{"ً":{"ٌ":7520,"ٍ":"الإتحاف فى الرد على الصحاف","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/الإتحاف في الرد على الصحاف - أبا بطين","files":["etrdsa.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الإتحاف فى الرد على الصحاف\nالمؤلف: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ (ت ١٢٩٣هـ)\nالمحقق: عبد العزيز بن عبد الله بن إبراهيم الزير آل حمد\nالناشر: دار العاصمة\nالطبعة: الأولى، ١٤١٦ هـ / ١٩٩٥ م\nعدد الصفحات: ٥٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1049,"ٕ":1,"ٖ":1770155425,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":1},{"title":"ترجمة موجزة للمؤلف","level":2,"page":5},{"title":"التعريف بالنسخ الخطية","level":2,"page":7},{"title":"توثيق نسبة الرسالة إلى مؤلفها","level":2,"page":9},{"title":"عنوان الرسالة","level":2,"page":11},{"title":"منهجي في التحقيق","level":2,"page":13},{"title":"الإتحاف فى الرد على الصحاف","level":1,"page":14}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,21":14,"1,22":15,"1,23":16,"1,24":17,"1,25":18,"1,26":19,"1,27":20,"1,28":21,"1,29":22,"1,30":23,"1,31":24,"1,32":25,"1,33":26,"1,34":27,"1,35":28,"1,36":29,"1,37":30,"1,38":31,"1,39":32,"1,40":33,"1,41":34,"1,42":35,"1,43":36,"1,44":37,"1,45":38,"1,46":39,"1,47":40,"1,48":41,"1,49":42,"1,50":43,"1,51":44,"1,52":45,"1,53":46,"1,54":47},"ٜ":{"1":[5,54]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54"],"ٞ":{"1":[1],"5":[2],"7":[3],"9":[4],"11":[5],"13":[6],"14":[7]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ .\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد:\nفهذه هي السلسلة الرابعة من \"السلسلة السلفية للرسائل والكتب النجدية\" أُقدمها لإخواني طلبة العلم المحبين للسُّنَّة وأهلها. وتتمثل هذه","vol":"1","page":5},{"text":"السلسلة في رسالة للإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن، رد بها على عبد اللطيف الصحاف - أحد المناوئين للدعوة السلفية.\nبين الإمام المبجل، والشيخ الجليل المفضل عبد اللطيف بن عبد الرحمن﵀ – في هذه الرسالة الموجزة، ضلال الصحاف، ومخالفته لمنهج الأنبياء والمرسلين، وذلك بالقول الساطع، والبرهان القاطع.\nفبين – ﵀ – معنى \"لا إله إلا الله\"، وماذا تقتضي، وتكلم عن التكفير، وأنواعه، وحكم كل منها. فتكلم عن حكم التكفير إذا صدر من متأَوِّل مخطئ ممن يسوغ له التأويل.\nوعن حكمه إذا صدر ممن يستند في تكفيره إلى نص وبرهان من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ.\nوعن حكمه إذا صدر من أعداء الله ورسوله أهل الإشراك والإلحاد في أسمائه وصفاته.\nوعن حكمه إذا صدر لمجرد عداوة أو هوى أو لمخالفة لمذهب.\nوعن حكمه إذا كان فيما دون الشرك من الذنوب كالسرقة، والزنا، وشرب الخمر.\nثم بين – ﵀ – الكفر المنافي لكلمة التوحيد، وأن كلمة التوحيد وحدها لا تعصم صاحبها.\nوأبان المؤلف – ﵀ – في ثنايا هذه الرسالة عن حكم بعض الأحاديث، والذكر المشروع، وحكم السماع، وفتنة المبتدعة بمشايخهم وعلمائهم.","vol":"1","page":6},{"text":"(ويا لله كم في هذه الرسالة من الأصول الأصيلة والمباحث الجليلة التي تطلع منها على بلاغة مبديها، وجلالة منشيها، وأن له من الميراث النبوي الحظ الأوفر، وأن ينابيع علومه تتفجر من ذلك البحر الزاخر) (١) .\n(وقد موه هذا) الصحاف الجاهل (بهذه السفسطة والجعجعة، وهرقع بهذه المخرقة والقعقعة، وظن أن ليس في حمى التوحيد من أهله ضيارم، ولا لتلك الشبه المتهافتة من عالم مصارم، كلا والله إن الليث مفترش على براثنه لحماية حمى التوحيد وقاطنه، فلا يأتي صاحب بدعة ليقلع من التوحيد الأواسي، ويهدم منه الرعان الشامخات الرواسي، إلا ودفع في صدره بالدلائل القاطعة، والبراهين المنيرة الساطعة، فرحمه الله من إمام جهبذ ألمعي، ومقول بارع لوذعي، أحكم وأبرم من الشريعة المطهرة أمراسها، وأوقد منها للورى نبراسها، وسقى علالا بعد نهل غراسها، فأورقت وبسقت أشجارها، وأينعت بحمد الله ثمارها، فجنى من ثمارها كل طالب مسترشد، وورد من معينها الصافي كل موحد.\nإمام هدى فاضت ينابيع علمه ... فأم الأوام الواردون معينها\nفبلوا الصدى من صفوها وتضلعوا ... وضعضع من تيارهن مهينها\nكهذا الذي أبدى معرة جهله ... وكان يرى أن قد أجاد رصينها\nفضعضعها بالرد والهد جهبذ ... وأبدى عوارا قد رأى أن يزينها\nوما هو إلا كالسراب بقيعة ... يلوح لظمآن فلاقى منونها\nفإن كنت مشتاقا إلى كشف زهوها ... فإن الإمام الشيخ أبدى كمينها\n_________\n(١) \"مجموعة الرسائل والمسائل\": (٣/١٨٦) .","vol":"1","page":7},{"text":"وجلى ظلام الجهل بالعلم مدحضا ... ضلالات كفر غثها وسمينها\nوأطلع شمس الحق للخلق جهرة ... وشاد لعمري للبرية دينها\nوقد سمعت أنوار برهان علمه ... وقد بلغت غرب البلاد رصينها\nورد على من رد سنة أحمد ... ورام سفاهًا بالهوى أن يشينها\nوختاما أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجزي إمامنا الشيخ عبد اللطيف خير الجزاء، وأن يرفع درجاته في عليين، وأن يجعل ما نقوم من خدمة نشر علم أهل السنة خالصا لوجهه الكريم موجبا للفوز بجنات النعيم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nوكتبه\nأبو عبد الله عبد العزيز بن عبد الله الزير آل حمد\nغفر الله له ولوالديه وللمسلمين\n\"الرياض\" – ٨/١٠/١٤١٤هـ\n_________\n(١) \"مجموعة الرسائل والمسائل\": (٣/٢٣٩) .","vol":"1","page":8},{"text":"الإتحاف فى الرد على الصحاف\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>ترجمة موجزة للمؤلف</span>\nاسمه ونسبه:\nهو الشيخ الإمام، وعلم الهداة الأعلام، البحر الفهامة، والفاضل العلامة الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵏ بمنه وكرمه.\nمولده:\nولد سنة ١٢٢٥هـ في بلدة العلم والعلماء: الدرعية.\nحياته:\nنقل الشيخ عبد اللطيف مع والده آنذاك إلى مصر، إثر الدمار الذي أصاب الدرعية، على يد الهالك إبراهيم بن محمد علي باشا عليه من الله ما يستحق، وكان عمره قرابة الثمان سنوات ونشأ بمصر وتزوج بها، وتمكن من الاشتغال بطلب العلم، والتزود منه، ثم بعد ذلك خرج إلى نجد وذلك في سنة ١٢٦٤هـ، وقدم مدينة الرياض واستقر فيها بضعة أشهر درس فيها بعض الدروس، ثم انتقل بعد ذلك إلى الأحساء معلما وداعيا، ومكث فيها فترة من الزمن، ثم عاد إلى الرياض مرة أخرى.\nشيوخه:\nقد علم فيما سبق أن الشيخ - ﵀ - مكث في مصر مدة من الزمن، درس فيها على عدد من المشايخ فمنهم:\n١ - والده الإمام العلامة عبد الرحمن بن حسن.","vol":"1","page":9},{"text":"٢ - والشيخ عبد الرحمن بن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب.\n٣ - والشيخ العلامة محمد بن محمود بن محمد الجزائري.\n٤ - والشيخ إبراهيم الباجوري. وغيرهم.\nتلاميذه:\nتتلمذ على يد الشيخ عدد من التلاميذ منهم:\n١ - تلميذه الشيخ العلامة \"حسان السنة\" الشيخ سليمان بن سحمان.\n٢ - وابنه العلامة الشيخ عبد الله.\n٣ - وأخوه الشيخ إسحاق، وغيرهم.