{"ً":{"ٌ":7538,"ٍ":"السنة النبوية ومكانتها - با جمعان","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم الحديث/السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع الإسلامي ومكانتها من حيث الاحتجاج والعمل - باجمعان","files":["01-02_1.pdf"]},"ّ":"الكتاب: السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع الإسلامي ومكانتها من حيث الإحتجاج والعمل\nالمؤلف: محمد بن عبد الله باجمعان\nالناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة\nعدد الصفحات: ٥٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2020,"ٕ":10,"ٖ":1770155796,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"تمهيد في التعريف بمعاني السنة حسب اللغة والاصطلاح، وما تطلق عليه من المعاني","level":1,"page":5},{"title":"مدخل","level":2,"page":5},{"title":"المبحث الأول: تعريف السنة في اللغة، وبيان المعاني التي تطلق عليها","level":2,"page":6},{"title":"المطلب الأول: تعريف السنة في اللغة","level":3,"page":6},{"title":"المطلب الثاني: بيان المعاني التي تطلق عليها السنة","level":3,"page":7},{"title":"المبحث الثاني: تعريف السنة في الاصطلاح","level":2,"page":8},{"title":"المطلب الأول: تعريف السنة في الاصطلاح","level":3,"page":8},{"title":"المطلب الثاني: مفهوم السنة في القرون الأولى","level":3,"page":11},{"title":"الفصل الأول: مصادر التشريع الإسلامي","level":1,"page":14},{"title":"المبحث الأول: المصادر الأساسية للتشريع الإسلامي","level":2,"page":14},{"title":"المطلب الأول: المصدر الأول القرآن الكريم","level":3,"page":14},{"title":"المطلب الثاني: المصدر الثاني هو السنة النبوية","level":3,"page":16},{"title":"المبحث الثاني: المصادر الفرعية للتشريع الإسلامي","level":2,"page":18},{"title":"المطلب الأول: المصدر الأول: الإجماع","level":3,"page":18},{"title":"المطلب الثاني: المصدر الثاني: القياس","level":3,"page":23},{"title":"الفصل الثاني: مرتبة السنة النبوية في التشريع الإسلامي","level":1,"page":26},{"title":"مدخل","level":2,"page":26},{"title":"المبحث الأول: السنة بيان للقرآن الكريم، ووحي نزل بها جبريل ﵇ على الرسول ﷺ","level":2,"page":28},{"title":"المطلب الأول: السنة بيان للقرآن الكريم","level":3,"page":28},{"title":"المطلب الثاني: السنة وحي نزل بها جبريل ﵇ على الرسول ﷺ","level":3,"page":30},{"title":"المبحث الثاني: مكانة السنة من القرآن","level":2,"page":31},{"title":"المطلب الأول: مكانة السنة من القرآن من حيث الاحتجاج بها، وتكفل الله بحفظها","level":3,"page":31},{"title":"المطلب الثاني: مكانة السنة من القرآن من حيث ثبوتها وعدها المصدر الثاني للتشريع","level":3,"page":33},{"title":"هل السنة مقدمة على الكتاب عند التعارض؟","level":3,"page":36},{"title":"الفصل الثالث: مكانة السنة النبوية في التشريع الإسلامي من حيث الاحتجاج والعمل","level":1,"page":37},{"title":"مدخل","level":2,"page":37},{"title":"المبحث الأول: مكانة السنة النبوية في التشريع الإسلامي من حيث الاحتجاج بها","level":2,"page":39},{"title":"المطلب الأول: معنى حجية السنة ودليل ذلك","level":3,"page":39},{"title":"المطلب الثاني: حجية السنة عند علماء المسلمين، والأدلة على ذلك","level":3,"page":42},{"title":"المبحث الثاني: مكانة السنة النبوية في التشريع الإسلامي من حيث العمل بها","level":2,"page":50},{"title":"المطلب الأول: السنة كالقرآن من حيث وجوب العمل بها","level":3,"page":50},{"title":"المطلب الثاني: الأدلة على وجوب العمل بالسنة","level":3,"page":53},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":56},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":57}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":12,"1,12":13,"1,13":14,"1,14":15,"1,15":16,"1,16":17,"1,17":18,"1,18":19,"1,19":20,"1,20":21,"1,21":22,"1,22":23,"1,23":24,"1,24":25,"1,25":26,"1,26":27,"1,27":28,"1,28":29,"1,29":30,"1,30":31,"1,31":32,"1,32":34,"1,33":35,"1,34":38,"1,35":39,"1,36":40,"1,37":41,"1,38":42,"1,39":43,"1,40":44,"1,41":45,"1,42":46,"1,43":47,"1,44":48,"1,45":49,"1,46":50,"1,47":51,"1,48":52,"1,49":54,"1,50":55,"1,51":56,"1,52":57,"1,53":58,"1,54":59,"1,55":60,"1,56":61,"1,57":62,"1,58":63,"1,59":64},"ٜ":{"1":[1,59]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,31","1,32","1,33","1,33","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59"],"ٞ":{"1":[1],"5":[2,3],"6":[4,5],"7":[6],"8":[7,8],"11":[9],"14":[10,11,12],"16":[13],"18":[14,15],"23":[16],"26":[17,18],"28":[19,20],"30":[21],"31":[22,23],"33":[24],"36":[25],"37":[26,27],"39":[28,29],"42":[30],"50":[31,32],"53":[33],"56":[34],"57":[35]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ال<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة:</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد:\nفإن الله تكفل بحفظ هذا الدين كتابًا وسنةً؛ من التحريف والتبديل؛ قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وقد أرسل الله -﷾- رسوله محمدًا ﷺ إلى الناس ليبلغهم دينهم، وقد بلغ الرسول ﷺ هذا الدين كاملًا غير منقوص، وَبيَّنَه للناس بقوله وفعله وتقريراته، ونفذ تعاليمه كاملة في حياته ﷺ، وقام بتربية المجتمع المسلم، وبتزكيتهم كما أمره الله -﷿-، وبقيت سيرته ومنهجه بعد موته؛ لتكون نبراسًا للناس يستضيئون به بعد موته إلى قيام الساعة. قال ﷺ: \"لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ \" (١) . ومنهجه ﷺ يتمثل في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ؛ قال ﷺ: \"يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم مسؤولون عني فما أنتم قائلون\" (٢) .