طَبَختَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ (^٤)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَذُبِحَ فِي بَيْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ شَاةٌ فَقَالَ: أَهْدَيْتُمْ لِجَارِي الْيَهُودِيِّ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ (^٥)». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦)، وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَشْكُو جَارَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَاصْبِرْ» فَأَتَاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَقَالَ: «اذْهَبْ فَاطْرَحْ مَتَاعَكَ فِي الطَّرِيقِ فَطَرَحَ مَتَاعَهُ فِي الطَّرِيقِ فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَهُ فَيَلْعَنُونَهُ فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وفَعَلَ وَفَعَلَ (^٧)» فَجَاءَ إِلَيْهِ جَارُهُ فَقَالَ: «ارْجِعْ لَا تَرَى مِنِّي شَيْئًا تَكْرَهُهُ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٨).\n_________\n(^١) أي يجعل له نصيبًا من الميراث.\n(^٢) لأنه يرى ما يدخل في بيت جاره فيتشوق له، فإكرام الجار مؤكد بكل ممكن من الستر عليه ومساعدته بالمال أو بالرأي أو بالجاه والسلام عليه عند اللقاء والبشاشة، وللطبراني: الجيران ثلاثة: جار له حق وهو المشرك له حق الجوار، وجار له حقان وهو المسلم له حق الجوار وحق الإسلام، وجار له ثلاثة حقوق جار مسلم له رحم، له حق الجوار والإسلام والرحم.\n(^٣) لا يؤمن أي من استحل أذية الجار، أو هذا للزجر، أو لا يؤمن إيمانا كاملا من يخاف جاره بوائقه: جمع بائقة وهي الغائلة والشر.\n(^٤) فإذا طبخت لحما فأكثر مرقه وأتحف الجيران بالثريد فإنه عند الله عظيم.\n(^٥) فيه إكرام الجار ولو فاسقا ولو كافرا.\n(^٦) بسند حسن.\n(^٧) كناية عن لعن الناس وسخطهم على الجار المؤذي؛ فلما رأى ذلك قال لجاره: ارجع لبيتك فلن أضرك.\n(^٨) بسند صالح.","vol":"5","page":15},{"text":"وَلِلتِّرْمِذِيِّ (^١): «خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ»، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1052>حقوق المسلم على المسلم</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ (^٢)» قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلّمْ عَلَيْهِ وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ (^٣)»، رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\nوَلِلتِّرْمِذِيِّ: «لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ بِالْمَعْرُوف يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ وَيجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطسَ وَيَعُودُهُ إِذَا مَرضَ وَيَتَّبِعُ جَنَازَتَهُ إِذَا مَاتَ وَيُجبُّ لَهُ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ (^٤)» نَسْأَلُ اللَّهَ مَوَدَّةَ خَلْقِهِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1053>الرحمة واجبة لخلق اللَّه تعالى </span>(^٥)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ (^٦)\n_________\n(^١) بسند حسن. نسأل الله التوفيق آمين.\n\nحقوق المسلم على المسلم\n(^٢) على سبيل الكمال لقوله الآتي: بالمعروف إلا إجابة الداعي فإنها واجبة أحيانا كما تقدم في الوليمة في النكاح وإلا النصح لمن طلبه فإنه واجب وسيأتي.\n(^٣) بعض هذه سبقت في عيادة المريض من باب الجنائز، وبعضها سيأتي في الأدب إن شاء الله تعالى.\n(^٤) وسيأتي \"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا\" فلو قام المسلمون بهذه الأخلاق وتعاونوا وتحاببوا لعلا أمرهم وسما شأنهم وملكوا رقاب أهل الأرض جميعا. نسأل الله التوفيق آمين.\n\nالرحمة واجبة لخلق الله تعالى\n(^٥) فعلى الشخص رحمة المضطر بما يمكنه على ما تقتضيه حاله كإطعام جائع وكسوة عريان وإنقاذ مشرف على الهلاك ودفع ظالم عنه وإرشاد حيران وتعليم سائل عن أصل الدين ونحوها رحمة بعباد الله تعالى.\n(^٦) ولفظ مسلم \"إن الله خلق مائة رحمة يوم خلق السموات والأرض كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض\" والمراد التعظيم فكل جزء يسع السموات والأرضين.","vol":"5","page":16},{"text":"فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا (^١) فَمِنْ ذلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ (^٢)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمُ (^٣)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الرَّاحمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ (^٤)».\nوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ صَاحِبَ هذِهِ الْحُجْرَةِ (^٥) يَقُولُ: لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلا مِنْ شَقِيُ. وَجَاءَ شَيْخٌ كَبِيرٌ يُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَبْطَأَ الْقَوْمُ عَنْهُ أَنْ يُوَسِّعُوا لَهُ، فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا (^٦)»، رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٧).\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا وَيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَ عَنه الْمُنْكَرِ».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ\nمَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ (^٨)»، رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٩).\n_________\n(^١) وفي رواية: أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم.\n(^٢) وفي رواية: فيها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض، وأنه يكملها يوم القيامة مائة رحمة بالرحمة التي في الدنيا. كأنها تكون كلها لأهل الجنة، قال الله تعالى ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ أي في الدنيا ﴿فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ أي في الآخرة.\n(^٣) وفي رواية: من لا يرحم الناس لا يرحمه الله تعالى.\n(^٤) ولفظ الترمذي \"ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء\" وهو الله تعالى.\n(^٥) الإشارة للروضة الشريفة.\n(^٦) ليس منا أي ليس على طريقتنا الكاملة من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا بتعظيمه واحترامه.\n(^٧) الأول بسند صحيح والثاني بسند حسن والثالث بسند غريب.\n(^٨) فمن أكرم شخصًا لكبر سنه سخر الله له من يكرمه في شيخوخته جزاء وفاقا.\n(^٩) بسندين حسنين.","vol":"5","page":17},{"text":"• عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى (^١)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَلِمُسْلِمٍ: «الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ».\n\n• عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ\nكَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ (^٢)»، رَوَاهُ الشَّيْخانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْ أَخِيهِ حَبْلًا وَهُوَ نَائمٌ فَاسْتيْقظَ فَفَزِعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا (^٣)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمُزَاحِ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهاَ فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ (^٥) يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ (^٦)» فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ بي فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفرَ لَهُ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائمِ أَجْرًا؟ فَقَالَ: «نَعَمْ فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ (^٧)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَانْطَلَقْتُ لِحَاجَتِي\n_________\n(^١) التواد والتراحم والتعاطف ألفاظ قريبة المعنى وهو أن يرحم بعضهم بعضا ويعطف بعضهم على بعض ويتوادون بما يجلب الألفة والمحبة كالتزاور والتهادي، فهذه أوصاف كاملي الإيمان وهم كجسد واحد إن مرض منه عضو تألم له سائر الأعضاء.\n(^٢) فكما أن البناء لا يقوم إلا بتماسك أجزائه كذلك المؤمنون لا يظهر أمرهم ولا يقوى شأنهم إلا بتعاونهم واتفاقهم، ففيه وما قبله الحث على التعاون والتحابب فهما أصل النجاح ورأس السعادة الدنيا والأخرى.\n(^٣) أي يخوفه ولو مازحا لأنه إيذاء حرام.\n(^٤) بسند صالح.\n(^٥) يخرج لسانه من شدة العطش.\n(^٦) الثرى كالهومى: التراب، الندى.\n(^٧) ذات الكبد الرطبة هو الحيوان الحي، فكل إحسان ورحمة بخلق الله تعالى ولو كان حيوانًا أعجم يؤجر الشخص عليه من الله تعالى، وسبق هذا في الهبات في كتاب البيوع.","vol":"5","page":18},{"text":"فَرَأَيْتُ حُمَّرَةً (^١) مَعَهَا فَرْخَانِ فَأَخَذْتُ فَرْخَيْهاَ فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تُعَرِّشُ (^٢) فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ فَجَعَ هذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهاَ (^٣)» وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا فَقَالَ: «مَنْ حَرَّقَ هذِهِ»؟ قُلْنَا: نَحْنُ قَالَ: «إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلا رَبُّ النَّارِ (^٤)» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ وَنَسْأَلهُ رِضَاهُ وَالْجَنَّةَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1054>الباب الثاني في أنواع الإثم (^٥)\nأعظمه الظلم وإضرار الخلق</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (^٦)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^٧)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَخَذَ مِنَ الْأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقّ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرضينَ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أرضينَ (^٨)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأَحْمَدُ.\n_________\n(^١) نوع من العصافير.\n(^٢) حزنًا على أخذ فرخيها.\n(^٣) رحمة بها وبهما وسبق في الأسرى من كتاب الجهاد \"من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة\".\n(^٤) وتقدم في كتاب الجهاد: لا يعذب بالنار إلا رب النار، والله أعلم.\n\nالباب الثاني في أنواع الإثم أعظمه الظلم وإضرار الخلق\n(^٥) هو المقابل للباب الأول في أنواع البر.\n(^٦) أي يرجئ عقابهم إلى يوم تنفتح فيه الأبصار بدون إغماض العظم هوله.\n(^٧) أي يحيط بالظالمين من ظلمهم ظلمات تجعلهم في حيرة حينما يسمى المؤمنون في أنوارهم فرحين مستبشرين.\n﴿تنبيه﴾: مرويات البخاري هنا في الظلم في الزروع.\n(^٨) فمن ظلم أحدا في شيء من الأرض فإنه يوضع كالطوق في عنقه من سبع أرضين يوم القيامة فضيحة وعذابًا له.","vol":"5","page":19},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَحَدٍ (^١) مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَلا يَكونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتٍ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ (^٢) مَنْ كَانَ في حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^٣)»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلَم ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ (^٤)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَبِي هُريْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هذَا، وَقَذَفَ هذَا، وَأَكَلَ مَالَ هذَا، وَسَفَكَ دَمَ هذَا، وضَرَبَ هذَا، فَيُعْطَى هذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ (^٥) فَإِنْ فَنيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمّ طُرِحَ فِي النّارِ (^٦)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى\n_________\n(^١) وفي رواية \"من كانت عنده مظلمة (بكسر اللام وفتحها) لأحد في عرض أو مال فليتحلله منه في الدنيا\" أي يسأله أن يجعله في حل منه أي يبرئه منه أي أو يرد له حقه قبل أن يأتي يوم لا شيء فيه إلا صالح العمل فيأخذ منه بقدر حقه وإلا حط عليه من سيئات المظلوم؛ وسيأتي توضيحه في حديث أبي هريرة.\n(^٢) أي إلى الهلاك.\n(^٣) سبق هذا طويلا في كتاب العلم.\n(^٤) الشح: هو شدة البخل والحرص على الدنيا أي اجتنبوه واحذروه فإنه حمل السالفين على سفك الدماء واستحلال الحرام فهلكوا في الدنيا والأخرى.\n(^٥) فالمفلس من ذهبت حسناته في الآخرة لمن ظلمهم في دنياه.\n(^٦) فبعد أن كان نصيبه من النار مثلا زمنًا قليلا كعشر سنين صار طويلا كثلاثين سنة.","vol":"5","page":20},{"text":"أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيامَةِ حَتَّى يُقادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ (^١)» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخَذَ مَالِي (^٢) قَالَ: «فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ قَالَ»: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي قَالَ: «قَاتِلْهُ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي قَالَ: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ قَالَ: «هُوَ فِي النَّارِ (^٣)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الإِيمَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرَ أَنْ يَعَجِّلَ اللَّهُ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوَبةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْاخِرَةِ مِثْلَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ (^٤)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥).\nوَمَرَّ هِشَامُ بْنُ حَكِيمٍ ﵄ بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ وَصُبَّ عَلَى رُؤوسِهِمُ الزَّيْتُ (^٦) فَقَالَ: «مَا هذَا؟» قِيلَ: يُعَذَّبُونَ فِي الْخَرَاجِ (^٧) فَقَالَ هِشَامٌ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ مِنْ جَرَّاءِ هِرَّةٍ لَهَا - أَوْ هِرَ - رَبَطَتْهَا فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْها وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا ترَمْرِمُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ هَزْلًا (^٨)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\n(^١) فلا بد من وصول الحقوق إلى أصحابها ونصر المظلوم ولو كان حيوانًا أعجم حتى يقتاد للشاة الجلحاء التي لا قرن لها من الشاة القرناء تحقيقًا وإظهارًا لعدل الله تعالى في خلقه.\n(^٢) ظلمًا وعدوانا.\n(^٣) فالصائل في النار وإن قتل في دنياه لأنه تسبب في قتل نفسه، وأما من يدافع عن ماله أو نفسه أو عرضه إن قتل الصائل فلا شيء عليه، وإن قتل فهو شهيد لما سبق في الزروع \"من قتل دون ماله فهو شهيد إلى آخره\".\n(^٤) البغي: الظلم والتكبر، فالباغي وقاطع رحمه أحق بتعجيل العقوبة في الدنيا فضلا عن عذاب الآخرة لعظيم أضرارهما.\n(^٥) بسند صحيح.\n(^٦) أي الساخن بالنار.\n(^٧) لأجل دفعه.\n(^٨) فامرأة مسلمة إسرائيلية أو حميرية عذبت في النار بسبب أنها حبست هرا أو هرة حتى ماتت فلا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من حشرات الأرض، فالإنسان يعذب على ظلم الحيوان.","vol":"5","page":21},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَدَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ (^١)»: رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ فإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ (^٢)».\nوَدَخَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ عَلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵄ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ (^٣) فَسَأَلَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ (^٤) فَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» وَفِي روَايَةٍ: «مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَا يجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إِلا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ» فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَلَا كُنُتَ حَدَّثْتَنِي هذَا قَبْلَ الْيَوْمِ قَالَ: مَا حَدَّثْتكَ (^٥)، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ خَبَّبَ زَوْجَةَ امْرِئ أَوْ مَمْلوكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا (^٦)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٧).\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاؤوا فَلا تَظْلِمُوا (^٨)».\n\n• عَنْ أَبِي صِرْمَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ (^٩)».\n_________\n(^١) فتخويف المسلم بأي شيء حرام وتلعنه الملائكة وإن كان هازلا وإن كان أقرب الناس إليه.\n(^٢) ينزع في يده أي يرمي بها فتصيب فيهلك الرامي، وروى ينزغ بالغين أي يغريه.\n(^٣) معقل بن يسار صحابي مشهور، وعبيد الله كان أميرا للبصرة من قبل معاوية ﵃.\n(^٤) عن مسألة ينتفع بها في دنياه لاسيما وهو أمير.\n(^٥) سبق هذا في كتاب الإمارة.\n(^٦) فمن خبب أي أفسد زوجة على زوجها أو عبدا على سيده أو ولدا على والده مثلا فليس على دين محمد - ﷺ - لأنه إفساد وظلم لخلق الله تعالى.\n(^٧) بسند حسن.\n(^٨) فالإمعة والإمع (بكسر ففتح مع التشديد ويجوز فتح الهمزة): الرجل الذي لا رأي له بل يتبع غيره في الخير والشر وهذا مذموم.\n(^٩) فمن أضر بالعباد أضره الله ومن شدد عليهم شدد الله عليه في الحساب والعقاب.","vol":"5","page":22},{"text":"• عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ مُؤْمِنًا أَوْ مَكَرَ بِه (^١)». رَوَى التِّرْمِذِيُّ هذِهِ الثَّلَاثَةَ (^٢).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُبْشِيَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً صَوَّبَ اللَّهُ رَأْسَهُ فِي النَّارِ (^٣)» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1055>أظلم الناس من يظلم نفسه </span>(^٥)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظيمُ.\n\n• عَنِ الْحَسَنِ ﵁ حَدَّثَنَا جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي هذَا الْمَسْجِدِ وَمَا نَسِينَا مُنْذ حَدَّثَنَا وَمَا نَخْشى أَنْ يَكونَ جُنْدُبٌ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ (^٦)» قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة (^٧)»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي آخِرِ بَدْءِ الْخَلْقِ، نَسْأَلُ اللَّهَ السَّتْرَ وَالسَّلامَةَ آمِين.\n_________\n(^١) ومن مكر بمؤمن أو أضر به في أي شيء فعليه لعنة الله وعليه عقابه.\n(^٢) الأولان بسندين حسنين والثالث بسند غريب.\n(^٣) السدرة: شجرة النبق، فمن قطع سدرة ألقي على رأسه في النار، وهذا في سدر الحرمين وكل شجرة يستظل الناس بها من الشمس والمطر ويأنس بها ابن السبيل لأنه أضر بالناس في شيء لا يملكه بخلاف ما إذا قطعها من ملكه لحاجة فلا؛ ولهذا سأل أبو ثور الشافعي عن قطع السدر فقال: لا بأس به.\n(^٤) مسند أبي داود فيه اضطراب وسند النسائي صحيح والله أعلم.\n\nأظلم الناس من يظلم نفسه\n(^٥) من يظلم نفسه أي بأي ضرر يعود عليها في الدنيا أو الأخرى لأن نفس الإنسان أقرب إليه من كل شيء فإذا ظلمها كان لغيرها أظلم ولأن نفس الإنسان ليست ملكا له يتصرف فيها كما يشاء بل هي ملك لله تعالى فلا يتصرف فيها إلا بما أذن الله به جل شأنه.\n(^٦) فجزع: نفد صبره، فما رقأ: أي ما انقطع الدم فمات.\n(^٧) كان ذلك في أول الأمر، أو لأنه استحل ذلك، ولعله تغليظ للزجر عن مثله، وسبق في أول الحدود: من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدا مخلدا فيها أبدا. الحديث والله أعلم.","vol":"5","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1056>ومنه النميمة </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هَمَّازٍ مَّشَّآءِ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (^٢)﴾.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بالْحدِيثِ ثمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ (^٣)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ (^٥) إِلا ثَلَاثَة مَجَالِسَ؛ سَفْكُ دَمٍ حَرَامٍ أَوْ فَرْجٌ حَرَامٌ أَوِ اقْتِطَاعُ مَالٍ بِغَيْرِ حَقَ (^٦)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧).\n\n• عَنْ هَمَّامٍ ﵁ قَالَ: كنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ رَجُلًا يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ ﵁ (^٨) فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَة ﵁: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ (^٩)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهؤُلَاءِ بِوَجْهٍ (^١٠)»، رَوَاهُمَا الْأَرْبَعَةُ.\n_________\nومنه النميمة\n(^١) النميمة: هي السعي بين الناس بالكلام أي نقل كلام بعضهم لبعض على وجه الإفساد بينهم وهي من كبائر الذنوب ولو كان صادقا فيما نقله كأن سمع شخصًا يذم آخر في غيبته فنقل ما سمعه له بدون زيادة، وقيل في هذا لغز: ما قولك في صدق يؤدي إلى النار وكذب يؤدي إلى الجنة. الجواب الأول: النميمة، والثاني: الكلام لإصلاح المتخاصمين ولو بكذب ليؤلف بينهم فإنه مطلوب كما يأتي.\n(^٢) أول الآية ﴿ولا تطع كل حلاف﴾ كثير الحلف بالباطل ﴿مهين﴾ حقير ﴿هماز﴾ عياب للناس ﴿مشاء بنميم﴾ ساع بالإفساد ﴿مناع للخير﴾ بخيل بالمال عن الحقوق ﴿معتد أثيم﴾ ظالم آثم.\n(^٣) لا ينبغي إفشاء هذا الحديث إلا بإذن من قائله.\n(^٤) بسند حسن.\n(^٥) أي تحسن وتكمل بالأمانة، فلا يجوز نقل ما دار فيها وإلا كان نميمة إلا إذا كان لا يؤذي أحدا.\n(^٦) فمن سمع في مجلس أنهم يقصدون أحدا بسوء كقتل أو زنا أو أخذ مال بغير حق وجب إفشاؤه دفعا للمفسدة ووجب تبليغ من يقصد بالسوء ليأخذ حذره.\n(^٧) بسند حسن.\n(^٨) يبلغه ما يقال عنه في المجالس.\n(^٩) من قت الحديث: نمه على وجه الإفساد، ولفظ مسلم: لا يدخل الجنة نمام أي إن استحلها أو مع السابقين.\n(^١٠) ولفظ البخاري: تجدون من شر الناس يوم القيامة ذا الوجهين أي الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها ويظهر لها أنه معها ومخالف لغيرها وهذا وصف المنافقين في قوله تعالى: ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء﴾.","vol":"5","page":24},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّهَا الْحَالِقةُ (^١)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ هِيَ النَّمِيمَةُ الْقاَلَةُ بَيْنَ النَّاسِ (^٣)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ عمَّارٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي الدُّنْيَا كَانَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ (^٤)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1057>ومنه الغيبة </span>(^٦)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ (^٧) وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ»؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ»، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ، قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ\nفِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ (^٨)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ لاّ: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا\n_________\n(^١) احذروا الإفساد بين الناس فإنه يذهب الدين كما تذهب الموسى الشعر، أو المراد عداوة الناس وبغضهم.\n(^٢) في الرقائق بسند صحيح.\n(^٣) القالة بين الناس التي تفرقهم كأنه من عضه الذبيحة فرق أعضاءها.\n(^٤) فكما كان له لسانان في الدنيا يكون له لسانان من نار يعذبانه في الآخرة، نسأل الله السلامة.\n(^٥) بسند صالح.\n\nومنه الغيبة\n(^٦) الغيبة: هي ذكرك أخاك المسلم بما يكره ولو كان فيه، إلا إذا كان على جهة التعريف كقولك: أتعرف فلانًا؟ فيقول: لا، فتقول الأعمى أو الأعور أو الأعرج مثلا، والغيبة حرام بل هي من الكبائر في حق أهل الفضل الذين هم قدوة صالحة للناس فإن غيبتهم تزهد الناس في الأخذ عنهم.\n(^٧) ﴿ولا يغتب بعضكم بعضا﴾ أي لا يذكره بما يكره ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا﴾ لا يحسن ولا يجوز ﴿فكرهتموه﴾ فاغتيابه في حياته كأكل لحمه بعد مماته وقد كرهتهم الثاني فاكرهوا الأول واجتنبوه لعلكم تفلحون.\n(^٨) أي رميته بالبهتان وهو الباطل.","vol":"5","page":25},{"text":"تَعْنِي قَصِيرَةً، فَقَالَ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ (^١)»، قَالَتْ: وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَانًا (^٢) فَقَالَ: «مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا (^٣)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ (^٤)»، رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَكَبَرِ الْكَبَائرِ اسْتِطَالَةَ الْمَرْءِ فِي عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقَ (^٦) وَمِنَ الْكَبَائرِ السَّبَّتَانِ بِالسَّبَّةِ (^٧)».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَمَّا عُرِجَ بِي (^٨) مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ فَقُلْتُ: مَنْ هؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكلونَ لحُوم النَّاسِ وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ».\n\n• عَنِ الْمُسْتوْرِدِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْلَةً فَإِنَّ الله يُطْعِمُهُ مِثْلَهَا مِنْ جَهَنَّمَ، وَمَنْ كُسِيَ ثَوْبًا بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ فَإِنَّ الله يَكْسُوهُ مِثْلَهُ مِنْ جَهَنَّمَ (^٩) وَمَنْ قَامَ برَجُلٍ مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ\n_________\n(^١) كذا وكذا أي يكفيك من عيوبها قصرها، فقال: إنك قلت كلمة لو تجسم ذنبها ووضع في البحر لسود ماءه وأنتنه.\n(^٢) أي حقرته.\n(^٣) أي لا أحب أن أذكر أحدا بسوء ولو أعطيت من الدنيا كثيرا.\n(^٤) ففيه نهي عن الغيبة وعن استماعها فإنها تغير القلب، ومنه القارئ والسامع شريكان في الأجر، والمغتاب والسامع شريكان في الإثم.\n(^٥) الأول بسند صحيح.\n(^٦) استطالة المرء أي إطالة لسانه في حق أخيه من أكبر الكبائر، لعله زجر وتنفير عن ذكر الناس بسوء كحديث: إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق.\n(^٧) كقول شخص لآخر: يا خبيث فأجابه: أنت خبيث ولئيم، وأما المجازاة الشرعية نسبة بسبة لقوله تعالى ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين﴾.\n(^٨) ففي ليلة المعراج مر النبي - ﷺ - على قوم يخدشون لحوم وجوههم وصدورهم بأظفارهم التي هي من نحاس، فسأل جبريل عنهم فقال: هؤلاء الذين كانوا يغتابون الناس في الدنيا، أي يعذبون بمثل هذا في المدة البرزخية.\n(^٩) فمن وقع في أحد واغتابه عند عدوّ له فأطعمه أو كساه لذلك فإنه يطعم ويكسى مثله من النار يوم القيامة.","vol":"5","page":26},{"text":"فَإِنَّ الله يَقُومُ بهِ مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِياَءٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^١)»، رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ أَبُو دَاوُدَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1058>لا غيبة في فاسق </span>(^٣)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (^٤) فَقَالَ: «ائْذَنُوا لَهُ بِئْسَ أَخُو الْعشِيرَةِ» أَوِ ابْنُ الْعَشِيرَةِ (^٥) فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ الَّذِي قُلتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْكَلَامَ، قَالَ: «أَيْ عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقاَءَ فُحْشِهِ (^٦)»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَة.\nوَعَنْهَا قَالَت قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا أَظنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِناَ شَيْئاَ (^٧)»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كلُّ أُمَّتِي مُعاَفًى إِلا الْمُجَاهِرِينَ، وإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِالَّليْلِ عَمَلًا ثمَّ يُصْبِحُ وَقَدْ سَتَرَهُ فَيَقُولُ يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ الله عَنْهُ (^٨)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\n(^١) ومن قام يتظاهر بالفضل والصلاح بسبب رجل من أهل المال أو الجاه أي عنده لينال منه حظًا دنيويا عذبه الله وشهر به لكذبه وتمويهه، أو المراد منه قام برجل أي عظمه ووصفه بالتقوى والصلاح لينال من وراء هذا ما يبتغيه من مال وغيره عذبه الله وشهر به في الآخرة لكذبه وافترائه على الله تعالى.\n(^٢) بأسانيد صالحة.\n\nلا غيبة في فاسق\n(^٣) الفاسق: هو الخارج عن طاعة الله المتجاهر بالمعاصي، فتجوز غيبته ليحذره الناس أو بقصد أن يبلغه فينزجر.\n(^٤) هذا الرجل هو مخرمة بن نوفل أو عيينة بن حصن السابق في المؤلفة قلوبهم.\n(^٥) أو للشك وهذه كلمة ذم عند العرب.\n(^٦) أو للشك، فالنبي - ﷺ - لاطف هذا المنافق قطعًا للسانه ومداراة له، كحديث: أمرت بالمداراة كما أمرت بالفرائض، ولأبي داود: إن من شرار الناس الذين يكرمون اتقاء ألسنتهم.\n(^٧) فلانا وفلانا: رجلان من المنافقين، وهذا ليس من الظن المنهي عنه وهو ظن السوء بل هو تحذير من الاتصاف بوصفهما.\n(^٨) فكل مسلم معفو عنه مرحوم إلا المتجاهر بالمعاصي ومنه من يذنب ولا يراه أحد ثم يخبر الناس بما فعل فإن الجهر بالمعصية ذنب آخر وكذا التكلم بها لأنه يكون قدوة سيئة.","vol":"5","page":27},{"text":"وَجَاءَ أَعْرَابيٌّ فَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ ثُمَّ عَقَلَهَا ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ثمَّ أَتَى رَاحِلَتَهُ فَأَطْلَقَهاَ ثُمَّ رَكِبَ ثُمَّ نَادَى اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تُشْرِكْ فِي رَحْمَتِنَا أَحَدًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتَقُولُونَ (^١) هُوَ أَضَلُّ أَمْ بَعِيرُهُ؟ أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى مَا قَالَ»؟ قَالوا: بَلَى (^٢) رَوَاهُ الخَمْسَةُ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1059>التصدق بالعرض حسن </span>(^٤)\n\n• عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَجْلَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ أَبِي ضَمْضَمَ» قَالُوا: وَمَنْ أَبُو ضَمْضَمَ؟ قَالَ: «رَجُلٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكمْ كَانَ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي جَعَلْتُ عِ رضي لِمَنْ شَتَمَنِي (^٥)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦).\n_________\n(^١) وفي رواية: أتظنون.\n(^٢) فالنبي - ﷺ - جعله كالحيوان بل أضل لأنه طلب الرحمة لنفسه وللنبي - ﷺ - دون خلق الله كلهم، فقد تحجر رحمة الله التي وسعت كل شيء، وفي رواية: قال له - ﷺ -: لقد تحجرت واسعا يا أخا العرب، ففي هذه الأحاديث جواز الغيبة في أهل الفساد والجهل لغرض شرعي كالتحذير من مثل هذه الأوصاف ولكي يسمعوا فينزجروا. والله أعلم.\n(^٣) ولفظه لأبي داود.\n\nالتصدق بالعرض حسن\n(^٤) فإذا قال الشخص في كل صباح: اللهم إني تصدقت بعرضي على عبادك، كان عاملا بقوله تعالى ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾.\n(^٥) وفي رواية. اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك أي فليس لي على أحد طلب الانتصار، وهذا نهاية السماحة ومكارم الأخلاق، نسأل الله ذلك آمين.\n(^٦) بسند صالح.","vol":"5","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1060>ومنه ظن السوء والحقد والحسد </span>(^١)\nقَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُواْ (^٢)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكمْ وَالظَّنَّ فإنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ (^٣) وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا (^٤) وَلَا تَنَافَسُوا (^٥) وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا (^٦) وَكُونُوا عِبَادَ الله إِخْوَانًا (^٧)»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ\nأَوْ قَالَ الْعُشْبَ (^٨)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n• عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْاُّمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلكِنْ\n_________\nومنه ظن السوء والحقد والحسد\n(^١) هذا عطف على قولنا السابق الغيبة، أي من أنواع الإثم وسيئ الأخلاق ظن السوء والحقد والحسد.\nوالحقد: إضمار العداوة، وأما الحسد فيكون بمعنى تمني مثل ما عند الغير ويسمى غبطة وهو محمود وسبق في كتاب العلم حديثه وهو: لا حسد إلا في اثنتين، ويكون الحسد بمعنى تمنى زوال النعمة عن الغير وهو مذموم لأنه حرص قلبي واعتراض على حكم الله وهو المراد هنا.\n(^٢) إن بعض الظن إثم أي موقع في الإثم والذنب وهو ظن السوء بالمؤمنين بخلافه بالفساق منهم فيما يظهر منهم فلا إثم فيه، ولا تجسسوا أي لا تبحثوا عن عورات المسلمين وعيوبهم فإنه مدعاة لظن السوء المظلم للقلب.\n(^٣) أي كالكذب في القول وإثمه كإثمه.\n(^٤) تحسسوا وما بعده كلهن بحذف إحدى التاءين تخفيفًا، والتحسس والتجسس بمعنى واحد أو الأول الاستماع لحديث القوم، والتجسس: البحث عن عوارتهم.\n(^٥) التنافس والتحاسد واحد وهو المسابقة على الدنيا حرصا عليها، وقد تكون المنافسة في الخير كقوله تعالى ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾.\n(^٦) لا تفعلوا ما يوجب البغض والتدابر.\n(^٧) وكونوا يا عباد الله كالإخوة في النسب في التعاون والتحابب بينهم.\n(^٨) العشب: الكلأ الرطب، وهذا لأن الحسد يفضي بصاحبه إلى اغتياب المحسود فيزيد نعمة على نعمة ويزيد الحاسد خسرانا نعوذ بالله منه آمين.","vol":"5","page":29},{"text":"تَحْلِقُ الدِّينَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَلَا أُنَبِّئكُمْ بِما يُثْبِتُ ذَاكُمْ لَكُمْ افْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الرَّقَائِقِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1061>ومنه تتبع العورات</span>\n• عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ لَا تغْتَابُوا الْمُسْلمينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهمْ فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ في بَيْتِهِ (^١)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢) وَلَفْظُهُ: صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ (^٣) لَا تؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُم وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ تَتبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحُهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ»، وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ: مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ الله مِنُكِ (^٤).\n\n• عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْت\nأَنْ تُفْسِدَهُمْ (^٥)» فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءَ: كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ نَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا.\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْأَمِيرَ إِذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدَهُمْ (^٦)».\n_________\nومنه تتبع العورات\n(^١) فمن يبحث عن عورات المسلمين ويفشيها فإن الله يفضحه ويكشف ستره جزاء وفاقا.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) لم يصل إليه الإيمان.\n(^٤) فالمؤمن أعلى مكانة وأعظم حرمة عند الله من الكعبة ذات الحرمة الرفيعة، والمكانة العظيمة، والمزايا العديدة، فكيف تستباح حرمة المؤمن بعد هذا، نسأل الله التوفيق.\n(^٥) فإنه إن جاهرهم بكل ما يسمع ربما أداهم إلى المجاهرة بالمعاصي والاستزادة منها.\n(^٦) فلا تنبغي معاملتهم بالتهمة وظن السوء فربما أفسدهم.","vol":"5","page":30},{"text":"وَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ ﵁: هذَا فُلَانٌ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا فَقَالَ: إِنَّا قَدْ نُهِينَا عَنِ التَّجَسُّسِ وَلكِنْ إِنْ يَظْهَرْ لَنَا شَيْءٌ نَأْخُذْ بِهِ (^١)، رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ أَبُو دَاوُدَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1062>ومنه الكبر والاختيال </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ (^٤)﴾ ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (^٥)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ (^٦) كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَاعِفٍ لَوْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ (^٧) أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْل النَّارِ كلُّ عُتُلَ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ (^٨)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) والمراد الحث على التغافل وعدم البحث عن خلق الله لا سيما الحاكم وهذا لا يمنع من البحث عن الأشرار وتتبعهم لتأديهم وكسر شوكتهم عن الناس.\n(^٢) بأسانيد صالحة.\n\nومنه الكبر والاختيال\n(^٣) الكبر: هو التكبر والتعالى على الناس وأن يرى نفسه خيرا منهم لفضيلة يراها في نفسه: كمال وعلم وجاه وصلاح، وهو مرض قلبي يهلك صاحبه لأنه يوجب غضب الله وسخط الناس نعوذ بالله من ذلك، والأجدر بالشخص التواضع فربما من كان يراه دونه عند الله خير من ملء الأرض مثله، والاختيال التبختر في المشي كبرا وتيهًا وعجبا، وهذا جهل وحماقة، والأجدر بالشخص أن يكون كقوله تعالى ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾.\n(^٤) أي لا تمل وجهك عنهم تكبرا.\n(^٥) مرحا: أي اختيالا، إن الله لا يحب كل مختال: أي متبختر في مشيه فخور على الناس.\n(^٦) أي بأغلبهم.\n(^٧) هم كل ضعيف الحال لا البدن متضاعف، وفي رواية: متضعف أي متواضع أو يستضعفه الناس ويحتقرونه لضعف حاله وصغر شأنه في الدنيا، لو أقسم على الله يمينًا طمعا في كرمه لأبره، أو لو دعاه لأجابه لعظم شأنه عنده لأنه عبده فقط.\n(^٨) العقل: الغليظ الجافي، والجواظ الجموح المنوع للخير، أو المختال، والمستكبر: المتكبر، وللترمذي: ألا أخبركم بمن يحرم على النار أو بمن تحرم عليه النار، على كل قريب هين سهل، ولأبي داود: لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري أي الفظ الغليظ القلب، نسأل الله التواضع وحسن الأخلاق.","vol":"5","page":31},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِى فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ (^١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ (^٢).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ (^٣) وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرِيَاءٍ (^٤)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الرَّجُل يحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنًا قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ (^٥)»، رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَّكِّيهِمْ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ (^٧)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n_________\n(^١) فالكبرياء والعظمة صفتان مختصتان بالله جل شأنه لا ينبغي المخلوق أن يدعيهما كما أن رداء الشخص وإزاره لا يشاركه فيهما أحد، فمن زعم أنهما صفة له ألقاه الله في النار لأنه تعدى حده من العبودية والتذلل والتواضع، ولابن عساكر: إياكم والكبر فإن إبليس حمله الكبير على ألا يسجد لآدم، وإياكم والحرص فإن آدم حمله الحرص على أن أكل من الشجرة، وإياكم والحسد فإن ابني آدم إنما قتل أحدها صاحبه حسدا فهو أصل كل خطيئة.\n(^٢) ولكن مسلم هنا وأبو داود في اللباس.\n(^٣) لا يدخل النار أي نار الخلود للحديث الآتي في كتاب القيامة: يخرج من النار من في قلبه مثقال حبة من إيمان كذا قال بعضهم وقال آخرون: لا يدخل النار اكتفاء بما ناله في الدنيا والقبر وعرصات القيامة والحمد لله الرحمن الرحيم.\n(^٤) أي مع السابقين أو هذا للزجر والتنفير عن هذه الألفاظ الخبيثة.\n(^٥) فحسن اللباس تجمل والله يحب المتجملين، إنما الكبر بطر الحق أي إنكاره ورده على قائله ترفعا وتكبرا، وغمط الناس أي احتقارهم، وفي رواية: وغمص الناس أي تعييبهم.\n(^٦) مرويات مسلم هنا في كتاب الإيمان.\n(^٧) الشيخ الزاني أي الكبير في السن لأنه أجدر بالطاعة لا بالعصيان، والملك أي السلطان الكذاب لأن الذي يحمل على الكذب غالبًا دفع مضرة أو جلب منفعة والملك في غني عن هذا، وعائل أي فقير مستكبر فإن الأجدر به التواضع ليعطف الناس عليه.","vol":"5","page":32},{"text":"• عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ (^١) فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ (^٢) فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولِسَ (^٣) تَعْلوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ (^٤) يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةِ الْخَبَالِ (^٥)».\n\n• عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطعِمٍ ﵁ قَالَ: تَقُولُونَ لِي: فِيَّ التِّيهُ (^٦) وَقَدْ رَكِبْتُ الْحِمَارَ وَلَبِسْتُ الشَّمْلَةَ وَحَلَبْتُ الشَّاةَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ فَعَلَ هذَا فَلَيْس فِيهِ مِنَ الْكِبْرِ شَيءٌ (^٧)».\n\n• عَنْ سَلَمةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُكْتَبَ فِي الْجَبَّارِينَ (^٨)»، رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٩).\nوَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولِ الله إِنِّي رَجُلٌ حُبِّبَ إِلَيَّ الْجَمَالُ وَأُعْطِيتُ مِنْهُ مَا تَرَى حَتَّى مَا أُحِبَّ أَنْ يَفُوقَنِي أَحَدٌ بِشِرَاكِ نَعْلِي أَوْ بِشِسْعِ نَعْلِي (^١٠) أَفَمِنَ الْكِبْرِ ذلِكَ؟ قَالَ: «لَا وَلَكِنِ الْكِبْرُ مِنْ بَطَرِ الْحَقِّ\nوَغَمْطِ النَّاسِ (^١١)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ في اللِّبَاسِ.\n_________\n(^١) الذر: النمل الأحمر الصغير جمع ذرة وسئل عنها ثعلب فقال إن مائة نملة منها وزن حبة.\n(^٢) أينما كانوا.\n(^٣) شديد العذاب.\n(^٤) قال أبو البقاء: جمع النار على أنيار حملا على نيران كأرياح حملا على رياح.\n(^٥) بدل من عصارة أهل النار وهي سائل القيح والصديد من أبدانهم.\n(^٦) أي فيك تيه وتكبر.\n(^٧) فمن يفعل صغير الأمور كحلب الشاة وغسل الملابس وخياطتها وكنس البيت ونحوها مما يفعله النساء عادة فليس بمتكبر.\n(^٨) يذهب بنفسه أي يعلو ويتكبر ويحتقر الناس ولو لم يكن معه أحد حتى يحشر مع الجبارين، نعوذ بالله من ذلك ونسأله التواضع.\n(^٩) الأول في الرقائق بسند صحيح والثاني بسند صحيح والثالث بسند حسن والأخيران هنا.\n(^١٠) أو للشك فيما قال.\n(^١١) سبق هذا في شرح حديث عبد الله بن مسعود ﵁ والله أعلم.","vol":"5","page":33},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1063>ومنه الإطراء في المدح </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ فِي الْمِدْحَةِ (^٢) فَقَالَ: «أَهْلَكْتُمْ أَوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ (^٣)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: ذُكِرَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا فَقَالَ النَّبِيِّ ﷺ: «وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ يَقُولُهُ مِرَارًا (^٤) إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ فَلْيْقُلْ أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ وَحَسِيبُهُ اللَّهُ وَلَا يُزَكِّى عَلَى الله أَحَدًا (^٥). رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَجَاءَ رَجُلٌ فَأَثْنَى عَلَى عُثْمَانَ ﵁ فِي وَجْهِهِ فَأَخَذَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ تُرَابًا فَحَثاَ فِي وَجْهِهِ (^٦)» وَقَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «إِذَا لَقِيتمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ (^٧)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَجَاءَ وَفْدُ بَنِي عَامِرٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: أَنْتَ سَيِّدُنَا فَقَالَ: «السَّيِّدُ اللَّهُ (^٨)» قَالُوا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا (^٩) فَقَالَ: «قولُوا بِقَوْلِكُمْ أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَان (^١٠)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ.\n_________\nومنه الإطراء في المدح\n(^١) أي المبالغة فيه.\n(^٢) يبالغ في مدحه.\n(^٣) فإن كثرة المدح ربما تغريه، وأو للشك.\n(^٤) أي كرر قوله مرارا.\n(^٥) فإن كان لابد من المدح فليقل إني أظنه كذا وكذا لما يراه منه، ولا يزكي على الله أحدا أي لا يقطع على عاقبته ولا على ما في ضميره فإنه لا يعلم ذلك إلا الله تعالى، فهذه تنهي عن المدح في الوجه وهو محمول على المجازفة والزيادة فيه، أو على من يخاف عليه الإعجاب ونحوه، أما كامل الإيمان فلا خوف من مدحه في وجهه لأنه يزيد في صلاحه ويكون قدوة صالحة لغيره لحديث وفد بني عامر الآتي ولما سبق في الفضائل من مدح النبي - ﷺ - لكثير من الأصحاب ولحديث الطبراني والحاكم: إذا مدح المؤمن في وجهه ربا الإيمان في قلبه.\n(^٦) رماه في وجهه.\n(^٧) هذا حمل للحديث على ظاهره وعليه جماعة، وقال آخرون: معناه خيبوهم فلا تعطوهم شيئا، وهذا في قوم اتخذوا المدح عادة وبضاعة يستأكلون به الممدوح ويفتنونه، أما من يمدح على فعل حسن وخلق كريم بدون شيء فلا يسمى مداحا.\n(^٨) أي على الإطلاق فلا ينافي ما سبق في النبوة: أنا سيد ولد آدم.\n(^٩) أي عطاء.\n(^١٠) أي قولوا بعض ما ترون ولا يتخذنكم الشيطان كالجري في مدحي إلى حد لا يجوز والله أعلم.","vol":"5","page":34},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1064>ومنه السب والقذف </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ للأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا (^٢)\nأَحَدُهُمَا إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلا رَجَعَتْ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي ذَرّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إِلا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ (^٣)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ (^٤)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ مِنْهْمُا مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ (^٥)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اثْنتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمَا كُفْرٌ (^٦): الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ (^٧) وَالنِّيَاهَةُ عَلَى الْميِّتِ (^٨)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ (^٩)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n_________\nومنه السب والقذف\n(^١) السب والقذف والشتم بمعنى وهو توجيه الكلام لشخص آخر بما يعيبه ويؤلمه ولو كان فيه.\n(^٢) باء: رجع بها. أي كلمة يا كافر.\n(^٣) فمن قال لأخيه المسلم يا كافر أو يا فاسق ونحوها صار المقول له فاسقًا إن كان القائل صادقًا وإلا فسق القائل.\n(^٤) السباب: الشتم بالألفاظ الشديدة، فسوق أي خروج عن طاعة الله ورسوله، وقتاله كفر أي إن استحله، أو كفر لغوي بمعنى ستر الحق بالباطل وعبر به للزجر - (تنبيه: مرويات مسلم في الإيمان).\n(^٥) فالشخصان اللذان تشاتما إنهما على البادئ منهما لأنه السبب إلا إذا زاد الثاني في السب فيكون إثم الزائد عليه. ويجب على من تشاتما أن يتوبا ويرجعا إلى الله عقب ذلك لعله يغفر لها وحبذا لو اصطلحا وانصرنا على صفاء فيرجعان بالفلاح ويرجع الشيطان بالخيبة والخسران.\n(^٦) فعلهما لهاتين كفعل الكفار، أو كفر بحق الإسلام.\n(^٧) كقوله لست ابن أبيك أو أنت ابن زنا ونحوهما.\n(^٨) سبق الكلام مبسوطًا عليها في الجنائز.\n(^٩) وزاد أبو داود قال مالك إذا قال ذلك عجبًا بنفسه وتصاغرًا للناس فهو أشدهم هلاكا لذلك، وأما إن قاله تحزنًا على تساهل الناس في دينهم فلا بأس به.","vol":"5","page":35},{"text":"• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ وَلَا تَقَعُوا فِيهِ (^١)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢)، نَسْأَلُ اللَّهَ حِفْظَ الِّلسَانِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1065>ومنه اللعن والفحش </span>(^٣)\n\n• عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ (^٤) ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ كَمَا قَالَ وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ (^٥) وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ (^٦)»، رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\nوَقَالَ أَنَسٌ ﵁: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاحِشًا وَلَا لَعَّانًا وَلَا سَبَّابًا كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ (^٧)، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الَّلعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهَداءَ وَلَا شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^٨)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا (^٩)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) إذا مات صاحبكم أي المؤمن الذي كنتم تصاحبونه في الدنيا فاتركوه ولا تذكروه بسوء فإنه أفضى إلى ما قدمه، وغيبة الميت أقبح وأشد لأنه يتألم كالحي ولأن استحلاله لا يمكن بخلاف الحي وكذا يتألم أقاربه الأحياء لحديث الترمذي: لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء والله أعلم.\n(^٢) بسند صالح.\n\nومنه اللعن والفحش\n(^٣) اللعن كقوله: لعنه الله أي طرده من رحمته وهو حرام ولو لغير إنسان، والفحش القبح في القول.\n(^٤) وكان من أصحاب الشجرة ﵃ وحشرنا في زمرتهم آمين.\n(^٥) في التحريم أو العقاب.\n(^٦) في العقاب أو التحريم، أو هذا تغليظ للزجر عنه، وسبق هذا الحديث في كتاب الأَيمان والنذور.\n(^٧) عند المعتبة كالمعمعة أي عند الغضب، ما له استفهام، ترب جبينه وفي نسخة تربت جبينه أي لصقت بالتراب ولحقه الذل والهوان، وهذا دعاء عليه أولا يراد بها ذلك.\n(^٨) فمن تعود اللعن فإنه لا ينال درجة الشهيد ولا الشفيع في الآخرة.\n(^٩) الصديق هو المؤمن الكامل لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾.","vol":"5","page":36},{"text":"• وَعَنْهُ قِيلَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ (^١) قَالَ: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَلَاعَنُوا بِلَعْنَةِ الله وَلَا بِغَضَبِ الله وَلَا بِالنَّارِ (^٢)». وَنَازَعَتِ الرِّيحُ رَجُلًا رِدَاءهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ (^٣) فَلَعَنَهَا فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَلْعَنْها فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ وَإِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ»، رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى السَّمَاءِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَها ثُمَّ تَهْبِطُ إِلَى الْأَرْضِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُهاَ دُونَهاَ ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِذَا لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ فَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ أَهْلًا وَإِلا رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهاَ (^٥)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا الَّلعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيء (^٧)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٨)، نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الْأَخْلاقِ آمِين.\n<span data-type='title' id=toc-1066>ومنه احتقار المسلم وهجره </span>(^٩)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُواْ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ (^١٠)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n_________\n(^١) فيهلكهم الله جميعًا فلا ينافي ما سبق من دعائه على بعضهم.\n(^٢) ولا بغضب الله كقوله: عليك غضب الله، ولا بالنار كقوله لك النار أي فربما أجيبت الدعوة.\n(^٣) كانت الريح شديدة فكانت ترفع رداءه عن جسمه.\n(^٤) الأول بسند صحيح والثاني بسند حسن.\n(^٥) فيه تنفير شديد عن اللعن.\n(^٦) بسند صالح.\n(^٧) البذيء: سفيه اللسان.\n(^٨) بسند حسن.\n\nومنه احتقار المسلم وهجره\n(^٩) الاحتقار المذموم هو الاحتقار لوصف قهرِي كمرض وفقر ومسكنة أما احتقاره لفعله القبيح كتجاهره بالمعاصي وتكبره على الناس فلا، وهجر المسلم فوق ثلاثة أيام حرام إِلا الله تعالى فلا.\n(^١٠) السخرية: الازدراء والاحتقار، وسبب نزول الآية أن وفد بني تميم سخروا من فقراء المسلمين =","vol":"5","page":37},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا (^١) وُلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ (^٢) وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ (^٣) التَّقْوَى ههُناَ وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (^٤) بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ (^٥) كلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ (^٦)» رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ (^٧)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ (^٨) يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ (^٩) فَيُقاَلُ: أَنْظِرُوا هذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا (^١٠)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي\n_________\n= كصهيب وبلال فنزل قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ﴾ رجال منكم ﴿مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ عند الله تعالى.\n(^١) التناجش: هو الزيادة في ثمن المبيع ليغرّ المشتري وهو حرام للإضرار بالمشتري.\n(^٢) بأن يبيع شيئًا لمن اشترى مثله من آخر بثمن أقل وهو حرام للإضرار بالبائع الأول إلا إذا كان فيه غبن بالمشتري.\n(^٣) لا يخذله بترك نصره على ظالم مثلا ولا يحتقره ولو في نفسه.\n(^٤) أي التقوى المحبوبة لله هي ما كانت في القلب بالإيمان بالله وخشيته ومراقبته ولا عبرة بحسن الظاهر مع خلو القلب لما سبق في كتاب النية والإخلاص: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.\n(^٥) فشر الشر وأعظمه تحقير المسلم فهو ذنب كبير.\n(^٦) دمه أي إراقة دمه أي قتله حرام وأكل ماله والتكلم في عرضه حرام.\n(^٧) فرب شخص أشعث أي وسخ الشعر والملابس يتقذره الناس ويطردونه ولكنه لو طلب من ربه شيئًا لأجابه في الحال أي فلا ينبغي احتقار أحد لفقره وضعفه فربما كان عند الله من المقربين.\n(^٨) أي أبواب الرحمات.\n(^٩) الشحناء كالبغضاء: الحقد والعداوة.\n(^١٠) أخروا هذين المتخاصمين عن المغفرة حتى يصطلحا.","vol":"5","page":38},{"text":"كُلِّ جُمْعَةٍ مَرَّتَيْنِ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلا عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنُ أَخِيهِ شَحْناَءُ فَيُقاَلُ اتْرُكُوا أَوْ أَرْكُوا هذَيْنِ حَتَّى يَفِيئاَ (^١)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَبِي أَيُوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ\nثَلَاث لَياَلٍ (^٢) يَلْتَقِياَنِ فَيُعْرِضُ هذَا وَيُعْرِضُ هذَا وَخَيْرُهُماَ الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ (^٣)» رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنَّ يَهْجُرَ مُؤْمِنًا فَوْقَ ثَلَاثٍ فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلَاثٌ فَلْيَلْقَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ فَإِنْ رَد ﵇ فَقَدِ اشْتَرَكاَ فِي الْأَجْرِ (^٤) وَإِنْ لَمْ يَرْدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ باَءَ بِالإِثْمِ وَخَرَجَ الْمُسَلِّمُ مِنَ الْهِجْرَةِ (^٥)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَهاَ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارِ (^٦)».\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ اعَتَلَّ بَعِيرٌ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيّ وَعِنْدَ زَيْنَبَ فَضْلُ ظَهْرٍ (^٧) فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِزَيْنَبَ: «أَعْطِيهاَ بَعِيرًا» فَقَالَتْ: أَنَا أُعْطِي تِلْكَ الْيَهُودِيَّةَ فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ فَهَجَرَهَا ذَا الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ وَبَعْضَ صَفَرٍ (^٨).\nوَهَجَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ وَلَدَهُ إِلَى أَنْ مَاتَ، رَوَى هذِهِ الْأَرْبَعَةَ أَبُو دَاوُدَ (^٩).\n_________\n(^١) أركوا أي أخروا هذين حتى يرجعا عن العداوة ويصطلحا.\n(^٢) يلقاه فلا يسلم عليه كعادته.\n(^٣) أفضلهما وأقربهما من الله الذي يبدأ بالسلام، والصلح من باب أولى.\n(^٤) وإن كان البادئ أفضلهما.\n(^٥) فيه أن السلام يقطع الهجر ويرفع الإثم بل وله الأجر كما سبق.\n(^٦) فمات أي على تلك الحال من غير توبة دخل النار، وفي رواية: من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه ففيهما أن الهجر حرام وأنه موجب للنار ولعله للتغليظ أو لأصل أو فرع.\n(^٧) بعير زائد عن مركوبها وكانوا حينذاك في سفر.\n(^٨) لرميها صفية أم المؤمنين باليهودية وهذا من غلبة الغيرة عليها ﵅ كلهن.\n(^٩) الثالث في السنة والثلاثة الباقية هنا بأسانيد صالحة وللبخاري: هجرت عائشة ابن الزبير زمنًا حتى أصلح بينهما المسور وعبد الرحمن بن الأسود ﵃، ففي هذه الأحاديث أن الهجر ثلاثة أيام حرام إلا لشيء يغضب الله ورسوله فإنه يجوز كهجر النبي - ﷺ - لزينب هنا وكهجره لثلاثة الذين تخلفوا عن الغزو وأمر أصحابه بهجرهم ومر هذا في تفسير التوبة وكهجر ابن عمر لولده إلى الممات ﵃ أجمعين والله أمر.","vol":"5","page":39},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1067>ومنه الجدل والمراء </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (^٢)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيم.\n\n• عَنِ السَّائِبِ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَجَعَلُوا يُثْنُونَ عَلَيَّ وَيَذْكُرُونِي (^٣)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِهِ قُلْتُ: صَدَقْتِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي كُنْتَ شَرِيكِي فَنِعْمَ الشَّرِيكُ، كُنْتَ لَا تُدَارِي وَلَا تُمَارِي (^٤)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥) وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَس ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَهُوَ باَطِلٌ بُنِيَ لَهُ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ (^٦)، وَمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُحِقٌّ بُنِيَ لَهُ فِي وَسَطِهاَ وَمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ بُنِيَ لَهُ فِي أَعْلَاهَا»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٧) وَأَبُو دَاوُدَ، وَلَفْظُهُ: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ (^٨)».\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُمَارِ أَخَاكَ وَلَا تُمَازِحْهُ (^٩) وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِدَةً فَتخْلِفَهُ (^١٠)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَفَى بِكَ إِثْمًا أَلا تَزَالَ مُخاَصِمًا (^١١)»، رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ (^١٢).\n_________\nومنه الجدل والمراء\n(^١) الجدل والمراء بمعنى وهو المجادلة والمغالبة وهو مذموم لأنه ينبت العداوة بينهما.\n(^٢) أي وكان جدل الإنسان أكثر شيء فيه فهو من الطباع الكامنة في النفس.\n(^٣) السائب هنا هو ابن أبي السائب كان شريكا للنبي - ﷺ - قبل هذا فحضر عنده فصار الحاضرون يذكرونه بحسن الأخلاق.\n(^٤) أي لا تخالف ولا تمانع ولا تجادل ولا تخاصم فهو يصف النبي - ﷺ - بحسن الأخلاق والسهولة في المعاملة.\n(^٥) بسند صالح.\n(^٦) بخلاف الكذب للإصلاح كالكذب للمتخاصمين ليصلح بينهما وكالكذب بين الضرائر للتأليف وسيأتي قريبا إن شاء الله، وربض الدار: الفضاء المحوط بها حولها.\n(^٧) بسند حسن.\n(^٨) فما أجمل حسن الخلق نسأل الله إياه.\n(^٩) فإن المراء يجلب الحقد والعداوة، والمزاح يذهب الهيبة إذا كثر.\n(^١٠) لأن خلف الوعد من صفات المنافقين إلا لعذر فلا.\n(^١١) فكثرة الخصام ذنب كبير.\n(^١٢) الأول بسند حسن والثاني بسند غريب ولكنه للترهيب، وسبق في هذا عدة أحاديث في شرح كتاب العلم والله أعلم.","vol":"5","page":40},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1068>ومنه البخل وسوء الخلق </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (^٢)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ خَبٌّ وَلَا مَنَّانٌ وَلَا بَخِيلٌ (^٣)».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعاَنِ فِي مُؤْمِنٍ: الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ (^٤)»، رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ، وَالْفَاجِرُ خَبٌّ لَئِيمٌ (^٦)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٧) وَأَبُو دَاوُدَ.\n_________\nومنه البخل وسوء الخلق\n(^١) البخل في الشرع: منع الواجب الزكاة، وعند العرب منع السائل مما يفضل عنده، والسالم من البخل غانم وسعيد لقوله تعالى ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وسوء الخلق: كل وصف ذميم ولكن أشنعه الحماقة فإنها داء لا دواء له كما قال القائل:\nلكل داء دواء يستطب به … إلا الحماقة أعيت من يداويها\n(^٢) ﴿وَأَنْفِقُوا﴾ أي في الزكاة ﴿مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا﴾ أي هلا أو بمعنى التمني ﴿أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي أتصدق بالزكاة ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ بالحج إلى بيت الله الحرام فما قصر أحد في الزكاة أو في الحج إلا سأل الرجعة عند الموت؛ كذا قاله ابن عباس. وسبق هذا في تفسير سورة المنافقون.\n(^٣) الحب بالفتح والكسر: الخداع المفسد بين الناس وهو النمام الذي سبق، والمنان: هو الذي يمن على من أعطاه وهو مذموم لقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾، والبخيل المانع للزكاة، وكذا من يمنع فضله عن المضطر إليه، فهؤلاء لا يدخلون الجنة إن استحلوا ذلك، أو هذا للزجر، أولا يدخلونها مع السابقين.\n(^٤) فلا يجتمعان مع الإيمان لشرفه وخستهما الإضرارها بخلق الله تعالى، والمؤمن مصدر لكل خير كالنخلة ينتفع بكل أجزائها.\n(^٥) الأول بسند حسن والثاني بسند غريب.\n(^٦) الغر كالهِر: الغافل عن الشر. كريم الفعل، والفاجر مفسد خبيث.\n(^٧) بسند حسن، نسأل الله حسن الحال في الحال والمآل آمين.","vol":"5","page":41},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَتَقاَرَبُ الزَّمَانُ (^١) وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ (^٢) وَيُلْقَى الشُّحُّ (^٣) وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ»، قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: «الْقَتْلُ الْقَتْلُ (^٤)»، رَوَاهُ الثلَاثَةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1069>يحرم الكذب إلا في ثلاث </span>(^٥)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ (^٦)﴾ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَذِبُونَ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحْدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ (^٧)»، رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٨).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ (^٩)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ (^١٠).\n\n• عَنْ سُفْياَنَ بْنِ أُسَيْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَبُرَتْ\n_________\n(^١) أي في الشر حتى يشبه أوله آخره، أو في غلبة الفساد على أهله، أو في قصر أعمارهم، أو في قلة البركة فيه فتكون السنة كشهر، والشهر جمعة، والجمعة كيوم، واليوم كساعة، والساعة كاحتراق الخوصة.\n(^٢) بالطاعات لاشتغالهم بالدنيا، وفي رواية: وينقص العلم أي النافع.\n(^٣) أي يطرح في قلوب الناس فيهلكهم، ولأبي داود في آخر الزكاة: إياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا.\n(^٤) الهرج كثرة سفك الدماء وكل هذا واقع في زماننا الآن، نسأل الله السلامة والتوفيق آمين.\n\nيحرم الكذب إلا في ثلاث\n(^٥) فالكذب حرام إلا في المواضع الثلاثة الآتية، والكذب: الإخبار عن شيء بخلاف ما يعلم فيه وهو قبيح بل أقبح من المتكلم في شيء على جهل المنهي عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.\n(^٦) أي بالقرآن؛ ويقولون إنه من كلام البشر.\n(^٧) ويل: واد في النار شديد العذاب، أو معناه الهلاك لمن يكذب فيضحك القوم، وروي. فيضحك القوم على الفاعلية، وتكرير الويل لزيادة الوعيد.\n(^٨) بسند صحيح.\n(^٩) فالتكلم بكل ما يسمعه ذنب عظيم لأن الصدق في الناس قليل.\n(^١٠) في مقدمة كتابه الصحيح.","vol":"5","page":42},{"text":"خِياَنَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ لَهُ بِهِ كَاذِبٌ (^١)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢) وَالإِمَامُ أَحْمَدُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا كَانَ حَلِفٌ أَبْغَضَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْكَذِبِ (^٣) وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُحَدِّثُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْكَذْبَةِ فَماَ يَزَالُ في نَفْسِهِ (^٤) حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ مِنْهاَ تَوْبَةً.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَذَبَ الْعَبْدُ تَباَعَدَ عَنْهُ الْمَلَكُ مِيلًا مِنْ نَتْنِ مَا جَاءَ بِهِ (^٥)»، رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَة ﵂ وَكَانَتْ مِنَ الْمُهاَجِرَاتِ الْأُوَلِ الاتِي بَايَعْنَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهاَ سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا (^٧)» قاَلَتْ وَلَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ إِلا فِي ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا (^٨). رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ. وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ: مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرَخِّصُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكَذِبِ إِلا فِي ثَلَاثٍ؛ كَانَ يَقُولُ: «لَا أَعُدُّهُ كَاذِبًا: الرَّجُلُ يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ\n_________\n(^١) فالكذب مع من يصدقك أكبر خيانة لأنه تمويه واستهزاء وإضلال للسامع.\n(^٢) بسند ضعيف.\n(^٣) فكان أبغض شيء إلى النبي - ﷺ - عن الكذب في اليمين لأنه تضليل واستخفاف باسم الله تعالى.\n(^٤) أي شيء منه.\n(^٥) المراد بالملك الجنس فيشمل الحفظة والكرام الكاتبين، والميل: مسافة قدرها أربعة آلاف ذراع، ففي هذه الأحاديث أن الكذب حرام ولو كان هازلا وعليه العقاب بالنار.\n(^٦) بسندين حسنين.\n(^٧) أي ينقل عن كل من المتخاصمين لخصمه كلاما حسنا ولو كان كل منهما يطعن في الآخر وكذا يقول المصلح من نفسه كلاما يؤلف بينهما ولو كذب في هذا، ولا يسمى كاذبة بل هو محسن ومصلح ومأجور على هذا.\n(^٨) الحرب، فللقائد أن يكذب في الخطة التي ينوبها لئلا يتصل خبرهم بالأعداء، ويقاس عليه كل حاكم ما دامت وجهته الخير والإصلاح لعباد الله تعالى، والذي يصلح بين المتخاصمين فردين أو قبيلتين أو أمتين، له أن يقول ما يشاء فيما يراه طريقًا للتوفيق بينهما، وحديث الزوج لزوجته وكذا حديثها لزوجها فله أن يكذب معها أحيانًا كقوله لها: أنت أحب الناس إليّ إذا قالت له: إنك تحب ضرتي، أو أهلك أكثر مني، وكذا إذا طلبت منه شيئا ليس ميسورا له فإنه يعدها مسايرة وإرضاء لها.","vol":"5","page":43},{"text":"يَقُولُ الْقَوْلَ وَلَا يُرِيدُ بِهِ إِلا الْإِصْلَاحَ، وَالرَّجُلُ يَقُولُ فِي الْحَرْبِ، وَالرَّجُلُ يُحَدِّثُ امْرَأَتَهُ، وَالْمَرْأَةُ تُحَدِّثُ زَوْجَهاَ (^١)».\n\n<span data-type='title' id=toc-1070>ومنه النفاق </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (^٣)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «آيَةُ الْمُناَفِقِ ثَلَاثٌ (^٤) إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ (^٥) وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ (^٦) وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ (^٧)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ مُناَفِقًا خَالِصًا (^٨) وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ\n_________\n(^١) وإنما جاز الكذب وهو حرام في هذه الأمور لأهميتها، فإن الجيش حصن الأمة فإذا انكسر ذهبت وضاعت، والخصام والشقاق أس كل مصيبة وبلاء، والوفاق أصل كل خير وفلاح، والأسرة الزوجية هي الأفراد التي تتكون منها الأمة فإذا نشأ الأولاد بين أبوين لا نزاع بينهما بل يتبادلان الإجلال والمودة فإنها تنشأ غالبا ذرية طيبة ونباتا حسنا يكون دعامة قوية في أمة تعيش في هناء وسعادة، وهل يقاس على هذه الأمور في جواز الكذب شدائد قد تعرض للإنسان في دنياه كظالم يريد التعدي على نفس أو عرض أو مال وأمكن الخلاص منه بالكذب الظاهر. نعم لأن الحامل على الكذب في الحديث الضرورة وهذه أقصاها فهي داخلة في القاعدة المشهورة: الضرورات تبيح المحظورات، والله أعلم.\n\nومنه النفاق\n(^٢) النفاق من النفق وهو السرب في الأرض، والنفاق في الشرع: إخفاء الكفر وإظهار الإسلام، قال الله تعالى ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ بإظهار الإسلام وإخفاء الكفر ليدفعوا عنهم عقابه الدنيوي ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ مجازيهم على ذلك بافتضاحهم في الدنيا وشديد عقابهم في الآخرة ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ مترددين بين الكفر والإسلام ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ الكفار ﴿وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ المؤمنين ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.\n(^٣) ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ﴾ المكان ﴿الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ يدفع عنهم العذاب في الآخرة.\n\n[تنبيه] مرويات مسلم هنا في الإيمان.\n(^٤) فعلامة المنافق ثلاث خصال زاد في رواية: وإن صام وصلى، وزعم أنه مسلم.\n(^٥) من غير ضرورة.\n(^٦) من غير عذر شرعي.\n(^٧) وإذ اؤتمن على مال أو عرض أو كلام خانه.\n(^٨) كامل النفاق.","vol":"5","page":44},{"text":"خلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفاَقٍ حَتَّى يَدَعَهاَ، إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ (^١) وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ (^٢)»، رَوَاهُماَ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْمُناَفِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعاَئرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ تَعِيرُ إِلَى هذِهِ مَرَّةً وإِلَى هذِهِ مَرَّةً (^٣)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيَ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحاَبٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِنَّهاَ تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمِ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلِكَ مِنَ الْإِيماَنِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ (^٤)»، رَوَاهُماَ مُسْلِمٌ (^٥).\nعَنْأَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْناَ السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا وَمَنْ غَشَّناَ\nفَلَيْسَ مِنَّا (^٦)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\n(^١) هي الثالثة السابقة.\n(^٢) أي زاد في الشر. فمن تعود هذه الخصال وصارت طبيعة له فهو منافق، بخلاف المؤمن العاصي فإنه إن فعلها مرة تركها أخرى، وإن أصر عليها زمنا تركها في زمن آخر وإن وجدت فيه خصلة منها لم توجد فيه أخرى ولا يمكن أن يجتمع الإيمان معها بل نوره يذهبها.\n(^٣) فصفة المنافق في تردده بين الكفار والمؤمنين كالشاة العائرة أي المترددة بين الغنمين إلى هذه الطائفة مرة وإلى تلك مرة أخرى، فالمنافق لا ثبات له.\n(^٤) فمن يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون به يجب الإنكار عليهم بالفعل فمن لم يقدر فبالقول فمن لم يقدر فبقلبه أي يجب أن يكرهه بقلبه وهذه أضعف الإيمان.\n(^٥) ولكن الأول في كتاب المنافقين.\n(^٦) معلوم أن المنافقين من أعداء المسلمين وهم أول الغاشين للمسلمين فهم ليسوا من الأمة، وكذا من يحمل على الأمة ويغشها ولو من المسلمين فليس منهم إن استحل ذلك أو ليس من الكاملين، نسأل الله السلامة آمين.","vol":"5","page":45},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1071>العصبية من وصف الجاهلية </span>(^١)\n\n• عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ (^٢)».\n\n• عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ﵁ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْعَصَبِيَّةُ؟ قَالَ: أَنْ تُعِينَ قَوْمَكَ عَلَى الظُّلْمِ (^٣).\n\n• عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيِّ ﵁ قَالَ: خَطَبَناَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «خَيْرُكُمُ الْمُدَافِعُ عَنْ عَشِيرَتِهِ مَا لَمْ يَأْثَمْ (^٤)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَصَرَ قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ فَهُوَ كَالْبَعِيرِ الَّذِي رُدِّيَ فَهُوَ يُنْزَعُ بِذَنَبِهِ (^٥)»، رَوَى هذِهِ الْأَرْبَعَةَ أَبُو دَاوُدَ (^٦)، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِماَ يُحِبُّ وَيَرْضَى آمِين.\n_________\nالعصبية من وصف الجاهلية\n(^١) العصبية من العصبة وهم الأقارب من جهة الأب، والعصبى: الذي يغضب لعصبته ويحامي عنهم وينصرهم أيا كانوا ولو على باطل.\n(^٢) ليس منا من دعا إلى عصبية أي ليس على ديننا إن استحل ذلك أو ليس على طريقتنا الكاملة كما تقدم.\n(^٣) وهذا هو النوع المذموم من العصبية، أما الإعانة على الحق فهي مشروعة، للنصوص الكثيرة.\n(^٤) ما لم يتجاوز الحد في الدفاع.\n(^٥) فمن ينصر قومه على الباطل فقد وقع في الإثم وهلك كالبعير الذي تردي ووقع في البئر فصار ينزع بذنبه لإخراجه ولا يمكن، بل الواجب على المسلم إذا رأى من قومه أو غيرهم دعوة العصبية أن ينهاهم وينصحهم فإن امتثلوا فله أجره كاملا وإلا فله أجر النهي عن المنكر والله أعلم.\n(^٦) بأسانيد صالحة إلا حديث سراقة فإنه ضعيف والله أعلم.","vol":"5","page":46},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1072>الباب الثالث: في مكارم الأخلاق </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (^٢)﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1073>أعظمها كظم الغيظ وعدم الغضب </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (^٤)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\nعَنْأَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ (^٥)»، رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ»؟ قُلْناَ: الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ (^٦)، قَالَ: «لَيْسَ ذَاكَ بِالرَّقُوبِ وَلكِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا (^٧)»، قَالَ: «فَمَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ»؟ قُلْنَا:\n_________\n[في الباب الثالث في مكارم الأخلاق]\n(^١) مكارم الأخلاق: هي الصفات المحبوبة لله ولرسوله - ﷺ - ككظم الغيظ والصبر والعفو ونصر السلم والشفاعة له والصدق والحياء والتواضع والكرم والسخاء والوفاء بالوعد والشكر والحذر من الله وحسن الظن بالله والناس والنصح والدلالة على الخير والعدل بين الناس والاهتمام بأمر المسلمين ومحبة الصالحين، وستأتي إن شاء الله تعالى، وهذه لا شك سبب في محبة الله ورسوله للعبد وسبب لسعادته في الدنيا والأخرى، نسأل الله حسن الأخلاق آمين.\n(^٢) إن الله عليم بكم خبير ببواطنكم، والله تعالى لم يعط وصف الكرم إلا للتقي وهو الفاعل للمأمورات البتعد عن المنهيات.\n(^٣) إنما كان كظم الغيظ أعظم المكارم لأنه لا يقدر عليه إلا الشديد على نفسة القوى في دينه.\n(^٤) هذا وصف المتقين الذين أعدت لهم الجنة في قوله تعالى قبلها: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ في اليسر والعسر ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ الكافّين عن إمضائه مع القدرة ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ الذين لا يعاقبون من ظلمهم ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ بهذه الأفعال أي يثيبهم عليها.\n(^٥) الصرعة بضم فتح كهمزة ولمزة أصله الذي يصرع الناس كثيرًا ويرميهم في الأرض لشدته، ولكن المراد به هنا من يمسك نفسه في الغضب.\n(^٦) أولا يعيش له ولد فهو دائما يرتب أولاده.\n(^٧) لم يمت أحد من أولاده في حياته.","vol":"5","page":47},{"text":"الَّذِي لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ، قَالَ: «لَيْسَ بِذلِكَ وَلكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ (^١)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَمَّا صَوَّرَ اللَّهُ آدَمَ فِي الْجِنَّةِ تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ (^٢) فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يُطِيفُ بِهِ (^٣) يَنْظرُ مَا هُوَ فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ (^٤)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ ﵄ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قاَدِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُؤوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ الْحُورِ الْعِينِ شَاءَ (^٥)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: عَلِّمْنِي شَيْئًا وَلَا تُكْثِرْ عَلَيَّ لَعَلِّي أَعِيهِ، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ (^٧)»، فَرَدَّدَ ذلِكَ مِرَارًا كُلُّ ذِّلِكَ يَقُولُ: لَا تَغْضَبْ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: صَنَعَ النَّبِيَّ ﷺ شَيْئًا فَرَخَّصِ فِيهِ\n_________\n(^١) كانوا يفهمون أن الرقوب هو الذي لا ولد له؛ فقال - ﷺ -: الرقوب هو الذي لم يمت له ولد في حياته كما كانوا يفهمون أن الصرعة هو الذي لا يغلبه أحد لشدته فقال - ﷺ -: الصرعة هو الذي يملك نفسه عند الغضب.\n(^٢) في الجنة أي قريبًا منها أو ربضها فلا ينافي ما سبق في فضل الجمعة من أنه خلق خارجها.\n(^٣) أي حوله ينظر إليه.\n(^٤) فلما رآه أجوف أي له جوف وخالي الباطن عرف أنه مخلوق لا يملك نفسه عن الشهوات لحاجته إلى سد جوفه، فيكون ضعيفًا عنها بطبعه كقوله تعالى ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ولكن الله بحكمته ورحمته وضع فيه عقلا وأنزل عليه شرعا ليتحفظ بهما ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.\n(^٥) ينفذه من الإنقاذ أو التنفيذ، وفي رواية: من كظم غيظه وهو قادر على أن ينفذه ملأه الله أمنا وإيمانا، ومن ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه تواضعا كساه الله حلة الكرامة، ومن زوج (أي شخص) لله توجه الله تاج الملك.\n(^٦) بسند حسن.\n(^٧) فرجل اسمه جارية بن قدامة قال للنبي - ﷺ -: أوصني ولا تكثر عليّ في الوصية لعلى أحفظها، قال: لا تغضب؛ فأعاد السؤال، فقال لا تغضب ثلاث مرات إشارة إلى أن في ترك الغضب خيرا كثيرا، الغضب: فوران دم القلب لإرادة الانتقام، وهذا طبع جبلي في الإنسان إذا وجد سببه فلا يمكن دفعه كالضحك والبكاء إذا وجد سببهما، فكيف ينهاه الحديث عن طبعه وما لا طاقة له به، الجواب: أن المراد بقوله لا تغضب اجتنب أسباب الغضب ولا تفعل ما يقتضيه بل إذا غضبت فأمسك نفسك وهذا هو الشجاع السالف في الحديث الأول والثاني.","vol":"5","page":48},{"text":"فَتَنَزَّهَ عَنْهَ قَوْمٌ فَبَلَغَ النَّبِيِّ ﷺ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ: «مَا باَلُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنعُهُ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^١).\nوَعَنْهاَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا بَلَغَهُ عَنِ الرَّجُلِ الشَّيْءُ لَمْ يَقُلْ «مَا بَالُ فُلَانٍ يَقُولُ كذَا» وَلكِنْ يَقُولُ: «مَا باَلُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا (^٢)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْحِلْمِ وَمَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1074>ومنها الصبر والعفو وتحمل الأذى </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (^٤)﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا\n_________\n(^١) ولكن مسلم في الفضائل ولفظه: صنع رسول الله - ﷺ - أمرا فترخص فيه (أي فعل الأيسر) فبلغ ذلك ناسا من أصحابه فكأنهم كرهوه وتنزهوا عنه فبلغه ذلك فغضب حتى بان الغضب في وجهه فقام خطيبا فقال ما بال رجال إلى آخر الحديث. ففيه أنه كان إذا غضب من شيء لا ينكر ولا يعاتب واحدا بعينه بل بعنوان الجمع رحمة بهم فلا يقابل أحدا بمكروه، قال الحافظ: الشيء والقوم في الحديث غير معلومين، وفيه الحث على الاقتداء به - ﷺ - وعدم التعمق في العبادة وذم التنزه عن المباح، وسبق هذا الحديث في أخلاقه في النبوة.\n(^٢) ففيه وما قبله أن النبي - ﷺ - كان يغضب ولكن الله تعالى كما سبق في اللباس لما دخل على عائشة فوجد في البيت ستارة عليها صور فغضب ومزقها، وكما سبق في النبوة: وما انتقم رسول الله - ﷺ - لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله ﷿، وهذا هو الغضب المحمود الدال على كمال الإيمان كما سبق في الإيمان: من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان، أسأل الله أن يمنحنا كمال الإيمان واليقين آمين.\n\nومنها الصبر والعفو وتحمل الأذى\n(^٣) أي من مكارم الأخلاق الصبر والعفو وتحمل الأذى، والصبر: إمساك النفس عند المكروه خوفا من الله وأملا في رضاه، والعفو: هو الصفح والتجاوز، قال تعالى ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ وقال تعالى ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ قيل في معناها: تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك.\n(^٤) ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾ أمسك نفسه فلم ينتصر ﴿وَغَفَرَ﴾ عفا وصفح فلم يبق في قلبه شيء ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ معزوماتها أي المطلوبات الشرعية، فالصبر والصفح من عظيم الأمور ولا يطيقهما إلا أعاظم الناس.","vol":"5","page":49},{"text":"يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (^١)﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (^٢)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ نِدًّا وَيَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا وَهُوَ مَعَ ذلِكَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعاَفِيهِمْ (^٣)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ قِسْمَةً كَبَعْضِ مَا كَانَ يَقْسِمُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ (^٤): وَاللَّهِ إِنَّهاَ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بها وَجْهُ اللَّهِ قُلْتُ: أَمَا لَأَقُولَنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي أَصْحاَبِهِ فَسَارَرْتُهُ فَشَقَّ ذلِكَ عَلَيْهِ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَغَضِبَ حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَخْبَرْتُهُ ثُمَّ قَالَ: «أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَصَبَرَ (^٥)» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ\n_________\n(^١) أي إنما يعطى الصابرون في الآخرة أجرهم بغير حساب أي لا يهتدي إليه حاسب ولا يعرفه لكثرته وعظمه، وقال تعالى ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ الكلمة الحسنى لهم أن جعلهم الله أمة للناس يهتدون بهم.\n(^٢) ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ﴾ من بني إسرائيل ﴿أَئِمَّةً يَهْدُونَ﴾ الناس ﴿بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ على دنيهم وعلى البلاء من عدوهم ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ والصبر ثلاثة أقسام: صبر على البلايا وحرارتها، وصبر على الفرائض ومشاقها، وصبر على الشهوات ولذاتها، والأخيران أفضل وأكمل لأنهما جهاد دائم، بخلاف الأول فإنه يعرض ويزول، وعلى كل فالصبر أفضل خلق وأجمله، وقال عليّ ﵁: الصبر مطية لا تكبو وسيف لا ينبو، وقال عمر ﵁ لرجل: إن صبرت مضى أمر الله وكنت مأجورا. وإن جزعت مضى أمر الله وكنت مأزورا، قال القائل:\nلا تيأسن وإن طالت مطالبة … إذا استعفت بصبر أن ترى فرجا\nأخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته … ومدمن القرع للأبواب أن يلجا\n(^٣) إنهم أي المشركين يجعلون لله ندا أي مثلا يعبدونه وهو الأصنام، وبعضهم يقول اتخذ الرحمن ولدا والله تعالى منزه عن الشريك والولد ومع هذا يرزقهم ويعافيهم كرما وحلما منه جل شأنه، فلنا بربنا تعالى القدوة العليا كما في الحديث: تخلقوا بأخلاق الله تعالى.\n(^٤) اسمه معتب بن قشير المنافق.\n(^٥) أي وله - ﷺ - به قدوة بل أولى لعظم درجاته وبقدرها يكون البلاء، وما أوذي به موسى هو المذكور في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ وما قالوه في موسى تعييبا له هو ما سبق في آخر سورة الأحزاب من قولهم: إنه قدر، أو قول قارون للمومسة: =","vol":"5","page":50},{"text":"وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا أُعْطِي أَحَدٌ عَطاَءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ (^١)»، رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\nوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمُسْلِمُ إِذَا كَانَ مُخاَلِطًا النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ (^٢)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ إِلا رَفَعَهُ اللَّهُ (^٣)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَسُبُّ أَباَ بَكْرٍ ﵁ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ فَصَمَتَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ آذَاهُ الثَّانِيَةَ فَصَمَتَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ آذَاهُ الثَّالِثَةَ فَانْتَصَرَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَوَجَدْتَ عَلَيَّ ياَ رَسُولَ اللَّهِ (^٤)؟ فَقاَلَ: «نَزَلَ مَلَكٌ مِنَ السَّماَءِ يُكَذِّبُهُ بِماَ قَالَ لَكَ فَلَمَّا انْتَصَرْتَ وَقَعَ الشَّيْطَانُ (^٥) فَلَمْ أَكُنْ لِأَجْلِسَ إِذْ وَقَعَ الشَّيْطَانُ (^٦)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n= قولي إن موسى راودني عن نفسي فكان هذا سببًا لخسف قارون، أو اتهامهم موسى بقتل هارون فأحياه الله فأخبرهم ببراءة موسى ﵇.\n(^١) فالصبر خير عطاء وأحسنه في الدنيا والأخرى وسبق هذا طويلا في التعفف في الزكاة.\n(^٢) فالمخالط للناس الصابر على أذاهم القائم بأمر دينه خير من المعتزل لأنه في جهاد وله درجة عظيمة على صبره وربما جرى على يديه خير لهم، وهذا إذا أمكنه مع حفظ دينه وإلا فالعزلة أفضل، وقد اعتزل الإمام مالك ﵁ في آخر حياته حتى ما كان يخرج للجماعة فسئل عن ذلك فقال: ليس كل ما يعلم يقال، ﵁ وحشرنا في زمرته آمين.\n(^٣) وفي رواية: العفو لا تزيد العبد إلا عزا فاعفوا يعزكم الله، والتواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله، والصدقة لا تزيد المال إلا كثرة فتصدقوا يغنكم الله ﷿.\n(^٤) أي هل غضبت عليّ يا رسول الله لما رددت عليه.\n(^٥) أي صعد الملك وحضر شيطان.\n(^٦) حاصله أنه كان بين أبي بكر ورجل آخر نزاع فسب هذا الرجل أبا بكر فسكت ثم سبه ثانية فسكت ثم سبه الثالثة فرد عليه أبو بكر وانتصر لنفسه فقام النبي - ﷺ -، فقال أبو بكر: غضبت يا رسول الله من ردى عليه في المرة الثالثة، فقال: كان هنا ملك يرد عنك ويكذبه فلما رددت ذهب الملك وحضر الشيطان وما كان ينبغي لنبي أن يجلس في مجلس فيه شيطان، ففيه أن من ترك الانتصار لله تكفل الله بأمره ورد عنه وحفظه وأجزل له العطاء.\n(^٧) بسند صحيح، نسأل الله صحة القول والفعل آمين.","vol":"5","page":51},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1075>دواء الغضب</span>\n• عَنْ سُلَيْماَنَ بْنِ صُرَدٍ ﵁ قَالَ اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَ أَحَدُهُماَ تَحْمَرُّ عَيْناَهُ\nوَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ (^١) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ كَلِمةً لَوْ قَالَهاَ لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ (^٢) أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطاَنِ الرَّجِيمِ (^٣)» فَقَالَ: وَهَلْ تَرَى بِي مِنْ جُنُونٍ، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ أَبُي ذَرًّ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَناَ: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكمْ وَهُوَ قَائمٌ فَلْيَجْلِسْ فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلا فَلْيَضْطَجِعْ (^٤)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ (^٥).\n\n• عَنْ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ (^٦) وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ (^٧) وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْماَءِ فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكمْ فَلْيَتَوَضَّأْ (^٨)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٩)، نَسْألُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ آمِين.\n_________\nدواء الغضب\n(^١) عروق في الرقبة.\n(^٢) من حرارة الغضب.\n(^٣) فذهب إليه من سمع النبي - ﷺ - فقال له: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقال: وهل أنا مجنون، فهمًا منه أن التعوذ لا يقوله إلا المجنون. وهذا منافق أو من جفاة الأعراب الذين لا يفهمون أن الغضب من نزغات الشيطان وكثرة التعوذ تذهبه.\n(^٤) ذلك لأن القائم متهيء للبطش والانتقام، والقاعد دونه في هذا، والمضطجع ممنوع منهما، فأمر الغضبان بالجلوس فالاضطجاع لئلا تبدر منه بادرة يندم عليها بعد ذلك.\n(^٥) بسند صحيح.\n(^٦) من أثر وسوسته.\n(^٧) فيه أنه من الجن لقوله تعالى ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾.\n(^٨) كوضوء الصلاة، ففي هذه الأحاديث أن دواء الغضب إما كثرة التعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإما الجلوس أو الاضطجاع، وإما التحول من مكان لآخر لحديث بذلك، وإما الوضوء وهو أفضلها.\n(^٩) بسند صالح.","vol":"5","page":52},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1076>ومنها نصر المسلم وستره والذب عنه </span>(^١)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَلْينْصُرِ الرَّجُلُ أَخَاهُ (^٢) ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، إِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلْيَنْهَهُ فَإِنَّهُ لَهُ نَصْرٌ (^٣) وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَلْيَنْصُرْهُ (^٤)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَأَى عَوْرَةً فَسَتَرَهَا كَانَ كَمَنْ أَحْياَ مَوْءُودَةً (^٥)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا مِنْ مُناَفِقٍ (^٦) بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَحْمِي لَحْمَهُ يَوْمَ الْقِياَمَةِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ وَمَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِشَيْءٍ (^٧) يُرِيدُ شَيْنَهُ بِهِ حَبَسَهُ اللَّهُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ (^٨)».\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا (^٩) في مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ عِرْضِهِ إِلاَّ خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْضِعٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ\n_________\nومنها نصر المسلم وستره والذب عنه\n(^١) وهذه من حقوق المسلم على المسلم بل نصر المسلم وستره واجبان.\n(^٢) سببه أن غلاما من المهاجرين اقتتل مع غلام من الأنصار فنادى المهاجر يا للمهاجرين ونادى الأنصاري يا للأنصار، فجرج رسول الله - ﷺ - فقال: ما هذا إن هذه دعوى الجاهلية، قالوا: لا يا رسول الله إلا أن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر (ضربه على عجيزته) قال: فلا بأس ولينصر الرجل أخاه … إلى آخره.\n(^٣) من هلاكه وغضب الله ورسوله.\n(^٤) بدفع الظالم عنه وحفظه منه.\n(^٥) سببه أنه كان لعقبة ﵁ جيران يشربون الخمر فنهاهم رجل كاتب العقبة فلم ينتهوا فكلم عقبة في أمرهم وقال: سأدعو لهم الشرط (أعوان السلطان) فقال عقبة له: دعهم، ثم كلمه مرة أخرى فقال: ويحك دعهم فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من رأى عورة فسترها (عريانا فكساه أو مسلما يعصى على خلاف عادته فنهاه وستر عليه) كان كمن أحيا موءودة (أي أخرجها من قبرها قبل موتها) فالساتر دفع عنه الفضيحة بين الناس التي هي كالموت فكأنه أحياه كالذي أحيا الموءودة من قبرها.\n(^٦) أي مغتاب.\n(^٧) قذفه وسبه بما يعيبه.\n(^٨) بإرضاء خصمه من حسناته أو أخذه من سيئاته كما سبق.\n(^٩) بترك إعانته ونصره.","vol":"5","page":53},{"text":"إِلا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ (^١)»، رَوَاهُماَ أَبُو دَاوُدَ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ (^٣) رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِياَمَةِ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُريْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ (^٤)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥) وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ مِرْآةُ أَخِيهِ فَإِنْ رَأَى بِهِ أَذًى فَلْيُمِطْهُ عَنْهُ (^٦) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-1077>ومنها الشفاعة </span>(^٧)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا (^٨)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْياَنِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ أَوْ صَاحِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَيْناَ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ (^٩)»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n_________\n(^١) شامل لمواطن الدنيا ومواقف الآخرة.\n(^٢) بسندين صالحين.\n(^٣) أي رد الغيبة عنه لله تعالى.\n(^٤) الضيعة: ما يضيع الإنسان بضياعه كالصناعة والتجارة والزراعة، فالمؤمن يحوط أخاه ويذب عنه ويحافظ على ماله ولو غائبا كما أنه مرآة له يسأله عن حاله ليخبره بما يراه فيه فإن الإنسان ربما تخفى عليه بعض عيوبه فيسترشد إليها من خيار أصحابه كما ورد عن عمر ﵁ أنه كان يقول لحذيفة ﵁: هل ترى فيّ شيئًا من علامات النفاق، فيقول: لا والله يا أمير المؤمنين.\n(^٥) بسند صالح.\n(^٦) الأذى كالهوى: المستقذر وكل مكروه، نسأل الله السلامة آمين.\n\nومنها الشفاعة\n(^٧) الشفاعة هي التوسط لدى شخص في إيصال خير لآخر، هذا هو الكثير وقد يكون التوسط في شر هذه الآية الشريفة.\n(^٨) ﴿مَنْ يَشْفَعْ﴾ بين الناس ﴿شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ موافقة للشرع ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ يؤجر بسببها ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ مخالفة للشرع ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ أي نصيب ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ مقتدرًا يجازي كل إنسان بما عمله.\n(^٩) ولفظ أبي داود: اشفعوا إلي لتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء. أي ساعدوه بكلمة لي على طلابه فإنكم تؤجرون =","vol":"5","page":54},{"text":"• عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا فَإِنِّي أُرِيدُ الْأَمْرَ فَأُؤَخِّرُهُ كَيْماَ تَشْفَعُوا فَتُؤْجَرُوا (^١) فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1078>ومنها الصدق </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ (^٣)﴾.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ (^٤) وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا (^٥) وَإيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عَنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا (^٦)»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنْ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ (^٧)»، رَوَاهُ ابْنُ عَدِيَ وَالْبَيْهقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n_________\n= وما أراده الله سيكون فتندب الشفاعة إلى ولاة الأمور وغيرهم كأصحاب الحقوق والجاه إلا في أمر لا يجوز تركه أو في حد بلغ الحاكم.\n(^١) فكان معاوية ﵁ يؤخر حاجة بعض الناس حتى يشفع الشافعون فيؤجرون والله أعلم.\n\nومنها الصدق\n(^٢) الصدق: هو الإخبار على وفق ما يعلم.\n(^٣) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ بترك المحرمات وفعل الواجبات ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ في الأيمان والعهود والأقوال.\n(^٤) عليكم بالصدق أي الزموه في كل أحوالكم فإنه يهدى إلى كل خير للدنيا والآخرة.\n(^٥) الصديق: هو من تعود الصدق.\n(^٦) الفجور: هو الانبعاث في المعاصي، فمن تعود الصدق صار من الأبرار الصديقين، ومن تعود الكذب صار من الفجار الكذابين، قال الله تعالى ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ تالله إن الصدق جميل ومليح والكذب شين وقبيح قال القائل:\nالصدق في أقوالنا أقوى لنا … والكذب في أفعالنا أفعى لنا\nوحسبنا فيه قول الله جل شأنه ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.\n(^٧) المعاريض جمع معراض كمفاتيح ومفتاح من التعريض خلاف التصريح من القول: وهو اللفظ =","vol":"5","page":55},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1079>يجوز المزاح </span>(^١)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ احْمِلْنِي (^٢) فَقَالَ: «إِنَّا حَامِلُوكَ عَلَى وَلَدٍ نَاقَةٍ» قَالَ: وَمَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ (^٣)؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ إِلا النُّوقُ (^٤)».\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «ياَ ذَا الْأُذُنَيْنِ (^٥)»، رَوَاهُماَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيُخَالِطُناَ حَتَّى يَقُولَ لأَخِ لِي صَغِيرٍ: «ياَ أَباَ عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ (^٧)»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n_________\n= الذي له معنيان قريب وبعيد، ويراد البعيد؛ لأنه عرض عن القريب إلى البعيد، والمندوحة من الندح: وهو الأرض الواسعة. ففي المعاريض غنية وفسحة عن الكذب وهذه هي التورية فيمكن للإنسان استعمالها ولو غير مضطر لهذا الحديث ولما سبق في حديث سويد بن حنظلة في: اليمين على نية المستحلف من كتاب الأيمان والنذور، ومن هذا أن الحجاج قال لبعض الصحابة ما تقول فيّ. قال: أنت القاسط العادل. فقال الحاضرون: قد أثنى عليك. فقال لا: إنما أراد بها قول الله تعالى ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾. ومن هذا ما دب بين أهل العلم في القرن الثاني هل القرآن مخلوق أولا وكان أمير المؤمنين من الفريق الأول فسألوا الشافعي فأشار بأصابعه الأربع وقال هذه كلها مخلوقة وهو يريد الأصابع وهم يريدون الكتب السماوية التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وسبق في الأيمان أن الإمام النووي قال بجواز التورية في كل وقت إلا أمام الحاكم أو نائبه اللذين هما على حق فإنها لا تجوز بل تحرم.\n\nيجوز المزاح\n(^١) المزاح بالكسر الصدر وبالضم الاسم وهو المداعبة بالكلام للمؤانسة والسرور.\n(^٢) اعطنى دابة أركبها.\n(^٣) فهما منه أن ولد الناقة هو الصغير كما هو التعارف بينهم.\n(^٤) فلو تأمل في لفظ ولد الناقة ما رد وكان التعبير به للمزاح.\n(^٥) المراد به المزاح والملاطفة، وفيه حث على حسن الاستماع للقول فإنه يكفي للاستماع أذن واحدة فكيف بأذنين.\n(^٦) بسندين صحيحين.\n(^٧) النغير تصغير نغر - كصرد - وهو البلبل أو فرخ الطائر كان يلعب به أخو أنس فقال له النبي - ﷺ - ذلك ملاطفة ومداعبة له، وفيه جواز تكنية الصغير.","vol":"5","page":56},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالُوا: ياَ رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تُدَاعِبُناَ، قَالَ: «إِنِّي لَا أَقُولُ إِلا حَقًّا (^١)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1080>ومنها الوفاء بالوعد </span>(^٣)\nقاَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَمْسَاءِ ﵁ قَالَ: باَيَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِبَيْعٍ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ وَبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ (^٤) فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتِيَهُ بِهاَ فِي مَكَانِهِ فَنسِيتُ ثُمَّ ذَكَرْتُ بَعْدَ ثَلًاثٍ (^٥) فَجِئْتُ فَإِذَا هُوَ فِي مَكَانِهِ فَقَالَ: «ياَ فَتَى لَقَدْ شَقَقْتَ عَلَيَّ أَناَ ههُنَا مُنْذُ ثَلَاثٍ أَنْتَظِرُكَ (^٦)» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧).\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَعَدَ الرَّجُلُ أَخَاهُ وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَفِيَ فَلَمْ يَفِ وَلَمْ يَجِئْ لِلْمِيعاَدِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ (^٨)» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٩).\n_________\n(^١) وورد أن النبي - ﷺ - قال لامرأة عجوز: لا يدخل الجنة عجوز فحزنت تلك كثيرا وعادت للاستفهام منه - ﷺ - فقال: أما سمعت قول الله تعالى ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾؛ فعلمت أن قصده الملاطفة. وقال عوف بن مالك: أتيت النبي - ﷺ - في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم صغيرة فسلمت فرد عليّ وقال ادخل؛ فقلت: كلى يا رسول الله؟ قال: كلك فدخلت. رواه أبو داود والبخاري وهذا مزاح من الصحابي للنبي - ﷺ -، ففي هذه الأحاديث جواز المزاح بشرط أن يكون صدقا وحقًا لا كذبا ولا باطلا وأن يكون قليلا وإلا فلا لأنه مظنة العداوة وذهاب الهيبة كما سبق في الجدل: لا تمار أخاك ولا تمازحه.\n(^٢) بسند صحيح.\n\nومنها الوفاء بالوعد\n(^٣) الوفاء بالوعد علامة المؤمنين وخلف الوعد علامة المنافقين.\n(^٤) من ثمن ذلك البيع.\n(^٥) من الليالي.\n(^٦) انتظره النبي - ﷺ - ثلاث ليال لا لبقية الثمن بل للوفاء بالوعد الذي كان أحرص عليه من كل شيء.\n(^٧) بسند صالح.\n(^٨) ولم يجيء للميعاد لعذر كنسيان ومرض فلا إثم عليه، ومفهومه أنه إن وعد ونوى عدم الوفاء فعليه الإثم وعلى هذا بعضهم، فالوفاء عند هؤلاء واجب والخلف حرام، وقال الجمهور: إن الوفاء ليس بواجب بل مستحب فقط والخلف مكروه إلا إذا قصد بصاحبه الأذى فإنه حرام، وهذا إذا كان الوعد على غير حرام فإن كان على حرام وجب إخلافه ابتعادا من الحرام.\n(^٩) بسند صالح.","vol":"5","page":57},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1081>ومنه الرفق والتأني </span>(^١)\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «ياَ عَائِشَةُ إِنَّ رَفِيقٌ يحِبُّ الرِّفْقَ وَيْعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى العُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى سِوَاهُ (^٢)»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\nوَعَنْهاَ أَنَّهاَ سْئِلَتْ عَنِ الْبَدَاوَةِ (^٣) فَقَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْدُو إِلَى هذِهِ التِّلَاعِ (^٤) وَإِنَّهُ أَرَادَ الْبَدَاوَةَ مَرَّةً فَأرْسَلَ إِليَّ نَاقَةَ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ مُحَرَّمَةً (^٥) ثُمَّ قَالَ لِي: «ياَ عَائِشَةُ ارْفُقِي فَإِنَّ الرِّفْقَ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلا زَانَهُ وَلَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ إِلا شَانَهُ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ (^٦) وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ خَيْرٌ إِلا في عَمَلِ الْاخِرَةِ (^٧)» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ (^٨).\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْأَنَاةُ مِنَ اللَّهِ وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطاَنِ (^٩)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١٠) وَالْبَيْهَقِيُّ، نَسألُ اللَّهَ اللُّطْفَ وَالرَّحْمَةَ آمِين.\n_________\nومنها الرفق والتأني\n(^١) الرفق: هو لين الجانب القول والفعل والأخذ بالأسهل والدفع بالأخف، والتأني: التمهل وعدم العجلة.\n(^٢) إن الله رفيق أي لطيف يحب الرفق، أي يأمر به ويحث عليه ويعطى عليه في الدنيا محبة الناس وفى الآخرة عظيم الدرجات.\n(^٣) البداوة بالفتح والكسر الخروج للبادية للإقامة أو للتريض.\n(^٤) التلاع جمع تلعة: وهو مجرى الماء من مرتفع إلى منخفض.\n(^٥) أي لم تركب للآن، فلما أرادت الخروج للبادية مع النبي أركبها على ناقة لم تستعمل في الركوب ثم قال لها ارفقي بها فإن الرفق في كل شيء يزينه ولا نزع من شيء إلا كان شينا وقبيحا.\n(^٦) أي العظيم.\n(^٧) التؤدة كالهمزة أي التأني حسن وجميل في كل شيء إلا في أعمال الآخرة لقوله تعالى ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، ولأن في تأخير الخيرات عوارض وآفات.\n(^٨) بسند صحيح.\n(^٩) الأناة - كالقناة - التأني، من الله أي من صفات الله، فإنه خلق الكون في ستة أيام وكان قادرا على خلقه في لحظة لتعليم عباده ذلك التأني المحبوب الذي فيه كل خير، والعجلة من الشيطان أي وصفه ويحبها لأنها مظنة الخطأ بل الإضرار والشر. نسأل الله الرفق والتأني آمين.\n(^١٠) بسند غريب.","vol":"5","page":58},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1082>ومنها الحياء </span>(^١)\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْحَياَءُ لَا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ» فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ إِنَّ مِنَ الْحَياَءِ وَقاَرًا وَإِنَّ مِنَ الْحَياَءِ سَكِينَةً (^٢) فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ (^٣)، رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُعاَتِبُ فِي الْحَياَء يَقُولُ: إِنَّكَ تَسْتَحِي حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُول قَدْ أَضَرَّ بِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَعْهُ فَإِنَّ الْحَياَءَ مِنَ الْإِيماَنِ (^٤)»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحْي فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ (^٥)»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَياَءِ (^٦)» قُلْنا: ياَ رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحْي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ: «لَيْسَ ذَاكَ (^٧) وَلَكِنْ الِاسْتِحْياَءُ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَياَءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى (^٨) وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى (^٩) وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى (^١٠) وَمَنْ أَرادَ الْاخِرَةَ\n_________\nومنها الحياء\n(^١) الحياء: هو تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب ويذم عليه، والحياء شرعا: خلق يبعث على ترك القبيح وفعل المليح، وهو قريب من حديث عبد الله الآتي.\n(^٢) فقال بشير بن كعب التابعي الجليل: مكتوب في الحكمة - هي هنا العلم الذي يبحث فيه عن أحوال حقائق الموجودات، وقيل العلم المتقن الوافي، نسأل الله إياه - إن من الحياء وقارا أي حلما ورزانة، وسكينة أي دعة وسكونا، فالحياء معدن لهذه الصفات الجميلة.\n(^٣) فلا ينبغي معارضة كلام النبوة بكلام آخر فإنه جوامع الكلم.\n(^٤) يعاتب بكسر التاء أي شخصًا آخر، أو بفتحها أي يلام على شدة حيائه، فقال رسول الله - ﷺ - فإن الحياء من كمال الإيمان.\n(^٥) فإذا لم يكن في الشخص حياء فإنه أهل لكل شر، وهذا تهديد كقوله تعالى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ والله أعلم.\n(^٦) وفي رواية: خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: استحيوا من الله حق الحياء.\n(^٧) ليس الحياء كما تفهمون من أنه الانكماش والانكسار.\n(^٨) ما وعاء الرأس هو الحواس من بصر وسمع ولسان.\n(^٩) وما حواه البطن هو الطعوم والفرج.\n(^١٠) البلى بالكسر والقصر: بلاء الجسم وفناؤه.","vol":"5","page":59},{"text":"تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا (^١) فَمَنْ فَعَلَ ذلِكَ فَقَدِ اسْتَحْياَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَياَءِ (^٢)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْحَاكُمِ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْحَياَءُ مِنَ الْإِيماَنِ وَالْإِيماَنُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفاَءُ والجَفاءِ فِي النَّارِ (^٤)».\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْحَياَءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتاَنِ مِنَ الْإِيماَنِ وَالْبَذَاءُ وَالْبَياَنُ شُعْبَتاَنِ مِنَ النِّفاَقِ (^٥)»، رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ (^٦)، واللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1083>ومنها التواضع </span>(^٧)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْاباَءِ (^٨) مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفاَجِرٌ شَقِيٌّ (^٩) أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ إِنَّماَ هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلانِ (^١٠)\n_________\n(^١) المحرمة: كلبس الذهب والحرير الخالص للرجال، أما الحلال فلا، لقوله تعالى ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده﴾.\n(^٢) ومضمون الحديث: أن الحياء الكامل ترك المنهيات وفعل المأمورات وتذكر الموت والآخرة.\n(^٣) بسند صحيح.\n(^٤) البذاء كسماء: السفه وفحش القول، والجفاء: قسوة القلب وغلظة، وفي رواية: ما كان الفحش في شيء إلا شأنه وما كان الحياء في شيء إلا زانه.\n(^٥) فالحياء والعى أي ضعف اللسان وقلة كلامه، شعبتان أي فرعان من الإيمان، والبذاء والبيان أي الفصاحة في القول الذي لم يوافقه العمل فرعان من النفاق.\n(^٦) الأول بسند صحيح والثاني بسند حسن.\nنسأل الله حسن الحال في الحال والمآل آمين.\n\nومنها التواضع\n(^٧) التواضع من الضعة: وهي الذل والهوان، والمراد به هنا الخشوع لله تعالى ولين الجانب للعباد وقبول الحق ممن قاله أيا كان، وهو نعمة لا يحسد الشخص عليها بل هو موجب للرفعة والاصطفاء لقوله في الحديث السابق في العفو: وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله، ولما ورد في الحديث القدسي: قال الله تعالى \"نظرت إلى قلوب الخلائق أجمع فلم أجد قلبًا أشد تواضعًا من موسى فلهذا اصطفيته وكلمته\".\n(^٨) عبية بضم فكسر مع التشديد: الكبر والتعظم.\n(^٩) فالناس قسمان مؤمن وفاجر والسعيد الأول ولا عبرة بالآباء والأجداد وما كانوا عليه ولا بالدنيا وزخرفها ومظاهرها.\n(^١٠) الجعلان بالكسر جمع جعل - كصرد - وهي دويبة صغيرة سوداء توجد كثيرا في مراح البقر والجواميس وتجمع الروث وتدخره وتموت بريح الورد وكل طيب.","vol":"5","page":60},{"text":"الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهاَ النَّتْنَ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^١).\n\n• عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ (^٢) ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ (^٣)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهاَ ثَلَاثًا (^٤)»، رَوَاهُماَ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1084>حسن الخلق خلق اللَّه الأعظم </span>(^٦)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (^٧). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ\n_________\n(^١) بسند صحيح.\n(^٢) بكسر الأول فيهما.\n(^٣) فالله تعالى أمر عباده على لسان نبيه محمد - ﷺ - أن يتواضعوا فلا يظلم بعضهم بعضا ولا يتكبر بعضهم على بعض فإن الألفة تقع بينهم.\n(^٤) المتنطع: هو المتعمق المجاوز للحد في قوله وفعله. وللطبراني والبيهقي: إن من التواضع لله تعالى الرضا بالدون من شرف المجالس (أي الرضا بالجلوس مع أقل منه، أو الرضا بالجلوس في طرف المجلس) ولأبي نعيم: تواضعوا وجالسوا المساكين تكونوا من كبراء الله وتخرجوا من الكبر، نسأل الله السلامة منه كما نسأله التواضع الذي يرضيه آمين.\n(^٥) مسلم روى الأول في صفة الجنة والثاني في العلم، وأبو داود روى الأول هنا والثاني في كتاب السنة والله أعلم.\n\nحسن الخلق خلق الله الأعظم\n(^٦) هذا العنوان لفظ حديث للطبراني - ﵁ -، فأعظم أخلاق الله وأظهرها وأجملها حسن الخلق وذلك كالحلم والصبر والستر وتحمل الأذى كما سبق في تفسير سورة هود \"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\" وكما سبق في تفسير البقرة قال الله تعالى \"كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمنى ولم يكن له ذلك\" وكما سبق في الصبر هنا \"ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى\" وكحديث \"إن الله ستير يحب الستيرين\" وكحديث \"إن الله عفو يحب العفو\" ونحو هذا كثير وسبق في أول الأخلاق أن أحسن ما قيل في حسن الخلق البعد عن المحرمات وأداء الواجبات والبشاشة مع الناس والإحسان إليهم، وقال ابن المبارك: هو بسط الوجه وكف الأذى وبذل الندى. بسط الوجه أي بشاشته مع الناس، وكف الأذى أي عنهم، وبذل الندى أي الإحسان إليهم بما حباك الله من علم أو مال أو جاه.\n(^٧) هذا خطاب بأسلوب تعدد تأكيده من ربنا مالك الملك في كتابه الكريم الدائم للنبي - ﷺ - وامتداح له في وجهه بأنه على خلق عظيم، وكان خلقه - ﷺ - القرآن أي كما قال من كل فعل حميد، ووصف جميل، وخلق كريم.","vol":"5","page":61},{"text":"وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (^١). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (^٢)، صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلَ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِياَمَةِ مِنْ خلُقٍ حَسَنٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفاَحِشَ الْبَذِيءَ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٣).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائم الْقَائمِ (^٤)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ فَقَالَ: «تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» (^٦) وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ فَقَالَ: «الْفَمُ وَالْفَرْجُ» (^٧).\n_________\n(^١) خذ العفو أي اليسر من أخلاق الناس، وأمر بالعرف أي المعروف للشارع، وأعرض عن الجاهلين فلا تقابلهم بسفههم، وورد أن النبي - ﷺ - سأل جبريل عن هذه الآية فقال: تصل من قطعك وتعطى من حرمك وتعفو عمن ظلمك.\n(^٢) قبل هذه الآية ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين﴾ أي لا أحد أحسن منه، فمن يجتنب المنكرات ويعمل الصالحات ويدعو الناس إلى معرفة الله وعبادته فذاك له رفيع الدرجات لأنه صار خليفة الأنبياء ﴿ولا تستوى الحسنة ولا السيئة﴾ أي لا تتساوي بل الحسنة فضيلة رفيعة، والسيئة نقيصة ذميمة \"ادفع بالتي هي أحسن\" ادفع السيئة بالخلة الحسنى كالغضب بالصبر، والجهل بالحلم، والإساءة بالعفو ﴿فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ فيصير عدوك بهذا كالقريب الصديق في محبته لك ﴿وما يلقاها﴾ لا يعطى هذه الخصال ﴿إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾ أي مكان عظيم عند الله تعالى نسأل الله حسن الأخلاق آمين.\n(^٣) بسند صحيح.\n(^٤) فالمؤمن يدرك بحسن خلقه درجة الصائم أي دائم\nالصيام، والقائم أي قائم الليل في طاعة الله تعالى، وذلك لأن الصائم القائم يجاهد نفسه فقط، وصاحب الخلق الحسن يجاهد نفوسا كثيرة مختلفة الطبائع والألوان والمشارب والأفهام والعقول والإدراك.\n(^٥) بأسانيد صحيحة.\n(^٦) فهما أعظم الأسباب في دخول الجنة واكتساب رفيع المنازل فيها.\n(^٧) الفم أي ما يدخل فيه ويخرج منه الطعوم الحرام والقول الحرام، والفرج أي الزنا به، وفي الحديث: إن حسن الخلق ليذيب الخطيئة كما تذيب الشمس الجليد أي الماء الذي تجمد من شدة البرد.","vol":"5","page":62},{"text":"• عَنْ أَبِي ذَرّ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُماَ كُنْتَ (^١) وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهاَ (^٢) وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اتبسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ (^٣) وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ (^٤) وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ الْبَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ (^٥) وإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالْعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ (^٦) وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ (^٧)» رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٨).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خِيَارُكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالبُخَارِيُّ وَلَفْظهُ: «إِنَّ مِنْ أَخْيَرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ خُلُقًا».\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ (^٩) وَإِنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ (^١٠) وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ أَخِيكَ (^١١)»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n_________\n(^١) أي في الخلوة والجلوة والعسر واليسر والمنشط والمكره.\n(^٢) فإذا عملت سيئة فأتبعها بحسنة أي بتوبة فإنها تمحوها ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾.\n(^٣) لأن البشاشة في وجه أخيك المؤمن تسره، ومن أفضل الأعمال إدخال السرور على المسلم.\n(^٤) لأنهما نصيحة وهي أعظم ما يهدى للمسلم.\n(^٥) وإرشاد الحيران إلى طريقه صدقة، وبصرك أي تبصيرك وهدايتك لردئ البصر أي ضعيفه صدقة لك، فهذا نوع مما قبله وهو الإرشاد إلا أن الأول إرشاد حيران لطريقه وهذا إرشاد أعمى الطريقه، وفي الحديث: من قاد أعمى أربعين خطوة وجبت له الجنة.\n(^٦) إماطة أي إزالة الشوك ونحوه مما يؤذي الناس عن طريقهم صدقة لأنه دفع للأذى عنهم.\n(^٧) فإفراغك في دلو أخيك الماء وكذا بذله لأي مخلوق حسنة عظيمة.\n(^٨) الأولان بسندين صحيحين والثالث بسند حسن.\n(^٩) أي كل شيء حسن تسديه لعباد الله فهو لك صدقة أي لك عليه أجر الصدقة لأنه بذل لما منحك الله.\n(^١٠) طلق بفتح فسكون أي متهلل مبتسم.\n(^١١) ولفظ مسلم: لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق، وسبق في كتاب الإيمان: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا.","vol":"5","page":63},{"text":"• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا حَلِيمَ إِلا ذُو عَثْرَةٍ (^١) وَلَا حَكِيمَ إِلا ذُو تَجْرِبَةٍ (^٢)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ (^٣).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِياَمَةِ (^٤) أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِياَمَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ (^٥) وَالْمُتَفَيْهِقُونَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْناَ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَماَ الْمُتَفيْهِقُونَ؟ قَالَ: «الْمُتَكَبِّرُونَ (^٦)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٧).\n\n• عَنْ عَلِيّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهاَ وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا» فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ (^٨) وَأَطْعَمَ الطَّعاَمَ وَأَدَامَ الصِّياَمَ وَصَلَّى لِلَّهِ بِالَّليْلِ وَالنَّاسُ نِياَمٌ (^٩)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ (^١٠).\n\n• عَنْ زَارِعٍ الْقَيْسِيِّ (^١١) ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلْمُنْذِرِ الْأَشَجِّ: «إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحبُّهُماَ اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ» (^١٢)\n_________\n(^١) فلا حليم كامل إلا من وقع في خطأ وزلل فخجل وأحب وتمنى أن من رآه يستره ويعفو عنه، فإذا رأى من فرط منه شيء بعد هذا بادر إلى ستره والعفو عنه.\n(^٢) الحكيم هنا هو العالم المتيقظ المنتبه، وقيل المتقن للعلم الحافظ له، فلا حكيم كامل إلا من جرب الأمور نفسها وضرها وفاسدها وصالحها، فيرى الصواب فيما يأتي مما جر به فيما مضى ويكون أهلا للشورى ونصح الناس، والحلم والحكمة أظهر مكارم الأخلاق وأجملها فلذا وضع هذا الحديث هنا.\n(^٣) بأسانيد صحيحة.\n(^٤) في الموقف وعند الميزان والحوض وفي الجنة.\n(^٥) الثرثارون جمع ثرثار. وهو كثير الكلام، والمتشدقون جمع متشدق: وهو من يتطاول بلسانه على الناس.\n(^٦) المتكبرون نوع واللذان قبله نوع آخر.\n(^٧) بسند حسن.\n(^٨) أي ألانه للناس.\n(^٩) أي تهجد لله ليلا، أو حافظ هي العشاءين والفجر.\n(^١٠) بسند صحيح.\n(^١١) زارع هذا كان في وفد عبد القيس.\n(^١٢) فلما جاء وفد عبد القيس للنبي - ﷺ - نزلوا عن رواحلهم مسرعين وقصدوا النبي - ﷺ - فصاروا يقبلون يده ورجله، ولكن المنذر بن الحارث المشهور بأشج عبد القيس وكان رئيس هذا الوفد لما نزل عن راحلته فتح عيبة له وأخرج منها ملابس بيضاء فلبسها ثم ذهب للنبي - ﷺ - خاشعًا متواضعًا بتأن ووقار فسلم على النبي - ﷺ - فقال له رسول الله - ﷺ -: إن فيك خصلتين يحبهما الله، وهما الحلم والأناة، وها هنا بمعنى التأني وعدم العجلة كما ظهر من المنذر وإلا فالحلم إمساك النفس عند الغضب والصفح، والأناة. التأني.","vol":"5","page":64},{"text":"قَالَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ أَناَ أَتَخلَّقُ بِهِماَ أَمِ اللَّهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِماَ؟ قَالَ: «بَلِ اللَّهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِماَ»، قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُماَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1085>بعض أخلاق النبي ﷺ </span>(^٢)\nسُئِلَتْ عَائِشَةُ ﵂: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ فِي مَهْنَةِ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ (^٣) قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا ثمَّ قَامَ فَقُمْناَ فَنَطَرْناَ إِلَى أَعْرَابِيَ قَدْ أَدْرَكَهُ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ فَحَمَّرَ رَقَبَتَهُ وَكَانَ رِدَاءً خَشِنًا (^٤) فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ احْمِلْ لِي عَلَى بَعِيَريَّ هذَيْنِ (^٥) فَإِنَّكَ لَا تَحْمِلُ لِي مِنْ مَالِكَ وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ (^٦) لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لَا أَحْمِلُ لَكَ حَتَّى تُقِيدَنِي مِنْ جَبْذَتِكَ الَّتِي جَبَذْتَنِي» (^٧)\n_________\n(^١) ولكن أبو داود في قبلة الرجل والترمذي هنا بسند صحيح، وقال رسول الله - ﷺ - كاد الحليم أن يكون نبيا، رواه الخطيب، وقال رسول الله: كان أيوب أحلم الناس وأصبر الناس وأكظمهم لغيظه، رواه الحكيم، وقال رسول الله - ﷺ -: الحليم سيد في الدنيا وسيد في الآخرة. رواه الخطيب والله أعلم.\n\nبعض أخلاق النبي - ﷺ -\n(^٢) وسبق في كتاب النبوة أخلاقه - ﷺ - على سعة.\n(^٣) وفي رواية: فإذا سمع الأذان خرج أي كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه، المهنة بالفتح والكسر: الخدمة، فكان النبي - ﷺ - وهو في بيته يشارك أهله في عمل البيت كطبخ وكنس وحلب ناقة وشاة ووضع علف لهما وخياطة ثوب ونعل ونحوها رفقًا بأهل بيته وتواضعًا وقدوة حسنة لأمته.\n(^٤) فجبذه أي جذب طرف الرداء الخشن فأثر في رقبة النبي - ﷺ - حتى احمر الجلد من شدة الجذبة، وهذا من جفوة الأعراب وخشونتهم وعدم تهذيب أخلاقهم، أو كان هذا الرجل من المؤلفة قلوبهم.\n(^٥) أي أعطني مالا مما عندك على هذين البعيرين.\n(^٦) أي لا أحمل لك من مالي وأستغفر الله إن كان الأمر على خلاف ذلك، والواو هنا في أحسن مواضعها لأن حذفها يوهم نفي الاستغفار كقولهم: لا وشفاك الله.\n(^٧) حتى تمكنني من أن أعمل بك كما عملت بي ليبين له الحكم وإلا فهو من شأنه - ﷺ - العفو والصفح.","vol":"5","page":65},{"text":"فَكلُّ ذِّلِكَ يَقُولُ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ: وَاللَّهِ لَا أُقِيدُكَهَا فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْل الْأَعْرابِيِّ أَقْبَلْناَ إِلَيْهِ سِرَاعًا (^١) فَالْتَفَتَ إِلَيْناَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «عَزَمْتُ عَلَى مَنْ سَمِعَ كَلَامِي أَلا يَبْرَحَ مَكَانَهُ حَتَّى آذَنَ لَهُ» (^٢) ثُمَّ دَعَا رَجُلًا فَقَالَ لَهُ: «اْحمِلْ لَهُ عَلَى بَعِيرَيْهِ هذَيْنِ عَلَى بَعِيرٍ شَعِيرًا وَعَلَى الْاخَرِ تَمْرًا» (^٣) ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا ثُمَّ قَالَ: «انْصَرِفُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالشَّيْخَانِ (^٤)، نَسّأَلُ اللَّهَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1086>ومنها الهدي الصالح </span>(^٥)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْهَدْيَ الصَّالِحَ وَالسَّمْتَ الصَّالِحَ وَالِاقْتِصَادَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» (^٦)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٧)،\n_________\n(^١) للبطش به.\n(^٢) عزمت أي أمرت أمرا مؤكدا.\n(^٣) أمر رجلا أن يعطيه حمل بعير من الشعير وحمل بعير آخر من التمر كطلبه فقد أحسن - ﷺ - إلى من أساء إليه وزاد في الإحسان، ففي هذين الحديثين أعظم مثل وأجمعه وأجمله لأنه في الأول بين لنا كيف كان النبي - ﷺ - في بيته من اللطف والتواضع والرحمة بخلق الله تعالى فلم يظهر لأهله منه - ﷺ - كبر ولا علو بل كان كما قال الله له ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ والحديث الثاني بين لنا كيف كان النبي - ﷺ - في الهيئة الاجتماعية مع خلق الله تعالى من كظم الغيظ والصبر وتحمل الأذى والحلم على الجاهل وترك مجازاته والصفح عن المسيء بل والإحسان إليه بأكبر إحسان كما قال الله تعالى له ﴿فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ ومن أراد البسط من أخلاقه - ﷺ - فلينظر باب \"كان\" في الجامع الصغير للسيوطي ﵀ ورضي عنه وحشرنا في زمرته آمين.\n(^٤) ولكن أبو داود هنا والبخاري في اللباس ومسلم في الزكاة.\n\nومنها الهدي الصالح\n(^٥) الهدي الصالح: هو الطريق المحمود المذكور في قوله تعالى ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين والملة الحنيفية التي أمرنا بها في قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾.\n(^٦) السمت الصالح: حسن المنظر والهيئة كهيئة أهل الدين. والاقتصاد: سلوك القصد في الأمر والدخول فيه برفق وحال يمكنه الدوام عليه قولا كان أو فعلا.\n(^٧) بسند حسن. وفي رواية للطبراني: جزء من خمسة وأربعين، وفي أخرى: جزء من سبعين جزءا =","vol":"5","page":66},{"text":"وَلَفْظُهُ: «السَّمْتُ الْحَسَنُ وَالتُّؤَدَةُ وَالِاقْتِصَادُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النبُوَّةِ».\n\n<span data-type='title' id=toc-1087>ومنها السخاء والكرم </span>(^١)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ (^٢).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ فَقَالَ «لَا»، رَوَاهُماَ الشَّيْخَانِ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الجنَّةِ قَريبٌ مِنَ النَّاسِ بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ (^٤)، وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ (^٥) وَلَجَاهِلٌ سَخِيٌّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ﷿ مِنْ عَابِدٍ بَخِيلٍ (^٦)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ (^٧).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ الْعَنْزِ مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهاَ رَجَاءَ ثَوَابِهاَ وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا أَلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهاَ\n_________\n= من النبوة، أي من أخلاق النبوة. فهذه الخصال كانت في الأنبياء فهي أوصاف سنية وأحلاق مرضية فعلى كل مؤمن أن يقتدى بهم وأن يتصف بها فإنها مجلبة لرضاء الله ورسوله والناس أجمعين.\n\nومنها السخاء والكرم\n(^١) السخاء والكرم والجود بمعنى: وهو التفضل على الغير بما منحك الله من غير عوض وإن كان في السخاء رقة ولين.\n(^٢) كان أحسن الناس خلقا، وأجود الناس كفا، وأشجعهم قلبا وجسما - ﷺ -.\n(^٣) وسبقا في أخلاقه - ﷺ - في كتاب النبوة.\n(^٤) قربه من الله والناس محبتهما له، وقربه من الجنة كونه من أهلها.\n(^٥) ففي الحديث ترغيب وترهيب شديدان إلا إذا أردنا بالسخاء ما يشمل إخراج الزكاة وبالبخل ما يشمل منها وإلا كان الأول موجبا للجنة والثاني موجبا للنار.\n(^٦) لأن عبادة العابد لنفسه وسخاء الكريم للناس فهو النفع المتعدي وهو الفضيلة التي اختص الله بها من أحبه من عباده، نسأل الله أن نكون منهم آمين.\n(^٧) بسند ضعيف للترمذي.","vol":"5","page":67},{"text":"الْجَنَّةَ (^١)»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةَ لَبَنٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ هَدَى زُقَاقًا كَانَ لَهُ مِثْلُ عِتْقِ رَقَبةٍ (^٢)»، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، نَسْأَلُ اللَّهَ صِحَّةَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالِاعْتِقَادِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1088>ومنها الشُكر على المعروف </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ جَزَآءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ﴾ (^٤) ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَا يَشْكُرُ اللَّهَ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦)، وَلَفْظهُ: «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ (^٧)».\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أُعْطِيَ عَطَاءً فَوَجَدَ فَلْيَجْزِ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنه فَإِنَّ مَنْ أَثْنَى فَقَدْ شَكَرَ وَمَنْ كَتَمَ فَقَدْ كَفَرَ (^٨)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ\n_________\n(^١) سبق هذا الحديث في الحث على الصدقة في كتاب الزكاة.\n(^٢) منيحة لبن مقدارا منه كرطل أو هي الشاة التي يمنحها الموسر الفقير ينتفع بها ثم يردها إليه، ومنيحة الورق قرض الدراهم مثلا، والهدى للزقاق إرشاد الجيران أو الأعمى إلى طريقه نسأل الله أن يهدينا سواء السبيل آمين.\n\nومنها شكر المعروف\n(^٣) أي شكر صانع المعروف ورب النعم بل شكر النعم واجب جزاء على إحسانه وحفظا للنعم واستزادة منها قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ وقال ابن عطاء الله في الحكم - ﵁ -: من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ومن شكرها فقد قيدها بعقالها.\n(^٤) فما جزاء الإحسان إلا إحسان يناسبه، ومنه النعيم في الآخرة على الطاعة في الدنيا وإن كانت نعمة من الله تعالى فله وافر الحمد ومزيد الشكر.\n(^٥) فبأي نعمة من نعم ربكما أيها الإنس والجن تكذبان؟ أي لا ينبغي التكذيب بشيء منها.\n(^٦) بسند صحيح.\n(^٧) فمن قصر في شكر من جرت النعمة على يديه من العباد وهو مظنة المنة والعتاب كان لله تعالى أشد تقصيرًا لسعة حلمه تعالى.\n(^٨) فمن أهدى له شيء من آخر فوجد ما يكافئه به فليقدمه له جزاء على صنيعه ومن لم يجد شيئًا فليدع =","vol":"5","page":68},{"text":"وَابْنُ حِبَّانَ (^١).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ (^٢) أَتَاهُ الْمُهاَجِرُونَ فَقَالُوا: ياَ رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْناَ قَوْمًا أَبْذَلَ مِنْ كَثِيرٍ وَلَا أَحْسَنَ مُوَاسَاةً مِنْ قَلِيلٍ مِنْ قَوْمٍ نَزَلْناَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ (^٣) لَقَدْ كَفَوْناَ الْمَؤُونَةَ وَأَشْرَكُوناَ فِي الْمَهْنَإِ (^٤) حَتَّى لَقَدْ خِفْناَ أَنْ يَذْهَبُوا بِالْأَجْرِ كُلِّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ (^٥)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦) وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّناَءِ (^٧)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n_________\n= له بخير فإن فعل فقد شكر النعمة وإلا كان كافرا بها.\n(^١) بسند صحيح.\n(^٢) وبها المهاجرون والأنصار.\n(^٣) وهم الأنصار أحسنوا مواساة المهاجرين وبذلوا لهم كثيرا مع قلة حالهم.\n(^٤) فإن المهاجرين تركوا أموالهم في بلادهم فتلقاهم الأنصار على الرحب والسعة وأرادوا إشراكهم في أموالهم فأبى المهاجرون إلا أن يقوموا بأمر الزراعة ويقتاتوا منها معهم وكذا أشركوهم في المهنأ محل الهناء والسرور وهو النساء فإن من كان تحته امرأتان طلق إحداهما وتزوجها المهاجري.\n(^٥) بدعائكم لهم فيتساوى البذل والدعاء.\n(^٦) في الرقائق بسند صحيح.\n(^٧) لأنه طلب من الله أن يكافئه نيابة عنه لعجزه ولا شك أن مكافأة الله أعظم من مكافأة العبد، وسبق في الحث على الصدقة في الزكاة: ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوا به فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأْتموه، فعلى كل شخص ساعده إنسان آخر بمال أو بعلم أو بجاه أو أي شيء أن يكافئه بما يناسب إن تيسر وإلا دعا له بخير والله يتولى جزاءه، نسأل الله حسن الجزاء آمين.","vol":"5","page":69},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1089>الحذر من اللَّه والناس </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ﴾ (^٢). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ (^٤)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ (^٥)» رَوَاهُ الثَلَاثَةُ (^٦).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا يَجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَةً (^٧)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٨).\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ الْغَفْوَاءِ الْخُزَاعِي ﵁ قَالَ: دَعَانِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَنِي بِمَالٍ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ يَقْسِمُهُ فِي قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ (^٩)\n_________\nالحذر من الله والناس\n(^١) الحذر: هو التيقظ والاحتراس والاحتياط للأمور في المستقبل.\n(^٢) أي يخوفكم من غضبه وعقوبته إن لازمتم العصيان ولم ترجعوا إليه ﴿والله رؤوف بالعباد﴾ يقبل توبتهم ويرحمهم إن رجعوا إليه.\n(^٣) ﴿يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ من العزم على الخير والشر ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾ وخافوه إن طويتم على شر ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لمن يحذره ﴿حَلِيمٌ﴾ بتأخير العذاب عن مستحقه لعله يرجع إليه.\n(^٤) فالله تعالى بحلمه يمهل الظالم لعله يرجع فإذا جاء وقت عقابه أهلكه، وسبق هذا في تفسير سورة هود ﵇.\n(^٥) سببه أن أبا غرة الشاعر أسر يوم بدر فعاهده النبي - ﷺ - ألا يحرض عليه ولا يهجوه فقال: نعم، فأطلق النبي - ﷺ - سراحه فلحق بقومه وعاد إلى التحريض والهجاء ثم أسر في غزوة أحد فسأل المن عليه فقال - ﷺ -: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. فالمؤمن الممدوح هو الكيس الحازم الذي لا يؤتى على غفلة من جهة واحدة مرتين.\n(^٦) ولكن أبو داود والبخاري هنا ومسلم في الزهد.\n(^٧) فالراحلة القوية السهلة السريعة السير نادرة الوجود في الإبل كذلك الكامل في الناس النافع لهم الصادق فيهم القائم بأمر دنياه وأخراه على ما يرام قليل الوجود، أي فالحذر مطلوب.\n(^٨) ولكن مسلم في آخر الفضائل والبخاري في الرقائق والترمذي في الأمثال.\n(^٩) يتألفهم ويواسي فقراءهم بذلك.","vol":"5","page":70},{"text":"فَقَالَ: «الْتَمِسْ صَاحِبًا فَجَاءَنِي عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ» فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ ترِيدُ الْخُرُوجَ وَتَلْتَمِسُ صَاحِبًا، قُلْتُ: قَالَ: فَأَناَ لَكَ صَاحِبٌ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: قَدْ وَجَدْتُ صَاحِبًا، فَقَالَ: مَنْ؟ قُلْتُ: عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، قَالَ: «إِذَا هَبَطْتَ بِلَادَ قَوْمِهِ فَاحْذَرْهُ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ الْقاَئِلُ أَخُوكَ الْبِكْرِيُّ فَلَا تَأْمَنْهُ (^١)» فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِالْأَبْوَاءِ (^٢) قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ حَاجَة إِلَى قَوْمِي بِوَدَّانَ (^٣) فَتَلْبَثُ لِي (^٤) قُلْتُ رَاشِدًا فَلَمَّا وَلَّى تَذَكَّرْتُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فَشَدَدْتُ عَلَى بَعِيرِي أُوضِعُهُ حَتَّى خَرَجْتُ (^٥) حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِالْأَصَافِرِ (^٦) إِذَا هُوَ يُعاَرِضُنِي فِي رَهْطٍ (^٧) فَأَوْضَعْتُ فَسَبَقْتُهُ فَلمَّا رَآنِي قَدْ فُتُّهُ انْصَرَفُوا وَجَاءنِي فَقَالَ: قَدْ كَانَتْ لِي إِلَى قَوْمِي حَاجَةٌ قُلْتُ: أَجَلَ وَمَضَيْنَا حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ فَدَفَعْتُ الْماَلَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ (^٨)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٩)، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) البكري بالكسر: أول ولد الأبوين وهذا مثل مشهور في العرب، والمراد أخوك الشقيق يخاف منه فلا تأمن من الناس إلا القليل جدا الذي جربته مرارا وهذا بيت القصيد من الحديث.\n(^٢) الأبواء كالأبواب: بلد بجوار جبل بين مكة والمدينة.\n(^٣) بلد جامع بجوار الجحفة فيها قومه وهو يريد إعلامهم بالمال الذي مع صاحبه.\n(^٤) تنتظرني هنا.\n(^٥) أسرعت ببعيري حتى خرجت من الأبواء.\n(^٦) الأصافر جمع أصفر وهي ثنايا سلكها النبي - ﷺ - طريقه إلى بدر.\n(^٧) من قومه لأخذ المال منى فأسرعت براحلتي فسبقتهم، وهذا الذي ظهر من عمرو الضمري كان في أول إسلامه وإلا فقد كان أخيرا من أجلاء الصحابة - ﵃ -.\n(^٨) كما أمرني النبي - ﷺ -، في هذه النصوص طلب الحذر والتيقظ في أمور الدنيا والآخرة ليسلم ويسعد ويغنم، نسأل الله ذلك من فضله وكرمه آمين.