\nمؤلفاته:\nتوفي الشيخ - رحمه الله تعالى - وترك لنا العديد من المؤلفات منها:\n١ - \"مصباح الظلام في الرد على من افترى على الشيخ الإمام\"\n٢ - \"منهاج التأسيس\"\n٣ - \"رد على الشبهات الفارسية\"\n٤ - \"الرد على الصحاف\"، وهو كتابنا هذا الذي نحن بصدد تحقيقه.\n٥ - العديد من الرسائل التي قد جمعها تلميذه النحرير العلامة سحمان بن سحمان - ﵀ -.\nوفاته:\nتوفي - ﵀ - في مدينة الرياض في اليوم الرابع عشر من شهر ذي القعدة سنة ١٢٩٣هـ ﵀ رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>التعريف بالنسخ الخطية</span>\nتوفر لدي عند الشروع في تحقيق هذه الرسالة ثلاث نسخ، وهي:\nالنسخة الأولى:\n* نسخة خطية كاملة، حصلت عليها من مكتبة الرياض السعودية.\n* وتقع تحت رقم: (٣٥٩/٨٦) .\n* وعدد صفحاتها: تسع عشرة صفحة.\n* ومسطرتها: ٢٣ سطرا.\n* وتاريخ نسخها: في شهر ربيع الآخر بعد مضي أحد عشر يوما منه، سنة ١٣١١هـ.\n* ولم يكتب على هذه النسخة اسم ناسخها، والذي يظهر لي - والله أعلم - أن ناسخها هو الشيخ سليمان بن سحمان.\n* ورمزت لها بحرف\"أ\".\nالنسخة الثانية:\n* مطبوعة ضمن كتاب \"مجموعة الرسائل والمسائل النجدية\" في (٣/٤٣٠) .\n* وتقع في اثنتين وعشرين صفحة.\n* وقام بنسخها الشيخ صالح بن سليمان بن سحمان - ﵀ -.\n* وتاريخ نسخها سنة ١٣٣٨هـ في شهر ربيع الآخر.\n* ورمزت لها بحرف \"ب\".","vol":"1","page":11},{"text":"النسخة الثالثة:\n* مطبوعة ضمن \"الدرر السنية\" لابن قاسم في (٩/٤٠٤-٤١٧) .\n* وتقع في ثلاث عشرة صفحة.\n* ورمزت لها بحرف \"ج\".","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>توثيق نسبة الرسالة إلى مؤلفها</span>\nتأكد لنا نسبة الرسالة إلى المؤلف بالآتي:\n١ - ما كتب في آخر النسخة \"ب\": \"أملاه الفقير إلى الله عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب..\".\n٢ - ما كتبه الشيخ سليمان بن سحمان في تقديمه للرسالة فقد قال: \".. للشيخ الإمام والحبر الهمام قدوة الأنام، الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ الإمام العلامة عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في الرد على عبد اللطيف الصحاف نزيل البحرين..\".\n٣ - أن مؤلف كتاب \"مشاهير علماء نجد\"، ومؤلف كتاب \" علماء نجد خلال ستة قرون\" قد ذكرا هذا الرد من ضمن مؤلفات الإمام عبد اللطيف.\n٤ - أن جامع كتاب \"مجموعة الرسائل والمسائل النجدية\" قد ذكر الرسالة من ضمن مؤلفات الشيخ وفتاواه، وتلك المجموعة معروفة لدى علماء الدعوة فلم ينكروا الرسالة بل أقروها.\n٥ - أن الشيخ سليمان بن سحمان قد ذكر هذا الرد للشيخ عبد اللطيف، في كتابه \"كشف الأوهام والالتباس عن تشبيه بعض الأغبياء من الناس\"، ونقل منه من قوله: \"وإن كان المكفر ... \" إلى قوله: \" وهذا","vol":"1","page":13},{"text":"بين بحمد الله\" (١) .\n٦ - أن الشيخ عبد الرحمن بن قاسم - ﵀ - قد ذكر تلك الرسالة في \"الدرر السنية\"، ووضعها من ضمن مؤلفات الشيخ عبد اللطيف، ومعلوم أن \"الدرر\" قد قام بتقريظها عدد من العلماء الأجلاء.\n_________\n(١)","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>عنوان الرسالة</span>\nلم تنص جميع النسخ على عنوان الرسالة، وليس فيها سوى أن هذه الرسالة هي \"الرد على الصحاف\".\nونص مؤلف كتاب \"مشاهير علماء نجد\" على أن عنوان الرسالة هو: \"الإتحاف في الرد على الصحاف\"، وبما أن مع المثبت زيادة علم، وليس هناك ثمة عارض يمنع من إثبات ما أثبته صاحب\"المشاهير\"، لذا فإني آثرت تسميتها بما أثبته صاحب \"المشاهير\".\nأما مؤلف كتاب: علماء نجد خلال ستة قرون\" فضيلة الشيخ / عبد الله البسام، نص على أن الرد هو: \"الرد على عبد المحسن الصحافي\".\nوتبعه على ذلك محقق كتاب: \"تحفة الطالب والجليس\"، الأخ/عبد السلام آل عبد الكريم، وذلك عند ترجمته للشيخ عبد اللطيف في مقدمة تحقيقه للكتاب.\nولي هنا وقفة مع الأخوين الجليلين، فأقول:\nإن الإمام عبد اللطيف مؤلف الرسالة قد نص في مقدمة الرسالة على أن اسم المردود عليه: \" عبد اللطيف بن عبد المحسن الصحاف\".\nوكذا الشيخ سليمان بن سحمان، نص على أن اسمه عبد اللطيف الصحاف، وليس عبد المحسن الصحافي، وهذا معارض قوي ينقض","vol":"1","page":15},{"text":"ما أثبته الأخوان الجليلان.\nوقد حاولت قدر المستطاع أن أقف على ترجمة لـ \"عبد المحسن الصحافي\"، وكذا \"عبد اللطيف\" فلم أظفر بشيء، ولكني في أثناء بحثي وقفت على رجل اسمه\" عبد المحسن الصحاف\"، ترجم له الزركلي في \"الأعلام\": (٤/١٥٣)، وذكر: أن اسمه \"عبد المحسن بن يعقوب الصحاف\"، لكن ليس هو المراد قطعا، لأن الزركلي قد أرخ سنة ولادته عام ١٢٩١هـ، أي قبل وفاة الإمام عبد اللطيف بسنتين، فكيف يكون قد رد عليه وهو لم يبلغ من العمر إلا سنتين.\nفبهذا يظهر أن المردود عليه هو \" عبد اللطيف الصحاف\"، وليس: \"عبد المحسن الصحافي\". والله أعلم.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>منهجي في التحقيق</span>\n١ - حاولت قدر الاستطاعة أن تخرج الرسالة على الصورة التي وضعها المؤلف.\n٢ - قمت بالمقابلة بين النسخ الثلاث، واختيار النص الأقرب للصواب.\n٣ - عزوت الآيات إلى سورها.\n٤ - خرجت الأحاديث الواردة فيها.\n٥ - ما كان بين معقوفتين هكذا [] فهو من إضافتي.\n٦ - الإشارة إلى بدء أوراق المخطوطة ليسهل الرجوع إليها.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الإتحاف فى الرد على الصحاف</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nوبه نستعين (١)\nالحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا.\nأما بعد:\nفإن بعض الإخوان، ناولني كراسة أنشأها عبد اللطيف ابن عبد المحسن الصحاف، فيها تعرض لعيب الموحدين، وذم لما هم عليه من الملة والدين، ومدح (٢) لبعض شيوخه المارقين، وأنهم من جلة العلماء العاملين، الذين لهم لسان صدق في الآخرين، وفيها غير ذلك مما هو مستبين للواقفين عليها والناظرين.\nوقد طلب مني من ناولنيها، أن أكتب شيئا في بيان ما تضمنته من الأباطيل، مع الاختصار وترك البسط والتطويل، إلا لإيراد حجة أو كشف دليل، ونسأل (٣) الله الإعانة على ذلك، والهداية إلى ما هنالك.\n_________\n(١) ليست \" وبه نستعين\" في: \"أ\"، و\"جـ\"\n(٢) في \"ب\": \"وقدح\"، وهو خطأ.\n(٣) في \"ب\": \"فاسأل..\".","vol":"1","page":21},{"text":"فأما المقدمة التي قدمها الصحاف أمام مقصوده، وجعلها طالعة نثره وعقوده: ففيها من الدلالة على جهله وقصوره، ما يعرف بأول نظر في جمعه ومسطوره\"\nمن ذلك: أنه يصف بالعلم من ليس من أهله، ويكذب على المعصوم في عزوه ونقله، يحتج في فضل العلم بالضعيف والموضوع (١)، لجهله بما صح من المرسل والمرفوع، ليست له ملكة في نقد الثابت من الموضوع (٢)، يتأول كل حاذق فقيه، عند سماع خلطه وما يبديه، حديث عبد الله بن عمرو في قبض العلم (٣)، ورياسة الغمر، وكلامه من أظهر الأدلة / على ما قلناه، عند كل من وقف عليه من أهل الفقه عن الله، فلذلك اكتفينا بالإشارة، عن بسط القول والعبارة.\nفأما قوله في المقدمة التي مدح بها أشياخه المذكورين في رسالته: (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل) (٤) .\n_________\n(١) في \"ب\": \" الضعيف الموضوع\" بدون واو العطف.\n(٢) في \"ب\": \"المضوع\"، وهو خطأ، وفي \"جـ\": \"المصنوع\".