\n_________\n(١) رواه مسلم في صحيحه ٣/١٥٢٣، كتاب الإمارة، بَاب قَوْلِهِ ﷺ: \"لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ\"، الحديث رقم ١٩٢٠.\n(٢) المستدرك على الصحيحين في الحديث ١/٩٣. والحديث في صحيح مسلم ٢/٨٨٦-٨٩٢، في كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ، الحديث رقم ١٢١٨.","vol":"1","page":1},{"text":"لذلك كانت السنة مكملة للقرآن ومفسرة له؛ وهي بهذا المعنى المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، ولكنها من حيث الاحتجاج والعمل بها فهي مثل القرآن الكريم، كما سنرى في هذا البحث.\nوقد قسمت هذا البحث إلى تمهيد، وثلاثة فصول، وخاتمة؛ كما يلي:\nتمهيد: في التعريف بمعاني السنة حسب اللغة والاصطلاح، وما تطلق عليه من المعاني.\nالمبحث الأول: تعريف السنة في اللغة، وبيان المعاني التي تطلق عليها. وفيه مطلبان هما:\nالمطلب الأول: تعريف السنة في اللغة.\nالمطلب الثاني: بيان المعاني التي يطلق عليها لفظ السنة.\nالمبحث الثاني: تعريف السنة في الاصطلاح. وفيه ثلاثة مطالب هي:\nالمطلب الأول: السبب في الاختلاف في تعريف السنة في الاصطلاح.\nالمطلب الثاني: تعريف السنة في الاصطلاح.\nالمطلب الثالث: مفهوم السنة في القرون الأولى.\nالفصل الأول: مصادر التشريع الإسلامي: في مبحثين هما:\nالمبحث الأول: المصادر الأساسية للتشريع الإسلامي: وبه مطلبان هما:\nالمطلب الأول: المصدر الأول: القرآن الكريم.\nالمطلب الثاني: المصدر الثاني: السنة النبوية.\nالمبحث الثاني: المصادر الفرعية للتشريع الإسلامي: وبه مطلبان هما:\nالمطلب الأول: المصدر الأول: الإجماع.\nالمطلب الثاني: المصدر الثاني: القياس.","vol":"1","page":2},{"text":"الفصل الثاني: مرتبة السنة النبوية في التشريع الإسلامي: في تمهيد ومبحثين.\nتمهيد\nالمبحث الأول: السنة بيان للقرآن الكريم، ووحي نزل بها جبريل - ﵇- على الرسول ﷺ وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: السنة بيان للقرآن الكريم.\nالمطلب الثاني: السنة وحي نزل بها جبريل -﵇- على الرسول ﷺ.\nالمبحث الثاني: مكانة السنة من القرآن. وفيه مطلبان هما:\nالمطلب الأول: مكانة السنة من القرآن من حيث الاحتجاجُ بها، وتكفُّلُ الله بحفظها.\nالمطلب الثاني: مكانة السنة من القرآن من حيث ثبوتها واعتبارها المصدر الثاني.\nالفصل الثالث: مكانة السنة النبوية في التشريع الإسلامي من حيث الاحتجاج والعمل: في مبحثين، لكل مبحث مطلبان.\nالمبحث الأول: مكانة السنة النبوية في التشريع الإسلامي من حيث الاحتجاج بها.\nالمطلب الأول: معنى حجية السنة ودليل ذلك.\nالمطلب الثاني: حجية السنة عند علماء المسلمين، والأدلة على ذلك.\nالمبحث الثاني: مكانة السنة النبوية في التشريع الإسلامي من حيث وجوب العمل بها، وفيه مطلبان:","vol":"1","page":3},{"text":"المطلب الأول: السنة كالقرآن من حيث وجوب العمل بها.\nالمطلب الثاني: الأدلة على وجوب العمل بالسنة.\nالخاتمة: وأذكر فيها – بإذن الله ﷿ – أهم النتائج التي توصلت إليها، وأهم التوصيات والمقترحات التي تثري هذا الموضوع في شريعتنا الغراء.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تمهيد في التعريف بمعاني السنة حسب اللغة والاصطلاح، وما تطلق عليه من المعاني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>مدخل</span>\n...\nتمهيد في التعريف بمعاني السنة حسب اللغة والاصطلاح، وما تطلق عليه من المعاني:\nالحمد لله رب العالمين، الذي أنزل هذا الدين، وحفظه من التحريف والتبديل، حيث قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.\nأما بعد: فإن السنة لها مكانة عظيمة في هذا الدين، فإنها المفسرة للقرآن الكريم، والمبينة له. وهي وحي من الله ﷿؛ كما قال الرسول ﷺ: \"ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه\" ١.\nسأتحدث في هذه المقدمة عن تعريف السنة لغة وشرعًا، وذكر معانيها التي تطلق عليها، وأهميتها في معرفة الشريعة الإسلامية من خلال فروعها القولية والفعلية والتقريرية، التي تتمثل في حياة النبي ﷺ في سيرته وعبادته وتشريعاته ومنهجه في حياته كلها.\n_________\n(١) رواه الإمام أحمد في مسنده، ٢٨/٤١٠-٤١١، برقم ١٧١٧٤، ورواه أبو داود في سننه، ٥/١٠-١٢، كتاب السنة، بَاب فِي لُزُومِ السُّنَّةِ، الحديث رقم ٤٦٠٤.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>المبحث الأول: تعريف السنة في اللغة، وبيان المعاني التي تطلق عليها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>المطلب الأول: تعريف السنة في اللغة:</span>\nهي السيرة والطريقة. قال ابن منظور: \"السنة: السيرة حسنة كانت أو قبيحة.