\n(^٩) بسند صالح.","vol":"5","page":71},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1090>حسن الظن باللَّه والناس </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: أَناَ عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي (^٢)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ (^٤)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥)، نَسْأَلُ اللَّهَ الظَّنَّ الْحَسَنَ وَكَامِلَ التَّوَكُّلِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1091>كمال الدين في النصيحة </span>(^٦)\n\n• عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ (^٧)»، قَالُوا: لِمَنْ ياَ رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِلَّهِ وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَأَئمَّةِ\n_________\nحسن الظن بالله والناس\n(^١) حسن الظن بالله تعالى أن تظن أنه سيعفو عنك ويرحمك بواسع رحمته وأنت على طاعته فلا ينافي الحذر منه إذا كنت عاصيا فإنه يحمل على الخوف ويدفع للطاعة، وحسن الظن بالناس أن تظن أنهم على خير وهدى من ربهم فيما بينهم وبينه بل ربما كانوا عند الله أحسن منك، وهذا في المسلمين المستورين أما أهل العصيان والأهواء الفاسدة الظاهرون لنا فلا يأتي فيهم حسن الظن بل من كمال الإيمان بغضهم كما سبق: من أحب لله وأبغض لله فقد استكمل الإيمان، والحذر المطلوب هو في المعاملة مع الناس بعدًا عن الخلاف والشقاق وطلبا للسلامة والوفاق.\n(^٢) فالله تعالى يعامل عبده كما يظنه العبد فيه.\n(^٣) سيأتي في كتاب الأذكار والأدعية إن شاء الله تعالى.\n(^٤) فتحسين الظن بالله من حسن العبادة لأنه ظن بربه ما هو أهله، قال تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وحسن الظن بالناس يحفظه من بغضهم وحسدهم فلذا كان عبادة، كما أن سوء الظن بهم معصية، أما سوء الظن بالله تعالى فكفر نعوذ بالله من ذلك.\n(^٥) بسند صالح.\n\nكمال الدين في النصيحة\n(^٦) النصيحة من النصح وهو الخلوص، يقال: نصح العسل إذا خلصه من شمعه، والنصيحة شرعا إرادة الخير للمنصوح وإرشاده إليه.\n(^٧) إن كمال الدين وأفضل أعماله وأظهرها في النصيحة، وكررها لعظم شأنها والترغيب فيها كما سبق في كتاب الحج حديث: الحج عرفة.","vol":"5","page":72},{"text":"الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ (^١)»، رَوَاهُ الخَمْسَةُ (^٢).\n\n• عَنْ جَرِيرٍ ﵁ قَالَ: باَيَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَأَنْ أَنْصَحَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، قَالَ «فَكَانَ جَرِيرٌ إِذَا باَعَ أَوِ اشْتَرَى قَالَ (^٣): «أَمَا إِنَّ الَّذِي أَخَذْناَ مِنْكَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّا أَعْطَيْنَاكَ فاَخْتَرْ»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1092>المستشار أمين </span>(^٥)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (^٦) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُسْتَشَارُ مُؤَتَمنُ» (^٧)، رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٨).\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ»، زَادَ فِي روَايَةٍ: «وَمَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمْرٍ يَعْلَمُ أَنَّ الرُّشْدَ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ خَانَهُ» (^٩)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ (^١٠). نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الرِّاوَيَةِ وَكَمَالَ الدِّرَايَةِ آمِين.\n_________\n(^١) وفي رواية وأئمة المؤمنين وعامتهم، ومعنى النصح لله أن ينصح في اعتقاد وحدانيته وكل كمال له تعالى، وفي إخلاص النية في عبادته، والنصح للرسول - ﷺ - أن ينصح في اعتقاد نبوته وبذل الطاقة في إجابته، والنصح لكتاب الله تعالى أن ينصح في الإيمان به والعمل بما فيه، والنصح للأئمة أي الولاة إرشادهم للصواب إذا دعت الحال وأمكنه ذلك، والنصح للعامة هدايتهم وإرشادهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة.\n(^٢) وسبق هذا الحديث في كمال الإيمان من كتاب الإسلام والإيمان.\n(^٣) أي لمن بايعه مبالغة في النصح.\n(^٤) ولفظه وما قبله لأبي داود، وسبق هذا أيضا في البيعة التي تقدمت مرتين: مرة في الإيمان ومرة في كتاب الإمارة والقضاء، نسأَل الله أن يلهمنا الإخلاص في النصح لعباده آمين.\n\nالمستشار أمين\n(^٥) المستشار هو الذي طلب منه الرأي، والشورى بالضم والقصر، ويقال مشْوَرة - كمفخرة - مشورة بفتح فضم.\n(^٦) فالله تعالى أمر نبيه محمد - ﷺ - وهو أعقل الخلق بأن يستشير أصحابه في كل أمر هام يريده، فتكون الأمة مأمورة بهذا من باب أولى.\n(^٧) أي صار أمينًا فيما سئل عنه فإن كان يعلم المصلحة قال بها وإلا أحاله على من يعلم إن كان يعرفه وإلا اعتذر، فإن علم الصواب وأرشده إلى غيره كان خائنًا.\n(^٨) بسند حسن.\n(^٩) لأنه لما عرض أمره إليه صار أمينا عليه فإذا أشار بغير ما يراه رشدا فقد خان أخاه المسلم.\n(^١٠) بسند صحيح.\n(فائدة) تتأَكد المشورة في الأمور الهامة فإن العواقب =","vol":"5","page":73},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1093>الدال على الخير كفاعله </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ (^٢) ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُبْدِعَ بِي فَاحْمِلْنِي (^٣) قَالَ: «لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكَ عَلَيْهِ (^٤) وَلكِنِ ائْتِ فُلَانًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَحْمِلَكَ» فَأَتَاهُ فَحَمَلَهُ (^٥) فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فاَعِلِهِ (^٦)»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ (^٧)، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1094>الدرجات العلا في حوائج الناس </span>(^٨)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْياَ\n_________\n= لا يدريها إلا الله تعالى، والمستشير في أمر من الأمور إنما يضم عقول الناس إليه لمعاونته عليه كما تنضم الجماعة على الأمر العظيم بأجسامهم فيذللونه، وليس الواحد كالجماعة فإنهم أقرب للصواب وأبعد عن الخطإ والخيبة كما ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ -: لا خاب من استخار ولا ندم من استشار ولا عال من اقتصد. نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى آمين.\n\nالدال على الخير كفاعله\n(^١) هذا من حديث للإمام أحمد والضياء ولفظه: \"الدال على الخير كفاعله والله يحب إغاثة اللهفان\".\n(^٢) اسمه عقبة بن عمرو.\n(^٣) انقطع بي السبيل لموت الراحلة أو ضعفها فأَعطني ما أركبه.\n(^٤) ليس عندي ما أحملك عليه.\n(^٥) أعطاه راحلة يركبها.\n(^٦) فمن دل على خير كعلم ومال وعمل صالح له أجر كأجر فاعله في الكم والكيف لأن الثواب على الأعمال من فضل الله يهبه لمن يشاء على ما صدر منه، وقال النووي: له ثواب كثواب الفاعل ولا يلزم التساوي، فالمتسبب في أي خير له ثواب كثواب فاعله على ما يشاؤه مولانا جل شأنه، ويظهر من هذا أن معلمى القرآن والهداة المرشدين والعلماء العاملين ولا سيما المؤلفون منهم أكثر الناس أجرا لكثرة دلالتهم على الخير وبقائها ما دامت آثارهم، وسبق في كتاب العلم في خاتمته: يبقى أثر العلم خالدا. نسأل الله أن نكون من الدالين على الخير لله تعالى آمين.\n(^٧) ولكن أبو داود هنا والثلاثة في العلم.\n\nالدرجات العلا في حوائج الناس\n(^٨) فالمنازل العالية في الآخرة لمن كان يساعد الناس في دنياه بالمال أو بالعلم أو بالجاه لأن الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله والحديث السابق في الاعتكاف القائل: من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها (أي قضاها) كان خيرا له من اعتكاف عشر سنين، ولا يأتي.","vol":"5","page":74},{"text":"نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كرَبِ يَوْمِ الْقيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْاخِرَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْياَ وَالْاخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ (^١)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ سَائِلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «وَتَصُومُ رَمَضَانَ»؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: سَأَلْتَ وَلِلسَّائِلِ حَقٌّ (^٢) إِنَّهُ لَحَقٌّ عَلَيْنَا أَنْ نَصِلَكَ فَأَعْطَاهُ ثَوْبًا وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا (^٣) إِلا كَانَ فِي حِفْظِ اللَّهِ مَا دَامَ مِنْهُ عَلَيْهِ خِرْقَةٌ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الرَّقَائِقِ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ»، قَالُوا: بَلَى ياَ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ (^٥) فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ (^٦)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٧)، وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\n(^١) فمن أخره عمله السيئ في الآخرة لم ينفعه نسبه العالي في الدنيا، قال تعالى ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ وسبق هذا الحديث في كتاب العلم.\n(^٢) حق مطلق بما أراق من ماء وجهه.\n(^٣) الله تعالى.\n(^٤) بسند حسن.\n(^٥) إصلاح المتخاصمين.\n(^٦) زاد الترمذي: لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين.\n(^٧) بسند صحيح، وسبق هذا في كتاب الإمارة والقضاء في الصلح، نسأل الله إصلاح الحال آمين.","vol":"5","page":75},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1095>العدل أساس الملك </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (^٢) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحاَبَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعاَ عَلَيْهِ وَتَفرَّقاَ عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفاَضَتْ عَيْنَاهُ (^٣)»، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَباَ دَاوُدَ.\n\n• عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: «أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هذَا. كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالُ (^٤) وَإِنِّي خَلَقْتُ\n_________\nالعدل أساس الملك\n(^١) العدل: هو القصد في الأمور والإنصاف والمساواة بين الناس، وهذا هو المراد فلا تقوم دعائم الملك ولا ينتظم أمره ويلتئم شمله إلا بالعدل كما قيل: فبالعدل أسست الممالك، وبالعدل قامت السموات والأرضون، ويقال: عدل عن الطريق عدولا: مال عنه، ويقال: عدل يعدل من باب تعب: جار وظلم وليس مرادا هنا.\n(^٢) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ هو التوحيد والإنصاف وعدم الظلم \"والإحسان\" أداء الفرائض بإتقان وأن تعبد الله كأنك تراه أو كأنه يراك ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ إعطاء القريب \"وينهى عن الفحشاء\" هو الزنا ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ كل منكر شرعا من الكفر والمعاصي \"والبغي\" ظلم الناس وخصه بالذكر كالفحشاء مع دخولهما في المنكر اهتماما بهما ﴿يَعِظُكُمْ﴾ بما ذكر من المأمورات والمنهيات ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون، قال ابن مسعود - ﵁ -: وهذه أجمع آية في القرآن للخير والشر.\n(^٣) سبق هذا الحديث مرتين مرة في باب المساجد ومرة فيما يجب على الأمير للرعية في كتاب الإمارة والقضاء.\n(^٤) أي وقال ربي كل مال أعطيته لعمدي من طريق مشروع فهو له حلال كمنحة من ذي سلطان وهدية من بعض الناس وصناعة وزراعة ووظيفة ونحوها فلا تحرّموا من أنفسكم، كالبحيرة والسائبة والوصيلة.","vol":"5","page":76},{"text":"عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ (^١) وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ (^٢) وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ (^٣) وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سْلْطَانًا. وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلا بَقَاياَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ (^٤) وَقَالَ إِنَّماَ بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ (^٥) وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْماَءُ تَقْرَؤُهُ ناَئمًا وَيَقْظاَنَ (^٦) وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا (^٧) فَقُلْتُ: «رَبِّ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً (^٨)»، قَالَ اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا أَخْرَجُوكَ، وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ (^٩)، وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ، وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ (^١٠)، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ، قَالَ وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: «ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ (^١١)»، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذو عِيَالٍ (^١٢). قَالَ وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: «الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ (^١٣) الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لَا يَبْتَغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا، وَالْخَائنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلا خَانَهُ (^١٤)، وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلا وَهُوَ يُخاَدِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ (^١٥)». وَذَكَرَ الْبُخْلَ أَوِ الْكَذِبَ (^١٦)، وَالشِّنْظِيرُ الْفَحَّاشُ (^١٧)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ.\n_________\n(^١) على الفطرة مستعدين لقبول الهداية.\n(^٢) ذهبت بهم للباطل.\n(^٣) من الأنعام البحيرة.\n(^٤) نظر إلى أهل الأرض فغضب عليهم غضبًا شديدا قبل بعثة نبينا محمد - ﷺ - إلا فريقًا على الكتاب الأول ولم يغيروه.\n(^٥) لأبتليك هل تقوم بحق الرسالة أولا، وأبتلى بك الناس هل يؤمنون بك أو يكفرون.\n(^٦) لا يغسله الماء لأنه ليس في صحف بل محفوظ في الصدور يقرأ في كل حال.\n(^٧) بإسماعهم القرآن الذي يكون عليهم كالصواعق.\n(^٨) يشدخوه فيتركوه مكسورا كالخبزة.\n(^٩) نعنك عليهم.\n(^١٠) من مدة السماء.\n(^١١) مقسط أي عادل من قوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ وليست من قسط بمعنى جار في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾.\n(^١٢) فقير ذو عيال يكد عليهم من غير شكوى ولا سؤال.\n(^١٣) الضعيف الرأي: الذي لا عقل له وهو في الناس تابعهم أينما كانوا لا يسعى لدنيا ولا دين.\n(^١٤) لا يخفي: أي لا يظهر له شيء وإن قل إلا خانه، فالخفاء من الأضداد.\n(^١٥) أي يضمر الخداع والخيانة دائما.\n(^١٦) شك من الراوي وكلاهما قبيح وموجب للنار.\n(^١٧) فالشنظير هو الفحاش قولا وفعلا نعوذ بالله من وصف أهل النار ونسأله أوصاف أهل الجنة آمين.","vol":"5","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1096>خاتمة في المحبة (^١) ملاك الدين في محبة اللَّه ورسوله </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (^٣) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيماَنِ (^٤)»: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا (^٥)، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ تَعَالَى (^٦)، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَماَ يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ (^٧)»، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا أَباَ دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيماَنَ (^٨)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٩).\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ (^١٠)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n_________\nخاتمة في المحبة\n(^١) المحبة المطلوبة شرعا والتي يؤجر عليها الإنسان هي محبة الله ورسوله ومحبة المؤمنين ولا سيما الصالحون منهم فإن من أحب قوما حشر معهم.\n(^٢) فعماد الدين على محبة الله ورسوله لأن العبد إذا أحب الله ورسوله ابتعد عن المنهيات وسارع إلى المأمورات والخيرات، بل تفاني في كل ما يرضي الله ورسوله، نسأل الله التوفيق لذلك.\n(^٣) قل يا محمد: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ وينزلكم رفيع الدرجات ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لمن اتبعني ﴿رَحِيمٌ﴾ به.\n(^٤) ذاق طعم الإيمان الكامل.\n(^٥) فيؤثر ما يرضيهما على كل شيء حتى على حظ نفسه.\n(^٦) فتكون محبته للمؤمن لله لأنه عبد الله.\n(^٧) أي يكره الكفر كما يكره الوقوع في النار، وسبق هذا في أوصاف الإيمان الكامل.\n(^٨) وزاد الترمذي: وأنكح لله أي زوج أي شخص لله، فمن كان حبه أي للمؤمنين لله لا لعلة، وبغضه للفاسقين لله أي لكراهة الله لهم وأعطى المستحق لله ومنع غيره لله أي فمن كان فعله وتركه وحركاته وسكناته لله فقد كمل إيمانه، نسأل الله الإيمان الكامل آمين.\n(^٩) بسند حسن.\n(^١٠) لأنه فني عن نفسه وصار ربانيا في كل ما يصدر عنه وهذه نهاية القرب من الله تعالى، نسأل الله من فضله آمين.","vol":"5","page":78},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1097>من أحب الله أحبه الله والعباد</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (^١).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ قَالَ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ (^٢) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ قَالَ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُناَدِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ فَيُبْغِضُونَهُ ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ (^٣)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ قَالَ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ فَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ (^٤)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، نَسْأَلُ اللَّهَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ آمِين.\n_________\nمن أحب الله أحبه الله والعباد\n(^١) فالمؤمنون الصالحون يجعل الرحمن تعالى التواد والتحابب بينهم فيصيرون على تباين أشباحهم كقلب رجل واحد وكذا يحبهم الله ورسوله ما أسعدهم بذلك، نسأل الله محبة ترضيه آمين.\n(^٢) أي جبريل.\n(^٣) محبة الله لعبده رضاه عنه وهدايته له وعنايته به وإنعامه عليه بمحبة الناس له في الدنيا ورفيع الدرجات في الآخرة، وبغضه لعبده سخطه عليه وكراهة الخلق له في الدنيا وشدة عقابه في الآخرة، ومحبة الملائكة للعبد استغفارهم له وثناؤهم عليه، وبغضهم له عدم استغفارهم له وعدم ثنائهم عليه، ومحبة الناس للعبد عطفهم وثناؤهم عليه، وبغضهم للعبد كراهتهم له وذمه، وفيه أن محبة الناس للعبد أو بغضهم له من محبة الله أو بغضه كما قيل ألسنة الخلق أقلام الحق.\n(^٤) فإذا أثنى الناس على عبد لأعماله الصالحة التي عملها لله تعالى فلا ضرر عليه بل هذه من البشرى التي عجلت له في دنياه المذكورة في قوله تعالى ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ نسأل الله أن نكون منهم آمين.","vol":"5","page":79},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1098>من أحب قومًا حشر معهم </span>(^١)\nقاَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ (^٢) ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ (^٣) ﴿وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ (^٤) ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (^٥).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ (^٦) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ (^٧)»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ ياَ رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَا أَعْدَدْتُ لَهاَ»؟ قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهاَ مِنْ كَثِيرِ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ وَلَا صَدَقَةٍ وَلكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ (^٨)»، زَادَ فِي رِوَايَةٍ فَقُلْنَا: وَنَحْنُ كَذلِكَ قَالَ: «نَعَمْ»، فَفَرِحْنَا يَوْمَئِذٍ فَرَحًا شَدِيدًا (^٩)، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\nمن أحب قوما حشر معهم\n(^١) فمن أحب الكفار أو الأشرار حشر معهم؛ ومن أحب المؤمنين أو الصالحين حشر معهم لأنه ما أحبهم إلا لأنه من شاكلتهم وطويتهم.\n(^٢) في أمره ونهيه.\n(^٣) أفاضل أصحاب الأنبياء لمبالغتهم في الصدق وتصديق الأنبياء.\n(^٤) غير هؤلاء المذكورين.\n(^٥) رفقاء في الجنة أي وما أحسن مرافقة هؤلاء يتمتع بزيارتهم ورؤيتهم ومجالستهم في الجنة وإن كان لكل درجات بقدر عمله، أما الجنة ومرافقة هؤلاء فمن فضل الله تعالى كما قال في الآية بعدها ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾.\n(^٦) جاء رجل هو أعرابي، ولم يلحق بهم، وفي رواية: ولما يلحق بهم أي ولم يعمل من الصالحات كعملهم.\n(^٧) في مواقف القيامة والجنة وكل شيء إن عمل كعملهم أو قريبًا منه، وقيل مطلقا لحديث أبي داود: يا رسول الله الرجل يحب الرجل على العمل من الخير يعمل به ولا يعمل بمثله، فقال رسول اللهم: المرء مع من أحب، وزاد الترمذي: وله ما اكتسب أي زيادة على ما ناله من حب الصالحين، وفيه أن حب الله ورسوله أرفع الطاعات وأعلى درجات الأصفياء ومن عمل القلب الذي أجره أعظم من أجر عمل الجوارح، نسأل الله قلبا طاهرا خالصًا ومحبة صافية آمين.\n(^٨) قال أنس: بينما أنا ورسول الله - ﷺ - خارجان من المسجد فلقينا رجلا عند سدة - أي باب المسجد، فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها، قال: فكأن الرجل استكان أي خشع، قال: يا رسول الله ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله، قال: فأنت مع من أحببت.\n(^٩) ففي هذه النصوص الحث على محبة الصالحين والأخيار رجاء اللحاق بهم والخلاص من النار، نسأل الله محبة الصالحين آمين.","vol":"5","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1099>محبة الصالحين وزيارتهم ومجالستهم غنيمة كبرى</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنُ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ خِيَارُهُمْ فِي الْجاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا (^١) وَالْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَماَ تَعاَرَفَ مِنْهاَ ائْتَلَفَ وَمَا تَناَكَرَ مِنْهاَ اخْتَلَفَ (^٢)»، رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ (^٣).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخُالِلُ (^٤)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ (^٦)».\n\n• عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَحَبَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَلْيُخْبِرْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ (^٧)»، رَوَاهُماَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ (^٨).\nوَقَالَ أَنَسٌ ﵁: كَانَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ (^٩): ياَ رَسُولَ اللَّهِ\n_________\nمحبة الصالحين وزيارتهم ومجالستهم غنيمة عظمى\n(^١) فكما أن معادن الأرض من نحاس ورصاص وذهب وفضة تختلف بطبعها وصفتها وقيمتها كذلك الناس تختلف في الطباع والصفات والشيم والعقول، ولكن خيارهم في الأول والآخر المتفقهون في الدين فهو منبع الخير والسعادة.\n(^٢) والأرواح أنواع مختلفة وجموع مجتمعة فما اتفقت صفاتها وتشابهت ائتلفت وما لم تتفق صفاتها اختلفت وتباينت، فالمحبة والبغض بين الناس من تلائم الأرواح وعدمه حتى قيل: إن الطيور على أشكالها تقع.\n(^٣) ولكن مسلم وأبو داود هنا والبخاري في بدء الخلق.\n(^٤) فالشخص يتطبع بطبع صاحبه فإن الطبع سرّاق ويتغلب على التطبع والاختيار. ولذا قيل:\nعن المرء لا تسأل وسل عن قرينه … فكل قرين بالمقارن يقتدى\n(^٥) بسند حسن.\n(^٦) فعلى المؤمن أن يختار لصحبته مؤمنًا تقيًا فإنه ينتفع بصلاحه ونصحه ورشده وهديه وتقواه وعلمه إن كان عالما، وبيركته ودعائه أينما حل أو غاب وربما شفع له في الآخرة.\n(^٧) والترمذي: إذا آخي الرجل الرجل فليسأله عن اسمه واسم أبيه وممن هو فإنه أوصل للمودة.\n(^٨) بسندين صحيحين.\n(^٩) أي الجالس مع النبي - ﷺ -.","vol":"5","page":81},{"text":"إِنِّي لَأُحِبُّ هذَا، قَالَ: «أَعْلَمْتَهُ»؟ قَالَ: لَا، قَالَ: «أَعْلِمْهُ»، فَلَحِقَهُ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ فَقَالَ: «أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ (^١)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّماَ مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَناَفِخِ الْكِيرِ (^٢) فَحَامِلُ المِسْكِ إِمَا أَنْ يُحْذِيَكَ (^٣) وَإِمَّا أَنْ تَبْتاَعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً (^٤)»، رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «زَارَ رَجُلٌ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا (^٦) فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هذِهِ الْقَرْيةِ، قَالَ: «هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهاَ؟ (^٧) قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ ﷿ قَالَ: فَإِنِّي رَسُولَ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَماَ أَحْبَبْتَهُ فِيهِ (^٨)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْت مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا (^٩)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n_________\n(^١) وهو الله تعالى الذي وضع بينهما الألفة والمحبة، في مصاحبة المؤمن التقي خير كثير للدنيا والأخرى.\n(^٢) نافخ الكير هو الحداد الذي ينفخ على النار بالكير لصنع ما يعمل من الحديد.\n(^٣) أي يعطيك.\n(^٤) فمن يجالس حامل المسك فإنه ينتفع منه قطعا إما بالشراء وإما بالعطاء وإما بشم الرائحة الحسنة وفيه أن المسك طاهر يباع ويشترى وينتفع به فيما يناسبه، ومن يجالس الحداد إما أن تحترق ثيابه بالشرر الذي يتطاير منه وإما أن يشم منه الرائحة الخبيثة، كذلك مجالسة الأشرار تضر قطعا، بخلاف مجالسة الصالحين أهل الورع والعلم والخير والمروءة ومكارم الأخلاق فإنها تنفع من وجوه كثيرة للدنيا والآخرة.\n(^٥) ولكن مسلم وأبو داود هنا والبخاري في البيع.\n(^٦) أوقف الله على طريقه ملكا.\n(^٧) أي تقوم بإصلاحها وإتمامها لمن لك عليه ولاية كتابع وقريب لك، من ربَّ اليتيم قام بأمره، ورب الضيعة أصلحها.\n(^٨) فلما أراد الرجل زيارة صاحبه في الله تعالى أوقف الله له في طريقه ملكا فسأله ثم أخبره بأن الله أحبه لحبه ذلك المؤمن في الله تعالى.\n(^٩) فمن سار لعيادة مريض أو زيارة أخ له في الله تعالى ناداه ملك من قبل الله تعالى أيها الرجل الطيب الفعال، شكر الله مسعاك وأجزل لك العطاء في الجنة، نسأل الله التوفيق لما يحبه ويرضاه آمين.","vol":"5","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1100>المتحابون في ظل العرش يوم القيامة </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: «أين المتحابون بجلالي (^٢) الْيوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلا ظِلِّي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلَفْظُهُ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء (^٣)».\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُناَسًا مَا هُمْ بِأَنْبِياَءَ وَلَا شُهَدَاءَ يغَبْطُهُمُ الْأَنْبِياَءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ من اللَّهِ تَعَالَى»، قَالُوا: ياَ رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُناَ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ (^٤) عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلَا أَمْوَالٍ يَتعَاَطَوْنَهاَ (^٥) فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ لَعَلَى نورٍ (^٦) لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧)، نَسألُ اللَّهَ كَماَلَ الْأَمْنِ وَالْإِيماَنِ وَالْيَقِينِ آمِين.\n_________\nالمتحابون في ظل العرش يوم القيامة\n(^١) ففي يوم القيامة والناس في شدة الهول المذكور بعضه في قوله تعالى ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ يكون المتحابون في الله في رعاية الله وكنفه وفي مقامات التكريم على منابر النور فما أسعدهم بذلك.\n(^٢) لعظمتي وجلالي.\n(^٣) هذا ترغيب عظيم في المحبة لله تعالى، وسبق في باب المساجد وفي كتاب الإمارة والقضاء حديث: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وعد منهم رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه أي على الحب في الله وتفرقا عليه.\n(^٤) أي بمحبة الله ورحمته، أو الروح القرآن لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ أي تحابوا في الله بسبب العمل بالقرآن.\n(^٥) أي بغير معاملة دنيوية ولا قرابة بينهم بل تحابوا لله وفي الله تعالى.\n(^٦) إن وجوههم لنور أي ذات نور، وإنهم لعلى نور أي على منابر من نور.\n(^٧) في الرهن في البيع بسند صالح. ولعل ذكره في البيع إشارة إلى أن الحب النافع ما كان له دون المال والجاه والدنيا، ومن المتحابين في الله: من يجتمعون على شيخ يعلمهم العلم الشرعي محبة في العلم وأملا في العمل به الله تعالى كمن يسعون لطلب العلم في المساجد ونحوها عن الأئمة وغيرهم، فهم ينالون فضيلة السعي للعلم الذي هو سعى في طريق الجنة، وفضيلة طالب العلم الذي هو في عداد الشهداء، وفضيلة تعمير =","vol":"5","page":83},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1101>التوسط في الحب مطلوب</span>\n• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ (^١)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا (^٣) عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا. وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا (^٤)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبيْهَقِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\nعدد أحاديث كتاب البر والأخلاق مائتان وخمسة وسبعون حديثًا فقط.\n_________\n= بيوت الله الدال على كمال الإيمان، وفضيلة انتظار الصلاة الذي هو كمال الرباط، وفضيلة زيارة الله التي تستوجب إكرام الله تعالى، وفضيلة المحبة في الله التي نحن بصددها، ومن المتحابين في الله تعالى: من يأخذون العهد على شيخ من مشايخ الطرق المشهورين بالعلم والتقوى والورع أملا في القرب من الله تعالى لا طمعا في الدنيا ولا تزلفا لأهلها، فهؤلاء بلا شك من المتحابين في الله تعالى ولهم رفيع الدرجات في الآخرة جعلنا الله منهم وحشرنا في زمرتهم آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nالتوسط في الحب مطلوب\n(^١) فالحب الشديد لإنسان أو غيره يعمى العين عن النظر إلى مساويه ويصم الأذن عن سماع العذل فيه، فلا يراه إلا حسنا وربما كان فيه أكبر ضرر. فالاقتصاد في الحب حفيظه وجماله.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) برفق أي حبا وسطا.\n(^٤) فلا تبغض البغض الشديد لعله يصير في يوم حبيبا فتنتفع به ويحل الوفاق محل الشقاق، كما لا ينبغي الحب الشديد الذي يشغله عن شأنه وربما يفضي إليه بكل أسراره فعسى أن ينقلب عدوا فيكون أدرى وأقوى في المضرة، وهذا كله في غير محبة الله ورسوله أما محبة الله ورسوله فلا حرج فيها بل كلما زادت محبة الله ورسوله كلما فني العبد عن نفسه وشهواتها وعن الدنيا ولذاتها فاستنار باطنه وأشرق ظاهره وصار عبدا ربانيا في كل أحواله يسبح في آيات الله تارة ويغوص في لجج الملكوت تارة أخرى وهو حاضر مع الله شاهد لجلال الله غريق في جمال الله لا يغيب قلبه ولا يغفل لبه وعقله بل يرى في هذا كفره كما قال قائلهم:\nولو خطرت لي في سواك إرادة .. على خاطري يوما حكمت بردتي\nونظرا لكوننا لم نصل إلى هذا الميدان، بل لم نعرج في واديه، وقف القلم عن الخوض فيه، تنزها عن القول بالظن، وحبا في القول عن علم، ولكننا نسأل الله تعالى ونرجوه أن يصل بنا إلى ميدانه، وأن يلبسنا من لباسه، وأن يذيقنا من كأسه، نسأل الله أن يعلمنا من لدنه علما، فذلك فضل الله الذي يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم آمين والحمد لله رب العالمين.","vol":"5","page":84},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type='title' id=toc-1102>كتاب الأذكار والأدعية والاستغفار والتوبة </span>(^١)\nوفيه خمسة أبواب وخاتمة\n\n<span data-type='title' id=toc-1103>الباب الأول: في فضائل الذكر والذاكرين </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (^٣). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (^٤).\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٥) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ ﷿ أَناَ عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي (^٦). وَأَناَ مَعَهُ حِينَ يَذكُرُنِي (^٧). فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي (^٨)\n_________\nكتاب الأذكار والأدعية والاستغفار والتوبة\n(^١) هذا كتاب يذكر فيه ما ورد في الأصول من أنواع الذكر والدعاء المطلقين وغير المطلقين، وكذا يذكر فيه أسماء الله الحسنى واسم الله الأعظم وما ورد من التعوذات والاستغفار والتوبة وفضلها وما ورد في سعة رحمة الله تعالى كما ستراه إن شاء الله.\n(^٢) وكذا فضائل مجالس الذكر التي هي أشرف المجالس.\n(^٣) أي اذكروا الله في كل أوقاتكم وسبحوه في أول النهار وفي آخره وفي المساء وفي الصباح.\n(^٤) ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ بالصلاة وغيرها. ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ في الملأ الأعلى وأمنحكم عظيم الجزاء ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ بالطاعة وحمد النعمه ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ بالعصيان وجحد النعم.\n(^٥) يوصف الشخص بكثرة الذكر إذا كان الغالب على أحواله ذكر الله تعالى وطاعته.\n(^٦) فمن ظن بالله الغفران وهو يستغفره فإنه يغفر له، ومن ظن بالله الإجابة وهو يدعوه فإنه يجيبه، ومن ظن بالله القبول وهو على طاعته فإنه يقبله لأنه فعل ما أمر به وظن بربه ما وعد به وما هو أهله.\n(^٧) ليست معية مكان بل معية رحمة وعناية وإحسان.\n(^٨) فمن ذكر الله خاليا من الناس أثنى الله عليه وأجزل له العطاء.","vol":"5","page":85},{"text":"وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإِ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإِ خَيْرٍ مِنْهُ (^١) وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتاَنِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً (^٢)»، رَوَاهُ الشَّيْخَان وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَلائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكُرِ (^٣). فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَناَدَوْا هَلمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ (^٤). قَالَ فَيَحُفُّونَهُمْ بأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيًا (^٥) قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ مَا يَقُولُ عِبَادِي (^٦) قاَلُوا يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَك وَيُمَجِّدُونَكَ. قَالَ: فَيَقُولُ هَلْ رَأَوْنِي فَيَقُولونَ لَا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ. قَالَ: فَيقُولُ كَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِباَدَة وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا، قَالَ: يَقُولُ فَمَا يَسْأَلونِي قَالَ يَقُولونَ يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ. قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ: يَقُولونَ لَا وَاللَّهِ ياَ رَبِّ مَا رأَوْهاَ. قَالَ يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنْهُمْ رَأَوْهَا. قَالَ يَقُولونَ لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهاَ حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهاَ طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهاَ رَغْبَةً، قَالَ فَمَّمِ يَتَعَوَّذُونَ، قَالَ يَقُولُونَ مِنَ النَّارِ، قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا. قَالَ يَقُولُونَ لَا وَاللَّهِ مَا رَأَوْهَا يَقُولُ «فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا» قَالَ يَقُولُونَ\n_________\n(^١) وفي رواية: خير منهم وهم الملأ الأعلى في المباهاة الآتية.\n(^٢) ليس المراد بالشبر والذراع والباع والمشي والهرولة الأمور المحسوسة وإنما المراد بها إذا تقرب العبد إلى ربه بقليل الطاعة أقبل الله عليه كثيرا، وكلما زاد العبد في الطاعة زاد إقبال الله عليه بكل خير الدنيا والآخرة فإقبال الله على العبد أشد من إقبال العبد عليه، وعطاء الله للعبد أعظم من عمله، نسأل الله القيام بواجب العبودية آمين.\n(^٣) أي مجالس الذكر والمراد مجالس العبادة بأنواعها فإنها كلها في طاعة الله تعالى.\n(^٤) احضروا إلى هذا المجلس فإنه مرغوبكم ومطلوبكم.\n(^٥) فيلتفون حولهم بتلهف وكثرة حتى يصل جمع الملائكة إلى سماء الدنيا فرحًا بهؤلاء الذاكرين.\n(^٦) لفظ مسلم: فإذا تفرق الذاكرون عرج الملائكة وصعدوا إلى السماء فيسألهم الله ﷿ وهو أعلم بهم من أين جئتم فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك.","vol":"5","page":86},{"text":"«لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهاَ فِرَارًا وَأَشَدَّ مِنْهاَ مَخاَفَةً». قَالَ فَيَقولُ «فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ (^١)». يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّماَ جَاء لِحَاجَةٍ. قَالَ: «هُمُ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ (^٢)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْبَيتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ (^٣)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ (^٤) وَهُو عَلَى كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقاَبٍ (^٥) وَكتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطاَنِ يَوْمَهُ ذلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ. وَمَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّه وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطاَياَهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ (^٦)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلِمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ: «مَنْ قَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يْحيي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ (^٧)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكرُونَ اللَّهَ ﷿ إِلا حَفتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ\n_________\n(^١) زاد مسلم قالوا: ويستغفرونك، قال: فيقول الله قد غفرت لهم فأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا.\n(^٢) أي يسعد من جالسهم بسببهم، ولفظ مسلم: رب فيهم فلان عبد خطّاء إنما مرّ فجلس معهم فيقول الله وله غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم أي يسعد بهم جليسهم ولو مرة إذا شاء الله ذلك.\n(^٣) ولفظ البخاري: مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر مثل الحي والميت، فالشخص المتلبس بذكر الله كالحي والغافل عن الذكر كالميت وبين الحي والميت فرق عظيم.\n(^٤) وزاد الترمذي: يحيى ويميت.\n(^٥) كان ثوابها كثواب عتق عشر رقاب.\n(^٦) المراد به التكثير، وعبارة الترمذي: وإن كانت أكثر من زبد البحر، وزبد البحر: رغوته التي تعلوه.\n(^٧) يقال فيه كما قيل في حديث: من دل على خير فله مثل أجر فاعله السابق في كتاب الأخلاق.","vol":"5","page":87},{"text":"وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ (^١)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ»، قاَلُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ (^٢)».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قالَ: خَرَجَ مُعَاوَيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: «مَا أَجْلَسَكُمْ»؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ، قَالَ: «آللِّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلا ذَاكَ (^٣)»؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلا ذَاكَ، قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تهْمَةً لَكُمْ وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقَلَ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي (^٤)» وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى حَلَقْةٍ مِن أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «مَا أَجْلَسَكُمْ»؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا للإِسْلَامِ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا قَالَ: «آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلا ذَاكَ» قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلا ذَاكَ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَخلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ وَلكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ ﷿ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ (^٥)» رَوى الثَّلَاثَةَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) سبق هذا في كتاب الأخلاق وفي كتاب العلم.\n(^٢) لأنهم انفردوا عن إخوانهم الذين ماتوا قبلهم أو انفردوا عن الناس بكثرة الذكر.\n(^٣) أي والله ما أجلسكم إلا ذكر الله تعالى؟\n(^٤) فمع قرب منزلته من النبي - ﷺ - لكونه أخا أم حبيبة أم المؤمنين، ولكونه ممن كان يكتب الوحي للنبي - ﷺ - ولكن كان تحديثه عن النبي - ﷺ - قليلا.\n(^٥) فظهر من هذه الأحاديث أن الاجتماع على طاعة الله مشروع بل من أفضل القربات إلى الله تعالى لأنه موجب ثناء الله عليهم ومفاخرته بهم عند الملائكة وما أعلاها شأنا وأعظمها قدرا حيث كانت بين الله والملأ الأعلى، فضلا عن غفران ذنوبهم وجعلهم من أهل الجنة دار الأمان والسلام، دار التكريم والنعيم، والمراد بمجالس الطاعة مجالس العبادة بأنواعها كالاجتماع في فرائض الصلوات بل هو أعظم للحديث القدسي الآتي في كتاب الزهد: وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، وكالاجتماع القراءة القرآن أو تفسيره أو لتلاوة الحديث أو درسه أو لتدريس الفقه أو التصوف أو الأخلاق لأنها لب الشرع، أو قصص الأنبياء أو أخبار السالفين التي وردت في القرآن لأثرها العظيم في ترقيق القلوب، ومن أظهر مجالس العبادة مجالس الذكر الصحيح المعلومة عند رجال الطريق، ومجالس الصلاة على النبي - ﷺ - كقراءة الدلائل المشهورة للجزولي ﵀ ورضي عنه فإنهما عمل بأوامر القرآن العزيز، نسأل الله العمل به آمين.","vol":"5","page":88},{"text":"• عَنْ حَنْظَلَةَ الأُسَيْدِيِّ ﵁ وَكَانَ مِنْ كتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ قُلْتُ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ نَافَقَ حَنْظَلَةُ قَالَ: «وَمَا ذَاكَ»؟ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكَرُناَ بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْناَ مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْواجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعاَتِ نَسِيناَ كَثيرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيدِهِ إِنْ لوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْر لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكمْ وَفِي طُرُفِكمْ وَلكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (^١)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الرَّقَائِقِ وَلَفْظ الأَخِيرِ: «لَوْ تَدُومُونَ عَلَى الْحَالِ الَّذِي تَقُومُونَ بِهَا مِنْ عِنْدِي لَصَافَحَتْكمُ الْمَلَائِكَةُ فِي مَجَالِسِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَعَلَى فُرُشِكُمْ وَلكِنْ يَا حَنْظَلَة سَاعَةً وَسَاعَةً وَسَاعَةً».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مجْلِسًا لَمْ يَذْكرُوا اللَّهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلا كَان عَلَيْهِمْ تِرَةً فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ (^٢)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا قَالَ عَبْدٌ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ قَطُّ مُخْلِصًا إِلا\n_________\n(^١) عافسنا: عالجنا، والضيعات جمع ضيعة وهي العقار، والحرفة: كالزراعة والتجارة والصناعة سميت بهذا لأنه يضيع بتركها، وصدر الحديث أن حنظلة الأسيدي لقي أبا بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله ما تقول! قلت: نكون عند رسول الله - ﷺ - يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأى عين فإذا خرجنا من عنده واشتغلنا بالأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقي مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله - ﷺ - قلت: نافق حنظلة يا رسول الله أي صار كالمنافقين لأنه يكون معك في مقام الخوف والمراقبة وذكر الآخرة وأحوالها فإذا عاد لأولاده وأمواله اشتغل بها ونسى ذلك، فقال رسول الله - ﷺ -: ليس هذا نفاقًا بل اشتغالا بالأهل والأولاد لا يضر لأنه لم يمنعه من فرائض الله تعالى ولكن والله لو تدومون على الحال التي تكونون عليها عندي وفي الذكر والتفكر في أحوال الآخرة والمراقبة الله تعالى لصافحتكم الملائكة في كل وقت وفي كل حال ولكن يا حنظلة اجعل ساعة لربك وساعة لجسمك وساعة لمعاشك وساعة لأهلك وأولادك فإنه لا غنى لك في دنياك عن هذه، وبالاحتساب فيها تؤجر أجرا كبيرا.\n(^٢) ترة بكسر ففتح أي حسرة وندامة، وهذا ظاهر أن حمل الذكر على الفريضة والصلاة على النبي - ﷺ - إذا ذكر اسمه وإلا كان ترهيبًا فقط.","vol":"5","page":89},{"text":"فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ حَتَّى تفْضِيَ إِلَى الْعَرْشِ مَا اجّتُنِبَتِ الْكَبَائرُ (^١)».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرياَضِ الْجَنَّةِ فاَرْتَعُوا» قَالُوا: وَمَا رِياَضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «حَلَقُ الذِّكْرِ (^٢)».\nوَقَالَتْ عَائِشَة ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْياَنِهِ (^٣).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ (^٤) وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ (^٥)».\nوَقَالَ رَجُلٌ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثرَتْ عَلَيَّ فَأَخْبِرْنِي بشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ قَالَ: «لَا يَزَالُ لِسَانكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ (^٦)».\n\n• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكمْ وَأَزْكَاهَا عَنْدَ مَلِيِككمْ (^٧)، وأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكمْ، وَخَيْرٍ لكمْ مِنْ إِنْفاَقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ (^٨) وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ» قَالُوا: بَلَى ياَ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبُيَّ ﷺ: أَيُّ الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ» قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمِنَ الْغَازِي فِي سَبيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَوْ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ فِي الْكفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَنْكَسِرَ وَيَخْتَضِبَ دَمًا لَكَانَ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ أَفْضَلَ مِنْهُ دَرَجَةً (^٩)».\n_________\n(^١) له أي لقوله، حتى تفضى أي تصل إلى العرش فتشهد وتشفع لقائلها وتجاب في مطلوبها إذا كان قائلها بعيدا عن الكبائر.\n(^٢) حلق بفتحتين جمع حلقة بالسكون ويجوز الفتح كقصبة وقصب، والمعنى إذا مررتم بمجالس الذكر فاجلسوا فيها فإنها سبب في دخول الجنة، وسبق في فضل المساجد حديث: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: المساجد.\n(^٣) في كل أوقاته التي تسمح بالذكر.\n(^٤) بل هي أفضل كلة قالها عبد من عباد الله.\n(^٥) إنما كانت دعاء لأنها شكر على النعم والشكر يستلزم المزيد فكأن الحامد يدعو بالزيادة.\n(^٦) أي أن الأعمال الصالحة كثيرة عليّ فدلني على شيء سهل أتمسك به دائما، قال: أكثر من ذكر الله فيه كل خير للدنيا والآخرة.\n(^٧) وهو الله تعالى.\n(^٨) هو الفضة.\n(^٩) وقال معاذ بن جبل: ليس شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله تعالى، ففي هذه الأحاديث أن الذكر أفضل من كل شيء حتى من الصدقة والجهاد،=","vol":"5","page":90},{"text":"• عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ أَشْهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ إِلهًا وَاحِدًا أَحَدًا صَمَدًا لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ».\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا أُعَلَّمُكَ كَلِمَاتٍ إِذَا قُلْتَهُنَّ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ وَإِنْ كُنْتَ مَغْفُورًا لَكَ (^١)» قَالَ: «قُلْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ الْعَظِيمُ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»، رَوَى هذِهِ الْعَشْرَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1104>أسماء الله الحسنى</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَللَّهِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (^٣). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (^٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ حَفِظَهاَ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ (^٥)، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n= وهذا للترغيب فيه، وإلا فالصدقة الواجبة كالزكاة أفضل لأنها ركن الإسلام، والجهاد أفضل لأنه بذل الروح في مرضاة الله تعالى.\n(^١) تأكيد في المغفرة له لأنه مغفور له ومن العشرة المبشرين بالجنة.\n(^٢) الثلاثة الأخيرة بأسانيد غريبة، والأولان بسندين صحيحين، والخمسة الباقية بأسانيد حسنة نسأل الله حسن الحال والتوفيق لذكره آمين.\n\nأسماء الله الحسنى\n(^٣) أي سموه واذكروه واعبدوه بها.\n(^٤) سيأتي بيانها إن شاء الله.\n(^٥) وفي رواية: إن لله تسعة وتسعين اسما: مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة، أي من حفظها وذكر الله بها واستحضر =","vol":"5","page":91},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّة (^١): هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (^٢) الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ (^٣) الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ (^٤)\n_________\n= معناها واستشعر آثارها من الرجاء والخوف والخشية دخل الجنة إن شاء الله وهذا هو مراد الحديث لا حصر أسماء الله تعالى في هذه الأسماء للحديث الآخر: أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، ولأن كمالات الله من صفات وأسماء لا نهاية لها ولكنه تعالى ما كلفنا إلا بما في وسعنا وطاقتنا ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ فله مزيد الحمد ووافر الشكر.\n(^١) التسعة والتسعون المذكورون في الرواية الآتية غير لفظ هو في الموضعين فإنه في الأول للحال والشأن كأن السامع قال ما تلك الأسماء، قال: هو الله إلى آخره وفي الثاني بدل من الضمير في الخبر وقيل لفظ هو من الأسماء الحسنى وسيأتي الكلام عليه في الاسم الأعظم إن شاء الله تعالى.\n(^٢) الله علم على الذات العلية الواجب الوجود دائما، وقال بعضهم: إنه الاسم الأعظم وفيه مؤلفات خاصة لابن عطاء الله وغيره، والرحمن النعم بجلائل النعم، والرحيم المنعم بدقائق النعم لأن زيادة المبني تدل على زيادة المعنى، فهما من الرحمة بمعنى مريد الإحسان أو محسن بالفعل، والأمران واقعان، فهما صفة ذات على الأول وصفة فعل على الثاني.\n(^٣) الملك ذو الملك أو المتصرف في ملكه بالإيجاد والإعدام ونحوهما فهو صفة ذات على الأول وصفة فعل على الثاني أي صفة نشأ عنها الفعل والتأثير - القدوس - بالضم أشهر من الفتح أي المطهر والمنزه عن سمات النقص والحدوث بل هو مبرأ عن أن يدركه حس أو يتصوره خيال أو يحيط به عقل فهو من أسماء التنزيه، - السلام - أي ذو السلام من كل نقص وآفة في ذاته وصفاته وأفعاله، أو معطى السلامة والأمن لمن يشاء، أو ذو السلام على المؤمنين في الجنة لقوله تعالى ﴿سلام قولا من رب رحيم﴾ فهو صفة ذات على الأول وصفة فعل على الثاني - المؤمن - المصدق لرسله يخلق المعجزات لهم، أو المعطى الأمان أو المانح السكينة لمن يشاء، نسأله الأمن والأمان والسكينة والاطمئنان آمين المهيمن - من هيمن الطائر نشر جناحيه على فراخه زيادة في صيانتهم وحفظهم، والله المهيمن أي الرقيب المبالغ في المراقبة والحفظ فهو العالم الشاهد لا يغيب عنه مثقال ذرة.\n(^٤) - العزيز - هو الغالب فمرجعه للقدرة المتعالية عن المعارضة، أو القوى الشديد أو عديم المثال فهو من أسماء التنزيه - الجبار - هو المصلح لأمور عباده المتكفل بمصالحهم، أو المتعالى عن أن يناله كيد كائد فهو من أسماء الأفعال على الأول ومن أسماء التنزيه على الثاني - المتكبر - هو من يرى غيره بالنسبة إليه رؤية مالك لعبيده وهو على إطلاقه لا يتصور إلا الله تعالى وهذا من أسماء الذات.","vol":"5","page":92},{"text":"الْخَالِقُ الْباَرِئُ الْمُصَوِّرُ (^١) الْغَفَّارُ الْقَهَّارُ الْوَهَّابُ الرَّزَّاق (^٢) الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ الْقاَبِضُ الْباَسِطُ (^٣) الْخَافِضُ الرَّافِعُ الْمُعِزُّ الْمُذِلُّ (^٤) السَّمِيعُ (^٥) الْبَصِيرُ الْحكَمُ الْعَدْلُ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ\n_________\n(^١) ألفاظ مترادفة على معنى واحد وهو الإيجاد من العدم والإبداع كما شاء، وقيل - الخالق - الموجد للمخلوقات من غير أصل - والبارئ - الموجد لها من أصلٍ، من البرء وهو خلوص الشيء من غيره تفصيًا منه كبرء المريض من مرضه والمدين من دينه - والمصور - المبدع لصور الأشياء لكل شيء صورة تميزه عن غيره، فالخالق الموجد للإيجاد الأول، والباري المحدث له فظهر، والمصور الذي سوّاه فكساه صورة تناسبه، قال تعالى ﴿سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى﴾ فالثلاثة على الترتيب الواقعي والاثنان الأخيران كالتفصيل للأول.\n(^٢) - الغفار - كثير الغفر وستر القبائح على العباد بدون مؤاخذة فضلا منه تعالى - القهار - الذي كل مخلوق في قبضته ومسخر لقضائه ومقهور بقدرته - الوهاب - كثير النعم دائم العطاء والهبات. الرزاق: خالق الأرزاق وأسبابها كلها ومفيضها على عباده، وما قبله إلى الخالق من أسماء الأفعال.\n(^٣) - الفتاح - الحاكم بين العباد، أو الناصر لمن شاء، أو من يفتح خزائن رحمته لعباده، قال تعالى ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ فهو اسم ذات على الأول واسم فعل على ما بعده - العليم - الذي علم ما كان وما يكون أولا وآخرا ظاهرا وباطنًا في الملك والملكوت لأنه خلق الأشياء كلها، قال تعالى ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ فالعلم صفة كشف للذات العملية - القابض الباسط - مضيق الرزق على من شاء وموسعه على من شاء، أو قابض الأرواح من الأشباح لموتها وناشرها بالأشباح لحياتها، أو قابض للقلوب بإضلالها وباسط لها بهداها ورشدها، فهما من صفات الأفعال.\n(^٤) - الخافض الرافع - من يخفض القسط ويرفعه، أو من يخفض الكفار والفجار بالخزي والذل والصغار وعذاب النار، ويرفع الأبرار بالإجلال في دار السلام. - المعز المذل - المعز لمن شاء بتوفيقه للفعل المليح، والمذل لمن شاء بهديه للقبيح فهو المعز لمن شاء إعزازه والمذل لمن شاء إذلاله، فهما من صفات الأفعال.\n(^٥) - السميع - الذي يسمع كل شيء من الأصوات وغيرها بدون حاسة - البصير - الذي يبصر كل شيء ولو صوتًا بدون حاسة، قال تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ﴾ فهما صفتان ينكشف بهما كل شيء انكشافا تاما كصفة المعلم - الحكم - الحاكم الذي لا مرد لقضائه ولا معقب لحكمه فمرجعه للقول الفاصل بين الحق والباطل والبر والفاجر المجازي كل نفس بما عملت. - العدل - مصدر وصف به للمبالغة أي العادل المبالغ في العدل، فهو من صفات الأفعال - اللطيف - بأوليائه الخبير بهم أو اللطيف العالم بخفيات الأمور ودقائقها، والخبير: العليم ببواطن الأشياء فهما من صفات الكشف، أو اللطيف العالم بالخفيات المتعالى عن أن يحس فهو من صفات التنزيه.","vol":"5","page":93},{"text":"الْحَلِيمُ (^١) الْعَظِيمُ الْغَفُورُ الشَّكُورُ الْعَلِيُّ (^٢) الْكَبِيرُ الْحَفِيظُ الْمُقِيتُ الْحَسيبُ الْجَلُيلُ الْكَرِيمُ (^٣) الرَّقِيبُ الْمُجِيبُ الْوَاسِعُ الْحَكِيمُ الْوَدُودُ الْمَجِيدُ الْباَعِثُ الشَّهِيدُ الْحَقُّ الْوَكِيلُ الْقَوِيُّ الْمَتِينُ (^٤)\n_________\n(^١) - الحليم - الذي لا يستفزه غضب ولا يحمله على استعجال عقوبة، فمرجعه التنزيه عن العجلة - العظيم - البالغ أقصى مراتب العظمة فلا يتصوره عقل ولا تحيط بكنهه بصيرة فمرجعه التنزية والتعالي عن إحاطة العقول بكنه ذاته جل شأنه وعلا - الغفور - كثير الغفران - الشكور - الذي يعطى الجزيل على العمل القليل فهما من صفات الأفعال.\n(^٢) - العلي - البالغ في علو الرتبة بلا نهاية فما من شيء إلا وهو منحط عنه تعالى فهو من الأسماء الإضافية - الكبير - في كل شيء لأنه أزلي وغني على الإطلاق أو الكبير عن مشاهدة الحواس وإدراك العقول فهو من أسماء التنزيه - الحفيظ - الذي يحفظ الأشياء من الزوال والاختلال ما شاء ذلك ويحفظ على العباد أعمالهم حتى يجزيهم عليها بفضله - المقيت - خالق الأفوات بدنية وروحانية وموصلها للأشباح والأرواح فهو وما قبله من صفات الأفعال - الحسيب - الكافي لعبده من أحسبني أي كفاني وحسبي الله أي كافيني، أو الذي يحاسب الخلق يوم القيامة فهو صفة فعل على الأول والثاني إن جعلت المحاسبة مكافأة وإن جعلت معاتبة وتعدادا للأعمال كان مرجعه للقول - الجليل - المتصف بصفات الجلال فهو من صفات التنزيه كالقدوس. قال الرازي ﵁: الفرق بينه وبين الكبير والعظيم أن الكبير الكامل في الذات والجليل الكامل في الصفات والعظيم الكامل فيهما.\n(^٣) - الكريم - المتفضل المعطى من غير سؤال ولا عوض، واللطيف في المعتاب، والمقدس عن النقائض، وكريم الفعال والخلال، فهو في الكثير صفة فعل - الرقيب - الذي يراقب الأشياء ويلاحظها فلا يغيب عنه مثقال ذرة - المجيب - الذي يجيب الداعي إذا دعاه قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ - الواسع - المحيط بكل شيء علما، أو الجواد الذي عمت رحمته كل مؤمن وكافر وكل بر وفاجر، أو الغني الكامل. وقال بعض العارفين: الواسع من لا نهاية لبرهانه ولا غاية لسلطانه ولا حد لذاته وأسمائه وصفاته جل شأنه وعلا - الحكيم - ذو الحكمة وهي كمال العلم وإحسان الفعل وإتقانه أو هو صفة مبالغة في الحاكم فهو على هذا مرجعه للقول وعلى ما قبله مركب من صفة ذات وصفة فعل - الودود - مبالغة في الواد أي الذي يحب الخير لكل خلقه ويحسن إليهم في كل الأحوال ولا سيما أولياؤه فهو من صفات الذات والأفعال - المجيد - الماجد البالغ في المجد والشرف أو الرفيع العظيم القدر، أو الجزيل في العطاء فهو صفة تنزيه أو صفة فعل.\n(^٤) - الباعث - باعث الرسل للأمم وباعث الهمم للترقى في ساحات التوحيد، وباعث من في القبور، فهو من صفات الأفعال. - الشهيد - من الشهود والحضور أي العالم بكل مخلوق الحاضر معه في كل مكان وزمان قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ أو من يشهد على خلقه.","vol":"5","page":94},{"text":"الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ الْمُحْصِي الْمُبْدِئُ الْمُعِيدُ (^١) الْمُحْيِي الْمُمِيتُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الْوَاجِدُ الْماَجِدُ الْوَاحِدُ (^٢) الصَّمَدُ الْقَادِرُ الْمُقْتَدِرُ الْمُقَدِّمُ الْمُؤَخِّرُ (^٣) الْأَوَّلُ الْاخرُ الظَّاهِرُ الْباَطِنُ الْوَالِي الْمُتَعَالِي (^٤)\n_________\n= يوم القيامة فمرجعه على هذا القول وعلى الأول للعالم - الحق - أي الثابت الذي لا يتحول، أو المظهر للحق أو الموجد للشيء كما تقتضيه الحكمة، فهو صفة ذات على الأول وصفة فعل على ما بعده - الوكيل - القائم بأمور عباده وتسخير ما يحتاجون إليه، أو الموكول إليه تدبير الخلائق فهو صفة فعل - القوى المتين القوى ذو القدرة التامة البالغة للكمال، والمتين البالغ في الشدة من المتانة وهي شدة الشيء واستحكامه فمرجعهما لكمال القدرة وشدتها.\n(^١) - الولي - المحب الناصر المتولى أمر خلقه - الحميد - المحمود المستحق لكل ثناء لأنه الموصوف بكل كمال المولى لكل نوال فهما من صفات الذات والأفعال - المحصي - الذي أحصى بعلمه كل شيء، أو القادر الذي لا يشذ عنه شي فهو صفة ذات أو صفة فعل - المبدئ المعيد - الذي أظهر الأشياء من العدم والذي يعيدها بعد العدم قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾.\n(^٢) - المحيى المميت - الذي خلق الحياة في كل حي وخلق الموت في كل من أماته قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ فهذان واللذان قبلهما من أسماء الأفعال - الحي - ذو الحياة الدائمة، وهذه صفة قائمة بذاته تصحح له الاتصاف بكل صفة - القيوم - القائم بنفسه والمقيم لغيره ذاتا وتدبيرا - الواجد - الذي يجد كل ما أراده فلا يعوزه شيء، أو الغني المطلق - الماجد - من المجد والشرف كالمجيد ولكنه أبلغ منه - الواحد - الذي لا ينقسم بحال فهو واحد بذاته وصفاته وأفعاله، وفي نسخة زيادة الأحد وهو قريب من الواحد جل وعلا.\n(^٣) - الصمد - السيد الذي يصمد ويفزع إليه في الشدائد أو الذي لا يَطعَم، أو المنزه عن الآفات، أو الباقي الذي لا يزول فهو من أسماء الذات أو التنزيه - القادر المقتدر - ذو القدرة البالغة إلا أن المقتدر أبلغ لزيادة المبني - المقدم المؤخر - الذي يقدم بعض الأشياء على بعض في الوجود كتقديم الأسباب على مسبباتها، أو في الشرف والقربة كتقديم الأنبياء والصالحين على من عداهم، أو في المكان كتقديم أجساد علوية على سفلية، أو في الزمان كتقديم أطوار وقرون بعضها على بعض كما قضت حكمته العلية، فهما من أسماء الأفعال.\n(^٤) - الأول - القديم السابق على كل شيء - الآخر - الباقى وحده بعد فناء كل شيء، فهو أول بلا بداية وآخر بلا نهاية - الظاهر - الجلى وجوده بآياته الباهرة - الباطن - الخفي بكنه ذاته عن نظر الخلائق إليه، - الظاهر - فليس فوقه شيء والباطن فليس دونه شيء فهذه الأربعة من أسماء الذات - الوالى - الذي تولى كل شيء وملكه فمرجعه للقدرة - المتعالى - المرتفع عن النقائص البالغ في العلاء قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ فمرجعه للتنزيه.","vol":"5","page":95},{"text":"الْبَرُّ التَّوَّابُ الْمُنْتَقِمُ الْعفُوُّ الرَّؤوفُ (^١) مَالِكُ الْمُلِك ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (^٢) الْمُقْسِطُ الْجِامِعُ الْغَنِيُّ الْمُغْنِي الْماَنِعُ الضَّارُّ النَّافِعُ (^٣) النُّورُ الْهاَدِي الْبَدِيعُ الْباَقِي الْوَارِثُ الرَّشِيدُ الصَّبُورُ (^٤)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ (^٥).\n_________\n(^١) - البر - المحسن العظيم - التواب - الذي وفق المذنبين للتوبة وقبلها منهم - المنتقم - المعاقب للظلمة والعصاة الشاردين - العفو - الذي يمحو السيئات عمن تاب إليه فهو أبلغ من الغفور لأن الغفر الستر الرءوف - شديد الرأفة والرحمة فهو أبلغ من الرحمن الرحيم، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾.\n(^٢) - مالك الملك - الذي يجري الأمور فيه كما يشاء لا مرد لقضائه ولا معقب لحكمه - ذو الجلال والإكرام - الذي لا شرف ولا كمال إلا له وحده ولا كرامة ولا مكرمة إلا وهي منه تعالى.\n(^٣) - المقسط - العادل الذي ينصف المظلومين ويكسر شوكة الظالمين - الجامع - المؤلف بين شتات حقائق مختلفة وجامع الناس ليوم القصاص ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ فهذه التسعة من صفات الأفعال - الغني - المستغني بذاته وأسمائه وصفاته عن كل ما عداه المفتقر إليه كل ما سواه فهو من صفات التنزيه - المغني - الذي يغني بفضله من شاء من عباده. - المانع - الذي يدفع أسباب الهلاك والنقصان عن أبدان وأموال وأديان - الضار النافع - وصفان بتمام القدرة فلا ضر ولا نفع ولا شر ولا خير إلا وهو بإرادته، قال تعالى ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ولكن الأدب أن ينسب الشر للعبد والخير لله، قال تعالى ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾.\n(^٤) - النور - الظاهر بنفسه المظهر لغيره - الهادى - الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى وأحب من شاء فهداه للخير - البديع - المبدع الذي يأتي بما لم يسبق إليه، أو الذي لا نظير له بوجه من الوجوه فهذه الأسماء السبعة من صفات الأفعال إلا البديع بالمعنى الثاني من صفات التنزيه - الباقي - الدائم الوجود فلا يناله فناء - الوارث - الباقي بعد فناء الموجودات فتبقي بيده الأملاك بعد فناء الملاك كما كانت قبل خلقهم - الرشيد - المرشد لعباده أو الذي تجرى تدابيره لغايتها على سنن السداد بلا استشارة ولا إرشاد - الصبور - الذي لا يعاجل بالقصاص من عصاه، أو الذي لا يسرع بشيء قبل أوانه، وهذا أعم من سابقه، ولهذه الأسماء الرفيعة معان وأسرار لا يعلمها إلا الله تعالى ومن ارتضاهم من عباده. ولها مؤلفات خاصة بها، نسأل الله من فضله الرضا آمين.\n(^٥) بسند غريب للترمذي، ولغيره بسند صحيح، نسأل الله صحة القول والفعل آمين.","vol":"5","page":96},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1105>الاسم الأعظم </span>(^١)\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: الَّلهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلهَ إِلا أَنْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ فَقَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَ اللَّهَ بِالاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ (^٢)»، رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣).\n\n• عَنْ أَسْماَءَ بِنْتِ يَزِيدَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الْايَتَيْنِ» ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ وَفَاتِحَةُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (^٤) رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ وَرَجْلٌ يُصَلِّي ثُمَّ دَعَا: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلهَ إِلا أَنتَ الْمَنَّان بَدِيعَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ ياَ ذَا الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ ياَ حَيُّ ياَ قَيُّومُ (^٦) فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَىَ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٧).\n_________\nالاسم الأعظم\n(^١) ظاهره أن أسماء الله متفاوتة وأن بعضها أعظم من بعض بمعنى أن ثواب الدعاء بها أكثر وأن الدعاء بها أقرب للإجابة وإن كانت الأسماء الحسنى كلها عظيمة لدلالتها على الذات العلية.\n\n(تنبيه): مرويات أبي داود في هذا الكتاب في موضعين: الأول في قيام الليل من كتاب الصلاة، والثاني بعد آداب النوم في كتاب الأدب.\n(^٢) إذا توفرت الشروط من طهارة الظاهر والباطن وأكل الحلال وحسن النية والتوكل على الله تعالى.\n(^٣) بسند حسن.\n(^٤) سبق الكلام على هذا مبسوطًا في تفسير سورة البقرة.\n(^٥) بسند صحيح.\n(^٦) المنان: كثير المنة والعطاء، وبديع السموات والأرض: موجدهما على غير مثال سابق.\n(^٧) بسند غريب ولكنه في فضائل الأعمال.\n(فائدة): لفظ هو مذكور في حديث أسماء مرتين وسبق في حديث الأسماء أيضا مرتين ولهذا عده =","vol":"5","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1106>الباب الثاني: في فضل التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (^١).\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ (^٢) وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ (^٣) وَجَعَلَ الظُّلُمَتِ وَالنُّورَ (^٤) ﴿ثْمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (^٥)، صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كلِمَتاَنِ خَفِيفَتاَنِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتاَنِ فِي المِيزَانِ (^٦) حَبِيبَتاَنِ إِلَى الرَّحْمن: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيم (^٧)» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِياَضِ الْجَنَّةِ فاَرْتَعُوا»،\n_________\n= بعضهم من الأسماء الحسنى بل قال بعضهم إنه الاسم الأعظم ولا يقال إذا عد من الأسماء زادت على التسعة والتسعين لأنا نقول إنه لا ضرر في هذا فلم يقصد من الحديث الحصر كما سبق لأنه ورد في غير الرواية السابقة أسماء كالمنان وبديع السموات والأرض في الحديث الأخير هنا، بل وفي رواية للحاكم وأبي نعيم زيادة الحنان والمنان والفرد والكافي والنصير والجميل والصادق والمحيط والوتر والفاطر والسلام والمليك والمدبر وذو الطول وذو المعارج والخلاق وذو الفضل العظيم، وفي رواية لابن ماجه: زيادة أسماء وهي الأبد والسامع والمبين والبرهان، فهذه كلها تفيد أن أسماء الله كثيرة ولكن أصح ما ورد فيها رواية الكتاب وهي التي اشتهرت في الأمة، نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى آمين.\n\nالباب الثاني في فضل التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل\n(^١) \" سبح لله\" نزهه أي ذكره وعبده بعبارات التنزيه كل \"ما في السموات والأرض\" بل وهما وهو العزيز الحكيم\" في صنعه وفعله.\n(^٢) فما من شيء موجود إلا وهو يسبح الله تعالى وبحمده بقوله: سبحان الله وبحمده فأعظم وأظهر شعار في عبادة الخلائق لله تعالى: التسبيح والتحميد.\n(^٣) عظم الحمد لربنا تعالى حتى حمد نفسه بنفسه ولنا به تعالى قدوة حسنة فله الحمد بقدر فضله وإحسانه وله الشكر بقدر علمه وكماله.\n(^٤) خلق كل ظلمة وكل نور.\n(^٥) أي مع قيام هذا البرهان يسوون غيره به في العبادة بعبادتهم الأوثان.\n(^٦) ميزان الحسنات في الآخرة.\n(^٧) فالكلمتان إحداهما: سبحان الله وبحمده وثانيهما: سبحان الله العظيم.","vol":"5","page":98},{"text":"قُلْتُ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا رِياَضُ الْجنَّةِ؟ قَالَ: «الْمَسَاجِدُ»، قُلْتُ: وَمَا الرَّتْعُ؟ قَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ (^١)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ ﵁ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ» فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ كَيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُناَ أَلْفَ حَسَنَةٍ قَالَ: «يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ وَيُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ (^٢)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَأَنْ أَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ (^٣)»، رَوَاهُماَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَحَبْ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ»؟ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ (^٤)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلَفْظُهُ: «أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ ﷿ مَا اصْطَفَى اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ رَبِّي وَبِحَمْدِهِ (^٥)».\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّة (^٦)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ\n_________\n(^١) سبق هذا في فضائل المساجد من كتاب الصلاة.\n(^٢) فلكل تسبيحة عشر حسنات فمائة في عشر بألف حسنة، وحط الخطيئات من فضل الله تعالى.\n(^٣) أي أحب إليّ من الدنيا وما فيها لأنها فانية وثواب تلك الكلمات باق وهي الباقيات الصالحات في قوله تعالى ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾.\n(^٤) أنزه الله وأنا متلبس بحمده وشكره.\n(^٥) فالله تعالى ما اختار لملائكته التسبيح بهذه الكلمة إلا لأنها عظيمة لأنهم عباده المقربون، وجنده الكاملون.\n(^٦) أي شجرة عظيمة جدًّا على شكل النخلة فإن ما في الدنيا من مطعوم ومشروب وملبوس ومنكوح ومركوب أسماء فقط لا تداني مسمياتها ما في الجنة فإنه اللذيذ الكامل والشهى الحقيقي، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.","vol":"5","page":99},{"text":"أَقرِئْ أُمَّتكَ مِنِّي السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرَبِة (^١) عَذْبَةُ الْماَءِ وَأَنَّهاَ قِيعَانٌ (^٢) وَأَنَّ غِرَاسَهَا: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكَبَرُ (^٣)».\n\n• عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ لِأَصْحَابِهِ: «قُولوا سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ مَنْ قَالهاَ مَرَّةً كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا وَمَنْ قَالَهاَ عَشْرًا كُتِبَتْ لَهُ مِائَةً وَمَنْ قَالَهاَ مِائَةَ كُتِبَتْ لَهُ أَلْفًا وَمَنْ زَادَ زَادَهُ اللَّهُ وَمَنِ اسْتَغْفَرَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ (^٤)» رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1107>عد التسبيح وأصل السبحة </span>(^٦)\n\n• عَنْ يُسَيْرَةَ (^٧) ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُنَّ (^٨) أَنْ يُرَاعِينَ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّقْدِيسِ وَالتَّهْلِيلِ (^٩) وَأَنْ يَعْقِدْنَ بِالْأَناَمِلِ (^١٠) فإِنَّهُنَّ مَسْؤولَاتٌ مُسْتنْطَقَاتٌ (^١١).\n_________\n(^١) كما ورد: ترابها الزعفران وحصباؤها المرجان.\n(^٢) جمع قاع وهو المستوى من الأرض السهل.\n(^٣) فأثمان أشجارها تلك الكلمات وغيرها من أنواع الأذكار والصالحات وإن كانت الجنة فيها أنواع الأشجار والثمرات من قبل.\n(^٤) فمن تاب إلى الله قبله الله تعالى.\n(^٥) الأول بسند صحيح والأخيران بسندن حسنين، وقال رسول الله - ﷺ -: \"ما من صباح يصبح العباد فيه إلا ومناد ينادي سبحان الملك القدوس\" رواه الترمذي، نسأل الله صحة الرواية آمين.\n\nعد التسبيح وأصل السبحة\n(^٦) فعد كلمات التسبيح ونحوه مطلوب لمعرفة ما يقوله والسبحة أسهل في العد من غيرها.\n(^٧) يسيرة بالتصغير بنت ياسر صحابية من الأنصار أو المهاجرات.\n(^٨) أي النسوة.\n(^٩) التقديس: قول سبحان الملك القدوس أو سبوح قدوس رب الملائكة والروح، والتهليل: من قولهم هليل الرجل وعلل إذا قال: لا إله إلا الله، وهذا على عادة العرب إذا تكررت الكلمة على ألسنهم اختصروها كقولهم حوقل إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وحيعل إذا قال: حي على الصلاة، وبسمل إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم.\n(^١٠) يعددن عليها كلمات التسبيح ونحوه.\n(^١١) فإنهن أي الأنامل سيسألن يوم القيامة في أي شيء استعملن وسينطقن بكل شيء فاستعمالهن في عد ألفاظ العبادة أشرف وأفضل.","vol":"5","page":100},{"text":"وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْقِدُ التَّسْبِيحَ بِيَمِينِهِ (^١) رَوَاهُمَا أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢).\n\n• عَنْ جُوَيْرِيَةَ (^٣) ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا (^٤) ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فاَرقْتكِ عَلَيْها»؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِماَ قُلْتِ مُنْذ الْيَوْمِ، لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضاَ نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمدَادَ كَلِمَاتِهِ (^٥)»، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\nوَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ (^٦) وَبَيْنَ يَدَيْهاَ نَوًى أَوْ حَصًى تسَبِّحُ بِهِ فَقَالَ: «أُخْبِرْكِ بِماَ هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هذَا أَوَ أَفْضَلُ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الْأَرْضِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ بَيْنَ ذلِكَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ (^٧) وَاللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلُ ذلِكَ (^٨) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلُ ذلِكَ وَلَا إِله إِلا اللَّهُ مِثْلُ ذلِكَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ مِثْلُ ذلِكَ (^٩)»، رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ.\n_________\n(^١) أي بعد كلمات التسبيح ونحوها على أصابع يده اليمنى أو على أنامل الأصابع.\n(^٢) الأول بسند صالح والثاني بسند حسن.\n(^٣) جويرية هذه كان اسمها برة فغيره النبي - ﷺ - بجويرية تصغير جارية بنت الحارث زوجة النبي.\n(^٤) مصلاها الذي صلت فيه الصبح.\n(^٥) عدد خلقه أي مخلوقاته، ورضا نفسه أي أسبحه كثيرا حتى يرضي ربنا تعالى، وزنة عرشه أي كثيرا بحيث لو جسم لوزن العرش، ومداد كلماته أي كثيرًا حتى يوازي مداد كلمات الله تعالى ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ وهذه هي الكلمات الأربع، ولا شك أن الواحدة منهن أكثر عددا من سبحان الله فقط، فتكون الحسنات عليها بقدر عددها.\n(^٦) امرأة من محارمه أو زوجاته الطاهرات ﵅، وأمامها نوي تمر أو حصي تسبح به أي تعد عليه التسبيح.\n(^٧) أي ما سيخلقه في المستقبل إلى نهاية الدنيا.\n(^٨) والله أكبر بمثل هذا وهو عدد مخلوقات السماء والأرض وما بينهما وما سيخلقه الله تعالى، وكذا يقال في الباقي بعده.\n(^٩) فهذه الأحاديث تفيد أن العبادة بألفاظ ذات أعداد كثيرة أفضل، وأن عد التسبيح ونحوه مستحب=","vol":"5","page":101},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1108>لا حول ولا قوة إلا بالله من كنوز الجنة </span>(^١)\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ قَالَ: أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ فِي عَقَبَةٍ أَوْ قَال فِي ثَنِيَّةٍ (^٢) فَلَمَّا علَا عَلَيْهاَ رَجُلٌ نَادَى فَرَفَعَ صَوْتَهُ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبِرُ قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ قَالَ: «فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا (^٣)» ثُمَّ قَالَ: «ياَ أَبَا مُوسى أَوْ ياَ عَبْدَ اللَّهِ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ (^٤)»؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ (^٥)»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَلِلتِّرْمِذِيِّ (^٦): «مَا عَلَى الْأَرْضِ أَحَدٌ يَقُولُ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ إِلا كُفِّرَتْ عَنْهُ خَطاَياَهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ».\n\n• عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ﵄ أَنَّ أَبَاهُ دَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَخْدِمُهُ قَالَ: فَمَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ صَلَّيْتُ فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ (^٧) وَقَالَ: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى باَبٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ» قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ (^٨)».\n_________\n= لمعرفة العدد المطلوب كما سبق في الذكر عقب الصلاة من كتاب الصلاة وكما يأتي في الذكر والتسبيح عقب الصلاة، ومن هذا اتخذوا السبحة فإن النبي - ﷺ - أقر العد على النوى فالسبحة أولى فهي جائزة بل مستحبة لأنها أسهل وأضبط للعد من غيرها والله أعلم.\n\nلا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة\n(^١) فثواب الدعاء بها عظيم كبير نفيس في الجنة، كالشيء النفيس الذي يكز تحت الأرض حرصًا عليه لعزته.\n(^٢) العقبة والثنية: الطريق في الجبل.\n(^٣) فكانوا في سفر مع النبي - ﷺ - وكلما مروا على عقبة رفع رجل منهم صوته بقوله: لا إله إلا الله والله أكبر، فقال رسول الله - ﷺ -: إن ربكم الذي تعبدونه ليس بأصم ولا غائبا بل هو حاضر معك وسامع لأقوالكم فاخفضوا صوتكم بعبادته.\n(^٤) كلمة عظيمة جدا كأنها من كنز الجنة.\n(^٥) لا حول أي لا تحول عن المعصية ولا قوة على الطاعة إلا بعون الله تعالى، فضمونها التسليم والاعتراف لله بأنه وحده الفاعل المختار.\n(^٦) بسند حسن.\n(^٧) القائل ذلك هو قيس بن سعد الذي كان يخدم النبي - ﷺ - ولعله كان مضطجعًا حين ضربه النبي - ﷺ -.\n(^٨) فهي كالباب الموصل للجنة لمن يكثر منها وهي كالكنز أيضا.","vol":"5","page":102},{"text":"وَقَالَ صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ ﵁: مَا نَهَضَ مَلَكٌ مِنَ الْأَرْضِ حَتَّى قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ (^١).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَكْثِرْ مِنْ قَوْلِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ فَإِنَّهاَ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ».\nوَقَالَ مَكْحُولٌ ﵁: «فَمَنْ قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ وَلَا مَنْجَا مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ (^٢) كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ سَبْعِينَ باَبًا مِنَ الضُّرِّ أَدْناَهُنَّ الْفَقْرُ (^٣)»، رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1109>الذكر والتسبيح عقب الصلاة </span>(^٥)\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ فِي دُبُرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَهُوَ ثاَنِي رِجْلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَكلَّمَ (^٦) لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ (^٧) وَمُحِيَتْ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ وَكَانَ يَوْمَهُ ذلِكَ فِي حِرْزٍ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَحُرِسَ مِنَ الشَّيْطَانِ (^٨) وَلَمْ يَنْبَغِ لِذَنْبٍ أَنْ يُدْرِكَهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ إِلا الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعَالَى (^٩)».\n\n• عَنْ عُمَارَةَ بْنِ شُبَيْبٍ السَّبَإِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ\n_________\n(^١) فلم يصعد ملك من الأرض إلى السماء إلا بذكرها تبركاوعونا بها، وهذا وقول مكحول الآتي لا يكونان بالرأي فهما في حكم المرفوع والله أعلم.\n(^٢) لا منجا أي لا ملجأ يحفظ من عذاب الله إلا الله.\n(^٣) والمدار في هذا ومثله على حسن النية والتوكل على الله تعالى فهو الفاعل المختار وهذه أسباب ظاهرية فقط، سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا.\n(^٤) والأول بسند صحيح والله أعلم.\n\nالذكر والتسبيح عقب الصلاة\n(^٥) هذا قليل من كثير سبق في الفصل الثالث في الذكر والدعاء عقب الصلاة من كتاب الصلاة.\n(^٦) أي بكلام دنيوي فلا ينافي ما سبق في الصلاة في ذلك الفصل من تعقيب السلام بقوله: اللهم أنت السلام ومنك السلام، فإنه أنسب بالسلام.\n(^٧) عظيمة الكيف والقدر وكذا السيئات للحديث التالي: عشر حسنات موجبات أي للجنة.\n(^٨) بإرادة الله تعالى.\n(^٩) فكل ذنب يقع مغفورا له إذا شاء الله تعالى إلا إذا كفر نعوذ بالله من هذا.","vol":"5","page":103},{"text":"لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ عَلَى أَثَرِ الْمَغْرِبِ (^١) بَعَثَ اللَّهُ مَسْلَحَةً يَحْفَظونَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُصْبِحَ (^٢) وَكَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهاَ عَشْرَ حَسَنَاتٍ مُوجِبَاتٍ (^٣) وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ مُوبِقاَتٍ (^٤) وَكَانَتْ لَهُ بِعَدْلِ عَشْرِ رِقاَبٍ مُؤْمِنَاتٍ (^٥)»، رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَصْلَتَانِ أَوْ خَلَّتاَنِ لَا يُحاَفِظُ عَلَيْهِماَ عَبْدٌ مُسْلِمٌ إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ هُمَا يَسِيرٌ وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِماَ قَلِيلٌ، يُسَبِّحُ فِي دُبُرِ كلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا وَيَحْمَدُ اللَّهَ عَشْرًا وَيُكَبِّرُ عَشْرًا (^٧) فَذلِكَ خَمْسُونَ وَمِائَةٌ بِاللِّسَانِ (^٨) وَأَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فِي الْمِيزَانِ (^٩) وَيُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ إِذَا أَخَذَ مَضْجعهُ وَيَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ فَذلِكَ مِائَةٌ بِاللِّسَانِ وَأَلْفٌ فِي الْمِيزَانِ» فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْقِدُهَا بِيَدِهِ (^١٠)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ هُمَا يَسِيرٌ وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِماَ قَلِيلٌ؟ قَالَ: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فِي مَنَامِهِ فَيُنَوِّمُهُ قَبْلَ أَنْ يَقُولَهُ (^١١) وَيَأْتيهِ فِي صَلَاتِهِ فَيُذَكِّرُهُ حَاجَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَقُولَهاَ (^١٢)»، رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^١٣).\n_________\n(^١) عقب صلاته وإن قدم عليه كلمات السلام السابقة والاستغفار، والمراد قبل كلام دنيوي.\n(^٢) المسلحة كمرحمة أصلها القوم المسلحون لحفظ الثغور، والمراد هنا جمع من الملائكة يحفظونه إلى الصباح.\n(^٣) أي للجنة.\n(^٤) أي مهلكات.\n(^٥) وكان ثوابها كثواب عتق عشر رقاب مؤمنات.\n(^٦) الأول بسند صحيح والثاني بسند حسن ومن هذا اتخذها الصوفية ﵃ في ختم الصلاة الكبير صباحا ومساء.\n(^٧) وهذا لا ينافي تكرير كل منها ثلاثا وثلاثين السابق في حديث: ذهب أهل الدثور بالأجور في الذكر عقب الصلاة.\n(^٨) مجموع قوله عقب الفرائض الخمس.\n(^٩) بالتضعيف الذي هو جعل الحسنة عشرا والقول عقب الصلاة هو الخصلة الأولى وما يقوله عند النوم هو الخصلة الثانية.\n(^١٠) بعدها على يده.\n(^١١) أي الذكر المذكور في الخلة الأولى.\n(^١٢) وفي نسخة: حاجة، وقوله يقولها أي الكلمات المذكورة في الخلة الثانية.\n(^١٣) بسند صحيح.","vol":"5","page":104},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1110>التسبيح والذكر في الصباح والمساء </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ (^٢) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِكَلِماَتٍ أَقُولهُنَّ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ قَالَ: «قلِ الَّلهُمَّ فاَطِرِ السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهاَدَةِ رَبَّ كلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ (^٣) أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا أَنْتَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطاَنِ وَشِرْكِهِ (^٤)» قَالَ: «قلْهاَ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ: «الَّلهُمَّ بِكَ أَصْبَحْناَ وَبِكَ أَمْسَيْناَ وَبِكَ نَحْياَ وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ النُّشُورُ (^٥) وَإِذَا أَمْسَى قَالَ: «الَّلهُمَّ بِكَ أَمْسَيْناَ وَبِكَ نَحْياَ وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ النُّشُورُ».\n\n• عَنْ ثَوْباَنَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى: رضيناَ بِاللَّهِ رَبًّا (^٦) وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، إِلا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرضيهُ (^٧)».\n_________\nالتسبيح والذكر في الصباح والمساء\n(^١) فهذه الكلمات الآتية يستحب قولها صباحا ومساء في أي وقت ولكن الأفضل أن تكون عقب الصبح وعقب المغرب فإن العبادة والدعاء عقب الفرائض أقرب إلى القبول وأرجى في الإجابة.\n(^٢) فالتنزيه والتقديس واجبان لله على عباده في الصباح والمساء والظهر والعشاء فإن هذه أحوال وأغيار كونية تحمل نعما جديدة على عباده، وأفضل ما يتقرب به العباد إلى ربهم: الفرائض الخمس في أوقاتها.\n(^٣) يا رب كل شيء ويا مالكه.\n(^٤) زاد الترمذي وأن أقترف على نفس سوءا أو أجرّه إلى مسلم.\n(^٥) القيام من القبور للسؤال والجزاء.\n(^٦) هذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي: رضيت والأول أفضل إذا أراد عموم المسلمين.\n(^٧) فضلا منه وكرما، فلا رضى بالله وبحكمه ﵁ وأعطاه حتى رضى، رضينا بالله وبحكمه، عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.","vol":"5","page":105},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: الَّلهُمَّ إِنِّي أَصْبَحْتُ أُشْهِدُكَ وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلَائِكَتَكَ وَجَمِيعَ خَلْقِكَ بِأَنَّكَ (^١) أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلهَ إِلا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ إِلا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا أَصَابَ فِي يَوْمِهِ ذلِكَ مِنْ ذَنْبٍ (^٢) وَإِنْ قاَلَهاَ حِينَ يُمْسِي غُفِرَ لَهُ مَا أَصَابَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ (^٣)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا فِي لَيْلةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ لَناَ فَأَدْرَكْنَاهُ (^٤) فَقَالَ: «قُلْ فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا»، ثُمَّ قَالَ: «قلْ فَلَمْ أَقلْ شَيْئًا»، ثُمَّ قَالَ: «قُلْ»، فَقُلْتُ: مَا أَقُولُ ياَ رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «قلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (^٥)».\n\n• عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْماَنَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِيَ (^٦)» قَالَ: فَأَصَابَ أَبَان الْفاَلِجُ (^٧) فَجَعَلَ الرَّجُلُ الَّذِي سَمِعَ عَنْهُ الْحَدِيثَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ تَنْظُرُ إِلَيَّ فَوَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ عَلَى عُثْماَنَ\n_________\n(^١) وفي نسخة بأنك أنت الله.\n(^٢) أيا كان الذنب، وهذا ترغيب في تلك الشهادة وإلا فهذا ونحوه لا يصل إلى الكبائر ولا حقوق العباد.\n(^٣) وفي رواية أخرى لأبي داود من قال تلك الشهادة مرة أعتق الله ربعه من النار، ومن قالها مرتين أعتق الله نصفه، ومن قالها ثلاثًا أعتق الله ثلاثة أرباعه، ومن قالها أربعا أعتقه الله من النار أي إن اجتنب الكبائر وظُلم العباد كما سبق.\n(^٤) كانوا في سفر.\n(^٥) فإنها تكفيك من كل شيء وسبق في فضائل القرآن ما ورد في فضل هذه السور.\n(^٦) لفظ الترمذي: ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات لم يضره شيء.\n(^٧) الفالج بفتح لامه: استرخاء لأحد شقي البدن بسبب انصباب خلط بلغمي يفسد نظام البدن، نسأل الله السلامة آمين.","vol":"5","page":106},{"text":"وَلا كَذَبَ عُثْماَنُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلكِنِ الْيَوْمُ الَّذِي أَصَابَنِي فِيهِ مَا أَصَابَنِي غَضِبْتُ فَنَسِيتُ أَنْ أَقُولَهاَ (^١) رَوَى هذِهِ السنَّه أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٢).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمْسى قاَلَ: «أَمْسَيْناَ وَأَمْسى الْمُلكُ لِلَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَسُوءِ الْكِبَرِ (^٣) رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ» وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذلِكَ أَيْضًا «أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلكُ لِلَّهِ»، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\nوَلِمُسْلِمٍ: كَانَ يَقُولُ «لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ أَعَزَّ جُنْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَغَلَبَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ (^٤)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَنَّامِ الْبَيَاضِي (^٥) ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ (^٦) فَمِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لكَ فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذلِكَ حِينَ يُمْسِي فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ».\nقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَعُ هؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ: «الَّلهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْياَ وَالْاخِرَةِ الَّلهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعاَفِيَةِ فِي دِينِي وَدُنْياَيَ وَأَهْلِي وَمَالِي لَّلهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي (^٧) الَّلهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فِوْقِي وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي (^٨)».\n_________\n(^١) هذه وأمثالها من الطب الروحاني الذي لا يعلم سره إلا الله تعالى ومن ارتضاهم من عباده.\n(^٢) بأسانيد صحيحة إلا الثالث فبسند حسن ولا الرابع فبسند غريب للترمذي وبسند صالح لأبي داود.\n(^٣) هو أرذل العمر الذي يرجع الشخص إلى حال الطفولية فيحتاج إلى من يتولاه في كل شيء.\n(^٤) عبده محمد - ﷺ -، وجنده أصحابه وأولياؤه، والأحزاب: الكفار الذين تحزبوا على النبي - ﷺ - والمسلمين.\n(^٥) نسبة لبني بياضة بطن من الأنصار.\n(^٦) وسمعت من بعض أهل العلم زيادة: أو بأحد من خلقك.\n(^٧) جمع روعة وهي الفزعة.\n(^٨) وهو الخسف، والمراد الحفظ الكامل الشامل لكل جهة.","vol":"5","page":107},{"text":"• عَنْ مُسْلِمِ بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيِّ ﵁ قَالَ: أَسَرَّ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِذَا انْصَرَفْتَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ (^١) فَقُلِ الَّلهُمْ أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذلِكَ ثُمَّ مُتَّ فِي لَيْلَتِكَ كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْهاَ (^٢) وإِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ فَقُلْ كَذَلِكَ فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ فِي يَوْمِكَ كتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْهاَ (^٣)».\nوَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءُ ﵁: «مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ كَفاَهُ اللَّهُ مَا أَهَمَّهُ صَادِقًا كَانَ بِهاَ أَوْ كَاذِبًا (^٤)».\nوَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُ بَعْضَ بَناَتِهِ فَيَقُولُ: «قُولِي حِينَ تصْبِحِينَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ لَا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ مَا شاَءَ اللَّهُ كَان وَمَا لَمْ يَشَأ لَمْ يَكنْ، أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، فَإِنَّهُ مَنْ قَالَهُنَّ حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ حَتَّى يُمْسِيَ وَمَنْ قَالَهُنَّ حِينَ يُمْسيَ حفِظَ حتَّى يُصْبِحَ (^٥)».\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ إِلَى وَكَذَلِكَ تخْرَجُونَ (^٦) أَدْرَكَ مَا فاَتَهُ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ وَمَنْ قاَلَهُنَّ حِينَ يُمْسِي أَدْرَكَ مَا فاَتهُ فِي لَيْلتِهِ (^٧)».\n_________\n(^١) وفي رواية: قبل أن تكلم أحدا.\n(^٢) الجوار بالكسر من الإجارة والحفظ من النار، بخلاف أؤجرني في مصيبتي فهو من الأجر، وبخلافه من الجوار بالفم الذي هو في المجاورة، وفي نسخة بدل الجوار هنا جواز وهو البراءة التي يحملها الشخص في طريقه فلا يمنعه من المرور أحد.\n(^٣) إن عملت على ذلك.\n(^٤) صادقا أي متيقنًا بها ومخلصًا في قولها، أو كاذبًا في قولها بلسانه مع غيبة قلبه كفاه الله ما أهمه وفاء بوعده، ومثل هذا لا يقال بالرأى بل بتوقيف من الشارع.\n(^٥) والمدار على قوة اليقين وحسن التوكل على الله تعالى.\n(^٦) ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾ فالكل ثلاث آيات من سورة الروم.\n(^٧) لأنه سبح الله وحمده بآيات قرآنية تستغرق الأزمنة كلها والأمكنة جميعها، والمدار على الإخلاص والفضل بيد الله تعالى، ومن هذا اتضح أن ختم الصلاة الكبير الذي رتبه السادة الصوفية واعتادوا التعبد به مأخوذ من القرآن الكريم كالفاتحة وآية الكرسي =","vol":"5","page":108},{"text":"• عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بُنِ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِيهِ: ياَ أَبَتِ إِنِّي أَسْمَعُكَ تَدْعُو كُلَّ غَدَاةٍ «الَّلهُمَّ عَافِنِي في بَدَنِي الَّلهُمَّ عَافِني فِي سَمْعِي الَّلهُمَّ عَافِنِي فِي بَصَرِي لَا إِلهَ إِلا أَنْتَ» تُعِيدُهَا ثَلَاثًا حِينَ تُصْبِحُ وَثَلَاثًا حِينَ تُمْسِي فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو بِهِنَّ فَأَناَ أُحِبُّ أَنْ أَسْتَنَّ بِسْنَّتِهِ (^١) رَوَى هذِهِ السَّبْعَةَ أَبُو دَاوُدَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1111>الباب الثالث: في الدعاء (^٣) فضل الدعاء </span>(^٤)\n• عَنِ النُّعْماَنِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ ثمَّ قَرَأَ»: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (^٥) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكَرَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ (^٧)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْحاكِمُ (^٨).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ» (^٩).\n_________\n= وخواتيم البقرة والتوبة وآية ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ وسورة الإخلاص والمعوذتين ومن السنة الصحيحة التي تقدمت هنا وفي الذكر عقب الصلاة الذي تقدم في كتاب الصلاة، والتوفيق بيد الله تعالى يمنحه لمن يشاء من عباده.\n(^١) أي اعمل بسنته.\n(^٢) بأسانيد صالحة، نسأل الله صلاح الحال في الحال والمآل آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nالباب الثالث في الدعاء\n(^٣) في بيانه وفضله ومزاياه وآدابه، أما معناه: فهو العبادة وهو الكثير في القرآن كما في الحديث الأول، ويطلق الدعاء على الطلب كما في بقية الأحاديث الآتية وهو المراد هنا.\n(^٤) الدعاء هو: الالتجاء إلى الله تعالى في دفع المكروه وطلب المحبوب وهو أفضل أنواع العبادة لأنه مخها وخالصها ويلطف القضاء ويرد البلاء، والإكثار منه موجب للإجابة ومحبة الله تعالى.\n(^٥) فالدعاء في الآية مفسر بالعبادة وسبق هذا في سورة غافر.\n(^٦) بسند صحيح.\n(^٧) لإشعاره بالعجز والافتقار إليه تعالى والاعتراف له تعالى بأنه وحده الفاعل المختار جل شأنه وعلا.\n(^٨) بسند صحيح.\n(^٩) المخ يطلق على الرأس، =","vol":"5","page":109},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّه يَغْضَبْ عَلَيْهِ (^١)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدائِدِ وَالْكُرَبِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ (^٢)».\n\n• عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا عَلَى الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلا آتاَهُ اللَّهُ إِيَّاهَا أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهاَ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ» (^٣) فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ: «اللَّهُ أَكْثَرُ» (^٤).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ فُتِحَ لَهُ مِنْكُمْ باَبُ الدُّعَاءِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ وَمَا سُئِلَ اللَّهُ شَيْئًا يُعْطَى أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ الْعافِيَةَ (^٥)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ للَّهِ بِالدُّعَاءِ (^٦)».\n_________\n= وعلى الودك والدسم الذي في رأس الذبيحة وعظامها وهو أصفاها وأعظمها في التغذية، وعلى الخالص من كل شيء، وإنما كان الدعاء مخ العبادة لأن كل عابد لله ربما غاب قلبه إلا الداعي فإنه حاضر مع الله بقوله وظاهره وباطنه فهو في هذه الحال عبد الله بكل جوارحه وهذه أسعد أحوال الإنسان وأشرفها.\n(^١) لأنه نسيه تعالى وانصرف لغيره، قال القائل:\nلا تسألن بُنَيَّ آدم حاجة … وسل الذي أبوابه لا تحجب\nالله يغضب إن تركت سؤاله … وبُنَيَّ آدم حين يسأل يغضب\n(^٢) وهذا كحديث الإمام أحمد: تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة.\n(^٣) فالله تعالى بفضله يجيب الداعي بعين مطلوبه إن كان في مصلحته وإلا صرف عنه مثله بدفع مضرات أو تكفير سيئات وإلا ادخره له في الآخرة ما لم يدع بإثم كأن يدعو على شخص ظلمًا وعدوانًا، أو بقطيعة رحم كأن يدعو على أصل أو فرع أو قريب فلا إجابة في واحدة منهما لأنه خاطئ في دعائه.\n(^٤) وأعظم من كل شيء وأكثر إجابة من دعائكم.\n(^٥) من الإثم بمحوه والعفو عنه، والعافية للجسم، وكانت أحب إلى الله لأنها لخير الدنيا والآخرة.\n(^٦) فبكثرة الدعاء والتفويض إلى الله تعالى بالاسترجاع والحوقلة ونحوهما يخف ما نزل من البلاء ويرضى به فيرضى الله عنه، ونفعه مما لم ينزل تخفيفه وتلطيفه كما في معنى حديث: ينزل البلاء فتلقاه الصدقة فيتعالجان (أي يريد البلاء أن ينزل فتمنعه الصدقة) حتى ينزل البلاء قطعًا صغيرة.","vol":"5","page":110},{"text":"• عَنْ سَلْماَنَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلا الدُّعَاءُ وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلا الْبِرُّ (^١)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ (^٢) وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ (^٣)»، رَوَى هذِهِ الثَّماَنِيَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1112>آداب الدعاء </span>(^٥)\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى هذَا الْمُصَلَّى يَسْتسْقِي فَدَعَا وَاسْتَسْقَى وَاسْتَقْبَلَ الْقبْلَةَ (^٦).\nوَقَالَ أَبُو مُوسى ﵁: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ (^٧)، رَوَاهُماَ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ سَلْماَنَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ رَبَّكُمْ حَيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُماَ صِفْرًا (^٨)».\n_________\n(^١) فالبر والإحسان إلى قريب ونحوه يزيد في العمر حقيقة أو يحمل فيه البركة كما سبق في أنواع البر من كتاب الأخلاق، والدعاء برد القضاء كما سبق قبله.\n(^٢) لأنه واسع الرحمة والفضل فمن شأنه الإحسان والتفضل.\n(^٣) من الله تعالى بتعجيل طلبه فهو حاضر مع الله كل لحظة لأخذ مطلوبه، ونفحات الله لا تنقطع دائما وأبدا بل ورد: أن له تعالى في كل نفس ستمائة ألف فرَج قريب، اللهم أدركنا بفرج عظيم قريب يعمنا والمسلمين آمين والحمد لله رب العالمين.\n(^٤) الأول والثالث بسندين غريبين والسابع في القدر بسند حسن والله أعلم.\n\nآداب الدعاء\n(^٥) هي استقبال القبلة لأنها أشرف الجهات وجهة العبادة، ورفع يديه ومسح الوجه بهما بعد الدعاء، والبدء بحمد الله تعالى وتسبيحه والثناء عليه كذكر الباقيات الصالحات، والصلاة على النبي - ﷺ - في أوله وآخره والعزم في الطلب، والإلحاح في الدعاء دائمًا، والإيقان بالإجابة إذا توفرت شروط الدعاء التي أعظمها أكل الحلال والبعد عن المحرمات وفعل الواجبات وغيرها مما يأتي.\n(^٦) خرج بالناس إلى المصلى يصلون صلاة الاستسقاء ويطلبون من الله السقيا ونزول المطر، وسبق في كتاب الصلاة صلاة الاستسقاء.\n(^٧) وقال أنس: حتى رأيت بياض إبطيه أي بياض جلد الإبطين لسعة كمه، أو الضوء الذي بين عضديه وجنبيه، وعلى كل فصريحهما رفع اليدين في الدعاء.\n(^٨) يستحي من عبده أي يعامله معاملة المستحي، فلا يرد يديه صفرًا أي خائبتين بل يجيبه إن كان في مصلحته.","vol":"5","page":111},{"text":"• عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يَرُدَّهُماَ حَتَّى يَمْسَحَ بهِماَ وَجْهَهُ (^١).\n\n• عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: مَرَّ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَناَ أَدْعُو بِإِصْبَعَيَّ فَقَالَ: «أَحِّدْ أَحِّدْ وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ (^٢)»، رَوَى هذِهِ الثَّلاثَةَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَسْترُوا الْجُدُرَ (^٤) مَنْ يَنْظُرُ فِي كِتَابِ أَخِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَإِنَّماَ يَنْظُرُ فِي النَّارِ (^٥) سَلُوا اللَّهَ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا فَإِذَا فَرَغْتمْ فَامْسَحُوا بِهاَ وُجُوهَكُمْ (^٦)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧).\n\n• عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَجِلَ هذَا ثْمَّ دَعَاهُ» فَقَالَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ثُمَّ لْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ ليَدْعُ بَعْدُ بِماَ شَاءَ (^٨)»، رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٩).\nوَدَخَلَ رَجْلٌ فَصَلَّى فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَجِلْتَ أَيُّهاَ الْمُصَلِّي (^١٠) إِذَا صَلَّيْتَ فَقَعَدْتَ فَاحْمَدِ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَصَلِّ عَلَيَّ ثُمَّ ادْعُهْ» قَالَ: ثُمَّ صَلَّى رَجُلٌ آخَرُ بَعْدَ ذلِكَ\n_________\n(^١) تبركا بما حل فيهما من رحمة الله تعالى.\n(^٢) وأنا أدعو وأشير بإصبعى السبابة والوسطى؛ فقال: أحد أحد، وأشار بالسبابة أي أشر بها لتكون موحدًا بقولك وفعلك، ولهذا قال بعضهم: تستحب الإشارة بالسبابة في الاستغفار فقط؛ ولكن الذي انحط كلامهم عليه هو بسط الكفين في الدعاء مطلقًا للحديث الآتي.\n(^٣) الثاني بسند ضعيف والآخران بسندين حسنين.\n(^٤) لأنه إسراف ومن عادة المتكبرين فهو حرام إلا لحاجة كدفع برد وحر شديدين فلا، نحو الستائر التي توضع على النوافذ كالأبواب والشبابيك.\n(^٥) المراد بالكتاب: الجواب الذي كتبه لغيره والذي جاءه من غيره لأنه غالبا من الأسرار التي تضن بها النفوس، وحمله على العموم أولى.\n(^٦) سلوا الله ببطون أكفكم كمن يأخذ شيئا، وهذا في طلب المحبوب بخلاف طلب صرف المكروه فإنه يجعل ظهر كفيه إلى السماء تفاؤلا في المأول بحصول المأمول وفي الثاني بدفع المحذور.\n(^٧) بسند ضعيف.\n(^٨) الحمد بأي صيغة ولكن ما جاء في القرآن أفضل كأول الفاتحة والأنعام، والثناء بأي عبارة وأحسنها: الباقيات الصالحات، والصلاة على النبي - ﷺ - بأي صيغة وأحسنها الوارد الآتي.\n(^٩) بسند صحيح.\n(^١٠) بترك آداب الدعاء: وهي الحمد والصلاة على النبي - ﷺ -.","vol":"5","page":112},{"text":"فحَمِد اللَّهِ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَيُهاَ الْمُصَلِّي ادْعُ تُجَبْ (^١)».\nوَقاَلَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: كُنْتُ أُصَلِّي وَالنَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مَعَهُ فَلَمَّا جَلَسْتُ بَدَأْتُ بِالثَّناَءِ عَلَى اللَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثَمَّ دَعَوْتُ لِنَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «سَلْ تُعْطَهُ سَلْ تُعْطَهُ» (^٢)، رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ الَّلهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ الَّلهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ (^٤)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي (^٥)»، رَوَاهُماَ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ (^٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ (^٧)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ (^٨).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَدْعُوا عَلَى\n_________\n(^١) لأنه بدأ بحمد الله والصلاة على النبي - ﷺ -.\n(^٢) ففي هذه الأحاديث أن الحمد والثناء على الله تعالى والصلاة على النبي - ﷺ - في أول الدعاء من آكد الآداب للدعاء: بل هي الركن العظيم في الإجابة، قال يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.\n(^٣) الأول بسند حسن والثاني بسند صحيح.\n(^٤) فعلى المسلم أن يطلب حاجته من الله بعزم وحزم فإن الله هو الفاعل المختار القادر على كل شيء.\n(^٥) فاستبطاء الإجابة والعجلة بها خروج عن الأدب وتحكم على الله تعالى فإن الله يجيب الداعي في دعوته إذا توفرت الشروط بما يراه صالحا له وفي الوقت الذي يشاؤه فقد أجاب موسى ﵇ بقوله تعالى ﴿قد أجيبت دعوتكم فاستقيما﴾ بعد زمن طويل قيل أربعين سنة، وأجاب يوسف ﵇ في قوله ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ بعد موته بعدة قرون، وفي هذا يقول ابن عطاء الله في الحكم ﵁: لا يكن تأخير العطاء موجبا ليأسك، فهو قد ضمن لك الإجابة بما يريد وفي الوقت الذي يريد جل شأنه.\n(^٦) ادعوا الله وأنتم بحال تستحقون الإجابة فيها من القيام بطاعة الله تعالى واليقين بأنه يجيب الداعي.\n(^٧) غافل عن الله: مشغول بغيره بل يجيب عبده الحاضر معه فهو أولى من الغائب.\n(^٨) بسند غريب للترمذي وصحيح للحاكم.","vol":"5","page":113},{"text":"أَنْفُسِكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكْم وَلَا تَدْعُوا عَلَى خَدَمِكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالكُمْ لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةَ نَيْلٍ فِيهاَ عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ (^١)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطيعَةِ رَحِمٍ (^٣)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنِ ابْنِ لِسَعْدٍ (^٤) ﵄ قَالَ: سَمِعَنِي أَبِي وَأَناَ أَقُولُ الَّلهُمَّ إِنِّي أَسْأَلكَ الْجَنَّةَ وَنَعِيمَهاَ وَبَهْجَتَهاَ وَكَذَا وَكَذَا وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَسَلَاسِلِهاَ وَأَغْلَالِهاَ وَكَذَا وَكَذَا فَقَالَ: ياَ بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ (^٥) فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ إِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَ الْجَنَّة أُعْطِيتَهاَ وَمَا فِيهاَ مِنَ الْخَيْرِ وَإِنْ أُعِذْتَ مِنَ النَّارِ أُعِذْتَ مِنْهاَ وَمَا فِيها مِنَ الشَّرِّ».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَدْعُوَ ثَلَاثًا وَيَسْتَغْفِرَ ثَلَاثًا (^٦)، رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ (^٧).\n\n• عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا فَدَعَا لَهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ (^٨).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ دَعَا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ فَقَدِ انْتَصَرَ (^٩)»، رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ (^١٠).\n_________\n(^١) فلا تدعوا على شيء مما ذكر فربما تصادفون ساعة إجابة فيستجيب الله لكم. وفي رواية: فيستجاب لكم.\n(^٢) ولكن أبو داود هنا ومسلم في غزوة بواط.\n(^٣) سبق هذا في فضل الدعاء.\n(^٤) هو ابن أبي وقاص ولم يذكر اسم ولده هذا.\n(^٥) يبالغون ويتجاوزون الحد في طلب الشيء الواحد كقول ابن سعد هذا ﵄ ولا منافاة بين هذا وحديث: إن الله يحب الملحين في الدعاء؛ لأن المراد به الدأب فيه والمداومة عليه لأنه أكرم شيء على الله تعالى.\n(^٦) فكان النبي - ﷺ - يكرر الدعوة ثلاثا كقوله: ﴿اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾.\n(^٧) بسندين صالحين.\n(^٨) فينبغي لمن أراد أن يدعو لأحد أن يبدأ بنفسه ليكون أخلص وأجمع في الدعاء وأرجى الإجابة، قال تعالى ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.\n(^٩) فليس من الكمال في الدعاء أن يكون انتصارا بل الكمال هو التفويض إلى الله تعالى والعفو عن المسيء، قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.\n(^١٠) الأول بسند صحيح والثاني بسند ضعيف، ومن آداب الدعاء أيضا ختمه بالصلاة على النبي لحديث: لا تجعلوني كقدح الراكب بل =","vol":"5","page":114},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1113>الدعاء المقبول </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّناَ تَباَركَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْياَ حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْاخِرُ يَقُولُ: «مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ (^٢)»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقولُ: «أَقْرَبُ مَا يَكُون الرَّبُّ مِنَ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ (^٣) الْاخِرِ فَإِنَ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ».\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قِيلَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ (^٤) قَالَ: «جَوْفَ اللَّيْلِ الْاخِرَ وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوباَتِ (^٥)»، رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ (^٧)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n_________\n= اجعلوني في أول كل دعاء وفي آخره، وبالتأمين لطلبه عقب الدعاء في الفاتحة، والحمد لله رب العالمين لقوله تعالى ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ اللهم تقبل منا ووفقنا لما يرضيك يا رحمن يا رحيم آمين.\n\nالدعاء المقبول\n(^١) أي المرجو قبوله وإجابته أكثر، وهذا باعتبار الزمان كالأحاديث الثلاثة الأول، أو باعتبار الحال الأربعة التي بعدها، أو باعتبار الوصف كالباقي، وهذا كله اعتبار ثانوي بالنظر لشروط الدعاء التي هي طهارة الباطن والظاهر وفعل الواجبات والبعد عن المحرمات وأكل الحلال بالنسبة للزمان بألا يكون مطعمه حرامًا كالربا والسرقة وأكل مال اليتيم والغش في المعاملة الحديث: إن أردت أن تستجاب دعوتك فأطب طعمتك، وكذا هو ثانوي بالنسبة لآداب الدعاء السالفة، فالدعاء يجب أن يراعى فيه الشروط فالآداب فالزمان أو الحال أو الوصف والقبول بيد الله وحده.\n(^٢) سبق هذا في الوصف في قيام الليل من كتاب الصلاة.\n(^٣) أي في ثلثه الآخر وهو يعبد الله.\n(^٤) أي أقرب للإجابة.\n(^٥) عقب كل فريضة من الفرائض الخمس.\n(^٦) الأول بسند صحيح والثاني بسند حسن، ومن هذا ما سبق في الأذان والإقامة من كتاب الصلاة: الدعاء لا يرد بين الأذان وإقامة.\n(^٧) سبق هذا في السجود من كتاب الصلاة.","vol":"5","page":115},{"text":"• عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَدِمْتُ الشَّامَ فَأَتَيْتُ أَباَ الدَّرْدَاءِ فِي مَنْزِلِهِ فَلَمْ أَجِدْهُ (^١) وَوَجَدْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ فَقَالَتْ: أَتُرِيدُ الْحجَّ الْعَامَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: فاَدْعُ اللَّه لَناَ بخَيْرٍ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «دَعْوَةُ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ عِنْدَ رأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّماَ دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْر قَالَ الْملَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ» (^٢) قَالَ: فَخَرَجْتُ إِلَى السُّوقِ فَلَقِيتُ أَباَ الدَّرْدَاءِ فَقَالَ لِي مِثْلَ ذلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ (^٣): «إِنَّ أَسْرَعَ الدُّعَاءِ إِجَابَةً دَعْوَةُ غَائِبٍ لِغاَئِبٍ (^٤)».\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْعُمْرَةِ فَأَذِنَ لِي وَقَالَ: «لَا تَنْسَنَا ياَ أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ» فَقَالَ عُمَرُ: كَلِمَةٌ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِيَ بِهاَ الدُّنْياَ (^٥)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ لْوَالِدِ (^٦)، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ (^٧)، وَدَعْوَةُ الْمَظُلومِ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٨).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائمُ حَتَّى يُفْطِرَ (^٩)، وَالْإِمَامُ الْعاَدِلُ (^١٠)، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهاَ اللَّهُ فَوْقَ الْغَماَمِ (^١١) وَيَفْتَحُ لَهاَ أَبْوَابَ السَّمَاءِ (^١٢)\n_________\n(^١) قدمت الشام أي دمشق فأتيت أبا الدرداء وكان صفوان هذا متزوجًا بالدرداء بنته ﵃.\n(^٢) فدعوة المسلم لأخيه في النسب أو في الإسلام في غيبته مستجابة لأن عند رأس الداعي ملكا موكلا بالتأمين كلما دعا لأخيه بخير قال آمين، وأدعو لك بمثل ذلك ولا شك أن تأمين الملائكة مقبول لأنهم عباد مطهرون.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) لبعده عن الرياء والسمعة ولإخلاصه وصدق نيته.\n(^٥) سبق هذا في التوسل من كتاب الصلاة.\n(^٦) فدعوة الوالد أبًا أو أمًا لولده أو عليه وهو محق فيها أسرع في الإجابة لما للوالد من الحق العظيم، وكذا دعوة الولد لوالده لما بينهما من الرحمة والحنان فيلزمها الإخلاص غالبا.\n(^٧) من أحسن إليه أو مطلقا لأنه متعب ومجهود إن كان سفره طاعة.\n(^٨) بسند حسن.\n(^٩) لأنه متلبس بعبادة الله تعالى.\n(^١٠) لأنه سوط الله يقوم به من يشاء بكسر شوكة الظلمة والمجرمين والأخذ بيد الضعفاء والمساكين فنفعه لخلق الله عظيم وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعباده.\n(^١١) الغمام: السحاب.\n(^١٢) فتقف بين يدي الله تعالى تستغيث به على من ظلمها فيجيبها الله بما ذكر.","vol":"5","page":116},{"text":"وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ».\n\n• عَنْ سَعْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «دَعْوَةُ «ذِي النُّونِ» إِذْ دَعَا وَهُوْ فِي بَطْنِ الْحُوتِ لَا إِلهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهاَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» (^١)، رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1114>دعوة النبي ﷺ لأمته </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكلِّ نَبِيَ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهاَ فاَسْتُجِيبَتْ فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^٤)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلَفْظُهُ: «لِكُلِّ نَبِيَ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي (^٥) وَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا (^٦)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ فَإِنَّماَ أَناَ بَشَرٌ فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ شَتَمْتُهُ لَعَنْتُهُ\n_________\n(^١) ذو النون: هو يونس بن متى ﵇ المذكور في قوله تعالى ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ﴾ نضيق ﴿عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n(^٢) والأول بسند حسن، نسأل الله حسن الحال آمين.\n\nدعوة النبي - ﷺ - لأمته\n(^٣) فدعوته العظيمة مدخرة لأمته في الآخرة فلا ينافي أنه أجيب في عدة دعوات في دنياه كدعائه بالنصر في يوم بدر، قال تعالى ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ وكدعائه بالمطر وهو على المنبر إجابة لطلب الأعرابي فنزل المطر في الحال كما سبق في الاستسقاء في الصلاة وغير هذين كثير.\n(^٤) أي للعصاة منهم للحديث الآتي في الشفاعة \"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي\" وهل تنالهم قبل دخولهم النار فلا يدخلونها، أو بعد دخولهم وقبل استيفاء المدة التي حكم بها عليهم، ويجوز الأمران: هذا لفريق وذالك لآخر.\n(^٥) أي في الآخرة.\n(^٦) وهذا سبق في شفقته - ﷺ - على الأمة من كتاب النبوة.","vol":"5","page":117},{"text":"جَلَدْتُهُ فَاجْعلْهاَ لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً تقَرِّبُهُ بها إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^١)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1115>جوامع الدعاء </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ: «الَّلهُمَّ رَبَّناَ آتِناَ فِي الدُّنْياَ حَسَنَةً وَفِي الْاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِناَ عَذَابَ النَّارِ (^٤)»، رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَادَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ (^٥) فَقَالَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلهُ إِيَّاهُ» قَالَ: نعَمْ كنْتُ أَقُولُ: الَّلهُمَّ مَا كُنْتَ مُعاَقِبِي بِهِ فِي الْاخِرَةِ فَعَجْلْهُ لِي فِي الدُّنْياَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سُبْحَانَ اللَّهِ لَا تُطِيقُهُ أَوْ لَا تَسْتَطِيعُهُ أَفَلَا قُلْتَ: الّلهُمَّ آتِناَ فِي الدُّنْياَ حَسَنَةً وَفِي الْاخِرَةِ حَسَنةً وَقِناَ عَذَابَ النَّارِ» قَالَ: فَدَعَا اللَّه لَهُ فَشَفَاهُ (^٦)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ\n_________\n(^١) وفي رواية عن عائشة قالت: دخل على رسول الله - ﷺ - رجلان فكلماه بشيء لا أدري ما هو فأغضباه فلعنهما وسبهما؛ فلما خرجا قلت: يا رسول الله من أصاب من الخير شيئًا ما أصابه هذان (أي لم يصب هذين شيء من خيرك الذي عم الناس كلهم) قال: وما ذاك؟ قالت لعنتهما وسبتهما، قال: أو ما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: لا، قلت: اللهم إنما أنا بشر (أغضب وأسخط أحيانا) فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا، فالنبي - ﷺ - خاف أن يحصل منه في حال غضبه أذى لغير مستحقه من المسلمين فعاهد ربه أن يعوضه به درجة وقربة في الآخرة، فهذه الأخلاق منه - ﷺ - لأمته نهاية الشفقة والرحمة جعلنا الله من خيار الأمة.\n(^٢) واللفظ لمسلم في كتاب البر.\n\nجوامع الدعاء\n(^٣) فهذه الأدعية الآتية كل دعاء منها يقال له جامع الدعاء أي شامل لخيري الدنيا والآخرة، وكان النبي - ﷺ - يحب أن يدعو بجوامع الدعاء ويدع ما سواه، رواه أبو داود.\n(^٤) قال الحسن ﵁: في الدنيا حسنة هي العلم والعبادة، وفي الآخرة حسنة هي الجنة ففيها خير الدنيا والآخرة، وقيل فيها غير ذلك.\n(^٥) خفت أي هزل فصار مثل الفرخ وهو ولد الطائر.\n(^٦) فدعا النبي - ﷺ - له فشفاه الله، ففيه أن الله تعالى لو عامل الناس بعملهم لهلكوا ولكنه حليم رءوف رحيم، قال تعالى ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ =","vol":"5","page":118},{"text":"كَانَ يَدْعُو بِهذا الدُّعَاءِ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كلِّهِ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، الَّلهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطاَياَيَ وَعَمْدِي وَجَهْلِي وَهَزْلِي وَكُلُّ ذلِكَ عِنْدِي (^١) الَّلهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ وأَنْتَ عَلَى كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «الَّلهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالْتُّقَى وَالْعَفاَفَ وَالْغِنَى» (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الَّلهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي (^٣) وَأَصْلِحْ لِي دُنْياَيَ الَّتِي فِيهاَ مَعَاشِي وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهاَ مَعاَدِي (^٤) وَاجْعَلِ الْحَياَةَ زياَدَةً لِي فِي كلِّ خَيْرٍ وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرَ (^٥)».\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: جَاءَتْ فَاطِمَة عَلَيْهاَ السَّلَامُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَسْأَلهُ خَادِمًا (^٦) فَقَالَ لَهاَ: «قُولِي الَّلهُمَّ رَبَّ السَّموَاتِ السَّبْعِ وَرَبَّ الْعَرشِ الْعَظِيمِ (^٧) رَبَّناَ وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ (^٨) فاَلِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى أَعُوذ بِكَ مِنْ شَرِّ كلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِناَصِيَتِهِ (^٩) أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْاخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْباَطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَىْءٌ (^١٠) اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغَنِني مِنَ الْفَقْرِ (^١١)»، رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) ولفظ مسلم: اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي، وهذا منه - ﷺ - تواضع وتعليم للأمة وإلا فهو أكمل الخلق على الإطلاق.\n(^٢) العفاف للنفس والفرج، والغني بالنفس وبالمال، ففيه خير الدنيا والآخرة.\n(^٣) أي ملاك أمرى.\n(^٤) ففيه خير الدنيا والآخرة.\n(^٥) من شرور الدنيا والآخرة.\n(^٦) يطلق الخادم على الذكر والأنثى ولكنها كانت تطلب جارية من السبي الذي جاءه كما في رواية.\n(^٧) رب منصوب على النداء في المواضع الأربعة.\n(^٨) منزل وفالق منصوبان على النداء أيضا.\n(^٩) أي مالكه وإن كان أصل الناصية مقدم الرأس.\n(^١٠) فالوجود الحقيقي أولا وآخرا وظاهرا وباطنا لله وحده ووجود العالم سواه مستعار منه تعالى.\n(^١١) اللهم اقض عنا الدين وأغننا في الدنيا واغفر لنا يا رحمن آمين.","vol":"5","page":119},{"text":"• عَنْ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي كَلَامًا أَقُولُهُ قَالَ: «قُلْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعاَلَمِينَ، لَا حَوْلَ وَلُا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» قَالَ: فَهؤُلَاءِ لِرَبِّي فَماَ لِي قَالَ: «قلِ الَّلهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي» (^١).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلهَ إِلا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ»، رَوَاهُماَ مُسْلِمٌ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو يَقُولُ: «رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ (^٢) وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الْهُدَى لِي وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ رَبِّ اجْعَلْنِي شَكَّارًا لَكَ ذَكَّارًا لَكَ رَهَّابًا لَكَ (^٣) مِطْوَاعًا لَكَ مُخْبِتًا إِلَيْكَ (^٤) أَوَّاهًا مُنِيبًا (^٥) رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي وَاغْسِلْ حَوْبَتِي (^٦) وَأَجِبْ دَعْوَتِي وَثَبِّتْ حُجَّتِي وَسَدِّدْ لِسَانِي وَاهْدِ قَلْبِي وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي (^٧)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٨).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَلَّماَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ: «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَناَ مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَناَ وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُناَ بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تَهَوِّن بِهِ عَلَيْناَ مُصِيبَاتِ الدُّنْياَ\n_________\n(^١) وفي رواية: قال: قل اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني ويجمع أصابعه إلا الإبهام فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك، اللهم أسعدنا في الدنيا والآخرة يا الله يا رحمن يا حنان يا منان ياذا الجلال والإكرام آمين.\n(^٢) الجمل الثلاث قريبة المعنى وهو النصر على الأعداء.\n(^٣) كثير الشكر والذكر والرهبة وهي الخوف، ولفظ أبي داود: اللهم اجعلني لك شاكرا لك ذاكرا لك راهبا.\n(^٤) مطواعا كثير الإطاعة، مخبتا خاشعا متواضعا من المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم.\n(^٥) كثير الرجوع إلى الله ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥)﴾.\n(^٦) خطيئتي قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾.\n(^٧) السخيمة كضغينة: الحقد والغل.\n(^٨) بسند صحيح.","vol":"5","page":120},{"text":"وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصاَرِناَ وَقُوَّتِناَ مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا (^١) وَاجْعَلْ ثَأْرَناَ عَلَى مَنْ ظَلَمَناَ (^٢) وَانْصُرْناَ عَلَى مَنْ عَادَاناَ، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْياَ أَكْبَرَ هَمِّناَ وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُناَ».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِماَ عَلَّمْتَنِي وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي وَزِدْنِي عِلْمًا، الْحَمْدُ لِلَّه عَلَى كُلِّ حَالٍ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ» (^٣).\nوَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ ﵁ لِأُمِّ سَلَمَةَ: ياَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَا كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ «ياَ مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» قُلْتُ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ مَا أَكْثَرُ دُعَائِكَ بِهذَا قَالَ: «ياَ أُمَّ سَلَمَةَ إِنَّهُ لَيْسَ آدِمِيٌّ إِلا وَقَلْبُهُ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ فَمَنْ شَاءَ أَناَمَ وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَ (^٤)».\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي جَسَدِي وَعَافِنِي فِي بَصَرِي وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنِّي (^٥) لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعاَلَمِينَ».\nوَعَنْهاَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ تحِبُّ الْعَفْوَ فاَعْفُ عَنِّي (^٦)».\n\n• عَنِ الْعَبَّاسِ ﵁ قُلْتُ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَسْأَلُهُ اللَّهَ ﷿ قَالَ: «سَلِ اللَّهَ الْعاَفِيَةَ» فَمَكَثْتُ أَيَّامًا ثمَّ سَأَلْتُهُ ثاَنِيًا فَقَالَ لِي: «ياَ عَبَّاسُ ياَ عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ: سَلُوا اللَّهَ الْعاَفِيَةَ فِي الدُّنْياَ وَالْاخِرَةِ (^٧)».\n_________\n(^١) واجعله أي المذكور من الأسماع وما معها أي متعنا بما ذكر طول حياتنا وانفعنا بآثارها بعد الممات.\n(^٢) قاصرا عليه.\n(^٣) وصفهم من الكفر والفجور والشرور والمعاصي.\n(^٤) أقام على الهدى وإن شاء أزاغ عنه.\n(^٥) أي متعني به إلى الممات وبأثره بعد الممات.\n(^٦) عن ذنوبي بمحوها.\n(^٧) العافية في الدنيا هي المعافاة من الأمراض والأسقام، والعافية في الآخرة: من الذنوب والأوزار.","vol":"5","page":121},{"text":"وَسَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «سَلْ رَبَّكَ الْعاَفِيَةَ وَالْمُعاَفاَةَ فِي الدُّنْياَ وَالْاخِرَةِ» ثمَّ سَأَلَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَقَالَ مِثْلَ ذلِكَ ثمَّ سَأَلَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَقَالَ مِثْلَ ذلِكَ ثُمَّ قَالَ: «إِذَا أُعْطِيتَ الْعاَفِيةَ فِي الدُّنْياَ وَأُعْطِيتَهاَ فِي الْاخِرَةِ فَقَدْ أَفْلَحْتَ».\nوَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ عَامَ الْأَوَّلِ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ: «اسْأَلوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعافِيَةَ فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ الْيقِينِ خَيْرًا مِنَ الْعاَفِيَةِ» (^١).\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدُعَاءٍ كَثِيرٍ لَمْ نَحْفَظْهُ قُلْناَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ دَعَوْتَ بِدْعَاءٍ كَثِيرٍ لَمْ نَحْفَظْ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ: إِلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَجْمَعُ ذلِكَ كلَّهُ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ وَنَعُوذ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ (^٢) وَأَنْتَ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْكَ الْبلَاغُ (^٣) وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ».\n\n• عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُناَ أَنْ نَقُولَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّباَتَ فِي الْأَمْرِ وَأَسْأَلُكَ عَزِيمَةَ الرُّشْدِ (^٤) وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعِمْتَكَ وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا وَقَلْبًا سَلِيمًا (^٥) وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ وَأَسْتَغْفِرُكَ مِمَّا تَعْلَمُ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ».\n\n• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَالْعَملَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَأَهْلِي وَمِنَ الْماَءِ الْباَرِدِ» قَالَ: وَكَانَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَكَرَ دَاوُدَ يُحَدِّثُ عَنْهُ قَالَ: «كَانَ أَعْبَدَ الْبَشَرِ».\n_________\n(^١) العفو عن الأوزار، والعافية من الأسقام، فأحسن عطاء بعد اليقين: العفو والعافية، وفي رواية: ما سئل الله شيئا أحب إليه من أن يسأل العافية.\n(^٢) في هذه الدعوة كل شيء للدنيا والآخرة.\n(^٣) أنت المعين في كل شيء وعليك بلوغ الآمال كلها.\n(^٤) الرشد التقوى.\n(^٥) من الأمراض الباطنة كالحقد والكبر والحسد.","vol":"5","page":122},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبَّه عِنْدَكَ (^١)، اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فاَجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيما تحِبُّ، اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فاَجْعَلْهُ لِي قُوَّةً فِيمَا تُحِبُّ».\n\n• عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: عَلَّمَني رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قلِ اللَّهُمَّ اجْعَلْ سَرِيرَتِي خَيْرًا مِنْ عَلَانِيَتِي وَاجْعَلْ عَلَانِيَتِي صَالِحَةً، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ صَالِحِ مَا تُؤْتِي النَّاسَ مِنَ الْماَلِ وَالْأَهْلِ وَالْوَلَدِ غَيْرِ الضَّالِّ وَلَا الْمُضِلِّ (^٢)»، رَوَى التِّرْمِذِيُّ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1116>ما ورد في كلمات الاستعاذة</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّياطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ (^٤) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنْ جَهُدٍ الْبَلَاءِ وَدَرَكِ الشَّقاَءِ وَسُوءِ الْقَضَاءِ وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ (^٥)، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ (^٦) وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ\n_________\n(^١) وهو العبد الصالح.\n(^٢) صفة للأهل والولد أي أسألك من الأهل والولد الصالحين دون الضالين المضلين منهم، اللهم نسألك ذلك فتقبل منا إنك أنت السميع العليم آمين والحمد لله رب العالمين.\n(^٣) الأخير والثامن بسندين غريبين، وخالفنا الاصطلاح من تأخير الغريب الثامن لأنه من وادي ما قبله، والخامس والسادس بسندين صحيحين والباقي بأسانيد حسنة نسأل الله حسن الحال في الحال والمال آمين.\n\nما ورد في كلمات الاستعاذة\n(^٤) ﴿رب أعوذ بك﴾ يا رب أعتصم بك ﴿من همزات الشياطين﴾ من وسوستهم ﴿وأعوذ بك رب أن يحضرون﴾ في أموري لأنهم لا يحضرون إلا بالسوء.\n(^٥) جهد البلاء: شدته التي يختار عليها الموت، ودرك الشقاء. إدراك الشقاء، وسوء القضاء في الدين والدنيا والبدن والمال والأهل، وقد يكون بسوء الخاتمة نعوذ بالله من كل هذا.\n(^٦) الهم: الاهتمام بالمستقبل حرصا عليه، والحزن على الماضي: مما أصاب أو مما فات.","vol":"5","page":123},{"text":"وَالْبُخْلِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» (^١).\n\n• عَنْ عَائِشةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «الَّلهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِكَ مِنَ الكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَالْمأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ (^٢) وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ (^٣) وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغْنَى (^٤) وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ (^٥) وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ (^٦) الَّلهُمَّ اغْسِلْ عَنِّي خَطَاياَيَ بِماَءِ الثَّلْجِ وَالْبرَدِ وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الْخَطاَياَ كَماَ نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبيضَ مِنَ الدَّنَسِ وَباَعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطاَياَيَ كَماَ باَعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ»، رَوَاهُماَ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ سَعْدٍ ﵁ قاَلَ: تَعَوَّذوا بكَلِماَتٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَوَّذ بِهِنَّ: «الَّلهُمَّ إِني أَعُوذ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ (^٧) وَأَعُوذ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ وَأَعُوذ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إِلَي أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْياَ وَعَذَابِ الْقْبرِ (^٨) رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (^٩).\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: لَا أَقُولُ لَكمْ إِلا كَماَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الَّلهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، الَّلهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهاَ أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا (^١٠) أَنْتَ وَلِيُّهاَ وَمَوْلَاهَا، الَّلهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمِ لا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ\n_________\n(^١) وضلع الدين كثرته ولم يجد له سدادا حتى أماله كالضلع المعرج، وغلبة الرجال انتصار الأعداء.\n(^٢) والهرم: أقصى الكبر وأرذل العمر الذي سلف، والمأثم: ارتكاب الآثام، والمغرم: ارتكاب الديون. والكسل: هو التثاقل عن الشيء مع القدرة عليه والداعية إليه.\n(^٣) فتنة القبر: هي الفتانات عند السؤال وعذابه، وسبق الكلام عليه في الجنائز من كتاب الصلاة، وفتنة النار: ما يوجبها، نعوذ بالله من ذلك كله.\n(^٤) بالمال قال تعالى: ﴿كلا إن الإنسان ليطغي أن رآه استغنى﴾.\n(^٥) أي الشديد للحديث: كاد الفقر أن يكون كفرا.\n(^٦) سيأتي الكلام عليه في كتاب الفتن.\n(^٧) الجبن ضد الشجاعة عن المطلوب كالجهاد، والبخل ضد الكرم والضن بالواجب كالزكاة.\n(^٨) فتنة الدنيا هي النساء والمال والجاه.\n(^٩) وفي رواية أبي داود والنسائي عن عمر ﵁ قال: كان النبي - ﷺ - يتعوذ من خمس: من الجبن والبخل وسوء العمر وفتنة الصدر (الموت على غير توبة) وعذاب القبر.\n(^١٠) أي طهرها.","vol":"5","page":124},{"text":"وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهاَ»، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.\nوَسُئِلَتْ عَائِشَةُ ﵂ عَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو بِهِ اللَّهَ قَالَتْ: كَانَ يَقُولُ: «الَّلهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ» (^١).\nوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «الَّلهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ (^٢) وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ (^٣) وَجَمِيعِ سَخَطِكَ»، رَوَاهُماَ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هذَا الدُّعَاءَ كَماَ يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَقولُ: «الَّلهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْياَ وَالْمَماَتِ (^٤)».\n\n• عَنْ شَكَلِ بْنِ حُمَيْدٍ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي تَعَوُّذًا أَتَعَوَّذُ بِهِ قَالَ: فَأَخَذَ بِكَتِفَيَّ فَقَالَ: «قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي وَمِنْ شَرِّ بَصَرِي وَمِنْ شَرِّ لِسَانِي وَمِنْ شَرِّ قَلْبِي وَمِنْ شَرِّ مَنِييِّ (^٥)»، رَوَاهُماَ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٦).