\n(٣) ولفظه\" \" إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا\".\nأخرجه البخاري في العلم، باب كيف يقبض العلم: (ح/١٠٠)، ومسلم في العلم، باب رفع العلم وقبضه ...: (ح/٢٦٧٣) .\nوبنحوه أخرجه البخاري في الاعتصام، باب أتم ما يذكر في ذم الرأي وتكلف القياس: (ح/٤٣٠٧)، ومسلم في المصدر السابق: (ص٢٠٥٩)، وفيه قصة.\n(٤) قال الدميري والزركشي وابن حجر والسيوطي عن هذا الحديث: \" لا أصل له\". =","vol":"1","page":22},{"text":"وقوله: (نظرك إلى وجه العالم خير لك من ألف فرس تتصدق بها (١) في سبيل الله، وسلامك على العالم خير لك من عبادة ألف سنة) (٢) .\nكذلك قوله: (إن العالم أو المتعلم (٣) إذا مر على قرية، فإن الله يرفع العذاب عن مقبرة تلك القرية أربعين صباحا) (٤) .\nوقوله: (إن الله يغفر للعالم أربعين ذنبا قبل أن يغفر للجاهل) .\nفهذه الآثار ونحوها، ليست بشيء عند أهل العلم بالحديث، ولا يحتج بها ويعول عليها من له أدنى تمييز أو ممارسة (٥)، وإنما يلتفت إليها ويحكيها، أهل الجهالة والسفاهة، من القصاصين والكذابين.\nوأما أهل العلم والدين: فبمجرد النظر إليها، والوقوف عليها، يعرفون أنها من الأخبار الموضوعة المكذوبة، التي لا تروج إلى على سفهاء الأحلام، وأشباه الأنعام.\n_________\n= انظر \"المقاصد الحسنة\": (ص٤٥٩)، و\"تمييز الطيب من الخبيث\": (ص١٢١،و\"كشف الخفاء \": ٢/٦٤، و\"الأسرار المرفوعة: (ص٢٤٧) .\n(١) في \"أ\": \"به\".\n(٢) وقفت على نحو من هذا بلفظ: \"نظر ة إلى وجه العالم أحب إلى الله من عبادة ستين سنة صياما وقياما\"، وقد ورد هذا في نسخة سمعان بن المهدي، وهو أحد الوضاعين، عن أنس مرفوعا بمعناه، قال السخاوي: لا يصح.\nانظر: \"المقاصد الحسنة\": (ص٦٩٦)، و\"الأسرار المرفوعة\": (ص٣٥٦)، و\"كشف الخفاء \": (٢/٣١٨) .\n(٣) في \"أ\": \"والمتعلم\".\n(٤) قال السيوطي عن هذا الحديث: \"لا أصل له\"، انظر: \" الأسرار المرفوعة\": (ص١٤٢)، و\"كشف الخفاء \": (١/٢٢١) .\n(٥) في \"ب\"، و\"جـ\": \"وممارسة\".","vol":"1","page":23},{"text":"وقد ورد في فضل العلم والعلماء من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ما ينيف (١) على مائة وخمسين دليلا، كما قرره صاحب \"مفتاح دار السعادة\"، وقد مر ﷺ في رهط من أصحابه، وهم سادات العلماء والمتعلمين على قبرين يعذبان، فشق جريدة ووضعها عليهما، وقال: \"لعله أن (٢) يخفف عنهما ما لم ييبسا\" (٣) ولم يقل لمروري ومرور أصحابي عليهما يخفف عنهما، كما زعمه هذا الجاهل.\nوكأي من قرية عذبت، وأتاها أمر الله بغتة، وأنبياؤهم وعلماؤهم قبل ذلك يدعونهم، وهم ينظرون إلى وجوههم، ويخاطبونهم، ويسمعون كلامهم، فما أغنى عنهم ذلك إذ لم يؤمنوا بآيات الله، وأصابهم من العذاب ما أصابهم (٤) .\nوكان الأولى بهذا الرجل أن لا يخوض فيما لا يدريه وأن يعطي القوس باريه شعرا/:\nلا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها\nوأما قوله: إن في الحديث:\n_________\n(١) في \"أ\": \"ما ينوف\".\n(٢) سقطت \"أن\" من: \"جـ\".\n(٣) في \"أ\": \"تيبسا\"، والمثبت من: \"ب\"، ومصادر التخريج.\nوالحديث أخرجه مسلم في الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه: (ح/٢٩٢) .\n(٤) في \"أ\": \"وأصابهم ما أصابهم من العذاب\".","vol":"1","page":24},{"text":"\"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديم\" (١) .\nفهذا الحديث لم يثبته الحفاظ من أهل العلم؛ بل ذكروا أنه موضوع.\nقال ابن عبد البر إمام المغرب في وقته، وحامل لواء المالكية في زمانه: (حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد (٢) أن أبا عبد الله بن مفرج حدثه قال: حدثنا محمد بن أيوب الصموت (٣) قال: قال لنا البزار: وأما ما يروى عن النبي ﷺ: \"أصحابي كالنجوم\" فهذا الكلام لا يصح عن النبي ﷺ) .\nوقال ابن قيم٤ لجوزية٥ بعد أن ذكر طرق هذا الحديث:\n(لا يثبت شيء منها) ٦.\n_________\n(١) أخرجه ابن عبد البر في \"جامع العلم\": (٢/٩١)، وابن حزم في \"الإحكام\": (٦/٢٤٣، و٢٤٤)، كلاهما من طريق سلام بن سليم عن الحارث بن غصين عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعا. قال ابن عبد البر: \"هذا إسناد لا تقوم به حجة لأن الحارث بن غصين مجهول\". وقال ابن حزم: \" وأما الرواية: \"أصحابي كالنجوم\" فرواية ساقطة\". ثم ساق الحديث بسنده ثم قال: \"أبو سفيان ضعيف، والحارث بن غصين هذا هو أبو وهب الثقفي، وسلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة، وهذا منها بلا شك\". وذكر الحافظ الذهبي في \"الميزان\": (١/٤١٣) تحت ترجمة جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، نحوا من هذا الحديث من رواية أبي هريرة، وقال: \" ومن بلاياه عن وهب ابن جرير عن أبيه ... \" فذكره.\n(٢) في \"ب\"، و\"جـ\": \"سعد\".\n(٣) في \"ب\": \"المصموت\"، وهو خطأ، وانظر: \"الأنساب\" (٨/٨٩)، و\"نزهة الألباب في الألقاب\":١/٤٢٨) .\n(٤) في \"جـ\": \"ابن القيم الجوزية\".\n(٥) انظر: \"إعلام الموقعين\": (٢/٢٣٩) .\n(٦) في جميع النسخ: \"منه\"، والمثبت من \"إعلام الموقعين\"، ولعله أولى.","vol":"1","page":25},{"text":"ثم قال ما معناه: \" إن الأخذ بعمومه يقتضي أن الاهتداء يحصل بالاقتداء بكل صحابي، ولو تخالفت أقوالهم، وتباينت آراؤهم، وأن الشخص مخير بين الأخذ بالقول وضده، فيخير في مسألة الجد والإخوة بين مذهب أبي بكر، ومن خالفه، وفي مسألة جعل الطلاق الثلاث واحدة بين رأي عمر، وغيره، وفي مسألة المتوفى عنها زوجها١ بين الاعتداد بالوضع وتربص أقصى الأجلين، وفي مسألة استرقاق المرتدات بين مذهب أبي بكر وعمر، ويخير في بيع أمهات الأولاد بين مذهب من يقول بجوازه، كعلي، ومن يقول بمنعه\" كعمر ومن وافقه.\nوبالجملة فإطلاق هذه يوجب أن الاهتداء يحصل بأحد الضدين، ولا نعلم قائلا به من أهل العلم والإيمان، والحق واحد في نفسه لا يتعدد، وقد قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ٢، والخطاب عام لجميع الأمة الصحابة وغيرهم، وهي نص في أن الاهتداء لا يحصل مع النزاع والاختلاف إلا بالرد إلى الله والرسول، لا بالاقتداء بأحد من الخلق كائنا من كان، وأما مع عدم النص المخالف فالاقتداء بمن هدى الله من النبيين هو الواجب، كما قال تعالى: / ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ٣.\n_________\n(١) سقطت \"زوجها\"من: \"أ\".\n(٢) سورة النساء، الآية:٥٩.\n(٣) سورة الأنعام، الآية:٩٠.","vol":"1","page":26},{"text":"وأما ثناء الصحاف على مشايخه الستة الذين سماهم، وادعى أنهم من أهل العلم والفضل، وقدمهم على من سواهم.\nفيقال له: هذه الدعوى، وهذا الثناء، هو بحسب ما عندك وما ظهر لك، ومن تجاوزت به الغفلة والجهالة إلى أن يجعل عباد الله الموحدين من أهل الضلالة، الذين يكفرون أهل لا إله إلا الله \"لا إله إلا الله\"، ويجعل عباد الأولياء والصالحين، الذين يفزعون إليهم بالدعوة من دون رب العالمين هم أهل \"لا إله إلا الله\" كيف يعرف العلم والإيمان؟ أو يرجع إليه في تحقيق هذا الشأن؟ شعرا:\nما أنت بالحكم الترضى حكومته ... ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل\nوشهادة من لا يعرف العلم، أو النحو، أو الهندسة، أو الطب مثلا لشخص بأنه عالم، أو نحوي، أو مهندس، أو طبيب: شهادة زور، وقول بلا علم، وفي المثل: (لا يعرف الفضل إلا ذووه)، ولو عرف هذا الرجل الفضل وأهله، والعلم ومحله، لأحجم عن هذا الهذيان.\nوقد نقل لنا عن بعض هؤلاء الستة الذين سماهم واختارهم، ما يقتضي-إن صح - أن يحكم على صاحبه بأنه من المعطلة الضالين.\nويقال لهذا١ أيضا: هذه الدعوى قد ادعاها كل أحد لشيخه ومتبوعه، فادعتها الجهمية، والقدرية، والخوارج، والمعتزلة، والروافض، والنصيرية، ونحوهم من كل مبتدع ضال، فكل أحد يدعي أن شيخه وإمامه أولى بالعلم والإيمان من خصومه، والدعاوى المجردة لسنا منها\n_________\n(١) سقطت\"لهذا\" من: \"ب\"، و\"جـ\".","vol":"1","page":27},{"text":"في شيء، وقد قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿١١١﴾ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ١ ﴿١١٢﴾ .\nفإسلام الوجه لله هو: عبادته، والكفر بعبادة من سواه، وهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وهذه الكلمة / تتضمن العلم والعمل مع القول، فلا يكتفي ببعض ذلك؛ بل لابد من العلم والعمل والشهادة.\nوأما الإحسان فهو: أن تعبد الله بما شرع، لا بالأهواء والبدع، وهذا هو حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله، فإنها تقتضي وتتضمن وجوب متابعته، وتحريم معصيته، وأن السير إلى الله من طريقه ومحجته، هذا هو حقيقة اتباع الرسول، والشهادة له بالرسالة والدين كله يدخل في هذه الجملة الشريفة، وبسط الكلام عليها يستدعي أسفارا.\nوالسؤال الذي أجاب عنه هذا الرجل في رسالته، يلزم المفتي، ويجب عليه التفصيل في جوابه، ولا يجوز له إطلاق القول؛ لأن الحكم يختلف باختلاف الحال.\nوإطلاق القول بتكفير كل صالح من صلحاء الأمة، من غير تعيين يدخل فيه كل موصوف بهذه الصفة من حين مبعثه ﷺ إلى يوم الدين، وما أظن هذا يقع من عاقل يتصور ما يقول، مسلما كان أو كافرا، سنيا كان أو بدعيا؛ لأن الكافر لا يرى الحكم بالكفر٢ أو الإسلام، إذ هي أحكام\n_________\n(١) سورة البقرة، الآيتان:١١١، و١١٢.\n(٢) سقطت\"بالكفر\" من: \"ب\"، و\"جـ\".","vol":"1","page":28},{"text":"شرعية، لا يقول بها إلا أهل الشريعة.\nوأما المسلم: فلا يتصور أن يكفر صلحاء أهل ملته ودينه، وكذلك السني والبدعي كل منهما يدعي موالاة صلحاء الأمة، ويرى أنهم هم أسلافه وأئمته، وكل طائفة تدعي موالاة الصلحاء والبراءة من الفساق ونحوهم.\nوأما إن كان قصد السائل من يكفر معينا من هذه الأمة: فعليه أن يعبر بغير هذه العبارة الموهمة، والمجيب عليه أن يستفصل؛ لأن ترك الاستفصال فيه إيهام.\nولا شك أن تكفير بعض صلحاء الأمة ممكن الوقوع؛ بل قد وقع من الخوارج وغيرهم من أهل البدع.\nفيقال حينئذ١: إن كان المكفر لبعض صلحاء الأمة متأولا مخطئا، وهو ممن يسوغ له التأويل:\nفهذا وأمثاله ممن رفع عنه الحرج والتأثيم لاجتهاده، وبذل وسعه، كما في قصة حاتب بن أبي بلتعة فإن عمر - ﵁ - وصفه بالنفاق واستأذن رسول الله ﷺ في قتله /، فقال له رسول الله ﷺ: \"وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم٢\"، ومع ذلك فلم يعنف عمر على قوله لحاطب: إنه قد نافق.\n_________\n(١) في\"أ\": \"حينئذ يقال\".\n(٢) أخرجه البخاري في الجهادوالسير، باب الجاسوس: (ح/٣٠٠٧)، وانظر: (ح/٣٠٨١، ٣٩٨٣، ٤٢٧٤، ٤٨٩٠، ٦٢٥٩، ٦٩٣٩)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر: (ح/٢٤٩٤)، من حديث علي ﵁.","vol":"1","page":29},{"text":"وقد قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ١، وقد ثبت أن الرب ﵎ قال بعد نزول هذه الآية وقراءة المؤمنين لها: \"قد فعلت\"٢.\nوأما إن كان المكفر لأحد من هذه الأمة يستند في تكفيره له إلى نص وبرهان من كتاب الله وسنة رسوله، وقد رأى كفرا بواحا، كالشرك بالله، وعبادة ما سواه، والاستهزاء به تعالى، أو بآياته، أو رسله، أو تكذيبهم، أو كراهة ما أنزل الله من الهدى ودين الحق، أو جحود الحق٣، أو جحد صفات الله تعالى ونعوت جلاله ونحو ذلك:\nفالمكفر بهذا وأمثاله مصيب مأجور، مطيع لله ورسوله، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ ٤.\nفمن لم يكن من أهل عبادة الله تعالى، وإثبات صفات كماله، ونعوت جلاله، مؤمنا بما جاءت به رسله، مجتنبا لكل طاغوت يدعو إلى خلاف ما جاءت به الرسل، فهو ممن حقت عليه الضلالة، وليس ممن هدى الله للإيمان به، وبما جاءت به الرسل عنه.\nوالتكفير بترك هذه الأصول، وعدم الإيمان بها من أعظم دعائم\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية:٢٨٦.\n(٢) أخرجه مسلم في الإيمان باب بيان أنه ﷾ لم يكلف إلا ما يطاق: (ح/١٢٦) من حديث ابن عباس - رضي الله عنه_.\n(٣) سقطت\"أو جحود الحق\" من: \"ب\"، و\"جـ\".\n(٤) سورة النحل، الآية: ٣٦.","vol":"1","page":30},{"text":"الدين، يعرفه كل من كانت له نهمة في معرفة دين الإسلام، وغالب ما في القرآن إنما هو في إثبات ربوبيته تعالى، وصفات كماله، ونعوت جلاله، ووجوب عبادته وحده لا شريك له، وما أعد لأوليائه الذين أجابوا رسله في الدار الآخرة، وما أعد لأعدائه الذين كفروا به وبرسله، واتخذوا من دونه الآلهة والأرباب، وهذا بين بحمد الله.\nوقد يصدر التكفير لصلحاء الأمة، من أعداء الله ورسوله، أهل الإشراك به، والإلحاد في أسمائه، فهؤلاء يكفرون المؤمنين بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويعيبون أهل الإسلام، ويذمونهم / على إخلاص الدين، وتجريد المتابعة لرسول الله ﷺ، بل قد يقاتلونهم على ذلك، ويستحلون دماءهم وأموالهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ ١.\nفمن كفر المسلمين أهل التوحيد، أو فتنهم بالقتال، أو التعذيب: فهو من شر أصناف الكفار، ومن الذين بدلوا نعمة الله كفرا، وأحلوا قومهم دار البوار، جهنم يصلونها وبئس القرار، وفي الحديث: \"من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما\" ٢.\n_________\n(١) سورة البروج، الآية:١٠.\n(٢) أخرجه البخاري في الأدب باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال: (ح/٦١٠٣)، من حديث أبي هريرة. وبنحوه من حديث ابن عمر أخرجه البخاري في المصدر السابق: (ح/٦١٠٢)، ومسلم في الإيمان، باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم يا كافر: (١/٧٩) .","vol":"1","page":31},{"text":"وأما من أطلق لسانه بالتكفير لمجرد عداوة، أو هوى، أو لمخالفة في المذهب، كما يقع لكثير من الجهال: فهذا من الخطأ البين، والتجاسر على التكفير، والتفسيق١، والتضليل، لا يسوغ إلا لمن رأى كفرا بواحا عنده فيه من الله برهان.\nوالمخالفة في المسائل الاجتهادية، التي قد يخفى الحكم فيها على كثير من الناس، لا تقتضي كفرا ولا فسقا، وقد يكون الحكم فيها قطعيا جليا عند بعض الناس، وعند آخرين يكون الحكم فيها مشتبها خفيا، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها.\nوالواجب على كل أحد: أن يتقي الله ما استطاع، وما يظهر لخواص الناس من الفهوم والعلوم، لا يجب على من خفيت عليه عند العجز عن معرفتها، والتقليد ليس بواجب، بل غايته أن يسوغ عند الحاجة، وقد قرر بعض مشايخ الإسلام أن الشرائع لا تلزم إلا بعد البلوغ، وقيام الحجة، ولا يحل لأحد أن يكفر، أو يفسق بمجرد المخالفة للرأي والمذهب.