\nوقد استعملت السنة في القرآن الكريم بمعنى الطريقة. قال الراغب الأصفهاني: \"وسنة النبي طريقته التي كان يتحراها، وسنة الله -تعالى- قد تقال لطريقة حكمته، وطريقة طاعته. نحو: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح:٢٣]، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٣] . فنبه على فروع الشرائع وإن اختلفت صورها، فالغرض المقصود منها لا يختلف ولا يتبدل؛ وهو تطهير النفس وإعدادها لتنال ثواب الله تعالى وجواره\" (١) .\nوتطلق السنة في اللغة على معان أخرى كثيرة (٢) .\n_________\n(١) المفردات في غريب القرآن ص ٢٥٠.\n(٢) منها: الدوام، والمثال المتبع، والإمام المؤتم به، كما تطلق على الطبيعة، والوجه، وعلى الخط الأسود على متن الحمار، وعلى تمر بالمدينة معروف. نقل ذلك كله الدكتور عبد الغني عبد الخالق، في كتابه \"حجية السنة\" ص ٤٧-٤٨.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>المطلب الثاني: بيان المعاني التي تطلق عليها السنة:</span>\nذكر الشاطبي إطلاقات السنة في الشرع فقال:\n\"١- يطلق لفظ (السنة) على ما جاء منقولًا عن النبي ﷺ على الخصوص، مما لم ينص عليه في الكتاب العزيز، بل إنما نص عليه من جهته - ﵊-، كان بيانًا للكتاب أو لا.\n٢-ويطلق أيضًا في مقابلة البدع، فيقال: (فلان على سنة) إذا عمل على وفق ما عمل عليه النبي ﷺ، كان ذلك مما نص عليه في الكتاب أو لا، ويقال: (فلان على بدعة)، إذا عمل على خلاف ذلك.\n٣- ويطلق أيضًا لفظ السنة على ما عمل عليه الصحابة، وجد ذلك في الكتاب أو السنة أو لم يوجد؛ لكونه اتباعًا لسنة ثبتت عندهم لم تنقل إلينا، أو اجتهادًا مجتمعًا عليه منهم أو من خلفائهم، فإن إجماعهم إجماع، وعمل خلفائهم راجع أيضًا إلى حقيقة الإجماع، من جهة حمل الناس عليه حسبما اقتضاه النظر المصلحي عنهم. فيدخل تحت هذا الإطلاق المصالح المرسلة والاستحسان؛ كما فعلوا في حد الخمر، وتضمين الصُّنَّاع، وجمع المصحف ... ويدل على هذا الإطلاق قوله (١) ﵊: \"فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ\" (٢) .\n_________\n(١) رواه أبو داود في سننه ٥/١٣-١٤، في كتاب السنة، باب لزوم السنة، الحديث رقم ٤٦٠٧، وسنن ابن ماجه ١/١٥-١٦، في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، الحديث رقم الحديث ٤٢.\nوهو صحيح، انظر: صحيح سنن أبي داود للشيخ الألباني (٣/١١٨-١١٩) برقم ٤٦٠٧، وصحيح ابن ماجه برقم ٤٢.\n(٢) الموافقات ٤/٣-٧.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المبحث الثاني: تعريف السنة في الاصطلاح:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>المطلب الأول: تعريف السنة في الاصطلاح:</span>\nعرفها علماء الحديث: بأنها \"كل ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، أو صفة خَلْقية أو خُلُقية أو سيرة، سواء أكان ذلك قبل البعثة\n-كتحنثه في غار حراء- أم بعدها، والسنة بهذا مرادفة للحديث النبوي\" (١) .\nهل يختلف مفهوم السنة عن مفهوم الحديث؟\nلقد سبق بيان تعريف السنة فيما سبق، وسأتحدث الآن عن تعريف الحديث؛ ليتضح مدى اتفاقهما أو اختلافهما في المعنى.\nالحديث يطلق في اللغة على الجديد ضد القديم، كما يطلق على الخبر والقصص. قال في القاموس المحيط: \"والحديث: الجديد والخبر\" (٢) .\nوتخصيص الحديث بما قاله الرسول ﷺ، قد بدأ في حياته ﷺ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: \"لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلاَّ يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلَ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ. أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ\" (٣) .\n_________\n(١) أصول الحديث علومه ومصطلحه ص ١٩، وانظر كتاب الحديث والمحدثون أو عناية الأمة الإسلامية بالسنة النبوية لمحمد أبو زهو، ص ١٠.\n(٢) انظر القاموس المحيط مادة \"حدث\". (١/١٧٠) .\n(٣) صحيح البخاري مع فتح الباري ١١/٤١٨، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، الحديث رقم ٦٥٧٠.","vol":"1","page":8},{"text":"ثم بعد وفاة الرسول ﷺ، اتسع هذا المصطلح حتى أصبح بعد ظهور علم مصطلح الحديث، يطلق معنى الحديث على: \"ما أضيف إلى النبي ﷺ قولًا أو فعلًا أو تقريرًا أو صفةً\" (١) .\nبعد عرض تعريف السنة والحديث، اتضح أنه لا فرق بينهما في التعريف الشرعي؛ وقد بَيَّنَ شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الأمر فقال: \" الحديث النبوي عند الإطلاق ينصرف إلى ما حدث به بعد النبوة: من قوله وفعله وإقراره\". ثم قال: \"فإن سنته ثبتت من هذه الوجوه الثلاثة\" (٢) .\nثم أضاف شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يدخل في تعريف السنة ما يتعلق بسيرته وحسن أخلاقه؛ فقال - بعد أن تحدث عن بعض أفعاله وتقريراته -: \"فهذا كله يدخل في مسمى الحديث، وقد يدخل فيها بعض أخباره قبل النبوة، وبعض سيرته قبل النبوة، مثل: تحنثه بغار حراء. ومثل حسن سيرته، كقول خديجة له:\" كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق ... \" (٣) .