{"ً":{"ٌ":7532,"ٍ":"الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم القرآن/الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم - القصير - ط ابن الجوزي","files":["98115.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الأحاديْثُ المُشْكِلَةُ الواردةُ في تفسير القرآنِ الكريم (عَرْضٌ وَدِراسَةٌ)\nالمؤلف: د. أحمد بن عبد العزيز بن مُقْرِن القُصَيِّر\nالناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٠ هـ\nعدد الأجزاء: ١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]\n(وقد أهداه مؤلفه - جزاه الله خيرا - للمكتبة الشاملة)","ْ":"[الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم - أحمد القصير]\n\nالأَحَادِيثُ المُشْكِلَة الوَارِدَةُ في تَفْسِيرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، مِنْ خِلالِ الكُتُبِ التِّسْعَةِ، جمعًا ودراسة\nوهي رسالة الدكتوراة لـ د: أحمد بن عبد العزيز المقرن القصير\nوتتكون الرسالة من مقدمة، وقسمين وخاتمة:\nالمقدمة: وتحتوي على أهمية البحث، وخطة البحث، والمنهج المتبع فيه.\nالقسم الأول: ويحتوي على دراسة نظرية في الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، وقد تناول هذا القسم تعريف المشكل والتعارض، وأسباب وقوع التعارض، وشروطه، ومسالك العلماء في دفعه، ثم بيان المراد بالأحاديث المشكلة الواردة في التفسير، وخُتم هذا القسم ببيان عناية العلماء بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم.\nالقسم الثاني: وهو عبارة عن دراسة تطبيقية للأحاديث المشكلة الواردة في التفسير، وقد جاء في ثلاثة فصول:\nالأول: وفيه دراسة الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع القرآن الكريم.\nالثاني: وفيه دراسة الأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما ويُوهِمُ ظاهرها التعارض فيما بينها.\nالثالث: وفيه دراسة الأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما ويُوهِمُ ظاهرها معنى مشكلًا.\nالخاتمة: وفيها أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث، وكان من أهمها:\n١ - أن هذا الموضوع يعد نافذة جديدة في مجال الدراسات القرآنية، حيث لم يفرد من قبل بالتصنيف.\n٢ - بلغ مجموع الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم - التي تمت دراستها - ستة وسبعين حديثًا، وهي على التفصيل الآتي:\nأحاديث التفسير المشكلة الواردة في الصحيحين سبعة وأربعين حديثًا، والأحاديث التي كان منشأَ الإشكال فيها وَهْمٌ من بعض الرواة أحد عشر حديثًا، عشرة منها جاءت في الصحيحين، وبلغ مجموع الأحاديث المشكلة - التي ثبت بعد الدراسة والتحقيق أنها ضعيفة - خمسة عشر حديثًا","ٓ":"1.0","ٔ":64,"ٕ":4,"ٖ":1770153822,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"أصل هذا الكتاب","level":1,"page":2},{"title":"المقدمة","level":1,"page":3},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":6},{"title":"منهج البحث","level":2,"page":8},{"title":"شكر وتقدير","level":2,"page":10},{"title":"القسم الأول دراسة نظرية في الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم","level":1,"page":12},{"title":"الفصل الأول تعريف المشكل، وبيان الفرق بينه وبين التعارض والمختلف","level":2,"page":13},{"title":"المبحث الأول: تعريف المشكل في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":14},{"title":"المطلب الأول: تعريف المشكل في اللغة","level":4,"page":14},{"title":"المطلب الثاني: تعريف المشكل في الاصطلاح","level":4,"page":15},{"title":"أولا: تعريف المشكل في اصطلاح الأصوليين","level":5,"page":15},{"title":"ثانيا: تعريف المشكل في اصطلاح المحدثين","level":5,"page":17},{"title":"ثالثا: تعريف المشكل عند علماء التفسير وعلوم القرآن","level":5,"page":19},{"title":"رابعا: التعريف العام للمشكل","level":5,"page":22},{"title":"المبحث الثاني: تعريف التعارض في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":23},{"title":"المطلب الأول: تعريف التعارض في اللغة","level":4,"page":23},{"title":"المطلب الثاني: تعريف التعارض في الاصطلاح","level":4,"page":24},{"title":"المبحث الثالث: تعريف المختلف في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":26},{"title":"المطلب الأول: تعريف المختلف في اللغة","level":4,"page":26},{"title":"المطلب الثاني: تعريف مختلف الحديث في الاصطلاح","level":4,"page":26},{"title":"المبحث الرابع: الفرق بين المشكل والتعارض والمختلف","level":3,"page":28},{"title":"المطلب الأول: الفرق بين مشكل الحديث ومختلف الحديث","level":4,"page":28},{"title":"المطلب الثاني: الفرق بين التعارض والمختلف","level":4,"page":28},{"title":"المطلب الثالث: الفرق بين مشكل الحديث وموهم التعارض","level":4,"page":29},{"title":"الفصل الثاني: أسباب التعارض، وشروطه، ومسالك العلماء في دفعه","level":2,"page":30},{"title":"المبحث الأول: أسباب وقوع التعارض بين النصوص الشرعية","level":3,"page":31},{"title":"المبحث الثاني: شروط التعارض بين النصوص الشرعية","level":3,"page":34},{"title":"المبحث الثالث: مسالك العلماء في دفع التعارض بين النصوص الشرعية","level":3,"page":36},{"title":"الفصل الثالث: المراد بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، وبيان الفرق بينها وبين مشكل القرآن، ومشكل الحديث","level":2,"page":38},{"title":"المبحث الأول: المراد بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم","level":3,"page":39},{"title":"المبحث الثاني: الفرق بين الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، ومشكل القرآن","level":3,"page":40},{"title":"المبحث الثالث: الفرق بين الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، ومشكل الحديث","level":3,"page":41},{"title":"الفصل الرابع: عناية العلماء بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم","level":2,"page":42},{"title":"المبحث الأول: أحاديث التفسير المشكلة في كتب «التفسير وعلوم القرآن»","level":3,"page":44},{"title":"المبحث الثاني: أحاديث التفسير المشكلة في كتب «مشكل الحديث»","level":3,"page":46},{"title":"المبحث الثالث: أحاديث التفسير المشكلة في كتب «الحديث وشروحه»","level":3,"page":47},{"title":"المبحث الرابع: أحاديث التفسير المشكلة في كتب أخرى متفرقة","level":3,"page":50},{"title":"القسم الثاني دراسة تطبيقية للأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم","level":1,"page":51},{"title":"الفصل الأول الأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض مع القرآن الكريم","level":2,"page":52},{"title":"المسألة [١]: في حكم المفاضلة بين الأنبياء ﵈","level":3,"page":53},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة","level":4,"page":53},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض مع الآيات","level":4,"page":53},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والأحاديث","level":4,"page":54},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والأحاديث","level":4,"page":54},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":59},{"title":"المسألة [٢]: في تأخير الأجل بالبر والصلة","level":3,"page":62},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة","level":4,"page":62},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض مع الآيات","level":4,"page":62},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والأحاديث","level":4,"page":63},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والأحاديث","level":4,"page":63},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":79},{"title":"المسألة [٣]: في حد الإماء إذا أتين بفاحشة","level":3,"page":82},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":82},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآية","level":4,"page":82},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث","level":4,"page":86},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث","level":4,"page":87},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":97},{"title":"المسألة [٤]: هل ينشئ الله تعالى للنار خلقا فيعذبهم فيها؟","level":3,"page":100},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة","level":4,"page":100},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآيات","level":4,"page":100},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والحديث","level":4,"page":101},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث","level":4,"page":101},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":105},{"title":"المسألة [٥]: في الحدود هل هي كفارة لأهلها أم لا؟","level":3,"page":110},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":110},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآية","level":4,"page":110},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث","level":4,"page":113},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث","level":4,"page":114},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":125},{"title":"المسألة [٦]: في عصمة الله تعالى لنبيه - ﷺ - من الناس","level":3,"page":130},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":130},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض مع الآية","level":4,"page":130},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث","level":4,"page":134},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث","level":4,"page":135},{"title":"أولا: أجوبة العلماء عن خبر شجه، وكسر رباعيته - ﷺ - في غزوة أحد","level":5,"page":135},{"title":"ثانيا: أجوبة العلماء عن خبر سحره - ﷺ -","level":5,"page":137},{"title":"ثالثا: أجوبة العلماء عن قصة السم الذي وضع له - ﷺ -","level":5,"page":142},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":142},{"title":"المسألة [٧]: في تعذيب الميت ببكاء الحي","level":3,"page":145},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":145},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآية","level":4,"page":145},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث","level":4,"page":149},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث","level":4,"page":149},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":176},{"title":"المسألة [٨]: في تحميل اليهود والنصارى ذنوب المسلمين يوم القيامة","level":3,"page":181},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":181},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآية","level":4,"page":181},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث","level":4,"page":184},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث","level":4,"page":185},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":187},{"title":"المسألة [٩]: في إيجاب الدية في قتل الخطأ وشبه العمد على عاقلة الجاني.","level":3,"page":189},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":189},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض مع الآية","level":4,"page":189},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث","level":4,"page":190},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث","level":4,"page":191},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":193},{"title":"المسألة [١٠]: في ولد الزنا، وهل عليه من وزر أبويه شيء؟","level":3,"page":194},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":194},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض مع الآية","level":4,"page":194},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث","level":4,"page":200},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث","level":4,"page":200},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":209},{"title":"المسألة [١١]: في رؤية الإنس للجن","level":3,"page":211},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":211},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآية","level":4,"page":211},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث","level":4,"page":211},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث","level":4,"page":212},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":216},{"title":"المسألة [١٢]: في مستقر أرواح الكفار","level":3,"page":218},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":218},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآية","level":4,"page":218},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث","level":4,"page":219},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث","level":4,"page":220},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":224},{"title":"المسألة [١٣]: في الموجب لدخول الجنة","level":3,"page":225},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة","level":4,"page":225},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآيات","level":4,"page":225},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والحديث","level":4,"page":226},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث","level":4,"page":226},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":234},{"title":"المسألة [١٤]: في مدة خلق السماوات والأرض","level":3,"page":236},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة","level":4,"page":236},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآيات","level":4,"page":236},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والحديث","level":4,"page":240},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث","level":4,"page":241},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":249},{"title":"المسألة [١٥]: فيمن أساء في الإسلام هل يؤاخذ بما عمل في الجاهلية؟","level":3,"page":252},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":252},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآية","level":4,"page":252},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث","level":4,"page":252},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث","level":4,"page":253},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":259},{"title":"المسألة [١٦]: في الوقت الذي يتبرأ فيه إبراهيم الخليل ﵇ من أبيه آزر","level":3,"page":262},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":262},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآية","level":4,"page":262},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث","level":4,"page":263},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث","level":4,"page":263},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":265},{"title":"المسألة [١٧]: في حكم تمني الموت والدعاء به","level":3,"page":268},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة","level":4,"page":268},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض مع الآيات","level":4,"page":268},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والأحاديث","level":4,"page":269},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والأحاديث","level":4,"page":269},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":273},{"title":"المسألة [١٨]: في مصير أهل الفترة، ومن في حكمهم.","level":3,"page":275},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة","level":4,"page":275},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض مع الآيات","level":4,"page":276},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والأحاديث","level":4,"page":283},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والأحاديث","level":4,"page":284},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":327},{"title":"المسألة [١٩]: هل يورث الأنبياء ﵈؟","level":3,"page":332},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة","level":4,"page":332},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يوهم ظاهره التعارض مع الآيات","level":4,"page":332},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والأحاديث","level":4,"page":333},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والأحاديث","level":4,"page":334},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":342},{"title":"المسألة [٢٠]: في سماع الأموات لكلام الأحياء","level":3,"page":344},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة","level":4,"page":344},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآيات","level":4,"page":344},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والحديث","level":4,"page":345},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث","level":4,"page":346},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":370},{"title":"المسألة [٢١]: في إضافة تحريم مكة إلى الله تعالى، وإلى إبراهيم الخليل، ﵇","level":3,"page":374},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":374},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآية","level":4,"page":374},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث","level":4,"page":375},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث","level":4,"page":375},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":378},{"title":"المسألة [٢٢]: في خراب ذي السويقتين للكعبة","level":3,"page":379},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة","level":4,"page":379},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآيات","level":4,"page":379},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والحديث","level":4,"page":380},{"title":"المبحث الرابع: المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث","level":4,"page":380},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":382},{"title":"المسألة [٢٣]: هل كتب النبي - ﷺ - بيده الشريفة شيئا أم لا؟","level":3,"page":383},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة","level":4,"page":383},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآيات","level":4,"page":383},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والحديث","level":4,"page":385},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث","level":4,"page":386},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":393},{"title":"المسألة [٢٤]: في حكم تسمية المدينة النبوية بيثرب","level":3,"page":395},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":395},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض مع الآية","level":4,"page":395},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث","level":4,"page":396},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث","level":4,"page":397},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":399},{"title":"المسألة [٢٥]: في حكم الجمع بين اسم الله تعالى، واسم غيره في ضمير واحد","level":3,"page":400},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":400},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآية","level":4,"page":400},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث","level":4,"page":402},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث","level":4,"page":403},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":409},{"title":"المسألة [٢٦]: في نظم النبي - ﷺ - للشعر","level":3,"page":411},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":411},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض مع الآية","level":4,"page":411},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث","level":4,"page":412},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث","level":4,"page":412},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":418},{"title":"المسألة [٢٧]: في أشد الناس عذابا يوم القيامة.","level":3,"page":420},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":420},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض مع الآية","level":4,"page":420},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث","level":4,"page":426},{"title":"المبحث الرابع: المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث","level":4,"page":427},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":429},{"title":"المسألة [٢٨]: في إخباره - ﷺ - بعدم جدوى تأبير النخل","level":3,"page":432},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":432},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآية","level":4,"page":432},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث","level":4,"page":433},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث","level":4,"page":433},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":436},{"title":"المسألة [٢٩]: في انتفاع الأموات بسعي الأحياء","level":3,"page":438},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":438},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض مع الآية","level":4,"page":438},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث","level":4,"page":444},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث","level":4,"page":444},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":465},{"title":"الفصل الثاني الأحاديث التي ترد في تفسير آية ما، ويوهم ظاهرها التعارض فيما بينها","level":2,"page":468},{"title":"المسألة [١]: في أخذ الغنيمة، وهل ينقص من أجر المجاهد","level":3,"page":469},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":469},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الأحاديث الواردة في تفسير الآية، التي يوهم ظاهرها التعارض فيما بينها","level":4,"page":469},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الأحاديث","level":4,"page":473},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديثين","level":4,"page":474},{"title":"أولا: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الحديثين","level":5,"page":474},{"title":"ثانيا: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية وحديث أبي هريرة","level":5,"page":479},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":480},{"title":"المسألة [٢]: في المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى","level":3,"page":483},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":483},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الأحاديث الواردة في تفسير الآية، التي يوهم ظاهرها التعارض فيما بينها","level":4,"page":483},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الحديثين","level":4,"page":489},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الحديثين","level":4,"page":490},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":497},{"title":"المسألة [٣]: في تفسير قوله تعالى: (ثم دنا فتدلى)","level":3,"page":502},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة","level":4,"page":502},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الأحاديث الواردة في تفسير الآية، التي يوهم ظاهرها التعارض فيما بينها","level":4,"page":502},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الأحاديث","level":4,"page":504},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الأحاديث","level":4,"page":504},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":518},{"title":"المسألة [٤]: في مكان سدرة المنتهى","level":3,"page":524},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":524},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الأحاديث الواردة في تفسير الآية، التي يوهم ظاهرها التعارض فيما بينها","level":4,"page":524},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الأحاديث","level":4,"page":525},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الأحاديث","level":4,"page":526},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":528},{"title":"الفصل الثالث الأحاديث التي ترد في تفسير آية ما، ويوهم ظاهرها معنى مشكلا","level":2,"page":530},{"title":"المسألة [١]: في قصة هاروت وماروت","level":3,"page":531},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":531},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية","level":4,"page":531},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث","level":4,"page":536},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث","level":4,"page":537},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":540},{"title":"المسألة [٢]: في نسبة الشك لإبراهيم الخليل ﵇","level":3,"page":542},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":542},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية","level":4,"page":542},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث","level":4,"page":543},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث","level":4,"page":543},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":549},{"title":"المسألة [٣]: في بيان الزمن الذي لا ينفع فيه الإيمان","level":3,"page":553},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":553},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية","level":4,"page":553},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث","level":4,"page":554},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث","level":4,"page":555},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":561},{"title":"المسألة [٤]: هل وقع الشرك من آدم وحواء ﵉؟","level":3,"page":584},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة","level":4,"page":584},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآيتين","level":4,"page":584},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث","level":4,"page":588},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث","level":4,"page":588},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":599},{"title":"المسألة [٥]: في استغفار النبي - ﷺ - لعبد الله بن أبي بن سلول، وصلاته عليه","level":3,"page":604},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":604},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية","level":4,"page":604},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث","level":4,"page":605},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث","level":4,"page":606},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":615},{"title":"المسألة [٦]: في دس جبريل في فم فرعون من حال البحر","level":3,"page":622},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":622},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية","level":4,"page":622},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث","level":4,"page":623},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث","level":4,"page":624},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":630},{"title":"المسألة [٧]: في تفسير الآيات التسع التي أعطيت لموسى - ﵇","level":3,"page":631},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":631},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية","level":4,"page":631},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث","level":4,"page":634},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث","level":4,"page":634},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":638},{"title":"المسألة [٨]: في نسبة الكذب لإبراهيم الخليل ﵇","level":3,"page":639},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة","level":4,"page":639},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية","level":4,"page":639},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث","level":4,"page":641},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث","level":4,"page":642},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":650},{"title":"المسألة [٩]: في الوقت الذي تكون فيه زلزلة الساعة","level":3,"page":654},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":654},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير الآية","level":4,"page":654},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الأحاديث","level":4,"page":655},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الأحاديث","level":4,"page":655},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":658},{"title":"المسألة [١٠]: في قصة الغرانيق","level":3,"page":659},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":659},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية","level":4,"page":659},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث","level":4,"page":674},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث","level":4,"page":675},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":690},{"title":"المسألة [١١]: في زواج النبي - ﷺ - من زينب بنت جحش ﵂","level":3,"page":702},{"title":"المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة","level":4,"page":702},{"title":"المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية","level":4,"page":702},{"title":"المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث","level":4,"page":707},{"title":"المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث","level":4,"page":708},{"title":"المبحث الخامس: الترجيح","level":4,"page":714},{"title":"خاتمة البحث","level":1,"page":717},{"title":"ملخص البحث","level":1,"page":723}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,57":51,"1,59":52,"1,60":53,"1,61":54,"1,62":55,"1,63":56,"1,64":57,"1,65":58,"1,66":59,"1,67":60,"1,68":61,"1,69":62,"1,70":63,"1,71":64,"1,72":65,"1,73":66,"1,74":67,"1,75":68,"1,76":69,"1,77":70,"1,78":71,"1,79":72,"1,80":73,"1,81":74,"1,82":75,"1,83":76,"1,84":77,"1,85":78,"1,86":79,"1,87":80,"1,88":81,"1,89":82,"1,90":83,"1,91":84,"1,92":85,"1,93":86,"1,94":87,"1,95":88,"1,96":89,"1,97":90,"1,98":91,"1,99":92,"1,100":93,"1,101":94,"1,102":95,"1,103":96,"1,104":97,"1,105":98,"1,106":99,"1,107":100,"1,108":101,"1,109":102,"1,110":103,"1,111":104,"1,112":105,"1,113":106,"1,114":107,"1,115":108,"1,116":109,"1,117":110,"1,118":111,"1,119":112,"1,120":113,"1,121":114,"1,122":115,"1,123":116,"1,124":117,"1,125":118,"1,126":119,"1,127":120,"1,128":121,"1,129":122,"1,130":123,"1,131":124,"1,132":125,"1,133":126,"1,134":127,"1,135":128,"1,136":129,"1,137":130,"1,138":131,"1,139":132,"1,140":133,"1,141":134,"1,142":135,"1,143":136,"1,144":137,"1,145":138,"1,146":139,"1,147":140,"1,148":141,"1,149":142,"1,150":143,"1,151":144,"1,152":145,"1,153":146,"1,154":147,"1,155":148,"1,156":149,"1,157":150,"1,158":151,"1,159":152,"1,160":153,"1,161":154,"1,162":155,"1,163":156,"1,164":157,"1,165":158,"1,166":159,"1,167":160,"1,168":161,"1,169":162,"1,170":163,"1,171":164,"1,172":165,"1,173":166,"1,174":167,"1,175":168,"1,176":169,"1,177":170,"1,178":171,"1,179":172,"1,180":173,"1,181":174,"1,182":175,"1,183":176,"1,184":177,"1,185":178,"1,186":179,"1,187":180,"1,188":181,"1,189":182,"1,190":183,"1,191":184,"1,192":185,"1,193":186,"1,194":187,"1,195":188,"1,196":189,"1,197":190,"1,198":191,"1,199":192,"1,200":193,"1,201":194,"1,202":195,"1,203":196,"1,204":197,"1,205":198,"1,206":199,"1,207":200,"1,208":201,"1,209":202,"1,210":203,"1,211":204,"1,212":205,"1,213":206,"1,214":207,"1,215":208,"1,216":209,"1,217":210,"1,218":211,"1,219":212,"1,220":213,"1,221":214,"1,222":215,"1,223":216,"1,224":217,"1,225":218,"1,226":219,"1,227":220,"1,228":221,"1,229":222,"1,230":223,"1,231":224,"1,232":225,"1,233":226,"1,234":227,"1,235":228,"1,236":229,"1,237":230,"1,238":231,"1,239":232,"1,240":233,"1,241":234,"1,242":235,"1,243":236,"1,244":237,"1,245":238,"1,246":239,"1,247":240,"1,248":241,"1,249":242,"1,250":243,"1,251":244,"1,252":245,"1,253":246,"1,254":247,"1,255":248,"1,256":249,"1,257":250,"1,258":251,"1,259":252,"1,260":253,"1,261":254,"1,262":255,"1,263":256,"1,264":257,"1,265":258,"1,266":259,"1,267":260,"1,268":261,"1,269":262,"1,270":263,"1,271":264,"1,272":265,"1,273":266,"1,274":267,"1,275":268,"1,276":269,"1,277":270,"1,278":271,"1,279":272,"1,280":273,"1,281":274,"1,282":275,"1,283":276,"1,284":277,"1,285":278,"1,286":279,"1,287":280,"1,288":281,"1,289":282,"1,290":283,"1,291":284,"1,292":285,"1,293":286,"1,294":287,"1,295":288,"1,296":289,"1,297":290,"1,298":291,"1,299":292,"1,300":293,"1,301":294,"1,302":295,"1,303":296,"1,304":297,"1,305":298,"1,306":299,"1,307":300,"1,308":301,"1,309":302,"1,310":303,"1,311":304,"1,312":305,"1,313":306,"1,314":307,"1,315":308,"1,316":309,"1,317":310,"1,318":311,"1,319":312,"1,320":313,"1,321":314,"1,322":315,"1,323":316,"1,324":317,"1,325":318,"1,326":319,"1,327":320,"1,328":321,"1,329":322,"1,330":323,"1,331":324,"1,332":325,"1,333":326,"1,334":327,"1,335":328,"1,336":329,"1,337":330,"1,338":331,"1,339":332,"1,340":333,"1,341":334,"1,342":335,"1,343":336,"1,344":337,"1,345":338,"1,346":339,"1,347":340,"1,348":341,"1,349":342,"1,350":343,"1,351":344,"1,352":345,"1,353":346,"1,354":347,"1,355":348,"1,356":349,"1,357":350,"1,358":351,"1,359":352,"1,360":353,"1,361":354,"1,362":355,"1,363":356,"1,364":357,"1,365":358,"1,366":359,"1,367":360,"1,368":361,"1,369":362,"1,370":363,"1,371":364,"1,372":365,"1,373":366,"1,374":367,"1,375":368,"1,376":369,"1,377":370,"1,378":371,"1,379":372,"1,380":373,"1,381":374,"1,382":375,"1,383":376,"1,384":377,"1,385":378,"1,386":379,"1,387":380,"1,388":381,"1,389":382,"1,390":383,"1,391":384,"1,392":385,"1,393":386,"1,394":387,"1,395":388,"1,396":389,"1,397":390,"1,398":391,"1,399":392,"1,400":393,"1,401":394,"1,402":395,"1,403":396,"1,404":397,"1,405":398,"1,406":399,"1,407":400,"1,408":401,"1,409":402,"1,410":403,"1,411":404,"1,412":405,"1,413":406,"1,414":407,"1,415":408,"1,416":409,"1,417":410,"1,418":411,"1,419":412,"1,420":413,"1,421":414,"1,422":415,"1,423":416,"1,424":417,"1,425":418,"1,426":419,"1,427":420,"1,428":421,"1,429":422,"1,430":423,"1,431":424,"1,432":425,"1,433":426,"1,434":427,"1,435":428,"1,436":429,"1,437":430,"1,438":431,"1,439":432,"1,440":433,"1,441":434,"1,442":435,"1,443":436,"1,444":437,"1,445":438,"1,446":439,"1,447":440,"1,448":441,"1,449":442,"1,450":443,"1,451":444,"1,452":445,"1,453":446,"1,454":447,"1,455":448,"1,456":449,"1,457":450,"1,458":451,"1,459":452,"1,460":453,"1,461":454,"1,462":455,"1,463":456,"1,464":457,"1,465":458,"1,466":459,"1,467":460,"1,468":461,"1,469":462,"1,470":463,"1,471":464,"1,472":465,"1,473":466,"1,474":467,"1,475":468,"1,476":469,"1,477":470,"1,478":471,"1,479":472,"1,480":473,"1,481":474,"1,482":475,"1,483":476,"1,484":477,"1,485":478,"1,486":479,"1,487":480,"1,488":481,"1,489":482,"1,490":483,"1,491":484,"1,492":485,"1,493":486,"1,494":487,"1,495":488,"1,496":489,"1,497":490,"1,498":491,"1,499":492,"1,500":493,"1,501":494,"1,502":495,"1,503":496,"1,504":497,"1,505":498,"1,506":499,"1,507":500,"1,508":501,"1,509":502,"1,510":503,"1,511":504,"1,512":505,"1,513":506,"1,514":507,"1,515":508,"1,516":509,"1,517":510,"1,518":511,"1,519":512,"1,520":513,"1,521":514,"1,522":515,"1,523":516,"1,524":517,"1,525":518,"1,526":519,"1,527":520,"1,528":521,"1,529":522,"1,530":523,"1,531":524,"1,532":525,"1,533":526,"1,534":527,"1,535":528,"1,536":529,"1,537":530,"1,538":531,"1,539":532,"1,540":533,"1,541":534,"1,542":535,"1,543":536,"1,544":537,"1,545":538,"1,546":539,"1,547":540,"1,548":541,"1,549":542,"1,550":543,"1,551":544,"1,552":545,"1,553":546,"1,554":547,"1,555":548,"1,556":549,"1,557":550,"1,558":551,"1,559":552,"1,560":553,"1,561":554,"1,562":555,"1,563":556,"1,564":557,"1,565":558,"1,566":559,"1,567":560,"1,568":561,"1,569":562,"1,570":563,"1,571":564,"1,572":565,"1,573":566,"1,574":567,"1,575":568,"1,576":569,"1,577":570,"1,578":571,"1,579":572,"1,580":573,"1,581":574,"1,582":575,"1,583":576,"1,584":577,"1,585":578,"1,586":579,"1,587":580,"1,588":581,"1,589":582,"1,590":583,"1,591":584,"1,592":585,"1,593":586,"1,594":587,"1,595":588,"1,596":589,"1,597":590,"1,598":591,"1,599":592,"1,600":593,"1,601":594,"1,602":595,"1,603":596,"1,604":597,"1,605":598,"1,606":599,"1,607":600,"1,608":601,"1,609":602,"1,610":603,"1,611":604,"1,612":605,"1,613":606,"1,614":607,"1,615":608,"1,616":609,"1,617":610,"1,618":611,"1,619":612,"1,620":613,"1,621":614,"1,622":615,"1,623":616,"1,624":617,"1,625":618,"1,626":619,"1,627":620,"1,628":621,"1,629":622,"1,630":623,"1,631":624,"1,632":625,"1,633":626,"1,634":627,"1,635":628,"1,636":629,"1,637":630,"1,638":631,"1,639":632,"1,640":633,"1,641":634,"1,642":635,"1,643":636,"1,644":637,"1,645":638,"1,646":639,"1,647":640,"1,648":641,"1,649":642,"1,650":643,"1,651":644,"1,652":645,"1,653":646,"1,654":647,"1,655":648,"1,656":649,"1,657":650,"1,658":651,"1,659":652,"1,660":653,"1,661":654,"1,662":655,"1,663":656,"1,664":657,"1,665":658,"1,666":659,"1,667":660,"1,668":661,"1,669":662,"1,670":663,"1,671":664,"1,672":665,"1,673":666,"1,674":667,"1,675":668,"1,676":669,"1,677":670,"1,678":671,"1,679":672,"1,680":673,"1,681":674,"1,682":675,"1,683":676,"1,684":677,"1,685":678,"1,686":679,"1,687":680,"1,688":681,"1,689":682,"1,690":683,"1,691":684,"1,692":685,"1,693":686,"1,694":687,"1,695":688,"1,696":689,"1,697":690,"1,698":691,"1,699":692,"1,700":693,"1,701":694,"1,702":695,"1,703":696,"1,704":697,"1,705":698,"1,706":699,"1,707":700,"1,708":701,"1,709":702,"1,710":703,"1,711":704,"1,712":705,"1,713":706,"1,714":707,"1,715":708,"1,716":709,"1,717":710,"1,718":711,"1,719":712,"1,720":713,"1,721":714,"1,722":715,"1,723":716,"1,724":717,"1,725":718,"1,726":719,"1,727":720,"1,728":721,"1,729":722},"ٜ":{"1":[1,729]},"ٝ":["1,1","1,2","1,5","1,6","1,7","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,57","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729",null],"ٞ":{"2":[1],"3":[2],"6":[3],"8":[4],"10":[5],"12":[6],"13":[7],"14":[8,9],"15":[10,11],"17":[12],"19":[13],"22":[14],"23":[15,16],"24":[17],"26":[18,19,20],"28":[21,22,23],"29":[24],"30":[25],"31":[26],"34":[27],"36":[28],"38":[29],"39":[30],"40":[31],"41":[32],"42":[33],"44":[34],"46":[35],"47":[36],"50":[37],"51":[38],"52":[39],"53":[40,41,42],"54":[43,44],"59":[45],"62":[46,47,48],"63":[49,50],"79":[51],"82":[52,53,54],"86":[55],"87":[56],"97":[57],"100":[58,59,60],"101":[61,62],"105":[63],"110":[64,65,66],"113":[67],"114":[68],"125":[69],"130":[70,71,72],"134":[73],"135":[74,75],"137":[76],"142":[77,78],"145":[79,80,81],"149":[82,83],"176":[84],"181":[85,86,87],"184":[88],"185":[89],"187":[90],"189":[91,92,93],"190":[94],"191":[95],"193":[96],"194":[97,98,99],"200":[100,101],"209":[102],"211":[103,104,105,106],"212":[107],"216":[108],"218":[109,110,111],"219":[112],"220":[113],"224":[114],"225":[115,116,117],"226":[118,119],"234":[120],"236":[121,122,123],"240":[124],"241":[125],"249":[126],"252":[127,128,129,130],"253":[131],"259":[132],"262":[133,134,135],"263":[136,137],"265":[138],"268":[139,140,141],"269":[142,143],"273":[144],"275":[145,146],"276":[147],"283":[148],"284":[149],"327":[150],"332":[151,152,153],"333":[154],"334":[155],"342":[156],"344":[157,158,159],"345":[160],"346":[161],"370":[162],"374":[163,164,165],"375":[166,167],"378":[168],"379":[169,170,171],"380":[172,173],"382":[174],"383":[175,176,177],"385":[178],"386":[179],"393":[180],"395":[181,182,183],"396":[184],"397":[185],"399":[186],"400":[187,188,189],"402":[190],"403":[191],"409":[192],"411":[193,194,195],"412":[196,197],"418":[198],"420":[199,200,201],"426":[202],"427":[203],"429":[204],"432":[205,206,207],"433":[208,209],"436":[210],"438":[211,212,213],"444":[214,215],"465":[216],"468":[217],"469":[218,219,220],"473":[221],"474":[222,223],"479":[224],"480":[225],"483":[226,227,228],"489":[229],"490":[230],"497":[231],"502":[232,233,234],"504":[235,236],"518":[237],"524":[238,239,240],"525":[241],"526":[242],"528":[243],"530":[244],"531":[245,246,247],"536":[248],"537":[249],"540":[250],"542":[251,252,253],"543":[254,255],"549":[256],"553":[257,258,259],"554":[260],"555":[261],"561":[262],"584":[263,264,265],"588":[266,267],"599":[268],"604":[269,270,271],"605":[272],"606":[273],"615":[274],"622":[275,276,277],"623":[278],"624":[279],"630":[280],"631":[281,282,283],"634":[284,285],"638":[286],"639":[287,288,289],"641":[290],"642":[291],"650":[292],"654":[293,294,295],"655":[296,297],"658":[298],"659":[299,300,301],"674":[302],"675":[303],"690":[304],"702":[305,306,307],"707":[308],"708":[309],"714":[310],"717":[311],"723":[312]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ـ[الأحاديْثُ المُشْكِلَةُ الواردةُ في تفسير القرآنِ الكريم (عَرْضٌ وَدِراسَةٌ)]ـ\nالمؤلف: د. أحمد بن عبد العزيز بن مُقْرِن القُصَيِّر\nالناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٠ هـ\nعدد الأجزاء: ١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]\n(وقد أهداه مؤلفه - جزاه الله خيرا - للمكتبة الشاملة)","vol":"1","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>أصل هذا الكتاب</span>\nاطروحة علمية تقدم بها المؤلف لنيل درجة الدكتوراه في التفسير وعلوم القرآن من جامعة أم القرى بمكة المكرمة، في كلية الدعوة وأصول الدين، قسم الكتاب والسنة.\nوقد نوقشت من قبل اللجنة العلمية المكونة من أصحاب الفضيلة:\nالدكتور: سليمان الصادق البيرة، الأستاذ المشارك في قسم الكتاب والسنة، في جامعة أم القرى، مشرفًا.\nوالدكتور: نايف بن قبلان العتيبي، الأستاذ في قسم الكتاب والسنة، في جامعة أم القرى، عضوًا.\nوالدكتور: عادل بن علي الشدي، الأستاذ المشارك في كلية التربية، في جامعة الملك سعود، عضوًا.\nوأجيزت بتقدير ممتاز، مع مرتبة الشرف الأولى والتوصية بالطبع والتبادل مع الجامعات.\nوتمت المناقشة مساء يوم الأربعاء الموافق: ٢٠/ ٥/١٤٢٨هـ.","vol":"1","page":2},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>المقدمة</span>\nإنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونتوبُ إليه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا، ومن سيئاتِ أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وصفوتُه من خلقه، بلّغ الرسالةَ، وأدّى الأمانةَ، ونصح الأمّةَ، وجاهدَ في الله حقَّ جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.\nأما بعد:\nفإنَّ المولى سبحانه أنزل كتابه (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) [آل عمران: ٧]، وَوَكَلَ سبحانه بيان كتابه لنبيه - ﷺ -، فجاءت السُّنةُ شارحةً للقرآن ومبيِّنةً له، تُفَسِّرُ مُبهَمه، وتُفَصِّلُ مُجْمَلَه، وتُقَيّد مُطْلَقه، وهي محكمةٌ في ذلك كله، إلا أنه رُبما وقع فيها ما يدخل في حكم المتشابه، فربما رُويَ عنه - ﷺ - حديثًا يُوهِمُ معارضة آية قرآنية، وربما رُويَ عنه تفسير آيةٍ ما، وفي هذا التفسير ما يُوهِمُ معنىً مشكلًا.\nولما كانت نصوص الوحيين فيها محكم ومتشابه فقد نَفِذَ من تلك النصوص المتشابهة أعداءُ الإسلام؛ ليثيروا الشبهاتِ حولَ القرآنِ الكريمِ والسنةِ النبويةِ المطهرة، تارةً بالطعن فيهما، وتارةً بالتشكيك وإثارةِ الشبهِ حولهما، يريدون بذلك تضليلَ الأمة، وصدِّها عن دينها القويم، كما أخبر سبحانه عنهم بقوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) [آل عمران: ٧].\nإلا أنَّ الله رَدَّ كيدَهم في نحورهم؛ فهيأ لكتابه وسنةَ نبيه - ﷺ - رجالًا","vol":"1","page":5},{"text":"أفذاذًا من علماء المسلمين، ينفون عنهما انتحال المبطلين وتحريف الغالين، فكشفوا زيفَ تلك الشبه والأكاذيب، وأزاحوا الستار عن خطرها وكيدها، ثم نظروا بعد ذلك في الصحيحِ من سُنَّةِ النبي - ﷺ -، فيما يقع فيها من وهْمٍ وغَفْلةٍ، من رواةٍ ثقاتٍ عدول، فأبانوا عِللَها، وقَيَّدوا مُهْمَلَها، وأقاموا مُحرّفَها، وعانَوا سقيمها، وصححوا مُصحّفها (١)، وبيَّنوا أنَّ نصوص الوحيين حقٌّ وصدقٌ، لا تتعارض ولا تتناقض، وقد ألّفوا في ذلك تصانيف عِدَّة، اتخذها من جاء بعدهم قُدْوَة، فجزاهم الله عنا وعن سعيهم الحميدِ خير الجزاء، وجعلنا وإياهم عند لقائه من السعداء.\nإلا أنَّ الأحاديثَ المُشْكِلَة - التي تتعلق بالتفسير - لا تزال تحتاجُ إلى مزيدٍ من الدراسةِ والتحقيق؛ إذ إنَّ علماءَنا - ﵏ - لم يفردوها بالدراسةِ على حِدة، وإنما كانت مبثوثةً في ثنايا كُتُبِهم؛ وقد يجد من يقفُ على بعضٍ من هذه الأحاديثِ صعوبةً في تحريرها، وجمعِ شتاتِ أقوالِ العلماء فيها، فتبقى الشبهةُ عالقةً في ذهنه دون جواب، ومن هذا المنطلقِ أحببتُ إفراد هذا الموضوعِ بالتصنيف، وعرضَ مسائِله بالدراسة والتحقيق، على منهجِ سلفِنا الصالحِ - رضوانُ الله عليهم - مُدعِّمًا ذلك بأقوالهم وآرائِهم.\nويمكنُ إجمالُ أهميةِ الموضوعِ، وسببِ اختيارهِ في النقاط الآتية:\n١ - أنه قد أُلّفَ في مشكلِ القرآنِ (٢)، ومشكلِ الحديثِ (٣)، على حين لم يُفردْ بالتصنيفِ الأحاديثُ التي تردُ في التفسير، وتُعدُّ: مشكلةً في ذاتها، أو يُوهِمُ ظاهرُها التعارضُ مع القرآنِ الكريم (٤)، أو يُوهِمُ ظاهرُها التعارضُ فيما بينها.\n_________\n(١) انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (١/ ٢).\n(٢) الكتب المؤلفة في مشكل القرآن أغلبها يتناول الآيات التي يوهم ظاهرها التعارض فيما بينها، ككتاب: «مشكل القرآن»، لابن قتيبة، وكتاب «دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب»، للشنقيطي.\n(٣) الكتب المؤلفة في مشكل الحديث أغلبها يتناول الأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض فيما بينها، أو الأحاديث المشكلة في ذاتها، ككتاب: «تأويل مختلف الحديث»، لابن قتيبة، وكتاب «مشكل الحديث وبيانه»، لابن فورك، وكتاب «مشكل الآثار»، للطحاوي.\n(٤) للإمام نجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي الحنبلي المقدسي، المتوفى سنة (٧١٠هـ) كتاب بعنوان «دفع التعارض عما يُوهِمُ التناقض في الكتاب والسنة»، ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٧٥٦)، ولم أقف عليه مطبوعًا أو مخطوطًا.","vol":"1","page":6},{"text":"٢ - الرَّدُ على مطاعنِ أعداءِ الإسلام، والتصدي لكل ما يُثار حول القرآن الكريم والسنة النبوية.\n٣ - إبرازُ عظمةِ الوحيين، وخلوِهِما من التناقض.\n٤ - بيانُ عنايةِ علماءِ الأمةِ بهذا الموضوع.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>خطة البحث</span>\nيتكونُ البحثُ من مقدمةٍ، وقسمين، وخاتمة.\nالمقدمة: وفيها بيانُ أهميةِ الموضوع، وسببِ اختياره، وخطةِ البحث، والمنهجِ المتبعِ فيه.\nالقسم الأول: دراسةٌ نظريةٌ في الأحاديثِ المُشْكِلَةِ الواردةِ في تفسير القرآن الكريم، وفيه فصول:\nالفصلُ الأول: تعريفُ المشكل، وبيانُ الفرقِ بينه وبين التعارضِ والمختلف، وفيه مباحث:\nالأول: تعريفُ المشكل في اللغة والاصطلاح.\nالثاني: تعريف التعارض في اللغة والاصطلاح.\nالثالث: تعريف المختلف في اللغة والاصطلاح.\nالرابع: الفرق بين المشكل والتعارض والمختلف.\nالفصل الثاني: أسباب التعارض، وشروطه، ومسالك العلماء في دفعه، وفيه مباحث:\nالأول: أسباب وقوع التعارض بين النصوص الشرعية.\nالثاني: شروط التعارض بين النصوص الشرعية.\nالثالث: مسالك العلماء في دفع التعارض بين النصوص الشرعية.\nالفصل الثالث: المراد بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، وبيان الفرق بينها وبين مشكل القرآن، ومشكل الحديث، وفيه مباحث:\nالأول: المراد بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم.\nالثاني: الفرق بين الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، ومشكل القرآن.","vol":"1","page":9},{"text":"الثالث: الفرق بين الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، ومشكل الحديث.\nالفصل الرابع: عناية العلماء بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، وفيه أربعة مباحث:\nالأول: أحاديث التفسير المشكلة في كتب «التفسير وعلوم القرآن».\nالثاني: أحاديث التفسير المشكلة في كتب «مشكل الحديث».\nالثالث: أحاديث التفسير المشكلة في كتب «الحديث وشروحه».\nالرابع: أحاديث التفسير المشكلة في كتبٍ أخرى متفرقة.\nالقسم الثاني: دراسة تطبيقية للأحاديث المُشْكِلَة الواردة في تفسير القرآن الكريم، وفيه فصول:\nالفصل الأول: الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع القرآن الكريم.\nالفصل الثاني: الأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما، ويُوهِمُ ظاهرها التعارض فيما بينها.\nالفصل الثالث: الأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما، ويُوهِمُ ظاهرها معنىً مشكلًا.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>منهج البحث</span>\nاصطنعت منهجًا في البحث يقوم على الخطوات الآتية:\n١ - جمعُ الأحاديثِ المشكلة - الواردة في تفسير القرآن الكريم - من كتب: الحديث، والتفسير، ومشكل الحديث، وشروح الحديث، وغيرها من مظان مشكل الحديث.\n٢ - اقتصرتُ على دراسةِ الأحاديث المشكلة الواردة في الكتب التسعة، وهي: صحيحا البخاري ومسلم، وسننُ أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابنُ ماجة، والدارمي، وموطأ مالك، ومسندُ الإمام أحمد. (١)\n٣ - قمتُ بدراسة جميع الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير جميع سور القرآن.\n٤ - جعلتُ البحث في مسائل، وقسَّمتُ المسائل على ثلاثة فصول، ورتبتها في كل فصل حسب ترتيب سور وآيات القرآن الكريم.\n٥ - في كل مسألة أذكر المباحث الآتية:\nالأول: ذكرُ الآيةِ، أو الآيات الواردة في المسألة، وإذا كان في المسألة أكثرُ من آية فإني أذكر بعضها وأحيل في الحاشية على المتبقي منها.\nالثاني: ذكرُ الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير الآية أو الآيات، وقد جعلتُ للأحاديث رقمًا متسلسلًا في البحث كله، وعددها [٧٦] حديثًا،\nوجعلتُ لكل حديثٍ رقمين: الأول ويعني التسلسل العام للأحاديث في البحث كله،\n_________\n(١) جميع الأحاديث المشكلة الواردة في هذا البحث لم تخرج عن هذا الشرط؛ ما عدا قصة الغرانيق، فإنها لم تروَ في شيء من الكتب التسعة، وقد عمدتُ إلى دراستها نظرًا لأهميتها، واتكاء عدد من المستشرقين عليها، واتخاذها أداة للطعن في نبينا الكريم - ﷺ -.","vol":"1","page":11},{"text":"والثاني ويعني تسلسل الأحاديث ذات المعنى المختلف؛ فإذا كان الحديث - في المسألة الواحدة - شاهدًا للذي قبله، وفي معناه، وليس فيه معنىً زائدًا؛ جعلتُ رقمه الثاني خاليًا من الترقيم هكذا: (..)؛ للدلالة على أنه بمعنى الذي قبله، وإذا كان يحمل معنى زائدًا جعلتُ له رقمًا خاصًا، وهكذا.\nوقد بلغ مجموع الأحاديث التي تمت دراستها بجميع الروايات [٨٩] حديثًا، وبلغ مجموع الأحاديث ذات المعنى المختلف [٧٦] حديثًا.\nالثالث: بيان وجه الإشكال في الأحاديث.\nالرابع: ذكر مسالك العلماء في توجيه الإشكال، مع بيان أدلتهم إن وجدت.\nالخامس: بيان القول الراجح في كل مسألة، مع ذكر حجة الترجيح.\n٦ - اقتصرتُ على دراسة الصحيح، أو المختلف في تصحيحه، من الأحاديث المشكلة في التفسير، دون المتفق على تضعيفه، إلا أنْ يرد في المسألة الواحدة أكثر من حديث فإني أذكرها جميعًا وإن كان بعضها متفقًا على ضعفه، بشرط أنْ لا تخرج عن الكتب التسعة.\n٧ - ضابط الأحاديث المشكلة في هذا البحث: ما نص عالم أو أكثر على وجود الإشكال أو نفيه (١)، مع مراعاة اصطلاح المحدِّثين دون الأصوليين في ضابط المشكل. (٢)\n٨ - لم أدخل في هذا البحث أحاديث الصفات، والتي يعدها البعض من المشكل. (٣)\n٩ - خرّجتُ الأحاديث الواردة في ثنايا البحث من الكتب المعتمدة في ذلك، فإن كانت في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيت بهما لصحتهما، وإذا لم تكن فيهما فإني أخرجها من مظانها في كتب الحديث الأخرى، وأذكر كلام أهل العلم فيها؛ فإن لم أجد اجتهدتُ رأيي في الحكم على الحديث حسب الصناعة الحديثية.\n_________\n(١) ويدخل في هذا الضابط: ما نص عالم أو أكثر على وجود التعارض أو نفيه.\n(٢) لمعرفة الفرق بين اصطلاح المحدِّثين والأصوليين في تعريف المشكل انظر: ص (١٠) وما بعدها.\n(٣) أحاديث الصفات يعدها بعض الأشاعرة من الأحاديث المشكلة، ومن الذين قالوا بإشكالها:\nابن فورك، والسيوطي.","vol":"1","page":12},{"text":"وقد توسعت في تخريج الأحاديث المشكلة - الواردة في كل مسألة - فبينت طرقها ومخارجها وما فيها من علل إن وجدت، وذلك لما في التوسع من فائدة لمعرفة منشأ الإشكال، والذي غالبًا ما يكون بسبب وهم أو اضطراب من بعض الرواة، وأما إذا كان الحديث ليس هو في صلب المسألة؛ فإني اختصر في تخريجه وبيان حكمه، إلا أن يكون معلولًا وهو محل استدلال فإني ربما توسعت في تخريجه لبيان علله.\n١٠ - خرّجتُ الآثار من الكتب المعتمدة في ذلك قدر جهدي واستطاعتي.\n١١ - تركتُ الآثار المروية عن الصحابة والتابعين دون حكم على أسانيدها؛ إلا ما كان له أثر على الخلاف في المسألة، أو كان له حكم الرفع؛ فإني أبين حكمه حسب ما ورد في الفقرة التاسعة.\n١٢ - وثّقتُ القراءات من مصادرها الأصلية.\n١٣ - بيَّنْتُ معاني الكلمات الغريبة التي تحتاج إلى بيان عند أول ورودها، وذلك بالرجوع إلى مصادرها المختصة.\n١٤ - خرّجتُ الأبيات الشعرية من دواوين قائليها إن وجدت، وإلا فمن المعاجم التي تذكر الأبيات، مع عزو البيت لقائله.\n١٥ - ترجمتُ للأعلام غير المشهورين الذين يردون في البحث.\n١٦ - عند إيراد إسنادِ حديثٍ ما فإني لا أترجم لرجال إسناده؛ إلا إذا تطلب الأمر ذلك؛ لفائدة تتعلق بالراوي أو السند.\n١٧ - أشرتُ إلى مواضع الآيات، بذكر أسماء السور وأرقام الآيات.\n١٨ - عرّفتُ بالأماكن المبهمة - التي تُذكر في البحث - عند أول ورودها، وذلك بالرجوع إلى المعاجم المختصة.\n\nالخاتمة: وذكرتُ فيها أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>شكر وتقدير</span>\nوفي ختام هذه المقدمة أرى لزامًا علي أن أُزجي الشكر والثناء لكل من أعانني على إتمام هذا البحث، فبعد شكر الله تعالى الذي له الحمد أولًا وآخرًا أتوجه بالشكر الجزيل لوالدي الكريمين، فقد كان فضلهما علي عظيمًا، وهما اللذان غرسا في نفسي حب الخير والعلم وأهله، وقد كان لتشجيعهما ووقوفهما معي الأثر البالغ في مواصلة مسيرتي العلمية، فلا أملك في هذا المقام إلا أن أرفع أكف الضراعة إلى الله تعالى بأن يرحمهما كما ربياني","vol":"1","page":13},{"text":"صغيرًا، وأن يرزقني برهما والقيام بحقهما على الوجه الذي يُرضيه عني.\nكما أتقدم بالشكر لفضيلة شيخي وأستاذي سعادة الدكتور سليمان الصادق البيرة، حفظه الله ورعاه، الذي تفضل بقبول الإشراف على هذه الرسالة، وقد أعطاني من وقته - مع كثرة أعماله وأشغاله - الشيء الكثير، وكان لآرائه وتوجيهاته الأثر الكبير في تقويم هذا البحث، وإخراجه بهذه الحلة، فجزاه الله عني خير الجزاء، وأجزل له المثوبة والعطاء.\nكما أتوجه بالشكر لجامعة أم القرى ممثلة في كلية الدعوة وأصول الدين، قسم الكتاب والسنة، التي منحتني الفرصة لمواصلة تعليمي العالي، والتزود من معين العلم الشرعي، وأخص بالشكر سعادة عميد الكلية الدكتور عبد الله بن محمد الرميان، حفظه الله ورعاه، فقد كان معروفه علي وارفًا، وله وقفات، ستبقى خالدةً لا تُنسى.\n\nوبعد: فقد بذلت قصارى جهدي في إخراج هذا البحث على أحسن ما يكون، متحريًا فيه الدقة والأمانة العلمية، فما كان من صواب فمن الله وحده، وله الشكر على ذلك، وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله من ذلك.\nوفي الختام: أسأل الله العلي القدير أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به دنيًا وأخرى، وأن يكلل جميع أعمالي بالتوفيق والنجاح، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\n\n٢٠/ ٥/١٤٢٨ هـ\n\n*****","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>القسم الأول\nدراسة نظرية في الأحاديث المُشْكِلَة الواردة في تفسير القرآن الكريم</span>","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الفصل الأول\nتعريف المشكل، وبيان الفرق بينه وبين التعارض والمختلف</span>\nوفيه مباحث:","vol":"1","page":17},{"text":"الفصل الأول: تعريف المشكل، وبيان الفرق بينه وبين التعارض والاختلاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>المبحث الأول: تعريف المُشْكِل في اللغة والاصطلاح:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>المطلب الأول: تعريف المُشْكِل في اللغة:</span>\nالمُشْكِل: اسم فاعل، مِنْ أشْكَلَ يُشْكِلُ إشْكالًا؛ فهو مُشْكِلٌ.\nواسم الفاعل من غير الثُلاثي يأتي على زِنَةِ مُضارِعه، بإبدال حرف المضارعة ميمًا مضمومة، وكسر ما قبل الآخر. (١)\nوالمعنى اللغوي للمُشْكِل يدور حول: الاختلاط، والالتباس، والاشتباه، والمماثلة. (٢)\nتقول: أشكل عليَّ الأمر، أي: اختلط بغيره. (٣)\nويُقال: حرف مُشْكِلٌ، أي: مُشْتَبِهٌ مُلتبسٌ، وأمورٌ أشكال، أي: ملتبسة، وبينهم أشكلة، أي: لبس. (٤)\nوالشَّكْلُ: الشَّبَهُ والمِثْلُ، والجمع أشْكَالٌ، وشُكُولٌ، يُقال: هذا أشْكَلُ بكذا، أي:\nأشْبَه. (٥)\n_________\n(١) انظر: شذا العرف في فن الصرف، لأحمد بن محمد الحملاوي، ص (٩٧).\n(٢) انظر: مشكل القرآن، للمنصور، ص (٤٦).\n(٣) انظر: الزاهر في معاني كلمات الناس، لابن الأنباري (٢/ ١٥١)، وتهذيب اللغة، للأزهري\n(١٠/ ٢٥).\n(٤) انظر: تهذيب اللغة، للأزهري (١٠/ ٢٥)، ولسان العرب، لابن منظور (١١/ ٣٥٧)، والمصباح المنير، للفيومي، ص (٣٢١).\n(٥) انظر: مختار الصحاح، لأبي بكر بن عبد القادر الرازي (١/ ١٤٥)، والقاموس المحيط، للفيروز آبادي، ص (١٣١٧).","vol":"1","page":18},{"text":"قال ابن فارس (١):\n«الشين والكاف واللام، مُعظمُ بابِهِ المُماثَلة، تقول: هذا شَِكْل هذا، أي: مِثْلُه، ومن ذلك يُقال: أمرٌ مُشْكِل، كما يُقال: أمرٌ مُشْتبِه». اهـ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>المطلب الثاني: تعريف المُشْكِل في الاصطلاح:</span>\nتباينت آراء العلماء في تعريف المُشْكِل، فتعريفه عند الأصوليين يختلف عن تعريفه عند المُحَدِّثين والمفسرين، وسأذكر أولًا تعريفه عند أهل كلِّ فن، ثم أُبَيّن أوجه الفرق بين هذه التعريفات، ثم بعد هذا سأذكر تعريفًا جامعًا مانعًا يضبط معناه في اصطلاح المحدثين؛ لأن ما يعنينا في هذا البحث هو معناه في اصطلاح المحدثين دون الأصوليين، ثم أُتْبِع ذلك كله بتعريفٍ عامٍ للمشكل، يشمل معناه في اصطلاح الأصوليين، والمحدثين، والمفسرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>أولًا: تعريف المُشْكِل في اصطلاح الأصوليين:</span>\nأكثر من تناول تعريف المُشْكِل في اصطلاح الأصوليين هم علماء الحنفية، وقد عرَّفه السرخسي (٣)، بقوله: «هو اسم لما يشتبه المراد منه، بدخوله في أشكاله على وجهٍ لا يُعرف المُراد إلا بدليل يتميز به من بين سائر الأشكال». اهـ (٤)\nوقد أوضح السرخسي مراده بهذا التعريف عند بيانه للفرق بين المُشْكِل والمجمل، فقال: «والمُشْكِل قريب من المجمل، ولهذا خفي على بعضهم فقالوا: المُشْكِل والمجمل سواء، ولكن بينهما فرق، فالتمييز بين الإشكال - ليوقف على المراد - قد يكون بدليل آخر، وقد يكون بالمبالغة في التأمل حتى يظهر به الراجح، فيتبين به المراد، فهو من هذا الوجه قريب من الخفي، ولكنه فوقه، فهناك الحاجة إلى التأمل في الصيغة وفي أشكالها، وحكمه\n_________\n(١) هو: أحمد بن فارس بن زكريا، القزويني الرازي، أبو الحسين: من أئمة اللغة والأدب، من تصانيفه (مقاييس اللغة)، و(المجمل)، و(الصاحبي) في علم العربية، ألفه لخزانة الصاحب بن عباد، و(جامع التأويل) في تفسير القرآن، وغيرها، توفي سنة (٣٩٥هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي\n\n(١٧/ ١٠٣)، والأعلام، للزركلي (١/ ١٩٣).\n(٢) معجم مقاييس اللّغة، لابن فارس (٣/ ٢٠٤).\n(٣) هو: محمد بن أحمد بن سهل، أبو بكر، السرخسي، شمس الأئمة: قاضٍ، من كبار الأحناف، مجتهد، من أهل سرخس (في خراسان). أشهر كتبه (المبسوط) في الفقه والتشريع، ثلاثون جزءًا، أملاه وهو سجين بالجب في أوزجند (بفرغانة) وله (شرح الجامع الكبير للإمام محمد) و(الأصول) في أصول الفقه، وغيرها. وكان سبب سجنه كلمة نصح بها الخاقان، ولما أُطلق سكن فرغانة إلى أن توفي بها سنة\n(٤٨٣هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٥/ ٣١٥).\n(٤) أصول السرخسي (١/ ١٦٨).","vol":"1","page":19},{"text":"اعتقاد الحقيقة فيما هو المراد، ثم الإقبال على الطلب والتأمل فيه إلى أنْ يتبين المراد فيعمل به.\nوأما المجمل فهو ضد المُفَسَّر، مأخوذ من الجملة، وهو لفظ لا يُفهم المراد منه إلا باستفسار من المُجْمِلِ، وبيان من جهته يُعرف به المراد.\nوبهذا يتبين أنَّ المجمل فوق المُشْكِل؛ فإنَّ المراد في المُشْكِل قائم، والحاجة إلى تمييزه من أشكاله، والمراد في المجمل غير قائم، ولكن فيه توهم معرفة المراد بالبيان\nوالتفسير». اهـ (١)\nوعرَّفه الشاشي (٢) فقال: «هو ما ازداد خفاءً على الخفي، كأنه بعدما خفي على السامع حقيقة دخل في أشكاله وأمثاله، حتى لا يُنال المراد إلا بالطلب ثم بالتأمل، حتى يتميز عن أمثاله». اهـ (٣)\nوعرَّفه أبو زيد الدَّبُوسي (٤)، فقال: «هو الذي أشكل على السامع طريق الوصول إلى المعنى الذي وضعه له واضع اللغة، أو أراده المستعير». اهـ (٥)\nوعرَّفه الجُرْجَاني (٦)، فقال: «المُشْكِل: هو ما لا يُنال المراد منه إلا بتأملٍ بعد الطلب، وهو الداخل في أشكاله، أي: في أمثاله وأشباهه، مأخوذ من قولهم: أشكل، أي: صار ذا شَكْلٍ، كما يُقال: أحرم، إذا دخل في الحرم، وصار ذا حُرْمَةٍ». اهـ (٧)\nوجمع بين هذه التعريفات الأستاذ عبد الوهاب خلاف؛ فقال: «المراد بالمُشْكِل في اصطلاح الأصوليين: اللفظ الذي لا يدل بصيغته على المراد منه، بل لا بُدَّ من قرينة خارجية تُبيّن ما يُراد منه». اهـ (٨)\nويلاحظ من مجموع هذه التعريفات أنَّ معنى المُشْكِل عند الأصوليين:\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) هو: إسحاق بن إبراهيم، أبو يعقوب الخراساني، الشاشي: فقيه الحنفية في زمانه. نسبته إلى الشاش (مدينة وراء نهر سيحون) انتقل منها إلى مصر، وولي القضاء في بعض أعمالها، وتوفي بها. له كتاب (أصول الفقه)، يُعرف بأصول الشاشي، توفي سنة (٣٢٥هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (١/ ٢٩٣).\n(٣) نقله عنه: الدكتور رفيق العجم في «موسوعة مصطلحات أصول الفقه عند المسلمين»، ص (١٤٢٨)، وانظر: مشكل القرآن، للمنصور، ص (٥٠).\n(٤) هو: عبد الله بن عمر بن عيسى، أبو زيد الدبوسي: أول من وضع علم الخلاف وأبرزه إلى الوجود. كان فقيهًا باحثًا، نسبته إلى دبوسية (بين بخارى وسمرقند) ووفاته في بخارى، عن ٦٣ سنة. له (تأسيس النظر) في ما اختلف به الفقهاء أبو حنيفة وصاحباه ومالك، و(الأسرار)، في الأصول والفروع، عند الحنفية، وغيرها، توفي سنة (٤٣٠هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٤/ ١٠٩).\n(٥) نقله عنه: الدكتور محمد أديب الصالح في «تفسير النصوص» (١/ ٢٥٣)، وانظر: مشكل القرآن، للمنصور، ص (٥٠).\n(٦) هو: علي بن محمد بن علي، المعروف بالشريف الجرجاني: فيلسوف. من كبار العلماء بالعربية. ولد في تاكو (قرب استراباد) ودرس في شيراز. ولما دخلها تيمور سنة ٧٨٩ هــ فر الجرجاني إلى سمرقند ثم عاد إلى شيراز بعد موت تيمور، فأقام إلى أن توفي. له نحو خمسين مصنفًا، منها (التعريفات)، و(شرح مواقف الإيجي)، وغيرهما، توفي سنة (٨١٦هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٥/ ٧).\n(٧) التعريفات، للجرجاني، ص (٢٧٦).\n(٨) علم أصول الفقه، لعبد الوهاب خلاف، ص (١٧١).","vol":"1","page":20},{"text":"هو اللفظ الذي استغلق وخفي معناه على السامع، ولم يتبين إلا بعد طلبٍ وتأمل، فقد يظهر معناه من قرينةٍ في النص، أو من دليلٍ آخر منفصلٍ عن النص، أو بتأمل ونظر، وقد لا يظهر.\nويقابل المُشْكِل عند الأصوليين: المتشابه، فقد يُعَبِّرُ بعضهم عن المُشْكِل بالمُتَشَابِه، كما إنَّ تعريفهم للمتشابه هو بعينه تعريف المُشْكِل، وقد عرَّفه أبو الوليد الباجي فقال: «المتشابه: هو المُشْكِل الذي يُحتاج في فهم المراد به إلى تفكرٍ وتأمل». اهـ (١)\nوعرَّفه الشاطبي فقال: «ومعنى المتشابه: ما أشكل معناه، ولم يتبين مغزاه». اهـ (٢)\nوقد أشار إلى هذا التداخل بين اللفظين شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: «ولهذا كان السلف - ﵃ - يُسَمُّون ما أشكل على بعض الناس حتى فُهِمَ منه غير المراد:\nمُتشابهًا». اهـ (٣)\nوهذا المصطلح للمُشكل استعمله بعض المفسرين والمحدثين، فقد يُطلقون الإشكال ويريدون به الخفاء وعدم وضوح المعنى، وقد ألَّفَ مكي بن أبي طالب كتابًا في غريب القرآن سمَّاه: «تفسير المُشْكِل من غريب القرآن»، حيث سمَّى الغريبَ مُشْكِلًا. (٤)\nوألَّف ابن الجوزي كتابًا سمَّاه: «كشف المُشْكِل من حديث الصحيحين»، ومراده: شرح الألفاظ التي يراها غريبة، أو بحاجة إلى توضيح وبيان. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>ثانيًا: تعريف المُشْكِل في اصطلاح المحدثين:</span>\nلم يتطرق الأوائل - ممن ألف في مشكل الحديث - لتعريفِ المُشْكِلِ\n_________\n(١) إحكام الفصول في أحكام الأصول، للباجي (١/ ١٧٦)، وانظر: التعاريف، للمناوي، ص (٦٣٣).\n(٢) الاعتصام، للشاطبي (٢/ ٧٣٦).\n(٣) نقض أساس التقديس، لابن تيمية، مخطوط (٢/ ٤٩٥).\n(٤) انظر: مشكل القرآن، للمنصور، ص (٥٥).\n(٥) انظر: مقدمة تحقيق الكتاب، للدكتور علي حسين البواب (١/ ١٦).","vol":"1","page":21},{"text":"بمعناه في اصطلاح المحدثين - إلا ما ذكره أبو جعفر الطحاوي في كتابه «مشكل الآثار»، حيث أشار في مقدمة كتابه لمعنى المُشْكِل فقال: «وإني نظرت في الآثار المروية عنه ﷺ، بالأسانيد المقبولة، التي نقلها ذوو التثبت فيها والأمانة عليها، وحسن الأداء لها، فوجدت فيها أشياء مما يسقط معرفتها، والعلم بما فيها عن أكثر الناس، فمال قلبي إلى تأملها، وتبيان ما قدرت عليه من مشكلها، ومن استخراج الأحكام التي فيها، ومن نفي الإحالات عنها». اهـ (١)\nوهذا الذي ذكره الطحاوي يُعد وصفًا لمعنى المشكل، لا تعريفًا له، وقد استفاد منه من جاء بعده من المتأخرين، حيث نقله الدكتور أسامة خياط، واستخلص منه تعريفًا لمشكل الحديث بأنه: «أحاديثُ مرويةٌ عن رسول الله - ﷺ -، بأسانيد مقبولة، يُوهِمُ ظاهرها معاني مستحيلة، أو مُعارضة لقواعد شرعية ثابتة». (٢)\nوأفاد من هذين التعريفين الدكتور فهد بن سعد الجهني، فإنه نقل كلام الطحاوي ثم قال: «فمن الممكن استخلاص تعريفٍ للمشكل من خلال نص الطحاوي هذا بأنه: الحديث المروي عن رسول الله - ﷺ - بسند مقبول، وفي ظاهره تعارض يقتضي معنى مستحيلًا، عقلًا أو شرعًا؛ يحتاج في دفعه إلى نظر وتأمل». (٣)\nوقد أشار إلى أنه أفاد من تعريف الدكتور أسامة. (٤)\nوذكر الأستاذ عبد الله المنصور في كتابه «مشكل القرآن» تعريفًا مقاربًا لما ذُكِرَ، مع إضافة بعض الضوابط التي استخلصها من خلال استقرائه لبعض المؤلفات في مشكل الحديث، وقد خلص إلى أنَّ المراد بمشكل الحديث:\n_________\n(١) مشكل الآثار، للطحاوي (١/ ٦).\n(٢) مختلف الحديث، لأسامة خياط، ص (٣٦).\n(٣) قواعد دفع التعارض عند الإمام الشافعي، للدكتور فهد بن سعد الجهني، بحث منشور في مجلة جامعة أم القرى، لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، المجلد (١٧)، العدد (٣٢)، ص (٢٦٢).\n(٤) المصدر السابق، ص (٢٩٦)، حاشية رقم (٣٠).","vol":"1","page":22},{"text":"«الآثار المروية عن رسول الله - ﷺ -، بالأسانيد المقبولة، وجاء ما يُناقضها في الظاهر من آية أو حديث أو غير ذلك، مما هو ظاهر ومعتبر، أو فيها ألفاظ أو معانٍ لا تُعلم عند كثير من الناس». (١)\nويلاحظ من مجموع هذه التعريفات أنها لم تأتِ بتعريف جامعٍ مانعٍ لمشكل الحديث، وإنما ذكرت بعض أنواعه.\nكما يُلاحظ أنَّ معنى المُشْكِل عند عامة المحدثين مغاير تمامًا لمعناه عند الأصوليين؛ إلا أنَّ بعضهم ربما أطلق الإشكال وأراد به معناه عند الأصوليين.\nوهذه التعريفات التي ذكرناها سابقًا نستطيع أنْ نستخلص منها تعريفًا جامعًا مانعًا شاملًا لكل أنواع مشكل الحديث، مع إضافة بعض الضوابط التي لم تُذكر في تلك التعريفات.\nوعليه فإن مشكل الحديث: هو الحديث المروي عن رسول الله - ﷺ - بسند مقبول، ويُوهِمُ ظاهره مُعارضةَ آيةٍ قرآنية، أو حديثٍ آخر مثله، أو يُوهِمُ ظاهره مُعارضةَ مُعْتَبَرٍ مِنْ: إجماعٍ، أو قياسٍ، أو قاعدةٍ شرعيةٍ كليةٍ ثابتة، أو أصلٍ لغوي، أو حقيقةٍ علميةٍ،\nأو حِسٍ، أو معقولٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>ثالثًا: تعريف المُشْكِل عند علماء التفسير وعلوم القرآن:</span>\nمعرفة المُشْكِل عند علماء التفسير وعلوم القرآن يتطلب النظر في نوعين من المؤلفات:\nالأول: الكتب المؤلفة في تفسير القرآن الكريم، والثاني: الكتب المؤلفة في علوم القرآن.\nففي الكتب المؤلفة في التفسير نجد أنَّ هناك نوعين من التأليف:\nالأول: كتبٌ مفردة في مشكل القرآن، وموهم التعارض بين آياته.\nوالثاني: كتبٌ عامة، جل اهتمامها هو التفسير؛ إلا أنَّ مؤلفيها ربما تطرقوا لحلِّ بعض مشكلات القرآن.\nفمن الأول: كتاب «تأويل مشكل القرآن»، لابن قتيبة، وكتاب «حل\n_________\n(١) مشكل القرآن، للمنصور، ص (٥٣).","vol":"1","page":23},{"text":"مشكلات القرآن»، لابن فورك، وكتاب «درة التنزيل وغرة التأويل»، للخطيب الإسكافي، وكتاب «دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب»، للشنقيطي. (١)\nومن أشهر الذين اعتنوا بحل بعض مشكلات القرآن في مؤلفاتهم التفسيرية: القاضي ابن عطية، في كتابه «المحرر الوجيز»، وأبو عبد الله القرطبي في كتابه «الجامع لأحكام القرآن»، والخازن في كتابه «لباب التأويل في معاني التنزيل»، والآلوسي في كتابه «روح المعاني».\nوفي تلك الكتب لم نجد أحدًا منهم تطرق لتعريف المُشْكِل، إلا أنَّ مقتضى صنيعهم يدلُّ على أنَّ مصطلح المُشْكِل عندهم عامٌ يشمل كل إشكال يطرأ على الآية، سواء كان في اللفظ أم في المعنى، أو كان لتوهم تعارض، أو توهم إشكال في اللغة، أو غير ذلك. (٢)\nوأما كتب علوم القرآن فقد أفرد بعض مؤلفيها أبوابًا خاصة لمشكل القرآن، تناولوا فيها تعريف المُشْكِل، وموهم التناقض بين آي القرآن، ومن أبرز من اعتنى بذلك: الزركشي، في كتابه «البرهان في علوم القرآن»، والسيوطي في كتابه «الإتقان في علوم القرآن»، وابن عقيلة المكي (٣)، في كتابه «الزيادة والإحسان في علوم القرآن».\nقال الزركشي في النوع الخامس والثلاثين: «معرفة موهم المُخْتلف»، ثم عرَّف هذا النوع فقال: «وهو ما يُوهِمُ التعارض بين آياته». (٤)\nويلاحظ اقتصار الزركشي على نوع واحد من أنواع مشكل القرآن، وهو ما يُوهِمُ التعارض بين آياته، وقد ذكر نوعًا آخر في فصل مستقل، وهو موهم التعارض بين القرآن والسنة (٥)، وفي النوع السادس والثلاثين جعل خفاء اللفظ من المُشْكِل وأدخله في نوع المتشابه والذي يَعُدُّه من المُشْكِل. (٦)\n_________\n(١) انظر: مشكل القرآن، للمنصور، ص (٥٣ - ٥٤).\n(٢) انظر: مشكل القرآن، للمنصور، ص (٥٣ - ٥٤).\n(٣) هو: محمد بن أحمد بن سعيد الحنفي المكي، شمس الدين، المعروف بابن عقيلة: مؤرخ، من المشتغلين بالحديث، من أهل مكة، مولده ووفاته فيها. من كتبه (لسان الزمان) في التاريخ، رتبه على حوادث السنين إلى سنة ١١٢٣ هـ، و(الفوائد الجليلة) في الحديث، وغيرهما، توفي سنة (١١٥٠). انظر: الرسالة المستطرفة، للكتاني، ص (٨٤)، والأعلام، للزركلي (٦/ ١٣).\n(٤) البرهان في علوم القرآن، للزركشي (٢/ ١٧٦).\n(٥) المصدر السابق (٢/ ١٩٣).\n(٦) انظر: المصدر السابق (٢/ ٢٠٠).","vol":"1","page":24},{"text":"وأما السيوطي في الإتقان فقد أفاد من الزركشي وزاد عليه، حيث قال: «النوع الثامن والأربعون: في معرفة مُشكله، وموهم الاختلاف والتناقض». (١)\nوظاهر صنيعه أنَّ المُشْكِل مغايرٌ لموهم الاختلاف والتناقض، لكن هذا الظاهر غير مراد منه قطعًا، بل مراده أنَّ موهم الاختلاف والتناقض هو المُشْكِل بعينه، يدل على ذلك ما سطَّره في كتابه «معترك الأقران»؛ فإنه قال: «الوجه السابع من وجوه إعجازه: ورود مشكله حتى يُوهِمَ التعارض بين الآيات». (٢)\nوأما ابن عقيلة فقد فرَّق بين المُشْكِل وموهم التناقض؛ فالمُشْكِل عنده هو ما خفي معناه من الآيات، وموهم التناقض هو ما جاء من آيات يُعارض بعضها بعضًا.\nقال ابن عقيلة في تعريف المُشْكِل: «هو ما أشكل معناه على السامع، ولم يصل إلى إدراكه إلا بدليلٍ آخر». (٣)\nوقال - بعد أنْ أورد كلام السيوطي في الإتقان ـ: «قلت: تقدم تعريف المُشْكِل، وأنه هو الذي أشكل معناه فلم يتبين حتى بُيّن، وليس هذا النوع من ذلك، بل هذا النوع آيات يُعارض بعضها بعضًا، وكلام الله تعالى مُنزَّهٌ عن ذلك». اهـ (٤)\nومن مجموع ما سبق يتبين أنَّ علماء التفسير وعلوم القرآن يطلقون المُشْكِل ويعنون به: الآيات التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض فيما بينها، أو الآيات التي يُوهِمُ ظاهرها معارضة حديث نبوي، أو الآيات التي في معناها خفاء وغموض، لا يدرك إلا بدليل آخر.\nوربما أطلقوا المُشْكِل على الآيات أو القراءات التي خالفت قاعدة لغوية، من نحوٍ أو تصريف أو إعراب.\nوالتعريف الجامع المانع - في نظري - أنْ يُقال: مشكل القرآن: هو\n_________\n(١) الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي (٢/ ٧٢٤).\n(٢) معترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي (١/ ٧٢).\n(٣) الزيادة والإحسان، لابن عقيلة (٥/ ١٣٤).\n(٤) المصدر السابق (٥/ ١٩٦).","vol":"1","page":25},{"text":"الآيات القرآنية التي يُوهِمُ ظاهرها معارضة نصٍ آخر؛ من آيةٍ قرآنية، أو حديث نبوي ثابت، أو يُوهِمُ ظاهرها معارضة مُعْتَبَرٍ مِنْ: إجماعٍ، أو قياسٍ، أو قاعدةٍ شرعيةٍ كليةٍ ثابتة، أو أصلٍ لغوي، أو حقيقةٍ علميةٍ، أو حِسٍ، أو معقولٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>رابعًا: التعريف العام للمُشْكِل:</span>\nمما سبق يمكن استخلاص تعريفٍ عامٍ للمشكل، يشمل معناه في جميع الاصطلاحات، فيقال:\nهو: كلُّ نصٍ شرعي؛ استغلق وخفي معناه، أو أوهم مُعارضة نصٍ شرعي آخر؛ من آيةٍ قرآنية، أو سنةٍ ثابتة، أو أوهم مُعارضة مُعْتَبَرٍ مِنْ: إجماعٍ، أو قياسٍ، أو قاعدةٍ شرعيةٍ كليةٍ ثابتة، أو أصلٍ لغوي، أو حقيقةٍ علميةٍ، أو حِسٍ، أو معقولٍ. (١)\nويمكن اختصار هذا التعريف فيكون باللفظ الآتي:\nهو: كلُّ نصٍ شرعي؛ استغلق وخفي معناه، أو أوهم مُعارضة نصٍ شرعي آخر،\nأو أوهم معاني مستحيلة؛ شرعًا أو عقلًا، أو شرعًا وعقلًا.\nوبهذا التعريف نكون قد استوعبنا معناه في جميع الاصطلاحات، فيكون شاملًا لكل ما تقدم من تعريفات للمشكل؛ في اصطلاح الأصوليين، والمحدثين، وعلماء التفسير وعلوم القرآن.\n\n****\n_________\n(١) مما يحسن التنبيه له أنه لم يُفرد بالدراسة والتصنيف الآيات أو الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها معارضة أصلٍ لغوي، أو حقيقةٍ علمية ثابتة، أو حسٍ، أو معقول، وهذا الموضوع جدير بالدراسة، وهو مكمل لما أُلف قديمًا وحديثًا حول مشكل القرآن والحديث.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>المبحث الثاني: تعريف التعارض في اللغة والاصطلاح:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>المطلب الأول: تعريف التعارض في اللغة:</span>\nالتعارض لغة: مصدر للفعل تَعَارَضَ، يقال: تعارض تعارُضًا، فهو متعارض، وهو يدل على المشاركة بين اثنين فأكثر.\nوأصله راجع لمادة «عَرَضَ»، وهذه المادة تدور حول المعاني الآتية:\nالأول: المنع: يُقال: عَرَضَ الشيء يَعْرِضُ واعترض، إذا انتصب ومنع وصار عارضًا؛ كالخشبة المنتصبة في النهر والطريق ونحوها تمنع السالكين سلوكها.\nوالعَرَض: هو ما يعْرِضُ للإنسان من أمر يحبِسُه، من مرضٍ أو لُصوص أو نحو ذلك.\nالثاني: الظهور: يُقال: عرض عليه الشيء، إذا أظهره وأبداه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ﴾ (؟؟؟؟؟؟؟؟) [البقرة: ٣١].\nالثالث: المُعارَضَة: يُقال: عارض الشيء بالشيء مُعارضة، أي قابله، وعارضتُ كتابي بكتابه، أي قابلته، وفي الحديث: «إنَّ جبريل ﵇ كان يُعارضه القرآن في كل سنة مرة، وإنه عارضه العام مرتين» (١)، أي كان يُدارسه جميع ما نزل من القرآن، من المعارضة أي المقابلة. (٢)\nالرابع: المساواة والمِثْل: يُقال: عارض فلانٌ فلانًا إذا فعل مثل فعله،\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الاستئذان، حديث (٦٢٨٥)، ومسلم في صحيحه، في كتاب فضائل الصحابة، حديث (٢٤٥٠).\n(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٣/ ٢١٢).","vol":"1","page":27},{"text":"وأتى إليه مثل الذي أتى به. (١)\nوالمنع هو المقصود في معنى التعارض الذي يقع بين النصوص الشرعية، بمعنى أنَّ أحد الدليلين يمنع مدلول الآخر، ويَعْتَرِضُ له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>المطلب الثاني: تعريف التعارض في الاصطلاح:</span>\nأكثر من تناول تعريف التعارض في الاصطلاح هم الأصوليون، ولم نجد في كتابات المتقدمين ممن ألف في مشكل الحديث تعريفًا للتعارض بعينه، وإنْ كانوا يعبرون عنه في بعض كتاباتهم، فقد ذكر الحاكم في النوع التاسع والعشرين من معرفة علوم الحديث أنَّ من هذا النوع: معرفة سُننٍ لرسول الله - ﷺ - يُعارضها مثلها. (٢)\nوأفرد الخطيب البغدادي في كتابه «الكفاية» بابًا للتعارض قال فيه: «باب القول في تعارض الأخبار، وما يصح التعارض فيه وما لا يصح». (٣)\nواستعمل هذا اللفظ جمع من المحدثين، كابن حبان، (٤)، والطبري (٥)، والطحاوي (٦)، وغيرهم.\nوقد كانوا يستعملون لفظًا مرادفًا للتعارض، وهو مختلف الحديث، وظاهر صنيعهم أنْ لا فرق بين المصطلحين، وقد عرَّفوا المختلف بتعريفات عدة، هي في جملتها راجعة لمعنى التعارض، وستأتي في المبحث الثالث إنْ شاء الله تعالى.\n_________\n(١) انظر: كتاب العين، للخليل بن أحمد (١/ ٢٧٢)، وتهذيب اللغة، للأزهري (١/ ٤٥٤)، ومعجم مقاييس اللغة، لابن فارس (٤/ ٢٧٢)، ولسان العرب، لابن منظور (٧/ ١٦٨ - ١٦٩)، والتعارض والترجيح للبرزنجي (١/ ١٥).\n(٢) معرفة علوم الحديث، للحاكم (١/ ١٢٢).\n(٣) الكفاية في علم الرواية، للخطيب البغدادي (١/ ٤٣٢).\n(٤) انظر: صحيح ابن حبان (٥/ ٤٨٣)، (١١/ ٢٠٧)، (١٣/ ٤٤٦).\n(٥) انظر: تهذيب الآثار، للطبري (٢/ ٦٣٥).\n(٦) انظر: شرح معاني الآثار، للطحاوي (١/ ٥١٠)، (٣/ ١٦١).","vol":"1","page":28},{"text":"بقي أنْ نُشير إلى تعريفات الأصوليين للتعارض في الاصطلاح، ونُحيل في تعريفه عند المحدثين للمبحث الثالث بعد هذا.\nوقد عرَّف الأصوليون التَّعارض بصيغٍ عدَّةٍ هي في جملتها راجعة لمعنى واحد، ومن هذه التعريفات:\nتعريف ابن الهُمام (١) من الحنفية بأنه: «اقتضاء كل من دليلين عدم مقتضى الآخر». (٢)\nوعرَّفه الزركشي من الشافعية بأنه: «تقابل الدليلين على سبيل الممانعة». (٣)\nونحوه تعريف الإسنوي (٤) من الشافعية حيث قال: «التعارض بين الشيئين: هو تقابلهما على وجه يمنع كل منهما مُقتضى صاحبه». (٥)\nوعرَّفه الفتوحي (٦) من الحنابلة بأنه: «تقابل دليلين - ولو عامَّين - على سبيل الممانعة». (٧)\n_________\n(١) هو: محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود، السيواسي ثم الإسكندري، كمال الدين، المعروف بابن الهمام: إمام، من علماء الحنفية. عارف بأصول الديانات والتفسير والفرائض والفقه والحساب واللغة والمنطق. أصله من سيواس. ولد بالإسكندرية، ونبغ في القاهرة. وأقام بحلب مدة. وجاور بالحرمين. ثم كان شيخ الشيوخ بالخانقاه الشيخونية بمصر. وكان معظمًا عند الملوك وأرباب الدولة. من كتبه (فتح القدير) في شرح الهداية، ثماني مجلدات في فقه الحنفية، و(التحرير) في أصول الفقه، وغيرهما، توفي بالقاهرة، سنة ٨٦١ هـ. انظر: الأعلام، للزركلي (٦/ ٢٥٥).\n(٢) التقرير والتحبير، لابن أمير حاج (٣/ ٢).\n(٣) البحر المحيط، للزركشي (٨/ ١٢٠).\n(٤) هو: عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي الشافعي، أبو محمد، جمال الدين: فقيه أصولي، من علماء العربية. ولد بإسنا، وقدم القاهرة سنة ٧٢١ هـ، فانتهت إليه رياسة الشافعية. وولي الحسبة ووكالة بيت المال، ثم اعتزل الحسبة. من كتبه (المبهمات على الروضة)، و(نهاية السول شرح منهاج الأصول) وغيرهما، توفي سنة (٧٧٢هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٣/ ٣٤٤).\n(٥) نهاية السول، للإسنوي (٣/ ٣٥).\n(٦) هو: محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي، تقي الدين أبو البقاء، الشهير بابن النجار: فقيه حنبلي مصري. من القضاة. قال الشعراني: صحبته أربعين سنة فما رأيت عليه شيئًا يشينه، وما رأيت أحدًا أحلى منطقًا منه، ولا أكثر أدبًا مع جليسه. له (منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات) مع شرحه للبهوتي، في فقه الحنابلة، و(الكوكب المنير) في أصول الفقه، مع شرحه، وغيرهما، توفي سنة\n(٩٧٢هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٦/ ٦).\n(٧) شرح الكوكب المنير، للفتوحي، ص (٦٣٤).","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المبحث الثالث: تعريف المختلف في اللغة والاصطلاح:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>المطلب الأول: تعريف المختلف في اللغة:</span>\nالمُخْتلِف - بكسر اللام - اسم فاعل للفعل: اختلَفَ، والمصدر: اختلاف، يقال: اختلف اختلافًا، فهو مختلِف.\nوالمُختلَف - بفتح اللام - اسم مفعول، والاختلاف ضد الاتفاق، يُقال: تَخَالَفَ الأمْرانِ واختلفا؛ إذا لم يَتَّفِقَا، وكَلُّ ما لم يَتَسَاوَ فقد تَخَالَفَ واخْتَلَفَ.\nوتَخَالَفَ القوم واخْتَلَفُوا؛ إذا ذهب كلّ واحد إلى خِلافِ ما ذهب إليه الآخر. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>المطلب الثاني: تعريف مختلف الحديث في الاصطلاح:</span>\nلمختلف الحديث تعريفات عدة ذَكَرَهَا من كَتَبَ في مصطلح الحديث، هي في جُملتها راجعة لمعنى واحد، ومن أشهرها تعريف النووي، حيث قال: «هو أنْ يأتي حديثان متضادَّان في المعنى ظاهرًا، فيُوفَّقُ بينهما، أو يُرجَّح أحدهما». (٢)\n_________\n(١) انظر: القاموس المحيط، للفيروز آبادي، ص (١٠٤٢)، ولسان العرب، لابن منظور (٩/ ٩١)، والمصباح المنير، للفيومي، ص (١٧٩).\n(٢) التقريب للنووي (٢/ ١١٥)، مطبوع مع شرحه «تدريب الراوي»، للسيوطي.","vol":"1","page":30},{"text":"وعرفه الحافظ ابن حجر بأنه: «الحديث الذي عارضه ظاهرًا مثله». (١)\nوعرَّفه بعض المتأخرين بأنه: «تقابل حديثين نبويين على وجه يمنع كل منهما مقتضى الآخر، تقابلًا ظاهرًا». (٢)\nوهذا التعريف الأخير يصلح تعريفًا للتعارض لا المختلف، لأن التعارض فيه تناقض بخلاف المختلف.\nوعُرِّف التعارض بأنه: «تناقض ظاهري، واقع بين مدلولي حديثين أو أكثر، وخفي وجه الجمع بينهما». (٣)\nوهذا التعريف الأخير هو الأقرب في معنى التعارض، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، لابن حجر، ص (٢٠).\n(٢) انظر: منهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث، للدكتور عبد المجيد السوسوة، ص (٥١).\n(٣) مختلف الحديث، لأسامة خياط، ص (٥١).","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المبحث الرابع: الفرق بين المشكل والتعارض والمختلف:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>المطلب الأول: الفرق بين مشكل الحديث ومختلف الحديث:</span>\nمشكل الحديث أعم من مختلف الحديث، فمشكل الحديث يتناول كل إشكال يطرأ على الحديث، على النحو الذي ذكرته في تعريف مشكل الحديث. (١)\nوأما مختلف الحديث فهو خاص بالأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها الاختلاف فيما بينها وحسب.\nوعليه فإن مختلف الحديث أخص من مشكل الحديث، فكل مختلف مشكل، وليس كل مشكل مختلفًا، إذ بينهما عموم وخصوص مطلق. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>المطلب الثاني: الفرق بين التعارض والمختلف:</span>\nظاهر صنيع المتقدمين أنْ لا فرق بين موهم التعارض والمختلف، وقد أسلفت أنَّ بعضهم يُعبر بالتعارض تارة والبعض الآخر يُعبر بالمختلف تارة أخرى.\n_________\n(١) انظر: ص (١٥).\n(٢) انظر: الوسيط في علوم ومصطلح الحديث، للدكتور محمد أبو شهبة، ص (٤٤٢)، ومختلف الحديث، للدكتور أسامة خياط، ص (٣٧ - ٣٨)، ومنهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث، للدكتور عبدالمجيد السوسوة، ص (٥٦).","vol":"1","page":32},{"text":"ولم أجد في كتابات المتأخرين تفريقًا بينهما أيضًا، ويظهر لي أنَّ ثمة فرق في المعنى بين المصطلحين؛ إذ المُختلف يقع على أفراد ذُكِرَتْ في نصٍ ما، وجاء في نصٍ آخر ما يُخالف في الوصف بعض تلك الأفراد، كأن يأتي في حديث وصف شيء ما بعدة أوصاف، ويأتي في حديث آخر ما يُخالفه في ذكر بعض هذه الأوصاف، أو يأتي في حديث ذكر عدد معين، ويأتي في حديث آخر اختلاف في العدد، وهكذا.\nوأما التعارض فإنه تقابل نصين شرعيين، بحيث يمنع مدلول أحدهما مدلول الآخر؛ كأن يأتي نص بإثبات شيء ما، ويأتي في نص آخر نفيٌ له، أو يأتي نص بتحريم أمر ما، ويأتي في نص آخر الأمر به، فالأول تناقض في الخبر، والآخر تناقض في الحكم. (١)\nإلا أنَّ هذا التفريق هو في المعنى وحسب، ولا يلزم منه تخطئة من لم يُفرق بينهما، أو التثريب على من لم يتقيد بهذا التفريق؛ إذ لا مُشاحة في الاصطلاح؛ لأن العبرة في المصطلحات هو ما تعارف عليه أهل كل مصطلح وتناقلوه فيما بينهم، بغض النظر عن الاختلاف في معاني المصطلحات من ناحية اللغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>المطلب الثالث: الفرق بين مشكل الحديث وموهم التعارض:</span>\nأما في اصطلاح المحدثين فالفرق هو ما تقدم في الفرق بين مختلف الحديث ومشكل الحديث؛ إذ لا فرق عندهم بين المختلف وموهم التعارض، وأما على التفريق الذي ذكرته بين المختلف وموهم التعارض، فيكون موهم التعارض أخص من المشكل، على المعنى الذي ذكرته سابقًا.\n\n****\n_________\n(١) انظر: أصول في التفسير، لابن عثيمين، ص (٥٢).","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>الفصل الثاني: أسباب التعارض، وشروطه، ومسالك العلماء في دفعه</span>، وفيه مباحث:","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المبحث الأول: أسباب وقوع التعارض بين النصوص الشرعية:</span>\nمما يجدر التنبيه له أنَّ التعارض الحقيقي بين النصوص الشرعية لا يكاد يوجد ألبتة؛ لأن الشريعة لا تعارض فيها أبدًا، ولذلك لا تجد دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما، بحيث وجب عليهم التوقف، لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ أمكن التعارض بين الأدلة عندهم (١)، وهذا التعارض هو في الظاهر وحسب، وليس له حقيقة أبدًا، وهو نسبي يختلف باختلاف نظر المجتهدين وفهمهم، وقد ذكر العلماء عدة أسباب توهِم وقوع التعارض بين النصوص الشرعية، نذكر جملة منها على سبيل الإيجاز:\nالأول: أنَّ نصوص الشريعة ترد تارة بصيغة العموم، ومرة بصيغة الخصوص، وتارة يرد النص عامًا ويُراد به الخصوص، ومرة خاصًا ويُراد به العموم، فيُظَنُّ أنَّ بينهما تعارضًا واختلافًا، وليس الأمر كذلك؛ إذ اللفظ العام يمكن تخصيصه بالخاص فينتفي التعارض، والعام المراد به الخصوص يمكن معرفة خصوصه بقرينة في النص ذاته،\nأو بدليل آخر منفصل عنه، وكذا الخاص المراد به العموم. (٢)\nالسبب الثاني: أنْ يكون لفظ أحد النصين مُطلقًا والآخر مُقيدًا؛ فيُظن أنَّ بينهما تعارضًا واختلافًا، لكن عند حمل المطلق على المقيد ينتفي الاختلاف\nويزول التعارض. (٣)\nالسبب الثالث: أنْ يقع وهمٌ وغلطٌ من أحد الرواة، فيروي حديثًا مشكلًا مرفوعًا للنبي ﷺ، وهذا الوهم قد يكون في المتن، فيأتي الراوي بلفظٍ لم يقله\n_________\n(١) انظر: الموافقات، للشاطبي (٥/ ٣٤١).\n(٢) للأمثلة على هذا السبب: ينظر مسألة: هل الحدود كفارة لأهلها أم لا؟ ص (١٠٥).\n(٣) للأمثلة على هذا السبب: ينظر مسألة: من أساء في الإسلام هل يُؤاخذ بما عمل في الجاهلية؟\nص (٢٥٢).","vol":"1","page":36},{"text":"النبي ﷺ، وقد يكون في الإسناد؛ فيقع وهم من أحد الرواة فيروي حديثًا مرفوعًا للنبي - ﷺ -، وهو في الحقيقة ليس من كلام النبي - ﷺ -، وهذا السبب يكاد يكون الأكثر في وقوع الإشكال في الأحاديث النبوية؛ وفي هذا البحث جملةٌ من الأحاديث المشكلة التي تَبَيَّنَ بعد التحقيق أنَّ الإشكال الوارد فيها إنما كان بسبب وقوع الغلط من الرواة في نقلها. (١)\nالسبب الرابع: أنْ يكون الإشكال أو التعارض الوارد في نظر المجتهد صادرًا عن عدم فهمه واستيعابه للنص الشرعي، وقد وقع شيء من ذلك لصحابة النبي - ﷺ - في حياته - ﷺ -، فعن أُمِّ مُبَشِّرٍ أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ، عِنْدَ حَفْصَةَ: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ، الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا». قَالَتْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَانْتَهَرَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قَدْ قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم: ٧٢]». (٢)\nولما قال النبي - ﷺ -: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، استشكل بعض الصحابة وجه كون المقتول في النار؛ فأبان لهم النبي - ﷺ - سبب كونه في النار فقال: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ». (٣)\nالسبب الخامس: أنْ يرد النصان على حالين مختلفين، ويفيدان حكمين متضادين، فيُظن أنَّ بينهما تعارضًا، وليس الأمر كذلك؛ لأن اختلاف الحكم إنما هو لاختلاف السبب الذي من أجله ورد النص، ولأن الحكم يختلف باختلاف الحال والزمان، ومن هذا النوع ما ورد أنَّ النبي - ﷺ - نهى عن ادخار لحوم الأضاحي (٤)،\nوورد عنه أنه رخص فيه (٥)، فظاهر هذين الحديثين\n_________\n(١) للأمثلة على هذا السبب: ينظر مسألة: مدة خلق السماوات والأرض، ص (٢٣٦).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب فضائل الصحابة، حديث (٢٤٩٦).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (٣١)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (٢٨٨٨).\n(٤) عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵁ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ». أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الأضاحي، حديث (١٩٧٠).\n(٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵁ - قَالَ: «كُنَّا لَا نُمْسِكُ لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَزَوَّدَ مِنْهَا وَنَأْكُلَ مِنْهَا يَعْنِي فَوْقَ ثَلَاثٍ». أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الأضاحي، حديث (١٩٧٢).","vol":"1","page":37},{"text":"التعارض، لكن عند معرفة السبب يزول هذا التعارض، فنهيه - ﷺ - إنما كان لحاجة الناس آنذاك، نظرًا لما تعرَّض له الناس من مجاعة شديدة أوجبت منه - ﷺ - تعاطف الناس فيما بينهم سدًا لهذه المجاعة، ولما زالت هذه العلة أباح الادخار، وقد جاء التصريح بذكر هذه العلة في أحاديث أُخر؛ فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ؟ قَالَتْ: مَا فَعَلَهُ إِلَّا فِي عَامٍ جَاعَ النَّاسُ فِيهِ، فَأَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ الْغَنِيُّ الْفَقِيرَ». (١) (٢)\nالسبب السادس: احتمال الحقيقة والمجاز في أحد النصين المتعارضين، إذ قد يرد نصان يحملان معنيين إذا حُملا معًا على الحقيقة أوهما التعارض، لكن عند معرفة أنَّ أحدهما أُريد به المجاز والآخر أُريد به الحقيقة فإنَّ التعارض يزول عنهما وينتفي. (٣)\nالسبب السابع: أنْ يكون أحد النصين ناسخًا للآخر، ويخفى على بعض المجتهدين معرفة الناسخ منهما، فيظن أنَّ بينهما تعارضًا، وليس الأمر كذلك. (٤)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأطعمة، حديث (٥٤٢٣).\n(٢) لمزيد من الأمثلة على هذا السبب: ينظر مسألة: حكم المفاضلة بين الأنبياء ﵈، ص (٤٦).\n(٣) للأمثلة على هذا السبب: ينظر مسألة: الوقت الذي تكون فيه زلزلة الساعة، ص (٦٦٥).\n(٤) انظر: الرسالة، ص (٢١٣ - ٢١٤)، واختلاف الحديث، ص (٤٨٧)، كلاهما للشافعي، والفصول في الأصول، للجصاص (٣/ ١٥٨)، والتعارض والترجيح، للبرزنجي (١/ ٢٠٦)، ومختلف الحديث، لأسامة خياط، ص (٦١).","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>المبحث الثاني: شروط التعارض بين النصوص الشرعية:</span>\nذكر العلماء عدة شروط يجب توفرها حتى يُحْكَمَ بالتعارض بين النصوص الشرعية، وهذه الشروط هي (١):\nالأول: اتحاد المحل:\nومعنى هذا الشرط: أنْ يكون النصان المتعارضان واردين في محل واحد؛ لأنه إذا اختلف المحل جاز أنْ يجتمع النصان، فلا يكون هناك تعارض.\nومثال ذلك: نهيه - ﷺ - عن استقبال القبلة بغائط أو بول (٢)، وقد رُويَ عنه - ﷺ - أنه قضى حاجته وهو مستقبل القبلة (٣)،\nفهذان النصان وردا على محل واحد، وكل منهما يفيد حكمًا يُعارض الآخر، وقد جمع بعض العلماء بينهما بأنَّ النهي محمول على ما إذا كان الاستقبال في العراء؛ فإنه يُكره استقبال القبلة والحالة هذه، وأما إذا كان في البنيان فلا يمتنع؛ لأن\n_________\n(١) انظر: البحر المحيط، للزركشي (٨/ ١٢٠)، وكشف الأسرار، للبخاري (٣/ ٧٧)، والتعارض والترجيح، للبرزنجي (١/ ١٥٤)، ومختلف الحديث، لأسامة خياط، ص (٥١ - ٥٧).\n(٢) عَنْ أَبِي أَيُّوبَ - ﵁ -، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا».\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، حديث (١٤٤)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الطهارة، حديث (٢٦٤).\n(٣) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ: «ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ، مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ الشَّأْمِ».\n\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، حديث (١٤٨)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الطهارة، حديث (٢٦٦).","vol":"1","page":39},{"text":"فعله - ﷺ - كان في البنيان، كما دل عليه الحديث (١)، وبهذا يزول التعارض بين الحديثين لاختلاف المحل بينهما، لا كما يُتوهم أنهما وردا على محل واحد.\nالشرط الثاني: اتحاد الوقت:\nومعنى هذا الشرط: أنْ يكون النصان المتعارضان واردين في زمنٍ واحد، فلا يكون أحدهما واردًا في زمن، والآخر في زمن آخر؛ لأنهما إذا وردا في زمنين مختلفين دخلا في باب الناسخ والمنسوخ، إذا كانا من الأحكام، وعليه فلا يكون بينهما تعارض.\nالشرط الثالث: وجود الاختلاف والتضاد بين النصين:\nكأن يدل أحدهما على الإثبات والآخر على النفي، أو يدل أحدهما على الحِل والآخر على الحرمة. (٢)\nالشرط الرابع: أنْ يكون النصان قطعيين في الثبوت والدلالة:\nومعنى كونهما قطعيين في الثبوت: أنْ يُرويا عن طريق التواتر، كالقرآن الكريم، والحديث المتواتر، أو يُرويا عن طريق الآحاد، ولكن بسند متصل صحيح؛ فلا يصح اعتبار التعارض بين حديث صحيح وآخر ضعيف، لأن الآخر غير معتبر؛ لضعفه وعدم ثبوته.\nومعنى كونهما قطعيين في الدلالة: أنْ تكون دلالتهما على المعنى صريحة، فلا يُحكم بالتعارض بين دلالة منطوق نص ومفهوم نص آخر؛ لأن دلالة المنطوق قطعية، بخلاف دلالة المفهوم. (٣)\n_________\n(١) انظر: شرح صحيح مسلم، للنووي (١/ ١٩٧ - ١٩٩).\n(٢) للمثال على هذا الشرط: ينظر مسألة: خراب ذي السويقتين للكعبة، ص (٣٨٣).\n(٣) للمثال على هذا الشرط: ينظر مسألة: حد الإماء إذا أتين بفاحشة، ص (٧٦).","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المبحث الثالث: مسالك العلماء في دفع التعارض بين النصوص الشرعية:</span>\nإذا وقع تعارضٌ ظاهري بين نصين شرعيين فإن للعلماء في دفعه ثلاثة مسالك، يجب اتباعها حسب الترتيب الآتي (١):\nأولًا: الجمع:\nفأول ما يجب على المجتهد أنْ يُحاول الجمع بين النصين المتعارضين بقدر الإمكان، ولا يجوز له إعمال أحد النصين وترك الآخر؛ إلا إذا تعذر الجمع، أو ثبت أنَّ أحدهما ناسخ والآخر منسوخ، أو ثبت أنَّ في أحدهما علة توجب رده وعدم قبوله.\nقال الشافعي: «لا يُنسب الحديثان إلى الاختلاف ما كان لهما وجهٌ يمضيان معًا». اهـ (٢)\nوقال: «وكلما احتمل حديثان أنْ يُستعملا معًا استعملا معًا، ولم يُعَطِّلْ واحدٌ منهما الآخر». اهـ (٣)\nوقال الخطابي: «وسبيل الحديثين إذا اختلفا في الظاهر وأمكن التوفيق بينهما وترتيب أحدهما على الآخر أنْ لا يُحملا على المنافاة ولا يُضرب بعضها ببعض، لكن يُستعمل كل واحدٍ منهما في موضعه، وبهذا جرت قضية العلماء». اهـ (٤)\n_________\n(١) انظر: البحر المحيط، للزركشي (٨/ ١٦٨)، وفتح المغيث، للسخاوي (٣/ ٧٣)، وتدريب الراوي، للسيوطي (٢/ ١١٦)، والباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، لأحمد شاكر، ص (١٧٠)، وقواعد التحديث، للقاسمي، ص (٣١٣)، ومختلف الحديث، لأسامة خياط، ص (١٣٧)، وأحاديث العقيدة، للدبيخي (١/ ٤٠).\n(٢) الرسالة، للشافعي، ص (٣٤٢).\n(٣) اختلاف الحديث، للشافعي، ص (٤٨٧).\n(٤) معالم السنن، للخطابي (١/ ٦٨).","vol":"1","page":41},{"text":"ثانيًا: النسخ:\nإذا تعذَّر الجمع بين النصيين المتعارضين، أو ثبت أنَّ أحدهما ناسخ للآخر؛ فإنه يُصار حينئذٍ إلى النسخ.\nقال الشافعي: «فإذا لم يحتمل الحديثان إلا الاختلاف، كما اختلفت القبلة نحو بيت المقدس والبيت الحرام، كان أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا، ولا يستدل على الناسخ والمنسوخ إلا بخبرٍ عن رسول الله - ﷺ -، أو بقولٍ، أو بوقتٍ، يدل على أنَّ أحدهما بعد الآخر، فيُعلم أنَّ الآخر هو الناسخ، أو بقولِ من سمع الحديث ...». اهـ (١)\nثالثًا: الترجيح:\nإذا تعذر الجمع بين النصين، ولم يَقُم دليل على النسخ؛ فإنه يُصار حينئذ إلى الترجيح، فيُعمل بأحد الدليلين ويترك الآخر.\nقال الشافعي: «لا يخلو أحد الحديثين أنْ يكون أشبه بمعنى كتاب الله، أو أشبه بمعنى سنن النبي - ﷺ -، مما سوى الحديثين المختلفين، أو أشبه بالقياس، فأي الأحاديث المختلفة كان هذا فهو أولاهما عندنا أنْ يصار إليه». اهـ (٢)\n\n****\n_________\n(١) اختلاف الحديث، ص (٤٨٧).\n(٢) المصدر السابق.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>الفصل الثالث: المراد بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، وبيان الفرق بينها وبين مشكل القرآن، ومشكل الحديث</span>، وفيه مباحث:","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المبحث الأول: المراد بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم </span>(١):\nيُطلق هذا المصطلح ويراد به ثلاثة أنواع من مشكل الحديث:\n١ - الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها مُعارضة آيةٍ قرآنية.\n٢ - الأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما، ويُوهِمُ ظاهرها معارضة حديث آخر وارد في تفسير الآية نفسها.\n٣ - الأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما، ويُوهِمُ ظاهرها معارضة مُعْتَبَرٍ مِنْ: إجماعٍ، أو قياسٍ، أو قاعدةٍ شرعيةٍ كليةٍ ثابتةٍ، أو أصلٍ لغوي، أو حقيقةٍ علمية، أو حِسٍ، أو معقولٍ.\n_________\n(١) مما يحسن التنبيه له أن هناك قسيمًا للأحاديث المشكلة في التفسير وهي: الأحاديث المُعلَّة، إلا أن ثمة فرق بين الاثنين؛ إذ الأول يتعلق بالمتون، والآخر يتعلق بالأسانيد، وربما تلاقى الاثنان، فقد يكون بعض الأحاديث مشكلًا في لفظه ومُعلًا في إسناده.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المبحث الثاني: الفرق بين الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، ومشكل القرآن:</span>\nثمة فرق بين الأحاديث المشكلة في التفسير، ومشكل القرآن، وثمة تداخل بين الاثنين، فمن أوجه التداخل:\n١ - أنَّ الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع القرآن تدخل في مشكل القرآن ومشكل الحديث، فكل آية أوهمت معارضة صحيح السُّنة فهي مشكلة، وكل حديث أوهم معارضة القرآن فهو مشكل، وكلاهما يُوهِمُ معارضة الآخر.\n٢ - أنَّ الإشكال قد يَرِدُ على الآية والحديث الوارد في تفسيرها معًا، بمعنى أنَّ الآية قد يُوهِمُ ظاهرها معنى مشكلًا، ويأتي حديثٌ يؤكد هذا المعنى المشكل في الآية (١)، فيكون هذا المعنى المشكل صادرًا من الآية والحديث معًا، وبهذا يكون الإشكال قد تجاذبه طرفان هما: الآية والحديث، ويكون داخلًا في مصطلح مشكل القرآن ومشكل الحديث.\nومن أوجه الاختلاف بينهما:\n١ - أنَّ الإشكال قد يكون متعلقًا بالحديث الوارد في تفسير الآية دون الآية ذاتها، فيكون داخلًا في مشكل الحديث دون مشكل القرآن.\n٢ - أن مصطلح «مشكل القرآن» خاص بالقرآن وآياته، وما يطرأ عليهما من إشكال، بخلاف الأحاديث المشكلة في التفسير فإن الإشكال ربما طرأ على الحديث ذاته لإيهامه معنىً مشكلًا على النحو الذي ذكرته في تعريف المشكل. (٢)\n_________\n(١) للأمثلة على هذا النوع: ينظر مسألة: هل وقع الشرك من آدم وحواء ﵉، ص (٥٩٤).\n(٢) انظر: ص (١٨).","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المبحث الثالث: الفرق بين الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، ومشكل الحديث:</span>\nتُعد الأحاديث المشكلة في التفسير نوعًا من أنواع مشكل الحديث؛ ولو رجعنا إلى التعريف العام لمشكل الحديث لوجدناه مشتملًا على عدة أنواع من مشكل الحديث، ومن تلك الأنواع أحاديث التفسير المشكلة، ومن أظهر ما تتميز به الأحاديث المشكلة في التفسير عن سائر أنواع مشكل الحديث:\n١ - أنَّ ظاهرها يُوهِمُ معارضة آية قرآنية.\n٢ - أنها ترد في تفسير آيات القرآن الكريم، ولا تخرج عنها.\nوخلاصة الفرق بينهما: أن مشكل الحديث عام والأحاديث المشكلة في التفسير جزء منه.\n\n****","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>الفصل الرابع: عناية العلماء بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم:</span>","vol":"1","page":47},{"text":"سبق وأنْ أشرت في مقدمة هذا البحث أنَّ الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم لم تُفرد بالتصنيف على حدة، وقد تطرق جمع من العلماء لتحقيقها ودفع الإشكال عنها في كتبٍ متفرقة، وفنون مختلفة، وتميز هذا البحث بجمع هذه الأحاديث، وجمع أقوال العلماء فيها، مع زيادة تحقيق ودراسة، وقد عمِلْتُ على إحصاء تلك الأحاديث في أمهات تلك الكتب، وصنفتها حسب الفنون الآتية:\nكُتُب التفسير وعلوم القرآن، وكُتُب مشكل الحديث، وكُتُب الحديث وشروحه، وكُتُبٍ أخرى متفرقة، وجعلت هذه الأقسام الأربعة في مباحث، وجعلت في كل مبحث جدولًا يُبين عدد الأحاديث المشكلة الواردة في كل كتاب:","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>المبحث الأول: أحاديث التفسير المشكلة في كتب «التفسير وعلوم القرآن»:</span>\nعنوان الكتاب ومؤلفه ... عدد أحاديث التفسير المشكلة في الكتاب\nروح المعاني، للآلوسي ... ٣٣\nتفسير القرطبي ... ٢٦\nتفسير الحافظ ابن كثير ... ٢٣\nالمحرر الوجيز، لابن عطية ... ٢٢\nمفاتيح الغيب، للرازي ... ١٩\nفتح القدير، للشوكاني ... ١٦\nأضواء البيان، للشنقيطي ... ١٦\nمحاسن التأويل، للقاسمي ... ١٤\nزاد المسير، لابن الجوزي ... ١٢\nتفسير البحر المحيط، لأبي حيان ... ١٢\nالتحرير والتنوير، للطاهر ابن عاشور ... ١٢\nالكشاف، للزمخشري ... ١٠\nأحكام القرآن، لابن العربي ... ١٠\nالتسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي ... ٩\nالنحاس في: الناسخ والمنسوخ في أربعة مواضع، وإعراب القرآن في ثلاثة مواضع، ومعاني القرآن في موضعين ... ٩\nتفاسير ابن عثيمين ... ٧\nتفسير أبي السعود ... ٧\nأحكام القرآن للجصاص ... ٧","vol":"1","page":49},{"text":"تفسير الطبري ... ٦\nتفسير البيضاوي ... ٦\nتفسير البغوي ... ٦\nالسيوطي في: معترك الأقران في خمسة مواضع، والإتقان في موضع واحد ... ٦\nالوسيط في تفسير القرآن المجيد، للواحدي ... ٥\nاللباب في علوم الكتاب، لابن عادل الحنبلي ... ٤\nلباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن ... ٤\nتفسير الثعالبي ... ٤\nتيسير الكريم الرحمن، للسعدي ... ٣\nالكشف والبيان، للثعلبي ... ٢\nحاشية الشهاب على تفسير البيضاوي ... ٢\nتفسير النسفي ... ٢\nتفسير السمعاني ... ٢\nالبرهان في علوم القرآن، للزركشي ... ٢\nالانتصار للقرآن، للباقلاني ... ٢","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>المبحث الثاني: أحاديث التفسير المشكلة في كتب «مشكل الحديث»:</span>\nعنوان الكتاب ومؤلفه ... عدد أحاديث التفسير المشكلة في الكتاب\nمشكل الآثار، للطحاوي ... ١٥\nتأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة ... ٨\nاختلاف الحديث، للشافعي ... ٢","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>المبحث الثالث: أحاديث التفسير المشكلة في كتب «الحديث وشروحه»:</span>\nعنوان الكتاب ومؤلفه ... عدد أحاديث التفسير المشكلة في الكتاب\nفتح الباري، لابن حجر ... ٣٦\nالقاضي عياض في: إكمال المعلم في أربعة وعشرين موضعًا، والشفا في سبعة مواضع ... ٣١\nشرح صحيح مسلم، للنووي ... ٢٩\nالمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي ... ٢٨\nعمدة القاري، للعيني ... ٢٨\nابن القيم في: زاد المعاد في ستة مواضع، وحاشيته على مختصر سنن أبي داود في أربعة مواضع، وفي أخرى متفرقة ثماني عشرة موضعًا ... ٢٨\nفيض القدير، للمناوي ... ٢١\nشيخ الإسلام ابن تيمية في: مجموع الفتاوى في أربعة عشر موضعًا، ومنهاج السنة في موضعين، وتفسير آيات أشكلت في موضع واحد، وبغية المرتاد في موضع واحد، والفرقان في موضع واحد، والجواب الصحيح في موضع واحد، وجامع الرسائل في موضع واحد ... ٢١\nابن حزم في: المحلى في ثمانية مواضع، والإحكام في ثلاثة مواضع، والفصل في تسعة مواضع ... ٢٠\nمرقاة المفاتيح، للملا علي القاري ... ١٦\nكشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي ... ١٢\nالسيوطي في عدة كتب ... ١٢","vol":"1","page":52},{"text":"ابن رجب في: جامع العلوم والحكم في ثلاثة مواضع، والمحجة في موضع واحد، وفتح الباري في خمسة مواضع، وأهوال القبور في موضعين، والتخويف من النار في موضع واحد ... ١٢\nالألباني في عدة كتب ... ١١\nالتمهيد، لابن عبد البر ... ١٠\nتحفة الأحوذي، للمباركفوري ... ١٠\nالبيهقي في عدة كتب ... ١٠\nأعلام الحديث، للخطابي ... ٩\nعون المعبود، للآبادي ... ٨\nشرح الطيبي على مشكاة المصابيح ... ٨\nطرح التثريب، للعراقي ... ٧\nشرح الزرقاني على موطأ مالك ... ٧\nشرح السنة، للبغوي ... ٧\nشرح سنن ابن ماجه، للسندي ... ٦\nمعالم السنن، للخطابي ... ٦\nشرح البخاري، لابن بطال ... ٦\nالمنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد ... ٥\nالروض الأنف، للسهيلي ... ٥\nالآداب الشرعية، لابن مفلح ... ٥\nنيل الأوطار، للشوكاني ... ٥\nصحيح ابن حبان ... ٤\nإكمال إكمال المعلم، للأبي ... ٤\nابن الوزير اليماني في: العواصم والقواصم في موضعين، وإيثار الحق في موضعين ... ٤","vol":"1","page":53},{"text":"المنهاج، للحليمي ... ٣\nالمعلم بفوائد مسلم، للمازري ... ٣\nسبل السلام، للصنعاني ... ٣\nشرح النسائي للسندي ... ٣\nالزواجر عن اقتراف الكبائر، للهيتمي ... ٢\nالتاريخ الكبير، للبخاري ... ٢\nالأنوار الكاشفة، للمعلمي ... ٢\nالأم، للشافعي ... ٢\nتهذيب الآثار، للطحاوي ... ٢","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>المبحث الرابع: أحاديث التفسير المشكلة في كتبٍ أخرى متفرقة:</span>\nعنوان الكتاب ومؤلفه ... عدد أحاديث التفسير المشكلة في الكتاب\nابن عثيمين في: مجموع الفتاوى في ثلاثة مواضع، والشرح الممتع في ثلاثة مواضع، والقول المفيد في موضعين، وشرح الواسطية في موضع واحد ... ٩\nالتذكرة في أحوال الموتى والآخرة، للقرطبي ... ٦\nالبداية والنهاية، لابن كثير ... ٥\nشرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي ... ٤\nلوامع الأنوار البهية، للسفاريني ... ٣\nفتاوى ابن باز ... ٣\nالمغني، لابن قدامة ... ٢\n\n****","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>القسم الثاني\nدراسة تطبيقية للأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم</span>","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>الفصل الأول\nالأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض مع القرآن الكريم</span>","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>المسألة [١]: في حكم المفاضلة بين الأنبياء ﵈</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) [البقرة: ٢٥٣].\nوقال تعالى: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) [الإسراء: ٥٥].\nوقال تعالى: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨» [القلم: ٤٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآيات:</span>\n(١) - (١): عن أبي هريرة - ﵁ -، أنَّ النبي - ﷺ - قال: \"لاَ تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ\". (١)\n(٢) - (..): وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، أنَّ النبي - ﷺ - قال: \"لاَ تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ\". (٢)\n(٣) - (٢): وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"لاَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأنبياء، حديث (٣٢٣٣)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الفضائل، حديث (٢٣٧٣).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الخصومات، حديث (٢٢٨١)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الفضائل، حديث (٢٣٧٤).","vol":"1","page":60},{"text":"يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى\". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والأحاديث:</span>\nظاهر الآيات الكريمة جواز التفضيل بين الأنبياء والرسل ﵈، وأما الأحاديث ففيها النهي عن ذلك، وهذا يُوهِم خلاف الآيات. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والأحاديث </span>(٣):\nأجمع العلماء على أنَّ الأنبياء بعضهم أفضل من بعض، وأجمعوا على تفضيل الرسل منهم على الأنبياء؛ لتميزهم بالرسالة التي هي أفضل من النبوة، وأجمعوا على تفضيل أولي العزم منهم على بقيتهم، وعلى تفضيل نبينا محمد - ﷺ - على الجميع. (٤)\nوأما أحاديث النهي عن التفضيل بين الأنبياء فإنَّ للعلماء في دفع التعارض بينها وبين الآيات مسلكين:\nالأول: مسلك الجمع:\nوإليه صار الجمهور من العلماء، لكن اختلفوا في الجمع على مذاهب:\nالأول: أنَّ النهي - في الأحاديث - محمولٌ على ما إذا كان التفضيل\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأنبياء، حديث (٣٢٣١).\n(٢) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: مشكل الآثار، للطحاوي (١/ ٥٧)، وتفسير ابن كثير\n(٣/ ٥٠)، وفتح القدير، للشوكاني (١/ ٤٠٧).\n(٣) انظر: أحاديث العقيدة، للدبيخي (٢/ ٥٦١).\n(٤) انظر: لوامع الأنوار البهية، للسفاريني (١/ ٤٩ - ٥٠)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٦/ ١٦٥)، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ص (٨)، ومجموع الفتاوى (١٤/ ٤٣٢)، كلاهما، لابن تيمية، وتفسير ابن كثير (٣/ ٥٠)، واللباب في علوم الكتاب، لابن عادل (٤/ ٢٩٨)، ومعترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي (٣/ ٢٦).","vol":"1","page":61},{"text":"يؤدي إلى توهم النقص في المفضول، أو الغَضِّ منه، أو كان على وجه الإزراء به، وليس المراد النهي عن اعتقاد التفاضل بينهم في الدرجات؛ لأن الله تعالى قد أخبر أنه فاضل بينهم.\nوهذا مذهب: الخطابي، والبغوي، والحليمي (١)، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن أبي العز الحنفي (٢)، وحافظ حكمي. (٣)\nقال المازري - فيما نقله عن بعض شيوخه-: \"وقد خرج الحديث على سبب، وهو لطم الأنصاري وجه اليهودي، فقد يكون ﵊ خاف أنْ يُفهم من هذه الفِعْلَة انتقاصُ حق موسى ﵇؛ فنهى عن التفضيل المؤدي إلى نقص الحقوق\". اهـ (٤)\nوقال البغوي: \"وليس معنى النهي عن التخيير أنْ يعتقد التسوية بينهم في درجاتهم؛ فإنَّ الله ﷿ قد أخبرنا أنه فضل بعضهم على بعض، فقال الله ﷾: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) بل معناه ترك التخيير على وجه الإزراء ببعضهم، والإخلال بالواجب من حقوقهم؛ فإنه يكون سببًا لفساد الاعتقاد في بعضهم، وذلك كفر\". اهـ (٥)\nالمذهب الثاني: أنَّ النهي محمول على ما إذا كان التفضيل يؤدي إلى المجادلة والمخاصمة والتشاجر والتنازع.\nحكى هذا المذهب: النووي، والحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر. (٦)\nويؤيد هذا المذهب: سبب ورود الحديث؛ فعن أبي هريرة، وأبي\n_________\n(١) هو: الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الجرجاني، أبو عبد الله: فقيه شافعي، قاض. كان رئيس أهل الحديث في ما وراء النهر. مولده بجرجان ووفاته في بخارى. له (المنهاج في شعب الإيمان)، قال الأسنوي: جمع فيه أحكامًا كثيرة، ومعاني غريبة لم أظفر بكثير منها في غيره. توفي سنة (٤٠٣هـ). انظر: الرسالة المستطرفة، للكتاني، ص (٥٨)، والأعلام، للزركلي (٢/ ٢٣٥).\n(٢) هو: علي بن علي بن محمد بن أبي العز، الحنفي الدمشقي: فقيه. كان قاضي القضاة بدمشق، ثم بالديار المصرية، ثم بدمشق. له كتب، منها (التنبيه على مشكلات الهداية) و(شرح العقيدة الطحاوية)، وغيرها. (ت: ٧٩٢هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٤/ ٣١٣).\n(٣) انظر على الترتيب: معالم السنن، للخطابي (٤/ ٢٨٦)، وشرح السنة، للبغوي (٧/ ١١)، والمنهاج في شعب الإيمان، للحليمي (٢/ ١١٧ - ١١٨)، ومنهاج السنة (٧/ ٢٥٦)، ومجموع الفتاوى (١٤/ ٤٣٦)، كلاهما لابن تيمية، وشرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (١/ ١٥٩)، ومعارج القبول، لحافظ حكمي (٣/ ١١٢٤).\n(٤) المعلم بفوائد مسلم، للمازري (٣/ ١٣٤).\n(٥) شرح السنة، للبغوي (٧/ ١١).\n(٦) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (١٥/ ٥٥)، وتفسير ابن كثير (١/ ٣١١) وفتح الباري، لابن حجر (٦/ ٥١٤، ٥٢١).","vol":"1","page":62},{"text":"سعيد، ﵄، قالا - واللفظ لأبي هريرة -: \"بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَتَهُ أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا كَرِهَهُ فَقَالَ: لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ. فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَامَ فَلَطَمَ وَجْهَهُ وَقَالَ: تَقُولُ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَ أَظْهُرِنَا. فَذَهَبَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَبَا الْقَاسِمِ إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا فَمَا بَالُ فُلَانٍ لَطَمَ وَجْهِي. فَقَالَ: لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟ فَذَكَرَهُ. فَغَضِبَ النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ: لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ، أَمْ بُعِثَ قَبْلِي، وَلَا أَقُولُ إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى\". (١)\nقالوا: فالنهي إنما ورد إثر هذه الخصومة؛ فهو محمولٌ على مثل هذه الحالة.\nالمذهب الثالث: أنَّ النهي محمولٌ على ما إذا كان التفضيل بمجرد الرأي والهوى، لا بمقتضى الدليل.\nوهذا مذهب: الطحاوي، وابن كثير، والمناوي، والسندي، وابن عثيمين، وهو الظاهر من كلام الشوكاني. (٢)\nقال الطحاوي: \"وَكَانَ هَذَا عَنَدْنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى التَّفْضِيلِ بَيْنَهُمْ وَعَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَهُمْ بِآرَائِنَا وَبِمَا لَمْ يُوقِفْنَا عَلَيْهِ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ لَنَا، فَأَمَّا مَا بَيَّنَهُ لَنَا وَأَعْلَمَنَا فَقَدْ أَطْلَقَهُ لَنَا وَعَادَ مَا نَهَى عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ إلَى مَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُبَيِّنْهُ لَنَا، وَلَمْ يُطْلِقْ لَنَا الْقَوْلَ فِيهِ بِمَا قَدْ تَوَلَّاهُ اللَّهُ ﷿ وَمَنَعَنَا مِنْهُ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ\". اهـ (٣)\nوقال الحافظ ابن كثير: \"قوله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ\n_________\n(١) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٢) انظر على الترتيب: مشكل الآثار، للطحاوي (١/ ٥٧)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٥٠)، وفيض القدير، للمناوي (٣/ ٤٢)، وشرح سنن ابن ماجة، للسندي (٤/ ٥٠٥)، وتفسير ابن عثيمين، البقرة\n(٣/ ٢٣٩)، وفتح القدير، للشوكاني (١/ ٤٠٧).\n(٣) مشكل الآثار، للطحاوي (١/ ٥٧).","vol":"1","page":63},{"text":"مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) [البقرة: ٢٥٣] لا ينافي ما ثبت في الصحيحين أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"لاَ تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ\"؛ فإنَّ المراد من ذلك هو التفضيل بمجرد التَّشهّي والعصبية، لا بمقتضى الدليل، فإذا دلَّ الدليل على شيء وجب اتباعه\". اهـ (١)\nالمذهب الرابع: أنَّ نهيه - ﷺ - إنما هو على سبيل التواضع منه؛ لأنه يعلم أنه أفضل الأنبياء، يدل على ذلك قوله - ﷺ -: \"أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم وَلَا فَخْرَ\". (٢)\nوهذا قول: ابن قتيبة، واختاره وجهًا آخر في الجمع: ابن كثير، والسيوطي. (٣)\nالمذهب الخامس: أنَّ المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات، وأما النبوة في نفسها فلا\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٥٠).\n(٢) أخرجه ابن ماجة في سننه، في كتاب الزهد، حديث (٤٣٠٨)، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ، وَلِوَاءُ الْحَمْدِ بِيَدِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ\".\nوفي سنده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، كما في التقريب (٢/ ٤٣).\nوله شاهد من حديث جابر بن عبد الله، أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٦٦٠)، من حديث عبيد الله بن إسحاق العطار، حدثنا القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل، حدثني أبي، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أنا سيد ولد آدم ولا فخر\". قال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\". وتعقبه الذهبي: \"بأن عبيد الله ضعفه غير واحد، والقاسم متروك تالف\".\nوالحديث صححه الألباني، في صحيح ابن ماجة (٣/ ٤٠٢)، حديث (٤٣٨٤)، وصحيح الترغيب والترهيب، حديث (٣٦٤٣). وأصله في الصحيحين لكن دون قوله: \"ولا فخر\".\nفقد أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (٤٧١٢)، ولفظه: \"أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". وأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفضائل، حديث (٢٢٧٨)، ولفظه: \"أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ\".\n(٣) انظر على الترتيب: تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة (١/ ١١٦)، والبداية والنهاية، لابن كثير\n(١/ ٢٢٢، ٢٩١)، ومعترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي (٣/ ٢٦).","vol":"1","page":64},{"text":"تتفاضل، وإنما تتفاضل بأمور أُخر زائدة عليها؛ ولذلك منهم رسل وأولو عزم، ومنهم من اتُخِذَ خليلًا، ومنهم من كلم اللهُ، ورفع بعضهم درجات.\nوهذا مذهب: أبي عبد الله القرطبي (١). (٢)\nالمذهب السادس: أنَّ المراد بالنهي: المنع من تعيين المفضول؛ فلا يُفَضَّل أحدٌ من الرسل على آخر بعينه؛ لأنَّ في ذلك تنقيصٌ للمفضول وغضٌّ منه، وأما تفضيل بعضهم على بعض في الجملة فلا مانع منه.\nوهذا مذهب: ابن عطية، وابن جزي، وأبي حيان، وابن عاشور. (٣)\nالمذهب السابع: أنَّ الآيات فيها إخبار من الله تعالى بأنه فضَّل بعض أنبيائه على بعض، وأما السنة ففيها النهي لعباده أنْ يُفَضَّلوا بين أنبيائه، فيكون النّهي خاصًا بآحاد الناس، فليس لأحد أنْ يُفضِّل بين الأنبياء، وأما الله تعالى فله أنْ يُفاضل بين خلقه كما يشاء سبحانه.\nوهذا المذهب: ذكره ابن كثير (٤)، ويحتمل وجهًا آخر عند الشوكاني.\nقال الشوكاني: \"وعندي أنه لا تعارُض بين القرآن والسنة؛ فإنَّ القرآن دلَّ على أنَّ الله فضَّل بعض أنبيائه على بعض، وذلك لا يستلزم أنه يجوز لنا أنَّ نُفَضِّل بعضهم على بعض، فإنَّ المزايا التي هي مناط التفضيل معلومة عند الله، لا تخفى عليه مِنَّا خافية، وليست بمعلومة عند البشر، فقد يجهل أتباع نبي من الأنبياء بعض مزاياه وخصوصياته فضلًا عن مزايا غيره، والتفضيل لا يجوز إلا بعد العلم بجميع الأسباب التي يكون بها هذا فاضلًا وهذا مفضولًا، لا قبل العلم ببعضها أو بأكثرها أو بأقلها؛ فإنَّ ذلك تفضيل بالجهل، وإقدام على أمر لا يعلمه الفاعل له، وهو ممنوع منه، فلو فرضنا أنه لم يَرِدْ إلا القرآن في الإخبار لنا بأن الله فضل بعض أنبيائه على بعض لم يكن فيه دليل على أنه يجوز للبشر أنْ يفضلوا بين الأنبياء، فكيف وقد وردت السنة\n_________\n(١) هو: محمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري الخزرجي المالكي، أبو عبد الله القرطبي، صاحب التفسير المشهور \"الجامع لأحكام القرآن\"، وله كتاب \"التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة\"،\n(ت: ٦٧١ هـ). انظر: طبقات المفسرين، للسيوطي، ص (٧٩).\n(٢) انظر: تفسير القرطبي (٣/ ٢٦٣).\n(٣) انظر على الترتيب: المحرر الوجيز، لابن عطية (١/ ٣٣٨)، والتسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (١/ ١٣٠)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (٢/ ٢٨٢)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (٣/ ٧).\n(٤) تفسير ابن كثير (١/ ٣١١)، وانظر: معارج القبول، لحافظ حكمي (٣/ ١١٢٤).","vol":"1","page":65},{"text":"الصحيحة بالنهي عن ذلك، وإذا عرفتَ هذا علمتَ أنه لا تعارض بين القرآن والسنة بوجه من الوجوه، فالقرآن فيه الإخبار من الله بأنه فضل بعض أنبيائه على بعض، والسنة فيها النهي لعباده أنْ يفضلوا بين أنبيائه\". اهـ (١)\n\nالمسلك الثاني: مسلك الترجيح:\nحيث ذهب بعض العلماء إلى أنَّ النهي الوارد في الأحاديث كان قبل نزول الآيات، وقبل أنْ يعلم النبي - ﷺ - أنه سيد ولد آدم، فلما نزل القرآن نسخ المنع من التفضيل.\nوهذا المسلك قال به ابن حزم، والمازري، والسيوطي، (٢)\nوذكره عدد من العلماء. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو مسلك الجمع بين الآيات والأحاديث، وأحسن ما يُجمع به: أنْ يُحمل النهي الوارد في الأحاديث على ما إذا كان التفضيل بمجرد الرأي والهوى؛ فإنَّ ذلك هو المحذور؛ فلا يَحِلُّ لنا تفضيل نبيٍّ على غيره إلا بدليل.\nكما أنه يتأكد المنع إذا كان التفضيل يؤدي إلى المخاصمة والمشاجرة، كما دلَّ على ذلك حديث أبي هريرة وأبي سعيد المتقدمين (٤)، فإنَّ النبي - ﷺ - نهى عن ذلك حينما وقعت الخصومة.\n_________\n(١) فتح القدير، للشوكاني (١/ ٤٠٧).\n(٢) انظر على الترتيب: الدرة فيما يجب اعتقاده، لابن حزم، ص (٢٢٤)، والمعلم بفوائد مسلم، للمازري (٣/ ١٣٤)، ومعترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي (٣/ ٢٦).\n(٣) انظر: تفسير القرطبي (٣/ ١٧٠)، وصحيح مسلم بشرح النووي (١٥/ ٥٥)، وتفسير ابن كثير\n(١/ ٣١١)، وفتح الباري، لابن حجر (٦/ ٥٢١)، وفتح القدير، للشوكاني (١/ ٤٠٧).\n(٤) سبق تخريجهما في أول المسألة.","vol":"1","page":66},{"text":"كما يتأكد أيضًا إذا كان التفضيل يؤدي إلى توهم النقص في المفضول أو الغض منه، أو كان على وجه الإزراء به، فإنَّ النبي - ﷺ - قال: \"لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى\". (١)\nقال الحافظ ابن حجر: \"وخَصَّ يونس بالذكر لما يُخشى على من سمع قصته أنْ يقع في نفسه تنقيصٌ له، فبالغ في ذكر فضله لسَدِّ هذه الذريعة\". اهـ (٢)\nوأما إذا كان التفضيل بمقتضى الدليل، ومن غير أنْ يترتب عليه محذور شرعي؛ فإنه لا مانع منه، والله تعالى أعلم.\nوأما القول: بأنَّ المراد بالأحاديث النهي عن تعيين المفضول؛ فيَرُدُّهُ قوله تعالى: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨» [القلم: ٤٨]، ففي هذه الآية تعيين للمفضول.\nقال ابن قتيبة: \"أراد أنَّ يونس لم يكن له صبر كصبر غيره من الأنبياء، وفي هذه الآية ما دلَّك على أنَّ رسول الله - ﷺ - أفضل منه؛ لأن الله تعالى يقول له: لا تكن مثله\". اهـ (٣)\nوأما القول: بأنَّ النهي كان قبل أنْ يعلم النبي - ﷺ - أنه سيد ولد آدم، وقبل نزول الآيات؛ فيحتاج إلى معرفة التاريخ حتى نعلم المتقدم من المتأخر، ومن ثم تصح دعوى النسخ، علمًا بأنَّ دعوى النسخ يَرُدُّهُا أنَّ بعض الآيات التي ورد فيها التفضيل مكية، وهي قوله تعالى: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) [الإسراء: ٥٥] حيث وردت في سورة الإسراء وهي مكية. (٤)\nوقوله تعالى: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨» [القلم: ٤٨]، حيث وردت في سورة القلم وهي مكية. (٥)\nوحديثا أبي هريرة، وأبي سعيد، الواردان في النهي عن التفضيل، قالهما\n_________\n(١) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٢) فتح الباري، لابن حجر (٦/ ٥٢١).\n(٣) تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة (١/ ١١٦).\n(٤) انظر: المحرر الوجيز، لابن عطية (٣/ ٤٣٤).\n(٥) انظر: المصدر السابق (١٠/ ١٣٤).","vol":"1","page":67},{"text":"النبي - ﷺ - بالمدينة؛ بدليل أنَّ سبب القصة هو لطم أحد الأنصار ليهودي كان يعرض سلعته، وفيها أنَّ اليهودي قال للنبي - ﷺ -: يا أبا القاسم إنَّ لي ذمة وعهدًا، فهذا يدل على أنَّ ورود هذه الأحاديث كان في المدينة؛ لأن اليهود وإعطاء الذمة لهم لم يكن بمكة وإنما كان بالمدينة، وعليه فالأحاديث متأخرة عن نزول الآيات؛ فلا تصح حينئذ دعوى النسخ، والله تعالى أعلم.\n\n****","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>المسألة [٢]: في تأخير الأجل بالبر والصلة</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا) [آل عمران: ١٤٥].\nوقال تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤» [الأعراف: ٣٤]. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآيات:</span>\n(٤) - (٣): عن أنس بن مالك - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ (٢) لَهُ فِي أَثَرِهِ (٣) فَلْيَصِلْ رَحِمَه\". (٤)\n_________\n(١) ومن الآيات الواردة في المسألة: قوله تعالى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) [يونس: ٤٩]، وقوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) [النحل: ٦١]، وقوله تعالى: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا) [المنافقون: ١١]، وقوله تعالى: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [نوح: ٤].\n(٢) النَّسْء: هو التأخير، يقال: نسَأتُ الشَّيء نَسْأً، وأنسأتُه إنساء، إذا أخرتُه. والنِّساء: الاسمُ، ويكون في العُمر والدَّين. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٥/ ٣٨).\n(٣) الأثَرَةُ - بفتح الهمزة والثاء - الاسمُ، من آثَر يُؤثِرُ إِيثاَرًا إذا أعْطى، والأثر الأجل، وسُمّيَ به؛ لأنه يَتْبَع العمر. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (١/ ٢٦).\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأدب، حديث (٥٩٨٦)، ومسلم في صحيحه، في كتاب البر والصلة، حديث (٢٥٥٧).","vol":"1","page":69},{"text":"(٥) - (٤): وعن سلمان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ\". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والأحاديث:</span>\nظاهرُ الآيات الكريمة أنَّ لكل نفسٍ أجلًا محدودًا، لا يتقدم ولا يتأخر، وأنَّ عُمُرَ كل إنسان له أمد لا يتعداه، وأما الأحاديث ففيها أنَّ البر والصلة يزيدان في الأعمار، وهذا يُوهِمُ خلاف الآيات. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والأحاديث:</span>\nلم يتجاوز العلماء في هذه المسألة مسلك الجمع بين الآيات والأحاديث، وقد اختلفوا في هذه المسألة وفي الجمع بين الآيات والأحاديث على مذهبين:\nالأول: مذهب تجويز الزيادة في الأعمار، وحمل الأحاديث الواردة في المسألة على الحقيقة.\n_________\n(١) أخرجه من حديث سلمان الفارسي: الترمذي في سننه، في كتاب القدر، حديث (٢١٣٩)، وأخرجه من حديث ثوبان: ابن ماجة في المقدمة، حديث (٩٠)، وفي كتاب الفتن، حديث (٤٠٢٢)، والإمام أحمد في مسنده (٥/ ٢٨٠)، وابن حبان في صحيحه (٣/ ١٥٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ٦٧٠)، وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١/ ١٢٧١)،\nحديث (٧٦٨٧)، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٢٨٦)، حديث (١٥٤).\n(٢) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة (١/ ١٨٩)، ومشكل الحديث وبيانه، لابن فورك (١/ ٣٠٤)، ومشكل الآثار، للطحاوي (٤/ ٧٨ - ٧٩)، وصحيح مسلم، بشرح النووي (١٦/ ١٧٢)، وفتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٤٣٠)، وفيض القدير، للمناوي\n(٦/ ٣٤).","vol":"1","page":70},{"text":"وهذا مذهب الجمهور، واختاره جمع من العلماء المحققين، كابن حزم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن حجر، والشوكاني، وغيرهم.\nوقد اختلف أصحاب هذا المذهب في الجواب عن الآيات، والجمع بينها وبين الأحاديث على أقوال:\nالأول: أنَّ الزيادة الواردة في الأحاديث هي بالنسبة لعلم المَلَك الموكل بالعمر، وأما ما ورد في الآيات فهو بالنسبة لعلم الله تعالى، فيكون معنى الأحاديث: أنَّ التأخير يكون في أثره المكتوب في صحف الملائكة، وأما أثره المعلوم عند الله تعالى؛ فلا تقديم فيه ولا تأخير.\nوهذا قول: البيهقي (١)، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن حجر، والسفاريني (٢) (٣)، وعبد الرحمن السعدي (٤).\nوذكره النووي، وابن الجوزي، وأبو العباس القرطبي (٥)، وأبو عبد الله القرطبي، والمناوي (٦). (٧)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والجواب المحقق: أنَّ الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة، فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإنْ عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب ...، والله سبحانه عالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون; فهو يعلم ما كتبه له، وما يزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلا ما علمهم الله، والله يعلم الأشياء قبل كونها وبعد كونها; فلهذا قال العلماء: إنَّ المحو والإثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له ما لم يكن عالمًا به، فلا محو فيه ولا إثبات\". اهـ (٨)\n_________\n(١) القضاء والقدر، للبيهقي، ص (٢١٤).\n(٢) هو: محمد بن أحمد بن سالم السفاريني، أبو عون، عالم بالحديث والأصول والأدب، ومحقق، ولد في سفارين (من قرى نابلس) ورحل إلى دمشق فأخذ عن علمائها، وعاد إلى نابلس فدرس وأفتى وتوفي فيها، من مؤلفاته \"غذاء الألباب شرح منظومة الآداب\" و\"لوامع الأنوار البهية\" شرح منظومة له في عقيدة السلف، (ت: ١١٨٨ هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٦/ ١٤).\n(٣) لوامع الأنوار البهية، للسفاريني (١/ ٣٤٩).\n(٤) تيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص (٦٧٩).\n(٥) هو: أحمد بن عمر بن إبراهيم، أبو العباس الأنصاري القرطبي، فقيه مالكي، من رجال الحديث. يعرف بابن المزين. كان مدرسًا بالإسكندرية وتوفي بها. ومولده بقرطبة. من كتبه \"المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم\" شرح به كتابًا من تصنيفه في اختصار مسلم. (ت: ٦٥٦هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (١/ ١٨٦).\n(٦) هو: محمد بن عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين، الحدادي، ثم المناوي القاهري، زين الدين: من كبار العلماء بالدين والفنون، له نحو ثمانين مصنفًا، منها الكبير والصغير والتام والناقص. عاش في القاهرة، وتوفي بها. من كتبه (كنوز الحقائق) في الحديث، و(التيسير) في شرح الجامع الصغير، مجلدان، اختصره من شرحه الكبير (فيض القدير). (ت: ١٠٣١هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٦/ ٢٠٤).\n(٧) انظر على الترتيب: صحيح مسلم بشرح النووي (١٦/ ١٧٢ - ١٧٣)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (٣/ ١٨٦)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي\n(٦/ ٥٢٨)، وتفسير القرطبي (٦/ ٢١٦)، وفيض القدير، للمناوي (٦/ ٣٤).\n(٨) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٤/ ٤٩٠ - ٤٩١)، وانظر: (٨/ ٥١٧، ٥٤٠).","vol":"1","page":71},{"text":"وقال الحافظ ابن حجر: والحق أنَّ الذي سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل، وأنَّ الذي يجوز عليه التغيير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل، ولا يبعد أنْ يتعلق ذلك بما في علم الحفظة والموكلين بالآدمي، فيقع فيه المحو والإثبات، كالزيادة في العمر والنقص، وأما ما في علم الله فلا محو فيه ولا إثبات، والعلم عند الله. اهـ (١)\nوالمراد بالمكتوب في صحف الملائكة يفسره حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"وَكَّلَ اللَّهُ بِالرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهَا قَالَ: أَيْ رَبِّ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى، أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الْأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ\". (٢)\nوحديث حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ - ﵁ -، أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ - بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً - فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَيُكْتَبَانِ؟ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، فَيُكْتَبَانِ؟ وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَثَرُهُ وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ، فَلَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ\". (٣)\nوفي رواية: \"فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ، فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ وَلَا يَنْقُصُ\". (٤)\nوعلى هذا فإنَّ زيادة العمر ونقصانه إنما هي بالنسبة لعلم الملك الموكل بالآجال، وأما ما سبق في علم الله تعالى وقضاه في الأزل فلا زيادة فيه ولا نقصان، وعليه تحمل الآيات الواردة بأنَّ الأجل لا يتقدم ولا يتأخر. (٥)\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر (١١/ ٤٩٧)، بتصرف. وانظر: (١٠/ ٤٣٠).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الحيض، حديث (٣١٨)، وفي كتاب القدر، حديث (٦٥٩٥)، ومسلم في صحيحه، في كتاب القدر، حديث (٢٦٤٦).\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب القدر، حديث (٢٦٤٤).\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، في الموضع السابق، حديث (٢٦٤٥).\n(٥) انظر: منهج الإمام الشوكاني في العقيدة، لعبد الله نومسوك، ص (٢٤٠ - ٢٤٢).","vol":"1","page":72},{"text":"القول الثاني: أنَّ معنى الأحاديث: أنَّ الله تعالى جعل صلة الرحم سببًا لطول العمر، كسائر الأعمال التي أمر الله بها شرعًا، ورتب عليها جزاء قدريًا، فمن عَلِمَ أنه يصل رحمه جعل أجله إلى كذا، ومن عَلِمَ أنه يقطع رحمه جعل أجله ينتهي إلى كذا، والكل قد فُرِغَ منه في الأزل، وجف به القلم.\nوهذا قول: الطحاوي، والقاضي عياض، وابن حزم، والزمخشري، وابن عطية، والقرافي، وابن أبي العز الحنفي، والمناوي، وشمس الحق آبادي، والشوكاني، والآلوسي، وابن عثيمين. (١)\nوذكره: ابن فورك، وابن الجوزي. (٢)\nقال ابن حزم: \"وأما قول رسول الله - ﷺ -: \"من سره أنْ يُنسأ في أجله فليصل رحمه\" فصحيح موافق للقرآن، ولما توجبه المشاهدة، وإنما معناه: أنَّ الله ﷿ لم يزل يعلم أنَّ زيدًا سيصل رحمه، وأنَّ ذلك سببٌ إلى أنْ يبلغ من العمر كذا وكذا، وهكذا كل أجل في الدنيا؛ لأن مَنْ عَلِمَ الله تعالى أنه سيُعمَّر كذا وكذا من الدهر؛ فإنَّ الله تعالى قد عَلِمَ وقدَّر أنه سيتغذى بالطعام والشراب، ويتنفس بالهواء ويسلم من الآفات القاتلة تلك المدة التي لا بد من استيفائها، والمسبب والسبب كل ذلك قد سبق في علم الله ﷿ كما هو لا يُبَدَّل، قال تعالى: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩» [ق: ٢٩]\nولو كان على غير هذا لوجب البداء (٣) ضرورة، ولكان غير عليم بما\n_________\n(١) انظر على الترتيب: مشكل الآثار، للطحاوي (٤/ ٧٨)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٨/ ٢١)، والفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (٢/ ١١٤ - ١١٥)، والكشاف، للزمخشري\n(٣/ ٥٨٦)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (٢/ ٣٩٦)، وأنوار البروق، للقرافي (١/ ١٤٨)، وشرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (١/ ١٥٠)، وفيض القدير، للمناوي (٦/ ٣٤)، وعون المعبود، للآبادي (٥/ ٧٧)، وتنبيه الأفاضل، ص (٢٩)، وفتح القدير (٤/ ٤٨٦)، كلاهما للشوكاني، وروح المعاني، للآلوسي (٤/ ٣٩٧)، ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (٢/ ١١١).\n(٢) انظر على الترتيب: مشكل الحديث وبيانه، لابن فورك (١/ ٣٠٧)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (٣/ ١٨٦).\n(٣) البداء يُطلق ويراد به في اللغة معنيين: الأول: الظهور بعد الخفاء، والثاني: نشأة رأي آخر لم يكن من قبل. وهذان المعنيان يستلزمان سبق الجهل وحدوث العلم، وكلاهما محالان في حق الله تعالى؛ لأن الله تعالى متصف أزلًا وأبدًا بالعلم الواسع المحيط بكل شيء، فهو سبحانه يعلم ما كان، وما يكون، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف سيكون. انظر: النسخ في القرآن الكريم، لمصطفى زيد\n(١/ ٢٠ - ٢١).","vol":"1","page":73},{"text":"يكون، متشككًا فيه أيكون أم لا يكون؟ أو جاهلًا به جملة، وهذه صفة المخلوقين لا صفة الخالق، وهذا كفر ممن قال به\". اهـ (١)\nوقال القرافي: \"الحق أنَّ الله تعالى قدَّر له ستين سنة مرتبة على الأسباب العادية، من الغذاء والتنفس في الهواء، ورتب له عشرين سنة أخرى مرتبة على هذه الأسباب وصلة الرحم، وإذا جعلها الله تعالى سببًا أمكن أن يُقال: إنها تزيد في العمر حقيقة، كما نقول الإيمان يُدخل الجنة، والكفر يُدخل النار، بالوضع الشرعي لا بالاقتضاء العقلي، ومتى علم المكلف أنَّ الله تعالى نصب صلة الرحم سببًا لزيادة النساء في العمر بادر إلى ذلك كما يُبادر لاستعمال الغذاء وتناول الدواء والإيمان رغبة في الجنان، ويَفِرُّ من الكفر رهبة من النيران، وبقي الحديث على ظاهره من غير تأويل يُخِلُّ بالحديث\". اهـ (٢)\nالقول الثالث: أنَّ معنى الحديث: أنَّ الله تعالى يكتب أجل عبده عنده مائة سنة، ويجعل بُنْيَتَهُ وتركيبه وهيئته لتعمير ثمانين سنة؛ فإذا وصل رحمه زاد الله تعالى في ذلك التركيب وفي تلك البنية، ووصل ذلك النقص فعاش عشرين أخرى حتى يبلغ المائة، وهي الأجل الذي لا مستأخر عنه ولا متقدم.\nذكر هذا القول: ابن قتيبة، وابن فورك، وابن الجوزي. (٣)\nالقول الرابع: أنَّ معنى الحديث: أنَّ من وصل رحمه زاد الله في عمره في الدنيا من أجله في البرزخ، ومن قطع رحمه نقّص الله من عمره في الدنيا، وزاده في أجل البرزخ.\nروي هذا القول عن ابن عباس - ﵁ -.\n_________\n(١) الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (٢/ ١١٤ - ١١٥).\n(٢) أنوار البروق، للقرافي (١/ ١٤٨).\n(٣) انظر على الترتيب: تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة (١/ ١٨٩)، ومشكل الحديث وبيانه، لابن فورك (١/ ٣٠٧)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (٣/ ١٨٦).","vol":"1","page":74},{"text":"قال أبو عبد الله القرطبي: \"قيل لابن عباس لما روى الحديث الصحيح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"من أحب أن يمد الله في عمره وأجله ويبسط له في رزقه فليتق الله وليصل رحمه\" كيف يزاد في العمر والأجل؟ فقال: قال الله ﷿: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) [الأنعام: ٢] فالأجل الأول: أجل العبد من حين ولادته إلى حين موته، والأجل الثاني، يعني المسمى عنده: من حين وفاته إلى يوم يلقاه في البرزخ، لا يعلمه إلا الله؛ فإذا اتقى العبد ربه ووصل رحمه زاده الله في أجل عمره الأول من أجل البرزخ ما شاء، وإذا عصى وقطع رحمه نقصه الله من أجل عمره في الدنيا ما شاء فيزيده في أجل البرزخ، فإذا تحتم الأجل في علمه السابق امتنع الزيادة والنقصان؛ لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) [الأنعام: ٢].\nقال القرطبي: فتوافق الخبر والآية، وهذه زيادة في نفس العمر وذات الأجل على ظاهر اللفظ، في اختيار حبر الأمة، والله أعلم\". اهـ (١)\nونقل الحافظ ابن حجر نحو هذا القول عن الحكيم الترمذي (٢)، حيث قال: \"المراد بذلك قلة البقاء في البرزخ\". (٣)\nأدلة هذا المذهب:\nلأصحاب هذا المذهب عدة أدلة تؤيد ما ذهبوا إليه من أنَّ الزيادة الواردة في الأحاديث حقيقية وليست معنوية، وأنَّ إثبات الزيادة لا ينافي الآيات التي فيها أنَّ الأجل لا يتقدم ولا يتأخر، ومن هذه الأدلة:\nالأول: قوله تعالى: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) [الرعد: ٣٩].\nووجه الدلالة: أنَّ المحو والإثبات - المذكورين في الآية - هما بالنسبة لما في علم المَلَك، وأما الذي في أم الكتاب - وهو الذي في علم الله تعالى - فلا محو فيه ألبتة، وهو الذي يقال له القضاء المبرم، ويقال للأول\n_________\n(١) تفسير القرطبي (٩/ ٢١٦ - ٢١٧)، ولم أقف على أثر ابن عباس المذكور.\n(٢) هو: محمد بن علي بن الحسن بن بشر، الحكيم الترمذي، من أعلام الصوفية، وعالم بالحديث وأصول الدين، اتهم باتباع طريقة الصوفية في الإشارات ودعوى الكشف، (ت: ٢٥٥ هـ، وقيل: ٢٨٥ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٣/ ٤٣٩)، والأعلام، للزركلي (٦/ ٢٧٢).\n(٣) فتح الباري، لابن حجر (٤/ ٣٥٣). وانظر: عمدة القاري، للعيني (١١/ ١٨٢).","vol":"1","page":75},{"text":"القضاء المعلق. (١)\nوالأحاديث الواردة في أنَّ صلة الرحم تزيد في العمر محمولة على المعنى الأول؛ فإنَّ الله يمحو ما يشاء فيه ويثبت، والآيات التي تفيد أنَّ الأجل لا يتقدم ولا يتأخر محمولة على المعنى الثاني، فلا محو فيه ولا إثبات.\nقالوا: ومما يؤكد هذا المعنى قوله في الآية التي قبلها: (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) ثم قال: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) أي من ذلك الكتاب (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) أي أصله وهو اللوح المحفوظ فلا محو فيه ولا إثبات. (٢)\nقال الشوكاني: \"المحو والإثبات في الآية عامان يتناولان العمر والرزق، أو السعادة والشقاوة ...، ولم يأت القائلون بمنع زيادة العمر ونقصانه بما يخصص هذا العموم\". اهـ (٣)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: المحو والإثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له ما لم يكن عالمًا به، فلا محو فيه ولا إثبات.\n_________\n(١) لله تعالى في خلقه قضاءان: مبرمًا، ومعلقًا بفعل؛ فالمبرم: هو عبارة عما يقدره تعالى في الأزل من غير أن يعلقه على فعل، وهو في الوقوع نافذ لا محالة، ولا يمكن أن يتغير بحال، ولا يتوقف وقوعه على المقضي عليه، ولا المقضي له؛ لأنه من علمه سبحانه بما كان وما يكون، وخلاف معلومه سبحانه مستحيل قطعًا، وهذا النوع لا يتطرق إليه المحو والإثبات، قال تعالى: (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) [الرعد: ٤١]، وقال النبي - ﷺ -: قال الله تعالى: \"إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ\". [أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (٢٨٨٩)]. وأما القضاء المعلق: فهو أن يعلق الله تعالى قضاءه على شيء؛ فإن فعل العبد ذلك الشيء كان له كذا وكذا، وإن لم يفعله لم يكن شيء، وهذا النوع يتطرق إليه المحو والإثبات، كما قال تعالى: (؟؟؟؟؟) [الرعد: ٣٩]. انظر: مرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (١٠/ ٤٣٠)، وتحفة الأحوذي، للمباركفوري (٦/ ٣٣٣).\n(٢) انظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٤٣٠)، وصحيح مسلم بشرح النووي (١٦/ ١٧٣)، وشرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (١/ ١٥١ - ١٥٢)، وشرح سنن ابن ماجة، للسيوطي\n(١/ ٢٩١).\n(٣) تنبيه الأفاضل، ص (٢٠).","vol":"1","page":76},{"text":"قال: ونظير هذا ما في الترمذي وغيره، عن النبي - ﷺ -: \"أنَّ آدم لما طلب من الله أن يُريه صورة الأنبياء من ذريته، فأراه إياهم، فرأى فيهم رجلًا له بصيص (١) فقال: من هذا يا رب؟ فقال: ابنك داود. قال: فكم عمره؟ قال: أربعون سنة. قال: وكم عمري؟ قال: ألف سنة. قال: فقد وهبت له من عمري ستين سنة. فكتب عليه كتاب وشهدت عليه الملائكة، فلما حضرته الوفاة قال: قد بقي من عمري ستون سنة. قالوا: وهبتها لابنك داود. فأنكر ذلك، فأخرجوا الكتاب. قال النبي - ﷺ -: فنسي آدم فنسيت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته\" (٢)،\nوروي: \"أنه كمل لآدم عمره ولداود عمره\" (٣). فهذا داود كان عمره المكتوب أربعين سنة ثم جعله ستين (٤)، وهذا معنى ما روي عن عمر أنه قال: \"اللهم إن كنت كتبتني شقيًا فامحني واكتبني سعيدًا؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت (٥). اهـ (٦)\n_________\n(١) البصيص: البَرِيق. يقال: وَبَص الشيء يَبِصُ وَبِيصًا، وبَصَّ بَصِيصاَ، بمعنى: برق. انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (٢/ ٢٧٧)، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٥/ ١٢٨).\n(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة: الترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (٣٠٧٦)، وحديث\n\n(٣٣٦٨)، وابن حبان في صحيحه (١٤/ ٤١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٤٧)، وأبو يعلى في مسنده (١١/ ٢٦٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٣٢)، وقال: \"صحيح على شرط مسلم\"، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" (٢/ ٩٢٤ - ٩٢٥)، حديث (٥٢٠٨)، وحديث (٥٢٠٩).\n(٣) هذه الرواية أخرجها الإمام أحمد في مسنده (١/ ٢٩٨)، حديث (٢٧١٣)، من حديث ابن عباس، وفي سند الحديث: \"علي بن زيد بن جدعان\"، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٨٠٦): \"رواه أحمد والطبراني، وفيه علي بن زيد ضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات\".\n(٤) كذا في الأصل، ولعل الصواب \"ثم جعله مائة\"، يؤيد ذلك قول المؤلف في موضع آخر من الفتاوى\n(٨/ ٥٤٠): \"وكذا عمر داود زاد ستين سنة، فجعله الله مائة بعد أن كان أربعين\".\n(٥) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٧/ ٤٠١)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة\n(٤/ ٦٦٣ - ٦٦٤)، أثر (١٢٠٦) و(١٢٠٧)، كلاهما من طريق عصمة أبي حكيمة، عن أبي عثمان النهدي، عن عمر بن الخطاب، به. وأبو حكيمة: ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٢٩٨)، وقال أبو حاتم الرازي في \"الجرح والتعديل\" (٧/ ٢٠): \"محله الصدق\"، وبقية رجاله ثقات، وعليه فالإسناد حسن.\n(٦) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٤/ ٤٩١ - ٤٩٢)، بتصرف.","vol":"1","page":77},{"text":"الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ) [فاطر: ١١]، فالزيادة والنقصان المشار إليهما في الآية المراد بهما ما يُكتب في صحف الملائكة، ومعنى الآية: أنه لا يطول عمر إنسان ولا يُنقص منه إلا وهو في كتاب، أي صحف الملائكة. (١)\nالدليل الثالث: قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) [الأنعام: ٢]، فالمراد بالأجل الأول هو ما في صحف الملائكة، وما عند مَلَك الموت وأعوانه، وأما الأجل الثاني فالمراد به ما ذُكِرَ في قوله تعالى: (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) وقوله: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) [الأعراف: ٣٤]. (٢)\nالدليل الرابع: ما رُوي عن عدد من الصحابة أنهم كانوا يقولون في أدعيتهم: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة؛ فأثبتني فيهم، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة فامحني وأثبتني في أهل السعادة.\nرُوي ذلك عن عمر بن الخطاب (٣)، وابن مسعود (٤) - ﵃ -، فدل على أنَّ مذهب الصحابة جواز المحو والإثبات في الشقاء والسعادة، فكذلك زيادة العمر ونقصانه. (٥)\nالإيرادات والاعتراضات على هذا المذهب وأدلته:\nذكر أصحاب المذهب الثاني - القائلون بمنع الزيادة - بعض الإيرادات والاعتراضات على هذا المذهب وأدلته، منها:\nالأول: إذا كان المحتوم واقعًا فما الذي يفيده زيادة المكتوب ونقصانه؟\nوأجيب: بأن الأصل أن تُجرى المعاملات على الظاهر، وأما الخفي الباطن الذي لا يعلمه إلا الله فلا يعلق عليه حكم، فيجوز أن يكون المكتوب\n_________\n(١) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (١/ ١٥١)، وتنبيه الأفاضل، للشوكاني،\nص (٢٠)، وتحفة الأحوذي، للمباركفوري (٦/ ٢٩٠).\n(٢) انظر: تحفة الأحوذي، للمباركفوري (٦/ ٢٩٠).\n(٣) سبق تخريجه في أثناء المسألة.\n(٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٧/ ٤٠١)، والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٧١).\n(٥) انظر: تنبيه الأفاضل، للشوكاني ص (٢٠).","vol":"1","page":78},{"text":"يزيد وينقص، ويُمحى ويُثبت ليبَّلغَ ذلك على لسان الشرع إلى الآدمي، فبذلك يُعلم فضيلة البر وسوء العقوق، ويجوز أن يكون هذا مما يتعلق بالملائكة؛ فتؤمر بالإثبات والمحو، والعلم المحتوم لا يطلعون عليه، ومن هذا الباب إرسال الرسل إلى من علم الله أنهم لا يؤمنون. (١)\nالاعتراض الثاني: أنَّ قوله تعالى: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) [الرعد: ٣٩] معناه: يمحو ما يشاء من الشرائع، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، والسياق أدل على هذا الوجه، وهو قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) [الرعد: ٣٨] فأخبر تعالى أنَّ الرسول لا يأتي بالآيات من قبل نفسه، بل من عند الله تعالى، ثم قال: (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩» [الرعد: ٣٨، ٣٩] أي أنَّ الشرائع لها أجل وغاية تنتهي إليها ثم تُنسخ بالشريعة الأخرى، فينسخ الله ما يشاء من الشرائع عند انقضاء الأجل، ويثبت ما يشاء. (٢)\nوأجيب: بأن هذا تخصيص لعموم الآية من غير مخصص، وأيضًا فإن الشرائع والفرائض هي مثل العمر؛ فإذا جاز فيها المحو والإثبات جاز في العمر المحو والإثبات. (٣)\nالاعتراض الثالث: أنَّ قوله تعالى: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ) [فاطر: ١١]، الضمير في قوله: (مِنْ عُمُرِهِ) هو بمنزلة قولهم عندي درهم ونصفه، أي ونصف درهم آخر، فيكون معنى الآية: وما يعمر من معمر، ولا ينقص من عمر آخر إلا في كتاب. (٤)\nوأجيب: بأن الأصل اتساق الضمائر، وعودها لمذكور واحد، فالضمير\n_________\n(١) انظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (٣/ ١٨٦ - ١٨٧).\n(٢) انظر: مشكل الحديث وبيانه، لابن فورك (١/ ١٥٢)، وشرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (١/ ١٥٢).\n(٣) انظر: إرشاد ذوي العرفان، للكرمي، ص (٥٣)، وتنبيه الأفاضل، ص (١٤)، وقطر الولي، كلاهما للشوكاني، ص (٥٠٤).\n(٤) انظر: مشكل الحديث وبيانه، لابن فورك (١/ ٣٠٧ - ٣٠٨)، وشرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (١/ ١٥١)، وحاشية العطار (٢/ ٤٧٨).","vol":"1","page":79},{"text":"في قوله: (مِنْ عُمُرِهِ) عائد على قوله: (مِنْ مُعَمَّرٍ)، وهذا ظاهر النظم الكريم، وأما التأويل الذي ذكرتم ففيه إرجاع الضمير لشيء ليس له ذكر في الآية، وهذا خلاف الأصل، وخلاف الظاهر. (١)\nالاعتراض الرابع: أنَّ قوله تعالى: (ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) [الأنعام: ٢]، المراد بالأجل الأول أجل الحياة إلى الموت، والأجل الثاني أجل الموت إلى البعث، وقيل: الأجل الأول: أجل الدنيا، والثاني: الآخرة. (٢)\nوأجيب: بأن الآية محتملة لهذه الأقوال، وغيرها، والآية إذا كانت محتملة لعدة معانٍ لا تضاد بينها؛ فإنها تُحمل على الجميع، ولا يصح تخصيصها بمعنى دون غيره. (٣)\nالمذهب الثاني: منع الزيادة في الأعمار.\nوهذا مذهب عدد من العلماء، ونسبه بعضهم للجمهور. (٤)\n_________\n(١) انظر: تنبيه الأفاضل، ص (١٧)، وقطر الولي، ص (٥٠٦)، كلاهما للشوكاني.\n(٢) انظر هذه الأقوال وغيرها في النكت والعيون، للماوردي (٢/ ٩٣).\n(٣) انظر: تنبيه الأفاضل، للشوكاني، ص (١٩)، وأصول في التفسير، لابن عثيمين، ص (٣٤).\n(٤) نسبه للجمهور: مرعي بن يوسف الكرمي، في كتابه \"إرشاد ذوي العرفان\"، ص (٤١)، وتبعه الشوكاني، في \"تنبيه الأفاضل\"، ص (١٢).\nقلت: وفي نسبته للجمهور نظر؛ فإن هذا المذهب لم يقل به إلا عدد قليل من العلماء مقارنة بالمذهب الأول، والشوكاني إنما تبع مرعي بن يوسف في نسبته للجمهور، ولعل مرعي اعتقد ذلك بناء على ما فهمه من كلام ابن عطية، قال مرعي، ص (٤١ - ٤٢): \"ومنهم من قال: إن العمر لا يزيد ولا ينقص، وبه قال جمهور العلماء، وحكى ابن عطية في تفسير سورة الأعراف: أنه مذهب أهل السنة\". اهـ\nقلت: ليس في كلام ابن عطية ما يُفهم منه أنَّ ذلك هو مذهب أهل السنة، بل الذي يفهم من كلامه أنَّ حمل النصوص على الحقيقة هو مذهب أهل السنة، قال ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" (٢/ ٣٩٦): \"وكأنه يظهر بين هذه الآية (يعني قوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) [الأعراف: ٣٤]) وبين قوله تعالى: (وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) [إبراهيم: ١٠] تعارض؛ لأن تلك تقتضي الوعد بتأخيرٍ إن آمنوا، والوعيد بمعاجلةٍ إن كفروا، والحق مذهب أهل السنة: أنَّ كل أحدٍ إنما هو بأجلٍ واحد لا يتأخر عنه ولا يتقدم، وقوم نوح كان منهم من سبق في علم الله تعالى أنه يكفر فيُعاجل، وذلك هو أجله المحتوم، ومنهم من يؤمن فيتأخر إلى أجله المحتوم، وغُيّب عن نوح تعيين الطائفتين فندب الكل إلى طريق النجاة وهو يعلم أنَّ الطائفة إنما تُعاجل أو تؤخر بأجلها\". اهـ","vol":"1","page":80},{"text":"وأجاب أصحاب هذا المذهب عن الأحاديث بأنها محمولة على المجاز، لا الحقيقة، إلا أنهم اختلفوا في معنى \"الزيادة\" الواردة فيها على أقوال:\nالأول: أنَّ الزيادة كناية عن البركة في العمر؛ بسبب توفيق صاحبه إلى الطاعة، وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة، وصيانته عن تضييعه في غير ذلك، فينال في قصير العمر ما يناله غيره في طويله. (١)\nوهذا قول: أبي حاتم السجستاني (٢) (٣)، وابن حبان (٤)، وابن التين (٥).\nواختاره: النووي (٦)، والطيبي (٧) (٨).\nالقول الثاني: أنَّ الزيادة كناية عما يبقى بعد موته من الثناء الجميل، والذكر الحسن، والأجر المتكرر، حتى كأنه لم يمت.\nحكى هذا القول القاضي عياض (٩)، وهو مذهب أبي العباس القرطبي. (١٠)\nالقول الثالث: أنَّ معنى الزيادة في العمر: نفي الآفات عمن وصل رحمه، والزيادة في فهمه وعقله وبصيرته.\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٤٣٠)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي\n(٣/ ١٨٧)، ومرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (٩/ ١٤٠)، وروح المعاني، للآلوسي (٤/ ٣٩٦ - ٣٩٧).\n(٢) هو: سهل بن محمد بن عثمان، السجستاني ثم البصري، المقريء النحوي اللغوي، (ت: ٢٥٥ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٢/ ٢٦٨).\n(٣) نقله عنه البغوي في شرح السنة (٦/ ٤٢٦).\n(٤) صحيح ابن حبان (٣/ ١٥٣).\n(٥) نقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح (١٠/ ٤٣٠).\n(٦) صحيح مسلم بشرح النووي (١٦/ ١٧٢).\n(٧) هو: الحسين بن محمد بن عبد الله، شرف الدين الطيبي: من علماء الحديث والتفسير والبيان، من أهل توريز، من عراق العجم، كان شديد الرد على المبتدعة، ملازمًا لتعليم الطلبة والإنفاق على ذوي الحاجة منهم، آية في استخراج الدقائق من الكتاب والسنة، من كتبه \"التبيان في المعاني والبيان\" و\"الخلاصة في معرفة الحديث\" و\"شرح مشكاة المصابيح\"، وغيرها (ت: ٧٤٣هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٢/ ٢٥٦).\n(٨) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح (١٠/ ٣١٦٠).\n(٩) إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٨/ ٢١).\n(١٠) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٦/ ٥٢٨)، وانظر: صحيح مسلم بشرح النووي\n(١٦/ ١٧٣)، وتفسير القرطبي (٩/ ٢١٦).","vol":"1","page":81},{"text":"وهذا قول ابن فورك. (١)\nالقول الرابع: أنَّ المراد بالزيادة التوسعة في الرزق، والصحة في البدن، إذ إنَّ الغنى يُسمى حياةً، والفقر يُسمى موتًا.\nذكره ابن قتيبة. (٢)\nالقول الخامس: أنَّ المراد بالزيادة ما يكون للواصل من ذرية صالحة يدعون له بعد موته.\nذكره الحافظ ابن حجر (٣)، وهو اختيار: الشيخ حافظ حكمي (٤).\nوقد ورد في هذا المعنى حديث مرفوع، لكنه لا يصح، فعن أبي الدرداء - ﵁ - قال: ذكرنا عند رسول الله - ﷺ - الزيادة في العمر فقال: \"إن الله لا يؤخر نفسًا إذا جاء أجلها، وإنما الزيادة في العمر أنْ يَرزقَ اللهُ العبدَ ذريةً صالحةً يدعون له؛ فيلحقه دعاؤهم في قبره\". (٥)\nالقول السادس: أنَّ النبي - ﷺ - قصد بالحديث الحث على صلة الرحم بطريق المبالغة، ومعناه لو كان شيء يبسط الرزق والأجل لكان صلة الرحم.\n_________\n(١) مشكل الحديث وبيانه، لابن فورك (١/ ٣٠٦ - ٣٠٧). وانظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٤٣٠).\n(٢) تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة (١/ ١٨٩). وانظر: مشكل الحديث وبيانه، لابن فورك (١/ ٣٠٦)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (٣/ ١٨٥ - ١٨٦).\n(٣) فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٤٣٠).\n(٤) معارج القبول، لحافظ حكمي (٢/ ٧٠٦).\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣١٧٤)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٣٤٣)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٢٨٥)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ١٣٤)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٣١ - ٣٣٢)، جميعهم من طريق سليمان بن عطاء، عن مسلمة بن عبد الله، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي، عن أبي الدرداء، به.\nوهذا إسناد ضعيف؛ من أجل \"سليمان بن عطاء بن قيس القرشي\"؛ فإنه منكر الحديث، كما قال البخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم. انظر: التاريخ الصغير، للبخاري (٢/ ٢٩٢)، وتهذيب التهذيب، لابن حجر (٤/ ١٨٤)، والجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٤/ ١٣٣). والحديث ضعفه الحافظ ابن حجر في الفتح (١٠/ ٤٣٠)، والألباني في ضعيف الجامع، ص (٢٤٢)، حديث (١٦٧١).","vol":"1","page":82},{"text":"ذكره المناوي. (١)\nأدلة هذا المذهب:\nاستدل القائلون بمنع الزيادة في الأعمار بأدلة منها:\nالأول: ما ورد في الكتاب والسنة من أنَّ الآجال مقدرة، وأنها لا تزيد ولا تنقص.\nأما الكتاب؛ فقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا (٣٤» [آل عمران: ١٤٥]، وقوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) [الأعراف: ٣٤]، وقوله تعالى: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١» [المنافقون: ١١]، وقوله تعالى: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [نوح: ٤].\nقالوا: ففي هذه الآيات التصريح بأن الآجال مقدرة، وأنها لا تزيد ولا تنقص.\nوأما السنة؛ فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: اللَّهُمَّ مَتِّعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّكِ سَأَلْتِ اللَّهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَآثَارٍ مَوْطُوءَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَا يُعَجِّلُ شَيْئًا مِنْهَا قَبْلَ حِلِّهِ، وَلَا يُؤَخِّرُ مِنْهَا شَيْئًا بَعْدَ حِلِّهِ، وَلَوْ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ لَكَانَ خَيْرًا لَكِ\". (٢)\nوعنه قال: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: \"إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ\". (٣)\nقالوا: فهذه أخبار عن رسول الله - ﷺ - قد جاءت مجيء الكتاب بأن لكل\n_________\n(١) فيض القدير، للمناوي (٦/ ٣٤)، وانظر: رد المحتار، لابن عابدين (٦/ ٤١٢).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب القدر، حديث (٤٨١٥).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب بدء الخلق، حديث (٣٢٠٨)، ومسلم في صحيحه، في كتاب القدر، حديث (٤٧٨١).","vol":"1","page":83},{"text":"نفس أجلًا، لا يتقدم ولا يتأخر. (١)\nالدليل الثاني: أنَّ الله تعالى أخبر أنه قسم الأرزاق بين عباده فقال: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) [الزخرف: ٣٢]، وقال في الأجل: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤» [الأعراف: ٣٤]، ولم يُخبر أنَّ غيرَ الأجلِ والرزقِ بمنزلة الرزق والأجل، وقد أخبر أنه يزيد من يشاء في فضله، ولم يُخبر أنه يزيد من يشاء في رزقه، ويؤخر من يشاء في عمره. (٢)\nالدليل الثالث: أنَّ معنى الأثر في اللغة هو ما يتبع الشيء؛ فإذا أُخرَ حَسُنَ أن يُحملَ على الذكر الحسن، ومن هذا المعنى قوله - ﷺ -: \"مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَه\"؛ فإنه محمول على الذكر الحسن، ومنه قول الخليل ﵇: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤» [الشعراء: ٨٤]، وقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) [يس: ١٢].\nوقال أبو تمام (٣):\nتوفيت الآمال بعد محمد ... وأصبح في شغل عن السفر السفر (٤)\nالدليل الرابع: قالوا: ومما يدل على أنَّ المراد بالزيادة الذكر الجميل: أنَّ أكثر الأحاديث التي فيها الزيادة وردت في الصدقة وصلة الرحم، وهما مما يترتب عليهما ثناء الناس، في الحياة وبعد الممات. (٥)\nالإيرادات والاعتراضات على هذا المذهب وأدلته:\nوقد أجاب أصحاب المذهب الأول - القائلون بجواز الزيادة - على هذه الأدلة وعارضوا بعض التأويلات التي ذكروها فقالوا:\n_________\n(١) انظر: مشكل الحديث وبيانه، لابن فورك (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، وتنبيه الأفاضل، للشوكاني، ص (١١ - ١٢).\n(٢) انظر: مشكل الحديث وبيانه، لابن فورك (١/ ٣٠٧).\n(٣) لم أقف عليه في ديوان أبي تمام، والبيت في كتاب الأغاني، لأبي الفرج الأصفهاني (٢٣/ ١٢٤).\n(٤) انظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٤٣٠)، ومرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (٩/ ١٤٠).\n(٥) انظر: روح المعاني، للآلوسي (٤/ ٣٩٦).","vol":"1","page":84},{"text":"١ - إنَّ ما ذكر من أنَّ المراد بالزيادة البركة في العمر، يُجاب عنه: بأن البركة أيضًا من جملة المقدرات، فإذا كان القدر مانعًا من الزيادة فليمنع من البركة في العمر والرزق كما منع من الزيادة فيهما، بل هذا القول يلزم منه مفسدتان:\nالأولى: إيهام أنَّ البركة خرجت عن القدر، وهذا رديء جدًا.\nالثانية: أنه يقلل من الرغبة في صلة الرحم؛ فإذا قلنا لزيد: إنْ وصلت رحمك زادك الله تعالى في عمرك عشرين سنة، فإنه يجد من الوقع لذلك ما لا يجده عند قولنا: إنه لا يزيدك الله تعالى بذلك يومًا واحدًا؛ بل يبارك لك في عمرك فقط، فيختل المعنى الذي قصده رسول - ﷺ - من المبالغة في الحث على صلة الرحم، والترغيب فيها. (١)\n٢ - وأما الآيات التي فيها أنَّ الأجل إذا جاء لا يتقدم ولا يتأخر؛ فإنها مختصة بالأجل إذا حضر، فإنه لا يتقدم ولا يتأخر عند حضوره.\nيؤيد هذا: أنَّ أغلب الآيات جاءت مقيدة بالمجيء، قال تعالى: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ) وقال: (إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا)، فإذا حضر الأجل فإنه لا يتقدم ولا يتأخر، وأما قبل ذلك فيجوز أن يؤخره الله بالدعاء وصلة الرحم، ونحو ذلك. (٢)\nوقد روى الزهري عن سعيد بن المسيب قال: لما طُعِنَ عمرُ بن الخطاب قال كعب: لو أنَّ عمر دعا الله لأُخِّرَ في أجله، فقال الناس: سبحان الله. أليس قد قال الله: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) فقال كعب: أو ليس قد قال الله: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ) [فاطر: ١١] قال الزهري: فنرى أنَّ ذلك يؤخر ما لم يحضر الأجل، فإذا حضر لم يؤخر، وليس أحد إلا وله أجل مكتوب. (٣)\n_________\n(١) انظر: أنوار البروق، للقرافي (١/ ١٤٧ - ١٤٨)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٤/ ٤٩٠)، وإرشاد ذوي العرفان، للكرمي، ص (٥٣)، وتنبيه الأفاضل، للشوكاني، ص (١٣).\n(٢) انظر: روح المعاني، للآلوسي (٤/ ٣٩٦)، وتنبيه الأفاضل، ص (٢٧)، وقطر الولي، ص (٥٠٨)، كلاهما للشوكاني.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٣٧ - ١٣٨)، وأخرجه من طريقه ابن وهب في كتاب \"القدر\" (١/ ٢٤٧).","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nعند النظر في مذاهب العلماء في المسألة يظهر أنَّ الجميع متفق على أنَّ الأعمار والآجال التي قدرها الله وقضاها في الأزل لا مجال للزيادة فيها والنقصان، وهذا ما دلت عليه نصوص الكتاب، وإنما تباينت أقوالهم في توجيه الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها خلاف ذلك، وقد ذكرتُ أنَّ منهم من حمل هذه الأحاديث على الحقيقة، وهم الجمهور، ومنهم من حملها على المجاز، والحق وجوب حملها على الحقيقة، والمختار من التأويلات التي ذكرها الجمهور:\n١ - أنَّ الزيادة هي باعتبار ما في صحف الملائكة، وأما ما في علم الله تعالى فلا تقديم فيه ولا تأخير.\n٢ - وأنَّ الزيادة إنما هي باعتبار فعل العبد وكسبه، ففعله من جُملة الأسباب التي أمر الله بها شرعًا، ورتب عليها جزاء قدريًا، وقد علم سبحانه من يصل رحمه ممن يقطعها، ورتب على ذلك أجلًا لا يتقدم ولا يتأخر.\nوهذان القولان هما اللذان تجتمع بهما النصوص، ويندفع بهما التعارض، إن شاء الله تعالى.\nيدل على هذا الاختيار:\n١ - أنَّ الأصل حمل نصوص الوحيين على الحقيقة، ولا يجوز العدول عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل. (١)\n٢ - أنَّ الله تعالى أرسل الرسل، وشرع الشرائع، ورتب على ذلك جزاء، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، وقد علم سبحانه وقدر في الأزل ما الخلق صائرون إليه؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ\n_________\n(١) انظر: مرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (٩/ ١٤٠)، وتنبيه الأفاضل، للشوكاني، ص (٢٠ - ٢١)، وقواعد الترجيح، للحربي (٢/ ٣٨٧).","vol":"1","page":86},{"text":"السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ\" (١).\nومن جملة ذلك صلة الرحم فهي من أمره وشرعه سبحانه، وقد رتب عليها جزاءً، وهو مما علمه سبحانه وقدره في الأزل.\n٣ - ما ورد في الكتاب والسنة من الأمر بالدعاء، كقوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠» [غافر: ٦٠]، وقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦» [البقرة: ١٨٦].\nومن السنة قوله - ﷺ -: \"لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ\" (٢)، وتعوذه - ﷺ - من سوء القضاء، فعن أبي هريرة - ﵁ -: \"أنَّ النبي - ﷺ - كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَمِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ، وَمِنْ شَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ، وَمِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ\" (٣)، فلو كان الدعاء لا يفيد شيئًا؛ لكان أمره تعالى بالدعاء لغوًا لا فائدة فيه، وكذا تكون استعاذة النبي - ﷺ - لغوًا لا فائدة فيها. (٤)\n٤ - قوله تعالى - حكاية عن نوح ﵇ -: (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤» [نوح: ٢ - ٤] حيث دعا نوحٌ قومَه إلى عبادة الله وطاعته، ووعدهم من الله تعالى بمغفرة الذنوب، وتأخير الأجل إنْ هم أطاعوه، وفي عطف الوعد بتأخير الأجل على الوعد بمغفرة الذنوب دليلٌ على أنَّ التأخير يُعدُّ حقيقة كمغفرة الذنوب؛ إذ لو كان العمر لا يزيد حقيقة بفعل الطاعة لما عطفه على مغفرة الذنوب؛ لأن المغفرة حقيقية،\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب القدر، حديث (٤٧٩٧).\n(٢) سبق تخريجه في أثناء المسألة.\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الدعوات، حديث (٦٣٧٤)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الذكر والدعاء، حديث (٤٨٨٠).\n(٤) انظر: تنبيه الأفاضل، للشوكاني، ص (٢٤ - ٢٥).","vol":"1","page":87},{"text":"فكذلك فليكن التأخير في الأجل.\nثم قال نوح: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) حيث نبَّه على أنَّ ما علمه الله تعالى وكتبه في الأزل فإنه لا يتغير ولا يتبدل، وما كان لنوح ﵇ أنْ يعد قومه بتأخير آجالهم إنْ هم أطاعوهم، ثم يناقض نفسه بأن أجل الله إذا جاء لا يؤخر.\n٥ - أنَّ زيادة العمر ونقصانه هي مثل ما سبق من السعادة والشقاوة، مع تكليف العمل والطاعة، والنهي عن المعصية، وقد سبق في أم الكتاب ما سبق من سعادة وشقاوة؛ ولذلك لما قال الصحابة - ﵃ -: فلم العمل؟ قال النبي - ﷺ -: \"اعملوا فكل ميسر لما خلق له\". (١) (٢)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (٤٩٤٩)، ومسلم في صحيحه، في كتاب القدر، حديث (٢٦٤٧).\n(٢) انظر: إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ٢١).","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>المسألة [٣]: في حَدِّ الإماء إذا أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النساء: ٢٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية:</span>\n(٦) - (٥): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - سُئِلَ عَنْ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ فقَالَ: \"إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ (١) \". (٢)\n_________\n(١) الضَّفِيرُ: هو الحبل المفتول من شعر. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٣/ ٩٣).\n(٢) هذا الحديث مُخرَّجٌ في الصحيحين، وقد اختلف الرّواة في نقلِه، فبعضهم يرويه بلفظ: \"وَلَمْ تُحْصِنْ\"، والبعض الآخر لا يذكر هذا القيد، وبعضهم يرويه بلفظ: \"فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ\"، والبعض الآخر لا يذكر لفظ الْحَدِّ، ولما كان مدار الإشكال في هذه المسألة قائم على هذين اللفظين، لزم تخريج الحديث وبيان طرقه وألفاظه لتحرير =","vol":"1","page":89},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الخلاف في هذه الألفاظ وبيان الصحيح منها، وفيما يلي تفصيل ذلك:\nأولًا: حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد، ﵄:\nوله عنهما طريق واحد، وهو: طريق محمد بن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود، به.\nوله عن ابن شهاب عدة طرق، وجميع هذه الطرق لم تذكر لفظ \"الحد\"؛ وأما قيد الإحصان فقد اختُلِفَ فيه على ابن شهاب، وفيما يلي تفصيل الطرق عنه:\nالأول: طريق معمر بن راشد، عن ابن شهاب، به.\nوقد رواه معمر بقيد الإحصان، ولم يُخْتَلَفْ عليه في ذلك، أخرجه من طريقه: عبد الرزاق في المصنف\n(٧/ ٣٩٣)، ومن طريق عبد الرزاق مسلم في صحيحه، في كتاب الحدود، حديث (١٧٠٤).\nالثاني: طريق سفيان بن عيينة، عن ابن شهاب، به.\nوقد اختُلِفَ فيه على سفيان؛ فرواه عنه بلا قيد: الإمامُ مالك، أخرجه من طريقه البخاري في صحيحه، في كتاب العتق، حديث (٢٥٥٦)، ولفظه: \"إِذَا زَنَتْ الْأَمَةُ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ\".\nإلا أنَّ مالكًا لم يُتابع في روايته هذه، فقد رواه عن سفيان: ابنُ أبي شيبة في المصنف (٥/ ٤٩١)، والإمامُ أحمد في مسنده (٤/ ١١٦)، وابنُ ماجة في سننه، في كتاب الحدود، حديث (٢٥٦٥)، عن محمد بن الصباح، به. وكلهم متفقون على ذكر قيد الإحصان في الحديث.\nالثالث: طريق مالك بن أنس، عن ابن شهاب، به.\nوقد رواه مالك بقيد الإحصان، وهو في موطئه، في كتاب الحدود، حديث (١٥٦٤)، ورواه عن مالك جمع من المحدثين ولم يختلفوا عليه في ذلك، وممن رواه عنه:\n١ - إسماعيل بن عبد الله الأصبحي: أخرجه من طريقه: البخاري في صحيحه، في كتاب البيوع، حديث (٢١٥٤).\n٢ - خالد بن مخلد: أخرجه من طريقه الدارمي في سننه، في كتاب الحدود، حديث (٢٣٢٦).\n٣ - عبد الله بن يوسف: أخرجه من طريقه البخاري في صحيحه، في كتاب الحدود، حديث (٦٨٣٨).\n٤ - عبد الله بن مسلمة: أخرجه من طريقه مسلم في صحيحه، في كتاب الحدود، حديث (١٧٠٤).\nالرابع: طريق صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، به. =","vol":"1","page":90},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقد رواه ابنُ كيسان بقيد الإحصان، أخرجه من طريقه البخاري في صحيحه، في كتاب البيوع، حديث (٢٢٣٣).\nورواه النسائي من طرق أخرى عن ابن شهاب؛ إلا أنَّ النقَّاد عَدّوها من الغلط:\nقال النسائي في السنن الكبرى (٤/ ٣٠١): أخبرني أبو بكر بن إسحاق قال: ثنا أبو الجواب - وهو الأحوص بن جواب - قال: ثنا عمار - وهو ابن رزيق - عن محمد بن عبد الرحمن، عن إسماعيل بن أمية، عن محمد بن مسلم، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: أتى النبيَّ - ﷺ - رجلٌ فقال: جاريتي زَنَت فتبين زناها. قال: \"اجلدها خمسين\". ثم أتاه فقال: عادت فتبين زناها. قال: \"اجلدها خمسين\". ثم أتاه فقال: عادت فتبين زناها. قال: \"بعها ولو بحبل من شعر\".\nوقال: أخبرنا محمد بن مسلم بن وارة قال: حدثني محمد بن موسى - وهو ابن أعين الجدري - قال: حدثني أبي، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ....، فذكره بنحوه.\nقال أبو عبد الرحمن النسائي: \"هذا خطأ والذي قبله خطأ، والصواب الذي قبله\". اهـ\nوالذي صوَّبه النسائي هو حديث سعيد المقبري - كيسان، عن أبي هريرة، به. وسيأتي.\nوقال ابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٩٨): وروى هذا الحديث عن ابن شهاب إسحاق بن راشد، فأخطأ فيه، قال فيه: عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. والطريق خطأ، والصواب فيه قول مالك ومن تابعه .... اهـ، بتصرف.\nثانيًا: حديث أبي هريرة - ﵁ -:\nوقد رُويَ عنه من ثلاث طرق، وكلها متفقة على عدم ذكر قيد الإحصان في الحديث؛ وأما لفظ \"الحد\" فقد اختُلِفَ فيه على أبي هريرة - ﵁ -، وفيما يلي تفصيل الطرق عنه:\nالأول: طريق الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، كيسان، عن أبيه، عن أبي هريرة، به.\nوقد اختُلِفَ فيه على الليث، فرواه عنه بلفظ \"فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ\":\n١ - حجاجُ بن محمد: أخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٤٩٤).\n٢ - عبدُ العزيز بن أويس: أخرجه عنه البخاري في صحيحه، في كتاب البيوع، حديث (٢٢٣٤).\n٣ - عيسى بن حماد: أخرجه عنه مسلم في صحيحه، في كتاب الحدود، حديث (١٧٠٣).\nوخالف هؤلاء الثلاثة عبدُ الله بنُ يوسف؛ فرواه بلفظ الجلد دون ذكر الحد، أخرجه عنه البخاري في صحيحه، في كتاب البيوع، حديث (٢١٥٢).\nالثاني: طريق عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد - كيسان، عن أبيه، عن أبي هريرة، به. =","vol":"1","page":91},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقد رواه عبيدٌ بلفظ الجلد ولم يذكر الحد، أخرجه من طريقه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٤٢٢).\nالثالث: طريق محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد - كيسان، عن أبيه، عن أبي هريرة، به.\nوقد رواه ابن إسحاق بلفظ \"فَلْيَضْرِبْهَا كِتَاب اللَّهِ\"، أخرجه من طريقه أبو داود في سننه، في كتاب الحدود، حديث (٤٤٧٠).\nالرابع: طريق عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، به.\nوقد اختُلِف فيه على عبيد الله؛ فرواه عنه بلفظ الحد: يحيى بن سعيد، أخرجه من طريقه أبو داود في سننه، في كتاب الحدود، حديث (٤٤٧٠)، قال: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى بن سعيد ...، فذكره. ولفظه: \"إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَحُدَّهَا وَلَا يُعَيِّرْهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ؛ فَإِنْ عَادَتْ فِي الرَّابِعَةِ فَلْيَجْلِدْهَا وَلْيَبِعْهَا بِضَفِيرٍ أَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ\".\nهكذا رواه أبو داود بلفظ \"فَلْيَحُدَّهَا\"، ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٩٧) من طريق مسدد، عن يحيى بن سعيد، فذكره بلفظ \"فليجلدها\" ولم يقل \"فليحدها\".\nورواه عن عبيد الله: عبد الرزاق في المصنف (٧/ ٣٩٢)، ومحمد بن عبيد، ولم يذكرا لفظ الحد، أخرجه من طريق محمد بن عبيد: الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٣٧٦).\nالخامس: طريق إسماعيل بن أمية، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، به.\nولم يذكر فيه إسماعيلُ الحد، أخرجه من طريقه النسائي في السنن الكبرى (٤/ ٣٠١).\nالسادس: طريق أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، به.\nوقد رواه عن أيوب سفيانُ بن عيينة، فذكره بلفظ الحد؛ أخرجه من طريقه الإمام أحمد في مسنده\n(٢/ ٢٤٩)، والنسائي في السنن الكبرى (٤/ ٣٠٠)، والبيهقي في سننه (٨/ ٢٤٤).\nوخالف سفيانَ هشامُ بنُ حيان فرواه عن أيوب ولم يذكر الحد، أخرجه من طريقه: النسائي في السنن الكبرى (٤/ ٣٠٠).\nقال ابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٩٧): \"ولا نعلم أحدًا ذكر فيه الحد غير أيوب بن موسى\". اهـ\nقلت: ذِكْرُ الحد إنما هو من سفيان، وليس من أيوب، بدليل مخالفة هشام المتقدمة.\nالسادس: طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، به.\nولم يذكر فيه ابن إسحاق الحد، أخرجه من طريقه: النسائي في السنن الكبرى (٤/ ٣٠٠).\nالسابع: طريق ذكوان أبي صالح الزيات، عن أبي هريرة، به. =","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث:</span>\nظاهر الآية الكريمة أنْ لا حدَّ على الأَمَة إذا زَنَت ولم تُحصن؛ وهذا الظاهر دلَّ عليه مفهومُ الشَّرْط (١) في قوله: (فَإِذَا أُحْصِنَّ)؛ فإنَّ مفهومه أنْ لا\n_________\n= ولم يذكر فيه ذكوان لفظ الحد، أخرجه من طريقه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٤٩٢)، والترمذي في سننه، في كتاب الحدود، حديث (١٤٤٠).\nثالثًا: حديث عائشة ﵂:\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٦/ ٦٥)، وابن ماجة في سننه، في كتاب الحدود، حديث (٢٥٦٦)، كلاهما من طريق عَمَّارِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ عُرْوَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِالرَّحْمَنِ حَدَّثَتْهُ، أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قال: \"إِذَا زَنَتْ الْأَمَةُ فَاجْلِدُوهَا، فَإِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، فَإِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، فَإِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ. وَالضَّفِيرُ الْحَبْلُ\".\nقال ابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٩٨): وروى هذا الحديث عن ابن شهاب عمار بن أبي فروة، فأخطأ فيه، قال فيه عمار بن أبي فروة: عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة ...، والطريق خطأ، والصواب فيه قول مالك ومن تابعه .... اهـ بتصرف.\nالنتيجة:\nوبعد هذا الاستطراد في ذكر طرق الحديث وبيان ألفاظه يَحْسُنُ بنا ذكر النتيجة وبيان الصواب من تلك الألفاظ:\nأولًا: رواية: \"فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ\":\nالذي يظهر صوابه أنَّ المحفوظ في الحديث هو رواية \"الجلد\" دون \"الحد\"؛ يدل على ذلك:\n١ - أن رواية \"الحد\" قد وقع فيها اضطراب من قبل الرواة؛ فلم تأتِ من طريقٍ سالمةٍ من المخالفة، بخلاف رواية \"الجلد\" فلم يقع فيها اضطراب.\n٢ - أن الرُّواة لرواية \"الجلد\" هم الأكثر، فتقدم على رواية الأقل.\nثانيًا: رواية شرط الإحصان:\nالذي يظهر صوابه أنَّ حديث أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ لا علاقة لهما بحديث أبي هريرة الآخر، بل هما حديثان مستقلان، وأنَّ أبا هريرة حدث بهذا وحدث بذاك، وعليه فإنَّ رواية شرط الإحصان تُعد صحيحة، وفيها زيادة على حديث أبي هريرة الآخر.\n(١) عُرِّفَ المفهوم: بأنه ما يُقْتَبَسُ من الألفاظ من فحواها وإشارتها لا من صيغتها. =","vol":"1","page":93},{"text":"حد عليها إذا كانت غير محصنة، وأمَّا منطوق الحديث فَيُوهِمُ مُعَارَضَة هذا المفهوم؛ لأن النبي - ﷺ - سُئِلَ عن الأمة إذا زنت ولم تُحصِن؛ فأجاب: بأنَّ عليها الحد. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث:</span>\nأجمع العلماء على إعْمَالِ منطوق الآية؛ فإذا زَنَت الأَمَة المسلمة بعد زواجها فعليها نِصْفُ ما على الحرَّةِ المسلمة البِكْرِ من العذاب، وهو خمسون جلدة.\nحكى الإجماع: ابن حزم، وابن عبد البر، وابن رشد الحفيد (٢). (٣)\nولم يأتِ في ذلك خلاف إلا ما نُقِلَ عن أبي ثور (٤)\nمن إيجاب الرجم على الأَمَة إذا كانت محصنة; لعموم الأخبار فيه، ولأنَّه حَدٌّ لا يَتَبَعَّض، فوجب تكميله، كالقطع في السرقة. (٥)\n_________\n= والتعريف المشهور عند أهل الأصول: هو أنَّ المنطوق: ما دل عليه اللفظ في محل النطق. والمفهوم: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق.\nوالمفهوم قسمان:\n١ - مفهوم موافقة: وهو ما يكون فيه المسكوت عنه موافقًا لحكم المنطوق، مع كون ذلك مفهومًا من لفظ المنطوق.\n٢ - ومفهوم مخالفة: وهو أن يكون المسكوت عنه مخالفًا لحكم المنطوق؛ كقوله - ﷺ -: \"في الغنم السائمة الزكاة\"، فالمنطوق: السائمة، والمسكوت عنه: المعلوفة. والتقييد بالسوم يُفهم منه عدم الزكاة في المعلوفة.\nومفهوم المخالفة على ثمانية أقسام: منها مفهوم الشرط، ومن أمثلته الآية الكريمة التي في مسألتنا.\nانظر: كشف الأسرار، للبخاري (٢/ ٢٥٣)، والبحر المحيط، للزركشي (٥/ ١٢٤ - ١٣٤)، وشرح الكوكب المنير، للفتوحي، ص (٤٤٨)، ومذكرة في أصول الفقه، للشنقيطي، ص (٢٨١ - ٢٨٥).\n(١) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: تفسير ابن جرير الطبري (٤/ ٢٣)، ومفاتيح الغيب، للرازي\n(١٠/ ٥٢)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٥/ ١٢٢)، وتفسير ابن كثير\n(١/ ٤٨٧)، وأضواء البيان، للشنقيطي (١/ ٣٢٧).\n(٢) هو: محمد بن أحمد بن محمد بن رشد، الأندلسي، أبو الوليد، يُلقب بابن رشد الحفيد تمييزًا له عن جده أبي الوليد محمد بن أحمد، المتوفى سنة ٥٢٠هـ، ويعد ابن رشد الحفيد فيلسوف وقته، وبرع في الفقه، وأخذ الطب عن أبي مروان بن حزبول، ثم أقبل على علوم الأوائل حتى صار يُضرب به المثل في ذلك. قال الأبار: لم ينشأ بالأندلس مثله كمالًا وعلمًا وفضلًا، يقال عنه: إنه ما ترك الاشتغال مذ عقل سوى ليلتين: ليلة موت أبيه، وليلة عرسه، ومال إلى علوم الحكماء فكانت له فيها الإمامة، وكان يُفزع إلى فُتياه في الطب كما يُفزع إلى فُتياه في الفقه، له من التصانيف \"بداية المجتهد\" في الفقه، و\"الكليات\"، وغيرهما. (ت: ٥٩٥هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (٢١/ ٣٠٧)، والأعلام، للزركلي\n(٥/ ٣١٨).\n(٣) انظر: المحلى، لابن حزم (١٢/ ٦٨)، والتمهيد، لابن عبد البر (٩/ ٩٨)، وبداية المجتهد، لابن رشد\n(٢/ ٣٢٧).\n(٤) هو: إبراهيم بن خالد، الإمام الحافظ الحجة المجتهد مفتي العراق، أبو ثور الكلبي البغدادي الفقيه، ويُكنى أيضًا أبا عبد الله، قال أبو حاتم بن حبان: كان أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعًا وفضلًا، صنَّف الكتب، وفرَّع على السنن، وذبَّ عنها، رحمه الله تعالى. وقال الخطيب: كان أبو ثور يتفقه أولًا بالرأي ويذهب إلى قول العراقيين حتى قدم الشافعي فاختلف إليه ورجع عن الرأي إلى الحديث.\n(ت: ٢٤٠هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٢/ ٧٢).\n(٥) انظر: الإشراف على مذاهب أهل العلم، لابن المنذر (٣/ ٣٤)، والمغني، لابن قدامة =","vol":"1","page":94},{"text":"وقد أنكر العلماء عليه رأيه هذا، لمخالفته الإجماع. (١)\nإلا أنَّ ابن المنذر نَقَلَ عنه أنه قال: \"إنْ كان إجماع فالإجماع أولى\". اهـ (٢) وقد ثَبَتَ الإجماع، فصار أبو ثور موافقًا له.\nواختلف العلماء في دفع التعارض بين مفهوم الآية، ومنطوق الحديث على مذاهب:\nالأول: مذهب إعمال منطوق الآية والحديث، وإلغاء مفهومهما:\nفإذا زَنَت الأَمَة المسلمة فعليها نصف ما على الحرَّة المسلمة البكر من العذاب، وهو خمسون جلدة، ويستوي في ذلك المُزَوّجة وغير المُزَوّجة.\nوهذا مذهب الجمهور من العلماء، على اختلاف بينهم في التغريب هل يجري على الأَمَةِ أم لا. (٣)\nوأجاب أصحاب هذا المذهب عن مفهوم الآية:\nبأنَّ قيد الإحصان في الآية إنما سِيقَ لرفع إيهام أنَّ على المحصنة الرجم، وعليه فلا دلالة لمفهوم الآية.\nوممن قال بهذا الجواب: الطحاوي، والبيهقي، وأبو بكر الجصاص، والبغوي، والقاضي أبو يعلى (٤)، وابن قدامة، والنووي، وأبو حيان، وابن القيم، والآلوسي، والشنقيطي. (٥)\n_________\n= (٩/ ٤٩)، وتفسير ابن كثير (١/ ٤٨٩).\n(١) انظر: المحلى، لابن حزم (١٢/ ٦٨)، والتمهيد، لابن عبد البر (٩/ ٩٨)، وبداية المجتهد، لابن رشد\n(٢/ ٣٢٧).\n(٢) الإشراف على مذاهب أهل العلم، لابن المنذر (٣/ ٣٤).\n(٣) حكاه مذهب الجمهور: القاضي عياض في \"إكمال المعلم\" (٥/ ٥٣٧)، وابن هبيرة في \"الإفصاح عن معاني الصحاح\" (٢/ ١٩٢)، والنووي في \"شرح صحيح مسلم\" (١١/ ٣٠٤).\n(٤) هو: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد البغدادي، الحنبلي، ابن الفراء، أبو يعلى، القاضي، شيخ الحنابلة، كان عالم العراق في زمانه مع معرفة بعلوم القرآن وتفسيره، من مؤلفاته: (أحكام القرآن) و(العدة) وغيرها، مات سنة ٤٥٨ هـ. انظر: تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي (٢/ ٢٥٦)، وسير أعلام النبلاء، للذهبي (١٨/ ٨٩).\n(٥) انظر على الترتيب: شرح مشكل الآثار، للطحاوي (٩/ ٣٥٦)، ومعرفة السنن والآثار، للبيهقي\n(١٢/ ٣٣٧)، وأحكام القرآن، للجصاص (٢/ ٢١٢)، وتفسير البغوي (١/ ٤١٦)، وزاد المسير، لابن الجوزي (٢/ ٣٨)، والمغني، لابن قدامة (٩/ ٥٠)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (١١/ ٣٠٤)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (٣/ ٢٣٣)، وزاد المعاد، لابن القيم (٥/ ٤٤)، وروح المعاني، للآلوسي =","vol":"1","page":95},{"text":"قال أبو بكر الجصاص: \"فإنْ قيل: فما فائدة شرط الله الإحصان في قوله: (فَإِذَا أُحْصِنَّ) وهي محدودة في حال الإحصان وعدمه؟ قيل له: لما كانت الحرَّة لا يجب عليها الرجم إلا أنْ تكون مسلمة متزوجة أخبر الله تعالى أنهن وإنْ أُحْصِنَّ بالإسلام وبالتزويج فليس عليهنَّ أكثر من نصف حدِّ الحرَّة، ولولا ذلك لكان يجوز أنْ يتوهم افتراق حالها في حكم وجود الإحصان وعدمه، فإذا كانت محصنة يكون عليها الرجم، وإذا كانت غير محصنة فنصف الحَدّ، فأزال الله تعالى تَوَهُّمَ من يَظنُّ ذلك، وأخبر أنَّه ليس عليها إلا نصف الحَدّ في جميع الأحوال، فهذه فائدة شرط الإحصان عند ذكر حدِّها\". اهـ (١)\nوقال الشنقيطي: \"والحكمة في التعبير بخصوص المحصنة دفع تَوَهُّم أنها تُرجم كالحرة ...، والظاهر أنَّ السَّائل ما سَأَلَ النبيَّ - ﷺ - إلا لأنَّه أشكل عليه مفهوم هذه الآية، فالحديث نصٌ في محل النزاع، ولو كان جلدُ غيرِ المحصنة أكثر أو أقل من جلد المحصنة لَبَيَّنَه ﷺ\". اهـ (٢)\nإلا أنَّ الحافظ ابن كثير لم يرتضِ هذا الجواب؛ حيث يرى أنَّ تنصيف الحَدّ إنما استفدناه من الآية لا من سِواها، فكيف يُفهم منها التنصيف فيما عداها. (٣)\nواختلف أصحاب هذا المذهب في الجواب عن مفهوم الحديث على أقوال:\nالأول: أنَّ نفيَ الإحصان في الحديث إنما هو من قول السَّائل، ولم يُصَرِّح النبيُّ - ﷺ - بأخذه قيدًا في الجلد، فيحْتَمل أنْ يكون النبيُّ - ﷺ - أعرض عنه وأفتى بالجلد مطلقًا.\nوهذا رأي أبي العباس القرطبي. (٤)\nوأيَّدَ رأيَه هذا بأنَّ بَقيَّة الأحاديث - الواردة في جلد الأَمَة إذا زَنَت -\n_________\n= (٥/ ١٧)، وأضواء البيان، للشنقيطي (١/ ١٣٩).\n(١) أحكام القرآن، للجصاص (٢/ ٢١٢).\n(٢) أضواء البيان، للشنقيطي (١/ ٣٢٨).\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير (١/ ٤٨٩).\n(٤) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٥/ ١٢٣).","vol":"1","page":96},{"text":"ليس فيها ذِكْرٌ لذلك القيد من كلام النبي - ﷺ -. (١)\nواعتذر عن تخصيص الإحصان في الآية بالذِّكر بأنَّه أغلب حال الإماء، أو الأهم في مقاصد الناس. (٢)\nالقول الثاني: أنَّ قوله في الحديث: \"وَلَمْ تُحْصِنْ\" ليس بقيد، وإنما هو حِكَايَة حالٍ في السؤال، ولذا أجاب النبي - ﷺ - فقال: \"إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا\"، غير مُقَيَّدٍ بالإحصان، للتنبيه على أنْ لا أثر له، وأنَّ مُوجِبَه في الأَمَة مُطلق الزنى.\nذكر هذا الجواب الخطابي (٣)، وأشار إليه الزَّرقاني في شرحه للحديث. (٤)\nالثاني: مذهب إعمال مفهوم الآية، وإلغاء منطوق الحديث:\nويرى أصحاب هذا المذهب أنْ لا حَدَّ على الأَمَة إذا زَنَت وهي غير محصنة.\nرُوي هذا المذهب عن:\nابن عباس (٥)، وأبي الدرداء (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، ومجاهد (٨)، وطاووس (٩)،\nوأبي عبيد القاسم بن سلام (١٠).\nويدل على مذهبهم هذا: حديث ابن عباس ﵄، أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال:\n_________\n(١) تقدم في أول المسألة ذِكر الأحاديث التي خلت من ذكر قيد الإحصان، وذكرت هناك رأيي في هذه الأحاديث.\n(٢) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٥/ ١٢٤).\n(٣) معالم السنن، للخطابي (٣/ ٢٨٩).\n(٤) شرح الزرقاني على موطأ مالك (٤/ ١٨٢).\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٤٨٨)، وعبد الرزاق في المصنف (٧/ ٣٩٧).\n(٦) انظر: التمهيد، لابن عبد البر (٩/ ٩٩).\n(٧) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٤٨٨)، وابن جرير في تفسيره (٤/ ٢٦).\n(٨) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٤٨٨).\n(٩) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٧/ ٣٩٧).\n(١٠) انظر: الإشراف على مذاهب أهل العلم، لابن المنذر (٣/ ٣٣)، والمغني، لابن قدامة (٥/ ٩٤).","vol":"1","page":97},{"text":"\"لَيْسَ عَلَى أَمَةٍ حَدٌّ حتَّى تُحْصَنَ بِزَوْجٍ؛ فَإِذَا أُحْصِنَتْ بِزَوْجٍ فَعَلَيْهَا نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ\". (١)\nولم يُجِبْ هؤلاء عن منطوق الحديث؛ إلا ما نُقِلَ عن الطَّحاوي (٢) من أنَّ قوله في الحديث: \"وَلَمْ تُحْصِنْ\" زيادةٌ لا تثبت، وأنَّها مما تفرد به الإمام مالك، أحدُ رواة الحديث. (٣)\nولم أقف على قول الطحاوي هذا في كتابه \"مشكل الآثار\"، وكذا \"شرح معاني الآثار\"، والذي وقفتُ عليه من رأيِهِ موافقة الجمهور في وجوب الحدِّ\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار (١٢/ ٣٣٥)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٥٣) (٤/ ١٤٧)،\nوابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه، ص (٥٠١)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٧٩٤)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (١٠/ ٣٢٧ - ٣٢٩)، جميعهم من طريق عبد الله بن عمران العابدي قال: نا سفيان بن عيينة، عن مسعر، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به. مرفوعًا.\nوأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣/ ١٢٢٦)، قال: نا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن مجاهد، عن ابن عباس ...، فذكره موقوفًا على ابن عباس.\n\nقال البيهقي في معرفة السنن والآثار (١٢/ ٣٣٥): \"هذا خطأ، ليس هذا من قول النبي - ﷺ -، إنما هو من قول ابن عباس، قاله أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة ...، وقد رواه سعيد بن منصور، وغيره عن سفيان، موقوفًا\". اهـ\nوقال الطبراني في \"الأوسط\" (٤/ ١٤٧): \"لم يرفع هذا الحديث عن سفيان إلا عبد الله بن عمران العابدي\". اهـ\nوقال الدارقطني في \"أطراف الغرائب والأفراد\" (٣/ ١٧٨): \"غريب من حديث مسعر، عن عمرو، عنه. تفرد به سفيان بن عيينة عنه. وعنه عبد الله بن عمران العابدي مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -، وغيره يرويه عن ابن عيينة موقوفًا\". اهـ\nوقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١٢/ ١٦٧): \"سنده حسن، لكن اختلف في رفعه ووقفه، والأرجح وقفه، وبذلك جزم ابن خزيمة وغيره\". اهـ\n(٢) نقله عن الطحاوي: ابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٩٦)، وتبعه أبو العباس القرطبي في المفهم\n(٥/ ١٢٢)، والنووي في شرح مسلم (١١/ ٣٠٢).\n(٣) تقدم عند ذكر طرق الحديث أنَّ مالكًا لم يتفرد بهذه الزيادة، وذكرتُ هناك من تابعة، وانظر في رد هذه الدعوى: التمهيد، لابن عبد البر (٩/ ٩٦)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي\n(٥/ ١٢٢)، وفتح الباري، لابن حجر (١٢/ ١٦٨).","vol":"1","page":98},{"text":"على الأَمَة إنْ كانت غير محصنة؛ أخذًا بمنطوق الحديث. (١)\nالثالث: مذهب إعمال مفهوم الآية ومنطوق الحديث معًا:\nواختلف أصحاب هذا المذهب في معنى هاتين الدلالتين للآية والحديث، وفي الحكم المترتب عليهما على أقوال:\nالأول: أنَّ مفهوم الآية المراد به نفي الحَدّ، فإذا زَنَت الأَمَة وهي غير محصنة فلا حدَّ عليها، وإنما تُضرب تأديبًا؛ كما دل عليه منطوق الحديث.