\n_________\n(^١) ما عملت إن كان شرا فظاهرا وإن كان طاعة فمما يصحبه من العجب ونحوه، ومن شر ما لم أعمل بحفظي منه في المستقبل أو مما عمله غيري لئلا يصيبني منه قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾.\n(^٢) التي يخلفها المرض.\n(^٣) فجاءة بضم فمد وفجأة كبغتة وزنا ومعنى.\n(^٤) فتنة الممات ما يعرض عند الموت وفي القبر، وفتنة المحيا كل ما يعرض للإنسان في حياته فيشمل الشر والبلاء في النفس والأولاد والأموال، وكل شيء بتقدير الله وإنما أمر الإنسان بالتعوذ من الفتنة ليخف عليه البلاء ويعظم أجره قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾.\n(فائدة) حكمة البلاء الاختبار والامتحان فيظهر قوى الإيمان بالصبر والتجلد والالتجاء إلى الله تعالى والتوكل عليه فينال رفيع الدرجات قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ وقال تعالى في الحديث القدسي: \"ما خلقت الخلق لأربح عليهم ولكني خلقتهم ليربحوا على\" نسأله التوفيق لما يحب ويرضاه آمين والحمد لله رب العالمين.\n(^٥) شر السمع الاستماع لما يجوز شرعا، وشر البصر النظر لما لا يجوز، وشر اللسان التكلم بما لا يجوز، وشر القلب العيوب الباطنة كالكبر والعجب والحقد والحسد وإضمار السوء ونحوها، وشر المنى الزنا واللواط والاستمناء باليد منه أو من غيره.\n(^٦) بسندين حسنين.","vol":"5","page":125},{"text":"• عَنْ أَبِي الْيَسَرِ (^١) ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَدْمِ (^٢) وَأَعُوذ بِكَ مِنَ التَّرَدِّي (^٣) وَأَعُوذُ بِكَ منَ الْغَرَقِ وَالْحَرَقِ (^٤) وَالْهَرَمِ وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ (^٥) وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا وَأَعُوذَ بِكَ أَنْ أَمُوتَ لَدِيغًا (^٦)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ وَالْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ (^٧)».\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بكَ مِنَ الشِّقاَقِ وَالنِّفَاقِ وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ (^٨)».\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ (^٩) وَأَعُوذ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهاَ بِئْسَ الْبِطَانَةُ (^١٠)».\n_________\n(^١) أبو اليسر اسمه كعب بن عمرو الأنصاري السلمي له صحبة مشهورة.\n(^٢) من الموت تحت شيء يقع عليه كحائط.\n(^٣) من الموت بسقوط من مكان عال كالجبل أو بسقوط في نحو بئر.\n(^٤) إنما استعاذ من الموت بواحد من هذه مع أنها شهادة كما سبق في الشهداء في الجهاد لأنها أشنع الميقات وميتة السوء المذكورة في حديث: صنائع المعروف تقي مصارع السوء.\n(^٥) بفتنته عند موته.\n(^٦) من لدغ عقرب ونحوه فإنها من ميتة السوء.\n(فائدة) روى الطبراني في الصغير أن النبي - ﷺ - لدغته عقرب وهو يصلي فلما فرغ قال: لعن الله العقرب لا تدع مصليا ولا غيره ثم دعا بماء وملح فجعل يمسح عليها (على اللدغة) ويقرأ قل ياأيها الكافرون، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، وهذه من الطب الروحاني إذا كانت بحسن نية ويقين وتوكل على الله تعالى من قلب طاهر صاف خالص لله تعالى لأنه تعالى هو الشافي وحده عند تلك الأسباب.\n(^٧) من الفقر أي فقر النفس وفقر المال الشديد، والقلة في أنواع البر وأفعال الخير، والذلة الحاصلة عن المعاصي والتذلل والمسكنة للأغنياء وأهل الجاه بخلافها لله فهي مطلوبة، وأعوذ بك من أن أظلم أحدا من الناس أو يظلمني منهم أحد.\n(^٨) الشقاق: مخالفة الحق كقوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ والنفاق: إظهار الإسلام وإخفاء الكفر، وسوء الأخلاق أعم مما قبله.\n(^٩) أصله ما يلازم صاحبه في المضجع والفراش والمراد به هنا وصف الفقر.\n(^١٠) البطانة أصلها ضد الظهارة في الثوب، والمراد هنا ما يضمره الإنسان من الشرور.","vol":"5","page":126},{"text":"وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِني أَعُوذ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ وَالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَسَيِّئِ الْأَسْقَامِ (^١)» رَوَى هذِهِ الخَمْسَةُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٢).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ نَائمَةً إِلَى جَنْبِ النَّبِيِّ ﷺ فَفَقَدْتُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَلَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمْعاَفَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَماَ أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ (^٣)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤) وَالنَّسَائِيُّ.\nوَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَهْوَاءِ (^٥)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الحَالِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1117>الباب الرابع: في أدعية مخصوصة</span>\n<span data-type='title' id=toc-1118>دعوات المكروب </span>(^٦)\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقَولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: «لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ (^٧) لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ اْعَظِيمِ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ رَبُّ السَّموَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (^٨)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) البرص: مرض يبيض منه الجلد، والجنون: زوال العقل الذي هو منشأ الفضائل والكمالات، والجذام: علة يذهب معها شعور الأعضاء بالتقرح وربما انتهى إلى تأكلها وسقوطها، وسيئ الأسقام كالسل والاستسقاء والمرض المزمن وهذا أعم ما قبله، نعوذ بالله من كل هذه.\n(^٢) بأسانيد صالحة لأبي داود وصحيحة للنسائي.\n(^٣) فيه الاعتراف بالعجز عن الثناء والشكر لله تعالى وهو نهاية الشكر له تعالى.\n(^٤) بسند حسن.\n(^٥) جمع هوى وهو الميل الفاسد وهذا الحديث أجمع دعوة نسأل الله حسن الأخلاق والأعمال والأقوال آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nالباب الرابع في أدعية مخصوصة\n(^٦) فإذا وقع الشخص في كرب وتلا دعوة من هذه الأدعية الآتية فإن الله يفرج عنه بفضله وكرمه كوعد نبيه - ﷺ -.\n(^٧) ولفظ الترمذي: العلي الحليم.\n(^٨) وصف العرش بالكرم لنسبته إلى أكرم الأكرمين، أو لأن الرحمة تنزل منه، وهذا ثناء نكرر فيه اسم الرب الذي هو من التربية لأن =","vol":"5","page":127},{"text":"• عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رحْمَتَكَ أَرْجُو فَلا تِكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لَا إِلهَ إِلا أَنْتَ (^١)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ (^٢).\nوَقَالَتْ أَسْماَءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ ﵂ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلا أُعَلِّمُكِ كَلِماَتٍ تَقُولِينَهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ أَوْ فِي الْكَرْب (^٣) اللَّهُ اللَّهُ رَبِّي لَا أُشْرِك بِهِ شَيْئًا (^٤)».\n\n• عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَافَ قَوْمًا قَالَ: «الَّلهُمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحُورِهِمْ وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ (^٥)»، رَوَاهُماَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ مُعاَذِ بْنِ جَبَل ﵁ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو يَقُولُ: «الَّلهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ تَماَمَ النِّعْمَةِ» فَقَالَ: «أَيُّ شَيْءٍ تَماَمُ النِّعْمَةِ»؟ قَالَ: «دَعْوَةٌ أَرْجُو بِهاَ الْخَيْرَ» قَالَ: «فَإِنَّ مِنْ تَماَمِ النِّعْمَةِ دُخُولَ الْجَنَّةِ وَالْفَوْزَ مِنَ النَّارِ (^٧)» وَسَمِعَ رَجُلًا وَهُوَ يَقُولُ ياَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ فَقَالَ: «اسْتُجِيبَ لَكَ فَسَلْ وَسَمِعَ رَجُلًا وَهُو يَقُولُ: الَّلهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الصَّبْرَ فَقَالَ: «سَأَلْتَ اللَّهَ الْبلَاءَ فَسَلْهُ الْعاَفِيَةَ (^٨)».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ: «ياَ حَيُّ ياَ قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ (^٩)».\n_________\n= مقتضاها العطف وكشف الكرب، وكذا تكرر فيه العظيم البالغ في العظمة والرحمة والإحسان وكل وصف جليل فمقتضاه العطف وكشف الكروب، وناهيك باسمه الحليم جل شأنه الجامع لكل جلال وجمال، فالمكروب يتلو هذا الثناء عدة مرات ثم يدعو الله بكشف كربه، أو يثني به على الله تعالى بنية كشف كربه اعتمادا على علمه تعالى بالخفايا والأسرار الحديث السالف في فضائل القرآن: من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين.\n(^١) أي يا الله إني أستغيث برحمتك الواسعة فحطني بها دائما وأصلح لي أموري كلها للدنيا والدين.\n(^٢) بسند صحيح.\n(^٣) أو للشك.\n(^٤) أي ألجأ إلى الله تعالى في كل أموري دون سواه ولا يجيب المضطر إلا هو تعالى.\n(^٥) يا الله نسألك أن تدفع شرورهم وتصد صدورهم وتحول بيننا وبينهم وتحفظنا من كل شيء.\n(^٦) بسندين صحيحين.\n(^٧) وكمالها. رضوان الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم، اللهم أتمم علينا نعمتك يا رحمن يا رحيم يا عظيم.\n(^٨) فيه النهي عن طلب الصبر إلا إذا كان في بلاء ولم يملك نفسه فإنه التجاء إلى الله تعالى.\n(^٩) إذا كربه أي أهمه أمر قال يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث.","vol":"5","page":128},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلِظُّوا بِباَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (^١)».\nوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَهَمَّهُ الْأَمْرُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقاَلَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» وَإِذَا اجْتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ قَالَ: «ياَ حَيُّ ياَ قَيُّومُ (^٢)»، رَوَى هذِهِ الْأَرْبَعَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1119>دعاء السفر والرجوع منه </span>(^٤)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النبِيُّ ﷺ إِذَا سَافَرَ (^٥) قَالَ: «الَّلهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ (^٦) الَّلهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثاَءِ السَّفَرِ (^٧) وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ (^٨) وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْماَلِ (^٩) الَّلهُمَّ اطْوِ لَناَ الْأَرْضَ وَهَوِّنْ علَيْناَ السَّفَرَ».\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَناَ هذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّناَ لَمُنْقَلِبُونَ (^١٠) الَّلهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِناَ هذَا الْبرَّ وَالتَّقْوَى وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى الَّلهُمَّ هَوِّن عَلَيْناَ سَفَرَناَ هذَا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ الَّلهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ الَّلهُمَّ\n_________\n(^١) فإذا وقعتم في أمر عظيم فأكثروا من يا ذا الجلال والإكرام فإنه يكشف ما بكم.\n(^٢) فكل كلمة من هذه الكلمات الواردة في هذه الأحاديث تنفع في تفريج الكروب إذا كانت من قلب خالص بحسن نية وتوكل على الله تعالى، نسأل الله أن يجعلنا عبيدا له في جميع الحالات آمين والحمد لله رب العالمين.\n(^٣) الثاني والثالث بسندين غريبين، والأول والرابع بسندين حسنين والله أعلم.\n\nدعاء السفر والرجوع منه\n(^٤) فيستحب لمن أراد السفر أن يقول هذه الكلمات الآتية عند خروجه للسفر فهي كالحرز والحصن له حتى يعود إن شاء الله تعالى.\n(^٥) أي خرج من بلده وسار في طريقه.\n(^٦) الصاحب في السفر: الرفيق والمعين فيه، والخليفة في الأمل: الذي يتولاهم في غيبتي، ونعم الصاحب والخليفة ربنا تعالى.\n(^٧) مشقته وشدته.\n(^٨) الرجوع من سفره كئيبًا حزينا لإضراره في سفره أو عدم قضاء حاجته.\n(^٩) بإصابته في شيء منها، وزاد مسلم والترمذي: والحور بعد الكور، أي الشر بعد الخير.\n(^١٠) مقرنين أي مطيقين، المنقلبون أي عائدون.","vol":"5","page":129},{"text":"إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظرِ وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْماَلِ وَالْأَهْلِ»، وَإِذَا رَجَعَ قاَلَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ «آيِبُونَ تَائِبُونَ (^١) عَابِدُونَ لِرَبِّناَ حَامِدُونَ»، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ (^٢).\nقَالَ عَلِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ ﵁: شَهِدْتُ عَلِيًّا ﵁ أُتيَ بِدَابَّتِهِ لِيَرْكَبَهَا فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا (^٣) فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ سُبْحَانَ سُبْحَانَ الَّذي سَخَّرَ لَنَا هذا وَمَا كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإنَّا إِلَى رَبَّنَا لمُنْقَلِبُونَ ثُمَّ قَالَ: الحَمْدُ لِلّهِ ثَلاثًَا واللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا سُبْحَانَكَ إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي فاَغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرْ الدُّنُوبَ إِلا أَنْتَ ثُمَّ ضَحِكَ قُلْتُ: مِنْ أَيِّ شَىْءٍ ضَحِكْتَ ياَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ ثُمَّ ضَحِكَ فَقُلْتُ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِنَّ رَبَّكَ لَيعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنُوبِي إِنَّهُ لَا يغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرُكَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤) وَأَبُو دَاوُدَ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا قَفَلَ مِنَ الْجُيُوشِ أَوِ السَّرَاياَ أَوِ الْحَج أَوِ الْعُمْرَةِ إِذَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا (^٥) ثمَّ قَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْك وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ آيِبُونَ تاَئِبُونَ عَابِدُونَ سَاجدُونَ لِرَبِّناَ حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْاحْزَابَ وَحْدَهُ»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) أي راجعون من سفرنا تائبون إلى الله تعالى.\n(^٢) روايات مسلم هنا في الحج ومرويات أبي داود هنا في الجهاد.\n(^٣) كررها ثلاثا.\n(^٤) بسند صحيح، وما يأتي دعاء الرجوع من السفر وكذا ما رواه عليّ بن ربيعة عن عليّ ﵃ يصلح في العودة من السفر.\n(^٥) إذا أوفى علا وارتفع على ثنية: طريق في الجبل أو فدفد - كجعفر - مكان مرتفع غليظ أو أرض لا شيء فيها أو ذات حصى، كبر ثلاثا وذكر الله بالآتي ليكون أعون لهم والله أعلم.","vol":"5","page":130},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1120>دعاء الوداع </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا: ادْنُ مِنِّي أُوَدِّعْكَ كَماَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوَدِّعُناَ فَيَقُولُ: «أَسْتَوْدِعُ اللَّهِ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ (^٢). رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ سَفَرًا فَزَوِّدْنِي قاَلَ: «زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى (^٤)» قَالَ: زِدْنِي قَالَ: «وَغَفَرَ ذَنْبَكَ» قَالَ: زدْنِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي قَالَ: «وَيَسَّرَ لَكَ الْخَيْرَ حَيْثُماَ كُنْتَ (^٥)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ السَّفَرَ فَأَوْصِنِي قَالَ: عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ (^٧)» فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ قَالَ: «الَّلهُمَّ اطْوِ لَهُ الْأَرْضَ (^٨) وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1121>دعاء النزول في أي منزل </span>(^٩)\n\n• عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَزَل مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِماَتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذلِك (^١٠)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١١).\n_________\nدعاء الوداع\n(^١) فيستحب توديع المسافر، ويستحب لمن ودعه أن يدعو له بما في الحديث الأول، ويوصيه بما في الحديثين اللذين بعده، بل ويزيده بما يراه نصحًا له فذلك من حق المسلم على أخيه.\n(^٢) أي أطلب من الله أن يحفظ دينك وما تركته من ولد وأهل ومال وخواتيم أعمالك، وفي رواية: كان النبي - ﷺ - إذا ودع جيشا قال لهم ذلك.\n(^٣) سبق هذا في الباب الرابع من كتاب الجهاد كما سبق فيه آداب الركوب ومراعاة الدواب.\n(^٤) وفقك لها فصارت لازمة لك كالزاد المسافر.\n(^٥) هذه أجمع دعوة، اللهم يسر لنا الخير حيث كنا يا حي يا قيوم آمين.\n(^٦) بسند حسن.\n(^٧) مكان عال.\n(^٨) في نسخة: اللهم اطو له البعد. والله أعلم.\n\nدعاء النزول في أي منزل\n(^٩) فلكل منزل ولكل مكان سكان لا يعلمهم إلا خالقهم جل وعلا.\n(^١٠) يقولها مرات بقلب خالص ونية حسنة وتوكل على الله تعالى فإن الله يحفظه حتى يرتحل إن شاء الله.\n(^١١) بسند صحيح.","vol":"5","page":131},{"text":"• عَنْ عَبْد اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ فَأَقْبَلَ الَّليْلُ قَالَ: «ياَ أَرْضُ؛ رَبِّي وَرَبُّك اللَّهُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّكِ وَشَرِّ مَا فِيكِ وَشَرِّ مَا خُلِقَ فِيكِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَدِبُّ عَلَيْكِ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ أَسَدٍ وَأَسْوَدَ (^١) وَمِنَ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَمِنْ سَاكِنِي الْبلَدِ وَمِنْ وَالِدٍ وَمَا وَلَد (^٢)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1122>دعاء القيام من المجلس </span>(^٤)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطهُ (^٦) فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذلِكَ سُبْحَانَكَ الَّلهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ إِلا غُفِرَ لَهُ مَا كانَ في مَجْلِسِهِ ذلِكَ»، رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٧)، وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ مِنَ الْمَجْلِسِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا أَنْتَ أَسْتْغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ»، فَقَالَ رَجُلٌ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَتَقُولُ قَوْلًا مَا كُنْتَ تَقُولُهُ فِيمَا مَضَى قاَلَ: «كَفَّارَةٌ لِماَ يَكُونُ فِي الْمَجْلِسِ (^٨)».\n_________\n(^١) الأسود: الحية العظيمة، فذكر الحية والعقرب بعده تعميم بعد تخصيص.\n(^٢) كل والد وكل ولد أو الوالد: إبليس، وما ولد: أولاده، نعوذ بالله منهم، فقد اشتمل هذا الدعاء على شيء جامع وهو التعوذ بكل كلمات الله من كل شيء يؤذي ويضر وهذا سره، والفاعل المختار هو الله وحده.\n(^٣) بسند صالح لأبي داود وصحيح للنسائي.\n\nدعاء القيام من المجلس\n(^٤) أي قل: سبحان الله وبحمده قبل أن تقوم من مجلسك وبعد أن تهب من نومك.\n(^٥) ﴿ومن الليل فسبحه﴾ بالعبادة وصلاة العشاءين، ﴿وإدبار﴾ عقب غروب ﴿النجوم﴾ سبحه أيضا بصلاة الفجر والصبح فتكون عابدًا لربك في أول الليل وآخره، نسأل الله التوفيق آمين.\n(^٦) اللغط بفتحتين: أصله ارتفاع الأصوات واختلاطها والمراد هنا الكلام.\n(^٧) بسند صحيح، ورواه أبو داود في الأدب.\n(^٨) فقولي هذا كفارة لما وقع في المجلس، فيندب ندبا مؤكدا لكل من أراد أن يقوم من مجلسه أن يدعو بهذا ولو كان مجلسه خيرا لقول عبد الله بن عمر ﵄: كلمات=","vol":"5","page":132},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1123>القول عند صياح الديكة ونهيق الحمار</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاجَ الدِّيَكَةِ فاَسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهاَ رَأَتْ مَلَكًا (^١) وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهاَ رَأَتْ شَيْطَانًا (^٢)»، رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ فَإِنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلَاةِ (^٣)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n_________\n= لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه ولا يقولهن في مجلس خير ومجلس ذكر إلا ختم له بهن عليه كما يختم بالخاتم على الصحيفة: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. فقد اشتمل هذا الدعاء على أنواع من العبادة وهي تسبيح وتحميد وشهادة له بالوحدانية واستغفار وتوبة. وهذا سره والله أعلم.\n(فائدة) كل دعاء من هذه الأدعية فيه أسرار تناسب ما طلب له فإن تفكرنا فيها وعقلنا منها شيئا فمن فضل الله ورحمته الواسعة وعلينا حمده وشكره وإلا فنؤمن بها ونعمل بها ولنا فائدتها للدنيا والأخرى إن شاء الله تعالى، نسأله العلم والعمل واليقين وحسن التوكل عليه تعالي آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nالقول عند صياح الديكة ونهيق الحمار ونباح الكلاب\n(^١) الديكة جمع ديك: وهو ذكر الدجاج يصيح إذا رأى ملكا من ملائكة الله تعالى فينبغي الدعاء والتضرع إلى الله تعالى رجاء تأمينهم واستغفارهم وشهادتهم له بذلك.\n(^٢) وفي رواية: إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمر بالليل فتعوذوا بالله فإنهن يرين ما لا ترون، أي من الشياطين والآفات والنوازل النازلة من السماء، فتعوذوا بالله من الشيطان ومن كل شيء فإنه يحفظكم إن شاء الله.\n(^٣) وهذه إعانة على طاعة الله تعالى ومن كان هكذا فإنه يكرم ولا ينبغي سبه ولا إهانته بجوع وغيره، وإيقاظه للصلاة بصياحه، وجرت العادة أنه يصرخ عدة مرات متتابعات عند الفجر وعند الزوال وبعضها يصرخ في جميع الأوقات فطرة فطرها الله عليها، وقيل تسمع ديكا في الملأ الأعلى فتصبح لصياحه ولكن لا يجوز اعتماد صياحه في الأوقات إلا إذا جرب عدة مرات فأصابه، والله أعلم.","vol":"5","page":133},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1124>دعاء الخروج من البيت ودخوله </span>(^١)\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ (^٢) قَالَ: «باسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ اللَّهُمَّ إِنَّا نعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نَزِلَّ أَوْ نَضِلَّ (^٣) أَوْ نَظْلِمَ أَوْ نُظْلَمَ أَوْ نَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيْناَ» (^٤).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقاَلَ: بِاسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوةَ إِلا بِاللَّهِ»، قَالَ: «يُقَالُ حِينَئِذٍ هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ (^٥) فَيَتَنَحَّى لَهُ الشَّيْطَانُ (^٦) فَيَقُولُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ»، رَوَاهُماَ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٧).\n\n• عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا وَلَجَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَوْلِجِ وَخَيْرَ الْمَخرَجِ (^٨) بِاسْمِ اللَّهِ وَلَجَنَا وَبِاسْمِ اللَّهِ خَرَجْنَا وَعَلَى اللَّهِ رَبِّناَ تَوَكَّلْناَ ثُمَّ لْيُسَلِّمْ عَلَى أَهْلِهِ (^٩)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَالِحٍ.\n_________\nدعاء الخروج من البيت ودخوله\n(^١) فينبغي لمن خرج من بيته أن يتعوذ من الشيطان ثم يذكر هذا الدعاء ثم يقرأ آية الكرسي كما سبق في فضلها، وكذا من دخل بيته يتعوذ ويسمى قبل فتح الباب فإذا دخل تلا الدعاء الآتي ثم سلم على أهله.\n(^٢) وفي رواية: قالت: ما خرج رسول الله - ﷺ - من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء ثم ذكر الدعاء الآتي.\n(^٣) أي عن المهدي.\n(^٤) أي نعوذ بك من أن نضر أحدًا أو يضرنا أحد.\n(^٥) هديت إلى الحق والرشد، وكفيت كل شيء، وحفظت من كل شيء.\n(^٦) وفي رواية: فتتنحى له الشياطين.\n(^٧) بسندين صالحين.\n(^٨) ولج أي دخل، والولج بكسر لامه كالوعد أي خير الدخول والخروج.\n(^٩) يقرأ السلام على أهل بيته، قال تعالى ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة﴾ وسيأتي الكلام على السلام وأنواع التحية في كتاب الأدب واسعًا إن شاء الله تعالى.","vol":"5","page":134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1125>الدعاء في المطر والريح والرعد</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ (^١) تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ (^٢) فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلَا تَسُبُّوهَا وَاسْأَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا وَاسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ هُنَا وَمُسْلِمٌ فِي الصَّلَاةِ وَلَفْظُهُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَأَى الرِّيحَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ (^٣) وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّها وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ (^٤)».\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَأَى ناَشِئًا (^٥) فِي أُفقِ السَّمَاءِ تَرَكَ الْعَمَلَ وإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ (^٦) ثمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِكَ مِنْ شَرِّهَا» فَأَنْ مُطِرَ قَالَ: «اللَّهُمَّ صَيِّبًا هَنِيئًا (^٧)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٨).\n\n• عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: أَصَابَناَ مَطَرٌ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَخَرَجَ فَحَسَرَ ثَوْبَهُ عَنْهُ حَتَّى أَصَابَهُ فَسَأَلْناَهُ قَالَ «لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ (^٩)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ وَالصَّوَاعِقِ قَالَ:\n_________\nالدعاء في الريح والمطر والرعد\n(^١) من رحمته.\n(^٢) تأتي بالرحمة وهو السحاب الذي يحمل المطر، قال تعالى ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾ وتأتي بالعذاب كما سبق في تفسير سورتي الأحقاف والذاريات.\n(^٣) من مطر ورحمة وإنبات.\n(^٤) من شدة وقحط وهلاك.\n(^٥) وفي رواية: شيئا وهو الغيم والسحاب.\n(^٦) خوفا من أن يكون كسحاب عادٍ الذي قال الله فيه ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾.\n(^٧) اجعله مطرًا نافعًا للأرض ومن فيها.\n(^٨) وسبق من هذا عدة أحاديث في صلاة الاستسقاء من كتاب الصلاة.\n(^٩) فلما نزل المطر خرج رسول الله - ﷺ - من البيت أو الخيمة إن كان في سفر. وحسر ثوبه عنه: كشفه عن يديه ورجليه، وربما كشف رأسه لينزل المطر على بعض جسمه الشريف فسألوه عن هذا فقال: لأنه قريب عهد بربه، أي رحمة قريبة العهد بخلق الله لها فنتبرك بها. وسبق هذا في الاستسقاء.","vol":"5","page":135},{"text":"«اللَّهُمَّ لَا تَقْتُلْناَ بِغَضَبِكَ وَلَا تهْلِكْناَ بِعَذَابِكَ وَعَافِنَا قَبْلَ ذلِكَ (^١)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بسَنَدٍ غَرِيبٍ، اللَّهُمَّ آمِنْ غُرْبَتَناَ وَآنِسْ وَحْدَتَناَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1126>الدعاء لرؤية الهلال </span>(^٢)\n\n• عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالْإِيماَنِ (^٣) وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ (^٤)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n• عَنْ قَتَادَةَ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: هلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ (^٥)، «هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا» وَجَاءَ بِشَهْرٍ كَذَا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦).\n_________\n(^١) فيندب لمن سمع صوت الرعد أو الصواعق التي تنزل من السماء في عصف الريح أن يقول ذلك عدة مرات، والله أعلم.\n\nالدعاء لرؤية الهلال\n(^٢) فيستحب للإنسان إذا رأى الهلال في أول الشهر أن يقول هذا الدعاء الآتي في الحديثين ثلاث مرات، والأفضل إذا وقع بصره عليه أن يحول وجهه عنه ثم يقول الدعاء لرواية أبي داود: كان النبي - ﷺ - إذا رأى الهلال صرف وجهه عنه.\n(^٣) اليمن: الخير والبركة.\n(^٤) أي فأنت مخلوق لله مثلى، لا إله تعبد كما زعم بعض الكفرة.\n(^٥) أي هلال أتى بالخير والبركة والرشد والهداية، وهذا خبر يراد به الإنشاء أي اللهم اجعله هلال خير ورشد ورحمة وسعة وإحسان على عبادك.\n(^٦) بسند مرسل وهو ما سقط منه الصحابي ولعله هنا أبو قتادة، قال صاحب البيقونية:\nومرسل منه الصحابي سقط … وقل غريب ما روي راو فقط\nنسأل الله حسن الرواية آمين.","vol":"5","page":136},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1127>الدعاء لرؤية الباكورة من الثمر </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاؤوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا أَخَذَهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ باَرِكْ لَناَ فِي ثِماَرِناَ وَباَرِكْ لَناَ فِي مَدِينَتِنَا وَباَرِكْ لَناَ فِي صاَعِنَا وَمُدِّناَ (^٢) اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَأَنَا أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ بِهِ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ ثمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ يَرَاهُ فَيُعْطِيهِ ذلِكَ الثَّمَرَ (^٣)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤)، نَسْأَلُ اللَّهَ الْبَرَكَةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1128>دعاء منَع الفزع والأرق </span>(^٥)\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا فَزِعَ أَحَدُكمْ فِي النَّوْمِ فَلْيقُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يحْضُرُونِ فَإِنَّهاَ لَنْ تَضُرَّهُ (^٦)»، قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عَمْرٍو يُعَلمُهاَ مَنْ بَلَغَ مِنْ ولَدِهِ وَمَنْ لَمْ يَبْلغْ مِنْهُمْ كَتَبَهاَ فِي صَكَ وَعَلَّقَهاَ فِي عُنُقِهِ (^٧)، رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٨).\n_________\nالدعاء لرؤية الباكورة من الثمر\n(^١) الباكورة من الثمر: هي أول الفاكهة كالبلح والعنب والرمان ونحوها مما يكون عادة في الحدائق والبساتين، ولكن المراد العموم فيشمل البطيخ والشمام والعجور والبرتقال والطلح (الموز) ونحوها من كل فاكهة صيف وشتاء لأنها نعمة جديدة ينبغي حمد الله عليها والدعاء بالزيادة منها.\n(^٢) هذه الكلمات الثلاث هي التي ينبغي لنا قولها دون ما بعدها.\n(^٣) ثم يطلب أصغر ولد يراه حينئذ فيعطيه ذلك تنزها عنه لكثرة النظر إليه وتفريحًا للأطفال فيستحب عمل ذلك إن شاء الله تعالى.\n(^٤) بسند صحيح.\n\nدعاء منع الفزع والأرق\n(^٥) الفزع: الخوف، والأرق: عدم النوم.\n(^٦) فإنها أي الشياطين لا تضره وسوستها فإن غالب الخوف والفزع وأضغاث الأحلام من الشياطين، وينفع منها تلاوة هذه الكلمات قبل النوم، وأما إذا كانت تلك الأمور ناشئة من خلط في المزاج أو مرض بالجسم ولا سيما المعدة والرأس، فالدواء عند الأطباء والشفاء من الله تعالى.\n(^٧) فكان عبد الله بن عمرو الراوي ﵄ يأمر الكبير من أولاده بتلاوتها قبل نومه ويكتبها في شيء ويعلقها على الصغير منهم.\n(^٨) بسند حسن.","vol":"5","page":137},{"text":"وَشَكَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ﵁ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَامُ اللَّيْلَ مِنَ الْأَرَقِ، فَقَالَ: «إِذًا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَقُلِ اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظَلَّتْ (^١) وَرَبَّ الْأَ رضينَ وَمَا أَفَلَّتْ (^٢) وَرَبَّ الشَّياَطِينِ وَمَا أَضَلَّتْ كُنْ لِي جَارًا مِنْ شَرِّ خَلْقِكَ كُلِّهِمْ جَمِيعًا أَنْ يَفْرُطَ عَلَيَّ أَحَدٌ أَوْ أَنْ يَبْغِيَ عَلَيَّ، عَزَّ جَارُكَ (^٣) وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ ولَا إِلهَ غَيْرُكَ وَلَا إِلهَ إِلا أَنْتَ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَاللَّهُ أعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1129>دعاء قضاء الدين </span>(^٤)\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ أَنَّ مُكَاتَبًا جَاءَهُ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ كِتَابَتِي فَأَعِنِّي قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ ثَبِيرٍ دَيْنًا أَدْاهُ اللَّهُ عَنْكَ (^٥) قُلِ: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ (^٦)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٧).\nوَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵁: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ فَقَالَ: «ياَ أَباَ أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ»؟ قَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ ياَ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أفَلَا أُعلَّمُكَ كَلَامًا إِذَا قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ»، قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ\n_________\n(^١) مما تحتها.\n(^٢) ما حملته فوقها.\n(^٣) صار عزيزًا من لجأ إليك وتوكل عليك، نسألك اللهم حسن اليقين والتوكل عليك آمين.\n\n(دعاء قضاء الدين)\n(^٤) فمن كان عليه دين ودعا بهذا الدعاء عقب كل صلاة مع نية الأداء والسعي فيه فإن الله يساعده على سداده في القريب العاجل إن شاء الله تعالى.\n(^٥) ثبير كأمير: جبل باليمن وقيل بقرب مكة وفي رواية: صبر ككتف. جبل لطئ.\n(^٦) ففيه طلب الكفاية من الحلال والغني عن الناس فيلزمه سداد الدين وهذا سره.\n(^٧) بسند حسن.","vol":"5","page":138},{"text":"وَأَعُوذ بِكَ وَأَعُوذَ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ»، قَالَ: فَفَعْلْتُ ذلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ هَمِّي وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي (^١)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1130>الدعاء لرؤية المبتلى </span>(^٢)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَأَى مُبْتَلًى فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلَا لَمْ يُصِبْهُ ذلِكَ الْبَلَاءُ (^٣)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ غَرِيبٍ، نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ والتَّوْفِيقَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1131>دعاء المريض </span>(^٤)\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ أَنَّهُماَ شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ صَدَّقَهُ رَبُّهُ فَقَالَ: لَا إِلهَ إِلا أَنَا وَأَناَ أَكْبَرُ. وَإِذَا قَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ قَالَ: لَا إِلهَ إِلا أَنَا وَحْدِي. وَإِذَا قَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ قَالَ اللَّهُ: لَا إِلهَ إِلا أَناَ وَحْدِي لَا شَرِيكَ لِي. وَإِذَا قاَلَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ قَالَ: لَا إِلهَ إِلا أَناَ لِيَ الْمُلْكُ وَلِيَ الْحَمْدُ. وَإِذَا قَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ\n_________\n(^١) فتلاوة هذا صباحًا ومساء تنفع لسداد الدين، وكذا في الحديث قبله والدار على قوة اليقين والإخلاص وحسن التوكل على الله تعالى.\n\nالدعاء لرؤية المبتلى\n(^٢) فمن رأى شخصًا به أي بلاء في جسمه أو عقله وقرأ هذا الدعاء فإن الله يحفظه منه مدة حياته ولكن لا يسمع المريض فإنه يؤلمه ذلك.\n(^٣) والحديث رواه عمر بن الخطاب ﵁ بلفظ: من رأى صاحب بلاء فقال الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا إلا عوفي من ذلك البلاء كائنا ما كان ما عاش. نسأل الله السلامة والتوفيق آمين.\n\n(دعاء المريض)\n(^٤) فينبغي لمن مرض أن يكرر هذا عدة مرات فإنه توحيد خالص.","vol":"5","page":139},{"text":"قَالَ: لَا إِلهَ إِلا أَناَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلا بِي»، وَكَانَ يَقُولُ: «مَنْ قاَلَهاَ فِي مَرَضِهِ ثمَّ مَاتَ لَمْ تَطْعمْهُ النَّار (^١)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1132>الذكر عند دخول السوق </span>(^٢)\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيُر وَهُوَ عَلَى كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ»، وَفِي رِوَايَةٍ بَدَلَ «وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ وَبَنَى لهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ (^٣)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِي (^٤). نَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَنَعُوذ بِهِ مِنَ النَّارِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1133>دعاء الحفظ </span>(^٥)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءهُ عَليٌّ ﵁ فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ياَ رَسُولَ اللَّهِ تَفَلَّتَ هذَا الْقُرْآنُ مِنْ صَدْرِي فَماَ أَجِدُنِي أَقْدِرُ عَلَيْهِ (^٦)\n_________\n(^١) الظاهر أنه يقول هذه الكلمات بتمامها ولا يترك ألفاظ الإجابة، والأفضل أن يقوله كل يوم وكل ليلة فإنه إن مات في مرضه هذا لا تمسه النار إن شاء الله تعالى. نسأل الله السلامة منها آمين.\n\n(الذكر عند دخول السوق)\n(^٢) السوق: محل البيع والشراء وهو مرتع الغش والكذب والخداع والخيانة وفيه بنصب إبليس رايته، وسبق في فضل المساجد: أبغض البقاع إلى الله الأسواق. وأحب البقاع إلى الله المساجد. فلذا عظم الذكر فيها كثيرًا.\n(^٣) ويجوز أن يمنح الله كل ذلك لمن يشاء من عباده ففضله عظيم وإحسانه أعظم جل شأنه وعلا.\n(^٤) بسند غريب نسأل الله الأمن والأمان في غربتنا ووحدتنا آمين والحمد لله رب العالمين.\n\n(دعاء الحفظ)\n(^٥) فهذا دعاء ينفع لحفظ القرآن والحديث وغيرها إن شاء الله تعالى.\n(^٦) فرّ مني بعض آياته فلا أقدر على ضبطها.","vol":"5","page":140},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ياَ أَباَ الْحَسَنِ أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ وَيَنْفَعُ بِهِنَّ مَنْ عَلَّمْتَهُ وَيُثَبِّتُ مَا تَعَلَّمْتَ فِي صَدْرِكَ»، قَالَ: أَجَلْ ياَ رَسُولَ اللَّهِ فَعَلِّمْنِي (^١)، قَالَ «إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقُومَ فِي ثلثِ اللَّيْلِ الْاخِرِ (^٢) فَإِنَّهاَ سَاعَةٌ مَشْهُودَةٌ وَالدُّعَاءُ فِيهَا مُسْتَجَابٌ وَقَدْ قَالَ أَخِي يَعْقُوبُ لِبَنِيهِ (^٣) سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي يَقُولُ حَتَّى تَأْتِيَ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقُمْ فِي وَسَطِهَا (^٤) فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقُمْ فِي أَوَّلِهَا فَصَلِّ أَرْبَعَ رَكَعاَتٍ تَقْرأُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بِفاَتِحَةِ الْكِتَابِ وَسورَةِ يس وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِفاَتِحَةِ الْكِتَابِ وَحم الدُّخَانِ وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَالم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ (^٥) وَفِي الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ بِفاَتِحَةِ الْكِتَابِ وَتَباَرَكَ الْمُفَصَّلِ (^٦) فَإِذَا فَرَغتَ منَ التَّشَهُّدِ (^٧) فَاحْمَدِ اللَّهَ وَأَحْسِنِ الثَّناَءَ عَلَى اللَّهِ وَصَلِّ عَلَيَّ وَأَحْسِنْ وَعَلَى سَائرِ النَّبِيِّينَ وَاسْتَغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلِإِخْوَانِكَ الَّذِينَ سَبَقُوكَ بِالْإِيماَنِ ثُمَّ قُلْ فِي آخِرِ ذلِكَ (^٨):\n_________\n(^١) نعم يا رسول الله علمني.\n(^٢) فقم فيه.\n(^٣) حينما قالوا له: ﴿يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين﴾.\n(^٤) أي ليلة الجمعة.\n(^٥) التي بين سورتي لقمان والأحزاب.\n(^٦) تبارك الذي بيده الملك التي في المفصل وهو القسم الذي يبتدئ من سورة الحجرات إلى الآخر، وهذا احتراز من سورة تبارك الذي نزل الفرقان على عبده المجاورة لسورة النور.\n(^٧) أي وقبل السلام فاحمد الله واذكره وادعه بالآتي، أو المراد إذا سلمت، وهذا هو الظاهر أن الدعاء يستجاب عقب الصلاة، ولأنه في صلاة ما دام في مصلاه، والملائكة تصلى عليه وتؤمِّن على دعائه ما دام في مصلاه الذي صلى فيه.\n(^٨) ويحسن أن يقول في هذا الحمد والثناء والاستغفار: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله، عدد كمال الله وكما يليق بكماله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى سائر إخوانه النبيين والمرسلين عدد خلقك ورضا نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك ما دام ملك الله تعالى، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم، اللهم ارحمني بترك المعاصي إلى آخر الدعاء.","vol":"5","page":141},{"text":"اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي بِتَرْكِ الْمَعاَصِي أَبَدًا مَا أَبْقَيْتَنِي وَارْحَمْنِي أَنْ أَتَكَلَّفَ مَا لَا يَعْنِينِي وَارْزُقْنِي حُسْنَ النَّظَرِ فِيمَا يُ رضيكَ عَنِّي اللَّهُمَّ بَدِيعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ذَا الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ وَالْعِزَّةِ الَّتِي لَا تُرَامُ (^١) أَسْأَلُكَ ياَ أللَّهُ ياَ رَحْمنُ بِجَلَالِكَ وَنُورِ وَجْهِكَ أَنْ تُلْزِمَ قَلْبِي حِفْظَ كِتَابِكَ كَماَ عَلَّمْتَنِي وَارْزُقْنِي أَنْ أَتْلُوَهُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي يُ رضيكَ عَنِّي اللَّهُمَّ بَدِيعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَالْعِزَّةِ الَّتِي لَا تُرَامُ أَسْأَلُكَ ياَ اللَّهُ ياَ رَحْمنُ بِجَلَالِكَ وَنُورِ وَجْهِكَ أَنْ تُنَوِّرَ بِكِتَابِكَ بَصَرِي وَأَنْ تُطْلِقَ بِهِ لِسَانِي وَأَنْ تُفَرِّجَ بِهِ عَنْ قَلْبِي وَأَنْ تَشْرَحَ بِهِ صَدْرِي وَأَنْ تُعْمِلَ بِهِ بَدَنِي (^٢) لِأَنَّهُ لَا يُعِيننِي عَلَى الْحَقِّ غَيْرُكَ وَلَا يُؤْتِيهِ إِلا أَنْتَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، ياَ أَباَ الْحَسَنِ (^٣) فَافْعَلْ ذلِكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ أَوْ خَمْسَ أَوْ سَبْعَ تُجاَبُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحقِّ مَا أَخْطَأَ مُؤْمِنًا قَطُّ (^٤)»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فَوَاللَّهِ مَا لَبِثَ عَلِيٌّ إِلا خَمْسًا أَوْ سَبْعًا حَتَّى جَاء عَلَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مِثْلِ ذِّلِكَ الْمَجْلِسِ فَقَالَ: ياَ رَسُولِ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ فِيمَا خَلَا (^٥) لَا آخُذُ إِلا أَرْبَعَ آياَتٍ أَوْ نَحْوَهُنَّ وَإِذَا قَرَأْتُهُنَّ عَلَى نَفْسِي تَفَلَّتْنَ (^٦) وَأَناَ الْيَوْمَ أَتَعَلَّمُ أَرْبَعِينَ آيَةً أَوْ نَحْوَهَا وَإِذَا قَرَأْتُهَا عَلَى نَفْسِي فَكَأنَّمَا كِتَابُ اللَّهِ بَيْنَ عَيْنَيَّ وَلَقَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ الْحَدِيثَ فَإِذَا رَدَدْتُهُ تَفَلَّتَ وَأَنَا الْيَوْمَ أَسْمَعُ الْأَحَادِيثَ فَإِذَا تَحَدَّثْتُ بِهاَ لَمْ أَخْرِمْ مِنْهاَ حَرْفًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذِّلِكَ: «مُؤْمِنٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ياَ أَباَ الْحَسَنِ (^٧)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٨).\n_________\n(^١) التي لا يصل إليها أحد.\n(^٢) بتوفيق للأعمال الصالحة.\n(^٣) كنية لعليّ ﵁.\n(^٤) أي ما خيب مؤمنا فعله بقلب خالص لله تعالى.\n(^٥) أي مضى.\n(^٦) لا آخذ أي لا أحفظ إلا أربع آيات وإذا أردت قراءتهن أنسيتهن.\n(^٧) أي أنت مؤمن وحق رب الكعبة.\n(^٨) بسند حسن، والله أعلم.\n﴿فائدة﴾: في دعاء الحاجة وصلاتها فمن كانت له حاجة إلى الله أو عند أحد من عباده فليقم في ليلة الجمعة في آخر الليل فليتوضأ وليصل ركعتين بنية الحاجة، ثم يستغفر الله بأى صيغة مائة مرة، ثم يصلي =","vol":"5","page":142},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1134>الصلاة على النبي ﷺ </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (^٢) صَدَقَ اللَّهُ مَوْلَاناَ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّهُمْ قاَلُوا: ياَ رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ (^٣) قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَماَ صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْراهيمَ وَباَرِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ\n_________\n= على النبي - ﷺ - بأي صيغة مائة مرة ثم يثني على الله تعالى بالباقيات الصالحات وهي: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر نحو خمس عشرة مرة، ثم يقول: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم نحو مائة مرة، ثم يقول: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم لا تدع لي ذنبا إلا غفرته ولا همًّا إلا فرجته ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين؛ وصل اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم، ثم يدعو ربه بما يشاء، وسبق هذا في آخر الصلوات المسنونة بعنوان (صلاة الحاجة) من كتاب الصلاة، والتوفيق بيد الله وحده.\n\nالصلاة على النبي - ﷺ -\n(^١) وضعناها عقب الدعاء لأنها دعاء للنبي - ﷺ - وللشخص المصلى، بل هي من الدعاء المقبول لأنها دعوة غائب لغائب، وللمصلي أجر عظيم عليها كما يأتي، والكلام هنا على ما ورد في فضلها وما ورد في صيغها في أصولية الخمسة.\n(^٢) فالله تعالى يصلى على نبيه محمد - ﷺ - أي يرحمه رحمة مقرونة بالتعظيم والملائكة أيضا يطلبون له من الله التعظيم والتبجيل بما يليق به - ﷺ - وأنتم أيها المؤمنون صلوا وسلموا عليه بأى صيغة مما يأتي وغيرها، وحكمة صلاة الملائكة والمؤمنين عليه تشريفهم بذلك واقتداء بالله تعالى ومكافأة لبعض حقوقه على الخلق فإنه الواسطة العظمى في كل نعمة وصلت لهم، وفي الصلاة عليه - ﷺ - دوام الرفعة والكمال له فإنه ما من كمال إلا وعند الله أكمل منه، وظاهر الآية أن الصلاة والسلام عليه - ﷺ - واجبان على المؤمنين وهذا باتفاق العلماء، ولكنهم اختلفوا في وقتهما، فعند الشافعي واجبان في التشهد الأخير من كل فرض لأنهما دعاء وهو بآخر الصلاة أليق، وعند مالك تجبان في العمر مرة واحدة وعند غيرهما تجبان في كل مجلس مرة، وقيل تجب الصلاة عليه - ﷺ - كلما ذكر اسمه الشريف لما يأتي: \"البخيل الذي يسمع اسمي ولا يصلى عليّ\" - ﷺ - عليه ألف ألف مرة ما دام ملك الله تعالى.\n(^٣) فنعمل بقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه﴾.","vol":"5","page":143},{"text":"وَأَزْوَاجِهِ وَذرِّيَّتِهِ كَماَ باَرَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (^١)»، رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ (^٢).\n\n• عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ﵁ قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً، إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقُلْناَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ (^٣) فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَماَ باَرَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (^٤)، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\nوَلِلْبُخَارِيِّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَماَ صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا باَرَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قُلْناَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ. هذَا السَّلَامُ عَلَيْكَ (^٥) فَكَيْفَ نصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ كَماَ صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَباَرِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَماَ باَرَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ (^٦)»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتاَلَ بِالْمِكْياَلِ الْأَوْفَى إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ (^٧) فَلْيقُلِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ\n_________\n(^١) أزواجه أي زوجاته - ﷺ - وهن أمهات المؤمنين، وذريته: أولاده - ﷺ -، والنسل الشريف من فاطمة الزهراء، وهي جدتي ﵂ ولى بذلك الشرف الأعلى إذا ذكرت الأنساب.\n(^٢) مرويات أبي داود هنا في التشهد من كتاب الصلاة.\n(^٣) بقولنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته كما علمتنا في تشهد الصلاة.\n(^٤) آل محمد - ﷺ - هم أقاربه المؤمنون أو كل تقي من أمته.\n(^٥) أي قد عرفناه.\n(^٦) أجابهم النبي - ﷺ - بأجوبة متفاوتة إيذانًا بأن الصلاة عليه - ﷺ - بأي أسلوب صحيحة ومقبولة.\n(^٧) المشهور نصبه على الاختصاص ويجوز جره بدلا من الضمير قبله، وظاهره أن هذه الصلاة أكثر وأوفر ثوابًا وأجرًا من غيرها، ولعله لجمعها الأزواج الطاهرات والذرية وأهل البيت ﵃ أجمعين، وإن كانوا داخلين في الآل في الروايات التي قبلها ولكن لا يخلو التصريح من مزاياه.","vol":"5","page":144},{"text":"وَذرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ كَماَ صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^١).\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا (^٢)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْبَخِيلُ الَّذِي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ (^٣)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يَصَلِّ عَلَيَّ (^٤) وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ (^٥) وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فعلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ (^٦)».\n\n• عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثاَ اللَّيْلِ (^٧) قَامَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهاَ النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ، اذْكُرُوا اللَّهَ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهاَ الرَّادِفَةُ (^٨) جَاءَ الْمَوْتُ بِماَ فِيهِ جَاءَ الْمَوْتُ بِماَ فِيهِ»، قُلْتُ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي (^٩) قَالَ: «مَا شِئْتَ»، قُلْتُ: الرُّبُعَ (^١٠) قَالَ: «مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قُلْتُ: النِّصْفَ قَالَ: «مَا شِئْتَ\n_________\n(^١) بسند صحيح وإلى هنا انتهى الكلام على ما ورد في أصولنا من أساليبها المتفاوتة وما يأتي فهو في فضل الصلاة على النبي - ﷺ -.\n(^٢) ولا يقال إن غير الصلاة على النبي - ﷺ - من العبادات في التضعيف هكذا الحسنة بعشر أمثالها فلا مزية لها على غيرها؛ لأنّا نقول لا يلزم من التساوي في الكم أي العدد التساوي في الكيف أي القدر فربما ساوت الحسنة الواحدة هنا ألفًا في غيرها وحسبنا المشاكلة في قوله - ﷺ -: عشرا. فلها معناها.\n(^٣) عظم أمر الصلاة على النبي - ﷺ - جدا حتى صارت كأحد أركان الإسلام وهي الزكاة في أن التارك لما يسمى بخيلا.\n(^٤) أي نزل الذل والهوان بمن سمع اسمه - ﷺ - ولم يصل عليه.\n(^٥) لعدم اجتهاده بصالح الأعمال فيه.\n(^٦) لعدم قيامه بما يرضيهما.\n(^٧) وجاء الثلث الأخير وهذا في بعض الأحيان.\n(^٨) الراجفة: النفخة الأولى التي بها يرجف كل شيء، والرادفة: النفخة الثانية.\n(^٩) في مجالسي الخاصة بي للعبادة أو المراد نافلته التي يصليها ليلا.\n(^١٠) الربع: أي أصلى عليك ربع مجلسي.","vol":"5","page":145},{"text":"فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْن قَالَ: مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّها (^١) قَالَ: «إِذنْ تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرَ لَكَ ذَنْبُكَ (^٢)»، رَوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَوْلَى النَّاسِ فِي يَوْمَ الْقِياَمَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً (^٤)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَسَبَقَ بِضْعُ أَحَادِيثَ فِيهاَ فِي باَبِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ.\n_________\n(^١) أجمل مجالسي كلها في الصلاة عليك يا رسول الله.\n(^٢) فصارت كثرة الصلاة على النبي - ﷺ - كفيلة بأمور الدنيا والآخرة، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله عدد خلقك ورضا نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك آمين والحمد لله رب العالمين.\n(^٣) ولكن الثالث في صفة القيامة، والثاني بسند حسن، والأول والثالث بسندين صحيحين.\n(^٤) فأكثر الناس صلاة على النبي - ﷺ - أولاهم بشفاعته وأقربهم المجلسه، وقال رسول الله - ﷺ -: أكثروا الصلاة عليّ فإن صلاتكم عليّ مغفرة لذنوبكم، رواه ابن عساكر عن الحسن بن على ﵄، وقال رسول الله - ﷺ -: أكثروا من الصلاة عليّ في يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدا لن يصلي عليّ إلا عرضت عليّ صلاته حتى يفرغ منها. رواه ابن ماجه، وقال رسول الله - ﷺ -: أكثروا من الصلاة عليّ في يوم الجمعة وليلة الجمعة فمن فعل ذلك كنت له شهيدا وشافعا يوم القيامة. رواه البيهقي بسند حسن، وسبق نبذة منها في آخر صلاة الجمعة من كتاب الصلاة. وروى أن بعض البلاد الإسلامية كانت تشرب من بئر فغاض ماؤه يومًا وكاد العطش يهلكهم فضج الناس وكثر اللغط والعويل ولا سيما الشيوخ والأطفال فجاءت امرأة من ضعفاء الناس فجلست على حافة البئر وتضرعت إلى الله تعالى ففار الماء حتى فاض وروى الناس كلهم وعمهم الفرح والسرور؛ فلما سمع بهذا عالم جليل في البلدة وهو الشيخ الجزولي ﵁ ذهب لتلك المرأة في بيتها وأقسم عليها لابد أن تخبره بأي شيء وصلت إلى تلك المنزلة؟ فقالت: بكثرة الصلاة على النبي - ﷺ -، فتضرع إلى الله تعالى أن يوفقه لمؤلف في الصلاة على النبي - ﷺ - تسير بذكره الركبان وكان كذلك، ففتح الله عليه ووفقه لتأليف دلائل الخيرات هذه التي اشتهرت في جميع الأقطار الإسلامية وانتفع بها من عباد الله ما لا يعلمهم إلا الله تعالى، جزاه الله خير الجزاء وحشرنا في زمرته آمين. وقال عمر بن الخطاب ﵁: إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلى على نبيك محمد - ﷺ -. اللهم وفقنا لكثرة الصلاة عليه - ﷺ - آمين والحمد لله رب العالمين.","vol":"5","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1135>الباب الخامس: في الاستغفار والتوبة </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ (^٢).\n\n• عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفاَرِ أَنْ تَقُولَ (^٣) اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلهَ إِلا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَناَ عَبْدُكَ وَأَناَ عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ (^٤) أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمْتَكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي (^٥) فاَغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ»، قَالَ: وَمَنْ قاَلَهاَ مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَن يُمْسِىَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ (^٦) وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهاَ فَماَتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا مُسْلِمًا.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً (^٧)»، رَوَاهُ البُخَارِيَّ.\n\n• عَنِ الأغَرِّ الْمُزَنِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّهُ لَيُغاَنُ عَلَى قَلْبِي (^٨) وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n_________\nالباب الخامس في الاستغفار والتوبة\n(^١) أي في بيان ألفاظ الاستغفار وفضله، والاستغفار: طلب المغفرة بأي لفظ كان كقوله: رب اغفر لي، ولكن أحسنها ما يأتي في حديث شداد وزيد.\n(^٢) فكثرة الاستغفار والرجوع إلى الله تعالى سبب في إسعاد الإنسان بالأولاد والأموال ومحبة الله ورسوله - ﷺ -.\n(^٣) ولفظ أحمد والنسائي: أن سبب الاستغفار أن يقول العبد أي أعلى ألفاظه وأكثرها ثوابًا: اللهم أنت ربي؛ لاشتماله على الاعتراف لله بالنعمة والتوحيد والانفراد بالخلق والغفران والاعتراف بالعجز والتقصير وطلب الغفران.\n(^٤) فأنا قائم بما عاهدتك وواعدتك عليه من الإيمان وإخلاص العبادة لك بقدر استطاعتي.\n(^٥) اعترف لك بالنعمة وأعترف بذنبي.\n(^٦) قال أي النبي - ﷺ -: من قالها صباحًا موقنًا بثوابها مخلصًا في قولها فمات في يومه قبل أن يذنب دخل الجنة بدون عذاب.\n(^٧) إلى مائة وأكثر كما يأتي.\n(^٨) أي يعلوه غين وغيم وهو غين أنوار لا غين أغيار.","vol":"5","page":147},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمِ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ (^١)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ زَيْدٍ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا إِلهَ إِلا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ (^٢)».\n\n• عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مرَّةً (^٣)».\nوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ، «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (^٤)»، رَوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي ذَرّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فِيماَ رَوَى عَنِ اللَّهِ ﵎ (^٦) أَنَّهُ قَالَ: «ياَ عِباَدِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي (^٧) وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظاَلَمُوا (^٨)، ياَ عِباَدِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ فاَسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ (^٩)، ياَ عِباَدِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فاَسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ (^١٠)، ياَ عِباَدِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلا مَنْ كَسَوْتُهُ فاَسْتكْسُونِي أَكْسُكُمْ (^١١)، ياَ عِباَدِي إِنَّكُمْ تخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا\n_________\n(^١) لأن العفو والغفران لا يتجلى أثرهما إلا على المذنبين فلابد من وجودهم فيلجأون إلى الله فيعفو عنهم.\n(^٢) سبق هذا في الذكر عقب الصلاة.\n(^٣) فلا إصرار على الذنب إذا كان يستغفر الله ويتوب إليه مع الندم على ما حصل والعزم على عدم العود إليه وإن تكرر منه الذنب.\n(^٤) وهذا تعليم للأمة وإلا فالنبي - ﷺ - قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.\n(^٥) الأولان بسندين صالحين والثالث بسند صحيح.\n(^٦) فهو حديث قدسي.\n(^٧) تنزهت عنه، فهو مستحيل عليه تعالى لأنه مجاوزة الحد وليس فوق الله تعالى من يحد ويرسم له حتى تسمى مجاوزته ظلما، وقيل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه إما بنقص أو زيادة أو بعدول عن وقته أو مكانه، والحامل عليه الجهل وهو مستحيل على الله تعالى.\n(^٨) بتخفيف الظاء وتشديدها أي لا يظل بعضكم.\n(^٩) فلا هداية إلا من الله تعالى فاطلبوها منه يمنحكم إياها.\n(^١٠) فالمطعوم بيد الله تعالى خلقًا وملكا فاطلبوه منه تعالى.\n(^١١) اطلبوا مني ملابسك وما يقيكم الحر والبرد فهو بيدي فقط.","vol":"5","page":148},{"text":"فاَسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ (^١)، ياَ عِباَدِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي (^٢)، ياَ عِباَدِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا (^٣)، ياَ عِباَدِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، ياَ عِباَدِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ (^٤) فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ (^٥) مَا نَقَصَ ذلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَماَ يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ (^٦)، ياَ عِبَادِي إِنَّماَ هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ (^٧)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْبِرِّ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الرَّقاَئِقِ.\n_________\n(^١) فالخطأ من شأنكم والعفو شيمتي وصفتي، فاطلبوه مني أمنحكم إياه، وهذا بيت القصيد هنا، اللهم اعف عنا يا رحمن يا رحيم يا عفو يا رءوف يا كريم يا ذا الفضل العظيم آمين.\n(^٢) فالله تعالى عزيز ومقدس عن أن يصل إليه شيء، وعظيم وكامل في كل شيء، والجملتان اللتان بعد هذه البيان لها.\n(^٣) فالإنس والجن كلهم لو كانت قلوبهم ملأى بالتقوى كقلب محمد - ﷺ - وما زادوا في ملك الله شيئًا لأنه كامل في ذاته كما لو كانت قلوبهم كقلب إبليس اللعين ما نقصوا من ملك الله شيئا، فطاعتهم لهم وعصيانهم عليهم فقط.\n(^٤) في مكان واحد وإن كان أصل الصعيد وجه الأرض.\n(^٥) وفي رواية: كل واحد مسألته وهي أولى لتشمل الجن إلا إذا قلنا الإنسان من ناس إذا تحرك فإنه يشمله.\n(^٦) المخيط كالمنبر: آلة الخياطة وهي الإبرة، وهذا تمثيل للتقريب إلى الأفهام وإلا فالبحر محدود والمخيط ينقصه وفضل الله ليس بمحدود فلا ينفد بل لا ينقص لأن خزائن الله الكلام إذا أراد شيئا قال له كن فيكون.\n(^٧) إنما هي أي حالكم معي أحصى أعمالكم وأحفظها لكم فمن وجد خيرًا في أعماله فليحمد الله الذي وفقه للخير ومن وجد شرًا فيها فلا يلومن إلا نفسه لأنه عمله وكسبه، قال الله تعالى ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾.","vol":"5","page":149},{"text":"• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغفْاَرَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلِّ هَمَ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (^١)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1136>التوبة وفضلها </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ (^٣).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «للَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فاَنْفَلَتَتْ مِنْهُ (^٤) وَعَلَمْهاَ طَعاَمُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهاَ\n_________\n(^١) من حيث لا يخطر بباله، وملازمة الاستغفار عند كل ذنب أو في غالب الأوقات، ففي كثرته المخرج من كل ضيق والفرج من كل هم وسعة الرزق لأنه لما أناب إلى ربه واشتغل به كفاه كل شيء، قال تعالى ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ وقيل أقل الإكثار مائة في الصباح ومائة في المساء، ومن هذا جعل بعض الصوفية ﵃ على المريد في أول أمره وردا في الصباح والمساء وهو الاستغفار مائة، والصلاة على النبي - ﷺ - مائة، ولا إله إلا الله ثلاثمائة على الأقل وهذا من لب العبادات فإن الاستغفار نظافة الظاهر والباطن، والصلاة على النبي - ﷺ - جمال الظاهر والباطن، والجلالة دخول في الحضرة العلية، نسأل الله التوفيق الذي يرضيه آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nالتوبة وفضلها\n(^٢) التوبة: هي الرجوع إلى الله تعالى، وشروطها ثلاثة: الإقلاع عن الذنب أي البعد عنه، والندم على ما حصل، والعزم على ألا يعود إليه أبدا وإن كان الذنب يتعلق بآدمي فإنه يزاد عليها شرط رابع وهو رد الحقوق إلى أصحابها أو استسماحهم منها تفصيلا عند الجمهور وإجمالا عند السادة المالكية وهذا أستر وأجمل، وليس الزنا مما يحتاج إلى مسامحة فربما جلبت المسامحة مفاسد كثيرة ويكفي أن يتوب إلى الله تعالى ويستر على نفسه كما تقدم في الحدود.\n(^٣) ﴿توبة نصوحا﴾ صادقة بالأسف على ما وقع منه وعزمه على ألا يعود له، ويشترط في التوبة أيضا أن تكون قبل الغرغرة، والتوبة أهم أركان الإسلام، وهي أول مقامات سالكي طريق الآخرة نسأل الله التوبة الكاملة الصادقة آمين.\n(^٤) الفلاة المفازة التي ليس بها أحد، فانفلتت منه: شردت فضاعت منه.","vol":"5","page":150},{"text":"فَأَتَى شَجَرَةً فاَضْطَجَعَ فِي ظِلِّهاَ قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْناَ هُوَ كَذلِكَ إِذَا هُوَ بِهاَ قاَئمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا (^١)» ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَناَ رَبُّكَ» أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ (^٢)، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يا أيُّها النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ (^٣)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ (^٤)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1137>وقت التوبة </span>(^٥)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ (^٦) ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (^٧).\n_________\n(^١) أي زمامها الذي تقاد به.\n(^٢) فالله تعالى أشد فرحا بعبده إذا تاب إليه من رجل كان مسافرا وحده فضاعت منه راحلته بطعامه وشرابه فبحث عنها حتى تعب وأيس منها فوجد شجرة فنام تحتها برهة فاستيقظ فوجد راحلته فأخذ بزمامها وأراد أن يحمد الله بقوله: أنت ربي وأنا عبدك؛ فأخطأ فقال: أنت عبدي وأنا ربك.\n(^٣) بالاستغفار السابق في حديث زيد أو في حديث ابن عمر أو نحوهما.\n(^٤) كل بني آدم خطّاء، فيه استعداد للخطأ كقوله تعالى: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ وخيرهم وأجلّهم إلى الله كثير التوبة عند كل هفوة، قال الله تعالى ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ وبالله التوفيق.\n\nوقت التوبة\n(^٥) فالتوبة مقبولة في كل وقت إلا إذا جاءت الغرغرة وعلامات الموت، وإلا إذا طلعت الشمس من مغربها فلا تقبل التوبة عند واحدة منهما لا يأتي.\n(^٦) ﴿وليست التوبة﴾ نافعة ﴿للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت﴾ وأخذ في النزع ﴿قال﴾ عند مشاهدة ما يحل به ﴿إني تبت الآن﴾.\n(^٧) ﴿ولا الذين يموتون وهم كفار﴾ أي وليست التوبة مقبولة من الكفار إذا أسلموا عند الموت فلا تنفعهم بل لهم العذاب الأليم ومن هذا قوله تعالى عن فرعون ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ أي لا يقبل إيمانك الآن لأنه ليس لله تعالى وقد ادعيت الربوبية واضطهدت رسولك والمسلمين.","vol":"5","page":151},{"text":"• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّه يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ (^١)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهاَرِ وَيَبْسُط يَدَهُ بِالنَّهاَرِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهاَ (^٣)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تاَبَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهاَ تاَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ (^٤)»، رَوَاهُماَ مُسْلِمٌ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ منْ مَغْرِبِهاَ فَإِذَا طَلَعَتْ آمَنَ النَّاسُ كلُّهُمْ أَجْمَعُونَ فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيماَنُهاَ لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيماَنِهاَ خَيْرًا (^٥)»، رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ (^٦).\n\n• عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ فَقُلْتُ: هَلْ حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْهَوَى شَيْئًا؟ (^٧) قَالَ: نَعَمْ كُنَّا معَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَنَادَاهُ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ جَافٌّ جِلْفٌ كَانَ فِي آخِرِ الْقَوْمِ بِصَوْتٍ جهْوَرِيَ: ياَ مُحَمَّدُ ياَ مُحَمَّدُ، فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: مَهْ إِنَّكَ قَدْ نُهِيتَ عَنْ هذَا (^٨) فَأَجَابَهُ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوًا مِنْ صَوْتِهِ: «هَاؤُمُ» (^٩)، فَقَالَ: الرَّجُلُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» (^١٠)، قَالَ زِرٌّ: فَمَاَ بَرِحَ\n_________\n(^١) فإذا جاءت الغرغرة بلغت روحه الحلقوم ولم يكن عقله ثابتًا فلا تقبل توبة العاصي ولا إيمان الكافر.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) وطلوع الشمس من مغربها من الآيات الكبرى في آخر الزمان بعد نزول عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وسيأتي في علامات الساعة إن شاء الله.\n(^٤) عفا عنه وقبله.\n(^٥) سبق هذا في تفسير سورة الأنعام.\n(^٦) ولكن مسلم في الإيمان والبخاري في الرقائق وأبو داود في أمارات الساعة.\n(^٧) في الحب المشروع.\n(^٨) كف عن هذا النداء فإنك نهيت عنه بقوله تعالى ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾ وتأدب مع رسول الله - ﷺ - وقل يا نبي الله أو يا رسول الله بصوت هادئ.\n(^٩) أجابه بصوت عال كصوته: سمعت نداءك فسل.\n(^١٠) سبق هذا في آخر كتاب الأخلاق برواية الأصول الثلاثة.","vol":"5","page":152},{"text":"صَفْوَانُ يُحَدِّثُنِي حَتَّى حَدَّثَنِي أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ بِالْمَغْرِبِ باَبًا عَرْضُهُ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عَاَمًا لِلتَّوْبَةِ (^١) لَا يُغْلَقُ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ مِنْ قِبَلِهِ (^٢) وَذلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ﷿ ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1138>يقبل الله توبة عبده وإن أسرف </span>(^٤)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (^٥). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَحْكِى عَنْ رَبِّهِ ﷿ قَالَ: «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا (^٧) فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي»، فَقَالَ ﵎: (أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب (^٨»، ثُمَّ عَادَ فَأذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ (^٩) اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقاَلَ تَبَارَكَ وَتَعاَلَى: (عَبِدْي أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ)، ثُمَّ عَادَ فَأذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَباَرَكَ وَتَعاَلَى: (أذنب عبدي\n_________\n(^١) بابًا واسعًا جدا للتوبة.\n(^٢) كناية عن قبول التوبة في كل وقت حتى تطلع الشمس من مغربها.\n(^٣) بسند صحيح، والله أعلم.\n\nيقبل الله توبة العبد وإن أسرف\n(^٤) فكل شخص تاب ورجع إلى ربه يقبله الله تعالى سواء كان كافرا وأسلم أو عاصيًا ورجع إلى طاعة ربه فإنه بعباده رءوف رحيم.\n(^٥) فالله تعالى وعد عباده بأنه يغفر لكل مذنب إذا شاء ويدخله الجنة بفضله تعالى إلا المشركين فإن ذنبهم عظيم لا يغفر؛ لأن الله تعالى يخلقهم ويرزقهم ويعافيهم وهم يعبدون غيره، تنزه ربنا عما يقولون.\n(^٦) فالله تعالى يقبل التوبة ويعفو عن السيئات لمن تاب ورجع إليه وأناب.\n(^٧) أي عبد من عباد الله.\n(^٨) يعاقب عليه.\n(^٩) يا رب.","vol":"5","page":153},{"text":"ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب)، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ (^١)».\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ لِأَهْلِهِ إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ ثُمَّ اذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ (^٢) لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ هذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ ياَ رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ (^٣)».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ (^٤) رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ (^٥) فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ» (^٦) فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَأَتاَهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ (^٧) فَقَالَ: «نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ» انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهاَ أُناَسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فاَعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهاَ أَرْضُ سَوْءٍ (^٨)\n_________\n(^١) فلما علم الله من عبده أنه لا يعلم له ربا إلا الله تعالى ولا يغفر الذنوب إلا الله وهو دائم على الاعتراف بذلك غفر الله له كل ذنوبه، وفيه أنه لو تكررت الذنوب ولو من غير حصر وتاب عقب كل ذنب قبله الله بل وأحبه لكثرة توبته، قال تعالى ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ وكذا لو تاب مرة واحدة بعد جميع الذنوب قبله الله وعفا عنه لأنه أولى من الكافر الذي يقبله الله إذا أسلم. وفيه أن التوبة فرض عين على كل شخص أذنب في الحال لئلا يفاجئه الموت فتفوته.\n(^٢) قضى عليه بالعذاب.\n(^٣) فرجل من السالفين لم يعمل خيرًا قط فلما حضره الموت أوصى أهله أن يحرقوه بعد موته ويذروا نصفه في البر ونصفه الآخر في البحر فنفذوا وصيته فجمعه الله وأحياه وقال له: لم فعلت هذا؟ قال: خشية منك يا رب؛ فغفر الله له لأنه خاف ربه عند موته ففعل بنفسه ما يراه فوق كل عقاب، وهذا مقيد بمشيئة الله تعالى ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾.\n(^٤) من الأمم السابقة.\n(^٥) من عباد النصارى جاهل بالشرع الشريف.\n(^٦) بريد السائل نفسه.\n(^٧) لا يحول بينك وبين التوبة شيء فهي مقبولة، وفيه دليل على أن الله يقبل توبة القاتل ولو عمدا وهذا بإجماع السلف والخلف إلا ابن عباس كما سبق في الحدود.\n(^٨) فيه أنه ينبغي مفارقة الأرض التي عصا فيها ولعله كان واجبًا في شرعهم.","vol":"5","page":154},{"text":"فاَنْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيق (^١) أَتاَهُ الْمَوْتُ (^٢) فاَخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ (^٣) فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تاَئِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى (^٤) وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ فَأَتاَهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيَ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ (^٥) فَقَالَ: «قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَ رضينِ فَإِلَى أَيِّهِماَ كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ فَقاَسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ (^٦) فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ» (^٧)، رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ الشَّيْخَانِ (^٨).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ حَدِيثًا أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِ مَرَّاتٍ (^٩) سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «كَانَ الْكِفْلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يَتَوَرَّعُ مِنْ ذَنْبٍ عَمِلَهُ (^١٠) فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَأَعْطاهَا سِتِّينَ دِيناَرًا عَلَى أَنْ يَطَأَهَا فَلَمَّا قَعَدَ مِنْهاَ مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنَ امْرَأَتِهِ أُرْعِدَتْ (^١١) وَبَكَتْ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ أَأَكْرَهْتُكِ؟ قَالَتْ لَا، وَلكِنَّهُ عَمَلٌ مَا عَمِلْتُهُ قَطُّ وَمَا حَمَلِني عَلَيْهِ إِلا الْحَاجَةُ فَقَالَ: تَفْعَلِينَ أَنْتِ هذَا وَمَا فَعَلْتُهُ، اذْهَبِي فَهِيَ لَكِ (^١٢) وَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَعْصِي اللَّهَ بَعْدَهَا أَبَدًا فَماَتَ مِنْ لَيْلَتِهِ فأَصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلَى باَبِهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِلْكِفْلِ (^١٣)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١٤).\n_________\n(^١) كان في نصف الطريق الذي بين البلدين.\n(^٢) حضرته الوفاة.\n(^٣) المكلفون بتشييع كل إنسان حين موته.\n(^٤) فهو لنا ونحن أولى به.\n(^٥) حكما بينهم فسمع من كل فريق دعواه. قيل إن هذا: هو جبريل ﵇ فحكم بينهم بما ذكر.\n(^٦) الذهاب لها وهي أرض العابدين، ولمسلم: أنه لما سمع هذا الحكم - ناء بصدره - نهض بجسمه ليقرب من القرية الصالحة، وروى أن الله تعالى أوحى إلى هذه أن تباعدي وهذه أن تقربي قيل فوجدوه زائدا عن نصف الطريق بشبر واحد فتولته ملائكة الرحمة.\n(^٧) فلما سمع المذنب فتوى العالم وهجر بلده وسافر إلى عباد الله تائبًا إلى الله تعالى قبله الله بواسع رحمته جل وعلا وتنزه عن مشابهة الورى.\n(^٨) ولكن مسلم هنا والبخاري في بدء الخلق.\n(^٩) كرره في عدة مجالس لينتشر في عباد الله ترغيبًا في سعة رحمة الله تعالى.\n(^١٠) ليس هذا بذي الكفل المذكور في سورة الأنعام فإنه رسول معصوم.\n(^١١) اضطربت وبكت خوفا وخشية من الله تعالى.\n(^١٢) فهي أي الدنانير خالصة لك ولن أمسك بسوء.\n(^١٣) فلما خاف ربه ومنع هواه وجاهد نفسه في هذا المقام العظيم وتاب وأناب إلى الله، قبله الله وغفر له وإن لم يعمل صالحا كالرجلين اللذين في الحديث قبله، نسأل الله أن يحشرنا في زمرة الصالحين آمين والحمد لله رب العالمين.\n(^١٤) في الرقائق بسند حسن.","vol":"5","page":155},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1139>خاتمة في سعة رحمة الله تعالى</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (^١) فَسَأَكْتُبُهَا (^٢) لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَالَّذِينَ هُم بِئَايَتِنَا يُؤْمِنُونَ (^٣). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ (^٤) ﴿لَا تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ (^٥) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتاَبِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي» (^٧).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوَبَةِ (^٨) مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ. وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنِطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ (^٩)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا فَمِنْ ذلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلَائِقُ حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تصِيبَهُ».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهاَ رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائمِ وَالْهَوَامِّ فَبهِاَ يَتَعَاَطَفُونَ وَبِهاَ يَتَرَاحَمُونَ وَبِهاَ تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا وَأَخَّرَ اللَّهُ\n_________\nخاتمة في سعة رحمة الله تعالى\n(^١) عمت كل شيء في دار الدنيا فإنها عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر.\n(^٢) أي أخصها.\n(^٣) جزاء على إيمانهم وما قدموه في دنياهم.\n(^٤) بكثرة العصيان.\n(^٥) لا تيأسوا منها.\n(^٦) إن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب إليه ولا يبالي إنه هو الغفور الرحيم.\n(^٧) وفي رواية تقدمت في الإيمان بالقدر من كتاب الإيمان: إن رحمتي سبقت غضبى، فالرحمة وهي الإحسان الإلهي سابق على كل شيء وأوسع من كل شيء.\n(^٨) من غير نظر للرحمة.\n(^٩) من غير نظر للعقاب.","vol":"5","page":156},{"text":"تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهاَ عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^١)»، رَوى هذِهِ الْأَرْبَعَةَ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ ﷿ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَيَقُولُ: هذَا فَكَاكُكَ مِنَ النَّارِ (^٣)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلا أَدْخَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ النَّارَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا (^٤)».\n\n• عَنْ جُنْدُبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: «وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ (^٥) وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَلا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ أَوْ كَماَ قَالَ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا يَسْتُرُ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْياَ إِلا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^٦)»، رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قُدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَبْيٍ (^٧) فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ تَبْتَغِي (^٨) إِذَا وَجِدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْي\n_________\n(^١) فلله ﷾ مائة رحمة جعل منها في الأرض رحمة واحدة فبها ترحم الخلائق بعضها بعضا من إنس وجن ووحش وطير وهوام فإذا جاءت القيامة أكمل بهذه الرحمة المائة وجعلها لعباده المؤمنين، وفي رواية لمسلم: إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض فجعل منها في الأرض رحمة واحدة فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة.\n(^٢) ولكن مسلم والترمذي هنا، والبخاري روى الأول في بدء الخلق والثاني في الرقائق والباقي في الأدب.\n(^٣) أي فداؤك منها عوضا عنك، وفي رواية: يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى أي يضع مثلها عليهم بكفرهم وذنوبهم فيدخلهم النار لا بذنوب المسلمين، قال تعالى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾.\n(^٤) هذا وما قبله تشريف ورفع شأنٍ للمسلم وهذا هو التغابن الذي سبق في سورة التغابن وهو أن يرث الكافر المسلم بأخذ مكانه في النار لو كان كافرا ويرث المسلم الكافر بأخذ منزلته وما فيها في الجنة لو كان مسلما نسأل الله الجنة بمنه وفضله.\n(^٥) أي يحلف على ألا أغفر لذلك الرجل فإني قد غفرت له وأحبطت عمل القائل، فلا ينبغي الافتيات على الله في شيء ولا القول بالجنة أو النار لأحد فإنه لا يعلم الغيب إلا الله والعبرة بالخواتيم، نسأل الله حسن الخاتمة.\n(^٦) فيه بشارة للمسلمين المستورين؛ نسأل الله الستر في الدارين آمين والحمد لله رب العالمين.\n(^٧) أسرى فيهم رجال ونساء.\n(^٨) تسعى بتلهف كأنها تبحث عن شيء ضاع منها.","vol":"5","page":157},{"text":"أخَذَتهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنهاَ وَأَرْضَعَتْهُ (^١)، فَقَالَ لَناَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتَرَوْنَ هذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ»؟ قُلْناَ: لَا وَاللَّهِ (^٢) وَهِيَ تَقْدِرُ أَنْ لَا تَطْرَحَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هذِهِ بِوَلَدِهَا (^٣)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ الْغِفَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَقُولُ اللَّهُ ﷿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُ (^٤) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاؤُهُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهاَ أَوْ أَغْفِرُ (^٥) وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مُنْهُ ذِرَاعًا وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ باَعًا وَمَنْ أَتاَنِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً (^٦) وَمَنْ لَقِيَنِي بِقْرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً لَا يُشْرِك بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً (^٧)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُباَلِي (^٨)، ياَ ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُباَلِي، ياَ ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أتَيْتَنِي بِقْرَابِ الْأَرْضِ خَطاَياَ ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهاَ مَغْفِرَةً (^٩)»، نَسْأَلُ اللَّهَ وَاسِعَ الْمَغْفِرَةِ آمِين وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.\nعدد أحاديث كتاب الأذكار والأدعية والاستغفار ثلاثة عشر ومائتان ٢١٣ فقط.\n_________\n(^١) لأن ولدها كان ضائعا منها.\n(^٢) بل المرأة تشفق على ولدها من النسيم إذا هب عليه.\n(^٣) فلا أحد من خلق الله أشفق على الإنسان من أمه لأنه فلذة كبدها وقلبها والله تعالى أشفق على عباده من الأم على ولدها لأنها تحفظه من المضار الحاضرة فقط والله تعالى يحفظه من المضار الحاضرة والآجلة بل ويرشده إلى سعادته في الدنيا والأخرى فما أرفعنا وما أسعدنا إذا كنا له عبيدا موحدين له بكل جوارحنا ما دامت فينا حياة.\n(^٤) وأضاعف لمن أشاء بسبب إتقانه وإخلاصه في أعماله وعبادة الله تعالى.\n(^٥) لمن شئنا المغفرة له.\n(^٦) سبق هذا في أول كتاب الأذكار.\n(^٧) قراب الأرض بكسر وضم: ما يقرب من ملئها.\n(^٨) ما كان فيك من الذنوب والعيوب.\n(^٩) قال الله تعالى ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ جل شأن ربنا وعلا وتنزه عن مشابهة الورى وله الحمد في الأولى والأخرى ما دام ملكه خالدا مخلدا أبدا آمين والحمد لله رب العالمين.","vol":"5","page":158},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1140>كتاب الزهد والرقائق </span>(^١)\nوفيه سبعة فصول وخاتمة\n\n<span data-type='title' id=toc-1141>الفصل الأول: في التحذير من الدنيا </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (^٣). وَقَالَ تَعَاَلَى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ﴾ (^٤). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (^٥) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْكِبِي فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْياَ كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبيلٍ وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي أَهْلِ الْقُبُورِ (^٦)»، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ\n_________\nكتاب الزهد والرقائق وفيه سبعة فصول وخاتمة\n(^١) الزهد: هو ترك الشيء والإعراض عنه، والمراد هنا الزهد في الدنيا من مال وجاه ومنصب، ولكن الزهد الواجب ترك ما يضر في الآخرة، والورع: ترك ما يخشى ضرره في الآخرة، وقيل الورع: الأخذ بالحلال المحض ولو بتبسط، والزهد: الأخذ منه بقدر الحاجة، والرقائق: جمع رقيقة وهي ما ترقق القلب وتؤثر فيه: آية قرآنية أو حديث أو موعظة خطيب أو آية كونية حيوان عجيب الخلقة أو رؤية الجبال الشاهقة أو البحار الزاخرة أو رؤية مبتلى ونحو ذلك مما يجلب الخوف والخشية من الله تعالى ويظهر أثر ذلك بقشعريرة الجلد ودمع العين، قال تعالى ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وسيأتي في الحديث: لا يلج النار رجل بكى من خشية الله تعالى حتى يعود اللبن في الضرع.\n(^٢) المراد بالدنيا هنا كل ما يشغل عن الله تعالى مما تهواه وتسعى له النفوس، قال تعالى ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾.\n(^٣) لمن ركن إليها ونسى الآخرة.\n(^٤) ﴿وما الحياة الدنيا في الآخرة﴾ أي بجنب حياة الآخرة \"إلا متاع\" أي شيء قليل يتمتع به ويذهب، وأما الآخرة فهي الباقية، قال تعالى ﴿وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون﴾.\n(^٥) فتنة أي لكم شاغلة عن أمور الآخرة والله عنده أجر عظيم فلا تفوتوه بالاشتغال بالأموال والأولاد.\n(^٦) كأنك غريب أي كشخص في غربة لحاجة فإذا انتهت سارع في العود إلى وطنه، بل كن في الدنيا كالمار في الطريق بل عد نفسك في الموتى، والمراد الإسراع بالأعمال الصالحة شوقا إلى الآخرة فهي الحياة الدائمة.","vol":"5","page":159},{"text":"فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّباَحَ (^١) وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ وَخذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ وَمِنْ حَياَتِكَ لِمَوْتِكَ (^٢).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نِعْمَتاَنِ مَغْبُونٌ فِيهِماَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ (^٣)»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ ﵁ بِمَالٍ مِنَ الْبحْرَيْنِ وَانْتَظَرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ (^٤) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُمْ: «وَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكمْ وَلكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْياَ عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَماَ تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكمْ كَماَ أَهْلَكَتْهُمْ (^٥)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَلِمُسْلِمٍ ﵁ «إِنَّ الدّنْياَ حُلْوَةٌ خَضُرَةٌ (^٦) وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهاَ فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلونَ فَاتَّقُوا الدُّنْياَ وَاتَّقُوا النِّسَاءَ (^٧) فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاء».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الدُّنْياَ سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكاَفِرِ (^٨)».\n\n• عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ ﵁ قَالَ: كنْتُ مَعَ الرَّكْبِ الَّذِينَ وَقَفُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى السَّخْلَةِ الْمَيْتَةِ (^٩) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتَرَوْنَ هذِهِ هَانَتْ علَى أَهْلِهاَ حِينَ أَلْقَوْهَا»، قَالُوا: مِنْ هَواَنِهاَ أَلْقَوْهَا ياَ رَسُولَ اللَّهِ (^١٠) قَالَ: «فاَلدُّنْياَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هذِهِ عَلَى أَهْلِهاَ»، رَوَاهُماَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) فربما كان الموت أقرب منه.\n(^٢) فاغتم صالح العمل في الصحة قبل المرض وفي الحياة قبل الموت.\n(^٣) الغبن كالنقص وزنا ومعنى وبالتحريك ضعف الرأي، فصحة البدن والفراغ من الأشغال نعمتان عظيمتان إذا لم يستعملهما صاحبهما في طاعة الله فقد غبن نفسه ولا رأي له وخسر خسرانا مبينا.\n(^٤) سببه أن النبي - ﷺ -، أرسل أبا عبيدة إلى البحرين ليأتي بجزيتها فذهب وجاء بها فعلت الأنصار بقدومه فلما صلى النبي - ﷺ - الصبح اجتمعت حوله الأنصار فنظر لهم وذكر الحديث.\n(^٥) فالنبي - ﷺ - لا يخاف على أمته من الفقر فإنه لا يضرها ولكنه يخاف من الدنيا فإنها تهلك أهلها قال تعالى: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾.\n(^٦) كالفاكهة الشهية.\n(^٧) احذروها.\n(^٨) فالدنيا كالسجن للمؤمن لمنعه نفسه مما تشتهيه من المحرمات بخلاف الكافر، وأيضا الدنيا للمؤمن كالسجن بالنسبة لما أعده الله له في الجنة من النعيم الواسع الخالد، والدنيا كالجنة للكافر بالنسبة لما له في الآخرة من العذاب الأليم الخالد.\n(^٩) الشاة الميتة.\n(^١٠) من حقارتها وقذارتها ألقوها يا رسول الله.","vol":"5","page":160},{"text":"• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْياَ تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهاَ شَرْبَةَ مَاءٍ (^١)».\n\n• عَنْ مُسْتَوْرِدٍ أَخِي بَنِي فِهْرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا الدُّنْياَ فِي الْاخِرَةِ إِلا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِماَذَا يَرْجِعُ (^٢)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلَا إِنَّ الدُّنْياَ مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ (^٣)».\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْياَ لَيْسَتْ بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ وَلَا إِضَاعَةِ الْماَلِ وَلكِنِ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْياَ أَلا تَكُونَ بِماَ فِي يَدَيْكَ أَوْثَقَ مِمَّا فِي يَدَي اللَّهِ وَأَنْ تَكُونَ فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ إِذَا أَنْتَ أُصِبْتَ بِهاَ أَرْغَبَ فِيهَا لَوْ أَنَّهَا أُبْقِيتْ لَكَ (^٤)».\n\n• عَنْ كَعْبِ بْنِ عِيَاضٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْماَلُ (^٥)».\n_________\n(^١) فلو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح أصغر ذبابة ما سقى الكافر منها شربة ماء، فتمنعه منها بالكثير دليل على أنها لا تساوي شيئا. نسأل الله السلامة منها آمين.\n(^٢) فالدنيا بجنب الآخرة كما يحمله الإصبع من البحر.\n(^٣) هكذا لفظ الرواية برفع اللفظين ولكن رواه ابن ماجه والطبراني بنصبهما وهو مشهور اللغة العربية، والمعنى الدنيا وما فيها ملعون أي متروكة مبعدة عن الله وعباده إلا ذكر الله أي عبادته وما والاه كخيل للجهاد ونعم لقرى الضيف ولا أهل العلم الشرعي المقرون بالعمل والإخلاص فهو محبوب لله.\n(^٤) فليس الزهيد تحريم الحلال من مطعوم وملبوس ونحوهما، ولا إضاعة المال كرميه في بحر أو تركه حتى يتلف، ولكن حقيقة الزهد أن تكون واثقًا بما عند الله أكثر مما في جيبك لأنه معرض للضياع وما عند الله لك في قرار مكين، وأن تكون في المصيبة إذا نزلت بك أو بعشيرتك أرغب فيها من عدم نزولها لأنه تمام الرضا بحكم الله تعالى، وهذا أعلى مراتب الزهد فلا ينافي ما سبق في أول الكتاب، وسمي زهدا لأنه رغبة عما في يده ووثوق بالله وحكمه، وإلى هنا انتهى التحذير من الدنيا وذمها، وما يأتي في ذم المال والتحذير منه.\n(^٥) فهو الفتنة العظمى لأنه سبيل للمفاسد كلها ولا سيما مع الشباب، قال القائل:\nإن الشباب والفراغ والجده … مفسدة للمرء أي مفسده","vol":"5","page":161},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْياَ (^١)»، رَوَى هذِهِ السِّتَّةَ التِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلا مَنْ أَعْطاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَخَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِماَلَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهْ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا (^٣)»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِياَنِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثاَلِثًا وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلا التُّرَابُ (^٤) وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ (^٥)».\nوَخَطَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ﵄ عَلَى مِنْبَرِ مَكَّةَ فَقاَلَ: أَيُّهاَ النَّاسُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ أُعْطِيَ وَادِيًا مَلْانَ مِنْ ذَهَبٍ (^٦) أَحَبَّ إِلَيْهِ ثاَنِيًا، وَلَوْ أُعْطِىَ ثاَنِيًا أَحَبَّ إِلَيْهِ ثاَلِثًا، وَلَا يَسُدُّ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ»، رَوَاهُماَ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ إنْ أُعْطِىَ رضي وَأَنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ (^٧)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا لَسَرَّنِي أَلا تَمُرَّ بِي ثَلَاثُ لَياَلٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلا شَيْئًا أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ (^٨)»، رَوَاهُماَ البُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) الضيعة: مرتزق الإنسان كتجارة وصناعة وزراعة والنهي عنها بالنسبة لمن يكثر منها فتضله وإلا فالسعي مطلوب بل والاقتصاد محبوب، قال تعالى ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا﴾.\n(^٢) الرابع بسند غريب والثالث والسادس بسندين حسنين والباقي بأسانيد صحيحة.\n(^٣) فأصحاب الأموال الكثيرة في الدنيا أقل ثوابا ودرجات في الآخرة إلا من زكى أمواله وصرفها في وجوه البر والإحسان فله رفيع الدرجات.\n(^٤) كناية عن الموت لاستلزامه الامتلاء أي لا يشبع من الدنيا حتى يموت وإلا فللتراب بين الزراعين شأن عظيم.\n(^٥) ورجع إليه.\n(^٦) وفي رواية: ملأي من ذهب.\n(^٧) القطيفة: دثار له خمل، والخميصة: كساء أسود مربع، والمراد هلك من يسعى للدنيا ويحرص عليها وينسى الواجب عليه لله ولرسوله - ﷺ -، وكل مشغول بشيء منهمك فيه فهو عبد لله، نسأله الحرية من الدنيا والعبودية لله تعالى.\n(^٨) فلو كان لي ذهب كجبل أحد وأنفقته بسرعة في مرضاة الله تعالى لسرني ذلك إلا شيئًا قليلا أبقيه للحقوق.","vol":"5","page":162},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْنِ طُولِ الْحَيَاةِ وَكَثْرَةِ الْماَلِ (^١)»، رَوَاهُ الشَّيْخَان وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ ﵄ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَّاثُرُ﴾. قَالَ «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي وَهَلْ لَكَ منْ مَالِكَ إِلا مَا تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ (^٢) أَوْ أَكَلتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ: «يَقُولُ الْعَبْدُ مَالِي مَالِي إِنَّماَ لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ مَا أَكَلَ فَأَفْنَى أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى أَوْ أَعْطَى فاَقْتَنَى (^٣) وَمَا سِوَى ذلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتاَرِكُهُ لِلنَّاسِ (^٤)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيُّكمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ»؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ، قَالَ: «فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ وَمَالَ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ (^٥)»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (^٦): «إِنَّ أَكْثَرَ مَا أَخَافُ عَلَيْكمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ»، قِيلَ: وَمَا بَرَكَاتُ الْأَرْضِ؟ قَالَ: «زَهْرَةُ الدُّنْياَ (^٧)»، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: هَلْ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ فَصَمَتَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى ظنَنَّا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، ثمَّ جَعَلَ يَمْسَحُ عَنْ جَبِيِنِه، فَقَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ»؟ قَالَ: أَناَ (^٨)، قَالَ: «لَا يَأْتِي الْخَيْرُ إِلا بِالْخَيْرِ إِنَّ هذَا الْماَلَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ وَإِنَّ كُلَّ مَا أَنْبَتَ الرَّبِيعُ (^٩) يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ (^١٠)\n_________\n(^١) فالشخص إذا كبر يضعف قلبه في كل شيء إلا في طول العمر وكثرة المال، وما أحسنه لو صرفهما في مرضاة الله تعالى.\n(تنبيه) مرويات مسلم هنا في الزكاة.\n(^٢) ادخرت في الآخرة.\n(^٣) فالباقي للإنسان من ماله هو ما صرفه في وجوه الخير فهو المدخر له عند الله وكذا ما أنفقه على نفسه وأهله إن احتسبه عند الله تعالى.\n(^٤) أي ورثته.\n(^٥) فمآل المال الذي يجمعه الإنسان قسمان: قسم له وقسم لوارثه، فالقسم الذي أنفقه في وجوه البر في حياته هو الباقي له إلى الآخرة، وما مات عنه فهو قسم وارثه ولا ثواب له فيه، اللهم إلا إذا احتسب ما تركه لعباد الله تعالى فإنه لا شك يؤجر عليه.\n(^٦) وهو يخطب الناس يوما.\n(^٧) وزينتها من الذهب والفضة والحيوان والأشجار والزروع.\n(^٨) قال أبو سعيد: فحمدنا ذلك الرجل لتسببه في إسماعنا هذا الحديث.\n(^٩) الجدول: وهو النهر الصغير، والمراد الماء.\n(^١٠) يقتل حبطا بفتحات انتفاخا من كثرة الأكل، أو يلم أي يقرب من الهلاك.","vol":"5","page":163},{"text":"إِلا آكِلَةَ الْخَضِرَةِ أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتاَهَا اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ فاَجْتَرَّتْ وَثَلَطَتْ وَبَالَتْ (^١) ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ (^٢) وَإِنَّ هذَا الْماَلَ حُلْوةٌ مَنْ أَخَذَهُ بِحَقَّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ (^٣) وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1142>البناء لغير حاجة مذموم</span>\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بَنَيْتُ بِيَدِي بَيْتًا يُكِنُّنِي مِنَ الْمَطَرَ وَيُظِلُّنِي مِنَ الشَّمْسِ مَا أَعَانَنِي عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى (^٤).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: وَاللَّهِ مَا وَضَعْتُ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ وَلَا غَرَسْتُ نَخْلَةً مُنْذُ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ (^٥)، رَوَاهُماَ الْبُخَارِيُّ فِي الِاسْتِئْذَانِ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَناَ أُطَيِّنُ حَائِطًا لِي أَناَ وَأُمِّي (^٦) فَقَالَ: «مَا هذَا ياَ عَبْدَ اللَّهِ»؟ قُلْتُ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ شَيْءٌ أُصْلِحُهُ، قَالَ: «الْأَمْرُ أَسْرَعُ مِنْ ذلِكَ» (^٧).\n_________\n(^١) آكلة الخضرة: الحيوانات التي ترعى نبت الربيع، امتدت خاصرتاها: امتلأ بطنها.\n(^٢) فالمال حلو كنبت الربيع ولكنه يهلك أو يقرب من الهلاك إلا بعض الناس فإنه يسلم منه كبهيمة الأنعام التي أكلت المرعى حتى امتلأ بطنها فضربتها الشمس فاجترت أي أخرجت ما في كرشها فمضغته ثانيًا فسهل خروجه ثم ثلطت أي ألقت ما في بطنها من السرقين رقيقا ثم بالت فسلمت من الهلاك.\n(^٣) من أخذه بحقه من طريق الحلال ووضعه في حقه بإخراج زكاته وصرفه في أنواع الخير فنعم العون له على الأجر ورضوان الله تعالى، والترمذي: إن هذا المال خضرة حلوة من أصابه بحقه - من طريق الحلال مع القناعة - بورك له فيه ورب متخوض فيما شاءت له نفسه من مال الله ورسوله - - كثير المال ولم يعمل بحقه - ليس له يوم القيامة إلا النار. نسأل الله صالح الأعمال والأقوال والأموال آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nالبناء لغير حاجة مذموم\n(^٤) فابن عمر ﵄ بنى لنفسه بيتًا يحفظه من البرد والمطر في الشتاء ومن الحر في الصيف ولم يساعده في بنائه أحد لعدم اهتمامه بالبناء، وهذا في زمن النبي - ﷺ -.\n(^٥) اللبنة: هي الطوبة التي يبني بها، فابن عمر لم يبن شيئا ولم يغرس شجرة بعد وفاة النبي - ﷺ - زهدا في الدنيا وما فيها.\n(^٦) أرمه وأصلحه بالطين.\n(^٧) الموت أسرع من فساده الذي تتوقعه وتخافه.","vol":"5","page":164},{"text":"• وَعَنْهُ قَالَ: مَرَّ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ نُعَالِجُ خُصًّا لَنَا قَدْ وَهِيَ (^١) فَقَالَ: «مَا هذَا»؟ فَقُلْنَا: خُصٌّ لَناَ نُصْلِحُهُ، فَقَالَ: «مَا أَرَى الْأَمْرَ إِلا أَعْجَلَ مِنْ ذلِكَ (^٢)»، رَوَاهُماَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى قُبَّةً مُشْرِفَةً (^٤) فَقَالَ: «مَا هذِهِ»؟ قَالُوا: لِفُلَان الْأَنْصَارِيِّ فَسَكَتَ وَحَمَلَهاَ فِي نَفْسِهِ حَتَّى إِذَا جَاءَ صَاحِبُهاَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبيِّ ﷺ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، صَنَعَ ذلكَ مِرَارًا حَتَّى عَرَفَ الرَّجُلُ الْغَضَبَ فِيهِ وَالْإِعْرَاضَ عَنْهُ فَشَكَا ذِّلِكَ إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرِ الْقُبَّةِ فَرَجَعَ فَهَدَمَهَا حَتَّى سَوَّاهَا بِالْأَرْضِ فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ يَرَهَا فَسَأَلَ فَقَالُوا: رَأَى صَاحِبُهاَ إِعْرَاضَكَ عَنْهُ فَهَدَمَهَا فَقَالَ: «أَمَا إِنَّ كُلَّ بِناَءٍ وَباَلٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلا مَا لَا، إِلا مَا لَا، يَعْنِي مَا لَا بُدَّ مِنْهُ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «النَّفَقَةُ كُلُّهاَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلا الْبِنَاءَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ».\nوَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: الْبِنَاءُ كلُّهُ وَباَلٌ، قِيلَ لَهُ: أَرَأيْتَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا أَجْرَ وَلَا وِزْرَ (^٦)، رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ (^٧).\n_________\n(^١) الخص بالضم: بيت من قصب أو خشب يأوي فيه حافظ البستان والزرع، قد وهى أي تخرق واسترخي رباطه.\n(^٢) أسرع من خراب هذا الخص، والمراد الحث على الزهد في الدنيا والعمل للآخرة.\n(^٣) بسندين صحيحين.\n(^٤) أي عالية مرتفعة.\n(^٥) بسند صالح.\n(^٦) وللطبراني في الأوسط: إذا أراد الله بعبد سوءا أنفق ماله في البنيان، وهذا كله في بناء لم تمس الحاجة إليه ولا سيما إذا كان فخرا ورياء وعلوا واستكبارا فهو وبال وعليه السؤال والعقاب، وكذا إطالة البناء وإعلاؤه مذموم لما سبق في الإيمان: وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، ولحديث ابن أبي الدنيا: \"إذا رفع الرجل بناء فوق سبعة أذرع نودي يا فاسق إلى أين تذهب\" وهذا بالنسبة لزمانهم، أما إذا كان البناء وإعلاؤه لحاجة إليه للسكن أو للاستغلال والارتزاق بما جرت به عادة خيار الناس زمانا ومكانا فلا شيء فيه بل ربما كان فيه الأجر إذا احتسبه كالمباحات من أكل وشرب ولباس وسعى على عيال إذا احتسبها، وكذا إذا كان البناء قرية كمسجد ومدرسة ومأوى للضيوف والمساكين فهو في سبيل الله تعالى بلا شك والله أعلم.\n(^٧) الأول بسند حسن والله أعلى وأعلم.","vol":"5","page":165},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1143>الغنى في القناعة </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلًا فَأَغْنَى﴾ (^٢) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثرةِ الْعَرَضِ وَلكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» (^٣).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا نَظَرَ أَحَدُكمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْماَلِ وَالْخَلْقِ (^٤) فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَلا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكمْ» (^٥)، رَوَى الثَّلَاثَةَ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ يَأْخُذ عَنِّي هؤُلَاءِ الْكَلِماَتِ فَيَعْمَلَ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمَ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ، قُلْتُ: أَناَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي وَعَدَّ خَمْسًا وَقَالَ: «اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ (^٦)،\n_________\nالغنى في القناعة\n(^١) القناعة: هي الرضا بالميسور واليأس مما في أيدي الناس توكلا على الله تعالى.\n(^٢) ﴿ووجدك عائلا﴾ فقيرا ﴿فأغنى﴾ قنعك بما يسر لك من الغنيمة وغيرها.\n(^٣) فليس الغنى بكثرة الأعراض والأموال فربما كان كثيرها وهو فقير النفس حريص على جمع المال ولكن الغنى الحقيقي الذي فيه راحة الجسم والقلب هو غنى النفس ورضاها بما قسم الله تعالى.\n(^٤) الشكل والصورة والأولاد.\n(^٥) فلا ينبغي للشخص أن ينظر إلى من هو أحسن منه جمالا أو ولدا أو مالا فإنه يحزنه وينسيه حمد الله وشكره، قال تعالى ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ بل الأدب أن ينظر إلى من هو أقل منه في ذلك فهو أدعى لتعظيم النعمة وشكرها، وهذا في أمور الدنيا، أما في الأعمال الصالحة فالمطلوب النظر إلى من هو أعلا منه أملا في اللحاق به لحديث: \"خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرا صابرا: من نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله عليه ومن نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به\" وأما من نظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته فإنه لا يكتب شاكرا ولا صابرا، بل يكون ملوما محسورا.\n(^٦) اجتنب المحرمات وافعل الواجبات تكن من العابدين.","vol":"5","page":166},{"text":"وَارْضَ بِماَ قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكنْ أَغْنَى النَّاسِ (^١)، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا (^٢)، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا (^٣)، وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ (^٤)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ (^٥).\n\n• عَنْ مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرّا مِنْ بَطْنِهِ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا مَحاَلَةَ فَثلُثٌ لِطعاَمِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وثُلُثٌ لِنَفَسِهِ (^٦)».\n\n• عَنْ عُثْماَنَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ لِابْنِ آدَمَ حَقٌّ فِي سِوَى هذِهِ الْخِصَالِ بَيْتٌ يَسْكنُهُ، وَثَوْبٌ يُوَارِي عَوْرَتَهُ، وَجِلْفُ الْخبْزِ وَالْماَءِ (^٧)»، رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ (^٨).\n\n• عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحْصِنٍ عَنْ أَبِيهِ ﵄ أَنْ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَصْبَحَ\n_________\n(^١) فمن رضي بما قسم الله له استغنى عن الأمير والخفير والكبير والصغير واكتسب الراحة والشرف.\n(^٢) كامل الإيمان.\n(^٣) كامل الإسلام ولا شك أن الكامل من أحدهما يلزمه الآخر.\n(^٤) المنهي عنه في الضحك هو القهقهة دون التبسم فإنه كان من شيم النبي - ﷺ -.\n(^٥) بسند حسن.\n(^٦) أكلات بضمتين: جمع أكلة بالضم وهي اللقمة، فأي إناء يملأ شره سهل؛ لأنه إتلاف قليل بخلاف البطن فإن في ملئه تخمة تضر وتؤدي إلى الثقل وكثرة النوم وقلة العبادة، ويكفي الإنسان لقمات تقيم ظهره فإن كان لابد من كثرة الأكل فليكن أثلاثا ثلثا لطعامه وثلثا لشرابه وثلثا للنفسه، وتجشأ رجل عند النبي - ﷺ - فقال له: كف عنا جشاءك فإن أكثرهم شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة، ففي قلة الأكل خفة الجسم، وصفاء الدم، ونشاط للعبادة، وتنوير للباطن، وإنبات للحكم.\n(^٧) جلف الخبز: يابسه، وجلفه: كسره فإذا تيسر للإنسان بيت يستره عن الناس ويحفظه شتاء وصيفا، وثوب يقيه المضار ويستر عورته، وخبز يقوته وماء يرويه ويتطهر به فلا حق له في طلب سواها فإن فيها كرامته إلى الممات وعليه حمد الله وشكره، اللهم وفقنا لشكر نعمتك يا رحمن يا كريم آمين. وما أحسن قول القائل.\nخبز وماء وظل .... هو النعيم الأجل\nجحدت نعمة ربي … إن قلت إني مقل\n(^٨) بسندين صحيحين.","vol":"5","page":167},{"text":"مِنْكمْ آمِنًا فِي سَرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّماَ حِيزَتْ لَهُ الدُّنْياَ» (^١)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1144>إياك والحرص وطول الأمل </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ فِي حُبِّ الدُّنْياَ وَطُولِ الْأَمَلَ» (^٤).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِبُّ مَعَهُ اثْنَتاَنِ: الْحِرْصُ عَلَى الْماَلِ وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمَرِ» (^٥)، رَوَاهُماَ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا ذِئْباَنِ جَائِعاَنِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفسَدَ لَهاَ مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْماَلِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ (^٦)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ (^٧).\n_________\n(^١) أي فمن أصبح آمنا في نفسه ليس مطلوبا للهلاك بعافية في جسمه وعنده قوت يومه فكأنما ملك الدنيا وعليه حمد الله وشكره.\n\nإياك والحرص وطول الأمل\n(^٢) الحرص على الشيء: شدة حبه والتمسك به وأكثره في المال والجاه والعمر، والأمل: ما يؤمله الإنسان ويرجوه. ويسعى له من أي شيء ولكن أظهره في طول العمر وزيادة المال وانتشار الجاه والسلطان، وإنما كانا مذمومين لأنهما يشغلان عن الله تعالى في الغالب والكثير وإلا فنعم الرفيق المال في أيدي الصالحين، والأمل: هو الباعث على كل سعي للدنيا والآخرة فلولا الآمال لخربت الدنيا، نسأل الله أن يكون حرصنا ومالنا وعمرنا وعملنا فيما يرضيه آمين.\n(^٣) اترك الكفار يأكلوا ويتمتعوا بدنياهم ويشغلهم الأمل عن الأخذ بالإيمان وطاعة الله تعالى فسوف يعلمون إذا حضروا في القيامة وحل بهم العقاب أننا على الحق وهم على الباطل.\n(^٤) فكل شخص إذا كبر في السن ضعفت كل قواه إلا قلبه فلا يزال شابا قويا في حب المال وطول العمر.\n(^٥) بل يكبر ابن آدم ويضعف، وحبه لكثرة المال وطول العمر يزيد ويقوي.\n(^٦) الشرف: العلو في الدنيا، فالحرص على المال والشرف أكثر إفسادا لدين الإنسان من الذئاب الجائعة إذا أرسلت في الأغنام.\n(^٧) بسند صحيح.","vol":"5","page":168},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ وَخَطَّ خُطُطًا صِغَارًا إِلَى هذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ وَقاَلَ: «هذَا الْإِنْسَانُ وَهذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ (^١) وَهذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ وَهذِهِ الْخُطُطُ الصِّغَارُ الْأَعْرَاضُ فَإِنْ أَخْطَأَهُ هذَا وَإِنْ أَخْطَأَهُ هذَا نَهَشَهُ هذَا (^٢)»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «هذَا ابْنُ آدَمَ وَهذَا أَجَلُهُ» وَوَضَعَ يَدَهُ عِنْدَ قَفَاهُ ثمَّ بَسَطَهُ فَقَالَ: «وَثَمَّ أَمَلُهُ وَثَمَّ أَمَلُهُ وَثَمَّ أَمَلُهُ (^٣)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ ابْنِ آدَمَ وَإِلَى جَنْبِهِ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ مَنِيَّةً إِنْ أَخْطَأَتْهُ الْمَناَياَ وَقَعَ فِي الْهَرَمِ (^٤)».\n\n• عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجَلًا قَالَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ»، قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ (^٥)»، رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً (^٧)».\n_________\n(^١) أو للشك.\n(^٢) الأعراض التي تنزل بالإنسان في دنياه كالمرض والفقر والهموم، وهذا الشكل المقابل مثال الإنسان يحيط به أجله ويزيد عليه أمله وتنهشه الأعراض الدنيوية، والنهش. لدغ ذوات السم، وعبر به عن إصابة الأعراض مبالغة في الأخذ.\nـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ[الأجل]ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ\n[الإنسان]ـــــــــــــ/ـــ/ــــــ/ـــــــــ/ــــــــــ/ـــــــــ/ــــــ/ـــــ[الهرم///]ــــــــــــــــــــــــــ[الأمل]\nــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ[الأعراض]ـــــــــــــــــــــــــــــــ\n(^٣) وضع النبي - ﷺ - يد نفسه عند قفاه ثم بسطها وقال هناك أمله وكررها إشارة إلى أنه أطول من الأجل بكثير.\n(^٤) أصل المنية الموت، والمراد هنا ما ينتاب الإنسان في دنياه من هموم كالأمراض وغيرها وهي كثيرة ولابد من إصابة الإنسان بها ولو فرضنا خلوصه منها أدركه الهرم الذي لا دواء له.\n(^٥) نسأل الله طول العمر وحسن العمل لنا وللمسلمين آمين.\n(^٦) بأسانيد صحيحة.\n(^٧) فمن أطال الله عمره إلى ستين سنة فقد أعذره أي أزال عذره فلا اعتذار له كقوله: لو مدلي في الأجل =","vol":"5","page":169},{"text":"وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: «ارْتَحَلَتِ الدُّنْياَ مُدْبِرَةً وَارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَةً وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُماَ بَنُونَ فَكونُوا مِنْ أَبْناَءِ الْاخِرَةِ وَلَا تَكونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْياَ فَكُلُّ أُمَ يَتْبَعُهاَ وَلَدُهَا وَالْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ (^١)»، رَوَاهُماَ الْبُخَارِيُّ، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِماَ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1145>الفصل الثاني: في فضل الفقر والفقراء </span>(^٢)\n\n• عَنْ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: كنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ نَفَرٍ (^٣) فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اطْرُدْ هؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْناَ (^٤) وَكنْتُ أَناَ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلَالٌ\n_________\n= لفعلت ما أمرني به لأن هذا نهاية أعمار الأمة المحمدية غالبا كما سبق في الجنائز: أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك، ولأبي يعلى: معترك المنايا بين ستين وسبعين.\n(^١) ففي دار الدنيا يعمل الناس ما يشاءون ولا محاسب لهم فإذا جاءت الآخرة قام الحساب عليهم ولا يمكنهم أي عمل وما أحسن قول القائل ﵁:\nإذا هبت رياحك فاغتنمها … فإن لكل خافقة سكون\nولا تغفل عن الإحسان فيها … فما تدرى السكون متى يكون\nإذا ظفرت يداك فلا تقصر … فإن الدهر عادته يخون\nنسأل الله التوفيق لصالح العمل آمين.\n\nالفصل الثاني في فضل الفقر والفقراء\n(^٢) الفقر: قلة المال أو عدمه، والفقراء: جمع فقير وهو من لا ملك له ولا كسب أوله ولكن لا يكفيه، ومن محاسن ما رأيت في كتب التوحيد المطولة أن رجلا من العلماء العارفين بالله خطر بباله عدة أسئلة منها ما حقيقة التوحيد وما حقيقة الفقر، وسأل أهل العلم الموجودين في زمانه فما أجابوه فاغتم لذلك ونام فرأى النبي - ﷺ - في نومه فقال مالك يا فلان مهمومًا؟ فقال: يا رسول الله خطرت لي أسئلة وسألت عنها أهل العلم فما أجابني أحد فحزنت لذلك، فقال - ﷺ -: سل ما شئت، فقال: يا رسول الله ما حقيقة التوحيد؟ فقال: ما خطر ببالك فهو هالك والله تعالى بخلاف ذلك، ثم قال: يا رسول الله ما حقيقة الفقر فقال: ألا تملك شيئا ولا يملكك شيء، أي تلاحظ أن ما بيدك ملك لله لا لك ولكنه وديعة عندك تتصرف فيه تصرف الأمين ولك أجره، ولا يملكك شيء أي تكن عبدًا لشيء بل كن عبدًا لله تعالى في كل حال، نسأل الله ذلك.\n(^٣) ستة أشخاص.\n(^٤) يقال أجترأ على القول: أسرع بالهجوم عليه.","vol":"5","page":170},{"text":"وَرَجُلَانِ نَسِيتُ أُسَمِّيهِماَ فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحَدَّثَ نَفْسَهُ (^١) فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (^٢) مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ: «انْظُرْ مَاذَا تَقُولُ» قاَلَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ: «انْظرُ مَاذَا تَقُولُ»، قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ: «إِنْ كنْتَ تُحِبُّنِي فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفاَفًا (^٤) فَإِنَّ الْفَقْرَ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنَ السَّيْلِ إِلَى مُنْتَهاَهُ».\n_________\n(^١) بإجابة المشركين من طرد فقراء الأصحاب هؤلاء.\n(^٢) رؤية وجهه في الآخرة أو يخلصون له في الأعمال.\n(^٣) في فضائل سعد بن أبي وقاص ﵁، وروى أن الأقرع بن حابس وعتبة بن حصن الفزاري وعباس بن مرداس جاءوا للنبي - ﷺ - فوجدوه مع ناس من فقراء المسلمين كعمار بن ياسر وصهيب وبلال فحقروم وقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس وأبعدت هؤلاء عنك لجالسناك وأخذنا عنك فإن رائحة جبابهم تؤذينا وكانت من صوف ولمداومة لبسها كانت رائحتها كريهة فقال - ﷺ -: ما أنا بطارد المؤمنين، قالوا: لا نحب أن نجلس مع هؤلاء الأعبد فإن وفود العرب تأتيك ونستحي أن ترانا مع هؤلاء، فأبى النبي - ﷺ -، ثم قالوا: اجعل لنا منك مجلسا لا يكون فيه هؤلاء الأعبد فإذا قمنا فأجلسهم معك كما تشاء فرضى النبي - ﷺ - بهذا أملا في إسلامهم وإسلام قبائلهم، فقالوا: اكتب لنا بذلك كتابًا، فأمر عليًا بالكتابة فشرع عليّ ﵁ يكتب لهم بذلك كتابًا فنزل جبريل بقوله ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ الآية فأخذ النبي - ﷺ - الصحيفة من يد على فألقاها ثم دعا هؤلاء الفقراء فأقبل عليهم وهو يقرأ: كتب ربكم على نفسه الرحمة. فكان بعد هذا يجلس مع هؤلاء الفقراء ثم يقوم ويتركهم، فأنزل الله تعالى ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، فكان بعد هذا لا يقوم من مجلسه حتى يقوم هؤلاء الفقراء ﵃ فانظر بعد هذا كيف منزلة الفقراء عند الله تعالى حشرنا الله في زمرتهم آمين.\n(^٤) التجفاف كعمران: ما يوضع على ظهر الفرس ليقيه الجراح وليجفف رطوبة العرق وغيرها، والمراد إن كنت تحبني صادقا من قلبك فانتظر الفقر، فإنه أسرع إلى من يحبني من السيل إلى مجراه، وهذا لينال درجة الفقر زيادة على درجة محبته - ﷺ - فيعظم أجره.","vol":"5","page":171},{"text":"• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّيِ لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذهَبًا (^١) قُلْتُ: لَا ياَ رَبِّ وَلكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًا أَوْ قاَلَ ثَلَاثًا أَوْ نَحْوَ هذَا (^٢) فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعَتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ وَإِذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ (^٣)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَغْبَطَ أَوْلِيَائي عِنْدِي لَمُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ (^٤) ذُو حَظَ مِنَ الصَّلَاةِ أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَأَطاَعَهُ فِي السِّرِّ وَكَانَ غَامِضًا فِي النَّاسِ (^٥) لَا يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا فَصَبَرَ عَلَى ذلِكَ ثُمَّ نَفَضَ يَدَهُ (^٦) فَقَالَ: عُجِّلَتْ مَنِيَتُهُ قَلَّتْ بَوَاكِيهِ قَلَّ تُرَاثُهُ (^٧)، رَوَى التِّرْمِذِيُّ هذِهِ الثَّلَاثَةَ (^٨)».\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لِرَجُلٍ جَالِسٍ عِنْدَهُ: «مَا رَأْيُكَ فِي هذَا»؟ فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ هذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَح (^٩) وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفعَ (^١٠) فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا رَأْيُكَ فِي هذَا»؟ فَقَالَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ هذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَراءِ الْمُسْلِمِينَ هذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَلا يُنْكَحَ\n_________\n(^١) جبال مكة ذهبا.\n(^٢) شك في مدة الجوع أي: أو قال أجوع ثلاثا.\n(^٣) فلم يرض - ﷺ - بكثرة المال واختار قلته لأنه أهدأ وأحسن وقدوة صالحة، وفي هذا قال البوصيري ﵁ وحشرنا في زمرته آمين:\nوراودته الجبال الشم من ذهب … عن نفسه فأراها أيما شمم\nوأكدت زهده فيها ضرورته … إن الضرورة لا تعدو على العصم\nوكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من … لولاه لم تخرج الدنيا من العدم\n(^٤) كالحال أصله ما يقع عليه اللبد من ظهر الفرس، والمراد أنه قليل الأهل والأولاد.\n(^٥) منسيًا ليس مذكورا.\n(^٦) ثم نفض النبي - ﷺ - يده إشارة إلى خلاص ذلك الرجل من الدنيا بموته.\n(^٧) قل من يبكي عليه وقل ما تركه من المال، فأغبط المؤمنين عند النبي - ﷺ - رجل خفيف الأهل والولد والمال ليس مشهورا في الناس ولكنه يحسن عبادة ربه ويخلص فيها حتى يخرج من دنياه بسلام.\n(^٨) بأسانيد حسنة.\n(^٩) لو طلب بنت أي رجل يتزوج بها لأجابه لغناه.\n(^١٠) ولو توسط لأي شخص عند عظيم لقبل شفاعته وأجابه.","vol":"5","page":172},{"text":"وَإِنْ شَفَعَ أَلا يُشَفَّعَ (^١) وَإِنْ قَالَ أَلا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِنْ مِثْلِ هذَا (^٢)».\n\n• عَنْ مِرْدَاسِ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فاَلْأَوَّلُ وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ لَا يُباَلِيهِمُ اللَّهُ باَلةً (^٣)»، رَوَاهُماَ الْبُخَارِيُّ.\nوَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄: أَلَسْنَا مِنْ فقَرَاءِ الْمُهاَجِرِينَ؟ فَقَالَ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهاَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْأَغْنِياَءِ، قَالَ: فَإِنَّ لِي خَادِمًا، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ (^٤)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْزُقْ آلَ مُحَمَّدٍ قُوتًا»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا (^٥)»، وَلِلتِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «طُوبى لِمَنْ هُدِي إِلَى الْإِسْلَامِ وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا وَقَنِع (^٦)».\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ (^٧)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) فلا يجيب طلبه أحد من الناس لفقره وهوانه عليهم.\n(^٢) انظر هذا وزِنْه، فإنه لم يقل هذا خير من عشرة أو مائة أو ألف مثله بل قال من ملء الأرض من مثله، ما ذاك إلا لفقره وانكسار قلبه وحضوره مع ربه في أكثر الأوقات.\n(^٣) أو للشك وحفالة وحثالة بالفاء والثاء بمعنى وهي في التمر رديئه وما يبقى بعد الأكل منه، وحثالة الشعير: قشره أو رديئه الذي يسقط عند غربلته، فخيار الناس وصالحوهم من كل قرن يموتون أولا فأولا ويبقي أسافل الناس وسقطهم لا يبالي بهم ربنا تعالى ولا ينظر إليهم نظرة واحدة بل يتركهم في أي واد يهلكون، ومن هذا: إنما يعجل بخياركم.\n(^٤) فمن رزقه الله بيتًا يكنه ويستره، وزوجة يأوي إليها وتؤنسه، وخادمًا يقف أمامه ويخدمه فهو رفيع الكرامة كالملوك، فعليه حمد الله وشكره خالق النعم وربها ومانحها.\n(^٥) القوت: ما يسد الرمق، فما طلبه النبي - ﷺ - لأولاده وزوجاته إلا لعلمه أنه خير لهم.\n(^٦) الكفاف كالعفاف: ما يكف الحاجات ويدفع الضرورات، وسبقت هذه في فضل التعفف من كتاب الزكاة.\n(^٧) اطلعت في الجنة أي كشف لي عنها في اليقظة كما سبق في صلاة الكسوف أو ليلة الإسراء أو في النوم فرأيت أكثر المنازل فيها للفقراء، واطلعت في جهنم فرأيت أكثر منازلها للنساء.","vol":"5","page":173},{"text":"• عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قُمْتُ عَلَى باَبِ الْجَنَّةِ فَإِذَا عَامَّة مَنْ دَخَلَهاَ الْمَسَاكِينُ (^١) وَإِذَا أَصْحَابَ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ إِلا أَصْحَابُ النَّارِ (^٢) فَقَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ» وَقُمْتُ عَلَى باَبِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهاَ النِّسَاءُ (^٣)، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغنِيَائهِمْ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ» (^٤).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائهِمْ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا، ياَ عَائِشَةُ لَا تَرُدِّي الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ياَ عَائِشَةُ أَحِبِّي الْمَسَاكِينَ وَقَرِّبِيهِمْ فَإِنَّ اللَّهُ يُقَرِّبُكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٥).\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ياَ عَائِشَةُ إِنْ أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدّنْياَ كَزَادِ الرَّاكِبِ وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الْأَغْنِيَاءِ وَلَا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تَرْقَعِيهِ» (^٦)،\n_________\n(^١) هذا تمثيل وإلا فالدخول بالأشباح لا يكون إلا في الآخرة.\n(^٢) أصحاب الأموال والمناصب والحظ والجاه في الدنيا محبوسون للسؤال والحساب ومن يستحقون النار بكفرهم أو عصيانهم دخلوها.\n(^٣) أكثر أهل النار النساء هذا أولا وبعد تطهيرهن يدخلن الجنة لأنهن زوجات لأهلها وقيل الكثرة في النار من نساء الدنيا والكثرة في الجنة من نساء الجنة أي الحور العين لرواية مسلم: أقل ساكني الجنة النساء.\n(^٤) وفي رواية: فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة، فقراء المهاجرين مع أغنيائهم كغيرهم مع أغنيائهم.\n(^٥) المراد بهؤلاء المساكين الفقراء الأتقياء الراضون عن الله تعالى الخاضعون لجلال الله المنكسرة قلوبهم هيبة وخشية من الله تعالى، نسأل الله أن يحملنا منهم آمين وأن يحشرنا في زمرتهم آمين.\n(^٦) فلا تعدى ثوبا خلقا وتتركيه حتى ترقعيه وتلبسيه مرة أو مرات فإنه يكسر النفس ويحزن الشيطان وسبب في التواضع ورضاء الله تعالى، واحذرى مجالسة الأغنياء فإنها تقسي القلب وتنسي الرب جل شأنه، فانظر معي أيها المسلم إلى فضل الفقر وكيف خاطب الله تعالى نبيه - ﷺ - حينما همّ بطردهم أحيانا في الحديث الأول وانظر إلى وعد النبي بملازمة الفقراء لمن حلف أنه يحبه - ﷺ - في الحديث الثاني، وانظر إلى اختيار النبي - ﷺ - لعدم الغني بالمال في الحديث الثالث، وانظر إلى غبطه - ﷺ - للفقير في الحديث الرابع، وانظر إلى تفضيله الفقير الواحد على ملء =","vol":"5","page":174},{"text":"رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1146>الفصل الثالث: في معيشة النبي ﷺ</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعاَمِ بُرَ ثَلَاثَ لَياَلٍ تِباَعًا حَتَّى قُبِضَ (^٢).\nوَعَنْهاَ قَالَتْ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَا فِي رَفِّي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذو كَبِدٍ إِلا شَطْرٌ مِنْ شَعِيرٍ فِي شَعِيرٍ فِي رَفَ لِي فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ (^٣)، رَوَاهُماَ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَلِمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ، مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتاَبِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ (^٤).\nوَلِمُسْلمٍ: لَقَدْ مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَا شَبعَ مِنْ خْبْزٍ وَزَيْتٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ (^٥).\nوَعَنْهاَ قَالَتْ: كَانَ يَأْتِي عَلَيْناَ الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِي بَيْتِناَ ناَرًا إِنَّماَ هُوَ التَّمْرُ وَالْماَءُ إِلا أَنْ نُؤْتَى بِاللُّحَيْمِ (^٦).\nوَعَنْهاَ أَنَّهاَ قَالَتْ لْعُرْوَةَ:\n_________\n= الأرض من الأغنياء في الحديث الخامس، وانظر إلى أسبقيتهم في دخول الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام في الحديث العاشر، وانظر إلى دعوة النبي - ﷺ - في الحديث الحادي عشر أن يكون مسكينا حيا وميتا وأنه يحشر في زمرة المساكين، وفي الحديث: إن في الجنة غرفا يري باطنها من ظاهرها وظاهرها من باطنها، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لا يدخلها إلا نبي فقير أو مؤمن فقير، وليست هذه المزايا للفقراء لفقرهم فقط بل لصبرهم وتقواهم وصالح أعمالهم وتواضعهم الذي سببه الفقر غالبا فلا ينافي أن الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر والله أعلم.\n(^١) الثاني والثالث بسندين غريبين والأول بسند صحيح ولكنه روي الثالث في كتاب اللباس.\n\nالفصل الثالث في معيشة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم\n(^٢) فما شبع النبي ﵌ بعد الهجرة من طعام البر ثلاث ليال متوالية حتى توفي النبي - ﷺ -.\n(^٣) الرف ما يوضع عليه الطعام، وذو كبد هو الحيوان، ففني أي نقد وفرغ.\n(^٤) وشعيرهم لم يكن كشعيرنا بل شعيرهم كحب الأرز الصغير، وهو يباع في محلات الأدوية عندنا الآن للتداوي به من بعض الأمراض.\n(^٥) كان النبي - ﷺ - يفعل ذلك للإيثار ولكراهة الشبع وللتشريع وإلا فقد كان يمكنه التوسع لما سبق أنه عرض عليه بطحاء مكة ذهبا فأبي - ﷺ - ولحديث: كان النبي - ﷺ - لا يدخر شيئا لغد.\n(^٦) فكان يمضى الشهر وأكثر وما يوقدون نارًا في بيوتهم لعدم ما يخبزونه وما يطبخونه، وكان طعامهم التمر والماء.","vol":"5","page":175},{"text":"ياَ ابْنَ أُخْتِي إِنْ كنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْياَتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَارٌ فَقُلْتُ: مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: الْأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْماَءُ (^١) إِلا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ جِيرَانٌ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ لَهُمْ مَناَئحُ كَانُوا يَمْنَحُونَ مِنْهاَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَيَسْقِيناَهُ (^٢)، رَوَاهُماَ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ قَتَادَةَ ﵁ قَالَ كُنَّا نَأْتِي أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ وَخَبَّازُهُ قَائِّمٌ فَقَالَ: كُلُوا فَمَا أَعْلَمُ النَّبِيِّ ﷺ رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ وَلَا رَأَى شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطُّ (^٣) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنِ النُّعْماَنِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: أَلَسْتُمْ فِي طَعاَمٍ وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلَأُ بَطْنَهُ (^٤)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَبِيتُ اللَّياَلِي الْمُتَتَابِعَةَ طَاوِيًا وَأَهْلَهُ لَا يَجِدُونَ عَشَاءً وَكانَ أَكْثَرُ خُبْزِهِمْ خُبْزَ الشَّعِيرِ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵁ قَالَ: شَكَوْناَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجُوعَ وَرَفَعْناَ عَنْ بُطُونِناَ عَنْ حَجَرٍ هُجَرٍ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ حَجَرَيْنِ (^٦).\n\n• عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَلَيْهِ\n_________\n(^١) التمر والماء بيان للأسودين بتغليب أشهرهما وهو التمر على الماء، والمراد بسواده عدم بياضه، وإذا اقترن شيئان سميا باسم أشهرهما.\n(^٢) كانت لهم منائح جمع منيحة وهي ذات اللبن من راحلة وشاة كانوا يمنحون رسول الله - ﷺ - من ألبانها.\n(^٣) الخباز هو طاهي الطعام، والمرقق الخبز الواسع الرقيق، والسميط ما نزع صوفه وشوى بالنار وهو أكل المترفين.\n(^٤) الدقل كسبب: رديء التمر ويابسه.\n(^٥) طاويا وأهله أي مع أهله على الجوع.\n(^٦) فبعض الأصحاب شكوا لرسول الله - ﷺ - من الجوع وكشفوا له عن بطونهم وكل قد ربط على بطنه حجرا فكشف لهم - ﷺ - عن بطنه وقد ربط عليها حجرين. فربط الحجر على البطن يقوى الصلب ويبرد حرارة الجوع وفي هذا قال البوصيري ﵁ وحشرنا في زمرته:\nوشب من سغب أحشاءه وطوى … تحت الحجارة كشحا مترف الأدم","vol":"5","page":176},{"text":"ثَوْباَنِ مُمَشَّقاَنِ مِنْ كَتَّانِ (^١) فَتَمَخَّطَ فِي أَحَدِهماَ ثمَّ قَالَ: بَخٍ بَخٍ يَتَمَخَّط أَبُو هُرَيْرَةَ فِي الْكَتَّانِ (^٢) لَقَدْ رَأَيْتُني وَإِنِّي لأَخِرُّ فِيماَ بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَحُجْرَةِ عَائِشَةَ مِنَ الْجُوعِ مَغْشِيَا عَلَيَّ فَيَجِيءُ الْجَائي فَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِي يَرَى أَنَّ بِيَ الْجُنُونَ وَمَا بِي جُنُونٌ وَمَا هُوَ إِلا الْجُوعُ (^٣).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: نَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَصِيرٍ فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ فَقُلْناَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْناَ لَكَ (أَيْ فِرَاشًا لَيِّنًا) فَقَالَ: مَا لِي وَمَا لِلدُّنْياَ مَا أَنَا فِي الدُّنْياَ إِلا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهاَ (^٤)»، رَوَى هذِهِ الْأَرْبَعَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n• عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ (^٦) ﵁ قاَلَ: إِنِّي أَوَّلُ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَقَدْ رَأَيْتناَ نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا لَناَ طَعاَمٌ إِلا الْحُبْلَةُ وَهذَا السَّمُرُ حَتَّى إِنَّ أَحَدَناَ لَيَضَعُ كَماَ تَضَعُ الشَّاةُ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ يُعَزِّرُونَنِي فِي الدِّينِ لَقَدْ خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ عَمَلِي (^٧)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَاعَةٍ لَا يَخْرُجُ فِيهاَ وَلَا يَلْقاَهُ فِيهاَ أَحَدٌ (^٨) فَأَتاَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ: «مَا جَاءَ بِكَ ياَ أَباَ بَكْرٍ» فَقَالَ: خَرَجْتُ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ (^٩) فَلَمْ\n_________\n(^١) من كتان ممشقان أي مرققان ومصبوغان بالمشق كالحمل نوع يصبغ به.\n(^٢) بخ بخ كلمة تقال عند الرضا والفرح والإعجاب بالشيء.\n(^٣) هذه حال من الجوع ليس فوقها حال ولكنهم صبروا أملا في رضاء الله ورسوله عنهم حتى بلغوا أرفع المنازل في الدنيا وأسماها في الأخرى.\n(^٤) هذا أحسن مثل وأجمله في المرور على الدنيا إلى الآخرة وفقنا الله لصالح العمل آمين.\n(^٥) الثاني بسند غريب والباقي بأسانيد صحيحة.\n(^٦) هو ابن أبي وقاص أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃ وهو من بني زهرة أخوال النبي - ﷺ -.\n(^٧) الحبلة: ثمر السلم أو العضاه، والسمر: شجر، والمراد أنه أول من غزا ورمى بسهمه في سبيل الله تعالى وكانوا سبعة ولا يجدون ما يأكلونه إلا ورق شجر البادية وثمره الذي لا يؤكل حتى كان الواحد منهم يتبرز غائطا يابسًا لا يمسك في بعضه كبعر الشاة وروث الحيوان ثم بعد هذا أصبحت بنو أسد تلومني في أمر الدين فلو صدقوا لخبت وضاع سعيي.\n(^٨) يظهر أنها كانت ساعة قيلولة.\n(^٩) وأسلم عليه وأتشرف به - ﷺ -.","vol":"5","page":177},{"text":"يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: «مَا جَاءَ بِكَ ياَ عُمَرُ»؟ قَالَ: الْجُوعُ ياَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««وَأَناَ قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذلِكَ فاَنْطَلَقُوا إِلَى مَنْزِلِ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهاَنِ الْأَنْصَارِيِّ وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشَّاءِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَدَمٌ فَلَمْ يَجِدُوهُ (^١)» فَقاَلُوا لِامْرَأَتِهِ: أَيْنَ صَاحِبُكِ (^٢) فَقَالَتِ انْطَلَقَ يَسْتعْذِبُ لَناَ الْماَءَ فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَ أَبُو الْهَيْثَمِ بِقِرْبَةٍ يَزْعَبُهاَ فَوَضَعَهاَ (^٣) ثُمَّ جَاءَ يَلْتَزِمُ النَّبِيَّ ﷺ وَيفْدِيهِ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ (^٤) ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى حَدِيقَتِهِ فَبَسَطَ لَهُمْ بِسَاطًا (^٥) ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلِهِ فَجَاءَ بِقِنْوٍ فَوَضَعَهُ (^٦) فَقَالَ النبِيُّ ﷺ: «أَفَلَا تَنَقَّيْتَ لَناَ مِنْ رُطَبِهِ (^٧)» فَقَالَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَخَيَّرُوا مِنْ رُطَبِهِ وَبُسْرِهِ (^٨) فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا مِنْ ذلِكَ الْماَءِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هذَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مِنَ النَّعِيم الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِياَمَةِ ظِلٌّ باَرِدٌ وَرُطَبٌ وَمَاءٌ باَرِدٌ» فاَنْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ لِيَصْنَعَ لَهُمْ طَعاَمًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا تَذْبَحَنَّ ذَاتَ دَرَ (^٩) فَذَبَحَ لَهُمْ عَنَاقًا أَوْ جَدْيًا (^١٠)» فَأَتَاهُمْ بِهَا فَأَكَلُوا فَقَال النَّبِيِّ ﷺ: «هَلْ لَكَ خَادِمٌ طيِّبٌ»؟ قَالَ: لَا، قَالَ: «فَإِذَا أَتاَناَ سَبْيٌ فَأْتِناَ» فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَأْسَيْنِ لَيْسَ مَعَهُماَ ثاَلِثٌ (^١١) فَأَتاَهُ أَبُو الْهْيثَمِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اخْتَرْ مِنْهُماَ» فَقَالَ: ياَ نَبِيَّ اللهِ اخْتَرْ لِي فَقاَلَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ خذْ هذَا فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفًا» (^١٢) فاَنْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ إِلَى أَمرَأَتِهِ فَأَخْبَرَهَا بِقَوْلِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: مَا أَنْتَ بِباَلِغِ مَا قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى تُعْتِقَهُ (^١٣) فَقَالَ: هُوَ\n_________\n(^١) كثير الشياه والنخيل ومن أهل اليسار.\n(^٢) أي زوجك.\n(^٣) يستعذب الماء يأتينا بماء عذب، زعبها أي يحملها.\n(^٤) يلتزمه أي يعانقه، ويفديه أي يقول له أفديك بأبي وأمي.\n(^٥) يجلسون عليه.\n(^٦) القنو: غصن النخلة عليه الرطب.\n(^٧) جمعت لنا رطبه.\n(^٨) أردت أن تختاروا منه بأنفسكم.\n(^٩) أي ذات لبن.\n(^١٠) العناق: أنثى المعز قبل إتمامها سنة، والجدى. ذكر المعز قبل السنة أيضا.\n(^١١) برقيقين فقط.\n(^١٢) أوص امرأتك عليه.\n(^١٣) فلا تكون عاملا بوصية النبي - ﷺ - إلا إذا أعتقته.","vol":"5","page":178},{"text":"عَتِيقٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلَا خَلِيفَةً إِلا وَلَهُ بِطاَنَتاَنِ (^١) بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهاَهُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَبِطاَنَةٌ لَا تَأْلُوهُ خَباَلًا (^٢) وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ فَقَدْ وَقِيَ (^٣)».\n\n• وَعَنْهُ أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ جُوعٌ فَأَعْطَاهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَمْرَةً تَمْرَةً (^٤).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ (^٥) وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ بَيْنَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبِط بِلَالٍ».\nوَقِيلَ لِسَهْلٍ ﵁: أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ النَّقِيَّ الْحُوَّارَي (^٦) فَقَالَ: مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّقِيَّ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ فَقِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَتْ لَكُمْ مَناَخِلُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا كَانَتْ لَناَ مَناَخِلُ» قِيلَ: فَكَيْفَ كنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي الشَّعِيرِ قَالَ: «كُنَّا نَنْفُخُهُ فَيَطِيرُ مِنْهُ مَا طَارَ ثُمَّ نُثَرِّيهِ فَنَعْجِنُهُ (^٧)» رَوَى هذِهِ الْأَرْبَعَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٨)، نَسْأَلُ اللَّهَ تَماَمَ الْقَناَعَةِ وَالرِّضَا آمِين.\n_________\n(^١) خليفة: هو الرسول، قال الله تعالى ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾.\n(^٢) لا تقصر في الشر والفساد فعلا وإيحاء.\n(^٣) ومن يتحفظ من حاشية السوء فإن الله يحفظه.\n(^٤) لكثرة القوم وقلة التمر والزاد.\n(^٥) هذا أولا حينما كان الإسلام غريبًا والمسلمون قليلين وإلا فقد بلغ بعد ذلك من العز نهايته.\n(^٦) الخبز النقي أي الصافي، الحوّاري أي الأبيض كالخبز من دقيق البر ونحوه، والحوارى بضم فتشديد فقصر: لب الدقيق الأبيض.\n(^٧) نثرِّيه - كنزكيه - أي نبله بالماء فنعجنه ونخبزه، وفيه أن المناخل لم تكن في زمنه - ﷺ -، ولكنها حدثت بعده فهي من المحدثات والبدع المباحة كشأن ما حدث لتحسين المطعومات والملبوسات ونحوها.\n(^٨) الأول والرابع بسندين صحيحين.","vol":"5","page":179},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1147>أهل الصفة </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: آللَّهَ الَّذِي لَا إِلهَ إِلا هُوَ (^٢) إِنْ كنْتُ لَأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْجُوعِ (^٣) وَإِنْ كنْتُ لَأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الْجُوعِ وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ (^٤) فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلا لِيُشْبِعَنِي فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ (^٥) ثمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتاَبِ اللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلا لِيُشْبِعَنِي فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثمَّ مَرَّ بِي أَبُو الْقاَسِمِ ﷺ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي وَعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي وَمَا فِي وَجْهِي (^٦) ثُمَّ قَالَ: «ياَ أَباَ هِرَ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «الْحَقْ (^٧)» فَمَضَى فَتَبِعْتُهُ فَدَخَلَ فاَسْتَأْذَنَ فَأَذَنَ لِي فَدَخَلْتُ فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ فَقَالَ: «مِنْ أَيْنَ هذا اللَّبَنُ»؟ قاَلُوا: أَهْدَاهُ لَكَ فُلَانٌ أَوْ فُلَانَةُ (^٨)، قَالَ: «أَباَ هِرَ (^٩)»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الْحقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فاَدْعُهُمْ لِي»، قَالَ: «وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الْإِسْلَامِ لَا يَأْوُونَ إِلَى أَهْلٍ وَلَا مَالٍ وَلَا عَلَى أَحَدٍ إِذَا أَتتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهاَ إِلَيْهِمْ وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهاَ شَيْئًا (^١٠) وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَصَابَ مِنْهاَ وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا فَسَاءَنِي ذلِكَ فَقُلْتُ وَمَا هذَا اللَّبَنُ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ (^١١) كنْتُ أَحَقَّ أَناَ أَنْ أُصِيبَ مِنْ هذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً\n_________\nأهل الصفة\n(^١) الصفة: موضع مظلل بالمسجد، وأهل الصفة: قوم من فقراء المسلمين لا مال ولا منازل لهم بل كانوا يأوون إلى مكان مظلل في المسجد ليلا ونهارا ولا يذهبون لأحد ولا يسألون أحدا تحت رعاية النبي - ﷺ -.\n(^٢) لفظ الإمام أحمد: والله الذي لا إله إلا هو.\n(^٣) ألصق بطني بالأرض من شدة الجوع.\n(^٤) من منازلهم إلى المسجد.\n(^٥) لم يدعني للطعام.\n(^٦) من شدة الجوع.\n(^٧) سر معي فتبعته حتى دخل بيته - ﷺ -.\n(^٨) أو للشك.\n(^٩) يا أبا هريرة.\n(^١٠) لأن الصدقة حرام عليه. كما سبق في الزكاة.\n(^١١) لقلة هذا اللبن وكثرة أهل الصفة حتى قيل إن عددهم أحيانا كان يصل إلى السبعين.","vol":"5","page":180},{"text":"أَتَقَوَّى بِهاَ فَإِذَا جَاؤوا أَمَرَنِي فَأُعْطِيهِمْ وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِي مِنْ هذَا اللَّبَنِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ بُدٌّ (^١) فَأَتَيْتُهُمُ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا فاَسْتَأْذَنُوا فَأَذِن لَهُمْ وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ الْبَيْتِ (^٢)، قَالَ: «ياَ أَباَ هِرَ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «خُذْ فَأَعْطِهِمْ» فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى (^٣) ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ رَوِيَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَتَبَسَّمَ فَقَالَ: «ياَ أَباَ هِرَ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «بَقِيتُ أَناَ وَأَنْتَ»، قُلْتُ: صَدَقْتَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «اقْعُدْ فاَشْرَبْ» فَقَعَدْنُ فَشَرِبْتُ فَقَالَ: «اشْرَبْ» فَشَرِبْتُ فَماَ زَالَ يَقُولُ «اشْرَبْ» حَتَّى قُلْتُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا (^٤)، قَالَ: «فَأَرِنِي» فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَسَمَّى وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ (^٥)، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ.\n\n• عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى بِالنَّاسِ يَخِرُّ رِجَالٌ مِنْ قاَمَتِهِمْ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الْخَصَاصَةِ (^٦) وَهُمْ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ حَتَّى يَقُولَ الْأَعْرَابُ هؤُلَاءِ مَجَانِينُ (^٧) أَوْ مَجَانُونَ فَإِذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا لَكمْ عِنْدَ اللَّهِ لَأَحْبَبْتُمْ أَنْ تَزْدَادُوا فاَقَةً وَحَاجَةً (^٨)»، قَالَ فَضَالَةُ: وَأَناَ يَوْمَئِذٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n_________\n(^١) فلا مفر لي من طاعته - ﷺ - في دعوة أهل الصفة.\n(^٢) فدخلوا بيت النبي - ﷺ - وجلسوا.\n(^٣) أي أعطيه لرجل آخر فيشرب حتى يروى وهكذا.\n(^٤) شربت وامتلأت حتى لم يبق موضع للبن في جسمي.\n(^٥) فحمد الله على البركة في هذا اللبن وظهور هذه المعجزة العظيمة في لبن غايته ثلاثة أرطال يكفي أكثر من عشرة في أشد الجوع ويبقى منه ولكن هي البركة في الأولى والآخرة والمعجزة فيها أظهر وأجلى، نسأل الله التوفيق والبركة في كل شيء آمين.\n(^٦) الخصاصة. شدة الجوع، قال الله تعالى في الأنصار ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾.\n(^٧) حتى يقول الأعراب الذين لا يعرفونهم هؤلاء مجانين أو مجانون وهذه لغة شاذة كشياطون في جمع شيطان.\n(^٨) هذا ترغيب عظيم في الفقر والحاجة إذا صبر ورضي بحكم الله تعالى والتوفيق بيد الله وحده.","vol":"5","page":181},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1148>حفظ اللسان فرض </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا يَهْوِي بِهاَ فِي النَّارِ أَبْعدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ (^٢)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهاَ بَأْسًا يَهْوِي بِهاَ سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ (^٣)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهاَ باَلًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهاَ دَرَجَاتٍ (^٤) وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهاَ باَلًا يَهْوِي بِهاَ فِي جَهَنّمَ (^٥)»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهاَ رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقاَهُ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهاَ سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقاَهُ (^٦)».\n_________\nحفظ اللسان فرض\n(^١) فحفظ اللسان من قبيح الكلام فرض عيني على كل إنسان لأن ضرره عظيم، قال بعضهم: إن اللسان حية مسكنها الفم، وقال ابن مسعود: ليس شيء أحوج إلى طول سجن من اللسان، وقد قيل في الصمت السلامة وفي التكلم الندامة، وفي الحديث: من صمت نجا، وما أحسن ما قيل:\nاحفظ لسانك أيها الإنسان … لا يلدغنك إنه ثعبان\n(^٢) ما يتبين ما فيها أي لا يتدبر فيها وما يترتب عليها.\n(^٣) يمكث يهوى في النار بسببها سبعين عاما.\n(^٤) لا يلقي لها بالا: أي لا يفكر فيها بقلبه ولكنها مما يرضاه الله يرفعه الله بها درجات.\n(^٥) من سخط الله أي مما يسخطه الله من قبيح الكلام.\n(^٦) فالكلمة التي تجلب غضب الله إلى يوم القيامة: هي الكلمة العظيمة الأثر والضرر كالطعن في عرض مؤمن أو مؤمنة، وككلمة عند رجل فيمن تحت ولايته من زوجة وولد وتابع ومرءوس، ومثلها بل أعظم الكلمة في رجل من أهل الفضل والدين الذين هم قدوة صالحة للناس لأنها تزهد فيهم، والكلمة التي فيها رضوان الله إلى يوم القيامة هي الكلمة العظيمة ككلمة شفاعة عند ذي سلطان أنجت من الهلاك قوما أو فتحت له باب خير، وكأمر بالمعروف أو نهي عن المنكر هدى قوما من أودية الضلال، ومن هذا يتضح أن الوعاظ والهداة =","vol":"5","page":182},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْاخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ (^١)» رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ (^٢)» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ ياَ رَسُولَ اللَّهِ حَدّثْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصمُ بِهِ، قَالَ: «قُلْ رَبَي اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ (^٤)»، قُلْتُ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ مَا أَخْوَفُ مَا تَخاَفُ عَلَيَّ؟ فَأَخَذَ بِلِسَانِ نفْسِهِ ثُمَّ قاَلَ: «هذَا» (^٥).\n\n• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ ياَ رَسُولَ اللَّهِ مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» (^٦).\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوةٌ لِلْقَلْبِ وَإِنْ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي» (^٧).\n_________\n= المرشدين من العلماء ورجال الطريق القائمين بأمر الدين والداعين إليه في أعلى درجات الرضوان، قال الله تعالى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ نسأل الله التوفيق والإخلاص آمين.\n(^١) فمن كان وصفه التكلم بالخير أو السكوت كان كامل الإيمان ومحبوبًا لله ولرسوله - ﷺ -.\n(^٢) ما بين الرجلين هو الفرج، وما بين اللحيين هو اللسان، واللحيان: تثنية لحى وهما العظمان اللذان تنبت عليهما الأسنان السفلى، فمن يحفظ فرجه ولسانه فإن النبي - ﷺ - يضمن له الجنة.\n(^٣) وعبارة الترمذي: من وقاه الله شر ما بين لحييه وما بين رجليه دخل الجنة، نسأل الله الجنة ورضاه لنا وللمسلمين آمين والحمد لله رب العالمين.\n(^٤) أعتصم أي أتمسك به فينفعني قال: كن موحدا دائما وافعل الواجبات وابتعد عن المحرمات فإنك تسعد في دنياك وأخراك، قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾.\n(^٥) فأخوف شيء على الإنسان لسانه فإنه إذا أطلقه أوقعه في المهالك كلها كالغيبة والنميمة وشهادة الزور والكذب والطعن في الأعراض والطعن في الأنساب ونحو ذلك.\n(^٦) ما النجاة: أي ما طريق النجاة؟ قال: احفظ لسانك وكن دائما تائبًا وآيبًا إلى ربك ولتكن دائما في السعي لمعاشك أو في مصلحة أحد من العباد، أو في بيتك لراحة جسمك وواجب أهلك، أو في مسجد من مساجد الله لعبادة ربك أو مشتغلا بالعلم الشرعي فإنه نعم الرفيق.\n(^٧) فكثرة الكلام في غير طاعة الله تعالى تقسى القلب وتصيره أبعد القلوب عن الله تعالى.","vol":"5","page":183},{"text":"• عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كلُّ كَلَامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لَا لَهُ إِلا أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى» (^١).\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كلَّهاَ تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا فَإِنَّاَ نَحْنُ بِكَ فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا» (^٢).\n\n• عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ» (^٣).\n\n• عَنْ وَاثِلَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لِأَخِيكَ فَيرْحَمَهُ اللَّهُ وَبَبْتَلِيَكَ (^٤)»، رَوَى هذِهِ السَّبْعَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٥)، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِماَ يحِبُّ وَيَرْضى آمِين.\n_________\n(^١) فكل كلام ابن آدم سيسأل عنه إلا كلاما في طاعة الله تعالى كعبادة وإرشاد ونصح للعباد فهي له ذخائر.\n(^٢) تكفر اللسان أي تذل وتخضع له بالقول نصحا وتحذيرا كقولها: اتق الله فينا فإننا تبع لك استقامة واعوجاجا، نسأل الله السلامة منه.\n(^٣) فتعيير المسلم بما ارتكبه وتاب منه لا يجوز وربما وقع المعير فيه قبل مماته، أما إذا لم يتب فلا شيء في تعنيفه وتعييره تشديدا في النهي عنه.\n(^٤) فلا تظهر الشماتة والفرح لمن يعاديك إذا نزلت به بلية وإلا عافاه الله وابتلاك، ولا بأس من فرحك في نفسك للخلاص من ضرره وشره.\n(^٥) الخامس بسند غريب والأول بسند صحيح والباقي بأسانيد حسنة.\n(فائدة): ما أحسن شرعنا وما أرحمه بنا وما أجمله لنا حيث نهانا عن قبيح الكلام ورديء الصفات بأساليب شتى تارة بعنوان الكذب وتارة بعنوان الغيبة وتارة بعنوان النميمة وتارة باليمين الفاجرة وتارة بشهادة الزور وتارة بالقذف وتارة بالطعن وتارة بالتعيير وتارة بإظهار الشماتة. وقد روى أبو داود أن النبي - ﷺ - كان يقول لأصحابه: لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئًا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر. - ﷺ - وشرف وعظم وكرم، كل هذا ليتحفظ الشخص عن الذميم والقبيح وليتصف بالجميل والمليح فيكون عبدا ربانيا كاملا في ذاته وصفاته سعيدا بسعادة الأبد الخالدة، اللهم أسعدنا يا رحمن يا ذا الجلال والإكرام آمين والحمد لله رب العالمين.","vol":"5","page":184},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1149>السلامة في العزلة </span>(^١)\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «رَجُلٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعاَبِ يَعْبُدُ رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ (^٢)»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ خَيْرُ مَالِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ الْغَنَمَ يَتْبَعُ بِهاَ شَعَفَ الْجباَلِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ (^٣)»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَاللَّهُ أعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1150>كمال الإيمان في ترك ما لا بأس به </span>(^٤)\n\n• عَنْ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ الْبَأْسُ (^٥)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ (^٦).\n_________\nالسلامة في العزلة عن الناس\n(^١) فمن ابتعد عن الناس سلم من شرهم وسلموا من شره وما أحسن قول القائل:\nلقاء الناس ليس يفيد شيئا … سوى الهذيان من قيل وقال\nفأقلل من لقاء الناس إلا … لأخذ العلم أو إصلاح حال\n(^٢) الشعب كالحمل: الوادي بين جبلين أو الطريق في الجبل، فخير الناس بعد المجاهدين من يعتزل عن الناس ويعبد ربه خاليا وحده.\n(^٣) شعف الجبال: أعاليها، ومواقع القطر: منابت المرعي، والغنم مثال فقط وإلا فالمراد أن أحسن عيشة للمسلم ما كان في عزلة عن الناس رعاية غنم أو بقر أو إبل أو نحوها أو زراعة أو صناعة أو وظيفة أو غيرها فيمنع شره عن الناس ويبتعد عن شرهم، وأوجب ما يكون هذا في زمن الفتن، نسأل الله السلامة منها آمين.\n\nكمال الإيمان في ترك ما لا بأس به\n(^٤) البأس: الشدة والضرر، فكمال الإيمان في ترك ما لا يعني الإنسان ولو كان خاليًا من الضرر فتكون أعماله وحركاته كلها مفيدة كالشجرة المثمرة بكل أغصانها.\n(^٥) وفي رواية: حذرا مما به بأس، فالتقوى ترك ما لا ضرر فيه خوفا من الوقوع في الضرر، وهذا كحديث: من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وذلك كالمزاح.\n(^٦) بسند حسن الترمذي وصحيح للحاكم.","vol":"5","page":185},{"text":"• عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنْ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ (^١)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ (^٢).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَقَالَ رَجُلٌ: أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «أَوَلَا تَدْرِي فَلَعَلَّهُ تَكَلَّمَ فِيماَ لَا يَعْنِيهِ أَوْ بَخِلَ بِماَ لَا يَنْقُصُهُ (^٣)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّخَاءَ وَالسَّمَاحَةَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1151>الأجر العظيم في الصبر على حكم الله تعالى </span>(^٤)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّة مِنْ أَهْلِ الدُّنْياَ ثمَّ احْتَسَبَهُ إِلا الْجَنَّة (^٦)»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ لَا تَزَالُ الرِّيحُ تُمِيلُهُ وَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ الْبَلَاءُ، وَمَثَلُ الْكاَفِرِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الْأَرْزِ لَا تَهْتَزُّ حَتَّى تَسْتَحْصِدَ (^٧)»،\n_________\n(^١) ولا يهم الإنسان إلا سعيه لدنياه أو عمله الصالح لأخراه.\n(^٢) بسند صحيح للحاكم.\n(^٣) منع - ﷺ - من الكلام من بشره بالجنة خشية من أن يكون تكلم بما لا يعنيه أو بخل بشيء قليل، وهذا تنفير عن هذين وإلا فهما لا يمنعان من الجنة إلا إذا كان البخل بزكاة، وفيه نهي عن القول بالجنة لأحد كما سبق إلا على وجه الرجاء تأدبًا مع الله تعالى وتنزها عن القول بالظن فإنه أكذب الحديث، نسأل الله الصدق في الأقوال والأفعال آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nالأجر العظيم في الصبر على حكم الله تعالى\n(^٤) أي والرضا به فما جزاء من يحبك ويرضى عنك إلا الرضا عنه.\n(^٥) صدر الآية (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان - في صالح الأعمال - رضي الله عنهم ورضوا عنه) إلى آخرها وهذه آية في سورة التوبة رقم ١٠٠.\n(^٦) الصفي: هو الحبيب الذي صدق في وده حتى صفا، فمن مات صفيه فخزن واحتسبه عند الله عوضه الله الجنة، ومثله كل من يحرق القلب ولو أجنبيا.\n(^٧) وفي رواية: ومثل المنافق كشجرة الأرز بسكون الراء وفتحها شجر معروف صلب أو هو شجر=","vol":"5","page":186},{"text":"رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^١).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ (^٢)».\n\n• عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: قُلْتُ ياَ رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: «الْأَنْبِياَءُ ثمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ (^٣) فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ (^٤)».\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ الْوَجَعَ عَلَى أَحَدٍ أَشَدَّ مِنْهُ عَلَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (^٥).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوَبةَ فِي الدُّنْياَ (^٦) وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^٧)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ فَمَنْ رضي فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ (^٨)».\n\n• عَنْ سَعْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ رِضاَهُ بِماَ قَضَى اللَّهُ لَهُ، وَمِنْ\n_________\n= الصنوبر، وفي رواية: مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع (العود اللين منه) تفيئها. تميلها الريح مرة وتعدلها أخرى، والمراد أن المؤمن كثير البلاء في دنياه بخلاف الكافر والمنافق.\n(^١) ولكن مسلم في صفة القيامة والبخاري في الطب.\n(^٢) في نفسه وولده بالأمراض أو موت الأولاد، وماله بنقصه أو إتلافه حتى يلقي الله طاهرا من الذنوب، وهذه حكمة كثرة البلاء وقد يكون لرفع درجات من لا ذنوب لهم كالأنبياء والأولياء في الحديث الآتي.\n(^٣) دينه صلبًا أي قويا، وفي دينه رقة أي ضعف.\n(^٤) فأعظم الناس بلاء الرسل فالأنبياء فمن يليهم في الدرجة والقرب من الله تعالى كالأولياء والخيار من الناس والأتقياء ليعظم أجرهم.\n(^٥) فلما كان محمد رسول الله - ﷺ - أفضل الخلق وأعظمهم شأنا ومقاما عند الله تعالى كان بلاؤه أعظم من بلاء غيره ومرضه أشد من مرض غيره ليعظم أجره عن غيره.\n(^٦) بهمومها وبلائها فتطهره أولا فأولا.\n(^٧) فيعاقبه فيها وعقابها أشد وأعظم.\n(^٨) فسخطه على حكم الله تعالى وما قدره له من خير أو شر شقاء عظيم كأنه نسب لله الجهل أو الجور مع أن الله لا يفعل إلا ما فيه المصلحة.","vol":"5","page":187},{"text":"شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللَّهِ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ سُخْطهُ بِماَ قَضَى اللَّهُ لَهُ (^١)».\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافَيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَي أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْياَ بِالْمقَارِيضِ (^٢)»، رَوَى التِّرْمِذِيُّ هذِهِ السَّبْعَةَ (^٣).\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «أَحْصُوا لِي كَمْ يَلْفِظُ الْإِسْلَامَ (^٤)»، فَقُلْناَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ مَا بَيْنَ السِّتِّمِائَةِ إِلَى السَّبْعِمِائَةِ، قَالَ: «إِنَّكمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّكمْ أَنْ تُبْتَلَوْا»، قَالَ: فاَبْتُلِينَا حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لَا يُصَلِّي إِلا سِرًّا (^٥).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهاَ فِي الدُّنْياَ وَيجْزَى بِهاَ فِي الْاخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهاَ لِلَّهِ فِي الدُّنْياَ حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْاخِرَةِ لَمْ يَكنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزى بِهاَ (^٦)»، رَوَاهُماَ مُسْلِمٌ (^٧).\n_________\n(^١) عدم رضاه بما اختار الله له.\n(^٢) فلا يودون هذا إلا لما شاهدوه من عظيم الثواب والعطاء لأهل البلاء.\n(^٣) الأخير بسند غريب والثلاثة الأول بأسانيد صحيحة والباقي بأسانيد حسنة.\n(^٤) أي كم شخصا دخل في الإسلام ويتكلم به.\n(^٥) وهذا في أول الأمر قبل كثرة الإسلام وعزة أهله.\n(^٦) فما عمله الكافر في دنياه لله تعالى يجازي عليه في الدنيا بدفع بلاء دنيوي أو زيادة مال أو ولد أو جاه أو منصب حتى إذا مات لم يبق معه إلا سيئاته لأن نفع الأعمال الصالحة في الآخرة مشروط بالموت على الإيمان وهذا باتفاق العلماء، قال الله تعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ وأما المؤمن فإن الله يكافئه على أعماله الصالحة في دنياه بما يراه في مصلحته من دفع شر أو جلب خير ويجازيه أيضا عليها في الآخرة برفيع الدرجات جل شأن ربنا وعلا فليس بعد هذا فضل ولا إحسان ولا عطاء فله مزيد الحمد ووافر الشكر سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك يا واسع يا عليم يا ذا الفضل العظيم.\n(^٧) ولكن الأول في الإيمان والثاني في صفة القيامة.\n(تنبيه): سبق من هذا نبذة في باب الجنائز من كتاب الصلاة ونبذة أخرى في كتاب الطب النبوي.","vol":"5","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1152>الفصل الرابع: في القضاء والقدر </span>(^١)\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَالسَّعِيدُ مَنْ وَعُظَ بِغَيْرِهِ (^٢) فَسَمِعَهُ رَجُلٌ فَأَتَى حُذَيْفَةَ فَأَخْبَرَهُ بِذلِكَ وَقَالَ: كَيْفَ يَشْقَى رَجُلٌ بِغَيْرِ عَمَلٍ، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أَتَعْجَبُ مِنْ ذلِكَ (^٣) فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنتاَنِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهاَ مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهاَ وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهاَ وَعِظاَمَهاَ (^٤)، ثُمَّ قَالَ: ياَ رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ (^٥) وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: ياَ رَبِّ أَجَلُهُ (^٦) فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: ياَ رَبِّ رِزْقُهُ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ وَلَا يَنْقُصُ (^٧)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ (^٨)، أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ،\n_________\nالفصل الرابع في القضاء والقدر\n(^١) القضاء: الحكم والبيان، والقدر: التقدير وهو تحديد الله للأشياء في الأزل قبل وجودها بحسب علمه وإرادته كما سبق في الإيمان بالقدر من كتاب الإيمان، والمراد هنا بيان ما يقضى على الإنسان من حين نشأته إلى نهايته في الدار الباقية وأن كل شيء قد قضى وقدر وجف به القلم فلا تغيير إلا ما شاء الله تعالى.\n(^٢) فالسعيد كتبت سعادته وهو في بطن أمه والشقي كتبت شقاوته وهو في بطن أمه كما كتب رزقه وأجله ونوعه.\n(^٣) لا تعجب من ذلك.\n(^٤) وهذا بعد تمام الطور الأول وهو حال المنوية ودخولها في الطور الثاني وهو حال العلقية، وفي رواية: يدخل الملك على النطفة بعد أن تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة، ولا تنافي بينهما فإن لكل نطفة ملكا يراعيها من حين استقرارها في الرحم كما يأتي في حديث أنس.\n(^٥) يخبره بما في علمه من أحد الأمرين فيكتبه الملك.\n(^٦) أي ما أجله.\n(^٧) فتظهر تلك الصحيفة من حال الغيب إلى حال الشهود فيطلع الله عليها من شاء من الملائكة الموكلين بأحواله ليقوم كل بعمله المأمور به.\n(^٨) فيقول أي حين استقرار النطفة في الرحم: يا رب هذه نطفة، فإذا صارت علقة قال: يا رب هذه علقة؛ كأنه يراعيها ويؤذن عنها وقتًا بعد وقت كما كلفه الله تعالى.","vol":"5","page":189},{"text":"أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقًا قَالَ الْمَلَكُ: أَيْ رَبِّ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَماَ الرِّزْقُ، فَماَ الْأَجَلُ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ (^١)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا ذَاتَ يَوْمٍ وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكتُ بِهِ (^٢) فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ إِلا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهاَ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ (^٣)» قاَلُوا: ياَ رَسُولَ اللَّهِ فَلِمَ نَعْمَلُ أَفَلَا نَتكِلُ (^٤)، قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِماَ خُلِقَ لَهُ» ثُمَّ قَرَأَ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ الْآيَتَيْنِ (^٥)، رَوَاهُ الْأَربَعَةُ.\nقِيلَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ بَيِّنْ لَناَ دِينَناَ كَأَنَّا خُلِقْناَ الْآن (^٦) فَفَيمَ الْعَمَلُ الْيَوْمَ أَفِيماَ جَفَّتْ بِهِ الْأَفْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقاَدِيرُ أَمْ فِيماَ نَسْتقْبِلُ (^٧)، قَالَ: «لَا، بَلْ فِيماَ جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقاَدِيرُ»، قاَلَ: فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ قَالَ: «كلُّ عامِلٍ مِيَسَّرٌ لِعَمَلِهِ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظْهُ: قَالَ عُمَرُ ياَ رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَا نَعْمَلُ فِيهِ أَمْرٌ مُبْتَدَعٌ أَوْ فِيماَ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ فَقَالَ: «فِيماَ قَدْ فرِغَ مِنْهُ ياَ ابْنَ الْخَطَّابِ كُلٌّ مُيَسَّرٌ. أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعاَدَةِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ لِلسَّعاَدَةِ (^٨) وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ لِلشَّقاَءِ (^٩)».\n_________\n(^١) وبيان ذلك أن الله تعالى وكل بالرحم ملكا فإذا استقرت فيه النطفة قال الملك: يا رب هذه النطفة مخلقة أو غير مخلقة؛ فإن قيل له غير مخلقة قذفها فنزلت من الرحم، وإن قيل مخلقة تولاها فإذا صارت علقة أمره الله بتصويرها تصويرًا أوليًا ثم يستفهم عن وصفها من ذكورة أو أنوثة وشقاوة أو سعادة وما رزقها وما أجلها فيعلمه الله بذلك فيكتبه في صحيفة تكون مرجعًا لملائكة الأعمال كل هذا وهو في ظلمات الأرحام فسبحان اللطيف الخبير.\n(^٢) أي في الأرض.\n(^٣) لبعض الملائكة وهو في بطن أمه.\n(^٤) وتترك العمل.\n(^٥) فأما من أعطى حق الله للمساكين واتقي الله وصدق بالحسنى - بالكلمة الحسني - وهي لا إله إلا الله، فاعتقدها وقال بها وعمل بفروعها فسنيسره أي نهيئه لليسرى وهي الجنة، وأما من بخل بحق الله واستغنى عن ثوابه وكذب بالحسنى - بلا إله إلا الله - فسنيسره للعسرى وهي النار نعوذ بالله منها.\n(^٦) فلم ندر شيئا إلى الآن.\n(^٧) فأحوالنا وأعمالنا قدرت وكتبت علينا قبل ذلك أم لم تقدر علينا إلا بعد وقوعها وظهورها في الوجود.\n(^٨) يهيأ لعملها.\n(^٩) يهيأ لعمله.","vol":"5","page":190},{"text":"• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ (^١) قَالَ: إِنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ (^٢) أَتَياَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَا: ياَ رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ (^٣) أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى أَوْ فِيماَ يَسْتَقْبِلُونَ بِهِ فَقَالَ: «لَا بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَتَصْدِيقُ ذلِكَ فِي كِتاَبِ اللَّهِ ﷿ ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (^٤)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ سُلَيْمٍ ﵄ قَالَ: قَدِمْتُ مَكَّةَ فَلَقِيتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَباَحٍ (^٥) فَقُلْتُ: ياَ أَباَ مُحَمَّدٍ إِنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ يَقُولُونَ فِي الْقَدَرِ (^٦)، قَالَ: ياَ بُنَيَّ أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فاَقْرَإِ الزُّخْرُفَ فَقَرَأْتُ ﴿حم﴾. ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا أُمُّ الْكِتَابِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ كِتَابٌ كَتَبَهُ اللَّهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فِيهِ إِنَّ فِرْعَوْنَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَفِيهِ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ، قَالَ عَطَاءٌ: فَلَقِيتُ الْوَلِيدَ بْنَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ صَاحِبِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْتُهُ: مَا كَانَ وَصِيَّةُ أَبِيكَ بعْدَ الْمَوْتِ (^٧)؟ قَالَ: دَعَانِي أَبِي فَقَالَ لِي ياَ بُنَيَّ اتَّقِ اللَّهَ واعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَتَؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ فَإِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هذَا دَخَلْتَ النَّارَ، إِنِّي سَمِعْتُ\n_________\n(^١) قال مشايخنا ﵃: إن الدعاء يستجاب عند ذكر اسم عمران بن حصين لكثرة بلائه وصبره ورضاه ولعل هذا مزية له، نسأل الله أن يشرح صدورنا وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه آمين.\n(^٢) من قبيلة مزينة.\n(^٣) يجهدون أنفسهم فيه.\n(^٤) هداها إلى ما قدر لها من شر وخير كما قضت بذلك الحكمة العلية، قال الله تعالى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ خلق الأشياء فسواها بحال تناسبها ﴿والذي قدر فهدى﴾ قدر ما شاء ثم هدى الخلق إليه.\n(^٥) من كبار علماء التابعين وفي الدرجة الأولى من المحدثين.\n(^٦) بعض أهل البصرة يقولون: لا قدر وإن الأمر مستأنف.\n(^٧) تقابل عطاء أيضا مع الوليد بن عبادة ذلك الصحابي الجليل ليستوثق منه مما سمعه من أبيه في القدر ﵃.","vol":"5","page":191},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فقاَلَ: اكْتُبْ، قاَلَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائنٌ إِلَى الْأَبَدِ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١) وَأَبُو دَاوُدَ.\nوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَيْرُوزٍ الدَّيْلَمِيُّ: أَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقُلْتُ لَهُ: وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ الْقَدَرِ فَحَدِّثْنِي بِشَيْءٍ لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُذْهِبَهُ مِنْ قَلْبِي، فَقَالَ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَذَّبَ أَهْلَ سَمَوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَكانَ غَيْرَ ظَالِمٍ لَهُمْ وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ إِيَّاهُمْ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ (^٢) وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكنْ لِيُخْطِئَكَ وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هذَا لَدَخَلْتَ النَّارَ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ مِثْلَ ذلِكَ، ثمَّ أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَماَنِ فَقَالَ ذلِكَ، ثمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَحَدَّثَنِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ ذلِكَ (^٣)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n_________\n(^١) بسند غريب.\n(^٢) فلو عذب الله عباده كلهم ما كان ظالما لهم لأن الظلم مستحيل عليه تعالى كما سبق في حديث \"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا\" في التوبة من كتاب الأذكار، ولو رحمهم لكانت رحمته فضلا منه تعالى فإنه لا يجب عليه شيء لعباده لأنه المالك لهم على الإطلاق وللمالك التصرف في ملكه كما يشاء بخلاف ما يملكه العبد فإنه ملك صوري فقط والواقع أنه وديعة تحت يده ينتفع به ويتصرف فيه تصرف الأمين كما قال القائل ﵁:\nوما المال والأهلون إلا ودائع … ولا بد يوما أن ترد الودائع\n(^٣) فعبد الله الديلمي ﵁ وقع في نفسه شيء من جهة القدر كوسوسة شياطين الجن والإنس بقولهم: إن الأمور ليست مقدرة قبل وجودها وإذا قلنا بتقديرها فالمقدر لها هو الله تعالى، وإذا كان الله تعالى هو الذي قدر الأمور كلها ومنها الشر على عباده فكيف يعاقبهم أفلا يكون ظلما فتقابل مع أبيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود وحذيفة وزيد بن ثابت وسألهم عن القدر فأجابوه بأنه ثابت في الكتاب والسنة وأن الإيمان به فرض عيني على كل مسلم والله تعالى هو الملك المطلق والفاعل المختار فلا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون جل شأن ربنا وعلا.\n(تنبيه): مرويات أبي داود هنا في لزوم السنة.","vol":"5","page":192},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذلِكَ النُّورِ اهْتَدَى وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ فَلِذَلِكَ أَقُولُ: جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى (^١)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْإِيماَنِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1153>لا ينبغي التنازع في القدر </span>(^٢)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْناَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَتَناَزَعُ فِي الْقَدَرِ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ حَتَّى كَأنَّماَ فُقِئَ فِي وَجْنَتَيْهِ الرُّمَّانُ (^٣) فَقاَلَ: «أَبِهذَا أُمِرْتمْ أَمْ بِهذا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ إِنَّماَ هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَناَزَعُوا فِي هذَا الْأَمْرِ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَلا تَناَزَعُوا فِيهِ (^٤)».\n\n• عَنْ جَابرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرَّهِ (^٥) وَحَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَأَنَّ\n_________\n(^١) فالله تعالى خلق الخلق أولا وهم في عالم الذر في ظلمة أي حياري لا يعرفون الهدي فأفاض عليهم من نوره وهداه، فمن أصابه ذلك اهتدى، ومن أخطأه ضل عن الهدى كما سبق في باب التوبة \"يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم\" قال - ﷺ -: فلذلك أقول جف القلم على علم الله، أي انتهى تقدير الأمور كما في علم الله تعالى فلا تغيير ولا تبديل، نسأل الله التوفيق والهداية لعمل أهل السعادة آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nلا ينبغي التنازع في القدر\n(^٢) فإنه يجلب الوسوسة والشك في أصل العقيدة، بل هو من الأسرار الغامضة التي لا يمكن الوصول إليها كما قال أمير المؤمنين على ﵁ لمن سأله عن القدر قال: بحر عميق فلا تغوصوه، وسر مكتوم فلا تلجوه، وسبق في كتاب الإيمان طائفة عظيمة من الأحاديث في القضاء والقدر.\n(^٣) من شدة الغضب.\n(^٤) أقسمت عليكم ألا تتكلموا فيه فإنه يهلككم كما أهلك من تكلموا فيه قبلكم.\n(^٥) لأنه ركن من أركان الإيمان كما سبق في كتاب الإسلام والإيمان.","vol":"5","page":193},{"text":"مَا أَخْطأَهُ لَمْ يَكُن لِيُصِيبَهُ (^١)»، رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَكُلُّ نَبِيَ كَانَ: الزَّائِدُ فِي كِتاَبِ اللَّهِ (^٣)، وَالْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ (^٤)، وَالْمُتَسَلِّطُ بِالْجَبَرُوتِ لِيُعِزَّ بِذلِكَ مَنْ أَذَلَّ اللَّهُ وَيُذلَّ مَنْ أَعَزَّ اللَّهُ (^٥)، وَالْمُسْتَحِلُّ لِحَرَمِ اللَّهِ (^٦)، وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ (^٧)، وَالتَّارِكُ لِسُنَّتِي (^٨)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: نَسْأَلُ اللَّهَ صِحَّةَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1154>الآجال والأرزاق محدودة </span>(^٩)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (^١٠)﴾.\nقاَلَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ ﵂: اللَّهُمَّ مَتِّعْنِي بِزَوْجِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَبِأَبِي أَبِي سُفْياَنَ وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهاَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّكِ سَأَلْتِ اللَّهَ لِاجَالٍ مَضْرُوَبةٍ وَآثاَرٍ مَوْطُوءَةٍ (^١١)\n_________\n(^١) فالمقسوم للشخص لا بد أن يصل إليه، وما لم يكن له لا يمكن أن يصل إليه كما قيل: لو هرب الإنسان من رزقه لأدركه رزقه كما يدركه الموت وما أحسن ما قيل:\nلا تعجلن فليس الرزق بالعجل … الرزق في اللوح مكتوب مع الأجل\nفلو صبرنا لكان الرزق يطلبنا … لكنه خلق الإنسان من عجل\n(^٢) بسندين غريبين ولكنهما مؤيدان بكثير من الصحاح في هذا.\n(^٣) الذي زاد فيه ما ليس منه أو تأوله بما لا يصح فيه.\n(^٤) هذا بيت القصيد هنا.\n(^٥) الظالم لعباد الله الذي يرفع الفاسقين ويضع الصالحين.\n(^٦) حرم مكة، بفعله فيه ما يحرم فعله.\n(^٧) الظالم لأهل البيت ﵃ وخصهم مع دخولهم فيما سبق لعظم حقهم على الأمة.\n(^٨) المعرض عن شريعتي فلم يعمل بها، نسأل الله التوفيق والعمل الذي يرضيه آمين.\n\nالآجال والأرزاق محدودة\n(^٩) بل وكل شيء محدود أي مقدر في الأزل فلا يزاد فيه ولا ينقص، منه ولا يتقدم ولا يتأخر، ولا يتغير منه شيء، وهذا بالنسبة لعلم الله تعالى وأم الكتاب فلا ينافي أنه يقع تغيير في بعض الصحف لقوله تعالى ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.\n(^١٠) فإذا جاء أجلهم: موعد هلاكهم، وقع بهم فلا يتأخرون عنه لحظة ولا يتقدمون عليه.\n(^١١) وفي رواية: وآثار مبلوغة أي أمور لا بد منها، وفي رواية: وأيام معدودة.","vol":"5","page":194},{"text":"وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ لَا يُعَجِّلُ شَيْئًا مِنْهاَ قَبْلَ حِلِّهِ وَلَا يُؤَخِّرُ مِنْهاَ شَيْئًا بَعْدَ حَلِّهِ (^١) وَلَوْ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعاَفِيَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ لَكَانَ خَيْرًا لَكِ»، فَقَالَ رَجُلٌ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ هِيَ مِمَّا مُسِخَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا أَوْ يُعَذِّبْ قَوْمًا فَيَجْعَلَ لهُمْ نَسْلًا (^٢) وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كَانُوا قَبْلَ ذلِكَ (^٣)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَقَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ﵁ قُلْتُ لِلْحَسَنِ (^٤): ياَ أَباَ سَعِيدٍ أَخْبِرْنِي عَنْ آدَمَ ﵇ أَلِلسَّمَاءِ خُلِقَ أَمْ لِلأَرْضِ؟ قَالَ: بَلْ لِلأَرْضِ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوِ اعْتَصَمَ فَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الشَّجَرَةِ؟ قاَلَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ (^٥)، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: «مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاَتِنِينَ، إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحْيمِ» قَالَ: إِنَّ الشَّياَطِينَ لَا يَفْتِنُونَ بِضَلَالَتِهِمْ إِلا مَنْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَحِيمَ (^٦)، وَسَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قَالَ: خَلَقَ هؤُلَاءِ لِهذِهِ (^٧) وَهؤُلَاءِ لِهذِهِ (^٨)، رَوَاهُماَ أَبُو دَاوُدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1155>القلوب في قبضة الرحمن </span>(^٩)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «ياَ مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلِبي\n_________\n(^١) لا يقدم الله شيئًا منها عن وقته ولا يؤخره عن وقته، فصرفها عن الدعاء بزيادة العمر لأنه مقدر فلا يزيد ولا ينقص وأرشدها إلى الدعاء بالعافية لأنه دعاء وعبادة مأمور به كبقية العبادات.\n(^٢) أو للشك.\n(^٣) فمن مسخوا من بني إسرائيل لم يعيشوا بعد ثلاثة أيام بل ماتوا قبلها، والقردة والخنازير الموجودة الآن ليست من نسلهم بل كانت قبل ذلك.\n(^٤) الحسن البصري من أشهر علماء التابعين.\n(^٥) حيث خلق للأرض، ونزوله عليها متوقف على الأكل من الشجرة فكان لابد من أكله منها حكما ماضيا وقضاء مبرما.\n(^٦) فلا يفتنون أحدا إلا من حكم عليه بالنار.\n(^٧) أي الجنة.\n(^٨) أي النار نعوذ بالله منها ونسأله رضاه والجنة آمين.\n\nالقلوب في قبضة الرحمن\n(^٩) خصها - مع أن كل شيء في قبضة الله تعالى - لأنها أفضل عضو في الجسم إذا تلف مات صاحبه فهو كالقطب من الرحا وكالملك من الرعية إذا صلح صلح الجسم كله وإذا فسد فسد الجسم كله، وهي محل نظر=","vol":"5","page":195},{"text":"عَلَى دِيِنكَ»، فَقُلْناَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ آمَنَّا بِكَ وَبِماَ جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخاَفُ عَلَيْناَ؟ قاَلَ: «نَعَمْ إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهاَ كَيْفَ يَشَاءُ (^١)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهاَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعَ الرَّحْمنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ (^٢)»، اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1156>ما ورد في أطفال الكفار </span>(^٣)\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مَوْلودٍ إِلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيْنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ كَماَ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَة جَمْعاَءَ (^٤) هَلْ تُحِسُّونَ فِيهاَ مِنْ جَدْعَاءَ (^٥)». ثمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤوا إِنْ شِئْتمْ ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا (^٦)﴾، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\nوَسَبَقَ فِي كِتاَبِ الرُّؤْياَ فِي آخِرِ شَرْحِ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ مَا نَصُّهُ:\n_________\n= الله تعالى من خلقه كما روى في الحديث القدسي، قال الله تعالى: \"ما وسعني عرشي ولا فرشي ولا سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن\" فهو محل الإفاضات والتجليات الربانية، لهذا كان قلب المؤمن أفضل وأكرم نقطة في الملك والملكوت، نسأل الله قلبًا طاهرًا صافيًا آيبا إليه يرضيه آمين.\n(^١) فهل تخاف علينا من الزيغ إلى الباطل، قال نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله أي في قبضته وقدرته يقلبها كيف يشاء من ضلال إلى هدى ومن هدي إلى ضلال ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ فينبغي الإكثار من هذا الدعاء ومن الآية القرآنية كما ينبغي ملاحظة القلب من آنٍ لآخر وتفتيشه وتطهيره من العيوب القلبية، وملؤه بكل نية من نيات الخير.\n(^٢) يقلبه كما يشاء جل شأن ربنا وعلا وتنزه عن مشابهة الورى.\n\nما ورد في أطفال الكافرين\n(^٣) المراد بالأطفال الذين ماتوا قبل البلوغ والتكليف هل هم في الجنة أو في النار أولا ولا، بل في منزلة بينهما.\n(^٤) كاملة الخلقة لجميع أعضائها.\n(^٥) أي ناقصة قالوا لا قال كذلك الطفل يولد على الفطرة والدين الحنيف، وسبق هذا الحديث في الإيمان بالقدر من كتاب الإسلام والإيمان.\n(^٦) فمقتضاه أن هؤلاء الأطفال لا يخرجون عن الفطرة والدين الحنيف إلا إذا بلغوا وتمسكوا بما عودهم عليه آباؤهم من الكفر بالله تعالى، فما داموا أطفالا فهم في حكم أولاد المسلمين.","vol":"5","page":196},{"text":"وَالرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينِ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطّرَةِ فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: «وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ (^١)»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِماَ كَانُوا\nعَامِلِينَ (^٢)»، رَوَاهُ الثَّلَاثَة.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: تُوُفِّيَ صَبِيٌّ فَقُلْتُ: طُوبى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «أَوَ لَا تَدْرِينَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ النَّارَ فَخَلَقَ لِهذِهِ أَهْلًا وَلِهذِهِ أَهْلًا، وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَةِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهاَ وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آباَئهِمْ وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهاَ وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آباَئهِمْ (^٣)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\nوَعَنْهاَ قَالَتْ قُلْتُ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ ذَارَارِيُّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: «هُمْ مِنْ آبَائهِمْ (^٤)» فَقُلْتُ: بَلَا عَمَلٍ قَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَرَارِيُّ الْمُشْرِكِينَ قَالَ: «مِنْ آباَئهِمْ» قُلْتُ: بِلَا عَمَلٍ قاَلَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِماَ كَانُوا عَامِلِينَ (^٥)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَالِحٍ.\n_________\n(^١) فهم مع إبراهيم الخليل ﵇ في الجنة.\n(^٢) لو بلغوا وتوفرت فيهم شروط التكليف وهي سلامة الحواس.\n(^٣) ولم يعلمنا الله تعالى بأهل الجنة ولا بأهل النار، ولا علم لنا إلا ما علمنا الله تعالى أي لا يعلم مصيرهم إلا الله تعالى.\n(^٤) أي ما حكمهم، أهم في الجنة أم في النار؟ قال هم من آبائهم فلهم حكمهم.\n(^٥) لو بلغوا وكلفوا، فهم مع آبائهم في النار، فظاهر هذا الحديث الأخير أن أطفال الكفار في النار تبعا لآبائهم وعلى هذا الأكثرون، وظاهر اللذين قبله أن مصيرهم لا يعلمه إلا الله تعالى، وظاهر الحديثين الأولين أنهم من أهل الجنة وإليه ذهب المحققون، وهو الأقرب لسعة رحمة الله التي وسعت كل شيء وما كان الله ليعذب قوما إلا بعد إنذارهم وإعذارهم وعصيانهم، والأطفال لم يكلفوا فلا إنذار ولا عصيان فهم في رحمة الله تعالى، وعلى هذا قيل: سيكونون خدما لأهل الجنة مع الولدان الذين يخلقهم الله لخدمة أهل الجنة والله أعلم. نسأله العفو وواسع الرحمة آمين والحمد لله رب العالمين.","vol":"5","page":197},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1157>ما ورد في أهل الفترة </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (^٢)﴾.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ فِي النَّارِ» فَلَمَّا قَفَّى (^٣) قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ أَبِي وَأَباَكَ فِي النَّارِ (^٤)».\n\n• عَنْ عَامِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْوَائِدَةُ وَالْمَوْءُودَةُ فِي النَّارِ (^٥)»، رَوَاهُماَ أَبُو دَاوُدَ (^٦).\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَماَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ (^٧) وَإِذَا أَقْبُرٌ (^٨) سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ فَقَالَ: «مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هذِهِ الْأَقْبُرِ»؟\n_________\nما ورد في أهل الفترة\n(^١) أهل الفترة هم من بين الرسولين كالذين بين إسماعيل ومحمد صلى الله عليهما وسلم، والذين بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم.\n(^٢) وما كنا معذبين قوما إلا بعد الإعذار إليهم بالرسل وإقامة الحجة عليهم بما يقطع عذرهم، اهـ طبري ﵁، وقال الصاوي ﵁: وما كنا معذبين ولا مثيبين أحدا على الأعمال حتى نبعث إليه رسولا؛ لأن شرط صحة العبادة ووجوبها بلوغ الدعوة فمن لم تبلغه الدعوة لا تجب عليه عبادة ولا تصح منه، ومثله من لم تتوفر فيه شروط التكليف كالمعتوه وفاقد الحواس لعدم العقل والإدراك، وهل المراد بالرسول رسول خاص لهم أو مطلق رسول، قال بهذا فريق وقال بالأول الأشاعرة والجمهور.\n(^٣) أي ذهب.\n(^٤) الرجل الذي سأل هو حصين أبو عمران بن حصين، أو هو أبو رزين لقيط بن عامر، فقال - ﷺ -: لما ذهب السائل إن أبي وأباك في النار، فأبو النبي - ﷺ - الوالد له الذي مات في الفترة هو عبد الله ﵀ ورضي عنه وهو ناج عند الجمهور، ويحتمل أن المراد بأبيه عمه أبو طالب وسبق الكلام عليه في تفسير سورة التوبة وأن فريقا من المحققين قالوا بنجاته، فالأولى حمل الأب هنا على أبي لهب لأنه المقطوع له بالنار والله أعلم.\n(^٥) الوأد: دفن البنت الصغيرة وهي حية خشية الفقر أو العار، وكانت من عوائد الجاهلية الممقوتة، فلما سئل النبي - ﷺ - عن امرأة وأدت بنتها قال: الوائدة والموءودة في النار، وليست الموءودة في النار تعذيبا لها بل لأمها، أو تعذب تبعًا لأمها، وقيل الوائدة القابلة، لرضاها بالوأد أو فعلها له، والموءودة أم البنت.\n(^٦) الثاني بسند صالح والأول صحيح لقول الشارح أخرجه مسلم.\n(^٧) شردت فنفرت فكاد يسقط من فوقها النبي - ﷺ - لرؤيتها لعذاب القبر الذي يراه كل مخلوق إلا المكلفين، ورؤية النبي - ﷺ - له معجزة.\n(^٨) أقبر جمع لقبر كأعبد جمع لعبد وإن كان المشهور في جمعه قبورا.","vol":"5","page":198},{"text":"فَقَالَ رَجُلٌ: أَناَ، قَالَ: «فَمَتَى مَاتَ هؤُلَاءِ»؟ قَالَ: مَاتُوا فِي الْإِشْرَاكِ، فَقَالَ: «إِنَّ هذِهِ الْأُمَّةَّ الْمُحَمَّدِيَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا (^١) فَلَوْلَا أَلا تَدَافَنُوا اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذابِ الْقَبْرِ الَّذِي أسْمَعُ مِنْهُ (^٢)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ (^٣)، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1158>الأعمال بالخواتيم </span>(^٤)\n\n• عَنْ سَهْلَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَعْظمِ الْمُسْلِمِينَ غَنَاءً عَنِ الْمُسْلِمِينَ (^٥) فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَر النَّبِيِّ ﷺ لَهُ فَقَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْل النَّارِ\n_________\n(^١) بالسؤال والفتنة والعقاب.\n(^٢) فلولا خوفي عليكم من امتناعكم عن دفن موتاكم في القبور إذا رأيتم العذاب فيها لدعوت الله أن يطلعكم على عذاب القبور الذي أراه وبقية الحديث؛ ثم أقبل علينا النبي - ﷺ - فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، قال تعوذوا بالله من عذاب القبر، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن.\n(^٣) ولكن مسلم في كتاب الجنة، فظاهر هذه النصوص أن أهل الفترة غير ناجين وأنهم مكلفون بالإيمان الذي سمعوا به عن الرسول الذي قبلهم كما سبق في تفسير الآية على أن المراد مطلق رسول وعلى هذا جماعة، وقال الجمهور: إن أهل الفترة ناجون وإن غيروا وبدلوا وعبدوا الأصنام؛ لأن المراد بالآية حتى نبعث رسولا لهم، وما ورد من تعذيب أهل الشرك في هذه النصوص وغيرها فليس على التوحيد والإيمان بل لقبائح ومظالم ارتكبوها كما سبق في تفسير سورة المائدة: رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار كان أول من سيب السوائب، ولقول أبي هريرة الوارد في تفسير الطبري: إذا كان يوم القيامة جمع الله تعالى الذين ماتوا في الفترة والمعتوه والأصم والأبكم والشيوخ الذين جاءهم الإسلام وقد خرفوا ثم أرسل لهم رسولا أن ادخلوا النار فيقولون: كيف ولم يأتنا رسول، وايم الله لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما، قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا، وهذا هو الأقرب لسعة رحمة الله والكرم الإلهي، وسيأتي في وصف الجنة أنه سيبقى فيها أمكنة كثيرة واسعة في خلق الله لها خلقا جديدا يسكنهم ذلك الباقي والله أعلم بحقيقة خلقه وخفايا ملكه من أوله إلى آخره فسبحان العليم الحكيم الرءوف الرحيم.\n\nالأعمال بالخواتيم\n(^٤) الخواتيم: جمع خاتمة وهي الأعمال التي يختم بها عمل الإنسان عند موته فالعبرة في الأعمال بخواتيمها.\n(^٥) رجلا اسمه قزمان كنعمان من أعظم المسلمين غناء وكفاية عنهم.","vol":"5","page":199},{"text":"فَلْيَنْظرْ إِلَى هذَا» فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ (^١) وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ حَتَّى جُرِحَ\nفاَسْتَعْجَل الْمَوْتَ (^٢) فَجَعَلَ ذُباَبَةَ سَيْفِهِ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ (^٣) فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مُسْرِعًا (^٤) فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ (^٥) فَقَالَ: «وَمَا ذَاكَ»؟ قَالَ: قُلْتَ عَلَى فُلَانٍ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَيْهِ» وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِنَا غَنَاءً عَنِ الْمُسْلِمِينَ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ عَلَى ذلِكَ (^٦) فَلَمَّا جُرِحَ اسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذلِكَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ (^٧) وَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّماَ الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ (^٨)»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْناَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ كِتاَباَنِ (^٩) فَقَالَ: ا «أَتَدْرُونَ مَا هذَانِ الْكِتَاباَنِ»؟ فَقُلْناَ: لَا ياَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ إِلا أَنْ تُخْبِرَناَ فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى (^١٠): «هذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعاَلَمينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آباَئهِمْ وَقَباَئِلِهِمْ» ثُمَّ أَجْمَلَ عَلَى آخِرِهِمْ (^١١) فَلَا يُزادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا، ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِماَلِهِ: «هذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعاَلَمِينَ فِيهِ أَسْماَءُ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءُ آباَئهِمْ وَقَباَئِلِهِمْ» ثُمَّ أَجْمَلَ عَلَى آخِرهِمْ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا\n_________\n(^١) هو أكثم بن الجون.\n(^٢) ولم يصبر لحكم الله تعالى.\n(^٣) فوضع طرف السيف في صدره وتحامل عليه بجسمه حتى خرج من بين كتفيه فقتل نفسه مستحلا ذلك.\n(^٤) فأقبل الرجل هو أكثم السابق.\n(^٥) قد صدق تنبؤك بالغيب.\n(^٦) على الإسلام.\n(^٧) إن العبد ليعمل عمل أهل النار فيما يظهر للناس وهو فيما سبق له في علم الله من أهل الجنة.\n(^٨) ففيه أنه لا ينبغي الاعتبار بالأعمال سواء كانت صالحات أو سيئات فإنها أمارات فقط وليست بموجبات فإن مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء وجرى به القدر في السابقة، نسأل الله حسن الخاتمة آمين.\n(^٩) هذا تمثيل للمعلوم المحقق وتصوير له بصورة المحسوس الذي يقبض عليه باليد ويشار إليه بالإشارة الحسية كأن الله تعالى أطلع رسوله - ﷺ - على أهل الجنة وأهل النار تمام الاطلاع فحدث عنهم بهذا الحديث.\n(^١٠) رفعها وأشار بها.\n(^١١) أتى في الوصف على آخرهم.","vol":"5","page":200},{"text":"فَقَالَ أَصْحَابُهُ: فَفِيمَ الْعَمَلُ ياَ رَسُولَ اللَّهِ إنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: «سَدِّدُوا وَقاَرِبُوا فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ (^١)» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُماَ (^٢) ثُمَّ قاَلَ: «فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ الْعِبَادِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (^٣)».\n\n• عَنْ أَنَس ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ»، فَقِيلَ: كَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ؟ قَالَ: «يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ الْمَوْتِ (^٤)»، رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْقَدَرِ بِسَنَدَيْنِ صَحِيحَيْنِ، نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الْخَاتِمَةِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1159>تجب المبادرة بالعمل الصالح </span>(^٥)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «باَدِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصُبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْياَ (^٦)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «باَدِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنَسْيًا (^٧)،\n_________\n(^١) أي قبل ذلك العمل الأخير.\n(^٢) أشار بيديه كأنه يطرح منهما شيئا.\n(^٣) فرغ ربكم من الحكم على العباد، فهم فريق في الجنة ومنهم فريق في النار.\n(^٤) وفي رواية: إذا أراد الله بعبد خيرا عسله، قالوا: يا رسول الله وما عسله؟ قال: يوفقه لعمل صالح ثم يموت عليه، نسأل الله التوفيق للعمل الصالح والموت على الإيمان الكامل آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nتجب المبادرة بالعمل الصالح\n(^٥) فالمبادرة بصالح الأعمال واجبة قبل فوات وقتها بالاشتغال بالأموال أو الأولاد أو المرض أو الهرم أو الموت.\n(^٦) بادروا بصالح الأعمال وقوع فتن كظلام الليل تترك الناس حياري وينقلب الشخص من الإيمان إلى الكفر وعكسه في اليوم الواحد لفظاعتها، ويبيع الشخص دينه بعرض من الدنيا أي بقليل منها، والعرض ما عرض لك من حطام الدنيا.\n(^٧) بلفظ المفعول أي نسيتموه ولكنه يأتي فجأة، أو بلفظ الفاعل أي ينسيكم كل شيء أي فلا تنتظرون إلا واحدًا من هذه الأمور.","vol":"5","page":201},{"text":"أَوْ غِنًى مُطْغِيًا (^١)، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا (^٢)، أَوْ هَرَمًا مُفَنْدِّا (^٣)، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا (^٤)، أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرٌّ غَائِبٌ يُنْتَظَر (^٥)، أَوِ السَّاعَةَ فاَلسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (^٦)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ (^٧).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «باَدِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهاَ، أَوِ الدُّخَانَ، أَوِ الدَّجَّالَ، أَوِ الدَّابَةَ (^٨)، أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ (^٩)، أَوْ أَمْرَ الْعاَمَّةِ (^١٠)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1160>الخوف من الله تعالى </span>(^١١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ (^١٢)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتمْ كَثِيرًا (^١٣)»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) أي يطغيكم.\n(^٢) للصحة والمزاج والجسم.\n(^٣) موقعًا في الكلام المحرف، من الإفناد أو التفنيد، وأصل الفند بالتحريك الكذب، والكلام الذي ليس بمضبوط.\n(^٤) أي مسرعا يأتي فجأة.\n(^٥) بل هو أعظم الشرور.\n(^٦) أشد وأصعب من كل شيء.\n(^٧) بسند صحيح.\n(^٨) وستأتي هذه في علامات الساعة إن شاء الله تعالى.\n(^٩) الأمر الشاغل له عن غيره وفي رواية وخويصة أحدكم وهو الموت يخصه دون غيره.\n(^١٠) وهي القيامة التي تعم الناس أو الفتنة التي تعمى وتصم عن كل شيء؛ والمراد الحث على الأعمال الصالحة قبل طروء واحد من هذه الأمور، وللطبراني والبيهقي: بادروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها أي لا يلحق صاحبها وللطبراني وابن عدي: باكروا في طلب الرزق والحوائج فإن الغدو بركة ونجاح نسأل الله كمال النجاح في كل شيء يرضيه آمين.\n\nالخوف من الله تعالى\n(^١١) فالحذر والخوف من غضب الله وعقابه واجب فإنه أحفظ للنفس وأغضب للشيطان وأقرب لمحبة الله تعالى قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ وهذا لا ينافي تغليب الرجاء على الخوف إذا حضره الموت لما سبق في الجنائز لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى وقال قطب الأقطاب سيدي أحمد الدردير ﵁ وحشرنا في زمرته آمين.\nوغلب الخوف على الرجاء … وسر لمولاك بلا تنائي\n(^١٢) ومنه قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ فالخوف موجب لكمال الإيمان لأنه ينشأ من مراقبة الله تعالى واستشعار عظمته وجلاله نسأل الله الخوف والخشية آمين.\n(^١٣) فلو يعلم الناس ما علمه النبي - ﷺ - من أهوال الموت والقبر وما بعدهما لقل ضحكهم وكثر بكاؤهم.","vol":"5","page":202},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ وَحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بِالْمكَارِهِ (^١)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْجَنَّة أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَالنَّارُ مِثْلُ ذلِك (^٢)»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ يَخْتِلونَ الدُّنْياَ بِالدِّينِ (^٣) يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ وَأَلْسِنَتَهُمْ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئاَبِ (^٤) يَقُولُ اللَّهُ ﷿: أَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ فَبِي حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُوَلئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانًا (^٥)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَكُونَ أَحدٍ يموتُ أَلا نَدِمَ (^٦)» قَالوا: وَمَا نَدَامَتُهُ ياَ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَدِمَ أَلا يَكُونَ ازْدَادَ وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا نَدِمَ أَلا يَكُونَ نَزَعَ (^٧)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:\n_________\n(^١) الشهوات ما تشتهيها النفوس وتستلذها من المحرمات كالزنا وشرب الخمر، والملاهي، فهذه كالحجاب حول النار فمن ارتكبها فقد تسبب في دخول النار، والمكاره ما تكرهه النفوس من التكاليف الشرعية ومكارم الأخلاق كالصبر وكظم الغيظ والعفو عن السيء والإحسان إليه، فهذه كالحجاب حول الجنة فمن قام بها فقد سبب لنفسه الجنة، ولفظ مسلم والترمذي: حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات.\n(^٢) الشراك سير النعل الذي يكون بين الأصابع، ويطلق على كل سير يحفظ الرجل من الأرض فالجنة أقرب للإنسان إذا أطاع ربه من شراك نعله، والنار كذلك إذا عصاه، فلا يقربن من شر وإن قل فلعله يكون سببًا في النار، ولا يزهدن في خير وإن قل فلعله يكون سببا في الجنة، نسأل الله الجنة آمين.\n(^٣) يطلبون الدنيا بعمل الآخرة، وهذا من ختله إذا خدعه.\n(^٤) فظاهرهم حسن وكلامهم حلو ولكن في قلوبهم أسوأ النيات وأخبثها.\n(^٥) فهل هؤلاء يستخفون بالله إلى هذا الحد، وعزته ليسلطن عليهم فتنة تتركهم حيارى لا يهتدون، وفي رواية: إن الله قال لقد خلقت خلقًا ألستهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر فبي حلفت لأتيحنهم (أسلط عليهم) فتنة تدع الحليم منهم حيرانا، نسأل الله السلامة.\n(^٦) حينما يرى جزاء عمله خيرا أو شرا.\n(^٧) أي رجع عن عصيانه، ففيه ترهيب من السيئات وإن قلت وترغيب في الازدياد من الطاعات وإن كثرت وعظمت فعطاء الله عليها أكثر وأعظم.","vol":"5","page":203},{"text":"«مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ (^١)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ (^٢) وَلَا يَجْتَمِعُ غُباَرٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَان جَهَنَّمَ (^٣)».\n\n• عَنْ هَانِئٍ (^٤) قَالَ: كَانَ عُثْماَن ﵁ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ فَقِيلَ لَهُ: تَذْكُرُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ فَلَا تَبْكِي وَتَبْكِي مِنْ هذا فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَناَزلِ الْاخِرَةِ فَإِنْ نَجاَ مِنْهُ فَماَ بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَماَ بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلا الْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ (^٥)».\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ (^٦) أَطَّتِ السَّماَءُ وَحَقَّ لَهاَ أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهاَ مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدٌ لِلَّهِ (^٧)، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ لَضَحِكْتمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتَمْ كَثِيرًا وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ وَلَخَرَجْتمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ (^٨)\n_________\n(^١) فمن خاف عدوه سافر ليلا فبلغ موطنه فاستراح وأمن واطمأن، كذلك من خاف ربه وعقابه فبادر بصالح الأعمال فاز برضوان الله ودخل جنته، تلك السلعة الثمينة الغالية والمنزلة السامية.\n(^٢) وعود اللبن في ضرعه مستحيل، فكذلك دخول النار لمن بكى من خشية الله تعالى مستحيل، قال تعالى ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.\n(^٣) وكذا من جاهد في سبيل الله لا يدخل النار وظاهره في الأمرين الإطلاق، ويحتمل تقييده بعدم العصيان بعدهما.\n(^٤) هو مولى لعثمان ﵄.\n(^٥) حق ما قاله النبي - ﷺ - فإنه كان ينظر ما يجري في القبور من أهوال وعجائب تذوب منها الجبال وتشيب منها الأطفال، وقد مضى في الجنائز من كتاب الصلاة سؤال القبر وعذابه وسيأتي منه طائفة في الرقائق إن شاء الله تعالى.\n(^٦) من أحوال وأهوال الدنيا والآخرة وعجائب الملك والملكوت.\n(^٧) أطيط الرحل: صوته الذي يسمع منه من ثقل ما عليه، وأطيط الإبل: أصواتها وحنينها، وأطيط السماء صوتها من كثرة الملائكة فوقها، قال تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾.\n(^٨) الصعدات: جمع صعيد أو صعدة كغرفة وهي فناء الدار وممر الناس أمامها، فلو تعلمون ما أعلم لكثر بكاؤكم وتركتم النساء وخرجتم من المنازل تجأرون وتستغيثون إلى الله أن ينجيكم مما رأيتموه من أمور الغيب.","vol":"5","page":204},{"text":"لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ (^١)»، رَوَى هذِهِ السِّتَّةَ التِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1161>التوكل على الله تعالى </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ (^٤)﴾.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون (^٥)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّكمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَماَ ترْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِماَصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا (^٦)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٧) وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ أَعْقِلُهاَ وَأَتَوَكَّلُ أَوْ\n_________\n(^١) كنت أود أني كنت خلقت شجرة فتقطع وتذهب وتصير في خبر كان، فهذه من النبي - ﷺ - كلمة كبيرة تدل على أن ما يراه من المغيبات عنا عظيم يتمنى الموت والفناء من رؤيته، نسأل الله السلامة آمين والحمد لله رب العالمين.\n(^٢) الرابع بسند صحيح والباقي بأسانيد حسنة، نسأل الله حسن الحال آمين والحمد لله رب العالمين على كل حال.\n\nالتوكل على الله تعالى\n(^٣) التوكل على الله تعالى هو الاعتماد عليه وتفويض الأمور كلها إليه تعالى بقلبه اعتمادا على أنه الكفيل بأمور عباده والقادر على كل شيء مع السعي في الأسباب الذي أمر الله به عباده وجرت به العادة كاللبس لدفع الحر والبرد. والأكل والشرب لدفع الجوع والعطش. والنكاح لمن أراد الولد. والحرث وإلقاء البذر لمن أراد الزرع. والغرس لمن أراد الشجر والثمر. والصناعة والتجارة ونحو ذلك من طرق الكسب المعلومة.\n(^٤) فمن يتوكل على الله ويسعى في الأسباب فإن الله يسخر له كل شيء ويكفيه مطلوبه.\n(^٥) سبق هذا مع طائفة من الأحاديث في آخر كتاب الطب النبوى.\n(^٦) الخماص ككتاب جمع خميص وهو ضامر البطن الجائع، والبطان: ككتاب جمع بطين وهو عظيم البطن الشبعان، والمعنى لو صدق توكلكم على الله في سعيكم لفتح لكم أبواب فضله وسخر لكم أرزاقكم كما سخر لأضعف الحيوان - وهو الطير - التي تخرج من أوكارها صباحا وهي جياع ثم تعود مساء وهي ممتلئة البطون، وفي رواية: لرزقكم كما يرزق الطير، وفيه دلالة على السعي للكسب حيث شبههم بالطير التي تخرج من أوكارها صباحا للسعي في طلب أرزاقها ثم تعود وهي ملأي البطون بإلهام من الله تعالى.\n(^٧) بسند صحيح.","vol":"5","page":205},{"text":"أُطْلِقُهاَ وَأَتَوَكَّلُ قَالَ: «اعْقِلْهاَ وَتَوَكَّلْ (^١)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي آخِرِ كِتاَبِهِ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَزَلَتْ بِهِ فاَقَةٌ فَأَنْزَلَهاَ بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فاَقَتُهُ وَمَنْ نَزَلَتْ بِهِ فاَقَةٌ فَأَنْزَلَهاَ بِاللَّهِ فَيُوشِكُ اللَّهُ لَهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ أَوْ أَجَلٍ عَاجِلٍ (^٢)».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ أَحَدُهُماَ يَأْتِي النَّبِيَّ\nﷺ (^٣) وَالْاخَرُ يَحْتَرِفُ فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ أَخَاهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ (^٤) فَقَال: «لعَلَّكَ تُرْزَق بِهِ».\nوَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ ﵁ إِلَى عَائِشَةَ ﵂ أَنْ اكْتُبِي لِي كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ وَلَا تُكْثِرِي عَلَيَّ فَكَتَبَتْ إِلَيْهِ: سَلَامٌ عَلَيْكَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ الْتَمَسَ رِضَاءَ اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مَؤُونَةَ (^٥) النَّاسِ وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَاءَ النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ (^٦) وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ»، رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٧)، نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الْيَقِينِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ آمين.\n_________\n(^١) فرجل قدم على النبي - ﷺ - على راحلته فنزل عنها وأقبل على النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله أعلقها وأتوكل على الله أو أتركها من غير عقال توكلا على الله تعالى؟ قال: اعقلها وتوكل، ففيه أن الأخذ في الأسباب مطلوب مع التوكل ولا ينافيه لأن التوكل محله القلب والأسباب بالجسم والجوارح.\n(^٢) سبق هذا في باب التعفف من كتاب الزكاة.\n(^٣) أي يلازمه لأخذ العلم والهدى عنه.\n(^٤) بأنه لا يسعى فقال لعلك ترزق به، وهذه وقعة خاصة فلا يترك السعي اعتمادا عليها، ولا ينبغي للساعي أن يمن على من يعوله فلعله يرزق بهم إلا من قبيل إقامة الحجة عليهم إذا أنكروا.\n(^٥) فمن فعل ما يرضي الله تعالى ولو غضب الناس كفاه الله شر الناس وحفظه منهم.\n(^٦) ومن فعل ما يغضب الله تعالى إرضاء للناس تركه الله لهم فيهلك في كل واد.\n(^٧) والأولان بسندن صحيحين.","vol":"5","page":206},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1162>الفصل الخامس: في الرقائق </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ\nآذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ (^٢) وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ (^٣) وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ (^٤) فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ (^٥) وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ (^٦) وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهاَ وَرِجْلَهُ التِي\nيَمْشِي بِهاَ (^٧) وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ (^٨) وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَناَ فاَعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَناَ أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ (^٩)»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ (^١٠).\n_________\nالفصل الخامس في الرقائق\n(^١) الرقائق جمع رقيق أو رقيقة كما سبق في أول كتاب الزهد.\n(^٢) الولي هو المؤمن التقي لقول الله تعالى ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ فلما تولى الله بحسن عبادته تولاه الله بلطفه ورعايته. فمن يعادي وليًا ويؤذيه فإن الله ينذره بشديد الغضب والهلاك يوم القيامة كما يفعل المحارب بعدوه إذا انتصر عليه.\n(^٣) من صلاة وزكاة وحج وصيام فإن الركعة من فرض الصلاة لا يعد لها من نقلها إلا سبعون كما سبق في عنوان يكمل الفرض من التطوع في كتاب الصلاة، واليوم من رمضان إذا أفطره لا يدرك ثوابه وإن صام الدهر كله كما سبق في الصوم، والله تعالى ما افترض الفرائض إلا لأنه يحب أن يراها من عبده وقتا بعد آخر.\n(^٤) بالنوافل مع الفرائض حتى يعظم حبي له.\n(^٥) فلا يسمع إلا ما يرضي ربه تعالي كقرآن وذكر ودعاء.\n(^٦) فلا يبصر إلا ما يرضي ربه تعالى كنظره في عجائب المخلوقات ومصحف وكتب علم.\n(^٧) فلا يحركها إلا في طاعة الله تعالى وما يرضيه وزاد أحمد والبيهقي: وفؤاده الذي يعقل به ولسانه الذي يتكلم به.\n(^٨) فإذا صار الشخص عبدا لله في كل أحواله: في أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته كان عبدا ربانيا أينما طلب ربه وجده وأينما سأله أعطاه، وزاد الطبراني: ويكون من أوليائي وأصفيائي ويكون جاري مع النبيين والصديقين والشهداء في الجنة.\n(^٩) فما ترددت رسلي في شيء أريد فعله كترديدي إياهم في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت لشدته وأنا أكره إساءته بالموت الذي هو بطبعه أشد وأصعب شيء على النفس، ونسب التردد إليه لأن تردد الملائكة عن أمره تعالى، وفيه إيذان بعظيم كرامة المؤمن ورفعة قدره عند الله تعالى نسأل الله التوفيق وكامل الإيمان آمين، ولا غرابة في هذا التردد فقد سبق في كتاب النبوة في فضل موسى ﵇ ما وقع من تردد ملك الموت بين موسى وبين ربه تعالى.\n(^١٠) بسند فيه خالد بن مخلد الكوفي تكلم فيه غير واحد بل قال=","vol":"5","page":207},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يُصْعِدَانِهاَ، قَالَ حَمَّادٌ ﵁ (^١): فَذَكَرَ لَناَ مِنْ طِيبِ رِيِحهَا وَالْمِسْكَ (^٢) وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ ﷿ ثُمَّ يَقُولُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ (^٣) قَالَ: وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ، قَالَ حَمَّادٌ: وَذَكَرَ مِنْ نَتْنِهاَ وَذَكَرَ لَعْنًا وَيَقُولُ أَهْلُ السَّماَءِ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ قاَلَ فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ (^٤) قَالَ: وَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَيْطَةً كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ هكَذَا (^٥)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: خَرَجْناَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَناَزَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فاَنْتَهَيَنْاَ إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَلَسْناَ حَوْلَهُ كَأَنَّماَ عَلَى رُؤُوسِناَ الطَّيْرُ وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «اسْتَعِيذوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ (^٦)» وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحاَبُهُ وَهُوَ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعاَلِهِمْ (^٧) يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُوُل: رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينكَ؟ فَيَقُولُ:\n_________\n= بعضهم: إن هذا حديث غريب جدا لولا هيبة الجامع الصحيح، ولكن قال الحافظ: إن للحديث طرقا بدل مجموعها على أن له أصلا وذكر له عدة طرق كلها ضعيفة إلا ما خرجه الطبرني مختصرا عن حذيفة فإنه بسند حسن، نسأل الله حسن الحال في الحال والمآل آمين.\n(^١) الراوي عن بديل عن ابن شقيق عن أبي هريرة.\n(^٢) ذكر لهم أنها تكون أطيب من المسك.\n(^٣) وهو سدرة المنتهى التي ينتهي إليها كل مخلوق إلا النبي - ﷺ - ليلة المعراج فإنه تجاوزها إلى ما شاء الله تعالى.\n(^٤) إلى سجين ويحتمل أن المراد بالأجل إلى آخر الدنيا.\n(^٥) الريطة: ثوب رقيق أو الملاءة.\n(تنبيه) سبق في باب الجنائز من كتاب الصلاة طائفة من نوع هذه الأحاديث للدلالة على سؤال القبر وعذابه.\n(^٦) ذكر القبر للغالب وإلا فالغريق ومن مات في جبل أو بئر أو فلاة وحده ولم يدفنه أحد يسأل أيضا.\n(^٧) أصوات حركاتهم في انصرافهم من الدفن.","vol":"5","page":208},{"text":"دِينِي الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ هذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ (^١)؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَيَقُولَانِ: وَمَا يُدْرِيكَ (^٢)؟ فَيَقُولُ: قَرأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَذلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ فَيُناَدِي مُناَدٍ مِنَ السَّماَءِ أَنْ قَدْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ باَبًا إِلَى الْجَنَّةِ قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهاَ وَطِيبِهاَ وَيُفْتَحُ لَهُ فِيهِ مَدَّ بَصَرِهِ (^٣). وَإِنَّ الْكَافِرَ أَوِ الْمُناَفِقَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَعَادَتْ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي (^٤) فَيَقُولَانِ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهُ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ: مَا هذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي قَالَ: فَيُناَدِي مُناَدٍ مِنَ السَّماءِ أَنْ كَذَبَ فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ وَافْتَحُوا لهُ باَبًا إِلَى النَّارِ قَالَ: فَيأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهاَ وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفُ فِيهِ أَضْلَاعُهُ ثُمَّ يُقَيَّضُ (^٥) لَهُ أَعْمى أَبْكَمُ مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ ضُرِبَ بِهاَ جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا فَيَضْرِبُهُ بِهاَ ضَرْبَةً يَسْمُعُهاَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إِلا الثَّقَلَيْنِ فَيَصِيرُ تَرَابًا ثُمَّ تُعاَدُ فِيهِ الرُّوحُ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦) وَالنَّسَائِيُّ.\n_________\n(^١) وهو محمد - ﷺ -.\n(^٢) بالذي أجبت به.\n(^٣) بوسع قبره حتى يكون بقدر ما يبصر، وفي رواية لمسلم: فيفسح له في قبره سبعون ذراعا ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون، فيصير القبر كروضة من الجنة فيه من فرشها ولباسها، وروح وريحان من جنة نعيم، وهذا نعيم للروح فقط وإلا فالجسم يفنى ويبلى.\n(^٤) هاه هاه بسكون الهاء فيهما كلمة يقولها المتحير الذي لا يدري ما يقول.\n(^٥) أي يسخر الله له من الزبانية أعمى أبكم لئلا يشفق عليه ومعه مرزبة بتشديد الباء وتخفيفها وهي مطرقة من حديد لو ضرب بها جبلا لصار ترابا، فإذا ضربه مرة واحدة سمعها كل شيء إلا الإنس والجن وصار رمادا ومات ثم يحييه الله تعالى لهذا العذاب ثانيا وهكذا، فسؤال القبر يدور على ثلاثة أمور: السؤال عن الله تعالى والسؤال عن الدين والسؤال عن النبي - ﷺ -، اللهم وفقنا لأحسن جواب يا رحمن يا كريم يا حنان يا منان يا ذا الجلال والإكرام آمين.\n(^٦) في لزوم السنة بسند حسن.","vol":"5","page":209},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَوْ قاَلَ أَحَدُكُمْ (^١) أَتاَهُ مَلَكَانِ أَسْودَانِ أَزْرَقاَنِ يُقاَلُ لِأَحَدِهِماَ الْمُنْكَرُ وَالْاخَرُ النَّكِيرُ (^٢)» فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هذَا الرَّجُلِ (^٣)؟ فَيَقُولُ مَا كَانَ يَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تقُولُ هذَا، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ، ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ وَيُقاَلُ لَهُ: نَمْ فَيَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ فَيَقُولَانِ: نَمْ كَنَوْمةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجعِهِ ذلِكَ (^٤) وَإِنْ كَانَ مُناَفِقًا قاَلَ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ مِثْلَهُ لَا أَدْرِي (^٥) فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذلِكَ فَيُقاَلُ للأَرْضِ: الْتَئِمِي عَلَيْهِ فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ فَتَخْتَلِفُ فِيهاَ أَضْلَاعُهُ فَلَا يَزَالُ فِيهاَ مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذلِكَ (^٦).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ حَافِظَيْنِ رَفَعاَ إِلَى اللَّهِ مَا حَفِظَا مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهاَرٍ فَيَجِدُ اللَّهُ فِي أَوَّلِ الصَّحِيفَةِ وَفِي آخِرِ الصَّحِيفَةِ خَيْرًا إِلا قاَلَ اللَّهُ تَعَالَى: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي مَا بَيْنَ طَرَفَيِ الصَّحِيفَةِ (^٧)»،\n_________\n(^١) أو للشك.\n(^٢) هذا وصف ملائكة السؤال للكفار والمنافقين، وأما للمؤمن فإنهما يدخلان عليه بهيئة حسنة للغاية حتى قال بعضهم: لو لم يلق المؤمن في قبره إلا ما يراه في الملكين الكريمين من حسن الهيئة والملاطفة لكفاه ذلك.\n(^٣) في هذه الرواية اختصار وإلا فالسؤال عن الله تعالى والدين والرسول كما سبق في الذي قبله.\n(^٤) لم يسمحوا له بإخبار أهله بما هو فيه من السرور ابتلاء لأهل الدنيا الذين قضى الله عليهم بعدم رؤية ما بعد الموت حتى يموتوا قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾.\n(^٥) سمعت الناس أي المسلمين يقولون شيئا في الدين فقلت مثله موافقة لهم وتحفظا منهم ولكني لا أومن به ولذا قال في الجواب لا أدري.\n(^٦) فلا يزال معذبا بالضرب بمقامع الحديد وغيرها حتى تقوم الساعة، والكافر لا يجيب كما سبق.\n(^٧) سبق في أول الصلاة حديث: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكته بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، فمضمونه أن حفظة النهار تنزل في الفجر وترتفع في العصر، فيثبتون في أول صحفهم =","vol":"5","page":210},{"text":"رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْجَنَائزِ (^١).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَتِ الْاخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْياَ وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْياَ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يأْتِهِ مِنَ الدُّنْياَ إِلا مَا قُدِّرَ لَهُ (^٢)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهاَ سَدَّدَ وَقاَرَبَ فاَرْجُوهُ وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ فَلَا تَعُدُّوهُ (^٣)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ياَ ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِباَدَتِي أَمْلأْ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ وَإِلا تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلًا وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ (^٤)»، رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ بِمَنْزِلَةِ الصَّائمِ الصَّابِرِ (^٦)»\n_________\n= صلاة الصبح وفي آخرها صلاة العصر، وملائكة الليل تثبت في صحفها صلاة العصر في أولها وصلاة الصبح في آخرها، ففيه بشارة للمسلم المحافظ على الصلاة بأن الله يغفر له نسأل الله ذلك آمين.\n(^١) والأول بسند حسن.\n(^٢) فمن كان اهتمامه واشتغاله بالدنيا ونسي الآخرة شتت الله عليه أموره وجعل الفقر بين عينيه ولم يأته من دنياه إلا ما قدر له، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾، ومن كان همه واشتغاله بالآخرة أكثر جمع الله أموره وجمله بالقناعة وبارك له في رزقه قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾.\n(^٣) الشرة كالهرة: النشاط، والفترة عدم النشاط، فإن كان صاحب الشرة والفترة اعتدل وتوسط في أموره للدنيا والأخرى فارجو له الخير وإن زاد في أموره فلا، ومنه حديث: بحسب امرئ من الشر أن يشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا إلا من عصمه الله تعالى. وهذا لأن ما يوجب الإشارة يكون في الغالب مدخولا أي ليس خالصا لله تعالى.\n(^٤) فمن تفرغ لعبادة الله كفاه الله كل شيء قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، وفي الحديث الشريف: اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها.\n(^٥) الثالث بسند حسن والثاني بسند صحيح.\n(^٦) فالمفطر الشاكر لنعم الله تعالى بمنزلة الصائم الصابر، فشكره كصبر الصائم على صومه، والشكر المبالغة في الثناء على الله تعالى، بل والاعتراف بالعجز عن شكره كقوله - ﷺ -: وهو ساجد: سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. وروى أن الله تعالى قال لداود ﵇: اشكرني يا داود على نعمي قال: يا رب كيف لي بشكرك وتوفيقك لي على الشكر نعمة جديدة منك علي فكيف لي بشكرها قال الله: الآن شكرتني، وقيل كمال الشكر استعمال النعم كلها فيما يرضيه تعالى جسمانية أو روحانية أو مالية نسأل الله التوفيق.","vol":"5","page":211},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ (^١).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمًا (^٢) فَقَالَ: «يَا غُلَامُ إنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ»: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ (^٣) احْفَظ اللَّهِ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ (^٤) إذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ (^٥) وَإذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ (^٦) وَاعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمُعَتْ عَلَى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ (^٧).\nرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٨).\n\n• عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيَ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «دَعْ مَا يَرِيُبكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ فَإنَّ اصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإنِّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ (^٩)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ (^١٠).\n\n• عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الأَمَانِيَّ (^١١)»،\n_________\n(^١) بسند صحيح.\n(^٢) على بغلة له.\n(^٣) احفظ أوامره ونواهيه بحفظك ومن تبعك من كل شيء.\n(^٤) أي أمامك فأينما دعوته وجدته وفي رواية: احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة.\n(^٥) لأن كل شيء بيده تعالى فإن كان المسئول عند الله فقط كالتوفيق والهداية والعلم فاطلبه من الله تعالى، وإن كان المسئول عند الناس كالأمور الدنيوية فاطلب من الله أن يسخر قلوبهم لك ثم سلمهم بعد ذلك.\n(^٦) لأنه القادر على كل شيء.\n(^٧) فكل الخلائق لا يمسونك بأي شيء خيرا أو شرا أرادوه لك إلا إذا قدره الله لك، فاطلب الأمور بعزة وتوكل في سعيك على الله تعالى فإن القدر لك لابد يأتيك.\n(^٨) بسند حسن.\n(^٩) يريبك بفتح الياء أشهر من ضمها، وهذا من الريب وهو الشك أي اترك ما تشك في كونه حسنا أو قبيحا أو حلالا أو حراما قولا أو فعلا إلى ما تتيقن حله وحسنه فإن الصدق في كل شيء تطمئن له النفس ويسكن له القلب والكذب يقلق ويضطرب منه القلب، ومنه ما سبق في أول البيوع: فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام.\n(^١٠) بسند صحيح.\n(^١١) الكيس كقيم: العاقل وقد كاس يكيس كيسا إذا تبصر في الأمور وتفكر في عواقبها، والعاجز: الجاهل الأحمق الذي لم يفكر في عواقب الأمور، فالكيس من حاسب نفسه فقهرها وألزمها حدود الله تعالى وعمل للآخرة، والأحمق من ترك نفسه في هواها من المحرمات وتمنى على الله أن يعفو عنه، فهو مع تفريطه لا يعتذر إلى ربه الذي قال: كيف أجود برحمتي على من بخل بطاعتي. قال عمر ﵁: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وتزينوا للعرض الأكبر، وإنما يخف=","vol":"5","page":212},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ (^١).\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ وَثَلَاثَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللَّهُ، فَأَمَّا الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ فَرَجُلٌ أَتَى قَوْمًا فَسَأَلَهُمْ بِاللَّهِ وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ لِقَرَابَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَمَنَعُوهُ فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ فَأَعْطَاهُ سِرًّا لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلا اللَّهُ تَعَالَى وَالَّذِي أَعْطَاهُ (^٢)»، وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ فَوَضَعُوا رُؤُوسَهُمْ فَقَامَ أَحَدُهُمْ يَتَمَلَّقُنِي وَيَتْلُوا آياَتِي (^٣)، وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ فَلَقِيَ الْعَدُوَّ فَهُزِمُوا فَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لَهُ (^٤)، وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُبْغِضُهُمُ اللَّهُ: الشَّيْخُ الزَّانِي (^٥)، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ (^٦)، وَالْغَنِيُّ الظَّلُومُ (^٧)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ (^٨).\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُصَلاهُ (^٩) فَرَأَى ناَسًا كأَنَّهُمْ يَكْتَشِرُونَ (^١٠) فَقَالَ: «أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِ «رَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أَرَى فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتُ (^١١) فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَلَى الْقَبْرِ يَوْمٌ إِلا تَكَلَّمَ فِيهِ» فَيَقُولُ: «أَناَ بَيْتُ الْغُرْبَةِ وَأَناَ بَيْتُ الْوَحْدَةِ وَأَناَ بَيْتُ التُّرَابِ وَأَناَ بَيْتُ الدُّودِ (^١٢)»، فَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا (^١٣) أَمَا إِنْ كُنْتَ لَأَحَبَّ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ فَإِذَا وَلِيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنُيعِي بِكَ، قَالَ: فَيَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ\n_________\n= الحساب في الآخرة على من حاسب نفسه في الدنيا، وقال ميمون: لا يكون العبد تقيا حتى يحاسب نفسه كما يحاسب شريكه من أين الطعم والملبس. نسأل الله التوفيق آمين.\n(^١) بسند صحيح.\n(^٢) لأنه أعطاه سرا لما سألهم بالله تعالى.\n(^٣) مما يعدل به أي يقابل به من المال، يتملقنى أي يتحبب إليّ في الود والدعاء من الملق وهو الزيادة في التودد.\n(^٤) بالنصر على الأعداء.\n(^٥) الكبير في السن لأنه أدعى لزجره.\n(^٦) المختال: التكبر لأن فقره ادعى لتواضعه.\n(^٧) كثير الظل لنفسه أو للناس لأن غناه أدعى لشكره.\n(^٨) بسند صحيح.\n(^٩) مكان الصلاة.\n(^١٠) من الكثر وهو ظهور الأسنان من الضحك.\n(^١١) هاذم اللذات الدنيوية أي قاطعها وهو الموت.\n(^١٢) الذي ينشأ من أجساد الموتى فيأكلها.\n(^١٣) أتيت مكانا رحبا أي واسعا وأهلا.","vol":"5","page":213},{"text":"وَيُفْتَحُ لَهُ باَبٌ إِلَى الْجَنَّةِ (^١)، وَإِذَا دُفِنَ الْعبْدُ الْفاَجِرُ أَوِ الْكَافِرُ (^٢) فَقَالَ لَهُ الْقَبْرُ: لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهلًا أَمَا إِنْ كُنْتَ لَأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ فَإِذَا وَلِيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِي بِكَ، قَالَ فَيَلْتَئمُ عَلَيْهِ حَتَّى تَلْتَقِيَ عَلَيْهِ وَتَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ (^٣)، قاَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «بِأَصَابِعِهِ (^٤) فَأَدْخَلَ بَعْضَهَا فِي جَوْفِ بِعْضٍ قاَلَ: وَيُقَيِّضُ اللَّهُ لَهُ سَبْعِينَ تِنِّينًا (ثعْباَنًا) لَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهاَ نَفَخَ فِي الْأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا مَا بَقِيَتِ الدُّنْياَ فَيَنْهَشْنَهُ وَيَخْدِشْنَهُ حَتَّى يُفْضَى بِهِ إِلَى الْحِسَابِ (^٥)»، قاَلَ: وَقاَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّماَ الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِياَضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ (^٦)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٧).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ طَيِّبًا وَعَمِلَ فِي سُنَّةٍ وَأَمِنَ النَّاسُ بوَائِقَهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ (^٨)»، فَقَالَ رَجُلٌ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هذَا الْيَوْمَ فِي النَّاسِ لَكَثِيرٌ، قاَلَ: «وَسَيَكُونُ فِي قُرُونٍ مِنْ بَعْدِي»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ (^٩)، وَاللَّهُ أعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1163>دخول الجنة بفضل الله تعالى</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قاَرِبُوا وَسَدِّدُوا (^١٠) وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ\n_________\n(^١) فيملأ قبره منها روحا وريحانا وكل ما يشتهي تنعما لروحه إلى يوم تبعث.\n(^٢) أو للشك والمراد الكافر والفاجر والمنافق.\n(^٣) فيلتئم القبر عليه فتعصره أضلاعه حتى تتصل ببعضها.\n(^٤) أشار بها.\n(^٥) حتى يقوم من قبره إلى الحساب في الآخرة، نسأل الله السلامة.\n(^٦) فالقبر قطعة من النار للكافرين والمنافقين والفاسقين، والقبر روضة من الجنة للمؤمنين المتقين، فاتضح من هذا أن في القبر نعيما أو عقابا ولكن لا يراه المكلفون من الإنس والجن في دنياهم زيادة ابتلاء لهم، والنبي - ﷺ - كان يراه كما سبق وكذا بقية الخلق غير الثقلين نسأل الله السلامة من عقابه آمين.\n(^٧) بسند حسن.\n(^٨) بوائقه جمع بائقة وهي الداهية، فمن كان يأكل الحلال ويعمل بالشرع المحمدي ولم يؤذ أحدا فهو من أهل الجنة.\n(^٩) بسند ضعيف والله أعلم.\n\nدخول الجنة بفضل الله تعالى\n(^١٠) سدوا من السداد وهو الصواب، وقاربوا من المقاربة وهي التوسط في العمل.","vol":"5","page":214},{"text":"أَحَدٌ مِنْكمْ بِعَمَلِهِ»، قاَلُوا: ياَ رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْتَ؟ قاَلَ: «وَلَا أَناَ إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ»، وَفِي رِوَايَةٍ: لَا «يُدْخِلُ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ وَلَا يُجِيُرهُ مِنَ النَّارِ وَلَا أَنَا إِلا بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ (^١)».\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «سَدِّدُوا وَقاَرِبُوا وَأَبْشِرُوا (^٢) فإِنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ أَحَدًا عَمَلُهُ»، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ؟ قاَلَ: «وَلَا أَناَ إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ (^٣)». رَوَاهُماَ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَنَعُوذ بِهِ مِنَ النَّارِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1164>رفع الأمانة </span>(^٤)\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ رَأيْتُ أحَدَهُما وَأَناَ أَنْتَظِرُ الْاخَرَ، حَدَّثَناَ أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ (^٥) ثمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ\n_________\n(^١) فليس أحد ينجيه من النار عمله ولا يدخله الجنة حتى ولا النبي - ﷺ - إلا أن يعمه الله بفضله ورحمته.\n(^٢) اقصدوا صواب العمل وتوسطوا فيه وأبشروا عليه بالخير العظيم.\n(^٣) فأحب العمل عند الله ما دام وإن كان قليلا وسبق هذا في كتاب الإسلام والإيمان، فاتضح من هذا أن دخول الجنة بخالص فضل الله تعالى ولا يستحقها أحد بعمله وإن عبد الله من أول الدنيا إلى آخرها لأن عمله ينتهي ونعيم الجنة خالد لا ينتهي ولأن الأعمال توفيق وعناية من الله تعالى ولأن الجنة سلعة الله الغالية التي لا يقدر على ثمنها أحد، ولا يرد قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ وقوله تعالى ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ونحوها مما يدل على أن الجنة بالأعمال لأن المراد منها أن الأعمال والهداية سبب في الجنة وليست بموجبة لها كما في هذه الأحاديث، وقيل: إن الأعمال للمنازل في الجنة ودخولها بمحض فضل الله تعالى كما روي: ادخلوها بفضل الله واقتسموها بأعمالكم نسأل الله الجنة من فضله آمين.\n\nرفع الأمانة\n(^٤) الأمانة ضد الخيانة أو هي التكاليف، أي بيان نزول الأمانة في الناس ورفعها منهم حتى يكون الأمين كالعدوم أو معدوما، والأمين من تأمنه على العرض والنفس والمال.\n(^٥) الجذر بالفتح والكسر: الأصل. فنزول الأمانة الحديث الأول ورفعها الحديث الثاني.","vol":"5","page":215},{"text":"ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ (^١) وحَدَّثَناَ عَنْ رَفْعِهَا قَالَ: «يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثلَ أَثَرِ الْوَكْتِ (^٢)» ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ (^٣) كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ (^٤) فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمانَةَ فَيُقَالُ إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ ما أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ وَمَا فِي قَلبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيماَنٍ وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُباَلِي أُيُّكُمْ بَايَعْتُ لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامُ وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَماَ كُنْتُ أُبَايِعُ إِلا فُلَانًا وَفُلَانًا (^٥)» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فاَنْتَظِرِ السَّاعَةَ»، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتهاَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِذَا أُسْنِدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فاَنْتَظِرِ السَّاعَةَ (^٧)»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِماَ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ آمِين.\n_________\n(^١) فالأمانة فيهم من الفطرة وبالكسب من الشريعة.\n(^٢) الوكت كالوعد السواد اليسير كالنقطة.\n(^٣) المجل كالمطل: النفاخات التي تظهر في الأيدي من كثرة العمل بنحو الفأس.\n(^٤) فالأمانة تزول من القلوب شيئا فشيئا فإذا زال جزء أول منها خلفه في القلب ظلمة كالسواد، فإذا زال جزء آخر خلفه في القلب كالمجل أو كأثر جمر صغير نزل على رجلك ثم طار فتراه منتبرا أي مرتفعا وليس فيه شيء.\n(^٥) بايعت من البيع والشراء فقد مضى زمن الأمانة الذي كنت أعامل فيه أي إنسان إن كان مسلما أنصفني إسلامه وإلا أنصفني ساعيه أي وليه الذي أقيم عليه أو الذي يتولى أخذ الجزية منه ولكن الآن لا أعامل إلا أفرادا قليلة لعدم الأمانة وقلة الثقة بالناس، فإذا كان هذا في زمن الصحب والسلف الصالح فكيف بنا الآن، وما أحسن قول القائل:\nسألت الناس عن خل وفي … فقالوا ما إلى هذا سبيل\nتمسك إن ظفرت بذيل حر … فإن الحر في الدنيا قليل\n(^٦) ولكن مسلم في الإيمان.\n(^٧) المراد بالأمانة والأمر هنا الولاية العامة وفروعها كالخلافة والإمارة والقضاء والحكم بين الناس، فإذا وكلت هذه الأمور إلى غير أهل الدين والعلم والرأي فانتظر الساعة فإنها على وشك الظهور، فإن هؤلاء من الأمة كالقطب من الرحى وكالقلب من الجسم وكالملك من الرعية بصلاحهم تصلح الأمة وبفسادهم تفسد وتهلك، نسأل الله أن يولى المصلحين كما نسأله السلامة لنا ولجميع المسلمين آمين والحمد لله رب العالمين.","vol":"5","page":216},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1165>الفصل السادس: في فضل الصدقة </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّياَلِي فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي وَحْدَهُ لَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ (^٢) فاَلْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ: «مَنْ هذَا»؟ قُلْتُ: أَبُو ذَرَ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ: «تَعاَلَهْ»، فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ: «إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِياَمَةِ إِلا مَنْ أَعْطاَهُ اللَّهُ خَيْرًا» فَنَفَحَ فِيهِ (^٣) يَمِينَهُ وَشِماَلَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ: «اجْلِسْ ههُناَ» فَأَجْلَسَنِي فِي قاَعٍ (^٤) حَوْلَهُ حِجَارَةٌ فَقاَلَ: «اجْلُسْ ههُناَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ» فاَنْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى لَا أَرَاهُ (^٥) فَلَبِثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللُّبْثَ (^٦) ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ يَقُولُ: «وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى» فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ فَقُلْتُ: ياَ نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ مَنْ تُكُلِّمَ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا (^٧) قَالَ: «ذَاكَ جِبْرِيلُ عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ (^٨) فَقَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ فَقُلْتُ: ياَ جِبْرِيلُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قاَلَ: نَعَمْ قُلْتُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قاَلَ: نَعَمْ قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قاَلَ: نَعَمْ وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ (^٩)».\n_________\nالفصل السادس في فضل الصدقة\n(^١) سبق فضل الصدقة بتوسع في كتاب الزكاة ولكني وجدت هذه الأحاديث هنا في البخاري ورأيتها في مسلم في كتاب الزكاة فوضعها هنا بعنوان فضل الصدقة ليكون التاج جامعًا للأصول.\n(^٢) متسترا عنه.\n(^٣) فنفح فيه: ضرب يديه فيه بالعطاء.\n(^٤) القاع: المستوى من الأرض.\n(^٥) الحرة كالجرة: أرض ذات حجارة سود خارج المدينة المنورة وهي بين حرتين.\n(^٦) غاب فطال غيابه.\n(^٧) أي يكلمك.\n(^٨) ظهر لي فكلمني في هذه الحرة.\n(^٩) فيه أن من مات على كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله فهو من أهل الجنة بدون عذاب إن كان قائما بفروع الشريعة ولو قصر أو عصى وتاب إلى ربه، وبعد التطوير في النار إن لم يتب، وربما عفا الله عنه، قال صاحب الجوهرة ﵁:\nومن يمت ولم يتب من ذنبه … فأمره مفوض لربه","vol":"5","page":217},{"text":"• وَعَنْهُ قاَلَ: كنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرَّةِ الْمَدِينَةِ عِشَاءً وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَى أُحُدٍ فَقَالَ: «ياَ أَباَ ذَرَ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ، قاَلَ: «مَا أُحِبُّ أَنَّ أُحُدًا ذَاكَ عِنْدِي ذَهَبٌ أَمْسَى ثاَلِثَةً عِنْدِي مِنْهُ دِيناَرٌ إِلا دِيناَرًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ إِلا أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللَّهِ» هكَذَا حَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ (^١) وَهكَذَا عَنْ يَمِينِهِ وَهكَذَا عَنْ شِماَلِهِ ثُمَّ مَشَيْنَا قاَلَ: «ياَ أَباَ ذَرَ حَتَّى آتِيَكَ (^٢)» فاَنْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي قاَلَ: فَسَمِعْتُ لَغَطًا وَصَوْتًا فَقُلْتُ: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عُرِضَ لَهُ (^٣) فَهَمَمْتُ أَنْ أَتَّبِعَهُ ثمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ «لَا تَبْرَحْ مَكانَكَ حَتَّى آتِيَكَ» فَلَمَّا جَاءَ ذَكَرْتُ لَهِ الَّذِي سَمِعْتُ (^٤) فَقَالَ: «ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتاَنِي فَقَالَ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ»، رَوَاهُماَ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّهُ خُلِقَ كلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثلاثِمَائةِ مَفْصِلِ (^٥) فَمَنْ كَبَرَ اللَّهَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَهَلَّلَ اللَّهَ وَسَبَّحَ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ وَعَزَلَ حَجَرًا أَوْ شَوْكَةً عَظْمًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ (^٦) وَأَمَرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ وَالثَّلَاثِمِائَة السُّلَامَى فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ (^٧)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَصَدَّقُوا فَيُوشِكُ الرَّجُلُ يَمْشِي بِصَدَقَتِهِ فَيَقُولُ الَّذِي أُعْطِيَهاَ (^٨) لَوْ جِئْتَناَ بِهاَ بِالْأَمْسِ قَبِلْتُهاَ مِنْكَ فَأَمَّا الْانَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهاَ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهاَ».\n_________\n(^١) أشار بين يديه كمن يعطى.\n(^٢) امكث هنا حتى آتيك.\n(^٣) حدث له شيء يؤذيه.\n(^٤) أي سمعت من يكلمك.\n(^٥) مفصل كمسجد: هو العضو هنا وإن كان أصله ملتقى العظمين وفي بدن كل إنسان ثلاثمائة وستون عضوا بعدد أيام السنة تقريبا.\n(^٦) أزال عن طريق الناس كل ما يؤذيهم.\n(^٧) وزاد في رواية. ويجزي عن ذلك ركعتان يركعهما في الضحى وسبق بضعة أحاديث من هذا في صلاة الضحى من كتاب الصلاة.\n(^٨) الذي عرضت عليه.","vol":"5","page":218},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْماَلُ وَيَفِيضَ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهاَ مِنْهُ وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهاَرًا (^١)»، رَوَاهُماَ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تَقِيءُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا أَمَثَالَ الْأُسْطوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (^٢)، فَيَجِيَءُ الْقاَتِلُ فَيَقُولُ: فِي هذَا قَتَلْتُ، وَيَجِيءُ الْقاَطِعُ فَيَقُولُ: فِي هذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِق فَيَقُولُ: في هذَا قُطِعَتْ يَدِي ثُمَّ يَدَعُونَهُ فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا (^٣)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لَأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ (^٤) فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهاَ فِي يَدِ زَانِيَةٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تَصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ (^٥) قَالَ: لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهاَ فِي يَدِ غَنِيَ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى غَنِيَ قاَلَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى غَنِيَ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهاَ فِي يَدِ سَارِقٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِيَ وَعَلَى سَارِقٍ فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتَكَ فَقَدْ قُبِلَتْ (^٦) أَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهاَ تَسْتَعِفُّ بِهاَ عَنْ زِناَها (^٧) وَلَعَلَّ الْغَنِيَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ (^٨) وَلَعَلَّ السَّارِقَ\n_________\n(^١) مروجًا أي رياضا.\n(^٢) الأفلاذ جمع فلذ ككتف؛ وفلذ جمع فلذة كقربة وهي قطعة من طول الكبد الذي هو من أطيب الجزور، والأسطوان جمع أسطوانة وهي السارية أي العمود.\n(^٣) ففي آخر الزمان تخرج الأرض خيراتها من زروع وثمار وأنهار وتخرج كنوزها من ذهب وفضة فينظر الناس لها ويتركونها لكثرتها، والمراد الحث على الصدقة قبل أن يأتي هذا الوقت الذي يخرج فيه الرجل بزكاة ماله أو صدقته فلا يجد من يقبلها منه، وقيل إن ذلك الزمن بعد نزول عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.\n(^٤) قال رجل من بني إسرائيل: والله لأنصدقن الليلة بصدقة على أول من ألقاه.\n(^٥) أي على صدقة عليها حيث كان مرادا لك فإنك لا تريد إلا الجميل الذي فيه المصلحة للعباد.\n(^٦) فأتى في منامه فقيل له إن صدقتك قبلت.\n(^٧) تمتنع عن الزنا بسبب صدقتك.\n(^٨) لعل هذا البخيل يعتبر فيتعود الإنفاق.","vol":"5","page":219},{"text":"يَسْتَعِفُّ بِهاَ عَنْ سَرِقَتِهِ (^١)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ مَثَلُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِماَ جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ (^٢) مِنْ ثُدَيِّهماَ إِلَى تَرَاقِيهِمَا (^٣) إِذَا هَمَّ الْمُتَصَدِّقُ بِصَدَقَةٍ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَعَفِّي أَثَرَهُ (^٤) وإِذَا هَمَّ الْبَخِيلُ بِصَدَقَةٍ تَقَلَّصَتْ عَلَيْهِ (^٥) وَانْضَمَّتْ يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ وَانْضَمَّتْ كُلُّ حَلْقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا» قَالَ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «فَيَجْهَدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا فَلَا يَسْتَطِيعُ (^٦)»، رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ ﵄ (^٧) قَالَ: أَمَرَنِي مَوْلَايَ أَنْ أُقَدِّدَ لَحْمًا (^٨) فَجَاءَنِي مِسْكِينٌ فَأَطْعَمْتُهُ مِنْهُ فَعَلِمَ بِذلِكَ مَوْلَايَ فَضَرَبَنِي فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَعَاهُ فَقَالَ: «لِمَ ضَرَبْتهُ»؟ فَقَالَ: يُعْطِي طَعاَمِي بِغَيْرِ إِذْنِي فَقَالَ: «الْأَجْرُ بَيْنَكُماَ (^٩)».\n\n• عَنْ أَسْمَاءَ (^١٠) ﵂ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n_________\n(^١) يمتنع بسبب هذه الصدقة عن السرقة اعتقادا منه بأن الله يرزق من غير طريق الحرام بل يرزق الشخص من حيث لا يحتسب، فمضمون هذا أن الله تعالى قبل صدقة هذا الرجل وإن لم تصادف أهلها جزاء على نيته وفعله، ولتلك الحكم العالية السامية، ففيه أن بذل الصدقة مطلوب في كل زمان ومكان فإن الخلق كلهم عيال الله والمثيب عليها هو الله تعالى والله أعلم.\n(^٢) وفي نسخة عليهما جنتان تثنية جنة بالضم وهي الدرع.\n(^٣) الثديّ جمع ثدى، والتراقي جمع ترقوة وهي عظم الخلق.\n(^٤) حتى تطمس أثر مشيه من طولها.\n(^٥) انقبضت عليه.\n(^٦) هذا الحديث روي بعدة روايات للشيخين ووقع فيها بعض أخطاء ولكن هذه أصح الروايات، والحديث ضرب مثلا للبخيل والتصدق، فمثلهما مثل رجلين عليهما درعان قصيران ضيقان من الحديد، فإذا هم المتصدق بصدقة اتسع درعه وطال حتى يجر على الأرض، والمراد انشرح صدره ففرح لها بكل جوارحه فأخرجها وهو مملوء بالإخلاص فتقبلها الرحمن بيمينه، وإذا هم البخيل بصدقة انقبضت عليه درعه وانضمت حلقاته إلى بعضها وانضمت يداه إلى عنقه فلم يقدر على إخراجها، والمراد غلب عليه الشح فماتت جوارحه عن فعل الخير، قال تعالى ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ نسأل الله السماحة آمين.\n(^٧) عمير كان عبدا لآبي اللحم أي الذي لا يأكله أو الذي أبى إعطاءه واسمه عبد الله أو خلف الغفاري صحابي واستشهد في حنين.\n(^٨) من التقديد وهو الشق طولا.\n(^٩) أي لكما أجران للعبد أجر الإعطاء وللسيد أجر الصدقة لأنها كسبه كما سبق في الزكاة: إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما كسب وللخازن مثل ذلك.\n(^١٠) هي أسماء بنت أبي بكر الصديق وأخت عائشة لأبيها ﵃.","vol":"5","page":220},{"text":"«انْضَحي» أَوِ أَنْفِقِي وَلَا تَحْصِي فَيُحْصِي اللَّهُ عَلَيْكِ وَلَا توعِي فَيُوَعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ (^١)».\nوَكَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ فِي إِبِلِهِ فَجَاءَهُ ابْنُهُ عُمَرُ وَكَانَ رَاكِبًا فَنَزَلَ فَقَالَ لِأَبِيهِ: نَزَلْتَ فِي إِبِلِكَ وَغَنَمِكَ وَتَرَكْتَ النَّاسَ يَتَناَزَعُونَ الْمُلْكَ بَيْنَهُمْ فَضَرَبَ سَعْدٌ فِي صَدْرِهِ فَقَالَ: اسْكُتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ»، رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1166>الفصل السابع: في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (^٣)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهاَبٍ ﵁ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْعِيدِ\n_________\n(^١) النفح والنضح والإنفاق بمعنى، والإحصاء: حصر الشيء وعده، والإيماء: وضعه في الوعاء، والمراد الحث على الإنفاق والصدقة وترك الادخار وإلا أحصى الله وأوعى عليه أي منعه فضله ورزقه، وقالت عائشة ﵂: ذبحنا شاة فأعطينا منها، فقال رسول الله - ﷺ -: ما بقي منها؟ قلنا: ما بقي إلا كتفها، قال: بقي كلها غير كتفها، رواه الترمذي بسند صحيح، نسأل الله التوفيق والسعة والبذل فيما يرضيه آمين.\n\nالفصل السابع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر\n(^٢) المعروف ما عرف في الشرع أي ما عرفه الناس بأنه محبوب للشارع مفروضًا كان أو مسنونا أو مستحبا. والمنكر: ما ينكره الشارع محرمًا كان أو مكروها كالنظر للأجنبية، والكلام الآتي في بيان درجات الأمر والنهي وفي عقاب من يأمر وينهى ولا يأتمر ولا ينتهي وأن الناس إذا قدروا على النهي ولم ينهوا نزل العذاب فعمهم كلهم، ويجب على الآمر الناهي أن يسلك طريق اللطف فإنه أسلم وأنجح، قال الله تعالى ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ويجب الأمر والنهي بشروط وهي أن يتحقق أو يظن الفائدة من أمره أو نهيه، وألا يناله ضرر ولو بالكلام وإلا فلا يجب ولكن يبقى مستحبًا لمن شاء.\n(^٣) فالله تعالى رتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على خيريهم وأفضليتهم على كل الناس، ما ذاك إلا لأن الأمر والنهي في المنزلة العليا من الشرائع لأنهما باب الإرشاد إلى الله وطريق الهداية العظمى.","vol":"5","page":221},{"text":"مَرْوَانٌ (^١) فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ فَقَالَ: قَدْ ترِكَ مَا هُناَلِكَ (^٢) فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذلِكَ أَضْعَفُ الْإِيماَنِ (^٣)»، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيَ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ (^٤) وَأَصْحاَبٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِنَّهاَ تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ (^٥) فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلِكَ مِنَ الْإِيماَنِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ (^٦)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْإِيماَنِ.\nوَقِيلَ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄: أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْماَنَ فَتُكَلِّمَهُ فَقاَلَ: أَتُرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلا أُسْمِعُكُمْ (^٧) وَاللَّهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبيَنْهُ مَا دُونَ أَنْ أفْتَحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ (^٨) وَلَا أَقُولُ لِأَحَدٍ يَكُونُ عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ فَيَدُورُ بِهاَ كَماَ يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى (^٩) فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ:\n_________\n(^١) وكان واليًا على المدينة من قبل معاوية.\n(^٢) أي تقديم الصلاة على الخطبة.\n(^٣) وسبق هذا في كتاب الإيمان.\n(^٤) جمع حواري وهو الناصر.\n(^٥) ثم إنها أي الحال تأتي من بعدهم، خلوف: جمع خلف بسكون اللام وهو الشر بخلاف الخلف بفتحها فهو الصالح، فهؤلاء الخلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون.\n(^٦) ففي هذا وما قبله أن درجات الجهاد في الأمر والنهي ثلاثة، فأعلاها وأفضلها ما كان باليد ثم باللسان لمن لم يقدر على اليد ثم بالقلب لمن لم يقدر على القول باللسان ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ والإنكار بالقلب أن يقول في نفسه: يا رب هذا منكر لا يرضيك ولا أرضاه.\n(^٧) قيل لأسامة خادم رسول الله - ﷺ - حينما دبت الفتنة بين المسلمين في أواخر خلافة عثمان ﵃.\n(^٨) أمرا هو الإنكار جهرا خوفا من الفتنة.\n(^٩) الاندلاق: الخروج، والأقتاب: جمع قتب، كحمل وأحمال وهي الأمعاء.","vol":"5","page":222},{"text":"ياَ فُلَان مَا لَكَ أَلَمْ تَكُنْ تِأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَيَقُولُ: بَلَى قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ (^١)» رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ (^٢).\nوَلِأَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣): «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائرٍ أَوْ أَمِيرٍ جَائرٍ (^٤)».\n\n• عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ: «يأيُّهاَ النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَأُونَ هذِهِ الآيةَ وَتَضَعُونَهَا في غَيْرِ مَوَاضِعِهَا «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكمْ (^٥) لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ» وَإِنَّا سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعْمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ (^٦)»، رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٧).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ\nكَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ (^٨) فَيَقُولُ ياَ هذَا اتَّقِ اللَّهَ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ ثُمَّ يَلْقاَهُ مِنَ الْغَدِ فَلَا يَمْنَعُهُ ذلِكَ (^٩) أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ (^١٠) فَلَمَّا فَعَلَوا ذلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ (^١١)» ثمَّ قاَلَ «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ\n_________\n(^١) فبعض الناس يلقي في النار فتسقط أمعاؤه من بطنه ويدور حوها لاتصال طرفها ببطنه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: يا فلان ما شأنك قد كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: نعم ولكني ما كنت اعمل بأمرى ونهيي، فهذه حال الواعظين بألسنتهم ولكنهم لا يتعظون، نسأل الله الستر والتوفيق لما يحب ويرضى آمين.\n(^٢) ولكن مسلم في كتاب الزهد.\n(^٣) بسند حسن.\n(^٤) أو للشك، فأفضل الجهاد كلمة حق عند حاكم ظالم تنهاه عن ظلمه أو تهديه لرشده، وسبق هذا في كتاب الإمارة.\n(^٥) منصوب بعليكم لأنه من أسماء الأفعال، أي الزموا إصلاح أنفسكم لا يضركم ضلال غيركم إذا اهتديم فهذه كقوله تعالى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ فلا تنافي وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n(^٦) فإذا رأى الناس ظالما ولم يمنعوه عن ظلمه وهم قادرون عليه أنزل الله عليهم كلهم العذاب.\n(^٧) بسند صحيح، ورواية الترمذي لهذا وما بعده في تفسير سورة المائدة وسبق فيها بعض أحاديث ليست هنا.\n(^٨) المتلبس بالشر.\n(^٩) ما رآه في الشر.\n(^١٠) وكان اللازم أن يجتنبه لعصيانه.\n(^١١) يقال ضرب اللبن بعضه ببعض إذا خلطه، أي سود قلوب الطائعين بسكوتهم من العاصين ورضاهم عنهم واختلاطهم بهم.","vol":"5","page":223},{"text":"عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ اعَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ». ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ ثُمَّ قاَلَ: «كلا وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ وَلَتَأْطِرَّنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا (^١) وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا (^٢) أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ ثُمَّ لَيَلْعَنَنَّكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ (^٣)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ جَرِيرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونَ فِي قَوْمٍ يَعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي يَقْدِرُونَ أَنْ يُغَيِّرُوا عَلَيْهِ فَلَا يُغَيِّرُوا إِلا أَصَابَهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمُوتُوا (^٥)».\n\n• عَنِ الْعُرْسِ الْكِنْدِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا كَمَنْ غَابَ عَنْهَا وَمَنْ غَابَ عَنْهاَ فَ رضيهاَ كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا (^٦)»، رَوَاهُماَ أَبُو دَاوُدَ (^٧).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا خَفِيَتِ الْخَطِيئَةُ لَا تَضُرُّ إِلا صَاحِبَهاَ وَإِذَا ظَهَرَتْ فَلَمْ تُغَيَّرْ ضَرَّتِ الْعَامَّةَ (^٨)» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ (^٩).\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ\n_________\n(^١) لتعطفنه على الحق عطفا.\n(^٢) لتحبسنه على الحق حبسا.\n(^٣) اللعن: الطرد من رحمة الله تعالى وكان مسخا لأصحاب السبت، نعوذ بالله من ذلك.\n(^٤) بسند حسن.\n﴿تنبيه﴾: مرويات الترمذي هنا وما يأتي في كتاب الفتن.\n(^٥) ففي هذه النصوص أنه يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للقادرين عليه وإلا عوقب الجميع.\n(^٦) فمن رضي بالمعصية ولو كان غائبًا عنها كان ذنبه كذنب فاعلها لأنه حارب ربه ورضي بما يغضب الله تعالى، ومن أبغضها ولو كان حاضرا لها فلا شيء عليه فإذا أنكر كان له أجر النهى عنها.\n(^٧) بسندين صالحين.\n(^٨) ولذا يجب على من بلي بشيء أن يستتر لئلا يضر عباد الله تعالى كحديث: إذا بليتم فاستروا.\n(^٩) بسند حسن.","vol":"5","page":224},{"text":"وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ يَبْعَثُ عَلَيْكمْ عِقاَبًا مِنْهُ ثمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكمْ (^١)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ (^٢).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: بَيْنَماَ نَحْنُ حَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ «إِذْ ذُكِرَتِ الْفِتْنَة فَقاَلَ: إِذَا رَأَيْتُمُ النَّاسَ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَخَفَّتْ أَمَاناَتُهُمْ (^٣) وَكَانُوا هكَذَا» وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: كيْفَ أَفْعَلُ عِنْدَ ذلِكَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ؟ قَالَ: «الْزَمْ بَيْتَكَ وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ (^٤) وَخُذْ بِماَ تَعْرِفُ وَدَعْ مَا تُنْكِرُ (^٥) وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ (^٦)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِماَ يُحِبُّ وَيَرْضى آمِين.\n_________\n(^١) فعدم الأمر والنهي سيء العاقبة وهي عدم إجابة الدعاء وعموم العذاب وهذان واقعان بنا الآن فلا دعاء يجاب والعذاب بيننا بقتال بعضنا لبعض، وهذا من ترك الشرع والخروج عليه ولا سيما النساء، وقسوة القلوب من الحكام والأغنياء، بل والطامة الكبرى أن صارت أيدي الأجانب على المسلمين في بقاع الأرض إلا قليلا ممن أنجى الله منهم، نسأل الله أن يتوب علينا ويوفقنا لما فيه رضاه آمين.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) مرجت عهودهم. فسدت، وخفت أماناتهم أي قلت، وشبك - ﷺ - بين أصابعه أي اختلط أمرهم والتبس فلا يعرف الأمين من الخائن ولا البر من الفاجر.\n(^٤) أي دع الكلام في أحوال الناس لئلا يؤذوك.\n(^٥) اعمل بالمعروف شرعا واترك المنكر شرعا.\n(^٦) عليك بأمر خاصة نفسك أي اشتغل بما يخصك لدينك ودنياك، ومن هذا ما سبق في تفسير سورة المائدة: بل ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك ودع عنك العوام، فمضمون هذه النصوص أنه إذا فسد أهل الزمان وصاروا هكذا فقل خيارهم وكثر أشرارهم وسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعدم الفائدة، وربما ناله منهم أذى ولكن يبقى مستحبا كما سبق، وهذا لا ينافي أنه يجب على الخطباء والوعاظ والمرشدين المعينين من قبل الحكومة القيام بوظائفهم كما كلفوا بها إطاعة لأمر الولاة وتوفية لأعمالهم المأجورة. ويثابون عليها إذا أخلصوا واحتسبوا لله، فإن الثواب وإن كان من فضل الله ولكن بسبب الأعمال والإخلاص فيها، نسأل الله كامل الإخلاص في الأقوال والأفعال آمين.","vol":"5","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1167>خاتمة في أنباء بعض السابقين </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا (^٢)﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1168>قصة الأبرص والأقرع والأعمى </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمى، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يبْتَلِيَهُمْ (^٤)» فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا فَأَتَى الْأَبْرَصَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: «لَوْنٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذْرَنِي النَّاسُ (^٥)» فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ وَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا، قَالَ: «فَأَيُّ الْماَلِ أَحَبُّ إِلَيْكَ»؟ قَالَ: «الْإِبِلُ أَوْ قَالَ الْبَقَرُ، شَكَّ إِسْحَاقُ فِي الْأَبْرَصِ وَالْأَقْرَعِ»، قاَلَ أَحَدُهُماَ الْإِبِلُ وَقاَلَ الْاخَرُ الْبَقَرُ، قَالَ: فَأُعْطِيَ ناَقَةً عُشَرَاءَ فَقَالَ: «باَرَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا (^٦)»، قاَلَ: فَأَتَى الْأَقْرَعَ فَقاَلَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: «شَعَرٌ حَسَنٌ وَيَذْهَبُ عَنِّي هذَا الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ (^٧)» قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ الْماَلِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قاَلَ: الْبَقَرُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا فَقَالَ: «باَرَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا (^٨)»، قَالَ: فَأَتَى الْأَعْمى فَقاَلَ:\n_________\nخاتمة في أنباء بعض السابقين\n(^١) ففي ذكر ذلك عبر وعظات وتسلية وقدوة صالحة.\n(^٢) ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ من الرسل والأمم، وقد أعطيناك من لدنا قرآنًا جامعا عظيما، نسأل الله العلم والعمل به آمين.\n\nقصة الأبرص والأقرع والأعمى\n(^٣) الأبرص: الذي به البرص، والأقرع: الذي ذهب شعر رأسه، والأعمى: فاقد حاسة الإبصار.\n(^٤) أي يختبرهم.\n(^٥) وهو داء البرص.\n(^٦) فأسلمه الملك ناقة عشراء بضم ففتح ممدودا وهي التي حملت من عشرة شهور وهذه أنفس الإبل ودعا له بالبركة فيها.\n(^٧) وهو القرع.\n(^٨) فأعطاه بقرة حاملا وقال له: بارك الله لك فيها.","vol":"5","page":226},{"text":"أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قاَلَ: أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ، قاَلَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قاَلَ: فَأَيُّ الْماَلِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قاَلَ: الْغَنَمُ، فَأُعْطِىَ شَاةً وَالِدًا فَأُنْتِجَ هذَانِ وَوَلَّدَ هذَا، فَكَانَ لِهذَا وَادٍ مِنَ الْإِبِلِ وَلِهذا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ وَلِهذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ (^١)، قاَلَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ (^٢) فَقاَلَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْجِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ لِي الْيَوْمَ إِلا بِاللَّهِ ثَمَّ بِكَ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْماَلَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي فَقاَلَ:\nالْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ فَقاَلَ لَهُ (^٣) كَأَنِّي أَعْرِفُكَ أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ فَقاَلَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هذَا الْماَلَ كَابِرًا عَنْ كاَبِرٍ (^٤) فَقَالَ: «إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ (^٥)» قاَلَ: «وَأَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ فَقاَلَ لَهُ مِثْلَ مَا قاَلَ لِهذَا وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هذَا (^٦)» فَقاَلَ: إِنْ كُنْتَ كاَذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ (^٧)، قَالَ: «وَأَتَى الْأَعْمى فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ (^٨)» فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ انْقَطَعَتْ بِيَ الْجِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ (^٩) أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهاَ فِي سَفَرِي فَقاَلَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَخُذْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ\n_________\n(^١) وولد هذا أي الشاة، وأما أنتج ونتج فمن الألفاظ التي على صورة المجهول أي كثر النتاج من البقرة والناقة والشاة حتى صار لكلٍ واد كامل.\n(^٢) فبعد مضي مدة وصار لكل منهم واد من المال تمثل الملك بصورة الأبرص وهيئته حينما كان مريضا وجاءه يسأله بالله أن يعطيه بعيرا يركبه إلى وطنه فأبي وأعرض بجانبه.\n(^٣) فقال الملك له.\n(^٤) عن أب كبير ورثه عن أب كبير وهكذا.\n(^٥) دعا عليه بالرجوع لما كان عليه أولا فصار أبرص في هيئة يقذرها الناس لكفره بالنعمة وعدم شكر الله عليها.\n(^٦) أي كرد الأبرص على هذا السائل.\n(^٧) فعاد لأصله أقرع في هيئة يقذرها الناس لكفره بالنعمة وعدم شكرها.\n(^٨) أي الأعمى حينما كان أعمى.\n(^٩) لا يبلغني أملى إلا الله ثم أستعين بك.","vol":"5","page":227},{"text":"شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلَّهِ (^١)، فَقَالَ: «أَمْسِكْ مَالَكَ فَإِنَّماَ ابْتُلِيتُمْ فَقَدْ رضي عَنْكَ وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ (^٢)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ هُنَا وَالْبُخَارِيُّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1169>الذين تكلموا في المهد </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلا ثَلَاثَةٌ (^٤) عِيسَى، وَكَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَاُلُ لَهُ جُرَيْجٌ كَانَ يُصَلِّي فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ فَقاَلَ أُجِيبُهاَ أَوْ أُصَلِّي، فَقَالَتِ اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى ترِيَهُ وُجُوه الْمُومِسَاتِ» وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ (^٥) فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ فَكَلَّمَتْهُ فَأَبى فَأَتَتْ رَاعيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهاَ فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَقَالَتْ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ فَكَسَّرُوا صَوْمَعَتَهُ وَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ فَقاَلَ: مَنْ أَبُوكَ ياَ غُلَامُ؟ فَقَالَ: الرَّاعِي، فَقَالُوا: أَنَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: «لَا إِلا مِنْ طِينٍ (^٦)»، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ، ترْضِعُ ابْنَهاَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَمَرَّ بِهاَ رَجُلٌ رَاكِبٌ\n_________\n(^١) لا أشق عليك برد ما تأخذه أو تطلبه من مالى لله تعالى.\n(^٢) أي رضي الله عنك وسخط على صاحبيك وهما الأبرص والأقرع اللذان لم يشكرا نعمة الله ولم يرحمها هذا السائل المسكين الذي سألها بالله تعالى الذي تكرم عليهما بالشفاء وتلك الأموال العظيمة الكثيرة، في هذه القصة أكبر عبرة لمن كان في قلة وفقر وأنعم الله عليه بالأولاد أو الأموال أو الجاه والمنصب فإنه يجب أن لا يغفل عن الحال الأولى فيكثر من حمد الله وشكره ويحن ويعطف على عباد الله المساكين نسأل الله التوفيق لشكره آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nالذين تكلموا في المهد\n(^٣) المهد كالمطل: ما يمهد للصبي ويهيأ له من الفراش ليربي فيه وجمعه مهاد وكان كلامهم في المهد معجزة لهم ككلام الأنبياء الذين تكلموا هنا وكرامة لغيرهم.\n(^٤) هذا قبل أن يعلمه الله بغيرهم وإلا فهم أكثر كما سيأتي إن شاء الله.\n(^٥) الصومعة: البناء المحدودب أعلاه، والمومسات: الزانيات.\n(^٦) فجريج هذا كان من رهبان النصارى يتعبد في صومعته فجاءته أمه وهو يصلى فنادته فتردد هل أقطع صلاتي وأجيبها أو أبقي في صلاتي ثم رجع البقاء في صلاته فلم يجب أمه فدعت عليه برميه بالزنا، ولو كان جريج عالمًا لعلم أن إجابة أمه أولى من صلاته أي لأنها نافلة وبر الوالدين واجب، فجاءته زانية =","vol":"5","page":228},{"text":"ذُو شَارَةٍ (^١) فَقَالَتِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ فَتَرَكَ ثَدْيَهاَ وَأَقْبَلَ عَلَى الرَّاكِبِ وَقاَلَ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهاَ يَمُصُّهُ، قاَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَمُصُّ أُصْبُعَهُ (^٢) ثُمَّ مُرَّ بِأَمَةٍ فَقاَلَتِ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هذِهِ (^٣) فَتَرَكَ ثَدْيَهاَ فقاَلَ: اللَّهُمَّ اجْعَلِني مِثْلَهاَ، فَقاَلَتْ لَهُ: لِمَ ذَاكَ؟ فَقاَلَ: الرَّاكِبُ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبَابِرَة وَهذِهِ الْأَمَةُ يَقُولُونَ لَهاَ سَرَقَتْ زَنَتْ وَلَمْ تَفْعَلْ (^٤)»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٥) وَأَحْمَدُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمْ يَتَكَلْم فِي الْمَهْدِ إِلا عِيسَى وَشَاهِدُ يُوسُفَ وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ وَابْنُ مَاشِطَةِ فِرْعَوْنَ (^٦)»، رَوَاهُ الْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَتَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ الْقِصَصِ\n_________\n= فطلبت منه أن يواقعها فأبى خوفا من الله تعالى، فذهبت لراعي غنم فواقعها فحملت فولدت غلاما فسألوها فقالت من جريج العابد، فجاءوه فكسروا صومعته وأنزلوه وسبوه، فتوضأ وصلى وتضرع إلى ربه أن يبرئه ثم ذهب للغلام على كتف الزانية فقال: من أبوك يا غلام؟ قال: فلان الراعي، فصاروا يعتذرون له وقالوا: هل نبنى لك صومعتك من ذهب أدبا لنا وإرضاء لك؟ قال: لا، إلا من طين كما كانت. ففيه دليل على جواز الكرامة من الأولياء ووقوعها بطلبهم واختيارهم كما هو مذهب أهل الحق، وأقوى دليل على هذا ما حصل على يد صاحب سليمان ﵇ بقوله: ﴿آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾.\n(^١) صاحب هيئة وشكل حسن يشار إليه.\n(^٢) يعمل كعمل الصبي.\n(^٣) لأن الناس يضربونها ويسبونها.\n(^٤) وفي رواية: سرقت زنيت بالخطاب لها ولم تفعل شيئا من هذا لأنها بريئة، فالطفل الأول نطق ببراءة جريج كرامة له، ولتقواه أنجاه الله. والطفل الثاني نطق بغبط تلك المرأة المهانة براءة وكرامة لها.\n(^٥) ولكن في بدء الخلق.