\nأما تعريف السنة عند علماء الأصول: فقد عَرَّفها الآمدي بأنها: \"تطلق على ما صدر عن الرسول ﷺ من الأدلة الشرعية مما ليس بمتلوٍ، ولا هو معجز، ولا داخل في المعجز\" (٤) . كما عَرَّفها غيره بأنها: \"كل ما صدر عن\n_________\n(١) قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث ص ٦١.\n(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ١٨/٦-٧.\n(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ١٨/١٠.\n(٤) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/١٥٦.","vol":"1","page":9},{"text":"النبي ﷺ، غير القرآن الكريم، من قول، أو فعل، أو تقرير (١)، مما يصلح أن يكون دليلًا لحكم شرعي\" (٢) .\nوالسنة في اصطلاح الفقهاء: \"هي كل ما ثبت عن النبي ﷺ، ولم يكن من باب الفرض ولا الواجب\" (٣) .\n_________\n(١) انظر إرشاد الفحول ص ٣٣؛ حيث قال في تعريف السنة شرعًا: \"قول النبي ﷺ وفعله وتقريره\".\n(٢) أصول الحديث علومه ومصطلحه ص ١٩.\n(٣) أصول الحديث علومه ومصطلحه ص ١٩.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>المطلب الثاني: مفهوم السنة في القرون الأولى:</span>\nولكن السنة مرت في مفهومها في القرون الأولى بمراحل:\nأولًا: إطلاقها على الشريعة كلها\nحيث إن الشريعة كلها هي طريقة الرسول ﷺ، كما ورد هذا المعنى في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء:٢٦]، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: \"يعني طرائقهم الحميدة واتباع شرائعه التي يحبها ويرضاها\" (٤) .\nثانيًا: إطلاقها على العقيدة عند أهل السنة والجماعة\nبعد ظهور الفرق المبتدعة، أُلِّفت الكتب باسم السنة لبيان منهج العقيدة\n_________\n(٤) تفسير ابن كثير ٢/٢٣٣.","vol":"1","page":10},{"text":"الذي يميز ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه عن غيرهم، ولهذا أطلق عليهم اسم أهل السنة والجماعة. وقد أُلِّفت الكتب باسم السنة لبيان أصول الدين ومسائل الاعتقاد، وساد هذا الاصطلاح في القرن الثالث الهجري. ومن الكتب التي أُلِّفت في ذلك: السنة للإمام أحمد، وصريح السنة لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، والسنة لابن أبي عاصم الضحاك، وكتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي وغيرهم (١) . ولذا عرَّف علماء العقيدة السنة بأن المراد بها: \"الطريقة التي كان عليها رسول الله ﷺ وأصحابه قبل ظهور البدع والمقالات\" (٢) . وعرفها ناصر العقل -من الجانب العقدي- بقوله: \"الهدي الذي كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه، علمًا واعتقادًا وقولًا وعملًا، وهي السنة التي يجب اتباعها، ويحمد أهلها، ويذم من خالفها\" (٣) .\nثالثًا: ورد التفريق بين السنة والحديث عند بعض المتقدمين في القرن الثاني الهجري\nفقد ورد ذلك عن الأعمش حيث قال: \"لا أعلم لِله قومًا أفضل من قوم يطلبون هذا الحديث، ويحبون السنة\" (٤)، وأوضح منه في هذا المعنى قول عبد الرحمن بن مهدي: \"الناس على وجوه؛ فمنهم من هو إمام في السنة،\n_________\n(١) انظر تفصيل أسماء الكتب التي ألفت في ذلك: كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين من بعدهم للالكائي ص ٥٠ من مقدمة المحقق، وكتاب مفهوم أهل السنة والجماعة عند أهل السنة والجماعة ص ٤٤.\n(٢) شرح العقيدة الواسطية ص ١٥-١٦.\n(٣) مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة ص ١٣.\n(٤) المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، للرامهرمزي ص ١٧٧،","vol":"1","page":11},{"text":"وليس بإمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في الحديث وليس بإمام في السنة\" (١) .\nوربما كان أساس التفريق هو أنهم كانوا ينظرون إلى أن \"الحديث أمر علمي نظري، وأن السنة أمر عملي (٢)؛ إذ إنها كانت تعتبر المثل الأعلى للسلوك في كل أمور الدين والدنيا، وكان هذا سبب الاجتهاد في البحث عنها والاعتناء بحفظها والاقتداء بها\" (٣) . قال الدكتور رفعت فوزي: \"وربما كان الأساس هو أن بعضهم كان ينظر إلى السنة على أنها أعم من فعل الرسول ﷺ وقوله وتقريره، وتشمل أفعال الصحابة والتابعين\" (٤) .\nرابعًا: استقر الأمر على المساواة بين السنة والحديث في المعنى\nبعد كتابة علم مصطلح الحديث، استقر الأمر على عدم التفريق بين السنة والحديث في المعنى؛ كما سبق أن بينته.\n_________\n(١) كتاب الجرح والتعديل للرازي ص ١١٨.\n(٢) وربما كان وجه تفريق السلف بين الإمامة في الحديث والإمامة في السنة ما ذكره ابن الصلاح في فتاواه (١/٢١٣) بتحقيق عبد المعطي قلعجي، حينما سئل عن قول بعضهم عن الإمام مالك: إنه جمع بين السنة والحديث، فما الفرق بين السنة والحديث؟ فأجاب: بأن السنة هاهنا ضد البدعة، وقد يكون الإنسان من أهل الحديث وهو مبتدع، ومالك رحمة الله عليه جمع السنتين فكان عالمًا بالسنة أي الحديث، ومعتقدًا للسنة، أي كان على مذهب أهل الحق من غير بدعة، والله أعلم. (اللجنة العلمية) .\n(٣) الاتجاهات الفقهية ص ١٦.\n(٤) توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته ص ٢٠.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الفصل الأول: مصادر التشريع الإسلامي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>المبحث الأول: المصادر الأساسية للتشريع الإسلامي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>المطلب الأول: المصدر الأول القرآن الكريم</span>\n...