\nوبقي قسم خامس، وهم: الذين يكفِّرون بما دون الشرك من الذنوب، كالسرقة، والزنا، وشرب الخمر:\nوهؤلاء هم الخوارج، وهم عند أهل السنة ضلالة مبتدعة، قاتلهم أصحاب رسول الله ﷺ؛ لأن الحديث قد صح بالأمر بقتالهم، والترغيب فيه، وفيه: \"أنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم\" ٢.\n_________\n(١) في\"ب\"، و\"جـ\": \"أو التفسيق\".\n(٢) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى:﴾ وإلى عاد أخاهم هودا ... ﴿: (ح/٣٣٤٤)، ومسلم في الزكاة باب ذكر الخوارج وصفاتهم: (ح/١٠٦٤) =","vol":"1","page":32},{"text":"وقد غلط كثير من المشركين في هذه الأعصار، وظنوا أن من كفّر من تلفظ بالشهادتين فهو من الخوارج، وليس كذلك؛ بل التلفظ بالشهادتين / لا يكون مانعا من التكفير إلا لمن عرف معناهما، وعمل بمقتضاهما، وأخلص العبادة لله، ولم يشرك به سواه، فهذا تنفعه الشهادتان.\nوأما من قالهما، ولم يحصل منه انقياد لمقتضاهما، بل أشرك بالله، واتخذ الوسائط والشفعاء من دون الله، وطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، وقرَّب لهم القرابين، وفعل لهم ما يفعله أهل الجاهلية من المشركين، فهذا لا تنفعه الشهادتان بل هو كاذب في شهادته، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ١.\nومعنى شهادة أن لا إله إلا الله هو: عبادة الله، وترك عبادة ما سواه، فمن استكبر عن عبادته، ولم يعبده، فليس ممن يشهد أن لا إله إلا الله، ومن عبده وعبد معه غيره، فليس هو ممن يشهد أن لا إله إلا الله.\nوأما قول السائل في سؤاله: \"ويعتقد أن أهل القسم٢ كلهم كفار معطلون، كاليهود والنصارى، ومن لم يكفرهم فهو كافر، وإذا لقيه أحد من المسلمين وسلم عليه قال: عليكم\".\nإلى آخر ما قال.\n_________\n= من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ _.\n(١) سورة المنافقون، الآية: ١.\n(٢) بالفتح ثم سكون، مصدر قسمت الشيء أقسمه قسما، اسم موضع عن الأديبي.\nانظر: \"معجم البلدان\": (٤/٣٩٦) .","vol":"1","page":33},{"text":"فاعلم أن أهل (القسم) يخفى حالهم علينا، ولا ندري ما هم عليه من الدين، وفيما تقدم من التفصيل كفاية، فالمكفر لهم لا يخرج عن الأقسام المتقدمة.\nوالصحاف قد خلط هنا، وأطال الهذيان، وزعم أن من كفَّرهم يكفر ولا يصلى خلفه، وقد عرفت أن المسألة١ فيها تفصيل كما قدمناه، وبه يعرف حكم الصلاة خلفه، وأنها لا تصح خلف من أشرك بالله، أو جحد أسماءه وصفاته لكفره، وأهم شروط الصلاة والإمامة هو الإسلام معرفته والعمل به.\nومن كفَّر المشركين ومقتهم، وأخلص دينه لله، فلم يعبد سواه فهو أفضل الأئمة وأحقهم بالإمامة؛ لأن التكفير بالشرك والتعطيل هو أهم ما يجب من الكفر بالطاغوت.\nوأما من كفَّر من ليس من أهل الكفر؛ لكنه متأول يسوغ تأويله: فهو أيضا من الأئمة المرضيين، إذا تمت له شروط الإمامة، وخطؤه مغفور له بنص الحديث.\nوأما من يكفر لهوى، أو عصبية، أو لمخالفة في المذهب، أو لأنه يرى رأي الخوارج:\nفهو/ فاسق لا يصلى خلفه إذا أمكنت الصلاة مع غيره، إلا إن كان ذا سلطان تخشى سطوته، فيصلى خلفه كما يصلي خلف أئمة الظلم والجور.\n_________\n(١) في النسختين: \"أ\"، و\"ب\": \"المسألة\"، والصواب ما أثبت.","vol":"1","page":34},{"text":"إذا عرفت: هذا فاعلم أن الصحاف ذكر في جوابه ما لا يتعلق بالسؤال، كمسبته وعيبه من يعيب مشايخه الذين ذكرهم، وترضى عنهم، كابن كمال، وعبد الله البصري، وحسين الدوسري وغيرهم ممن ذكر، وحكمه على من عابهم: أنه من الجهال المبتدعة، أكلة الحرام، الذين لا هم لهم في الدين، وأنهم ممن قال فيهم صاحب الزبد:\nوعالم بعلمه لم يعملن ... معذب من قبل عباد الوثن\nوأن همهم في جمع الدرهم والدينار، يعملون في تحصيلها أنواع الحيل بالليل والنهار.\nفهذا الكلام مجرد دعوى، ومسبة ينزه العاقل نفسه عن مثلها، ويكفي في ردها منعها وتكذيبها، ويمكن خصم الصحاف أن يقابلها ويعارضها بما هو محق فيه، كقوله: بل أنتم أهل الجهل بما بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، لم تعرفوه بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله من صفات الكمال، ونعوت الجلال، ولكنكم أخذتم العقيدة في ذلك عن أفراخ الفلاسفة واليونان، الذين هم من أعظم الخلق مناقضة لما نطق به القرآن، وما وصف به الرب نفسه في كتابه العزيز، وكذلك أنتم في باب معرفة حق الله وتوحيده من أضل الناس وأهلهم، تجعلون عبادة غير الله ودعاءه والاستغاثة والاستعاذة به، والذبح والنذر له١، والحب مع الله: توسلا بالصالحين وتشفعا بهم، وقد صرح بهذا أشياخ هذا الصحاف وأشياعه، وكتبوا به إلينا وإلى شيخنا رحمه الله تعالى.\n_________\n(١) سقطت\"له\" من: \"أ\".","vol":"1","page":35},{"text":"وعندهم: أن الإنسان لا يكفر، ولا يكون مشركا، إلا إذا اعتقد التأثير له من دون الله، ولم يفقهوا أن الله حكى عن المشركين في غير موضع من كتابه: أنهم يعترفون له بأنه هو المختص بالإيجاد والتأثير والتدبير، وأن غيره لا يستقل بشيء من ذلك، ولا يشاركه فيه، وحكى عن المشركين: أنهم ما قصدوا بعبادة من سواه إلا القربان والشفاعة، كما ذكر ذلك في غير موضع من كتابه.\nقال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء / وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ﴾ (١) .\nقال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ *﴾ ٢.\nومثل هذا كثير في القرآن، يخبر فيه تعالى أن المشركين يعترفون بأن الله هو المتفرد بالإيجاد والتأثير والتدبير.\nوقال تعالى في صفة شرك المشركين وبيان قصدهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ ٣.\n_________\n(١) سورة يونس، الآية:٣١، وفي\"جـ\" أكملت بقية الآية: ﴿فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ .\n(٢) سورة المؤمنون، الآيات:٨٤-٨٩.\n(٣) سورة يونس، الآية:١٨.","vol":"1","page":36},{"text":"وقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١.\nوقال: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً\nبَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ٢.\nفأبيتم علينا هذا كله، وقلتم هذا دين الوهابية ونعم هو ديننا بحمد الله. ورضي الله عن الشافعي إذ يقول:\nيا راكبا قف بالمحصب من منى ... واهتف بقاعد٣ خيفها والناهض\nإن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي\n_________\n(١) سورة الزمر، الآية:٣.\n(٢) سورة الأحقاف، الآية:٢٨.\n(٣) في\"أ\": \"بجانب\"، وهو خطأ.","vol":"1","page":37},{"text":"فصل:\nقال الصحاف: \"وأنهم إذا سمعوا من يذكر الله جهرا بأنواع الأذكار، ويصلي على الرسول جهرا خصوصا على المنار، كما يفعله سائر أهل الأمصار، أنكروا ذلك ونفروا عنه وفروا\".\nفيقال: أما ذكر الله جهرا بأنواع الأذكار، فلا نعلم أحدا من المسلمين بحمد الله تعالى١ ينكره أو ينفر عنه، وإطلاق هذه العبارة من الكذب البين، والبهت الظاهر الذي لا يمتري فيه من عرف حال من يشير إليهم هذا الرجل، وليس هذا بعجيب من جرأته وظلمه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ٢.\nنعم؛ قد أنكروا ما يفعله كثير من جهلة أهل الطرائق المبتدعة، من الاجتماعات على السماع الشيطاني، وقيامهم / بين يدي المنشد يميلون ويرقصون.