\nويرى هؤلاء أنْ لا تعارُض بين مفهوم الآية ومنطوق الحديث؛ لأنَّ مفهوم الآية يُفيد أنْ لا حدَّ على الأَمَة إنْ كانت غير محصنة، وأمَّا منطوق الحديث ففيه جلدها تأديبًا وليس حدًا.\nوالفرق بين الحدِّ والتأديب: أنَّ الأول واجب بخلاف الثاني.\nحَكَى هذا القول الإمام ابن القيم، ومال إليه وقوَّاه (٢)، وجعله الحافظ ابن كثير مذهب ابنِ عباس - ﵁ - ومن تَبِعَه، القائلين بأنْ لا حدَّ على أمَةٍ إنْ كانت غير محصنة. (٣)\nوحُجَّةُ هؤلاء (٤):\nأنَّ الحديث لم يُؤَقَّتْ فيه الجلدُ بعددٍ مُعَيَّن كما وُقِّتَ في الآية، التي فيها أنَّ على الأَمَة نِصْفُ ما على المحصنة من العذاب؛ وهذا يدل على أنَّ الجلد في الحديث إنما هو من باب التأديب، ولا يُراد به الحدَّ؛ إذ لو أراد الحدَّ لَنَصَّ على عددٍ مُعَيَّن كما في الآية.\nوبأنَّ الحديث لم يُذْكَر فيه الحدُّ، وإنما ذُكِرَ فيه الجلدُ.\nواعتُرِضَ على هذه الأدلة:\nبأنَّ الحديث قد روي بألفاظٍ أخرى، وفيها التَّنْصِيصُ على ذِكْرِ العدد، وذِكْرِ الحدِّ. (٥)\n_________\n(١) انظر: شرح مشكل الآثار، للطحاوي (٩/ ٣٥٦ - ٣٥٧).\n(٢) انظر: زاد المعاد، لابن القيم (٥/ ٤٤).\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير (١/ ٤٨٨).\n(٤) انظر: المصدر السابق (١/ ٤٨٨).\n(٥) انظر: شرح مشكل الآثار، للطحاوي (٩/ ٣٥٠ - ٣٥٥).","vol":"1","page":99},{"text":"فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: أتى النبيَّ - ﷺ - رجلٌ فقال: جاريتي زَنَت فتبيَّن زناها. قال: \"اجلدها خمسين\". ثمَّ أتاه فقال: عادت فتبيَّن زناها. قال: \"اجلدها خمسين\". ثمَّ أتاه فقال: عادت فتبيَّن زناها. قال: \"بِعْهَا ولو بحبل من شَعَر\". (١)\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعتُ النبيَّ - ﷺ - يقول: \"إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ\". (٢)\nوأجيب: \"بأنَّ لفظة الحدِّ في قوله: \"فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ\" مُقْحَمَةٌ من بعض الرواة؛ بدليل أنَّ هذا من حديث صحابيين وذلك من رواية أبي هريرة فقط، وما كان عن اثنين فهو أولى بالتقديم من رواية واحد، وأيضًا فقد رواه النسائي بإسناد على شرط مسلم من حديث عبَّادِ بنِ تميمٍ، عن عمِّهِ - وكان قد شهد بدرًا - أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا زَنَت الأمة فاجلدوها، ثم إنْ زَنَت فاجلدوها، ثم إنْ زَنَت فاجلدوها، ثم إنْ زَنَت فبيعوها ولو بضَفير\" (٣)، وبأنَّه لا يَبْعُدُ أنَّ بعض الرُّواة أطلق لفظ الحَدّ في الحديث على الجلد؛ لأنه لما كان الجلد اعتقد أنه حدّ، أو أنَّه أطلق لفظة الحَدّ على التأديب كما أُطلق الحَدُّ على ضَرْبِ من زنى من المرضى بِعِثْكَالِ (٤) نخل فيه مِائَةُ شِمْرَاخٍ (٥) (٦)،\nوعلى\n_________\n(١) سبق تخريجه في أول المسألة، وتقدم هناك أن إسناد هذا الحديث وقع فيه الغلط، فلا يبعد أن يكون وقع الغلط في متنه أيضًا.\n(٢) سبق تخريجه في أول المسألة، وبَيَّنْتُ هُناك أنَّ المحفوظ في الحديث هو رواية \"الجلد\" دون \"الحد\".\n(٣) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٤/ ٢٩٨)، وضعفه.\n(٤) العِثْكَال: هو العِذْقُ من أعذاق النخل الذي يكون فيه الرطب. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٣/ ١٨٣٢).\n(٥) الشِّمْرَاخُ: هو أغصان العثكال، وهو الذي يكون عليه الرطب. انظر: المصدر السابق (٢/ ٥٠٠).\n(٦) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: كَانَ بَيْنَ أَبْيَاتِنَا إِنْسَانٌ مُخْدَجٌ ضَعِيفٌ لَمْ يُرَعْ أَهْلُ الدَّارِ إِلَّا وَهُوَ عَلَى أَمَةٍ مِنْ إِمَاءِ الدَّارِ يَخْبُثُ بِهَا، وَكَانَ مُسْلِمًا، فَرَفَعَ شَأْنَهُ سَعْدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: \"اضْرِبُوهُ حَدَّهُ\". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ ضَرَبْنَاهُ مِائَةً قَتَلْنَاهُ. قَالَ: \"فَخُذُوا لَهُ عِثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ فَاضْرِبُوهُ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً وَخَلُّوا سَبِيلَهُ\". أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٢٢٢). وإسناده صحيح ..","vol":"1","page":100},{"text":"جلد من زنى بأَمَةِ امرأته إذا أذِنَتْ له فيها مِائَةُ (١)، وإنما ذلك تعزيرٌ وتأديب\". (٢)\nالقول الثاني: أنَّ دلالةَ مفهومِ الآية ومنطوقِ الحديثِ المقصود بهما التفريق بين حالتي الأَمَة في إقامة الحَدّ لا في قَدْرِهِ؛ فإذا كانت محصنة فلا يُقيم الحَدَّ عليها إلا الإمام، ولا يجوز لسيدها إقامته والحالة هذه، وأما قبل الإحصان فسيدها بالخيار بين إقامته هو بنفسه أو رفعه للإمام، والحَدُّ في كلا الحالتين على النصف من حَدِّ الحُرَّة.\nرُويَ هذا القول عن ابن عمر ﵄. (٣)\nوهو قولٌ في مذهب أحمد. (٤)\nونقله ابن القيم، وجعله من أقرب الأقوال في الجواب عن مفهوم الآية. (٥)\nإلا أنَّ الحافظ ابن كثير تعقب هذا القول فقال: \"وهذا بعيد؛ لأنه ليس في الآية ما يدل عليه، ولولا هذه لم نَدْرِ ما حكم الإماء في التنصيف، ولوجب دخولهن في عموم الآية في تكميل الحَدّ مائة أو رجمهن، كما ثبت\n_________\n(١) عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الرَّجُلِ يَأْتِي جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ قَالَ: \"إِنْ كَانَتْ أَحَلَّتْهَا لَهُ جُلِدَ مِائَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَلَّتْهَا لَهُ رَجَمْتُهُ\". أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الحدود، حديث (٤٤٥٩). وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود، ص (٣٦٧).\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير (١/ ٤٨٨).\n(٣) عن ابن عمر ﵄ أنه قال في الأمة: \"إذا كانت ليست بذات زوج فزَنَت: جُلِدَت نصف ما على المحصنات من العذاب، يجلدها سيدها،؛ فإن كانت من ذوات الأزواج رُفِع أمرها إلى السلطان\". أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٧/ ٣٩٥)، وإسناده صحيح.\n(٤) انظر: اختلاف العلماء، للمروزي (١/ ٢٠١)، وتفسير ابن كثير (١/ ٤٨٩).\n(٥) انظر: زاد المعاد، لابن القيم (٥/ ٤٤).","vol":"1","page":101},{"text":"في الدليل عليه، وقد تقدَّم عن عليٍّ - ﵁ - أنَّه قال: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمْ الْحَدَّ، مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ\" (١)، وعموم الأحاديث ليس فيها تفصيل بين المزوجة وغيرها\". اهـ (٢)\nالقول الثالث: أنَّ الأَمَة المحصنة تُحَدُّ نصف حدِّ الحُرَّة أخذًا بمنطوق الآية، وأمَّا قبل الإحصان فمنطوق الحديث وعمومات الكتاب والسنة شاملة لها في جلدها مائة؛ كقوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: ٢]، وكحديث عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ\". (٣)، وغير ذلك من الأحاديث.\nوهذا المذهب هو المشهور عن داود بن علي الظاهري. (٤)\nولم يرتضِ أيضًا الحافظ ابن كثير هذا المذهب، وتعقبه فقال: \"وهو في غاية الضَّعْفِ؛ لأنَّ الله تعالى إذا كان أمر بجلد المحصنة من الإماء بنصف ما على الحرة من العذاب - وهو خمسون جلدة - فكيف يكون حكمها قبل الإحصان أشدّ منه بعد الإحصان؟ وقاعدة الشريعة في ذلك عكس ما قال، وهذا الشارع ﵇ سَأَلَه أصحابه عن الأَمَة إذا زَنَت ولم تحصن فقال: \"اجلدوها\" ولم يقل مائة، فلو كان حكمها كما زعم داود لوجب بيان ذلك لهم؛ لأنهم إنما سألوا عن ذلك لعدم بيان حكم جلد المائة بعد الإحصان في الإماء، وإلا فما الفائدة في قولهم ولم تحصن، لعدم الفرق بينهما لو لم تكن الآية نزلت، لكن لمَّا علموا أحد الحكمين سألوا عن الآخر فَبَيَّنَه لهم\". اهـ (٥)\nقلت: مذهب داود هذا هو الأقرب لظاهر النصوص، وهو من أحسن المذاهب في الجمع بين الآية والحديث، إلا أنَّه يُعَكِّرُ عليه ما نَوَّه إليه الحافظ\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الحدود، حديث (١٧٠٥).\n(٢) تفسير ابن كثير (١/ ٤٨٩).\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الحدود، حديث (١٦٩٠).\n(٤) انظر: المغني، لابن قدامة (٩/ ٤٩)، وتفسير ابن كثير (١/ ٤٨٨).\n(٥) تفسير ابن كثير (١/ ٤٨٨). وانظر: المغني، لابن قدامة (٩/ ٤٩)، وزاد المعاد، لابن القيم (٥/ ٤٤).","vol":"1","page":102},{"text":"ابن كثير من مخالفته لقواعد الشريعة، لكن يمكن أنْ يُقال: إنَّ الله تعالى راعى حق السَّيد فغلَّظَ العقوبة على الأَمَة حال كونها بكرًا؛ لأنَّ في زناها إيذاء لسّيدها، واعتداء على حقِّه بالتمتع بها، بخلاف ما بَعْدَ زواجها فإنَّ الحقَّ لِزَوْجِهَا والذي غالبًا ما يكون في رَبقَة الرِّقِّ مثلها، والشريعة الإسلامية تراعي حق الحرِّ أكثر من مراعاتها لحق الرَّقِيقِ.\nإلا أني لا أرتضي هذا المذهب، على الرغم من وجاهته؛ لأنَّ ما ذكرتُه من تعليلٍ لم يأتِ به نصٌ حتى يُصار إليه؛ ولأنَّ الأحاديث الواردة في جلد الأَمَة جاءت مطلقة، فلم تَنُص على ذكر مائة جلدة، فيجب حملها على المقيد وهو ما جاء في الآية الكريمة، وسترى مزيدَ بيانٍ لرأيي في هذه المسألة في مبحث الترجيح، إن شاء الله تعالى.\nالقول الرابع: أنَّ الإحصان في الآية المراد به الإسلام؛ فيكون منطوق الآية ومفهومها دالًا على إيجاب الحَدّ على الأَمَة بَعْدَ إسلامها لا قبله، وأما الإحصان في الحديث فالمراد به التزويج.\nوهذا رأي: الشافعي (١)، وابن العربي (٢)، واختيار الحافظ ابن حجر (٣).\nولم يُبَيِّن هؤلاء الحكم المترتب على دلالتي المنطوق والمفهوم للحديث.\nويرد على قولهم:\n١ - أنْ لا دليل على التفريق بين الآية والحديث في معنى الإحصان.\n٢ - ويلزم من مفهوم الحديث على قولهم هذا أنْ لا حَدَّ على الأَمَة إذا كانت مُزوجة؛ لإعمالهم منطوق الآية في المسلمة عمومًا؛ فيكون منطوق الحديث مُخَصِّصًَا لهذا العموم، وهذا القول لا يرتضونه ولا يقولون به، فدل على ضعف رأيهم.\n_________\n(١) الرسالة، للشافعي (١/ ١٢٥).\n(٢) أحكام القرآن، لابن العربي (١/ ٥١٧ - ٥١٨).\n(٣) فتح الباري، لابن حجر (١٢/ ١٦٧).","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو إعمال منطوق الآية والحديث دون مفهومهما؛ فإذا زنت الأَمَة المسلمة فإنَّ عليها نصف ما على الحرة المسلمة البِكْرِ من العذاب، وهو خمسون جلدة، ويستوي في ذلك المُزَوّجة وغير المُزَوّجة.\nولفظ الحديث مطلق، والآية جاء الحكم فيها مقيدًا بالنصف؛ فيُحمل المطلق على المقيد.\nوأمَّا مفهوم المخالفة في الآية الكريمة فالأصح عدم اعتباره، والمانع من اعتباره أمور:\n١ - أنَّ دلالة المفهوم إنما يصح اعتبارها إذا لم يُعارضها منطوق نصٍ آخر، وقد عارض مفهومَ الآية منطوقُ حديث أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄، فَدَلَّ على أنَّ مفهوم الآية غير معتبر. (١)\n٢ - أنَّ دلالة المنطوق قطعية الدلالة، بخلاف دلالة المفهوم فإنها ظنية الدلالة، والقطعي أولى بالتقديم من الظني. (٢)\n٣ - أنَّ دلالة المفهوم مختلف في حُجِّيّتها، بخلاف دلالة المنطوق؛ فإنها معتبرة باتفاق.\n٤ - أنَّ دلالة المفهوم قد تكون غير مُرادة (٣)، وقد تَصْدُقُ في بعض\n_________\n(١) انظر: البحر المحيط، للزركشي (٥/ ١٣٩).\n(٢) انظر: المغني، لابن قدامة (٩/ ٥٠)، وتفسير ابن كثير (١/ ٤٨٧)، وتدريب الراوي، للسيوطي (٢/ ١١٨).\n(٣) من موانع اعتبار مفهوم المخالفة: كون تخصيص الوصف بالذكر لموافقته للواقع، فَيَرِدُ النص ذاكرًا للوصف الموافق للواقع ليُطَبِّقَ عليه الحكم، فتخصيصه بالذكر إذًا ليس لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق؛ بل لتخصيص الوصف بالذكر لموافقته للواقع، ومن أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧» [المؤمنون: ١١٧]، فقوله: (لَا بُرْهَانَ =","vol":"1","page":104},{"text":"الصور دون بعض، بخلاف دلالة المنطوق فإنها دالة على كل صورها، دلالة مطابقة، وتضمن، والتزام. (١)\n٥ - أنَّ النص قد ثبت في إلغاء مفهوم الآية؛ والنص هو حديث أبي هريرة - ﵁ -، \"والظاهر أنَّ السَّائل ما سَأَلَ النبيَّ - ﷺ - إلا لأنَّه أشكل عليه مفهوم هذه الآية، فالحديث نصٌ في محل النزاع، ولو كان جلدُ غيرِ المحصنة أكثر أو أقل من جلد المحصنة لَبَيَّنَه - ﷺ - \". (٢)\nفإن قيل: فما فائدة شرط الإحصان في الآية إذا كان ذلك غير معتبر؟\n_________\n= لَهُ بِهِ) وصف مطابق للواقع؛ لأنهم يدعون معه غيره بلا برهان، فذكر الوصف لموافقته للواقع، لا لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق، ومن أمثلته في القرآن أيضًا: قوله تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران: ٢٨]، لأن الآية نزلت في قوم والوا اليهود دون المؤمنين فقوله: (مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ذُكِرَ لموافقته للواقع، لا لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق، ومعلوم أن اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء ممنوع على كل حال. انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (٥/ ٨٣٣).\n(١) قسم علماء الأصول الدلالة إلى ثلاثة أقسام:\n١ - ... دلالة وضعية: كدلالة السبب على المسبب، ومنه دلالة الدلوك على وجوب الصلاة.\n٢ - ... ودلالة عقلية: كدلالة الأثر على المؤثر، ومنه دلالة العالم على موجده، وهو الله ﷾.\n٣ - ... ودلالة لفظية: أي مستندة إلى وجود اللفظ، وهذه اللفظية على ثلاثة أقسام:\nالأول: طبيعية، كدلالة: أح، أح، على وجع الصدر.\nالثاني: عقلية، كدلالة الصوت على حياة صاحبه.\nالثالث: وضعية، وهي كون اللفظ إذا أطلق فهم من إطلاقه ما وضع له.\nودلالة اللفظ الوضعية على أقسام:\n١ - ... دلالة مطابقة: كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق، وإنما سُمِّيَت هذه الدلالة مطابقة؛ لأن اللفظ موافق لتمام ما وضع له.\n٢ - ... ودلالة تضمن: كدلالة الإنسان على حيوان فقط، أو على ناطق فقط، سُمِّيَت بذلك؛ لأن اللفظ دل على ما في ضمن المسمى.\n٣ - ودلالة التزام: كدلالة الإنسان على كونه ضاحكًا، أو قابلًا صنعة الكتابة ونحوها. انظر: شرح الكوكب المنير، للفتوحي، ص (٣٨)، والتعارض والترجيح، للبرزنجي (١/ ٢٤).\n(٢) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (١/ ٣٢٨).","vol":"1","page":105},{"text":"فالجواب: أنَّ شرط الإحصان في الآية الكريمة إنما سِيقَ لتأكيد الحكم في حق الأَمَة المحصنة، وهو لا يعني نفي الحكم في غير المحصنة، وأسلوب الشرط يأتي لهذا المعنى كثيرًا؛ كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦» [الحجرات: ٦]، فهذه الآية تُفيد وجوب التثبت حال كون ناقل الخبر متهمًا بالفسق، ولا تعني إلغاء التثبت مطلقًا عند ظهور علامات الصدق في الناقل، بل التثبت مطلوب في كل الأحوال، لكنه يتأكد في حال دون حال، والله تعالى أعلم.\n\n****","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>المسألة [٤]: هل يُنْشِئُ الله تعالى للنار خلقًا فيعذبهم فيها</span>؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) [النساء: ٤٠].\nوقال تعالى: (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف: ٤٩].\nوقال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: ١٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآيات:</span>\n(٧) - (٦): عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"اخْتَصَمَتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ إِلَى رَبّهِمَا فَقَالَتْ الْجَنَّةُ: يَا رَبِّ مَا لَهَا لاَ يَدْخُلُهَا إلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ (١)؟ وَقَالَتْ النَّارُ: يَعْنِي أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي. وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا. قَالَ: فَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ، فَيُلْقَوْنَ فِيهَا فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ثَلاَثًا، حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ، فَتَمْتَلِئُ وَيُرَدُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ (٢) \". (٣)\n_________\n(١) قوله: سقطهم: أي من لا يعتد بهم، والسقط من كل شيء هو ما لا يعتد به، والساقط من الرجال هو السفلة من الناس واللئيم. انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (٢/ ٢٢٧).\n(٢) قط قط: بمعنى حسبي حسبي، وتكرارها للتأكيد، وهي ساكنة الطاء مخففة. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٤/ ٧٨).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التوحيد، حديث (٧٤٤٩)، من طريق =","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والحديث:</span>\nظاهر الآياتُ الكريمةِ نفي الظلمِ عن اللهِ تعالى، وأنَّه سبحانه لا يُعذِّبُ أحدًا من خلقه إلا بعد الإعذار إليه، وقيام الحجة عليه، وهذا الذي دلَّت عليه الآيات هو محل إجماع بين العلماء، من تنزيهه سبحانه عن الظلم، أو أَنْ يُعَذِّبَ أحدًا بغير ذَنْبٍ ولا حُجَّة.\nوأما الحديث الوارد في المسألة فقد جاء فيه ما يُوهِمُ مُعَارَضَة هذا الأصل الذي دلَّت عليه الآيات، وهو قوله: \"وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ\"، وهذا اللفظ يُوهِمُ أنَّ الله تعالى يُعذِّب في النار من لا ذنب له، وهو خِلاف الآيات. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث:</span>\nللعلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث مسلكان:\nالأول: مسلك تضعيف الحديث بهذا اللفظ، والجزم بوقوع الغلط فيه:\nحيث ذهب جماعةٌ من الأئمة إلى أنَّ الحديث لا يصح بهذا اللفظ، وأنَّه مما وقع فيه الغلط من بعض الرواة، حيث انقلب عليه الحديث، فجعل الإنشاء للنار، والصواب أنَّ الإنشاء للجنة، بدليل ما أخرجاه في الصحيحين - واللفظ للبخاري - من حديث\nعبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: \"تَحَاجَّتِ\n_________\nصالح بن كيسان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، به.\n(١) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: أحكام أهل الذمة، لابن القيم (١/ ١١٠٤)، وتفسير ابن كثير\n(١٣/ ٣١)، وإيثار الحق على الخلق، لابن الوزير اليماني (١/ ٢١٧ - ٢٢١)، وفتح الباري، لابن حجر (١٣/ ٤٤٦).","vol":"1","page":108},{"text":"الجَنَّةُ والنَّارُ\" فذكر الحديث إلى أَنْ قال: \"فَأَمَّا النَّارُ فَلاَ تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ. فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى (١) بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلاَ يَظْلِمُ اللَّهُ ﷿ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا\". (٢)\nنقل الحافظ ابن حجر هذا المذهب: عن أبي الحسن القابسي (٣)، وشيخه البلقيني (٤). (٥)\nوممن جزم بوقوع الغلط في الحديث: شيخ الإسلام ابن تيمية (٦)، وابن القيم (٧)، والحافظ ابن كثير (٨)، وابن الوزير اليماني (٩). (١٠)\nقال أبو الحسن القابسي: \"المعروف في هذا الموضع أنَّ الله ينشئ للجنة خلقًا؛ وأما النار فيضع فيها قدمه، ولا أعلم في شيء من الأحاديث أنه ينشئ للنار إلا هذا\". اهـ (١١)\nوقال ابن القيم: \"وأما اللفظ الذي وقع في صحيح البخاري في حديث أبي هريرة: \"وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ، فَيُلْقَوْنَ فِيهَا فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ\"، فغلط من بعض الرواة، انقلب عليه لفظه، والروايات الصحيحة ونص القرآن يَرُدُّهُ، فإن الله سبحانه أخبر أنه يملأ جهنم من إبليس وأتباعه، وأنه لا يُعذِّب إلا من قامت عليه حجته، وكذَّب رسله، قال تعالى: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ\n_________\n(١) يُزْوَى: أي يُجمع ويُضم بعضها إلى بعض. انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (١/ ٣١٣).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (٤٨٥٠)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث (٢٨٤٧).\n(٣) هو علي بن محمد بن خلف المعافري القيرواني، أبو الحسن ابن القابسي: عالم المالكية بإفريقية في عصره. كان حافظًا للحديث وعلله ورجاله، فقيهًا أصوليًا من أهل القيروان. رحل إلى المشرق\n(سنة ٣٥٢ هـ) وعاد إلى القيروان سنة (٣٥٧ هـ) وتولى الفتيا وتوفي بها سنة (٤٠٣هـ)، له تصانيف، منها (الممهد) وهو كبير جدًا، في الفقه وأحكام الديانات، و(ملخص الموطأ)، وغيرهما. انظر: الأعلام، للزركلي (٤/ ٣٢٦).\n(٤) هو: عمر بن رسلان بن نصير بن صالح الكناني، العسقلاني الأصل، ثم البلقيني، المصري، الشافعي، أبو حفص، سراج الدين: مجتهد، حافظ للحديث، ومن العلماء المبرزين. ولد في بلقينة (من غربية مصر) وتعلم بالقاهرة. وولي قضاء الشام، من كتبه \"التدريب\" في الفقه الشافعي، و\"تصحيح المنهاج\"، وغيرهما، (ت: ٨٠٥ هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٥/ ٤٦).\n(٥) انظر: فتح الباري، لابن حجر (١٣/ ٤٤٦).\n(٦) مقدمة في أصول التفسير، لابن تيمية، ص (٨٩).\n(٧) حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (١٢/ ٣٢٢)، وحادي الأرواح (١/ ٢٥٨، ٢٧٨)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١١٠٤ - ١١٠٨)، وزاد المعاد (١/ ٢٢٦)، وطريق الهجرتين، ص (٥٧٧).\n(٨) تفسير ابن كثير (٣/ ٣١).\n(٩) هو: محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني القاسمي، أبو عبد الله، عز الدين، من آل الوزير، مجتهد باحث، من أعيان اليمن، ولد في هجرة الظهران (من شطب: أحد جبال اليمن) وتعلم بصنعاء وصعدة ومكة، وأقبل في أواخر أيامه على العبادة. قال الشوكاني: \"تمشيخ وتوحش في الفلوات وانقطع عن الناس\"، ومات بصنعاء، من مؤلفاته: \"إيثار الحق على الخلق\"، و\"العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم\"، ومختصره \"الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم\"، وغيرها. (ت: ٨٤٠ هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٥/ ٣٠٠).\n(١٠) إيثار الحق على الخلق، لابن الوزير اليماني (١/ ٢١٧ - ٢٢١).\n(١١) فتح الباري، لابن حجر (١٣/ ٤٤٦).","vol":"1","page":109},{"text":"خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ) [الملك: ٨]، ولا يظلم الله أحدًا من خلقه\". اهـ (١)\nوقال الحافظ ابن كثير: \"طعن جماعة من العلماء في اللفظة التي جاءت معجمة في صحيح البخاري ... \"، ثم ذكر الحديث وقال: \"فهذا إنما جاء في الجنة؛ لأنها دار فضل، وأما النار فإنها دار عدل، لا يدخلها أحد إلا بعد الإعذار إليه، وقيام الحجة عليه، وقد تكلم جماعة من الحفاظ في هذه اللفظة وقالوا: لعله انقلب على الراوي ... \". اهـ (٢)\nالثاني: مسلك قبول الحديث، والجمع بينه وبين الآيات:\nوقد اختلف أصحاب هذا المسلك في الجمع على مذهبين:\nالأول: مذهب قبول الرواية مع توجيهها وصرفها عن ظاهرها:\nوهذا رأي الحافظ ابن حجر، حيث قال: \"ويمكن التزام أَنْ يكونوا من ذوي الأرواح، ولكن لا يُعَذَّبون؛ كما في الخزنة، ويحتمل أَنْ يُراد بالإنشاء ابتداء إدخال الكفار النار، وعبر عن ابتداء الإدخال بالإنشاء، فهو إنشاء الإدخال، لا الإنشاء بمعنى ابتداء الخلق؛ بدليل قوله: \"فَيُلْقَوْنَ فِيهَا فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ\"، وأعادها ثلاث مرات ثم قال: \"حتى يضع فيها قدمه فحينئذ تمتلئ\"، فالذي يملؤها حتى تقول حسبي هو القَدَم، كما هو صريح الخبر ... \". اهـ (٣)\nالثاني: مذهب قبول الرواية مطلقًا:\nوهذا رأي المُهَلَّب (٤)، حيث يرى أنَّ هذه الرواية حجة لأهل السنة في قولهم: إنَّ لله أَنْ يُعَذِّبَ من لم يُكَلِّفْه لعبادته في الدنيا؛ لأن كل شيء ملكه، فلو عذبهم لكان غير ظالم لهم. (٥)\nوتُعُقِّبَ: بأنَّ أهل السنة إنما تمسكوا في ذلك بقوله تعالى: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣» [الأنبياء: ٢٣]، وبقوله: (وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) [إبراهيم: ٢٧]، وغير ذلك، وهو عندهم من جهة الجواز، وأما الوقوع\n_________\n(١) حادي الأرواح، لابن القيم (١/ ٢٧٨).\n(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٣١).\n(٣) فتح الباري، لابن حجر (١٣/ ٤٤٦).\n(٤) هو المهلب بن أحمد بن أبي صفرة أسيد بن عبد الله الأسدي الأندلسي المريي، مصنف شرح صحيح البخاري، وكان أحد الأئمة الفصحاء الموصوفين بالذكاء، ولي قضاء المرية، توفي في شوال سنة خمس وثلاثين وأربع مئة. انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٧/ ٥٧٩).\n(٥) نقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣/ ٤٤٦).","vol":"1","page":110},{"text":"ففيه نظر. (١)\nوممن ذهب إلى قبول الرواية مطلقًا: القاضي عياض، والكرماني.\nقال القاضي عياض في تعليقه على الرواية: \"قال بعض المتعقبين: هذا وهم، والمعروف في الإنشاء إنما هو للجنة. قال القاضي: لا يُنكر هذا، وأحد التأويلات التي قَدَّمْنَا (٢)\nفي القَدَم - أنهم قوم تَقَدَّمَ في علم الله أنه يخلقهم لها - مطابق للإنشاء، وموافق لمعناه ...، ولا فرق بين الإنشاء للجنة أو النار، لكن ذِكْرُ القَدَمِ بعد ذِكْرِ الإنشاء هنا يُرجِّح أَنْ يكون تأويل القَدَمِ بخلافه، بمعنى القهر والسطوة، أو قدم جبار وكافر من أهلها كانت النار تنتظر إدخاله إياها بإعلام الله لها، أو الملائكة الموكلين بما أمرهم ... \". اهـ (٣)\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر (١٣/ ٤٤٦).\n(٢) قال القاضي عياض في مشارق الأنوار (١/ ١٣٧) عند شرحه للحديث: \"قوله: حتى يضع الجبار فيها قدمه. قيل: هو أحد الجبابرة الذين خلقهم الله لها فكانت تنتظره، وقيل: الجبار هنا الله تعالى، وقدمه قوم قدمهم الله تعالى لها، أو تقدم في سابق علمه أنه سيخلقهم لها، وهذا تأويل الحسن البصري، كما جاء في كتاب التوحيد من البخاري: \"وإن الله ينشىء للنار من يشاء فيلقون فيها\" وذكر أيضًا في الجنة وقال: \"فينشئ لها خلقًا\"، وقيل: معناه يقهرها بقدرته حتى تسكن، يقال: وطئنا بني فلان إذا قهرناهم وأذللناهم، وعند أبي ذر في تفسير سورة \"ق\" حتى يضع رجله، ومثله في كتاب مسلم في حديث عبدالرزاق. وإذا أضفنا ذلك إلى أحد الجبابرة كان على وجهه؛ وإلا كان بمعنى الجماعة التي خلقهم لها، والرجل الجماعة من الجراد، أو يتأول فيه ما يتأول في القدم كما تقدم\". اهـ\nقلت: ما ذهب إليه القاضي ﵀ من تأويل صفتي القدم والرجل لله تعالى هو مذهب أهل التأويل، والحق وجوب حملهما على الحقيقة من غير تأويل ولا تعطيل ولا تكييف، كما هو مذهب أهل السنة.\nقال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله تعالى - في شرح العقيدة الواسطية، ص (٤١٤): \"في هذا الحديث من الصفات: أن لله تعالى رجلًا وقدمًا حقيقية، لا تماثل أرجل المخلوقين ....، وخالف الأشاعرة وأهل التحريف في ذلك فقالوا: (يضع عليها رجله) يعني: طائفة من عباده مستحقين للدخول ....، وهذا تحريف باطل؛ لأن قوله: \"عليها\" يمنع ذلك، وأيضًا لا يمكن أن يضيف الله ﷿ أهل النار إلى نفسه؛ لأن إضافة الشيء إلى الله تكريم وتشريف ... \". اهـ\n(٣) مشارق الأنوار، للقاضي عياض (٢/ ٣٢١ - ٣٢٢).","vol":"1","page":111},{"text":"وقال الكرماني في تعليقه على الرواية: \"قيل: هذا وهم من الراوي؛ إذ تعذيب غير العاصي لا يليق بكرم الله تعالى، بخلاف الإنعام على غير المطيع. قال: ولا محذور في تعذيب الله من لا ذنب له؛ إذ القاعدة القائلة بالحُسْنِ والقُبح العقليين باطلة، فلو عذَّبه لكان عدلًا، والإنشاء للجنة لا ينافي الإنشاء للنار، والله يفعل ما يشاء، فلا حاجة إلى الحمل على الوهم\". اهـ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يظهر صوابه - والله تعالى أعلم - هو القول بضعف الحديث بهذا اللفظ، والجزم بوقوع الغلط فيه.\nويدل على وقوع الغلط فيه وجوه:\nالأول: أنَّ الحديث رواه ثلاثة من أصحاب النبي - ﷺ -، وقد رُويَ عنهم من طُرقٍ متعددة على الوجه الصحيح، وليس في هذه الطرق ذِكرٌ لهذا اللفظ المشكل، مع اتحاد لفظ الحديث في أغلب هذه الأحاديث والطرق، وفيما يلي تفصيل هذه الطرق وبيان ألفاظها:\nالأول: حديث أبي هريرة - ﵁ -:\nوقد رُويَ عنه من ثلاثة طرق:\nالأول: طريق الأعرج (عبد الرحمن بن هرمز)، عن أبي هريرة، به.\nوقد روي عن الأعرج من طريقين:\n١ - طريق صالح بن كيسان (٢)، عن الأعرج، عن أبي هريرة، به.\nوهذه الطريق هي التي وقع فيها اللفظ المشكل، وقد تقدم ذكر لفظها في أول المسألة.\n٢ - طريق أبي الزناد (عبد الله بن ذكوان)، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: \"تَحَاجَّتْ النَّارُ وَالْجَنَّةُ فَقَالَتْ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ\n_________\n(١) صحيح البخاري بشرح الكرماني (٢٥/ ١٦٠).\n(٢) هو صالح بن كيسان المدني، أبو محمد أو أبو الحارث، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقة ثبت فقيه، توفي سنة (١٣٠هـ)، أخرج له البخاري ومسلم. انظر: تقريب التهذيب، لابن حجر (١/ ٣٤٦).","vol":"1","page":112},{"text":"وَالْمُتَجَبِّرِينَ. وَقَالَتْ الْجَنَّةُ: فَمَا لِي لاَ يَدْخُلُنِي إلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَعَجَزُهُمْ؟ فَقَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي. وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمْ مِلْؤُهَا. فَأَمَّا النَّارُ فَلاَ تَمْتَلِئُ، فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ. فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ\". (١)\nالثاني: طريق محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: \"احْتَجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتْ الْجَنَّةُ: يَا رَبِّ مَا لِي لاَ يَدْخُلُنِي إلاَّ فُقَرَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ؟ وَقَالَتْ النَّارُ: مَا لِي لاَ يَدْخُلُنِي إلاَّ الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ؟ فَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ. وَقَالَ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا. فَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا مَا يَشَاءُ، وَأَمَّا النَّارُ فَيُلْقَوْنَ فِيهَا وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ فِيهَا، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ\". (٢)\nالثالث: طريق همام بن منبه، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: \"تَحَاجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتْ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ. وَقَالَتْ الْجَنَّةُ: مَا لِي لاَ يَدْخُلُنِي إلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ؟ قَالَ اللَّهُ ﵎ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي، أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي. وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي، أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا. فَأَمَّا النَّارُ فَلاَ تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ. فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلاَ يَظْلِمُ اللَّهُ ﷿ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا\". (٣)\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث (٢٨٤٦).\n(٢) أخرجه مسلم في الموضع السابق بسنده دون متنه، وأخرجه بتمامه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٢٧٦).\n(٣) أخرجه البخاري - واللفظ له - في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (٤٨٥٠)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث (٢٨٤٧).","vol":"1","page":113},{"text":"الثاني: حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قال: \"افْتَخَرَتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتْ النَّارُ: أَيْ رَبِّ يَدْخُلُنِي الْجَبَابِرَةُ وَالْمُلُوكُ وَالْعُظَمَاءُ وَالأَشْرَافُ. وَقَالَتْ الْجَنَّةُ: أَيْ رَبِّ يَدْخُلُنِي الْفُقَرَاءُ وَالضُّعَفَاءُ وَالْمَسَاكِينُ. فَقَالَ ﵎ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مِنْ أَشَاءُ. وَقَالَ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا. فَأَمَّا النَّارُ فَيُلْقَى فِيهَا أَهْلُهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ. حَتَّى يَأْتِيَهَا ﵎ فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتُزْوَى وَتَقُولُ: قَدْنِي قَدْنِي (١). وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَتَبْقَى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَبْقَى ثُمَّ يُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا بِمَا يَشَاءُ\". (٢)\nالثالث: حديث أنس - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"لاَ يَزَالُ يُلْقَى فِي النَّارِ وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَدَمَه، ُ فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ تَقُولُ:\nقَدْ قَدْ (٣) بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِك. َ وَلاَ تَزَالُ الْجَنَّةُ تَفْضُلُ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ\". (٤)\nويتلخص من مجموع هذه الطرق أنَّ حديث صالح بن كيسان، عن الأعرج، حديثٌ مُنْقَلِبٌ لم يُتابع عليه، فأمَّا أبو هريرة فقد تخلَّص من الوهم برواية الثقات للحديث عنه على الصواب، وكذلك الأعرج فقد رواه عنه أبو الزِّناد بغير ذكره لتلك الزيادة المنكرة. (٥)\nالوجه الثاني - من أدلة وقوع الغلط في الحديث -: أنَّ راوي هذا الحديث المقلوب جعل تنزيه الله تعالى من الظلم عند ذكره الجنة، فأوهم بذلك أنَّ من أدخله الله تعالى الجنة بغير عمل كان ظلمًا، وهذا من أفحش\n_________\n(١) قدني: أي حسبي حسبي. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٤/ ١٩).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٧٨).\n(٣) قوله: قد قد: هي بمعنى: قط قط، وقدني قدني. وكلها بمعنى حسبي حسبي، وقد تقدمت. وانظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٤/ ١٩).\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التوحيد، حديث (٧٣٨٤)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث (٢٨٤٨).\n(٥) انظر: إيثار الحق على الخلق، لابن الوزير اليماني (١/ ٢١٨).","vol":"1","page":114},{"text":"الخطأ؛ فإنَّ الحور العين والأطفال في الجنة بغير عمل، وهذا هو الموضع الذي لا يُسمَّى ظلمًا عند أحد من المسلمين، ولا من العقلاء أجمعين، ولا أشار إلى ذلك شيء من القرآن، ولا من السنة، ولا من اللغة، ولا من العُرْفِ، وإنَّما ذُكِرَ هذا في النار إشارة إلى أنَّ التعذيب بغير ذنب هو شأن الظالمين من الخلق، والله تعالى حرَّم الظلم على نفسه، وجعله بين خلقه محرَّمًا.\nالوجه الثالث: أنَّ الراوي قصَّرَ في سياقه للمتن فقال: وقالت النار. ولم يذكر ما قالت، ولا سكت من قوله قالت. قال ابن بطال (١): \"وهو كذلك في جميع النسخ\". (٢) وذكر هذا الراوي قول الله تعالى للجنة: أنت رحمتي. ولم يُتَمِّم قوله لها: أرحم بك من أشاء من عبادي. والنقص في الحفظ والركاكة في الرواية بيّنٌ على حديثه.\nالوجه الرابع: تجنّب المحدثين لإخراج هذه الرواية، مثل مسلم والنسائي، مع روايتهما للحديث، ومثل أحمد بن حنبل في مسنده، مع توسعه فيه، وكذلك ابن الجوزي في جمعه أحاديث البخاري ومسلم ومسند أحمد، وكذلك ابن الأثير في جامع الأصول، وهو يعتمد الجمع بين الصحيحين للحميدي، والحميدي (٣) إنما يترك ما ليس على شرط البخاري مما ذكره في صحيحه.\nالوجه الخامس: أنَّه قد ثبت بالنصوص والإجماع أنَّ سنة الله تعالى أنه لا يُعذِّبُ أحدًا بغير ذنب ولا حجة، كما قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: ١٥]، وقال: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: ١٦٥]، وفي الحديث: \"لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ، وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ\" (٤)، ومن جحد أنَّ هذه سنة الله فقد جحد الضرورة، وإذا تقرر أنها سنة الله تعالى فقد قال تعالى:\n_________\n(١) هو: علي بن خلف بن بطال البكري القرطبي ثم البلنسي، ويعرف بابن اللجام، أبو الحسن، قال ابن بشكوال: كان من أهل العلم والمعرفة، عُني بالحديث العناية التامة، شرح صحيح البخاري في عدة أسفار، ورواه الناس عنه. (ت: ٤٤٩هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٨/ ٤٧).\n(٢) شرح صحيح البخاري، لابن بطال (١٠/ ٤٧٢).\n(٣) هو: محمد بن فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد الأزدي الميورقي الحميدي، الحافظ، أبو عبد الله بن أبي نصر. مؤرخ محدث، أندلسي. من أهل جزيرة ميورقة. أصله من قرطبة. كان ظاهري المذهب. وهو صاحب (ابن حزم) وتلميذه. رحل إلى مصر ودمشق ومكة (سنة ٤٤٨ هـ) وأقام ببغداد فتوفي فيها سنة (٤٨٨هـ). من كتبه (جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس) و(الجمع بين الصحيحين)، وغيرها. انظر: الأعلام، للزركلي (٦/ ٣٢٧).\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التوحيد، حديث (٧٤١٦)، ومسلم في صحيحه، في كتاب التوبة، حديث (٢٧٦٠).","vol":"1","page":115},{"text":"(فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) [فاطر: ٤٣]، وقال تعالى: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) [الزمر: ٥٥]، وأحسن ما أنزل الله إلينا هو الثناء عليه، وتسبيحه، وتنزيه أفعاله وأقواله، من جميع صفات النقص، فكيف يُعدل عن هذا كله - مع موافقة الرواية الصحيحة له - إلى رواية ساقطة مغلوطة مقلوبة، زلَّ بها لسان بعض الرواة. (١)\n\n****\n_________\n(١) انظر هذه الوجوه في \"إيثار الحق على الخلق\"، لابن الوزير اليماني (١/ ٢١٩ - ٢٢١).","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>المسألة [٥]: في الحدود هل هي كفارة لأهلها أم لا</span>؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣» [المائدة: ٣٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية:</span>\n(٨) - (٧): عن عبادة بن الصامت - ﵁ -، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال - وحوله عصابة من أصحابه -: \"بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ (١)، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ؛ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ، فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِك\". (٢)\n_________\n(١) الْبُهْتَان: الْكَذِب يَبْهَت سَامِعه، وَخَصَّ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُل بِالِافْتِرَاءِ لِأَنَّ مُعْظَم الْأَفْعَال تَقَع بِهِمَا. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (١/ ١٦٥)، وفتح الباري، لابن حجر (١/ ٨٢).\n(٢) رُويَ هذا الحديث عن عبادة بن الصامت - ﵁ - من أربعة طرق: =","vol":"1","page":117},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الأول: طريق عائذ بن عبد الله، أبي إدريس الخولاني:\nأخرجه - من طريقه - البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٨)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الحدود، حديث (١٨٠٧). باللفظ المذكور في المتن.\nالثاني: طريق عمرو بن مرثد، أبي أسماء:\nأخرجه - من طريقه - الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٣١٣)، وابن حبان في صحيحه (١٠/ ٢٥٣)، وفيه: \"فَمَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ مِنْهُنَّ حَدًّا فَعُجِّلَ لَهُ عُقُوبَتُهُ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ\".\nالثالث: طريق عبد الرحمن بن عسيلة، الصنابحي، المرادي:\n\nأخرجه - من طريقه - البخاري في صحيحه، في كتاب المناقب، حديث (٨٣٩٣)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الحدود، حديث (١٧٠٩)، ولفظه: \"بَايَعْنَا رَسُولَ - ﷺ -: عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَلَا نَنْتَهِبَ، وَلَا نَعْصِيَ: بِالْجَنَّةِ إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ؛ فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ\".\nالرابع: طريق شراحيل بن آدة، أبي الأشعث، الصنعاني:\nأخرجه - من طريقه - مسلم في صحيحه، في كتاب الحدود، حديث (١٧٠٩)، والإمام أحمد في مسنده (٥/ ٣٢)، حديث (٢٢٧٨٤)، وابن ماجة في سننه، في كتاب الحدود، حديث (٢٦٠٣)، جميعهم من طريق خالد بن مهران الحذاء، عن أبي قلابة، عن شراحيل، به. وفيه: \"وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ\".\nويلاحظ أنَّ في رواية عائذ بن عبد الله، وعمرو بن مرثد، تقييد الكفارة بالمذكورات في الحديث، وأما رواية شراحيل بن آدة؛ ففيها إطلاق الكفارة لكل من أقيم عليه الحد، على حين خلت رواية عبدالرحمن بن عسيلة من ذكر الكفارة، وأرجأت حالته إلى مشيئة الله تعالى.\nهذا وفي الباب أحاديث أخر غير حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -:\nالأول: حديث علي بن أبي طالب - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"مَنْ أَصَابَ حَدًّا فَعُجِّلَ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا فَاللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ عَلَى عَبْدِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الْآخِرَةِ، وَمَنْ أَصَابَ حَدًّا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَفَا عَنْهُ فَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ إِلَى شَيْءٍ قَدْ عَفَا عَنْهُ\".\nأخرجه الترمذي - واللفظ له - في سننه، في كتاب الإيمان، حديث (٢٦٢٦) وقال: \"حديث حسن غريب\"، والإمام أحمد في مسنده (١/ ٩٩)، وابن ماجة في سننه، في كتاب الحدود، حديث (٢٦٠٤)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٨) و(٢/ ٤٨٣) وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"، والطحاوي في مشكل الآثار (٤/ ٤٢٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٣٢٨)، والطبراني في الصغير (١/ ٥٠)، جميعهم من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة، عن علي، به. =","vol":"1","page":118},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال ابن كثير في تفسيره (٢/ ٥٤): \"سُئل الدارقطني عن هذا الحديث فقال: روي مرفوعًا وموقوفًا، قال: ورفعه صحيح\". اهـ وانظر: العلل الواردة في الأحاديث، للدارقطني (٣/ ١٢٨).\nقلت: يونس بن أبي إسحاق، وإن وُثق؛ إلا أنَّ في حديثه اضطراب، خاصة عن أبيه.\nقال صالح بن الإمام أحمد بن حنبل، عن علي بن المديني، سمعت يحيى - وذكر يونس بن أبي إسحاق - فقال: كانت فيه غفلة شديدة، وكانت فيه سجية، وقال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد الله - وذكر يونس بن أبي إسحاق - فضعف حديثه عن أبيه، وقال أبو طالب: قال أحمد بن حنبل: يونس بن أبي إسحاق حديثه فيه زيادة على حديث الناس، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن يونس بن أبي إسحاق فقال: حديثه مضطرب، وقال ابن مهدي: لم يكن به بأس، وقال يحيى بن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: كان صدوقًا؛ إلا أنه لا يحتج بحديثه، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عدي: له أحاديث حسان، وروى عنه الناس، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات. انظر: تهذيب الكمال، للمزي\n(٣٢/ ٤٨٨ - ٤٩٢).\nوأخرجه عبد بن حميد في المنتخب من مسنده، ص (٥٨)، حديث (٨٧)، والبزار في مسنده (٢/ ١٢٦)، حديث (٤٨٣)، كلاهما من طريق أبي حمزة ثابت الثمالي، عن أبي إسحاق، به. مرفوعًا.\nوثابت الثمالي: ضعيف رافضي، كما في التقريب (١/ ١٢١ - ١٢٢).\nوالحديث ضعفه الألباني في ضعيف الجامع، ص (٧٨٣)، حديث (٥٤٢٣)، وضعيف سنن الترمذي، ص (٣١٢)، حديث (٤٩١).\nوقد روي موقوفًا من قول علي - ﵁ -: أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٤/ ٤٢٥) قال: حدثنا الحسين بن غليب، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة، عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال: \"ألا أحدثكم حديثًا حق على كل مسلم أنْ يُوعِيَهُ؟ فقلنا: ألا تحدثنا به؟ فحدثناه أول النهار فنسيناه آخر النهار، فرجعنا إليه فقلنا: الحديث الذي ذكرت أنه حق على كل مسلم أنْ يُوعِيَهُ، فقد نسيناه فأعده، فقال: ما من مسلم يذنب ذنبًا فيؤاخذه الله به في الدنيا فيعاقبه في الآخرة إلا كان الله ﷿ أعظم وأكرم أنْ يعود في عقوبته يوم القيامة، وما من عبد مسلم يذنب ذنبًا فيعفو الله ﷿ عنه إلا كان الله ﷿ أحلم وأكرم من أنْ يعود فيه يوم القيامة\".\nوفي إسناده \"عبد الملك بن أبي سليمان، العرزمي\"، صدوق له أوهام؛ كما في التقريب (١/ ٤٨١).\nالثاني: حديث خزيمة بن ثابت - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ الذَّنْبِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ\".\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٢١٤، ٢١٥)، والترمذي في العلل (١/ ٢٣٠)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٢٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٣٢٨)، والطبراني =","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث:</span>\nظاهر الآية الكريمة أنَّ إقامة الحد على المحاربين لا تُسْقِطُ عنهم العقوبة في الآخرة؛ وذلك لقوله: (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، وأما الحديث ففيه أنَّ من أُقيم عليه الحد فهو كفارة له، ويلزم منه سقوط العقوبة في الآخرة،\n_________\n= في الكبير (٤/ ٨٧، ٨٨)، والدارقطني في سننه (٣/ ٢١٤)، جميعهم من طريق أسامة بن زيد، عن محمد بن المنكدر، عن ابن خزيمة بن ثابت، عن أبيه، به.\nقال البخاري عن هذا الحديث، في التاريخ الأوسط (١/ ١٧٠): \"لا تقوم به حجة\".\nوقال الترمذي في العلل (١/ ٢٣٠): \"سألت محمدًا - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: هذا حديث فيه اضطراب، وضعفه جدًا\".\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٦٥): \"رواه الطبراني وأحمد، وفيه راوٍ لم يُسَمَّ، وهو ابن خزيمة، وبقية رجاله ثقات\".\nوالحديث حسنه الحافظ ابن حجر، في الفتح (١/ ٨٦) و(١٢/ ٨٦).\nالثالث: حديث عبد الله بن عمر - ﵁ -، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"ما عوقب رجل على ذنب إلا جعله الله كفارة لما أصاب من ذلك الذنب\".\nأخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ٢١٦)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٦٥): \"فيه ياسين الزيات، وهو متروك\".\nالرابع: حديث جرير بن عبد الله - ﵁ - قال: \"بايعنا النبي - ﷺ - على مثل ما بايع عليه النساء، من مات منا ولم يأت بشيء منهن ضمن له الجنة، ومن مات وقد أتى شيئًا منهن وقد أقيم عليه الحد فهو كفارته، ومن مات منا وأتى شيئًا منهن فستر عليه فعلى الله حسابه\".\nأخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ٣٠٢). وفي إسناده \"سيف بن هارون\" ضعيف. التقريب (١/ ٣٣١).\nوالحديث ضعفه ابن حزم في المحلى (١٢/ ١٤).\nالخامس: حديث أبي تميمة الهجيمي - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قال: \"إنَّ الله ﷿ إذا أراد بعبدٍ خيرًا عجل له عقوبة ذنبه في الدنيا، وربنا ﵎ أكرم من أنْ يعاقب بذنب مرتين\".\nأخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٢٨٠). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٦٥): \"فيه هشام بن لاحق: ترك أحمد حديثه، وضعفه ابن حبان، وقال الذهبي: قواه النسائي\".\nوالحديث حسنه الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٨٦).","vol":"1","page":120},{"text":"وهذا يُوهِمُ خِلاف الآية. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث:</span>\nبداية لا بد من تحرير المسألة، في بيان هل الحدود كفارات لأهلها أم لا؟\nوقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:\nالأول: أنَّ إقامة الحد بمجرده يُعد كفارة للذنب، ولو لم يتب المحدود.\nوهذا مذهب الجمهور من العلماء (٢).\nوهو المروي عن: علي بن أبي طالب (٣)، والحسن بن علي بن أبي طالب (٤)،\nومجاهد (٥)، وزيد بن أسلم (٦).\nوهو قول: الشافعي (٧)، وأحمد (٨)، وسفيان الثوري (٩).\nواختيار: النووي (١٠)، والملا علي القاري (١١) (١٢)، والشوكاني (١٣).\n_________\n(١) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: فتح الباري، لابن حجر (١٢/ ١١٤)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (٣/ ٣٨٥)، وعمدة القاري، للعيني (٢٣/ ٢٧٣)، وروح المعاني، للآلوسي (٦/ ٣٩٧)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (٦/ ١٨٥).\n(٢) حكاه مذهب الجمهور القاضي عياض في إكمال المعلم (٥/ ٥٥٠)، وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٥/ ١٤١)، وفتح الباري، لابن حجر (١/ ٨٦).\n(٣) ذكره الحافظ ابن رجب، في فتح الباري (١/ ٧٤).\n(٤) المصدر السابق.\n(٥) المصدر السابق، وانظر: جامع العلوم والحكم (١/ ٤٣١).\n(٦) ذكره الحافظ ابن رجب، في فتح الباري (١/ ٧٤).\n(٧) الأم، للشافعي (٦/ ١٣٨).\n(٨) انظر: فتح الباري، لابن رجب (١/ ٧٤).\n(٩) المصدر السابق.\n(١٠) صحيح مسلم بشرح النووي (١١/ ٣١٨).\n(١١) هو: علي بن (سلطان) محمد، نور الدين الملا الهروي القاري: فقيه حنفي، من صدور العلم في عصره. ولد في هراة وسكن مكة وتوفي بها. قيل: كان يكتب في كل عام مصحفًا وعليه طرر من القراءات والتفسير فيبيعه فيكفيه قوته من العام إلى العام. وصنف كتبًا كثيرة، منها \"تفسير القرآن\" ثلاثة مجلدات، و\"الأثمار الجنية في أسماء الحنفية\" و\"شرح مشكاة المصابيح\"، وغيرها. (ت: ١٠١٤هـ). انظر:\nسير أعلام النبلاء، للذهبي (٥/ ١٢).\n(١٢) مرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (٧/ ١١٤).\n(١٣) نيل الأوطار، للشوكاني (٧/ ٦٦).","vol":"1","page":121},{"text":"واستدلوا على مذهبهم هذا:\n١ - بحديث عبادة بن الصامت - ﵁ -، وقد وردت الكفارة فيه مطلقة، ولم يشترط النبي - ﷺ - التوبة.\n٢ - وبقول ماعز للنبي - ﷺ -: إني أصبت حدًا فطهرني، وكذلك قالت له الغامدية (١)،\nولم يُنكر عليهما النبي - ﷺ - ذلك، فدل على أنَّ الحد طهارة لصاحبه، ولو لم يتب. (٢)\nالقول الثاني: أنَّ إقامة الحد بمجرده لا يُعد كفارة، بل لا بد معه من التوبة.\nوهذا مذهب الحنفية (٣).\nوروي عن صفوان بن سليم (٤) (٥).\nوهو رأي: البيهقي (٦)، وابن العربي (٧)، وأبو عبد الله ابن تيمية (٨) (٩)،\nوابن مفلح (١٠) (١١)، وابن حجر الهيتمي (١٢) (١٣).\nونُسِبَ لابن حزم (١٤)،\n_________\n(١) أخرج قصة ماعز والغامدية ﵄: الإمام مسلم في صحيحه، في كتاب الحدود، حديث\n(١٦٩٥).\n(٢) انظر: فتح الباري، لابن رجب (١/ ٧٤).\n(٣) انظر: فتح القدير، لابن الهمام (٥/ ٢١١).\n(٤) هو: صفوان بن سليم، أبو عبد الله، وقيل: أبو الحارث، القرشي، الزهري، المدني، مولى حميد بن عبدالرحمن بن عوف، ثقة، كثير الحديث، عابد، من خيار عباد الله الصالحين، (ت: ١٣٢هـ). انظر:\nسير أعلام النبلاء، للذهبي (٥/ ٣٦٤).\n(٥) ذكره الحافظ ابن رجب، في فتح الباري (١/ ٧٤).\n(٦) نقله عنه الهيتمي في الزواجر (٢/ ٣٦١).\n(٧) عارضة الأحوذي، لابن العربي (٦/ ١٧٣).\n(٨) هو: الشيخ الإمام العلامة المفتي المفسر الخطيب البارع، عالم حران وخطيبها وواعظها، فخر الدين، أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله، ابن تيمية الحراني الحنبلي، صاحب التفسير الكبير، برع في المذهب الحنبلي، وصنف مختصرًا فيه، وله نظم ونثر،\n(ت: ٦٢٢ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (٢٢/ ٢٨٨).\n(٩) ذكره الحافظ ابن رجب، في فتح الباري (١/ ٧٤)، وفي جامع العلوم والحكم (١/ ٤٣١).\n(١٠) هو: محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبو عبد الله، شمس الدين المقدسي الرامينى ثم الصالحي: أعلم أهل عصره بمذهب الإمام أحمد بن حنبل. ولد ونشأ في بيت المقدس، وتوفي بصالحية دمشق. من تصانيفه (كتاب الفروع) ثلاثة مجلدات، و(النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر لابن تيمية)، و(أصول الفقه) و(الآداب الشرعية الكبرى) ثلاثة مجلدات. (ت: ٧٦٣هـ). انظر: الأعلام، للزركلي\n(٧/ ١٠٧).\n(١١) الآداب الشرعية، لابن مفلح (١/ ١٠٦ - ١٠٧).\n(١٢) هو: أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري، شهاب الدين شيخ الإسلام، أبو العباس: فقيه باحث مصري، مولده في محلة أبي الهيتم (من إقليم الغربية بمصر) وإليها نسبته. والسعدي نسبة إلى بني سعد من عرب الشرقية (بمصر)، تلقى العلم في الأزهر، ومات بمكة. له تصانيف كثيرة، منها: (تحفة المحتاج لشرح المنهاج) في فقه الشافعية، و(شرح مشكاة المصابيح للتبريزي)،\nو(الزواجر عن اقتراف الكبائر) وغيرها، (ت: ٩٧٤ هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (١/ ٢٣٤).\n(١٣) الزواجر عن اقتراف الكبائر، للهيتمي (٢/ ٣٦١).\n(١٤) نسبه لابن حزم: الحافظ ابن رجب، في فتح الباري (١/ ٧٤)، وتبعه الحافظ ابن حجر، في الفتح\n(١/ ٨٦)، والشوكاني، في نيل الأوطار (٧/ ٦٦).\nقلت: وفي نسبة هذا القول لابن حزم نظر، والذي وقفت عليه من كلامه هو موافقة الجمهور - في أنَّ الحد مسقط للإثم، ولو لم يتب المحدود - وهذا نص كلامه في المحلى (١٢/ ١٢) حيث قال: \"كل من أصاب ذنبًا فيه حد فأقيم عليه ما يجب في ذلك فقد سقط عنه ما أصاب من ذلك - تاب أو لم يتب - حاشا المحاربة؛ فإن إثمها باق عليه وإن أقيم =","vol":"1","page":122},{"text":"والبغوي (١).\nوذكر الحافظ ابن حجر أنه مذهب المعتزلة (٢) (٣).\nواستدلوا على مذهبهم هذا:\n١ - بقوله تعالى - في قُطّاع الطريق -: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [المائدة: ٣٣]، فأخبر أنَّ جزاء فعلهم عقوبة دنيوية، وعقوبة أخروية، إلا من تاب فإنها حينئذ تسقط عنه العقوبة الأخروية.\n٢ - وبالإجماع على أنَّ التوبة لا تُسقط الحد في الدنيا، قالوا: ويجب أنْ يحمل حديث عبادة - ﵁ - على ما إذا تاب في العقوبة; لأنه هو الظاهر; لأن الظاهر أنَّ ضربه أو رجمه يكون معه توبة منه لذوقه مسبب فعله، فيقيد به جمعًا بين الأدلة. (٤)\n٣ - واستدلوا باستثناء من تاب في قوله تعالى في آية الحرابة: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤» [المائدة: ٣٤]، حيث اشترط التوبة لرفع العقوبة عنهم. (٥)\nواعترض: بأن عقوبة الدنيا والآخرة لا يلزم اجتماعها، فقد دل الدليل على أنَّ عقوبة الدنيا تسقط عقوبة الآخرة. وأما استثناء الذين تابوا فإنما استثناهم من عقوبة الدنيا خاصة، ولهذا خصهم بما قبل القدرة، وعقوبة\n_________\n= عليه حدها، ولا يسقطها عنه إلا التوبة لله تعالى فقط\". اهـ ولعل الحافظ ابن رجب ﵀ أراد ذكر مذهب ابن حزم في أنَّ حد الحرابة لا يسقط العقوبة في الآخرة عن المحدود، بل لا بد معه من التوبة.\n(١) نقله عنه: الحافظ ابن رجب، في فتح الباري (١/ ٧٤)، والحافظ ابن حجر، في الفتح (١/ ٨٦).\n(٢) المعتزلة: هم إحدى الفرق الإسلامية الكبيرة، مؤلفة من عشرين فرقة، وهذه الفرق تجتمع على القول بالأصول الخمسة، وهي: \"التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر\". انظر: الفرق بين الفرق، لعبد القاهر البغدادي، ص (١١٥)، والملل والنحل، للشهرستاني، ص (٥٦).\n(٣) فتح الباري، لابن حجر (١/ ٨٦).\n(٤) انظر: فتح القدير، لابن الهمام (٥/ ٢١١).\n(٥) انظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٨٦).","vol":"1","page":123},{"text":"الآخرة تندفع بالتوبة قبل القدرة وبعدها. (١)\n٤ - واستدلوا بقوله - ﷺ - للسارق حين قطعه: \"تب إلى الله\" (٢)،\nحيث أمره بالتوبة فدل على اشتراطها. (٣)\nالقول الثالث: التفصيل في المسألة: فما كان من حقوق الله تعالى فإنه يطهر منها بإقامة الحد عليه، وحق المخلوق يبقى، فارتكاب جريمة السرقة مثلًا، يطهر منه بالحد، والمؤاخذة بالمال تبقى.\nوهذا اختيار: الشنقيطي (٤)، ونقله الآلوسي عن النووي (٥).\nويَرِدُ عليه: أنَّ في حديث عبادة - ﵁ - ما هو من حق الله تعالى، وحق المخلوقين؛ كالسرقة، ونحوها، ولم يفرق بينهما النبي - ﷺ -.\nويرد عليه أيضًا: أنَّ فيه تخصيصًا لعموم حديث عبادة - ﵁ -، من غير دليل. (٦)\nالقول الرابع: التوقف: حيث ذهب آخرون إلى التوقف في ذلك، فلا يُحكم بأن الحدود كفارة، ولا بعدمه؛ وذلك لحديث أبي هريرة - ﵁ -، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"ما أدري الحدود كفارات لأهلها، أم لا\". (٧)\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، لابن رجب (١/ ٧٤)، وفتح الباري، لابن حجر «١/ ٨٦).\n(٢) عن أبي أمية المخزومي - ﵁ -: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أُتِيَ بِلِصٍّ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ - ﷺ -: مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ ثُمَّ جِيئُوا بِهِ. فَقَطَعُوهُ ثُمَّ جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ لَه: قُلْ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ. فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ. قَالَ: اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ\".\n\nأخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الحدود، حديث (٤٣٨٠)، والنسائي في سننه، في كتاب قطع السارق، حديث (٤٨٧٧)، وابن ماجة في سننه، في كتاب الحدود، حديث (٢٥٩٧). وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود، ص (٣٥٨)، حديث (٤٣٨٠)، وضعيف سنن النسائي، ص (١٦١)، حديث (٤٨٢٩).\n(٣) انظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر، للهيتمي (٢/ ٣٦١).\n(٤) أضواء البيان، للشنقيطي (٣/ ٤٢٩).\n(٥) روح المعاني، للآلوسي (٦/ ٣٧٩).\n(٦) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٥/ ١٤٢).\n(٧) رُوي هذا الحديث عن أبي هريرة - ﵁ -: من طريق معمر، عن أبن أبي ذئب، عن =","vol":"1","page":124},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سعيد المقبري، عن أبي هريرة، به.\nأخرجه البزار في مسنده [كما في كشف الأستار عن زوائد البزار (٢/ ٢١٣)]، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٨٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٣٢٩)، وأبو القاسم الحنائي في الفوائد، ص (١٦)، وابن عساكر في تاريخه (١١/ ٤)، وابن عبد البر، في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٨٢٨)، جميعهم من طريق عبد الرزاق، عن معمر، به.\nوقد أعل جماعة من أهل العلم هذا الحديث بتفرد معمر بن راشد بوصله:\n\nقال البزار: \"لا نعلم رواه عن ابن أبي ذئب إلا معمرًا\"، وقال الدارقطني في أطراف الغرائب والأفراد، (٥/ ١٩٨): \"تفرد به معمر بن راشد، عن ابن أبي ذئب، عنه\"، وقال ابن عساكر: \"تفرد به عبدالرزاق\"، وقال ابن كثير، في البداية والنهاية (٢/ ٩٥): \"غريب من هذا الوجه\".\nوقال الحنائي: \"غريب؛ رواه هشام بن يوسف الصنعاني، عن معمر، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن النبي - ﷺ - مرسلًا؛ وهو الأصح\".\nورواية هشام أخرجها البخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٥٢): قال: قال لي عبد الله بن محمد، حدثنا هشام، قال: حدثنا معمر، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: ... فذكره\".\nثم أورد البخاري رواية عبد الرزاق الموصولة، وقال: \"والأول أصح - يريد رواية الزهري - ولا يثبت هذا عن النبي - ﷺ -؛ لأن النبي - ﷺ - قال: الحدود كفارة\".\nوقال ابن عبد البر: \"حديث عبادة أثبت وأصح إسنادًا من حديث أبي هريرة\".\nوقد تُوبع معمرٌ في روايته عن ابن أبي ذئب موصولًا:\nفرواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٨٨)، قال: حدثنا عبد الرحمن بن الحسن القاضي بهمذان، حدثنا إبراهيم بن الحسين - هو ابن ديزيل - حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا بن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة - ﵁ - ...، به.\nقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\".\nلكن هذه المتابعة ضعيفة جدًا؛ لأن شيخ الحاكم - وهو عبد الرحمن بن الحسن الهمذاني - قد اتهم بالكذب، وبادعاء السماع من شيخه ابن ديزيل، وهو لم يلقه، ولم يسمع منه. انظر: تاريخ بغداد\n(١٠/ ٢٩٢ - ٢٩٣)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ١٥)، ولسان الميزان (٣/ ٤١١ - ٤١٢). وانظر: الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات، لطارق بن عوض الله، ص (١٠٩ - ١١٢).\nقال الحافظ ابن رجب، في الفتح (١/ ٧٣): \"وخرجه البزار من وجه آخر فيه ضعف، عن المقبري، عن أبي هريرة مرفوعًا\". اهـ وانظر: كشف الأستار (٢/ ٢١٣).\nوقد صحح الحديث ابن حزم في المحلى (١٢/ ١٤)، والحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٨٤)، والألباني في الصحيحة، حديث (٢٢١٧). أما ابن حزم فلم يقف على علة =","vol":"1","page":125},{"text":"واحتجوا بأن حديث أبي هريرة متأخر على حديث عبادة، بدليل تأخر إسلام أبي هريرة عن بيعة العقبة، وهؤلاء جازمون بأن حديث عبادة وقع ليلة العقبة،\nقبل الهجرة. (١)\nمسألة: وقد اختلف العلماء في الجواب عن حديث أبي هريرة - ﵁ -:\n١ - فذهبت طائفة إلى تصحيح الحديث، واختلف هؤلاء في الجمع بينه وبين حديث عبادة:\nفذهب بعضهم: إلى أنَّ حديث أبي هريرة - ﵁ - ورد أولًا قبل أنْ يُعلمِ الله نبيه، ثم أعلمه بعد ذلك أنَّ الحدود كفارة.\nوقد ذهب هؤلاء إلى أنَّ حديث عبادة - ﵁ - كان بمكة ليلة العقبة لما بايع الأنصارُ رسولَ الله - ﷺ - البيعة الأولى قبل الهجرة.\nوأجابوا عن تأخر إسلام أبي هريرة - ﵁ - بأنه لم يسمع هذا الحديث من النبي - ﷺ - مباشرة؛ وإنما سمعه من صحابي آخر. (٢)\nوهذا رأي: ابن حزم (٣)، وابن بطال (٤)، والقاضي عياض (٥).\nواعتُرِضَ: بأن أبا هريرة - ﵁ - قد صرح بسماعه من النبي - ﷺ -، وبأن الحدود لم تكن نزلت قبل ذلك. (٦)\nوذهب آخرون إلى أنَّ حديث عبادة - ﵁ - متأخر على حديث أبي هريرة - ﵁ -.\nويرى هؤلاء أنَّ المبايعة التي في حديث عبادة - ﵁ - إنما وقعت بعد فتح مكة، بعد نزول آية الممتحنة (٧).\n_________\n= الحديث - كما صرح هو بنفسه - وأما الحافظ ابن حجر، والألباني: فإنما صححاه من أجل متابعة آدم بن أبي إياس، وقد تقدم أنَّ هذه المتابعة ضعيفة جدًا، لا يصح اعتبارها، والله تعالى أعلم.\n(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر (١٢/ ٨٦).\n(٢) انظر: المحلى، لابن حزم (١٢/ ١٤).\n(٣) المحلى (١٢/ ١٤).\n(٤) شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٨/ ٢٨١).\n(٥) إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٥/ ٥٥٠).\n(٦) انظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٨٤).\n(٧) وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا =","vol":"1","page":126},{"text":"وهذا رأي: ابن التين (١)، والحافظ ابن رجب (٢)، والحافظ ابن حجر (٣)، وشمس الحق العظيم آبادي (٤).\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر عدة أدلة تؤيد هذا المذهب، وهي قوية. (٥)\n٢ - وذهب آخرون إلى تضعيف حديث أبي هريرة - ﵁ -، وتقديم حديث عبادة - ﵁ - عليه.\nوهذا رأي: البخاري (٦)، والدارقطني (٧)، وابن عبد البر (٨)، والمناوي (٩).\nوقد تقدم ذكر سبب تضعيفهم للحديث عند تخريجه.\nمذاهب العلماء تجاه التعارض بين الآية، وحديث عبادة بن الصامت - ﵁ -:\nوبعد أنَّ ذكرنا أقوال العلماء في الحدود هل هي كفارة لأهلها أم لا، نأتي الآن إلى ذكر مسالك العلماء في دفع التعارض بين آية الحرابة، وحديث عبادة - ﵁ -:\nلم يتجاوز العلماء في هذه المسألة مسلك الجمع بين الآية والحديث، وقد تباينت آراؤهم فيها على مذاهب:\nالأول: أنَّ الوعيد في الآية - وهو قوله: (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) - خاصٌ بالمشركين؛ كما دل عليه سبب نزول الآية (١٠)، وحديث عبادة خاص\n_________\n= وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢» [الممتحنة: ١٢].\n(١) نقله عنه الحافظ ابن حجر، في الفتح (٧/ ٨٦).\n(٢) فتح الباري، لابن رجب (١/ ٦٤).\n(٣) فتح الباري، لابن حجر (١/ ٨٥).\n(٤) عون المعبود، للآبادي (١٢/ ٢٨٠).\n(٥) انظرها: في فتح الباري (١/ ٨٤ - ٨٦).\n(٦) التاريخ الكبير (١/ ١٥٢).\n(٧) أطراف الغرائب (٥/ ١٩٨).\n(٨) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٨٢٨).\n(٩) فيض القدير (٥/ ٥٠١).\n(١٠) عن ابن عباس - ﵁ - في قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) - قَالَ: \"نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُشْرِكِينَ، فَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، =","vol":"1","page":127},{"text":"بالمسلمين، فإذا عوقب المسلم بجنايته في الدنيا كانت عقوبته كفارة له.\nوهذا مذهب: الواحدي (١)، والقاضي عياض (٢)، والحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر، والعيني (٣)، والسندي (٤).\nقال الحافظ ابن كثير: \"قوله تعالى: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) أي: هذا الذي ذكرته - من قتلهم ومن صلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ونفيهم - خزي لهم بين الناس في هذه الحياة الدنيا، مع ما ادخر الله لهم من العذاب العظيم يوم القيامة، وهذا يؤيد قول من قال: إنها نزلت في المشركين، فأما أهل الإسلام ففي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: ... \". اهـ ثم ذكر حديث عبادة. (٥)\nوقال الحافظ ابن حجر: \"أشكل قوله في آية المحاربين: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) مع حديث عبادة الدال على أنَّ من أقيم عليه الحد في الدنيا كان له كفارة؛ فإنَّ ظاهر الآية أنَّ المُحَارِب يُجمع له الأمران. والجواب: أنَّ حديث عبادة مخصوص بالمسلمين، بدليل: أنَّ فيه ذكر الشرك، مع ما انضم إليه من المعاصي، فلما حصل الإجماع على أنَّ الكافر إذا قُتِلَ على شركه فمات مشركًا أنَّ ذلك القتل لا يكون كفارة له، قام إجماع أهل السنة على أنَّ من أقيم عليه الحد من أهل المعاصي كان ذلك كفارة لإثم معصيته، والذي يضبط ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء: ٤٨]، والله أعلم\". اهـ (٦)\n_________\n= وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ، فَمَنْ قَتَلَ وَأَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ وَحَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ثُمَّ لَحِقَ بِالْكُفَّارِ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أَنْ يُقَامَ فِيهِ الْحَدُّ الَّذِي أَصَابَ\".\nأخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الحدود، حديث (٤٣٧٢)، والنسائي في سننه، في كتاب تحريم الدم، حديث (٤٠٤٦). وحسنه الألباني، في صحيح سنن أبي داود (٣/ ٤٧)، حديث (٤٣٧٢).\n(١) الوسيط في تفسير القرآن المجيد (٢/ ١٨٢).\n(٢) إكمال المعلم (٥/ ٥٥٠).\n(٣) عمدة القاري (٢٣/ ٢٧٣ - ٢٧٤).\n(٤) حاشية السندي على سنن ابن ماجة (٧/ ١٤٢).\n(٥) تفسير ابن كثير (٢/ ٥٤).\n(٦) فتح الباري (١٢/ ١١٤ - ١١٥).","vol":"1","page":128},{"text":"الإيرادات والاعتراضات على هذا المذهب:\n١ - اعتُرِضَ على هذا المذهب: بأن الكفار إذا تابوا فإن الحد يسقط عنهم، سواء كانت توبتهم قبل القدرة عليهم، أو بعدها، وذلك لقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) [الأنفال: ٣٨]، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء؛ وأما آية الحرابة فإنها اشترطت أنْ تكون التوبة قبل القدرة عليهم، فدل على أنها في المسلمين لا في الكفار.\n٢ - واعتُرِضَ أيضًا: بأنها لو كانت خاصة بالكفار المرتدين لكان حكمهم القتل مطلقًا، لا ما ذكر في الآية من التفصيل؛ إذ في الآية النفي لمن لم يتب قبل القدرة، والمرتد لا يُنفى، وفيها قطع اليد والرجل، والمرتد لا تُقطع له يد ولا رجل، فثبت أنها لا يراد بها المشركون، ولا المرتدون. (١)\n٣ - واعتُرِضَ أيضًا: بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والآية وإن قيل إنها نزلت في المشركين؛ إلا أنَّ حكمها عام، ولا يصح تخصيصها بالمشركين.\nوأجيب: بأن جميع ما ذُكِرَ في الآية من أحكام فهو عام في المسلمين وغيرهم، إلا أنَّ الوعيد في آخر الآية خاص بالمشركين دون المسلمين، ولا مانع من تخصيص أحكام العام ببعض أفراده، إذا دلَّ الدليل على ذلك، وقد قام الدليل وهو سبب نزول الآية.\nالمذهب الثاني: أنَّ حديث عبادة - ﵁ - عام، والآية مخصصة لعمومه، فكل من أقيم عليه الحد فهو كفارة له، عدا الحرابة فإن إثمها باق عليه، وإنْ أقيم عليه حدها، ولا يسقطها عنه إلا التوبة إلى الله تعالى.\nوهذا مذهب: الطحاوي (٢)، والجصاص، وابن حزم، وابن عطية (٣)، وابن الفرس (٤) (٥)، وأبي عبد الله القرطبي (٦)، وابن جزي (٧)، وابن عاشور\n_________\n(١) انظر: أحكام القرآن، لابن العربي (٢/ ٩٣).\n(٢) مشكل الآثار (٤/ ٤٢٦).\n(٣) المحرر الوجيز (٢/ ١٨٥).\n(٤) هو: عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم الخزرجي، أبو عبد الله، المعروف بابن الفرس: قاضٍ أندلسي، من علماء غرناطة. ولي القضاء بجزيرة شقر، ثم في وادي آش، ثم في جيان. وأخيرًا بغرناطة، وجُعل إليه النظر في الحسبة والشرطة. وتوفي في إلبيرة. له تآليف، منها (كتاب أحكام القرآن) فرغ من تأليفه بمرسية سنة ٥٥٣ هـ، (ت: ٥٩٩هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٤/ ١٦٨).\n(٥) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ل ٣٩٣ ب) مخطوط.\n(٦) تفسير القرطبي (٦/ ١٠٣).\n(٧) التسهيل لعلوم التنزيل (١/ ٢٣٠).","vol":"1","page":129},{"text":"(١)، والقاسمي (٢).\nقال الجصاص: \"قوله تعالى: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) يدل على أنَّ إقامة الحد عليه لا تكون كفارة لذنوبه؛ لإخبار الله تعالى بوعيده في الآخرة بعد إقامة الحد عليهم\". اهـ (٣)\nوقال ابن حزم: \"كل من أصاب ذنبًا فيه حد فأقيم عليه ما يجب في ذلك فقد سقط عنه ما أصاب من ذلك - تاب أو لم يتب - حاشا المحاربة، فإن إثمها باقٍ عليه، وإن أقيم عليه حدها، ولا يسقطها عنه إلا التوبة لله تعالى فقط.\nبرهان ذلك: ما رويناه عن عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: ....، ثم ذكر الحديث وقال: وأما تخصيصنا المحاربة من جميع الحدود، فلقول الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣»، فنص الله تعالى نصًا لا يحتمل تأويلًا، على أنهم مع إقامة هذا الحد عليهم، أنه لهم خزي في الدنيا، ولهم مع ذلك في الآخرة عذاب عظيم، فوجب استعمال النصوص كلها كما جاءت، وأن لا يُترك شيء منها لشيء آخر، وليس بعضها أولى بالطاعة من بعض، وكلها حق من عند الله تعالى، ولا يجوز النسخ في شيء من ذلك:\nأما حديث عبادة: فإنه فضيلة لنا أنْ تكفر عنا الذنوب بالحد، والفضائل لا تنسخ؛ لأنها ليست أوامر، ولا نواهي، وإنما النسخ في الأوامر والنواهي، سواء وردت بلفظ الأمر والنهي أو بلفظ الخبر، ومعناه الأمر والنهي. وأما الخبر المحقق فلا يدخل النسخ فيه، ولو دخل لكان كذبًا، وهذا لا يجوز أنْ يُظن بشيء من أخبار الله تعالى، ورسوله - ﷺ -.\nوأما الآية في المحاربة: فإن وجوب العذاب في الآخرة مع الخزي في\n_________\n(١) التحرير والتنوير (٦/ ١٨٦).\n(٢) محاسن التأويل (٤/ ١٢٢).\n(٣) أحكام القرآن، للجصاص (٢/ ٥١٦).","vol":"1","page":130},{"text":"الدنيا بإقامة الحد عليهم: خبر مجرد من الله تعالى، لا مدخل فيه للأمر والنهي، فَأُمِنَ دخول النسخ في شيء من ذلك، والحمد لله رب العالمين\". اهـ (١)\nويرد على هذا القول:\nبأن قتل العمد ورد فيه وعيد في الآخرة، كما ورد في آية الحرابة، فقال تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣» [النساء: ٩٣]، مع أنَّ حديث عبادة - ﵁ - نص على أنَّ حد القصاص مكفر لإثم القتل، فهل يقال: إنَّ وعيد القاتل مخصوص فيه، وأن الحد لا يكفره؟!\nويلزم من هذا القول أنَّ إقامة الحد على المحاربين غير مكفرٍ لهم، بل لا بد من التوبة مع الحد، وعليه فما الفائدة حينئذ من إقامة الحد، خصوصًا وقد ورد النص صريحًا بأن الحد مكفر للذنب، وهو نص عام في جميع الحدود.\nالمذهب الثالث: وهو مذهب القائلين باشتراط التوبة لتكفير الحد للذنوب، وهؤلاء لا تعارض عندهم بين الآية والحديث؛ لأن الوعيد في الآية إنما هو في حق من لم يتب.\nوهذا المذهب هو اختيار: ابن جرير الطبري (٢)، وابن مفلح، وابن الهمام (٣).\nقال ابن مفلح: \"وأما آية المحاربة فإنما فيها له عذاب في الآخرة ....، ونحن نقول بها، لكن على إصراره وعدم توبته، لا على ذنب حُدَّ عليه\". اهـ (٤)\nواعتُرِضَ: بأن حديث عبادة - ﵁ - ورد مطلقًا ولم يُقيّد بالتوبة، وورد أيضًا بصيغة العموم على كل من أقيم عليه الحد.\nالمذهب الرابع: أنَّ الخزي الوارد في الآية إنما هو لمن عوقب في\n_________\n(١) المحلى (١٢/ ١٤ - ١٥).\n(٢) تفسير الطبري (٤/ ٥٦٠).\n(٣) فتح القدير، لابن الهمام (٥/ ٢١١).\n(٤) الآداب الشرعية (١/ ١٠٦).","vol":"1","page":131},{"text":"الدنيا، وأما العذاب في الآخرة فهو لمن سَلِمَ في الدنيا ولم يُقَمْ عليه الحد.\nذكره ابن عطية احتمالًا آخر في الجمع (١)، وتبعه أبو عبد الله القرطبي، وابن جزي، وأبو حيان، وابن عاشور. (٢)\nواعتُرِضَ: بأنه لو كان هذا المعنى هو المراد في الآية، لاستعمل حرف \"أو\" الذي يفيد التنويع، فيكون معنى الآية: (لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا أو عَذَابٌ عَظِيمٌ فِي الآخِرَةِ).\nالمذهب الخامس: أنَّ حديث عبادة - ﵁ - محمول على حقوق الله تعالى؛ فإن الحد يكفرها، وأما حقوق العباد فلا يكفرها مجرد الحد، بل لا بد معه من التوبة، وإلا فالعذاب في الآخرة.\nذكر هذا المذهب: الآلوسي، ونسبه للنووي. (٣)\nواعتُرِضَ: بأن في حديث عبادة - ﵁ - ما هو من حق الله تعالى، وحقوق المخلوقين؛ كالسرقة، ونحوها، ولم يفرق بينهما النبي - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أنَّ آية الحرابة عامة في المسلمين وغيرهم، إلا أنَّ وعيد الآخرة المذكور فيها خاص فيمن نزلت فيهم الآية:\nفعن أنس بن مالك - ﵁ -: \"أَنَّ نَفَرًا - مِنْ عُكْلٍ، وَعُرَيْنَةَ (٤) - تَكَلَّمُوا\n_________\n(١) المحرر الوجيز (٢/ ١٨٥).\n(٢) انظر على الترتيب: تفسير القرطبي (٦/ ١٠٣)، والتسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (١/ ٢٣٠)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (٣/ ٤٨٥)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (٦/ ١٨٦).\n(٣) روح المعاني (٦/ ٣٩٧).\n(٤) عُكْل: بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَان الْكَاف، قَبِيلَة مِنْ تَيْمِ الرَّبَاب، وعُرَيْنَة: بِالْعَيْنِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالنُّونِ مُصَغَّرًا، حَيٌّ مِنْ قُضَاعَة وَحَيٌّ مِنْ بَجِيلَة، وهُمَا قَبِيلَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ: عُكْلٌ مِنْ عَدْنَان، وعُرَيْنَةُ مِنْ قَحْطَانَ. انظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٤٠٢).","vol":"1","page":132},{"text":"بِالْإِسْلاَمِ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ أَهْلُ ضَرْعٍ، وَلَمْ يَكُونُوا أَهْلَ رِيفٍ، وَشَكَوْا حُمَّى الْمَدِينَةِ؛ فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِذَوْدٍ (١)،\nوَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ الْمَدِينَةِ؛ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَكَانُوا فِي نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ، فَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَسَاقُوا الذَّوْدَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -؛ فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ (٢)، وَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَتُرِكُوا بِنَاحِيَةِ الْحَرَّةِ، يَقْضَمُونَ حِجَارَتَهَا حَتَّى مَاتُوا\".\nقَالَ قَتَادَةُ: فَبَلَغَنَا أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ). (٣)\nوعن عبد الله بن عمر - ﵁ -: \"أَنَّ نَاسًا أَغَارُوا عَلَى إِبِلِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَاسْتَاقُوهَا وَارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلاَمِ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مُؤْمِنًا؛ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُخِذُوا، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، قَالَ: وَنَزَلَتْ فِيهِمْ آيَةُ الْمُحَارَبَةِ\". (٤)\nففي هذين الحديثين أنَّ هؤلاء العرنيين سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إسلامهم، وحاربوا الله ورسوله، فكان جزاؤهم أنَّ لهم خزيًا في الدنيا - وهو ما نُفِّذَ فيهم من التقطيع والتقتيل - ولهم في الآخرة عذاب عظيم؛ بسبب أنهم قُتِلوا وهم مرتدين.\nوأما أهل الحرابة من المسلمين فإنهم غير داخلين في هذا الوعيد، أعني قوله تعالى: (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، وذلك لحديث عبادة - ﵁ -، في أنَّ من أقيم عليه الحد من المسلمين فهو كفارة له.\n_________\n(١) الذود: ما بين الثلاثة إلى العشرة من الإبل. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٢/ ١٧١).\n(٢) سَمْلُ العين: فقؤها بحديدة محماة أو غيرها. انظر: النهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٠٣).\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ١٦٣)، وإسناده صحيح.\n(٤) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الحدود، حديث (٤٣٦٩). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣/ ٤٧)، حديث (٤٣٦٩).","vol":"1","page":133},{"text":"وحديث عبادة وسبب النزول مخصص لعموم الآية في وعيد الآخرة فقط، وأما باقي الآية فهي على عمومها.\nقال الحافظ ابن كثير: \"والصحيح أنَّ هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات\". (١) يعني في إقامة الحد عليهم.\nويؤيد هذا الاختيار:\n١ - أنَّ حديث عبادة - ﵁ - ورد ابتداء من غير سبب؛ وأما الآية فإنها نزلت على سبب خاص، وعموم النص الوارد ابتداء من غير سبب، أقوى وأولى بالتقديم من عموم النص الوارد على سبب خاص. (٢)\n٢ - أنَّ تخصيص أحد الدليلين بالآخر، أولى من تخصيصهما معًا.\n٣ - أنَّ قصر بعض أفراد العام على سببه، أولى من قصر جميع أفراده على سبب النزول؛ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\n٤ - ومما يؤكد أنَّ الوعيد في الآية لغير المسلمين: ورود لفظ \"الخزي\" فيها، وهذا اللفظ الأغلب وروده في القرآن الكريم في حق الكفار. (٣)\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٥٠).\n(٢) انظر: شرح الكوكب المنير، للفتوحي، ص (٦٥٥).\n(٣) ورد لفظ \"الخزي\" في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، والسياق في أغلب المواضع يدل على خصوصه بالكفار، ومن هذه المواضع:\nقوله تعالى: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥» [البقرة: ٨٥]، وقوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤» [البقرة: ١١٤]، وهذه الآية نزلت في النصارى، كانوا يطرحون الأذى في بيت المقدس ويمنعون الناس أنْ يصلوا فيه، وقيل: نزلت في المشركين الذين حالوا بين رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية وبين أنْ يدخل مكة. انظر: تفسير ابن كثير (١/ ١٦١).\nومن الآيات قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ =","vol":"1","page":134},{"text":"فإن قيل: إنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلم قصرتم الآية على سببها؟\nفالجواب: أننا لم نقصر الآية كلها على سببها، وإنما قصرنا وعيد الآخرة فقط، على أنه لا مانع من قصر اللفظ العام على سببه، لدليل يوجب ذلك؛ كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣» [النور: ٢٣].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"هذه الآية في أزواج النبي - ﷺ - خاصة، في قول كثير من أهل العلم، فعن ابن عباس ﵄، في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣» قال: نزلت في عائشة خاصة. (١) وعنه قال: هذه في عائشة وأزواج النبي - ﷺ -، ولم يجعل لمن فعل ذلك توبة، وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير أزواج النبي - ﷺ - التوبة، ثم قرأ: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤» [النور: ٤]، ولم يجعل لمن قذف امرأة من أزواج النبي - ﷺ - توبة، ثم تلا هذه الآية: (لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النور: ٢٣] (٢). فقد بيّن ابن عباس أنَّ هذه الآية إنما نزلت فيمن يقذف عائشة وأمهات المؤمنين خاصة.\n_________\n= سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١» [المائدة: ٤١]، وقوله تعالى: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢» [التوبة: ١ - ٢]، وقوله تعالى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤» [التوبة: ١٤]، وقوله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣» [التوبة: ٦٣]، إلى غير ذلك من الآيات.\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٥٥٧).\n(٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٢٩١).","vol":"1","page":135},{"text":"وقد وافق ابنَ عباس جماعةٌ؛ فعن سعيد بن جبير أنه سُئِلَ: الزنا أشد أو قذف المحصنة؟ فقال: لا; بل الزنا. فقيل له: فإن الله تعالى يقول: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) فقال: إنما كان هذا في عائشة خاصة. (١) وعن أبي الجوزاء في هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) قال: هذه الآية لأمهات المؤمنين خاصة. (٢) وعن الضحاك في هذه الآية قال: هن نساء النبي - ﷺ - (٣) \". اهـ (٤)\nومن هذا المثال يتضح أنَّ قصر اللفظ العام على سببه لا مانع منه؛ إذا وُجِدَ الدليل الذي يوجب ذلك؛ فالوعيد في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣» لا يمكن إجراؤه على عمومه في كل من قذف مؤمنة؛ لأن الله تعالى قد جعل للقذف عقوبة مقدرة شرعًا في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤» [النور: ٤]؛ ولأن اللعن في الدنيا والآخرة لا يستقيم فيمن أقيم عليه الحد؛ إذ الحد كفارة له، فوجب أنْ يكون الوعيد في الآية مقصورًا على من نزلت الآية بسببه، وهم قذفة عائشة ﵂، وكذا آية الحرابة؛ فإنه لا مانع من قصر الوعيد فيها على من نزلت الآية بسببه، وهم العرنيون الذين قُتِلُوا مرتدين.\nهذا ما تبين لي في هذه المسألة، وأما بقية الأقوال فلا تخلو من نظر، وقد ذكرت الإيرادات عليها عند ذكرها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٢٩٠).\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٥٥٧).\n(٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٢٩١).\n(٤) مجموع الفتاوى (١٥/ ٣٥٩ - ٣٦١). باختصار.","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المسألة [٦]: في عصمة الله تعالى لنبيه - ﷺ - من الناس</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧» [المائدة: ٦٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآية:</span>\nوردت أحاديث تفيد بظاهرها أنَّ النبي - ﷺ - أصابه بعضُ الأذى من قومه، ومن هذه الأحاديث: أنه شُجَّ يوم أحد، وسُحِرَ، وسَمّته امرأةٌ يهودية.\n(٩) - (٨): فعن أنس - ﵁ -: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ (١) يَوْمَ أُحُدٍ، وَشُجَّ (٢) فِي رَأْسِهِ، فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهُ وَيَقُولُ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ، وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) [آل عمران: ١٢٨] \". (٣)\n_________\n(١) الرَّبَاعِيَةِ: هِيَ السِّنُّ الَّتِي بَيْنَ الثَّنِيَّةِ وَالنَّابِ، والْمُرَادُ: أَنَّهَا كُسِرَتْ فَذَهَبَ مِنْهَا فَلَقَةٌ وَلَمْ تُقْلَعْ مِنْ أَصْلِهَا. انظر: فتح الباري، لابن حجر (٧/ ٤٢٣).\n(٢) الشجة: الجرح في الرأس أو الوجه أو الجبين. انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (٢/ ٢٤٤).\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٩١).","vol":"1","page":137},{"text":"(١٠) - (٩): وعن عائشة ﵂ قالت: \"سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ، حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ\". (١)\n(١١) - (١٠): وعنها قالت: \"كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: \"يَا عَائِشَةُ مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ؛ فَهَذَا أَوَانُ (٢)\nوَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي (٣) مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ\". (٤)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الطب، حديث (٥٧٦٣)، ومسلم في صحيحه، في كتاب السلام، حديث (٢١٨٩)، كلاهما من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، به.\n(٢) الأَوَان - بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْرهَا ـ: الْحِين وَالزَّمَان. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (١/ ٨٢)، ولسان العرب، لابن منظور (١٣/ ٤٠).\n(٣) الأَبْهَر: عِرْق فِي الظَّهْر، وَهُمَا أَبْهَرَانِ، وَقِيلَ: هُمَا الْأَكْحَلَانِ اللَّذَانِ فِي الذِّرَاعَيْنِ، وَقِيلَ: هُوَ عِرْق مُسْتَبْطِن الْقَلْب؛ فَإِذَا اِنْقَطَعَ لَمْ تَبْقَ مَعَهُ حَيَاة. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير\n(١/ ١٨).\n(٤) قصة الشاة المسمومة التي أكل منها النبي - ﷺ -: أخرجها البخاري في صحيحه، في كتاب الهبة، حديث\n(٢٦١٧)، ومسلم في صحيحه، في كتاب السلام، حديث (٢١٩٠)، من حديث أنس - ﵁ -: \"أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ. قَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ. قَالَ: أَوْ قَالَ: عَلَيَّ. قَالَ: قَالُوا: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - \". وهذا اللفظ لمسلم.\nويلاحظ أن الحديث في الصحيحين ليس فيه أن النبي - ﷺ - مات بسبب ذلك السم، بخلاف حديث عائشة ﵂.\nوحديث عائشة صحيح، وسأذكر تخريجه، وبيان طرقه وشواهده:\nأخرجه البخاري - تعليقًا - في كتاب المغازي، باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته، حديث (٤١٦٥) قال: وقال يونس، عن الزهري، قال عروة: قالت عائشة: ...، فذكره.\nقال الحافظ ابن حجر، في الفتح (٧/ ٧٣٧): \"وصله البزار، والحاكم [في المستدرك (٣/ ٦٠)]، والإسماعيلي، من طريق عنبسة بن خالد، عن يونس، بهذا الإسناد\".\nوقال: \"قال البزار: \"تفرد به عنبسة، عن يونس\"، أي بوصله\".\nوقال في تغليق التعليق (٤/ ١٦٣): \"وخالفه موسى بن عقبة، فرواه في المغازي عن ابن شهاب مرسلًا\". اهـ =","vol":"1","page":138},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وعنبسة بن خالد: ذكره الحافظ ابن حجر، في التقريب (٢/ ٩٣)، وقال: \"صدوق\". وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٥١٥).\nوأخرج - نحوه - ابن سعد في الطبقات (٨/ ٣١٤) قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني معمر، ومالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: \"دخلت أم بشر بن البراء بن معرور على رسول الله - ﷺ - في مرضه الذي مات فيه وهو محموم، فمسته فقالت: ما وجدت مثل وَعَكٍ عليك على أحد. فقال رسول الله - ﷺ -: كما يضاعف لنا الأجر كذلك يضاعف علينا البلاء، ما يقول الناس؟ قالت: قلت: زعم الناس أن برسول الله - ﷺ - ذات الجنب. فقال: ما كان الله ليسلطها علي، إنما هي همزة من الشيطان، ولكنه من الأكلة التي أكلت أنا وابنك يوم خيبر، ما زال يصيبني منها عداد حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري، فمات رسول الله - ﷺ - شهيدًا\".\nوللحديث شواهد، منها:\nالأول: حديث أبي هريرة - ﵁ -:\nقال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما زالت أكلة خيبر تعادني، حتى هذا أوان قطعت أبهري\".\nأخرجه البزار [كما في تخريج أحاديث الكشاف، للزيلعي (١/ ٦٨)] من طريق سعيد بن محمد الوراق، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، به.\nقال البزار: \"وسعيد بن محمد الوراق، من أهل الكوفة، وليس بالقوي، وقد حدث عنه جماعة من أهل العلم، واحتملوا حديثه\". اهـ\nوأخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٤٠٣)، وأعله بسعيد بن محمد الوراق، ونقل تضعيفه عن النسائي، وابن معين.\nوأخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الديات، حديث (٤٥١٢)، والدارمي في سننه، في المقدمة، حديث (٦٧)، كلاهما من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، مرسلًا.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٤٢)، من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، به. وفيه ذكر القصة، ولم يذكر أن السم كان سبب وفاته - ﷺ -.\nالشاهد الثاني: حديث أم مُبَشِّرٍ ﵂:\nأنها قالت للنبي - ﷺ - - في المرض الذي مات فيه ـ: \"ما تتهم بنفسك يا رسول الله، فإني لا أتهم بابني إلا الشاة المشوية التي أكل معك بخيبر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: وأنا لا أتهم إلا ذلك بنفسي، هذا أوان قطع أبهري\".\nأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١/ ٢٩)، عن معمر، عن الزهري، عن كعب بن مالك، أن أم مُبَشِّرٍ ....، فذكره. =","vol":"1","page":139},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال حبيب الرحمن الأعظمي - محقق الكتاب ـ: \"الصواب: الزهري، عن ابن كعب بن مالك\". اهـ\nوأخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الديات، حديث (٤٥١٣) قال: حدثنا مخلد بن خالد، عن عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، أن أم مبشر ....، فذكره.\nقال أبو داود - عقبه ـ: \"وربما حدث عبد الرزاق بهذا الحديث مرسلًا، عن معمر، عن الزهري، عن النبي - ﷺ -، وربما حدث به عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك. وذكر عبد الرزاق أن معمرًا كان يحدثهم بالحديث مرة مرسلًا؛ فيكتبونه، ويحدثهم مرة به فيسنده فيكتبونه، وكلٌ صحيح عندنا\". اهـ\nوأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٦/ ١٨) قال: ثنا إبراهيم بن خالد، ثنا رباح، ثنا معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أمه، أن أم مبشر ....، فذكره.\nوأخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الديات، حديث (٤٥٤١)، عن أحمد بن حنبل بهذا الإسناد، وفيه: عن أمه أم مُبَشِّرٍ.\nقال أبو سعيد بن الأعرابي - راوي سنن أبي داود - عقب هذا الحديث: \"كذا قال: عن أمه، والصواب: عن أبيه، عن أم مُبَشِّرٍ\". اهـ، من عون المعبود، للآبادي (١٢/ ١٥٢).\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٤٢)، عن أحمد بن جعفر - وهو القطيعي راوي مسند الإمام أحمد - عن عبد الله بن الإمام أحمد، عن أبيه، به. وفيه: عن أبيه، عن أم مُبَشِّرٍ.\nوأخرج نحوه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٣٦) قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد الأخنسي قال: دخلت أم بشر بن البراء على النبي - ﷺ - في مرضه فقالت: ....، فذكره.\nالشاهد الثالث: حديث ابن عباس ﵄:\nأخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٢٠٤) قال: حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرح، ثنا يحيى بن بكير، ثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: \"أن رسول الله - ﷺ - لما مات من اللحم الذي كانت اليهودية سمته فانقطع أبهره من السم على رأس السنة، فكان يقول: ما زلت أجد منه حسًا\". قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥): \"إسناده حسن\".\nالشاهد الرابع: حديث بريدة - ﵁ -:\nقال الزيلعي، في تخريج أحاديث الكشاف (١/ ٦٨): \"ورواه الطبري: حدثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا عوف، عن ميمون بن عبد الله، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - إلى خيبر ....، فذكر القصة بطولها إلى أن =","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث:</span>\nظاهرُ الآية الكريمة عمومُ عصمةِ الله تعالى لنبيه - ﷺ - من الناس، وأما الأحاديث ففيها أنَّ النبي - ﷺ - أُصيب ببعض الأذى من قومه، وهذا يُوهِمُ خلاف الآية، التي وعدت بالعصمة مُطلقًا. (١)\n_________\n= قال: فلما اطمأن رسول الله - ﷺ - - يعني بخيبر - أهدت زينب بنت الحارث إليه شاة مصلية، وقد جعلت فيها من السم، وكان معه بشر بن البراء، فتناولا منها فقال ﵇: إن هذا العظم يخبرني أنه مسموم، فدعا بها فاعترفت وقالت: إن كنت نبيًا فستخبر، وإن كنت غير ذلك استرحنا منك، ومات بشر من أكلته تلك، وقال النبي - ﷺ -: يا أم بشر: ما زالت أكلة خيبر التي أكلت مع ابنك تعادني، فهذا أوان قطعته\".\nالشاهد الخامس: حديث أبي جعفر محمد بن علي، مرسلًا:\nأخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام، في غريب الحديث، وأبو إسحاق الحربي، في غريب الحديث، كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء بن أبي العباس، عن أبي جعفر يرفعه إلى النبي - ﷺ - أنه قال: \"ما زالت أكلة خيبر تعادني، فهذا أوان قطعت أبهري\". نقله عن أبي عبيد والحربي: الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (١/ ٦٩)، وقال: \"وكلاهما معضل\".\nالشاهد السادس: حديث أبي رومان:\nأخرجه أبو إسحاق الحربي، في غريب الحديث [كما في تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي (١/ ٦٩)] قال: ثنا شريح بن النعمان، ثنا عبد العزيز بن محمد، أنا عمرو بن أبي عمر، عن أبي رومان، عن النبي - ﷺ - نحوه.\nالنتيجة: أن الحديث بمجموع طرقه وشواهده يرتقي لدرجة الصحيح لغيره، وقد صححه الألباني، في صحيح سنن أبي داود (٣/ ٩١)، حديث (٤٥١٣)، وصحيح الجامع (٢/ ٩٨٤)، حديث (٥٦٢٩). وانظر: تخريج الأحاديث والآثار، للزيلعي (١/ ٦٨ - ٧١)، وتغليق التعليق، لابن حجر\n(٤/ ١٦٢ - ١٦٣).\n(١) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: تفسير البغوي (٢/ ٥٢)، والكشاف، للزمخشري (١/ ٦٤٦)، وزاد المسير، لابن الجوزي (٢/ ٦٧ - ٦٨)، ومفاتيح الغيب، للرازي (١٢/ ٤٢)، وتفسير النسفي\n(١/ ٤٢٣)، والبرهان في علوم القرآن، للزركشي (٢/ ١٩٣)، واللباب في علوم الكتاب، لابن عادل الحنبلي (٧/ ٤٤١)، وتحفة الأحوذي، للمباركفوري (٨/ ٣٢٦)، وروح المعاني، للآلوسي (٦/ ٤٩٩)، وتفسير ابن عثيمين، البقرة (١/ ٢٨٤).","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث:</span>\nاختلفت أجوبة العلماء في هذه المسألة؛ بسبب تعدد الوقائع الواردة فيها، وسأذكر أجوبتهم حسب كل واقعة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>أولًا: أجوبة العلماء عن خبر شجه، وكسر رباعيته - ﷺ - في غزوة أحد:</span>\nللعلماء في الجواب عن هذه الحادثة ثلاثة مذاهب:\nالأول: أنَّ ما وقع للنبي - ﷺ - في غزوة أحد محمول على أحد أمرين:\n١ - إما أنَّ ذلك كان قبل نزول قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)؛ لأن سورة المائدة من أواخر ما نزل من القرآن.\n٢ - أو أنَّ المراد بالآية عصمته - ﷺ - من القتل والهلاك.\nوهذا مذهب الجمهور من المفسرين، والمحدثين. (١)\nالمذهب الثاني: أنَّ الآية مخصوصة، والمراد عصمته - ﷺ - من القتل والهلاك، فقط.\nوهذا مذهب: الشافعي، والزمخشري، وابن مفلح، وابن حجر الهيتمي، والسيوطي، وابن عاشور، وابن باز. (٢)\nوالفرق بين هذا المذهب والذي قبله، أن القائلين بالمذهب الأول\n_________\n(١) انظر: تفسير البغوي (٢/ ٥٢)، وزاد المسير، لابن الجوزي (٢/ ٦٧)، ومفاتيح الغيب، للرازي\n(١٢/ ٤٢)، وتفسير النسفي (١/ ٤٢٣)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (٣/ ٥٤٠)، وتفسير الثعالبي (١/ ٤٧٦)، وبدائع الفوائد، لابن القيم (٣/ ١٧٨)، والبرهان في علوم القرآن، للزركشي (٢/ ١٩٣ - ١٩٤)، واللباب في علوم الكتاب، لابن عادل الحنبلي (٧/ ٤٤١)، وروح المعاني، للآلوسي (٦/ ٤٩٩)، وتحفة الأحوذي، للمباركفوري (٨/ ٣٢٦).\n(٢) انظر على الترتيب: الأم، للشافعي (٤/ ١٦٨)، والكشاف، للزمخشري (١/ ٦٤٦)، والآداب الشرعية\n(٣/ ٩٣)، والزواجر عن اقتراف الكبائر، للهيتمي (٢/ ١٦٣ - ١٦٤)، وتفسير الجلالين (١/ ١٥٠)، والتحرير والتنوير (٦/ ٢٦٣)، ومجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز (٨/ ١٤٩ - ١٥٠).","vol":"1","page":142},{"text":"أجابوا بكلا الوجهين، بخلاف أصحاب المذهب الثاني فقد اقتصروا على الوجه الثاني فقط.\nويرد على هذين المذهبين:\nأنَّ النبي - ﷺ - سمّته امرأةٌ يهودية، حتى قال: \"يَا عَائِشَةُ مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ؛ فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ\". (١)\nفهذه الحادثة وقعت في غزوة خيبر سنة سبع من الهجرة (٢)، وهي بعد نزول الآية. (٣)\n_________\n(١) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٢) مذهب الجمهور: أن فتح خيبر كان في السنة السابعة من الهجرة، وقيل: كان في السادسة. انظر: زاد المعاد، لابن القيم (٣/ ٣١٦).\n(٣) للعلماء في وقت نزول قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) [المائدة: ٦٧]؛ قولان:\n١ - أنها من أوائل ما نزل بالمدينة؛ وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، وعلل لقوله: بأن الله تعالى ضمن لنبيه - ﷺ - أن يعصمه من الناس إذا بلغ الرسالة ليؤمنه بذلك من الأعداء، ولهذا رُويَ أن النبي - ﷺ - كان قبل نزول هذه الآية يحرس فلما نزلت هذه الآية ترك ذلك، وهذا إنما يكون قبل تمام التبليغ، فتكون العصمة المضمونة موجودة وقت التبليغ المتقدم، فلا تكون هذه الآية نزلت في آخر حياته - ﷺ -، لأنه قد بلغ قبل ذلك، ولأنه حينئذ لم يكن خائفًا من أحد حتى يحتاج أن يعصم منه؛ لأن أهل مكة والمدينة وما حولهما كلهم مسلمون منقادون له ليس فيهم كافر، والمنافقون مقموعون مُسِرُّون للنفاق، ليس فيهم من يحاربه ولا من يخاف الرسول - ﷺ - منه، فلا يقال له في هذه الحال: (بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) [المائدة: ٦٧]. انظر: منهاج السنة النبوية، لابن تيمية (٧/ ٣١٥).\n٢ - وقال الحافظ ابن حجر، في الفتح (١٣/ ٢٣٢): \"ورد في عدة أخبار أنه - ﷺ - حُرِسَ في بدر، وفي أحد، وفي الخندق، وفي رجوعه من خيبر، وفي وادي القرى، وفي عمرة القضية، وفي حنين؛ فكأن الآية نزلت متراخية عن وقعة حنين، ويؤيده ما أخرجه الطبراني في الصغير من حديث أبي سعيد: كان العباس فيمن يحرس النبي - ﷺ - فلما نزلت هذه الآية ترك. والعباس إنما لازمه بعد فتح مكة، فيُحْمَل على أنها نزلت بعد حنين، وحديث حراسته ليلة حنين أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم من حديث سهل بن الحنظلية: أن أنس بن أبي مرثد حرس النبي - ﷺ - تلك الليلة\". اهـ","vol":"1","page":143},{"text":"وفي هذا الحديث أنَّ النبي - ﷺ - مات بسبب ذلك السم، ويلزم منه أنه لم يُعصم\nمن القتل. (١)\nوأجاب بعضهم:\nبأنَّ الله تعالى ضمن لنبيه - ﷺ - العصمة من القتل حال التبليغ فقط. (٢)\nالمذهب الثالث: أنَّ المراد بالعصمة: الحفظ من صدور الذنب، والمعنى: بلغ والله تعالى يعصمك من بين الناس أن يقع منك ذنب.\nذكر هذا المذهب: البغوي، والآلوسي. (٣)\nويَرُدُّه: أنَّ سياق الآية إنما هو في الحديث عن عصمته - ﷺ - من أذى الناس، لا من الذنوب؛ لأنَّ الله تعالى أمر نبيه - ﷺ - بالتبليغ، والذي يناسب هذا الأمر الوعد بالعصمة من أذى الناس، لا العصمة من الذنوب، إذ لا تلازم بينهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>ثانيًا: أجوبة العلماء عن خبر سحره - ﷺ </span>-:\nللعلماء في الجواب عن هذه الحادثة ثلاثة مذاهب:\nالأول: أنَّ ما تعرض له النبي - ﷺ - من سحر، هو مرض من الأمراض، وعارض من العلل، وهذه تجوز على الأنبياء كغيرهم من البشر، وهي مما لا يُنكر ولا يَقدحُ في النبوة، ولا يُخِلُّ بالرسالة أو الوحي، والله سبحانه إنما عصم نبيه - ﷺ - مما يحول بينه وبين الرسالة وتبليغها، وعصمه من القتل، دون العوارض التي تعرض للبدن.\nوهذا مذهب: الخطابي (٤)، والمازري (٥)، وابن القيم، والعيني (٦)، والسندي (٧)،\n_________\n(١) انظر: روح المعاني، للآلوسي (٦/ ٤٩٩).\n(٢) انظر: روح المعاني (٦/ ٤٩٩)، وتفسير ابن عثيمين، البقرة (١/ ٢٨٤).\n(٣) انظر: تفسير البغوي (٢/ ٥٢)، وروح المعاني (٦/ ٤٩٩).\n(٤) أعلام الحديث، للخطابي (٢/ ١٥٠١).\n(٥) المعلم بفوائد مسلم، للمازري (٣/ ٩٣).\n(٦) عمدة القاري، للعيني (١٥/ ٩٨).\n(٧) حاشية السندي على سنن النسائي (٧/ ١١٣).","vol":"1","page":144},{"text":"وابن باز (١). (٢)\nوحكاه القاضي عياض، حيث قال: \"وأما ما ورد أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله، فليس في هذا ما يُدْخِلُ عليه داخلةً في شيء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في صدقه، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز طروُّه عليه في أمر دنياه، التي لم يُبعث بسببها ولا فُضِّل من أجلها، وهو فيها للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أنْ يُخيَّل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ينجلي عنه كما كان ....، ولم يأتِ في خبرٍ أنه نُقِلَ عنه في ذلك قولٌ بخلاف ما كان أخبر أنه فعله ولم يفعله، وإنما كانت خواطر وتخيلات\". اهـ (٣)\nوقال ابن القيم: \"السحر الذي أصابه - ﷺ - كان مرضًا من الأمراض عارضًا شفاه الله منه، ولا نقص في ذلك ولا عيب بوجه ما؛ فإنَّ المرض يجوز على الأنبياء، وكذلك الإغماء؛ فقد أُغْمِيَ عليه - ﷺ - في مرضه (٤)، ووقع حين انفكت قدمه، وجُحِشَ (٥)\nشِقُّهُ (٦)،\nوهذا من البلاء الذي يزيده الله به رفعة في درجاته، ونيل كرامته، وأشد الناس بلاءً الأنبياء، فابتلوا من أممهم بما ابتلوا به، من القتل والضرب والشتم والحبس، فليس بِبدعٍ أن يُبتلى النبي - ﷺ - من بعض أعدائه بنوعٍ من السحر، كما ابتُلي بالذي رماه فشجه، وابتُلي بالذي ألقى على ظهره السلا (٧) وهو ساجد (٨)، وغير ذلك، فلا نقص عليهم ولا عار\n_________\n(١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز (٨/ ١٥٠).\n(٢) انظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٢٣٧)، ونيل الأوطار، للشوكاني (١٧/ ٢١١).\n(٣) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (٢/ ١١٣).\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، حديث (٦٨٧)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الصلاة، حديث (٤١٨).\n(٥) جحش شقه: أي انخدش جلده. انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (١/ ١٤٠)، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (١/ ٢٤١).\n(٦) عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: \" سَقَطَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ فَرَسٍ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ \".\n\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، حديث (٣٧٨)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الصلاة، حديث (٤١١).\n(٧) السلا: الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفًا فيه. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٢/ ٣٩٦).\n(٨) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، حديث (٢٤٠)، ومسلم في =","vol":"1","page":145},{"text":"في ذلك؛ بل هذا من كمالهم وعلو درجاتهم عند الله\". اهـ (١)\nالمذهب الثاني: أنَّ السحر إنما تسلط على ظاهر النبي - ﷺ - وجوارحه، لا على قلبه واعتقاده وعقله، ومعنى الآية: عصمة القلب والإيمان، دون عصمة الجسد عما يَرِدُ عليه من الحوادث الدنيوية.\nوهذا مذهب القاضي عياض (٢)، وابن حجر الهيتمي (٣)، وأبي شهبة (٤).\nالمذهب الثالث: أنَّ ما روي - من أنَّ النبي - ﷺ - سُحِرَ - باطلٌ لا يصح، بل هو من وضع الملحدين.\nوهذا مذهب المعتزلة (٥).\nوتأثر بمذهبهم هذا: من الأوائل: أبو بكر الجصاص، ومن المُعاصرين: محمد عبده، ومحمد رشيد رضا، والقاسمي. (٦)\nقال الجصاص: \"زعموا أنَّ النبي - ﷺ - سُحِرَ، وأنَّ السحر عَمِلَ فيه ...، ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين، تلعبًا بالحشو الطُغام (٧)، واستجرارًا لهم إلى القول بإبطال معجزات الأنبياء ﵈، والقدح فيها، وأنه لا فرق بين معجزات الأنبياء وفعل السحرة، وأنَّ جميعه من نوع واحد، والعجب ممن يجمع بين تصديق الأنبياء ﵈ وإثبات معجزاتهم وبين التصديق بمثل هذا من فعل السحرة، مع قوله تعالى: (وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) [طه: ٦٩]، فَصَدَّقَ هؤلاء مَنْ كذَّبَهُ الله وأخبر ببطلان دعواه وانتحاله.\n_________\n= صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٩٤).\n(١) بدائع الفوائد، لابن القيم (٢/ ١٩٢). وانظر: زاد المعاد، لابن القيم (٤/ ١٢٤).\n(٢) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (٢/ ١١٣).\n(٣) الزواجر عن اقتراف الكبائر، للهيتمي (٢/ ١٦٣ - ١٦٤).\n(٤) دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين، لمحمد بن محمد أبي شهبة، ص (٢٢٥).\n(٥) انظر: مفاتيح الغيب، للرازي (٣٢/ ١٧٢)، وعمدة القاري، للعيني (٢١/ ٢٨٠).\n(٦) انظر: تفسير جزء عم، لمحمد عبده، ص (١٨٥ - ١٨٦)، وتفسير المنار، لمحمد رشيد رضا (٧/ ٣١٢)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (٩/ ٥٧٧).\n(٧) الطُغام: أرذال الناس وأوغادهم. انظر: لسان العرب، لابن منظور (١٢/ ٣٦٨).","vol":"1","page":146},{"text":"وجائزٌ أن تكون المرأةُ اليهودية بجهلها فعلتْ ذلك ظنًا منها بأن ذلك يعمل في الأجساد، وقصدتْ به النبي - ﷺ - ; فأطلعَ اللهُ نبيه على موضع سرها، وأظهر جهلها فيما ارتكبتْ وظنتْ؛ ليكون ذلك من دلائل نبوته، لا أنَّ ذلك ضَرَّهُ وخلَّطَ عليه أمره، ولم يقل كلُ الرواةِ إنه اختلط عليه أمره، وإنما هذا اللفظ زِيدَ في الحديث، ولا أصل له\". اهـ (١)\nومجمل حجة هؤلاء أنَّ القول بأن النبي - ﷺ - سُحِر يلزم منه:\n١ - إبطال معجزات الأنبياء ﵈ والقدح فيها.\n٢ - ويلزم منه الخلط بين معجزات الأنبياء وفعل السحرة.\n٣ - ويلزم منه أن يكون تصديقًا لقول الكفار: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا) [الفرقان: ٨]، وقال قوم صالح له: (إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) [الشعراء: ١٥٣]، وكذا قال قوم شعيب له.\n٤ - قالوا: والأنبياء لا يجوز عليهم أن يُسحروا؛ لأن ذلك ينافي حماية الله لهم وعصمتهم. (٢)\nوأجابوا عن حديث عائشة ﵂ والذي فيه أنَّ النبي - ﷺ - سُحِر - بأنه مما تفرد به هشام بن عروة (٣)، عن أبيه، عن عائشة. وأنه غَلَطَ فيه، واشتبه عليه الأمر. (٤)\nواعتُرِضَ:\n١ - بأنَّ قوله تعالى: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا)، وقوله: (إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) المراد به: من سُحر حتى جُنَّ وصار كالمجنون الذي زال عقله؛ إذ المسحور الذي لا يُتبع هو من فسد عقله بحيث لا يَدْري ما يقول، فهو كالمجنون، ولهذا قالوا فيه: (مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ) [الدخان: ١٤]، وأما من أصيب في بدنه بمرض من الأمراض التي يُصاب بها الناس؛ فإنه لا يمنع ذلك من\n_________\n(١) أحكام القرآن، للجصاص (١/ ٥٨ - ٥٩).\n(٢) انظر: أحكام القرآن، للجصاص (١/ ٥٩)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٣٢/ ١٧٢)، وبدائع الفوائد، لابن القيم (٢/ ١٩١).\n(٣) هو: هشام بن عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، الإمام الثقة، شيخ الإسلام، أبو المنذر القرشي الأسدي الزبيري المدني، قال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا كثير الحديث حجة. وقال أبو حاتم الرازي: ثقة إمام في الحديث. وقال يحيى بن معين وجماعة: ثقة.\n(ت: ١٤٦ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (٦/ ٣٤).\n(٤) انظر: بدائع الفوائد، لابن القيم (٢/ ١٩١).","vol":"1","page":147},{"text":"اتباعه، وأعداء الرسل لم يقذفوهم بأمراض الأبدان، وإنما قذفوهم بما يُحَذِّرون به سفهاءهم من أتباعهم، وهو أنهم قد سُحِروا حتى صاروا لا يعلمون ما يقولون بمنزلة المجانين، ولهذا قال تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨» [الإسراء: ٤٨].\n٢ - وأما قولهم: إنَّ سحر الأنبياء يُنافي حماية الله تعالى لهم؛ فإنه سبحانه كما يحميهم ويصونهم ويحفظهم ويتولاهم؛ فإنه يبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم؛ ليستوجبوا كمال كرامته، وليتسلى بهم من بعدهم من أممهم وخلفائهم إذا أوذوا من الناس، فإنهم إذا رأوا ما جرى على الرسل والأنبياء صبروا ورضوا وتأسوا بهم. (١)\n٣ - وأما قولهم: بأن حديث عائشة هو مما تفرد به هشام بن عروة؛ فجوابه: أنَّ ما قاله هؤلاء مردود عند أهل العلم؛ فإن هشامًا من أوثق الناس وأعلمهم، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب رد حديثه، وقد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيح هذا الحديث، ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة، والقصة مشهورة عند أهل التفسير، والسنن والحديث، والتاريخ والفقهاء، وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله - ﷺ - وأيامه من غيرهم.\nوالحديث لم يتفرد به هشام؛ فقد رواه الأعمش، عن يزيد بن حيان، عن زيد بن أرقم - ﵁ - قال: \"سَحَرَ النَّبِيَّ - ﷺ - رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ، فَاشْتَكَى لِذَلِكَ أَيَّامًا؛ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ سَحَرَكَ، عَقَدَ لَكَ عُقَدًا فِي بِئْرِ كَذَا وَكَذَا؛ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَاسْتَخْرَجُوهَا، فَجِيءَ بِهَا فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - كَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِذَلِكَ الْيَهُودِيِّ، وَلَا رَآهُ فِي وَجْهِهِ قَطُّ\". (٢) (٣)\n_________\n(١) انظر: بدائع الفوائد، لابن القيم (٢/ ١٩٢ - ١٩٣)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٣٢/ ١٧٢).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٤٠)، والإمام أحمد في مسنده (٤/ ٣٦٧)، والنسائي في سننه، في كتاب تحريم الدم، حديث (٤٠٨٠)، جميعهم من طريق الأعمش، به. وصححه الألباني، في صحيح سنن النسائي (٣/ ٩٨)، حديث (٤٠٩١).\n(٣) انظر: بدائع الفوائد، لابن القيم (٢/ ١٩١).","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>ثالثًا: أجوبة العلماء عن قصة السُّمِّ الذي وُضِعَ له - ﷺ </span>-:\nللعلماء في الجواب عن هذه الحادثة ثلاثة مذاهب:\nالأول: أنَّ ما حصل له - ﷺ - من وضع السم لا يُعارض الآية؛ لأن المراد عصمته من القتل حال تبليغه للوحي، والمعنى: بلغ، وأنت حال تبليغك معصوم، ولهذا لم يعتدِ عليه - ﷺ - أحدٌ أبدًا حال تبليغه.\nوهذا مذهب: الشيخ محمد بن صالح العثيمين. (١)\nوبنحوه قال ابن عطية (٢)، وذكره الآلوسي في تفسيره (٣).\nالمذهب الثاني: أنَّ المراد عصمته من القتل على وجه القهر والغلبة والتسليط، وأنَّ هذا لم يقع.\nذكره: ابن مفلح. (٤)\nالمذهب الثالث: أنَّ ما رُويَ من وجود الألم وانقطاع أبهره - ﷺ -: مرسل أو منقطع، وهذه الرواية لا تقاوم الرواية المتفق على صحتها، التي لم يذكر فيها أنَّ السم أثر فيه - ﷺ -.\nذكره: ابن مفلح. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أنَّ الله تعالى ضمن لنبيه - ﷺ - العصمة من القتل فقط، دون العوارض التي تعرض للبدن، فتكون الآية من العام الذي أريد به الخصوص، وما تعرَّض له النبي - ﷺ - من الأذى في أحد، ومن السحر والسم، لا يُنافي العصمة؛ لأن شيئًا من ذلك لم يكن له أثر على\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين، البقرة (١/ ٢٨٤).\n(٢) المحرر الوجيز، لابن عطية (٢/ ٢١٨).\n(٣) روح المعاني، للآلوسي (٦/ ٤٩٩).\n(٤) الآداب الشرعية، لابن مفلح (٣/ ٩٣).\n(٥) الآداب الشرعية (٣/ ٩٣).","vol":"1","page":149},{"text":"حياته - ﷺ -، بل هذا مما أراد الله تعالى به إعلاء منزلة نبيه - ﷺ -، وقد أخبر النبي - ﷺ - أنَّ أشد الناس بلاء هم الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل (١)،\nوأخبر بأن الله إذا أحب عبدًا أصاب منه (٢)، ونبينا - ﷺ - هو حبيب الرحمن وخليله، وهذه المحبة والخلة تستدعي أن يُبتلى كما أخبر، وإذ الأمر كذلك فإنَّ ما أصيب به - ﷺ - هو مما أراد الله تعالى به إكرامه وتكميل مراتب الفضل له.\nومما يدل على أنَّ المراد بـ\"العصمة\" في الآية العصمة من القتل فقط:\n١ - قول النبي - ﷺ - للمرأة التي وضعت له السم: \"مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَيَّ\" (٣)، فهذا يدل على أنَّ النبي - ﷺ - فهم من الآية أنَّ الله قد عصمه من القتل فقط.\n٢ - ويدل عليه أيضًا أنَّ النبي - ﷺ - تعرض لمحاولات قتل كثيرة، فعصمه الله تعالى كما وعده، ولم يستطع أحد أن يناله بشيء. (٤)\n_________\n(١) عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: \"قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ مِنْ النَّاسِ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ؛ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ زِيدَ فِي بَلَائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ، وَمَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ لَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ\".\n\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ١٧٢)، حديث (١٤٨١)، والترمذي في سننه، في كتاب الزهد، حديث (٢٣٩٨)، وقال: \"حسن صحيح\"، وابن ماجة في سننه، في كتاب الفتن، حديث (٤٠٢٣)، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" (١/ ٢٣٠)، حديث (٩٩٢).\n(٢) عن أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ\".\nأخرجه الترمذي في سننه، في كتاب الزهد، حديث (٢٣٩٦)، وابن ماجة في سننه، في كتاب الفتن، حديث (٤٠٣١). وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" (٢/ ٤٢٤)، حديث (٢١١٠).\n(٣) عن أنس - ﵁ -: \"أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ. قَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ. قَالَ: أَوْ قَالَ: عَلَيَّ. قَالَ: قَالُوا: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - \".\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الهبة، حديث (٢٦١٧)، ومسلم في صحيحه، في كتاب السلام، حديث (٢١٩٠)، واللفظ لمسلم.\n(٤) هناك عدة وقائع تعرض فيها النبي - ﷺ - لمحاولة القتل، وسأكتفي بذكر واحدة منها: =","vol":"1","page":150},{"text":"الإيرادات والاعتراضات على هذا الاختيار:\nالإيراد الأول: أنَّ لفظ الآية عام في عصمته - ﷺ - من كل شيء، وتخصيصها بالقتل فقط تحكم بلا دليل.\nوالجواب: أنَّ القول بعمومها فيه مصادمة للوقائع التي جرت للنبي - ﷺ -، ومحال أن يَعِدَ الله نبيه بالعصمة مطلقًا ثم يقع خِلاف ذلك، فدل على أنَّ الله تعالى لم يُرِدْ العصمة مطلقًا، وإنما أراد القتل فقط.\nالإيراد الثاني: أنَّ النبي - ﷺ - أخبر بأن السم الذي وضع له بخيبر لم يزل مؤثرًا فيه حتى أدى به إلى الوفاة؛ فيكون مات قتيلًا بسببه.\nوالجواب: أنَّ النبي - ﷺ - لم يمت في الحال من ذلك السم الذي وضع له، بل عاش بعد ذلك ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي توفي فيه، فلو كان السُّمُّ قد أثر فيه لمات في الحال، كما مات الصحابي بشر بن البراء - ﵁ - الذي أكل معه - والنبي - ﷺ - لم يمت إلا بعد أن أكمل الله تعالى دينه، وشاء سبحانه أن يُظْهِر أثر السم قُرْبَ وفاته لِمَا أراد مِنْ إكرامه بالشهادة، وتكميل مراتب الفضل كلها له - ﷺ -. (١)\n_________\n= عن جابر بن عبد الله - ﵁ -: أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَفَلَ مَعَهُ فَأَدْرَكَتْهُمْ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْعِضَاهِ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - تَحْتَ سَمُرَةٍ فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ، قَالَ جَابِرٌ: فَنِمْنَا نَوْمَةً، ثُمَّ إِذَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَدْعُونَا؛ فَجِئْنَاهُ؛ فَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ جَالِسٌ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: اللَّهُ، فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ. ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - \". أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، حديث (٤١٣٧)، ومسلم في صحيحه، في كتاب صلاة المسافرين، حديث (٨٤٣).\nوقد أورد القاضي عياض، والإمام أبي عبد الله القرطبي، وقائع كثيرة من هذا النوع، انظرها في:\nالشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (١/ ٢١٢)، والإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام، للقرطبي (١/ ٣٧٥ - ٣٨٠). وانظر أيضًا: كتاب \"محاولات اغتيال النبي - ﷺ - وفشلها\"، لمحمود نصار، والسيد يوسف، فقد ذكرا إحدى عشرة محاولة.\n(١) انظر: الآداب الشرعية، لابن مفلح (٣/ ٩٣).","vol":"1","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>المسألة [٧]: في تعذيب الميت ببكاء الحي</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤]. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية:</span>\n(١٢) - (١١): قال رسول الله - ﷺ -: \"إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\". (٢)\n_________\n(١) وقد تكررت هذه الآية في السور الآتية: الإسراء، الآية: ١٥، وفاطر، الآية: ١٨، والزمر، الآية: ٧، والنجم، الآية: ٣٨.\n(٢) رَوَى هذا الحديث عن النبي - ﷺ - ستة من أصحابه - ﵃ -:\nالأول: حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -، وقد روي عنه بألفاظ مختلفة:\n١ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ حَفْصَةَ بَكَتْ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: مَهْلًا يَا بُنَيَّةُ، أَلَمْ تَعْلَمِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\".\nأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (١٦) - (٩٢٧).\n٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: تُوُفِّيَتْ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ - ﵁ - بِمَكَّةَ وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ - ﵃ - وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا أَوْ قَالَ جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ: أَلَا تَنْهَى عَنْ الْبُكَاءِ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\"، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قَدْ كَانَ عُمَرُ - ﵁ - يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ قَالَ: صَدَرْتُ =","vol":"1","page":152},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= مَعَ عُمَرَ - ﵁ - مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ فَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ؟ قَالَ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا صُهَيْبٌ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ادْعُهُ لِي، فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ: وَا أَخَاهُ، وَا صَاحِبَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ - ﵁ -: يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِي عَلَيَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ﵁ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\"، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\"، وَقَالَتْ: حَسْبُكُمْ الْقُرْآنُ: (؟؟؟؟؟) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى. قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَاللَّهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ شَيْئًا\".\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (١٢٨٧)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (٩٢٧).\n٣ - عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ - ﵁ - جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ: وَا أَخَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ\".\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (١٢٩٠)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (١٨) - (٩٢٧) و(١٩) - (٩٢٧).\n٤ - ... عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ ﵄، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ\".\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (١٢٩٢)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (١٧) - (٩٢٧).\n٥ - ... عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ ﵄، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ\".\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (١٢٩٢).\n٦ - عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: \"لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ أَقْبَلَ صُهَيْبٌ مِنْ مَنْزِلِهِ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عُمَرَ فَقَامَ بِحِيَالِهِ يَبْكِي فَقَالَ عُمَرُ: عَلَامَ تَبْكِي؟ أَعَلَيَّ تَبْكِي؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ لَعَلَيْكَ أَبْكِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ يُبْكَى عَلَيْهِ يُعَذَّبُ\".\nأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (٢٠) - (٩٢٧).\n٧ - عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ - لَمَّا طُعِنَ عَوَّلَتْ عَلَيْهِ حَفْصَةُ فَقَالَ: يَا حَفْصَةُ أَمَا سَمِعْتِ رَسُولَ - ﷺ - يَقُولُ: \"الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ\".\nأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (٢١) - (٩٢٧). =","vol":"1","page":153},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الثاني: حديث عبد الله بن عمر ﵄، وقد روي عنه بألفاظ مختلفة:\n١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: تُوُفِّيَتْ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ - ﵁ - بِمَكَّةَ وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ - ﵃ - وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا أَوْ قَالَ جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ: أَلَا تَنْهَى عَنْ الْبُكَاءِ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\".\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (١٢٨٦)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (٢٣) - (٩٢٨).\n٢ - ... عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ\".\nأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (٢٤) - (٩٣٠).\n٣ - ... عن ابْنِ عُمَرَ - ﵁ - يَرْفَعُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -: \"إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\".\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، حديث (٣٩٧٩)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (٢٦) - (٩٣٢).\nالثالث: حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ -، وقد روي عنه بلفظين:\n١ - ... عَنْ الْمُغِيرَةِ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ\".\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (١٢٩١).\n٢ - ... عَنْ الْمُغِيرَةِ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\".\nأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (٢٨) - (٩٣٣).\nالرابع: حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -:\nأن النبي - ﷺ - قال: \"الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ، إِذَا قَالَتْ النَّائِحَةُ: وَاعَضُدَاهُ، وَانَاصِرَاهُ، وَاكَاسِبَاهُ، جُبِذَ الْمَيِّتُ وَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ عَضُدُهَا، أَنْتَ نَاصِرُهَا، أَنْتَ كَاسِبُهَا\".\nأخرجه الإمام أحمد - واللفظ له - في مسنده (٤/ ٤١٤)، حديث (١٩٧٣١)، والترمذي في سننه، في كتاب الجنائز، حديث (١٠٠٣)، وابن ماجة في سننه، في كتاب، الجنائز، حديث (١٥٩٤)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥١١)، جميعهم من طريق زهير بن محمد، عن أسيد بن أبي أسيد، عن موسى بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه، به.\nولفظ الترمذي: \"مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ بَاكِيهِ فَيَقُولُ: وَا جَبَلَاهْ، وَا سَيِّدَاهْ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، إِلَّا وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانِ يَلْهَزَانِهِ: أَهَكَذَا كُنْتَ؟ \".\nقال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (٧/ ١٤١): \"زهير بن محمد هو أبو المنذر، الخراساني الشامي، وهو ضعيف، وقد جاء الحديث من طرق عن جمع من =","vol":"1","page":154},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الصحابة، بدون هذه الزيادة:\n\"إذا قالت النائحة ... \"، فتفرده بها مما لا يُحتمل\". اهـ\nوالحديث صححه الحاكم، وحسنه الترمذي، والصواب ضعفه بتلك الزيادة.\nالخامس: حديث عمران بن حصين - ﵁ -:\nفعن محمد بن سيرين قال: ذُكِرَ عند عمران بن حصين - ﵁ -: \"الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ\" فقال عمران: قاله رسول الله - ﷺ -.\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٤٣٧)، حديث (١٩٩٣٢)، والنسائي في سننه، في كتاب الجنائز، حديث (١٨٤٩).\nالسادس: حديث سمرة - ﵁ -:\nأن النبي - ﷺ - قال: \"الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ\".\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ١٠)، حديث (٢٠١٢٢)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢١٥)، والروياني في مسنده (٢/ ٥٨). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٦) وقال: \"رواه الطبراني في الكبير، وفيه عمر بن إبراهيم الأنصاري، وفيه كلام، وهو ثقة\".\nوهذا ملخص لألفاظ الحديث:\n\"إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\".\n\"إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ\".\n\"الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ\".\n\"الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ، إِذَا قَالَتْ النَّائِحَةُ: وَاعَضُدَاهُ، وَانَاصِرَاهُ، وَاكَاسِبَاهُ، جُبِذَ الْمَيِّتُ وَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ عَضُدُهَا، أَنْتَ نَاصِرُهَا، أَنْتَ كَاسِبُهَا\".\n\"إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\".\n\"إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\".\n\"الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ\".\n\"مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\".\n\"الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ\".\n\"الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ\".\n\"مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ\".\n\"مَنْ يُبْكَى عَلَيْهِ يُعَذَّبُ\".\nويلاحظ أن هذه الروايات فيها شيء من الاختلاف، وقد أوضح العيني - ﵀ - بعضًا من الفروق بينها فقال: \"قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما على وجهين: أحدهما: \"إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\"، والآخر: \"إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ\"، واللفظان مرفوعان، فهل يقال: يحمل المطلق على المقيد ويكون عذابه ببكاء أهله عليه فقط؟ أو يكون الحكم للرواية العامة، وأنه يعذب ببكاء الحي عليه، سواء كان من أهله أم لا؟ وأجيب: بأن الظاهر جريان حكم العموم وأنه لا يختص ذلك بأهله.\nوجاء في حديث ابن عمر: \"إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\"، وفي بعض طرقه: \"مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". فالرواية الأولى عامة في البكاء، وهذه الرواية خاصة في النياحة، فهاهنا يحمل المطلق على المقيد، فتكون الرواية التي فيها مطلق البكاء محمولة على البكاء بنوح، ويؤيد ذلك إجماع العلماء على حمل ذلك على البكاء بنوح، وليس المراد مجرد دمع العين، ومما يدل على أنه ليس المراد عموم البكاء: قوله: \"إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\". فقيده ببعض =","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث:</span>\nظاهر الآية الكريمة أَنَّ الله تعالى لا يُعذِّبُ أحدًا بوزر غيره، وأما الحديث الشريف ففيه أنَّ الميت يُعذب ببكاء أهله عليه، وهذا يُوهِمُ مُعارضة الآية؛ لأن بكاء أهله عليه ليس من فعله. (١)\nقال الشنقيطي: يَرِدُ على هذه الآية الكريمة سؤال: وهو ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر ﵄، من أَنَّ الميت يُعذب ببكاء أهله عليه، فيقال: ما وجه تعذيبه ببكاء غيره؟ إذ مؤاخذته ببكاء غيره قد يظن من لا يعلم أنها من أخذ الإنسان بذنب غيره. اهـ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث:</span>\nأجمع العلماء على أَنَّ المراد بالبكاء في الحديث هو الذي يكون بصوتٍ وندبٍ ونياحة، وأما مجرد دمع العين فلا يدخل في الحديث، وقد حكى الإجماع النووي ﵀. (٣)\nومستند الإجماع قوله - ﷺ -: \"إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ\n_________\n= البكاء؛ فيحمل على ما فيه نياحة جمعًا بين الأحاديث\". اهـ من عمدة القاري (٨/ ٧٨).\n(١) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة، ص (٢٢٧)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٣/ ٧٩)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي\n(١/ ٥٥)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٢٠/ ١٣٧ - ١٣٨)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٢/ ٥٨٠)، وتفسير القرطبي (١٠/ ١٥١)، واللباب في علوم الكتاب، لابن عادل الحنبلي\n(١٢/ ٢٢٩)، وسبل السلام، للصنعاني (٢/ ٢٣٨)، ونيل الأوطار، للشوكاني (٤/ ١٢٥)، وروح المعاني، للآلوسي (١٥/ ٤٧).\n(٢) أضواء البيان، للشنقيطي (٣/ ٤٧٠)، بتصرف.\n(٣) انظر: المجموع (٥/ ٢٨٣)، وشرح صحيح مسلم (٦/ ٣٢٥)، كلاهما للنووي.","vol":"1","page":156},{"text":"الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ، وَإِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\". (١)\nولا إشكال في مؤاخذة الحي بالندب والنياحة؛ لأنَّ ذلك أمر منهي عنه (٢)، وإنما الإشكال في مؤاخذة الميت بذلك. (٣)\nوقد اختلف العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث على مسلكين:\nالأول: مسلك الجمع بين الآية والحديث:\nوعلى هذا المسلك عامة العلماء، من محدثين، ومفسرين، وفقهاء؛ إلا أنهم اختلفوا في الجمع على مذاهب:\nالأول: حمل الأحاديث الواردة في المسألة على ظاهرها، وتأويل الآية.\nويرى أصحاب هذا المسلك أَنَّ الميتَ يُعذَّبُ بمجرد بكاء أهله عليه، وإن لم يكن له تسبب في ذلك.\nوهذا مذهب: عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، ﵄. (٤)\nأما مذهب عمر - ﵁ -، فيدل عليه قصته مع صهيب، فعن ابن عباس - ﵁ - قال: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ - ﵁ - مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ (٥) إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (١٣٠٤)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (٩٢٤).\n(٢) وردت عدة أحاديث في تحريم النياحة على الميت، منها:\nحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ\". أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (٦٧).\nوحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول - ﷺ -: \"لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ\". أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (١٢٩٤)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٠٣).\n(٣) انظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (١/ ٥٥).\n(٤) انظر: فتح الباري، لابن حجر (٣/ ١٨٣)، وشرح الصدور، للسيوطي، ص (٢٨٣).\n(٥) البيداء: المفازة التي لا شيء بها، وقد تكرر ذكرها في عدة أحاديث، ويراد بها اسم موضع مخصوص، وهو ذو الحليفة بالقرب من المدينة على طريق مكة. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (١/ ١٧١).","vol":"1","page":157},{"text":"ظِلِّ سَمُرَةٍ فَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ؟ قَالَ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا صُهَيْبٌ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ادْعُهُ لِي، فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ: وَا أَخَاهُ، وَا صَاحِبَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ - ﵁ -: يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِي عَلَيَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\". (١)\nقال الحافظ ابن حجر: \"ويُحتمل أن يكون عمر - ﵁ - كان يرى أَنَّ المؤاخذة تقع على الميت إذا كان قادرًا على النهي ولم يقع منه؛ فلذلك بادر إلى نهي صهيب، وكذلك نهى حفصة، كما رواه مسلم (٢) من طريق نافع عن ابن عمر عنه\". اهـ (٣)\nوأما مذهب عبد الله بن عمر - ﵁ - فيدل عليه: أنه شهد جنازة رافع بن خديج وقام النساء يبكين على رافع فأجلسهن مرارًا ثم قال لهن: \"ويحكن إنَّ رافع بن خديج شيخ كبير لا طاقة له بالعذاب، وإنَّ الميت يعذب ببكاء أهله عليه\". (٤)\n_________\n(١) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٢) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٣) فتح الباري، لابن حجر (٣/ ١٨٣).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣/ ٥٥٦)، والطبراني في الكبير (٤/ ٢٤٠)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٩)، والبغدادي في تاريخه (٥/ ٢٥١)، جميعهم من طريق بشر بن حرب، أبي عمرو الندبي قال: سمعت ابن عمر يقول: ....، فذكره.\nو\"بشر بن حرب\" هو: أبو عمرو الندبي، البصري، والندب حي من الأزد، وقد ضعفه علي بن المديني، ويحيى، والنسائي، وقال أحمد: ليس بالقوي، وقال ابن خراش: متروك، وكان حماد بن زيد يمدحه، وقال محمد بن أبي شيبة: سألت ابن المديني عنه فقال: كان ثقة عندنا، وقال ابن عدي: لا بأس به عندي، لا أعرف له حديثًا منكرًا. انظر: الكامل في ضعفاء الرجال، لابن عدي (٢/ ٩).\nوقد تُوبِعَ بشر في هذه الرواية؛ فأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٧٢)، وأبو عوانة [كما في فتح الباري، لابن حجر (٣/ ١٩٠)] كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، أن عبد الله بن عمر لما مات رافع بن خديج قال لهم: \"لا تبكوا عليه؛ فإن بكاء الحي عذاب للميت\".\nورجال إسناده ثقات؛ إلا أن فيه انقطاع بين أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعبد الله بن عمر.\nوأخرج نحوه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ١٣٥)، حديث (٦١٩٥) قال: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو شُعْبَةَ الطَّحَّانُ جَارُ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ قَالَ: كُنْتُ =","vol":"1","page":158},{"text":"واختار هذا المذهب:\nالأُبِّيّ (١)، والشوكاني، وابن باز، ﵏. (٢)\nواستدلوا له:\n١ - بأنَّ لله تعالى أن يتصرف في خلقه كما يشاء، ولا يُسأل عما يفعل سبحانه. (٣)\n٢ - أَنَّ الله تعالى أخبر بأنه قد يُعذب في الدنيا من لا ذنب له، بسبب ذنب غيره، كما في قوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) [الأنفال: ٢٥]، يريد أنها تعم فتُصيب الظالم وغيره، وقال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١» [الروم: ٤١]، وقالت زينب بنت جحش ﵂: يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ فقال: \"نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ\" (٤)، وقد أغرق الله تعالى أمة نوح ﵇ كلها، وفيهم الأطفال والبهائم، وذلك بذنوب البالغين، وأهلك قوم عاد بالريح العقيم، وثمود بالصاعقة، وقوم لوط بالحجارة، ومسخ أصحاب السبت قردة وخنازير، وعذب بعذابهم الأطفال، وإذ الأمر كذلك فإن حال البرزخ تُلْحَقُ بحال الدنيا، فيجوز التعذيب فيها بسبب ذنب الغير، كما\n_________\n= مَعَ ابْنِ عُمَرَ - ﵁ - فِي جَنَازَةٍ فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانٍ يَصِيحُ فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَأَسْكَتَهُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لِمَ أَسْكَتَّهُ؟ قَالَ: إِنَّهُ يَتَأَذَّى بِهِ الْمَيِّتُ حَتَّى يُدْخَلَ قَبْرَهُ\".\nوفي إسناده: \"أبو شعبة الطحان\" قال الدارقطني: متروك. و\"أبو الربيع\" قال الدارقطني: مجهول. انظر: المغني في الضعفاء، للذهبي (٢/ ٧٨٤، ٧٩٠)، ولسان الميزان، لابن حجر (٧/ ٤٧، ٦٣)، وتعجيل المنفعة، لابن حجر (١/ ٤٨٤، ٤٩٣).\nوالأثر أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٥) وقال: \"رواه أحمد، وأبو الربيع قال فيه الدارقطني: مجهول\". وأورده في (٣/ ١٦) وقال: \"رواه أحمد، وفيه أبو شعبة الطحان، وهو متروك\".\n(١) هو: محمد بن خليفة بن عمر الأُبِّيّ، الوشتاني المالكي: عالم بالحديث، من أهل تونس. نسبته إلى (أبة) من قراها. ولي قضاء الجزيرة، سنة ٨٠٨ هـ. له (إكمال إكمال المعلم، بفوائد كتاب مسلم) سبعة أجزاء، في شرح صحيح مسلم، جمع فيه بين شرح المازري، والقاضي عياض، والقرطبي، والنووي، مع زيادات من كلام شيخه ابن عرفة، مات بتونس، سنة ٨٢٧ هـ. انظر: الأعلام، للزركلي (٦/ ١١٥).\n(٢) انظر: إكمال إكمال المعلم، للأبي (٣/ ٣٢٥)، ونيل الأوطار، للشوكاني (٤/ ١٢٧ - ١٢٨)، ومجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز (١٣/ ٤١٧).\n(٣) انظر: المغني، لابن قدامة (٢/ ٢١٤).\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (٣٣٤٦)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الفتن، حديث (٢٨٨٠).","vol":"1","page":159},{"text":"في الدنيا. (١)\nوأجاب أصحاب هذا المذهب عن الآية:\nبأنها عامة، والحديث مُخصص لعمومها، والسنة تُخصص عموم القرآن على الصحيح. (٢)\nقال الشوكاني: \"وأنت خبير بأنَّ الآية عامة; لأن الوِزْرَ المذكور فيها واقع في سياق النفي، والأحاديث المذكورة مشتملة على وِزْرٍ خاص، وتخصيص العمومات القرآنية بالأحاديث الأحادية هو المذهب المشهور الذي عليه الجمهور (٣)،\nفلا وجه لما وقع من رد الأحاديث بهذا العموم، ولا ملجأ إلى تجشم المضايق لطلب التأويلات المستبعدة باعتبار الآية ....، والأحاديث التي ذُكِرَ فيها تعذيبٌ مختصٌ بالبرزخ، أو بالتألم، أو بالاستعبار - كما في حديث قيلة (٤) (٥) - لا تدل على اختصاص التعذيب المطلق في الأحاديث بنوع منها; لأن التنصيص على ثبوت الحكم لشيء بدون مشعر بالاختصاص به لا ينافي ثبوته لغيره، فلا إشكال من هذه الحيثية، وإنما الإشكال في التعذيب بلا ذنب، وهو مخالف لعدل الله وحكمته، على فرض عدم حصول سبب من الأسباب التي يحسن عندها في مقتضى الحكمة، كالوصية من الميت بالنوح، وإهمال نهيهم عنه، والرضا به، وهذا يئول إلى مسألة التحسين والتقبيح والخلاف فيها بين طوائف المتكلمين معروف (٦)،\n_________\n(١) انظر: تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة، ص (٢٣١ - ٢٣٢)، وسبل السلام، للصنعاني (٢/ ٢٣٨).\n(٢) انظر: إكمال إكمال المعلم، للأبي (٣/ ٣٢٥).\n(٣) مذهب الأئمة الأربعة، وجمهور العلماء، من متكلمين وفقهاء: جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد، وهناك أقوال أخرى في المسألة، انظرها في: التمهيد، لأبي الخطاب (٢/ ١٠٦)، والمستصفى، للغزالي (٢/ ١١٤)، والمحصول، للرازي (١/ ١٢١)، والإحكام، للآمدي (٢/ ٣٢٢)، وروضة الناظر، لابن قدامة (٢/ ٧٢٨).\n(٤) هي: قَيْلة بِنْت مَخْرَمة الغَنَوِيّة، وقيل العنزية، وقيل العنبرية، وهو الصحيح، والعنبر من تميم، هاجرت إلى النبي - ﷺ - مع حريث بن حسان وافد بني بكر بن وائل. انظر: أسد الغابة، لابن الأثير (٥/ ٣٨٢)، والإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر (٨/ ٨٣).\n(٥) سيأتي تخريجه.\n(٦) قال شيخ الإسلام ابن تيمية، في مجموع الفتاوى (٨/ ٤٢٨): \"وأما مسألة تحسين العقل وتقبيحه ففيها نزاع مشهور بين أهل السنة والجماعة من الطوائف الأربعة وغيرهم؛ فالحنفية وكثير من المالكية والشافعية والحنبلية يقولون بتحسين العقل =","vol":"1","page":160},{"text":"ونقول: ثبت عن رسول الله - ﷺ - \"أَنَّ الميت يعذب ببكاء أهله عليه\" فسمعنا وأطعنا، ولا نزيد على هذا\". اهـ (١)\nوكذا قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز لما سُئِلَ عن الجمع بين الآية والأحاديث، فأجاب: \"ليس هناك تعارض بين الأحاديث والآية ....، فقد ثبت عن رسول الله - ﷺ - من حديث ابن عمر، ومن حديث المغيرة وغيرهما في الصحيحين، وليس في البخاري وحده، أَنَّ النبي - ﷺ - قال: \"إن الميت يعذب بما يناح عليه\"، وفي رواية للبخاري: \"ببكاء أهله عليه\" ....، والرسول - ﷺ - قصد بهذا منع الناس من النياحة على موتاهم، وأن يتحلوا بالصبر ويكفوا عن النوح ....، فالميت يعذب بالنياحة عليه من أهله، والله أعلم بكيفية العذاب الذي يحصل له بهذه النياحة، وهذا مستثنى من قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤]؛ فإنَّ القرآن والسنة لا يتعارضان، بل يصدق أحدهما الآخر، ويفسر أحدهما الآخر؛ فالآية عامة والحديث خاص، والسنة تفسر القرآن وتبين معناه؛ فيكون تعذيب الميت بنياحة أهله عليه مستثنى من الآية الكريمة، ولا تعارض بينها وبين الأحاديث\". اهـ (٢)\nولابن قتيبة رأيان في المسألة:\nالأول: موافقة عائشة ﵂، كما سيأتي.\nوالثاني: أَنَّ الآية خاصة في أحكام الدنيا.\nقال ابن قتيبة: \"وأما قولهم كيف يُعذَّب الميتُ ببكاء الحي، والله تعالى يقول: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)؟ فإنا أيضًا نظن أَنَّ التعذيب للكافر ببكاء أهله عليه، وكذلك قال ابن عباس (٣) إنه مرَّ بقبر يهودي فقال: إنه يعذب وإن أهله ليبكون عليه؛ فإن كان كذلك فهذا مالا يُوحِش؛ لأن الكافر يُعذب على كل\n_________\n= وتقبيحه، وهو قول الكرامية والمعتزلة، وهو قول أكثر الطوائف من المسلمين، واليهود والنصارى والمجوس وغيرهم، وكثير من الشافعية والمالكية والحنبلية ينفون ذلك، وهو قول الأشعرية\".\n(١) نيل الأوطار، للشوكاني (٤/ ١٢٧ - ١٢٨).\n(٢) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز (١٣/ ٤١٧ - ٤١٩).\n(٣) كذا في الأصل، والصواب عائشة ﵂.","vol":"1","page":161},{"text":"حال، وإن كان أراد المسلم المقصر؛ فإن قول الله ﷿: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) إنما هو في أحكام الدنيا، وكان أهل الجاهلية يطلبون بثأر القتيل فيقتل أحدهم أخاه أو أباه أو ذا رحم به، فإذا لم يقدر على أحد من عصبته ولا ذوي الرحم به قتل رجلًا من عشيرته، فأنزل الله ﵎: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (١)، وأخبرنا أيضًا أنه مما أنزل على إبراهيم ﵇ (٢)، ولذلك قال رسول الله - ﷺ - لرجل رأى معه ابنه: \"لَا تَجْنِي عَلَيْهِ وَلَا يَجْنِي عَلَيْكَ\" (٣) \". اهـ (٤)\nوذهب الكرماني إلى أَنَّ الآية خاصة في أحكام الآخرة؛ إذ المراد بها الإخبار عن حال الآخرة، وأما الحديث ففيه الإخبار عن حال البرزخ، وحال البرزخ تلحق بأحوال الدنيا، والتي يجوز فيها التعذيب بذنب الغير، وعليه فلا يكون هناك تعارض بين الآية والحديث. (٥)\nوأجاب أصحاب هذا المذهب عن حديث عائشة ﵂، والذي فيه تخصيص ذلك بالكافر:\nفقال الشوكاني: \"وأما ما روته عائشة عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"ذلك في الكافر أو في يهودية معينة\" فهو غير مناف لرواية غيرها من الصحابة; لأن روايتهم مشتملة على زيادة، والتنصيص على بعض أفراد العام لا يوجب نفي الحكم عن بقية الأفراد، لما تقرر في الأصول من عدم صحة التخصيص\n_________\n(١) أخرج ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٣٢)، عن ابن عباس ﵂ - في تفسير قوله تعالى: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧» [النجم: ٣٧]- قال: \"كانوا قبل إبراهيم يأخذون الولي بالولي، حتى كان إبراهيم فبلَّغَ: (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨»، لا يؤخذ أحد بذنب غيره\".\n(٢) وذلك في قوله تعالى: (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨» [النجم: ٣٨].\n(٣) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الترجل، حديث (٤٢٠٨)، والنسائي في سننه، في كتاب القسامة، حديث (٤٨٣٢)، وابن ماجة في سننه، في كتاب الديات، حديث (٢٦٧١). وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٢٨١)، حديث (١٣١٧).\n(٤) تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة، ص (٢٣١ - ٢٣٢)\n(٥) نقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح (٣/ ١٨٥)، وانظر: سبل السلام، للصنعاني (٢/ ٢٣٨).","vol":"1","page":162},{"text":"بموافق العام\". اهـ (١)\nوقال سماحة الشيخ ابن باز: \"وأما قول عائشة ﵂ فهذا من اجتهادها وحرصها على الخير، وما قاله النبي - ﷺ - مقدم على قولها وقول غيرها لقول الله سبحانه: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) [الشورى: ١٠] وقوله ﷿: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء: ٥٩] والآيات في هذا المعنى كثيرة، والله الموفق\". اهـ (٢)\nالمذهب الثاني: حمل الآية على ظاهرها وتأويل الأحاديث.\nوهذا مذهب الجمهور من العلماء حيث ذهبوا إلى تأويل الأحاديث الواردة في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، لما فيها من مخالفة لعمومات القرآن، وإثباتها لتعذيب من لا ذنب له، لكن اختلفوا في التأويل على أقوال:\nالأول: أَنَّ الباء في قوله - ﷺ -: \"ببكاء أهله\" هي للحال، والمعنى: أَنَّ مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه، وذلك أَنَّ شدة بكائهم غالبًا إنما تقع عند دفنه، وهو في تلك الحالة يُسْأل، ويبتدئ به عذاب القبر، فكأن معنى الحديث: أَنَّ الميت يعذب حال بكاء أهله عليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون بكاؤهم سببًا لتعذيبه. (٣)\nحكى هذا القول: الخطابي، والمازري، وابن الجوزي. (٤)\nالإيرادات والاعتراضات على هذا القول:\nقال الحافظ ابن حجر: \"ولا يخفى ما في هذا القول من التكلف، ولعل قائله إنما أخذه من قول عائشة ﵂: إنما قال رسول الله - ﷺ -: \"إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الْآنَ\" (٥)، وعلى هذا يكون خاصًا ببعض\n_________\n(١) نيل الأوطار، للشوكاني (٤/ ١٢٨).\n(٢) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز (١٣/ ٤١٧ - ٤١٩).\n(٣) انظر: فتح الباري، لابن حجر (٣/ ١٨٣).\n(٤) انظر: معالم السنن، للخطابي (١/ ٢٦٤)، والمعلم بفوائد مسلم، للمازري (١/ ٣٢٤)، وكشف المشكل، لابن الجوزي (١/ ٥٨).\n(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، حديث (٣٩٧٩)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (٩٣٢).","vol":"1","page":163},{"text":"الموتى\". اهـ (١)\nوضعفه الطيبي بناء على رواية: \"ببكاء الحي\": ورواية: \"يعذب في قبره بما نيح عليه\"، حيث يرى أَنَّ هاتين الروايتين تردان القول بأن الباء للحال. (٢)\nوقال ابن القيم: \"وهذا المسلك باطل قطعًا؛ فإنه ليس كل ميت يعذب، ولأن هذا اللفظ لا يدل إلا على السببية كما فهمه أعظم الناس فهمًا؛ ولهذا ردته عائشة لما فهمت منه السببية؛ ولأن اللفظ الآخر الصحيح الذي رواه المغيرة (٣) يُبطل هذا التأويل؛ ولأن الإخبار بمقارنة عذاب الميت المستحق للعذاب لبكاء أهله لا فائدة فيه\". اهـ (٤)\nالقول الثاني: أَنَّ اللام في قوله - ﷺ -: \"إِنَّ الْمَيِّتَ\" هي لمعهود معين، وهي يهودية مَرَّ بها النبي - ﷺ - فقال الحديث، والراوي سمع بعض الحديث، ولم يسمع بعضه الآخر.\nوهذا هو الظاهر من رواية عمرة (٥)،\nوعروة (٦)، عن عائشة ﵂.\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر (٣/ ١٨٣).\n(٢) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح (٣/ ٤١٢).\n(٣) لفظ حديث المغيرة - ﵁ -: \"مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ\". وقد تقدم في أول المسألة.\n(٤) حاشية ابن القيم على مختصر سنن أبي داود (٨/ ٢٧٩).\n(٥) عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ ﵂ - وَذُكِرَ لَهَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ - فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا، فَقَالَ: \"إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا\".\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (١٢٨٩)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (٢٧) - (٩٣٢)، واللفظ لمسلم.\n(٦) عن أبي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -: \"إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ\"، فَقَالَتْ: وَهَلَ، إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الْآنَ\".\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، حديث (٣٩٧٩)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (٢٦) - (٩٣٢)، واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":164},{"text":"وهو اختيار: القاضي أبي بكر الباقلاني (١) (٢)، والخطابي - في أحد قوليه (٣).\nواحتجوا له: بأن حديث عمر بن الخطاب، وابنه، مجمل، وحديث عائشة مُفَسَّر، والمفسر مقدم على المجمل. (٤)\nالقول الثالث: أَنَّ التعذيب المذكور في الحديث مختص بالكافر؛ فإن الله يزيده عذابًا ببكاء أهله عليه، وأما المؤمن فلا يعذب بذنب غيره أبدًا.\nقال الحافظ ابن حجر: \"وهو بين من رواية ابن عباس عن عائشة\". (٥)\nقلت: رواية ابن عباس أخرجها البخاري (٦)، ومسلم (٧)، من طريق عبد الله بن عبيدالله بن أبي مُلَيْكَةَ قال: \"تُوُفِّيَتْ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ - ﵁ - بِمَكَّةَ وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ - ﵃ -، وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا، أَوْ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ: أَلَا تَنْهَى عَنْ الْبُكَاءِ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\".\nفَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قَدْ كَانَ عُمَرُ - ﵁ - يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ قَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ - ﵁ - مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ فَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ؟ قَالَ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا صُهَيْبٌ، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: ادْعُهُ لِي، فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ\n_________\n= وعَنْ حَمَّادٍ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: \"الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\". فَقَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعَ شَيْئًا فَلَمْ يَحْفَظْهُ، إِنَّمَا مَرَّتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهِ فَقَالَ: \"أَنْتُمْ تَبْكُونَ وَإِنَّهُ لَيُعَذَّبُ\".\nأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (٢٥) - (٩٣١).\n(١) هو: محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر، أبو بكر: قاضٍ، من كبار علماء الكلام. انتهت إليه الرياسة في مذهب الأشاعرة. ولد في البصرة، وسكن بغداد فتوفي فيها. كان جيد الاستنباط، سريع الجواب. وجهه عضد الدولة سفيرًا عنه إلى ملك الروم، فجرت له في القسطنطينية مناظرات مع علماء النصرانية بين يدي ملكها. من كتبه (إعجاز القرآن) و(الانتصار للقرآن) وغيرها، (ت: ٤٠٣ هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٦/ ١٧٦).\n(٢) نقله عنه الحافظ ابن حجر، في فتح الباري (٣/ ١٨٤).\n(٣) معالم السنن، للخطابي (١/ ٢٦٤).\n(٤) انظر: معالم السنن، للخطابي (١/ ٤٦٢)، وكشف المشكل، لابن الجوزي (١/ ٥٦).\n(٥) فتح الباري، لابن حجر (٣/ ١٨٤).\n(٦) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، حديث (١٢٨٦) و(١٢٨٧) و(١٢٨٨)، واللفظ له.\n(٧) صحيح مسلم، كتاب الجنائز، حديث (٩٢٨).","vol":"1","page":165},{"text":"فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ: وَا أَخَاهُ وَا صَاحِبَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ - ﵁ -: يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِي عَلَيَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\"، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ - ﵁ - ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\"، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\"، وَقَالَتْ: حَسْبُكُمْ الْقُرْآنُ (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى. قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَاللَّهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ شَيْئًا\". (١)\nوقد ذهب الإمام الشافعي إلى تصويب عائشة ﵂ فيما ذهبت إليه، حيث قال: \"وما روت عائشة عن رسول الله أشبه أن يكون محفوظًا عنه - ﷺ -، بدلالة الكتاب ثم السنة. فإن قيل: فأين دلالة الكتاب؟ قيل: في قوله ﷿: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، و(وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩» [النجم: ٣٩]، وقوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨» [الزلزلة: ٧ - ٨]، وقوله: (لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) [طه: ١٥].\nقال الشافعي: وعمرة أحفظ عن عائشة من ابن أبي مليكة، وحديثها أشبه الحديثين أن يكون محفوظًا؛ فإن كان الحديث على غير ما روى ابن أبي مليكة من قول النبي - ﷺ -: \"إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها\" فهو\n_________\n(١) قال أبو العباس القرطبي: \"سكوت ابن عمر عن عائشة حين قالت ما قالت ليس لشّكه فيما رواه، لا هو ولا أبوه عمر ﵄؛ فإنهما قد صرحا برفع ذلك إلى النبي - ﷺ -، وإنما كان - والله تعالى أعلم - لأنه ظهر له أن الحديث قابل للتأويل، ولم يتعين له محمل، أو سكت محترمًا لها عن أن يراجعها في ذلك المجلس، وفي ذلك الوقت، وأخَّر ذلك لوقت آخر، مع أنه لم تُرْهِقْ إليه في ذلك الوقت حاجة يعتد بها، والله تعالى أعلم\". اهـ من المفهم (٢/ ٥٨٣ - ٥٨٤).\nوقال الأُبِّيّ: \"فإن قلت: سكوت ابن عمر وعدم قوله شيئًا هو تسليم منه لما ذَكَرَتْ. قلت: لا يتعين أن يكون تسليمًا؛ لاحتمال أن يكون مذهبه أن السنة لا تخصص القرآن\". اهـ من إكمال إكمال المعلم (٣/ ٣٢٦).","vol":"1","page":166},{"text":"واضح لا يحتاج إلى تفسير؛ لأنها تعذب بالكفر، وهؤلاء يبكون ولا يدرون ما هي فيه، وإن كان الحديث كما رواه ابن أبي مليكة فهو صحيح؛ لأن على الكافر عذابًا أعلى، فإن عذب بدونه فزيد في عذابه فيما استوجب وما نيل من كافر من عذاب أدنى من أعلى منه، وما زيد عليه من العذاب فباستيجابه لا بذنب غيره في بكائه عليه.\nفإن قيل: يزيده عذابًا ببكاء أهله عليه؟ قيل: يزيده بما استوجب بعمله ويكون بكاؤهم سببًا، لا أنه يُعذب ببكائهم.\nفإن قيل: أين دلالة السنة؟ قيل: قال رسول الله - ﷺ - لرجل: \"ابنك هذا؟ قال: نعم. قال: \"أَمَا إِنَّكَ لَا تَجْنِي عَلَيْهِ وَلَا يَجْنِي عَلَيْكَ\" (١)، فأعلم رسول الله - ﷺ - مثل ما أعلم الله من أَنَّ جناية كل امرئ عليه كما عمله له لا لغيره ولا عليه\". اهـ (٢)\nوذكر ابن عبد البر أَنَّ ما ذهب إليه الشافعي هو تحصيل مذهب الإمام مالك؛ لأن مالكًا ذكر حديث عائشة في موطئه (٣)، ولم يذكر خلافه عن أحد. (٤)\nالإيرادات والاعتراضات على مذهب عائشة ﵂:\nإن المتأمل في الروايات الواردة عن عائشة ﵂ يلحظ فيها شيئًا من الاختلاف، فهي مرة تؤول الحديث بأنه حكاية حال عن امرأة يهودية تُعذب في قبرها، ومرة تذكر بأنه يهودي وليست يهودية، ومرة أخرى تؤول الحديث بأن الكافر يزيده الله عذابًا ببكاء أهله عليه، وهي في كل ذلك ترفع هذه التأويلات للنبي - ﷺ -.\nوقد تكلم العلماء على مذهب عائشة وما أوردته من تأويلات:\nفقال الحافظ ابن حجر: \"وهذه التأويلات عن عائشة متخالفة، وفيه\n_________\n(١) سبق تخريجه، ص (١٥٣).\n(٢) الأم، للشافعي (٨/ ٦٤٩)، وانظر: اختلاف الحديث (١/ ٥٣٧).\n(٣) انظر: الموطأ، كتاب الجنائز، حديث (٥٥٣).\n(٤) التمهيد، لابن عبد البر (١٧/ ٢٧٩)، وانظر: الاستذكار (٨/ ٣٢١ - ٣٢٢).","vol":"1","page":167},{"text":"إشعار بأنها لم تَرُد الحديثَ بحديثٍ آخر؛ بل بما استشعرته من معارضة القرآن\". اهـ (١)\nوقال الداوودي (٢):\n\"رواية ابن عباس عن عائشة أثبتت ما نفته عمرة وعروة عنها، إلا أنها خصته بالكافر؛ لأنها أثبتت أَنَّ الميت يزداد عذابًا ببكاء أهله، فأي فرق بين أن يزداد بفعل غيره أو يعذب ابتداء\". اهـ (٣)\nوقال ابن الجوزي: \"وهذا الجواب لا أعتمد عليه لثلاثة أوجه:\nأحدها: أَنَّ ما روته عائشة حديث وهذا حديث، ولا تناقض بينهما، بل لكل واحد منهما حكمه.\nوالثاني: أنها أنكرت برأيها وقالت بظنها، وقول الرسول - ﷺ - إذا صح لا يلتفت معه إلى رأي.\nوالثالث: أَنَّ ما ذكرته لم يُحْفَظْ إلا عنها، وذلك الحديث محفوظ عن عمر، وابن عمر، والمغيرة، وهم أولى بالضبط منها\". اهـ (٤)\nوقال أبو العباس القرطبي - بعد أن أورد إنكار عائشة ﵂ -: \"وهذا فيه نظر؛ أما إنكارها ونسبة الخطأ لراويه فبعيد، وغير بيّن ولا واضح، وبيانه من وجهين:\nأحدهما: أَنَّ الرواة لهذا المعنى كثير؛ عمر، وابن عمر، والمغيرة بن شعبة، وقيلة بنت مخرمة، وهم جازمون بالرواية، فلا وجه لتخطئتهم، وإذا أُقْدِمَ على ردِّ خبر جماعة مثل هؤلاء - مع إمكان حمله على محمل الصحيح - فلأن يُرَدَّ خبر راوٍ واحد أولى، فرد خبرها أولى، على أَنَّ الصحيح: ألا يرد واحد من تلك الأخبار، وينظر في معانيها كما نبينه.\nوثانيهما: أنه لا معارضة بين ما روتْ هي، ولا ما رَوَوْا هم؛ إذ كل واحد منهم أخبر عما سمع وشاهد، وهما واقعتان مختلفتان.\nوأما استدلالها على رد ذلك بقوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر (٣/ ١٨٤).\n(٢) هو: عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود بن أحمد بن معاذ الداوودي، البوشنجي، أبو الحسن، الإمام العلامة، مسند وقته، قال الذهبي: \"سمع الصحيح، ومسند عبد بن حميد وتفسيره، ومسند أبي محمد الدارمي من أبي محمد بن حمّويه السرخسي ببوشنج، وتفرد في الدنيا بعلو ذلك\"، وبوشنج: بلدة على سبعة فراسخ من هراة. (ت: ٤٦٧ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي\n(١٨/ ٢٢٢).\n(٣) نقله عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٣/ ١٨٤).\n(٤) كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (١/ ٥٦).","vol":"1","page":168},{"text":"[الأنعام: ١٦٤] فلا حجة فيه، ولا معارضة بين هذه الآية والحديث، على ما نبديه من معنى الحديث إن شاء الله\". اهـ (١)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد أنكر طوائف من السلف الأحاديث الواردة في ذلك، وغلَّطوا الرواة لها، واعتقدوا أَنَّ ذلك من باب تعذيب الإنسان بذنب غيره، وهذه طريقة عائشة، والشافعي، وغيرهما ....، والأحاديث الصحيحة الصريحة التي يرويها مثل عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبي موسى الأشعري وغيرهم لا تُرد بمثل هذا، وعائشة أم المؤمنين ﵂ لها مثل هذا نظائر، ترد الحديث بنوع من التأويل والاجتهاد لاعتقادها بطلان معناه، ولا يكون الأمر كذلك.\nومن تدبر هذا الباب وجد هذا الحديث الصحيح الصريح الذي يرويه الثقة لا يرده أحد بمثل هذا إلا كان مخطئًا، وعائشة ﵂ روت عن النبي - ﷺ - لفظين - وهي الصادقة فيما نقلته - فروت عن النبي - ﷺ - قوله: \"إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه\"، وهذا موافق لحديث عمر؛ فإنه إذا جاز أن يزيده عذابًا ببكاء أهله، جاز أن يعذب غيره ابتداء ببكاء أهله. اهـ (٢)\nوقال ابن القيم: \"وإنكار عائشة لذلك بعد رواية الثقات لا يعول عليه؛ فإنهم قد يحضرون ما لا تحضره، ويشهدون ما تغيب عنه، واحتمال السهو والغلط بعيد، خصوصًا في حق خمسة من أكابر الصحابة، وقوله في اليهود لا يمنع أن يكون قد قال ما رواه عنه هؤلاء الخمسة في أوقات أخر، ثم هي محجوجة بروايتها عنه أنه قال: \"إن الله يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه\"؛ فإذا لم يمنع زيادة الكافر عذابًا بفعل غيره - مع كونه مخالفًا لظاهر الآية - لم يمنع ذلك في حق المسلم؛ لأن الله سبحانه كما لا يظلم عبده المسلم لا يظلم الكافر، والله أعلم\". اهـ (٣)\nوقال الأُبِّيّ: \"تواترت الأحاديث بإثبات عذاب القبر، والتعذيب فيه\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٢/ ٥٨١ - ٥٨٢). ولأبي عبد الله القرطبي كلامًا نحو هذا ذكره في تفسيره (١٠/ ١٥١).\n(٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٤/ ٣٧٠ - ٣٧١)، بتصرف. وانظر: (١٨/ ١٤٢).\n(٣) عدة الصابرين، لابن القيم، ص (١٧٢).","vol":"1","page":169},{"text":"ببكاء الحي صورة من صور التعذيب، وصحت فيه هذه الأحاديث فأمرَّها عمر وغيره على ظاهرها، ورآها مخصصة لعموم: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، والسنة تخصص عموم القرآن على الصحيح.\nوأما عائشة فجزمت بأنه - ﷺ - لم يقل ذلك، وأنه إنما قال: \"الكافر يزيده الله عذابا ببكاء أهله عليه\"، وقالت في الطريق الآخر: إنه مُرَّ على النبي - ﷺ - بجنازة يهودي وهم يبكون عليه فقال: \"هم يبكون عليه وإنه ليعذب\".\nوأما استشهادها بالآية؛ فلا يخفى عليك ما فيه من الإشكال؛ أما أولًا: فإنها شهادة على النفي، وهي وإن كانت مقبولة من مثل عائشة، لكن عارضتها رواية عمر، وابنه، وناهيك مع صحة حديث المغيرة الآتي: \"من نيح عليه عذب\".\nوأما ثانيًا: فإن ما ذكرَتْ في الطريق الأول هو أيضًا معارض للآية التي احتجت بها، وغاية ما يقال: إن التخصيص عليه أقل، أعني تخصيص عمومها بالكافر، وما ذكرت في الطريق الثاني غير مناف لحديث عمر\". اهـ (١)\nوقال ابن عادل: \"وعائشة ﵂ لم تخبر أَنَّ النبي - ﷺ - نفى ذلك، وإنما تأولت على ظاهر القرآن، ومن أثبت وسمع حجة على من نفى وأنكر ....، والحديث الذي روته حديث آخر لا يجوز أن يُرَدَّ به خبر الصادق؛ لأن القوم قد يشهدون كثيرًا مما لا تشهد، مع أَنَّ روايتها تحقق ذلك الحديث؛ فإن الله تعالى إذا جاز أن يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله، جاز أن يعذب الميت ابتداء ببكاء أهله.\nثم في حديث ابن رواحة (٢)\nما ينص على أَنَّ ذلك في المسلم؛ فإن ابن رواحة كان مسلمًا، ولم يوص بذلك\". اهـ (٣)\n_________\n(١) إكمال إكمال المعلم، للأبي (٣/ ٣٢٥).\n(٢) عن النعمان بن بشير - ﵁ - قال: \"أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي: وَا جَبَلَاهْ، وَا كَذَا وَا كَذَا، تُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلَّا قِيلَ لِي: آنْتَ كَذَلِكَ\".\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، حديث (٤٢٦٨).\n(٣) اللباب في علوم الكتاب، لابن عادل الحنبلي (١٢/ ٢٣١). وانظر: سبل السلام، للصنعاني (٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩).","vol":"1","page":170},{"text":"وقال المُلا علي بن سلطان القاري: \"ولا يخفى أَنَّ هذا الاعتراض وارد لو لم يُسْمَع الحديث إلا في هذا المورد، وقد ثبت بألفاظ مختلفة وبروايات متعددة - عنه وعن غيره - غير مقيدة بل مطلقة، فدخل هذا الخصوص تحت هذا العموم، فلا منافاة ولا معارضة، فيكون اعتراضها بحسب اجتهادها\". اهـ (١)\nويتلخص من أقوال العلماء في الرد على عائشة ﵂:\n١ - أَنَّ ما أوردته من تأويلات، إنما هو من اجتهادها، وليس هو من كلام النبي ﷺ، وهذا هو الظاهر من كلام الحافظ ابن حجر، والداوودي، وابن الجوزي.\n٢ - أَنَّ ما اعترضت به عائشة بقولها: إن النبي - ﷺ - قال: \"إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\" هو أيضًا معارضٌ للآية، على مذهبها.\n٣ - أنه لا تعارض بين ما روت عائشة، وما روى عمر، وابنه؛ لأن كل واحد منهم أخبر بما سمع وشاهد، وهما واقعتان مختلفتان.\n٤ - أنه على فرض التعارض فإن حديث عمر بن الخطاب، وابنه، أولى بالتقديم من حديث عائشة؛ لأن الرواة له أكثر.\nالقول الرابع: أَنَّ الحديث محمول على ما إذا كان النوح من سنة الميت وسنة أهله، ولم ينه أهله عنه في حياته؛ فإنه يعذب من أجل ذلك، وأما إذا لم يكن من سنته فإنه لا يعذب.\nوحاصل هذا المذهب أَنَّ الإنسان لا يعذب بفعل غيره إلا إذا كان له فيه تسبب.\nوهذا مذهب البخاري، وقد ترجم له في صحيحه بقوله: \"باب قول النبي - ﷺ -: \"يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه\"، إذا كان النوح من سنته؛ لقول الله تعالى: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) [التحريم: ٦]، وقال النبي - ﷺ -: \"كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ\" (٢)، فإذا لم يكن من سنته فهو كما قالت\n_________\n(١) مرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (٤/ ١٩٥).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجمعة، حديث (٨٩٣)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإمارة، حديث (١٨٢٩).","vol":"1","page":171},{"text":"عائشة ﵂: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، وهو كقوله: (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ) [فاطر: ١٨]، وما يرخص من البكاء في غير نوح، وقال النبي - ﷺ -: \"لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ\" (١) \". اهـ (٢)\nوهو اختيار: أبي البركات ابن تيمية (٣). (٤)\nالقول الخامس: أَنَّ الحديث محمول على من أوصى أهله بذلك، فإنه يعذب بسبب وصيته، لا بسبب النياحة، وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ\". (٥)\nقالوا: وكان ذلك مشهورًا من مذاهب العرب وعاداتهم، حيث كانوا يوصون بالندب والنياحة، وهو موجود في أشعارهم:\nكما قال لبيد (٦) يخاطب ابنتيه: (٧)\nفقوما فقولا بالذي قد علمتما ... ولا تخمشا وجهًا ولا تحلقا الشعر\nوقولا هو المرءُ الذي لا صديق له ... أضاع، ولا خان الأمير ولا غدر\nإلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبكِ حولًا كاملًا فقد اعتذر\nوكما قال طرفة بن العبد (٨): (٩)\nإذا متُّ فانعيني بما أنا أهله ... وشقي عليَّ الجيب يا ابنة معبدِ\nوهذا قول: المزني (١٠) (١١)، وإبراهيم الحربي (١٢) (١٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (٣٣٣٦)، ومسلم في صحيحه، في كتاب القسامة، حديث (١٦٧٧).\n(٢) صحيح البخاري (٢/ ٩٩).\n(٣) هو: عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد، ابن تيمية الحراني، أبو البركات، مجد الدين: شيخ الحنابلة، وفقيه عصره، ولد بحران، وحدث بالحجاز والعراق والشام، ثم ببلده حران وتوفي بها، وكان فرد زمانه في معرفة المذهب الحنبلي، من كتبه \"المنتقى في أحاديث الأحكام\" و\"المحرر في الفقه\". وهو جد شيخ الإسلام ابن تيمية، توفي المجد سنة: ٦٥٢ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (٢٣/ ٢٩١)، والأعلام، للزركلي (٤/ ٦).\n(٤) انظر: الإنصاف، للمرداوي (٢/ ٥٦٩)، وقد حكاه عنه: ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٧٠)، وابن القيم في عدة الصابرين (١٧٢).\n(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب العلم، حديث (١٠١٧).\n(٦) هو: لبيد بن ربيعة بن مالك، أبو عقيل العامري: أحد الشعراء الفرسان الأشراف في الجاهلية. من أهل عالية نجد. أدرك الإسلام، ووفد على النبي - ﷺ - ويعد من الصحابة، ومن المؤلفة قلوبهم. وترك الشعر، فلم يقل في الإسلام إلا بيتًا واحدًا، قيل: هو:\nما عاتب المرء الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح\nوسكن الكوفة، وعاش عمرًا طويلًا. وهو أحد أصحاب المعلقات، ومطلع معلقته:\nعفت الديار محلها فمقامها ... بمنى تأبد غولها فرجامها\nوكان كريمًا: نذر أن لا تهب الصبا إلا نحر وأطعم، جُمِعَ بعضُ شعره في ديوان مطبوع باسمه،\n(ت: ٤١ هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٥/ ٢٤٠).\n(٧) ديوان لبيد، ص (٢١٣).\n(٨) هو: طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد، البكري الوائلي، أبو عمرو: شاعر، جاهلي، من الطبقة الأولى. ولد في بادية البحرين، وتنقل في بقاع نجد. واتصل بالملك عمرو بن هند فجعله في ندمائه. ثم أرسله بكتاب إلى المكعبر (عامله على البحرين وعمان) يأمره فيه بقتله، لأبيات بلغ الملك أن طرفة هجاه بها، فقتله المكعبر، شابًا، في (هجر) وهو ابن عشرين عامًا، وقيل: ابن ست وعشرين. أشهر شعره معلقته، ومطلعها: \"لخولة أطلال ببرقة ثهمد\"، وقد شرحها كثيرون من العلماء. وجُمِعَ المحفوظ من شعره في ديوان مطبوع باسمه، وكان هجاءً، غير فاحش القول. تفيض الحكمة على لسانه في أكثر شعره.\n(ت: ٦٠ قبل الهجرة). انظر: الأعلام، للزركلي (٣/ ٢٢٥).\n(٩) ديوان طرفة، ص (٤٦).\n(١٠) هو: أبو إبراهيم، إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن مسلم المزني، المصري، تلميذ الشافعي، كان رأسًا في الفقه، وله كتاب اشتهر به، واسمه \"مختصر المزني\"، امتلأت البلاد بذكره، وشرحه عدةٌ من الكبار، توفي سنة (٢٦٤ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٢/ ٤٩٢ - ٤٩٥).\n(١١) انظر: الأم، للشافعي (٨/ ١٣٤)، والمجموع، للنووي (٥/ ٢٨٢).\n(١٢) هو: إبراهيم بن إسحاق بن بشير بن عبد الله البغدادي الحربي، أبو إسحاق: من أعلام المحدثين. أصله من مرو، واشتهر وتوفي ببغداد، ونسبته إلى محلة فيها. كان حافظًا للحديث، عارفًا بالفقه، بصيرًا بالأحكام، قيمًا بالأدب، زاهدًا، أرسل إليه المعتضد ألف دينار فردها. تفقه على الإمام أحمد، وصنف كتبًا كثيرة منها (غريب الحديث) و(مناسك الحج) و(دلائل النبوة)، وغيرها، وكان عنده اثنا عشر ألف جزء، في اللغة وغريب الحديث، كتبها بخطه، (ت: ٢٨٥ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٥٦)، والأعلام، للزركلي (١/ ٣٢).\n(١٣) نقله عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٣/ ١٨٤).","vol":"1","page":172},{"text":"وحكى أبو الليث السمرقندي: أنه قول عامة أهل العلم. (١)\nونقله النووي عن الجمهور. (٢)\nوهو اختيار: الطحاوي، والخطابي في قول، والبغوي، وأبي عبد الله القرطبي، والنووي، والذهبي، والشاطبي، والمُلا علي بن سلطان القاري، والسندي، والآلوسي، والألباني. (٣)\nواستدلوا له:\n١ - بحديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - أَنَّ النبي - ﷺ - قال: \"الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ، إِذَا قَالَتْ النَّائِحَةُ: وَاعَضُدَاهُ، وَانَاصِرَاهُ، وَاكَاسِبَاهُ، جُبِذَ الْمَيِّتُ وَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ عَضُدُهَا، أَنْتَ نَاصِرُهَا، أَنْتَ كَاسِبُهَا\". (٤)\nقال المُلا علي بن سلطان القاري: \"وهذا صريح أنه إنما يُعذّب إذا كان أوصى، أو كان بفعلهم يرضى\". اهـ (٥)\n٢ - واستدلوا برواية: \"إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\" (٦)؛ إذ المراد بالبعض ما يكون عن وصية. (٧)\nالإيرادات والاعتراضات على هذا القول:\nأُعتُرِضَ على هذا القول:\n١ - بأن قوله - ﷺ -: \"إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\"، لفظ عام،\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (٦/ ٣٢٤)، والمجموع، للنووي (٥/ ٢٨٢).\n(٣) انظر على الترتيب: شرح معاني الآثار، للطحاوي (٤/ ٢٩٥)، ومعالم السنن (١/ ٢٦٤)، وأعلام الحديث (١/ ٦٨٤)، كلاهما للخطابي، وشرح السنة، للبغوي (٣/ ٢٩١)، وتفسير القرطبي\n(١٠/ ١٥١)، وصحيح مسلم بشرح النووي (٦/ ٣٢٥)، والكبائر، للذهبي، ص (١٨٣)، والموافقات، للشاطبي (٢/ ٣٩٧)، ومرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (٤/ ١٨١)، وحاشية السندي على سنن ابن ماجة (٤/ ١٧)، وروح المعاني، للآلوسي (١٥/ ٤٧)، وأحكام الجنائز، للألباني، ص (٤١ - ٤٢).\n(٤) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٥) مرقاة المفاتيح (٤/ ١٨١).\n(٦) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٧) انظر: مرقاة المفاتيح (٤/ ١٩٧).","vol":"1","page":173},{"text":"وتخصيصه بمن أوصى تحكم بلا دليل. (١)\n٢ - وبأن الوصية بالنياحة حرام يستحق الموصي بها التعذيب، نيح عليه أم لا، والنبي - ﷺ - إنما علق التعذيب على النياحة، لا على الوصية. (٢)\n٣ - وبأن الصحابة الذين رووا الحديث لو فهموا منه أَنَّ ذلك خاص بمن أوصى، لما عجبوا منه، ولما أنكره من أنكره كعائشة ﵂؛ لأنهم يعرفون بأن من أمر بمنكر فإنه يستحق العقوبة عليه. (٣)\n٤ - وبأنه لو كان خاصًا بمن أوصى لما قيد ذلك بالنوح دون غيره من المنكرات. (٤)\nالقول السادس: أَنَّ الحديث محمول على ما إذا أهمل الميت نهي أهله عن النوح عليه قبل موته، مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه؛ لأن إهماله لهم تفريط منه، ومخالفة لقوله تعالى: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) [التحريم: ٦]، فتعذيبه إذًا بسبب تفريطه وتركه ما أمر الله به.\nقال ابن المرابط (٥): \"إذا علم المرء بما جاء في النهي عن النوح، وعرف أَنَّ أهله من شأنهم أن يفعلوا ذلك ولم يُعْلِمْهُم بتحريمه ولا زجرهم عن تعاطيه؛ فإذا عُذِّبَ على ذلك عُذِّبَ بفعل نفسه لا بفعل غيره\". اهـ (٦)\nوهو مذهب: داود بن علي (٧)، واختيار الشنقيطي (٨).\nالقول السابع: أَنَّ معنى قوله - ﷺ -: \"يعذب ببكاء أهله\"، أي بنظير ما\n_________\n(١) انظر: حاشية ابن القيم على مختصر سنن أبي داود (٨/ ٢٧٨).\n(٢) انظر: حاشية ابن القيم على مختصر سنن أبي داود (٨/ ٢٧٨)، وفتح الباري، لابن حجر (٣/ ١٨٤).\n(٣) حاشية ابن القيم على مختصر سنن أبي داود (٨/ ٢٧٨)، واللباب في علوم الكتاب، لابن عادل الحنبلي (١٢/ ٢٣١).\n(٤) انظر: اللباب في علوم الكتاب (١٢/ ٢٣١).\n(٥) هو: محمد بن خلف بن سعيد بن وهب، أبو عبد الله ابن المرابط: قاضي المَرِيَّة (بالأندلس) ومفتيها وعالمها، له كتاب كبير في (شرح البخاري). (ت: ٤٨٥ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٩/ ٦٦).\n(٦) نقله عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٣/ ١٨٤).\n(٧) نقله عنه ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٢٨٠)، والحافظ ابن حجر في فتح الباري (٣/ ١٨٤).\n(٨) أضواء البيان، للشنقيطي (٣/ ٤٧١).","vol":"1","page":174},{"text":"يبكيه أهله به، وذلك أَنَّ الأفعال التي يعددون بها عليه غالبًا تكون من الأمور المنهية، فهم يمدحونه بها، وهو يعذب بصنيعه ذلك، وهو عين ما يمدحونه به.\nوهذا مذهب الإسماعيلي، وابن حزم.\nقال الإسماعيلي (١): \"كثر كلام العلماء في هذه المسألة، وقال كلٌ مجتهدًا على حسب ما قُدِّرَ له، ومن أحسن ما حضرني وجهٌ لم أرهم ذكروه، وهو أنهم كانوا في الجاهلية يغيرون ويسبون ويقتلون، وكان أحدهم إذا مات بَكَتْهُ باكيته بتلك الأفعال المحرمة، فمعنى الخبر: أَنَّ الميت يُعذب بذلك الذي يبكي عليه أهله به؛ لأن الميت يُندب بأحسن أفعاله، وكانت محاسن أفعالهم ما ذُكِر، وهي زيادة ذنب من ذنوبه يستحق العذاب عليها\". اهـ (٢)\nوقال ابن حزم: \"هذا الخبر بتمامه (٣) يُبين معنى ما وهل فيه كثير من الناس من قوله ﵇: \"إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه\"، ولاح بهذا أَنَّ هذا البكاء الذي يعذب به الميت ليس هو الذي لا يعذب به من دمع العين، وحزن القلب، فصح أنه البكاء باللسان، إذ يُعذبونه برياسته التي جار فيها فعُذِّب عليها، وشجاعته التي يُعذب عليها، إذ صرفها في غير طاعة الله تعالى، وبجوده الذي أخذ ما جاد به من غير حله، ووضعه في غير حقه فأهله يبكونه بهذه المفاخر، وهو يعذب بها بعينها، وهو ظاهر الحديث لمن لم يتكلف في ظاهر الخبر ما ليس فيه، وبالله تعالى التوفيق\". اهـ (٤)\n_________\n(١) هو: أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الجرجاني، أبو بكر الإسماعيلي، الشافعي، إمام في الفقه والحديث، من مؤلفاته (المسند المستخرج على الصحيح)، أي صحيح الإمام البخاري، و(المعجم) وغيرها، (ت: ٣٧١ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٩٢).\n(٢) نقله عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٣/ ١٨٤). وانظر: نيل الأوطار، للشوكاني (٤/ ١٢٧).\n(٣) الخبر الذي أورده ابن حزم هو: حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵃ - فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ فَقَالَ: قَدْ قَضَى؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبَكَى النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ - ﷺ - بَكَوْا، فَقَالَ: \"أَلَا تَسْمَعُونَ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ، وَإِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\". أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (١٣٠٤)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (٩٢٤).\n(٤) المحلى، لابن حزم (٣/ ٣٧٤).","vol":"1","page":175},{"text":"ويؤيد هذا القول: رواية: \"إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\" (١)؛ إذ ليس كل ما يعددونه من خصاله يكون مذمومًا، فقد يكون من خصاله الكرم، وإعتاق الرقاب، وكشف الكرب، ونحوها. (٢)\nويؤيده أيضًا: حديث النعمان بن بشير - ﵁ - قال: \"أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي: وَا جَبَلَاهْ، وَا كَذَا وَا كَذَا، تُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلَّا قِيلَ لِي: آنْتَ كَذَلِكَ\". (٣) (٤)\nالقول الثامن: أَنَّ معنى \"التعذيب\" في الحديث توبيخ الملائكة للميت بما يندبه أهله به.\nكما في حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -، أَنَّ النبي - ﷺ - قال: \"الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ، إِذَا قَالَتْ النَّائِحَةُ: وَاعَضُدَاهُ، وَانَاصِرَاهُ، وَاكَاسِبَاهُ، جُبِذَ الْمَيِّتُ وَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ عَضُدُهَا، أَنْتَ نَاصِرُهَا، أَنْتَ كَاسِبُهَا\". (٥)\nوفي لفظ: \"مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ بَاكِيهِ فَيَقُولُ: وَا جَبَلَاهْ، وَا سَيِّدَاهْ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؛ إِلَّا وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانِ يَلْهَزَانِهِ: أَهَكَذَا كُنْتَ\". (٦)\nوعن النعمان بن بشير - ﵁ - قال: \"أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي: وَا جَبَلَاهْ، وَا كَذَا وَا كَذَا، تُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلَّا قِيلَ لِي: آنْتَ كَذَلِكَ\". (٧)\nذكر هذا القول: الحافظ ابن حجر، والمناوي. (٨)\nالقول التاسع: أَنَّ معنى التعذيب في الحديث: تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة عليه، وليس المراد أَنَّ الله تعالى يعاقبه بتلك النياحة.\n_________\n(١) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٢) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٢/ ٥٨٣).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، حديث (٤٢٦٧).\n(٤) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٢/ ٥٨٣).\n(٥) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٦) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٧) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، حديث (٤٢٦٧).\n(٨) انظر: فتح الباري، لابن حجر (٣/ ١٨٥)، وفيض القدير، للمناوي (٢/ ٣٩٧).","vol":"1","page":176},{"text":"وهذا اختيار ابن جرير الطبري. (١).\nورجحه: ابن المرابط (٢)، والقاضي عياض (٣)، وأبو العباس القرطبي (٤)، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والعراقي (٥)، وابن عثيمين (٦).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما قول السائل: هل يؤذيه البكاء عليه؟ فهذه مسألة فيها نزاع بين السلف والخلف والعلماء، والصواب: أنه يتأذى بالبكاء عليه كما نطقت به الأحاديث الصحيحة عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه\"، وفي لفظ: \"من ينح عليه يعذب بما نيح عليه\".\nثم قال: \"والمقصود هاهنا أَنَّ الله لا يعذب أحدًا في الآخرة إلا بذنبه وأنه (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).\nقال: وأما تعذيب الميت: فهو لم يقل: إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه، بل قال: \"يعذب\" والعذاب أعم من العقاب؛ فإن العذاب هو الألم، وليس كل من تألم بسبب كان ذلك عقابًا له على ذلك السبب ...، والإنسان يعذب بالأمور المكروهة التي يشعر بها مثل الأصوات الهائلة والأرواح الخبيثة والصور القبيحة، فهو يتعذب بسماع هذا وشم هذا ورؤية هذا، ولم يكن ذلك عملًا له عوقب عليه، فكيف ينكر أن يعذب الميت بالنياحة وإن لم تكن النياحة عملًا له يعاقب عليه؟\nثم النياحة سبب العذاب؛ وقد يندفع حكم السبب بما يعارضه، فقد يكون في الميت من قوة الكرامة ما يدفع عنه من العذاب، كما يكون في بعض الناس من القوة ما يدفع ضرر الأصوات الهائلة والأرواح والصور\n_________\n(١) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٣/ ٣٧٢)، وفتح الباري، لابن حجر (٣/ ١٨٥).\n(٢) نقله عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٣/ ١٨٥).\n(٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٣/ ٣٧٢).\n(٤) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٢/ ٥٨٣).\n(٥) نقله عنه المناوي في \"فيض القدير\" (٢/ ٣٩٧).\n(٦) الشرح الممتع، لابن عثيمين (٥/ ٤٩١).","vol":"1","page":177},{"text":"القبيحة\". اهـ (١)\nوقال ابن القيم: \"ليس في هذه الأحاديث بحمد الله إشكال، ولا مخالفة لظاهر القرآن، ولا لقاعدة من قواعد الشرع، ولا تتضمن عقوبة الإنسان بذنب غيره؛ فإن النبي - ﷺ - لم يقل: إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه ونوحهم، وإنما قال: يعذب بذلك، ولا ريب أَنَّ ذلك يؤلمه ويعذبه، والعذاب هو الألم الذي يحصل له، وهو أعم من العقاب، والأعم لا يستلزم الأخص ....، وهذا العذاب يحصل للمؤمن والكافر، حتى إنَّ الميت ليتألم بمن يعاقب في قبره في جواره (٢)، ويتأذى بذلك كما يتأذى الإنسان في الدنيا بما يشاهده من عقوبة جاره؛ فإذا بكى أهل الميت عليه البكاء المحرم - وهو البكاء الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، والبكاء على الميت عندهم اسم لذلك، وهو معروف في نظمهم ونثرهم - تألم الميت بذلك في قبره، فهذا التألم هو عذابه بالبكاء عليه، وبالله التوفيق\". اهـ (٣)\nأدلة هذا القول:\nذكر أصحاب هذا القول عدة أدلة تؤيد ما ذهبوا إليه، ومن هذه الأدلة:\n١ - حديث قيْلَةَ بنت مَخْرَمة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"أيغلب أحدكم أن يُصاحب صويحبه في الدنيا معروفًا، وإذا مات استرجع، فوالذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليبكي فيستعبر (٤) إليه صويحبه، فيا عباد الله، لا تعذبوا موتاكم\". (٥)\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٦٩ - ٣٧٥). باختصار. وانظر: (١٨/ ١٤٢)، وتفسير آيات أشكلت (١/ ٤٥٢ - ٤٥٦).\n(٢) لا أعلم دليلًا من كتاب أو سنة يدل على أن الميت يتأذى بمن يُعاقب في قبره في جواره، ومثل هذه الأمور المغيبة ينبغي عدم الخوض فيها إلا بدليل.\n(٣) عدة الصابرين، ص (١٧٢ - ١٧٣)، وانظر: حاشية ابن القيم على مختصر سنن أبي داود (٨/ ٢٨٠)، والروح، ص (٢٣٩).\n(٤) الاستعبار هو جريان دمع العين، مأخوذ من العَبْرَة التي تسيل من العين عند الحزن ونحوه. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٣/ ١٧١)، ولسان العرب، لابن منظور (٤/ ٥٣٢).\n(٥) هذا جزء من حديث طويل أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٣١٧ - ٣٢٠)،","vol":"1","page":178},{"text":"ومعنى الحديث أَنَّ الميت يستعبر ويبكي لبكاء أهله، فيتأذى بذلك.\nقال ابن المرابط: \"حديث قيلة نص في المسألة فلا يُعدل عنه\". اهـ (١)\nوقال القاضي عياض: \"هو أولى ما يقال فيه؛ لتفسير النبي - ﷺ - في هذا الحديث ما أبهمه في غيره\". اهـ (٢)\n٢ - وعن النعمان بن بشير - ﵁ - قال: \"أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي: وَا جَبَلَاهْ، وَا كَذَا وَا كَذَا، تُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلَّا قِيلَ لِي: آنْتَ كَذَلِكَ\". (٣) (٤)\n٣ - وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - أَنَّ النبي - ﷺ - قال: \"الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ، إِذَا قَالَتْ النَّائِحَةُ: وَاعَضُدَاهُ، وَانَاصِرَاهُ، وَاكَاسِبَاهُ، جُبِذَ الْمَيِّتُ وَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ عَضُدُهَا، أَنْتَ نَاصِرُهَا، أَنْتَ كَاسِبُهَا\". (٥)\n\"ومعنى الحديث أَنَّ الميت إذا كان كافرًا أو عاصيًا عُذِّب، وكان النوح سببًا في تعذيبه بذنوبه، وإن كان صالحًا أُخْبِرَ بما تقول النائحة فيزيده ذلك ألمًا؛ لأنه يرجو الاستغفار، فإذا بلغه ما يكرهه كان غمُّه عذابًا، لعلمه أَنَّ الله تعالى يكره ذلك\". (٦)\n٤ - وعن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ؛ فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ\n_________\n= والطبراني في الكبير (٢٥/ ١٠).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٢): \"رواه الطبراني، ورجاله ثقات\". وحسنه الحافظ ابن حجر، في الفتح (٣/ ١٨٥).\n(١) نقله عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٣/ ١٨٥). وانظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٣/ ٣٧١ - ٣٧٢)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٢/ ٥٨٣).\n(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٣/ ٣٧٢).\n(٣) سبق تخريجه في أثناء المسألة.\n(٤) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٤/ ٣٧٠)، وحاشية ابن القيم على مختصر سنن أبي داود (٨/ ٢٧٩).\n(٥) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٦) انظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (١/ ٥٩).","vol":"1","page":179},{"text":"إِلَى أَهْلِهِ\". (١)\nفسمى النبي - ﷺ - السفر عذابًا، وليس هو عقابًا على ذنب، والعذاب أعم من العقاب، لأن العذاب هو الألم، وليس كل من تألم بسبب كان ذلك عقابًا له على ذلك السبب. (٢)\n٥ - واستدلوا أيضا: بأن الميت يسمع بكاء الحي، ويسمع قرع نعال مشيعيه إذا انصرفوا من دفنه، وتُعرض عليه أعمال أقاربه الأحياء، فإذا رأى ما يسؤهم تألم له، وهذا ونحوه مما يتعذب به الميت ويتألم. (٣)\nالإيرادات والاعتراضات على هذا القول:\nالإيراد الأول: يرد على هذا القول حديث: \"مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\" (٤)؛ إذ في الحديث أَنَّ العذاب يكون يوم القيامة، فهل يقال إنه يتأذى يوم القيامة ببكاء أهله عليه في الدنيا؟\nقال الألباني: \"كنت أميل إلى هذا المذهب برهة من الزمن، ثم بدالي أنه ضعيف؛ لمخالفته للحديث الذي قيد العذاب بأنه \"يوم القيامة\"، ومن الواضح أَنَّ هذا لا يمكن تأويله بما ذكروا، ولذلك فالراجح عندنا مذهب الجمهور (٥)، ولا منافاة بين هذا القيد والقيد الآخر في قوله: \"في قبره\" (٦)، بل يضم أحدهما إلى الآخر، وينتج أنه يعذب في قبره، ويوم القيامة، وهذا بَيّنٌ إن شاء الله تعالى\". اهـ (٧)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (١٨٠٤)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإمارة، حديث (١٩٢٧).\n(٢) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٤/ ٣٧٤)، وحاشية ابن القيم على مختصر سنن أبي داود\n(٨/ ٢٧٩)، والشرح الممتع، لابن عثيمين (٥/ ٤٩١).\n(٣) انظر: حاشية ابن القيم على مختصر سنن أبي داود (٨/ ٢٧٩).\n(٤) سبق تخريجه في أول المسألة، وهو في صحيح مسلم.\n(٥) هو القول الخامس في هذه المسألة.\n(٦) سبق تخريجه في أول المسألة، وهو في الصحيحين.\n(٧) أحكام الجنائز، ص (٤٢). وللقاري إيراد نحو هذا، انظره في كتابه: مرقاة المفاتيح (٤/ ١٩٦).","vol":"1","page":180},{"text":"الإيراد الثاني: أَنَّ حديث قيلة ليس نصًا في المسألة؛ لاحتمال أن يكون المراد بقوله - ﷺ -: \"فيستعبر إليه صويحبه\" هو صاحبه الحي، والمعنى: إنَّ أحدكم إذا بكى استعبر له صاحبه الذي هو معه فبكى مثله فأجهش الجميع بكاء؛ فيعذب الميت حينئذ ببكاء الجماعة عليه. (١)\nالإيراد الثالث: أنَّ القول بأنَّ الميت يسمع بكاء الحي، وأنه تُعرض عليه أعمال أقاربه الأحياء، فإذا رأى ما يسؤهم تألم له؛ قولٌ لا دليل عليه، والثابت هو سماع الميت لقرع نعال مشيعيه فقط، وذلك بعد الدفن مباشرة، وهو غير مستمر.\nالقول العاشر: هو الجمع بين هذه الوجوه المذكورة في توجيه الأحاديث، وتنزيل كل وجه منها على حسب حالة الشخص.\nوهذا اختيار الحافظ ابن حجر، حيث قال: \"ويحتمل أن يُجمع بين هذه التوجيهات، فيُنزل على اختلاف الأشخاص، بأن يقال مثلًا: من كانت طريقته النوح فمشى أهله على طريقته، أو بالغ فأوصاهم بذلك عُذِّب بصنعه، ومن كان ظالمًا فنُدِبَ بأفعاله الجائرة عُذِّبَ بما نُدِبَ به، ومن كان يعرف من أهله النياحة فأهمل نهيهم عنها فإن كان راضيًا بذلك التحق بالأول، وإن كان غيرَ راضٍ عُذِّبَ بالتوبيخ كيف أهمل النهي، ومن سلم من ذلك كله واحتاط فنهى أهله عن المعصية ثم خالفوه وفعلوا ذلك كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربهم، والله تعالى أعلم بالصواب\". (٢)\nالقول الحادي عشر: أَنَّ البكاء جُعل سببًا للعذاب لا مؤثرًا في استحقاقه، كما تكون أسباب الآلام في الدّنيا أمورًا غير مؤثرة في الاستحقاق.\nوهذا رأي ابن الوزير اليماني. (٣)\nويرى أن الحكمة في جعل البكاء سببًا للعذاب، لما في ذلك من الزّجر العظيم عن البكاء، وتسمية الآلام عذابًا كثير في اللّغة شائع، وقد دلَّ السمع\n_________\n(١) أورد هذا الاعتراض ابن رشيد كما نقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح (٣/ ١٨٥).\n(٢) فتح الباري، لابن حجر (٣/ ١٨٥).\n(٣) الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم (٢/ ٣٧٩).","vol":"1","page":181},{"text":"على استحقاق كلّ أحد لشيء من العذاب، فمن الجائز أن يكون عذابًا مستحقًا بذنبٍ غير البكاء. (١)\nالقول الثاني عشر: أَنَّ المراد بالميت في الحديث: هو المشرف على الموت، وتعذيبه أنه إذا احُتُضِرَ والناس حوله يصرخون ويتفجعون يزيد كربه، وتشتد عليه سكرات الموت؛ فيصير معذبًا بذلك.\nذكر هذا القول: المناوي، والآلوسي (٢).\nويرد على هذا القول: ما ورد من تقييد ذلك بالقبر، وبيوم القيامة.\nالمسلك الثاني: رد الأحاديث الواردة في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه ومعارضتها بقوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى):\nقال الحافظ ابن حجر: \"وممن روي عنه الإنكار مطلقًا: أبو هريرة - ﵁ - كما رواه أبو يعلى (٣) من طريق بكر بن عبد الله المزني قال: قال أبو هريرة - ﵁ -: \"والله لئن انطلق رجل محاربًا في سبيل الله، ثم قُتِل في قطر من أقطار الأرض شهيدًا فعمدت امرأته سفهًا وجهلًا فبكت عليه ليعذبن هذا الشهيد ببكاء هذه السفيهة عليه\".\nقال الحافظ ابن حجر: \"وإلى هذا جنح جماعة من الشافعية، منهم أبو حامد (٤) وغيره\". اهـ (٥)\nقلت: أثر أبي هريرة - ﵁ - لا يصح، كما بينت ذلك في التخريج.\n_________\n(١) انظر: المصدر السابق، والعواصم والقواصم، للمؤلف (٧/ ٢٧٩).\n(٢) انظر: فيض القدير، للمناوي (٢/ ٣٩٧)، وروح المعاني، للآلوسي (١٥/ ٤٧).\n(٣) قال أبو يعلى في مسنده (٣/ ١٦٥): حدثنا زحمويه، حدثنا صالح، حدثنا حاجب يعني ابن عمر قال: دخلت مع الحكم الأعرج على بكر بن عبد الله، فتذاكروا أمر الميت يعذب ببكاء الحي فحدثنا بكر قال: حدثنا رجل من أصحاب النبي - ﷺ - وكان أبو هريرة خالفه في ذلك، فقال: قال أبو هريرة: ...، فذكره.\nوأخرجه من طريق أبي يعلى الحافظُ ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٧/ ٣٥٤).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٦): \"رواه أبو هريرة، وفيه من لا يُعرف\".\n(٤) هو: أحمد بن محمد بن أحمد، الشيخ الإمام أبو حامد بن أبي طاهر الإسفراييني، شيخ الشافعية بالعراق، ولد سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، واشتغل بالعلم، قال سليم: وكان يحرس في درب، وكان يطالع الدرس على زيت الحرس، وأفتى وهو ابن سبع عشرة سنة، وقدم بغداد سنة أربع وستين فتفقه على ابن المرزبان والداركي، وروى الحديث عن الدارقطني، وكان يفتي لفظًا ويأبى أن يكتب، توفي في شوال سنة ست وأربع مائة، وله شرح مشكل الوسيط، وغيره. انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٧/ ١٩٣).\n(٥) فتح الباري، لابن حجر (٣/ ١٨٣).","vol":"1","page":182},{"text":"وأما مذهب أبي حامد فلم أقف عليه، وقد ذكر الحافظ ابن حجر الهيتمي قولًا آخر له، حيث قال: \"والأصح كما قاله الشيخ أبو حامد أَنَّ ما ذُكِرَ محمول على الكافر وغيره من أصحاب الذنوب\". اهـ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو حمل الأحاديث الواردة في المسألة على ظاهرها، من أَنَّ الميت يُعذَّب بمجرد النوح عليه، وإن لم يكن له تسبب في ذلك.\nوالحديث إنما ورد لزجر أهل الميت من النياحة على ميتهم؛ لأنهم إذا علموا أنه يعذب بذلك فسيكفون عن النياحة عليه خوفًا من تعذيبه.\nوقد كانت ظاهرة النوح منتشرة عند العرب في الجاهلية، وهي من عاداتهم القبيحة التي أبطلها الإسلام وحذر منها، وقد تكاثرت النصوص الشرعية التي عُنيت بعلاج هذه الظاهرة السيئة، وفي بعضها وعيد شديد، ومن تلك النصوص الإعلام بأن هذه الفعلة تؤدي إلى تعذيب الميت، فيجب تركها والابتعاد عنها.\nوليس في هذا الاختيار ما يعارض قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤]، وليس فيه مصادمة لقواعد الشريعة، والتي فيها أَنَّ أحدًا لا يعذب بوزر غيره، وبيان ذلك من وجوه:\nالأول: أَنَّ الآيات التي فيها أَنَّ أحدًا لا يعذب بوزر غيره، هي من العمومات، وتُعد الأحاديث الواردة في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه مخصصة لهذا العموم، وليس هناك ما يمنع من القول بالتخصيص، بل القول بتخصيص الآيات أولى من القول بتخصيص الأحاديث؛ لأن الأول ورد فيه نصان الأول عام والآخر خاص، فيحمل العام على الخاص، وأما القول بتخصيص الأحاديث\n_________\n(١) تحفة المنهاج في شرح المنهاج، للهيتمي (٣/ ١٨٠)، وانظر: مغني المحتاج، للشربيني (١/ ٣٥٦).","vol":"1","page":183},{"text":"فليس هناك دليل على هذه الدعوى إلا مجرد دفع التعارض بينها وبين الآية.\nالوجه الثاني: أَنَّ القواعد الشرعية التي أصَّلها العلماء ينبغي أن تحاكم إلى النصوص الشرعية، لا أن تحاكم النصوص إليها، ومسألة تعذيب الميت ببكاء أهله عليه تُعد من النصوص المحكمة، وهي عامة مطلقة فيجب حملها على عمومها وإطلاقها دون تخصيصها بشخص ما، أو تقييدها بحالة ما، وليس فيها ما يُصادم القواعد الشرعية؛ لأن لله سبحانه أن يفعل بعباده ما شاء، فهو سبحانه يرحم من يشاء ويعذب من يشاء، وإذا جاز أن يُعذِّب في الدنيا من لا ذنب له بسب ذنب غيره؛ فجوازه في عالم البرزخ ويوم القيامة من باب أولى، حيث لم يأت ما يمنع من ذلك، أو يوجب الفرق بينهما.\nكما أَنَّ القاعدة الشرعية - التي فيها أَنَّ أحدًا لا يؤخذ بجرم غيره - إنما هي فيما لم يرد به نص، وأما ما ورد فيه نص شرعي فيجب أن يحمل على ظاهرة في حدود ما ورد فيه، دون أن يُتجاوز به إلى غيره.\nومما ينبغي أَنَّ يُعلم: أَنَّ نصوص الوعيد ترد لمقاصد شرعية، ومن هذه المقاصد الزجر عن ارتكاب المحرمات ومقارفة القبائح، ومسألة إنفاذ الوعيد من عدمه راجعة إلى مشيئة الله تعالى، فهو سبحانه إن شاء أنفذه، وإن شاء عفى وتجاوز.\nوعند التأمل في نصوص الوعيد يلاحظ أَنَّ من أعظم المقاصد لإيرادها هو الزجر عن فعل المحظورات الشرعية؛ فينبغي أن يُنظر في هذا الجانب أكثر منه في جانب إنفاذ الوعيد، وهكذا مسألة تعذيب الميت ببكاء أهله عليه؛ فإن الغرض من ذكر هذا الوعيد هو زجر أهل الميت وتهويل شأن النياحة.\nهذا ما ظهر لي في هذه المسألة، وأما بقية المذاهب والأقوال في المسألة فالجواب عنها على النحو الآتي:\nأولًا: مذهب عائشة ﵂:\nتقدم أَنَّ لعائشة رأيين في المسألة، فهي مرّة تؤول الحديث بأنه حكاية حال عن امرأة يهودية تعذب وأهلها يبكون عليها، ومرة أخرى تؤول الحديث بأن الله تعالى يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه، وقد رفعتْ - ﵂ - هذه","vol":"1","page":184},{"text":"الأحاديث للنبي - ﷺ -، وهي صادقة في ذلك، وحاشاها أَنَّ تدعي ذلك نصرة لرأيها، وليس فيما رفعته للنبي - ﷺ - أي إشكال بحمد الله:\nأما قولها إن النبي - ﷺ - قال: \"إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا\"، فهذه قصة أخرى لا علاقة لها بحديث عمر بن الخطاب، وابنه، ﵄، ولا تعارض بينهما، بل ما ذكرته هو حقيقة كل من مات على الكفر؛ فإنه يُعذب في قبره سواء بكى عليه أهله أم لا، بل إن تعذيب الكافر في قبره يُعد من الأمور المسلمة التي تضافرت النصوص على إثباتها.\nوأما قولها إن النبي - ﷺ - قال: \"إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\"، فهذا الحديث على مذهبها يكون معارضًا للآية؛ لأن فيه زيادة في عذاب الكافر بسبب ذنب غيره، والحق أَنَّ هذا الحديث موافق لحديث عمر، وابنه، ﵄، وليس هو مخالفًا له؛ لأن حديثهما عام يشمل كل ميت، وأما حديثها ففيه ذكر بعض أفراد هذا العام، والتنصيص على بعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص، كما تقدم. (١)\nثانيًا: مذهب الجمع بين الآية والأحاديث:\nذكر أصحاب هذا المذهب عدة تأويلات للجمع بين الآية والأحاديث، وهي في جملتها لا تخلو من تكلف، غير أَنَّ من أقواها القول الرابع، والخامس، والتاسع، وقد ذكرت الإيرادات والاعتراضات التي أوردت على كل قول، ومما يمكن إضافته هنا من إيرادات:\nأولًا: مذهب الإسماعيلي وابن حزم:\nهذا المذهب يَرِدُ عليه:\n١ - أنه خلاف الظاهر والمتبادر من الحديث.\n٢ - أَنَّ هذا القول فيه تخصيص لعموم الحديث؛ إذ يلزم منه أنه لا يعذب إلا من كانت له أعمال يستحق عليها العقوبة، والحديث كما تقدم لفظه عام ولا يصح تخصيصه إلا بدليل.