\nالفصل الأول: مصادر التشريع الإسلامي:\nالشريعة لها مصادر تستقي منها علومها التي انبثقت منها، وهي كلها تعتمد على الوحي المنزل على الرسول ﷺ، قرآنًا وسنة. وهذان هما المصدران الأساسيان، وهناك مصادر فرعية أرشدت إليها نصوص الكتاب والسنة: كالإجماع والقياس (١) .\nالمبحث الأول: المصادر الأساسية للتشريع الإسلامي:\nالمطلب الأول: المصدر الأول: القرآن الكريم:\nتعريف القرآن لغة:\nالقرآن مصدر للفعل قرأ، بمعنى: تلا (٢) . وقال الجوهري: \"قرأت الشيء قرآنًا: جمعته وضممت بعضه إلى بعض، ...، وقرأت الكتاب: قراءة وقُرْآنًا، ومنه سمي القرآن. وقال أبو عبيدة: سُمِّي القرآن؛ لأنه يجمع السور فيضمها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٧]، أي جمعه وقراءته، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٨]، أي قراءته\" (٣) . ثم أطلق هذا الاسم على القرآن الكريم، وصار علمًا له.\n_________\n(١) انظر كتاب المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص ١٨٣.\n(٢) انظر القاموس المحيط ١/٢٥.\n(٣) الصحاح ١/٦٥.","vol":"1","page":13},{"text":"تعريف القرآن اصطلاحًا:\nوأما تعريف القرآن الاصطلاحي، فهو: \"كلام الله المنزل على محمد ﷺ، بلسان عربي مبين، والمكتوب بين دفتي المصاحف، والمنقول إلينا تواترًا\" (١) . وعرفه الزرقاني بأنه \"اللفظ المنزل على النبي ﷺ المنقول عنه بالتواتر، المتعبد بتلاوته\" (٢) . وهذا التعريف الذي استقر عليه الأمر واشتهر عن المؤلفين (٣) .\nومن خصائص القرآن الكريم أنه معجز للبشر عن أن يأتوا بمثله، وإذا ثبت العجز من الجميع، ثبت أن القرآن من عند الله -﷿-، وإذ ثبت ذلك وجب على الناس اتباعه، وعلى هذا فالقرآن الكريم حجة على جميع الناس؛ قال تعالى مبينًا ذلك: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] .\n_________\n(١) التعريف بالقرآن والحديث لمحمد الزفزاف ص ٥.\n(٢) مناهل العرفان في علوم القرآن ١/٢٠.\n(٣) والراجح في تعريف القرآن ما ذكره الطحاوي في شرح العقيدة الطحاوية (١/١٧٢) \" إن القرآن كلام الله منه بدا بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية \". (اللجنة العلمية) .","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المطلب الثاني: المصدر الثاني هو السنة النبوية:</span>\nللسنة مع القرآن ثلاثة أحوال هي:\n١-إما موافقة للقرآن ومؤكدة لما ثبت فيه من أحكام، أو مفرعة على أصل تقرر فيه. ومثال ذلك جميع الأحاديث التي تدل على وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير ذلك، وكذلك ما جاء في السنة من النهي عن عقوق الوالدين، وشهادة الزور، وقتل النفس بغير حق ونحو ذلك.\n٢- أحكام مبينة ومفصلة لمجمل القرآن. ومن ذلك السنة التي بينت مقادير الزكاة، ومقدار المال المسروق الذي تقطع فيه يد السارق. وأنواع البيان الأخرى مثل: تخصيص العام في القرآن، وتقييد مطلق القرآن.\n٣- أحكام جديدة لم يذكرها القرآن الكريم؛ وليست بيانًا له، ولا تأكيدًا لما ثبت فيه من أحكام. مثل تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وتحريم نكاح المرأة على عمتها، أو على خالتها (١) .\nومما يبين أن هذين المصدرين هما مصدران أساسيان؛ أن الله تعالى أمر بالرجوع إليهما عند التنازع، لكون ما عداهما تابعًا لهما. قال ابن حزم: \"فكانت الأخبار التي ذكرنا أحد الأصول الثلاثة التي ألزمنا طاعتها في الآية الجامعة لجميع الشرائع، أولها عن آخرها: وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ [النساء:٥٩]، فهذا أصل وهو القرآن، ثم قال تعالى:\n_________\n(١) انظر كتاب أصول الحديث علومه ومصطلحه ص ٤٧-٤٩، وكتاب المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص ١٩٤.","vol":"1","page":15},{"text":"﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩]، فهذا ثانٍ، وهو الخبر عن رسول الله ﷺ، ثم قال تعالى: ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، فهذا ثالثٌ وهو الإجماع المنقول إلى رسول الله ﷺ حكمه، وصح لنا بنص القرآن أن الأخبار هي أحد الأصلين المرجوع إليهما عند التنازع. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء:٥٩] \" (١) . فدل كلام ابن حزم على أن المصدرين الأساسيين، هما القرآن والسنة؛ بدليل الاعتماد عليهما عند التنازع، وبدليل أن الإجماع لا يصح إلا بدليل من الكتاب أو السنة.\nوهناك مصادر تشريعية تابعة لهذين المصدرين الأساسيين، أرشدت إليها نصوص الكتاب والسنة، هي: الإجماع والقياس.\n_________\n(١) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ١/١٠٨-١٠٩.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المبحث الثاني: المصادر الفرعية للتشريع الإسلامي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>المطلب الأول: المصدر الأول: الإجماع:</span>\nمعنى الإجماع في اللغة: الاتفاق، وجعل الأمر جميعًا بعد تفرقه، والعزم على الأمر: أجمعت الأمر وعليه، والأمر مجمع (١) . \"قال الكسائي: يقال: أجمعت الأمر وعلى الأمر، إذا عزمت عليه؛ والأمر مُجمَعٌ ... وقال تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس:٧١]، أي وادعوا شركاءكم؛ لأنه لا يقال: أجمعت شركائي، إنما يقال: جمعت\" (٢) .