\nوبعضهم يذكر الله بمجرد الاسم الظاهر٣ أو المضمر٤، ويزعم أن هذا هو ذكر الخواص أهل المعرفة والتحقيق، فهؤلاء مبتدعة ضلال، وما فعلوه ليس بذكر شرعي، بل هو دين مبتدع غير مرضي، قال الله تعالى: ﴿أَمْ\n_________\n(١) سقطت\"تعالى\" من: \"أ\".\n(٢) سورة النحل، الآية:١٠٥.\n(٣) كأن يقول: \"الله..الله\".\n(٤) كأن يقول: \"هو..هو\".","vol":"1","page":38},{"text":"لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ ١.\nوقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.\nوفي الحديث: \"إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة\" ٣.\nوكل عالم يعرف أن هذا السماع الشيطاني مبتدع، لم يحدث إلا بعد القرون المفضلة، وقد أنكره عامة أئمة الإسلام، وأشدهم في ذلك أتباع الإمام مالك بن أنس، الذي ينتسب هذا الرجل إلى مذهبه، وكفى به جهلا وضلالا أن يعيب ما عليه قدماء أئمته وفضلاؤهم، ونصوصهم موجودة بأيدينا، في إنكار هذا السماع الشيطاني، تضليل فاعله وتفسيقه.\nوقد صنف ابن قيم الجوزية في هذا الذكر المبتدع كتابا مستقلا٤ قرر فيه مذاهب الأئمة في حكم هذا السماع، وأنه محرم لا يجوز.\nوإن كان قصد هذا المعترض: خصوص رفع الصوت بالصلاة على الرسول ﷺ بعد الأذان، كما يفعله أهل الأمصار، فقد صدق في حكاية\n_________\n(١) سورة الشورى، الآية:٢١.\n(٢) سورة الجاثية، الآية:١٨.\n(٣) أخرجه مسلم في الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة: (ح/٨٦٧)، من حديث جابر ﵁.\n(٤) هو كتاب: \"الكلام في مسألة السماع\"، ط. دار العاصمة، وهو كتاب عظيم النفع، جليل القدر.","vol":"1","page":39},{"text":"إنكار هذا عنهم١ والنهي عنه، وهم لا ينازعون في مشروعية الصلاة على الرسول ﷺ سرا وجهرا، بل يستحبونها ويوجبونها في الصلاة، ويرون أنها من جملة الأركان فيها.\nلكنهم يرون أن ما يفعله أهل الأمصار، على المنائر٢ بعد الأذان، مبتدع محدث في القرن الخامس والسادس، وسبب إحداثه رؤيا رآها بعض ملوك مصر، على ما ذكره بعض المؤرخين، وقد أنكره بعض الأئمة، وقالوا: هو بدعة لم يفعله ﷺ مع التمكن من فعله، ولم يفعله أحد من أئمة الهدى بعده، ولا غيرهم من أهل القرون المفضلة، وقد أمرنا بالاتباع، ونهينا عن / الابتداع.\nقال ابن مسعود: \" اتبعوا ولا تبتدعوا، ومن كان منكم مستنا فعليه بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم٣ أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، والقيام بدينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم\"- أو كما قال.\nوقد تقدم من الآيات والأحاديث ما يدل لقوله ويشهد له، وكتب قدماء أهل المذاهب الأربعة، وجمهور متأخريهم ليس فيها استحباب هذا ولا الأمر به، بل فيها ما يدل على منعه، وأن الواجب هو ما شرعه الله ورسوله.\n_________\n(١) في\"ب\"، و\"جـ\": \"منهم\".\n(٢) في\"جـ\": \"المنابر\".\n(٣) سقطت\"ﷺ\"من: \"ب\".","vol":"1","page":40},{"text":"قالوا: وأما الصلاة والسلام عليه سرا بعد الأذان، وسؤال الله له الوسيلة والفضيلة، فهذا مشروع قد ورد به الخبر، وصح به الأثر١، وليس مع من خالفهم من الأدلة ما يجب المصير إليه، وإنما يعيب على من منع البدع، واختار السنن أهل الجهالة والسفاهة ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾ ٢.\nثم إن هذا المفتري٣ الصحاف أطلق لسانه بالمسبة، وأطال في ذلك، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ ٤، وقد قيل في المثل: وقال العلي: أنا ذاهب إلى المغرب، فقالت الحماقة: وأنا معك.\nوقد ذكر في جوابه من الحشو والكلام، الذي لا يقتضيه المقام، ما يدل على قصوره وعجزه، وعدم ممارسته لصناعة العلم، كما ذكر قضيته مع راشد بن عيسى، في مسألة الهبة واختلافهما في لزومها، ومسألة العقد\n_________\n(١) وذلك فيما رواه جابر بن عبد اله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\"من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة\"،أخرجه البخاري في الأذان، باب الدعاء عند النداء (ح/٦١٤) .\nوكذلك فيما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول:\"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ، فإن من صلى عليّ صلاة صلى اله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة ... \"، أخرجه مسلم في الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن: (ح/٣٨٤) .\n(٢) سورة الأعراف، الآية:٤٥.\n(٣) في\"أ\":\"المغربي\".\n(٤) سورة الشعراء، الآية:٢٢٧.","vol":"1","page":41},{"text":"على اليتيمة؛ فلقد أبدى بذلك ما خفي من جهله، ورب كلمة تقول دعني.\nوكلامهم في الهبة ولزومها كلام غير محقق، والناس مختلفون في الهبة ولزومها هل هو بالعقد فقط، أو لابد من القبض؟ وعن بعضهم ما يقتضي التفرقة بين المكيل والموزون وغيرهما.\nواختلف الناس أيضا هل تبطل بالموت قبل القبض أو لا، واختلف القائلون باشتراط القبض هل يشترط فيما وهبه لزوجته أو لا يشترط؟ /\nوأدلة هذه الأقوال ومآخذها، والرد على المخالف مبسوط في المطولات، ولا غرض لنا في ذكره، وإنما قصدنا أن حكم هذا الصحاف على أحد الأقوال بالصحة مع قصوره عن معرفتها ومعرفة أدلتها، والتزامه التقليد: حكم باطل لا يجوز، وما للأعمى ونقد الدراهم؟\nوحكمه على الذي أفتى بخلاف قوله، بأنه ضال عن سبيل الرشاد، حكم باطل، أوجبه ما بينهما من التنافس والعناد، ومثل هذه المسائل الاجتهادية لا يجوز لأحد أن ينكر فيها على خصمه بمجرد التقليد، وحكاية فروع المذهب، بل لابد من الدليل على ذلك من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس صحيح، ومن كلام شيخ الإسلام: \"من ترك الدليل، ضل السبيل\".\nوجميع ما ذكره: إنما هو مجرد نقل لأقوال بعض المالكية، كالشيخ خليل، وعبد الباقي، وابن عرفة وأمثالهم، وتقليد هؤلاء إنما يسوغ عند الضرورة، والمقلد لهم أو لغيرهم ليس من أهل العلم بالإجماع، كما حكاه ابن عبد البر إمام المالكية عمن يحفظ قوله من أهل العلم، فكيف","vol":"1","page":42},{"text":"والحال هذه يحكم هذا الجاهل الذي ليس هو من أهل العلم عند أئمة مذهبه وغيرهم بصحة جوابه، وفساد قول خصمه وضلاله؟ وهل يعلم هذا إلا بالنص من كلام الله، أو كلام رسوله، أو إجماع الأمة؟\nفما للمقلد والحكم بالصحة والصواب، وقد جهل نصوص السنة والكتاب؟ ومن تشبع بما لم يعط فهو كلابس ثوبي زور.\nوقوله: فلا شك أن الطاعن في أهل القسم من أهل النار بعيد عن الهدى، وأنهلا يفلح أبدا في الدنيا خاسر أي خاسر، وفي الآخرة إلى النار صائر، إلى آخر عبارته.\nفهذا الكلام لا يصدر من عاقل، يعرف ما خرج من بين شفتيه، نعوذ بالله من الجهل المردي، والهوى المعمي، وهذه المسبة والحكم على المخالف في هذه المسالة١ بالنار، مما تقشعر منه جلود الذين آمنوا، وما أشبهها بأخلاق أهل المجون، وأصحاب الوقاحة والجنون.\nوكان ينبغي لنا أن نعد هذه الفتوى من جملة هذيان / الضالين، وأن نكف القلم عن إجابة هذه النوع من المفترين، ولكن الضرورة اقتضت، فلا إله إلا الله، ما أشد غربة الدين، وما أقل العارفين له والمميزين، كيف يقر مثل هذا بين ظهراني من له عقل يميز به الخبيث من الطيب، ويفرق به بين الآجن والصيب؟ وأصحاب رسول الله ﷺ لم يكفِّروا من كفَّرهم من الخوارج الحرورية، وقد سئل علي رضي الله عنه٢، فقيل له أكفار هم؟ فقال: \" من الكفر فروا\".