\n_________\n(١) انظر: ص (١٥٣).","vol":"1","page":185},{"text":"٣ - وأما رواية: \"إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\". (١) فهي بيان لنوع البكاء، والمعنى: أَنَّ بعض البكاء يعذب به الميت، وهو ما كان فيه ندب ونياحة.\nثانيًا: القول بأن معنى الحديث توبيخ الملائكة للميت:\nهذا القول يُعد بمعنى القول بتعذيب الميت مطلقًا؛ لأن توبيخ الملائكة للميت هو من جملة تعذيبه، وما ذكره أصحاب هذا القول من أحاديث تؤيد ما ذهبوا إليه هي في الحقيقة موافقة لحديث عمر، وابنه، ﵄، وهي بمثابة البيان لبعض العذاب الذي يتعرض له الميت.\nثالثًا: القول بأن التعذيب بمعنى التأذي، يَرِدُ عليه:\n١ - أنه لو كان مراد الحديث تأذي الميت ببكاء أهله عليه لصار لفظ الحديث \"يتعذَّب\"، ولا يخفى ما بين اللفظين من فرق.\n٢ - أَنَّ قوله - ﷺ -: \"يُعذب\" هو فعل لما لم يُسم فاعله، وهو يستدعي أَنَّ التعذيب يقع عليه من طرف آخر، ولو كان من أهله لقال: يعذبه بكاء أهله عليه.\n٣ - أَنَّ لفظ \"العذاب\" الغالب استعماله في القرآن والسنة بمعنى العقاب، وإذ الأمر كذلك فإن تفسير النصوص على الأعم الغالب هو الأولى. (٢)\nوأما استدلالهم بحديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -؛ فلا يستقيم لهم؛ بل هو حجة لمن قال بحمل الحديث على ظاهره، وما ذُكِرَ فيه هو بيانٌ لبعض التعذيب الذي يتعرض له الميت بسبب بكاء أهله عليه، هذا على التسليم بثبوت الحديث، وقد تقدم أَنَّ الحديث لا يثبت من طريق أبي موسى - ﵁ -.\nوأما قصة عبد الله بن رواحة - ﵁ -، فليست بحجة؛ إذ ليس فيها شيء مرفوع للنبي - ﷺ -.\n_________\n(١) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٢) انظر: قواعد الترجيح، لحسين الحربي (١/ ١٧٢)، وفصول في أصول التفسير، للطيار، ص (١١٢).","vol":"1","page":186},{"text":"وعلى فرض التسليم بحجيتها فإنه لا يصح الاستدلال بها، لأن حالته هذه ليست حالة احتضار؛ بدليل أنه لم يمت فيها وإنما قتل شهيدًا في معركة مؤتة (١)، فكيف يعاين الملائكة بمجرد الإغماء؟ والله تعالى أعلم.\n****\n_________\n(١) مُوتَة: - بضم الميم، وسكون الواو بغير همز، للأكثر - هي: موضع من أرض الشام، بالقرب من البلقاء، وقيل: هي على مرحلتين من بيت المقدس. انظر: معجم ما استعجم، للبكري (٤/ ١١٧٢)، ومعجم البلدان، لياقوت (٥/ ٢٢٠). وقصة استشهاد عبد الله بن رواحة - ﵁ - في معركة مؤتة: أخرجها الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٢٩٩)، حديث (٢٢٦٠٤). وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٥٦): \"رجاله رجال الصحيح، غير خالد بن سمير وهو ثقة\".","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>المسألة [٨]: في تحميل اليهود والنصارى ذنوب المسلمين يوم القيامة</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية:</span>\n(١٣) - (١٢): عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِيه - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ ﷿ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَيَقُولُ: هَذَا فِكَاكُكَ مِنْ النَّارِ\".\n(١٤) - (١٣): وفي رواية له: \"لَا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلَّا أَدْخَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ النَّارَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا\".\n(١٥) - (١٤): وفي رواية ثالثة: \"يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ وَيَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى\". (١)\n_________\n(١) هذه الروايات الثلاث أخرجها مسلم في صحيحه، في كتاب التوبة، حديث (٢٧٦٧) (٤٩)، وحديث\n(٢٧٦٧) (٥٠)، وحديث (٢٧٦٧) (٥١)، أما الرواية الأولى فأخرجها في الأصول، وأما الثانية والثالثة فأخرجهما في المتابعات، والرواية الثالثة =","vol":"1","page":188},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لفظها مشكل جدًا، والحديث أصله واحد، حيث روي عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - من طريق واحدة، وهي طريق أبي بردة عنه، لكن اختُلِفَ فيه على أبي بردة، فروي عنه بثلاثة ألفاظ، اثنان منها متقاربان، والثالث فيه نكارة، وسأقوم بتخريج هذه الألفاظ، وبيان المحفوظ منها:\nاللفظ الأول: \"إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ ﷿ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَيَقُولُ: هَذَا فِكَاكُكَ مِنْ النَّارِ\".\nوهذا اللفظ رواه طلحةُ بن يحيى، عن أبي بردة، به.\nأخرجه من طريق طلحة: مسلمٌ في صحيحه، في كتاب التوبة، حديث (٢٧٦٧) (٤٩)، والإمام أحمد في مسنده (٤/ ٤٠٩، ٤١٠)، وعبد بن حميد في مسنده (١/ ١٩٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣٤٠).\nوقد تابع طلحةَ على هذا اللفظ جمعٌ من الرواة، فرووه عن أبي بردة بنحوٍ مما رواه أبو طلحة، ولم يختلفوا فيه على أبي بردة، ومن هؤلاء الرواة:\n١ - يزيد بن عبد الله: أخرجه من طريقه: الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٤٠٢).\n٢ - صديق بن موسى: أخرجه من طريقه: الطبراني في المعجم الأوسط (١/ ١٩٥)، وحمزة بن محمد الكتاني في \"جزء البطاقة\" (١/ ٤١).\n٣ - إسماعيل بن رافع: أخرجه من طريقه: الكتاني في \"جزء البطاقة\" (١/ ٤١).\n٤ - عبد الملك بن عمير: أخرجه من طريقه: الطبراني في الأوسط (١/ ٥)، وفي مسند الشاميين\n(٣/ ٤٠٣).\n\n٥ - محمد بن المنكدر: أخرجه من طريقه: الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٤٠٧)، والطبراني في الأوسط\n(٨/ ٣٠٢)، وأبو يعلى في مسنده (١٣/ ٢١٥).\n٦ - بُريد بن عبد الله بن أبي بردة: أخرجه من طريقه: الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٤٠٢).\n٧ - معاوية بن إسحاق: أخرجه من طريقه: الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٤٠٨).\n٨ - عمرو بن قيس السكوني: أخرجه من طريقه: الطبراني في مسند الشاميين (٣/ ٤٠٠).\n٩ - سالم أبي النظر: أخرجه من طريقه: الطبراني في المعجم الصغير (١/ ٢٥).\n١٠ - عبد الله بن عثمان بن عثيم: أخرجه من طريقه: الطبراني في الموضع السابق.\n١١ - عبد الأعلى بن أبي المساور: أخرجه من طريقه: ابن ماجة في سننه، في كتاب الزهد، حديث\n(٤٢٩١).\nورواه نصر بن علقمة، وعروة بن عبد الله بن قشير، عن أبي موسى، بنحوٍ من هذا اللفظ؛ إلا أنه منقطع من طريقهما؛ فإنهما لم يلقيا أبا موسى، ولعل الواسطة بينهما وبين أبي موسى هو أبو بردة بن أبي موسى.\nأخرج رواية نصر بن علقمة: الطبراني في مسند الشاميين (١/ ٢٦٧) و(٣/ ٣٧٥)، وأخرج رواية عروة بن قشير: الطبراني في الأوسط (٢/ ٣٦٩). =","vol":"1","page":189},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وروي مرفوعًا من حديث أنس، وابن عمر ﵄، أما حديث أنس: فأخرجه ابن ماجة في سننه، في كتاب الزهد، حديث (٤٢٩٢)، قال: حدثنا جبارة بن المغلس، حدثنا كثير بن سليم، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنَّ هذه الأمة مرحومة عذابها بأيديها، فإذا كان يوم القيامة دُفِعَ إلى كل رجل من المسلمين رجل من المشركين فيقال: هذا فداؤك من النار\". وإسناده ضعيف جدًا؛ فيه جبارة بن المغلس، وكثير بن سليم، وهما ضعيفان، واتُهِم الأول بوضع الحديث.\nوأما حديث ابن عمر: فأخرجه أبو نعيم في الفتن (٢/ ٥٩٣) قال: حدثنا ابن وهب، عن مسلمة بن علي، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن شهاب، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أمتي أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة، عذابها في الدنيا الزلازل والبلاء، فإذا كان يوم القيامة أعطى الله كل رجل من أمتي رجلًا من الكفار من يأجوج ومأجوج فيقال هذا فداؤك من النار\". وإسناده ضعيف جدًا، فيه مسلمة بن علي الخشني: متروك، وعبد الرحمن بن يزيد: ضعيف.\nاللفظ الثاني: \"لَا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلَّا أَدْخَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ النَّارَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا\".\nوهذا اللفظ رواه عونُ بن عتبة، وسعيدُ بن أبي بردة، عن أبي بردة، به.\nأخرجه من طريقهما مسلم في صحيحه، في كتاب التوبة، حديث (٢٧٦٧) (٥٠)، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا همام، حدثنا قتادة أَنَّ عونًا وسعيد بن أبي بردة حدثاه، أنهما شهدا أبا بردة يحدث عمر بن عبد العزيز عن أبيه عن النبي ﷺ قال: \"لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهوديًا أو نصرانيًا\". قال: فاستحلفه عمر بن عبد العزيز بالله الذي لا إله إلا هو، ثلاث مرات، أَنَّ أباه حدثه عن رسول الله ﷺ. قال: فحلف له. قال: فلم يحدثني سعيد أنه استحلفه، ولم ينكر على عون قوله.\nوأخرجه من طريقهما: الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٣٩٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣٤١)، وابن حبان في صحيحه (٢/ ٣٩٧).\nورواه مسلم في الموضع السابق من طريق سعيد دون عون بن عتبة، وممن أخرجه من طريق سعيد أيضًا: الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٣٩١)، والطيالسي في مسنده (١/ ٦٨)، وأبو يعلى في مسنده\n(١٣/ ٢١٤)، وفي بعض ألفاظهم اختلافٌ وزيادات؛ إلا أَنَّ المعنى متفق مع رواية مسلم.\nاللفظ الثالث: \"يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ وَيَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى\".\nأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب التوبة، حديث (٢٧٦٧) (٥١)، قال: \"حدثنا محمد بن عمرو بن عباد بن جبلة بن أبي رواد، حدثنا حرمي بن عمارة، حدثنا شداد =","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث:</span>\nلم يستشكل أحد من العلماء الحديث بروايتيه الأولى والثانية، وإنما استشكلوا الحديث بروايته الثالثة، التي أفادت معنىً زائدًا في الحديث، وهو مضاعفة العذاب على اليهود والنصارى بسبب تحميلهم ذنوب المسلمين، وهذا المعنى يُوهِم معارضة الآية الكريمة، التي فيها أَنَّ أحدًا لا يُعذَّب بوِزْرِ غيره. (١)\n_________\n= أبو طلحة الراسبي، عن غيلان بن جرير، عن أبي بردة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: \"يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى\". فيما أحسب أنا. قال أبو روح: لا أدري ممن الشك. قال أبو بردة: فحدثت به عمر بن عبد العزيز فقال: أبوك حدثك هذا عن النبي ﷺ؟ قلت: نعم\". اهـ من صحيح مسلم.\nقلت: الحديث بهذا اللفظ منكر وشاذ، كما قال الألباني في السلسلة الضعيفة (٣/ ٤٨١)\nو(١١/ ٤٠١)، وغيلان بن جرير ثقة من رواة الصحيحين؛ إلا أَنَّ الآفة من شداد أبي طلحة الراسبي، فقد تفرد بهذا اللفظ المنكر، وخالف غيره من الرواة، وقد أشار إلى تفرده: الحافظُ البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣٤٢) حيث قال: \"وأما حديث شداد أبي طلحة الراسبي، عن غيلان بن جرير، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: \"يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب مثل الجبال يغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى\" - فيما أحسب أنا - قاله بعض رواته، فهذا حديث شك فيه راويه، وشداد أبو طلحة ممن تكلم أهل العلم بالحديث فيه، وإن كان مسلم بن الحجاج استشهد به في كتابه، فليس هو ممن يقبل منه ما يخالف فيه، والذين خالفوه في لفظ الحديث عدد، وهو واحد، وكل واحد ممن خالفه أحفظ منه، فلا معنى للاشتغال بتأويل ما رواه مع خلاف ظاهر ما رواه الأصول الصحيحة الممهدة في (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨» [النجم: ٣٨] والله أعلم\". اهـ\nالنتيجة: انظر: مبحث الترجيح، وقد ذكرت هناك رأيي في الحكم على الحديث، وبيان المحفوظ منه.\n(١) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: شعب الإيمان، للبيهقي (١/ ٣٤٢)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٨/ ٢٧٢)، وكشف المشكل من حديث =","vol":"1","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث:</span>\nللعلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث مسلكان:\nالأول: مسلك الجمع بينهما:\nوعلى هذا المسلك الأكثر من العلماء، حيث ذهبوا إلى إعمال الآية على ظاهرها، وأنَّ الله تعالى لا يُعذب أحدًا من خلقه، ولا يزيد عليه في العذاب بسبب ذنب غيره، وأمَّا الحديث فأوَّلوه على غير ظاهره، وذكروا أوجهًا في معناه:\nالأول: أَنَّ الله تعالى يُسقِطُ مؤاخذة المسلمين بذنوبهم حتى كأنهم لم يذنبوا، ويُضاعف على اليهود والنصارى العذاب بسبب ذنوبهم، حتى يكون عذابهم بقَدْرِ جُرْمِهم، وجُرْمِ مذنبي المسلمين لو أُخِذوا بذلك، وله تعالى أنْ يُضاعف العذاب لمن يشاء، ويخففه عمن يشاء. (١)\nذكر هذا الجواب: القاضي عياض، وابن الجوزي، وأبو العباس القرطبي، وأبو عبد الله القرطبي، والقنوجي. (٢)\nالوجه الثاني في معنى الحديث: أَنَّ الله تعالى يغفر ذنوب المسلمين، ويُسقطها عنهم، ويضع على اليهود والنصارى مثلها؛ بكفرهم وذنوبهم، فيُدخلهم النار بأعمالهم، لا بذنوب المسلمين، وقوله في الحديث: \"ويضعها\"\n_________\n= الصحيحين، لابن الجوزي (١/ ٤١٨)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٧/ ٢٠١ - ٢٠٢)، والتذكرة في أحوال الموتى والآخرة، للقرطبي، ص (٤٦٣ - ٤٦٤)، والآداب الشرعية، لابن مفلح (١/ ٩٠)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (١٧/ ١٣٣)، وفتح الباري، لابن حجر (١١/ ٤٠٥).\n(١) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٧/ ٢٠١).\n(٢) انظر على الترتيب: إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٨/ ٢٧١ - ٢٧٢)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (١/ ٤١٨ - ٤١٩)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٧/ ٢٠١)، والتذكرة في أحوال الموتى والآخرة، للقرطبي، ص (٤٦٣ - ٤٦٤)، ويقظة أولي الاعتبار، للقنوجي (١/ ١٧٦).","vol":"1","page":192},{"text":"مجاز، والمراد يضع عليهم مثلها بذنوبهم، لكن لما أسقط ﷾ عن المسلمين سيئاتهم، وأبقى على الكفار سيئاتهم، صاروا في معنى من حمل إثم الفريقين، لكونهم حملوا الإثم الباقي، وهو إثمهم. (١)\nذكر هذا الجواب: ابن الجوزي، وابن مفلح، والنووي. (٢)\nالوجه الثالث في معنى الحديث: أنْ يكون المراد آثامًا كان للكفار سببٌ فيها، بأنْ سَنّوها، فتُسْقَطُ عن المسلمين بعفو الله تعالى، ويُوضع على الكفار مثلها، لكونهم سَنّوها، ومن سَنَّ سُنَّة سيئة كان عليه مثل وزْرِ كل من عمل بها. (٣)\nذكر هذا الجواب: ابن مفلح، والنووي. (٤)\nالثاني: مسلك الترجيح:\nحيث ذهب بعض العلماء إلى تضعيف الحديث بروايته الثالثة، كالإمام البخاري، والبيهقي، والحافظ ابن حجر.\nأما البخاري فأعله بسبب الاختلاف فيه على أبي بُردة، ولأنه مُعارِضٌ لحديث الشفاعة، والذي فيه: \"أَنَّ قومًا يُعذبون ثم يخرجون من النار\" (٥). قال: ورواة حديث الشفاعة أكثر وأبين وأشهر. (٦)\nوأما البيهقي فقد تقدم ذكر سبب إعلاله للحديث عند تخريجه في أول المسألة، وملخص رأيه:\n- أَنَّ الحديث بلفظه الثالث هو مما تفرد به شداد أبو طلحة الراسبي،\n_________\n(١) انظر: شرح صحيح مسلم، للنووي (١٧/ ١٣٣).\n(٢) انظر على الترتيب: كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (١/ ٤١٩)، والآداب الشرعية، لابن مفلح (١/ ٩٠)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (١٧/ ١٣٣).\n(٣) انظر: شرح صحيح مسلم، للنووي (١٧/ ١٣٣).\n(٤) انظر على الترتيب: الآداب الشرعية، لابن مفلح (١/ ٩٠)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (١٧/ ١٣٣).\n(٥) عن جابر بن عبد الله - ﵁ - أَنَّ رسول الله ﷺ قال: \"إنَّ الله يخرج قومًا من النار بالشفاعة\". أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٩١).\n(٦) التاريخ الكبير (١/ ٣٨ - ٣٩).","vol":"1","page":193},{"text":"فلم يروه على الصواب، وخالفه غيره - وهم الأكثر - فرووه على الصواب، ولم يذكروا فيه هذا اللفظ المشكل.\n- أَنَّ الحديث مخالفٌ لقوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤] (١).\nوأما الحافظ ابن حجر فضعف الحديث تبعًا للإمام البخاري والبيهقي، وذكر وجهًا آخر في تضعيفه: وهو مخالفته للأحاديث الواردة في القصاص يوم القيامة، ومنها: حديث أبي هريرة - ﵁ -، أَنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ\". (٢) (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو ضعف الحديث بلفظه الثالث؛ ومما يقوي ضعفه:\nأنَّ الحديث رواه عن أبي بُردة بن أبي موسى، عن أبيه، أربعة عشر راويًا، وقد اتفق هؤلاء الرواة على لفظ واحد، وهو اللفظ الأول، ورواه اثنان آخران بلفظٍ مقاربٍ في المعنى للفظ الأول، وتفرَّد شداد أبو طلحة الراسبي باللفظ الثالث، وهو اللفظ المشكل، فلم يُتابعه عليه أحد (٤)، وشداد قد تكلم أهل العلم في روايته (٥)، فلا يُقبل منه ما تَفرَّدَ به، ناهيك عن مخالفة ما رواه\n_________\n(١) انظر: شعب الإيمان، للبيهقي (١/ ٣٤٢).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الرقاق، حديث (٦٥٣٤).\n(٣) انظر: فتح الباري، لابن حجر (١١/ ٤٠٥).\n(٤) تقدم ذكر هذه الطرق عند تخريج الحديث في أول المسألة.\n(٥) هو: شداد بن سعيد، أبو طلحة الراسبي البصري، وثقه الإمام أحمد، وابن معين، وأبو خيثمة، والنسائي، والبزار. وقال ابن حبان في الثقات، في الطبقة الرابعة: ربما =","vol":"1","page":194},{"text":"للأصول المُحكمة - من الكتاب والسنة وإجماع العلماء - القاطعة بأنَّ الله تعالى لا يُعذب أحدًا من خلقه بوزر غيره، والله تعالى أعلم.\n_________\n= أخطأ. وكان قد ذكره قبل في الطبقة الثالثة فلم يقل هذه اللفظة. وقال البخاري: ضعفه عبد الصمد بن عبد الوارث. وقال ابن عدي: لم أر له حديثًا منكرًا، وأرجو أنه لا بأس به، له في مسلم حديث واحد: حديث أبي بردة عن أبيه، في وضع ذنوب المسلمين على اليهود والنصارى. قال الحافظ ابن حجر: لكنه في الشواهد. وقال العقيلي: له غير حديث لا يتابع عليه. وقال الدارقطني: بصري يعتبر به. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (٤/ ٢٧٨).","vol":"1","page":195},{"text":"المسألة [٩]: في إيجاب الدية في قتل الخطأ وشبه العمد على عاقلة (١) الجاني.\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآية:</span>\n(١٦) - (١٥): عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: \"اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ (٢) عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى\n_________\n(١) العاقلة - بكسر القاف ـ: جمع عاقل، وهو دافع الدية، وسميت الدية عقلًا تسمية بالمصدر؛ لأنَّ الإبل كانت تُعْقَل بفناء ولي المقتول، ثم كَثُر الاستعمال حتى أُطْلِقَ العقل على الدّية ولو لم تكن إبلًا، وعاقلة الرجل قراباته من قبل الأب، وهم عصبته، وهم الذين كانوا يعقلون الإبل على باب ولي المقتول. انظر: فتح الباري، لابن حجر (١٢/ ٢٥٦)، ونيل الأوطار، للشوكاني (٧/ ٢٤٣).\n(٢) الغرة عند أهل اللغة النسمة كيف كانت، وأصله من غرة الوجه. قال أبو عبيد: الغرة عبد أو أمة. وقال غيره: الغرة عند العرب أنفس شيء يُمْلَك، فكأنه قد يكون هنا لأن الإنسان من أحسن الصور. وقال أبو عمرو: معناها الأبيض، ولذلك سميت غرة، فلا يُؤخذ فيها أسود. وقيل: أراد بالغرة الخيار منهم. انظر: مشارق الأنوار، =","vol":"1","page":196},{"text":"عَاقِلَتِهَا\". (١)\n(١٧) - (..): وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: \"ضَرَبَتْ امْرَأَةٌ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ (٢) وَهِيَ حُبْلَى فَقَتَلَتْهَا، قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ، وَغُرَّةً لِمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ: أَنَغْرَمُ دِيَةَ مَنْ لَا أَكَلَ وَلَا شَرِبَ وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ (٣). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْأَعْرَابِ. قَالَ: وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ الدِّيَةَ\". (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث:</span>\nظاهر الأحاديث إيجاب الدّية في قتل الخطأ وشبه العمد على عاقلة الجاني، وهذا الظاهر يُوهِمُ مُعارضة الآية، التي فيها أَنَّ أحدًا لا يؤخذ بذنب غيره، وبحسب دلالة الآية فإنَّ الأولى وجوب الدّية على الجاني نفسه لا على العاقلة؛ لأنه هو المتسبب في القتل والمباشر له. (٥)\n_________\n= للقاضي عياض (٢/ ١٣٠ - ١٣١).\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الديات، حديث (٦٩١٠)، ومسلم في صحيحه، في كتاب القسامة والمحاربين، حديث (١٦٨١).\n(٢) الفسطاط: هو الخباء، وهو أحد بيوت العرب، ويكون من وبر أو صوف، ولا يكون من شعر، ويكون على عمودين أو ثلاثة. انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (٢/ ١٦٣)، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٢/ ٩).\n(٣) قَوْله: (فَمِثْل ذَلِكَ يُطَلّ): بِضَمِّ الْمُثَنَّاة التَّحْتَانِيَّة وَفَتْح الطَّاء الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد اللَّام، أَيْ يُهْدَر، يُقَال: دَم فُلَان هَدَر إِذَا تَرَكَ الطَّلَب بِثَأْرِهِ. انظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٢٢٨).\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب القسامة والمحاربين، حديث (١٦٨٢).\n(٥) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: أحكام القرآن، للجصاص (٢/ ٢٨١)، وأعلام الحديث، للخطابي (٤/ ٢٣٠٨)، والمحلى، لابن حزم (١١/ ٥، ٢٦٠)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٢٠/ ١٣٨)، وفتح الباري، لابن حجر (١٢/ ٢٥٦)، وشرح الزرقاني على موطأ مالك (٤/ ٢٣٨)، وتحفة الأحوذي، للمباركفوري (٤/ ٥٣٦)، وسبل السلام، للصنعاني (٣/ ٢٥٣)، ونيل الأوطار، للشوكاني (٧/ ٢٤٣)، وروح المعاني، =","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث:</span>\nأجمع العلماء على وجوب الدّية في قتل الخطأ وشبه العمد على عاقلة الجاني.\nحكى الإجماع: ابن بطال، وأبو عبد الله القرطبي، والحافظ ابن حجر. (١)\nوأما الآية فإنَّ للعلماء في دفع التعارض بينها وبين الأحاديث مذهبين:\nالأول: التخصيص.\nويرى أصحاب هذا المذهب أَنَّ الآية على عمومها في أَنَّ أحدًا لا يُؤخذُ بذنب غيره، إلا أَنَّ هذا العموم قد خُصَّ منه تحمل العاقلة دية قتل الخطأ وشبه العمد، وذلك لثبوت الحديث فيه.\nوعلى هذا المذهب جماعة من أهل العلم، منهم: الشافعي، وابن حزم، وابن عبد البر، وابن رشد، والحافظ ابن حجر، والزرقاني، والمباركفوري، والصنعاني، والشوكاني. (٢)\nقال الحافظ ابن حجر: \"تَحَمُّل العاقلة الدّية ثابتٌ بالسنّة، وأجمع أهل العلم على ذلك، وهو مُخالِفٌ لظاهر قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، لكنه خُصُّ من عمومها ذلك؛ لما فيه من المصلحة؛ لأنَّ القاتل\n_________\n= للآلوسي (١٥/ ٤٧)، وأضواء البيان، للشنقيطي (٣/ ٤٧٠).\n(١) انظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٨/ ٥٤٨)، وتفسير القرطبي (٧/ ١٠٢)، وفتح الباري، لابن حجر (١٢/ ٢٥٦).\n(٢) انظر على الترتيب: الأم، للشافعي (٧/ ١٠٠)، والمحلى، لابن حزم (١١/ ٢٦٠ - ٢٦١)، والتمهيد، لابن عبد البر (٦/ ٤٨٤ - ٤٨٥)، وبداية المجتهد، لابن رشد (٢/ ٣٠٩)، وفتح الباري، لابن حجر (١٢/ ٢٥٦)، وشرح الزرقاني على موطأ مالك (٤/ ٢٣٨)، وتحفة الأحوذي، للمباركفوري (٤/ ٥٣٦)، وسبل السلام، للصنعاني (٣/ ٢٥٣)، ونيل الأوطار (٧/ ٢٤٣)، وفتح القدير (٢/ ٢٧٢)، كلاهما للشوكاني.","vol":"1","page":198},{"text":"لو أُخِذَ بالدية لأوشك أنْ تأتيَ على جميع ماله؛ لأن تتابع الخطأ منه لا يُؤمن، ولو تُرك بغير تغريم لأهدر دم المقتول.\nقال: ويحتمل أنْ يكون السر فيه أنه لو أُفْرِدَ بالتغريم حتى يفتقر لآل الأمر إلى الإهدار بعد الافتقار، فجُعِلَ على عاقلته لأنَّ احتمال فقر الواحد أكثر من احتمال فقر الجماعة؛ ولأنه إذا تكرر ذلك منه كان تحذيره من العود إلى مثل ذلك من جماعة أدعى إلى القبول من تحذيره نفسه، والعلم عند الله تعالى\". اهـ (١)\nالمذهب الثاني: أَنَّ تغريم العاقلة هو من باب المواساة للجاني والتخفيف عنه.\nويرى أصحاب هذا المذهب أَنَّ الجاني لم يرتكب ذنبًا حتى تتحمله العاقلة، وإنما ارتكب خطأً لم يَقْصُدْ إليه، ومن باب التخفيف عليه جُعِلت الدّية مشتركة بينه وبين عاقلته حتى لا تُجْحِفَ في ماله.\nوهذا المذهب قال به جماعة من أهل العلم، منهم: الجصاص، والخطابي، والسرخسي، والكاساني (٢)، والرازي، والطاهر ابن عاشور، والآلوسي، والشنقيطي. (٣)\nقال الجصاص: \"تواترت الآثار عن النبي ﷺ في إيجاب دية الخطأ على العاقلة، واتفق السلف وفقهاء الأمصار عليه.\nفإنْ قيل: قال الله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤]، وقال النبي ﷺ: \"لَا يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِجَرِيرَةِ أَبِيهِ وَلَا بِجَرِيرَةِ أَخِيهِ\" (٤)، وقال لأبي رِمْثَةَ (٥) وابنه: \"إِنَّكَ لَا تَجْنِي عَلَيْهِ وَلَا يَجْنِي\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر (١٢/ ٢٥٦).\n(٢) هو: أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني، علاء الدين: فقيه حنفي، من أهل حلب. له (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع) في الفقه، و(السلطان المبين في أصول الدين). توفي في حلب سنة\n(٥٨٧هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٢/ ٧٠).\n(٣) انظر على الترتيب: أحكام القرآن، للجصاص (٢/ ٢٨١)، وأعلام الحديث، للخطابي (٤/ ٢٣٠٨)، والمبسوط، للسرخسي (٢٦/ ٦٦)، وبدائع الصنائع، للكاساني (٧/ ٢٥٥)، ومفاتيح الغيب، للرازي\n(٢٠/ ١٣٨)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (١٥/ ٥١)، وروح المعاني، للآلوسي (١٥/ ٤٧)، وأضواء البيان، للشنقيطي (٣/ ٤٧١).\n(٤) أخرجه النسائي في سننه، في كتاب تحريم الدم، حديث (٤١٢٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١٢١٧)، حديث (٧٢٧٧).\n(٥) هو: أبو رمثة التيمي، من تيم الرباب، قيل: اسمه رفاعة بن يثربي، وقيل: يثربي بن عوف، وقيل: يثربي بن رفاعة، وبه جزم الطبراني، وقيل: اسمه حيان بتحتانية مثناة، وبه جزم غير واحد، وقيل: حبيب بن حيان، وقيل: حسحاس، روى عن النبي ﷺ، وروى له أصحاب السنن الثلاثة، وصحح حديثه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر (٧/ ١٤١).","vol":"1","page":199},{"text":"عَلَيْكَ\" (١)، والعقول أيضًا تمنع أخذ الإنسان بذنب غيره.\nقيل له: أما قوله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤]، فلا دلالة فيه على نفي وجوب الدية على العاقلة؛ لأنَّ الآية إنما نَفَتْ أنْ يُؤخذ الإنسان بذنب غيره، وليس في إيجاب الدية على العاقلة أخذهم بذنب الجاني، إنما الدية عندنا على القاتل، وأُمِرَ هؤلاء القوم بالدخول معه في تَحَمُّلِها على وجه المواساة له، من غير أنْ يلزمهم ذنب جنايته، وقد أوجب الله في أموال الأغنياء حقوقًا للفقراء من غير إلزامهم ذنبًا لم يُذنبوه، بل على وجه المواساة، وأمر بصلة الأرحام بكل وجه أمكن ذلك، وأمر ببرِّ الوالدين، وهذه كلها أمور مندوب إليها للمواساة وإصلاح ذات البين، فكذلك أُمِرَتْ العاقلة بتحمّل الدية عن قاتل الخطأ على جهة المواساة من غير إجحاف بهم وبه\". اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أَنَّ تغريم العاقلة هو من باب المواساة للجاني والتخفيف عنه، وليس في تغريمهم ما يُعارض الآية؛ لأنَّ الآية إنما نَفَتْ أنْ يُؤخذ الإنسان بذنب غيره، والجاني لم يرتكب ذنبًا حتى تتحمله العاقلة، وإنما وقع منه خطأ أوجب دفع الدية لأهل المقتول، حفظًا للدماء وصيانة لها من الهدر، ولما كانت الدية تُجحف في مال الجاني أوجب الله تعالى على العاقلة تحملها من باب المواساة والتخفيف عنه، والله تعالى أعلم.\n\n****\n_________\n(١) أخرجه النسائي في سننه، في كتاب القسامة، حديث (٤٨٣٢)، وأبو داود في سننه، في كتاب الديات، حديث (٤٤٩٥)، وابن ماجة في سننه، في كتاب الديات، حديث (٢٦٧١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٢٨١)، حديث (١٣١٧).\n(٢) أحكام القرآن، للجصاص (٢/ ٢٨١).","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>المسألة [١٠]: في ولد الزنا، وهل عليه من وزر أبويه شيء</span>؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآية:</span>\n(١٨) - (١٦): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ\". (١)\n_________\n(١) رُويَ هذا الحديث عن أبي هريرة من طريقين:\nالأول: طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، به.\nوقد رواه عن سهيل:\n١ - ... خالد بن عبد الله: أخرجه من طريقه: الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٣١١)، والطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٣٦٥)، ومن طريق أحمد: ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٧٦٩).\n٢ - ... سفيان الثوري: أخرجه من طريقه: البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٥٩)، والطحاوي في المشكل\n(١/ ٣٦٥)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١١٢)، زاد البيهقي في آخره: قال سفيان: \"يعني إذا عمل بعمل والديه\".\n٣ - ... جرير بن عبد الحميد: أخرجه من طريقه: أبو داود في سننه، في كتاب العتق، حديث (٣٩٦٣)، والنسائي في السنن الكبرى (٣/ ١٧٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٣٣)، وفي الحديث زيادة في آخره، قال أبو هريرة: \"لأن أمتع بسوط في سبيل الله ﷿ أحب إلي من أن أعتق ولد زنية\".\nالثاني: طريق عثمان بن سعيد الدارمي، عن موسى بن إسماعيل، عن أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، به.\nأخرجه من هذه الطريق: الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٣٣) =","vol":"1","page":201},{"text":"(١٩) - (١٧): وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵁ -، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَاقٌّ، وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ، وَلَا مَنَّانٌ، وَلَا وَلَدُ زِنْيَةٍ\". (١)\n_________\n= و(٤/ ١١٢)، ومن طريق الحاكم: البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٥٨).\nوالحديث صححه الحاكم، وأحمد شاكر في تعليقه على المسند (١٥/ ٢٣٤)، وقال الذهبي في تلخيص العلل المتناهية، ص (٢٧٥)، حديث (٢٧٥): \"مع غرابة الحديث سنده قوي\"، وحسن إسناده: ابن القيم في المنار المنيف (١/ ١٣٣)، والألباني في السلسلة الصحيحة (٢/ ٢٨١)، وهو كما قالوا.\n(١) رُويَ هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو من عدة طرق:\nأولًا: طريق منصور بن المعتمر، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابان، عن عبد الله بن عمرو، به.\nوله عن منصور عدة طرق:\nالأول: طريق سفيان الثوري، عن منصور، به.\nوقد رواه عن سفيان جمع من الرواة، وهم:\n١ - عبد الرزاق في المصنف (٧/ ٤٥٤)، ومن طريق عبد الرزاق: الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٢٠٣)، والنسائي في السنن الكبرى (١٠/ ٥٨)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٨٦٥)، إلا أَنَّ ابن خزيمة رواه مختصرًا بلفظ: \"لا يدخل الجنة ولد زنية\".\n٢ - محمد بن كثير البصري: أخرجه من طريقه: الدارمي في سننه، في كتاب الأشربة، حديث (٢٠٩٣).\n٣ - مؤمل: أخرجه من طريقه: البيهقي في شعب الإيمان (٦/ ١٩١)، وابن خزيمة في التوحيد\n(٢/ ٨٦٥)، والمروزي في البر والصلة (١/ ٥٥)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١١٠)، وليس فيه عند ابن خزيمة قوله: \"ولد زنية\"، وفي إسناد البيهقي سقط بين سفيان وجابان، وليس في إسناد المروزي ذكرٌ لجابان.\n٤ - محمد بن كثير: أخرجه من طريقه: ابن حبان في صحيحه (٨/ ١٧٥).\n٥ - يزيد بن هارون: أخرجه من طريقه: عبد بن حميد في مسنده (١/ ١٣٢).\n٦ - يحيى: أخرجه من طريقه: النسائي في السنن الكبرى (٣/ ١٧٥).\nالثاني: طريق جرير، عن منصور بن المعتمر، به.\nأخرجه من طريقه: ابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٨٦٥)، والنسائي في السنن الكبرى (٣/ ١٧٥).\nالثالث: طريق شيبان، عن منصور، به.\nأخرجه من طريقه: الطحاوي في المشكل (١/ ٣٧٣)، إلا أنه أورده مختصرًا بلفظ: \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلَدُ زِنْيَةٍ\".\nثانيًا: طريق عمر بن عبد الرحمن، عن منصور بن المعتمر، عن عبد الله بن مرة، عن جابان، عن عبد الله بن عمرو، به.\nأخرجه من طريقه: الطبري في تهذيب الآثار (٣/ ١٨٨)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٠٩).\nثالثًا: طريق شعبة، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن شريط بن نبيط، عن =","vol":"1","page":202},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= جابان، عن عبد الله بن عمرو، به.\nهكذا رواه شعبة بزيادة شريط بن نبيط بين سالم وجابان، وقد رواه عن شعبة بهذا الإسناد جمع من الرواة، وهم:\n١ - الطيالسي في مسنده (١/ ٣٠٣)، ومن طريق الطيالسي: البيهقي في الشعب (٦/ ١٩١)، والنسائي في الكبرى (٣/ ١٧٥).\n٢ - ابن مهدي: أخرجه من طريقه: ابن حبان في صحيحه (٨/ ١٧٨)، وليس فيه: \"ولد زنية\".\n٣ - محمد بن جعفر: أخرجه من طريقه: ابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٨٦٥)، وليس فيه: \"ولد زنية\".\n٤ - عبد الرحمن بن مهدي: أخرجه من طريقه: الدارمي في سننه، في كتاب الأشربة، حديث (٢٠٩٤)، وليس فيه: \"ولد زنية\".\n٥ - وهب: أخرجه من طريقه: البخاري في التاريخ الأوسط (١/ ٢٦٢)، وفي الكبير (٢/ ٢٥٧).\nرابعًا: طريق سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله بن عمرو، به.\nوقد رواه عن سالم:\n١ - الحكم: أخرجه من طريقه: النسائي في السنن الكبرى (٣/ ١٧٦)، والطبري في تهذيب الآثار\n(٣/ ١٨٩)، كلاهما من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، به. موقوفًا على ابن عمرو.\n٢ - يزيد بن أبي زياد: أخرجه من طريقه: النسائي في الكبرى (٣/ ١٧٦)، عن عمرو بن عثمان، عن بقية، عن شعبة، عن يزيد، به. مرفوعًا. وأخرجه الطبري في تهذيب الآثار (٣/ ١٨٩)، عن أبي كريب، عن محمد بن العلاء، عن ابن إدريس، عن يزيد، به. مرفوعًا. وأخرجه البخاري في التاريخ الأوسط (١/ ٢٦٣)، عن عبدان، عن أبيه، عن شعبة، عن يزيد، به. موقوفًا.\nوالحديث فيه خمس علل:\nالأولى: الانقطاع، قال البخاري في التاريخ الأوسط (١/ ٢٦٢)، وفي الكبير (٢/ ٢٥٧): \"لا يُعرف لجابان سماع من عبد الله بن عمرو، ولا لسالم من جابان، ولا من نبيط\". اهـ\nالثانية: جهالة جابان، قال الذهبي في الميزان (٢/ ١٠٠): \"لا يُدرى من هو\"، وقال ابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٨٦٥): \"مجهول\".\nالثالثة: الاضطراب في إسناده، حيث رواه سفيان الثوري، وجرير، وشيبان، عن منصور بن المعتمر، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابان، عن عبد الله بن عمرو.\nورواه شعبة، عن منصور، عن سالم، عن شريط بن نبيط، عن جابان، عن عبد الله بن عمرو، فزاد فيه شعبةُ ابنَ نبيط.\nورواه الحكم، ويزيد بن أبي زياد، عن سالم بن أبي =","vol":"1","page":203},{"text":"(٢٠) - (١٨): وَعَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ سَعْدٍ - مَوْلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ - قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ وَلَدِ الزِّنَا فقَالَ: \"لَا خَيْرَ فِيهِ، نَعْلَانِ أُجَاهِدُ بِهِمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ وَلَدَ زِنًا\". (١)\n_________\n= الجعد، عن عبد الله بن عمرو، فأسقطا منه جابان.\nوقد دافع عن هذا الاضطراب ابن حبان في صحيحه (٨/ ١٧٨) فقال: \"اختلف شعبة والثوري في إسناد هذا الخبر، فقال الثوري: عن سالم عن جابان، وهما ثقتان حافظان، إلا أَنَّ الثوري كان أعلم بحديث أهل بلده من شعبة وأحفظ لها منه، ولا سيما حديث الأعمش وأبي إسحاق ومنصور، فالخبر متصل عن سالم عن جابان، فمرة روي كما قال شعبة، وأخرى كما قال سفيان\". اهـ\nهكذا قال ابن حبان، فهو يرى أَنَّ الحديث له طريقان، وليس هناك اضطراب، لكن الحق أَنَّ فيه اضطرابًا على منصور بن المعتمر، وعلى سالم بن أبي الجعد، ولو سَلِمَ له الأول فلن يسلم له الثاني.\nالرابعة: الاختلاف في وقفه ورفعه؛ حيث جاء موقوفًا من طريق الحكم، عن سالم، عن عبد الله، ومن طريق شعبة، عن يزيد، عن سالم، عن عبد الله، وجاء مرفوعًا في بقية الطرق.\nالخامسة: اختلاف الرواة في لفظه، فبعضهم لا يذكر ولد الزنا، والبعض الآخر يذكره.\nوهذه العلل تُضعف الحديث، خاصة الزيادة الواردة في آخره، وهي قوله: \"ولا ولد زنية\"، إلا أَنَّ هذه الزيادة لها شواهد، وقد صححها الألباني في الصحيحة (٢/ ٢٨٥) باعتبار تلك الشواهد، وسيأتي تخريجها والكلام عليها بعد هذا.\n(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٦/ ٤٦٣)، وابن ماجة في سننه، في كتاب الأحكام، حديث (٢٥٣١)، والنسائي في السنن الكبرى (٣/ ١٧٥)، وإسحاق بن راهويه في مسنده (٥/ ١٠٨)، والطحاوي في المشكل (١/ ٣٧٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦/ ٢١٠)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٤)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٥/ ٣٤)، جميعهم من طريق إسرائيل بن يونس، عن زيد بن جبير، عن أبي يزيد الضبي، عن ميمونة، به.\nوالحديث إسناده ضعيف؛ من أجل أبي يزيد الضبي، فإنه رجل مجهول، قال البخاري - فيما نقله عنه الترمذي في العلل (١/ ١١٧): \"أبو يزيد لا أعرف اسمه، وهو رجل مجهول\"، وقال الدارقطني في سننه (٢/ ١٨٤): \"أبو يزيد الضبي ليس بمعروف\"، وكذا قال أبو جعفر الطحاوي في شرح معاني الآثار\n(٢/ ٨٩)، وابن حزم في المحلى (٦/ ٣٤٠)، (٨/ ١٩٩)، وقال عبد الغني بن سعيد وابن ماكولا: \"منكر الحديث\". انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (١٢/ ٣٠٥).\nوممن حكم بضعف الحديث: البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/ ١٠١)، والألباني في ضعيف ابن ماجة (١/ ٢٠٠). =","vol":"1","page":204},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقد رُويَ موقوفًا على عمر - ﵁ -، أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٧/ ٤٥٥)، عن معمر، عن الزهري قال: بلغني أَنَّ عمر بن الخطاب كان يقول: \"لأن أحمل على نعلين في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا\".\nوأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ١٠٧)، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، به.\nوهذا الأثر عن عمر ضعيف؛ للانقطاع بين الزهري وعمر.\n\nورُويَ موقوفًا على عائشة ﵂، أخرجه ابن أبي شيبة في الموضع السابق (٣/ ١٠٨)، قال: حدثنا ابن فضيل، عن يزيد، عن مجاهد، عن عائشة قالت: \"لأن أتصدق بثلاث نويات، أو أمتع بسوط في سبيل الله، أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا\". وهذا الإسناد ضعيف؛ من أجل يزيد، وهو ابن أبي زياد، القرشي الهاشمي، ضعفه الحافظ ابن حجر في التقريب (٣/ ٣٧٣).\nوقد رُويَ في أولاد الزنا أحاديث أُخر غير ما تقدم، وهي:\nأولًا: حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"لا يدخل ولد الزنا الجنة، ولا شيء من نسله، إلى سبعة آباء\".\nأخرجه عبد بن حميد في مسنده (١/ ٤٢٧)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢٦٢)، ومن طريق عبد بن حميد: ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١١١)، جميعهم من طريق عمرو بن أبي قيس، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن أبي هريرة، به.\nقال الطبراني: \"لم يروه عن إبراهيم إلا عمرو\". اهـ\nقال الألباني في الضعيفة (٣/ ٤٣٦): \"وعمرو صدوق له أوهام، لكن شيخه إبراهيم بن المهاجر - وهو ابن جابر البجلي - صدوق لين الحفظ؛ فهو علة الحديث\". اهـ\nوأورده ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٣/ ١١١) وقال: \"لا يصح، إبراهيم بن مهاجر ضعيف\". وكذا قال السيوطي في \"اللآلىء\" (٢/ ١٩٣).\nورواه الطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٣٧٠ - ٣٧١)، من طرق عن مجاهد، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن أبي ذباب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلَدُ زِنْيَةٍ\".\nقال الدارقطني في العلل (٩/ ١٠٢): \"اختُلِفَ على مجاهد في هذا الحديث: فرواه أبو إسرائيل الملائي عن فضيل بن عمرو عن مجاهد عن ابن عمر عن أبي هريرة، وخالفه إبراهيم بن مهاجر، فرواه عن مجاهد عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن أبي ذباب، عن أبي هريرة، ورواه الحسن بن عمر الفقيمي؛ واختلف عنه، فرواه أبو شهاب الحناط عن الحسن بن عمرو عن مجاهد عن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن أبي ذباب عن أبي هريرة، وقال مروان بن معاوية الفزاري: عن الحسن بن عمرو عن مجاهد، نحو قول أبي شهاب، ورواه ابن فضي =","vol":"1","page":205},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وعبد الرحمن بن مغراء وعمرو بن عبد الغفار عن الحسن بن عمرو عن مجاهد عن أبي هريرة، لم يذكروا بينهما أحدًا، والأشبه من ذلك قول من ذكر ابن أبي ذباب\". اهـ\nوكذا قال أبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٤٩) وزاد: \"وتارة عن مجاهد عن مولى لأبي قتادة عن أبي قتادة، وتارة عن مجاهد عن أبي سعيد الخدري، وتارة عن مجاهد عن ابن عباس، وتارة عن مجاهد عن أبي زيد الجرمي، وتارة عن مجاهد مرسلًا\". اهـ وانظر: السنن الكبرى للنسائي (٣/ ١٧٧).\nوقد تكلم على الحديث جماعة من العلماء كالحافظ ابن حجر في \"تخريج الكشاف\" (٤/ ٥٧٦)، والسخاوي في \"المقاصد الحسنة\"، ص (٥٤٨)، وابن القيم في \"المنار المنيف\" (١/ ١٣٣)، وابن عرَّاق في \"تنزيه الشريعة\" (٢/ ٢٢٨)، والسيوطي في اللآلئ المصنوعة (٢/ ١٦٤)، وابن طاهر في \"تذكرة الموضوعات\"، ص (١٨٠)، واتفقوا جميعًا على أنه ليس على ظاهره، وعلى أنه ليس له إسناد صالح للاحتجاج به. وانظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة، للألباني (٣/ ٤٤٧).\nثانيًا: عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"فرخ الزنا لا يدخل الجنة\".\nأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٣٦٦)، من طريق حسان بن غالب، عن يعقوب بن عبدالرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، به.\nوفي سنده حسان بن غالب، متروك.\nوأخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩)، ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١١٠)، من طريق حمزة بن داود، عن محمد بن زنبور، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن سهيل، به.\nقال الألباني في الضعيفة (٣/ ٦٥٧): \"حمزة بن داود لم أجد له ترجمة، ومحمد بن زنبور: ضعيف\".\nثالثًا: حديث عبد الله بن عمرو ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"ولد الزنا ممن ذرأ لجهنم\".\nأخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ١٢٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٢٢)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٨٢)، جميعهم من طريق مروان بن معاوية، عن الحسن بن عمرو، عن معاوية بن إسحاق، عن جليس له بالطائف، عن عبد الله بن عمرو، به.\nوهذا سند ضعيف من أجل إبهام شيخ معاوية، والحديث ضعفه الألباني في ظلال الجنة (١/ ١٩٩).\nرابعًا: عن عبد الله بن عمرو ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"يحشر أولاد الزنا في صورة القردة والخنازير\".\nأخرجه العقيلي في الضعفاء (٢/ ٧٥)، والخطيب البغدادي في تالي تلخيص المتشابه (١/ ٥٤)، كلاهما من طريق عارم أبي النعمان، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن زيد بن عياض، عن عيسى بن حطان، عن عبد الله بن عمرو، =","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث:</span>\nظاهر الأحاديث أَنَّ ولد الزنا ملومٌ بفعل أبويه، وأنه بسبب زناهما صار هو شر الثلاثة، وأنه لا يدخل الجنة، وأنه لا خير فيه، وهذا الظاهر يُوهِمُ مُعارضة الآية، التي فيها أنَّ أحدًا لا يَحْمِل من إثم غيره شيئًا، إلا أنْ يكون له فيه تسبب، وولد الزنا لا ذنب له في زنا أبويه، ولم يتسبب في زناهما، فكيف جاز أن يُلام ويُعاقب على فعلٍ ليس له فيه تسبب؟ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث:</span>\nأولًا: مسالك العلماء في حديث: \"وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ\":\nللعلماء في دفع التعارض بينه وبين الآية مسلكان:\nالأول: مسلك قبول الحديث، وتأويله على معنىً لا يُعارض الآية.\nوعلى هذا المسلك الجمهور من العلماء، وقد اختلفوا في تأويل الحديث على مذاهب:\nالأول: أَنَّ هذا الشر - الذي يلحق ولد الزنا - إنما هو في حال إذا عمل الولد بعمل أبويه.\n_________\n= به. وفي سنده زيد بن عياض ضعفه العقيلي، وأورده الحافظ ابن حجر في الميزان (٢/ ٥٠٩)، ونقل تضعيف العقيلي له، والحديث أورده السيوطي في اللآلئ (٢/ ١٦٢ - ١٦٣)، وحكم بوضعه.\n(١) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: مشكل الآثار، للطحاوي (١/ ٣٦٦)، وصحيح ابن حبان\n(٨/ ١٧٧)، والفصول في الأصول، للجصاص (١/ ٢٠٥)، والموضوعات، لابن الجوزي (٣/ ١١١)، وفيض القدير، للمناوي (٣/ ٥٠٦)، وتذكرة الموضوعات، لمحمد بن طاهر الهندي (١٨٠)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني (٢/ ٢٨١، ٢٨٥).","vol":"1","page":207},{"text":"وهذا التأويل رُويَ من قول سفيان الثوري عند روايته للحديث (١)، وهو اختيار المناوي، والألباني. (٢)\nوأيَّد الألباني هذا التأويل بما رُويَ عن عائشة، وابن عباس، ﵄، أَنَّ النبي - ﷺ - قال: \"ولد الزنا شر الثلاثة، إذا عمل بعمل أبويه\". (٣)\nقال: \"وهذا التفسير، وإنْ لم يثبت رفعه، فالأخذ به لا مناص منه؛ كي لا يتعارض الحديث مع النصوص القاطعة في الكتاب والسنة أَنَّ الإنسان لا يُؤاخذ بجرم\nغيره\". اهـ (٤)\nالمذهب الثاني: أَنَّ النبي - ﷺ - إنما قصد بكلامه هذا إنسانًا بعينه، كان يؤذي النبي - ﷺ -، وكان مع أذيته له ولد زنا، فقال النبي - ﷺ -: \"هو شر الثلاثة\"، باعتبار أذاه.\nوهذا التأويل جاء مرفوعًا من حديث عائشة ﵂، فعن عروة قال: بلغ عائشة ﵂ أَنَّ أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: \"ولد الزنا شر الثلاثة\"،\n_________\n(١) تقدم تخريجه في أول المسألة، وهو عند البيهقي في سننه (١٠/ ٥٩).\n(٢) انظر على الترتيب: فيض القدير، للمناوي (٥/ ٣٧٢)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني (٢/ ٢٨١).\n(٣) حديث عائشة: أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٦/ ١٠٩)، قال: حدثنا أسود بن عامر قال: حدثنا إسرائيل قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، عن إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، عن عائشة، به.\nوقد خولف أسود بن عامر، فرواه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٥٨)، من طريق إسحاق بن منصور، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن إسحاق، عن محمد بن قيس، عن عائشة، به.\nوهذا الاضطراب من إبراهيم بن إسحاق، وهو إبراهيم بن الفضل المخزومي، وهو متروك، كما في التقريب (١/ ٥٥). وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني (٢/ ٢٨١).\nوحديث ابن عباس: أخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٩١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٥٨)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٨٥)، وفي الأوسط (٧/ ٢١٠)، جميعهم من طريق ابن أبي ليلى، عن داود بن علي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس، به.\nوالحديث في إسناده ابن أبي ليلى، وهو محمد بن عبد الرحمن، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٥٧): \"سيئ الحفظ\". وضعفه الألباني في الصحيحة (٢/ ٢٨٢).\n(٤) سلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني (٢/ ٢٨٢).","vol":"1","page":208},{"text":"فقالت: يرحم الله أبا هريرة، أساء سمعًا، فأساء إجابة، لم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل يؤذي رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: \"أما إنه مع ما به ولد زنا\"، وقال رسول الله ﷺ: \"هو شر الثلاثة\". (١)\n_________\n(١) أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٣/ ٣٦٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٣٤)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٥٨)، كلاهما من طريق سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، به. واللفظ للطحاوي، ولفظ الحاكم: قالت عائشة: \"لم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله ﷺ فقال: \"من يعذرني من فلان\"، قيل: يا رسول الله، مع ما به ولد زنا، فقال رسول الله ﷺ: \"هو شر الثلاثة\"، قالت عائشة: والله ﷿ يقول: (؟؟؟؟؟) \".\nقال الحاكم: \"صحيح على شرط مسلم\"، وتعقبه الذهبي بقوله: \"كذا قال، وسلمة لم يحتج به مسلم، وقد وُثِّق، وضعفه ابن راهويه\"، وقال البيهقي: \"سلمة بن الفضل الأبرش يروي مناكير\"، وضعف الحديثَ الألباني في الصحيحة (٢/ ٢٨١) من أجل سلمة، ومن أجل عنعنة ابن إسحاق.\nقلت: سلمة هو ابن الفضل الأبرش، الأنصاري مولاهم، أبو عبد الله الأزرق، وقد اختلف النقاد في توثيقه؛ فقال البخاري: عنده مناكير، وقال أبو زرعة: كان أهل الري لا يرغبون فيه، لمعان فيه، من سوء رأيه وظلم فيه، وقال أبو حاتم: محله الصدق، في حديثه إنكار، يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن معين: ثقة، سمعت جريرًا يقول: ليس من لدن بغداد إلى أن تبلغ خراسان أثبت في ابن إسحاق من سلمة، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا، وقال ابن عدي: عنده غرائب وأفراد، ولم أجد في حديثه حديثًا قد جاوز الحد في الإنكار، وأحاديثه متقاربة محتملة، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ ويخالف، وقال الترمذي: كان إسحاق يتكلم فيه، وقال ابن عدي عن البخاري: ضعفه إسحاق، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، وذكر ابن خلفون أَنَّ أحمد سُئِل عنه فقال: لا أعلم فيه إلا خيرًا. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (٤/ ١٣٥).\nقلت: الأقرب في حاله أنه صدوق كثير الخطأ، كما قال الحافظ ابن حجر في ترجمته له في التقريب (١/ ٣٠٨).\nوقد توبع سلمةُ ومحمدُ بنُ إسحاق في إسناد هذا الحديث؛ فرواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده [كما في زوائد الهيثمي (٢/ ٥٦٥)]، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبان، ثنا معمر بن أبان، ثنا الزهري، أَنَّ عروة بن الزبير أخبره عن عائشة، قيل لها: إن أبا هريرة - ﵁ - يقول: قال رسول الله ﷺ: \"ولد الزنا شر الثلاثة\"، فقالت عائشة: ليس كذا، إنما كان رسول الله ﷺ يُقابل رجلًا شديد البأس، شديد العداوة، فقيل لرسول الله ﷺ: إنه ولد زنا، فقال: \"ولد الزنا شر الثلاثة\"، يعني ذلك الرجل\". =","vol":"1","page":209},{"text":"واختار هذا التأويل: أبو جعفر الطحاوي، وأبو محمد ابن حزم. (١)\nولأبي جعفر تأويل آخر في معنى الحديث حيث قال: \"يحتمل أنْ يكون المراد بالحديث هو من تحقق بالزنا حتى صار غالبًا عليه، فيكون بذلك شرًا ممن سواه، ممن ليس كذلك\". اهـ (٢)\nوهذا التأويل ذكره أيضًا في الجواب على حديث: \"لن يدخل الجنة ولد زنية\"، وسيأتي.\nالمذهب الثالث: أَنَّ شر الأبوين عارض، وولد الزنا نطفته خبيثة، فشره في أصله، وشر الأبوين من فعلهما.\nوهذا التأويل قال به ابن القيم؛ فإنه ذكر حديث: \"لا يدخل الجنة ولد زنا\"، ثم حكى قول ابن الجوزي: إنه مُعارض لآية: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [فاطر: ١٨] ثم قال ابن القيم: \"وليس هو مُعارض لها - إنْ صح - فإنه\n_________\n= إلا أَنَّ هذه المتابعة لا يعتدُّ بها؛ من أجل عبد العزيز بن أبان، فإنه متروك، وكذّبه ابن معين وغيره، كما في التقريب (١/ ٤٧٠).\nلكن جاء عن عائشة ما يؤيد رواية ابن إسحاق؛ فعن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنها كانت إذا قيل لها: هو شر الثلاثة، عابت ذلك وقالت: ما عليه من وزر أبويه، قال الله: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) \".\nأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٧/ ٤٥٤)، عن معمر، وسفيان، كلاهما عن هشام، به.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ١٠٧)، عن عبدة، عن هشام، به.\nوأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٥٨)، من طريق أبي نعيم، عن سفيان، عن هشام، به.\nوأخرجه ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١٣٦)، من طريق يزيد بن هارون، عن سفيان، عن هشام، به.\nوهو صحيح بهذه الأسانيد، ورُويَ مرفوعًا ولا يصح، فأخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٢٦٩)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١١٢)، كلاهما من طريق جعفر بن محمد بن جعفر المدائني، عن عباد بن العوام، عن سفيان، عن هشام، به. مرفوعًا.\nوجعفر بن محمد مجهول، قال الطبراني: \"لم يرفع هذا الحديث عن سفيان الثوري إلا عباد بن العوام، تفرد به جعفر بن محمد المدائني\"، وقال البيهقي بعد أن رواه موقوفًا: \"رفعه بعض الضعفاء، والصحيح موقوف\"، وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٢٥٧): \"جعفر بن محمد بن جعفر المدائني لم أعرفه\"، وكذا قال الألباني في الصحيحة (٢/ ٢٨٥).\n(١) انظر على الترتيب: مشكل الآثار، للطحاوي (١/ ٣٦٦)، والمحلى، لابن حزم (٨/ ٥٢٩).\n(٢) مشكل الآثار، للطحاوي (١/ ٣٧٥).","vol":"1","page":210},{"text":"لم يُحرم الجنة بفعل والديه، بل لأن النطفة الخبيثة لا يتخلق منها طيب في الغالب، ولا يدخل الجنة إلا نفس طيبة، فإنْ كانت في هذا الجنس طيبة دخلت الجنة، وكان الحديث من العام المخصوص.\nقال: وقد ورد في ذمه أنه شر الثلاثة، وهو حديث حسن، ومعناه صحيح بهذا الاعتبار، فإنَّ شر الأبوين عارض، وهذا نطفة خبيثة، فشرُّه في أصله، وشرُّ الأبوين من فعلهما\". اهـ (١)\nويرد على هذا القول: أَنَّ النطفة إنما خَبُثَتْ بفعل الأبوين، والولد المُتَخَلِّقِ منها\nلا ذنب له في خُبثها، فكيف يكون خبيثًا وهو لم يقصد الخبث، ولم يتسبب فيه؟ وعليه فالإشكال باقٍ ولم يتمَّ دفعه.\nالمذهب الرابع: أَنَّ معنى الحديث أَنَّ ولد الزنا شر الثلاثة نسبًا.\nوهذا تأويل السرخسي حيث قال: \"تأويل الحديث: (شر الثلاثة نسبًا) فإنه لا نسب له، أو أَنَّ النبي - ﷺ - قال ذلك في ولد زنا بعينه نشأ مرتدًا، فكان أخبث من أبويه.\nقال: وذلك لأن لأولاد الزنا من الحرمة ما لسائر بني آدم، ولا ذنب لهم، وإنما الذنب لآبائهم، كما ذُكِرَ عن عائشة - ﵂ - أنها كانت تتأول في أولاد الزنا: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (٢) [الأنعام: ١٦٤] \". اهـ (٣)\nالمذهب الخامس: أَنَّ ولد الزنا إنما يُذم لأنه مظنة أنْ يعمل عملًا خبيثًا.\nوهذا تأويل شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال: \"ولد الزنا إنْ آمن وعمل صالحًا دخل الجنة، وإلا جوزي بعمله كما يُجازى غيره، والجزاء على الأعمال لا على النسب، وإنما يُذَمُّ ولد الزنا لأنه مَظِنَّة أنْ يعمل عملًا خبيثًا، كما يقع كثيرًا، كما تُحمد الأنساب الفاضلة لأنها مَظِنَّة عمل الخير، فأما إذا ظهر العمل فالجزاء عليه، وأكرم الخلق عند الله أتقاهم\". اهـ (٤)\n_________\n(١) المنار المنيف، لابن القيم (١/ ١٣٣).\n(٢) تقدم تخريجه في أثناء المسألة.\n(٣) المبسوط، للسرخسي (٧/ ٧٧ - ٧٨)، (١/ ٤١).\n(٤) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٤/ ٣١٢).","vol":"1","page":211},{"text":"المسلك الثاني: مسلك تضعيف الحديث وعدم قبوله.\nوهذا المسلك حكاه ابنُ عبد البر عن الإمام مالك. (١)\nوإليه ذهب أبو بكر الجصاص في كتابه \"أحكام القرآن\" (٢)؛ فإنه حكم على الحديث بالضعف، لشذوذه، ومخالفته للأصول، لكنه في كتابه \"الفصول في الأصول\" (٣) ذهب إلى قبول الحديث مع تأويله، على نحوِ ما جاء في المذهب الثاني، حيث قال: \"وأما حديث أبي هريرة - في ولد الزنا أنه شر الثلاثة - فإنما معناه عندنا أنه أشار به إلى أشخاص بأعيانهم، فحكم فيهم بهذا الحكم؛ لعلمه ﵇ بأحوالهم التي يستحقون بها ذلك\". اهـ\nوممن ذهب إلى تضعيف الحديث: ابن الجوزي؛ فإنه أورده في العلل المتناهية (٤)، وقال: لا يصح.\nوقد جاء عن عائشة، وابن عباس، وابن عمر، ما يدل على معارضتهما للحديث:\nفعن عائشة ﵂، أنها كانت إذا قيل لها في ولد الزنا: هو شر الثلاثة، عابت ذلك وقالت: ما عليه من وزر أبويه، قال الله: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) \". (٥).\nوعن ابن عباس ﵄، أنه قال في ولد الزنا: \"لو كان شر الثلاثة لم يُتَأنَّ بأمه أن تُرجم حتى تضعه\". (٦)\nوعن ميمون بن مهران، أنه شهد ابن عمر صلى على ولد زنا فقيل له: إن أبا هريرة لم يُصلِّ عليه، وقال: هو شر الثلاثة. فقال ابن عمر: \"هو\n_________\n(١) انظر: الاستذكار، لابن عبد البر (٢٣/ ١٧٤).\n(٢) (٣/ ٤٠٤).\n(٣) (١/ ٢٠٧).\n(٤) (٢/ ٧٦٩).\n(٥) تقدم تخريجه في أثناء المسألة، وإسناده صحيح.\n(٦) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١٣٥)، قال: حدثنا أحمد بن سعيد بن بشر قال: حدثنا ابن أبي دليم قال: حدثنا ابن وضاح قال: حدثنا عبد العزيز بن عمران بن مقلاص قال: حدثنا ابن وهب، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، به. وإسناده صحيح.","vol":"1","page":212},{"text":"خير الثلاثة\". (١)\nورُويَ نحو ذلك عن عكرمة (٢)، والشعبي (٣).\nثانيًا: مسالك العلماء في حديث: \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلَدُ زِنْيَةٍ\":\nللعلماء في دفع التعارض بينه وبين الآية مسلكان:\nالأول: مسلك قبول الحديث، وتأويله على معنىً لا يُعارض الآية.\nوقد اختلف أصحاب هذا المسلك في تأويل الحديث على مذاهب:\nالأول: أَنَّ المراد بالحديث هو من تحقق بالزنا حتى صار غالبًا عليه.\nوهذا التأويل قال به أبو جعفر الطحاوي، وهو اختيار الألباني. (٤)\nقال الطحاوي - بعد أن ساق الحديث ـ: \"هذا الحديث أُريد به من تحقق بالزنا حتى صار غالبًا عليه، فاستحق بذلك أنْ يكون منسوبًا إليه، فيُقال: هو ابن له، كما يُنسب المتحققون بالدنيا إليها، فيُقال لهم: بنو الدنيا، لعملهم لها، وتحققهم بها، وتركهم ما سواها، وكما قد قيل للمتحقق بالحذر: ابن أحذار، وللمتحقق بالكلام: ابن الأقوال، وكما قيل للمسافر: ابن سبيل، وكما قيل للمقطوعين عن أموالهم، لبعد المسافة بينهم وبينها: أبناء السبيل، كما قال تعالى في أصناف أهل الزكاة: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) [التوبة: ٦٠]، حتى ذكر فيهم ابن السبيل ...، ومثل ذلك ابن زنية، قيل لمن قد تحقق بالزنا حتى صار بتحققه به منسوبًا إليه، وصار الزنا غالبًا عليه، أنه لا يدخل الجنة بهذه المكان التي فيه، ولم يُرِدْ به من كان ليس من ذوي الزنا الذي هو مولود\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣/ ٥٣٧)، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب، عن ميمون بن مهران، به. وسنده ضعيف، من أجل أبي معشر، وهو: نجيح بن عبد الرحمن، ضعفه الحافظ ابن حجر في التقريب (٢/ ٣٠٣)، وأخرجه الطحاوي في المشكل (١/ ٣٧٨)، من طريق أبي نعيم، عن أبي جعفر الرازي، عن يحيى البكاء، عن ابن عمر، به. ويحيى البكاء ضعيف، كما في التقريب (٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٧/ ٤٥٥).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ١٠٧).\n(٤) انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني (٢/ ٢٨٥).","vol":"1","page":213},{"text":"من الزنا\". اهـ (١)\nالمذهب الثاني: أَنَّ الحديث محمول على الغالب؛ فإن ولد الزنا في الغالب لخباثة نطفته يكون خبيثًا لا خير فيه، فلا يعمل عملًا يدخل به الجنة.\nوهذا التأويل قال به ابن حبان، وهو اختيار الآلوسي. (٢)\nقال ابن حبان: \"معنى نفي المصطفى - ﷺ - عن ولد الزنية دخول الجنة - وولد الزنية ليس عليهم من أوزار آبائهم وأمهاتهم شيء - أَنَّ ولد الزنية على الأغلب يكون أجسر على ارتكاب المزجورات، أراد - ﷺ - أَنَّ ولد الزنية لا يدخل الجنة، جنة يدخلها غير ذي الزنية، ممن لم تكثر جسارته على ارتكاب المزجورات\". اهـ (٣)\nالمذهب الثالث: أَنَّ المراد بالحديث: أَنَّ ولد الزنا لا يدخل الجنة إذا عمل بعمل أبويه.\nوهذا التأويل قال به البيهقي (٤)، والحافظ ابن حجر، فيما نقله عنه السخاوي. (٥)\nالمذهب الرابع: أَنَّ المراد بالحديث: أنه لا يدخل الجنة مع السابقين الأولين.\nوهذا التأويل قال به المناوي، قال: \"وذلك لأنه يتعثر عليه اكتساب الفضائل الحسنة، ويتيسر له رذائل الأخلاق\". اهـ (٦)\nالمذهب الخامس: أَنَّ المراد بالحديث: أنه لا يدخل الجنة بعمل أصليه، بخلاف ولد الرشد؛ فإنه إذا مات طفلًا وأبواه مؤمنان أُلحق بهما، وبلغ درجتهما بصلاحهما، على ما قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ\n_________\n(١) مشكل الآثار، للطحاوي (١/ ٣٧٢ - ٣٧٣).\n(٢) انظر: روح المعاني، للآلوسي (٢٩/ ٤٤).\n(٣) صحيح ابن حبان (٨/ ١٧٧).\n(٤) شعب الإيمان، للبيهقي (٦/ ١٩٢).\n(٥) المقاصد الحسنة، للسخاوي، ص (٥٤٩)، وانظر: كشف الخفاء، للعجلوني (٢/ ٥٠١).\n(٦) فيض القدير، للمناوي (٤/ ٤٢٨).","vol":"1","page":214},{"text":"أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الطور: ٢١]، وولد الزنا لا يدخل بعمل أصليه، أما الزاني فنسبه منقطع، وأما الزانية فشؤم زناها - وإن صلحت - يمنع من وصول بركة صلاحها إليه.\nوهذا التأويل قال به الطالقاني (١). (٢)\nالمذهب السادس: أَنَّ الحديث فيه تغليظ وتشديد على ولد الزنية، تعريضًا بالزاني؛ لئلا يورطه في السفاح، فيكون سببًا لشقاوة نسمة بريئة.\nوهذا التأويل قال به الطيبي، قال: \"ومما يؤذن أنه تغليظ وتشديد: سلوك ولد الزنية في قرن العاق والمنان ومدمن الخمر، ولا ارتياب أنهم ليسوا من زمرة من لا يدخل الجنة أبدًا\". اهـ (٣)\nالمسلك الثاني: مسلك تضعيف الحديث.\nحيث ذهب جمعٌ من العلماء إلى أَنَّ الحديث لا يصح عن النبي - ﷺ -؛ فوصفه بالاضطراب الدارقطني (٤)، وضعفه الحافظ ابن حجر (٥)، وحكم عليه بالوضع: ابن الجوزي، والسيوطي، وابن عرَّاق (٦)، وابن طاهر (٧)، والعجلوني (٨)، والشوكاني. (٩)\nثالثًا: مسالك العلماء في حديث: \"نَعْلَانِ أُجَاهِدُ بِهِمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ وَلَدَ زِنًا\".\nهذا الحديث لم يصححه أحد من العلماء حسب ما وقفت عليه، وقد تأوله الطحاوي بعد روايته له، بأنه محمول على من تحقق بالزنا حتى صار\n_________\n(١) هو: أحمد بن إسماعيل بن يوسف الطالقاني، رضي الدين القزويني: واعظ، عالم بالحديث، من أهل قزوين مولدًا ووفاة، أقام زمنًا في بغداد، ودرس بالنظامية، وكان إمامًا في فقه الشافعية، من مؤلفاته: (التبيان في مسائل القرآن) رد به على الحلولية والجهمية، و(تعريف الأصحاب سواء السبيل)، وغيرها، توفي سنة (٥٩٠هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (٢١/ ١٩٠)، والأعلام، للزركلي\n(١/ ٩٦).\n(٢) انظر: التدوين في أخبار قزوين، للرافعي (٢/ ١٤٤)، وفيض القدير، للمناوي (٤/ ٤٢٨).\n(٣) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح (٧/ ٢١٣).\n(٤) العلل، للدارقطني (٩/ ١٠٢).\n(٥) الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف، لابن حجر (٤/ ٥٧٦).\n(٦) هو: علي بن محمد بن علي بن عبد الرحمن بن عراق الكناني، نور الدين: فقيه، متصوف، له نظم، وفيه قوة على نقد الشعر. ولد في دمشق ورحل إلى الحجاز فتولى الإمامة بالمدينة وتوفي فيها. له: (تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة)، في الحديث، أتم تأليفه بمصر سنة (٩٥٤هـ)، وأهداه إلى السلطان سليمان العثماني، توفي سنة (٩٦٣هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٥/ ١٢).\n(٧) هو: محمد بن طاهر الصديقي الهندي، الفتني، جمال الدين: عالم بالحديث ورجاله، كان يلقب بملك المحدثين، نسبته إلى فتن (من بلاد كجرات بالهند) ومولده ووفاته فيها، من كتبه (مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار)، و(تذكرة الموضوعات)، وغيرها، توفي سنة (٩٨٦هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٦/ ١٧٢).\n(٨) هو: إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي الجراحي العجلوني الدمشقي، أبو الفداء: محدث الشام في أيامه. مولده بعجلون ومنشأه ووفاته بدمشق. له كتب منها (كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس)، و(الفيض الجاري في شرح صحيح البخاري)، وغيرها، توفي سنة (١١٦٢هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (١/ ٣٢٥).\n(٩) انظر على الترتيب: الموضوعات، لابن الجوزي (٣/ ١١١)، واللآلئ المصنوعة، للسيوطي (٢/ ١٦٣)، وتنزيه الشريعة، لابن عراق (٢/ ٢٢٨)، وكشف الخفاء، للعجلوني (٢/ ٤٥٢)، وتذكرة الموضوعات، لمحمد بن طاهر الهندي، ص (١٨٠)، والفوائد المجموعة، للشوكاني (١/ ٢٠٤).","vol":"1","page":215},{"text":"غالبًا عليه. (١)\nوتأوله السندي: بأنَّ المراد أَنَّ أجر إعتاقه قليل، وذلك لأن الغالب عليه الشر عادة، فالإحسان إليه قليل الأجر، كالإحسان إلى غير أهله. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالتحقيق أنه لا يصح في المسألة إلا حديث أبي هريرة - ﵁ -، أَنَّ النبي - ﷺ - قال: \"وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ\"، وأما بَقيَّة الأحاديث فلا يصح منها شيء، وقد بينت في أول المسألة ما فيها من علل.\nوالذي يظهر لي في معنى حديث أبي هريرة: أَنَّ ولد الزنا هو شر الثلاثة شؤمًا بالزنا، وأنَّ معنى قوله - ﷺ -: \"شر الثلاثة\" أي: أشد الثلاثة تضررًا بالزنا، وذلك لأن الأبوين إذا تابا وسترا على أنفسهما فقد اندفعت عنهما مَعَرَّةُ الزنا، فلا يَعْلَم أحدٌ بحالهما، وأما الابن فلا يزال شؤم الزنا يلاحقه طيلة حياته، فهو معروف بين الناس بأنه ولد زنا، ولا يستطيع بحال أنْ يتخلص من ذلك، ومن هذا الباب أصبح شر الثلاثة، أي شر الثلاثة شؤمًا بالزنا، وهذا المعنى لا يلزم منه أنْ يكون ابن الزنا ملومًا بزنا أبويه، أو أنه يُعاقب على ذلك، بل هو بريء كل البراءة من إثم أبويه، وإذا كان صالحًا لم يلحقه من شؤم الزنا إلا وصفه به، ولا يلحقه من إثم أبويه شيء.\nوقد جاء في السنة إطلاق الشر على الضرر، وإنْ لم يكن الموصوف به آثمًا أو مُلامًا عليه، فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: \"كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَارٍ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ: (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١» [المرسلات: ١] فَنَحْنُ نَأْخُذُهَا مِنْ فِيهِ رَطْبَةً، إِذْ خَرَجَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ فَقَالَ: اقْتُلُوهَا، فَابْتَدَرْنَاهَا لِنَقْتُلَهَا، فَسَبَقَتْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَقَاهَا اللَّهُ شَرَّكُمْ، كَمَا وَقَاكُمْ شَرَّهَا\". (٣)\n_________\n(١) مشكل الآثار، للطحاوي (١/ ٣٧٧).\n(٢) شرح سنن ابن ماجة، للسندي (٣/ ٢١١).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (١٨٣٠)، ومسلم في =","vol":"1","page":216},{"text":"ففي هذا الحديث تسمية النبي - ﷺ - مبادرة الصحابة لقتل الحية شرًا، وليس في وصفه - ﷺ - لفعلهم بالشر ما يدل على كراهته له أو تحريمه، وإنما سماه النبي - ﷺ - شرًا باعتبار الضرر الذي يلحق الحية؛ لا باعتبار أنَّ الفعل شر، أو أنَّ فاعله آثم، والله تعالى أعلم.\n****\n_________\n= صحيحه، في كتاب السلام، حديث (٢٢٣٤).","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>المسألة [١١]: في رؤية الإنس للجن</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧» [الأعراف: ٢٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآية:</span>\n(٢١) - (١٩): عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"إِنَّ عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ؛ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ؛ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) [ص: ٣٥] \". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث:</span>\nظاهر الآية الكريمة نفي رؤية الإنس للجن، وأما الحديث ففيه إثبات الرؤية، وهذا يُوهِمُ خلاف الآية.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، حديث (٤٦١)، ومسلم في صحيحه، في كتاب المساجد، حديث (٥٤١).","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث:</span>\nاختلف العلماء في إمكان رؤية الإنس للجن على مذهبين:\nالأول: إمكان رؤية الإنس للجن.\nوهذا مذهب أهل السنة (١)، إلا أنهم اختلفوا في تأويل الآية، والجمع بينها وبين الحديث، على أقوال:\nالأول: أنَّ الآية محمولة على الأعم الأغلب، وليس المراد نفي رؤيتهم مطلقًا؛ حيث إنَّ الغالب هو عدم رؤيتهم من قِبَلِ الإنس، ولكن لا مانع من رؤيتهم في بعض الأحيان، كما وقع للنبي - ﷺ -.\nوهذا رأي: الخطابي، والبغوي، والقاضي عياض، وأبي العباس القرطبي، والنووي، وابن رجب، والآلوسي. (٢)\nالقول الثاني: أنَّ المراد في الآية نفي رؤيتنا لهم في الحال التي يروننا فيها، وليس في الآية ما يُفيد نفي رؤيتنا لهم مطلقًا؛ إذ المستفاد منها أنَّ رؤيتهم إيانا مُقيدة من هذه الحيثية، فلا نراهم في وقت رؤيتهم لنا فقط، ويجوز رؤيتنا لهم في غير ذلك الوقت. (٣)\nوهذا رأي: شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، والكرماني (٥)، وابن حجر الهيتمي (٦)، والشوكاني.\n_________\n(١) حكاه مذهب أهل السنة: العيني، في \"عمدة القاري\" (٧/ ١٠٢)، والآلوسي، في \"روح المعاني\"\n(٨/ ٤٨١).\n(٢) انظر على الترتيب: أعلام الحديث، للخطابي (١/ ٤٠٠)، وشرح السنة، للبغوي (٢/ ٣٢٥)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٢/ ٤٧٣)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٢/ ١٥٠)، وصحيح مسلم بشرح النووي (٥/ ٤٠)، وفتح الباري، لابن رجب (٦/ ٣٩٨)، وروح المعاني، للآلوسي (٨/ ٤٨١).\n(٣) انظر: عمدة القاري، للعيني (٤/ ٢٣٤).\n(٤) مجموع الفتاوى (١٥/ ٧)، والرد على المنطقيين (١/ ٤٧٠).\n(٥) نقله عنه العيني في عمدة القاري (٤/ ٢٣٤).\n(٦) تحفة المحتاج (٧/ ٢٩٧).","vol":"1","page":219},{"text":"قال الشوكاني: \"وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على أنَّ رؤية الشياطين غير ممكنة، وليس في الآية ما يدل على ذلك، وغاية ما فيها: أنه يرانا من حيث لا نراه، وليس فيها أنا لا نراه أبدًا؛ فإنَّ انتفاء الرؤية منا له في وقت رؤيته لنا لا يستلزم انتفاءها مطلقًا\". اهـ (١)\nواعترض: بأنَّ في حديث أبي هريرة رؤية الاثنين، بعضهم لبعض، في آنٍ واحد، وليس فيه ما ذُكِرَ من التفصيل.\nالقول الثالث: أنَّ رؤيتهم على طبيعتهم وصورهم الأصلية التي خُلِقوا عليها ممتنعة؛ لظاهر الآية، لكن إذا تشكلوا في غير صورهم أمكن رؤيتهم، وعليه تُحمل الأحاديث والآثار الواردة في المسألة.\nذكر هذا القول: القاضي عياض (٢).\nوهو اختيار: الحافظ ابن حجر (٣)، والعيني (٤).\nواعترض عليه النووي قائلًا: \"هذه دعوى مجردة؛ فإن لم يصح لها مستند؛ فهي مردودة\". (٥)\nالقول الرابع: أنَّ رؤيتهم على صورهم التي خُلِقوا عليها هو مما اختص به الأنبياء - ﵈ - وهو من معجزاتهم، وعليه تحمل الآية، وأما سائر الناس فلا يمكنهم رؤيتهم إلا إذا تشكلوا في غير صورهم التي خُلقوا عليها.\nوهذا رأي: ابن بطال، والنحاس (٦)، وابن عاشور (٧).\nقال ابن بطال: \"رؤيته - ﷺ - للعفريت هو مما خُص به، كما خُص برؤية الملائكة، وقد أخبر - ﷺ - أنَّ جبريل - ﵇ - له ستمائة جناح (٨)، ورأى النبي - ﷺ - الشيطان في هذه الليلة، وأقدره الله عليه لتجسُّمِه؛ لأن الأجسام ممكن القدرة\n_________\n(١) فتح القدير، للشوكاني (٢/ ٢٨٨).\n(٢) إكمال المعلم (٢/ ٤٧٣).\n(٣) فتح الباري (٤/ ٥٧١).\n(٤) عمدة القاري (١٢/ ١٤٨).\n(٥) صحيح مسلم بشرح النووي (٥/ ٤٠).\n(٦) نقله عنه القرطبي في تفسيره (٧/ ١٢٠).\n(٧) التحرير والتنوير (٩/ ٧٩ - ٨٠).\n(٨) عن ابن مسعود - ﵁ -: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ\". أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب بدء الخلق، حديث (٣٢٣٢)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٧٤).","vol":"1","page":220},{"text":"عليها، ولكنه ألقى في روعه ما وُهِبَ سليمان - ﵇ - فلم يُنفِذ ما قوي عليه من حبسه رغبة عما أراد سليمان الانفراد به، وحرصًا على إجابة الله تعالى دعوته، وأما غير النبي من الناس فلا يمكن منه، ولا يرى أحدٌ الشيطانَ على صورته غيره - ﷺ -؛ لقوله تعالى: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ)، لكنه يراه سائر الناس إذا تشكل في غير شكله، كما تشكل الذي طعنه الأنصاري حين وجده في بيته على صورة حية فقتله فمات الرجل به، فبين النبي - ﷺ - ذلك بقوله: \"إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ\" (١) \". اهـ (٢)\nالقول الخامس: أنَّ رؤية الجن ممتنعة مطلقًا إلا لنبي، أو في زمن نبي.\nوهذا رأي: ابن حزم، حيث قال عن الجن: \"وهم يروننا ولا نراهم، قال الله تعالى: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) ....، وإذ أخبرنا الله ﷿ أننا لا نراهم، فمن ادعى أنه يراهم أو رآهم فهو كاذب، إلا أن يكون من الأنبياء - ﵈ - فذلك معجزة لهم، كما نص رسول الله - ﷺ - أنه تفلت عليه الشيطان ليقطع عليه صلاته قال: فأخذته فذكرت دعوة أخي سليمان، ولولا ذلك لأصبح موثقًا يراه أهل المدينة، وكذلك في رواية عن أبي هريرة - ﵁ - للذي رأى (٣)؛ أنها هي معجزة لرسول الله - ﷺ -، ولا سبيل إلى وجود خبر يصح برؤية حتى بعد موت رسول الله - ﷺ -، وإنما هي منقطعات، أو عمن لا خير فيه\". اهـ (٤)\nونُقِلَ عن الإمام الشافعي أنه قال: \"من زعم من أهل العدالة أنه يرى الجن أبطلت شهادته؛ لأن الله ﷿ يقول: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ)، إلا أن يكون نبيًا\". (٥)\nالقول السادس: أنَّ الآية خارجة مخرج التمثيل لدقيق مكر الشيطان وخفي حيله، وليس المقصود منها نفي الرؤية حقيقة.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب السلام، حديث (٢٢٣٦).\n(٢) شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٢/ ١٠٩).\n(٣) سيأتي تخريجه في الصفحة الآتية.\n(٤) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ١٧٩).\n(٥) انظر: أحكام القرآن، للشافعي، ص (٥٤١).","vol":"1","page":221},{"text":"ذكره الآلوسي في تفسيره احتمالًا آخر في الجمع (١)، ولا يخفى بعده، بل هو من التفسير الإشاري المخالف لظاهر القرآن الكريم.\nأدلة هذا المذهب:\nاستدل القائلون بإمكان الرؤية - وهم أهل السنة - بأدلة منها:\nالدليل الأول: حديث أبي هريرة - ﵁ - الوارد في المسألة.\nالدليل الثاني: قصة أبي هريرة - ﵁ - مع الشيطان، وقد رآه أبو هريرة في صورة مسكين على هيئة إنسان (٢)، وهذا يدل على أنَّ الشياطين والجن يتشكلون في غير صورهم.\nالدليل الثالث: أنَّ الله تعالى نص في كتابه على عمل الجن لسليمان - ﵇ - ومخاطبتهم له، في قوله تعالى: (قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩» [النمل: ٣٩]، ومثل هذا لا يُنكر مع تصريح القرآن بذلك، وثبوت الأحاديث الصحيحة. (٣)\nالمذهب الثاني: نفي إمكان رؤية الجن مطلقًا، لا لنبي، ولا لغيره.\nوهذا مذهب المعتزلة (٤)، وبعض الأشاعرة (٥).\n_________\n(١) روح المعاني (٨/ ٤٨٢).\n(٢) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَقَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ذَاكَ شَيْطَانٌ\".\nأخرجه البخاري في صحيحه - تعليقًا - في كتاب بدء الخلق، حديث (٣٢٧٥).\nووقعت لمعاذ - ﵁ - قصة شبيهة بهذه، أخرجها الحاكم في المستدرك (١/ ٧٥١)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٥١)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣٢٢): \"رواه الطبراني عن شيخه يحيى بن عثمان بن صالح، وهو صدوق إن شاء الله - كما قال الذهبي- قال ابن أبي حاتم: وقد تكلموا فيه. وبقية رجاله وثقوا\".\n(٣) انظر: عمدة القاري، للعيني (٧/ ١٠٢)، وروح المعاني، للآلوسي (٨/ ٤٨١).\n(٤) انظر نسبته للمعتزلة في: عمدة القاري، للعيني (٧/ ١٠٢)، وروح المعاني، للآلوسي (٨/ ٤٨١).\n(٥) انظر نسبته للأشاعرة في: روح المعاني، للآلوسي (٨/ ٤٨٢).","vol":"1","page":222},{"text":"وبه قال الزمخشري، والفخر الرازي.\nقال الزمخشري - بعد أن أورد الآية -: \"وفيه دليل بَيّنٌ أنَّ الجن لا يُرون، ولا يظهرون للإنس، وأنَّ إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأنَّ زَعْمَ من يَدَّعي رؤيتهم زورٌ ومخرقة\". اهـ (١)\nوقال الفخر الرازي: \"قوله تعالى: (مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) يدل على أنَّ الإنس لا يرون الجن؛ لأن قوله: (مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص، قال بعض العلماء: ولو قَدِرَ الجن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاؤا وأرادوا لوجب أن ترتفع الثقة عن معرفة الناس، فلعل هذا الذي أشاهده وأحكم عليه بأنه ولدي أو زوجتي جِنِّيٌّ صوّر نفسه بصورة ولدي أو زوجتي، وعلى هذا التقدير يرتفع الوثوق عن معرفة الأشخاص\". اهـ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو إمكان رؤية الإنس للجن، وأنَّ الآية محمولة على نفي رؤيتهم على الهيئة التي خُلِقوا عليها، لكن إذا تشكَّلوا في صورٍ أخرى من إنسان أو حيوان أمكن رؤيتهم، وعليه فتكون الآية مقيدة بمنع رؤيتهم في حال دون حال، وتلك الحال هي هيئتهم التي خُلقوا عليها.\nيدل على هذا الاختيار:\n١ - ما ذُكِرَ في المسألة من الأحاديث، والتي فيها رؤية النبي - ﷺ - لهم.\n٢ - وما ورد من رؤية بعض الصحابة لهم على صورة إنسان، أو حيوان، وهذا يدل على أنهم لا يُرون على هيئتهم التي خلقوا عليها، لكن إذا تشكلوا في صور أخرى أمكن رؤيتهم.\n_________\n(١) الكشاف، للزمخشري (٢/ ٩٤).\n(٢) مفاتيح الغيب، للرازي (١٤/ ٤٥).","vol":"1","page":223},{"text":"٣ - أنه لم يُنقل أنَّ أحدًا رآهم على هيئتهم التي خلقوا عليها، لا في حديث، ولا في أثر، على حين تعددت الوقائع برؤيتهم في صورٍ أخرى، فدل على صحة ما قلناه.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما رؤية كثير من الناس للجن - حال الصرع وغير الصرع - فهذا أكثر وأشهر من أن يذكر ....، وقد اتفق أئمة الإسلام على وجود الجن، وقد رآهم غير واحد من الناس، وخاطبوهم ... \". اهـ (١)\n\n****\n_________\n(١) الرد على المنطقيين، لابن تيمية (١/ ٤٧٠)، باختصار.","vol":"1","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>المسألة [١٢]: في مستقر أرواح الكفار</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠» [الأعراف: ٤٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية:</span>\n(٢٢) - (٢٠): عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: كان أبو ذَرٍّ - ﵁ - يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ - ﷺ - قال: ...، فذكر حديث الإسراء بطوله، ثم ذكر قول النبي - ﷺ -: \"فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ. قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ - ﷺ -. فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا؛ فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ، عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ (١)، وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ؛ إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَالِابْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَال: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ (٢) بَنِيه؛ ِ فَأَهْلُ\n_________\n(١) الْأَسْوِدَة: جَمْع سَوَاد، وَهِيَ الْأَشْخَاص مِنْ كُلّ شَيْء. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (٢/ ٢٨٥)، وفتح الباري، لابن حجر (١/ ٥٥٠).\n(٢) النَّسَم: بِالنُّونِ وَالسِّين الْمَفْتُوحَتَيْنِ، جَمْع نَسَمَة، وَهِيَ الرُّوح، وَالْمُرَاد أَرْوَاح بَنِي =","vol":"1","page":225},{"text":"الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى ... \". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث:</span>\nظاهر الآية الكريمة أنَّ أرواح الكفار لا تُفَتَّح لها أبواب السماء (٢)، وأما الحديث الشريف ففيه أنَّ أرواح الكفار على يسار آدم ﵇، وهذا يُوهِمُ كونها في السماء الدنيا، وهو خلاف الآية. (٣)\nوقد جاء في السنة ما يؤكد معنى الآية، فعن البراء بن عازب - ﵁ -، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مِنْ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ، مَعَهُمْ الْمُسُوحُ (٤)، فَيَجْلِسُونَ\n_________\n= آدَم. انظر: المصادر السابقة.\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، حديث (٣٤٩)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٦٣).\n(٢) اختُلِفَ في معنى قوله تعالى: (لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) على أقوال:\nالأول: أن المراد لا يرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء. قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، ورواه العوفي، وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس - ﵁ -، وكذا رواه الثوري، عن ليث، عن عطاء، عن ابن عباس.\nالقول الثاني: أن المراد لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء. رواه الضحاك عن ابن عباس، وقاله السدي وغير واحد.\nالقول الثالث: لا تفتح لأعمالهم، ولا لأرواحهم. قاله ابن جريج.\nالقول الرابع: أن المعنى لا تفتح لهم أبواب الجنة ولا يدخلونها؛ لأن الجنة في السماء. ذكره الزجاج.\nوالصواب ما قاله ابن جريج، من حمل الآية على المعنيين، ويؤيده حديث البراء، وسيأتي.\nانظر: تفسير ابن كثير (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣)، وزاد المسير، لابن الجوزي (٣/ ١٥٠ - ١٥١).\n(٣) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: أهوال القبور، ص (٢٠٠)، وفتح الباري (٢/ ١١١)، كلاهما لابن رجب، وفتح الباري، لابن حجر (١/ ٥٥٠).\n(٤) المِسْحُ: الكساء من الشَّعَر، والجمع القليل أَمْساح، والكثير مُسُوح، والمراد به في =","vol":"1","page":226},{"text":"مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ؛ فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ، اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَغَضَبٍ. قَالَ: فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ؛ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ (١)\nمِنْ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ، فَيَأْخُذُهَا؛ فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿: اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ، فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا، ثُمَّ قَرَأَ: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) [الحج: ٣١] \". (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث:</span>\nلم يتجاوز العلماء في هذه المسألة مسلك الجمع بين الآية والحديث، وقد اختلفوا في الجمع على مذهبين:\nالأول: أنَّ آدم - ﵇- كان ينظر إلى نسم بنيه عن يمينه وشماله، ونسم بنيه مستقرة في مستقرها، فنسم المؤمنين في الجنة، في عليين، ونسم الكافرين في سجين، في الأرض السُفلى، وليس معنى الحديث أنها عند آدم في السماء الدنيا.\n_________\n= الحديث الكفن. انظر: لسان العرب، لابن منظور (٢/ ٥٩٦).\n(١) السَفُّود: بِتَشْدِيدِ الْفَاء، هُوَ الَّذِي يُدْخَل فِي الشَّاة إِذَا أُرِيدَ أَنْ تُشْوَى. وجاء في رواية أخرى عند أحمد (٤/ ٢٩٥): \"فَانْتَزَعُوا رُوحَهُ كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ الْكَثِيرُ الشِّعْبِ مِنْ الصُّوفِ الْمُبْتَلِّ\". انظر: فتح الباري، لابن حجر (١١/ ٤٥٩).\n(٢) انظر تخريجه: ص (٣٧٥)، وهو حديث صحيح.","vol":"1","page":227},{"text":"وهذا مذهب: القاضي عياض، وابن رجب، وابن القيم، والحافظ ابن حجر، والعيني، والمناوي، والآلوسي. (١)\nواستدلوا له (٢):\n١ - بأن النبي - ﷺ - رأى الجنة والنار في صلاة الكسوف (٣)، وهو في الأرض، وليست الجنة في الأرض.\n٢ - ورآهما ليلة الإسراء في السماء (٤)، وليست النار في السماء (٥).\n_________\n(١) انظر على الترتيب: إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (١/ ٥٠٣)، وأهوال القبور، لابن رجب، ص (٢٠٢)، والروح، لابن القيم، ص (٢٨١ - ٢٨٢)، وفتح الباري، لابن حجر (١/ ٥٥٠) و(٧/ ٢٥٠)، وعمدة القاري، للعيني (٤/ ٤٤)، وفيض القدير، للمناوي (٤/ ٤٢٦)، وروح المعاني، للآلوسي (١٥/ ٢٠٥).\n(٢) انظر: أهوال القبور، لابن رجب، ص (٢٠٢)، وفتح الباري، لابن حجر (٧/ ٢٥٠)، وروح المعاني، للآلوسي (١٥/ ٢٠٥).\n(٣) عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ .... فَقَالَ: \"قَدْ دَنَتْ مِنِّي الْجَنَّةُ حَتَّى لَوْ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا، وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ .... \".\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، حديث (٧٤٥).\n(٤) عن حذيفة بن اليمان - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ - وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ - فَلَمْ نُزَايِلْ ظَهْرَهُ أَنَا وَجِبْرِيلُ ﵇ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ؛ فَفُتِحَتْ لَنَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَرَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ\".\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٣٩٢)، قال: ثنا يونس، ثنا حماد - يعني ابن سلمة - عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن حذيفة بن اليمان، فذكره.\nوإسناده حسن؛ من أجل عاصم بن بهدلة؛ فإنه صدوق له أوهام.\n(٥) سُئِلَ فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - ﵀ -: هل النار في السماء أو في الأرض؟\nفأجاب: \"هي في الأرض، ولكن قال بعض أهل العلم: إنها هي البحار، وقال آخرون: هي في باطن الأرض، والذي يظهر أنها في باطن الأرض، ولكن ما ندري أين هي من الأرض، نؤمن بأنها في الأرض وليست في السماء، ولكن لا نعلم في أي مكان هي على وجه التعيين. والدليل على أن النار في الأرض ما يأتي:\nقال الله تعالى: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧» [المطففين: ٧] وسجين هي الأرض السفلى، كذلك جاء في الحديث فيمن احتضر وقبض من الكافرين فإنها لا تفتح لهم أبواب السماء، ويقول الله تعالى: \"اكتبوا كتاب عبدي في سجين وأعيدوه إلى الأرض\". ولو كانت النار في السماء لكانت تفتح لهم أبواب السماء ليدخلوها؛ =","vol":"1","page":228},{"text":"٣ - وبأن حديث الإسراء قد روي بلفظ آخر، وفيه ما يؤيد هذا القول، ويزيل الإشكال عن الحديث؛ فعن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: ... فذكر حديث الإسراء بطوله، وفيه: \"ثم صعد به إلى السماء؛ فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد - ﷺ -. قالوا: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قالوا: حياه الله من أخ وخليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخل فإذا بشيخ جالس تام الخلق لم ينقص من خلقه شيء كما ينقص من خلق البشر، عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب تخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه ضحك، وإذا نظر إلى الباب الذي عن يساره بكى وحزن، فقال: يا جبريل، من هذا الشيخ؟ وما هذان البابان؟ قال: هذا أبوك آدم، وهذا الباب الذي عن يمينه باب الجنة، إذا رأى من يدخله من ذريته ضحك واستبشر، وإذا نظر إلى الباب الذي عن شماله باب جهنم من يدخله من ذريته بكى وحزن\". (١)\n_________\n= لأن النبي - ﷺ - رأى أصحابها يعذبون فيها، وإذا كانت في السماء لزم من دخولهم في النار التي في السماء أن تفتح أبواب السماء.\nلكن بعض الناس استشكل وقال: كيف يراها الرسول - ﷺ - ليلة عرج به وهي في الأرض؟\nوأنا أعجب لهذا الاستشكال، إذا كنا ونحن في الطائرة نرى الأرض تحتنا بعيدة وندركها، فكيف لا يرى النبي - ﷺ - النار وهو في السماء؟\nفالحاصل أنها في الأرض، وقد روي في هذا أحاديث لكنها ضعيفة، وروي آثار عن السلف، كابن عباس، وابن مسعود، وهو ظاهر القرآن (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠» والذين كذبوا بالآيات واستكبروا عنها لا شك أنهم في النار \". انتهى من مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (٢/ ٦٠ - ٦١).\nوقد ذكر الشيخ محمد السفاريني خلاف أهل العلم في مكان وجود النار وأدلة الفريقين، فانظرها في كتابه \"لوامع الأنوار البهية\" (٢/ ٢٣٧). وانظر: يقظة أولي الاعتبار، للقنوجي (١/ ٤٥ - ٤٨).\n(١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٨/ ٧)، من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي، عن أبي هريرة، أو غيره، شك أبو جعفر الرازي.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢٣٠٩)، قال: حدثنا محمد بن =","vol":"1","page":229},{"text":"المذهب الثاني: أنَّ الأرواح التي رآها النبي - ﷺ - عن يمين آدم وشماله إنما هي أرواح بنيه التي لم تُخلق أجسادهم بعدُ. (١)\n_________\n= عبد الله بن نمير، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا عيسى بن عبد الله التميمي، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس البكري، عن أبي العالية، أو غيره، شك عيسى، عن أبي هريرة، به.\nوأخرجه البزار في مسنده [كما في كشف الأستار (١/ ٣٨)] قال: حدثنا محمد بن حسان، حدثنا أبو النضر، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، أو غير، عن أبي هريرة، به.\n\nقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٢ - ٢٣): \"ورواه الحافظ أبو بكر البيهقي عن أبي سعيد الماليني، عن ابن عدي، عن محمد بن الحسن السكوني، البالسي، بالرملة، حدثنا علي بن سهل، فذكر مثل ما رواه ابن جرير عنه. وذكر البيهقي أن الحاكم أبا عبد الله رواه عن إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني، عن جده، عن إبراهيم بن حمزة الزبيري، عن حاتم بن إسماعيل، حدثني عيسى بن ماهان - يعني أبا جعفر الرازي - عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي ﷺ، فذكره ... \".\nثم قال: \"وأبو جعفر الرازي قال فيه الحافظ أبو زرعة الرازي: يهم في الحديث كثيرًا. وقد ضعفه غيره أيضًا، ووثقه بعضهم، والظاهر أنه سيئ الحفظ، ففيما تفرد به نظر، وهذا الحديث في بعض ألفاظه غرابة ونكارة شديدة\". اهـ\nوذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٧٢)، وقال: \"رواه البزار، ورجاله موثقون؛ إلا أن الربيع بن أنس قال: عن أبي العالية أو غيره، فتابعيه مجهول\". اهـ\nوأورده الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٥٥)، وعزاه للطبراني والبزار، وضعف إسناده.\nوللحديث شاهد من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -:\nأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٦٥)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٨/ ١٤)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٩٢)، جميعهم من طريق أبي هارون - عمارة بن جوين العبدي - عن أبي سعيد، به. ولفظه: \"فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه الله ﷿ على صورته، فإذا هو تعرض عليه أرواح ذريته من المؤمنين، فيقول: روح طيبة، ونفس طيبة، اجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار فيقول: روح خبيثة، ونفس خبيثة، اجعلوها في سجين\".\nقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٥): \"في إسناده عمارة بن جوين، وهو مضعّف عند الأئمة\". اهـ\n(١) قال ابن القيم في كتابه \"الروح\"، ص (٣٧٦): \"تَقَدُّمُ خَلْقِ الأرواح على الأجساد أو تأخر خلقِها عنها، هذه المسألة للناس فيها قولان معروفان، حكاهما شيخ الإسلام =","vol":"1","page":230},{"text":"ذكره الحافظ ابن حجر وجهًا آخر في الجمع. (١) ثم رجع عنه واستقرَّ رأيه على القول الأول. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو القول الأول، وأنَّ معنى الحديث: أنَّ آدم - ﵇- كان ينظر إلى نسم بنيه وهم في منازلهم من الجنة أو النار، وهذا القول لا يلزم منه أن تكون النار في السماء، إذ من الممكن رؤيتها وهي في الأرض، كما رأى النبي - ﷺ - نهر النيل والفرات ليلة أسري به (٣)، وهو في السماء، وقد ذكر أصحاب هذا القول رؤيته - ﷺ - للنار وهو في السماء، ورؤيته للجنة وهو في الأرض، وهذا كله يدل على أن رؤية الشيء في مكان ما لا يستلزم أن يكون ذلك المكان ظرفًا للمرئي، ومن ذلك رؤية آدم - ﵇- لنسم بنيه وهو في السماء لا يلزم منه أن تكون السماء ظرفًا لما رآه، والله تعالى أعلم.\n\n****\n_________\n= وغيره، وممن ذهب إلى تقدم خلقها محمد بن نصر المروزى، وأبو محمد ابن حزم، وحكاه ابن حزم إجماعًا\". اهـ ثم ذكر أدلة الفريقين، ورجح تأخر خلق الأرواح عن الأجساد.\n(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٥٥٠).\n(٢) انظر: المصدر السابق (٧/ ٢٥٠).\n(٣) في حديث الإسراء الطويل: \"فَإِذَا هُوَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِنَهَرَيْنِ يَطَّرِدَان؛ ِ فَقَالَ: مَا هَذَانِ النَّهَرَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا النِّيلُ وَالْفُرَاتُ\". أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التوحيد، حديث (٧٥١٧).","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>المسألة [١٣]: في المُوجِبِ لدخول الجنة</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣» [الأعراف: ٤٣].\nوقال تعالى: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢» [النحل: ٣٢]. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآيات:</span>\n(٢٣) - (٢١): عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا؛ فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ\". قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:\n\"وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ\". (٢)\n(٢٤) - (..): وفي رواية عند أحمد: \"لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ\". (٣)\n_________\n(١) وقد تكرر معنى هذه الآيات في السور الآتية: الزخرف، الآية: ٧٢، والطور، الآية: ١٩، والمرسلات: الآية: ٤٣.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الرقاق، حديث (٦٤٦٧)، ومسلم في صحيحه، في كتاب صفة القيامة والجنة والنار، حديث (٢٨١٨)، واللفظ للبخاري.\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، من حديث أبي هريرة - ﵁ - (٢/ ٢٥٦).","vol":"1","page":232},{"text":"(٢٥) - (..): وفي رواية لمسلم: \"لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ\". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والحديث:</span>\nظاهر الآيات الكريمة أنَّ مجرد العمل الصالح هو الذي يُدْخِلُ الجنة؛ وأمَّا الحديث فظاهره أنَّ العمل لا يُدْخِلُ الجنة، وهذا يُوهِمُ خلاف الآيات. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث:</span>\nاتفق علماء أهلِ السُّنة على أنَّه لا يستحق أحدٌ الثواب ودخول الجنة بمجرد العمل، بل لا بُدَّ من رحمة الله تعالى وفضله، كما دلَّ عليه حديث المسألة.\n_________\n(١) رواه مسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ -، في كتاب صفة القيامة والجنة والنار، حديث (٢٨١٦).\n(٢) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (١٠/ ١٨٠)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٨/ ٣٥٣)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (٣/ ٣٩٠)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين (٣/ ١١٠)، وزاد المسير (٣/ ١٥٥)، كلاهما لابن الجوزي، ومفاتيح الغيب، للرازي (١٤/ ٦٨)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (١٧/ ٢٣٣)، ولباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن (٢/ ٢٠١) و(٣/ ٧٥)، وجامع الرسائل، لابن تيمية (١/ ١٤٥)، ومدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٩٤)، والبرهان في علوم القرآن، للزركشي (٢/ ١٩٤)، والمحجة في سير الدلجة، لابن رجب، ص (٢٦ - ٢٧)، والعواصم والقواصم، لابن الوزير اليماني (٧/ ٢٩٠)، وطرح التثريب، للعراقي (٨/ ٢٤١)، وفتح الباري، لابن حجر (١/ ٩٨)، (٣/ ٤٣)، (١١/ ٣٠١)، وعمدة القاري، للعيني (١/ ١٨٤)، ومرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (٣/ ٣٤٨)، وفتح القدير، للشوكاني\n(٣/ ٢٢٩)، وروح المعاني، للآلوسي (١٤/ ٥٠٢)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (٥/ ٥٩)، وأضواء البيان، للشنقيطي (٤/ ١٩٧).","vol":"1","page":233},{"text":"وخالف المعتزلة فأوجبوا على الله تعالى ثواب الأعمال، وقالوا: إنَّ دخول الجنة إنما هو بسبب الأعمال لا بالتَّفَضُّل (١)، وقد أنكر عليهم أهل السنة قولهم هذا وبينوا خطأه وعواره.\nومذهب أهل السنة أنَّ الله تعالى لا يجب عليه شيء، بل العالم ملكه، والدنيا والآخرة في سلطانه، يفعل فيهما ما يشاء، فلو عذَّب المطيعين والصالحين أجمعين، وأدخلهم النار كان عدلًا منه، ولو أكرمهم ونعَّمَهم وأدخلهم الجنة فهو فضل منه، ولو نعَّم الكافرين وأدخلهم الجنة كان له ذلك، ولكنه أخبر سبحانه وخبره صدق أنه لا يفعل هذا، بل يغفر للمؤمنين ويُدخلهم الجنة برحمته، ويُعذب الكافرين ويُدخلهم النار عدلًا منه سبحانه. (٢)\nوأمَّا الآيات التي يُوهم ظاهرها أنَّ الأعمال الصالحة هي التي تُدْخِلُ الجنة؛ فقد اختلف العلماء في الجواب عنها، وفي الجمع بينها وبين الحديث على مذاهب:\nالأول: أنَّ العمل بنفسه لا يستحقُّ به أحدٌ الجنة لولا أنَّ الله ﷿ جعله - بفضله ورحمته - سببًا لذلك، والعمل نفسه من فضل الله ورحمته على عبده، فالجنة وأسبابها كلٌّ من فضل الله ورحمته. (٣)\nوهذا مذهب: ابن حزم، والبيهقي، وابن العربي، والقاضي عياض، والفخر الرازي، وأبي العباس القرطبي، والنووي، والخازن، وابن رجب، وابن الوزير اليماني، وأبي زرعة العراقي، والشوكاني. (٤)\n_________\n(١) قال الزمخشري في \"الكشاف\" (٢/ ١٠١): \"قوله: (أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الأعراف: ٤٣] أي: بسبب أعمالكم، لا بالتفضل كما تقول المبطلة\".\n(٢) انظر: شرح صحيح مسلم، للنووي (١٧/ ٢٣٢ - ٢٣٣)، وتفسير القرطبي (٧/ ١٣٤)، والعواصم والقواصم، لابن الوزير اليماني (٧/ ٢٩٠ - ٢٩٨).\n(٣) انظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٢/ ١٣٦).\n(٤) انظر على الترتيب: الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (٣/ ٤١ - ٤٢)، والآداب، للبيهقي، ص (٥٢٩)، وعارضة الأحوذي، لابن العربي (١٢/ ٨٩)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٨/ ٣٥٣)، ومفاتيح الغيب، للرازي (١٤/ ٦٨)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٧/ ١٣٩)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (١٧/ ٢٣٣)، ولباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن (٢/ ٢٠١) =","vol":"1","page":234},{"text":"قال البيهقي - بعد روايته للحديث -: \"وهذا لأنَّه إنَّما أمْكَنَهُ العمل بالطاعة بتوفيق الله إياه لذلك، وإنما ترك المعصية بعصمة الله إياه عنها، والتوفيق والعصمة بإرادة الله وتوفيقه وعصمته، وهي رحمته، فالنجاة في الحقيقة واقعة برحمة الله وفضله، ولا بُدَّ من العمل لامتثال الأمر\". اهـ (١)\nوقال النووي: \"وأمَّا قوله تعالى: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل: ٣٢] (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢» [الزخرف: ٧٢] ونحوهما من الآيات الدالة على أنَّ الأعمال يَدْخُل بها الجنة فلا يُعارض هذا الحديث؛ بل معنى الآيات أنَّ دخول الجنة بسبب الأعمال، ثم التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها وقبولها برحمة الله تعالى وفضله، فيصِحُّ أنَّه لم يَدْخُل بمجرد العمل، وهو مُراد الحديث، ويصِحُّ أنَّه دخل بالأعمال، أي بسببها، وهي من الرحمة\". اهـ (٢)\nالمذهب الثاني: أنَّ الباء التي نفت الدخول هي باء المُعَاوَضَة التي يكون فيها أحد العوضين مقابلًا للآخر، والباء التي أثبتت الدخول هي باء السببية التي تقتضي سببية ما دخلت عليه لغيره.\nوهذا مذهب: شيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن كثير، وابن أبي العز الحنفي، وابن القيم، وابن عاشور. (٣)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - وقد سُئِلَ عن قوله تعالى: (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) هل يَدْخُل أحدٌ الجنة بعمله، أم ينقضه قوله - ﷺ -: \"لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ\"؟\nفأجاب: \"لا مناقضة بين ما جاء به القرآن وما جاءت به السنة، إذ المُثبت\n_________\n= و(٣/ ٧٥)، وجامع العلوم والحكم، لابن رجب (٢/ ١٣٦)، والعواصم والقواصم، لابن الوزير اليماني (٧/ ٢٩٠ - ٢٩٨)، وإيثار الحق على الخلق، لابن الوزير (١/ ٣٤١)، وطرح التثريب، للعراقي (٨/ ٢٤١)، وفتح القدير، للشوكاني (٢/ ٣٠٠).\n(١) الآداب، للبيهقي، ص (٥٢٩).\n(٢) شرح صحيح مسلم، للنووي (١٧/ ٢٣٣).\n(٣) انظر على الترتيب: تفسير ابن كثير (٢/ ٢٢٤)، وشرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (٢/ ٦٤٣)، وحادي الأرواح، لابن القيم (١/ ٦١)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (٨/ ١٣٤).","vol":"1","page":235},{"text":"في القرآن ليس هو المنفي في السنة، والتناقض إنما يكون إذا كان المُثبت هو المنفي، وذلك أنَّ الله تعالى قال: (تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) وقال: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤» [الحاقة: ٢٤] وقال: (أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة: ١٩] وقال: (وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤» [الواقعة: ٢٢ - ٢٤]، فَبَيَّن بهذه النصوص أنَّ العمل سبب للثواب، والباء للسبب؛ كما في مثل قوله تعالى: (فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) [الأعراف: ٥٧] وقوله: (وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) [البقرة: ١٦٤] ونحو ذلك مما يُبَيّن به الأسباب، ولا ريب أنَّ العمل الصالح سبب لدخول الجنة، والله قدَّر لعبده المؤمن وجوب الجنة بما يُيسره له من العمل الصالح، كما قدَّر دخول النار لمن يدخلها بعمله السيء ....، وإذا عُرِفَ أنَّ الباء هنا للسبب فمعلوم أنَّ السبب لا يستقل بالحكم، فمُجرد نزول المطر ليس موجبًا للنبات، بل لا بُدَّ من أنْ يخلق اللهُ أمورًا أخرى، ويدفع عنه الآفات المانعة، فيُرَبّيه بالتراب والشمس والريح، ويدفع عنه ما يُفسده، فالنبات محتاج مع هذا السبب إلى فضلٍ من الله أكبر منه.\nوأما قوله - ﷺ -: \"لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ\"؛ فإنَّه ذكره في سياق أمره لهم بالاقتصاد قال: \"سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا؛ فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ\"، وقال: \"إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ (١) وَالرَّوْحَةِ (٢) وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ (٣) \" (٤)، فنفى بهذا\n_________\n(١) الْغَدْوَةُ: هي الوقت الكائن من أول النهار إلى الزوال. انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (٢/ ١٢٩).\n(٢) الرَّوْحَةُ: هي الوقت الكائن من الزوال فما بعده. انظر: المصدر السابق.\n(٣) الدُّلْجَةُ: هي سير الليل، يقال: أدْلَجَ - بالتخفيف - إذا سار من أول الليل. وادَّلَجَ - بتشديد الدال- إذا سار من آخره، والاسم منهما الدلجة والدلدة، بالضم والفتح. ومنهم من يجعل الإدلاج لليل كله. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٢/ ١٢٩).\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (٣٩).","vol":"1","page":236},{"text":"الحديث ما قد تتوهمه النفوس من أنَّ الجزاء من الله ﷿ على سبيل المعاوضة والمقابلة، كالمعاوضات التي تكون بين الناس في الدنيا؛ فإنَّ الأجير يعمل لمن استأجره، فيُعطيه أجره بقدر عمله، على طريق المعاوضة، إنْ زاد زاد أجرته، وإنْ نقص نقص أجرته، وله عليه أجرة يستحقها كما يستحق البائع الثمن، فنفى - ﷺ - أنْ يكون جزاءُ الله وثوابه على سبيل المعاوضة والمقابلة والمعادلة، والباء هنا كالباء الداخلة في المعاوضات، كما يقال: استأجرت هذا بكذا، وأخذت أجرتي بعملي، وكثير من الناس قد يتوهم ما يشبه هذا، وهذا غلط من وجوه:\nأحدها: أنَّ الله تعالى ليس محتاجًا إلى عمل العباد كما يحتاج المخلوق إلى عمل من يستأجره.\nالثاني: أنَّ الله هو الذي مَنَّ على العامل بأنْ خَلَقَهُ أولًا، وأحياه ورزقه، ثم بأنْ أرسل إليه الرسل، وأنزل إليه الكتب، ثم بأنْ يسر له العمل، وحبَّبَ إليه الإيمان وزينه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، والمخلوق إذا عمل لغيره لم يكن المستعمل هو الخالق لعمل أجيره، فكيف يُتصور أنْ يكون للعبد على الله عِوض، وهو خلقه وأحدثه وأنعم على العبد به، وهل تكون إحدى نعمتيه عوضًا عن نعمته الأخرى وهو ينعم بكلتيهما.\nالثالث: أنَّ عمل العبد لو بلغ ما بلغ ليس هو مما يكون ثواب الله مقابلًا له ومعادلًا حتى يكون عوضًا؛ بل أقل أجزاء الثواب يستوجب أضعاف ذلك العمل.\nالرابع: أنَّ العبد قد يُنَعَّم ويُمَتَّع في الدنيا بما أنعم الله به عليه مما يستحق بإزائه أضعاف ذلك العمل إذا طلبت المعادلة والمقابلة.\nالخامس: أنَّ العباد لا بُدَّ لهم من سيئات، ولا بُدَّ في حياتهم من تقصير، فلولا عفو الله لهم عن السيئات وتقبله أحسن ما عملوا لما استحقوا ثوابًا؛ ولهذا قال - ﷺ -: \"مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ\". قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ ﷿: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨» [الانشقاق: ٧ - ٨]؟ قَالَ: \"ذَاكَ الْعَرْضُ يُعْرَضُونَ، وَمَنْ نُوقِشَ","vol":"1","page":237},{"text":"الْحِسَابَ هَلَكَ\". (١) ولهذا قال في الحديث - لما قيل له: \"وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ\". فتَبَيَّن بهذا الحديث أنَّه لا بُدَّ من عفو الله وتجاوزه عن العبد، وإلا فلو ناقشه على عمله لما استحق به الجزاء، قال الله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ) [الأحقاف: ١٦]، وقال تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣» إلى قوله: (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥» [الزمر: ٣٣ - ٣٥] .... \". اهـ (٢)\nالمذهب الثالث: أنَّ الباء في الآية للمعاوضة والمقابلة وليست للسببية.\nوبهذا جزم الشيخ جمال الدين ابن هشام (٣) في \"المغني\" فقال: \"المعنى الثامن للباء: المقابلة، وهي الداخلة على الأعواض، كاشتريته بألف درهم، وقولهم هذا بذاك. ومنه قوله تعالى: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل: ٣٢]، وإنما لم نُقدِّرها باء السببية - كما قالت المعتزلة (٤)، وكما قال الجميع في: \"لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ\"- لأنَّ المعطي بعوض قد يُعطي مجانًا، وأمَّا المُسَبَّبَ فلا يوجد بدون السبب، وقد تَبَيَّن أنه لا تَعارض بين الحديث والآية لاختلاف محلي البائين، جمعًا بين الأدلة\". اهـ (٥)\nالمذهب الرابع: أنَّ الباء في الآية ليست للسببية؛ بل للإلصاق أو المصاحبة، والمعنى: أورثتموها ملابسة أو مصاحبة لأعمالكم.\nوهذا مذهب الكرماني، واختيار العيني. (٦)\nوجَوَّزا أنْ تكون الباء في الآية للمقابلة كما هو مذهب ابن هشام.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الرقاق، حديث (٦٥٣٦).\n(٢) نقلته باختصار من \"رسالة في دخول الجنة\"، ضمن مجموع بعنوان \"جامع الرسائل\"، لابن تيمية (١/ ١٤٥ - ١٥٠) وأطلت في نقل كلامه - ﵀ - لنفاسته وأهميته. وانظر له: التوسل والوسيلة (١/ ٦٠)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٧٠).\n(٣) هو: عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام. من أئمة العربية، مولده ووفاته بمصر. قال ابن خلدون: ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له ابن هشام أنحى من سيبويه. من تصانيفه (مغني اللبيب عن كتب الأعاريب) و(عمدة الطالب في تحقيق تصريف ابن الحاجب) و(أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك)، وغيرها (ت: ٧٦١هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٤/ ١٤٧).\n(٤) تقدم قولهم والرد عليه في أول المسألة.\n(٥) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، لابن هشام، ص (١٢١).\n(٦) انظر: فتح الباري، لابن حجر (١١/ ٣٠٢)، وفيه النقل عن الكرماني.","vol":"1","page":238},{"text":"قال العيني: \"فإنْ قلت: كيف الجمع بين هذه الآية وقوله - ﷺ -: \"لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ\"؟ قلت: الباء في قوله: (بِمَا كُنْتُمْ) ليست للسببية، بل للملابسة. أي أورثتموها ملابسة لأعمالكم، أي لثواب أعمالكم. أو للمقابلة؛ نحو: أعطيت الشاة بالدرهم\". اهـ (١)\nالمذهب الخامس: أنَّ مجرد دخول الجنة لا يكون إلا برحمة الله وفضله، وعليه يُحمل الحديث، وأما اقتسام منازل الجنة ودرجاتها فإنَّ ذلك يتفاوت بتفاوت الأعمال، وعليه تُحمل الآية.\nوهذا مذهب ابن بطال، وأبي عبد الله القرطبي. (٢)\nقال ابن بطال: \"فإن قال قائل: فإنَّ قوله - ﷺ -: \"لن يدخل أحدكم عمله الجنة\" يُعارض قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢» [الزخرف: ٧٢]. قيل: ليس كما توهمت، ومعنى الحديث غير معنى الآية، أخبر النبي - ﷺ - في الحديث أنه لا يستحق أحد دخول الجنة بعمله، وإنما يدخلها العباد برحمة الله، وأخبر الله تعالى في الآية أنَّ الجنة تُنال المنازل فيها بالأعمال، ومعلوم أنَّ درجات العباد فيها متباينة على قدر تباين أعمالهم، فمعنى الآية في ارتفاع الدرجات وانخفاضها والنعيم فيها، ومعنى الحديث في الدخول في الجنة والخلود فيها، فلا تعارض بين شيء من ذلك\". اهـ\nثم أورد على جوابه هذا قوله تعالى: (سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢» [النحل: ٣٢] حيث أخبر سبحانه أن دخول الجنة بالأعمال أيضًا.\nوأجاب: \"بأن قوله: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل: ٣٢] كلامٌ مُجْمَلٌ يُبيّنه الحديث، وتقديره: ادخلوا منازل الجنة وبيوتها بما كنتم تعملون، فالآية مُفتقرة إلى بيان الحديث.\nقال: وللجمع بين الحديث وبين الآيات وجه آخر: هو أنْ يكون الحديث مُفِسرًا للآيات، ويكون تقديرها: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الزخرف: ٧٢]، و(كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩» [الطور: ١٩]، و(ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل: ٣٢] مع رحمة الله لكم وتفضله عليكم؛ لأنَّ فضله\n_________\n(١) عمدة القاري، للعيني (١/ ١٨٤).\n(٢) انظر: تفسير القرطبي (٧/ ١٣٤).","vol":"1","page":239},{"text":"تعالى ورحمته لعباده في اقتسام المنازل في الجنة، كما هو في دخول الجنة لا ينفك منه، حين ألهمهم إلى ما نالوا به ذلك، ولا يخلو شيء من مجازاة الله عباده من رحمته وتفضله، ألا ترى أنه تعالى جازى على الحسنة عشرًا، وجازى على السيئة واحدة، وأنه ابتدأ عباده بنعم لا تُحصى، لم يتقدم لهم فيها سبب ولا فعل، منها أنْ خلقهم بشرًا سويًا، ومنها نعمة الإسلام ونعمة العافية ونعمة تضمنه تعالى لأرزاق عباده، وأنه كتب على نفسه الرحمة، وأنَّ رحمته سبقت غضبه، إلى ما لا يُهتَدى إلى معرفته من ظاهر النعم وباطنها\". اهـ (١)\nالمذهب السادس: أنَّ الباء في الآية للسببية العادية، أي المجاز، وفي الحديث للسببية الحقيقية.\nوهذا مذهب: ابن عطية، وأبي حيان، والملا علي القاري، والآلوسي، والقاسمي. (٢)\nقال ابن عطية: \"وقوله: (بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي بما كان في أعمالكم من تكسبكم، وهذا على التجوز، علَّق دخولهم الجنة بأعمالهم من حيث جعل الأعمال أمارة لإدخال العبد الجنة، ويعترض في هذا المعنى قول رسول الله - ﷺ -: \"لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ\"، وهذه الآية تُردُّ بالتأويل إلى معنى الحديث\". اهـ (٣)\nالمذهب السابع: أنَّ الآية في العمل المقبول، والحديث في العمل المجرد من القبول.\nوهذا مذهب الحافظ ابن حجر، والشنقيطي (٤).\n_________\n(١) شرح صحيح البخاري، لابن بطال (١٠/ ١٨٠)، وانظر: فتح الباري، لابن حجر (١١/ ٣٠١).\n(٢) انظر على الترتيب: المحرر الوجيز، لابن عطية (٣/ ٣٩٠)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (٤/ ٣٠٢)، ومرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (٣/ ٣٤٨)، وروح المعاني، للآلوسي (٨/ ٢٠٤)، (١٤/ ٥٠٢)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (٥/ ٥٩).\n(٣) المحرر الوجيز، لابن عطية (٣/ ٣٩٠).\n(٤) أضواء البيان، للشنقيطي (٤/ ١٩٧)، (٧/ ٢٨٤).","vol":"1","page":240},{"text":"قال ابن حجر: \"ويظهر لي في الجمع بين الآية والحديث: أنْ يُحمل الحديث على أنَّ العمل من حيث هو عمل لا يستفيد به العامل دخول الجنة ما لم يكن مقبولًا، وإذا كان كذلك فأمر القبول إلى الله تعالى، وإنما يحصل برحمة الله لمن يقبل منه، وعلى هذا فمعنى قوله: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي تعملونه من العمل المقبول، ولا يضر بعد هذا أنْ تكون \"الباء\" للمصاحبة، أو للإلصاق، أو المقابلة، ولا يلزم من ذلك أن تكون سببية\". اهـ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أنَّ الله تعالى جعل الأعمال الصالحة سببًا لدخول الجنة، وهي في الحقيقة راجعة إلى توفيق الله تعالى وفضله؛ إذ ليس في مقدور العبد الإتيان بها لولا توفيق الله تعالى وتيسيره.\n\"والله تعالى قدَّر لعبده المؤمن دخول الجنة بما ييسره له من العمل الصالح، كما قدَّر دخول النار لمن يدخلها بعمله السيئ، كما في الصحيحين عن النبي - ﷺ - قال: \"مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ، وَمَقْعَدُهُ مِنْ الْجَنَّةِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ قَالَ: اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ\". (٢)\nوقال: \"إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ\". (٣) \". (٤)\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر (١١/ ٣٠٢)، وانظر: (١/ ٩٨) و(٣/ ٤٣).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (٤٩٤٩)، ومسلم في صحيحه، في كتاب القدر، حديث (٢٦٤٧).\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب السنة، حديث (٤٧٠٣).\n(٤) انظر: \"رسالة في دخول الجنة\"، ضمن مجموع بعنوان \"جامع الرسائل\"، لابن تيمية (١/ ١٤٦).","vol":"1","page":241},{"text":"كما أنَّ الأعمال الصالحة لا تُفيد العبد شيئًا ما لم تكن مقبولة، فالشأن كل الشأن في القبول لا في العمل.\nوالذي يزيل الإشكال ويدفع التعارض بين الآيات والحديث هو حمل \"الباء\" في الآيات على السببية، وفي الحديث على المعاوضة، فالآيات أثبتت الأسباب، والحديث نفى وجوب الثواب، والله سبحانه أعلم بالصواب.\n****","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>المسألة [١٤]: في مدة خلق السماوات والأرض</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) [الأعراف: ٥٤]. (١)\nوقال تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢» [فصلت: ٩ - ١٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآيات:</span>\n(٢٦) - (٢٢): عن أبي هريرة - ﵁ - قال: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِيَدِي فَقَالَ: \"خَلَقَ اللَّهُ ﷿ التُّرْبَةَ (٢) يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ،\n_________\n(١) وقد تكررت هذه الآية بنحوها في السور الآتية: يونس، الآية: ٣، وهود، الآية: ٧، والفرقان، الآية: ٥٩، والسجدة، الآية: ٤، و\"ق\"، الآية: ٣٨، والحديد، الآية: ٤.\n(٢) قال القاضي عياض في مشارق الأنوار (١/ ١٢٠): \"قوله: خلق الله التربة يوم السبت، يعني: الأرض، وكذا جاء في غير كتاب مسلم: خلق الله الأرض يوم السبت\". اهـ","vol":"1","page":243},{"text":"وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ - ﵇ - بَعْدَ الْعَصْرِ، مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فِي آخِرِ الْخَلْقِ، فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ، فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ\". (١)\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٣٢٧)، ومسلم في صحيحه، في كتاب القيامة والجنة والنار، حديث (٢٧٨٩)، وأبو الشيخ، في العظمة (٤/ ١٣٥٨)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٧٤)، وابن حبان في صحيحه (١٤/ ٣٠)، وابن خزيمة في صحيحه (٣/ ١١٧)، والنسائي في السنن الكبرى (٦/ ٢٩٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٣)، جميعهم من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، مولى أم سلمة، عن أبي هريرة، به.\nوأخرجه ابن معين في تاريخه (رواية الدوري) (٣/ ٥٢)، من طريق هشام بن يوسف، عن ابن جريج، به.\nوأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤/ ١٣٦٠)، من طريق محمد بن ثور، عن ابن جريج، به.\nوقد خُولف هؤلاء الثلاثة - أعني: حجاج بن محمد، وهشام بن يوسف، ومحمد بن ثور - في إسناد هذا الحديث، خالفهم الأخضر بن عجلان؛ فرواه عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة - ﵁ -، به.\n\nأخرجه النسائي في السنن الكبرى (٦/ ٤٢٧) قال: أنا إبراهيم بن يعقوب، قال: حدثني محمد بن الصباح، قال: حدثنا أبو عبيدة الحداد، قال: نا الأخضر بن عجلان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة - ﵁ -، أَنَّ النبي - ﷺ - أخذ بيده فقال: \"يا أبا هريرة، إن الله خلق السماوات والأرضين وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين، والتقن يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة، في آخر ساعة من النهار، بعد العصر، وخلق أديم الأرض أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها، من أجل ذلك جعل الله ﷿ من آدم الطيب والخبيث\".\nقلت: وهذه الرواية معلولة من أوجه:\nالأول: أَنَّ الأخضر بن عجلان خالف ثلاث ثقات، في إسناد هذا الحديث، وحسبك مخالفته لحجاج بن محمد؛ فإنه من أثبت الناس في ابن جريج.\nقال الذهبي في كتاب \"العلو\"، ص (٩٤): \"الأخضر بن عجلان: وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. ولينه الأزدي، وحديثه في السنن الأربعة، وهذا =","vol":"1","page":244},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الحديث غريب من أفراده\". اهـ\nوتعقبه الألباني فقال: \"تليين الأزدي إياه لا تأثير له، لأن الأزدي نفسه متكلم فيه، كما هو معلوم، لا سيما وقد وثقه ابن معين كما ترى، وكذا الإمام البخاري، والنسائي، وابن حبان، وابن شاهين - كما في التهذيب (١/ ١٦٩) - فهو متفق على توثيقه، لولا قول أبي حاتم: يكتب حديثه. لكن هذا القول إن اعتبرناه صريحًا في التجريح فمثله لا يقبل؛ لأنه جرح غير مفسر، لا سيما وقد خالف قول الأئمة الذين وثقوه، على أنه من الممكن التوفيق بينه وبين التوثيق، بحمله على أنه وسط عند أبي حاتم، فمثله حسن الحديث قطعًا، على أقل الدرجات، وكأنه أشار الحافظ إلى ذلك بقوله فيه في التقريب (١/ ٦٣): \"صدوق\"، وبقية رجال الإسناد كلهم ثقات، فالحديث جيد الإسناد\". اهـ من مختصر العلو، ص\n(١١٢).\nقلت: قول الألباني: \"إن الأزدي نفسه متكلم فيه\". لا يمنع من الأخذ بقوله في أحوال الرواة، فضعفه في الحفظ لا يوجب طرح حكمه على الرجال.\nالوجه الثاني: عنعنة ابن جريج، قال الإمام أحمد: \"كل شيء قال فيه ابن جريج: قال عطاء، أو عن عطاء؛ فإنه لم يسمعه من عطاء\". اهـ من شرح علل الترمذي، لابن رجب (٢/ ٦٠٠).\nهذا وقد تكلم النقاد في حديث أبي هريرة، وذكروا عللًا في إسناده ومتنه، وسأتكلم هنا عن العلل الواردة في إسناده، وأما العلل الواردة في متنه فسأذكرها في أصل المسألة، عند ذكر مذاهب العلماء تجاه التعارض بين الآيات والحديث.\nالعلل الواردة في إسناد الحديث:\nالعلة الأولى: أَنَّ هذا الحديث إنما أخذه إسماعيل بن أمية، عن إبراهيم بن أبي يحيى، وإبراهيم متروك.\nقال البيهقي، في \"الأسماء والصفات\" (٢/ ٢٥١، ٢٥٥ - ٢٥٦): \"هذا حديث قد أخرجه مسلم في كتابه ...، وزعم بعض أهل العلم بالحديث أنه غير محفوظ؛ لمخالفته ما عليه أهل التفسير، وأهل التواريخ، وزعم بعضهم أَنَّ إسماعيل بن أمية إنما أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن أيوب بن خالد، وإبراهيم غير محتج به\". اهـ\nثم روى بإسناده عن محمد بن يحيى، قال: \"سألت علي بن المديني، عن حديث أبي هريرة - ﵁ -: \"خلق الله التربة يوم السبت ... \"، فقال علي: \"هذا حديث مدني رواه هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن أبي رافع، مولى أم سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: ... \"، ثم ذكر الحديث، وقال: \"وما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا إلا من إبراهيم بن أبي يحيى\". اهـ\nقلت: رواية إبراهيم بن أبي يحيى، أخرجها الحاكم في \"معرفة علوم الحديث\" (١/ ٣٣) قال: شبك بيدي أحمد بن الحسين المقرىء، وقال: شبك بيدي أبو عمر =","vol":"1","page":245},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عبد العزيز بن عمر بن الحسن بن بكر بن الشرود الصنعاني، وقال: شبك بيدي أبي، وقال: شبك بيدي أبي، وقال: شبك بيدي إبراهيم بن أبي يحيى، وقال: شبك بيدي صفوان بن سليم، وقال: شبك بيدي أيوب بن خالد، وقال: شبك بيدي عبدالله بن رافع، وقال: شبك بيدي أبو هريرة - ﵁ -، وقال: شبك بيدي أبو القاسم - ﷺ -، وقال: ....، ثم ذكر الحديث.\nوقد توبع إبراهيم بن أبي يحيى، قال البيهقي، ص (٢٥٦): \"تابعه على ذلك: موسى بن عبيدة الربذي، عن أيوب بن خالد؛ إلا أَنَّ موسى بن عبيدة ضعيف\". اهـ\nوقد اعترض المعلِّمي، والألباني، وتلميذه أبو إسحاق الحويني، على قول ابن المديني بأن لا دليل عليه، وبأن إسماعيل بن أمية ثقة ثبت، وسماعه من أيوب بن خالد ثابت لا شك فيه.\nقال أبو إسحاق الحويني: \"لو سلمنا أَنَّ إسماعيل دلس إبراهيم بن أبي يحيى؛ فكان ينبغي أن يكون السند: إسماعيل، عن صفوان، عن أيوب بن خالد، ولا ذكر لـ (صفوان) أصلًا\". اهـ من تعليقه على تفسير ابن كثير (٢/ ٢٣٠).\nوقال الألباني: \"وهذه دعوى عارية عن الدليل؛ إلا مجرد الرأي، وبمثله لا ترد رواية إسماعيل بن أمية؛ فإنه ثقة ثبت، لا سيما وقد توبع، فقد رواه أبو يعلى في مسنده (١٠/ ٥١٣)، من طريق حجاج بن محمد، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، لكن لعله سقط شيء من إسناده\". اهـ من سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٤٤٩). وانظر: الأنوار الكاشفة، للمعلمي، ص (١٨٩).\nقلت: هذه المتابعة ليست بشيء؛ وهي كما ظن الألباني - ﵀ - فإن فيها سقطًا في الإسناد، فقد رواه أبو الشيخ في العظمة (٤/ ١٣٥٨)، عن أبي يعلى قال: حدثنا سريج بن يونس، حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج قال: أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، مولى أم سلمة، عن أبي هريرة، به.\nوبهذا تعلم أَنَّ حجاج بن محمد لم يروه عن أيوب، وإنما رواه عن ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية، فرجع أصل الحديث إلى رواية إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، وعليه فلا متابعة.\nالعلة الثانية: قال البخاري، في التاريخ الكبير (١/ ٤١٣) - بعد أن ساق الحديث من طريق إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، مرفوعًا - قال: \"وقال بعضهم: عن أبي هريرة، عن كعب، وهو أصح\". اهـ\nوقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (١/ ٧٢): \"هذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلم عليه علي بن المديني، والبخاري، وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعلوه مرفوعًا\". اهـ =","vol":"1","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والحديث:</span>\nظاهرُ الحديثِ الشريفِ أنَّ خلق الأرض وما فيها استغرق سبعة أيام، وهذا يُوهِمُ خلاف الآيات، والتي فيها أَنَّ الله ﷿ خلق السماوات والأرض\n_________\n= واعتُرِضَ على هذه العلة، فقال المعلِّمي - بعد أن ساق كلام البخاري -: \"ومؤدى صنيعه أنه يحدس أَنَّ أيوب أخطأ، وهذا الحدس مبني على ثلاثة أمور:\nالأول: استنكار الخبر. الثاني: أَنَّ أيوب ليس بالقوي، وهو مُقِلٌ لم يخرج له مسلم إلا هذا الحديث، لما يعلم من الجمع بين رجال الصحيحين، وتكلم فيه الأزدي، ولم ينقل توثيقه عن أحد من الأئمة؛ إلا أَنَّ ابن حبان ذكره في ثقاته، وشرط ابن حبان في التوثيق فيه تسامح معروف. الثالث: الرواية التي أشار إليها بقوله: \"وقال بعضهم\"، وليته ذكر سندها ومتنها؛ فقد تكون ضعيفة في نفسها، وإنما قويت عنده للأمرين الآخرين. ويدل على ضعفها أَنَّ المحفوظ عن كعب، وعبد الله بن سلام، ووهب بن منبه، ومن يأخذ عنهم: أَنَّ ابتداء الخلق كان يوم الأحد، وهو قول أهل الكتاب المذكور في كتبهم، وعليه بنوا قولهم في السبت ...، فهذا يدفع أن يكون ما في الحديث من قول كعب.\nقال: وأيوب لا بأس به، وصنيع ابن المديني يدل على قوته عنده، وقد أخرج له مسلم في صحيحه، كما علمت، وإن لم يكن حده أن يحتج به في الصحيح\". اهـ من الأنوار الكاشفة، ص (١٨٩).\nقلت: أيوب: هو ابن خالد بن صفوان، الأنصاري الحجازي، ذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٢٥)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال الأزدي: ليس حديثه بذاك، تكلم فيه أهل العلم بالحديث، وكان يحيى بن سعيد ونظراؤه لا يكتبون حديثه\". اهـ من تهذيب التهذيب (١/ ٣٥١). وأما البخاري فظاهر صنيعه إعلال الحديث به؛ لأنه ساق الحديث من روايته - بعد ذكره لترجمته - ثم بين أَنَّ رفعه خطأ، وأن الصواب وقفه على كعب.\nوأما الحافظ ابن حجر؛ فقد ليّنه في التقريب (١/ ٩٩) بناء على كلام الأزدي المتقدم.\nلكن اعترض الألباني على تليين الحافظ ابن حجر فقال: \"إن تليينه ليس بشيء؛ فإنه لم يضعفه أحد سوى الأزدي، وهو نفسه لين عند المحدثين\". اهـ من سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٤٥٠).\nكما اعترض الألباني على البخاري، فقال: \"وهذا كسابقه، فمن هذا البعض؟ وما حاله في الضبط والحفظ حتى يرجح على رواية عبد الله بن رافع، وقد وثقه النسائي وابن حبان، واحتج به مسلم، وروى عنه جمع، ويكفي في صحة الحديث أَنَّ ابن معين رواه ولم يعله بشيء\". اهـ من سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٤٤٩ - ٤٥٠).\nقلت: ذكر الألباني لعبد الله بن رافع، وهم منه ﵀؛ فإن أحدًا لم يُعل الحديث به.","vol":"1","page":247},{"text":"وما بينهما في ستة أيام، وفيه أيضًا مخالفةٌ لآية فُصِّلَتْ؛ إذ الحديث ظاهره أنَّ خلق الأرض استغرق الأيام الستة كلها، وأما الآية فظاهرها أَنَّ مدة خلق الأرض استغرق أربعة أيام، ثم خُلقِتْ السماء بعد ذلك في يومين. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث:</span>\nللعلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث مسلكان:\nالأول: مسلك تضعيف رفع الحديث، وترجيح وقفه على أبي هريرة - ﵁ -.\nويرى أصحاب هذا المسلك: أَنَّ أبا هريرة - ﵁ - إنما أخذه عن كعب الأحبار، وأن رفعه خطأ من بعض رواة الحديث؛ وأنَّ أصله من الإسرائيليات المُتَلَقَّفة عن مَسْلَمَة أهل الكتاب.\nوهذا رأي الأكثر من المفسرين والمحدثين.\nوممن قال به: البخاري (٢)، وعلي بن المديني (٣)، وابن جرير الطبري (٤)، والبيهقي (٥)، وأبو العباس القرطبي (٦)، وأبو عبد الله القرطبي (٧)،\n_________\n(١) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: تاريخ الأمم والملوك، لابن جرير الطبري (١/ ٣٥)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (٣/ ٥٨٠)، والمفهم، للقرطبي (٧/ ٣٤٣)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٨/ ١٩)، وبدائع الفوائد، لابن القيم (١/ ٧٩)، وتفسير ابن كثير\n(٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠)، والبداية والنهاية، لابن كثير (١/ ١٥)، والبرهان في علوم القرآن، للزركشي\n(٢/ ١٩٥)، وفيض القدير، للمناوي (٣/ ٤٤٨)، وروح المعاني، للآلوسي (٨/ ٥١٨).\n(٢) التاريخ الكبير (١/ ٤١٣).\n(٣) نقله عنه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٢/ ٢٥٦).\n(٤) تاريخ الأمم والملوك (١/ ٣٥).\n(٥) الأسماء والصفات (٢/ ٢٥١، ٢٥٥ - ٢٥٦).\n(٦) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٧/ ٣٤٣).\n(٧) تفسير القرطبي (٦/ ٢٤٨) و(١٦/ ٢٢٥).","vol":"1","page":248},{"text":"وشيخ الإسلام ابن تيمية (١)، وابن القيم (٢)، والحافظ ابن كثير (٣)، والزركشي (٤)، والمناوي (٥)، والآلوسي (٦)، وأبو شهبة (٧).\nوقد ذكرتُ في التخريج تعليل البخاري، وابن المديني، لإسناد الحديث، وسأذكر هاهنا ما أورده أصحاب هذا المسلك من علل في متنه:\nالعلة الأولى: أنه جعل أيام التخليق في سبعة أيام، وهذا خلاف ما جاء به القرآن، حيث ذكر الله تعالى أَنَّ خلق السماوات والأرض وما بينهما كان في ستة أيام، أربعة منها للأرض، ويومان للسماء.\nالعلة الثانية: أنه لم يذكر في الحديث خلق السماء، وجعل خلق الأرض مستوعبًا للأيام الستة.\nالعلة الثالثة: أنه مخالف للأحاديث والآثار، والتي فيها أَنَّ الله تعالى ابتدأ الخلق يوم الأحد، لا السبت (٨).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٣٥) و(١٨/ ١٨ - ١٩)، والجواب الصحيح (٢/ ٤٤٣ - ٤٤٥)، وبغية المرتاد\n(١/ ٣٠٥ - ٣٠٧).\n(٢) بدائع الفوائد (١/ ٧٩)، والمنار المنيف (١/ ٨٤ - ٨٦)، ونقد المنقول (١/ ٧٨).\n(٣) تفسير ابن كثير (١/ ٧٢) و(٢/ ٢٢٩) و(٣/ ٤٦٥) و(٤/ ١٠١ - ١٠٢)، والبداية والنهاية\n(١/ ١٤).\n(٤) التذكرة في الأحاديث المشتهرة، ص (٢١٢).\n(٥) فيض القدير (٣/ ٤٤٨).\n(٦) روح المعاني (٨/ ٥١٨).\n(٧) دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين، لمحمد بن محمد أبي شهبة، ص (١٣٣ - ١٣٤).\n(٨) عن ابن عباس ﵄، أَنَّ اليهود أتت النبي - ﷺ - فسألته عن خلق السماوات والأرض؛ فقال النبي - ﷺ -: \"خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وما فيهن من منافع، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب؛ فهذه أربعة، ثم قال: (أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠» لمن سأل. قال: وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة، إلى ثلاث ساعات بقيت منه، فخلق في أول ساعة من هذه الثلاثة: الآجال، حين يموت من مات، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة آدم، وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة. قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: ثم استوى على العرش. قالوا: قد أصبت لو أتممت. قالوا: ثم استراح. فغضب =","vol":"1","page":249},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= النبي - ﷺ - غضبًا شديدًا؛ فنزل: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) [ق: ٣٨] \".\nأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٨٧)، وأبو الشيخ في العظمة (٤/ ١٣٦٢ - ١٣٦٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٩٢)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (٣/ ٢١)، جميعهم من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي سعد البقال (سعيد بن المرزبان)، عن عكرمة، عن ابن عباس، به. مرفوعًا.\nوالحديث في إسناده \"أبو سعد البقال\": متروك الحديث، قال ابن معين: ليس بشيء، لا يكتب حديثه، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه، وقال النسائي: ضعيف، وقال مرة: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه، وقال الدارقطني: متروك. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (٤/ ٧٠).\nوأورده الذهبي في كتاب \"العلو\"، ص (٩٥)، وقال: \"صححه الحاكم، وأنى ذلك؟ والبقال قد ضعفه ابن معين والنسائي\". اهـ\nوقد اضطرب فيه أبو سعد البقال، فأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤/ ١٣٦٤)، من طريق ابن أبي عمر العدني، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي سعد، عن ابن عباس، به، موقوفًا.\nوأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢١٠)، عن معمر، عن ابن عيينة، عن أبي سعد، عن عكرمة، مرسلًا.\nوقد روي الحديث من طريق آخر، عن ابن عباس موقوفًا، أخرجه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٨٨)، وأبو الشيخ في العظمة (٤/ ١٣٦٥)، ومن طريق أبي الشيخ، أخرجه ابن عساكر في تاريخه\n(١/ ٥٠)، جميعهم من طريق شريك، عن غالب بن غيلان، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، موقوفًا.\nوغالب بن غيلان: ذكره البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٧/ ١٠٠)، وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٧/ ٤٧)، ولم يذكرا فيه شيئًا.\nوأخرجه بنحوه: الضياء المقدسي، في الأحاديث المختارة (١٠/ ٣٠١) قال: أخبرنا أبو القاسم بن أحمد بن أبي القاسم الخباز، عن محمد بن رجاء بن إبراهيم، عن أحمد بن عبد الرحمن، عن أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه، ثنا سليمان بن أحمد، ثنا عبد الرحمن بن الحسين الصابوني التستري، ثنا يحيى بن يزيد الأهوازي، ثنا أبو همام محمد بن الزبرقان، عن هدبة بن المنهال، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: \" أَنَّ اليهود أتوا النبي - ﷺ - .... \". فذكر الحديث بنحوه، مرفوعًا.\nوفي إسناده \"يحيى بن يزيد الأهوازي\" ذكره الذهبي في الميزان (٧/ ٢٢٨) وقال: \"لا يُعرف\".\nوفي الجملة فإن حديث ابن عباس هذا لا يثبت، وقد ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ١٠١)، وقال: \"فيه غرابة\". وضعفه الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٤٢٠).\nوأما الآثار في ابتداء الخلق يوم الأحد، فقد رويت عن كعب الأحبار، وعبد الله بن =","vol":"1","page":250},{"text":"وقد حكى ابن جرير الطبري الإجماع على أَنَّ الله ابتدأ الخلق يوم الأحد، فقال: \"اليوم الذي ابتدأ الله فيه خلق السماوات والأرض: يوم الأحد؛ لإجماع السلف من أهل العلم على ذلك ....، وذلك أَنَّ الله تعالى أخبر عباده في غير موضع من محكم تنزيله أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ...، ولا خلاف بين جميع أهل العلم أَنَّ اليومين اللذين ذكرهما الله ﵎ في قوله: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) [فصلت: ١٢] داخلان في الأيام الستة اللاتي ذكرهن قبل ذلك، فمعلوم إذ كان الله ﷿ إنما خلق السماوات والأرضين وما فيهن في ستة أيام، وكانت الأخبار مع ذلك متظاهرة عن رسول الله بأن آخر ما خلق الله من خلقه آدم، وأن خلقه إياه كان في يوم الجمعة، أَنَّ يوم الجمعة الذي فرغ فيه من خلق خلقه داخل في الأيام الستة التي أخبر الله تعالى ذكره أنه خلق خلقه فيهن؛ لأن ذلك لو لم يكن داخلًا في الأيام الستة كان إنما خلق خلقه في سبعة أيام لا في ستة، وذلك خلاف ما جاء به التنزيل\". اهـ (١)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية - مبينًا علل الحديث -: \"هذا الحديث طعن فيه من هو أعلم من مسلم، مثل يحيى بن معين، ومثل البخاري، وغيرهما، وذكر البخاري أَنَّ هذا من كلام كعب الأحبار، وطائفةٌ اعتبرت صحته مثل أبي بكر ابن الأنباري (٢)، وأبي الفرج ابن الجوزي، وغيرهما، والبيهقي وغيره وافقوا الذين ضعفوه، وهذا هو الصواب; لأنه قد ثبت بالتواتر أَنَّ الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وثبت أَنَّ آخر الخلق كان يوم الجمعة؛ فيلزم أن يكون أول الخلق يوم الأحد، وهكذا هو عند أهل الكتاب،\n_________\n= سلام: أما أثر كعب الأحبار - ﵁ -؛ فأخرجه ابن جرير في تفسيره (٧/ ٥) قال: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن كعب، قال: \"بدأ الله خلق السموات والأرض يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وفرغ منها يوم الجمعة، فخلق آدم في آخر ساعة من يوم الجمعة\". وإسناده صحيح.\nوأما أثر عبد الله بن سلام؛ فأخرجه ابن جرير الطبري في تاريخه (١/ ٣٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، كلاهما من طريقين عن عبد الله بن سلام، وهو صحيح.\n(١) تاريخ الأمم والملوك (١/ ٣٥).\n(٢) هو: محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، أبو بكر الأنباري، من أعلم أهل زمانه بالأدب واللغة، ومن أكثر الناس حفظًا للشعر والأخبار، قيل: كان يحفظ ثلاث مائة ألف شاهد في القرآن. ولد في الأنبار (على الفرات) وتوفي ببغداد. من كتبه (الزاهر) في اللغة، و(شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات) و(إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله ﷿) و(عجائب علوم القرآن) وغيرها (ت: ٣٢٨ هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٦/ ٣٣٤).","vol":"1","page":251},{"text":"وعلى ذلك تدل أسماء الأيام، وهذا هو المنقول الثابت في أحاديث وآثار أخر; ولو كان أول الخلق يوم السبت، وآخره يوم الجمعة؛ لكان قد خلق في الأيام السبعة، وهو خلاف ما أخبر به القرآن ....، والبخاري أحذق وأخبر بهذا الفن من مسلم; ولهذا لا يتفقان على حديث إلا يكون صحيحًا لا ريب فيه، قد اتفق أهل العلم على صحته، ثم ينفرد مسلم فيه بألفاظ يُعْرِضُ عنها البخاري، ويقول بعض أهل الحديث إنها ضعيفة، ثم قد يكون الصواب مع من ضعفها\". اهـ (١)\nوقال ابن القيم: \"هذا الحديث وقع غلط في رفعه؛ وإنما هو من قول كعب الأحبار، كذلك قال إمام أهل الحديث، محمد بن إسماعيل البخاري، في تاريخه الكبير، وقاله غيره من علماء المسلمين أيضًا، وهو كما قالوا؛ لأن الله أخبر أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وهذا الحديث يتضمن أَنَّ مدة التخليق سبعة أيام، والله أعلم\". اهـ (٢)\nالمسلك الثاني: مسلك قبول الحديث، ونفي التعارض بينه وبين الآيات.\nوهذا رأي: أبي بكر ابن الأنباري (٣)، وابن الجوزي (٤)، وأبي حيان (٥)، والمعلِّمي (٦) (٧)، والألباني (٨)، وأبي إسحاق الحويني (٩) (١٠).\nولأصحاب هذا المسلك عدة أجوبة في دفع العلل الواردة في الحديث، وقد ذكرت أجوبتهم فيما يتعلق بعلل إسناده، وسأذكر هاهنا ما أوردوه من أجوبة عن العلل الواردة في متنه:\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٨ - ٢٠).\n(٢) نقد المنقول، لابن القيم (١/ ٧٨).\n(٣) نقله عنه: ابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ١٦١)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٨/ ١٨).\n(٤) زاد المسير (٧/ ٩٢)، وكشف المشكل (٣/ ٥٨٠).\n(٥) تفسير البحر المحيط، لأبي حيان (٤/ ٣٠٩ - ٣١٠).\n(٦) هو: عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن محمد المُعَلِّمي العُتْمي، نسبته إلى (بني المعلم) من بلاد عتمة، باليمن. ولد ونشأ في عتمة، وتردد إلى بلاد الحجرية (وراء تعز) وتعلم بها. وسافر إلى جيزان (سنة ١٣٢٩هـ) في إمارة محمد بن علي الإدريسي، بعسير، وتولى رئاسة القضاة ولقب بشيخ الإسلام. وبعد موت الإدريسي (١٣٤١ هـ) سافر إلى الهند وعمل في دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، مصححًا كتب الحديث والتاريخ (حوالي سنة ١٣٤٥هـ) زهاء ربع قرن، وعاد إلى مكة (١٣٧١هـ) فعين أمينًا لمكتبة الحرم المكي (١٣٧٢هـ) إلى أن شوهد فيها منكبًا على بعض الكتب وقد فارق الحياة. له تصانيف منها (طليعة التنكيل) وهو مقدمة كتابه (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل) في مجلدين و(الأنوار الكاشفة) في الرد على كتاب (أضواء على السنة) لمحمود أبي رية، وحقق كثيرًا من كتب الأمهات، منها أربع مجلدات من كتاب (الإكمال) لابن ماكولا، وأربع مجلدات من (الأنساب) للسمعاني. (ت: ١٣٨٦هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٣/ ٣٤٢).\n(٧) الأنوار الكاشفة، ص (١٨٩).\n(٨) سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٤٤٩)، ومشكاة المصابيح، بتحقيق الألباني (٣/ ١٥٩٧).\n(٩) هو: أبو إسحاق الحويني، أحد علماء مصر المعاصرين، تتلمذ على المحدث محمد بن ناصر الدين الألباني، وبرَّز في علم الحديث.\n(١٠) تفسير ابن كثير، بتحقيق الحويني (٢/ ٢٣٠ - ٢٣٣).","vol":"1","page":252},{"text":"أولًا: أجوبتهم عن العلة الأولى، وهي: أنه جعل أيام التخليق في سبعة أيام، وهذا خلاف ما جاء به القرآن، حيث ذكر الله تعالى أَنَّ خلق السماوات والأرض وما بينهما كان في ستة أيام، أربعة منها للأرض، ويومان للسماء.\nقال المعلِّمي: \"يجاب عنها: بأنه ليس في هذا الحديث أنه خلق في اليوم السابع غير آدم، وليس في القرآن ما يدل على أَنَّ خلق آدم كان في الأيام الستة، بل هذا معلوم البطلان، وفي آيات خلق آدم أوائل البقرة، وبعض الآثار، ما يؤخذ منه أنه قد كان في الأرض عمار قبل آدم، عاشوا فيها دهرًا، فهذا يساعد القول بأن خلق آدم متأخر بمدة عن خلق السماوات والأرض\". اهـ (١)\nواختار هذا الجواب أبو إسحاق الحويني، واستدل له بحديث عطاء، عن أبي هريرة - ﵁ -، أَنَّ النبي - ﷺ - أخذ بيده فقال: \"يا أبا هريرة، إن الله خلق السماوات والأرضين وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين، والتقن (٢) يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة، في آخر ساعة من النهار، بعد العصر، وخلق أديم الأرض أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها، من أجل ذلك جعل الله ﷿ من آدم الطيب والخبيث\". (٣)\nقال أبو إسحاق: \"فقد صرَّح في هذا الحديث أَنَّ الله ﷿ خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وهو موافق لآيات التنزيل، ثم قال: وخلق آدم يوم الجمعة، وهو اليوم السابع، ولم يذكر في القرآن، ولا في السنة أَنَّ خلق آدم كان من جملة الأيام الستة، ولا دليل على أَنَّ يوم الجمعة المذكور كان عقب يوم الخميس الذي قبله، حتى يُعد هذا يومًا سابعًا مع\n_________\n(١) الأنوار الكاشفة، ص (١٩٠)، وانظر: كشف المشكل، لابن الجوزي (٣/ ٥٨٠).\n(٢) التقن: هو الطين الرقيق يخالطه حمأة. انظر: تهذيب الأسماء واللغات، للنووي (٣/ ٣٩)، ولسان العرب، لابن منظور (١٣/ ٧٢).\n(٣) تقدم تخريج الحديث في أول المسألة، وهو من رواية الأخضر بن عجلان، عن عطاء، وقد بينت هناك ما في هذه الرواية من علل.","vol":"1","page":253},{"text":"سابقه، ويدل على هذا أَنَّ خلق آدم تأخر عن خلق الملائكة والجن والسماوات، كما هو واضح من آيات خلق آدم في سورة البقرة وغيرها، ومما يستدل به على هذا: ما أخرجه الحاكم (١)، وصححه، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، عن ابن عباس ﵄ قال: \"لقد أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يدخلها أحد، قال الله تعالى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) [البقرة: ٣٠]، وقد كان فيها قبل أن يُخلق بألفي عام الجن بنو الجان ... \". اهـ (٢)\nوللألباني جواب آخر، حيث يرى: \"أَنَّ الحديث ليس بمخالف للقرآن بوجه من الوجوه، خلافًا لما توهمه بعضهم؛ فإن الحديث يفصِّل كيفية الخلق على وجه الأرض، وأن ذلك كان في سبعة أيام، ونصُّ القرآن على أَنَّ خلق السماوات والأرض كان في ستة أيام، والأرض في يومين، لا يعارض ذلك، لاحتمال أَنَّ هذه الأيام الستة غير الأيام السبعة، المذكورة في الحديث، وأنه - أعني الحديث - تحدث عن مرحلة من مراحل تطور الخلق على وجه الأرض، حتى صارت صالحة للسكنى، ويؤيده أَنَّ القرآن يذكر أَنَّ بعض الأيام عند الله تعالى كألف سنة، وبعضها مقداره خمسون ألف سنة، فما المانع أن تكون الأيام الستة من هذا القبيل؟ والأيام السبعة من أيامنا هذه، كما هو صريح الحديث، وحينئذ فلا تعارض بينه وبين القرآن\". اهـ (٣)\nقال الألباني: \"وكان هذا الجمع قبل أن أقف على حديث الأخضر بن عجلان؛ فإذا هو صريح فيما كنت ذهبت إليه من الجمع\". اهـ (٤)\nقلت: حديث الأخضر بن عجلان هو حديث عطاء المتقدم، وفيه زيادة تؤيد ما ذهب إليه الألباني من أَنَّ الأيام السبعة المذكورة في الحديث، هي غير الستة المذكورة في الآيات، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"أخذ بيدي رسول الله - ﷺ - فقال: يا أبا هريرة، إن الله خلق السماوات والأرضين وما بينهما في ستة\n_________\n(١) المستدرك للحاكم (٢٨٧).\n(٢) انظر: تعليق الحويني على تفسير ابن كثير (٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣).\n(٣) انظر: تعليق الألباني على مشكاة المصابيح، ص (١٥٩٨).\n(٤) مختصر العلو، للألباني، ص (١١٢).","vol":"1","page":254},{"text":"أيام، ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد .... \" ثم ذكر بقية الحديث.\nلكن هذا الحديث لا يصح، وقد تقدم بيان ما فيه من علل.\nثانيًا: أجوبتهم عن العلة الثانية، وهي: أنه لم يذكر في الحديث خلق السماء، وجعل خلق الأرض مستوعبًا للأيام الستة.\nقال المعلِّمي: \"يجاب عنها: بأن الحديث، وإن لم ينص على خلق السماء، فقد أشار إليه بذكره في اليوم الخامس (النور)، وفي السادس (الدواب)، وحياة الدواب محتاجة إلى الحرارة، والنور والحرارة مصدرهما الأجرام السماوية، والذي فيه أَنَّ خلق الأرض نفسها كان في أربعة أيام، كما في القرآن، والقرآن إذ ذكر خلق الأرض في أربعة أيام، لم يذكر ما يدل على أَنَّ من جملة ذلك خلق النور والدواب، وإذ ذكر خلق السماء في يومين، لم يذكر ما يدل على أنه في أثناء ذلك لم يحدث في الأرض شيئًا، والمعقول أنها بعد تمام خلقها أخذت في التطور بما أودعه الله تعالى فيها، والله سبحانه لا يشغله شأن عن شأن\". اهـ (١)\nثالثًا: أجوبتهم عن العلة الثالثة، وهي: أنَّ الحديث مخالف للأحاديث والآثار، والتي فيها أَنَّ الله تعالى ابتدأ الخلق يوم الأحد، لا السبت.\nقال المعلِّمي: \"وأما الآثار القائلة أَنَّ ابتداء الخلق يوم الأحد فما كان منها مرفوعًا فهو أضعف من هذا الحديث بكثير (٢)، وأما غير المرفوع فعامته من قول عبد الله بن سلام (٣)، وكعب (٤)، ووهب، ومن يأخذ عن الاسرائيليات\". اهـ (٥)\nوأما دعوى الإجماع من ابن جرير على أَنَّ ابتداء الخلق كان في يوم الأحد، فقد عارضه أبو إسحاق الحويني بأن أبا بكر ابن الأنباري (٦) قد ادعى\n_________\n(١) الأنوار الكاشفة، للمعلمي، ص (١٩٠).\n(٢) تقدم تخريج حديث ابن عباس المرفوع في ابتداء الخلق يوم الأحد، وهو ضعيف.\n(٣) سبق تخريجه في أثناء المسألة.\n(٤) سبق تخريجه في أثناء المسألة.\n(٥) الأنوار الكاشفة، للمعلمي، ص (١٩١).\n(٦) نقله عن ابن الأنباري: ابن الجوزي، في زاد المسير (٣/ ١٦١).","vol":"1","page":255},{"text":"الإجماع على أَنَّ بدأ الخلق كان في يوم السبت. (١)\nولكن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يرتضِ دعوى الإجماع من أبي بكر ابن الأنباري، وعدَّ ذلك من الغلط. (٢)\nولأبي حيان الأندلسي مذهب غريب في الجمع بين الآيات والحديث، حيث يرى أَنَّ قوله تعالى: (فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) [الأعراف: ٥٤] هو ظرف لخلق الأرض وحدها، دون خلق السماوات والأرض معًا؛ فيكون قوله: (فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) متعلق بخلق الأرض، بتربتها وجبالها وشجرها ومكروهها ونورها ودوابها، وآدم ﵇، قال: وهذا يطابق الحديث الثابت في الصحيح. (٣)\nقلت: وهذا الجمع في غاية الضعف، ويكفي في رده أنه مخالف لآيةِ فُصِّلَتْ؛ فإنها صريحة بأن مدة خلق الأرض استغرق أربعة أيام، ثم يومين للسماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يظهر صوابه - والله تعالى أعلم - أَنَّ حديث أبي هريرة - ﵁ - لا يصح رفعه للنبي - ﷺ -، وأن أبا هريرة إنما أخذه عن أهل الكتاب، لا من النبي - ﷺ -، والذي يتقوى لدي أَنَّ الخطأ وقع من أيوب بن خالد، أحد رواة الحديث؛ فإنه لم يوثقه أحد سوى ابن حبان، وابن حبان معروف بتساهله في توثيق الرواة، كما نص على ذلك الأئمة، وحسبك ما نقله الأزدي عن أهل العلم بالحديث من تضعيفهم لأيوب بن خالد، وقوله: إن يحيى بن سعيد القطان ونظراءه كانوا لا يكتبون حديثه. وهذه الشهادة من الأزدي كافية في رد رواية أيوب، وعدم الاعتماد عليها، كيف وقد تفرد برواية هذا الحديث، ورفعه للنبي - ﷺ -، مع ما في متنه من غرابة، ومعارضة لآيات القرآن الكريم.\n_________\n(١) انظر: تعليق الحويني على تفسير ابن كثير (٢/ ٢٣٢).\n(٢) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٧/ ٢٣٧).\n(٣) انظر: تفسير البحر المحيط، لأبي حيان (٤/ ٣٠٩ - ٣١٠).","vol":"1","page":256},{"text":"هذا وقد أسلفتُ ما ذكره النقاد من علل هذا الحديث، التي توجب رده وعدم قبوله، وسأزيد عليها هاهنا عللًا ظهرت لي، ولم أرَ أحدًا أشار إليها، وهذه العلل مع ما سبق، تبين بجلاء أَنَّ هذا الحديث لا يصح رفعه للنبي - ﷺ -:\nالعلة الأولى: قوله في الحديث: \"وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ\"، أي أَنَّ الجبال خُلقت في اليوم الثاني، وهذا مخالف لآية فُصِّلَتْ، والتي نصَّت على أنَّ الجبال خُلِقَتْ في اليوم الثالث أو الرابع، حيث قال تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠» [فصلت: ٩ - ١٠].\nفقوله: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ) إلى آخر الآية يدل على أن خلق الجبال كان في اليومين الأخيرين من الأيام الأربعة.\nالعلة الثانية: قوله في الحديث: \"وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ\"، أي أَنَّ الدواب خُلقت في اليوم السادس، وهذا فيه مخالفة لآية فُصِّلَتْ؛ فإن الظاهر المتبادر من الآية أَنَّ الدواب خُلقت وقت تخليق الأرض في الأيام الأربعة الأولى، لا في اليوم السادس، ومما يقوي هذا الظاهر قوله تعالى في سورة البقرة: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩» [البقرة: ٢٩]، وهذا الآية صريحة بأن الله تعالى لم يخلق السماوات إلا بعد أن أتم خلق الأرض وما فيها، ومن ذلك الدواب؛ لقوله: (جَمِيعًا)، وقد تقدم أَنَّ خلق الأرض كان في أربعة أيام، فكيف يكون خلق الدواب في اليوم السادس؟!\nوأما ما ذكره أصحاب المذهب الثاني من تأويلات للجمع بين الآيات والحديث؛ فإنها لا تخلو من ضعف، وبعضها يَرِدُ عليه إشكالات لا يمكن التخلص منها إلا بتكلف، وهاك تفصيل ذلك:\nأولًا: قول الألباني: \"إن الأيام الستة المذكورة في الآيات، هي غير الأيام السبعة المذكورة في الحديث\".\nيرد على قوله هذا: أنَّ الحديث نص على أَنَّ الجبال خُلقت يوم الأحد، وقد جاء في آية فُصِّلَتْ أَنَّ الجبال خُلقت في مراحل تخليق الأرض الأولى،","vol":"1","page":257},{"text":"وهذا يعني أَنَّ الأيام المذكورة في الحديث هي نفسها المذكورة في الآيات، لا كما قال الألباني، ﵀.\nويرد عليه أيضًا: أَنَّ الله تعالى قال: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩»؛ فقوله: (جَمِيعًا) عموم يشمل جميع الأشياء التي خلقها سبحانه في الأرض، وهذه الآية صريحة بأن الأرض وما فيها خُلق قبل تخليق السماوات، وهو يبطل القول بأن ما ذكر في الحديث كان بعد تخليق السماوات والأرض.\nثانيًا: قول المعلِّمي: \"إن الحديث، وإن لم ينص على خلق السماء، فقد أشار إليه بذكره في اليوم الخامس (النور)، وفي السادس (الدواب)، وحياة الدواب محتاجة إلى الحرارة، والنور والحرارة مصدرهما الأجرام السماوية ... \".\nيرد على قوله: أَنَّ الحديث نص على أَنَّ الشجر خُلِقَ قبل النور، والذي هو في رأي المعلِّمي بمعنى الشمس، ومعلوم أَنَّ الشجر محتاج للنور كاحتياج الدواب، فكيف يكون الشجر خُلق قبل الشمس؟!\n\n****","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>المسألة [١٥]: فيمن أساء في الإسلام هل يُؤاخذ بما عمل في الجاهلية</span>؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨» [الأنفال: ٣٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية:</span>\n(٢٧) - (٢٣): عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: \"مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ\". (١)\n(٢٨) - (..): وفي رواية: \"وَمَنْ أَسَاءَ أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ\". (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث:</span>\nظاهِرُ الآيةِ الكريمةِ أنَّ الكافرَ إذا أَسْلَمَ غُفِرَ له بالإسلام كل ما كان منه في الجاهِلِيِّة، من كُفْرٍ، وذَنْبٍ، وغيرِه؛ لأنَّ لفظ الآية جاء مُطْلَقًا، فلم تُفَرِّق\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب استتابة المرتدين، حديث (٦٩٢١)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٢٠).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٢٠).","vol":"1","page":259},{"text":"بين الذنوب التي تاب منها والتي لم يَتُبْ منها؛ وأمَّا الحديث فظاهره أنَّ الذنوب التي كان الكافر يَعمَلها في الجاهلية ولم يَتُبْ منها في الإسلام فإنَّه يُؤَاخَذُ بها، وهذا يُوهِمُ خِلافَ الآية. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث:</span>\nأجمع العلماء على أنَّ الكافر إذا أسلم غُفِرَ له بالإسلام الكفر الذي تاب منه (٢)، واختلفوا في الذنوب التي فعلها في حال كفره ولم يَتُبْ منها في الإسلام، هل تُغْفَرُ له أم لا؟ وخلافهم هذا راجع إلى الخلاف في معنى الآية والحديث، والجمع بينهما، وقد اختلفوا في ذلك على مذهبين:\nالأول: أن الكافر إذا أسلم غُفِرَ له بالإسلام كل ما كان منه في الجاهلية، من كفر، وذنب، وإنْ أصَرَّ على بعض الذنوب في الإسلام.\nوهذا مذهب الجمهور من المحدثين، كما سيأتي ذِكرُ بعضٍ منهم.\nواستدلوا على مذهبهم هذا: بالكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول.\nأمَّا الكتاب؛ فقد استدلوا بالآية الكريمة الواردة في المسألة، حيث جاءت مطلقة؛ فلم تُفَرِّق بين الذنوب التي تاب منها والتي لم يَتُبْ (٣).\n_________\n(١) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: أعلام الحديث، للخطابي (٤/ ٢٣١١)، وفتح الباري، لابن حجر (١٢/ ٢٧٨).\n(٢) حكى الإجماع: الخطابي في \"أعلام الحديث\" (٤/ ٢٣١١)، وابن بطال في شرحه لصحيح البخاري\n(٨/ ٥٧٠)، والنووي في \"شرح مسلم\" (٢/ ١٧٩). وانظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١١/ ٧٠١)، ولم يُخَالِف الإجماع إلا المعتزلة، على ما نقله الحافظ ابن رجب في الفتح (١/ ١٤٥)، حيث ذكر عن المعتزلة ومنهم الجبائي قولهم: إنَّ الكافر لا يصح إسلامه مع إصراره على كبيرة كان عليها في حال كفره. قال ابن رجب: وهذا قول باطلٌ، لم يوافقهم عليه أحد من العلماء.\n(٣) انظر: فتح الباري، لابن رجب (١/ ١٤٣)، وفتح الباري، لابن حجر (١٢/ ٢٧٨)، والآداب الشرعية، لابن مفلح (١/ ٩٣).","vol":"1","page":260},{"text":"وأمَّا السنة:\n١ - فعن عَمْرَو بْنِ الْعَاصِ - ﵁ - قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ. فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قَالَ: \"مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟ \" قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ. قَالَ: \"تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟ \" قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي. قَالَ: \"أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ\". (١) (٢)\n٢ - وعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ حَسَنَةٍ كَانَ أَزْلَفَهَا (٣)، وَمُحِيَتْ عَنْهُ كُلُّ سَيِّئَةٍ كَانَ أَزْلَفَهَا\". (٤) (٥)\nوأمَّا الإجماع؛ فقد نقل الخطابي، وابن بطال الإجماع على أنَّ الإسلام يهدم ما كان قبله. (٦)\nوأما المعقول؛ فقالوا: إنَّه لا يصح أنْ يُراد بالإساءة - في حديث ابن مسعود - ﵁ - ارتكاب سيئة أو معصية؛ لأنه يلزم عليه ألا يهدم الإسلام ما قبله من الآثام، إلا لمن عُصِمَ من جميع السيئات إلى الموت، وهذا باطلٌ قطعًا. (٧)\nوقد اختلف أصحاب هذا المذهب في الجواب عن الحديث على أقوال:\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٢١).\n(٢) انظر: فتح الباري، لابن رجب (١/ ١٤٣).\n(٣) قوله: أَزْلَفَهَا: أي جمعها واكتسبها، أو قربها قربة إلى الله تعالى. انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (١/ ٣١٠).\n(٤) أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الإيمان وشرائعه، حديث (٤٩٩٨). وصححه الألباني في \"صحيح سنن النسائي\" (٣/ ٣٤٣)، حديث (٥٠١٣).\n(٥) انظر: مرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (٥/ ٢٨٠).\n(٦) انظر: أعلام الحديث، للخطابي (٤/ ٢٣١١)، وشرح صحيح البخاري، لابن بطال (٨/ ٥٧٠)، وفتح الباري، لابن حجر (١٢/ ٢٧٨).\n(٧) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (١/ ٣٢٧).","vol":"1","page":261},{"text":"الأول: أنَّ الإساءة في الحديث المرادُ بها الكفر؛ فمن ارتَدَّ بعد إسلامه، ومات على ذلك، فإنَّه يُعاقب على جميع ما كان منه قبل الإسلام وبعده.\nوهذا جواب البخاري، كما أشار إليه الحافظ ابن حجر، وأيده. (١).\nونقله ابن بطال عن المُهَلَّبِ، وأيَّدَهُ ونَصَرَه. (٢).\nوبه قال الطحاوي (٣)، والمُحِبُّ الطبري (٤)، والداوودي. (٥).\nوهو اختيار: المازري، وابن الجوزي. (٦)\nقال الطحاوي: \"قول رسول الله - ﷺ -: \"مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ\" هو على معنى: \"من أسلم في الإسلام\"، ومن ذلك قوله تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا) [النمل: ٨٩]، فكانت الحسنة المُرَادَة في ذلك هي الإسلام، فكان من جاء بالإسلام مَجْبُوبًَا (٧) عنه ما كان منه في الجاهلية، وموافقًا لما في حديث عمرو - ﵁ -: \"أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ\" (٨)، ومن لَزِمَ الكفرَ في الإسلام كان قد جاء بالسيئة في الإسلام، ومنه قوله تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا) [الأنعام: ١٦٠]، فكانت عقوبة تلك السيئة عليه مضافة إلى عقوبات ما قبلها من سيئاته التي كانت في الجاهلية\". اهـ (٩).\nالقول الثاني: أنَّ الإساءة في الحديث المُرادُ بها النفاق، فإذا أسلم الكافر ولم يَصْدُقْ في إسلامه، بأنْ يكون مُنْقَادًا في الظاهر، غير معتقدٍ للإسلام بقلبه؛ فإنَّه يُؤاخذ بما كان منه في الجاهلية.\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر (١٢/ ٢٧٨).\n(٢) شرح صحيح البخاري، لابن بطال (١٢/ ٢٧٨)، وانظر: فتح الباري، لابن حجر (١٢/ ٢٧٨).\n(٣) مشكل الآثار، للطحاوي (١/ ٤٤٣).\n(٤) هو: أحمد بن عبد الله بن محمد الطبري، أبو العباس، محب الدين: حافظ فقيه شافعي، متفنن، من أهل مكة مولدًا ووفاة. وكان شيخ الحرم فيها. له تصانيف منها (السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين)، و(الرياض النضرة في مناقب العشرة)، وغيرها، (ت: ٦٩٤هـ). انظر: الأعلام، للزركلي\n(١/ ١٥٩).\n(٥) انظر: فتح الباري، لابن حجر (١٢/ ٢٧٨)، وفيه النقل عن الطبري والداوودي.\n(٦) انظر على الترتيب: إكمال المعلم، للقاضي عياض (١/ ٤٠٩)، وفيه النقل عن المازري، وكشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (١/ ٣٠٦).\n(٧) الجَبُّ: هو القطع، والمعنى أنَّ الإسلام يمحو ويقطع ما كان قبله من الكفر والمعاصي والذنوب. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (١/ ٢٣٤).\n(٨) تقدم تخريجه قريبًا.\n(٩) مشكل الآثار، للطحاوي (١/ ٤٤٣).","vol":"1","page":262},{"text":"وهذا جواب أبي العباس القرطبي (١)، والنووي (٢).\nوهو اختيار: أبي عبد الله القرطبي، والكرماني، والأُبِّي، والعيني، والملا علي القاري، والمناوي. (٣)\nقال النووي: \"وأمَّا معنى الحديث فالصحيح فيه ما قاله جماعة من المحققين: أنَّ المراد بالإحسان هنا الدخول في الإسلام بالظاهر والباطن جميعًا، وأنْ يكون مسلمًا حقيقيًا، فهذا يُغفر له ما سلف في الكفر بنص القرآن العزيز، والحديث الصحيح \"يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ\" (٤)، وبإجماع المسلمين، والمرادُ بالإساءة عدم الدخول في الإسلام بقلبه، بل يكون مُنقادًا في الظاهر، مُظهِرًا للشهادتين، غير مُعتقدٍ للإسلام بقلبه، فهذا منافقٌ باقٍ على كفره بإجماع المسلمين، فيُؤاخذ بما عمل في الجاهلية قبل إظهار صورة الإسلام، وبما عمل بعد إظهارها؛ لأنَّه مستمرٌّ على كفره\". اهـ (٥)\nالقول الثالث: أنَّ الحديث محمولٌ على التَّبْكِيت بما كان منه في الكفر.\nوهذا جواب الخطابي، وابن الجوزي حيث جعله وجهًا آخر في الجواب عن الحديث. (٦)\nقال الخطابي: \"ووجه هذا الحديث: أنَّ الكافر إذا أسلم لم يُؤاخذ بما مضى، فإنْ أساء في الإسلام غاية الإساءة، ورَكِبَ أشدَّ المعاصي، وهو مستمرٌّ على الإسلام؛ فإنَّه إنما يُؤاخذ بما جَنَاهُ من المعصية في الإسلام، ويُبَكَّت بما كان منه في الكفر، كأن يُقال له: ألست فعلت كذا وأنت كافر؟ فهلا منعك إسلامُك عن معاودة مثله\". اهـ (٧)\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (١/ ٣٢٧).\n(٢) شرح صحيح مسلم، للنووي (٢/ ١٧٩).\n(٣) انظر على الترتيب: تفسير القرطبي (٥/ ٢٦٧)، وإكمال إكمال المعلم، للأبي (١/ ٣٨١)، وعمدة القاري، للعيني (٢٤/ ٧٦)، ومرقاة المفاتيح، للقاري (٥/ ٢٨٠)، وفيض القدير، للمناوي (٦/ ٣٧).\n(٤) تقدم تخريجه قريبًا.\n(٥) شرح صحيح مسلم، للنووي (٢/ ١٧٩).\n(٦) كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (١/ ٣٠٦).\n(٧) أعلام الحديث، للخطابي (٤/ ٢٣١١)، وانظر: فتح الباري، لابن حجر (١٢/ ٢٧٨).","vol":"1","page":263},{"text":"المذهب الثاني: أنه لا يستحق أنْ يُغفر له بالإسلام إلا ما تاب منه.\nفإذا أسلم الكافر فإنَّما يُغفر له ما تاب منه بعد إسلامه؛ وأمَّا الذنوب التي فعلها في الجاهلية وأصَرَّ عليها في الإسلام فإنَّه يُؤاخذ بها، فإنَّه إذا أصَرَّ عليها في الإسلام لم يكن تائبًا منها؛ فلا يُكَفَّرُ عنه إلا ما تاب منه.\nوهذا مذهب طوائف من المتكلمين، من المعتزلة وغيرهم. (١)\nونقل الميموني (٢) في \"مسائله\" عن الإمام أحمد أنه قال: \"بلغني عن أبي حنيفة أنه كان يقول: لا يُؤَاخَذ بما كان في الجاهلية. والنبي - ﷺ - يقول في غير حديث: إنه يُؤاخذ\". اهـ (٣) وإليه ذهب الحليمي (٤)، وابن حزم (٥)، وابن مفلح (٦)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧)، وابن أبي العز الحنفي (٨)، والحافظ ابن رجب (٩).\nقال ابن حزم: \"ومن عمل في كُفْرِهِ عملًا سيئًا ثم أسلم؛ فإنْ تمادى على تلك الإساءة حُوسِبَ وجُوزي في الآخرة بما عمل من ذلك في شِرْكِهِ وإسلامه، وإنْ تاب عن ذلك سَقَطَ عنه ما عمل في شِرْكِهِ\". اهـ (١٠)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية - وقد سُئِلَ عن اليهودي أو النصراني إذا أسلم، هل يبقى عليه ذنب بعد الإسلام؟ فأجاب: \"إذا أسلم باطنًا وظاهرًا غُفِرَ له الكفر الذي تاب منه بالإسلام بلا نزاع، وأمَّا الذنوب التي لم يتب منها مثل: أنْ يكون مصرًا على ذنب أو ظلم أو فاحشة ولم يتب منها بالإسلام،\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، لابن رجب (١/ ١٤٢).\n(٢) هو: عبد الملك بن عبد الحميد بن عبد الحميد بن شيخ الجزيرة ميمون بن مهران، أبو الحسن، الميموني، الرقي، تلميذ الإمام أحمد، ومن كبار الأئمة، كان عالم الرقة ومفتيها في زمانه، (ت: ٢٧٤هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٣/ ٨٩).\n(٣) انظر: الآداب الشرعية، لابن مفلح (١/ ٩٣)، وفتح الباري، لابن رجب (١/ ١٤٢)، وفتح الباري، لابن حجر (١٢/ ٢٧٩).\n(٤) نقله عنه الحافظ ابن رجب في فتح الباري (١/ ١٤٢).\n(٥) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦)، والمحلى (١/ ٣٩ - ٤٠)، والإحكام في أصول الأحكام (٥/ ١٠٧).\n(٦) الآداب الشرعية (١/ ٩٤).\n(٧) مجموع فتاوى ابن تيمية (١٠/ ٣٢٤)، (١١/ ٧٠١ - ٧٠٢).\n(٨) شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز (٢/ ٤٥١).\n(٩) فتح الباري، لابن رجب (١/ ١٤٢)، وجامع العلوم والحكم (١/ ١١٧).\n(١٠) المحلى (١/ ٣٩).","vol":"1","page":264},{"text":"فقد قال بعض الناس: إنَّه يُغفر له بالإسلام، والصحيح أنَّه إنما يُغفر له ما تاب منه، كما ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قيل: \"أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: \"مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ\" (١)، وحُسْنُ الإسلام أنْ يلتزم فِعْل ما أمَرَ الله به، وترك ما نُهي عنه، وهذا معنى التوبة العامة، فمن أسلم هذا الإسلام غُفِرَتْ ذنوبه كلها، وهكذا كان إسلام السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان; ولهذا قال النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح لعمرو بن العاص: \"أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ\" (٢)؛ فإنَّ اللام لتعريف العهد، والإسلام المعهود بينهم كان الإسلام الحسن.\nوقوله: \"وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ\"، أي: إذا أَصَرَّ على ما كان يعمله من الذنوب فإنه يُؤاخذ بالأول والآخر، وهذا مُوجِبُ النصوص والعدل؛ فإنَّ من تاب من ذنبٍ غُفِرَ له ذلك الذنب، ولم يَجِبْ أنْ يُغْفَرَ له غيره\". اهـ (٣)\nوأجاب أصحاب هذا المذهب عن الآية:\nبأنَّ المعنى: يُغفر لهم ما قد سلف مما انتهوا عنه، وليس في الآية ما يدل على أنهم بمجرد انتهائهم عن الكفر يُغفر لهم سائر ذنوبهم، وإنْ لم يتوبوا من بعضها.\nذكر هذا الجواب: ابن حزم (٤)، وشيخ الإسلام ابن تيمية.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) [الأنفال: ٣٨] يَدُلُّ على أنَّ المُنْتَهي عن شيء يُغفر له ما قد سلف منه، ولا يدُلُّ على أنَّ المنتهي عن شيء يُغفر له ما سلف من غيره\". اهـ (٥)\n_________\n(١) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٢) تقدم تخريجه قريبًا.\n(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية (١١/ ٧٠٢).\n(٤) انظر: المحلى (١/ ٤٠)، والفصل (٢/ ٣٥٥).\n(٥) مجموع فتاوى ابن تيمية (١٠/ ٣٢٤).","vol":"1","page":265},{"text":"وأما حديث عمرو بن العاص - ﵁ - والذي فيه أنَّ الإسلام يجب ما قبله؛ فأجابوا عنه بما حاصله:\n\"أنَّ النبي - ﷺ - قال ذلك لما أسْلَمَ عمرو بن العاص - ﵁ -، وطلب من النبي - ﷺ - أنْ يُغفر له ما تقدم من ذنبه فقال له النبي - ﷺ -: \"أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ\" (١)، ومعلوم أنَّ التوبة إنما تُوجِبُ مغفرة ما تاب منه، ولا تُوجِبُ التوبةُ غُفران جميعِ الذنوب\". (٢)\nوبأنَّ الُمراد أنه يهدِمُ ما كان قبله مما ينافيه الإسلام من كفر وشرك ولواحق ذلك، مما يكون الإسلام توبة منه وإقلاعًا عنه. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أنَّ الكافر إذا أسلم فإنما يُغفر له ما تاب منه بعد إسلامه؛ وأمَّا الذنوب التي فعلها في الجاهلية وأصَرَّ عليها في الإسلام فإنَّه يُؤاخذ بها.\nوالآية والحديث يدلان على هذا المعنى ولا يختلفان فيه؛ لأنَّ الآية جاءت مُطلقة فلم تُفَرِّقْ بين الذنوب التي تاب منها والتي لم يتب منها، وأمَّا الحديث ففيه تقييد لهذا الإطلاق، فيُحمل المطلق على المقيد، فيكون معنى الآية: إنْ ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف مما تابوا منه، وانتهوا عنه.\nوأمَّا مَا ذَهَبَ إليه أصحاب المذهب الأول من تأويلات لحديث ابن مسعود؛ فكلها لا تخلو من ضعف؛ وذلك لأسباب منها:\n١ - أنَّ الكافر إذا ارتَدَّ عن الإسلام، أو كان منافقًا لم يبق معه إسلامٌ\n_________\n(١) تقدم تخريجه قريبًا.\n(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (١٠/ ٣٢٤ - ٣٢٥)، وانظر: الفصل، لابن حزم (٢/ ٣٥٥).\n(٣) انظر: فتح الباري، لابن رجب (١/ ١٤٣).","vol":"1","page":266},{"text":"حتى يُسِيءَ فيه، فكيف يقال إن الإساءة هي بمعنى الكفر، أو النفاق؟ (١).\n٢ - أنَّ لفظ الإساءة في الحديث جاء في مقابل الإحسان، والإحسان لا يكون إلا في حال الإسلام، فدل بموجب المقابلة أنَّ الإساءة المقصود بها ما يكون في حال الإسلام، ولا يصح حملها على الردة أو النفاق.\n٣ - أنَّ الإساءة لو كان المراد بها الكفر أو النفاق لورد الحديث بلفظ: \"من أخلص، أو صَدَقَ، أو ثَبَتَ في إسلامه\".\nوأما حديث عمرو بن العاص - ﵁ - فهو بمعنى الآية، والمعنى أنَّ الإسلام يهدم ما كان قبله مما تاب منه؛ لأن النبي - ﷺ - أطلق ولم يُفَصِّل، وما كان مُطلقًا فإنه يُحمل على المقيد، وهو ما جاء في حديث ابن مسعود - ﵁ -.\nولأنَّ النبي - ﷺ - قال ذلك لما اشترط عمرو - ﵁ - أن يُغفر له؛ فأَبَانَ له النبي - ﷺ - أنَّ الإسلام يهدم ما كان قبله بلفظ الإطلاق، ولم يُفَصِّل - ﷺ - في ذلك؛ لعلمه بصدق توبته من الكفر وتباعته؛ إذ ذلك هو المعهود في كل من أسلم حينئذ.\nوأما دعوى الإجماع؛ فَيَرِدُ عليها أمران:\n١ - أنَّ الإجماع محكيٌّ فيمن أسلم عمومًا؛ فإنَّه يُغفر له بالإسلام الكفر الذي تاب منه، ولم ينعقد الإجماع على مغفرة ما أصَرَّ عليه من الذنوب التي كان يفعلها في الجاهلية، وعبارة الخطابي وابن بطال في نقل الإجماع ليست صريحة في تأييد المذهب الأول، وقد حرر النزاع في هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: \"من له ذنوب فتاب من بعضها دون بعض فإنَّ التوبة إنما تقتضي مغفرة ما تاب منه، أمَّا ما لم يَتُبْ منه فهو باقٍ فيه على حكم من لم يَتُبْ، لا على حكم من تاب، وما علمتُ في هذا نزاعًا إلا في الكافر إذا أسلم، فإنَّ إسلامه يتضمن التوبة من الكفر؛ فيغفر له بالإسلام الكفر الذي تاب منه، وهل تغفر له الذنوب التي فعلها في حال الكفر ولم يتب منها في الإسلام؟ هذا فيه قولان معروفان\". اهـ (٢) ثم ذكر هذين القولين على ما فَصَّلتُه في أول المسألة.\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، لابن رجب (١/ ١٤٣).\n(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (١٠/ ٣٢٣).","vol":"1","page":267},{"text":"٢ - أنَّ دعوى الإجماع يدفعها ما نُقِلَ عن الإمام أحمد: أنَّ الذنوب التي فعلها الكافر في الجاهلية وأصَرَّ عليها في الإسلام فإنَّه يُؤاخذ بها (١)، والله تعالى أعلم.\n\n****\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر (١٢/ ٢٧٩).","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>المسألة [١٦]: في الوقت الذي يتبرأ فيه إبراهيم الخليل ﵇ من أبيه آزر</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤» [التوبة: ١١٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية:</span>\n(٢٩) - (٢٤): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَدِ (١)؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ؛ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ (٢) مُلْتَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ\n_________\n(١) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٣٥٨): \"وصف نفسه بالأبعد على طريق الفرض، إذا لم تُقبل شفاعته في أبيه، وقيل: الأبعد صفة أبيه، أي أنه شديد البعد من رحمة الله؛ لأن الفاسق بعيد منها فالكافر أبعد، وقيل: الأبعد بمعنى البعيد، والمراد الهالك\".\n(٢) الذيخ: هو ذَكَرُ الضباع، ومعنى ملتطخ: أي بالطين أو برجيعه. انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (١/ ٢٧٢)، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٢/ ١٧٤).","vol":"1","page":269},{"text":"فَيُلْقَى فِي النَّارِ\". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث:</span>\nظاهر الآية الكريمة انقطاع رجاء إبراهيم الخليل ﵇ من إيمان أبيه، وجزمه بأنه لا يُغفر له، ولذلك تبرأ منه وترك الاستغفار له، وهذا التبرؤ ظاهر الآية أنه كائنٌ من إبراهيم في الدنيا، وأما الحديث فظاهره أنه ﵊ يطلب الاستغفار لأبيه يوم القيامة، ولا ييأس من نجاته إلا بعد المسخ، فإذا مُسِخَ يئس منه وتبرأ، وهذا المعنى يُوهِمُ مُعارضة الآية. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث:</span>\nللعلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث مسلكان:\nالأول: مسلك الجمع بينهما:\nوقد اختلف أصحاب هذا المسلك في الجمع على مذاهب:\nالأول: أَنَّ إبراهيم الخليل ﵇ تبرأ من أبيه لما مات مشركًا، فترك الاستغفار له، لكن لما رآه يوم القيامة أدركته الرأفة والرِّقَّة فسأل فيه، فلما رآه مُسخ يئس منه حينئذ فتبرأ منه تبرؤًا أبديًا.\nوهذا رأي الحافظ ابن حجر. (٣)\nالمذهب الثاني: أَنَّ إبراهيم لم يتيقن موت أبيه على الكفر، بجواز أنْ\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (٣٣٥٠)، وفي كتاب التفسير، حديث (٤٧٦٩).\n(٢) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: فتح الباري، لابن حجر (٨/ ٣٥٩)، وروح المعاني، للآلوسي (١١/ ٥٠).\n(٣) فتح الباري، لابن حجر (٨/ ٣٥٩).","vol":"1","page":270},{"text":"يكون آمن في نفسه ولم يَطَّلِعَ إبراهيم على ذلك، ويكون تبرؤه منه حينئذ بعد الحال التي وقعت في هذا الحديث.\nذكر هذا المذهب الحافظ ابن حجر. (١)\nالمذهب الثالث: أَنَّ الحديث ليس فيه دلالة على وقوع الاستغفار من إبراهيم لأبيه وطلب الشفاعة له، وقوله ﵇: \"يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ\" أراد به ﵊ محض الاستفسار عن حقيقة الحال، فإنه اختلج في صدره الشريف أَنَّ هذه الحال الواقعة على أبيه خزي له، وأنَّ خزي الأب خزي الابن، فيؤدي ذلك إلى خلف الوعد المشار إليه بقوله: \"يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ\".\nذكر هذا المذهب الآلوسيُّ وتعقبه بأنَّ الحديث ظاهرٌ في الشفاعة، وهي استغفار، وأيّدَ ذلك بما رواه الحاكم عن أبي هريرة - ﵁ - أَنَّ النبي - ﷺ - قال: \"يلقى رجل أباه يوم القيامة فيقول: يا أبتِ، أي ابن كنت لك؟ فيقول: خير ابن. فيقول: هل أنت مطيعي اليوم؟ فيقول: نعم. فيقول: خذ بأُزرتي، فيأخذ بأزرته ثم ينطلق حتى يأتي الله تعالى وهو يفصل بين الخلق، فيقول: يا عبدي أدخل من أي أبواب الجنة شئت. فيقول: أي رب وأبي معي، فإنك وعدتني أنْ لا تخزيني، قال: فيمسخ أباه ضبعًا فيهوي في النار فيأخذ بأنفه فيقول سبحانه: يا عبدي هذا أبوك، فيقول: لا وعزتك\". (٢)\nقال الآلوسي: يُفهم من ذلك أَنَّ الرجل في حديث الحاكم هو إبراهيم ﵊، وطلبه المغفرة لأبيه فيه وإدخاله الجنة أظهر منهما في حديث البخاري. (٣)\nالمذهب الرابع: أَنَّ تبيُّن إبراهيم وتبرؤه من أبيه يكون يوم القيامة، ذلك أَنَّ إبراهيم يستغفر لأبيه يوم القيامة ويطلب له الجنة ظنًا منه أنه وفَّى بوعده الذي كان منه في الدنيا، حيث وعده بالإيمان؛ فإذا مُسِخَ أبوه ذيخًا علم أنه لم يفِ بذلك الوعد، فحينئذ يتبرأ منه.\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) المستدرك، للحاكم (٤/ ٦٣٢).\n(٣) روح المعاني، للآلوسي (١١/ ٥١).","vol":"1","page":271},{"text":"ذكر هذا المذهب الآلوسيُّ ومال إليه، إلا أنه أورد عليه أَنَّ ظاهر الآية والمأثور عن السلف في معناها (١)\nلا يُساعد عليه. (٢)\nالمذهب الخامس: أَنَّ مُراد إبراهيم ﵊ من تلك المحاورة التي تصدر منه في ذلك الموقف إظهار العُذر فيه لأبيه وغيره على أتم وجه، لا طلب المغفرة حقيقة.\nوهذا المذهب هو الذي ارتضاه الآلوسي بعد حكايته للمذاهب السابقة. (٣)\nالمسلك الثاني: مسلك الترجيح:\nحيث ذهب الإسماعيلي إلى تضعيف الحديث، فقال بعد أنْ أخرجه: \"هذا خبرٌ في صحته نظر؛ من جهة أَنَّ إبراهيم عَلِمَ أَنَّ الله لا يُخلف الميعاد، فكيف يجعل ما صار لأبيه خزيًا؟ مع علمه بذلك\". اهـ (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أَنَّ تبرؤ إبراهيم من أبيه كائنٌ يوم القيامة، ذلك أَنَّ إبراهيم يطلب لأبيه الشفاعة يوم القيامة ظنًا منه أَنَّ ذلك نافعه، فإذا قال الله له: إني حرمت الجنة على الكافرين، ومُسِخَ أبوه ذيخًا علم أَنَّ ذلك غير نافعه، وأنه عدو لله، فيتبرأ منه في الحال.\nوهذا الاختيار ليس فيه ما يُخالف الظاهر من سياق الآية؛ إذ ليس في\n_________\n(١) اختلف المفسرون في الوقت الذي تبرأ فيه إبراهيم من أبيه على قولين:\nالأول: أنه تبرأ منه في الحياة الدنيا لما مات مشركًا.\nرُويَ ذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعمرو بن دينار والحكم والضحاك، والأثر عن ابن عباس أخرجه الطبري بسند صحيح، كما قال الحافظ ابن حجر.\nالثاني: أَنَّ التبرؤ كائن يوم القيامة حينما ييئس إبراهيم من أبيه بعد مسخه.\nرُويَ ذلك عن سعيد بن جبير، وعبيد بن عمير.\n\nانظر: تفسير الطبري (٦/ ٤٩٢ - ٤٩٣)، وفتح الباري، لابن حجر (٨/ ٣٥٩).\n(٢) روح المعاني، للآلوسي (١١/ ٥٣).\n(٣) المصدر السابق.\n(٤) نقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٣٥٩).","vol":"1","page":272},{"text":"الآية ما يدل على أَنَّ هذا التبرؤ كائن في الدنيا، والآية وإنْ رُويَ في تفسيرها عن ابن عباس أَنَّ ذلك كائن في الدنيا إلا أَنَّ الدليل قد دل على خلافه، وسأذكر من الأدلة ما يؤيد كون ذلك في الآخرة:\nلقد حكى القرآن الكريم في غير ما موضع قصة إبراهيم الخليل ﵇، وبيَّنَ تعالى في عدة مواضع أَنَّ إبراهيم دعا لأبيه واستغفر له، وهذا الاستغفار وقع بعد مفارقته لأبيه واعتزاله له، وهو بعد تلك المفارقة لا يدري ما حال أبيه، وهذا واضح من سياق الآيات الواردة في سورة مريم؛ حيث قال تعالى - بعد حكايته للمحاورة التي جرت بينهما ـ: (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩» [مريم: ٤٧ - ٤٩].\nفقوله: (؟؟؟) وَعْدٌ من إبراهيم بالاستغفار لأبيه، وقد وفَّى بذلك الوعد حينما هاجر إلى مكة، فإنه دعا لأبيه هناك، وهذا الدعاء والاستغفار وقع منه بعد أنْ وهبه الله تعالى إسماعيل وإسحاق، والذي كان بعد اعتزاله لأبيه، حيث قال سبحانه: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١» [إبراهيم: ٣٥ - ٤١]، وهذه الآيات واضحة الدلالة في تأخر استغفار إبراهيم لأبيه، وأنه كان بعد اعتزاله له.\nوظاهر سياق الآيات في سورة إبراهيم أَنَّ دعاء إبراهيم لأبيه كان في آخر حياة إبراهيم، لقوله في الآيات: (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ","vol":"1","page":273},{"text":"إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ)، ثم إنه بعد هذا الثناء دعا لأبيه فقال: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ)، فدلَّ على أَنَّ دعاءه لأبيه وقع في آخر حياته ﵇.\nوفي قوله تعالى في سورة الممتحنة: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤» [الممتحنة: ٤]، دلالة واضحة على أَنَّ استغفار إبراهيم كان بعد وفاة أبيه، لأنه لو كان في حياته لم يُمْنَعْ منه؛ لأنه يجوز الاستغفار - بمعنى طلب الإيمان - لأحياء المشركين.\nولم يأتِ في شيء من تلك الآيات التي تحكي لنا قصة إبراهيم أَنَّ الله تعالى نهاه عن الاستغفار لأبيه، ولم يأتِ في تلك الآيات أيضًا أَنَّ إبراهيم رجع لأبيه بعد اعتزاله له، بل الظاهر أنه لم يلقَ أباه بعد تلك المحاورة.\nوبهذا يتبين أَنَّ إبراهيم الخليل ﵇ لم يتبرأ من أبيه في حياته، بل لم يزل مستغفرًا له في حياته وبعد مماته، ولن ينكشف له أنه عدو لله إلا في الآخرة حينما يلقاه فيطلب له الشفاعة فيُعْلِمُه الله تعالى بأنَّ الجنة حرام على الكافرين، ويمسخ أباه ذيخًا؛ فيعلم حينئذ أنه عدو لله ويتبرأ منه، والله تعالى أعلم.\n\n****","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>المسألة [١٧]: في حكم تَمَنِّي الموت والدُّعاء به</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى - حكاية عن يوسف ﵇ -: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١» [يوسف: ١٠١].\nوقال تعالى - عن مريم ﵍ -: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣» [مريم: ٢٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآيات:</span>\n(٣٠) - (٢٥): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَتَمَنَّى (١) أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ؛ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ (٢) \". (٣)\n(٣١) - (..): وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَتَمَنَّى\n_________\n(١) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣/ ٢٣٤): \"قوله: \"لَا يَتَمَنَّى\" كذا للأكثر بلفظ النفي، والمراد به النهي، أو هو للنهي وأشبعت الفتحة، ووقع في رواية الكشميهني: \"لا يَتَمَنَّيَنَّ\"، بزيادة نون التأكيد، ووقع في رواية همام: \"لَا يَتَمَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ، وَلَا يَدْعُ بِهِ قَبْل أَنْ يَأْتِيَهُ\"، فجمع في النهي عن ذلك بين القصد والنطق\". اهـ\n(٢) أي يرجع عن الإساءة ويطلب الرضا. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٣/ ١٧٥).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التمني، حديث (٧٢٣٥).","vol":"1","page":275},{"text":"أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ، وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلَّا خَيْرًا\". (١)\n(٣٢) - (..): وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ؛ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي\". (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والأحاديث:</span>\nظاهر الآيتين الكريمتين جواز تَمَنِّيَ الموت والدعاء به (٣)؛ وأمَّا الأحاديث ففيها النهي عن ذلك، وهذا يُوهِمُ التعارض بين الآيات والأحاديث. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والأحاديث:</span>\nأجمع العلماء على كَرَاهَةِ تَمَنِّيَ الموت والدعاء به؛ عند وجود ضرر دنيوي، من مرضٍ أو فاقةٍ أو محنةٍ، أو نحو ذلك من مشاقِّ الدُّنيا؛ لما في ذلك من الجزع وعدم الرضا بالقضاء. (٥)\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث (٢٦٨٢).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المرضى، حديث (٥٦٧١)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث (٢٦٨٠).\n(٣) الدعاء بالموت أخص من تمني الموت، فكل دعاء تمني من غير عكس. انظر: فتح الباري، لابن حجر\n(١٠/ ١٣٤).\n(٤) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: المحلى، لابن حزم (٣/ ٣٩٦)، والمحرر الوجيز، لابن عطية\n(٣/ ٢٨٣)، (٤/ ١٠)، والتذكرة، للقرطبي، ص (١٠)، وتفسير القرطبي (٩/ ١٧٦)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (٦/ ١٧٢)، وطرح التثريب، للعراقي (٣/ ٢٥٤)، وتفسير الثعالبي (٢/ ٢٥٩).\n(٥) حكى الإجماع الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي، نقله عنه ابنه الحافظ أبو زرعة =","vol":"1","page":276},{"text":"وأمَّا إذا خاف ضررًا في دِيْنِه، أو فِتْنَةً فيه؛ فلا كَرَاهَة في تَمَنِّيَ الموت والحالة هذه، في مذهب جمهور العلماء. (١)\nوذهب أبو العباس القرطبي إلى المنع مطلقًا، أخذًا بإطلاق حديث أبي هريرة - ﵁ -. (٢)\nوحجة الجمهور:\n١ - أَنَّ النبي - ﷺ - أطلق - في حديث أبي هريرة - النهي عن تَمَنِّيَ الموت، وقيَّده في حديث أنس، بأن يكون تمنيه له لضُرٍّ نزل به؛ فيُحمل المُطلق على المُقيد. (٣)\n٢ - أَنَّ مُطلق حديث أنس يشمل الضُّرَّ الدنيوي والأخروي، لكن المراد إنما هو الضُّر الدنيوي فقط، بدليل رواية: \"لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فِي الدُّنْيَا\" (٤)،\n_________\n= العراقي في \"طرح التثريب\" (٣/ ٢٥٣). وانظر: إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ١٧٩)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (١٧/ ١٢).\n(١) انظر: المحلى، لابن حزم (٣/ ٣٩٦)، والتمهيد، لابن عبد البر (٨/ ٢٨)، وشرح السنة، للبغوي\n(٣/ ١٩٧)، وعارضة الأحوذي، لابن العربي (٤/ ١٥٤)، وإكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ١٧٩)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (٣/ ٢٨٣) و(٤/ ١٠)، وتفسير القرطبي (٩/ ١٧٦)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (١٧/ ١٢)، واختيار الأولى، لابن رجب، ص (٩١)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٥١٠)\nو(٣/ ١٢٣)، وطرح التثريب، للعراقي (٣/ ٢٥٦)، وفتح الباري، لابن حجر (١٠/ ١٣٣)، وعمدة القاري، للعيني (٢٢/ ٣٠٦).\n(٢) قال أبو العباس القرطبي - بعد أن أورد حديث أبي هريرة وأنس ﵄ -: \"وأما حديث أبي هريرة ففيه النهي عن تمني الموت مطلقًا لضُرٍّ ولغير ضُرٍّ، ألا ترى أنه علل النهي بانقطاع العمر، وهذان الحديثان يفيدان مقصودين مختلفين لا يُحمل أحدهما على الآخر\". اهـ من المفهم (٢/ ٦٤٢).\n(٣) انظر: طرح التثريب، للعراقي (٣/ ٢٥٦).\n(٤) هذه الزيادة وردت في حديث أنس - ﵁ -، من طريق حميد بن أبي حميد الطويل، وهو ثقة من رجال الصحيحين، وقد رُويت عن حميد من أربعة طرق:\nالأول: أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٤٤، ١٠٨)، عن عبيدة بن حميد، عن حميد، به.\nالثاني: أخرجه النسائي في السنن الصغرى، في كتاب الجنائز، حديث (١٨٢٠)، عن قتيبة بن =","vol":"1","page":277},{"text":"حيث قَيَّدَ الضُّرَّ كونه في الدنيا. (١).\n٣ - أَنَّه قد رُوي عن النبي - ﷺ - ما يَدُلُّ على جواز الدعاء بالموت عند خوف الفتن:\nففي الحديث القدسي أَنَّ الله تعالى قال لنبيه - ﷺ -: \"يَا مُحَمَّدُ إِذَا صَلَّيْتَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ\". (٢) (٣).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ\". (٤)\nفقوله - ﷺ -: \"وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ\" يقتضي إباحة ذلك أنْ لو كان عن الدِّين. (٥)\nوأمَّا الآيات التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الأحاديث؛ فإنَّ للعلماء في دفع التعارض بينها وبين الأحاديث مسلكين:\nالأول: مسلك الجمع بينها:\nوهذا مسلك الجمهور من المفسرين والمحدثين (٦)، حيث ذهبوا إلى\n_________\n= سعيد، عن يزيد بن زريع، عن حميد بن أبي حميد، به. ورجال إسناده ثقات.\nالثالث: أخرجه ابن حبان في صحيحه (٧/ ٢٣٢)، من طريق يحيى بن أيوب، عن حميد، به.\nالرابع: أخرجه الطبراني في الدعاء (١/ ٤٢٣)، من طريق الليث، عن حميد، به.\n(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ١٣٣)، وطرح التثريب، للعراقي (٣/ ٢٥٦).\n(٢) أخرجه من حديث ابن عباس: الإمام أحمد في مسنده (١/ ٣٦٨)، والترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (٣٢٣٣)، وصححه الألباني في إرواء الغليل (٣/ ١٤٧).\n(٣) انظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ١٣٣)، وشرح السنة، للبغوي (٣/ ١٩٧)، وإكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ١٧٩)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (٣/ ٢٨٣)، والتذكرة، للقرطبي، ص (١١).\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (١٥٧).\n(٥) انظر: المحرر الوجيز، لابن عطية (٣/ ٢٨٤)، وطرح التثريب، للعراقي (٣/ ٢٥٦)، وفتح الباري، لابن حجر (١٣/ ٨١).\n(٦) نسبه للجمهور: القرطبي في تفسيره (٩/ ١٧٦)، والشوكاني في فتح القدير (٣/ ٨١).","vol":"1","page":278},{"text":"توجيه الآيات ودفع التعارض بينها وبين الأحاديث، وقالوا في توجيه الآيات:\nإنَّ يوسف ﵇ إنما دعا ربَّه أنْ يتوفاه مسلمًا عند حضور أجله، ولم يَسْأل الموت مُنَجَّزًا، وهذا الذي فَعَلَه يوسف ﵇ لا محذور فيه، ولا يُعارض الأحاديث التي فيها النهي عن تَمَنِّيَ الموت والدعاء به؛ فإنَّ كلَّ أحدٍ يسأل ربَّه أنْ يتوفاه على الإسلام. (١)\nقالوا: ولو سلَّمنا بأَنَّ يوسف ﵇ دعا بالموت منجزًا؛ فإنَّ هذا لا يُعارض الأحاديث؛ لأنَّ فِعْلَه هذا ليس من شرعنا، وإنما من شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا إنما يُؤخذ به إذا لم يَرِدْ في شرعنا ما يُخالفه. (٢)\nوأمَّا مريم ﵍ فإنما تمنَّت الموت لوجهين:\nأحدهما: أَنَّها خافت أنْ يُظنَّ بها السوء في دينها وتُعَيَّر، فيَفْتِنها ذلك. (٣)\nالثاني: لئلا يقع قومٌ بسببها في البُهتان والزُّور، والنِّسبة إلى الزِّنا، وذلك مُهلِكٌ لهم. (٤)\n_________\n(١) انظر: الناسخ والمنسوخ، للنحاس (٢/ ٤٥٧)، والمحلى، لابن حزم (٣/ ٣٩٦)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (٣/ ٢٨٣)، وزاد المسير، لابن الجوزي (٤/ ٢٥٥)، وتفسير القرطبي (٩/ ١٧٦)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (٥/ ٣٤٣)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٥١٠)، وطرح التثريب، للعراقي (٣/ ٢٥٤)، وعمدة القاري، للعيني (٢١/ ٢٢٦)، وتفسير الثعالبي (٢/ ٢٥٩)، وروح المعاني، للآلوسي (١٣/ ٨٠)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (٦/ ٢٢٢).\n(٢) انظر: تفسير القرطبي (٩/ ١٧٦)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٥١٠)، وطرح التثريب، للعراقي (٣/ ٢٥٤)، وفتح الباري، لابن حجر (١٠/ ١٣٦).\n(٣) ذكر هذا الوجه: البغوي في تفسيره (٣/ ١٩٢)، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" (٤/ ١٠)، والقرطبي في تفسيره (١١/ ٦٣)، وابن جزي في \"التسهيل\" (١/ ٤٧٩)، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" (٦/ ١٧٢)، والحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ٥١٠)، (٣/ ١٢٣)، والحافظ أبو زرعة العراقي في \"طرح التثريب\"\n(٣/ ٢٥٧)، والشوكاني في \"فتح القدير\" (٣/ ٤٦٩)، والآلوسي في \"روح المعاني\" (١٥/ ٥٣٢)، والقاسمي في \"محاسن التأويل\" (٧/ ٩١)، والشنقيطي في \"أضواء البيان\" (٤/ ٢٤١).\n(٤) ذكر هذا الوجه: الجصاص في أحكام القرآن (٣/ ٢٨٤)، والقرطبي في تفسيره (١١/ ٦٣)، والشوكاني في فتح القدير (٣/ ٤٦٩)، والآلوسي في روح المعاني (١٥/ ٥٣٢).","vol":"1","page":279},{"text":"قالوا: وهذان الوجهان لا مانع من تَمَنِّيَ الموت بسببهما؛ لأنَّهما من الفتنة في الدِّين، وقد تقدم أَنَّ تَمَنِّيَ الموت والحالة هذه لا مانع منه، ولا يُخالف أحاديث النهي.\nالثاني: مسلك الترجيح بين الآيات والأحاديث:\nولأصحاب هذا المسلك مذهبان:\nالأول: أَنَّ النهي في الأحاديث منسوخٌ بالآيات، وبقول النبي - ﷺ - لما حضرته الوفاة: \"اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى\" (١).\nحكى هذا القول ابن بطال ولم يَنْسُبه لأحد. (٢)\nوتعقبه: بأَنَّ الأمر ليس كذلك؛ لأنَّ هؤلاء إنما سألوا ما قارب الموت، ولا مانع من ذلك. (٣)\nكما أن أحاديث النهي قد جاء فيها ما يفيد جواز الدعاء عند حضور الأجل، وذلك في قوله - ﷺ -: \"وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ\" (٤)، فظاهر هذه الرواية جواز الدعاء عند حضور الأجل. (٥)\nالمذهب الثاني: أَنَّ الآيات منسوخة بالأحاديث.\nنقل هذا المذهب النحاس ورَدَّه. (٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nعند حكاية أقوال المفسرين - في تفسير آيتي يوسف ومريم ﵉ - يظهر أنَّ الجميع متفقٌ على أنَّ معنى الآيتين لا يُخالف أحاديث النهي عن تمني\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، حديث (٤٤٣٧).\n(٢) نقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح (١٠/ ١٣٥).\n(٣) انظر: المصدر السابق.\n(٤) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٥) انظر: طرح التثريب، للعراقي (٣/ ٢٥٤)، وفتح الباري، لابن حجر (١٠/ ١٣٥)، وعمدة القاري، للعيني (٢٣/ ٢٢٦).\n(٦) انظر: الناسخ والمنسوخ، للنحاس (٢/ ٤٧٤).","vol":"1","page":280},{"text":"الموت؛ ذلك أنَّ يوسفَ ﵇ سأل ربَّه الوفاة على الإسلام، وهذا لا محذور فيه، ومريم ﵍ خافت الفتنة في دينها فتمنت الموت، وهذا أيضًا لا محذور فيه، وكلا المعنيين المنقولين في تفسير الآيتين لا يُعارض أحاديث النهي عن تمني الموت.\nوما نقلته عن الجمهور في تفسير الآيتين يكاد يكون محل اتفاق بين المفسرين، لولا ما نُقِلَ عن ابن عباس - ﵁ - (١)، وقتادة (٢) أنهما قالا في تفسير آية يوسف: \"ما تمنى نبيٌّ قط الموتَ قبل يوسف\".\nوالحق أنَّ يوسف - ﵇ - لم يَتَمَنَّ، ولم يسأل الموت منجزًا، وسياق الآية واضح في هذا المعنى؛ وإنما سأل ربه الوفاة على الإسلام، واللحوق بالصالحين، وهذا لا محذور فيه، ولا يخالف أحاديث النهي.\nوأمَّا دعوى النسخ - إنْ للآيات وإنْ للأحاديث - فضعيفةٌ جدًا؛ لأنَّ النسخ إنما يُصار إليه عند تعذر الجمع، أو عند وجود دليل على النسخ، وكلا الأمرين معدومان، فدلَّ على بطلان دعوى النسخ، والله تعالى أعلم.\n\n****\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٧/ ٣٠٩)، من عدة طرق عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٧/ ٣٠٩).","vol":"1","page":281},{"text":"المسألة [١٨]: في مصير أهل الفَتْرَةِ (١)، ومن في حكمهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: ١٥]. (٢)\n_________\n(١) أهل الفَتْرَة: هم الأمم الكائنة بين أزمنة الرُّسل، الذين لم يُرسل إليهم الأول ولا أدركوا الثاني، كالأعراب الذين لم يُرسل إليهم عيسى ولا لحقوا النبي صلى الله عليهما وسلم، والفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كل رسولين، ولكن الفقهاء إذا تكلموا في الفترة فإنما يعنون التي بين عيسى والنبي صلى الله عليهما وسلم. انظر: إكمال إكمال المعلم، للأبي (١/ ٦١٧)، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٣/ ٤٠٨).\n(٢) ومن الآيات الواردة في المسألة: قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤» [طه: ١٣٤]، وقوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧» [القصص: ٤٦ - ٤٧]، وقوله تعالى: (ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ) [الأنعام: ١٣١]، وقوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣» [السجدة: ٣]، وقوله تعالى: (وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤» [سبأ: ٤٤]، وقوله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩» [القصص: ٥٩]، وقوله تعالى: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦» [يس: ٦]، وقوله تعالى: (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩» [الملك: ٨ - ٩]، وقوله تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ =","vol":"1","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآيات:</span>\n(٣٣) - (٢٦): عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -: \"أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: فِي النَّارِ. فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ فَقَالَ: إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ\". (١)\n_________\n= آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١» [الزمر: ٧١]، وقوله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠» [الأنعام: ١٣٠]، وقوله تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥» [النساء: ١٦٥]، وقوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩» [المائدة: ١٩].\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (٢٠٣)، من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، به.\nوقد رُويَ الحديث بلفظ آخر عن النبي - ﷺ -؛ حيث رواه سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، ﵄، ولم يذكرا قوله - ﷺ -: \"إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ\".\nأما حديث سعد: فأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١/ ١٤٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة، (١/ ١٣٩)، كلاهما من طريق علي بن عبد العزيز البغوي، عن محمد بن موسى بن أبي نعيم الواسطي، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: \"جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي كَانَ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَكَانَ وَكَانَ، فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي النَّارِ. قَالَ: فَكَأَنَّهُ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيْنَ أَبُوكَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ مُشْرِكٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ. قَالَ: فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ بَعْدُ وَقَالَ: لَقَدْ كَلَّفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعَبًا، مَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ كَافِرٍ إِلَّا بَشَّرْتُهُ بِالنَّارِ\".\nوالحديث من هذه الطريق رجال إسناده ثقات، عدا محمد بن أبي نعيم، وقد اختُلِف في توثيقه؛ فقال أبو حاتم: سألت يحيى بن معين عنه فقال: ليس بشيء. وقال الآجري: سُئِل أبو داود عنه فقال: سمعت ابن معين يقول: أكذب الناس. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أحمد بن سنان يقول: ابن أبي نعيم ثقة، صدوق. وقال أيضًا: سُئِل أبي عنه فقال: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات. انظر: الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٨/ ٨٣)، وتهذيب التهذيب، لابن حجر (٩/ ٤٢٤).\nوقد توبع ابن أبي نعيم في إسناد هذا الحديث؛ فرواه البزار في =","vol":"1","page":283},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= مسنده (٣/ ٢٩٩)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (١/ ٥٤٦)، ومن طريق ابن السني: المقدسي في الأحاديث المختارة (٣/ ٢٠٢)، جميعهم من طريق زيد بن أخزم، عن يزيد بن هارون، عن إبراهيم بن سعد، به.\nوزيد بن أخزم ثقة حافظ، وكذا شيخه يزيد بن هارون، فهي متابعة قوية لابن أبي نعيم الواسطي. وانظر - في توثيق زيد بن أخزم وشيخه ـ: تقريب التهذيب، لابن حجر (١/ ٢٦٦) و(٢/ ٣٨١).\nورواه البزار في مسنده (٣/ ٢٩٩)، من طريق محمد بن عثمان بن مخلد، عن يزيد بن هارون، به. وهذه تقوي رواية زيد بن أخزم.\nوثَمَّة متابعة أخرى لمحمد بن أبي نعيم، حيث رواه البيهقي في دلائل النبوة (١/ ١٩١)، من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين، عن إبراهيم بن سعد، به. والفضل بن دكين ثقة ثبت، كما في التقريب\n(٢/ ١١٦).\nورواه عبد الرزاق في المصنف (١٠/ ٤٥٤)، عن معمر، عن الزهري، مرسلًا.