\n(^٦) وهذه تزيد على الرواية التي قبلها بشاهد يوسف ﵇ وإن الماشطة فيكون الكل خمسة بل أوصلها بعضهم إلى أربعة عشر جمعها السيوطي ﵁ في قوله:\nتكلم في المهد النبي محمد … ويحيى وعيسى والخليل ومريم\nومبري جريج ثم شاهد يوسف … وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم\nوطفل عليه مرّ بالأمة التي … يقال لها تزني ولا تتكلم\nوماشطة في عهد فرعون طفلها … وفي زمن الهادي المبارك يختم\nوزد لهم نوحا ويوسف بعده … ويتلوهم موسى الكليم المعظم","vol":"5","page":229},{"text":"فِي مَوَاضِعِهاَ فَقِصَّة إِبْرَاهِيمَ وَوَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ ﵈ تَقَدَّمَتْ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ وَقِصَّةُ وَافِدِ عَادٍ سَبَقَتْ فِي الذَّارِياَتِ، وَقِصَّةُ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ فِي تَفْسِيرِ ﴿وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ وَقِصَّةُ ذِي الْكِفْلِ فِي التَّوْبَةِ مِنْ الْأَذْكاَرِ وَقِصَّةُ أَصْحَابِ الْغاَرِ\n_________\n= ولنتكلم على ما في هذا النظم بالترتيب مستعينين بالله تعالى فنقول: أما نبينا محمد - ﷺ - فروي أنه لما خرج من بطن أمه رفع رأسه فقال: الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا، وأما يحيى فروي أنه قال لعيسى ﵉: أشهد أنك عبد الله ورسوله، وأما عيسى ﵇ فكلامه ما قص الله علينا بقوله: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾، وأما الخليل ﵇ فروى أنه لما سقط من بطن أمه استوى قائما فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، الحمد لله الذي هدانا لهذا، وأما مريم فكلامها في قوله تعالى إجابة لزكريا ﵉ لما قال لها: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ومبري جريج هو الثاني في الحديث الأول، وأما شاهد يوسف فكلامه ما ذكره الله عنه بقوله ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ وأما طفل الأخدود فقد سبقت قصته في تفسير سورة البروج وأما الطفل الذي مر عليه بالأمة فهر الثالث في الحديث الأول، وأما طفل ماشطة بنت فرعون فإن أمه كانت مؤمنة بالله تعالى فبينما هي في وقت تمشط بنت فرعون سقط من يدها المشط فقالت: باسم الله تعس فرعون فقالت بنت فرعون أولك رب غير أبي؟ قالت: ربي وربكم الله تعالى، قالت: أفأخبر بهذا أبي؟ قالت: نعم، فأخبرته فطلب منها الرجوع إلى دينه فأبت، فأمر بأن تحمى لها بقرة من نحاس وترمى فيها فلما شرعوا في رميها تأخرت وطفلها معها؛ فقال لها: يا أماه قعي ولا تتأخرى فإنك على الحق، وأما المبارك فإنه طفل جاء به رجل من أهل اليمامة إلى النبي - ﷺ - فقال له: من أنا يا غلام؟ قال: أنت رسول الله، قال: بارك الله فيك فسمي مبارك اليمامة، وأما نوح ﵇ فإن أمه لما وضعته في الغار خوفا عليه وأرادت الانصراف قالت: وا نوحاه؛ فقال لها: لا تخافي أحدا يا أماه فإن الذي خلقني يحفظني، وأما موسى ﵇ فإن أمه لما ولدته وجاءت جواسيس فرعون الذين كانوا يذبحون الأبناء خافت أمه عليه فوضعته في التنور فجاءت أخته وأوقدت التنور من غير أن تعلم أن موسى فيه فبحث الجواسيس في البيت فلم يروا شيئًا فخرجوا فجاءت أم موسى إلى التنور فوجدته مسجورا بالنار: فقالت ما نفعني الحذر أحرقتم ولدي؛ فناداها موسى: لا تخافي ولا تحزني فإن الله تعالى حفظني، فأدخلت يدها فأخرجته سالما بحفظ الله تعالى، ولم نقف على ما تكلم به يوسف ﵇.","vol":"5","page":230},{"text":"فِي كِتَابِ النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ (^١).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ رَجُلًا أَنْ يُسْلِفَهُ أَلفَ دِينَارٍ فَدَفَعَهاَ إِلَيْهِ فَلَمَّا حَلَّ أَجَلُهاَ خَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ فَرَمَى بِهاَ فِي الْبَحْرِ فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْماَلَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٢)، نَسْأَلُ اللَّهَ الْيقِينَ وَحُسْنَ الثِّقَةِ بِاللَّهِ تَعَالَى آمِين.\n_________\n(^١) وكذا تقدمت قصة من قتل تسعة وتسعين نفسًا في التوبة من كتاب الأذكار، وقصة توبة كعب بن مالك في سورة التوبة، وقصة الإفك لعائشة في سورة النور. نور الله بواطننا وبصائرنا آمين.\n(^٢) فيما يستخرج من البحر في الزكاة ورواه أيضا في باب الكفالة في البيوع بأبسط من هذا ومعناه أن رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، قال: كفى بالله شهيدا، قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلا، قال: صدقت؛ فدفعها إليه إلى أجل مسمى فلما حل الأجل خرج المدين إلى البحر يلتمس مركبا توصله إلى الدائن ليدفع له الدنانير فلم يجد وكان الدائن يخرج إلى الساحل يسأل عنه ويقول: اللهم اخلفني فإنما أعطيت لك؛ فأخذ المدين خشبة فنقرها فوضع فيها ألف دينار وصحيفة كتب فيها من فلان إلى فلان إني دفعت مالك إلى وكيل توكل بي؛ ثم حبك الخشبة لئلا يدخلها الماء ثم أتى بها إلى البحر فقال. اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلانا ألف دينار فسألني شهيدا وكفيلا فقلت. كفى بك شهيدا وكفيلا فرضي بك وبحثت فلم أجد مركبا تحملني إليه؛ ورمي الخشبة في البحر ثم انصرف فخرج الدائن ينظر مركبا جاءت بماله فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطبا فنشرها فوجد فيها المال والصحيفة وحضر المدين بعد هذا للدائن فأخبره بأنه أخذ المال وانصرفا على الإخاء والصفاء، ففي هذا الحديث عبر لمن فكر واعتبر نسأل الله العظة والعبرة آمين.","vol":"5","page":231},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1170>إبليس وجنوده </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (^٢)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي فَأَمْكنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَأَخَذْتُهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظرُوا إِلَيْهِ كلُّكمْ فَذكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمانَ رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا (^٣)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ (^٤)».\n_________\nإبليس وجنوده\n(^١) قيل إن إبليس نوع من الملائكة لقوله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ لأن ظاهره أن المستثنى من جنس المستثنى منه، وقيل إنه من الجن بل أبوه لقوله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ وهذا هو الأقرب للواقع لأن الملائكة خلقوا من النور والجن من النار كقوله تعالى ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ وللحديث الآتي في خاتمة كتاب الأدب إن شاء الله واستثناؤه من الملائكة في الآية الأولى لأنه كان بينهم ومجاور الشيء له حكمه ولأنهم مكلفون مثلنا لقولهم في سورة الأحقاف ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فظهر من هذا أن إبليس والجان مخلوق واحد، منهم المؤمنون والكافرون إلا أن إبليس اسم للعاتي المتمرد نعوذ بالله منه.\n(^٢) إن الشيطان لكم عدو من وقت أبيكم الأول آدم ﵇ فاتخذوه عدوا بعدم إطاعته، إنما يدعو حزبه وأعوانه ليكونوا في السعير: النار الشديدة.\n(^٣) سبق هذا في آداب المساجد.\n(^٤) فلا يفتن أهل الجزيرة بعبادة الأوثان كما كانوا قبل الإسلام ولكن في الدس وإشعال نار العداوة بينهم، وإبليس والشيطان والعفريت بمعنى واحد وهو العاتي التمرد من الجن نعوذ بالله منه.\n﴿تنبيه﴾: مرويات مسلم هنا كلها في صفة القيامة.","vol":"5","page":232},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْماَءِ ثمَّ يَبْعَثُ سَرَاياَهُ (^١) فَأَدْناَهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ قنْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ فَعَلْتُ كَذَا وَكذَا فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، ثَمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ (^٢) قَالَ: فَيُدْنِيهِ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ (^٣)».\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِي لَيْلًا فَغِرْتُ عَلَيْهِ، فَجَاءَ فَرَأَى مَا أَصْنَعُ (^٤) فَقاَلَ: «مَا لَكِ ياَ عَائِشَةُ أَغِرْتِ»؟ قُلْتُ: وَمَا لِيَ لَا يَغاَرُ مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ، فَقاَلَ: «أَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ»؟ قاَلَتْ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ أَوَ مَعِي شَيْطَانٌ؟ قاَلَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: وَمَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ؟ قاَلَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: وَمَعَكَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ؟ قاَلَ: «نَعَمْ» وَلكِنْ رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَم (^٥)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْكمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا وَقَدْ وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ قَرِينَهُ مِن الْجِنِّ»، قاَلُوا: وَإِيَّاكَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ قاَلَ: «وَإِيَّايَ إِلا أَنَّ اللَّهَ أَعانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلَا يَأْمُرُنِي إِلا بِخَيْر (^٦)»، رَوَى هذِهِ الْأَرْبَعَةَ مُسْلِمٌ فِي صِفَةِ الْقِيَامَةِ، نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ آمِين.\n_________\n(^١) ينصب سريره على وجه الماء في البحر ليكون بعيدا عن رجم الناس له بالحوقلة والاستعاذة ثم يبعث سراياه جمع سرية وهي قطعة من الجيش والمراد جنوده وأعوانه وأولاده للفتنة.\n(^٢) ما تركته أي فلافًا حتى طلق امرأته.\n(^٣) فيقربه منه ويدنيه لأن الطلاق مبغوض لله وفيه فتن كثيرة.\n(^٤) من أثر الغيرة.\n(^٥) أي فأسلم وأنجو منه، أو حتى أسلم شيطاني وصار مسلما فلا يوسوس لي بشر، وهذا أقرب لحديث البيهقي: فضلت على آدم بخصلتين كان شيطاني كافرا فأعاني الله عليه حتى أسلم وكن أزواجي عونًا لي. وكان شيطان آدم كافرا وكانت زوجته عونا على خطيئته.\n(^٦) هذا كالذي قبله ومؤيد للقول بأن الشياطين من الجن، وفي رواية: ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة أي جنس الملائكة فيعم الكتبة والحفظة ولكن الظاهر أنه غير هذين وأنه هو الموحي بالخير فقط صاحب اللمة في حديث: إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة. السابق في تفسير ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ في تفسير سورة البقرة والله أعلم وعلمه أتم وأكمل=","vol":"5","page":233},{"text":"...............................................................\n_________\nمباحث قيمة\nاتضح مما تقدم أن الشيطان يتسلط على ابن آدم بالإغواء وهذا باتفاق، وهل يتسلط عليه بالإضرار أيضًا؟ قال المعتزلة: ليس له ذلك لقوله تعالى عنه \"وما كان لي عليك من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي\" وقال أهل السنة: إنه قد يتسلط عليه بالهلاك والإضرار في جسمه وعقله، وهذا ثابت بالكتاب والسنة والواقع المشاهد، أما الكتاب فقوله تعالى ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ أي كالذي مسه الشيطان وصرعه فصار يتخبط يمينًا وشمالًا كالمجنون، وقوله تعالى ﴿من شر الوسواس الخناس. الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس﴾، وأما السنة فمنها قوله - ﷺ -: فناء أمتي بالطعن والطاعون وخز أعدائكم من الجن وفي كل شهادة، رواه أحمد والطبراني أي من أسباب هلاكها الطعن بالخراب ونحوها في الجهاد ونحوه والطاعون الذي هو ضرب الجن لبعض الناس والميت بأحدها شهيد، ومنها ما سبق في الاستحاضة لما قالت حمنة بنت جحش: يا رسول الله إني استحاض حيضة كثيرة شديدة، قال: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان أي ضربة من ضرباته، ومنها قوله: ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخًا من نخسة الشيطان إلا ابن مريم وأمه ﵉ وسبق هذا في ذكر عيسى في النبوة. ومنها قوله ما في الاعتكاف السابق: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، ومنها ما سبق في الطب: أن امرأة سوداء كانت تصرع وتتكشف أحيانا فاستغاثت بالنبي - ﷺ - أن يدعو لها فلا تتكشف فدعا لها، ومنها ما رواه الإمام أحمد عن أم أبان بنت الوازع عن أبيها عن جدها قالت: انطلق جدى إلى النبي - ﷺ - بابن له أو ابن أخت له فقال: يا رسول الله إن هذا مجنون أتيتك به لتدعو الله له، قال قربه مني واجعل ظهره لي؛ قال: ففعل فأخذ النبي - ﷺ - بمجامع ثوبه من أعلاه وأسفله فجعل يضرب ظهره ويقول: اخرج عدو الله؛ فصار المريض ينظر نظره الصحيح لا نظره الأول، ثم حول وجهه نحوه ودعا بماء فسح به وجهه ودعا له، قال جدي: فلم يكن في الوفد بعد هذا أفضل ولا أحسن منه، وللإمام أحمد أيضًا عن يعلى بن مرة قال: خرجت مع النبي - ﷺ - مرة في سفر فلا كنا ببعض الطريق مررنا بامرأة ومعها صي لها فقالت: يا رسول الله هذا صبي أصابه بلاء وأصابنا منه بلاء فإنه يصرع في اليوم أكثر من مرة، قال: ناولينيه؛ فأعطته له ففتح فه فنفث فيه ثلاثة وقال: باسم الله أنا عبد الله اخسأ عدوَّ الله. وفي بعض الروايات: اخرج عدو الله أنا رسول الله ثم أعطاء للمرأة وقال تنتظريننا هنا ونحن راجعون فتخبرينا بما فعل، قال تعالى: فذهبنا ثم عدنا إلى هذا المكان فوجدناها ومعها ثلاث شياه؛ فقال - ﷺ -: ما فعل صبيك؟ قالت: والذي بعثك بالحق ما رأينا منه شيئًا إلى هذه الساعة وخذ من هذه الشياه، فقال رسول الله - ﷺ -: انزل فخذ منها واحدة ورد لها البقية. فهذه سبعة أحاديث صريحة في تسلط الشيطان على الإنسان بالأذى نعوذ بالله منه، وأما الواقع من هذا فكثير ومشاهد حتى إن عبد الله بن الإمام أحمد ﵄ سأل والده كما في آكام المرجان فقال: يا والدي إن قوما يقولون إن الجني لا يدخل بدن المصروع من الإنس؛ فقال:","vol":"5","page":234},{"text":"...............................................................\n_________\nيكذبون، هو ذا يتكلم على لسانه، من هذا وضع الحق واستبان فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر والرجوع إلى الحق فضيلة وغنيمة.\nسبب المس وعلاجه\nقال العلامة ابن القيم في زاد المعاد: الصرع نوعان: نوع من الأرواح الخبيثة الأرضية، ونوع من الأخلاط الرديئة أي أو المرض أو الحزن الذي أثر في القوة الفكرة وهذا ما يتكلم الأطباء في سببه وعلاجه، وأما الأول فسببه غالبًا خراب الباطن من نور الإيمان والأذكار والتعوذات النبوية فتجد الروح الخبيثة ذلك البدن أعزل لا سلاح معه وربما كان عريانا فتحل فيه فتؤذيه، ومع هذا فالمنظور من الخبيث فعل الشر مع كل مخلوق أينما حل كالحية والعقرب يلدغان من غير سبب، نسأل الله السلامة آمين. وأما علاجه فيكون بمقابلة الأرواح الشريفة العلوية الخيرة لتلك الأرواح الخبيثة فتدافع آثارها وتعارضها تبطلها، وعلى المريض أن يلجأ إلى ربه ويكثر من التعوذ بصيغة من التعوذات السالفة في كتاب الأذكار، وأن يكثر من قوله ﴿رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون﴾ وأما المعالج فإنه يجب أن يكون قوى الإيمان حسن التوكل على الله تعالى ويسلك في طريق محاربته ما راه قاهرًا له فربما\nطرد المارد بمجرد الأمر كما حصل من النبي - ﷺ - في الحديثين السالفين بقوله: اخرج يا عدو الله، وكما وقع من الإمام أحمد فإنه كان جالسا في مسجده إذ جاءه صاحب له من قبل الخليفة المتوكل فقال: إن في بيت أمير المؤمنين جارية بها صرع وقد أرسلني إليك لتدعو الله لها بالعافية فأعطاه الإمام أحمد نعلين من الخشب وقال: اذهب إلى دار أمير المؤمنين واجلس عند رأس الجارية وقل للجني قال لك أحمد: أيما أحب إليك تخرج من هذه الجارية أو تصفع بهذه النعل سبعين، فذهب الرجل ومعه النعل إلى الجارية وجلس عند رأسها وقال كما قال له الإمام أحمد؛ فقال المارد على لسان الجارية: السمع والطاعة لأحمد، لو أمرنا أن نخرج من العراق لخرجنا منه، إنه أطاع الله ومن أطاع الله أطاعه كل شيء ثم خرج من الجارية فهدأت ورزقت أولادًا، فلما مات الإمام عاد لها المارد فاستدعى لها الأمير صاحبها من أصحاب أحمد خضر ومعه ذلك النعل وقال للمارد: اخرج وإلا ضربتك بهذه النعل؟ فقال المارد: لا أطيعك ولا أخرج أما أحمد بن حنبل فإنه أطاع الله فأمرنا بطاعته، ا هـ من آكام المرجان بتصرف، وكان بعض خيار العلماء ﵃ يعالج بآية الكرسي والمعوذتين وآية ﴿أم حسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾، وبعضهم كان يعالج بالبسملة والفاتحة ويظهر أن أقواها تأثيرًا آية الكرسي لقول الجنية لأبي أيوب الأنصاري السابق في فضل آية الكرسي: اقرأ آية الكرسي في بيتك فلا يقربك شيطان ولا غيره، ويمكن العلاج بتلاوة الآيات التي وردت في فضلها الأحاديث وهي الفاتحة وآية الكرسي وأواخر البقرة، ﴿قل اللهم مالك الملك﴾ الآيتان، و﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ الآيتان، و﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل﴾ إلى آخر سورة الحشر، وسورة الكافرون، وسورة الإخلاص والمعوذتان، والمدار على قوة العزيمة من المعالج والالتجاء وحسن التوكل على الله تعالى فإنه وحده هو الشافي، نسأل الله كمال الإيمان وتمام الشفاء آمين.","vol":"5","page":235},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1171>الملائكة الكرام </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (^٢)﴾.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (^٣)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَتَعاَقَبُونَ فِيكمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهاَرِ فَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ باَتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِباَدِي، فَيَقُولُونَ: تَرَكْناَهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْناَهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ (^٤)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ وَسَبَقَ فِي الصَّلَاةِ.\n_________\nالملائكة الكرام\n(^١) الملائكة: أجسام نورانية لطيفة صمدانية لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون ولا يتناسلون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وليسوا بمكلفين بشيء ولكنهم جبلوا على عبادة الله تعالى، مسكنهم السموات العلى ولا ينزل منهم إلى الأرض إلا من أمروا بالنزول كالحفظة والكتبة وملائكة التصريف، والملائكة والجن فيهم القدرة على التشكل كما يشاءون، إلا أن الفرق بينهما أن الملك لا يتشكل إلا بالأشكال الشريفة كالإنسان ولا تحكم عليه الصورة لو قتلت بخلاف الجني فيهما.\n(^٢) جنود ربك هم الملائكة، وهم في القوة وعظم الخلقة والكثرة إلى حد لا يعلمه إلا الله تعالى، وما هي أي سقر إلا ذكرى للبشر.\n(^٣) أول الآية ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ اذكر يا محمد ملكين كريمين قاعدين عن يمين الإنسان وشماله يتلقيان عنه أعماله ويكتبانها فما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد أي حافظ حاضر معه، وهذان هما الكاتبان، ومع كل إنسان كاتبان يلازمانه حتى يموت، الذي على اليمين يكتب الحسنات والذي على الشمال يكتب السيئات وهو تحت إمرة ملك اليمين.\n(^٤) هؤلاء هم الحفظة وهم فرقتان فرقة لليل تنزل من العصر وتبقى معه إلى الفجر وتصعد إلى السماء، والأخرى للنهار تنزل من الفجر وتبقى معه إلى العصر وتصعد إلى السماء، وسبق هذا الحديث في أول كتاب الصلاة وهؤلاء الحفظة هم المذكورون في قوله تعالى ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾، فالحفظة والكتبة بنص القرآن فمن أنكرهما كفر لإنكاره القرآن.","vol":"5","page":236},{"text":"• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنَ مَلَائِكَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ (^١)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالضِّياَءُ وَالْبَيْهَقِيُّ (^٢).\nعدد أحاديث كتاب الزهد ٢١٠ مائتان وعشرة\nنسأل اللَّه العظيم أن تكون خالصة لوجهه الكريم وأن ينفع بها النفع العميم إنه على ما يشاء قدير آمين والحمد للَّه رب العالمين.\n_________\n(^١) بالفرس الجواد كما في خبر آخر، فما بالك بطوله وعظم جثته وإن كان المراد التكثير لا التحديد، فالنبي - ﷺ - كان مملوءا بالأسرار والعلوم، ولكنه كان يحدث الناس بما يؤذن به وبما تطيقه عقولهم بعدًا للشك عنهم.\n(^٢) رواه أبو داود في لزوم السنة بسند صحيح. عن عبد الله عن النبي - ﷺ - قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به - هكذا أشار بيده فوق أنفه - رواه البخاري، فالمؤمن يخاف من ذنوبه كما يخاف من جبل يقع عليه، وأما الكافر أو الفاسق فإنه يرى أعظم الذنوب كذبابة مرت على وجهه فدفعها بأقل شيء، فالفاجر لا يبالي بأي ذنب، وأما كامل الإيمان فإنه يخاف من ذنوبه ويخشى الله تعالى، نسأل الله الخوف والخشية آمين والحمد لله رب العالمين.","vol":"5","page":237},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1172>كتاب الأدب </span>(^١)\nوفيه سبعة فصول وخاتمة\n\n<span data-type='title' id=toc-1173>الفصل الأول: في الاستئذان </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا (^٣)﴾ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمُ وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُواْ فَارْجِعُواْ هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قاَلَ: كُنْتُ جَالِسًا فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْأَنْصَارِ فَأَتاَناَ أَبُو مُوسى فَزِعًا، قُلْناَ: مَا شَأْنُكَ؟ قاَلَ: إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ فَأَتَيْتُ باَبَهُ فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ أَحَدٌ فَرَجَعْتُ (ثمَّ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَذَهَبْتُ) فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا؟ قُلْتُ: إِنِّي أَتَيْتُكَ فَسَلَّمْتُ عَلَى باَبِكَ ثَلَاثًا فَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيَّ فَرَجَعْتُ، وَقَدْ قاَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ»، فَقاَلَ عُمَرُ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ وَإِلا أَوْجَعْتُكَ (^٤)، فَقَالَ أُبِيُّ ابْنُ كَعْبٍ: لَا يَقُومُ مَعَهُ\nإِلا أَصْغَرُ الْقَوْمِ (^٥)، قاَلَ أَبُو سَعِيدٍ\n_________\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\nكتاب الأدب وفيه سبعة فصول وخاتمة\n\nالفصل الأول في الاستئذان\n(^١) الأدب: عمل ما يحمد قولا أو فعلا، وقيل الأخذ بمكارم الأخلاق، وقيل تعظيم من فوقك والرفق بمن دونك، وقيل الوقوف مع المستحسنات وهي متقاربة المعنى.\n(^٢) في بيان الاستئذان وهو طلب الإذن وبيان عدده.\n(^٣) تستأنسوا: تستأذنوا وتسلموا على أهلها، فإن أذن لكم فادخلوها وإلا فلا.\n(^٤) أقم البينة على هذا الحديث ولو شاهدا واحدا وإلا أوجعتك بالضرب.\n(^٥) فيشهد بهذا الحديث عند عمر ﵃.","vol":"5","page":238},{"text":"قُلْتُ: أَناَ الْأَصْغَرُ، قاَلَ: فاَذْهَبْ بِهِ فَقُمْتُ فَأَتَيْتُ عُمَرَ فَقُلْتُ: قَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ هذَا، وَفِي رِوَايَةٍ فَجَاءَهُ أُبَيٌّ فَشَهِدَ بِذلِكَ وَقاَلَ: ياَ ابْنَ الْخَطَّابِ لَا تَكُونَنَّ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ (^١) قَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّماَ سَمِعْتُ شَيْئًا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\nوَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتٍ فَقاَلَ: أَأَلِجُ؟ فَقاَلَ النَّبِيُّ ﷺ لِخَادِمِهِ: «اخْرُجْ إِلَى هذَا فَعَلِّمْهُ الِاسْتِئْذَانَ فَقُلْ لَهُ قُلِ السَّلَامُ عَلَيْكمْ أَأَدْخُلُ»، فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ فَقاَلَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ (^٢)، رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣).\nوَقاَلَ عُمَرُ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثًا فَأَذِنَ لِي (^٤).\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ نَهاَهُمْ أَنْ يَطْرُقُوا النِّسَاءَ لَيْلًا فَطَرَقَ رَجُلَانِ بَعْدَ النَّهْيِ فَوَجَدَ كُلٌّ مِنْهُماَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا (^٥)، رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قاَلَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي (^٧) فَدَقَقْتُ الْباَبَ فَقَالَ: «مَنْ ذَا»؟ فَقُلْتُ: أَناَ، فَقاَلَ: «أَناَ أَناَ كَأَنَّهُ كَرِهَهَا (^٨)»، رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\nوَجَاءَ رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقاَمَ عَلَى الْباَبِ مُسْتَقْبِلَ الْباَبِ فَخَرَجَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقاَلَ: «هكَذَا عَنْكَ وَهكَذَا فَإِنَّماَ الِاسْتِئْذَانُ مِنَ النَّظَرِ (^٩)».\n_________\n(^١) أي لا تشتد على أصحاب رسول الله - ﷺ - فإنهم نجوم الهداية.\n(^٢) ففيه أن المشروع السلام قبل الاستئذان، وظاهر الآية العكس ولعلهما جائزان.\n(^٣) بسند حسن.\n(^٤) في هذه النصوص أن الإنسان لو ذهب إلى شخص في بيته يستأذن فإن أذن له دخل وإن لم يرد عليه أحد يستأذن ثانيا فإن أذن له وإلا استأذن ثالثا فإن أذن له وإلا فليرجع كما لو قيل له أولا: لا تدخل.\n(^٥) نهاهم أن يطرقوا النساء ليلا أي يحضروا من السفر بغير إعلام للزوجات لئلا يظهر لهم ما يكرهونه ولتستعد الزوجات، وسبق هذا في حقوق الزوجة على زوجها من كتاب النكاح.\n(^٦) الأول بسند حسن والثاني بسند صحيح.\n(^٧) سبق هذا في معجزاته - ﷺ - من كتاب النبوة.\n(^٨) كرهها لأنها لم تبين من الباب والمطلوب بيانه بذكر الاسم ولا بأس بقوله أنا فلان كما أنه لا بأس من ذكر ما يعرف به إذا لم يكن منه بد وإن كان فيه تعظيم كأن يكنى نفسه أو يقول أنا الشيخ أو أنا المفتى ونحو ذلك.\n(^٩) شرع الاستئذان في الدخول لئلا يقع النظر على عورة أهل البيت ولئلا يطلع على أحوالهم.","vol":"5","page":239},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَى باَبَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبلِ الْباَبَ مِنْ تِلْقاَءِ وَجْهِهِ وَلكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ (^١)، رَوَاهُماَ أَبُو دَاوُدَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1174>الإذن لمنع النظر </span>(^٣)\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِنْ جُحْرٍ فِي باَبِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ\nمِدْرَى (^٤) يُرَجِّلُ بِهِ رَأْسَهُ فَقاَلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ إِنَّماَ جَعَلَ اللَّهُ الْإِذْنَ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ»، وَفِي رِوَايَةٍ: فَقاَمَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِمِشْقَص فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَخْتِلُهُ لِيَطْعُنَهُ (^٥)، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «رَسُولُ الرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ إِذْنُهُ (^٦)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنِ الْعِرْباَضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁ قاَلَ: نَزَلْناَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِخَيْبَرَ وَكَانَ صَاحِبُ خَيْبَرَ مَارِدًا مُنْكَرًا (^٧) فَجَاءَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقاَلَ: ياَ مُحَمَّدُ أَلَكمْ أَنْ تَذْبَحُوا حُمُرَناَ (^٨) وَتَأْكلُوا ثَمَرَناَ وَتَضْرِبُوا نِسَاءَناَ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: «ياَ ابْنَ عَوْفٍ ارْكَبْ فَرَسَكَ ثمَّ ناَدِ أَلَا إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَحِلُّ إِلا لِمُؤْمِنٍ وَأَنِ اجْتَمِعُوا لِلصَّلَاةِ» فاَجْتَمَعُوا فَصَلَّى بِهِمُ\n_________\n(^١) فالأدب ممن يستأذن أن يقف بركن الباب ويطرقه وإذا قيل له: من بالباب؟ يذكر اسمه واضحا.\n(^٢) بسندين صالحين والله أعلم.\n\nالإذن لمنع النظر\n(^٣) إنما شرع الله الإذن قبل الدخول لمنع نظر الداخل عما في البيت وأهله.\n(^٤) المدرى: حديدة يسرح بها الشعر.\n(^٥) المشقص كمنبر نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض، فلما علم النبي - ﷺ - أن هذا الرجل وهو الحكم بن أمية يريد النظر في البيت قام النبي - ﷺ - وفى يده نصل سهم وحاول أن يطعنه على غفلة ولكنه ذهب.\n(^٦) وفي رواية: إذا دعى أحدكم إلى طعام فجاء مع الرسول فإن ذلك إذن له أي فمع الرسول لا حاجة إلى الإذن فإنه إذن وزيادة.\n(^٧) أي عاتيا جبارا.\n(^٨) هذا كان قبل النهى عن أكل الحمر وأصابهم جوع شديد.","vol":"5","page":240},{"text":"النَّبِيُّ ﷺ ثمَّ قاَمَ فَقاَلَ: «أَيَحْسِبُ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ (^١) قَدْ يَظنُّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يحَرِّمْ شَيْئًا إِلا مَا فِي هذَا الْقُرْآنِ. أَلَا وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ وَعَظْتُ وَأَمَرْتُ وَنَهَيْتُ عَنْ أَشْياَءَ إِنَّهاَ لَمِثْلُ الْقُرْآنِ أَوْ أَكَثَرُ وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتاَب إِلا بِإِذْنٍ (^٢) وَلَا ضَرْبَ نَسَائهِمْ وَلَا أَكْلَ ثِماَرِهِمْ إِذَا أَعْطَوْكُمُ الَّذِي عَلَيْهِمْ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْجِزْيَةِ (^٣).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قاَلَ: قاَلَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذْنكَ عَلَيَّ أَنْ يُرْفَعَ الْحِجَابُ وَأَنْ تَسْتَمِعَ سَوَادِي حَتَّى أَنْهاَكَ (^٤)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الْأَدَبِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1175>يهدر دم الناظر بغير إذن </span>(^٥)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَؤوا عَيْنَهُ (^٦)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• وَعَنْهُ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُناَحٍ (^٧)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ.\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَشَفَ سِتْرًا فَأَدْخَلَ بَصَرَهُ فِي الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَرَأَى عَوْرَةَ أَهْلِهِ فَقَدْ أَتَى حَدًّا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ (^٨)\n_________\n(^١) السرير المزين بأنواع الحلل.\n(^٢) محل الشاهد فأهل الكتاب إذا قاموا بما عليهم لهم ما لنا وعليهم ما علينا.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) السواد: الشخص والمراد هنا السر والمساررة أي فإذا رفع لك الحجاب وسمعت مساررتي فهذا إذن لك حتى أنهاك، وفيه اعتماد العلامة في الإذن لبعض الناس.\n\nيهدر دم الناظر بغير إذن\n(^٥) فلا قصاص على من ضربه في عينه لأنه تعدى بالنظر الذي لا يجوز له.\n(^٦) الظاهر أن الجائز الضرب في العين فقط لأن التعدي بها ولو أصاب غيرها خطأ لا شيء عليه.\n(^٧) الحصاة مثل وإلا فله ضربه في عينه بأى شيء.\n(^٨) فقد أتى حدا أي ذنبا يوجب حدا يناسبه وهو فقأ العين.","vol":"5","page":241},{"text":"لَوْ أَنَّهُ حِينَ أَدْخَلَ بَصَرَهُ اسْتَقْبَلَهُ رَجْلٌ فَفَقَأَ عَيْنَهُ مَا غَيَّرْتُ عَلَيْهِ (^١) وَإِنْ مَرَّ الرَّجُلُ عَلَى باَبٍ لَا سِتْرَ لَهُ غَيْرِ مُغْلَقٍ فَنَظَرَ فَلَا خَطِيئَةَ عَلَيْهِ إِنَّماَ الْخَطِيئَة عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ (^٢)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣)، نَسْأَلُ اللَّهَ كَامِلَ الْأَدَبِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1176>يجوز النظر للحاجة </span>(^٤)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ أُمَ سَلَمَةَ اسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْحِجَامَةِ فَأَمَرَ أَباَ طَيِّبَةَ أَنْ يَحْجُمَهاَ قاَلَ: «حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ أَخَاهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ أَوْ غُلَامًا لَمْ يَحْتَلِمْ (^٥)».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى فاَطِمَةَ بِعَبْدٍ قَدْ وَهَبَهُ لَهاَ قَالَ (^٦): «وَعَلَى فاَطِمَةَ ثَوْبٌ إِذَا قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَهاَ (^٧) لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْهاَ وَإِذَا غَطَّتْ بِهِ رِجْلَيْهاَ لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَهاَ» فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ مَا تَلْقَى قاَلَ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ إِنَّماَ هُوَ أَبُوكِ وَغُلَامُكِ (^٨)، رَوَاهُماَ أَبُو دَاوُدَ فِي اللِّباَسِ (^٩).\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قاَلَتْ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ\n_________\n(^١) ما أنكرت عليه.\n(^٢) فتحريم النظر إذا لم يكن تقصير من أهل البيت فإن قصروا كأن جلسوا في محل مكشوف أو في بيت بدون باب وستر فلا شيء على الناظر لتقصيرهم والله أعلم.\n(^٣) بسند ضعيف ولكنه مؤيد بما قبله والله أعلم.\n\nيجوز النظر للحاجة\n(^٤) فيجوز للأجنبي أن ينظر للمرأة الأجنبية بقدر الحاجة، كنظر الطبيب إلى محل المرض إذا لم تكن طبيبة ماهرة وكالنظر إلى الوجه في المعاملة والشهادة، وكالنظر إلى الوجه والكفين ممن يريد التّزوج بها، وكالنظر إلى الأمة ممن يريد شراءها.\n(^٥) أبو طيبة مولى بنى حارثة. واسمه نافع أو ميسرة حجم أم سلمة لمرض بها بأمر النبي - ﷺ -، والراوي يظن أنه كان أخاها من الرضاع أو كان صغيرًا لم يبلغ، ولا مانع لو كان أجنبيا بالغًا لأنه للضرورة.\n(^٦) أي أنس.\n(^٧) قنعت به رأسها غطته.\n(^٨) إنما هو أي من استحييت منه أبوك وعبدك فلا شيء في نظرهما لك، ففيه جواز نظر المرأَة لعبدها وبالعكس ويخلو بها ويسافر معها ونظره لها كنظر المحارم أي لما عدا ما بين السرة والركبة، وعلى هذا بعض الصحب والتابعين وأكثر السلف، وقال الجمهور: إن المملوك الأجنبي لصحة زواجه بها بعد عنقه.\n(^٩) بسندين صالحين.","vol":"5","page":242},{"text":"وَعِنْدَهُ مَيْمُونَةٌ فأَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَذلِكَ بَعْدَ أَنْ أُمِرْناَ بِالْحِجَابِ فَقاَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «احْتَجِباَ مِنْهُ» فقُلْناَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ أَعْمَى لَا يُبْصِرُناَ وَلَا يَعْرِفُناَ فَقاَلَ: «أَفَعَميْاَوَانِ أَنْتُماَ أَلَسْتُماَ تُبْصِرَانِهِ (^١)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n• عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لِلنِّسَاءِ (^٢): «اسْتَأْخِرْنَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ (^٣)» عَلَيْكُنَّ بِحاَفاَتِ الطَّرِيقِ فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَلْصَقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهاَ لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لصُوقِهاَ بِهِ».\nوَقاَلَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَمْشِيَ الرَّجُلُ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ (^٤) رَوَاهُماَ أَبُو دَاوُدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1177>حديث في الحمام </span>(^٥)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْاخِرِ فَلَا يَدْخُلِ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إِزَارٍ (^٦)، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْاخِرِ فَلَا يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ (^٧)،\n_________\n(^١) منعهما النبي - ﷺ - من الجلوس في مجلس ابن أم مكتوم الأعمى لتحريم نظر المرأة إلى الرجل ولو كان أعمى، فيحرم نظر الرجل للمرأة الأجنبية ولو كانت عمياء وبالعكس لوجود الميل بين النوعين.\n(^٢) وهو خارج من المسجد وقد اختلط النساء بالرجال في الطريق.\n(^٣) أي تتوسطنه في السير إذا كان فيه رجال.\n(^٤) ومثله القعود والاضطجاع لأنه مظنة الاختلاط بل مدعاة له، ففيه أنه لا يجوز للشخص أن يدخل المحل الذي اختلط فيه النساء بالرجال كبعض محلات البيع المشهورة عندنا في مصر، وكبعض الأفراح، وأولى المراسح والملاهى فدخولها حرام من عدة جهات، نسأل الله السلامة آمين والحمد لله رب العالمين: وسبق الكلام على النظر واسعا في كتاب النكاح والله أعلم.\n\nحديث في الحمام\n(^٥) سبق الكلام على آداب الحمام في الغسل من كتاب الطهارة ولكنى رأيت هذا الحديث في الأدب فرأيت وضعه هنا ليكون التاج جامعا للأصول.\n(^٦) يستر عورته لأن كشف العورة حرام وفى مسند الإمام أبى حنيفة مرفوعًا: لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدخل الحمام إلا بمئزر ومن لم يستر عورته من الناس كان في لعنة الله والملائكة والخلق أجمعين.\n(^٧) لأنهن مظنة كشف العورة ولا سيما من ترى فيها جمالا لتعجب بنفسها، بل سمعت أنهن في مصرنا الآن لا يستترن في الحمامات =","vol":"5","page":243},{"text":"وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْاخِرِ فَلَا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهاَ بِالْخَمْرِ (^١)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ، نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الْحَالِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1178>الفصل الثاني: في السلام </span>(^٢)\nقاَلَ اللَّهَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ (^٣)﴾ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلّ شَىْء حَسِيبًا (^٤). وَقاَلَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (^٥)﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ * سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ (^٦)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا (^٧) أَفَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْرٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا\n_________\n= لفهمهن أن الستر لا يكون إلا لعيب في جسمها، ولكن سبق في الحمام في الغسل: إلا مريضة أو نفساء، ولكن يجب عليها الستر أو تنحاز في خلوة.\n(^١) وإن لم يشرب لأنه رضاء بالمنكر والرضا به معصية فيكون شريكهم فتعمهم اللعنة والنقمة والواجب الإنكار بالفعل أو باللسان أو بالقلب كما سبق في الزهد والله أعلم.\n\nالفصل الثاني في السلام\n(^٢) في فضله، ولفظه، وعلى من، وكيف الرد على أهل الكتاب، وتبليغ السلام ورده، وغير ذلك.\n(^٣) ﴿وإذا حييتم بتحية﴾ بأن قال لكم قائل السلام عليكم ﴿فحيوا بأحسن منها﴾ بقولكم: عليكم السلام ورحمة الله وبركانه ﴿أو ردوها﴾ بأن تقولوا كما قال، فالواجب الرد بالمثل أو بالزيادة وهو أفضل.\n(^٤) أي محاسبا فيجازي عليه ومنه السلام ورده.\n(^٥) الرسل: الملائكة جاءوا لإبراهيم يبشرونه بإسحاق ويعقوب بعده فقالوا حينما دخلوا عليه. نقرئك سلاما، قال سلام عليكم؛ وبعد قليل جاءهم بعجل مشوى يأكلون منه فلم يأكلوا وقالوا: نحن رسل ربك.\n(^٦) سلام بالقول على أهل الجنة يأتيهم حينا بعد حين من رب رحيم، وقال تعالى ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام﴾ وسبق في تفسير أول البقرة: أن آدم ﵇ حيا الملائكة بالسلام، ففي هذه النصوص أن السلام هو التحية المباركة في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة﴾.\n(^٧) لا تؤمنوا إيمانا كاملا حتى يحب بعضكم بعضا وحتى يحب لأخيه كما يحب لنفسه.","vol":"5","page":244},{"text":"السَّلَامَ بَيْنَكمْ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ (^١).\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَشْرٌ (^٢)»، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقاَلَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ فَقاَلَ: «عِشْرُونَ (^٣)»، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكاَتُهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ فَقَالَ: «ثَلَاثُونَ (^٤)».\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ تَعَالَى مَنْ بَدَأَهُمْ بالسَّلَامِ (^٥)» رَوَاهُماَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اعْبُدُوا الرَّحْمنَ وَأَطْعِمُوا الطَّعاَمَ وَأَفشُوا السَّلَامَ (^٧) تَدْخلوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1179>السلام قبل الكلام والسلام على الأهل </span>(^٨)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «السَّلَامُ قَبْلَ الْكَلَامِ (^٩)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَدْعُوا أَحَدًا إِلَى الطَّعاَمِ حَتَّى يُسَلِّمَ (^١٠)»، رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ وَاحِدٍ (^١١).\n_________\n(^١) ولكن مسلم في كتاب الإيمان.\n(^٢) له عشر حسنات على قوله السلام عليكم.\n(^٣) له عشرون حسنة لأنه زاد عن الأول ورحمة الله.\n(^٤) وهذه نهاية ألفاظ السلام وأكلها، والرد كذلك وإن كان ثوابه أكثر لأنه فرض كما يأتي.\n(^٥) فأقرب الناس إلى الله تعالى من بدأ الناس بالسلام.\n(^٦) الأول بسند صحيح والثاني بسند حسن ولفظ الترمذى فيه قيل: يا رسول الله الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ السلام؟ فقال أولاها بالله تعالى.\n(^٧) عوّدوا أنفسكم ذلك فإنكم تكونون من أهل الجنة إن شاء الله تعالى، نسأل الله الجنة آمين.\n\nالسلام قبل الكلام والسلام على الأهل\n(^٨) أي ما ورد فيهما.\n(^٩) فالسلام مقدم على الكلام لأن السلام أمان ولا كلام إلا بعد الأمان.\n(^١٠) لأن السلام في الرتبة الأولى من الكلام.\n(^١١) وقال فيه محمد بن زاذان وهو منكر الحديث وفيه عنبسة بن عبد الرحمن وهو ضعيف.","vol":"5","page":245},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْماَشِي وَالْماَشِي عَلَى الْقاَعِدِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ (^١)»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَة.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قاَلَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «ياَ بُنَيَّ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ يَكُون بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ (^٢)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الْحالِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1180>السلام على الصبيان والنساء </span>(^٣)\n\n• عَنْ سَيَّارٍ ﵁ قَالَ: كنْتُ أَمْشِي مَعَ ثاَبِتٍ الْبُناَنيِّ فَمَرَّ بِصِبْياَنٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ (^٤) وَقَالَ: كنْتُ أَمْشِي مَعَ أَنَسٍ ﵁ فَمَرَّ بِصِبْياَنٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَحَدَّثَ أَنَسٌ أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَمَرَّ بِصِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ (^٥) رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\nوَقاَلَ أَنَسٌ ﵁: انْتَهَى إِلَيْناَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَناَ غلَامٌ فِي الْغِلْماَنِ (^٦) فَسَلَّمَ عَلَيْناَ ثمَّ أَخَذَ بِيَدِي أَوْ أُذُنِي فَأَرْسَلَنِي بِرِسَالَةٍ وَقَعَدَ فِي جِدَارٍ أَوْ قاَلَ إِلَى جِدَارٍ حَتَّى رَجَعْتُ إِلَيْهِ (^٧)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ (^٨).\nقَالَتْ أَسْماَءُ بِنتُ يَزِيدَ ﵂: مَرَّ عَلَيْناَ\n_________\n(^١) وزاد في رواية: والصغير على الكبير، وهذا خبر يراد به الأمر أي ليسلم الصغير على الكبير لأنه من توقيره، وليس الجمع القليل على الكثير لأن حقهم أعظم، وأولى أن يبدأ بالسلام الراكب على الماشى لئلا يتكبر فيتواضع، كما يبدأ الماشي على القاعد لشبهه بالداخل على غيره، فالمفضول بنوع ما يبدأ الفاضل بالسلام أي الأولى ذلك وإلا فلو بدأ الفاضل لكفى.\n(^٢) فينبغى لمن دخل على أهله أن يسلم عليهم فإن ذلك بركة عليهم، قال الله تعالى ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾ والله أعلم.\n\nالسلام على الصبيان والنساء\n(^٣) أي مشروع ومطلوب.\n(^٤) ثابت البناني من كبار علماء التابعين ومن خيار الزاهدين ﵁.\n(^٥) فالسلام على الصبيان مشروع لطرح رداء الكبر وللتحلي بالتواضع ولتدريب الصبيان على آداب الشريعة.\n(^٦) ألعب معهم.\n(^٧) أو للشك في الموضعين، وفيه من تواضعه - ﷺ - ورفقه بالصبيان ما لا يخفى.\n(^٨) بسند صالح.","vol":"5","page":246},{"text":"النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمًا وَعُصْبَةٌ مِنَ النِّسَاءِ قُعُودٌ (^١) فَأَلْوَى بِيَدِهِ بِالتَّسْلِيمِ وَأَشَارَ عَبْدُ اْلحَمِيدِ بِيَدِهِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢) وَأَبُو دَاوُدَ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1181>تبليغ السلام </span>(^٤)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ، قاَلَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ياَ عَائِشَةُ هذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ» قاَلَتْ قُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، نَرَى ياَ رَسُولَ اللَّهِ مَا لَا تَرَى (^٥) رَوَاهُ الْأَرْبَعَة.\n\n• عَنْ غَالِبٍ ﵁ قَالَ: إِنَّا جُلوسٌ بِباَبِ الْحَسَنِ ﵁ إذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقاَلَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قاَلَ: بَعَثَنِي أَبِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقاَلَ: «إِيتِهِ فَأَقْرِئْهُ السَّلَامَ» قاَلَ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّ أَبِي يُقْرِئكَ السَّلَامَ فَقاَلَ: «عَلَيْكَ وَعَلَى أَبِيكَ السَّلَامُ (^٦)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِماَ يحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ آمِين.\n_________\n(^١) العصبة: الجماعة.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) ولفظه: مرّ علينا النبي - ﷺ - في نسوة فسلم علينا، فيه جواز التسليم على النساء الأجنبيات وجواز تسليمهن على الرجال بطريق القياس وهذا عند أمن الفتنة، وقال المالكية: يجوز على العجوز دون الشابة سدا للذريعة أما المحارم فلا خلاف في مشروعية السلام عليهن ومنهن والله أعلم.\n\nتبليغ السلام\n(^٤) فالسلام على لسان الغير يكفى.\n(^٥) وهو جبريل ﵇ فقد ردت ﵇ وهى لا تراه. وكفاها ذلك.\n(^٦) فيجب رد السلام على الغائب وينبغي أن يشرك المبلغ كقوله: عليك وعليه السلام، ومن السلام على لسان الغير ما جاء في مكتوب فيجب رده على لسان الغير أو بطريق الكتابة والله أعلم.","vol":"5","page":247},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1182>ما يكره في السلام </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي جُرَيَ الْهُجَيْمِيِّ (^٢) ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ ياَ رَسُولَ اللَّهِ فَقاَلَ: «لَا تَقلْ عَلَيْكَ السَّلَامُ فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى (^٣)»، رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٤)، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ ثمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: «إِذَا لَقِيَ الرَّجُلُ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ فَلْيَقلِ السَّلَامُ عَلَيْكمْ وَرَحْمَة اللَّهِ».\nوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: سَلَّمَ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ فَلَمْ يَرُدَّ ﵇ (^٥) رَوَاهُ\nالتِّرْمِذِيُّ (^٦) وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ليْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِناَ، لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلا بِالنَّصَارَى فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ الْإِشَارَةُ بِالْأَصَابِعِ وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الْإِشَارَةُ وَلا بِالاكفِّ (^٧)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.\n_________\nما يكره في السلام\n(^١) أي بيان ما يكره في السلام.\n(^٢) جريّ الهجيمى بالتصغير فيهما نسبة إلى الهجيم بن عمرو بن تميم، واسمه جابر بن سليم.\n(^٣) فعليك السلام تحية الموتى في كلام كثير من العرب كقول بعضهم:\nعليك سلام الله قيس بن عاصم … ورحمته ما شاء أن يترحما\nوكقول من رثى عمر ﵁:\nعليك سلام من أمير وباركت … يد الله في ذاك الأديم الممزق\n(^٤) بسند صحيح.\n(^٥) لأنه في حال لا تسمح بالرد ويقال عليه كل مشتغل بشيء كصلاة وقراءة وذكر وطهارة ومن يكلم إنسانا ومن هو في صنعته أو زراعته فلا يجب عليهم الرد لأن إلقاء السلام عليهم مكروه وكذا السلام على من يأكل مكروه إلا من الجائع فإنه يسلم ليطلب للأكل.\n(^٦) بسند صحيح.\n(^٧) فلو سلم باللسان وقرنه بإشارة اليد فلا شيء فيه لأن المكروه الإشارة فقط كعمل أهل الكتاب، ومثلها ما جرت به عادتهم من قولهم نهارك سعيد أو ليلتك سعيدة بخلاف صباح الخير ومساء الخير ولكنهما لا يقومان مقام السلام فاتضح من هذا أن السلام بالإشارة فقط والسلام على المشتغل بشيء ولفظ عليك السلام كلها مكروهة فلا يجب الرد والله أعلم وعلمه أتم وأكمل.","vol":"5","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1183>السلام على أهل الكتاب </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَبْدَؤوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فاَضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ (^٢)» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَقاَلَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ إنْ أَهْلَ الْكِتاَبِ يُسَلمُونَ عَلَيْناَ فَكَيْفَ نَرُدُّ عَلَيْهِمْ قاَلَ: «قولوا وَعَلَيْكُمْ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكمُ الْيَهُودُ فَإِنَّماَ يَقُولُ أَحَدُهُمْ السَّامُ عَلَيْكَ فَقُلْ وَعَلَيْكَ (^٣)» رَوَاهُ الثَّلَاثَة.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ: عَلَيْكمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ فَقاَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَهْلًا ياَ عَائِشَةُ فَإِنَّ اللَّهَ يحِبُّ الرِّفْقَ فِي الَأَمْرِ كُلِّهِ» فَقُلْتُ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ أَوَ لَمْ تَسْمَعْ مَا قاَلوا؟ قال: «فَقَدَ قُلْتُ وَعَلَيْكمْ»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَسَمِعَتْ عَائِشَةُ فَسَبَّتْهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَهْ ياَ عَائِشَةُ (^٤) فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ ﴿وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ الْايَة (^٥).\n_________\nالسلام على أهل الكتاب\n(^١) أي ما ورد في السلام منهم وعليهم.\n(^٢) إذا ازدحمت الطريق وإلا فلا.\n(^٣) والسام الموت فلهذا إذا علمنا أنهم يقولون السام عليكم أو لم نعلم ما قالوا فنرد عليهم بقولنا وعليكم أي الموت أيضا فإنه مكتوب على الناس كلهم، أو المراد وعليكم ما تستحقون من الذم أما إذا سمعنا قولهم السلام عليكم وجب علينا الرد عليهم لأن لهم ما لنا وعليهم ما علينا.\n(^٤) كفى عن هذا القول الشديد.\n(^٥) وفى رواية: قد سمعت فرددت عليهم وإنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا وسبق سبب نزول هذه الآية في تفسير سورة المجادلة، ويكره إلقاء السلام عليهم للحديث الأول: لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام، ولأن في السلام إعزازا للمسلم عليه ولا يجوز إعزازهم، وقال النووى: ابتداؤهم بالسلام حرام وهذا ما لم تدع له ضرورة كمداراتهم ودفع شرهم وإلا جاز والله أعلم.","vol":"5","page":249},{"text":"• عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِمَجْلِسٍ وَفِيهِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ\nفَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ (^١)، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِماَ يُحِبُّ وَيَرْضَى آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1184>حكم السلام ورده </span>(^٢)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ تَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ: رَدُّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتُ الْعاَطِسِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَعِياَدَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّباَعُ الْجَنَائزِ (^٣)»، رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يجْزِئُ عَنِ الْجَماَعَةِ إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ وَيجْزِئُ عَنِ الْجُلوسِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ (^٤)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا انْتهَى أَحَدُكمْ إِلَى الْمَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ فَلَيْسَت الْأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الْاخِرَةِ (^٦)»، رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-1185>لا سلام على أهل الأهواء </span>(^٨)\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تسَلِّمُوا عَلَى مَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَلَا\n_________\n(^١) فيستحب إلقاء السلام على المجلس الذي فيه مسلم وغيره تغليبا للمسلم والله أعلم.\n\nحكم السلام ورده\n(^٢) فابتداء السلام سنة عين من الواحد وسنة كفاية من الجماعة، والرد فرض عين على الواحد وفرض كفاية على الجماعة فيسقط الطلب بالسلام والرد من واحد، كشأن فروض الكفاية ولكن لا يؤجر إلا من سلم وكذا من رد.\n(^٣) سبق هذا في عيادة المريض من باب الجنائز في الصلاة.\n(^٤) هذا كان السلام من الجماعة سنة كناية والرد من الجماعة فرض كفاية، ولكن لو سلم الجماعة كلهم كان أفضل كما لو رد الجماعة كلهم فينالون الثواب.\n(^٥) بسند صالح.\n(^٦) فيستحب السلام على الحاضرين إذا قدم عليهم وإذا أراد فراقهم.\n(^٧) بسند حسن، نسأل الله حسن الحال آمين.\n\nلا سلام على أهل الأهواء\n(^٨) فلا يشرع السلام على فاسق وفاجر ومبتدع ونحوهم وبالأولى الكافر فإن قطع هؤلاء مطلوب وبغضهم محبوب ما داموا في أهوائهم لما سبق في الإيمان: من أحب لله وأبغض لله فقد استكمل الإيمان=","vol":"5","page":250},{"text":"تعُودُوهُمْ إِذَا مَرِضُوا وَلَا تصَلُّوا عَلَيْهِمْ إِذَا مَاتُوا (^١)»، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ هكَذا وَالْبُخَارِيُّ مَوْقُوفًا وَلكِنْ وَصَلَهُ فِي الْأَدَبِ، وَسَبَقَ فِي تَفْسِير سُورَةِ التَّوّبَةِ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ لَمَّا تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ: وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلامِناَ (^٢).\n\n• عَنْ عَمَّارِ بْنِ ياَسِرٍ ﵁ قاَلَ: قَدِمْتُ عَلَى أَهْلِي وَقَدْ تَشَقَّقَتْ يَدَايَ فَخَلَّقُونِي بِزَعْفَرَان فَغَدَوْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ وَقاَلَ: «اذْهَبْ فاَغْسِلْ عَنْكَ هذَا (^٣)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَّةِ (^٤).\nوَمَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْباَنِ أَحْمَرَانِ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ (^٥)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي اللِّباَسِ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-1186>الكتابة وآدابها </span>(^٧)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (^٨).\nوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُنْبِئًا عَنْ كِتَابِ سُلَيْماَنَ ﵇ لِبِلْقِيسَ مَلِكَةِ سَبَإِ: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخَذَ\n_________\n(^١) هذا للزجر أو إذا استحلو الخمر.\n(^٢) سبق هذا بطوله في سورة التوبة.\n(^٣) لم يرد النبي - ﷺ - السلام عليه لأنه لطخ يديه بالزعفران الذي هو طيب النساء وقد نهينا عن التشبه بالنساء، ولعله كان هناك غيره يقوم مقامه وإلا إذا تعين للتداوى فلا شيء فيه.\n(^٤) بسند صالح.\n(^٥) لعل لون الحمرة هذا كان من صبغ خاص بالنسبة كزعفران ونحوه وإلا فليس الأحمر جائز للرجال كما سبق في كتاب اللباس.\n(^٦) بسند حسن.\n\nالكتابية وآدابها\n(^٧) إن تعلّم الكتاب والسنة بل وأى على من العلوم يتوقف على معرفة القراءة والكتابة كما أن المراسلات بين الناس وتبادل الصالح معهم أكثرها بالكتابة، فالقراءة والكتابة مكملتان للبشر بل لازمتان له للتدرج في طريق الرقى الإنساني.\n(^٨) ومنه قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾.","vol":"5","page":251},{"text":"خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ كَتَبَ فِيهَا مِنْ فُلَانٍ إِلَى فُلَانٍ (^١)، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي سُفْياَنَ ﵁ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانُوا تجَّارًا بِالشَّامِ فَأَتَوْهُ ثمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُرِئَ فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ (^٢)، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنه ثاَبِتٍ ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ يَدَيْهِ كَاتِبٌ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «ضَعِ الْقَلَمَ عَلَى أُذُنِكَ فَإِنَّهُ أَذْكَرُ لِلْمُمْلِي (^٣)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ أَن يَكْتُبَ إِلَى الْعَجَمِ قِيلَ لَهُ إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ إِلا كِتَابًا عَلَيْهِ خَاتمٌ فاَصْطَنَعَ خَاتَمًا، قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَياَضِهِ فِي كَفِّهِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٥).\n_________\n(^١) سبق هذا الحديث في أنباء بعض السابقين في خاتمة كتاب الزهد.\n(^٢) وكانوا تجارة بالضم والتشديد كفجار، وبالكسر والتخفيف كرماح، وسبق هذا الحديث مطولا في تفسير سورة آل عمران، ففى هذا الحديث واللذين قبله أنه ينبغي للكاتب أن يبدأ بنفسه ليظهر الكاتب للقارئ من أول الأمر.\n(^٣) لأن القلم لسان ثان يترجم عن القلب، والأذن محل الاستماع في وضع القلم على الأذن ربط للحواس وجمع لها فيكون أقوى وأذكر لها؛ ومن آداب الكتابة تتريب المكتوب بعد كتابته لما روى: تربوا صحفكم فإنه أنجح لها؛ ومنه ما حدث الآن من ورق النشاف المعروف.\n(^٤) بسند ضعيف لوجود عنبسة ومحمد بن زاذان في سنده، وقول ابن الجوزي: إنه موضوع مردود لأن ابن عساكر خرجه من حديث أنس بسند خال من هذين.\n(^٥) فختم الكتاب أوثق وأقوى في نسبته إلى مرسله، وسبق هذا الحديث للأصول الخمسة في كتاب اللباس.","vol":"5","page":252},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1187>من تعلم لغة قوم أمن من شرهم</span>\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ ثاَبِتٍ ﵁ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَتَعَلَّمَ لَهُ كِتَابَ يَهُودَ (^١)، قَالَ: «إِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنْ يَهُودَ عَلَى كِتَابٍ»، قَالَ: فَماَ مَرَّ بِي نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى تَعَلَّمْتُهُ لَهُ (^٢) فَلَمَّا تَعَلَّمْتُهُ كَانَ إِذَا كَتَبَ إِلَى يَهُودَ كَتَبْتُ إِلَيْهِمْ وَإِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ قَرَأْتُ لَهُ كِتَابَهُمْ (^٣)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَاللَّهُ أعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1188>الفصل الثالث: في أنواع التحية\nمنها القيام لأهل الفضل </span>(^٤)\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ أَهْلَ قُرَيْظَةَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَجَاءَ فَقاَلَ: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكمْ» أَوْ قاَلَ «خَيْرِكمْ» فَقَعَدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «هؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ»، قاَلَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ فَقَالَ: «لَقَدْ حَكَمْتَ بِماَ حَكَمَ بِهِ الْمَلِكُ (^٥)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ أَقْمَرَ (^٦) فَلَمَّا قَرُبَ مِنَ الْمَسْجدِ قاَلَ للأَنْصَارِ «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ (^٧)».\n_________\nمن تعلم لغة قوم أمن من شرهم\n(^١) أي كتابتهم التي يتداولونها بينهم.\n(^٢) أي كتاب يهود وهى كتابتهم ولغتهم التى كانت سريانية لقوله: أمرني رسول الله - ﷺ - أن أتعلم السريانية.\n(^٣) فالنبي - ﷺ - خاف شرهم إلا إذا تعلموا لغتهم فتعلمها زيد بن ثابت في نصف شهر، ففيه أن تعلم لغات الأمم الأخرى مطلوب للأمن من شرهم وللتعارف بهم ولتبادل المصالح معهم وللتعاون بهم، ولا سيما إذ دعت الحال لإرسال علماء لهم يعلمونهم الإسلام فإن معرفة لغاتهم حينئذ تكون واجبة من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب والله أعلم.\n\nالفصل الثالث في أنواع التحية\n(^٤) منها القيام لقدوم أهل الفضل من علم أو صلاح أو شرف أو جاه لأنه يزيد في كمالهم ويحمل الناس على الاتصاف بوصفهم وموجب للألفة بينهم.\n(^٥) سبق هذا الحديث في غزوة بني قريظة والنضير في كتاب الجهاد.\n(^٦) أي أبيض.\n(^٧) فلما قرب سعد من المسجد الذي صنعه الأصحاب =","vol":"5","page":253},{"text":"وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَدَلا وَهَدْيًا بِرَسُولِ الله ﷺ مِنْ فاَطِمَةَ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهَا فَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قاَمَ إِلَيْهاَ فَأَخَذَ بِيَدِهَا فَقَبَّلَهاَ (^١) وَأَجْلَسَهاَ فِي مَجْلِسِهِ وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهاَ قَامَتْ إِلَيْهِ فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَقَبَّلَتْهُ وأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهاَ (^٢) رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ ﵁ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْر وَابْنه عَامِرٍ فَقَامَ ابْنُ عَامِرٍ وَجَلَسَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِابْنِ عَامِرٍ: اجْلِسْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٤)، وَلَفْظُهُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ (^٥)».\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا (^٦) فَقُمْناَ إِلَيْهِ فَقَالَ: «لَا تَقُومُوا كَمَا تَقُومُ الْأَعَاجِمُ يُعَظِّمُ بَعْضهاَ بُعْضًا»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ (^٧).\n_________\n= للصلاة فيه قال - ﷺ -: قوموا إلى سيدكم إجلالا وتوقيرا له، أو لتعينوه على النزول لأنه مريض، قال بعضهم بهذا، وقال آخرون بالأول ويؤيده النصوص الكثيرة السابقة في فضل سعد بن معاذ ﵁ ولا مانع من إرادة المعنيين.\n(^١) بين عينيها أو رأسها.\n(^٢) فقبلته في عضو من جسمه والظاهر أنه اليد الشريفة لأنه الأقرب، ففيه تصريح بالقيام من النبي - ﷺ - لفاطمة حينما كانت تدخل عليه إجلالا وإكراما لها وكذا كانت تقوم له - ﷺ - ويقرها عليه.\n(^٣) بسند حسن.\n(^٤) بسند حسن.\n(^٥) فمن أحب أن يقوم له الرجال فليهيئ له منزلا من النار أي فقد تسبب لنفسه في النار، فظاهره النهى عن القيام للقادم، وقال الحافظ: ليس فيه ذلك إنما الذي فيه زجر عن محبة القيام له، وقيل المراد به النهى عن قيام الرجال وهو جالس كعادة بعض الجبابرة، وقيل النهي لمن يخشى عليه من الكبر بخلاف الكامل فالقيام له مطلوب وقبل النهي عن القيام منزل على القادم فلا ينافى طلبه من الجالسين.\n(^٦) معتمدا عليها لمرض كان به.\n(^٧) حديث أبي داود ضعيف لأنه مضطرب السند كذا قاله الطبرى وحديث ابن ماجه فيه أبو غالب قال بعضهم إنه منكر وقال النسائي ضعيف فالحديث وإن صرح بالنهى عن القيام ولكنه لا يحتج به.","vol":"5","page":254},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمْ يَكُنْ شخصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ (^١) مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لِماَ يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذلِكَ (^٢) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ نَسْأَلُ اللَّهَ الصِّحَّةَ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1189>ومنها إنزال الناس منازلهم </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ (^٤) الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ (^٥)﴾ لّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ آتَكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (^٦) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهاَ مَرَّ بِهاَ سَائِلٌ فَأَعْطَتْهُ كِسْرَة وَمَرَّ بِهاَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِياَبٌ وَهَيْئَةٌ\n_________\n(^١) أي الأصحاب.\n(^٢) فكان الأصحاب لا يقومون للنبي - ﷺ - إذا قدم عليهم لما يعلمونه من كراهته للقيام، وحاصل المقام أن جماعة من أهل العلم قالوا بكراهة القيام للقادم لظاهر هذه الأحاديث الثلاثة، وقال الجمهور: إن هذا مردود لأن حديث أبى أمامة لا يحتج به كما سبق، وحديث أبى مجلز ليس صريحا لهم كما سبق أيضا، وحديث أنس يمكن تأويله بأن هذا كان من النبي - ﷺ - زيادة في التواضع، وخوفًا على الأمة من زيادة تعظيمه فربما جرهم إلى ما وقع فيه بعض اليهود والنصارى الذين قال الله فيهم ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾ وربما جرهم إلى عمل الأعاجم من السجود لرؤسائهم كما سبق في حديث قيس بن سعد في حقوق الزوج على امرأته من كتاب النكاح، بل قال الجمهور: إن القيام لأهل الفضل مستحب للحديثين الأولين والعمل السلف والخلف على القيام من غير نكير، وهذا هو الحق فإن الله تعالى قال في الهدى للحرم ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾، فإذا كان تعظيم الهدى من التقوى وكمال الإيمان فأولى تعظيم المؤمن الذي هو أفضل من الحرم بل أفضل من الكعبة كما قال ابن عمر ﵁ يخاطب الكعبة: ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك، والله أعلم؛ نسأل الله التوفيق والهداية لأقوم طريق آمين.\n\nومنها إنزال الناس منازلهم\n(^٣) فالمطلوب النظر إلى كل شخص من حاله الذي هو فيه فيضعه في قلبه كما هو ويعامله كما هو نزولا على حكم الله له.\n(^٤) جمع خليفة، أي يخلف بعضكم بعضا فيها.\n(^٥) بالإيمان والعلم والجاه والمال والأولاد ليختبركم بذلك.\n(^٦) إن ربك سريع العقاب من عصاه وإنه لغفور رحيم بالمؤمنين.","vol":"5","page":255},{"text":"فَأَقْعَدَتْهُ فَأَكَلَ فَقِيلَ لَهاَ فِي ذلِكَ فَقاَلَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنْزِلوا النَّاسَ مَناَزِلَهُمْ (^١)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ (^٣)، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغاَلِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ (^٤)، وَإِكْرَامِ ذِي السُّلْطاَنِ الْمُقْسِطِ (^٥)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1190>ومنها المصافحة </span>(^٦)\nقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: عَلَّمَنِي النَّبِيُّ ﷺ التَّشَهُّدَ وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَقَالَ قَتَادَةُ ﵁ قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَكَانَتِ الْمُصَافَحَة فِي أصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؟ قاَلَ: نَعَمْ (^٧)، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَان فَيَتَصَافَحَانِ إِلا غُفِرَ لَهُماَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا (^٨)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٩).\n_________\n(^١) فلما كان الأول بحال تناسبه الكسرة وتكفيه أمرت له بها، ولما كان الثاني تظهر عليه الوجاهة كأنه غنى قوم افتقر أمرت بإجلاسه وإكرامه فسألوها فقالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: أنزلوا الناس منازلهم؛ أي راعوا أقدارهم ومراتبهم وتفضيل بعضهم على بعض في المجالس وفى القيام ونحو ذلك.\n(^٢) ولكن أبو داود هنا ومسلم في خطبة كتابه.\n(^٣) أي من شاب في الإسلام بتوقيره واحترامه والشفقة عليه.\n(^٤) الغالى في القرآن: المجاوز الحد في تتبع ما خفى منه واشتبه عليه وفى قراءته، والجافي عنه: التارك لتلاوته والعمل به.\n(^٥) الحاكم العادل، فمن إجلال الله وتعظيمه توفير الكبير في الإسلام، وحافظ القرآن العامل به والعالم أولى، والحاكم العادل لمكانتهم عند الله والناس والله أعلم.\n\nومنها المصافحة\n(^٦) المصافحة: وضع اليد في اليد عند المقابلة، وهى من تمام التحية ومكفرة للذنوب وموجبة للألفة والمحبة وهى سنة مجمع عليها عند اللقاء إلا مع المرأة الأجنبية والأمرد الحسن.\n(^٧) فكان الأصحاب يتصافحون عند المقابلة كما كانوا في زمن النبي - ﷺ -.\n(^٨) فهذه مكفرة للصغائر.\n(^٩) بسند حسن.","vol":"5","page":256},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِماَنِ فَتَصَافَحَا وَحَمِدَا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَاهُ غُفِرَ لَهُماَ (^١)»،\nرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢) وَابْنُ السُّنِّيِّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قاَلَ: لَمَّا جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَدْ جَاءَكمْ أَهْلُ الْيَمَنِ وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ جَاءَ بِالْمُصَافَحَةِ (^٣)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤).\n\n• وَعَنْهُ قاَلَ: قَالَ رَجُلٌ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي لَهُ؟ قاَلَ: «لَا (^٥)» قَالَ: أَفَيلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ؟\nقَالَ: لَا (^٦) قَالَ: أَفَيَأْخُذ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ».\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اسْتَقْبَلَهُ الرَّجُلُ فَصَافَحَهُ لَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ الَّذِي يَنْزِعُ، وَلَا يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ وَجْهِهِ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَصْرِفُهُ (^٧) وَلَمْ يُرَ مُقَدِّمًا رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيس لَهُ (^٨).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مِنْ تَماَمِ التَّحِيَّةِ الْأَخْذ بِالْيَدِ»، رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٩)، نَسْأَلُ اللَّهُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَيْدِيناَ جَمِيعًا آمِين.\n_________\n(^١) فيكون المستحب من المسلمين عند تلاقيهما: السلام، فالمصافحة، فالحمد، فطلب المغفرة، كقوله: اللهم اغفر لي ولك أو غفر الله لي ولك.\n(^٢) بسند صالح.\n(^٣) فأهل اليمن أسبق الناس في المصافحة فضلا عن طلب الشارع لها.\n(^٤) بسند صالح.\n(^٥) أينحني له بجسمه أو رأسه كما يفعل بعض الناس في التحية؟ قال: لا يجوز.\n(^٦) أيعانقه ويقبله قال: لا؛ لأنها لا تكون إلا لخواص الأصحاب عقب اللقاء بعد زمن طويل أو لتهنئة بعيد ونحوه.\n(^٧) فكان النبي - ﷺ - إذا صافحه إنسان لا يسحب النبي - ﷺ - يده منه أولا، وكذا لا يحول وجهه حتى يحول ذلك الإنسان وجهه عنه زيادة في الإقبال والتودد.\n(^٨) بل كان - ﷺ - بين أصحابه الكرام في نهاية الأدب والحياء رحمة وتعليما للأمة - ﷺ -.\n(^٩) الأخيران بسندين غريبين والأول بسند حسن.","vol":"5","page":257},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1191>ومنها المعانقة </span>(^١)\nقِيلَ لِابِي ذَرَ ﵁: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَافِحُكُمْ إِذَا لَقِيتُمُوهُ قاَلَ: مَا لَقِيتُهُ قَطُّ إِلا صَافَحَنِي وَبَعَثَ إِلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ وَلَمْ أَكنُ فِي أَهْلِي فَلَمَّا جِئْتُ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ عَلَى سَرِيرِهِ (^٢) فَالْتَزَمَنِي فَكَانَتْ تِلْكَ أَجْوَدَ وَأَجْوَدَ (^٣)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ (^٤).\nوَقاَلَتْ عَائِشَةُ ﵂: قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ﵁ الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي فَأَتاَهُ فَقَرَعَ الْباَبَ فَقاَمَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ عُرْياَنًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ (^٥) وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ عُرْياَنًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ فاَعْتَنَقَهُ وَقبَّلَهُ (^٦)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1192>ومنها تقبيل اليد والرجل </span>(^٧)\n\n• عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ﵁ قَالَ: قاَلَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِناَ إِلَى هذَا النَّبِيِّ (^٨) فَقَالَ صَاحِبُهُ: لَا تَقُلْ نَبِيٌّ إِنَّهُ لَوْ سَمِعَكَ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ فَأَتَياَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ\n_________\nومنها المعانقة\n(^١) المعانقة: هي أخذ الشخص بين يديه وضمه لصدره، وهى أطفأ لحرارة الشوق بين الحبيبين إذا التقيا بعد طول عهد أو في نحو الأعياد لزيادة السرور.\n(^٢) وكان له - ﷺ - سرير من ساج وهو خشب من أعظم الأشجار ينبت بالهند فقط ولعله المشهور عندنا بخشب الزان؛ وسرير من جريد النخل كعادة أهل المدينة وأهل مصر من قديم.\n(^٣) فالتزمني أي عانقنى فكانت تلك الفعلة أحسن عندى من المصافحة لما أفاض عليّ من جسده وروحه وأسراره - ﷺ -.\n(^٤) بسند صالح.\n(^٥) ولبس ثوبه وهو ذاهب لمقابلته شوقا إليه لأنه كان في سفر.\n(^٦) والله ما رأيته عريانا قبل هذا الوقت ولا بعده فاعتنقه وقبله بين عينيه، ففيهما تصريح بالمعانقة منه - ﷺ - فهى لهذا جائزة إذا دعا شوق إليها. والله أعلم.\n\nومنها تقبيل اليد والرجل\n(^٧) فتقبيل اليد جائز لإشعاره بالتعظيم والتبجيل بل هو مستحب لذى جاه أو سلطان أو مال أو فضل وعلم أو تقوى وصلاح لنفعهم للناس ويؤجر عليه لأنه من قوله - ﷺ -: إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن والحاكم العادل الذي سبق في إنزال الناس منازلهم ويتأكد إذا كان طريقا لدفع شر الأشرار والجبابرة لحديث: أمرت بالمداراة كما أمرت بالفرائض.\n(^٨) هو محمد - ﷺ -.","vol":"5","page":258},{"text":"فَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّناَتٍ (^١) فَقاَلَ: «لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ وَلَا تَسْحَرُوا وَلَا تَأكُلُوا الرِّباَ وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَة وَلَا تُوَلُّوا الْفِرَارَ يَوْمَ الزَّحْفِ وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةَ الْيَهُودِ أَلا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ» قَالَ: فَقَبَّلوا يَدَهُ وَرِجْلَهُ فَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ قَالَ: «فَماَ يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتَّبِعُونِي» قَالُوا: إِنَّ دَاوُدَ ﵇ دَعَا رَبَّهُ أَلا يَزَالَ فِي ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ وَإِنَّا نَخَافُ إنْ تَبِعْناَكَ أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ (^٢)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد (^٣).\n\n• عَنْ أُمِّ أَباَنَ بِنْتِ الْوَازِعِ بْنِ زَارِعٍ عَنْ جَدِّهَا زَارِعٍ ﵃ وَكَانَ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ (^٤) قَالَ: لَمَّا قَدِمْناَ الْمَدِينَةَ فَجَعَلْنَا نَتَباَدَرُ مِنْ رَوَاحِلِناَ (^٥) فَنقَبِّلُ يَدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلَهُ وَانْتَظَر الْمُنْذِرُ الْأَشَجُّ حَتَّى أَتَى عَيْبَتَهُ فَلَبِسَ ثَوْبَيْهِ (^٦) ثمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُماَ اللَّهُ الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ» قاَلَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِماَ أَمْ جَبَلَنِي اللَّهُ عَلَيْهِماَ قاَلَ: «بَلِ اللَّهُ جَبَلَكَ عَلَيُهِماَ» قاَلَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُماَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ (^٧)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٨).\n_________\n(^١) واضحات لازمات على كل إنسان أن يعمل بها في كل شرع وفى كل زمان.\n(^٢) سبق هذا الحديث في سورة الإسراء.\n(^٣) رواه الترمذى في تفسير الإسراء ورواه هنا أيضا وقال في كليهما حسن صحيح.\n(^٤) الذين جاءوا للنبي - ﷺ - وكانوا أربعة عشر رجلا.\n(^٥) ننزل عنها مسرعين.\n(^٦) العيبة: وعاء الملابس كالخرج في مصرنا.\n(^٧) والأشج اسمه المنذر بن الحارث العبدى سمى الأشج لجرح كان بوجهه وكان رأس الوفد فلما وصلوا إلى النبي - ﷺ - أسرع القوم عن رواحلهم وذهبوا للنبي - ﷺ - وصاروا يقبلون يده ورجله ولكن المنذر نزل عن راحلته ولبس ملابس نظيفة بيضاء وذهب للنبي - ﷺ - بسكينة وخشوع فلما رأى النبي - ﷺ - ذلك الأدب والخشوع قال: إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله وهما الخشوع والتأني والسكينة، فحمد الله على ذلك، وسبق هذا مختصرا في حسن الخلق من كتاب البر والأخلاق، ففى هذا وما قبله أن النبي - ﷺ - أقر فعل من قبلوا يده - ﷺ - ورجله وهو لا يقر على باطل فصار التقبيل جائزا وقد علمت أنه يستحب لغرض شريف والله أعلم.\n(^٨) بسند صحيح.","vol":"5","page":259},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1193>ومنها قبلة الجسد وبين العينين</span>\n• عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ﵁ قَالَ: كَانَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ الْأَنْصَارِيُّ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ وَيُضْحِكُهُمْ لِمُزَاحٍ كَانَ فِيهِ (^١) فَطَعَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي خَاصِرَتِهِ بِعُودٍ فَقَالَ: أَصْبِرْنِي ياَ رَسُولَ اللَّهَ قَالَ: اصْطَبِرْ قَالَ: إِنَّ عَلَيْكَ قَمِيصًا وَلَيْسَ عَلَيَّ قَمِيصٌ فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَمِيصِهِ فاَحْتَضَنَهُ وَجَعَلَ يُقَبِّلُ كَشْحَهُ وَقاَلَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ هذَا ياَ رَسُولَ اللَّهِ (^٢).\n\n• عَنْ الشَّعْبِيِّ ﵁ قاَلَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَقَّى جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِب فاَلْتَزَمَهُ وَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ (^٣)، رَوَاهُماَ أَبُو دَاوُدَ (^٤)، نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الْقَبُولِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1194>ومنها مرحبًا بفلان </span>(^٥)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِفاَطِمَةَ عَلَيْهاَ السَّلَامُ: «مَرْحَبًا بِابْنَتِي».\nوَقَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ ﵂: جِئْتُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «مَرْحَبًا ياَ أُمَّ هَانِئٍ (^٦)»، رَوَاهُماَ الْبُخَارِيُّ\n_________\nومنها قبلة الجسد وبين العينين\n(^١) المزاح بالضم: الاسم وبالكسر الصدر.\n(^٢) أصبرني يا رسول الله أي اصطبر وقدنى منك، قال: اصطبر أي استوف القصاص؛ فكشف له النبي - ﷺ - عن جسمه فمال أسيد عليه وصار يقبل ويمرغ وجهه على جسد النبي - ﷺ - تبركا به ويقول هذا مرادى يا رسول الله.\n(^٣) فكان جعفر بن أبى طالب غائبًا في سفر فلما حضر تلقاه النبي - ﷺ - فعانقه وقبله بين عينيه.\n(^٤) بسندين صالحين، ففى هذه الأحاديث أن التقبيل للتبجيل والاحترام يكون في اليد والرجل، والتقبيل للشفقة يكون في الرأس وبين العينين كحديث جعفر هذا وحديث مقابلة النبي - ﷺ - لابنته فاطمة السابق في القيام لأهل الفضل، وقد يكون في الفم للذرية والأطفال كتقبيل النبي - ﷺ - للحسن والحسين السابق في الرحمة من كتاب البر والأخلاق، وأما التقبيل للشهوة كتقبيل الزوجة فقد يكون في الخد وقد يكون في الفم حسبما تميل النفس له وتشتهي والله أعلم.\n\nومنها مرحبا بفلان\n(^٥) أي لاقيت رحبًا وسعة.\n(^٦) أم هانئ: هي فاختة بنت أبي طالب ﵂.","vol":"5","page":260},{"text":"وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ أُبِي جَهْلٍ ﵁: جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهاَجِرِ (^١)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1195>ومنها لبيك وسعديك </span>(^٢)\n• عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ الْفِهْرِيِّ (^٣) ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ معَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا فَسِرْناَ فِي يَوْمٍ قَائظٍ شَدِيدِ الْحَرِّ فَنَزَلْناَ تَحْتَ ظِلِّ الشَّجَرِ فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ لَبِسْتُ لَأْمَتِي (^٤) وَرَكِبْتُ فَرَسِي فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي فسْطَاطِهِ (^٥) فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ قَدْ حَانَ الرَّوَاحُ (^٦) فَقَالَ: «أَجَلْ» ثمَّ قاَلَ: «قمْ ياَ بِلَالُ قمْ ياَ بِلَالُ» فثاَرَ مِنْ تَحْتِ شَجَرَةٍ كَأَنَّ ظِلَّهُ ظِلُّ طَائرٍ (^٧) فَقَالَ: لَبِّيْكَ وَسَعْدَيكَ وَأَناَ فِدَاؤُكَ فَقَالَ: «أَسْرِجْ لِيَ الْفَرَسَ» فَأَخْرَجَ سَرْجًا دَقَّناَهُ مِنْ لِيفٍ (^٨) لَيْسَ فِيهِماَ أَشَرٌ وَلَا بَطَرٌ (^٩) فَرَكِبَ وَرَكِبْناَ.\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ قاَلَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: «ياَ أَباَ ذَرَ» فَقُلتُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ وَأَناَ فِدَاكَ أَوْ فِدَاؤُكَ (^١٠). رَوَاهُماَ أَبُو دَاوُدَ.\n_________\n(^١) قاله - ﷺ - حينما قدم عكرمة عليه بالمدينة مهاجرا تحية له، فهذه مما تعوده العرب في التحية كقولهم أهلا وسهلا أي أتيت أهلا ونزلت منزلا سهلا والله أعلم.\n\nلبيك وسعديك\n(^٢) لبيك من ألب ولب بالمكان: أقام به أي أنا أجيبك إجابة بعد إجابة، وسعديك أي ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة وإسعادا بعد إسعاد، وهاتان الكلمتان لم يستعملا إلا بلفظ التثنية لإفادة التكرير، والمراد بهما إدخال السرور على المخاطب وإظهار التفانى في إجابته.\n(^٣) أبو عبد الرحمن القرشي الفهرى صحابى وليس له إلا هذا الحديث.\n(^٤) أي درعى.\n(^٥) الفسطاط: الخيمة في السفر دون السرادق.\n(^٦) الرواح السير في آخر النهار بخلاف العدو فإنه في أول النهار.\n(^٧) قام من تحت شجرة مسرعا.\n(^٨) جانباه من ليف النخل.\n(^٩) الأشر والبطر بفتحتين بمعنى وهو كفر النعمة، فمع حقارة السرج الحمد والشكر وإجلال النعم.\n(^١٠) وسبق لفظ لبيك وسعديك في كثير من الأحاديث والله أعلم.","vol":"5","page":261},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1196>ومنها فداك أبي وأمي </span>(^١)\n\n• عَنْ عَليَ ﵁ قاَلَ: مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُفَدِّي أَحَدًا غَيْرَ سَعْدٍ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي (^٢)، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أباَهُ وَأُمَّهُ لِأَحَدٍ إِلا لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصِ قاَلَ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ: ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، ارْمِ أَيُّهاَ الْغُلَامُ الْحَزَوَّرُ (^٣).\nقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لِلنَّبِيِّ ﷺ: فَدَيْناَكَ بِآباَئِناَ وَأَمَّهاَتِناَ (^٤)، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1197>ومنها حفظك الله </span>(^٥)\n\n• عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ فَعَطِشُوا فاَنْطَلَقَ سَرْعَان النَّاسِ (^٦) فَلَزِمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَقَالَ: «حَفِظَكَ اللَّهُ بِماَ حَفِطْتَ بِهِ نَبِيَّكَ (^٧)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ (^٨)، نَسْأَلُ اللَّهَ كَماَلَ حِفْظِهِ للأَرْوَاحِ وَالْأَشْباَحِ آمِين.\n_________\nومنها فداك أبى وأمى\n(^١) فداك بالكسر اسم وبالفتح فعل أي أفديك بأبى وأمى وأختار حياتك عليهما.\n(^٢) أي ارم الأعداء بسهامك فأبي وأمي لك فداء.\n(^٣) الشديد المقارب للبلوغ.\n(^٤) فهذه الكلمة مما تعودتها العرب في زيادة التنظيم والتبجيل والإخلاص والله أعلم.\n\nومنها حفظك الله\n(^٥) فمن ألفاظ التعظيم الموجبة لزيادة الألفة والمحبة قول الشخص لمن يكلمه حفظك الله أي حرسك من كل مكروه، ومنها رعاك الله أي أحاطك برعايته.\n(^٦) سرعان الناس بفتح السين والراء وروى بسكونها: المسرعون بالخروج والانتشار لأى سبب.\n(^٧) أي بقدر جهدك في حفظ نبيك - ﷺ -.\n(^٨) ولكن أبو داود هنا ومسلم في الصلاة مطولا.","vol":"5","page":262},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1198>ومنها أضحك اللَّه سنك </span>(^١)\n\n• عَنْ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قاَلَ: ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرِ أَوْ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ (^٢)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣) وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1199>الفصل الرابع: في آداب المجالس </span>(^٤)\nقاَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُواْ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ (^٥)﴾ وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ\nفَانشُزُواْ (^٦) يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَتٍ (^٧) وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (^٨).\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرْقاَتِ»، «قاَلوا ياَ رَسُولَ اللَّهِ مَا لَناَ بُدٌّ مِنْ مَجاَلِسِناَ نَتَحَدَّثُ فِيهاَ» قَال: «فَإِذَا أَتَيْتَمْ إِلا الْمَجْلِسَ فَأَعْطوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ»\n_________\nومنها أضحك الله سنك\n(^١) السن واحدة الأسنان التى تظهر في الفم حين الضحك.\n(^٢) أي أدام الله فرحك وأكثر سرورك وعبر عن هذا بالضحك لأنه يلزم الفرح والسرور.\n(^٣) بسند صالح نسأل الله صلاح الحال في الحال والمآل آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nالفصل الرابع في آداب المجالس\n(^٤) أي وآداب الجلوس وحق الجلوس في الطريق وهي غض البصر ورد السلام وكف الأذى عن الناس، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وغيرها، وقد جمعها بعضهم من كل الأحاديث الواردة فيها فقال:\nجمعت آداب من رام الجلوس على الطريق … من قول خير الناس إنسانا\nأفش السلام وأحسن في الكلام وشمت … عاطسا وسلاما رد إحسانا\nفي الحمل عاون ومظلوما أعن وأغث … لهفان أرشد سبيلا واهد حيرانا\nللعرف مُرْ وانه عن نكر وكف أذى … وغض طرف وأكثر ذكر مولانا\n(^٥) تفسحوا في المجالس أي توسعوا فيها ليجلس من جاءكم فافسحوا يفسح الله لكم في الجنة.\n(^٦) وإذا قيل انشروا قوموا لفعل خير كالصلاة وغيرها فانشروا وأطيعوا.\n(^٧) يرفع الله الذين آمنوا وأطاعوا كما أمروا، ويرفع الذين أوتوا العلم درجات في الجنة.\n(^٨) فيجازيكم عليه.","vol":"5","page":263},{"text":"قاَلوا وَمَا حَقُّهُ؟ قاَلَ: «غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الْأَذَى وَرَدُّ السَّلَامِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ (^١)».\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا يُقيمُ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ ثمَّ يَجْلِسُ فِيهِ (^٢) وَلكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا»، رَوَاهُماَ الْأَرْبَعَةُ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا قاَمَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ لَمْ يَجْلِسْ فِيهِ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قاَمَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بهِ (^٤)» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: كنَّا إِذَا أَتَيْناَ النَّبِيَّ ﷺ جَلَسَ أَحَدُناَ حَيْثُ يَنْتَهِي (^٥)، رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٦).\n\n• وَعَنْهُ قاَلَ: كاَنَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَّكِئًا عَلَى وَسَادَةٍ عَلَى يَسَارِهِ (^٧)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٨).\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ تَرَبَّعَ فِي مَجْلِسِه حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءَ (^٩)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١٠).\nوَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵁: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَلَسَ احْتَبَى بِيَدَيْهِ (^١١)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١٢) وَالْبَزَّارُ.\n_________\n(^١) إياكم والجلوس في الطرق أي احذروا الجلوس على حافات الطرق فإنها مظنة الذنوب قالوا يا رسول الله لا بد لنا من ذلك فإنها مجالسنا نتجاذب فيها أطراف الحديث قال حينئذ: قوموا بحق الطريق. قالوا ما هو فذكر الحديث وهو حجة لمن قال إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.\n(^٢) النهي للتحريم فيحرم إقامة شخص وإجلاس آخر مكانه فإن هذا إذلال له ولكن توسعوا لمن جاءكم.\n(^٣) هذا منه ورع وإلا فلو قام شخص لآخر تعظيما واحتراما له ليجلس مجلس إجابة لرجائه فلا شيء فيه.\n(^٤) فمن قام من مجلسه على نية العود له ثم رجع فهو له ويحرم جلوس الغير فيه، ومن هذا من تعود مكانا خاصا في جماعة أو في مجلس على أو قرآن أو صلاة على النبي - ﷺ - أو ذكر فهو أحق به.\n(^٥) في طرف المجلس فلا يزاحم أحدا.\n(^٦) بسند حسن.\n(^٧) متكئا على يساره على وسادة.\n(^٨) بسند حسن.\n(^٩) فبعد صلاة الفجر كان يجلس متربعا ويستمر في مجلسه يحدث أصحابه ويحدثونه عن عوائدهم قبل الإسلام حتى تطلع الشمس بيضاء نقية لا صفرة فيها.\n(^١٠) بسند صالح.\n(^١١) فكان النبي - ﷺ - أحيانا يجلس محتبيا أي على أليتيه مع نصب ركبتيه وضم فخذيه إلى بطنه بيديه.\n(^١٢) بسند ضعيف.","vol":"5","page":264},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ\nإِلا بِإِذْنِهماَ (^١)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢)، وَلِلتِّرْمِذِيِّ (^٣): «لَا يُؤَمُّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ وَلَا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلا بِإِذْنِهِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1200>التحلق وسعة المجلس </span>(^٥)\n\n• عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ وَهُمْ حَلِقٌ فَقاَلَ: «مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ (^٦)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ (^٧).\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: خَيْرُ المَجَالِسِ أَوْسَعُهَا (^٨). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٩)\n\n• عَنْ أَبِي مِجْلَزَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا جَلَسَ وَسْط حَلْقَةٍ فَقاَلَ حُذَيْفَةُ: مَلْعُونٌ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ أَوْ لَعَنَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَنْ قَعَدَ وَسْطَ الْحَلْقَةِ (^١٠)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١١) وَأَبُو دَاوُدَ. نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الْأَدَبِ آمِين.\n_________\n(^١) وفى رواية: لا يجلس بين رجلين إلا بإذنهما فإن هذا يؤذيهما للضيق أو لتناج بينهما، أما إذا كان بينهما فرجة فإنه يجلس بغير إذن سدا للفرجة.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) بسند صحيح.\n(^٤) هذا قيد للكلمتين قبله، فالرجل في بيته ومحل ولايته أولى بإمامة الصلاة وكذا لا يجلس أحد في مجلسه الخاص به إلا بإذنه والله أعلم.\n\nالتحلق وسعة المجلس\n(^٥) فيستحب للجماعة أن يجلسوا متحلقين أي مستديرين وأن يوسعوا الحلقة بقدر ما يحضرون بالظن والتخمين فإن هذا أحمر وأوجه.\n(^٦) عزين جمع عزة وهى الحلقة من الناس وحلق بفتحتين وبكسر ففتح جمع حلقة فقال مالى أراكم عزين أي جماعات متفرقة، فهذا منه - ﷺ - نهى عن التفريق وحث على الاجتماع.\n(^٧) ولكن أبو داود هنا ومسلم في الصلاة.\n(^٨) بالنسبة لغيرها لأن الضيق قد ينشأ عنه ضرر.\n(^٩) بسند صالح.\n(^١٠) الحلقة بالسكون وقد تفتح. ووسط بسكون السين في متفرق الأجزاء كالقوم وبفتحها في متصل الأجزاء كالدار والرأس، وإنما كان ملعونا لأنه خالف المأمور به وهو الجلوس حيث ينتهى، وربما تخطى رقاب الجالسين، وربما حال بين الوجوه فحجب بعضهم عن بعض فيتضررون بمقعده وسطهم أما إذا كانوا لا يتضررون به لفضل أو صلاح فلا شيء عليه.\n(^١١) بسند صحيح ولفظ الترمذى عن حذيفة أن رسول الله - ﷺ - لعن من جلس وسط الحلقة =","vol":"5","page":265},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1201>الجلسة المكروهة</span>\n• عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ ﵁ قَالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَناَ جَالِسٌ هكَذَا قَدْ وَضَعْتُ يَدِيَ الْيُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِي وَاتَّكَأْتُ عَلَى أَلْيَةِ يَدِي فَقَالَ: «أَتَقْعُدُ قِعْدَةَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ (^١)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقاَسِمِ ﷺ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكمْ فِي الْفَيْءِ فَقَلَصَ عَنْهُ فَصَارَ بَعْضُهُ فِي الشَّمْسِ وَبَعْضُهُ فِي الظِّلِّ فَلْيَقُمْ (^٢)»، رَوَاهُماَ أَبُو دَاوُدَ (^٣)، نَسْأَلُ اللَّهَ الْأَدَبَ فِي كلِّ حَالٍ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1202>التناجي </span>(^٤)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْاْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْاْ بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كُنْتمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْناَنِ دُونَ صَاحِبِهِماَ فَإِنَّ\nذلِكَ يُحْزِنُهُ (^٥)»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَة.\n_________\nالجلسة المكروهة\n(^١) إلية اليد: هي اللحمة التى في أصل الإبهام والخنصر من الكف، فلا ينبغى للشخص أن يتكئ على إلية يده أو يديه خلف ظهره فإنها جلسة المتكبرين المغضوب عليهم من الله ورسوله والمؤمنين، بل الجلسة المحمودة هي الافتراش كجلسة الصلاة أو التربع أو الاحتباء، ولا بأس من الاتكاء على وسادة تحت يمينه أو يسراه.\n(^٢) فإذا كان الشخص في ظل فتحول الظل عنه فصار بعضه في الظل وبعضه في الشمس فليتحول إلى مكان كله ظل أو شمس فإن تلك جلسة الشيطان، وأيضًا ربما فسد مزاجه من هذين العاملين المتضادين وهما الحرارة والبرودة.\n(^٣) بسندين صالحين.\n\nالتناجي\n(^٤) التناجي: هو التحدث سرا.\n(^٥) لأنه يظن أن كلامهما في شأنه أو أنهما يكرهانه فلم يطلعاه على كلامهما، أما إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس من أن يتناجى اثنان دون الباقي لحديث: إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس، ولا بأس من التناجي بإذن الثالث فإنه أهدأ له.","vol":"5","page":266},{"text":"• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ سِرًّا فَمَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَدًا وَلَقَدْ سَأَلَتْنِي أُمُّ سُلَيْمٍ فَماَ أَخْبَرْتهاَ بهِ (^١)، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1203>العطاس وتشميت العاطس </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: عَطَسَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلَانِ (^٤) فَشَمَّتَ أَحَدَهُما وَلَمْ يُشَمِّتِ الْاخَرَ (^٥) فَقَالَ الَّذِي لَمْ يُشَمِّتْهُ: عَطَسَ فُلَانٌ فَشَمَّتَّهُ وَعَطَسْتُ أَناَ فَلَمْ تُشَمِّتْنِي قاَلَ: «إِنَّ هذَا حَمِدَ اللَّهَ وَإِنَّكَ لَمْ تَحْمَدِ اللَّهِ (^٦)»، رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قاَلَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا عَطَسَ غَطَّى وَجْهَهُ بِيَدِهِ أوْ بِثَوْبِهِ وَغَضَّ بِهاَ صَوْتَهُ (^٧)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٨).\n\n• عَنْ أَبِي أَيّوبَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكمْ فَلْيَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كلِّ حَالٍ وَلْيَقُلِ الَّذِي يَرُدُّ عَلَيْهِ يَرْحَمُكَ اللَّهُ وَلْيَقُلْ هُوَ يَهْدِيكمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ باَلَكمْ (^٩)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n_________\n(^١) قيل كان هذا السر يختص ببعض أمهات المؤمنين ﵅ وإلا لو كان علمًا لما كتمه أنس ﵁، ففيه أن كتم السر واجب لأنه أمانة يجب حفظها إلا إذا أذن صاحبه فيه أو في بعضه أو نقله بغير ذكر اسم صاحبه فلا بأس في شيء من ذلك.\n(^٢) ولكن البخارى هنا ومسلم في الفضائل.\n\nالعطاس وتشميت العاطس\n(^٣) العطاس بالضم: دفع الأذى عن الدماغ الذي فيه قوة التفكير ومنشأ الأعصاب بالتى هي معدن الحواس، فشرع الحمد من العاطس في مقابلة تلك النعمة، والتشميت أصله: إزالة الشماتة؛ والمراد هنا الدعاء بالرحمة والبركة لمن حمد الله بعد العطاس.\n(^٤) هما عامر بن الطفيل وابن أخيه، وهو الذي حمد الله تعالى.\n(^٥) فشمت أحدهما بقوله يرحمك الله وترك الآخر.\n(^٦) فمن لم يحمد الله لا ينبغى تشميته بل يذكر بحمد الله فإن حمد الله شمته وإلا فلا.\n(^٧) أي خفض صوته بالعطسة، ولفظ أبي داود: كان النبي - ﷺ - إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه سترا لما عساه أن يظهر من فمه وأنفه كما هي العادة.\n(^٨) بسند صحيح.\n(^٩) هذا فيه بيان حمد العطاس وتشميته ورده على من شمته فهو أكل حديث هنا. وظاهره أن الحمد عقب العطاس وتشميت الحامد واجبان، وبه قال بعضهم.","vol":"5","page":267},{"text":"وَعَطَسَ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ ﵄ رَجُلٌ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، قاَلَ ابْنُ عُمَرَ: وَأَناَ أَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَيْسَ هكَذَا عَلَّمَناَ النَّبِيُّ ﷺ بَلْ عَلَّمَناَ أَنْ نَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كلِّ حَالٍ،\nرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١).\n\n• عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ قَالَ (^٢): عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلَيْكَ وَعَلَى أُمِّكَ إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلْيَقُلْ لَهُ مَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ يَرْحَمُكَ اللَّهُ وَلْيَقُلْ يَغْفِرُ اللَّهُ لَناَ وَلَكُمْ (^٣)»، رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1204>عدد التشميت </span>(^٥)\n\n• عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: «يَرْحَمُكَ اللَّهُ» ثمَّ عَطَسَ أُخْرَى فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الرَّجُلُ مَزْكُومٌ (^٦)»، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ.\n_________\n(^١) بسند ضعيف ولكنه مؤيد بالصحاح هنا.\n(^٢) سببه أنهم كانوا في سفر فعطس رجل فقال: السلام عليكم، فقال سالم: عليك وعلى أمك؛ فكأن الرجل وجد في نفسه فقال: أما إنى لم أقل إلا كما قال النبي - ﷺ - ثم ذكر الحديث.\n(^٣) ففيه مع حديث أبى أيوب السابق أن الوارد في الحمد صيغتان وفى الرد على المشمت صيغتان.\n(^٤) بسند صالح لأبى داود، وللبخارى في الأدب عن عليّ ﵁ قال: من قال عند عطسة سمعها الحمد لله رب العالمين على كل حال ما كان لم يجد وجع الضرس ولا الأذن أبدا، وهذا حكمه الرفع لأن مثله لا يقال من قبل الرأى، ويؤيده ما رواه الطبراني عن عليّ ﵁ عن النبيّ - ﷺ - قال: من بادر العاطس بالحمد لله عوفى من وجع الخاصرة ولم يشك ضرسه أبدا، وللطبرانى أيضا: إذا عطس رجل فقال: الحمد لله؛ قال الملك: رب العالمين، فإن قال: رب العالمين قال الملك: يرحمك الله، وعن أم سلمة قالت: عطس رجل عند النبي - ﷺ - فقال: الحمد لله؛ فقال له النبي - ﷺ -: يرحمك الله، وعطس آخر فقال: الحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرا طيبًا مباركًا فيه؛ فقال: ارتفع هذا على ذاك تسع عشرة درجة. رواه أبو جعفر الطبرى في التهذيب والله أعلم، نسأل الله أن يهذب أخلاقنا آمين.\n\nعدد التشميت\n(^٥) عدد التشميت المشروع ثلاث مرات فقط.\n(^٦) به زكام وهو مرض ينشأ من المبرد، وعلامته إفراز رطوبة من الأنف وكثرة العطاس=","vol":"5","page":268},{"text":"• وَعَنْهُ قاَلَ: عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَناَ شَاهِدٌ فَقَالَ لَهُ: «يَرْحَمُكَ اللَّهُ» ثمَّ عَطَسَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ فَقَالَ: «هذَا رَجُلٌ مَزْكُومٌ (^١)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n• عَنْ رِفاَعَةَ الزُّرَقِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَشْمِيتُ الْعاَطِسِ ثَلَاثٌ فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُشَمِّتَهُ فَشَمِّتْهِ وَإِنْ شِئْتَ فَكُفَّ (^٣)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٤).\nوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: شَمِّتْ أَخَاكَ ثَلَاثًا فَماَ زَادَ فَهُوَ زُكَامٌ (^٥)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1205>تشميت الذمي </span>(^٦)\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ قَالَ: كَانَ الْيَهُودُ يَتَعاَطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ يَرْحَمُكمُ اللَّهُ فَيَقُولُ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ باَلَكُمْ (^٧)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ (^٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-1206>إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤُب </span>(^٩)\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التثاَؤْبَ\n_________\n(^١) وهل شمته بعد الأولى أولا؟.\n(^٢) بسند صحيح.\n(^٣) ولفظ الترمذى: يشمت العاطس ثلاثًا فإن زاد فإن شئت فشمته وإن شئت فلا.\n(^٤) بسند صالح.\n(^٥) فالتشميت المطلوب شرعا ثلاث مرات فإن زاد عطاسه عليها فلا تشميت لأنه مريض بالزكام وهذا ومثله من الصحابي في حكم المرفوع فإنه لا يقال من قبل الرأى. نسأل الله تمام الشفاء للأشباح والأرواح آمين والحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات كلها.\n\nتشميت الذمي\n(^٦) أي ما ورد فيه.\n(^٧) فإذا عطس الذمي وحمد الله تعالى فلا بأس أن يشمته المسلم بقوله: يهديكم الله ويصلح بالكم.\n(^٨) بسند صحيح.\n\nإن الله تعالى يحب العطاس ويكره التثاؤب\n(^٩) فالعطاس يحبه الله لأنه ينشأ من خفة البدن الداعية للنشاط في الخير وما يرضى الله تعالى. والتثاؤب مكروه لأنه ينشأ من غلية امتلاء البدن الداعية للكسل عن العبادة وكل خير.","vol":"5","page":269},{"text":"فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكمْ وَحَمِدَ اللَّهَ كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ (^١) وَأَمَّا التَّثاَؤُبُ فَإِنَّماَ هُوَ مِنَ\nالشَّيْطاَنِ (^٢) فَإِذَا تَثاَءَبَ أَحَدُكمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ (^٣) فَإِنَّ أَحَدَكمْ إِذَا تَثَاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَان (^٤)»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا تَثاَءَبَ أَحَدُكمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ»، وَفِي روَايَةٍ: «إِذَا تَثاَءَبَ أَحَدُكمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ وَلَا يَقُلْ هَاهَا (^٥) فَإِنَّمَا ذلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ يَضْحَكُ مِنْهُ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثاَبِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعُطَاسُ وَالنُّعَاسُ وَالتَّثَاؤُبُ فِي الصَّلاةِ وَالْحَيْضُ وَالْقَيْءُ وَالرُّعَافُ مِنَ الشَّيْطَانِ (^٧)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ غَرِيبٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) ظاهره أن التشميت فرض عين وعليه جمهور أهل الظاهر؛ وقال الحنفية وجمهور الحنابلة: إنه فرض كفاية ولكن جمهور الشافعية على أنه مستحب على الكفاية، وهذا إذا كان العاطس مسلمًا وحمد الله تعالى وإلا فلا شيء من هذا.\n(^٢) الذي يزين للنفس شهواتها من كثرة المآكل والمشارب ونحوها.\n(^٣) بوضع يده على فمه أو بتطبيق الشفتين الذي هو الكظم الآتي.\n(^٤) فرحًا بتثاؤبه.\n(^٥) هاها حكاية صوت التثاؤب.\n(^٦) ولفظه: إذا قال آه آه فإن الشيطان يضحك من جوفه.\n(^٧) فالثلاثة الأول في الصلاة من الشيطان ليشغله عن الخشوع والإخلاص في عبادة الله تعالى، والحيض والرعاف والقيء سببهما غالبًا الشيطان لأنها إيذاء وتنجيس يبعد عن عبادة الله تعالى. نسأل الله تمام الحفظ والتوفيق آمين.","vol":"5","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1207>الفصل الخامس: في الأسامي (^١) أحب الأسماء إلى الله تعالى</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ (^٢)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِياَمَةِ بِأسْماَئِكُمْ وَأسْمَاءِ آباَئِكُمْ فَأَحْسِنُوا أسْمَاءَكمْ (^٣)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤).\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ إِنَّ اللَّهَ يَدْعُو النَّاسَ يَوْمَ الْقِياَمَةِ بأُمَّهاَتِهِمْ سَتْرًا مِنْهُ عَلَى عِباَدِهِ (^٥)، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ (^٦)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجُشعيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِياَءِ (^٧) وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ وَأَصْدَقهاَ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ (^٨) وَأَقْبَحُهاَ حَرْبٌ وَمُرَّةُ (^٩)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^١٠): وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n_________\nالفصل الخامس: الأسامي\n(^١) أي ما ورد في الأسامي جمع لأسماء الذي هو جمع اسم.\n(^٢) ادعوهم أي الأتباع لآبائهم بأسمائهم وأسماء آبائهم هو أقسط، أي اعدل عند الله أي محبوب له، فإن لم تعلموا آباءهم فهم إخوانكم في الدين ومواليكم كقولك أخونا فلان ومولانا فلان، وسبق سبب نزول هذه الآية في تفسير سورة الأحزاب.\n(^٣) أي أسماء أولادكم وأقاربكم وأتباعكم.\n(^٤) بسند فيه انقطاع ولكن تؤيده الآية.\n(^٥) ولا تعارض بينهما فإن الأول في صحيح النسب والثاني في غيره، أو الأول في طائفة والثاني في أخرى.\n(^٦) تفاؤلا بأن يكون المسمى بأحدهما عبدًا لله لا لغيره كدنيا وشيطان.\n(^٧) تفاؤلا بأن يكونوا على سيرتهم وتبركا بذكر أسمائهم.\n(^٨) لأن حارثًا بمعني كاسب، وهمامًا بمعني من به هم وكل إنسان لا يخلو من كسب وهم بل عدة هموم.\n(^٩) لما في حرب من البشاعة ولما في مر من المرارة.\n(^١٠) بسند صالح للأول وصحيح للثاني. فاتضح مما سبق أن الأسماء المحبوبة ثلاثة أقسام، فأفضلها وأعلاها عبد الله وعبد الرحمن ونحوهما مما أضيف إلى اسم من أسماء الذات العملية كعبد الرحيم وعبد الملك =","vol":"5","page":271},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1208>لا تجوز الكنية بأبي القاسم </span>(^١)\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قاَلَ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَسَمَّاهُ الْقاَسِمَ فَقَالُوا: لَا نُكْنِيهِ حَتَّى نَسْألَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكنْيَتِي (^٢)»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\nوَقَالَ أَنَسٌ ﵁: ناَدَى رَجُلٌ فَقَالَ: ياَ أَباَ الْقاَسِمِ فاَلْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ أَعْنِكَ (^٣) إِنَّماَ دَعَوْتُ فُلَانًا فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «تَسَمَّوا بِاسْمِي وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلامٌ فَأسْماَهُ الْقاَسِمَ فَقاَلُوا: لَا نُكَنِّيكَ بِأبِي الْقاَسِمِ وَلَا نُنْعِمُكَ عَيْنًا (^٤) فَأتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذلِكَ لَهُ فَقاَلَ: «أَسْمِ ابْنَكَ عَبْدَ الرَّحْمنِ (^٥)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَسَمَّى بِاسْمِي فَلَا يَتَكَنَّى بِكُنْيَتِي وَمَنْ تَكَنَّى بِكنْيَتِي فَلَا يَتَسَمَّى بِاسْمِي (^٦)».\n_________\n= وعبد السلام، وأوسطها أسماء الأنبياء كمحمد وأحمد وبقية أسمائه - ﷺ - وأسماء إخوانه المرسلين والنبيين صلى الله عليهم وسلم، وأصدقها ما كان وصفًا في الإنسان كحارث وهمام، وسيأتي بيان الأسماء المنهي عنها إن شاء الله، والله أعلم.\n\nلا تجوز الكنية بأبي القاسم\n(^١) لأن معناها وهو الذي يقسم بين العباد ما يوحى إليه من ربه وينزل الناس منازلهم التي يستحقونها في الفضل والشرف، ويقسم بينهم الغنائم، خاص به - ﷺ - فتبقى له إجلالا وتوقيرا للحديث الأول: سموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي.\n(^٢) سموا بأي اسم من أسمائه - ﷺ - لأولادكم وأقاربكم إلا القاسم فلا تسموا به ولا تكتنوا به.\n(^٣) لم أقصدك بالنداء.\n(^٤) لا نقر عينك بهذه الكنية.\n(^٥) فظاهر هذه الأحاديث أنه يحرم التكني بأبي القاسم مطلقا وعلى هذا جماعة، وقال الجمهور: إن هذا كان في حياته - ﷺ - بخلافه بعده فلا شيء فيه لعدم الالتباس ولحديث على الآتي. وقالت طائفة أخرى: إن النهي للتنزيه فقط أدبًا بالنسبة للحضرة المحمدية، وقال آخرون: إن المنهي عنه الجمع بين اسمه محمد وأبي القاسم دون أحدهما للحديث الآتي.\n(^٦) ولفظ الترمذي: نهى النبي - ﷺ - أن يجمع أحد بين اسمه وكنيته ويسمي محمدًا أبا القاسم.","vol":"5","page":272},{"text":"وَقاَلَ عَلِيٌّ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ وُلِدَ لِي بَعْدَكَ وَلَدٌ أُسَمِّيهِ مُحَمَّدًا وَأُكَنِّيهِ بِكنْيَتِكَ قَالَ: «نعَمْ» قَالَ: فَكَانَتْ رُخْصَةً لِي (^١)، رَوَاهُماَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1209>الأسماء المنهي عنها </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَخْنَى الْأَسْماَءِ يَوْمَ الْقِياَمَةِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ\nتَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ (^٤)»، رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ وَزَادَ مُسْلِمٌ: «لَا مَالِكَ إِلا اللَّهُ تَعَالَى».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَغْيِظ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِياَمَةِ وَأَخْبَثُهُ وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ رَجُلٌ كَانَ يُسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ لَا مَلِكَ إِلا اللَّهُ تَعَالَى (^٥)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ أَرْبَعٌ (^٦)»: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ وَلَا تُسَمِّيَنَّ غُلَامَكَ يَسَارًا وَلَا رَباَحًا وَلَا نَجيحًا وَلَا أَفْلَحَ فَإِنَّكَ تَقُولُ أَثَمَّ هُوَ فَلَا يَكُون فَيَقُولُ لَا (^٧)\n_________\n(^١) وفعلا ولد له من خولة بنت جعفر الحنفية ولد فسماه محمدًا وكناه أبا القاسم ﵃ أجمعين.\n(^٢) بسندين صحيحين. نسأل الله كمال الصحة آمين.\n\nالأسماء المنهي عنها\n(^٣) نهي تحريم كما في الحديثين الأولين ونهي كراهة كما في الآتي بعدهما.\n(^٤) أخنى الأسماء وفي رواية: أخنع، وفي لفظ مسلم الآتي أغيظ وأخبث وكلها بمعنى أي أذل وأبغض الأسماء إلى الله يوم القيامة رجل تسمى ملك الأملاك، وفي نسخة يملك الأملاك أي سمى نفسه أو أحدًا من أولاده أو غيرهم ملك الأملاك جمع ملك بكسر اللام وفتحها، فتحرم التسمية بهذا ونحوه كرب الأرباب وسلطان السلاطين وأحكم الحاكمين فإن هذا خاص بالله تعالى فلا ينبغي لغيره أن يشاركه فيه.\n(^٥) فهذه حكمة التحريم.\n(^٦) أحب الكلام أي كلام البشر في عبادة ربهم تعالى أربع كلمات لحديث: أفضل الذكر بعد كتاب الله: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وهي الباقيات الصالحات في الآية القرآنية.\n(^٧) لا تسمين غلامك أو ولدك أو غيرها يسارا أو رباحا من الربح أو نجيحا من النجح والظفر أو أفلح من الفلاح ومثلها نافع وبركة الآتيان لئلا يتطير بعض الناس إذا سأل عنه ولم يكن موجودا.","vol":"5","page":273},{"text":"إِنَّماَ هُنَّ أَرْبَعٌ فَلَا تَزِيدُنَّ عَلَيَّ (^١)» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنْهَى عَنْ أَنْ يُسَمَّى بِيَعْلَى وَبِبَرَكَةَ وَبِأَفْلَحَ وَبِيَسَارٍ وَبِناَفِعٍ وَبِنَحْوِ ذلِكَ ثُمَّ رَأَيْتُهُ سَكَتَ عَنْهاَ فَلَمْ يَقلْ شَيْئًا حَتَّى قُبِضَ (^٢) وَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ ثمَّ تَرَكَهُ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُه: «إِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْهَى أُمَّتِي أَنْ يُسَمُّوا ناَفِعًا وَأَفْلَحَ وَبَرَكَةَ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا جَاءَ يَقُولُ أَثَمَّ بَرَكَةُ فَيَقُولُونَ: لَا».\n\n<span data-type='title' id=toc-1210>تسمية المولود وتحنيكه بتمر </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: وُلِدَ لِي غُلَامٌ فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ وَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ وَدَفَعَهُ إِلَيَّ وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِي، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ سَمُرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ وَيُسَّمَّى»، رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (^٤).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: ذَهَبْتُ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ وُلِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عباءَةٍ يَهْنَأُ بَعِيرًا لَهُ (^٥)\n_________\n(^١) هذا كلام الراوي أي أروي لكم أربعا فلا تزيدن عليها.\n(^٢) يعلى من المعلو، فالنبي - ﷺ - أراد أن ينهي عن التسمية بهذه الأسماء ونحوها مما في معناها لبشاعة الجواب إذا سئل عن المسمي بأحدها ولم يكن موجودا أو لعدم التشاؤم من بعض الناس، ثم سكت عن ذلك حتى قبض - ﷺ -، وكذا عمر ﵁ أراد أن ينهي عن ذلك ثم سكت، فالتسمية بهذه الأسماء ونحوها مكروهة فقط والله أعلم.\n\nتسمية المولود وتحنيكهـ بتمر\n(^٣) فتجب تسمية المولود، ووقتها من حين ولادته إلى اليوم السابع، ويسن أن يحنكهـ بتمر عقب ولادته رجل صالح وأن يختار له اسما حسنا.\n(^٤) سبق هذان الحديثان في العقيقة من كتاب الصيد والذبائح كما سبق فيها الكلام مبسوطا في تسمية المولود والأذان في أذنه ونحو هذا.\n(^٥) يطليه بالهناء بالكسر والمد وهو القطران لإصلاح جسمه.","vol":"5","page":274},{"text":"فَقَالَ: «هَلْ مَعَكَ تَمْرٌ»؟ فَقُلْتُ نَعَمْ، فَنَاوَلْتُهُ تَمَرَاتٍ فَأَلْقاَهُنَّ فِي فِيهِ فَلَاكَهُنَّ (^١) ثُمَّ فَغَرَ فَا الصَّبِيِّ فَمَجَّهُ فِي فِيهِ (^٢) فَجَعَلَ الصَّبِيُّ يَتَلَمَّظُهُ (^٣) فَقاَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «حِبُّ الْأَنْصَارِ التَّمْرُ وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ (^٤)»، رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْتى بِالصِّبْياَن فَيُبركُ عَلَيْهِمْ وَيُحَنِّكُهُمْ (^٥)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1211>تغيير الاسم القبيح باسم حسن </span>(^٦)\n• عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «مَا اسْمُكَ»؟ قاَلَ: حَزْنٌ قَالَ: «أَنْتَ سَهْلٌ» قَالَ: لَا أُغَيِّرُ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي، قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: فَمَا زَالَتِ الْحُزُونَة فِيناَ بَعْدَهُ (^٧)، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قاَلَ: إِنَّ ابْنَةً لِعُمَرَ كَانَتْ تُسَمَّى عَاصِيَةً فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَمِيلَةً (^٨)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطاَءٍ ﵃ قَالَ: سَمَّيْتُ ابْنَتِي بَرَّةَ\n_________\n(^١) من اللوك وهو المضغ.\n(^٢) فتح فم الصبي ومج فيه ممضوغ التمر.\n(^٣) يحرك لسانه لطلبه محبة فيه.\n(^٤) حب بالكسر أي محبوب الأنصار التمر، وسمي ذلك الصبي عبد الله.\n(^٥) يحنكهم بتمر حين يولدون رجاء بركته - ﷺ - وليكون الحلو أول طعامهم، وقوله ويبرك عليهم أي يدعو لهم بقوله: بارك الله فيك - ﷺ -.\n\nيستحب تغيير الاسم القبيح إلى اسم حسن\n(^٦) فيستحب إبدال الاسم القبيح بأحسن منه لبشاعة القبيح وكذا يستحب إبدال ما يفيد التزكية كبيرة من البر وهو الإحسان والخير، ومثله صالح وطائع وتقي ونحوها مما يشعر بالتزكية لئلا تغتر به نفس المسمى.\n(^٧) الحزن ضد السهل وما غلظ من الأرض، فجد سعيد وهو حزن بن أبي وهب القرشي المخزومي من المهاجرين قدم على النبي - ﷺ - فقال: ما اسمك؟ قال: حزن، قال: بل أنت سهل؛ لحسنه وقبح الأول. فقال لا أغير اسمًا سمانيه أبي، وزاد أحمد وأبو داود: فقال: لا، السهل يوطأ ويمتهن وهذا مراد لهم من الاسم قال ابن المسيب فبعد هذه الكلمة من جدي لا زالت فينا الصعوبة أي فيما تريده أو في أخلاقنا ولكنها أفضت بسعيد إلى الصعوبة والتشديد في الدين والغضب في الله تعالى.\n(^٨) لحسن جميلة وقبح عاصية وإن كان مرادهم منه حسنا وهو التفاؤل بأن تكون عاصية وآبية عن كل شر وقبيح.","vol":"5","page":275},{"text":"فَقَالَتْ لِي زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ (^١) إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ هذَا الِاسْمِ وَسُمِّيتُ بَرَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمُ اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ» فَقاَلوا: بِمَ نسَمِّيهاَ؟ قَالَ: «سَمُّوهَا زَيْنَبَ (^٢)».\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قاَلَ: كَانَتْ جُوَيْرِيَةٌ اسْمُهاَ بَرَّةُ فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جُوَيْرِيَةَ وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقاَلَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ بَرَّةَ (^٣)، رَوَاهُماَ الثَّلَاثَة.\n\n• عَنْ أُسَامَةَ بْنِ أَخْدَرِيَ ﵁ (^٤) أَنَّ رَجُلًا يُسَمَّى أَصْرَمَ كَانَ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقاَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا اسْمُكَ»؟ قَالَ: أنَا أَصْرَمُ قَالَ: «بَلْ أَنْتَ زُرْعَةُ (^٥)».\n\n• عَنْ شُرَبْحِ بْنِ هَانِئٍ عَنْ أَبِيهِ ﵄ أَنَّهُ لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مَعَ قَوْمِهِ سَمِعَهُمْ يُكَنُّونَهُ بِأَبِي الْحَكَمِ (^٦) فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقاَلَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ اْلحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ (^٧) فَلِمَ تُكَنَّى أَباَ الْحَكَمِ فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فَ رضي كِلَا الْفَرِيقَيْنِ» فَقاَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَحْسَنَ هذَا فَماَ لَكَ مِنَ الْوَلَدِ» قاَلَ: لِي شُرَيْحٌ وَمُسْلِمٌ وَعَبْدُ اللَّهِ قاَلَ: «فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ»؟ قاَلَ: قُلْتُ شُرَيْحٌ قاَلَ: «فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ (^٨)».\n_________\n(^١) وهي من فضليات النساء وروت عن النبي - ﷺ - وكانت أمها من أمهات المؤمنين ﵅.\n(^٢) وكذا كانت زينب بنت جحش اسمها برة فأبدله النبي - ﷺ - زينب لما في لفظ برة من التزكية، وزينب من زنبت المرأة سمنت تفاؤلا بأن تعيش وتسمن أو من الزيب وهو شجر حسن المنظر طيب الريح تفاؤلا بأن تعيش وتكون كذلك.\n(^٣) لما فيه من البشاعة بخروجه من البر.\n(^٤) الأخدري أصله الحمار الوحش وكان اسمًا لأبي أسامة الذي لم يرو عن النبي - ﷺ - إلا هذا الحديث.\n(^٥) زرعة من الزرع وهو مستحسن بخلاف أصرم فإنه من الصرم وهو القطع لأنه ينبئ بانقطاع البركة والخير.\n(^٦) سمعهم أي النبي - ﷺ -.\n(^٧) الحكم بفتحتين الحاكم الذي لا يرد حكمه فمنه يبتدئ الحكم وإليه يرجع الحكم، فلا يجوز إطلاقه على غيره ولو في كنية لأنه يوهم الاشتراك في وصف من أوصاف الذات العلية.\n(^٨) فيه أن الأولى التكنى بأكبر الأولاد، وقد حلت بركة النبي - ﷺ - على شريح هذا فصار في العلم والفضل في الرتبة الأولى ومن أكابر أصحاب على ﵁، وقد ولاه القضاء وكان له رأي صائب، فكان يفتي في زمن الصحابة ويأخذون بفتواه بل رد على بعضهم رضي الله عن الجميع وحشرنا في زمرتهم آمين.","vol":"5","page":276},{"text":"وَقَالَ مَسْرُوقٌ: لَقِيتُ عُمَرَ ﵄ فَقاَلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ قاَلَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْأَجْدَعُ شَيْطَانٌ (^١)»، رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ أَبُو دَاوُد (^٢).\nوَغَيَّرَ النَّبِيُّ ﷺ اسْمَ العَاصِ وَعَزِيزٍ وَعَتَلَةَ وَشَيْطاَنٍ وَالْحَكَمِ وَغرَابٍ وَحُباَبٍ (^٣) وَشِهاَبٍ فَسَمَّاهُ هِشَامًا (^٤) وَسَمَّى حَرْبًا سَلْمًا وَسَمَّى الْمُضْطَجِعَ الْمُنْبَعِثَ وَأَرْضًا تُسَمَّى عَفِرَةَ سَمَّاهَا خَضِرَةَ (^٥) وَشُعَبَ الضَّلَالَةِ سَمَّاهَا شُعَبَ الْهُدَى (^٦) وَبَنِي الزِّنْيَةِ وَبَنِي مُغْوِيَةَ سَمَّاهُماَ بَنِي الرِّشْدَةِ (^٧)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-1212>اللقب والكنية </span>(^٩)\n\n• عَنْ أَبِي جَبِيرَةَ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁ قَالَ: فِيناَ فِي بَنِي سَلِمَةَ نَزَلَتْ هذِهِ الْايَة فَإِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْناَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ مِنَّا رَجُلٌ إِلا وَلَهُ اسْماَنِ أَوْ ثَلَاثَةٌ (^١٠) فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ياَ فُلَان» فَيَقُولونَ: مَهْ ياَ رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَغْضَبُ مِنْ هذَا الِاسْمِ (^١١) فَنَزَلَتْ\n_________\n(^١) اسم شيطان من الشياطين فلا تنبغي التسمية به.\n(^٢) بأسانيد صالحة وشاركه النسائي في حديث شريح.\n(^٣) فغير اسم العاصي لإشعاره بالعصيان ولعله غيره بمطيع، وغير اسم عزيز لأنه من أسمائه تعالى ولعله غيره بعبد الله، وغير عقلة لإشعاره بالغلظة والشدة ولعله غيره بسهل، وغير شيطان لإشعاره بالتمرد، وغير الحكم لما سبق، وغير غرابا لإشعاره بالبعد ولأنه اسم أخبث الطيور لأكله الجيف وبحثه عن النجاسات وغير حبابا لأنه اسم شيطان ويقع على الحية أو على نوع منها.\n(^٤) فتكره التسمية بشهاب إلا إذا أضيف للدين كقوله شهاب الدين فلا كراهة.\n(^٥) عفرة أي لا تنبت سماها خضرة تفاؤلا بإنباتها.\n(^٦) أرضًا كان اسمها شعب الضلالة فسماها شعب الهدى.\n(^٧) فقوم كانوا يسمون بني الزنية أي الزنا وآخرون كانوا يسمون بني مغوية أي زانية فسماها النبي - ﷺ - بني الرشدة أي الرشيدة، والحكمة في الكل أن النبي - ﷺ - غير الاسم القبيح لإنسان أو أرض أو غيرها إلى اسم حسن فالمستحب ذلك.\n(^٨) وقال تركت أسانيدها للاختصار والله أعلم.\n\nاللقب والكنية\n(^٩) قال علماء العربية: العلم إن أشعر بمدح أو ذم فهو اللقب، وإن لم يشعر بشيء من هذا فإن صدر بأب أو ابن فهو السكنية، وإلا فهو الاسم فأقسام العلم ثلاثة.\n(^١٠) أو للتنويع.\n(^١١) مه أي اكفف عن هذا الاسم فإنه يغضبه.","vol":"5","page":277},{"text":"﴿وَلَا تَنَابَزُواْ بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإَيمَانِ (^١)﴾، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قاَلَ: إِنْ كَانَتْ أَحَبَّ أَسْمَاءِ عَلِيَ ﵁ إِلَيْهِ لَأَبُو تَرَابٍ وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ أَنْ يُدْعَى بِهاَ وَمَا سَمَّاهُ أَباَ ترَابٍ إِلا النَّبِيُّ ﷺ (^٣) غَاضَبَ يَوْمًا فَاطِمَةَ فَخَرَجَ فاَضْطَجَعَ إِلَى الْجِدَارِ فِي الْمَسْجِدِ فَتَبِعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَوَجَدَهُ مُضْطَجِعًا وَقَدِ امْتَلَأَ ظَهْرُهُ تَرَابًا فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ ظَهْرِهِ وَيَقُولُ: «اجْلِسْ ياَ أَباَ ترَابٍ (^٤)» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٥).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَيْنَا وَلِي أَخٌ صَغِيرٌ يُكَنَّى أَباَ عُمَيْرٍ وَكَانَ لَهُ\nنُغَرٌ يَلْعَبُ بِهِ (^٦) فَمَاتَ فَدَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ فَرَآهُ حَزِينًا فَقَالَ: «مَا شَأْنهُ»؟ قَالُوا: مَاتَ نغَرُهُ، فَقَالَ: «ياَ أَباَ عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ (^٧)»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ (^٨).\nوَقاَلَتْ عَائِشَةُ ﵂: ياَ رَسُولَ اللَّهِ كلُّ صَوَاحِبِي لَهُنَّ كُنًى، قاَلَ: «فاَكْتَنِي بِابْنِكِ عَبْدِ اللَّهِ فَكَانَتْ تُكَنَّى بِأُمِّ عَبْدِ اللَّهِ (^٩)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَالِحٍ.\n_________\n(^١) ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾ أي لا يدع بعضكم بعضا بلقب يكرهه ومنه: يا فاسق، يا فاجر، يا كافر، يا ضال، يا مضل \" ﴿بئس الاسم﴾ \" المذكور \" ﴿الفسوق بعد الإيمان﴾ \" فهذا القول من المؤمن للمؤمن فسوق وخروج عن الإيمان إلا من تاب واستسمحه.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) لهذا كان يفرح بها وسبب التكنية بها ما يأتي.\n(^٤) فعليّ ﵁ وقع بينه وبين فاطمة الزهراء زوجته شيء فغضبت فخاف أن يبدر منه شيء لا يليق بحضرتها فخرج حسما للنزاع حتى يذهب الغضب فجاء النبي - ﷺ - فسأل عنه فاطمة فقالت: أغضبني فخرج، فأرسل إنسانا يبحث عنه فذهب فجاء فقال: هو في المسجد؛ فذهب له النبي - ﷺ - فوجده نائمًا وعلى ظهره تراب فصار النبي - ﷺ - يمسحه عنه ويقول: قم يا أبا تراب؛ فصارت أحب الكنى إليه وكان له أخرى وهي أبو الحسن لولده الحسن ﵃ أجمعين.\n(^٥) ولكن البخاري هنا ومسلم في الفضائل.\n(^٦) النغر بضم ففتح. طائر صغير يشبه العصفور، وأبو عمير كنية لأخي أنس لأمه واسمه عبد الله.\n(^٧) النغير: تصغير نغر الذي كان يلعب به؛ فيه جواز تكنية الصغير ولعله كان مرادهم بالتكنية التعظيم.\n(^٨) ولفظه لأبي داود.\n(^٩) عبد الله لم يكن ولدها فإنها لم تلد ولكنه ولد أختها أسماء وهو ابن الزبير ﵃، ففيه جواز تكنية من لا ولد له كما جازت تكنية الصغير ولا يعد كذبا والله أعلم.","vol":"5","page":278},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1213>يجوز النداء بالترخيم </span>(^١)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قاَلَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ياَ عَائِشُ هذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئكِ السَّلَامَ» قُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ (^٢).\nوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قاَلَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «ياَ أَباَ هِرَ (^٣)»، رَوَاهُماَ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ فِي الثَّقَلِ (^٤) وَأَنْجَشَةُ غلَامُ النَّبِيِّ ﷺ يَسُوقُ بِهِنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ياَ أَنْجَشَ رُوَيْدَكَ سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ (^٥)»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ هُنَا وَمُسْلِمٌ فِي الْفَضَائِلِ، نَسْأَلُ اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ الْعِلْمَ النَّافِعَ آمِين.\n_________\nيجوز النداء بالترخيم\n(^١) الترخيم: هو حذف آخر لفظ المنادي، قال ابن مالك ﵁:\nترخيما احذف آخر المنادي … كياسعا فيمن دعا سعادا\nولعل حكمته إظهار التودد.\n(^٢) يا عائش بحذف التاء وفتح الشين وضمها للترخيم.\n(^٣) بكسر الهاء أو بفتحها بنقل اللفظ من التصغير والتأنيث إلى التكبير والتذكير فهو نقص في اللفظ وزيادة في المعنى.\n(^٤) الثقل كسبب متاع المسافر.\n(^٥) يا أنجش بحذف التاء وضم الشين وفتحها للترخيم فكان النبي - ﷺ - في سفر وكان له عبد أسود اسمه أنجشة وكان حسن الصوت فكان يحدو للإبل فتسرع في السير فتألمت النسوة الراكبات فقال رسول الله - ﷺ -: يا أنجش لا تعجل بسوق النساء فإنهن كالقوارير في سرعة الانفعال والتأثر، والله أعلم.","vol":"5","page":279},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1214>الفصل السادس: في الشعر والغناء ونحوهما (^١)\nالشعر في أصله لا ينبغي </span>(^٢)\nقاَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ (^٣)﴾.\nوَقاَلَ تَعَالَى: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (^٤)﴾ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (^٥) إِلاَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَذَكَرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ (^٦) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَانْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكِمْ قَيْحًا خَيْرٌ\nلَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا (^٧)»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n_________\nالفصل السادس في الشعر والغناء ونحوهما\n(^١) أي فيما ورد في الشعر والغناء والحداء ونحوها كاللعب بالنرد والحمام واللعب المباح.\n(^٢) الشعر: الكلام المقفي الموزون قصدا، فخرج ما قيل بغير قصد فلا يسمى شعرا وهو في أصله مكروه ولا ينبغي لأنه مظنة التفاخر والضلال وربما جر إلى ذلك كهجو من لا يجوز هجوه ومدح من لا يجوز مدحه، وروي عن الشافعي ﵁:\nولولا الشعر بالعلماء يزرى … لكنت اليوم أشعر من لبيد\nوعلى هذا بعضهم، وقال الجمهور: إن الشعر في أصله مباح فهو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، فحسنه يتنزل عليه حديث أبي بن كعب الآتي: إن من الشعر حكمة، وقبيحه يتنزل عليه حديث ابن عمر الآتي: بل يكون شرا من الداء العضال.\n(^٣) وما علمنا النبي - ﷺ - الشعر وما ينبغي له أن يأتيكم به لأنه كلام البشر وما الذي أتاكم به إلا عظة وعبرة وقرآن مبين للأحكام وكل شيء.\n(^٤) في شعرهم فيقولون به ويروونه عنهم، والراوي والمروي عنه مذموم.\n(^٥) في كل واد من أودية الكلام وفنونه يهيمون فيه فيجاوزون الحد مدحا وذمًا وهم يكذبون فهم مذمومون من عدة جهات.\n(^٦) ﴿إلا الذين آمنوا وعملو الصالحات﴾ من الشعراء \" ﴿وذكروا الله كثيرا﴾ \" فلم يشغلهم الشعر عن الذكر \" ﴿وانتصروا من بعد ما ظلموا﴾ \" كهجو المسلمين للمشركين بعد أن هجوهم فلا شيء عليهم لقوله تعالى \" ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ \" وبقية الآية \" ﴿وسيعلم الذين ظلموا﴾ \" من الشعراء وغيرهم \" ﴿أي منقلب ينقلبون﴾ \" أي سيعلمون مصيرهم بعد مماتهم.\n(^٧) وامتلاء الجوف بالقيح مسمم له ومميت فهو حرام بل من الكبائر=","vol":"5","page":280},{"text":"• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ نسِيرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْعَرْجِ (^١) إِذْ عَرَضَ شَاعِرٌ يُنْشِدُ (^٢) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خُذوا الشَّيْطَانَ أَوْ أَمْسِكُوا الشَّيْطَانَ (^٣)»، لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْمًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1215>النبي ﷺ قاله متمثلًا </span>(^٤)\n• عَنْ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي إِذْ أَصَابَهُ حَجَرٌ فَعَثَرَ فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ (^٥) فَقَالَ:\nهَلْ أَنْتِ إِلا إِصْبَعٌ دَمِيتِ … وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ (^٦)\nرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَسُئِلَتْ عَائِشَةُ ﵂: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَمَثَّلُ بِشَىْءٍ مِنَ الشِّعْرِ؟ قَاَلَتْ: كَانَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ ابْنِ رَوَاحَةَ وَيَتَمَثَّلُ وَيَقُولُ: وَيَأْتِيكَ بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تزَوِّدِ (^٧)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٨).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَىْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ باَطِلٌ (^٩)، وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ (^١٠)، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n= فيكون امتلاء الجوف بالشعر أعظم وأكبر، وهذا في المذموم منه، وفي رواية: لأن يمتلئ جوف الرجل قيحًا يَريه أي يفسده خير من أن يمتلئ شعرا.\n(^١) العرج كالفرج: اسم مكان.\n(^٢) أي الشعر.\n(^٣) أو للشك وسماه شيطانا لأنه كان كافرا أو كان الغالب عليه الشعر أو كان شعره من المذموم والله أعلم.\n\nوالنبي - ﷺ - قاله متمثلا\n(^٤) أي بقول عبد الله بن رواحة لا إنشادا منه - ﷺ -.\n(^٥) فعثر أي سقط وسال دم إصبعه.\n(^٦) فما أنت بشيء إلا بقليل دم في سبيل الله تعالى.\n(^٧) أي من لم تطلب منه.\n(^٨) بسند صحيح.\n(^٩) لبيد - كعبيد - ابن ربيعة بن عامر العامري الصحابي من فحول الشعراء أنشد شعرًا وفيه: * ألا كل شيء ما خلا الله باطل * أي كل شيء فإن وزائل إلا الله تعالى، فهذه أصدق ما قاله شاعر لأنها كقوله تعالى \" ﴿كل من عليها فإن﴾ \" وتمام البيت: وكل نعيم لا محالة زائل.\n(^١٠) أمية هذا كان من عظماء شعراء الجاهلية وكان غواصًا على المعاني معنيًا بالحقائق وكان أكثر شعره في التوحيد وكاد أن يسلم فيه لأنه أدرك أول الإسلام ولكنه لم يوفق له وكان النبي - ﷺ - يستحسن شعره كما سيأتي في حديث عمرو بن الشريد في إنشاد الشعر بين يديه - ﷺ -.","vol":"5","page":281},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1216>إن من الشعر حكمة </span>(^١)\n\n• عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً (^٢)»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاء أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ (^٣) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا (^٤)»، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا.\n\n• عَنْ برَيْدَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا، وَإِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عِيَالًا (^٥)».\nقَالَ صَعْصَعةُ (^٦): أَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا فَالرَّجُلُ يَكون عَلَيْهِ الْحَقُّ وَهُوَ أَبْيَنُ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ (^٧) فَيَسْحَرُ الْقَوْمَ بِبَيَانِهِ فَيَذْهَبُ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا قَوْلهُ إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا فَالْعاَلِمُ يَتَكَلَّفُ إِلَى عِلْمِهِ مَا لَا يَعْلَمُ فَيُجَهِّلُهُ ذلِك (^٨)، وَأَمَّا قَوْلهُ إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا فَهِيَ الْمَوْعِظَة وَالْأَمْثَالُ الَّتِي يَتَّعِظ بِهاَ النَّاسُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عِيَالًا فَعَرْضكَ حَدِيثَكَ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِن شَأنِهِ أوْ لَا يُرِيدُهُ (^٩)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١٠)، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ آمِين.\n_________\nإن من الشعر حكمة\n(^١) الحكمة هي القول الصادق المطابق للحق، وقيل القول الواقي من الجهل والسفه.\n(^٢) فبعض الشعر يكون حكمة كشعر في علم شرعي وكشعر في مواعظ وأمثال تنتفع به الناس، وهذا يطلب إنشاده وتعلمه.\n(^٣) حتى أعجب منه السامعون.\n(^٤) كأن معناه أن يبلغ في بيانه وفصاحته إذا مدح إنسانا صرف القلوب إليه حتى يصدق فيه، وإذا ذمه صرف القلوب إليه حتى يصدق فيه فكأنه سحر السامعين ببيانه.\n(^٥) عيالا بالكسر وروي عيلا بفتح فسكون.\n(^٦) هو ابن صوحان تابعي كبير وثقة فصيح.\n(^٧) أفصح منه.\n(^٨) أي قوله جهلا، وقيل هو أن يتعلم ما لا حاجة إليه كالنجوم وعلوم الأوائل ويدع ما يحتاج إليه في دينه.\n(^٩) قوله عيالا أو عيلا: فكلامك لمن لا يرغب فيه أو لمن لا شأن له به كخوضك في فنون العلم وضروب الأدب مع مزارع أو صانع كأنك لم تهتد لمن هو أهل لكلامك.\n(^١٠) بسندين صالحين.","vol":"5","page":282},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1217>إنشاد الشعر بحضور النبي ﷺ </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَخَالَكُمْ لَا يَقُولُ الرَّفَثَ (^٢)» وَهُوَ ابْنُ رَوَاحَةَ قَالَ (^٣) ﵁:\nوَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتَابَهُ … إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الْفَجْرِ سَاطِعُ (^٤)\nأَرَاناَ الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقلوبْنَا … بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ (^٥)\nيَبِيتُ يجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ … إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْكَافِرِينَ الْمَضَاجِعُ (^٦)\nرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ إِنَّهُ قَالَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: نَشَدْتكَ اللَّهَ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَا حَسَّانُ أَجِبْ عَنْ رَسُولَ اللَّهِ (^٧) اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ (^٨)»، قاَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيِّ ﷺ فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَكَيْفَ بِنَسَبِي» فَقُلْتُ: لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَماَ تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ (^٩).\nوَقاَلَ عُرْوَةُ ﵁: ذَهَبْتُ أَسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: لَا تَسُبَّهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (^١٠)، رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ الشَّيْخَانِ (^١١).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَضَعُ لِحَسَّانَ مِنْبرًا فِي الْمَسْجِدِ يَقُومُ عَلَيْهِ قائمًا يُفاخِرُ أَوْ يُنافِحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^١٢) وَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ حَسَّانَ بِرُوحِ الْقُدُسِ\n_________\nإنشاد الشعر بحضور النبي - ﷺ -\n(^١) وهو يسمعه ويقره، بل طلبه كما سيأتي.\n(^٢) الرفث: الفحش.\n(^٣) في مدح النبي - ﷺ -.\n(^٤) يتلو القرآن حين انشقاق الفجر بصلاة الصبح.\n(^٥) العمى: الضلال.\n(^٦) يكثر من التهجد والناس نيام.\n(^٧) أي دافع عنه وذم المشركين كما ذموه - ﷺ -.\n(^٨) هو جبريل ﵇.\n(^٩) سبق هذا مع كثير في فضائل حسان بن ثابت، وفي رواية اهجهم أو قال هاجهم، أي ذم الكفار وجبريل معك.\n(^١٠) أي يدافع عنه.\n(^١١) ولكن البخاري هنا ومسلم في الفضائل.\n(^١٢) يدافع عنه بذم المشركين بأبيات من الشعر.","vol":"5","page":283},{"text":"مَا يُفاَخِرُ أَوْ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^١).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَمْشِي وَيَقُولُ:\nخَلُّوا بَنِي الْكفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ … الْيَوْم نَضْرِبْكمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ (^٢)\nضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ … وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ (^٣)\nفَقالَ لَهُ عُمَرُ: ياَ بْنَ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي حَرَمِ اللَّهِ تَقُولُ الشِّعْرَ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «خَلِّ عَنْهُ ياَ عُمَرُ فَلَهِيَ أَسْرَعُ فِيهِمْ مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ (^٤)».\nوَقالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ ﵁ جَالَسْتُ النَّبِيِّ ﷺ أَكْثَرَ مِنْ مَائَةِ مَرَّةٍ فَكَانَ أَصْحَابُهُ يَتَناَشَدُونَ الشِّعْرَ (^٥) وَيَتَذَاكَرُونَ أَشْياَءَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ (^٦) وَهُوَ سَاكِتٌ وَرَبَّمَا تَبَسَّمَ مَعَهُمْ (^٧)، رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٨).\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ الشِّرِيدِ ﵄ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَدِفْتُ النَّبِيِّ ﷺ (^٩) فَقَالَ: «هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ شَيْءٌ»؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قاَلَ: هِيهِ فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا فَقاَلَ: «هِيهِ» ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ بَيْتًا فَقالَ: «هِيهِ» حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِائَةَ بَيْتٍ (^١٠)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n_________\n(^١) بسند صحيح.\n(^٢) سبيله أي النبي - ﷺ -، على تنزيله أي القرآن.\n(^٣) الهام: الرأس.\n(^٤) اتركهـ يا عمر فإن هذه الكلمات تؤلمهم أكثر من رشق النبل فيهم. وسبقت هذه الأبيات في غزوة مؤتة بتغيير والكل وارد، فهذا الحديث وإن كان صحيحًا ولكنه روي أن النبي - ﷺ - حينما دخل مكة في عمرة القضاء كان بين يديه كعب بن مالك وهذا أصح لأن عبد الله بن رواحة مات قبل ذلك في غزوة مؤتة ﵃ أجمعين.\n(^٥) أي الشعر الحق ومنه هجو المشركين.\n(^٦) من عوائدهم الذميمة.\n(^٧) موافقة وملاطفة لهم.\n(^٨) بسندين صحيحين.\n(^٩) أي ركبت خلفه يوما.\n(^١٠) هيه بكسر فسكون فكسر أي قل؛ وهيه الثانية بمعنى زد، وإنما أحب النبي - ﷺ - أن يسمع من شعر أمية لأنه كان متينا وكان أكثره في التوحيد كما سبق: كاد أمية أن يسلم، ففي هذه الأحاديث أن النبي - ﷺ - قال الشعر متمثلا بقول الغير وحاكيًا عنه وسمع الشعر من أصحابه بل وأمر بعضهم بهجو المشركين وكان هجاؤهم بالأشعار. والله أعلم.","vol":"5","page":284},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1218>التشدق بالكلام مذموم والتجوز فيه ممدوح </span>(^١)\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْبَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ الذَّي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ تَخَلُّلَ الْباَقِرَةِ بِلِسَانِهَا (^٢)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَعَلَّمَ صَرْفَ الْكَلَامُ لِيَسْبِي بِهِ قلوبَ الرِّجَالِ أَوِ النَّاسِ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا (^٤)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٥).\nوَقاَلَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ قَدِمَ رَجُلَانِ مِنَ الْمَشْرِقِ (^٦) فَخَطَبا فَعَجِبَ النَّاسُ (^٧) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مِنَ الْبَياَنِ لَسْحْرًا أَوْ إِنَّ بَعْضَ الْبَياَنِ لسِحْرٌ (^٨)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ (^٩).\nوَقامَ رَجُلٌ فَأَكْثَرَ الْقوْلَ (^١٠) فَقالَ عَمْرُو بْنُ الْعاصِ: لَوْ قَصَدَ فِي قَوْلِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ (^١١) سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَقَدْ رَأَيْتُ أَوْ أُمِرْتُ أَنْ أَتَجَوَّزَ فِي الْقَوْلِ فَإِنَّ الْجَوَازَ هُوَ خَيْرٌ (^١٢)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَالِحٍ.\n_________\nالتشدق بالكلام مذموم والتجوز فيه ممدوح\n(^١) فالتعمق في الكلام والتوسع فيه مذموم بخلاف الاختصار على قدر الحاجة فهو المطلوب.\n(^٢) الباقرة والبقرة واحدة البقر وهي تلف الكلأ بلسانها في شدقيها، فالله تعالى يكره المبالغ في فصاحة الكلام وبلاغته الذي يتعمق فيه حتى يظهر لسانه يدور في فمه كلسان البقرة لأنه من حب الظهور.\n(^٣) بسند حسن.\n(^٤) فمن تعلم فضل الكلام وما يتكلفة زائدا عن الحاجة ليستميل به قلوب الناس إليه لم يقبل الله منه في الآخرة صرفا ولا عدلا أي توبة ولا فدية، أو لا نفلا ولا فرضا.\n(^٥) بسند صالح.\n(^٦) الرجلان هما الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم.\n(^٧) لبيانهما وفصاحتهما.\n(^٨) أي أن بعض الكلام كالسحر في استمالة القلوب إليه أو في العجز عن الإتيان بمثله، وهذا مذموم إذا كان باطلا وإلا فلا.\n(^٩) ولكن أبو داود هنا والبخاري في الطب.\n(^١٠) قام رجل فتكلم في أمر فأطال فيه الكلام.\n(^١١) لو توسط في الكلام لكان أحسن.\n(^١٢) أو للشك أي لقد أمرني ربي أن أقتصر في الكلام على قدر الحاجة فإن الاقتصار خير لأنه يوفر الوقت ويريح السامعين، فالنبي - ﷺ - يحب الاختصار في الكلام ويكره التشدق والمبالغة فيه لأنه مظنة الرياء والتعالى وحب الظهور وهذا إذا كان تصنعًا وتكلفا، أما إذا كان بالطبع والجبلة فلا شيء فيه، وكذا إذا كان مطلوبا كمن يخطب =","vol":"5","page":285},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1219>الحداء والغناء </span>(^١)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ وَكَانَ مَعَهُ غلَامٌ لَهُ أَسْوَدُ (^٢) يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَهُ يَحْدُو فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَيْحَكَ يا أَبْحَشَةُ رُوَيْدَكَ بِالْقَوَارِيرِ (^٣)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٤).\nوَقَالَتِ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ ﵂: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ عَلَيَّ صَبِيحَةَ بُنِيَ بِي (^٥) فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي فَجَعَلَتْ جُوَيْرِياَتٌ يَضْرِبْنَ بِدُفَ لَهُنَّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبائي يَوْمَ بَدْرٍ إِلَى أَنْ قاَلَتْ إِحْدَاهُنَّ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقاَلَ: دَعِي هذِهِ وَقُولِي الَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ (^٦)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْغِناءَ يُنْبِتُ النِّفاقَ فِي الْقَلْبِ (^٧)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ أَبِي الدُّنْياَ (^٨).\n_________\n= في قوم ينبغي أن يختار لهم مما يناسبهم من أحسن الكلام وأبلغه لعله يصل إلى قلوبهم فيأخذ بمجامعها ويستقر في سويدائها كما ينبغي أن يحضر قواه كلها مع قلبه لأن النبي - ﷺ - كان إذا خطب علا صوته واحمرت عيناه كأنه منذر جيش ولأن الكلام إذا كان من القلب وصل إلى القلب وإذا كان من اللسان لم يجاوز الآذان. نسأل الله التوفيق في القول والفعل آمين.\n\nالحداء والغناء\n(^١) الحداء بالضم والكسر: سوق الإبل والغناء لها.\n(^٢) حبشي حسن الصوت.\n(^٣) فكان هذا العبد يسوق الإبل وعليها بعض أمهات المؤمنين وأم أنس وهي أم سليم ويغنيها بصوته الحسن فأسرعت الإبل فتألمت النسوة فقال النبي - ﷺ -: ويحك يا أنجشة تمهل بسوق الإبل وخفض من صوتك لراحة النسوة فإنهن كالقوارير لا يتحملن لأن الإبل إذا غنى لها بصوت حسن طربت وهامت وقطعت المسافة الطويلة بدون ملل ولا سآمة، القوارير هنا: الزجاج.\n(^٤) ولكن البخارى هنا ومسلم في الفضائل.\n(^٥) صبيحة عرسي.\n(^٦) سبق هذا الحديث في إعلان النكاح واللهو فيه.\n(^٧) فالغناء ينبت النفاق في القلب ويكون حرامًا إذا كان غالبًا عليه أو كان في هوى مذموم وإلا جاز كما سبق. ومن الجائز ما يتناشده الحجاج في البيت والركن والمقام وعرفه ومنى والمشعر الحرام، وما يتناشدونه في مجالس الذكر في كلمة التوحيد أو تصببًا في الحضرة المحمدية كمؤلف البرعي المشهور ونحوه مما يزيد في وجدهم ومحبتهم لله ولرسوله فهو من الممدوح على رأي بعضهم.\n(^٨) ولفظه: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع، والذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع.","vol":"5","page":286},{"text":"• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الْقَيْنَاتِ (^١) وَلَا تَشْتَرُوهُنَّ وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ وَلَا خَيْرَ فِي تِجَارَةٍ فِيهِنَّ وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ، فِي مِثْلِ ذلِكَ نَزَلَتْ» ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الْايَة (^٢)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1220>اللعب بالنرد والحمام حرام </span>(^٤)\nقاَلَ اللَّهُ تَعاَلَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ (^٥) وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّما صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ. (^٦)\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ (^٧)».\n_________\n(^١) القينات جمع قينة وهي الجارية التي تغني.\n(^٢) بقية الآية ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ فظاهر ذلك أن التجارة في القينات وبيعهن وشراءهن وثمنهن حرام إذا كن للغناء لإضلال الناس عن الدين، فإن كان للخدمة فلا شيء في اقتنائهن.\n(^٣) سبق هذا في تفسير سورة لقمان والله أعلم.\n\nاللعب بالنرد والحمام حرام\n(^٤) النرد: لعب معروف ويسمى الكعاب والنردشير، واللعب بالحمام هذا المقامرة عليه وكالحمام كل حيوان كالديك والشاة، فالمقامرة عليها وإغراؤها على بعضها للغلبة حرام، وحكمة ذلك إضرار الحيوان وأكل الأموال بالباطل والإلهاء عن ذكر الله تعالى، أما اقتناء الحمام للتناسل أو لأكل لحمه أو لبيضه أو لحمل الرسائل فلا شيء فيه، واقتناؤه للتطير به مكروه.\n(^٥) المراد به القمار.\n(^٦) ولفظ أبي داود: فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه، أي كأنما أكله وهو حرام لقوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ فيكون اللعب بالنردشير حرامًا لأنه من الميسر، ومنه ما ظهر الآن وهو (اليانصيب) فالتعامل به حرام لأنه بيع شيء غير معلوم وغير مقدور على تسليمه وشرط صحة البيع أن يكون معلومًا مقدورا على تسليمه، فضلا عن هذا فهو مدعاة للتكاسل عن طلب الكسب المطلوب شرعا.\n(^٧) وعصيان الله ورسوله حرام فيكون اللعب بالنرد حراما، وظاهرهما ولو لم يكن بمال، لأن التمويل فيه على ما يخرجه الكعبان أي الحصا ونحوه فهو كالأزلام. وعلى هذا الجمهور والشافعي،=","vol":"5","page":287},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَتبَعُ حَمَامَةً فَقالَ: شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً (^١)، رَوَاهُماَ أَبُو دَاوُدَ (^٢) وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1221>اللعب المباح </span>(^٣)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ كَانَ يَوْمَ عِيدٍ عِنْدِي يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَإِمَّا قاَلَ: تَشْتَهِينَ أَنْ تَنْظرِي؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ فَأَقاَمَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ وَيَقُولُ: دُونَكُمْ ياَ بَنِي أَرْفِدَةَ (^٤) حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قاَلَ: حَسْبُكِ، قُلْتُ: نَعَمْ، قاَلَ: فاَذْهَبِي (^٥)، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِيَنةَ لَعِبَتِ الْحَبَشَةُ بِجِرَابِهِمْ فَرَحًا بِقُدُومِهِ (^٦)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ فَرُبَّما دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي الْجَوَارِي فَإِذَا دَخَلَ خَرَجْنَ وَإِذَا خَرَجَ دَخَلْنَ (^٨)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ.\n_________\n= وقال إسحاق المروزي: يكره ولا يحرم، واللعب بالشطرنج حرام أيضا، وعليه الجمهور والأئمة الثلاثة لحديث: ملعون من لعب بالشطرنج والناظر إليها كالآكل لحم الخنزير. وقال الشافعي وبعض التابعين: إنه مكروه وليس بحرام، ولعل القائلين بعدم تحريما يريدون إذا كان لعبهما على غير مال والله أعلم.\n(^١) إنما سماه شيطانًا لمباعدته عن الحق واشتغاله بما لا يعنيه، وسماها شيطانة لأنها أورثته الغفلة عن ذكر الله تعالى.\n(^٢) بسندين صالحين.\n\nاللعب المباح\n(^٣) المراد به ما جرت به العادة في أعيادهم وأفراحهم بشرط ألا يشتمل على محرم ولا يلهي عن فرض من فروض الله، وألا يشتمل على ما يؤذى ولو بالتوقع، كضرب رصاص في الهواء، بخلاف ضرب نار بغير رصاص، ومن اللعب المباح البرجاس في بعض الجهات بل هو مطلوب لأنه تدريب على الجهاد كما تقدم في المسابقة على الدواب في الجهاد.\n(^٤) أرفدة كأعمدة: جد لبعض الحبشة، أي الزموا لعبكم أيها السودان لتنظره السيدة عائشة ﵂.\n(^٥) سبق هذا الحديث في صلاة العيدين من كتاب الصلاة.\n(^٦) ففي هذين جواز اللعب بما جرت به العادة.\n(^٧) بسند صالح.\n(^٨) الجواري: جمع جارية وهي الشابة الصغيرة لا المملوكة، فكان لعائشة صور بنات تلعب بهن مع بنات الأنصار، فإذا دخل رسول الله - ﷺ - على عائشة خرجن وإذا خرج دخلن حياء وهيبة منه - ﷺ -.","vol":"5","page":288},{"text":"وَعَنْهاَ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَدِمَ عَلَيْها مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَوْ خَبْيَرَ وَفِي سَهْوَتِها سِتْرٌ (^١) فَهَبَّتِ الرِّيحُ فَكَشَفَتْهُ عَنْ بَنَاتٍ لِعاَئِشَةَ لُعَبٍ (^٢) فَقَالَ: «مَا هذَا ياَ عَائِشَةُ»؟ قَالَتْ: بَناَتِي (^٣) وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَناحَانِ مِنْ رِقاعٍ فَقَالَ: «مَا هذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ»؟ قَالَتْ: فَرَسٌ قَالَ: وَمَا هذَا الَّذِي عَلَيْهِ؟ قَالَتْ: جَناَحَانِ قاَلَ: «فَرَسٌ لَهُ جَناَحَانِ» قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْماَنَ خَيْلًا لَهاَ أَجْنِحَةٌ قاَلَتْ فَضَحكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ (^٤) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥) وَالنَّسَائِيُّ.\nوَعَنْهاَ قَالَتْ: قَدِمْناَ الْمَدِينَةَ فَنَزلْناَ فِي بَنِي الْحارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ (^٦) فَوَاللَّهِ إِنَّنِي لَعَلَى أُرْجُوحَةٍ بَيْنَ عَذْقَيْنِ (^٧) فَجَاءَتْنِي أُمِّي فَأْنْزَلَتْنِي وَلِى جُمَيْمَةٌ (^٨). وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَدْخَلَتْنِي بَيْتًا فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقُلْنَ عَلَى الْخَيرِ وَالبرَكَةِ عَلَى خَيْرِ طَائِرٍ فَسَلَّمَتْنِي إِلَيْهِنَّ فَغَسَلْنَ رَأْسِي وَأَصْلَحْنَنِي فَلَمْ يَرْعْنِي إِلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضُحًى (^٩)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ (^١٠)، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ آمِين.\n_________\n(^١) السهوة: بيت صغير منحدر في الأرض قليلا أو هو الرف والطاق توضع فيه الأشياء.\n(^٢) لعب جمع لعبة وهي بيان لبنات وتسميها الجواري العرائس.\n(^٣) ففيه وما قبله جواز الصور واللعب بهن للأطفال والجواري ويصح بيعها وشراؤها، ففيه تسلية وتدريب لهن على تربية الذرية والأطفال، ويكون هذا مستثنى من تحريم اتخاذ الصور السالف في كتاب اللباس.\n(^٤) فيه من ملاطفة الضعاف ما لا يخفى.\n(^٥) بسند صالح.\n(^٦) في ضواحي المدينة.\n(^٧) الأرجوحة كعصفورة: خشبة يلعب عليها الصبيان والجواري يوضع وسطها على مكان مرتفع ويجلسون على طرفيها ويحركونها فيرتفع طرف وينزل آخر وهكذا، والأرجوحة أيضا خشبة يشد طرفاها بحبل في شيء عال ثم يركب عليها وتحرك وهذا هو الظاهر هنا وهي أنواع مشهورة عندنا في مصر (بالمرجيحة والمراجيح وأشهر ما تكون في الأعياد) فهي جائزة للأطفال ومن الألعاب المشهورة للرياضة والتفريح ولا سيما لأهل الأمصار والمدن.\n(^٨) الجميمة: تصغير الجمة وهي الشعر النازل إلى الأذنين أي صار شعري هكذا بعد أن كان ذهب من المرض.\n(^٩) وسبق هذا واسعًا في فضائل عائشة.\n(^١٠) ولكن أبو داود هنا والبخاري في النكاح.","vol":"5","page":289},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1222>الفصل السابع: في ألفاظ من الأدب (^١)\nمنها قولهم أما بعد </span>(^٢)\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةً مِنْ جَوْفِ رَمَضَانَ فَلَمَّا صَلَّى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَتَشَهَّدَ ثمَّ قاَلَ «أَمَّا بَعْدُ (^٣)»، رَوَاهُ الثَّلَاثَة.\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: قاَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيناَ خَطِيبًا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ثُمَّ قاَلَ أَمَّا بَعْدُ (^٤)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قاَلَتْ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشِيَّةً فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثمَّ قاَلَ: أَمَّا بَعْدُ فَماَ باَلُ رِجَالٍ يَشْتَرِطونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتاَبِ اللَّهِ (^٥)، رَوَاهُ الخَمْسَةُ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1223>ومنها قولهم زعموا </span>(^٦)\nدَخَلَتْ أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ ﵂ عَلَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَقاَلَتْ:\nياَ رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّي (^٧) أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فَقاَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ أَجَرْناَ\n_________\nالفصل السابع في ذكر ألفاظ من الأدب\n(^١) وردت كثيرا في كلام العرب.\n(^٢) فمنها قولهم: أما بعد في الكلام، ولفظ بعد مبني على الضم لأنه من الظروف المقطوعة عن الإضافة.\n(^٣) سبق هذا طويلا في قيام رمضان من كتاب الصوم.\n(^٤) سبق هذا في فضائل آل البيت ﵃ من كتاب الفضائل.\n(^٥) تقدم هذا طويلا في المكاتبة في العتق من كتاب الفرائض والوصايا والعتق، بل وسبقت في أكثر من هذه، فكان - ﷺ - يستعملها كثيرا في خطبه ومكاتباته للملوك، فينبغي استعمالها في الكلام اقتداء به - ﷺ - فهي مؤذنة بأهمية ما بعدها وهي فصل الخطاب لأهل البراعة والبلاغة، نسأل الله التوفيق آمين.\n\nومنها قولهم زعموا\n(^٦) زعموا: من الزعم بالفتح والضم وهو أصلا يقال فيما لا تعلم حقيقته، وفي المثل زعموا مطية الكذب، ويطلق على القول فقط ومنه قول أم هانئ الآتي، ويطلق على الكذب كقوله تعالى ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾.\n(^٧) هو عليّ ﵁ وهو شقيقها ولكنها مرت بذلك استجلابا للعطف والشفقة.","vol":"5","page":290},{"text":"مَنْ أَجَرْتِ ياَ أُمَّ هَانِئٍ (^١)، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجْلِ زَعَمُوا (^٢)»، رَوَاهُ وَأَبُو دَاوُدَ (^٣) وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1224>ومنها قولهم ويلك أو ويحك </span>(^٤)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقاَلَ: «ارْكَبْهاَ» قاَلَ: إِنَّهاَ بَدَنةٌ قاَلَ: «ارْكَبهَا» قاَلَ: إِنَّهاَ بَدَنَةٌ قَالَ: «ارْكَبْهاَ وَيْلَكَ (^٥)»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَسَبَقَ فِي الْحُدَاءِ «وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ بِالْقَوَارِيرِ (^٦)»، نَسْأَلُ اللَّهَ الرِّفْقَ والرَّحْمَة آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1225>ومنها قولهم تربت يمينك </span>(^٧)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعِ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ فَقُلْتُ:\n_________\n(^١) ذلك الرجل هو الحارث بن هشام أو عبد الله بن ربيعة أو زهير بن أبي أمية، والمعنى أن هذا الرجل قد استجار بأم هانئ فأجارته أي أمنته من القتل فسمع بذلك على ﵁ فقال: لابد من قتله؛ فسمت بهذا أم هانئ فذكرته للنبي - ﷺ - فقال: قد أجرنا من أجرت أي أمنا من أعطيتيه الأمان، وسبق هذا في الجهاد بعنوان: المسلم يؤمن من يشاء.\n(^٢) أي بئس مقالة الشخص في أمر غير متثبت فيه زعموا كذا، فهذا نهى عن القول بالظن والتخمين، نسأل الله الصدق في القول والفعل آمين.\n(^٣) بسند صالح، نسأل الله صلاح الحال آمين.\n\nومنها قولهم ويلك أو ويحك\n(^٤) الويل: الهلاك أو كلمة عذاب وهي منصوبة بفعل من معناها أي ألزمك الله ويلك، وقد لا يراد معناها كما في الحديث الآتي إنما المراد بها التأديب والزجر عن المراجعة.\n(^٥) سبق هذا في الهدى للحرم.\n(^٦) ويح: كلمة رحمة منصوبة بفعل مضمر والتقدير ألزمك الله ويحك ومثلها ويس في قوله - ﷺ -: لعائشة: ويس هاتين الركبتين، نسأل الله واسع رحمته آمين.\n\nومنها قولهم تربت يمينك\n(^٧) معناها أصلا افتقرت يدك ولصقت بالتراب ولكن لا يراد بها الدعاء عليه بذلك إنما يراد بها التحريض على الفعل أو المبالغة في المدح كقولهم للشاعر: قاتله الله لقد أجاد.","vol":"5","page":291},{"text":"وَاللَّهِ لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَإِنَّهُ لَمْ يُرْضِعْني وَلكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَخِيهِ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «ائْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكَ تَرِبَتْ يَمِينُكِ (^١)»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1226>ومنها قول الإنسان لآخر اخسأَ </span>(^٢)\nقاَلَ اللَّهُ تَعَالَى: لِأَهْل النَّارِ (^٣) ﴿اخْسَؤواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (^٤)﴾.\n\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِابْنِ صَائِدٍ: «قَدْ خَبَأُتُ لَكَ خَبِيئًا» فَماَ هُوَ؟ قاَلَ: الدُّخُّ قاَلَ: اخْسَأْ (^٥)، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1227>لا يقل السيد عبدي ولا يقل المملوك ربي</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكمْ عَبْدِي وَأَمَتِي كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ وَكُلُّ نَسائِكُمْ إِمَاءُ اللَّهِ وَلكِنْ لِيُقلْ (^٦) غُلامِي وَجَارِيَتِي وَفَتاَيَ وَفَتاَتِي»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ، وَلَفْظُهُ: لَا يَقُولَنَّ الْمَمْلُوك رَبِّي وَرَبَّتِي وَلْيُقلِ الْمَاَلِكُ فَتاَيَ وَفَتاَتِي وَلْيَقُلِ الْمَمْلُوكُ سيِّدي وَسَيِّدَتِي فَإِنَّكُمُ الْمَمْلُوكُونَ وَالرَّبّ اللَّهُ تَعَالَى (^٧).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكمْ اسْقِ رَبَّكَ\n_________\n(^١) فإنه عمك أي من الرضاع تربت يمينك إن لم تفعلى والله أعلم.\n\nومنها قول الإنسان لآخر اخسأ\n(^٢) اخسأ: كلمة زجر وإبعاد لمن قال أو فعل ما يغضب الله تعالى.\n(^٣) حينما قالوا: ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قومًا ضالين.\n(^٤) اسكتوا سكوت ذل وهوان ولا تعودوا للكلام.\n(^٥) وفي نسخة ابن صياد الذي ادعى النبوة وسيأتي ذكره في الفتن؛ فالنبي - ﷺ - أضمر له في صدره الشريف يوم تأتي السماء بدخان مبين فأراد النطق بالدخان ولكنه لم يتمكن لما سمع اخسأ وأصله يقال للكلب ثم صار يطلق على كل بغيض. والله أعلم.\n\nلا يقل السيد عبدي ولا يقل المملوك ربي\n(^٦) بدل عبدي وأمتي.\n(^٧) النهي في هذه الأحاديث للتنزيه، فيكره قول السيد عبدي وأمتي كما يكره من المملوك أن يقول ربي وربتي فإن حقيقة العبودية والربوبية لله وحده، والأدب أن يقول السيد غلامي وفتاي، وجاريتي، وفتاتي. وأن يقول المملوك: سيدي، وسيدتي، ومولاي، ومولاتي.","vol":"5","page":292},{"text":"أَطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّئْ رَبَّكَ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكمْ رَبِّي وَلْيقُلْ سَيِّدِي مَوْلَايَ وَلَا يَقُلْ أَحدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي وَلْيَقُلْ فَتاَيَ فَتاَتِي غلَامِي»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^١).\n\n• عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُولُوا لِلمُناَفِقِ سَيِّدًا فَإِنَّهُ إِن يَك سيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ ﷿ (^٢)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1228>لا تسبوا الدهر </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَبِي هَرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «يَسُبُّ بَنُو آدَمَ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ (^٤)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ ﷿: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَناَ الدَّهْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنّهاَرَ (^٥)»، رَوَاهُماَ الثَّلَاثَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَقُولُ ياَ خَيْبَةَ لدَّهْرِ فَلَا يَقُولَنَّ أَحدُكمْ ياَ خَيْبَةَ الدَّهْرِ فإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ (^٦) أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَاَرَهُ فَإِذَا شِئْتُ قَبَضتُهُماَ (^٧)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ (^٨)، نَسْأَلُ اللَّهُ حُسْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ آمِين.\n_________\n(^١) ولكن مسلم هنا والبخاري في العتق.\n(^٢) وفي بعض النسخ سيد، فمن قال للمنافق يا سيد وهو لا يستحقه بوجه من الوجوه وهو يعلم بنفاقه فقد أسخط الله عليه لأنه عظم من لا يستحق التعظيم، وقيل لا تقولوا للمنافق سيدا فإنه إن كان سيدكم وهو منافق فحالكم دون حاله والله لا يرضى لكم ذلك، وهذا لا ينافي مداراة أهل الشر ولكن يبتعد عن تسويدهم لاسيما وقد روى أن جماعة قالوا للنبي - ﷺ -: أنت سيدنا؛ قال: السيد الله أي السيد على الإطلاق هو الله تعالى، نسأل الله الأدب.\n\nلا تسبوا الدهر\n(^٣) الدهر: الزمن ومرور الأيام والليالي وحركات الكواكب والأفلاك.\n(^٤) وأنا الدهر أي خالق الدهر بيدى الليل والنهار إيجادا وإبقاء وإعداما.\n(^٥) فمن سب الدهر فقد سب الله تعالى لأنه فعله، ومن سب فعل شخص فقد سب ذلك الشخص لأن حسن الفعل وقبحه عائد إلى فاعله.\n(^٦) فيحرم قوله: يا خيبة الدهر، ويا سنة سوداء، وقاتل الله هذا الزمان ونحو ذلك.\n(^٧) أي أعدمتهما.\n(^٨) ولفظه: لا تسبوا الدهر فإن الله تعالى قال أنا الدهر، الأيام والليالي إلى أجددها وأبليها وآتي بملوك بعد ملوك، وهذا كله رد على جماعة من الكفرة وهم الدهرية الذين ينكرون=","vol":"5","page":293},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1229>لا تقل خبثت نفسي ولا تسموا العنب كرما</span>\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكمْ خَبُثَتْ نَفْسِي وَلكِنْ لِيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي (^١)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ فَإِنَّ الْكَرْمَ الرَّجُلُ الْمُسْلمُ (^٢) \".\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمُ الْكَرْمُ فَإِنَّماَ الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ (^٣)»، رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ الْأُصُولُ الثَّلَاثَة (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1230>لا تقل ما شاء اللَّه وشاء فلان</span>\n• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُولوا مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ وَلكِنْ قُولوا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ (^٥)».\n\n• عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ﵁ عَنْ رَجُلٍ قاَلَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ فَعَثَرَتْ دَابَّتُهُ فَقُلْتُ:\nتَعِسَ الشَّيْطَانُ (^٦) فَقاَلَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَقُلْ تَعِسَ الشَّيْطَانُ\n_________\n= الصانع وهو الله تعالى ويعتقدون أن في كل ثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه وقد تكرر هذا العالم مرات لا تتناهى، وينسبون كل شيء من إيجاد وإعدام وغيرهما إلى الدهر فيسبونه ويذمونه وما الدهر إلا خلق من خلق الله تعالى له أول وآخر فسبحان من لا أول له ولا آخر والله أعلم.\n\nلا تقل خبثت نفسي ولا تسموا العنب كرما\n(^١) لقس بمعنى خبث ولكن لقس أحسن من لفظ خبث لبشاعته، وقد كان - ﷺ - يعجبه اللفظ الحسن ويتفاءل به ويكره القبيح ويغيره، فالنهي للتنزيه والقول به مكروه.\n(^٢) الكرم كسبب وكشرط وصف للذكر والأنثى مفردا وغيره بمعنى كريم وهو وصف بالمصدر للمبالغة كرجل عدل أي عادل عظيم.\n(^٣) فالأحق باسم الكرم قلب المؤمن، والنهي للتنزيه فإطلاق الكرم على العنب مكروه وهذا رد لما كان عليه العرب من إطلاق الكرم على العنب وعلى شجره وعلى الخمرة المتخذة منه وتعليم لهم بأن الأولى بهذا الاسم قلب المؤمن.\n(^٤) وفي رواية لمسلم: لا تقولوا الكرم ولكن قولوا العنب والحبلة وهي شجر العنب، وزاد أبو داود: ولكن قولوا حدائق الأعناب والله أعلم.\n\nلا تقل ما شاء الله وشاء فلان\n(^٥) إنما كره النبي - ﷺ - ما شاء الله وشاء فلان لأن الواو للجمع والتشريك، ولكن الأدب أن يقول ما شاء الله ثم ما شاء فلان لأن لفظ ثم للتراخي فإرادة العبد متأخرة عن إرادة الله تعالى، قال الله تعالى ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما﴾.\n(^٦) أي ذل وهلك.","vol":"5","page":294},{"text":"فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذلِكَ تَعاَظَمَ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الْبتِ وَيَقُولُ بِقُوَّتِي (^١) وَلكِنْ قلْ بِاسْمِ اللَّهِ فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذلِكَ تَصَاغَرَ حَتَّى يَكونَ مِثْلَ الذُّباَبِ (^٢)» رَوَاهُماَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1231>خاتمة في خلق الأشياء</span>\n• عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ: ياَ بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ نَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الْإِيماَنِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأْكَ لَمْ يَكنْ لِيُصِيبَكَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعاَلَى الْقَلَمُ (^٣)» فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَقاَلَ: رَبِّ وَمَاذا أَكْتُبُ؟ قَالَ: «اكْتُبْ مَقَادِيرَ كلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»، ياَ بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هذَا فَلَيْسَ مِنِّي»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَقَلْتُ ناَقَتِي بِالْباَبِ فَأَتاَهُ\n_________\n(^١) حدث هذا أو نحوه بقوتي.\n(^٢) صار في نهاية الصغر والذل نعوذ بالله منه ونسأل الله السلامة آمين.\n\nخاتمة في خلق الأشياء\n(^٣) فأول خلق الله تعالى القلم الإلهي ثم اللوح ثم أمره الله أن يكتب فيه كما شاء الله تعالى.\n(^٤) سبق هذا في الإيمان بالقدر من كتاب الإسلام والإيمان، فأول خلق الله تعالى القبر أي بعد النور المحمدي - ﷺ -، قال جابر ﵁: يا رسول الله أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء فقال: يا جابر إن الله قد خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله؛ ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم، ولا جنة، ولا نار، ولا ملك، ولا سماء، ولا أرض، ولا شمس ولا قمر، ولا جني، ولا إنسي. فلما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأول القلم ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش. ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول حملة العرش، ومن الثاني الكرسي، ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول السموات، ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة بالله تعالى، ومن الثالث نور ألسنتهم وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، كذا في المواهب. قال الزرقاني في شرحها: ولم يذكر الرابع من هذا الجزء، فليراجع مصنف عبد الرزاق، وقد رواه البيهقي أيضا ﵃ أجمعين.","vol":"5","page":295},{"text":"ناَسٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقاَلَ: اقْبَلُوا الْبُشْرَى ياَ بَنِي تَمِيمٍ (^١) قَالُوا: قَدْ بَشَّرْتَناَ فَأَعْطِناَ مَرَّتَيْنِ (^٢) ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ ناَسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقاَلَ: اقْبَلُوا الْبُشْرَى ياَ أَهْلَ الْيَمَنِ إِذ لمْ يَقْلَلْهاَ بنُو تَمِيمٍ قاَلوا: قَدْ قَبِلْناَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ قاَلوا: جِئْناَكَ لِنَسْأَلَكَ عَنْ هذَا الْأَمْرِ (^٣) قاَلَ: كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماَءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كلَّ شَيْءٍ (^٤) وَخَلَقَ السَّمَواتِ وَالْأَرْضَ فَنَادَى مُناَدٍ: ذَهَبَتْ ناَقَتُكَ ياَ ابْنَ الْحُصَيْنِ فاَنْطَلَقْتُ فَإِذَا هي يُقْطَعُ دُونَهَا السَّرَابُ (^٥).\nوَقَالَ عُمَرُ ﵁: قَامَ فِيناَ النَّبِيُّ ﷺ مَقاَمًا فَأُخْبَرَناَ عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَناَزِلَهُمْ وَأَهْلُ النَّارِ مَناَزِلَهُمْ حَفِظَ ذلِكَ مَنْ حَفِظه وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، رَوَاهُماَ الْبُخَارِيُّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خُلِقَتِ الْملَائِكَةُ مِنْ نُورٍ (^٦) وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ\nمَارِجٍ مِنْ نَارٍ (^٧) وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى»: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (^٨)﴾، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْإِمَامُ أَحَمَدُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَحَمِدَ اللَّهِ بِإِذْنِهِ فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ ياَ آدَمُ اذْهَبْ إِلَى أُولئِكَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى مَلَإِ مِنْهُمْ جُلُوسٍ فَقلِ السَّلَامُ عَلَيْكَمْ (^٩)» قَالُوا: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقاَلَ: إِنَّ هذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ بَنِيكَ بَيْنَهُمْ فَقَالَ اللَّهُ لَهُ وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ: اخْتَرْ أَيَّهُماَ شِئْتَ قَالَ: اخْتَرَّتُ يَمِينَ رَبِّي وَكِلتاَ يَدَيَّ رَبِّي يَمِينٌ\n_________\n(^١) أي على الإسلام من رضوان الله والجنة وواسع النعيم.\n(^٢) لفهمهم أن البشرى على الأمور الدنيوية وحطامها الزائل.\n(^٣) أي هذا الكون قبل خلقه.\n(^٤) وكتب في الذكر أي محله وهو اللوح المحفوظ ﴿وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾.\n(^٥) في مكان أبعد من مكان رؤية السراب وهو ما يرى في شدة الحر كأنه ماء وليس بماء.\n(^٦) كما سبق في حديث جابر الذي في الشرح.\n(^٧) الجان أبو الجن وهو إبليس خلق من مارج من نار هو لهبها الخالص من الدخان.\n(^٨) وخلق آدم من التراب ومن الطين بعد عجنه ومن صلصال كالفخار أي بعد تصويره وتجفيفه وقبل نفخ الروح فيه فسبحان الخلاق العظيم.\n(^٩) فذهب فقال السلام عليكم.","vol":"5","page":296},{"text":"مُبَارَكَةٌ ثمَّ بَسَطَهاَ فَإِذَا فِيهَا آدَمُ وَذرِّيَّتُهُ فَقاَلَ: أَيْ رَبِّ مَا هؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: هؤُلَاءِ ذرِّيَّتُكَ فَإِذَا كلُّ إِنْسَانٍ مَكْتُوبٌ عُمُرُهُ بَيْنَ عَيْنيْهِ (^١) فَإِذَا فِيهِمْ رَجُلٌ أَضْوَؤُهُمْ أَوْ مِنْ أَضْوَئهِمْ قاَلَ: ياَ رَبِّ مَنْ هذَا؟ قاَلَ: هذَا ابْنُكَ دَاوُدُ قَدْ كَتَبْتُ لَهُ عُمُرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ: ياَ رَبِّ زِدْهُ فِي عُمُرِهِ قَالَ: ذَاكَ الَّذِي كَتَبْتُ لَهُ قَالَ: أَيْ رَبِّ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُ لَهُ مِنْ عمُرِي سِتِّينَ سَنَةً قاَلَ: أَنْتَ وَذَاكَ (^٢) قَالَ: ثُمَّ اسْكِنَ الْجَنَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ (^٣) ثُمَّ أُهْبِطَ مِنْهاَ فَكَانَ آدَمُ يَعُدُّ لِنَفْسِهِ قَالَ: فَأَتاَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ (^٤) فَقَالَ لَهُ آدَمُ: قَدْ عَجَّلْتَ قَدْ كتِبَ لِي أَلْفُ سَنَةٍ قَالَ: بَلَى وَلكِنَّكَ جَعَلْتَ لِابْنِكَ دَاوُدَ سِتِّينَ سَنَةً فَجَحَدَ فَجَحَدَتْ ذرِّيَّتُهُ وَنَسِيَ فَنَسِيَتْ ذرِّيَّتُهُ (^٥) قَالَ: فَمِنْ يَوْمَئِذٍ أُمِرَ بِالْكِتَابِ وَالشُّهُودِ (^٦)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي آخِرِ التَّفْسِيرِ بِسَنَدٍ حَسَن.\n\n<span data-type='title' id=toc-1232>طبقات بني آدم </span>(^٧)\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضةٍ قَبَضَهاَ مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ جَاءَ مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذلِكَ وَالسَّهْلُ وَالْحَزْن وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَبَيْنَ ذلِكَ (^٨)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٩).\n_________\n(^١) إلى هنا سبق في أول سورة البقرة من كتاب التفسير.\n(^٢) قد أمضيته لك.\n(^٣) أي آدم عليه وعلى أولاده مزيد الصلاة والسلام.\n(^٤) يريد قبض روحه.\n(^٥) بيان للجحد قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾.\n(^٦) في المعاملة بين بني آدم تفاديا عن الشقاق وحبا في الوفاق، قال الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ نسأل الله التوفيق لكامل التقوى آمين.\n\nطبقات بني آدم\n(^٧) أي بيان تفاوتهم في الصفات الظاهرة والشيم الباطنة وبيان خيرهم وشرهم في هذا.\n(^٨) فاختلاف الناس في الصفات والغرائز من أصل الخلقة لحكم ظهر للناس بعضها ومولانا العليم الحكيم يعلمها كلها.\n(^٩) أبو داود في القدر وسبق في التفسير في أول سورة البقرة للترمذي بسند صحيح.","vol":"5","page":297},{"text":"• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: صَلَّى بِناَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا صَلَاةَ الْعَصْرِ ثمَّ قَام خَطِيبًا فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا يَكون إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلا أَخْبَرَناَ بِهِ حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ وَكَانَ فِيمَا قَالَ: «أَلا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحيَا مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا (^١)، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحيَا كَافِرًا وَيَمُوتُ كَافِرًا (^٢)، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْياَ مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ كَافِرًا (^٣)، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَا كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا (^٤) أَلَا وَإِنَّ مِنْهُمُ الْبَطِيءَ الْغَضَبِ\nسَرِيعَ الْفَىْءِ (^٥) وَمِنْهُمْ سَرِيعُ الْغَضَبِ سَرِيعُ الْفَىْءِ فَتِلْكَ بِتِلْكَ (^٦) أَلَا وَإِنَّ مِنْهُمْ سَرِيعَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الفَيءِ أَلا وَخَيْرُهُمْ بَطِيءُ الغَضَبِ سَرِيعُ الفَيْءِ (^٧) أَلا وَشَرُّهُمْ سَرِيعُ الغَضَبِ بَطِيءُ الْفَىْءِ (^٨) أَلَا وَإِنَّ مِنْهُمْ حَسَنَ الْقَضَاءِ حَسَنَ الطَّلَبِ (^٩) وَمِنْهُمْ سَيِّءُ الْقَضَاءِ حَسَنُ الطَّلَبِ فَتِلْكَ بِتِلْكَ أَلَا وَإِنَّ مِنْهُمُ السَّيِّءَ الْقَضَاءِ السَّيِّءَ الطَّلَبِ أَلَا وَخَيْرُهُمُ الْحَسَنُ الْقَضَاءِ الْحَسَنُ الطَّلَبِ، وَمِنْهُمْ حَسَنُ الْقَضَاءِ سَيِّءُ الطَّلَبِ فَتِلْكَ بِتِلْكَ، أَلَا وشَرُّهُمْ سَيِّءُ الْقَضَاءِ سَيِّءُ الطَّلَبِ (^١٠) أَلَا وَإنَّ الْغَضَبَ\n_________\n(^١) اللهم اجعلنا منهم يا كريم يا رحمن.\n(^٢) هؤلاء كانوا بطبعهم كفارا فداموا على طبعهم حتى ماتوا.\n(^٣) هؤلاء كان إيمانهم ظاهرا ومدخولا فيه وإلا فما ضاع منهم شيء، قال الله تعالى ﴿إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا﴾.\n(^٤) لقضاء الإيمان له في أم الكتاب.\n(^٥) أي الرجوع، فلا يغضب بسرعة وإذا غضب عاد للصلح بسرعة وهذا خير الناس.\n(^٦) فتلك أي الصفة المذمومة وهي سرعة الغضب تتلاشي بتلك الصفة المحمودة وهي سرعة الفيء فيكون في تلك السجايا كفافا.\n(^٧) لكمال عقله وصفاء باطنه ولبه.\n(^٨) وهذه أقبح الصفات لقبح حماقته التي لا تقبل التداوي كما قال ﵁.\nلكل داء دواء يستطب به … إلا الحماقة أعيت من يداويها\n(^٩) سهل في دفع ما عليه وطلب ماله.\n(^١٠) لدلالته على سوء الأخلاق وظلمة الباطن وخلوه من نور الإيمان.","vol":"5","page":298},{"text":"جَمْرَةٌ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَم (^١) أَمَا رَأَيْتمْ إِلَى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ وَانْتِفاَخِ أَوْدَاجِهِ فَمَنْ أَحَسَّ بِشَيءٍ مِنْ ذلِكَ فَلْيَلْصَقْ بِالْأَرْضِ، قَالَ: وَجَعَلْنَا نَلْتَفِتُ إِلَى الشَّمْسِ هَلْ بَقِيَ مِنْهاَ شَيْءٌ فَقَالَ ﷺ: أَلَا إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْياَ فِيمَا مَضَى مِنْهاَ إِلا كَماَ بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هذَا فيمَا مَضَى مِنْهُ (^٢)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْفِتَنِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\nعدد أحاديث كتاب الأدب ١٩٧ سبعة وتسعون ومائة فقط.\n_________\n(^١) كأنه جمرة من نار لأنه من نفخ الشيطان ووسوسته فيه وهو من النار فكل آثاره كذلك.\n(^٢) قال أبو سعيد: فصرنا ننظر إلى الشمس وقد أشرفت على الغروب فقال رسول الله - ﷺ -: ما بقي من الدنيا إلا كما بقي من يومكم هذا. أي ما بقي من الدنيا إلا قليل. نسأل الله السلامة منها آمين والحمد لله رب العالمين.","vol":"5","page":299},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1233>كتاب الفتن وعلامات الساعة </span>(^١)\nوفيه سبعة أبواب وخاتمة\n\n<span data-type='title' id=toc-1234>الباب الأول: في التحذير من الفتن</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعاَلَى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (^٢)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂ قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ النَّوْمِ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ يَقُولُ: «لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرَ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَاجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هذِهِ وَعَقَدَ سُفْياَنُ تِسْعِينَ أَوْ مِائَةً (^٣)» قِيلَ: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ (^٤)، رَوَاهُ الْأَرْبَعَة.\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتِ: اسْتَيْقَظ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً فَزِعًا يَقُولُ: «سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْخَزَائِنِ (^٥) وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْفِتَنِ (^٦) مَنْ يُوقِظ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ (^٧) رُبَّ كاَسِيةٍ فِي الدُّنْياَ عَارِيَةٍ فِي الْاخِرةِ (^٨)»،\n_________\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين\n\nكتاب الفتن وعلامات الساعة\n(^١) الفتن: جمع فتنة وهي المحنة والشدة والعذاب وكل مكروه فإن كانت من الله كالأمراض فهي لحكمة وممدوحة، وإن كانت من الإنسان في مذمومة، وعلامات الساعة: الأمارات التي تتقدم القيامة للدلالة على قربها.\n(^٢) احذروا ذنوبًا وشقاقًا فإن أثرها سيء ويعم الجميع، نسأل الله السلامة.\n(^٣) فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج وهو السد الذي بناه ذو القرنين عند مطلع الشمس مثل هذه وفسرها سفيان بن عيينة بشكل تسعين بأن وضع طرف السبابة في أصلها وضمها، والمراد ظهر لي قليل من الفتن التي تعم كل الناس.\n(^٤) الفجور والفسوق.\n(^٥) التي سيغنمها المسلمون من خزائن فارس والروم.\n(^٦) التي ستنتشر في المسلمين وابتدأت بقتل عثمان - ﵁ - كما سيأتي.\n(^٧) يريد أمهات المؤمنين ليعبدن الله تعالى.\n(^٨) فكثير من ذوى اليسار المتجملين بأنواع الثياب في الدنيا يكونون في الآخرة عرايا ذليلين لعدم العمل الصالح، نسأل الله التوفيق.","vol":"5","page":300},{"text":"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قاَلَتْ: عَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَناَمِهِ (^١) فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: «الْعَجَبُ إِنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَؤُمُّونَ هذَا الْبَيْتَ بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ لَجَأَ بِالْبيْتِ (^٢) حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ (^٣) خُسِفَ بِهِمْ» فَقُلْناَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الطَّرِيقَ قَدْ يَجْمَعُ النَّاسَ فَقاَلَ: نَعَمْ فِيهِمُ الْمُسْتَبْصِرُ وَالْمَجْبُورُ وَابْنُ السَّبِيلِ (^٤) يَهْلِكونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى يَبْعْثُهُمُ اللَّهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ (^٥)، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أصَابَ الْعذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ (^٦)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٧).\n\n• عَنْ أبِي هرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ (^٨) وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ (^٩) وَيُلْقَى الشُّحُّ (^١٠) وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ» قاَلُوا: ياَ رَسُولَ اللَّهِ أَيُّمَ هُوَ؟ قاَلَ: «الْقَتْلُ الْقَتْلُ (^١١)».\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقاَعِدُ فِيهاَ خَيْرٌ مِنَ الْقاَئمِ (^١٢) وَالْقاَئمُ فِيهاَ خَيْرٌ مِنَ الْماَشِي وَالْماَشِي فِيهاَ خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي منْ تَشَرَّفَ لَهاَ تَسْتَشْرِفْهُ (^١٣) فَمَنْ وَجَدَ فِيهاَ مَلْجَأً أَوْ مَعاَذًا فَلْيعُذْبِهِ (^١٤)»، رَوَاهُماَ الْأَرْبَعَةُ.\n_________\n(^١) عبث: تحرك جسمه أو بعضه.\n(^٢) بسبب رجل قرشي قد تحصن بالكعبة.\n(^٣) البيداء: الفلاة.\n(^٤) المستبصر: المستبين للأمر القاصد له، والمجبور: المكره.\n(^٥) بيانه في الحديث الذي بعده.\n(^٦) فإذا نزل بقوم عذاب عم الصالح والطالح ولكنهم يبعثون في الآخرة كل على حسب عمله، وللصالح أجر ما أصابه في دنياه.\n(^٧) ولكن البخاري هنا ومسلم في صفة الجنة.\n(^٨) تقل البركة منه حتَّى تكون السنة كالشهر، والشهر كالأسبوع، والأسبوع كاليوم، واليوم الساعة، والساعة كاحتراق السعفة أي الخوصة.\n(^٩) أي الصالح، وفي رواية: وينقص العمر أي النافع وها متلازمان.\n(^١٠) الشح والبخل يعظم في قلوب أهل الدنيا.\n(^١١) وكل هذا واقع الآن نسأل الله السلامة آمين.\n(^١٢) لأن القاعد بعيد عن الفتنة والقائم على استعداد لاقتحامها وكذا القول فيما بعد.\n(^١٣) من تطلع لها صرعته فيها.\n(^١٤) الملجأ والمعاذ بالفتح والضم: الحصن، فمن وجد حصنًا يتحفظ به من الفتنة فليعتصم به.","vol":"5","page":301},{"text":"• عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّهاَ سَتَكونُ فِتَنٌ أَلَا ثُمَّ تَكون فِتْتَةٌ (^١) الْقاَعِدُ فِيهاَ خَيْرٌ مِنَ الْماَشِي فِيهاَ وَالْماَشِي فِيهاَ خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إِلَيْهاَ أَلَا فَإِذَا نَزَلَتْ أَوْ وَقَعَتْ فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِهاَ (^٢) وَمَنْ كَانَ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِهاَ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ (^٣)»، فَقَالَ رَجُلٌ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ تَكنْ لَهُ إِبِلٌ وَلَا غَنَمٌ وَلَا أَرْضٌ، قاَلَ: «يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ ثُمَّ لْيَنْجُ إِنِ اسْتَطَاَعَ النَّجَاءَ (^٤) اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ (^٥)»، فَقاَلَ رَجُلٌ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أُكْرِهْتُ وَانْطُلِقَ بِي إِلَى الصَّفَّيْنِ أَوْ إِحْدَى الْفِئَتَيْنِ فَضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيْفِهِ أَوْ يَجِئُ سَهْمٌ فَيَقْتُلُنِي، قاَلَ: «يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ وَيَكُون مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\nقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁: ياَ رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي وَبَسَطَ يَدَهُ لِيَقْتُلَنِي قاَلَ: «كُنْ كاَبْنِ آدمَ الْقاَئِلِ (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِباَسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِاقْتُلَكَ)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ (^٦): سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِماَنِ بِسَيْفَيْهِماَ فَكِلَاهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ» قِيلَ: فَهذَا الْقَاتِلُ (^٧) فَماَ باَلُ الْمَقْتُولِ قاَلَ: «إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ»، رَوَاهُ الثَّلَاثَة.\nوَلِمُسْلِمٍ: «إِذَا الْمُسْلِمَانِ حَمَلَ أَحَدُهُماَ عَلَى أَخِيهِ السِّلَاحَ فَهُماَ عَلَى جُرُفِ جَهَنَّمَ فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُماَ صَاحِبَهُ\nدَخَلَاهَا جَمِيعًا (^٨)».\nوَلِأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيَّ: «إِنَّهاَ سَتَكُونُ فِتْنَةٌ\n_________\n(^١) تعم المسلمين.\n(^٢) فليلزم رعيها وليجتنب الفتنة وأهلها.\n(^٣) يشتغل بزرعها ويترك الناس.\n(^٤) ثم ليفر الناس بسرعة من أهل الفتنة.\n(^٥) هل بمعنى قد.\n(^٦) أبو بكرة اسمه نفيع بن الحارث الثقفي، وسببه أنه رأى الحسن البصري سائرا متقلدا بسلاحه فقال: أين تريد يا أحنف؟ قال: نصرة ابن عم رسول الله - ﷺ - وهو عليّ - ﵁ - حينما دبت الفتنة بينه وبين بعض الصحابة الذين انضموا لعائشة في وقعة الجمل التي ستأتي فذكر أبو بكرة الحديث.\n(^٧) أي أمره ظاهر في استحقاقه للنار.\n(^٨) جرف جهنم أي حافتها.","vol":"5","page":302},{"text":"تَسْتَنْظِفُ الْعَرَبَ (^١) قَتْلَاهَا فِي النَّارِ اللِّسَانُ فِيهاَ أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ السَّيْفِ».\nوَلِأَبِي دَاوُدَ: «إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ وَلَمَنِ ابْتُلِىَ فَصَبَرَ فَوَاهًا (^٢)».\n\n• عَنْ ثَوْباَنَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ (^٣) فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهاَ وَمَغاَرِبَهاَ وَإِنَّ أُمَّتِي سَتَبَلْغُ مُلْكُهاَ مَا زُوِيَ لِي مِنْهاَ وأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ (^٤) وَإنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتَي أَلاَّ يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ (^٥) وَأَلاَّ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنِّي إذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإنَّهُ لَا يُرَدُّ وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَلا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعاَمَّةٍ وَأَلا أُسَلِّطَ عَلَيْهمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوِ اجْتَمَعَ عَليْهِمْ مَنْ بِأَقْطاَرِهَا أَوْ مَنْ بَيْنَ أَقْطاَرِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا (^٦)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَزَادَا: «وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ (^٧) وَإِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهاَ إِلَى يَوْمِ الْقِياَمَةِ (^٨) وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ قَباَئِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ (^٩) وَحَتَّى تَعْبُدَ قَباَئِلُ مِنْ أُمَّتِي الْأَوْثاَنَ (^١٠) وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ (^١١) وَأَناَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي\n_________\n(^١) تستأصلهم هلاكًا من استنظفت الشيء أخذته.\n(^٢) واهًا أي حسرة لمن باشر الفتنة وسعى فيها ولكن السعيد من تجنب الفتن والسعيد من ابتلى فصبر، فالمطلوب تجنب الفتن فعلا وقولا.\n(^٣) قبضها وجمعها.\n(^٤) الأحمر: الذهب وهو أكثر كنز الروم، والأبيض: الفضة وهو أكثر كنز فارس أي أعطاني ربي هاتين المملكتين وقريبًا يدخلان في الإسلام ودخلا في خلافة عمر ﵁.\n(^٥) بقحط يهلك الأمة كلها.\n(^٦) بإهلاكهم لبعضهم، وبيضة الدار: وسطها ومعظمها؛ ولأبي داود في الملاحم: لن يجمع الله على هذه الأمة سيفين سيفا منها وسيفا من عدوها، الحمد لله.\n(^٧) الداعين إلى البدع والفجور.\n(^٨) إن لم يكن في بلد يكون في آخر وهكذا.\n(^٩) وقع هذا في زمن أبي بكر - ﵁ -.\n(^١٠) لم نسمع بهذا للآن ولعل المراد بها الدينار والدرهم.\n(^١١) سيأتي ذكرهم في الباب الرابع.","vol":"5","page":303},{"text":"وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ (^١)».\n\n• عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الْفِتْنَةِ: «كَسِّرُوا فِيهاَ قِسِيَّكُمْ وَقَطِّعُوا فِيهَا أَوْتاَرَكُمْ (^٢) وَالْزَمُوا فِيهَا أَجْوَافَ بُيُوتِكُمْ وَكونوا كَابْنِ آدَمَ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣) وَأَبُو دَاوُدَ، وَقِيلَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ فِي الْفِتْنَةِ؟ قاَلَ: «رَجُلٌ» فِي مَاشِيَتِهِ يُؤَدِّي حَقَّهاَ وَيَعْبُدُ رَبَّهُ وَرَجُلٌ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ يُخِيفُ الْعَدُوَّ وَيُخِيفُونَهُ (^٤).\nوَقاَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَنَبِغي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفُسَهُ؟ قَالَ: يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِماَ لَا يُطِيقُ (^٥)».\nولَمَّا طَلَبَ عَلِيٌّ مِنْ أَهْباَنَ بْنِ صَيْفِيَ الْغِفاَرِيِّ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُ قَالَ: إِنَّ خَلِيلِي وَابْنَ عَمِّكَ عَهِدَ إِلَيَّ إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ أَنِ اتَّخِذْ سَيْفًا مِنْ خَشَبٍ (^٦) فقَدِ اتَّخَذْتُهُ فَإِنْ شِئْتَ خَرَجْتُ بِهِ مَعَكَ فَتَرَكَهُ عَلِيٌّ ﵃، رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٧)، نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1235>الإخبار بالفتن وأنواعها</span>\n• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قاَلَ: قاَمَ فِيناَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقاَمًا مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكون فِي مَقاَمِهِ ذلِكَ إِلَى قِياَمِ السَّاعَةِ إِلا حَدَّثَ بِهِ حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ قَدْ عَلِمَهُ أَصْحاَبِي هؤُلَاءِ وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فأْذكُرُهُ كَماَ يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفهُ، رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ (^٨).\n_________\n(^١) سبق هذا في كتاب الإمارة.\n(^٢) القسي: جمع قوس. والأوتار: جمع وتر كسبب ما يشد في القوس.\n(^٣) بسند صحيح.\n(^٤) يرابط على الثغور بيننا وبين الكفار.\n(^٥) أي يتعرض للأمور التي لا يطيقها.\n(^٦) المراد عدم الخروج مع أحد في الفتنة.\n(^٧) بأسانيد حسنة.\n\nالإخبار بالفتن وأنواعها\n(^٨) ولكن مسلم وأبو داود هنا والبخاري في بدء الخلق.","vol":"5","page":304},{"text":"• وَعَنْهُ قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ فِيماَ بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاعَةِ وَمَا بِي إِلا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسَرَّ إِلَيَّ فِي ذلِكَ شَيْئًا لَمْ يُحَدِّثْهُ غَيْرِي (^١) وَلكِنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنَا فِي مَجْلِسٍ عَنِ الْفِتَنِ فَعَدَّهَا وَقاَلَ: «منْهُنَّ ثَلَاثٌ لَا يَكَدْنَ يَذَرْنَ شَيْئًا وَمِنْهُنَّ فِتَنٌ كَرِياَحِ الصَّيْفِ مِنْهاَ صِغاَرٌ وَمِنْهاَ كِباَرٌ»، قاَلَ حُذَيْفَةٌ: فَذَهَبَ أُولئِكَ الرَّهْط كُلُّهُمْ غَيْرِي.\n\n• وَعَنْهُ قاَلَ: أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِماَ هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ فَماَ مِنْه شَيْءٌ إِلا قَدْ سَأَلْتُهُ إِلا أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ مَا يُخْرِجُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ.\n\n• عَنْ عَمْرِو بْنِ أَخْطَبَ ﵁ (^٢) قاَلَ: صَلَّى بِناَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَجْرَ وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَناَ حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ فَنَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَناَ حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَناَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ (^٣) فَأَخْبَرَناَ بِماَ كَانَ وَبِماَ هُوَ كَائِنٌ فَأَعْلَمُناَ أَحْفَظُناَ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقاتِلُ فِيمَ قَتَلَ وَلَا الْمقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ» فَقِيلَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَكُونُ ذلِكَ قاَلَ: «الْهَرْجُ (^٤)، الْقاَتِلُ وَالْمقْتُولُ فِي النَّارِ».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَلا تُمْطَرُوا وَلكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيئًا (^٥)» رَوَى هذِهِ ﵂ الخَمْسَةُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: وَللَّهِ مَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَصْحَابِي أَمْ تَناسَوْا، وَاللَّهِ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَائِدِ فِتْنَةٍ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الدُّنْياَ يَبْلُغُ مَنْ مَعَهُ ثَلَاثَمِائَةٍ فَصَاعِدًا إِلا سَمَّاهُ\n_________\n(^١) أي فلا أذيعه كما اختصه بعلم المنافقين.\n(^٢) ولقبه أبو زيد.\n(^٣) أي قاربت الغروب، وهذا غالبًا في العام الذي قبض فيه رسول الله - ﷺ -.\n(^٤) أي ذلك الهرج وهو كثرة الفتن والقتل؛ نسأل الله السلامة آمين.\n(^٥) فليست السنة والقحط والفتن عدم المطر ولكن القحط والفتن عدم الإنبات.","vol":"5","page":305},{"text":"لَنَا بِاسْمِهِ وَاسْم أَبِيهِ وَاسْم قَبيلَتِهِ (^١).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَكونُ فِي هذِهِ الْأُمَّةِ أَرْبَعُ فِتَنٍ في آخِرهَا الْفَنَاءُ (^٢)»، رَوَاهُماَ أَبُو دَاوُدَ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ الْفِتَنَ فَأَكْثَرَ فِي ذِكْرِهَا حَتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الْأَحْلَاسِ فَقَالَ قاَئِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا فِتْنَةُ الْأَحْلاسِ؟ قَالَ: هِيَ هَرَبٌ وَحَرَبٌ (^٣) ثُمَّ فِتْنة السَّرَّاءِ دَخَنُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَزْعُمُ أَنْهُ مِنِّي وَلَيْسَ مِنِّي (^٤) وَإِنَّمَا أَوْلِيَائي الْمُتَّقُونَ ثُمَّ يَصْطَلِحُ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ كَوَرِكٍ عَلَى ضِلَعٍ (^٥) ثُمَّ فِتْنةُ الدُّهَيْماَءِ (^٦) لَا تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هذِهِ الْأُمَّةِ إِلا لَطَمَتْهُ لَطْمَةً فَإِذَا قِيلَ انْقَضَتْ تَماَدَتْ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فيهاَ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ فُسْطَاط إِيمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ وَفُسْطَاط نِفاَقٍ لَا إِيمَانَ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ ذلِكُمْ فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ غَدِهِ (^٧)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكُمْ (^٨).\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتُلُوا إِمَامَكُمْ وَتَجْتَلِدُوا بِأَسْيَافِكُمْ (^٩) وَيَرِثَ دُنْيَاكمْ شِرَارُكُمْ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n_________\n(^١) أي وصفه وصفًا مفصلًا واضحًا.\n(^٢) أربع فتن أي عظيمة، والطبراني: تكون أربع فتن: الأولى يستحل فيها الدم، والثانية يستحل فيها الدم والمال، والثالثة يستحل فيها الدم والمال والفرج، والرابعة الدجال.\n(^٣) هرب كسبب أي يفر بعضهم من بعض لشدة العداوة بينهم، وحرب كسبب نهب مال الناس وتركهم لا شيء عندهم.\n(^٤) فهو من أهل البيت ولكن ليس فعله كفعلهم.\n(^٥) ثم يصطلحون على بيعة رجل ولكن لا يثبت الصلح ولا يدوم كشيء وضع على معوج كالضلع لا يثبت.\n(^٦) الدهيماء: تصغير دهماء وهي الفتنة العظيمة السوداء العمياء، نسأل الله السلامة آمين.\n(^٧) الفسطاط بالضم والكسر: الخيمة والمدينة؛ والمراد هنا الجماعة من الناس، ففي آخر هذه ينقسم الناس إلى قسمين إلى أهل إيمان، وإلى أهل نفاق ولا يلبثان أن يظهر الدجال قاتله الله، وهذه الفتن الثلاث لا تنافي الأربع في الحديث الذي قبله فإن الرابعة فيه بعد الدجال ولذا قال في آخرها فناء الناس.\n(^٨) بسند صحيح.\n(^٩) تتقاتلوا بها، وسبق في خطبة يوم النحر من كتاب الحج: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، نسأل الله الستر والسلامة آمين.","vol":"5","page":306},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1236>الباب الثاني: في الانضمام إلى الجماعة </span>(^١)\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرَ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهذَا الْخَيرِ فَهَلْ بَعْدَ هذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ»، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: «قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْىٍ تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ»، قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرَ؟ قَالَ: «نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفوهُ فِيهاَ»، قُلْتُ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا قَالَ: «هُمْ مِنْ جِلْدَتِناَ وَيَتَكَلَّمُونَ بألْسِنَتِناَ» قُلْتُ: فَماَ تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذلِكَ؟ قَالَ: «تَلْزَمُ جَماَعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ»، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَماَعَةٌ وَلَا إِمَامٌ قَالَ: «فاَعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّها وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذلِكَ (^٢)»، رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَنَا: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا (^٣)» قَالوا: فَماَ تَأْمُرُناَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّه حَقَّكُمْ (^٤)».\nقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيَ ﵁: شَكَوْناَ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ (^٥) فَقَالَ: اصْبِرُوا فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبُّكُمْ سَمِعْتُهُ مِنْ نَبيَّكُمْ ﷺ (^٦) رَوَاهُماَ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(الباب الثاني في الانضمام إلى الجماعة)\n(^١) المراد بالجماعة أهل الدين العاملون به، وسبق الكلام عليهم في عنوان \"الجهاد فرض كفاية\" من كتاب الجهاد فيجب الانضمام إلى أهل الدين في كل وقت، فإنه يسير بسيرهم ويتحصن بهم ويحشر في زمنهم إن شاء الله تعالى.\n(^٢) سبق هذا الحديث في كتاب الإمارة والقضاء.\n(^٣) من الأمراء.\n(^٤) واطلبوا منه تعالى أن يسخر قلوبهم لكم.\n(^٥) ابن يوسف الثقفي: الأمير المشهور بالظلم.\n(^٦) وللطبراني: أمس خير من اليوم واليوم خير من غد، وكذلك حتَّى تقوم الساعة. وشرية الزمن =","vol":"5","page":307},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَدُورُ رَحَى الْإِسْلَامِ لِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ أَوْ سِتَ وَثَلَاثِينَ أَوْ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً (^١) فإِنْ يَهْلِكُوا فَسَبيلُ مَنْ هَلَكَ (^٢) وَإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًا» قُلْتُ: أَمِمَّا بَقِيَ أَوْ مِمَّا مَضَى قاَلَ: مِمَّا مَضَى (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ فَارَقَ الْجَماَعةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِه (^٤).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَيْفَ أَنْتُمْ وَأَئِمَّةٌ مِنْ بَعْدِي يَسْتَأْثِرُونَ بِهذَا الْفَىْءِ (^٥)» قُلْتُ: أَمَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ أَضَعُ سَيْفِي عَلَى عَاتِقِي ثُمَّ أَضْرِبُ بِهِ حَتَّى أَلْقاَكَ، قَالَ: أَوَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذِّلِكَ؟ تَصْبِرُ حَتَّى تَلْقاَنِي رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ أَبُو دَاوُدَ.\nوَخَطَبَ عُمَرُ ﵁ بِالْجابِيَةِ (^٦) فَقَالَ: أَيُّهاَ النَّاسُ إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقاَمِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيناَ فَقاَلَ: «أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَخْلَفُ وَيَشْهَدُ الشَّاهِدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ. أَلَا لَا يَخْلَوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا كَانَ ثاَلِثَهُماَ الشَّيْطَانُ، عَلَيْكُمْ بِالْجماَعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ (^٧) وَهُوَ منَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ. مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجماَعةَ (^٨) مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيْئَتُهُ فَذلِكُمُ الْمُؤْمنُ».\nوَقِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَرأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَيْناَ أُمَرَاءُ يَمْنَعُونَا\n_________\n= بالنسبة لأهله فإن الشر من الناس لا من الزمن، فكل يوم خير مما بعده أي غالبًا فلا ينافي أن أيام عمر بن عبد العزيز كانت خير أيام الأمويين الذين قبله والذين بعده رضي الله عن الجميع.\n(^١) تستقيم حال الإسلام إلى تلك المدة.\n(^٢) فإن خرجوا عن طريق الاستقامة هلكوا كمن سبقهم.\n(^٣) فإن داموا على الاستقامة بعد خمس وثلاثين دامت دولتهم إلى سبعين، وابتداؤها من فتح مكة إلى نهاية خلافة الخلفاء الراشدين، وإن كان من الهجرة إلى خروج أهل الأمصار على عثمان، وفي ست وثلاثين كانت وقعة الجمال، وفي سبع وثلاثين كانت وقعة صفين.\n(^٤) فمن فارق الجماعة قيد: أي قدر شبر فقد خرج من الإسلام، وأصل الربقة: الطوق في عنق الدابة، وسبق كثير من هذا في كتاب الإمارة والقضاء.\n(^٥) بمال الدولة.\n(^٦) اسم مكان.\n(^٧) أقرب لوسوسته من الاثنين والجماعة.\n(^٨) بحبوحة الجنة: وسطها.","vol":"5","page":308},{"text":"حَقَّنَا وَيَسْأَلونَا حَقَّهُمْ فَقَالَ: «اسْمَعُوا وَاطِيعُوا فإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكمْ مَا حُمْلُتْم»، رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1237>متى ابتدأت الفتنة ومن أين تأتي</span>\n• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ ﵁ فَقَالَ: أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ الْفِتَنَ، فَقَالَ قَوْمٌ: نَحْنُ سَمِعْناَهُ، فَقاَلَ: لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنةَ الرَّجْلِ فِي أَهْلِهِ وَجَارِهِ (^٢) قَالوا: أَجَلْ قَالَ: تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَة وَلكِنْ أَيُّكمْ سَمِعَ الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ؟ قَالَ حُذَيْفَة: فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ (^٣) فَقُلتُ: أَنَا، قَالَ: أَنْتَ لِلَّهِ أَبُوكَ (^٤) قلتُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقلوبِ كَالْحَصِيبِ عُودًا عُودًا (^٥) فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهاَ نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ (^٦) وَأَيُّ قَلبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ (^٧) عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفاَ فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّموَاتُ وَالْارْضُ وَالْاخَرُ أَسْوَدُ مُرْباَدًّا كَالْكُوزِ مُجخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا ولَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ (^٨) قاَلَ حُذَيْفَةُ: وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا باَبا مُغْلَقًا يُوشِكُ أَنْ يُكْسَرَ قاَلَ عُمَرُ: أَكَسْرًا لَا أَباَ لَكَ، فَلَوْ أَنَّهُ فُتِحَ لَعَلَّهُ كَانَ\n_________\n(^١) بسندين صحيحين.\n\nمتى ابتدأت الفتنة ومن أين تأتي\n(^٢) وحديثها: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر والنهي، وسبق هذا في كتاب الصور.\n(^٣) سكتوا أو أطرقوا.\n(^٤) كلمة مدح أي كان أبوك عبدا لله وأنجب ولدًا لله تعالى.\n(^٥) فالفتن إذا نزلت في أي زمن لصقت بعرض القلوب أي جانبها كما يلصق الحصير بجنب النائم.\n(^٦) نبتت فيه نقطة سوداء.\n(^٧) فتصير القلوب على قلبين.\n(^٨) ويصير الآخَر أسود مربادًّا أي ممزوجًا بياضه بسواد كالكوز منكوسًا لا يعرف خيرا ولا شرا سوى هواه.","vol":"5","page":309},{"text":"يُعاَدُ، قُلْتُ: لَا بَلْ يُكْسَرُ وَحَدَّثتُهُ أَنَّ ذلِكَ الْبابَ رَجُلٌ يُقْتَلُ أَوْ يَمُوتُ، حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ (^١)، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n• عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَناَ مَرْوان قاَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ الصَّادِقَ لْمَصْدُوقَ يَقُولُ: هَلَكَةُ أُمَّتِي عَلَى يَدَي غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ (^٣) فَقَالَ مَرْوَانُ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ غِلْمَةً فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ بَنِي فُلَانٍ وَبَنِي فُلَانٍ لَفَعَلْتُ (^٤) قاَلَ عَمْرُ بْنُ يَحْيَى: فَكنْتُ أَخْرُجُ مَعَ جَدِّي (^٥) إِلَى بَنِي مَرْوَانَ حِينَ مَلَكوا بِالشَّامِ فَإِذَا رَآهُمْ غِلْماَنًا أَحْدَاثًا قَالَ لَناَ: عَسَى هؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْهُمْ، قُلْنَا: أَنْتَ أَعْلَمُ (^٦). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأَحْمدُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْمَشْرِقِ يَقُولُ: أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ ههُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ (^٧)، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) وحدثته حديثًا حقًّا لا غلط فيه أن ذلك الباب الذي بينكم وبين الفتن رجل يقتل أو يموت وهو عمر - ﵁ - الذي انكسر بموته باب الفتن وتولى عثمان - ﵁ - فابتدأت وعظمت واشتعلت نارها بموته وهكذا ستبقي مرة بالحسام ومرة بالكلام ما دامت الدنيا، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾.\n(^٢) ولفظه لمسلم في الإيمان.\n(^٣) جماعة أحداث السن من قريش؛ ولفظ أحمد: إن فساد أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش.\n(^٤) كأن أبا هريرة كان يعرفهم وكان يتكتم ذلك خوفًا من بني أمية وكان هذا من الجراب المكتوم عنده الذي قال فيه عندي جراب من المعلم لو كشفته لقطعتم مني هذا الحلقوم.\n(^٥) وهو سعيد بن عمرو الراوي لهذا الحديث.\n(^٦) عسى بنو مروان أن يكونوا من العلمة السفهاء التي على يدها هلاك الأمة، وهذا أقرب للواقع فقد روى الطبراني وغيره أحاديث في لعن الحكم والد مروان وما ولد، ولمسلم: يهلك أمتي هذا الحي من قريش (بنو أمية) قالوا؛ فما تأمرنا؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم؛ أي لنجوا منهم، ومعلوم أن يزيد بن معاوية الذي هو من بني أمية هو الذي أمر بقتل الحسين - ﵁ - وأبوه معاوية قاتل عليًا على الخلافة - ﵃ - وفي جواز لعن يزيد هذا خلاف، واتفقوا على جواز لعن من قتل الحسين أو أمر به أو رضي به.\n(^٧) ولمسلم: إن الفتنة تجيء من هاهنا وأومأ بيده نحو المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان أي جنس الشيطان الذي يقترن بطلوع الشمس فيقع سجود الساجدين لها حينئذ للشيطان كما سبق في الأوقات النهي عن النافلة فيها، وظاهره الشرق كله من جنوبه إلى شماله فيعم نجدا والعراق وما وراءهما.","vol":"5","page":310},{"text":"وَعنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ باَرِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا للَّهُمَّ باَرِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا» قاَلُوا: وَفِي نَجْدِناَ قاَلَ: «اللَّهُمَّ باَرِكْ لناَ فِي شَأْمِنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا» قالوا: ياَ رَسُولَ اللَّهِ وَفِي نَجْدِناَ فَأَظُنُّهُ قاَلَ فِي الثَّالِثَةِ: هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَلْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْن الشَّيْطَانِ (^١)، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَيْتِ عَائِشَةَ فَقَالَ: «رَأْسُ الْكُفْرِ مِنْ ههُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْن الشَّيْطَانِ يَعْنِي الْمشْرِقَ (^٢)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1238>الباب الثالث: في الخوارج والمارقة من الدين </span>(^٣)\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْيَمَنِ بِذَهَبَةٍ لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ (^٤) فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ بَيْنَ عُيَيْنَةَ ابْنِ بَدْرٍ وَالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ وَزَيْدِ الْخَيْلِ وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحابِهِ: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهذَا مِنْ هؤُلَاءِ (^٥) فَبَلَغَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّماَءِ يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَباَحًا وَمَسَاءً فَقاَمَ رَجخُلٌ غَائرُ الْعَيْنَيْنِ (^٦) مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ ناَشِزُ (^٧)\n_________\n(^١) أي تظهر منها الفتن التي يشعلها الشيطان، ولم يدع لهم النَّبِيّ - ﷺ - لأن أغلبهم حينذاك كانوا كفارًا وليضعفوا عن الشر الموضوع جهتهم.\n(^٢) فاتضح من هذا أن الفتنة ابتدات في المسلمين من بني أمية الذين كانوا يحيطون بعثمان - ﵁ - وأظهروا له تمام الإخلاص فولى بعضهم أمراء في الجهات واستبطن آخرين منهم فجعلهم أهل مشورته وأفضى إليهم بسره ثم بعد ذلك اشتعلت نارها في وقعة الجمل ووقعة صفين ثم ظهرت الخوارج، هذه كلها كانت في نجد والعراق وما وراءها من الشرق كما أخبر النَّبِيّ - ﵁ - فتلك معجزات ظاهرات باهرات صلى الله على صاحبها وسلم.\n\n(الباب الثالث في الخوارج والمارقة من الدين)\n(^٣) أي في ذكرهم وبيان صفاتهم وحكمهم، فهم قوم يظهر عليهم التمسك بالدين ولكنهم ليسوا على شيء منه يبغضون المؤمنين ويودون الكافرين.\n(^٤) بقطعة ذهب لم تصف من ترابها موضوعة في جلد مدبوغ بالقرظ وكانوا حينئذ بالجعرانة بعد انصرافهم من حنين.\n(^٥) ذلك الرجل قريب عهد بالإسلام وضيف الإيمان.\n(^٦) عيناه داخلتان في محاجرهما.\n(^٧) مرتفع الوجنتين وعالي الجبهة.","vol":"5","page":311},{"text":"الْجَبْهَةِ كَثُّ اللِّحْيَة مَحْلُوقُ الرَأْسِ مُشَمَّرُ الإزَارِ (^١)» فَقاَلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ فَقَالَ: «وَيْلَكَ أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ» قاَلَ: ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ فَقاَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَضْرِبُ عُنُقهُ فَقَالَ: «لَا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصْلِّي» قَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلَ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ» ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُقَفٍ (^٢) فَقَالَ: إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هذَا (^٣) قَوْمٌ يَتْلونَ كِتاَبَ اللَّهِ رَطْبًا (^٤) لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ (^٥) قَالَ أَظُنُّهُ قَالَ: «لَئِنْ أَدْرَكْتَهُمْ لَأَقْتُلنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ (^٦)».\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذَهَبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا إِلَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةٍ: عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ وَزَبْدِ الْخَيْلِ وَعَلْقَمَةَ فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ فَقَالُوا: أَيُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ وَيَدَعُناَ (^٧)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا فَعَلْتُ ذلِكَ لِأَ تَأَلَّفَهُمْ فجَاءَ رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتْينِ غَائرُ الْعْيَنْينِ ناَتِيُّ الْجَبِينِ محْلُوقُ الرَّأْسِ» فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحمَّدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَمَنْ يُطِعِ اللَّه إِنْ عَصَيْتُهُ أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِي»، ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ فاَسْتَأْذَنَ أَحَدُ الْقَوْمِ فِي قَتْلِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئي هذَا قَوْمًا يَقْرأُونَ القُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلامِ وَيَدْعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ (^٨) يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَماَ يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ» رَوَاهُماَ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٩).\n_________\n(^١) غزير شعر اللحية وحالف رأسه بخلاف العرب حينذاك فإنهم كانوا يبقون شعورهم ويفرقونها.\n(^٢) ثم ينظر النَّبِيّ - ﷺ - إلى هذا الرجل وهو مول قفاه ذاهبًا.\n(^٣) من أصله وجنسه.\n(^٤) يكثرون من تلاوته فلا تزال ألسنتهم رطبة به.\n(^٥) لا يجاوز حناجرهم: لا يصل إلى تراقيهم وأول إلى قلوبهم.\n(^٦) سبق هذا في آداب القراءة.\n(^٧) الصناديد جمع صنديد. وهو السيد في قومه.\n(^٨) فهؤلاء يودون الكفار ويبغضون أهل الإسلام.\n(^٩) مرويات البخاري هنا في بعث خالد وفي باب من ترك قتال الخوارج للتألف وفي فضل القرآن. ومرويات مسلم في الزكاة واللفظ في الكل له.","vol":"5","page":312},{"text":"• وَعَنْهُ قَالَ: بَيْنا نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا (^١) أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقالَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ»، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ أَضْرِبْ عُنَقهُ، قَالَ: «دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ يَقْرأُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجاَوِزُ تَرَاقِيهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَماَ يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيءٌ (^٢) ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ (^٣) ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ فَلَا يُوجَدُ فيهِ شَيْءٌ (^٤) ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ (^٥) سَبَقَ الْفَرْثَ\nوَالدَّم (^٦) آيتُهُمْ رَجُلٌ أَسُوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ (^٧) يخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ\nالنَّاسِ (^٨)»، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هذَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قاَتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ فَأَمَرَ بِهذَا الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَأُتِيَ بِهِ (^٩) فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الَّذِي نَعَتَ (^١٠) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) بالجعرانة بعد منصرفهم من حنين.\n(^٢) الفصل: حديد السهم.\n(^٣) الرصاف: مدخل النصل من السهم.\n(^٤) النضى كغنى: القدح الذي يرمى به عن القوس.\n(^٥) القذذ: جمع قذة: وهي ريش السهم.\n(^٦) سبق أي جاوز السهم الفرث والدم من الصيد، والمراد أن هؤلاء بعيدون عن الإسلام كما جاوز السهم مرماه فليس في شيء منه علامة إصابة.\n(^٧) فعلامة هؤلاء أن فيهم رجلا أسود إحدى عضديه كثدي المرأة أو قال مثل البضعة أي قطعة اللحم التي تتدردر أي تتحرك وتضطرب.\n(^٨) وفي رواية: يخرجون على خير فرقة من الناس، وقد خرجوا على أمير المؤمنين عليّ - ﵁ - ونقضوا بيعته حينما كان معاوية يقاتلهم فقاتلهم عليّ - ﵁ - وهزمهم شر هزيمة.\n(^٩) أي وهو قتيل.\n(^١٠) قصدق قول رسول الله - ﷺ - فيهم وظهرت معجزته كالشمس في رابعة النهار.","vol":"5","page":313},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1239>قتال الخوارج فرض عين </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي أَوْ سَيَكُون بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ يَقْرأُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَلَاقِيمَهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّة ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ (^٢)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: «سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلَافٌ وَفُرْقَةٌ قَوْمٌ يُحْسِنُونَ الْقِيلَ (^٣) وَيُسِيئُونَ الْفِعْلَ يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ لَا يَرْجِعُونَ حَتَّى يَرْتَدَّ عَلَى فُوقِهِ (^٤) هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ طُوبى لِمَنْ قَتلَهُمْ وَقَتَلُوهُ يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَلَيْسُوا مِنْهُ فِي شَىْءٍ مَنْ قاَتَلَهُمْ كَانَ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْهُمْ»، قاَلُوا: ياَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا سِيمَاهُمْ؟ قاَلَ: «التِّحْلِيقُ (^٥)».\n\n• عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ﵁ (^٦) أَنَّ الْحَرُورِيَّةَ لَمَّا خَرَجَتْ عَلَى عَلِيَ ﵁ (^٧) قَالُوا: لَا حُكْمَ إِلا لِلَّهِ، قَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقَ أُرِيدَ بِهاَ باَطِلٌ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَصَفَ ناَسًا إِني لَأَعْرِفُ صِفَتَهُمْ فِي هؤُلَاءِ يَقُولُونَ الْحَقَّ بِأَلْسِنَتِهِمْ لَا يُجَاوِزُ حَلْقهُمْ مِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ مِنْهُمْ أَسْوَدُ إِحْدَى يَدَيْهِ طُبْىُ شَاةٍ أَوْ حَلَمَة ثَدْيٍ فَلَمَّا قَتَلَهُمْ\nعَلِيٌّ وَجَدُوهُ (^٨)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الْجُهَنِي ﵁ وَكَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِي\n_________\nقتال الخوارج فرض عين\n(^١) لم يقاتلهم النَّبِيّ - ﷺ - مع ظهور بعضهم له للتألف.\n(^٢) الخلق: الناس، والخليقة البهائم، وقيل هما بمعنى وهو جميع الخلائق.\n(^٣) أي القول كله.\n(^٤) لا يرجعون إلى الدين حتَّى يرجع السهم إلى محله في القوس، وهذا محال فرجوعهم للدين محال.\n(^٥) فعلا منهم تحليق رؤوسهم بخلاف العرب حينذاك فإنهم كانوا يتركون شعورهم ويفرقونها.\n(^٦) عبيد الله هذا كان مولى للنبي - ﷺ -.\n(^٧) الحرورية نسبة لبلد بقرب الكوفة تسمى حروراء وهم من الخوارج خرجوا على أمير المؤمنين - ﵁ - عنه حينما قبل التحكيم بينه وبين معاوية ووكل عنه أبا موسى الأشعري فقالوا لا حكم إلا لله فرد عليهم أمير المؤمنين علي - ﵁ - بقوله: كلمة حق أريد بها باطل.\n(^٨) فيهم رجل أسود في مكان إحدى يديه لحمة بارزة كضرع الشاة أو كحلمة الثدي فلما قتل الخوارج وجد أصحاب على في القتلى رجلًا =","vol":"5","page":314},{"text":"سَارَ مَعَ عَلِيَ ﵁ إِلَى الْخَوَارِجِ فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قَرَاءَتِهِمْ بَشَيْءٍ وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاتِهِمْ بِشَيْءٍ وَلَا صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ يَقْرأُونَ الْقُرْآنَ يَحْسِبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ لَا تُجاَوِزُ صَلَاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِي يُصِيبُونَهُمْ مَا قُضِىَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ ﷺ لَا تَّكَلُوا عَنِ الْعَمَلِ (^١) وَآيَةُ ذلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ وَلَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ (^٢) فَتَذهَبُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَأَهْلِ الشَّامِ وَتَتْرُكُونَ هؤُلَاءِ يَخْلفُونكُمْ فِي ذرَارِيِّكمْ وَأَمْوَالِكمْ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا هؤُلَاءِ الْقَوْمَ فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكوا الدَّمَ الْحَرَامَ وَأَغَارُوا فِي سَرْحِ النَّاسِ (^٣) فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ»، قَالَ زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ فَسِرْناَ فَنَزَلْناَ مَنْزِلًا حَتَّى مَرَرْناَ عَلَى قَنْطَرَة فعلَمَّا الْتقَيْناَ وَعَلَى الْخَوَارِجِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ، فَقاَلَ لَهُمْ: أَلْفُوا الرِّمَاحَ وَسُلُّوا سُيُوفَكُمْ مِنْ جُفُونِهاَ (^٤) فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُنَاشِدُوكُمْ كَماَ ناَشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ فَرَجَعُوا فَوَحَّشُوا بِرِمَاحهِمْ (^٥) وَسَلُّوا السُّيُوفَ وَشَجَرَهُمُ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ (^٦) فَقُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَمَا\n_________\n= فيه هذا الوصف، وهذه الصفة في كل الأحاديث كانت في رجل واحد من الخوارج أو في كل جماعة منهم رجل على هذه الصفة كل محتمل والله أعلم.\n(^١) لو يعلم الجيش الذي يقاتل هؤلاء ماله عند الله في الآخرة لترك العمل اكتفاء بذلك.\n(^٢) فعلامة هؤلاء الخوارج أن فيهم رجلا ليس له ذراع وله عضد على رأسه مثل حلمه الثدي عليه شعرات بيض.\n(^٣) أغاروا على مواشي الناس السائمة فنهبوها.\n(^٤) فقال لهم على - ﵁ - ألقوا الرماح وأخرجوا السيوف من أغمادها فإني أخاف أن يطلبوا منكم الصلح ويستحلفوكم بالله كما حصل في غزوة حروراء.\n(^٥) رموا بها عن بعد منهم.\n(^٦) داهموهم بالرماح ثم بالسيوف فأنزلوهم بالأرض صرعى وأبادوهم جميعًا، فقادهم تدبيرهم إلى تدميرهم.","vol":"5","page":315},{"text":"أُصِيبَ مِنْ جَيْشِنَا إِلا رَجُلَانِ فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: الْتَمِسُوا فِيهِمُ الْمُخْدَجَ (^١) فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَقَامَ عَلِيٌّ بِنَفْسِهِ حَتَّى أَتَى ناَسًا قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ قاَلَ: أَخِّرُوهُمْ فَوَجَدُوهُ مِمَّا عَلِى الْأَرْضَ فَكَبْرَ عَلِيٌّ ثُمَّ قاَلَ: صَدَقَ اللَّهُ وَبَلَّغَ رَسُولُهُ فَقاَمَ إِلَيْهِ عَبِيدَةُ السَّلْماَنِيُّ فَقَالَ: ياَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آللَّهَ الَّذِي لَا إِلهَ إِلا هُوَ لَسَمِعْتَ هذَا الْحدِيثَ مِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ: إِى وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلهَ إِلا هُوَ حَتَّى اسْتَحْلَفهُ ثَلَاثًا وَهُوَ يَحْلِفُ لَهُ (^٢) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1240>كلمة عن وقعة الجمل </span>(^٣)\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِياَدٍ الْأَسَدِيِّ ﵁ قاَلَ: لَمَّا سَارَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَائِشَة إِلَى الْبَصْرَةِ بَعَثَ عَلِيٌّ عَمَّارَ بْنَ ياَسِرٍ وَحَسَنَ بْنَ عَلِيَ إِلَى الْكوفَةِ يَسْتَنْفِرَانِ النَّاسَ (^٤) فَصَعِدَ الْحَسَنُ فَوْقَ الْمِنْبَرِ فِي أَعْلَاهُ وَقَامَ عَمَّارٌ أَسْفَلَ مِنَ الْحَسَنِ فاَجْتَمَعْناَ فَسَمِعْتُ عَمَّارًا يَقُولُ: إِنْ عَائِشَةَ قَدْ سَارَتْ إِلَى الْبَصْرَةِ وَوَاللَّهِ إِنَّهاَ لَزَوْجَة نَبِيِّكُمْ فِي الدُّنْياَ وَالْاخِرَةِ وَلكِنَّ اللَّهَ ابْتَلَاكُمْ بِهاَ لِيَعْلَمَ\nإِيَّاهُ تطِيعُونَ أَمْ هِيَ (^٥)، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) أي ناقص الذراع الذي مر وصفه.\n(^٢) الله منصوب بنزع الخافض أي أسألك بالله هل سمعت هذا من النَّبِيّ - ﷺ - قال نعم والله - ثلاث مرات ليؤكد ذلك للحاضرين ويظهر لهم تلك المعجزة الباهرة.\n\nكلمة عن وقعة الجمل\n(^٣) هذه وأمثالها مبسوطة في كتب السير والتاريخ، ولكني مضطر إلى نقل ما في أصولنا منها كما حملناه على عاتقنا والله المستعان.\n(^٤) يحثان الناس على الخروج مع علي - ﵁ -.\n(^٥) فالله تعالى ابتلاكم بها ليظهر منكم من يطيعها ومن يطيع الله تعالى، وإطاعته في إطاعة عبده ووليه على - ﵁ -، وبيان هذا باختصار لما استشهد عثمان وتولى بعده على - ﵄ - وهو يعلم أن الثورة على عثمان كان سببها تولية أقاربه فعزلهم على ﵁ عملا على رغبة المسلمين في الأقطار فتحركت عواطف بني أمية وأشاعوا في الناس أن القاتل لعثمان هو علي (أي أنه تراخى في نصرته وكان يمكنه ذلك مع أن عليًا عمل كل ما يمكنه في حفظ عثمان - ﵁ - ولكن قدر الله غالب على كل شيء) =","vol":"5","page":316},{"text":"• عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ أَيَّامَ الْجَمَلِ لَمَّا بَلَغَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ فَارِسَ مَلَّكوا\nابْنَةَ كِسْرَى (^١)، قَالَ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوَا أَمْرَهمُ امْرَأَةً (^٢)»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٣).\nقاَلَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:\nالْحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكون فَتِيَّةً … تَسْعَى بِزِينَتِهَا لِكُلِّ جَهُولِ (^٤)\nحتَّى إِذَا اشْتَعَلَتْ وَشَبَّ ضِرَامُهَا … وَلَّتْ عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيلِ (^٥)\nشَمْطَاءَ يُنْكَرُ لَوْنُهَا وَتَغَيَّرَتْ … مَكرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ (^٦)\n_________\n= وألبوا عليه بعض الأصحاب فانضم لهم طلحة والزبير بعد مبايعتهما لعلي - ﵃ - وخطبت عائشة بمكة وحضت الناس على الأخذ بدم عثمان فاجتمع من أهل مكة والمدينة وما حولها ثلاثة آلاف مقاتل وساروا إلى البصرة لاستنفار الناس وعلى رأسهم عائشة على جمل اسمه عسكر اشتراه لها يعلى بن أمية بمائتي دينار فساروا حتَّى نزلوا بمياه بني عامر نبحت عليها الكلاب فقالت أي ماء هذا قالوا الحوأب فقالت إن النَّبِيّ - ﷺ - قال لنا ذات يوم كيف بإحداكن ينبح عليها كلاب الحوأب، وفي رواية: أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تخرج حتَّى تنبحها كلاب الحوأب يقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثيرة وتنجو بعد ما كادت، أي تهلك، وسمع بذلك على - ﵁ - فخرج من المدينة ومعه تسعمائة راكب فرارًا من الفتنة وقصد الكوفة فسمع بجيش عائشة وراءه فاستنفر أهل الكوفة فخرج منهم طائفة معه والتقوا بجيش عائشة فكسروهم شر كسرة واستشهد طلحة إلى رحمة الله فوقف على جثته علي - ﵁ - وصار يبكي لهذه الفتنة التي أخرجتهم من ديارهم إلى هلاكهم، وأما الزبير فإنه حين وقف الصفان ظهر على - ﵁ - بينهما ونادى الزبير فجاءه فقال له: أستحلفك بالله أتذكر أني كنت أسير مع النَّبِيّ وقد قابلتنا فنظر لي ولك النَّبِيّ - ﷺ - وهو يتبسم فسألته فقال تقاتله وأنت له ظالم قال نعم وسأرجع إلى وطني وفعلا. رجع ونام في طريقه تحت شجرة وعلق سيفه فجاء شخص فقطع رقبته وهو نائم ثم جاء لعلى وبشره فأنّبه علي وذمه وقال له بشر قاتل الزبير بالنار، وأما عائشة فإن جملها قد كسرت رجله وكادت تسقط على الأرض فأدركها علي - ﵁ - وقال: حافظوا على أمكم وأكرموها وأمر بإرجاعها إلى وطنها بسلامة الله تعالى.\n(^١) بعد موت أبيها.\n(^٢) فهم أبو بكرة أن جيش عائشة لن يفلح فلم يخرج معهم.\n(^٣) وسبق هذا في كتاب الإمارة.\n(^٤) تظهر أولا جميلة تغر الجاهلين.\n(^٥) فإذا اشتعلت نارها صارت كالعجوز لا يرغب فيها أحد.\n(^٦) شاب شعرها وتغير لونها فلا يشمها ولا يقبلها أحد لقبحها، هكذا الحرب في أولها محبوبة وفي آخرها مبغوضة؛ نسأل الله السلامة منها آمين.","vol":"5","page":317},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1241>الباب الرابع: في الذين ادعوا النبوة </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ (^٢)» رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ ثَوْباَنَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ وَحَتَّى يَعْبُدُوا الْأَوْثاَنَ وَإِنَّهُ سَيَكُون فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ كَذَّابُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نِبيَّ بَعْدِي (^٣)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1242>مسيلمة والعنسي الكذابان</span>\n• عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَجَعَلَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِيَ مُحَمَّدٌ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ وَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ (^٥) فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ ثاَبِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ (^٦) وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ\n_________\n(الباب الرابع في الذين ادعوا النبوة)\n(^١) أي في عددهم.\n(^٢) دجالون: جمع دجال من الدجل وهو المكر والتلبيس والتمويه، وللإمام أحمد: سبعة وعشرون منهم أربعة نسوة كلهم يزعم أنه رسول الله. ولفظ أبي داود: لا تقوم الساعة حتَّى يخرج ثلاثون كذابا دجالا كلهم يكذب على الله وعلى رسوله. قال إبراهيم لعبيدة السلماني: أترى المختار الثقفي منهم؟ قال: إنه من الرءوس.\n(^٣) وحديث: قريب من ثلاثين لا ينافي حديث ثلاثون كذابون فإن هذا يجبر الكسر، أو أن الزائد على سبعة وعشرين لم يدعوا النبوة وإن كانوا دجالين، وقد وجد من هؤلاء خلق كثيرون في الأعصار وأهلكهم الله تعالى، منهم العنسي اليمني، ومسيلمة، وابن صياد. وهؤلاء ظهروا في زمن النَّبِيّ - ﷺ - وهلكوا، ومنهم المختار الثقفي والمسيح الدجال سيظهر ويهلك.\n(^٤) سبق هذا في الإخبار بالمتن؛ نسأل الله السلامة منها آمين.\n\nمسيلمة والعنسي الكذابان\n(^٥) قدم مسيلمة مع ناس كثيرين من قومه بني حنيفة ونزل في المدينة في دار بنت الحارث بن كريز التي كانت تحته.\n(^٦) خطيب النَّبِيّ - ﷺ -.","vol":"5","page":318},{"text":"قِطْعَةُ جَرِيدٍ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «لَوْ سَأَلْتَنِي هذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ (^١) وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ وَإِنِّي لَأَراكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا رَأَيْتُ (^٢) وَهذَا ثاَبِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّي» ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَسَأَلْتُ أَباَ هُرَيْرَةَ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنِّي لَأَرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا رَأَيْتُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَناَ ناَئمٌ رأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا فَأُوحِيَ إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ أَنِ انْفُخْهُماَ فَنَفَختُهُماَ فَطَارَا فَأَوَّلْهُمُا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ مِنْ بَعْدِي (^٣) أَحَدُهُماَ الْعَنْسِيُّ وَالْاخَرُ مُسَيْلِمَةُ» وَفِي رِوَايَةٍ: «فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَناَ بَيْنَهُمَا صَاحِبُ صَنْعَاءَ وَصَاحِبُ الْيَماَمَةِ (^٤)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1243>ذكر ابن صياد </span>(^٦)\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ انْطَلَقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَهْطٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ حَتَّى وَجَدَهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ (^٧) وَقَدْ قاَرَبَ يَوْمَئِذٍ الُحُلَمْ فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ ثمَّ قَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنِّي\n_________\n(^١) لن تتجاوز حكم الله عليك.\n(^٢) وهو المنام الآني.\n(^٣) يظهران بعد ظهوري.\n(^٤) صاحب صنعاء اليمن: وهو الأسود العنسي الذي قتله فيروز الديلمي، وصاحب اليمامة: هو مسيلمة الكذاب الذي قتله وحشي الذي قتل حمزة - ﵁ - وقال: لعل الله يغفر لي ما ارتكبته في قتل حمزة سيد الشهداء.\n(^٥) ولكن البخاري في وفد بني حنيفة وسبق هذا في كتاب الرؤيا.\n\nوذكر ابن صياد\n(^٦) واسمه أيضًا صاف بن صائد ويقال: ابن صياد كشداد ولد بالمدينة وكان دجالًا كبيرًا وماكرًا عظيمًا، ولم يظهر النَّبِيّ - ﷺ - إن كان هو المسيح الدجال أو غيره ولكنه من أكبر الدجالين.\n(^٧) الأطم: البناء المرتفع والحصن. ومغالة: بطن من الأنصار أو حي من قضاعة.","vol":"5","page":319},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ»؟ فَنَظَرَ إِليْهِ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ (^١) ثُمَّ قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَرَفَضَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^٢) وَقَالُ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ ثُمَّ قاَلَ لهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَاذَا تَرَى (^٣) قَالَ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ (^٤) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خُلِّطَ عَلَيْكَ الْأَمْرُ (^٥)» ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا (^٦)» فَقَالَ: هُوَ الدُّخُّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ذَرْنِي ياَ رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقهُ فَقاَلَ لَهُ: إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكنُهُ فَلا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ (^٧)، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَزَادَ مُسْلِمٌ: وَانْطَلَقَ بَعْدَ ذلِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ إِلَى النَّخْلِ الَّتِي فِيهاَ ابْنُ صَيَّادٍ فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَّقِي بجُذُوعِ النَّخْلِ وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنَ ابْنِ صَيَّادٍ قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ابْنُ صَيَّادٍ (^٨) وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشٍ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهاَ زَمْزَمَةٌ (^٩) فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ فَقَالَتْ لِابْنِهِاَ: ياَ صَافِ هذَا مُحَمَّدٌ فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: لَقِيَهُ (^١٠) النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمِدينَةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ»؟ فَقَالَ هُوَ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رُسُولُ اللَّهِ؟ فقاَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ مَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ\n_________\n(^١) أي العرب فقط ولست برسول إلى غيرهم كما زعمه اليهود.\n(^٢) تركه وسار معه حتَّى اعترف بكذبه.\n(^٣) من أخبار الغيب.\n(^٤) خبر بعضه صادق وبعضه كاذب أي ما أراه يصدق بعضه دون بعض.\n(^٥) أي هذا خبر مخلط فهو من شيطان.\n(^٦) وأضمر في نفسه ﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾.\n(^٧) إن كان هذا هو المسيح الدجال فلا يمكنك قتله وإلا فلا خير لك في قتله.\n(^٨) صار النَّبِيّ - ﷺ - يتوارى في النخل فيخدع ابن صياد فيسمع منه شيئًا على حين غفلة منه.\n(^٩) صوت خفي لا يكاد يفهم.\n(^١٠) أي ابن صياد.","vol":"5","page":320},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ وَمَا تَرَى»؟ قَالَ: أَرى صَادِقَيْنِ أَوْ كَاذِبَيْنِ وَصَادِقًا، فَقاَلَ: «لُيِس عَلَيْهِ دَعُوهُ (^١)».\n\n• وَعَنْهُ قاَلَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا أَوْ عُمَّارًا وَمَعَنَا ابْنُ صَائِدٍ فَنَزَلْناَ مَنْزِلًا فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَبَقِيتُ أَناَ وَهُوَ فاَسْتَوْحَشْتُ مِنْهُ وَحْشَةً شَدِيدَةً مِمَّا يُقَالُ عَلَيْهِ (^٢) قَالَ: وَجَاءَ بِمَتَاعِهِ فَوَضَعَهُ مَعَ مَتَاعِي فَقُلْتُ: إِنَّ الْحَرَّ شَدِيدٌ فَلَوْ وَضَعْتَهُ تَحْتَ تِلْكَ الشَّجرَةِ (^٣) فَفَعَلَ قَالَ: فَرُفِعَتْ لَناَ غَنَمٌ فاَنْطَلَقَ فَجَاءَ بِعُسَ فَقَالَ: اشْرَبْ أَباَ سَعِيدٍ فَقُلْتُ: إِنَّ الْحْرَّ شَدِيدٌ وَاللَّبَنَ حَارٌّ مَا بِي إِلا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَشْرَبَ عَنْ يَدِهِ أَوْ آخُذَ عَنْ يَدِهِ (^٤) فَقَالَ: ياَ أَباَ سَعِيد لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آخُذَ حَبْلًا فَأُعَلِّقَهُ بِشَجَرَةٍ ثُمَّ أَخْتَنِقَ مِمَّا يَقُولُ لِيَ النَّاسُ (^٥) ياَ أَباَ سَعِيدٍ مَنْ خَفَيِ عَلَيْهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا خَفَيِ عَلَيْكُمْ مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ (^٦) أَلَسْتَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (فِي الدَّجَّالِ) هُوَ كَافِرٌ وَأَناَ مُسْلِمٌ، أَوَ لَيْسَ قَدْ قاَلَ هُوَ عَقِيمٌ لَا يُولَدُ لَهُ وَقَدْ تَرَكْتُ وَلَدِي بِالْمَدِينَةِ، أَوَ لَيْسَ قَدْ قاَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلَا مَكَّةَ وَقَدْ أَقْبَلْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ (^٧) وَأَناَ أُرِيدُ مَكَّةَ، قاَلَ أَبُو سَعِيدٍ: حَتَّى كِدْتُ أَنْ أَعْذِرَهُ ثُمَّ قاَلَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ وَأَعْرِفُ مَوْلِدَهُ وَأَيْنَ الْانَ، قاَلَ قُلْتُ لَهُ: تَبًّا لَكَ سَائرَ الْيَوْمِ (^٨)، رَوَاهُماَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) أي يأتيني خبران صادقان وواحد كاذب، أو كاذبان وواحد صادق، فقال رسول الله - ﷺ -: اتركوه فقد خلط عليه أمره من توالى الشياطين عليه.\n(^٢) وقع في نفسي خوف منه مما يشاع عليه أنه الدجال وهو يزعم أنه رسول الله.\n(^٣) أي متاعك.\n(^٤) فظهرت لنا غنم على بعد فجاء بقدح كبير فيه لبن فعرضه علي فأبيت وأظهرت له أن امتناعي لشدة الحر ولكني في الواقع كرهت اللبن من يده.\n(^٥) مما ينسبونه إلي.\n(^٦) أي إن خفي حديث الرسول - ﷺ - على الناس فلا يخفى عليكم أيها الأنصار.\n(^٧) وفي رواية: وقد ولدت بالمدينة.\n(^٨) قال ابن صياد: والله إني لأعرف الدجال ومولده وأين هو الآن.","vol":"5","page":321},{"text":"وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَمْشِي فَلَقِيَ ابْنَ صَائِدٍ فِي بَعْضِ طرُقِ الْمَدِينَةِ فَقاَلَ لَهُ قَوْلًا أَغْضَبَهُ فَانْتَفَخَ حَتَّى مَلَأَ السِّكَّةَ (^١) فَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى حَفْصَةَ وَقَدْ بَلَغَهَا فَقاَلَتْ لَهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ مَا أَرَدْتَ مِنَ صَائِدٍ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّماَ يَخْرُجُ مِنْ غَضْبَةٍ يَغْضَبُهاَ (^٢)».\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: لَقِيتُهُ مَرَّةً أُخْرَى وَقَدْ نَفَرَتْ عَيْنُهُ (^٣) فَقُلْتُ: مَتَى فَعَلَتْ عَيْنُكَ مَا أَرَى؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، قُلْتُ: لَا تَدْرِي وَهِيَ فِي رَأْسِكَ، قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ خَلَقَهَا فِي عَصَاكَ هذِهِ قَالَ: فَنَخَرَ كَأَشَدِّ نَخِيرِ حِمَارٍ سَمِعْتُ (^٤)، قَالَ: فَزَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِي أَنِّي ضَرَبْتُهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعِي حَتَّى تَكَسَّرَتْ وَأَنَا وَاللَّهِ مَا شَعَرْتُ، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَحَدَّثْتُهاَ فَقَالَتْ: مَا تُرِيدُ إِلَيْهِ أَمَا تَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ قَالَ إِنَّ أُوَّلَ مَا يَبْعَثُهُ عَلَى النَّاسِ غَضَبٌ يَغْضَبُهُ، رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵃ يَحْلِفُ باللَّهِ أَنَّ ابْنَ صَائِدٍ هُوَ الدَّجَّالُ، فَقُلْتُ: أَتَحْلِفُ بِاللَّهِ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلَى ذلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْهُ (^٥)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ، نسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ وَالتَّوْفِيقَ آمِين.\n_________\n(^١) كبر جسم ابن صائد حتَّى ملأ الطريق.\n(^٢) إنما يظهر للناس بسبب غضبة شديدة.\n(^٣) ورمت وارتفعت.\n(^٤) النخير: صوت الأنف من الحيوان وأظهره في الحمير.\n(^٥) وكان ابن عمر يقول: والله ما أشك أن المسيح الدجال هو ابن صياد، رواه أبو داود، فظاهر هذه النصوص الأربعة أن ابن صياد هو المسيح الدجال، ولكن التحقيق أنه غيره فإن ابن صياد كان مسلمًا ظاهرًا والمسيح الدجال كافر، وابن صياد كان يدعي أنه رسول الله، والمسيح يدعي أنه إله العالمين، وابن صياد له أولاد، والدجال عقيم لا ولد له، وابن صياد من المدينة وكان يقيم بها ويحج بيت الله الحرام في مكة، والدجال ممنوع من دخول مكة والمدينة كما سيأتي إن شاء الله تعالى. والله أعلم.","vol":"5","page":322},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1244>في ثقيف كذاب ومبير </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي نَوْفَلٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ﵄ مَصْلوبًا عَلَى عَقَبَةِ الْمَدِينَةِ (^٢) فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ تَمُرُّ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ حتَّى مَرَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَوَقَفَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ وَكَرَّرَهَا ثَلَاثًا (^٣)، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هذَا وَكَرَّرَهَا ثَلَاثًا، أَمَا وَاللَّهِ إِنْ كُنْتَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولًا لِلرَّحِمِ (^٤) أَمَا وَاللَّهِ لَأُمَّةٌ أَنْتَ أَشَرُّهَا لَأُمَّةٌ خَيْرٌ، ثُمَّ نَفَذَ ابْنُ عُمَرَ (^٥) فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ مَوْقِفُ عَبْدِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأُنْزِلَ عَنْ جِذْعِهِ فَأُلْقِىَ فِي قُبُورِ الْيَهُودِ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكرٍ ﵄ فَأَبَتْ أَنْ تَأْتِيَهُ فَأَعَادَ عَلَيْهَا الرَّسُولَ لَتَأْتِيَنِّي أَوْ لَأَبْعَثَنَّ مَنْ يَسْحَبُكِ بِقُرُونِكِ قَالَ فَأَبَتْ وَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَا آتِيك حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُنِي بِقُرُونِي، قَالَ فَقَالَ: أَرُونِي سِبْتَيَّ (^٦) فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا (^٧) فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِينِي صَنَعْتُ بِعَدُوِّ اللَّهِ قَالَتْ: رَأَيْتُكُ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَأَفْسَدْ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُوُلُ لَهُ يَا بْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ أَنَا وَاللَّهِ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَطَعَامَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الدَّوَابِّ وَأَمَّا الْاخَرُ فَنِطاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ (^٨) أَمَا\n_________\nفي ثقيف كذاب ومبير\n(^١) الكذاب: الدجال الخلاط، والمبير: المؤذي الجبار المهلك.\n(^٢) عبد الله بن الزبير بعد موت معاوية بايعه أهل الحجاز على الخلافة، وبايع يزيد بن معاوية. أهل الشام والعراق فلما قوي أمره أرسل جيشًا إلى المدينة ومكة وعلى رأسه الحجاج الثقفي فغلب عليهم وقتل ابن الزبير وصلبه على جذع نخلة في طريق الخارج من مكة إلى المدينة.\n(^٣) فيه استحباب تكرير السلام على الموتى.\n(^٤) كان ابن الزبير يصوم الدهر ويحيي الليل ويكثر من الإحسان وقراءة القرآن وربما قرأ القرآن في تهجده - ﵁ -.\n(^٥) أي سار.\n(^٦) هاتو نعلى لألبسهما.\n(^٧) يتوذف: أي يسرع ويتبختر.\n(^٨) النطاق: ما تشده المرأة على وسطها فوق الثياب لئلا تعثر في ملابسها ولئلا تعوقها عن العمل، وأول ما اتخذه أم إسماعيل ﵉.","vol":"5","page":323},{"text":"إِن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنَا أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا (^١) فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْناهُ (^٢) وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلَا إِخَالُكَ إِلا إِيَّاهُ (^٣) قَالَ: فَقَامَ عَنْهَا وَلَمْ يُرَاجِعْهَا، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1245>الباب الخامس: في الملاحم </span>(^٤)\n\n<span data-type='title' id=toc-1246>غزو الترك والحبشة </span>(^٥)\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تقاتِلُوا التُّرْكَ، صِغَارَ الْأَعْيُنِ حُمْرَ الْوُجُوهِ ذُلْفَ الْأُنُوفِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ (^٦) وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ (^٧)»، رَوَاهُ الخَمْسَةُ فِي الْجِهَادِ.\nوَلِأَبِي دَاوُدَ هُنَا وَالنَّسَائيِّ فِي الْجِهَادِ: «دَعُوا الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُمْ وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ (^٨)».\n_________\n(^١) في ثقيف أي في بني ثقيف كذاب ومبير تريد أسماء - ﵄ - بهذا كسر أنف الحجاج وإذلاله ولذا قام وتركها.\n(^٢) وهو المختار بن أبي عبيد الثقفي قد تنبأ وتبعه ناس حتَّى أهلكه الله تعالى.\n(^٣) وأما المبير فلا أظنه إلا أنت لكثرة إضراره بالناس وإهراقة الدماء. قال الترمذي: المبير الحجاج بن يوسف الثقفى فإنهم أحصوا من قتلهم صبرًا فكان عددهم مائة ألف وعشرين ألفًا فما بالك بغيرهم. نسأل الله الرحمة لنا ولهم وللمسلمين آمين.\n\nالباب الخامس في الملاحم\n(^٤) الملاحم جمع ملحمة: وهي الموقعة العظيمة بين المسلمين والكفار، بخلاف الفتنه فبين المسلمين مع بعضهم.\n(^٥) الترك بنو قنطوراء: وهم جيل من الناس، والحبشة: جيل من السودان نسبة لحبش بن كوش بن حام بن نوح ﵇، في لونهم السواد ويسكنون في الأقطار الجنوبية حذاء اليمن يفصل بينهم بحر القلزم.\n(^٦) ذلف جمع أذلف: وهو قصير الأنف منبطحه، والمجان جمع مجن: وهو الترس، والمطرقة أي المجلدة طبقة فوق طبقة أي كان وجوههم في الاستدارة وكثرة لها بالمجان المطرقة، وهذا وصف لنوع من الترك وإلا فمعظمهم من أحسن الناس.\n(^٧) وفي رواية: يلبسون الشعر ويمشون في الشعر؛ أي يعملون من الشعر حبالا ويصنعون منها الملابس والنعال، أو أن شعورهم كثيفة طويلة إذا أسدلوها غطتهم كاللباس والنعال.\n(^٨) أما الحبشة ومن جاورهم في الجهة الجنوبية فليعد بلادهم ومشقة السفر إليها في فلوات ومهامه =","vol":"5","page":324},{"text":"وَلِأَبِي دَاوُدَ: «اتْرُكُوا الْحَبَشَةَ مَا تَرَكُوكُمْ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَخْرِجُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ إِلا ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ (^١)».\n\n<span data-type='title' id=toc-1247>غزو الهند والعجم</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: وَعَدَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَزْوَ الْهِنْدِ فَإِنْ أَدْرَكْتُها أُنْفِقُ فِيهَا نَفْسِي وَمَالِي وَإِنْ قُتِلْتُ كُنْتُ أَفْضَلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ رَجَعْتُ فَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْمُحَرَّرُ (^٢).\nوَفِي رِوَايَةٍ: عِصَابَتَانِ مِنْ أُمَّتِي أَحْرَزَهُمَا اللَّهُ مِنَ النَّارِ: عِصَابَةٌ تَغْزُو الْهِنْدَ وَعِصَابَةٌ تَكُونُ مَعَ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇، رَوَاهُمَا النَّسَائِيُّ فِي الْجِهَادِ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَة حَتَّى تُقَاتِلُوا خُوزًا وَكَِرْمَانَ مِنَ الْأَعَاجِمِ (^٣) حُمْرَ الْوُجُوهِ فُطْسَ الْأُنُوفِ صِغَارَ الْأَعْيُنِ كَأَنْ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي النُّبُوَّةِ.\n_________\n= وقفار مع قلة الماء، وأما الترك ومن جاورهم في الجهات الشمالية فلبعد بلادهم وتفرقها في الجزر والبحار وشدة البرد، وهذا بالنسبة للزمان الأول أما الآن فقد سهلت المواصلات في كل جهة فحكم هذه البلاد القريبة لا سيما إذا قاموا على المسلمين فقتالهم فرض عين.\n(^١) سبق هذا في فضل الحرمين الشريفين والله أعلم.\n\nغزو الهند والعجم\n(^٢) المحرر من رق الكفر إلى حرية الإسلام.\n(^٣) خوزا: بلاد الأهواز وتستر، وكرمان ما بين خراسان وبحر الهند، والمراد الممالك الشرقية كنيسابور، والسند، وبلاد ما وراء النهر، والهند، والصين ونحوها. وقد صدق رسول الله - ﷺ - وفتحت هذه الممالك في صدر الإسلام بل معظمها في زمن الأصحاب الكرام - ﵃ - وجزاهم عن الإسلام وأهله خيرا. آمين.","vol":"5","page":325},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1248>قتال الروم وملجأ المسلمين الغوطة والبصرة </span>(^١)\n\n• عَنْ ذِي مِخْبَرٍ ﵁ (^٢) وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْهُدْنَةِ (^٣) فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «سَتُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا فَتَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرَائِكُمْ فَتُنْصَرُونَ وَتَغْنَمُونَ وَتَسْلَمُونَ ثُمَّ تَرْجِعُونَ حَتَّى تَنْزِلُوا بِمَرْجِ ذِي تُلُولٍ (^٤)» فَيَرْفَعُ رَجُل مِنْ أَهْلِ النصْرَانِيَّةِ الصَّلِيبَ فَيَقُولُ غَلَبَ الصَّلِيبُ فَيَغْضَبُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَدُقُّهُ (^٥) فَعِنْدَ ذلِكَ تَغْدِرُ الرُّومُ وَتَجْمَعُ لِلْمَلْحَمَةِ وَيَثُورُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى أَسْلِحَتِهِمْ فَيَقْتَتِلُونَ فَيُكْرِمُ اللَّهُ تِلْكَ الْعِصَابَةَ بِالشَّهَادَةِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ (^٧) إِلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لهَا دِمَشْقُ مِنْ خَيْرِ مَدَائنِ الشامِ (^٨).\n\n• عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَنْزِلُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي بِغَائِطٍ يُسَمُّونَهُ الْبَصْرَةَ عِنْدَ نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ دِجْلَةُ يَكُونُ عَلَيْهِ جِسْرٌ يَكْثُرُ أَهْلُهَا وَتَكُونُ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ (^٩)» فَإِذَا كَانَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ جَاءَ بَنُو قَنْطُورَاءَ (^١٠) عِرَاضُ الْوُجُوهِ صِغَارُ الْأَعْيُنِ حَتَّى يَنْزِلُوا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ فَيَتَفَرَّقُ أَهْلُهَا ثَلَاثَ فِرَقٍ فِرْقَةٌ يَأْخُذُونَ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَالْبَرِّيَّةَ وَهَلَكُوا (^١١) وَفِرْقَةٌ يَأْخُذُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَكَفَرُوا (^١٢)\n_________\nقتال الروم وملجأ المسلمين الغوطة والبصرة\n(^١) الغوطة: بلد كثير المياه والأشجار بقرب دمشق، والبصرة: مدينة مشهورة على نهر دجلة بأرض العراق.\n(^٢) هو ابن أخي النجاشي وخادم النبي - ﷺ -.\n(^٣) التي تكون بين المسلمين وبين الروم.\n(^٤) أي مكان واسع فيه تُلُول ونبات كثير.\n(^٥) يكسر الصليب.\n(^٦) بسند صحيح.\n(^٧) فحصن المسلمين العظيم يوم الملحمة العظمى الغوطة.\n(^٨) سميت دمشق لأن الذي بناها هو دمشاق بن نمرود بن كنعان وكان ممن آمن بإبراهيم - ﵇ -.\n(^٩) وفي نسخة المهاجرين.\n(^١٠) قنطوراء بالمد والقصر: اسم لأبي الترك، وقيل بنت من نسل إبراهيم - ﵇ - فتزوجت بأحد أولاد يافث وجاء من نسلها الترك.\n(^١١) فهذه الفرقة تركت الجهاد واشتغلت بمواشيها في البرية حتَّى هلكت.\n(^١٢) يأخذون الأمان من بني قنطوراء ونزلوا على حكمهم وكفروا.","vol":"5","page":326},{"text":"وَفِرْقَةٌ يَجْعَلُونَ ذَرَارِيَّهُمْ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ وَيُقَاتِلُونَهُمْ وَهُمُ الشُّهَدَاءُ (^١).\n\n• عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلةُ إِلَى\nقَصْعَتِهَا (^٢)»، فَقَالَ قائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ (^٣) وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهابَةَ مِنْكُمْ (^٤) وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوهْنُ؟ قالَ: حُبُّ الدُّنْيا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ (^٥)، رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ أَبُو دَاوُدَ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-1249>مسجد العشار في الأبلة </span>(^٧)\n\n• عَنْ صَالِحِ بْنِ دِرْهَمٍ ﵁ قَالَ: انْطَلَقْنا حَاجِّينَ فَقابَلَنا رَجُلٌ فَقَالَ: إِلَى جَنْبِكُمْ قَرْيَةٌ يُقَالُ لَها الْأُبُلَّةُ؟ قُلْنا: نَعَمْ، قالَ: مَنْ يَضْمَنُ لِيَ مِنْكمْ أَنْ يُصَلِّي لِي فِي مَسْجِدِ الْعشَّارِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا وَيَقُولُ هذِهِ لِأَبِي هُرَيْرَةَ (^٨) فَإِنِّي سَمِعْتُ خَلِيليِ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مِنْ مَسْجِدِ الْعَشَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُهَدَاءَ لَا يَقُومُ مَعَ شُهَدَاءِ بَدْرٍ غَيْرُهُمْ (^٩)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَالِحٍ، نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَحْشُرَنا مَعَهُمْ آمِين.\n_________\n(^١) وهذه من معجزاته - ﷺ - فإن هذه وقعت كما أخبر الرسول الأمين في سنة ٦٥٦ ست وخمسين وستمائة.\n(^٢) ستجتمع فرق الكفر ويدعو بعضهم بعضا لكسر شوكة المسلمين وسلب ما في أيديهم، وهذا واقع الآن.\n(^٣) غثاء السيل: ما يحمله من زبد وقذى ووسخ، فهذا لدناءة المسلمين وحقارتهم وقلة شجاعتهم.\n(^٤) أي الخوف منك لعدم تقوى الله تعالى.\n(^٥) الوهن كالوعد: الضعف، وسببه حب الدنيا وكرامة الموت.\n(^٦) بأسانيد صالحة. والله أعلم.\n\nمسجد العشار في الأبلة\n(^٧) الأبلة كنبوة: بلد بقرب البصرة من جانبها البحري، ومسجد العشار مشهور يتبرك بالصلاة فيه.\n(^٨) المراد أنه يصلى ركعتين أو أكثر نفلا لله تعالى وبعد الصلاة يقول: اللهم اجعل ثواب ذلك لأبي هريرة ولا غرابة في هذا فللإنسان أن يعمل عملا صالحًا من صلاة وصدقة وقرآن ونحوها من صالحات النوافل ويجعل ثوابه لمن يشاء حيًا أو ميتًا.\n(^٩) قال أبو داود: هذا المسجد بقرب نهر الفرات. والله أعلم.","vol":"5","page":327},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1250>عمران بيت المقدس خراب يثرب </span>(^١)\n\n• عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «عَمْرَانُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَرَابِ يَثْرِبَ وَخَرَابُ يَثْرِبَ خُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ وَخُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ فَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَفَتْحُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ خُرُوجُ الدَّجَّالِ ثُمَّ ضرَبَ بِيَدِهِ عَلَى فَخِذِ الَّذِي حَدَّثَهُ أَوْ مَنْكِبِهِ» ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هذَا لَحَقٌّ كَمَا أَنَّكَ ههُنَا أَوْ كَماَ أَنَّكَ قاَعِدٌ (^٢)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَلْحَمَةُ الْكُبْرَى وَفَتْحُ الْقُسْطنْطِينِيَّةِ وَخُرُوجُ الدَّجَّالِ فِي سَبْعَةِ أَشْهُرٍ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَ الْمَلْحَمَةِ - أَيِ الْعُظْمَى - وَفَتْحِ الْمَدِينَةِ سِتُّ سِنِينَ وَيَخْرُجُ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ فِي السَّابِعَةِ (^٥)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَالِحٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1251>فتح القسطنطينية </span>(^٦)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَة حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقٍ (^٧)» فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ فَإِذَا\n_________\nعمران بيت المقدس خراب يثرب\n(^١) عمران بيت المقدس بالرجال والعقار والأموال أي وقت عمرانه تخرب يثرب أي المدينة المنورة صلى الله على ساكنها وسلم.\n(^٢) وقيل المراد بعمران بيت المقدس أي بعد خرابه في آخر الزمان فإنه بعمره الكفار وتخرب يثرب، أو المراد بعمرانه ماله في العمارة.\n(^٣) بسند صالح.\n(^٤) بسند حسن وفي رواية للترمذي: فتح القسطنطينية مع قيام الساعة.\n(^٥) هذا إخبار عن ملاحم عظمى ستأتي في آخر الزمان كفتح المدينة أي القسطنطينية الذي سيأتي الكلام عليه إن شاء الله.\n\nفتح القسطنطينية\n(^٦) هذا فتح آخر في آخر الزمان لأنَّهُ يعقبه ظهور الدجال.\n(^٧) الأعماق؛ موضع بطرف المدينة، ودابق: موضع سوق المدينة.","vol":"5","page":328},{"text":"تَصَافُّوا قَالَتِ الرُّومُ: خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقاَتِلْهُمْ فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لَا وَاللَّهِ لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا فَيُقاَتِلُونَهُمْ فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا (^١) وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلَ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ (^٢) وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنِطينِيَّةَ (^٣) فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ إِذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَان: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكمْ فِي أَهْلِيكمْ فَيَخْرُجُونَ وَذلِكَ باَطِلٌ (^٤) فَإِذَا جَاؤوا الشَّامَ خَرَجَ فَبَيْنَما هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ فَأَمَّهُمْ (^٥) فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذوبُ الْمِلْحُ فِي الْماَءِ فَلَوْ تَرَكَهُ لَا نذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ وَلَكِنْ يَقْتُلهُ اللَّهُ بِيَدِهِ فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ (^٦).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «هَلْ سَمِعْتُمْ بِمَدِينَةٍ جَانِبٌ مِنْهاَ فِي الْبَرِّ وَجَانِبٌ مِنْهاَ فِي الْبَحْرِ» قَالُوا: نَعَمْ ياَ رَسُولَ اللَّهِ (^٧) قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْزُوَهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ (^٨) فَإِذَا جَاءُوهَا نَزَلُوا فَلَمْ يُقاَتِلوا بِسِلَاحٍ وَلَمْ يَرْمُوا بِسَهْمٍ قاَلوا: لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ فَيَسْقُطُ أَحَدُ جَانِبَيْهَا الَّذِي فِي الْبَحْرِ ثمَّ يَقُولوا الثَّانِيَةَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ فَيَسْقُطُ جَانِبُها الْاخَرُ ثُمَّ يَقُولوا الثَّالِثَةَ لَا إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ فَيُفَرَّجُ لَهُمْ فَيَدْخُلُوهَا فَيَغْنَمُوا فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائمَ إِذْ جَاءَهُمُ الصَّرِيخُ فَقَالَ: إِنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَرَجَ فَيَتْرُكُونَ كُلَّ شَيْءٍ وَيَرْجِعُونَ، رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.\n_________\n(^١) فينهزم ثلث أي من المسلمين ولا تقبل توبتهم.\n(^٢) لصبرهم حتَّى استشهدوا.\n(^٣) وفي نسخة: فيفتحون قسطنطينية أي يطاردون الروم حتَّى يصلوا إليها ويدخلوها.\n(^٤) فيخرجون من القسطنطينية وذلك أي دخول المسيح في أهليهم باطل.\n(^٥) صلى بهم إمامًا أو أمَّ جماعة الدجال لإهلاكهم؛ والتحقيق أنه قصد جماعة المسلمين ليصلي معهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\n(^٦) عدو الله الدجال، فيريهم أي يظهر عيسى ﵇ للناس دم الدجال على حربته ليتحققوا من هلاكه.\n(^٧) هي القسطنطينية والله أعلم.\n(^٨) من أكراد الشام المسلمين، وقال بعضهم المعروف المشهور من بني إسماعيل وهو ما يدل عليه سياق الحديث لأن المراد لا تقوم الساعة حتَّى تفتحوا القسطنطينية.","vol":"5","page":329},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1252>الروح حينذاك كثير ولكن الغلبة للمسلمين</span>\n• عَنْ الْمُسْتَوْرِدِ الْقُرَشِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعاَصِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ» فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَبْصِرْ مَا تَقُولُ قَالَ: أَقُولُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَئِنْ قُلْتَ ذلِكَ إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالًا أَرْبَعًا (^١) إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ (^٢) وَأَسْرَعُهُمْ إِفاَقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ (^٣)\nوَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ (^٤) وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِين وَضَعِيفٍ وَيَتِيمٍ، وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلوكِ (^٥)».\n\n• عَنْ نَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ ﵁ قَالَ: كنَّا مَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ فَأَتَى النَّبِيِّ ﷺ قَوْمٌ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ (^٦) عَلَيْهِمْ ثِياَبُ الصُّوفِ فَوَافَقُوهُ عِنْدَ أَكَمَةٍ (^٧) فَإِنَّهُمْ لَقِيَامٌ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَاعِدٌ، قَالَ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي ائْتِهِمْ فَقُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ لا يَغْتَالُونَهُ ثُمَّ قَلْتُ لَعَلَّهُ نَجِيٌّ مَعَهُمْ (^٨) فَأَتَيْتُهُمْ فَقْمْتُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ فحَفِظْتُ مِنْهُ أَرْبَعَ كِلَماتٍ أَعُدُّهُنَّ فِي يَدِي، قَالَ: «تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ ثمَّ فاَرِسَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ ثمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ (^٩)» ثمَّ تغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللَّهُ (^١٠)، قَالَ فَقَالَ نَافِعٌ: ياَ جَابِرُ لَا نُرَى الدَّجَّالَ يَخْرُجُ حَتَّى تُفْتَحَ الرُّومُ (^١١)، رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.\n_________\nالروم حينذاك كثير ولكن الغلبة للمسلمين\n(^١) فيهم أي في الروم وهذا قول عمرو بن العاص.\n(^٢) أحلم الناس في الفتنة.\n(^٣) فإذا نكبوا قاموا وأفاقوا، وفي رواية: وأصبر الناس عند مصيبة.\n(^٤) أسرعهم رجوعا على عدوهم للانتصار منه.\n(^٥) فلا يقبلون منهم هضما وضيما، قال بعضهم وهذه كانت فيهم في الزمن الأول وإلا فهم الآن شر الناس، ولكن الواقع أن أظهر هذه الصفات فيهم فإنهم أم منظمة دون أهل المشرق.\n(^٦) مغرب المدينة.\n(^٧) أي مكان مرتفع.\n(^٨) أي يكلمهم سرا.\n(^٩) جزيرة العرب أي ما بقي منها، وفارس والروم فتحتا في زمن الأصحاب.\n(^١٠) أي يهلكهـ.\n(^١١) وهذه كلها فتوحات ستكون قبل الدجال قاتله الله وحفظنا منه آمين.","vol":"5","page":330},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1253>الباب السادس: في علامات الساعة </span>(^١)\n\n• عَنْ سَهْلٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ هكَذَا وَيُشِيرُ بِإِصْبَعَيْهِ فَيَمُدُّهُمَا»، وَفِي رِوَايَةٍ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ وَضَمَّ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطى (^٢)، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: مَتَى تَقُومُ السَّاعَة؟ وَعِنْدَهُ غُلَامٌ مِنَ الْأَنْصَأَنْ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنْ يَعِشْ هذَا الْغُلَامُ فَعَسَى أَلا يُدْرِكهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعُة (^٤)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: ياَ لَيْتَنِي مَكَانَهُ (^٥)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تضِئُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى (^٦)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ\n_________\nالباب السادس في علامات الساعة\n(^١) في ذكر الأمارات التي تدل على قرب القيامة، وأما علمها بالتحديد فعند الله تعالى، قال الله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾.\n(^٢) وللترمذي: بعثت في نفس الساعة فسبقتها كما سبقت هذه هذه، أي كما سبقت الوسطى السبابة والمراد أن بين بعثة النبي - ﷺ - وبين الساعة زمنا يسيرا كما بين الأصبعين في الطول.\n(^٣) ولكن مسلم هنا والبخاري في الرقائق.\n(^٤) يحتمل أن المراد بالساعة ساعة السائل أي موته، ويحتمل أن هذا الغلام لا يبلغ الهرم ولا يعمر ولا يؤخر، والله أعلم.\n(^٥) لما يرى من عدم الدين ومن المحن والبلاء، ولمسلم: لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه ويقول: يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر وليس به إلا البلاء.\n(^٦) بصري كقربى: مدينة بالشام تسمى حوران على ثلاث مراحل من دمشق، وهذه النار غير التي تحشر الناس إلى المحشر، وحديث البخاري فيها: أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وغير النار اليمنية وحديثها هكذا \"ستخرج نار من حضرموت أو من نحو حضر موت قبل يوم القيامة تحشر الناس قالوا يا رسول الله فما تأمرنا قال عليكم بالشام\" رواه الترمذي بسند صحيح.","vol":"5","page":331},{"text":"أَلْياَتُ نِسَاءِ دَوحسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ - وَكَانَتْ صَنَمًا تَعْبُدُهَا دَوْسٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِتَبَالَةَ - (^١)». رَوَاهُ الشيْخَانِ.\nوَلِمُسْلِمٍ: لَا يَذهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى، فَقَالَتْ عَائِشَة: ياَ رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ أَظُنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ أَنَّ ذلِكَ تاَمًّا (^٢)، قَالَ: «إِنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمانٍ فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبائهِمْ (^٣)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا (^٤)»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَقِيءُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ»، قَالَ: فَيَجِئُ السَّارِقُ فَيَقُولُ: فِي مِثْلِ هذَا قُطِعَتْ يَدِي، وَيَجِئُ الْقَاتِلُ فَيَقُولُ: فِي هذَا قَتَلْتُ، وَيَجِئُ الْقَاطِعُ فَيَقُولُ: فِي هذَا قَطعْتُ رَحِمِي ثُمَّ يَدَعُونَهُ فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا (^٥)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ هُنَا وَمُسْلِمٌ فِي الزُّهْدِ.\n\n• عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَقَالَ: اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ: مَوْتِي ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ مُوتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقْعَاصِ الْغَنَمِ (^٦) ثُمَّ اسْتِفَاضَة الْماَلِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ\n_________\n(^١) تبالة: موضع باليمن وليست تبالة التي يضرب بها المثل في قولهم: أهون عليه من تبالة؛ فإن هذه بالطائف.\n(^٢) أي ظهوره على كل الأديان دائمًا؛ قال سيكون حينًا كما يشاء الله.\n(^٣) فهذا أعم ما قبله.\n(^٤) وفي رواية: عن جبل من ذهب، والفرات نهر مشهور بالعراق، في آخر الزمن يظهر منه ذهب كثير. ولمسلم: لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتل الناس عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون ويقول كل رجل منهم لعلّي أكون أنا الذي أنجو.\n(^٥) فالفرات ليس قيدا بل كل بقعة فيها كنوز ستظهرها للناس ولا يرغبون فيها لكثرة الفتن والهموم.\n(^٦) الموتان كبطلان: دود صغير يظهر في رءوس الغنم فيهلكها. وقيل كثرة الموت.","vol":"5","page":332},{"text":"سَاخِطًا ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلا دَخَلَتْهُ ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبْيَنَ بَنِي الْأَصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْناَ عَشَرَ أَلْفًا (^١)، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْغَزْوِ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَة حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ (^٢)، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَذْهَبُ الْأَيَّامُ وَاللَّياَلِي حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْمَوَالِي يُقَالُ لَهُ جَهْجَاهُ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهاَرُ حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْمَوَالِي يُقَالُ لَهُ جَهْجَاهٌ (^٣).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِيلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ تَكُونُ بَيْنَهُماَ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ دَعْوَتهُما وَاحِدَةٌ (^٤)» وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولَ اللَّهِ (^٥) وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ (^٦)\nوَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ (^٧) وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْماَلُ فَيَفِيضَ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْماَلِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ لَا أَرَبَ لِي بِهِ (^٨) وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولَ ياَ لَيْتَنِي مَكَانَهُ، وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهاَ فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ\n_________\n(^١) بنو الأصفر: الروم، والغاية: العلم والراية.\n(^٢) قحطان: مدينة باليمن؛ فلا تقوم الساعة حتى يظهر رجل يتصرف في الناس كما يتصرف الراعي في المواشي ولعله الجهجاه الآتي.\n(^٣) فلا تذهب الدنيا حتى يتأمر على الناس رجل خسيس الأصل اسمه جهجاه.\n(^٤) الفئتان: عليّ وجماعته، ومعاوية وجماعته ﵃ كل منهما تدعو إلى الإسلام والحق، فمعاوية أظهر أنه يقاتل للأخذ بدم عثمان، وعلي ﵁ للدفاع عن نفسه ولأنهم خرجوا عليه وهو الإمام الحق وكل مجتهد ﵃.\n(^٥) سبق هذا.\n(^٦) بيوت أهله وهم العلماء العاملون.\n(^٧) وقد كثرت حتى قيل إنها وقعت واستمرت في بلد من بلاد الروم ثلاثة عشر شهرا.\n(^٨) ولعل هذا كالحديث السابق يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب يكون في زمن عيسى ﵇ أو بعده بقليل.","vol":"5","page":333},{"text":"آمَنُوا أَجْمَعُونَ فَذلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيماَنُهاَ لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيماَنِهاَ خَيْرًا وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُماَ بَيْنَهُماَ فَلَا يَتَبَايَعاَنِهِ وَلَا يَطْوِياَنِهِ (^١) وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ (^٢) وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يُلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ (^٣) وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطعَمُهَا (^٤)، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ الْغِفَارِيِّ ﵁ قَالَ: اطَّلَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقَالَ: «مَا تَذْكُرُونَ»؟ قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قَالَ: «إِنَّهاَ لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْا قَبْلَهاَ عَشْرَ آياتٍ» فَذَكَرَ الدُّخَانَ وَالدَّجَّالَ وَالدَّابَّةَ (^٥) وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَنُزُولَ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ﷺ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ (^٦) وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بالْمَشْرِقِ وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ (^٧) وَآخِرُ ذلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ (^٨) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n_________\n(^١) نشر الرجلان الثوب بينهما ليشتريه أحدهما فتقوم الساعة قبل ذلك، وللحاكم: تطلع عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس فما تزال ترتفع حتى تملأ السماء ثم ينادي مناد يا أيها الناس ثلاثًا يقول في الثالثة: أتى أمر الله قال: والذي نفسي بيده إن الرجلين لينشران الثوب بينهما فما يطويانه حتى تقوم الساعة.\n(^٢) بلبن ناقته فلا يشربه وقد قامت الساعة.\n(^٣) وهو يليط أي يصلح حوضه بالطين ليسقي منه مواشيه فتقوم الساعة قبل سقيم.\n(^٤) أي تقوم قبل أن يضع لقمته في فمه أو قبل مضغها أو قبل ابتلاعها، والمراد من هذا كله أن الساعة تأتي فجأة، قال تعالى ﴿لا تأتيكم إلا بغتة﴾.\n(^٥) المراد بالدخان ما يظهر قبل الساعة يأخذ بأنفاس الكافرين ويكون للمؤمنين كهيئة الزكام ويمكث في الأرض أربعين يوما، والدجال سيأتي ذكره، والدابة سبقت في تفسير سورة النمل.\n(^٦) خروج يأجوج ومأجوج وزول عيسى ﵇ سيأتي قريبًا.\n(^٧) في كل جهة من هذه الثلاث يقع خسف على التوالي.\n(^٨) وفي رواية: وآخر ذلك تخرج نار من اليمن من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، ولفظ الترمذي: فتبيت معهم حيث باتوا وتقبل معهم حيث قالوا، وفي رواية: الآخر ريح تلقى الناس في البحر.","vol":"5","page":334},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ ياَ مُسْلِمُ ياَ عَبْدَ اللَّهِ هذا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ (^١) إِلا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ (^٢)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَبْلُغُ الْمَسَاكِنُ إِهَابَ أَوْ يَهَابَ (^٣)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: يُوشِكُ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يحاَصرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبْعَدَ مَسَالِحِهِمْ سَلَاحٌ (^٤).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَماَ بَدَا غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَباَءِ (^٥)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَقاَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْحِجَازِ (^٦) كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ مِنَ الْحِجَازِ مَعْقِلَ الْأُرْوِيَّةِ مِنْ رَأْسِ (^٧) الْجَبَلِ إِنَّ الدِّينَ بَدَا غَرِيبًا وَيَرْجِعُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَباَءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنتِي (^٨)».