\n_________\n(١) في النسختين\"أ\"،و\"ب\":\"المسئلة\".\n(٢) في\"أ\":\"كرم الله وجهه\".","vol":"1","page":43},{"text":"وفي الحديث: \"أن رجلا فيمن قبلنا رأى من يعمل بالمعاصي فاستعظم ذلك، وقال: والله لن يغفر الله لفلان، فقال الله: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان إني قد غفرت له وأحبطت عملك\" ١.\nوأما قوله: \"ومن تسمى بالإسلام، وأحب محمدا سيد الأنام، وأحب أصحابه الكرام، واتبع العلماء الأعلام، لا يكفِّر أحدا من سائر المسلمين فضلا عن هداتهم في الدين، اللهم إلا أن يكون من الغلاة الذين أسقطوا حرمة \"لا إله إلا الله\"، وسوَّل لهم الشيطان وأملى لهم، حيث استباحوا دماء المسلمين- إلى آخر رسالته.\nفيقال في جوابه: هذا الجاهل يظن أن من أشرك بالله، واتخذ معه الأنداد والآلهة، ودعاهم مع الله لتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، يحكم عليه والحال هذه بأنه من المسلمين؛ لأنه يتلفظ بالشهادتين، ومناقضتهما٢ لا تضره، ولا توجب عنده كفره، فمن كفَّره فهو من الغلاة الذين أسقطوا حرمة \"لا إله إلا الله\"، وهذا القول مخالف لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم، ويسالهم، ويتوكل عليهم كفر إجماعا) ٣ انتهى.\n_________\n(١) سقطت\"وأحبطت عملك\"من\"ب\".\nوالحديث أخرجه مسلم في البر والصلة، باب النهي عن تقنيط الإنسان من رحمة الله تعالى: (ح/٢٦٢١) من حديث جندب بن عبد الله - رضي الله عنه_.\n(٢) في\"جـ\":\"ومناقصتها\".\n(٣) انظر:\"الفتاوى\": (١/١٢٤) .","vol":"1","page":44},{"text":"ومجرد التلفظ، من غير التزام لما دلت عليه كلمة الشهادة، لا يجدي شيئا، والمنافقون يقولونها وهم في الدرك الأسفل من النار.\nنعم؛ إذا قالها المشرك ولم يتبين منه ما يخالفها، فهو ممن يكف عنه بمجرد القول، ويحكم بإسلامه، وأما إذا تبين منه، وتكرر عدم التزام ما دلت عليه من الإيمان بالله وتوحيده، والكفر بما يعبد من / دونه، فهذا لا يحكم له بالإسلام ولا كرامة له، ونصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة تدل١ على هذا.\nفمن تسمى بالإسلام حقيقة، وأحب محمدا، واقتدى به في الطريقة، وأحب أصحابه الكرام، ومن تبعهم من علماء الشريعة، يجزم ولا يتوقف بكفر من سوى بالله غيره، ودعا معه سواه من الأنداد والآلهة، ولكن هذا الصحاف يغلط في مسمى الإسلام، ولا يعرف حقيقته، وكلامه يحتمل أنه قصد الخوارج الذين يكفرون بما دون الشرك من الذنوب، وحينئذ يكون٢ له وجه، ولكنه احتمال بعيد، والظاهر الأول.\nوقد ابتلي بهذه الشبهة، وضل بها كثير من الناس، وظنوا أن مجرد التكلم بالشهادتين مانع من الكفر، وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ٣.\nوقال تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٤.\n_________\n(١) في\"ب\"،و\"جـ\":\"يدل\".\n(٢) في\"أ\":\"فيكون\".\n(٣) سورة المؤمنون، الآية:١١٧.\n(٤) سورة يونس، الآية:١٠٦.","vol":"1","page":45},{"text":"وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ ١.\nفالتكفير بدعاء غير الله: هو نص كتاب الله، وفي الحديث: \"من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار\" ٢.\nوفي الحديث أيضا أن رسول الله ﷺ قال: \" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها\" ٣، وفي رواية: \" إلا بحق الإسلام\" ٤.\nوأعظم حق الإسلام وأصله الأصيل هو: عبادة الله وحده، والكفر بما يعبد من دونه، وهذا هو الذي دلت عليه كلمة الإخلاص، فمن قالها وعبد غير الله، أو استكبر عن عبادة الله فهو مكذب لنفسه، شاهد عليها بالكفر والإشراك.\nوقد عقد كل طائفة من أتباع الأئمة، في كتب الفقه بابا مستقلا في\n_________\n(١) سورة الرعد، الآية:١٤.\n(٢) أخرجه البخاري في التفسير، باب﴾ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ﴿: (ح/٤٤٩٧)، وأيضا في الجنائز: (ح/١١٢٣٨)، وأيضا في الأيمان والنذور، باب\"إذا قال الله لا أتكلم اليوم\": (ح/٦٦٨٣)، من حديث ابن مسعود – ﵁ -.\n(٣) أخرجه مسلم في الأيمان، باب الأمر بقتال الناس..: (١/٥٣)، من حديث جابر.\nوبنحوه البخاري في الجهاد والسير، باب دعاء النبي ﷺ الناس إلى الإسلام والنبوة: (ح/٢٩٤٦)، من حديث أبي هريرة – ﵁ -.\n(٤) أخرجه البخاري في الأيمان، باب﴾ فإن تابوا وأقاموا الصلاة ... ﴿: (ح/٢٥) .","vol":"1","page":46},{"text":"حكم المرتد، وذكروا أشياء كثيرة يكفر بها الإنسان، ولو كان يشهد أن لا إله إلا الله، وقد قال تعالى في النفر الذين قالوا في غزوة تبوك بعض القول الذي فيه ذم لرسول الله ﷺ ومن معه من أصحابه: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم / بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١، فكفَّرهم بعد إيمانهم بالاستهزاء، ولو كان على وجه المزح واللعب، ولم يمنع ذلك قوله \"لا إله إلا الله\".\nوكذلك: إجماع الأمة على كفر من صدق مسيلمة الكذاب، ولو شهد \"أن لا إله إلا الله\"، وقد كفَّر الصحابة أهل مسجد بالكوفة بكلمة ذكرت عنهم في احتمال صدق مسيلمة، ولم يلتفت أصحاب رسول الله ﷺ إلى أنهم يشهدون \"لا إله إلا الله\"؛ لأنه قد وجد منهم ما ينافيها، ويناقضها ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهمُ مِن نُّورٍ﴾ ٢.\nوبالجملة فالذي يقوم بحرمة \"لا إله إلا الله\": هم الذين جاهدوا الناس عليها، ودعوهم على التزامها علما وعملا، كما هي طريقة رسل الله وأنبيائه، ومن تبعهم بإحسان، كشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى-، وأما من أباح الشرك بالله، وعبادة غيره، وتولى المشركين، وذب عنهم، وعادى الموحدين وتبرأ منهم فهو الذي أسقط حرمة \"لا إله إلا الله\"، ولم يعظمها، ولا قام بحقها، ولو زعم أنه من أهلها القائمين بحرمتها.\n_________\n(١) سورة التوبة، الآيتان:٦٥،و٦٦.\n(٢) سورة النور، الآية:٤٠.","vol":"1","page":47},{"text":"وأما ما ساقه هذا الصحاف من كلام شيخه حسين الدوسري: فالخصم يعارضه ويمنعه، وما ذكره١ ليس بحمد الله تعالى من أوصاف أهل التوحيد، ولكنه وصف أهل الشرك والتنديد.\nوالذي أنكر الطاعة، وعصى ربه في كل ساعة، واتبع هوى نفسه الخداعة، وشذ عن السنة، وفارق الجماعة، ووافق الشبهة وأهل الإضاعة، هو من كانت طريقته عبادة غير الله، والاستعانة بغير مولاه، وصرف الوجه لغير من خلقه وسوَّاه، والتعبد بغير الذي شرعه الله، على لسان عبده الذي اصطفاه، من٢ أهل التوحيد والتضليل، والإلحاد والتمثيل، الذين اختلفوا في الكتاب وخالفوا الكتاب، وضلوا عن الصواب.\nوأما قول الصحاف نقلا عن شيخه الدوسري: \" أما كفَّروا العلماء؟ أما سفكوا الدماء؟ أما استحلوا المحرمات؟ أما روعوا المسلمين والمسلمات؟ أما أسخطوا رب السموات؟ أم رجفوا أهل الحرم؟ أما تجاسروا على حجرة من ﷺ؟ فلا أفلح من ظلم\".\nفالجواب عن هذا أن يقال: كل عاقل يعرف سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب – ﵀ – يعلم أنه من أعظم الناس إجلالا للعلم / والعلماء، ومن أشد الناس نهيا عن تكفيرهم وتنقصهم وأذيتهم، بل هو ممن يدين بتوقيرهم وإكرامهم والذب عنهم، والأمر بسلوك سبيلهم، عملا بقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ\n_________\n(١) في\"أ\":\"ماذكر\".