\nوقسم الآمدي معنى الإجماع في اللغة إلى اعتبارين:\nأحدهما: العزم على الشيء والتصميم عليه. ومنه يقال: أجمع فلان على كذا، إذا عزم عليه ... وعلى هذا يصح إطلاق اسم الإجماع على عزم الواحد (٣) .\nوالثاني: الاتفاق؛ ومنه يقال: أجمع القوم على كذا؛ إذا اتفقوا عليه. وعلى هذا فاتفاق كل طائفةٍ على أمرٍ من الأمور، دينيًا كان أو دنيويًا، يسمى إجماعًا حتى اتفاق اليهود والنصارى\" (٤) .\n_________\n(١) انظر القاموس المحيط ٣/١٥، مادة (جمع) .\n(٢) الصحاح للجوهري ٣/١١٩٩. ومراد الجوهري أن معنى الآية: أجمعوا أمركم، وادعوا شركاءكم، وليس المراد \"وأجمعوا شركاءكم\"؛ لأنه لا يقال: أجمعت شركائي، وإنما يقال: جمعت شركائي.\n(٣) الإحكام في أصول الأحكام ١/١٧٩. وأشار إلى الآية المذكورة قبله. وإلى حديث:\"لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل\" أي يعزم.\n(٤) الإحكام في أصول الأحكام ١/١٧٩.","vol":"1","page":17},{"text":"ومعنى الإجماع اصطلاحًا: \"اتفاق أمة محمد ﷺ خاصة على أمر من الأمور الدينية\" (١) .\nوعرفه الآمدي بقوله: \"الإجماع عبارة عن اتفاق جملة من أهل الحل والعقد من أمة محمد في عصر من الأعصار على حكم واقعة من الوقائع. هذا إن قلنا: إن العامِّيَّ لا يعتبر في الإجماع. وإلا فالواجب أن يقال: الإجماع عبارة عن اتفاق المكلفين من أمة محمد ... \"إلخ (٢) . وقال الباجي: الإجماع هو: \"إجماع علماء العصر في حكم حادثة لم يتقدم فيها خلاف\" (٣) .\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"معنى الإجماع: أن تجتمع علماء المسلمين على حكم من الأحكام. وإذا ثبت إجماع الأمة على حكم من الأحكام لم يكن لأحد أن يخرج عن إجماعهم؛ فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولكنْ كثير من المسائل يظن بعض الناس فيها إجماعًا، ولا يكون الأمر كذلك، بل يكون القول الآخر أرجح في الكتاب والسنة\" (٤) .\nوبهذا يتضح أن الإجماع يعد مُلْزِمًا ويجب العمل به. ولكن بعض المؤلفين قد يتساهلون في إطلاق الإجماع على مسائل فيها خلاف، لذلك نبه شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا الأمر، كما سبق في كلامه.\n_________\n(١) المستصفى من علم الأصول ٢/٢٩٤.\n(٢) الإحكام في أصول الأحكام ١/١٨٠، قال هذا التعريف جمعًا بين الأقوال التي ذكرها.\n(٣) كتاب الحدود في الأصول ص ٦٤.\n(٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ٢٠/١٠، ثم بيَّن أن قول الأئمة الأربعة ليس حجة لازمة ولا إجماعًا.","vol":"1","page":18},{"text":"كيف نشأ الإجماع؟\nكان الصحابة ملتفين حول الرسول ﷺ، يتعلمون منه، ويلازمونه في أموره كلها، وشاهدوا الوقائع والحوادث، وعايشوا التنزيل، ولذلك فهم أعرف الناس بمعاني آيات القرآن الكريم، ونصوص السنة؛ وإضافة إلى ذلك فقد هيأهم الله - ﷾- لأن يهتدوا بهدي النبي ﷺ، ويقتفوا أثره، وفضلهم على من بعدهم بشرف الصحبة. قال الرسول ﷺ: \"مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ \" (١) . ثم بعد وفاة الرسول ﷺ، كانوا إذا حدثت لهم قضية، تشاوروا فيها، وبحثوا عن دليل عند أحدٍ منهم، فإن لم يجدوا اجتهدوا في الوصول إلى رأي واحد. فإذا استطاعوا أن يجتمعوا على رأي واحد في القضية فعلوا؛ فكان ذلك أساسًا للعمل بالإجماع، والاحتجاج به. وقد دل القرآن والسنة على العمل بإجماعهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، وبهذا يتضح مدى اعتماد هذا المصدر على المصدرين الرئيسين الكتاب والسنة؛\"فإن إجماعهم يرجع لنفس النص، أو أنه يكشف عن دليل سمعوه من الرسول ﷺ، ولاستحالة اجتماعهم على خطأ أصلًا\" (٢)؛ لقول النبي ﷺ: \" لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لا\n_________\n(١) رواه مسلم في صحيحه، ١/٦٩-٧٠، كتاب الإيمان، بَاب بَيَانِ كَوْنِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مِنْ الإيمان وَأَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَأَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاجِبَانِ، الحديث رقم ٥٠.\n(٢) أسباب اختلاف الفقهاء/للدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، ص ١٠٢.","vol":"1","page":19},{"text":"يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ\" (١) . واستدل العلماء بذلك على العمل بالإجماع، قال النووي: \"وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِكَوْنِ الإجماع حُجَّة، وَهُوَ أَصَحّ مَا اسْتُدِلَّ بِهِ لَهُ مِن الْحَدِيث، وَأَمَّا حَدِيث \" لا تَجْتَمِع أُمَّتِي عَلَى ضَلالة \" فَضَعِيف. وَاللَّهُ أَعْلَم\" (٢) .\nوقد بَيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- هذه الأصول الثلاثة، الكتاب والسنة والإجماع، وأنها مصادر صحيحة لمعرفة الحق، وتمييزه من الباطل؛ حيث قال: \"إن الحق الذي لا باطل فيه: هو ما جاءت به الرسل عن الله، وذلك في حقنا يعرف: بالكتاب والسنة والإجماع. وأما ما لم تجئ به الرسل عن الله، أو جاءت به، ولكن ليس لنا طريق موصلة إلى العلم به؛ ففيه الحق والباطل؛ فلهذا كانت الحجة الواجبة الاتباع: للكتاب والسنة والإجماع؛ فإن هذا حق لا باطل فيه، واجب الاتباع، لا يجوز تركه بحال، عام الوجوب، لا يجوز ترك شيء مما دلت عليه هذه الأصول، وليس لأحد الخروج عن شيء مما دلت عليه. وهي مبنية على أصلين: أحدهما: أن هذا جاء به الرسول. والثاني: أن ما جاء به الرسول وجب اتباعه\" (٣) .