\nقال ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٢٥٦) وقد سأل أباه عن هذا الحديث فقال: \"كذا رواه يزيد، وابن أبي نعيم، ولا أعلم أحدًا يجاوز به الزهري غيرهما، إنما يروونه عن الزهري قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ، والمرسل أشبه\". اهـ\nوسُئِلَ الدارقطني عنه فقال: \"يرويه محمد بن أبي نعيم، والوليد بن عطاء بن الأغر، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد، وغيره يرويه عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري مرسلًا، وهو الصواب\". اهـ من العلل للدارقطني (٤/ ٣٣٤).\nقلت: لكن روايته من وجه آخر متصل يقوي هذه الرواية المرسلة، وهو صحيح من تلك الطرق المتصلة، وقد صححه الألباني من تلك الطرق في السلسلة الصحيحة (١/ ٥٥).\nوأما حديث عبد الله بن عمر: فرواه ابن ماجة في سننه في كتاب الجنائز، حديث (١٥٧٣) قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن البختري الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ... \"، فذكره بمثله سواء.\nوالحديث من هذه الطريق ظاهر إسناده الصحة، ولذلك قال البوصيري في مصباح الزجاجه (٢/ ٤٣): \"إسناده صحيح، رجاله ثقات، محمد بن إسماعيل وثقه ابن حبان، والدارقطني، والذهبي، وباقي رجال الإسناد على شرط الشيخين\". اهـ\nإلا أَنَّ الألباني يرى أَنَّ محمد بن إسماعيل قد أخطأ في إسناد هذا الحديث، حيث قال في \"السلسلة الصحيحة\" (١/ ٥٦): \"لكن قال الذهبي فيه - يعني محمد بن إسماعيل ـ: لكنه غلط غلطة ضخمة. ثم ساق له حديثًا صحيحًا زاد فيه الرمي عن النساء، وهي زيادة منكرة، وقد رواه غيره من الثقات فلم يذكروا فيه هذه الزيادة. وأقره الحافظ ابن حجر على ذلك.\nقال الألباني: فالظاهر أنه أخطأ في إسناد هذا الحديث أيضًا، فقال فيه: عن سالم، عن أبيه، والصواب عن عامر بن سعد، عن أبيه، كما في رواية ابن أخزم وغيره\". اهـ\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١١٧ - ١١٨) - بعد أن ساقه من حديث سعد ـ: =","vol":"1","page":284},{"text":"(٣٤) - (٢٧): وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: \"زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ؛ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ\". (١)\n_________\n= \"رواه البزار، والطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح\". اهـ\nوقد جاء عن عمران بن حصين - ﵁ - ما يشهد لحديث أنس عند مسلم، والذي فيه قول النبي - ﷺ -: \"إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ\".\nفأخرج الطحاوي في مشكل الآثار (٦/ ٣٥٠)، والطبراني في المعجم الكبير (٤/ ٢٧) و(١٨/ ٢٢٠)، وابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة (١/ ٤٠١)، جميعهم من طريق داود بن أبي هند، عن العباس بن عبد الرحمن بن ربيعة بن الحارث، عن عمران بن حصين - ﵁ - قال: \"جاء حصينٌ إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت رجلًا كان يصل الرحم، ويقري الضيف، مات هو وأبوك قبل أن يدركك؟ فقال رسول الله ﷺ: إنَّ أبي وأباك وأنت في النار. قال: فما مضت عشرون ليلة حتى مات حصينٌ مشركًا\".\nوالحديث في إسناده العباس بن عبد الرحمن، وهو مولى بني هاشم، لا يُعرف إلا برواية داود عنه، كما في التاريخ الكبير، للبخاري (٣/ ٤٥٤)، والجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٣/ ١٩٨)، حيث أورداه في كتابيهما ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، فهو مجهول.\nوقد حكم بجهالته الألباني في السلسلة الصحيحة (٦/ ١٧٨)، ونبه على سهوٍ وقع من الحافظ ابن حجر عند ترجمته للعباس فقال: \"وقول الحافظ في التقريب: \"مستور\"، سهو منه؛ لأنه بمعنى: مجهول الحال، وذلك لأنه نص في المقدمة أَنَّ هذه المرتبة إنما هي في من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق\". اهـ\nوالحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١١٧) وقال: \"رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح\". اهـ\nوتعقبه الألباني فقال: \"هذا ذهول منه، وذلك لأن العباس هذا لم يخرج له الشيخان، ولا بقية الستة، وإنما أخرج له أبو داود في المراسيل، وفي القدر\". اهـ\nوقد رُويَ من وجه آخر عن عمران بن حصين، فرواه ابن خزيمة في التوحيد (١/ ٢٧٧) فقال: حدثنا رجاء بن محمد العذري، قال: ثنا عمران بن خالد بن طليق بن محمد بن عمران بن حصين، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، فذكره بنحوه.\nورواه الذهبي في العلو (١/ ٢٤)، من طريق رجاء، به.\nوالحديث في إسناده خالد بن طليق، قال الدارقطني: ليس بالقوي، وقال ابن أبي حاتم: كان قاضي البصرة، روى عن الحسن، وأبيه طليق، وعنه ابنه عمران، وسهل بن هاشم. ولم يذكر فيه جرحًا، وقال الساجي: صدوق يهم، وذكره ابن حبان في الثقات. انظر: لسان الميزان، لابن حجر (٢/ ٣٧٩). وسيأتي مزيدُ نقاشٍ لحديث أنس عند ذِكْرِ مذاهب العلماء في مصير والدي النبي - ﷺ -.\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (٩٧٦).","vol":"1","page":285},{"text":"(٣٥) - (٢٨): وَعَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ - ﵁ - قَالَ: \"كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَهُ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفِ رَاكِبٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَفَدَاهُ بِالْأَبِ وَالْأُمِّ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ؟ قَالَ: إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي ﷿ فِي الِاسْتِغْفَارِ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَدَمَعَتْ عَيْنَايَ رَحْمَةً لَهَا مِنْ النَّارِ\". (١)\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٣٥٥)، قال: حدثنا حسن بن موسى، وأحمد بن عبد الملك، قالا: حدثنا زهير، قال أحمد بن عبد الملك في حديثه: حدثنا زبيد بن الحارث اليامي، عن محارب بن دثار، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، به.\nوأخرجه ابن حبان في صحيحه (١٢/ ٢١٢)، وأبو عوانة في مسنده (٥/ ٨٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٧٦)، جميعهم من طريق عبد الرحمن بن عمرو البجلي، عن زهير بن معاوية، به.\nوالحديث عند أحمد رجاله رجال الصحيح، كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١١٦)؛ إلا أن قوله في الحديث: \"فَدَمَعَتْ عَيْنَايَ رَحْمَةً لَهَا مِنْ النَّارِ\" لم تأتِ إلا من هذه الطريق.\n\nفقد رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٣٥٩)، قال: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا خلف - يعني ابن خليفة، عن أبي جناب، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزَا غَزْوَةَ الْفَتْحِ فَخَرَجَ يَمْشِي إِلَى الْقُبُورِ حَتَّى إِذَا أَتَى إِلَى أَدْنَاهَا جَلَسَ إِلَيْهِ كَأَنَّهُ يُكَلِّمُ إِنْسَانًا جَالِسًا يَبْكِي قَالَ: فَاسْتَقْبَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي ﷿ أَنْ يَأْذَنَ لِي فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّ مُحَمَّدٍ فَأَذِنَ لِي، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَأْذَنَ لِي فَأَسْتَغْفِرُ لَهَا فَأَبَى .... \".\nوالحديث بهذا الإسناد ضعيف؛ من أجل أبي جناب، وهو يحيى بن أبي حية الكلبي، ضعفه ابن سعد، ويحيى القطان، وابن معين، والدارمي، والعجلي، وكان كثير التدليس. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (١١/ ١٧٧).\nورواه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٣٥٦)، قال: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا أيوب بن جابر، عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: \"خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِوَدَّانَ قَالَ: مَكَانَكُمْ حَتَّى آتِيَكُمْ، فَانْطَلَقَ ثُمَّ جَاءَنَا وَهُوَ سَقِيمٌ فَقَالَ: إِنِّي أَتَيْتُ قَبْرَ أُمِّ مُحَمَّدٍ فَسَأَلْتُ رَبِّي الشَّفَاعَةَ فَمَنَعَنِيهَا .... \".\nوالحديث بهذا الإسناد ضعيف أيضًا؛ من أجل أيوب بن جابر، فإنه ضعيف كما في التقريب (١/ ٨٩).\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٢٩)، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: \"لما فتح رسول الله ﷺ مكة أتى حرم قبر فجلس إليه فجعل كهيئة المخاطب، وجلس الناس حوله، فقام وهو يبكي، فتلقاه عمر وكان من أجرأ الناس عليه فقال: بأبي أنت =","vol":"1","page":286},{"text":"(٣٦) - (٢٩): وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ - ﵁ - قَالَ: \"قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيْنَ أُمِّي؟ قَالَ: أُمُّكَ فِي النَّارِ. قَالَ قُلْتُ: فَأَيْنَ مَنْ مَضَى مِنْ أَهْلِكَ؟ قَالَ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ أُمُّكَ مَعَ أُمِّي\". (١)\n(٣٧) - (٣٠): وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: \"جَاءَ ابْنَا مُلَيْكَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَا: إِنَّ أُمَّنَا كَانَتْ تُكْرِمُ الزَّوْجَ، وَتَعْطِفُ عَلَى الْوَلَدِ، قَالَ: وَذَكَرَ الضَّيْفَ، غَيْرَ أَنَّهَا كَانَتْ وَأَدَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. قَالَ: أُمُّكُمَا فِي النَّارِ. فَأَدْبَرَا وَالشَّرُّ يُرَى\n_________\n= وأمي يا رسول الله، ما الذي أبكاك؟ قال: هذا قبر أمي، سألت ربي الزيارة فأذن لي، وسألته الاستغفار فلم يأذن لي، فذكرتها فذرفت نفسي فبكيت. قال: فلم يُرَ يومًا كان أكثر باكيًا منه يومئذ\".\nقال الألباني في إرواء الغليل (٣/ ٢٢٥): \"سنده صحيح على شرط مسلم، إلا الأسدي، وهو ثقة، كما قال ابن معين، وأبو داود وغيرهما\". اهـ\nقلت: قد توبع الأسدي؛ فرواه أبو زيد النميري في أخبار المدينة (١/ ٧٨)، قال: حدثنا قبيصة بن عقبة، قال: حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، بمثله سواء.\nوبهذا يتبين أن قوله في الحديث: \"فَدَمَعَتْ عَيْنَايَ رَحْمَةً لَهَا مِنْ النَّارِ\" زيادة شاذة لا تثبت في الحديث، ويقوي شذوذها ما تقدم في حديث أبي هريرة المخرج في صحيح مسلم؛ فإن فيه ذكر القصة بتمامها دون ذكر هذه الزيادة.\n(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ١١)، قال: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عُدُس، عن أبي رزين، به.\nوأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٨٩)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٠٨)، كلاهما من طريق محمد بن جعفر، به.\nوأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (١/ ١٤٧)، عن شعبة، به.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١١٦): \"رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجاله ثقات\". اهـ\nقلت: الحديث رجال إسناده ثقات، غير وكيع بن عُدُس، ويقال: حُدُس، بالحاء بدل العين، أبو مصعب العقيلي، الطائفي، وثقه ابن حبان في مشاهير علماء الأمصار (١/ ١٢٤)، وذكره في الثقات له\n(٥/ ٤٩٦)، وقال الحافظ ابن حجر في التقريب (٢/ ٣٣٨): \"مقبول\"، وأما الحافظ الذهبي فقد اختلفت عبارته فيه، فأشار إلى توثيقه في الكاشف (٢/ ٣٥٠)، وقال في الميزان (٧/ ١٢٦): \"لا يُعرف\".\nوقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٦١٧): \"لا تُعرف له حال، ولا يُعرف روى عنه إلا يعلى بن عطاء\".\nقلت: وهذا الاختلاف في توثيقه موجب للتوقف في روايته إلا أن تأتي من طريق أخرى تتقوى بها.","vol":"1","page":287},{"text":"فِي وُجُوهِهِمَا، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُدَّا، فَرَجَعَا وَالسُّرُورُ يُرَى فِي وُجُوهِهِمَا، رَجِيَا أَنْ يَكُونَ قَدْ حَدَثَ شَيْءٌ، فَقَالَ: أُمِّي مَعَ أُمِّكُمَا ... \". (١)\n(٣٨) - (٣١): وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: \"رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ - يَعْنِي الْأَمْعَاءَ - فِي النَّارِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ (٢) \". (٣)\n(٣٩) - (٣٢): وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: \"قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: ابْنُ\nجُدْعَانَ (٤)، كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ\". (٥)\n(٤٠) - (٣٣): وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: \"انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ... \"، ثم ذكر أَنَّ النبي - ﷺ - خطب بعد صلاته للكسوف فقال:\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٣٩٨)، والبزار في مسنده (٤/ ٣٣٩)، والطبراني في الكبير\n(١٠/ ٨٠)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٣٨)، جميعهم من طريق عثمان بن عمير، عن إبراهيم بن يزيد، عن علقمة والأسود، عن ابن مسعود، به.\nوأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٣/ ٨٢)، وفي الكبير (١٠/ ٨١)، والحاكم في المستدرك\n(٢/ ٣٩٦)، كلاهما من طريق عثمان بن عمير، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، به.\nوالحديث صححه الحاكم على شرط الشيخين، إلا أنه معلول بعثمان بن عمير، وقد تعقب الذهبيُ الحاكمَ في تصحيحه له فقال: \"لا والله، فعثمان ضعفه الدارقطني، والباقون ثقات\". وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦٢): \"رواه أحمد والبزار والطبراني، وفي أسانيدهم كلهم عثمان بن عمير، وهو ضعيف\".\n(٢) تسييب السوائب: هو ما كانت العرب تفعله في الجاهلية، حيث كان الرجل منهم إذا نذر لقدومٍ من سفر أو بُرْءٍ من مرض أو غير ذلك قال: ناقتي سائبة. فلا تُمنع من ماء ولا مرعى، ولا تُحلَبُ ولا تُرْكَب، وكان الرجل إذا أعتق عبدًا فقال: وسائبة؛ فلا عَقْلَ بينهما ولا ميراث. وأصله من تسييب الدواب، وهو إرسالها تذهب وتجئ كيف شاءت. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير\n(٢/ ٤٣١).\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٢٧٥)، واللفظ له، والبخاري في صحيحه، في كتاب المناقب، حديث (٣٥٢١)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث (٢٨٥٦).\n(٤) هو: عَبْد اَللَّه بْن جُدْعَان بْن عَمْرو بْن كَعْبِ بْن سَعْد بْن تَيْم بْن مُرَّة، سيد بني تيم، وهو ابن عم والد أبي بكر الصديق ﵁، وكان من الكرماء الأجواد في الجاهلية، المطعمين للمسنتين. انظر: البداية والنهاية، لابن كثير (٢/ ٢٠٢).\n(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (٢١٤).","vol":"1","page":288},{"text":"\"مَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ، لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ - وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا - وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ (١) يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ؛ فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي، وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ\". (٢)\n(٤١) - (٣٤): وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵁ -، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: \"أَنَّهُ رَأَى فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ فَقَالَ لَهَا: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ قَالَت: ْ أَقْبَلْتُ مِنْ وَرَاءِ جَنَازَةِ هَذَا الرَّجُلِ. قَالَ: فَهَلْ بَلَغْتِ مَعَهُمْ الْكُدَى (٣)؟ قَالَتْ: لَا، وَكَيْفَ أَبْلُغُهَا وَقَدْ سَمِعْتُ مِنْكَ مَا سَمِعْتُ؟ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ بَلَغْتِ مَعَهُمْ الْكُدَى مَا رَأَيْتِ الْجَنَّةَ حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ\". (٤)\n_________\n(١) المحجن: هي العصى المعوجة الرأس. انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (١/ ١٨٢)، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (١/ ٣٤٧).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الكسوف، حديث (٩٠٤).\n(٣) الْكُدَى: جمع كُدْيَة، وهي القطعة الصلبة من الأرض تحفر فيها القبور، وقوله - ﷺ -: \"لعلك بلغت معهم الكدى\" أراد المقابر؛ وذلك لأن مقابرهم كانت في مواضع صلبة من الأرض. انظر: غريب الحديث، لأبي عبيد (١/ ٣٨٤)، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٤/ ١٥٦).\n(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ١٦٩)، والنسائي في السنن الصغرى، في كتاب الجنائز، حديث\n(١٨٨٠)، وفي الكبرى (١/ ٦١٦)، وابن حبان في صحيحه (٧/ ٤٥٠)، والبزار في مسنده (٦/ ٤١٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٦٠، ٧٧)، وأبو يعلى في مسنده (١٢/ ١١٣)، جميعهم من طريق ربيعة بن سيف المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، به.\nولفظه عند ابن حبان: \"حتى يراها جدك أبو أبيك\"، وعند أبي يعلى: \"حتى يراها جدك أبو أمك، أو أبو أبيك\"، وعزا الشك لأبي يحيى راويه عن ربيعة.\nوالحديث صححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وحسن إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ١٩٠)، وابن القطان، كما في تحفة المحتاج، للوادياشي (١/ ٦١٧).\nوالصواب ضعف الحديث؛ لأن في إسناده ربيعة بن سيف المعافري، قال البخاري وابن يونس: عنده مناكير. وقال الدارقطني: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال في السنن الصغرى: ضعيف. وقال الترمذي: لا نعرف لربيعة سماعًا من عبد الله. وضعفه الحافظ عبد الحق الأزدي وقال: هو ضعيف الحديث عنده مناكير. وقال ابن حبان: لا يتابع ...، في حديثه مناكير. انظر: ميزان الاعتدال، للذهبي (٣/ ٦٧)، وتهذيب التهذيب، لابن حجر (٣/ ٢٢١).\nوممن ضعف الحديث:","vol":"1","page":289},{"text":"(٤٢) - (٣٥): وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: \"دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ حَائِطًا مِنْ حِيطَانِ بَنِي النَّجَّارِ فَسَمِعَ صَوْتًا مِنْ قَبْرٍ فَسَأَلَ عَنْهُ مَتَى دُفِنَ هَذَا؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دُفِنَ هَذَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ وَقَالَ: لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ ﷿ أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ\". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والأحاديث:</span>\nظاهر الآيات الكريمة أَنَّ الله جل وعلا لا يُعذِّبُ أحدًا من خلقه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، حتى يبعث إليه رسولًا يُنذِرُه ويُحَذِّرُه، فيعصي ذلك الرسولَ ويتمادى في الكفر حتى يوافي الله على ذلك (٢)، وهذا الظاهر يَشمل أهل الجاهلية الذين كانوا قبل بعثة النبي - ﷺ -، فإنَّ الآيات قد صرحت بأنهم لم يُنذروا (٣)، ولم\n_________\n= النسائي في الصغرى بعد روايته للحديث، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٩٠٣) حيث قال: \"هذا حديث لا يثبت\"، وأورده من طريقٍ فيها متابعة لربيعة بن سيف، وهو شرحبيل بن شريك، وقال: \"في إسناده مجاهيل\". وممن ضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٢١٥)، وانظر: مسند الإمام أحمد، بإشراف الدكتور/ عبد الله بن عبد المحسن التركي (١١/ ١٣٧ - ١٣٨).\n(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ١٠٣)، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس، به.\nوإسناده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه النسائي في سننه، في كتاب الجنائز، حديث (٢٠٥٨)، وابن حبان في صحيحه (٧/ ٣٩٦)، وأبو يعلى في مسنده (٦/ ٣٨٤)، من طرق عن حميد بهذا الإسناد.\nوله شاهد من حديث زيد بن ثابت، أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث (٢٨٦٧)، عن زيد بن ثابت قال: \"بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ، وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ، فَقَالَ: مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا. قَالَ: فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: مَاتُوا فِي الْإِشْرَاكِ. فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ\".\n(٢) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (٣/ ٤٧١).\n(٣) حيث قال تعالى: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦» [يس: ٦].","vol":"1","page":290},{"text":"يُبعث فيهم رسول (١)، وأما الأحاديث فظاهرها تَعذيب من مات قبل بعثة النبي - ﷺ -، وهم أهل الفترة، وهذا يُوهِمُ مُعارضة الآيات. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والأحاديث:</span>\nللعلماء في دفع التعارض بين الآيات والأحاديث ثلاثة مسالك:\nالأول: مسلك إعمال الآيات دون الأحاديث.\nويرى أصحاب هذا المسلك أَنَّ أهل الفترة ناجون مُطلقًا، وأنه لا عذاب عليهم في الآخرة.\nوعلى هذا المسلك عامةُ الأشاعرة من أهل الكلام والأصول، والشافعيةِ من الفقهاء، كما حكاه السيوطي، وغيره. (٣)\nوبه قال: أبو حامدٍ الغزالي، وأبو العباس القرطبي، وأبو عبد الله القرطبي، وتاج الدين السُّبكي (٤)، ومحمد بن خليفة الأُبيّ، وشرف الدين المناوي (٥). (٦)\n_________\n(١) حيث قال تعالى: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) [السجدة: ٣].\n(٢) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: طريق الهجرتين، لابن القيم، ص (٥٨٨)، وتفسير ابن كثير\n(٣/ ٣٣)، والبداية والنهاية، لابن كثير (٢/ ٢٦١)، وإكمال إكمال المعلم، للأبي (١/ ٦١٨)، وفيض القدير، للمناوي (٤/ ١٠)، ورفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار، للصنعاني، بتحقيق الألباني، ص (١١٤).\n(٣) انظر: مسالك الحنفا في والدي المصطفى (٢/ ٣٥٣)، وشرح سنن ابن ماجة (١/ ١١٣)، كلاهما للسيوطي، وكشف الخفاء، للعجلوني (١/ ٦٢).\n(٤) هو: عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، أبو نصر: قاضي القضاة، المؤرخ، الباحث، ولد في القاهرة، وانتقل إلى دمشق مع والده، فسكنها وتوفي بها. نسبته إلى سبك (من أعمال المنوفية بمصر) وكان طلق اللسان، قوي الحجة، انتهى إليه قضاء القضاة في الشام، من تصانيفه (طبقات الشافعية الكبرى)، و(جمع الجوامع)، في أصول الفقه، توفي سنة (٧٧١هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٤/ ١٨٤).\n(٥) هو: يحيى بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، أبو زكريا، شرف الدين ابن سعد الدين الحدادي المناوي: فقيه شافعي، من أهل القاهرة، منشأه ووفاته بها، أصله من منية بني خصيب (في الصعيد) ونسبته إليها. ولي قضاء الديار المصرية، وحمدت سيرته، وصنف كتبًا منها: (شرح مختصر المزني)، وله نظم ونثر، وهو جد المحقق المناوي (محمد عبد الرؤوف)، توفي سنة (٨٧١هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٨/ ١٦٧).\n(٦) انظر على الترتيب: روح المعاني، للآلوسي (١٥/ ٥٦)، وفيه النقل عن الغزالي، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (١/ ٣٦٨)، وتفسير القرطبي (١٠/ ١٥٢)، ورفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، للسبكي (١/ ٤٧٧)، وإكمال إكمال المعلم، للأبي (١/ ٦٢١)، ومسالك الحنفا في والدي المصطفى (٢/ ٣٥٤) وشرح سنن النسائي (٤/ ٢٨)، كلاهما للسيوطي، وفيهما النقل عن المناوي.","vol":"1","page":291},{"text":"وقال به من المعاصرين: عبد الرحمن الجُزيري (١)، ومحمد الغزالي (٢)، ويوسف القرضاوي. (٣)\nأدلة هذا المسلك:\nمن أقوى ما استدل به أصحاب هذا المسلك قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: ١٥].\nوهذه الآية صريحة بأنَّ الله تعالى لا يُعذِّبُ أحدًا من خلقه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، حتى يبعث إليه رسولًا ينذره ويحذره، فيعصي ذلك الرسولَ ويتمادى في كفره حتى يموت.\nوقد حكى السيوطي إطباق أئمة السنة على الاستدلال بالآية في أنه لا تعذيب قبل البعثة. (٤)\nوهذا المعنى الوارد في الآية قد أوضحه الله جل وعلا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥» [النساء: ١٦٥]، فصَرَّح في هذه الآية الكريمة بأنْ لا بُدّ أنْ يقطع حُجة كلِّ أحدٍ بإرسال الرسل، مُبشرين من أطاعهم بالجنة، ومُنذرين من عصاهم النار، وهذه الحجة - التي أوضح هنا قطعها بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين - بيَّنها في آخر سورة طه بقوله: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤» [طه: ١٣٤]، وأشار لها في سورة القصص بقوله: (وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧» [القصص: ٤٧]، وقوله جل وعلا: (ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١» [الأنعام: ١٣١]، وقوله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ\n_________\n(١) الفقه على المذاهب الأربعة، للجزيري (٤/ ١٧٤).\n(٢) هموم داعية، ص (٢١ - ٢٢)، ودستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، ص (٢٣ - ٢٤)، كلاهما للغزالي.\n(٣) كيف نتعامل مع السنة النبوية، للقرضاوي، ص (٩٧).\n(٤) مسالك الحنفا في والدي المصطفى، للسيوطي (٢/ ٣٥٥).","vol":"1","page":292},{"text":"بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩» [المائدة: ١٩]، وكقوله: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ) [الأنعام: ١٥٥ - ١٥٧]، إلى غير ذلك من الآيات.\nويُوضِحُ ما دلت عليه هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم - من أَنَّ الله جل وعلا لا يُعذب أحدًا إلا بعد الإنذار والإعذار على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام - تصريحه جل وعلا في آيات كثيرة بأنه لم يُدخِل أحدًا النار إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل، فمن ذلك قوله جل وعلا: (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩» [الملك: ٨ - ٩]، فقوله: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ) يَعُمُّ جميع الأفواج المُلْقين في النار، ومن ذلك قوله جل وعلا: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١» [الزمر: ٧١]، فقوله: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا)، عامٌ في جميع الكفار، وهو ظاهرٌ في أَنَّ جميع أهل النار قد أنذرتهم الرسل في دار الدنيا فعصوا أمر ربهم كما هو واضح، ونظيره أيضًا قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠» [غافر: ٤٩ - ٥٠]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أَنَّ جميع أهل النار أنذرتهم الرسل في دار الدنيا.\nوهذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن تدل على عذر أهل الفترة، وأنه لا عذاب عليهم في الآخرة، وإنْ كانوا ماتوا على الشرك؛ لأنهم لم يأتهم رسلٌ ينذرونهم في الدنيا فتقوم عليهم الحجة. (١)\nومن الأدلة التي استدل بها أصحاب هذا المسلك في عذر أهل الفترة:\n_________\n(١) انظر هذه الأدلة في: أضواء البيان، للشنقيطي (٣/ ٤٧١ - ٤٧٤).","vol":"1","page":293},{"text":"حديث أبي هريرة - ﵁ - أَنَّ النبي - ﷺ - قال: \"وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ\". (١)\nقال أبو العباس القرطبي: \"فيه دليلٌ على أَنَّ من لم تبلغه دعوة رسول الله - ﷺ - ولا أمره لا عقاب عليه ولا مؤاخذه، وهذا كما قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: ١٥]، ومن لم تبلغه دعوة الرسول ولا معجزته فكأنه لم يُبعث إليه رسول\". اهـ (٢)\nوسيأتي ذكر أجوبة أصحاب هذا المسلك عن الأحاديث الواردة في المسألة - التي تُفيد بظاهرها تعذيب أهل الفترة - وذلك عند ذكر أجوبة أصحاب المسلك الثالث، إن شاء الله تعالى.\nالمسلك الثاني: مسلك إعمال الأحاديث دون الآيات.\nويرى أصحاب هذا المسلك أَنَّ أهل الفترة في النار، وأنهم يُعذبون بسبب شركهم.\nوعلى هذا المسلك الإمام أبو حنيفة. (٣)\nوحكى القرافي في شرح تنقيح الفصول الإجماع عليه فقال: \"انعقد الإجماع على أَنَّ موتى الجاهلية في النار، يُعذبون على كفرهم\". اهـ (٤)\nوحكاه الآلوسي عن أبي منصور الماتريدي (٥)، ومُتَّبِعيه. (٦)\nوبه قال: النووي، وابن عطية، والحليمي، والفخر الرازي، والخازن، ومحمد بن إسماعيل الصنعاني، والآلوسي، وابن عاشور (٧).\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٥٣).\n(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (١/ ٣٦٨).\n(٣) انظر: أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول ﵇، لعلي القاري، ص (٦٢)،\nورد المحتار، لابن عابدين (٣/ ١٨٤).\n(٤) شرح تنقيح الفصول، للقرافي، ص (٢٣٣). وانظر: أضواء البيان، للشنقيطي (٣/ ٤٧٥).\n(٥) هو: محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي: من أئمة علماء الكلام. نسبته إلى ماتريد (محلة بسمرقند) من كتبه (التوحيد) و(أوهام المعتزلة) و(الرد على القرامطة) و(مآخذ الشرائع) في أصول الفقه، وكتاب (الجدل) و(تأويلات القرآن) و(تأويلات أهل السنة) و(شرح الفقه الأكبر) المنسوب للإمام أبي حنيفة. مات بسمرقند سنة (٣٣٣هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٧/ ١٩).\n(٦) انظر: روح المعاني، للآلوسي (١٥/ ٥٣).\n(٧) انظر على الترتيب: شرح صحيح مسلم، للنووي (٣/ ٩٧)، والمحرر الوجيز، =","vol":"1","page":294},{"text":"قال الحليمي: \"إنَّ العاقل المُميّز إذا سمع آيةَ دعوةٍ كانت إلى الله تعالى فترك الاستدلال بعقله على صحتها وهو من أهل الاستدلال والنظر كان بذلك مُعرضًا عن الدعوة فيكفر، ويبعد أنْ يوجد شخص لم يبلغه خبرُ أحدٍ من الرسل، على كثرتهم، وتطاول أزمان دعوتهم، ووفور عدد الذين آمنوا بهم واتبعوهم، والذين كفروا بهم وخالفوهم، فإنَّ الخبر قد يبلغ على لسان المخالف كما يبلغ على لسان الموافق ...، فلا تغتر بقول كثير من الناس بنجاة أهل الفترة مع إخبار النبي - ﷺ - بأنَّ آباءهم الذين مضوا في الجاهلية في النار\". اهـ (١)\nأدلة هذا المسلك (٢):\nاستدل أصحاب هذا المسلك بظواهر آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨» [النساء: ١٨]، وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١» [البقرة: ١٦١]، وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١» [آل عمران: ٩١]، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء: ٤٨]، وقوله: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) [الحج: ٣١]، وقوله: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ) [المائدة: ٧٢].\n_________\n= لابن عطية (٣/ ٤٤٤) و(٤/ ٧١ - ٧٢)، والمنهاج في شعب الإيمان، للحليمي (١/ ١٧٥)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٢٥/ ١٤٥ - ١٤٦)، ولباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن (٣/ ٤٠٢)، ورفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار، للصنعاني، بتحقيق الألباني، ص (١١٤)، وروح المعاني، للآلوسي (١٥/ ٥٥)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (١٥/ ٥٢).\n(١) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي (١/ ١٧٥). وانظر: روح المعاني، للآلوسي (١٥/ ٥٣ - ٥٤).\n(٢) انظر هذه الأدلة في: أضواء البيان، للشنقيطي (٣/ ٤٧٣ - ٤٧٤).","vol":"1","page":295},{"text":"وظاهر جميع هذه الآيات العموم؛ لأنها لم تُخصص كافرًا دون كافر، بل ظاهرها شمول جميع الكفار.\nواستدلوا: بالأحاديث الواردة في أبوي النبي - ﷺ -، وقد تقدمت في أول المسألة.\nواستدلوا: بأنَّ معرفة الله واجبة عقلًا، فلا عُذر بالفترة؛ لأنَّ الحجة قد قامت عليهم بما معهم من أدلة العقل الموصلة إلى معرفة الله وتوحيده. (١)\nوأجاب أصحاب هذا المسلك عن الآيات الواردة في المسألة من أربعة أوجه (٢):\nالأول: أَنَّ التعذيب المنفي في قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) وأمثالها من الآيات، إنما هو التعذيب الدنيوي، أي أَنَّ الله لا يُهلك أمة بعذاب في الدنيا إلا بعد الإعذار والإنذار إليهم، وهذا لا يُنافي التعذيب في الآخرة.\nوهذا الجواب حكاه الآلوسي عن أبي منصور الماتريدي. (٣)\nوأما تفسير الآية فقد حكاه مذهبًا للجمهور: أبو عبد الله القرطبي، وتبعه أبو حيان، والشوكاني. (٤)\nالوجه الثاني: أَنَّ محل العذر بالفترة - المنصوص في قوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ) وأمثالها - إنما هو في غير الواضح، وأما الواضح الذي لا يخفى على من عنده عقل، كعبادة الأوثان، فلا يُعذر فيه أحد؛ لأنَّ الكفار يُقِرُّون بأنَّ الله هو ربهم، الخالق الرازق النافع الضار، ويتحققون كل التحقق أَنَّ الأوثان لا تَقدر على جلب نفع، ولا على دفع ضر.\n_________\n(١) انظر: لباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن (٣/ ٤٠٢)، وروح المعاني، للآلوسي (١٥/ ٥٢)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (١٥/ ٥٢).\n(٢) انظر هذه الأوجه في: أضواء البيان، للشنقيطي (٣/ ٤٧٥ - ٤٧٦).\n(٣) انظر: روح المعاني، للآلوسي (١٥/ ٥٣).\n(٤) انظر على الترتيب: تفسير القرطبي (١٠/ ١٥٢)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (٦/ ١٥)، وفتح القدير، للشوكاني (٣/ ٣٠٧).","vol":"1","page":296},{"text":"الوجه الثالث: أَنَّ مشركي العرب قبل بعثة النبي - ﷺ - عندهم بَقيّة إنذارٍ مما جاءت به الرسل الذين أُرسلوا قبل نبينا - ﷺ -، كإبراهيم وغيره، وأنَّ الحجة قائمة عليهم بذلك.\nوهذا جواب: ابن عطية، والحليمي، والنووي، ومحمد بن إسماعيل الصنعاني. (١)\nقال ابن عطية: \"صاحب الفترة ليس ككافر قريش قبل النبي - ﷺ -، لأنَّ كفار قريش وغيرهم - ممن علم وسمع عن نبوةٍ ورسالةٍ في أقطار الأرض - ليس بصاحب فترة، والنبي - ﷺ - قد قال: \"أبي وأبوك في النار\" (٢)، ورأى عمرو بن لحي في النار (٣)، إلى غير هذا مما يطول ذكره، وأما صاحب الفترة فيفترض أنه آدمي لم يَطرأ عليه أَنَّ الله تعالى بعث رسولًا، ولا دعا إلى دين، وهذا قليل الوجود، اللهم إلا أن يُشذَّ في أطراف الأرض، والمواضع المنقطعة عن العمران\". اهـ (٤)\nوقال النووي: \"قوله - ﷺ -: \"إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ\"، فيه أَنَّ من مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين، وفيه أَنَّ من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذةٌ قبل بلوغ الدعوة؛ فإنَّ هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء، صلوات الله تعالى وسلامه عليهم\". اهـ (٥)\nالوجه الرابع: ما جاء من الأحاديث الصحيحة عن النبي - ﷺ - الدالة على أَنَّ بعض أهل الفترة في النار، وقد تقدمت.\nوأجاب القائلون بعذرهم بالفترة عن هذه الأوجه الأربعة (٦):\n\nفأجابوا عن الوجه الأول - وهو كون التعذيب في قوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ\n_________\n(١) انظر: المنهاج في شعب الإيمان، للحليمي (١/ ١٧٥)، ورفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار، للصنعاني، بتحقيق الألباني، ص (١١٤)، وسيأتي نقل قول ابن عطية، والنووي.\n(٢) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٣) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٤) المحرر الوجيز، لابن عطية (٤/ ٧٢).\n(٥) شرح صحيح مسلم، للنووي (٣/ ٩٧).\n(٦) ذكر هذه الأجوبة بأكملها الشنقيطي في أضواء البيان (٣/ ٤٧٧ - ٤٧٩).","vol":"1","page":297},{"text":"حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) إنما هو التعذيب الدنيوي دون الأخروي - من وجهين:\nالأول: أنه خلاف ظاهر القرآن؛ لأنَّ ظاهر القرآن انتفاء التعذيب مُطلقًا، فهو أعم من كونه في الدنيا، وصرف القرآن عن ظاهره ممنوع، إلا بدليل يجب الرجوع إليه.\nالوجه الثاني: أَنَّ القرآن دل في آيات كثيرة على شمول التعذيب المنفي في الآية للتعذيب في الآخرة، كقوله: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩» [الملك: ٨ - ٩]، وهو دليلٌ على أَنَّ جميع أفواج أهل النار ما عُذِّبوا في الآخرة إلا بعد إنذار الرسل.\nوأجابوا عن الوجه الثاني - وهو أَنَّ محل العذر بالفترة في غير الواضح الذي لا يخفى على أحد - بالجوابين المذكورين آنفًا نفسيهما؛ لأن الفرق بين الواضح وغيره مخالفٌ لظاهر القرآن، فلا بُد له من دليل يجب الرجوع إليه، ولأنَّ الله نَصَّ على أَنَّ أهل النار ما عُذِّبوا بها حتى كذَّبوا الرسل في دار الدنيا، بعد إنذارهم من ذلك الكفر الواضح.\nوأجابوا عن الوجه الثالث - وهو قيام الحجة عليهم بإنذار الرسل الذين أُرسلوا قبله - ﷺ - - بأنه قول باطلٌ بلا شك؛ لكثرة الآيات القرآنية المصرحة ببطلانه، لأنَّ مقتضاه أنهم أُنذِرُوا على ألسنة بعض الرسل، والقرآن ينفي هذا نفيًا باتًا في آيات كثيرة، كقوله: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦» [يس: ٦]، وكقوله: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) [القصص: ٤٦]، وكقوله: (وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤» [سبأ: ٤٤]، وكقوله: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) [السجدة: ٣]، إلى غير ذلك من الآيات.\nوأما قول النووي: \"من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة؛ فإنَّ هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره\"، فإنَّ قوله هذا فيه تناقض؛ لأنَّ من بلغتهم الدعوة فليسوا بأهل فترة، وقد أشار إلى ما في كلام النووي من","vol":"1","page":298},{"text":"التناقض الأُبيّ عند شرحه للحديث. (١)\nوأجابوا عن الوجه الرابع: بأنَّ تلك الأحاديث الواردة في المسألة أخبار آحاد يقدم عليها القاطع وهي الآيات الواردة في المسألة.\nوأجاب القائلون بالعذر بالفترة أيضًا عن الآيات التي استدل بها مخالفوهم - كقوله: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨» [النساء: ١٨]، إلى آخر ما تقدم من الآيات - بأنَّ محل ذلك فيما إذا أُرسلت إليهم الرسل فكذبوهم، بدليل قوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).\nوأجاب القائلون بتعذيب عبدة الأوثان من أهل الفترة عن قول مخالفيهم - إنَّ القاطع الذي هو قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)، يجب تقديمه على أخبار الآحاد الدالة على تعذيب بعض أهل الفترة، كحديثي مسلم في صحيحه المتقدمين - أجابوا: بأنَّ الآية عامة والحديثين كلاهما خاص في شخص مُعين، والمعروف في الأصول أنه لا يتعارض عام وخاص؛ لأنَّ الخاص يقضي على العام، كما هو مذهب الجمهور، فما أخرجه دليل خاص خرج من العموم، وما لم يخرجه دليلٌ خاص بقي داخلًا في العموم.\nوأجاب المانعون: بأنَّ هذا التخصيص يُبطل حِكْمَةَ العام؛ لأنَّ الله جل وعلا تَمَدَّحَ بكمال الإنصاف، وأنه لا يُعذِّبُ حتى يقطع حجة المُعَذَّب بإنذار الرسل في دار الدنيا، وأشار لأنَّ ذلك الإنصاف الكامل والإعذار الذي هو قطع العذر علة لعدم التعذيب، فلو عَذَّبَ إنسانًا واحدًا من غير إنذار لاختلت تلك الحكمة التي تَمَدَّحَ الله بها، ولثبتت لذلك الإنسان الحُجة التي أرسل الله الرسل لقطعها، كما بَيَّنَه بقوله: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: ١٦٥]، وقوله: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤» [طه: ١٣٤].\n_________\n(١) انظر: إكمال إكمال المعلم، للأبي (١/ ٦١٧).","vol":"1","page":299},{"text":"المسلك الثالث: مسلك الجمع بين الآيات والأحاديث.\nويرى أصحاب هذا المسلك أَنَّ أهل الفترة معذورون بالفترة في الدنيا، كما هو صريح الآيات، إلا أَنَّ الله يمتحنهم يوم القيامة بنارٍ يأمرهم باقتحامها، فمن اقتحمها دخل الجنة، وهو الذي كان يُصَدِّق الرسل لو جاءته في الدنيا، ومن امتنع دخل النار وعُذِّبَ فيها، وهو الذي كان يُكَذِّب الرسل لو جاءته في الدنيا؛ لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل. (١)\nوقد اختار هذا المسلك جمع من المحققين، كابن حزم، والبيهقي، وعبد الحق الإشبيلي (٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر، ومحمد الأمين الشنقيطي. (٣)\nوهو اختيار الشيخين الجليلين ابن باز، وابن عثيمين. (٤)\nوظاهر تقرير السيوطي لهذه المسألة يوحي باختياره لهذا المسلك. (٥)\nقال ابن حزم: \"وأما المجانين، ومن مات في الفترة ولم تبلغه دعوة نبي، ومن أدركه الإسلام وقد هَرَم، أو أصَمّ لا يسمع؛ فقد صح عن رسول الله - ﷺ - أنه تُبعث لهم يوم القيامة نارٌ موقدة، ويؤمرون بدخولها، فمن دخلها كانت عليه بردًا ودخل الجنة ...، ونحن نؤمن بهذا ونُقِرُّ به، ولا علم لنا إلا ما علمنا الله تعالى على لسان رسوله ﷺ\". اهـ (٦)\n_________\n(١) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (٣/ ٤٨١).\n(٢) هو: عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسين بن سعيد، الأزدي، الأندلسي، الإشبيلي، المعروف في زمانه بابن الخَرَّاط، كان فقيهًا، حافظًا، عالمًا بالحديث وعلله، عارفًا بالرجال، موصوفًا بالخير والصلاح والزهد والورع، ولزوم السنة، والتقلل من الدنيا، مشاركًا في الأدب، وقول الشعر، قد صنف في الأحكام نسختين: كبرى وصغرى، وعمل الجمع بين الصحيحين، بلا إسناد، على ترتيب مسلم وأتقنه وجوده، توفي ببجاية بعد محنة نالته من قبل الدولة سنة (٥٨١هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (٢١/ ١٩٨).\n(٣) انظر على الترتيب: الفصل في الملل والأهواء والنحل (٢/ ١٥٧، ٣٦٢)، والإحكام في أصول الأحكام (٥/ ١١٠)، كلاهما لابن حزم، والاعتقاد (١/ ١٧٠)، والقضاء والقدر، ص (٣٦٣)، كلاهما للبيهقي، والعاقبة في ذكر الموت، لعبد الحق الإشبيلي، ص (٣١٧)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية\n(١٤/ ٤٧٧)، وطريق الهجرتين، لابن القيم، ص (٥٨٧)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٣٣)، والبداية والنهاية، لابن كثير (٢/ ٢٦١، وفتح الباري، لابن حجر (٣/ ٢٩٠)، وأضواء البيان، للشنقيطي\n(٣/ ٤٨١).\n(٤) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز (٨/ ٩٧) و(٩/ ٤١، ٤٤٤)، وتفسير سورة يس،\nص (٢١)، ومجموع فتاوى ورسائل (٢/ ٤٨)، كلاهما لابن عثيمين.\n(٥) انظر: مسالك الحنفا في والدي المصطفى، للسيوطي (٢/ ٣٥٤).\n(٦) الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (٢/ ١٥٧).","vol":"1","page":300},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"من لم تبلغه الدعوة في الدنيا امتُحِنَ في الآخرة ...، ولا يُعذب الله بالنار أحدًا إلا بعد أنْ يبعث إليه رسولًا، فمن لم تبلغه دعوة رسول إليه، كالصغير والمجنون والميت في الفترة المحضة، فهذا يُمتحن في الآخرة، كما جاءت بذلك الآثار\". اهـ (١)\nأدلة هذا المسلك:\nللقائلين بهذا المسلك حجتان:\nالأولى: ما ورد من أحاديث عن رسول الله - ﷺ - بامتحان أهل الفترة في الآخرة، وهي مروية عن ستةٍ من أصحاب النبي - ﷺ -:\nالأول: عن الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ - ﵁ -، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"أَرْبَعَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، (يعني يُدْلُون على الله بحُجَّة) (٢)، رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ، وَرَجُلٌ هَرَمٌ (٣)، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ؛ فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ: رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ (٤)، وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ: رَبِّي لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ. فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ. قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا\" (٥).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٤/ ٤٧٧).\n(٢) الزيادة التي بين القوسين من كتاب الاعتقاد للبيهقي (١/ ١٦٩).\n(٣) الهرم: هو غاية الكِبَر، وهو أن يصل الإنسان إلى سن متقدمة في العمر. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٥/ ٢٦٠).\n(٤) الْبَعْر: جمع بعرة، وهو رجيع الخف والظلف، من الإبل والشاء وبقر الوحش والظباء. انظر: لسان العرب، لابن منظور (٤/ ٧١).\n(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٢٤)، واللفظ له، والبيهقي في الاعتقاد (١/ ١٦٩)، ومن طريق أحمد الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٤/ ٢٥٥)، حديث (١٤٥٤)، كلاهما من طريق علي بن المديني، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع، به.\nورواه إسحاق بن راهويه في مسنده (١/ ١٢٢)، عن معاذ بن هشام، بهذا الإسناد.\nومن طريق إسحاق: رواه ابن حبان في صحيحه (١٦/ ٣٥٦)، والطبراني في الكبير (١/ ٢٨٧)، وأبو نعيم في معرفة =","vol":"1","page":301},{"text":"الثاني: عن مُعاذ بن جَبل - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"يُؤتى يوم القيامة بالممسوخ (١)\n_________\n= الصحابة (١/ ٢٧١ - ٢٧٢)، والضياء المقدسي في المختارة (٤/ ٢٥٦)، حديث (١٤٥٦).\nوقد اختُلف فيه على معاذ؛ فرواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٢٢٥)، من طريق عبيد الله بن عمر، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الأسود بن سريع، به. حيث سقط منه الأحنف بن قيس.\nورواه البزار في مسنده [كما في كشف الأستار (٣/ ٣٣)، حديث (٢١٧٤)]، من طريق محمد بن المثنى، عن معاذ، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن، عن الأسود بن سريع، به. وفيه الحسن بدل الأحنف.\nوالحديث مروي بهذا الإسناد عن أبي هريرة - ﵁ -.\nحيث رواه البزار في الموضع السابق، حديث (٢١٧٥)، من طريق محمد بن المثنى، عن معاذ، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، به.\nورواه علي بن المديني، عن معاذ، بهذا الإسناد أيضًا.\nأخرجه من طريق ابن المديني: الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٢٤)، والبيهقي في الاعتقاد (١/ ١٦٩)، ومن طريق أحمد: المقدسيُّ في المختارة (٤/ ٢٥٥)، حديث (١٤٥٥).\nورواه إسحاق بن راهويه في مسنده (١/ ١٢٣)، حديث (٤٢)، عن معاذ، بهذا الإسناد.\nورواه أبو نعيم في تاريخه (٢/ ٢٢٥)، من طريق عبيد الله بن عمر، بهذا الإسناد.\nوالحديث معلول من أوجه:\nالأول: الاختلاف فيه على معاذ بن هشام في إسناده.\nالثاني: الانقطاع بين قتادة والأحنف بين قيس؛ فإنَّ قتادة لم يلق الأحنف، ولا سمع منه، وقد أشار لهذه العلة الإمام الذهبي في \"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ١١٠٠).\nالثالث: أَنَّ معاذ بن هشام، وهو الدستوائي، مختلف في توثيقه؛ فقد وثقه ابن معين مرة، وقال مرة: صدوق، ليس بحجة، وقال مرة: لم يكن بالثقة، وتوقف فيه أبو داود، ووثقه ابن قانع، واحتج به الشيخان، وقال ابن عدي: ربما يغلط في الشيء بعد الشيء، وأرجو أنه صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات. انظر: الثقات، لابن حبان (٩/ ١٧٦)، والتعديل والتجريح، للباجي (٢/ ٧١٣)، والكاشف، للذهبي (٢/ ٢٧٤)، وتهذيب التهذيب، لابن حجر (١٠/ ١٧٧)، ومسند الإمام أحمد بإشراف الدكتور: عبد الله بن عبد المحسن التركي (٢٦/ ٢٢٨).\nوالحديث صححه البيهقي في الاعتقاد (١/ ١٦٩)، من الطريق التي رُويت عن الحسن البصري، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، به. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢١٥)، وذكر أَنَّ رجال أحمد والبزار رجال الصحيح، وصححه ابن القيم في طريق الهجرتين، ص (٥٨٨)، من حديث الأسود بن سريع.\nوستأتي شواهد للحديث بعد هذا.\n(١) المسخ: هو قلب الخلقة من شيء إلى شيء. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٤/ ٣٢٩).","vol":"1","page":302},{"text":"عقلًا، وبالهالك في الفترة، وبالهالك صغيرًا، فيقول الممسوخ عقلًا: يا رب لو آتيتني عقلًا ما كان من آتيته عقلًا بأسعد بعقله مني. ويقول الهالك في الفترة: يا رب لو أتاني منك عهد ما كان من أتاه منك عهد بأسعد بعهده مني. ويقول الهالك صغيرًا: لو آتيتني عمرًا ما كان من آتيته عمرًا بأسعد بعمره مني. فيقول الرب ﵎: إني آمركم بأمر فتطيعوني؟ فيقولون: نعم، وعزتك. فيقول: اذهبوا فادخلوا النار. ولو دخلوها ما ضرتهم، قال: فتخرج عليهم قوابص (١) يظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيرجعون سراعًا قال: يقولون: خرجنا يا رب وعزتك نريد دخولها، فخرجت علينا قوابص ظننا أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيأمرهم الثانية، فيرجعون كذلك يقولون مثل قولهم، فيقول الله ﵎: قبل أن تُخلقوا علمت ما أنتم عاملون، وعلى علمي خلقتكم، وإلى علمي تصيرون، فتأخذهم النار\". (٢)\n_________\n(١) قوله: \"قوابص\"، هذه رواية الطبراني في المعجم الأوسط، وجاء في الحلية، والعلل، والتمهيد بلفظ: \"قوانص\"، وفي الحلية أيضًا ومسند الشاميين بلفظ: \"قوابس\"، وستأتي كلها في تخريج الحديث.\nقال ابن الأثير في النهاية (٤/ ٥) في معنى القوابص: \"هي الطوائف والجماعات\"، وقال (٤/ ١١٢)، في معنى القوانص: \"أي قطعًا قانصة، تقنصهم كما تختطف الجارحة الصيد\"، وقال (٤/ ٤)، في معنى القوابس: \"هي الشعلة من النار الملتهبة\".\n(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٨/ ٥٧)، وفي الكبير (٢٠/ ٨٣)، وفي مسند الشاميين (٣/ ٢٥٧)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٢٧)، و(٩/ ٣٠٥)، وابن عدي في الكامل (٥/ ١١٨)، وابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١٢٩)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٩٢٣)، جميعهم من طريق عمرو بن واقد، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس الخولاني، عن معاذ، به. واللفظ للطبراني في الأوسط.\nوالحديث بهذا الإسناد ضعيف جدًا؛ من أجل عمرو بن واقد، وهو متروك، ورُمي بالكذب، كما في تهذيب التهذيب، لابن حجر (٨/ ١٠١). وبه ضعفه ابن الجوزي، والهيثمي.\nقال ابن الجوزي في العلل (٣/ ٩٢٣): \"هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ؛ في إسناده عمرو بن واقد، قال ابن مُسْهِر: ليس بشيء. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير، فاستحق الترك\". اهـ\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢١٦): \"فيه عمرو بن واقد، وهو متروك عند البخاري وغيره، ورمي بالكذب، وقال محمد بن المبارك الصوري: كان يتبع السلطان، وكان صدوقًا\". اهـ","vol":"1","page":303},{"text":"الثالث: عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود، وبالمعْتُوه (١)، وبمن مات في الفترة، والشيخ الفاني، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب ﵎ لعنق من النار: ابرُزْ. فيقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلًا من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم، ادخلوا هذه. فيقول من كُتِبَ عليه الشقاء: يا رب، أين ندخلها ومنها كنا نَفِرُّ؟ قال: ومن كُتِبَتْ عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مُسرعًا، قال: فيقول ﵎: أنتم لرسلي أشد تكذيبًا ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنة، وهؤلاء النار\". (٢)\n_________\n(١) المعتوه: هو المجنون المصاب بعقله. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٣/ ١٨١).\n(٢) أخرجه البزار في مسنده [كما في كشف الأستار (٣/ ٣٤)]، وأبو يعلى في مسنده (٧/ ٢٢٥)، والبيهقي في الاعتقاد (١/ ١٦٩ - ١٧٠)، وفي القضاء والقدر، ص (٣٦٢)، وابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١٢٨)، جميعهم من طريق ليث بن أبي سليم، عن عبد الوارث، عن أنس، به. واللفظ لأبي يعلى.\nوالحديث بهذا الإسناد معلول؛ من أجل ليث بن أبي سليم، وعبد الوارث:\nأما ليث بن أبي سليم، فضعفه أبو حاتم الرازي، وابن معين، وابن عيينة، وابن سعد، والحاكم، والجوزجاني. وقال الإمام أحمد، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والبزار: مضطرب الحديث. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وقد روى عنه شعبة والثوري، ومع الضعف الذي فيه يكتب حديثه. وقال البرقاني: سألت الدارقطني عنه فقال: صاحب سنة، يُخَرَّجُ حديثه. وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره، فكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم، تركه القطان، وابن مهدي، وابن معين، وأحمد. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (٨/ ٤١٧ - ٤١٨).\nوأما عبد الوارث: فهو مولى أنس بن مالك الأنصاري، ضعفه الدارقطني، وقال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن معين: مجهول. وقال أبو حاتم: هو شيخ. انظر: الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم\n(٦/ ٧٤)، وميزان الاعتدال، للذهبي (٤/ ٤٣١).\nوالحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢١٦) وقال: \"رواه أبو يعلى والبزار، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو مدلس، وبقية رجال أبي يعلى رجال الصحيح\". اهـ\nوتعقبه الألباني في السلسلة الصحيحة (٥/ ٦٠٣) فقال: \"كذا قال! وفيه نظر من وجهين: الأول: أَنَّ ليثًا هذا لم أر من اتهمه بالتدليس، وإنما هو معروف بأنه كان اختلط ...\nالثاني: أَنَّ عبد الوارث شيخ الليث الظاهر أنه مولى أنس بن مالك الأنصاري ...، ولم أر أحدًا ذكر أنه من رجال الصحيح، ولعل الهيثمي توهم أنه عبد الوارث بن سعيد التميمي العنبري مولاهم، فإنه من رجال الشيخين، لكنه يروي عن أنس بواسطة عبد العزيز بن صهيب، وغيره، والله تعالى أعلم\". اهـ","vol":"1","page":304},{"text":"الرابع: عن أبي سعيد الخُدريّ - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: \"يَحْتَجُّ عَلى اللهِ يَوْمَ القيامَةِ ثَلاثَةٌ: الهَالِكُ فِي الفَتْرَةِ، والمَغْلُوبُ على عَقْلِه، والصَّبيُّ الصَّغيرُ، فَيَقُولُ المَغْلُوبُ عَلى عَقْلِهِ: لَمْ تَجْعَلْ لي عَقْلا أنْتَفِع بِهِ، وَيَقُولُ الهَالِكُ فِي الفتْرَةِ: لَمْ يأْتِني رَسُولٌ وَلا نَبيٌّ، ولَوْ أتانِي لَكَ رَسُولٌ أوْ نَبيّ لكُنْتُ أطْوَعَ خَلْقِكَ لَكَ وقرأ: (لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا) [طه: ١٣٤] ويَقُولُ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ: كَنْتُ صَغِيرًا لا أعْقِلُ. قال: فَتُرْفَعُ لَهُمْ نارٌ وَيُقالُ لَهُمْ: رِدُوها قال: فَيرِدُها مَنْ كَانَ فِي علْمِ اللهِ أنَّه سَعيدٌ، وَيَتَلَكَّأُ عَنْها مَنْ كانَ فِي عِلْمِ اللهِ أنَّهُ شَقِيّ، فَيَقُولُ: إيَّايَ عَصَيْتُمْ، فَكَيْفَ بِرُسُلي لَوْ أتَتْكُمْ؟ \". (١)\nالخامس: عن ثوبان مولى رسول الله - ﷺ -، أنه سمع رسولَ الله - ﷺ -\n_________\n(١) أخرجه ابن الجعد في مسنده (١/ ٣٠٠)، والبزار في مسنده [كما في كشف الأستار (٣/ ٣٤)، حديث\n(٢١٧٦)]، وابن جرير في تفسيره (٨/ ٤٨١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٢٩٨٤)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٤/ ٦٠٣)، وابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١٢٧)، جميعهم من طريق فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد، به. واللفظ لابن جرير.\nوالحديث بهذا الإسناد ضعيف جدًا، من أجل عطية، وهو ابن سعد بن جنادة العوفي، الجدلي، القيسي، الكوفي، أبو الحسن، ضعفه الإمام أحمد، وأبو حاتم، والنسائي، وابن حبان، وقال أبو داود: ليس بالذي يعتمد عليه، واتهمه بالتشيع: أبو بكر البزار، وابن عدي، والساجي، وقال ابن حبان: سمع من أبي سعيد الخدري أحاديث، فلما مات أبو سعيد جعل يُجالس الكلبي ويحضر قصصه، فإذا قال الكلبي: قال رسول الله ﷺ بكذا، فيحفظه وكناه أبا سعيد ويروي عنه، فإذا قيل له: من حدثك بهذا؟ فيقول: حدثني أبو سعيد، فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري، وإنما أراد به الكلبي، فلا يحل الاحتجاج به، ولا كتابة حديثه إلا على جهة التعجب. انظر: المجروحين، لابن حبان (٢/ ١٧٦)، وتهذيب التهذيب، لابن حجر (٧/ ٢٠٠).\nوقد ضعف الحديث به: الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢١٦)، والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥/ ٦٠٤).\nوأعله بالوقف: محمد بن نصر المروزيُّ في كتابه \"الرد على ابن قتيبة\"، كما في \"أحكام أهل الذمة\"، لابن القيم (٢/ ١٠٥)، حيث قال: \"ورواه أبو نعيم الملائي، عن فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد، موقوفًا\". اهـ\nوكذا نقله ابن عبد البر عن أبي نعيم الملائي حيث قال في التمهيد (١٨/ ١٢٨): \"ومن الناس من يُوقف هذا الحديث على أبي سعيد ولا يرفعه، منهم: أبو نعيم الملائي\". اهـ","vol":"1","page":305},{"text":"يقول: \"إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: ربنا لم تُرسِلْ إلينا رسولًا، ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولًا لكنا أطوع عبادك لك. فيقول لهم ربهم: أرأيتم إنْ أمرتكم بأمر تطيعونني؟ فيقولون: نعم. فيُؤمرون أن يَعْمَدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون، حتى إذا رأوها فإذا لها تغيظ وزفير، فيرجعون إلى ربهم فيقولون: يا ربنا فَرَقْنا (١) منها. فيقول ربهم ﵎: تزعمون أنكم إنْ أمرتكم بأمر أطعتموني، فيأخذ مواثيقهم فيقول: اعمدوا إليها فادخلوها. فينطلقون، حتى إذا رأوها فَرَقوا ورجعوا إلى ربهم، فقالوا: ربنا فَرَقْنا منها. فيقول: ألم تعطوني مواثيقكم لتطيعوني؟ اعمدوا إليها فادخلوها. فينطلقون، حتى إذا رأوها فزعوا ورجعوا، فقالوا: فَرَقْنا يا رب، ولا نستطيع أن ندخلها. فيقول: ادخلوها داخرين. قال نبي الله - ﷺ -: لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردًا وسلامًا\". (٢)\n_________\n(١) الفَرَق، بالتحريك، هو الخوف والجزع. انظر: لسان العرب، لابن منظور (١٠/ ٣٠٥).\n(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٤٩٦)، من طريق إسحاق بن إدريس، عن أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، به.\nوهذا إسناد ضعيف، من أجل إسحاق بن إدريس: وهو الأسواري، البصري، أبو يعقوب، تركه ابن المديني، وقال أبو زرعة: واهٍ، وقال البخاري: تركه الناس، وقال الدارقطني: منكر الحديث، وقال يحيى بن معين: كذاب يضع الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وقال ابن حبان: كان يسرق الحديث، وقال النسائي: بصري متروك، وقال ابن عدي: له أحاديث، وهو إلى الضعف أقرب. انظر: لسان الميزان، لابن حجر (١/ ٣٥٢).\nوأخرجه المروزي في الرد على ابن قتيبة، كما في \"أحكام أهل الذمة\"، لابن القيم (٢/ ١١٤٦)، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الصباح، عن ريحان بن سعيد الناجي، عن عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، به.\nوهذا إسناد ضعيف أيضًا؛ من أجل عباد بن منصور، وهو الناجي، أبو سلمة البصري، قال الحافظ ابن حجر في التقريب (١/ ٣٧٤): \"صدوق، رُمي بالقدر، وكان يدلس، وتغير بآخره\". وضعفه أبو حاتم الرازي، والنسائي. انظر: الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٦/ ٨٦)، والضعفاء والمتروكين، للنسائي (١/ ٧٤).\nوالحديث صححه الحاكم على شرط الشيخين، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٤٧): \"رواه البزار بإسنادين ضعيفين\". ولم أقف على روايتي البزار.","vol":"1","page":306},{"text":"السادس: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أربعة كلهم يُدلي على الله يوم القيامة بحجة وعذر: رجل مات في الفترة، ورجل أدركه الإسلام هَرَمًا، ورجل أصم أبكم، ورجل مَعْتُوه، فيبعث الله إليهم مَلَكًا رسولًا فيقول: اتبعوه، فيأتيهم الرسول فيؤجج لهم نارًا ثم يقول: اقتحموها، فمن اقتحمها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لا حَقَّتْ عليه كلمة العذاب\". (١)\nقال ابن القيم - بعد أنْ أورد هذه الأحاديث ـ: \"فهذه الأحاديث يَشُدُّ بعضها بعضًا، وتشهد لها أصول الشرع وقواعده، والقول بمضمونها هو مذهب السلف والسنة، نقله عنهم الأشعري ﵀ في المقالات (٢) وغيرها\". اهـ (٣)\nالحجة الثانية: أَنَّ الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن بلا خلاف؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول، بالعذر والامتحان، فمن دخل النار فهو الذي لم يمتثل ما أُمِرَ به عند ذلك الامتحان، وتتفق بذلك جميع الأدلة. (٤)\nالإيرادات والاعتراضات على هذه الأدلة:\nأُورِد على هذه الأحاديث - أعني أحاديث الامتحان - بأنها ضعيفة، وبأنها مُخالِفةٌ لكتاب الله ﷿، ولقواعد الشريعة، لأنَّ الآخرة ليست دارَ\n_________\n(١) رُوي حديث أبي هريرة هذا من طريقين:\nالأول: طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، مرفوعًا.\nأخرجه من هذه الطريق: إسحاق بن راهويه في مسنده (١/ ٤٤٥)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٢٥). واللفظ لابن أبي عاصم.\nوعلي بن زيد: هو ابن جدعان، وهو ضعيف الحديث.\nالثاني: طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، مرفوعًا. وقد تقدم تخريجه في حديث الأسود بن سريع.\nورُويَ موقوفًا على أبي هريرة.\nأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٧٤)، وابن جرير في تفسيره (٨/ ٥٠)، كلاهما من طريق معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن أبي هريرة، به.\n(٢) انظر: مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري، ص (٢٩٦).\n(٣) طريق الهجرتين، لابن القيم، ص (٥٩١ - ٥٩٢).\n(٤) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (٣/ ٤٨٤).","vol":"1","page":307},{"text":"تكليف، وإنما هي دار جزاء، ودار التكليف هي دار الدنيا، فلو كانت الآخرة دار تكليف لكان ثَمَّ دار جزاء غيرها.\nأورد هذا الاعتراض: ابن عبد البر، وابن عطية، وأبو عبد الله القرطبي، والآلوسي. (١)\nقال ابن عبد البر - وقد ذكر بعض هذه الأحاديث ـ: \"وهذه الأحاديث كلها ليست بالقوية، ولا تقوم بها حُجة، وأهل العلم يُنكرون أحاديث هذا الباب؛ لأنَّ الآخرة دار جزاء، وليست دارَ عمل ولا ابتلاء، وكيف يُكَلَّفون دخول النار وليس ذلك في وُسِع المخلوقين، والله لا يُكَلِّف نفسًا إلا وسعها، ولا يخلو من مات في الفترة من أن يكون مات كافرًا أو غير كافر، فإنْ مات كافرًا جاحدًا فإنَّ الله حرَّم الجنة على الكافرين، فكيف يُمتحنون؟ وإنْ كان معذورًا بأنه لم يَأته نذير ولا رسول فكيف يُؤمر أنْ يقتحم النار وهي أشدُّ العذاب؟ \". اهـ (٢)\nوأجيب عن هذه الاعتراضات من وجوه (٣):\nالأول: \"أَنَّ أحاديث هذا الباب قد تضافرت وكثُرَتْ بحيث يشدُّ بعضُها بعضًا، وقد صحَّح الحفاظ بعضها، كما صحَّح البيهقي وعبد الحق وغيرهما حديثَ الأسود بن سريع. وحديثُ أبي هريرة إسناده صحيح متصل، ورواية معمر له، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، موقوفًا، لا تضره؛ فإنا إنْ سلكنا طريق الفقهاء والأصوليين - في الأخذ بالزيادة من الثقة - فظاهر، وإنْ سلكنا طريق الترجيح - وهي طريقة المحدثين - فليس من رَفَعَه بدون من وَقَفَه في الحفظ والإتقان.\nالوجه الثاني: أَنَّ غاية ما يُقَدَّرُ فيه أنه موقوف على الصحابي، ومثل هذا\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز، لابن عطية (٣/ ٤٤٤)، وتفسير القرطبي (١٠/ ١٥٢) و(١١/ ١٧٥)، وروح المعاني، للآلوسي (١٥/ ٥٥).\n(٢) الاستذكار، لابن عبد البر (٨/ ٤٠٤)، باختصار، وانظر: التمهيد (١٨/ ١٣٠).\n(٣) ذكر هذه الوجوه: ابن القيم في \"أحكام أهل الذمة\" (٢/ ١١٤٩ - ١١٥٨)، وطريق الهجرتين، ص (٥٩٢ - ٥٩٥)، وأشار إلى بعضها الحافظ ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٣)، والحافظ ابن حجر في الفتح (٣/ ٢٩١).","vol":"1","page":308},{"text":"لا يُقْدِمُ عليه الصحابي بالرأي والاجتهاد، بل يُجْزَم بأنَّ ذلك توقيفٌ لا عن رأي.\nالوجه الثالث: أَنَّ هذه الأحاديث يَشُدُّ بعضها بعضًا؛ فإنها قد تعددت طرقها، واختلفت مخارجها، فيبعد كل البعد أنْ تكون باطلة على رسول الله - ﷺ - لم يتكلم بها، وقد رواها أئمة الإسلام ودونوها ولم يطعنوا فيها.\nالوجه الرابع: أنها هي الموافقة للقرآن وقواعد الشرع، فهي تفصيل لما أخبر به القرآن أنه لا يُعَذَّبُ أحدٌ إلا بعد قيام الحجة عليه، وهؤلاء لم تقم عليهم حجة الله في الدنيا، فلا بد أنْ يقيم حجته عليهم، وأحق المواطن أنْ تُقام فيه الحجة يوم يقوم الأشهاد، وتُسمع الدعاوى، وتُقام البينات، ويختصم الناس بين يدي الرب، وينطق كل أحد بحجته ومعذرته، فلا تنفع الظالمين معذرتهم وتنفع غيرهم.\nالوجه الخامس: أَنَّ القول بموجبها هو قول أهل السنة والحديث، كما حكاه الأشعري عنهم في المقالات، وحكى اتفاقهم عليه. (١)\nالوجه السادس: وهو قول ابن عبد البر: \"وأهل العلم يُنكرون أحاديث هذا الباب\" جوابه: أنه وإنْ أنكرها بعضهم فقد قَبِلَها الأكثرون، والذين قبلوها أكثر من الذين أنكروها، وأعلم بالسنة والحديث، وقد حكى فيه الأشعري اتفاق أهل السنة والحديث، وقد بينا أنه مقتضى قواعد الشرع.\nالوجه السابع: أنه قد نص جماعة من الأئمة على وقوع الامتحان في الدار الآخرة، وقالوا لا ينقطع التكليف إلا بدخول دار القرار، ذكره البيهقي عن غير واحد من السلف.\nالوجه الثامن: ما ثبت في الصحيحين (٢)، من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، ﵄، في الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولًا إليها، أَنَّ الله تعالى يأخذ عهوده ومواثيقه ألا يسأله غير الذي يعطيه، وأنه يُخالفه ويسأله غيره،\n_________\n(١) انظر: مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري، ص (٢٩٦).\n(٢) انظر: صحيح البخاري، كتاب الأذان، حديث (٨٠٦)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، حديث (١٨٢).","vol":"1","page":309},{"text":"فيقول الله له: \"ما أغدرك\"، وهذا الغدر منه لمخالفته العهد الذي عاهد ربه عليه، وهذه معصية منه.\nالوجه التاسع: قد ثبت أنه سبحانه يأمرهم في القيامة بالسجود، ويحول بين المخالفين وبينه، وهذا تكليف بما ليس في الوسع قطعًا، فكيف يُنْكَرُ التكليف بدخول النار اختيارًا؟\nالوجه العاشر: أنه قد ثبت امتحانهم في القبور، وسؤالهم وتكليفهم الجواب، وهذا تكليف بعد الموت بِرَدِّ الجواب.\nالوجه الحادي عشر: أَنَّ أَمْرَهُم بدخول النار ليس عقوبة لهم، وكيف يُعاقبهم على غير ذنب؟ وإنما هو امتحان واختبار لهم، هل يطيعونه أو يعصونه؟ فلو أطاعوه ودخلوها لم تضرهم، وكانت عليهم بردًا وسلامًا، فلما عصوه وامتنعوا من دخولها استوجبوا عقوبة مخالفة أمره، والملوك قد تمتحن من يُظهر طاعتهم، هل هو منطوٍ عليها بباطنه؟ فيأمرونه بأمر شاق عليه في الظاهر، هل يُوطِّن نفسه عليه أم لا؟ فإنْ أقدم عليه ووطن نفسه على فعله أَعْفَوه منه، وإنْ امتنع وعصى ألزموه به، أو عاقبوه بما هو أشد منه.\nوقد أمر الله سبحانه الخليل بذبح ولده، ولم يكن مراده سوى توطين نفسه على الامتثال والتسليم، وتقديم محبة الله على محبة الولد، فلما فعل ذلك رفع عنه الأمر بالذبح.\nوقد ثبت أَنَّ الدجال يأتي معه بمثال الجنة والنار (١)، وهي نار في رأي العين، ولكنها لا تُحْرِق، فمن دخلها لم تضره، فلو أَنَّ هؤلاء يوطنون أنفسهم على دخول النار - التي أمروا بدخولها طاعة لله ومحبة له، وإيثارًا لمرضاته، وتقربًا إليه بتحمل ما يؤلمهم - لكان هذا الإقدام والقصد منهم لمرضاته ومحبته\n_________\n(١) عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا عَنْ الدَّجَّالِ، مَا حَدَّثَ بِهِ نَبِيٌّ قَوْمَهُ: إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّهُ يَجِيءُ مَعَهُ بِمِثَالِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَالَّتِي يَقُولُ إِنَّهَا الْجَنَّةُ هِيَ النَّارُ، وَإِنِّي أُنْذِرُكُمْ كَمَا أَنْذَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ\".\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (٣٣٣٨)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (٢٩٣٦).","vol":"1","page":310},{"text":"يقلب تلك النار بردًا وسلامًا، كما قلب قصد الخليل التقرب إلى ربه وإيثار محبته ومرضاته وبذل نفسه وإيثاره إياه على نفسه تلك النار بأمر الله بردًا وسلامًا، فليس أمره سبحانه إياهم بدخول النار عقوبة ولا تكليفًا بالممتنع، وإنما هو امتحان واختبار لهم هل يوطنون أنفسهم على طاعته أم ينطوون على معصيته ومخالفته، وقد علم سبحانه ما يقع منهم، ولكنه لا يُجازيهم على مجرد علمه فيهم ما لم يحصل معلومه الذي يترتب عليهم به الحجة، فلا أحسن من هذا يفعله بهم، وهو محض العدل والحكمة.\nالوجه الثاني عشر: أَنَّ هذا مطابق لتكليفه عباده في الدنيا؛ فإنه سبحانه لم يستفد بتكليفهم منفعة تعود إليه، ولا هو محتاج إليهم، وإنما امتحنهم وابتلاهم ليتبين من يؤثر رضاه ومحبته ويشكره، ممن يكفر به ويؤثر سخطه، قد علم منهم من يفعل هذا وهذا، ولكنه بالابتلاء ظهر معلومه الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، وتقوم عليهم به الحجة.\nوكثير من الأوامر التي أمرهم بها في الدنيا نظير الأمر بدخول النار؛ فإنَّ الأمر بإلقاء نفوسهم بين سيوف أعدائهم ورماحهم، وتعريضهم لأسرهم لهم، وتعذيبهم واسترقاقهم، لعله أعظم من الأمر بدخول النار، وقد كَلَّفَ الله بني إسرائيل قتل أنفسهم وأولادهم وأرواحهم وإخوانهم لما عبدوا العجل، لما لهم في ذلك من المصلحة، وهذا قريب من التكليف بدخول النار، وكَلَّفَ على لسان رسوله المؤمنين إذا رأوا نار الدجال أن يقعوا فيها، لما لهم في ذلك من المصلحة، وليست في الحقيقة نارًا، وإنْ كانت في رأي العين نارًا، وكذلك النار التي أمروا بدخولها في الآخرة إنما هي برد وسلام على من دخلها، فلو لم يأت بذلك أثر لكان هذا هو مقتضى حكمته وعدله، وموجب أسمائه وصفاته.\nالوجه الثالث عشر: قول ابن عبد البر: \"وليس ذلك في وسع المخلوقين\" جوابه من وجهين:\nأحدهما: أنه في وسعهم، وإنْ كان يشق عليهم، وهؤلاء عباد النار يتهافتون فيها ويلقون أنفسهم فيها طاعة للشيطان، ولم يقولوا ليس في وسعنا، مع تألمهم بها غاية الألم، فعباد الرحمن إذا أمرهم أرحم الراحمين بطاعته","vol":"1","page":311},{"text":"باقتحامهم النار كيف لا يكون في وسعهم، وهو إنما يأمرهم بذلك لمصلحتهم ومنفعتهم؟\nالثاني: أنهم لو وطنوا أنفسهم على اتباع طاعته ومرضاته لكانت عين نعيمهم، ولم تضرهم شيئًا.\nالوجه الرابع عشر: أَنَّ أمرهم باقتحام النار، المفضية بهم إلى النجاة منها، بمنزلة الكي الذي يحسم الداء، وبمنزلة تناول الداء الكريه الذي يعقب العافية، وليس من باب العقوبة في شيء، فإنَّ الله سبحانه اقتضت حكمته وحمده، وغناه ورحمته، ألا يعذب من لا ذنب له، بل يتعالى ويتقدس عن ذلك، كما يتعالى عما يناقض صفات كماله، فالأمر باقتحام النار للخلاص منها هو عين الحكمة والرحمة والمصلحة، حتى لو أنهم بادروا إليها طوعًا واختيارًا ورضى، حيث علموا أَنَّ مرضاته في ذلك قبل أن يأمرهم به لكان ذلك عين صلاحهم، وسبب نجاتهم، فلم يفعلوا ذلك ولم يمتثلوا أمره، وقد تيقنوا وعلموا أَنَّ فيه رضاه وصلاحهم، بل هان عليهم أمره وعزت عليهم أنفسهم أن يبذلوا له منها هذا القدر الذي أمرهم به، رحمة وإحسانًا، لا عقوبة.\nالوجه الخامس عشر: أَنَّ أمرهم باقتحام النار كأمر المؤمنين بركوب الصراط، الذي هو أدق من الشعرة، وأحد من السيف، ولا ريب أَنَّ ركوبه من أشق الأمور وأصعبها، حتى إنَّ الرسل لتشفق منه، وكل منهم يسأل الله السلامة، فركوب هذا الجسر الذي هو في غاية المشقة كاقتحام النار، وكلاهما طريق إلى النجاة.\nالوجه السادس عشر: قول ابن عبد البر: \"ولا يخلو من مات في الفترة من أن يكون كافرًا أو غير كافر، فإنْ كان كافرًا فإنَّ الله حرم الجنة على الكافرين، وإنْ كان معذورًا بأنه لم يأته رسول فكيف يُؤمر باقتحام النار؟ \" جوابه من وجوه:\nأحدها: أنْ يقال هؤلاء لا يحكم لهم بكفر ولا إيمان؛ فإنَّ الكفر هو جحود ما جاء به الرسول، فشرط تحققه بلوغ الرسالة، والإيمان هو تصديق الرسول فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، وهذا أيضًا مشروط ببلوغ الرسالة، ولا","vol":"1","page":312},{"text":"يلزم من انتفاء أحدهما وجود الآخر إلا بعد قيام سببه، فلما لم يكن هؤلاء في الدنيا كفارًا ولا مؤمنين، كان لهم في الآخرة حكم آخر غير حكم الفريقين.\nالوجه الثاني: سلمنا أنهم كفار، لكن انتفاء العذاب عنهم لانتفاء شرطه، وهو قيام الحجة عليهم، فإنَّ الله تعالى لا يعذب إلا من قامت عليه حجته.\nالوجه الثالث: قوله: \"وإنْ كان معذورًا فكيف يؤمر أن يقتحم النار، وهي أشد العذاب؟ \"، فالذي قال هذا يُوهِمُ أَنَّ هذا الأمر عقوبة لهم، وهذا غلط، وإنما هو تكليف واختبار، فإن بادروا إلى الامتثال لم تضرهم النار شيئًا\". انتهى كلام ابن القيم.\nأجوبة أصحاب المسلك الأول والثالث - وهم القائلون بنجاة أهل الفترة، والقائلون بامتحانهم في الآخرة - عن الأحاديث الواردة في المسألة، والتي تُفيد بظاهرها تعذيب أهل الفترة:\nاختلف أصحاب هذين المسلكين في الجواب عن الأحاديث الواردة في المسألة، وخاصة الأحاديث الواردة في أبوي النبي - ﷺ -، وسأذكر أولًا أجوبتهم عن الأحاديث بعامة، ثم أذكر مذاهب العلماء في مصير والدي النبي - ﷺ -، يلي ذلك أجوبة أصحاب هذين المسلكين عن الأحاديث الواردة في تعذيب أبوي النبي - ﷺ -:\nأولًا: أجوبتهم عن أحاديث تعذيب أهل الفترة بعامة:\nأما القائلون بامتحانهم في الآخرة فلا إشكال عندهم في تلك الأحاديث؛ لأنها محمولة على أَنَّ هؤلاء ممن لا يجيب يوم القيامة؛ فلا منافاة بينها وبين الآيات. (١)\nوأجاب بعضهم باحتمال أنْ يكون هؤلاء - الذين أخبر النبي - ﷺ - بأنهم من أهل النار، ومنهم أبوي النبي - ﷺ - - بلغتهم دعوة نبي من الأنبياء، قبل بعثة نبينا محمد - ﷺ -، فلم يؤمنوا بها، وإنما رضوا بدين قريش، من الشرك وعبادة\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية، لابن كثير (٢/ ٢٦١).","vol":"1","page":313},{"text":"الأوثان، فخرجوا بفعلهم هذا أن يكونوا من أهل الفترة، واستحقوا العذاب في الآخرة؛ لقيام الحجة عليهم. (١)\nوأما القائلون بنجاتهم مطلقًا فذكروا ثلاثة أجوبة:\nالأول: أنها أخبار آحاد فلا تعارض القاطع، وهي نصوص القرآن الكريم.\nالثاني: قَصْرُ التعذيب على هؤلاء، والله أعلم بالسبب.\nالثالث: قَصْرُ التعذيب المذكور في هذه الأحاديث على من بَدَّلَ وغَيَّرَ من أهل الفترة بما لا يُعذر به من الضلال، كعبادة الأوثان، وتغيير الشرائع، وشرع الأحكام.\nوقد ذكر محمد بن خليفة الأُبيّ أَنَّ أهل الفترة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: من أدرك التوحيد ببصيرته، وهؤلاء على نوعين:\nالأول: من لم يدخل في شريعة؛ كقس بن ساعدة (٢)،\nوزيد بن عمرو بن\n_________\n(١) انظر: تفسير سورة يس، لابن عثيمين، ص (٢١)، ومجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز (٥/ ١٨١).\n(٢) عن ابن عباس قال: \"قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ فقال: أيكم يعرف القس بن ساعدة الأيادي؟ قالوا: كلنا يا رسول الله يعرفه. قال: فما فعل؟ قالوا: هلك، قال: ما أنساه بعكاظ، في الشهر الحرام، وهو على جمل أحمر، وهو يخطب الناس، وهو يقول: يا أيها الناس، اجتمعوا واستمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، إنَّ في السماء لخبرًا، وإنَّ في الأرض لعبرًا، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لا تغور، أقسم قس قسمًا حقًا؛ لئن كان في الأرض رضًا ليكونن بعده سخط، إنَّ لله لَدِيْنًَا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه، مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا فأقاموا؟ أم تُرِكُوا فناموا؟ ثم قال ﷺ: أفيكم من يروي شعره؟ فأنشده بعضهم:\nفي الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر\nلما رأيت مواردًا ... للموت ليس لها مصادر\nورأيت قومي نحوها ... يسعى الأصاغر والأكابر\nلا يرجع الماضي إلي ... ولا من الباقين غابر\nأيقنت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر\". =","vol":"1","page":314},{"text":"نفيل (١)، وورقة بن نوفل (٢).\nالثاني: من دخل في شريعة حق قائمة، كتُبَّعٍ وقومه.\nالقسم الثاني: من بَدَّلَ وغَيَّرَ وأشرك ولم يُوحِّد، وشرع لنفسه فحلل وحرم، وهم الأكثر، كعمرو بن لحي، فإنه أول من سن للعرب عبادة الأصنام، وشرع الأحكام؛ فبَحَّر البَحِيرة (٣)،\n_________\n= أخرجه الطبراني المعجم الكبير (١٢/ ٨٨)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤١٩): \"رواه الطبراني والبزار، وفيه محمد بن الحجاج اللخمي، وهو كذاب\".\nوفي الأصل جاء البيت الثاني مصحفًا بلفظ: \"لما رأيت موارد للسماوات\"، وهو تصحيفٌ أصلحته من كتب التخريج والأدب.\n(١) عن سعيد بن زيد قال: سألت أنا وعمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن زيد بن عمرو فقال: \"يأتي يوم القيامة أمة وحده\".\nرواه أبو يعلى في مسنده (٢/ ٢٦٠). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤١٧): \"إسناده حسن\".\nوللحديث شاهد من حديث زيد بن حارثة: أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٣٨)، وأبو يعلى في مسنده (١٣/ ١٧٠ - ١٧١)، والبزار في مسنده (٤/ ١٦٥)، ومن حديث أسماء بنت أبي بكر: أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٥/ ٥٤)، والطبراني في الآحاد والمثاني (٢/ ٧٥)، ومن حديث جابر بن عبدالله: أخرجه أبو يعلى في مسنده (٤/ ٤١)، وتمام في فوائده (٢/ ١٥٢ - ١٥٣).\n(٢) عن عائشة أَنَّ خديجة سألت رسول الله ﷺ عن ورقة بن نوفل فقال: \"قد رأيته في المنام، فرأيت عليه ثياب بياض، فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بياض\".\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٦/ ٦٥)، والترمذي في سننه، في كتاب الرؤيا، حديث (٢٢٨٨).\nوالحديث إسناده ضعيف، لضعف ابن لهيعة أحد رواته.\nوعن عائشة ﵂، أَنَّ النبي ﷺ قال: \"لا تسبوا ورقة، فإني رأيت له جنة أو جنتين\".\nأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٦٦٦)، وقال: \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\". وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤١٦) وقال: \"رواه البزار متصلًا ومرسلًا ...، ورجال المسند والمرسل رجال الصحيح\".\nوعن أسماء بنت أبي بكر: أَنَّ النبي ﷺ سئل عن ورقة بن نوفل فقال: \"يبعث يوم القيامة أمة وحده\".\nرواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٨٢)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤١٦): \"رجاله رجال الصحيح\".\n(٣) كان العرب في الجاهلية إذا ولدت إبلهم سَقْبًا بَحَرُوا أُذُنَه، أي شَقُّوها، وقالوا: اللهم إن عاش فَفَتيّ، وإن مات فَذَكِيّ؛ فإذا مات أكلوه وسموه البحيرة، وقيل: البحيرة هي بنت السائبة، كانوا إذا تابعت الناقة بين عشر إناث لم يُركب ظهرها، ولم يُجَزْ =","vol":"1","page":315},{"text":"وسَيَّبَ السَّائبة (١)، ووَصَل الوَصِيلة (٢)، وحَمى الحامي (٣).\nالقسم الثالث: من لم يُشرك ولم يُوحِّد، ولا دخل في شريعة نبي، ولا ابتكر لنفسه شريعة، ولا اخترع دينًا، بل بقي عمره على حال غفلة عن هذا كله، وفي الجاهلية من هذا القسم كثير.\nقال الأُبيّ: فإذا انقسم أهل الفترة إلى الثلاثة الأقسام؛ فيُحمل من صح تعذيبه على أهل القسم الثاني؛ بكفرهم بما يعذبون به من الخبائث، والله سبحانه قد سمى جميع هذا القسم كفارًا ومشركين، وأما القسم الأول، كزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة؛ فقد قال النبي - ﷺ - في كل منهما: \"إنه يُبعث أمة وحده\" (٤)، فحكمهم حكم الدين الذي دخلوا فيه مالم يلحق أحدًا منهم الإسلامُ الناسخ لكل دين.\nوأما القسم الثالث: فهم أهل الفترة حقيقة، وهم غير معذبين، لقطع القرآن بنجاتهم. (٥)\nثانيًا: مذاهب العلماء في مصير والديّ النبي - ﷺ -:\nاختلف العلماء في مصير والديّ النبي - ﷺ - على ثلاثة مذاهب:\n_________\n= وَبرها، ولم يَشْرَبْ لبَنَها إلا ولدها أو ضيف، وتركوها مسيبة لسبيلها، وسموها السائبة، فما ولدت بعد ذلك من أنثى شقوا أذنها وخلوا سبيلها، وحَرُم منها ما حرم من أمها، وسموها البحيرة. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (١/ ١٠٠).\n(١) تقدم في أول المسألة تعريف السائبة.\n(٢) كان العرب في الجاهلية إذا ولدت الشاة ستة أبطن: أنثيين أنثيين، وولدت في السابعة ذكرًا وأنثى قالوا: وصلت أخاها؛ فأحلوا لبنها للرجال، وحرموه على النساء، وقيل: إن كان السابع ذكرًا ذُبِح وأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تُرِكت في الغنم، وإن كان ذكرًا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، ولم تُذبح، وكان لبنها حرامًا على النساء. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٥/ ١٩١).\n(٣) الحامي: هو الفحل من الإبل، يضرب الضراب المعدود، قيل: عشرة أبطن؛ فإذا بلغ ذلك قالوا: هذا حام. أي: حمي ظهره، فيترك فلا ينتفع منه بشيء، ولا يمنع من ماء ولا مرعى. انظر: لسان العرب، لابن منظور (١٤/ ٢٠٢).\n(٤) سبق تخريجهما قريبًا.\n(٥) انظر: إكمال إكمال المعلم، للأبي (١/ ٦١٨ - ٦٢١).","vol":"1","page":316},{"text":"الأول: أنهما في النار.\nوهذا مذهب أبي حنيفة، والبيهقي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن كثير، والألباني، وغيرهم. (١)\nوقد بسط الكلام في عدم نجاة الوالدين: إبراهيمُ بن محمد الحلبي (٢)، في رسالة بعنوان: \"رسالة في حق أبوي الرسول ﷺ\"، والملاّ علي بن سلطان القاري في رسالة بعنوان: \"أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول ﵊\".\nومن أظهر ما استدل به أصحاب هذا المذهب: حديث أنس - ﵁ -، والذي فيه إخبار النبي - ﷺ - بأنَّ أباه في النار، وحديث أبي هريرة - ﵁ -، والذي فيه أَنَّ النبي - ﷺ - نُهيَ عن الاستغفار لأمه، وكلاهما عند مسلم، وكذا إخباره - ﷺ - بأنَّ أمه في النار، وقد تقدمت جميعها في أول المسألة.\nوادعى الإجماع على عدم نجاتهما الملا علي بن سلطان القاري فقال: \"وأما الإجماع؛ فقد اتفق السلف والخلف - من الصحابة والتابعين، والأئمة الأربعة وسائر المجتهدين - على ذلك، من غير إظهار خلافٍ لما هُنالك، والخلاف من اللاحق لا يقدح في الإجماع السابق، سواء يكون من جنس المخالف أو صنف الموافق\". اهـ (٣)\nويرى هؤلاء أَنَّ إخباره - ﷺ - عن أبويه بأنهما من أهل النار، لا يُنافي الأحاديث الواردة بامتحان أهل الفترة، لأنَّ أهل الفترة منهم من يُجيب يوم القيامة، ومنهم من لا يُجيب، فيكون هؤلاء من جملة من لا يُجيب، فلا مُنافاة. (٤)\n_________\n(١) انظر على الترتيب: أدلة معتقد أبي حنيفة، لعلي القاري، ص (٦٢)، وفيه النقل عن أبي حنيفة، ودلائل النبوة، للبيهقي (١/ ١٩٢)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (٤/ ٣٢٤ - ٣٢٦)، والبداية والنهاية، لابن كثير (٢/ ٢٦١)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني (٦/ ١٨٠).\n(٢) هو: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي: فقيه حنفي، من أهل حلب، تفقه بها وبمصر، ثم استقر في القسطنطينية وتوفي بها عن نيف وتسعين عامًا. أشهر كتبه: (غنية المتملي في شرح منية المصلي) وله (مختصر طبقات الحنابلة) وغيرها، توفي سنة (٩٥٦هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (١/ ٦٦).\n(٣) أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول ﵇، لعلي القاري، ص (٨٤)، وسيأتي مناقشة دعوى الإجماع في مبحث الترجيح إن شاء الله تعالى.\n(٤) انظر: البداية والنهاية، لابن كثير (٢/ ٢٦١).","vol":"1","page":317},{"text":"المذهب الثاني: التوقف فيهما، فلا يُحكم لهما بجنة ولا نار.\nقال تاج الدين الفاكهاني (١): \"الله أعلم بحال أبويه\". (٢)\nوقال السخاوي - بعد أنْ أورد حديث إحياء والديّ النبي - ﷺ - ـ: \"والذي أراه الكَفَّ عن التعرض لهذا إثباتًا ونفيًا\". (٣)\nوحكى هذا المذهب شمس الحق العظيم آبادي ومال إليه واستحسنه. (٤) وإليه نحا الدكتور يوسف القرضاوي؛ فإنه أورد حديث \"إن أبي وأباك في النار\" وقال: أتوقف في الحديث حتى يظهر لي شيء يشفي الصدر. (٥)\nالمذهب الثالث: أنهما في الجنة.\nولأصحاب هذا المذهب في سبب نجاتهما ثلاثة مسالك:\nالأول: أنهما لم تبلغهما الدعوة، ولا عذاب على من لم تبلغه الدعوة.\nأشار لهذا المسلك: السيوطي، والسندي. (٦) واختاره من المعاصرين: محمد الغزالي (٧).\nالمسلك الثاني: أنهما كانا على التوحيد، ملة إبراهيم، ﵇.\nوهذا المسلك قال به الطاهر ابن عاشور، ومحمد الجزيري. (٨)\nقال الطاهر ابن عاشور عند تفسيره لقوله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤» [البقرة: ١٢٤] قال: \"ولعل ممن تحقق فيه رجاء إبراهيم عمود نسب النبي ﷺ، وإنما كانوا يكتمون دينهم تُقْيَةً من قومهم\". اهـ (٩)\n_________\n(١) هو: عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي الإسكندري، تاج الدين الفاكهاني: عالم بالنحو، من أهل الإسكندرية، زار دمشق سنة (٧٣١ هـ) واجتمع به ابن كثير (صاحب البداية والنهاية) وقال: سمعنا عليه ومعه. وحج ورجع إلى الإسكندرية. وصُلِّيَ عليه بدمشق لما وصل خبر وفاته. له كتب، منها: (الإشارة) في النحو، و(المنهج المبين في شرح الأربعين النووية)، و(رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام)، وغيرها. توفي سنة (٧٣٤هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٥/ ٥٦).\n(٢) نقله عنه السيوطي في مسالك الحنفا (٢/ ٤٠٢).\n(٣) المقاصد الحسنة، للسخاوي، ص (٤٥).\n(٤) عون المعبود، للآبادي (١٢/ ٣٢٤).\n(٥) كيف نتعامل مع السنة النبوية، ص (٩٧).\n(٦) انظر على الترتيب: شرح سنن ابن ماجة، للسيوطي (١/ ١١٣)، وحاشية السندي على سنن النسائي (٤/ ٣٩٥).\n(٧) دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، ص (٢٨).\n(٨) الفقه على المذاهب الأربعة، للجزيري (٤/ ١٧٦).\n(٩) التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢٥/ ١٩٥).","vol":"1","page":318},{"text":"المسلك الثالث: أَنَّ الله تعالى أحياهما لنبيه - ﷺ - في آخر حياته؛ فآمنا به واتبعاه.\nوهذا المسلك مال إليه طائفة من حفاظ المحدثين وغيرهم، منهم ابن شاهين (١)، والخطيب البغدادي (٢)، والسُهيلي (٣) (٤)، وأبو عبد الله القرطبي (٥)، والمحب الطبري (٦)، وناصر الدين بن المُنَيِّر (٧)، والأُبيّ (٨)، وابن حجر الهيتمي (٩)، والعجلوني (١٠)، وغيرهم (١١).\nوانتصر له السيوطي فألف فيه عدة مؤلفات من أشهرها:\nكتابه \"مسالك الحنفا في والديّ المصطفى\" (١٢)، وقد أطال في تقرير نجاة الأبوين، وحشد العديد من الأدلة التي تؤيد ما ذهب إليه، حتى قال: \"وإذا كان قد صح في أبي طالب أنه أهون أهل النار عذابًا؛ لقرابته منه - ﷺ - وبِرِّهِ به، مع إداركه\n_________\n(١) نقله عنه السيوطي في مسالك الحنفا (٢/ ٣٩٩).\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي السهيلي: حافظ، عالم باللغة والسير، نسبته إلى سهيل (من قرى مالقة)، عمي وعمره ١٧ سنة. ونبغ، فاتصل خبره بصاحب مراكش فطلبه إليها وأكرمه، فأقام يصنف كتبه إلى أنْ توفي بها. من كتبه (الروض الأنف) في شرح السيرة النبوية لابن هشام، و(التعريف والإعلام في ما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام) و(الإيضاح والتبيين لما أبهم من تفسير الكتاب المبين). (ت: ٥٨١ هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٣/ ٣١٣).\n(٤) الروض الأنف (١/ ٢٩٩).\n(٥) التذكرة في أحوال الموتى والآخرة، للقرطبي (٢٠).\n(٦) ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، لمحب الدين الطبري، ص (٢٥٩).\n(٧) نقله عنه السيوطي في مسالك الحنفا (٢/ ٣٩٩).\n(٨) إكمال إكمال المعلم، للأبي (١/ ٦١٧).\n(٩) نقله عنه ابن عبد الغني الدمياطي في \"إتحاف فضلاء البشر\" (١/ ١٩١).\n(١٠) كشف الخفاء، للعجلوني (١/ ٦١ - ٦٢).\n(١١) انظر: مسالك الحنفا في والدي المصطفى، للسيوطي (٢/ ٣٩٩).\n(١٢) خص السيوطي مسألة نجاة الوالدين بستة مؤلفات هي:\n١ - مسالك الحنفا في والدي المصطفى.\n٢ - الدرج المنيفة في الآباء الشريفة.\n٣ - المقامة السندسية في النسبة المصطفوية.\n٤ - التعظيم والمنة في أَنَّ أبوي رسول الله - ﷺ - في الجنة.\n٥ - نشر العلمين المنيفين في إحياء الأبوين الشريفين.\n٦ - السبل الجلية في الآباء العلية.\nوقد طبعت كلها مع رسائل ثلاث له أيضًا في مجموع واحد في حيدر أباد الدكن في الهند، وطبعت \"المقامة السندسية\" في ضمن شرح المقامات له (١/ ٥٦٧ - ٦١٥)، وتناول مسألة إحياء الأبوين في \"مسالك الحنفا\" (٢/ ٣٥٣ - ٤٠٤)، وفي \"التعظيم والمنة\" ص (١ - ١٧). وانظر: العجاب في بيان الأسباب، لابن حجر (١/ ٣٧٢)، بتحقيق عبد الحكيم الأنيس، فقد أفدت من تحقيقه في ذكر هذه الكتب.","vol":"1","page":319},{"text":"الدعوة، وامتناعه من الإجابة، وطول عمره، فما ظنك بأبويه، اللذين هما أشد منه قُربًا، وآكد حُبًا، وابسط عُذرًا، وأقصر عُمرًا، فمعاذ الله أنْ يُظنَّ بهما أنهما في طبقة الجحيم، وأنْ يُشدَّد عليهما العذاب العظيم، هذا لا يفهمه من له أدنى ذوق سليم\". اهـ (١)\nومن أظهر ما استدل به أصحاب هذا المسلك: ما رُويَ عن عائشة ﵂: \"أَنَّ رسول الله - ﷺ - نزل إلى الحجون (٢) كئيبًا حزينًا، فأقام به ما شاء ربه ﷿، ثم رجع مسرورًا، فقالت: يا رسول الله، نزلت إلى الحجون كئيبًا حزينًا فأقمت به ما شاء الله، ثم رجعت مسرورًا، قال: سألت ربي ﷿ فأحيا لي أمي فآمنت بي، ثم رَدَّها\". (٣)\n_________\n(١) مسالك الحنفا في والدي المصطفى، للسيوطي (٢/ ٣٩٠).\n(٢) الحجون: جبل بأعلى مكة، عنده مدافن أهلها، يبعدُ عن البيت ميل ونصف، وقيل: فرسخ وثلث. انظر: معجم البلدان، لياقوت الحموي (٢/ ٢٢٥)، ومعجم ما استعجم، للبكري (١/ ٤٢٧).\n(٣) أخرجه ابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه، ص (٤٨٩ - ٤٩٠)، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن زياد، مولى الأنصار قال: حدثنا أحمد بن يحيى الحضرمي، بمكة قال: حدثنا أبو غزية، محمد بن يحيى الزهري، قال: حدثنا عبد الوهاب بن موسى الزهري، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، به.\nوأخرجه ابن عساكر في غرائب مالك [كما في لسان الميزان، لابن حجر (٤/ ٣٠٥)]، وابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٢٨٣)، والخطيب في السابق واللاحق [كما في اللآلئ المصنوعة للسيوطي (١/ ٢٤٤)] جميعهم من طريق الحسين بن علي بن محمد بن إسحاق الحلبي، حدثنا أبو طالب، عمر بن الربيع الخشاب، حدثنا علي بن أيوب الكعبي، من ولد كعب بن مالك، حدثني محمد بن يحيى الزهري، أبو غزية، حدثني عبد الوهاب بن موسى الزهري، عن مالك، عن أبي الزناد، عن هشام، بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، به.\nقال ابن عساكر: \"حديث منكر من حديث عبد الوهاب بن موسى الزهري المدني، عن مالك. والكعبي مجهول، والحلبي صاحب غرائب، ولا يُعرف لأبي الزناد رواية عن هشام، وهشام لم يُدرك عائشة، فلعله سقط من كتابي عن أبيه\". اهـ\nقال الحافظ ابن حجر: \"ولم ينبه على عمر بن الربيع، ولا على محمد بن يحيى، وهما أولى أن يلصق بهما هذا الحديث من الكعبي وغيره\". اهـ\nوقال الدارقطني في غرائب مالك [كما في لسان الميزان، لابن حجر (٤/ ١٩٢)]: \"الإسناد والمتن باطل، ولا يصح لأبي الزناد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة شيء، وهذا كذب على مالك، والحمل فيه على أبي =","vol":"1","page":320},{"text":"وأورد السُهيلي في الروض الأنف (١) بسند قال: إنَّ فيه مجهولين، عن عائشة ﵂: \"أَنَّ رسول الله - ﷺ - سأل ربه أنْ يحيي أبويه، فأحياهما له، فآمنا به، ثم أماتهما\".\nقال السهيلي بعد إيراده للحديث: \"الله قادر على كل شيء، وليس تعجز رحمته وقدرته عن شيء، ونبيه - ﷺ - أهل أنْ يُختصَّ بما شاء من فضله، ويُنْعِمَ عليه بما شاء من كرامته\". اهـ (٢)\nوقال العلامة ناصر الدين بن المُنَيِّر المالكي في كتاب \"المقتفى في شرف المصطفى\": \"قد وقع لنبينا - ﷺ - إحياء الموتى، نظير ما وقع لعيسى ابن مريم ...، وجاء في حديثٍ أَنَّ النبي - ﷺ - لما منع من الاستغفار للكفار دعا الله أنْ يحيي له أبويه فأحياهما له فآمنا به وصدقا وماتا مؤمنين\". اهـ (٣)\nوقال أبو عبد الله القرطبي: \"فضائل النبي - ﷺ - لم تزل تتوالى وتتابع إلى حين مماته، فيكون هذا مما فضله الله به وأكرمه، وليس إحياؤهما وإيمانهما به يمتنع عقلًا ولا شرعًا، فقد ورد في القرآن إحياء قتيل بني إسرائيل، وإخباره بقاتله، وكان عيسى ﵇ يحيي الموتى، وكذلك نبينا ﵊ أحيا الله على يديه جماعة من الموتى ...، وإذا ثبت هذا فما يمتنع من إيمانهما بعد إحيائهما زيادة كرامة في فضيلته\". اهـ (٤)\n_________\n= غزية، والمتهم بوضعه هو، أو من حدث به عنه، وعبد الوهاب بن موسى ليس به بأس\". اهـ\nوقال الذهبي في ميزان الاعتدال (٤/ ٤٣٧): \"حدَّث عبد الوهاب بن موسى، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد بحديث: \"إنَّ الله أحيا لي أمي فآمنت بي\"، ولا يُدْرَى من ذا الحيوان الكذَّاب الذي حدَّث به؛ فإنَّ هذا الحديث كذبٌ مخالفٌ لما صح أنه ﵇ استأذن ربه في الاستغفار لها فلم يأذن له\". اهـ\n(١) قال السهيلي في الروض الأنف (١/ ٢٩٩): \"وجدت بخط جدي - أبي عمران أحمد بن أبي الحسن القاضي ﵀ - بسند فيه مجهولون أنه نقل من كتاب انتسخ من كتاب معوذ بن داود بن معوذ الزاهد، يرفعه إلى عبد بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، أخبرت: \"أَنَّ النبي - ﷺ - سأل ربه أن يحيي أبويه فأحياهما له وآمنا به ثم أماتهما\". اهـ\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) نقله عنه السيوطي في مسالك الحنفا (٢/ ٤٠٠).\n(٤) التذكرة في أحوال الموتى والآخرة، للقرطبي (٢٠).","vol":"1","page":321},{"text":"وقال ابن سيد الناس - بعد أن ذكر قصة الإحياء، والأحاديث الواردة في التعذيب ـ: \"وذكر بعض أهل العلم في الجمع بين هذه الروايات ما حاصله أَنَّ النبي - ﷺ - لم يزل راقيًا في المقامات السَّنيِّة، صاعدًا في الدرجات العليّة، إلى أنْ قبض الله روحه الطاهرة إليه، وأزلفه بما خصه به لديه من الكرامة حين القدوم عليه، فمن الجائز أنْ تكون هذه درجة حصلت له ﷺ بعد أنْ لم تكن، وأنْ يكون الإحياء والإيمان متأخرًا عن تلك الأحاديث فلا تَعارُض\". اهـ (١)\nوأجاب أصحاب هذا المسلك عن أحاديث تعذيب أبوي النبي - ﷺ - بثلاثة أجوبة:\nالأول: أنها منسوخة بحديث إحياء والديه - ﷺ -.\nقال أبو عبد الله القرطبي: \"لا تعارض بين حديث الإحياء، وحديث النهي عن الاستغفار؛ فإنَّ إحياءهما متأخر عن الاستغفار لهما، بدليل حديث عائشة أَنَّ ذلك كان في حجة الوداع، ولذلك جعله ابن شاهين ناسخًا لما ذُكِرَ من الأخبار\". اهـ (٢)\nالثاني: أَنَّ قوله - ﷺ -: \"إنَّ أبي وأباك في النار\" المراد عمه أبو طالب؛ لأن اسم الأب يطلق على العم، وقد كان أبو طالب رَبَّى رسولَ الله ﷺ، فاستحق إطلاق اسم الأب من تلك الجهة.\nذكره السيوطي. (٣)\nوذهب الجزيري إلى أَنَّ المراد عمه أبو لهب، حيث قال: \"وحديث مسلم هذا يمكن تأويله، وهو أَنَّ المراد بأبي النبي صلى الله وعليه وسلم أبو لهب؛ فإنَّ الله تعالى قد أخبر أنه في النار قطعًا، والأب يُطلق في اللغة على العم\". اهـ (٤)\nالثالث: أنها ضعيفة.\nقال السيوطي: \"فإنْ قلتَ: فما تصنع بالأحاديث الدالة على كفرهما\n_________\n(١) عيون الأثر في فنون المغازي والسير، لابن سيد الناس (١/ ١٥٢).\n(٢) التذكرة في أحوال الموتى والآخرة، للقرطبي (٢٠)، وانظر: تفسير القرطبي (٢/ ٦٤).\n(٣) انظر: مسالك الحنفا في والدي المصطفى، للسيوطي (٢/ ٣٩٥).\n(٤) انظر: الفقه على المذاهب الأربعة، للجزيري (٤/ ١٧٦).","vol":"1","page":322},{"text":"وأنهما في النار، وهي: حديث أنه - ﷺ - قال: \"ليت شعري، ما فعل أبواي؟ فنزلت: (وَلَا تُسْأَلُ (١) عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ) \" (٢) [البقرة: ١١٩]، وحديث أنه استغفر لأُمِّه فضرب جبريل في صدره وقال: لا تستغفر لمن مات مشركًا (٣)، وحديث أنه نزل فيها: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) (٤) [التوبة:\n_________\n(١) القراءة الواردة في الحديث: \"وَلَا تُسْأَلُ\" بالجزم على النهي، وهي قراءة نافع ويعقوب، وقرأ الباقون: (وَلَا تُسئَلُ) بضم التاء ورفع اللام على الخبر. انظر: المبسوط في القراءات العشر، لأبي بكر الأصبهاني، ص (١٢١)، والنشر في القراءات العشر، لابن الجزري (٢/ ٢٢١)، وإتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، لابن عبد الغني الدمياطي، ص (١٩١).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٥٩) قال: نا الثوري، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله ﷺ: .... \". فذكره.\nوأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١/ ٥٦٣ - ٥٦٤)، من طريق عبد الرزاق، به.\nوأخرجه من طريق أبي كريب، عن وكيع، عن موسى بن عبيدة، به.\nوأخرجه أبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (١/ ١٤٤)، من طريق وكيع، عن موسى بن عبيدة، به.\nوأخرجه أبو عمر الدوري في جزء قراءات النبي - ﷺ - (١/ ٧٢)، من طريق علي بن ثابت، وموسى بن محمد، عن موسى بن عبيدة، به. والحديث من هذا الوجه فيه علتان:\nالأولى: الإرسال من قبل محمد بن كعب القرضي، والثانية: ضعف موسى بن عبيدة، كما في التقريب\n(٢/ ٢٩٠)، وأخرجه من وجه آخر ابن جرير الطبري في تفسيره (١/ ٥٦٤)، من طريق ابن جريج، عن داود بن أبي عاصم، عن النبي - ﷺ -، بنحوه، وهذا مرسل أيضًا. وانظر: العجاب في بيان الأسباب، لابن حجر (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩).\n(٣) عن بريدة - ﵁ - قال: \"كنا مع رسول الله ﷺ، حتى إذا كنا بودان، أو بالقبور، سأل الشفاعة لأمه، أحسبه قال: فضرب جبريل ﵇ صدره وقال: لا تستغفر لمن مات مشركًا\".\nرواه البزار في زوائده [كما في كشف الأستار (١/ ٦٦)] قال: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا عبد الله بن الوزير الطائفي، حدثنا محمد بن جابر، عن سماك بن حرب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بريدة، عن أبيه، به. قال البزار: \"لا نعلم رواه بهذا الإسناد إلا محمد بن جابر\". اهـ\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١١٧): \"ولم أر من ذكر محمد بن جابر هذا\". اهـ\n(٤) أخرج الطبراني في الكبير (١١/ ٣٧٤)، من طريق أبي الدرداء - عبد العزيز بن المنيب، ثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: \"أَنَّ النبي ﷺ لما أقبل من غزوة تبوك واعتمر، فلما هبط من ثنية عسفان أمر أصحابه أن يستندوا إلى العقبة حتى أرجع إليكم، فذهب فنزل على قبر أمه فناجى =","vol":"1","page":323},{"text":"١١٣]، وحديث أنه قال لابني مُليكة: \"أمكما في النار. فشق عليهما، فدعاهما فقال: إنَّ أُمّي مع أمكما\". (١)\nقلت: الجواب أَنَّ غالب ما يروى من ذلك ضعيف، ولم يصح في أم النبي - ﷺ - سوى حديث أنه استأذن في الاستغفار لها فلم يُؤذن له، ولم يصح أيضًا في أبيه إلا حديث مسلم خاصة، وسيأتي الجواب عنهما.\n_________\n= ربه طويلًا، ثم إنه بكى فاشتد بكاؤه، وبكى هؤلاء لبكائه وقالوا: ما بكى نبي الله ﷺ بهذا المكان إلا وقد حدث في أمته شيء لا نطيقه، فلما بكى هؤلاء قام فرجع إليهم فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: يا نبي الله، بكينا لبكائك قلنا: لعله حدث في أمتك شيء لا تطيقه، قال: لا، وقد كان بعضه، ولكن نزلت على قبر أمي فدعوت الله أن يأذن لي في شفاعتها يوم القيامة، فأبى الله أن يأذن لي، فرحمتها وهي أمي، فبكيت، ثم جاءني جبريل ﵇ فقال: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤» [التوبة: ١١٤]، فتبرأ من أمك كما تبرأ إبراهيم من أبيه، فرحمتها وهي أمي .... \".\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١١٧): \"فيه أبو الدرداء، وعبد الغفار بن المنيب، عن إسحاق بن عبدالله، عن أبيه، عن عكرمة، ومن عدا عكرمة لم أعرفهم ولم أر من ذكرهم\". اهـ\nوأخرج الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٦٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٩٣)، كلاهما من طريق أيوب بن هانئ، عن مسروق، عن ابن مسعود - ﵁ - قال: \"خرج رسول الله - ﷺ - يومًا إلى المقابر فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلًا، ثم بكى فبكينا لبكائه، فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي، واستأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي؛ فأنزل علي: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) \".\nقال الذهبي في التلخيص: \"أيوب بن هانئ ضعفه ابن معين\". وضعف الحديث الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (١١/ ٢٢١ - ٢٢٢)، وقال: \"وفي الحديث نكارة ظاهرة، وهي نزول الآيتين في زيارته - ﷺ - لقبر أمه، والمحفوظ أنهما نزلتا في موت عمه أبي طالب مشركًا\". اهـ\nوأخرج الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٣٥٥)، من حديث ابن بريدة، عن أبيه نحوه، وفيه: \"نزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب\". ولم يذكر نزول الآية.\nورواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ٤٨٩) من هذا الوجه، وفيه: \"لما قدم مكة أتى رسم قبر\".\nورواه أيضًا من طريق فضيل بن مرزوق، عن عطية: \"لما قدم مكة وقف على قبر أمه حتى سخنت عليه الشمس، رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها؛ فنزلت الآية\".\n(١) سبق تخريجه في أول المسألة.","vol":"1","page":324},{"text":"قال: وأما الأحاديث التي ذُكِرَت؛ فحديث: \"ليت شعري ما فعل أبواي؛ فنزلت الآية\" لم يُخرَّج في شيء من الكتب المعتمدة، وإنما ذُكِرَ في بعض التفاسير بسند منقطع لا يحُتج به، ولا يُعَوُّل عليه.\nوأما حديث أنَّ جبريل ضرب في صدره وقال: لا تستغفر لمن مات مشركًا؛ فإنَّ البزار أخرجه بسند فيه من لا يُعرف. وأما نزول الآية في ذلك فضعيف أيضًا، والثابت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب (١).\nوأما حديث: \"أمي مع أمكما\"، فأخرجه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح. وشأن المستدرك في تساهله في التصحيح معروف، وقد تقرر في علوم الحديث أنه لا يُقبل تَفَرُّدُه بالتصحيح، ثم إنَّ الذهبي في مختصر المستدرك - لما أورد هذا الحديث ونقل قول الحاكم صحيح - قال عقبه: \"قلت: لا والله، فعثمان بن عمير ضعفه الدارقطني\". فبيَّن الذهبي ضعف الحديث، وحلف عليه يمينًا شرعيًا.\nقال السيوطي: فإنْ قلتَ: بقيت عقدة واحدة، وهي ما رواه مسلم عن أنس أَنَّ رجلًا قال: \"يا رسول الله، أين أبي؟ قال: في النار. فلما قفى دعاه فقال: إنَّ أبي وأباك في النار\" (٢)، وحديث مسلم عن أبي هريرة - ﵁ -: \"أنه - ﷺ - استأذن في الاستغفار لأمه فلم يُؤذن له\" (٣)، فاحلل هذه العقدة. قلت: على الرأس والعين:\n_________\n(١) عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِالْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) [التوبة: ١١٣]، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦» [القصص: ٥٦] \".\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المناقب، حديث (٣٨٨٤)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (٢٤)، واللفظ لمسلم.\n(٢) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٣) سبق تخريجه في أول المسألة.","vol":"1","page":325},{"text":"والجواب: أَنَّ هذه اللفظة وهي قوله: \"إنَّ أبي وأباك في النار\"، لم يتفق على ذكرها الرواة، وإنما ذكرها حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، وهي الطريق التي رواه مسلم منها، وقد خالفه معمر، عن ثابت (١)، فلم يذكر: \"إنَّ أبي وأباك في النار\"، ولكن قال له: \"إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار\" (٢). وهذا اللفظ لا دلالة فيه على والده ﷺ بأمر ألبتة، وهو أثبت من حيث الرواية؛ فإنَّ معمرًا أثبت من حماد، فإنَّ حمادًا تُكُلِّمَ في حفظه، ووقع في أحاديثه مناكير، ذكروا أَنَّ ربيبه دَسَّها في كتبه، وكان حماد لا يحفظ، فحدَّث بها فوهِم فيها، ومن ثَمَّ لم يخرج له البخاري شيئًا، ولا خَرَّج له مسلم في الأصول إلا من روايته عن ثابت، قال الحاكم في \"المدخل\": \"ما خَرَّج مسلم لحماد في الأصول إلا من حديثه عن ثابت، وقد خَرَّج له في الشواهد عن طائفة\". (٣)\nقال السيوطي: وأما معمر فلم يُتَكَلَّم في حفظه، ولا استُنْكِرَ شيءٌ من حديثه، واتفق على التخريج له الشيخان، فكان لفظه أثبت، ثم وجدنا الحديث ورد من حديث سعد بن أبي وقاص، بمثل لفظ رواية معمر، عن ثابت، عن أنس؛ فأخرج البزار، والطبراني، والبيهقي، من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه: \"أَنَّ أعرابيًا قال لرسول الله - ﷺ -: أين أبي؟ قال: في النار. قال: فأين أبوك؟ قال: حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار\". (٤) وهذا إسناد على شرط الشيخين، فتعين الاعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره.\nوأخرج ابن ماجة، من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال: \"يا رسول الله، إنَّ أبي كان يصل الرحم، وكان؛ فأين هو؟ قال: في النار. قال: فكأنه وجد من ذلك فقال: يا رسول الله، فأين أبوك؟ قال رسول الله - ﷺ -: حيث مررت بقبر مشرك فبشره بالنار. قال: فأسلم الأعرابي بَعْدُ وقال: لقد كلفني رسول الله - ﷺ - تعبًا، ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار\" (٥).\n_________\n(١) لم أقف على رواية معمر عن ثابت.\n(٢) تقدم تخريجه في أول المسألة.\n(٣) لم أجد هذا النص في المدخل للحاكم.\n(٤) تقدم في أول المسألة.\n(٥) تقدم في أول المسألة.","vol":"1","page":326},{"text":"قال السيوطي: فهذه الزيادة أوضحت بلا شك أَنَّ هذا اللفظ العام هو الذي صدر منه - ﷺ -، ورآه الأعرابي بعد إسلامه أمرًا مقتضيًا للامتثال، فلم يَسَعه إلا امتثاله، ولو كان الجواب باللفظ الأول لم يكن فيه أمر بشيء ألبتة، فُعُلِمَ أَنَّ هذا اللفظ الأول من تصرف الراوي، رواه بالمعنى على حسب فهمه\". اهـ (١)\nأجوبة القائلين بتعذيب أبوي النبي - ﷺ - على أدلة القائلين بنجاتهما:\nأولًا: أجوبتهم عن حديث الإحياء:\nأجاب القائلون بتعذيب أبوي النبي - ﷺ - عن حديث الإحياء بأنه حديث باطل وموضوع.\nوممن قال ببطلانه: الدارقطني، والحافظ ابن دحية الكلبي (٢)، وابن الجوزي، وابن عساكر، والذهبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن سَيِّدِ الناس (٣) (٤)، والحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر، والجوزقاني، ومحمد شمس الحق العظيم آبادي، والألباني، وغيرهم. (٥)\nقال ابن الجوزي - بعد روايته للحديث ـ: \"هذا حديث موضوع بلا شك، والذي وضعه قليل الفهم، عديم العلم، إذ لو كان له علم لعلم أَنَّ من مات كافرًا لا ينفعه أنْ يؤمن بعد الرجعة، لا بل لو آمن عند المعاينة لم ينتفع، ويكفي في رد هذا الحديث قوله تعالى: (فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ) [البقرة:\n_________\n(١) مسالك الحنفا في والدي المصطفى، للسيوطي (٢/ ٣٨٩ - ٣٩٤).\n(٢) هو: عمر بن الحسن بن علي بن محمد، أبو الخطاب، ابن دحية الكلبي: أديب، مؤرخ، حافظ للحديث، من أهل سبتة بالأندلس. ولي قضاء دانية، ورحل إلى مراكش والشام والعراق وخراسان، واستقر بمصر. وكان كثير الوقيعة في العلماء والأئمة فأعرض بعض معاصريه عن كلامه، وكذبوه في انتسابه إلى (دحية) وقالوا: إن دحية الكلبي لم يُعَقِّبْ. من تصانيفه: (نهاية السول في خصائص الرسول)، و(النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس)، وغيرها، توفي بالقاهرة سنة (٦٣٣هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (٢٢/ ٣٨٩)، والأعلام، للزركلي (٥/ ٤٤).\n(٣) هو: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، ابن سيد الناس، اليعمري الربعي، أبو الفتح، فتح الدين: مؤرخ، عالم بالأدب، من حفاظ الحديث، أصله من إشبيلية، ومولده ووفاته في القاهرة. من تصانيفه (عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير)، و(بشرى اللبيب في ذكرى الحبيب)، و(النفح الشذي في شرح جامع الترمذي)، وغيرها. توفي سنة (٧٣٤هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٧/ ٣٤).\n(٤) عيون الأثر في فنون المغازي والسير، لابن سيد الناس (١/ ١٥٢).\n(٥) انظر على الترتيب: لسان الميزان، لابن حجر (٤/ ١٩٢)، وفيه النقل عن الدارقطني، وأدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول ﵇، لعلي القاري، ص (٨٨)، وفيه النقل عن الحافظ ابن دحية، والموضوعات، لابن الجوزي (١/ ٢٨٤)، ولسان الميزان، لابن حجر (٤/ ٣٠٥)، وفيه النقل عن ابن عساكر، وميزان الاعتدال، للذهبي (٤/ ٤٣٧)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (٤/ ٣٢٤)، وتفسير ابن كثير (١/ ١٦٧) و(٢/ ٤٠٨)، والبداية والنهاية، لابن كثير (٢/ ٢٦١)، ولسان الميزان، لابن حجر (٤/ ٣٠٥)، والأباطيل والمناكير، للجوزقاني (١/ ٣٧٧)، وعون المعبود، للآبادي (١٢/ ٣٢٤)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني (٦/ ١٨١).","vol":"1","page":327},{"text":"٢١٧]، وقوله في الصحيح: \"استأذنت ربي أنْ أستغفر لأمي فلم يأذن لي\". اهـ (١)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية - وقد سُئِل: هل صح عن النبي ﷺ: أَنَّ الله ﵎ أحيا له أبويه حتى أسلما على يديه ثم ماتا بعد ذلك؟\nفأجاب: - \"لم يصح ذلك عن أحد من أهل الحديث; بل أهل المعرفة متفقون على أَنَّ ذلك كذب مختلق، وإنْ كان قد رَوَى في ذلك أبو بكر - يعني الخطيب - في كتابه (السابق واللاحق) وذكره أبو القاسم السهيلي في (شرح السيرة) بإسناد فيه مجاهيل، وذكره أبو عبد الله القرطبي في (التذكرة)، وأمثال هذه المواضع لا نزاع بين أهل المعرفة أنه من أظهر الموضوعات كذبًا كما نص عليه أهل العلم، وليس ذلك في الكتب المعتمدة في الحديث; لا في الصحيح ولا في السنن ولا في المسانيد، ونحو ذلك من كتب الحديث المعروفة، ولا ذكره أهل كتب المغازي والتفسير، وإنْ كانوا قد يروون الضعيف مع الصحيح؛ لأن ظهور كذب ذلك لا يخفى على متدين، فإنَّ مثل هذا لو وقع لكان مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله؛ فإنه من أعظم الأمور خرقًا للعادة من وجهين: من جهة إحياء الموتى، ومن جهة الإيمان بعد الموت. فكان نقل مثل هذا أولى من نقل غيره، فلما لم يروه أحد من الثقات عُلِمَ أنه كذب\". اهـ (٢)\nوقال الألباني: \"كثيرًا ما تجمح المحبة ببعض الناس، فيتخطى الحجة ويحاربها، ومن وفق علم أَنَّ ذلك مناف للمحبة الشرعية، وممن جمحت به المحبة السيوطي - عفا الله عنه - فإنه مال إلى تصحيح حديث الإحياء الباطل عند كبار العلماء، وحاول في كتابه (اللآلىء) التوفيق بينه وبين حديث الاستئذان وما في معناه بأنه منسوخ، وهو يعلم من علم الأصول أَنَّ النسخ لا يقع في الأخبار وإنما في الأحكام! وذلك أنه لا يُعقل أنْ يُخبر الصادق المصدوق عن شخص أنه في النار ثم ينسخ ذلك بقوله: إنه في الجنة! كما هو ظاهر معروف لدى العلماء\". اهـ (٣).\n_________\n(١) الموضوعات، لابن الجوزي (١/ ٢٨٤).\n(٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥).\n(٣) سلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني (٦/ ١٨١).","vol":"1","page":328},{"text":"ثانيًا: أجوبتهم عن دعوى ضعف حديث مسلم: \"إنَّ أبي وأباك في النار\":\nما ادعاه السيوطي - من ضعف حديث: \"إنَّ أبي وأباك في النار\"، وتفرد حماد بن سلمة بلفظه - أجاب عنه بعض المتأخرين كالألباني وتلميذه أبي إسحاق الحويني، وقد أطال الأخير في الرد على السيوطي، وسأنقل مناقشته كاملة نظرًا لأهميتها وتناولها لجميع ما أورده السيوطي:\nقال أبو إسحاق الحويني: \"الجوابُ عما ادعاه السيوطي من وجوهٍ:\nالأول: أَنَّ السيوطي ضعَّف حديث مسلمٍ، وبنى تضعيفه على مقدمةٍ، وهي: أَنَّ معمر بن راشد خالف حماد بن سلمة في لفظه، ومعمر بن راشد أوثق من حماد بن سلمة، وهذه المقارنةُ حيدةٌ مكشوفة، فإنَّ الأمر لا يخفى على أحدٍ من المشتغلين بالحديث، ومنهم السيوطي نفسه، فإنَّ أهل العلم بالحديث قالوا: أثبت الناس في ثابت البناني هو حمادُ بن سلمة، ومهما خالفه من أحدٍ فالقولُ قولُ حمادٍ.\nقال أبو حاتم الرازي: \"حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابتٍ وفي علي بن زيد\" (١)، وقال أحمد بن حنبل: \"حماد بن سلمة أثبت في ثابتٍ من معمر\" (٢)، وقال يحيى بن معينٍ: \"من خالف حماد بن سلمة فالقول قول حمادٍ. قيل: فسليمانُ بن المغيرة عن ثابت؟ قال: سليمانُ ثبتٌ، وحماد أعلم الناس بثابت\" (٣)، وقال ابنُ معينٍ مرة: \"أثبت الناس في ثابت: حماد بن سلمة\" (٤)، وقال العقيلي: \"أصح الناس حديثًا عن ثابت: حماد بن سلمة\". (٥)\nقال الحويني: وقد أكثر مسلمٌ من التخريج لحماد بن سلمة عن ثابت في الأصول، أما معمر بن راشد فإنه وإن كان ثقةً في نفسه إلاَّ أَنَّ أهل العلم بالحديث كانوا يضعفون روايته عن ثابت البناني، ولم يخرج له مسلمٌ شيئًا في\n_________\n(١) علل الحديث، لأبي حاتم الرازي (١/ ٤٠٥).\n(٢) انظر: تهذيب الكمال، للمزي (٧/ ٢٥٩)، وتهذيب التهذيب، لابن حجر (٣/ ١١).\n(٣) انظر: تاريخ ابن معين، رواية الدوري (٤/ ٢٦٥)، وتهذيب الكمال، للمزي (٧/ ٢٦٢).\n(٤) انظر: التعديل والتجريح، لأبي الوليد الباجي (٢/ ٥٢٣)، وشرح علل الترمذي، لابن رجب (٢/ ٦٩٠).\n(٥) انظر: ضعفاء العقيلي (٢/ ٢٩١).","vol":"1","page":329},{"text":"صحيحه عن ثابت إلا حديثًا واحدًا في المتابعات، ومقرونًا بعاصم الأحول، وهذا يدلك على مدى ضعف رواية معمر عن ثابت، ولذلك قال ابنُ معين: \"معمر عن ثابت: ضعيفٌ\" (١)، وقال مرَّةً: \"وحديث معمر عن ثابت، وعاصم بن أبي النجود، وهشام بن عروة وهذا الضرب مضطربٌ كثيرُ الأوهام\" (٢)، وقال العقيلي: \"أنكرُ الناس حديثًا عن ثابت: معمر بن راشد\" (٣).\nقال الحويني: وبعد هذا البيان فما هي قيمة المفاضلة التي عقدها السيوطي بين الرجلين، فالصوابُ: رواية حماد بن سلمة، ورواية معمر بن راشد منكرة.\nالوجه الثاني: قولُ السيوطي: إنَّ ربيب حماد بن سلمة دسَّ في كتبه أحاديث مناكير وانطلى أمرها على حمادٍ لسوء حفظه. وهذه تهمة فاجرةٌ، كما قال الشيخ المعلمي ﵀ (٤)، ومستند كل من تكلَّم بهذه التهمة ما ذكره الذهبي في (ميزان الاعتدال) (٥) من طريق الدولابي قال: حدثنا محمد بن شجاع بن الثلجي، حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي، قال: كان حماد بن سلمة لا يُعرف بهذه الأحاديث - يعني أحاديث الصفات - حتى خرج مرة إلى عبادان، فجاء وهو يرويها، فلا أحسب إلا شيطانًا خرج إليه من البحر فألقاها إليه. قال ابن الثلجي: فسمعتُ عباد بن صهيب يقول: إنَّ حمادًا كان لا يحفظ، وكانوا يقولون: إنها دُسَّت في كتبه. وقد قيل: إنَّ ابن أبي العوجاء كان ربيبه فكان يدس في كتبه، وعلَّق الذهبي على هذه الحكاية بقوله: \"ابن الثلجي ليس بمصدق على حمادٍ وأمثاله، وقد اتُهم، نسأل اللَّه السلامة\". اهـ\n_________\n(١) انظر: ميزان الاعتدال في نقد الرجال، للذهبي (٦/ ٤٨١)، وشرح علل الترمذي، لابن رجب (٢/ ٨٠٤).\n(٢) انظر: التعديل والتجريح، لأبي الوليد الباجي (٢/ ٧٤٢)، وشرح علل الترمذي، لابن رجب (٢/ ٦٩١).\n(٣) انظر: ضعفاء العقيلي (٢/ ٢٩١).\n(٤) انظر: التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، للمعلمي (١/ ٢٤٣).\n(٥) ميزان الاعتدال، للذهبي (٢/ ٣٦٢).","vol":"1","page":330},{"text":"قال الحويني: وابن الثلجي هذا كان جهميًا عدوًا للسنة، وقد اتهمه ابنُ عدي بوضع الأحاديث وينسبها لأهل الحديث يثلبهم بذلك (١)، فالحكاية كلُّها كذب، فكيف يُثلب حماد بن سلمة بمثل هذا.\nالوجه الثالث: قولُهُ: \"ولم يخرج له البخاري شيئًا\". وقد تقرر عند أهل العلم أَنَّ ترك البخاري التخريج لراوٍ لا يعني أنه ضعيفٌ، وقد عاب ابنُ حبان على البخاري أنه ترك حماد بن سلمة وخرَّج لمن هو أدنى منه حفظًا وفضلًا، فقال: \"ولم ينصف من جانب حديث حماد بن سلمة، واحتج بأبي بكر بن عياش، وبابن أخي الزهري، وبعبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار، فإن كان تركُه إياه لما كان يخطئُ، فغيرُهُ من أقرانه مثل الثوري وشعبة وذويهما كانوا يخطئون، فإن زعم أَنَّ خطأه قد كثر من تغير حفظه، فقد كان ذلك في أبي بكر بن عياش موجودًا، وأنَّى يبلغُ أبو بكر حماد بن سلمة في إتقانه، أم في جمعه؟ أم في عمله؟ أم في ضبطه\". اهـ (٢)\nالوجه الرابع: في ذكر الشاهد الذي احتج به السيوطي لتقوية لفظ معمر بن راشد، فهذا الحديث أخرجه البزار، وابن السني، والطبراني، والبيهقي، وأبو نعيم، والضياء المقدسي، من طريق زيد بن أخزم، ثنا يزيد بن هارون، ثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه: \"أَنَّ أعرابيًّا قال لرسول اللَّه ﷺ: أين أبي؟ قال: في النار. قال: فأين أبوك؟ قال: حيثما مررت بقبر كافرٍ فبشره بالنار\". (٣)\nقال السيوطي: \"وهذا إسنادٌ على شرط الشيخين\".\nقال الحويني: وليس كما قال لما يأتي.\nوذكر ابنُ كثير هذا الحديث في (البداية والنهاية) (٤) وقال: \"غريبٌ\". وقد خولف زيد بن أخزم في إسناده؛ فخالفه محمد بن إسماعيل بن البختري الواسطيُّ، فرواه عن يزيد بن هارون، عن إبراهيم بن سعد، عن سالم، عن\n_________\n(١) انظر: الكامل في ضعفاء الرجال، لابن عدي (٢/ ٢٦٠).\n(٢) انظر: ميزان الاعتدال في نقد الرجال، للذهبي (٢/ ٣٦١)، وشرح علل الترمذي، لابن رجب (١/ ٤١٤ - ٤١٥).\n(٣) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٤) البداية والنهاية (٢/ ٢٦٠).","vol":"1","page":331},{"text":"أبيه. فذكره. (١)\nقال الحويني: ولا شك في تقديم رواية زيد بن أخزم لأمرين:\nالأول: أنه أثبت من محمد بن إسماعيل بن البختري.\nالثاني: أنه توبع عليه، كما في رواية البزار، والذي تابعه هو محمد بن عثمان بن مخلد، وقد سُئل عنه أبو حاتم فقال: \"شيخ\" (٢)، وقال ابنُ أبي حاتم: \"صدوق\" (٣)، ووثقه ابنُ حبان (٤)، وقد ذكر البزار أَنَّ يزيد بن هارون تفرّد به، وليس كما قال، فقد تابعه محمد بن أبي نعيم الواسطي، قال: ثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه. أخرجه الطبراني في الكبير قال: حدثنا عليُّ بن عبد العزيز، نا محمد بن أبي نعيم. وهذه متابعةٌ جيدة، وابن أبي نعيم وثقه أبو حاتم وابن حبان، وكذا صدَّقه أحمد بن سنان القطان. وكذبه ابنُ معينٍ وأبعد في ذلك. وقد أعلَّ أبو حاتم هذا الحديث بقوله: \"كذا رواه يزيد وابن أبي نعيم، ولا أعلمُ أحدًا يجاوز به الزهري غيرهما، إنما يروونه عن الزهري، قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي ﷺ ...، والمرسل أشبه\". ذكره ولده في (العلل) (٥).\nقال الحويني: وقولُ أبي حاتم متعقَّبٌ أيضًا بأنه قد رواه اثنان آخران متصلًا وهما: الوليد بن عطاء بن الأغر، عن إبراهيم بن سعد، به. ذكره الدارقطنيُّ في (العلل) (٦). والوليد صدوق.\nوالثاني: الفضل بن دكين، عن إبراهيم بن سعد. أخرجه البيهقيُّ في (الدلائل) (٧)، وسنده صحيحٌ. وقد رجح الضياء المقدسي الرواية المتصلة (٨)، على حين رجح أبو حاتم الرواية المرسلة، وقول أبي حاتم هو الصواب، وهذه الرواية المرسلة أخرجها عبدالرزاق في (المصنف) (٩)، عن معمر بن\n_________\n(١) تقدم في أول المسألة ذكر جميع طرق هذا الحديث.\n(٢) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٨/ ٢٥).\n(٣) المصدر السابق.\n(٤) الثقات، لابن حبان (٩/ ١٢٠).\n(٥) العلل، لابن أبي حاتم (٢/ ٢٥٦).\n(٦) العلل، للدارقطني (٤/ ٣٣٤).\n(٧) دلائل النبوة، للبيهقي (١/ ١٩١).\n(٨) الأحاديث المختارة، للمقدسي (٣/ ٢٠٢).\n(٩) المصنف، لعبد الرزاق (١٠/ ٤٥٤).","vol":"1","page":332},{"text":"راشد، عن الزهري قال: جاء أعرابي ...، وساق الحديث. فهكذا اختلف إبراهيمُ بن سعد ومعمر بن راشد، ولا شك عندنا في تقديم رواية معمر المرسلة؛ لأن معمرًا ثبتٌ في الزهري، وأما إبراهيم بن سعد فقد قال صالح بن محمد الحافظ: \"سماعه من الزهري ليس بذاك؛ لأنه كان صغيرًا حين سمع من الزهري\" (١)، وقال ابن معين، وسئل: إبراهيم بن سعد أحب إليك في الزهري أو ليث بن سعد؟ قال: \"كلاهما ثقتان\" (٢). فإذا تدبرت قول يعقوب بن شيبة في الليث: \"ثقة وهو دونهم في الزهري - يعني: دون مالك ومعمر وابن عيينة - وفي حديثه عن الزهري بعض الاضطراب\" (٣)، علمت أَنَّ قول ابن معين لا يفيد أنه ثبت في الزهري مثل معمر.\nقال الحويني: فالذي يتحرر من هذا البحث أَنَّ الرواية المرسلة هي المحفوظة، وهي التي رجحها أبو حاتم الرازي والدارقطني، فلا معنى للقول أنه على شرط الشيخين بعد ثبوت هذه المخالفة.\nقال الحويني: وأما حديث أبي هريرة - ﵁ -، في صحيح مسلم (٤)، والذي فيه: \"أَنَّ اللَّه نهى نبيه ﷺ عن الاستغفار لأمه\"، فلم يتعرض له السيوطي إلا بجوابٍ مجملٍ، وهذا الحديث صريح في عدم إيمانها؛ لأن اللَّه ﷿ قال: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣» [التوبة: ١١٣]، وقد نزلت هذه الآية في أبي طالبٍ. (٥)\nوبهذا الجواب - على اختصاره - يتبين أَنَّ الحديثين صحيحان لا مطعن فيهما، والحمد للَّه رب العالمين\". اهـ (٦)\n_________\n(١) انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (١/ ١٠٦).\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) المصدر السابق (٨/ ٤١٤).\n(٤) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المناقب، حديث (٣٨٨٤)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (٢٤).\n(٦) الفتاوى الحديثية، لأبي إسحاق الحويني، من موقع الشيخ على الشبكة العالمية (الإنترنت)، قسم الموسوعة الحديثية، أسئلة عام: ١٤٢١هـ.","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو مسلك الجمع بين الآيات والأحاديث، فيُحكم لأهل الفترة في الدنيا بالعذر عند الله تعالى يوم القيامة، إلا أنه من باب العدل فإنَّ الله يمتحنهم في دار الجزاء بنار يأمرهم باقتحامها؛ فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن أبى عُذِّب فيها، وهذا الامتحان هو لقيام الحُجة عليهم، وليظهر معلوم الله فيهم، وهم في ذاك الامتحان على فريقين: منهم من يُجيب، ومنهم من لا يُجيب، وما ورد من أحاديث في تعذيب أهل الفترة محمول على الذين لا يُجيبون، وهذا المسلك هو الذي تجتمع به الأدلة، ويزول به التعارض بين الآيات والأحاديث، إنْ شاء الله تعالى.\nيدل على هذا الاختيار:\n١ - أنَّ إعمال الأدلة جميعًا أولى من إعمال بعضها وترك الآخر، وعند النظر في المسالك الواردة في المسألة نجد أنَّ هذا المسلك هو الذي تنطبق عليه القاعدة، دون بقية المسالك؛ إذ المسلك الأول فيه إعمال للآيات دون الأحاديث، والثالث فيه إعمال لبعض الأحاديث دون الآيات.\n٢ - أنَّ القول بنجاتهم أو تعذيبهم مطلقًا فيه إهدار للأحاديث الواردة بامتحانهم يوم القيامة، وقد تقدم أنَّ هذه الأحاديث - أعني أحاديث الامتحان - قد رُويت عن ستة من أصحاب النبي ﷺ، وهي بمجموعها تدل على أنَّ للحديث أصلًا عن النبي ﷺ.\n٣ - أنَّ سنة الله في خلقه قد مضت بأنه لا يُعذب أحدًا حتى تقوم عليه الحجة، والقول بتعذيبهم مطلقًا مخالف لهذه السنة.\n٤ - أنَّ الآيات الواردة في أهل الفترة ليس فيها ما يدل على أنهم ناجون أو هالكون مطلقًا، بل غاية ما فيها الإخبار بأنَّ هؤلاء لم يُنذروا ولم يُبعث فيهم رسول، وبقي مصيرهم في الآخرة مجهولًا حتى بَيَّنَتْه السنة النبوية وأخبرت بأنهم يمتحنون يوم القيامة.","vol":"1","page":334},{"text":"٥ - أنَّ الأحاديث الواردة في تعذيب أهل الفترة إنما وردت بخصوص أشخاص بعينهم، ولم يأتِ فيها ما يُفيد تعذيب أهل الفترة مطلقًا، على حين جاءت الآيات الواردة بعذرهم بصيغة العموم والإطلاق، ولم تنص على نجاة شخص بعينه، فتبقى الآيات على عمومها ويخصُّ منها أولئك الذين أخبر النبي - ﷺ - بتعذيبهم، لسبب ما أوجب عذابهم، وأما الباقون من أهل الفترة فيبقى مصيرهم مجهولًا حتى يظهر معلوم الله فيهم عندما يمتحنون يوم القيامة.\nوأما أحاديث تعذيب أبويه - ﷺ - فالحق أنه لم يثبت في تعذيبهما حديثٌ سالمٌ من المعارضة، إنْ في الدلالة، وإنْ في الثبوت؛ فيجب التوقف فيهما، وعدم القطع لهما بجنة أو نار.\nأما حديث أبيه - ﷺ - فقد علمتَ ما فيه من اختلاف الرواة في لفظه، وهذا الاختلاف موجب للتوقف فيه وعدم القطع بمضمونه.\nوأما أحاديث أمه - ﷺ - فلم يأت منها حديث صحيح صريح بأنها من أهل النار، والثابت هو النهي عن الاستغفار لها، وهذا النهي لا يلزم منه أنْ تكون من أهل النار.\nفإن قلت: فما معنى نهي الله تعالى لنبيه - ﷺ - عن الاستغفار لها؟\nفجوابه: أنَّ الله تعالى لم يأذن لنبيه - ﷺ - بالاستغفار لأمه لأنها ماتت في الفترة، ومصير أهل الفترة مجهول، فلا يُدْرَى ما يصيرون إليه، وقد شاء سبحانه أنْ يكون مصير أمه - ﷺ - مخفيًا عنه لِحِكَمٍ يريدها سبحانه، وقد يكون من هذه الحِكَم أنَّ النبي - ﷺ - لو أُذِنَ له بالاستغفار لأُمِّهِ لفُهِمَ منه جواز الاستغفار لأهل الفترة عمومًا، ومعلوم أنَّ من أهل الفترة من قضى الله تعالى بأنهم لا يُجيبون، ولا يجوز الاستغفار لمن قضى الله تعالى بأنهم لا يجيبون، لأن حكم هؤلاء هو حكم أهل الكفر والشرك، والذين منع الله من الاستغفار لهم.\n\"كما أن الاستغفار فرع تصوير الذنب، وذلك في أوان التكليف، ولا يُعقل ذلك فيمن لم تبلغه الدعوة، فلا حاجة إلى الاستغفار لهم، فيمكن أنه ما شرع الاستغفار إلا لأهل الدعوة، لا لغيرهم، وإن كانوا ناجين\". (١)\n_________\n(١) انظر: حاشية السندي على سنن النسائي (٤/ ٣٩٥).","vol":"1","page":335},{"text":"\"ويمكن أنْ يقال: إنَّ أهل الجاهلية يعاملون معاملة الكفرة في الدنيا فلا يُدعى لهم ولا يستغفر لهم؛ لأنهم يعملون أعمال الكفرة فيعاملون معاملتهم، وأمرهم إلى الله في الآخرة\". (١)\nفإن قلت: فما معنى بكائه - ﷺ - عند قبرها؟\nفجوابه: أنَّ بكاءه - ﷺ - عند قبرها لا يلزم منه كونها تُعذَّب، أو أنها ماتت على الكفر؛ والظاهر أنَّ بكاءه إنما هو لعدم علمه - ﷺ - بمصيرها، ولشفقته عليها، لا لأنها تُعذب. (٢)\nفإن قلت: هذا التعليل يُعارضه ما رُويَ أن النبي - ﷺ - لما استأذن ربه في الاستغفار لأمه نزل قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣» [التوبة: ١١٣] (٣)، وهذا الحديث يُفيد بأن العلة من النهي عن الاستغفار كونها ماتت على الشرك.\nوالجواب: أن هذا السبب المذكور في نزول الآية لا يصح، والثابت أن هذه الآية نزلت في أبي طالب، وقد تقدم. (٤)\nفإن قلت: فما جوابك عن الإجماع الذي حكاه القُرافي في تعذيب أهل الفترة عمومًا، وما حكاه المُلاَّ علي القاري من تعذيب الأبوين خصوصًا؟\nوالجواب: أنَّ دعوى الإجماع على تعذيب أهل الفترة عمومًا مُعارض بما ورد في القرآن الكريم من عُذرهم بالفترة، وهي نصوص قطعية لا تحتمل التأويل، ومُعارض بما جاء في السنة النبوية من أنَّ أهل الفترة يُمتحنون يوم القيامة، ودعوى الإجماع لا بُدَّ وأن يكون لها مستند من كتاب أو سنة (٥)،\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز (٥/ ١٨١).\n(٢) انظر: حاشية السندي على سنن النسائي (٤/ ٣٩٥).\n(٣) سبق تخريجه في أثناء المسألة.\n(٤) سبق تخريجه في أثناء المسألة.\n(٥) ليس هناك دليل قاطع يدل على تعذيب أهل الفترة عمومًا، وقد تقدم أنَّ الأحاديث الواردة في تعذيبهم إنما وردت بخصوص أشخاص بأعيانهم، وهي لا تدل على عموم العذاب لكل من مات في الفترة، وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يوجد مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول - ﷺ -، ولا يوجد مسألة يتفق الإجماع عليها =","vol":"1","page":336},{"text":"وأنْ لا تخالف شيئًا من النصوص، وغالبًا ما يُحكى الإجماع ولا تجد له أصلًا، أو يكون أصله مختلف في حجيته، وتحقق ثبوت الإجماع عزيزٌ قَلَّ أنْ يثبت.\nوأما دعوى المُلا علي بن سلطان القاري - الإجماع على أنَّ الأبوين ماتا على الكفر - فهي دعوى عارية عن الصحة، فكيف يُحْكَى الإجماع في زمن متأخر جدًا، فوفاته كانت سنة (١٠١٤ هـ)، ولا أعلم أحدًا ادعى الإجماع قبله، على أنَّ دعوى الإجماع تحتاج إلى تحقيق كما قلتُ سابقًا، فليس كل ما يُحكى فيه الإجماع يجب التسليم له.\nوالمتأمل في كتابات الملا علي القاري حول حكم الأبوين يجد عنده تناقضًا وترددًا في مصيرهما، فهو في كتابه \"أدلة معتقد أبي حنيفة\" يذكر لنا أنهما ماتا على الكفر، ومصيرهما إلى النار، على حين نراه في كتابه \"شرح الشفا، للقاضي عياض\" يقول: \"وأما إسلام أبويه ففيه أقوال: والأصح إسلامهما، على ما اتفق عليه الأجلة من الأئمة، كما بينه السيوطي في رسائله الثلاث المؤلفة\". اهـ (١)\nوقال في الكتاب نفسه: \"وأما ما ذكروه من إحيائه ﵊ أبويه فالأصح أنه وقع، على ما عليه الجمهور الثقات، كما قال السيوطي في رسائله الثلاث المؤلفة\". اهـ (٢) وفي كتابه \"مرقاة المفاتيح\" يذكر لنا أنَّ مذهب الجمهور على أنَّ والديه - ﷺ - ماتا على الكفر. (٣)\nوهذا التناقض من القاري يوجب التوقف في دعواه الإجماع، إذ لو كان ثَمَّةَ إجماع لما تردد في مصيرهما.\nوعلى التسليم بثبوت الإجماع فهو محمول على أنَّ حكمهما في الدنيا حكم من مات على الشرك، من عدم جواز الاستغفار لهما ونحو ذلك، ولا\n_________\n= إلا ولها مستند من كتاب أو سنة. انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٩/ ١٩٥).\n(١) شرح الشفا، لعلي القاري (١/ ١٠٦).\n(٢) المصدر السابق (١/ ٦٤٨).\n(٣) مرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (٤/ ٢١٦).","vol":"1","page":337},{"text":"يجوز حمله على القطع بأنهما من أهل النار، لما علمت من أنَّ هذا القطع لم يثبت به دليل صحيح صريح حتى يُصار إليه.\nفإن قلت: فهذا ورقة بن نوفل مات في الفترة وقد أثنى عليه النبي - ﷺ -، فلو كان أهل الفترة يجب التوقف فيهم لما أثنى عليه النبي - ﷺ -؟\nوالجواب: أنَّ أهل الفترة كما ذكر محمد بن خليفة الأُبيّ على أقسام:\nقسم عندهم بَقيَّةُ إنذار من الأمم السابقة، كمن سافر أو سمع شيئًا عن الأديان السابقة، وهؤلاء قد بلغتهم الدعوة وقامت عليهم الحجة، وليسوا بأهل فترة؛ لأنَّ أهل الفترة هم الغافلون، كما سيأتي.\nوأصحاب هذا القسم منهم من التزم بالدين الذي سمع به فتحققت له النجاة، كورقة بن نوفل، ومنهم من رفض أو غَيَّرَ وبَدَّلَ فاستحق الهلاك؛ كابن جدعان، وعمرو بن لحي.\nوأما القسم الثاني من أهل الفترة: فهم الغافلون، الذين لم يسمعوا بشيء من تلك الأديان، ولم يُبْعَث فيهم رسولٌ يُنذرهم ويُحذرهم، وهؤلاء معذورون بجهلهم وغفلتهم، وقد نص تعالى على عذرهم بسبب غفلتهم حيث قال: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦» [يس: ٦]، وأَبَاَن في آية أخرى أنَّ الغفلة موجبة لرفع العذاب في الدنيا فقال: (ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١» [الأنعام: ١٣١]، فإذا كان تعالى لا يهلكهم في الدنيا إلا بعد الإنذار والإعذار، فمن باب أولى أن لا يعذبهم في الآخرة إلا بعد إنذارهم، والله تعالى أعلم.\n****","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>المسألة [١٩]: هل يُورَثُ الأنبياء ﵈</span>؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى - فيما يحكيه عن زكريا ﵇ -: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦» [مريم: ٥ - ٦].\nوقال تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦» [النمل: ١٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآيات:</span>\n(٤٣) - (٣٦): عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ - ﵁ - تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ النَّبِيِّ - ﷺ -، فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - ﷺ -، تَطْلُبُ صَدَقَةَ النَّبِيِّ - ﷺ - الَّتِي بِالْمَدِينَةِ وَفَدَكٍ (١)، وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ (٢)، فَقَالَ\n_________\n(١) فَدَك: بفتح الفاء والدال، قرية بالحجاز بين المدينة وخيبر، وتبعد عن المدينة مسيرة يومين وقيل ثلاثة. انظر: معجم البلدان، لياقوت (٤/ ٢٣٨)، ومعجم ما استعجم، للبكري (٣/ ١٠١٥).\n(٢) خيبر: هي ناحية على ثمانية برد من المدينة لمن يريد الشام، ويطلق هذا الاسم على الولاية، وتشتمل هذه الولاية على سبعة حصون ومزارع ونخل كثير. انظر: معجم البلدان، لياقوت (٢/ ٤٠٩).","vol":"1","page":339},{"text":"أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ - يَعْنِي مَالَ اللَّهِ - لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَزِيدُوا عَلَى الْمَأْكَلِ .... \". (١)\n(٤٤) - (٣٧): وَعَنْ عُمَرَ بنِ الخطاب، وأبي هريرة ﵄، أَنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ\". (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والأحاديث:</span>\nظاهر الحديثين الشريفين أَنَّ الأنبياء ﵈ لا يُورَثُون، وأما الآيات الكريمة ففيها إثبات الإرث لهم، وهذا يُوهِمُ التعارض بين الآيات والأحاديث. (٣)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المناقب، حديث (٣٧١٢)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٥٩).\n(٢) حديث عمر بن الخطاب: أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٤/ ٦٤)، من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، عن مالك بن أوس، عن عمر، به.\nقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (٣/ ٢١٤): \"إسناده على شرط مسلم\".\nوأخرجه ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ١٧٥)، من طريق مالك بن أنس، عن الزهري، به.\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٢٦)، وتمام في فوائده (٢/ ٧٢)، وابن عساكر في تاريخه (٣٦/ ٣٠٩)، جميعهم من طريق تليد بن سليمان، عن عبد الملك بن عمير، عن الزهري، به.\nوحديث أبي هريرة: أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٤٦٣)، عن وكيع، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، به. وإسناده صحيح على شرط مسلم.\nوأخرجه ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ١٧٥)، من طريق الحميدي، عن سفيان، به.\nفائدة: اشتهر في كثير من كتب التفسير، وشروح الحديث، وكتب الأصول، رواية الحديث بلفظ: \"نحن معاشر الأنبياء لا نورث\"، وقد بين الحافظ ابن حجر في الفتح (١٢/ ١٠): أن لفظة \"نحن\" قد أنكرها جماعة من الأئمة، حيث لم يرد الحديث بهذا اللفظ في شيء من كتب السنة، وأما الحافظ ابن كثير فقد أشار في تفسيره (٣/ ١١٧) إلى أن الحديث رواه الترمذي بهذا اللفظ، لكن لم أقف عليه في سنن الترمذي، ولا في الشمائل، ولا في العلل له.\n(٣) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: تأويل مشكل الحديث، لابن قتيبة، =","vol":"1","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والأحاديث:</span>\nاتفق أهل السُّنَّة على أَنَّ نبينا محمدًا - ﷺ - لا يُورَث (١)، أخذًا بأحاديث المسألة (٢)،\nوشذَّت الشيعة (٣)، فقالوا: بل يُورَث. وأنكروا أحاديث المسألة، وطعنوا على أبي بكر الصديق - ﵁ - في روايته لها. (٤)\nواختلف أهل السنة في بَقِيَّةِ الأنبياء - ﵈ - هل يُورَثون أم لا؟ على ثلاثة مذاهب:\n_________\n= ص (٢٧٩)، والناسخ والمنسوخ، للنحاس (٣/ ٦٣)، وفتح الباري، لابن حجر (١٢/ ١٠)، وعمدة القاري، للعيني\n(١٧/ ١٣٠)، (٢٣/ ٢٣٢)، والصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة، لابن حجر الهيثمي (١/ ١٠١)، ونيل الأوطار، للشوكاني (٦/ ١٩٧).\n(١) حكى الاتفاق: ابن حزم في \"الفصل\" (٣/ ٩)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٨/ ١٧٤ - ١٧٥).\n(٢) والحديث الأول متواتر، كما نص على ذلك الكتاني في كتابه \"نظم المتناثر من الحديث المتواتر\"، ص (٢٢٧ - ٢٢٨)، وعزا القول بتواتره للحافظ ابن حجر في أماليه.\n(٣) الشيعة هم: الذين شايعوا عليًا - ﵁ - على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصًا ووصية، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره أو بتقية من عنده، وقالوا: إن الإمامة هي ركن الدين، لا يجوز للرسل ﵈ إغفالها وإهمالها، ولا تفويضها إلى العامة وإرسالها. ويجتمع الشيعة على القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوبًا، عن الكبائر والصغائر، والقول بالتولي والتبري، قولًا وفعلًا وعقدًا إلا في حال التقية، ويخالفهم بعض الزيدية في ذلك، وهم خمس فرق: كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاة، وإسماعيلية، وبعضهم يميل في الأصول إلى الاعتزال، وبعضهم إلى السنة، وبعضهم إلى التشبيه. انظر: الملل والنحل، للشهرستاني، ص (١٦٩ - ١٧٠).\n(٤) مذهب الشيعة - في وراثة النبي - ﷺ - يقرره الشيعي الطبرسي في كتابه \"مجمع البيان\" (٦/ ٥٠٣)، حيث يقول - في تفسير قوله تعالى: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) [مريم: ٦]-: \"واستدل أصحابنا بالآية على أن الأنبياء يُورَثون المال، وأن المراد بالإرث المذكور فيها إرث المال دون العلم والنبوة، فلفظ الميراث في اللغة والشريعة لا يُطلق =","vol":"1","page":341},{"text":"الأول: أنهم لا يُورَثون مطلقًا، كنبينا عليه وعليهم السلام.\nوهذا مذهب جمهور العلماء من السلف والخلف. (١)\nوحكاه أبو الوليد الباجي (٢) (٣)، وابن القيم (٤)، والسيوطي (٥) إجماعًا.\nواحتج الجمهور على منع وراثة الأنبياء:\nبأن النبي - ﷺ - قال: \"لاَ نُورَثُ\" حيث جمع الضمير باعتبار مشاركة بقية الأنبياء له في ذلك.\nقالوا: ويدل على العموم حديث: \"إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ\" (٦)، وحديث: \"إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا،\n_________\n= إلا على ما يُنقل من الموروث إلى الوارث؛ كالأموال، ولا يستعمل في غير المال إلا على طريق المجاز والتوسع، ولا يُعدل عن الحقيقة إلى المجاز بغير دلالة\". اهـ\nومذهب الشيعة هذا باطل بإجماع أهل السنة، وقد تصدى لإنكاره وبيان بطلانه جمع من علماء أهل السنة، كابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن حجر الهيثمي، وغيرهم.\nقال ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (٢٧/ ٣٨٧ - ٣٨٨) - بعد أن حكى مذهبهم -: \"وليس قولهم هذا مما يُشتغل به، ولا يُحكى مثله، لما فيه من الطعن على السلف، والمخالفة لسبيل المؤمنين\".\nوقال: \"وكيف يسوغ لمسلم أن يظن أن أبا بكر - ﵁ - منع فاطمة ميراثها من أبيها - ﷺ -، ومعلوم عند جماعة العلماء أن أبا بكر - ﵁ - كان يعطي الأحمر والأسود، ويسوي بين الناس في العطاء، ولم يستأثر لنفسه بشيء، ويستحيل في العقل أن يمنع فاطمة ويرده على سائر المسلمين، وقد أمر بنيه أن يردوا ما زاد في ماله منذ ولي أمر المسلمين إلى بيت المال، وقال: إنما كان لنا من أموالهم ما لبسنا على ظهورنا، وما أكلنا من طعامهم\". اهـ\nوقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد عليهم في كتابه \"منهاج السنة النبوية\" فانظره في (٤/ ١٩٣ - ٢٢٥)، وانظر: كتاب \"الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة\"، لابن حجر الهيثمي (١/ ٩٢ - ١٠٢).\n(١) حكاه مذهب الجمهور: النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" (٣/ ٦٣)، وابن عبد البر في \"التمهيد\"\n(٨/ ١٧٤)، والقاضي عياض في \"إكمال المعلم\" (٦/ ٩٠)، والنووي في \"شرح صحيح مسلم\"\n(١٢/ ١١٧)، وأبو زرعة العراقي في \"طرح التثريب\" (٦/ ٢٤٠).\n(٢) هو: سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي الأندلسي القرطبي، القاضي أبو الوليد الباجي الذهبي، ص (٤) التصانيف، أصله من مدينة بطليوس فتحول جده إلى باجة بليدة بقرب إشبيلية فنُسِب إليها، وما هو من باجة المدينة التي بإفريقية، ولي القضاء بمواضع من الأندلس وصنف كتاب \"المعاني في الفقه\" وكتاب \"المنتقى في شرح الموطأ\"، مات سنة (٤٧٤هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٨/ ٥٣٥).\n(٣) المنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد الباجي (٧/ ٣١٧).\n(٤) مفتاح دار السعادة (١/ ٦٧).\n(٥) الخصائص الكبرى، للسيوطي (٢/ ٤٣٦).\n(٦) تقدم تخريجه في أول المسألة.","vol":"1","page":342},{"text":"إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ\" (١) (٢).\nوأجابوا عن الآيات التي فيها نسبة الوراثة للأنبياء: بأن المراد إرث النبوة والعلم، لا إرث المال. (٣)\nقالوا: وهذا المعنى هو المروي عن السلف في تفسير الآيات؛ كمجاهد (٤)، وقتادة (٥)، والحسن البصري في أصح الروايات عنه (٦)،\n_________\n(١) أخرجه من حديث أبي الدرداء: الإمام أحمد في مسنده (٥/ ١٩٦)، وأبو داود في سننه، في كتاب العلم، حديث (٣٦٤١)، والترمذي في سننه، في كتاب العلم، حديث (٢٦٨٢).\nقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ١٩٣): \"أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم مصححًا من حديث أبي الدرداء، وحسنه حمزة الكناني، وضعفه غيرهم بالاضطراب في سنده، لكن له شواهد يتقوى بها\". اهـ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٤٠٧).\n(٢) انظر: طرح التثريب، للعراقي (٦/ ٢٤٠).\n(٣) انظر: تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة، ص (٢٧٩ - ٢٨٢)، ومعاني القرآن، للزجاج (٣/ ٢٦١)، وشرح مشكل الآثار، للطحاوي (٣/ ١٠ - ١٢)، وأحكام القرآن، للجصاص (٣/ ٢٨٣)، ومفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، ص (٨٦٣)، والفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (٣/ ٩)، والتمهيد (٨/ ١٧٤)، والاستذكار (٢٧/ ٣٨٧)، كلاهما لابن عبد البر، والوسيط، للواحدي (٣/ ٣٧٠)، وأحكام القرآن، لابن العربي (٣/ ٢٤٧، ٤٧١)، وزاد المسير، لابن الجوزي (٥/ ١٥٥)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٢٤/ ١٦٠)، والمفهم، لأبي العباس القرطبي (٣/ ٥٦١ - ٥٦٢)، وتفسير القرطبي (١١/ ٥٣)، (١٣/ ١١٠)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (١٢/ ١١٨)، ومنهاج السنة، لابن تيمية (٤/ ٢٢٤)، والتسهيل، لابن جزي (١/ ٤٧٧)، ومفتاح دار السعادة، لابن القيم (١/ ٦٧)، وتفسير ابن كثير (٣/ ١١٧)، (٣/ ٣٧٠)، والبداية والنهاية، له (٢/ ١٧، ٤٤)، وطرح التثريب، لأبي زرعة العراقي (٦/ ٢٤٠)، وفتح الباري، لابن حجر (١٢/ ١٠)، وعمدة القاري، للعيني (١٧/ ١٣٠)، (٢٣/ ٢٣٢)، والخصائص الكبرى، للسيوطي (٢/ ٤٣٦ - ٤٣٧)، والصواعق المحرقة، لابن حجر الهيثمي (١/ ١٠١)، وتفسير أبي السعود (٥/ ٢٥٤)، ومرقاة المفاتيح، للقاري (١١/ ١٢٩)، وفتح القدير، للشوكاني (٣/ ٤٦٠)، وروح المعاني، للآلوسي (٤/ ٥٨٢)، وأضواء البيان، للشنقيطي (٤/ ٢٠٦).\n(٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٨/ ٣٠٨)، وانظر: تفسير مجاهد (٦/ ٤٥).\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٢٨٥٤).\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣)، ومن طريقه ابن جرير في تفسيره (٨/ ٣٠٨)، وإسناده صحيح.","vol":"1","page":343},{"text":"والسدي (١).\nقالوا: ومن الأدلة على أَنَّ المراد بالآيات إرث النبوة والعلم، لا إرث المال:\nالأول: أنَّه لم يُذْكَرْ أَنَّ زكريا ﵇ كان ذا مال، بل كان نجَّارًا (٢) يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالًا، فكيف يُورَث منه، لا سيما والأنبياء ﵈ من أزهد الناس في الدنيا. (٣)\nالدليل الثاني: أَنَّ إرث المال هو من الأمور العادية المشتركة بين الناس، كالأكل والشرب ودفن الميت، ومثل هذا لا يُقَصُّ على الأنبياء؛ إذ لا فائدة فيه، وإنما يُقَصُّ ما فيه عبرة وفائدة تستفاد، وإلا فقول القائل: مات فلان وورث ابنه ماله، مثل قوله: ودفنوه، ومثل قوله: أكلوا وشربوا وناموا ونحو ذلك مما لا يحسن أَنْ يُجْعَلَ من قصص القرآن. (٤)\nالدليل الثالث: أَنَّ داود ﵇ كان له أولاد كثير سوى سليمان، فلو كان الموروث هو المال لم يكن سليمانُ مختصًا به دون بقية أخوته. (٥)\nالدليل الرابع: أنَّه لا يجوز أَنْ يتأسف نبي الله على مصير ماله بعد موته، إذا وصل إلى وارثه المستحق له شرعًا. (٦)\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٨/ ٣٠٩).\n(٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"كَانَ زَكَرِيَّاءُ نَجَّارًا\". أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفضائل، حديث (٢٣٧٩).\n(٣) تفسير ابن كثير (٣/ ١١٧)، وانظر: تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة، ص (٢٧٩ - ٢٨٠)، وزاد المسير، لابن الجوزي (٥/ ١٥٥)، ومنهاج السنة، لابن تيمية (٤/ ٢٢٥)، ومفتاح دار السعادة، لابن القيم (١/ ٦٧).\n(٤) منهاج السنة النبوية، لابن تيمية (٤/ ٢٢٤)، وانظر: تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة، ص (٢٨٢)، والتمهيد، لابن عبد البر (٨/ ١٧٥ - ١٧٦)، ومفتاح دار السعادة، لابن القيم (١/ ٦٧)، وتفسير ابن كثير (٣/ ١١٧)، وطرح التثريب، للعراقي (٦/ ٢٤٠).\n(٥) مفتاح دار السعادة، لابن القيم (١/ ٦٧)، وانظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (٣/ ٩)، ومنهاج السنة النبوية، لابن تيمية (٤/ ٢٢٤)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٣٧٠).\n(٦) زاد المسير، لابن الجوزي (٥/ ١٥٥)، وانظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل، =","vol":"1","page":344},{"text":"الدليل الخامس: أنَّه قد صح عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ\"، وهذا اللفظ عامٌ في جميع الأنبياء ولا يَحْتَمِلُ التخصيص، ولا يجوز تفسير الآيات بمعنى يخالف هذا الحديث.\nالدليل السادس: أنه ليس في كون سليمان ورث مال داود صفة مدحٍ، لا لداود، ولا لسليمان؛ فإنَّ اليهودي والنصراني يَرِثُ أباه مالَه، والآية إنما سيقت في بيان مدح سليمان وما خصَّه الله به من النعمة. (١)\nالدليل السابع: أَنَّ آل يعقوب قد انقرضوا من زمان فكيف يرث زكريا مالهم، وأيضًا فإن زكريا ﵇ لا يرث من آل يعقوب شيئًا من أموالهم، وإنما يرث ذلك أولادهم. (٢)\nالدليل الثامن: أَنَّ الوراثة تَرِدُ في الكتاب والسنة بمعنى وراثة العلم والدين؛ كقوله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا) [فاطر: ٣٢]، وقوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) [الشورى: ١٤]، وقوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ) [الأعراف: ١٦٩]، إلى غير ذلك من الآيات، فلا مانع من حملها في الآيات على هذا المعنى سيما وقد وجدت قرائن تدل على هذا المعنى. (٣)\nالإيرادات والاعتراضات على مذهب الجمهور:\nالاعتراض الأول: أَنَّ قوله - ﷺ -: \"لاَ نُورَثُ\" خاص به - ﷺ -؛ بدليل أَنَّ عمر بن الخطاب - ﵁ - قال - بعد روايته للحديث -: \"يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - نَفْسَهُ\" (٤)، وقد صَدَّقَ عمرَ جماعةٌ من الصحابة على هذا المعنى حين حدَّثَ به بمحضر منهم، وهذا يدل على أَنَّ الحديث يُرَادُ به الخصوص، فلا مانع إذن\n_________\n= لابن حزم (٣/ ١٠)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٢١/ ١٥٧)، ومنهاج السنة النبوية، لابن تيمية (٤/ ٢٢٥)، وتفسير ابن كثير (٣/ ١١٧).\n(١) منهاج السنة النبوية، لابن تيمية (٤/ ٢٢٤).\n(٢) انظر: منهاج السنة النبوية، لابن تيمية (٤/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، وأضواء البيان، للشنقيطي (٤/ ٢٠٦).\n(٣) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (٤/ ٢٠٨).\n(٤) سيأتي تخريجه في الصفحة الآتية.","vol":"1","page":345},{"text":"من تفسير الآيات بإرث المال، لأنَّ هذا المعنى لا يُعارض الحديث على القول بخصوصه. (١)\nوأجيب على هذا الاعتراض من أربعة أوجه:\nالأول: أَنَّ ظاهر صيغة الجمع في قوله - ﷺ -: \"لاَ نُورَثُ\" شمول جميع الأنبياء؛ فلا يجوز العدول عن هذا الظاهر إلا بدليل من كتاب أو سنة، وقول عمر - ﵁ - لا يصح أَنْ يُخَصَّصَ به نصٌ من السنة؛ لأنَّ النصوص لا يصح تخصيصها بأقوال الصحابة على التحقيق، كما هو مقرر في الأصول.\nالوجه الثاني: أَنَّ قول عمر: \"يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - نَفْسَهُ\" لا يُنافي شمول الحكم لغيره من الأنبياء، لاحتمال أَنْ يكون قصده يريد أنه هو - ﷺ - يعني نفسه؛ فإنَّه لا يُورَث، ولم يقل عمر: إنَّ اللفظ لم يشمل غيره، وكونه يعني نفسه لا ينافي أَنَّ غيره من الأنبياء لا يُورث أيضًا.\nالوجه الثالث: أنه قد جاء في روايات أخرى التصريح في عموم عدم الإرث المالي في جميع الأنبياء، كرواية: \"إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ\"، ورواية: \"إنَّ الأنبياء\nلا يورثون\" (٢)، وهذه الروايات يشد بعضها بعضًا، وقد تقرر في الأصول أَنَّ البيان يصح بكل ما يُزيل الإشكال، ولو بقرينة أو غيرها، وعليه فهذه الروايات التي ذكرنا تبين أَنَّ المقصود من قوله - ﷺ -: \"لاَ نُورَثُ\" أنه يعني نفسه كما قال عمر، وجميع الأنبياء كما دلت عليه الروايات المذكورة. (٣)\nالاعتراض الثاني: أَنَّ سليمان ﵇ قد كان نبيًا في وقت أبيه فكيف يرث منه النبوة؟\nوأجيب: بأن الشرائع كانت إلى داود ﵇ وكان سليمان مُعينًا له فيها، وكذا كانت سبيل الأنبياء صلوات الله عليهم إذا اجتمعوا أَنْ تكون الشريعة إلى\n_________\n(١) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (٤/ ٢٠٧).\n(٢) أخرجه الدارقطني في العلل (١/ ٢٣١)، من رواية الكلبي، عن أبي صالح، عن أم هانئ، عن فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، عن أبي بكر الصديق - ﵁ -، به. وفي إسناده الكلبي؛ متروك.\n(٣) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (٤/ ٢٠٧).","vol":"1","page":346},{"text":"واحد منهم. (١)\nالاعتراض الثالث: أَنَّ النبوة لا تورث، ولو كانت تورث لقال قائل: الناس كلهم ينسبون إلى نوح ﵇، وهو نبي مرسل. (٢)\nالمذهب الثاني: أَنَّ الحديث خاص بنبينا محمد - ﷺ - دون بقية الأنبياء ﵈.\nوهذا مذهب: عمر بن الخطاب (٣)، وعائشة ﵄ (٤).\nونُسِبَ: للحسن البصري (٥)،\nوإبراهيم بن إسماعيل بن عُلَيَّة (٦) (٧).\nوهو رأي النحاس، والحافظ ابن حجر (٨)، والطاهر ابن عاشور (٩).\nولابن حجر، وابن عاشور، رأيان آخران موافقان للجمهور، بأن الحديث عام في جميع الأنبياء. (١٠)\nقال أبو جعفر النحاس: \"فأمَّا معنى (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) [مريم: ٦] فللعلماء فيه ثلاثة أجوبة: قيل: هي وراثة نبوة، وقيل: هي وراثة حكمة، وقيل: هي وراثة مال ....؛ فأما وراثة المال فلا يمتنع، وإنْ كان قوم قد\n_________\n(١) انظر: الناسخ والمنسوخ، للنحاس (٣/ ٦٥)، وشرح مشكل الآثار، للطحاوي (٣/ ١٢).\n(٢) انظر: إعراب القرآن، للنحاس (٣/ ٧).\n(٣) عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قال: \"لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ\". قال عمر: يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - نَفْسَهُ\". أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب فرض الخمس، حديث (٣٠٩٤).\n(٤) عن عَائِشَةَ ﵂ قالت: \"أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - ﷺ - عُثْمَانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلْنَهُ ثُمُنَهُنَّ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - ﷺ -، فَكُنْتُ أَنَا أَرُدُّهُنَّ فَقُلْتُ لَهُنَّ: أَلَا تَتَّقِينَ اللَّهَ، أَلَمْ تَعْلَمْنَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ: \"لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ\". يُرِيدُ بِذَلِكَ نَفْسَهُ\". أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، حديث (٤٠٣٤).\n(٥) نَسَبَه للحسن: القاضي عياض في \"إكمال المعلم\" (٦/ ٩٠)، وتبعه النووي في \"شرح مسلم\" (١٢/ ١١٧)، والحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١٢/ ١٠).\n(٦) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، الإمام العلامة الحافظ الثبت، أبو بشر الأسدي، مولاهم، البصري الكوفي الأصل، المشهور بابن علية وهي أمه، كان فقهيًا إمامًا مفتيًا من أئمة الحديث، (ت: ١٩٣هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (٩/ ١٠٧).\n(٧) نَسَبَه لابن علية: ابنُ عبد البر في \"الاستذكار\" (٢٧/ ٣٨٥). وانظر: فتح الباري، لابن حجر (١٢/ ١٠).\n(٨) فتح الباري (١٢/ ١٠).\n(٩) التحرير والتنوير (١٦/ ٦٦).\n(١٠) انظر: التلخيص الحبير، لابن حجر (٣/ ١٣٤)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (١٦/ ٦٧).","vol":"1","page":347},{"text":"أنكروه لقول النبي - ﷺ -: \"لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ\"، وهذا لا حجة فيه، لأن الواحد يُخبِرُ عن نفسه بإخبار الجميع، وقد يُؤَوَّلُ هذا بمعنى: لا نورث الذي تركناه صدقةً؛ لأنَّ النبي - ﷺ - لم يُخَلِّف شيئًا يُورث عنه ....، فإنْ قيل: ففي بعض الروايات: \"إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ\"؛ ففيه التأويلان جميعًا: أَنْ يكون \"ما\" بمعنى \"الذي\"، والآخر لا يورث من كانت هذه حاله\". اهـ (١)\nوهناك عدد من المفسرين فسروا الآيات بإرث المال لا النبوة، لكن لم يجيبوا عن الحديث، ومن هؤلاء:\nابن عباس (٢)، وأبو صالح (٣) (٤)، وعكرمة (٥)، والضحاك (٦)، والحسن البصري (٧)، وسفيان الثوري (٨)، وابن جرير (٩).\nحيث قالوا في تفسير قوله تعالى: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) قالوا: يرث من زكريا المال، ومن آل يعقوب النبوة.\nوعن الحسن في قوله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ) قال: ورث المال والملك، لا النبوة والعلم. (١٠)\nإلا أَنَّ الرواية عن ابن عباس لا تصح، وكذا الرواية عن عكرمة والضحاك والحسن البصري.\nويدل لمذهب القائلين بالتخصيص: حديث: \"رَحِمَ اللَّه أَخِي زَكَرِيَّا مَا\n_________\n(١) إعراب القرآن (٣/ ٧).\n(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٦٧)، وعزاه للفريابي.\n(٣) هو: باذام، ويقال: باذان، مولى أم هانئ بنت أبي طالب، وهو صاحب التفسير الذي يرويه عن ابن عباس، ورواه عن أبي صالح: محمد بن السائب الكلبي، قال أبو حاتم وغيره: لا يُحتج به، يعني أبا صالح، عامة ما عنده تفسير. انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد (٦/ ٢٩٦)، والكاشف، للذهبي (١/ ٢٦٣).\n(٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٨/ ٣٠٨).\n(٥) ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسيره، معلقًا (٢/ ٣١٨).\n(٦) المصدر السابق.\n(٧) ذكره معلقًا: النحاس في معاني القرآن (٤/ ٣١١)، وابن عبد البر في التمهيد (٨/ ١٧٥). إلا أنه نُقِلَ عن الحسن خلاف ذلك؛ فقد روى عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣)، ومن طريقه ابن جرير في تفسيره\n(٨/ ٣٠٨)، أنه قال في تفسير قوله تعالى: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) قال: \"يرث نبوته وعلمه\". وإسناده صحيح، وقد تقدم.\n(٨) تفسير سفيان الثوري، ص (١٨١).\n(٩) تفسير الطبري (٨/ ٣٠٨).\n(١٠) ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسيره معلقًا (٢/ ٤٩١).","vol":"1","page":348},{"text":"كَانَ عَلَيْهِ مِنْ ورَاثَةِ مَالِهِ حِينَ قَالَ: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) \". (١) فهذا يدل على أَنَّ الأنبياء يُورَثون المال. (٢)\nوتُعُقِّبَ: بأنَّ الحديث لا يصح.\nالمذهب الثالث: أَنَّ الحديث محمولٌ على أَنَّ ذلك هو الغالب من فعل الأنبياء وسِيرَتِهم، ولا ينفي أَنْ يكون هناك من يُورَث، كزكريا ﵇.\nوهذا مذهب القاضي ابن عطية، حيث قال - في تفسير قوله تعالى: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) -: \"والأكثر من المفسرين على أنَّه أراد وراثة المال (٣)، ويَحتَمِلُ قول النبي - ﷺ -: \"إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ\" أَنْ لا يريد به العموم، بل على أنه غالب أمرهم فتأمله، والأظهر الأليق بزكريا ﵇ أَنْ يريد وراثة العلم والدين، فتكون الوراثة مستعارة ... \". اهـ (٤)\nوقال: \"ويَحتَمِلُ قوله ﵇: \"إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ\" أَنْ يُريد به أَنَّ ذلك من فعل الأنبياء وسيرتهم، وإنْ كان فيهم من وُرِثَ ماله كزكريا على أشهر الأقوال فيه، وهذا كما تقول: إنا معشر المسلمين إنما شغلنا العبادة، فالمراد أَنَّ ذلك فيه فعل الأكثر\". اهـ (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو مذهب الجمهور: بأنَّ الأنبياء جميعًا لا يُورَثون، وقد دلَّ على ذلك قوله - ﷺ -: \"إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ\"،\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٨/ ٣٠٨)، عن الحسن مرسلًا، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣)، عن قتادة مرسلًا، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن جرير في تفسيره (٨/ ٣٠٨). قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٣/ ١١٨): \"وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح\".\n(٢) انظر: مفاتيح الغيب، للرازي (٢١/ ١٥٧)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (١٦/ ٦٦).\n(٣) الأصح أن الأكثر من المفسرين على أنه أراد وراثة النبوة والعلم، وقد تقدم نقل ذلك في أول المسألة.\n(٤) المحرر الوجيز (٤/ ٥).\n(٥) المصدر السابق (٤/ ٢٥٣).","vol":"1","page":349},{"text":"وهو نصٌ صحيحٌ صريحٌ، وَرَدَ بصيغة العموم في جميع الأنبياء، ومثلُ هذا لا يحتمل التخصيص.\nوأَحْسَنُ ما يُجْمَعُ به بين الآيات والأحاديث: أن تُحْمَل الوراثة في الآيات على معنى وراثة العلم، دون المال، أو النبوة.\nأمَّا المال فقد تقدَّم بيانُ المانع من حمل الآيات على هذا المعنى.\nوأمَّا النبوة فإنَّ الأنبياء لا يتوارثونها؛ وإنَّما هي اصطفاء من الله تعالى، كما قال سبحانه: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥» [الحج: ٧٥]؛ فلم يَبْقَ إلا وراثة العلم، وهي التي أخبر النبي - ﷺ - بتوارثها، في قوله: \"إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ\" (١)، والله تعالى أعلم.\n\n****\n_________\n(١) تقدم تخريجه في أثناء المسألة.","vol":"1","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>المسألة [٢٠]: في سماع الأموات لكلام الأحياء</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠» [النمل: ٨٠].\nوقال تعالى: (فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢» [الروم: ٥٢].\nوقال تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢» [فاطر: ٢٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآيات:</span>\n(٤٥) - (٣٨): عن أنس بن مالك - ﵁ -: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ (١) ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ\n_________\n(١) بَدْر: قرية صغيرة قرب المدينة المنورة، على طريق القوافل بين مكة والشام، يتزود المسافرون من بئرها بالماء، وقعت فيها غزوة بدر الكبرى، في السابع عشر من رمضان، في السنة الثانية من الهجرة، وانتصر فيها المسلمون على المشركين. انظر: معجم البلدان، لياقوت الحموي (١/ ٣٥٧ - ٣٥٨)، وتهذيب الأسماء واللغات، للنووي (١/ ٣٧).","vol":"1","page":351},{"text":"رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا. فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَسْمَعُوا، وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا (١)؟ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا. ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ\". (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والحديث:</span>\nظاهرُ الآياتِ الكريمةِ أنَّ الموتى لا يسمعون كلامَ الأحياء، وأمَّا الحديث ففيهِ إِثباتُ السماعِ لهم، وهذا يوهِمُ خِلاف الآيات. (٣)\n_________\n(١) جيفوا: أي أنتنوا، يقال: جافت الميتة، وجيَّفَت، واجتافت. والجيفة: جثة الميت إذا أنتن. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (١/ ٣٢٥).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث (٢٨٧٥).\nوقد روى هذا الحديث خمسة من الصحابة غير أنس - ﵁ -:\nالأول: حديث أبي طلحة - ﵁ -: ولفظه: \"وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ\".\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، حديث (٣٩٧٦)، ومسلم في الموضع السابق.\nالثاني: حديث عمر - ﵁ -: ولفظه: \"مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيَّ شَيْئًا\".\nأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث (٢٨٧٣).\nالثالث: حديث ابن عمر - ﵁ -: ولفظه: \"مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ\".\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (١٣٧٠).\nالرابع: حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -: ولفظه: \"ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم اليوم لا يجيبون\".\nأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٦٠). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٩١): \"رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح\".\nالخامس: حديث عبد الله بن سيدان، عن أبيه - ﵁ -: ولفظه: \"يسمعون كما تسمعون ولكن لا يجيبون\".\nأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٧/ ١٦٥). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٩١): \"رواه الطبراني، وعبد الله بن سيدان مجهول\".\n(٣) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: المحرر الوجيز، لابن عطية (٤/ ٤٣٦)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (١/ ١٤٨)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (١/ ٣٣٣)، وتفسير القرطبي (١٣/ ١٥٤)، والتذكرة، للقرطبي، ص (١٥٢).","vol":"1","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث:</span>\nلم يتجاوز العلماء في هذه المسألة مسلك الجمع بين الآيات والحديث، وقد اختلفوا في الجمع على أربعة مذاهب:\nالأول: مذهب إثبات السماع مطلقًا للأموات، وتأويل الآيات التي فيها نفي السماع.\nوهذا مذهب الجمهور من العلماء (١)، حيث ذهبوا إلى إجراء الأحاديث التي فيها إثبات السماع على ظاهرها وعمومها، وقالوا: إنَّ الميت بعد موته يسمع كلام الأحياء ويشعر بهم.\nوهو اختيار جمع من المحققين، كابن حزم، والقاضي عياض، والنووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والحافظ ابن كثير. (٢)\nواختلف أصحاب هذا المذهب في الجواب عن الآيات - التي فيها نفي السماع - على أقوال:\nالأول: أنَّ الموتى في الآيات المراد بهم الأحياء من الكفار، والمعنى: إنك لا تُسْمِع الكفار الذين أمات الله قلوبهم إسماع هدىً وانتفاع، \"وشُبِّهُوا بالموتى وهم أحياء صحاح الحواس؛ لأنهم إذا سمعوا ما يُتلى عليهم من آيات الله، فكانوا أقماع القول، لا تعيه آذانهم، وكان سماعهم كلا سماع، كانت حالهم - لانتفاء جدوى السماع - كحال الموتى الذين فقدوا مصحح السماع\". (٣)\n_________\n(١) نسبه للجمهور: ابن جرير الطبري، في تهذيب الآثار (٢/ ٤٩١)، وابن رجب، في أهوال القبور، ص (١٣٣)، والعيني، في عمدة القاري (٨/ ٢٠٢).\n(٢) انظر على الترتيب: الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (٢/ ٣٧٣)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٨/ ٤٠٥)، وصحيح مسلم بشرح النووي (١٧/ ٢٩٩)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (٤/ ٢٧٣، ٢٩٨)، (٢٤/ ١٧٢، ٢٩٧، ٣٦٤، ٣٨٠)، والروح، لابن القيم، ص (١٤١)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٤٤٧).\n(٣) انظر: الكشاف، للزمخشري (٣/ ٣٧٠).","vol":"1","page":353},{"text":"وهذا القول فيه حمل للآيات على المجاز، وذلك بتشبيه الكفار الأحياء بالموتى.\nوقد قال بهذا القول: ابن قتيبة، والخطابي، والبغوي، والزمخشري، والسهيلي، وأبو العباس القرطبي، والسمعاني، والمُلا علي بن سلطان القاري، والسيوطي، والشنقيطي، وابن عثيمين. (١)\nقال السهيلي: \"جعل الكفار أمواتًا وصُمًَّا على جهة التشبيه بالأموات وبالصم؛ فالله هو الذي يُسْمِعُهُم على الحقيقة إذا شاء، لا نبيه - ﷺ - ولا أحد، فإذًا لا تعلق بالآية من وجهين:\nأحدهما: أنَّها إنما نزلت في دعاء الكفار إلى الإيمان.\nالثاني: أنه إنما نفى عن نبيه - ﷺ - أنْ يكون هو المسمع لهم، وصدق الله فإنه لا يسمعهم إذا شاء إلا هو، ويفعل ما شاء، وهو على كل شيء قدير\". اهـ (٢)\nوقال الشنقيطي: \"اعلم أنَّ التحقيق الذي دلت عليه القرائن القرآنية واستقراء القرآن أنَّ معنى قوله: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى)، أي لا تسمع الكفار - الذين أمات الله قلوبهم، وكتب عليهم الشقاء في سابق علمه - إسماع هدىً وانتفاع؛ لأن الله كتب عليهم الشقاء، فختم على قلوبهم وعلى سمعهم، وجعل على قلوبهم الأكنة، وفي آذانهم الوقر، وعلى أبصارهم الغشاوة، فلا يسمعون الحق سماع اهتداء وانتفاع\". اهـ (٣)\n_________\n(١) انظر على الترتيب: تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة، ص (١٤٣)، وغريب الحديث، للخطابي (١/ ٣٤٢)، وشرح السنة، للبغوي (٧/ ١٢٢)، والكشاف، للزمخشري (٣/ ٣٧٠)، والروض الأنف، للسهيلي (٣/ ٨٥ - ٨٦)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٢/ ٥٨٥)، وتفسير السمعاني (٤/ ١١٢)، ومرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (٧/ ٤٧٥)، والحاوي للفتاوى، للسيوطي (٢/ ٥٣)، وأضواء البيان، للشنقيطي (٦/ ٤١٦)، والشرح الممتع، لابن عثيمين (٥/ ٣٨٥)، طبعة دار ابن الجوزي.\n(٢) الروض الأنف، للسهيلي (٣/ ٨٥ - ٨٦).\n(٣) أضواء البيان، للشنقيطي (٦/ ٤١٦)، باختصار.","vol":"1","page":354},{"text":"واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها (١):\nالأول: أنَّ الله تعالى بعد أنْ نفى السماع عنهم قال: (وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١» [النمل: ٨١]، فمقابلته جلَّ وعلا الإسماع المنفي في الآية عن الموتى بالإسماع المثبت فيها - لمن يؤمن بآياته - دليلٌ واضح على أنَّ المراد بالموت في الآية موت الكفر والشقاء، لا موت مفارقة الروح للبدن، ولو كان المراد بالموت في قوله: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) مفارقة الروح للبدن لما قابل ذلك بقوله: (وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ)، بل لقابله بما يناسبه، كأن يُقال: إنْ تسمع إلاّ من لم يمت.\nالدليل الثاني: أنَّ استقراء القرآن الكريم يدل على أنَّ الغالب استعمال الموتى بمعنى الكفار، كقوله تعالى: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦» [الأنعام: ٣٦]، وقد أجمع (٢) من يعتد به من أهل العلم أنَّ المراد بالموتى في الآية هم الكفار.\nوكقوله تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢» [الأنعام: ١٢٢]، فقوله: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا)، أي: كافرًا؛ فأحييناه، أي: بالإيمان والهدى، وهذا لا نزاع فيه بين المفسرين، وفيه إطلاق الموت وإرادة الكفر.\nوكقوله: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ) [فاطر: ٢٢]، أي: لا يستوي المؤمنون والكافرون.\nالدليل الثالث: أنَّ قوله تعالى: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى)، وما في معناها من الآيات، كلها تسلية للنبي - ﷺ -؛ لأنه يحزنه عدم إيمانهم، كما بينه تعالى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ) [الأنعام: ٣٣]،\n_________\n(١) انظر: تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة، ص (١٤٣)، والروح، لابن القيم، ص (١٤١ - ١٤٢)، وأضواء البيان، للشنقيطي (٦/ ٤١٦ - ٤١٩).\n(٢) لم أقف على حكاية الإجماع في أن المراد بالموتى في الآية هم الكفار، وذكر ابن الجوزي في زاد المسير\n(٣/ ٢٧) قولًا آخر في معنى الآية: أنهم الموتى حقيقة، ضربهم الله مثلًا، والمعنى أن الموتى لا يستجيبون حتى يبعثهم الله.","vol":"1","page":355},{"text":"وقوله تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧» [الحجر: ٩٧]، وقوله: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) [النحل: ١٢٧]، وقوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣» [الشعراء: ٣] إلى غير ذلك من الآيات، ولما كان يحزنه كفرهم وعدم إيمانهم أنزل الله آيات كثيرة تسلية له - ﷺ -، بَيَّنَ له فيها أنه لا قدرة له على هدي من أضله الله، ومن الآيات النازلة تسلية له - ﷺ -، قوله هنا: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى)، أي لا تُسمع من أضله الله إسماع هدى وقبول، ولو كان معنى الآية وما شابهها: إنك لا تسمع الموتى، أي: الذين فارقت أرواحهم أبدانهم لما كان في ذلك تسلية له - ﷺ -.\nواعتُرِضَ: بأنَّ ما ذُكِرَ من معنى آيتي النمل والروم مُسَلَّمٌ فيه، لكن ذلك لا يمنع الاستدلال بهما على نفي سماع الموتى مطلقًا؛ لأنَّ الموتى لما كانوا لا يسمعون حقيقة، وكان ذلك معروفًا عند المخاطبين شبه الله تعالى بهم الكفار الأحياء في عدم السماع، فدل هذا التشبيه على أنَّ المشبه بهم - وهم الموتى في قبورهم - لا يسمعون، كما يدل مثلًا تشبيه زيد في الشجاعة بالأسد على أنَّ الأسد شجاع، بل هو في ذلك أقوى من زيد، ولذلك شُبِّهَ به، وإن كان الكلام لم يُسقْ للتحدث عن شجاعة الأسد نفسه، وإنما عن زيد، وكذلك آيتا النمل والروم، وإن كانتا تحدثتا عن الكفار الأحياء وشُبّهوا بموتى القبور، فذلك لا ينفي أنَّ موتى القبور لا يسمعون، بل إنَّ كل عربي سليم السليقة، لا يفهم من تشبيه موتى الأحياء بهؤلاء إلا أنَّ هؤلاء أقوى في عدم السماع منهم، وإذ الأمر كذلك فموتى القبور لا يسمعون. (١)\nواعتُرِضَ أيضًا: بأنَّ الله تعالى قال في آية أخرى: (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) [فاطر: ٢٢] وهذه الآية صريحة في نفي سماع الأموات، ولا يتأتى حملها على المعنى الذي ذُكِرَ.\nوأجيب: بأنَّ هذه الآية هي كآيتي النمل والروم المتقدمتين، لأنَّ المراد بقوله: (مَنْ فِي الْقُبُورِ) الموتى، فلا فرق بين قوله: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) وبين قوله: (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ)؛ لأنَّ المراد بالموتى ومن في القبور\n_________\n(١) انظر: مقدمة الألباني على كتاب \"الآيات البينات في عدم سماع الأموات\"، ص (٢١ - ٢٢).","vol":"1","page":356},{"text":"واحد، كقوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) [الحج: ٧]، أي يبعث جميع الموتى، من قُبر منهم ومن لم يُقْبَر، وقد دلت قرائن قرآنية على أنَّ معنى آية فاطر هذه كمعنى آية الروم، منها قوله تعالى قبلها:\n(إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ) [فاطر: ١٨]؛ لأنَّ معناها لا ينفع إنذارك إلا من هداه الله ووفقه، فصار ممن يخشى ربه بالغيب ويقيم الصلاة، وما أنت بمسمع من في القبور، أي الموتى، أي الكفار الذين سبق لهم الشقاء، ومنها قوله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩» [فاطر: ١٩]، أي المؤمن والكافر، وقوله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ) [فاطر: ٢٢] أي المؤمنون والكفار، ومنها قوله تعالى بعدها: (إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣» [فاطر: ٢٣] أي ليس الإضلال والهدى بيدك، ما أنت إلا نذير وقد بلغت. (١)\nالقول الثاني: أنَّ الموتى في الآيات المراد بهم الذين ماتوا حقيقة، لكن المراد بالسماع المنفي هو خصوص السماع المعتاد الذي ينتفع به صاحبه، وأنَّ هذا مثلٌ ضربه الله للكفار؛ إذ الكفار يسمعون الحق، ولكن لا ينتفعون به.\nقالوا: وقد يُنفى الشيء لانتفاء فائدته وثمرته، كما في قوله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩» [الأعراف: ١٧٩]. (٢)\nوهذا رأي: شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (٣)، وابن رجب (٤)، والأبي (٥)، وذكره ابن جرير الطبري احتمالًا آخر في معنى الآية.\nقال الطبري: \"معنى الآية: إنك لا تسمع الموتى إسماعًا ينتفعون به؛ لأنهم قد انقطعت عنهم الأعمال، وخرجوا من دار الأعمال إلى دار الجزاء، فلا ينفعهم دعاؤك إياهم إلى الإيمان بالله والعمل بطاعته، فكذلك هؤلاء الذين\n_________\n(١) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (٦/ ٤١٩).\n(٢) انظر: أهوال القبور، لابن رجب، ص (١٣٥).\n(٣) الروح، لابن القيم، ص (١٤١).\n(٤) أهوال القبور، لابن رجب، ص (١٣٤ - ١٣٥).\n(٥) إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٣/ ٣٣٠ - ٣٣١).","vol":"1","page":357},{"text":"كتب ربك عليهم أنهم لا يؤمنون لا يُسْمِعُهم دعاؤك إلى الحق إسماعًا ينتفعون به؛ لأن الله تعالى ذكره قد ختم عليهم أنْ لا يؤمنوا، كما ختم على أهل القبور من أهل الكفر أنهم لا ينفعهم بعد خروجهم من دار الدنيا إلى مساكنهم من القبور إيمان ولا عمل؛ لأن الآخرة ليست بدار امتحان، وإنما هي دار مجازاة، وكذلك تأويل قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) [فاطر: ٢٢] \". اهـ (١)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"قوله: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) إنما أراد به السماع المعتاد الذي ينفع صاحبه؛ فإنَّ هذا مثل ضُرب للكفار، والكفار تسمع الصوت، لكن لا تسمع سماع قبولٍ بفقهٍ واتباع، كما قال تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١» [البقرة: ١٧١]، فهكذا الموتى الذين ضُرب لهم المثل لا يجب أنْ يُنفى عنهم جميع السماع المعتاد، أنواعَ السماع، كما لم يُنْفَ ذلك عن الكفار; بل قد انتفى عنهم السماع المعتاد الذي ينتفعون به، وأما سماعٌ آخر فلا يُنفى عنهم\". اهـ (٢)\nوهذا القول: دلت عليه آيات من كتاب الله، جاء فيها التصريح بالبكم والصَّمَم والعمى مُسندًا إلى قوم يتكلمون ويسمعون ويبصرون، والمراد بصممهم: صممهم عن سماع ما ينفعهم دون غيره، فهم يسمعون غيره، وكذلك في البصر والكلام، وذلك كقوله تعالى في المنافقين: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨» [البقرة: ١٨] فقد قال فيهم: (صم بكم) مع شدة فصاحتهم، وحلاوة ألسنتهم، كما صرح به في قوله تعالى فيهم: (وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) [المنافقون: ٤] أي لفصاحتهم، وقوله تعالى: (فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ) [الأحزاب: ١٩]، فهؤلاء الذين إنْ يقولوا تسمع لقولهم، وإذا ذهب الخوف سلقوا المسلمين بألسِنةٍ حِداد، هم الذين قال الله فيهم: صم بكم عمي، وما ذلك إلا أنَّ صممهم وبكمهم وعماهم بالنسبة إلى شيء خاص، وهو ما يُنتفع به من الحق، فهذا وحده هو الذي صَمُّوا عنه فلم\n_________\n(١) تهذيب الآثار، للطبري (٢/ ٥٢٠).\n(٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٤/ ٢٩٨).","vol":"1","page":358},{"text":"يسمعوه، وبكموا عنه فلم ينطقوا به، وعموا عنه فلم يروه، مع أنهم يسمعون غيره ويبصرونه وينطقون به، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦» [الأحقاف: ٢٦]. (١)\nواعتُرِضَ على هذا القول: بأنَّ فيه قلبًا للتشبيه المذكور في الآيات، حيث جُعل المشبه به مشبهًا؛ لأنَّ القيد المذكور في هذا القول يصدق على موتى الأحياء من الكفار، فإنهم يسمعون حقيقة، ولكن لا ينتفعون من سماعهم، كما هو مشاهد، فكيف يجوز جعل المشبه بهم - من موتى القبور - مثلهم في أنهم يسمعون ولكنهم لا ينتفعون من سماعهم، مع أنَّ المشاهد أنهم لا يسمعون مطلقًا، ولذلك حسن التشبيه المذكور في الآيات، فبطل القيد الذي ذكره أصحاب هذا القول. (٢)\nواعتُرِضَ أيضًا: بأنَّ الله تعالى نفى السماع عن الموتى، وعن الصم، فهل يُقال: إنَّ الصم يسمعون، لكن لا يسمعون سماع قبول وانتفاع؟\nالقول الثالث: أنَّ معنى الآيات: إنك لا تُسمع الموتى بطاقتك وقدرتك، ولكن الله تعالى هو الذي يسمعهم إذا شاء؛ إذ هو القادر على ذلك دون من سواه.\nوهذا رأي: ابن التين (٣)، والإسماعيلي (٤)، وذكره ابن جرير الطبري احتمالًا آخر في معنى الآية (٥).\nواستدلوا على ذلك بأدلة منها:\nالأول: أنَّ الله تعالى بعد أنَّ نفى السماع قال: (وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ) [النمل: ٨١]، فبين أنَّ الهداية من الكفر إلى الإيمان بيده دون من\n_________\n(١) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (٦/ ٤٢٠ - ٤٢١).\n(٢) انظر: مقدمة الألباني على كتاب \"الآيات البينات في عدم سماع الأموات\"، ص (٢٢).\n(٣) نقله عنه الحافظ ابن حجر، في الفتح (٣/ ٢٧٧).\n(٤) المصدر السابق.\n(٥) تهذيب الآثار، للطبري (٢/ ٥١٩).","vol":"1","page":359},{"text":"سواه، فنفيه سبحانه عن نبيه - ﷺ - أنْ يكون قادرًا أنْ يُسمع الموتى إلا بمشيئته، هو كنفيه أنْ يكون قادرًا على هداية الكفار إلا بمشيئته.\nالدليل الثاني: أنَّ الله تعالى أثبت لنفسه القدرة على إسماع من شاء من خلقة بقوله: (إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ)، ثم نفى عن نبيه - ﷺ - القدرة على ما أثبته وأوجبه لنفسه من ذلك، فقال له: (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) ولكن الله هو الذي يسمعهم دونك وبيده الإفهام والإرشاد والتوفيق، وإنما أنت نذير فبلغ ما أرسلت به. (١)\nأدلة القائلين بإثبات السماع مطلقًا للأموات:\nاستدل القائلون بإثبات السماع مطلقًا للأموات بأدلة منها:\nالأول: مناجاة النبي - ﷺ - لقتلى بدر من المشركين (٢)، وهذا الحديث الصحيح أقسم فيه النبي - ﷺ - أنَّ الأحياء الحاضرين ليسوا بأسمع لما يقوله - ﷺ - من أولئك الموتى بعد ثلاث، وهو نص صحيح صريح في سماع الموتى، ولم يذكر النبي - ﷺ - فيه تخصيصًا. (٣)\nواعتُرِضَ: بأنَّ عائشة ﵂ روت الحديث بلفظ: \"إِنَّهُمْ الْآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ\"، وهذا يدل على أنَّ الرواية التي فيها التصريح بالسماع غير محفوظة.\nوأجيب: بأنَّ تأول عائشة ﵂ بعض آيات القرآن، لا تُرد به روايات الصحابة العدول الصحيحة الصريحة عنه - ﷺ -، ويتأكد ذلك بثلاثة أمور:\nالأول: أنَّ رواية العدل لا تُرد بالتأويل.\nالثاني: أنَّ عائشة ﵂ لما أنكرت رواية ابن عمر عن النبي - ﷺ -: \"إنهم ليسمعون الآن ما أقول\"، قالت: إنَّ الذي قاله - ﷺ -: \"إنهم ليعلمون الآن أنَّ الذي كنت أقول لهم هو الحق\"، فأنكرت السماع ونَفَتْهُ عنهم، وأثبتت لهم العلم، ومعلومٌ أنَّ من ثبت له العلم صح منه السماع.\nالثالث: هو ما جاء عنها مما يقتضي رجوعها عن تأويلها إلى الروايات\n_________\n(١) انظر: المصدر السابق.\n(٢) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٣) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (٦/ ٤٢٢).","vol":"1","page":360},{"text":"الصحيحة، قال الحافظ ابن حجر: \"ومن الغريب أنَّ في المغازي لابن إسحاق، رواية يونس بن بكير، بإسناد جيد عن عائشة، مثل حديث أبي طلحة، وفيه: \"ما أنتم بأسمع لما أقول منهم\"، وأخرجه أحمد (١)\nبإسناد حسن؛ فإن كان محفوظًا فكأنها رجعت عن الإنكار، لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة، لكونها لم تشهد القصة\". اهـ (٢)\nوقال الإسماعيلي: \"كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى رَدِّ رواية الثقة إلا بنصٍ مثله، يدل على نسخه أو تخصيصه أو استحالته\". اهـ (٣)\nالدليل الثاني: عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ .... \" (٤)، وهذا الحديث فيه تصريح من النبي - ﷺ - بأنَّ الميت في قبره يسمع قرع نعال من دفنوه إذا رجعوا، وهو نص صحيح صريح في سماع الموتى، وظاهره العموم في كل\n_________\n(١) أخرج الإمام أحمد في مسنده (٦/ ١٧٠)، والطبري في تهذيب الآثار (٢/ ٥١٧)، من طريق هُشَيْمٍ قَالَ: أخبرنا مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: \"لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ بَدْرٍ بِأُولَئِكَ الرَّهْطِ فَأُلْقُوا فِي الطُّوَى، عُتْبَةُ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابُهُ، وَقَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: جَزَاكُمْ اللَّهُ شَرًّا مِنْ قَوْمِ نَبِيٍّ، مَا كَانَ أَسْوَأَ الطَّرْدِ وَأَشَدَّ التَّكْذِيبِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تُكَلِّمُ قَوْمًا جَيَّفُوا؟ فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ بِأَفْهَمَ لِقَوْلِي مِنْهُمْ، أَوْ لَهُمْ أَفْهَمُ لِقَوْلِي مِنْكُمْ\".\nوإسناده ضعيف، إبراهيم: هو ابن يزيد النخعي، لم يسمع من عائشة، ورواية مغيرة بن مقسم عنه ضعيفة.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٩٠) وقال: \"رواه أحمد، ورجاله ثقات، إلا أن إبراهيم لم يسمع من عائشة، ولكنه دخل عليها\". وانظر: مسند الإمام أحمد (٤٢/ ٢٣٠)، بإشراف د. عبد الله التركي.\n(٢) فتح الباري، لابن حجر (٧/ ٣٥٤).\n(٣) فتح الباري، لابن حجر (٧/ ٣٥٤)، وفيه النقل عن الإسماعيلي. وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٢/ ٥٨٥)، وأهوال القبور، لابن رجب، ص (١٣٤)، وأضواء البيان، للشنقيطي (٦/ ٤٢٩).\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (١٣٣٨)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجنة وصفة نعيمها، حديث (٢٨٧٠).","vol":"1","page":361},{"text":"من دُفِنَ، ولم يذكر النبي - ﷺ - فيه تخصيصًا. (١)\nواعتُرِضَ: بأنَّ ما ورد في هذا الحديث مخصوص بأول الدفن، عند سؤال الملكين، وهو غير دائم، فلا يفيد عموم سماع الأموات في كل الأحوال والأوقات. (٢)\nوأيضًا: فإنَّ الروح تُعاد للبدن عند المساءلة - كما ثبت بذلك الحديث (٣) - لذا فإنَّ سماع الميت قرع النعال، إنما هو بسبب اتصال الروح بالبدن، وهذا الاتصال غير دائم، بل هو مخصوص بوقت السؤال (٤)، وعليه فلا يصح الاستدلال بهذا الحديث، على عموم سماع الأموات في كل وقت وحين.\nالدليل الثالث: عن أبي هريرة - ﵁ -: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ\". (٥)، وهذا الحديث فيه مخاطبة النبي - ﷺ - لأهل القبور بقوله: \"السلام عليكم\"، وقوله: \"وإنا إنْ شاء الله بكم لاحقون\"، وهذا يدل دلالة واضحة على أنهم يسمعون\n_________\n(١) أضواء البيان، للشنقيطي (٦/ ٤٢٣، ٤٢٥)، وانظر: تفسير القرطبي (١٣/ ١٥٤)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (٤/ ٢٩٩)، وأهوال القبور، لابن رجب، ص (١٣٤)، والروح، لابن القيم، ص (١٤١)، وروح المعاني، للآلوسي (٢١/ ٧٦).\n(٢) انظر: فتح القدير، لابن الهمام (٢/ ١٠٤)، وفيض القدير، للمناوي (٢/ ٣٩٨)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (٨/ ٢١).\n(٣) عود الروح للبدن وقت المساءلة في القبر، جاء في حديث طويل، من رواية المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب - ﵁ -، مرفوعًا، والشاهد من الحديث قوله - ﷺ -: \"فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، فَيَأْتِيه مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ .... \". وسيأتي الحديث بطوله في مبحث الترجيح.\n(٤) قال الحافظ ابن حجر، في فتح الباري (٣/ ٢٨٤): \"الحياة في القبر للمساءلة، ليست الحياة المستقرة المعهودة في الدنيا، التي تقوم فيها الروح بالبدن وتدبيره وتصرفه وتحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء، بل هي مجرد إعادة لفائدة الامتحان الذي وردت به الأحاديث الصحيحة، فهي إعادة عارضة، كما حيي خلق لكثير من الأنبياء لمساءلتهم عن أشياء ثم عادوا موتى\". اهـ. وانظر: الروح، لابن القيم، ص (١٥١)، وأهوال القبور، لابن رجب، ص (١٣٧).\n(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الطهارة، حديث (٢٤٩).","vol":"1","page":362},{"text":"سلامه؛ لأنهم لو كانوا لا يسمعون سلامه وكلامه لكان خطابه لهم من جنس خطاب المعدوم، ولا شك في أنَّ ذلك ليس من شأن العقلاء، فمن البعيد جدًا صدوره من النبي - ﷺ -. (١)\nواعتُرِضَ: بأنَّ الصحابة - ﵃ - كانوا يخاطبون النبي - ﷺ - في تشهد الصلاة بقولهم: \"السلام عليك أيها النبي ... \" (٢)\nوهم خلفه، وقريبًا منه، وبعيدًا عنه، في مسجده، وفي غير مسجده، وكذا جمهور المسلمين اليوم، وقبل اليوم، الذين يخاطبونه بذلك، أفيقال: إنه يسمعهم، أو أنه من المحال السلام عليه، وهو لا يشعر بهم ولا يعلم؟ (٣)\nواعتُرِضَ أيضًا: بأنَّ السلام على القبور إنما هو عبادة، والقصد منه تذكير النفس بحالة الموت، وبحالة الموتى في حياتهم، وليس القصد من السلام مخاطبتهم، أو أنهم يسمعون ويجيبون. (٤)\nالدليل الرابع: ما جرى عليه عمل الناس - قديمًا وإلى الآن - من تلقين الميت في قبره، ولولا أنه يسمع ذلك وينتفع به لم يكن فيه فائدة، ولكان عبثًا.\nقالوا: وهذا الذي جرى عليه عمل الناس قد جاء ما يعضده في حديث ضعيف؛ فعن أبي أمامة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا\n_________\n(١) أضواء البيان، للشنقيطي (٦/ ٤٢٥، ٤٣٢)، وانظر: تفسير القرطبي (١٣/ ١٥٤)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٤/ ٢٩٧)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٤٤٧ - ٤٤٩)، والروح، لابن القيم، ص (٥٤).\n(٢) عن ابن عباس - ﵁ - قال: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ، فَكَانَ يَقُولُ: التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ\".\nأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الصلاة، حديث (٤٠٣).\n(٣) انظر: مقدمة الألباني على كتاب \"الآيات البينات في عدم سماع الأموات\"، ص (٣٩)، وانظر تعليقه على أصل الكتاب، ص (٩٦).\n(٤) المحرر الوجيز، لابن عطية (٤/ ٢٧٠).","vol":"1","page":363},{"text":"فلان بن فلانة، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يستوي قاعدًا، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله، ولكن لا تشعرون، فليقل: أذكر ما خرجت عليه من الدنيا، شهادة أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، وبالقرآن إمامًا، فإنَّ منكرًا ونكيرًا، يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا، ما نقعد عند من قد لُقِّنَ حُجَّته، فيكون اللهُ حجيجَه دونهما، فقال رجل: يا رسول الله، فإن لم يعرف أمه؟ قال: فينسبه إلى حواء، يا فلان بن حواء\". (١)\nقالوا: فهذا الحديث وإن لم يثبت إلا أنَّ اتصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار، من غير إنكار، كافٍ في العمل به، ولولا أنَّ المخاطب يسمع لكان ذلك بمنزلة الخطاب للتراب والخشب والحجر والمعدوم، وهذا وإن استحسنه واحد، فالعلماء قاطبة على استقباحه واستهجانه، قالوا: وقد كان النبي - ﷺ - إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: \"اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ\" (٢)، فأخبر النبي - ﷺ - أنه يُسأل حينئذ، وإذا كان يُسأل فإنه يسمع التلقين. (٣)\nواعتُرِضَ: بأنَّ حديث تلقين الميت لا يصح، بل هو حديث متفق على ضعفه، وعمل الناس إذا لم يعضده دليل صحيح فلا حجة فيه. (٤)\nالدليل الخامس: أنَّ عمرو بن العاص - ﵁ - قال - في وصيته عند موته -: \"فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا (٥) عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٤٩). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٤٥): \"رواه الطبراني في الكبير، وفي إسناده جماعة لم أعرفهم\". وقال ابن القيم في حاشيته على مختصر سنن أبي داود\n(١٣/ ١٩٩): \"هذا الحديث متفق على ضعفه\".\n(٢) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الجنائز، حديث (٣٢٢١). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٣٠٥).\n(٣) الروح، لابن القيم، ص (٧٠ - ٧١)، وانظر: أضواء البيان، للشنقيطي (٦/ ٤٣٧).\n(٤) انظر: أحكام الجنائز، للألباني، ص (١٩٨).\n(٥) أي: ضعوه وضعًا سهلًا. انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (٢/ ٢٢٣)، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٢/ ٤١٣).","vol":"1","page":364},{"text":"جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي\" (١)، وهذا يدل على أنَّ الميت ترد عليه روحه ويسمع حِسَّ من هو على قبره وكلامه، وهذا الحديث إنما قاله عمرو عن النبي - ﷺ -؛ لأن مثله لا يدرك إلا من جهة النبي - ﷺ -. (٢)\nالدليل السادس: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما من رجل يمر على قبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد ﵇\". (٣)\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٢١).\n(٢) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (١/ ٣٣٢)، والروح، لابن القيم، ص (٦٣ - ٦٤)، وأهوال القبور، لابن رجب، ص (١٤٣)، وأضواء البيان، للشنقيطي (٦/ ٤٣٢).\n(٣) أخرجه ابن حبان في \"المجروحين\" (٢/ ٥٨)، وتمام في \"الفوائد\" (١/ ٦٣)، والبغدادي في \"تاريخ بغداد\" (٦/ ١٣٧)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (١٠/ ٣٨٠)، (٢٧/ ٦٥)، وابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٢/ ٩١١)، جميعهم من طريق الربيع بن سليمان المرادي، عن بشر بن بكر، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، به. مرفوعًا.\nوأخرجه ابن جميع الصيداوي في \"معجم الشيوخ\" (١/ ٣٥٠)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٩٠)، كلاهما من طريق الربيع بن سليمان، عن بشر بن بكر، عن ابن زيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعًا.\nوأخرجه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (١٠/ ٣٧٩) من طريق محمد بن أحمد الأعرابي، عن بكر بن سهل الدمياطي، عن محمد بن مخلد الرعيني، عن ابن زيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعًا.\nوأخرجه أيضًا (١٠/ ٣٨٠) من طريق محمد بن يعقوب الأصم، عن بكر بن سهل، عن محمد بن مخلد، عن ابن زيد، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، مرفوعًا.\nوالحديث مداره على \"عبد الرحمن بن زيد بن أسلم\" متفق على تضعيفه، وقد اضطرب فيه. قال ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٢/ ٩١١): \"لا يصح هذا الحديث، وقد أجمعوا على تضعيف عبد الرحمن بن زيد. قال ابن حبان في كتابه \"المجروحين\" (٢/ ٥٧): كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كَثُرَ ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف، فاستحق الترك\". اهـ\nوقد تُوبع عبد الرحمن بن زيد في روايته عن أبيه، فأخرج ابن أبي الدنيا في \"كتاب القبور\" [كما في كتاب الروح، لابن القيم، ص (٥٥)] قال: حدثنا محمد بن قدامة الجوهري، حدثنا معن بن عيسى القزاز، حدثنا هشام بن سعد، حدثنا زيد بن أسلم، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"إذا مر الرجل بقبر أخيه يعرفه فسلم عليه ردَّ ﵇ وعرفه، وإذا مرَّ بقبر لا يعرفه فسلم عليه رد ﵇\".\nإلا أن هذه المتابعة ضعيفة ولا يصح اعتبارها؛ لثلاث علل:\nالأولى: أنها موقوفة على أبي هريرة.\nالثانية: الانقطاع بين زيد بن أسلم، وأبي هريرة؛ فإنَّ زيدًا لم يسمع من أبي هريرة، كما قال ابن معين، والذهبي. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (٣/ ٣٤١)، وجامع التحصيل، للعلائي (١/ ١٧٨)، وسير أعلام النبلاء، للذهبي (١٢/ ٥٩٠).\nالعلة الثالثة: ضعف الجوهري، قال ابن معين: \"ليس بشيء\"، وقال أبو داود: \"ضعيف، لم أكتب عنه شيئًا قط\". انظر: تهذيب الكمال، للمزي (٢٦/ ٣١٢)، وسلسلة الأحاديث الضعيفة، للألباني (٩/ ٤٧٤).","vol":"1","page":365},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ -: \"أنَّ رسول الله - ﷺ - حين انصرف من أحدٍ مَرَّ على مصعب بن عمير وهو مقتول على طريقه فوقف عليه رسول الله - ﷺ - ودعا له، ثم قرأ هذه الآية: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣» [الأحزاب: ٢٣] ثم قال رسول الله - ﷺ -: \"أشهد أنَّ هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فأتوهم وزوروهم، والذي نفسي بيده لا يُسَلِّمُ عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا رَدُّوا عليه\". (١)\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٧١) من طريق سليمان بن بلال، عن عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة، عن قَطَن بن وهب، عن عبيد بن عمير، عن أبي هريرة، به. مرفوعًا.\nقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط الشيخين\". وتعقبه الذهبي بقوله: \"كذا قال، وأنا أحسبه موضوعًا، وقطن لم يروِ له البخاري، وعبد الأعلى لم يخرجا له\". اهـ\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٦٤)، عن أبي بلال الأشعري، عن يحيى بن العلاء، عن عبدالأعلى بن عبد الله بن أبي فروة، عن قطن، عن عبد الله بن عمر، به.\nوذِكْرُ ابن عمر فيه وهم، أو تصحيف؛ بدليل أن أبا نعيم الأصبهاني أخرجه في الحلية (١/ ١٠٨)، من طريق الطبراني، عن عبيد بن عمير، مرسلًا. ولم يذكر ابن عمر.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٣١)، من طريق العطاف بن خالد المخزومي، قال: حدثني عبدالأعلى بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبيه: أن النبي - ﷺ - زار قبور الشهداء بأحد فقال: \"اللهم إنَّ عبدك ونبيك يشهد أن هؤلاء شهداء، وأنه من زارهم وسلم عليهم إلى يوم القيامة ردوا عليه\".\nقال الحاكم: \"هذا إسناد مدني صحيح ولم يخرجاه\". وتعقبه الذهبي بقوله: \"مرسل\".\nوأخرجه ابن سعد في الطبقات (٣/ ١٢١)، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا عمرو بن صهبان، عن معاذ بن عبد الله، عن وهب بن قطن، عن عبيد بن عمير، مرسلًا.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٢١) قال: حدثني محمد بن صالح بن هانئ، ثنا يحيى بن محمد بن يحيى الشهيد، ثنا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي، ثنا حاتم بن =","vol":"1","page":366},{"text":"وعن ابن عباس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما من أحد مَرَّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فَسَلَّمَ عليه إلا عرفه وَرَدَّ ﵇\". (١)\n_________\n= إسماعيل، عن عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة، عن قطن بن وهب، عن عبيد بن عمير، عن أبي ذر - ﵁ - قال: \"لما فرغ رسول الله - ﷺ - يوم أحد مَرَّ على مصعب الأنصاري مقتولًا على طريقه، فقرأ: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ).\nقلت: الحديث معلول بسبب الاضطراب في إسناده، قال الحافظ ابن رجب في \"أهوال القبور\"،\nص (١٤٢): \"ورواه يحيى بن العلاء، عن عبد الأعلى بن أبي فروة، عن قطن بن وهب، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -. خرجه الطبراني، وذِكْرُ ابن عمر فيه وهم\". اهـ\nثم قال الحافظ ابن رجب: \"ورُوي عن عبيد بن عمير، عن أبي ذر، ولعل المرسل أشبه، وبالجملة الضعف أشبه، وبالجملة فهذا إسناد مضطرب، ومتنه مختص بالشهداء\". اهـ\nوله شاهد من حديث سهل بن سعد - ﵁ -، أخرجه ابن الجعد في مسنده (١/ ٤٣٢) قال: حدثنا محمد بن حبيب الجارودي، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد قال: \"وقف رسول الله - ﷺ - على قتلى أحد فقال: اشهدوا لهؤلاء الشهداء عند الله ﷿ يوم القيامة، فأتوهم وزوروهم وسلموا عليهم، فوالذي نفسي بيده لا يُسَلَّم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا رجوت له، أو قال: إلا ردوا عليه\".\nوفي إسناده \"محمد بن حبيب الجارودي\" قال الذهبي في الميزان (٦/ ١٠٠): \"غمزه الحاكم النيسابوري، وأتى بخبر باطل اتُهِمَ بسنده\". اهـ قلت: وحديثه هذا الأشبه أن إسناده موضوع. وانظر: لسان الميزان، لابن حجر (٥/ ١١٥)، والمغني في الضعفاء، للذهبي (٢/ ٥٦٥).\nالنتيجة: أن الحديث ضعيف، وممن ضعفه الألباني في \"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" (١١/ ٣٦٥)، حديث (٥٢٢١).\n(١) أخرجه ابن عبد البر، في الاستذكار (٢/ ١٦٥) قال: أخبرنا أبو عبد الله، عبيد بن محمد، قراءة مني عليه، سنة تسعين وثلاثمائة، في ربيع الأول، قال: أملت علينا فاطمة بنت الريان المستملي، في دارها بمصر، في شوال، سنة اثنتين وأربعين وثلاث مائة، قالت: حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، صاحب الشافعي، قال: حدثنا بشر بن بكير، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - ....، فذكره.\nقال الحافظ ابن رجب: \"قال عبد الحق الإشبيلي: إسناده صحيح. يشير إلى أن رواته كلهم ثقات، وهو كذلك، إلا أنه غريب، بل منكر\". اهـ\nوقد تبع العراقيُ في \"تخريج الإحياء\" (٥/ ٢٤٣) عبدَ الحق الإشبيلي في تصحيحه للحديث، وأقرّه المناوي في \"فيض القدير\" (٥/ ٤٨٧).\nقال الألباني، في \"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" (٩/ ٤٧٥): \"هذا إسناد غريب؛ الربيع بن سليمان فمن =","vol":"1","page":367},{"text":"وعن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا استأنس به، وَرَدَّ عليه، حتى يقوم\". (١)\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"قال أبو رزين: يا رسول الله، إنَّ طريقي على الموتى، فهل من كلام أتكلم به إذا مررت عليهم؟ قال: قل: السلام\n_________\n= فوقه؛ ثقات معروفون من رجال التهذيب، وأما من دونه فلم أعرفهما، لا شيخ ابن عبد البر، ولا المملية فاطمة بنت الريان، وظني أنها تفردت - بل شذت - بروايتها الحديث عن الربيع بن سليمان بهذا الإسناد الصحيح له عن ابن عباس؛ فإنَّ المحفوظ عنه إنما هو بالإسناد الأول\". اهـ\nقلت: ومراده بالإسناد الأول: حديث أبي هريرة، من طريق زيد بن أسلم، وقد تقدم.\nثم ساق الألباني الحديث من طريق بشر بن بكر، عن عبد الرحمن بن زيد، وبيّن أن هذا هو المحفوظ، ثم قال: \"ومن هذا التحقيق يتبين أن قول عبد الحق الإشبيلي إسناده صحيح، غير صحيح، وإن تبعه العراقي في تخريج الإحياء، وأقره المناوي\". اهـ\nوقال ابن باز في مجموع الفتاوى والمقالات له (١٣/ ٣٣٦): \"في إسناده نظر\".\nقلت: الأشبه أن إسناد هذا الحديث موضوع، والأقرب أنه مركب من إسناد حديث أبي هريرة، الذي يُروى من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ومن الإسناد الذي يُروى من طريق قطن بن وهب، وقد تقدما.\n(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب \"القبور\" [كما في الروح، لابن القيم، ص (٥٤)] قال: حدثنا محمد بن عون، حدثنا يحيى بن يمان، عن عبد الله بن سمعان، عن زيد بن أسلم، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما من رجل يزور قبر أخيه، ويجلس عنده إلا استأنس به، وردَّ عليه، حتى يقوم\".\nوهذا الحديث ضعيف جدًا؛ من أجل عبد الله بن سمعان، قال الحافظ ابن رجب في \"أهوال القبور\"، ص (١٤٣): \"رواه عبد الله بن سمعان، وهو متروك\".\nوقال الحافظ العراقي في \"تخريج الإحياء\" (٥/ ٢٤٣): \"حديث عائشة (ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا استأنس به ورد عليه حتى يقوم) أخرجه ابن أبي الدنيا في القبور، وفيه عبد الله بن سمعان، ولم أقف على حاله\". اهـ\nوقال الحافظ ابن حجر في \"لسان الميزان\" (٣/ ٢٩٧): \"عبد الله بن سمعان: ذكره شيخي العراقي في تخريج الإحياء في حديث عائشة، وقال: وفي سنده عبد الله بن سمعان لا أعرف حاله. قلت: يجوز لاحتمال أن يكون هو المُخرَّج له في بعض الكتب، وهو عبد الله بن زياد بن سمعان، يُنسب إلى جده كثيرًا، وهو أحد الضعفاء\". اهـ","vol":"1","page":368},{"text":"عليكم أهل القبور من المسلمين والمؤمنين، أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، وإنا إنْ شاء الله بكم لاحقون. قال أبو رزين: يا رسول الله، يسمعون؟ قال: يسمعون، ولكن لا يستطيعون أنْ يجيبوا. قال: يا رزين، ألا ترضى أنْ يرد عليك بعددهم من الملائكة\". (١)\nقالوا: فهذه الأحاديث يعضد بعضها بعضًا، وهي تدل صراحة على أنَّ الميت يشعر بزيارة الحي، ويسمع كلامه، ويرد ﵇. (٢)\nواعتُرِضَ: بأنَّ هذه الأحاديث كلها ضعيفة، ولا يصح منها شيء. (٣)\nالدليل السابع: عن أبي هريرة - ﵁ -، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي، حَتَّى أَرُدَّ ﵇\". (٤)\nواعتُرِضَ: بأنَّ الحديث ليس صريحًا في سماعه - ﷺ - سلام من سلم عليه عند قبره. (٥)\n_________\n(١) أخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (٤/ ١٩)، من طريق: محمد بن الأشعث، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، به.\nوأعله العقيلي بمحمد بن الأشعث، حيث قال: \"محمد بن الأشعث: مجهول في النسب والرواية، وحديثه غير محفوظ\"، ثم ساق الحديث وقال: \"ولا يُعرف إلا بهذا اللفظ، وأما السلام عليكم يا أهل القبور، إلى قوله: وإنا إنْ شاء الله بكم لاحقون. فيُروى بغير هذا الإسناد، من طريق صالح، وسائر الحديث غير محفوظ\". اهـ\nوأقرّه الحافظ ابن رجب، في \"أهوال القبور\"، ص (١٤١)، والذهبي في الميزان (٦/ ٧٤)، وابن حجر في اللسان (٥/ ٨٤). وحكم على الحديث بالنكارة: الألباني في \"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" (١١/ ٣٧٢).\n(٢) انظر: الروح، لابن القيم، ص (٥٤ - ٧٧)، وأهوال القبور، لابن رجب، ص (١٤٢)، وروح المعاني، للآلوسي (٢١/ ٧٦).\n(٣) انظر: روح المعاني، للآلوسي (٢١/ ٧٨)، ومقدمة الألباني على كتاب \"الآيات البينات في عدم سماع الأموات\"، ص (٣٨).\n(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٥٢٧)، وأبو داود في سننه، في كتاب المناسك، حديث (٢٠٤١)، وصححه النووي في \"رياض الصالحين\" (١/ ٣١٦)، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٦/ ٥٦٣): \"رواته ثقات\"، وحسنه الألباني في \"صحيح سنن أبي داود\" (١/ ٥٧٠).\n(٥) قاله الألباني في تعليقه على كتاب \"الآيات البينات في عدم سماع الأموات\"، ص (٨٠).","vol":"1","page":369},{"text":"الدليل الثامن: كثرة المرائي التي تقتضي سماع الموتى ومعرفتهم لمن يزورهم، وهذه المرائي وإن لم تصلح بمجردها لإثبات مثل ذلك، فهي على كثرتها وأنها لا يحصيها إلا الله قد تواطأت على هذا المعنى، وقد قال النبي - ﷺ -: \"أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ\" (١) يعني ليلة القدر، فإذا تواطأت رؤيا المؤمنين على شيء كان كتواطىء روايتهم له. (٢)\nواعتُرِضَ: بأنَّ المرائي لا يصح أنْ يُعتمد عليها في باب الاعتقاد والأمور المغيبة، إذ لا سبيل لمعرفة الأمور المغيبة إلا بدليل شرعي من الكتاب أو السنة.\nالمذهب الثاني: مذهب نفي سماع الأموات مطلقًا، وتأويل الأحاديث التي فيها إثبات السماع.\nحيث ذهب جمع من العلماء إلى إجراء الآيات التي فيها نفي السماع على ظاهرها وعمومها، وقالوا: إنَّ الميت لا يسمع شيئًا من كلام الأحياء، ولا يشعر بهم.\nواختلف أصحاب هذا المذهب في الجواب عن الأحاديث التي فيها إثبات السماع على أقوال:\nالأول: أنَّ ما وقع للنبي - ﷺ - من إسماع قتلى بدر - هو معجزة من معجزاته - ﷺ -، فقد أحياهم الله له حتى سمعوا كلامه، وهذا خاص به دون غيره من الناس.\nوهذا رأي: قتادة، والبيهقي (٣)، والمازري (٤)، وابن عطية، وابن الجوزي (٥)،\nوابن قدامة (٦)، وابن الهمام (٧)، والقاضي أبي يعلى (٨)، والألباني.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجمعة، حديث (١١٥٨)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الصيام، حديث (١١٦٥).\n(٢) انظر: الروح، لابن القيم، ص (٦٣)، وأضواء البيان، للشنقيطي (٦/ ٤٣١).\n(٣) نقله عنه الحافظ ابن حجر، في الفتح (٧/ ٣٢٤).\n(٤) المعلم بفوائد مسلم، للمازري (١/ ٣٢٤).\n(٥) كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (١/ ١٤٨).\n(٦) المغني، لابن قدامة (٧/ ٣٥٢)، (١٠/ ٦٣).\n(٧) فتح القدير، لابن الهمام (٢/ ١٠٤).\n(٨) نقله عنه الحافظ ابن رجب، في \"أهوال القبور\"، ص (١٣٣).","vol":"1","page":370},{"text":"وذكره ابن عبد البر احتمالًا في توجيه الحديث. (١)\nقال قتادة: \"أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخًا وتصغيرًا وَنَقِيمَةً وحسرة\nوندمًا\". اهـ (٢)\nوقال ابن عطية: \"فيشبه أنَّ قصة بدر هي خرق عادة لمحمد - ﷺ -، في أنْ رد الله إليهم إدراكًا سمعوا به مقاله، ولولا إخبار رسول الله - ﷺ - بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي من الكفرة، وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين منهم\". اهـ (٣)\nوقال الألباني: \"والتحقيق أنَّ الأدلة من الكتاب والسنة على أنَّ الموتى لا يسمعون، وهذا هو الأصل، فإذا ثبت أنهم يسمعون في بعض الأحوال، كما في حديث خفق النعال، أو أنَّ بعضهم سمع في وقت ما، كما في حديث القليب، فلا ينبغي أنْ يُجعل ذلك أصلًا، فيقال إنَّ الموتى يسمعون؛ فإنها قضايا جزئية، لا تُشَكِّل قاعدة كلية يُعارض بها الأصل المذكور، بل الحق أنه يجب أنْ تُستثنى منه، على قاعدة استثناء الأقل من الأكثر، أو الخاص من العام\". اهـ (٤)\nأدلة هذا القول:\nاستدل أصحاب هذا القول على ما ذهبوا إليه بأدلة منها:\nالأول: أنَّ النبي - ﷺ - قال: \"مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ\"، ولم يقل: \"لما يُقال\"، فدل على أنَّ سماعهم هذا، هو من خصائصه - ﷺ - دون غيره من الناس. (٥)\nالدليل الثاني: أنَّ الحديث رُوي بلفظ: \"وَاللَّهِ إِنَّهُمْ الْآنَ لَيَسْمَعُونَ كَلَامِي\" (٦)، حيث قَيَّدَ النبي - ﷺ - سماعهم له باللحظة التي ناجاهم فيها،\n_________\n(١) الأجوبة عن المسائل المستغربة، لابن عبد البر، ص (١٩٠).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، حديث (٣٩٧٦).\n(٣) المحرر الوجيز، لابن عطية (٤/ ٢٧٠، ٤٣٦).\n(٤) مقدمة الألباني على كتاب \"الآيات البينات في عدم سماع الأموات\"، ص (٤٠)، باختصار.\n(٥) انظر: روح المعاني، للآلوسي (٢١/ ٧٧).\n(٦) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٣١). وإسناده حسن.","vol":"1","page":371},{"text":"ومفهومه أنهم لا يسمعون في غير هذا الوقت، وفيه تنبيه على أنَّ الأصل في الموتى أنهم لا يسمعون، ولكن أهل القليب في ذلك الوقت قد سمعوا نداء النبي - ﷺ -، وبإسماع الله تعالى إياهم، خرقًا للعادة، ومعجزة للنبي - ﷺ -. (١)\nالدليل الثالث: أنَّ النبي - ﷺ - أقرَّ عمر وغيره من الصحابة - ﵃ - على ما كان مستقرًا في نفوسهم واعتقادهم أنَّ الموتى لا يسمعون، يدل على ذلك رواية: \" .... فَسَمِعَ عُمَرُ صَوْتَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُنَادِيهِمْ بَعْدَ ثَلَاثٍ؟ وَهَلْ يَسْمَعُونَ؟ يَقُولُ اللَّهُ ﷿: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا\" (٢)، وقد صرح عمر - ﵁ - أنَّ الآية المذكورة هي العمدة في تلك المبادرة، وأنهم فهموا من عمومها دخول أهل القليب فيه، ولذلك أشكل عليهم الأمر، فصارحوا النبي - ﷺ - بذلك ليزيل إشكالهم، فبين لهم حقيقة الأمر، وبهذا يتضح أنَّ النبي - ﷺ - أقر الصحابة - وفي مقدمتهم عمر - على فهمهم للآية على ذلك الوجه العام الشامل لموتى القليب وغيرهم؛ لأنه لم يُنكِرْه عليهم، ولا قال لهم: أخطأتم، فالآية لا تنفي مطلق سماع الموتى، ولا أنه - ﷺ - أقرهم على ذلك، ولكنه بين لهم ما كان خافيًا عليهم من شأن القليب، وأنهم سمعوا كلامه حقًا، وأنَّ ذلك أمر خاص مستثنى من الآية، معجزة له - ﷺ -. (٣)\nواعتُرِضَ: بأنَّ سماع الموتى قد ثبت في غير هذه القصة، فعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ\nنِعَالِهِمْ .... \" (٤)، فقد أثبت في هذا الحديث سماع الميت لقرع النعال، فدل على عدم اختصاص ذلك بالنبي - ﷺ -.\n_________\n(١) انظر: روح المعاني، للآلوسي (٢١/ ٧٧)، ومقدمة الألباني على كتاب \"الآيات البينات في عدم سماع الأموات\"، ص (٢٩).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٢٨٧). وسنده صحيح على شرط مسلم.\n(٣) انظر: فتح الباري، لابن حجر (٧/ ٣٥٤)، ومقدمة الألباني على كتاب \"الآيات البينات في عدم سماع الأموات\"، ص (٣٠ - ٣١).\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (١٣٣٨)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث (٢٨٧٠).","vol":"1","page":372},{"text":"وأجيب: بأنَّ ما ورد في هذا الحديث مخصوص بأول الدفن عند سؤال الملكين وهو غير دائم، فلا يفيد عموم السماع في كل الأحوال والأوقات. (١)\nالقول الثاني: أنَّ معنى الحديث إخبار النبي - ﷺ - بأنَّ المشركين من قتلى بدر لما عاينوا العذاب بعد موتهم علموا أنَّ ما كان يدعوهم إليه هو الحق، وأنَّ هذا هو مراده - ﷺ -، ولم يُرِدْ أنهم يسمعون كلامه وقت مخاطبته لهم.\nوهذا مذهب عائشة ﵂، حيث ذهبت إلى تخطئة ابن عمر في روايته للحديث، وأنه لم يحفظه بلفظه عن النبي - ﷺ -، فعن هشام بن عروة، عن أبيه قال: \"ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -: \"إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ\" فَقَالَتْ: وَهَلَ (٢)؛\nإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الْآنَ\". قَالَتْ: وَذَاكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَامَ عَلَى الْقَلِيبِ، وَفِيهِ قَتْلَى بَدْرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ؛ فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ: \"إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ\"، إِنَّمَا قَالَ: \"إِنَّهُمْ الْآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ\"، ثُمَّ قَرَأَتْ: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) و(وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) \". (٣)\n_________\n(١) انظر: فتح القدير، لابن الهمام (٢/ ١٠٤)، وفيض القدير، للمناوي (٢/ ٣٩٨)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (٨/ ٢١).\n(٢) الوهل: هو الوهم والغلط، يقال: وهل إلى الشيء، إذا ذهب وهمه إليه، ويكون بمعنى سها وغلط، يقال منه: وهل في الشيء، وعن الشيء. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٥/ ٢٣٢)، ومشارق الأنوار، للقاضي عياض (٢/ ٢٩٧).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، حديث (٣٩٧٩)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (٩٣٢).\nوأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٦/ ٢٧٦)، بإسناد حسن، عن عائشة ﵂ قالت: \"أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِالْقَتْلَى أَنْ يُطْرَحُوا فِي الْقَلِيبِ فَطُرِحُوا فِيهِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ فَإِنَّهُ انْتَفَخَ فِي دِرْعِهِ فَمَلَأَهَا فَذَهَبُوا يُحَرِّكُوهُ فَتَزَايَلَ فَأَقَرُّوهُ وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ مَا غَيَّبَهُ مِنْ التُّرَابِ وَالْحِجَارَةِ فَلَمَّا أَلْقَاهُمْ فِي الْقَلِيبِ وَقَفَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَال: َ يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا. فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُكَلِّمُ قَوْمًا مَوْتَى؟ فَقَالَ لَهُمْ: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ مَا وَعَدْتُهُمْ حَقٌّ. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَالنَّاسُ يَقُولُونَ: لَقَدْ سَمِعُوا مَا قُلْتُ لَهُمْ، وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: لَقَدْ عَلِمُوا\".","vol":"1","page":373},{"text":"القول الثالث: أنَّ النبي - ﷺ - قال ذلك على جهة الموعظة للأحياء، لا لإفهام الموتى.\nذكره ابن الهمام وجهًا آخر في الجواب عن الحديث. (١)\nالقول الرابع: أنَّ وقوف النبي - ﷺ - على قتلى بدر ونداءه إياهم كان في الوقت الذي تُردُّ فيه الروح للبدن عند المساءلة في القبر.\nوهذا رأي ابن عبد البر، حيث ذكره احتمالًا آخر في توجيه الحديث. (٢)\nأدلة القائلين بنفي سماع الأموات مطلقًا:\nاستدل القائلون بنفي سماع الأموات لكلام الأحياء بأدلة، منها:\nالأول: أنَّ في سياق آيتي النمل والروم ما يدل على أنَّ الموتى لا يسمعون، وبيان ذلك: أنَّ الله تعالى قال في تمام الآيتين: (وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ) حيث شبه سبحانه موتى الأحياء من الكفار بالصم، والصم لا يسمعون مطلقًا، بلا خلاف، وهذا يدل على أنَّ المشبه بهم، وهم الصم والموتى، لهم حكم واحد، وهو عدم السماع، وفي التفسير المأثور ما يدل على هذا، فعن قتادة قال - في تفسير الآية-: \"هذا مثل ضربه الله للكافر، فكما لا يسمع الميت الدعاء، كذلك لا يسمع الكافر، (وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ) يقول: لو أنَّ أصم ولّى مدبرًا ثم ناديته، لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع، ولا ينتفع بما سمع\" (٣). (٤)\nالدليل الثاني: أنَّ عائشة، وعمر، وغيرهما من الصحابة - ﵃ -، فهموا الآيات على ظاهرها من نفي سماع الموتى مطلقًا، وفهمهم حجة، وهو دليل على أنَّ الآيات صريحة في نفي سماع الأموات، ومما يؤيد صحة فهمهم أنَّ النبي - ﷺ - أقرَّهم على ذلك، ولم يُنقل عنه - ﷺ - أنه خطأهم على فهمهم هذا. (٥)\n_________\n(١) فتح القدير، لابن الهمام (٥/ ١٩٥).\n(٢) الأجوبة عن المسائل المستغربة، لابن عبد البر، ص (١٩٢).\n(٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٠/ ١٩٧).\n(٤) انظر: مقدمة الألباني على كتاب \"الآيات البينات في عدم سماع الأموات\"، ص (٢٣).\n(٥) انظر: مقدمة الألباني على كتاب \"الآيات البينات في عدم سماع الأموات\"، =","vol":"1","page":374},{"text":"الدليل الثالث: قوله تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤» [فاطر: ١٣ - ١٤]، وهذه الآية صريحة في نفي السماع عن أولئك الذين كان المشركون يدعونهم من دون الله تعالى، وهم موتى الأولياء والصالحين، فدل على أنَّ الموتى لا يسمعون مطلقًا. (١)\nواعتُرِضَ: بأنَّ هذا التفسير مخالف لما عليه الأكثر من المفسرين؛ لأنهم قالوا: إنَّ المراد بالذين لا يسمعون في الآية: الأصنام؛ لأنها جمادات لا تضر ولا تنفع، وإذا كان المنفي في الآية سماع الجمادات، انتفى الاستدلال بها على نفي سماع الأموات.\nوأجيب: بأنَّ الآية قد اختُلِفَ في تفسيرها على القولين المذكورين، والأصح أنَّ المراد بالذين لا يسمعون هم الموتى من الأولياء والصالحين، يدل على ذلك:\n١ - قوله تعالى في تمام الآية السابقة: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ) [فاطر: ١٤] والأصنام لا تُبعث؛ لأنها جمادات غير مكلفة كما هو معلوم، بخلاف العابدين والمعبودين، فإنهم جميعًا محشورون، كما قال تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨» [الفرقان: ١٧ - ١٨].\n٢ - وقوله تعالى: (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣» [نوح: ٢٣]، ففي التفسير المأثور عن ابن عباس - ﵁ -: \"أنَّ هؤلاء الخمسة أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أنْ انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها\n_________\n= ص (٢٤)، والمعلم بفوائد مسلم، للمازري (١/ ٣٢٤)، وفتح القدير، لابن الهمام (٥/ ١٩٥).\n(١) انظر: مقدمة الألباني على كتاب \"الآيات البينات في عدم سماع الأموات\"، ص (٢٦).","vol":"1","page":375},{"text":"بأسمائهم، ففعلوا فلم تُعْبَدْ، حتى إذا هلك أولئك وَتَنَسَّخَ العلم عُبِدَتْ\" (١) (٢).\nالدليل الرابع: قول النبي - ﷺ -: \"إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ\" (٣)، ووجه الدلالة من الحديث أنَّ النبي - ﷺ - لا يسمع سلام المُسَلِّمِين عليه، إذ لو كان يسمعه بنفسه، لما كان بحاجة إلى من يبلغه إليه، وإذ الأمر كذلك فبالأولى أنه - ﷺ - لا يسمع غير السلام من الكلام، وإذا كان كذلك فلأن لا يسمع السلام غيرُه من الموتى أولى وأحرى. (٤)\nالقول الرابع: أنَّ الأصل عدم سماع الأموات؛ لعموم وظاهر الآيات، لكن يستثنى من ذلك ما صح به الدليل ولا يُتجاوزُ به إلى غيره، ومما ورد به الدليل: مخاطبة النبي - ﷺ - قتلى بدر، وسماع الميت خفق نعال المشيعين له إذا انصرفوا.\nوهذا رأي: الشوكاني، والآلوسي (٥)، وذكره أبو العباس القرطبي احتمالًا آخر في الجمع، واختاره أبو عبد الله القرطبي (٦).\nقال أبو العباس القرطبي: \"لو سلمنا أنَّ الموتى في الآية على حقيقتهم؛ فلا تعارض بينها وبين أنَّ بعض الموتى يسمعون في وقتٍ ما، أو في حالٍ ما، فإنَّ تخصيص العموم ممكن وصحيح إذا وجد المخصص، وقد وجد هنا بدليل هذا الحديث (٧) \". اهـ (٨)\nوقال الشوكاني: \"وظاهر نفي إسماع الموتى العموم، فلا يُخَصُّ منه إلا\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (٤٩٢٠).\n(٢) انظر: مقدمة الألباني على كتاب \"الآيات البينات في عدم سماع الأموات\"، ص (٢٤ - ٢٧).\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٣٨٧)، والترمذي، في سننه، في كتاب الدعوات، حديث (٣٦٠٠)، والنسائي في سننه، في كتاب السهو، حديث (١٢٨٢)، وصححه الألباني في \"صحيح سنن النسائي\" (١/ ٤١٠)، حديث (١٢٨١).\n(٤) انظر: مقدمة الألباني على كتاب \"الآيات البينات في عدم سماع الأموات\"، ص (٣٦ - ٣٧).\n(٥) روح المعاني، للآلوسي (٢١/ ٧٩).\n(٦) انظر: التذكرة في أحوال الموتى والآخرة، للقرطبي، ص (١٥٢).\n(٧) أي: حديث القليب.\n(٨) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٢/ ٥٨٦)، وانظر: (١/ ٣٣٣) و(٧/ ١٥١).","vol":"1","page":376},{"text":"ما ورد بدليل، كما ثبت في الصحيح أنه - ﷺ - خاطب القتلى في قليب بدر، وكذلك ما ورد من أنَّ الميت يسمع خفق نعال المشيعين له إذا انصرفوا\". اهـ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يظهر صوابه - والله تعالى أعلم - أنَّ الموتى لا يسمعون شيئًا من كلام الأحياء، ولا يشعرون بهم، وأنَّ ذلك عام في كل الأحوال والأوقات، كما دلت عليه الآيات، ويستثنى من ذلك ما ثبت به الحديث الصحيح من أنَّ الميت يسمع قرع نعال مشيعيه إذا انصرفوا من دفنه (٢)، وسبب سماعه في هذه الحال، وفي هذا الوقت: أنَّ الروح تعاد للبدن للمساءلة في القبر (٣)، فيكون\n_________\n(١) فتح القدير، للشوكاني (٤/ ٢١٦).\n(٢) تقدم الحديث، ونصه: \"إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ .... \".\n(٣) عن البراء بن عازب - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنْ السَّمَاءِ، بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ ﵇، حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ: اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ .. قَالَ: فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، قَالَ: فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ - يَعْنِي بِهَا - عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى. قَالَ: فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: =","vol":"1","page":377},{"text":"للروح تعلق بالبدن يحصل به السماع، إلا أنَّ هذا التعلق غير دائم ولا مستمر، وإنما هو في وقت المساءلة فقط.\nيدل على هذا الاختيار:\nالأول: ما تقدم من الآيات في سورة النمل، والروم، وفاطر، وهي صريحة في نفي سماع الأموات، وقد تقدم بيان دلالتها على هذا المعنى.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦» [الأنعام: ٣٦]، حيث شبه سبحانه الكفار الأحياء بالموتى في عدم السماع، فدل على أنَّ المشبه بهم - وهم الموتى - لا يسمعون أيضًا.\n_________\n= رَبِّيَ اللَّهُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ، فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ. قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، قَالَ: وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ. فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ، حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي .... \".\nأخرجه: ابن المبارك في الزهد (٤٣٠ - ٤٣١)، وأبو داود الطيالسي في مسنده، حديث (٧٥٣)\nص (١٠٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٢٥٦)، والإمام أحمد في مسنده (٤/ ٣٨٩ - ٣٩٠)، حديث (١٨٤٩١) و(١٨٤٩٢) و(١٨٤٩٣)، وهناد بن السري في الزهد (١/ ٢٠٥)، وأبو داود في سننه، في كتاب السنة، حديث (٤٧٥٣) و(٤٧٥٤)، والروياني في مسنده (١/ ٢٦٣ - ٢٦٤)، والطبري في تفسيره (٧/ ٤٤٨)، والحاكم في المستدرك (١/ ٩٣)، وقال: \"صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي\"، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١/ ٣٧) وفي شعب الإيمان (١/ ٣٥٦).\nقال أبو نعيم [كما في مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٥/ ٤٣٩)]: \"وأما حديث البراء فحديث مشهور، رواه عن المنهال بن عمرو الجم الغفير، وهو حديث أجمع رواة الأثر على شهرته واستفاضته\". اهـ\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية، في مجموع الفتاوى (٤/ ٢٧١): \"هذا حديث معروف جيد الإسناد\".\nوصححه البيهقي، في إثبات عذاب القبر (١/ ٣٩)، وفي شعب الإيمان (١/ ٣٥٧)، وابن القيم، في إعلام الموقعين (١/ ١٣٧)، وفي كتاب الروح، ص (١٤٢)، والسيوطي، في شرح الصدور، ص (٦٢)، والهيثمي، في مجمع الزوائد (٣/ ٥٠)، والألباني، في صحيح سنن أبي داود (٣/ ١٦٦)، وفي أحكام الجنائز، ص (٢٠٢).","vol":"1","page":378},{"text":"قال ابن جرير في تفسير الآية: والموتى - أي الكفار - يبعثهم الله مع الموتى، فجعلهم تعالى ذكره في عداد الموتى الذين لا يسمعون صوتًا، ولا يعقلون دعاء، ولا يفقهون قولًا. اهـ (١)\nالدليل الثالث: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١» [النحل: ٢٠ - ٢١]، حيث أخبر سبحانه بأنَّ هؤلاء الذين يدعونهم من دون الله أموات في قبورهم، ولا يشعرون متى يُبعثون، والشعور هو الإدراك بالحواس (٢)، وإذا كان هؤلاء الأموات لا يشعرون متى يُبعثون، ثبت نفي الشعور عنهم، وهذا يستلزم عدم إدراكهم مطلقًا، ويلزم من عدم إدراكهم أنَّ السماع مُنتفٍ في حقهم؛ لأنه من جملة ما يُشعر به.\nالدليل الرابع: أنَّ هذا القول فيه إعمال للآيات والأحاديث معًا، بخلاف القول بإثبات السماع للأموات؛ فإنَّ القائلين به أوَّلوا الآيات ونفوا دلالتها على نفي السماع، وقد تقدم بيان أنَّ ما ذهبوا إليه ضعيف، وأنَّ الآيات صريحة في نفي السماع.\nوأما الأحاديث التي تدل بظاهرها على أنَّ الموتى يسمعون، فهي على نوعين:\nالأول: أحاديث صحيحة، وهذه على أقسام:\nالقسم الأول: أحاديث خاصة بالنبي - ﷺ - دون غيره من الناس، وهي:\nحديث القليب، وحديث السلام عليه - ﷺ -، فالأول محمول على أنه من معجزاته - ﷺ -، والثاني على أنه من خصائصه، على أنه لا مانع من حمل حديث القليب على أنَّ دعاء النبي - ﷺ - إياهم وافق وقت عودة الروح للبدن، وذلك عند المساءلة؛ فإنَّ الروح تعاد للبدن حينئذ.\nالقسم الثاني: حديث سماع الميت لقرع النعال، وهذا الحديث ليس فيه ما يدل على عموم السماع في كل الأحوال والأوقات، وقد تقدم بيان ذلك.\n_________\n(١) تفسير الطبري (٥/ ١٨٤)، بتصرف.\n(٢) انظر: مفردات ألفاظ القرآن، للراغب، مادة \"شعر\"، ص (٤٥٣).","vol":"1","page":379},{"text":"القسم الثالث: حديث السلام على الموتى، وهذا الحديث ليس فيه ما يدل على السماع، وقد تقدم أنَّ السلام على الموتى لا يسلتزم سماعهم.\nالقسم الرابع: حديث عمرو بن العاص، وهو حديث موقوف، وليس فيه شيء مرفوع للنبي - ﷺ -، والقول بأنَّ له حكمَ الرفع غير مُسَلَّم.\nالنوع الثاني: أحاديث ضعيفة لا يصح الاستدلال بها، وهي حديث تلقين الميت، وحديث أبي هريرة، وابن عباس، وعائشة، وقد تقدم بيان ما فيها من علل، والله تعالى أعلم.\n****","vol":"1","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>المسألة [٢١]: في إضافة تحريم مكة إلى الله تعالى، وإلى إبراهيم الخليل، ﵇</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١» [النمل: ٩١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية:</span>\n(٤٦) - (٣٩): عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: \"إنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لَهَا، وَحَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَدَعَوْتُ لَهَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا مِثْلَ مَا دَعَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ لِمَكَّةَ\". (١)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب البيوع، حديث (٢١٢٩)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (١٣٦٠). وفي الباب عن أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، ورافع بن خديج.\nأخرج حديث أنس: البخاري في صحيحه في كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (٣٣٦٧)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (١٣٦٥)، وأخرج حديث جابر، وأبي سعيد، ورافع: مسلمٌ في صحيحه في كتاب الحج، حديث (١٣٦٢)، وحديث (١٣٧٤)، وحديث (١٣٦١).","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث:</span>\nظاهِرُ الآية الكريمة أَنَّ الله تعالى هو الذي حرَّم مكة، وأما الحديث فظاهره أَنَّ إبراهيم ﵇ هو الذي حرَّمها، وهذا يُوهِمُ التعارض بين الآية والحديث. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث:</span>\nللعلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث مسلكان:\nالأول: مسلك الجمع بينهما:\nوعلى هذا المسلك عامة العلماء من مفسرين ومحدثين، وقد اختلفوا في الجمع على مذاهب:\nالأول: أَنَّ إضافة التحريم إلى الله تعالى من حيث كان بقضائه وسابق علمه، وإضافته إلى إبراهيم من حيث كان ظهور ذلك بدعائه ورغبته وتبليغه لأمته. (٢)\nوهذا مذهب: ابن جرير الطبري، والقاضي عياض، وابن عطية، وأبي العباس القرطبي، وابن جزي الكلبي، وأبي حيان، والحافظ ابن كثير، والعيني، والسيوطي، والزرقاني، والصنعاني، والشوكاني، والآلوسي. (٣)\n_________\n(١) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٤/ ٤٧٩)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (٤/ ٢٧٤)، والتسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (٢/ ١٠٨)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (٧/ ٩٦)، وروح المعاني، للآلوسي (٢٠/ ٣٣٢).\n(٢) انظر: المحرر الوجيز، لابن عطية (٤٢٧٤).\n(٣) انظر على الترتيب: تفسير الطبري (١/ ٥٩٢)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٤/ ٤٧٩)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (٤/ ٢٧٤)، والمفهم لما أشكل من =","vol":"1","page":382},{"text":"قال ابن جزي: \"نُسِبَ تحريمها إلى الله؛ لأنه بسبب قضائه وأمره، ونَسَبَهُ النبيُّ - ﷺ - إلى إبراهيمَ ﵇؛ لأنَّ إبراهيم هو الذي أعْلَمَ الناسَ بتحريمها؛ فليس بين الحديث والآية تعارض، وقد جاء في حديث آخر: أَنَّ مكة حرمها الله يوم خلق السماوات والأرض (١) \". اهـ (٢)\nوقال الآلوسي: \"لا تعارض بين ما في الآية من نسبة تحريمها إليه ﷿، وما في قوله ﵊: \"إن إبراهيم ﵇ حرم مكة، وأنا حرمت المدينة\"، من نسبة تحريمها إلى إبراهيم ﵇؛ لأنَّ ما هنا باعتبار أنه هو المُحرِّمُ في الحقيقة، وما في الحديث باعتبار أَنَّ إبراهيم ﵇ مُظْهِرٌ لحكمه عز شأنه\". اهـ (٣)\nالمذهب الثاني: أَنَّ إبراهيم ﵇ سأل ربه تحريم مكة فأجابه الله إلى ذلك، فإضافة التحريم إلى الله تعالى باعتبار أنه كان بإذنه، وإضافته إلى إبراهيم باعتبار أنه كان بسؤاله وطلبه.\nوهذا مذهب: أبي الوليد الباجي، والقاضي عياض في وجه آخر له في الجمع. (٤)\nوالفرق بين هذا القول والذي قبله: أَنَّ هذا القول فيه أَنَّ مكة لم تُحرَّم إلا بعد أن سأل إبراهيم ربه في تحريمها، وأما القول الأول ففيه أَنَّ حُرْمَة مكة لم تزل مُنذ أنْ خلق الله السماوات والأرض.\n_________\n= تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٣/ ٤٧٤)، والتسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (٢/ ١٨)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (٧/ ٩٦)، وتفسير ابن كثير (١/ ١٧٩)، وعمدة القاري، للعيني (٢/ ١٤٥) و(٩/ ٢٢٤)، وشرح سنن النسائي، للسيوطي (٥/ ٢٠٣)، وشرح موطأ مالك، للزرقاني (٤/ ٢٨٢)، وسبل السلام، للصنعاني (٢/ ١٩٧)، وفتح القدير، للشوكاني (١/ ٢٢٢)، وروح المعاني، للآلوسي (٢٠/ ٣٣٢).\n(١) عن ابن عباس ﵄، أَنَّ النبي - ﷺ - قال: \"إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ... \". أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (١٨٣٣).\n(٢) التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (٢/ ١٠٨).\n(٣) روح المعاني، للآلوسي (٢٠/ ٣٣٢).\n(٤) انظر على الترتيب: المنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد الباجي (٧/ ١٩٢)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٤/ ٤٧٩).","vol":"1","page":383},{"text":"المذهب الثالث: أَنَّ إبراهيم اجتهد في تحريم مكة؛ فأُضيف إليه التحريم؛ لأنه كان باجتهاده، وأُضيف إلى الله تعالى؛ لأنه أقَرَّ إبراهيمَ على اجتهاده.\nذكر هذا الجواب: أبو الوليد الباجي، والقاضي عياض. (١)\nالمسلك الثاني: مسلك الترجيح:\nحيث ذهب الإمام ابن عبد البر إلى تضعيف الحديث الوارد في المسألة؛ لأنه من رواية عمرو بن أبي عمرو (٢)، عن أنس.\nقال: \"وعمرو بن أبي عمرو ليس بذاك القوي عند بعضهم\".\nقال: \"وفي حديث مالك وغيره، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: \"اللهم إنَّ إبراهيم دعاك لمكة\" (٣)، قال: وهذا أولى من رواية من روى: \"إنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ\"، وقد ثبت بالآثار الصحاح عن النبي - ﷺ -: \"أَنَّ الله حرَّمها ولم يُحَرِّمْها الناس\" (٤)، و\"أنها بلد حرام، حرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض\" (٥)، وهذا مشهور صحيح عند أهل الأثر، وجماعة أهل السير، فلا وجه لِما خالفه من الرواية، على أنها ليست بالقوية، ولو صحت لكان معناها: أَنَّ إبراهيم أعْلَمَ بتحريم مكة، وعُلِمَ أنها حرام بإخباره؛ فكأنه حرَّمها؛ إذ لم يُعْرَف تحريمها أولًا في زمانه إلا على لسانه\". اهـ (٦)\n_________\n(١) انظر: المصادر السابقة.\n(٢) هو عمرو بن أبي عمرو، اسمه ميسرة، مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي، أبو عثمان المدني، قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس به بأس. وقال الدوري عن ابن معين: في حديثه ضعف، ليس بالقوي. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ضعيف. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال البخاري: روى عن عكرمة في قصة البهيمة، فلا أدري سمع أم لا؟ قال الآجري: سألت أبا داود عنه فقال: ليس هو بذاك، حدث عنه مالك بحديثين، روى عن عكرمة عن ابن عباس: من أتى بهيمة فاقتلوه. وقد روى عاصم عن أبي زرعة عن ابن عباس: ليس على من أتى بهيمة حد. وقال النسائي: ليس بالقوي: وقال ابن عدي: لا بأس به؛ لأن مالكًا يروي عنه، ولا يروي مالك إلا عن صدوقٍ ثقةٍ. وقال عثمان الدارمي - في حديث رواه في الأطعمة -: هذا الحديث فيه ضعف؛ من أجل عمرو بن أبي عمرو. وقال ابن حبان في الثقات: ربما أخطأ، يعتبر حديثه من رواية الثقات عنه. وقال العجلي: ثقة ينكر عليه حديث البهيمة. وقال الساجي: صدوق إلا أنه يهم. وكذا قال الأزدي. وقال الذهبي: حديثه حسن، منحط عن الرتبة العلياء من الصحيح. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (٨/ ٨٢).\n(٣) موطأ الإمام مالك، كتاب الجامع، حديث (١٦٣٧)، ومن طريق مالك أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (١٣٧٣).\n(٤) عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ - ﵁ -، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ\". أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (١٨٣٢).\n(٥) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ - يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ -: \"لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا؛ فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَه اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة\". أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (١٨٣٤).\n(٦) الأجوبة عن المسائل المستغربة، لابن عبد البر، ص (٩٧ - ١٠٠)، وانظر: الاستذكار (١٢/ ٩ - ١٠).","vol":"1","page":384},{"text":"ويَرِدُ على مذهب ابن عبد البر: أَنَّ الحديث رواه عدد من الصحابة عن النبي - ﷺ -، ولم يتفرد به عمرو بن أبي عمرو، الذي يرويه عن أنس، وأحاديثهم مروية في الصحيحين (١)، فلا وجه لتضعيف حديث أنس، وإنْ كان من رواية عمرو بن أبي عمرو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أَنَّ إبراهيم ﵇ دعا ربه وسأل تحريم مكة؛ فأجاب الله تعالى دعاءه، وحرَّمها على لسان إبراهيم، وكان الله قد حرَّمها قبل ذلك، يوم أنْ خلق السماوات والأرض؛ إلا أنه لم يُظْهِر تحريمها للناس إلا حينما دعاه إبراهيم، ومعلوم أَنَّ تبليغ التحريم لعموم الناس لا يكون إلا بوحي من الله تعالى لنبي من أنبيائه، وإنما نُسب التحريم إلى الله في الآية؛ لأنه هو المُحَرِّمُ في الحقيقة، ونُسِبَ في الحديث لإبراهيم؛ لأنه هو المبلغ لهذا التحريم، فليس بين الآية والحديث تعارض على هذا المعنى أبدًا.\nومما يؤكد هذا المعنى: أَنَّ النبي - ﷺ - قال: \"اللهم إنَّ إبراهيم دعاك لمكة\"، وهذا يدل على أَنَّ تحريمها إنما كان بعد دعاء إبراهيم، ﵇، وقوله - ﷺ -: \"ولم يحرمها الناس\"، إنما عني به أَنَّ تحريمها لم يكن بتواطؤٍ من الناس، وإنما كان بوحي من الله تعالى لإبراهيم، وهو في كلامه - ﷺ - هذا يُقَرِّرُ أَنَّ هذه الحرمة لمكة - والتي تُقِرُّ بها قريش - لم يكن لقريش أي فضلٍ فيها، وإنما كانت بوحي من الله تعالى لإبراهيم ﵇، ولم يُرِدْ النبي - ﷺ - بقوله: \"ولم يحرمها الناس\" عموم الناس، وإنما أراد عموم الناس من غير الأنبياء، بدليل أنه أضاف التحريم إلى إبراهيم في حديث آخر، فدل على أَنَّ قوله: \"ولم يحرمها الناس\" عامٌ أُريد به الخصوص، والله تعالى أعلم. (٢)\n****\n_________\n(١) تقدم تخريج هذه الأحاديث في أول المسألة.\n(٢) جميع الأحاديث الواردة في مبحث الترجيح سبق تخريجها في أثناء المسألة.","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>المسألة [٢٢]: في خراب ذي السويقتين للكعبة</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧» [القصص: ٥٧].\nوقال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧» [العنكبوت: ٦٧]. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآيات:</span>\n(٤٧) - (٤٠): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ (٢) مِنْ الْحَبَشَةِ\". (٣)\n_________\n(١) ومن الآيات الواردة في المسألة: قوله تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا) [البقرة: ١٢٥]، وقوله تعالى: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) [آل عمران: ٩٧]، وقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا) [إبراهيم: ٣٥]، وقوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [الحج: ٢٥].\n(٢) السويقتان: تثنية سُويْقَة، وهي تصغير ساق، والمعنى أن له ساقان دقيقتان. انظر: فتح الباري، لابن حجر (٣/ ٥٣٩).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (١٥٩١)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (٢٩٠٩).","vol":"1","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والحديث:</span>\nظاهرُ الآيات الكريمة أَنَّ الله تعالى جعل بيته وحرمه آمنًا من تسلط الأعداء عليه، وهذا الأمن ظاهره استغراق الأزمنة كلها؛ فلا يستطيع أحدٌ الاعتداء عليه على مرِّ العصور والدهور، وأما الحديث الشريف ففيه تخريب ذي السويقتين للبيت، وهذا يُوهِمُ مُعارضة الآيات. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>المبحث الرابع: المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث:</span>\nلم يتجاوز العلماء في هذه المسألة مسلك الجمع بين الآيات والحديث، وقد اختلفوا في الجمع على مذاهب:\nالأول: أَنَّ الله تعالى جعل الحرم آمنًا باعتبار غالب الأوقات، ووَعْدُه تعالى بالأمن لا يلزم منه أنْ يكون دائمًا في كل الأوقات، بل إذا حصلت له حُرْمَةٌ وأمنٌ في وقت ما صدق عليه هذا اللفظ، وصحَّ المعنى، ولا يُعارضه ارتفاع ذلك المعنى في وقت آخر.\nوهذا مذهب أبي العباس القرطبي، والعيني، والملا علي القاري. (٢)\nالمذهب الثاني: أَنَّ المراد بالآيات جعله آمنًا إلى قُرْبِ قيام الساعة\n_________\n(١) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٨/ ٤٥٤)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٧/ ٢٤٦)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (١٨/ ٥٠)، ولباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن (٣/ ٣٩)، وفتح الباري، لابن حجر (٣/ ٥٣٩)، وعمدة القاري، للعيني (٩/ ٢٣٣)، ومرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (١٠/ ٦٣)، والإشاعة لأشراط الساعة، للبرزنجي، ص (٢٦٨)، وفيض القدير، للمناوي (١/ ١١٨)، (٦/ ٤٥٩)، ولوامع الأنوار البهية، للسفاريني (٢/ ١٢٣).\n(٢) انظر على الترتيب: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٧/ ٢٤٦)، وعمدة القاري، للعيني (٩/ ٢٣٣)، ومرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (١٠/ ٦٤).","vol":"1","page":387},{"text":"وخراب الدنيا؛ حيث لا يبقى في الأرض أحدٌ يقول الله الله، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم أنَّ النبي - ﷺ - قال: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ\" (١)، فإذا كان قُرب قيام الساعة سُلِّطَ ذو السويقتين على الكعبة، والذي يكون بخرابه لها خراب العالم، وهذا الوقت الذي يكون فيه خراب العالم ليس في الآية ما يدل على استمرار الأمن فيه.\nوهذا مذهب القاضي عياض، والنووي، والخازن، والحافظ ابن حجر، والمناوي، والسفاريني. (٢)\nويؤيد هذا المذهب ما رُويَ عن النبي - ﷺ - أَنَّ البيت بعد هدم ذي السويقتين له لا يَعْمُرُ بَعْدَهُ أَبَدًا. (٣)\nالمذهب الثالث: أَنَّ وعده تعالى بأمن بيته مُقَيَّدٌ بعدم استحلال أهله له، فإذا وقع الاستحلال ارتفع هذا الوعد، فيكون عندئذ خراب ذي السويقتين له.\nوهذا القيد جاء في حديث أبي هريرة - ﵁ -، أَنَّ النبي - ﷺ - قال: \"َلَنْ يَسْتَحِلَّ الْبَيْتَ إِلَّا أَهْلُهُ، فَإِذَا اسْتَحَلُّوهُ فَلَا يُسْأَلُ عَنْ هَلَكَةِ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَأْتِي الْحَبَشَةُ فَيُخَرِّبُونَهُ خَرَابًا لَا يَعْمُرُ بَعْدَهُ أَبَدًا\". (٤)\nأشار لهذا المذهب الحافظ ابن حجر، وجعله وجهًا في الجمع بين الآيات والحديث، وهو اختيار محمد بن عبد الرسول البرزنجي. (٥)\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٤٨).\n(٢) انظر على الترتيب: إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٨/ ٤٥٤)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (١٨/ ٥٠)، ولباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن (٣/ ٣٩)، وفتح الباري، لابن حجر (٣/ ٥٣٩)، وفيض القدير، للمناوي (١/ ١١٨)، ولوامع الأنوار البهية، للسفاريني (٢/ ١٢٣).\n(٣) سيأتي تخريجه في الحاشية الآتية.\n(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٣١٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٦٢)، وابن حبان في صحيحه (١٥/ ٢٣٩)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٩٩)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ١٢٠)، (٦/ ٥٥٣).\n(٥) انظر على الترتيب: فتح الباري، لابن حجر (٣/ ٥٣٩)، والإشاعة لأشراط الساعة، للبرزنجي، ص (٢٦٨).","vol":"1","page":388},{"text":"المذهب الرابع: أَنَّ عموم الآيات مُخصوص بقصة ذي السويقتين، فلا تعارض بين النصين.\nوهذا مذهب ابن بطال، وأشار إليه القاضي عياض، والنووي. (١)\nالمذهب الخامس: أَنَّ المراد بالآيات أمن أهل البيت لا أمن ذات البيت، وعليه فلا تعارض بين الآيات والحديث؛ لأنَّ الحديث إنما فيه خراب البيت لا هلاك أهله.\nأشار لهذا المذهب الخازن في تفسيره (٢)، ولا يخفى أَنَّ هذا القيد لم يأتِ به دليل حتى يُصار إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أَنَّ المراد بالآيات جَعْلُ الحرم آمنًا إلى قُرْبِ قيام الساعة وخراب الدنيا، ذلك أنَّ خراب البيت كائن لا محالة عند خراب العالم بأجمعه، إلا أنَّ الله تعالى جعل خرابه على يد ذي السويقتين لحكمة أرادها سبحانه، وهو وقت خرابه لا حاجة للأمن فيه، إذ ليس هناك عامر للبيت من المؤمنين حتى يكون هناك حاجة للأمن، وعليه فإنَّ الأمن الموعود في الآيات إنما هو في حال عمارة البيت بأهله من المؤمنين، فإذا اندرس المؤمنون في آخر الزمان - كما أخبر النبي - ﷺ - بذلك - أصبح البيت مهجورًا لا عامر له، وحينئذٍ يقع خراب ذي السويقتين له، والذي يكون مؤذنًا بنهاية هذا العالم، والله تعالى أعلم.\n\n****\n_________\n(١) انظر على الترتيب: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٤/ ٢٧٥)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٨/ ٤٥٤)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (١٨/ ٥٠).\n(٢) لباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن (٣/ ٣٩).","vol":"1","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>المسألة [٢٣]: هل كتب النبي - ﷺ - بيده الشريفة شيئًا أم لا</span>؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨» [العنكبوت: ٤٨].\nوقال تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ) [الأعراف: ١٥٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهِرُه التعارض مع الآيات:</span>\n(٤٨) - (٤١): عَنْ الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ - ﵁ - قَالَ: \"لَمَّا اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَتَبُوا الْكِتَابَ كَتَبُوا: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. قَالُوا: لَا نُقِرُّ لَكَ بِهَذَا، لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا مَنَعْنَاكَ شَيْئًا، وَلَكِنْ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ -: امْحُ رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ عَلِيٌّ: لَا وَاللَّهِ، لَا أَمْحُوكَ أَبَدًا. فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْكِتَابَ - وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ - فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ .... \". (١)\n_________\n(١) الحديث أخرجه الشيخان في صحيحيهما، وقد رواه عن النبي - ﷺ - البراء بن عازب، وأنس بن مالك، والمسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، ﵃: =","vol":"1","page":390},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أولًا: حديث البراء بن عازب - ﵁ -:\nوله عن البراء طريق واحدة، وهي طريق أبي إسحاق - عمرو بن عبد الله، عن البراء بن عازب، به.\nوقد اختلف فيه على أبي إسحاق، حيث رُوي عنه من أربعة طرق بألفاظ مختلفة، وفيما يلي تفصيل ذلك:\nالأول: طريق إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، به:\nوقد رُوي عن إسرائيل من أربعة طرق:\n١ - طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل بن يونس، به.\n\nأخرجه من طريقه: البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، حديث (٤٢٥١)، ولفظه: \"فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكِتَابَ - وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ - فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ\".\nورواه بهذا اللفظ: النسائي في السنن الكبرى (٥/ ١٦٨)، عن أحمد بن سليمان، عن عبيد الله بن موسى، به.\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٤٢)، عن أبي عبد الله الحافظ، عن أبي العباس المحبوبي، عن سعيد بن مسعود، عن عبيد الله بن موسى، به.\nورواه أبو عوانة في مسنده (٤/ ٢٩٤)، عن أبي أمية وعمار، كلاهما عن عبيد الله بن موسى، به.\nوأخرجه البخاري في موضع آخر من صحيحه، في كتاب الصلح، حديث (٢٧٠٠)، عن عبيد الله بن موسى بالإسناد نفسه، لكن دون قوله: \"وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ\"، حيث رواه بلفظ: \"فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكِتَابَ فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ\".\nورواه ابن حبان في صحيحه (١١/ ٢٢٩)، عن محمد بن عثمان العجلي، عن النضر بن محمد بن المبارك، عن عبيد الله بن موسى، به. وفيه زيادة منكرة حيث جاء بلفظ: \"فأخذ رسول الله - ﷺ - الكتاب وليس يحسن يكتب، فأمر فكتب مكان (رسول الله) (محمدًا)، فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله\".\nوكأن هذا الزيادة مدرجة من أحد الرواة دفعًا لما توهمه من الإشكال الوارد في الحديث.\n٢ - طريق حجين بن المثنى، عن إسرائيل بن يونس، به.\nأخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٢٩٨)، بلفظ: \"فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكِتَابَ - وَلَيْسَ يُحْسِنُ أن يَكْتُبَ - فَكَتَبَ\".\n٣ - طريق محمد بن يوسف، عن إسرائيل بن يونس، به.\nأخرجه عنه الدارمي في سننه، في كتاب السير، حديث (٢٥٠٧)، باللفظ المتقدم عند أحمد.\n٤ - طريق إسماعيل بن جعفر، عن إسرائيل بن يونس، به.\nأخرجه عنه أبو عبيد في الأموال (١/ ٢٠٨)، بلفظ: \"فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكِتَابَ - وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ - فَكَتَبَ\".\nالثاني: طريق زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله، به.\nأخرجه من طريقه: مسلم في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٨٣)، ولفظه: \"فَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَمْحَاهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا وَاللَّهِ لَا أَمْحَاهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَرِنِي مَكَانَهَا. فَأَرَاهُ مَكَانَهَا، فَمَحَاهَا وَكَتَبَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ\". =","vol":"1","page":391},{"text":"(٤٩) - (..): وفي رواية لمسلم: \"فَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَمْحَاهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا وَاللَّهِ لَا أَمْحَاهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَرِنِي مَكَانَهَا. فَأَرَاهُ مَكَانَهَا؛ فَمَحَاهَا وَكَتَبَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ .... \". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والحديث:</span>\nظاهرُ رواية مسلم أنَّ النبي - ﷺ - محا اسمه الشريف \"رسول الله\" وكتب مكانه بيده الشريفة \"ابن عبد الله\"، ورواية البخاري جاءت بأصرح من هذا، وفيها: \"فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْكِتَابَ - وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ - فَكَتَبَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ\".\nوهذا المعنى المتبادر من هاتين الروايتين يُوهِم خِلاف الآيات، والتي ظاهرها أنَّ النبي - ﷺ - لا يحسن القراءة ولا الكتابة. (٢)\n_________\n= الثالث: طريق شعبة بن الحجاج، عن أبي إسحاق، به.\nأخرجه من طريقه: الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٢٩١)، والبخاري في صحيحه، في كتاب الصلح، حديث (٢٦٩٨)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٨٣)، جميعهم بلفظ: \"فَمَحَاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ\". وليس فيه أنَّ النبي - ﷺ - كتب بيده.\nالرابع: طريق ابن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، به.\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجزية، حديث (٣١٨٤)، ولفظه: \"فَمَحَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - بِيَدِهِ\".\nثانيًا: حديث أنس بن مالك - ﵁ -:\nأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٨٤)، ولفظه: \"فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اكْتُبْ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ\".\nثالثًا: حديث الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بنِ الحَكَمِ:\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الشروط، حديث (٢٧٣٤)، ولفظه: \"فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ\".\nالنتيجة: سيأتي في مبحث الترجيح الجمع بين هذه الروايات، وبيان الصواب منها.\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٨٣)، وقد تقدم ذكر إسناده في الذي قبله.\n(٢) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، =","vol":"1","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث:</span>\nلم يتجاوز العلماء في هذا المسألة مسلك الجمع بين الآيات والحديث، وقد اختلفوا في الجمع على مذهبين:\nالأول: مذهب إجراء الحديث على ظاهره، وتأويل الآيات.\nوهذا مذهب جماعة من المحدثين منهم: عمر بن شبة (١) (٢)، وأبي ذر الهروي (٣) (٤)، وأبي الفتح النيسابوري (٥) (٦)، والقاضي أبي جعفر السمناني الأصولي (٧) (٨)، والقاضي أبي الوليد الباجي (٩).\nوهو اختيار: ابن العربي، وابن الجوزي، وأبي العباس القرطبي، والطيبي، والذهبي، والآلوسي، والزرقاني. (١٠)\nحيث ذهب هؤلاء إلى أنَّ النبي - ﷺ - كتب بيده حقيقة، وأنَّ الله تعالى\n_________\n= للقرطبي (٣/ ٦٣٧)، وتفسير القرطبي (١٣/ ٢٣٣)، وعمدة القاري، للعيني (١٧/ ٢٦٣)، ومناهل العرفان، للزرقاني (١/ ٣٦٧).\n(١) هو: عمر بن شبة بن عبدة بن زيد بن رائطة، العلامة الإخباري الحافظ الحجة، صاحب التصانيف، أبو زيد النميري البصري النحوي، نزيل بغداد، كان ثقة عالمًا بالسير وأيام الناس، وله تصانيف كثيرة، منها (أخبار المدينة)، و(أخبار مكة)، وغيرها، وكان قد نزل في آخر عمره بِسُرَّ من رأى وتوفي بها سنة (٢٦٢هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٢/ ٣٧٣).\n(٢) انظر: غاية السول في خصائص الرسول، للأنصاري (١/ ١٣٣)، والتلخيص الحبير، لابن حجر (٣/ ١٢٧)، والخصائص الكبرى، للسيوطي (٢/ ٤٠٩)، والتراتيب الإدارية، للكتاني (١/ ١٧٣).\n(٣) هو: عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن غفير، أبو ذر الأنصاري الهروي: عالم بالحديث وأحد الحفاظ، من فقهاء المالكية. يقال له: ابن السماك. أصله من هراة. نزل بمكة، ومات بها سنة (٤٣٤هـ). له تصانيف، منها (تفسير القرآن) و(المستدرك على الصحيحين) و(السنة والصفات) و(معجمان) أحدهما فيمن روى عنهم الحديث، والثاني فيمن لقيهم ولم يأخذ عنهم. انظر: الأعلام، للزركلي (٣/ ٢٦٩).\n(٤) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٦/ ١٥١)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٣/ ٦٣٧)، وفتح الباري، لابن حجر (٧/ ٥٧٥).\n(٥) لم أقف على ترجمته.\n(٦) انظر: غاية السول في خصائص الرسول، للأنصاري (١/ ١٣٣)، وفتح الباري، لابن حجر (٧/ ٥٧٥).\n(٧) هو: محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد، السِّمْناني الحنفي، العلامة قاضي الموصل أبو جعفر، لازم ابن الباقلاني حتى برع في علم الكلام، مات سنة (٤٤٤هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٧/ ٦٥١).\n(٨) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٣/ ٦٣٧)، والتلخيص الحبير، لابن حجر (٣/ ١٢٨).\n(٩) تحقيق المذهب، لأبي الوليد الباجي، ص (١٧٠ - ٢٤٠).\n(١٠) انظر على الترتيب: عارضة الأحوذي، لابن العربي (٨/ ١٥٤)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (٢/ ٢٤٩)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٣/ ٦٣٧)، وشرح الطيبي على مشكاة المصابيح (٨/ ٧٩)، وسير أعلام النبلاء، للذهبي (١٤/ ١٩٠ - ١٩١)، وروح المعاني، للآلوسي (٢١/ ٩)، ومناهل العرفان، للزرقاني (١/ ٣٦٧).","vol":"1","page":393},{"text":"أجرى ذلك على يده؛ إما بأنْ كتب ذلك وهو غيرُ عالمٍ بما يَكْتُب، أو أنَّ الله تعالى عَلَّمَه ذلك حينئذٍ حتى كتب، ورأوا أنَّ ذلك غير قادحٍ في كونه أميًَّا، ولا مُعارضٌ لقوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ)، ولا لقوله - ﷺ -: \"إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ\" (١)، بل رأوه زيادة في معجزاته، واستظهارًا على صدقه وصحة رسالته، وذلك أنه كتب من غير تعلم للكتابة، ولا تعاطٍ لأسبابها، وإنما أجرى الله تعالى على يده وقلمه حركات كانت عنها خطوط مفهومها \"ابن عبد الله\" لمن قرأها، فكان ذلك خارقًا للعادة، كما أنه ﵇ عَلِمَ عِلْمَ الأولين والآخرين من غير تَعَلُّمٍ ولا اكتساب، فكان ذلك أبلغ في معجزاته، وأعظم في فضائله، ولا يزول عنه اسم الأمي بذلك، ولذلك قال الراوي عنه في هذه الحالة: \"وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ\" فبقي عليه اسم الأمي مع كونه قال كَتَب.\nقال أبو العباس القرطبي: \"وقد أنكر هذا كثير من متفقهة الأندلس وغيرهم، وشددوا النكير فيه، ونسبوا قائله إلى الكفر، وذلك دليل على عدم العلوم النظرية، وعدم التوقف في تكفير المسلمين، ولم يتفطنوا أنَّ تكفير المسلم كقتله، على ما جاء عنه ﵇ في الصحيح (٢)، لا سيما رَمْي من شهد له أهل عصره بالعلم والفضل والإمامة، على أنَّ المسألة ليست قطعية، بل مستندها ظواهرُ أخبارِ أحادٍ صحيحة، غير أنَّ العقل لا يحيلها، وليس في الشريعة قاطع يحيل وقوعها\". اهـ (٣).\nومراد أبي العباس القرطبي هو ما جرى لأبي الوليد الباجي، فإنه لما\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصوم، حديث (١٩١٣)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الصيام، حديث (١٠٨٠).\n(٢) عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ - حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"مَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ\". أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأدب، حديث (٦٠٤٧).\n(٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٣/ ٦٣٧)، وانظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٦/ ١٥٢)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (١٢/ ١٩٢)، وتفسير القرطبي (١٣/ ٢٣٣ - ٢٣٤).","vol":"1","page":394},{"text":"تكلم في حديث الكتابة يوم الحديبية (١) وقال بظاهره، طعن عليه جماعة من علماء عصره، ورموه بالزندقة، لاعتقادهم أنَّ هذا القول فيه قدح بمعجزة النبي - ﷺ -؛ فألفَّ الباجي رسالته المسماة بـ\"تحقيق المذهب\"، وبيَّن فيها أنَّ هذا القول لا يقدح بالمعجزة. (٢)\nوقد ساق قصةَ الباجي هذه القاضي عياض، فقال: \"ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في البخاري قال بظاهر لفظه فأنكر عليه الفقيه أبو بكر بن الصائغ (٣) وكفَّرَه بإجازة الكَتْبِ على رسول الله - ﷺ - النبي الأميّ، وأنَّه تكذيبٌ بالقرآن، فتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام، حتى أطلقوا عليه الفتنة، وقبَّحوا عند العامة ما أتى به، وتكلم به خطباؤهم في الجُمَع، وقال شاعرهم:\nبَرِئْتُ ممن شَرَى دُنْيًا بآخرَة ... وقال إنَّ رسولَ اللهِ قد كَتَبَا\nفصنف أبو الوليد رسالةً بيَّن فيها أنَّ ذلك غير قادحٍ في المعُجزة\". اهـ (٤)\nوأجاب أصحاب هذا المذهب عن الآيات:\nبأنَّ نفي الكتابة في الآية المقصود به الحال التي قبل النبوة؛ لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن فقال: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ)، وأما بعد النبوة فليس في الآية ما يدل على امتناعه، والنبي - ﷺ - صار يعلم الكتابة بعد أن كان لا يعلمها، وعدم معرفته كان بسبب المعجزة، فلما نزل القرآن، واشتهر الإسلام، وكثر المسلمون، وظهرت المعجزة، وأُمِنَ الارتياب في ذلك، عرف حينئذ الكتابة.\n_________\n(١) الحُدَيْبِيّة: هي قرية متوسطة ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التي بايع رسول الله - ﷺ - تحتها، وسميت الحديبية بشجرة حدباء كانت في ذلك الموضع، وبين الحديبية ومكة مرحلة، وبينها وبين المدينة تسع مراحل، وبعض الحديبية في الحل، وبعضها في الحرم، وقد اعتمر النبي - ﷺ - عمرة الحديبية ووادع المشركين لمضي خمس سنين وعشرة أشهر للهجرة النبوية. انظر: معجم البلدان، لياقوت الحموي (٢/ ٢٢٩).\n(٢) انظر: التلخيص الحبير، لابن حجر (٣/ ١٢٧).\n(٣) لم أقف على ترجمته.\n(٤) ترتيب المدارك، للقاضي عياض (٤/ ٨٠٤ - ٨٠٦)، وانظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٨/ ٥٤٠).","vol":"1","page":395},{"text":"وأمَّا كونه أمّيًا فليس في معرفته للكتابة ما يقدح في أمّيته؛ إذ ليست المعجزة مجرد كونه أميًا؛ فإن المعجزة حاصلة بكونه - ﷺ - كان أولًا كذلك ثم جاء بالقرآن وبعلوم لا يعلمها الأميون.\nذكر هذا الجواب: أبو الوليد الباجي، وابن العربي، وابن الجوزي، وأبو العباس القرطبي. (١)\nوأجاب الذهبي: \"بأنَّ ما كلّ من عرف أنْ يكتب اسمه فقط يخرج عن كونه أميًا؛ لأنه لا يسمى كاتبًا، وجماعة من الملوك قد أدمنوا في كتابة العلامة وهم أميون، والحكم للغلبة لا للصورة النادرة، فقد قال ﵇: \"إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ\" (٢) أي أكثرهم كذلك لندور الكتابة في الصحابة، وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢» [الجمعة: ٢] \". اهـ (٣)\nواعتُرِضَ على هذه الأجوبة: بأنَّ كتابته - ﷺ - تكون آية إذا لم تكن مناقضةً لآية أخرى، وهي كونه أميًا لا يكتب، وبكونه أميًا في أمة أمية قامت الحجة وأفحم الجاحد وانحسمت الشبهة، فكيف يُطْلِق الله يدَه لتكون آية؟ وإنما الآية أنْ لا يكتب، والمعجزات يستحيل أنْ يدفع بعضها بعضًا. (٤)\nأدلة هذا المذهب:\nاستدل القائلون بإثبات الكتابة للنبي - ﷺ - بأدلة منها (٥):\n_________\n(١) انظر على الترتيب: تحقيق المذهب، للباجي، ص (١٨٧ - ١٩٢)، وعارضة الأحوذي، لابن العربي\n(٨/ ١٥٤)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (٢/ ٢٤٩)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٣/ ٦٣٧)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (١٢/ ١٩٢)، والتلخيص الحبير (٣/ ١٢٦)، وفتح الباري (٧/ ٥٧٦)، كلاهما لابن حجر.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصوم، حديث (١٩١٣)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الصيام، حديث (١٠٨٠).\n(٣) تذكر الحفاظ، للذهبي (٣/ ١١٨١ - ١١٨٢)، وانظر: سير أعلام النبلاء، له (١٤/ ١٩٠).\n(٤) انظر: الروض الأنف، للسهيلي (٤/ ٥٠).\n(٥) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٦/ ١٥١)، والتلخيص الحبير، لابن حجر (٣/ ١٢٦ - ١٢٧).","vol":"1","page":396},{"text":"١ - رواية البخاري: \"وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ فَكَتَبَ\"، وهي صريحة في أنه - ﷺ - كتب بنفسه، ويعضدها ويقويها رواية مسلم أنَّ النبي - ﷺ - محا \"رسول الله\"، وكتب \"ابن عبد الله\".\n٢ - حديث عبد الله بن عتبة (١) قال: \"مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى كَتَبَ وَقَرَأ\". (٢)\n٣ - حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ\". (٣)\nووجه الدلالة: أنَّ النبي - ﷺ - قرأ المكتوب على باب الجنة، والقدرة على القراءة يدل على معرفة الكتابة.\nواعتُرِضَ على هذا الدليل: باحتمال إقدار الله له على ذلك بغير تَقْدُمَةِ معرفة الكتابة، وهو أبلغ في المعجزة، وباحتمال أنْ يكون حُذِفَ من الحديث شيء، والتقدير: فسألت عن المكتوب فقيل لي: هو كذا. (٤)\n٤ - حديث سهل بن الحنظلية (٥): \"أنَّ النبي - ﷺ - لما أمر معاوية أنْ يكتب للأقرع بن حابس (٦)، وعيينة بن حصن (٧)، قال عيينة: أتراني أذهب إلى قومي بصحيفة كصحيفة الْمُتَلَمِّسِ (٨)؟!\nفأخذ رسول الله - ﷺ - الصحيفة فنظر فيها فقال:\n_________\n(١) هو: عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، كان صغيرًا على عهد النبي - ﷺ - وقد حفظ عنه يسيرًا، قال أبو عمر ابن عبد البر: ذكره العقيلي في الصحابة وغلط إنما هو تابعي. وقال الحافظ ابن حجر: المعروف أن أباه مات في حياة النبي - ﷺ -، وذكره ابن البرقي فيمن أدرك النبي - ﷺ - ولم يثبت عنه رواية، وقد اتفقوا على ثقته، وكان فقيهًا كثير الحديث والفتيا (ت: ٧٤هـ). انظر: الإصابة، لابن حجر (٤/ ١٦٦).\n(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٤٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٤/ ١٠٣)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (١٤/ ١٨٩ - ١٩٠)، جميعهم من طريق أبي عقيل يحيى بن المتوكل، ثنا مجالد بن سعيد، حدثني عون بن عبد الله، عن أبيه، به.\nقال البيهقي: \"هذا حديث منقطع، وفي رواته جماعة من الضعفاء والمجهولين\". اهـ\nوضعفه الحافظ ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٢٨)، وفي \"الفصول في اختصار سيرة الرسول\" (١/ ٢٦٥)، وحكم عليه بالوضع: الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (١/ ٥١٨).\n(٣) أخرجه ابن ماجة في سننه، في كتاب الأحكام، حديث (٢٤٣١)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، حديث (٣٠٨٣)، ص (٤٥٣).\n(٤) انظر: التلخيص الحبير، لابن حجر (٣/ ١٢٦).\n(٥) هو: سهل بن الحنظلية، واسم أبيه الربيع، وقيل: عبيد، وقيل: عقيب بن عمرو، وقيل: عمرو بن عدي، وهو الأشهر، وعدي هو ابن زيد بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي، قال ابن أبي خيثمة: والحنظلية أمه، وقيل: جدته، وقيل: أم جده، شهد أحدًا وما بعدها ثم تحول إلى الشام حتى مات بها في صدر خلافة معاوية بن أبي سفيان. انظر: الإصابة، لابن حجر (٣/ ١٩٦).\n(٦) هو: الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان التميمي المجاشعي الدرامي، قال ابن إسحاق: وفد على النبي - ﷺ - وشهد فتح مكة وحنينًا والطائف، وهو من المؤلفة قلوبهم، وقد حسن إسلامه، وكان شريفًا في الجاهلية والإسلام، واستعمله عبد الله بن عامر على جيش سيَّرَهُ إلى خراسان فأصيب بالجوزجان هو والجيش، وذلك في زمن عثمان. انظر: الإصابة، لابن حجر (١/ ١٠١).\n(٧) هو: عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جوية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة الفزاري، أبو مالك، يقال: كان اسمه حذيفة فلقب عيينة لأنه كان أصابته شجة فجحظت عيناه، قال ابن السكن: له صحبة وكان من المؤلفة، ولم يصح له رواية، أسلم قبل الفتح وشهدها، وشهد حنينًا والطائف، ثم كان ممن ارتد في عهد أبي بكر ومال إلى طلحة فبايعه، ثم عاد إلى الإسلام. انظر: الإصابة، لابن حجر (٤/ ٧٦٧).\n(٨) قوله: \"كصحيفة المتلمس\": الصحيفة الكتاب، والمتلمس شاعر معروف، واسمه عبد المسيح بن جرير، كان قدم هو وطرفة الشاعر على الملك عمرو بن هند فنقم =","vol":"1","page":397},{"text":"قد كُتِبَ لك بالذي أمرتُ لك به\". (١)\nووجه الدلالة: أنَّ النبي - ﷺ - نظر في المكتوب وعرفه؛ فدل على معرفته بالقراءة، والكتابة فرع عنها.\nواعترض أصحاب المذهب الثاني على هذه الأدلة بأنها ضعيفة كلها، عدا رواية البخاري، وسيأتي الجواب عنها. (٢)\nالثاني: مذهب إعمال الآيات على ظاهرها، وتأويل الحديث.\nوهذا مذهب الجمهور من العلماء (٣)، منهم: ابن حبان، والبيهقي، وابن التين، والنووي، والبغوي، والسهيلي، وابن عطية، وأبو عبد الله القرطبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن كثير، وابن حجر، والعيني، والسيوطي،\n_________\n= عليهما أمرًا؛ فكتب لهما كتابين إلى عامله بالبحرين يأمره بقتلهما وقال: إني قد كتبت لكما بجائزة .. فاجتازا بالحيرة، فأعطى المتلمس صحيفته صبيًا فقرأها فإذا فيها يأمر عامله بقتله، فألقاها في الماء ومضى إلى الشام، وقال لطرفة: افعل مثل فعلي فإن صحيفتك مثل صحيفتي، فأبى عليه ومضى بها إلى العامل، فأمضى فيه حكمه وقتله، فَضُرِبَ بهما المثل. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٣/ ١٣).\n(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٢٤)، من طريق مسكين بن بكير، عن محمد بن المهاجر، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي كبشة السلولي، عن سهل، به.\nوفي إسناده \"مسكين بن بكير الحراني\" صدوق يخطيء، كما في التقريب (٢/ ٢٠٥)، وقال أبو أحمد الحاكم: كان كثير الوهم والخطأ. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (١٠/ ١٠٩).\nوأخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الزكاة، حديث (١٦٢٩)، من طريق عبد الله بن محمد النفيلي، عن محمد بن المهاجر، به. وليس فيه أنَّ النبي - ﷺ - قرأ الكتاب، ولفظه: \"وَأَمَّا عُيَيْنَةُ فَأَخَذَ كِتَابَهُ وَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ مَكَانَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتُرَانِي حَامِلًا إِلَى قَوْمِي كِتَابًا لَا أَدْرِي مَا فِيهِ كَصَحِيفَةِ الْمُتَلَمِّسِ. فَأَخْبَرَ مُعَاوِيَةُ بِقَوْلِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ\".\nوهذا اللفظ هو المحفوظ في الحديث، فقد رواه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ١٨٠)، من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي كبشة، به. وفيه: \"فَأَخْبَرَ مُعَاوِيَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِمَا\". وليس فيه أنَّ النبي - ﷺ - قرأ المكتوب أو نظر فيه. ورجال أحمد رجال الصحيح كما في مجمع الزوائد، للهيثمي (٣/ ٩٦).\n(٢) انظر: فتح الباري، لابن حجر (٧/ ٥٧٥).\n(٣) حكاه مذهب الجمهور: القاضي عياض في \"إكمال المعلم\" (٦/ ١٥١)، والحافظ ابن حجر في الفتح (٧/ ٥٧٥).","vol":"1","page":398},{"text":"والملا علي القاري، والألباني، وابن عثيمين. (١)\nويرى أصحاب هذا المذهب أنَّ النبي - ﷺ - لم يكتب، ولم يكن يُحْسِنُ الكتابة، كما هو صريح الآيات، وأنه لم يزل كذلك مدة حياته - ﷺ -.\nوأجابوا عن حديث البراء - ﵁ -، والذي يُوهِمُ ظاهره أنَّ النبي - ﷺ - كتب بيده: بأنَّ القصة رُويت من طرق أخرى، وفيها أن الكاتب كان علي بن أبي طالب - ﵁ -، وقع ذلك في رواية أخرى للبخاري - من حديث البراء - بلفظ: \"لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بَيْنَهُمْ كِتَابًا فَكَتَبَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ\" (٢)، فتُحمل الرواية الأولى، وهي قوله: \"فكتب\"، أي فأمر الكاتب، ويَدُلُّ عليه حديث أنس بن مالك، والمسور بن مخرمة، في القصة نفسها؛ ففيهما: \"فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ\" (٣).\nقالوا: وقد ورد في كثير من الأحاديث إطلاق لفظ \"كتب\" بمعنى أمر، منها:\nحديثُ ابن عباس - ﵄ - أنَّ النبي - ﷺ - كتب إلى قيصر (٤)، وحديثُ كتابته - ﷺ - إلى النجاشي، وحديثُ كتابته إلى كسرى (٥)، وحديثُ عبد الله بن\n_________\n(١) انظر على الترتيب: صحيح ابن حبان (١١/ ٢٢٩)، والسنن الكبرى، للبيهقي (٧/ ٤٢)، وفتح الباري، لابن حجر (٧/ ٥٧٦)، وفيه النقل عن ابن التين، وروضة الطالبين، للنووي، ص (١١٦٤)، والتلخيص الحبير، لابن حجر (٣/ ١٢٦)، وفيه النقل عن البغوي، والروض الأنف، للسهيلي\n(٤/ ٥٠)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (٤/ ٣٢٢)، وتفسير القرطبي (١٣/ ٢٣٤)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٥/ ١٧٢)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٤٢٧)، وفتح الباري، لابن حجر (٧/ ٥٧٥)، وعمدة القاري، للعيني (١٣/ ٢٧٦)، والإكليل في استنباط التنزيل، للسيوطي (٣/ ١٠٨٦)، ومرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (٧/ ٥٧٨)، وسلسلة الأحاديث الضعيفة، للألباني (١/ ٥١٨)، وتفسير سورة \"يس\"، لابن عثيمين، ص (٢٤٣).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلح، حديث (٢٦٩٨).\n(٣) تقدم تخريجه في أول المسألة.\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (٢٩٣٦).\n(٥) عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -: \"أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَإِلَى قَيْصَرَ وَإِلَى النَّجَاشِيِّ وَإِلَى كُلِّ =","vol":"1","page":399},{"text":"عكيم - ﵁ -: \"كتب إلينا رسول الله - ﷺ - \" (١)، وغيرها، وهذه الأحاديث كلها محمولة على أنه - ﷺ - أمر الكاتب أنْ يكتب.\nقالوا: ومما يقوي أنَّ الكاتب في قصة الحديبية هو عليٌ - ﵁ -: قوله في بعض طرق حديث البراء - لما امتنع علي أنْ يمحوَ لفظ \"محمد رسول الله\" - فقال له النبي - ﷺ -: \"أَرِنِي مَكَانَهَا. فَأَرَاهُ مَكَانَهَا، فَمَحَاهَا\"؛ فإنَّ ظاهره أنه لو كان يعرف الكتابة لما احتاج إلى قوله: \"أرني\"، فكأنه أراه الموضع الذي أبى أنْ يمحوه، فمحاه هو - ﷺ - بيده، ثم ناوله لعلي فكتب بأمره: \"ابن عبد الله\"، بدل: \"رسول الله\". (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أنَّ النبي - ﷺ - لم يَخُط بيمينه خَطًَّا مقروءًا مدة حياته كلها، كما هو صريح الآيات.\nوأمَّا الروايات التي جاءت في قصة الحديبية؛ فقد وقع فيها اضطراب من قبل الرواة، حيث رويت بخمسة ألفاظ:\nالأول: \"أنَّ النبي - ﷺ - كتب: (محمد بن عبد الله)، وهو لا يُحسن الكتابة\".\nوهذه الرواية جاءت من طريقٍ واحدة، عن أبي إسحاق، عن البراء.\n_________\n= جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ\".\nأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٧٤).\n(١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ - ﵁ - قَالَ: \"كَتَبَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا تَسْتَمْتِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ\". أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الفرع والعتيرة، حديث (٤٢٥٠). وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، حديث (٤٢٦١)، (٣/ ١٤٧).\n(٢) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٦/ ١٥١)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (١٢/ ١٩١)، والتلخيص الحبير (٣/ ١٢٧ - ١٢٨)، وفتح الباري (٧/ ٥٧٥ - ٥٧٦)، كلاهما لابن حجر، والفصول في اختصار سيرة الرسول، لابن كثير (١/ ٢٦٥).","vol":"1","page":400},{"text":"الثاني: \"أنَّ النبي - ﷺ - محا: (رسول الله)، وكتب: (ابن عبد الله) \".\nوهذه الرواية جاءت من طريقٍ واحدة، عن أبي إسحاق، عن البراء. وليس فيها تصريح بأنَّ الذي كتب هو النبي - ﷺ -.\nالثالث: \"أنَّ النبي - ﷺ - محا: (رسول الله) بيده الشريفة\".\nولم تذكر هذه الرواية أنه كتب: (ابن عبد الله)، وهذه الرواية جاءت من طريقين، عن أبي إسحاق، عن البراء.\nالرابع: \"أنَّ النبي - ﷺ - أمر عليًا - ﵁ - أنْ يكتب: (محمد بن عبد الله) \".\nوهذه الرواية جاءت من حديث أنس بن مالك، والمسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، ﵃، ورُويت من طريق إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن البراء، إلا أنها شاذة ومنكرة من هذا الطريق.\nوالأصح من هذه الروايات: الرواية التي اقتصرت على ذكر المحو دون الكتابة؛ لأنها جاءت من طريقين عن أبي إسحاق، عن البراء، دون اضطراب. وأثبتُ منها الرواية التي فيها أنَّ النبي - ﷺ - أمر عليًا - ﵁ - أنْ يكتب: \"محمد بن عبد الله\"؛ لأنها جاءت عن صحابيين، ولم يقع فيها اضطراب كحديث البراء.\nوعليه فإنَّ الصواب في قصة الحديبية أنَّ النبي - ﷺ - أمر عليًا أنْ يمحوَ لفظة: \"رسول الله\"، ويكتب مكانها: \"ابن عبد الله\"، فَأَبَى عليٌ - ﵁ - ذلك؛ إجلالًا لاسم رسول الله - ﷺ - أن يُمحى، فأمره رسولُ الله - ﷺ - أنْ يُريَهُ مكانها؛ فأراه مكانها؛ فمحاها النبي - ﷺ - بيده الشريفة، ثم إنَّ عليًا كتب بعد ذلك: \"ابن عبد الله\"، نزولًا عند رغبة النبي - ﷺ -، لمَّا رآه محا: \"رسول الله\".\nهذا هو الأصح في الجمع بين روايات الحديث؛ لأنا إذا قلنا بأنَّ النبي - ﷺ - هو الذي كتب: \"ابن عبد الله\"؛ صارت روايات القصة متعارضة ومتناقضة، لكن القول بأنَّ الكاتب هو علي - ﵁ - يدفع هذا التناقض؛ لأنا حملنا الرواية المطلقة على المقيدة، فانتفى التعارض بينها، واندفع الإشكال المُوهِم معارضة الآيات، والله تعالى أعلم.\n\n****","vol":"1","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>المسألة [٢٤]: في حكم تسمية المدينة النبوية بيثرب</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣» [الأحزاب: ١٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآية:</span>\n(٤٩) - (٤٢): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ (١) خَبَثَ الْحَدِيدِ\". (٢)\n(٥٠) - (٤٣): وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَنْ سَمَّى الْمَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ ﷿، هِيَ طَابَةُ، هِيَ طَابَةُ\". (٣)\n_________\n(١) الكير: زِقٌّ ينفخ فيه الحداد. انظر: القاموس المحيط، للفيروز آبادي (١/ ٦٠٨)، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٤/ ٢١٧).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (١٨٧١)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (١٣٨٢).\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٢٨٥)، وعمر بن شبة في أخبار المدينة (١/ ١٠٦)، وأبو يعلى في مسنده (٣/ ٢٤٧)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٢٧٦)، =","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث:</span>\nظاهرُ حديثِ أبي هريرة - ﵁ - كراهَةُ تسميةِ المدينةِ بيثرب، ويؤكد هذا الظاهر حديث البراء، والذي فيه النهي الصريح عن ذلك، إلا أنه حديث ضعيف باتفاق، وأما الآية الكريمة فظاهرها يَدُلُّ على جواز تسمية المدينة بيثرب، وهذا يُوهِمُ التعارض بين الآية والحديث. (١)\n_________\n= والروياني في مسنده (١/ ٢٤٠)، وابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٢٢٠)، جميعهم من طريق صالح بن عمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، به.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣٠٠): \"رجاله ثقات\"، وتُعُقِّب بأنَّ الحديث ضعيف؛ من أجل يزيد بن أبي زياد، القرشي الهاشمي، مولاهم، أبو عبد الله الكوفي، قال الحافظ ابن حجر في التقريب (٢/ ٣٧٣): \"ضعيف، كَبُرَ فتغير وصار يتلقن، وكان شيعيًا\". اهـ\nقال ابن الجوزي: \"هذا حديث لا يصح، تفرد به صالح عن يزيد. قال ابن المبارك: ارْمِ بيزيد، وقال أبو حاتم الرازي: كل أحاديثه موضوعة. وقال النسائي: متروك الحديث\". اهـ\nوهذا الذي نقله ابن الجوزي في يزيد خطأ أشار إليه أبو إسحاق الحويني؛ فإنه قال: \"أخطأ ابن الجوزي ﵀ مرتين: الأولى: أنه جعل هذا الحديث موضوعًا، ولا حجة له. والثانية: أنه نقل ما قيل في يزيد بن أبي زياد القرشي، وليس هو راوي الحديث؛ فإن راوي الحديث هنا هو يزيد بن أبي زياد القرشي الكوفي، وهو صدوق، لكنه كان تغير، فضُعِّفَ لذلك\". اهـ من النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة (١/ ١٣٧).\nوقد رد الحافظ ابن حجر في القول المسدد، ص (٤٠)، على ابن الجوزي في زعمه بوضع الحديث فقال: \"ولم يصب - يعني ابن الجوزى - فإن يزيد وإن ضعَّفه بعضهم من قبل حفظه وبكونه كانَ يُلقن فيتلقن في آخر عمره، فلا يلزم من شيء من ذلك أن يكون كل ما يُحدث به موضوعًا\". اهـ\n(١) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٤/ ٥٤٤)، والتمهيد، لابن عبد البر (٢٣/ ١٧١)، والمنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد الباجي (٧/ ١٩٠)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٤/ ٥٠١)، والروض الأنف، للسهيلي (٢/ ٣٤٧)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٣/ ٤٩٨)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (٩/ ٢١٨)، وتحفة المودود، لابن القيم، ص (١٣٤)، وفتح الباري، لابن حجر (٤/ ١٠٥)، وعمدة القاري، للعيني (١٠/ ٢٣٥)، وشرح الزرقاني على موطأ مالك (٤/ ٢٧٦).","vol":"1","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث:</span>\nاتفق العلماء على كراهةِ تسميةِ المدينة بيثرب، عملًا بحديث أبي هريرة - ﵁ - الوارد في المسألة، وأما الآية الكريمة - التي يُوهِمُ ظاهرها مُعارضة الحديث - فلهم في الجواب عنها مذهبان:\nالأول: أنَّ ما وقع في الآية هو عبارة عن حكاية قول المنافقين، فهو سبحانه يحكي مقولتهم: (يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا) وليس في الآية ما يفيد جواز تسميتها بهذا الاسم.\nوهذا التأويل قال به جمع من العلماء، منهم: ابن بطال، وأبو الوليد الباجي، والقاضي عياض، والسهيلي، وأبو العباس القرطبي، والنووي، وابن القيم، والحافظ ابن حجر، والعيني، والسيوطي، والزرقاني. (١)\nقال القاضي أبو الوليد الباجي: \"قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا)، هذا - والله أعلم - إخبارٌ عن المنافقين; لأن قبل هذه الآية: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢» ثم قال ﷾: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا)، وهذا - والله أعلم - قول المنافقين، يدل على ذلك: أنه قال بعد ذلك: (فَارْجِعُوا)، وهذا إنما هو قول من كان يريد رَدَّ أصحاب النبي ﷺ عن نُصْرَته والمُقام معه، فهؤلاء إنما كانوا يسمونها يثرب، على حسب ما كانت تُسمى عليه قبل الإسلام، فأما بعد الإسلام فإنَّ اسمها طيبة وطابة\". اهـ (٢)\n_________\n(١) انظر على الترتيب: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٤/ ٥٤٤)، والمنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد الباجي (٧/ ١٩٠)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٤/ ٥٠١)، والروض الأنف، للسهيلي (٢/ ٣٤٧)، والمفهم، للقرطبي (٣/ ٤٩٨)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (٩/ ٢١٨)، وتحفة المودود، لابن القيم، ص (١٣٤)، وفتح الباري، لابن حجر (٤/ ١٠٥)، وعمدة القاري، للعيني (١٠/ ٢٣٥)، ومعترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي (٣/ ٤٠٢)، وشرح الزرقاني على موطأ مالك (٤/ ٢٧٦).\n(٢) المنتقى شرح الموطأ (٧/ ١٩٠).","vol":"1","page":404},{"text":"المذهب الثاني: أنَّ القرآن سماها يثرب باعتبار ما كان معروفًا في الجاهلية، ونَهْيُ النبي - ﷺ - كان بعد ذلك.\nوهذا تأويل الحافظ ابن عبد البر، حيث قال: \"في هذا الحديث دليلٌ على كراهية تسمية المدينة بيثرب، على ما كانت تُسمى في الجاهلية، وأما القرآن فنزل بذكر يثرب على ما كانوا يعرفون في جاهليتهم، ولعل تسمية رسول الله ﷺ إياها بطيبة كان بعد ذلك\". اهـ (١)\nفائدة:\nحديث أبي هريرة - ﵁ - الوارد في المسألة - والذي يَدُلُّ بظاهره على كراهة تسمية المدينة بيثرب - جاء في الصحيح ما يَدُلُّ على خلافه، فعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ\". (٢)\nوللعلماء في الجواب عن هذا الحديث ثلاثة مذاهب:\nالأول: أنَّ هذا كان قبل النهي.\nوهذا جواب: القاضي عياض، والحافظ ابن حجر، والزرقاني. (٣)\nالثاني: أنَّ هذا لبيان أنَّ النَّهْيَ للتنزيه لا للتحريم.\nوهذا جواب العيني. (٤)\nالثالث: أنَّ النبي - ﷺ - سمَّاها يثرب باعتبار من لا يعرفها إلا بهذا الاسم، ولهذا جمع بينه وبين اسمه الشرعي فقال: المدينة يثرب.\nوهذا المذهب حكاه النووي في شرح مسلم. (٥)\n_________\n(١) التمهيد، لابن عبد البر (٢٣/ ١٧١).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المناقب، حديث (٣٦٢٢)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الرؤيا، حديث (٢٢٧٢).\n(٣) انظر على الترتيب: إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٧/ ٢٣٠)، وفتح الباري، لابن حجر (٧/ ٢٦٩)، وشرح الزرقاني على موطأ مالك (٤/ ٢٧٦).\n(٤) عمدة القاري، للعيني (١٦/ ١٥٣).\n(٥) (١٥/ ٤٦).","vol":"1","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أنَّ ما وقع في الآية هو عبارة عن حكاية قول المنافقين، وحكاية القرآن لبعض المقولات، وسكوته عنها، لا يلزم منه إقرارٌ لتلك المقولات، ذلك أنَّ سكوت القرآن عن المقولات لا يخلو من حالتين:\nالأولى: أنْ يكل الله تعالى البيان لنبيه - ﷺ -، فيبين للناس حكم تلك المقولة.\nالثانية: أنْ لا يكون هناك بيان من النبي - ﷺ -، وعدم البيان يدل على الإقرار من الله تعالى.\nوفي مسألتنا هذه جاء البيان من النبي - ﷺ - بكراهة تسمية المدينة بيثرب، فَدَلَّ على أنَّ مقولة المنافقين تلك لا يصح استعمالها، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>المسألة [٢٥]: في حكم الجمع بين اسم الله تعالى، واسم غيره في ضمير واحد</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦» [الأحزاب: ٥٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية:</span>\n(٥١) - (٤٤): عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ - ﵁ -: \"أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوِيَ\". (١)\n_________\n(١) أخرجه باللفظ المذكور في المتن: مسلمٌ في صحيحه، في كتاب الجمعة، حديث (٨٧٠)، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، قالا: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع، عن تميم بن طرفة، عن عدي بن حاتم ...، فذكره.\nوقد تفرد وكيع بزيادة ذكرها في آخر الحديث، وهي قوله - ﷺ -: \"قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوِيَ\"، وهذه الزيادة لم يُتابع عليها، من طريق سفيان الثوري، فقد رواه يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمنُ بن مهدي، والفريابيُ، وعبدُ الله بن الوليد العدني، رووه جميعًا عن سفيان الثوري، ولم يذكروا هذه الزيادة، وسيأتي تخريج هذه الطرق.\nلكن جاءت هذه الزيادة من طريق آخر غير =","vol":"1","page":407},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= طريق سفيان، فرواه الشافعي في الأم (١/ ٢٣٢)، ومن طريقه البيهقي في معرفة السنن والآثار (٤/ ٣٧١)، والبغوي في شرح السنة (٦/ ٤٠٥)، قال الشافعي: أخبرنا إبراهيم (هو ابن طهمان) قال: حدثني عبد العزيز بن رفيع، عن تميم بن طرفة، عن عدي بن حاتم قال: \"خطب رجل عند رسول الله ﷺ فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال النبي ﷺ: اسكت فبئس الخطيب أنت\". ثم قال النبي ﷺ: \"من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولا تقل ومن يعصهما\".\nوقد رُوي الحديث بلفظين آخرين:\nالأول: \"أَنَّ خَطِيبًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا. فَقَالَ: قُمْ، أَوْ اذْهَبْ، بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ\".\nويلاحظ في هذه الرواية أن الخطيب وقف على قوله: \"ومن يعصهما\"، ولم يقل بعدها: \"فقد غوى\".\nوهذه الرواية جاءت من طريقين عن سفيان الثوري:\nالأول: طريق يحيى بن سعيد القطان: أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، حديث (١٠٩٩)، واللفظ له.\nالثاني: طريق عبد الرحمن بن مهدي، وقد رُوي عنه من ثلاثة طرق:\n١ - ما رواه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٣٧٩)، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع، عن تميم بن طرفة، عن عدي بن حاتم قال: \"جاء رجلان إلى رسول الله ﷺ، فتشهد أحدهما فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما. فقال رسول الله ﷺ: بئس الخطيب أنت، قم\".\n٢ - ما رواه الطحاوي في مشكل الآثار (٤/ ٣٧١)، قال: حدثنا يزيد بن سنان قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: ثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع، عن تميم بن طرفة، عن عدي بن حاتم قال: ...، فذكره بمثل رواية الإمام أحمد.\n٣ - ما رواه النسائي في السنن الصغرى، في كتاب النكاح، حديث (٣٢٧٩)، قال: أخبرنا إسحاق بن منصور قال: أنبأنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان، عن عبد العزيز، عن تميم بن طرفة، عن عدي بن حاتم قال: \"تشهد رجلان عند النبي ﷺ فقال أحدهما: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال رسول الله ﷺ: بئس الخطيب أنت\".\nوقد خالف إسحاق بن منصور أقرانه في هذه الرواية، فزاد - بعد قول الخطيب: \"ومن يعصهما\"- زاد: \"فقد غوى\".\nوهذه الزيادة جاءت من طرق أخرى عن سفيان، وعن عبد العزيز بن رفيع، وقد تقدمت رواية وكيع عند مسلم، وفيها هذه الزيادة، ورواية إبراهيم بن طهمان عند الشافعي، وستأتي أيضًا رواية قيس بن الربيع، وأبي بكر بن عياش، كلاهما عن عبد العزيز بن رفيع، به. وفيهما هذه الزيادة، وستأتي هذه الزيادة أيضًا في رواية الفريابي، وأبي حذيفة، =","vol":"1","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث:</span>\nظاهر قوله تعالى: (يُصَلُّونَ) جواز الجمع بين اسم الله تعالى، واسم غيره من المخلوقين في ضمير واحد، وكلمة واحدة، وأما الحديث الشريف فيُوهِم خلاف الآية؛ لأَنَّ النبي - ﷺ - أنكر على الخطيب قوله: \"ومن يعصهما\"، وأمَرَه بأنْ يقول: \"ومن يعص الله ورسوله\"، وهذا الإنكار منه - ﷺ - يُفهم منه تحريم الجمع بين اسم الله تعالى، واسم غيره من المخلوقين في ضمير واحد،\n_________\n= وعبد الله بن الوليد العدني، جميعهم عن سفيان، به.\nاللفظ الثاني: \"تشهد رجلان عند النبي ﷺ فقال أحدهما: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال رسول الله ﷺ: بئس الخطيب أنت\".\nويلاحظ في هذه الرواية أن النبي - ﷺ - لم يقل في آخر الحديث: \"قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوِيَ\"، وهذه الزيادة كما تقدم تفرد بها وكيع من طريق سفيان، وتفرد بها أيضًا إبراهيم بن طهمان، من طريق عبد العزيز بن رفيع، وقد رواه عن سفيان: يحيى بنُ سعيد القطان، وعبد الرحمنُ بن مهدي، والفريابيُ، وعبدُ الله بن الوليد العدني، رووه جميعًا عن سفيان الثوري، ولم يذكروا هذه الزيادة.\nأما رواية يحيى بن سعيد: فتقدمت وهي عند أبي داود.\nوأما رواية عبد الرحمن بن مهدي: فتقدمت أيضًا، وهي عند أحمد والنسائي، والطحاوي.\nوأما رواية الفريابي: فأخرجها الطبراني في المعجم الكبير (١٧/ ٩٨).\nوأما رواية أبي حذيفة: فأخرجها الطبراني في الموضع السابق، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٨٦)،\nإلا أن البيهقي لم يسق المتن كاملًا.\nوأما رواية عبد الله بن الوليد العدني: فأخرجها البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢١٦)، ولم يسق المتن كاملًا، وإنما أشار إلى أن هذه الزيادة لم تأتِ من هذا الطريق.\nوروى الحديث قيس بن الربيع، وأبو بكر بن عياش، كلاهما عن عبد العزيز بن رفيع، به. ولم يذكروا هذه الزيادة.\nأما رواية قيس بن الربيع: فأخرجها الطيالسي في مسنده (١/ ١٣٨)، والطبراني في المعجم الكبير\n(١٧/ ٩٨).\nوأما رواية أبي بكر بن عياش: فأخرجها أبو نعيم في الحلية (٨/ ٣١٠ - ٣١١).\nوثمة رواية مرسلة أخرجها عبد الرزاق في المصنف (١١/ ٢٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٧٤)، كلاهما من طريق معمر، عن مغيرة، عن إبراهيم، مرسلًا. وليس في هذه الرواية الزيادة التي في آخر الحديث، وفيها أن الخطيب قال: \"من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى\".\nالنتيجة: سيأتي في مبحث الترجيح بيان الراجح من هذه الروايات.","vol":"1","page":409},{"text":"وكلمة واحدة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث:</span>\nللعلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث مسلكان:\nالأول: مسلك الجمع بينهما:\nوعلى هذا المسلك عامةُ العلماء، من مفسرين ومحدثين وفقهاء، إلا أَنَّهم اختلفوا في الجمع على مذاهب:\nالأول: أَنَّ مثل هذا التركيب جائزٌ في كلام الله تعالى، وكلام رسوله - ﷺ -، وأما سائر الناس فلا يجوز لهم أنْ يجمعوا بين اسم الله تعالى، واسم رسوله - ﷺ - في ضمير واحد، وكلمة واحدة.\nوهذا مذهب الجمهور من العلماء، وممن قال به:\nالشافعي، والخطابي، والبغوي، والقاضي عياض، والفخر الرازي، وابن الأثير، وأبو العباس القرطبي، وأبو عبد الله القرطبي، والحافظ زين الدين العراقي (٢)، وابن عبدالسلام، والحافظ ابن حجر، والسيوطي، والسندي، والشوكاني، والآلوسي، والألباني. (٣)\n_________\n(١) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: أحكام القرآن، للجصاص (٣/ ٤٨٥)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (٤/ ٣٩٧)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٢/ ٥١٠ - ٥١١)، وتفسير القرطبي (١٤/ ١٤٩)، وفتح القدير، للشوكاني (٤/ ٤٢٧)، وروح المعاني، للآلوسي (٢٢/ ٣٤٥).\n(٢) هو: عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، أبو الفضل، زين الدين، المعروف بالحافظ العراقي، من كبار حفاظ الحديث. أصله من الكرد، ومولده في رازنان (من أعمال إربل) تحول صغيرًا مع أبيه إلى مصر، فتعلم ونبغ فيها. وقام برحلة إلى الحجاز والشام وفلسطين، وعاد إلى مصر، فتوفي في القاهرة سنة (٨٠٦هـ). من كتبه (المغني عن حمل الأسفار في الأسفار) في تخريج أحاديث الإحياء، و(الألفية) في مصطلح الحديث، وشرحها (فتح المغيث) و(تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد) شرحه في كتاب بعنوان (طرح التثريب في شرح التقريب) وغيرها. انظر: الأعلام، للزركلي (٣/ ٣٤٤).\n(٣) انظر على الترتيب: الأم، للشافعي (١/ ٢٣٢)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض\n(١/ ٢١)، وفيه النقل عن الخطابي، وشرح السنة، للبغوي (٦/ ٤٠٥)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٣/ ٢٧٥)، ومفاتيح الغيب، للرازي (١٠/ ١٢٠)، والنهاية في غريب الحديث، لابن الأثير (٣/ ٢٥١)، والمفهم، للقرطبي (٢/ ٥١١)، وتفسير القرطبي (١٤/ ١٤٩)، وطرح التثريب، للعراقي (٢/ ٢٣)، وفتح الباري، لابن حجر (١/ ٧٩)، وفيه النقل عن ابن عبد السلام، وشرح سنن النسائي، للسيوطي (٦/ ٩٢)، وحاشية السندي على سنن النسائي (٦/ ٩٠ - ٩١)، وفتح القدير، =","vol":"1","page":410},{"text":"وأيَّدوا مذهبهم: بالآية الكريمة، وبأحاديث رُويت عن النبي - ﷺ - من قوله، وفيها استعماله - ﷺ - لمثل هذا التركيب، ومن هذه الأحاديث:\n١ - حديث أنس - ﵁ -، أَنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ\". (١)\n٢ - وحديث أنس - ﵁ - قال: \"لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ جَاءَ جَاءٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُكِلَتْ الْحُمُرُ. ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُفْنِيَتْ الْحُمُرُ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ فَنَادَى: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ ... \". (٢)\n٣ - وحديث ابن مسعود - ﵁ -: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا تَشَهَّدَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مِنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ، مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ، وَلَا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا\". (٣)\nوالشاهد من هذه الأحاديث: قوله: \"مِمَّا سِوَاهُمَا\"، وقوله: \"يَنْهَيَانِكُمْ\"، وقوله: \"وَمَنْ يَعْصِهِمَا\"، حيث جمع النبي - ﷺ - بين اسم الله تعالى، واسمه - ﷺ -، في ضمير واحد، وكلمة واحدة، فدلَّ على جواز ذلك، إذا كان من\n_________\n= للشوكاني (٤/ ٤٢٧)، وروح المعاني، للآلوسي (٢٢/ ٣٤٥)، وخطبة الحاجة، للألباني (١/ ١٦).\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٦)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (٤٣).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (٢٩٩١)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الصيد والذبائح، حديث (١٩٤٠). واللفظ لمسلم.\n(٣) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، حديث (١٠٩٧)، وضعفه المنذري في مختصر سنن أبي داود (٢/ ١٨)، وابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود (٦/ ١٠٩)، والشوكاني في نيل الأوطار (٣/ ٣١٤)، والألباني في خطبة الحاجة (١/ ١٤).","vol":"1","page":411},{"text":"قوله - ﷺ -. (١)\nوقد أشار بعض أصحاب هذا المذهب للعلة التي أوجبت نهيه - ﷺ - عن مثل هذا الأسلوب، فقالوا:\nإنَّ النبي - ﷺ - إنما أنكر عليه قوله: \"وَمَنْ يَعْصِهِمَا\"، لتشريكه في الضمير المقتضي للتسوية، وأمره بالعطف تعظيمًا لله تعالى، بتقديم اسمه، كما قال - ﷺ - في الحديث الآخر: \"لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ\". (٢)\nذكر هذا الوجه: الشافعي، والخطابي، والبغوي، والقاضي عياض، والفخر الرازي، وابن الأثير، وأبو العباس القرطبي، وأبو عبد الله القرطبي، والحافظ زين الدين العراقي، وابن عبد السلام، والحافظ ابن حجر، والسيوطي، والسندي. (٣)\nقال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام: \"من خصائصه - ﷺ - أنه كان يجوز له الجمع في الضمير بينه وبين ربه تعالى، وذلك ممتنعٌ على غيره، وإنما يمتنع من غيره دونه؛ لأَنَّ غيره إذا جمع أوهم إطلاق التسوية، بخلافه هو - ﷺ -، فإنَّ منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك\". اهـ (٤)\nالمذهب الثاني: وهو ما ذكره النووي: أَنَّ سبب النهي هو أَنَّ الخُطَبَ\n_________\n(١) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٢/ ٥١٠)، وفتح الباري، لابن رجب (١/ ٥٦)، والخصائص الكبرى، للسيوطي (٢/ ٤١٩).\n(٢) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الأدب، حديث (٤٩٨٠)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٢٦٣).\n(٣) انظر على الترتيب: الأم، للشافعي (١/ ٢٣٢)، وشرح السنة، للبغوي (٦/ ٤٠٥)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (١/ ٢١)، وفيه النقل عن الخطابي، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٣/ ٢٧٥)، ومفاتيح الغيب، للرازي (١٠/ ١٢٠)، والنهاية في غريب الحديث، لابن الأثير (٣/ ٢٥١)، والمفهم، للقرطبي (٢/ ٥١١)، وتفسير القرطبي (١٤/ ١٤٩)، وطرح التثريب، للعراقي (٢/ ٢٣)، وفتح الباري، لابن حجر (١/ ٧٩)، وفيه النقل عن ابن عبد السلام، وشرح سنن النسائي، للسيوطي (٦/ ٩٢)، وحاشية السندي على سنن النسائي (٦/ ٦١).\n(٤) انظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٧٩)، والخصائص الكبرى، للسيوطي (٢/ ٤١٩).","vol":"1","page":412},{"text":"شأنها البسط والإيضاح، واجتناب الإشارات والرموز، ولهذا ثبت في الصحيح أَنَّ رسول الله - ﷺ - كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا ليفهم (١).\nثم أشار النووي إلى ضعف مذهب الجمهور المُتقدم فقال: وأما قول الأولين فيضْعُف بأشياء، منها:\nأَنَّ مثل هذا الضمير قد تكرر في الأحاديث الصحيحة من كلام رسول الله - ﷺ -؛ كقوله - ﷺ -: \"أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا\" (٢)، وغيره من الأحاديث، وإنما ثنَّى الضمير ها هنا؛ لأَنَّه ليس خطبة وعظ، وإنما هو تعليم حِكَم، فكُلَّما قَلَّ لفظه كان أقرب إلى حفظه، بخلاف خطبة الوعظ، فإنه ليس المراد حفظه، وإنما يراد الاتعاظ بها، ومما يؤيد هذا ما ثبت في سنن أبي داود، بإسناد صحيح، عن ابن مسعود - ﵁ - قال: \"علمنا رسول الله - ﷺ - خطبة الحاجة، الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أَنْ لا إله إلا الله، وأشهد أَنَّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئًا\". (٣) والله أعلم\". اهـ (٤)\nوقد وافق النوويَ على رأيه هذا: الشوكانيُ، وأبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي. (٥)\nوعلى مذهب النووي ومن تبعه فإنه لا إشكال في الآية؛ لأَنَّها ليست في سياق الخطبة والوعظ، إذ الممتنع على رأيهم هو استعمال مثل هذا الأسلوب في خطب الوعظ فقط.\nوقد اعترض السندي على رأي النووي فقال: \"إنه ضعيف جدًا؛ إذ لو\n_________\n(١) عن أنس - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -: \"أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا\". أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب العلم، حديث (٩٤).\n(٢) تقدم تخريجه قريبًا.\n(٣) تقدم تخريجه قريبًا.\n(٤) شرح صحيح مسلم، للنووي (٦/ ٢٢٧).\n(٥) انظر على الترتيب: نيل الأوطار، للشوكاني (٣/ ٣١٤)، وعون المعبود، للآبادي (٣/ ٣١٤).","vol":"1","page":413},{"text":"كان ذلك سببًا للإنكار، لكان في محل حصل فيه بالضمير نوع اشتباه، وأما في محل لا اشتباه فيه فليس كذلك، وإلا لكان ذِكْرُ الضمير في الخطبة مُنكرًا منهيًا عنه، مع أَنَّه ليس كذلك، بل الإظهار في بعض المواضع في الخطب يكون مُنكرًا فتأمل\". اهـ (١)\nالمذهب الثالث: أَنَّ ما جاء في الآية - من جمع اللهِ تعالى الملائكةَ مع نفسه في ضمير واحد - جائزٌ للبشر فعله، والنبي - ﷺ - لم يقل: \"بئس الخطيب أنت\" لهذا المعنى، وإنما قاله لأَنَّ الخطيب وقف على: \"ومن يعصهما\"، فجمع بين حالي من أطاع الله ورسوله ومن عصى، والأولى أنْ يقف على: \"رشد\"، ثم يقول: \"ومن يعصهما فقد غوى\". (٢)\nوهذا مذهب أبي جعفر الطحاوي، وابن الجزري، وابن عطية. (٣)\nقال الطحاوي: \"المعنى عندنا - والله أعلم - أَنَّ ذلك يرجع إلى معنى التقديم والتأخير، فيكون: من يطع الله ورسوله ومن يعصهما فقد رشد، وذلك كفر، وإنما كان ينبغي له أنْ يقول: ومن يعصهما فقد غوى، أو يقف عند قوله: فقد رشد، ثم يبتدئ بقوله: ومن يعصهما فقد غوى، وإلا عاد وجهه إلى التقديم والتأخير الذي ذكرنا\". اهـ (٤)\nوقد اعترض أبو العباس القرطبي على هذا المذهب فقال: \"وهذا التأويل لم تساعده الرواية، فإنَّ الرواية الصحيحة أنه أتى باللفظين في مساق واحد، وأَنَّ آخر كلامه إنما هو: \"فقد غوى\"، ثم إنَّ النبي - ﷺ - رد عليه وعلمه صواب ما أخل به، فقال: \"قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى\"، فظهر أَنَّ ذَمَّه له إنما كان على الجمع بين الاسمين في الضمير\". اهـ (٥)\n_________\n(١) نقله عن السندي الألباني في كتابه \"خطبة الحاجة\"، ص (١٨).\n(٢) انظر: التمهيد في علم التجويد، لابن الجزري (١/ ١٧٧)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (٤/ ٣٩٨).\n(٣) انظر على الترتيب: مشكل الآثار، للطحاوي (٤/ ٣٧١)، والتمهيد في علم التجويد، لابن الجزري (١/ ١٧٧)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (٤/ ٣٩٨) و(٣/ ٥٣).\n(٤) مشكل الآثار، للطحاوي (٤/ ٣٧٢).\n(٥) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٢/ ٥١٠). وانظر: طرح التثريب، للعراقي (٢/ ٢٣).","vol":"1","page":414},{"text":"وقد أجاب ابن عطية على هذا الاعتراض، فقال: \"يحتمل أنْ يكون لما خَطَّأَه في وقفه وقال له: \"بئس الخطيب أنت\" أصلح له بعد ذلك جميع كلامه؛ لأَنَّ فصل ضمير اسم الله تعالى من ضمير غيره أولى لا محالة، فقال له: \"بئس الخطيب أنت\" لموضع خطئه في الوقف، وحَمَلَه على الأولى في فصل الضميرين، وإنْ كان جمعهما جائزًا\". اهـ (١)\nقلت: لكن ما اعترض به القرطبي الصواب عدم ثبوته في الحديث، وسيأتي مزيد بيانٍ لذلك في مبحث الترجيح.\nالمذهب الرابع: وهو مذهب أبي بكر الجصاص، حيث قال: \"قد ذكر الله تعالى في كتابه اسْمَهُ وذكر نبيَّه - ﷺ -، فأفرد نفسه بالذِّكر ولم يجمع الاسمين تحت كناية واحدة، نحو قوله تعالى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) [التوبة: ٦٢]، ولم يقل: \"ترضوهما\"؛ لأَنَّ اسم الله واسم غيره لا يجتمعان في كناية، وروي عن النبي - ﷺ - أنه خطب بين يديه رجل فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال النبي - ﷺ -: \"قم، فبئس خطيب القوم أنت\"، لقوله: \"ومن يعصهما\".\nفإن قيل: فقد قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) فجمع اسمه واسم ملائكته في الضمير؟ قيل له: إنما أنكرنا جمعهما في كناية يكون اسمًا لهما، نحو الهاء التي هي كناية عن الاسم، فأما الفعل الذي ليس باسم ولا كناية عنه وإنما فيه الضمير فلا يمتنع ذلك فيه\". اهـ (٢)\nالمذهب الخامس: أَنَّ ما جاء في الحديث من النهي يجب إعماله على إطلاقه، فلا يجوز الجمع بين اسم الله تعالى واسم نبيه في ضمير واحد.\nوهذا مذهب أبي جعفر النحاس، وأجاب عن الآية: بأَنَّ فيها حذفًا تقديره: \"إنَّ الله يصلي، وملائكته يصلون\"، فيكون الضمير في قوله: \"يصلون\"، مختص بالملائكة فقط، ولم يُجِبْ عن بقية الأحاديث الواردة في المسألة، التي جاء فيها استعمال مثل هذا التركيب. (٣)\n_________\n(١) المحرر الوجيز، لابن عطية (٤/ ٣٩٨)، وانظر: الكتاب نفسه (٣/ ٥٣).\n(٢) أحكام القرآن، للجصاص (٣/ ٤٨٥).\n(٣) انظر: إعراب القرآن، للنحاس (٣/ ٣٢٣).","vol":"1","page":415},{"text":"المسلك الثاني: مسلك الترجيح:\nويرى أصحاب هذا المسلك أَنَّ قوله في الحديث: \"قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوِيَ\"، لم يُثبت عن النبي - ﷺ - من قوله، وإنما هي زيادة مدرجة من بعض الرواة.\nوهذا رأي أبي بكر ابن العربي، وأشار إليه الحافظ ابن رجب. (١)\nولم يُبَيّن ابن العربي العلة التي أوجبت إنكار النبي - ﷺ - على الخطيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو ما ذهب إليه أبو جعفر الطحاوي، ومن تبعه: أَنَّ ما جاء في الآية - من جمع اللهِ تعالى الملائكةَ مع نفسه في ضمير واحد - جائز للبشر فعله، والنبي - ﷺ - لم يقل: \"بئس الخطيب أنت\" لهذا المعنى، وإنما قاله لأَنَّ الخطيب وقف على: \"ومن يعصهما\" وسكت سكتة، فأوهم إدخال العاصي في الرشد.\nوأما الحديث فأصح رواياته الرواية التي وقف فيها الخطيب على قوله: \"ومن يعصهما\"، وليس في هذه الرواية أَنَّ النبي - ﷺ - قال في آخر الحديث: \"قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوِيَ\"، ونصُّ هذه الرواية كاملة: \"أَنَّ خَطِيبًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا. فَقَالَ النَّبِيِّ ﷺ: قُمْ، أَوْ اذْهَبْ، بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ\".\nوهذه الرواية هي الأصح، لأمور:\nالأول: أَنَّها جاءت من طريق يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، ولم يختلف النقاد في تقديم يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، على وكيعٍ، في سفيان.\n_________\n(١) انظر على الترتيب: عارضة الأحوذي، لابن العربي (٥/ ١٨)، وفتح الباري، لابن رجب (١/ ٥٧).","vol":"1","page":416},{"text":"قال البخاري: \"أعلم الناس بالثوري يحيى بن سعيد، لأَنَّه عرف صحيح حديثه من تدليسه\". اهـ (١)\nوقال صالح بن الإمام أحمد: قلت لأبي: \"أيما أثبت عندك، عبد الرحمن بن مهدي، أو وكيع؟ قال: عبد الرحمن أقل سقطًا من وكيع في سفيان، قد خالفه وكيع في ستين حديثًا من حديث سفيان، وكان عبد الرحمن يجيء بها على ألفاظها، وكان لعبد الرحمن توقٍ حسن\". اهـ (٢)\nوقال أبو حاتم الرازي: \"عبد الرحمن بن مهدي أثبت من يحيى بن سعيد، وأتقن من وكيع، وكان عرض حديثه على سفيان الثوري\". اهـ (٣)\nوقال: \"سئل أحمد عن يحيى، وعبد الرحمن، ووكيع؟ فقال: كان عبد الرحمن أكثرهم حديثًا\". اهـ (٤)\nالثاني: أَنَّ زيادة \"قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوِيَ\"، لم تأتِ إلا من طريق وكيع، عن سفيان، ومن طريق إبراهيم بن طهمان، عن عبد العزيز بن رفيع، وخالفهما بقية الرواة وهم الأكثر فلم يذكروا هذه الزيادة.\nالثالث: أَنَّ زيادة \"فقد غوى\" بعد قول الخطيب: \"ومن يعصهما\" وإنْ كانت رُويت من طرق أخرى إلا أَنَّ رواية يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي أولى؛ لأَنَّهما أحفظ عن سفيان، ولأَنَّ سفيان أحفظ من بقية الرواة عن عبد العزيز بن رفيع، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) نقله عنه ابن رجب في شرح علل الترمذي (١/ ٤٦٦).\n(٢) العلل ومعرفة الرجال، للإمام أحمد (١/ ١٤٠)، وانظر: المصدر السابق (١/ ٤٦٨).\n(٣) تقدمة المعرفة، لابن أبي حاتم، ص (٢٥٥).\n(٤) المصدر السابق، ص (٢٦١).","vol":"1","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>المسألة [٢٦]: في نظم النبي - ﷺ - للشِعْر</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩» [يس: ٦٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآية:</span>\n(٥٢) - (٤٥): عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: \"يَا أَبَا عُمَارَةَ، وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ (١)؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، مَا وَلَّى النَّبِيُّ ﷺ، وَلَكِنْ وَلَّى سَرَعَانُ النَّاسِ؛ فَلَقِيَهُمْ هَوَازِنُ (٢) بِالنَّبْلِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ:\nأَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ\". (٣)\n_________\n(١) حنين: هو وادٍ قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا، وهو الموضع الذي هزم فيه رسول الله - ﷺ - هوازن من أهل الطائف. انظر: معجم ما استعجم، للبكري (١/ ٤٧١).\n(٢) هَوَازِنُ: قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ الْعَرَبِ، فِيهَا عِدَّةُ بُطُونٍ، يُنْسَبُونَ إِلَى هُوزَانِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ حَفْصَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ غَيْلَانَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ. انظر: عمدة القاري، للعيني (١٧/ ٢٩٦).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (٢٨٦٤)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٧٦).","vol":"1","page":418},{"text":"(٥٣) - (٤٦): وعَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا ﵁ يَقُولُ: \"بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي إِذْ أَصَابَهُ حَجَرٌ فَعَثَرَ فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ؛ فَقَالَ:\nهَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ\". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث:</span>\nظاهرُ الآيةِ الكريمة أنَّ الشِّعْرَ مُمتَنِعٌ تَعَلُّمه ونَظْمه على النبي - ﷺ -، وأمَّا الحديثين فقد جاء فيهما ما يُوهِمُ مُعارَضَة هذا الظاهر؛ إذ فيهما أنَّ النبي - ﷺ - أنشد ذينك البيتين من تلقاء نفسه، وهذا يُوهِمُ قُدْرَةَ النبي - ﷺ - على النَّظْمِ، وهو خِلافُ الآية. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث:</span>\nاتفق العلماء على أنَّ الشِّعْرَ ممتنعٌ (٣) نَظْمه على النبي - ﷺ -، أخذًا بظاهر الآية الكريمة (٤)، واختلفوا في حكم تمثل النبي - ﷺ - بشيء من الشِّعْر وإنشاده،\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (٢٨٠٢)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٩٦).\n(٢) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: مشكل الآثار، للطحاوي (٤/ ٣٧٤)، وتفسير أبي الليث السمرقندي (٣/ ١٠٥)، والكشاف، للزمخشري (٤/ ٢٥)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٦/ ١٦٩)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (٢/ ٢٤٣)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٢/ ١٢٤)، والتسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (٢/ ١٨٦)، وتفسير الحافظ ابن كثير (٢/ ٥٨٧)، والتلخيص الحبير، لابن حجر (٣/ ١٢٨)، وعمدة القاري، للعيني\n(١٤/ ٩٩)، ومعترك الأقران، للسيوطي (٢/ ٤١٦)، وفيض القدير، للمناوي (٥/ ٦٤)، وفتح القدير، للشوكاني (٤/ ٥٣٩).\n(٣) ممتنع قدرًا وشرعًا؛ يدل على امتناعه قدرًا قوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ)، ويدل على امتناعه شرعًا قوله تعالى: (وَمَا يَنْبَغِي لَهُ).\n(٤) حكى الاتفاق: الحافظ ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٣/ ١٢٨).","vol":"1","page":419},{"text":"حاكيًا عن غيره، والصحيح جوازه، وعليه الجمهور من العلماء. (١)\nوأمَّا أحاديث الباب - التي يُوهِمُ ظاهرها أنَّ النبي - ﷺ - قال شيئًا من الشِّعْر من تلقاء نفسه - فقد اختلفوا في الجواب عنها على مذاهب:\nالأول: أنَّ النبي - ﷺ - قال ذلك النظم اتفاقًا ولم يقصد به قرض الشِّعْر؛ والكلام قد يخرج موزونًا على وزن الشِّعْر من غير معرفةٍ أو قصدٍ من قائله.\nوقد حكى ابن القطاع اللغوي (٢)، وأقَرَّهُ النووي، الإجماع على أنَّ شرط تسمية الكلام شِعْرًا أنْ يَقْصُدَ له قائله. (٣)\nويرى أصحاب هذا المذهب أنَّ النبي - ﷺ - لم يقصد نظمًا ووزنًا فيكون شِعْرًا، إذ قد يأتي في الكلام والقرآن ما يتَّزِن بوزن الشِّعْر وليس بشِعْر، كقوله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران: ٩٢]، وقوله: (وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ) [سبأ: ١٣]، وقوله: (نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) [الصف: ١٣]، وكثيرًا ما يقع للعوام في كلامهم: المُقَفَّى الموزون، وليس بشِعْر، ولا يُسمى قائله شاعرًا؛ لأنه لم يَقْصُده، ولا شَعُرَ به، والشِّعْرُ إنما سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّ قائله يَشْعُرُ به، ويَقْصُده نظمًا، ووزنًا، ورَويًّا، وقافيةً، ومعنى. (٤)\nوعلى هذا المذهب جماهير العلماء، من مفسرين ومحدثين، وممن قال به:\nأبو عبيدة معمر بن المثنى (٥)، وابن قتيبة، وأبو الليث السمرقندي، والزمخشري، والمازري، والقاضي عياض، وابن عطية، والفخر الرازي، وأبو عبد الله القرطبي، والبيضاوي، وابن جزي، والطيبي، وأبو حيان، والذهبي، والحافظ ابن كثير، والزركشي، والحافظ ابن حجر، والسيوطي، وأبو السعود، والملا علي القاري، والمناوي، والشوكاني، والآلوسي،\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٥٥٧).\n(٢) هو: علي بن جعفر بن علي السعدي الصقلي، ابن القطاع، أبو القاسم، شيخ اللغة، نزيل مصر ومصنف كتاب \"الأفعال\"، وله كتاب \"أبنية الأسماء\" وله مؤلف في العروض، وكتاب في أخبار الشعراء، توفي سنة (٥١٥هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٩/ ٤٣٣).\n(٣) انظر: شرح صحيح مسلم، للنووي (١٢/ ١٦٧)، والتلخيص الحبير، لابن حجر (٣/ ١٢٨).\n(٤) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٣/ ٦١٩)، وأعلام الحديث، للخطابي (٢/ ١٣٥٩ - ١٣٦٠).\n(٥) رواه عنه بسنده: ابن قتيبة في \"غريب الحديث\" (١/ ٤٥٢).","vol":"1","page":420},{"text":"وابن عثيمين. (١)\nالمذهب الثاني: أنَّ تَمَثُّلَ النبي - ﷺ - ببيتٍ واحدٍ من الشِّعْر لا يلزم منه أنْ يكون عالمًا بالشِّعْر، ولا شاعرًا؛ لأنَّ إصابة القافيتين من الرَّجَز (٢) وغيره لا يوجب أن يكون قائلها عالمًا بالشِّعْر، ولا يُسمى شاعرًا باتفاق العقلاء.\nوالذي نفى الله عن نبيه - ﷺ - هو العلم بالشِّعْر؛ بأصنافه، وأعاريضه، وقوافيه، والاتصاف بقوله، والنبي - ﷺ - لم يكن موصوفًا بشيء من ذلك باتفاق. (٣)\nوهذا جواب: الزجاج، والطحاوي، والنحاس، والجصاص، وأبي العباس القرطبي. (٤)\nالمذهب الثالث: أنَّ الذي قاله النبي - ﷺ - هو من الرَّجَز، والرَّجَز لا يُعَدُّ شِعْرًا، والذي نفاه الله تعالى عن نبيه إنَّما هو الشِّعْر لا الرَّجَز.\n_________\n(١) انظر على الترتيب: غريب الحديث، لابن قتيبة (١/ ٤٥٢)، وتفسير أبي الليث السمرقندي (٣/ ١٠٦)، والكشاف، للزمخشري (٤/ ٢٦)، والمعلم بفوائد مسلم، للمازري (٣/ ٢٣)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٦/ ١٣١)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (٤/ ٤٦٢)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٢٦/ ٩٢)، وتفسير القرطبي (١٥/ ٣٦)، وتفسير البيضاوي (٤/ ٤٤٠)، والتسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (٢/ ١٨٦)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (٧/ ٣٣٠)، وسير أعلام النبلاء، للذهبي (١٤/ ١٩٢)، وتفسير الحافظ ابن كثير (٢/ ٥٨٧)، والبرهان في علوم القرآن، للزكشي (٢/ ٢٤١)، وفتح الباري، لابن حجر (٧/ ٦٢٦)، ومعترك الأقران، للسيوطي (٢/ ٤١٦)، وتفسير أبي السعود (٧/ ١٧٨)، ومرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (٨/ ٣٧٥)، وفتح القدير، للشوكاني (٤/ ٥٣٩)، وروح المعاني، للآلوسي (٢٣/ ٦٥)، وتفسير سورة \"يس\"، لابن عثيمين، ص (٢٤٣).\n(٢) الرَّجَز: هو نوع من الشعر القصير، وبحر من بحور الشعر، ووزنه مستفعلن ست مرات. انظر: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون، للتهانوي، ص (٨٤٤).\n(٣) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٣/ ٦١٩ - ٦٢٠).\n(٤) انظر على الترتيب: معاني القرآن، للزجاج (٤/ ٢٢١)، ومشكل الآثار، للطحاوي (٤/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، وإعراب القرآن، للنحاس (٣/ ٤٠٥)، وأحكام القرآن، للجصاص (٣/ ٤٩٤)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٢/ ١٢٤) و(٣/ ٦١٩ - ٦٢٠).","vol":"1","page":421},{"text":"وهذا مذهب: الخليل (١)، والأخفش الأوسط (٢)، وابن التين.\nوهو اختيار: البيهقي (٣)، والسهيلي (٤)، والعيني. (٥)\nأما الخليل فيرى أنَّ ما جاء من السَّجَع (٦) على جزأين فإنَّه لا يكون شِعْرًا. (٧)\nوأما الأخفش فيرى أنَّ الرَّجَز لا يكون شِعْرًا؛ لوقوعه من النبي - ﷺ -، والله تعالى يقول: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ). (٨)\nوقال ابن التين: \"لا يُطلق على الرَّجَز شِعْرًا؛ إنَّما هو كلام مُرَجَّزٌ مُسَجَّع؛ بدليل أنَّه يُقال لصانعه: راجز، ولا يُقال: شاعر، ويُقال: أَنْشَدَ رجزًا، ولا يُقال: أَنْشَدَ شِعْرًا\". اهـ (٩)\nوقد اختلف العروضيون وأهل الأدب في الرَّجَز هل هو من الشِّعْر أم لا؟ مع اتفاق أكثرهم على أنَّ الرَّجَز لا يكون شِعْرًا. (١٠)\nقال أبو العباس القرطبي: \"والصحيح في الرَّجَز أنَّه من الشِّعْر، وإنَّما أخرجه من الشِّعْر من أشكل عليه إنشاد النبي - ﷺ - إياه فقال: لو كان شِعْرًا لما عَلِمَه النبي - ﷺ -؛ لأنَّ الله تعالى يقول: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) قال: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ من أنشد القليل من الشِّعْر، أو قَالَهُ، أو تَمَثَّلَ به على الندور، لم يستحق به اسم الشاعر، ولا يقال فيه إنَّه تعلم الشِّعْر، ولا يُنسب إليه، ولو كان ذلك للزم أن يُقال عن الناس كلهم شعراء، ويعلمون الشِّعْر؛ لأنَّهم لا يَخْلُونَ أنْ يعرفوا كلامًا موزونًا مرتبطًا على أعاريض الشِّعْر\". اهـ (١١)\n_________\n(١) هو: الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري، أبو عبد الرحمن، الإمام، صاحب العربية، ومنشئ علم العروض، كان رأسًا في لسان العرب، دينًا ورعًا قانعًا متواضعًا كبير الشأن، يقال: إنه دعا الله أن يرزقه علمًا لم يسبق إليه ففتح له بالعروض، وذلك أنه مرَّ بالصفارين فأخذه من وقع مطرقة على طست، له كتاب \"العين\" في اللغة، مات ولم يتمه، ولا هذبه، ولكن العلماء يغرفون من بحره، مات سنة\n(١٧٠هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (٧/ ٤٢٩).\n(٢) هو: سعيد بن مسعدة البلخي ثم البصري، مولى بني مجاشع، أبو الحسن، الأخفش، إمام النحو، أخذ عن الخليل بن أحمد، ولزم سيبويه حتى برع، له كتب كثيرة في النحو والعروض ومعاني القرآن، مات سنة (٢١١هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٠/ ٢٠٦).\n(٣) نقله عنه الحافظ ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٣/ ١٢٨).\n(٤) الروض الأنف، للسهيلي (٤/ ٢١٣).\n(٥) عمدة القاري، للعيني (٤/ ١٧٨).\n(٦) السجع: هو تواطؤ الفاصلتين من النثر على حرف واحد. انظر: الإيضاح في علوم البلاغة، للقزويني (١/ ٣٦٢).\n(٧) انظر: أحكام القرآن، لابن العربي (٤/ ٢٦)، وتفسير القرطبي (١٥/ ٣٦).\n(٨) انظر: أحكام القرآن، لابن العربي (٤/ ٢٦)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (١٢/ ١٦٧).\n(٩) نقله عنه العيني في \"عمدة القاري\" (٤/ ١٧٨).\n(١٠) انظر: عمدة القاري، للعيني (٤/ ١٧٨).\n(١١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٢/ ١٢٣ - ١٢٤).","vol":"1","page":422},{"text":"المذهب الرابع: أنَّ النبي - ﷺ - قال هذين البيتين مُتَمَثِّلًا، وهما من نظم غيره وليسا من نظمه.\nوهذا جواب ابن الجوزي، حيث يرى أنَّ كل ما نُقِلَ عن النبي - ﷺ - من الشِّعْر فهو لغيره، وإنَّما كان النبي - ﷺ - يتمثل به، وأما قول الشِّعْر من قِبَلِ نفسه - ﷺ - فإنَّه ممتنع عليه، ولا يتأتى منه.\nوأجاب عن قوله - ﷺ -:\nأَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ\nباحتمال أنْ يكون النبي - ﷺ - سمعه بلفظ:\nأَنْتَ النَّبِيُّ لا كَذِبْ ... أَنْتَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ\nفغيره وأضافه لنفسه. (١)\nوأما قوله - ﷺ -:\nهَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ\nفقد جزم الطبري، وابن التين: بأنَّ هذا الرَّجَز من شِعْر عبد الله بن رواحة - ﵁ -. (٢)\nقال الحافظ ابن حجر: \"ويؤيد قولهما أنَّ ابن أبي الدنيا في \"محاسبة النفس\" (٣) أورد هذين الشطرين لعبد الله بن رواحة، فذكر أنَّ جعفر بن أبي طالب لما قُتِلَ في غزوة مؤتة - بعد أن قُتِلَ زيدُ بن حارثة - أخذ اللواء عبدُ الله بن رواحة فقاتل فأُصِيبَ إصبعه فارتجز وجعل يقول هذين القسمين، وزاد:\nيَا نَفْس إِنْ لَا تُقْتَلِي تَمُوتِي ... هَذِي حِيَاض الْمَوْت قَدْ صَلِيت\n_________\n(١) كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (٢/ ٢٤٣).\n(٢) انظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٥٥٧).\n(٣) محاسبة النفس، لابن أبي الدنيا، ص (٦٨)، قال ابن أبي الدنيا: حدثني أبي، ثنا عبد القدوس بن عبدالواحد الأنصاري، حدثني الحكم بن عبد السلام بن النعمان بن بشير الأنصاري: \"أن جعفر بن أبي طالب حين قتل دعا الناس: يا عبد الله بن رواحة، يا عبد الله بن رواحة .... \".","vol":"1","page":423},{"text":"وَمَا تَمَنَّيْت فَقَدْ لَقِيتِ ... إِنْ تَفْعَلِي فِعْلهمَا هُدِيت\nقال: وذكر الواقدي (١): أنَّ الوليد بن الوليد بن المغيرة (٢) كان رافق أبا بصير (٣) في صلح الحديبية على ساحل البحر، ثم إنَّ الوليد رجع إلى المدينة، فعثر بالحرة، فانقطعت إصبعه، فقال هذين القسمين\". اهـ (٤)\nالمذهب الخامس: أنَّ النبي - ﷺ - قال: \"لا كذبٌ\" بتنوين الباء مرفوعة، وبخفض الباء من عبد المطلب على الإضافة، وهذا ليس على وزن الشِّعْر.\nوقوله:\nهَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ\nإنما يكون شِعْرًا موزونًا إذا كسرت التاء من \"دميت\" و\"لقيت\"، فإنْ سُكِّنَتْ لم يكن شِعْرًا بحال؛ لأنَّ هاتين الكلمتين على هذه الصفة تكون فعول، ولا مدخل لفعول في بحر السريع (٥)، ولعل النبي - ﷺ - قالها ساكنة التاء أو متحركة التاء من غير إشباع.\nوهذا جواب: ابن العربي، والكرماني. (٦)\nوتعقبهما الحافظ ابن حجر فقال: \"وقولهما هذا مردود؛ فإنه يصير من ضرب آخر من الشِّعْر، وهو من ضروب البحر الملقب بالكامل (٧)، وفي الثاني\n_________\n(١) انظر: المغازي، للواقدي (٢/ ٦٢٩).\n(٢) هو: الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، أخو خالد بن الوليد، كان ممن حضر بدرًا مع المشركين فأُسِر، فافتداه أخواه هشام وخالد، ولما أسلم حبسه أخواله فكان النبي - ﷺ - يدعو له في القنوت ويقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد، والمستضعفين من المؤمنين، ثم أفلت من أسرهم ولحق بالنبي - ﷺ -. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر (٦/ ٦١٩).\n(٣) هو: عتبة بن أَسيد بن جارية بن أَسيد بن عبد الله بن غِيَرة بن عوف بن ثقيف، أبو بَصير الثقفي، حليف بني زهرة، مشهور بكنيته، كان من المستضعفين بمكة فلما وقع الصلح بين النبي - ﷺ - وبين قريش على أن يردوا عليهم من أتاه منهم فرَّ أبو بصير لما أسلمه النبي - ﷺ - لقاصد قريش فانضم إليه جماعة فكانوا يؤذون قريشًا في تجارتهم فرغبوا من النبي - ﷺ - أن يؤويهم إليه ليستريحوا منهم ففعل. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر (٤/ ٤٣٣).\n(٤) فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٥٥٧).\n(٥) السريع في اصطلاح أهل العروض: اسم بحر من بحور الشعر، وتفعيلات هذا البحر هي: مستفعلن، مستفعلن، مفعولاتٌ، والأسباب في هذا البحر أكثر من الأوتاد، لذا فهي تنطق بسرعة أكبر، ومن هنا سُمي بالسريع، وأنواع الزحاف في البحر السريع ستة، وهي: الطي، والخبن، والخبل، والوقف، والكسف، والصلم. انظر: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، للتهانوي، ص (٩٥٤).\n(٦) انظر: أحكام القرآن، لابن العربي (٤/ ٢٦ - ٢٧)، وفتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٥٥٧).\n(٧) الكامل عند أهل العروض: اسم بحر من البحور المختصة بالشعر، وتفعيلات هذا البحر هي: متفاعلن، سِتَّ مرات. انظر: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، للتهانوي، ص (١٣٥٧).","vol":"1","page":424},{"text":"زِحَافٌ جائز (١) \". اهـ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أنَّ ما رُويَ عن النبي - ﷺ - من إنشاده لبعض الشِّعْر إنما قاله اتفاقًا، ولم يقصد به نظم الشِّعْر.\nوتَمَثُّل النبي - ﷺ - ببيتٍ واحدٍ من الشِّعْر لا يلزم منه أنْ يكون عالمًا بالشِّعْر، لأنَّ الذي نفى الله عن نبيه - ﷺ - هو العلم بالشِّعْر، بأصنافه، وأعاريضه، وقوافيه، والاتصاف بقوله، والنبي - ﷺ - لم يكن موصوفًا بشيء من ذلك باتفاق، فخرج أنْ يكون شاعرًا أو عالمًا بالشعر. (٣)\nوقد كانت سَجيَّتُه - ﷺ - تأبى صِناعةَ الشِّعْر طبعًا وشرعًا، فعن أبي نَوْفَلِ بْنِ أَبِي عَقْرَبٍ قَالَ: \"سَأَلْتُ عَائِشَةَ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُتَسَامَعُ عِنْدَهُ الشِّعْرُ؟ قَالَتْ: كَانَ أَبْغَضَ الْحَدِيثِ إِلَيْهِ\" (٤).\nوعن ابن عمر - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا\" (٥).\nوكان - ﷺ - لا يحفظ بيتًا على وزن منتظم، وإنْ أنشده زَحَفَهُ أو لم يُتِمَّه،\n_________\n(١) الزحاف في الشعر: حرفٌ بين حرفين، وهو تغيرٌ يقع في الركن إما بزيادة أو نقص، ويُقال لذلك الركن الذي تغير: مُزاحفًا وغير سالم، والزحف إذا وقع في الصدر سُميَ: ابتداءً، وإذا وقع في العروض سُميَ: فصلًا، وإذا كان في وسط البيت سُميَ: اعتدالًا. انظر: المصدر السابق، ص (٩٠٥).\n(٢) فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٥٥٧).\n(٣) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٣/ ٦١٩ - ٦٢٠).\n(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٦/ ١٨٨)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١١٩): \"رجاله رجال الصحيح\".\n(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأدب، حديث (٦١٥٤)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الشعر، حديث (٢٢٥٨).","vol":"1","page":425},{"text":"وهذا مما يؤكد أنَّ النبي - ﷺ - لم يكن يُحْسِنُ صناعة الشعر، ولا تقتضيه جِبلَّتُه، والله تعالى أعلم. (١)\n\n****\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٥٨٥، ٥٨٧).","vol":"1","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>المسألة [٢٧]: في أشد الناس عذابًا يوم القيامة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦» [غافر: ٤٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآية:</span>\n(٥٤) - (٤٧): عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ - ﵁ - يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ\". (١)\n(٥٥) - (..): وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ\". (٢)\n(٥٦) - (٤٨): وعَنْ هِشَام بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَخَالِد بْنِ الْوَلِيدِ - ﵄ - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا لِلنَّاسِ فِي الدُّنْيَا\". (٣)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه - واللفظ له - في كتاب اللباس، حديث (٥٩٥٠)، ومسلم في صحيحه، في كتاب اللباس والزينة، حديث (٢١٠٩)، ورواه مسلم من وجه آخر بلفظ: \"إِنَّ مِنْ أَشَدِّ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابًا الْمُصَوِّرُونَ\"، بزيادة \"من\".\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأدب، حديث (٦١٠٩).\n(٣) رُويَ هذا الحديث عن هشام بن حكيم بن حزام، وعياض بن غنم، وخالد بن الوليد، =","vol":"1","page":427},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وخالد بن حكيم بن حزام، وقد اضطرب الرواة في لفظه وإسناده، وفيما يلي تفصيل ذلك، وبيان المحفوظ منه:\nأولًا: حديث هشام بن حكيم بن حزام:\nوقد رُويَ عنه من أربعة طرق:\nالأول: طريق عروة بن الزبير، عن هشام بن حكيم، به:\nويعد هذا الطريق من أصح طرق الحديث، لأن رواته أوثق وأضبط، حيث لم يضطربوا في لفظه، ولا في إسناده، وإنما نقلوه على الصواب دون رواية اللفظ المشكل المذكور في المتن.\nوله عن عروة طريقان:\nالأول: طريق هشام بن عروة، عن عروة، به:\nوله عن هشام عدة طرق:\n\nالأول: طريق وكيع، عن هشام بن عروة، به:\nأخرجه من هذه الطريق: الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٤٠٣)، ومسلم في صحيحه، في كتاب البر والصلة، حديث (٢٦١٣)، ولفظه عند أحمد: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ حِزَامٍ: أَنَّهُ مَرَّ بِأُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ قَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ بِالشَّامِ فَقَالَ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالُوا: بَقِيَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ الْخَرَاجِ. فَقَالَ: إِنِّي أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ ﷿ يُعَذِّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ\". قَالَ: وَأَمِيرُ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى فِلَسْطِينَ، قَالَ: فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَحَدَّثَهُ فَخَلَّى سَبِيلَهُمْ.\nالثاني: طريق ابن نمير، عن هشام بن عروة، به:\nأخرجه من طريقه: الإمام أحمد بالإسناد والمتن المتقدم.\nالثالث: طريق معمر، عن هشام بن عروة، به:\nأخرجه من هذه الطريق: الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٤٠٣)، وعبد الرزاق في المصنف (١١/ ٢٤٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٧٠)، ولفظه عند أحمد: عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ رَأَى نَاسًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ قِيَامًا فِي الشَّمْسِ فَقَالَ: مَا هَؤُلَاءِ؟ فَقَالُوا: مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ. فَدَخَلَ عَلَى عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ، وَكَانَ عَلَى طَائِفَةِ الشَّامِ؛ فَقَالَ هِشَامٌ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: \"مَنْ عَذَّبَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا عَذَّبَهُ اللَّهُ ﵎\". فَقَالَ عُمَيْرٌ: خَلُّوا عَنْهُمْ.\nالرابع: طريق حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، به:\nأخرجه من هذه الطريق: مسلم في صحيحه، في كتاب البر والصلة، حديث (٢٦١٣)، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أنه مَرَّ بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ، وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ، وَصُبَّ عَلَى رُءُوسِهِمْ الزَّيْتُ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: يُعَذَّبُونَ فِي الْخَرَاجِ. فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ فِي الدُّنْيَا\".\nالخامس: طريق حماد بن أسامة، عن هشام بن عروة، به:\nأخرجه مسلم في صحيحه، في الموضع السابق، بإسناده ومتنه.\nالسادس: طريق الليث بن سعد، عن هشام بن عروة، به:\nأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٧٠)، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن هشام بن حكيم: أنه =","vol":"1","page":428},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سمع النبي ﷺ يقول: \"إن الله يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس في الدنيا\".\nالسابع: طريق حاتم بن إسماعيل، عن هشام بن عروة، به:\nأخرجه الطبراني في المعجم الكبير، بالإسناد والمتن المتقدم.\nالثامن: طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، به:\nأخرجه ابن حبان في صحيحه (١٢/ ٤٢٩)، إلا أنه جعله من حديث حكيم بن حزام، قال ابن حبان: أخبرنا أبو يعلى قال: حدثنا عبد الأعلى بن حماد قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة: أن حكيم بن حزام مر بعمير بن سعد، وهو يعذب الناس في الجزية في الشمس، فقال: يا عمير، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا\". قال: اذهب فخل سبيلهم.\nقال ابن حبان: \"سمع هذا الخبر عروة عن هشام بن حكيم بن حزام، وهو يعاتب عياض بن غنم على هذا الفعل، وسمعه أيضًا من حكيم بن حزام حيث عاتب عمير بن سعد على هذا الفعل سواء، فالطريقان جميعًا محفوظان\". اهـ\nالثاني: طريق الزهري، عن عروة بن الزبير، عن هشام بن حكيم، به.\nوله عن الزهري عدة طرق:\nالأول: طريق معمر، عن الزهري، به:\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٤٠٣)، وقد تقدم في طريق معمر، عن هشام بن عروة، به، وقد ساقه المصنف بسنده ومتنه.\nالثاني: طريق شعيب، عن الزهري، عن عروة، به:\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٤٠٤)، قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَجَدَ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ وَهُوَ عَلَى حِمْصَ يُشَمِّسُ نَاسًا مِنْ النَّبَطِ فِي أَدَاءِ الْجِزْيَةِ فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ: مَا هَذَا يَا عِيَاضُ؟ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ ﵎ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا\".\nالثالث: طريق يونس، عن الزهري، عن عروة، به:\nأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب البر والصلة، حديث (٢٦١٣)، ولفظه لفظ شعيب، المتقدم.\nالرابع: طريق محمد بن عبد الله بن شهاب الزهري، عن عمه الزهري، عن عروة، به:\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٤٠٤)، ولفظه لفظ شعيب، ويونس، المتقدمين.\nالثاني - من طرق حديث هشام بن عروة -: طريق جبير بن نفير، عن هشام بن عروة، به:\nوله عن جبير بن نفير طريقان:\nالأول: طريق شريح بن عبيد، عن جبير، به:\nأخرجه ابن عساكر في تاريخه (٤٧/ ٢٦٦)، من طريق محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، نا ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد قال: قال جبير بن نفير: جلد عياض بن غنم صاحب دارا حين فتحت، فوقف عليه هشام بن حكيم فأغلظ له القول حتى غضب، ثم مكث ليالي فأتاه هشام فاعتذر إليه ثم قال هشام لعياض بن غنم: ألم =","vol":"1","page":429},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= تسمع رسول الله ﷺ يقول: \"إن من أشد الناس عذابًا أشدهم للناس عذابًا في الدنيا\".\nوفي سنده انقطاع؛ فإن محمد بن إسماعيل لم يسمع من أبيه، كما في تهذيب التهذيب (٩/ ٥١).\nالثاني: طريق عبد الرحمن بن عائذ، عن جبير، به:\nأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٣٢٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١٦٤)، والطبراني في الكبير\n(١٧/ ٣٦٧)، وفي مسند الشاميين (٣/ ٩٩)، جميعهم من طريق إسحاق بن إبراهيم بن زبريق، عن عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، عن فضيل بن فضالة، عن عبد الرحمن بن عائذ، به.\nولفظه عند الحاكم: عن جبير بن نفير: أن عياض بن غنم الأشعري وقع على صاحب دارا حين فتحت، فأتاه هشام بن حكيم فأغلظ له القول، ومكث هشام ليالي، فأتاه هشام معتذرًا فقال لعياض: ألم تعلم أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة أشد الناس عذابًا للناس في الدنيا\".\nوالحديث بهذا الإسناد ضعيف؛ فيه إسحاق بن إبراهيم بن زبريق: صدوق يهم كثيرًا، كما في التقريب (١/ ٦٧).\nالثالث: طريق صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد، عن هشام بن حكيم، به.\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٤٠٣)، قال: ثنا أبو المغيرة، ثنا صفوان، حدثني شريح بن عبيد الحضرمي، وغيره، قال: جلد عياض بن غنم صاحب دارا حين فتحت فأغلظ له هشام بن حكيم القول حتى غضب عياض، ثم مكث ليالي فأتاه هشام بن حكيم فاعتذر إليه ثم قال هشام لعياض: ألم تسمع النبي ﷺ يقول: \"إن من أشد الناس عذابًا أشدهم عذابًا في الدنيا للناس\".\nوأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٢/ ٩٤)، من طريق صفوان بن عمرو، به.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٤١٣)، طبعة دار الفكر: \"رواه أحمد، ورجاله ثقات، إلا أني لم أجد لشريح من عياض وهشام سماعًا، وإن كان تابعيًا\". اهـ\nقلت: الصواب أن الراوي بين شريح وهشام هو جبير بن نفير، كما جاء ذلك صريحًا في الروايتين المتقدمتين.\nالثالث - من طرق حديث هشام بن حكيم - طريق عبد الله بن محيريز، عن هشام بن حكيم، به.\nأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١/ ٤٤)، قال: ثنا الحسن بن العباس الرازي، ثنا أبو هارون، محمد بن خالد الخراز الرازي، ثنا يحيى بن أبي الخصيب، ثنا عبد الله بن هانئ، عن عمه إبراهيم بن أبي عبلة، عن عبد الله بن محيريز قال: كان عياض بن غنم على بعث من أهل الشام، ومعه مولى له فغضب عليه فضربه، فحجزه هشام بن حكيم القرشي، وكلاهما من أصحاب رسول الله ﷺ، فانطلق عياض إلى فسطاطه غضبانًا، فأمهله هشام حتى ذهب عنه الغضب، ثم أتاه فاستأذن فقال: لله أبوك، ما حملك على الذي فعلت؟ فقال هشام: لم؟ والله ما سمعت شيئًا لم تسمعه. قال: فما سمعت؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة أشدهم عذابًا للناس في الدنيا\".\nوفي سنده: عبد الله بن =","vol":"1","page":430},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= هانئ بن عبد الرحمن بن أبى عبلة، ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٣٥٧)، وسكت عنه، وترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ١٩٤)، وقال فيه: \"قدمت الرملة فَذُكِرَ لي أن في بعض القرى هذا الشيخ، فسألت عنه فقيل: هو شيخ يكذب، فلم أخرج إليه ولم أسمع منه\". اهـ\nوفي سند أيضًا: يحيى بن أبي الخصيب، قال عنه ابن حبان في الثقات (٩/ ٢٦٤): \"يُغْرِبُ إذا حدث عن هانئ بن عبد الرحمن بن أبى عبلة، عن عمه\". اهـ\nثانيًا: حديث عياض بن غنم:\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٤٠٤)، قال: حدثنا عثمان بن عمر قال: أخبرنا يونس، عن الزهري، عن عروة: أنه بلغه أن عياض بن غنم رأى نبطًا يُشمسون في الجزية فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله ﵎ يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا\".\nوهذا إسناد فيه علتان:\nالأولى: الانقطاع؛ فإن عروة لم يسمعه من عياض.\nالثانية: أن عثمان بن عمر جعله من حديث عياض، والصواب أنه من حديث هشام بن حكيم، كما في رواية ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن هشام بن حكيم. وقد تقدمت.\nثالثًا: حديث خالد بن الوليد، وخالد بن حكيم بن حزام:\nوقد رواه عنهما عمرو بن دينار، عن أبي نجيح، به.\nوقد اختُلِفَ فيه على عمرو بن دينار، فرواه عنه حماد بن سلمة، وجعله من حديث خالد بن حكيم.\nأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٤/ ١٩٦)، من طريق حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن أبي نجيح: أن خالد بن حكيم مَرَّ بأبي عبيدة بن الجراح، وهو يُعذب الناس في الجزية فقال له: أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة أشدهم عذابًا في الدنيا\". فقال: اذهب فخل سبيلهم\".\nورواه سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، إلا أنه اختُلِفَ فيه على سفيان، فجعله بعض الرواة من حديث خالد بن حكيم، وجعله البعض الآخر من حديث خالد بن الوليد:\nفمن الرواة الذين جعلوه من حديث خالد بن حكيم:\nأبو بكر بن أبي شيبة: أخرجه من طريقه: ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٤٢٦)، والطبراني في المعجم الكبير (٤/ ١٩٥).\nوالحميدي: أخرجه من طريقه الطبراني في المعجم الكبير (٤/ ١٩٥)، إلا أن الحميدي رواه في مسنده وجعله من حديث خالد بن الوليد، وسيأتي.\nوعلي بن المديني: أخرجه من طريقه: البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١٤٣).\nومن الرواة الذين جعلوه من حديث خالد بن الوليد:\nالإمام أحمد في مسنده (٤/ ٩٠).\nوأبو داود الطيالسي في مسنده (١/ ١٥٨).\nوالحميدي في مسنده (١/ ٢٥٥).\nوأبو خيثمة زهير بن حرب: أخرجه من طريقه: البيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٥٠).\nوالقعنبي، إبراهيم بن بشر الرمادي: أخرجه من طريقه: الطبراني في المعجم الكبير (٤/ ١١٠).\nوالحديث عن خالد بن الوليد، وخالد بن حكيم، معلول من أوجه:\nالأول: الاختلاف فيه على عمرو بن دينار، وسفيان بن عيينة. =","vol":"1","page":431},{"text":"(٥٧) - (٤٩): وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَهُ نَبِيٌّ أَوْ قَتَلَ نَبِيًّا، وَإِمَامُ ضَلَالَةٍ، وَمُمَثِّلٌ مِنْ الْمُمَثِّلِينَ\". (١)\n_________\n= الثاني: أن عمرو بن دينار خالف فيه الزهري، وهشام بن عروة في روايتهما لهذا الحديث، وقد تقدم ذكر روايتهما.\nالثالث: أن خالد بن حكيم مختلف في صحبته، حيث ذكره في الصحابة: هشامُ بن الكلبي، وابنُ السكن، والطبراني، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الإصابة (٢/ ٢٣٠)، ولم ينص على صحبته البخاريُ في التاريخ الكبير (٣/ ١٤٣)، ولا ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٣٢٤)، ولا الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة (١/ ١١١).\nالنتيجة:\nالذي يظهر أن المحفوظ في الحديث هو ما جاء من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن هشام بن حكيم: أن النبي - ﷺ - قال: \"إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا\". وليس في هذا اللفظ إشكال بحمد الله تعالى، وهذا الطريق هو الأصح؛ لخلوه من الاضطراب في سنده ومتنه، وأما بقية الطرق - والتي ورد فيها اللفظ المشكل الوارد في المتن - فجميعها مُعلة، إما بالانقطاع، أو بالاضطراب في أسانيدها، أو بضعف رواتها، والله تعالى أعلم.\n(١) رُويَ هذا الحديث عن ابن مسعود من عدة طرق، وقد اختُلِفَ فيه على ابن مسعود بين الوقف والرفع، وفيما يلي تفصيل ذلك:\nالأول: طريق أبي وائل، عن ابن مسعود، مرفوعًا:\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٤٠٧)، قال: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبان، حدثنا عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: .... \". فذكره باللفظ المذكور في المتن.\nوأخرجه البزار في مسنده (٥/ ١٣٨)، من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، وقال: \"هذا الحديث لا نعلم أحدًا أسنده عن عاصم عن أبي وائل إلا أبان\". اهـ\nقلت: وفي إسناده عاصم بن أبي النجود، صدوق له أوهام كما في التقريب (١/ ٣٦٥).\nالثاني: طريق الحارث بن الأعور، عن ابن مسعود، مرفوعًا.\nأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٢١١)، قال: حدثنا عبدان بن أحمد، ثنا أيوب بن محمد الوزان، ثنا معتمر بن سليمان الرقي، ثنا عبد الله بن بشر، عن أبي إسحاق، عن الحارث بن الأعور، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتل نبيًا أو قتله نبي، أو رجل يضل الناس بغير علم، أو مصور يصور التماثيل\".\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٨١): \"فيه الحارث بن الأعور، وهو ضعيف\". اهـ\nالثالث: طريق خيثمة بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، مرفوعًا.\nأخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٢١٦)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٢٢)، كلاهما من طريق عمر بن خالد المخزومي، ثنا أبو نباتة، يونس بن يحيى، عن عباد بن كثير، عن =","vol":"1","page":432},{"text":"(٥٨) - (٥٠): وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِي - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَشَدَّهُ عَذَابًا: إِمَامٌ جَائِرٌ\". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث:</span>\nظاهرُ الآية الكريمة أَنَّ آل فرعون هم أشد الناس عذابًا يوم القيامة، وأنه لا يُعَذَّبُ أحدٌ مثل عذابهم؛ لأنَّ صيغة \"أفْعَل\" في قوله: \"أشد\" تفيد الاختصاص وعدم المشاركة (٢)، وأما الأحاديث فظاهرها أَنَّ ثَمَّةَ آخرين\n_________\n= ليث بن أبي سليم، عن طلحة بن مصرف، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أشد أهل النار عذابًا يوم القيامة من قتل نبيًا أو قتله نبي، وإمام جائر، وهؤلاء المصورون\".\nقال أبو نعيم: \"غريب من حديث طلحة وخيثمة، يقال: إنه من مفاريد أبي نباتة\". اهـ\nقلت: في إسناده ليث بن أبي سليم، ضعفه أبو حاتم، وقال الإمام أحمد: مضطرب الحديث. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (٨/ ٤١٧).\nالرابع: طريق أبي عبيدة، عن ابن مسعود، به:\nأخرجه الدارقطني في العلل (٥/ ٤٠٣ - ٤٠٥)، من طريق عمر بن شبة، عن أبي حذيفة، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، به، مرفوعًا.\nوأخرجه في الموضع نفسه من طريق عمر بن شبة، عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، به، موقوفًا.\nقال الدارقطني - وقد سُئل عن الحديث -: \"يرويه أبو إسحاق، واختُلِف عنه، فرواه زياد بن خيثمة، عن أبي إسحاق، مرفوعًا. ورفعه أيضًا أبو حذيفة، عن الثوري. ووقفه ابن مهدي، ويحيى القطان، وأبو أحمد الزبيري، عن الثوري. وكذلك رواه العلاء بن المسيب، وإبراهيم بن طهمان، عن أبي إسحاق، مرفوعًا. والموقوف أصح. ورواه حسين بن واقد، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، عن عبد الله، موقوفًا. ولا يصح عن أبي وائل\". اهـ\n(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٢٢)، والترمذي في سننه، في كتاب الأحكام، حديث (١٣٢٩)، كلاهما من طريق فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد، به. وإسناده ضعيف؛ فيه عطية العوفي، ضعفه الإمام أحمد، وأبو حاتم الرازي. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (٧/ ٢٠٠).\n(٢) انظر: الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي (١/ ٩٨).","vol":"1","page":433},{"text":"يشاركون آل فرعون في العذاب الأشد، وأنَّ آل فرعون غير مختصين بهذا العذاب، وهذا يُوهِمُ التعارض بين الآية والأحاديث. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>المبحث الرابع: المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث:</span>\nلم يتجاوز العلماء في هذه المسألة مسلك الجمع بين الآية والأحاديث، ولهم في الجمع مذاهب:\nالأول: أَنَّ الأشدِّية في الآية والأحاديث إنما هي باعتبار جنس المُعَذَّبين، لا باعتبار جنس العذاب، ففرعون أشد الناس عذابًا باعتبار المُدَّعين للإلهية، والمصورون أشد الناس عذابًا بالنسبة إلى غيرهم ممن لا يُصَوِّر، أو يُصَوِّرُ ولكن لغير العبادة، وهكذا.\nوهذا مذهب: أبي العباس القرطبي، وأبي المحاسن الحنفي، والمناوي، وابن عثيمين. (٢)\nقال أبو العباس القرطبي: \"قوله: \"أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ\" يقتضي أنْ لا يكون في النار أحدٌ يزيد عذابه على عذاب المصورين، وهذا يُعارضه قوله تعالى: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)، وقوله - ﷺ -: \"أشد الناس عذابًا يوم القيامة إمام ضلالة\"، وأشباه ذلك، ووجه التوفيق: أَنَّ الناس الذين أُضيف إليهم أشد لا يُراد بهم كلُّ نوعِ الناس، بل بعضهم المشاركون في ذلك المعنى المُتَوعّد عليه بالعذاب؛ ففرعون أشد المدعين للإلهية عذابًا، ومن يُقتدى به في ضلالة كفر أشد ممن يُقتدى به في\n_________\n(١) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٥/ ٤٣٠)، وفتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٣٩٦ - ٣٩٧)، وعمدة القاري، للعيني (١٢/ ٣٩)، وفيض القدير، للمناوي (١/ ٥١٦ - ٥١٧)، والقول المفيد على كتاب التوحيد، لابن عثيمين (٣/ ٢٠٩).\n(٢) انظر على الترتيب: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٥/ ٤٣١)، ومعتصر المختصر، لأبي المحاسن الحنفي (٢/ ٢٣٧)، وفيض القدير، للمناوي (١/ ٥١٧)، والقول المفيد على كتاب التوحيد، لابن عثيمين (٣/ ٢٠٩).","vol":"1","page":434},{"text":"ضلالة بدعة، والمصورون الذين يصورون الأصنام للعبادة - كما كانت الجاهلية تفعل، وكما يفعل النصارى - أشد عذابًا ممن يصورها لا للعبادة، وهكذا يعتبر هذا الباب\". اهـ (١)\nوقال أبو المحاسن الحنفي: \"الصواب أنْ لا تعارض بين الأحاديث والآية، بل بعضها مخصصٌ للبعض؛ لأن التعارض إنما يكون في النصوص التي لا يمكن الجمع بينها، ولو جاءت هذه الأحاديث في نسق واحد لما تناقض الكلام، ويكون معنى الآية والأحاديث: أشد الناس عذابًا من الكفار: آل فرعون، أو من قتل نبيًا أو قتله نبي، وأشد الناس عذابًا من المسلمين إمام ضلالة، أو مُشَبِّهٌ بخلق الله ... \". اهـ (٢)\nوقال ابن عثيمين: \"الأشدية نسبية، يعني أَنَّ المصورين أشد الناس عذابًا بالنسبة للعصاة الذين لم تبلغ معصيتهم الكفر، لا بالنسبة لجميع الناس\". اهـ (٣)\nالمذهب الثاني: أَنَّ الأشدية في الآية إنما هي باعتبار جنس العذاب، والمعنى: أَنَّ آل فرعون هم أشد الناس عذابًا بالنسبة لنوع العذاب الذي هم فيه.\nوهذا مذهب الإمام أحمد. (٤)\nالمذهب الثالث: أَنَّ الآية ليس فيها ما يقتضي اختصاص آل فرعون بأشد العذاب، بل هم في العذاب الأشد، وغيرهم - ممن يستحق مثل هذا العذاب - مشارك لهم في العذاب الأشد.\nذكر هذا الجواب الحافظ ابن حجر. (٥)\n_________\n(١) المفهم (٣/ ٤٣١)، باختصار.\n(٢) معتصر المختصر (٢/ ٢٣٧)، باختصار وتصرف يسير.\n(٣) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (٢/ ٢٨٢).\n(٤) الرد على الزنادقة والجهمية، للإمام أحمد (١/ ١٥).\n(٥) فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٣٩٧).","vol":"1","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالتحقيق في هذه المسألة أَنَّ لفظ: \"أشد الناس عذابًا\"، لا يَثْبُتُ إلا في حديثي عائشة وابن مسعود، الواردين في المصورين، وأما بقية الأحاديث فلا يثبت فيها هذا اللفظ:\nأما حديث خالد بن الوليد، وهشام بن حكيم، فقد اضطرب الرواة في لفظه، وأصح رواياته ما جاء بلفظ: \"إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا\"، وليس في هذا اللفظ ما يُوهِمُ مُعارضة الآية.\nوأما حديث ابن مسعود الآخر فقد اختُلِفَ في وقفه ورفعه، وهذا الاختلاف يدل على عدم ضبط الرواة له، وهو موجب للتوقف في قبوله بهذا اللفظ.\nوأما حديث أبي سعيد الخدري، فضعيف.\nوقد بينت بالتفصيل ما في هذه الأحاديث من علل في أثناء تخريجي لها في أول المسألة.\nوالذي يظهر لي أنْ لا تعارض بين كون آل فرعون في أشد العذاب، وكون المصورين أشد الناس عذابًا يوم القيامة؛ ذلك أَنَّ الأحاديث ذكرت بعض أوصاف المستحقين للعذاب الأشد، وهم المصورون، والآية ذكرت أشخاصًا بعينهم، وهم آل فرعون، والعلة الموجبة لعذاب هؤلاء وهؤلاء هي مضاهاة الله، وهي التي استحقوا بها العذاب الأشد.\nوقد أشارت بعض روايات أحاديث التصوير لهذه العلة؛ فعن عائشة ﵂ أَنَّ النبي - ﷺ - قال: \"أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ (١)\n_________\n(١) المضاهاة: هي التشبيه، ومعنى الحديث أنهم يُشبِّهون ما يصنعونه بما يصنعه الله، وقد جاء ذلك مفسرًا في رواية مسلم، وفيه: \"إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ\". انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (٢/ ٦١)، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٣/ ١٠٦)، وفتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٤٠١).","vol":"1","page":436},{"text":"بِخَلْقِ اللَّهِ\". (١)، وجاء في حديثٍ آخر التنصيص على هذه العلة في قوله - ﷺ -: \"قَالَ اللَّهُ ﷿: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً\". (٢)، وهذه العلة - أعني المضاهاة - موجودة في كل من نازع الله في شيء من خصائصه؛ كمنازعته تعالى في ربوبيته، أو ألوهيته، أو في شيء من صفاته أو أفعاله، والعذاب الأشد عام لكل من وُجِدَ فيه شيء من هذه المنازعة، وفرعونُ داخلٌ في هذا الوعيد قطعًا، لادعائه الألوهية، والتي هي من أعظم خصائص الله تعالى، فهو مضاهٍ لله تعالى في هذه الدعوى، وكذا قوم فرعون فإنهم لما أطاعوه، واتخذوه إلهًا من دون الله، استحقوا العذاب الأشد.\nوثمة أمرٌ آخر استحقوا به هذا الوعيد، وهو ما اشتهروا به من نحت التماثيل، وادعائهم القدرة على مضاهاة الله في صنعها؛ فإن هذا موجب لكونهم في العذاب الأشد، كما جاء في أحاديث التصوير.\nومما يؤكد أَنَّ العلة في الأحاديث هي المضاهاة: أَنَّ الوعيد الوارد في أحاديث التصوير يمتنع حمله على ظاهره في عموم المسلمين (٣)؛ لأن من فعل التصوير من المسلمين - مع علمه بتحريمه - إنما يكون فاعل كبيرة فقط، فكيف يكون عذابه أشد من عذاب الكفار والمنافقين، ومعه أصل التوحيد؟ فدل على أَنَّ هذا الوعيد الأشد إنما هو في حق من ادعى القدرة على مضاهاة الله في خلقه، فإنه يكفر بذلك، ويكون مستحقًا للعذاب الأشد، وقد أشار إلى ذلك\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه - واللفظ له - في كتاب اللباس، حديث (٥٩٥٤)، ومسلم في صحيحه، في كتاب اللباس والزينة، حديث (٢١٠٧)، وفيه زيادة \"من\"، ولفظه: \"إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ\"، ورواه من وجه آخر بلفظ: \"إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا ... \"، ولَمْ يَذْكُرْ \"مِنْ\".\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التوحيد، حديث (٧٥٥٩)، ومسلم في صحيحه، في كتاب اللباس والزينة، حديث (٢١١١).\n(٣) أعني الوعيد بالعذاب الأشد، وإلا فإن التصوير بحد ذاته يُعد كبيرة من كبائر الذنوب، وصاحبه مستحق للعذاب، لكن عذابه دون عذاب من فعله قاصدًا به مضاهاة الله تعالى.","vol":"1","page":437},{"text":"الإمام الطبري، فقال: \"المراد بالحديث من يُصَوِّرُ ما يعبد من دون الله وهو عارف بذلك، قاصدًا له؛ فإنه يكفر بذلك، فلا يبعد أنْ يدخل مدخل آل فرعون، وأما من لا يقصد ذلك فإنه يكون عاصيًا بتصويره فقط\". اهـ (١)\n***\n_________\n(١) نقله عنه: الحافظ ابن حجر في الفتح (١٠/ ٣٩٧)، وبنحوه قال القاضي عياض في إكمال المعلم\n(٦/ ٦٣٨)، والنووي في شرح مسلم (١٤/ ١٣٢).","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>المسألة [٢٨]: فِي إخباره - ﷺ - بعدم جدوى تَأْبِيرِ النَّخْلِ</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى في وصف نبيه محمد - ﷺ -: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤» [النجم: ٣ - ٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية:</span>\n(٥٩) - (٥١): عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ - ﵁ - قَالَ: \"مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ، يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا. قَالَ: فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ؛ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ ﷿\". (١)\n(٦٠) - (..): وَعَنْ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ ﵄: \"أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ: لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ. قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا (٢)، فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ: مَا\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفضائل، حديث (٢٣٦١).\n(٢) الشيص: هو التمر الذي لا يشتد نواه ويقوى، وقد لا يكون له نوى أصلًا. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٢/ ٥١٨).","vol":"1","page":439},{"text":"لِنَخْلِكُمْ؟ قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ\". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث:</span>\nظاهِرُ الآيةِ الكريمةِ أَنَّ كل ما يقوله النبي - ﷺ - فهو وحي من الله تعالى، وأما الحديث فيُوهِمُ خلاف هذا الظاهر؛ إذ فيه أَنَّ ما قاله النبي - ﷺ - في قضية تأبير النخل إنما كان عن اجتهاد منه - ﷺ -، بدليل تراجعه عن رأيه هذا لما تبين له خِلافُه. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث:</span>\nأجمع المسلمون قاطبة على أَنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولاسيما خاتمهم محمد - ﷺ - معصومون من الخطأ فيما يبلغونه عن الله ﷿ من أحكام، كما قال ﷿: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤»، فنبينا محمد - ﷺ - معصوم في كل ما يبلغه عن الله تعالى من الشرائع، قولًا، وعملًا، وتقريرًا. (٣)\nواتفق العلماء على جواز الاجتهاد للنبي - ﷺ - في أمور الدنيا. (٤)\nواختلفوا في جواز الاجتهاد له في أمور الدين على مذهبين:\nالأول: الجواز، وعلى هذا المذهب عامة أهل الأصول، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وعامة أهل الحديث.\nالمذهب الثاني: المنع، وهو مذهب الأشعرية، وأكثر المعتزلة،\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفضائل، حديث (٢٣٦٣).\n(٢) انظر حكاية التعارض في: أضواء البيان، للشنقيطي (١٠/ ٢٧٧).\n(٣) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (٢/ ٧٨)، ومجموع فتاوى ابن باز (٦/ ٢٩١).\n(٤) حكى الاتفاق البخاري في \"كشف الأسرار\" (٣/ ٢٠٥).","vol":"1","page":440},{"text":"والمتكلمين. (١)\nوأما حديث الباب - الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية - فإنَّ للعلماء في دفع التعارض بينه وبين الآية مسلكًا واحدًا، وهو مسلك الجمع بينهما، والذي عليه جماهير أهل العلم من مفسرين ومحدثين - ولم أقف على قولٍ بخلافه -: أَنَّ معنى قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣» أنَّ النبي - ﷺ - لا ينطق بشيء من أجل الهوى، ولا يتكلم بالهوى، وقوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤» يعني أَنَّ كل ما ينطق به من أمور الدين فهو وحي من الله؛ فإنَّ النبي - ﷺ - معصومٌ عن الخطأ في كل ما يُبَلِّغُه عن الله تعالى من أمور الدين، كالأحكام الشرعية، وإخباره عن أمور الغيب والأمم الماضية، وأما قضية التأبير الواردة في حديث الباب فهي من أمور الدنيا التي لا تعلق لها بالدين، ورأيه - ﷺ - في أمور الدنيا كغيره من الناس، فلا يمتنع وقوع الخطأ منه، ولا يَقْدحُ ذلك في معجزته - ﷺ -، ولا يقلل من شأنه.\nوممن قال بهذا الجواب:\nالطحاوي، وابن حزم، والقاضي عياض، وابن الجوزي، وأبو العباس القرطبي، والنووي، والبيضاوي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والمناوي، والآلوسي، والشنقيطي، وابن باز، وابن عثيمين. (٢)\nقال ابن الجوزي: اعلم أَنَّ رسول الله - ﷺ - كان يتكلم بأشياء على سبيل الظن\n_________\n(١) انظر: كشف الأسرار، للبخاري (٣/ ٢٠٥)، والفصول في الأصول، للجصاص (٣/ ٢٣٩).\n(٢) انظر على الترتيب: مشكل الآثار، للطحاوي (٢/ ٤٢٦)، والإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم (٥/ ١٣٠)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (٢/ ١١٤ - ١١٥)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (٣/ ٢٥٢ - ٢٥٣)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٦/ ١٦٧)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (١٥/ ١٦٩ - ١٧٠)، وتفسير البيضاوي (٥/ ١٥١)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٥/ ١٨٦)، ومفتاح دار السعادة، لابن القيم (٢/ ٢٦٧)، وفيض القدير، للمناوي (٢/ ٥٦٧)، وروح المعاني، للآلوسي (١٣/ ٩٠ - ٩١)، وأضواء البيان، للشنقيطي (١٠/ ٢٧٧)، ومجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز (٦/ ٢٩١)، وتفسير سورة البقرة، لابن عثيمين (٣/ ٤١١).","vol":"1","page":441},{"text":"والقياس، والظن والقياس دليل معمول عليه، ولا يُنْسَبُ إلى الخطأ من عمل على دليل، وقوله في حديث التأبير: \"مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا\"، وقوله: \"إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ\"، يدل على أنه قاله بالظن، ولذلك اعتذر عنه. اهـ (١)\nوقال الشنقيطي: \"التحقيق في هذه المسألة أَنَّ النبي - ﷺ - ربما فعل بعض المسائل من غير وحي في خصوصه؛ كإذنه للمتخلفين عن غزوة تبوك، قبل أنْ يَتَبيّنَ صادقهم من كاذبهم (٢)، وكأسْرِه لأسارى بدر (٣)،\nوكأمره بترك تأبير النخل، وكقوله: \"لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ\" (٤)، إلى غير ذلك، وأن\n_________\n(١) كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (٣/ ٢٥٢ - ٢٥٣)، بتصرف.\n(٢) أخرج ابن جرير في تفسيره (٦/ ٣٨١)، عن عمرو بن ميمون الأودي - ﵁ - قال: \"اثنتان فعلهما رسول الله - ﷺ - لم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين، وأخذه من الأسارى؛ فأنزل الله: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣» [التوبة: ٤٣].\n(٣) عن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - قَالَ: \"لَمَّا أَسَرُوا الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ قال: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنِّي مِنْ فُلَانٍ - نَسِيبًا لِعُمَرَ - فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا .. قال عمر: فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمْ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) إِلَى قَوْلِهِ: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) [الأنفال: ٦٧ - ٦٩] فَأَحَلَّ اللَّهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ\".\nأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (٣٣٠٩).\n(٤) عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَحَلَلْتُ مَعَ النَّاسِ حِينَ حَلُّوا\".\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (٦٦٨٨).","vol":"1","page":442},{"text":"معنى قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣» لا إشكال فيه؛ لأنَّ النبي - ﷺ - لا ينطق بشيء من أجل الهوى، ولا يتكلم بالهوى، وقوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤» يعني أَنَّ كل ما يبلغه عن الله فهو وحي من الله، لا بهوى ولا بكذب ولا افتراء، والعلم عند الله تعالى\". اهـ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nما ذكره الجمهور في هذه المسألة هو المتعين جمعًا بين الآية والحديث، وحسب اطلاعي فإني لم أقف على قولٍ بخلافه؛ فكان له حكم الاتفاق.\nوأمَّا أقوال النبي - ﷺ - وأفعاله فتحرير القول فيها أنها على قسمين:\nالأول: ما كان في أمر الشريعة والتبليغ عن الله تعالى، وهذا له حالتان:\n١ - أنْ يكون بوحي من الله تعالى، وهذا لا مجال للخطأ فيه، وهو الذي يسميه العلماء الخبر المعصوم، وعليه تُحمل الآية الواردة في المسألة.\n٢ - أنْ يكون باجتهاد منه - ﷺ -، وهذا لا يخلو إمَّا أنْ يُقرَّ عليه، أو يُنَبَّه إلى الصواب، وهو في كلا الحالتين في حكم الوحي؛ أما الحالة الأولى فلإقرار الله له، وأما الثانية فلتصويب الله إياه.\nالقسم الثاني: ما كان من أمور الدنيا، وهذا حكمه أنْ لا تعلق له بالرسالة والتبليغ، بل النبي - ﷺ - فيه كسائر الناس، في جواز الخطأ والصواب عليه، وعليه يحمل ما جاء في قضية تأبير النخل، وغيرها من الحوادث التي وقعت باجتهاد منه - ﷺ -. (٢)\nومما يؤكد هذا المعنى قوله - ﷺ - في حديث التأبير: \"إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا\n_________\n(١) أضواء البيان، للشنقيطي (١٠/ ٢٧٧).\n(٢) انظر: أحكام القرآن، للجصاص (٢/ ٣٩٢)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (٢/ ٧٣)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٥/ ١٩٠)، ومفتاح دار السعادة، لابن القيم (٢/ ٢٦٧)، وقواعد التحديث، للقاسمي (١/ ٢٦٩).","vol":"1","page":443},{"text":"تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ؛ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ ﷿\". (١) وفي رواية: \"أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ\". (٢) وفي رواية أخرى: \"إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ\". (٣) فهذا نصٌ جَلِيٌّ منه - ﷺ - في جواز الخطأ عليه في أمور الدنيا، وأنَّ ما قاله في قضية التأبير إنما كان باجتهادٍ محضٍ منه - ﷺ -، ولم يكن بوحي من الله تعالى، وهو نَصُّ قولنا، وبالله تعالى التوفيق.\n_________\n(١) تقدم تخريجه في أول المسألة.\n(٢) تقدم تخريجه في أول المسألة.\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفضائل، حديث (٢٣٦٢).","vol":"1","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>المسألة [٢٩]: في انتفاع الأموات بسعي الأحياء</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩» [النجم: ٣٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآية:</span>\n(٦١) - (٥٢): عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ (١) نَفْسُهَا، وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: \"نَعَمْ، تَصَدَّقْ عَنْهَا\". (٢)\n_________\n(١) افْتُلِتَتْ: أي ماتت فجأة، وأُخِذَتْ نفسها فلته. يُقال: افْتَلتَه إذا استلبه، وافْتُلِتَ فلانٌ بكذا، إذا فُوجئ به قبل أنْ يستعد له. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٣/ ٤٦٧).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوصايا، حديث (٢٧٦٠)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الوصية، حديث (١٠٠٤). واللفظ للبخاري.\nوفي الباب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ - ﵁ - تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا فَقَالَ: \"يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا\". أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوصايا، حديث (٢٧٥٦).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: \"إِنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا وَلَمْ يُوصِ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ\". أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الوصية، حديث (١٦٣٠).","vol":"1","page":445},{"text":"(٦٢) - (٥٣): وعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ\". (١)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصوم، حديث (١٩٥٢)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الصيام، حديث (١١٤٧).\nوفي الباب عن بريدة بن الحصيب، وابن عباس - ﵄ -:\nأما حديث بريدة: فأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الصيام، حديث (١١٤٩)، عن بُرَيْدَةَ - ﵁ - قَالَ: \"بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ. قَالَ: فَقَالَ: وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: صُومِي عَنْهَا. قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهَا\".\nوأما حديث ابن عباس؛ فقد رُوي عنه من طريقين:\nالأول: طريق عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، به.\nوفيه أن السؤال وقع عن نذر مطلق، ولم يُقَيَّد بصوم أو حج.\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوصايا، حديث (٢٧٦١)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الصيام، حديث (١٦٣٨)، كلاهما من طريق ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ - ﵁ - اسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: \"إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ؟ فَقَالَ: اقْضِهِ عَنْهَا\".\nالثاني: طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به.\nوقد اضطرب الرواة في نقله؛ ومن هذا الاضطراب وقع الخلاف بين العلماء - في حكم الصوم عن الميت - وسأذكر طرق الحديث، وبيان اختلاف ألفاظه، ووجه الجمع أو الترجيح بينها:\nاللفظ الأول: وفيه أن السؤال وقع عن صوم شهر، دون تحديد لنوع الصوم، ولا لنوع الشهر.\nجاء ذلك من رواية زَائِدَة، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: َ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى\".\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصوم، حديث (١٩٥٣)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الصيام، حديث (١٥٥) - (١١٤٨).\nوقوله: \"جاء رجل\" هكذا رواه زائدة، وتابعه عبثر بن القاسم، وموسى بن أعين، وروايتهما عند النسائي في السنن الكبرى (٢/ ١٧٣ - ١٧٤)، والجراح بن الضحاك، وروايته عند الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ١٥)، وخالفهم: عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وأَبُو مُعَاوِيَةَ، ويَحْيَى بْنُ سَعِيد، فرووه عن الأعمش: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: \"إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ\".\nأخرج رواية عيسى بن يونس: مسلم في صحيحه، في كتاب =","vol":"1","page":446},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الصيام، حديث (١٥٤) - (١١٤٨).\nوأخرج رواية يحيى بن سعيد، وأبي معاوية: البخاري - تعليقًا - في صحيحه، في كتاب الصوم، حديث (١٩٥٣)، ووصله عنهما الإمام أحمد في مسنده (١/ ٢٢٤) و(١/ ٢٢٧)، وأبو داود في سننه، في كتاب الأيمان والنذور، حديث (٣٣١٠).\nورُوي من طرق أخرى عن سعيد بن جبير، وليس فيها أن السائل رجل، وسيأتي ذِكْرُ بعضٍ منها.\nاللفظ الثاني: وفيه أن السؤال وقع عن صوم شهرين متتابعين.\nجاء ذلك من رواية أَبي خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، وَمُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. قَالَ: \"أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُخْتِكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ تَقْضِينَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَحَقُّ اللَّهِ أَحَقُّ\".\nأخرجه الترمذي في سننه، في كتاب الصوم، حديث (٧١٦)، وأخرجه ابن ماجة في سننه، في كتاب الصيام، حديث (١٧٥٨)، بالإسناد نفسه؛ إلا أنه زاد: عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد، وعطاء، ومجاهد، به.\nوأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الصيام، حديث (١٥٥) - (١١٤٨)، قال: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ....، فذكره بإسناده، ولم يسق متنه.\nوأخرجه أبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم (٣/ ٢٢٤)، من طريق أبي سعيد الأشج، بسنده ومتنه.\nقال الترمذي: \"سَمِعْت مُحَمَّدًا - يعني البخاري - يَقُولُ: جَوَّدَ أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الْأَعْمَشِ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقَدْ رَوَى غَيْرُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ الْأَعْمَشِ، مِثْلَ رِوَايَةِ أَبِي خَالِدٍ.\nقَالَ الترمذي: وَرَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، ٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ سَلَمَةَ بْنَ كُهَيْلٍ، وَلَا عَنْ عَطَاءٍ، وَلَا عَنْ مُجَاهِدٍ، وَاسْمُ أَبِي خَالِدٍ سُلَيْمَانُ بْنُ حَبَّانَ\". اهـ\nقلت: في رواية أبي خالد هذه علتان:\nالأولى: قوله: \"إنَّ أختي\"، وقوله: \"شهرين متتابعين\":\nأما قوله: \"شهرين متتابعين\" فلم يُتابعه عليها أحد، إلا ما رواه أحمد بن علي بن ثابت البغدادي في كتابه \"الفصل للوصل المدرج\" (٢/ ٨٨٩)، فإنه رواه من طريق إبراهيم بن محمد الفزاري، عن الأعمش، به.\nوأما قوله: \"أختي\" فقد تابعه مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ - ولكن بسياق مختلف - عن شُعْبَةَ، عن الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: \"رَكِبَتْ امْرَأَةٌ الْبَحْرَ فَنَذَرَتْ أَنْ تَصُومَ شَهْرًا فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَصُومَ، فَأَتَتْ أُخْتُهَا النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَصُومَ عَنْهَا\". أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٣٣٨)، وكذا رواه عمرو بن مرزوق، عن شعبة، كما عند الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ١٤)، ورواه أبو =","vol":"1","page":447},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= داود الطيالسي في مسنده (١/ ٣٤٢)، عن شعبة، في قصة البحر أيضًا، ويبدو أن رواية البحر قصة أخرى، وما رواه أبو خالد في حديث ابن عباس المتقدم، قصة مغايرة لهذه، وذكره للأخت هو مما تفرد به في هذه القصة، إذ سائر الرواة على خلاف روايته، كما تقدم في بعض الطرق، وكما سيأتي في بقية الطرق الأخرى.\nالعلة الثانية: أنه اضطرب في إسناد الحديث، فجمع بين شيوخ الأعمش الثلاثة، مسلم البطين، وسلمة بن كهيل، والحكم بن عتيبة، فحدث به عنه عنهم عن شيوخٍ ثلاثة، فيُحتمل أن كل واحد من شيوخ الأعمش حدث عن الثلاثة، ويحتمل أن يكون شيخ الحكم عطاء، وشيخ البطين سعيدًا، وشيخ سلمة مجاهدًا.\nوقد رواه على الصواب عبد الرحمن بن مغراء، فرواه عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وعن سلمة بن كهيل، عن مجاهد، عن ابن عباس. وعن الحكم بن عتيبة، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ: أنه أتته امرأة فقالت: إنَّ أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: \"أرأيت لو كان عليها دين، أكنت تقضينه؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يُقضى\". أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٢/ ١٧٤).\nقال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري، ص (٢٠ - ٢١): \"وقد تفرد أبو خالد - سليمان بن حبان الأحمر بهذا السياق - وخالف فيه الحفاظ من أصحاب الأعمش\". اهـ\nوقال في تغليق التعليق (٣/ ١٩٣): \"والاضطراب في إسناد هذا الحديث ومتنه كبير جدًا، والاضطراب موجب للضعف، إذا تساوت وجوه الاضطراب، لكن اعتمد الشيخان رواية زائدة لحفظه، فرجحت على باقي الروايات، هكذا سمعت شيخنا الحافظ أبا الفضل بن الحسين يقول لما سألته عنه\". اهـ\nاللفظ الثالث: وفيه أن السؤال وقع عن صوم خمسة عشر يومًا.\nجاء ذلك من رواية أَبي حَرِيزٍ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قال: أتت امرأة النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله: إنَّ أمي ماتت وعليها صوم خمسة عشر يومًا. قال: \"أرأيت لو أن أمك ماتت وعليها دين، أكنت قاضيته؟ قالت: نعم. قال: اقضي دين أمك\".\nأخرجه البخاري - معلقًا - في صحيحه، في كتاب الصوم، حديث (١٩٥٣)، ووصله ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٢٧١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٢٥٦).\nولم يأتِ ذكر \"خمسة عشر يومًا\" إلا من هذه الطريق.\nاللفظ الرابع: وفيه أن السؤال وقع عن صوم شهر رمضان.\nجاء ذلك من رواية ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ الْأَعْمَشَ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَالَ: \"أَرَأَيْتَكِ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ، أَكُنْتِ تَقْضِينَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ ﷿ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى\".\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٣٦٢)، إلا أن ابن نُمَيْرٍ لم يتابع في قوله: \"رمضان\"، خالفه زائدة، وعيسى بن يونس، وأبو معاوية، ويحيى بن =","vol":"1","page":448},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سعيد، فقالوا جميعًا: \"صوم شهر\"، وقد تقدم تخريج الطرق عنهم.\nاللفظ الخامس: وفيه أن السؤال وقع عن صوم نذر.\nجاء ذلك من رواية عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عن الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: \"أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكِ عَنْهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ\".\nأخرجه البخاري - معلقًا - في صحيحه، في كتاب الصيام، حديث (١٩٣٥)، وأخرجه - موصولًا - مسلم في صحيحه، في كتاب الصيام، حديث (١٥٦) - (١١٤٨).\nورُوي بلفظ آخر من طريق مُحَمَّد بْنِ جَعْفَرٍ، عن شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ (الأعمش) يُحَدِّثُ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: \"رَكِبَتْ امْرَأَةٌ الْبَحْرَ، فَنَذَرَتْ أَنْ تَصُومَ شَهْرًا، فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَصُومَ، فَأَتَتْ أُخْتُهَا النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَصُومَ عَنْهَا\". أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٣٣٨)، والنسائي في السنن الصغرى، في كتاب الأيمان والنذور، حديث (٣٨١٦).\nاللفظ السادس: وفيه أن السؤال وقع عن نذر حج.\nجاء ذلك من رواية أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، به.\nوقد اختُلف فيه على أبي بشر، فرواه شعبة، عنه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أُخْتِي قَدْ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: \"لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَاقْضِ اللَّهَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ\". أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأيمان والنذور، حديث (٦٦٩٩).\nورواه أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: \"نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ\". أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (١٨٥٢)، وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، حديث (٧٣١٥).\nورُوي من طريق آخر عن ابن عباس ولم يُخْتَلف عليه فيه، جاء ذلك من رواية أَبي التَّيَّاحِ (يزيد بن حميد)، عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قال: أَمَرَتْ امْرَأَةُ سِنَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيَّ أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أُمِّهَا تُوُفِّيَتْ وَلَمْ تَحْجُجْ، أَيُجْزِئُ عَنْهَا أَنْ تَحُجَّ عَنْهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: \"أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّهَا دَيْنٌ فَقَضَتْهُ عَنْهَا أَكَانَ يُجْزِئُ عَنْ أُمِّهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَلْتَحْجُجْ عَنْ أُمِّهَا\". أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٢٧٩)، والنسائي في السنن الصغرى، في كتاب مناسك الحج، حديث (٢٦٣٣). =","vol":"1","page":449},{"text":"(٦٣) - (٥٤): وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ (١) جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: \"نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ، أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللَّهَ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ\". (٢)\n_________\n= ووقع عند النسائي \"سنان بن سلمة\"، والصواب \"سنان بن عبدالله\"، كما صَوَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح (٤/ ٧٨).\nالنتيجة:\nوبعد هذا الاستطراد في ذكر طرق الحديث وألفاظه يحسن بنا ذكر النتيجة والخلاصة من ذلك:\nرُوي حديث ابن عباس من ثلاث طرق:\nالأول: طريق عبيد الله بن عبد الله، عنه. وفيه أن السؤال وقع عن نذر مطلق، ولم يُختلف فيه على عبيد الله.\nوالثاني: طريق موسى بن سلمة، عن ابن عباس. وفيه أن السؤال وقع عن امرأة لم تحج، ولم يُختلف فيه على موسى بن سلمة.\nوالثالث: طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وقد اضطرب الرواة في نقله عن سعيد بن جبير، فمنهم من قال: إنَّ السائل امرأة. ومنهم من قال: رجل: ومنهم من قال: إنَّ السؤال وقع عن نذر. ومنهم من فسره بالصوم. ومنهم من فسره بالحج. وقد رجح الإمام ابن عبد البر في التمهيد\n(٩/ ٢٦ - ٢٧)، وتبعه الحافظ ابن حجر في الفتح (٤/ ٢٣٠) أن للحديث قصتين، وأيد الحافظ ذلك: بأن السائلة في نذر الصوم خثعمية، كما في رواية أبي حريز، والسائلة عن نذر الحج جهنية، كما في رواية أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير. قال: \"وقد روى مسلم - من حديث بريدة - أن امرأة سألت عن الحج وعن الصوم معًا. قال: وأما الاختلاف في كون السائل رجلًا أو امرأة، والمسؤل عنه أختًا أو أمًا فلا يقدح في موضع الاستدلال من الحديث؛ لأن الغرض منه مشروعية الصوم أو الحج عن الميت، ولا اضطراب في ذلك\". اهـ\nوسيأتي ذكر مناقشة العلماء لهذا الحديث، وسأبين رأيي فيه في مبحث الترجيح، إن شاء الله تعالى.\n(١) جُهَيْنَةُ - بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ مُصَغَّرًا - هُمْ: بَنُو جُهَيْنَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَيْثِ بْنِ أَسْوَدَ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ. وَاخْتُلِفَ فِي قُضَاعَةَ، فَالْأَكْثَرُ أَنَّهُمْ مِنْ حِمْيَرَ، فَيَرْجِعُ نَسَبُهُمْ إِلَى قَحْطَانَ. وَقِيلَ: هُمْ مِنْ وَلَدِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ. انظر: فتح الباري، لابن حجر (٦/ ٦٢٧ - ٦٢٨).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (١٨٥٢). وفي الباب عَنْ بُرَيْدَةَ - ﵁ -، وقد تقدم.","vol":"1","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث:</span>\nظاهر الآية الكريمة أنَّ الميت ليس له من ثواب الأعمال إلا ما سعى إليه بنفسه في حياته، وأَنَّه لو أَهْدَى إليه أحدٌ من الأحياء ثواب عمله لم ينتفع به، وأما الأحاديث فظاهرها يدل على انتفاع الميت بالصدقة، والصوم، والحج، وأنَّ ثواب هذه الأعمال يصل إلى الميت، إذا أُهْدِيَتْ إليه من الأحياء، وهذا يُوهِمُ الاختلاف والتناقض بين الآية والأحاديث. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث:</span>\nللعلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث مسلكان:\nالأول: مسلك الجمع بين الآية والأحاديث:\nوقد اختلف أصحاب هذا المسلك في الجمع على مذاهب:\nالأول: مذهب إعمال حديث الصدقة، وتأويل الآية.\nوهذا محل إجماع بين علماء أهل السنة، حيث أجمعوا على وصول ثواب الصدقة إلى الميت مطلقًا، سواء كانت من ولده أو من غيره، حكى الإجماع: ابن عبد البر، والنووي، وغيرهم. (٢)\n_________\n(١) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: الناسخ والمنسوخ، للنحاس (٣/ ٤٦)، والكشاف، للزمخشري (٤/ ٤١٧)، والناسخ والمنسوخ، لابن العربي (٢/ ٣٧٩)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٣/ ٥٢٤ - ٥٢٥)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٣/ ٤٤٤)، والتذكرة في أحوال الموتى والآخرة، للقرطبي، ص (٨٩)، ومجموع الفتاوى (٧/ ٤٩٩)، (١٨/ ١٤٣)،\n(٢٤/ ٣١١)، وتفسير آيات أشكلت (١/ ٤٥٨)، كلاهما لابن تيمية، والروح، لابن القيم، ص (٣٣٧)، وسبل السلام، للصنعاني (٢/ ٣٧٠)، وروح المعاني، للآلوسي (٢٧/ ٩٣)، وتفسير ابن عثيمين، البقرة (٣/ ٤٠٠).\n(٢) انظر: التمهيد، لابن عبد البر (٢٢/ ١٥٣)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي =","vol":"1","page":451},{"text":"الثاني: مذهب إعمال حديث الصوم، وتأويل الآية.\nوهذا مذهب الإمام أحمد (١)، وعلَّق الشافعي في القديم القول به على صحة الحديث، فقال: \"قد رُوي في الصوم عن الميت شيء؛ فإنْ كان ثابتًا صِيمَ عنه، كما يُحَجُّ عنه\". اهـ (٢)\nوهو قول: الربيع بن أنس، وطاووس، والحسن البصري، والزهري، وقتادة، وأبي ثور، والليث، وإسحاق، وأبي عبيد. (٣)\nواختاره: ابن خزيمة، والنحاس، وابن حبان، وابن حزم، والبيهقي، وابن عبد البر، وابن عطية، وابن الجوزي، والفخر الرازي، وابن قدامة، وأبو العباس القرطبي، وعز الدين بن عبد السلام، وأبو عبد الله القرطبي، والنووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني، والآلوسي، والسعدي، والشنقيطي، وابن عثيمين. (٤)\n_________\n= عياض (٥/ ٣٧١)، والمغني، لابن قدامة (٢/ ٢٢٥)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٣/ ٤٩)، وتفسير القرطبي (١٧/ ٧٥)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (١/ ١٣٣) و(١١/ ١٢١)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٢٧٦).\n(١) انظر: مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله، ص (١٨٦)، ومسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود السجستاني، ص (٩٦)، والمغني، لابن قدامة (٣/ ٣٩)، والإنصاف، للمرداوي (٣/ ٣٣٤).\n(٢) انظر: السنن الكبرى، للبيهقي (٤/ ٢٥٦)، والمجموع، للنووي (٦/ ٤١٥)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (٨/ ٣٨)، وفتح الباري، لابن حجر (٤/ ٢٢٨).\n(٣) انظر: سنن البيهقي الكبرى (٤/ ٢٥٦)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (٨/ ٣٨)، وزاد المسير، لابن الجوزي (٧/ ٢٨٥).\n(٤) انظر على الترتيب: صحيح ابن خزيمة (٣/ ٢٧٠)، والناسخ والمنسوخ، للنحاس (٣/ ٤٥)، وصحيح ابن حبان (٨/ ٣٣٤ - ٣٣٥)، والمحلى، لابن حزم (٤/ ٤٢١)، وسنن البيهقي الكبرى (٤/ ٢٥٦)، والتمهيد، لابن عبد البر (٩/ ٢٩)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (٥/ ٢٠٧)، والتحقيق في أحاديث الخلاف، لابن الجوزي (٢/ ٩٧ - ٩٨)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٢٩/ ١٤)، والمغني، لابن قدامة\n(٢/ ٢٥٠)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٣/ ٢١٠)، وقواعد الأحكام، لابن عبد السلام (١/ ١٣٤)، وتفسير القرطبي (١٧/ ٧٥)، والتذكرة، للقرطبي، ص (٨٩ - ٩٠)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (٧/ ٤٩٨)، والمجموع (٦/ ٤١٨)، وشرح =","vol":"1","page":452},{"text":"حيث ذهب هؤلاء إلى وصول ثواب الصوم إلى الميت، على اختلاف بينهم في نوع الصوم، فبعضهم أطلق فيه، فجعله شاملًا لصوم النذر، وقضاء رمضان، والكفارات الواجبة، وغيرها، والبعض الآخر قيَّدَه بالنذر، فلا يُصام عن الميت إلا ما نذره في حياته، ولم يَفِ به.\nالثالث: مذهب إعمال حديث الحج، وتأويل الآية.\nوهذا مذهب: مالك في رواية (١)، وأبي حنيفة (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد (٤).\nورُوي عن عكرمة، والربيع. (٥)\nواختاره: ابن خزيمة، والنحاس، وابن حبان، والخطابي، ومكي بن أبي طالب - إلا أَنَّه اشترط أنْ يوصي الميت - وابن حزم، وابن عبد البر، وابن العربي، والقاضي عياض، وابن عطية، والفخر الرازي، وابن قدامة، وأبو العباس القرطبي، وعز الدين بن عبد السلام، وأبو عبد الله القرطبي،\n_________\n= صحيح مسلم (٨/ ٣٨)، كلاهما للنووي، والروح، لابن القيم، ص (٢٩٧ - ٣٤٧)، وحاشية ابن القيم على مختصر سنن أبي داود (٧/ ٢٧)، ونيل الأوطار، للشوكاني (٤/ ١١٣)، وروح المعاني، للآلوسي (٢٧/ ٩٤)، وتيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص (١٣٩٢)، وأضواء البيان، للشنقيطي (١٠/ ٢٧٨)، وتفسير ابن عثيمين، البقرة (٣/ ٤٠١)، والشرح الممتع، له (٥/ ٤٦٧)، ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (١٩/ ٣٩٥).\n(١) ذهب الإمام مالك في أحد أقواله إلى جواز الحج عن الميت، بشرط أن يوصي الميت بالحج عنه، أو يكون الميت لم يحج حجة الإسلام. انظر: المدونة، للإمام مالك (١/ ٤٨٥)، والتمهيد، لابن عبد البر (٩/ ١٣٤)، والمنتقى شرح الموطأ، للباجي (٢/ ٢٧١)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٤/ ٤٣٩)، وتفسير القرطبي (١٧/ ٧٥).\n(٢) انظر: المبسوط، للسرخسي (٤/ ١٤٧)، وبدائع الصنائع، للكاساني (٢/ ٢٢٢)، والتمهيد، لابن عبد البر (٩/ ١٣٥).\n(٣) انظر: الأم (٢/ ١٢٥)، واختلاف الحديث، ص (٥٦١)، كلاهما للشافعي، والمجموع (٧/ ٩٣)، وشرح صحيح مسلم (٨/ ٣٩) و(٩/ ١٤١)، كلاهما للنووي.\n(٤) انظر: مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله، ص (٢٣٦)، ومسائل الإمام أحمد، رواية إسحاق بن إبراهيم النيسابوري (١/ ١٧٥)، والمغني، لابن قدامة (٢/ ٢٢٥)، والفروع، لابن مفلح (٣/ ٢٤٩)، والإنصاف، للمرداوي (٣/ ٣٣٦).\n(٥) انظر: زاد المسير، لابن الجوزي (٧/ ٢٨٥).","vol":"1","page":453},{"text":"والنووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني، والآلوسي، والسعدي، والشنقيطي، وابن عثيمين. (١)\nومذهب هؤلاء جميعًا جواز الحج عن الميت، وأَنَّ ثواب الحج يصل إليه، وينتفع به.\nأجوبة القائلين بإعمال الأحاديث عن الآية الكريمة:\nاختلف القائلون بإعمال أحاديث الصدقة والصوم والحج، في الجواب عن قوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩»، فذكروا أجوبة، منها:\nالأول: تخصيص الآية بالأحاديث، فالآية دلَّت بعمومها على أَنَّ أحدًا لا ينتفع بسعي غيره، إلا أَنَّ هذا العموم مخصوصٌ بالأحاديث الدالة على انتفاع الميت بالصدقة، والصوم، والحج.\nذكر هذا الجواب: ابن خزيمة، وابن حزم، والقاضي عياض، وابن قدامة، وعز الدين بن عبد السلام، والنووي، والحافظ ابن حجر، والعيني، والشوكاني. (٢)\n_________\n(١) انظر على الترتيب: صحيح ابن خزيمة (٤/ ٣٤١)، والناسخ والمنسوخ، للنحاس (٣/ ٤٥ - ٤٦)، وصحيح ابن حبان (٩/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، وأعلام الحديث، للخطابي (٢/ ٨٣١)، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه، لمكي بن أبي طالب، ص (٤٢٣ - ٤٢٤)، والمحلى، لابن حزم (٥/ ٤٢)، والتمهيد، لابن عبدالبر (٩/ ١٤٣)، وعارضة الأحوذي، لابن العربي (٤/ ١٢٥)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٤/ ٤٤٠)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (٥/ ٢٠٧)، ومفاتيح الغيب، للرازي\n(٢٩/ ١٤)، والمغني، لابن قدامة (٢/ ٢٥٠)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي\n(٣/ ٢١٠)، وقواعد الأحكام، لابن عبد السلام (١/ ١٣٤)، وتفسير القرطبي (١٧/ ٧٥)، والتذكرة، للقرطبي، ص (٨٩ - ٩٠)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (٨/ ٣٩) و(٩/ ١٤٠)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (٧/ ٤٩٨)، والروح، لابن القيم، ص (٢٩٧ - ٣٤٧)، ونيل الأوطار، للشوكاني\n(٤/ ١١٣)، وروح المعاني، للآلوسي (٢٧/ ٩٤)، وتيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص (١٣٩٢)، وأضواء البيان، للشنقيطي (١٠/ ٢٧٨)، وتفسير ابن عثيمين، البقرة (٣/ ٤٠١)، والشرح الممتع، له (٥/ ٤٦٧)، ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (٢/ ٣١٢ - ٣١٣).\n(٢) انظر على الترتيب: صحيح ابن خزيمة (٤/ ٣٤١)، والمحلى، لابن حزم (٤/ ٤٢٢)، =","vol":"1","page":454},{"text":"الجواب الثاني: أَنَّ الآية إنما دلَّت على نفي ملك الإنسان لغير سعيه، ولم تَدُل على نفي انتفاعه بسعي غيره؛ لأَنَّه لم يقل: \"وأنْ لن ينتفع الإنسان إلا بما سعى\"، وإنما قال: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩» [النجم: ٣٩]، وبين الأمرين فرقٌ ظاهر؛ لأَنَّ سعي الغير ملكٌ لساعيه، إنْ شاء بذله لغيره فانتفع به ذلك الغير، وإنْ شاء أبقاه لنفسه. (١)\nذكر هذا الجواب: النحاس، وابن عطية، والفخر الرازي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والآلوسي، وعبد الرحمن السعدي، والشنقيطي، وابن عثيمين. (٢)\nالجواب الثالث: أَنَّ حكم الآية مُختصٌ بقوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سُعِيَ لهم، كما دلَّت عليه أحاديث الباب.\nقاله عكرمة. (٣)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وهذا ضعيف؛ لأَنَّ الله تعالى إنما ذكر هذا ليختبر به هذه الأمة، ولِيَعْلَمُوا أَنَّ هذا حكمٌ شاملٌ، ولو كان هذا مخصوصًا بقوم إبراهيم وموسى لم تقم به حجةٌ على أمة محمد - ﷺ -، وجميع\n_________\n= وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٥/ ٣٧١)، والمغني، لابن قدامة (٢/ ٢٢٦)، وقواعد الأحكام، لابن عبد السلام (١/ ١٣٤)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (١١/ ١٢١)، وفتح الباري، لابن حجر (٥/ ٤٥٨)، وعمدة القاري، للعيني (١٤/ ٥٥)، ونيل الأوطار، للشوكاني (٤/ ١١٢).\n(١) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (٧/ ٧٠٩) و(١٠/ ٢٧٨).\n(٢) انظر على الترتيب: الناسخ والمنسوخ، للنحاس (٣/ ٤٨)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (٥/ ٢٠٧)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٢٩/ ١٤)، ومجموع الفتاوى (٧/ ٤٩٩) و(١٨/ ١٤٣) و(٢٤/ ٣١٢)، وتفسير آيات أشكلت (١/ ٤٦٧ - ٤٦٨)، كلاهما لابن تيمية، والروح، لابن القيم، ص (٣٢٠)، وروح المعاني، للآلوسي (٢٧/ ٩٤)، وتيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص (١٣٩٢)، وأضواء البيان، للشنقيطي (٧/ ٧٠٩) و(١٠/ ٢٧٨)، والشرح الممتع (٥/ ٤٦٧)، وتفسير سورة البقرة (٣/ ٤٠٠)، كلاهما لابن عثيمين، ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (٢/ ٣١٠ - ٣١١).\n(٣) انظر: تفسير البغوي (٤/ ٢٥٤)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (٥/ ٢٠٦)، وزاد المسير، لابن الجوزي\n(٧/ ٢٨٥).","vol":"1","page":455},{"text":"المسلمين يحتجُّون بما في هذا، فمن أين لهم أَنَّ تلك الأمم لم تكن تنفعهم الصدقة عنهم بعد الموت ....، وما زال الدعاء والشفاعة نافِعَين لجميع الأمم، فإبراهيم وموسى والأنبياء قد دعوا للصالحين من قومهم، وهو نافع لهم، وليس من سعيهم، والملائكة يستغفرون لمن في الأرض من المؤمنين، ممن مضى ومن بقي\". اهـ (١)\nالجواب الرابع: أَنَّ المراد بالإنسان في الآية: الكافر، وأما المؤمن فله ما سعى وما سُعيَ له، كما دلت عليه أحاديث الباب.\nقاله الربيع بن أنس. (٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وهذا أيضًا ضعيف جدًا؛ فإنَّ الذي في صحف إبراهيم وموسى لا يختصُّ به الكافر، وقوله بعده: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩» [النجم: ٣٩] الآيات، يتناول المؤمن قطعًا، وهو ضمير الإنسان. بل لو قيل: إنه يتناول المؤمن دون الكافر لكان أرجح من العكس، مع أَنَّ حكم العدل لا فرق فيه بين مؤمن وكافر، وما استحقه المؤمن بخصوصه؛ فهو بإيمانه ومن سعيه\". اهـ (٣)\nالجواب الخامس: أَنَّ الآية منسوخةٌ بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الطور: ٢١].\nرُوي ذلك عن ابن عباس - ﵄ - من طريق علي بن أبي طلحة - في قوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩» - قال ابن عباس: \"فأنزل الله بعد هذا: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الطور: ٢١]، قال: فأدخل الله تعالى الأبناء بصلاح الآباء الجنة\". (٤)\n_________\n(١) تفسير آيات أشكلت، لابن تيمية (١/ ٤٦١ - ٤٦٢)، وانظر: الروح، لابن القيم، ص (٣١٥).\n(٢) انظر: تفسير البغوي (٤/ ٢٥٤)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (٥/ ٢٠٦)، وزاد المسير، لابن الجوزي\n(٧/ ٢٨٥).\n(٣) تفسير آيات أشكلت، لابن تيمية (١/ ٤٦٣)، وانظر: مفاتيح الغيب، للرازي (٢٩/ ١٤)، والروح، لابن القيم، ص (٣١٣)، وأضواء البيان، للشنقيطي (١٠/ ٢٧٨).\n(٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٣٤)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (٣/ ٣٦)، =","vol":"1","page":456},{"text":"واعتُرِضَ: بأَنَّ لفظ الآيتين لفظ خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ. (١)\nإلا أَنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية لا يرى أَنَّ هذا المروي عن ابن عباس يدخل في النسخ، حيث قال: \"اللفظ المنقول عن ابن عباس: رواه علي بن أبي طلحة الوالبي، عنه - وقد قيل: إنه لم يسمعه منه، بل من أصحاب ابن عباس - قال: \"فأدخل الله الأبناء بصلاح الآباء الجنة\"، ولم يذكر نسخًا، ولو ذكره فمراد الصحابة بالنسخ: هو المذكور في قوله: (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ) [الحج: ٥٢]، وهو فَهْمُ معنى الآية على غير الصواب والمراد بها.\nفقد بيَّن ابن عباس أَنَّه لم يُرِدْ بهذه الآية أَنَّ الإنسان لا ينتفع بعمل غيره، فإنَّ الأبناء انتفعوا بعمل آبائهم، فهذا نسخٌ لما فُهِمَ منها، لا لما دلَّت عليه، وهذا القول المنقول عن ابن عباس أحسن ما قيل فيها، وقد ضعَّفه من لم يفهمه.\nقال: وقد نقل البغوي هذا عن ابن عباس، وقال: \"هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة\" (٢)، ولم يقل ابن عباس هذا، وما أكثر ما يُحَرَّف على ابن عباس ويُغْلَطُ عليه\". اهـ (٣)\nالجواب السادس: أَنَّ قوله: (مَا سَعَى)، بمعنى: ما نوى.\nقاله أبو بكر الوراق (٤). (٥)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"هذا ليس قولًا في محل الاشتباه، وإنما هو تفسير للفظ السعي، والسعي هو: العمل ونيَّة الخير، يُثاب عليها وإنْ لم يعملها، وأما إذا هَمَّ بالشر فلا يُعاقب عليه إلا أنْ يعمله، والإنسان قد ينتفع\n_________\n= والبيهقي في الاعتقاد، ص (١٦٦ - ١٦٧)، وابن الجوزي في نواسخ القرآن، ص (٢٠٧).\n(١) انظر: المحرر الوجيز، لابن عطية (٥/ ٢٠٧)، وزاد المسير، لابن الجوزي (٧/ ٢٨٥)، والتسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (٢/ ٣٢٠)، وأضواء البيان، للشنقيطي (١٠/ ٢٧٨).\n(٢) تفسير البغوي (٤/ ٢٥٤).\n(٣) تفسير آيات أشكلت، لابن تيمية (١/ ٤٥٩ - ٤٦٠).\n(٤) هو: محمد بن إسماعيل بن العباس، البغدادي، المستملي، أبو بكر الوراق، من أئمة الحديث، ثقة مأمون، مات سنة (٣٧٨ هـ). انظر: تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي (٢/ ٥٣)، وسير أعلام النبلاء، للذهبي (١٦/ ٣٨٨).\n(٥) انظر: زاد المسير، لابن الجوزي (٧/ ٢٨٥)، وتفسير القرطبي (١٧/ ٧٥).","vol":"1","page":457},{"text":"بما لم ينوِ، كانتفاعه بالصدقة عنه بعد موته، والحج، وغير ذلك\". اهـ (١)\nالجواب السابع: أَنَّ المراد بالآية أَنَّ الكافر ليس له من الخير إلاّ ما عمله، فيثاب عليه في دار الدنيا، حتى لا يبقى له في الآخرة خير.\nذكره الثعلبي. (٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وهذا لا يدل عليه قوله: (لِلْإِنْسَانِ)، فليس في هذا اللفظ تخصيص الكافر، ولا تخصيص الجزاء بالدنيا\". (٣)\nالجواب الثامن: أَنَّ اللام في الآية بمعنى \"على\"، والتقدير: ليس على الإنسان إلا ما سعى.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وهذا القول من أرذل الأقوال؛ فإنه قلبٌ لمعنى الآية\". اهـ (٤)\nالجواب التاسع: أَنَّه ليس له إلا سعيه، غير أَنَّ الأسباب مختلفة، فتارة يكون سعيه في تحصيل قرابة، وولد يترحم عليه، وصديق يدعو له، وتارة يسعى في خدمة أهل الدين والعبادة، فيكسب محبة أهل الدين؛ فيكون ذلك سببًا حصل بسعيه.\nحكاه والذي قبله أبو الحسن ابن الزاغوني (٥). (٦)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وهذا القول أمثل من غيره، وقد استحسنه ورجحه جدِّي أبو البركات، وهو أيضًا ضعيف؛ فإنه قد ينتفع بعمل غيره من لم يُحَصِّلْ سببًا، كأولاد المؤمنين\". اهـ (٧)\nالجواب العاشر: أَنَّه ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق العدل، وأما من باب الفضل فجائز أنْ يزيده الله ﷿ ما يشاء.\n_________\n(١) تفسير آيات أشكلت، لابن تيمية (١/ ٤٦٤ - ٤٦٥).\n(٢) الكشف والبيان، للثعلبي (٩/ ١٥٣).\n(٣) تفسير آيات أشكلت، لابن تيمية (١/ ٤٦٦).\n(٤) تفسير آيات أشكلت، لابن تيمية (١/ ٤٦٦)، وانظر: الروح، لابن القيم، ص (٣١٥).\n(٥) هو: علي بن عبيد الله بن نصر بن عبيد الله بن سهل بن الزاغوني، البغدادي، صاحب التصانيف، والزاغوني: نسبة إلى قرية من أعمال بغداد، قال الذهبي: \"كان من بحور العلم، ورأيت له بخطه مقالة في الحرف والصوت، عليه فيها مآخذ، والله يغفر له، فياليته سكت\". من مؤلفاته: \"الإيضاح في أصول الدين\"، وله مسائل في القرآن. توفي سنة (٥٢٧ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٩/ ٦٠٥).\n(٦) انظر: زاد المسير، لابن الجوزي (٧/ ٢٨٥)، وتفسير آيات أشكلت، لابن تيمية (١/ ٤٦٦ - ٤٦٧).\n(٧) تفسير آيات أشكلت، لابن تيمية (١/ ٤٦٧).","vol":"1","page":458},{"text":"قاله الحسين بن الفضل (١). (٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وهو أمثل من غيره من الأقوال، ومعناه صحيح، لكنه لم يُفَسِّر الآية؛ فإنَّ قوله: (لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ) نفي عام، فليس له إلا ذلك، وهذا هو العدل، ثم إنَّ الله قد ينفعه ويرحمه بغير سعيه، من جهة فضله\". اهـ (٣)\nالجواب الحادي عشر: وهو جواب أبي الوفاء بن عقيل (٤)، قال: \"الجواب الجيد عندي أنْ يُقال: الإنسان - بسعيه وحسن عشرته - اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير، وتودد إلى الناس؛ فترحموا عليه، وأهدوا له العبادات، وكان ذلك أثر سعيه، كما قال النبي - ﷺ -: \"إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ\". (٥) \". اهـ (٦)\nالجواب الثاني عشر: وهو جواب أبي عبد الله القرطبي، قال: \"ويُحتمل أنْ يكون قوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩» [النجم: ٣٩] خاص في السيئة، بدليل ما في صحيح مسلم، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ - قال: \"قَالَ اللَّهُ ﷿: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبْتُهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ أَكْتُبْهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً\". (٧) \". اهـ (٨)\nالرابع: مذهب إعمال الآية، وتخصيص الأحاديث.\nوهذا مذهب الشوكاني، وتبعه الألباني، حيث ذهبا إلى تخصيص الأحاديث بالآية.\n_________\n(١) هو الحسين بن الفضل بن عمير، العلامة، المفسر، الإمام، اللغوي، المحدث، أبو علي البجلي، الكوفي، ثم النيسابوري، عالم مصر وإمامه في معاني القرآن، أقام بنيسابور يعلم الناس ويفتي حتى توفي سنة\n(٢٨٢ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٣/ ٤١٤).\n(٢) انظر: المحرر الوجيز، لابن عطية (٥/ ٢٠٦)، وزاد المسير، لابن الجوزي (٧/ ٢٨٥)، وتفسير آيات أشكلت، لابن تيمية (١/ ٤٦٣ - ٤٦٤).\n(٣) تفسير آيات أشكلت، لابن تيمية (١/ ٤٦٤).\n(٤) هو: الإمام العلامة البحر، أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي، الظفري، الحنبلي، المتكلم، صاحب التصانيف، كان يتوقد ذكاءً، وكان بحر معارف، وكنز فضائل، لم يكن له في زمانه نظير على بدعته، وعلق كتاب \"الفنون\" وهو أزيد من أربع مائة مجلد، حشد فيه كل ما كان يجري له مع الفضلاء والتلامذة، وما يسنح له من الدقائق والغوامض، وما يسمعه من العجائب والحوادث، وقد كان الحنابلة ينهونه عن مجالسة المعتزلة فأبى حتى وقع في حبائلهم، وتجاسر على تأويل النصوص، من مؤلفاته: كتاب \"الفنون\"، وهو كتاب كبير جدًا، فيه الوعظ، والتفسير، والفقه، والنحو، وغير ذلك، وله كتاب \"عمدة الأحكام\"، توفي سنة (٥١٣ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٩/ ٤٤٣).