\n(٢) سقطت\"من\"من:\"أ\".","vol":"1","page":48},{"text":"بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ ١ الآية.\nوبقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ ٢ الآية.\nوبقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ ٣.\nفالإيمان والتقوى هما أصل العلم بالله وبدينه وشرعه، فكيف يظن بمسلم فضلا عن شيخ الإسلام أنه يكفر العلماء؟ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيم ٌ﴾ .\nوالشيخ – ﵀ – لم يكفر إلا من كفَّره الله ورسوله وأجمعت٤ الأمة على كفره، كمن اتخذ الآلهة والأنداد لرب العالمين، ولم يلتزم ما جاءت به الرسل من الإسلام والدين، أو جحد ما نطق به الكتاب المبين، من صفات الكمال، ونعوت الجلال، لرب العالمين، وكذلك من نصب نفسه لنصرة الشرك والمشركين، وزعم أنه توسل بالأنبياء والصالحين، وأنه مما يسوغ في الشرع والدين، فالشيخ وغيره من جميع المسلمين، يعلمون أن هذا من أعظم الكفر وأفحشه.\nولكن هذا الجاهل، يظن أن من زعم أنه يعرف شيئا من أحكام الفروع، وتسمى بالعلم، وانتسب إليه يصير بذلك من العلماء، ولو فعل\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية:٧١.\n(٢) سورة الحشر، الآية:١٠.\n(٣) سورة يونس، الآيتان: ٦٢،و٦٣.\n(٤) في\"أ\":\"واجتمعت\".","vol":"1","page":49},{"text":"ما فعل، ولم يدر هذا الجاهل أن الله كفَّر علماء أهل الكتاب والتوراة والإنجيل بأيديهم، وكفَّرهم رسوله لما أبوا أن يؤمنوا بما جاء به محمد ﷺ من الهدى ودين الحق.\nولا ضير على الشيخ بمسبة هؤلاء الجهال، وله أسوة بمن مضى من أصحاب رسول الله ﷺ، ومن بعدهم من أهل الإيمان والاهتداء.\nقال الشافعي – ﵀ –: (ما أرى الناس ابتلوا بسب أصحاب رسول الله ﷺ إلا ليزيدهم الله بذلك ثوابا عند انقطاع أعمالهم)، وما أحسن ما قيل: شعرا\nقدمت لله ما قدمت من عمل ... وما عليك بهم ذموك أو شكروا\nعليك في البحث أن تبدي غوامضه ... وما عليك إذا لم تفهم البقر\nوقد اعترضت اليهود والنصارى على عبد الله ورسوله بالقتال، وسفك الدماء، وسبي الذرية، وقالوا: إنما يفعل هذا الملوك المسلطون، وحكاياتهم في ذلك معروفة مشهورة عند أهل العلم، ويكفي في ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ١ الآية/.\nوأما قوله: \"أما رجفوا أهل الحرم\".\nفلا يخفى أن الذي جرى في الحرمين، من أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو: هدم القباب التي أسست على معصية الله ورسوله، وصارت من أعظم وسائل الشرك وذرائعه، وكسَّروا آلات التنباك وسائر\n_________\n(١) سورة النساء، الآية:٥١.","vol":"1","page":50},{"text":"المسكرات، وألزموا الناس المحافظة١ على الصلوات في الجماعات، ونهوا عن لبس الحرير، وألزموهم بتعلم أصول الدين، والالتفات إلى ما في الكتاب والسنة من أدلة التوحيد وبراهينه.\nوقرروا الكتب المصنفة في عقائد السلف أهل السنة والجماعة، في باب معرفة الله بصفات كماله، ونعوت جلاله، وقرروا٢ إثبات ذلك من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تشبيه ولا تمثيل، وأنكروا على من قال بقول الجهمية في ذلك، وبدَّعوه، وفسقوه، فإن كان هذا إرجافا للحرم فحبذا هو، وما أحسن ما قيل:\nوعيرني٣ الواشون أني أحبها وتلك شكاة ظاهر عنك عارها\nوقد أمر الله تعالى من خاض في مثل هذا أن يتكلم بعلم وعدل، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ ٤ الآية.\nوهذا الرجل كلامه جهل محض وجور ظاهر، وأصله الذي يرجع إليه هو الانتصار للنفس والهوى، لا لنصر الحق والهدى.\nوأما التجاسر على حجرة رسول الله ﷺ: فكأنه يشير به إلى المال الذي استخرجه الأمير سعود من الحجرة الشريفة، وصرفه في أهل المدينة، ومصالح الحرم، وهو﵀- لم يفعل هذا إلا بعد أن أفتاه\n_________\n(١) في\"أ\": \"بالمحافظة\".\n(٢) في\"أ\": \"وقد روي\".\n(٣) في\"أ\": \"وغيرها\".\n(٤) سورة النساء، الآية:١٣٥.","vol":"1","page":51},{"text":"علماء المدينة من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، فاتفقت فتواهم على أنه يتعين ويجب على ولي الأمر إخراج المال الذي في الحجرة، وصرفه في حاجة أهل المدينة وجيران الحرم؛ لأن المعلوم السلطاني قد منع في تلك السنة، واشتدت الحاجة والضرورة إلى استخراج هذا المال وإنفاقه، ولا حاجة لرسول الله ﷺ إلى إبقائه في حجرته، وكنزه لديه، وقد حرم كنز الذهب والفضة وأمر بالإنفاق في سبيل الله، لا سيما إذا كان المكنوز مستحقا لفقراء المسلمين، وذوي الحاجة منهم، كالذي بأيدي الملوك والسلاطين.\nفلا شك أن استخراجها على هذا الوجه، وصرفها في مصارفها الشرعية أحب إلى الله ورسوله من إبقائها واكتنازها، وأي فائدة في إبقائها عند رسول الله ﷺ، وأهل المدينة في أشد الحاجة والضرورة إليها؟\nوتعظيم الرسول وتوقيره: إنما هو في اتباع / أمره، والتزام دينه وهديه؛ فإن كان عند من أنكر علينا دليل شرعي يقتضي تحريم صرفها في مصالح المسلمين فليذكره لنا، ولم يضع هذا المال أحد من علماء الدين الذين يرجع إليهم، وليس عند هؤلاء إلا اتباع عادة أسلافهم ومشايخهم، يعرف هذا من ناظرهم ومارسهم، ودعواهم عريضة وعجزهم ظاهر.\nوقد أطال هذا الصحاف فيما نقله عن شيخه حسين الدوسري، وأكثر فيه من النصيحة، ولا بأس بالنصائح لمن أراد الحق وتوخاه، ونهى عما يسخطه الرب ولا يرضاه، ولم يلحد في أسمائه ولم يعبد سواه، فهذا هو الصادق في نصحه وقوله الذي أبداه.","vol":"1","page":52},{"text":"بخلاف من توهم الأمر على خلاف ما هو عليه، ولبس الحق بالباطل لديه، واعتقد أن المجاهد لإعلاء كلمة الله يشار بالذم إليه، فعمل مثل هذا ﴿كَسَرَاب ٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ ١.\nنسأل الله تعالى أن يمن علينا بالهداية إلى صراطه المستقيم، والفوز لديه بجنات النعيم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم٢.\nأملاه٣ الفقير إلى الله عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وعفى عنه.\n_________\n(١) سورة النور، الآيتان:٣٩، و٤٠.\n(٢) سقطت\"وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم\"من: \"ب\"، و\"جـ\".\n(٣) من هنا إلى الآخر ليس في\"أ\"ما نصه:\n\"غفر الله لكاتبها، ولمؤلفها، ولوالديهما، ولمن نظر فيها، وعمل بها إنه جواد كريم، وافق الفراغ من هذه النسخة المباركة شهر ربيع الآخر، مضاياه إحدى عشر يوم من سنة ثلاثمائة وألف وأحد عشرة في ١١ سنة ١٣١١هـ\nفيا رب اغفر لمن كاتبه وعم به يا رب من قال آمينا\nإن تجد عيبا فسدّ الخلل جل من لا عيب فيه وعلى\"\nوكتب في هامشها ما نصه: \"بلغ مقابلة وتصحيح على الأصل بحسب الطاقة والإمكان\". =","vol":"1","page":53},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وجاء في خاتمة النسخة \"ب\" ما نصه:\n\"وقع الفراغ من نسخة منها نهار الثلاثاء من ربيع الآخر وذلك في سنة١٣٣٨ بقلم الفقير إلى الله عز شأنه صالح بن سليمان بن سمحان غفر الله له، ولوالديه وللمسلمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا آمين\".\nقال أبو عبد اله: وكان الفراغ من تحقيق هذه الرسالة المباركة في اليوم الرابع من شهر رمضان المبارك من عام أربعة عشر وأربعمائة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.\nوكتبه/ أبو عبد الله عبد العزيز بن عبد الله بن إبراهيم الزير آل حمد","vol":"1","page":54}]}