\n_________\n(١) رواه مسلم في صحيحه ٣/١٥٢٣، كتاب الإمارة، بَاب قَوْلِهِ ﷺ: \"لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ\"، الحديث رقم ١٩٢٠.\n(٢) شرح النووي لمسلم ١٣/٦٧. والحديث رواه أبو داود ٤/٤٥٢، في كتاب الفتن، باب الفتن ودلائلها. الحديث رقم ٤٢٥٣، وابن ماجه ٢/١٣٠٣، في كتاب الفتن، باب السواد الأعظم. الحديث رقم ٣٩٥٠، وأحمد في مسنده ٤٥/٢٠٠، ورقم الحديث ٢٧٢٢٤. وقال عنه المحقق: \"صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف؛ لإيهام الراوي عن أبي بصرة ... وبقية رجال السند ثقات، رجال الصحيح\" وذكر له شواهد كثيرة. وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/٣٢٠.\n(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ١٩/٥-٦.","vol":"1","page":20},{"text":"مستند الإجماع:\nلابد أن يستند الإجماع إلى دليل؛ لأن القول في الأمور الشرعية من غير دليل خطأ، والأمة الإسلامية لا تجتمع على خطأ ... فلابد إذن أن يكون إجماع المجتهدين عن دليل لئلا تجتمع الأمة على خطأ؛ لأن غير المجتهدين تبع للمجتهدين، فإذا وقع المجتهدون في الخطأ وقعت الأمة في الخطأ، واجتماعها على الخطأ منفي عنها بنص الأحاديث. ومستند الإجماع، أي دليله قد يكون نصًا من الكتاب والسنة، كما قد يكون قياسًا، أو عرفًا، أو غير ذلك من أنواع الاجتهاد\" (١) .\nالإجماع في العصر الحاضر:\nهل يمكن الاستفادة من هذا المصدر في عصرنا الحاضر؟ وكيف يمكن ذلك؟ أجاب الدكتور عبد الكريم زيدان عن هذا السؤال بالإيجاب، وَبيَّنَ كيفية الاستفادة من ذلك فقال: \"ونعتقد أن هذه الاستفادة لا يمكن أن تتم إلا عن طريق إيجاد مجمع فقهي يضم جميع المجتهدين من جميع الأقطار الإسلامية، ويكون لهذا المجمع مكان معين، ويهيأ (٢) له جميع ما يلزم لعمله، وتعرض عليه المسائل والوقائع الجديدة لدراستها وإيجاد الأحكام لها، ثم تنشر هذه الأحكام في نشرات دورية أو كتب خاصة لإطلاع الناس عليها، وإبداء أولي العلم آراءهم فيها. فإذا ما اتفقت الآراء على هذه الأحكام كانت من الأحكام المجمع عليها، وكان هذا الإجماع قريبًا من الإجماع المنصوص عليه عند الفقهاء، ولزم اتباعه، والعمل بموجبه\" (٣) .\n_________\n(١) المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية/ لعبد الكريم زيدان ص ١٩٦.\n(٢) في الأصل \"ويهيء\" ولا تستقيم العبارة.\n(٣) المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص ١٩٨.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المطلب الثاني: المصدر الثاني: القياس:</span>\nالقياس لغة: مأخوذ من \"قاسه بغيره وعليه: يقيسه قيسًا وقياسًا، واقتاسه: قَدَّره على مثاله فانقاس\" (١) . \"وقايست بين الأمرين مقايسةً وقياسًا. ويقال أيضًا: قايست فلانًا، إذا جاريته في القياس. وهو يقتاس الشيء بغيره، أي يقيسه به. ويقتاس بأبيه اقتياسًا: أي يسلك سبيله ويقتدي به\" (٢) .\nأو يمكن أن يقال: القياس في اللغة يدور حول التقدير والمساواة (٣) .\nوأما في الشرع: القياس: حمل معلوم على معلوم، في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما، بأمرٍ يجمع بينهما، من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما\" (٤) .\nويمكن تعريفه بأنه: \"حمل فرع على أصل في حكم بجامعٍ بينهما\" (٥) .\nوالقياس له أهمية كبيرة في الشريعة الإسلامية؛ حيث إن نصوص الكتاب والسنة محصورة، والقضايا التي تحتاجها الأمة غير محصورة؛ بل متجددة وغير متناهية. قال الجويني مبينًا أهميته في الدين: \"القياس مناط الاجتهاد، وأصل الرأي، ومنه يتشعب الفقه، وأساليب الشريعة، وهو المفضي إلى الاستقلال بتفاصيل أحكام الوقائع، مع انتفاء الغاية والنهاية؛ فإن نصوص الكتاب والسنة محصورة مقصورة، ومواقع الإجماع معدودة مأثورة، فما ينقل منهما تواترًا،\n_________\n(١) القاموس المحيط ٢/٢٥٣، وانظر الصحاح للجوهري ٣/٩٦٧.\n(٢) الصحاح للجوهري ٣/٩٦٧-٩٦٨.\n(٣) انظر الإحكام في أصول الأحكام ٣/١٦٧، وأصول مذهب الإمام أحمد ص ٥٤٩.\n(٤) البرهان في أصول الفقه للجويني ٢/٧٤٥.\n(٥) روضة الناظر وجنة المناظر ص ١٤٥.","vol":"1","page":22},{"text":"فهو المستنِد إلى القطع وهو معوز قليل، وما ينقله الآحاد عن علماء الأعصار ينزل منزلة أخبار الآحاد، وهي على الجملة متناهية، ونحن نعلم قطعًا أن الوقائع التي يتوقع وقوعها لا نهاية لها. والرأي المبتوت المقطوع به عندنا: أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى، متلقى من قاعدة الشرع، والأصل الذي يسترسل على جميع الوقائع القياس، وما يتعلق به من وجوه النظر والاستدلال فهو إذن أحق الأصول باعتناء الطالب، ومن عرف مأخذه وتقاسيمه، وصحيحه وفاسده، وما يصح من الاعتراضات عليها، وما يفسد منها، وأحاط بمراتبه جلاءً وخفاءً، وعرف مجاريها ومواقعها، فقد احتوى على مجامع الفقه\" (١) .\nوفي الحقيقة: يعدُّ القياس من أعظم مميزات هذا الدين، يوضح ذلك صاحب كتاب إثبات القياس بقوله: \"والقياس مظهر من أعظم مظاهر شمول الشريعة وعمومها، وأبرز سمات بقائها ودوامها، فبالقياس ترد الأحكام التي يجتهد فيها المجتهد إلى الكتاب والسنة؛ لأن الحكم الشرعي يكون نصًا أو حملًا على نصٍ بطريق القياس\" (٢) .