\n(٥) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب البيوع، حديث (٣٥٢٨)، والترمذي في سننه، في كتاب الأحكام، حديث (١٣٥٨)، وقال: \"حديث حسن صحيح\".\n(٦) انظر: الروح، لابن القيم، ص (٣١٧ - ٣١٨).\n(٧) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٢٨).\n(٨) تفسير القرطبي (١٧/ ٧٤)، والتذكرة في أحوال الموتى والآخرة، للقرطبي، ص (٩٠).","vol":"1","page":459},{"text":"أما الشوكاني فاقتصر على تخصيص حديث الصدقة دون بقية الأحاديث، وأما الألباني فيرى تخصيص جميع الأحاديث.\nقال الشوكاني - بعد أنْ أورد الأحاديث الدالة على وصول ثواب الصدقة إلى الميت - قال: \"وأحاديث الباب تدل على أَنَّ الصدقة من الولد تلحق الوالدين بعد موتهما، بدون وصية منهما، ويصل إليهما ثوابها، فيُخصص بهذه الأحاديث عموم قوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩» [النجم: ٣٩]، ولكن ليس في أحاديث الباب إلا لحوق الصدقة من الولد، وقد ثبت أَنَّ ولد الإنسان من سعيه، فلا حاجة إلى دعوى التخصيص، وأما من غير الولد فالظاهر من العمومات القرآنية أَنَّه لا يصل ثوابه إلى الميت، فيوقف عليها حتى يأتي دليل يقتضي تخصيصها\". اهـ (١)\nوقال الألباني - بعد أنْ ساق كلام الشوكاني -: \"وهذا هو الحق الذي تقتضيه القواعد العلمية، أَنَّ الآية على عمومها، وأَنَّ ثواب الصدقة وغيرها يصل من الولد إلى الوالد؛ لأَنَّه من سعيه، بخلاف غير الولد\". اهـ (٢)\nلكن يَرِدُ على قولهما ما حُكي من الإجماع على وصول ثواب الصدقة إلى الميت مطلقًا، سواء كانت من ولده أو من غيره. (٣)\nوقد ناقش الألباني حكاية الإجماع، ورجح عدم صحته، حيث قال: \"نقل النووي وغيره الإجماع على أَنَّ الصدقة تقع عن الميت، ويصله ثوابها، هكذا قالوا: (الميت)، فأطلقوه ولم يقيدوه بالوالد، فإنْ صح هذا الإجماع كان مُخصصًا للعمومات التي أشار إليها الشوكاني فيما يتعلق بالصدقة (٤)،\n_________\n(١) نيل الأوطار، للشوكاني (٤/ ١١٢).\n(٢) أحكام الجنائز، للألباني، ص (٢١٩).\n(٣) تقدم توثيق الإجماع وذِكْرُ من حكاه في أول المسألة.\n(٤) وقال في موضع آخر: \"وقد نقل بعضهم الإجماع على وصول الصدقة إلى الميت مطلقًا، فإن صحَّ ذلك فيه، ولم يصح، وإلا فالأحاديث التي وردت في التصدق عنه إنما موردها في صدقة الولد عن الوالدين، وهو من كسبهما بنص الحديث، فلا يجوز قياس الغريب عليهما؛ لأنه قياس مع الفارق كما هو ظاهر، ولا قياس الصدقة على القضاء؛ لأنه أعم منه كما ذكرنا\". أحكام الجنائز، ص (٢٨).","vol":"1","page":460},{"text":"ويظل ما عداها داخلًا في العموم، كالصيام (١)، وقراءة القرآن، ونحوهما من العبادات، ولكنني في شك كبير من صحة الإجماع المذكور، وذلك لأمرين: الأول: أَنَّ الإجماع بالمعنى الأصولي لا يمكن تحققه في غير المسائل التي عُلِمَت من الدين بالضرورة، كما حقق ذلك العلماء الفحول ...، وقد أشار إلى ذلك الإمام أحمد، في كلمته المشهورة في الرد على من ادعى الإجماع ....\nالثاني: أنني سَبَرْتُ كثيرًا من المسائل التي نقلوا الإجماع فيها، فوجدت الخلاف فيها معروفًا! بل رأيت مذهب الجمهور على خلاف دعوى الإجماع فيها، ولو شئت أنْ أورد الأمثلة على ذلك لطال الكلام، وخرجنا به عما نحن بصدده\". اهـ (٢)\nالخامس: مذهب إعمال الآية، وتخصيص حديث الحج.\nوهذا مذهب الإمام مالك في رواية، حيث حُكيَ عنه أَنَّه قال: لا يحج أحدٌ عن أحدٍ مطلقًا، سواء أوصى الميت أو لم يوصِ.\nوأجاب عن حديث الحج، بأَنَّه مخصوص بالجهنية التي سألت النبي - ﷺ - عن ذلك. (٣)\nالمسلك الثاني: مسلك الترجيح بين الآية والأحاديث:\nوقد اختلف أصحاب هذا المسلك في الترجيح على مذاهب:\nالأول: مذهب إعمال الآية، ورد حديث الصوم.\nوهذا مذهب الإمام مالك (٤)،\n_________\n(١) يرى الألباني - تبعًا للإمام أحمد - أنه لا يُصام عن الميت إلا صوم النذر فقط. انظر: أحكام الجنائز، ص (٢١٥).\n(٢) أحكام الجنائز، ص (٢١٩ - ٢٢٠)، وانظر: الكتاب نفسه، ص (٢٨).\n(٣) انظر: الاستذكار، لابن عبد البر (١٢/ ٦٠)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٤/ ٤٣٩)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (٩/ ١٤١)، وفتح الباري، لابن حجر (٤/ ٧٩).\n(٤) انظر: الموطأ، للإمام مالك (١/ ٣٠٣)، والمدونة، له (١/ ٢٧٩)، والتمهيد، =","vol":"1","page":461},{"text":"وأبي حنيفة (١)، والشافعي في الجديد (٢).\nوحكاه القاضي عياض، والنووي: مذهب الجمهور (٣). ونقله ابن المنذر عن: ابن عمر (٤)، وابن عباس، وعائشة (٥)، ورواية عن الحسن البصري، والزهري. (٦)\nواختار هذا المذهب: الطحاوي، والخطابي، وابن العربي، والقاضي عياض، والشاطبي، والعيني. (٧)\nومذهب هؤلاء: أَنَّه لا يصوم أحد عن أحد، لا في نذرٍ ولا في غيره، ومن مات وعليه صيام فإنه يُطعم عنه فقط.\nأما المالكية فأعلوا حديث الصوم بدعوى الاضطراب في إسناده، وأَنَّه خلاف عمل أهل المدينة. (٨)\n_________\n= لابن عبد البر (٩/ ٢٧)، والمنتقى شرح الموطأ، للباجي (٢/ ٦٣)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٣/ ٢٠٨)، وتفسير القرطبي (١٧/ ٧٥).\n(١) انظر: المبسوط، للسرخسي (٣/ ٨٩ - ٩٠)، وبدائع الصنائع، للكاساني (٢/ ١٠٣)، وفتح القدير، لابن الهمام (٢/ ٣٥٧ - ٣٦٠).\n(٢) انظر: اختلاف الحديث، للشافعي، ص (٥٦١)، والسنن الكبرى للبيهقي (٤/ ٢٥٦)، والمجموع، للنووي (٦/ ٤١٦)، وفتح الباري، لابن حجر (٤/ ٢٢٨).\n(٣) انظر: إكمال المعلم، للقاضي عياض (٤/ ١٠٤)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (٨/ ٣٨).\n(٤) رُوي عن ابن عمر - ﵄ - أنه قال: \"لا يحج أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد\". أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٣٨٠)، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح (٤/ ٧٨).\n(٥) التحقيق أن مذهب عائشة وابن عباس - ﵄ -: أن الميت يُصام عنه في النذر، ويُطعم عنه في قضاء رمضان، وسيأتي بيان ذلك عند مناقشة القائلين بمنع الصيام عن الميت مطلقًا.\n(٦) انظر: شرح صحيح مسلم، للنووي (٨/ ٣٨).\n(٧) انظر على الترتيب: مشكل الآثار، للطحاوي (٣/ ١٧٣ - ١٨٠)، ومعالم السنن، للخطابي (٤/ ٨٢)، وعارضة الأحوذي، لابن العربي (٣/ ١٩٠ - ١٩٢)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٤/ ١٠٤ - ١٠٧)، والموافقات، للشاطبي (٢/ ٣٩٧ - ٤٠٠)، وعمدة القاري، للعيني (١١/ ٥٩ - ٦٠).\n(٨) انظر: المدونة، للإمام مالك (١/ ٢٧٩)، والتمهيد، لابن عبد البر (٩/ ٢٧)، والمنتقى =","vol":"1","page":462},{"text":"قال أبو العباس القرطبي: \"إنما لم يقل مالك بحديث ابن عباس؛ لأمور: أحدها: أَنَّه لم يَجِدْ عليه عمل أهل المدينة. الثاني: أَنَّه حديثٌ اختُلِفَ واضطُرِبَ في إسناده. الثالث: أَنَّه رواه البزار وقال في آخره: \"لمن شاء\" (١). وهذا يرفع الوجوب الذي قالوا به. الرابع: أَنَّه مُعارضٌ بقوله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤]، ولقوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩» [النجم: ٣٩]. الخامس: أَنَّه مٌعارَضٌ بما خرَّجه النسائي، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - أَنَّه قال: \"لا يُصلي أحد عن أحدٍ، ولا يصوم أحدٌ عن أحدٍ، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدًا من حنطة\" (٢). السادس: أَنَّه مُعارِضٌ للقياس الجلي، وهو أَنَّه عبادة بدنية لا مدخل للمال فيها، فلا تُفعل عمن وجب عليه، كالصلاة، ولا يُنقضُ هذا بالحج؛ لأَنَّ للمال فيه مدخلًا\". اهـ (٣)\nوأما الحنفية فأعلوا الحديث بما رُوي عن عائشة أَنَّها سُئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم، فقالت: \"يطعم عنها\" (٤)،\nوعن عائشة قالت: \"لا تصوموا\n_________\n= شرح الموطأ، للباجي (٢/ ٦٣)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٤/ ١٠٤ - ١٠٧)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٣/ ٢٠٨)، وتفسير القرطبي (١٧/ ٧٥)، والموافقات، للشاطبي (٢/ ٣٩٧ - ٤٠٠).\n(١) ضعف هذه الزيادة الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ٢٠٩)، وفي تغليق التعليق (٣/ ١٩١)؛ لأنها من طريق ابن لهيعة.\n(٢) أخرجه - موقوفًا على ابن عباس -: النسائي في السنن الكبرى (٢/ ١٧٥)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣/ ١٧٦)، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ٢٠٩)، ولم أقف عليه مرفوعًا، وسيأتي رد ابن القيم على دعوى رفعه.\n(٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٣/ ٢٠٩).\n(٤) أخرج الطحاوي في مشكل الآثار (٣/ ١٧٨)، من طريق عبيدة بن حميد، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عمرة ابنة عبد الرحمن قالت: سألت عائشة - ﵂ - فقلت لها: إنَّ أمي توفيت وعليها رمضان، أيصلح أن أقضي عنها؟ فقالت: \"لا، ولكن تصدقي عنها مكان كل يوم على مسكين، خير من صيامك عنها\".\nوأخرجه الطحاوي في الموضع السابق (٣/ ١٧٩)، من طريق جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عمرة قالت: توفيت أمي وعليها من رمضان صوم، فسألت عائشة عن ذلك، فقالت: \"اقضيه عنها\". ثم قالت: \"بل تصدقي مكان كل يوم على مسكين، نصف صاع\".\nوأخرجه ابن حزم في المحلى (٤/ ٤٢٢)، من طريق جرير بن =","vol":"1","page":463},{"text":"عن موتاكم، وأطعموا عنهم\" (١)، وبما رُوي عن ابن عباس قال - في رجل مات وعليه صوم رمضان - قال: \"يُطعم عنه ثلاثون مسكينًا\" (٢)،\nوروى النسائي\n_________\n= عبد الحميد، بنحوه.\nوأخرجه الطحاوي في الموضع السابق (٣/ ١٧٨ - ١٧٩) من طريق سلمة بن كهيل، عن عمارة بن عمير، قال: ماتت مولاة لابن أبي عصيفير عليها صوم شهر، فقالت عائشة ﵂: \"أطعموا عنها\". والحديث صححه الألباني في أحكام الجنائز، ص (٢١٥)، وحكى تصحيحه عن ابن التركماني.\nوضعفه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٢٥٦)، وسيأتي نقل كلامه في المتن.\n(١) ذكره البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٢٥٦)، ولم أقف عليه عند غيره، وسيأتي إيراد البيهقي له.\n(٢) روى النسائي في السنن الكبرى (٢/ ١٧٥)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣/ ١٧٦)، كلاهما من طريق أيوب بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: \"لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدًا من حنطة\".\nوروى الطحاوي في مشكل الآثار (٣/ ١٧٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٢٥٤)، كلاهما من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، قال: سُئِل ابن عباس عن رجل مات وعليه صيام شهر رمضان، ونذر شهر آخر، فقال ابن عباس: \"يطعم عنه ستين مسكينًا\".\nقال البيهقي: \"كذا رواه ابن ثوبان عنه في الصيامين جميعًا\".\nوروى البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٢٥٤)، وابن حزم في المحلى، وصححه (٤/ ٤٢٦)، كلاهما من طريق ميمون بن مهران، عن ابن عباس، في امرأة توفيت - أو رجل - وعليه رمضان، ونذر شهر، فقال ابن عباس: \"يُطعم عنه مكان كل يوم مسكينًا، ويصوم عنه وليُّه لنذره\".\nوروى أبو داود في سننه، في كتاب الصوم، حديث (٢٤٠١)، من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: \"إذا مَرِضَ الرجل في رمضان ثم مات ولم يصم أُطعِمَ عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر قضى عنه وليُّه\". صحح إسناده الألباني في أحكام الجنائز، ص (٢١٥).\nوروى ابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ١١٣)، من طريق ميمون، عن ابن عباس - ﵄- أنه سُئِل عن رجل مات وعليه نذر؟ فقال: \"يصام عنه النذر\".\nورواه في الموضع نفسه، من طريق سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، قال مرة: عن ابن عباس: \"إذا مات وعليه نذر قضى عنه وليه\". صحح إسنادهما الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٥٩٢).\nوهذه الروايات عن ابن عباس يُجمع بينها: بأنه أفتى في رمضان أن لا يصوم أحد عن أحد، وأفتى في النذر أن يصوم عنه وليه. ويمكن الجمع بحمل الإثبات في حق من مات، والنفي في حق الحي. وهذا الأخير هو رأي الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٥٩٢)، والأول قاله ابن القيم، وسيأتي في أثناء مناقشته للحديث.","vol":"1","page":464},{"text":"عن ابن عباس قال: \"لا يصوم أحد عن أحد\" (١). قالوا: فلما أفتى ابن عباس، وعائشة بخلاف ما روياه، دل ذلك على أَنَّ العمل على خلاف ما روياه. (٢)\nوتُعقِّبَ: \"بأن الآثار المذكورة عن عائشة، وعن ابن عباس، فيها مقال، وليس فيها ما يمنع الصيام، إلا الأثر الذي عن عائشة، وهو ضعيف جدًا، والمعتبر عند أهل الأصول أَنَّ ما رواه الراوي مقدم على ما رآه، لاحتمال أنْ يُخالف ذلك لاجتهادٍ مستنده فيه لم يتحقق، ولا يلزم من ذلك ضعف الحديث عنده، وإذا تُحقق من صحة الحديث، لم يُترك المحقق للمظنون\". (٣)\nوأجيب: \"بأَنَّ الاحتمال المذكور باطل؛ لأَنَّه لا يليق بجلالة قدر الصحابي أنْ يُخالف ما رواه عن النبي - ﷺ - لأجل اجتهاده فيه، وحاشا الصحابي أنْ يجتهد عند النص بخلافه؛ لأَنَّه مصادمة للنص، وهذا لا يقال في حق الصحابي، وإنما فتواه بخلاف ما رواه إنما يكون لظهور نسخ عنده\". (٤)\nوأما الشافعي - في الجديد - فأعل حديث ابن عباس بأَنَّ ذِكْرَ الصيام فيه غير محفوظ، حيث قال: \"فإنْ قيل: أفرُوي عن رسول الله - ﷺ - أَنَّه أمر أحدًا أنْ يصوم عن أحد؟ قيل: نعم، روى ابن عباس عن النبي - ﷺ - أَنَّه يصوم عنه وليه (٥). فإنْ قيل: فلم لا تأخذ به؟ قيل: لأَنَّ الزهري حدَّث عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - نذرًا ولم يسمه. مع حفظ الزهري، وطول مجالسة عبيد الله لابن عباس، فلما جاء غيره عن ابن عباس، بغير ما في حديث عبيد الله، أشبه أنْ لا يكون محفوظًا\". اهـ (٦)\n_________\n(١) السنن الكبرى، للنسائي (٢/ ١٧٥)، وقد تقدم استيفاء تخريجه قريبًا.\n(٢) انظر: مشكل الآثار، للطحاوي (٣/ ١٧٦ - ١٨٠)، والمحلى، لابن حزم (٤/ ٤٢٢)، ومعتصر المختصر، لأبي المحاسن الحنفي (١/ ١٤٣)، وعمدة القاري، للعيني (١١/ ٥٩ - ٦٠)، وفتح الباري، لابن حجر (٤/ ٢٢٨).\n(٣) فتح الباري، لابن حجر (٤/ ٢٢٨). وانظر: المحلى، لابن حزم (٤/ ٤٢٣ - ٤٢٤).\n(٤) عمدة القاري، للعيني (١١/ ٦٠).\n(٥) قلت: ليس في حديث ابن عباس في الصيام عن الميت ذِكْرٌ للولي، وقد جاء ذلك في حديث عائشة، وقد تقدما في أول المسألة.\n(٦) اختلاف الحديث، للشافعي، ص (٥٦١). وانظر: السنن الكبرى للبيهقي (٤/ ٢٥٦)، =","vol":"1","page":465},{"text":"قال البيهقي: \"يعني به الحديث الذي أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، وأبو زكريا ابن أبي إسحاق، وغيرهما، قالوا: ثنا أبو العباس، أنبأ الربيع، أنبأ الشافعي، أنبأ مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس: \"أَنَّ سعد بن عبادة استفتى رسول الله - ﷺ - فقال: إنَّ أمي ماتت وعليها نذر. فقال النبي - ﷺ -: اقضه عنها\" (١).\nقال البيهقي: \"وهذا حديث ثابت، قد أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح، من حديث مالك، وغيره، عن الزهري؛ إلا أَنَّ في رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس: \"أَنَّ امرأة سألت\". وكذلك رواه الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، عن مجاهد، عن ابن عباس. وفي رواية عن مجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس. ورواه عكرمة، عن ابن عباس. ثم رواه بريدة بن حصيب، عن النبي - ﷺ -. فالأشبه أنْ تكون القصة - التي وقع السؤال فيها عن الصوم نصًا - غير قصة سعد بن عبادة التي وقع السؤال فيها عن النذر مطلقًا، كيف وقد رُوي عن عائشة، عن النبي - ﷺ -، بإسناد صحيح، النص في جواز الصوم عن الميت\". (٢)\nقال البيهقي: \"وقد رأيتُ بعض أصحابنا يُضَعِّفُ حديث ابن عباس، بما رُوي عن يزيد بن زريع، عن حجاج الأحول، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس، أَنَّه قال: \"لا يصوم أحد عن أحد، ويطعم عنه\" (٣)، وبما روينا عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن ابن عباس: في الإطعام عمن مات وعليه صيام شهر رمضان، وصيام شهر نذر (٤). وفي رواية ميمون بن مهران، عن ابن عباس، ورواية أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أَنَّه قال - في صيام شهر رمضان -: يُطعم عنه، وفي النذر يقضي عنه وليه. (٥)\n_________\n= والمجموع، للنووي (٦/ ٤١٦).\n(١) تقدم تخريجه في أول المسألة.\n(٢) جميع الروايات التي ذكرها البيهقي قد تقدم تخريجها في أول المسألة.\n(٣) سبق تخريجه قريبًا.\n(٤) سبق تخريجه قريبًا.\n(٥) سبق تخريجه قريبًا.","vol":"1","page":466},{"text":"قال البيهقي: ورواية ميمون، وسعيد توافق الرواية عنه، عن النبي - ﷺ -، في النذر؛ إلا أَنَّ الروايتين الأوليين تخالفانها.\nقال: ورأيتُ بعضهم ضَعَّفَ حديث عائشة بما رُوي عن عمارة بن عمير، عن امرأة، عن عائشة - في امرأة ماتت وعليها الصوم - قالت: \"يُطعم عنها\" (١). ورُوي من وجه آخر عن عائشة أَنَّها قالت: \"لا تصوموا عن موتاكم، وأطعموا عنهم\". (٢) وليس فيما ذكروا ما يوجب للحديث ضعفًا؛ فمن يُجَوِّز الصيام عن الميت يجوز الإطعام عنه، وفيما رُوي عنهما في النهي عن الصوم عن الميت نظر، والأحاديث المرفوعة أصح إسنادًا، وأشهر رجالًا، وقد أودعها صاحبا الصحيح كتابيهما، ولو وقف الشافعي - ﵀ - على جميع طرقها وتظاهرها لم يخالفها - إنْ شاء الله تعالى - وبالله التوفيق\". اهـ (٣)\nوقد نقل النوويُ كلام البيهقي بطوله ثم قال: \"الصواب الجزم بجواز صوم الولي عن الميت، سواء صوم رمضان، والنذر، وغيره من الصوم الواجب; للأحاديث الصحيحة السابقة، ولا مُعارض لها، ويتعين أنْ يكون هذا مذهب الشافعي; لأَنَّه قال: إذا صَحَّ الحديث فهو مذهبي، واتركوا قولي المخالف له. وقد صَحَّت في المسألة أحاديث كما سبق. والشافعي إنما وقف على حديث ابن عباس من بعض طرقه، كما سبق، ولو وقف على جميع طرقه وعلى حديث بريدة، وحديث عائشة، لم يُخالف ذلك، كما قال البيهقي، فيما قدمناه عنه في آخر كلامه، فكل هذه الأحاديث صحيحة صريحة، فيتعين العمل بها، لعدم المعارض لها\". اهـ (٤)\nوللإمام ابن القيم كلام طويل في مناقشة القائلين برد الحديث، والإجابة عن اعتراضاتهم، حيث قال في كتابه \"الروح\" (٥):\n\"وأما رَدُّ حديث رسول الله - ﷺ - وهو قوله: \"من مات وعليه صيام صام\n_________\n(١) سبق تخريجه قريبًا.\n(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ.\n(٣) السنن الكبرى للبيهقي (٤/ ٢٥٦).\n(٤) المجموع، للنووي (٦/ ٤١٨)، وانظر: شرح صحيح مسلم، للنووي (٨/ ٣٨).\n(٥) ص (٣٣٤ - ٣٤١).","vol":"1","page":467},{"text":"عنه وليه\" - بتلك الوجوه التي ذكرتموها، فنحن ننتصر لحديث رسول الله - ﷺ -، ونبين موافقته للصحيح من تلك الوجوه ....\nفأما قول الإمام مالك: \"لا يصوم أحد عن أحد، وهو أمر مُجمعٌ عليه عندنا، لا خلاف فيه\" (١)، فمالك - ﵀ - لم يحك إجماع الأمة من شرق الأرض وغربها، وإنما حكى قول أهل المدينة، فيما بلغه، ولم يبلغه خلافٌ بينهم، وعدم اطلاعه على الخلاف في ذلك لا يكون مسقطًا لحديث رسول الله - ﷺ -، بل لو أجمع عليه أهل المدينة كلهم لكان الأخذ بحديث المعصوم أولى من الأخذ بقول أهل المدينة، الذين لم تُضمن لنا العصمة في قولهم دون الأمة، ولم يجعل اللهُ ورسولُه أقوالهم حجة يجب الرد عند التنازع إليها، بل قال الله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء: ٥٩].\nوأما قولهم: إنَّ ابن عباس - ﵄ - هو راوي حديث الصوم عن الميت، وقد قال: \"لا يصوم أحد عن أحد\" (٢)، فغاية هذا أنْ يكون الصحابي قد أفتى بخلاف ما رواه، وهذا لا يقدح في روايته، فإن روايته معصومة، وفتواه غير معصومة، ويجوز أنْ يكون نسي الحديث، أو تأوَّله، أو اعتقد له معارضًا راجحًا في ظنِّه، أو لغير ذلك من الأسباب، على أَنَّ فتوى ابن عباس غير مُعارضة للحديث؛ فإنه أفتى في رمضان أَنَّه لا يصوم أحد عن أحد، وأفتى في النذر أَنَّه يصام عنه (٣)، وليس هذا بمخالف لروايته، بل حَمَلَ الحديث على النذر. ثم إنَّ حديث: \"من مات وعليه صيام صام عنه وليه\"، هو ثابت من رواية عائشة ﵂، فهب أَنَّ ابن عباس خالفه، فكان ماذا؟ فخلاف ابن عباس لا يقدح في رواية أم المؤمنين، بل رَدُّ قول ابن عباس برواية عائشة، أولى من رد روايتها بقوله. وأيضًا فإنَّ ابن عباس قد اختُلِفَ عنه في ذلك، وعنه روايتان، فليس إسقاط الحديث للرواية المخالفة له عنه أولى من إسقاطها بالرواية الأخرى بالحديث.\n_________\n(١) انظر: المدونة، للإمام مالك (١/ ٢٧٩).\n(٢) تقدم تخريجه قريبًا.\n(٣) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"1","page":468},{"text":"وأما قولهم: إنه حديث اختلف في إسناده، فكلام مجازفٌ فيه، ولا يُقبل من قائله، فالحديث صحيح ثابت متفق على صحته، رواه صاحبا الصحيحين، ولم يُختلف في إسناده.\nوقولهم: إنه مُعارض بنص القرآن، وهو قوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩» [النجم: ٣٩] إساءة أدب في اللفظ، وخطأ عظيم في المعنى، وقد أعاذ الله رسوله أنْ تُعارض سُنَّته نصوص القرآن، بل تعاضدها وتؤيدها.\nوقولهم: إنه مُعارض بما رواه النسائي، عن النبي - ﷺ - أَنَّه قال: \"لا يُصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يُطعم عنه كل يوم مدًا من حنطة\" (١)، فخطأ قبيح؛ فإنَّ النسائي رواه هكذا: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حجاج الأحول، حدثنا أيوب بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس - ﵄ - قال: \"لا يُصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يُطعم عنه مكان كل يوم مدًا من حنطة\"، هكذا رواه قول ابن عباس، لا قول رسول الله - ﷺ -، فكيف يُعارض قول رسول الله - ﷺ - بقول ابن عباس، ثم يُقدَّم عليه، مع ثبوت الخلاف عن ابن عباس ﵄، ورسول الله - ﷺ - لم يقل هذا الكلام قط، وكيف يقوله وقد ثبت عنه في الصحيحين أَنَّه قال: \"من مات وعليه صيام صام عنه وليه\" (٢)، وكيف يقوله وقد قال في حديث بريدة - ﵁ - الذي رواه مسلم في صحيحه (٣) -: \"أَنَّ امرأة قالت له: إنَّ أمي ماتت وعليها صوم شهر؟ قال: صومي عن أمك\".\nوأما قولهم: إنه مُعارض بحديث ابن عمر - ﵄ -: \"من مات وعليه صوم رمضان، يُطعم عنه\" (٤)، فمن هذا النمط، فإنه حديث باطل على رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) تقدم تخريجه قريبًا.\n(٢) تقدم تخريجه في أول المسألة.\n(٣) تقدم تخريجه في أول المسألة.\n(٤) روى البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٢٥٤)، من طريق يحيى بن سعيد، عن القاسم، ونافع، أن ابن عمر كان إذا سُئِلَ عن الرجل يموت وعليه صوم من رمضان أو نذر يقول: \"لا يصوم أحد عن أحد، ولكن تصدقوا عنه من ماله للصوم، لكل يوم مسكينًا\".\nوروى الترمذي في سننه، في كتاب الصوم، حديث (٧١٨)، من طريق عَبْثَر =","vol":"1","page":469},{"text":"قال البيهقي: \"حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ -: \"من مات وعليه صوم رمضان، يطعم عنه\"، لا يصح، ومحمد بن عبد الرحمن كثير الوهم، وإنما رواه أصحاب نافع، عن ابن عمر - ﵄ - من قوله\". (١)\nقال ابن القيم: وأما قولهم: إنه مُعارض بالقياس الجلي على الصلاة والإسلام والتوبة؛ فإنَّ أحدًا لا يفعلها عن أحد، فلعمر الله إنه لقياس جلي البطلان والفساد، لرد سنة رسول الله - ﷺ - الصحيحة الصريحة له، وشهادتها ببطلانه، وقد أوضحنا الفرق بين قبول الإسلام عن الكافر بعد موته، وبين انتفاع المسلم بما يُهديه إليه أخوه المسلم من ثواب صيامٍ أو صدقةٍ أو صلاة، ولعمر الله إنَّ الفرق بينهما أوضح من أنْ يخفى، وهل في القياس أفسد من قياس انتفاع المسلم بعد موته بما يُهديه إليه أخوه المسلم من ثواب عمله؛ على قبول الإسلام عن الكافر بعد موته، أو قبول التوبة عن المجرم بعد موته.\nقال: وأما كلام الشافعي - ﵀ - في تغليط راوي حديث ابن عباس - ﵄ -\n_________\n= بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا\". قال الترمذي: \"لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَالصَّحِيحُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ قَوْلُهُ\". قال: \"وَأَشْعَثُ: هُوَ ابْنُ سَوَّارٍ، وَمُحَمَّدٌ: هُوَ عِنْدِي ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى\". اهـ\nورواه ابن ماجة في سننه، في كتاب الصيام، حديث (١٧٥٧)، من طريق عَبْثَر، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، مرفوعًا. ولفظه لفظ الترمذي نفسه. وذِكْرُ ابن سيرين خطأ في الإسناد.\nقال ابن عبد الهادي في \"تنقيح تحقيق أحاديث التعليق\" (٢/ ٣٣٨): \"أشعث: هو ابن سوار، وكان ابن مهدي يخط على حديثه، وقال يحيى: لا شيء. وفي رواية: هو ثقة. ومحمد: هو ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ضعيف، مضطرب الحديث. وقد رواه ابن ماجة، وسُئِلَ الدارقطني عن هذا الحديث فقال: يرويه أشعث بن سوار، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -. تفرد به عبثر بن القاسم، والمحفوظ عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا\". اهـ\nوقال ابن الملقن في \"خلاصة البدر المنير\" (١/ ٣٣٠): \"رواه الترمذي وابن ماجة، بإسناد ضعيف، والمحفوظ وقفه على ابن عمر، قاله الترمذي، والبيهقي، والدارقطني\". اهـ\n(١) السنن الكبرى، للبيهقي (٤/ ٢٥٤).","vol":"1","page":470},{"text":"أَنَّ نذر أم سعد كان صومًا، فقد أجاب عنه أنصر الناس له، وهو البيهقي، ونحن نذكر كلامه بلفظه .... \".\nثم نقل ابن القيم كلام البيهقي بطوله - وقد تقدم (١) - وقال: \"وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - ﵄ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت وعليها صيام شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال النبي - ﷺ -: \"لو كان عليها دين، أكنتَ قاضيه عنها\"؟ قال: نعم. قال: \"فدين الله أحق أنْ يُقضى\". (٢)\nورواه أبو خيثمة، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن الأعمش، فذكره. (٣)\nورواه النسائي عن قتيبة بن سعيد، حدثنا عبثر، عن الأعمش، فذكره. (٤)\nقال ابن القيم: فهذا غير حديث أم سعد، إسنادًا ومتنًا؛ فإنَّ قصة أم سعد، رواها مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس - ﵄أَنَّ سعد بن عبادة استفتى رسول الله - ﷺ - فقال: إنَّ أمي ماتت وعليها نذر؟ فقال النبي - ﷺ -: \"اقضه عنها\" (٥)، وهكذا أخرجاه في الصحيحين، فهب أَنَّ هذا هو المحفوظ في هذا الحديث، أَنَّه نذر مطلق لم يُسمَّ، فهل يكون هذا في حديث الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير؟ على أَنَّ ترك استفصال النبي - ﷺ - لسعد في النذر - هل كان صلاة أو صدقة أو صيامًا، مع أَنَّ الناذر قد ينذر هذا وهذا - يدل على أَنَّه لا فرق بين قضاء نذر الصيام والصلاة، وإلا لقال له: ما هو النذر؟ فإنَّ النذر إذا انقسم إلى قسمين:\n_________\n(١) تقدم نقل كلام البيهقي بطوله عند نقل كلام الإمام الشافعي في المسألة.\n(٢) تقدم تخريجه في أول المسألة.\n(٣) تقدم تخريجه في أول المسألة.\n(٤) السنن الكبرى، للنسائي (٢/ ١٧٣).\n(٥) أخرجه مالك في الموطأ، في كتاب النذور والأيمان، حديث (١٠٢٥)، ومن طريق مالك: أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوصايا، حديث (٢٧٦١)، ومسلم في صحيحه، في كتاب النذور، حديث (١٦٣٨)، إلا أن مسلمًا لم يسق متنه من طريق مالك، وقد تقدم الحديث في أول المسألة.","vol":"1","page":471},{"text":"نذرٌ يقبل القضاء عن الميت، ونذر لا يقبله، لم يكن بُدُّ من الاستفصال\". اهـ كلام ابن القيم.\nالثاني: مذهب إعمال الآية، ورد جميع الأحاديث.\nوهذا مذهب المعتزلة، حيث ذهبوا إلى أَنَّه لا يصل إلى الميت شيء ألبتة، لا دعاء، ولا صدقة، ولا صوم، ولا حج، ولا غيره، أخذًا بظاهر الآية الكريمة.\nوأجابوا عن الأحاديث: بأَنَّها أخبار آحاد، وهي عندهم مردودة إذا عارضت المتواتر القطعي، ومُعارض هذه الأحاديث عندهم: هو قوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩». (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو وصول ثواب الصدقة والصوم والحج إلى الميت مطلقًا، سواء كان ذلك من ولد الميت أو من غيره.\nوأما الآية فأحسن الأجوبة عنها: \"أَنَّها إنما دلَّت على نفي ملك الإنسان لغير سعيه، ولم تدل على نفي انتفاعه بسعي غيره؛ لأَنَّه لم يقل: \"وأنْ لن ينتفع الإنسان إلا بما سعى\"، وإنما قال: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩» [النجم: ٣٩]، وبين الأمرين فرق ظاهر؛ لأَنَّ سعي الغير ملك لساعيه، إنْ شاء بذله لغيره فانتفع به ذلك الغير، وإنْ شاء أبقاه لنفسه\". (٢)\nوما قيل من أَنَّ ثواب هذه الثلاث لا يصل إلا من الولد إلى والده؛ فغير مُسَلَّمٍ، وذلك لأمور:\n\"الأول: أَنَّ النبي - ﷺ - لم يُعَلِّل جواز حجِ الولد عن والده بكونه ولده، ولا أومَأَ إلى ذلك؛ بل في الحديث ما يُبطل التعليل به؛ لأَنَّ النبي - ﷺ - شبهه\n_________\n(١) انظر: فتح القدير، لابن الهمام (٣/ ١٤٢)، والروح، لابن القيم، ص (٣١١)، ونيل الأوطار، للشوكاني (٤/ ١٤٢).\n(٢) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (٧/ ٧٠٩) و(١٠/ ٢٧٨).","vol":"1","page":472},{"text":"بقضاء الدَّين الجائز، من الولد وغيره؛ فجعل ذلك هو العلة، وهو كونه قضاء شيء واجب عن الميت.\nالثاني: أَنَّه قد جاء عن النبي - ﷺ - ما يدل على جواز الحج عن الغير، حتى من غير الولد: فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: \"أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ. قَالَ: مَنْ شُبْرُمَةُ؟ قَالَ: أَخٌ لِي، أَوْ قَرِيبٌ لِي. قَالَ: حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَال: َ لَا. قَالَ: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ\". (١)\nالثالث: أَنَّه قد ثبت في حديث عائشة: \"أَنَّ من مات وعليه صيام صام عنه وليه\"، والولي هو الوارث، سواء كان ولدًا، أم غير ولد؛ وإذا جاز ذلك في الصيام، مع كونه عبادة محضة، فجوازه بالحج المشوب بالمال أولى وأحرى\". (٢)\nالرابع: أَنَّ كون السؤال جاء مقيدًا في صدقةِ أو صومِ أو حجِ الولدِ عن والده؛ فإنَّ ذلك لا يعني تقييد الحكم به؛ لأَنَّ النبي - ﷺ - لم يقيده بالولد، ولأَنَّا لا نَعْلم لو أَنَّ النبي - ﷺ - سأله أخٌ عن أخيه، هل يجيبه بالجواز، أم لا؟\nوأما حديث ابن عباس، في الصوم، وما ادعي عليه من الاضطراب؛ فالذي يظهر لي أَنَّ أحسن ما يُجمع به بين رواياته: أَنَّ السؤال وقع عن صوم نذر مطلق؛ وذلك لأَنَّ جميع الروايات - التي جاءت من طريق سعيد بن جبير - قد نصَّت على ذكر الصوم، ولما جاء - في طريق عبيد الله بن عبد الله - التنصيص على النذر دون تسميته، وجب تفسيره برواية سعيد بن جبير، التي نصت على أَنَّه في الصيام، ويؤكد هذا أَنَّ حديث بريدة وقع فيه السؤال عن صوم شهر، وجاء في حديث عائشة التنصيص على أَنَّ من مات وعليه صيام\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب المناسك، حديث (١٨١١)، وابن ماجة في سننه، في كتاب المناسك، حديث (٢٩٠٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٣٣٦)، والحديث صححه البيهقي، وابن الملقن في خلاصة البدر المنير (١/ ٣٤٥)، والحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ٢٢٣).\n(٢) انظر هذه الأوجه في: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (٢/ ٣١٣).","vol":"1","page":473},{"text":"صام عنه وليه، ولما أفتى ابن عباس بأَنَّ من مات وعليه صوم نذر صام عنه وليُّه، دلَّ على أَنَّ السؤال الذي وقع في حديثه إنما كان عن صوم نذر؛ إذ يبعد أنْ يُفتي راوي الحديث بخلاف ما رواه.\nوأما مذهب عائشة: فالتحقيق أنها فَهِمَتْ من الحديث الذي روته عن النبي - ﷺ -، أنه مخصوصٌ بصوم النذر؛ بدليل أنها كانت تُفتي بالإطعام عمن مات وعليه صوم رمضان، والروايات وإنْ لم تَنُص على أنها كانت تُفتي بصوم النذر، إلا أنَّ حملها على هذا المعنى هو المُتعين، جمعًا بين ما رَوَته ورَأَته، إذ يبعد أنْ تُخالف ما رَوَته لمجرد رأيٍ رَأَته، والله تعالى أعلم. (١)\n****\n_________\n(١) جميع الروايات التي ذكرتها هنا - في مبحث الترجيح - تقدم تخريجها في أثناء المسألة.","vol":"1","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>الفصل الثاني\nالأحاديث التي ترد في تفسير آية ما، ويوهم ظاهرها التعارض فيما بينها</span>","vol":"1","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>المسألة [١]: في أخذ الغنيمة، وهل يُنقص من أجر المجاهد</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤» [النساء: ٧٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>المبحث الثاني: ذكر الأحاديث الواردة في تفسير الآية، التي يوهم ظاهرها التعارض فيما بينها:</span>\n(٦٤) - (٥٥): عن أبي هريرة - ﵁ -، أَنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ، بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ». (١)\n_________\n(١) حديث أبي هريرة هذا مخرج في الصحيحين، وقوله - ﷺ - في الحديث: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» رُوي بلفظين: بلفظ «أو»، وبلفظ «و»، ولما كان مدار الإشكال في هذه المسألة قائم على هذين اللفظين، لزم تخريج الحديث وبيان طرقه وألفاظه لتحرير الخلاف في هذه الألفاظ وبيان الصحيح منها، وقد روى الحديث ستة من أصحاب النبي - ﷺ -، وفيما يلي تفصيل ذلك:\nالحديث الأول: عن أبي هريرة - ﵁ -:\nوقد رُوي عنه من ستة طرق: =","vol":"1","page":476},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الأول: طريق أبي زرعة البجلي، عن أبي هريرة، به.\nوقد رواه عن أبي زرعة عُمَارَةُ بنُ الْقَعْقَاعِ؛ بصيغة «أو»، أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (٣٦)، قال: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ ...، فذكره. وأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإمارة، حديث (١٨٧٦)، قال: حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ ...، فذكره.\nوأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٣٨٤)، عن عفان بن مسلم، عن عبد الواحد بن زياد، بصيغة «أو»، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ١٥٧)، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أنبأ أحمد بن عبيد الصفار، ثنا إسماعيل بن إسحاق، ثنا مسدد، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا عمارة ...، فذكره بصيغة «و»، ولا أراه إلا وهمًا من أحد شيوخ البيهقي.\nالثاني: طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، به.\nوقد اختُلِفَ فيه على أبي الزناد؛ فرواه مسلم في صحيحه في كتاب الإمارة، حديث (١٨٧٦)، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ...، فذكره بصيغة «و».\nإلا أنَّ مسلمًا لم يتابع في روايته عن يحيى بن يحيى، قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٦/ ١١): «وقد رواه جعفر الفريابي، وجماعة، عن يحيى بن يحيى؛ فقالوا: «أجر أو غنيمة» بصيغة (أو)». اهـ\nقلت: وممن رواه عن يحيى بن يحيى بصيغة «أو»: محمد بن عمرو بن النضر، أخرجه من طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ١٥٧)، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب الخوارزمي الحافظ ببغداد، ثنا أبو العباس محمد بن أحمد النيسابوري، ثنا محمد بن عمرو بن النضر، أنبأ يحيى بن يحيى ...، فذكره.\nورواه عن أبي الزناد: مالكٌ، وسفيانُ الثوري، بصيغة «أو».\nأمّا حديث مالك فهو في موطئه، حديث (٩٧٤)، وقد رُوي عن مالك من ثلاثة طرق، كلها بلفظ «أو»:\nالأول: طريق إسماعيل بن عبد الله بن أويس، عن مالك، به.\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب فرض الخمس، حديث (٣١٢٣)، وفي كتاب التوحيد، حديث (٧٤٥٧).\nالثاني: طريق عبد الله بن يوسف، عن مالك، به.\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التوحيد، حديث (٧٤٦٣).\nالثالث: طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، به.\nأخرجه النسائي في سننه، في كتاب الجهاد، حديث (٣١٢٢).\nوأما حديث سفيان الثوري، عن أبي الزناد؛ فأخرجه الدارمي في سننه، في كتاب الجهاد، حديث (٢٣٩١).\nقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٦/ ١١): «وقد رواه مالك في الموطأ بلفظ «أو غنيمة» ولم يُخْتَلف عليه إلا في رواية يحيى بن بُكير عنه، فوقع فيه بلفظ: «وغنيمة»، ورواية يحيى بن بكير عن مالك فيها مقال». اهـ\nقلت: ويحيى بن بُكير، ترجم له الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح =","vol":"1","page":477},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الباري، ص (٤٧٥) فقال: «يحيى بن عبد الله بن بكير المصري، وقد ينسب إلى جده، لقيه البخاري، وحدَّث أيضًا عن رجل عنه، وروى عن مالك في الموطأ، وأكثر عن الليث، قال ابن عدي: هو أثبت الناس فيه. وقال أبو حاتم: كان يفهم هذا الشأن، يُكتب حديثه. وقال مسلم: تُكلم في سماعه عن مالك، لأنه كان بعرض حديث. وضعفه النسائي مطلقًا، وقال البخاري في تاريخه الصغير: ما روى يحيى بن بكير عن أهل الحجاز في التاريخ فإني أتقيه. قلت: فهذا يدلك على أنه ينتقي حديث شيوخه، ولهذا ما أخرج عنه عن مالك سوى خمسة أحاديث مشهورة متابعة، ومعظم ما أخرج عنه عن الليث ...، وروى له مسلم وابن ماجة». اهـ\nإلا أن يحيى قد توبع في روايته عن مالك، حيث رواه البيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٤٦٨) قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، أنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا القعنبي، فيما قرأ على مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ....، فذكرة بصيغة الواو.\nالثالث: طريق سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، به.\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (٢٧٨٧)، والنسائي في سننه، في كتاب الجهاد، حديث (٣١٢٤). ولفظه: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ».\nالرابع: طريق عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة، به.\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٤٩٤)، والنسائي في سننه، في كتاب الجهاد، حديث (٣١٢٣)، ولفظه: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ».\nقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٦/ ١١): «ووقع عند النسائي من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة بالواو أيضًا، وكذا من طريق عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة». اهـ ولا أدري ما هذا من الحافظ؟ فإن رواية النسائي في كلا الطريقين جاءت بلفظ «أو».\nالخامس: طريق ذكوان (أبي صالح الزيات)، عن أبي هريرة، به.\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٤٢٤)، ولفظه: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ».\nالسادس: طريق سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، به.\nأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥/ ٢٥٩)، ولفظه: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ».\nالحديث الثاني: عن أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ - ﵁ -:\nعن رسول الله - ﷺ - قال: «ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ ﷿: رَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، ....». الحديث.\nأخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الجهاد، حديث (٢٤٩٤)، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَتِيقٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا إِسْماَعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ سَمَاعَةَ - حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ، عن أَبِي أُمَامَةَ، به.\nوقد خولف عبد السلام بن عتيق في =","vol":"1","page":478},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= روايته عن أبي مسهر؛ خالفه سماك بن عبد الصمد، فرواه عنه بصيغة «أو»، أخرجه من طريقه الحاكم في المستدرك (٢/ ٨٣) عن أبي بكر محمد بن إبراهيم البزاز، عن سماك، به.\nومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ١٦٦).\nوقد توبع سماك بن عبد الصمد في روايته بصيغة «أو»؛ فرواه عمرو بن هشام، عن الأوزاعي، عن سليمان بن حبيب، به.\nأخرجه من طريقه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٩٩).\nلكن يُعكِّر على هذه المتابعة أن الحديث رواه مكحول عن أبي أمامة - ﵁ - بصيغة «و»، أخرجه من طريقه الطبراني في مسند الشاميين (٢/ ٣٨١) (٤/ ٣١٦)، وفي المعجم الكبير (٨/ ١٢٧).\nالحديث الثالث: عن عبد الله بن عمر ﵄:\nعن النبي - ﷺ - فيما يحكي عن ربه ﵎ قال: «أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي خَرَجَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِي ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ضَمِنْتُ لَهُ أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَإِنْ قَبَضْتُهُ أَنْ أَغْفِرَ لَهُ وَأَرْحَمَهُ وَأُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ».\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ١١٧)، قال: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ...، فذكره.\nوأخرجه النسائي في سننه، في كتاب الجهاد، حديث (٣١٢٦)، من طريق حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، به. ولكن بلفظ: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ».\nالحديث الرابع: عن أبي مالك الأشعري - ﵁ -:\nعن رسول الله - ﷺ - قال: «من انتدب خارجًا في سبيل الله، غازيًا ابتغاء وجه الله، وتصديقًا بوعده، وإيمانًا برسوله؛ فإنه على الله ضامن إما أن يتوفاه في الجيش بأي حتف شاء، فيدخله الجنة، وإما أن يسيح في ضمان الله، وإن طالت غيبته، فرده إلى أهله سالمًا، مع ما نال من أجر وغنيمة ...». الحديث.\nأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢٨٢)، وفي مسند الشاميين (١/ ١٢١) و(٤/ ٣٥٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ١٦٦)، جميعهم من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، يرده إلى مكحول، إلى عبد الرحمن بن غنم الأشعري، عن أبي مالك الأشعري، به.\nوفي إسناده عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، قال فيه الإمام أحمد: «لم يكن بالقوي في الحديث»، وضعفه النسائي، وأنكروا عليه أحاديث يرويها عن أبيه عن مكحول. انظر: تهذيب التهذيب (٦/ ١٣٦).\nالحديث الخامس: عن أنس بن مالك - ﵁ - قال:\nقال رسول الله - ﷺ -: «يَقُولُ اللَّهُ ﷿: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، هُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ إِنْ قَبَضْتُهُ أَوْرَثْتُهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ رَجَعْتُهُ رَجَعْتُهُ بِأَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ».\nأخرجه الترمذي في سننه، في كتاب فضائل الجهاد، حديث (١٦٢٠). وقال: صحيح غريب من هذا الوجه.\nالحديث السادس: عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -:\nعن النبي - ﷺ - قال: «الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَضْمُونٌ عَلَى اللَّهِ، إِمَّا أَنْ يَكْفِتَهُ إِلَى مَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَرْجِعَهُ بِأَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَمَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ حَتَّى يَرْجِعَ». =","vol":"1","page":479},{"text":"(٦٥) - (٥٦): وعن عبد الله بن عمرو ﵄، أَنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنْ الْآخِرَةِ، وَيَبْقَى لَهُمْ الثُّلُثُ، وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ». (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الأحاديث:</span>\nفي الآيةِ الكريمةِ وعْدٌ من اللهِ تعالى لمن قاتلَ في سبيلِهِ بأنَّ له أجرًا عظيمًا، إلا أنَّه سبحانه لم يُفَصِّل ويُبَيِّن هذا الأجرَ العظيم، وقد جاء في الحديثين المتقدِّمين بيانٌ وتفصيل لهذا الأجر؛ إلا أنَّ الحديثين ظاهرهما يُوهِمُ التعارض في بيان وتفصيل هذا الأجر:\nففي الأول: أنَّ له الأجرَ إذا لم يَغْنَم، أو الغنيمة ولا أجر، وفي الثاني:\n_________\n= أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ٢١٥)، ومن طريقه الترمذي في سننه، في كتاب الجهاد، حديث\n(٢٧٥٤)، وأخرجه أبو يعلى في مسنده (٢/ ٤٩٤)، جميعهم من طريق عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، به.\nوفي إسناده عطية بن سعد بن جنادة، ضَعَّفَه الإمام أحمد، وأبو حاتم الرازي. انظر: تهذيب التهذيب (٧/ ٢٠١).\nالقول الراجح من هذه الروايات:\nالذي يظهر صوابه - والله تعالى أعلم - أن رواية «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» هي المحفوظة في الحديث، دون رواية الواو، يدل على هذا الاختيار:\n١ - أنَّ رواية «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» أخرجها الشيخان دون الرواية الأخرى، ورواية الشيخين مقدمة عند الترجيح.\n٢ - أنَّ حديث أبي هريرة - ﵁ - روي عنه من ستة طرق كلها متفقة على رواية «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ»، ما عدا رواية مسلم عن يحيى بن يحيى، وقد تقدم أنَّ مسلمًا لم يُتابع عليها.\n٣ - أنَّ الأحاديث التي جاءت بصيغة «مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ» قد اختلف الرواة في نقلها، فبعضهم يرويها بلفظ «أو» والبعض الآخر يرويها بلفظ «و»، وهذا يدل على الاضطراب وعدم الضبط من قبل رواتها.\n٤ - أنَّ رواية «مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ» لم تأتِ سالمة من الاضطراب إلا في حديث أبي مالك الأشعري، وحديث أبي سعيد الخدري - ﵃ -، وكلاهما حديثان ضعيفان.\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإمارة، حديث (١٩٠٦).","vol":"1","page":480},{"text":"أنَّ له الأجَرَ تامًَّا إذا لم يَغْنَم، أو ثُلُث الأجرِ إنْ غَنِم. (١)\nكما أنَّ في الحديث الأول إشكالًا آخر، حيث يُوهِمُ ظاهره مُعَارَضَة الآية الكريمة؛ إذ في الآية التَّسْويَة بين من قُتِلَ شهيدًا أو انقلب غانمًا، وأمَّا الحديث فغاير بينهما، حيث جعل الأجر في محل، والغنيمة في محل آخر. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديثين:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>أولًا: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الحديثين:</span>\nاختلف العلماء في هذه المسألة، وفي دفع التعارض بين الحديثين على مذهبين:\nالأول: مذهبُ إثباتِ نقصِ أجرِ المجاهدِ إنْ غَنِمَ، عملًا بحديثِ عبد الله بن عمرو ﵄، وهذا مذهب الجمهور من المحدثين، وممن قال به:\nابن بَطَّال، وابن دقيق العيد، والنووي، والطِّيبي، وأبو زرعة العراقي (٣)، والكرمَاني، وابن حجر، والعيني، والسيوطي، والمناوي، والآلوسي. (٤)\n_________\n(١) انظر حكاية التعارض بين الحديثين في الكتب الآتية: إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض\n(٦/ ٣٣٠)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٣/ ٧٤٨)، وإحكام الأحكام، لابن دقيق العيد (٢/ ٣٠٣)، وتفسير القرطبي (٥/ ١٧٩)، والآداب الشرعية، لابن مفلح (٣/ ٢٠٥)، وفتح الباري، لابن حجر (٦/ ١١)، وعمدة القاري، للعيني (١/ ٢٣١ - ٢٣٢).\n(٢) انظر حكاية التعارض بين الآية والحديث في: أحكام القرآن، لابن العربي (١/ ٥٨١)، وتفسير القرطبي (٥/ ١٧٩).\n(٣) هو: أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الكردي الرازياني ثم المصري، أبو زرعة العراقي: قاضي الديار المصرية. مولده ووفاته بالقاهرة. رحل به أبوه (الحافظ العراقي) إلى دمشق فقرأ فيها، وعاد إلى مصر فارتفعت مكانته إلى أن ولي القضاء سنة ٨٢٤ هـ، بعد الجلال البلقيني، وحمدت سيرته. من كتبه (البيان والتوضيح لمن أخرج له في الصحيح وقد مس بضرب من التجريح) و(الأطراف بأوهام الأطراف) للمزي، و(أخبار المدلسين) وغيرها. (ت: ٨٢٦هـ). وقد ألف والده عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، أبو الفضل، زين الدين، المعروف بالحافظ العراقي كتابًا سماه: (تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد) شرحه في كتاب عنوانه (طرح التثريب في شرح التقريب) شرح فيه نصف الكتاب ولم يكمله، فأتمه ابنه الحافظ أبو زرعة، أحمد بن عبد الرحيم. انظر: الأعلام، للزركلي (١/ ١٤٨)، (٣/ ٣٤٤).\n(٤) انظر على الترتيب: شرح البخاري، لابن بطال (٥/ ٨)، وإحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، لابن دقيق العيد (٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (١٣/ ٧٨)، وشرح الطيبي على مشكاة المصابيح (٧/ ٣٤٠)، وطرح التثريب، للعراقي (٧/ ١٩٦)، وصحيح البخاري بشرح الكرماني (١/ ١٥٧)، وفتح الباري، لابن حجر (٦/ ١١)، وعمدة القاري، للعيني (١٤/ ٨٥)، والديباج على مسلم، للسيوطي (٤/ ٥٠١)، وفيض القدير، للمناوي (٥/ ٤٩٢)، وروح المعاني، للآلوسي (١١/ ٤٠).","vol":"1","page":481},{"text":"ويرى هؤلاء أنْ لا تعارض بين حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عمرو - ﵃ -؛ إذ الأول مُطلَق والثاني مُقَيَّد، فيُحْمَل المُطلَق على المُقَيَّد.\nقالوا: ومعنى قوله - ﷺ - في حديث أبي هريرة: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ»: «أي مع أجرٍ خالصٍ إنْ لم يغنم شيئًا، أو مع غنيمةٍ خالصةٍ معها أجر، وكأنَّه سَكَتَ عن الأجر الثاني الذي مع الغنيمة لنقصه بالنسبة إلى الأجر الذي بلا غنيمة، والحاملُ على هذا التأويل أنَّ ظاهر الحديث أنَّه إذا غَنِمَ لا يحصل له أجر، وليس ذلك مرادًا؛ بل المراد أو غنيمة معها أجرٌ أنقَص من أجر من لم يغنم؛ لأنَّ القواعد تقتضي أنَّه عند عدم الغنيمة أفضل منه وأتم أجرًا عند وجودها، فالحديث صريح في نفي الحرمان، وليس صريحًا في نفي الجمع». (١)\nوأما حديث عبد الله بن عمرو - ﵁ - فمعناه: «أنَّ الغزاة إذا سَلِمُوا أو غَنِمُوا يكون أجرهم أقلَّ من أجر من لم يَسْلَم، أو سَلِمَ ولم يَغْنَم، وأنَّ الغنيمة هي في مُقابَلَةِ جُزءٍ مِنْ أجرِ غزوهم، فإذا حَصَلت لهم فقد تعجَّلوا ثُلُثَي أجرهم المترتِّب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر». (٢)\nقالوا: ولا تعارض بين الحديثين؛ فإن الذي في حديث أبي هريرة - ﵁ - رجوعه بما نال من أجر أو غنيمة، ولم يقل إنَّ الغنيمة تُنقص الأجر، ولا قال أجره كأجر من لم يغنم، فهو مُطْلَقٌ وحديث عبد الله بن عمرو مُقَيَّد؛ فوجب حمله عليه. (٣)\nالمذهب الثاني: إثبات الأجر كاملًا للمجاهد، سواء غنم أم لم يغنم، عملًا بحديث أبي هريرة - ﵁ -، وأخذًا بظاهر الآية.\nوهذا مذهب: ابن عبد البر، وأبي الوليد الباجي، والقاضي عياض، وأبي العباس القرطبي، وأبي عبد الله القرطبي. (٤)\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر (٦/ ١١)، وانظر: طرح التثريب، للعراقي (٧/ ١٩٦).\n(٢) شرح صحيح مسلم، للنووي (١٣/ ٧٨).\n(٣) انظر: شرح صحيح مسلم، للنووي (١٣/ ٧٨).\n(٤) انظر على الترتيب: الاستذكار، لابن عبد البر (١٤/ ١٠)، والمنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد الباجي\n(٣/ ١٦٠)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض =","vol":"1","page":482},{"text":"قال ابن عبد البر: «وفي هذا الحديث - يريد حديث أبي هريرة - ﵁ - دليل على أنَّ الغنيمة لا تُنقِصُ من أجر المجاهد شيئًا، وأنَّ المجاهدَ وافِرُ الأجر، غَنِمَ أو لم يَغنَم، ويَعضُدُ هذا ويشهد له: ما اجتمع على نَقْلِهِ أهلُ السِّير والعلم بالأثر أنَّ النبي - ﷺ - ضَرَبَ لعثمان، وطلحة، وسعيد بن زيد، بأسْهُمِهِم يومَ بدر، وهم غيرُ حاضِرِي القتال، فقال كلُّ واحدٍ منهم: وأجري يا رسول الله؟ قال: «وأجرك». (١) وأجمعوا أنَّ تحليل الغنائم لهذه الأمَّة من فضائلها، وقال رسول الله - ﷺ -: «لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّؤوسِ قَبْلَكُمْ». (٢) وقال - ﷺ -: «فُضِّلتُ بِخِصَالٍ ...» وذكر منها: «وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ». (٣) ولو كانت تُحبِطُ الأجر أو تُنقِصُه ما كانت فضيلة له». اهـ (٤)\nوقد اختلف أصحاب هذا المذهب في الجواب عن حديث عبد الله بن عمرو ﵄، على أقوال:\nالأول: أنَّ الحديث محمول على من خرج بنية الجهاد وطلب المغنم، فيكونُ نقصُ أجرهِ بسبب نيَّتِهِ لا بسبب أخذه من الغنيمة.\nوهذا جواب القاضي عياض، واختيار أبي عبد الله القرطبي. (٥)\nقال القاضي عياض: «وأصح ما يُجمَعُ فيه بين الحديثين أنَّ الأول قال فيه: «لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ»، فهذا الذي ضَمِنَ له الجنة، أو يُرَدُّ إلى بيته مع ما نال من أجر أو غنيمة، وهذا الحديث الآخر لم يشترط فيه هذا الشرط، فيُحتمل أنَّه فيمن خرج بنية الجهاد وطلب المغنم،\n_________\n= (٦/ ٣٣٠)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٣/ ٧٤٩)، وتفسير القرطبي (٥/ ١٧٩).\n(١) انظر: المستدرك للحاكم (٣/ ٤١٥، ٤٩٥).\n(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٢٥٢)، والترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (٣٠٨٥)، وإسناده صحيح.\n(٣) أخرجه من حديث جابر - ﵁ -: البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، حديث (٤٣٨)، ومسلم في صحيحه، في كتاب المساجد، حديث (٥٢١).\n(٤) التمهيد، لابن عبد البر (١٨/ ٣٤١ - ٣٤٢)، والاستذكار (١٤/ ١٠).\n(٥) تفسير القرطبي (٥/ ١٧٩).","vol":"1","page":483},{"text":"فهذا شَرَّكَ بما يجوز له التشريك فيه، وانقسمت نِيَّتُه بين الوجهين فنقص أجره، والأول أخلص فَكَمُلَ أجره». اهـ (١)\nوتَعقَّبَه الحافظ ابن حجر فقال: «وفيه نظر؛ لأنَّ صَدْرَ الحديثِ مُصَرِّحٌ بأنَّ الْمُقْسِم رَاجِعٌ إِلَى مَنْ أَخْلَصَ؛ لقوله في أوله: لَا يُخْرِجهُ إِلَّا إِيمَان بِي وَتَصْدِيق بِرُسُلِي». اهـ (٢)\nقلت: ليس في حديث عبد الله بن عمرو - ﵁ - ذكر هذا القيد، وهو قوله: «لَا يُخْرِجهُ إِلَّا إِيمَان بِي، وَتَصْدِيق بِرُسُلِي»، وإنما جاء هذا القيد في حديث أبي هريرة - ﵁ -، وعليه فلا يُسَلَّم الاعتراض من ابن حجر.\nالقول الثاني: أنَّ المراد بنقص أجر من غنم: أنَّ الذي لا يغنم يزداد أجره لحزنه على ما فاته من الغنيمة، كما يؤجر من أُصيب بماله، فكان الأجر لِمَا نَقَص عن المضاعفة بسبب الغنيمة عند ذلك كالنقص من أصل الأجر.\nوهذا جواب ابن عبد البر، وأبي العباس القرطبي. (٣)\nقال ابن عبد البر في الجواب عن الحديث: يريد - والله أعلم - أنْ يكون الأجرُ مضاعفًا لها بما نالها من الخوف، وعلى ما فاتها من الغنيمة، كما يُؤجر من أُصيب بماله مضاعفًا، فيؤجر على ما يَتَكلّفُه من الجهاد أجر المجاهد، وعلى ما فاته من الغنيمة أجرًا آخر، كما يُؤجر على ما يَذهَبُ من مالِهِ ونحوِ ذلك. اهـ (٤)\nوللقاضي عياض جواب آخر قريب من هذا، قال: «وأوجه من هذا عندي في استعمال الحديثين على وجهيهما أيضًا: أنَّ نقص أجر الغانم بما فتح الله ﷿ عليه من الدنيا، وحساب ذلك بتمتعه عليه في الدنيا، وذهاب شَظَف عيشه في غزوه، وبُعْدِه، إذا قُوبِلَ بمن أخفق ولم يُصِبْ منها شيئًا، وبقي على شَظَف عيشه، والصبر على غزوه في حاله، وجَدَ أجر هذا أبدًا في\n_________\n(١) إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٦/ ٣٣٠ - ٣٣١).\n(٢) فتح الباري، لابن حجر (٦/ ١٢).\n(٣) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٣/ ٧٤٩).\n(٤) الاستذكار، لابن عبد البر (١٤/ ١٢). بتصرف يسير، وانظر: التمهيد (١٨/ ٣٤٣).","vol":"1","page":484},{"text":"ذلك وافيًا مطردًا، بخلاف الأول، ومثله في الحديث الآخر: «فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا (١)» (٢) فكان هذا إذا لم يهدب ثمرة الدنيا والاتساع فيما فتح عليه من مغانمها، وبقي على حالته الأولى، كان أجره في الصبر والتقلل على ما كان عليه، فلما خالف لم يكن له الأجر، فكأنه نقص بما كان له في التقدير، وكذلك هذا». اهـ (٣)\nوتَعقَّبَ الحافظ ابن حجر هذا الجواب فقال: «ولا يخفى مُبايَنَةُ هذا التأويل لسياق حديث عبد الله بن عمرو - ﵁ -». اهـ (٤)\nالقول الثالث: أنَّ حديث عبد الله بن عمرو ﵄ لا يَثْبُتْ؛ لأنَّه من رواية أبي هانئ حميد بن هانئ (٥)، وليس بمشهور.\nوهذا رأي أبي الوليد الباجي، قال: «ولا يَصِحُّ حَمْلُ الحديث على عمومه؛ لأنَّا لا نعلم غازيًا أعظم أجرًا من أهل بدر، على ما أصابوا من الغنيمة. وقد رُوي عن رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ - وكان ممن شهد بدرًا - قال: «جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالَ: مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ. أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا. قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ». (٦) وروي عنه - ﷺ - أنه قال لعمر بن الخطاب: «وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدْ\n_________\n(١) يهدبها: أي يجنيها. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٥/ ٢٤٩).\n(٢) الأثر بتمامه عن خباب - ﵁ - قال: «هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إِلَّا بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ الْإِذْخِرِ». أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (١٢٧٦)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (٩٤٠).\n(٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٦/ ٣٣١)، والنص يظهر أن فيه بعض التصحيفات، أصلحت بعضها من كتاب «إحكام الأحكام»، لابن دقيق العيد (٢/ ٣٠٤)، وقد نقل كلام القاضي بنصه لكن لم يكمله.\n(٤) فتح الباري، لابن حجر (٦/ ١٢).\n(٥) هو: حميد بن هانئ، أبو هانئ، الخولاني، المصري، قال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الثقات في التابعين، وقال الدارقطني: لا بأس به ثقة. وقال ابن عبد البر: هو عندهم صالح الحديث لا بأس به. روى له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، والأربعة. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (٣/ ٤٥).\n(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، حديث (٣٩٩٢).","vol":"1","page":485},{"text":"اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ». (١)». اهـ (٢)\nوتُعُقِّبَ هذا القول: بأنَّ أبا هانئ ثقة مشهور، روى عنه الليث بن سعد (٣)،\nوحيوة (٤)، وابن وهب (٥)، وخلائق من الأئمة، ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم به في صحيحه. (٦)\nالقول الرابع: أنَّ نُقصان الأجر إنما هو لمن أخذ الغنيمة على غير وجهها.\nوهذا جواب أبي الوليد الباجي، ذكره على التسليم بثبوت الحديث. (٧)\nوذكر هذا الجواب مع تضعيفه ورده: القاضي عياض، والنووي، والحافظ ابن حجر. (٨)\nقال النووي: «وهذا غلط فاحش؛ إذ لو كانت على خلاف وجهها لم يكن ثلث الأجر». اهـ (٩)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>ثانيًا: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية وحديث أبي هريرة:</span>\nالجواب عن هذا التعارض مبني على الخلاف في المسألة السابقة - أعني مسألة دفع التعارض بين الحديثين -:\nفأصحاب المذهب الأول يرون أنْ لا تعارض بين الآية والحديث؛ لأنَّ معنى الحديث عندهم إمَّا أنْ يغنم فيبقى له ثُلُثُ الأجر، أو تفوته الغنيمة فينال الأجر تامًَّا، وهو مأجور في كلتا الحالتين، وهذا المعنى لا يُعارض الآية.\n_________\n(١) أخرجه من حديث علي - ﵁ -: البخاري في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (٣٠٠٧)، ومسلم في صحيحه، في كتاب فضائل الصحابة، حديث (٢٤٩٤).\n(٢) المنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد الباجي (٢/ ١٦٠).\n(٣) هو: الليث بن سعد، الإمام الحافظ، شيخ الديار المصرية وعالمها ورئيسها، أبو الحارث الفهمي مولاهم، الأصبهاني الأصل، المصري، إمام حجة كثير التصانيف، وكان كبير الديار المصرية وعالمها الأنبل، حتى إن نائب مصر وقاضيها من تحت أوامره، (ت: ١٧٥هـ). انظر: تذكرة الحفاظ، للذهبي (١/ ٢٢٤).\n(٤) هو: حيوة بن شريح، الإمام القدوة، أبو زرعة التجيبي المصري، شيخ الديار المصرية، وثقه أحمد بن حنبل وغيره، وكان كبير الشأن، قال ابن المبارك: وُصِف لي حيوة فكانت رؤيته أكبر من صفته. توفي سنة (١٥٨هـ). انظر: تذكرة الحفاظ، للذهبي (١/ ١٨٥).\n(٥) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم، الإمام الحافظ، أبو محمد الفهري، مولاهم المصري، الفقيه أحد الأئمة الأعلام، جمع بين الفقه والحديث والعبادة، وكان ثقة حجة حافظًا مجتهدًا لا يقلد أحدًا، ذا تعبد وتزهد، (ت: ١٩٧هـ). انظر: تذكرة الحفاظ (١/ ٣٠٤).\n(٦) انظر: شرح صحيح مسلم، للنووي (١٣/ ٧٨)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي\n(٣/ ٧٤٩)، وإحكام الأحكام، لابن دقيق العيد (٢/ ٣٠٣)، وفتح الباري، لابن حجر (٦/ ١١)، وعمدة القاري، للعيني (١/ ٢٣٢).\n(٧) انظر: المنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد الباجي (٢/ ١٦٠).\n(٨) انظر على الترتيب: إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٦/ ٣٣٠)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (١٣/ ٧٩، وفتح الباري، لابن حجر (٦/ ١٢).\n(٩) شرح صحيح مسلم، للنووي (١٣/ ٧٩).","vol":"1","page":486},{"text":"وأما أصحاب المذهب الثاني فأجابوا عن الحديث: بأنَّ «أو» في قوله - ﷺ -: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» هي بمعنى «الواو»، قالوا: ولا يجوز حملها على معنى «أو»؛ لأن ذلك يوهم معنىً فاسدًا يُعَارِضُ الآية، وهذا المعنى هو أنْ يكون له الغنيمة وحدها بلا أجر، أو الأجر ولا غنيمة. (١)\nقال ابن عبد البر: «قوله: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» يريد - والله أعلم - من أجر وغنيمة، كما قال الله ﷿: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) [الإنسان: ٢٤]، يريد ولا كفورًا، وكما قال جل ثناؤه: (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) [النساء: ٣]، أي مثنى أو ثلاث أو رباع، فقد تكون «أو» بمعنى الواو، وتكون الواو بمعنى «أو»، وقد روي منصوصًا «مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ» بواو الجمع لا بأو ....». اهـ (٢) ثم ذكر حديث أبي أمامة - ﵁ - بلفظ: «مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ». (٣)\nوقال أبو الوليد الباجي: «قوله - ﷺ -: «مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» يريد - والله أعلم - مع الذي ينال منهما؛ فإنْ أصاب غنيمة فله أجر وغنيمة، وإنْ لم يُصب الغنيمة فله الأجر على كل حال، فتكون «أو» بمعنى «الواو»؛ كقول جرير (٤):\nنَالَ الخِلاَفَةَ أَوْ كَانَتْ عَلَى قَدَرٍ ... كَمَا أَتَى رَبّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ ...». اهـ (٥) (٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو ما ذهب إليه الجمهور من المحدثين، بأنَّ المجاهد يَنْقُصُ أجرهُ إذا أخذ شيئًا من الغنيمة، كما هو صريح\n_________\n(١) انظر: الاستذكار، لابن عبد البر (١٤/ ١٠)، والمنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد الباجي (٣/ ١٦٠)، وتفسير القرطبي (٥/ ١٧٩).\n(٢) الاستذكار (١٤/ ١٠).\n(٣) تقدم تخريجه في أول المسألة وبيان القول الراجح في هذه الرواية.\n(٤) هو: جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي بن بدر الكلبي اليربوعي، من تميم، أشعر أهل عصره. ولد ومات في اليمامة. وعاش عمره كله يناضل شعراء زمنه ويساجلهم، وكان هجاءًا مرًّا، فلم يثبت أمامه غير الفرزدق والأخطل، وكان عفيفًا، وهو من أغزل الناس شعرًا. توفي سنة (١١٠هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٢/ ١١٩).\n(٥) لم أقف عليه في ديوان جرير، والبيت في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (٨/ ٥١).\n(٦) المنتقى شرح الموطأ (٣/ ١٦٠).","vol":"1","page":487},{"text":"حديث عبد الله بن عمرو، ﵄، وكما تقدم فإنَّ هذا الحديث لا يُعارِضُ حديث أبي هريرة ﵁، بل هو موافق ومفسِّرٌ له؛ لأنَّ معنى حديث أبي هريرة: أنَّ للمجاهد الأجرَ تامًّا إنْ لم يغنم، أو الأجرَ والغنيمةَ معًا إنْ غَنِم، فالأجر حاصلٌ على كلِّ حال، غَنِمَ أو لم يَغنَم، لكنَّه مع الغنيمة أنقص، وهو مُقَدَّرٌ في الشِقِّ الثاني مع الغنيمة، وإنْ لم يُصَرِّح بذكره، وكما ترى فإنَّ هذا المعنى لا يُعارِضُ حديث عبد الله بن عمرو، ولا يُعارِضُ الآية أيضًا.\nوأمَّا ما ذَكَرَهُ أصحاب المذهب الثاني من أجوبةٍ عن حديث عبد الله بن عمرو؛ فكلها لا تخلوا من ضعف، وقد تقدَّم بيانُ ذلك.\nوأمَّا قولهم: إنّه لا يُعْلَمُ غازيًا أعظمَ من أهل بدر، وقد أصابوا من الغنيمة، ولو كان أخذها يُنقص من الأجر ما كانت فضيلة لهم؛ فجوابه: أنَّه ليس في غنيمة بدر نصٌ أنهم لو لم يغنموا لكان أجرهم على قدر أجرهم وقد غنموا فقط، وكونهم مغفورًا لهم، مرضيًا عنهم، ومن أهل الجنة؛ لا يلزم أنْ لا يكون وراء هذا مرتبة أخرى هي أفضل منه، مع أنَّه شديد الفضل عظيم القدر. (١)\nوأمَّا قولهم: إنَّ «أو» - في قوله - ﷺ -: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» - هي بمعنى «الواو»؛ فيَرِدُ عليه إشكال؛ لأنَّه يقتضي من حيث المعنى أنْ يكون الضمانُ وقع بمجموع الأمرين لكلِّ من رجع، وقد لا يتفق ذلك؛ فإنَّ كثيرًا من الغُزاة يرجع بغير غنيمة، فما فَرَّ منه الذي ادَّعى أنَّ «أو» بمعنى «الواو» وقع في نظيره؛ لأنَّ رواية «أو» ظاهرها يُوهِمُ أنَّ من رجع بغنيمة رجع بغير أجر، على حين يلزم من القول بأنَّها بمعنى «الواو» أنَّ كلَّ غازٍ يُجْمَعُ له بين الأجر والغنيمة معًا، وهذا المعنى لا يَصِحُّ كما تقدَّم، مع ما فيه من المُخالفة لحديث عبد الله بن عمرو ﵄، والذي فيه أنَّ الذي يَغْنَمُ يرجع بأجر لكنَّه أنقص من أجر من لم يغنم. (٢)\n_________\n(١) انظر: شرح صحيح مسلم، للنووي (١٣/ ٧٨)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي\n(٣/ ٧٤٩)، وإحكام الأحكام، لابن دقيق العيد (٢/ ٣٠٣)، وفتح الباري، لابن حجر (٦/ ١١)، وعمدة القاري، للعيني (١/ ٢٣٢).\n(٢) انظر: فتح الباري، لابن حجر (٦/ ١١٥)، وإحكام الأحكام، لابن دقيق العيد (٢/ ٣٠٥)، ومرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (٧/ ٣٢٥).","vol":"1","page":488},{"text":"وأمَّا استدلالهم برواية: «مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ»، بـ «الواو»؛ فالأصح أنَّ هذه الرواية لا تَثْبُتُ، وقد تقدَّم بيانُ ذلك في أوَّلِ المسألة، عند تخريج الحديث، والله تعالى أعلم.\n\n****","vol":"1","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>المسألة [٢]: في المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨» [التوبة: ١٠٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>المبحث الثاني: ذكر الأحاديث الواردة في تفسير الآية، التي يُوهِم ظاهرها التعارض فيما بينها:</span>\n(٦٦) - (٥٧): عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: مَرَّ بي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري فقلت له: كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟ فقال: قال أبي: «دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ الْمَسْجِدَيْنِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ (١)، فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ ثُمَّ قَالَ: هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا، لِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ». قَالَ: فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ أَبَاكَ هَكَذَا يَذْكُرُهُ. (٢)\n(٦٧) - (٥٨): وعن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [التوبة:\n_________\n(١) الحصباء: هي صغار الحصى. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (١/ ٣٩٣).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (١٣٩٨).","vol":"1","page":490},{"text":"١٠٨] قَالَ: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ (١) بِالْمَاءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ». (٢)\n_________\n(١) الِاسْتِنْجَاءُ: هو طَلَبُ طَهَارَةِ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْبَطْنِ بِالتُّرَابِ أَوْ الْمَاءِ. قَالَ صَاحِبُ مُجْمَلِ اللُّغَةِ: النَّجْوُ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَطْنِ. وَقَالَ الْقُتَبِيُّ: أَصْلُهُ مِنْ النَّجْوَةِ، وَهِيَ الِارْتِفَاعُ مِنْ الْأَرْضِ. وَكَانَ الرَّجُلُ إذَا أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ تَسَتَّرَ بِنَجْوَةٍ، فَقَالُوا ذَهَبَ يَنْجُو، كَمَا قَالُوا ذَهَبَ يَتَغَوَّطُ، إذَا أَتَى الْغَائِطَ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، ثُمَّ سُمِّيَ الْحَدَثُ نَجْوًا وَاشْتُقَّ مِنْهُ: اسْتَنْجَى، إذَا مَسَحَ مَوْضِعَهُ أَوْ غَسَلَهُ. انظر: طلبة الطلبة، للنسفي، ص (٣).\n(٢) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، حديث (٤٤)، والترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (٣١٠٠)، وابن ماجة في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، حديث (٣٥٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٠٥)، جميعهم من طريق يونس بن الحارث، عن إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، به.\nوهذا الإسناد فيه علتان:\nالأولى: ضعف يونس بن الحارث، كما في تقريب التهذيب، لابن حجر (٢/ ٣٩٤).\nالثانية: جهالة إبراهيم بن أبي ميمونة، قال ابن القطان: «مجهول الحال». تهذيب التهذيب (١/ ١٥٢).\nوقال الذهبي: «ما روى عنه سوى يونس بن الحارث». ميزان الاعتدال (١/ ١٩٧).\nوقد حكم على هذا الإسناد بالضعف: النووي في المجموع (٢/ ١١٦)، والحافظ ابن كثير في تفسيره\n(٢/ ٤٠٣)، والحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (١/ ١١٢).\nوأما الألباني فقد ذكر في «إرواء الغليل» (١/ ٨٤ - ٨٥): أنَّ الحديث صحيح باعتبار شواهده.\nوسأذكر شواهد الحديث ثم أبين بعد ذلك درجته وحكم الاحتجاج به:\nالشاهد الأول: حديث ابن عباس - ﵁ - قال: لما نزلت: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) [التوبة: ١٠٨] بعث رسول الله - ﷺ - إلى عويم بن ساعدة فقال: «ما هذا الطهور الذي أثنى الله به عليكم؟ فقال: ما خرج رجل منا أو امرأة من الغائط إلا غسل دبره أو مقعده. فقال النبي - ﷺ -: فهو هذا».\nأخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٦٧)، وعمر بن شبة في «أخبار المدينة» (١/ ٣٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٠٥)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٩٩) وقال: «صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي، جميعهم من طريق محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، به.\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٢١٢): «رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن؛ إلا أنَّ ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه». اهـ\nورواه البزار في مسنده [كما في كشف الأستار، للهيثمي (١/ ١٣٠)، ونصب الراية، للزيلعي (١/ ٢١٨)] قال: حدثنا عبد الله بن شبيب، ثنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز قال: وجدت في كتاب أبي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) =","vol":"1","page":491},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= [التوبة: ١٠٨] فسألهم رسول الله - ﷺ - فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء».\nقال البزار: «هذا حديث لا نعلم أحدًا رواه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز، ولا نعلم أحدًا روى عنه إلا ابنه». قال الحافظ ابن حجر في «التلخيص» (١/ ١١٢): «ومحمد بن عبد العزيز ضعفه أبو حاتم فقال: ليس له ولا لأخويه عمران وعبد الله حديث مستقيم، وعبد الله بن شبيب ضعيف أيضًا». وانظر: مجمع الزوائد، للهيثمي (١/ ٢١٢)، والدراية في تخريج أحاديث الهداية، لابن حجر (١/ ٩٦)، ونصب الراية، للزيلعي (١/ ٢١٨).\nالشاهد الثاني: حديث عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيِّ - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - أَتَاهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ فَقَال: «إِنَّ اللَّهَ ﵎ قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْكُمْ الثَّنَاءَ فِي الطُّهُورِ فِي قِصَّةِ مَسْجِدِكُمْ، فَمَا هَذَا الطُّهُورُ الَّذِي تَطَّهَّرُونَ بِهِ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَعْلَمُ شَيْئًا إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لَنَا جِيرَانٌ مِنْ الْيَهُودِ فَكَانُوا يَغْسِلُونَ أَدْبَارَهُمْ مِنْ الْغَائِطِ فَغَسَلْنَا كَمَا غَسَلُوا».\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٤٢٢)، وابن جرير في تفسيره (٦/ ٤٧٦)، وابن خزيمة في صحيحه\n(١/ ٤٥)، والطبراني في الكبير (١٧/ ١٤٠)، والأوسط (٦/ ٨٩)، والصغير (٢/ ٨٦)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٥٨)، جميعهم من طريق أبي أويس، عن شرحبيل بن سعد، عن عويم بن ساعدة، به.\nوفي إسناده «شرحبيل بن سعد، أبو سعد الخطمي، المدني، مولى الأنصار» قال بشر بن عمر: سألت مالكًا عنه فقال: ليس بثقة، وقال ابن معين: ليس بشيء، ضعيف، وقال ابن سعد: كان شيخًا قديمًا، روى عن زيد بن ثابت وعامة الصحابة، وبقي حتى اختلط واحتاج، وله أحاديث، وليس يحتج به، وقال أبو زرعة: لين، وقال النسائي: ضعيف، وقال الدارقطني: ضعيف، يعتبر به، وقال ابن عدي: له أحاديث وليست بالكثيرة، وفي عامة ما يرويه نكارة، وذكره ابن حبان في الثقات. وفي سماعه من عويم بن ساعدة نظر؛ لأن عويمًا مات في حياة رسول الله - ﷺ -، ويقال في خلافة عمر ﵁.\nانظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (٤/ ٢٨٢).\nوالحديث أورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٢١٢) وقال: «رواه أحمد والطبراني في الثلاثة، وفيه شرحبيل بن سعد، ضعفه مالك وابن معين وأبو زرعة ووثقه ابن حبان». اهـ\nالشاهد الثالث: حديث أبي أيوب الأنصاري، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك - ﵃ -: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لما نَزَلَتْ: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ فِي الطُّهُورِ فَمَا طُهُورُكُمْ؟ قَالُوا: نَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَنَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ، وَنَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ. قَالَ: فَهُوَ ذَاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ».\nأخرجه ابن ماجة في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، حديث (٣٥٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٨٢)، =","vol":"1","page":492},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وابن الجارود في المنتقى (١/ ٢٢)، والدارقطني في سننه (١/ ٦٢)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٦٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٠٥)، وفي شعب الإيمان (٣/ ١٨)، جميعهم من طريق عتبة بن أبي حكيم قال: حدثني طلحة بن نافع قال: حدثني أبو أيوب الأنصاري وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك، فذكره.\nقال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٢١٨): «سنده حسن، وعتبة بن أبي حكيم فيه مقال، قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وضعفه النسائي، وعن ابن معين فيه روايتان». اهـ\nوقال النووي في «المجموع» (٢/ ١١٦): «إسناده صحيح؛ إلا أنَّ فيه عتبة بن أبي حكيم وقد اختلفوا في توثيقه، فوثقه الجمهور، ولم يبين من ضعفه سبب ضعفه، والجرح لا يُقبل إلا مفسرًا، فيظهر الاحتجاج بهذه الرواية». اهـ\nقلت: الحديث فيه انقطاع؛ فإن طلحة بن نافع لم يُدرك أبا أيوب، كما أشار إلى ذلك البوصيري في «مصباح الزجاجة» (١/ ٢٢٢).\nالشاهد الرابع: حديث محمد بن عبد الله بن سلام قال: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَيْنَا - يَعْنِي قُبَاءً - قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ فِي الطُّهُورِ خَيْرًا أَفَلَا تُخْبِرُونِي؟ قَالَ: يَعْنِي قَوْلَهُ: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [التوبة: ١٠٨] قَالَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَجِدُهُ مَكْتُوبًا عَلَيْنَا فِي التَّوْرَاةِ، الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ».\nأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٤١)، والإمام أحمد في مسنده (٦/ ٦)، وابن جرير في تفسيره (٦/ ٤٧٦)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٨)، جميعهم من طريق مالك بن مغول قال: سمعت سيارًا أبا الحكم غير مرة يحدث عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام قال: ...، فذكره.\nوأخرجه الطبري في تفسيره (٦/ ٤٧٦)، والبغوي في «معجم الصحابة» كما في «الإصابة» (٦/ ٢٢)، عن أبي هشام الرفاعي، عن يحيى بن آدم - وقد تحرف عند الطبري إلى يحيى بن رافع - عن مالك بن مغول، به.\nقال الحافظ ابن حجر في «الإصابة» (٦/ ٢٢): «لكن قال فيه يحيى: لا أعلمه إلا عن أبيه - يريد: عن محمد بن عبد الله بن سلام، عن أبيه عبد الله بن سلام - وقال أبو هشام: وكتبته من أصل كتاب يحيى بن آدم ليس فيه عن أبيه. وقال البغوي: حدث به الفريابي، عن مالك بن مغول، عن سيار، عن شهر، عن محمد، عن النبي - ﷺ - لم يذكر أباه.\nوقال ابن مندة: رواه داود بن أبي هند عن شهر مرسلًا، لم يذكر محمدًا ولا أباه، ورواه سلمة بن رجاء، عن مالك بن مغول، فزاد فيه: «عن أبيه» وقال أبو زرعة الرازي: الصحيح عندنا عن محمد، ليس فيه عن أبيه، والله أعلم». انتهى كلام الحافظ ابن حجر.\nوأخرجه أبو نعيم الأصبهاني في كتابه «معرفة الصحابة» (١/ ١٧٦)، من طريق الإمام أحمد، ثم قال: «ورواه =","vol":"1","page":493},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أبو أسامة، وابن المبارك، والفريابي، وعنبسة بن عبد الواحد، ومحمد بن سابق، كرواية يحيى بن آدم، وخالفهم سلمة بن رجاء، عن مالك، فقال: عن محمد بن عبد الله بن سلام، عن أبيه».\nثم ساق رواية سلمة بن رجاء فقال: «حدثناه الحسن بن أحمد بن صالح السبيعي، ثنا إبراهيم بن عبد الرحيم بن الحجاج الرقي، ثنا يعقوب بن حميد، ثنا سلمة بن رجاء، عن مالك بن مغول، عن سيار أبي الحكم، عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام، قال: قال أبي ....، فذكره.\nثم قال: ورواه زيد، ويحيى ابنا أبي أنيسة، عن سيار، عن محمد بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، كرواية سلمة بن رجاء، عن مالك بن مغول.\nحدثنا بحديث زيد: محمد بن إبراهيم، ثنا الحسن بن محمد بن حماد، ثنا محمد بن وهب، ثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن سيار أبي الحكم، عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام، قال: سمعت أبي يقول: ....، فذكره.\nوحديث يحيى: حدثناه سليمان، ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا عبد الله بن حماد الحضرمي، ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن يحيى بن أبي أنيسة، عن سيار أبي الحكم، عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام، عن أبيه قال: ....، فذكره».\nقلت: الحديث مدار إسناده على شهر بن حوشب الأشعري أبو سعيد، الشامي، مولى أسماء بنت يزيد بن السكن، وثقه جماعة، والأكثر على تضعيفه.\nقال إبراهيم بن الجوزجاني: أحاديثه لا تشبه أحاديث الناس، وقال موسى بن هارون: ضعيف، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال يعقوب بن شيبة: قيل لابن المديني: ترضى حديث شهر؟ فقال: أنا أحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه، وأنا لا أدع حديث الرجل إلا أنْ يجتمعا عليه: يحيى وعبد الرحمن على تركه، وقال حرب بن إسماعيل عن أحمد: ما أحسن حديثه ووثقه، وقال حنبل عن أحمد: ليس به بأس، وقال عثمان الدارمي: بلغني أنَّ أحمد كان يثني على شهر، وقال الترمذي عن البخاري: شهر حسن الحديث، وقوى أمره، وقال ابن أبي خيثمة ومعاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة، وقال عباس الدوري عن ابن معين: ثبت، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، على أنَّ بعضهم قد طعن فيه، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال ابن حبان: كان ممن يروي عن الثقات المعضلات، وعن الأثبات المقلوبات، وقال الحاكم: أبو أحمد ليس بالقوي عندهم، وقال ابن عدي: وعامة ما يرويه شهر وغيره من الحديث فيه من الإنكار ما فيه وشهر ليس بالقوي في الحديث وهو ممن لا يحتج بحديثه ولا يتدين به، وقال الدارقطني: يخرج حديثه، وقال البيهقي: ضعيف، وقال ابن حزم: ساقط، وقال ابن عدي: ضعيف جدًا. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥).\nوالحديث أورده الهيثمي في «مجمع =","vol":"1","page":494},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الزوائد» (١/ ٢١٣) وقال: «رواه الطبراني في الكبير، وفيه شهر بن حوشب وقد اختلفوا فيه ولكنه وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة ويعقوب بن شيبة». اهـ\nالشاهد الخامس: حديث أبي أمامة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - لأهل قباء: «ما هذا الطهور الذي قد خُصِصتم به في هذه الآية: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [التوبة: ١٠٨] قالوا: يا رسول الله ما منا أحد يخرج من الغائط إلا غسل مقعدته».\nأخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١٢١)، وفي الأوسط (٣/ ٢٣١) قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن يحيى بن العلاء، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، فذكره.\nوفيه «شهر بن حوشب» وقد تقدم الكلام عليه في الشاهد الرابع.\nالشاهد السادس: حديث خزيمة بن ثابت - ﵁ - قال: كان رجال منا إذا خرجوا من الغائط يغسلون أثر الغائط فنزلت فيهم هذه الآية: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [التوبة: ١٠٨].\nأخرجه الطبراني في الكبير (٤/ ١٠٠)، من طريق أبي بكر بن أبي سبرة، عن شرحبيل بن سعد، عن خزيمة، به.\nوفي إسناده «أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة»، قال صالح بن الإمام أحمد عن أبيه: أبو بكر بن أبي سبرة يضع الحديث، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس بشيء، كان يضع الحديث ويكذب، وقال الدوري، ومعاوية بن صالح، عن ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال الغلابي عن ابن معين: ضعيف الحديث، وقال ابن المديني: كان ضعيفًا في الحديث، وقال مرة: كان منكر الحديث، وقال الجوزجاني: يضعف حديثه، وقال البخاري: ضعيف، وقال مرة: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ، وهو في جملة من يضع الحديث. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (١٢/ ٣٠ - ٣١).\nوفيه أيضًا «شرحبيل بن سعد» ضعيف، وقد تقدم الكلام فيه في الشاهد الثاني.\nوأخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٤٧٦)، من طريق إبراهيم بن محمد، عن شرحبيل، به.\nوالحديث أورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٢١٣) وقال: «رواه الطبراني، وفيه أبو بكر بن أبي سبرة، وهو متروك». اهـ\nالشاهد السابع: حديث سهل الأنصاري: أنَّ هذه الآية نزلت في ناس من أهل قباء كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [التوبة: ١٠٨].\nأخرجه عمر بن شبة في «أخبار المدينة» (١/ ٣٧) قال: حدثنا هارون بن معروف، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا يزيد بن عياض، عن الوليد بن أبي سندر الأسلمي، عن يحيى بن سهل الأنصاري، عن أبيه، به.\nوفيه «يزيد بن عياض بن جعدبة الليثي، أبو الحكم المدني»، قال الإمام مالك: كذاب، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال أحمد بن صالح المصري: أظنه كان يضع للناس، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ضعيف الحديث، منكر الحديث، وعن أبي =","vol":"1","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الحديثين:</span>\nظاهر حديث أبي سعيد الخدري أنَّ المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد رسول الله - ﷺ -، الذي هو في جوف المدينة، وأما سبب نزول الآية فظاهره أنَّ المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، وهذا يُوهِمُ الاختلاف والتناقض بين الحديثين. (١)\n_________\n= زرعة: ضعيف الحديث، وأمر أنْ يُضرب على حديثه، وقال البخاري ومسلم: منكر الحديث، وقال أبو داود: تُرِك حديثه، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال في موضوع آخر: كذاب، وقال مرة: ليس بثقة، ولا يُكتب حديثه، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ، وقال العجلي، وعلي بن المديني، والدارقطني: ضعيف، وقال يزيد بن الهيثم عن ابن معين: كان يكذب. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (١١/ ٣٠٨).\nالشاهد الثامن: حديث أبي أيوب - ﵁ - قال: قالوا يا رسول الله: من هؤلاء الذين قال الله ﷿: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [التوبة: ١٠٨]؟ قال: «كانوا يستنجون بالماء، وكانوا لا ينامون الليل كله».\nأخرجه الطبراني في الكبير (٤/ ١٧٩)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٩٩)، كلاهما من طريق واصل بن السائب، عن عطاء بن أبي رباح، وعن أبي سورة، عن عمه أبي أيوب، به.\nوفي إسناده «واصل بن السائب الرقاشي أبو يحيى البصري»، قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال أبو بكر بن أبي شيبه: ضعيف، وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، وقال البخاري، وأبو حاتم: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن عدي: أحاديثه لا تشبه أحاديث الثقات، وقال يعقوب بن سفيان، والساجي: منكر الحديث، وقال الأزدي: متروك الحديث. انظر: تهذيب التهذيب (١١/ ٩٢).\nوالحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢١٣)، وقال: «رواه الطبراني في الكبير، وفيه واصل بن السائب وهو ضعيف».\nالنتيجة: الذي يظهر - والله تعالى أعلم - أنَّ الحديث صحيح باعتبار شواهده، وأنَّ الآية نزلت في رجال من الأنصار، وأما كونها نزلت في مسجد قباء خاصة فلا يصح؛ لأن الطرق التي فيها ذكر «قباء» ضعيفة جدًا، ولا يصح اعتبارها، والله تعالى أعلم.\n(١) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: أحكام القرآن، لابن العربي (٢/ ٥٨٤)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٤٠٤)، وفتح الباري، لابن حجر (٧/ ٢٨٩)، والديباج على مسلم، للسيوطي (٣/ ٤٣٠)، وتحفة الأحوذي، للمباركفوري (٢/ ٢٣٥)، وشرح الزرقاني على موطأ مالك (١/ ٤٨١)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (١١/ ٣٢)، وأضواء البيان، للشنقيطي (٨/ ٥٥٠).","vol":"1","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الحديثين:</span>\nللعلماء في دفع التعارض بين الحديثين مسلكان:\nالأول: مسلك الجمع بينهما:\nحيث ذهب جمع من العلماء إلى نفي التعارض بين الحديثين؛ وجمعوا بينهما بأنَّ كلًا من المسجدين قد أسس على التقوى، إلا أنَّ المسجد النبوي أحق بهذا الوصف من مسجد قباء، لحديث أبي سعيد، وأما مراد الآية فهو مسجد قباء دون المسجد النبوي، كما دل عليه سبب نزول الآية.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: قوله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) [التوبة: ١٠٨] مسجده - ﷺ - هو الأحق بهذا الوصف، وقد ثبت في الصحيح أنه سُئِلَ عن المسجد المؤسس على التقوى فقال: «هو مسجدي هذا» يريد أنه أكمل في هذا الوصف من مسجد قباء، ومسجد قباء أيضًا أسس على التقوى، وبسببه نزلت الآية، ولهذا قال فيه: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [التوبة: ١٠٨] فأراد النبي - ﷺ - أنْ لا يظن ظان أنَّ ذاك هو الذي أسس على التقوى دون مسجده، فذكر أنَّ مسجده أحق بأن يكون هو المؤسس على التقوى فقوله: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى) [التوبة: ١٠٨] يتناول مسجده ومسجد قباء، ويتناول كل مسجد أسس على التقوى. اهـ (١)\nوقال الحافظ ابن كثير: «المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم هو مسجد قباء، لما دل عليه السياق، والأحاديث الواردة في الثناء على تطهير أهله مشيرة إليه، وما ثبت في صحيح مسلم من أنه مسجد رسول الله - ﷺ - لا ينافي ما تقدم؛ لأنه إذا كان مسجد قباء أسس على التقوى من أول يوم،\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٦٨). بتصرف. وانظر: (٢٧/ ٤٠٦)، ومنهاج السنة (٤/ ٢٤)، واقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٤٣١).","vol":"1","page":497},{"text":"فمسجد الرسول - ﷺ - أولى بذلك وأحرى، وأثبت في الفضل منه وأقوى». اهـ (١)\nوقال: لما سُئِلَ رسول الله - ﷺ - عن المسجد الذي أسس على التقوى أشار إلى مسجده، والآية نزلت في مسجد قباء، ولا تنافي؛ فإن ذكر الشيء لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة، والله أعلم. اهـ (٢)\nوقال الحافظ ابن حجر: «والحق أنَّ كلًا منهما أسس على التقوى». اهـ (٣)\nوقال الطاهر بن عاشور: «ووجه الجمع عندي أنْ يكون المراد بقوله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) [التوبة: ١٠٨] المسجد الذي هذه صفته، لا مسجدًا واحدًا معينًا، فيكون هذا الوصف كليًا انحصر في فردين: المسجد النبوي، ومسجد قباء، فأيهما صلى فيه رسول الله - ﷺ - في الوقت الذي دعوه فيه للصلاة في مسجد الضرار كان ذلك أحق وأجدر، فيحصل النجاء من حظ الشيطان في الامتناع من الصلاة في مسجدهم، ومن مطاعنهم أيضًا، ويحصل الجمع بين الحديثين الصحيحين، وقد كان قيام الرسول في المسجد النبوي هو دأبه». اهـ (٤)\nوقد اختار هذا الجمع:\nابن عبد البر (٥)، والداوودي (٦)، والسهيلي (٧)، وابن القيم (٨)، والسمهودي (٩) (١٠)، والقاسمي (١١)، والألباني (١٢).\n_________\n(١) البداية والنهاية، لابن كثير (٥/ ٢٠).\n(٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٥٧٨). بتصرف. وانظر: (٢/ ٤٠٣ - ٤٠٤) و(٣/ ٤٩٥).\n(٣) فتح الباري، لابن حجر (٧/ ٢٨٩).\n(٤) التحرير والتنوير، لابن عاشور (١١/ ٣٢).\n(٥) التمهيد، لابن عبد البر (١٣/ ٢٦٧). إلا أنه يرى أنَّ حديث أبي سعيد أثبت من جهة الإسناد، من حديث قباء.\n(٦) نقله عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٧/ ٢٨٩).\n(٧) الروض الأنف، للسهيلي (٢/ ٢٤٦).\n(٨) زاد المعاد، لابن القيم (١/ ٣٩٥).\n(٩) هو: علي بن عبد الله بن أحمد الحسني الشافعي، نور الدين أبو الحسن: مؤرخ المدينة المنورة ومفتيها. ولد في سمهود (بصعيد مصر) ونشأ في القاهرة. واستوطن المدينة سنة ٨٧٣ هـ، وتوفي بها. من كتبه (وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى) و(جواهر العقدين) في فضل العلم والنسب، وغيرها.\n(ت: ٩١١ هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٤/ ٣٠٧).\n(١٠) خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى - ﷺ -، للسمهودي (١/ ٤٧٣).\n(١١) محاسن التأويل، للقاسمي (٥/ ٥٠٣).\n(١٢) الثمر المستطاب، للألباني (٢/ ٥٤١، ٥٦٨).","vol":"1","page":498},{"text":"وللنحاس، وأبي العباس القرطبي، رأي آخر في الجمع:\nحيث ذهبا إلى أنَّ أول الآية وهو قوله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) يعود على مسجد النبي - ﷺ -، لحديث أبي سعيد، وأما آخر الآية، وهو قوله: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) فهو في مسجد قباء، كما يدل عليه سبب النزول.\nغير أنَّ النحاس لم يجزم بذلك حيث جوَّز أنْ تكون الآية كلها في المسجد النبوي.\nقال النحاس: «الهاء في قوله: (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) يعود على مسجد النبي - ﷺ -، والهاء في قوله: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) يعود على مسجد قباء، ويجوز أنْ تكون تعود على مسجد النبي - ﷺ -». اهـ (١)\nوقال أبو العباس القرطبي: «ويلزم من تعيين النبي - ﷺ - مسجده أنْ يكون هو المراد بقوله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) [التوبة: ١٠٨]، وأنْ يكون الضمير في قوله: (فِيهِ رِجَالٌ) عائد على المسجد الذي أسس على التقوى؛ لأنه لم يتقدمه ظاهر غيره يعود عليه، وليس الأمر كذلك، بدليل ما رواه أبو داود من طريق صحيحة، عن أبي هريرة - ﵁ -، أنَّ النبي - ﷺ - قال: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) قَالَ: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ». (٢) فعلى هذا يكون الضمير في: (فِيهِ رِجَالٌ) غير عائد على المسجد المذكور قبله، بل على مسجد قباء، الذي دلت عليه الحال والمشاهدة عندهم، وأما عندنا فلولا هذا الحديث لحملناه على الأول. وعلى هذا يتعين على القارئ أنْ يقف على «فيه» من قوله: (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) ويبتدئ: (فِيهِ رِجَالٌ) ليحصل به التنبيه على ما ذكرناه، والله تعالى أعلم». اهـ (٣)\n_________\n(١) معاني القرآن (٣/ ٢٥٥).\n(٢) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٣/ ٥٠٩ - ٥١٠).","vol":"1","page":499},{"text":"واعتُرِضَ على هذا القول: بأن فيه تفكيكًا للضمائر، والأصل أنْ تكون الضمائر متناسقة وعائدة على مذكور واحد. (١)\nأدلة هذا المذهب:\nاستدل القائلون بأن مراد الآية هو مسجد قباء بأدلة، منها:\nالأول: أنَّ قوله تعالى: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) يقتضي أنه مسجد قباء؛ لأن تأسيسه كان في أول يوم حلَّ النبي - ﷺ - بدار الهجرة، وأما مسجد النبي - ﷺ - فلم يُنْشَأ إلا بعد ذلك. (٢)\nالدليل الثاني: أنَّ قوله في بقية الآية: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) يؤكد كون المراد مسجد قباء، وقد صح في سبب نزول الآية أنها نزلت في أهل قباء؛ فتعين حمل الآية جميعها على أنها واردة في مسجد قباء.\nوأجابوا عن حديث أبي سعيد والذي فيه تعيين مسجد النبي - ﷺ - فقالوا:\nوأما حديث أبي سعيد: فليس هو في معرض بيان وتعيين ما في الآية؛ بل هو في بيان الأحق بهذا الوصف، يدل عليه قوله في رواية أخرى هي من تمام الحديث: «وفي ذلك خير كثير». (٣) يريد مسجد قباء.\nقالوا: والسر في إجابته - ﷺ - عن ذلك إنما هو لدفع ما توهمه السائل من\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر (٧/ ٢٨٩)، وتعليق الصابوني على كتاب «معاني القرآن» للنحاس (٣/ ٢٥٥)، حاشية (٢).\n(٢) انظر: تفسير القرطبي (٨/ ١٦٥)، وفتح الباري، لابن حجر (٧/ ٢٨٩)، وروح المعاني، للآلوسي (١١/ ٢٩).\n(٣) هذه الزيادة في الحديث: أخرجها ابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ١٤٨)، والإمام أحمد في مسنده (٣/ ٢٣) و(٣/ ٩١)، والترمذي في سننه، في كتاب الصلاة، حديث (٣٢٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ٦٦٢)، جميعهم من طريق أنيس بن أبي يحيى، عن أبيه سمعان، عن أبي سعيد الخدري، به.\nو«سمعان»: هو أبو يحيى الأسلمي، مولاهم المدني، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي: «ليس به بأس». انظر: الثقات، لابن حبان (٦/ ٤٣٤)، وتهذيب الكمال، للمزي (١٢/ ١٤٠).\nوبقية رجال الإسناد ثقات، والحديث صححه الترمذي، والحاكم، وحسنه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢١٨).","vol":"1","page":500},{"text":"اختصاص ذلك بمسجد قباء دون المسجد النبوي، والتنويه بمزية هذا على ذاك. (١)\nالإيرادات والاعتراضات على هذا المذهب وأدلته:\nالإيراد الأول: إذا كان كل واحد من المسجدين قد أسس على التقوى، فما المزية التي أوجبت تعيينه - ﷺ - مسجد المدينة دون مسجد قباء؟\nوأجيب: بأن بناء مسجد قباء لم يكن بأمر جزم من الله تعالى لنبيه - ﷺ -، بل نُدب إليه، أو كان رأيًا رآه، بخلاف مسجد المدينة؛ فإنه أُمر بذلك، وجُزم عليه، فأشبه امتثال الواجب، فكان بذلك الاسم أحق. (٢)\nويحتمل أنْ تكون المزية لما اتفق من طول إقامته - ﷺ - بمسجد المدينة، بخلاف مسجد قباء فما أقام به إلا أيامًا قلائل. (٣)\nالاعتراض الثاني: أنَّ قوله تعالى: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) لا يفيد أنه مسجد قباء؛ لأن المعنى: أنه أسس على التقوى من أول مبتدأ تأسيسه، أي أنه لم يشرع فيه، ولا وضع حجر على حجر منه، إلا على اعتقاد التقوى. (٤)\nقال الآلوسي: «ومعنى تأسيسه على التقوى من أول يوم: أنَّ تأسيسه على ذلك كان مبتدأ من أول يوم من أيام وجوده، لا حادثًا بعده، ولا يمكن أنْ يراد من أول الأيام مطلقًا». اهـ (٥)\nالاعتراض الثالث: أنَّ القول بأن كلًا منهما قد أسس على التقوى يوحي بنوع استدراك على حديث النبي - ﷺ -، فإنه حينما سُئل أي المسجدين أسس على التقوى؟ أجاب: بأنه مسجده، ولم يقل كلا المسجدين قد أسسا على التقوى، بل أشار إلى أنَّ مسجد قباء فيه خير كثير، فكيف يقال بعد ذلك أنَّ كلًا منهما قد أسسا على التقوى؟!\n_________\n(١) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٣/ ٥٠٨ - ٥٠٩)، وفتح الباري، لابن حجر (٧/ ٢٨٩)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (٥/ ٥٠٤ - ٥٠٥).\n(٢) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٣/ ٥٠٩).\n(٣) انظر: فتح الباري، لابن حجر (٧/ ٢٨٩).\n(٤) انظر: أحكام القرآن، لابن العربي (٢/ ٥٨٥).\n(٥) روح المعاني (١١/ ٣٠).","vol":"1","page":501},{"text":"المسلك الثاني: الترجيح بين الأحاديث:\nحيث ذهب آخرون إلى تضعيف الأحاديث الواردة في سبب نزول الآية، التي فيها أنَّ المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، وأنَّ الآية لا يصح فيها إلا حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\nقال ابن العربي: فإن قيل: إن حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «نزلت هذه الآية في أهل قباء: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت هذه الآية فيهم». يدل على أنَّ ضمير المتطهرين هو ضمير مسجد قباء.\nقلنا: هذا حديث لم يصح، والصحيح هو حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء. وقال آخر: هو مسجد رسول الله - ﷺ -. فقال رسول الله - ﷺ -: هو مسجدي هذا. اهـ (١)\nوقال الشوكاني: ولا يخفاك أنَّ النبي - ﷺ - قد عيَّن هذا المسجد الذي أسس على التقوى، وجزم بأنه مسجده - ﷺ -، كما قدمنا من الأحاديث الصحيحة، فلا يقاوم ذلك قول فرد من الصحابة ولا جماعة منهم ولا غيرهم، ولا يصح لإيراده في مقابلة ما قد صح عن النبي - ﷺ -، ولا فائدة في إيراد ما ورد في فضل الصلاة في مسجد قباء؛ فإن ذلك لا يستلزم كونه المسجد الذي أسس على التقوى، على أنَّ ما ورد في فضائل مسجده - ﷺ - أكثر مما ورد في فضل مسجد قباء بلا شك ولا شبهة تعم. اهـ (٢)\nوقال الآلوسي بعد أنْ ذكر المذهب الأول: «ولا يخفى بُعْد هذا الجمع، فإن ظاهر الحديث الذي أخرجه الجماعة عن أبي سعيد الخدري بمراحل عنه، ولهذا اختار بعض المحققين القول الثاني ....، وأما ما رواه\n_________\n(١) أحكام القرآن، لابن العربي (٢/ ٥٨٤ - ٥٨٥). بتصرف. ولابن العربي رأي آخر مضاد لهذا القول، حيث يرى أنَّ المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، ويرى تقديم حديث قباء على حديث أبي سعيد؛ لأن الرواة له أكثر. انظر: عارضة الأحوذي، لابن العربي (٢/ ١٠٤) و(١١/ ١٧٧).\n(٢) فتح القدير (٢/ ٥٨٩)، بتصرف.","vol":"1","page":502},{"text":"الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة - ﵁ -: «من أنَّ قوله جل وعلا: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) نزلت في أهل قباء وكانوا يستنجون بالماء». فهو لا يعارض نص رسول الله - ﷺ -.\nوأما ما رواه ابن ماجه عن أبي أيوب وجابر وأنس من أنَّ هذه الآية لما نزلت قال رسول الله - ﷺ -: «يا معشر الأنصار إن الله تعالى قد أثنى عليكم خيرًا في الطهور فما طهوركم هذا؟ قالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة. قال: فهل مع ذلك غيره؟ قالوا: لا، غير أنَّ أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحب أنْ يستنجي بالماء. قال - ﷺ -: هو ذاك فعليكموه». فلا يدل على اختصاص أهل قباء، ولا ينافي الحمل على أهل مسجده ﷺ».\nقال: «والجمع فيما أرى بين الأخبار والأقوال متعذر، وليس عندي أحسن من التنقير عن حال تلك الروايات صحة وضعفًا، فمتى ظهر قوة إحداهما على الأخرى عُوِّلَ على الأقوى، وظاهر كلام البعض يُشعر بأن الأقوى رواية ما يدل على أنَّ المراد مسجد الرسول - ﷺ -». اهـ (١)\nوممن ذهب إلى ترجيح حديث أبي سعيد:\nالطحاوي (٢)، والقاضي عياض (٣)، والنووي (٤)، وابن عطية (٥)، وأبو عبد الله القرطبي (٦)، والحافظ العراقي (٧)، والعيني (٨)، والسندي (٩)، والمُلا علي القاري (١٠).\nأدلة هذا المذهب:\nاستدل القائلون بأن مراد الآية هو مسجد النبي - ﷺ - دون مسجد قباء بأدلة منها:\n_________\n(١) روح المعاني (١١/ ٢٩ - ٣٠).\n(٢) شرح مشكل الآثار، للطحاوي (١٢/ ١٧٧).\n(٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٤/ ٥١٨).\n(٤) صحيح مسلم بشرح النووي (٩/ ٢٤٠).\n(٥) المحرر الوجيز، لابن عطية (٣/ ٨٢).\n(٦) تفسير القرطبي (٨/ ١٦٥).\n(٧) نقله عنه السيوطي في شرح سنن النسائي (٢/ ٣٥).\n(٨) عمدة القاري، للعيني (١٧/ ٤٩).\n(٩) حاشية السندي على سنن النسائي (٢/ ٣٦).\n(١٠) مرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (٢/ ٣٧١).","vol":"1","page":503},{"text":"الأول: حديث أبي سعيد - ﵁ -، وهو نص صحيح صريح في المسألة.\nالدليل الثاني: أنَّ المسجد النبوي أحق بالوصف بالتأسيس على التقوى من أول يوم، من مسجد قباء، لما ورد من أحاديث كثيرة في فضله. (١)\nالدليل الثالث: أنَّ التعبير بالقيام عن الصلاة في قوله: (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) يستدعي المداومة، ويعضده توكيد النهي بقوله: (أَبَدًا) [التوبة: ١٠٨]، ومداومة الرسول - ﷺ - لم توجد إلا في مسجده الشريف - ﷺ -. (٢)\nالدليل الرابع: أنَّ القول بأنه مسجد النبي - ﷺ - قد صح عن جمع لا يحصون من الصحابة ومن بعدهم، وهذا يؤكد أنَّ المراد به مسجد النبي - ﷺ - دون مسجد قباء. (٣)\nوأجاب أصحاب هذا المذهب عن سبب نزول الآية:\nبأن بعض طرق الحديث فيها ضعف، وبعضها ليس فيه تعيين مسجد قباء، وبعضها لا تصريح فيه بأن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، وإذ الأمر كذلك فإن هذه الأحاديث الواردة في سبب نزول الآية لا تقاوم الأحاديث الصحيحة الصريحة بأن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي - ﷺ -. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يظهر صوابه - والله تعالى أعلم - أنَّ المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد رسول الله - ﷺ -، دون مسجد قباء، وهذا ما دل عليه حديث أبي سعيد - ﵁ - الصحيح الصريح، وأما ما ورد في سبب نزول الآية؛ فإنه عند التحقيق لا يظهر أنه يخالف حديث أبي سعيد؛ ذلك أنَّ سبب النزول\n_________\n(١) انظر: روح المعاني، للآلوسي (١١/ ٢٩).\n(٢) انظر: المصدر السابق (١١/ ٢٩ - ٣٠).\n(٣) انظر: فيض القدير، للمناوي (٦/ ٢٦٩).\n(٤) انظر: فتح القدير، للشوكاني (٢/ ٥٩٠).","vol":"1","page":504},{"text":"لم يصح فيه أنَّ الآية نزلت في مسجد قباء، بل الصحيح أنها نزلت في رجال من الأنصار، وقد قمت بتقصي طرق سبب نزول الآية ووجدت أنها كلها لا تخلوا من ضعف، غير أنَّ الطرق التي فيها التصريح بذكر مسجد قباء ضعيفة جدًا، وقد استشكل جمع من العلماء هذه المسألة بسبب ذلك، لذا فإن القول المختار في سبب نزول الآية أنها نزلت في رجال من الأنصار كانوا في مسجد رسول الله - ﷺ -، وليسوا في مسجد قباء، والله تعالى أعلم.\nأدلة هذا الاختيار:\n١ - أنَّ الحديث الذي ورد فيه التصريح بأنه مسجد النبي - ﷺ - هو أقوى في الثبوت من أحاديث سبب نزول الآية، التي فيها أنها نزلت في مسجد قباء، حيث روي حديث مسجد النبي - ﷺ - في صحيح مسلم، وأما أحاديث سبب نزول الآية؛ فإن جميعها رويت من طرق لا تخلو من ضعف.\n٢ - أنَّ الأحاديث الواردة في سبب نزول الآية، التي فيها التصريح بذكر مسجد قباء، رويت عن ستة من الصحابة - كما تقدم في تخريج سبب النزول - إلا أنَّ هذه الأحاديث لا يصح الاحتجاج بها؛ لأن أسانيدها لا تخلو من راوٍ كذاب، أو ضعيف جدًا.\n٣ - أنَّ النص الصريح الصحيح المرفوع للنبي - ﷺ - مقدم على سبب النزول، وذلك عند التعارض. (١)\n٤ - أنَّ قوله تعالى: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) ليس المراد به: من أول أيام قدوم النبي - ﷺ - لدار الهجرة، بل المراد من أول أيام تأسيس المسجد، والمعنى أنه أسس أول ما أسس على التقوى، لا على الضرار والكفر، يدل على هذا المعنى أنَّ هذه الآية وردت في مقابل الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧» [التوبة: ١٠٧] فمسجد الضرار أسس أول ما أسس على الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، لذلك أمر الله تعالى نبيه - ﷺ - بإحراقه\n_________\n(١) انظر: روح المعاني، للآلوسي (١١/ ٢٩).","vol":"1","page":505},{"text":"وهدمه (١)؛ لأن بناءه لم يكن على أساس من التقوى والرضوان، وأما المسجد النبوي فأسس أول ما أسس على تقوى من الله ورضوان، ويؤيد هذا المعنى أيضًا قوله في الآية التي بعدها: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [التوبة: ١٠٩] فهذه الآية صريحة بأن المراد من أول أيام تأسيس المسجد، وأنه أسس أول ما أسس على التقوى.\n٥ - ومما يؤكد أنَّ المراد مسجد النبي - ﷺ - قوله في الآية: (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) حيث أمر الله تعالى نبيه - ﷺ - بالقيام فيه، ومعلوم أنَّ النبي - ﷺ - لم يُدِم القيام بمسجد قباء، وإنما كان يزوره ويصلي فيه في الأسبوع مرة واحدة (٢)، والذي كان يداوم على الصلاة فيه هو مسجده الذي في جوف المدينة، وما كان للنبي - ﷺ - أنْ يخالف أمر ربه ﵎ فيترك مسجد قباء، وقد أُمِرَ بالقيام فيه، وإنما أمر بالقيام في مسجده - ﷺ -، والذي هو مراد الآية.\nالإيرادات والاعتراضات على هذا الاختيار:\nالإيراد الأول: أنه قد صح عن ابن عباس - ﵁ - أنَّ المراد بالآية مسجد قباء (٣)، وهذا يدل على أنَّ لسبب النزول أصلًا صحيحًا.\n_________\n(١) قصة مسجد الضرار وأمر الله تعالى نبيه - ﷺ - بهدمه، أخرجها ابن جرير في تفسيره (٦/ ٤٦٩ - ٤٧٠)، وذكرها الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ٤٠٣)، وفي البداية والنهاية (٥/ ٢٠).\n(٢) عن ابن عمر - ﵁ - قال: «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ، مَاشِيًا وَرَاكِبًا، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَفْعَلُهُ». أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجمعة، حديث (١١٩٣)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (١٣٩٩).\n(٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٤٧٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٨٢)، كلاهما من طريق أبي صالح كاتب الليث، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، به. وإسناده حسن.\nوممن قال من المفسرين إنَّ المراد به مسجد قباء: عروة بن الزبير، وعطية العوفي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والشعبي، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعبد الله بن بريدة، والضحاك.\nانظر: تفسير الطبري (٦/ ٤٧٤)، وتفسير ابن أبي حاتم (٦/ ١٨٨٢).","vol":"1","page":506},{"text":"والجواب: أنه قد صح أيضًا عن ابن عمر (١)، وزيد بن ثابت (٢)، أنَّ المراد بالآية مسجد النبي - ﷺ -، وليس قول بعض الصحابة بحجة على بعض إلا إذا اتفقوا، وليس في الآية اتفاق، فلم يبق إلا اعتبار الحديث.\nالإيراد الثاني: أنه روي عن ستة من الصحابة أنَّ الآية نزلت في أهل قباء، وهي وإن كانت ضعيفة إلا إنه يشد بعضها بعضًا؛ لأن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أنَّ للقصة أصلًا. (٣)\nوالجواب: أنَّ القول بتقوية الحديث بكثرة طرقه ليس على إطلاقه، وقد نبّه على ذلك غير واحد من علماء الحديث المحققين، منهم الحافظ أبو عمرو بن الصلاح (٤)، حيث قال: «لعل الباحث الفهم يقول: إنا نجد أحاديث محكومًا بضعفها، مع كونها قد رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة ....، فهلا جعلتم ذلك وأمثاله من نوع الحسن؛ لأن بعض ذلك عضد بعضًا، كما قلتم في نوع الحسن على ما سبق آنفًا؟\nوجواب ذلك: أنه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت، فمنه ما يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئًا من ضعف حفظ راويه، ولم يختل فيه ضبطه له ....، ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك لقوة الضعف، وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته، وذلك كالضعيف الذي ينشأ من كون الراوي متهمًا بالكذب، أو كون الحديث شاذًا، وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة». اهـ (٥)\nالإيراد الثالث: أنَّ الأحاديث التي فيها أنَّ الآية نزلت في رجال من\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٤٧٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ١٤٨)، كلاهما من طريق ربيعة بن عثمان، عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع، عن ابن عمر، به. وإسناده حسن.\n(٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٤٧٣)، والطبراني في الكبير (٥/ ١٢٦، ١٣٣). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٣٤): «رواه الطبراني مرفوعًا وموقوفًا ....، وأحد إسنادي الموقوف رجاله رجال الصحيح». اهـ\n(٣) انظر: فتح الباري، لابن حجر (٨/ ٢٩٣).\n(٤) هو: عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي النصر النصري الشهرزوري الكردي الشرخاني، أبو عمرو، تقي الدين، المعروف بابن الصلاح: أحد الفضلاء المقدمين في التفسير والحديث والفقه، ولد في شرخان (قرب شهرزور) وانتقل إلى الموصل ثم إلى خراسان، فبيت المقدس حيث ولي التدريس في الصلاحية. وانتقل إلى دمشق، فولاه الملك الأشرف تدريس دار الحديث، وتوفي فيها. له كتاب (معرفة أنواع علم الحديث) يعرف بمقدمة ابن الصلاح، و(الأمالي) و(الفتاوى) جمعه بعض أصحابه، وغيرها. (ت: ٦٤٣ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (٢٣/ ١٤٠)، والأعلام، للزركلي (٤/ ٢٠٧).\n(٥) مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، ص (٣٤ - ٣٥).","vol":"1","page":507},{"text":"الأنصار هي أيضًا ضعيفة، فكيف اعتمدتموها وطرحتم بقية الأحاديث التي فيها ذكر مسجد قباء؟\nوالجواب: أنَّ هذه الأحاديث أقوى إسنادًا من بقية الأحاديث التي فيها ذكر مسجد قباء، وقد صححها بعض العلماء كما تقدم في تخريج الحديث، ورواتها مختلف في توثيقهم، ولكن لما رويت من عدة طرق صح اعتبارها.\nالإيراد الرابع: أنَّ القول بأن الآية نزلت في رجال من الأنصار -كانوا إذا خرجوا من الغائط يغسلون أثر الغائط فنزلت فيهم هذه الآية - يلزم منه أنها نزلت في أهل قباء؛ لأنهم هم الذين كانوا يفعلون ذلك.\nوالجواب: أنَّ الأنصار كانوا في مسجد رسول الله - ﷺ - وفي مسجد قباء، ومسجده - ﷺ - كان معمورًا بالمهاجرين والأنصار، ومن سواهم من الصحابة، وليس هناك ما يدل على أنَّ أولئك الرجال كانوا في مسجد قباء خاصة، إلا ما ورد في سبب نزول الآية، وقد تقدم أنَّ ذلك لا يصح، والله تعالى أعلم. (١)\n\n****\n_________\n(١) انظر: شرح مشكل الآثار، للطحاوي (١٢/ ١٧٧)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (١١/ ٣٢).","vol":"1","page":508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>المسألة [٣]: في تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) [</span>النجم: ٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠» [النجم: ٥ - ١٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>المبحث الثاني: ذكر الأحاديث الواردة في تفسير الآية، التي يُوهِم ظاهرها التعارض فيما بينها:</span>\n(٦٨) - (٥٩): عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - ﵁ - يَقُولُ - لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ .... - فَذَكَرَ حديثَ الإسراء بطوله، وفيه: «... ثُمَّ عَلَا بِهِ (١) فَوْقَ ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، وَدَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى، حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى اللَّهُ فِيمَا أَوْحَى إِلَيْهِ: خَمْسِينَ صَلَاةً عَلَى أُمَّتِكَ، كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ...». (٢)\n_________\n(١) أي علا جبريل بالنبي - ﷺ -.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التوحيد، حديث (٧٥١٧)، وأخرجه مختصرًا: مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٦٢)، قال: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ - وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ - قَالَ: =","vol":"1","page":509},{"text":"(٦٩) - (٦٠): وَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: «كُنْتُ مُتَّكِئًا عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَائِشَةَ، ثَلَاثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ. قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ محمدًا - ﷺ - رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ. قَالَ: وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْظِرِينِي وَلَا تَعْجَلِينِي، أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ ﷿: (وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣» [التكوير: ٢٣] (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣» [النجم: ١٣]؟ فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: «إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنْ السَّمَاءِ، سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ». (١)\n(٧٠) - (..): وفي رواية: قَالَ مَسْرُوق: «قُلْتُ لِعَائِشَةَ: فَأَيْنَ قَوْله: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠»؟ قَالَتْ: إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ ﵇، كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرِّجَالِ، وَإِنَّهُ أَتَاهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ، فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ». (٢)\n(٧١) - (٦١): وَعَنْ أبي إِسْحَاقٍ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﷿: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩» قَالَ: «أَخْبَرَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ -، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ». (٣)\n_________\n= حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - ﵁ - يُحَدِّثُنَا عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ نَحْوَ حَدِيثِ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، وَقَدَّمَ فِيهِ شَيْئًا وَأَخَّرَ، وَزَادَ وَنَقَصَ.\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٧٧)، وأخرجه بنحوه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (٤٨٥٥).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب بدء الخلق، حديث (٣٢٣٥)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (٢٩٠) - (١٧٧).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب بدء الخلق، حديث (٣٢٣٢)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٧٤).\nوأخرجه مرفوعًا ابن جرير في تفسيره =","vol":"1","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الأحاديث:</span>\nظاهرُ حديثِ أنس - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - لما أُسريَ به، دنا منه الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، وهذا الدنو يُفْهَمُ منه أنه هو المراد من قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩».\nوأمَّا حديثُ عائشةَ وابنِ مسعود - ﵄ - فظاهرهما يُوهِم مُعارضة حديث أنس؛ لأنهما نسبا الدنو والتدلي في الآية لجبريل ﵇، وهما وإنْ لم يُصَرِّحَا برَفْعِ ذلك للنبي - ﷺ -؛ إلا أنَّ تفسيرهما هذا في حكم المرفوع؛ لأنَّ مثله لا يُقال بالرأي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الأحاديث:</span>\nاختلف العلماء في تفسير الآية، وفي دفع التعارض بين الأحاديث على مذاهب:\n_________\n= (١١/ ٥٠٨) قال: حدثنا ابن أبي الشوارب قال: ثنا عبد الواحد بن زياد قال: ثنا سليمان الشيباني قال: ثنا زر بن حبيش قال: قال عبد الله في هذه الآية: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩» قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رأيت جبريل له ست مائة جناح».\nوأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٤٦)، من طريق أبي الشوارب، به.\nإلا أن ابن أبي الشوارب لم يُتابع في رفعه، فقد أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (٤٨٥٦) قال: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بن زياد، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ زِرًّا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠» قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ: «أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ».\nوابن أبي الشوارب اسمه محمد بن عبد الملك، صدوق، روى له مسلم وغيره. انظر: تقريب التهذيب، لابن حجر (٢/ ١٩٥).\n(١) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: صحيح ابن حبان (١/ ٢٥٦)، والفصول في اختصار سيرة الرسول، لابن كثير (١/ ٢٤٤)، وفتح الباري، لابن حجر (٧/ ٢٥٧) و(١٣/ ٤٩٣).","vol":"1","page":511},{"text":"الأول: أنَّ الدنو والتدلي في الآية المراد به دنو جبريل ﵇، من محمد - ﷺ -.\nوهذا التفسير هو الثابت عن عائشة، وابن مسعود، ﵄، وقد تقدم.\nوروي عن الحسن البصري (١)، وقتادة (٢)، والربيع بن أنس (٣).\nوهو مذهب الجمهور من المفسرين والمحدثين (٤)، وممن قال به:\nابن جرير الطبري، وأبو الليث السمرقندي، والخطابي، والبيهقي، والواحدي، والسمعاني، والقاضي عياض، وابن عطية، والفخر الرازي، وأبو عبد الله القرطبي، والبيضاوي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والحافظ ابن كثير، وابن أبي العز الحنفي، وابن جماعة، والشوكاني، والآلوسي، والقاسمي، والشنقيطي. (٥)\nوقد ذكر الإمام ابن القيم عدة أدلة تؤيد هذا المذهب:\n«الأول: أنَّ الله تعالى قال: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥» [النجم: ٥]، وهذا جبريل الذي وصفه الله بالقوة في سورة التكوير فقال: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠» [التكوير: ١٩ - ٢٠].\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٥٠)، وابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٠٧).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٥٠)، وابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٠٧).\n(٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٠٧)، وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٧٩٣).\n(٤) حكاه مذهب الجمهور: البيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٣٥٤)، والقاضي عياض في «الشفا»\n(١/ ١٣٠)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (٥/ ١٩٧).\n(٥) انظر على الترتيب: تفسير الطبري (١١/ ٥٠٦)، وتفسير أبي الليث السمرقندي (٣/ ٢٨٩)، وأعلام الحديث، للخطابي (٣/ ١٩١٦)، ودلائل النبوة، للبيهقي (٢/ ٣٨٥)، والوسيط في تفسير القرآن المجيد، للواحدي (٤/ ١٩٣)، وتفسير السمعاني (٥/ ٢٨٥ - ٢٨٦)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (١/ ١٣٠)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (٥/ ١٩٧)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٢٨/ ٢٤٧)، وتفسير القرطبي (١٧/ ٦٠)، وتفسير البيضاوي (٥/ ٢٥٣)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (١١/ ٢٣٤)، ومدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ٣٠٠)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٥) و(٤/ ٢٦٦ - ٢٦٧)، وشرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (١/ ٢٧٦)، وإيضاح الدليل، لابن جماعة (١/ ١٤٤)، وفتح القدير، للشوكاني (٥/ ١٥٠)، وروح المعاني، للآلوسي (٢٧/ ٦٩)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (٩/ ٦٣)، وأضواء البيان، للشنقيطي (٣/ ٤٠١).","vol":"1","page":512},{"text":"الثاني: أنه تعالى قال: (ذُو مِرَّةٍ) أي حسن الخلق، وهو الكريم المذكور في سورة التكوير.\nالثالث: أنه قال: (فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧» وهو ناحية السماء العليا، وهذا استواء جبريل بالأفق الأعلى، وأما استواء الرب ﷻ فعلى عرشه.\nالرابع: أنه قال: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤»، والمرئي عند السدرة هو جبريل قطعًا، وبهذا فسره النبي - ﷺ -، فعن عائشة ﵂ قالت: سألتُ رسولَ الله - ﷺ - عن هذه الآية فقال: «جبريل، لم أرَهُ في صورته التي خُلِقَ عليها إلا مرتين». (١)\nالخامس: أنَّ مُفَسِّرَ الضمير في قوله: (وَلَقَدْ رَآهُ) وفي قوله: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨»، وفي قوله: (فَاسْتَوَى)، وفي قوله: (وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧» واحد، فلا يجوز أنْ يُخالف بين المُفَسِّر والمُفَسَّر من غير دليل.\nالسادس: أنه سبحانه ذكر في هذه السورة الرسولين الكريمين، الملكي والبشري، ونزَّه البشري عن الضلال والغواية، ونزَّه الملكي عن أنْ يكون شيطانًا قبيحًا ضعيفًا؛ بل هو قوي كريم حسن الخلق، وهذا نظير الوصف المذكور في سورة التكوير سواء.\nالسابع: أنَّه أخبر هناك أنه رآه بالأفق المبين، وهاهنا أخبر أنه رآه بالأفق الأعلى، وهو واحدٌ وُصِفَ بصِفَتين، فهو مُبين، وهو أعلى؛ فإنَّ الشيء كلما علا: بَانَ وظَهَر.\nالثامن: أنَّه قال: (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦» والمرة الخلق الحسن المحكم، فأخبر عن حُسْنِ خُلُقِ الذي عَلَّمَ النبي - ﷺ -، ثم ساق الخبر كله عنه نسقًا واحدًا.\nالتاسع: أنَّه لو كان خبرًا عن الرب تعالى لكان القرآن قد دَلَّ على أنَّ رسول الله - ﷺ - رأى ربه سبحانه مرتين، مرَّة بالأفق، ومرَّة عند السدرة، ومعلوم أنَّ الأمر لو كان كذلك لم يَقُلْ النبي - ﷺ - لأبي ذر وقد سأله هل رأيت ربك؟\n_________\n(١) تقدم تخريجه في أول المسألة.","vol":"1","page":513},{"text":"فقال: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» (١)، فكيف يُخبر القرآن أنه رآه مرتين ثم يقول رسول الله - ﷺ - أنى أراه؟ وهذا أبلغ من قوله: لم أره؛ لأنه مع النفي يقتضي الإخبار عن عدم الرؤية فقط، وهذا يَتضمن النفي وطرفًا من الإنكار على السائل، كما إذا قال لرجل: هل كان كيت وكيت؟ فيقول: كيف يكون ذلك؟\nالعاشر: أنَّه لم يَتَقدَّم للرب ﷻ ذِكرٌ يعود الضمير عليه في قوله: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨»، والذي يعود الضمير عليه لا يَصْلُحُ له، وإنما هو لعبده.\nالحادي عشر: أنَّه كيف يعود الضمير إلى ما لم يُذكر، ويُترك عُودُه إلى المذكور مع كونه أولى به.\nالثاني عشر: أنَّه قد تقدم ذِكُرُ «صاحبكم»، وأعاد عليه الضمائر التي تليق به، ثم ذكر بعده شديد القوى، ذا المرة، وأعاد عليه الضمائر التي تليق به، والخبر كله عن هذين المُفَسَّرين، وهما الرسول الملكي، والرسول البشري.\nالثالث عشر: أنَّه سبحانه أخبر أنَّ هذا الذي دنا فتدلى كان بالأفق الأعلى، وهو أفق السماء، بل هو تحتها قد دنا من رسول رب العالمين، ودنو الرب تعالى وتدليه على ما في حديث شريك كان من فوق العرش، لا إلى الأرض.\nالرابع عشر: أنهم لم يُمارُوه صلوات الله وسلامه عليه على رؤية ربه، ولا أخبرهم بها لتقع مماراتهم له عليها، وإنما ماروه على رؤية ما أخبرهم من الآيات التي أراه الله إياها، ولو أخبرهم الرب تعالى لكانت مماراتهم له عليها أعظم من مماراتهم على رؤية المخلوقات.\nالخامس عشر: أنَّه سبحانه قرَّر صحة ما رآه الرسول - ﷺ -، وأنَّ مماراتهم له على ذلك باطلة بقوله: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨» [النجم: ١٨]، فلو كان المرئي هو الرب ﷾، والمماراة على ذلك منهم، لكان تقرير تلك الرؤية أولى، والمقام إليها أحوج». (٢)\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٧٨).\n(٢) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ٣٠٠ - ٣٠٢).","vol":"1","page":514},{"text":"وقد اختلف أصحاب هذا المذهب في الجواب عن حديث أنس - ﵁ -، والذي يُوهِمُ ظاهره أنَّ الذي دنا فتدلى في الآية هو الجبار رب العزة، وقد ذكروا أجوبة منها:\nالأول: أنَّ قوله في حديث أنس: «وَدَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى»، زيادة شاذة؛ لم تُرْوَ عن أنس - ﵁ - إلا من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر (١)، وهي مما تَفَرَّدَ به في روايته لحديث الإسراء. (٢)\nوهذا جواب: الخطابي (٣)، وابن حزم (٤)، والبيهقي (٥)، وعبد الحق\n_________\n(١) هو: شريك بن عبد الله بن أبي نمر القرشي، وقيل: الليثي، أبو عبد الله المدني، روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، وابن ماجة. قال ابن معين، والنسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال ابن عدي: إذا روى عنه ثقة فلا بأس برواياته. وقال الآجري، عن أبي داود: ثقة. وقال النسائي أيضًا: ليس بالقوي. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أخطأ. وقال ابن الجارود: ليس به بأس، وليس بالقوي، وكان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه.\nانظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (٤/ ٢٩٦).\n(٢) ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣/ ٤٩٣ - ٤٩٤) أنَّ مجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره من الحفاظ - في حديث الإسراء - اثنا عشر أمرًا:\nالأول: أمكنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في السماوات، وقد أفصح بأنه لم يضبط منازلهم.\nالثاني: كون المعراج قبل البعثة.\nالثالث: كونه منامًا.\nالرابع: مخالفته في محل سدرة المنتهى، وأنها فوق السماء السابعة بما لا يعلمه الا الله، والمشهور أنها في السابعة أو السادسة.\nالخامس: مخالفته في النهرين، وهما النيل والفرات، وأن عنصرهما في السماء الدنيا، والمشهور في غير روايته أنهما في السماء السابعة، وأنهما من تحت سدرة المنتهى.\nالسادس: شق الصدر عند الإسراء.\nالسابع: ذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا، والمشهور في الحديث أنه في الجنة.\nالثامن: نسبة الدنو والتدلي إلى الله ﷿، والمشهور في الحديث أنه جبريل.\nالتاسع: تصريحه بأن امتناعه ﷺ من الرجوع إلى سؤال ربه التخفيف كان عند الخامسة، ومقتضى رواية ثابت عن أنس أنه كان بعد التاسعة.\nالعاشر: قوله: «فعلا به الجبار وهو مكانه».\nالحادي عشر: رجوعه بعد الخمس، والمشهور في الأحاديث أن موسى ﵊ أمره بالرجوع بعد أن انتهى التخفيف إلى الخمس فامتنع.\nالثاني عشر: زيادة ذكر التور في الطست.\n(٣) أعلام الحديث، للخطابي (٤/ ٢٣٥٣).\n(٤) نقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٤٩٣).\n(٥) دلائل النبوة، للبيهقي (٢/ ٣٨٥)، والأسماء والصفات (٢/ ٣٥٧).","vol":"1","page":515},{"text":"الإشبيلي (١)، وابن جماعة (٢)، وابن رجب (٣).\nقال الخطابي: «إنَّ الذي وقع في هذه الرواية - من نسبة التدلي للجبار ﷿ - مُخَالِفٌ لعامة السلف، والعلماء، وأهل التفسير، من تقدم منهم ومن تأخر ...، قال: وقد رُوي هذا الحديث عن أنس من غير طريق شريك فلم يُذكر فيه هذه الألفاظ الشنيعة، وذلك مما يقوي الظن أنها صادرة من جهة شريك». اهـ (٤)\nوقال ابن حزم: «لم نجد للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئًا لا يحتمل مخرجًا إلا حديثين». ثم ذكر حديث أنس فقال: «وفيه ألفاظٌ مُعْجَمة، والآفة من شريك، من ذلك قوله: «قبل أن يُوحى إليه» (٥)، وأنه حينئذ فرض عليه الصلاة، قال: وهذا لا خلاف بين أحد من أهل العلم إنما كان قبل الهجرة بسنة، وبعد أن أوحي إليه بنحو اثنتي عشرة سنة، ثم قوله: «إن الجبار دنا فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى»، وعائشة ﵂ تقول: إن الذي دنا فتدلى جبريل». اهـ (٦)\nوقال البيهقي: «ليس في رواية ثابت عن أنس لفظ الدنو والتدلي، ولا لفظ المكان، وروى حديث المعراج: ابن شهاب الزهري، عن أنس بن مالك - ﵁ -، عن أبي ذر، وقتادة، عن مالك بن صعصعة، ليس في حديث واحد منهما شيء من ذلك». (٧)\nقال: «وفي حديث شريك زيادة تفرد بها على مذهب من زعم أنه - ﷺ - رأى الله ﷿، وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤيته - ﷺ - جبريل أصح». اهـ (٨)\n_________\n(١) الجمع بين الصحيحين (١/ ١٢٧ - ١٢٨).\n(٢) إيضاح الدليل، لابن جماعة (١/ ١٤٥).\n(٣) فتح الباري، لابن رجب (٢/ ١١٤).\n(٤) أعلام الحديث، للخطابي (٤/ ٢٣٥٢ - ٢٣٥٣).\n(٥) تقدم في أول المسألة تخريج حديث شريك، وذكرته هناك مختصرًا، وهذه اللفظة منه.\n(٦) نقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣/ ٤٣٩).\n(٧) الأسماء والصفات، للبيهقي (٢/ ٣٥٧).\n(٨) دلائل النبوة، للبيهقي (٢/ ٣٨٥).","vol":"1","page":516},{"text":"وقال عبد الحق الإشبيلي - في الجمع بين الصحيحين -: «زاد فيه - يعني شريكًا - زيادة مجهولة، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى الإسراء جماعة من الحفاظ فلم يأتِ أحدٌ منهم بما أتى به شريك، وشريكٌ ليس بالحافظ عند أهل الحديث». اهـ (١)\nوقال ابن جماعة (٢): «وأما حديث شريك بن أبي نمر الطويل؛ فقد خَلَّطَ فيه، وزاد زيادات لم يروها غيره ممن هو أحفظ منه، وليس في رواية ثابت، ولا قتادة عن أنس لفظ الدنو، ولا التدلي، ولا المكان، ولا في رواية الزهري، عن أنس وأبي ذر، وذَكَرَ شريكٌ في حديثه ما يدل على أنه لم يحفظ الحديث على ما ينبغي؛ فإنه خلَّط في مقامات الأنبياء، وقال في آخر حديثه: «فاستيقظ وهو في المسجد الحرام»، والمعراج إنما كان رؤية عين». اهـ (٣)\nوقد سبق إلى التنبيه على ما في رواية شريك من المخالفة مسلم في صحيحه فإنه قال - بعد أنْ ساق سند الحديث وبعض المتن -: «وَقَدَّمَ فِيهِ شَيْئًا وَأَخَّرَ، وَزَادَ وَنَقَصَ». اهـ (٤)\nإلا أنَّ الحافظ أبا الفضل ابن طاهر (٥) لم يرتضِ دعوى تَفَرُّدِ شريكٍ بهذه الزيادة، حيث قال: «تعليل الحديث بتفرد شريك، ودعوى ابن حزم أنَّ الآفة منه، شيء لم يُسبق إليه؛ فإنَّ شريكًا قَبِلَهُ أئمة الجرح والتعديل، ووثقوه، ورووا عنه، وأدخلوا حديثه في تصانيفهم، واحتجوا به، وروى عبد الله بن أحمد الدورقي، وعثمان الدارمي، وعباس الدوري، عن يحيى بن معين أنه قال: لا بأس به. وقال ابن عدي: مشهور من أهل المدينة، حدث عنه مالك وغيره من الثقات، وحديثه إذا روى عنه ثقة لا بأس به؛ إلا أن يروي عنه ضعيف (٦).\nقال ابن طاهر: وحديثه هذا رواه عنه ثقة، وهو سليمان بن بلال. قال:\n_________\n(١) الجمع بين الصحيحين (١/ ١٢٧ - ١٢٨)، باختصار.\n(٢) هو: محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، الكناني، الحموي، الشافعي، بدر الدين، أبو عبد الله: من العلماء بالحديث وسائر علوم الدين، ولد في حماة، وولي الحكم والخطابة بالقدس، ثم القضاء بمصر، فقضاء الشام، ثم قضاء مصر إلى أن شاخ وعمي، له تصانيف، منها: «كشف المعاني في المتشابه من المثاني» و«تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم»، وغيرها، توفي في مصر سنة (٧٣٣هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٥/ ٢٩٧).\n(٣) إيضاح الدليل، لابن جماعة (١/ ١٤٥).\n(٤) تقدم توثيقه عند تخريج حديث أنس في أول المسألة.\n(٥) هو: محمد بن طاهر بن علي بن أحمد، أبو الفضل ابن أبي الحسين بن القيسراني، المقدسي، الأثري، الظاهري، الصوفي، كان ثقة، صدوقًا، حافظًا، عالمًا بالصحيح والسقيم، حسن المعرفة بالرجال والمتون، كثير التصانيف، لازمًا للأثر، بعيدًا من الفضول والتعصب، كثير الحج والعمرة، مات ببغداد منصرفًا من الحج سنة (٥٠٧ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٩/ ٣٦١).\n(٦) انظر: الكامل في ضعفاء الرجال، لابن عدي (٤/ ٥).","vol":"1","page":517},{"text":"وعلى تقدير تسليم تفرده برواية «قبل أن يوحى إليه»؛ فإنَّ ذلك لا يقتضي طرح حديثه، فوهم الثقة في موضع من الحديث لا يُسقط جميع الحديث، ولا سيما إذا كان الوهم لا يستلزم ارتكاب محذور، ولو تُرِك حديث من وَهِمَ في تاريخ، لتُرِكَ حديثُ جماعة من أئمة المسلمين». اهـ (١)\nوكذا الحافظ ابن حجر، فإنه يميل إلى تقوية شريك، ويدفع دعوى تفرده بهذه الزيادة؛ فإنه قال بعد أن أورد إنكار الأئمة المتقدمين: «وفي دعوى التفرد نظر؛ فقد وافقه كثير بن خنيس - بمعجمة ونون، مصغر - عن أنس، كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في «كتاب المغازي» من طريقه». اهـ (٢)\n_________\n(١) نقله عنه الحافظُ ابن حجر في الفتح (١٣/ ٤٩٣).\n(٢) فتح الباري، لابن حجر (١٣/ ٤٨٨). ورواية سعيد بن يحيى الأموي لم أقف عليها، وقد أخرجه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٠٩) قال: حدثنا خلاد بن أسلم قال: أخبرنا النضر، أخبرنا محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن كثير، عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لما عرج بي مضى جبريل حتى جاء الجنة، قال: فدخلت، فأعطيت الكوثر، ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى، فدنا ربك فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى».\nوأخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٢/ ٥٣٠)، حديث (٣١٧)، قال: ثنا أبو عمار الحسين بن حريث، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن محمد بن عمرو، قال: ثنا كثير بن حبيش، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بينما أنا مضطجع في المسجد ....»، ثم ذكر حديثًا طويلًا في قصة الإسراء، وفيه: «ثم عرج بي حتى جاء سدرة المنتهى، فدنا إلى ربه فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، ففرض علي وعلى أمتي خمسين صلاة».\nوكثير: اختلف في اسم أبيه فقيل: خنيس، بالخاء والسين، وقيل: حبيش، بالحاء والشين، وقد ترجم له البخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ٢٠٩) وذكره باسم: كثير بن حبيش، ثم ذكر بعده كثير بن خنيس، وذكر ابن حبان في «الثقات» (٧/ ٣٤٩) - تبعًا للبخاري - ترجمتين: بالخاء المعجمة، ثم بالحاء المهملة والشين المعجمة، فقال - في الذي أوله معجمة -: «روى عن أنس»، وفي الذي أوله مهملة: «روى عن عمرة». وأما ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٧/ ١٥٠) فلم يضبط أباه، وقال: «سمعت أبى يقول: هما واحد». ورجح ابن ماكولا أن أباه «حبيش» بالحاء المهملة، ثم الموحدة، ثم المعجمة، مع التصغير، وأما أقوال النقاد فيه: فقد ضعفه الأزدي، ووثقه ابن حبان، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: هو مديني مستقيم الحديث، لا بأس بحديثه. انظر: لسان الميزان، لابن حجر =","vol":"1","page":518},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (٤/ ٤٨١)، وتعجيل المنفعة، له (١/ ٣٤٧).\nوهناك متابعة أخرى لشريك، أخرجها ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٤٢٠ - ٤٢١)، قال: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا هارون بن المغيرة، وحكام بن سلم، عن عنبسة، عن أبى هاشم الواسطي، عن ميمون بن سياه، عن أنس بن مالك قال: «لما كان حين نبئ النبي - ﷺ - ....» ثم ذكر حديثًا طويلًا، وفيه: «ثم خرج إلى سدرة المنتهى، وهى سدرة نبق، أعظمها أمثال الجرار، وأصغرها أمثال البيض، فدنا ربك، فكان قاب قوسين أو أدنى، فجعل يتغشى السدرة من دنو ربها أمثال الدر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ ....».\nوقد أورد هذه المتابعة الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣/ ٤٩١ - ٤٩٢) وسكت عنها.\nوميمون بن سياه: روى له البخاري في صحيحه، والنسائي، وقد اختلف النقاد في توثيقه، فقال: الدوري، عن يحيى بن معين: ضعيف. وقال أبو حاتم: ثقة. وقال أبو داود: ليس بذاك. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ ويخالف. ثم أعاد ذكره في الضعفاء فقال: ينفرد بالمناكير عن المشاهير، لا يحتج به إذا انفرد. وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف. وقال حمزة، عن الدارقطني: يحتج به. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (١٠/ ٣٤٧).\nقلت: الأقرب في حاله أنه صدوق يخطئ، كما وصفه الحافظ ابن حجر في «التقريب» (٢/ ٢٩٦).\nوثمة متابعة أخرى رواها البيهقي في الدلائل (٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣)، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن سختويه، قال: حدثنا أبو مسلم، ومحمد بن يحيى بن المنذر، قالا: حدثنا حجاج بن منهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - قال: «أتيت بالبراق ....»، ثم ذكر حديث الإسراء بطوله، وفيه: «ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى، فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي، تغيرت فما أحد من خلق الله ﷿ يستطيع أن ينعتها من حسنها، قال: فدنا فتدلى فأوحى إلى عبده ما أوحى، وفرض علي في كل يوم خمسين صلاة ....».\nهكذا رواه بزيادة: «فدنا فتدلى فأوحى إلى عبده ما أوحى»، وهذه الزيادة شاذة ومنكرة، لم يُتابع عليها حجاج بن منهال - إن كانت منه - وقد روى الحديث عن حماد بن سلمة: شيبانُ بن فروخ، والحسنُ بن موسى، ولم يذكرا هذه الزيادة، رواه عن شيبان بن فروخ: الإمام مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٦٢)، ورواه عن الحسن: الإمام أحمد في مسنده (٣/ ١٤٨).\nوقد أعل هذه الرواية البيهقي في الدلائل (٢/ ٣٨٥) فإنه قال - بعد روايته للحديث -: «ورواه مسلم في الصحيح، عن شيبان بن فروخ، عن حماد بن سلمة؛ إلا أنه لم يذكر قوله: «فدنا فتدلى» وإنما قال: فأوحى إلى عبده ما أوحى. فيحتمل أن تكون زيادة في الحديث غير محفوظة؛ =","vol":"1","page":519},{"text":"قال: «والأولى التزام ورود المواضع التي خالف فيها غيره، والجواب عنها؛ إما بدفع تفرده، وإما بتأويله على وفاق الجماعة». اهـ (١)\nالجواب الثاني: أنَّ الحديث موقوف على أنس - ﵁ -.\nذكر هذا الجواب: الخطابي (٢)، والبيهقي (٣)، وابن جماعة (٤).\nقال الخطابي مشيرًا إلى رفع الحديث من أصله: «ثم إنَّ القصة بطولها إنما هي حكاية يحكيها أنس من تلقاء نفسه، لم يَعْزُهَا إلى النبي - ﷺ -، ولا نقلها عنه، ولا أضافها إلى قوله، فحاصل الأمر في النقل أنها من جهة الراوي، إما من أنس، وإما من شريك؛ فإنه كثير التفرد بمناكير الألفاظ التي لا يُتابعه عليها سائر الرواة». اهـ (٥)\nوقال ابن جماعة: «ثم الحكاية كلها موقوفة على أنس من تلقاء نفسه، لم يرفعها إلى النبي - ﷺ -، ولا رواها عنه، ولا عزاها إلى قوله، وقد روت عائشة، وابن مسعود، وأبو هريرة مرفوعًا (٦): أنَّ المراد بالآية المذكورة جبريل، وهم أحفظ وأكثر، فكيف يُترك لحديث شريك، وفيه ما فيه». اهـ (٧)\n_________\n= فإن كانت محفوظة كما رواه حجاج بن منهال، وكما رواه شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك، فيحتمل أن يكون جبريل ﵇ فعل ذلك بالنبي - ﷺ - حين رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، كما فعله في المرة الأولى». اهـ\nالنتيجة: الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أنَّ هاتين المتابعتين لا يتقوى بهما حديث شريك؛ وذلك لاختلاف النقاد في توثيق كثير بن حبيش، وميمون بن سياه، ولما في روايتهما من المخالفة للجم الغفير من الرواة عن أنس، وسيأتي مزيد بيان لذلك في مبحث الترجيح، إن شاء الله تعالى.\n(١) فتح الباري، لابن حجر (١٣/ ٤٩٣).\n(٢) أعلام الحديث، للخطابي (٤/ ٢٣٥٣).\n(٣) الأسماء والصفات، للبيهقي (٢/ ٣٥٧).\n(٤) إيضاح الدليل، لابن جماعة (١/ ١٤٥).\n(٥) أعلام الحديث، للخطابي (٤/ ٢٣٥٣).\n(٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ في قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣» [النجم: ١٣] قَالَ: «رَأَى جِبْرِيلَ». أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٧٥). ولم أقف عليه مرفوعًا من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(٧) إيضاح الدليل، لابن جماعة (١/ ١٤٥)، وانظر: الأسماء والصفات، للبيهقي (٢/ ٣٥٧).","vol":"1","page":520},{"text":"إلا أنَّ الحافظ ابن حجر لم يرتضِ دعوى وقف الحديث على أنس - ﵁ -، حيث قال - في رده على الخطابي -: «وما نفاه - من أنَّ أنسًا لم يُسند هذه القصة إلى النبي - ﷺ - لا تأثير له؛ فأدنى أمره فيها أنْ يكون مرسل صحابي، فإما أنْ يكون تلقاها عن النبي - ﷺ -، أو عن صحابي تلقاها عنه، ومثل ما اشتملت عليه لا يُقال بالرأي، فيكون لها حكم الرفع، ولو كان لِمَا ذَكَرَهُ تأثير لم يُحمل حديث أحد روى مثل ذلك على الرفع أصلًا، وهو خلاف عمل المحدثين قاطبة، فالتعليل بذلك مردود». اهـ (١)\nالجواب الثالث: أنَّ الدنو والتدلي المذكورين في الآية هما غير الدنو والتدلي المذكورين في حديث أنس - ﵁ -، فإنَّ الذي في الآية هو دنو جبريل ﵇ وتدليه، كما قالت عائشة وابن مسعود، ﵄، وأما الدنو والتدلي اللذين في حديث أنس فذلك صريح في أنَّه دنو الرب ﵎ وتدليه، ولا تَعَرّضَ في سورة النجم لذلك؛ بل فيها أنه رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، وهذا هو جبريل، رآه محمد - ﷺ - على صورته مرتين: مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى. (٢)\nذكر هذا الجواب: ابن القيم (٣)، والحافظ ابن كثير (٤)، وابن أبي العز الحنفي (٥)، والقاسمي (٦).\nوالظاهر من كلام هؤلاء الأئمة قبول رواية شريك، إلا أنَّ الحافظ ابن كثير يميل إلى تفرد شريك بن عبد الله بهذه الرواية، حيث ذكر أنَّ شريكًا قد اضطرب في رواية هذا الحديث، وساء حفظه ولم يضبطه. (٧)\nوثمة أجوبة أخرى عن حديث شريك؛ غير أنَّ هذه الأجوبة صادرة عن\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر (١٣/ ٤٩٣).\n(٢) انظر: زاد المعاد، لابن القيم (٣/ ٣٨).\n(٣) زاد المعاد (٣/ ٣٨)، ومدارج السالكين (٣/ ٣٠٠ - ٣٠١).\n(٤) تفسير ابن كثير (٤/ ٦٧)، والبداية والنهاية (٣/ ١١٠).\n(٥) شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (١/ ٢٧٦).\n(٦) محاسن التأويل، للقاسمي (٩/ ٦٧).\n(٧) انظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٤) و(٤/ ٢٦٧)، والبداية والنهاية (٣/ ١١٠).","vol":"1","page":521},{"text":"استشكال ظاهر الحديث، والذي فيه نسبة الدنو والتدلي إلى الله تعالى، ومن هذه الأجوبة:\n١ - أنَّ الدنو والتدلي في الحديث المراد بهما قرب الكرامة، لا قرب المكان.\nذكر هذا الجواب: ابن فورك، والقاضي عياض، والعيني. (١)\nقال القاضي عياض: «اعلم أنَّ ما وقع من إضافة الدنو والقرب هنا من الله، أو إلى الله، فليس بدنو مكان، ولا قرب مدى، وإنما هو دنو النبي - ﷺ - من ربه وقربه منه إبانة عظيم منزلته، وتشريف رتبته، وإشراق أنوار معرفته، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته، ومن الله تعالى له مبرة وتأنيس، وبسط وإكرام». اهـ (٢)\n٢ - أنَّ ما جاء في حديث شريك هي رؤيا رآها رسول الله - ﷺ - في نومه، ولا إشكال فيما يراه - ﷺ - في منامه.\nذكر هذا الجواب: الخطابي (٣)، والسهيلي. (٤)\nقال الخطابي: «ليس في هذا الكتاب - يعني صحيح البخاري - حديثٌ أشنعَ ظاهرًا، ولا أشنع مذاقًا من هذا الفصل؛ فإنه يقتضي تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر، وتمييز مكان كل واحد منهما، هذا إلى ما في التدلي من التشبيه والتمثيل له بالشيء الذي تعلق من فوق إلى أسفل، فمن لم يبلغه من هذا الحديث إلا هذا القدر مقطوعًا عن غيره، ولم يعتبره بأول القصة وآخرها اشتبه عليه وجهه ومعناه، وكان قصاراه: إما رَدُّ الحديث من أصله، أو الوقوع في التشبيه، وهما خطتان مرغوب عنهما، وأما من اعتبر أول الحديث بآخره فإنه يزول عنه الإشكال؛ فإنه مصرح فيهما بأنه كان رؤيا؛ لقوله في\n_________\n(١) انظر على الترتيب: مشكل الحديث، لابن فورك (١/ ١٥٦)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (١/ ١٥٦)، وعمدة القاري، للعيني (٢٥/ ١٧٢).\n(٢) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (١/ ١٣١)، وانظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٢٨).\n(٣) أعلام الحديث، للخطابي (٤/ ٢٣٥٢).\n(٤) الروض الأنف، للسهيلي (٢/ ٢٠٢).","vol":"1","page":522},{"text":"أوله: «وهو نائم» وفي آخره: «استيقظ»، وبعض الرؤيا مثلٌ يُضرب ليُتأول على الوجه الذي يجب أنْ يُصرف إليه معنى التعبير في مثله، وبعض الرؤيا لا يحتاج إلى ذلك، بل يأتي كالمشاهدة». اهـ (١)\nالمذهب الثاني: أنَّ الدنو والتدلي في الآية المراد بهما دنو الله تعالى من نبيه محمد - ﷺ -.\nوقد رُوي عن ابن عباس، وأبي سعيد الخدري ﵄، ما يدل على هذا المعنى:\nفعن أبي سلمة، عن ابن عباس، ﵄ - في قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤» [النجم: ١٣ - ١٤]- قال: «دنا ربه منه فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. قال: قد رآه النبي - ﷺ -». (٢)\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، قال: «لما أسري بالنبي - ﷺ - اقترب منه ربه، فكان قاب قوسين أو أدنى». (٣)\nوروى ابن خزيمة، عن عباد بن منصور قال: «سألت الحسن، فقلت: ثم دنا فتدلى، من ذا يا أبا سعيد؟ قال: ربي». (٤)\nونسب ابن الجوزي هذا القول لمقاتل. (٥)\nوقد مال إلى هذا التفسير الإمام ابن خزيمة؛ فإنه قال: «فأما قوله جل وعلا: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩» ففي خبر شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك، بيان ووضوح أنَّ معنى قوله: (دنا فتدلى) إنما دنا الجبار رب العزة، لا جبريل». اهـ (٦)\nثم أورد حديث أنس من طريق شريك بن عبد الله، وأتبعه بتفسير الحسن\n_________\n(١) أعلام الحديث، للخطابي (٤/ ٢٣٥٢).\n(٢) سيأتي تخريجه والكلام عليه في مبحث الترجيح.\n(٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٥٨)، وعزاه لابن المنذر، وابن مردويه.\n(٤) كتاب التوحيد، لابن خزيمة (٢/ ٥٢٩)، حديث (٣١٦).\n(٥) زاد المسير، لابن الجوزي (٧/ ٢٧٥).\n(٦) كتاب التوحيد (٢/ ٥٢١).","vol":"1","page":523},{"text":"البصري للآية، ثم قال: «وفي خبر كثير بن حبيش، عن أنس: أنَّ النبي - ﷺ - قال مثل هذه اللفظة التي في خبر شريك بن عبد الله». اهـ (١)\nثم روى بإسناده حديث كثير بن حبيش، عن أنس - ﵁ -، ولفظه: «فدنا إلى ربه فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى». (٢)\nوكما ترى فإنَّ لفظ كثير بن حبيش مُغاير للفظ شريك؛ إذ في لفظ «شريك» نسبة الدنو إلى الله تعالى، وأما لفظ «كثير بن حبيش» ففيه: أن محمدًا - ﷺ - هو الذي دنا إلى ربه ﷿.\nلكن روى الحديث ابنُ جرير في تفسيره، عن كثير بن حبيش، بلفظ موافق لرواية شريك، ولفظ الحديث كاملًا: عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لما عُرِجَ بي مضى جبريل حتى جاء الجنة، قال: فدخلتُ فأُعطيت الكوثر، ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى، فدنا ربُّك فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى». (٣)\nوممن ذهب إلى نسبة الدنو إلى الله تعالى: القاضي أبو يعلى، في كتابه «إبطال التأويلات لأخبار الصفات»؛ فإنه أورد الآية ثم قال: «فعُلِمَ أنَّ المتدلي هو الذي يُوحي، وهو الله تعالى». اهـ (٤)\nالمذهب الثالث: أنَّ الدنو والتدلي في الآية المراد بهما دنو جبريل ﵇ من الله تعالى.\nرُوي هذا القول عن مجاهد (٥)، وبه قال ابن حبان (٦).\nالمذهب الرابع: أنَّ المراد بالآية دنو الله تعالى من جبريل ﵇.\nرُوي هذا القول عن مجاهد (٧).\n_________\n(١) كتاب التوحيد (٢/ ٥٢٩).\n(٢) كتاب التوحيد، لابن خزيمة (٢/ ٥٣٠)، وقد تقدم الكلام عليه.\n(٣) تفسير ابن جرير الطبري (١١/ ٥٠٩)، وقد تقدم الكلام عليه.\n(٤) إبطال التأويلات لأخبار الصفات (١/ ١٢٥).\n(٥) انظر: تفسير البغوي (٤/ ٢٤٦)، وزاد المسير، لابن الجوزي (٧/ ٢٧٥).\n(٦) صحيح ابن حبان (١/ ٢٥٦، ٢٥٩).\n(٧) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٠٩).","vol":"1","page":524},{"text":"المذهب الخامس: أنَّ المراد بالآية دنو محمد - ﷺ - من ربه تعالى.\nجاء هذا التفسير عن ابن عباس، ﵄، في تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨» [النجم: ٨] قال: «هو محمد - ﷺ - دنا فتدلى إلى ربه ﷿». (١)\nورُوي هذا التفسير عن الضحاك (٢)، ومحمد بن كعب (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو ما ذهب إليه عامة المفسرين من تفسير الآية بدنو جبريل ﵇ من نبينا محمد - ﷺ -، وأنَّ ما رُوي في حديث أنس - ﵁ - من نسبة الدنو والتدلي إلى الله تعالى - هو مما تفرد به شريك، وهو لا يعدو أنْ يكون وهمًا منه، أو رأيًا تأوله في تفسير الآية، ولم يسمعه من أنس - ﵁ -.\nيدل على هذا الاختيار:\n١ - أنَّ هذا التفسير هو الثابت عن عائشة، وابن مسعود، ﵄ (٤)، ولا يُعرف لهما مخالف من الصحابة (٥)؛ إلا ما روي عن ابن عباس، ﵄، وسيأتي الجواب عنه.\n٢ - أنه قد ثبت عن عائشة (٦)، وابن مسعود (٧)، ﵄، أنَّ النبي - ﷺ - فَسَّرَ قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤»، بأنَّ المراد رؤية النبي - ﷺ - لجبريل ﵇. ومرجع الضمير في قوله: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣» وقوله: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ) واحد، فلا يجوز أنْ يُخَالَفَ بينهما إلا بدليل.\n_________\n(١) سيأتي تخريجه في مبحث الترجيح.\n(٢) تفسير البغوي (٤/ ٢٤٦).\n(٣) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (١/ ١٣١).\n(٤) تقدم تخريجه عنهما في أول المسألة.\n(٥) انظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٥).\n(٦) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٧٧).\n(٧) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤١٢)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٣٧٢)، قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ٢٦٩): «هذا إسناد جيد قوي».","vol":"1","page":525},{"text":"٣ - إجماع الصحابة - ﵃ - على أنَّ النبي - ﷺ - لم يرَ ربه ليلة الإسراء (١)، وفي إجماعهم هذا دليلٌ على أنَّ الآية لا يَصِحُّ تفسيرها بدنو الله تعالى من نبيه - ﷺ -؛ إذ لو كان الله تعالى قد دنا منه لرآه - ﷺ -، ولأخبر بذلك، كيف وقد نفى ذلك بنفسه - ﷺ -، فإنَّه حينما سأله أبو ذر: هل رأيتَ ربَّك؟ قال: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» (٢).\n٤ - ومما يؤكد وقوع الغلط في رواية شريك: أنَّ الحديث رواه جمع غفير من الصحابة ﵃، عن النبي - ﷺ - (٣)، ولم يذكروا هذا اللفظ، ورواه جمع غفير من التابعين عن أنس - ﵁ - (٤)، ولم يذكروا هذا اللفظ أيضًا.\nوأمَّا المروي عن ابن عباس - ﵄ - في تفسير الآية؛ فجوابه: أنَّ الروايات عنه على نوعين:\nالنوع الأول: صريح غير صحيح، وهو ما ورد عنه من تفسير الآية بدنو محمد - ﷺ - من ربه تعالى (٥)، وهذه الرواية لا تصح عنه.\n_________\n(١) حكى الإجماعَ الدارميُّ، وقد نقله عنه: شيخُ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٦/ ٥٠٧)، وابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٣٧).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٧٨).\n(٣) ومن هؤلاء الصحابة: أبو هريرة، وبريدة بن الحصيب، وجابر بن عبد الله، وحذيفة بن اليمان، وشداد بن أوس، وصهيب الرومي، وعبد الرحمن بن قرط، وابن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، ومالك بن صعصعة، وأبو أيوب الأنصاري، ﵃ جميعًا.\nوقد أورد مجموع هذه الأحاديث بطرقها وألفاظها: الحافظ ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣ - ٢٤)، والألباني في «الإسراء والمعراج».\n(٤) ومن هؤلاء الرواة: الزهري، وقتادة، وثابت البناني، وعبد الرحمن بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وأبو عمران الجوني، ويزيد بن أبي مالك، وحميد، وسليمان التيمي، وراشد بن سعد، وعبد الرحمن بن جبير، وعلي بن زيد بن جدعان، وثمامة، وكثير بن سليم، وسليمان بن المغيرة.\nوقد أحصيت هؤلاء الرواة من كتاب «الإسراء والمعراج»، للألباني، فانظره بأكمله.\n(٥) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١١/ ١٥٠)، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا أحمد بن عثمان الأودي، ثنا عبد الرحمن بن شريك، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن عكرمة وعطاء، عن ابن عباس، به. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ١١٤): «رواه الطبراني، وفيه عطاء بن السائب، وقد اختلط». وأخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (١/ ١٩٠ - ١٩١)، قال: حدثنا محمد بن يحيى أبو عمر =","vol":"1","page":526},{"text":"النوع الثاني: صحيح غير صريح، وهو ما ورد عنه من تفسير الآية بدنو الله تعالى من نبيه - ﷺ -، وهذا التفسير رُوي عنه من طريق واحدة، وهي طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس، ﵄.\nلكن الرواة - عن محمد بن عمرو - وقع بينهم اختلاف في لفظه:\nفرواه ابن جرير الطبري (١)، واللالكائي (٢)، من طريق سعيد بن يحيى الأموي، عن أبيه، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس، ﵄ - في قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤» - قال: «دنا ربه منه فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى». قال: «قد رآه النبي - ﷺ -».\nورواه الترمذي (٣)، والبيهقي (٤)، من الطريق نفسه، عن ابن عباس، ﵄ - في قول الله ﵎: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤» - قال: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠» [النجم: ٨ - ١٠]، قال ابن عباس: «قد رآه النبي - ﷺ -».\nورواه ابن أبي شيبة (٥)، وابن أبي عاصم (٦)، وابن خزيمة (٧)، والآجري (٨)، والطبراني (٩)، والدارقطني (١٠)، جميعهم من طريق عبدة بن\n_________\n= الباهلي، ثنا يعقوب، ثنا حاتم بن إسماعيل، عن شريك، عن جابر بن زيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عكرمة، عن ابن عباس، به. وضعفه الألباني.\nوأخرج نحوه ابن النجاد في «الرد على من يقول القرآن مخلوق» (١/ ٦٢)، قال: ثنا أحمد، قال ثنا محمد بن عبد الله بن سليمان قال: ثنا النضر بن سلمة قال: ثنا حفص بن عمر قال: ثنا موسى قال: سمعته يحدث عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨» قال: «نظر محمد إلى ربه في خضرة».\n(١) تفسير الطبري (١١/ ٥١٤).\n(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٥١٥).\n(٣) سنن الترمذي، كتاب التفسير، حديث (٣٢٨٠).\n(٤) الأسماء والصفات (٢/ ٣٦٠).\n(٥) مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ٣٢٧).\n(٦) السنة (١/ ١٩١).\n(٧) كتاب التوحيد (٢/ ٤٩٥).\n(٨) الشريعة (٣/ ١٥٤١ - ١٥٤٢).\n(٩) المعجم الكبير (١٠/ ٢٩٩).\n(١٠) رؤية الله، للدارقطني (١/ ٢٢).","vol":"1","page":527},{"text":"سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس، ﵄:\n(وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣» قال: «رأى ربه ﷿».\nورواه ابن خزيمة (١)، وابن حبان (٢)، والدارقطني (٣)، جميعهم من طريق يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس قال: «قد رأى محمد - ﷺ - ربه». ولم يذكر الآية.\nوهذه الروايات قد اتفقت على أنَّ ابن عباس كان يُثْبِتُ رؤية النبي - ﷺ - لربه تعالى، واختلفت في تنزيل الآيات على هذا المعنى، والذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أنَّ ابن عباس، ﵄، كان يستدل بمجموع هذه الآيات على إثبات الرؤية، دون تفسير منه لآية الدنو، وهذا هو الثابت عنه - ﵁ -، فإنَّه كان يذهب إلى أنَّ النبي - ﷺ - رأى ربه ليلة الإسراء (٤)، دون تفصيل منه في ذلك (٥)، لكن بعض الرواةِ تَصَرَّفَ في النقل، فأوهم أنَّ ابن عباس فَسَّر قوله\n_________\n(١) كتاب التوحيد (٢/ ٤٩٠).\n(٢) صحيح ابن حبان (١/ ٢٥٣).\n(٣) رؤية الله، للدارقطني (١/ ٢٢ - ٢٣).\n(٤) تعددت الروايات عن ابن عباس ﵄ في رؤية النبي - ﷺ - لربه تعالى، ومن هذه الروايات:\n١ - ما رواه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٩٢)، وصحح إسناده الألباني، عن ابن عباس قال: «أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد - ﷺ -».\n٢ - ما رواه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٩٢)، وصحح إسناده الألباني، عن ابن عباس قال: «إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمدًا بالرؤية».\n٣ - وعن عكرمة قال: «سمعت ابن عباس ﵄: سُئِلَ، هل رأى محمد - ﷺ - ربه؟ قال: نعم». أخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٢/ ٤٨١)، حديث (٢٧٣)، وابن أبي عاصم في السنة\n(١/ ١٩٠)، وضعف إسناده الألباني.\n٤ - وعن الشعبي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «رأى محمد ربه». أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٨٩). وإسناده صحيح.\n٥ - وعَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠» [الإسراء: ٦٠] قَالَ: «هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ». أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (٣٨٨٨).\n(٥) أعني دون تفصيل منه في كيفية الرؤية، لا في نوع الرؤية؛ إذ قد روي عنه في نوع الرؤية: أنه رآه بفؤاده، وروي عنه: أنه رآه بعينيه.","vol":"1","page":528},{"text":"تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨» بدنو الله تعالى من نبيه - ﷺ -. (١)\nيؤكد ذلك: أنَّ ثمة طرقًا أخرى عن ابن عباس، رُويتْ عنه ولم يأتِ في شيء منها ذِكْرُ آية الدنو، أو تفسيرها، ومن هذه الطرق:\n١ - عن عكرمة، عن ابن عباس - في قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣» - قال ابن عباس: «إنَّ رسول الله - ﷺ - رأى ربه». (٢)\n٢ - وعن أبي العالية، عن ابن عباس - في قوله تعالى: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١» [النجم: ١١] (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣» - قال ابن عباس: «رآه بفؤاده مرتين». (٣)\n٣ - وعن عطاء، عن ابن عباس - في قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣» قال: «إنَّ النبي - ﷺ - رأى ربه بقلبه». (٤)\n٤ - وعن يوسف بن مهران، عن ابن عباس - في قوله: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١٨» - قال: «رأى محمد - ﷺ - ربه ﷿ بفؤاده». (٥)\nوكما ترى فإنَّ هذه الروايات صريحة بأنَّ ابن عباس كان يستدل بالآيات على إثبات الرؤية وحسب، وليس فيها أنه فسر قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨» بدنو الله تعالى من نبيه ﷺ.\nوهذا الذي فهمه ابن عباس من الآيات - في إثبات رؤية النبي - ﷺ - لربه تعالى - قد خالفته فيه عائشة، وابن مسعود، ﵄؛ فعن عائشة، أنها سألت النبي - ﷺ - عن قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣» فقال: «إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنْ\n_________\n(١) ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الرواة عن ابن عباس ﵄ كثيرًا ما يقع منهم تحريف وغلط عليه، وينسبون إليه أشياء لم يقل بها. انظر: تفسير آيات أشكلت، لابن تيمية (١/ ٤٦٠).\n(٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥١٤)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٨٩)، وقال الألباني: «إسناده حسن موقوف».\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (٢٨٥) - (١٧٦).\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (٢٨٤) - (١٧٦).\n(٥) أخرجه الدارقطني في «رؤية الله» (١/ ١٨٨).","vol":"1","page":529},{"text":"السَّمَاءِ، سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ» (١)، وعن ابن مسعود - ﵁ - في قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣» - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رَأَيْتُ جِبْرِيلَ، ﵇، وَلَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ» (٢)، وتفسير عائشة، وابن مسعود، أولى من تفسير ابن عباس؛ فإنهما قد صرحا برفع ذلك للنبي - ﷺ -، بخلاف ابن عباس، فإنه لم يُسندْ شيئًا من ذلك للنبي - ﷺ -، والمرفوع أولى من الموقوف، والله تعالى أعلم. (٣)\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٧٧)، وأخرجه بنحوه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (٤٨٥٥).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٤٦٠)، وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ٢٦٩)، وقال: «إسناده جيد وقوي».\n(٣) ثم وقفتُ على كلامٍ لابن القيم والألباني في تحقيق الروايات عن ابن عباس في تفسير آية الدنو، وكان كلامهما موافقًا لما ذهبتُ إليه، فالحمد لله على توفيقه وامتنانه .. وانظر: زاد المعاد، لابن القيم (١/ ٣٨)، وتعليق الألباني على أثر ابن عباس في كتاب السنة، لابن أبي عاصم (١/ ١٨٩).","vol":"1","page":530},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>المسألة [٤]: في مكان سدرة المنتهى</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤» [النجم: ١٣ - ١٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>المبحث الثاني: ذكر الأحاديث الواردة في تفسير الآية، التي يُوهِم ظاهرها التعارض فيما بينها:</span>\n(٧٢) - (٦٢): عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، أنَّ مَالِكَ بْنَ صَعْصَعَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ ....»، ثم ذكر حديث الإسراء بطوله، وفيه: «فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّابِعَةَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ مَرْحَبًا بِهِ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ ابْنٍ وَنَبِيٍّ. فَرُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ، وَرُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى ....». (١)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب بدء الخلق، حديث (٣٢٠٧)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٦٤).","vol":"1","page":531},{"text":"(٧٣) - (..): وَعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «.... ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ ﷺ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى ....». (١)\n(٧٤) - (٦٣): وَعَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ - لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: «.... ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، كُلُّ سَمَاءٍ فِيهَا أَنْبِيَاءُ قَدْ سَمَّاهُمْ فَأَوْعَيْتُ مِنْهُمْ: إِدْرِيسَ فِي الثَّانِيَةِ، وَهَارُونَ فِي الرَّابِعَةِ، وَآخَرَ فِي الْخَامِسَةِ، لَمْ أَحْفَظْ اسْمَهُ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ، وَمُوسَى فِي السَّابِعَةِ، بِتَفْضِيلِ كَلَامِ اللَّهِ. فَقَالَ مُوسَى: رَبِّ لَمْ أَظُنَّ أَنْ يُرْفَعَ عَلَيَّ أَحَدٌ. ثُمَّ عَلَا بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى ....». (٢)\n(٧٥) - (٦٤): وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ ....». (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الأحاديث:</span>\nظاهر الأحاديث المتقدمة أنَّ لسدرة المنتهى ثلاثة أمكنة:\nالأول: أنها «في السماء السابعة»، وهو ما دلَّ عليه حديث مالك بن صعصعة، وأنس بن مالك، من طريق ثابت البناني، عنه.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٦٢).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التوحيد، حديث (٧٥١٧).\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٧٣).","vol":"1","page":532},{"text":"الثاني: أنها «فوق السماء السابعة»، وهو ما دلَّ عليه حديث أنس بن مالك، من طريق شريك بن عبد الله، عنه.\nالثالث: أنها «في السماء السادسة»، وهو ما دلَّ عليه حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -.\nوهذه الأحاديثُ الثلاثة يُوهِمُ ظاهرها التعارض فيما بينها في تعيين مكان سدرة المنتهى. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الأحاديث:</span>\nللعلماء في دفع التعارض بين الأحاديث مسلكان:\nالأول: مسلك الجمع بين الأحاديث:\nولأصحاب هذا المسلك مذهبٌ واحدٌ في الجمع بين هذه الأحاديث، وجملة مذهبهم:\nأنَّ أصل سدرة المنتهى في السماء السادسة، وأغصانها وفروعها في السماء السابعة.\nوعلى هذا المذهب: النووي، والحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر، والعيني، والمناوي، والألباني. (٢)\nقال النووي: «ويمكن أنْ يُجْمَعَ بينها، فيكون أصلها في السادسة، ومعظمها في السابعة، فقد عُلِمَ أنها في نِهايةٍ من العِظَمِ». اهـ (٣)\n_________\n(١) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي\n(١/ ٣٩٤)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (٣/ ٣)، وفتح الباري، لابن رجب (٢/ ١١٨)، وفتح الباري، لابن حجر (٧/ ٢٥٣)، وفيض القدير، للمناوي (٤/ ٤٢٧).\n(٢) انظر على الترتيب: شرح صحيح مسلم، للنووي (٣/ ٣)، والبداية والنهاية، لابن كثير (١/ ٣٦)، وفتح الباري، لابن حجر (٧/ ٢٥٣)، وعمدة القاري، للعيني (٤/ ٤٥)، وفيض القدير، للمناوي (٤/ ٤٢٧)، والإسراء والمعراج، للألباني، ص (٨٩).\n(٣) شرح صحيح مسلم، للنووي (٣/ ٣).","vol":"1","page":533},{"text":"وقال الحافظ ابن حجر: «ولا يُعارض قوله إنها في السادسة ما دلَّت عليه بقية الأخبار أنه وصل إليها بعد أنْ دخل السماء السابعة؛ لأنه يُحمل على أنَّ أصلها في السماء السادسة، وأغصانها وفروعها في السابعة، وليس في السادسة منها إلا أصل ساقها». اهـ (١)\nالثاني: مسلك الترجيح بين الأحاديث:\nويرى أصحاب هذا المسلك أنَّ لسدرة المنتهى مكانًا واحدًا لا غير، وهذا المكان هو ما جاء مرفوعًا في حديث أنس من أنها في السماء السابعة، وأما ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود من أنها في السادسة فموقوف عليه، والمرفوع أولى من الموقوف.\nوهذا مذهب: ابن العربي، والقاضي عياض، وأبي العباس القرطبي، والحافظ ابن رجب، والملا علي القاري. (٢)\nقال أبو العباس القرطبي: «في حديث أنس ما يقتضي أنَّ السدرة في السماء السابعة أو فوقها؛ لقوله: «ثم ذهب بي إلى السدرة» بعد أنْ استفتح السماء السابعة فَفُتِحَ له فدخل، وفي حديث عبد الله أنها في السماء السادسة، وهذا تعارضٌ لا شك فيه، وما في حديث أنس أصح، وهو قول الأكثر، وهو الذي يقتضيه وصفها بأنها التي يَنْتَهي إليها علمُ كلِّ مَلَكٍ مُقَرَّب ...، وأيضًا فإنَّ حديث أنس مرفوع، وحديث عبد الله موقوف عليه من قوله، والمسند المرفوع أولى». اهـ (٣)\nوقال الحافظ ابن رجب: «وقول ابن مسعود: «إنَّ سدرة المنتهى في السماء السادسة» يُعارضه حديث أنس المرفوع من طُرُقِهِ كُلِّها؛ فإنَّه يدل على أنها في\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر (٧/ ٢٥٣).\n(٢) انظر على الترتيب: عارضة الأحوذي، لابن العربي (١٢/ ١١٩)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (١/ ٥٢٥)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (١/ ٣٩٤)، وفتح الباري، لابن رجب (١/ ١١٨)، وعمدة القاري، للعيني (١٠/ ٥٦٧).\n(٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (١/ ٣٩٤).","vol":"1","page":534},{"text":"السماء السابعة، أو فوق السماء السابعة، والمرفوع أولى من الموقوف». اهـ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو مسلك الجمع بين الأحاديث، إذ يُحمل حديث عبد الله بن مسعود: على أنَّ أصل السدرة في السماء السادسة، ويُحمل حديث مالك بن صعصعة، وأنس: على أنَّ فروعها وأغصانها في السماء السابعة.\nيدل على هذا الاختيار:\n١ - أنه قد روي عن النبي - ﷺ - ما يؤيد هذا الجمع؛ فعن أنس بن مالك - ﵁ - في قوله تعالى: (عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤» - أنَّ النبي - ﷺ - قال: «رُفِعَتْ لِي سِدْرَةٌ مُنْتَهَاهَا فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ». (٢) (٣)\nفقوله: «مُنْتَهَاهَا فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ» يُفْهَمُ منه أنَّ أصلها ليس في السابعة، ولما جاء في حديث ابن مسعود - ﵁ - أنها في السادسة، علمنا أنَّ مراد الأحاديث أنَّ أصلها في السادسة ومنتهاها في السابعة.\n٢ - أنَّ الترجيح لا يُصار إليه إلا إذا تعذر الجمع، أو تَبَيَّنَ بجلاء ضعف الروايةِ المرجوحة، أو وقوع الخطأ فيها، وهذا كله مفقود في مسألتنا هذه؛ إذ الجمع ممكن، والروايات كلها صحيحة.\n_________\n(١) فتح الباري، لابن رجب (٢/ ١١٨).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٥١)، عن معمر، عن قتادة، عن أنس، به. مرفوعًا.\nومن طريق عبد الرزاق، أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٦/ ٤٧١)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٥٤)، وقال: «صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة، وله شاهد غريب من حديث شعبة، عن قتادة، عن أنس. صحيح الإسناد ولم يخرجاه». اهـ\nوأخرجه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥١٧)، قال: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، فذكره مرسلًا. وصحح إسناده مرسلًا: الألباني في الإسراء والمعراج، ص (٨٩).\n(٣) انظر: الإسراء والمعراج، للألباني، ص (٨٩).","vol":"1","page":535},{"text":"وأما رواية شريك - والتي فيها أنَّ السدرة فوق السماء السابعة - فالأظهر أنها وَهْمٌ منه ﵀، وقد عُدَّتْ عليه أوهامٌ في روايته لحديث الإسراء، وهذه منها. (١)\nوأما قول أصحاب المسلك الثاني: إنَّ حديث ابن مسعود موقوف عليه؛ فغير مُسَلَّمٍ لهم، بل هو في حكم المرفوع؛ لأنَّ مثله لا يُقال بالرأي، ولأنَّ بعض ألفاظه قد رويت في حديث أنس المرفوع، فصار له حكم الرفع مثله، والله تعالى أعلم.\n\n****\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر (١٣/ ٤٩٤).","vol":"1","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>الفصل الثالث\nالأحاديث التي ترد في تفسير آية ما، ويوهم ظاهرها معنىً مشكلًا</span>","vol":"1","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>المسألة [١]: في قصة هاروت وماروت</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (١٠٢» [البقرة: ١٠٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية:</span>\n(٧٦) - (٦٥): عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - ﵁ -: أَنَّهُ سَمِعَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ آدَمَ ﷺ لَمَّا أَهْبَطَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْأَرْضِ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ: أَيْ رَبِّ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ؟ قَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ. قَالُوا: رَبَّنَا نَحْنُ أَطْوَعُ لَكَ مِنْ بَنِي آدَمَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ: هَلُمُّوا مَلَكَيْنِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، حَتَّى يُهْبَطَ بِهِمَا إِلَى الْأَرْضِ، فَنَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلَانِ؟ قَالُوا: رَبَّنَا هَارُوتُ وَمَارُوتُ. فَأُهْبِطَا إِلَى الْأَرْضِ، وَمُثِّلَتْ لَهُمَا الزُّهَرَةُ، امْرَأَةً مِنْ أَحْسَنِ الْبَشَرِ، فَجَاءَتْهُمَا فَسَأَلَاهَا نَفْسَهَا، فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تَكَلَّمَا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ الْإِشْرَاكِ. فَقَالَا: وَاللَّهِ لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ أَبَدًا. فَذَهَبَتْ","vol":"1","page":538},{"text":"عَنْهُمَا، ثُمَّ رَجَعَتْ بِصَبِيٍّ تَحْمِلُهُ، فَسَأَلَاهَا نَفْسَهَا، فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ، حَتَّى تَقْتُلَا هَذَا الصَّبِيَّ. فَقَالَا: وَاللَّهِ لَا نَقْتُلُهُ أَبَدًا. فَذَهَبَتْ، ثُمَّ رَجَعَتْ بِقَدَحِ خَمْرٍ تَحْمِلُهُ، فَسَأَلَاهَا نَفْسَهَا، قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تَشْرَبَا هَذَا الْخَمْرَ. فَشَرِبَا فَسَكِرَا فَوَقَعَا عَلَيْهَا وَقَتَلَا الصَّبِيَّ، فَلَمَّا أَفَاقَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ: وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُمَا شَيْئًا مِمَّا أَبَيْتُمَاهُ عَلَيَّ إِلَّا قَدْ فَعَلْتُمَا حِينَ سَكِرْتُمَا، فَخُيِّرَا بَيْنَ عَذَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَاخْتَارَا عَذَابَ الدُّنْيَا» (١).\n_________\n(١) رويت هذه القصة عن عدد من الصحابة والتابعين، ورويت مرفوعة وموقوفة من حديث ابن عمر، وعلي ﵄.\nوقد رويت القصة بألفاظ متقاربة مع اتحاد أصل القصة، وفيما يلي تفصيل هذه الروايات وذكر أقوال النقاد فيها:\nأولًا: حديث ابن عمر:\nوقد رُويَ عنه من عدة طرق، بعضها موقوفًا عليه، وبعضها مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وبعضها عن ابن عمر، عن كعب الأحبار، وفيما يلي تفصيل هذه الطرق:\nالطريق الأول: عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا.\nأخرجه الإمام أحمد - باللفظ المذكور في المتن - في مسنده (٢/ ١٧٩) حديث (٦١٧٢)، وعبد بن حميد في المنتخب، ص (٢٥١)، وابن أبي الدنيا في العقوبات (١/ ١٤٦)، وابن أبى حاتم في العلل (٢/ ٦٩)، وابن حبان في صحيحه (١٤/ ٦٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٤٠)، وفي شعب الإيمان\n(١/ ١٨٠)، وابن قدامة المقدسي في كتاب التوابين، ص (٣)، جميعهم من طريق زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع، به.\nنقل الخلال في المنتخب من العلل، ص (٢٩٥)، عن الإمام أحمد أنه قال: «هذا منكر، إنما يُروى عن كعب». ونقل ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٦٩ - ٧٠)، عن أبيه أنه قال: «هذا حديث منكر». وقال ابن كثير في تفسيره (١/ ١٤٣) - بعد سياقه للحديث -: «هذا حديث غريب من هذا الوجه، ورجاله كلهم ثقات، من رجال الصحيحين؛ إلا موسى بن جبير هذا، وهو الأنصاري السلمي، مولاهم المدني، الحذاء، روى عن ابن عباس، وأبي أمامة سهل بن حنيف، ونافع، وعبد الله بن كعب بن مالك، وروى عنه ابنه عبد السلام، وبكر بن مضر، وزهير بن محمد، وسعيد بن سلمة، وعبد الله بن لهيعة، وعمرو بن الحارث، ويحيى بن أيوب، وروى له أبو داود، وابن ماجة، وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/ ١٣٩) ولم يحكِ فيه شيئًا من هذا ولا هذا، فهو مستور الحال، وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ». اهـ\nوللحديث طرق أخرى عن نافع، ولكنها ضعيفة لا تصلح للمتابعة.\nالأول: أخرجه ابن مردويه في تفسيره [كما في تفسير الحافظ ابن كثير (١/ ١٤٣)] =","vol":"1","page":539},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا هشام بن علي بن هشام، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة، حدثنا موسى بن سرجس، عن نافع، عن ابن عمر، سمع النبي ﷺ يقول: ...». فذكره.\nوفي سنده موسى بن سرجس، ذكره ابن حجر في التقريب (٢/ ٢٨٨) وقال: «مدني مستور».\nوقد خُولف هشام بن علي في روايته هذه عن عبد الله بن رجاء.\nفأخرج البيهقي في شعب الإيمان (١/ ١٨٠)، من طريق محمد بن يونس بن موسى، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة، عن موسى بن جبير، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: ....». فذكره.\nوفي سنده محمد بن يونس بن موسى الكديمي، متهم بوضع الحديث. قال ابن حبان: «كان يضع الحديث، ولعله قد وضع على الثقات أكثر من ألف حديث». وقال ابن عدي: «اتهم بوضع الحديث وبسرقته، وادعى رؤية قوم لم يرهم، وروايةً عن قوم لا يعرفون، وترك عامة مشايخنا الرواية عنه، ومن حدث عنه نسبه إلى جده موسى بأن لا يعرف». اهـ\nوقال الدارقطني: «كان الكديمي يُتهم بوضع الحديث، وما أحسن القول فيه إلا من لم يخبر حاله». اهـ\nوقال الذهبي: «هالك، قال ابن حبان وغيره: كان يضع الحديث على الثقات». اهـ\nانظر: الكامل، لابن عدي (٦/ ٢٩٢)، وميزان الاعتدال، للذهبي (٦/ ٣٧٨ - ٣٨٠)، وتهذيب التهذيب، لابن حجر (٩/ ٤٧٥)، والمجروحين، لابن حبان (٢/ ٣١٢).\nقال البيهقي بعد سياقه للحديث في الموضع السابق: «ورويناه من وجه آخر عن مجاهد، عن ابن عمر موقوفًا عليه، وهو أصح فإن ابن عمر إنما أخذه عن كعب».\nالثاني: طريق الحسين - وهو سنيد بن داود صاحب التفسير - عن فرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا. أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الهوى (١/ ١٥٧)، وابن جرير في تفسيره (١/ ٥٠٤)، والخطيب البغدادي في تاريخه (٨/ ٤٢).\nقال ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٨٦): «هذا حديث لا يصح، والفرج بن فضالة قد ضعفه يحيى، وقال ابن حبان: يقلب الأسانيد، ويلزق المتون الواهية بالأحاديث الصحيحة، لا يحل الاحتجاج به، وأما سنيد فقد ضعفه أبو داود، وقال النسائي: ليس بثقة». اهـ\nوقال ابن كثير في تفسيره (١/ ١٤٣) - بعد سياقه للطريقين -: «وهذان أيضًا غريبان جدًا، وأقرب ما يكون في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر، عن كعب الأحبار، لا عن النبي ﷺ». اهـ\nالطريق الثاني: عن مجاهد، عن ابن عمر، موقوفًا.\nوقد رُوي عنه من ثلاثة طرق:\nالأول: طريق العوام بن حوشب، عن مجاهد، به.\nأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢/ ٥٨٣).\nالثاني والثالث: طريق المنهال بن عمرو، ويونس بن خباب، كلاهما عن مجاهد، به.\nأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٣٠٦)، بتحقيق د. أحمد الزهراني.\nقال ابن =","vol":"1","page":540},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= كثير في تفسيره (١/ ١٤٤): «وهذا إسناد جيد إلى عبد الله بن عمر». ثم ذكر أنه روي مرفوعًا وقال: «وهذا - يعني طريق مجاهد - أثبت وأصح إسنادًا». اهـ\nالطريق الثالث: عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، موقوفًا.\nأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٦٥٠)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nالطريق الرابع: عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن كعب، به.\nأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٥٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٦٢)، وابن أبي الدنيا في العقوبات (١/ ١٤٩)، وابن جرير في تفسيره (١/ ٥٠٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٣٠٦)، بتحقيق د. أحمد الزهراني، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ١٨١)، جميعهم من طريق موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب، به.\nقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (١/ ١٤٣) - بعد أن ذكر الحديث من رواية موسى بن جبير، ومعاوية بن صالح، كلاهما عن نافع، عن ابن عمر، به، مرفوعًا - قال: «فهذا - يعني طريق سالم - أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الإسنادين المتقدمين، وسالم أثبت في أبيه من مولاه نافع، فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل، والله أعلم». اهـ\nوانظر: سنن سعيد بن منصور (٢/ ٥٨٤ - ٥٩٤) بتحقيق د. سعد آل حميد، فقد أفدت منه في تخريج هذا الحديث.\nثانيًا: حديث علي بن أبي طالب:\nفعن عمير بن سعيد قال: سمعت عليًا يقول: «كانت الزهرة امرأة جميلة من أهل فارس، وأنها خاصمت الملكين هاروت وماروت، فراوداها عن نفسها، فأبت إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تُكلم به يُعرج به إلى السماء، فعلماها، فتكلمت به، فعرجت إلى السماء فمُسِخت كوكبًا».\nأخرجه ابن جرير في تفسيره - واللفظ له - (١/ ٥٠٢)، من طريق حماد بن زيد، عن خالد الحذاء، عن عمير، به.\nوأخرجه عبد بن حميد [كما في العجاب، لابن حجر (١/ ٣٢٢)]، وابن أبي الدنيا في العقوبات،\nص (١٤٨)، وأبو الشيخ في العظمة (٤/ ١٢٢٣)، والحاكم في المستدرك وصححه (٢/ ٢٩١)، جميعهم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن عمير، به. وفي سياقه بعض الاختلاف.\nقال ابن كثير في تفسيره (١/ ١٤٣): «رجال إسناده ثقات، وهو غريب جدًا». اهـ\nوقال الحافظ ابن حجر في العجاب (١/ ٣٢٢): «هذا سند صحيح، حكمه أن يكون مرفوعًا؛ لأنه لا مجال للرأي فيه، وما كان علي يأخذ عن أهل الكتاب». اهـ\nوروي عن علي مرفوعًا بلفظ: «لعن الله الزهرة، فإنها هي التي فتنت الملكين هاروت وماروت».\nرواه ابن السني في عمل اليوم والليلة [كما في سلسلة الأحاديث الضعيفة، للألباني (٢/ ٣١٥)]، وابن مردويه في تفسيره [كما في تفسير الحافظ ابن كثير (١/ ١٤٣)].\nوذكره السيوطي في الدر (١/ ١٨٦) ونسبه =","vol":"1","page":541},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لإسحاق بن راهويه، وابن المنذر.\nقال عنه ابن كثير في تفسيره (١/ ١٤٣): «لا يصح وهو منكر جدًا»، وحكم عليه بالوضع الألباني، في سلسلة الأحاديث الضعيفة (٢/ ٣١٥).\nثالثًا: أثر ابن مسعود قال: «لما كثر بنو آدم وعصوا دعت الملائكة عليهم والأرض والسماء والجبال: ربنا ألا تهلكهم؟ فأوحى الله إلى الملائكة: إني لو أنزلت الشهوة والشيطان في قلوبكم ونزلتم لفعلتم أيضًا. قال: فحدثوا أنفسهم أن لو ابتلوا اعتصموا، فأوحى الله إليهم: أن اختاروا ملكين من أفضلكم. فاختاروا هاروت وماروت، فأُهبطا إلى الأرض، وأنزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس، وكان أهل فارس يسمونها بيذخت، قال: فوقعا بالخطيئة، فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا: ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلمًا، فاغفر للذين تابوا. فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض، ألا إن الله هو الغفور الرحيم. فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا».\nأخرجه ابن جرير في تفسيره (١/ ٥٠١).\nرابعًا: أثر ابن عباس قال: «إن الله أفرج السماء لملائكته ينظرون إلى أعمال بني آدم، فلما أبصروهم يعملون الخطايا قالوا: يا رب هؤلاء بنو آدم الذي خلقته بيدك وأسجدت له ملائكتك وعلمته أسماء كل شيء يعملون بالخطايا! قال: أما إنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم. قالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا. قال: فأمروا أن يختاروا من يهبط إلى الأرض قال: فاختاروا هاروت وماروت فأهبطا إلى الأرض وأحل لهما ما فيها من شيء غير أن لا يشركا بالله شيئًا، ولا يسرقا ولا يزنيا ولا يشربا الخمر ولا يقتلا النفس التي حرم الله إلا بالحق، قال: فما استمرا حتى عرض لهما امرأة قد قسم لها نصف الحسن، يقال لها: بيذخت، فلما أبصراها أرادا بها زنًا فقالت: لا إلا أن تشركا بالله، وتشربا الخمر، وتقتلا النفس، وتسجدا لهذا الصنم، فقالا: ما كنا لنشرك بالله شيئًا. فقال أحدهما للآخر: ارجع إليها. فقالت: لا إلا أن تشربا الخمر. فشربا حتى ثملا، ودخل عليهما سائل فقتلاه، فلما وقعا فيه من الشر أفرج الله السماء لملائكته فقالوا: سبحانك كنت أعلم. قال: فأوحى الله إلى سليمان بن داود أن يخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فكبلا من أكعبهما إلى أعناقهما، بمثل أعناق البخت، وجعلا ببابل». أخرجه ابن جرير في تفسيره (١/ ٥٠١)، وابن أبي حاتم في تفسيره\n(١/ ٣٠٥)، بتحقيق د. الزهراني، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٨٠).\nخامسًا: أثر كعب الأحبار: وقد تقدم تخريجه في أثر ابن عمر.\nورويت هذه القصة عن عبيد بن عتبة، ومجاهد، وعطاء، وقتادة، والسدي، والربيع بن أنس، والكلبي. انظر: تفسير ابن كثير (١/ ١٤٦). وسيأتي في مبحث الترجيح بيان القول الراجح في الحكم على هذا الحديث. =","vol":"1","page":542},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث:</span>\nظاهر الحديث الوارد في تفسير الآية أَنَّ الله تعالى أنزل إلى الأرض ملَكين، وهما «هاروت» و«ماروت»، وأنهما عصيا الله تعالى، فشربا الخمر، وحكما بالزور، وقتلا النفس المحرمة، وزنيا، وهذا الظاهر مشكل، لما فيه من القدح بعصمة الملائكة (١)\n- ﵈ - والتي قررها القرآن الكريم في غير ما آية؛ كقوله تعالى: (وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠» [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]، وقوله تعالى: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: ٦]. (٢)\n_________\n(١) أجمع المسلمون على أَنَّ الملائكة معصومون فُضلًا، واتفق أئمة المسلمين على أَنَّ حكم المرسلين منهم حكم النبيين، سواء في العصمة في باب البلاغ عن الله ﷿، وفي كل شيء ثبتت فيه عصمة الأنبياء فكذلك الملائكة، وأنهم مع الأنبياء في التبليغ إليهم كالأنبياء مع أممهم، ثم اختلفوا في غير المرسلين من الملائكة، فذهبت طائفة من المحققين، وجميع المعتزلة إلى عصمة جميع الملائكة عن جميع الذنوب والمعاصي، واحتجوا على ذلك بوجوه سمعية وعقلية، وذهبت طائفة إلى أَنَّ غير المرسلين من الملائكة غير معصومين، واحتجوا على ذلك بوجوه سمعية وعقلية، منها قصة هاروت وماروت.\nقال القاضي عياض: «والصواب عصمة جميعهم، وتنزيه نصابهم الرفيع عن جميع ما يحط من رتبتهم ومنزلتهم عن جليل مقدارهم».\nانظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (٢/ ١٠٩)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٢/ ١٥٢)، وتفسير الخازن (١/ ٦٦)، وتفسير القرطبي (٢/ ٣٦)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (١/ ٢٩٢، ٤٩٨)، والمواقف، للإيجي (٣/ ٤٥٠)، وشرح المقاصد في علم الكلام، للتفتازاني (٢/ ١٩٩).\n(٢) انظر حكاية الإشكال في الكتب الآتية: الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم\n(٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤)، وأحكام القرآن، لابن العربي (١/ ٤٦)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (٢/ ١٠٩)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (١/ ١٨٧)، وتفسير القرطبي (٢/ ٣٦)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (١/ ٤٩٨)، وروح المعاني، للآلوسي (١/ ٤٦٣)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (١/ ٦٤٠).","vol":"1","page":543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث:</span>\nللعلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث مسلكان:\nالأول: مسلك تضعيف الحديث:\nويرى أصحاب هذا المسلك أَنَّ الحديث المروي في قصة هاروت وماروت هو من الإسرائيليات المُتَلَقَّفة عن مَسْلَمَة أهل الكتاب، وأنَّ رفعه للنبي - ﷺ - خطأ من قِبَلِ بعض الرواة، إذ الصواب وقفه على كعب الأحبار، وهو مما أخذه من كتب بني إسرائيل.\nوعلى هذا المسلك عامة العلماء، من مفسرين ومحدثين، وممن قال به:\nابن أبي حاتم، وابن حزم، والبيهقي، وابن العربي، والقاضي عياض، والقاضي ابن عطية، وابن الجوزي، والفخر الرازي، والخازن، وأبو عبد الله القرطبي، والبيضاوي، وأبو حيان، والحافظ ابن كثير، وابن رجب، وأبو السعود، والثعالبي، والآلوسي، والقاسمي، وابن عاشور، والألباني. (١)\nقال القاضي عياض: «اعلم - أكرمك الله - أَنَّ هذه الأخبار لم يُروَ منها شيء - لا سقيمٌ ولا صحيحٌ - عن رسول الله - ﷺ -، وليس هو شيئًا يؤخذ\n_________\n(١) انظر على الترتيب: العلل، لابن أبي حاتم (٢/ ٦٩)، والفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤)، وشعب الإيمان، للبيهقي (١/ ١٨١)، وأحكام القرآن، لابن العربي (١/ ٤٦)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (٢/ ١٠٩)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (١/ ١٨٧)، والموضوعات، لابن الجوزي (١/ ١٨٦)، وزاد المسير، لابن الجوزي (١/ ١٠٨)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٣/ ١٩٩)، وتفسير الخازن (١/ ٦٦)، وتفسير القرطبي (٢/ ٣٦)، وتفسير البيضاوي (١/ ٧٩)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (١/ ٤٩٨)، وتفسير ابن كثير (١/ ١٤٣ - ١٤٦)، والتخويف من النار، لابن رجب، ص (٣٧)، وتفسير أبي السعود (١/ ١٣٨)، وتفسير الثعالبي (١/ ٩٣)، وروح المعاني، للآلوسي (١/ ٤٦٣)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (١/ ٣٦٦)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (١/ ٦٤٢)، وسلسلة الأحاديث الضعيفة، للألباني (١/ ٣١٥)، (٢/ ٣١٢ - ٣١٣).","vol":"1","page":544},{"text":"بقياس، والذي منه في القرآن اختلف المفسرون في معناه، وأنكر ما قال بعضهم فيه كثيرٌ من السلف، وهذه الأخبار من كتب اليهود وافترائهم، كما نَصَّ الله أول الآيات، من افترائهم بذلك على سليمان، وتكفيرهم إياه». اهـ (١)\nوقال أبو عبد الله القرطبي - بعد أنْ أورد القصة من طريق ابن عمر-: «هذا كله ضعيف، وبعيد عن ابن عمر وغيره، لا يصح منه شيء؛ فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة، الذين هم أُمناء الله على وحيه، وسفراؤه إلى رسله». اهـ (٢)\nوقال الحافظ ابن كثير: «وقد رُويَ في قصة هاروت وماروت، عن جماعة من التابعين، كمجاهد، والسدي، والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين، من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل؛ إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم، الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن، على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال». اهـ (٣)\nواستدل أصحاب هذا المسلك على بطلان القصة بأدلة، منها:\n١ - قول الله تعالى: (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ) [الحجر: ٨]، حيث قطع الله ﷿ أَنَّ الملائكة لا تنزل إلا بالحق، وليس شرب الخمر، ولا الزنا، ولا قتل النفس المحرمة من الحق، بل كل ذلك من الباطل. (٤)\n٢ - قوله تعالى: (وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ (٩» [الأنعام: ٨ - ٩]، حيث أبطل الله ﷿ أنه يمكن ظهور ملَكٍ إلى الناس إلا إلى الأنبياء. (٥)\n_________\n(١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (١/ ١٠٩).\n(٢) تفسير القرطبي (٢/ ٣٦).\n(٣) تفسير ابن كثير (١/ ١٤٦).\n(٤) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (٢/ ٣٢٣).\n(٥) انظر: المصدر السابق.","vol":"1","page":545},{"text":"٣ - قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢» [الفرقان: ٢١ - ٢٢]، حيث قَرَن ﷿ نزول الملائكة في الدنيا برؤيته ﷿ فيها، فدلَّ على أَنَّ نزولهم في الدنيا إلى غير الأنبياء ممتنع ألبتة، ولا يجوز، وأنَّ من قال ذلك فقد قال حجرًا محجورًا. (١)\n٤ - قوله تعالى: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: ٦]، وقوله تعالى: (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧» [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧]، وهذا صريح في براءتهم عن المعاصي، وكونهم متوقفين في كل الأمور، إلا بمقتضى الأمر والوحي. (٢)\n٥ - أنه تعالى حكى عنهم أنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ومن كان كذلك امتنع صدور المعصية منه. (٣)\nالمسلك الثاني: مسلك قبول الحديث وتصحيحه:\nحيث ذهب بعض العلماء إلى تصحيح الحديث وقبوله، إلا أنهم لم يجيبوا عن الإشكال الوارد فيه، ومن هؤلاء:\nابن حبان، وأبو بكر الهيثمي، والحافظ ابن حجر، والسيوطي، وابن حجر الهيتمي، والمناوي. (٤)\n_________\n(١) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (٢/ ٣٢٣).\n(٢) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (٢/ ١٠٩)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٢/ ١٥٣)، وتفسير القرطبي (٢/ ٣٦).\n(٣) انظر: مفاتيح الغيب، للرازي (٢/ ١٥٣).\n(٤) انظر على الترتيب: صحيح ابن حبان (١٤/ ٦٣)، حيث أورد الحديث في صحيحه فدل على تصحيحه له، ومجمع الزوائد، للهيثمي (٥/ ٦٨)، وفتح الباري (١٠/ ٢٣٥)، والعجاب في بيان الأسباب (١/ ٣١٧، ٣٢٧، ٣٤٣)، والقول المسدد، ص (٣٨)، جميعها لابن حجر، والدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة، للسيوطي، ص (٢٠٣)، والزواجر عن اقتراف الكبائر، للهيتمي (٢/ ١٧٢)، وفيض القدير، للمناوي (١/ ١٣٩).","vol":"1","page":546},{"text":"قال الحافظ ابن حجر: «وقصة هاروت وماروت جاءت بسند حسن، من حديث ابن عمر، في مسند أحمد، وأطنب الطبري في إيراد طرقها، بحيث يقضي بمجموعها على أَنَّ للقصة أصلًا، خلافًا لمن زعم بطلانها». اهـ (١)\nوقال: «له طرقٌ كثيرة، جمعتها في جزء يكاد الواقف عليه يقطع بوقوع هذه القصة، لكثرة طرقه الواردة فيها، وقوة مخارج أكثرها». اهـ (٢)\nوقال السيوطي في اللآلئ المصنوعة: «وقد وقفت على الجزء الذي جمعه فوجدته أورد فيه بضعة عشر طريقًا، أكثرها موقوفًا، وأكثرها من تفسير ابن جرير، وقد جمعت أنا طرقها في التفسير المسند وفي التفسير المأثور فجاءت نيفًا وعشرين طريقًا، ما بين مرفوع وموقوف». اهـ (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أَنَّ الحديث لا يصح رفعه للنبي - ﷺ -، وأنَّ رفعه خطأ من بعض الرواة، والأصح أنه مما أخذه الصحابة عن مسلمة أهل الكتاب، ككعب الأحبار، وغيره، ومما يؤكد ذلك:\n١ - أنه قد ورد في بعض طرقِ حديثِ ابنِ عمر وقفُ القصة على كعب الأحبار، وهذا مما يؤكد وقوع الوهم من بعض الرواة في رفعها للنبي - ﷺ -، وأنَّ مدار الحديث راجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل.\n٢ - أَنَّ الطرق التي جاء الحديث فيها مرفوعًا كلها ضعيفة، ولا يصح منها شيء.\n٣ - أَنَّ الحديث رواه عدد من الصحابة غير ابن عمر ولم يصرح أحد منهم برفعه للنبي ﷺ.\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٢٣٥).\n(٢) القول المسدد، لابن حجر، ص (٣٨).\n(٣) اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (١/ ١٤٥).","vol":"1","page":547},{"text":"٤ - أَنَّ في القصة من الغرابة ما يؤكد كونها من قصص بني إسرائيل، وبيان ذلك من وجوه:\nالأول: أنَّ الملكين خُيّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وذلك فاسد؛ لأن الله تعالى لا يُخيّر من أشرك به، ولأنهما إنْ كانت قد صحت توبتهما فلا عقوبة عليهما.\nالوجه الثاني: أنه جاء في بعض طرق الحديث أَنَّ المرأة لما فجرت صعدت إلى السماء وصارت كوكبًا، فكيف يعقل أنها تصعد إلى السماء وتصير كوكبًا لمجرد أنها فجرت.\nفبان بهذه الوجوه ضعف الحديث وبطلانه، وأنه لا يصح رفعه للنبي - ﷺ -، والله تعالى أعلم. (١)\n****\n_________\n(١) انظر هذه الوجوه: في تفسير الخازن (١/ ٦٦).","vol":"1","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>المسألة [٢]: في نسبة الشك لإبراهيم الخليل ﵇</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠» [البقرة: ٢٦٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية:</span>\n(٧٧) - (٦٦): عن أبي هريرة - ﵁ -، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ (١) مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذ قَالَ: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوْ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)». (٢)\n_________\n(١) سقط في بعض روايات الحديث لفظ «الشك»، حيث جاء بلفظ: «نحن أحق من إبراهيم إذ قال ...»، وهذه الرواية أخرجها البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (٤٦٩٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية، في مجموع الفتاوى (١٥/ ١٧٨): «وقد ترك البخاري ذكر قوله: «بالشك»، لما خاف فيها من توهّم بعض الناس». اهـ قلت: وهذا التوجيه من ابن تيمية مشكل جدًا، ولا أدري ما وجهه.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (٣٢٧٢)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٥١).","vol":"1","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث:</span>\nظاهر الحديث الشريف إثبات الشك (١)\nلإبراهيم الخليل ﵇، في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، وهذا الظاهر مشكل؛ لأن الشك كفر، والأنبياء معصومون منه بالإجماع. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث:</span>\nللعلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث مسلكان:\nالأول: مسلك تأويل الحديث، ونفي الشك مطلقًا عن إبراهيم الخليل ﵇.\nوعلى هذا المسلك الجمهور من العلماء، وقد اختلفوا في تأويل الحديث على مذاهب:\n_________\n(١) الشك في اللغة: هو التردد بين وجود شيء وعدمه، وهو خلاف اليقين.\nوفي الاصطلاح: التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك.\nوقيل الشك: ما استوى طرفاه، وهو الوقوف بين الشيئين لا يميل القلب إلى أحدهما؛ فإذا ترجح أحدهما ولم يطرح الآخر فهو ظن، فإذا طرحه فهو غالب الظن، وهو بمنزلة اليقين.\nوالشك: ضرب من الجهل، وهو أخص منه؛ لأن الجهل قد يكون عدم العلم بالنقيضين رأسًا، فكل شك جهل، وليس كل جهلٍ شكًا. انظر: مفردات ألفاظ القرآن، للراغب (٤٦١)، والتعريفات، للجرجاني (١/ ١٦٨)، والمطلع، لأبي الفتح البعلي (١/ ٢٦).