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أُحَدِّثُكمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ أَحَدٌ بَعْدِي قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ (^٩) وَيَفْشُوَ الزِّنَى وَتُشْرَبَ الْخَمْرُ (^١٠) وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ وَيَقلَّ الرِّجَالُ حَتَّى يَكُونَ\n_________\n(^١) ونطق الحجر والشجر لمسلم كرامة له ودليل على أن الإسلام دين الله المحبوب.\n(^٢) الغرقد: شجر معروف له شوك ينبت بأرض بيت المقدس وهناك مقتل اليهود والدجال، وإضافته إليهم لأدنى ملابسة.\n(^٣) إهاب: مكان على أميال من المدينة.\n(^٤) سلاح: مكان بأسفل خيبر، فالمسلمون سيحاصرون في المدينة ويفرون إليها لخراب البلاد الإسلامية وسيقلون حتى يكون أبعد ثغورهم سلاح.\n(^٥) فالإسلام بدأ غريبًا أي في قلة من أهله ومسكنة لهم وسيعود في آخر الزمان كما بدأ.\n(^٦) ليجتمع وينضم إليه.\n(^٧) الأروية: أنتى الوعول جمع وعل وهو التيس الجبلي.\n(^٨) الذين يرشدون الناس إلى العمل بالشريعة المحمدية.\n(^٩) رفع العلم بموت أهله وعدم من يخلفهم فيظهر الجهل.\n(^١٠) وهذان واقعان الآن فقد كثر الزنا وشرب الخمر بل صارت محلات الخمر بإذن من الحكومة. نسأل الله السلامة آمين.","vol":"5","page":335},{"text":"لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمٌ وَاحِدٌ (^١)».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الإِنْسَ وَحَتَّى تُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ زَشِرَاك نَعْلِهِ وَتخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهَلُهُ مِنْ بَعْدِهِ (^٢)». رَوَى هذِهِ الثَّلاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَوْمًا: «أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هذِهِ الشَّمْسُ»؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «إِنَّ هذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَخِرُّ سَاجِدَةً فَلَا تَزَالُ كَذلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهاَ ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَة مِنْ مَطْلِعِهَا ثمَّ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَخِرُّ سَاجِدَةً وَلَا تَزَالُ كَذلِكَ حَتَّى يُقاَلَ لَهاَ ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا ثُمَّ تَجْرِي لَا يَسْتَنْكِرُ النَّاسُ مِنْهاَ شَيْئًا حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَيُقَالُ لَهاَ ارْتَفِعِي أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهاَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتَدْرُونَ مَتَى ذَاكُمْ؟ ذَاكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيماَنُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيماَنِهاَ خَيْرًا (^٤)»،\n_________\n(^١) حتى يكون الرجل الواحد وليًا على خمسين امرأة، وروى البخاري هذه الكلمة في الزكاة بلفظ أربعين امرأة، ولا معارضة بينهما فإن المراد قلة الرجال وكثرة النساء لهلاك الرجال بالفتن.\n(^٢) فالناس في آخر الزمان تتغير حتى تنكر عليهم السباع والجمادات وجوارحهم، أو المراد في آخر الزمان يكرم الله المتمسك بالدين حتى تكلمه السباع وعلاقة سوطه وبعض جوارحه بما صنعت امرأته في غيبته كرامة لهم على تمسكهم بالدين الذي هو كالقبض على الجمر.\n(^٣) الثاني بسند صحيح والثالث بسند حسن وسبق الأول للشيخين في فضل المدينة صلى الله على ساكنها وسلم.\n(^٤) فالشمس كل يوم إذا غربت تخر ساجدة لله تحت العرش وتسبح الله تعالى حتى يأذن لها بالرجوع إلى مطلعها فتعود فتطلع منه فإذا جاء آخر الزمان وغربت وسجدت لله تعالى كعادتها أمرها بأن تعود فتطلع من مغربها فتعود فتطلع من المغرب وهذا حين إغلاق باب التوبة وحينئذ لا ينفع الكافر إيمانه ولا العاصي توبته، ولا غرابة في قوله: تخر ساجدة تحت العرش فإن الشمس وكل الكواكب في السموات، والسموات=","vol":"5","page":336},{"text":"رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^١).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا لَمْ أَنْسَهُ بَعْدُ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ الْاياَتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهاَ وَخُرُوجُ الدَّابَةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى وَأَيُّهُماَ مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا (^٢)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَكَانَ يَقْرَأُ الْكُتُبَ الْمُنَزَّلَةَ وَأَظُنُ أَوَّلَهُماَ خُرُوجًا طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهاَ.\nوَلِمُسْلِمٍ فِي الْإِيماَنِ: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ رِيحًا مِنَ الْيَمَنِ أَلْيَنَ مِنَ الْحَرِيرِ فَلَا تَدَعُ أَحَدًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيماَنٍ إِلا قَبَضَتْهُ»، وَلِلشَّيْخَيْنِ: «لَا تَقُومُ السَّاعةُ إِلا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ (^٣)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدُ النَّاسِ بِالدُّنْياَ\nلُكَعَ بَنْ لُكَعٍ (^٤)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n_________\n=والأفلاك التي فوقها كلهن تحت العرش فهو أعلى المخلوقات وإنما عبر بذلك لشدة قربها من الله حينئذ قرب خشوع وتذلل وهيبة، آمنا بالله وبكل ما أنزله علينا فهمناه أولا، قال تعالى ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾.\n(^١) ولكن مسلم في الإيمان والبخاري في التفسير.\n(^٢) فأول الآيات طلوع الشمس وخروج الدابة أي الآيات غير المألوفة، وإلا فبعثة النبي - ﷺ - ونزول عيسى ﵇، وظهور المسيح الدجال، وخروج يأجوج ومأجوج قبل هذين.\n(^٣) وفي رواية: لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله، الله.\n(^٤) اللكع بضم فتح أصله اللئيم، والمراد هنا الكافر، فالمسلمون يموتون قبل الساعة بتلك الريح اليمنية على فرشهم رحمة وتكريمًا لهم ولا يبقى إلا الكفار وعليهم تقوم الساعة.\n﴿تنبيه﴾: قد أجهدت نفسي كثيرا في علامات الساعة لكي أعثر فيها على ما يفيد ترتيبها في الوقوع الخارجي فأسطرها بحسبه ولكني لم أفز بذلك إلا أن أولها مبعث النبي - ﷺ - وآخرها خروج الدابة فموت المسلمين بالريح اليمنية. والله أعلم وعلمه أتم وأكمل.","vol":"5","page":337},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1254>فضل العبادة في آخر الزمان</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ عَلَى أُنَاسٍ جُلوسٍ فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ قَالَ فَسَكَتُوا فَقَالَ ذلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» فَقَالَ رَجُلٌ: بَلَى ياَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخْبِرْناَ بِخَيْرِناَ مِنْ شَرِّناَ قَالَ: «خَيْرُكم مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ وَشَرُّكُمْ مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَأْتِي عَلَى النِّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ (^١)، رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n• عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ (^٣)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَك (^٤) ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ بِعُشْر مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا (^٥)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ غَرِيبٍ (^٦)، نَسْأَلُ اللَّهَ الْأَمْنَ فِي الْغُرْبَةِ آمِين.\n_________\nفضل العبادة في آخر الزمان\n(^١) المتمسك بدينه في آخر الزمان كالقابض على النار.\n(^٢) الثاني بسند غريب والأول بسند صحيح.\n(^٣) الهرج: كثرة الفتن والقتل.\n(^٤) لكثرة العلم ونور النبوة وأهل الخير والدين حينذاك.\n(^٥) لكثرة الفتن وأهل الشرور فيكفي قليل الدين.\n(^٦) ولكن يؤيده ما سبق في تفسير: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ في تفسير المائدة من قوله - ﷺ -: سيأتي زمان للعامل فيه مثل أجر خمسين منكم، نسأل الله التوفيق آمين.","vol":"5","page":338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1255>حلول الخسف والمسخ وأنواع البلاء بكثرة العصيان </span>(^١)\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَكُونُ فِي آخِرِ هذِهِ الْأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ»، قُلْتُ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالْحُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا ظَهَرَ الْخَبَثُ (^٢).\n\n• عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فِي هذِهِ الْأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقذْفٌ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَتَى ذَاكَ؟ قَالَ: «إِذَا ظَهَرَتِ الْفَيْنَاتُ وَالْمَعاَزِفُ وَشُرِبَت الْخُمُورُ (^٣)».\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بهاَ الْبلَاءُ»، فَقِيلَ: وَمَا هُنَّ ياَ رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ الْمغْنَمُ دُوَلًا (^٤) وَالْأَمَانَةُ مَغْنَمًا وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا (^٥) وَأَطَاعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ (^٦) وَعَقَّ أُمَّهُ وَبَرَّ صَدِيقَهُ وَجَفَا أَباَهُ وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ وَكَانَ زَعَيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَة شَرِّهِ وَشُرِبتِ الْخُمُورُ وَلُبِسَ الْحَرِيرُ وَاتُّخِذَتِ القَيْنَاتُ والْمَعَازِفُ وَلَعَنَ آخِرُ هذِهِ\n_________\nحلول الخسف والمسخ وأنواع البلاء بكثرة العصيان\n(^١) الخسف: هو انكساف الأرض بمن عليها، قال الله تعالى ﴿فخسفنا به﴾ بقارون ﴿وبداره الأرض﴾ وهذا واقع الآن كثيرًا ولا سيما في الجهات الشمالية ويسمونه بانفجار البراكين، والمسخ: تحويل صورة الإنسان إلى صورة القردة والخنازير، قال تعالى ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ فإذا تمادت الأمة في طغيانها حل بها أنواع البلاء، قال الله تعالى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾.\n(^٢) القذف:\nالرمي بالحجارة، قال تعالى ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾.\n(^٣) القينات: المغنيات، والمعازف: آلات اللهو، فإذا كثرت هذه الأمور في الأمة ونسيت الله تعالى نزل بها أنواع البلاء.\n(^٤) أي إذا صار مال الدولة لقوم دون غيرهم.\n(^٥) والأمانة منها أي عدها الذي هي تحت يده غنيمة فخانها وأكلها، والزكاة مغرما أي عدها صاحب المال غرامة فلم يخرجها، زاد في رواية: وتعلم لغير الدين.\n(^٦) أي في كل شيء وهذا هو المذموم لأنه يصير إمعة ومأمومًا لها؛ وفي الحديث: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، بخلاف ترك المرأة تدبر أمر بيتها كما تشاء فلا شيء فيه.","vol":"5","page":339},{"text":"الْأُمَّةِ أَوْلَهاَ فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ أَوْ خَسْفًا أَوْ مَسْخًا (^١)».\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَشَتْ أُمْتِي الْمُطَيْطَا وَخَدَمَهَا أَبْناَءُ الْمُلُوكِ أَبْنَاءُ فَارِسَ وَالرُّومِ سُلِّطَ شِرَارُهَا عَلَى خِيَارِهَا (^٢)»، رَوَى هذِهِ الْأَرْبَعَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «ياَ أَنَسُ إِنَّ النَّاسَ يُمَصِّرُونَ أَمْصَارًا (^٤) وَإِنَّ مِصْرًا مِنْهاَ يُقَالُ لَهاَ الْبَصْرَةُ أَوِ الْبُصَيْرَةُ فَإِنْ أَنْتَ مَرَرْتَ بِهاَ أَوْ دَخَلْتَهَا (^٥) فَإِيَّاكَ وَسِبَاخَهَا وَكِلَاءَهَا وَسوقَهَا وَباَبَ أُمَرَائهَا (^٦) وَعَلَيْكَ بِضَوَاحِيهَا فَإِنَّهُ يَكُونُ بِهاَ خَسْفٌ وَقَذفٌ وَرَجْفٌ (^٧) وَقَوْمٌ يَبُيتُونَ يُصْبِحُونَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ (^٨)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَلَاحِمِ (^٩).\n_________\n(^١) ولعل الريح الحمراء هي الريح التي أهلكت عادًا في قوله تعالى ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ وهذه الخصال كلها في الأمة الآن والخسف نسمع به من آن لآخر، والعذاب واقع فيها بالقحط في بعض الجهات والفتنة الطاحنة فيها كلها ﴿وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾.\n(^٢) المطيطا بالقصر والتصغير: مشية فيها تبختر وهذه من المصغرات التي لم نسمع لها مكبر، فإذا مشت الأمة متبخترة كمشي نسائنا وشباننا الآن واستخدمت أبناء فارس والروم (كالكمريرات) التي عندنا الآن ارتفعت شرارها على خيارها فأذلوهم. نسأل الله السلامة آمين.\n(^٣) بأسانيد غريبة.\n(^٤) يتخذون أمصارا.\n(^٥) أو للتنويع لا للشك.\n(^٦) السباخ: جمع سبخة وهي الأرض ذات الملح، وكلاء ككتاب: موضع بالبصرة.\n(^٧) القذف: ريح شديدة، أو رمي بالحجارة، والرجفة: الزلزلة الشديدة.\n(^٨) لكثرة طغيانهم كما سبق أو لتكذيبهم بالقدر كما قاله بعضهم.\n(^٩) بسند رجاله رجال الصحيح والله أعلى وأعلم.","vol":"5","page":340},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1256>الباب السابع في الخليفة المهدي ﵁ </span>(^١)\n\n• عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْقِبْطِيَّةِ قَالَ: دَخَلَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ ﵃ وَأَنَا مَعَهُماَ عَلَى أُمِّ سَلَمَة ﵂ وَسَأَلَاهَا عَنِ الْجَيْشِ الَّذِي يَخْسَفُ بِهِ وَكَانَ ذلِكَ فِي أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَعُوذُ عَائِذٌ بِالْبَيْتِ فَيْبْعَثُ إِلَيْهِ بَعْثٌ (^٢) فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ خُسِفَ بِهِمْ» فَقُلْتُ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ كَارِهًا (^٣) قَالَ: «يَخْسَفُ بِهِ مَعَهُمْ وَلكِنْهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيَّتِهِ»، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفُوَانَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا هُوَ بِهذَا الجيْشِ الْاتِي لِقِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ (^٤)، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةَ (^٥).\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَكُون اخْتِلَافٌ عِنْدَ مَوْتِ خَلِيفَةٍ فَيَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هَارِبًا إِلَى مَكَّةَ (^٦) فَيَأْتِيهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَيُخْرِجُونَهُ وَهُوَ كَارِهٌ فَيُباَيِعُونَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ وَيُبْعَثُ إِلَيْهِ بَعْثٌ مِنَ الشَّامِ فَيُخْسفُ بِهِمْ بِالْبَيْدَاءِ\n_________\nالباب السابع في الخليفة المهدي ﵁\n(^١) اشتهر بين العلماء سلفًا وخلفًا أنه في آخر الزمان لابد من ظهور رجل من أهل البيت يسمى المهدي يستولى على الممالك الإسلامية ويتبعه المسلمون ويعدل بينهم ويؤيد الدين، وبعده يظهر الدجال وينزل عيسى ﵇ فيقتله أو يتعاون عيسى مع الهدى على قتله، وقد روي أحاديث المهدي جماعة من خيار الصحابة وخرجها أكابر المحدثين كأبي داود، والترمذي، وابن ماجه، والطبراني، وأبي يعلى، والبزار، والإمام أحمد، والحاكم ﵃ أجمعين، ولقد أخطأ من ضعف أحاديث المهدي كلها كابن خلدون وغيره؛ وما روي من حديث: لا مهدي إلا عيسى بن مريم. فضعيف كما قاله البيهقي والحاكم وغيرها.\n(^٢) يتحصن بالكعبة رجل فيأتيه جيش لقتاله.\n(^٣) لهذا الجيش.\n(^٤) حقًّا ليس هو هذا الجيش لأنه لم يخسف به وما سمعنا بجيش خسف به للآن ولو وقع لاشتهر أمره كأصحاب الفيل.\n(^٥) في كتاب الفتن إلا أبا داود فإنه رواه في كتاب المهدى جزمًا منه بأن هذا الجيش الذي يخسف به هو الذي يأتي لقتال المهدي ﵁ ويؤيد هذا ما بعده.\n(^٦) رجل هو المهدي يهرب إلى مكة كراهة في الإمارة والخلافة.","vol":"5","page":341},{"text":"بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينةِ (^١) فَإِذَا رأَى النَّاسُ ذلِكَ أَتاَهُ أَبْدَالُ الشَّامِ وَعَصَائِبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَيُبَايِعُونَهُ (^٢)» ثُمَّ يَنْشَأُ رَجُلٌ مِنْ قُريْشٍ أُخْوَالهُ كَلْبٌ فَيَبْعَثُ إِلَيْهِمْ بَعْثًا فَيَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ وَذلِكَ بَعْثُ كَلْبٍ وَالْخَيْبَةُ لِمَنْ لَمْ يَشْهَدْ غَنِيمَةَ كَلْبٍ (^٣) فَيَقْسِمُ الْماَلَ وَيَعْمَلُ فِي النَّاسِ بِسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ ﷺ وَيُلْقِى الْإِسْلَامُ بِجِرَانِهِ إِلَى الْأَرْضِ (^٤) فيَلْبَثُ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ جَابِرٍ ﵁ فَقَالَ: يُوشِكُ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَلا يُجْبَى إِلَيْهِمْ قَفِيزٌ وَلَا دِرْهَمٌ، قُلْناَ: مِنْ أَيْنَ ذَاكَ؟ قَالَ: الْعَجَمُ يَمْنَعُونَ ذَاكَ (^٦)، ثُمَّ قاَلَ: يُوشِكْ أَهْلُ الشَّامِ أَلا يُجْبَى إِلَيْهِمْ دِينَارٌ وَلَا مُدْىٌ قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ ذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ قِبَلِ الرُّومِ ثُمَّ سَكَتَ هُنَيَّةً (^٧) ثُمَّ قاَلَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَكونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي خَلِيفَةٌ يَحْثِي الْمَالَ حَثْيًا لَا يَعُدُّهُ عَدًّا (^٨)»، قُلْتُ لِأَبِي نَضْرَةَ: أَتَرَى أَنَّهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ قَالَ: لَا.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مِنْ خُلَفائِكُمْ خَلِيفَةٌ يَحْثُو الْماَلَ حَثْيًا لَا يَعْدُّهُ عَدًّا (^٩)»، رَوَاهُماَ مُسْلِمٌ.\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: خَشِينَا أَنْ يكُونَ بَعْدَ نَبِّينَا حَدَثٌ فَسَأَلْنَا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ فِي أُمَّتِي\n_________\n(^١) يأتي لقتاله جيش من الشام فيخسف به بالبيداء (أرض واسعة ملساء).\n(^٢) عصائب أهل العراق: خيارهم، وأبدال الشام: أولياؤه وعباده، ولأحمد بسند صحيح: الأبدال في هذه الأمة ثلاثون رجلا قلوبهم على قلب إبراهيم خليل الرحمن كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا.\n(^٣) فيظهر رجل قرشي فيستعين بأخواله بني كلب فيجيشون جيشا لقتال المهدي فينتصر المهدي عليهم ويضم جيشه من بني كلب مالا عظيما.\n(^٤) فيقسم المهدي بالعدل ويعمل بالشرع بين الناس ويحثهم عليه حتى لا يكون العمل إلا بالكتاب والسنة، يقال ضرب الحق بجرانه أي قرّ أمره واستقام، وضرب البعير بجرانه: مد عنقه على الأرض ليستريح.\n(^٥) بسند رجاله رجال الصحيح.\n(^٦) إليهم أي منهم.\n(^٧) ثم سكت جابر زمنا يسيرا.\n(^٨) أي يعطى مالا كثيرا من غير عد ولا وزن.\n(^٩) هذا هو المهدي ﵁ بدليل الحديث الآتي وذلك لكثرة الغنائم والفتوحات مع سخاء نفسه وبذله الخير لكل الناس.","vol":"5","page":342},{"text":"الْمَهْدِيَّ يَخْرُجُ يَعِيشُ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ تِسْعًا (^١)»، قَالَ قُلْنَا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: «سِنِينَ، قَالَ: فَيَجِئُ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَيَقُولُ ياَ مَهْدِيُّ أَعْطِنِي قَالَ: فيَحْثِى لَهُ فِي ثَوْبِهِ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْمِلَهُ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَبْعَثَ رَجُلًا مِنِّي أَوْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلَمًا وَجَوْرًا (^٣)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَهْدِيُّ مِنَّي أَجَلَى الْجَبْهَةِ (^٥) أَقْنَى الْأَنْفِ (^٦) يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظلْمًا وَجَوْرًا وَيَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ (^٧)».\n\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ (^٨)»، رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ (^٩).\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ قَالَ وَقَدْ نَظَرَ إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ: إِنَّ ابْنِي هذَا سَيِّدٌ كَمَا سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ وَسَيَخْرُجُ مِنْ صُلْبِهِ رَجُلٌ يُسَمَّى بِاسُمِ نَبِيِّكُمْ يُشْبِهُهُ فِي الْخُلقِ وَلَا يُشْبِهُهُ فِي الْخَلْقِ (^١٠).\n_________\n(^١) الشك من أحد الرواة، وأقربها سبع سنين لحديث أم سلمة السابق وحديث أبي سعيد الآتي.\n(^٢) بسند حسن.\n(^٣) فالمهدى اسمه محمد واسم أبيه عبد الله، وفي رواية: لا تذهب أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي.\n(^٤) بسند صحيح.\n(^٥) منحسر الشعر عن مقدم رأسه.\n(^٦) طويله مع حدب وسطه ودقة أرنبته.\n(^٧) وفي رواية: أو تسعًا؛ وفي أخرى: يمده الله بثلاثة آلاف من الملائكة.\n(^٨) فهو من نسل عليّ وابنه الحسن ﵄، وحديث: المهدى من ولد العباس عمي. غريب وضعيف جدا.\n(^٩) بسندين صحيحين.\n(^١٠) الرجل هو المهدى الذي يشبه النبي - ﷺ - في الأفعال والأخلاق ولا يشبهه في كل الصورة، فللروياني وأبي نعيم والديلمي والطبراني \"المهدى رجل من ولدي وجهه كالكوكب الدري، اللون عربي والجسم إسرائيلي (فيه طول) يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا يرضى بخلافته أهل السماء وأهل الأرض\"، وللطبراني: يلتفت المهدى وقد نزل عيسى بن مريم ﵇ كأنه يقطر من شعره الماء فيقول له المهدي: تقدم صل بالناس؛ فيقول: إنما أقيمت لك الصلاة؛ فيصلي خلف رجل من ولدي: وهو المهدي ﵁.","vol":"5","page":343},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ (^١)» يُقَالُ لَهُ الْحَارِثُ بْنُ حَرَّاثٍ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ مَنْصُورٌ يُوَطِّئُ أَوْ يُمَكِّنُ لِالِ مُحَمَّدٍ (^٢) كَمَا مَكَّنَتْ قُرَيْشٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ نَصْرُهُ أَوْ إِجَابَتُهُ (^٣)، رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ، وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1257>لا تزال طائفة على الحق إلى قرب الساعة</span>\n• عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ يَخْذُلهُمْ حتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ (^٤)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ (^٥).\nوَزَادَ فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعالَ صَلِّ لَناَ فَيَقُولُ: لَا إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ (^٦).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّكَمْ مَنْصُورُونَ وَمُصِيبُونَ وَمَفْتُوحٌ لَكُمْ (^٧) فَمَنْ أَدْرَكَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِياَرَكُمْ وَأَغْنِياَؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ وَأُمُورُكمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكمْ مِنْ بَطْنِهَا (^٨)»\n_________\n(^١) من البلاد التي وراء النهر كبخاري وسمرقند.\n(^٢) أو الشك.\n(^٣) في آخر الزمان سيخرج رجل صالح من وراء النهر اسمه الحارث معه جيش عظيم يقوده رجل عظيم اسمه منصور يهيئ ذلك الرجل لذرية محمد أي يعد الجيش والذخائر والأموال لنصر خليفة يظهر أنه المهدي كما هيأ الأصحاب للنبي - ﷺ - ويجب على كل مؤمن أن ينصر ذلك الجيش وهذا الخليفة فإنهما على الحق والله أعلم.\n\nلا تزال طائفة على الحق إلى قرب الساعة\n(^٤) إلى قرب قيام الساعة ومن هؤلاء المهدي ﵁.\n(^٥) الترمذي هنا وأبو داود في الجهاد ومسلم في الإيمان.\n(^٦) إكرام الله لهذه الأمة وأميرهم هو المهدي حينذاك.\n(^٧) مع أئمة الحق والعدل والهدي.\n(^٨) فالحياة خير لكم من الممات.","vol":"5","page":344},{"text":"وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وَأَغْنِياَؤُكُمْ بخَلَاءَكمْ وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا، رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^١)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1258>الدجال الآن في جزيرة موثق بالحديد </span>(^٢)\n• عَنْ فاَطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ (^٣) ﵁ قَالَتْ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكُنْتُ فِي صَفِّ النِّسَاءِ الَّتِي تَلي ظَهُورَ الْقَوْمِ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقَالَ: «لِيَلْزَمْ كلُّ إِنْسَانٍ مُصَلاهُ (^٤)» ثُمَّ قَالَ: «أَتَدْرُونَ لَمِ جَمَعْتُكمْ» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: «إِنِّي وَاللَّهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةٍ وَلَكِنْ جَمَعْتُكمْ لَأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ مَسِيحِ الدَّجَّالِ حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامَ فَلَعِبَ بِهِمُ الْمَوْجُ شَهْرًا فِي الْبَحْرِ ثُمَّ أَرْفَأُوا إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ (^٥) حِينَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبِ (^٦) السَّفَينَةِ فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ لَا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ (^٧) فَقَالُوا: وَيْلَكِ مَا أَنْتِ فَقَالَتْ: أَناَ الجَسَّاسَةُ (^٨) قاَلُوا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ قاَلَتْ: أَيُّهاَ الْقَوْمُ انْطَلِقُوا إِلَى هذَا الرَّجُلِ\n_________\n(^١) الثاني بسند غريب والأول بسند صحيح.\n\nالدجال الآن في جزيرة وهو موثق بالحديد\n(^٢) سيأتي وصفه في صلب الأحاديث بما فيه الكفاية.\n(^٣) وكانت من المهاجرات الأول وزوجها النبي - ﷺ - لأسامة بن زيد بعد ما تأيمت من زوجها الأول.\n(^٤) امكثوا كما أنتم.\n(^٥) التجأوا إليها.\n(^٦) أقرب: جمع قارب وهو سفينة صغيرة تكون بجوار الكبيرة يركبونها في قضاء حوائجهم، وهذا جمع سماعي وإلا فالقياس قوارب.\n(^٧) بيان لأهلب.\n(^٨) سميت جساسة لتجسسها الأخبار للدجال، وقيل إنها التي تخرج في آخر الزمان في قوله تعالى ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾.","vol":"5","page":345},{"text":"فِي الدَّيْرِ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ قَالَ: فَلَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلًا فَرِقْنَا مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً (^١) قَالَ: فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ مَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى كَعْبَيْهِ بِالْحَدِيدِ (^٢)، قُلْنَا: وَيْلَكَ مَا أَنْتَ؟ قَالَ: قَدْ قَدَرْتُمْ عَلَى خَبَرِي (^٣) فَأَخْبِرُونِي مَا أَنْتُمْ، قَالُوا: نَحْنُ أُناَسٌ مِنَ الْعَرَبِ رَكِبْنَا فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ فَصَادَفْنَا الْبَحْرَ حِينَ اغْتَلَمَ (^٤) فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْرًا ثُمَّ أَرْفأَنَا إِلَى جَزِيرَتِكَ هذِهِ فَجَلَسْنَا فِي أَقْرُبِهَا فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ فَلَقِيتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ لَا يُدْرَى مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ فَقُلْنَا وَيْلَكِ مَا أَنْتِ فَقَالَتْ أَنَا الْجَسَّاسَةُ قُلْنَا وَمَا الُجَسَّاسَة قَالَتِ اعْمِدُوا إِلَى هذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكمْ بِالْأَشْوَاقِ فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعًا وَفَزِعْنَا مِنْهَا وَلَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً، فَقَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بِيْسَانَ (^٥)، قُلْناَ: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: أَسْأَلُكُمْ عَنْ نَخْلِهَا هَلْ يُثْمِرُ؟ قُلناَ لَهُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يُوشِكُ\nأَلْا يُثْمِرَ (^٦)، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ (^٧)، قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَال: هَلْ فِيهاَ مَاءٌ؟ قَالوا: هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، قَالَ: أَمَا إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ (^٨)، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ عَيْنِ زُغَرَ (^٩)، قَالوا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِي الْعْينِ مَاءٌ وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ؟ قُلْناَ لَهُ: نَعَمْ\n_________\n(^١) فرقنا أي خفنا.\n(^٢) يداه موثقتان في عنقه بالحديد ورجلاه من ركبتيه إلى كعبيه بالحديد.\n(^٣) أي وصلتم إلى هنا.\n(^٤) هاج وجاوز حده.\n(^٥) بيسان: قرية بالشام ذات نخيل.\n(^٦) أي في آخر الزمان.\n(^٧) وفي رواية: بحيرة طبرية وهي بحر صغير معروف بالشام وطبرية: قصبة الأردن؛ ومنها الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني المحدث المشهور ﵁.\n(^٨) عن قريب ينضب ماؤها ويذهب في آخر الزمان.\n(^٩) زغر كعمر: بلد معروف بالجانب القبلي من الشام.","vol":"5","page":346},{"text":"هِيَ كَثِيرَةُ الْماَءِ وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ مَائهَا، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَبِيِّ الْأُمْيِّينَ مَا فَعَلَ؟ قَالُوا: قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَنَزَلَ يَثْرِبَ (^١)، قاَلَ: أَقاَتَلَهُ الْعَرَبُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَليهِ مِنَ الْعَرَبِ وَأَطَاعُوهُ، قَالَ: قَدْ كَانَ ذلِكَ (^٢)؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَاكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ. وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي إِنِّي أَنَا الْمَسِيحُ (^٣) وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ فَأَخْرُجَ فَأَسِيرُ فِي الْأَرْضِ فَلَا أَدَعُ قَرْيَّةً إِلا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتاَهُمَا كُلَّما أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمَا اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا (^٤) يَصُدُّنِي عَنْهَا وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَائِكَةً يَحْرِّسُونَهَا (^٥)، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ فِي الْمِنْبَرِ: «هذِهِ طَيْبةُ هذِهِ طَيْبةُ هذِهِ طَيْبَةُ يَعْنِي الْمَدِينَةَ (^٦) أَلَا هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ ذلِكَ (^٧)، فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ أَعْجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ أَنَّهُ وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أَحَدِّثُكُمْ عَنْهُ وَعَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ» ثُمَّ قاَلَ ﷺ: «أَلَا إِنَّهُ فِي بَحْرِ الشَّأْمِ أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ (^٨) لَا بَل مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ (^٩)»، قَالَتْ: فَحَفِظْتُ هذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: حَدَّثَنِي تَمِيمٌ الدَّارِيُّ ﵁ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ فِلِسْطِينَ رَكِبُوا سَفِينَةً فِي الْبَحْرِ فَجَالَتْ بِهِمْ حَتَّى قَذَفَتْهُمْ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائرِ الْبَحْرِ\n_________\n(^١) نبي الأميين هو محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي - ﷺ -.\n(^٢) قاتلهم وانتصر عليهم.\n(^٣) أي الدجال.\n(^٤) خارجًا من غمده.\n(^٥) نقب أي طريق.\n(^٦) قالت: أي فاطمة بنت قيس وطعن النبي - ﷺ - بمخصرته - كمكنسة - ما يتكأ عليها كعصا.\n(^٧) هل: أي قد.\n(^٨) هذا رد ونفي لفهم تميم وصحبه أن الجزيرة جهة مغرب الشمس.\n(^٩) هذا كله تأكيد بأن الجزيرة جهة المشرق وأن الدجال حتما سيخرج من المشرق والله أعلم.","vol":"5","page":347},{"text":"فَإِذَا هُمْ بِدَابَّةٍ لَبَّاسَةٍ ناَشِرَةٍ شَعْرَهَا (^١)، فَقَالُوا: مَا أَنْتِ؟ قَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قَالُوا: فَأَخْبِرِينَا، قَالَتْ: لَا أُخْبِرُكُمْ وَلَا أَسْتَخْبِرُكُمْ وَلكِنِ ائْتُوا أَقْصَى الْقَرْيَةِ فَإِنَّ ثَمَّ مَنْ يُخْبِرُكُمْ وَيَسْتَخْبِرُكمْ فَأَتَيْنَا أَقْصَى الْقَرْيَةِ (^٢) فَإِذَا رَجُلٌ مُوثَقٌ بِسِلْسِلَةٍ فَقَالَ: أَخبِرُونِي عَنْ عَيْنِ زُغَرَ، قُلْناَ: مَلْأَى تَدَفَّقُ، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنِ الْبُحَيْرَةِ، قُلْناَ: مَلْأَى تَدَفَّقُ، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ النَّبِيِّ هَلْ بُعِثَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: أُخْبِرُونِي كَيْفَ النَّاسُ إِليْهِ، قُلْنَا: سِرَاعٌ (^٣)، قَالَ: فَنَزَا نَزْوَةً حَتَّى كَادَ (^٤)، قُلْنَا: فَمَا أَنْتَ؟ قَالَ إِنَّهُ الدَّجَّالُ وَإِنهُ يَدْخُلُ الْأَمْصَارَ كُلَّهَا إِلا طَيْبَةَ، وَطَيْبَة الْمَدِينَة (^٥)، صَلَّى اللَّهُ عَلَى سَاكِنِهَا وَسَلَّمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1259>يظهر الدجال من المشرق فيتبعه ناس كثيرون</span>\n• عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبِهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ الطَّياَلِسَةُ (^٦)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الدَّجَّالُ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضٍ بِالْمشْرِقِ يُقاَلُ لَهَا خُرَاسَانَ يَتْبَعُهُ أَقْوَامٌ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ (^٧)».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَخْرُجُ مِنْ خُرَاسَانَ رَايَاتٌ سُودٌ لَا يَرُدُّهَا شَىْءٌ حَتَّى تُنْصَبَ بِإِيِيَاءَ (^٨)»، رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ (^٩).\n_________\n(^١) لباسة على من رآها فلا يدري ما هي.\n(^٢) لا ينافي ما سبق لاحتمال أن الدير في أقصى القرية.\n(^٣) إليه أي أسرعوا في إجابته.\n(^٤) وثب وغضب حتى كاد يخرج من وثاقه.\n(^٥) وكذا لا يدخل مكة كما سيأتي إن شاء الله تعالى، والله أعلى.\n\nيظهر الدجال من المشرق فيتبعه ناس كثيرون\n(^٦) أصبهان بالباء والفاء وبفتح الهمزة وكسرها: بلد معروف من بلاد الأرفاض، والطيالسة: جمع طيلسان وهو ثوب معروف.\n(^٧) خراسان وأصبهان: بلدان مشهوران بالممالك الشرقية في بلاد العجم شرقي الخليج الفارسي بحذاء المدينة تماما ولكن خراسان أبعد فهي بقرب بلاد ما وراء النهر.\n(^٨) الظاهر أن هذه رايات الدجال قاتله الله.\n(^٩) الثاني بسند غريب والأول بسند حسن.","vol":"5","page":348},{"text":"• عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيَفِرَّنَّ النَّاسُ مِنَ الدَّجّالِ فِي الجِبَالِ قاَلَتْ أُمُّ شَرِيكٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيْنَ الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ» قَالَ: هُمْ قَلِيلٌ (^١)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1260>أوصاف المسيح الدجال الذي هو أكبر فتنة</span>\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَامَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: «إِنِّي لَأُنْذِرُكُمُوهُ وَمَا مِنْ نَبِيَ إِلا وَقَدْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ وَلَكِنِّي سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ».\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيَ إِلا أَنْذَرَ أُمْتَهُ الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ أَلَا إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ك ف ر أَيْ كَافِرٌ يَقْرَأُهَ كُلُّ مُسْلِمٍ (^٢)»، رَوَاهُمَا الْأَرْبَعَةُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَناَ نَائمٌ رَأَيْتُنِي أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ يَنْطُفُ أَوْ يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً (^٣)» قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قاَلُوا: ابْنُ مَرْيَمَ ثُمَّ ذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ جَسِيمٌ أَحْمَرُ\nجَعْدُ الرَّأْسِ (^٤) أَعْوَرُ الْعَيْنِ كَأَنْ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ (^٥) قاَلُوا: هَذَا الدَّجَّالُ أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ (^٦)، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٧).\n_________\n(^١) فأول ظهور الدجال من تلك البقاع الشرقية ثم يتوجه إلى جزيرة العرب ثم يقصد مكة والمدينة ثم تحوله الملائكة إلى فلسطين ثم يهلك ببلد يسمى لدًّا والله أعلم.\n\nأوصاف المسيح الدجال الذي هو أكبر فتنة\nأظهر أوصاف الدجال أنه أفحج الرجلين معيب العينين مكتوب بين عينيه كافر والله تعالى ليس كذلك ولا يرى في الدنيا فضلا عن هذا فليس كمثله شيء وهو السميع البصير.\n(^٢) الأعور الكذاب: هو المسيح الدجال، وفي رواية: يقرأه كل من كره عمله.\n(^٣) آدم أسمر، سبط الشعر: مسترسله يقطر الماء من رأسه.\n(^٤) أحمر اللون شعر رأسه أجعد كشعر الحبشة.\n(^٥) أعور العين اليمنى كأنها حبة عنب بارزة لرواية أخرى للبخاري: أعور عين اليمنى، وللترمذي: إن الدجال أعور عينه اليمنى كأنها عنبة طافية.\n(^٦) ابن قطن اسمه عبد العزى مات في الجاهلية.\n(^٧) البخاري هنا ومسلم في الإيمان.","vol":"5","page":349},{"text":"وَلِمُسْلِمٍ: الدَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى (^١) جُفاَلُ الشَّعَرِ (^٢) مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ ناَرٌ (^٣).\nوَلِأَبِي دَاوُدَ: إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ رَجُلٌ قَصِيرٌ أَفْحَجُ (^٤) جَعْدٌ أَعْوَرُ مَطْمُوسُ الْعَيْنِ لَيْسَ بِناَتِئَةٍ وَلَا جَحْرَاءَ (^٥) فَإِنِ الْتَبَسَ عَلَيْكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ.\n\n• عَنِ الْمُغِيرَةِ ﵁ قَالَ: مَا سَأَلَ أَحَدٌ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الدَّجَّالِ مَا سَأَلْتُهُ وَإِنَّهُ قاَلَ لِي: «مَا يَضُرُّكَ مِنْهُ»، قُلْتُ: لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ مَعَهُ جَبَلَ خُبْزٍ وَنَهَرَ مَاءٍ، قَالَ: «هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذلِكَ (^٦)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَأَنَا أَعْلَمُ بِماَ مَعَ الدَّجَّالِ مِنْهُ، مَعَهُ نَهَرَانِ يَجْرِيَانِ أَحَدُهُمَا رأْىَ الْعَيْنِ مَاءٌ أَبْيَضُ (^٧) وَالْاخَرُ رَأْىَ الْعَيْنِ ناَرٌ تَأَجَّجُ (^٨) فَإِمَّا أَدْرَكَنَّ أَحَدٌ فَلْيَأْتِ النَّهَرَ الَّذِي يَرَاهُ نَارًا وَلْيُغَمِّضْ ثُمَّ لْيُطَأْطِئْ رَأْسَهُ فَيَشْرَبَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مَاءٌ باَرِدٌ (^٩) وَإِنَّ الدَّجَّالَ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ عَلَيْهاَ ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ (^١٠)» مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ يَقْرَأْهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ وَإِنَّ مَعَهُ مَاءً وَناَرًا فَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ مَاءً فَنَارٌ تُحْرِقُ وَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ نَارًا فَمَاءٌ بَارِدٌ عَذْبٌ فَمَنْ أَدْرَكَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَقَعْ فِي الَّذِي يَرَاهُ نَارًا فَإِنَّهُ مَاءٌ عَذْبٌ طَيِّبٌ»، رَوَاهُمَا الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ﵁ قَالَ: وَصَفَ لَناَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَّالَ ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ سَيْدْرِكُهُ مَنْ قَدْ رَآنِي أَوْ سَمِعَ كَلَامِي\n_________\n(^١) فهي معيبة أيضا.\n(^٢) أي كثيره.\n(^٣) في الواقع ونفس الأمر.\n(^٤) منفرج الرجلين في المشي.\n(^٥) ليست مرتفعة ولا غوراء وهذه هي اليسرى فهو خاسر العينين.\n(^٦) هو أهون على الله من أن يجعل ذلك آية على صدقه لا سيما وفيه آية ظاهرة على كذبه وهي العور والله تعالى منزه عن ذلك بل برؤيته يزداد المؤمنون إيمانًا كما يأتي فيمن يقتله.\n(^٧) رأي العين أي في رأي العين.\n(^٨) أي تشتعل.\n(^٩) وفي نسخة: فأما أدركه أحد.\n(^١٠) أي جلدة تغشى البصر، وقوله: ممسوح العين أي اليسرى ولهذا سمي المسيح الدجال.","vol":"5","page":350},{"text":"قَالوا: ياَ رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ قلوبُنَا يَوْمَئِذٍ أَمِثْلَهَا الْيَوْمَ؟ قَالَ: أَوْ خَيْرٌ (^١)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَمُسْلِمٍ: تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ وَإِنَّ الدَّجَّالَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ يَقْرأُهُ مَنْ كَرِهَ عَمَلَهُ.\nوَلِأَبِي دَاوُدَ: مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأْ عَنْهُ فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ مِمَّا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ أَوْ لِماَ يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي الدَّهْمَاءِ وَأَبِي قَتاَدَةَ ﵄ قَالُوا: كُنَّا نَمُرُّ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ فَنَأْتِي عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ فَقَالَ ذَاتَ يَوْم (^٣): إِنَّكمْ لَتُجَاوِزُونِي إِلَى رِجَالٍ مَا كَانُوا بِأَحْضَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي وَلَا أَعْلَمَ بِحَدِيثِهِ مِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا بَيْنَ خَلْقُ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ أَمْرٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ (^٤)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَمْكُثُ أَبُو الدَّجَّالِ وَأُمُّهُ ثَلَاثِينَ عَامًا لَا يُولَدُ لَهُمَا وَلَدٌ ثُمَّ يُولَدُ لَهُمَا غُلَامٌ أَعْوَرُ أَضَرُّ شَيْءٍ وَأَقَلُّهُ مَنْفَعَةً، تَناَمُ عَيْناَهُ وَلَا يَناَمُ قَلْبُهُ»، ثُمَّ نَعَتَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ فَقَالَ: «أَبُوهُ طوَالٌ ضَرْبُ اللَّحْمِ كَأَنَّ أَنْفَهُ مِنْقَارٌ (^٥) وَأُمُّهُ فِرْضَاحِيَّةٌ طَوِيلَةُ الْيَدَيْنِ (^٦)» فَقَالَ أَبُو بَكْرَةً فَسَمِعْنَا بِمَوْلُودٍ فِي الْيَهُوِدِ بِالْمَدِينَةِ فَذَهَبْتُ أَناَ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ حَتَّى دخَلْنَا عَلَى أَبَوَيْهِ فَإِذَا نَعْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمَا فَقُلْنَا: هَلْ لَكُمَا وَلَدٌ فَقَالَا: مَكَثْنَا ثَلَاثِينَ عَامًا لا يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ ثُمَّ وُلِدَ لَنَا غُلَامٌ أَضَرُّ شَيْءٍ وَأَقَلُّهُ مَنْفَعَةً، تَنَامُ\n_________\n(^١) أي بل خير وهذا لفريق كامل الإيمان، ولفظ الترمذي: قال مثلها أو خير.\n(^٢) فمن سمع بالدجال فليبتعد عنه فإن بعض الناس إذا رآه افتتن به مما يحيط به من الشبهات، والضلالات، وأثر السحر، والشعبذة كنار وجنة. وقتل بعض الناس وإحيائه وغير ذلك؛ نسأل الله السلامة آمين.\n(^٣) قال أي هشام بن عامر يعترض عليهما في مجاوزته إلى عمران بن حصين ﵃.\n(^٤) فليس بين آدم وقيام الساعة فتنة أعظم من الدجال قاتله الله.\n(^٥) طويل الجسم مملوءه عظيم الأنف.\n(^٦) طويلة اليدين فرضاحية أي ضخمة.","vol":"5","page":351},{"text":"عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ قَالَ: فَخَرَجْناَ مِنْ عِنْدِهِمَا فَإِذَا هُوَ مُنْجَدِلٌ فِي الشَّمْسِ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ (^١) وَلَهُ هَمْهَمَةٌ فَكَشَفَ عَنْ رَأْسِهِ فَقَالَ: مَا قُلْتُما قُلْنَا: وَهَلْ سَمِعْتَ مَا قُلْنَا قَالَ: نَعَمْ تَنَامُ عَيْناَيَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي (^٢)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣)، نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1261>الدجال يدخل كل بلد إلا مكة والمدينة</span>\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلا سَيَطَؤْهُ الدَّجَّالُ إِلا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ وَلَيْسَ نَقْبٌ مِنْ أَنْقَابِهَا إِلا عَلَيْهِ الْملَائِكَةُ صَافِّينَ تَحْرُسُهَا (^٤) فَيَنْزِلُ بِالسَّبْخَةِ فَتَرْجُفُ الْمَدِينَةُ ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ مِنْهاَ كُلُّ كَافِرٍ\nوَمُناَفِق (^٥)».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا حَدِيثًا طَوِيلًا عَنِ الدَّجَّالِ فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا قَالَ: «يَأْتِي الدَّجَّالُ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقاَبَ الْمَدِينَةِ فَيَنْتَهِي إِلَى بَعْضِ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي الْمَدِينَةَ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ هُوَ خَيْرُ النَّاسِ أَوْ مِنْ خَيْر النَّاسِ (^٦) فَيَقُولُ لَهُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَهُ فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ أَتَشُكُّونَ فِي الْأَمْرِ (^٧) فَيَقُولُونَ: لَا،\n_________\n(^١) منجدل في الشمس: مطروح فيها، وعليه ثوب قطيفة، وله همهمة أي صوت غير مفهوم.\n(^٢) وهذا لا ينافي خبر تميم الداري أنه في جزيرة لاحتمال انتقاله من المدينة إلى الدير في تلك الجزيرة.\n(^٣) في ذكر ابن صياد بسند حسن.\n\nالدجال يدخل كل بلد إلا مكة والمدينة\n(^٤) الأنقاب والنقاب: جمع نقب وهو الطريق وأصله الطريق بين جبلين، والمراد هنا طرق مكة والمدينة.\n(^٥) فكل بلد يدخله الدجال إلا مكة والمدينة فإن على طرقهما ملائكة تحرسهما منه فإذا منعوه نزل بالسبخة فتضطرب المدينة ثلاث مرات فيخرج إليه كل كافر ومنافق، وللشيخين: لا يدخل المدينة رعب المسيح، لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان، وللترمذي والبخاري: لا يدخل المدينة الطاعون ولا الدجال إن شاء الله.\n(^٦) أو للشك.\n(^٧) أي أمر الألوهية.","vol":"5","page":352},{"text":"قَالَ: فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ فَيَقُولُ حِينَ يُحْيِيهِ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي اْلآنَ (^١) قَالَ: فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ (^٢)»، رَوَاهُماَ الشَّيْخَانِ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فَيَتَوَجَّهُ قِبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَلَقْاهُ مَسَالِحُ الدَّجَّالِ (^٣)» فَيَقُولُونَ لَهُ: أَيْنَ تَعْمِدُ فَيَقُولُ: أَعْمِدُ إِلَى هذَا الَّذِي خَرَجَ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَوَ تُؤْمِنُ بِرَبِّنَا (^٤) فَيَقُولُ: مَا بِرَبِّنَا خَفَاءٌ فَيَقُولُونَ اقْتُلُوهُ فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكُمْ رَبُّكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا أَحَدًا دُونَهُ (^٥) قَالَ: فَيَنْطَلِقُونَ إِلَى الدَّجَّالِ فَإِذَا رَآهُ الْمُؤْمِنُ قَالَ: يَا أَيّهَا النَّاسُ هذَا الدَّجَّالُ الَّذِي ذَكَرهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فَيأْمُرُ الدَّجَّالُ بِهِ فَيُشَبَّحُ (^٦)» فَيَقُولُ: خُذُوهُ وَشُجُّوهُ (^٧) فَيُوسَعُ ظَهْرُهُ وَبَطْنُهُ ضَرْبًا فَيَقُولُ: أَوَمَا تُؤْمِنُ بِي» قَالَ: فَيَقُولُ: أَنْتَ الْمَسِيحُ الْكَذَّابُ (^٨) قَالَ: فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُؤْشَرُ بِالْمِئْشَارِ مِنْ مَفْرِقِهِ حَتَّى يُفَرَّقَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ (^٩) ثمَّ يَمْشِي الدَّجَّالُ بَيْنَ الْقِطْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ قمْ فَيَسْتَوِي قاَئمًا ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: أَتُؤْمِنُ بِي فَيَقُولُ لَهُ: مَا ازْدَدْتُ فِيكَ إِلا بَصِيرَةً ثُمَّ يَقولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا يَفْعَلُ بَعْدِي بِأحَدٍ مِنَ النَّاسِ (^١٠) قَالَ: فَيَأْخُذُهُ الدَّجَّالُ لِيَذْبَحهُ فَيُجْعَلُ مَا بَيْنَ رَقَبَتِهِ إِلَى تَرْقُوَتِهِ نُحَاسًا فَلَا يَسْتَطِيعُ إِلَيُهِ سَبيلًا قَالَ: فَيَأْخُذُ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَيَقْذِفُ بِهِ فَيَحْسِبُ\n_________\n(^١) فيقول المقتول بعد حياته: والله إني أعرف بك الآن من كل وقت وأنت الدجال. وقيل إن هذا هو الخضر ﵇، وبيان هذا واضحًا في الرواية الآتية.\n(^٢) أي لا يقدر عليه.\n(^٣) جمع مسلحة وهم القوم ذوو السلاح.\n(^٤) أي الدجال.\n(^٥) بغير أمره.\n(^٦) يمد على بطنه.\n(^٧) شجوه: اضربوه فيضرب على ظهره كثيرا.\n(^٨) فلا نؤمن بك.\n(^٩) ينشر من رأسه حتى يصير قطعتين والمنشار بالهمز وبالتخفيف. وروي بالنون، وهذه أمور ظاهرية من أثر سحر وشعبذة وإلا فمن مات في دنياه لا يحيا فيها ثانيا اللهم إلا معجزة كمعجزة عيسى ﵇ ولكن لا تطول.\n(^١٠) أي مثل هذا، وهذا قول المؤمن الذي قام بعد نشره.","vol":"5","page":353},{"text":"النَّاسُ أَنَّمَا قَذَفَهُ إِلَى النَّارِ وَإِنَّمَا أُلْقِيَ فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «هذَا أَعْظَمُ النَّاسِ شَهَادَةً عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ (^١)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1262>يمكث الدجال في الأرض أربعين يومًا ثم ينزل عيسى ﷺ فيقتله بالشام</span>\n• عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ﵁ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَعَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ (^٢) فَلَمَّا رُحْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذلِكَ فِينَا (^٣) فَقَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ»؟ قُلْنَا: ياَ رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً فَخَفَّضْتَ فِيهِ وَرَفَّعْتَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ فَقاَلَ: «غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ (^٤) إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ (^٥) وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ (^٦) إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ (^٧) عَيْنُهُ طَافِئَةٌ كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنِ فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ (^٨) إِنَّه خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ (^٩) فَعاثَ يَمِينًا وَعَاثَ (^١٠) شِمَالًا ياَ عِباَدَ اللَّهِ فَاثْبُتُوا» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْضِ قَالَ: «أَرْبَعُونَ يَوْمًا يَوْمٌ كَسَنَةٍ وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ وَيَوْمٌ كَجُمْعَةٍ وَسَائْرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ»، قُلْنَا: ياَ رَسُولَ اللَّهِ\n_________\n(^١) حقًّا لا جهاد في الله أعظم من ذلك ولا شهادة أرقى من شهادته، نسأل الله أن نكون من شهداء العلم النافع لعباد الله إلى يوم الدين آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nيمكث الدجال في الأرض أربعين يومًا ثم ينزل عيسى ﵇ فيقتله\n(^٢) خفض أي حقر فيه، ورفع أي عظم شأنه وفتنته.\n(^٣) أثر الحزن من فتنة الدجال.\n(^٤) أخاف عليكم من غيره أكثر.\n(^٥) إن ظهر وأنا فيكم فإني أحاججه وأبطل أمره وحدي.\n(^٦) فكل شخص يدافع عن نفسه والله معكم.\n(^٧) شديد جعودة الشعر.\n(^٨) هن عشر آيات كما سبق في فضل سورة الكهف: من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال.\n(^٩) سيقدم على العرب من طريق بين الشام والعراق.\n(^١٠) فعاث أي أفسد.","vol":"5","page":354},{"text":"فَذلِكَ الْيَوْمُ الَّذي كَسَنَةٍ أَتَكْفِيناَ فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ قَالَ: «لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ (^١)» قُلْنَا: ياَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الْأَرْضِ قَالَ: «كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ (^٢) فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ وَالْأَرْضَ فَتُنْبِتُ فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًا وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ (^٣) ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ (^٤) وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةَ فَيقُولُ لَهَا: أَخْرجِي كُنُوزَكِ فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ (^٥) ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبابًا فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطعَهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطعَهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ (^٦) فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ﵇ فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ (^٧)، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنَحَةِ مَلَكَيْنِ إِذَا طَأْطَأْ رَأْسَهُ قَطَرَ وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللَّؤْلَؤِ (^٨)\n_________\n(^١) ففي كل أربعة وعشرين ساعة يصلون خمس صلوات متفرقات في أزمنة بقدر اليوم العادي.\n(^٢) كسرعة المطر بالريح الشديدة.\n(^٣) ذرا جمع ذروة وهي أعلى الشيء، والضروع جمع ضرع وهو محل اللبن في الماشية، أي إذا أجابه قوم أمر السماء فأمطرتهم والأرض فأنبتتهم وعادت مواشيهم من مرعاها أحسن ما تكون في أجسامها وألبانها محنة وابتلاء لهم.\n(^٤) ثم يمر الدجال بقوم آخرين فيدعوهم إلى الإيمان به فلا يجيبونه فينزل المحل والقحط بهم فيصبحون لا شيء عندهم.\n(^٥) اليعاسيب جمع يعسوب: وهو أمير النحل المطاع فيهم أي ثم يمر الدجال بالبقعة الخراب فيقول لها أخرجي كنوزك فتخرج كنوزها تسير وراءه كما تتبع النحل يعسوبها.\n(^٦) أي من قطع بالسيف وقام، ولعل هذا هو السابق في حديث أبي سعيد الذي يقول حينما يحيا: والله ما كنت قط أشد بصيرة مني اليوم وهو الخضر ﵇، وهذه كلها ضلالات وتمويهات في أعين الناس من أثر السحر والشعبذة التي وصل فيها إلى ما لم يصل إليه غيره نعوذ بالله منه.\n(^٧) فينزل عيسى ﵇ شرقي دمشق عند المنارة البيضاء ولعلها التي بالجامع الأعظم بدمشق الشام بين مهرودتين أي عليه حلتان لونهما كصبغ الورس والزعفران.\n(^٨) أي ينزل عيسى ﵇ في غاية النظافة كالذي خرج من حمام يقطر الماء من رأسه وينحدر منه كحبات اللؤلؤ.","vol":"5","page":355},{"text":"فَلَا يَحِلُّ لِكافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلا مَاتَ وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ (^١) فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِباَبِ لُدَ فَيَقْتُلُهُ (^٢)\nثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمهُمُ اللَّهُ مِنْهُ فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ (^٣) فَبَيْنَماَ هُوَ كَذلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ (^٤) لِأَحَدٍ بِقِتاَلِهِمْ فَحَرِّزْ (^٥) عِبَادِي إِلَى الطُّورِ وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيقُولونَ لَقدْ كَانَ\nبِهذِهِ مَرَّةً مَاءٌ (^٦) وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينارٍ لِأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسى وَأَصْحَابُهُ (^٧) فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَي كَمْوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ (^٨) ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْأَرْضِ (^٩) فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلاَّ مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ\n_________\n(^١) فنفس عيسى ﵇ يمتد إلى نهاية بصره وكلما شمه كافر مات في الحال.\n(^٢) لد - كبد -. جبل بالشام أو قرية من قرى بيت المقدس أي فيذهب عيسى ﵇ للمسيح الدجال فيوافقه عند باب لد فيقتله، ولمسلم والترمذي: يأتي الدجال من قبل المشرق همته المدينة حتى ينزل دبر أحد ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام وهنالك يهلك.\n(^٣) منه أي من الدجال فيمسح عيسى عن وجوههم ما عليها من أثر الجهاد ضد الدجال، وهذا مبالغة في إكرامهم.\n(^٤) وفي رواية: لا يدى لأحد بقتالهم.\n(^٥) أي حصن هؤلاء المؤمنين بجبل الطور فإنه قد ظهر عباد لي لا يقدر عليهم أحد من الخلق وهم يأجوج ومأجوج.\n(^٦) كان بهذه أي بحيرة طبرية ماء، فمن كثرتهم لا يدرون أن أولهم هو الذي شربها، وزاد في رواية: ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر - كالقمر .. وهو جبل بيت المقدس فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض هل فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما (نشاب جمع نشابة وهى السهم) فيزعمون أنهم قهروا من في الأرض والسماء قاتلهم الله.\n(^٧) يضرعون إلى الله تعالى أن يهلكهم.\n(^٨) النغف - كسبب -: دود يظهر في أنوف الإبل والغنم، وفرسى جمع فريس كقتلى وقتيل.\n(^٩) بعد أن كانوا متحصنين فوق جبل الطور من هؤلاء الكفرة، ولم يهلكوا بنفس عيسى ﵇ محنة للمؤمنين ولأن القضاء بإهلاك هؤلاء الكفرة كان بذلك الدود.","vol":"5","page":356},{"text":"فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْناقِ الْبُخْتِ فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُرْسهلُ اللَّهُ مَطَرًا لَا يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَقَةِ (^١) ثُمَّ يُقاَلُ لِأَرْضِ أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ وَرُدِّي بَرَكَتَكِ (^٢) فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُّونَ بقِحْفِها (^٣) وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ حَتَّى إِنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الإبِلِ لَتَكْفِي الْفِئامَ مِنَ النَّاسِ (^٤) وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ (^٥)، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ، فَبَيْنَما هُمْ كَذلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آباطِهِمْ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ (^٦) وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهارَجُونَ فِيهاَ تَهاَرُجَ الْحُمُرِ فَعليْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ (^٧)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\n_________\n(^١) فيرسل الله مطرًا شديدًا لا تحفظ منه الخيام ولا البناء فيغسل الأرض حتى تصير كالمرآة.\n(^٢) يأمر الله الأرض فتخرج خيراتها من زروع وثمار وكنوز.\n(^٣) تأكل الجماعة من الرمانة الواحدة ويستظلون بقشرتها.\n(^٤) ويبارك في الرسل أي الماشية التي ترسل للمرعى حتى إن لبن الناقة يكفي الجماعة من الناس.\n(^٥) ولعل هذا هو الزمن الذي تقيء فيه الأرض أفلاذ أكبادها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، ولعل هذا هو الزمن الذي يمر فيه الرجل بصدقته من الذهب فلا يجد من يقبلها، ولعل هذا هو الزمن الذي لا يهم الرجل فيه إلا من يقبل صدقته كما سبق كل هذا.\n(^٦) هذه هي الريح اليمنية السابقة.\n(^٧) الهرج كالفرج: الجماع من هرج زوجته جامعها، فتكثر الشرور حتى يجامع الرجال النساء بحضرة الناس كما تفعل الحمير، وهؤلاء هم الأشرار وعليهم تقوم الساعة. نسأل الله السلامة والتوفيق آمين.","vol":"5","page":357},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1263>خاتمة - ينزل عيسى ﵇ فيمكث في الأرض زمنا ثم يتوفى إلى رحمة اللَّه ورضوانه</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ (^١)» وَيَفِيضُ الْمالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ «وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (^٢)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ (^٣)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأَحْمَدُ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَاللَّهِ لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلًا فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ وَلَتُترَكَنَّ الْقِلَاصُ فَلَا يُسْقَى عَلَيْهَا (^٤) وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَالِ فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ (^٥)».\n_________\nخاتمة - ينزل عيسى ﵇ فيمكث في الأرض زمنًا ثم يتوفى إلى رحمة الله ورضوانه\n(^١) حكما أي حاكما، مقسطا أي عادلا بشريعة محمد - ﷺ - فيكسر الصليب بقتل حامليه، ويقتل الخنزير بتحريم اقتنائه وأكله وإباحة قتله، ويضع الجزية يبطلها فلا يقبل إلا الإسلام.\n(^٢) فما من أهل الكتاب إنسان إلا سيؤمن بعيسى ﵇ قبل موته ويوم القيامة سيشهد عيسى عليهم، ولا يقال كيف يرفع عيسى ﵇ إلى السماء وقد خلق مطبوعًا على صفات لا تتفق مع معيشته في السماء لأنا نقول إن الله تعالى سلبه صفات البشرية وجمله بصفات الملكية فصار في السماء كالملائكة في كل شيء فإذا أراد الله وأنزله إلى الأرض ألبسه صفات البشرية والله على كل شيء قدير.\n(^٣) سبق أنه الخليفة الذي ينزل عيسى ﵇ في زمنه وهو المهدي ﵁، وفي حديث أحمد: فإذا هم بعيسى فيقال تقدم يا روح الله فيقول ليتقدم إمامكم فليصل بكم.\n(^٤) القلاص جمع قلوص: وهي الناقة الشابة أي يزهد الناس فيها لكثرة الأموال.\n(^٥) وليطلبن عيسى الناس لأخذ المال فلا يقبله أحد لكثرته، ولهذا ستزول العداوة بين الناس.","vol":"5","page":358},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكثُ أَرْبَعِينَ لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا أَوْ أَرْبَعِينَ عَامًا (^١) فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ (^٢) فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ»، رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَ عِيسَى ﵇ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ نازِلٌ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ: رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَياَضِ (^٣) بَيْنَ مُمَصَّرَتَيْنِ (^٤) كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ (^٥) فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الإسْلَامِ فَيَدُقُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ وَيَضَعُ الجِزْيَةَ ويُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلا الإسْلَامَ (^٦) وَيُهْلِكُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ» (ثُمَّ تَقَعُ الأمَنَةُ عَلَى الأرْضِ حَتَّى تَرْتَعَ الأُسْدُ مَعَ الإبِلِ وَالنِّمَارُ مَعَ الْبَقَرِ وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ (^٧) وَتَلْعَبَ الصِّبْيَانُ بِالْحَيَّاتِ) فَيَمْكُثُ عِيسَى فِي الأرِضِ أَرْبَعِينَ سَنَةَ ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ (^٨)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَالإمَامُ أَحْمَدُ (^٩).\n_________\n(^١) الأول هو المعتمد لحديث تميم الداري السابق: فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة.\n(^٢) كان مشهورا بجمال الطلعة والنظافة وحسن الهيئة.\n(^٣) لونه أبيض مشرب بحمرة وجسمه وسط بين الطول والعرض.\n(^٤) عليه ثوبان فيهما صفرة، فالممصر من الثياب ما فيه صفرة خفيفة كما سبق في حديث النواس: بين مهرودتين.\n(^٥) كناية عن تمام النظافة والنضارة.\n(^٦) فيبطل اليهودية والنصرانية وأولى عبادة الأوثان ويدعو إلى الإسلام.\n(^٧) فيصطلح المتعاديان في زمنه لامتلائه بالخير والعدل والأمن والإيمان، والكلمات التي بين قوسين للحاكم والإمام أحمد.\n(^٨) وأربعون سنة هنا لا ينافيها ظاهر ما سبق: ثم يمكث الناس سبع سنين لاحتمال أن الأربعين مدة مكثه في الأرض قبل الرفع وبعده فكأن عمره قبل رفعه ثلاث وثلاثون سنة ثم ينزل فيعيش سبع سنين، قيل ويتزوج فيها، ويحتمل أنه يمكث في الأرض بعد نزوله أربعين سنة لأن تلك الرواية ليست نصًا في مكثه سبع سنين.\n(^٩) بسند صحيح.","vol":"5","page":359},{"text":"وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ﵁: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ صِفَة مُحَمَّدٍ وَصِفَةُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ وَيُدْفَنُ عِيسَى مَعَ مُحَمَّدٍ (^١) ﷺ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\nعدد أحاديث كتاب الفتن ١٧٠ سبعون ومائة فقط.\nنسأل اللَّه أن تكون خالصة لوجهه الكريم آمين والحمد للَّه رب العالمين\n_________\n(^١) وقد بقي في الروضة الشريفة التي فيها جسم النبي - ﷺ - وصاحبيه موضع قبر فيظهر أنه لعيسى ﵇ والله أعلم.\n﴿فائدة﴾ اتضح مما سبق أن المهدي المنتظر من هذه الأمة، وأن الدجال سيظهر في آخر الزمان، وأن عيسى ﵇ سينزل ويقتله، وعلى هذا أهل السنة سلفًا وخلفًا، وقال بعض المعتزلة والجهمية ومن وافقهم إن هذا كله مردود بقوله تعالى: ﴿وخاتم النبيين﴾ وبحديث: لا نبي بعدي، ولإجماع المسلمين على أن شرع نبينا محمد - ﷺ - مؤبد إلى يوم القيامة وهذا استدلال فاسد فإن عيسى ﵇ لا ينزل بشرع بنسخ شرعنا بل سيحكم بشرعنا ويحيى ما هجره الناس منه، ويصلى وراء المهدى الذي اسمه محمد بن عبد الله كما سبق، قال الحافظ في فتح الباري: تواترت الأخبار بأن المهدي من هذه الأمة وأن عيسى ﵇ سينزل ويصلى خلفه، وقال الحافظ أيضًا: الصحيح أن عيسى رفع إلى السماء وهو حي، وقال الشوكاني في رسالته المسماة بالتوضيح في تواتر ما جاء في الأحاديث في المهدي والدجال والمسيح: وقد ورد في نزول عيسى ﵇ تسعة وعشرون حديثًا تم سردها، وقال بعد ذلك وجميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع، فتقرر بجميع ما سقناه أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، والأحاديث الواردة في الدجال متواترة، والأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵇ متواترة، وهذا يكفي لمن كان عنده ذرة من إيمان وقليل من إنصاف والله أعلى وأعلم.\n﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ والله الهادي إلى سواء السبيل والصراط المستقيم، أسأله أن يوفقنا لما فيه رضاه آمين والحمد لله رب العالمين.","vol":"5","page":360},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1264>كتاب القيامة والجنة والنار </span>(^١)\n<span data-type='title' id=toc-1265>النفخ في الصور</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ (^٢)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الصُّورُ؟ قاَلَ: «قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَاسْتَمَعَ الْإِذْنَ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ فَيَنْفُحُ (^٤)»، فَكَأَنَّ ذَلِكَ ثَقُلَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُمْ: «قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا (^٥)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ الدَّجَّالَ إِلَى أَنْ قَالَ: «ثُمَّ يُنْفَخُ فِي\n_________\nبسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين\n\nك تاب القيامة والجنة والنار\n(^١) القيامة وما يجري فيها كالبعث والحشر وأهوال القيامة والحساب والميزان والصراط والجنة وأوصافها وما فيها والنار وأوصافها. نسأل الله السلامة منها كما نسأل رضاه والجنة آمين.\n\nالنفخ في الصور\nأي عدد النفخ في الصور ومدة الزمن بين النفختين، والصور كهيئة البوق الذي يزمر به.\n(^٢) ﴿ونفخ في الصور﴾ النفخة الأولى ﴿فصعق﴾ مات ﴿من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ كالحور والولدان ﴿ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم﴾ جميع الخلائق الموتى ﴿قيام ينظرون﴾ ينتظرون ما يفعل بهم.\n(^٣) بسند حسن.\n(^٤) فكيف أترفه وأتنعم وصاحب الصور وهو إسرافيل قد وضعه في فمه وانتظر متى يأمره الله فينفخ فيه أي لا ينبغي التنعم بالدنيا وهي قريبة الزوال.\n(^٥) فهذه الكلمات تنفع في الشدائد إذا قيلت بإخلاص نسأل الله الإخلاص.","vol":"5","page":361},{"text":"الصُّورِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا (^١)» وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ فَيَصْعَقُ (^٢) وَيَصْعَقُ النَّاسُ ثُمَّ يُرْسِلُ أَوْ يُنْزِل اللَّهُ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ أَو الظِّلُّ فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ (^٣) ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِياَمٌ يَنْظرُونَ ثُمَّ يُقَالُ: ياَ أيُّهَا النَّاسُ هَلُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤولُونَ ثُمَّ يُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ فَيُقَالُ: مِنْ كمْ؟ فَيُقَالُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ قاَلَ: فَذَاكَ يَوْمَ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا وَذَلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ (^٤)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ» قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ: «أَبَيْتُ (^٥) قَالُوا أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ أَبَيْتُ قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ: أَبَيْتُ ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السِّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ وَلَيْسَ مِنَ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلا يَبْلَى إِلا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ وَمِنْهِ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (^٦)» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٧).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إِلا عَجْبَ الذَّنَبِ (^٨) مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ (^٩)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.\n_________\n(^١) الليت - كالجيد: صفحة العنق وجانبه أي فلا يسمع الصور أحد إلا اضطرب ومات فاسترخى رأسه.\n(^٢) يلوط حوضه يصلحه بالطين فيصعق ويموت.\n(^٣) أو للشك والأشبه الأول فإنه ينزل مطر كمني الرجال فتنبت منه الأجساد.\n(^٤) والمأمور بإخراج بعث النار هو آدم ﵇ كما سبق في تفسير سورة الحج.\n(^٥) لا أدري.\n(^٦) فعجب الذنب وهو العظم الآخر من سلسلة الظهر لا يبلى ولا يفنى ويبتدئ إنبات الجسم عليه في الآخرة.\n(^٧) ولكن مسلم هنا والبخاري في التفسير.\n(^٨) هذا في الغالب وإلا فكثير من الناس لا تأكل الأرض أجسامهم كالأنبياء والشهداء.\n(^٩) ومنه يركب في الآخرة، وظاهره أن الجسم يبتدئ تكوينه من عجب الذنب في النشأة الأولى وهو في الرحم قال الله تعالى: ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين﴾.","vol":"5","page":362},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1266>البعث والحشر </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. وَقالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ مَن يُحيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (^٢)﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ الْنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (^٣)﴾.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ (^٤)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ (^٥)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا بِمَوْعِظَةٍ فَقَالَ:\n_________\nالبعث والحشر\n(^١) البعث: قيام الخلائق من قبورها في الآخرة بعد موتها، والحشر: اجتماع الناس في الموقف للسؤال والحساب واستيفاء الجزاء.\n(^٢) قال منكر والبعث: من يحيي العظام وهي رميم؟ أي بالية قال تعالى قل لهم يحييها من خلقها أولا مع العلم بأن الإعادة أسهل من الإنشاء والإبداع وروى أن كافرا أخذ عظما رميا ففتته وقال للنبي - ﷺ - أترى يحيي الله هذا بعد ما بلى ورم؟ فقال: نعم، ويدخلك النار.\n(^٣) ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ غاية اجتهادهم ﴿لا يبعث الله من يموت﴾ قال تعالى: ﴿بلى﴾ سيبعثهم ﴿وعدًا عليه حقًّا﴾ أي وعدًا حقًّا لابد منه ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ ذلك.\n(^٤) ﴿يوم يخرجون من الأجداث﴾ القبور ﴿سراعًا﴾ إلى المحشر ﴿كأنهم إلى نصب يوفضون﴾ كأنهم إلى علم يسرعون إليه ﴿خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة﴾ تغشاهم الذلة والهوان ﴿ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون﴾ وهذا كله في الكفرة الذين ينكرون البعث ويقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين وغاب عنهم أن الله أعدل العادلين فلابد من بعث الناس ليقتص للمظلومين ولا سيما أحبابه كالأنبياء الذين قتلوا بغير حق ظلمًا وعدوانا فيأخذون حقوقهم ويرجع الحق إلى نصابه تحقيقًا للعدل الإلهى.\n(^٥) فمن مات على خير بعث على حال سارة حسنة، ومن مات على شر بعث بحال شنيعة نسأل الله السلامة.","vol":"5","page":363},{"text":"«يأيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُزْلًا كَمَا بَدَأْناَ أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ ﵇ أَلَا وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ (^١)» فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيُقاَلُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بعْدكَ فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ (^٢) وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تُغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قَالَ: فَيُقَالُ لِي: إِنَّهُمْ لَمْ يزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذ فَارَقْتَهُمْ (^٣).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ قَالَ: «ياَ عَائِشَةُ الْأَمْرُ أَشَدَّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ (^٤)»، رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ (^٦) رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ (^٧) وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ (^٨) وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا (^٩) وَتَصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا (^١٠)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\n(^١) يؤمر بهم إلى النار على مرأى مني.\n(^٢) هو عيسى ﵇.\n(^٣) سبق هذا الحديث في آخر سورة المائدة.\n(^٤) فالخلائق يحشرون في الآخرة لا شيء معهم ولم ينقص منهم شيء كقلفة وأصبع كانت قطعت في الدنيا بل يحشرون كما خلقوا لا شيء معهم وعرايا إلا الأنبياء ومن قرب من درجتهم تكريمًا لهم لقوله سابقًا: وأن أول من يكسى في الآخرة إبراهيم ﵇.\n(^٥) ولكن البخارى في بدء الخلق ومسلم هنا.\n(^٦) ثلاث فرق كقوله تعالى ﴿كنا طرائق قددا﴾ فرقًا مختلفة الأهواء.\n(^٧) في السعي على أقدامهم وهذه هي الفرقة الأولى.\n(^٨) هذه هي الفرقة الثانية.\n(^٩) في قيلولة الظهيرة.\n(^١٠) فالناس في الحشر متفاوتون فرقة تمشي على أقدامها وأخرى تركب الإبل=","vol":"5","page":364},{"text":"• عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ رِجَالًا وَرُكْباَنًا وَتُجَرُّونَ عَلَى وُجُوهِكُمْ (^١)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1267>الحشر على أرض جديدة </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ (^٣) وَبَرَزُواْ للَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (^٤)﴾.\nقَالَ مَسْرُوقٌ ﵁: تَلَتْ عَائِشَةُ هذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ؟ قَالَ: «عَلَى الصِّرَاطِ (^٥)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ سَهْلٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بِيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ نَقيَ، قَالَ سَهْلٌ أَوْ غَيْرُهُ: لَيْسَ فِيهاَ مَعْلَمٌ لِأَحَدٍ (^٦)».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَكُونُ الْأَرْضُ\n_________\n= وفرقة تسوقهم النار إلى حيث يشاء الله، وهذا إخبار عن حشر يكون قبيل الساعة في الدنيا كما سبق في علامات الساعة وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم.\n(^١) فبعض الناس يحشر في القيامة ماشيًا وبعضهم يحشر راكبًا وبعضهم يحشر على وجهه وهو الكافر الذي سبق في تفسير سورة الإسراء والفرقان. نسأل الله الفضل والإكرام آمين.\n\nالحشر على أرض جديدة\n(^٢) فسيحشر الناس على أرض جديدة بيضاء نقية لم تقع عليها معصية قط، وأما أرضنا هذه فستحشر وتسأل عما فعمل عليها وتشهد الصالحين وعلى العاصين.\n(^٣) فستبدل الأرض بأرض جديدة، أو تتغير من حال إلى حال كما سيأتي في حديث أبي سعد، وكذا تبدل السماء بسماء أخرى وهى العرش كما يأتي، وأما السموات فستطوى وتكون محشورة مع الخلائق، قال تعالى: ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب﴾.\n(^٤) خرجت الخلائق من قبورها ووقفت على أرض المحشر بين يدي ربها الواحد القهار نسأله واسع اللطف آمين.\n(^٥) تلت هذه الآية وهى ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض﴾ ثم قالت يا رسول الله أن يكون الناس في لحظة التبديل؟ قال: على الصراط.\n(^٦) عفراء: ليس بياضها خالصًا، كقرصة خبز نقي: قال سهل أحد الرواة أو غيره: ليس فيها علامة سكنى ولا ملك لأحد.","vol":"5","page":365},{"text":"يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً (^١) يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ (^٢) كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ (^٣)»، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ: بَارَكَ الرَّحْمنُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ أَلَا أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «بَلَى»، قاَلَ: تَكُونُ الْأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً - كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْنَا حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قاَلَ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِإِدَامِهِمْ»؟ قَالَ: «إِدَامُهُمْ بَالَامٌ وَنُونٌ»، قاَلُوا: وَمَا هذَا؟ قَالَ: «ثَوْرٌ وَنُونٌ يَأْكلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا (^٤)»، رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ (^٥) نَسْأَلُ اللَّهَ رِضَاهُ وَالْجَنَّةَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1268>كلام اللَّه جل شأنه يوم القيامة</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (^٦)﴾ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ (^٧)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٨).\n_________\n(^١) فأرض الدنيا تكون في الآخرة خبزة واحدة أي كعجينة توضع في الحفرة بعد إيقاد النار فيها.\n(^٢) يقلبها من هاهنا إلى هاهنا.\n(^٣) يأكلون منها في الموقف قبل دخول الجنة، فالله تعالى سيغير طبع أرض الدنيا إلى هذه الحال، وللطبراني: تكون الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدمية، وقال عكرمة: تبدل الأرض مثل الخبزة يأكل منها أهل الإسلام حتى يفرغوا من الحساب ولا يعاقبون بالجوع في طول الموقف، فظاهره أن هذا الوصف لأرض الدنيا بعد تبديلها ويكون هذا هو المراد من التبديل.\n(^٤) فالبالام: الثور باللغة العبرانية، والنون: الحوت، فكثير من أهل الجنة سيأكلون من زائدة كبد الثور والحوت، ولعل ذلك أول طعام أهل الجنة كما سبق في تفسير: من كان عدوا لجبريل، في سورة البقرة.\n(^٥) ولكن البخاري في الرقائق ومسلم هنا والله أعلم.\n\nكلام الله جل شأنه يوم القيامة\n(^٦) ﴿لمن الملك اليوم﴾ يقول ذلك جل شأنه فلا يجيبه أحد فيجيب نفسه بقوله: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾.\n(^٧) يقبض ويطوى ويأخذ كلهن بمعنى واحد يجمعهن ويرفعهن ويبدلهن، فالله تعالى بعد فناء خلقه يقبض الأرض والسموات ثم يقول لنفسه: أنا الملك أي المالك لهذا الكون فأين ملوك الأرض الذين كانوا عليها.\n(^٨) البخاري في الرقائق ومسلم هنا.","vol":"5","page":366},{"text":"• وَعَنْهُ قاَلَ: قاَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَطْوِي اللَّهُ ﷿ السَّمَوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى» ثُمَّ يَقُولُ: «أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ، ثُمَّ يَطْوِي الْأَ رضينَ بِشِمَالِهِ» ثُمَّ يَقُولُ: «أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ».\n\n• وَعَنْهُ وَهُوَ يَحْكِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَأْخُذُ اللَّهُ ﷿ سَمَوَاتِهِ بِيَدَيْهِ فَيَقُولُ: أَنَا اللَّهُ وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا أَنَا الْمَلِكُ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِهِ حَتَّى خِفْتُ سُقُوطَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^١)» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ، وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1269>أهوال القيامة </span>(^٢)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ (^٣) وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا (^٤) وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ. وَقَالَ اللَّهُ تَعاَلَى: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرِينَ (^٥)﴾ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (^٦) تَعْرُجُ الْمَلَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (^٧).\n_________\n(^١) وسبق هذا واسعًا في تفسير سورة الزمر.\n\nأهوال القيامة\n(^٢) أي ذكر بعض أهوالها وإلا فأهوالها لا يعلمها إلا الله تعالى.\n(^٣) تغفل عن رضيعها.\n(^٤) قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام، وهذه الزلزلة هي الحركة الشديدة قبل الساعة فيكون الذهول والوضع على ظاهره، أو هذا فرض وتمثيل لأهوال الموقف وشدته.\n(^٥) دعا داع بالعذاب للكافرين وهو النضر بن الحارث الذي قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾.\n(^٦) وهذا العذاب واقع بهم من الله ذي المعارج وهي مصاعد الملائكة في السموات.\n(^٧) تصعد الملائكة وجبريل إليه أي إلى مهبط أمره تعالى في العالم العلوي ويقع العذاب بالكفار في يوم مقداره خمسين ألف سنة بالنسبة لهم لما يرونه من الشدائد والأهوال، بخلاف المؤمن فإنه يمر عليه كصلاة فريضة في الدنيا نسأل الله واسع اللطف آمين.","vol":"5","page":367},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا (^١) وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلَغَ آذانَهُمْ (^٢)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ: يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنَّصَافِ أُذُنَيْهِ»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ﵁ قَالَ: سمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ (^٣) فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقُوَيْهِ (^٤)» وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ (^٥)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) ينزل فيها سبعين ذراعا، أو المراد كثرة العرق.\n(^٢) هذا لبعض الناس كما يأتي.\n(^٣) قال سليم بن عامر أحد الرواة: فوالله ما أدري ما يعني بالميل أمسافة الأرض أم الميل الذي تكتحل به العين والظاهر الأول لأنه لو كان ميل الاكتحال لاحترقت الناس من حر الشمس فإنها الآن في السماء الرابعة ولا تطيقها الناس، كأن الشمس حينذاك تكون محشورة مع الخلائق.\n(^٤) خاصرتيه.\n(^٥) فحينما تقف الناس في القيامة حفاة عراة في شدة الزحام والشمس قريبة من رءوسهم بين يدي الله تعالى وقد تجلى بالغضب العظيم. يتصبب العرق بكثرة من الناس حتى ينزل في الأرض كثيرا ويعلوها كثيرا ولكن يحيط بكل إنسان على قدر عمله فيكون إلى كعبي بعضهم وإلى ركبتي بعضهم وإلى وسط بعضهم وإلى فم أقوام وإلى آذان آخرين نسأل الله واسع لطفه آمين. والحمد لله رب العالمين على كل حال.","vol":"5","page":368},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1270>محاسبة اللَّه لعباده</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (^١)﴾. وَقَالَ تَعاَلَى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (^٢).\n\n• عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا سَيُكلِّمُهُ رَبُّهُ يَوْمَ الْقِياَمَةِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ (^٣)» فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلا مَا قَدَّمَ وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلا النَّارَ تِلقَاءَ وَجْهِهِ (^٤) فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ ثَمْرَةٍ (^٥)، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\nوَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ ﵁: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى (^٦) قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ (^٧)» فَيَقُولُ: أَعَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ: نَعَمْ وَيَقُولُ: أَعَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا فَيقُولُ:\nنَعَمْ فَيُقَرِّرُهُ (^٨) ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ (^٩) ثُمَّ يُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ (^١٠) وَأَمَّا الْكُفَّارُ (^١١) فَيُنَادَى عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ: هؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى\n_________\nمحاسبة الله لعباده\n(^١) الحساب اليسير: هو العرض الآتي في حديثي عائشة وابن عمر.\n(^٢) أي سترجع الخلائق إلى الله تعالى في الآخرة ويحاسبهم على كل شيء.\n(^٣) هذا صريح في أن الله تعالى سيسأل الناس كلهم بنفسه بدون واسطة، وكان أمير المؤمنين علي ﵁ يعظ الناس بهذا الحديث فقال له رجل يا أمير المؤمنين كيف يحاسب الله الناس كلهم في وقت واحد قال كما يرزقهم في آن واحد يسألهم في آن واحد.\n(^٤) الظاهر أن هذا في الكافرين والمنافقين.\n(^٥) أي تحفظوا منها بفعل الخير ولو قليلا.\n(^٦) أصلها المحادثة سرًا، والمراد هنا مناجاة الله لعبده المؤمن في الآخرة.\n(^٧) ستره ولطفه.\n(^٨) كذا وكذا أي من الذنوب، فيقرره أي بذنوبه.\n(^٩) فيه بشرى للمسلم المستور.\n(^١٠) أي بيمينه، فسؤال المؤمنين تقريرهم بذنوبهم. نسأل الله كامل الإيمان.\n(^١١) وكذا المنافقون.","vol":"5","page":369},{"text":"الظَّالِمِينَ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^١).\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ أَحَدٌ يُحاَسَبُ يَوْمَ الْقِياَمَةِ إِلا هَلَكَ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فَقَالَ: «إِنَّماَ ذلِكَ الْعَرْضُ وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلا عُذِّبَ (^٢)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ:» يُجَاءُ بِالْكاَفِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَيُقَالُ لَهُ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ فَيُقَالُ لَهُ: قَدْ كُنْتَ سُئِلْتَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذلِكَ (^٤)، رَوَاهُ الشَّيْخاَنِ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِياَمَةِ آدَمُ فَتَرَاءَى ذُرِّيَّتُهُ (^٥)» فَيُقَالُ: هذَا أَبُوكُمْ آدَمُ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ جَهَنَّمَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ فَيَقُولُ: «أَخَرِجْ مِنْ كُلِّ مَائَةٍ تَسْعَةً وَتِسْعِينَ» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا أُخِذَ مِنَّا مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ فَمَاذَا يَبْقَى مِنَّا قَالَ: «إِنَّ أُمَّتِي فِي الْأُمَمِ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ\nفِي الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ (^٦)» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ: يَا آدَمُ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ يَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قاَلَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ\n_________\n(^١) ولكن مسلم في التوبة والبخاري في التوحيد، وسبق في تفسير سورة هود.\n(^٢) فاستقصاء الحساب ومناقشته لا يكونان إلا لمن يعذبون، وأما الحساب اليسير فهو عرض الأعمال على المؤمن فيقر بها فيغفر الله له كما سبق في حديث النجوى نسأل الله أن نكون منهم آمين.\n(^٣) مرويات البخاري هنا في الرقائق.\n(^٤) تفتدي به: أي من النار، قد سئلت أيسر من ذلك وهو الإسلام فلم تدخل فيه ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)﴾.\n(^٥) ترفع رءوسها لتسمع ما يقال له وما يجيب به نسأل الله اللطف لجميع المسلمين آمين.\n(^٦) بيانه في ما بعده، والمراد قلة أهل الجنة بالنسبة لأهل النار فلا تعارض بين هذا وما يأتي.","vol":"5","page":370},{"text":"تِسْعَمائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهاَ (^١) وَتَرَى النَّاسَ سُكاَرَى وَمَا هُمْ بِسُكاَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ فاَشْتَدَّ ذلِكَ عَلَيْهِمْ (^٢)» فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّنَا ذلِكَ الرَّجُلُ (^٣) قَالَ: «أَبْشِرُوا فَإنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ وَمِنْكُمْ رَجُلٌ (^٤)» ثُمَّ قاَلَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» قَالَ: فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا ثَمَّ قاَلَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّة إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الْأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْاسْوَدِ أَوِ الرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ (^٥)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ: «هَلْ تضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ فِي الظَّهِيرَةِ لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ» قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ فِي سَحَابَةٍ» قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ إِلا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا (^٦)» قَالَ: فَيَلْقَى اللَّهُ الْعْبدَ فَيَقُولُ: «أَيْ فلُ أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ (^٧) وَأُزَوِّجْكَ وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ (^٨)» فَيَقُولُ: بَلَى قاَلَ فَيَقُولُ:\n«أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ (^٩)» فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: «فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَماَ نَسِيتَنِي (^١٠)»\n_________\n(^١) أي لو كان هناك حامل وصغير لحمل الوضع والشيب من شدة الكرب وعظيم الهول.\n(^٢) على المسلمين.\n(^٣) وما نحن في واحد من الألف.\n(^٤) فإن اسمها ضمير الشأن والجملة بعدها خبرها أي فإن الحال من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم واحد وفي رواية: إن من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم واحد.\n(^٥) الرقمة - كالزحمة -: نقطة سوداء كالدرهم؛ وللحمار والبغل لكل منهما رقمتان في ذراعيه وسبق هذا الحديث في تفسير سورة الحج.\n(^٦) هل تضارون: بالتشديد وعدمه أي هل ينالكم ضرر ومشقة بسبب زحام أو غيره في رؤية الشمس ظهرًا ليس في السماء سحاب، وهل ينالكم شيء من ذلك في رؤية القمر ليلة البدر أي ليلة أربع عشرة، قالوا: لا، قال: سترون ربكم في الآخرة كذلك أي بكل راحة وسهولة.\n(^٧) أجعلك سيدًا.\n(^٨) تعلو على عبادى وتكون عليهم رئيسا.\n(^٩) ستأتي هنا بين يدي.\n(^١٠) ويأمر به إلى النار.","vol":"5","page":371},{"text":"ثُمَّ يَلْقَى الثَّانِيَ فَيَقُولُ: أَيْ فُلُ أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى أَيْ رَبِّ فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي (^١) ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذلِكَ (^٢) فَيَقُول: يَا رَبِّ آمَنْتُ بِكَ وَبِكِتابِكَ وَبِرُسُلِكَ وَصَلَّيْتُ وَصُمْتُ وَتَصَدَّقْتُ وَيُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَ فَيَقُولُ: ههُناَ إِذًا (^٣) قَالَ: ثُمَّ يُقالُ لَهُ: الْانَ نَبْعَثُ شَاهِدَنا عَلَيْكَ وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَيُقالُ لِفَخِذِهِ وَلَحْمِهِ وَعِظَامِهِ انْطِقِي فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ وَذلِكَ لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ (^٤) وَذلِكَ الْمُناَفِقُ الَّذِي يَسْخَطُ اللَّهُ عَلَيْهِ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَحِكَ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولهُ أَعْلَمُ قاَلَ: مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَقُولُ: يَا رَبَّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ (^٥) قَالَ يَقُولُ: بَلَى قاَلَ فَيَقُولُ: «فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلا شَاهِدًا مِنِّي قاَلَ» فَيَقُولُ: «كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا» قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ (^٦) فَيُقاَلُ لِأَرْكاَنِهِ انْطِقِي قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمالِهِ قَالَ: ثُمَّ يُخَلِّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقا فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناَضِلُ (^٧)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُجَاءُ بِابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ بَذَجٌ (^٨)» فْيُوقَفُ بَيْنَ يَدَي اللَّهِ فَيَقُولُ لَهُ: أَعْطَيْتُكَ وَخَوَّلْتُكَ وَأَنْعَمْتُ عَلَيْكَ (^٩) فَماَذَا صَنَعْتَ فَيَقُولُ: ياَ رَبِّ\n_________\n(^١) وهذان من الكافرين الذين أعطاهم الله في الدنيا كثيرا فلم يشكروه بل حاربوا الله ونسوه فنسيهم أولئك هم الفاسقون.\n(^٢) كما قال للذين قبله.\n(^٣) أي قف حتى تسمع من يكذبك.\n(^٤) ليزيل عذره من قبل نفسه بشهادة أعضائه عليه بنفاقه.\n(^٥) وتعاملني بالعدل وهذا ما أضحك النبي - ﷺ -.\n(^٦) فلا يقدر على النطق.\n(^٧) بعدًا لكن وسحقًا: أي هلاكا فكنت أدافع عنكن، وهذا كالذي قبله في المنافقين الذين قال الله فيهم ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾.\n(^٨) بذج - كسبب -: ولد الشاة الصغير.\n(^٩) أوسعت عليك في النعم فصرت ذا مال وخدم وحشم.","vol":"5","page":372},{"text":"جَمَعْتُه وَثَمَّرْتُهُ فَتَرَكْتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ فَأَرْجِعْنِي آتِكَ بِهِ (^١) فَيَقُولُ لَهُ: أَرِني مَا قَدَّمْتَ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ جَمَعْتُهُ وَثَمَّرْتُهُ فَتَرَكْتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ فَأَرْجِعْنِي آتِكَ بِهِ فَإِذَا عَبْدٌ لَمْ يُقَدِّمْ خَيْرًا فَيُمْضَي بِهِ إِلَى النَّارِ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ وَعَنْ عَمَلِهِ فِيمَ فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ (^٣)»، رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَنْ يُعْجِزَ اللَّهُ هذِهِ الْأُمَّةَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ (^٥)».\n\n• عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنِّي لَأَرْجُو أَلا تَعْجِزَ أُمَّتِي عِنْدَ رَبِّهاَ أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ قِيلَ لِسَعْدٍ: وَكَمْ نِصْفُ ذلِكَ الْيَوْمِ قَالَ: خَمْسُمِائَةٍ سَنَةٍ (^٦)»، رَوَاهُماَ أَبُو دَاوُدَ (^٧).\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلفًا وَثَلَاثَ حَثَيَا مِنْ حَثَياَتِهِ (^٨)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n_________\n(^١) أقدمه في مرضاتك.\n(^٢) فيظهر للناس أن الله وسع عليه في النعم ولم يشكره ولم يعمل ما يرضيه فيأمر به إلى النار، فاتضح مما سبق أن لكل إنسان سؤالا خاصا يناسبه زيادة على سؤاله عما يأتي في حديث أبي برزة الأسلمي.\n(^٣) وفي رواية: لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس وذكر هذه.\n(^٤) الأول بسند غريب والثاني بسند صحيح.\n(^٥) بل سيعينها الله على الوقوف يوم القيامة.\nونصف يوم هو يوم القيامة، قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ وهذا الحديث رواه الطبراني وزاد فيه يعني خمسمائة سنة.\n(^٦) أي إني أرجو ألا تتأخر أمتي عن اللحوق بالسابقين إلى الجنة بسبب وقوفها في الآخرة نصف يوم، ورجاؤه - ﷺ - محقق، ويظهر لي أن هذا وما قبله من متشابه الأحاديث فعلهما عند الله تعالى.\n(^٧) الأول بسند صالح والثاني بسند جيد.\n(^٨) وكذا وعدني ربي ثلاث حثيات أي دفعات بيده جل شأنه وعلا أمره وعظم فضله، وهل هؤلاء هم السابقون في خاتمة كتاب الطب في حديث ابن عباس ومع هؤلاء سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، الظاهر أن هؤلاء غيرهم لأنهم أكثر منهم بكثير، نسأل الله العظيم الكريم أن يجعلنا منهم آمين والحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات كلها.","vol":"5","page":373},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1271>القصاص </span>(^١)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهاَ فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِيناَرٌ وَلَا دِرْهَمٌ (^٢)» مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَناَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكنْ لَهُ حَسَناَتٌ أُخِذَ مَنْ سَيِّئاَتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كانَتْ لِأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ فَجَاءَهُ فاَسْتَحَلَّه قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ وَلَيْسَ ثَمَّ دِيناَرٌ وَلَا دِرْهَمٌ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَناَتٌ أُخِذَ مِنْ حَسَناَتِهِ وَإِنَّ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَناَتٌ حَمَلُوا عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئاَتِهِمْ (^٣).\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِم مِنْ بَعْضٍ مَظاَلِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْياَ (^٤) حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْياَ (^٥)» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الرَّقَائِقِ.\n_________\nالقصاص\n(^١) هو أن يأخذ الله تعالى للمظلوم حقه من ظالمه، ولا يكون في الآخرة إلا الحسنات فتؤخذ الحقوق منها، وهذا في المكلفين وهم الجن والإنس وإن كان عدل الله تعالى سيقوم على كل مخلوق حتى على الشاة القرناء كما سبق في الظل من كتاب الأخلاق: لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء.\n(^٢) ثمَّ أي في الآخرة، دينار ولا درهم بل هناك الحسنات فقط ومنها تؤدى الحقوق.\n(^٣) فمن كان عليه حق لأخيه المسلم فليرده له إن تيسر وإلا فليطلب منه أن يسامحه في الدنيا قبل يوم القيامة الذي ليس فيه إلا صالح العمل فيأخذ منه المظلوم إن وفى له وإلا طرحت من سيئاته على ظالمه، وهذا الحق مالى أو عرضي بالكلام كالغيبة وتكفي المسامحة إجمالا عند بعض الأئمة، أما الزنا فلا تكفي فيه إلا التوبة إلى الله تعالى دون الاستحلال فإنه يجلب مفاسد كثيرة وسبق هذا في باب الظلم من كتاب الأخلاق.\n(^٤) ظاهره أن القصاص بين المؤمنين على تلك القنطرة.\n(^٥) فالواحد من أهل الجنة أعرف بمنزله فيها أكثر من معرفته لمنزله في الدنيا ﴿ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده﴾ نسأل الله كامل الهدى آمين.","vol":"5","page":374},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1272>استلام صحف الأعمال </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ (^٢)﴾ إِنّى ظَنَنتُ أَنّى مُلَقٍ حِسَابِيَهْ (^٣) فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (^٤) فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (^٥) كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيئًَا بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِى الاْيَّامِ الْخَالِيَةِ (^٦) وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَبَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يلَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَبِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يلَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (^٧) مَآ أَغْنَى عَنّى مَالِيَهْ هَلَكَ عَنّى سُلْطَنِيَهْ (^٨) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاْسْلُكُوهُ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (^٩)، صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِياَمَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ (^١٠) فأَمَّا عَرْضَتاَنِ فَجِدَالٌ وَمَعاَذِيرُ فَعِنْدَ ذلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشِماَلِهِ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n_________\nاستلام صحف الأعمال\n(^١) فبينما الناس في الموقف وانتهى سؤالهم إذ طارت الصحف من تحت العرش فجاءت كل صحيفة لصاحبها فالسعيد يأخذها بيمينه، والشقي يأخذها بشماله أو من وراء ظهره، نسأل الله الهداية آمين.\n(^٢) فيقول لجماعته إظهارًا لسروره: خذوا اقرأوا كتابيه.\n(^٣) إني تيقنت أن الله سيحاسبني.\n(^٤) أي مرضية.\n(^٥) قريبة يتناولها القائم والقاعد والمضطجع.\n(^٦) ويقال لهم ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾ أي الماضية في الدنيا.\n(^٧) يا ليتها أي الموتة في الدنيا كانت القاضية أي القاطعة لحياتي فلا أبعث فأرى هذا.\n(^٨) ذهبت قوتى وحجتى.\n(^٩) خذوه يا أهل النار فغلوه اجمعوا يديه إلى عنقه في الأغلال ثم ألقوه في الجحيم ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا فأدخلوه فيها بعد إلقائه في النار، زيادة تعذيب له لأنه كان لا يؤمن بالله العظيم.\n(^١٠) فعرض الناس على الله وقوفهم بين يديه، قال تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ وهذا الموقف له أحوال نظرا لما يجرى فيه؛ فالحال الأولى وقوف الخلائق وهم سكوت، قال تعالى ﴿وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا﴾، وهذه هي أشق الأحوال عليهم حتى يتمنوا الانصراف ولو إلى النار فإذا التجأوا إلى الرسل وشفع النبي محمد - ﷺ - لهم عند الله تعالى قبل الله شفاعته وشرع في محاسبة الخلائق وهذه حال ثانية =","vol":"5","page":375},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1273>الميزان </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (^٢)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهاَ ذَكَرَتِ النَّارَ فَبَكَتْ فَقَالَ لَهاَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «مَا يُبْكِيكِ»؟ فَقاَلَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ فَهَلْ تَذْكرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِياَمَةِ ياَ رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «أَمَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ فَلَا يَذْكرُ أَحَدٌ أَحَدًا: عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَوْ يَثْقُلَ، وَعِنْدَ الْكِتاَبِ (^٣) حِينَ يُقاَلُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتاَبِيَهْ حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقعُ كِتاَبُهُ أَفِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شماَلِهِ أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ (^٤)، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وَضِعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ (^٥)» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِياَمَةِ فَقَالَ: «أَناَ فاَعِلٌ» قُلْتُ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ فَأَينَ أَطْلُبُكَ ﵁ قَالَ: «اطْلْبنِي أَوَّلَ مَا تَطْلبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ» قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ: «فاَطْلُبْنِي عِنْدَ الْمِيزَانِ» قُلْتُ: فَإِنْ\n_________\n= وهكذا من حال إلى حال حتى ينتهوا إلى الجنة أو النار، فأحوال الموقف كثيرة ولكن أظهرها الأولى والثانية وأخذ الصحف والميزان والصراط، أو المراد بالثلاث هنا جدال ومناقشة ومحاججة ومعاذير وأخذ الصحف والله أعلم.\n\nالميزان\n(^١) ففي القيامة ميزان توزن فيه صحائف الأعمال أو نفس الأعمال بعد أن تجسم الصالحات بأجسام نورانية والسيئات بأجسام ظلمانية وله كفتان إحداهما للحسنات والأخرى للسيئات أو الميزان كناية عن تقدير الأعمال وتحديد الجزاء عليها، فكل جائز.\n(^٢) القسط: ذوات العدل ﴿ليوم القيامة﴾ أي فيه ﴿فلا تظلم نفس شيئا﴾ من نقص حسنة أو زيادة سيئة ﴿وإن كان﴾ أي العمل ﴿مثقال حبة﴾ زنتها ﴿من خردل أتينا بها﴾ أي بموزونها ﴿وكفى بنا حاسبين﴾ محصين لكل شيء.\n(^٣) أخذ الكتب وهي الصحف.\n(^٤) وفي نسخة: أم في شماله من وراء ظهره.\n(^٥) أي فوقها، فإنها على ما يظهر بين الموقف والجنة.\n(^٦) بسند صالح.","vol":"5","page":376},{"text":"لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ الْمِيزَانِ قاَلَ: «فاَطْلُبْنِي عِنْدَ الْحَوْضِ فَإِنِّي لَا أُخْطِئُ هذِهِ الثَّلَاثَ الْمَوَاطِنَ (^١)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ سَيُخْلِصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِياَمَةِ (^٢) فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلا كلُّ سِجِلَ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ (^٣)» ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَتْكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ فَيَقُولُ: لَا ياَ رَبِّ فَيَقُولُ أَفَلَكَ عُذْرٌ فَيَقُولُ: لَا ياَ رَبِّ فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَناَ حَسَنَةً فَإِنَّهُ لَا ظلُمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ فتُخْرَجُ بِطَانَةٌ فِيهاَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولهُ فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ فَيَقُولُ: ياَ رَبِّ مَا هذهِ الْبِطَانَة مَعَ هذِهِ السِّجِلاَّتِ فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ قاَلَ: فَتُوضَعُ السِّجِلاَّتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَانَةُ فِي كِفَّةٍ فَطَاشَت السِّجِلاَّتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَانَةُ (^٤) فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ، رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1274>الصراط جسر على النار </span>(^٦)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (^٧): «ثُمَّ يُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ وَلَا يَتكَلَّمُ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ إِلا الرُّسُلُ وَكَلَامُ\n_________\n(^١) فالنبي - ﷺ - في الموقف يكون تارة عند الميزان وتارة عند الحوض وأخرى عند الصراط، نسأل الله أن نحظى به في تلك المواقف كلها آمين.\n(^٢) سيوقفه على رءوس الأشهاد.\n(^٣) تنشر عليه أي تعرض عليه صحائف كثيرة واسعة مملوءة بالسيئات.\n(^٤) خفت وذهبت سجلات السيئات وثقلت البطاقة بكلمة التوحيد، قال تعالى ﴿فأما من ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون﴾ ولعل هذا في مذنب خاص كان يخلص في ذكر كلمة التوحيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله إلى جميع خلقه - ﷺ -.\n(^٥) بسندين حسنين والثاني في كتاب الإيمان، نسأل الله كمال الإيمان آمين.\n\nالصراط جسر على النار\n(^٦) فالصراط كقنطرة على النار بعد أن ينتهي الناس من الموقف يؤمرون بالمرور عليه فأهل النار يقعون فيها، وأهل الجنة يمرون عليه إليها ولكن ينال بعضهم منه شدائد، نسأل الله السلامة آمين.\n(^٧) في الحديث الطويل الآتي في إخراج الموحدين من النار.","vol":"5","page":377},{"text":"الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^١).\nوَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الشَّفاَعَةِ: وَنَبِيُّكُمْ قَائمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: «رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ فَمَخْدُوشٌ ناَجٍ وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ (^٢) وَسَيأْتِي فِي شَفَاعَةِ غَيْرِ الرُّسُلِ (^٣) فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ الْعَيْنِ وَكَالْبَرْقِ وَكالَرِّيح وَكَالطَّيْرِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ (^٤) فَنَاجٍ مُسْلِمٌ وَمَخْدُوشٌ وَمَكْدُوسٌ فِي ناَرِ جَهَنَّمَ (^٥)».\n\n• عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «شِعاَرُ الْمُؤْمِنِ عَلَى الصِّرَاطِ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-1275>الحوض المورود </span>(^٧)\n\n• عَنْ سَمُرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِكلِّ نَبِيَ حَوْضًا وَإِنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدَةً وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدَةً (^٨)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٩).\n_________\n(^١) ولكن هذه القطعة من لفظ البخاري والآتي لفظ مسلم.\n(^٢) فمنهم من تخدشه الكلاليب ولكن ينجو ويسلم ومنهم من تلقيه في النار.\n(^٣) في عنوان \"يشفع النبيون والمؤمنون بإذن الله تعالى\".\n(^٤) فيمر المؤمنون على الصراط وهم متفاوتون في المرور عليه فبعضهم يمر كطرف العين أي حركاتها وبعضهم كسرعة البرق وبعضهم كالريح وبعضهم كالطير وبعضهم كأجاويد الخيل جمع أجواد الذي هو جمع جواد وهو المطي الجيد في الجري، وبعضهم كراكبي الركاب أي الإبل واحدتها راحلة من غير لفظها.\n(^٥) وسيأتي أيضا في هذا الحديث ثم يضرب الجسر على جهنم، قالوا: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: دحض مزلة، أي أملس ناعم لا تستقر عليه الأقدام بل تزل فيه وتقع، فيه خطاطيف وكلاليب وسيأتى وصفه أكثر من هذا إن شاء الله تعالى.\n(^٦) بسند غريب ولكنه مؤيد بالصحاح الآتية فإنه مذكور فيها والله أعلم.\n\nالحوض المورود\n(^٧) أي ما ورد فيه وفي سعته وعرضه وصفة مشروبه، والحوض كبحيرة في الموقف ماؤه أبيض من اللبن وأحلى من العسل تشرب منه الأمة قبل دخول الجنة، ولكل نبي حوض تشرب منه أمته.\n(^٨) فلكل نبي حوض ويفخر بكثرة الأتباع التي ترده ولكن نبينا محمدا - ﷺ - سيكون أكثرهم أتباعا.\n(^٩) بسند غريب.\n\n﴿تنبيه﴾: مرويات البخاري في الحوض والكوثر في كتاب الرقائق ومرويات مسلم في الفضائل.","vol":"5","page":378},{"text":"• عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ثمَّ انْصَرَفَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: «إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ وَأَناَ شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ (^١) وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْانَ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ مفَاتِيحَ خَزَائنِ الْأَرْضِ أَوْ مَفاَتِيحَ الْأَرْضِ (^٢) وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْركُوا بَعْدِي وَلكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهاَ»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَزَادَ: وَتَقْتَتِلُوا فَتَهْلِكوا كَماَ هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ قَالَ عُقْبَةُ: فَكاَنَتْ آخِرَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَر (^٣).\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَناَ فَرَطُكمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ثمَّ يُحاَلُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي (^٤) فَيُقاَلُ: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيْرَ بَعْدِي (^٥)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\nوَلِلْبُخَارِيِّ: بَيْناَ أَناَ قاَئمٌ (^٦) إِذَا زُمْرَةٌ حَتَّى إِذا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ فَقَالَ: هَلُمَّ فَقُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ، قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهُمْ قَالَ: إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْباَرِهِمُ الْقَهْقَرَي فَلَا أُرَاهُ يَخْلصُ مِنْهُمْ إِلا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ (^٧).\nقَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ﵁: كنَّا مَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلْناَ مَنْزِلًا فَقَالَ: «مَا أَنْتمْ جُزْءٌ مِنْ مَائَةِ أَلْفِ جُزْءٍ مِمَّنْ يَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ» قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ قَالَ: «كُنَّا سَبْعَمِائَةٍ أَوْ ثَمَانَمِائَةٍ (^٨)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، نَسْأَلُ اللَّهَ الشُّرْبَ مِنَ الْحَوْضِ آمِين.\n_________\n(^١) أي على أعمالكم في الآخرة فهو - ﷺ - مع أمته في الدنيا والآخرة بل وفي البرزخ أيضا لحديث البزار بسند جيد: حياتي خير لكم ووفاتي خير لكم تعرض عليّ أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله تعالى عليه وما رأيت من شر استغفرت الله تعالى لكم.\n(^٢) بما غنموه من فارس والروم.\n(^٣) فكانت أي وقفته على المنبر آخر ما رأيته عليه.\n(^٤) أي من أمتي.\n(^٥) أي ارتد عن دينه.\n(^٦) بينا أنا قائم أي على الحوض إذا جماعة تأتي.\n(^٧) السارحة في المرعى بلا راع.\n(^٨) فالثمانمائة لا تساوى جزءا من مائة ألف جزء ممن يردون الحوض وذلك حق فإن الأمة المحمدية =","vol":"5","page":379},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1276>صفة الحوض وشرابه </span>(^١)\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنْ أَمَامَكُمْ حَوْضًا بَيْنَ جَرْباَءَ وَأَذْرُحَ (^٢)»، رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.\n\n• عَنْ حَارِثَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْحَوْضُ كَماَ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَصَنْعاَءَ».\n\n• عَنْ أَنَس ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ قَدْرَ حَوْضِي كَماَ بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعاَءَ مِنَ الْيَمَنِ وَإِنَّ فِيهِ مِنَ الأَباَرُيقِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّماَءِ (^٣)»، رَوَاهُماَ الشَّيْخَانِ.\nوَلِلْبُخَارِيَّ: «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ مَاؤُهُ أَبْيُضِ مِنَ اللَّبَنِ وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّماءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَا يَظْمَأُ أَبَدًا».\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ قُلْتُ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ مَا آنِيَةُ الْحَوْضِ قاَلَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَانِيَتُهُ أَكَثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّماَءِ وَكَوَاكِبِهاَ، أَلَا فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْمُصْحِيَةِ آنِيَةُ الْجَنَّةِ مَنْ شَرِبَ مِنْهاَ لَمْ يَظْمَأْ آخِرَ مَا عَلَيْهِ (^٤)\nيَشْخُبُ فِيهِ مِيزَاباَنِ مِنَ الْجَنَّةِ (^٥) عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ مَا بَيْنَ عَمَّانَ إِلَى أَيْلَةَ (^٦) مَاؤُهُ أَشَدُّ بَياَضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ ثَوْباَنَ ﵁ أَنَّ نَبِيَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنِّي لَبِعُقْرِ حَوْضِي أَذُودُ النَّاسَ عَنْهُ لِأَهْلِ الْيَمَنِ أَضْرِبُ بِعَصَايَ حَتَّى يَرْفَضَّ عَلَيْهِمْ (^٧)» فَسْئِلَ عَنْ عَرْضِهِ فَقاَلَ: «مِنْ مَقُاَمِي إِلَى عَمَّانَ»\n_________\n= لا يعلم عددها إلا الله تعالى، ففي هذه الأحاديث أن الحوض ثابت لا شك فيه بل هو موجود الآن لقوله - ﷺ - في حديث عقبة: وإني والله لأنظر إلى حوضى الآن، نسأل الله الشرب منه آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nصفة الحوض وشرابه\n(^١) قدر عرضه وطوله وصفة مشروبه وأباريقه.\n(^٢) وفي رواية: أمامكم حوض كما بين جربى وأذرح (وهما قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاث ليال) فيه أباريق كنجوم السماء.\n(^٣) أيلة كقرية: مدينة بالشام على ساحل البحر بقرب دمشق في غربيها، وصنعاء: عاصمة اليمن.\n(^٤) أي إلى الأبد، وآنية الجنة أي هي آنية الجنة.\n(^٥) أي يصب فيه ميزابان من الجنة.\n(^٦) عمان كشداد: قرية من قرى فلسطين.\n(^٧) أمنع الناس عنه حتى يسيل على اليمنيين، والمراد إكرامهم وإلا فهو يكفي العباد كلهم فإن أوانيه أكثر من نجوم السماء، وقوله: عقر الحوض أي موضع الشاربين منه.","vol":"5","page":380},{"text":"وَسُئِلَ عَنْ شَرَابِهِ فَقَالَ: «أَشَدُّ بَياَضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بَغُتُّ فِيهِ مِيزَاباَن (^١) يَمُدَّانِهِ مِنَ الْجَنَّةِ أَحَدُهُماَ مِنْ ذَهَبٍ وَالْاخَرُ مِنْ وَرِقٍ (^٢)».\n\n• عَنْ أَبِي سَلاَّمٍ الْحَبَشُيِّ (^٣) ﵁ قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَحُمِلْتُ عَلَى الْبَرِيد فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ قُلْتُ: ياَ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ رُكُوبُ الْبَرِيدِ (^٤) فَقَالَ: يَا أَباَ سَلاَّمٍ مَا أَرْدْتُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ وَلكِنْ بَلَغَنِي عَنْكَ حَدِيثٌ فِي شَأَنِ الْحَوْضِ فَأَحَبَبْتُ أَنْ تُشَافِهَنِي بِهِ (^٥) قَالَ أَبُو سَلاَّمٍ: حَدَّثَنِي ثَوْباَنُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «حَوْضِي مِنْ عَدَنَ إِلَى عَمَّانَ الْبَلْقاَءِ مَاؤُهُ أَشَدُّ بَياَضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَأَكاَوِيبُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّماَءِ (^٦) مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا أَوَّلُ النَّاسِ وُرُودًا عَلَيْهِ فُقَرَاءُ الْمُهاَجِرِينَ الشُّعْثُ رُؤوسًا الدُّنسُ ثِياَبًا الَّذِينَ لَا يَنْكِحُونَ الْمُتَنَعِّماَتِ وَلَا تُفْتَحُ\nلَهُمْ أَبْوَابٌ السُّدَدِ (^٧)» قَالَ عُمَرُ: «لكِنِّي نَكَحْتُ الْمُتَنَعِّماَتِ وَفُتِحَ لِيَ السُّدَدُ وَنَكَحْتُ فاَطِمَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَا جَرَمَ أَنِّي لَا أَغْسِلُ رَأْسِي حَتَّى يَشْعَثَ وَلَا أَغْسِلُ ثَوْبِي الَّذِي يَلِي جَسَدِي حَتَّى يَتَّسِخَ (^٨)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٩)، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ آمِين.\n_________\n(^١) يغت أي يصب فيه ميزابان.\n(^٢) وللترمذي عن ابن عمر: حوضي كما بين الكوفة إلى الحجر الأسود، وسبق في سبع أحاديث وصفه طولا وعرضًا بمسافات مختلفة وهذا لا يوجب اضطرابا في الأحاديث لأنها لم تكن عن صحابي واحد بل عن جماعة من الأصحاب سمع كل منهم حديثا بمسافة يعرفها لم يسمعه الآخر ولأنه ليس في القليل منع الكثير، والمراد سعة الحوض من غير تحديد والله أعلم.\n(^٣) اسمه ممطور وهو شامي من ثقات التابعين ﵃.\n(^٤) يظهر أنه كان كبيرا يشق عليه السفر.\n(^٥) تسمعه لي مشافهة.\n(^٦) أكاويبه جمع كوبة: وهو إناء لا عروة له يشرب منه ويسمى (الكباية) والبلقاء: إقليم بجنوب فلسطين بالشام.\n(^٧) السدد جمع سدة: وهي أبواب الأمراء والحكام.\n(^٨) قال عمر أي ابن عبد العزير أعدل وأتقى الأمراء بعد الخلفاء الراشدين ﵃.\n(^٩) بسند غريب ولكنه مؤيد بالصحاح التي قبله.","vol":"5","page":381},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1277>الكوثر </span>(^١)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَغْفَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِغْفَاءَةً (^٢) فَرَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا فَإِمَّا قاَلَ لَهُمْ وَإِمَّا قَالُوا لَهُ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ لِمَ ضَحِكْتَ فَقَالَ: إِنَّهُ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا (^٣) سُورَةٌ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحْيمِ ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ حَتَّى خَتَمَهَا فَلَمَّا قَرَأَهَا قاَلَ: «هَلْ تَدْوُرنَ مَا الْكَوْثَرُ» قاَلُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قاَلَ: فَإِنَّهُ نَهَرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي ﷿ فِي الْجَنَّةِ وَعَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ عَلَيْهِ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِياَمَةِ (^٤) آِنَتُهُ عَدَدَ الْكَوَاكِبِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَناَ أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ (^٦) إذَا أَنَا بِنَهَرٍ حَامَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ قلْتُ: مَا هذَا يَا جِبْرِيلُ قَالَ: هذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطاَكَ رَبُّكَ فَإِذَا طِينُهُ أَوْ صِيبُهُ مِسْكٌ أَذْفَر (^٧)»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْكَوْثَرُ نَهَرٌ فِي الْجَنَّةِ حَافَتاَهُ مِنْ ذَهَبٍ وَمَجْرَاهُ عَلَى الدُّرِّ وَالْياَقُوتِ تُرْبَتُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ وَمَاؤُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَأَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ (^٨)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n_________\nالكوثر\n(^١) أي ما ورد فيه.\n(^٢) نام نومة خفيفة وهي حالة الوحي غالبا.\n(^٣) أي قريبا.\n(^٤) أي يتفرع عنه حوض ترده أمتي يوم القيامة باعتبار أن الحوض يصب فيه ميزابان من الجنة كما سبق.\n(^٥) بسند صحيح.\n(^٦) في ليلة المعراج.\n(^٧) خالص شديد الرائحة الحسنة.\n(^٨) ولا منافاة بين هذا وما قبله فإن الحافة من الذهب لا تمنع قباب الدر فوقها، وسبق شرح هذا مع بضع أحاديث في تفسير سورة الكوثر، نسأل الله الشرب منه في حضرة النبي - ﷺ - آمين والحمد الله رب العالمين.","vol":"5","page":382},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1278>الشفاعة ثابتة </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعاَلَى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ (^٢)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\nوَقَالَ اللَّهُ تَعاَلَى: عَلَى لِسَانِ بَعْضِ الْكفَّارِ ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (^٣)﴾.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (^٤)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1279>شفاعة نبينا محمد ﷺ </span>(^٥)\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «شَفاَعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائرِ مِنْ أُمَّتِي» قاَلَ مُحَمَّدُ ابْنُ عَلِيَ فَقَالَ لِي جَابِرٌ: ياَ مُحَمَّدٌ مَنْ لَمْ يَكنْ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائُرِ فَماَ لَهُ وَلِلشَّفاَعَةِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (^٦).\n_________\nالشفاعة ثابتة\n(^١) فالشفاعة ثابتة وواقعة لأنها جائزة عقلا وواجبة شرعا بالكتاب والسنة الآتيين وبإجماع أهل السنة سلفا وخلفا، خلافا للخوارج وبعض المعتزلة لتعلقهم بمذهبهم في تخليد المذنبين في النار تمسكا بقوله تعالى ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ وقوله تعالى ﴿ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾ وهم مخطئون في هذا فإن هاتين الآيتين في الكفار، والشفاعة خمسة أقسام: الأولى الشفاعة العظمى وهي لجميع الخلائق بإراحتهم من هول الموقف وتعجيل الحساب ونحوه، والثانية في إدخال قوم الجنة بغير حساب، كما سبق في حديث الترمذى: وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب الخ، والثالثة في زيادة الدرجات في الجنة لبعض أهلها، والرابعة في قوم استوجبوا النار بذنوبهم فلا يدخلونها، والخامسة في إخراج بعض المذنبين من النار، والأولى والثانية خاصتان بنبينا محمد - ﷺ -.\n(^٢) فلا أحد يشفع عنده تعالى إلا بإذنه في الشفاعة.\n(^٣) ﴿فما لنا من شافعين﴾ يشفعون لنا كالملائكة والنبيين والمؤمنين ﴿ولا صديق حميم﴾ يهمه أمرنا، وهذا من الكفار حينما يرون أن غيرهم نجا بالشفاعة.\n(^٤) ﴿ولا يشفعون﴾ أي الشافعون ﴿إلا لمن ارتضى﴾ الله له الشفاعة ﴿وهم من خشيته مشفقون﴾ خائفون، وحكمة الشفاعة تكريم الشافعين ورفع شأنهم على رءوس الأشهاد وإفاضة الكرم الإلهي على المشفوع لهم والله أعلم.\n\nشفاعة نبينا - ﷺ -\n(^٥) فيشفع نبينا محمد - ﷺ - في فصل القضاء وفي قوم في النار فيخرجهم منها ويدخلهم الجنة وفي قوم يدخلون الجنة بغير حساب.\n(^٦) بسند حسن.","vol":"5","page":383},{"text":"• عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَتاَنِي آتٍ مِنْ عِنْدِ رَبِّي (^١) فَخَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ نِصْفُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ وَبَيْنَ الشَّفاَعَةِ فاَخْتَرْتُ الشَّفاَعَةَ وَهِيَ لِمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا (^٢)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ (^٤) وَأَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِياَءِ تَبَعًا».\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵄ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَجْمَعُ اللَّهُ ﵎ النَّاسَ يَوْمَ الْقِياَمَةِ فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الْجَنَّةُ (^٥)» فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُون: ياَ أَباَناَ اسْتَفْتِحْ لَناَ الْجَنَّةَ (^٦) فَيَقُولُ: «وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدَمَ لَسْتُ بِصَاحِبِ ذلِكَ اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ (^٧) قَالَ فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ ﷺ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذلِكَ إِنَّماَ كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ (^٨) اعْمِدُوا إِلَى مُوسَى ﷺ الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ لَسْتُ بِصَاحِبِ ذلِكَ اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى كَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحِهِ (^٩) فَيَقُولُ عِيَسى: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذلِكَ فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ (^١٠) وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِماَلًا (^١١) فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ قَالَ قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أُيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ\n_________\n(^١) ملك من عند الله تعالى، والظاهر: أنه جبريل ﵇.\n(^٢) الشفاعة للعصاة والمذنبين من المسلمين الذين ماتوا بغير توبة.\n(^٣) بسند لا مطعن فيه.\n(^٤) في فتح أبوابها، وفي إدخال بعض العصاة فيها كما يأتي إن شاء الله.\n(^٥) تقرب منهم فيرونها.\n(^٦) أطلب فتحها لنتنسم منها الرحمات.\n(^٧) فيذهبون إليه.\n(^٨) من وراء حجاب وسيأتي في الحديث الذي بعده اعتذاره وموسى وعيسى صلى الله عليهم وسلم.\n(^٩) فيذهبون إليه.\n(^١٠) في طلب الشفاعة فيشفع إلى الله فيجيبه الله تعالى ويجرى القضاء بين العباد بالحساب وأخذ الصحف والميزان ونحو ذلك مما يكون في الموقف.\n(^١١) تقوم الأمانة والرحم في صورة شخصين فتقفان على حافتي الصراط تشهدان لمن قام بحقهما وعلى من لم يقم بحقهما وذلك لعظم أمرهما، نسأل الله التوفيق.","vol":"5","page":384},{"text":"وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيح ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ وَشَدِّ الرِّجَالَ (^١) تَجْرِي بِهِمْ أَعْماَلُهُمْ (^٢) وَنَبِيُّكُمْ قَائمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ حَتَّى تَعْجِزَ أَعْماَلُ الْعِباَدِ (^٣) حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلا زَحْفًا (^٤) قَالَ: وَفِي\nحَافَتَي الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ (^٥) مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِه إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا (^٦)»، رَوَاهُماَ مُسْلِمٌ فِي الْإِيماَنِ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَناَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِياَمَةِ وَلَا فَخْرَ وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ وَمَا مِنْ نَبِيَ يَوْمَئِذٍ آدَمٌ فَمَنْ سِوَاهُ إِلا تَحْتَ لِوَائي وَأَناَ أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَلَا فَخْرَ قَالَ: فَيَفْزَعُ النَّاسُ ثَلَاثَ فَزَعَاتٍ فَيَأْتُونَ آدَمَ ﵇ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَبُوناَ فاَشْفَعْ لَناَ إِلَى رَبِّكَ فَيَقُولُ: إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا أُهْبِطتُ مِنْهُ إِلَى الْأَرْضِ (^٧)، وَلكِنِ ائْتُوا نُوحًا فَيَأْتُونَ نُوحًا ﵇ فَيَقُولُ: إِنِّي دَعَوْتُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ دَعْوَةً فَأُهْلِكُوا (^٨) وَلكِنِ اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَيأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَيَقُولُ: إِنِّي كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ (^٩)» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْهاَ كَذْبَةٌ إِلا مَا حِلٌ بِهاَ عَنْ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى (^١٠): وَلكِنِ ائْتُوا مُوسَى فَيَأْتُونَ مُوسَى ﵇\n_________\n(^١) أي عدوهم وسرعة جزيهم.\n(^٢) فهذه الحال في المرور على الصراط من السرعة وعدمها ناشئة من أعمال الناس.\n(^٣) غاية لتجرى أي تجري بهم أعمالهم حتى يجيء بعض الناس فلا يستطيع المرور إلا زحفا.\n(^٤) على إلييه.\n(^٥) كلاليب جمع كلوب وهو حديدة معوجة الرأس.\n(^٦) فمن ألقى فيها لا يبلغ قعرها إلا بعد سبعين سنة.\n(^٧) الذنب هو الأكل من الشجرة المذكور في القرآن.\n(^٨) الدعوة هي قوله ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا﴾.\n(^٩) الثلاث كذبات سبقت في فضائل إبراهيم في خاتمة كتاب النبوة.\n(^١٠) مدافع بها عن دين الله تعالى.","vol":"5","page":385},{"text":"فَيَقُولُ: إِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا (^١) وَلكِنِ ائْتُوا عِيسَى ﵇ فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: إِنِّي عُبِدْتُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَيَأْتُونَنِي فَأَنْطَلِقُ مَعَهُمْ قَالَ أَنَسٌ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فَآخُذُ بِحَلْقَةِ باَبِ الْجَنَّةِ فَأُقَعْقِعُهاَ (^٢)» فَيُقاَلُ: مَنْ هذَا؟ فَيُقاَلُ: مُحَمَّدٌ فَيَفْتَحُونَ لِي وَيُرَحِّبُونَ فَيَقُولُونَ: مَرْحَبًا فَأَخِرُّ سَاجِدًا (^٣) فَيُلْهِمُنِي اللَّهُ مِنَ الثَّناَءِ وَالْحَمدِ (^٤) فَيُقَالُ لِي: ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تَعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَقُلْ يسْمَعْ لِقَوْلِكَ (^٥) وَهُوَ الْمَقاَمُ الْمَحْمُودُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ ﵁ قَالَ: انْطَلَقْناَ وَمَعَناَ ثاَبِتٌ الْبُناَنِيُّ شَفِيعًا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵄ فَانْتَهَيْناَ إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي الضُّحَى فَاسْتَأْذَنَ لَناَ ثَابِتٌ فَدَخَلْناَ عَلَيْهِ فَأَجْلَسَ ثاَبِتًا مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ لَهُ: ياَ أَباَ حَمْزَةَ إِنَّ إِخْوَانَكَ مِنْ أَهْلِ الْبَصُرَةِ جَاؤوا يَسْأَلُونَكَ عَنْ حَدِيثِ الشَّفاَعَةِ قاَلَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِياَمَةِ مَاجَ النَّاسُ\nبَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ (^٧) فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ لَهُ: اشْفَعْ لِذُّرِّيَّتِكَ فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهاَ (^٨) وَلكِنْ عَلَيْكُمْ بِإبْرَاهِيمَ ﵇ فَإنَّهُ خَلِيلُ اللَّهِ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا وَلكِنْ عَلَيْكُمُ بِمُوسَى ﵇ فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ فَيُؤْتَى مُوسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهاَ وَلكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيَسى ﵇ فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ فَيُؤْتَى عِيَسى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا\n_________\n(^١) هي المذكورة في قوله تعالى ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)﴾ ولكنه تاب فقبله ربه، قال تعالى ﴿وقتلت نفسًا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا﴾.\n(^٢) أضرب بها الباب فيسمع لها أصوات، وليس لأنس في هذا الحديث إلا هذه الكلمة.\n(^٣) لله تعالى.\n(^٤) ما يليق بالذات العلية.\n(^٥) فيطلب من الله أن يرحم عباده وأن يحكم بينهم فيجيبه الله تعالى.\n(^٦) في التفسير بسند حسن.\n(^٧) اضطربوا واختلطوا وتحيروا من شدة الهول.\n(^٨) أي للشفاعة، وهذا منه ومن إخوانه تواضع ولعلمهم أن المقام المحمود خاص بمحمد - ﷺ -.","vol":"5","page":386},{"text":"وَلكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَأُوتَى فَأَقُولُ: أَناَ لَهاَ فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ الْانَ يُلْهِمُنِيهِ اللَّهُ (^١) ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقاَلُ لِي: ياَ مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ (^٢) فَأَقُولُ: ياَ رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي (^٣) فَيُقاَلُ: انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقاَلُ حَبَّةٍ مِنْ بُرَّةٍ أَوْ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيماَنٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْهاَ فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ ثُمَ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقاَلُ لِي: ياَ مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّع فَأَقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي فَيُقاَلُ لِي: انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقاَلُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيماَنٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْهاَ (^٤) فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ ثُمَّ أَعُودُ إِلَى رَبِّي فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقاَلُ لِي: ياَ مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ: ياَ رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيُقاَلُ لِي: انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقاَلِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيماَنٍ فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ.\nهذَا حَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي أَنْبَأَناَ بِهِ فَخَرَجْناَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَمَّا كُنَّا بِظَهْرِ الْجَبَّانِ (^٥) قُلْناَ لَوْ مِلْناَ إِلَى الْحَسَنِ فَسَلَّمْناَ عَلَيْهِ وَهُوَ مُسْتَخْفٍ فِي دَارِ أَبِي خَلِيفَةَ (^٦) قَالَ: فَدَخَلْناَ عَلَيْهِ فَسَلَّمْناَ عَلَيْهِ فَقُلْناَ: ياَ أَباَ سَعِيدٍ جِئْناَ مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ أَبِي حَمْزَةَ فَلَمْ نَسْمَعْ مِثْلَ حَدِيثِهِ فِي الشَّفَاعَةِ قَالَ: هِيهِ (^٧) فْحَدَّثْناَهُ الْحَدِيثَ فَقَالَ: هِيهِ\n_________\n(^١) عليه أي الحمد، يلهمنيه الله أي الحمد.\n(^٢) تقبل شفاعتك.\n(^٣) أسألك الرحمة لأمتي، قال الداودي: هنا وقفة لأن التجاء الخلق إلى آدم وأولي العزم بعده يدل على أنهم يطلبون الشفاعة لفصل القضاء أي لإراحة الناس وإجراء الحساب ونحوه عليهم كما يأتي في حديث أنس بعد هذا الحديث.\n(^٤) ومعلوم أن حب الخردل أقل وأصغر من حب البر والشعير، والمراد من كان عنده مثقال حبة خردل زيادة على إيمانه.\n(^٥) بظاهر الصحراء وأعلاها المرتفع منها.\n(^٦) متوار فيها خوفًا من الحجاج الظالم.\n(^٧) هات الحديث أي أسمعنيه، وأبو سعيد كنية للحسن البصري وهو من أكابر علماء التابعين، وأبو حمزة كنية أنس بن مالك ﵃.","vol":"5","page":387},{"text":"قُلْناَ: مَا زَادَناَ قَالَ: قَدْ حَدَّثَنَا بِهِ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً وَهُوَ يَوْمَئِذٍ جَمِيعٌ (^١) وَلَقَدْ تَرَكَ شَيْئًا مَا أَدْرِي أَنَسِيَ الشَّيْخُ أَوْ كَرِهَ أَنْ يُحَدِّثَكُمْ بِهِ\nفَتَتَّكلوا قُلْناَ لَهُ: حَدِّثْناَ فَضَحِكَ وَقَالَ: خَلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ مَا ذَكَرْتُ لَكُمْ هذَا إِلا وَأَناَ أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ قَالَ (^٢): ثمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي فِي الرَّابِعَةِ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقاَلُ لِي: ياَ مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ: ياَ رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ أَوْ لَيْسَ ذَاكَ إِلَيْكَ وَلكِنْ وَعِزَّتِي وَكِبْرِياَئي وَعَظَمَتِي وَجِبْرِياَئِي (^٣) لَأُخْرِجَنَّ مَنْ قاَلَ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ (^٤)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الإِيماَنِ وَالْبُخَارِيُّ فِي التَّوْحِيدِ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِياَمَةِ فَيَهْتَمُّونَ لِذَلِكَ (^٥) فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْناَ عَلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَناَ مِنْ مَكاَنِناَ هذَا قَالَ فَيَأْتُونَ آدَمَ ﷺ فَيَقُوُلُونَ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو الْخَلْقِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُريحَناَ مِنْ مَكاَنِناَ هذَا (^٦) فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهاَ (^٧) وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ فَيَأْتُونَ عِيسَى ﷺ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ (^٨) قَالَ: فَيَأْتُونَ نُوحًا ﷺ فَيَقُولُ: لَسْتُ\n_________\n(^١) مجتمع القوة والحفظ.\n(^٢) أي الحسن يتمم الحديث.\n(^٣) سلطانى وقهرى.\n(^٤) مع تتمتها وهي محمد رسول الله - ﷺ -.\n(^٥) وفي رواية: فيلهمون لذلك.\n(^٦) ظاهر في أنهم يلتمسون الشفاعة لإراحة الناس وإجراء الحساب ونحوه.\n(^٧) فيستحي من ربه نظرًا لخطيئته.