\nقال ابن عطية في المحرر الوجيز (١/ ٣٥٣): «وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، وذلك هو المنفي عن الخليل ﵇، وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع، وقد كان إبراهيم الخليل ﵇ أعلم به، يدل على ذلك قوله: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) [البقرة: ٢٦٠] فالشك يبعد على من ثبتت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوة والخلة، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعًا». اهـ\n(٢) انظر حكاية الإشكال في الكتب الآتية: مشكل الآثار، للطحاوي (١/ ٢٩٨)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٧/ ٣١٧)، وعصمة الأنبياء، للرازي، ص (٤٤)، وتفسير ابن عثيمين، البقرة (٣/ ٣٠٤).","vol":"1","page":550},{"text":"الأول: أنَّ معنى الحديث: أنَّ الشك يستحيل في حق إبراهيم ﵇؛ فإنَّ الشك في إحياء الموتى لو كان متطرقًا إلى الأنبياء لكنت أنا أحق به من إبراهيم، وقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أنَّ إبراهيم لم يشك، وإنما خص إبراهيم لكون الآية قد يسبق منها إلى بعض الأذهان الفاسدة احتمال الشك، وإنما رجح إبراهيم على نفسه تواضعًا وأدبًا، أو قبل أنْ يعلم أنه خير ولد آدم. (١)\nوهذا التأويل قال به جمع من العلماء، منهم:\nابن قتيبة، وأبو سليمان الخطابي، والطحاوي، وابن حزم، وأبو المظفر السمعاني، والقاضي عياض، وابن عطية، وابن الجوزي، وأبو عبد الله القرطبي، والنووي، والخازن، والثعالبي، وابن حجر، والكرماني، والسيوطي، والسندي، والآلوسي، وابن عثيمين. (٢)\nالمذهب الثاني: أنَّ الحديث كان ردًا على قوم أثبتوا الشك لإبراهيم؛ فقد رُوي أنه لما نزل قوله تعالى: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) قال بعض الناس: شكَّ إبراهيم، فقال النبي - ﷺ - هذا القول ردًا عليهم، وتواضعًا منه، وتقديرًا لإبراهيم ﵇.\nوهذا التأويل ذكره ابن قتيبة، والقاضي عياض، والنووي، والبغوي،\n_________\n(١) انظر: الديباج على مسلم، للسيوطي (١/ ١٧٣).\n(٢) انظر على الترتيب: تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة (١/ ٩١ - ٩٢)، وأعلام الحديث، للخطابي (٣/ ١٥٤٥)، ومشكل الآثار، للطحاوي (١/ ٢٩٨ - ٢٩٩)، والفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣)، وتفسير السمعاني (١/ ٢٦٦)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى (١/ ٦٣)، وإكمال المعلم (١/ ٤٦٥)، كلاهما للقاضي عياض، والمحرر الوجيز، لابن عطية (١/ ٣٥٢)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (٣/ ٣٥٨)، وتفسير القرطبي (٣/ ١٩٤)، وصحيح مسلم بشرح النووي (٢/ ٢٤١ - ٢٤٢)، ولباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن (١/ ١٩٧)، وتفسير الثعالبي (١/ ٢٠٧)، والعجاب في بيان الأسباب، لابن حجر (١/ ٦٢١)، والديباج على مسلم (١/ ١٧٣)، وشرح سنن ابن ماجة (١/ ٢٩١)، كلاهما للسيوطي، وروح المعاني، للآلوسي\n(٣/ ٣٧ - ٣٨)، وتفسير ابن عثيمين، البقرة (٣/ ٣٠٥)، والقول المفيد على كتاب التوحيد، له (١/ ٤٥).","vol":"1","page":551},{"text":"وابن الجوزي، وابن الأثير، والحافظ ابن حجر. (١)\nوهو في معناه راجع إلى التأويل السابق؛ إلا أنَّ فيه ذكرًا لسبب الحديث، لكن لم يَرِدْ في شيء من روايات الحديث التصريح بهذا السبب.\nالمذهب الثالث: أنَّ المراد بقوله - ﷺ -: «نحن» أمته الذين يجوز عليهم الشك، وإنما عبر\nبـ «نحن» تأنيسًا لهم بإيهام دخوله معهم.\nوهذا التأويل ذكره القاضي عياض، والعيني، والحافظ ابن حجر. (٢)\nالمذهب الرابع: أنَّ لفظة «أحق» الواردة في الحديث جاءت لنفي المعنى، أي لا شك عندنا جميعًا، ومن هذا الباب قوله تعالى: (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ) [الدخان: ٣٧]، أي لا خير في الفريقين.\nوهذا التأويل قال به الآلوسي. (٣)\nالمذهب الخامس: أنَّ الحديث خرج مخرج العادة في الخطاب؛ فإنَّ من أراد المدافعة عن إنسان قال للمتكلم فيه: ما كنت قائلًا لفلان، أو فاعلًا معه من مكروه فقله لي، وافعله معي، ومقصوده لا تقل ذلك فيه.\nوهذا التأويل ذكره النووي، ونسبه لصاحب التحرير (٤). (٥)\n_________\n(١) انظر على الترتيب: تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة (١/ ٩١ - ٩٢)، ومشارق الأنوار، للقاضي عياض (٢/ ٢٥٢)، وصحيح مسلم بشرح النووي (٢/ ٢٤٢)، وشرح السنة، للبغوي (١/ ١٢٤)، وغريب الحديث، لابن الجوزي (١/ ٥٥٦)، والنهاية في غريب الحديث، لابن الأثير (٢/ ٤٤٢)، وفتح الباري، لابن حجر (٦/ ٤٧٥).\n(٢) انظر على الترتيب: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (٢/ ٦٣)، وعمدة القاري، للعيني (١٥/ ٢٦٧)، والعجاب في بيان الأسباب (١/ ٦٢١)، وفتح الباري (٦/ ٤٧٥)، كلاهما لابن حجر.\n(٣) روح المعاني (٣/ ٣٨).\n(٤) صاحب التحرير هو: إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي بن أحمد بن طاهر، الحافظ الكبير، أبو القاسم التَّيمِيّ الطَّلْحي الأصبهاني، الملقب قوام السنة، إمام في التفسير والحديث واللغة والأدب، من تصانيفه «التفسير الكبير» ثلاثون مجلدًا سماه «الجامع» وكتاب «الترغيب والترهيب» و«شرح البخاري» و«شرح مسلم» المسمى بـ «التحرير»، وغيرها، (ت: ٥٣٥هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (٢٠/ ٨٠)، وطبقات المفسرين، للسيوطي (٢٦ - ٢٧).\n(٥) صحيح مسلم بشرح النووي (٢/ ٢٤٢).","vol":"1","page":552},{"text":"المذهب السادس: أنَّ إبراهيم ﵇ أراد أنْ يترقى من درجة علم اليقين بالخبر، إلى درجة عين اليقين بالمشاهدة، فسأل ربه أنْ يريه كيف يُحيي الموتى ليحصل له ذلك، وقد عبَّر النبي - ﷺ - عن هذا المعنى بقوله: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ»، وهو لم يشك ولا إبراهيم، حاشاهما من ذلك، وإنما عبَّر عن هذا المعنى بهذه العبارة.\nوهذا التأويل قال به أبو العباس القرطبي، وأبو عبد الله القرطبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم. (١)\nالمذهب السابع: أنَّ الشك وقع لأمة إبراهيم ﵇، حيث سأل إبراهيمُ ربَه أنْ يريه وأمَّتَه كيفية إحياء الموتى ليطمئنَّ قلبه بظهور حجته عليهم، وبإزالة الشك عنهم.\nوهذا التأويل رُويَ عن الضحاك، وابن إسحاق (٢)، وعكرمة. (٣)\nالمذهب الثامن: أنَّ الشك وقع لإبراهيم ﵇ في كونه خليلًا.\nوهذا التأويل رُويَ عن السدي، وسعيد بن جبير.\nفعن السدي قال: «لما اتخذ اللهُ إبراهيمَ خليلًا استأذنه ملك الموت أن يُبَشِّرَه فإذن له ...، فقام إبراهيمُ يدعو ربَه: رب أرني كيف تحيي الموتى حتى أعلمَ أني خليلك». (٤)\nوعن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) قال: «بالخُلَّة». (٥)\nالمذهب التاسع: أنَّ إبراهيم وقع له الشك في كونه مُجاب الدعوة.\n_________\n(١) انظر على الترتيب: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٧/ ٣١٨)، وتفسير القرطبي (٣/ ١٩٥)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٥/ ١٧٧)، (٣٠/ ١١)، ومدارج السالكين (١/ ٤٧١ - ٤٧٢)، والتبيان في أقسام القرآن (١/ ١٢٠)، كلاهما لابن القيم.\n(٢) نقله عنهما أبو العباس القرطبي في المفهم (٧/ ٣١٦).\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥١٠).\n(٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٣/ ٥٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٠٧ - ٥٠٨).\n(٥) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٣/ ٥٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥١٠).","vol":"1","page":553},{"text":"وهذا التأويل رُويَ عن ابن عباس، في قوله تعالى: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) قال: «أعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك». (١)\nوقال ابن حبان: «قوله - ﷺ -: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» لم يُرِدْ به إحياء الموتى، إنما أراد به في استجابة الدعاء له، وذلك أنَّ إبراهيم ﵇ قال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) ولم يتيقن أنه يستجاب له فيه، يريد في دعائه وسؤاله ربه عما سأل، فقال - ﷺ -: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» به في الدعاء؛ لأنا إذا دعونا ربما يُستجاب لنا وربما لا يُستجاب، ومحصول هذا الكلام أنه لفظةُ إخبارٍ مرادُها التعليم للمخاطب». اهـ (٢)\nوبنحو هذا التأويل قال: إسماعيل بن يحيى المُزَني (٣)، وابن أبي حاتم (٤)، وأبو بكر الباقلاني (٥)، وابن الأنباري (٦)، والعيني (٧).\nالمذهب العاشر: أنَّ إبراهيم وقع له الشك في كيفية الإحياء، لا في أصل الإحياء.\nوهذا التأويل قال به العيني (٨).\nالمذهب الحادي عشر: أنَّ الشك وقع لإبراهيم قبل النبوة.\nذكره الحافظ ابن حجر. (٩)\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٣/ ٥٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٠٩).\n(٢) صحيح ابن حبان (١٤/ ٨٩ - ٩٠).\n(٣) انظر: تفسير البغوي (١/ ٢٤٨)، وشرح السنة، للبغوي (١/ ١٢٤)، واللباب في علوم الكتاب، لابن عادل الحنبلي (٤/ ٣٦٨)، وفي هذه الكتب النقل عن المزني.\n(٤) مسند أبي عوانه (١/ ٧٨)، وتاريخ دمشق، لابن عساكر (٦/ ٢٢٩)، وفيهما النقل عن ابن أبي حاتم.\n(٥) نقله عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٦/ ٤٧٤).\n(٦) نقله عنه ابن الجوزي في «كشف المشكل من حديث الصحيحين» (٣/ ٣٥٨).\n(٧) عمدة القاري (١٨/ ١٢٨).\n(٨) المصدر السابق (١٥/ ٢٦٧).\n(٩) فتح الباري، لابن حجر (٦/ ٤٧٤).","vol":"1","page":554},{"text":"المسلك الثاني: مسلك إعمال الحديث على ظاهره، وإثبات الشك حقيقة لإبراهيم الخليل ﵇.\nفعن ابن عباس، ﵄ في قوله تعالى: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [البقرة: ٢٦٠]ـ: قال: «ما في القرآن آية أرجى عندي منها». (١)\nوقال: «هذا لما يَعْرضُ في الصدور، ويُوسوِسُ به الشيطان، فرضي الله تعالى من إبراهيم قوله: بلى». (٢)\nوسُئل عطاء بن أبي رباح عن معنى الآية فقال: «دخل قلبَ إبراهيمَ بعضُ ما يدخل قلوب الناس». (٣)\nواختار هذا المسلك ابن جرير الطبري، فقال: «وأولى الأقوال بتأويل الآية، ما صح به الخبر عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) وأن تكون\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٣/ ٥١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٠٩)، وعبد الرزاق في التفسير (١/ ١٠٦).\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٠٩)، وأبو عبيد في فضائل القرآن، ص (١٤٩)، كلاهما من طريق أبي صالح كاتب الليث، قال: حدثني عبد العزيز بن أبي سلمة، عن محمد بن المنكدر قال: الْتَقَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَيُّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ أَرْجَى عِنْدَكَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: قَوْلُ اللَّهِ: (قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) [الزمر: ٥٣]، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَكِنْ أَنَا أَقُولُ: قَوْلُ اللَّهِ: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى) فَرَضِيَ مِنْ إِبْراهِيمَ قَوْلَهُ: (بَلَى) فَهَذَا لِمَا يَعْرِضُ فِي الصُّدُورِ، وَيُوَسْوِسُ بِهِ الشَّيْطَانُ».\nوالأثر في إسناده أبي صالح كاتب الليث، وهو عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني، أبو صالح المصري، صدوق كثير الغلط. كما في التقريب، لابن حجر (١/ ٤٠٠).\nوقد توبع في روايته، فأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ١٢٨)، قال: حدثنا علي بن حمشاذ العدل، ثنا محمد بن غالب، ثنا بشر بن حجر الشامي، ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن محمد بن المنكدر، به.\nوالأثر صححه الحاكم، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٦/ ٤٧٤): «رُوي من طرق يشد بعضها بعضًا».\n(٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٣/ ٥١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٠٨).","vol":"1","page":555},{"text":"مَسْألتُه ربَّه ما سأله أنْ يُريه من إحياء الموتى لعارض من الشيطان عرض في قلبه، كالذي ذكرنا عن ابن زيد: من أنَّ إبراهيم لما رأى الحوت الذي بعضه في البر وبعضه في البحر، قد تعاوره دواب البر ودواب البحر وطير الهواء، ألقى الشيطان في نفسه فقال: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فسأل إبراهيم حينئذ ربه أنْ يريه كيف يحيي الموتى؛ ليعاين ذلك عيانًا، فلا يقدر بعد ذلك الشيطان أنْ يُلقي في قلبه مثل الذي ألقى فيه عند رؤيته ما رأى من ذلك، فقال له ربه: أولم تؤمن؟ يقول: أولم تصدق يا إبراهيم بأني على ذلك قادر؟ قال: بلى يا رب، لكن سألتك أنْ تُريني ذلك ليطمئن قلبي، فلا يقدر الشيطان أنْ يُلقي في قلبي مثل الذي فعل عند رؤيتي هذا الحوت». اهـ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو ما ذهب إليه الجمهور من تأويل الحديث، ونفي الشك مطلقًا عن إبراهيم الخليل ﵇، والمختار من أقوال الجمهور - هو القول الأول - أنَّ معنى الحديث: أنَّ الشك لو كان متطرقًا إلى إبراهيم لكنت أنا أحق به منه، ولكن لم أشك ولم يشك إبراهيم، وإنما قال النبي - ﷺ - ذلك تواضعًا منه، وتأدبًا مع إبراهيم الخليل ﵇.\nيؤيد هذا الاختيار:\n١ - أنَّ الشك كفر، وهو غير جائز في حق الأنبياء ﵈، لعصمتهم منه إجماعًا. (٢)\n٢ - أنه لو وقع من إبراهيم ﵇ شك لكان قوله: «بلى» خلافَ الواقع؛\n_________\n(١) تفسير الطبري (٣/ ٥١).\n(٢) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (٢/ ٢٩٣)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٧/ ٣١٧)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (١/ ٣٥٣)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٧/ ٣٥)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (٢/ ٣٠٨)، وفتح القدير، للشوكاني (١/ ٤٢٥).","vol":"1","page":556},{"text":"إذ كيف يقول «بلى» وهو في الباطن على خلاف ذلك، والأنبياء ﵈ لا يقولون إلا الصدق. (١)\n٣ - أنه لو كان قوله: «بلى» خلافَ الواقع لما أقرَّه الله تعالى على ذلك؛ فدلَّ على أنَّ إبراهيم لم يشك قط، إذ لو كان منه شك لأنكر الله عليه قوله: «بلى». (٢)\n٤ - أنَّ الله تعالى قد أخبر عنه في أول القصة أنه قال للنمرود (٣): (رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) [البقرة: ٢٥٨] فلو كان عنده شك لما ادعى ذلك وهو غير مؤمن به. (٤)\n٥ - ومما يدل على أنَّ النبي - ﷺ - قال ذلك تواضعًا وأدبًا، ولم يُرِدْ به إثبات الشك حقيقة، قوله في آخر الحديث: «وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ»، ومعلوم أنَّ النبي - ﷺ - قد أُعطي من التثبت في الأمور، والصبر على المكاره الحظَّ الأوفر، والنصيب الأكبر، لكنه قال ذلك تواضعًا لله، وتأدبًا مع أخيه نبي الله ﷺ. (٥)\nقال ابن عطية: «وإذا تأملت سؤاله ﵇ وسائر ألفاظ الآية لم تُعطِ شكًا؛ وذلك أنَّ الاستفهام بكيف إنما هو سؤالٌ عن حالة شيءٍ موجودٍ متقرر الوجود عند السائل والمسؤول، نحو قولك: كيف عِلمُ زيد؟ وكيف نسْجُ الثوب؟ ونحو هذا، ومتى قلت: كيف ثوبك؟ وكيف زيد؟ فإنما السؤال عن حالة من أحواله، وقد تكون كيف خبرًا عن شيء شأنه أنْ يُستفهم عنه بكيف، نحو قولك: كيف شئت فكن، ونحو قول البخاري: كيف كان بدء الوحي،\n_________\n(١) انظر: مفاتيح الغيب، للرازي (٧/ ٣٥).\n(٢) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل (٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣)، والموافقات، للشاطبي (٤/ ١٦٢).\n(٣) هو ملك بابل، واسمه: النمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح، كان أحد ملوك الدنيا؛ فإنه قد ملك الدنيا فيما ذكروا أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: ذو القرنين وسليمان، والكافران النمرود وبختنصر، وذكروا أنَّ نمرودًا هذا استمر في ملكه أربعمائة سنة، وكان قد طغا وبغا وتجبر وعتا وآثر الحياة الدنيا، ولما دعاه إبراهيم الخليل إلى عبادة الله وحده لا شريك له حمله الجهل والضلال وطول الآمال على إنكار الصانع فحاج إبراهيم الخليل في ذلك وادعى لنفسه الربوبية. انظر: البداية والنهاية، لابن كثير (١/ ١٣٩).\n(٤) انظر: المفهم، للقرطبي (٧/ ٣١٧)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (١/ ٣٥٣).\n(٥) انظر: المفهم، للقرطبي (٧/ ٣١٩).","vol":"1","page":557},{"text":"وكيف في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبرون عن إنكاره بالاستفهام عن حاله لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح فيلزم من ذلك أنَّ الشيء في نفسه لا يصح؛ مثال ذلك: أنْ يقول مُدَّعٍ: أنا أرفع هذا الجبل، فيقول المُكذِّب له: أرني كيف ترفعه، فهذه طريقة مجاز في العبارة، ومعناه تسليم جدلي، كأنه يقول: افرض أنك ترفعه، فأرني كيف ترفعه؟ فلما كانت عبارة الخليل ﵇ بهذا الاشتراك المجازي خلص الله له ذلك وحمله على أنْ بَيَّنَ له الحقيقة فقال له: أولم تؤمن؟ قال: بلى، فكمُل الأمر، وتخلَّص من كل شك، ثم علل ﵇ سؤاله بالطمأنينة». اهـ (١)\nوأما ما روي عن ابن عباس، وعطاء، واختاره ابن جرير من إثبات الشك لإبراهيم، وجَعْلُ سببه وسوسة الشيطان؛ فليس في الآية ولا في الحديث ما يدل عليه.\nقال ابن عطية: «وما ترجم به الطبري عندي مردود، وما أدخل تحت الترجمة مُتأول: فأما قول ابن عباس: «هي أرجى آية» فمن حيث فيها الإدلال على الله تعالى وسؤال الإحياء في الدنيا، وليست مظنة ذلك، ويجوز أنْ يقول: هي أرجى آية؛ لقوله: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) أي إنَّ الإيمان كافٍ لا يحتاج معه إلى تنقير وبحث.\nوأما قول عطاء: «دخل قلبَ إبراهيمَ بعضُ ما يدخل قلوب الناس»، فمعناه من حيث المعاينة، وذلك أنَّ النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أُخْبرَتْ به، ولهذا قال النبي - ﷺ -: «ليس الخبر كالمعاينة» (٢)». اهـ (٣)\n_________\n(١) المحرر الوجيز (١/ ٣٥٣)، وانظر: تفسير القرطبي (٣/ ١٩٤ - ١٩٥).\n(٢) أخرجه من حديث ابن عباس: الإمام أحمد في مسنده (١/ ٢١٥)، (١/ ٢٧١)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٢)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٥١)، وقال: «صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه».\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٩٠) من حديث أنس، والخطيب البغدادي في تاريخه (٨/ ٢٧) من حديث أبي هريرة. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ٩٤٨)، حديث (٥٣٧٣)، وحديث (٥٣٧٤).\n(٣) المحرر الوجيز (١/ ٣٥٢).","vol":"1","page":558},{"text":"وقال أبو العباس القرطبي معلقًا على أثر ابن عباس: ما نُقل عن ابن عباس فإنه قول فاسد، لا يصح نقله ولا معناه، وليس في الآية ما يدلُّ على أنَّ إبراهيم شك. اهـ (١)\nقلت: أثر ابن عباس صحيح، وهو قوله: «هذا لما يعرض في الصدور، ويوسوس به الشيطان، فرضي الله تعالى من إبراهيم قوله: بلى»، لكن لم يوافقه على هذا القول أحد إلا ما روي عن عطاء، واختاره ابن جرير، ولعل ابن جرير إنما اختار هذا القول مستأنسًا بهذه الرواية عن ابن عباس، لكن هذا القول من ابن عباس لا يعدو أن يكون اجتهادًا منه، وقد تبين بالأدلة أنه لا يصح حمل الآية والحديث على هذا المعنى، والله تعالى أعلم.\n****\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٧/ ٣١٧)، بتصرف.","vol":"1","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>المسألة [٣]: في بيان الزمن الذي لا ينفع فيه الإيمان</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلْ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (١٥٨» [الأنعام: ١٥٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية:</span>\n(٧٨) - (٦٧): عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثَلاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الْأَرْضِ». (١)\n_________\n(١) رُوي هذا الحديث من طريق: فضيل بن غزوان، عن أبي حازم «سلمان مولى عزة»، عن أبي هريرة، به.\nوقد روي عن فضيل بن غزوان من عدة طرق:\nالأول: طريق محمد بن فضيل:\n\nأخرجه من طريقه: الإمام مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٥٨)، عن محمد بن العلاء، عن محمد بن فضيل، به. قال الإمام مسلم: «واللفظ له». يعني: أن لفظ الحديث الذي ذكره إنما هو من رواية محمد بن العلاء. وهو اللفظ المذكور في المتن.\nوأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٥/ ٤١١)، عن محمد بن العلاء، به. ولفظه لفظ مسلم.\nوأخرجه أبو يعلى في مسنده (١١/ ٣٣)، عن عبد الله بن عامر، عن محمد بن فضيل، به. ولفظه لفظ مسلم.\nوأخرجه أيضًا (١١/ ٣١) عن أبي هشام الرفاعي، عن محمد بن فضيل، به. وفيه اختلاف في ترتيب الآيات، حيث جاء بلفظ: «الدابة، والدجال، وطلوع الشمس من مغربها». =","vol":"1","page":560},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث:</span>\nاستشكل جمع من العلماء حديث أبي هريرة؛ لأمرين:\nالأول: أنَّ ظاهره أنَّ الإيمان لا ينفع بعد خروج الدجال، ووجه\n_________\n= الثاني: طريق يعلى بن عبيد:\nأخرجه من طريقه: الإمام الترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (٣٠٧٢)، عن عبد بن حُميد، عن يعلى بن عبيد، به، وفيه اختلاف في ترتيب الآيات، حيث جاء بلفظ: «الدَّجَّالُ، وَالدَّابَّةُ، وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ الْمَغْرِبِ، أَوْ مِنْ مَغْرِبِهَا».\nوأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (١/ ٢٥٣)، عن يعلى بن عبيد، به. ولفظه لفظ الترمذي.\nوأخرجه ابن مندة في «الإيمان» حديث (١٠٥٠)، عن علي بن الحسين بن أبي عيسى، عن يعلى بن عبيد، به. ولفظه لفظ الترمذي.\nوأخرجه البيهقي في الاعتقاد (١/ ٢١٣)، عن محمد بن عبد الوهاب، عن محمد بن يعقوب، عن يعلى بن عبيد، به. ولفظه لفظ مسلم.\nالثالث: طريق وكيع بن الجراح:\nأخرجه من طريقه: ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٥٠٦)، عن وكيع، به. باللفظ المذكور في المتن.\nوأخرجه الإمام مسلم في صحيحه، في الموضع السابق، عن زهير بن حرب، وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن وكيع، به. ولم يذكر لفظه.\nوأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٤٤٥)، حديث (٩٧٥١)، عن وكيع، به. بالترتيب المذكور في المتن، إلا أن فيه ذكر «الدخان» بدل «الدجال». وهذا خطأ؛ لأن جميع الرواة متفقون على ذكر «الدجال»، دون «الدخان»، ومما يؤكد وقوع الخطأ أن الحديث رواه عن وكيعٍ: ابنُ أبي شيبة، ولم يذكر لفظ «الدخان»، ويبعُد أن يكون الخطأ من الإمام أحمد، أو ابنه عبد الله راوي المسند عنه، والأقرب أن يكون من القَطِيعِي، راوي المسند عن عبد الله بن الإمام أحمد، فقد ذُكِرَتْ له أوهامٌ في روايته للمسند، فلعل هذا منها، والله تعالى أعلم. وانظر في ترجمة «القَطِيعِي»: لسان الميزان، لابن حجر (١/ ١٤٥)، والكواكب النيرات، لأبي البركات (١/ ١٧).\nالرابع: طريق إسحاق بن يوسف:\nأخرجه من طريقه الإمام مسلم في صحيحه، في الموضع السابق، عن زهير بن حرب، عن إسحاق، به. ولم يذكر لفظه.\nوقد تُوبِعَ أبوحازم في روايته عن أبي هريرة، لكنها متابعة ضعيفة، قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٠١): «ورواه إسحاق بن عبد الله القروي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، به. ولكن لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه؛ لضعف القروي». اهـ.","vol":"1","page":561},{"text":"الإشكال: أنَّ وقت خروج الدجال يكون قبل زمن عيسى ﵇ (١)، وعليه فإنه لا ينفع الكفار إيمانهم، ولا الفساق توبتهم، عند نزول عيسى ﵇؛ لأن باب التوبة قد أُغلق في زمن الدجال، وقد جاء النص صريحًا (٢) بأنَّ الإيمان ينفع في زمن عيسى ﵇، وإلا لما صار الدين واحدًا، ولا كان في نزوله كبير فائدة. (٣)\nالثاني: أنَّ النصوص متظافرةٌ على تفسير الآية بطلوع الشمس من مغربها، دون ذكر الدجال، أو الدابة. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث:</span>\nمذهب عامة المفسرين أنَّ المراد بـ «البعض» في الآية، هو: طلوع الشمس من مغربها. (٥)\n_________\n(١) عن مُجَمِّعَ بْنِ جَارِيَةَ الْأَنْصَارِيَّ - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَّالَ بِبَابِ لُدٍّ».\nأخرجه الترمذي، في سننه، في كتاب الفتن، حديث (٢١٧٠). وحديث قتل ابن مريم للدجال مروي في صحيح مسلم، في كتاب الفتن، حديث (٢٨٩٧)، وحديث (٢٩٣٧).\n(٢) سيأتي في «مبحث الترجيح» ما يدل على أن زمن عيسى ﵇ ينفع فيه الإيمان.\n(٣) انظر حكاية الإشكال في الكتب الآتية: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٧/ ٢٤٣)، والتذكرة في أحوال الموتى والآخرة، للقرطبي، ص (٧٣٧)، وطرح التثريب، للعراقي (٨/ ٢٥٨)، وفتح الباري، لابن حجر (١١/ ٣٦١)، وفيض القدير، للمناوي (٣/ ٨١)، ولوامع الأنوار البهية، للسفاريني (٢/ ١٤١)، وروح المعاني، للآلوسي (٨/ ٤٢٤)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (٤/ ٥٤٧)، والعذب النمير، للشنقيطي (٢/ ٩١٩).\nوقد أشار الشنقيطي ﵀ إلى أنه لم يقف على تحرير شافٍ للإشكال الوارد في الحديث، بحيث يمكن الرجوع إليه، ولعل في هذا البحث تحريرًا لهذا الإشكال وحلًا له إن شاء الله تعالى.\n(٤) سيأتي ذِكْرُ بعض هذه النصوص في مبحث الترجيح.\n(٥) قال البغوي في تفسيره (٢/ ١٤٤): «وعليه عامة المفسرين»، وكذا قال الواحدي في الوسيط (٢/ ٣٤٠)، والآلوسي في تفسيره (٨/ ٤٢٤)، ونسبه للجمهور: ابنُ عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٦٧)، والقاسمي في «محاسن التأويل» (٤/ ٥٤٧)، وحكاه =","vol":"1","page":562},{"text":"ورُوي عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: «التوبة معروضة على ابن آدم إن قَبلَهَا مالم تخرج إحدى ثلاث: مالم تطلع الشمس من مغربها، أو الدابة، أو فتح يأجوج ومأجوج». (١)\nوهذا الأثر عن ابن مسعود - ﵁ - لا يصح، وقد رُويَ عنه من عدة طرق أنه فسر الآية بطلوع الشمس من مغربها دون ذكر الدابة، أو يأجوج ومأجوج. (٢)\nوأما حديث أبي هريرة - ﵁ - والذي فيه ذكر الثلاث؛ فقد قال بعض أهل العلم إنَّ التوبة تنقطع بخروج إحدى هذه الثلاث.\nقال ابن هبيرة (٣): «حكم هاتين الآيتين (يعني الدابة، والدجال) في أنَّ نفسًا لا ينفعها إيمانها، الحكم في طلوع الشمس من مغربها». اهـ (٤)\nوقال المناوي: «كلٌ من الثلاثة مستبد في أنَّ الإيمان لا ينفع بعد مشاهدتها؛ فأيها تقدمت ترتب عليها عدم النفع». اهـ (٥)\nلكن مذهب عامة أهل العلم أنَّ التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها، وأما حديث أبي هريرة فلهم في الجواب عنه مسلكان:\nالأول: مسلك قبول الحديث، مع توجيهه:\nوهذا مذهب الجمهور من العلماء، حيث ذهبوا إلى توجيه الحديث،\n_________\n= إجماعًا: البرزنجيُّ في «الإشاعة» ص (٢٧٣)، غير أنه لم يجزم بذلك، حيث قال: «أجمع المفسرون أو جمهورهم»، ونقل عبارته السفاريني في «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ١٣٣)، وصديق حسن خان في «الإذاعة» ص (٢٠٦).\n(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٥/ ٤١١)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٩٠)، من طُرُقٍ عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله ....؛ فذكره. وفي سنده انقطاع، فإنَّ القاسمَ لم يَلْقَ ابنَ مسعود. قال علي بن المديني كما في «تهذيب التهذيب» (٨/ ٢٨٨): «لم يلق من الصحابة غير جابر بن سمرة». وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٩٨) وقال: «رواه الطبراني بإسناد منقطع».\n(٢) انظر: تفسير ابن جرير الطبري (٥/ ٤٠٩ - ٤١٠).\n(٣) هو: أبو المظفر، يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد بن الحسن بن جهم الشيباني الدوري العراقي الحنبلي، صاحب التصانيف، دخل بغداد في صباه وطلب العلم وجالس الفقهاء والأدباء، وسمع الحديث، وشارك في علوم الإسلام، ومهر في اللغة، وكان يعرف المذهب والعربية والعروض، سلفيًا أثريًا، له كتاب «الإفصاح عن معاني الصحاح» شرح فيه صحيحي البخاري ومسلم في عشر مجلدات، وألف كتاب «العبادات» على مذهب الإمام أحمد. (ت: ٥٦٠هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي\n(٢٠/ ٤٢٦)، والبداية والنهاية، لابن كثير (١٢/ ٢٥١).\n(٤) نقله عنه ابن مفلح، في «الآداب الشرعية» (١/ ١١٦).\n(٥) فيض القدير، للمناوي (٣/ ٢٩٨).","vol":"1","page":563},{"text":"ودفع التعارض بينه وبين بقية الأحاديث، والتي اقتصرت على تفسير الآية بطلوع الشمس من مغربها، ولهم في التوجيه مذاهب:\nالأول: أنَّ عدم قبول التوبة مترتبٌ على مجموع الثلاث - الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها - فإذا اجتمعت الثلاث انقطعت التوبة، وطلوع الشمس هو آخرها، وهو الذي يتحقق به عدم القبول.\nقال ابن مفلح - بعد أنْ أورد حديث «ثلاث إذا خرجن» -: «فهذا المراد به أنَّ طلوع الشمس آخر الثلاثة خروجًا؛ فلا تعارض بينه وبين ما سبق». اهـ (١) يريد الأحاديث التي اقتصرت على تفسير الآية بطلوع الشمس من مغربها.\nواختار هذا الجمع: المُلا علي بن سلطان القاري (٢)، والمباركفوري (٣)، غير أنهما لم يذكرا أنَّ طلوع الشمس من مغربها هو آخر الثلاث.\nوذكر الشيخ حمود التويجري حديث أبي هريرة من رواية الإمام أحمد، والتي فيها لفظ «الدخان» بدل «الدجال» وبين أنَّ التوبة لا تزال مقبولة حتى تجتمع الثلاث، والتي آخرها طلوع الشمس من مغربها. (٤)\nالمذهب الثاني: إنْ كان البعض المذكور في الآية عدة آيات؛ فطلوع الشمس هو آخرها المتحقق به عدم القبول، وإنْ كان إحدى آيات؛ فهو محمول على طلوع الشمس من مغربها؛ لأنه أعظم الثلاث.\nذكره القاسمي في تفسيره (٥)، وهو بمعنى التوجيه الأول.\nالمذهب الثالث: أنَّ خروج الثلاث يكون متتابعًا، بحيث يكون الزمن الذي بينها يسير جدًا؛ فتكون النسبة التي بينها مجازية، فكأنها خرجت في وقت واحد.\n_________\n(١) الآداب الشرعية، لابن مفلح (١/ ١١٥).\n(٢) مرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (١٠/ ١٠٧).\n(٣) تحفة الأحوذي، للمباركفوري (٨/ ٣٥٧).\n(٤) انظر: إتحاف الجماعة، للتويجري (٢/ ٣٢٢).\n(٥) محاسن التأويل، للقاسمي (٤/ ٥٤٧).","vol":"1","page":564},{"text":"ذكره الحافظ ابن حجر، وتعقبه بقوله: «وهذا بعيد؛ لأن مدة لبث الدجال إلى أنْ يقتله عيسى، ثم لبث عيسى وخروج يأجوج ومأجوج، كل ذلك سابق على طلوع الشمس من المغرب». اهـ (١)\nقلت: بل جاء النص صريحًا بأن مدة لبث الدجال إلى أنْ يقتله ابن مريم ﵇، أطول من ذلك؛ فعن عبد الله بن عمرو - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ، لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا، أَوْ أَرْبَعِينَ عَامًا، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ، لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ ....». (٢)\nوعن النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ - ﵁ - قال: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الدَّجَّالَ ..... فقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا لُبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ». (٣)\nقال النووي: «قوله - ﷺ -: (يَوْم كَسَنَةٍ، وَيَوْم كَشَهْرٍ، وَيَوْم كَجُمْعَةٍ، وَسَائِر أَيَّامه كَأَيَّامِكُمْ) قال العلماء: هذا الحديث على ظاهره، وهذه الأيام الثلاثة طويلة على هذا القدر المذكور في الحديث؛ يدل عليه قوله - ﷺ -: (وَسَائِر أَيَّامِه كَأَيَّامِكُمْ)». اهـ (٤)\nوأما عيسى ابن مريم ﵇ فقد جاء أنَّ مدة لبثه أربعون سنة؛ فعن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - ذكر عيسى فقال: «.... وَيُهْلِكُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ» (٥).\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر (١١/ ٣٦١).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (٢٩٤٠). قال أبو العباس القرطبي في المفهم (٧/ ٣٠٢): «قوله: (فيمكث أربعين، لا أدري أربعين يومًا، أو شهرًا، أو سنة) هذا الشك من عبد الله بن عمرو، وقد ارتفع بالأخبار أنه أربعون يومًا». وانظر: فتح الباري، لابن حجر\n(١٣/ ١١٢).\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (٢٩٣٧).\n(٤) صحيح مسلم بشرح النووي (١٨/ ٨٨).\n(٥) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الفتن، حديث (٤٣٢٤)، وابن حبان في صحيحه =","vol":"1","page":565},{"text":"فهذه النصوص وغيرها ترد القول بأن خروج الثلاث يكون متتابعًا، وأنَّ الزمن الذي بينها يسير، وحسبك مدة بقاء عيسى ﵇؛ فإنَّ مكثه أربعين سنة ليس بالزمن اليسير.\nالمذهب الرابع: ما قاله البيهقي: «إنْ كان في علم الله أنَّ طلوع الشمس سابقٌ احتمل أن يكون المراد نفى النفع عن أنفس القرن الذين شاهدوا ذلك، فإذا انقرضوا وتطاول الزمان وعاد بعضهم إلى الكفر عاد تكليف الإيمان بالغيب، وكذا في قصة الدجال لا ينفع إيمانُ من آمن بعيسى عند مشاهدة الدجال، وينفعه بعد انقراضه». اهـ (١)\nقلت: يتخرج من كلام البيهقي أنَّ التوبة تنقطع عند طلوع الشمس من مغربها، ثم تعود بعد تطاول الزمان؛ فإذا خرج الدجال انقطعت، ثم تعود بعد ذلك لتنفع وقت عيسى ﵇.\nوقريبًا منه قول أبي عبد الله القرطبي: «توبة كل من شاهد ذلك (يعني طلوع الشمس من مغربها) أو كان كالمشاهد له مردودة ما عاش؛ لأن علمه بالله تعالى وبنبيه - ﷺ - وبوعده قد صار ضرورة؛ فإن امتدت أيام الدنيا إلى أن ينسى الناس من هذا الأمر العظيم ما كان، ولا يتحدثون عنه إلا قليلًا، فيصير الخبر عنه خاصًا وينقطع التواتر عنه؛ فمن أسلم في ذلك الوقت أو تاب قُبلَ منه». اهـ (٢)\nوأيّد ذلك:\n١ - بما رُوي: «أنَّ الشمس والقمر يُكسيان بعد ذلك الضوء والنور، ثم يطلعان على الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك». (٣)\n٢ - وبما رُوي عن عبد الله بن عمرو - ﵁ - أنه قال: «يبقى الناس بعد\n_________\n= (١٥/ ٢٣٣)، وأبو داود الطيالسي في مسنده (١/ ٣٣٥) وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٣/ ٣٢)، حديث (٤٣٢٤).\n(١) نقله عنه الحافظ ابن حجر، في الفتح (١١/ ٣٦٢).\n(٢) تفسير القرطبي (٧/ ٩٥ - ٩٦). وانظر: التذكرة، ص (٧٣٦).\n(٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/ ١١٤) وقال: «أخرجه ابن مردويه بسند واهٍ عن ابن عباس مرفوعًا».","vol":"1","page":566},{"text":"طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة، حتى يغرسوا النخل». (١)\n٣ - وبما رُوي عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال: «لا يقبل الله من كافر عملًا ولا توبة إذا أسلم حين يراها إلا من كان صغيرًا يومئذ؛ فإنه لو أسلم بعد ذلك قُبِل ذلك منه، ومتى كان مؤمنًا مذنبًا فتاب من الذنب قُبِلت منه». (٢)\n٤ - وبما رُوي عن عمران بن حصين - ﵁ - أنه قال: «إنما لم يُقبل وقت الطلوع حتى تكون صيحة فيهلك كثير من الناس، فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت وهلك لم يُقبل منه، ومن تاب بعد ذلك قُبِلت منه». (٣)\nونقل الحافظ أبو زرعة العراقي عن شيخه البلقيني أنه قال: «إذا تراخى الحال بعد ذلك، وبَعُدَ العهد بهذه الآية، وتناساه أكثر الناس قُبِلت التوبة والإيمان بعد ذلك؛ لزوال الآية التي تضطر الناس إلى الإيمان». اهـ (٤)\nونقله عن البلقيني: الإمام الآلوسي، ومال إليه وأيَّده. (٥)\nواعتُرِضَ على هذا المذهب: بأن لا دليل عليه، وبأن الأخبار الصحيحة ترده؛ فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ». (٦) فمفهوم هذا الحديث أنَّ من تاب بعد ذلك لم تُقبل منه. (٧)\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٥٠٦)، ونعيم بن حماد في كتاب «الفتن» (٢/ ٦٥٦، ٧٠٢)، كلاهما عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي خيثمة، عن عبد الله بن عمرو، موقوفًا.\nوذكره العيني في «عمدة القاري» (١٨/ ٢٣٠ - ٢٣١) فقال: «وروى ابن خالويه في (أماليه) من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي حميد الحميري، عن ابن عمرو، مرفوعًا ....؛ فذكره».\nقال الحافظ ابن حجر، في «الفتح» (١١/ ٣٦١): «رفعه لا يثبت، وقد أخرجه عبد بن حُميد في تفسيره بسند جيد، عن عبد الله بن عمرو، موقوفًا». اهـ\n(٢) ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسيره (١/ ٥٢٦).\n(٣) ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسيره (١/ ٥٢٦).\n(٤) طرح التثريب، للعراقي (٨/ ٢٦٠).\n(٥) روح المعاني، للآلوسي (٨/ ٤٢٥).\n(٦) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الذكر والدعاء، حديث (٢٧٠٣).\n(٧) انظر: طرح التثريب، للعراقي (٨/ ٢٦٠)، وفتح الباري، لابن حجر (١١/ ٣٦٢)، ومرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (١٠/ ٤٥).","vol":"1","page":567},{"text":"وقد ساق الحافظ ابن حجر عدة آثار تدل على أنَّ الشمس إذا طلعت من مغربها أُغلق باب التوبة ولم يفتح بعد، ثم قال: «فهذه آثار يشد بعضها بعضًا، متفقة على أنَّ الشمس إذا طلعت من المغرب أُغلق باب التوبة ولم يفتح بعد، وأنَّ ذلك لا يختص بيوم الطلوع، بل يمتد إلى يوم القيامة». اهـ (١)\nالمسلك الثاني: مسلك تضعيف الحديث:\nفقد ذهب أبو العباس القرطبي إلى أنَّ ذكر الدجال في حديث أبي هريرة - ﵁ - وهمٌ من بعض الرواة، وأنَّ التكليف لا يرتفع إلا بطلوع الشمس من مغربها، كما دلت عليه بقية الأحاديث. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو مسلك قبول الحديث، مع توجيهه، ودفع التعارض بينه وبين بقية الأحاديث التي اقتصرت على تفسير الآية بطلوع الشمس من مغربها، فيكون معنى حديث أبي هريرة: أنَّ عدم قبول التوبة مترتب على مجموع الثلاث - الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها - فإذا اجتمعت الثلاث انقطعت التوبة، ويكون طلوع الشمس هو آخرها، وهو الذي يتحقق به عدم القبول.\nويمكن تلخيص المسألة وحصرها في خمسة أمور:\n١ - أنَّ المراد بـ «البعض» في الآية هو طلوع الشمس من مغربها فقط، دون غيرها.\n٢ - أنَّ التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها.\n٣ - أنَّ طلوع الشمس من مغربها هو آخر الآيات الثلاث المذكورة في حديث أبي هريرة.\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر (١١/ ٣٦٣).\n(٢) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٧/ ٢٤٣).","vol":"1","page":568},{"text":"٤ - أنَّ زمن عيسى - ﵇ - يعقب الدجال.\n٥ - أنَّ زمن عيسى - ﵇ - فيه خير كثير، دنيوي وأخروي، والتوبة والإيمان مقبولان فيه.\nوسأذكر من الأدلة ما يؤيد كل أمر، مع ذكر الإيرادات والاعتراضات، والجواب عنها.\nأولًا: الأدلة على أنَّ المراد بـ «البعض» في الآية هو طلوع الشمس من مغربها فقط، دون غيرها:\nبعد النظر في الأحاديث الواردة في تفسير الآية وجدتُ أنها متفقة على تفسير «البعض» بطلوع الشمس من مغربها، ولم يأتِ ما يُخالف ذلك إلا ما يظهر من حديث أبي هريرة - ﵁ -، ولكن عند التأمل فإنه لا يظهر بينه وبين بقية الأحاديث تعارض، لإمكان حمله على بقية الأحاديث التي اقتصرت على تفسير الآية بطلوع الشمس من مغربها، وإنَّ في اتفاق الأحاديث على تفسير «البعض» بالطلوع فقط، لدلالة واضحة على أنه هو المراد.\nقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: «وقد تكاثرت الأحاديث الصحيحة عن النبي - ﷺ - أنَّ المراد بـ «بعض آيات الله» طلوع الشمس من مغربها». اهـ (١)\nوقال الآلوسي: «رُويَ هذا التعيين عنه - ﷺ - في غير ما خبر صحيح». اهـ (٢)\nولنورد بعضًا من هذه الأخبار الصحيحة:\n١ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا؛ فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا، فَذَاكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ». (٣)\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص (٤٣٣).\n(٢) روح المعاني، للآلوسي (٨/ ٤٢٤).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (٤٦٣٥)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٥٧).","vol":"1","page":569},{"text":"٢ - وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - - في قول الله ﷿: (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) [الأنعام: ١٥٨] قَالَ: «طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا». (١)\n٣ - وعن أبي ذر الغفاري - ﵁ -، أنَّ النبي - ﷺ - قال يومًا: «أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: إِنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي لَا يَسْتَنْكِرُ النَّاسَ مِنْهَا شَيْئًا، حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أَتَدْرُونَ مَتَى ذَاكُمْ؟ ذَاكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا». (٢)\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٣١)، حديث (١١٢٨٤) و(٣/ ٩٨)، حديث (١١٩٥٧)، والترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (٣٠٧١)، وأبو يعلى في مسنده (٢/ ٥٠٥)، وابن جرير في تفسيره (٥/ ٤٠٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٤٢٧)، جميعهم من طريق وكيع بن الجراح، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد، به. مرفوعًا.\nوأخرجه ابن جرير في تفسيره (٥/ ٤٠٦) من طريق يحيى بن عيسى، عن ابن أبي ليلى، به.\nقال الترمذي بعد ذكره للحديث: «هذا حديث حسن غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه».\nقلت: الحديث فيه ضعف من جهة إسناده؛ لأن فيه:\n«محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى» صدوق سيء الحفظ جدًا. التقريب (٢/ ١٩٣ - ١٩٤).\nو«عطية بن سعد العوفي» صدوق يخطيء كثيرًا. التقريب (٢/ ٢٨).\nوأما روايته موقوفًا؛ فقد أخرجها ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٥٠٦)، عن وكيع، به.\nلكن أخرجه - من طريق ابن أبي شيبة - عبد بن حُميد في المنتخب من مسنده (١/ ٢٨٣) مرفوعًا. ولم يتضح لي سبب وقفه في رواية ابن أبي شيبة، وإن كنت أميل إلى أن ذلك سقط في السند؛ لاتفاق الطرق على رفعه، ولرواية عبد بن حميد عن ابن أبي شيبة مرفوعًا.\nوالحديث وإن كان في إسناده ضعف؛ إلا أنه يشهد له ما قبله، وما بعده من الأحاديث.\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٥٩).","vol":"1","page":570},{"text":"٤ - وعن صفوان بن عسال المرادي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ مِنْ قِبَلِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ بَابًا مَفْتُوحًا عَرْضُهُ سَبْعُونَ سَنَةً، فَلَا يَزَالُ ذَلِكَ الْبَابُ مَفْتُوحًا لِلتَّوْبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ نَحْوِهِ؛ فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ نَحْوِهِ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا». (١)\n٥ - ومما يؤكد أنَّ المراد بـ «البعض» هو طلوع الشمس فقط، اتفاق الصحابة على تفسير الآية بذلك، رُويَ هذا التفسير عن: ابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وابن مسعود، وصفوان بن عسال (٢)، ولا يعرف لهم مخالف؛ إلا ما رُوي عن ابن مسعود - في إحدى الروايات عنه - بأنه فسرها بإحدى ثلاث: الطلوع، أو الدابة، أو يأجوج ومأجوج، وقد تقدم أنَّ ذلك لا يصح عنه. (٣)\nفهذه الأحاديث مع اتفاق الصحابة - ﵃ - تؤكد القول بأن المراد بالبعض هو طلوع الشمس من مغربها دون غيرها، ولو كانت الثلاث المذكورة في حديث أبي هريرة هي المرادة بتفسير الآية، أو بعض المراد لذُكِرَت في بقية الأحاديث، وفي هذا دلالة واضحة على أنَّ أحد الثلاث غير مستبد بانقطاع التوبة بوجوده، بل لا بد من اجتماعها معًا، والله تعالى أعلم.\nفإن قيل: هذا التأويل فيه إهمال لبقية الثلاث المذكورة في الحديث؛ لأنكم قصرتم تفسير الآية على واحدة من هذه الثلاث، ولم تعملوا البقية،\n_________\n(١) أخرجه بهذ اللفظ: ابن ماجة في سننه، في كتاب الفتن، حديث (٤٠٧٠). وحسنه الألباني في «صحيح ابن ماجة» (٣/ ٣٣٢)، حديث (٤١٤٣).\nوروي بلفظ آخر قريب منه، ونصه: «إنَّ اللَّهَ ﷿ جَعَلَ بِالْمَغْرِبِ بَابًا مَسِيرَةُ عَرْضِهِ سَبْعُونَ عَامًا لِلتَّوْبَةِ لَا يُغْلَقُ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ مِنْ قِبَلِهِ وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ﷿: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا)».\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٢٤١) حديث (١٨١٢٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٣٤٤)، والترمذي في سننه، في كتاب الدعوات، حديث (٣٥٣٦)، وقال: «حديث حسن صحيح». وصححه المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٤٥)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، حديث (٣١٣٧).\n(٢) انظر: تفسير ابن جرير (٥/ ٤٠٨ - ٤١١).\n(٣) تقدم تخريجه في أول المسألة.","vol":"1","page":571},{"text":"والحديث صريح بأن المراد بالبعض هو الثلاث، لا واحدة منها.\nوالجواب على هذا الإيراد سيأتي تبعًا عند ذكر فائدة مجيء الثلاث في الحديث، وسيأتي أنَّ قصر تفسير الآية على واحدة من الثلاث لا يعني إهمال البقية، وإنما ذكرت لفائدة أخرى كما سيأتي تقريره.\nثانيًا: الأدلة على أنَّ التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها:\n١ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ». (١)\n٢ - وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا». (٢)\n٣ - وعن معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا». (٣)\nفهذه الأحاديث متفقة على أنَّ التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها، والقول بأن زمن الدجال لا ينفع فيه الإيمان ولا التوبة فيه مخالفة صريحة لهذه الأحاديث؛ لأن وقته قبل طلوع الشمس من مغربها.\nثالثًا: الأدلة على أنَّ طلوع الشمس من مغربها هو آخر الآيات الثلاث المذكورة في حديث أبي هريرة.\nهناك عدة أدلة تؤيد القول بأن طلوع الشمس من مغربها هو آخر الثلاث المذكورة في الحديث، ومن هذه الأدلة:\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث (٢٧٠٣).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب التوبة، حديث (٢٧٥٩).\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٩٩)، حديث (١٦٩٥٢)، وأبو داود في سننه، في كتاب التوبة، حديث (٢٤٧٩). وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٢/ ٩٠) حديث (٢٤٧٩).","vol":"1","page":572},{"text":"١ - حديث أبي هريرة - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قال: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ». (١) ومفهوم هذا الحديث أنَّ من تاب بعد أن تطلع الشمس من مغربها لم تقبل منه توبته، والأصل بقاء الحديث على إطلاقه، ولا يصح تقييد ذلك بوقت الطلوع، وإذا كانت التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها مردودة امتنع أن يكون وقت الدجال بعد طلوعها؛ لأن عيسى ﵇ بعد الدجال، وزمنه فيه خير كثير، والإيمان والتوبة مقبولان فيه، فلم يبق إلا أن يكون طلوعها بعد الدجال.\n٢ - وحديث أبي هريرة - ﵁ -، أنَّ النبي - ﷺ - قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ، حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا» (٢)، وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، أنَّ النبي - ﷺ - قال: «لَيُحَجَّنَّ الْبَيْتُ وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ». (٣) وقد ثبت أنَّ خروج يأجوج ومأجوج يكون بعد عيسى ﵇ (٤)،\nفهذان الحديثان يدلان على أنَّ باب التوبة لم يغلق بعد في زمن عيسى، إذ لو كان قد أغلق لما كان للحج فائدة، وقد سبق أنَّ وقت الدجال قبل زمن عيسى ﵇، وفي ذلك دلالة واضحة على أنَّ طلوع الشمس يعقب الدجال.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الذكر والدعاء، حديث (٢٧٠٣).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (١٢٥٢).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الحج، حديث (١٥٩٣).\n(٤) عن النواس بن سمعان - ﵁ - عن النبي - ﷺ - - في حديث طويل ذكر فيه الدجال ونزول عيسى ﵇، وفيه ـ: «... فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ، وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمْ الْيَوْمَ فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْأَرْضِ فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ ...». أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (٢٩٣٧).","vol":"1","page":573},{"text":"٣ - ومما يؤكد أنَّ طلوع الشمس هو آخر الثلاث، أنَّ الأحاديث متظافرة على أنَّ التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها، ولو كانت هي الأولى في الخروج لما كان لذكر بقية الثلاث فائدة؛ لأن انقطاع التوبة قد وقع بطلوع الشمس قبل ذلك.\nقال الشيخ حمود التويجري - بعد أن أورد حديث (ثلاث إذا خرجن) -: «وظاهر هذا الحديث يدل على أنَّ التوبة لا تزال مقبولة حتى تخرج الثلاث كلها، وقد تواترت الأحاديث الدالة على أنَّ التوبة لا تزال مقبولة ما لم تطلع الشمس من مغربها، فيستفاد من حديث أبي هريرة - ﵁ - مع الأحاديث الواردة في قبول التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها أنَّ خروج الدابة والدخان (١) متقدم على طلوع الشمس من مغربها، والله أعلم». اهـ (٢)\nوأما الدابة فالأظهر أنَّ خروجها متقدم على طلوع الشمس من مغربها، لكن الزمن الذي بينهن يسير جدًا، وليس في هذا القول مخالفة لحديث عبد الله بن عمرو - ﵁ -، أنَّ النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى». (٣)؛ لأن الحديث إنما ذكر الأولية للشمس والدابة معًا، لا للشمس وحدها؛ بدليل قوله في الحديث: «وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا». (٤)، ولو كان مراده - ﷺ - في الأولية الشمس دون الدابة لما قال ذلك، ومما يؤكد هذا المعنى أنَّ عبد الله بن عمرو راوي الحديث لم يفهم من الحديث أنَّ طلوع الشمس متقدم على الدابة، حيث وقع منه تردد في الأولية بقوله: «وَأَظُنُّ أُولَاهَا خُرُوجًا طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا» (٥) وترجيحه لأولية الشمس مبنيٌ على\n_________\n(١) ذكره للدخان بدل الدجال؛ بناء على اعتماده حديث أبي هريرة من رواية الإمام أحمد، والتي فيها لفظة «الدخان» بدل «الدجال»، وقد تقدم استيفاء تخريج الحديث وبيان ألفاظه في أول المسألة.\n(٢) إتحاف الجماعة، للتويجري (٢/ ٣٢٢).\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (٢٩٤١).\n(٤) المصدر السابق.\n(٥) هذه الزيادة ليست في صحيح مسلم، وقد أخرجها الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٢٠١)، حديث (٦٨٨١).","vol":"1","page":574},{"text":"اطلاعه على كتب أهل الكتاب، لا أنه سمع ذلك من النبي - ﷺ -، يدل على ذلك أنَّ الراوي عن ابن عمرو قال: «ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ - وَكَانَ يَقْرَأُ الْكُتُبَ -: وَأَظُنُّ أُولَاهَا خُرُوجًا طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا» (١)، قال الحافظ ابن كثير: «وقد ظن عبد الله بن عمرو أنَّ طلوع الشمس متقدم على الدابة، وذلك محتمل ومناسب». اهـ (٢)\nقلت: لكن الذي يظهر تقدم الدابة على الطلوع، وأما الأحاديث الواردة بتقدم طلوع الشمس على الدابة، فإنها ضعيفة، والله تعالى أعلم. (٣)\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) النهاية في الفتن والملاحم، لابن كثير (١/ ١٦٩). وانظر: إتحاف الجماعة، للتويجري (٢/ ٣٢٠).\n(٣) ورد حديثان ضعيفان في تقدم طلوع الشمس على الدابة:\nالأول: حديث أبي أمامة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «أَوَّلُ الْآيَاتِ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا».\nأخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٦٣)، وابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢١)، والخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (٢/ ١٥٦)، وابن عساكر في «تاريخ مدينة دمشق» (٥/ ٣٦٥)، جميعهم من طريق فضالة بن جبير، عن أبي أمامة، به.\nو«فضالة بن جبير» فيه ضعف، قال ابن عدي بعد أن أخرج حديثه: «أحاديثه غير محفوظة». وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٩): «رواه الطبراني في الأوسط، وفيه فضالة بن جبير، وهو ضعيف، وأنكر هذا الحديث».\nالثاني: حديث عبد الله بن عمرو - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا يَخِرُّ إِبْلِيسُ سَاجِدًا يُنَادِي: إِلَهِي، مُرْنِي أَنْ أَسْجُدَ لِمَنْ شِئْتَ، فَتَجْتَمِعُ إِلَيْهِ زَبَانِيَتُهُ، فَيَقُولُونَ: يَا سَيِّدُهُمْ، مَا هَذَا التَّضَرَّعُ؟ فَيَقُولُ: إِنَّمَا سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُنْظِرَنِي إِلَى الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، وَهَذَا الْوَقْتُ الْمَعْلُومُ، ثُمَّ تَخْرُجُ دَابَّةُ الْأَرْضِ مِنْ صَدْعٍ فِي الصَّفَا، فَأَوَّلُ خَطْوَةٍ تَضَعُهَا بِأَنْطَاكِيَّةَ، ثُمَّ تَأْتِي إِبْلِيسَ فَتَلْطِمُهُ».\nأخرجه الطبراني في «الأوسط» (١/ ٣٦). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٨): «رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه إسحاق بن إبراهيم بن زبريق وهو ضعيف». وقال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٢٠٣): «هذا حديث غريب جدًا، وسنده ضعيف، ولعله من الزاملتين اللتين أصابهما عبد الله بن عمرو يوم اليرموك، فأما رفعه فمنكر، والله أعلم». وانظر: النهاية في الفتن والملاحم، لابن كثير (١/ ١٦٩).","vol":"1","page":575},{"text":"الإيرادات والاعتراضات على القول بأن زمن الدجال متقدم على طلوع الشمس من مغربها:\nالإيراد الأول: فإن قيل: فما جوابكم عن حديث عبد الله بن عمرو - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا». (١)\nفهذا الحديث صريح بأن طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة يُعد من أول الآيات، ويلزم منه أنَّ خروج الدجال متأخر عنهما.\nوالجواب: أنَّ الروايات مختلفة في تعيين أول الآيات:\n١ - ففي رواية: «أنَّ أولها طلوع الشمس من مغربها». (٢)\n٢ - وفي رواية: «أنَّ أولها نار تحشر الناس إلى محشرهم». (٣)\n٣ - وقيل: أولها خروج الدجال. (٤)\nوللعلماء في الجمع بين هذه الأحاديث أقوال:\n١ - قال الحافظ ابن حجر: «الذي يترجح من مجموع الأخبار أنَّ خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى ابن مريم ﵇، وأنَّ طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة، ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب ....\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (٢٩٤١).\n(٢) كما في حديث عبد الله بن عمرو المتقدم.\n(٣) لحديث أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ». أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (٣٣٢٩).\n(٤) يدل عليه حديث أبي أمامة الباهلي - ﵁ - قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - ....؛ فذكر الدجال وقال: «وَهُوَ خَارِجٌ فِيكُمْ لَا مَحَالَةَ». أخرجه ابن ماجة في سننه، في كتاب الفتن، حديث (٤٠٧٧). وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١٣٠٣)، حديث (٧٨٧٥).","vol":"1","page":576},{"text":"قال: وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار التي تحشر الناس». اهـ (١)\nواختار هذا الجمع البرزنجي (٢)، حيث نقله عن الحافظ ابن حجر واستحسنه. (٣)\n٢ - ويرى الحافظ ابن كثير: أنَّ طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة يعد من أول الآيات السماوية التي ليست بمألوفة، وأما خروج الدجال ونزول عيسى ﵇، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج فكلها أمور مألوفة، وهي من أول الآيات الأرضية.\nقال الحافظ ابن كثير - بعد أن أورد حديث عبد الله بن عمرو -: «أي أول الآيات التي ليست مألوفة، وإن كان الدجال ونزول عيسى ﵇ من السماء قبل ذلك، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج، فكل ذلك أمور مألوفة؛ لأن أمر مشاهدته ومشاهدة أمثاله مألوف؛ فأما خروج الدابة على شكل غريب غير مألوف ومخاطبتها الناس ووسمها إياهم بالإيمان أو الكفر؛ فأمر خارج عن مجاري العادات، وذلك أول الآيات الأرضية، كما أنَّ طلوع الشمس من مغربها على خلاف عادتها المألوفة أول الآيات السماوية». اهـ (٤)\nواختار هذا الجمع ابن أبي العز الحنفي. (٥)\n٣ - ويرى الطيبي أنَّ الآيات عبارة عن أمارات على الساعة، إما على قربها، وإما على حصولها؛ فمن الأول: الدجال، ونزول عيسى ﵇، ويأجوج ومأجوج، والخسف، ومن الثاني: الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار التي تحشر الناس. (٦)\nواختار هذا الجمع المناوي. (٧)\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر (١١/ ٣٦١).\n(٢) هو: محمد بن عبد الرسول بن عبد السيد الحسني البرزنجي: فاضل، له علم بالتفسير والأدب. من فقهاء الشافعية. برزنجي الأصل. ولد وتعلم بشهرزور، ورحل إلى همذان وبغداد ودمشق والقسطنطينية. ومصر، واستقر في المدينة، فتصدر للتدريس، وتوفي بها. له كتب، منها (الإشاعة في أشراط الساعة) و(أنهار السلسبيل) في شرح تفسير البيضاوي، وغيرها. (ت: ١١٠٣هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٦/ ٢٠٣).\n(٣) انظر: الإشاعة لأشراط الساعة، للبرزنجي، ص (٢٨١).\n(٤) النهاية في الفتن والملاحم، لابن كثير (١/ ١٦٥). وانظر: (١/ ١٦٩).\n(٥) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (١/ ٥٦٦).\n(٦) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح (١٠/ ١١١)، وانظر: فتح الباري، لابن حجر (١١/ ٣٦٠).\n(٧) فيض القدير، للمناوي (٢/ ١٧٠).","vol":"1","page":577},{"text":"٤ - ويرى أبو العباس القرطبي أنَّ الأولية في حديث عبد الله بن عمرو المراد بها: أول الآيات الكائنة في زمان ارتفاع التوبة والطبع على كل قلب بما فيه، وعلل ذلك: بأن ما قبل طلوع الشمس من مغربها التوبة فيه مقبولة، وإيمان الكافر فيه يصح. (١)\nوأما حديث أنس أنَّ النبي - ﷺ - قال: «أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ». (٢) فقد جاء في حديث آخر أنها آخر الآيات؛ فعن حذيفة بن أسيد الغفاري - ﵁ - قال: «اطَّلَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ فَقَالَ: مَا تَذَاكَرُونَ؟ قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ. قَالَ: إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ، فَذَكَرَ: الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ» (٣).\nقال الحافظ ابن حجر: «ويجمع بينهما بأن آخريتها باعتبار ما ذُكِرَ معها من الآيات، وأوليتها باعتبار أنها أول الآيات التي لا شيء بعدها من أمور الدنيا أصلًا، بل يقع بانتهائها النفخ في الصور، بخلاف ما ذكر معها فإنه يبقى بعد كل آية منها أشياء من أمور الدنيا». اهـ (٤)\nقلت: ويؤيد هذا الجمع أنَّ حديث أنس روي بلفظ: «وَأَمَّا أَوَّلُ شَيْءٍ يَحْشُرُ النَّاسَ فَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ فَتَحْشُرُهُمْ إِلَى الْمَغْرِبِ». (٥)\nحيث لم ينص على أنها أول الآيات، بل فيه أنها أول من يحشر الناس. (٦)\n_________\n(١) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٧/ ٢٤٢).\n(٢) سبق تخريجه في أثناء المسألة.\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (٢٩٠١).\n(٤) فتح الباري، لابن حجر (١٣/ ٨٨).\n(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٢٧١)، حديث (١٣٨٩٥)، وأبو داود الطيالسي في مسنده (١/ ٢٧٣)، وابن حبان في صحيحه (١٦/ ٤٤٢)، وأبو يعلى في مسنده (٦/ ١٣٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٥٠٢)، حديث (٢٥٦٨).\n(٦) انظر: مرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (١٠/ ٨٢).","vol":"1","page":578},{"text":"ويحتمل أنَّ النار المذكورة في حديث أنس نار أخرى غير المذكورة في حديث حذيفة، فالأولى تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، والثانية تخرج من اليمن فتسوق الناس إلى المحشر الذي هو أرض الشام، فتكون الأولى أول الآيات، والثانية آخر الآيات.\nيقوي هذا الاحتمال اختلاف مكان وصفة خروج كل من النارين؛ فالأولى تخرج من المشرق وتسوق الناس إلى المغرب، والثانية تخرج من اليمن وتسوق الناس إلى محشرهم. (١)\nوبهذا يتبين أنَّ الحديث الوارد في أنَّ أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة، لا ينافي القول بأن أولها خروج الدجال ونزول عيسى ﵇، لما علمت من اختلاف الروايات في أول الآيات، ولما ذُكِرَ من أنَّ الأولية في الحديث ليست على إطلاقها، وعليه فلا يصح الاعتراض، والله تعالى أعلم. (٢)\nالإيراد الثاني: أنَّ في حديث أبي هريرة - ﵁ - تقديم طلوع الشمس من مغربها على الدجال، فكيف يقال إن طلوعها آخر الثلاث؟\nوالجواب: أنَّ هذا الترتيب غير مُتفقٍ عليه بين رواة الحديث، وتفصيل ذلك:\nأنَّ الحديث رواه فضيل بن غزوان، وقد رُويَ عن فضيل من أربعة طرق، وفي كل طريق اختلاف في ترتيب الآيات:\nالأول: طريق وكيع بن الجراح: وقد اتفق الرواة عنه على الترتيب الآتي: طلوع الشمس، والدجال، والدابة.\nالثاني: طريق يعلى بن عبيد: وقد اختلف الرواة عنه في الترتيب:\nفرواه عبد بن حميد، وإسحاق بن راهويه، والصغاني، بلفظ: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس.\nورواه عنه محمد بن عبد الوهاب، بلفظ: طلوع الشمس، والدجال، والدابة.\n_________\n(١) انظر: لوامع الأنوار البهية، للسفاريني (٢/ ١٥٠).\n(٢) انظر: القناعة فيما يحسن الإحاطة من أشراط الساعة، للسخاوي، ص (٦٢).","vol":"1","page":579},{"text":"الثالث: طريق محمد بن فضيل: وقد اختلف الرواة عنه في الترتيب:\nفرواه محمد بن العلاء، وعبد الله بن عامر بلفظ: طلوع الشمس، والدجال، والدابة.\nورواه أبو هشام الرفاعي بلفظ: الدابة، والدجال، وطلوع الشمس.\nالرابع: طريق إسحاق بن يوسف: ولم يخرجه من هذا الطريق إلا مسلم في صحيحه، ولم يذكر لفظ الحديث، وإنما ذكر هذا الطريق متابعة. (١)\nوالخلاصة: أنَّ هذه الروايات الواردة في ترتيب الحديث لا يمكن الجزم بأن أحدها هو الذي قاله النبي - ﷺ -؛ وإذ الأمر كذلك فلا يصح الجزم بأن طلوع الشمس من مغربها هو أول الثلاث.\nوعلى التسليم بأن الحديث قد جاء هكذا عن النبي - ﷺ - بتقديم الطلوع على الثلاث؛ فإنه لا يدل على تقدم الطلوع؛ لأن تقديمها في الذكر لا يقتضي تقدمها في الوقوع (٢)، كما أنَّ العطف لا يفيد الترتيب (٣)، ولاحتمال أن يكون\n_________\n(١) تقدم تخريج هذه الطرق في أول المسألة.\n(٢) انظر: الكليات، للكفوي، ص (١٥٩)، (١٠٦٦)، وفتح القدير، للشوكاني (١/ ١٥٣)، وقواعد التفسير، للسبت (١/ ٣٧٩).\n(٣) مذهب الجمهور من الأصوليين والنحاة أن «الواو» العاطفة تجيء لمطلق الجمع، فيُعطف بها الشيء على مصاحبه، ولا تفيد الترتيب. قال سيبويه: «ولم تُلْزِمِ الواوُ الشيئين أن يكون أحدهما بعد الآخر، ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بزيد وعمرو، لم يكن في هذا دليل أنك مررت بعمرو بعد زيد».\nوقال: «وإنما جئت بالواو لتضم الآخر إلى الأول وتجمعهما، وليس فيه دليل على أن أحدهما قبل الآخر». اهـ انظر: الكتاب، لسيبويه (١/ ٢٩١) و(٤/ ٢١٦).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٢١٧): «لفظ الواو لا يفيد الترتيب على الصحيح الذي عليه الجمهور». اهـ\nوقال الشنقيطي في «أضواء البيان» (٧/ ١٣٣): «أطبق جمهور أهل اللسان العربي على أن الواو لا تقتضي الترتيب ولا الجمع، وإنما تقتضي مطلق التشريك، وقد ادعى السيرافي والسهيلي إجماع النحاة على ذلك وعزاه لأكثر المحققين وهو الحق، خلافًا لما قاله قطرب والفراء وثعلب وأبو عمرو الزاهد وهشام والشافعي، من أنها تفيد الترتيب لكثرة استعمالها فيه، وقد أنكر السيرافي ثبوت هذا القول عن الفراء، وقال: لم أجده في كتابه. وقال ولي الدين: أنكر أصحابنا نسبة هذا القول إلى الشافعي. حكاه عنه صاحب الضياء اللامع». اهـ\nوللجمهور أدلة، منها: =","vol":"1","page":580},{"text":"قدم الطلوع؛ لأن مدار عدم قبول التوبة متوقف عليه. (١)\nومما يؤكد أنَّ الترتيب غير مراد في الحديث: ذكر الدجال بين طلوع الشمس وخروج الدابة، وقد جاء في حديث عبد الله بن عمرو - ﵁ - أنَّ طلوع الشمس وخروج الدابة قريبان من بعضهما، ونص الحديث: «وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا». (٢)، وقد تقدم أنَّ مدة مكث الدجال إلى أن يقتله ابن مريم تُعد طويلة، وهذا دليل واضح بأن طلوع الشمس ليس بأول الثلاث، والله تعالى أعلم.\nالإيراد الثالث: إذا كانت التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها، فما فائدة ذكر الدجال والدابة في الحديث؟\nوالجواب: أنَّ ذكرهما هو بمثابة التحذير والإعلام بقرب طلوع الشمس من مغربها، فكأن خروجهما إرهاصٌ وإيذانٌ بقرب طلوع الشمس من مغربها، يدل على ذلك: حديث أبي مالك الأشعري - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قال: «إن ربكم أنذركم ثلاثًا ....، فذكر الدخان، والدابة، والدجال». (٣)\n_________\n= قوله تعالى: (يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدي وارْكَعي مَعَ الرَّاكِعِيْنَ) [آل عمران: ٤٣]. حيث قدم السجود على الركوع، ولو كانت الواو تفيد الترتيب؛ لقدم الركوع على السجود، وقال تعالى: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ) [البقرة: ٥٨]، وقال في سورة الأعراف: (وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) [الأعراف: ١٦١]، فقدم وأخر مع أن القصة واحدة. وللمزيد انظر: معاني القرآن، للفراء (١/ ٣٩٦)، والمقتضب (١/ ١٠)، والكامل في الأدب (٢/ ٥٢٩)، كلاهما للمبرد، ومعاني الحروف؛ للرماني، ص (٥٩)، والصاحبي في فقه اللغة، لابن فارس، ص (١٥٧)، والفصول في الأصول، للرازي (١/ ٨٣)، وكشف الأسرار، للبخاري (٢/ ١٠٩)، وشرح التلويح، للتفتازاني (١/ ١٨٨)، ونيل الأوطار، للشوكاني (١/ ١٢٤)، وفتح القدير، له (١/ ١٥٣)، ودراسات لأسلوب القرآن الكريم، لمحمد عضيمة (٣/ ٥٢١)، وأصول الفقه الإسلامي، لوهبة الزحيلي (١/ ٣٧٨ - ٣٨١).\n(١) انظر: مرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (١٠/ ١٠٧). وللإمام ابن القيم الجوزية كلام نفيس في فوائد التقديم، حيث ذكر أن المعاني تتقدم بأحد خمسة أشياء: إما بالزمان، وإما بالطبع، وإما بالرتبة، وإما بالسبب، وإما بالفضل والكمال. وقد فصَّل ومثل لذلك، فانظره في كتابه «بدائع الفوائد» (١/ ٥٨).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (٢٩٤١).\n(٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٢٢٧)، حديث (٣١٠٦٢)، والطبراني في الكبير =","vol":"1","page":581},{"text":"وهذا الحديث واضح الدلالة في المقصود؛ لأن فيه التصريح بأن الدجال والدابة إنما هي نذرٌ لما بين يديها من طلوع الشمس من مغربها، والذي يعني رفع التوبة، وعدم قبول الإيمان، فيكون خروجهما تحذيرًا للناس وتنبيهًا لهم بأن عليهم التوبة قبل أن يأت يوم لا تنفع فيه، وذلك اليوم هو طلوع الشمس من مغربها.\nوإنما لم يذكر في حديث أبي مالك طلوع الشمس من مغربها؛ لأن طلوعها لا يقع فيه إنذار، وهذا مما يؤكد أنَّ الدجال والدابة إنما هي نذر، والله تعالى أعلم.\nويلاحظ في حديث أبي هريرة تعليق الشرط على ثلاثة أشياء، مع أنَّ الجواب حاصل بأحدها، وهو طلوع الشمس من مغربها، ولهذا نظائر في الكتاب والسنة:\nفمن الكتاب: قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥» [الانفطار: ١ - ٥] فانظر كيف علق الشرط على أربعة أشياء، وهي: انفطار السماء، وانتثار الكواكب، وتفجير البحار، وبعثرة القبور، مع أنَّ الجواب - وهو علم النفس بما قدمت وأخرت - لا يكون إلا بعد بعثرة القبور.\nونظير هذا المثال من السنة قوله - ﷺ -: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ (١)،\n_________\n= (٣/ ٢٩٢)، وأورده ابن كثير في تفسيره (٤/ ١٥٠)، والسيوطي في الدر المنثور (٥/ ٧٤٥) وقالا: «إسناده جيد».\n(١) الشُّعَبُ: جَمْع شُعْبَة، وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنْ الشَّيْءِ. قِيلَ: الْمُرَاد هُنَا يَدَاهَا وَرِجْلَاهَا. وَقِيلَ: رِجْلَاهَا وَفَخِذَاهَا. وَقِيلَ: سَاقَاهَا وَفَخِذَاهَا. وَقِيلَ: فَخِذَاهَا وَإِسْكَتَاهَا. وَقِيلَ: فَخِذَاهَا وَشَفْرَاهَا. وَقِيلَ: نَوَاحِي فَرْجِهَا الْأَرْبَع. قَالَ الْأَزْهَرِيّ: الْإِسْكَتَانِ نَاحِيَتَا الْفَرْجِ، وَالشَّفْرَانِ طَرَف النَّاحِيَتَيْنِ. وَرَجَّحَ الْقَاضِي عِيَاض الْأَخِير. وَاخْتَارَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ الْأَوَّلَ، قَالَ: لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ، أَوْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْجُلُوسِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْجِمَاعِ، فَاكْتَفَى بِهِ عَنْ التَّصْرِيحِ. انظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٤٧٠).","vol":"1","page":582},{"text":"وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ (١)؛ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ». (٢) فانظر كيف علق وجوب الغسل على شيئين، مع أنه لا يجب إلا بواحد منهما، وهو التقاء الختانين.\nرابعًا: الأدلة على أنَّ زمن عيسى - ﵇ - يعقب الدجال:\nتواترت الأحاديث عن النبي - ﷺ - بخروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ (٣)، وأغلب هذه الأحاديث فيها التصريح بقتل عيسى ابن مريم للدجال، وفي هذا دلالة واضحة بأن زمن عيسى يعقب الدجال، وفيما يأتي ذكر بعض الأحاديث الدالة على قتل عيسى ﵇ للدجال:\n١ - عن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ، أَوْ بِدَابِقٍ (٤)،\nفَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنْ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتْ الرُّومُ: خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ. فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لَا وَاللَّهِ، لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا، فَيُقَاتِلُونَهُمْ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ، وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا، فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ (٥)، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ\n_________\n(١) الختانان: هما موضع القطع من ذكر الغلام وفرج الجارية، ويقال لقَطْعهما الإِعْذارُ والخَفْضُ، ومعنى التقائهما غُيُوبُ الحشفة في فرج المرأَة حتى يصيرَ خِتانه بحِذاء خِتَانِها، وذلك أَن مدخل الذكر من المرأَة سافل عن ختانها؛ لأَن ختانها مستعلٍ، وليس معناه أَن يَماسَّ خِتانُه خِتانها. انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (١/ ٢٣٠)، ولسان العرب، لابن منظور (١٣/ ١٣٨).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الحيض، حديث (٣٤٩).\n(٣) انظر: النهاية في الفتن والملاحم، لابن كثير (١/ ١٢٧، ١٤٢)، وإتحاف الجماعة، للتويجري (٣/ ٨١)، فما بعدها.\n(٤) «الْأَعْمَاق» بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة، وَ«دَابِق» بكَسْرِ الْبَاء الْمُوَحَّدَة وَفَتْحهَا، وَالْكَسْر هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور، وهما مَوْضِعَانِ بِالشَّامِ بِقُرْبِ حَلَب. انظر: معجم البلدان، لياقوت الحموي (١/ ٢٢٢)، وصحيح مسلم بشرح النووي (١٨/ ٢٩).\n(٥) قُسْطنْطِينِيَّة: هِيَ بِضَمِّ الْقَاف، وَإِسْكَان السِّين، وَضَمّ الطَّاء الْأُولَى، وَكَسْر الثَّانِيَة وَبَعْدهَا يَاء سَاكِنَة ثُمَّ نُون، هَكَذَا هُوَ الْمَشْهُور، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِق عَنْ =","vol":"1","page":583},{"text":"الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ إِذْ صَاحَ فِيهِمْ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ. فَيَخْرُجُونَ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِذَا جَاءُوا الشَّأْمَ خَرَجَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - ﷺ - فَأَمَّهُمْ، فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ تَرَكَهُ لَانْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ، وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ». (١)\n٢ - وعن النواس بن سمعان - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - ذكر الدجال فقال: «.... فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ (٢) بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ (٣) وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ (٤) كَاللُّؤْلُؤِ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ ....». (٥)\n_________\n= الْمُتْقِنِينَ وَالْأَكْثَرِينَ، وَعَنْ بَعْضهمْ زِيَادَة يَاء مُشَدَّدَة بَعْد النُّون، وَهِيَ مَدِينَة مَشْهُورَة مِنْ أَعْظَم مَدَائِن الرُّوم. انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (٢/ ١٩٩)، وصحيح مسلم بشرح النووي (١٨/ ٣٠).\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن، حديث (٢٨٩٧).\n(٢) قال الحافظ ابن كثير في «النهاية» (١/ ١٤٩): «هذا هو الأشهر في موضع نزوله أنه على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق؛ وقد رأيت في بعض الكتب أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي جامع دمشق، فلعل هذا هو المحفوظ، وتكون الرواية «فينزل على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق» فتصرف الراوي في التعبير بحسب ما فهم، وليس بدمشق منارة تعرف بالشرقية سوى التي إلى شرق الجامع الأموي، وهذا هو الأنسب والأليق». اهـ\n(٣) المهرود: الثوب المصبوغ بالزعفران. انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (٢/ ٢٦٨)، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٥/ ٢٥٧).\n(٤) الجمان: هي شذور تصنع من الفضة أمثال اللؤلؤ، والمعنى: أن الماء يتحدر من رأسه كأنه حبات اللؤلؤ. انظر: مشارق الأنوار (١/ ١٥٣)، والنهاية في غريب الحديث (١/ ٣٠١).\n(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن، حديث (٢٩٣٧).","vol":"1","page":584},{"text":"خامسًا: الأدلة على أنَّ زمن عيسى - ﵇ - فيه خير كثير، دنيوي وأخروي، والتوبة والإيمان مقبولان فيه:\nهناك عدة أدلة تدل على أنَّ زمن عيسى ﵇ التوبة والإيمان مقبولان فيه، سواء كانت التوبة والإيمان قبل نزوله، أم بعد ذلك.\nوفيما يلي ذكر بعض هذه الأدلة:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩» [النساء: ١٥٩].\nحيث أخبر سبحانه في هذه الآية الكريمة أنَّ جميع أهل الكتاب يؤمنون بعيسى ﵇ بعد نزوله، ولا يتخلف أحد منهم عن التصديق والإيمان به (١)، فدل على قبول الإيمان في زمنه.\nالإيرادات والاعتراضات على هذا الدليل:\nالإيراد الأول: أنَّ الاستدلال بهذه الآية غير مستقيم؛ لأن هناك خلافًا بين المفسرين في مرجع الضمير في قوله: (قَبْلَ مَوْتِهِ) [النساء: ١٥٩] فبعضهم يقول: إن الضمير راجع إلى الكتابي، والمعنى أنَّ الكتابي يؤمن عند الموت والمعاينة، بأن عيسى ﵇ عبد الله ورسوله. (٢)\nوقال آخرون: معنى الآية: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد - ﷺ - قبل موت الكتابي. (٣)\nوالجواب: أنَّ الصواب رجوع الضمير إلى عيسى ﵇، لا إلى الكتابي، وهذا هو مذهب الجمهور من المفسرين، روي عن أبي هريرة (٤)، وابن\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير (١/ ٥٩٠).\n(٢) رُويَ ذلك عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وابن سيرين، والضحاك. انظر: تفسير ابن كثير (١/ ٥٩٠).\n(٣) رُويَ هذا القول عن عكرمة. انظر: تفسير ابن كثير (١/ ٥٩٠).\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (٣٤٤٨)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٥٥).","vol":"1","page":585},{"text":"عباس (١)، وبه قال أبو مالك (٢)، والحسن البصري (٣)، وقتادة (٤)، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٥).\nوهو اختيار: ابن جرير، وابن كثير، والشوكاني، والشنقيطي. (٦)\nومما يرجح هذا الاختيار:\n١ - أنَّ الضمائر في الآيات التي قبلها كلها راجعة إلى عيسى ﵇، قال تعالى: (وَقولهمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨» [النساء: ١٥٧ - ١٥٨].\nفقوله: (وَمَا قَتَلُوهُ) (وَمَا صَلَبُوهُ) (وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) (اخْتَلَفُوا فِيهِ) (لَفِي شَكٍّ مِنْهُ) (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ) (وَمَا قَتَلُوهُ) (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ) كل هذه الضمائر راجعة إلى عيسى ﵇، ولما عطف عليها قوله: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) وجب أن يكون الضمير عائدًا إلى عيسى ﵇، حتى تنسجم الضمائر. (٧)\n٢ - ومما يقوي عود الضمير إلى عيسى ﵇، أنَّ الأصل في الضمير عوده على مفسر مذكور، وليس في الآية ذكر للكتابي، وإنما المذكور عيسى ﵇. (٨)\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٤/ ٣٥٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١١٤)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٣٨)، وقال: «صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه». وصححه الحافظ ابن كثير في «النهاية في الفتن والملاحم» (١/ ١٤٢)، والحافظ ابن حجر في «الفتح» (٦/ ٥٦٨).\n(٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٤/ ٣٥٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١١٣).\n(٣) المصادر السابقة.\n(٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٤/ ٣٥٧).\n(٥) المصدر السابق.\n(٦) انظر على الترتيب: تفسير الطبري (٤/ ٣٦٠)، وتفسير ابن كثير (١/ ٥٩٠)، وفتح القدير، للشوكاني (١/ ٨٠٧)، وأضواء البيان، للشنقيطي (٧/ ٢٦٤).\n(٧) انظر: أضواء البيان (٧/ ٢٦٥ - ٢٦٦).\n(٨) المصدر السابق.","vol":"1","page":586},{"text":"«فأما من فسر الآية بأن المعنى أنَّ كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد عليهما الصلاة والسلام؛ فهذا هو الواقع، وذلك أنَّ كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلًا به فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانًا نافعًا له إذا كان قد شاهد الملك؛ كما قال تعالى: (وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآن) [النساء: ١٨]، وقال تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِين (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَاَ) [غافر: ٨٤ - ٨٥]، ومن تأمل هذا القول وأمعن النظر فيه اتضح له أنه هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون هو المراد من الآية، والله تعالى أعلم». (١)\nالإيراد الثاني: على التسليم بأن الضمير عائد على عيسى ﵇؛ فإن هذا الإيمان إيمان اضطراري، بمعنى أنَّ أهل الكتاب يتحققون أنَّ عيسى عبد الله ورسوله، ومثل هذا لا ينفع صاحبه، كحالة الغرغرة فإن الإيمان لا ينفع عندها. (٢)\nوالجواب: أنَّ الآية لم تُفصل في هذا الإيمان، من حيث القبول والرد، فبقيت على إطلاقها بأن الإيمان نافع في زمن عيسى ﵇، ولا يصح تقييدها إلا بدليل.\nالدليل الثاني: على أنَّ من أحدث إيمانًا أو توبة في زمن عيسى ﵇ قُبِلَ منه، حديث أبي هريرة، وفيه أنَّ النبي - ﷺ - ذكر عيسى ابن مريم فقال: «... وَإِنَّهُ نَازِلٌ ... فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ». (٣)\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير (١/ ٥٩١).\n(٢) انظر: النهاية في الفتن والملاحم، لابن كثير (١/ ١٧٢ - ١٧٣).\n(٣) لفظ الحديث كاملًا: «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ، رَجُلًا مَرْبُوعًا إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَصَّرَانِ، كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ، فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ، وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمَسِيحَ =","vol":"1","page":587},{"text":"والشاهد من الحديث قوله: «وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ»، وهذا نص صريح بأن عيسى ﵇ يدعو إلى الإسلام، ويلزم من دعوته أنَّ الإيمان مقبول ممن آمن به واتبعه، وإلا فكيف يدعوهم إلى الإسلام وهو يعلم أنَّ إسلامهم غير نافع لهم.\nفإن قيل: إن اللفظ الذي استدللتم به غير متفق عليه بين رواة الحديث، حيث روي بلفظ: «فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ»، وبلفظ: «وَيُعَطِّلُ الْمِلَلَ، حَتَّى يُهْلِكَ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا غَيْرَ الْإِسْلَامِ». (١) وهذه الروايات ليس فيها أنه يدعو للإسلام، وعليه فلا يستقيم الاستدلال.\n_________\n= الدَّجَّالَ، وَتَقَعُ الْأَمَنَةُ عَلَى الْأَرْضِ، حَتَّى تَرْتَعَ الْأُسُودُ مَعَ الْإِبِلِ، وَالنِّمَارُ مَعَ الْبَقَرِ، وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ، وَيَلْعَبَ الصِّبْيَانُ بِالْحَيَّاتِ لَا تَضُرُّهُمْ، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ».\nروي هذا الحديث من طريق قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة، به.\nوقد روي عن قتادة من ثلاثة طرق:\nالأول: طريق همام بن يحيى، عن قتادة، به:\nوقد رواه عنه:\n١ - عفان بن مسلم: أخرجه من طريقه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٤٠٦)، حديث (٩٢٥٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٦٥١) وقال: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه». ولفظه: «وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ».\n٢ - هدبة بن خالد: أخرجه من طريقه الإمام أبي داود في سننه، في كتاب الملاحم، حديث (٤٣٢٤)، وابن حبان في صحيحه (١٥/ ٢٣٣). ولفظه: «فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ».\nالثاني: طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، به:\nوقد رواه عنه:\n١ - يحيى بن سعيد بن فروخ: أخرجه من طريقه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٤٣٧)، حديث (٩٦٣٠). ولفظه: «وَيُعَطِّلُ الْمِلَلَ، حَتَّى يُهْلِكَ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا غَيْرَ الْإِسْلَامِ».\n٢ - يزيد بن هارون: أخرجه من طريقه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٩٩)، وابن جرير في تفسيره (٤/ ٣٦١). ولفظه: «فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ».\nالثالث: طريق الحسن بن دينار، عن قتادة، به:\nرواه عنه ابن إسحاق: أخرجه من طريقه ابن جرير في تفسيره «٣/ ٢٨٩). ولفظه: «فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ».\nوللحديث شاهد مرسل، أخرجه أبو عمرو الداني في كتابه «السنن الواردة في الفتن» (٦/ ١٢٣٣) عن الحسن مرسلًا، ولفظه: «فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ».\nوقد صحح الحديث الحافظ ابن كثير، في «النهاية» (١/ ١٤٦)، وابن حجر في «الفتح» (٦/ ٥٦٩)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٢/ ٣٢)، حديث (٤٣٢٤).\n(١) انظر هذه الروايات في تخريج الحديث، ص (٥٩٠).","vol":"1","page":588},{"text":"فالجواب: أنَّ لفظ: «فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ» هو بمعنى لفظ «وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ» ولا فرق؛ لأن قتاله الناس على الإسلام إنما هو من أجل أن يسلموا، فمن أسلم كف عنه، ومن أبى قاتله، يدل على هذا المعنى حديث: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ....» (١) ومعلوم أنَّ النبي - ﷺ - لم يبعث للقتال وحسب، وإنما بعث لدعوة الناس للإيمان، والقتال إنما هو لمن أعرض وأبى.\nوكذا الرواية الثانية هي بمعنى هذه الرواية، والله تعالى أعلم.\nالدليل الثالث: ما ورد من أحاديث أنَّ المسلمين يقاتلون العدو في زمن الدجال، وزمن عيسى ﵇ (٢)،\nوقد جاء ما يفيد بأن التوبة لا تنقطع ما دام المسلمون يقاتلون العدو؛ فعن عبد الله بن وَقْدَانَ السَّعْدِيِّ (٣) أنَّ النبي - ﷺ - قال: «لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ» (٤)، والهجرة لا تنقطع حتى تنقطع التوبة؛\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (٢٥)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (٢٠).\n(٢) عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ، أَوْ بِدَابِقٍ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنْ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ؛ فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتْ الرُّومُ: خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ. فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لَا وَاللَّهِ لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا؛ فَيُقَاتِلُونَهُمْ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ، وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا، فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ إِذْ صَاحَ فِيهِمْ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ، فَيَخْرُجُونَ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِذَا جَاءُوا الشَّأْمَ خَرَجَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ؛ فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ، فَأَمَّهُمْ، فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ تَرَكَهُ لَانْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ، وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ».\nأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (٢٨٩٧).\n(٣) هو: أبو محمد، عبد الله بن وقدان بن عبد شمس بن عبد ود بن نضر بن مالك بن حنبل بن عامر بن لؤي بن غالب. واسم وقدان: عمرو، ويقال: عمرو بن وقدان. يقال له ابن السعدى؛ لأن أباه استرضع في بني سعد بن بكر بن هوازن، صحب ابن السعدى رسول الله - ﷺ - قديمًا، وقال: وفدت في نفر من بني سعد بن بكر إلى رسول الله - ﷺ -. (ت: ٥٧ هـ). انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر\n(٤/ ١١٣)، وصحيح مسلم بشرح النووي (٧/ ١٩٣).\n(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ١٩٢)، حديث (١٦٧١)، والنسائي في سننه، في كتاب البيعة، حديث (٤١٧٢)، وابن حبان في صحيحه (١١/ ٢٠٧).\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢٥١): «رجال أحمد ثقات». وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢/ ٩٢٧)، حديث (٥٢١٨).","vol":"1","page":589},{"text":"لحديث: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا». (١)\nوفي هذا كله دلالة واضحة على أنَّ التوبة لا تزال مقبولة في زمن الدجال، وعيسى ﵇، إلى أن تطلع الشمس من مغربها.\nالدليل الرابع: قوله - ﷺ - عن عيسى ﵇: «ويُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ». (٢)\nفهذا الحديث يدل على دخول الناس كافة في دين الله في زمن عيسى ﵇، ولا يقال بأن عيسى يقتل جميع من لم يكن مؤمنًا؛ لأن هذا لم يرد به دليل، ويبعد أن يقتل أعدادًا هائلة من البشر؛ لأن نزوله إنما هو لهداية الناس، لا لإزهاق أرواحهم، فدل على أنَّ وقته يكون لدعوة الناس للإيمان، وبالتالي فزمنه زمن إيمان وقبول، والله تعالى أعلم.\n****\n_________\n(١) سبق تخريجه، ص (٥٧٥).\n(٢) سبق تخريجه من حديث أبي هريرة، ص (٥٩٠).","vol":"1","page":590},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>المسألة [٤]: هل وقع الشرك من آدم وحواء ﵉</span>؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠» [الأعراف: ١٨٩ - ١٩٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآيتين:</span>\n(٧٩) - (٦٨): عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ، طَافَ بِهَا إِبْلِيسُ، وَكَانَ لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَقَالَ: سَمِّيهِ عَبْدَ الْحَارِثِ (١)؛ فَإِنَّهُ يَعِيشُ؛ فَسَمَّوْهُ عَبْدَ الْحَارِثِ، فَعَاشَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْيِ الشَّيْطَانِ وَأَمْرِهِ». (٢)\n_________\n(١) الحارث هو اسم إبليس. انظر: المحرر الوجيز، لابن عطية (٢/ ٤٨٦).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ١١)، حديث (٢٠١٢٩)، وابن جرير في تفسيره (٦/ ١٤٤)، والترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (٣٠٧٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٩٤)، والروياني في مسنده (٢/ ٥٢)، جميعهم من طريق: عبد الصمد بن عبد الوارث، عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن سمرة، به. مرفوعًا.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٣١) عن أبي زرعة الرازي، عن هلال بن الفياض، عن عمر بن إبراهيم، به. مرفوعًا. وأخرجه ابن =","vol":"1","page":591},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= مردويه [كما في تفسير الحافظ ابن كثير (٢/ ٢٨٦)]، والطبراني في الكبير (٧/ ٢١٥)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٤٣) جميعهم من طريق شاذ بن فياض، عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة، به. مرفوعًا.\nقال الحافظ ابن كثير، في تفسيره (٢/ ٢٨٦): «شاذ، هو هلال، وشاذ لقبه».\nوالحديث صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: «حسن غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عمر بن إبراهيم، عن قتادة. ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه. عمر بن إبراهيم شيخ بصري». اهـ\nقلت: الحديث لا يصح مرفوعًا، وهو معلول من أوجه:\nالأول: أنه من رواية «عمر بن إبراهيم» وهو: العبدي أبو حفص البصري، صاحب الهروي، وهو ضعيف في روايته عن قتادة.\nقال الإمام أحمد: يروي عن قتادة أحاديث مناكير يخالف. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: صالح. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه ولا يُحتج به. وقال ابن عدي: يَروي عن قتادة أشياء لا يُوافق عليها، وحديثه خاصةً عن قتادة مضطرب. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ ويخالف، وذكره في الضعفاء فقال: كان ممن يتفرد عن قتادة بما لا يشبه حديثه؛ فلا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد، فأما فيما روى عن الثقات فإن اعتبر به معتبر لم أرَ بذلك بأسًا. وقال البرقاني، عن الدارقطني: ليّن يُترك. وقال أبو بكر البزار. ليس بالحافظ. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (٧/ ٣٧٣).\nوقد تُوبِع عمرُ بنُ إبراهيم في روايته عن قتادة من طريقين، غير أنهما لا يصح اعتبارهما:\nالطريق الأول: أخرجه ابن مردويه [كما في تفسير الحافظ ابن كثير (٢/ ٢٨٦)] من حديث المعتمر، عن أبيه، عن الحسن، عن سمرة، به. مرفوعًا.\nوالمعتمر هو: ابن سليمان بن طرخان. والإسناد رجاله ثقات؛ إلا أني لم أقف على الرواة بين ابن مردويه، والمعتمر.\nوالأقرب أنَّ فيه راويًا ضعيفًا، وأنَّ الرفع جاء من قبله؛ لأن الحديث رواه ابن جرير في تفسيره\n(٦/ ١٤٤) عن محمد بن عبد الأعلى، عن المعتمر، به. موقوفًا من قول سمرة. وهذا هو الأصح. وقد أشار إلى ذلك د. الشريف حاتم بن عارف العوني، في كتابه «المرسل الخفي» (٣/ ١٤٠٤ - ١٤٠٦).\nالطريق الثاني: أخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٢٩٨) من طريق سليمان الشاذكوني، عن غندر، عن شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، به. مرفوعًا.\nقال ابن عدي: «وهذا من حديث شعبة، عن قتادة منكر، لا أعرفه إلا من حديث الشاذكوني، عن غندر، عنه، وإنما يروي هذا عن قتادة: عمر بن إبراهيم». اهـ\nوالشاذكوني هو: سليمان بن داود المنقري - نسبة إلى منقر بن عبيد بن قيس بن غيلان - البصري، قال البخاري: فيه نظر. وكذبه ابن معين في حديث ذُكر له عنه، وقال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقد ساق له ابن عدى أحاديث خُولف فيها ثم قال: وللشاذكوني حديث كثير مستقيم، وهو من الحفاظ المعدودين، وما أشبه أمره بما قال عبدان: ذهبت كتبه فكان يحدث حفظًا فيغلط. انظر: لسان الميزان، لابن حجر (٣/ ٨٤ - ٨٥). =","vol":"1","page":592},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الوجه الثاني: أنَّ الحديث قد رُوي من قول سمرة - ﵁ - موقوفًا عليه.\nأخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ١٤٤) قال: حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا معتمر، عن أبيه قال: حدثنا أبو العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن سمرة - ﵁ -، أنه حدث: أنَّ آدم ﵇ سمى ابنه عبد الحارث.\nوأخرجه عن محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا المعتمر، عن أبيه قال: حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي العلاء، عن سمرة - ﵁ - قال: سمى آدم ابنه عبد الحارث.\nوأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٤/ ٨٣) قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، ثنا أبو الجماهر، ثنا سعيد بن بشير، حدثني عمران، عن عقبة، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن سمرة - ﵁ - قال: سمياه عبد الحارث، في قوله: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠» [الأعراف: ١٩٠].\nوالأثر صحيح من رواية ابن جرير.\nالوجه الثالث: أنَّ في سماع الحسن من سمرة خلافًا مشهورًا بين علماء الحديث، ثم هو مدلس ولم يصرح في هذا الحديث بسماعه من سمرة، قال الذهبي في ميزان الاعتدال (٢/ ٢٨١): «كان الحسن كثير التدليس؛ فإذا قال في حديث (عن فلان) ضَعُف احتجاجه». اهـ وفي سماعه من سمرة قال الزيلعي في نصب الراية (١/ ١٤٩): «وَفِي سَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَهُوَ قول ابْنِ الْمَدِينِيِّ، ذَكَرَهُ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَّلِ تَارِيخِهِ الْوَسَطِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إسْرَائِيلَ، قَالَ: سَمِعْت الْحَسَنَ يَقُولُ: وُلِدْت لِسَنَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، قَالَ عَلِيٌّ: سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ صَحِيحٌ. انْتَهَى. وَنَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ فِي بَابِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ -: قَالَ عَلِيٌّ - يَعْنِي ابْنَ الْمَدِينِيَّ -: سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ صَحِيحٌ. انْتَهَى. والظَّاهِرَ مِنْ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ يَخْتَارُ هَذَا الْقَوْلَ، فَإِنَّهُ صَحَّحَ فِي كِتَابِهِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ، وَاخْتَارَ الْحَاكِمُ هَذَا الْقَوْلَ، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ الْمُسْتَدْرَكِ - بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ: «إنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَتْ لَهُ سَكْتَتَانِ: سَكْتَةٌ إذَا كَبَّرَ، وَسَكْتَةٌ إذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ»، وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَمُرَةَ، فَإِنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ. انْتَهَى. وَأَخْرَجَ فِي كِتَابِهِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ، وَقَالَ فِي بَعْضِهَا: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ بَعْدَ أَنْ رَوَى حَدِيثَ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الشَّاةِ بِاللَّحْمِ»، وَقَدْ احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ بِالْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ. انْتَهَى. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ فَقَالَ فِي النَّوْعِ الرَّابِعِ مِنْ الْقِسْمِ الْخَامِسِ، بَعْدَ أَنْ رَوَى حَدِيثَ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ: إنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَتْ لَهُ =","vol":"1","page":593},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سَكْتَتَانِ، وَالْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَمُرَةَ شَيْئًا. انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ: قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: الْحَسَنُ لَمْ يَلْقَ سَمُرَةَ، وَقَالَ شُعْبَةُ: الْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَمُرَةَ، وَقَالَ الْبَرْدِيجِيُّ: أَحَادِيثُ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ كِتَابٌ، وَلَا يَثْبُتُ عَنْهُ حَدِيثٌ، قَالَ فِيهِ: سَمِعْت سَمُرَةَ. انْتَهَى كَلَامُهُ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ فَقَطْ، قَالَهُ النَّسَائِيّ، وَإِلَيْهِ مَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ فَقَالَ فِي حَدِيثِ السَّكْتَتَيْنِ: وَالْحَسَنُ اُخْتُلِفَ فِي سَمَاعِهِ مِنْ سَمُرَةَ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ إلَّا حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ، فِيمَا قَالَهُ قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ. انْتَهَى. وَاخْتَارَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي أَحْكَامِهِ فَقَالَ عِنْدَ ذِكْرِهِ هَذَا الْحَدِيثَ: وَالْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَمُرَةَ إلَّا حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ. وَاخْتَارَهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ فَقَالَ فِي آخِرِ تَرْجَمَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَالْحَسَنُ سَمِعَ مِنْ سَمُرَةَ حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ، ثُمَّ رَغِبَ عَنْ السَّمَاعِ عَنْهُ، وَلَمَّا رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ أَخْرَجُوا لَهُ صَحِيفَةً سَمِعُوهَا مِنْ أَبِيهِمْ، فَكَانَ يَرْوِيهَا عَنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْبِرَ بِسَمَاعٍ; لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهَا مِنْهُ. انْتَهَى. رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ قُرَيْشِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: سُئِلَ الْحَسَنُ مِمَّنْ سَمِعَ حَدِيثَهُ فِي الْعَقِيقَةِ؟ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ سَمُرَةَ. وَعَنْ الْبُخَارِيِّ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قُرَيْشٍ. وَقَالَ عَبْدُ الْغَنِيِّ: تَفَرَّدَ بِهِ قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، وَقَدْ رَدَّهُ آخَرُونَ، وَقَالُوا: لَا يَصِحُّ لَهُ سَمَاعٌ مِنْهُ». اهـ\nوانظر: كتاب «المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس، دراسة نظرية تطبيقية على مرويات الحسن البصري»، للدكتور الشريف حاتم بن عارف العوني؛ فقد أجاد وأفاد في دراسة أحاديث الحسن البصري ﵀.\nالوجه الرابع: أنَّ الحديث قد روي عن أُبيِّ بن كعب - ﵁ - من قوله، وهذا يدل على أنَّ أصله من الإسرائيليات المتلقفة عن مسلمة أهل الكتاب.\nأخرج أثرَ أُبيٍّ: ابنُُ أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٣٣) قال: حدثنا أبي، ثنا أبو الجماهر، أنبا سعيد بن بشير، عن عقبة، عن قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: «لما حملت حواء أتاها الشيطان فقال: أتطيعيني ويَسْلَمُ لك ولدك؟ سميه عبد الحارث، فلم تفعل، فولدت فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك فلم تفعل، ثم حملت الثالث فجاءها فقال: إن تطيعيني يسلم وإلا فإنه يكون بهيمة، فهيبهما فأطاعاه».\nوالأثر في إسناده: «سعيد بن بشير الأزدي، أبو عبد الرحمن» وهو ضعيف، كما في التقريب (١/ ٢٨٤).\nالوجه الخامس: أنَّ الحسن نفسه فسَّر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعًا لما عدل عنه، وقد فسر قوله تعالى: (جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا) [الأعراف: ١٩٠] =","vol":"1","page":594},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث:</span>\nظاهر الحديث الشريف وقوع الشرك من آدم وحواء ﵉، حيث جعلا لله شركاء في ذلك الولد الذي وُلِدَ لهما؛ إذ عَبَّدَاهُ لغير الله، وهو الذي تفرد سبحانه بإيجاده، وهذا مشكل؛ لأن الأنبياء ﵈ معصومون من الشرك قبل النبوة وبعدها إجماعًا. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث:</span>\nاتفق المفسرون على تنزيه مقام آدم - ﵇ - من الشرك، وأنَّ ذلك لم يقع منه، ولا من الأنبياء قط، وقد عدّوا هذه الآيات - والحديث الوارد في تفسيرها - من مشكلات التفسير، ولهم في دفع الإشكال الوارد فيهما مسلكان:\n_________\n= فقال: كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم. وعنه قال: عني بها ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده. وعنه قال: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصّروا.\nذكر ذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٨٦) من طرق عنه، ثم قال: «وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن - ﵁ - أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حُمِلتْ عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظًا عن رسول الله - ﷺ - لما عدل عنه هو ولا غيره، ولا سيما مع تقواه لله وورعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم، مثل كعب أو وهب بن منبه، وغيرهما». اهـ\nالنتيجة: أنَّ الحديث لا يصح رفعه للنبي - ﷺ -، وقد ضعفه الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٨٦)، والألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (١/ ٥١٦)، حديث (٣٤٢). وقد ذكرا بعضًا من العلل التي أوردتها، فانظرها في كتابيهما المذكورين آنفًا.\n(١) انظر حكاية الإشكال في الكتب الآتية: تفسير السمعاني (٢/ ٢٣٩)، وتفسير البغوي (٢/ ٢٢١)، وأحكام القرآن، لابن العربي (٢/ ٣٥٥)، وعصمة الأنبياء، للرازي، ص (٢٩)، والإتقان في علوم القرآن، للسيوطي (١/ ٢٨٠)، وتحفة الأحوذي، للمباركفوري (٨/ ٢٦٦)، والقول المفيد على كتاب التوحيد، لابن عثيمين (٣/ ٦٧).","vol":"1","page":595},{"text":"الأول: مسلك قبول الحديث، وإجراء الآيتين على ظاهرها في قصة آدم وحواء:\nوهذا رأي الجمهور من المفسرين (١)، حيث ذهبوا إلى أنَّ الآيات معنيٌ بها آدم وحواء - ﵉ - حيث سميا ابنهما عبد الحارث.\nرُوي ذلك عن: أبي بن كعب (٢)، وسمرة بن جندب (٣)، وابن عباس (٤)،\n_________\n(١) نسبه للجمهور: ابن الجوزي في «زاد المسير» (٣/ ٢٣١).\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٣٣)، وإسناده ضعيف.\n(٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ١٤٤)، والطبراني في مسند الشاميين (٤/ ٨٣)، وإسناده صحيح.\n(٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ١٤٤ - ١٤٥)، من ثلاثة طرق:\nالأول: قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: «كانت حواء تلد لآدم فتعبدهم لله وتسميه عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاها إبليسُ وآدمَ فقال: إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه لعاش، فولدت له رجلًا فسماه «عبد الحارث» ففيه أنزل الله ﵎: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠» [الأعراف: ١٨٩ - ١٩٠]».\nوهذا الطريق: ضعيف، فيه: «محمد بن حميد الرازي» ضعيف، كما في التقريب (٢/ ١٦٥)، وفيه «محمد بن إسحاق» مدلس، كما في التقريب (٢/ ١٥٣)، وفيه «داود بن الحصين» ثقة إلا في عكرمة فإن له عنه مناكير، كما في التقريب (١/ ٢٢٧).\nالطريق الثاني: قال ابن جرير: حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ ....، فذكره بنحوه.\nمحمد بن سعد: هو العوفي، لين الحديث.\nقوله: حدثني أبي، هو سعد بن محمد بن الحسن، ضعيف.\nقوله: حدثني عمي، هو الحسين بن الحسن بن عطية بن سعد العوفي، ضعيف.\nقوله: حدثني أبي، هو الحسن بن عطية، متفق على ضعفه.\nقوله: عن أبيه، هو عطية بن سعد بن جنادة، شيعي ضعيف مدلس.\nوهذا الإسناد: ضعيف جدًا؛ فإنه مسلسل بالعوفيين، وهي سلسلة واهية باتفاق النقاد من المحدثين.\nالطريق الثالث: قال ابن جرير: حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس ﵄ ....، فذكره بنحوه.\nوهذا الطريق: ضعيف أيضًا، فيه: «الحسين بن داود» وهو سنيد، ضعيف، كما في التقريب (١/ ٣٢٣)، وفيه =","vol":"1","page":596},{"text":"وعكرمة (١)، ومجاهد (٢)، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٣)، وبكر بن عبد الله المزني (٤).\nوهو اختيار جمع من المفسرين كما سيأتي ذكرهم.\nواختلف هؤلاء في معنى الشرك المضاف إلى آدم وحواء - ﵉ - على أقوال:\nالأول: أنه كان شركًا في التسمية، ولم يكن شركًا في العبادة.\nوهذا هو المروي عن: قتادة (٥)، وسعيد بن جبير (٦)، والسدي (٧).\nواختيار: ابن جرير الطبري (٨)، وأبي المظفر السمعاني (٩)، والبغوي، وابن عطية (١٠)، وابن الجوزي (١١)، والسيوطي (١٢)، والآلوسي (١٣)، ومحمد بن عبد الوهاب (١٤)، وعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (١٥).\nقال البغوي: «جعلا له شريكًا إذ سمياه عبد الحارث، ولمن يكن هذا\n_________\n= «ابن جريج» ثقة إلا أنه يدلس ويرسل، وقد أرسله عن ابن عباس، التقريب (١/ ٤٨٢).\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٣٤)، وسعيد بن منصور في سننه (٥/ ١٧٣)، كلاهما من طريق خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به.\nوخصيف: هو ابن عبد الرحمن الجزري، صدوق سيئ الحفظ. التقريب (١/ ٢٢٠).\nالنتيجة: أنَّ الأثر لا يصح عن ابن عباس؛ للضعف الشديد في جميع الطرق، والله تعالى أعلم.\n(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ١٤٥).\n(٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ١٤٦).\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٣٥).\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٣٤).\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢٤٥)، وابن جرير في تفسيره (٦/ ١٤٥).\n(٦) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ١٤٦).\n(٧) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ١٤٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٣٤).\n(٨) تفسير ابن جرير الطبري (٦/ ١٤٧).\n(٩) تفسير السمعاني (٢/ ٢٣٩).\n(١٠) المحرر الوجيز، لابن عطية (٢/ ٤٨٧).\n(١١) زاد المسير، لابن الجوزي (٣/ ٢٣١).\n(١٢) تفسير الجلالين (١/ ٢٢٣)، والإتقان في علوم القرآن، للسيوطي (١/ ٢٨٠).\n(١٣) روح المعاني، للآلوسي (٩/ ١٨٩).\n(١٤) فتح المجيد، ص (٤٣٤).\n(١٥) المصدر السابق.","vol":"1","page":597},{"text":"إشراكًا في العبادة، ولا أنَّ الحارث ربهما؛ فإن آدم كان نبيًا معصومًا من الشرك، ولكن قصد إلى أنَّ الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة أُمِّهِ، وقد يطلق اسم العبد على من يُراد به أنه معبود هذا، كالرجل إذا نزل به ضيف يُسمي نفسه عبد الضيف، على وجه الخضوع، لا على وجه أنَّ الضيف ربَّه، ويقول للغير أنا عبدك، وقال يوسف - ﵇ - لعزيز مصر: (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) [يوسف: ٢٣] ولم يُرِدْ به أنه معبوده، كذلك هذا». اهـ (١)\nالقول الثاني: أنه كان شركًا في الطاعة، ولم يكن شركًا في العبادة.\nوهذا هو المروي عن: ابن عباس ﵄ (٢)، وقتادة (٣).\nالقول الثالث: أنَّ الإشراك وقع من حواء لا من آدم ﵇، ولم يشرك آدم قط، وأما قوله: (جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا) [الأعراف: ١٩٠] بصيغة التثنية فلا ينافي ذلك؛ لأنه قد يسند فعل الواحد إلى الاثنين، بل إلى جماعة، وهو شائع في كلام العرب.\nوهذا قول القنوجي. (٤) (٥)\nواعتُرِضَ: بأن الله تعالى قال: (جَعَلاَ) حيث نسب الجعل إليهما، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، وبأن آدم ﵇ قد أقرَّ حواء على ذلك، وبأن في حديث سمرة - ﵁ - التصريح بأنهما سمياه بذلك معًا. (٦)\nأدلة هذا المذهب:\nاستدل القائلون بأن الآيات معنيٌّ بها آدم وحواء - ﵉ - بأدلة منها:\nالدليل الأول: حديث سمرة - ﵁ -، حيث أورده أصحاب هذا المذهب وجعلوه عمدة في تفسير الآيات، وقد صرح بعضهم بصحته، والبعض الآخر أورده وسكت عنه، وهو مشعر باعتماده له.\n_________\n(١) تفسير البغوي (٢/ ٢٢١).\n(٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ١٤٥).\n(٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ١٤٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٣٤).\n(٤) هو: محمد صديق خان بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القنوجي، أبو الطيب، ولد ونشأ في قنوج (بالهند) وتعلم في دهلي. وسافر إلى بهوبال طلبًا للمعيشة، ففاز بثروة وافرة، وتزوج بملكة بهوبال، ولقب بنواب عالي الجاه أمير الملك بهادر. له نيف وستون مصنفًا بالعربية والفارسية والهندية. منها بالعربية: (أبجد العلوم) و(فتح البيان في مقاصد القرآن) عشرة أجزاء، في التفسير، و(نيل المرام من تفسير آيات الأحكام) وغيرها. (ت: ١٣٠٧ هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٦/ ١٦٧).\n(٥) فتح البيان في مقاصد القرآن، للقنوجي (٢/ ٦٣٠).\n(٦) انظر: روح المعاني، للآلوسي (٩/ ١٨٩).","vol":"1","page":598},{"text":"الدليل الثاني: أنَّ هذا المذهب هو المروي عن سمرة، وأبي بن كعب، وابن عباس - ﵃ -، ومثل هذا لا يقال بالرأي، فدل على أنَّ للقصة أصلًا؛ فيكون لها حكم الرفع. (١)\nالدليل الثالث: إجماع الحجة من أهل التأويل على أنَّ الآيات معنيٌ بها آدم وحواء، حكى الإجماع ابن جرير الطبري في تفسيره. (٢)\nالإيرادات والاعتراضات على هذا المذهب:\nاعتُرِضَ على هذا المذهب بقوله تعالى في آخر الآيتين: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الأعراف: ١٩٠] بصيغة الجمع، فلو كان المراد آدم وحواء - ﵉ - لقال: يشركان، بصيغة التثنية، وفي هذا دلالة واضحة بأن الآيات معني بها الذرية لا آدم وحواء.\nوقد أجاب بعض أصحاب هذا المذهب عن هذا الاعتراض: بأن آخر الآيات معنيٌّ بها مشركو العرب من عبدة الأوثان، وأنَّ الخبر عن آدم وحواء قد انقضى عند قوله: (جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا).\nوهذا رأي ابن جرير الطبري (٣)، والسيوطي (٤)، وهو المروي عن السدي (٥)، وأبي مالك (٦).\nالثاني: مسلك تضعيف الحديث، وتأويل الآية في غير آدم وحواء:\nحيث ذهب آخرون إلى تضعيف حديث سمرة - ﵁ -، وأنَّ الشرك - المذكور في الآيتين - معني به غير آدم وحواء ﵉.\nواختلف هؤلاء بالمعنيِّ به على أقوال:\n_________\n(١) انظر: روح المعاني، للآلوسي (٩/ ١٨٩).\n(٢) انظر: تفسير ابن جرير الطبري (٦/ ١٤٧).\n(٣) انظر: تفسير ابن جرير الطبري (٦/ ١٤٧).\n(٤) انظر: الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي (١/ ٢٨١).\n(٥) قال السدي في تفسير قوله تعالى: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ): «هذه فصلٌ من آية آدم، خاصة في آلهة العرب». أخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ١٤٧، ١٤٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٣٤).\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٣٥).","vol":"1","page":599},{"text":"القول الأول: أنَّ الشرك نُسب إلى آدم وحواء، والمعنيّ به أولادهما، كاليهود والنصارى، والمشركين. وآدم وحواء بريئان من الشرك، والآيات فيها انتقال من ذكر النوع إلى الجنس؛ فإن أول الكلام في آدم وحواء، ثم انتقل الكلام إلى الجنس من أولادهما.\nوقد اشتهر هذا القول عن الحسن البصري ﵀.\nوروي عن ابن عباس ﵄ - في إحدى الروايات عنه (١).\nقال الحسن في تفسير الآية: «كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم». (٢)\nوعنه قال: «عُنيَ بهذا ذرية آدم، من أشرك منهم بعده». (٣)\nوعنه قال: «هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادًا، فهوَّدوا ونصَّروا». (٤)\nواختار هذا القول جمع من المفسرين، والمحققين، منهم:\nالزمخشري، وأبو عبد الله القرطبي (٥)، والنسفي (٦)، وابن جزي (٧)، وابن القيم (٨)، وابن كثير، والثعالبي (٩)، وأبو السعود (١٠)، والمباركفوري (١١)، والسعدي (١٢)، والشنقيطي (١٣).\nقال الزمخشري - في قوله تعالى: (جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء) -: «أي جعل أولادهما له شركاء، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك فيما آتاهما، أي آتى أولادهما ....، وآدم وحواء بريئان من الشرك، ومعنى\n_________\n(١) عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، في هذه الآية قال: «ما أشرك آدم، إن أولها شكر، وآخرها مثل ضربه الله لمن بعده». أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٣٣).\n(٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ١٤٧).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢٤٥)، وابن جرير في تفسيره (٦/ ١٤٧).\n(٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ١٤٧).\n(٥) تفسير القرطبي (٧/ ٢١٥).\n(٦) تفسير النسفي (٢/ ١٣٠).\n(٧) التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (١/ ٣١٦).\n(٨) روضة المحبين (١/ ٢٨٩)، والتبيان في أقسام القرآن (١/ ١٦٣).\n(٩) تفسير الثعالبي (٢/ ٧٤).\n(١٠) تفسير أبي السعود (٣/ ٣٠٤).\n(١١) تحفة الأحوذي (٨/ ٣٦٧).\n(١٢) تفسير السعدي، ص (٤٨٩).\n(١٣) أضواء البيان (٢/ ٣٤٠).","vol":"1","page":600},{"text":"إشراكهم فيما آتاهم الله: تسميتهم أولادهم بعبد العزى، وعبد مناة، وعبد شمس، وما أشبه ذلك، مكان عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الرحيم». اهـ (١)\nوقال الحافظ ابن كثير: «وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري - ﵀ - في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته ...، فذِكْرُ آدم وحواء أولًا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين (٢)، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس؛ كما في قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (١٣» [المؤمنون: ١٢ - ١٣]، وقال تعالى: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ) [الملك: ٥]، ومعلوم أنَّ المصابيح - وهي النجوم التي زُيِّنت بها السماء - ليست هي التي يُرمى بها، وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها، ولهذا نظائر في القرآن، والله أعلم». اهـ (٣)\nواعتُرِضَ على هذا القول: بأن فيه تشتيتًا للضمائر، والأصل اتساق الضمائر وعودها لمذكور واحد. (٤)\nالقول الثاني: أنَّ الآيات معنيٌّ بها المشركون من بني آدم عمومًا، وليس فيها تعرض لآدم وحواء بوجه من الوجوه.\nوهذا اختيار: النحاس (٥)، والقفال (٦)،\nوابن حزم (٧)، وابن العربي (٨)، والرازي (٩)، وناصر الدين ابن المنيِّر (١٠) (١١)، والقاسمي (١٢)، وابن عثيمين (١٣).\n_________\n(١) الكشاف (٢/ ١٨٠).\n(٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: الأولاد.\n(٣) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٨٧). وانظر: البداية والنهاية (١/ ٨٩).\n(٤) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد، لابن عثيمين (٣/ ٦٣).\n(٥) معاني القرآن (٣/ ١١٦).\n(٦) هو: محمد بن علي بن إسماعيل الشاشي، القفال، أبو بكر: من أكابر علماء عصره بالفقه والحديث واللغة والأدب. من أهل ما وراء النهر. عنه انتشر مذهب (الشافعي) في بلاده. مولده ووفاته في الشاش (وراء نهر سيحون) رحل إلى خراسان والعراق والحجاز والشام. من كتبه (أصول الفقه) و(محاسن الشريعة) و(شرح رسالة الشافعي)، وغيرها (ت: ٣٦٥ هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٦/ ٢٧٤).\n(٧) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٢/ ٢٨٨).\n(٨) أحكام القرآن، لابن العربي (٢/ ٣٥٥).\n(٩) مفاتيح الغيب (١٥/ ٧١)، وعصمة الأنبياء، ص (٢٩).\n(١٠) هو: أحمد بن محمد بن منصور: من علماء الإسكندرية وأدبائها. ولي قضاءها وخطابتها مرتين. له تصانيف، منها: (الانتصاف من الكشاف)، و(المقتفى في شرف المصطفى) وغيرهما (ت: ٦٨٣ هـ). انظر: كشف الظنون، لحاجي خليفة (١/ ١٣٦)، والأعلام، للزركلي (١/ ٢٢٠).\n(١١) الانتصاف (٢/ ١٨٠).\n(١٢) محاسن التأويل (٥/ ٢٣٥ - ٢٣٦).\n(١٣) القول المفيد (٣/ ٦٢، ٦٨).","vol":"1","page":601},{"text":"قال القفال: «ذكر الله تعالى هذه القصة على تمثيل ضرب المثل، وبيان أنَّ هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم، وقولهم بالشرك، وتقرير هذا الكلام، كأنه تعالى يقول: هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة، وجعل من جنسها زوجها، إنسانًا يساويه في الإنسانية، فلما تغشى الزوج زوجته، وظهر الحمل؛ دعا الزوج والزوجة ربهما لئن آتيتنا ولدًا صالحًا سويًا لنكونن من الشاكرين لآلائك ونعمائك؛ فلما آتاهما الله ولدًا صالحًا سويًا جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما؛ لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع، كما هو قول الطبائعيين، وتارة إلى الكواكب كما هو قول المنجمين، وتارة إلى الأصنام والأوثان كما هو قول عبدة الأصنام، ثم قال تعالى: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) أي تنزه الله عن ذلك الشرك». اهـ (١)\nواعتُرِضَ على هذا القول:\n١ - بأن قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) لا يصح حمله على غير آدم وحواء - ﵉.\n٢ - وبقوله: (دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا) فإن كل مولود يولد بين الجنسين لا يكون منهما عند مقاربة وضعه هذا الدعاء. (٢)\nالقول الثالث: أنَّ المشركين كانوا يقولون: إن آدم ﵇ كان يعبد الأصنام ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها، فذكر تعالى قصة آدم وحواء ﵉ وحكى عنهما أنهما قالا: (لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولدًا سويًا صالحًا لاشتغلوا بشكر تلك النعمة، ثم قال: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء) فقوله: (جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء) ورد بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد والتقرير، والمعنى: أجعلا له شركاء فيما آتاهما؟ ثم قال: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) أي تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون بالشرك وينسبونه إلى آدم ﵇.\n_________\n(١) نقله عنه الرازي في تفسيره (١٥/ ٧١).\n(٢) انظر: فتح القدير، للشوكاني (٢/ ٤٠١).","vol":"1","page":602},{"text":"ذكر هذا التأويل: الفخر الرازي في تفسيره. (١)\nويرده: أنَّ الآية وردت بصيغة الخبر، وحملها على معنى الاستفهام يفتقر إلى دليل، وليس ثمة دليل.\nالقول الرابع: أنَّ الخطاب لقريشٍ الذين كانوا في عهد رسول الله - ﷺ -، وهم آل قصي، والمراد من قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحدة) قصي، وجعل من جنسها زوجها، عربية قرشية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي جعلا له شركاء فيما آتاهما، حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف، وعبد العزى، وعبد قصي، وعبد اللات، وجعل الضمير في (يُشْرِكُونَ) لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك.\nذكر هذا التأويل: الزمخشري واستحسنه (٢)، واختاره البيضاوي (٣)، وأشار إليه الفخر الرازي في تفسيره. (٤)\nالإيرادات والاعتراضات على هذا القول:\nقال ابن جزي: «وهذا القول بعيد لوجهين: أحدهما: أنَّ الخطاب على هذا خاص بذرية قصي من قريش، والظاهر أنَّ الخطاب عام لبني آدم. والآخر: أنَّ قوله: (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)، فإن هذا يصح في حواء؛ لأنها خُلِقتْ من ضلع آدم، ولا يصح في زوجة قصي». اهـ (٥)\nالقول الخامس: أنَّ الضمير في قوله: (جَعَلاَ) راجع إلى الولد الصالح، والمعنى جعل ذلك الولد الصالح - الذي رزقهما الله إياه - جعل لله شركاء، وإنما قال: (جَعَلاَ)؛ لأن حواء كانت تلد في كل بطنٍ ذكرًا وأنثى.\nذكر هذا التأويل: الجصاص (٦)، وابن الجوزي (٧).\nأدلة هذا المذهب:\nاستدل القائلون بأن الآيات معني بها غير آدم وحواء - ﵉ - بأدلة منها:\n_________\n(١) مفاتيح الغيب (١٥/ ٧١).\n(٢) الكشاف (٢/ ١٨٠ - ١٨١).\n(٣) تفسير البيضاوي (٣/ ٨٣).\n(٤) مفاتيح الغيب (١٥/ ٧١).\n(٥) التسهيل لعلوم التنزيل (١/ ٣١٦).\n(٦) أحكام القرآن، للجصاص (٣/ ٤٩).\n(٧) زاد المسير (٣/ ٢٣١).","vol":"1","page":603},{"text":"الدليل الأول: قوله تعالى في آخر الآيتين: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) وهذا يدل على أنَّ الذين أتوا بهذا الشرك جماعة، ولو كان المراد آدم وحواء - ﵉ - لعبَّرَ عنهما بصيغة التثنية. (١)\nالدليل الثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآيات: (أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١» [الأعراف: ١٩١]، وهذا يدل على أنَّ المقصود من هذه الآية الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى، وليس المراد بها آدم وحواء - ﵉. (٢)\nالدليل الثالث: لو كان المراد إبليس لقال: أيشركون «من» لا يخلق شيئًا، ولم يقل «ما»؛ لأن العاقل إنما يُذكر بصيغة «من» لا بصيغة «ما». (٣)\nالدليل الرابع: أنَّ هذا القول فيه تنزيه لمقام آدم - ﵇ - من الشرك، والقول الذي فيه تنزيه لمقام الأنبياء وإجلال لمقامهم، مقدم في التفسير على القول الذي فيه قدح بعصمتهم، وحط من منزلتهم. (٤)\nالدليل الخامس: أنَّ المروي عن سمرة - ﵁ - في تفسير الآيتين لم يثبت بسند صحيح، وعليه فلا يصح حمل الآيات على أمور مغيبة لم يثبت فيها دليل من كتاب أو سنة. (٥)\nالدليل السادس: أنه لو كانت هذه القصة في أدم وحواء، لكان حالهما إما أنْ يتوبا من ذلك الشرك أو يموتا عليه، فإن قلنا: ماتا عليه، كان هذا القول فيه فرية عظيمة؛ لأنه لا يجوز موت أحد من الأنبياء على الشرك، وإن\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن، للنحاس (٣/ ١١٦)، والكشاف، للزمخشري (٢/ ١٨٠)، ومفاتيح الغيب، للرازي (١٥/ ٧٠، ٧٣)، وتفسير القرطبي (٧/ ٢١٥)، وتفسير النسفي (٢/ ١٣٠)، والتسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (١/ ٣١٦)، وأضواء البيان، للشنقيطي (٢/ ٣٤٣)، والقول المفيد على كتاب التوحيد، لابن عثيمين (٣/ ٦٨).\n(٢) انظر: مفاتيح الغيب، للرازي (١٥/ ٧٠).\n(٣) انظر: المصدر السابق.\n(٤) انظر: أحكام القرآن، لابن العربي (٢/ ٣٥٥)، ومفاتيح الغيب (١٥/ ٧١)، والتسهيل لعلوم التنزيل (١/ ٣١٦)، والقول المفيد على كتاب التوحيد (٣/ ٦٧).\n(٥) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل (١/ ٣١٦)، والقول المفيد على كتاب التوحيد (٣/ ٦٧).","vol":"1","page":604},{"text":"كانا تابا من الشرك، فلا يليق بحكمة الله وعدله ورحمته أنْ يذكر خطأهما ولا يذكر توبتهما منه، فيمتنع غاية الامتناع أنْ يذكر الله الخطيئة من آدم وحواء وقد تابا، ثم لا يذكر توبتهما، والله تعالى إذا ذكر خطيئة بعض أنبيائه ورسله ذكر توبتهم منها، كما في قصة آدم نفسه حين أكل من الشجرة هو وزوجه وتابا من ذلك. (١)\nالدليل السابع: أنه ثبت في حديث الشفاعة أنَّ الناس يأتون إلى آدم يطلبون منه الشفاعة، فيعتذر بأكله من الشجرة (٢) - التي عصى الله تعالى بالأكل منها في الجنة - فلو كان وقع منه الشرك، لكان اعتذاره منه أقوى وأولى وأحرى. (٣)\nالدليل الثامن: أنَّ الله تعالى أسند فعل الذرية إلى آدم وحواء؛ لأنهما أصل لذريتهما، كما في قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) [الأعراف: ١١] أي بتصويرنا لأبيكم آدم؛ لأنه أصلهم، بدليل قوله بعده: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ) [الأعراف: ١١]. (٤)\n_________\n(١) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد (٣/ ٦٧).\n(٢) عن أبي هريرة - ﵁ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أُتِيَ بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَشَ مِنْهَا نَهْشَةً ثُمَّ قَالَ: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمْ الْبَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنْ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: عَلَيْكُمْ بِآدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ ﵇ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ نَهَانِي عَنْ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي ....».\nأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (٣٣٤٠)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٩٤).\n(٣) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد، لابن عثيمين (٣/ ٦٧).\n(٤) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (٢/ ٣٤١).","vol":"1","page":605},{"text":"الإيرادات والاعتراضات على هذا المذهب وأدلته:\n١ - اعترض القاضي ابن عطية على الاستدلال بقوله تعالى: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) وأنَّ المراد بها مشركو العرب، اعترض قائلًا: «وهذا تحكم لا يساعده اللفظ، ويتجه أنْ يُقال: تعالى الله عن ذلك اليسير المتوهم من الشرك في عبودية الاسم، ويبقى الكلام في جهة أبوينا آدم وحواء - ﵉ - وجاء الضمير في «يشركون» ضميرَ جمعٍ؛ لأن إبليس مدبر معهما تسمية الولد عبد الحارث». اهـ (١)\n٢ - واعتُرِضَ أيضًا: بأن هذا المذهب يرده قوله تعالى: (جَعَلاَ) بصيغة التثنية، فلو كان المراد المشركين من ذرية آدم - ﵇ - لورد اللفظ بصيغة الجمع.\nوقد أجاب الفخر الرازي عن هذا الاعتراض فقال: «فإن قيل: فعلى هذا التأويل ما الفائدة في التثنية في قوله: (جَعَلاَ)؟ قلنا: لأن ولده قسمان: ذكر وأنثى؛ فقوله: (جَعَلاَ) المراد منه الذكر والأنثى، مرة عبر عنهما بلفظ التثنية؛\nلكونهما صنفين ونوعين، ومرة عبر عنهما بلفظ الجمع، وهو قوله تعالى: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)». اهـ (٢)\nقلت: الأولى أنْ يقال: التثنية لاعتبار اللفظ، والجمع لاعتبار المعنى، ومنه قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ) [البقرة: ٨] ثم قال: (وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) [البقرة: ٨] حيث أفرد أولًا باعتبار اللفظ في قوله: (مَن يَقُولُ)، ثم جمع باعتبار المعنى في قوله: (بِمُؤْمِنِينَ). (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أنَّ الآيتين ليست في آدم وحواء - ﵉ - وإنما هي خطاب للمشركين من قريش وغيرهم، والمقصود بها ضرب المثل، وأنَّ هذه هي حالة المشركين، فهو سبحانه يذكر أنه خلق كل\n_________\n(١) المحرر الوجيز، لابن عطية (٢/ ٤٨٧).\n(٢) مفاتيح الغيب (١٥/ ٧٢).\n(٣) انظر: الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي (١/ ٦٠٣ - ٦٠٤).","vol":"1","page":606},{"text":"واحد منهم من نفس واحدة، وجعل من جنسها زوجها، ولما كان من طبيعة البشر حب الولد ذكر الله تعالى أنَّ هذين الزوجين كانا حريصين على أنْ يرزقا بولد صالح لينتفعا به، وأنهما قد عاهدا الله لأن آتاهما صالحًا ليكونن من الشاكرين، فلما آتاهما صالحًا جعلا لله شركاء فيما آتاهما، حيث نسبا هذه النعمة لغير الله؛ وعبدا أولادهما لغير الله، ثم أخبر سبحانه أنه منزهٌ عما يُشرك به هؤلاء، وغيرهم؛ فقال: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الأعراف: ١٩٠].\nوالآيات مراد بها ذكر الجنس لا النوع؛ فقوله تعالى: (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ) أي من جنس واحدة، وقوله: (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) أي وجعل من هذا الجنس زوجةً هي على شاكلته، ولم يجعلها من جنس آخر، ولفظ النفس قد يطلق ويراد به الجنس، كما في قوله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ) [آل عمران: ١٦٤] أي من جنسهم. (١)\nأدلة هذا الاختيار:\nذكرت فيما سبق ثمانية أدلة تؤيد هذا الاختيار (٢)، وهي أدلة قوية، ويمكن أنْ يضاف إليها أدلة أخرى، منها:\n١ - أنَّ الله تعالى قال في هذه الآيات: (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)، وقال في سورة النساء: (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) (٣) [النساء: ١] وآية النساء معني بها آدم وحواء باتفاق، وعبر بقوله: (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)؛ لأن حواء مخلوقة من نَفْسِ آدم، وأما في آية الأعراف فقال: (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)؛ لأن المراد ذكر الجنس، لا ذكر النوع، وهو آدم، والفرق بين الخلق والجعل: «أنَّ الخلق يكون عن عدمٍ سابق، بحيث لا يتقدمه مادة ولا سبب محسوس، وأما الجعل فيتوقف على موجودٍ مغايرٍ للمجعول، يكون منه المجعول أو عنه\n_________\n(١) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد، لابن عثيمين (٣/ ٥٧).\n(٢) انظرها - في أدلة القائلين بأن الآية معني بها غير آدم وحواء - ﵉، في المذهب الثاني من المسألة.\n(٣) نص الآية كاملة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء) [النساء: ١].","vol":"1","page":607},{"text":"كالمادة والسبب، ولا يرد في القرآن العظيم لفظ جعل في الأكثر مرادًا به الخلق إلا حيث يكون قبله ما يكون عنه، أو منه، أو شيئًا فيه محسوسًا عنه، فيُكوِّن ذلك المخلوق الثاني، بخلاف (خَلَقَ) فإن العبارة تقع كثيرًا به عما لم يتقدم وجوده وجودٌ مغايرٌ يكون عنه هذا الثاني» (١)، وقد تأتي (خَلَقَ) في القرآن بمعنى (جَعَلَ)، بخلاف (جَعَلَ)؛ إذ بينهما عموم وخصوص، فكل خلق جعل، وليس كل جعل خلق.\nإذا علمت هذا فإن التعبير بـ (جعل) في آية الأعراف يؤكد القول بأن الآيات معني بها الجنس من بني آدم؛ لأن هذا هو حال كل فرد منهم؛ فإنهم يتناسلون ويتوالدون من بعضهم البعض، وأما حواء فإنها خُلِقَتْ ابتداء من آدم من غير أمٍّ ولا أبٍ.\nوقد وردت عدة آيات تدل على أنه إذا ورد لفظ «جعل» فالمراد به الجنس، منها: قوله تعالى: (وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً) [النحل: ٧٢]، وقال تعالى: (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ) [الزمر: ٦]، وقال تعالى: (جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) [الشورى: ١١].\n٢ - ومما يؤكد أنَّ الآيات معنيٌّ بها المشركون على وجه العموم: أنه لم يُصرح بذكر آدم وحواء - ﵉ - في الآيات، والمتأمل في قصص الأنبياء الواردة في القرآن الكريم يلاحظ التصريح بذكر أسمائهم، في الغالب، ومن هؤلاء آدم ﵇؛ فإنه إذا ذُكرت قصته يذكر باسمه الصريح غالبًا.\n٣ - ويدل على أنَّ الآيات في المشركين عامة: الاستطراد في الآيات التي بعد هذه الآيات في وصف حال مشركي العرب، وهي صريحة بأنهم هم المرادون بهذا الشرك، لا آدم وحواء - ﵉.\nقال تعالى: (أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (١٩٢) وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ\n_________\n(١) انظر: البرهان في علوم القرآن، للزركشي (٤/ ١١٤)، ومفردات ألفاظ القرآن، للراغب، ص (١٩٦، ٢٩٦).","vol":"1","page":608},{"text":"أَنتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤» [الأعراف: ١٩١ - ١٩٤].\n٤ - أنه لم يثبت دليل على أنَّ الآيات معني بها آدم وحواء - ﵉ - إلا ما روي من حديث سمرة - ﵁ -، وهو ضعيف كما تقدم، وما روي عن ابن عباس في تفسير الآيات يعد من الإسرائيليات المتلقفة عن مسلمة أهل الكتاب، وإنما التبس على كثير من المفسرين الأمر، وظنوا أنها في آدم وحواء، بسبب هذه الروايات، وهذه آفةٌ من آفات الإسرائيليات والتي تُعد من الدخيل السيئ في التفسير.\nقال الحافظ ابن كثير - بعد أنْ أورد أثر ابن عباس ﵄ في الآيات -: «وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه، كمجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومن الطبقة الثانية: قتادة، والسدي، وغير واحد من السلف، وجماعة من الخلف، ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة، وكأنه - والله أعلم - أصله مأخوذ من أهل الكتاب؛ فإن ابن عباس رواه عن أبي بن كعب ...، وهذه الآثار يظهر عليها - والله أعلم - أنها من آثار أهل الكتاب». اهـ (١)\n\nالإيرادات والاعتراضات على هذا الاختيار وأدلته:\nالإيراد الأول: أنَّ ابن جرير الطبري حكى الإجماع على أنَّ الآيتين معني بها آدم وحواء - ﵉ - وعليه فلا يجوز القول بأن الآيتين معني بها المشركون؛ لأن في هذا مخالفة للإجماع.\nوالجواب: أنَّ لابن جرير رأيًا آخر في معنى الإجماع، فهو يرى أنَّ الإجماع ينعقد بقول الأكثرين، ولا يعتد بمخالفة الواحد والاثنين، ويعده شذوذًا. (٢)\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٨٦).\n(٢) نقل هذا المذهب عن ابن جرير: أبو إسحاق الشيرازي في «اللمع»، ص (١٨٧)، وشرح اللمع (٢/ ٧٠٤)، وإمام الحرمين في «البرهان» (١/ ٧٢١)، وأبو يعلى في «العدة» (٤/ ١١١٩)، وابن قدامة في «روضة الناظر» (٢/ ٤٧٣).\nوقد وافق ابنَ جريرٍ في ذلك: أبو بكر الجصاص. في كتابه: الفصول في الأصول (٣/ ٢٩٩).","vol":"1","page":609},{"text":"وأما الجمهور من العلماء فإن الإجماع لا ينعقد عندهم إذا كان في المسألة قولٌ آخرَ، ولو كان القائل به واحدًا. (١)\nوبهذا تعرف أنَّ ما يحكيه ابن جرير من الإجماع إنما يعني به قول الجمهور في الغالب، وعليه فلا يصح دعوى الإجماع في تأويل هذه الآيات، والله تعالى أعلم.\n****\n_________\n(١) انظر مذهب الجمهور في: اللمع، للشيرازي، ص (١٨٧)، وشرح اللمع (٢/ ٧٠٤)، وكشف الأسرار، للبخاري (٣/ ٢٤٥)، والإحكام، للآمدي (١/ ٢٣٥)، والتمهيد، لأبي الخطاب (٣/ ٢٦٠ - ٢٦١).","vol":"1","page":610},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>المسألة [٥]: في استغفار النبي - ﷺ - لعبد الله بن أبي بن سلول، وصلاته عليه</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠» [التوبة: ٨٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية:</span>\n(٨٠) - (٦٩): عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْه ِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ رَبُّكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ، فَقَالَ: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) [التوبة: ٨٠]، وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ. قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ. قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) [التوبة: ٨٤]». (١)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (٤٦٧٠)، ومسلم في =","vol":"1","page":611},{"text":"(٨١) - (٧٠): وعن ابن عباس - ﵁ -، عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: «لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا، كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قوله، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَقَالَ: أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ. فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا. قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ: (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤» قَالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ». (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث:</span>\nفي هذا الحديث إشكالان:\nالأول: أنَّ النبي - ﷺ - فَهِمَ من الآية أنَّ «أو» للتخيير، وأنَّ الزيادة على السبعين نافعة للمُستَغفَرِ له، وهذا مشكل؛ لأن المتبادر إلى الفهم أنَّ ذكر السبعين في الآية إنما هو للمبالغة في أنَّ الزيادة وعدمها سواء. (٢)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (٤٦٧١).\n(٢) انظر حكاية الإشكال في الكتب الآتية: الكشاف، للزمخشري (٢/ ٢٨٦)، وأنوار =","vol":"1","page":612},{"text":"الإشكال الثاني: أنَّ النبي - ﷺ - منهيٌ عن الاستغفار للمشركين (١)؛ فكيف جاز له أنْ يستغفر للمنافقين ويصلي عليهم، مع علمه بالنهي، والجزم بكفرهم في الآية نفسها؟ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث:</span>\nللعلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث مسلكان:\nالأول: مسلك قبول الحديث، مع توجيهه.\nوهذا مذهب الأكثر من المفسرين والمحدثين، ولهم في الجواب عن الإشكالين الواردين في الحديث أقوال:\nأولًا: الجواب عن فهمه - ﷺ - التخيير من الآية، وفهمه أنَّ الزيادة على السبعين نافعة للمُسْتَغْفَرِ له:\nاختلف أصحاب هذا المذهب في الجواب عن ذلك على أقوال:\nالأول: أنَّ الله تعالى خير نبيه على الحقيقة، فكان مباحًا له - ﷺ - أنْ يستغفر للمنافقين، حتى نزل النهي عن ذلك.\n_________\n= البروق، للقرافي (٢/ ٥٩)، وفتح الباري، لابن حجر (٨/ ١٨٩ - ١٩٠)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (٥/ ٤٦٤).\n(١) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ١٩٠): «قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣» [التوبة: ١١٣] هذه الآية نزلت في قصة أبي طالب حين قال له النبي - ﷺ -: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك»، وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة اتفاقًا، وقصة عبد الله بن أبي هذه في السنة التاسعة من الهجرة، فكيف يجوز مع ذلك الاستغفار للمنافقين مع الجزم بكفرهم في نفس الآية؟». اهـ\n(٢) انظر حكاية الإشكال في الكتب الآتية: مشكل الآثار، للطحاوي (١/ ٧٠)، ومعاني القرآن، للنحاس\n(٢/ ٤٦٧)، وزاد المسير، لابن الجوزي (٣/ ٨٠)، ومفاتيح الغيب، للرازي (١٦/ ١٢١)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٢/ ٦٤١)، وتفسير القرطبي (٨/ ١٤٠)، وفتح الباري، لابن حجر (٨/ ١٩٠).","vol":"1","page":613},{"text":"وهذا رأي: ابن فورك، وابن العربي (١)، وابن حزم، وابن عطية (٢)، والثعالبي (٣)، والآلوسي (٤).\nقال ابن فورك: «لا معنى لتوهين الحديث، لأنه قد صح، وليس بمنكر استغفاره ﵇، لأنها لا تستحيل عقلًا، والإجابة ممكنة، ولو خلينا وظاهر الآية لكان الزائد على السبعين يقتضي الغفران; لكنه نزل بعده: (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا) فدل ذلك على زوال حكم المفهوم; فإنَّ صلاته ﵇ توجب المغفرة، ولهذا امتنع من الصلاة على المدين (٥)». اهـ (٦)\nوقال ابن حزم: «فإن قال قائل: فما كان مراد الله بالتخيير الذي حمل رسول الله - ﷺ - على التخيير، وبذكره تعالى السبعين مرة؟\nفالجواب: أنه ﷿ خير نبيه في ذلك على الحقيقة، فكان مباحًا له أنْ يستغفر لهم ما لم يُنْهَ عن ذلك، وأما ذِكْرُ السبعين فليس في الاقتصار عليه إيجاب أنَّ المغفرة تقع لهم بما زاد على السبعين، ولا فيه أيضًا منعٌ من وقوع المغفرة لهم بما زاد على السبعين؛ إلا أنَّ رسول الله - ﷺ - طمع ورجا إنْ زاد على السبعين أنْ يُغفر لهم، ولم يحقق أنَّ المغفرة تكون بالزيادة، فلما أعلمه الله تعالى بما كان في علمه ﷿، ولم يكن أعلمه قبل ذلك به، عَلِمَه حينئذ نبيّه - ﷺ -، ولم يكن عَلِمَ قبل نزول المنع من الاستغفار لهم بالبتِّ أنَّ ما زاد على السبعين غير مقبول، فدعا راجٍ لم ييأس من المغفرة، ولا أيقن بها، وهذا بين في لفظ الحديث، وبالله تعالى التوفيق». اهـ (٧)\n_________\n(١) أحكام القرآن (٢/ ٥٥٨)، وعارضة الأحوذي (١١/ ١٧٦)، كلاهما لابن العربي.\n(٢) المحرر الوجيز، لابن عطية (٣/ ٦٤).\n(٣) تفسير الثعالبي (٢/ ١٤٥).\n(٤) روح المعاني، للآلوسي (١٠/ ٤٦٩).\n(٥) عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ - ﵁ -: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟ قَالُوا: لا؛ فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ: قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَصَلَّى عَلَيْهِ». أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الحوالات، حديث (٢٢٩٥).\n(٦) نقله عنه الزركشي في البحر المحيط (٥/ ١٧٤).\n(٧) الإحكام في أصول الأحكام (٣/ ٢٩٠)، باختصار.","vol":"1","page":614},{"text":"القول الثاني: أنَّ الله تعالى لما سوى بين الاستغفار وعدمه، ورتب عليه عدم القبول، ولم يَنْهَ عنه، فهم أنه خير ومرخص فيه، وهذا مراده - ﷺ -، لا أنه فهم التخيير من «أو» حتى ينافي التسوية بينهما، المرتب عليها عدم المغفرة، وذلك تطييبًا لخاطرهم، وأنه لم يألُ جهدًا في الرأفة بهم.\nوهذا رأي الشهاب الخفاجي، والطاهر بن عاشور، وذكره القاسمي. (١)\nقال الشهاب: «والتحقيق أنَّ المراد التسوية في عدم الفائدة، وهي لا تنافي التخيير». اهـ (٢)\nالقول الثالث: أنَّ النبي - ﷺ - قال ذلك رجاء حصول المغفرة، بناء على بقاء حكم الأصل، فإنَّ رجاءها كان ثابتًا قبل نزول الآية، لا لأنه فهمه من التقييد.\nقاله الزركشي. (٣)\nالقول الرابع: أنَّ النبي - ﷺ - فعل ذلك من باب التلطف والرأفة، لا أنه فَهِمَ أنه لو زاد على السبعين يُغفر له.\nوهذا اختيار: الزمخشري، والقاضي عياض، والعيني (٤).\nقال الزمخشري: «فإن قلت: كيف خفي على رسول الله - ﷺ - وهو أفصح العرب، وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته، والذي يفهم من ذكر هذا العدد كثرة الاستغفار، كيف وقد تلاه بقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ)، فبين الصارف عن المغفرة لهم، حتى قال: «قد رخَّص لي ربي فسأزيد على السبعين» (٥)؟\nقلت: لم يخفَ عليه ذلك، ولكنه خُيّل بما قال إظهارًا لغاية رحمته ورأفته على من بُعث إليه، كقول إبراهيم ﵇: (وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ\n_________\n(١) انظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور (١٠/ ٢٧٩)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (٥/ ٤٦٥).\n(٢) حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (٤/ ٣٤٨).\n(٣) البحر المحيط، للزركشي (٥/ ١٧٣).\n(٤) عمدة القاري، للعيني (١٨/ ٢٧٥).\n(٥) لم أقف عليه بهذا اللفظ.","vol":"1","page":615},{"text":"رَّحِيمٌ) [إبراهيم: ٣٦]، وفي إظهار النبي - ﷺ - الرأفة والرحمة لطف لأمته، ودعاء لهم إلى ترحم بعضهم على بعض». اهـ (١)\nوقال القاضي عياض: «ظاهر قوله تعالى: (إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) المبالغة في التكثير ومنع الاستغفار، والعرب تضع التسبيع أبدًا موضع التضعيف، وإنْ جاوزه، لكن النبي - ﷺ - مع علمه بمقاصد الكلام رجاه، لعل الله يرحمه، إذ الاحتمال فيما بعد السبعين مُحالٌ يُخالف الظاهر». اهـ (٢)\nوتُعُقّبَ كلام الزمخشري: «بأن ذكره للتمويه والتخييل بعد ما فهم ﵊ منه التكثير لا يليق بمقامه الرفيع، وفهم المعنى الحقيقي من لفظ اشتهر مجازه لا ينافي الفصاحة والمعرفة باللسان؛ فإنه لا خطأ فيه ولا بُعْد، إذ هو الأصل ورجحه عنده ﵊ شغفه بهدايتهم، ورأفته بهم، واستعطاف من عداهم، ولعل هذا أولى من القول بالتمويه بلا تمويه». (٣)\nالقول الخامس: أنَّ الاستغفار يتنزل منزلة الدعاء، والعبد إذا سأل ربه حاجة؛ فسؤاله إياه يتنزل منزلة الذكر، لكنه من حيث طلب تعجيل حصول المطلوب ليس عبادة، فإذا كان كذلك والمغفرة في نفسها ممكنة، وتعلق العلم بعدم نفعها لا بغير ذلك، فيكون طلبها لا لغرض حصولها بل لتعظيم المدعو، فإذا تعذرت المغفرة عُوّض الداعي عنها ما يليق به من الثواب أو دفع السوء، وقد يحصل بذلك عن المدعو لهم تخفيف كما في قصة أبي طالب.\nقاله ناصر الدين ابن المُنَيِّر. (٤)\nواعتُرِضَ: بأن هذا القول يستلزم مشروعية طلب المغفرة لمن تستحيل المغفرة له شرعًا، وقد ورد إنكار ذلك في قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ\n_________\n(١) الكشاف، للزمخشري (٢/ ٢٨٦).\n(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٧/ ٤٠٤).\n(٣) انظر: روح المعاني، للآلوسي (١٠/ ٤٧٢).\n(٤) نقله الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ١٩٠).","vol":"1","page":616},{"text":"أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣» [التوبة: ١١٣]. (١)\nثانيًا: الجواب عن صلاته - ﷺ - واستغفاره لعبد الله بن أُبي:\nاختلف القائلون بثبوت الحديث في الجواب عن ذلك على أقوال:\nالأول: أنَّ النبي - ﷺ - استغفر له وصلى عليه بناء على الظاهر، حيث إنَّ ظاهره هو أنه من المسلمين، ولم يعلم بباطنه - وأنه مات على الكفر والنفاق - إلا بعد أنْ نزل النهي عن الصلاة عليه.\nوهذا رأي: النحاس (٢)، والخطابي (٣)، وابن حزم (٤)، والقاضي عياض (٥)، وابن عطية، وابن الجوزي (٦)، والفخر الرازي (٧)، والثعالبي (٨)، وابن جزي (٩)، والحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي (١٠)، والحافظ ابن حجر، والسندي (١١)، والآلوسي (١٢).\nقال ابن عطية: «وظاهر صلاته عليه أنَّ كُفْرَه لم يكن يقينًا عنده، ومحال أنْ يُصلي على كافر، ولكنه راعى ظواهره من الإقرار، ووكل سريرته إلى الله ﷿، وعلى هذا كان سِترُ المنافقين من أجل عدم التعيين بالكفر». اهـ (١٣)\nوقال الحافظ ابن حجر: «أما جزم عمر بأنه منافق فجرى على ما كان يطلع عليه من أحواله، وإنما لم يأخذ النبي - ﷺ - بقوله، وصلى عليه، إجراءً له\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر (٨/ ١٩٠).\n(٢) الناسخ والمنسوخ، للنحاس (٢/ ٤٦٧).\n(٣) معالم السنن، للخطابي (١/ ٢٦٠).\n(٤) المحلى، لابن حزم (١٢/ ١٣٨ - ١٤١).\n(٥) إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٧/ ٤٠٤)، (٨/ ٣٠٩).\n(٦) زاد المسير، لابن الجوزي (٣/ ٨٠).\n(٧) مفاتيح الغيب، للرازي (١٦/ ١٢١).\n(٨) تفسير الثعالبي ٢/ ١٤٥).\n(٩) التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (١/ ٣٤٤).\n(١٠) طرح التثريب، للعراقي (٣/ ٢٨٠).\n(١١) حاشية السندي على سنن النسائي (٤/ ٣٧).\n(١٢) روح المعاني، للآلوسي (٢٨/ ٤٢٧).\n(١٣) المحرر الوجيز، لابن عطية (٣/ ٦٤).","vol":"1","page":617},{"text":"على ظاهرِ حكمِ الإسلام، واستصحابًا لظاهر الحُكم، ولما فيه من إكرامِ ولَدِهِ الذي تحققت صلاحيته، ومصلحة الاستئلاف لقومه، ودفع المفسدة، وكان النبي - ﷺ - في أول الأمر يصبر على أذى المشركين، ويعفو ويصفح، ثم أُمِرَ بقتال المشركين، فاستمر صفحه وعفوه عمّن يُظهر الإسلام، ولو كان باطنه على خلاف ذلك، لمصلحة الاستئلاف، وعدم التنفير عنه، ولذلك قال: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» (١)، فلما حصل الفتح، ودخل المشركون في الإسلام، وقل أهل الكفر وذلوا، أُمِرَ بمجاهرة المنافقين، وحملهم على حكمِ مُرِّ الحق، ولا سيما وقد كان ذلك قبل نزول النهي الصريح عن الصلاة على المنافقين، وغير ذلك مما أمر فيه بمجاهرتهم، وبهذا التقرير يندفع الإشكال عما وقع في هذه القصة بحمد الله تعالى». اهـ (٢)\n\nأدلة هذا القول (٣):\nالدليل الأول: أنَّ الله تعالى قد نهى النبي - ﷺ - والمؤمنين عن الاستغفار جملة للمشركين، بقوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣» [التوبة: ١١٣] فلو كان ابن أبي وغيره من المذكورين ممن تبين للنبي - ﷺ - أنهم كفار - بلا شك - لما استغفر لهم، ولا صلى عليه. ولا يحل لمسلم أنْ يظن بالنبي - ﷺ - أنه خالف ربه في ذلك، فصح يقينًا أنه - ﷺ - لم يعلم قط أنَّ عبد الله بن أبي والمذكورين كفار في الباطن.\nوالنهي عن الاستغفار للمشركين نزل بمكة - بلا شك - فصح يقينًا أنه - ﵇ - لم يوقن أنَّ عبد الله بن أبي مشرك، ولو أيقن أنه مشرك لما صلى عليه أصلًا، ولا استغفر له.\nالدليل الثاني: أنَّ عمر بن الخطاب - ﵁ - عدد مقالات عبد الله بن أبي بن سلول، ولو كان عنده كافرًا لصرح بذلك، وقصد إليه، ولم يطول بغيره.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (٤٩٠٥)، ومسلم في صحيحه، في كتاب البر والصلة، حديث (٢٥٨٤).\n(٢) فتح الباري، لابن حجر (٨/ ١٨٧).\n(٣) ذكر هذه الأدلة: ابن حزم في المحلى (١٢/ ١٤٠ - ١٤١).","vol":"1","page":618},{"text":"الدليل الثالث: شك ابن عباس (١)، وجابر (٢)، وتعجب عمر من معارضة النبي - ﷺ - في صلاته على عبد الله بن أبي، وإقراره بأن رسول الله - ﷺ - أعرف منه، كل ذلك يدل على أنَّ كفره لم يكن معروفًا ظاهرًا.\nواعتُرِضَ: بأن النبي - ﷺ - قال: «لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا» (٣)؛ فالنبي - ﷺ - فهم من الآية أنَّ الله لا يغفر له، فدل على أنَّ النبي - ﷺ - كان يعلم بأنه مات على الكفر والنفاق.\nواعتُرِضَ أيضًا: بأن في بقية الآية التصريح بأنهم كفروا بالله ورسوله، فكيف يقال: إن النبي - ﷺ - لم يكن يعلم بحاله؟\nوأجيب: بأن الذي نزل أولًا وتمسك النبي - ﷺ - به هو قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ)، وأما بقية الآية فنزل متراخيًا عن أولها. وهذا رأي الحافظ ابن حجر. (٤)\nالقول الثاني: أنَّ المنهي عنه هو الاستغفار الذي تُرجى إجابته، حتى يكون مقصوده تحصيل المغفرة للمُسْتَغْفَرِ له، كما فعل النبي - ﷺ - بأبي طالب؛ فإنه إنما استغفر له كما استغفر إبراهيم - ﵇ - لأبيه، على جهة أنْ يجيبهما الله\n_________\n(١) عن عكرمة قال: «لما حضر عبدَ الله بن أبي الموتُ، قال ابن عباس - ﵁ -: فدخل عليه رسول الله - ﷺ - فجرى بينهما كلام فقال له عبد الله بن أبي: قد أفقه ما تقول ولكن مُنَّ عَليَّ اليوم وكفني بقميصك هذا، وصلِّ علي؟ قال ابن عباس: فكفنه رسول الله - ﷺ - بقميصه وصلى عليه، والله أعلم أي صلاة كانت، أنَّ رسول الله - ﷺ - لم يخدع إنسانًا قط». أخرجه ابن حزم في المحلى (١٢/ ١٣٩).\n(٢) عن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: «أتى النبي - ﷺ - قبر عبد الله بن أبي - وقد وضع في حفرته - فوقف فأمر به فأخرج من حفرته، فوضعه على ركبتيه، وألبسه قميصه، ونفث عليه من ريقه، والله أعلم». أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب اللباس، حديث (٥٧٩٥)، ومسلم في صحيحه، في كتاب صفات المنافقين، حديث (٢٧٧٣). وقوله: «والله أعلم» إشارة إلى الشك في إسلام عبد الله بن أبي؛ فإن هذه الأمور التي فعلها النبي - ﷺ - معه لا تفعل إلا مع مسلم. انظر: طرح التثريب، للعراقي (٣/ ٢٨١).\n(٣) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٤) انظر: فتح الباري، لابن حجر (٨/ ١٩٠).","vol":"1","page":619},{"text":"تعالى، فيغفر للمدعو له، وهذا النوع هو الذي يتناوله منع الله ونهيه، وأما الاستغفار لأولئك المنافقين الذين خُيِّر فيهم فهو استغفار لساني؛ علم النبي - ﷺ - أنه لا يقع ولا ينفع، وغايته لو وقع تطييب قلوب بعض الأحياء من قرابات المستغفر لهم، فانفصل المنهي عنه من المخير فيه، وارتفع الإشكال.\nقاله أبو العباس القرطبي. (١)\nواختاره: أبو عبد الله القرطبي. (٢)\nويدل على هذا القول: رواية: «لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا» (٣)، وهي صريحة بأن النبي - ﷺ - قد علم بأن استغفاره لن ينفعه بشيء.\nواعتُرِضَ: بأن هذا القول لا يجوز نسبته للنبي - ﷺ -؛ لأن الله أخبر بأنه لا يغفر للكفار، وإذا كان لا يغفر لهم فطلب المغفرة لهم مستحيل، وطلب المستحيل لا يقع من النبي ﷺ. (٤)\nالقول الثالث: أنَّ النبي - ﷺ - لم يُصلِ على عبد الله بن أبي، ولم يشهد جنازته.\nوهذا اختيار أبي جعفر الطحاوي. (٥)\nقال أبو جعفر: «وقد روي عنه - ﷺ - ما قد دل على أنه لم يكن صلى عليه؛ فعن جابر - ﵁ - قال: «أَتَى النَّبِيُّ - ﷺ - ابْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» (٦)، وعنه قال: «لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّكَ إنْ لَمْ تَشْهَدْهُ لَمْ نَزَلْ نُعَيَّرُ بِهِ. فَأَتَاهُ، وَقَدْ أُدْخِلَ فِي حُفْرَتِهِ\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٢/ ٦٤١).\n(٢) تفسير القرطبي (٨/ ١٤٠).\n(٣) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٤) انظر: فتح الباري، لابن حجر (٨/ ١٩٠).\n(٥) مشكل الآثار، للطحاوي (١/ ٧٥).\n(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب اللباس، حديث (٥٧٩٥)، ومسلم في صحيحه، في كتاب صفات المنافقين، حديث (٢٧٧٣).","vol":"1","page":620},{"text":"فَقَالَ: أَفَلَا قَبْلَ أَنْ تُدْخِلُوهُ، قَالَ: فَأُخْرِجَ مِنْ حُفْرَتِهِ، فَتَفَلَ عَلَيْهِ مِنْ قَرْنِهِ إلَى قَدَمِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ» (١)، قال أبو جعفر: ففي هذا ما قد دل أنه لم يكن صلى عليه، ولا شهده، ولا أتاه قبل ذلك، وهذا هو أشبه بأفعاله كانت فيمن سواه من الناس; أنَّ صلاته على من كان يصلي عليه إنما كانت لِمَا يَفْعَلُ اللَّهُ لِمَنْ صَلَّاهَا عَلَيْهِ. كما في حديث يزيد بن ثابت - ﵁ -، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لَا أَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مَاتَ إلَّا آذَنْتُمُونِي لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ صَلَاتِي عَلَيْهِمْ رَحْمَةٌ» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «أَنَّهُ دَخَلَ الْمَقْبَرَةَ فَصَلَّى عَلَى رَجُلٍ بَعْدَ مَا دُفِنَ فَقَالَ: مُلِئَتْ هَذِهِ الْمَقْبَرَةُ نُورًا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُظْلِمَةً عَلَيْهِمْ». (٣)\nقال أبو جعفر: وإذا كانت صلاته لمن كان يصلي عليه إنما كانت لمن ذكر في هذين الحديثين، ولم يكن ابن أبي ممن يدخل في ذلك، استحال أنْ يكون صلى عليه». اهـ (٤)\nواعتُرِضَ: بأنه قد جاء في حديث ابن عمر، وابن عباس - ﵄ - التصريح بأن النبي - ﷺ - صلى عليه، وحديث جابر ليس فيه تصريح بنفي الصلاة، والرواية الصريحة تفسر ما أُبهم أو سُكِتَ عنه في الروايات الأخرى.\nالثاني: مسلك رد الحديث وتضعيفه:\nحيث ذهب بعض العلماء إلى إنكار الحديث ورده؛ بسبب الإشكال المتوهم من ظاهره.\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٣٧١)، حديث (١٤٩٨٦).\n(٢) أخرجه ابن ماجة في سننه، في كتاب ما جاء من الجنائز، حديث (١٥٢٨)، والنسائي في سننه، في كتاب الجنائز، حديث (٢٠٢٢). وصححه الألباني في «صحيح النسائي» (٢/ ٦٤)، حديث (٢٠٢١).\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (٩٥٦).\n(٤) مشكل الآثار، للطحاوي (١/ ٧٤ - ٧٧)، باختصار.","vol":"1","page":621},{"text":"ومن هؤلاء: أبو بكر الباقلاني (١)، وإمام الحرمين (٢) (٣)، والغزالي (٤) (٥)، والداوودي (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أنَّ النبي - ﷺ - خُيّر بين الاستغفار وعدمه؛ فاختار الاستغفار، مع علمه بعدم نفعه، ولم يفهم من الآية قط أنَّ الزيادة على السبعين نافعة للمُستَغفَرِ له.\nيدل على هذا الاختيار:\nقوله - ﷺ -: «إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ؛ لَزِدْتُ عَلَيْهَا». (٧)\nوهذه الرواية ليس فيها ما يفيد أنَّ النبي - ﷺ - فهم من الآية أنَّ الزيادة على السبعين نافعة له، بل هذا اللفظ صريح بأن النبي - ﷺ - جازم بأن الزيادة وعدمها سواء، ولكنه افترض أنْ لو كانت الزيادة تنفعه لزاد عليها، ولكنه لم يفعل، لعلمه بأن ذلك غير مفيد، وغير نافع للمستغفر له.\nوأما الآية فليس فيها نهيٌ عن الاستغفار، بل غاية ما فيها الإخبار بأن الاستغفار وعدمه سواء.\nواختياره - ﷺ - الاستغفار لعبد الله بن أُبي - مع علمه بعدم نفعه - إنما كان لمصالحَ أُخر تتعلق بالأحياء؛ كالرأفة بابنه، وتطييب نفوس عشيرته، وغير ذلك.\nوأما فهمه - ﷺ - من الآية التخيير؛ فليس فيه إشكال بحمد الله، بل الآية\n_________\n(١) نقله عنه الزركشي في البحر المحيط (٥/ ١٧٣)، والحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ١٨٩).\n(٢) هو: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين، من أصحاب الشافعي. ولد في جوين (من نواحي نيسابور) ورحل إلى بغداد، فمكة حيث جاور أربع سنين. وذهب إلى المدينة فأفتى ودرس، جامعًا طرق المذاهب، ثم عاد إلى نيسابور، فبنى له الوزير نظام الملك المدرسة النظامية فيها، وكان يحضر دروسه أكابر العلماء، له مصنفات كثيرة، منها (غياث الأمم والتياث الظلم) و(البرهان في أصول الفقه)، وغيرهما (ت: ٤٧٨ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٨/ ٤٦٨)، والأعلام، للزركلي (٤/ ١٦٠).\n(٣) نقله عنه الزركشي في البحر المحيط (٥/ ١٧٣)، والحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ١٨٩).\n(٤) هو: محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، أبو حامد، فيلسوف، متصوف، له نحو مئتي مصنف، مولده ووفاته في الطابران (قصبة طوس، بخراسان)، رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد فالحجاز فبلاد الشام فمصر، وعاد إلى بلدته. نسبته إلى صناعة الغزل (عند من يقوله بتشديد الزاي) أو إلى غزالة (من قرى طوس) لمن قال بالتخفيف. من كتبه (إحياء علوم الدين)، و(تهافت الفلاسفة) و(معارج القدس في أحوال النفس) و(جواهر القرآن)، وغيرها (ت: ٥٠٥ هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٧/ ٢٢).\n(٥) المستصفى، للغزالي، ص (٢٦٦ - ٢٦٧).\n(٦) نقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ١٨٩).\n(٧) تقدم تخريجه في أول المسألة.","vol":"1","page":622},{"text":"صريحة في التخيير، وقد جاءت آيات أُخر نظير هذه الآية، يُفهم منها التخيير لا النهي، كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (٦» [البقرة: ٦]، وهذه الآية ليس المراد منها نهي النبي - ﷺ - عن الإنذار، بل المعنى أنَّ إنذاره لهم وعدمه سواء، ومع ذلك فقد أٌمِرَ النبي - ﷺ - بالإنذار لأمورٍ أُخر، كقيام الحجة عليهم، وغيرها، ونظير هذه الآية: قوله تعالى: (قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ) [الإسراء: ١٠٧]، ومعنى الآية: أنَّ إيمانكم بالقرآن وعدمه سواء؛ لأن إيمانكم لا يزيده كمالًا، وعدم إيمانكم لا يورثه نقصًا (١)، وليس مراد الآية نهيهم عن الإيمان، أو أنَّ ذلك غير نافع لهم.\nوبهذا يتبين أنَّ فهمه - ﷺ - التخيير بين الاستغفار وعدمه، هو كفهمه لهذه الآيات، والله تعالى أعلم.\nالإيرادات والاعتراضات على هذا الاختيار:\nالإيراد الأول: أنه قد جاء في حديث ابن عمر - ﵁ -، أنَّ النبي - ﷺ - قال: «إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ ...، وَسَأَزِيدُهُ عَلَى\n_________\n(١) انظر: روح المعاني، للآلوسي (١٥/ ٢٣٨).","vol":"1","page":623},{"text":"السَّبْعِينَ» (١)، وهذه الرواية تدل على أنَّ النبي - ﷺ - فهم من الآية أنَّ الزيادة على السبعين نافعة للمُسْتَغْفَرِ له، وفيها وَعْدٌ وجزمٌ من النبي - ﷺ - بالزيادة على السبعين.\nوالجواب: أنَّ الحديث قد رواه ابن عباس، عن عمر بلفظ: «لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا» (٢)، وهذه الرواية أرجح؛ لأن الراوي لها عمر، وهو صاحب القصة، ولأن حديث ابن عمر رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي، من طريق يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر (٣)، ولم يذكروا قوله: «سَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ». (٤)\nالإيراد الثاني: أنَّ الله تعالى نهى عن الاستغفار للمشركين، في قوله: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣»، وهذه الآية نزلت في أبي طالب قبل الهجرة، فكيف جاز على قولكم أنْ يستغفر النبي - ﷺ - لعبد الله بن أبي، مع علمه - ﷺ - بكفره، وتقدم النهي عن الاستغفار للمشركين؟\nوالجواب: أنَّ آية النهي عن الاستغفار للمشركين الصواب تأخر نزولها عن وفاة أبي طالب، والأظهر أنَّ نزولها كان بعد وفاة عبد الله بن أبي، وأما الآية التي نزلت في أبي طالب مباشرة فهي قوله تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦» [القصص: ٥٦].\nقال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر أنَّ الآية المتعلقة بالاستغفار (٥) نزلت بعد أبي طالب بمدة، وهي عامة في حقه وفي حق غيره، ويوضح ذلك لفظ: «فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعدَ ذَلِكَ (٦): (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) [التوبة: ١١٣]، وَأَنْزَلَ فِي أَبِي طَالِبٍ: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [القصص: ٥٦]» (٧)، ولأحمد (٨)، من طريق أبي حازم، عن أبي\n_________\n(١) تقدم تخريجه في أول المسألة.\n(٢) تقدم تخريجه في أول المسألة.\n(٣) أخرج الإمام أحمد في مسنده (٢/ ١٨)، والترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (٣٠٩٨)، والنسائي في سننه، في كتاب الجنائز، حديث (١٩٠٠)، وابن ماجة في سننه، في كتاب ما جاء في الجنائز، حديث (١٥٢٣)، من طريق يَحْيَى بنِ سَعيد، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي قَمِيصَكَ حَتَّى أُكَفِّنَهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ وَقَالَ: آذِنِّي بِهِ، فَلَمَّا ذَهَبَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ قَالَ يَعْنِي عُمَرَ: قَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ. فَقَالَ: أَنَا بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ. فَصَلَّى عَلَيْهِ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) قَالَ: فَتُرِكَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ».\n(٤) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٢/ ٦٤١)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (١٠/ ٢٧٨).\n(٥) وهي قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣».\n(٦) لفظة «بعد ذلك» لم أقف عليها في روايات الحديث.\n(٧) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (٤٧٧٢)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (٢٤).\n(٨) مسند الإمام أحمد (٢/ ٤٣٤)، وأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (٢٥).","vol":"1","page":624},{"text":"هريرة - ﵁ - في قصة أبي طالب - قال: «فأنزل الله: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [القصص: ٥٦]. (١)\nقال: «وقد ثبت أنَّ النبي - ﷺ - أتى قبر أمِّهِ لما اعتمر فاستأذن ربه أنْ يستغفر لها، فنزلت هذه الآية (٢)، والأصل عدم تكرر النزول، وقد أخرج الحاكم، وابن أبي حاتم (٣)، من طريق أيوب بن هانئ، عن مسروق، عن ابن مسعود - ﵁ - قال: «خرج رسول الله - ﷺ - يومًا إلى المقابر فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلًا، ثم بكى فبكينا لبكائه، فقال: إنَّ القبر الذي جلست عنده قبر أمي، واستأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي؛ فأنزل علي: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ)»، وأخرج أحمد (٤) من حديث ابن بريدة، عن أبيه نحوه، وفيه: «نزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب»، ولم يذكر نزول الآية، وفي رواية الطبري (٥) من هذا الوجه: «لما قدم مكة أتى رسم قبر»، ومن طريق فضيل بن مرزوق، عن عطية: «لما قدم مكة وقف على قبر أمه حتى سخنت عليه الشمس، رجاء أنْ يؤذن له فيستغفر لها؛ فنزلت» (٦)، وللطبراني (٧)\nمن طريق عبد الله بن كيسان، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵁ - نحو حديث ابن مسعود، وفيه: «لما هبط\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر (٧/ ٢٣٥)، بتصرف يسير.\n(٢) أخرج الطبراني في الكبير (١١/ ٣٧٤) عن ابن عباس - ﵁ -: «أن رسول الله - ﷺ - لما أقبل من غزوة تبوك واعتمر، فلما هبط من ثنية عسفان، أمر أصحابه أن يستندوا إلى العقبة حتى أرجع إليكم، فذهب فنزل على قبر أمه؛ فناجى ربه طويلًا ....». الحديث، وسيأتي قريبًا، مع بيان درجته.\n(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٦٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٩٣)، كلاهما من طريق أيوب بن هانئ، عن مسروق بن الأجدع، عن عبد الله بن مسعود، به. قال الذهبي في التلخيص: «أيوب بن هانئ ضعفه ابن معين».\n(٤) مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٥٥)، وإسناده صحيح.\n(٥) تفسير ابن جرير الطبري (٦/ ٤٨٩).\n(٦) المصدر السابق.\n(٧) المعجم الكبير (١١/ ٣٧٤) .. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١١٧): «فيه أبو الدرداء: عبد العزيز بن المنيب، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبيه، عن عكرمة. ومن عدا عكرمة لم أعرفهم ولم أرَ من ذكرهم».","vol":"1","page":625},{"text":"من ثنية عسفان (١)»، وفيه نزول الآية في ذلك، فهذه طرق يعضد بعضها بعضًا، وفيها دلالة على تأخر نزول الآية عن وفاة أبي طالب، ويؤيده أيضًا أنه قال يوم أحد بعد أنَّ شُجَّ وجهه: «رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». (٢)\nقال: ويحتمل أن يكون نزول الآية تأخر، وإن كان سببها تقدم، ويكون لنزولها سببان: متقدم وهو أمر أبي طالب، ومتأخر وهو أمر آمنة، ويؤيد تأخير النزول استغفاره - ﷺ - للمنافقين حتى نزل النهي عن ذلك؛ فإن ذلك يقتضي تأخير النزول وإن تقدم السبب، ويشير إلى ذلك أيضًا قوله في الحديث: «وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَبِي طَالِبٍ: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)» (٣)؛ لأنه يشعر بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب وفي غيره، والثانية نزلت فيه وحده، ويؤيد تعدد السبب ما أخرج أحمد، عن علي - ﵁ - قال: «سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُ لِأَبَوَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ فَقُلْتُ: أَيَسْتَغْفِرُ الرَّجُلُ لِأَبَوَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ؟ فَقَال: َ أَوَلَمْ يَسْتَغْفِرْ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ؟ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -؛ فَنَزَلَتْ: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ)» (٤)». اهـ (٥)\nقلت: ومما يؤكد تأخر نزول قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) عن قصة أبي طالب:\n١ - قوله في الآية: (وَالَّذِينَ آمَنُوا) وهذا يدل على أنَّ الاستغفار وقع\n_________\n(١) عُسْفَان - بضم أوله وسكون ثانيه ثم فاء وآخره نون -: قرية جامعة، بها منبر ونخيل ومزارع، على ستة وثلاثين ميلًا من مكة، وهي حد تهامة. انظر: معجم البلدان، لياقوت (٤/ ١٢١ - ١٢٢).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (٣٤٧٧)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٩٢).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (٤٧٧٢)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (٢٤).\n(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٩٩)، حديث (٧٧١)، والترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (٣١٠١)، وقال: «حديث حسن»، وحسنه الألباني، في صحيح سنن الترمذي (٣/ ٢٥٠)، حديث (٣١٠١).\n(٥) فتح الباري، لابن حجر (٨/ ٣٦٧ - ٣٦٨).","vol":"1","page":626},{"text":"من النبي - ﷺ -، ومن بعض المؤمنين، وقصة أبي طالب لم يكن الاستغفار فيها إلا من قِبَلِ النبي - ﷺ -.\n٢ - أنَّ هذه الآية وردت في سورة التوبة، وسورة التوبة مدنية، ومن أواخر ما نزل.\n٣ - أنَّ الله تعالى لم يُعاتب النبي - ﷺ - في صلاته على عبد الله بن أبي، وإنما أنزل النهي فقط، ولو كان قد سبق النهي عن الاستغفار لمن مات على الكفر؛ لعاتب الله تعالى نبيه على ذلك.\nالإيراد الثالث: إذا كان النبي - ﷺ - يعلم أنَّ استغفاره وعدمه سواء، فما الفائدة إذًا من الاستغفار؟\nوالجواب: أنَّ استغفاره - ﷺ - لم يكن من أجل ذات المسُتغفَرِ له، وإنما كان لمصالح أُخر تتعلق بالأحياء؛ كالرأفة بابنه عبد الله الصحابي الجليل، ولتأليفِ قلوب عشيرته، وترغيبِ من كان منهم غيرَ مسلمٍ في الإسلام. (١)\nيدل على ذلك: حديث جابر - ﵁ - قال: «لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَتَى ابْنُهُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ إِنْ لَمْ تَأْتِهِ لَمْ نَزَلْ نُعَيَّرُ بِهَذَا ...». (٢)\nوعن قتادة قال: «ذُكر لنا أنَّ النبي - ﷺ - قال: وما يغني عنه قميصي من الله، وإني لأرجو أن يُسلم به ألف من قومه». (٣)\nقال الخطابي: «وقصده - ﷺ - يعني في صلاته على عبد الله بن أبي - الشفقة على من تَعَلَّق بطرفٍ من الدين، والتَّألف لابنه عبد الله ولقومه وعشيرته من الخزرج (٤)، وكان رئيسًا عليهم ومُعظمًا فيهم، فلو ترك الصلاة عليه قبل ورود النهي عنها لكان سُبَّةً على ابنه وعارًا على قومه، فاستعمل - ﷺ - أحسن الأمرين وأفضلهما في مبلغ الرأي وحق السياسة في الدعاء إلى الدين والتألف عليه إلى أن نُهي عنه فانتهى - ﷺ -». اهـ (٥)\n_________\n(١) انظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور (١٠/ ٢٧٩).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٣٧١). وإسناده صحيح.\n(٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٤٤٠).\n(٤) في الأصل «الخروج»، والصواب ما أثبته.\n(٥) أعلام الحديث، للخطابي (٣/ ١٨٤٩).","vol":"1","page":627},{"text":"الإيراد الرابع: أنَّ عمر بن الخطاب - ﵁ - قال للنبي - ﷺ -: «أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ» (١)، وفي رواية: «أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ» (٢)، وهذا يدل على تقدم نزول آية النهي عن الاستغفار للمشركين، ومن في حكمهم.\nوالجواب: أنَّ هاتين الروايتين ذُكِرتا في حديث ابن عمر ﵄، وأما حديث ابن عباس فلفظه: «أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا، أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قوله» (٣)، وهذه الرواية هي المحفوظة وهي أولى من رواية ابن عمر.\nقال أبو العباس القرطبي: «الذي يظهر - والله تعالى أعلم - أنَّ البخاري ذكر هذا الحديث من رواية ابن عباس، وساقه سياقة هي أتقن من هذه، وليس فيها هذا اللفظ». ثم ذكر حديث ابن عباس وقال: «وهذا مساق حسن، وترتيب متقن، ليس فيه شيء من الإشكال المتقدم، فهو الأولى». اهـ (٤)\nويحتمل أن يكون عمر - ﵁ - فهم ذلك من قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً)، يؤيد هذا الاحتمال: ما رواه ابن أبي حاتم (٥)، عن عمر - ﵁ - قال: «أراد رسول الله - ﷺ - أن يصلي على عبد الله بن أبي؛ فأخذتُ بثوبه فقلت: والله ما أمرك الله بهذا، لقد قال: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لهم)»، وما رواه ابن مردويه (٦)، عن ابن عباس - ﵁ - قال: قال عمر: أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ قال: أين؟ قال: استغفر لهم، الآية». (٧)\n****\n_________\n(١) هذه الرواية أخرجها مسلم في صحيحه، في كتاب الفضائل، حديث (٢٤٠٠).\n(٢) هذه الرواية أخرجها البخاري في صحيحه، في كتاب اللباس، حديث (٥٧٩٦).\n(٣) هذه الرواية أخرجها البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (١٣٦٦).\n(٤) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٢/ ٦٤٠).\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٦/ ١٨٥٣).\n(٦) ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ١٨٦).\n(٧) انظر: المصدر السابق (٨/ ١٨٦).","vol":"1","page":628},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>المسألة [٦]: في دسِّ جبريل في فم فرعون من حال البحر</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠» [يونس: ٩٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية:</span>\n(٨٢) - (٧١): عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ قَالَ: (آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ) فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، فَلَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالِ (١) الْبَحْرِ فَأَدُسُّهُ فِي فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ». (٢)\n_________\n(١) الحال: هو الطين الأسود. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (١/ ٤٦٤).\n(٢) رُويَ هذا الحديث عن ابن عباس من طريقين:\nالأول: طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، به.\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٣٠٩)، والترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (٣١٠٧)، وعبد بن حميد في مسنده (١/ ٢٢٢)، والطبري في تفسيره (٦/ ٦٠٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره\n(٦/ ١٩٨٢)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٧٨). واللفظ المذكور في المتن هو لفظ الترمذي.\nقال الترمذي: «حديث حسن».\nالثاني: طريق شعبة، عن عدي بن ثابت، وعطاء بن السائب، كلاهما عن سعيد بن =","vol":"1","page":629},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث:</span>\nأُورِدَ على الحديث عدة إشكالات:\nالأول: أنه لا يجوز لجبريل ﵇ أنْ يمنع فرعون من التوبة، بل يجب عليه أنْ يُعينه على التوبة وعلى كل طاعة.\n_________\n= جبير، عن ابن عباس، به.\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٣٤٠)، والترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (٣١٠٨)، والطيالسي في مسنده (١/ ٣٤١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٤٤)، والطبري في تفسيره\n(٦/ ٦٠٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٩٨٢).\nقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، إلا أَنَّ أكثر أصحاب شعبة أوقفوه على ابن عباس».\nوتعقبه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥/ ٢٦) فقال: «وهذا لا يُعله، فقد رفعه عنه جمع من الثقات، منهم الطيالسي، ومنهم خالد بن الحارث، عند الترمذي والحاكم، والنضر بن شميل عند الحاكم أيضًا، ومحمد بن جعفر - غندر - عند أحمد، وقد عُلِمَ أَنَّ زيادة الثقة مقبولة، ولاسيما وقد وجدت له طريقًا أخرى». اهـ\nومراد الألباني بالطريق الأخرى هي طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، وقد تقدمت.\nوللحديث شاهد من حديث أبي هريرة، وابن عمر، ﵄.\nأما حديث أبي هريرة فأخرجه الطبري في تفسيره (٦/ ٦٠٥)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٤٤)، كلاهما من طريق محمد بن حميد الرازي، عن حكام بن سلمة، عن عنبسة بن أبي سعيد، عن كثير بن زاذان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي ﷺ: «قال لي جبريل: يا محمد، لو رأيتني وأنا أغطه وأدس من الحال في فيه مخافة أن تدركه رحمة الله فيغفر له».\nقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ٤٤٦): «كثير بن زاذان هذا قال ابن معين: لا أعرفه. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: مجهول، وباقي رجاله ثقات». اهـ\nوأما حديث ابن عمر فأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٢/ ٣٩٦)، قال: حدثنا خطاب، ثنا نصر بن محمد، ثنا أبي، ثنا عبد الله بن أبي قيس، ثنا عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال لي جبريل: يا محمد، ما غضب ربك على أحد غضبه على فرعون إذ قال: ما علمت لكم من إله غيري، فحشر فنادى فقال: أنا ربكم الأعلى، فلما أدركه الغرق استغاث وأقبلت أحشو فاه مخافة أن تدركه الرحمة».\nالنتيجة: أَنَّ الحديث بمجموع طرقه وشواهده يرتقي لدرجة الصحيح لغيره، وقد صححه الحافظ ابن حجر في تخريجه لأحاديث الكشاف (٢/ ٣٥٤)، والألباني في السلسلة الصحيحة (٥/ ٢٦)، وانظر في تخريج الحديث: كتاب «تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الكشاف»، للزيلعي (٢/ ١٣٧ - ١٣٩).","vol":"1","page":630},{"text":"الثاني: أنه لو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر، والرضا بالكفر كفر.\nالثالث: أنه لا يليق بجلال الله أنْ يأمر جبريل بأنْ يمنعه من الإيمان.\nالرابع: أَنَّ الإيمان يصح بالقلب كإيمان الأخرس، فحال البحر لا يمنعه.\nالخامس: أَنَّ التوبة بعد المعاينة غير نافعة لفرعون؛ فحينئذ لا يبقى لهذا الذي نُسِبَ إلى جبريل فائدة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث:</span>\nللعلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث مسلكان:\nالأول: مسلك قبول الحديث مع توجيهه.\nوعلى هذا المسلك جمهور العلماء من مفسرين ومحدثين، وقد ذكروا عِدَّةَ أجوبة في توجيه الحديث:\nالأول: أَنَّ فرعون كان كافرًا كفر عناد؛ فإنه حينما توقف النيل توجه منفردًا وأظهر أنه مُخلص؛ فأُجريَ له النيل، ثم تمادى على طغيانه وكفره، فخشي جبريل أنْ يُعاوِدَ تلك العادة فيُظهر الإخلاص بلسانه؛ فتُدركه رحمة الله، فيُؤخره في الدنيا، فيستمر على غيّهِ وطغيانه، فدسَّ في فَمِهِ الطين ليمنعه من التكلم بما يقتضي ذلك، ولا يلزم من فِعْلِ جبريل جهلٌ ولا رضًا بكفر، وأيضًا فإيمانه في تلك الحالة على تقدير أنه كان صادقًا بقلبه لا يُقبل منه؛ لأنه وقع في حال الاضطرار، ولذلك عقب الآية بقوله تعالى: (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١» [يونس: ٩١]، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: (فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا) [غافر: ٨٥].\n_________\n(١) انظر حكاية الإشكال في الكتب الآتية: الكشاف، للزمخشري (٢/ ٣٥٤)، ومفاتيح الغيب، للرازي (١٧/ ١٢٥)، ولباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن (٢/ ٤٦٠)، وروح المعاني، للآلوسي (١١/ ٢٤١).","vol":"1","page":631},{"text":"وهذا جواب الحافظ ابن حجر. (١)\nالجواب الثاني: أَنَّ فعل جبريل يشبه أنْ يكون أنه اعتقد تجويز المغفرة للتائب وإنْ عاين، ولم يكن عنده قَبْلُ إعلام من الله تعالى أَنَّ التوبة بعد المعاينة غير نافعة.\nوهذا جواب القاضي ابن عطية. (٢)\nالجواب الثالث: أَنَّ الله ﷾ منع فرعون من الإيمان وحال بينه وبينه عقوبةً له على كفره السابق، ورَدِّه للإيمان لما جاءه، وأما فعل جبريل من دَسِّ الطين في فيه فإنما فعل ذلك بأمر الله لا من تلقاء نفسه.\nوهذا جواب الخازن. (٣)\nالجواب الرابع: أَنَّ المُراد بالرحمة في الحديث الرحمة الدنيوية، أي النجاة التي هي طُلبة المخذول، وليس من ضرورةِ إدراكها صحةُ الإيمان حتى يلزم من كراهته مالا يُتصور في شأن جبريل ﵇، من الرضا بالكفر، إذ لا استحالة في ترتب هذه الرحمة على مجرد التفوّه بكلمة الإيمان، وإنْ كان ذلك في حالة البأس واليأس، فيُحمل دسُّه ﵇ على سد باب الاحتمال البعيد، لكمال الغيظ وشدة الحرد.\nوهذا جواب أبي السعود. (٤)\nوتعقبه الآلوسي فقال: «ولا يخفى أَنَّ حمل الرحمة على الرحمة الدنيوية بعيد، ويكاد يأبى عنه ما أخرجه ابن جرير والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «قال لي جبريل ﵇: لو رأيتني يا محمد وأنا أغط فرعون بإحدى يدي وأدُسُّ من الحال في فيه، مخافة أن تدركه رحمة الله تعالى؛\nفيغفر له» (٥)، فإنه رتب فيه المغفرة على إدراك الرحمة، وهو ظاهر في أنه ليس المراد بها الرحمة الدنيوية؛ لأن المغفرة لا تترب عليها\n_________\n(١) الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف، لابن حجر (٢/ ٣٥٥).\n(٢) المحرر الوجيز، لابن عطية (٣/ ١٤١).\n(٣) لباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن (٢/ ٤٦١).\n(٤) تفسير أبي السعود (٤/ ١٧٣).\n(٥) تقدم تخريجه في أول المسألة.","vol":"1","page":632},{"text":"وإنما يترتب عليها النجاة». اهـ (١)\nالجواب الخامس: أنه فعل ذلك غضبًا لله تعالى، لا أنه كره إيمان فرعون.\nوهذا جواب المناوي. (٢)\nالمسلك الثاني: مسلك تضعيف الحديث ورده.\nوممن جنح إلى هذا المسلك: الزمخشري، والفخر الرازي.\nقال الزمخشري: «والذي يُحْكَى أنه حين قال: (آمَنتُ) أخذ جبريل من حال البحر فدَسَّه في فيه، فللغضب لله على الكافر، في وقتٍ قد علم أَنَّ إيمانه لا ينفعه، وأما ما يُضم إليه من قولهم: «خشية أنْ تدركه رحمة الله»، فمن زيادات الباهتين لله وملائكته، وفيه جهالتان: إحداهما: أَنَّ الإيمان يصح بالقلب، كإيمان الأخرس، فحال البحر لا يمنعه، والأخرى: أَنَّ من كره إيمان الكافر وأحب بقاءه على الكفر فهو كافر؛ لأن الرضا بالكفر كفر». اهـ (٣)\nوارتضى هذا القول ابن المنير؛ فإنه عَقَّبَ على كلام الزمخشري قائلًا: «ولقد أنكر منكرًا، وغضب لله ولملائكته كما يجب لهم». اهـ (٤)\nوقال الفخر الرازي: «السؤال الثالث: هل يصح أَنَّ جبريل أخذ يملأ فمه من الطين لئلا يتوب غضبًا عليه؟ والجواب: الأقرب أنه لا يصح؛ لأن في تلك الحالة إما أن يقال: التكليف كان ثابتًا، أو ما كان ثابتًا، فإنْ كان ثابتًا لم يجُز على جبريل ﵇ أن يمنعه من التوبة، بل يجب عليه أنْ يعينه على التوبة وعلى كل طاعة، وأيضًا فلو منعه بما ذكروه لكانت التوبة ممكنة؛ لأن الأخرس قد يتوب بأنْ يندم بقلبه ويعزم على ترك معاودة القبيح، وحينئذ لا يبقى لما فعله جبريل ﵇ فائدة، وأيضًا لو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر، والرضا بالكفر كفر، وأيضًا فكيف يليق بالله تعالى أنْ يقول لموسى وهارون ﵉: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤» [طه: ٤٤]، ثم يأمر\n_________\n(١) روح المعاني، للآلوسي (١١/ ٢٤٢).\n(٢) فيض القدير، للمناوي (٤/ ٤٩٩).\n(٣) الكشاف، للزمخشري (٢/ ٣٥٤).\n(٤) الانتصاف، لابن المنير (٢/ ٣٥٤).","vol":"1","page":633},{"text":"جبريل ﵇ بأنْ يمنعه من الإيمان، ولو قيل: إن جبريل ﵇ إنما فعل ذلك من عند نفسه لا بأمر الله تعالى فهذا يُبطله قول جبريل: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ) [مريم: ٦٤]، وأما إن قيل: إنَّ التكليف كان زائلًا عن فرعون في ذلك الوقت فحينئذ لا يبقى لهذا الفعل الذي نُسِبَ جبريل إليه فائدة أصلًا». اهـ (١)\nوقد تعقب العلماء هذه الجرأة من الزمخشري والرازي في ردهما للحديث وإنكاره.\nفقال الحافظ ابن حجر في رده على الزمخشري: «هذا إفراط منه في الجهل بالمنقول والغض من أهله، فإن الحديث صحيح بالزيادة ...». اهـ (٢)\nوقال الخازن في رده على الرازي: «أما قول الإمام: «إنَّ التكليف هل كان ثابتًا في تلك الحالة أم لا؟ فإنَّ كان ثابتًا لم يجز لجبريل أن يمنعه من التوبة»، فجوابه: أَنَّ هذا القول لا يستقيم على أصل المثبتين للقدر، القائلين بخلق الأفعال لله، وأنَّ الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وهذا قول أهل السنة المثبتين للقدر، فإنهم يقولون: إنَّ الله يحول بين الكافر والإيمان، ويَدُلُّ على ذلك قوله تعالى: (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) [الأنفال: ٢٤]، وقوله تعالى: (وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ) [البقرة: ٨٨]، وقال تعالى: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) [الأنعام: ١١٠]، فأخبر الله ﷾ أنه قلَّبَ أفئدتهم مثل تركهم الإيمان به أول مرة، وهكذا فَعَلَ بفرعون، منعه من الإيمان عند الموت جزاء على تركه الإيمان أولًا، فَدَسُّ الطين في فم فرعون من جنس الطبع والختم على القلب، ومنع الإيمان وصون الكافر عنه، وذلك جزاء على كفره السابق، وهذا قول طائفة من المثبتين للقدر القائلين بخلق الأفعال لله.\nومن المنكرين لخلق الأفعال من اعترف أيضًا أَنَّ الله ﷾ يفعل هذا عقوبة للعبد على كفره السابق؛ فيحسُن منه أنْ يُضِلَّه ويطبع على قلبه ويمنعه من الإيمان.\n_________\n(١) مفاتيح الغيب، للرازي (١٧/ ١٢٥).\n(٢) الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف، لابن حجر (٢/ ٣٥٤).","vol":"1","page":634},{"text":"فأما قصة جبريل ﵇ مع فرعون فإنها من هذا الباب، فإنَّ غاية ما يقال فيه: إنَّ الله ﷾ منع فرعون من الإيمان وحال بينه وبينه عقوبة له على كفره السابق، ورَدُّهُ للإيمان لما جاءه.\nوأما فعل جبريل من دَسِّ الطين في فيه فإنما فعل ذلك بأمر الله لا من تلقاء نفسه.\nوأما قول الإمام: «لم يَجُزْ لجبريل أنْ يمنعه من التوبة بل يجب عليه أن يعينه عليها وعلى كل طاعة»، فالجواب: أَنَّ هذا إذا كان تكليف جبريل كتكليفنا، يجب عليه ما يجب علينا، وأما إذا كان جبريل إنما يفعل ما أمره الله به، والله ﷾ هو الذي منع فرعون من الإيمان، وجبريل منفذ لأمر الله، فكيف لا يجوز له منع من منعه الله من التوبة، وكيف يجب عليه إعانة من لم يُعِنْه الله، بل قد حكم عليه وأخبر عنه أنه لا يؤمن حتى يرى العذاب الأليم، حين لا ينفعه الإيمان.\nوقد يقال: إنَّ جبريل ﵇ إما أنْ يتصرف بأمر الله فلا يفعل إلا ما أمر الله به، وإما أنْ يفعل ما يشاء من تلقاء نفسه لا بأمر الله، وعلى هذين التقديرين فلا يجب عليه إعانة فرعون على التوبة، ولا يحرم عليه منعه منها؛ لأنه إنما يجب عليه فعل ما أُمِرَ به، ويحرم عليه فعل ما نُهيَ عنه، والله ﷾ لم يُخْبِر أنه أمره بإعانة فرعون، ولا حَرَّمَ عليه منعه من التوبة، وليست الملائكة مكلفين كتكليفنا.\nوقوله: «وإنْ كان التكليف زائلًا عن فرعون في ذلك الوقت فحينئذ لا يبقى هذا الذي نُسب إلى جبريل فائدة»، جوابه: أنْ يُقال: إنَّ للناس في تعليل أفعال الله قولين:\nأحدهما: أَنَّ أفعاله لا تُعلل، وعلى هذا التقدير فلا يرد هذا السؤال أصلًا، وقد زال الإشكال.\nوالقول الثاني: أَنَّ أفعاله ﵎ لها غاية بحسب المصالح التي لأجلها فعلها، وكذا أوامره ونواهيه، لها غاية محمودة محبوبة لأجلها أمر بها ونهى عنها، وعلى هذا التقدير قد يقال لما قال فرعون: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وقد علم جبريل أنه ممن حقت عليه كلمة","vol":"1","page":635},{"text":"العذاب، وأنَّ إيمانه لا ينفعه دَسَّ الطين في فيه لتحقق معاينته للموت، فلا تكون تلك الكلمة نافعة له، وأنه وإنْ كان قالها في وقت لا ينفعه فدسَّ الطين في فيه تحقيقًا لهذا المنع، والفائدة فيه تعجيل ما قد قُضِيَ عليه، وسد الباب عنه سدًا محكمًا، بحيث لا يبقى للرحمة فيه منفذ، ولا يبقى من عمره زمن يتسع للإيمان، فإنَّ موسى ﵇ لما دعا ربه بأنَّ فرعون لا يؤمن حتى يرى العذاب الأليم، والإيمان عند رؤية العذاب غير نافع، أجاب الله دعاءه.\nفلما قال فرعون تلك الكلمة عند معاينة الغرق استعجل جبريل فدس الطين في فيه لييأس من الحياة ولا تنفعه تلك الكلمة، وتحقق إجابة الدعوة التي وعد الله موسى بقوله: (قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا) [يونس: ٨٩]، فيكون سعي جبريل في تكميل ما سبق في حكم الله أنه يفعله، ويكون سعي جبريل في مرضاة الله ﷾، منفذًا لما أمره به وقدره وقضاه على فرعون.\nوأما قوله: «لو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر والرضا بالكفر كفر»، فجوابه: ما تقدم من أَنَّ الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وجبريل إنما يتصرف بأمر الله، ولا يفعل إلا ما أمره الله به، وإذا كان جبريل قد فعل ما أمره الله به ونفذه فإنما رضي بالأمر لا بالمأمور به، فأيُّ كفر يكون هنا، وأيضًا: فإنَّ الرضا بالكفر إنما يكون كفرًا في حقنا؛ لأنا مأمورون بإزالته بحسب الإمكان، فإذا أقررنا الكافر على كفره ورضينا به كان كفرًا في حقنا لمخالفتنا ما أمِرْنا به.\nوأما من ليس مأمورًا كأمرنا، ولا مكلفًا كتكليفنا، بل يفعل ما يأمره به ربه؛ فإنه إذا نفَّذَ ما أمره به لم يكن راضيًا بالكفر، ولا يكون كفرًا في حقه، وعلى هذا التقدير فإنَّ جبريل لما دسَّ الطين في في فرعون كان ساخطًا لكفره، غير راض به، والله ﷾ خالق أفعال العباد، خيرها وشرها، وهو غير راضٍ بالكفر، فغاية أمرِ جبريل مع فرعون أنْ يكون منفذًا لقضاء الله وقدره في فرعون من الكفر، وهو ساخط له غير راضٍ به.\nوقوله: «كيف يليق بجلال الله أنْ يأمر جبريل بأن يمنعه من الإيمان» فجوابه: أَنَّ الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا يسأل عما يفعل.\nوأما قوله: «وإنْ قيل: إنَّ جبريل إنما فعل ذلك من عند نفسه لا","vol":"1","page":636},{"text":"بأمر الله ...» فجوابه: أنه إنما فعل ذلك بأمر الله، منفذًا لأمر الله، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه». اهـ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أنَّ فعل جبريل ﵇ هو من باب الغضب لله تعالى، ولم يقصد في فعله هذا منع فرعون من الإيمان، وفعله هذا مأذون له فيه، بدليل إقرار الله له، والله تعالى أعلم.\n\n****\n_________\n(١) لباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن (٢/ ٤٦١ - ٤٦٢).","vol":"1","page":637},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>المسألة [٧]: في تفسير الآيات التسع التي أعطيت لموسى - ﵇</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (١٠١» [الإسراء: ١٠١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية:</span>\n(٨٣) - (٧٢): عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ الْمُرَادِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ. فَقَالَ صَاحِبُهُ: لَا تَقُلْ نَبِيٌّ، إِنَّهُ لَوْ سَمِعَكَ كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ. فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ؛ فَقَالَ لَهُمْ: «لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ، وَلَا تَسْحَرُوا، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا، وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، وَلَا تُوَلُّوا الْفِرَارَ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً الْيَهُودَ: أَنْ لَا تَعْتَدُوا فِي السَّبْتِ». قَالَ: فَقَبَّلُوا يَدَهُ وَرِجْلَهُ؛ فَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ. قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتَّبِعُونِي؟ قَالُوا: إِنَّ دَاوُدَ دَعَا رَبَّهُ أَنْ لَا يَزَالَ فِي ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ، وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ تَبِعْنَاكَ أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ». (١)\n_________\n(١) هذا الحديث مدار إسناده على شعبة بن الحجاج، عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن سلمة يحدث عن صفوان بن عسال ...، فذكره. وقد روي عن شعبة بثلاثة ألفاظ: =","vol":"1","page":638},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الأول: وفيه تعداد عشر آيات، وهو المذكور في أصل المسألة.\nأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٣٢٨)، والترمذي، في سننه، في كتاب الاستئذان والآداب، حديث (٢٧٣٣)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٨/ ١٥٦)، والنسائي في السنن الكبرى (٢/ ٣٠٦)، والطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٥٧)، جميعهم من طريق: عبد الله بن إدريس الأودي، عن شعبة، به.\nوأخرجه الترمذي، وابن جرير، في الموضعين السابقين، كلاهما من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة بن زيد، عن شعبة، به.\n\nوأخرجه أبو بكر الشيباني، في الآحاد والمثاني (٤/ ٤١٤)، عن أبي الوليد، هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن شعبة، به.\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٢١٥)، من طريق عمرو بن مرزوق، عن شعبة به.\nاللفظ الثاني: وفيه ذكر تسع آيات، ولفظه كاملًا: عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ - ﵁ - قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ لِآخَرَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ. قَالَ: لَا تَقُلْ هَذَا؛ فَإِنَّهُ لَوْ سَمِعَهَا كَانَ لَهُ أَرْبَعُ أَعْيُنٍ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا إِلَيْهِ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) قَالَ: لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَفِرُّوا مِنْ الزَّحْفِ، وَلَا تَسْحَرُوا، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا، وَلَا تُدْلُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ، وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً يَهُودُ أَنْ لَا تَعْتَدُوا فِي السَّبْتِ. فَقَالَا: نَشْهَدُ إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ».\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٢٤٠)، ومن طريقه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٢)، وأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٥٥)، جميعهم من طريق يحيى بن سعيد، عن شعبة، به.\nاللفظ الثالث: وفيه تردد وشك بين التسع والعشر، ولفظه كاملًا: «عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ الْمُرَادِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ، حَتَّى نَسْأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ) (ہ ھ ھ ھ ھ ے)، فَقَالَ: لَا تَقُلْ لَهُ نَبِيٌّ، فَإِنَّهُ إِنْ سَمِعَكَ لَصَارَتْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ، فَسَأَلَاهُ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَسْحَرُوا، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا، وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ، وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، أَوْ قَالَ: تَفِرُّوا مِنْ الزَّحْفِ، شُعْبَةُ الشَّاكُّ، وَأَنْتُمْ يَا يَهُودُ، عَلَيْكُمْ خَاصَّةً أَنْ لَا تَعْتَدُوا، فَقَبَّلَا يَدَهُ وَرِجْلَهُ، وَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ. قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْ تَتَّبِعَانِي؟ قَالَا: إِنَّ دَاوُدَ - ﵇ - دَعَا أَنْ لَا يَزَالَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ، وَإِنَّا نَخْشَى إِنْ أَسْلَمْنَا أَنْ تَقْتُلَنَا يَهُودُ».\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٢٣٩)، من طريق محمد بن جعفر، ويزيد بن هارون، كلاهما عن شعبة، به.\nوقوله في الحديث: «شعبة الشاك»، هو من قول محمد بن جعفر، ويزيد بن هارون، راويا الحديث عن شعبة، والمعنى أنَّ شعبة =","vol":"1","page":639},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقع منه شك، هل قال النبي - ﷺ -: «وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً» أو قال: «تَفِرُّوا مِنْ الزَّحْفِ»، وقد رواه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٢٤٠) - كما تقدم - من طريق يحيى بن سعيد، عن شعبة، دون شك، وفيه: «وَلاَ تَفِرُّوا مِنْ الزَّحْفِ»، ولم يذكر لفظ: «وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً».\nوأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (١/ ١٦٠)، عن شعبة، بالتردد المذكور في رواية أحمد. وقال أبو داود عقبه: «شك شعبة».\nوأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٦٩)، من طريق أبي داود الطيالسي، ولم يذكر ما وقع فيه من تردد.\nوأخرجه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٩٧)، من طريق الطيالسي، إلا أنه لم يذكر السحر في الحديث.\nقال الطحاوي في المشكل (١/ ٥٨ - ٥٩): «ما علمنا أحدًا ممن روى هذا الحديث عن شعبة ضبط التسع الآيات المذكورات فيه غير يحيى ....، وهذه الزيادة التي فيه من عبد الله بن إدريس، عن يحيى؛ إنما هي أنَّ شعبة قد كان شك فيه بآخره، فلم يدرِ هل من الآيات التي فيه التولي يوم الزحف، أو قذف المحصنة، وكان يحدث به كذلك إلى أنْ مات، وكأن سماع يحيى إياه منه بلا شك كان قبل ذلك». اهـ\nوأما درجة الحديث:\nفقد صححه: الترمذي في سننه، والنووي في رياض الصالحين (١/ ٢٢٧)، وفي المجموع (٤/ ٤٧٨)، وحسنه ابن مفلح في الآداب الشرعية (٢/ ٢٦٢)، وفي الفروع (٦/ ٢٨٣)، وقال الحاكم (١/ ٥٢): «هذا حديث صحيح، لا نعرف له علة بوجه من الوجوه، ولم يخرجاه، ولا ذكرا لصفوان بن عسال حديثًا واحدًا، سمعت أبا عبد الله - محمد بن يعقوب الحافظ - ويسأله محمد بن عبيد الله؛ فقال: لم تركا حديث صفوان بن عسال أصلًا؟ فقال: لفساد الطريق إليه. قال الحاكم: إنما أراد أبو عبد الله بهذا حديث عاصم، عن زر؛ فإنهما تركا عاصم بن بهدلة، فأما عبد الله بن سلمة المرادي، ويقال: الهمداني، وكنيته أبو العالية، فإنه من كبار أصحاب علي، وعبد الله، وقد روى عن سعد بن أبي وقاص، وجابر بن عبد الله، وغيرهما من الصحابة، وقد روى عنه أبو الزبير المكي، وجماعة من التابعين». اهـ وقال الذهبي في التلخيص: «صحيح لا نعرف له علة». اهـ\nوضعف الحديث: ابن كثير، في تفسيره (٣/ ٧١)، وابن القيم، في حاشيته على سنن أبي داود\n(١٤/ ٨٦)، وابن حجر، في تخريجه لأحاديث الكشاف (٢/ ٦٧٠).\nوحملوا فيه على عبد الله بن سلمة، قال الحافظ ابن كثير: «عبد الله بن سلمة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه». اهـ\nقلت: «عبد الله بن سلمة» هو: المرادي، الكوفي، أبو العالية، قال شعبة، عن عمرو بن مرة: كان عبد الله بن سلمة يحدثنا، فيعرف وينكر، كان قد كبر. وقال العجلي: كوفي، تابعي ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، يعد في الطبقة الأولى من فقهاء الكوفة بعد الصحابة. وقال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال أبو حاتم: يعرف وينكر. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. انظر: تهذيب التهذيب، =","vol":"1","page":640},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث:</span>\nوجه الإشكال: أنَّ الآيات المذكورة في الحديث، إنما هي من الوصايا التي ذُكِرَتْ في التوراة، وليس فيها حجج على فرعون وقومه، بينما الآية صريحة بأن التسع إنما هي لإقامة الحجة والبرهان على فرعون؛ لوصفه تعالى إياها بقوله: (بَيِّنَاتٍ). (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث:</span>\nللعلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث مسلكان:\nالأول: مسلك قبول الحديث:\nولأصحاب هذا المسلك مذاهب:\nالأول: مذهب توجيه الحديث وتأويله:\nوهذا مذهب الجمهور من المفسرين، حيث ذهبوا إلى أنَّ الآيات التي أُعطيت لموسى - ﵇ - كانت عبارة عن معجزات ودلالات، وقد اتفقوا على تعداد سبع منها، وهي: العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، واختلفوا في الباقي. (٢)\nوأما الحديث فقد اختلفوا في توجيهه على أقوال:\nالأول: أنَّ ما ذُكِرَ في الحديث هو كلام مستأنف، ذكره النبي - ﷺ - عقب\n_________\n= لابن حجر (٥/ ٢١٢ - ٢١٣)، وسيأتي حكمي على الحديث في مبحث الترجيح، إن شاء الله تعالى.\n(١) انظر حكاية الإشكال في الكتب الآتية: تخريج أحاديث وآثار الكشاف، للزيلعي (٢/ ٢٣٩)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٧١)، وروح المعاني، للآلوسي (١٥/ ٢٣١).\n(٢) انظر: المحرر الوجيز، لابن عطية (٣/ ٤٨٨)، وزاد المسير، لابن الجوزي (٥/ ٦٧)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٢١/ ٥٤)، وفتح القدير، للشوكاني (٣/ ٣٧٥).","vol":"1","page":641},{"text":"الجواب، لكن الراوي لم يذكر الجواب استغناء بما في القرآن، أو لأن الجواب ظاهرٌ جليٌ لا يخفى على السامع.\nوهذا رأي: الطيبي، وتبعه القاري، والسندي، والمباركفوري. (١)\nالقول الثاني: أنَّ النبي - ﷺ - عدل عن الجواب وأجابه بما أجاب؛ لأن هذا هو الأصلح والأهم للسائل (٢)، ولم يكن النبي - ﷺ - يخفى عليه معنى الآية.\nوهذا رأي: أبي السعود. (٣)\nالقول الثالث: أنَّ ما ذُكِرَ في الحديث هو من الآيات التي تُعبِّد بها بنو إسرائيل، وهذا لا ينافي ما ذُكِرَ عن الجمهور في تفسير الآية؛ لأن ما ذكروه هو من الآيات التي أوعدوا وخوفوا وأنذروا بها، على أنَّ ما ذكروه له حكم الرفع؛ لأنه من تفسير ابن عباس ﵄ (٤)، وهو مما لا مجال للرأي فيه؛ فيكون له حكم الرفع، وبهذا يكون النبي - ﷺ - قد قال كلا التفسيرين، إلا أنَّ مراده في أحدهما غير مراده بما في الآخر.\nوهذا رأي: الطحاوي. (٥)\n_________\n(١) انظر على الترتيب: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح (١/ ٢٠٧ - ٢٠٨)، ومرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (١/ ٢١٥ - ٢١٦)، وحاشية السندي على سنن النسائي (٧/ ١١١)، وتحفة الأحوذي، للمباركفوري (٧/ ٤٣٥ - ٤٣٦).\n(٢) ويسمى هذا «الأسلوب الحكيم»، وقد عرَّفَه الجرجاني، في كتابه «التعريفات» (١/ ٣٩)، فقال:\n«هو عبارة عن ذكر الأهم، تعريضًا بالمتكلم على تركه الأهم».\n(٣) تفسير أبي السعود (٥/ ١٩٨).\n(٤) أخرج عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٩٠) قال: أنا معمر، عن قتادة، عن ابن عباس ﵄، في قوله تعالى: (تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) قال: «هي متتابعات، وهي في سورة الأعراف: (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠» [الأعراف: ١٣٠] قال: السنين لأهل البوادي، ونقص من الثمرات لأهل القرى، فهاتان آيتان. والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم؛ فهذه خمس، ويد موسى إذ أخرجها بيضاء من غير سوء، والسوء: البرص، وعصاه إذ ألقاها فإذا هي ثعبان مبين».\nوأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٨/ ١٥٦)، من طريق عبد الرزاق. وإسناده صحيح.\n(٥) انظر: مشكل الآثار، للطحاوي (١/ ٦٤ - ٦٦).","vol":"1","page":642},{"text":"القول الرابع: أنه لا منافاة بين القرآن والحديث؛ لأن القرآن قد تضمن ذكر الآيات التي أوتيها موسى، والحديث فيه آيات أخر من التكليف، وكلُّ شاهدٍ لنبوة موسى فهو آية، وكل أمر أُمر به، أو نهي نُهي عنه فهو آية، وقد بين النبي - ﷺ - أنَّ المراد بالآيات المذكورة في هذه الآية هن الآيات التي من جهة الأمر والنهي، لا من جهة الإعجاز والبرهان.\nوهذا رأي ابن العربي. (١)\nالمذهب الثاني: أنَّ المعتمد في تفسير الآية هو الحديث دون غيره، ويرى أصحاب هذا المذهب: أنَّ المراد بالآيات في الآية: هي الأحكام، لا الأدلة، وأطلق عليها آيات؛ لأنها علامات على السعادة لمن امتثلها، والشقاوة لمن تركها.\nوهذا رأي: الفخر الرازي، والخفاجي، والآلوسي. (٢)\nالمسلك الثاني: مسلك تضعيف الحديث وعدم قبوله.\nويرى أصحاب هذا المسلك أنَّ الآية لا يصح في تفسيرها إلا ما ذُكِرَ في القرآن في مواضع متفرقة من أنَّ الآيات هي: العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وغيرها.\nوهذا رأي: الزيلعي (٣)، وابن كثير، وابن القيم (٤)، وابن حجر (٥).\nقال الزيلعي: «والحديث فيه إشكالان: أحدهما: أنهم سألوا عن تسعة، وأجاب في الحديث بعشرة، وهذا لا يرد على رواية: أبي نعيم، والطبراني (٦)؛ لأنهما لم يذكرا فيه السحر، ولا\n_________\n(١) عارضة الأحوذي، لابن العربي (١١/ ٢١٥ - ٢١٦).\n(٢) انظر على الترتيب: مفاتيح الغيب، للرازي (٢١/ ٥٤)، وحاشية الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي (٦/ ٦٥)، وروح المعاني، للآلوسي (١٥/ ٢٣٢).\n(٣) تخريج أحاديث وآثار الكشاف، للزيلعي (٢/ ٢٩٣).\n(٤) حاشية ابن القيم على مختصر سنن أبي داود (١٤/ ٨٦).\n(٥) تخريج أحاديث الكشاف (٢/ ٦٧٠).\n(٦) بل رواية الطبراني جاء فيها لفظ «السحر».","vol":"1","page":643},{"text":"على رواية أحمد أيضًا؛ لأنه لم يذكر القذف مرة، وشك في أخرى، فيبقى المعنى في رواية غيرهم، أي خذوا ما سألتموني عنه، وأزيدكم ما يختص بكم، لتعلموا وقوفي على ما يشتمل عليه كتابكم.\nالإشكال الثاني: أنَّ هذه وصايا في التوراة، ليس فيها حجج على فرعون وقومه، فأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على فرعون، وما جاء هذا إلا من عبد الله بن سلمة؛ فإن في حفظه شيئًا، وتكلموا فيه، وأنَّ له مناكير، ولعل ذينك اليهوديين إنما سألا عن العشر كلمات فاشتبه عليه بالتسع آيات فوهم في ذلك، والله أعلم». اهـ (١)\nوقال ابن كثير - بعد إيراده لحديث صفوان -: «وهو حديث مشكل، وعبد الله بن سلمة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات؛ فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون، والله أعلم». اهـ (٢)\nوقال: «المراد بالتسع الآيات: إنما هي ما تقدم ذكره، من العصا، واليد، والسنين، ونقص من الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، التي فيها حجج وبراهين على فرعون وقومه، وخوارق ودلائل على صدق موسى، ووجود الفاعل المختار الذي أرسله، وليس المراد منها كما ورد في حديث صفوان؛ فإن هذه الوصايا ليس فيها حجج على فرعون وقومه، وأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على فرعون، وما جاء هذا الوهم إلا من قبل عبد الله بن سلمة؛ فإن له بعضَ ما يُنكر، والله أعلم، ولعل ذينك اليهوديين إنما سألا عن العشر الكلمات؛ فاشتبه على الراوي بالتسع الآيات، فحصل وهم في ذلك، والله أعلم». اهـ (٣)\n_________\n(١) تخريج أحاديث وآثار الكشاف، للزيلعي (٢/ ٢٩٣).\n(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٧١)، وانظر: البداية والنهاية (٦/ ١٨٢).\n(٣) تفسير ابن كثير (٣/ ٧١)، باختصار وتصرف يسير.","vol":"1","page":644},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو القول بضعف الحديث، وأنَّ النبي - ﷺ - إنما سُئِلَ عن العشر الكلمات التي هي وصايا في التوراة، فاشتبهت على الراوي - وهو عبد الله بن سلمة - فظنها التسع الآيات المذكورة في آية الإسراء.\nيدل على هذا الاختيار:\n١ - أنه لم يُعْهَدْ أنَّ اليهود سألوا النبي - ﷺ - عن شيء من القرآن، وإنما المعهود سؤالهم عن شيء هو في كتبهم، أو عن أمر من أمور الغيب.\n٢ - أنَّ اليهود أرادوا بسؤالهم هذا معرفة صدق النبي - ﷺ -؛ بسؤاله عن شيء هم يؤمنون به، وهو ما في كتبهم، ويبعد أنْ يسألوا عن شيء من القرآن مع عدم إيمانهم به؛ ليستدلوا به على صدق النبي - ﷺ -.\n٣ - أنَّ الحديث قد جاء في بعض رواياته تعداد عشر كلمات (١)، وهذا مما يؤكد أنَّ السؤال إنما كان عن العشر الكلمات، لا التسع آيات.\n٤ - أنَّ الله تعالى وصف الـ «تسع» بأنها «آيات بينات»، والآية والبينة لا تكون إلا لما فيه حجة وبرهان، ولو كانت وصايا - كما في الحديث - لما حسن وصفها بقوله: «آيات بينات»، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) تقدم ذكر هذه الرواية عند تخريج الحديث في أول المسألة.","vol":"1","page":645},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>المسألة [٨]: في نسبة الكذب لإبراهيم الخليل ﵇</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ (٦٣» [الأنبياء: ٦٢ - ٦٣].\nوقال تعالى: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩» [الصافات: ٨٣ - ٨٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية:</span>\n(٨٤) - (٧٣): عن أبي هريرة - ﵁ -، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ ﵇ قَطُّ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ: ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ: قَوْلُهُ: (إِنِّي سَقِيمٌ)، وَقَوْلُهُ: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا)، وَوَاحِدَةٌ فِي شَأْنِ سَارَةَ؛ فَإِنَّهُ قَدِمَ أَرْضَ جَبَّارٍ، وَمَعَهُ سَارَةُ، وَكَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهَا: إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَتِي يَغْلِبْنِي عَلَيْكِ، فَإِنْ سَأَلَكِ فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِي؛ فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ مُسْلِمًا غَيْرِي وَغَيْرَكِ. فَلَمَّا دَخَلَ أَرْضَهُ رَآهَا بَعْضُ أَهْلِ الْجَبَّارِ، أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ، لَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَكُونَ إِلَّا لَكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَأُتِيَ بِهَا، فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَقُبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةً","vol":"1","page":646},{"text":"شَدِيدَةً، فَقَالَ لَهَا: ادْعِي اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، وَلَا أَضُرُّكِ. فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنْ الْقَبْضَةِ الْأُولَى، فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنْ الْقَبْضَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي فَلَكِ اللَّهَ أَنْ لَا أَضُرَّكِ. فَفَعَلَتْ، وَأُطْلِقَتْ يَدُهُ، وَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ، وَلَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ، فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ. قَالَ: فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي، فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ انْصَرَفَ فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ (١).\nقَالَتْ: خَيْرًا، كَفَّ اللَّهُ يَدَ الْفَاجِرِ، وَأَخْدَمَ خَادِمًا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ». (٢)\n(٨٥) - (..): وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يجمع الله المؤمنين يوم القيامة ....»، ثم ذكر حديث الشفاعة بطوله، وفيه: «فيأتون إبراهيم ﵇، فيقول: إني لست هناكم، ويذكر كذباته الثلاث، قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله لسارة - حين أتى على الجبار -: أخبري أني أخوك؛ فإني سأخبر أنا أنك أختي، فإنا أخوان في كتاب الله، ليس في الأرض مؤمن ولا مؤمنة غيرنا». (٣)\n_________\n(١) مهيم: بفتح الميم والياء، وسكون الهاء، كلمة يمانية، تقال بمعنى: ما هذا، وما أمرك، وما شأنك. انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (١/ ٣٩٠)، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٤/ ٣٧٨).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفضائل، حديث (٢٣٧١).\nوأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (٣٣٥٨)، موقوفًا على أبي هريرة، وأخرجه في الموضع نفسه، مرفوعًا من حديث أبي هريرة، لكن باختصار، ولفظه: «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثًا».\n(٣) أخرجه النسائي في الكبرى (٦/ ٤٤٠)، قال: أخبرنا الربيع بن محمد بن عيسى قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا شيبان، أبو معاوية، قال: حدثنا قتادة، قال: سمعت أنس بن مالك، فذكره.\nوأخرجه أبو يعلى في مسنده (٥/ ٣٩٦)، قال: حدثنا زهير، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا شيبان، حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك، به.\nوأخرجه ابن مندة في كتاب الإيمان (٢/ ٨٣٦) من طريق الحسين بن محمد المروزي، عن شيبان بن عبدالرحمن، عن قتادة، به.\nوإسناد النسائي رجاله ثقات، غير شيخه، وهو: الربيع بن محمد بن عيسى؛ فإنه لا بأس به، كما في التقريب (١/ ٢٤١)، وقد تُوبع كما في =","vol":"1","page":647},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث:</span>\nظاهرُ الحديثِ الشريف أنَّ قول إبراهيم: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا)، وقوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) كان كذبًا منه، ﵇، وهذا مشكل؛ لأن الكذب لا يجوز في حق الأنبياء ﵈، إذ الرسول ينبغي أنْ يكون موثوقًا به؛ ليُعلم صدق ما جاء به عن الله، ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب منه، ولأن الكذب المحض من جملة الكبائر، والأنبياء - ﵈ - معصومون منها بالإجماع. (١)\n_________\n= رواية أبي يعلى، وابن مندة.\nوللحديث شاهد من حديث أبي سعيد الخدري، وابن عباس، ﵃:\nأما حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، فأخرجه الترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (٣١٤٨)، قال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ....» ثم ذكر حديث الشفاعة، وفيه: «فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: إِنِّي كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَا مِنْهَا كَذِبَةٌ إِلَّا مَا حَلَّ بِهَا عَنْ دِينِ اللَّهِ ...».\nوإسناده ضعيف؛ لضعف علي بن زيد بن جدعان.\nوأما حديث ابن عباس، فرواه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٢٨١) قال: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵁ - عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلَّا لَهُ دَعْوَةٌ قَدْ تَنَجَّزَهَا فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي قَدْ اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي ....» ثم ذكر حديث الشفاعة بطوله، وفيه: «فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ: اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّنَا؛ فَلْيَقْضِ بَيْنَنَا، فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ، إِنِّي كَذَبْتُ فِي الْإِسْلَامِ ثَلَاثَ كِذْبَاتٍ، وَاللَّهِ إِنْ حَاوَلَ بِهِنَّ إِلَّا عَنْ دِينِ اللَّهِ، قَوْلُهُ: إِنِّي سَقِيمٌ، وَقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ، وَقَوْلُهُ لِامْرَأَتِهِ - حِينَ أَتَى عَلَى الْمَلِكِ -: أُخْتِي».\nوعلي بن زيد: ضعيف، وقد تُوبع، فأخرجه الطيالسي في مسنده (١/ ٣٥٣) قال: حدثنا يونس قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا البراء بن يزيد الغنوي قال: ثنا أبو نضرة، عن ابن عباس، فذكره.\n(١) انظر حكاية الإشكال في الكتب الآتية: كشف المشكل من حديث الصحيحين، =","vol":"1","page":648},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث:</span>\nللعلماء تجاه الإشكال الوارد في الحديث ثلاثة مسالك:\nالأول: مسلك تأويل الآيات والحديث، ومنع وقوع الكذب المحض من إبراهيم الخليل، ﵇.\nوهذا مذهب الجمهور من العلماء.\nوممن قال به:\nابن قتيبة، والزمخشري، وابن العربي، والقاضي عياض، وابن الجوزي، وأبو العباس القرطبي، وأبو عبد الله القرطبي، والنووي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، وابن حجر، والسيوطي، والآلوسي، وابن عثيمين. (١)\nويرى أصحاب هذا المسلك: أنَّ ما قاله إبراهيم - ﵇ - يعد من المعاريض (٢)، وهي مباحة، وليست من الكذب الذي يُذم صاحبه.\n_________\n= لابن الجوزي (٣/ ٤٨٢)، والمبسوط، للسرخسي (٣٠/ ٢١١)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٢٢/ ١٦١)، وعصمة الأنبياء، له، ص (٤٠)، وحاشية ابن القيم على سنن أبي داود (٦/ ٢١٢)، ومعترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي (٣/ ٧٢)، وروح المعاني، للآلوسي (١٧/ ٨٧).\n(١) انظر على الترتيب: تأويل مشكل القرآن، ص (٢٦٧ - ٢٦٨)، وتأويل مختلف الحديث، ص (٣٩)، كلاهما لابن قتيبة، والكشاف، للزمخشري (٣/ ١٢١)، وأحكام القرآن (٣/ ٢٦٣)، وعارضة الأحوذي (١٢/ ١٨)، كلاهما لابن العربي، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (٢/ ٨٨)، وزاد المسير، لابن الجوزي (٥/ ٢٦٦)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (١/ ٤٣٣)، وتفسير القرطبي (١١/ ١٩٩)، وصحيح مسلم بشرح النووي (١٥/ ١٨٠)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٩/ ١٥٩)، وحاشية ابن القيم على سنن أبي داود (٦/ ٢١٢)، وتفسير ابن كثير (٤/ ١٥)، وفتح الباري، لابن حجر (٦/ ٤٥١)، ومعترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي (٣/ ٧٢)، وروح المعاني، للآلوسي (١٧/ ٨٦)، وشرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، ص (٥٢٧).\n(٢) التَّعْرِيضُ: لُغَةً ضِدُّ التَّصْرِيحِ، وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ: مَا يَفْهَمُ بِهِ السَّامِعُ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ =","vol":"1","page":649},{"text":"قال الزمخشري: «فإن قلت: كيف جاز له أنْ يكذب؟ قلت: قد جوَّزه بعض الناس في المكيدة في الحرب، والتقية، وإرضاء الزوج، والصلح بين المتخاصمين والمتهاجرين، والصحيح أنَّ الكذب حرام، إلا إذا عَرَّضَ ووَرَّى، والذي قاله إبراهيم - ﵇ - مِعْرَاضٌ من الكلام». اهـ (١)\nقالوا: والمعاريض لا تُذم، خصوصًا إذا احتيج إليها، فعن عمران بن حصين - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب» (٢)، وقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: «ما يسرني أنَّ لي بما أعلم من معاريض القول، مثل أهلي ومالي» (٣)، وقال رسول الله - ﷺ - لعجوز: «إن الجنة لا يدخلها عجوز» (٤)،\nأراد قوله تعالى: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥» [الواقعة: ٣٥]، وكان أبو بكر - ﵁ - حين خرج من الغار، مع رسول الله - ﷺ -، إذا سأله أحد: من هذا بين يديك؟ يقول: «هادٍ يهديني» (٥)، وكانت امرأة ابن رواحة - ﵁ -، قد\n_________\n= مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ. انظر: الموسوعة الفقهية (١٢/ ٢٤٨). وقال القاضي عياض: «هو التورية بالشيء عن آخر بلفظٍ يُشْرِكُهُ فيه، أو يتضمن فصلًا من جُمَلِه، أو يحتمله مجازُهُ وتصريفه». انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (٢/ ٧٤).\n(١) انظر: الكشاف، للزمخشري (٤/ ٤٧).\n(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٩٩)، والقضاعي في مسند الشهاب (٢/ ١١٩)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٩٦). وضعفه الألباني، في ضعيف الجامع، حديث (١٩٠٤)، وصحح وقفه على عمران بن حصين - ﵁ -.\n(٣) أخرجه بنحوه: ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٣/ ١٤٥).\n(٤) أخرجه الترمذي في كتاب «الشمائل المحمدية» (١/ ١٩٨ - ١٩٩) قال: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا مصعب بن المقدام، ثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: أتت عجوز إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله: ادع الله أنْ يدخلني الجنة. فقال: يا أم فلان، إن الجنة لا تدخلها عجوز. قال: فولت تبكي، فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧» [الواقعة: ٣٥ - ٣٧]. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٣٥٧)، من حديث عائشة ﵂. والحديث صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، (٦/ ١٢٢١)، حديث (٢٩٨٧).\n(٥) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «أَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى الْمَدِينَةِ، وَهُوَ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ يُعْرَفُ، وَنَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ - شَابٌّ لَا يُعْرَفُ، قَالَ: فَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَا بَكْرٍ فَيَقُولُ: يَا أَبَا بَكْرٍ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فَيَقُولُ: هَذَا الرَّجُلُ، يَهْدِينِي =","vol":"1","page":650},{"text":"رأته مع جارية له، فقالت له: وعلى فراشي أيضًا! فجحد، فقالت له: إن كنت صادقًا فاقرأ القرآن، فالجُنُب لا يقرأ القرآن. فقال:\nشَهِدْتُ بأَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ ... وأَنَّ النارَ مَثْوَى الكافِرِينا\nوأَنَّ العَرْشَ فوْقَ الماءِ طافٍ ... وفوقَ العَرْشِ رَبُّ العالَمِينا\nوتَحْمِلُه ملائكةٌ شِدادٌ ... ملائكةُ الإِلهِ مُسَوّمِينا\nفقالت: آمنت بالله، وكذبت بصري. فأتى رسول الله - ﷺ -، فأخبره، فضحك، وأعجبه ما صنع. (١)\nوقد اختلف أصحاب هذا المسلك في وجه إطلاق النبي - ﷺ - على تلك الكلمات التي قالها إبراهيم الخليل - ﵇ - بأنها كذب، على أقوال:\nالأول: أنَّ النبي - ﷺ - أطلق عليها الكذب من باب التجوز؛ لأنها في الحقيقة شبيهة بالكذب، لما فيها من إيهام السامع، وإخباره بخلاف ما يعتقده المتكلم، ولم يُرِدْ النبي - ﷺ - أنها من الكذب الذي هو قصد قول الباطل، والإخبار بضد ما في النفس، من غير غرض شرعي؛ لأن هذا لا يجوز في حق الأنبياء، ﵈.\nوهذا رأي: ابن قتيبة، والقاضي عياض، وابن عطية، وابن الجوزي، وابن جزي الكلبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر، والآلوسي. (٢)\n_________\n= السَّبِيلَ. قَالَ: فَيَحْسِبُ الْحَاسِبُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي الطَّرِيقَ، وَإِنَّمَا يَعْنِي سَبِيلَ الْخَيْرِ». أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المناقب، حديث (٣٩١١).\n(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الإشراف في منازل الأشراف» (١/ ٢١٢ - ٢١٤)، وفي «العيال» (٢/ ٧٧٠ - ٧٧٣)، والدارقطني في سننه (١/ ١٢٠)، وابن عساكر في تاريخه (٢٨/ ١١٢ - ١١٦)، من طرق عن ابن رواحة - ﵁ -. قال الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب (٣/ ٩٠٠)، في ترجمة عبد الله بن رواحة: «وقصته مع زوجته، في حين وقع على أمته، مشهورة، رويناها من وجوه صحاح». وقال النووي في المجموع (٢/ ١٨٣): «إسناد هذه القصة ضعيف ومنقطع». وهو كما قال؛ فإنها لم تأتِ من طريق يصح اعتماده. وانظر: زاد المسير، لابن الجوزي (٥/ ٢٦٦ - ٢٦٧).\n(٢) انظر على الترتيب: تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة، ص (٢٦٩)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (٢/ ٨٩)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (٤/ ٤٧٨)، وكشف =","vol":"1","page":651},{"text":"قال أبو بكر بن الأنباري: «كلام إبراهيم كان صدقًا عند البحث، وإنما أراد النبي - ﷺ - أنه قال قولًا يشبه الكذب في الظاهر، وليس بكذب». اهـ (١)\nوقال ابن عقيل: «دلالة العقل تصرف ظاهر هذا اللفظ، وذاك أنَّ العقل قطع بأن الرسول ينبغي أنْ يكون موثوقًا به، ليُعلَمَ صِدْقَ ما جاء به عن الله، ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب منه، وإنما استُعيرَ ذِكْرُ الكذب؛ لأنه بصورة الكذب، فسماه كذبًا مجازًا، ولا يجوز سوى هذا». اهـ (٢)\nوقال ابن القيم: «وسُمّيَ قولُ إبراهيم هذا كذبًا؛ لأنها تورية، وقد أشكل على الناس تسميتها كذبة، لكون المتكلم إنما أراد باللفظ المعنى الذي قصده، فكيف يكون كذبًا؟ والتحقيق في ذلك: أنها كذب بالنسبة إلى إفهام المخاطب، لا بالنسبة إلى غاية المتكلم، فإن الكلام له نسبتان: نسبة إلى المتكلم، ونسبة إلى المخاطب، فلما أراد المُوري أنْ يُفهم المخاطب خلاف ما قصده بلفظه، أطلق الكذب عليه بهذا الاعتبار، وإن كان المتكلم صادقًا باعتبار قصده ومراده». اهـ (٣)\nوقال الحافظ ابن حجر: «وأما إطلاقه الكذب على الأمور الثلاثة، فلكونه قال قولًا يعتقده السامع كذبًا، لكنه إذا حُقِّقَ لم يكن كذبًا؛ لأنه من باب المعاريض المحتملة للأمرين، فليس بكذبٍ محض». اهـ (٤)\nالقول الثاني: أنَّ النبي - ﷺ - أطلق عليها كذبًا؛ لأن الله تعالى قد أعلمه أنَّ إبراهيم - ﵇ - يُطلق ذلك على نفسه يوم القيامة.\n_________\n= المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (٣/ ٤٨٢)، والتسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (٢/ ٢٤)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٩/ ١٥٩)، وحاشية ابن القيم على سنن أبي داود (٦/ ٢١٢)، وتفسير ابن كثير (٤/ ١٥)، وفتح الباري، لابن حجر (٦/ ٤٥١)، وروح المعاني، للآلوسي (١٧/ ٨٦).\n(١) نقله عنه ابن الجوزي في «كشف المشكل» (٣/ ٤٨٢).\n(٢) نقله عنه ابن الجوزي في «كشف المشكل» (٣/ ٤٨٢).\n(٣) حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (٦/ ٢١٢).\n(٤) فتح الباري، لابن حجر (٦/ ٤٥١).","vol":"1","page":652},{"text":"وهذا رأي أبي العباس القرطبي. (١)\nالقول الثالث: أنَّ المراد من الحديث: أنها كذبات في بادئ الأمر، لكنها عند التأمل يظهر المقصود منها، وذلك أنَّ النهي عن الكذب إنما علته خدع المخاطب، وما يتسبب على الخبر المكذوب من جريان الأعمال على اعتبار الواقع بخلافه، وأما إذا كان الخبر يُعْقَب بالصدق لم يكن ذلك من الكذب، بل يكون تعريضًا، أو مزحًا، أو نحوهما.\nوهذا قول الطاهر بن عاشور، ويرى: أنه لم يكن في لغة قوم إبراهيم التشبيه البليغ، ولا المجاز، ولا التهكم، فكان ذلك عند قومه كذبًا، وأن الله تعالى أذن له فعل ذلك، وأعلمه بتأويله؛ كما أذن لأيوب - ﵇ - أنْ يأخذ ضِغْثًا (٢) من عصيٍّ؛ فيضرب به ضربة واحدة، لِيَبُرَّ قَسَمَه (٣)، إذ لم تكن الكفارة مشروعة في دين أيوب - ﵇. (٤)\nوأما حديث الشفاعة، وقول إبراهيم - ﵇ -: «إِنِّي كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ» (٥)؛ فقد أجاب عنه الطاهر بن عاشور بأن معناه: «أنه قال كلامًا خلافًا للواقع، بدون إذن الله بوحي، ولكنه ارتكب قولَ خلافِ الواقع؛ لضرورة الاستدلال، بحسب اجتهاده، فخشي أنْ لا يُصادِفَ اجتهاده الصواب من مراد الله، فخشي عتاب الله، فتخلص من ذلك الموقف». اهـ (٦)\nويرى الشيخ ابن عثيمين: أنَّ إبراهيم - ﵇ - سماها كذبات، تواضعًا منه؛\n_________\n(١) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٦/ ١٨٦).\n(٢) الضغث: عُثْكَالُ النخل بشماريخه، وقيل: هو قبضة من حشيشٍ مختلطٌ رطبها بيابسها، وقيل: الحزمة الكبيرة من القضبان، وقال الواحدي: الضغث ملءُ الكفِّ من الشجر، والحشيش، والشماريخ. انظر: تفسير الواحدي (٣/ ٥٥٨)، وفتح القدير، للشوكاني (٤/ ٦٢٠).\n(٣) قال تعالى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤» [ص: ٤١ - ٤٤].\n(٤) التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢٣/ ١٤٣).\n(٥) سبق تخريجه في أول المسألة.\n(٦) التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢٣/ ١٤٣).","vol":"1","page":653},{"text":"لأنها بحسب مراده صدق مطابق للواقع، فهي من باب التورية. (١)\nرأي أصحاب هذا المسلك، في معنى الآيتين، ووجه كونهما من المعاريض:\nلأصحاب هذا المسلك عدة تأويلات في معنى الآيتين، ووجه كونهما من المعاريض، وفيما يأتي ذِكْرُ أقوالهم في كل آية:\nأولًا: تأويلهم لقوله تعالى: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) [الأنبياء: ٦٣]:\nاختلفوا في تأويل الآية على قولين:\nالأول: أنَّ معنى الآية: بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون، حيث جعل النطق شرطًا للفعل، والمعنى إن كانوا ينطقون فقد فعله، قالوا: ولما علق الفعل على النطق، والنطق غير متحقق، لم يكن قوله هذا كذبًا.\nوهذا رأي: ابن قتيبة (٢)، والقاضي عياض (٣)، وأبي عبد الله القرطبي (٤).\nواعتُرِضَ: بأن قوله: (إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) [الأنبياء: ٦٣] متعلق بقوله: (فَاسْأَلُوهُمْ) [الأنبياء: ٦٣]، والمعنى: إن كانوا ينطقون، فاسألوهم.\nالقول الثاني: أنه قال ذلك تمهيدًا لإقامة الحجة عليهم، على نية أنْ يتضح لهم الحق بآخره، فإنه لما قصد تنبيههم على خطأ عبادتهم للأصنام مهد لذلك بكلامٍ هو جار على الفرض والتقدير، فكأنه قال: لو كان هذا إلهًا لما رضي بالاعتداء على شركائه، فلما حصل الاعتداء عليهم بمحضر كبيرهم، تعين أنَّ يكون هو الفاعل لذلك.\nوهذا رأي: الزمخشري، وابن العربي، وابن الجوزي، وابن جزي الكلبي، وأبي العباس القرطبي، والرازي، والسيوطي، والآلوسي. (٥)\n_________\n(١) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، ص (٥٢٧).\n(٢) انظر: تأويل مشكل القرآن، ص (٢٦٨)، وتأويل مختلف الحديث، ص (٣٩)، كلاهما لابن قتيبة.\n(٣) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ٨٩)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم (٧/ ٣٤٦)، كلاهما للقاضي عياض.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي (١١/ ١٩٨).\n(٥) انظر على الترتيب: الكشاف، للزمخشري (٣/ ١٢١)، وأحكام القرآن، لابن العربي =","vol":"1","page":654},{"text":"ثانيًا: تأويلهم لقوله تعالى: (إِنِّي سَقِيمٌ) [الصافات: ٨٩]:\nيرى الأكثر من أصحاب هذا المسلك أنَّ معنى الآية: إني سأسقم؛ لأن من كُتب عليه الموت فلا بد من أنْ يسقم، ومنه قوله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (٣٠» [الزمر: ٣٠]، أي ستموت، ويموتون. (١)\nالثاني: مسلك إجراء الآيات والحديث على ظاهرها، وأنَّ ما قاله إبراهيم الخليل - ﵇ - كان كذبًا على الحقيقة.\nويرى أصحاب هذا المسلك: أنَّ إبراهيم - ﵇ - فعل ذلك من باب التُقية، ودفعِ أذى الظالمين، والكذبُ إذا كان لمثلِ هذا الغرض، وكان لمصلحةٍ شرعية؛ فإنه لا مانع منه، ولا يكون محرمًا.\nوهذا رأي: ابن جرير الطبري، وابن حزم، والواحدي (٢)، والمازري (٣)، والبغوي (٤)، والسمعاني (٥).\nقال ابن جرير الطبري: «وقد زعم بعض من لا يُصَدِّقُ بالآثار، ولا يقبل من الأخبار إلا ما استفاض به النقل، من العوام، أنَّ معنى قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) إنما هو بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم، أي إن كانت الآلهة المكسورة تنطق؛ فإن كبيرهم هو الذي كسرهم. وهذا قولٌ خلاف ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ -: أنَّ إبراهيم لم يكذب إلا\n_________\n= (٣/ ٢٦٣)، وزاد المسير، لابن الجوزي (٥/ ٢٦٥)، والتسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (٢/ ٢٤)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (١/ ٤٣٢)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٢١/ ١٦٠)، ومعترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي (٣/ ٧٢)، وروح المعاني، للآلوسي (١٧/ ٨٥).\n(١) انظر: تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة، ص (٢٦٧)، والكشاف، للزمخشري (٤/ ٤٧)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (١/ ٤٣٣)، وتفسير القرطبي (١٥/ ٦٣)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٢٦/ ١٢٨)، وفتح الباري، لابن حجر (٦/ ٤٥١)، وروح المعاني، للآلوسي (٢٣/ ١٣٧).\n(٢) الوسيط، للواحدي (٣/ ٢٤٢).\n(٣) المعلم بفوائد مسلم، للمازري (٣/ ١٣١).\n(٤) تفسير البغوي (٣/ ٢٤٩).\n(٥) تفسير السمعاني (٣/ ٣٨٩).","vol":"1","page":655},{"text":"ثلاث كذبات، كلها في الله، قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) وقوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) وقوله لسارة: هي أختي. وغير مستحيل أنْ يكون الله تعالى ذكره أذن لخليله في ذلك، ليقرع قومه به، ويحتج به عليهم، ويعرفهم موضع خطئهم، وسوء نظرهم لأنفسهم، كما قال مؤذن يوسف لإخوته: (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) [يوسف: ٧٠] ولم يكونوا سرقوا شيئًا». اهـ (١)\nوقال - بعد أنْ ذكر الأقوال في تفسير قوله تعالى: (إِنِّي سَقِيمٌ) -: «وقال آخرون: إن قوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) كلمة فيها مِعْراضٌ، ومعناها: أنَّ كل من كان في عقبة الموت فهو سقيم، وإن لم يكن به حين قالها سقم ظاهر، قال: والخبر عن رسول الله - ﷺ - بخلاف هذا القول، وقول رسول الله - ﷺ - هو الحق دون غيره». اهـ (٢)\nوقال ابن حزم: «أما الحديث: أنه - ﵇ - كذب ثلاث كذبات، فليس كلُ كذبٍ يكون معصية، بل منه ما يكون طاعة لله ﷿، وفرضًا واجبًا يعصي من تركه ....، وقد أجمع أهل الإسلام على أنَّ إنسانًا لو سمع مظلومًا قد ظلمه سلطان، وطلبه ليقتله بغير حق، ويأخذ ماله غصبًا؛ فاستتر عنده، وسمعه يدعو على من ظلمه، قاصدًا بذلك السلطان، فسأل السلطانُ ذلك السامع عما سمعه منه، وعن موضعه؛ فإنه إن كتم ما سمع، وأنكر أنْ يكون سمعه، أو أنه يعرف موضعه أو موضع ماله؛ فإنه محسن مأجور، مطيع لله ﷿، وأنه إن صدقه فأخبره بما سمعه منه، وبموضعه وموضع ماله؛ كان فاسقًا عاصيًا لله ﷿، فاعل كبيرة، مذمومًا تمامًا.\nوقد أُبيح الكذب في إظهار الكفر في التقية، وكل ما روي عن إبراهيم - ﵇ - في تلك الكذبات فهو داخل في الصفة المحمودة، لا في الكذب الذي نهي عنه». اهـ (٣)\nالثالث: مسلك تأويل الآيات، ورد الحديث وإنكاره.\nوهذا رأي الفخر الرازي، حيث قال: «واعلم أنَّ بعض الحشوية روى\n_________\n(١) تفسير الطبري (٩/ ٤١).\n(٢) المصدر السابق (١٠/ ٥٠١).\n(٣) الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (٢/ ٢٩٠ - ٢٩١).","vol":"1","page":656},{"text":"عن النبي - ﷺ - أنه قال: ما كذب إبراهيم - ﵇ - إلا ثلاث كذبات. فقلت: الأولى أنْ لا نقبل مثل هذه الأخبار، فقال على طريق الاستنكار: فإن لم نقبله؛ لزمنا تكذيب الرواة. فقلت له: يا مسكين، إن قبلناه؛ لزمنا الحكم بتكذيب إبراهيم - ﵇ - وإن رددناه لزمنا الحكم بتكذيب الرواة، ولا شك أنَّ صون إبراهيم - ﵇ - عن الكذب، أولى من صون طائفة من المجاهيل عن الكذب». اهـ (١)\nقلت: وهذا القول من الرازي مردود عليه، فالحديث صحيح لا مطعن فيه، وقد رُوي من عدة طرق، رواتها كلهم ثقات عدول معروفون، ولا سبيل لتكذيبهم، أو رميهم بالجهالة؛ ورحم الله الفخر الرازي؛ فإنه لما أعياه الجواب عن الحديث لجأ إلى رده وإنكاره، ورميِ رواته بالكذب، وليس هذا من شأن العلماء العارفين؛ فإن النصوص لا ترد بمجرد الرأي والهوى، والرازي لا يؤخذ بقوله في تصحيح الأحاديث وتضعيفها؛ لأنه ليس من أهل هذا الشأن، وبضاعته فيه مزجاة، قال عنه الإمام الذهبي: «وقد بدت منه في تواليفه بلايا وعظائم، وسِحْرٌ وانحرافات عن السُّنة، والله يعفو عنه؛ فإنه توفي على طريقة حميدة، والله يتولى السرائر». (٢)\nوأما رأي الرازي في معنى الآيتين، فقد مضى بيانه، عند ذكر رأي أصحاب المذهب الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو مذهب إجراء الآيات والأحاديث على ظاهرها، وأن ما قاله إبراهيم الخليل - ﵇ - كان كذبًا على الحقيقة.\nوليس في فعله هذا قدح بعصمته، أو اتهام له بفعل محذور شرعي،\n_________\n(١) مفاتيح الغيب، للرازي (١٨/ ٩٦)، وانظر: (٢٢/ ١٦١) و(٢٦/ ١٢٩).\n(٢) سير أعلام النبلاء، للذهبي (٢١/ ٥٠١).","vol":"1","page":657},{"text":"حاشاه - ﵇ - من ذلك، بل الحق أنَّ ما فعله مأذون له فيه، لما فيه من جلب مصلحة عظيمة، وهي إقامة الحجة على قومه، ودحض باطلهم.\nوالكذب إنما يكون مُحرّمًا إذا ترتب عليه مفاسد، وضياعٌ لحقوق الآخرين، وأما إذا كان لغرض شرعي، وفيه مصلحة؛ فإنه لا محذور فيه، وهذا ما قررته الشريعة؛ فإنه قد أُبيح الكذب في ثلاثة مواطن، في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس، وفي كذب الزوجين بعضهما على بعض؛ لمصلحة تتعلق بهما (١)، وما أُبيح للأمة فهو مباح للأنبياء - ﵈ - إلا أنْ يأتي دليل يخصهم بالمنع.\n«وقد اتفق الفقهاء على أنه لو جاء ظالم يطلب إنسانًا مختفيًا؛ ليقتله، أو يطلب وديعة لإنسان ليأخذها غصبًا، وسأل عن ذلك، وجب على من علم ذلك إخفاؤه، وإنكار العلم به، وهذا كذب جائز، بل واجب؛ لكونه في دفع الظالم». (٢)\nوقد نبّه النبي - ﷺ - على أنَّ كذبات إبراهيم - ﵇ - ليست داخلة في مطلق الكذب المذموم، وذلك بقوله: «ثنتين منها في ذات الله»، وإنما خص الثنتين بأنهما في ذات الله تعالى؛ لكون الثالثة تضمنت نفعًا وحظًا لإبراهيم - ﵇ - مع كونها في ذات الله أيضًا؛ لأنها كانت سببًا في دفعِ كافرٍ ظالمٍ عن مواقعة فاحشة عظيمة، وقد جاء في رواية أخرى ما يدل على ذلك، وهذه الرواية قال فيها النبي - ﷺ -: «مَا مِنْهَا كَذِبَةٌ إِلَّا مَا حَلَّ بِهَا عَنْ دِينِ اللَّهِ» (٣). (٤)\nوبعد هذا التقرير سأذكر بعضًا من الأدلة، التي تؤيد صحة ما ذهبت إليه، من وجوب حمل الآيات والأحاديث على ظاهرها:\n_________\n(١) عن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «لَا يَحِلُّ الْكَذِبُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: يُحَدِّثُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ لِيُرْضِيَهَا، وَالْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ، وَالْكَذِبُ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ».\nأخرجه الترمذي، في سننه، في كتاب البر والصلة، حديث (١٩٣٩)، وحسنه الألباني، في «صحيح الجامع»، حديث (٧٧٢٣).\n(٢) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (١٥/ ١٨٠ - ١٨١).\n(٣) سبق تخريجه في أول المسألة، من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -.\n(٤) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (١٥/ ١٨١).","vol":"1","page":658},{"text":"الدليل الأول: تسمية النبي - ﷺ - لها كذبات، ولو كانت من المعاريض لبين ذلك، فقال: لم يكذب إبراهيم، وإنما أراد التعريض.\nالدليل الثاني: أنَّ إبراهيم - ﵇ - سماها كذبات، ولو كانت من المعاريض لما أطلق عليها لفظ الكذب.\nالدليل الثالث: اعتذار إبراهيم من كذباته يوم القيامة، ولو كانت من المعاريض لما خاف منها، واعتذر لها.\nالدليل الرابع: أنَّ الآيات صريحة بأنه قال كلامًا هو خلاف الواقع، ولا يمكن حملها على التعريض والتورية، وما ذكره أصحاب المذهب الأول في توجيه الآيات وحملها على المعاريض يُعدُّ بعيدًا جدًا، وفيه تكلف يأباه النظم الكريم، والحق وجوب حملها على ظاهرها، دون تكلف أو تأويل.\nوهذا القول ليس فيه قدح بعصمة النبي، إبراهيم الخليل - ﵇ -؛ لأنه لو كان ما فعله مذمومًا؛ لأنكر الله عليه فعله هذا، وإنَّ في إقرار الله له؛ لدليلًا على جواز ما فعله.\nوأما اعتذار إبراهيم - ﵇ - يوم القيامة؛ فلإشفاقه من هول ذلك الموقف، وقد اعتذر كل الأنبياء - سوى نبينا محمد - ﷺ - عن أمور اعتقدوها ذنوبًا، وليست كذلك، وإنما كان اعتذارهم إشفاقًا وخوفًا من هول ذلك الموقف.\nوأما القول بأن نسبة الكذب إلى الأنبياء يرفع الوثوق بهم، فإن هذا افتراض عقلي لا ينبغي إيراده؛ لأن الله تعالى لا يمكن أنْ يقرَّهم على الكذب، على فرض وجوده، والحق أنَّ الأنبياء لا يستطيعون قَدَرًَا إيقاع الكذب، فيما يتعلق بالبلاغ؛ لأن الله تعالى اصطفاهم واختارهم من سائر البشر، وعصمهم من كل ما يَشِينُ إلى دعوتهم ورسالتهم.\nقال المازري: «أما الكذب فيما طريقه البلاغ عن الله تعالى؛ فالأنبياء معصومون منه، سواء كثيره وقليله، وأما مالا يتعلق بالبلاغ ويعد من الصغائر، كالكذبة الواحدة في حقير من أمور الدنيا، ففي إمكان وقوعه منهم وعصمتهم منه القولان المشهوران للسلف والخلف». اهـ (١)\n_________\n(١) المعلم بفوائد مسلم، للمازري (٣/ ١٣١).","vol":"1","page":659},{"text":"وقال القاضي عياض: الصحيح أنَّ الكذب فيما يتعلق بالبلاغ لا يُتَصوّر وقوعه منهم، سواء جوزنا الصغائر منهم وعصمتهم منها أم لا، وسواء قلَّ الكذب أم كَثُر؛ لأن مَنْصِبَ النبوة يرتفع عنه، وتجويزه يرفع الوثوق بأقوالهم. اهـ (١)\n\n****\n_________\n(١) إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (٧/ ٣٤٥)، بتصرف.","vol":"1","page":660},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>المسألة [٩]: في الوقت الذي تكون فيه زلزلة الساعة</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢» [سورة الحج: ١ - ٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>المبحث الثاني: ذكر الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير الآية:</span>\n(٨٦) - (٧٤): عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ. فيَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ. فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. قَالَ: يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ. فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الْحَامِلُ حَمْلَهَا، وَيَشِيبُ الْوَلِيدُ، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ....». (١)\n(٨٧) - (..): وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا نَزَلَتْ:\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (٢٣٤٨)، وفي كتاب تفسير القرآن، حديث (٤٧٤١)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (٢٢٢)، وفي كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (٢٩٤٠).","vol":"1","page":661},{"text":"(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١» إِلَى قَوْلِهِ: (وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) قَالَ: «أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: تِسْعُ مِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ إِلَى النَّارِ وَوَاحِدٌ إِلَى الْجَنَّةِ ....». (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الأحاديث:</span>\nظاهر الحديثين الشريفين أنَّ زلزلة الساعة المذكورة في الآية تكون يوم القيامة بعد قيام الناس من قبورهم، وقد اسْتُشْكِلَ بأنَّ ذلك الوقت لا حمل فيه ولا رضاع، فكيف يكون فيه ذهول المرضعة عما أرضعت، ووضع الحامل لحملها؟ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الأحاديث:</span>\nاختلف المفسرون في الوقت الذي تكون فيه الزلزلة المذكورة في الآية على مذهبين:\nالأول: أنها كائنة في الدنيا على القوم الذين تقوم عليهم الساعة.\nوهذا المذهب قال به بعض المتقدمين، كعلقمة، والشعبي، وابن جريج، ومقاتل. (٣)\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٤٣٥)، والترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (٣١٦٨)، وقال: «حديث حسن صحيح».\n(٢) انظر حكاية الإشكال في الكتب الآتية: كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (٣/ ١٤٩)، وفتح الباري، لابن حجر (١١/ ٣٩٨)، وعمدة القاري، للعيني (١٥/ ٢٣٩)، وأضواء البيان، للشنقيطي (٥/ ١٣).\n(٣) انظر: زاد المسير، لابن الجوزي (٥/ ٢٩٥ - ٢٩٦).","vol":"1","page":662},{"text":"وهو اختيار القاضي ابن عطية، وحكاه مذهب الجمهور من المفسرين. (١)\nواسْتَدَلَّ له: بأنَّ الرضاع والحمل لا يكون إلا في الدنيا، وأما الآخرة فلا يكون فيها شيء من ذلك.\nوأجاب عن الأحاديث الواردة في المسألة: باحتمال أنَّ النبي - ﷺ - قرأ الآية المتضمنة ابتداء أمر الساعة، ثم قصد في تذكيره وتخويفه إلى فصل من فصول يوم القيامة، وهذا من الفصاحة. (٢)\nالمذهب الثاني: أنَّ الزلزلة المذكورة في الآية كائنة يوم القيامة بعد قيام الناس من قبورهم.\nوهذا التفسير هو اختيار ابن جرير الطبري، وابن العربي، وابن الجوزي، وأبي عبد الله القرطبي، والنووي، والحافظ ابن حجر، والشنقيطي. (٣)\nوعمدتهم في هذا التفسير الأحاديث الواردة في المسألة، الدالة على أنَّ ذلك كائن يوم القيامة، يوم أنْ يقول الله تعالى لآدم ﵇: أخرج بعث النار.\nولهم في الجواب عن الإشكال الوارد في الأحاديث مسلكان:\nالأول: حمل الأوصاف المذكورة في الحديثين على المجاز.\nويرى أصحاب هذا المسلك أنَّ ما ذُكِرَ في الأحاديث هو كناية عن شدة الهول والهلع، بحيث إنه لو حضرت حامل حينئذ لوضعت، ولو حضرت مرضعة لذُهِلَتْ عما أرضعت.\n_________\n(١) المحرر الوجيز، لابن عطية (٤/ ١٠٦).\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) انظر على الترتيب: تفسير الطبري (٩/ ١٠٥)، والتذكرة في أحوال الموتى والآخرة، للقرطبي، ص (٢٠٥)، وفيه النقل عن ابن العربي، وكشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (٣/ ١٤٩)، والتذكرة، للقرطبي، ص (٢٠٧)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (٣/ ١٢٢)، وفتح الباري، لابن حجر (١١/ ٣٩٨)، وأضواء البيان، للشنقيطي (٥/ ١١).","vol":"1","page":663},{"text":"وهذا المسلك قال به ابن الجوزي، والنووي. (١)\nالمسلك الثاني: حمل الأوصاف المذكورة في الحديثين على الحقيقة.\nحيث ذهب الحافظ ابن حجر إلى أنَّ ما ذُكِرَ في الأحاديث محمول على الحقيقة؛ لأن كل أحدٍ يُبعث يوم القيامة على ما مات عليه، فالحامل تُبعث حاملًا، والمرضع تُبعث مرضعًا، والطفل يُبعث طفلًا؛ فإذا وقعت زلزلة الساعة، وقيل ذلك لآدم، ورأى الناس آدم، وسمعوا ما قيل له، وقع بهم من الوجل ما يسقط معه الحمل، ويشيب له الطفل، وتذهل به المرضعة.\nقال: «ويحتمل أنْ يكون ذلك بعد النفخة الأولى، وقبل النفخة الثانية، ويكون خاصًا بالموجودين حينئذ، وتكون الإشارة بقوله: «فذاك» إلى يوم القيامة، وهو صريح في الآية، ولا يمنع من هذا الحمل ما يتخيل من طول المسافة بين قيام الساعة، واستقرار الناس في الموقف، ونداء آدم لتمييز أهل الموقف؛ لأنه قد ثبت أنَّ ذلك يقع متقاربًا؛ كما قال الله تعالى: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ (١٤» [النازعات: ١٣ - ١٤]، يعني أرض الموقف، وقال تعالى: (يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ) [المزمل: ١٧ - ١٨]، والحاصل أنَّ يوم القيامة يطلق على ما بعد نفخة البعث من أهوال وزلزلة وغير ذلك إلى آخر الاستقرار في الجنة أو النار». اهـ (٢)\nولابن العربي جواب آخر، حيث يرى أنَّ يوم الزلزلة يكون عند النفخة الأولى، وفيه ما يكون فيه من الأهوال العظيمة، ومن جملتها ما يقال لآدم، ولا يلزم من ذلك أن يكون ذلك متصلًا بالنفخة الأولى، بل له محملان:\nأحدهما: أنْ يكون آخر الكلام منوطًا بأوله، والتقدير: يقال لآدم ذلك في أثناء اليوم الذي يشيب فيه الولدان، وغير ذلك.\nوثانيهما: أنْ يكون شيب الولدان عند النفخة الأولى حقيقة، والقول\n_________\n(١) انظر على الترتيب: كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (٣/ ١٤٩)، وشرح صحيح مسلم، للنووي (٣/ ١٢٢).\n(٢) فتح الباري، لابن حجر (١١/ ٣٩٨).","vol":"1","page":664},{"text":"لآدم يكون وصفه بذلك إخبارًا عن شدته وإنْ لم يوجد عين ذلك الشيء. (١)\nوذكر الحليمي واستحسنه أبو عبد الله القرطبي أنه يحتمل أنْ يحيي الله حينئذ كل حمل كان قد تم خلقه ونُفخت فيه الروح، فتذهل الأم حينئذ عنه؛ لأنها لا تقدر على إرضاعه، إذ لا غذاء هناك ولا لبن، وأما الحمل الذي لم يُنفخ فيه الروح فإنه إذا سقط لم يحيى، لأن ذلك يوم الإعادة، فمن لم يمت في الدنيا لم يحيى في الآخرة. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أنَّ الزلزلة المذكورة في الآية كائنة يوم القيامة بعد قيام الناس من قبورهم، لثبوت هذا التفسير عن النبي - ﷺ -.\nوأما الإشكال الوارد في الأحاديث فالأقرب هو حمل الأوصاف المذكورة فيها على المجاز، فيكون ذِكْرُ ذهول المرضعة عما أرضعت ووضع الحامل لحملها هو من باب تصوير شدة ذلك اليوم، لا أنَّ ذلك يكون حقيقة.\nومما يؤكد قصد المجاز في الأحاديث أنَّ هذه الأوصاف ذُكِرَتْ بعينها في الآية، وذُكِرَ بعدها قوله تعالى: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى) [الحج: ٢] وهذا الوصف الأخير في الآية يُعَدُّ من صريح المجاز، حيث نفى سبحانه أنْ يكونوا سكارى حقيقة (٣)، فَدَلَّ على أنَّ باقي الأوصاف هي من باب المجاز أيضًا، والله تعالى أعلم.\n\n****\n_________\n(١) نقله عن ابن العربي: أبو عبد الله القرطبي في التذكرة، ص (٢٠٥).\n(٢) المصدر السابق، ص (٢٠٧).\n(٣) قال ناصر الدين ابن المنيِّر في الانتصاف (٣/ ١٣٩): «العلماء يقولون: إنَّ من أدلة المجاز صدق نقيضه، كقولك: زيد حمار، إذا وصفته بالبلادة، ثم يصدق أن تقول: وما هو بحمار، فتنفي عنه الحقيقة، فكذلك الآية، بعد أنْ أثبت السكر المجازي نفى الحقيقي أبلغ نفي، مؤكدًا ذلك بالباء».","vol":"1","page":665},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>المسألة [١٠]: في قصة الغرانيق</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى (١) أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣» [الحج: ٥٢ - ٥٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية:</span>\n(٨٨) - (٧٥): عن ابن عباس ﵄: «أنَّ النبي - ﷺ - كان بمكة؛ فقرأ سورة النجم، حتى انتهى إلى قوله تعالى: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠» [النجم: ١٩ - ٢٠] فجرى على لسانه: (تلك الغرانيق (٢) العُلى،\n_________\n(١) اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: (تَمَنَّى) على قولين:\nالأول: أن تمنى بمعنى: قرأ وتلا، ومنه قول حسان في عثمان بن عفان - ﵁ -:\nتَمَنَّى كتاب الله أوَّل ليلِهِ ... وآخِرها لاقى حِمام المقادِرِ\nوعلى هذا المعنى الجمهور من المفسرين، كما حكاه البغوي، وابن القيم.\nالقول الثاني: أن تمنى في الآية من التمني المعروف، الذي أداته (ليت).\nانظر: تفسير البغوي (٣/ ٢٩٣)، وإغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٩٣)، وأضواء البيان، للشنقيطي (٥/ ٧٢٩).\n(٢) الغرانيق: المراد بها ها هنا الأصنام، وهي في الأصل الذكور من طير الماء، واحدها غرنوق وغرنيق، سمي به لبياضه، وقيل: هو الكركي. والغرنوق أيضًا الشاب الناعم =","vol":"1","page":666},{"text":"الشفاعة منها تُرتجى) قال: فسمع ذلك مشركو مكة، فَسُرُّوا بذلك، فاشتَدَّ على رسول الله - ﷺ -؛ فأنزل الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢»». (١)\n_________\n= الأبيض، وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم من الله وتشفع لهم فشبهت بالطيور التي تعلوا في السماء وترتفع. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٣/ ٣٦٤).\n(١) رُوي هذا الحديث موصولًا عن ابن عباس ﵄، ومرسلًا عن عدد من التابعين، وسأذكر هذه الروايات كلها مع تخريجها، واستيفاء طرقها، وبيان عللها:\nأولًا: رواية ابن عباس ﵄:\nوقد رُويتْ عنه من خمسة طرق:\nالطريق الأول: رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس:\nوله عن سعيد بن جبير طريقان:\n١ - عن أبي بشر، عن سعيد، به:\n\nأخرجه البزار في مسنده [كما في كشف الأستار، للهيثمي (٣/ ٧٢)، وتخريج الأحاديث والآثار، للزيلعي (٢/ ٣٩١)، وتفسير الحافظ ابن كثير (٣/ ٢٤٠)] قال البزار: حدثنا يوسف بن حماد، حدثنا أمية بن خالد، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - فيما أحسب، الشك في الحديث - أن النبي - ﷺ - ...، فذكره.\nثم قال البزار: «هذا حديث لا نعلمه يُروى عن النبي - ﷺ - بإسناد متصل يجوز ذكره إلا بهذا الإسناد، ولا نعلم أحدًا أسند هذا الحديث عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد، عن ابن عباس، إلا أمية، ولم نسمعه نحن إلا من يوسف بن حماد، وكان ثقة، وغير أمية يحدث به عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، مرسلًا، وإنما يُعرف هذا الحديث عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وأمية ثقة مشهور». اهـ\nورواه ابن مردويه في تفسيره [كما في تخريج الأحاديث والآثار، للزيلعي (٢/ ٣٩٤)] من حديث يوسف بن حماد، به، عن سعيد بن جبير قال: لا أعلمه إلا عن ابن عباس: «أن النبي - ﷺ - كان بمكة فقرأ سورة النجم، حتى بلغ: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠» [النجم: ١٩ - ٢٠]؛ فألقى الشيطان على لسانه: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتها لترتجى) فلما بلغ آخرها سجد وسجد معه المسلمون والمشركون، وأنزل الله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢» [الحج: ٥٢]».\nوأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٥٣)، عن الحسين بن إسحاق التستري، وعبدان بن أحمد، كلاهما عن يوسف بن حماد، به. وفيه: لا أعلمه إلا عن ابن عباس.\nومن طريق الطبراني أخرجه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (١٠/ ٨٩).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١١٥): «رواه البزار والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح، إلا أن =","vol":"1","page":667},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الطبراني قال: لا أعلمه إلا عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -». اهـ\nقلت: لفظ رواية البزار هي المذكورة في المتن، والحديث من هذه الطريق فيه ثلاث علل:\nالأولى: الاختلاف على شعبة في وصله وإرساله، حيث لم يصله عنه إلا أمية بن خالد، وهو وإن كان ثقة فقد خولف، خالفه - كما سيأتي - محمد بن جعفر، وعبد الصمد، وأبو داود، ثلاثتهم عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، مرسلًا. والقاعدة أن رواية الأكثر مقدمة على رواية الفرد، ونسبة الخطأ للواحد أقوى من نسبتها للجماعة.\nالعلة الثانية: التردد في وصل الحديث وإرساله، وهذه العلة وحدها تُعد كافية للقدح في الرواية الموصولة، وترجيح رواية الإرسال الصحيحة عليها، كما سيأتي.\nالعلة الثالثة: أن الحديث قد روي من وجه آخر عن سعيد بن جبير مرسلًا، فقد رواه الواحدي في أسباب النزول، ص (٣١٠) من طريق سهل العسكري، حدثنا يحيى - هو القطان - عن عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، مرسلًا، وقد رُوي موصولًا؛ لكن لا يصح، كما سيأتي.\nإلا أن الحافظ ابن حجر لم يعتد بهذه العلل، حيث قال: «أما ضعفه فلا ضعف فيه أصلًا؛ فإن الجميع ثقات، وأما الشك فيه، فقد يجيء تأثيره ولو فردًا غريبًا، لكن غايته أن يصير مرسلًا ....، وهو حجة إذا اعتضد عند من يَرُدّ المرسل، وهو إنما يعتضد بكثرة المتابعات». اهـ من الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف (٣/ ١٦١).\n٢ - عن عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، به:\nأخرجه ابن مردويه في تفسيره [كما في تخريج الأحاديث والآثار، للزيلعي (٢/ ٣٩٤)] قال: حدثني إبراهيم بن محمد، حدثني أبو بكر محمد بن علي المقرئ البغدادي، حدثنا جعفر بن محمد الطيالسي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، حدثنا أبو عاصم النبيل، حدثنا عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄: «أن رسول الله - ﷺ - قرأ: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠» [النجم: ١٩ - ٢٠] (تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهن ترتجى) ففرح المشركون بذلك وقالوا: قد ذكر آلهتنا؛ فجاءه جبريل فقال: اقرأ علي ما جئتك به. فقرأ له كذلك؛ فقال: ما أتيتك بهذا، وإن هذا لمن الشيطان؛ فأنزل الله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢»».\nومن طريق ابن مردويه أخرجه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (١٠/ ٢٣٤).\nقلت: الحديث من هذه الطريق معلول من أوجه:\nالأول: جهالة حال أبي بكر محمد بن علي المقرئ:\nوترجمته في تاريخ بغداد (٣/ ٦٨): «محمد بن علي بن الحسن، أبو بكر المقرئ، حدث عن محمود بن =","vol":"1","page":668},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= خداش، ومحمد بن عمرو، وابن أبى مذعور، روى عنه أحمد بن كامل القاضي، ومحمد بن أحمد بن يحيى العطشي، توفي سنة ثلاثمائة».\nقال الألباني في نصب المجانيق، ص (١٧): «لم يذكر فيه الخطيب جرحًا ولا تعديلًا؛ فهو مجهول الحال، وهو علة هذا الإسناد الموصول». اهـ\nالوجه الثاني: الاختلاف على أبي عاصم النبيل في وصله وإرساله، فقد رواه الواحدي في أسباب النزول، ص (٣١٠) من طريق سهل العسكري، عن يحيى القطان، عن عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، مرسلًا، ورواية الواحدي أصح، كما سيأتي.\nالوجه الثالث: أن رواية الإرسال موافقة للرواية الصحيحة، من طريق شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، مرسلًا، وهي أصح ما في الباب، وقد رويت عن شعبة من ثلاثة طرق كلها صحيحة، كما سيأتي.\nوقد أورد السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٦٦١) الحديث من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بلا تردد، ونسبه للبزار، والطبراني، وابن مردويه، والضياء في المختارة، وقال: «بسند رجاله ثقات». وأما المتن فقد ساق متن رواية عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، والتي أخرجها ابن مردويه بلا تردد.\nوقد تعقب الألبانيُ السيوطيَ، وادعى أنه وهم في عزوه للضياء في المختارة، وأن قوله: «بسند رجاله ثقات» إيهام منه، حيث يوحي بصحة الحديث، وأنه ليس بمعلول، قال: «وهذا خلاف الواقع، فإنه معلول بتردد الراوي في وصله، كما نقلناه عن تفسير الحافظ ابن كثير، وكذلك هو في تخريج الكشاف وغيره، وهذا ما لم يَرِدْ ذِكرُه في سياق السيوطي، ولا أدري أذلك اختصار منه، أم من بعض مخرجي الحديث؟ وأيًا ما كان، فما كان يليق بالسيوطي أن يُغفل هذه العلة، لا سيما وقد صرح بما يشعر أن الإسناد صحيح، وفيه من التغرير ما لا يخفى، فإن الشك لا يوثق به، ولا حقيقة فيه». اهـ من نصب المجانيق، ص (١٢). وقد تبع الألبانيَ على ذلك: علي بن حسن بن عبد الحميد الحلبي، في كتابه دلائل التحقيق، ص (٨٩).\nقلت: لم يهم السيوطي في عزو الحديث للضياء في المختارة، فهو مخرج عنده، كما ذكرته آنفًا في تخريج الحديث، وأما إغفال السيوطي لتردد الراوي فليس ذاك عن سهوٍ أو خطأ منه؛ لأنه إنما أورد رواية عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، والتي أخرجها ابن مردويه بلا تردد، وظاهر إسنادها الصحة، وكأن السيوطي لم يقف على علة هذه الرواية، والألبانيُ اعتقد أن السيوطي أراد رواية أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بالتردد، وقد خطأ السيوطيَ أيضًا في إيراده لمتن هذه الرواية، والحق أن السيوطي أوردها كما هي، وأن الوهم من الألباني، رحم الله الجميع.\nوأما الحافظ ابن حجر فقد صحح الحديث من هذه الطريق فقال: «ورواه الطبري من طريق سعيد بن جبير مرسلًا، وأخرجه ابن مردويه من طريق أبي عاصم النبيل، عن عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، نحوه، ولم يشك =","vol":"1","page":669},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= في وصله، وهذا أصح طرق هذا الحديث». اهـ من الكافي الشاف، في تخريج أحاديث الكشاف (٣/ ١٦١).\nإلا أن الألباني لم يرتضِ عبارة الحافظ هذه، واستبعد نسبتها إليه فقال: «وفي عبارة الحافظ شيء من التشويش، ولا أدري أذلك منه، أم من النساخ؟ وهو أغلب الظن، وذلك لأن قوله: «وهذا أصح طرق هذا الحديث» إن حملناه على أقرب مذكور، وهو طريق ابن مردويه الموصول كما هو المتبادر، منعنا من ذلك أمور:\nالأول: قول الحافظ عقب ذلك: «فهذه مراسيل يقوي بعضها بعضًا» فإن فيه إشارة إلى أن ليس هناك إسناد صحيح موصول يعتمد عليه، وإلا لَعرَّج عليه وجعله أصلًا، وجعل الطريق المرسلة شاهدة ومُقَوية له، ويؤيده الأمر الآتي وهو:\nالثاني: وهو أن الحافظ لما رَدَّ على القاضي عياض تضعيفه للحديث من طريق إسناد البزار الموصول بسبب الشك، قال الحافظ: «أما ضعفه فلا ضعف فيه أصلًا (قلت: يعني في رواته)؛ فإن الجميع ثقات، وأما الشك فيه، فقد يجيء تأثيره ولو فردًا غريبًا - كذا - لكن غايته أن يصير مرسلًا، وهو حجة عند عياض وغيره ممن يقبل مرسل الثقة، وهو حجة إذا اعتضد عند من يَرُدّ المرسل، وهو إنما يعتضد بكثرة المتابعات».\nقال الألباني: فقد سلَّم الحافظ بأن الحديث مُرْسَلٌ، ولكن ذهب إلى تقويته بكثرة الطرق ....، فلو كان إسناد ابن مردويه الموصول صحيحًا عند الحافظ، لرد به على القاضي عياض، ولما جعل عمدته في الرد عليه هو كثرة الطرق، وهذا بيّن لا يخفى.\nالثالث: أن الحافظ في كتابه فتح الباري لم يُشِرْ أدنى إشارة إلى هذه الطريق فلو كان هو أصح طرق الحديث، لذكره بصريح العبارة، ولجعله عمدته في هذا الباب كما سبق.\nالرابع: أن من جاء بعده - كالسيوطي وغيره - لم يذكروا هذه الرواية.\nفكل هذه الأمور تمنعنا من حمل اسم الإشارة (هذا) على أقرب مذكور، وتضطرنا إلى حمله على البعيد، وهو الطريق الذي قبل هذا، وهو طريق سعيد بن جبير المرسل. وهو الذي اعتمده الحافظ في الفتح وجعله أصلًا، وجعل الروايات الأخرى شاهدة له». اهـ كلام الألباني، من نصب المجانيق، ص (١٣ - ١٥).\nقلت: يحتمل أن الحافظ ابن حجر لم يقف على رواية عثمان بن الأسود، وقت تعليقه على الحديث في فتح الباري، يقوي هذا الاحتمال أن هذه الرواية لم يُشرْ إليها الحافظ في الفتح أدنى إشارة، ولعله اطلع عليها بعد ذلك فدونها في تخريجه لأحاديث الكشاف، والله تعالى أعلم.\nثم وقفت على طريق أخرى لهذه الرواية؛ أخرجها أبو الليث السمرقندي في تفسيره (٢/ ٤٠٠) قال: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا إبراهيم بن محمد قال: حدثنا جعفر بن محمد [في أصل الكتاب: جعفر بن زيد] الطيالسي قال: حدثنا إبراهيم بن محمد قال: حدثنا أبو عاصم، عن عثمان بن الأسود [في أصل الكتاب: عمار بن الأسود]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «قرأ رسول الله - ﷺ -: (وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠» =","vol":"1","page":670},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= [النجم: ٢٠] ثم قال: (تلك الغرانيق العلى، وإن الشفاعة منها ترتجى)، فقال المشركون: قد ذكر آلهتنا في أحسن الذكر؛ فنزلت الآية».\nقلت: هذا الإسناد فيه سقط، وصوابه ما جاء في تفسير ابن مردويه: حدثني إبراهيم بن محمد، حدثني أبو بكر محمد بن علي المقرئ البغدادي، حدثنا جعفر بن محمد الطيالسي ....، والساقط في الإسناد هو آفة الحديث، وهو أبو بكر المقرئ، وقد تقدم الكلام فيه.\nالطريق الثاني: رواية العوفي، عن ابن عباس، به:\nأخرجها ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ١٧٦)، قال: حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: «قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢» وذلك أن نبي الله - ﷺ - بينما هو يصلي إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون فقالوا: إنا نسمعه يذكر آلهتنا بخير، فدنوا منه، فبينما هو يتلوها وهو يقول: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠» [النجم: ١٩ - ٢٠] ألقى الشيطان: (إن تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى)، فجعل يتلوها فنزل جبرائيل ﵇ فنسخها، ثم قال له: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢»».\nوأخرجه ابن مردويه في تفسيره [كما في تخريج الأحاديث والآثار، للزيلعي (٢/ ٣٩٤)]، عن أحمد بن كامل، عن محمد بن سعد، به.\nمحمد بن سعد: هو العوفي، لين الحديث.\nقوله: حدثني أبي: هو سعد بن محمد بن الحسن، ضعيف.\nقوله: حدثني عمي: هو الحسين بن الحسن بن عطية بن سعد العوفي، ضعيف.\nقوله: حدثني أبي: هو الحسن بن عطية، متفق على ضعفه.\nقوله: عن أبيه: هو عطية بن سعد بن جنادة، شيعي ضعيف مدلس.\nوهذا الإسناد: ضعيف جدًا؛ فإنه مسلسل بالعوفيين، وهي سلسلة واهية باتفاق النقاد من المحدثين.\nالطريق الثالث: رواية الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس:\nأخرجها ابن مردويه في تفسيره [كما في فتح الباري، لابن حجر (٨/ ٢٩٣)]، من طريق عباد بن صهيب، عن يحيى بن كثير، حدثنا الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: «أن رسول الله - ﷺ - قرأ سورة النجم وهو بمكة فأتى على هذه الآية: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠» فألقى الشيطان على لسانه: (إنهن الغرانيق العلى)؛ فأنزل الله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢»».\nوإسناده ضعيف جدًا؛ فيه: عباد بن صهيب البصري، أحد المتروكين، قال ابن المديني: ذهب حديثه. وقال البخاري، والنسائي، وغيرهما: =","vol":"1","page":671},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= متروك. وقال ابن حبان: كان قدريًا داعية، ومع ذلك يروي أشياء إذا سمعها المبتدي في هذه الصناعة شهد لها بالوضع. وقال أبو حاتم: متروك الحديث، ضعيف الحديث، تركت حديثه.\nانظر: لسان الميزان (٣/ ٢٣٠).\nوفيه الكلبي متهم بالكذب، كما في التقريب (٢/ ١٧٣)، وقد روى ابن عدي، في كتابه الكامل في ضعفاء الرجال (٦/ ١١٥) بسنده عن سفيان الثوري قال: «قال الكلبي: كل شيء أحدث عن أبي صالح فهو كذب».\nالطريق الرابع: رواية سليمان التيمي، عمن حدثه، عن ابن عباس:\nذكرها السيوطي في الدر (٤/ ٦٦١) وعزاها لابن مردويه في تفسيره، وذكرها الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٢٩٣)، من طريق عباد بن صهيب، المتقدم، ولفظها لفظ رواية الكلبي نفسه، عن أبي صالح.\nوهذه الرواية كسابقتها فيها عباد بن صهيب، وفيها راوٍ لم يُسمَّ.\nالطريق الخامس: رواية أبي بكر الهذلي، وأيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس:\nأخرجها ابن مردويه [كما في فتح الباري، لابن حجر (٨/ ٢٩٣)]، من طريق عباد بن صهيب، عن يحيى بن كثير، حدثنا أبو بكر الهذلي، وأيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، به. ولفظها لفظ رواية الكلبي نفسه، عن أبي صالح.\nوهذه الرواية ضعيفة؛ فيها عباد بن صهيب، متروك كما تقدم.\nثانيًا: رواية سعيد بن جبير، مرسلة:\nوقد روُيت عنه من طريقين:\nالأول: طريق شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، به.\nوله عن شعبة ثلاثة طرق:\n١ - طريق محمد بن جعفر:\nأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ١٧٦)، قال: حدثنا ابن بشار قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: «لما نزلت هذه الآية: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩» [النجم: ١٩] قرأها رسول الله - ﷺ - فقال: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى)، فسجد رسول الله - ﷺ -؛ فقال المشركون: إنه لم يذكر آلهتكم قبل اليوم بخير. فسجد المشركون معه فأنزل الله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢»».\n٢ - طريق عبد الصمد:\nأخرجه ابن جرير في الموضع السابق قال: حدثنا ابن المثنى قال: ثني عبد الصمد قال: ثنا شعبة قال: ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩» ....». قال ابن جرير: «ثم ذكر نحوه». يريد نحو رواية محمد بن جعفر السابقة.\n٣ - طريق أبي داود:\nأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره [كما في تفسير ابن كثير (٣/ ٢٣٩)] قال: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، =","vol":"1","page":672},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن سعيد بن جبير قال: «قرأ رسول الله - ﷺ - بمكة النجم فلما بلغ هذا الموضع: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠» [النجم: ١٩ - ٢٠] قال: فألقى الشيطان على لسانه: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتجى) قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم. فسجد وسجدوا؛ فأنزل الله ﷿ هذه الآية: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢»».\nوقد صحح إسناد هذه الرواية المرسلة عن سعيد بن جبير: الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٢٩٣)، والسيوطي في الدر (٤/ ٦٦١)، وفي لباب النقول، ص (٢٠١)، والألباني في نصب المجانيق، ص (١٠) و(٤٥).\nقلت: وهو كما قالوا؛ إلا أن صحة إسنادها لا يعني قبولها؛ فهي ضعيفة لإرسالها.\nالثاني: طريق عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، به.\nأخرجه الواحدي في أسباب النزول، ص (٣١٠) قال: أخبرنا أبو بكر الحارثي قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن حيان قال: أخبرنا أبو يحيى الرازي قال: أخبرنا سهل العسكري قال: أخبرنا يحيى، عن عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير قال: «قرأ رسول الله - ﷺ -: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠» [النجم: ١٩ - ٢٠] فألقى الشيطان على لسانه: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتجى)؛ ففرح بذلك المشركون وقالوا: قد ذكر آلهتنا؛ فجاء جبريل ﵇ إلى رسول الله - ﷺ - وقال: اعرض عليَّ كلام الله، فلما عرض عليه قال: أما هذا فلم آتك به، هذا من الشيطان، فأنزل الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢»».\nوإسناد هذه الرواية أصح من رواية ابن مردويه الموصولة.\nقال الألباني في نصب المجانيق، ص (١٦) - بعد أن ساق رواية الواحدي هذه -: «فرجع الحديث إلى أنه عن عثمان بن الأسود، عن سعيد، مرسل، وهو الصحيح، لموافقة روايةِ عثمان هذه روايةَ أبي بشر، عن سعيد». اهـ\nثالثًا: رواية أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، مرسلة:\nأخرجها ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ١٧٧) قال: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب: أنه سُئِل عن قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢» قال ابن شهاب: ثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: «أن رسول الله - ﷺ - وهو بمكة قرأ عليهم والنجم إذا هوى فلما بلغ: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠» قال: (إن شفاعتهن ترتجى) وسها رسول الله - ﷺ -، فلقيه المشركون الذين في قلوبهم مرض فسلموا عليه وفرحوا بذلك فقال لهم: إنما ذلك من =","vol":"1","page":673},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الشيطان؛ فأنزل الله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢»».\nقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٢٩٣) عن هذه الرواية: مرسل رجاله على شرط الصحيحين. وقال السيوطي في الدر (٤/ ٦٦٢): مرسل صحيح الإسناد. ووافقهما الألباني في نصب المجانيق، ص (١٨) و(٤٥).\nرابعًا: رواية ابن شهاب الزهري، مرسلة:\nأخرجها ابن أبي حاتم في تفسيره [كما في تفسير الحافظ ابن كثير (٣/ ٢٤٠)] قال: حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي، حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي، حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: «لما أنزلت سورة النجم وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه ولكن لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر، وكان رسول الله - ﷺ - قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنته ضلالتهم، فكان يتمنى كف أذاهم؛ فلما أنزل الله سورة النجم قال: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠» ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الطواغيت فقال: (وإنهن لهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى) فكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة، وذلقت بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا: إن محمدًا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه، فلما بلغ رسول الله - ﷺ - آخر النجم سجد، وسجد كل من حضر من مسلم ومشرك ففشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة، فأنزل الله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢» فلما بين الله قضاءه، وبرأه من سجع الشيطان انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم للمسلمين، واشتدوا عليه».\nوإسناده صحيح؛ إلا أن محمد بن فليح لم يُتابع في روايته عن موسى بن عقبة؛ فقد رواه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٨٥)، من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبه ....، فذكره بمثله سواء، ولم يذكر ابن شهاب؛ فيكون معضلًا.\nخامسًا: رواية عروة بن الزبير، مرسلة:\nأخرجها الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٣٤)، قال: حدثنا محمد بن عمرو بن خالد الحراني، ثنا أبي، ثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: «حين أنزل الله ﷿ السورة التي يذكر فيها (والنجم إذا هوى) قال المشركون من قريش: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، فإنه لا يذكر أحدًا ممن خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر به آلهتنا من الشتم والشر؛ فلما أنزل الله ﷿ السورة التي يذكر فيها والنجم وقرأ: =","vol":"1","page":674},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠» ألقى الشيطان فيها عند ذلك ذكر الطواغيت فقال: (وإنهن لمن الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى) وذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك وذلقت بها ألسنتهم، واستبشروا بها وقالوا: إن محمدًا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه، فلما بلغ رسول الله - ﷺ - آخر السورة التي فيها النجم سجد وسجد معه كل من حضر من مسلم ومشرك، غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلًا كبيرًا فرفع على كفه ترابًا فسجد عليه، فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود رسول الله - ﷺ -؛ فأما المسلمون فعجبوا من سجود المشركين على غير إيمان ولا يقين ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان على ألسنة المشركين، وأما المشركون فاطمأنت أنفسهم إلى النبي - ﷺ - وأصحابه لما سمعوا الذي ألقى الشيطان في أمنية النبي - ﷺ -، وحدثهم الشيطان أن رسول الله - ﷺ - قد قرأها في السجدة؛ فسجدوا لتعظيم آلهتهم، ففشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان حتى بلغت الحبشة ...، وكَبُرَ ذلك على رسول الله - ﷺ -، فلما أمسى أتاه جبريل ﵇ فشكا إليه، فأمره فقرأ عليه، فلما بلغها تبرأ منها جبريل ﵇ وقال: معاذ الله من هاتين، ما أنزلهما ربي ولا أمرني بهما ربك، فلما رأى ذلك رسول الله - ﷺ - شق عليه وقال: أطعت الشيطان وتكلمت بكلامه، وشركني في أمر الله. فنسخ الله ﷿ ما ألقى الشيطان وأنزل عليه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢»».\nإسناده ضعيف، لضعف ابن لهيعة، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٧٢): «رواه الطبراني، وفيه ابن لهيعة، ولا يحتمل هذا من ابن لهيعة».\nسادسًا: رواية محمد بن كعب القرضي، ومحمد بن قيس:\nأخرجها ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ١٧٤)، قال: حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثنا حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس قالا: «جلس رسول الله - ﷺ - في نادٍ من أندية قريش، كثير أهله، فتمنى يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه؛ فأنزل الله عليه: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢» [النجم: ١ - ٢] فقرأها رسول الله - ﷺ - حتى إذا بلغ: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠» [النجم: ١٩ - ٢٠] ألقى عليه الشيطان كلمتين: (تلك الغرانقة العلى، وإن شفاعتهن لترجى) فتكلم بها ثم مضى فقرأ السورة كلها، فسجد في آخر السورة، وسجد القوم جميعًا معه، ورفع الوليد بن المغيرة ترابًا إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخًا كبيرًا لا يقدر على السجود، فرضوا بما تكلم به وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت، وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده إذ جعلت لها نصيبًا، فنحن معك. قالا: فلما أمسى أتاه جبرائيل ﵇ فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين =","vol":"1","page":675},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ألقى الشيطان عليه قال: ما جئتك بهاتين. فقال رسول الله - ﷺ -: افتريت على الله، وقلت على الله ما لم يقل؛ فأوحى الله إليه: (وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥» [الإسراء: ٧٣ - ٧٥] فما زال مغمومًا مهمومًا حتى نزلت عليه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢»».\nإسناده ضعيف، فيه أبو معشر، واسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي، وهو ضعيف، كما في التقريب (٢/ ٣٠٣).\nوأخرجه الطبري (٩/ ١٧٥) من طريق آخر عن محمد بن كعب القرضي فقال: حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدني، عن محمد بن كعب القرظي قال: «لما رأى رسول الله - ﷺ - تولي قومه عنه، وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من عند الله، تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب به بينه وبين قومه، وكان يسره مع حبه وحرصه عليهم أن يلين له بعض ما غلظ عليه من أمرهم حين حدث بذلك نفسه، وتمنى وأحبه؛ فأنزل الله: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١» [النجم: ١] فلما انتهى إلى قول الله: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠» ألقى الشيطان على لسانه لما كان يحدث به نفسه ويتمنى أن يأتي به قومه: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتضى)، فلما سمعت قريش ذلك فرحوا وسرهم وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخوا له، والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم، ولا يتهمونه على خطأ ولا وهم ولا زلل، فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها، فسجد المسلمون بسجود نبيهم تصديقًا لما جاء به، واتباعًا لأمره، وسجد من في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم؛ لما سمعوا من ذكر آلهتهم، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد، إلا الوليد بن المغيرة فإنه كان شيخًا كبيرًا فلم يستطع؛ فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها ....، وأتى جبرائيل النبي - ﷺ - فقال: يا محمد، ماذا صنعت؟ لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، وقلت ما لم يقل لك ....».\nوهو ضعيف أيضًا، فيه ابن حميد، واسمه محمد بن حميد بن حيان الرازي، ضعيف، كما في التقريب (٢/ ١٦٥).\nسابعًا: رواية الضحاك بن مزاحم:\nأخرجها ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ١٧٧)، قال: حُدِّثتُ عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ): «أن نبي الله - ﷺ - وهو بمكة أنزل الله عليه في آلهة العرب، فجعل يتلو اللات والعزى ويكثر ترديدها، فسمع أهل مكة نبي الله يذكر آلهتهم ففرحوا بذلك ودنوا يستمعون؛ =","vol":"1","page":676},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فألقى الشيطان في تلاوة النبي - ﷺ -: (تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى) فقرأها النبي - ﷺ - كذلك فأنزل الله عليه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢»».\nوهذه الرواية ضعيفة؛ لانقطاعها؛ حيث لم يصرح الطبري بمن حدثه.\nثامنًا: رواية أبي العالية الرياحي:\nأخرجها ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ١٧٦) قال: حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا المعتمر قال: سمعت داود، عن أبي العالية قال: «قالت قريش لرسول الله - ﷺ -: إنما جلساؤك عبد بني فلان، ومولى بني فلان، فلو ذكرت آلهتنا بشيء جالسناك؛ فإنه يأتيك أشراف العرب، فإذا رأوا جلساءك أشراف قومك كان أرغب لهم فيك. قال: فألقى الشيطان في أمنيته؛ فنزلت هذه الآية: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠» قال: فأجرى الشيطان على لسانه: (تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهن ترجى، مثلهن لا ينسى) قال فسجد النبي - ﷺ - حين قرأها، وسجد معه المسلمون والمشركون، فلما علم الذي أجري على لسانه كبر ذلك عليه؛ فأنزل الله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢»».\nوأخرجه من وجه آخر عن أبي العالية فقال: حدثنا ابن المثنى قال: ثنا أبو الوليد قال: ثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية قال: ....، فذكره بنحوه.\nقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٢٩٣): «مرسل رجاله على شرط الصحيحين». وصحح إسناده السيوطي في الدر (٤/ ٦٦٣)، ووافقهما الألباني، في نصب المجانيق، ص (٢١) و(٤٥).\nتاسعًا: رواية قتادة بن دعامة السدوسي:\nأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٤٠) قال: أنا معمر، عن قتادة: «أن النبي - ﷺ - كان يتمنى أن لا يعيب الله آلهة المشركين؛ فألقى الشيطان في أمنيته فقال: (إن الآلهة التي تدعى، إن شفاعتها لترتجى، وإنها للغرانيق العلى) فنسخ الله ذلك وأحكم الله آياته: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩»، حتى بلغ: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣» قال قتادة: لما ألقى الشيطان ما ألقى قال المشركون: قد ذكر الله آلهتهم بخير، ففرحوا بذلك، فذكر قوله تعالى: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣» [الحج: ٥٣]».\nوأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ١٧٨)، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، به.\nوأخرجه أيضًا عن ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، به.\nوإسناده صحيح، صححه الألباني في نصب المجانيق، ص (٢٣) و(٤٥). لكنه مرسل.\nعاشرًا: رواية مجاهد بن جبر:\nذكرها السيوطي في الدر (٤/ ٦٦٣)، وعزاها لعبد بن =","vol":"1","page":677},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= حميد، عن مجاهد: أن رسول الله - ﷺ - قرأ النجم؛ فألقى الشيطان على فيه، ثم أحكم الله آياته.\nولم أقف على إسناد هذه الرواية.\nحادي عشر: رواية عكرمة مولى ابن عباس:\nذكرها السيوطي في الدر (٤/ ٦٦٣)، وعزاها لعبد بن حميد، عن عكرمة قال: «قرأ رسول الله - ﷺ - ذات يوم: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢» [النجم: ١٩ - ٢٢] فألقى الشيطان على لسان رسول الله - ﷺ -: (تلك إذن في الغرانيق العلى، تلك إذن شفاعة ترتجى) ففزع رسول الله - ﷺ - وجزع؛ فأوحى الله إليه: (وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى) [النجم: ٢٦] ثم أوحى إليه، ففرج عنه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢»».\nولم أقف على إسناد هذه الرواية.\nثاني عشر: رواية السدي:\nذكرها السيوطي في الدر (٤/ ٦٦٣)، وعزاها لابن أبي حاتم في تفسيره، عن السدي قال: «خرج النبي - ﷺ - إلى المسجد ليصلي، فبينما هو يقرأ إذ قال: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠» فألقى الشيطان على لسانه فقال: (تلك الغرانقة العلى، وإن شفاعتهن ترتجى) حتى إذا بلغ آخر السورة سجد، وسجد أصحابه، وسجد المشركون لذكره آلهتهم، فلما رفع رأسه حملوه فاشتدوا به بين قطري مكة يقولون: نبي بني عبد مناف، حتى إذا جاءه جبريل عرض عليه فقرأ ذينك الحرفين فقال جبريل: معاذ الله أن أكون أقرأتك هذا، فاشتد عليه؛ فأنزل الله يطيب نفسه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢»».\nولم أقف على إسناد هذه الرواية.\nثالث عشر: رواية محمد بن فضالة الظفري، والمطلب بن عبد الله بن حنطب:\nأخرجها ابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٢٠٥) قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني يونس بن محمد بن فضالة الظفري، عن أبيه قال: ....، وحدثني كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قالا: رأى رسول الله - ﷺ - من قومه كفًا عنه، فجلس خاليًا فتمنى فقال: ليته لا ينزل علي شيء ينفرهم عني، وقارب رسول الله - ﷺ - قومه، ودنا منهم ودنوا منه، فجلس يومًا مجلسًا في نادٍ من تلك الأندية حول الكعبة فقرأ عليهم: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١»، (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠» ألقى الشيطان كلمتين على لسانه: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى) فتكلم رسول الله - ﷺ - بهما ثم مضى فقرأ السورة كلها، وسجد وسجد القوم جميعًا، ورفع الوليد بن المغيرة ترابًا إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخًا كبيرًا لا يقدر على السجود ....، فرضوا بما تكلم به رسول الله - ﷺ - وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي =","vol":"1","page":678},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ويميت، ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، وأما إذ جعلت لها نصيبًا فنحن معك، فَكَبُرَ ذلك على رسول الله - ﷺ - من قولهم حتى جلس في البيت، فلما أمسى أتاه جبريل ﵇ فعرض عليه السورة فقال جبريل: ما جئتك بهاتين الكلمتين. فقال رسول الله - ﷺ -: قلت على الله ما لم يقل؛ فأوحى الله إليه: (وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣» [الإسراء: ٧٣]».\nإسناده ضعيف: فيه محمد بن عمر الواقدي، متروك، كما في التقريب (٢/ ٢٠٣).\nقال النحاس، في الناسخ والمنسوخ (٢/ ٥٢٩): «هذا حديث منكر منقطع، ولا سيما من حديث الواقدي».\nأقوال العلماء في نقد أسانيد هذه القصة:\nوبعد أن خلصنا من تخريج القصة، وبيان طرقها وعللها، نذكر الآن ما قاله النقاد من أهل الحديث في الحكم عليها:\nقال ابن خزيمة: «هذه القصة من وضع الزنادقة». نقله عنه الفخر الرازي في تفسيره (٢٣/ ٤٤).\nوقال البيهقي: «هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل». نقله عنه الفخر الرازي في تفسيره (٢٣/ ٤٤).\nوقال القاضي عياض، في الشفا (٢/ ٧٩): «هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل ....، ومن حُكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية، والمرفوع فيه حديث شعبة: عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: فيما أحسب - الشك في الحديث - أن النبي - ﷺ - كان بمكة ....، وذكر القصة». اهـ\nثم نقل كلام البزار، وقال: «فقد بين لك أبو بكر ﵀ أنه لا يُعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبه عليه، مع وقوع الشك فيه، كما ذكرناه، الذي لا يوثق به، ولا حقيقة معه.\nقال: وأما حديث الكلبي فمما لا تجوز الراوية عنه، ولا ذكره؛ لقوة ضعفه وكذبه، كما أشار إليه البزار ﵀.\nوالذي منه في الصحيح أن النبي - ﷺ - قرأ: والنجم - وهو بمكة - فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس». اهـ\nوقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٣٩): «قد ذكر كثير من المفسرين قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظنًا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم». اهـ\nوأما الحافظ ابن حجر فيرى ثبوت القصة لكثرة طرقها، لكنه مع ذلك يوجب تأويلها، وعدم حملها على ظاهرها؛ لما فيها من القدح بعصمة النبي - ﷺ -.\nقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٢٩٣) - بعد أن ساق بعضًا من روايات القصة وطرقها -: «وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف وإلا منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلًا، مع أن لها طريقين آخرين مرسلين، رجالهما على شرط الصحيحين، أحدهما: ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، حدثني أبو بكر بن =","vol":"1","page":679},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ....، فذكره. والثاني: ما أخرجه أيضًا من طريق المعتمر بن سليمان، وحماد بن سلمة، فرقهما عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية.\nقال: وقد تجرأ أبو بكر بن العربي كعادته فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها. وهو إطلاق مردود عليه، وكذا قول عياض: ....، ثم ساق كلامه وقال: وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلًا، وقد ذكرتُ أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به؛ لاعتضاد بعضها ببعض، وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله: «ألقى الشيطان على لسانه (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى)» فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره؛ لأنه يستحيل عليه - ﷺ - أن يزيد في القرآن عمدًا ما ليس منه، وكذا سهوًا إذا كان مغايرًا لما جاء به من التوحيد؛ لمكان عصمته، وقد سلك العلماء في ذلك مسالك ....». اهـ. ثم ذكر هذه المسالك، وسيأتي ذكرها في أصل المسألة عند ذكر مذاهب العلماء تجاه الإشكال الوارد في الحديث.\nالخلاصة:\nوبعد هذا الاستطراد في تخريج الحديث يحسن بنا تلخيصه في النقاط الآتية:\nأولًا: طُرق الحديث:\n١ - رُوي مسندًا عن ابن عباس ﵄، من عدة طرق، ولا يصح منها شيء.\n٢ - رُوي عن سعيد بن جبير، مرسلًا، وموصولًا إلى ابن عباس، ولا يصح إلا المرسل فقط.\n٣ - رُوي مرسلًا عن أربعة عشر تابعيًا، ولا يصح إلا رواية سعيد بن جبير، وأبي العالية، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وقتادة؛ وهي وإن صحت إليهم فإن ذلك لا يعني قبولها؛ لأنها مراسيل، والمُرسَل في عداد الحديث الضعيف.\nثانيًا: ألفاظ الحديث:\nرُوي بثلاثة ألفاظ:\nالأول: أن الشيطان ألقى على لسان النبي - ﷺ - قوله: «تلك الغرانيق العلى ...».\nجاء ذلك في رواية ابن عباس، من طريق سعيد بن جبير، عنه.\nومن طريق الكلبي، وسليمان التيمي، وأبي بكر الهذلي، وأيوب، عنه.\nورُوي هذا اللفظ عن: سعيد بن جبير، وأبي العالية، ومحمد بن كعب القرضي، ومجاهد، وعكرمة، والسدي، ومحمد بن فضالة الظفري، والمطلب بن عبد الله بن حنطب.\nاللفظ الثاني: أن الشيطان هو الذي تكلم بتلك الكلمات.\nجاء ذلك في رواية ابن عباس، من طريق العوفي، عنه.\nورُوي هذا اللفظ عن: ابن شهاب الزهري، وعروة بن الزبير، ومحمد بن كعب القرضي - في رواية أخرى عنه - ومحمد بن قيس، والضحاك، وقتادة.\nاللفظ الثالث: أن النبي - ﷺ - سها فقال تلك الكلمات.\nجاء ذلك في رواية أبي بكر بن عبد الرحمن.","vol":"1","page":680},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث:</span>\nظاهر الحديث الوارد في سبب نزول الآية أنَّ الشيطان ألقى على لسان النبي - ﷺ - تلك الجملة الباطلة التي تمدح أصنام المشركين، وهي قوله: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى)، وهذا مشكل؛ لما فيه من القدح بعصمة النبي - ﷺ -؛ إذ قد أجمعت الأمة (١) على عصمته - ﷺ - من جريان الكفر على قلبه أو لسانه، لا عمدًا ولا سهوًا، أو أن يَشْتَبِهَ عليه ما يُلقِيهِ الملَكُ بما يلقي الشيطان، أو أن يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يَتَقَوَّلَ على الله ما لم يَقُلْ، لا عمدًا ولا سهوًا. (٢)\nقال الآلوسي: «يلزم على القول بأنَّ الناطق بذلك النبي - ﷺ - بسبب إلقاء الشيطان المُلَبّسِ بالملك - أمور منها: تسلط الشيطان عليه - ﷺ -، وهو - ﷺ - بالإجماع معصوم من الشيطان، لا سيما في مثل هذا من أمور الوحي والتبليغ والاعتقاد، وقد قال سبحانه: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الحجر: ٤٢]، وقال تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩» [النحل: ٩٩]، إلى غير ذلك. ومنها: زيادته - ﷺ - في القرآن ما ليس منه، وذلك مما يستحيل عليه - ﷺ -؛ لمكان العصمة. ومنها: اعتقاد النبي - ﷺ - ما ليس بقرآن أنه قرآن، مع كونه بعيد الالتئام، متناقضًا، ممتزج المدح بالذم، وهو خطأ شنيع لا ينبغي أن يُتساهل في نسبته إليه - ﷺ -. ومنها: أنه إما أن يكون ﵊ عند نطقه بذلك معتقدًا ما اعتقده المشركون، من مدح آلهتهم بتلك الكلمات؛ وهو كفر محال في حقه - ﷺ -، وإما أن يكون معتقدًا معنى آخر، مخالفًا لما اعتقدوه، ومباينًا لظاهر العبارة، ولم يبينه لهم مع فرحهم\n_________\n(١) حكى الإجماع القاضي عياض في الشفا (٢/ ٨٠).\n(٢) انظر حكاية الإشكال في الكتب الآتية: الشفا بتعريف حقوق المصطفى - ﷺ -، للقاضي عياض (٢/ ٨٠)، ولباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن (٣/ ٢٦١)، وعصمة الأنبياء، للرازي، ص (٨٣)، ونصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق، للألباني، ص (٣٥ - ٣٦).","vol":"1","page":681},{"text":"وادعائهم أنه مدح آلهتهم؛ فيكون مقرًا لهم على الباطل، وحاشاه - ﷺ - أن يُقرَّ على ذلك. ومنها: كونه - ﷺ - اشتبه عليه ما يلقيه الشيطان بما يلقيه عليه الملك، وهو يقتضي أنه ﵊ على غير بصيرة فيما يوحى إليه، ويقتضي أيضًا جواز تَصَوّر الشيطان بصورة الملك، ملبسًا على النبي - ﷺ - ولا يصح ذلك.\nومنها: التقوّل على الله تعالى إما عمدًا أو خطأ أو سهوًا، وكل ذلك محال في حقه ﵊، وقد أجمعت الأمة على ما قال القاضي عياض على عصمته - ﷺ - فيما كان طريقه البلاغ من الأقوال، عن الإخبار بخلاف الواقع، لا قصدًا ولا سهوًا. ومنها: الإخلال بالوثوق بالقرآن فلا يُؤمن فيه التبديل والتغيير ولا يندفع». اهـ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث:</span>\nللعلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث أربعة مسالك، نجملها أولًا ثم نتكلم عنها بالتفصيل:\nالأول: مسلك رد الحديث وإنكاره، مع توجيهه على التسليم بثبوته.\nالثاني: مسلك رد الحديث وإنكاره مطلقًا.\nالثالث: مسلك قبول الحديث، مع تأويله وصرفه عن ظاهره.\nالرابع: مسلك قبول الحديث مطلقًا، وإعماله على ظاهره من دون تأويل.\nوفيما يلي تفصيل هذه المسالك:\nالأول: مسلك رد الحديث وإنكاره، مع توجيهه على التسليم بثبوته.\nوهذا مسلك جمع من المفسرين والمحدثين، وممن ذهب إليه: النحاس، وأبو بكر الباقلاني، وابن العربي، والقاضي عياض، وابن الجوزي، وأبو عبد الله القرطبي، وابن كثير، والتفتازاني، والشوكاني، والطاهر ابن عاشور، والشنقيطي، والألباني.\n_________\n(١) روح المعاني (١٧/ ٢٣٠ - ٢٣١).","vol":"1","page":682},{"text":"حيث ذهب هؤلاء إلى تضعيف الحديث الوارد في سبب نزول الآية، والإجابة عنه على التسليم بثبوته.\nقال القاضي عياض: «اعلم - أكرمك الله - أنَّ لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين: أحدهما: في توهين أصله، والثاني: على تسليمه؛ أما المأخذ الأول ....»، ثم ذكر هذا المأخذ مبينًا فيه علل الحديث، وقد نقلتُ لك كلامه عند تخريجي للحديث.\nثم قال: «فأما من جهة المعنى؛ فقد قامت الحجة، وأجمعت الأمة على عصمته - ﷺ - ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا، من مدح آلهةٍ غير الله، وهو كفر، أو أن يَتَسَوَّرَ عليه الشيطان، ويشبِّهَ عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه، ويعتقد النبي - ﷺ - أنَّ من القرآن ما ليس منه، حتى ينبهه جبريل ﵇، وذلك كله ممتنع في حقه - ﷺ -، أو يقول ذلك النبي - ﷺ - من قِبَلِ نفسه عمدًا؛ وذلك كفر، أو سهوًا؛ وهو معصوم من هذا كله. وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته - ﷺ - من جريان الكفر على قلبه أو لسانه، لا عمدًا ولا سهوًا، أو أن يشتبه عليه ما يلقيه الملك بما يلقي الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقوَّلَ على الله، لا عمدًا ولا سهوًا، ما لم يُنْزلْ عليه، وقد قال الله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦» [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]، وقال تعالى: (وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥» [الإسراء: ٧٣ـ٧٥] ....».\nثم قال: «فلم يبق في الآية إلا أنَّ الله تعالى امتنَّ على رسوله بعصمته وتثبيته مما كاده به الكفار، وراموا من فتنته، ومرادنا من ذلك تنزيهه وعصمته - ﷺ -، وهو مفهوم الآية». اهـ (١)\nأجوبة أصحاب هذا المسلك عن الحديث على التسليم بثبوته:\nأصحاب هذا المسلك ينكرون ثبوت القصة مطلقًا؛ إلا أنهم أجابوا\n_________\n(١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ٧٩ - ٨١)، باختصار.","vol":"1","page":683},{"text":"عنها بأجوبة، وذلك على التسليم بصحتها، ومن أجوبتهم:\nالجواب الأول: أنَّ النبي - ﷺ - كان يرتل القرآن بمحضر من مشركي قريش، فارتصده الشيطان في سكتة من سكتاته، فنطق بتلك الكلمات محاكيًا نغمة النبي - ﷺ -؛ فسمعها من دنا إليه من المشركين، وظنها من قراءة النبي - ﷺ -؛ فأشاعوها وتناقلوها على أنها من قوله - ﷺ -.\nوممن قال بهذا الجواب:\nابن العربي، والقاضي عياض، وابن الجوزي، وأبو عبد الله القرطبي، وابن كثير، والتفتازاني، والشوكاني، والشنقيطي، والألباني. (١)\nقال ابن العربي: «أخبر الله تعالى أنَّ من سنته في رسله وسيرته في أنبيائه أنهم إذا قالوا عن الله قولًا زاد الشيطان فيه من قِبَلِ نفسه؛ كما يفعل سائر المعاصي ....، فهذا نص في أنَّ الشيطان زاد في الذي قاله النبي - ﷺ -، لا أنَّ النبي - ﷺ - قاله. وذلك أنَّ النبي - ﷺ - كان إذا قرأ تلا قرآنًا مقطعًا، وسكت في مقاطع الآي سكوتًا محصلًا، وكذلك كان حديثه مترسلًا متأنيًا، فيتبع الشيطان تلك السكتات التي بين قوله: (وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠» [النجم: ٢٠]، وبين قوله تعالى: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى (٢١» [النجم: ٢١] فقال يحاكي صوت النبي - ﷺ -: (وإنهن الغرانقة العلى، وإن شفاعتهن لترتجى)». اهـ (٢)\nوقال القاضي عياض: «والذي يظهر ويترجح في تأويله - على تسليمه - أنَّ النبي - ﷺ - كان - كما أمره ربه - يرتل القرآن ترتيلًا، ويفصِّلُ الآي تفصيلًا في قراءته، كما رواه الثقات عنه، فيمكن ترصُد الشيطان لتلك السكتات، ودسِّه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات، محاكيًا نغمة النبي - ﷺ -، بحيث يسمعه\n_________\n(١) انظر على الترتيب: أحكام القرآن، لابن العربي (٣/ ٣٠٦ - ٣٠٧)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (٢/ ٧٩ - ٨٣)، وزاد المسير (٣٢٢)، وكشف المشكل (١/ ٢٧٤)، كلاهما لابن الجوزي، وتفسير القرطبي (١٢/ ٥٦)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٢٤٠)، وشرح المقاصد في علم الكلام، للتفتازاني (٢/ ١٩٧)، وفتح القدير، للشوكاني (٣/ ٦٦٢)، وأضواء البيان، للشنقيطي (٥/ ٧٣١) و(١٠/ ٢٠٩)، ونصب المجانيق، للألباني، ص (٦٣).\n(٢) أحكام القرآن، لابن العربي (٣/ ٣٠٦).","vol":"1","page":684},{"text":"من دنا إليه من الكفار، فظنوها من قول النبي - ﷺ -، وأشاعوها، ولم يقدح ذلك عند المسلمين بحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله، وتحققهم من حال النبي - ﷺ - في ذم الأوثان وعيبها على ما عُرِفَ منه». اهـ (١)\nوتعقب هذا الجواب الفخر الرازي فقال: «وهذا ضعيف؛ فإنك إذا جوزت أن يتكلم الشيطان في أثناء كلام الرسول - ﷺ - بما يشتبه على كل السامعين كونه كلامًا للرسول - ﷺ -، بقي هذا الاحتمال في كل ما يتكلم به الرسول - ﷺ -، فيفضي إلى ارتفاع الوثوق عن كل الشرع». اهـ (٢)\nالجواب الثاني: أنَّ النبي - ﷺ - قال ذلك - في أثناء تلاوته - على جهة التقريع والتوبيخ للكفار. وهذا جواب أبي بكر الباقلاني. (٣)\nقال القاضي عياض: «وهذا ممكن، مع بيان الفصلِ، وقرينةٍ تدل على المراد، وأنه ليس من المتلوِ، ولا يُعترضُ على هذا بما رُوي أنه كان في الصلاة؛ فقد كان الكلام قبلُ فيها غير ممنوع». اهـ (٤)\nالجواب الثالث: أنَّ النبي - ﷺ - لما قرأ هذه السورة، وبلغ ذكر اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، خاف الكفارُ أن يأتي بشيء من ذمِّها؛ فسبقوا إلى مدحها بتلك الكلمتين؛ ليُخَلِّطوا في تلاوة النبي - ﷺ -، ويشنِّعوا عليه على عادتهم وقولهم: (لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) [فصلت: ٢٦]، ونُسِبَ هذا الفعل إلى الشيطان لحمله لهم عليه.\nوهذا جواب الطاهر ابن عاشور. (٥)\nوذكره القاضي عياض، والفخر الرازي، ولم ينسباه لأحد. (٦)\nإلا أنَّ الفخر الرازي تعقبه فقال: «هذا ضعيف لوجهين: أحدهما: أنه\n_________\n(١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ٨٢).\n(٢) مفاتيح الغيب (٢٣/ ٤٦).\n(٣) الانتصار للقرآن (١/ ٦٣).\n(٤) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ٨٢).\n(٥) التحرير والتنوير، لابن عاشور (١٧/ ٣٠٥).\n(٦) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (٢/ ٨٣)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٢٣/ ٤٦).","vol":"1","page":685},{"text":"لو كان كذلك لكان يجب على الرسول - ﷺ - إزالة الشبهة، وتصريح الحق، وتبكيت ذلك القائل، وإظهار أنَّ هذه الكلمة منه صدرت. وثانيهما: لو فعل ذلك لكان ذلك أولى بالنقل». اهـ (١)\nالجواب الرابع: أنَّ المراد بالغرانيق العلى: الملائكة (٢)، وكان الكفار يقولون: الملائكة بنات الله، ويعبدونها، فَسِيقَ ذِكْرُ الكلِّ لِيَرُدَّ عليهم بقوله: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى (٢١»؛ فلما سمعه المشركون حملوه على الجميع، وقالوا: قد عظَّم آلهتنا، ورضوا بذلك، فنسخ الله تلك الكلمتين وأحكم آياته.\nوهذا جواب أبي جعفر النحاس. (٣)\nوذكره القاضي عياض جوابًا آخر، على تسليم القصة. (٤)\nوتعقبه القشيري (٥) فقال: «وهذا غير سديد؛ لقوله: (فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ) أي يبطله، وشفاعة الملائكة غير باطلة». اهـ (٦)\nالجواب الخامس: أنَّ النبي - ﷺ - لم يتكلم بقوله: (تلك الغرانيق العلى)، ولا الشيطان تكلم به، ولا أحد تكلم به، لكنه ﵇ لما قرأ سورة النجم اشتبه الأمر على الكفار فحسبوا بعض ألفاظه مما رووه من قولهم: (تلك الغرانيق العلى) وذلك على حسب ما جرت العادة به من توهم بعض الكلمات على غير ما يقال.\nذكر هذا الجواب الفخر الرازي وتعقبه فقال: «وهو ضعيف لوجوه: أحدها: أنَّ التوهم في مثل ذلك إنما يصح فيما قد جرت العادة بسماعه، فأما غير المسموع فلا يقع ذلك فيه. وثانيها: أنه لو كان كذلك لوقع هذا التوهم لبعض السامعين دون البعض؛ فإن العادة مانعة من اتفاق الجم العظيم في\n_________\n(١) مفاتيح الغيب، للرازي (٢٣/ ٤٦).\n(٢) روي عن مجاهد والكلبي تفسير الغرانيق بالملائكة. انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ٨٢).\n(٣) إعراب القرآن، للنحاس (٣/ ١٠٣).\n(٤) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ٨٢).\n(٥) هو: بكر بن محمد بن العلاء بن محمد بن زياد، أبو الفضل، القشيري، ويقال له: بكر بن العلاء: قاضٍ من علماء المالكية من أهل البصرة. انتقل إلى مصر قبل سنة ٣٣٠ هـ وتوفي بها عن نيف وثمانين سنة. له كتب، منها (أحكام القرآن) و(الرد على المزني) و(الأشربة) و(أصول الفقه) ومسائل الخلاف) و(الرد على القدرية). قال القاضي عياض: ورأيت له كتاب (مآخذ الأصول) وكتاب (تنزيه الأنبياء ﵈) وكتاب (ما في القرآن من دلائل النبوة). (ت: ٣٤٤ هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٢/ ٦٩).\n(٦) نقله عنه القرطبي في تفسيره (١٢/ ٥٧).","vol":"1","page":686},{"text":"الساعة الواحدة على خيال واحد فاسد في المحسوسات. وثالثها: لو كان كذلك لم يكن مضافًا إلى الشيطان». اهـ (١)\nالثاني: مسلك رد الحديث وإنكاره مطلقًا.\nوهذا مسلك الأكثر من المفسرين والمحدثين، وممن ذهب إليه: ابن خزيمة، والجصاص، وابن حزم، والبيهقي، والقاضي ابن عطية، والسهيلي، والفخر الرازي، وأبو العباس القرطبي، وعبد العظيم المنذري، والبيضاوي، والطيبي، وأبو حيان، والعيني، وأبو السعود، والآلوسي، والقاسمي، والمباركفوري، وسيد قطب، والأستاذ محمد عبده، وابن باز. (٢)\nقال ابن خزيمة: «هذه القصة من وضع الزنادقة». (٣)\nوقال ابن حزم: «وأما الحديث الذي فيه: (وأنهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتها لترتجى) فكذب بحت موضوع؛ لأنه لم يصح قط من طريق النقل، ولا معنى للاشتغال به، إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد». اهـ (٤)\n_________\n(١) مفاتيح الغيب (٢٣/ ٤٥).\n(٢) انظر على الترتيب: مفاتيح الغيب، للرازي (٢٣/ ٤٤)، وفيه النقل عن ابن خزيمة، وأحكام القرآن، للجصاص (٣/ ٣٢٢)، والفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (٢/ ٣١١)، وشرح الطيبي على مشكاة المصابيح (٣/ ٤)، وفيه النقل عن البيهقي، والمحرر الوجيز، لابن عطية (٤/ ١٢٩)، والروض الأنف، للسهيلي (٢/ ١٥٤)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٢٣/ ٤٤)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٢/ ١٩٨)، وعيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، لابن سيد الناس (١/ ١٤١)، وفيه النقل عن المنذري، وتفسير البيضاوي (٤/ ١٣٤)، وشرح الطيبي على مشكاة المصابيح (٣/ ٤)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (٦/ ٣٥٢)، وعمدة القاري، للعيني (٧/ ١٠٠)، وتفسير أبي السعود (٦/ ١١٣)، وروح المعاني، للآلوسي (١٧/ ٢٤٠)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (٧/ ٢٥٥)، وتحفة الأحوذي، للمباركفوري (٣/ ١٣٧)، وفي ظلال القرآن، لسيد قطب (٤/ ٢٤٣٣)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (٧/ ٢٦١ - ٢٦٩)، وفيه النقل عن محمد عبده، ومجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز (٨/ ٣٠١ - ٣٠٢) و(٢٤/ ٢٨٢).\n(٣) نقله عنه الفخر الرازي في «مفاتيح الغيب» (٢٣/ ٤٤).\n(٤) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٢/ ٣١١).","vol":"1","page":687},{"text":"وقال البيهقي: «هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل». (١)\nوقال ابن عطية: «وهذا الحديث الذي فيه (هن الغرانقة) وقع في كتب التفسير ونحوها، ولم يدخله البخاري ولا مسلم، ولا ذكره في علمي مصنف مشهور، بل يقتضي مذهب أهل الحديث أنَّ الشيطان ألقى، ولا يعينون هذا السبب ولا غيره، ولا خلاف أنَّ إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة بها وقعت الفتنة». اهـ (٢)\nأدلة القائلين بضعف الحديث وبطلانه، وهم أصحاب المسلك الأول والثاني:\nاستدل هؤلاء على بطلان القصة بأدلة منها:\nالأول: أنَّ في سياق آيات النجم التي تخللها إلقاء الشيطان المزعوم قرينة قرآنية واضحة على بطلان هذا القول؛ لأن النبي - ﷺ - قرأ بعد موضع الإلقاء المزعوم بقليل قوله تعالى - في اللات والعزى -: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ) [النجم: ٢٣] وليس من المعقول أنَّ النبي - ﷺ - يسب آلهتهم هذا السب العظيم في سورة النجم متأخرًا عن ذكره لها بالخير المزعوم، إلا وغضبوا ولم يسجدوا؛ لأن العبرة بالكلام الأخير. (٣)\nالدليل الثاني: أنه قد دلت آيات قرآنية على بطلان هذا القول وهي الآيات الدالة على أنَّ الله لم يجعل للشيطان سلطانًا على النبي - ﷺ - وإخوانه من الرسل وأتباعهم المخلصين؛ كقوله تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠» [النحل: ٩٩ - ١٠٠]، وقوله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢» [الحجر: ٤٢]، وقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ) [سبأ: ٢١]، وقوله: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) [إبراهيم: ٢٢]، وعلى القول المزعوم أنَّ الشيطان ألقى على\n_________\n(١) نقله عنه الطيبي في شرح مشكاة المصابيح (٣/ ٤).\n(٢) المحرر الوجيز (٤/ ١٢٩).\n(٣) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (٥/ ٧٢٩)، وروح المعاني، للآلوسي (١٧/ ٢٣٦)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (١٧/ ٣٠٤ - ٣٠٥).","vol":"1","page":688},{"text":"لسانه - ﷺ - ذلك الكفر البواح، فأي سلطان له أكبر من ذلك. (١)\nالدليل الثالث: قوله تعالى في النبي - ﷺ -: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤» [النجم: ٣ - ٤]، وقوله: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢» [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢]، وقوله: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦» [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]، وقوله - في القرآن العظيم -: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩» [الحجر: ٩]، وقوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢» [فصلت: ٤١ - ٤٢]، فقوله: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ) فعلٌ في سياق النفي، والفعل في ساق النفي من صيغ العموم، وهو في الآية يعم نفي كل باطل يأتي القرآن، وقد أكد هذا العموم بقوله: (مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ)، فلو قدَّرْنا أنَّ الشيطان أدخل في القرآن على لسان النبي - ﷺ - قوله: (تلك الغرانيق العلى) لكان قد أتى القرآنَ أعظمُ باطلٍ بين يديه ومن خلفه؛ فيكون تصريحًا بتكذيب الله جل وعلا في قوله: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ)، وكلُّ خبرٍ ناقضَ القرآنَ العظيم فهو كاذب؛ للقطع بصدق القرآن العظيم، ونقيضُ الصادقِ كاذبٌ ضرورة. (٢)\nالدليل الرابع: قوله تعالى: (وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤» [الإسراء: ٧٣ - ٧٤]، وهاتان الآيتان تردان الخبر المروي في سبب نزول الآية؛ لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، وأنه لولا أن ثبته لكاد يركن إليهم؛ فمضمون هذا ومفهومه أنَّ الله تعالى عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلًا، فكيف كثيرًا! وفي هذا الخبر الواهي أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم وأنه - ﷺ - قال: افتريت على الله، وقلت ما لم يقل، وهذا ضد مفهوم الآية، وهو يدل على ضعف\n_________\n(١) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (٥/ ٧٢٩)، وروح المعاني، للآلوسي (١٧/ ٢٣٠).\n(٢) انظر: مفاتيح الغيب، للرازي (٢٣/ ٤٤)، وفتح القدير، للشوكاني (٣/ ٦٦١)، وأضواء البيان (٥/ ٧٢٩)، ورحلة الحج إلى بيت الله الحرام، ص (١١٢ - ١١٣)، كلاهما للشنقيطي.","vol":"1","page":689},{"text":"الحديث وبطلانه. (١)\nالدليل الخامس: الإجماع على عصمته - ﷺ - ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله، وهو كفر، أو أن يتسور عليه الشيطان، ويشبه عليه القرآن، حتى يجعل فيه ما ليس منه، ويعتقد النبي - ﷺ - أنَّ من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل ﵇، وذلك كله ممتنع في حقه - ﷺ -، أو يقول ذلك النبي - ﷺ - من قبل نفسه عمدًا، وذلك كفر، أو سهوًا، وهو معصوم من هذا كله. (٢)\nالدليل السادس: أنَّ الحديث قد رُوي من طرق صحيحة متعددة: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ بِهَا، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ». (٣)\nوليس في هذه الطرق ذكر لقصة الغرانيق، ولو كانت\n_________\n(١) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (٢/ ٨١)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٢٣/ ٤٤)، وتفسير القرطبي (١٢/ ٥٦)، وفتح القدير، للشوكاني (٣/ ٦٦١).\n(٢) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ٨٠)، وأحكام القرآن، لابن العربي (٣/ ٣٠٤).\n(٣) رُويت عدة أحاديث عن عدد من الصحابة - ﵃ - أن النبي - ﷺ - قرأ سورة النجم، وسجد بها، وليس في هذه الأحاديث ذكرٌ لقصة الغرانيق، ومن هذه الأحاديث:\n١ - حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَرَأَ سُورَةَ النَّجْم؛ ِ فَسَجَدَ بِهَا، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ الْقَوْمِ إِلَّا سَجَدَ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا». أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجمعة، حديث\n(١٠٧٠).\n٢ - حديث ابن عباس ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَجَدَ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ». أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجمعة، حديث (١٠٧١).\n٣ - حديث جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَال: َ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِمَكَّةَ سُورَةَ النَّجْم؛ ِ فَسَجَدَ وَسَجَدَ مَنْ عِنْدَهُ؛ فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَأَبَيْتُ أَنْ أَسْجُدَ، وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ يَوْمَئِذٍ الْمُطَّلِبُ، وَكَانَ بَعْدُ لَا يَسْمَعُ أَحَدًا قَرَأَهَا إِلَّا سَجَدَ». أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٤٢٠)، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٤٨١).\n٤ - حديث ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَرَأَ بِالنَّجْمِ فَسَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ حَتَّى سَجَدَ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ، وَحَتَّى سَجَدَ الرَّجُلُ عَلَى شَيْءٍ رَفَعَهُ إلَى وَجْهِهِ بِكَفِّهِ». أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٥٣). =","vol":"1","page":690},{"text":"صحيحة لنقلت عبر هذه الأسانيد، وهذا يدل على بطلانها ووضعها. (١)\nالدليل السابع: أنَّ إثبات مثل هذه القصة يرفع الأمان والوثوق بالوحي، ويُجوِّزُ إدخال الشيطان فيه ما ليس منه، وهذا محال وباطل. (٢)\nالثالث: مسلك قبول الحديث، مع تأويله وصرفه عن ظاهره.\nوهذا مذهب: الواحدي، وأبي المظفر السمعاني، والزمخشري، والنسفي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن جزي الكلبي، والحافظ ابن حجر، والملا علي القاري.\nوممن ذهب إليه من المتأخرين: إبراهيم الكوراني (٣)، وقد نقل كلامه الآلوسي في تفسيره، وذكر عنه أنه تحصل له بعد كلام طويل: «أنَّ الحديث أخرجه غير واحد من أهل الصحة، وأنه رواه ثقات بسند سليم متصل عن ابن عباس، وبثلاث أسانيد صحيحة عن ثلاث من التابعين من أئمة الآخذين عن الصحابة، وهم سعيد بن جبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو العالية، وقد قال السيوطي في (لباب النقول في أسباب النزول) (٤): قال الحاكم (في علوم الحديث) (٥): «إذا أخبر الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا فإنه حديث مسند. ومشى عليه ابن الصلاح وغيره.\nثم قال: ما جعلناه من قبيل المسند من الصحابي إذا وقع من تابعي فهو مرفوع أيضًا لكنه مرسل، فقد يُقبل إذا صح السند إليه وكان من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة؛ كمجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، أو اعتضد بمرسل ونحو ذلك، فعلى هذا يكون الخبر في القصة مسندًا من الطريق المتصلة بابن عباس، مرسلًا مرفوعًا من الطرق الثلاثة، والزيادة فيه -التي رواها الثقات عن ابن\n_________\n= ٥ - حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَرَأَ وَالنَّجْمِ فَسَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالشَّجَرِ». أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٥٣).\n(١) انظر: مفاتيح الغيب، للرازي (٢٣/ ٤٤)، وروح المعاني، للآلوسي (١٧/ ٢٣٧).\n(٢) انظر: مفاتيح الغيب، للرازي (٢٣/ ٤٥)، وأحكام القرآن، لابن العربي (٣/ ٣٠٤).\n(٣) هو إبراهيم بن حسن بن شهاب الدين الشهراني الشهرزوري الكوراني، برهان الدين: مجتهد، من فقهاء الشافعية. عالم بالحديث. قيل: إن كتبه تنيف عن ثمانين، منها (إتحاف الخلف بتحقيق مذهب السلف) و(جلاء الأنظار بتحرير الجبر والاختيار) مخطوطتان. وغيرهما. ولد بشهران (من أعمال شهرزور) بجبال الكرد، وسمع الحديث بالشام ومصر والحجاز، وسكن المدينة، وتوفي بها ودفن بالبقيع سنة (١١٠١ هـ)، وكان مع علمه بالعربية يجيد الفارسية والتركية. انظر: الأعلام، للزركلي (١/ ٣٥).\n(٤) انظر: لباب النقول في أسباب النزول، للسيوطي (١/ ١٣). طبعة دار إحياء العلوم.\n(٥) انظر: معرفة علوم الحديث، للحاكم (١/ ٢٠).","vol":"1","page":691},{"text":"عباس في غير رواية البخاري (١) - ليست مخالفة لما في البخاري عنه؛ فلا تكون شاذة؛ فإطلاق الطعن فيه من حيث النقل ليس في محله». اهـ (٢)\nهذا وقد ذكر أصحاب هذا المسلك عدة تأويلات للحديث دفعوا بها ما فيه من إشكال:\nالأول: أنَّ النبي - ﷺ - كان يرتل القرآن بمحضر من مشركي قريش، فارتصده الشيطان في سكتة من سكتاته، فنطق بتلك الكلمات محاكيًا نغمة النبي - ﷺ -؛ فسمعها من دنا إليه من المشركين، وظنها من قراءة النبي - ﷺ -؛ فأشاعوها وتناقلوها على أنها من قوله - ﷺ -.\nوهذا التأويل ذكره أصحاب المسلك الأول في أجوبتهم عن الحديث على التسليم بثبوته، وقد تقدم.\nوذكره أيضًا بعض أصحاب هذا المسلك، وهم القائلون بثبوت الحديث، ومن القائلين بهذا التأويل:\nأبو المظفر السمعاني، والنسفي، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وابن جزي، والحافظ ابن حجر، والملا علي القاري. (٤)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «التَّمَنِّي فِي الْآيَةِ فِيهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِلْقَاءَ هُوَ فِي سَمْعِ الْمُسْتَمِعِينَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّسُولُ. وَهَذَا قَوْلُ مَنْ تَأَوَّلَ الْآيَةَ بِمَنْعِ جَوَازِ الْإِلْقَاءِ فِي كَلَامِهِ. والثَّانِي - وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ السَّلَفِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ -: أَنَّ الْإِلْقَاءَ فِي نَفْسِ التِّلَاوَةِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَسِيَاقُهَا مِنْ غَيْرِ\n_________\n(١) أخرج البخاري في صحيحه، في كتاب الجمعة، حديث (١٠٧١)، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَجَدَ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ».\n(٢) روح المعاني، للآلوسي (١٧/ ٢٣١).\n(٣) جزم بنسبته لابن تيمية الألباني في نصب المجانيق، ص (٦٣).\n(٤) انظر على الترتيب: تفسير السمعاني (٣/ ٤٤٩) و(٥/ ٢٩٤)، وتفسير النسفي (٣/ ١٦١)، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٠/ ٢٨٩ - ٢٩٢)، والتسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (٢/ ٤٣)، وفتح الباري، لابن حجر (٨/ ٢٩٤)، ومرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (٣/ ٩٧).","vol":"1","page":692},{"text":"وَجْهٍ، وكَمَا وَرَدَتْ بِهِ الْآثَارُ الْمُتَعَدِّدَةُ، وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ، إلَّا إذَا أُقِرَّ عَلَيْهِ، فَأَمَّا إذَا نَسَخَ اللَّهُ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ وَأَحْكَمَ آيَاتِهِ فَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ هُوَ خَطَأً وَغَلَطًا فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ إلَّا إذَا أُقِرَّ عَلَيْهِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَنْ يُقَرَّ عَلَى خَطَأٍ، كَمَا قَالَ: «فَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ بِشَيْءِ فَخُذُوا بِهِ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ» (١)، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا قَامَتْ الْحُجَّةُ بِهِ، فَإِنَّ كَوْنَهُ رَسُولَ اللَّهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ اللَّهِ، وَالصِّدْقُ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ الْكَذِبِ وَنَفْيَ الْخَطَأِ فِيهِ. (فَلَوْ جَازَ عَلَيْهِ الْخَطَأُ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ اللَّهِ وَأُقِرَّ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ كُلمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ اللَّهِ) (٢).\nوَاَلَّذِينَ مَنَعُوا أَنْ يَقَعَ الْإِلْقَاءُ فِي تَبْلِيغِهِ فَرُّوا مِنْ هَذَا وَقَصَدُوا خَيْرًا وَأَحْسَنُوا فِي ذَلِكَ; لَكِنْ يُقَالُ لَهُمْ: أَلْقَى ثُمَّ أَحْكَمَ فَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ. فَإِنَّ هَذَا يُشْبِهُ النَّسْخَ لِمَنْ بَلَغَهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ فَإِنَّهُ إذًا مُوقِنٌ مُصَدِّقٌ بِرَفْعِ قَوْلٍ سَبَقَ لِسَانُهُ بِهِ لَيْسَ أَعْظَمَ مِنْ إخْبَارِهِ بِرَفْعِهِ». اهـ (٣)\nوقال الحافظ ابن حجر بعد أن قرر صحة الحديث: «وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله: «ألقى الشيطان على لسانه: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى)»؛ فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره؛ لأنه يستحيل عليه - ﷺ - أن يزيد في القرآن عمدًا ما ليس منه، وكذا سهوًا، إذا كان مغايرًا لما جاء به من التوحيد، لمكان عصمته، وقد سلك العلماء في ذلك مسالك ....».\nثم ذكر هذه المسالك، وقد نقلها من كتاب الشفا، للقاضي عياض، ثم قال بعد أن أورد التوجيه المذكور: «قال: وهذا أحسن الوجوه، ويؤيده ما تقدم في صدر الكلام عن ابن عباس (٤):\nمن تفسيره (تمنى)\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفضائل، حديث (٤٣٥٦).\n(٢) هذه الجملة التي بين القوسين يظهر أن في آخرها سقطًا، ولم أهتدِ لتصويبه.\n(٣) مجموع الفتاوى (١٥/ ١٩١)، وانظر: (١٠/ ٢٨٩ - ٢٩٢)، ومنهاج السنة النبوية (١/ ٤٧١)\nو(٢/ ٤٠٩ - ٤١٠)، والجواب الصحيح (٢/ ٣٥).\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، معلقًا، في كتاب التفسير، سورة الحج. ووصله =","vol":"1","page":693},{"text":"بـ: (تلا)». اهـ (١)\nالتأويل الثاني: أنَّ ذلك جرى على لسان النبي - ﷺ - حين أصابته سِنَةٌ وهو لا يشعر، فلما علم بذلك أحكم الله آياته.\nذكره القاضي عياض، ونسبه لقتادة، ومقاتل. (٢)\nوهو الظاهر من كلام الواحدي. (٣)\nوتعقب هذا التأويل القاضي عياض فقال: «وهذا لا يصح، إذ لا يجوز على النبي - ﷺ - مثله في حالة من أحواله، ولا يخلقه الله على لسانه، ولا يستولي الشيطان عليه في نوم ولا يقظة؛ لعصمته في هذا الباب من جميع العمد والسهو». اهـ (٤)\n_________\n= الطبري في تفسيره (٩/ ١٧٧)، ولفظه: «إذا حدّث ألقى الشيطان في حديثه».\nقلت: هناك فرق في المعنى بين (تلا) و(حدّث)؛ فالتلاوة لا تكون إلا للقرآن وحده، بخلاف الحديث.\nوقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يقرأ: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا مُحَدَّثٍ).\nقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٧/ ٦٣): «أخرجه سفيان بن عيينة في أواخر جامعه، وأخرجه عبد بن حميد من طريقه، وإسناده إلى ابن عباس صحيح». اهـ وانظر: تغليق التعليق (٤/ ٦٥).\nوالْمُحَدَّث - بِالْفَتْحِ -: هُوَ الرَّجُل الصَّادِق الظَّنّ، وَهُوَ مَنْ أُلْقِيَ فِي رُوعه شَيْء مِنْ قِبَل الْمَلَأ الْأَعْلَى، فَيَكُون كَالَّذِي حَدَّثَهُ غَيْره بِهِ. وَقِيلَ: مَنْ يَجْرِي الصَّوَاب عَلَى لِسَانه مِنْ غَيْر قَصْد. انظر: فتح الباري\n(٧/ ٦٢).\n(١) فتح الباري (٨/ ٢٩٤). قلت: وعبارة الحافظ هذه ليست صريحة في اعتماده لهذا التوجيه؛ لقوله: قال، وهذه توحي بأن القائل (وهذا من أحسن الوجوه) هو القاضي عياض؛ لأن الحافظ ابن حجر ينقل المسالك عنه، والقاضي عياض قد اعتمد فعلًا هذا المسلك، وقد رأيت بعض العلماء تتابعوا على نسبة هذا التوجيه للحافظ؛ كالمباركفوري والألباني وغيرهما، ولا أرى ذلك يصح؛ إلا أن يكون هناك نُسَخ أخرى لكتاب فتح الباري قد كُتبت فيها بلفظ (قلت)، ولا أظن ذلك يكون.\nبقي أن الحافظ لا يرى أن قوله: (تلك الغرانيق ....) قد جرى على لسان النبي - ﷺ -، كما هو صريح من عبارته، ولم يبين لنا رأيه في توجيه هذه الرواية، وهو يرى صحتها وثبوتها!!!\n(٢) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (٢/ ٨١).\n(٣) الوسيط في تفسير القرآن المجيد، للواحدي (٣/ ٢٧٧).\n(٤) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ٨١).","vol":"1","page":694},{"text":"وتعقبه أيضًا الفخر الرازي فقال: «وهذا ضعيف لوجوه: أحدها: أنه لو جاز هذا السهو لجاز في سائر المواضع، وحينئذ تزول الثقة عن الشرع. وثانيها: أنَّ الساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه الألفاظ المطابقة لوزن السورة وطريقتها ومعناها، فإنا نعلم بالضرورة أنَّ واحدًا لو أنشد قصيدة لما جاز أن يسهو حتى يتفق منه بيت شعر في وزنها ومعناها وطريقتها. وثالثها: هب أنه تكلم بذلك سهوًا، فكيف لم ينتبه لذلك حين قرأها على جبريل ﵇، وذلك ظاهر». اهـ (١)\nالتأويل الثالث: أنَّ الشيطان ألجأ النبي - ﷺ - إلى أن قال ذلك بغير اختيار منه - ﷺ -.\nذكره الحافظ ابن حجر دون نسبة. (٢)\nوتعقبه الفخر الرازي فقال: «وهذا فاسد لوجوه: أحدها: أنَّ الشيطان لو قَدِرَ على ذلك في حق النبي - ﷺ - لكان اقتداره علينا أكثر، فوجب أن يزيل الشيطان الناس عن الدين، ولجاز في أكثر ما يتكلم به الواحد منا أن يكون ذلك بإجبار الشياطين. وثانيها: أنَّ الشيطان لو قدر على هذا الإجبار لارتفع الأمان عن الوحي لقيام هذا الاحتمال. وثالثها: أنه باطل بدلالة قوله تعالى حاكيًا عن الشيطان: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم) [إبراهيم: ٢٢] وقال تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠» [النحل: ٩٩ - ١٠٠] وقال: (إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠» [الحجر: ٤٠] ولا شك أنه ﵇ كان سيد المخلصين». اهـ (٣)\nالتأويل الرابع: أنَّ ذلك جرى على لسان النبي - ﷺ - على سبيل السهو والغلط.\nجاء ذلك في رواية أبي بكر بن عبد الرحمن. (٤)\n_________\n(١) مفاتيح الغيب، للرازي (٢٣/ ٤٦).\n(٢) فتح الباري، لابن حجر (٨/ ٢٩٤).\n(٣) مفاتيح الغيب، للرازي (٢٣/ ٤٧)، وانظر: تفسير القرطبي (١٢/ ٥٦).\n(٤) تقدم تخريجها في أول المسألة.","vol":"1","page":695},{"text":"وهو رأي الزمخشري، قال: «ولم يفطن له النبي - ﷺ - حتى أدركته العصمة فتنبه عليه». اهـ (١)\nوتعقبه القاضي عياض فقال: «وهذا السهو في القراءة إنما يصح فيما ليس طريقه تغيير المعاني، وتبديل الألفاظ، وزيادة ما ليس من القرآن، بل السهو عن إسقاط آية منه أو كلمة، ولكنه لا يُقرُّ على هذا السهو، بل يُنَبَّهُ عليه، ويُذَكَّرُ به للحين». اهـ (٢)\nالتأويل الخامس: أنَّ ذلك جرى على لسان النبي - ﷺ - حقيقة لكنه أراد بالغرانيق: الملائكة.\nوهذا رأي عمر بن رسلان البلقيني (٣)، حيث قال: «التحقيق أنَّ النبي - ﷺ - تكلم بهذا اللفظ - يعني: (تلك الغرانيق العلى) بطوعه، وأنه آية من القرآن نُسِخَ تلاوتُها، قال: والمشار إليه بتلك الغرانيق: الملائكة، قال: وأتى العيني والحافظ بروايتين صحيحتين مرفوعتين على هذا القول الصحيح». اهـ\nنقله عنه المباركفوري، وتعقبه فقال: «وكلامه هذا مردود عليه؛ فإنه لم يثبت برواية مرفوعة صحيحة أنَّ النبي - ﷺ - تكلم بهذا اللفظ بطوعه، وأنه آية من القرآن نسخ تلاوتها، وأما قوله: وأتى العيني والحافظ بروايتين صحيحتين مرفوعتين على هذا القول الصحيح. فخطأ فاحش ووهم قبيح؛ فإنه لم يأت العيني ولا الحافظ برواية مرفوعة صحيحة على هذا القول، فضلًا عن روايتين مرفوعتين صحيحتين». اهـ (٤)\nالتأويل السادس: أنَّ النبي - ﷺ - نطق بذلك على فهم أنه استفهام إنكاري حُذِفَ منه الهمزة، أو نطق به وقصده حكاية قولهم.\nقاله إبراهيم الكوراني. (٥)\nالرابع: مسلك قبول الحديث مطلقًا، وإعماله على ظاهره من دون تأويل.\n_________\n(١) الكشاف، للزمخشري (٣/ ١٦١).\n(٢) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (٢/ ٨٢).\n(٣) هو عمر بن رسلان بن نصير بن صالح الكناني، العسقلاني الأصل، ثم البلقيني، المصري الشافعي، أبو حفص، سراج الدين: مجتهد حافظ للحديث، ولد في بلقينة (من غربية مصر) وتعلم بالقاهرة. وولي قضاء الشام سنة ٧٦٩ هـ، وتوفي بالقاهرة سنة (٨٠٥هـ). من كتبه (العرف الشذي على جامع الترمذي)، لم يكمله. انظر: كشف الظنون، لحاجي خليفة (١/ ٥٥٩)، والأعلام، للزركلي (٥/ ٤٦).\n(٤) تحفة الأحوذي، للمباركفوري (٣/ ١٣٨).\n(٥) نقله عنه الآلوسي في روح المعاني (١٧/ ٢٣٢).","vol":"1","page":696},{"text":"وهذا مذهب ابن قتيبة، وابن بطال، ومرعي بن يوسف الكرمي، وعبد الرحمن السعدي. (١)\nقال السعدي: «وهذه الآيات فيها بيان أنَّ للرسول - ﷺ - أسوةً بإخوانه المرسلين، لما وقع منه عند قراءته - ﷺ - (وَالنَّجْمِ) فلما بلغ: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠» [النجم: ١٩ - ٢٠] ألقى الشيطان في قراءته: (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى)، فحصل بذلك للرسول - ﷺ - حزن، وللناس فتنة، كما ذكر الله؛ فأنزل الله هذه الآيات».\nقال: «وقد عصم الله الرسل بما يبلغون عن الله، وحفظ وحيه أن يشتبه أو يختلط بغيره، ولكن هذا إلقاء من الشيطان غير مستقر ولا مستمر، وإنما هو عارض يعرض ثم يزول، وللعوارض أحكام». اهـ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالحق أنَّ هذه القصة ضعيفة بل باطلة، لأنَّ كل الروايات الواردة فيها مُعَلَّةٌ؛ إما بالإرسال، أو الضعف، أو الجهالة، وليس فيها ما يصلح للاحتجاج به، لا سيّما في مثل هذا الأمر الخطير، الذي يمس مقام نبينا الكريم - ﷺ -. (٣)\nوالحق أنَّ الآية لا يصح في سبب نزولها شيء، وغاية ما في الآية الإخبار من الله تعالى أنَّ الشيطان يُلقي شيئًا ما عند (٤) تلاوة نبي من الأنبياء، إلا أننا لا نستطيع الجزم بتعيين ذلك الشيء، ولا يَحِلُّ لنا تعيينه بناء على\n_________\n(١) انظر على الترتيب: تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة، ص (١٦٩)، وشرح صحيح البخاري، لابن بطال (٣/ ٥٧)، وقلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ من القرآن، للكرمي، ص (١٣١)، وتيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص (٨٨٩).\n(٢) تيسير الكريم الرحمن، ص (٨٨٨ - ٨٨٩).\n(٣) انظر: نصب المجانيق، للألباني، ص (٣٥).\n(٤) نقل القرطبي في تفسيره (١٢/ ٥٦)، عن سليمان بن حرب: أن «في» في قوله: (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) بمعنى عند؛ أي ألقى الشيطان في قلوب الكفار عند تلاوة النبي - ﷺ -، كقوله ﷿: (وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ) [الشعراء: ١٨]، أي عندنا.","vol":"1","page":697},{"text":"روايات ضعيفة لا يعتمد عليها؛ فإن ذلك من التفسير المذموم الذي حَذَّرَ منه النبيُّ - ﷺ -. (١)\nوالأقرب في معنى الآية: أنَّ الله تعالى يُذَكِّرُ نبيه بأنه ما أرسل من قبله من رسول ولا نبي إلا وحاله أنه إذا قرأ شيئًا من الآيات - على المعنى الذي أراد الله تعالى - ألقى الشيطان في قلوب أوليائه وأتباعه معنىً غير المعنى الذي أراد الله تعالى، من الشُّبَه والوساوس والمعاني الباطلة، فينسخ الله تلك الشُّبَه التي ألقاها الشيطان، بمعنى أنه يبطلها ويذهبها، ثم يحكم آياته فلا يبقى إلا الحق الذي أراده سبحانه، وهذا الإلقاء إنما هو من الشيطان، وهو على صورة إيحاء، وهو كائن في قلوب الذين كفروا، وليس هو إلقاء من الشيطان، في قراءة نبي من الأنبياء؛ بصوت مسموع، فهو لا يستطيع ذلك.\nوقد قدَّر الله تعالى إيقاع هذه الإيحاءات من الشيطان، ابتلاءً منه وامتحانًا؛ ليجعل ذلك فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم. (٢)\n«والمراد بالنسخ في الآية هو النسخ اللغوي، الذي هو بمعنى الإزالة والإبطال، لا النسخ الشرعي الذي هو: رفع حكم شرعي بخطاب جديد؛ لأن ما ألقاه الشيطان ليس بحكم، حتى يكون رفعه نسخًا شرعيًا؛ بل هو باطل أبطله الله وأزاله». (٣)\nإذا علمت هذا فإن الآية تدل على أنَّ الله ينسخ شيئًا ألقاه الشيطان، ليس مما يقرؤه الرسول أو النبي، وأن ما يلقيه الشيطان: هي الشكوك والوساوس المانعة من تصديق القرآن وقبوله؛ كإلقائه عليهم أنه سحر أو شعر أو أساطير الأولين، وأنه مفترى على الله وليس منزل من عنده، والدليل على هذا المعنى: أنَّ الله بين أنَّ الحكمة - في الإلقاء المذكور - هي امتحان الخلق؛ لأنه قال: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ\n_________\n(١) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ».\nأخرجه الترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (٢٩٥٠)، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ».\n(٢) انظر: روح المعاني، للآلوسي (١٧/ ٢٢٥).\n(٣) انظر: رحلة الحج إلى بيت الله الحرام، للشنقيطي، ص (١٢٨).","vol":"1","page":698},{"text":"قُلُوبُهُمْ) [الحج: ٥٣]، ثم قال: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) [الحج: ٥٤]، فقوله: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ) يدل على أنَّ الشيطان يلقي عليهم: أنَّ الذي يقرؤه النبي ليس بحق؛ فيصدقه الأشقياء، ويكون ذلك فتنة لهم، ويكذبه المؤمنون الذين أوتوا العلم، ويعلمون أنه الحق، لا الكذب، كما يزعم لهم الشيطان في إلقائه، فهذا الامتحان لا يناسب شيئًا زاده الشيطان من نفسه في القراءة. (١)\n«هذا هو المعنى المراد من هذه الآية الكريمة، وهي كما ترى ليس فيها إلا أنَّ الشيطان يلقي عند تلاوة النبي - ﷺ - ما يفتتن به الذين في قلوبهم مرض، ولكن أعداء الدين الذين قعدوا له في كل طريق، وترصدوا له كل مرصد، لا يرضيهم إلا أن يدسوا فيه ما ليس منه، ولم يقله رسوله، فذكروا ما لا يليق بمقام النبوة والرسالة وذلك دَيْدَنهم منذ القديم، كما فعلوا في غير ما آية وردت في غيره - ﷺ - من الأنبياء، كداود، وسليمان، ويوسف عليهم الصلاة والسلام، فرووا في تفسيرها من الإسرائيليات ما لا يجوز نسبته إلى رجل مسلم فضلًا عن نبي مُكَرَّم، كما هو مبين في محله من كتب التفاسير والقصص». (٢)\nوهذا المعنى الذي قلناه في تفسير الآية يشهد له آيات من كتاب الله ﷿؛ كقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ (١١٣» [الأنعام: ١١٢ - ١١٣]، وقوله تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ) [الأنعام: ١٢١].\nوأما ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر من تصحيح الحديث وقبوله، فهو اجتهاد منه ﵀، وقد خالفه جمع من العلماء المحققين، كما تقدم، وردَّ عليه آخرون وبيّنوا أنَّ الصواب هو ضعف الحديث وبطلانه، وأجود من ناقش هذه المسألة مع الحافظ ابن حجر هو الألباني في كتابه «نصب المجانيق» (٣)، وقد\n_________\n(١) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (٥/ ٧٣٢).\n(٢) انظر: نصب المجانيق، ص (٩).\n(٣) وناقشه آخرون، منهم: المباركفوري، في تحفة الأحوذي (٣/ ١٣٧)، والقاسمي في تفسيره (٧/ ٢٦٣).","vol":"1","page":699},{"text":"آثرتُ أن أنقل كلامه بطوله؛ لجودته ونفاسته، ولكن بعد نقل كلام الحافظ بتمامه، حتى يلتئم الكلام بعضه مع بعض:\nقال الحافظ ابن حجر - بعد أن ساق بعضًا من روايات الحديث -: «وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف أو منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أنَّ للقصة أصلًا، مع أنَّ لها طريقين آخرين مرسلين، رجالهما على شرط الصحيحين، أحدهما: ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ....، فذكره. والثاني: ما أخرجه أيضًا من طريق المعتمر بن سليمان، وحماد بن سلمة، فرقهما عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية.\nقال: وقد تجرأ أبو بكر بن العربي كعادته فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها. وهو إطلاق مردود عليه، وكذا قول عياض: هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده. وكذا قوله: ومن حُمِلَتْ عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية. قال: وقد بين البزار أنه لا يُعرف من طريق يجوز ذكره؛ إلا طريق أبي بشر، عن سعيد بن جبير، مع الشك الذي وقع في وصله، وأما الكلبي فلا تجوز الرواية عنه؛ لقوة ضعفه. ثم رده من طريق النظر: بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم. قال: ولم ينقل ذلك. انتهى.\nقال الحافظ ابن حجر: وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد؛ فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أنَّ لها أصلًا، وقد ذكرتُ أنَّ ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به؛ لاعتضاد بعضها ببعض ...». اهـ (١)\nمناقشة الألباني لابن حجر:\nقال الألباني - بعد أن أورد كلام الحافظ السابق -: «والجواب عن ذلك من وجوه:\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر (٨/ ٢٩٣).","vol":"1","page":700},{"text":"أولًا: أنَّ القاعدة التي أشار إليها، وهي تقوية الحديث بكثرة الطرق ليست على إطلاقها، وقد نبّه على ذلك غير واحد من علماء الحديث المحققين، منهم الحافظ أبو عمر بن الصلاح حيث قال ﵀ في (مقدمة علوم الحديث): «لعل الباحث الفهم يقول: إنا نجد أحاديث محكومًا بضعفها، مع كونها قد رُويَت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة، مثل حديث: «الأذنان من الرأس» (١) ونحوه، فهلاّ جعلتم ذلك وأمثاله من نوع الحسن؛ لأن بعض ذلك عضد بعضًا كما قلتم في نوع الحسن على ما سبق آنفًا؟!\nوجواب ذلك: أنه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت، فمنه ما يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئًا من ضعف حفظ راويه، ولم يختلّ فيه ضبطه له، وكذلك إذا كان ضَعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر، ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك لقوة الضعف، وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته، وذلك كالضعيف الذي ينشأ من كون الراوي متهمًا بالكذب، أو كون الحديث شاذًا. وهذه جملة تفاصيلها تُدرَك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة». (٢)\nقال الألباني: ولقد صدق رحمه الله تعالى، فإن الغَفْلَةَ عن هذه النفيسة قد أوقعت كثيرًا من العلماء، لا سيّما المشتغلين منهم بالفقه في خطأ فاضح، ألا وهو تصحيح كثير من الأحاديث الضعيفة اغترارًا بكَثرة طُرقها، وذهولًا منهم عن كون ضعفها من النوع الذي لا ينجبر الحديث بضعفها، بل لا تزيده إلا وَهنًا على وهن، ومن هذا القبيل حديث ابن عباس في هذه القصة، فإن طرقه كلها ضعيفة جدًا كما تقدم، فلا يتقوى بها أصلًا.\n_________\n(١) قال الألباني في حاشية الكتاب، ص (٣٩) معلقًا على هذا الحديث: «هذا الحديث عندنا صحيح لغيره، فقد رُوي عن سبعة نفر من الصحابة من طرق مختلفة قوّى المنذري، وابن دقيق العيد، وابن التركماني، والزيلعي أحدها، ولذلك أوردناه في كتابنا (صحيح سنن أبي داود) وتكلمنا عليه هناك رقم (١٢٣) ثم نشرناه في (سلسلة الأحاديث الصحيحة) رقم (٣٦)، وذكرنا فيه طرقه وبعضها صحيح لذاته، فراجعه إن شئت». اهـ وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٨١).\n(٢) انظر: مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، ص (٣٤ - ٣٥).","vol":"1","page":701},{"text":"لكن يبقى النظر في طرق الحديث الأخرى، هل يَتَقَوّى الحديث بها، أم لا؟\nفاعلم أنها كلها مرسلة، وهي على إرسالها مُعَلَّةٌ بالضعف والجهالة، سوى الطرق الأربعة الأولى منها (١)، فهي التي تستحق النظر؛ لأن الحافظ ﵀ جعلها عمدته في تصحيحه هذه القصة، وتقويته لها بها، وهذا مما نخالفه فيه، ولا نوافقه عليه، وبيان ذلك يحتاج إلى مقدمة وجيزة مفيدة إن شاء الله تعالى، وهي:\nالوجه الثاني: وهو يحتوي على تحقيق أمرين أساسيين:\nالأول: أنَّ الحديث المُرسَل، ولو كان المُرسِل ثقة، لا يُحتج به عند أئمة الحديث، كما بيّنه ابن الصلاح في (علوم الحديث) وجزم هو به فقال: «ثم اعلم أنَّ حكم المُرسَل حكم الحديث الضعيف، إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر كما سبق بيانه ...، وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضَعفه، هو المذهب الذي استقرَّ عليه آراء جماهير حفّاظ الحديث، ونقاد الأثر، وقد تداولوه في تصانيفهم». اهـ (٢)\nقال الألباني: الأمر الثاني: معرفة سبب عدم احتجاج المحدثين بالمُرسَل من الحديث، فاعلم أنَّ سبب ذلك إنما هو جَهالة الوساطة التي روى عنها المُرسِلُ الحديثَ، وقد بيّن ذلك الخطيب البغدادي في (الكفاية في علم الرواية) حيث قال - بعد أن حكى الخلاف بالعمل بالمرسل-: «والذي نختاره سقوط فرض العمل بالمراسيل، وأن المرسل غير مقبول، والذي يدل على ذلك: أنَّ إرسال الحديث يؤدي إلى الجهل بعين راويه، ويستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه، وقد بيّنا من قبل أنه لا يجوز قبول الخبر إلا ممن عُرِفَتْ عدالته، فوجب كذلك كونه غير مقبول، وأيضًا فإن العدل لو سُئِلَ عمن أرسل عنه؟ فلم يُعدّله، لم يجب العمل بخبره، إذا لم يكن معروفَ العدالةِ من جهة غيره، وكذلك حاله إذا ابتدأ الإمساك عن ذكره وتعديله، لأنه مع الإمساك عن\n_________\n(١) يريد رواية سعيد بن جبير المرسلة، ورواية أبي بكر بن عبد الرحمن، ورواية أبي العالية، ورواية قتادة، وقد تقدم تخريجها في أول المسألة.\n(٢) النكت على كتاب ابن الصلاح، لابن حجر (٢/ ٥٦٧).","vol":"1","page":702},{"text":"ذكره غير مُعدّل له، فوجب أن لا يُقبل الخبر عنه». اهـ (١)\nوقال الحافظ ابن حجر في (شرح نخبة الفكر) - بعد أن ذكر الحديث المرسل في أنواع الحديث المردود: «وإنما ذكر في قسم المردود للجهل بحال المحذوف، لأنه يحتمل أن يكون صحابيًا، ويحتمل أن يكون تابعيًا، وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفًا، ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني يحتمل أن يكون حُمل عن صحابي، ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر، وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق ويتعدد، أما بالتجويز العقلي، فإلى مالا نهاية، وأما بالاستقراء، فإلى ستة أو سبعة، وهو أكثر ما وُجِدَ من رواية بعض التابعين عن بعض، فإن عُرِفَ من عادة التابعي أنه لا يرسل إلا عن ثقة، فذهب جمهور المحدثين إلى التوقف، لبقاء الاحتمال، وهو أحد قولي أحمد، وثانيهما: يُقبلُ مطلقًا، وقال الشافعي ﵁: يُقبل إن اعتضد بمجيئه من وجه آخر يباين الطريق الأولى مسندًا كان أو مرسلًا؛ ليترجّح احتمال كون المحذوف ثقة في نفس الأمر». اهـ (٢)\nقال الألباني: فإذا عُرِفَ أنَّ الحديث المُرسَل لا يقبل، وأن السبب هو الجهل بحال المحذوف فيرد عليه أنَّ القول بأنه يقوى بمرسل آخر غير قوي لاحتمال أن يكون كل من أرسله إنما أخذه عن راوٍ واحد، وحينئذ ترد الاحتمالات الذي ذكرها الحافظ، وكأن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قد لاحظ ورود هذا الاحتمال وقوته، فاشترط في المرسل الآخر أن يكون مُرسِله أخذ العلم عن غير رجال التابعي الأول، كما حكاه ابن الصلاح (٣)، وكأن ذلك لَيغلب على الظن أنَّ المحذوف في أحد المرسَلين هو غيره في المرسَل الآخر.\nوهذه فائدة دقيقة لم أجدها في غير كلام الشافعي ﵀، فاحفظها وراعِها فيما يمر بك من المرسَلات التي يذهب البعض إلى تقويتها لمجرد مجيئها من وجهين مرسَلين، دون أن يراعوا هذا الشرط المهم.\n_________\n(١) الكفاية في علم الرواية، للخطيب البغدادي (١/ ٣٨٧).\n(٢) شرح نخبة الفكر، لابن حجر، ص (١٧).\n(٣) انظر: مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، ص (٣٣).","vol":"1","page":703},{"text":"ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية قد نصّ أيضًا على هذا الشرط في كلام له مفيد في أصول التفسير، نقله عنه الحافظ محمد بن عبد الهادي (١) في كتاب له مخطوط في الأحاديث الضعيفة والموضوعة، حديث (٤٠٥/ ٢٢١)، فقال ابن تيمية رحمة الله تعالى: «وأما أسباب النزول، فغالبها مرسل، ليس بمسند، لهذا قال الإمام أحمد: «ثلاث علوم لا إسناد لها. وفي لفظ: ليس لها أصل: التفسير، والمغازي، والملاحم». (٢) يعني أنَّ أحاديثها مرسلة، ليست مسندة.\nوالمراسيل قد تنازع الناس في قَبولها وردها. وأصح الأقوال: أنَّ منها المقبول، ومنها المردود، ومنها الموقوف، فمن عُلم من حاله أنه لا يرسل إلا عن ثقة قُبل مُرسَلُه، ومن عُرف أنه يُرسِل عن الثقة وغير الثقة، كان إرساله رواية عمن لا يُعرف حاله، فهو موقوف. وما كان من المراسيل مخالفًا لما رواه الثقات، كان مردودًا، وإن جاء المرسَل من وجهين، كل من الراويين أخذ العلم عن غير شيوخ الآخر، فهذا يدل على صدقه فإن مثل ذلك لا يُتصور في العادة تماثل الخطأ فيه وتعمد الكذب ...». اهـ\nقال الألباني: ومع أنَّ التحقق من وجود هذا الشرط في كل مرسَل من هذا النوع، ليس بالأمر الهيِّن، فإنه لو تحققنا من وجوده، فقد يَردُ إشكال آخر، وهو أنه يحتمل أن يكون كل من الواسطتين أو أكثر ضعيفًا، وعليه يحتمل أن يكون ضعفهم من النوع الأول الذي ينجبر بمثله الحديث على ما سبق نقله عن ابن الصلاح، ويحتمل أن يكون من النوع الآخر الذي لا يقوى الحديث بكثرة طرقه، ومع ورود هذه الاحتمالات يسقط الاستدلال بالحديث المرسل وإن تعددت طرقه. وهذا التحقيق مما لم أجد مَن سبقني إليه، فإن أصبت فمن الله تعالى وله الشكر، وإن أخطأت فمن نفسي، وأستغفر الله من ذنبي.\nوبالجملة فالمانع من الاستدلال بالحديث المرسل الذي تعدد مرسِلوه أحد الاحتمالين: الأول: أن يكون مصدر المرسلين واحدًا.\n_________\n(١) هو: محمد بن عبد الهادي التتوي، أبو الحسن، نور الدين السندي: عالم بالحديث والتفسير والعربية. أصله من السند ومولده فيها، وتوطن بالمدينة إلى أن توفي. له (حاشية على سنن ابن ماجة) و(حاشية على سنن أبي داود) و(حاشية على صحيح البخاري) و(حاشية على مسند الإمام أحمد) و(حاشية على صحيح مسلم) و(حاشية على سنن النسائي) و(حاشية على البيضاوي) وغير ذلك.\n(ت: ١١٣٨ هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٦/ ٢٥٣).\n(٢) نقله عن الإمام أحمد: الزركشي في «البرهان في علوم القرآن» (٢/ ٢٩٢).","vol":"1","page":704},{"text":"الثاني: أن يكونوا جمعًا، ولكنهم جميعًا ضعفاء ضعفًا شديدًا.\nوبعد هذه المقدمة نستطيع أن نقول:\nإننا لو ألقينا النظر على روايات هذه القصة، لألفيناها كلها مرسَلة، حاشا حديث ابن عباس، ولكن طرقه كلها واهية شديدة الضعف لا تنجبر بها تلك المراسيل، فيبقى النظر في هذه المراسيل، وهي كما علمت سبعة، صح إسناد أربعة منها، وهي مرسل سعيد بن جبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وأبي العالية، ومرسل قتادة، وهي مراسيل يرد عليها أحد الاحتمالين السابقين، لأنهم من طبقة واحدة: فوفاة سعيد بن جبير سنة (٩٥) وأبي بكر بن عبد الرحمن سنة (٩٤)، وأبي العالية - واسمه رفيع مصغرًا - سنة (٩٠) وقتادة سنة بضع عشرة ومائة، والأول كوفي، والثاني مدني، والأخيران بصريان.\nفجائز أن يكون مصدرهم - الذي أخذوا منه هذه القصة ورووها عنه - واحدًا لا غير، وهو مجهول، وجائز أن يكون جمعًا، ولكنهم ضعفاء جميعًا، فمع هذه الاحتمالات لا يمكن أن تطمئن النفس لقَبول حديثهم هذا، لا سيّما في مثل هذا الحدث العظيم الذي يمسّ المقام الكريم، فلا جَرَم تتابع العلماء على إنكارها، بل التنديد ببطلانها، ولا وجه لذلك من جهة الرواية إلا ما ذكرنا ....». اهـ (١)\nوقال الألباني: «وأما قول الحافظ في (الفتح) بعد أن نقل خلاصة عن الوجوه التي تقدمت عن الإمامين المذكورَيْن في إعلال القصة وتوهينها: «وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها، دلّ ذلك على أنَّ لها أصلًا، وقد ذكرت أنَّ ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض». اهـ\nفأقول: إن هذا الجواب ليس بالقوي على إطلاقه لما بيَّنّا فيما تقدم أنَّ تقوية الحديث بكثرة الطرق ليس قاعدة مضطردة، نعم من ذهب إلى الاحتجاج بالمرسل مطلقًا أو عند اعتضاده، ففي الجواب رد قوي عليه، كالقاضي عياض\n_________\n(١) نصب المجانيق، ص (٣٨ - ٤٦).","vol":"1","page":705},{"text":"وغيره ممن يقبل مرسل الثقة، أما نحن فهو غير وارد علينا لما أوردنا من الاحتمالات التي تمنع الاحتجاج بالحديث المرسل، ولو من غير وجه، ولعل هذا مذهب الحافظ ابن كثير حيث قال عند تفسيره للآية السابقة: «قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظنًا منهم أنَّ مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح». اهـ (١)\nفإن ابن كثير يعلم أنَّ بعض هذه المراسيل التي أشار إليها أسانيدها صحيحة إلى مُرْسِلها، فلو كان بعضها يعضد بعضًا عنده وتقوى القصة بذلك، لما ضعفها بحجة أنه لم يرها مسندة من وجه صحيح، وهذا بيِّن لا يخفى.\nثم إن من الغريب أنَّ الحافظ ابن حجر مع ذهابه إلى تقوية القصة يرى أنَّ فيها ما يُستنكر وأنه يجب تأويله فيقول - بعد كلامه الذي نقلته آنفًا-: «وإذا تقرر ذلك تعيَّن تأويل ما وقع فيها مما يستنكر وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى)؛ فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره؛ لأنه يستحيل عليه - ﷺ - أن يزيد في القرآن عمدًا ما ليس منه، وكذا سهوًا إذا كان مغايرًا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته». اهـ (٢)\nثم ذكر الحافظ مسالك العلماء في تأويل ذلك، ثم اعتمد على الوجه الأخير منها (٣)، وهو الذي نقلناه عن القاضي عياض قُبَيْلَ هذا الفصل، وقلنا إنه رجَّحه، ثم قال الحافظ: «وهذا أحسن الوجوه، ويؤيِّده ما تقدم في صدر الكلام عن ابن عباس من تفسير تمنَّى بـ (تلا)». (٤)\nفينتج من ذلك أنَّ الحافظ ﵀، قد سلَّم أنَّ الشيطان لم يتكلم على لسان النبي - ﷺ - بتلك الجملة، وإنما ألقاها الشيطان بلسانه في سكتة النبي - ﷺ -، فهذا لا يتفق ألبتة مع القول بصحة القصة، أو أنَّ لها أصلًا، فإن كان يريد\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٢٣٩).\n(٢) فتح الباري، لابن حجر (٨/ ٢٩٣).\n(٣) يرى الألباني نسبة هذا التوجيه للحافظ ابن حجر، وقد ذكرتُ سابقًا أنه لا يصح، وقلت هناك: إن عبارة الحافظ لا تفيد ذلك، فراجعه إن شئت، ص (٦٩٩).\n(٤) فتح الباري، لابن حجر (٨/ ٢٩٤).","vol":"1","page":706},{"text":"بذلك أنَّ لها أصلًا في الجملة، أعني بدون هذه الزيادة، فهذا ليس هو موضع خلاف بينه وبين العلماء الذين ردّ عليهم قولهم ببطلان القصة، وإنما الخلاف في الجملة التي تزعم الروايات أنَّ الشيطان ألقاها على لسانه - ﷺ -؛ فإذ قد صرح الحافظ بإنكارها وتنزيه النبي - ﷺ - عنها فنستطيع أن نقول: إن الحافظ متفق مع ابن كثير وغيره ممن سبقه ولحقه على إنكار القصة على ما وردت في الروايات، حتى التي صحَّحها الحافظ، وأما ما بقي منها مما لا يتنافى مع عصمة النبي - ﷺ -، فلا خلاف في إمكان وقوعها، بل الظاهر أنَّ هذا القدر هو الذي وقع بدليل ظاهر آية الحج حسبما تقدم تفسيرها في أوائل الرسالة.\nنعم يرد على الحافظ هنا اعتراضان:\nالأول: تليينه العبارة في إنكار تلك الزيادة، لأنه إنما أنكرها بطريق تأويلها! وحقه أن ينكرها من أصلها، لأن التأويل الذي زعمه ليست تفيده تلك الزيادة أصلًا.\nالثاني: تشنيعه القول على ابن العربي والقاضي عياض لإنكارهما القصة، ومع أنه يعلم أنهما أنكراها لِمَ فيها من البواطيل التي لا تتفق مع القول بعصمة الرسول الكريم، منها هذه الزيادة التي وافقهما الحافظ على استنكارها، مع فارق شكلي وهو أنهما كانا صريحين في إنكارها من أساسها، بينما الحافظ إنما أنكرها بطريق تأويلها - زعم ـ.\nومن هنا يتبين لك ضعف ما قاله الحافظ ابن حجر في رده على القاضي في (تخريج الكشاف): «وأما طعنه فيه باختلاف الألفاظ فلا تأثير للروايات الواهية في الرواية القوية، فيعتمد من القصة على الرواية الصحيحة، أي: يُعتمد على الرواية المتابعة، وليس فيها وفيما تابعها اضطراب والاضطراب في غيرها، وأما طعنه من جهة المعنى فله أسوة كثيرة من الأحاديث الصِّحاح التي لا يؤخذ بظاهرها، بل يرد بالتأويل المعتمد إلى ما يليق بقواعد الدين». اهـ (١)\nقال الألباني: إن هذا الرد ضعيف؛ لأن الرواية الصحيحة التي أشار إليها هي رواية ابن جُبير، وفيها كما في غيرها من الروايات المتابعة الأمر\n_________\n(١) الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف، لابن حجر (٣/ ١٦١).","vol":"1","page":707},{"text":"المستنكر باعترافه، بل في بعض الروايات عن سعيد ما هو أنكر من ذلك وهو قوله: ثم جاءه جبريل بعد ذلك فقال: اعرض علي ما جئتك به، فلما بلغ: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى) قال له جبريل: لم آتك بهذا، وهذا من الشيطان!! وقد جاء هذا في غير رواية سعيد كما تقدم، ولازمه أنَّ النبي - ﷺ - قد انطلى عليه وحي الشيطان واختلط عنده بوحي الرحمن، حتى لم يميِّز بينهما، وبقي على هذه الحالة ما بقي، إلى أن جاءه جبريل في المساء! سبحانك هذا بهتان عظيم، وافتراء جسيم.\nفاتضح أن ليس هناك رواية معتمدة صحيحة بالمعنى العلمي الصحيح، وأن الرواية التي صححها الحافظ قد أنكر بعضها هو نفسه فأين الاعتماد.\nوأما قوله: «إن حديث الغرانيق له أسوة بكثير من الأحاديث الصحيحة»، فصحيح لو صح إسناده، وأمكن تأويله، وكلا الأمرين لا نسلِّم به. أما الأول فلما علمت من إرساله من جميع الوجوه حاشا ما اشتد ضعفه من الموصول، وإنها على كثرتها لا تعضده. وأما الأمر الآخر فلأن التأويل الذي ذهب إليه الحافظ ﵀ هو في الحقيقة ليس تأويلًا، بل هو تعطيل لحقيقة الجملة المستنكرة، وهو أشبه ما يكون بتأويلات بل تعطيلات القرامطة والرافضة للآيات القرآنية والأحاديث المصطفوية. تأييدًا لمذاهبهم الهدّامة وآرائهم الباطلة، خلافًا للحافظ ﵀ فإنه إنما فعل ذلك دفاعًا عن مقام الحضرة النبوية والعصمة المحمدية، فهو مشكور على ذلك ومأجور، وإن كان مخطئًا عندنا في ذلك التأويل مع تصحيح القصة». اهـ (١)\n****\n_________\n(١) انظر: نصب المجانيق، للألباني، ص (٦٠ - ٦٥).","vol":"1","page":708},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>المسألة [١١]: في زواج النبي - ﷺ - من زينب بنت جحش ﵂</span>.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:</span>\nقال الله تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧» [الأحزاب: ٣٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية:</span>\n(٨٩) - (٧٦): عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: «أَتَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَنْزِلَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ، وَكَأَنَّهُ دَخَلَهُ (لَا أَدْرِي مِنْ قَوْلِ حَمَّادٍ، أَوْ فِي الْحَدِيثِ) (١)؛ فَجَاءَ زَيْدٌ يَشْكُوهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ. قَالَ: فَنَزَلَتْ: (وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) إِلَى قَوْلِهِ: (زَوَّجْنَاكَهَا) يَعْنِي زَيْنَبَ». (٢)\n_________\n(١) قائل هذه العبارة: هو مؤمل بن إسماعيل، أحد رواة الحديث، وسيأتي في التخريج.\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ١٤٩) قال: حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا ثابت، عن أنس ....، فذكره.\nوهذا الحديث فيه ثلاث علل:\nالأولى: أنه من راوية مؤمل بن إسماعيل، وهو سيئ الحفظ، كثير الغلط، قال أبو حاتم: صدوق، كثير الخطأ. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال الآجري: سألت =","vol":"1","page":709},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أبا داود عنه: فعظمه ورفع من شأنه، إلا أنه يهم في الشيء. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أخطأ. وقال يعقوب بن سفيان: حديثه لا يشبه حديث أصحابه، وقد يجب على أهل العلم أن يقفوا عن حديثه؛ فإنه يروي المناكير عن ثقات شيوخه، وهذا أشد، فلو كانت هذه المناكير عن الضعفاء لكنا نجعل له عذرًا. وقال الساجي: صدوق كثير الخطأ، وله أوهام يطول ذكرها. وقال ابن سعد: ثقة كثير الغلط. وقال الدارقطني: ثقة كثير الخطأ. وقال محمد بن نصر المروزي: إذا انفرد بحديث وجب أن يُتوقف ويُتثبت فيه؛ لأنه كان سيئ الحفظ، كثير الغلط. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (١٠/ ٣٣٩).\nالعلة الثانية: أن مؤمل بن إسماعيل قد تفرد بزيادة منكرة في هذا الحديث، وهي قوله - في أول الحديث -: «أَتَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَنْزِلَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ، وَكَأَنَّهُ دَخَلَهُ». وقد روى هذا الحديث جماعة من الثقات، عن حماد بن زيد، ولم يذكروا هذه الزيادة، ومن هؤلاء الرواة:\n١ - مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ: أخرج حديثه، البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (٤٧٨٧)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -: «أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) نَزَلَتْ فِي شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ».\n٢ - مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ: أخرج حديثه، البخاري في صحيحه، في كتاب التوحيد، حديث\n(٧٤٢٠) قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَال: «جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَشْكُو فَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ. قَالَ أَنَسٌ: لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - كَاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ».\n٣ - أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ: أخرج حديثه، الترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (٣٢١٢) قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ) فِي شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، جَاءَ زَيْدٌ يَشْكُو، فَهَمَّ بِطَلَاقِهَا، فَاسْتَأْمَرَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ».\n٤ - عفان بن مسلم: أخرج حديثه، ابن حبان في صحيحه (١٥/ ٥١٩) قال: أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف قال: حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الرحيم قال: حدثنا عفان قال: حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: «جاء زيد بن =","vol":"1","page":710},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= حارثة يشكو زينب إلى رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: أمسك عليك أهلك، فنزلت: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ)».\n٥ - محمد بن سليمان: أخرج حديثه، النسائي في السنن الكبرى (٦/ ٤٣٢) قال: أنا محمد بن سليمان، عن حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: ....، فذكره، بنحو رواية ابن حبان.\nالعلة الثالثة: تردد مؤمل بن إسماعيل في هذه الزيادة التي رواها في الحديث، وذلك بقوله: «لا أدري من قول حماد، أو في الحديث»، وهذا يدل على سوء حفظه، وأن هذه الرواية غير محفوظة في الحديث.\nوقد رويت هذه القصة من طرق أخرى، كلها ضعيفة، وهذا تفصيلها:\nالرواية الأولى: عن محمد بن يحيى بن حبان: قال: جاء رسول الله - ﷺ - بيت زيد بن حارثة يطلبه، وكان زيد إنما يقال له زيد بن محمد، فربما فقده رسول الله - ﷺ - الساعة، فيقول: أين زيد؟ فجاء منزله يطلبه، فلم يجده، وتقوم إليه زينب بنت جحش، زوجته فُضُلًا، فأعرض رسول الله - ﷺ - عنها، فقالت: ليس هو هاهنا يا رسول الله، فادخل بأبي أنت وأمي، فأبى رسول الله - ﷺ - أن يدخل، وإنما عجلت زينب أن تلبس، لما قيل لها رسول الله - ﷺ - على الباب، فوثبت عُجلى، فأعجبت رسول الله - ﷺ -، فولى وهو يهمهم بشيء لا يكاد يُفهم منه إلا ربما أعلن سبحان الله العظيم، سبحان مصرف القلوب، فجاء زيد إلى منزله، فأخبرته امرأته أن رسول الله - ﷺ - أتى منزله، فقال زيد: ألا قلت له أن يدخل؟ قالت: قد عرضت ذلك عليه فأبى. قال: فسمعت شيئًا؟ قالت: سمعته حين ولى تكلم بكلام، ولا أفهمه، وسمعته يقول: سبحان الله العظيم، سبحان مصرف القلوب، فجاء زيد حتى أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله: بلغني أنك جئت منزلي فهلا دخلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لعل زينب أعجبتك فأفارقها، فيقول رسول الله - ﷺ -: أمسك عليك زوجك. فما استطاع زيد إليها سبيلًا بعد ذلك اليوم، فيأتي إلى رسول الله - ﷺ -، فيخبره رسول الله: أمسك عليك زوجك. فيقول: يا رسول الله، أفارقها؟ فيقول رسول الله - ﷺ -: احبس عليك زوجك. ففارقها زيد، واعتزلها، وحلت، يعني انقضت عدتها، قال: فبينا رسول الله - ﷺ - جالس يتحدث مع عائشة إلى أن أخذت رسول الله - ﷺ - غشية، فسري عنه وهو يتبسم وهو يقول: من يذهب إلى زينب يبشرها أن الله قد زوجنيها من السماء، وتلا رسول الله - ﷺ -:\n(وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) [الأحزاب: ٣٧]».\nأخرجه ابن سعد في الطبقات (٨/ ١٠١) قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبد الله بن عامر الأسلمي، عن محمد بن يحيى بن حبان قال: .... فذكره.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٥)، من طريق محمد بن عمر، به.\nوهذه الرواية فيها ثلاث علل: =","vol":"1","page":711},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الأولى: أنها من طريق محمد بن عمر، وهو الواقدي. قال البخاري: متروك الحديث، تركه أحمد، وابن المبارك، وابن نمير، وإسماعيل بن زكريا، وقال في موضع آخر: كذبه أحمد.\nوقال يحيى بن معين: ضعيف، وقال مرة: ليس بشيء. وقال ابن حبان: كان يروي عن الثقات المقلوبات، وعن الأثبات المعضلات، وقال علي بن المديني: الواقدي يضع الحديث.\nانظر: التاريخ الكبير، للبخاري (١/ ١٧٨)، والمجروحين، لابن حبان (٢/ ٢٩٠)، وتهذيب التهذيب، لابن حجر (٩/ ٣٢٣).\nالعلة الثانية: شيخ الواقدي، وهو عبد الله بن عامر الأسلمي، متفق على ضعفه. انظر: تهذيب التهذيب (٥/ ٢٤١).\nالعلة الثالثة: أن هذه الرواية مرسلة؛ لأن محمد بن يحيى بن حبان، تابعي مات سنة ١٢١ هـ، وهو لم يدرك القصة، ولم يذكر من حدثه بها.\nالرواية الثانية: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: «كان النبي - ﷺ - قد زوج زيد بن حارثة زينب بنت جحش ابنة عمته، فخرج رسول الله - ﷺ - يومًا يريده، وعلى الباب ستر من شعر، فرفعت الريح الستر، فانكشفت وهي في حجرتها حاسرة، فوقع إعجابها في قلب النبي - ﷺ -؛ فلما وقع ذلك كرهت إلى الآخر، فجاء فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أفارق صاحبتي. قال: ما لك؟ أرابك منها شيء؟ قال: لا والله، ما رابني منها شيء يا رسول الله، ولا رأيت إلا خيرًا، فقال له رسول الله - ﷺ -: أمسك عليك زوجك واتق الله. فذلك قول الله تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) تخفي في نفسك إن فارقها تزوجتها».\nأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٣٠٢) قال: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ....، فذكره.\nوهذه الرواية فيها علتان:\nالأولى: أنها معضلة؛ لأن عبد الرحمن بن زيد من الطبقة الثانية من التابعين، مات سنة ١٨٢ هـ، فهو لم يُدرك القصة، ولم يذكر الواسطة بينه وبين من حدث بها عن الصحابة - ﵃ -.\nالعلة الثانية: أن ابن زيد متفق على ضعفه، وممن ضعفه: الإمام أحمد، وابن معين، وابن المديني، والنسائي، وأبو زرعة، وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم، حتى كثر ذلك في روايته، من رفع المراسيل، وإسناد الموقوف، فاستحق الترك. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، ضعيفًا جدًا. وقال ابن خزيمة: ليس هو ممن يحتج أهل العلم بحديثه لسوء حفظه. وقال ابن الجوزي: أجمعوا على ضعفه. انظر: تهذيب التهذيب (٦/ ١٦١).\nالرواية الثالثة: عن قتادة قال: جاء زيد إلى النبي - ﷺ - فقال: إن زينب اشتد علي =","vol":"1","page":712},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لسانها، وأنا أريد أن أطلقها. فقال له النبي - ﷺ -: اتق الله، وأمسك عليك زوجك، والنبي - ﷺ - يحب أن يطلقها، ويخشى قالة الناس إن أمره بطلاقها، فأنزل الله تعالى: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ) [الأحزاب: ٣٧].\nأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١١٧)، عن معمر، عن قتادة، به.\nوأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٤١)، من طريق معمر، به.\nوأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٣٠٢)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٤٢)، كلاهما من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، بنحوه.\nوقتادة: هو ابن دعامة السدوسي، أحد الأئمة الحفاظ المشهورين بالتدليس، وكثرة الإرسال، قال أحمد بن حنبل: ما أعلم قتادة سمع من أحد من أصحاب النبي - ﷺ -، إلا من أنس بن مالك.\nقلت: وروايته هذه مرسلة، وقد قال الشعبي: كان قتادة حاطب ليل. وذكر أبو عمرو بن العلاء: أن قتادة لا يغث عليه شيء، وكان يأخذ عن كل أحد.\nانظر: جامع التحصيل (١/ ٢٥٤)، وتهذيب التهذيب (٨/ ٣١٧ - ٣٢٢).\nالرواية الرابعة: عن مقاتل بن سليمان قال: زَوَّجَ النبي - ﷺ - زينب بنت جحش من زيد، فمكثت عنده حينًا، ثم إنه ﵇ أتى زيدًا يومًا يطلبه، فأبصر زينب قائمة، وكانت بيضاء جميلة جسيمة من أتم نساء قريش، فهويها وقال: سبحان الله، مقلب القلوب، فسمعت زينب بالتسبيحة، فَذَكَرَتْها لزيد، ففطن زيد فقال: يا رسول الله، ائذن لي في طلاقها، فإن فيها كبرًا، تعظم عليَّ وتؤذيني بلسانها، فقال ﵇: أمسك عليك زوجك واتق الله.\nوهذه الرواية ذكرها القرطبي في تفسيره (١٤/ ١٢٣)، عن مقاتل، ولم يذكر لها سندًا، ومقاتل: متهم بالكذب، ووضع الحديث، قال عمرو بن علي: متروك الحديث كذاب. وقال ابن سعد: أصحاب الحديث يتقون حديثه وينكرونه. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال في موضع آخر: لا شيء ألبتة. وقال عبد الرحمن بن الحكم: كان قاصًا ترك الناس حديثه. وقال أبو حاتم: متروك الحديث. وقال النسائي: كذاب. وقال ابن حبان: كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان مشبهًا يشبه الرب ﷾ بالمخلوقين، وكان يكذب مع ذلك في الحديث.\nوقال الدارقطني: يكذب، وعدَّه في المتروكين. وقال العجلي: متروك الحديث. انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر (١٠/ ٢٥٢ - ٢٥٣).\nالرواية الخامسة: عن عكرمة قال: «دخل النبي - ﷺ - يومًا بيت زيد، فرأى زينب وهي بنت عمته، فكأنها وقعت في نفسه، فأنزل الله: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ)».\nذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٨٥)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر.\nوهذه الرواية ضعيفة؛ لإرسالها من قبل عكرمة، وتعليقها من قبل السيوطي.\nالرواية السادسة: عن الشعبي: «أن رسول الله - ﷺ - رأى زينب بنت جحش فقال: =","vol":"1","page":713},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث:</span>\nظاهر هذه الرواية، وما ورد في معناها من الروايات الأخرى، أنَّ النبي - ﷺ - وقع منه استحسان لزينب بنت جحش ﵂، وهي في عصمة زيد - ﵁ -، وأنَّ النبي - ﷺ - كان حريصًا على أن يُطلقها زيد فيتزوجها هو، وهذه الرواية مشكلة؛ لما فيها من القدح بعصمة النبي - ﷺ -، والنيل من مقامه الشريف. (١)\n_________\n= سبحان الله، مقلب القلوب. فقال زيد بن حارثة: ألا أطلقها يا رسول الله؟ فقال: أمسك عليك زوجك؛ فأنزل الله ﷿: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ)».\nأخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٣١٦) قال: ثنا الساجي، ثنا الحسن بن علي الواسطي قال: ثنا علي بن نوح، ثنا محمد بن كثير، ثنا سليم مولى الشعبي، عن الشعبي، به.\nوأعله ابن عدي بسليم مولى الشعبي، وضعفه. وهو مرسل أيضًا.\nالرواية السابعة: عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة: «أن رسول الله - ﷺ - جاء بيت زيد بن حارثة، فاستأذن، فأذنت له زينب، ولا خمار عليها، فألقت كم درعها على رأسها، فسألها عن زيد، فقالت: ذهب قريبًا يا رسول الله، فقام رسول الله - ﷺ - وله همهمة، قالت زينب: فاتبعته، فسمعته يقول: تبارك مصرف القلوب، فما زال يقولها حتى تغيب».\nأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٤٤) قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا الحسن بن علي الحلواني، ثنا محمد بن خالد بن عثمة، حدثني موسى بن يعقوب، عن عبد الرحمن بن المنيب، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، به.\nوأبو بكر بن أبي حثمة، تابعي، ذكره الحافظ ابن حجر في التقريب (٢/ ٤٠٤) وقال: مدني ثقة، من الرابعة، روى له البخاري ومسلم مقرونًا بغيره.\nوهذه الرواية فيها علتان:\nالأولى: أنها مرسلة، والثانية: جهالة عبد الرحمن بن المنيب، فلم أقف على ترجمته.\n(١) انظر: حكاية الإشكال في الكتب الآتية: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (٢/ ١١٧)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (١/ ٤٠٦)، وعصمة الأنبياء، للرازي، ص (٨٨)، ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (١/ ٣٢٥).","vol":"1","page":714},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث:</span>\nللعلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث مسلكان:\nالأول: مسلك رد الحديث وإنكاره؛ وذلك لعدم ثبوته، ولما فيه من القدح بعصمة\nالنبي - ﷺ -.\nويرى أصحاب هذا المسلك: أنَّ الصواب في سبب نزول الآية: أنَّ النبي - ﷺ - كان قد أوحى الله إليه أنَّ زيدًا يطلق زينب، وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها له، فلما تشكى زيد للنبي - ﷺ - خلق زينب، وأنها لا تطيعه، وأعلمه بأنه يريد طلاقها، قال له رسول الله - ﷺ - على جهة الأدب والوصية: اتق الله، أي في أقوالك، وأمسك عليك زوجك، وهو يعلم أنه سيفارقها، وهذا هو الذي أخفى في نفسه، ولم يُرِدْ أن يأمره بالطلاق، لما علم من أنه سيتزوجها، وخشي رسول الله - ﷺ - أن يلحقه قول من الناس في أن تزوج زينب بعد زيد وهو مولاه، وقد أمره بطلاقها؛ فعاتبه الله تعالى على هذا القدر من أن خشي الناس في أمر قد أباحه الله تعالى له. (١)\nوهذا المذهب روي عن: علي بن الحسين (٢)، والزهري (٣)، والسدي (٤).\nوذكر القرطبيان: أنَّ هذا القول هو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين، والعلماء الراسخين. (٥)\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز، لابن عطية (٤/ ٣٨٦).\n(٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٠/ ٣٠٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٣١٣٥، ٣١٣٧)، كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن علي بن الحسين، به.\nوإسناده ضعيف؛ لضعف علي بن زيد بن جدعان.\n(٣) نقله عنه: القاضي عياض، في الشفا (٢/ ١١٧)، وأبو العباس القرطبي، في المفهم (١/ ٤٠٦).\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٣١٣٧)، معلقًا.\n(٥) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (١/ ٤٠٦)، وتفسير القرطبي (١٤/ ١٢٣).","vol":"1","page":715},{"text":"وممن قال به:\nأبو بكر الباقلاني، وبكر بن العلاء القشيري، وابن حزم، والبغوي، وابن العربي، والثعلبي، والقاضي عياض، وأبو العباس القرطبي، وأبو عبد الله القرطبي، والقاضي أبو يعلى، وابن كثير، والتفتازاني، وابن القيم، وابن حجر، وابن عادل، والآلوسي، والقاسمي، ورحمة الله بن خليل الرحمن الهندي (١)، وابن عاشور، والشنقيطي، وابن عثيمين. (٢)\nقال القاضي عياض: «اعلم - أكرمك الله - ولا تسترب في تنزيه النبي - ﷺ - عن هذا الظاهر، وأن يأمر زيدًا بإمساكها، وهو يحب تطليقه إياها، كما ذُكِرَ عن جماعة من المفسرين، وأصح ما في هذا: ما حكاه أهل التفسير، عن علي بن حسين: أنَّ الله تعالى كان أعلم نبيه أنَّ زينب ستكون من أزواجه، فلما شكاها إليه زيد قال له: أمسك عليك زوجك واتق الله. وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به من أنه سيتزوجها مما الله مبديه ومظهره بتمام التزويج وتطليق زيد لها». اهـ (٣)\nوقال أبو العباس القرطبي: «وقد اجترأ بعض المفسرين في تفسير هذه الآية، ونسب إلى رسول الله - ﷺ - ما لا يليق به ويستحيل عليه، إذ قد عصمه الله منه ونزهه عن مثله، وهذا القول إنما يصدر عن جاهلٍ بعصمته ﵊، عن مثل هذا، أو مُسْتَخِفٍّ بحرمته، والذي عليه أهل التحقيق من\n_________\n(١) هو: رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي الحنفي، نزيل الحرمين: باحث، عالم بالدين والمناظرة. جاور بمكة وتوفي بها. له كتب منها (التنبيهات في إثبات الاحتياج إلى البعثة والحشر والميقات) و(إظهار الحق)، وهو من أفضل الكتب في موضوعه، (ت: ١٣٠٦ هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٣/ ١٨).\n(٢) انظر على الترتيب: الانتصار للقرآن، للباقلاني (٢/ ٧٠٤)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض (٢/ ١١٨)، وفيه النقل عن القشيري، والفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (٢/ ٣١٢)، وتفسير البغوي (٣/ ٥٣٢)، وأحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٥٧٧)، والكشف والبيان، للثعلبي (٨/ ٤٨)، والشفا، للقاضي عياض (٢/ ١١٧)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (١/ ٤٠٦)، وتفسير القرطبي (١٤/ ١٢٣)، وزاد المسير، لابن الجوزي (٦/ ٢١٠)، وفيه النقل عن أبي يعلى، وتفسير ابن كثير (٣/ ٤٩٩)، وشرح المقاصد في علم الكلام، للتفتازاني (٢/ ١٩٨)، وزاد المعاد، لابن القيم (٤/ ٢٦٦)، وفتح الباري، لابن حجر (٨/ ٣٨٤)، واللباب في علوم الكتاب، لابن عادل الحنبلي (١٥/ ٥٥٤)، وروح المعاني، للآلوسي (٢٢/ ٢٧٨)، ومحاسن التأويل، للقاسمي (٨/ ٨٣)، وإظهار الحق، للهندي (٤/ ١٣٢٧ - ١٣٣٠)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (٢٢/ ٣١)، وأضواء البيان، للشنقيطي (٦/ ٥٨٠ - ٥٨٣)، ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (١/ ٣٢٥).\n(٣) الشفا (٢/ ١١٧)، وانظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم، له (١/ ٥٣١).","vol":"1","page":716},{"text":"المفسرين والعلماء الراسخين: أنَّ ذلك القول الشنيع ليس بصحيح، ولا يليق بذوي المروءات، فأحرى بخير البريات، وأن تلك الآية إنما تفسيرها ما حُكي عن علي بن حسين ....». اهـ (١)\nأدلة هذا المسلك:\nاستدل أصحاب هذا المسلك بأدلة منها:\nالأول: أنَّ الله تعالى أخبر أنه مُظهِرٌ ما كان يخفيه النبي - ﷺ -، فقال: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ)، ولم يُظهرْ سبحانه غير تزويجها منه، حيث قال: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا)، فلو كان الذي أضمره رسول الله - ﷺ - محبتها أو إرادة طلاقها؛ لأظهر الله تعالى ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يُخبر أنه يُظهرِهُ ثم يكتمه فلا يظهره، فدل على أنه إنما عُوتِبَ على إخفاء ما أعلمه الله إياه: أنها ستكون زوجة له، لا ما ادعاه هؤلاء أنه أحبها، ولو كان هذا هو الذي أخفاه لأظهره الله تعالى كما وعد. (٢)\nالدليل الثاني: أنَّ الله تعالى قال بعد هذه الآية: (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ) [الأحزاب: ٣٨]، وهذه الآية تدل على أنه - ﷺ - لم يكن عليه حرج في زواجه من زينب ﵂، ولو كان على ما روي من أنه أحبها وتمنى طلاق زيدٍ لها، لكان فيه أعظم الحرج؛ لأنه لا يليق به مدَّ عينيه إلى نساء الغير، وقد نُهي عن ذلك في قوله تعالى: (لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨» [الحجر: ٨٨]. (٣)\nالدليل الثالث: أن زينب ﵂ هي بنت عمة النبي - ﷺ - (٤)، ولم يزل يراها منذ ولِدَت، وكان معها في كل وقت وموضع، ولم يكن حينئذ حجاب، وهو الذي زوجها لمولاه زيد، فكيف تنشأُ معه، وينشأُ معها، ويلحظها في كل\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١/ ٤٠٦)، باختصار.\n(٢) انظر: تفسير البغوي (٣/ ٥٣٢)، والشفا، للقاضي عياض (٢/ ١١٧)، وأضواء البيان، للشنقيطي (٦/ ٥٨٢ - ٥٨٣).\n(٣) انظر: الشفا (٢/ ١١٨)، وأحكام القرآن، لابن العربي (٣/ ٥٧٨)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١/ ٤٠٦).\n(٤) لأن أمها أميمة بنت عبد المطلب.","vol":"1","page":717},{"text":"ساعة، ولا تقع في قلبه إلا بعد أن تزوجها زيد، وقد كانت وهبت نفسها للنبي - ﷺ - وكرهت غيره، فلم تخطر بباله - ﷺ -، فكيف يتجدد لها هوىً لم يكن، حاشاه - ﷺ - من ذلك، وهذا كله يدل على بطلان القصة، وأنها مختلقة موضوعة. (١)\nالدليل الرابع: أنَّ الله تعالى بيّن الحكمة من زواجه - ﷺ - بزينب، فقال: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا)، وهذا تعليل صريح بأن الحكمة هي قطع تحريم أزواج الأدعياء، وكون الله هو الذي زوجه إياها لهذه الحكمة العظيمة، صريح في أنَّ سبب زواجه إياها ليس هو محبته لها، التي كانت سببًا في طلاق زيد لها، كما زعموا، ويوضحه قوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا)؛ لأنه يدل على أنَّ زيدًا قضى وطره منها، ولم تبق له بها حاجة، فطلقها باختياره. (٢)\nالثاني: مسلك قبول الحديث واعتماده، وجعله سببًا في نزول الآية.\nويرى أصحاب هذا المسلك: أنَّ النبي - ﷺ - وقع منه استحسان لزينب، وهي في عصمة زيد، وكان حريصًا على أن يطلقها زيد فيتزوجها هو، ثم إن زيدًا لما أخبره أنه يريد فراقها، ويشكو منها غلظة قول، وعصيان أمر، وأذىً باللسان، وتعظمًا بالشرف، قال له: اتق الله فيما تقول عنها، وأمسك عليك زوجك. وهو يخفي الحرص على طلاق زيدٍ إياها، وهذا هو الذي كان يخفي في نفسه، ولكنه لزم ما يجب من الأمر بالمعروف، قالوا: وخشي النبي - ﷺ - قالة الناس في ذلك، فعاتبه الله تعالى على جميع هذا. (٣)\nوهذا المذهب روي عن: قتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وعكرمة، ومحمد بن يحيى بن حبان، ومقاتل، والشعبي (٤)، وابن جريج (٥).\n_________\n(١) انظر: الشفا (٢/ ١١٨)، وأحكام القرآن، لابن العربي (٣/ ٥٧٧).\n(٢) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (٦/ ٥٨٣).\n(٣) انظر: المحرر الوجيز، لابن عطية (٤/ ٣٨٦).\n(٤) تقدم تخريج أقوالهم في أول المسألة.\n(٥) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٤/ ٤٣).","vol":"1","page":718},{"text":"وهو اختيار: ابن جرير الطبري، والزمخشري، والبيضاوي، وأبي السعود، وابن جزي، والعيني، والسيوطي. (١)\nقال ابن جرير الطبري: «ذُكِر أنَّ النبي - ﷺ - رأى زينب بنت جحش فأعجبته، وهي في حبال مولاه، فألقي في نفس زيد كراهتها، لما علم الله مما وقع في نفس نبيه - ﷺ - ما وقع، فأراد فراقها، فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال له رسول الله - ﷺ -: أمسك عليك زوجك، وهو - ﷺ - يحب أن تكون قد بانت منه لينكحها، واتق الله، وخفِ الله في الواجب عليك في زوجتك، (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) يقول: وتخفي في نفسك محبة فراقه إياها، لتتزوجها إن هو فارقها، والله مبدٍ ما تخفي في نفسك من ذلك، (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ) يقول تعالى ذكره: وتخاف أن يقول الناس: أمر رجلًا بطلاق امرأته ونكحها حين طلقها، والله أحق أن تخشاه من الناس». اهـ (٢)\nأدلة هذا المسلك:\nاستدل أصحاب هذا المسلك بأدلة منها:\nالأول: الروايات الواردة في سبب نزول الآية.\nواعتُرِضَ: بأن هذه الروايات ضعيفة، وليس فيها شيء يصح.\nالدليل الثاني: أنه قد روي عن عائشة (٣)، وأنس (٤) - ﵄ - أنهما قالا: «لَوْ كَانَ رَسُولُ - ﷺ - كَاتِمًا شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ)».\nقالوا: وهذا يدل على أنه - ﷺ - وقع منه استحسان لزينب، وأنه كان يخفي ذلك، حتى أظهره الله تعالى.\n_________\n(١) انظر: على الترتيب: تفسير الطبري (١٠/ ٣٠٢)، والكشاف، للزمخشري (٣/ ٥٢٤)، وتفسير البيضاوي (٤/ ٣٧٦)، وتفسير أبي السعود (٧/ ١٠٥)، والتسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (٢/ ١٥٢)، وعمدة القاري، للعيني (١٩/ ١١٩)، ومعترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي (٢/ ٤٠٧).\n(٢) تفسير الطبري (١٠/ ٣٠٢).\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٧٧).\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التوحيد، حديث (٧٤٢٠).","vol":"1","page":719},{"text":"واعتُرِضَ: بأن مراد عائشة، وأنس ﵄: أنَّ رغبة النبي - ﷺ - في تزوج زينب، كان سرًا في نفسه لم يُطلِعْ عليه أحدًا، إذ لم يؤمر بتبليغه إلى أحد، وعلى ذلك السر انبنى ما صدر منه لزيد في قوله: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ)، ولما طلقها زيد ورام تزوجها، علم أنَّ المنافقين سيرجفون بالسوء، فلما أمره الله بذكر ذلك للأمة، وتبليغ خبره، بَلَّغَهُ ولم يكتمه، مع أنه ليس في كتمه تعطيل شرع، ولا نقص مصلحة، فلو كان كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية، التي هي حكاية سِرٍّ في نفسه، وبينه وبين ربه تعالى، ولكنه لما كان وحيًا بلغه؛ لأنه مأمور بتبليغ كل ما أنزل إليه. (١)\nويرى أصحاب هذا المسلك أن ما فعله النبي - ﷺ - من تعلقه بزينب، ليس بمستهجن ولا بمستقبح، لأن طموح قلب الإنسان إلى بعض مشتهياته من امرأة أو غيرها غير موصوف بالقبح في العقل ولا في الشرع؛ لأنه ليس بفعل الإنسان، ولا وجوده باختياره، وتناول المباح بالطريق الشرعي ليس بقبيح أيضًا، وهو خطبة زينب ونكاحها من غير استنزال زيد عنها، ولا طلب إليه وهو أقرب منه من زر قميصه أن يواسيه بمفارقتها، مع قوة العلم بأن نفس زيد لم تكن من التعلق بها في شيء، بل كانت تجفوا عنها ونفس رسول الله - ﷺ - متعلقة بها، ولم يكن مستنكرًا عندهم أن ينزل الرجل عن امرأته لصديقه، ولا مستهجنًا إذا نزل عنها أن ينكحها الآخر؛ فإن المهاجرين حين دخلوا المدينة استهم الأنصار بكل شيء، حتى إن الرجل منهم إذا كانت له امرأتان نزل عن إحداهما وأنكحها المهاجر.\nوكم من شيء يتحفظ منه الإنسان ويستحي من إطلاع الناس عليه، وهو في نفسه مباح متسع، وحلال مطلق، لا مقال فيه ولا عيب عند الله، وربما كان الدخول في ذلك المباح سلمًا إلى حصول واجبات يعظم أثرها في الدين ويجل ثوابها. (٢)\n_________\n(١) انظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢٢/ ٣٧).\n(٢) انظر: الكشاف، للزمخشري (٣/ ٥٢٥ - ٥٢٦).","vol":"1","page":720},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>المبحث الخامس: الترجيح:</span>\nالذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو ضعف القصة، وأنَّ الآية لا يصح في سبب نزولها إلا حديث أنس - ﵁ - أنه قال: «جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَشْكُو، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ، وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ» (١)، وهذا الحديث ليس فيه شيء مما ذُكِرَ في هذه القصة، فيجب الاقتصار عليه، وطرح ما سواه من الروايات الضعيفة.\nومما يدل على ضعف القصة:\n١ - أنها لم تُرْوَ بسند متصل صحيح، وكل الروايات الواردة فيها، إما أنها مرسلة، أو أنَّ في أسانيدها ضعفاء أو متروكين.\n٢ - تناقض روايات هذه القصة واضطرابها، ففي رواية محمد بن يحيى بن حبان: أنَّ النبي - ﷺ - جاء يطلب زيدًا في بيته، وأن زينب خرجت له فُضلًا متكشفة، وأما رواية ابن زيد ففيها أنَّ زينب لم تخرج إليه، وإنما رفعت الريح الستر فانكشفت وهي في حجرتها حاسرة، فرآها النبي - ﷺ -، وتأتي رواية أبي بكر بن أبي حثمة فتخالف هاتين الروايتين، وتدعي أنَّ رسول الله - ﷺ - استأذن عليها، فأذنت له ولا خمار عليها، وهذا الاضطراب والتناقض بين الروايات يدل دلالة واضحة على ضعف القصة وبطلانها.\n٣ - أنَّ هذه الروايات مخالفة للرواية الصحيحة (٢) الواردة في سبب نزول\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التوحيد، حديث (٧٤٢٠).\nوأخرجه في كتاب التفسير، حديث (٤٧٨٧)، عن أنس - ﵁ -، بلفظ: «أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) نَزَلَتْ فِي شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ».\nوأخرجه الترمذي، في سننه، في كتاب التفسير، حديث (٣٢١٢)، عن أنس، بلفظ: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ) فِي شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، جَاءَ زَيْدٌ يَشْكُو، فَهَمَّ بِطَلَاقِهَا، فَاسْتَأْمَرَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ». قال الترمذي: «حديث حسن صحيح».\n(٢) هي رواية أنس - ﵁ - المتقدمة في أول الترجيح، وهي في البخاري.","vol":"1","page":721},{"text":"الآية، والتي فيها أنَّ زيدًا جاء يشكو للنبي - ﷺ -، ولم تذكر هذه الرواية شيئًا عن سبب شكواه، وهي صريحة بأنه جاء يشكو شيئًا ما (١)، وأما تلك الروايات\n_________\n(١) جاء في رواية ضعيفة التصريح بنوع الشكاية التي عرضها زيد على النبي - ﷺ -، فعن الكميت بن زيد الأسدي قال: حدثني مذكور - مولى زينب بنت جحش - عن زينب بنت جحش ﵂ قالت: خطبني عدة من قريش، فأرسلت أختي حمنة إلى رسول الله - ﷺ - أستشيره، فقال لها رسول الله - ﷺ -: أين هي ممن يعلمها كتاب ربها، وسنة نبيها. قالت: ومن هو يا رسول الله؟ قال: زيد بن حارثة. قال: فغضبت حمنة غضبًا شديدًا، وقالت: يا رسول الله، أتُزَوِّجُ بنتَ عمتك مولاك؟ قالت زينب: ثم أتتني فأخبرتني بذلك، فقلت أشد من قولها وغضبت أشد من غضبها؛ فأنزل الله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [الأحزاب: ٣٦] قالت: فأرسلتُ إلى رسول الله - ﷺ -، وقلت: إني استغفر الله، وأطيع الله ورسوله، افعل ما رأيت، فزوجني زيدًا، وكنت أرثي عليه، فشكاني إلى رسول الله - ﷺ -، فعاتبني رسول الله - ﷺ -، ثم عدت فأخذته بلساني، فشكاني إلى رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: أمسك عليك زوجك واتق الله. فقال: يا رسول الله، أنا أطلقها. قالت: فطلقني، فلما انقضت عدتي، لم أعلم إلا ورسول الله - ﷺ - قد دخل علي ببيتي، وأنا مكشوفة الشعر، فقلت: إنه أمر من السماء .. فقلت: يا رسول الله، بلا خطبة، ولا إشهاد؟ فقال: الله المزوج، وجبريل الشاهد».\nأخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٥١)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٣٩)، والبيهقي في السنن الكبرى\n(٧/ ١٣٦)، والدارقطني في سننه (٣/ ٣٠١)، وابن عساكر في تاريخه (١٩/ ٣٥٧)، جميعهم من طريق: الحسين بن أبي السري، العسقلاني، عن الحسن بن محمد بن أعين الحراني، عن حفص بن سليمان، عن الكميت بن زيد الأسدي، به.\nوالحديث ضعيف، في إسناده:\n«الحسين بن أبي السري»، ضعفه أبو داود، واتُهم بالكذب. انظر: تهذيب التهذيب (٢/ ٣١٤).\nو«حفص بن سليمان الأسدي» متروك الحديث. انظر: تهذيب التهذيب (٢/ ٣٤٥).\nوأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره معلقًا (٩/ ٣١٣٧)، عن السدي، في قوله: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ) قال: «بلغنا أن هذه الآية أنزلت في زينب بنت جحش ﵂، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله - ﷺ -، فأراد أن يزوجها زيد بن حارثة ﵁، فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله - ﷺ -، فزوجها إياه، ثم أعلم الله نبيه - ﷺ - بَعْدُ أنها من أزواجه، فكان يستحي أن يأمر زيد بن حارثة بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب بعض ما يكون بين الناس، فيأمره رسول الله - ﷺ - أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه، أن يقولوا: تزوج امرأة ابنه، وكان رسول الله - ﷺ - قد تبنى زيدًا».","vol":"1","page":722},{"text":"الضعيفة فتدعي أنَّ زيدًا عرض طلاقها على النبي - ﷺ -، نزولًا عند رغبته، لما رأى من تعلقه بها.\n٤ - أنَّ هذه الروايات فيها قدح بعصمة النبي - ﷺ -، ونيل من مقامه الشريف، فيجب ردها وعدم قبولها، وتنزيه مقام النبي - ﷺ - عن مثل هذه القصص.\n٥ - أنَّ الآيات النازلة بسبب القصة ليس فيها ما يفيد أنَّ النبي - ﷺ - وقع منه استحسان لزينب ﵂، وقد تقدم وجه دلالتها على هذا المعنى، في أدلة المذهب الأول، والله تعالى أعلم.\n****","vol":"1","page":723},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>خاتمة البحث</span>\nالحمد لله الذي منَّ علي بإتمام هذا البحث، والذي عشتُ معه قرابة خمس سنوات، جامعًا ودارسًا لأحاديث المصطفى - ﷺ -، التي وردت في تفسير كتاب الله تعالى وأوهم ظاهرها معنىً مشكلًا، وقد خرجت بحمد الله تعالى بجملة من الفوائد والنتائج رأيت أنْ أُجملها في النقاط الآتية:\n١ - يُعد موضوع الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم من الموضوعات المهمة التي لم تحضَ بعناية كبيرة في مجال الدراسات القرآنية، إذ لم يتطرق له الأوائل ولا الأواخر بتصنيف مستقل، على الرغم من عنايتهم واهتمامهم بمشكل القرآن ومشكل الحديث عامة، ومن خلال استقرائي لكتب مشكل القرآن ومشكل الحديث فقد لاحظت أن المؤلفين في هذا المجال كان جُلُّ اهتمامهم هو التوفيق بين الآيات أو الأحاديث موهمة الاختلاف فيما بينها، أو التي يُوهِمُ ظاهرها معنىً مشكلًا، وأما الأحاديث المشكلة في التفسير بأنواعها الثلاثة (١) فلم يتوسعوا في دراستها، بله إفرادها بالتصنيف؛ لذا فإنَّ هذا البحث يُعد نافذة جديدة في مجال الدراسات القرآنية، والذي أسأل الله تعالى بمنه وفضله أنْ ينفع به.\n٢ - في هذا البحث إضافة جديدة في مجال الدراسات القرآنية المتخصصة في رد الشبهات التي تُثار ضد القرآن الكريم والسنة النبوية، ونحن في هذا العصر بأمس الحاجة للدراسات الأكاديمية المتخصصة التي تُعنى بالتصدي لكل ما يُثار حول ديننا وثقافتنا الإسلامية، خاصة المصدرين الأساسيين وهما الكتاب والسنة.\n_________\n(١) وهي: الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع القرآن الكريم، والأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما، ويُوهِمُ ظاهرها التعارض فيما بينها، والأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما، ويُوهِمُ ظاهرها معنىً مشكلًا.","vol":"1","page":724},{"text":"٣ - برَّز عدد من الصحابة في هذا الموضوع، وقد كان لبعضهم عناية كبيرة بأحاديث التفسير المشكلة، ومن أشهر هؤلاء: أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق، ﵂ وعن أبيها، وعن الصحابة أجمعين، وقد كان لها إسهامات مميزة في معالجة النصوص التي يُوهِمُ ظاهرها معنى مشكلًا، خاصة في مجال أحاديث التفسير.\n٤ - برَّزَ عدد من علماء التفسير والحديث في هذا الموضوع، وظهرت عنايتهم الكبيرة بدفع كل ما يُوهِمُ التعارض بين الكتاب والسنة، ومن أشهر من برَّز من المفسرين: الإمام الآلوسي، وأبو عبد الله القرطبي، صاحب التفسير، والحافظ ابن كثير، والقاضي ابن عطية، ومن المحدثين: الحافظ ابن حجر، والقاضي عياض، والإمام النووي.\n٥ - تميز هذا البحث بجِدَتِه وأصالته، حيث تناول غالب الأحاديث المشكلة في التفسير، وعمل على عرضها بطريقة علمية مؤصلة، وذلك بتحرير الإشكال فيها، وعرض مسالك ومذاهب العلماء في دفع الإشكال عنها، مع مناقشة تلك المذاهب بذكر الإيرادات والاعتراضات عليها، ومن ثم الترجيح وبيان الرأي الأقوى في دفع الإشكال، مع ذكر الحجة التي تسانده وتعضده.\n٦ - تميز هذا البحث ببعض الإضافات العلمية، التي لا تكاد توجد محررة في موطنٍ آخر، ومن هذه الإضافات دفع الإشكال الوارد على حديث: «ثَلاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ»، وقد أشار الشنقيطي - ﵀ - إلى أنه لم يقف على تحرير شافٍ للإشكال الوارد في الحديث، بحيث يمكن الرجوع إليه، ولعل في دراستي لهذا الحديث تحريرًا وحلًا للإشكال الوارد فيه، والله المستعان. (١)\n٧ - في أثناء دراستي لتعريف المشكل لم أقف على تعريفٍ جامعٍ مانعٍ له، بحيث يمكن الرجوع إليه واعتماده في هذا الباب، وقد عملت - في محاولة متواضعة مني - على إيجاد تعريف جامعٍ له، يشمل معناه في اصطلاح المفسرين والمحدثين والأصوليين.\n_________\n(١) للمزيد: ينظر: ص (٥٦٢).","vol":"1","page":725},{"text":"٨ - من خلال استقرائي لكتب مشكل القرآن ومشكل الحديث ظهر لي أن الآيات أو الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها معارضة أصلٍ لغوي، أو حقيقةٍ علمية ثابتة، أو حسٍ، أو معقول، لم تلقَ عناية كبيرة من العلماء، ولم يفرد من قبل بالتصنيف، لذا فإن هذا الموضوع يُعد من الموضوعات الجديرة بالدراسة والتحقيق، وهو مكمل لما أُلف قديمًا وحديثًا حول مشكل القرآن والحديث.\n٩ - في أثناء الدراسة تبين لي أنَّ من الأسباب التي توهم الإشكال في الأحاديث هو وقوع الخطأ من الرواة في نقل لفظ الحديث، فتجد أحدهم ينقل الحديث بغير لفظه الذي قاله النبي - ﷺ -؛ فيوهم معنى مشكلًا (١)، أو يروي حديثًا مرفوعًا للنبي - ﷺ -، وفي هذا الحديث من الغرابة والإشكال ما يستحيل معه أن يكون من كلام النبي - ﷺ -، وعند التحقيق يتبين خطأ رفعه، وأنَّ أصل الحديث يعود لرواية إسرائيلية (٢)، أو غير ذلك.\n١٠ - معرفة سبب النزول، وسبب ورود الحديث، مهمان للغاية في دفع التعارض بين النصوص الشرعية، إذ معرفة السبب تعين على فهم الآية والحديث ومعرفة المراد منهما، وبالتالي يسهل التوفيق بينهما عند التعارض.\n١١ - أن إنكار المجاز - والقول بوجوب حمل النصوص الشرعية على الحقيقة في كل الأحوال، وإن كان هناك قرينة على إرادة المجاز - رأي ينبغي إعادة النظر فيه؛ إذ القول بهذا الرأي ينشأ عنه تناقض بين النصوص الشرعية لا يمكن التخلص منه إلا بتكلف، والواجب هو التعامل مع النصوص الشرعية حسب الأساليب المتعارف عليها عند العرب، حيث كان القرآن ينزل بلغتهم ويخاطبهم وفق الأساليب التي تعارفوا عليها. (٣)\n١٢ - قد يتجاذب النصين دلالتان، وفي كلٍ من الدلالتين ما يُوهِمُ معارضة الدلالة الأخرى، فيظن الناظر أن هذا تعارض بين النصوص الشرعية، لكن عند التحقيق يتبين ضعف أحد الدلالتين، مما يؤكد أهمية معرفة دلالات\n_________\n(١) للأمثلة ينظر: ص (٩٤، ١٨١، ٣٨٨، ٥١٠).\n(٢) للأمثلة ينظر: ص (٢٣٦، ٥٣٩).\n(٣) للأمثلة ينظر: ص (٦٦٥).","vol":"1","page":726},{"text":"النصوص الشرعية، وأهمية التفريق بينها. (١)\n١٣ - اشتهرت عند عامة المفسرين والفقهاء قاعدة «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب»، وهذه القاعدة في نظري ينبغي تقييدها فيقال بالعموم إلا أن يأتي دليل على التخصيص؛ وقد قرر ذلك بعض الأئمة بأنه لا مانع من قصر اللفظ العام على سببه، لدليل يوجب ذلك. (٢)\n١٤ - أن النص الشرعي قد يرد على سبب خاص، وقد يرد ابتداء من غير سبب، فإذا تعارضا في العموم فإن عموم النص الوارد ابتداء من غير سبب، أقوى وأولى بالتقديم من عموم النص الوارد على سبب خاص. (٣)\n١٥ - أنَّ قصر بعض أفراد العام على سببه، أولى من قصر جميع أفراده على سبب النزول؛ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (٤)\n١٦ - أن دعوى الإجماع لا بُدَّ وأن يكون لها مستند من كتاب أو سنة، وأنْ لا تخالف شيئًا من النصوص، وغالبًا ما يُحكى الإجماع ولا تجد له أصلًا، أو يكون أصله مختلف في حجيته، وتحقق ثبوت الإجماع عزيزٌ قَلَّ أنْ يثبت. (٥)\n١٧ - أن الإمام مسلم قد يروي حديثًا مشكلًا في صحيحه، فيظن الناظر لأول وهلة أن الحديث صحيح، لكنه عند التحقيق يتبين أن الإمام مسلم رواه بالمتابعات لا في الأصول، وما رواه بالمتابعات ليس هو في درجة ما رواه في الأصول من حيث القوة، كما نص على ذلك الأئمة، وعليه فينبغي التفريق في العزو بين ما رواه في الأصول وما رواه بالمتابعات، ليتميز الحديث قوة وضعفًا. (٦)\n١٨ - يُعد موضوع فقه الخلاف ومنهج التعامل مع المخالف من الموضوعات التي لم تحض بعناية كبيرة من قبل العلماء، من حيث الدراسة والتقعيد والتنظير، وهو جدير بالدراسة والتأصيل، وفي أثناء دراستي لبعض\n_________\n(١) للأمثلة ينظر: ص (٧٦).\n(٢) للأمثلة ينظر: ص (١٢٣).\n(٣) للأمثلة ينظر: ص (١٢٣).\n(٤) للأمثلة ينظر: ص (١٢٤).\n(٥) للأمثلة ينظر: ص (٣٣٣، ٤٦٠).\n(٦) للأمثلة ينظر: ص (١٨١).","vol":"1","page":727},{"text":"نقاشات الصحابة، وتعقب بعضهم البعض، رأيت دقة فهمهم، وسلامة صدورهم، واحترامهم للرأي الآخر، فهذه عائشة ﵂ حينما ذُكِرَ عندها أن ابن عمر رفع إلى النبي - ﷺ -: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ» قَالَتْ: وَهَلَ؛ إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الْآنَ». قَالَتْ: وَذَاكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَامَ عَلَى الْقَلِيبِ، وَفِيهِ قَتْلَى بَدْرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ؛ فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ»، إِنَّمَا قَالَ: «إِنَّهُمْ الْآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ»، ثُمَّ قَرَأَتْ: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) [النمل: ٨٠] و(وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) [فاطر: ٢٢]».\nفهذه عائشة قد أنكرت على ابن عمر قوله، على علم ومسمع من الصحابة، ومع علمهم وسماعهم لحديث ابن عمر، ولم نجد أحدًا منهم شنَّع على عائشة أو رماها بسوء، مما يؤكد تحلي الصحابة رضوان الله عليهم بالأدب الجم في التعامل مع المخالف، وسلامة صدورهم واحترام بعضهم البعض، وإن مما ابتليت به الأمة في هذه الأزمنة ضيق العطن وعدم قبول رأي الآخر، والتشنيع على المخالف وإن كان له مستند من دليل شرعي، مما أوغر الصدور وزاد في الفرقة، والله المستعان.\n١٩ - من خلال الدراسة لم أقف بحمد الله على نصين متعارضين استحال الجمع بينهما، أو نص مشكل استحال حل إشكاله، وهذا مما يؤكد قطعية النصوص الشرعية، وأنها حق من عند الله تعالى، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وإن رام الأعداء هدم هذا الدين، والنيل منه، إلا أن الله متم نوره ولو كره الكافرون.\n٢٠ - أن معرفة مقاصد الشريعة يعد من الأهمية بمكان، بل هو الفقه الحقيقي، وأما النظر المجرد في النصوص الشرعية دون إلمام بمقاصدها ففيه قصور يوقع الفقيه في حيرة وتناقضات، وربما قاده فهمه الخاطئ إلى انحراف في السلوك أو الاعتقاد.\n٢١ - من خلال الدراسة تبين أهمية معرفة الأدوات والأساليب اللغوية التي كان العرب يتخاطبون بها، وقد نزل القرآن بلغتهم وخاطبهم بالأساليب التي تعارفوا عليها، فيجب على الناظر في تفسير آيات القرآن الكريم أن يكون","vol":"1","page":728},{"text":"ملمًا بهذه الأساليب حتى لا يعتقد معنىً غير مراد في النص فينشأ عنده إشكال بسبب فهمه لا بسبب النص.\n٢٢ - دخول الإسرائيليات في علم التفسير أثر سلبًا على هذا العلم، فكان من نتائجه وقوع الغلط من بعض الرواة والمفسرين، حيث أدخلوا بعض الروايات الإسرائيلية في التفسير ظنًا منهم أنها من كلام النبي - ﷺ -، وقد يكون في بعض هذه الروايات من الغرابة والإشكال ما يستحيل معه أن يكون من كلام النبي - ﷺ -، وهذا مما يؤكد أهمية دراسة المروي عن النبي - ﷺ - في التفسير، دراسة علمية تختص بنقد المتون أكثر منها في نقد الأسانيد؛ إذ الثاني قد أخذ حظه من الدراسة والتحقيق بخلاف الأول.\n٢٣ - يُعد جمعُ رواياتِ الحديث وألفاظِه من أهم العوامل المساعدة في الكشف عن علل الحديث، وفي أثناء دراستي لعلل بعض أحاديث التفسير المشكلة تبين لي أنَّ هذا اللون من التحقيق لم يلقَ عناية كبيرة من العلماء رحمهم الله تعالى، وقد تميز هذا البحث بالاستطراد في شرح علل الحديث وبيان مخارجه، ومن ثَمَّ معرفة الخلل ومنشأ الإشكال، والذي غالبًا ما يكون بسبب وهْمٍ من أحد الرواة.\n٢٤ - بلغ مجموع الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم - التي تمت دراستها - ستة وسبعين حديثًا، وهذه الأحاديث وقفت عليها بعد طول استقراء في كتب التفسير، والحديث، وغيرها، وقد اقتصرتُ على دراسة ما رُويَ في الكتب التسعة فقط.\n٢٥ - بلغ مجموع أحاديث التفسير المشكلة الواردة في الصحيحين - التي تمت دراستها - سبعة وأربعين حديثًا.\n٢٦ - وبلغ مجموع الأحاديث التي كان منشأَ الإشكال فيها وَهْمٌ من بعض الرواة أحد عشر حديثًا، عشرة منها جاءت في الصحيحين.\n٢٧ - وبلغ مجموع الأحاديث المشكلة - التي ثبت بعد الدراسة والتحقيق أنها ضعيفة - خمسة عشر حديثًا.\nهذا والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\n\n****","vol":"1","page":729},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>مُلخص البحث</span>\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:\nفهذا ملخص لرسالة الدكتوراه المعنونة بـ:\nالأَحَادِيثُ المُشْكِلَة الوَارِدَةُ في تَفْسِيرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، مِنْ خِلالِ الكُتُبِ التِّسْعَةِ، جمعًا ودراسة\nإعداد: أحمد بن عبد العزيز المقرن القصير\nوتتكون الرسالة من مقدمة، وقسمين وخاتمة:\nالمقدمة: وتحتوي على أهمية البحث، وخطة البحث، والمنهج المتبع فيه.\nالقسم الأول: ويحتوي على دراسة نظرية في الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، وقد تناولت في هذا القسم تعريف المشكل والتعارض، وأسباب وقوع التعارض، وشروطه، ومسالك العلماء في دفعه، ثم بينت المراد بالأحاديث المشكلة الواردة في التفسير، وختمت هذا القسم ببيان عناية العلماء بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم.\nالقسم الثاني: وهو عبارة عن دراسة تطبيقية للأحاديث المشكلة الواردة في التفسير، وقد جعلته في ثلاثة فصول:\nالأول: وفيه دراسة الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع القرآن الكريم.\nالثاني: وفيه دراسة الأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما ويُوهِمُ ظاهرها التعارض فيما بينها.\nالثالث: وفيه دراسة الأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما ويُوهِمُ ظاهرها معنى مشكلًا.\nالخاتمة: وذكرت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث، وكان من أهمها:\n١ - أن هذا الموضوع يعد نافذة جديدة في مجال الدراسات القرآنية، حيث لم يفرد من قبل بالتصنيف.\n٢ - بلغ مجموع الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم - التي تمت دراستها - ستة وسبعين حديثًا، وهي على التفصيل الآتي:\nأحاديث التفسير المشكلة الواردة في الصحيحين سبعة وأربعين حديثًا، والأحاديث التي كان منشأَ الإشكال فيها وَهْمٌ من بعض الرواة أحد عشر حديثًا، عشرة منها جاءت في الصحيحين، وبلغ مجموع الأحاديث المشكلة - التي ثبت بعد الدراسة والتحقيق أنها ضعيفة - خمسة عشر حديثًا.\n* * * *","vol":"1","page":null}]}