\n(^٨) أي من أولي العزم، وإلا فإدريس ﵇ الذي هو جد لنوح كان رسولا لقوله تعالى ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ وآدم ﵇ كان رسولا لأولاده يعلمهم الإيمان وطاعة الله تعالى وما يلزمهم لدنياهم وأخراهم لما سبق في حديث الترمذي: ما من نبى: آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وكذا ولده شيث ﵇ خلفه في ذلك، وحديث أبي ذر الطويل ينص على رسالة آدم وإدريس صلى الله عليهم وسلم.","vol":"5","page":388},{"text":"هُناَكُمْ فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ وَلَكِنَ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ ﷺ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ ﷺ فَيَقُولُ: لَسْتُ هِناَكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهاَ وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى ﷺ الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ قاَلَ: فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُناَكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهاَ وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ عَبْدًا قَدْ غَفَرَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَيَأْتُونِي فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي فَإِذَا أَناَ رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ (^١) فَيُقاَلُ: ياَ مُحَمَّدُ قُلْ تُسْمَعْ سَلْ تُعْطَهْ اشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ رَبِّي ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ (^٢) ثُمَّ أَعُودُ فَأَقَعُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يُقاَلُ لِي: ارْفَعْ ياَ مُحَمَّدُ قلْ تسْمَعْ سَلْ تُعْطَهْ اشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلْهُمُ الْجَنَّةَ قَالَ: فَلَا أَدْرِيِ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ قَالَ فَأَقُولُ: ياَ رَبِّ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ (^٣)»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أُتِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَسَ\nمِنْهاَ نَهْسَةً (^٥) فَقَالَ: «أَناَ سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِياَمَةِ وَهَلْ\n_________\n(^١) صريح في أن نبينا محمدا - ﷺ - يرى ربه في الموقف وسيأتي ما يؤيده.\n(^٢) قوله: فيحد لي حدا كمن تركوا الحج، وقوله في الآتي فيحد لي جدا كمن تركوا الصوم وهكذا.\n(^٣) أي دل القرآن على خلوده في النار وهم الكفار.\n(^٤) ولفظه لمسلم في الإيمان وروى البخاري نصفه الأخير في الرقائق، وفي رواية لهم: يخرج قوم من النار بشفاعة محمد - ﷺ - يسمون الجهنميين أي من طهروا في جهنم.\n(^٥) أخذ بمقدم أسنانه مما عليها من اللحم.","vol":"5","page":389},{"text":"تَدْرُونَ بِماَ ذَاكَ يَجْمَعُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِياَمَةِ الْأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ (^١)\nوَتَدْنُو الشَّمْسُ (^٢) فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَمَا لَا يَحْتَمِلُونَ فَيقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: ائْتُوا آدَمَ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: ياَ آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ نَهاَنِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ نَفْسِي نَفْسِي (^٣) اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: ياَ نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الْأَرْضِ وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا اشْفَعْ لَناَ إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَناَ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهاَ عَلَى قَوْمِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ ﷺ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ نَبيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَذَكَرَ كَذَباَتِهِ، نَفْسِي نُفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى فَيَأْتُونَ مُوسَى ﷺ فَيَقُولُونَ: ياَ مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِتَكْلِيمِهِ عَلَى النَّاسِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ\n_________\n(^١) يسمعون من يدعوهم، ومن ينظر إليهم يراهم كلهم لاستواء المكان الذين هم عليه.\n(^٢) تكون بينها وبينهم كميل كما سبق.\n(^٣) نهاني ربي عن الأكل من الشجرة فعصيته بالأكل منها فلا أسأله إلا نجاة نفسي فقط.","vol":"5","page":390},{"text":"رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهاَ، نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى\nعِيسَى ﷺ فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: ياَ عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَلِمَةٌ مِنْهُ أَلْقاَهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فاَشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَنْبًا (^١) نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَأْتُونِي فَيَقُولُونَ: ياَ مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتَمُ الْأَنْبِياَءِ وَغَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحاَمِدِهِ وَحُسْنِ الثَّناَءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لِأَحَدٍ قَبْلي ثُمَّ قاَلَ: ياَ مُحَمَّدُ ارْفَعْ رأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ اشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: ياَ ربِّ أُمَّتِي أُمَّتِي (^٢) فَيُقَالُ: ياَ مُحَمَّدُ أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ الْباَبِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكاَءُ النَّاسِ فِيماَ سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَبْوَابِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ لَكَماَ بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ أَوْ كَماَ بَيْنَ مَكَّةَ\nوَبُصْرَى (^٣)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n(^١) سبق ذكر ذنبه بقوله: إني عبدت من دون الله وإن كان لم يأمر بذلك؛ بل هو ساخط عليه أشد السخط.\n(^٢) ما سبق من الداودي يقال هنا.\n(^٣) هجر كقمر: بلد بقرب المدينة يذكر فيصرف وهو الأكثر ويؤنث فيمنع من الصرف وإليها تنسب القلال الهجرية، وبصرى كحبلى: بلد بالشام، ومصراع الباب: شطره وجنبه؛ فاتساع الباب من أبواب الجنة كما بين مكة وهجر. نسأل الله رضاه والجنة آمين.","vol":"5","page":391},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1280>يشفع النبيون والمؤمنون بإذن الله تعالى </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعاَلَى: ﴿يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (^٢)﴾.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَهْطٍ بِإيلِياَءَ فَقاَلَ رَجُلٌ مِنهُمْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفاَعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَكْثَرُ مِنْ بَنِي تَميمٍ» قَيلَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ سِوَاكَ؟ قَالَ: «سِوَايَ فَلَمَّا قاَمَ قُلْتُ: مَنْ هذَا؟ قَالُوا: هذَا ابْنُ أَبِي الْجَدْعَاءِ (^٣)».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَشْفَعُ لِلْفِئَامِ وَمِنْهُمُ مَنْ يَشْفَعُ لِلْقَبِيلَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلْعُصْبَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلرَّجُلِ حَتَّى يَدْخُلُوا الْجَنَّة (^٤)».\n\n• عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَشْفَعُ عُثْماَنُ بْنُ عَفَّانَ يَوْمَ\nالْقِياَمَةِ فِي مِثْلِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ (^٥)»، رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُشَفَّعُ الشَّهِيدُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\nيشفع النبيون والمؤمنون بإذن الله تعالى\n(^١) وكذا يشفع الله تعالى والملائكة كما يأتي في الحديث الطويل إن شاء الله تعالى، والشفاعة: هي الالتجاء إلى الله تعالى في أن يعفو عن بعض عصاة الموحدين ويدخلهم الجنة أو في إكرام بعض المؤمنين كشفاعة النبي - ﷺ - لبعض المؤمنين فيدخلون الجنة بغير حساب؛ نسأل الله أن نكون منهم آمين. والشفاعة وإن كانت من فضل الله تعالى على الشافع ولكن لعل سببها كثرة نفع الناس ولو بالتصميم على نفعهم ومحبة الخير والدعاء لهم ما استطاع، نسأل الله من فضله العميم.\n(^٢) فلا تنفع الشفاعة أحدا إلا لمن أذن له الرحمن ورضى له قولا بأن كان قوله واعتقاده لا إله إلا الله محمد رسول الله - ﷺ -.\n(^٣) من هذا؟ أي الذي ذكر في الحديث، قالوا: ابن أبي الجدعاء واسمه عبد الله ولم يعرف له إلا هذا الحديث.\n(^٤) الفئام: الجماعة الكثيرة، والقبيلة: أقل منها، والعصبة: أقل من القبيلة، فكل واحد يشفع بقدر مكانته عند الله تعالى.\n(^٥) لأنه ثالث الخلفاء وبذل من ماله كثيرا في سبيل الله تعالى وتزوج بنتي رسول الله - ﷺ - وابتلى أكثر من غيره - ﵃ -.\n(^٦) الثاني بسند حسن والأول بسند صحيح.","vol":"5","page":392},{"text":"• عَنْ عُثْماَنَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ: الْأَنْبِياَءُ ثُمَّ الْعُلَماَءُ ثُمَّ الشُّهَدَاءُ (^١)»، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدِريِّ ﵁ أَنَّ نَاسًا قاَلُوا: ياَ رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّناَ يَوْمَ الْقِياَمَةِ؟ قاَلَ: «نَعَمْ» ثُمَّ قاَلَ: «هَلْ تُضاَرُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ صَحْوًا لَيْس مَعَها سَحَابٌ (^٢) وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْوًا لَيْسَ فِيهاَ سَحَابٌ» قاَلُوا: لَا ياَ رَسُولَ اللَّهِ قاَلَ: «مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ تَباَرَكَ وَتَعاَلَى يَوْمَ الْقِياَمَةِ إِلا كَماَ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِماَ (^٣) إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِياَمَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ لِيَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ (^٤) فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ ﷾ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْصَابِ إِلا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ (^٥) حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرَ وَفَاجِرٍ وَغُبَّرِ أَهْلِ الُكِتاَبِ (^٦) فَتُدْعَى الْيَهُودُ فَيُقاَلُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قاَلُوا: كنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ، فيقال لهم: فَماَذَا تَبْغُونَ فيقولون: عَطِشْناَ ياَ رَبَّناَ فاَسْقِناَ فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ أَلا تَرِدُونَ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهاَ سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُها بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ (^٧) ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ قاَلُوا: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقاَلُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ، فَيُقاَلُ\n_________\n(^١) سبق هذا وما قبله في الشهداء وفضلهم من كتاب الجهاد.\n(^٢) تضارون بضم التاء وتشديد الراء وتخفيفها فالمعنى على التشديد هل تضرون غيركم في حال الرؤية بزحمة أو مخالفة أو غيرها لخفائه كما تجهدون أنفسكم لرؤية الهلال في أول الشهر، والمعنى على التخفيف هل ينالكم في رؤيته ضير وضرر أي سترون ربكم كما ترون الشمس ظهرا في حال محو السماء من الغمام وكما ترون القمر في ليلة البدر التمام.\n(^٣) أي سترون ربكم رؤية محققة بغاية السهولة والراحة.\n(^٤) وفي رواية: لتتبع بالتشديد والتخفيف، ولفظ البخاري: ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون.\n(^٥) الأنصاب: الأصنام أو هي ما نصب للعبادة ولم يكن كصورة الأدمي.\n(^٦) أي بقاياهم.\n(^٧) فيشار لهم أي إلى النار حتى تظهر لهم من بعد السراب يتراءى للظمآن كأنه ماء فإذا وصلوا إليها وجدوها نارًا يتحطم لهبها فسقطوا فيها.","vol":"5","page":393},{"text":"لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ فَيَقُولُونَ: عَطِشْناَ ياَ رَبَّناَ فاَسْقِناَ قَالَ: فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ أَلاَّ تَرِدُونَ فَيُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ كَأَنَّهاَ سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهاَ بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ بَرَ وَفاَجِرٍ أَتاَهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ سُبْحَانَهُ وَتَعاَلَى فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهاَ (^١) قَالَ: فَماَذَا تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، قاَلُوا: ياَ رَبَّنَا فاَرَقْناَ النَّاسَ فِي الدُّنْياَ أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ (^٢) فَيَقُولُ: أَناَ رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ أَنْ يَنْقَلِبَ (^٣) فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ فَتَعْرِفُونَهُ بِهاَ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقاَءً وَرِياَءً إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً كُلَّماَ أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفاَهُ (^٤) ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةِ (^٥) فَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ (^٦) وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ (^٧) فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ» قِيلَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْجِسْرُ؟ قَالَ: «دَحْضٌ مَزَلَّةٌ (^٨) فِيهِ خَطَاطِيفُ وَكَلالِيبُ (^٩) وَحَسَكٌ تَكُونُ بِنَجْدٍ فِيهَا شُوَيْكَةٌ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ (^١٠)\n_________\n(^١) تجلى لهم بصورة غير التي يعرفونها أو ملك من قبل الله تعالى.\n(^٢) هذا تضرع إلى الله في كشف الشدة عنهم فإنهم لزموا طاعته في الدنيا وفارقوا من لم يكونوا على طاعته وهم أحوج إليهم لمساعدتهم في دنياهم كما حصل الفقراء المهاجرين والمؤمنين في الدنيا.\n(^٣) أي عن دينه ويرجع عنه لشدة الهول.\n(^٤) يكشف عن ساق: هذا مثل تضربه العرب لشدة الأمر كقولهم قامت الحرب على ساقها، والمراد هنا كشف الشدة؛ ومنه قوله تعالى ﴿يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾ الآية.\n(^٥) تجلى لهم بصفات الألوهية الحقة.\n(^٦) يوضع الصراط على النار، قال أبو سعيد: بلغنا أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السيف وورد أن مسافته ألف سنة صعودا وألف سنة هبوطا وألف سنة استواء وهذا لبعض الناس فهو يكون لكل واحد بقدر عمله.\n(^٧) يحضر وقتها فيأذن الله فيها.\n(^٨) معناهما واحد وهو الشيء الذي لا تستقر فيه الأقدام.\n(^٩) خطاطيف جمع خطاف، وكلاليب جمع كلوب، وهو والخطاف: حديدة معوجة الرأس.\n(^١٠) وفيه نبت ذو شوك كالسعدان الذي تأكله الإبل.","vol":"5","page":394},{"text":"فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ الْعَيْنِ وَكَالْبَرْقِ وَكاَلرِّيح وَكاَلطَّيْرِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكاَبِ فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَمَخدُوشٌ مُرْسَلٌ وَمَكْدُوسٌ فِي ناَرِ جَهَنَّمَ (^١) حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّار فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِي النَّارِ (^٢) يَقُولُونَ: رَبَّناَ كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتَمْ فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ (^٣) ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّناَ مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ (^٤) فَيَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ (^٥) فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّناَ لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقاَلَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَم نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا (^٦)» وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَقُولُ: إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهذَا الْحَدُيثِ فَاقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ (^٧)﴾ ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فيَقُولُ اللَّهُ ﷿: «شَفَعَتِ المَلائِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ\n_________\n(^١) فناج مسلم أي منهم من ينجو سالما، ومخدوش مرسل أي مجروح مطلق من القيد، ومكدوس في النار: مدفوع فيها، نسأل الله السلامة آمين.\n(^٢) فإذا خلص المؤمنون واطمأنوا تذكروا إخوانهم المؤمنين الذين هم في النار فناشدوا ربهم أشد مناشدة أي طلبوا منه بإلحاح أن يقبل شفاعتهم في هؤلاء فيجيبهم الله تعالى ويأذن لهم في إخراجهم من النار جل شأن ربنا وفضله.\n(^٣) كان بعضهم واقفًا في النار إلى نصف ساقيه وبعضهم إلى ركبتيه كل بقدر عمله.\n(^٤) من طلبنا الشفاعة لهم.\n(^٥) مثقال دينار من خير: زائدًا على الإيمان لأنه لا يتجزأ فإنه التصديق الباطني بخلاف أعمال الخير فإنها كثيرة وتزيد وتنقص.\n(^٦) لم نترك فيها أهل خير.\n(^٧) الذرة أصغر النمل.","vol":"5","page":395},{"text":"وَلَمْ يَبْقَ إلاَّ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهاَ قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ (^١) قَدْ عَادُوا حُمَمًا (^٢) فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ نَهَرُ الحَيَاةِ فَيَخْرُجُونَ كَماَ تَخْرُجُ الْحَبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ (^٣) أَلَا تَرَوْنَهَا تَكُونُ إِلَى الْحَجَرِ أَوْ إِلَى الشَّجَرِ مَا يَكُونُ إِلَى الشَّمْسِ أُصَيْفِرُ وَأُخَيْضُرُ وَمَا يَكونُ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ يَكُونُ أَبْيَضَ (^٤) فَقَالُوا: ياَ رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ كنْتَ تَرْعَى بِالْباَدِيَةِ (^٥) قَالَ: فَيَحْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤ فِي رِقَابِهِمُ الْخَواتِمُ يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ هؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ (^٦) ثُمَّ يَقُولُ: ادْخُلوا الْجَنَّةَ فَماَ رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ فَيَقُولُونَ: رَبَّناَ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ فَيَقُولُ: لَكُمْ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هذَا فَيَقُولُونَ: ياَ رَبَّناَ أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هذَا فَيَقُولُ: رِضَايَ فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا (^٧)، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٨)، فَلِلَّهِ مَزِيدُ الْحَمْدِ وَوَافِرُ الشُّكْرِ.\n_________\n(^١) فإذا انتهى الخلق من الشفاعة قال الله تعالى \"ما بقي إلا أرحم الراحمين\" ثم يقبض على جماعة من أهل النار لا خير فيهم إلا الإيمان فيلقيهم في نهر الحياة الذي هو في أول طرق الجنة، وهنا يتجلى الفيض الإلهي والكرم الرباني فإن هذه القبضة لها ما لها من الكثرة فهي أكثر بكثير ممن شفع لهم الشافعون فلا تدخل تحت عد ولا حصر جل شأن ربنا وفضله، وتعالى إحسانه وكرمه.\n(^٢) جمع حممة وهي القطعة من الفحم.\n(^٣) الحبة بالكسر: بذر ما ينبت وحده، وما يستنبته الناس فبالفتح والأول سريع الإنبات أي تنبت أجسامهم بسرعة كما تنبت حبة البقل في محمول السيل أي الغيث.\n(^٤) ألا تنظرون إلى لون النباتة يكون في الظل أبيض وفي الشمس يكون مائلا إلى الصفرة والخضرة.\n(^٥) لمعرفتك بحال النبات.\n(^٦) فلم يكن لهم سوى الإيمان بالله ورسوله - ﷺ -، وذلك شعارهم عند أهل الجنة.\n(^٧) لكم رضاي فلا سخط بعده أبدا، سبحانك ما أعظمك ما أكرمك سبحانك سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.\n(^٨) ولفظه لمسلم في الإيمان، نسأل الله كمال الإيمان آمين.","vol":"5","page":396},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1281>سعة الكرم الإلهي وإخراج الموحدين من النار</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيُرَةَ ﵁ أَنَّ نَاسًا قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّناَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»؟ قَالُوا: لَا ياَ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهاَ سَحَابٌ»، قالُوا: لَا ياَ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذلِكَ، يَجمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ فَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ (^١) وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ\nالطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ (^٢) وَتَبْقَى هذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ ﵎ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ (^٣) فَيَقُولُ: أَناَ رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ هذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّناَ فَإِذَا جَاءَ رَبُّناَ عَرَفْنَاهُ (^٤) فَيَأْتِيهمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ: أَناَ رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّناَ فَيَتَّبِعُونَهُ وَيُضْرَبُ الصِّرَاط بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ فَأَكُونُ أَناَ وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ (^٥) وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلا الرُّسُلُ وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ (^٦) وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ (^٧) هَلْ رَأَيْتُمُ السَّعْدَانَ؟ قَالُوا: نَعَمْ ياَ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا قَدْرُ عِظَمِهَا إِلا اللَّهُ تَخْطفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ فَمِنْهُمُ الْمُوبَقُ بِعَمَلِهِ\n_________\nسعة الكرم الإلهي وإخراج الموحدين من النار\n(^١) لفظ الشمس الأول معمول ليعبد والثاني معمول ليتبع وكذا القول في الجملة التي بعدها.\n(^٢) جمع طاغوت وهو كل ما عبد من دون الله تعالى.\n(^٣) التي يعرفونه بها في الدنيا.\n(^٤) وهذه محنة للمؤمنين.\n(^٥) أي يمر عليه نبينا محمد - ﷺ - أول من يمر عليه على العموم وبعده الرسل فالأنبياء - صلى الله عليهم وسلم -، ثم يجيء وقت مرور الأمر فأولهم الأمة المحمدية.\n(^٦) ودعوى الرسل أي كلامهم على الصراط، وكذا المؤمنون: اللهم سلم سلم.\n(^٧) وهذا لا ينافي ما سبق من أنها في نفس الصراط لجواز أن تكون في النار وفي الصراط.","vol":"5","page":397},{"text":"وَمِنْهُمُ الْمُجَازَى حَتَّى يُنَجَّى (^١) حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَمَرَ الْملَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ باللَّهِ شَيْئًا مِمَّنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَرْحَمَهُ مِمَّنْ يَقُولُ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ بِأَثَرِ السُّجُودِ تَأْكُلُ النَّارُ مِنَ ابْنِ آدَمَ إِلا أَثَرَ السُّجُودِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ (^٢) فَيُخْرَجُون مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحِشُوا (^٣) فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ مِنْهُ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ (^٤) ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ (^٥) وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ (^٦) فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا (^٧) فَيَدْعُو اللَّهَ مَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَهُ (^٨) ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعاَلَى: «هَلْ عَسَيْتُ إنْ فَعَلْتُ ذلِكَ بِكَ أنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ» فَيَقُولُ: لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ اللَّهُ (^٩) فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ فَإِذَا أَقْبلَ عَلَى الْجَنَّةِ وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ (^١٠) ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ قَدِّمْنِي إِلَى باَبِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ\n_________\n(^١) قوله بأعمالهم بسبب سوء أعمالهم، وبعمله بسبب عمله، ومنهم المجازي أي من يجازي بصعوبة المرور ثم ينجي من الإنجاء ومن التنجية أي ينجيه ربه تعالى.\n(^٢) أثر السجود هي الأعضاء التي كانت تلصق بالأرض حين السجود في الدنيا وهي الجبهة والكفان والركبتان والقدمان.\n(^٣) أي احترقوا وصاروا كالفحم.\n(^٤) محمولة من طين وغثاء.\n(^٥) أي انتهت أعمال العباد من الموقف واستقر أهل الجنة فيها وأهل النار فيها وإلا فالله تعالى لا يشغله شأن عن شأن.\n(^٦) لفظ البخاري: ويبقي رجل بين الجنة والنار وهو آخر أهل النار دخولا الجنة قيل إن هذا الرجل اسمه جهينة وعند دخوله الجنة يقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين، أي لم يبق في النار من الموحدين أحد.\n(^٧) أهلكني ريحها المنتن ولهبها، والأشهر في اللغة ذكاها لأن الممدود سرعة الفهم.\n(^٨) ليعرف وجهه من النار.\n(^٩) لو أجبتك تكتفي ولا تسأل ثانيًا، قال: لا أسأل ويعطي العهود والمواثيق بذلك.\n(^١٠) لتحيره إذا رأى الجنة ولا يجرؤ على طلبها.","vol":"5","page":398},{"text":"لَا تَسْأَلُنِي غَيْرَ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ وَيْلَكَ، ياَ ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ (^١) فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ يَدْعُو اللَّهَ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ (^٢) فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ فَيُقَدِّمُهُ إِلَى باَبِ الْجَنَّةِ فَإِذَا قَامَ عَلَى باَبِ الْجَنَّةِ انْفَقَهَتْ لَهُ الْجَنَّةُ (^٣) فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ وَالسُّرُورِ فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّة فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ وَيْلَكَ ياَ ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللَّهَ حَتَّى يَضْحَكَ اللَّهُ تَبَاركَ وَتَعاَلَى مِنْهُ (^٤) فَإِذَا ضَحِكَ اللَّهُ مِنْهُ قَالَ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ فَإِذَا دَخَلَهاَ قاَلَ اللَّهُ لَهُ: تَمَنَّهْ (^٥) فَيَسْأَلُ رَبَّهُ وَيَتَمَنَّى حَتَّى إِنَّ اللَّهَ لَيُذَكِّرُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا (^٦) حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ (^٧) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ذلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ (^٨)، وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ جَالِسًا حِينَ حَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِهذَا فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَوْلَهُ: ذلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا حَفِظْتُ إِلا قَوْلَهُ: ذلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ.\n_________\n(^١) ما أكثر نقضك للعهد، لم يغضب الرحمن عليه من تكرر نقضه للعهد، لعلمه بنفاد صبره وطمعه في رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء فكان ربه عند ظنه جل شأنه وعلا.\n(^٢) ذلك وهو قربك للجنة.\n(^٣) انفتحت واتسعت فظهر حسنها وجمالها.\n(^٤) المراد بالضحك لازمه وهو الرضا وإرادة الإحسان وإلا فمولانا ﵎ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.\n(^٥) اطلب ما تشاء.\n(^٦) اطلب من كذا ومن كذا من أنواع نعيم الجنة التي لم يعرفها ولم يسمع بها.\n(^٧) طلب من أنواع النعيم وأعطى منها مطلوبه.\n(^٨) ولا تعارض بينهما لاحتمال أن النبي - ﷺ - أعلم بالقليل أولا فأخبر به ثم أعلم بالكثير فأخبر به وسمعه أبو سعيد فقط، فانظر أيها القارئ اللبيب وتأمل معي في هذا الكرم الإلهي العظيم الواسع الذي لا يقدر عليه إلا رب العالمين الذي وسع إحسانه وحده وكرمه البر والفاجر من خلقه. جل شأن ربنا وعلا، وحق علينا له دائما كل حمد وثناء.","vol":"5","page":399},{"text":"• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يُدْخِلُ اللَّهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ،\nيُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِهِ (^١) وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا مَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقاَلَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيماَنٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ مِنْهَا حُمَمًا قَدِ امْتَحَشُوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَاةِ أَوِ الْحَيَاة فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَماَ تَنْبُتُ الْحِبَّةُ إِلَى جَانِبِ السَّيْلِ أَلَمْ تَرَوْهَا كَيْفَ تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالبُخَارِيُّ فِي الرَّقاَئِقِ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهاَ فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهاَ وَلَا يَحْيَوْنَ وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ فَأَمَاتَتْهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بِهمْ ضَبَائِرَ ضَباَئِرَ (^٢) فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ثُمَّ قِيلَ: ياَ أَهْلَ الْجَنَّةِ أَفُيضُوا عَلَيْهِمْ (^٣) فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ فَقَالَ بَعْضُ الْحَاضِرينَ: كَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ كَانَ بِالْباَدِيَةِ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً (^٤)»، رَوَاهُماَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ فَلِرَبِّنَا كلُّ حَمْدٍ وَكُلُّ شُكْرٍ.\n_________\n(^١) فيه أن الجنة برحمة الله من خالص فضله، وسبق هذا في كتاب الزهد.\n(^٢) فأماتتهم إماتة. ظاهره أن العصاة إذا ألقوا في النار ماتوا موتة واستمروا على هذا حتى تنتهي مدتهم ويخرجوا لئلا يشعروا بطول التعذيب بخلاف الكفار والمنافقين، وقوله: ضبائر ضبائر أي جماعات متفرقة.\n(^٣) فيفيضون عليهم من ماء الجنة الذي هو من نهر الحياة.\n(^٤) فمن مات وهو موقن بكلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله وكان في حياته بعيدا عن العمل بالشرع فإنه يحكم عليه بالنار بقدر عصيانه فيدخلها ولكن قبل استيفاء المدة تناله شفاعة الشافعين الذين يختارهم الله له حينما يشاء الله تعالى ولكن تعجل الشفاعة لكثير الخير قبل قليله، وقال رسول الله - ﷺ -: يقول الله تعالى: أخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافنى في مقام أي من ذكرني في زمن من الأزمان أو خافني في حال من الأحوال. رواه الترمذي، نسأل الله الخوف والخشية والتوفيق لدوام ذكره آمين.","vol":"5","page":400},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1282>صفة الجنة وخدمها </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعاَلَى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ (^٢)﴾ لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ (^٣) وَفَكِهَةٍ مّمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مّمَّا يَشْتَهُونَ (^٤) وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَلِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَآء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (^٥). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (^٦) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ (^٧) وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ (^٨)\n_________\nصفة الجنة وخدمها\n(^١) أي ذكر خدم الجنة وذكر شيء قليل من صفاتها، وسيأتي منه كثير إن شاء الله، وأما صفاتها كلها فلا يعلمها إلا خالقها جل شأنه وعلا.\n(^٢) ﴿يطوف عليهم﴾ على أهل الجنة الخدمة ﴿ولدان مخلدون﴾ على هيئة الأولاد لا يهرمون ﴿بأكواب﴾ جمع كوبة وهي قدح لا عروة له ﴿وأباريق﴾ جمع إبريق وهو إناء له عروة وخرطوم ﴿وكأس من معين﴾ خمر تجري من منبع لا ينقطع.\n(^٣) لا يحصل لهم من شربها صداع ولا غيبوبة.\n(^٤) يتخيرون أي يختارون ويحبون.\n(^٥) ولهم للاستمتاع ﴿حور عين﴾ نساء حسان العيون سوادها شديد وبياضها شديد ﴿كأمثال اللؤلؤ المكنون﴾ المصون ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾ ما يؤثم من الكلام ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ إلا السلام الذي يقال بينهم، ويأتيهم حينًا بعد حين من الله تعالى، قال تعالى ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ وقال تعالى ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ شجر نبق لا شوك فيه ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ شجر موز مملوء بالثمر من أسفله إلى أعلاه ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ دائم ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ جار دائما ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ لا مقطوعة في زمن ولا ممنوعة بثمن ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ على السرر وغيرها ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ أنشأنا الحور العين بغير ولادة ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ كلما أتاهن الأزواج وجدوهن عذارى بلا توجع ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ عربا جمع عروب: وهي المتحببة إلى زوجها عشقًا له، أترابا: جمع ترب أي مستويات في السن ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أنشأناهن وجعلناهن لأصحاب اليمين وهم ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ جماعة من هؤلاء وهؤلاء نسأل الله أن نكون منهم آمين.\n(^٦) ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ أي الحال في الجنة ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا﴾ لا يوصف ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ واسمًا لا غاية له.\n(^٧) فوقهم ثياب خضر من سندس وإستبرق.\n(^٨) وحلاهم ربهم بأنواع الحلى الفاخر.","vol":"5","page":401},{"text":"وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ ﷿: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ذُخْرًا بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ (^١)» ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَقاَبُ قَوْسِ أَحَدِكَمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ تَغْرُبُ (^٣)»، رَوَاهُ الخَمْسَةُ.\n\n• عَنْ سَهْلٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا (^٤)»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، نَسْأَلُ اللَّهَ رِضَاهُ وَالْجَنَّةَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1283>بناء الجنة وخصباؤها وترابها </span>(^٥)\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قُلْتُ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ مِمَّ الْخَلْقُ؟ قَالَ: «مِنَ الْماَءِ» قُلْنَا: الْجَنَّة مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ: «لَبنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ وَلَبنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ (^٦) وَحَصْباَؤُهَا اللُّؤْلْؤُ وَالْياَقُوتُ وَتُرْبَتُهاَ الزَّعْفَرَانُ مَنْ دَخَلَهاَ يَنْعَمُ وَلَا يَبْؤُسُ (^٧) وَيُخَلَّدُ\n_________\n(^١) ذخرا أي مذخورا لأهل الجنة، بله أي اترك ما رأيته في الدنيا فليس بشيء بالنسبة لما في الجنة.\n(^٢) مسلم هنا والآخران في التفسير. وسبق هذا في سورة السجدة.\n(^٣) سبق هذا في فضل الجهاد.\n(^٤) السوط: ما يضرب به، فقدر السوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها لأنها فانية والجنة باقية خالدة. نسأل الله رضاه والجنة آمين.\n\nبناء الجنة وحصباؤها وترابها\n(^٥) فبناؤها قطعة من فضة وقطعة من ذهب، وملاطها المسك، وترابها الزعفران، وحصباؤها الياقوت والمرجان.\n(^٦) اللبنة: هي القطعة التي يبنى بها، والملاط بالكسر: ما يوضع بين أجزاء البناء كالطين، والأذفر: شديد الرائحة.\n(^٧) لا يناله بأس ولا شدة.","vol":"5","page":402},{"text":"وَلَا يَمُوتُ لَا تَبْلَى ثِياَبُهُمْ وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ (^١)» ثمَّ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الْإِمَامُ الْعاَدِلُ، وَالصَّائمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهاَ فَوْقَ الْغَمَامِ وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّماَءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ ﷿ وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ (^٢)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1284>طبقات الجنة وأبوابها ودرجاتها </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعاَلَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. وَقَالَ اللَّهُ تَعاَلَى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. وَقَالَ تَعاَلَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾، وَقَالَ تَعاَلَى: ﴿عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا رضي اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾، صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ سَهْلٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فِي الْجَنَّةِ ثَماَنِيَةُ أَبْوَابٍ فِيهاَ باَبٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ لَا يَدْخُلهُ إِلاَّ الصَّائمُونَ (^٤)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n_________\n(^١) فلا يهرمون.\n(^٢) سبق هذا في كتاب الأذكار.\n\nطبقات الجنة وأبوابها ودرجاتها\n(^٣) فطبقات الجنة كثيرة والمذكور منها هنا جنة المأوى وجنة عدن وجنة النعيم ودار السلام وجنة الفردوس وهي أعلاهن، وفي كل طبقة من هذه عدة طبقات لقوله تعالى في تلك الآيات ﴿جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ ﴿جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾. ولحديث أم حارثة حينما مات ولدها يوم بدر وجاءت تكلم النبي - ﷺ - فيه فقال لها: أجنة واحدة هي: إنها جنان كثيرة، وإنه في الفردوس الأعلى.\n(^٤) سبق هذا في كتاب الصوم.","vol":"5","page":403},{"text":"• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «باَبُ أُمَّتِي الَّذِي يَدْخُلُونَ مِنْهُ الْجَنَّةَ عَرْضُهُ مَسِيرَةُ الرَّاكِبِ الْجَوَادِ ثَلَاثًا ثُمَّ إِنَّهُمْ لَيَضْغَطُونَ عَلَيْهِ حَتَّى تَكاَدُ مَناَكِبُهُمْ تَزُولُ (^١)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عُباَدَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فِي الْجَنَّةِ مِائَة دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَماَ بَيْنَ السَّماَءِ وَالْأَرْضِ وَالْفِرْدَوْسُ أَعْلَاهَا دَرَجَةً وَمِنْهَا تَفَجَّرُ أَنْهاَرُ الْجَنَّةِ الْأَرْبَعَةُ (^٢) وَمِنْ فَوْقِهَا يَكونُ الْعَرْشُ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ (^٣)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ (^٤).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فِي الْجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مِائَةُ عَامٍ».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ لَوح أَنَّ الْعاَلَمِينَ اجْتَمَعُوا فِي إِحْدَاهُنَّ لَوَ سِعَتْهُمْ (^٥)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: «ارْتِفاَعُهاَ لَكَماَ بَيْنَ السَّماَءِ وَالْأَرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ (^٦)»، رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٧). نَسْأَلُ اللَّهَ رِضَاهُ وَالْجَنَّةَ آمِين.\n_________\n(^١) فباب الأمة المحمدية عرضه يسير الراكب فيه ثلاثًا ومع هذا ستنالهم زحمة وهم داخلون، وفي هذا وما قبله أن للجنان عدة أبواب؛ باب الريان، وباب الصلاة، وباب الصدقة، وذكر الثمانية في حديث سهل هنا وفي حديث عمر في كتاب الطهارة لا ينافي أنها أكثر من ذلك كما سبق ذكرها في فضائل الصوم.\n(^٢) التي ستأتي في أنهار الجنة.\n(^٣) اللهم إنا نسألك الفردوس بحق وجهك الكريم وبحق عرش العظيم آمين والحمد لله رب العالمين.\n(^٤) ولكن الترمذي هنا والبخاري في الجهاد.\n(^٥) هذه قريبة مما قبلها، فإن مساحة مسيرة مائة سنة شيء كثير، والمراد من هذه الروايات كثرة درجات الجنة.\n(^٦) هذه كرواية عبادة السابقة، فالفرش في الدرجات وبين الدرجات كما بين السماء والأرض أي مسيرة خمسمائة سنة.\n(^٧) الأخيران بسندين غريبين والأول بسند حسن، نسأل الله حسن الحال في الحال والمآل آمين.","vol":"5","page":404},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1285>أنهار الجنة وعيونها</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (^١)﴾. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (^٢)﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (^٣)﴾، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ (^٤)﴾ ﴿وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ (^٥)﴾ ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ (^٦)﴾ ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى (^٧)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهاَرِ الْجَنَّةِ (^٨)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْكَوْثَرِ فَقَالَ: «ذَاكَ نَهَرٌ أَعْطاَنِيهِ اللَّهُ ﷿ فِي الْجَنَّةِ أَشَدُّ بَياَضًا مِن اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ فِيهِ طَيْرٌ أَعْناَقُهاَ كَأَعْناَقِ الْجُزُرِ»، قَالَ عُمَرُ: إِنَّ هذِهِ لَناَعَمِةٌ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «أَكَلَتُهاَ أَنْعَمُ مِنْهاَ (^٩)».\n_________\nأنهار الجنة وعيونها\n(^١) ﴿مَثَلُ﴾ أي صفة ﴿الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ ما نقصّ عليكم ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ مأكولها دائم ﴿وَظِلُّهَا﴾ دائم لا تنسخه شمس لعدمها في الجنة ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ هذه الجنة عاقبة من اتقوا الشرك وهم المسلمون ﴿وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾.\n(^٢) ﴿فِيهِمَا﴾ أي في الجنتين المذكورتين قبل ﴿عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ أي دائما.\n(^٣) فوارتان يفور الماء منهما بلا انقطاع.\n(^٤) غير متغير بخلاف ماء الدنيا فإنه يتغير لأي شيء يصيبه.\n(^٥) بخلاف لبن الدنيا فإنه يتغير بأقل شيء بل وبمرور زمن قليل.\n(^٦) لذيذ للشاربين بخلاف خمر الدنيا فإنها كريهة عند شربها.\n(^٧) خالصا بخلاف عسل الدنيا فإنه يخرج من بطون نحله يخالطه شمع وغيره.\n(^٨) فسيحان: نهر أذنة، وجيحان: نهر المصيصة وكلاهما بأرض الأرمن، والفرات بالعراق، والنيل بمصر، ومعنى أنها من أنهار الجنة أنها تسقي المسلمين الذين سيكونون في الجنة، أو أن بعض مائها من أنهار الجنة، أو أن البركة التي فيها من أنهار الجنة وكل ممكن وجائز وسهل على قدرة الله تعالى.\n(^٩) إنها لناعمة أي شهية لذيذة، وأكلتها أنعم منها أي أبهى منظرا منها.","vol":"5","page":405},{"text":"• عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَحْرَ الْماَءِ وَبَحْرَ اْلعَسَلِ وَبَحْرَ اللَّبَنِ وَبَحْرَ الْخَمْرِ ثُمَّ تَشَقَّقُ الْأَنْهَارُ بَعْدُ (^١)»، رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1286>أشجار الجنة وفاكهتها</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (^٣)﴾ فَبِأَىّ ءالآء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ فَبِأَىّ ءالآء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ (^٤) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ فَبِأَىّ ءالآء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ (^٥) فِيهِمَا مِن كُلّ فَكِهَةٍ زَوْجَانِ فَبِأَىّ ءالآء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ (^٦) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ فَبِأَىّ ءالآء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ (^٧). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ * وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ * وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ (^٨)﴾ وَفَكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (^٩).\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامِ لَا يَقْطَعُهَا».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ الْمُضَمَّرَ السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا (^١٠)»، رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ\n_________\n(^١) ظاهره أن هذه أصول أنهار الجنة ومنها يتفرع كل الأنهار.\n(^٢) والأول بسند حسن والثاني بسند صحيح.\n\nأشجار الجنة وفاكهتها\n(^٣) فلكل شخص خاف قيامه بين يدي ربه فترك معصيته وأطاعه له جنتان.\n(^٤) بأي نعمة من نعم ربكما تكذبان ولا تشكران أي لا يصح ذلك.\n(^٥) ذواتا أفنان جمع فنن وهو غصن الشجرة.\n(^٦) فيهما من كل فاكهة زوجان أي نوعان كرطب ويابس.\n(^٧) فيهما فاكهة ونخل ورمان والفاكهة أعم من النخل والرمان.\n(^٨) سدر مخضود: شجر نبق لا شوك فيه، وطلح منضود: شجر موز مملوء بالتمر، وظل ممدود أي دائم، وماء مسكوب أي جار دائما.\n(^٩) سبقت هذه في صفة الجنة.\n(^١٠) في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد أي الفرس الجيد المضمر السريع السير، في ظلها أي تحت أغصانها وإلا فليس في الجنة شمس ولا حر ولا برد بل أنوار تتلألأ، والمراد الإخبار بعظمها =","vol":"5","page":406},{"text":"وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ أَسْماَءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى: «يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّ الْفَتَنِ مِنْهاَ مِائَةَ سَنَةٍ أَوْ يَسْتَظِلُّ بِظِلِّهاَ مِائَةُ رَاكِبٍ فِيهاَ فَرَاشُ الذَّهَبِ كَأَنَّ ثَمَرَهَا الْقِلَالُ (^١)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ. اللَّهُمَّ حَسِّنْ لَناَ الْحَالَ وَأَسْعِدْناَ فِي الدَّارَيْنِ ياَ رَحْمنُ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1287>غرف أهل الجنة</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعاَلَى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَواْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ\nالْمِيعَادَ (^٢)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَماَ تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغاَبِرَ فِي الْأُفُقِ (^٣) مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ» قَالُوا: ياَ رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَناَزِلُ الْأَنْبِياَءِ لَا يَبْلُغُهاَ غَيْرُهُمْ قَالَ: «بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِين (^٤)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n_________\n= فتدل على عظيم قدرة الله تعالى فيكون إيمانًا بالغيب يستلزم كثرة الثواب، وهذه شجرة طوبى ومع علوها تتدلى لمن يريد الاقتطاف من ثمرها.\n(^١) أي قلال هجر كما سبق في حديث الإسراء فإذا نبقها كأنه قلال هجر وورقها كآذان الفيول، وفراش الذهب: حيوان من ذهب ذو ألوان عجيبة يطير حول السدرة ويقف على أغصانها وهو بعض بيان لقوله تعالى ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ فشجرة طوبي وسدرة المنتهى: شجرتان عظيمتان دالتان على عظيم قدرة الله تعالى. والله أعلم.\n\nغرف أهل الجنة\n(^٢) تجري من تحتها الأنهار أي من تحت الغرف الفوقانية والتحتانية وعد الله المؤمنين ذلك لا يخلف الله وعده.\n(^٣) الغابر في الأفق أي الذاهب في الأفق الشرقي أو الغربي.\n(^٤) فبعض أهل الجنة سينظرون إلى قوم في غرف عالية كأنها الكواكب علوًّا وإضاءة بسبب قوة إيمانهم وصالح أعمالهم فظنوا أنها منازل الأنبياء التي لا يبلغها غيرهم، فقال - ﷺ -: بلى يبلغها غيرهم وهم المؤمنون الصالحون، نسأل الله أن نكون منهم آمين.","vol":"5","page":407},{"text":"• عَنْ عَلِيّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَغُرَفًا يُرَى ظهُورُهَا مِنْ بُطُونِهاَ وَبُطُونُهاَ مِنْ ظُهُورِهَا فَقاَمَ إِلَيْهِ أَعْرَابِيٌّ» فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ «هِيَ لِمَنْ أَطاَبَ الْكَلَامَ وَأَطْعَمَ الطَّعاَمَ وَأَدَامَ الصِّياَمَ وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِياَمٌ (^١)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ غَرِيبٍ. نَسْأَلُ اللَّهَ تَماَمَ الْأُنْسِ فِي الْوِحْدَةِ وَالْغُرْبَةِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1288>خيام الجنة</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (^٢)﴾.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةَ (^٣) عَرْضُهاَ سِتُّونَ مِيلًا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهاَ أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الْاخَرِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ الْمُؤْمِنُ».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ طُولُهاَ سِتُّونَ مِيلًا (^٤) لِلمُؤْمِنِ فِيهاَ أَهْلُونَ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ فَلَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا (^٥)»، رَوَاهُماَ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦)، نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ نَكونَ مِنْ أَهْلِهاَ آمِين.\n_________\n(^١) أطاب الكلام أي ألانه مع الناس، وأطعم الطعام أي لله ولو مع بيته، وأدام الصيام ولو بصيام ثلاثة من كل شهر فإنها كصيام الدهر، وصلى لله والناس نيام أي صلاة العشاءين والفجر في أوقاتها، نسأل الله التوفيق آمين والحمد لله رب العالمين.\nعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: من أشد أمتي لي حبًّا ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله، رواه مسلم هنا، ومعنى الحديث سيأتي في الأمة قوم يحبون النبي - ﷺ - أشد الحب ويود أحدهم لو رآه - ﷺ - ولو ضاع ماله وهلك أهله، نسأل الله كامل محبته آمين.\n\nخيام الجنة\n(^٢) حور مقصورات في الخيام أي مستورات فيها، وهذه الخيام من لؤلؤ كما يأتي.\n(^٣) الخيمة أصلها بيت مربع من بيوت الأعراب.\n(^٤) ظاهره وما قبله أن طول الخيمة وعرضها واحد.\n(^٥) فللمؤمن في الجنة خيمة أي بيت من لؤلؤة واحدة طوله وعرضه ستون ميلا في كل زاوية أي ناحية وجانب منه زوجات للمؤمن لا يرى بعضهن بعضا لبعد المسافة بين زواياه.\n(^٦) ولكن البخاري في التفسير. والله أعلم.","vol":"5","page":408},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1289>أسواق الجنة </span>(^١)\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كلَّ جُمُعَةٍ فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّماَلِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِياَبِهِمْ (^٢) فِيِزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَماَلا فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْالِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَماَلًا» فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَناَ حُسْنًا وَجَماَلًا فَيَقُولُونَ: وَأَنْتمْ وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتمْ بَعْدَناَ حُسْنًا وَجَماَلًا (^٣)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ﵁ أَنَّهُ لَقِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقاَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فِي سُوقِ الْجَنَّةِ فَقاَلَ سَعِيدٌ: أَفِيهاَ سُوقٌ؟ قَالَ: نَعَمْ أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوهَا نَزَلُوهَا نَزَلُوا فِيهاَ\nبِفَضْلِ أَعْماَلِهِمْ (^٤) ثُمَّ يُؤْذَنُ فِي مِقْدَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْياَ فَيَزُورُونَ رَبَّهُمْ (^٥) وَيُبْرِزُ لَهُمْ عَرْشَهُ وَيَتَبَدَّى لَهُمْ فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِياَضِ الْجَنَّةِ (^٦) فَتُوضَعُ لَهُمْ مَناَبِرُ مِنْ نُورٍ وَمَناَبِرُ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَمَناَبِرُ مِنْ ياَقُوتٍ وَمَنَابِرُ مِنْ إزَبَرْجَدٍ وَمَناَبِرُ مِنْ ذَهَبٍ وَمَناَبِرُ مِنْ فِضَّةٍ وَيَجْلِسُ أَدْناَهُمْ وَمَا فِيهِمْ مِنْ دَنِيءٍ عَلَى كُثْباَن الْمِسْكِ وَالْكاَفُورِ وَمَا يَرَوْنَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَرَاسِي بِأَفْضَلَ مِنْهُمْ مَجْلِسًا (^٧)» قَالَ\n_________\nأسواق الجنة\n(^١) السوق يذكر ويؤنث - وهو أفصح - مجتمع الناس لتبادل المصالح بينهم، وسوق الجنة: اجتماع أهلها في مكان وقد حفت بهم الملائكة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر يتجلى عليهم ربهم برؤيته ويكرمهم بمؤانسته ثم يأخذون ما يشتهون بلا شراء ويرجعون بغاية الحسن والجمال نسأل الله الجنة آمين.\n(^٢) تنثر عليهم أنواع العطر.\n(^٣) فتزداد المودة والمحبة بينهم أكثر من حالها بين العاشق والمعشوق.\n(^٤) أخذوا منازلهم ودرجاتهم بأعمالهم، وأما دخول الجنة فبفضل الله تعالى كما سبق في كتاب الزهد.\n(^٥) تأذن الله لهم بزيارته كل يوم جمعة أي بعد مرور زمن كالأسبوع وإلا فلا ليل في الآخرة.\n(^٦) يكشف الحجب عنهم حتى يروه جل شأنه.\n(^٧) يجلس أدنى أهل الجنة على كثبان المسك والكافور أي تلالها ولا يرون أن أصحاب المنابر أفضل منهم.","vol":"5","page":409},{"text":"أَبُو هُرَيْرَةَ قُلْتُ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ نَرَى رَبَّناَ قَالَ: «نَعَمْ هَلْ تَتَماَرَوْنَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» قُلْناَ: لَا، قَالَ: «كَذلِكَ لَا تُماَرُونَ فِي رُؤُيَةِ رَبِّكُمْ (^١) وَلَا يَبْقَى فِي ذلِكَ الْمَجْلِسِ رَجُلٌ إِلا حَاصَرَهُ اللَّهُ مُحَاصَرَةً (^٢) حَتَّى يَقُولَ لِلرَّجُلِ مِنْهُمْ ياَ فُلَانُ ابْنَ فُلَانٍ أَتَذْكرُ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا (^٣) فَيُذَكِّرُهُ بَعْضَ غَدَّارَتِهِ فِي الدُّنْياَ (^٤) فَيَقُولُ: ياَ رَبِّ أَفَلمْ تَغْفِرْ لِي فَيَقُولُ: بَلَى (^٥) فَبِسَعَةِ مَغْفِرَتِي بَلَغْتَ مَنْزِلَتَكَ هذِهِ فَبَيْنَماَ هُمْ عَلَى ذلِكَ غَشِيَتْهُمْ سَحَابَةٌ مِنْ فَوْقِهِمْ فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ طِيبًا لَمْ يَجِدُوا مِثْلِ رِيحِهِ شَيْئًا قَطُّ» وَيَقُولُ رَبُّناَ تَبَارَكَ وَتَعاَلَى: قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم فنأتى سوقا قد حفت به الملائكة لم تنظر العيون إلى مثله ولم تسمع الآذان ولم يخطر على القلوب (^٦) فَيَحْمِلُ لَناَ مَا اشْتَهَيْناَ لَيْسَ يُباَعُ فِيهاَ وَلَا يُشْتَرَى (^٧) وَفِي ذلِكَ السُّوقِ يَلْقَى أَهْلُ الْجَنَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَالَ: فَيُقْبِلُ الرَّجُلُ ذُو الْمَنْزِلَةِ الْمُرْتَفِعَةِ فَيَلْقَى مَنْ هُوَ دُونَهُ وَمَا فِيهِمْ مِنْ دَنِئٍ فَيَرُوعُهُ مَا يَرَى عَلَيْهِ مِنَ اللِّبَاسِ فَمَا يَنْقَضِي آخِرُ حَدِيثِهِ حَتَّى يَتَخَيَّلَ إِلَيْهِ مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ وَذلِكَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَحْزَنَ فِيهَا (^٨) ثُمَّ نَنْصَرِفُ إِلَى مَناَزِلِناَ فَيَلْقاَناَ أَزْوَاجُناَ فَيَقُلْنَ مَرْحَبًا وَأَهْلًا لَقَدْ جِئْتَ وَإِنَّ بِكَ مِنَ الْجَماَلِ أَفْضَلَ مِمَّا\n_________\n(^١) تتمارون أي تشكون، كذلك لا تمارون في رؤية ربكم أي لا تشكون فيها.\n(^٢) من الحصر وهو الإحاطة الخاصة: أي حادثه في أمره فقط وما قدمه في دنياه فبيانه ما بعده.\n(^٣) وفي نسخة: يوم قلت كذا وكذا.\n(^٤) غدارته بفتح فتشديد أي غدرته، من الغدر ضد الوفاء.\n(^٥) أي غفرت لك.\n(^٦) في هذا السوق ما لم تنظره العيون ولم تسمع به الآذان ولم يخطر على قلب مخلوق.\n(^٧) ليس في السوق بيع وشراء بل من أحب شيئا أخذه.\n(^٨) وفي هذا السوق يقبل الرجل ذو المكانة الرفيعة وعليه الملابس الفاخرة فيلقاه من هو أقل منه فيمهره ما يرى عليه من اللباس فيقفان فيتحدثان وقبل نهاية حديثهما يظهر له أن عليه ملابس أفخر من ملابس ذي المنزلة الرفيعة فيمتلئ فرحا ولا يحزن.","vol":"5","page":410},{"text":"فاَرَقْتَناَ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: إِنَّا جَالَسْنَا الْيَوْمَ رَبَّناَ الْجَبَّارَ وَبِحَقِّناَ أَنْ نَنْقَلِبَ بِمِثْلِ مَا انْقَلَبْناَ (^١).\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا مَا فِيهاَ شِرَاءٌ وَلَا بَيْعٌ إِلا الصُّوَرَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَإِذَا اشْتَهَى الرَّجُلُ صُورَةً دَخَلَ فِيهاَ (^٢)»، رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ (^٣) نَسْأَلُ اللَّهَ رِضَاهُ وَالْجَنَّةَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1290>الزرع والخيل في الجنة لمن يشاء</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْباَدِيَةِ (^٤) أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَسْتَأْذِنُ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ فَقاَلَ اللَّهُ لَهُ: أَوَ لَسْتَ فِيماَ شِئْتَ (^٥) قَالَ: «بَلَى وَلكِنْ أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ فَباَدَرَ الطَّرْفَ نَباَتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْويرُهُ أَمْثاَلَ الْجِباَلِ» فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: دونك يا ابن آدم فإنه لا يشبعك شئ، فَقاَلَ الْأَعْرَابِيُّ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ لَا تَجِدُ هذَا إِلا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحاَبُ زَرْعٍ فَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعِ فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ (^٦)، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّوْحِيدِ.\n_________\n(^١) لقد جالسنا اليوم ربنا الجبار الذي يجبر كسر عباده ويرفع شأنهم فيحق لنا أن نعود لكم بجمال باهر نسأل الله ذلك.\n(^٢) وكذا إذا اشتهت المرأة صورة كانت فيها، فيظهر من هذا أن نساء الدنيا يحضرن هذا السوق، وهل يحضرن مجلس ربهن فيرونه ويحادثهن، الظاهر نعم لعموم النصوص، وفضل الله واسع؛ ولعلهن ينصرفن قبل الرجال لقوله السابق: فيلقانا أزواجنا فيكون ذلك أدعى وأقوى للشوق والمحبة نسأل الله كامل محبته آمين.\n(^٣) بسندين غريبين والله أعلى وأعلم.\n\nالزرع والخيل في الجنة لمن يشاء\n(^٤) هو الأعرابي الآتي.\n(^٥) أي متمتعا بكل ما تشتهي.\n(^٦) فرجل من أهل الجنة يقول: يا رب أحب أن أزرع فأذن لي فيقول الله له: ألم تكن متمتعا بكل ما تشتهي؟ فيقول: نعم يا رب، ولكني أحب الزرع فيأذن الله تعالى له فيلقي البذر ففي طرفة عين ينبت ويستوى ويتم أمره ويحصد ويصير أكوامًا كالجبال فيقول الله تعالى: تمتع يا ابن آدم فإنه لا يشبعك شيء، فقال أعرابي كان جالسا: يا رسول الله هذا قرشي أو أنصارى فإنهم أصحاب زرع بخلافنا، فضحك النبي - ﷺ - من سمة كرم الله ولطفه بعباده حتى يجيبهم في كل شيء جل شأن ربنا وعلا.","vol":"5","page":411},{"text":"• عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ هَلْ فِي الْجَنَّةِ مِنْ خَيْلٍ قَالَ: «إِنِ اللَّهُ أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ فَلَا تَشَاءُ أَنْ تُحْمَلَ فِيهاَ عَلَى فَرَسٍ مِنْ ياَقُوتَةٍ حَمْرَاءَ لَهُ جَناَحَانِ يِطِيرُ بِكَ في الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْتَ (^١)» قَالَ: وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقاَلَ: ياَ رَسُولَ اللَّهِ هَلْ فِي الْجَنَّةِ مِنْ إِبِلٍ قَالَ: فَلَمْ يَقُلْ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِصَاحِبِهِ، قَالَ: «إِنْ يُدْخِلْكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ يَكُنْ لَكَ فِيهاَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ (^٢)».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدِريِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ إِذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ فِي سَاعَةٍ كَمَا يَشْتَهِي (^٣)»، رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1291>أوصاف أهل الجنة </span>(^٥)\nقَالَ اللَّهُ تَعاَلَى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ (^٦)﴾ وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَبِلِينَ (^٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ (^٨) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ اليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (^٩)﴾ هُمْ وَأَزْوجُهُمْ\n_________\n(^١) إلا كان لك ذلك.\n(^٢) فللواحد من أهل الجنة كل ما يشاء.\n(^٣) فإذا اشتهى شخص من أهل الجنة ولدًا كان حمله ووضعه وكماله في ساعة واحدة، زاد في رواية: ولكن لا يشتهي، وفي رواية: إن أهل الجنة لا يكون لهم فيها ولد أي فإن التناسل والتكليف محلهما في الدنيا والله أعلم.\n(^٤) الأول بسند مسكوت عنه والثاني بسند حسن.\n\nأوصاف أهل الجنة\n(^٥) أظهر الأوصاف الآتية للرجال وإن كانت النساء تشاركهم في الصفات الآتية كلها ولكن لكل نوع درجته ومكانته وسيأتي وصف نساء الجنة.\n(^٦) ﴿في جنات﴾ بساتين ﴿وعيون﴾ تجرى فيها\nويقال لهم: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ أي مع سلام وأمن من كل فزع وخوف.\n(^٧) ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ أي حقد حال كونهم ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ لدوران الأسرة بهم.\n(^٨) ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ أي تعب ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ بل هم مخلدون فيها أبدا.\n(^٩) ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ عما فيه أهل النار بما يتلذذون به كافتضاض الأبكار ﴿فَاكِهُونَ﴾ ناعمون بكل ما يحبون.","vol":"5","page":412},{"text":"فِى ظِلَلٍ عَلَى الاْرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ (^١) لَهُمْ فِيهَا فَكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ (^٢) سَلَامٌ قَوْلًا مّن رَّبّ رَّحِيمٍ (^٣) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَهْلُ الْجَنَّةِ جُرْدٌ مُرْدٌ كُحْلٌ لَا يَفْنَى شَباَبُهُمْ وَلَا تَبْلَى ثِياَبُهُمْ (^٤)».\n\n• عَنْ مُعاَذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ يَرِدُونَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ فِي الْجَنَّةِ لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهاَ أَبَدًا وَكَذلِكَ أَهْلُ النَّارِ (^٥)»، رَوَى هذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ\nلَيْلَةَ الْبَدْرِ (^٧) وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيَ فِي السَّماَءِ إِضَاءَةً لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَمْتَخِطونَ\nوَلَا يَتْفِلُونَ (^٨) أَمْشَاطهُمُ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجاَمِرُهُمُ الْأَلُوَّةُ (^٩) وَأَزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ أَخْلَاقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ (^١٠)\n_________\n(^١) ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ جمع ظلة أو ظل أي فلا شمس فيها ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ الأرائك جمع أريكة: وهي السرير في الحجلة.\n(^٢) لهم فيها كل فاكهة ولهم فيها كل ما يتمنون.\n(^٣) سلام بالقول من رب رحيم بهم أي يأتيهم من الله السلام من حين لآخر.\n(^٤) جرد جمع أجرد: وهو الذي لا شعر في جسمه، وضده الأمر الذي امتلا جسمه بالشعر، ومرد جمع أمرد: وهو الذي لم تنبت لحيته، وكل جمع أكحل: وهو مكحول العينين.\n(^٥) فكل شخص من أهل الجنة يكون أجرد وأمرد وأكحل العينين سنه ثلاثون سنة ولو مات في دنياه طفلا صغيرا، وهل لهم أهداب وحواجب لأعينهم؛ الظاهر نعم فإنها من الجمال.\n(^٦) الثالث بسند غريب والأولان بسندين حسنين.\n(^٧) في كمال الصفاء وتمام النور لا في الاستدارة.\n(^٨) بل أكلهم وشربهم يتصرف بالجشاء ورشح كرشح المسك.\n(^٩) مباخرهم العود الهندى هذا تمثيل بما يعرفون في الدنيا وإلا فما في الجنة أعظم مما يعرفونه في الدنيا فليس فيها إلا الأسماء فقط.\n(^١٠) كأنهم رجل واحد فلا تحاسد ولا تباغض بل بينهم تمام المودة والمحبة.","vol":"5","page":413},{"text":"عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّماَءِ (^١)»، زَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتاَنِ (^٢) يُرَى مُخُّ سَاقِهِماَ مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنَ الْحُسْنِ (^٣) لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ، قُلوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ (^٤) يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا (^٥)، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهاَ وَيَشْرَبُونَ وَلَا يَتْفِلُوُنَ وَلَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ» قَالُوا: فَمَا باَلُ الطَّعاَمِ؟ قَالَ: «جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ (^٦) يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَماَ تُلْهَمُونَ النَّفَس (^٧)» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْجِماَعِ» قِيلَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ أَوَ يُطيِقُ ذلِكَ قَالَ: يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ (^٨).\n\n• عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ مَا يُقِلُّ ظُفُرٌ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ بَدَا لَتَزَخْرَفَتْ لَهُ مَا بَيْنَ خَوَافِقِ السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ (^٩) وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ\n_________\n(^١) فكل أهل الجنة كطول وعرض آدم ﵇ ستون ذراعا في عرض سبعة أذرع كما سبق في أول تفسير سورة البقرة.\n(^٢) من نساء الدنيا وإلا فأدنى أهل الجنة له ثنتان وسبعون زوجة كما سيأتي في أدنى أهل الجنة فليس في الجنة أعزب.\n(^٣) من صفاء جسمها وحسنه وجماله يرى المخ من داخل الساق كما يرى ماء الشرب في داخل جيدها أو هذا كناية عن كمال الصفاء والجمال.\n(^٤) على قلب واحد فلا اختلاف بينهم.\n(^٥) يلهمون التسبيح دائمًا من غير تعب ومشقة.\n(^٦) فمشروبهم يتصرف رشحا وعرقا على أجسامهم كرشح المسك. ومأكولهم يتصرف بالجشاء الذي هو تنفس المعدة من غير رائحة كريهة.\n(^٧) فالتنفس ضروري للإنسان ولا مشقة عليه فيه كذلك ذكرهم الله تعالى بل مع التلذذ به.\n(^٨) فالرجل من أهل الجنة يكون في الجماع كقوة مائة رجل كما روى أنه إذا كان يجامع واحدة التذت باقي الزوجات مع التباعد بينهن كما سبق: في كل زاوية أهل لا يرون الآخرين.\n(^٩) خوافق الأرض والسموات أي نواحيها وجوانبها، فقدر ما يحمله الظفر من الجنة إذا ظهر في الدنيا تزخرفت له أي امتلأت عطرا وإضاءة.","vol":"5","page":414},{"text":"اطَّلَعَ فَبَدَا أَسَاوِرُهُ لَطَمَسَ ضَوْءَ الشَّمْسِ كَماَ تَطْمِسُ الشَّمْسُ ضَوْءَ النُّجُومِ (^١)»، رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ (^٢)، نَسْأَلُ اللَّهَ رِضاَهُ وَالْجَنَّةَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1292>صفة نساء أهل الجنة </span>(^٣)\nقَالَ اللَّهُ تَعاَلَى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّ (^٤)﴾ فَبِأَىّ ءالآء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (^٥) فَبِأَىّ ءالآء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (^٦)﴾ فَبِأَىّ ءالآء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ حُورٌ مَّقْصُورتٌ فِى الْخِيَامِ فَبِأَىّ ءالآء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (^٧)﴾ فَبِأَىّ ءالآء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ. وَقَالَ تَعاَلَى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لأًّصْحَابِ الْيَمِينِ (^٨)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَقاَبُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ أَوْ مَوْضِعُ قَدَمِهِ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْياَ\nوَمَا فِيهاَ (^٩) وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الْأَرْضِ لَأَضَاءَتْ\n_________\n(^١) فلو ظهر شيء من حلى الرجل من أهل الجنة في الدنيا لغلب نوره على نور الشمس.\n(^٢) الثاني بسند غريب والأول بسند صحيح.\n\nصفة نساء أهل الجنة\n(^٣) وهن الحور العين ونساء الدنيا، وقيل إن نساء الدنيا سيكن أجمل من الحور العين جبرًا لما تحملوه في الدنيا ولا سيما الحمل والولادة وتربية الأولاد وخدمة الأزواج.\n(^٤) فيهن أي الجنتين وما اشتملتا عليه من الغرف والعلالي والقصور. نساء قاصرات الطرف أي العيون على أزواجهن، لم يطمثهن أي لم يزل بكارتهن إنس ولا جان بل كلما افتضها وعاد إليها وجدها بكرا.\n(^٥) في البياض والصفاء والحسن والجمال.\n(^٦) خيرات في الأخلاق حسان في الأشكال والهيئات.\n(^٧) رفرف جمع رفرفة وهي البساط والوسادة، وعبقري جمع عبقرية وهي الطنفسة أي البساط الذي له خمل ووبر كالبساط القطيفة عندنا الآن.\n(^٨) أنشأناهن إنشاء أي الحور العين من غير ولادة فجعلناهن أبكارا أي عذارى وكذا نساء الدنيا كلما جامعها زوجها وجدها بكرا ولا وجع ينالها، عربا أترابا جمع ترب: وهو المساوي في السن، وعرب جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها المتعشقة فيه.\n(^٩) سبق هذا في كتاب الجهاد.","vol":"5","page":415},{"text":"مَا بَيْنَهُماَ وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُماَ رِيحًا وَلَنَصِيفُهاَ - يَعْنِي الْخِماَرَ - خَيْرٌ مِنَ الدُّنْياَ وَمَا فِيهاَ»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ (^١).\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُرَى بَياَضُ سَاقِهاَ مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حُلَّةً حَتَّى يُرَى مُخُّهاَ (^٢)». وَذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ فَأَمَّا الْياَقُوتُ فَإِنهُ حَجَرٌ لَوْ أَدْخَلْتَ فِيهِ سِلْكًا ثُمَّ اسْتَصْفَيْتَهُ لَرَأَيْتَهُ مِنْ وَرَائِهِ (^٣).\n\n• عَنْ عَلِيَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا لِلْحُورِ الْعِينِ يَرْفَعْنَ بِأَصْوَاتٍ لَمْ يَسْمَعِ الْخَلَائِقُ مِثْلَهاَ» يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَبِيدُ وَنَحْنُ النَّاعِماَتُ فَلَا نَبْؤُسُ (^٤) وَنحْنُ الرَّاضِياَتُ فَلَا نَسْخَط طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَناَ وَكُنَّا لَهُ، رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ (^٥)، نَسْأَلُ اللَّهَ رِضَاهُ وَالْجَنَّةَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1293>أول من يدخل الجنة النبي محمد ﷺ وأمته </span>(^٦)\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَناَ أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ وَأَناَ أَكْثَرُ الْأَنْبِياَءِ تَبَعًا (^٧)».\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِياَءِ تَبعًا يَوْمَ الْقِياَمَةِ وَأَناَ أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ باَبَ الْجَنَّةِ (^٨)».\n_________\n(^١) ولكن البخاري في الرقائق.\n(^٢) وهذا من رقة الحلل وصفائها.\n(^٣) فالسلك يرى من داخل الياقوت لصفائه، وهذا في الدنيا فما بالك به في الجنة لا شك أنه أعظم وأجمل.\n(^٤) فلا نبيد أي لا نفني، فلا نبؤس بل تدوم نعومتهن وجمالهن، وهل هذا الاجتماع لكل الحور أو لكل زوجات رجل، الظاهر الثاني وروي أن ما في هذا الحديث تفسير لقوله تعالى ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ أي يسرون بما يسمعون من أصوات الحور العين وغيرهن.\n(^٥) الثاني بسند غريب والأول مسكوت عنه والله أعلم.\n\nأول من يدخل الجنة محمد - ﷺ - وأمته\n(^٦) فأول مخلوق يدخل الجنة محمد - ﷺ - ثم الرسل ثم الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم -؛ ثم الأمم وأولهم الأمة المحمدية لما سبق في الجمعة: نحن السابقون يوم القيامة.\n(^٧) سبق هذا في أول الشفاعة.\n(^٨) فأكثر الرسل أتباعا نبينا محمد - ﷺ - لبقاء شرعه إلى يوم القيامة وهذا يلزمه العلو والرفعة والأبهة والسؤدد على جميع الخلائق - ﷺ -.","vol":"5","page":416},{"text":"• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَناَ أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِياَءِ مَا صُدِّقْتُ (^١) وَإِنَّ مِنَ الْأَنْبِياَءِ نَبِيًّا مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلا رَجُلٌ وَاحِدٌ».\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «آتِي باَبَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِياَمَةِ فَأَسْتَفْتَحِ» فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: «مُحَمَّدٌ» فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَك (^٢). رَوَى هذِهِ الْأَرْبَعَةَ مُسْلِمٌ (^٣).\n\n• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا أَوْ\nسَبْعُمِائَةِ أَلْفٍ (^٤) مُتَماَسِكُونَ آخِذٌ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لَا يَدْخُلُ أَوَّلُهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ (^٥) وُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1294>الذين يدخلون الجنة بغير حساب </span>(^٦)\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ (^٧)» فَأَخَذَ النَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْأُمَّةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ (^٨) وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْعَشْرَةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الخَمْسَةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ (^٩) فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ (^١٠) قُلْتُ: «ياَ جِبْرِيلُ هؤُلَاءِ أُمَّتِي»؟ قَالَ: لَا، وَلكِنِ\n_________\n(^١) فالمصدقون بمحمد - ﷺ - أكثر من المصدقين بغيره من الرسل - صلى الله عليهم وسلم - لعموم رسالته ولطول زمن شرعه.\n(^٢) يذهب النبي - ﷺ - للجنة فيضرب الباب بحلقته فيقول الخازن: من أنت؟ فيقول: محمد، فيقول: أمرني ربي ألا أفتح لأحد قبلك، فيفتح له فيدخل - ﷺ -.\n(^٣) مرويات مسلم هنا في الإيمان.\n(^٤) أو للشك.\n(^٥) لدخولهم معترضين صفًّا واحدًا قد أخذ بعضهم بيد بعض، وفيه دليل على سعة باب الجنة، نسأل الله رضاه والجنة لنا وللمسلمين آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nالذين يدخلون الجنة بغير حساب\n(^٦) بيان من يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب.\n(^٧) مثلت لي ليلة الإسراء.\n(^٨) فأخذ النبي، وفي رواية: فأجد النبي أي من الأنبياء يمر ومعه الأمة أي جماعة عظيمة هم أمته ويمر آخر ومعه النفر: جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة.\n(^٩) فكل واحد يمر معه أمته ومن لم يتبعه أحد يمر وحده.\n(^١٠) جماعة عظيمة ملأت الأفق أي ناحية السماء.","vol":"5","page":417},{"text":"انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ (^١) قَالَ: هؤُلَاءِ أُمَّتُكَ (^٢) وَهؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا\nعَذَابَ (^٣) قُلْتُ: وَلَمِ؟ قَالَ: «كَانُوا لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (^٤)» فَقَامَ إِلَيْهِ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقاَلَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ» ثمَّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ قَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ: «سَبَقَكَ بِاَ عُكَّاشَةُ (^٥)»، رَوَاهُ الشَّيْخاَنِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1295>الأمة المحمدية أكثر أهل الجنة </span>(^٦)\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا فَقَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ»؟ قَالَ قُلْناَ: نَعَمْ فَقاَلَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَقُلّنَا: نَعَمْ فَقاَلَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا\n_________\n(^١) وفي رواية: فقيل لي انظر إلى الأفق الآخر فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي انظر إلى الأفق مثله.\n(^٢) وفي رواية أحمد: فرأيت أمتي قد ملأوا السهل والجبل فأعجبني كثرتهم فقيل \"أرضيت يا محمد؟ \" قلت: نعم يا رب.\n(^٣) وفي رواية: ومع هؤلاء سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب.\n(^٤) هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون أي أبدا أو بغير القرآن، ولا يتطيرون: لا يتشاءمون بالطيور وغيرها، وعلى ربهم يتوكلون، ولمسلم: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير أي في الرقة والخوف والهيبة والتوكل على الله تعالى كحال كثير من السلف - ﵃ - ولعلهم ممن يدخلون الجنة بغير حساب.\n(^٥) سبق هذا الحديث في خاتمة كتاب الطب، وسبق في الحساب للترمذي: وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب مع كل ألف سبعون ألفًا وثلاث حثيات من حثياته، ولأحمد والبيهقي مثله، عن جابر عن النبي - ﷺ - قال: من زادت حسناته على سيئاته فذلك الذي يدخل الجنة بغير حساب ومن استوت حسناته وسيئاته فذلك الذي يحاسب حسابا يسيرا ومن أوبق نفسه فهو الذي يشفع فيه بعد أن يعذب. رواه الحاكم والبيهقي في الشعب. وهذا لا ينافي ما في الكتاب لاحتمال أن ما هنا نوع آخر ممن يدخلون الجنة بغير حساب أو أن زيادة الحسنات مشروطة بالتوكل الذي في حديث الكتاب والله أعلم.\n\nالأمة المحمدية أكثر أهل الجنة\n(^٦) أكثر أهل الجنة أي نصف أهلها كما في حديث الشيخين أو ثلثاها كما في حديث الترمذي.","vol":"5","page":418},{"text":"نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَذلِكَ أَنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلهاَ إِلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ أَوْ كَالشَّعَرْةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَحْمَرِ (^١)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n• عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفَ، ثَماَنُونَ مِنْهاَ مِنْ هذِهِ الْأُمَّةِ وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائرِ الْأُمَمِ (^٣) \"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَن. نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1296>ما أول طعام أهل الجنة وما شرابهم عليه </span>(^٤)\n\n• عَنْ ثَوْباَنَ ﵁ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كنْتُ قَائمًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَ حَبْرٌ مِنْ أَحْباَرِ الْيَهُودِ (^٥) فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ ياَ مُحَمَّدُ فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً كَادَ يُصْرَعُ مِنْهاَ فَقاَلَ: لِمَ تَدْفَعُنِي فَقُلْتُ: أَلَا تَقُولُ ياَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ الْيَهُوِديُّ: إِنَّماَ نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اسْمِي مُحَمَّدٌ الَّذِي سَمَّانِي بِهِ أَهْلِي» فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: جئْتُ أَسْأَلُكَ فَقَالَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «أَيَنْفَعُكَ شَىْءٌ إِنْ حَدَّثْتُكَ (^٦)» قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ فَنَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعُودٍ مَعَهُ (^٧) فَقَالَ: «سَلْ» فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ (^٨)»\n_________\n(^١) المراد بالأحمر هنا الأبيض كحديث: بعثت إلى الأحمر والأسود.\n(^٢) ولكن البخاري في الرقائق.\n(^٣) فأهل الجنة سيصطفون صفوفا ولعله في الموقف وعددهم مائة وعشرون والأمة المحمدية منهم ثمانون صفا لكثرة أتباع النبي - ﷺ - على أتباع جميع الرسل - صلى الله عليهم وسلم - وفيه تمام الفخر ونهاية الرفعة للنبي - ﷺ - على سائر الخلائق، نسأل الله أن نكون من خيار الأمة آمين.\n\nما أول طعام أهل الجنة وما شرابهم عليه\n(^٤) أول ما يطعمونه في الجنة زيادة كبد الحوت وغذاؤهم عقبه من ثور الجنة وشرابهم على ذلك من عين السلسبيل.\n(^٥) الخبر بالفتح: العالم.\n(^٦) تدخل في الإسلام.\n(^٧) جعل ينكت في الأرض بقضيب في يده.\n(^٨) أي على الصراط كما مر في أول الكتاب.","vol":"5","page":419},{"text":"قَالَ: فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً (^١) قاَلَ: «فُقَرَاءُ الْمُهاَجِرِينَ قاَلَ الْيَهُودِيُّ: فَماَ تُحْفَتُهُمْ حِينَ يَدْخُلونَ الْجَنَّةَ قاَلَ:\nزِياَدَةُ كَبِدِ النُّونِ (^٢) قَالَ: فَماَ غِذَاؤُهُمْ عَلَى إِثْرِهَا (^٣) قَالَ: «يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهاَ» قاَلَ: فَماَ شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ (^٤) قَالَ: «مِنْ عَيْنٍ فِيهاَ تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا» قَالَ: صَدَقْتَ، وَجِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلا نَبِيٌّ أَوْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ قَالَ: يَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثْتُكَ» قاَلَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ قاَلَ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الْوَلَدِ (^٥) قَالَ: «مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ فَإِذَا اجْتَمَعاَ فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللَّهِ وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ\nآنَثاَ بِإِذْنِ اللَّهِ (^٦)» قاَلَ الْيَهُودِيُّ: لَقَدْ صَدَقْتَ وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ ثُمَّ انْصَرَفَ فَذَهَبَ فَقاَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ سَأَلَنِي عَنْ هذَا وَمَا لِي عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى أَتاَنِي اللَّهُ بِهِ (^٧)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْغُسْلِ فِي كِتاَبِ الطَّهاَرَةِ، نَسْأَلُ اللَّهَ تَماَمَ الطَّهاَرَةِ آمِين.\n_________\n(^١) مرورا على الصراط.\n(^٢) طرف كبد الحوت ويظهر أنه لذيذ جدا حيث كان تحفة لأهل الجنة.\n(^٣) وفي رواية: فما غذاؤهم على أثرها بفتحتين أي تلك التحفة.\n(^٤) على ذلك الغذاء.\n(^٥) أي عن سبب ذكورته أو أنوثته بدليل الجواب.\n(^٦) إذا اجتمعا فعلا مني الرجل أي سبق أو غلب جاء الولد ذكرًا وإن كان العكس جاء الولد أنثى، وهذا سبب فقط وإلا فالحمل يأتي على ما في علم الله تعالى فحينما سأل اليهودي النبي - ﷺ - عن هذه المسائل الست لم يكن يعلمها نزل عليه جبريل بها حال السؤال ليظهر صدق النبي - ﷺ - في دعوى النبوة والرسالة.\n(^٧) وسبق في تفسير: من كان عدوًّا لجبريل في سورة البقرة أسئلة عبد الله بن سلام للنبي - ﷺ - قبل إسلامه ومنها: أول طعام أهل الجنة زيادة كبد الحوت، ومنها: إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، نسأل الله رضاه والجنة لنا وللمسلمين آمين.","vol":"5","page":420},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1297>أهل الجنة مخلدون فيها أبدًا</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ\nعَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (^١)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ (^٢)» جِئَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ثُمَّ يُذْبحُ ثُمَّ يُناَدِي مُناَدٍ: «ياَ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ، ياَ أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الرَّقَائِقِ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُماَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِياَمَةِ أُتِيَ بِالْمَوْتِ كَالْكَبْشِ الْأَمْلَحِ فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُذْبَحُ وَهُمْ يَنْظرُونَ فَلَوْ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ فَرَحًا لَماَتَ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَلَوْ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ حُزْنًا لَماَتَ أَهْلُ النَّارِ، وَلِمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيُّ: فَإِذَا أَدْخَلَ اللَّهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلَ النَّارِ النَّارَ أُتِيَ بِالمَوْتِ فَيُوقَفُ عَلَى السُّورِ الَّذِي بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ثُمَّ يُقاَلُ: ياَ أَهْلَ الْجَنَّةِ فيَطَّلِعُونَ خَائِفِينَ ثُمَّ يُقاَلُ: ياَ أَهْلَ النَّارِ فَيَطَّلِعُونَ مُسْتَبْشِرِينَ يَرْجُونَ الشَّفاَعَةَ فَيُقاَلُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ: هَلْ تَعْرِفُونَ هذَا فَيَقُولُونَ: قَدْ عَرَفْنَاهُ وَهُوَ الْمَوْتُ الَّذِي وُكِّلَ بِناَ فَيُضْجَعُ فَيُذْبَحُ عَلَى السُّورِ الَّذِي بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ثُمَّ يُقاَلُ: ياَ أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ وَياَ أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ» ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الدُّنْياَ (^٣).\n_________\nأهل الجنة مخلدون فيها أبدًا\n(^١) ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا﴾ غير ﴿ما شاء ربك﴾ من الزيادة على مدتهما مما لا نهاية له ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ غير مقطوع أي أعطاهم ذلك خالدًا مخلدا أبدا.\n(^٢) ولم يبق في النار من عصاة الموحدين أحد فصار من في الجنة هم الخالدون فيها ومن في النار هم الخالدون فيها.\n(^٣) أي كانوا فيها في غفلة وسبق هذا في تفسير سورة مريم عليها وعلى عيسى رفيع السلام.","vol":"5","page":421},{"text":"• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ لَا تَبْلَى ثِياَبُهُ\nوَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ (^١)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يناَدِي مُناَدٍ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا (^٢)» وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْتَئِسُوا أَبَدًا (^٣) فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ﷿ ﴿وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (^٤)﴾ رَوَاهُماَ مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1298>كشف الحجاب عن أهل الجنة فيرون ربهم جل شأنه </span>(^٥)\nقَالَ اللَّهُ تَعاَلَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (^٦)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.\n\n• عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّكُمْ فَتَرَوْنَهُ كَماَ تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غرُوبِهاَ» فَافْعَلُوا ثُمَّ قَرَأَ «وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ»، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ (^٧).\n_________\n(^١) لا يبأس من البأس والبؤس والبأساء: وهي شدة الحال والفقر، فأهل الجنة لا تنالهم شدة ولا خلق في ملابسهم بل هم دائما في جدة ملابس وشباب كامل ونعيم واسع.\n(^٢) فلا ينالهم أي سقم.\n(^٣) وفي رواية: فلا تيأسوا أبدا أي لا ينالك أي شيء مكروه.\n(^٤) أي أورثكم الله المنازل فيها بأعمالكم وأورثكم منازل الكفار بإيمانكم وأدخلكم الجنة بفضله عليكم جل شأن ربنا وعلا نسأله رضاه والجنة لنا وللمسلمين آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nكشف الحجاب عن أهل الجنة فيرون ربهم جل شأنه\n(^٥) سبقت عدة أحاديث تثبت الرؤية كأحاديث الشفاعة وأحاديث أسواق أهل الجنة، فالمؤمنون سيرون ربهم في الجنة ولكنها رؤية من غير كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل، قال تعالى ﴿ليس كمثله شي وهو السميع البصير﴾ ولو لم تكن ثابتة للمؤمنين ما نيح على الكافرين بحرمانها، قال تعالى ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾.\n(^٦) ﴿وجوه يومئذ﴾ أي في الآخرة ﴿ناضرة﴾ حسنة مضيئة ﴿إلى ربها ناظرة﴾ ستنظره في الجنة إن شاء الله تعالى.\n(^٧) سبق هذا الحديث في المحافظة على الصلاة.","vol":"5","page":422},{"text":"• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «جَنَّتاَنِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُماَ وَمَا فِيهِماَ، وَجَنَّتاَنِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُماَ وَمَا فِيهِماَ، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلا رِدَاءُ الْكِبْرِياَءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ (^١)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n• عَنْ صُهَيْبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ تَلَا هَذِهِ الْايَةَ ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ثُمَّ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعاَلَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ» فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَناَ أَلَمْ تُدْخِلْناَ الْجَنَّةَ وَتُنْجِناَ مِنَ النَّارِ قَالَ: «فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَماَ أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ﷿ (^٣)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، نَسْأَلُ اللَّهَ كَماَلَ النَظَرِ إِلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1299>ملاطفة اللَّه لأهل الجنة وإحلال الرضوان عليهم</span>\nقَالَ اللَّهُ تَعاَلَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ (^٤)﴾ ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (^٥)﴾ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ وَأَحَلَّ عَلَيْناَ رِضْوَانَهُ الْكَرِيمُ.\n_________\n(^١) هذا الحديث بيان للجنتين المذكورتين في قوله تعالى ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾.\n(^٢) سبق هذا في تفسير سورة الرحمن.\n(^٣) فليس عند أهل الجنة شيء ألذ ولا أحلى من النظر إلى وجهه الكريم، وسبق هذا الحديث في تفسير سورة يونس ﵇، فهذه النصوص صريحة في أن المؤمنين سيرون ربهم في الجنة من حين لآخر كيوم الجمعة السابق في أسواق الجنة، وفي غيره، وربما يراه بعضهم في أقل من أسبوع، وربما يراه بعضهم بكرة وعشيا على حسب درجاتهم وقربهم من ربهم جل شأنه، كما يأتي في أقل أهل الجنة وأعلاهم، وفي نفس الرؤية أيضًا يتفاوتون، فبعضهم يراه بعينيه فقط وهذا أقلهم، وبعضهم يراه بوجهه كله وهذا أوسطهم، وبعضهم يراه بجسمه كله، وهذه أحلى وأكرم وأعلى، نسأل الله أن نكون منهم بمنه وفضله وكرمه آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nملاطفة الله لأهل الجنة وإحلال الرضوان عليهم\n(^٤) أي إقامة خالدة.\n(^٥) ورضوان من الله أكبر وأعظم من كل نعيم ذلك هو الفوز العظيم.","vol":"5","page":423},{"text":"• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: ياَ أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّناَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ فَيَقُولُ: هَلْ رضيتُمْ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَناَ لَا نَرْضَى ياَ رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَناَ مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ (^١) فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا (^٢)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1300>النار وأبوابها وأوصافها</span>\nقَالَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (^٣)﴾.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ (^٤)﴾. وَقَالَ تعَالَى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (^٥)﴾. وَقَالَ اللَّهُ تَعاَلَى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى * تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى (^٦)﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَآ\n_________\n(^١) وهو النعيم الواسع في الجنة الخالدة الذي لم تعطه للكافرين.\n(^٢) أنزل عليكم نهاية رضائي أبد الآبدين، ولا شكَّ أنهم يجدون لرضوانه لذة لا شيء يعد لها كما يشعر أحد حاشية الملك برضاه عنه فيدوم عظيم سروره، ومعلوم أن السعادة الروحانية أفضل وأعلى من الجسمانية لدوامها بخلاف الجسمانية فإنها عند سببها فقط كالأكل والنكاح والشراب والسماع، نسأل الله رضاه ورضوانه لنا ولجميع المسلمين آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nالنار وأبوابها وأوصافها\n(^٣) المكان الأسفل من النار وهو قعرها، ولن تجد لهم نصيرا مانعًا من العذاب عنهم.\n(^٤) لموعدهم أي الكفار، لها سبعة أبواب أي أطباق لكل باب منها جزء مقسوم نصيب معلوم.\n(^٥) سبقت هذه الآية.\n(^٦) ﴿كلا إنها﴾ أي النار ﴿لظى﴾ لأنها تتلظى وتتلهب على الكفار ﴿نزاعة للشوى﴾ جمع شواة وهى جلدة الرأس ﴿تدعو من أدبر وتولى﴾ أي عن الإيمان بقولها: أقبل إليّ أقبل إليّ ﴿وجمع فأوعى﴾ جمع المال وأمسكه في وعائه فلم يؤد حق الله منه.","vol":"5","page":424},{"text":"أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لَا تُبْقِى وَلَا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لّلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (^١)﴾. وَقَالَ تَعاَلَى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (^٢)﴾. وَقَالَ تَعاَلَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ (^٣)﴾. وَقَالَ تَعاَلَى: ﴿كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ (^٤)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَارُكُمْ هَذِهِ التِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ» قاَلُوا: وَاللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكاَفِيَةً ياَ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «فَإِنَّهاَ فُضِّلَتْ عَلَيْهاَ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهاَ مِثْلُ حَرِّهَا (^٥)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهاَ» فَقاَلَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا\n_________\n(^١) ﴿سأصليه﴾ سأدخل الوليد بن المغيرة في ﴿سقر﴾ ﴿وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر﴾ شيئًا من لحمه وعظمه وعصبه ثم يعود كما كان ﴿لواحة للبشر﴾ محرقة له بسرعة ﴿عليها تسعة عشر﴾ ملكا هم خزنتها.\n(^٢) ﴿إن الأبرار﴾ المؤمنين الصادقين ﴿لفي نعيم﴾ في الجنات ﴿وإن الفجار﴾ الكفار ﴿لفي جحيم﴾ نار محرقة ﴿يصلونها يوم الدين﴾ يدخلونها ويقاسون عذابها يوم الجزاء.\n(^٣) ﴿من خفت موازينه﴾ بأن رجحت السيئات على الحسنات ﴿فأمه هاوية﴾ مسكنه الهاوية ﴿وما أدراك ما هيه نار حامية﴾ شديدة الحرارة.\n(^٤) ﴿لينبذن في الحطمة﴾ ليطرحن فيها ﴿وما أدراك ما الحطمة * نار الله الموقدة﴾ المسعرة ﴿التي تطلع على الأفئدة﴾ تصل إلى القلوب فتحرقها ﴿إنها عليهم مؤصدة﴾ مطبقة ﴿في عمد ممددة﴾ تكون النار داخل العمد الممدة، نسأل الله السلامة منها آمين. فاتضح مما تقدم أن أبواب النار سبعة وهي: جهنم، والسعير، ولظى، وسقر، والجحيم، والهاوية، والحطمة، ولعل ترتيبها على ذكرها في الحديث السابق في شرح أول الحواميم، ومعلوم أن كل باب من هذه الطبقة من طبقات النار التي أسفلها طبقة المنافقين.\n(^٥) وفي رواية: كلهن مثل حرها، فنار الآخرة حرارتها أقوى من حرارة نار الدنيا بتسعة وستين مرة، قيل إن جبريل حينما جاء بشرارة من النار لينتفع بها أهل الأرض غمسها في الماء تسعة وستين مرة لتخف حرارتها عليهم ولو غمسها مرة أخرى لطفئت فسبحان الخلاق العظيم.\n(^٦) ولكن البخاري في التوحيد.","vol":"5","page":425},{"text":"فَأَذِنَ لَهاَ بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ (^١)، رَوَاهُ الخَمْسَةُ (^٢) وَلِمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيُّ: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئذٍ لَهاَ سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكِ يَجُرّونَهاَ (^٣)».\n\n• وَعَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً (^٤) فَقاَلَ: «تَدْرُونَ مَا هذَا» قُلْناَ: اللَّهَ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ قاَلَ: «هَذَا حَجَرٌ رْمِي بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا فَهُوَ يَهْوِى فِي النَّارِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا (^٥)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ (^٦) يَوْمَ الْقِياَمَةِ لَهاَ عَيْناَنِ تُبْصِرَانِ وَأُذُناَنِ تَسْمَعاَنِ وَلِسَانٌ يَنْطِقُ» يَقُولُ: «إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَبِكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَوَ بِالْمُصَوِّرِينَ (^٧)».\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ رُضَاضَةً مِثْلَ هذِهِ وَأَشَارَ إِلَى مِثْلِ الْجُمْجُمَةِ أُرْسِلَتْ مِنَ السَّماَءِ إِلَى الْأَرْضِ وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ لَبَلَغَتِ الْأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ (^٨) وَلَوْ أَنَّهاَ أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْلَ وَالنَّهاَرَ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ أَصْلَهاَ أَوْ قَعْرَهَا» (^٩).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُوقِدَ\n_________\n(^١) سبق في أول كتاب الصلاة.\n(^٢) ولفظ الترمذي: فأما نفسها في الشتاء فزمهرير أي برد شديد؛ وأما نفسها في الصيف فسموم أي حر شديد، ففيه أن بعض التعذيب يكون بالبرد الشديد ولا غرابة فالنفس تتألم منه كالحر الشديد.\n(^٣) فإذا كانت جهنم وهي أخف طبقات النار تجر بسبعين ألف سلسلة يجر كل واحدة منها سبعون ألف ملك فكيف بباقي الطبقات، نسأل الله السلامة منها آمين.\n(^٤) سقطة عظيمة كسقوط شيء عظيم من عال.\n(^٥) المراد بالخريف العام لا أحد الفصول الأربعة.\n(^٦) تشبه عنق الجمل.\n(^٧) الذين كانوا في الدنيا يصورون صورًا تعبد من دون الله تعالى، فتخرج عنق من النار فتقول ذلك ثم تخطفهم وتنزل بهم في النار.\n(^٨) فلو أن رضاضة أي قطعة حجر مثل الجمجمة أي عظم الرأس رميت من السماء على الأرض لبلغتها في أقل من يوم وليلة.\n(^٩) ولو أنها أرسلت من رأس سلسلة من سلاسل النار ما بلغت قعرها في أربعين سنة.","vol":"5","page":426},{"text":"عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهاَ أَلْفَ سَنَةٍ حتَّى ابْيَضَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهاَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ (^١)».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَسُرَادِقُ النَّارِ أَرْبَعَةُ جُدُرٍ كُثُفٍ كُلُّ جِدَارٍ مِثْلُ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً (^٢)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الصَّعُودُ جَبَلٌ مِنْ ناَرٍ يَتَصَعَّدُ فِيهِ الْكاَفِرُ سَبْعِينَ خَرِيفًا ثُمَّ يَهْوِى كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا (^٣)».\n\n• عَنْ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الصَّخْرَةَ الْعَظِيمَةَ لتُلْقَى مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَتَهْوِي فِيهاَ سَبْعِينَ عَامًا وَمَا تُفْضِى إِلَى قَرَارِهَا (^٤)» قَالَ وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: أَكْثِرُوا ذِكْرَ النَّارِ فَإِنَّ حَرَّهَا شَدِيدٌ وَإِنَّ قَعْرَهَا بَعِيدٌ وَإِنَّ مَقاَمِعَهاَ حَدِيدٌ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ مِثْلَ النَّارِ ناَمَ هَارِبُهاَ وَلَا مِثْلَ الْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهاَ (^٥)»، رَوَى هَذِهِ السَّبْعَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٦).\n_________\n(^١) فهي الآن سوداء مظلمة.\n(^٢) فسرادق النار المذكور في قوله تعالى \"أحاط بهم سرادقها بناء عظيم جدا وهو أربعة جدر غلاظ كل منها مسيرة أربعين سنة.\n(^٣) فالصعود المذكور في قوله تعالى ﴿سأرهقه صعودا﴾ جبل في النار من نار يكلف الكافر بصعوده إلى أعلاه فيصعد فيه حتَّى يصل أعلاه في سبعين سنة ثم يؤمر بالهوى إلى أسفله فإذا وصله أمر بالصعود إلى أعلاه وهكذا زيادة في تعذيبه جزاء على زيادته في كفره نسأل الله السلامة.\n(^٤) وما تصل الصخرة إلى قعرها، ولعل هذا الطبقة أبعد من التي وصل الحجر إلى نهايتها في سبعين عاما حينما سمها النَّبِيّ - ﷺ -.\n(^٥) أي ما رأيت شيئًا مؤلما عظيما خالدا وصاحبه ينام ولا يفر منه مثل النار، ولا رأيت نعيما واسعًا. خالدا يطلبه كل إنسان ويتمناه وينام عنه مثل الجنة.\n(^٦) الأربعة الأخيرة بأسانيد ضعيفة والثالث مسكوت عنه والأول والثاني بسندين صحيحين والله أعلم.","vol":"5","page":427},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1301>صفة أهل النار </span>(^١)\nقَالَ اللَّهُ تَعاَلَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا (^٢)﴾ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ (^٣) بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ (^٤) إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (^٥).\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَيْنَ مَنْكِبَي الْكاَفِرِ فِي النَّارِ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ (^٦)» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٧).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ضِرْسُ الْكاَفِرِ أَوْ نَابُ الْكاَفِرِ مِثْلُ أُحُدٍ (^٨) وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلاثٍ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: «إِنَّ غِلَظَ جِلْدِ الْكاَفِرِ اثْناَنِ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا (^٩) وَإِنَّ ضِرسَهُ مِثْلُ أُحُدٍ وَإِنَّ مَجْلِسَهُ مِنْ جَهَنَّمَ كَماَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ (^١٠)».\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ضِرْسُ الْكاَفِرِ يَوْمَ الْقِياَمَةِ مِثْلُ أُحُدٍ وَفَخِذُهُ مُثْلُ الْبَيْضَاءِ (^١١) وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ مِثْلَ الرَّبَذَةِ (^١٢)».\n\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْكَافِرَ لَيُسْحَبُ لِسَانُهُ الْفَرْسَخَ وَالْفَرْسَخَيْنِ\nيَتَوَطَّؤُهُ النَّاسُ (^١٣)».\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ\n_________\nصفة أهل النار\n(^١) أي ذكر شيء من أوصافهم أي الكفار في النار وإلا فهي لا يعلمها إلا الله الذي خلقها.\n(^٢) ندخلهم نارا يحترقون فيها.\n(^٣) احترقت جلودهم.\n(^٤) ﴿بدلناهم جلودا غيرها﴾ بأن تعاد إلى حالها الأولى قبل الإحراق ﴿ليذوقوا العذاب﴾ ليقاسوا شدته.\n(^٥) ﴿عزيزا﴾ لا يعجزه شيء أراده ﴿حكيما﴾ في صنعه.\n(^٦) فبين منكبه الأيمن والأيسر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع.\n(^٧) ولكن البخاري في الرقائق.\n(^٨) يظهر أن أو للتنويع.\n(^٩) هذا لبعض الكفرة وما قبله البعض آخر فلا منافاة بينهما.\n(^١٠) ومسافة ما بينهما ثنتا عشرة مرحلة.\n(^١١) اسم مكان بحمى الربذة وقيل اسم جبل.\n(^١٢) الربذة: اسم مكان على ثلاث مراحل من المدينة، وهذا لبعض الكفار فلا ينافي ما قبله القائل: مجلسه كما بين مكة والمدينة.\n(^١٣) فالكافر في الموقف وفي النار يطول لسانه كالفرسخ والفرسخين يطؤه الناس بأقدامهم، والمراد من هذه النصوص أن جسم الكافر يعظم في النار ليكون أبلغ في تعذيبه وإيلامه، وهذا مقدور لله يجب الإيمان به لإخبار الصادق الأمين به - ﷺ -، بل ورد أعظم من ذلك، فللإمام أحمد: يعظم أهل النار في النار حتَّى إن بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام.","vol":"5","page":428},{"text":"قَالَ: «تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهاَ كاَلِحُونَ» قاَلَ: «تَشْوِيهِ النَّارُ فَتَقَلَّصُ شَفَتُهُ الْعُلْياَ حَتَّى تَبْلُغَ وَسَطَ رَأْسِهِ وَتَسْتَرْخِي شَفَتُهُ السُّفْلَى حَتَّى تَضْرِبَ سُرَّتَهُ (^١)»، رَوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةَ التِّرْمِذِيُّ (^٢)، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ وَنَسْأَلهُ الْجَنَّةَ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1302>شراب أهل النار وطعامهم</span>\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْحَمِيمَ لَيُصَبُّ عَلَى رُؤُوسِهِمْ فَيَنْفُذُ حَتَّى يَخْلُصَ إِلَى جَوْفِهِ فَيَسْلُتَ مَا فِي جَوْفِهِ حَتَّى يَمْرُقَ مِنْ قَدَمَيْهِ وَهُوَ الصَّهْرُ ثُمَّ يُعَادُ كَماَ كانَ (^٣)».\n\n• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ هَذِهِ الْايَةَ ﴿اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: «لَوْ أَن قَطْرَةً مِنَ الزَّقُومِ قَطَرَتْ فِي دارِ الدُّنْياَ لأفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْياَ مَعَايِشَهُمْ فَكَيْفَ بِمَنْ\nيَكُون طَعاَمَهُ (^٤)».\n\n• عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي قَوْلِهِ: «وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ» قَالَ: «يُقَرَّبُ إِلَى فِيهِ فَيَكْرَهُهُ فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْهُ شَوَى وَجْهَهُ وَوَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ (^٥) فَإِذَا شَرِبَهُ قَطَّعَ أَمْعاَءَهُ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ» يَقُولُ اللَّهُ ﴿وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ (^٦)﴾ وَيَقُولُ: «وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاَثُوا بِماَءٍ كاَلْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ».\n_________\n(^١) سبق هذا في تفسير سورة المؤمنون.\n(^٢) الأول بسند حسن والثاني بسند غريب والثالث بسند صحيح.\n\nشراب أهل النار وطعامهم\n(^٣) فمن تعذيب الكفار أن يصب الحميم وهو الماء الشديد الحرارة على رأس الواحد منهم فيصل إلى جوفه فيقطع أمعاءه فتنزل من دبره ثم تعاد إلى جوفه فيصب عليه الحميم ثانيا فيصل إلى جوفه وهكذا وهذا هو الصهر المذكور في قوله ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾.\n(^٤) لا شكَّ أنه يكون في أشد العذاب، والزقوم هذا هو المذكور في قوله تعالى ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)﴾.\n(^٥) جلده.\n(^٦) فأهل النار يعذبون بصب الحميم على رءوسهم وبالشرب منه فيشوى الوجوه ويسقط جلد الرءوس، نسأل الله السلامة آمين.","vol":"5","page":429},{"text":"• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَالْمُهْلِ كَعَكَرِ الزَّيْتِ فَإِذا قُرِّبَ إِلَيْهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فِيه (^١) وَلَوْ أَنَّ دَلُوًا مِنْ غَسَّاقٍ يُهَرَاقُ فِي الدُّنْياَ لَأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْياَ (^٢)»، رَوَى هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1303>أهوال أهل النار واستغاثتهم</span>\n• عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يُلْقَى عَلَى أَهْلِ النَّارِ الْجُوعُ فَيَعْدِلُ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ\nالْعَذَابِ (^٤) فَيَسْتَغِيثُونَ فَيُغَاثُونَ بِطَعاَمٍ مِنْ ضَرِيعٍ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِنْ جُوعٍ (^٥)\nفَيَسْتَغِيثُونَ بِالطَّعَامِ فَيُغاَثُونَ بِطَعاَمٍ ذِي غُصَّةٍ (^٦)» فَيَذْكرُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُجِيزُونَ الْغُصَصَ فِي الدُّنْياَ بِالشَّرَابِ (^٧) فَيَسْتَغِيثُونَ بِالشَّرَابِ فَيُرْفَعُ إِلَيْهِمُ الْحَمِيمُ بِكَلَالِيبِ الْحَدِيدِ فَإِذَا دَنَتْ مِنْ وُجُوهِهِمْ (^٨) شَوَتْ وُجُوهَهُمْ فَإِذَا دَخَلَتْ بُطُونَهُمْ قَطَّعَتْ مَا فِي بطُونِهِمْ فَيَقُولُونَ: «ادْعُوا خَزَنَةَ جَهَنَّمَ (^٩)» فَيَقُولُونَ: ألَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكمْ بِالْبَيِّناَتِ قاَلُوا: بَلَى، قاَلُوا: «فاَدْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكافِرِينَ إِلا فِي ضَلَالٍ (^١٠)» قَالَ\n_________\n(^١) فعكر الزيت بفتحتين: ما رسب منه وهو بيان للمهل في الآية.\n(^٢) والغساق: من شراب أهل النار وهو الصديد الذي يسيل من أبدانهم.\n(^٣) الأخيران بسندين غربيين والأولان بسندين صحيحين.\n\nأهوال أهل النار واستغاثتهم\n(^٤) يساوي تعذيبهم في الشدة.\n(^٥) الضريع: نوع من الشوك لا يرعاه حيوان لخبثه وهو المذكور في سورة الغاشية في قوله تعالى ﴿ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع﴾.\n(^٦) يغص به في الحلق فلا ينزل ولا يخرج وهو المذكور في سورة المزمل في قوله تعالى ﴿إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما﴾.\n(^٧) كانوا يستعينون على الغصة بشرب الماء.\n(^٨) دنت أي كلاليب الحديد بماء الحميم.\n(^٩) أي يقول بعضهم لبعض اطلبوا من خزنة جهنم أن يدعوا ربهم أن يخفف عنهم فيطلبون منه ذلك.\n(^١٠) وهذا من قوله تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ أي لا فائدة منه.","vol":"5","page":430},{"text":"فَيَقُولُونَ: «ادْعُوا مَالِكًا فَيَقُولُونَ: ياَ مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْناَ رَبُّكَ قاَلَ: «فَيُجِيبُهُمْ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (^١)» قَالَ: فَيَقُولُونَ: «ادْعُوا رَبَّكمْ فَلَا أَحَدَ خَيْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ» فَيقُولُونَ: رَبَّناَ غَلَبَتْ عَلَيْناَ شِقْوَتُناَ وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّناَ أَخْرِجْناَ مِنْهاَ فَإِنْ عُدْناَ فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ: «فَيُجِيبُهُمُ اخْسَئُوا فِيهاَ وَلَا تُكَلِّمُونِ (^٢)» قَالَ: «فَعِنْدَ ذَلِكَ يَئِسُوا مِنْ كُلِّ خَيْرٍ وَعِنْدَ ذَلِكَ يَأْخُذُونَ فِي الزَّفِيرِ وَالْحَسْرَةِ وَالْوَيْلِ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1304>أهون أهل النار </span>(^٤)\n\n• عَنِ النُّعْماَنِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ يَخْطُبِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يِقُولُ: «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِياَمَةِ لَرَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتاَنِ يَخْلِي مِنْهُماَ دِمَاغُهُ (^٥)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرًا كَانِ مِنْ ناَرٍ يَغْلِي مِنْهُماَ دِمَاغُهُ كَماَ يَغْلِي الْمِرْجَلُ مَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا (^٧)».\n_________\n(^١) هذا كقوله تعالى ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ قال الأعمش أحد رواة الحديث نبئت أن بين دعائهم وبين إجابة مالك إياهم ألف عام.\n(^٢) ﴿ربنا أخرجنا منها﴾ أي من النار ﴿فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ قال لهم على لسان مالك خازن النار بعد مضي قدر الدنيا مرتين اخسئوا ابعدوا في النار إذلالا ولا تكلمون في رفع العذاب أو تخفيفه فينقطع رجاؤهم فسبحان العزيز القهار.\n(^٣) وقال: إنما نعرفه عن الأعمش عن شمر بن عطية عن شهر بن حوشب عن أم الدرداء عن أبي الدرداء ولكن يؤيده القرآن فإنه كله من القرآن والله أعلم.\n\nأهون أهل النار\n(^٤) أي أخفهم في العذاب.\n(^٥) أخمص القدم: باطنه الذي لم يصب الأرض.\n(^٦) ولكن البخاري في الرقائق ومسلم في الإيمان.\n(^٧) وفي رواية إن أدنى أهل النار عذابًا منتعل بنعلين من نار يغلى دماغه من حر نعليه. فأخف أهل النار في العذاب نوعان: أحدهما يوضع في أخمص قدميه جمرتان، والآخر يلبس نعلين من نار ولكن تشتعل الحرارة فيهما حتَّى يغلي منها دماغهما،=","vol":"5","page":431},{"text":"• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُماَ دِمَاغُهُ (^١)» رَوَاهُماَ مُسْلِمٌ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ نَسْأَلُ اللَّهَ وَاسِعَ الرَّحْمَةِ آمِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1305>تكليم الله بعض أهل النار </span>(^٢)\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ رَجُلَيْنِ مِمَّنْ دَخَلَ النَّارَ اشْتَدَّ صِياَحُهُماَ» فَقُالَ الرَّبُّ ﷿: (أخرجوهما) فلما أخرجا قَالَ لَهُماَ: «لِأَيِّ شَيْءٍ اشْتَدَّ صِياَحُكُماَ» قَالَا: «فَعَلْناَ ذَلِكَ لِتَرْحَمَناَ» قَالَ: «إِنَّ رَحْمَتِي لَكُماَ أَنْ تَنْطَلِقاَ فَتُلْقِياَ أَنْفُسَكُماَ حَيْثُ كُنْتُماَ مِنَ النَّارِ فَيَنْطَلِقاَنِ فَيُلْقِي أَحَدُهُماَ نَفْسَهُ فَيَجْعَلُهاَ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا (^٣) وَيَقُومُ الْاخَرُ فَلَا يُلْقِي نَفْسَهُ فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ ﷿: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُلْقِىَ نَفْسَكَ كَماَ أَلْقَى صَاحِبُكَ» فَيَقُولُ: «ياَ رَبِّ إِنِّي لَأَرْجُو أَلا تُعِيدَنِي فِيهاَ بَعْدَمَا أَخْرَجْتَنِي فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ: لَكَ رَجَاؤُكَ فَيَدْخُلَانِ جَمِيعًا الْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعاَلَى (^٤)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1306>ما اشترك فيه الجنة والنار </span>(^٥)\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تَحاَجَّتِ الْجَنَّة وَالنَّارُ فَقاَلَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: فَماَلِي لَا يَدْخُلنِي إِلا ضُعَفاَءُ النَّاسِ\n_________\n= فهذان أخف أهل النار ولكنهما يعتقدان أنهما أشد الناس في العذاب.\n(^١) وأبو طالب بن عبد المطلب من أخف أهل النار وسبق الكلام على نجاته في تفسير سورة التوبة، نسأل الله أن يتوب علينا توبة نصوحا كاملة آمين والحمد لله رب العالمين.\n\nتكليم الله لبعض أهل النار\n(^٢) أي بكلام امتحان واختبار ورحمة وإحسان.\n(^٣) فيجعلها الله عليه بردا وسلاما لامتثاله أمر ربه تعالى.\n(^٤) فلما امتنع الثاني رجاء أن يرحمه الله تعالى وامتثل الأول أمر ربه وألقى بنفسه في النار تكرم الله عليهما بفضله وأدخلهما الجنة، نسأل الله رضاه والجنة آمين.\n\nما اشترك فيه الجنة والنار\n(^٥) أي ذكر الأحاديث التي جمعت بين ذكر النار والجنة.","vol":"5","page":432},{"text":"وَسَقَطُهُمْ وَغِرَّتُهُمْ (^١) قاَلَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ: إِنَّماَ أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِباَدِي وَقاَلَ لِلنَّارِ: إِنَّماَ أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِباَدِي وَلِكُلِّ مِنْكُماَ مِلْؤُهَا (^٢) فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ ﵎ رِجْلَهُ تَقُولُ: قَطْ قَطْ (^٣) فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهاَ إِلَى بَعْضٍ وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا (^٤) وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهاَ خَلْقًا (^٥)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهاَ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهاَ قَدَمَهُ فَيَنْزَوِى بَعْضُهاَ إِلَى بَعْضٍ» وَتَقُولُ: «قَطْ قَطْ بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلَا يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهاَ خَلْقًا فَيُسْكِنُهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ (^٧)»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.\n\n• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلا أُرِىَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ لَوْ أَسَاءَ لِيَزْدَادَ شُكْرًا (^٨) وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ إلاَّ أُرِىَ مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ لَوْ أَحْسَنَ لِيَكُونَ عَلَيْهِ حَسْرَةً (^٩)»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَما خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَرْسَلَ جِبْرِيلَ إِلَى الْجَنَّةِ» فَقاَلَ انْظُرْ إِلَيْهاَ وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ\n_________\n(^١) البلد: الغافلون عن الدنيا والذين لا يأبه الناس بهم.\n(^٢) فلا محل للتفاخر والتعالي من النار ولا للتحزن والتحسر من الجنة، والواجب على كل منهما الرضا بقسمة الله وحكمه.\n(^٣) حتَّى يضع رجله أي عليها، وقولها: قط قط أي اكتفيت.\n(^٤) إن الله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلون.\n(^٥) سيأتي بيانه.\n(^٦) ولكن البخاري في تفسير سورة ق.\n(^٧) فستزيد مساكن الجنة ومنازلها على أهلها فينشئ الله لتلك المنازل الزائدة خلقًا فيسكنهم تلك المنازل الزائدة، وسبقت هذه الأحاديث في تفسير سورة ق.\n(^٨) وهل نظره إلى مكانه في النار لو كان أساء في دنياه قبل دخول الجنة أو بعده كل محتمل.\n(^٩) هذا في الكفار، وهذا هو التغابن الذي هو أن يأخذ المؤمن منزلة الكافر ودرجاته في الجنة التي كانت له لو أسلم في دنياه، وسبق هذا في تفسير سورة التغابن.","vol":"5","page":433},{"text":"لِأَهْلِهاَ فِيهاَ قَالَ: «فَجَاءَهَا وَنَظَرَ إِلَيْهاَ وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهاَ فِيهاَ» قَالَ: فَرَجَعَ إِلَيْهِ قَالَ: «فَوَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهاَ أَحَدٌ\nإِلا دَخَلَهَا (^١) فَأَمَرَ بِهاَ فَحُفَّتْ بِالْمَكاَرِهِ (^٢)» فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهاَ فاَنْظرْ إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهاَ فِيهاَ قَالَ: فَرَجَعَ إِلَيْهاَ فَإِذَا هِيَ قَدْ حُفَّتْ بِالْمَكاَرِهِ فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خِفْتُ أَلا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ (^٣) قَالَ: «اذْهَبْ إِلَى النَّارِ فَانْظُرْ إِلَيْهاَ وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهاَ فِيهاَ فَذَهَبَ فَإِذَا هِيَ يَرْكَبُ بَعْضُهاَ بَعْضًا (^٤)» فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهاَ أَحَدٌ فَيَدْخُلُهاَ (^٥) فَأَمَرَ بِهاَ فَحُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ (^٦) فَقَالَ: «ارْجِعْ إِلَيْهاَ فَرَجَعَ إِلَيْهاَ فَنَظَرَهَا» فَقَالَ: «وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَلا يَنْجُوَ مِنْهاَ\nأَحَدٌ إِلا دَخَلَهاَ (^٧)»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَاحِباَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لَناَ وَلِلْمُسْلِمِينَ آمِين وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.\n_________\n(^١) سعى في أسباب دخولها.\n(^٢) أحاطها بما تكرهه النفوس من العبادات والطاعات فلا يدخلها إلا من قام بها.\n(^٣) لمشقة الذي أحاطه بها ولكنه سهل على من يسره الله تعالى عليه.\n(^٤) فذهب جبريل فنظر إليها فإذا هي طبقات بعضها فوق بعض تتلظى وتتلهب وعذابها أنواع وحرها شديد وكربها مزيد وعويلها لا يفنى ولا يبيد، نسأل الله السلامة لنا وللمسلمين آمين.\n(^٥) فكل من سمع بوصفها سعى فيما يبعده عنها.\n(^٦) بكل ما تشتهيه النفوس مما يغضب الله ورسوله كالزنا وشرب الخمر وأكل أموال الناس بالباطل.\n(^٧) لإحاطتها بالشهوات والمستلذات التي تميل النفوس إليها إلا من حفظه الله تعالى، قال الله تعالى عن لسان امرأة العزيز: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾. نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى آمين.","vol":"5","page":434},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1307>الخاتمة - نسأل الله حسنها\nآخر من يخرج من النار ويدخل الجنة </span>(^١)\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارُ خُرُوجًا مِنْهاَ وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخولًا الْجَنَّةِ». رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا (^٢) فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعاَلَى لَهُ: اذْهَبْ فاَدْخُلِ الْجَنَّةَ فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهاَ مَلْأَى فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: ياَ رَبِّ وَجَدْتُهاَ مَلْأَى فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعاَلَى لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ فَيَاتِيهاَ فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهاَ مَلْأَى فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: ياَ رَبِّ وَجَدْتُهاَ مَلْأَى فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: اذهَبْ فاَدْخُلِ الْجَنَّةَ فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْياَ وَعَشَرَةَ أَمْثاَلِهاَ أَوْ إِنَّ لَكَ عَشَرَةِ أَمْثاَلِ الدُّنْياَ فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي أَوْ أَتَضْحَكُ بِي وَأَنْتَ الْمَلِكُ (^٣) قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى\nبَدَتْ نَوَاجِذُهُ (^٤) قَالَ: «فَكَانَ يُقَالُ ذَاك أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (^٥).\n\n• وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّي لَاعْرِفُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ». رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْهاَ زَحْفًا (^٦) فَيُقاَلُ لَهُ: «انْطَلِقْ فاَدْخُلِ الْجَنَّةَ فَيَذْهَبُ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَيَجِدُ النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا الْمَناَزِلَ» فَيُقاَلُ لَهُ: أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الَّذِي كنْتَ فِيهِ (^٧) فَيَقُولُ: «نَعَمْ»\n_________\nالخاتمة نسأل الله حسنها\nآخر من يخرج من النار ويدخل الجنة\n(^١) الظاهر من الأحاديث الآتية أن المراد جنس الآخَر فيصدق بالواحد وبالأكثر وكل جائز، ومعلوم أن هؤلاء لم يعملوا خيرا قط إلا التوحيد.\n(^٢) أي يمشي على يديه وركبتيه.\n(^٣) أو للشك في الموضعين والتمويل على الثاني لأنَّهُ الأقل.\n(^٤) قال أي عبد الله الراوي للحديث: لقد رأيت رسول الله - ﷺ - ضحك حتَّى بدت نواجذه أي أنيابه أي زاد سروره من سعة كرم الله تعالى على آخر من يخرج من النار وهو يستكثر عطاء الله له.\n(^٥) البخاري في الرقائق، ومرويات مسلم هنا كلها في الإيمان.\n(^٦) أي يسير على استه أي إليه.\n(^٧) أي في الدنيا.","vol":"5","page":435},{"text":"فَيُقاَلَ لَهُ: تَمَنَّ فَيَتَمَّنى (^١) فَيُقاَلُ لَهُ: لَكَ الَّذِي تَمَنَّيْتَ وَعَشَرَةُ أَضْعَافِ الدُّنْياَ قاَلَ فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي وَأَنْتَ الْمَلِكُ قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ (^٢).\n\n• عَنْ أَبِي ذَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهاَ». رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِياَمَةِ فَيُقَالُ: «اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذنُوبِهِ وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ» فَيُقاَلُ: «عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا (^٣)»، فَيَقُولُ: «نَعَمْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِباَرِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ» فَيُقاَلُ لَهُ: «فَإِنَّ لَك مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً (^٤)» فَيَقُولُ: «رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ أَشْياَءَ لَا أَرَاهَا ههُناَ (^٥) فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ (^٦)»، رَوَاهُماَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «آخِرْ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فَهُوَ يَمْشِي مَرَّةً وَيَكْبُو مَرَّةً وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً (^٧) فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهاَ» قَقَالَ: «تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ لَقَدْ أَعْطاَنِي اللَّهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْاخِرِينَ\n_________\n(^١) يطلب ما يشاء ويعطيه الله تعالى.\n(^٢) هذا صريح في أن له قدر الدنيا عشر مرات وما تمناه زيادة على ذلك، وما قبله صريح في أن له قدر الدنيا عشر مرات فقط، ولا منافاة بينهما فلعل من في الثاني غير الأول، أو أنه هو، والسكوت عما تمناه في الأول لا ينافيه في الثاني ويؤيده أن الراوي لها عبد الله ابن مسعود - ﵁ -.\n(^٣) من السيئات.\n(^٤) فيقال له أي بعد عرض صغائر ذنوبه عليه.\n(^٥) عملت أشياء هي كبائر ذنوبه التي لم تعرض عليه.\n(^٦) وهل هذا الرجل الذي عليه صغائر ذنوبه فقط وتطوى عنه كبارها ويعطي حسنات بعدد سيئاته هو الذي في الحديثين قبله أو غيرها كل محتمل وجائز والله أعلم.\n(^٧) يكبو مرة أي يسقط مرة على وجهه وتسفعه النار أي تلفح وجهه فتحرقه وتسوده، قيل إن هذا الرجل آخر من يدخل الجنة ممن لم يدخلوا النار فكان يمشي على الصراط مرة ويسقط على وجهه أخرى. وتسفع النار وجهه أحيانا حتَّى يدخل الجنة بسلامة الله تعالى.","vol":"5","page":436},{"text":"فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ» فَيَقُولُ: «أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلْأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهاَ وَأَشْرَبْ مِنْ مَائهاَ (^١)» فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿: «ياَ بْنَ آدَمَ لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَهاَ سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا» فَيَقُولُ: لَا يا رَبِّ وَيْعاَهِدُهُ أَلا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ علَيْهِ (^٢) فَيُدْنِيهِ مِنْهاَ فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهاَ وَيَشْرَبُ مِنْ مَائهاَ ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَى فَيَقُولُ: «أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لأَشرَبَ مِنْ مَائهَا وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا لَا أَسْأَلكَ غَيْرَهَا» فَيَقُولُ: «ياَ بْنَ آدَمَ أَلَمْ تُعاَهِدْنِي أَلا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهاَ تَسْأَلِني غَيْرَهاَ فَيُعاَهِدُهُ أَلا يَسْأَلَهُ غَيْرَهاَ وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ فَيُدْنِيهِ مِنْهاَ فَيَسْتَظِلّ بِظِلِّهاَ وَيَشْرَبُ مِنْ مَائهاَ ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ باَبِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُوَلَيَيْنِ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهاَ وَأَشْرَبَ مِنْ مَائهاَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهاَ فَيُقُولُ: «ياَ بْنَ آدَمَ أَلَمْ تُعاَهِدْنِي أَلا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا» قَالَ: «بَلَى ياَ رَبِّ هَذِهِ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهاَ وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهاَ فَيُدْنِيهِ مِنْهاَ فَإِذَا أَدْناَهُ مِنْهاَ فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ أَدْخِلْنِيهاَ فَيَقُولُ: ياَ ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ (^٣) أَيُ رضيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْياَ وَمِثْلَهاَ مَعَهَا قَالَ: ياَ رَبِّ أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعاَلَمِينَ (^٤) فَضَحِكَ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ ياَ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «مِنْ ضِحْكِ رَبِّ الْعاَلَمِينَ حَينَ»\n_________\n(^١) فترفع له أي تظهر له شجرة ذات أغصان وظلال وتحتها أنهار أي شجرة عظيمة بهية تبهر الناظر لها.\n(^٢) ما لا صبر له عليه أي نعيم تلك الشجرة.\n(^٣) أي أيّ شيء يرضيك ويقطع السؤال بيني وبينك. يقال: صراه يصريه إذا قطعه ودفعه ومنعه.\n(^٤) قال ذلك استعظاما لإعطائه قدر الدنيا مرتين وربما كان أفخم وأعلى وأعظم من قدر الدنيا عشر مرات السابق لآخر من يخرج من النار فلا اعتراض.","vol":"5","page":437},{"text":"قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعاَلِمينَ فَيقُولُ: «إِنَّي لَا أُسْتَهْزِئُ مِنْكَ وَلَكِنَّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ (^١)»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1308>أقل أهل الجنة وأكرمهم على الله تعالى </span>(^٢)\n\n• عَنِ الشَّعْبِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً» قَالَ: «هُوَ رَجُلٌ يَجِئُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ» فَيُقاَلُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ: «أَيْ رَبِّ كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ (^٣)» فَيُقَالُ لَهُ: «أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنياَ (^٤)» فَيَقُولُ: «رضيتُ رَبِّ» فَيَقُولُ: «لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ فَقَالَ فِي الْخَامسَةِ: رضيتُ رَبِّ» فَيَقُولُ:\n«هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثاَلِهِ (^٥)» وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ فَيَقُولُ: «رضيتُ رَبِّ (^٦)» قَالَ: رَبِّ فَأَعْلَاهُمْ مَنزِلَةً قَالَ: «أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ، غَرَسْتُ\n_________\n(^١) فهذه الأحاديث الأربعة تحدث عن آخر من يدخل الجنة والتفاوت فيها ظاهر، ولو حملناها\nعلى شخص واحد لاضطررنا إلى التأويل والتوفيق بينها من غير حاجة لذلك، فحملها على عدة أشخاص أولى وأحسن لأنَّهُ الظاهر منها، ولحديث الخطيب: آخر من يدخل الجنة رجل يقال له جهينة فيقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين. زاد في رواية: سلوه هل بقي من الخلائق أحد يعذب أي من الموحدين فيقول: لا، قيل إن ذلك الرجل كان عشارًا في بني إسرائيل فهو من أمة موسى ﵇. والله أعلم بحقيقة خلقه وعلمه أتم وأكمل.\n\nأقل أهل الجنة وأكرمهم على الله تعالى\n(^٢) أي بيان أقل الناس منزلة في الجنة وأعلى الناس منزلة في الجنة، نسأل الله أن نكون منهم آمين.\n(^٣) أخذوا ما أخذوا من كرامة ربهم.\n(^٤) فيقال له على لسان ملك من الملائكة، أو القائل هو الله تعالى، وملك أحد ملوك الدنيا يصدق بجميع الدنيا كلها، فإن الدنيا ملكها أربعة: اثنان مسلمان واثنان كافران.\n(^٥) فيكون ملكه قدر الدنيا خمسين مرة.\n(^٦) ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك زيادة على قدر الدنيا خمسين مرة، فلربنا كل حمد وكل ثناء وكل شكر.","vol":"5","page":438},{"text":"كَرَامَتَهُمَ بِيَدِي وَخَتَمْتُ عَلَيْهاَ فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلَمْ يَخْطرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ (^١)» قَالَ: «وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتاَبِ اللَّهِ ﷿» ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.\n\n• عَنِ ابْنِ عُمْرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى جِناَتِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَنَعِيمِهِ وَخَدَمِهِ وَسُرُرِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ (^٢) وَأَكْرَمَهُمْ عَلَى اللَّهِ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْههِ غُدْوَةً وَعَشُيَّةً» ثُمَّ قَرَأَرَسُولَ اللَّهِ ﷺ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (^٣)﴾.\n\n• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَدْنَى أَهْلِ الْجَنةِ الَّذِي لَهُ ثَماَنُونَ أَلفَ خَادِمٍ وَاثْنَتاَنِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةً (^٤) وَتُنْصَبُ لَهُ قُبَّةٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ وَياَقُوتٍ كَماَ بَيْنَ الْجَابِيَةِ إِلَى صَنْعاَءَ (^٥) إِنَّ عَلَيْهِمُ التِّيجَانَ إِنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ مِنْهاَ لَتُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ»، رَوَاهُماَ التِّرْمِذِيُّ (^٦).\n\n• عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ الْجَنَّة:\n_________\n(^١) أولئك الذين أردت أي اخترتهم واصطفيتهم وغرست كرامتهم بيدي وأنزلتهم منزلة عليا لا يعلمها إلا الله تعالى، ومصداقه أي دليله الذي يصدقه قوله تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ نسأل الله أن نكون منهم فما ذلك على الله بعزيز.\n(^٢) فأقل أهل الجنة منزلة من يسير في ملكه في الجنة لينظر ما فيه من بساتين وقصور وأنهار وعيون وسرر وخدم وزوجات فيستغرق في مسيرة ألف سنة فلربنا جليل الحمد وجميل الشكر.\n(^٣) وأكرمهم على الله زيادة على ما سلف في الحديث قبله: من يؤذن له في النظر إلى مولاه بكرة وعشيا أي حينا بعد حين كما بين البكرة والعشي.\n(^٤) قيل اثنتان من نساء الدنيا والسبعون من الحور العين.\n(^٥) الجابية بالشام بقرب دمشق وصنعاء باليمن فتكون تلك القبة ذات غرف كل منها من نوع من تلك الجواهر، نسأل الله أن نكون من أهلها آمين.\n(^٦) وقال في الثاني بسند غريب وفي الأول روي من عدة طرق عن ابن عمر بعضها مرفوع وبعضها موقوف.","vol":"5","page":439},{"text":"«اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ. وَمَنِ اسُتَجَارَ مِنَ النَّارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنَ النَّارِ (^١)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ\nوَالنَّسَائِيُّ (^٢)، وَاللَّهُ تَعاَلَى أَعْلَمُ.\nعدد أحاديث كتاب القيامة والجنة والنار ١٧٧ سبعة وسبعون ومائة فقط فصار جميع ما في الجزء الخامس ١٢٤٢ مضموما إلى ما في الأجزاء الأربعة السابقة فيكون عدد أحاديث الكتاب كله ٥٨٨٧ سبعة وثمانين وثمانمائة وخمسة آلاف أسأل الله أن تكون خالصة لوجهه الكريم آمين والحمد لله رب العالمين\n_________\n(^١) نسأل الله أن يجيرنا من النار وأن يدخلنا الجنة بمنه وكرمه آمين.\n(^٢) رواه النسائي في الدعاء وسنده صحيح، ورواه الترمذي في آخر صفة الجنة وقد اقتديت به في ذلك، ﵀ ورضي عنه وحشرنا في زمرتهم آمين.","vol":"5","page":440},{"text":"بتوفيق الله جل شأنه ابتدأت في تأليف هذا الكتاب في شهر رجب سنة ١٣٤١ هـ وأتممته في صباح يوم الأثنين المبارك الموافق ٢٥ من ذي الحجة سنة ١٣٤٧ (^١) هـ. وإني أحمد الله ربي حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات كلها. الحمد لله على كل حال. الحمد لله في الأولى والآخرة. الحمد لله رب العالمين حتى يرضى. الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور. الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه عدد ما ذكرك الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، وعدد خلقك ورضا نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك آمين آمين آمين والحمد لله رب العالمين.\nمنصور علي ناصف\n_________\n(^١) وكذا أتممت هذا الشرح في يوم الاثنين المبارك الموافق ١٦ من ربيع الأول سنة ١٣٥٤ هـ بمنزلي بشارع سلامه بحي السيدة زينب - ﵂ - بمصر البلد الأمين، وقد كنت ابتدأته في شهر المحرم سنة ١٣٤٨ هـ فقد استنفدت في تأليف الكتاب سبع سنين وكذا مكثت في تأليف الشرح سبع سنين أخرى بجبر الكسر، أسأل الله أن تكون حصنًا لنا من أبواب جهنم السبعة آمين، وعدد الكتب التي في هذا الكتاب ثلاثون كتابا، فقد تم وكمل أمره والحمد لله، قال الله تعالى ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾.\nولا يفوتني في هذا المقام أن أذكر بالثناء والإعجاب حضرة الأستاذ التقي الجليل الشيخ عبد الرزاق علي البهائي وكذا الأستاذ الشيخ أحمد إبراهيم محمد العربي، فإنهما أبليا في تصحيح هذا الكتاب إبلاء حسنا حيث ترددا على طول زمن طبع هذا الكتاب وهي أربع سنين جزاهما الله أحسن الجزاء. كما أذكر للقارئ الكريم ما انتابني في تأليف هذا الكتاب، من عقبات عديدة وصعوبات جمة، سواء من جهة التأليف أو غيره، أما من جهة التأليف فيكفي في التنويه عن مشاقه العظيمة أني استنفدت فيه أربع عشرة سنة، وأنا أطوي ليلى على نهاري بين سيري في فلوات شاسعة، وغوصي في بحار زاخرة متلاطمة، وصعودي في جبال شامخة شاهقة، لأصل إلى كنوزها الغالية، حتَّى لقد سهرت كثيرا في صلاتي من غرقي في معامع ذلك التفكير العميق الذي يقتضيه ذلك المؤلف العظيم، ومن جهة غير التأليف فمنها موت =","vol":"5","page":441},{"text":"بعض الأقارب كالوالدة وأخي الكبير وولدي عبد الرحمن ﵏ وأعظم أجرنا فيهم آمين، ومنها كثرة أمراضي التي ما كان يخلو شهر منها وربما مكثت في بعض الأمراض نحو عشرين يوما، وغير ذلك كثير من هموم الدنيا التي لا تخفى على كل الناس، ولئن قلت ذلك فلن أنسى ما أحاطني به ربي من النعم الكثيرة، التي أولها الأهل والأولاد، أسأل الله أن يجعلهم نباتًا حسنًا وأن يوفقني لتربيتهم على ما يحب ويرضى، ومنها إمامتي بالناس وإرشادي لهم التي هي وظيفتي بالجامع الزينبي وفقني ربي للقيام بها آمين، ومنها ما كان يراه بعض الناس لي من الرؤى الصالحة المبشرة، ومنها أني رأيت النَّبِيّ - ﷺ - في نومي عدة مرات، وأخراهن أني كنت أجاهد في عقبة من عقبات التأليف التي كانت تعترضني من حين لآخر بجيشها من اليأس والوسواس والكسل وكان هذا في أواخر رمضان، فرأيت في منامي كأني في غرفة تتلألأ بالأنوار من غير كوكب ولا مصباح، فإذا شخص قد دخل علي وعليه زي العلماء، فقال: أشعرت؟ قلت: ماذا؟ قال: هذا رسول الله - ﷺ - مقبل، فنظرت فإذا الرسول الأعظم - ﷺ - قد دخل عليّ في تلك الغرفة، وهو متوسط القامة، وعليه عمامة بيضاء، وملابسه كملابس كبار العلماء، وعليه من حسن الزي وكمال الهيئة والهيبة نهاية الوصف، فتناولت يده الشريفة فقبلتها، ثم ملت على ركبتيه أقبلهما فاستيقظت وأنا على هذه الحال وقد امتلأ جسمي بالفرح والسرور فلله ألف حمد وألف شكر فإني أظنها بشرى لحظي في الآخرة إن شاء الله تعالى، وفي ظني أن أكبر نعم الله عليّ بعد الإيمان بالله تعالى كتاب التاج هذا الذي يذكّرني إذا نسيت، ويقدمني إذا تأخرت، ويرفعني إذا تواضعت، ويشفع لي إذا وقفت بين يدي ربي جل شأنه، لما ظهر لي من الفأل الحسن في ختامه، وهو أني حينما أوشكت على إتمام الشرح حضر لي في بيتي ضيف من قرباي ومعه زوجته التي تسمى بنعمة واسمه نصر محمد حسنين، فتفاءلت بالنعمة والنصر وحسن العاقبة، وقبل تتميم الشرح ببضعة أيام أيضًا جاءني ولدي محمد ولي الدين في الصباح وقال: يا والدي رأيت الليلة في منامي كأن النبي - ﷺ - جالس في بيتنا هذا ومعه عمي محمود أفندى حلمي رزق وهما يقرآن في الجزء الخامس من كتاب التاج، ففرحت كثيرا وأولته بسعة الرزق وحسن القبول من الله تعالى ومن نبينا محمد - ﷺ - أسأل الله أن يكون خالصًا لوجهه الكريم وأن ينفع به عباده آمين لك الحمد يا رب العالمين، لك الحمد يا خالق السموات والأرضين، لك الحمد يا باسط الأرض، لك الحمد يا رافع السماء، لك الحمد يا خالق النبات، لك الحمد يا مجرى الماء، لك الحمد يا مسخر الهواء، اللهم تب عليّ توبة ترضيك ووفقني والمسلمين لكل خير في الدنيا والآخرة آمين. الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم آمين آمين آمين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.","vol":"5","page":442}]}