\nحجية القياس:\nالقياس حجة عند الصحابة وجمهور علماء السلف والخلف.\nقال الغزالي: \"والذي ذهب إليه الصحابة ﵃ بأجمعهم، وجماهير الفقهاء والمتكلمين بعدهم ﵏، وقوع التعبد به شرعًا\" (٣) .\n_________\n(١) البرهان في أصول الفقه ٢/٧٤٣-٧٤٤.\n(٢) كتاب إثبات القياس في الشريعة والرد على منكريه، لعبد القادر شيبة الحمد ص ٣.\n(٣) المستصفى ٣/٤٩٤.","vol":"1","page":23},{"text":"وقال الجويني: \"ذهب علماء الشريعة، وأهل الحل والعقد إلى أن التعبد بالقياس في مجال الظنون جائز غير ممتنع\" (١)، ثم قال: \"نحن نعلم قطعًا أن الوقائع التي جرت فيها فتاوى علماء الصحابة وأقضيتهم، تزيد على المنصوصات زيادة لا يحصرها عد، ولا يحويها حد؛ فإنهم كانوا قايسين في قريب من مائة سنة، والوقائع تترى\" (٢) .\nوقال شيبة الحمد: \"ذهب عامة الفقهاء والمتكلمين من سلف الأمة وخلفها إلى أن القياس حجة شرعية، وأصل من أصول الفقه في الشريعة الإسلامية، مستدلين بكتاب الله -تعالى-، وسنة رسوله ﷺ، وإجماع الصحابة ﵃، والفطرة والعقل\" (٣) .\n_________\n(١) البرهان ٢/٧٥٣.\n(٢) البرهان ٢/٧٦٤-٧٦٥.\n(٣) كتاب إثبات القياس في الشريعة والرد على منكريه ص ١٥.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>الفصل الثاني: مرتبة السنة النبوية في التشريع الإسلامي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>مدخل</span>\n...\nالفصل الثاني: مرتبة السنة النبوية في التشريع الإسلامي:\nتمهيد:\nإن الله ﷿ أرسل الرسل عليهم صلوات الله وسلامه إلى أقوامهم؛ لكي يبلغوهم دين الله ﷿، وأنزل على كل نبي كتابًا سماويًا ليعلم أمته كتاب ربهم، بأقواله وأفعاله؛ وقد أرسل كل رسول بلسان قومه؛ ليفهموا منه دين الله ﷿ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤]، وكذلك جعل الله ﷾ الاقتداء بالأنبياء، والتأسي بهم واجب على الأمة، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، مهمة الأنبياء إذن هي: تعليم الناس دين الله ﷾ بسيرتهم قولًا وفعلًا، وبإقامة حياة الناس، وتحقيق مصالحهم؛ بحسب ما يقتضيه دين الله ﷿، والناس مطالبون بكل تلك الأعمال التي يقوم بها النبي ﷺ، والتأسي بها كلها، وهذا ما يسمى بالاتباع، وهو أحد شرطي الشهادتين.\nإن شهادة أن لا إله إلا الله، تعني: أن لا معبود بحقٍ إلا الله ﷿، وأن العباد يجب عليهم أن يعبدوا الله تعالى وحده، ويخلصوه بالعبادة؛ فلا يشركوا معه غيره. وشهادة أن محمدًا رسول الله، تعني توحيد اتباع النبي ﷺ، فلا تصح العبادة حتى تكون موافقة لما جاء به الرسول ﷺ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ","vol":"1","page":25},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\"مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ\". وفي رواية عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ \"مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ\" (١) .\nوقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] .\nوبهذا تصبح حياة الرسول ﷺ كلها سنة، مطابقة لما أمر به الله ﷾، وهذا هو البيان الذي أمره الله به. قال الله تعالى في محكم كتابه:\n﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤] .\n_________\n(١) رواه مسلم في صحيحه، ٣/١٣٤٣-١٣٤٤، كتاب الأقضية، بَاب نَقْضِ الأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ وَرَدِّ مُحْدَثَاتِ الأُمُورِ. رقم الحديث ١٧١٨.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المبحث الأول: السنة بيان للقرآن الكريم، ووحي نزل بها جبريل ﵇ على الرسول ﷺ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>المطلب الأول: السنة بيان للقرآن الكريم:</span>\nوالبيان المقصود في الآية يشمل نوعين من البيان، هما:\n١- بيان لفظه ونظمه، وهو تبليغ القرآن الكريم، وعدم كتمانه، وأداؤه إلى الأمة، كما أنزله الله ﵎. وهو المراد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] . وحديث عائشة في عدم كتمان النبي ﷺ شيئًا في الصحيحين (١) .\n٢- بيان معاني القرآن الكريم في الآيات المجملة، أو العامة أو المطلقة؛ فتأتي السنة فتوضح المجمل، وتخصص العام، وتقيد المطلق؛ وذلك يكون بقوله ﷺ، وبفعله، وبتقريره (٢) .\nوهذا البيان المطلوب للقرآن الكريم يكون بالسنة النبوية، وكلاهما وحي من عند الله ﷿. قال ابن حزم -مبيِّنًا هذه القضية-: \"لما بينَّا أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع، نظرنا فيه فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما\n_________\n(١) رواه البخاري بلفط: \"مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ وَاللَّهُ يَقُولُ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآيةَ. انظر الصحيح مع فتح الباري: ٨/٢٧٠، كتاب التفسير، باب ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (المائدة ٦٧)، الحديث رقم ٤٦١٢، واللفظ له، ورواه مسلم ١/١٥٩، كتاب الإيمان، بَاب مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ ﷿ (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) (النجم ١٣)، وَهَلْ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ؟ من حديث طويل، رقمه ١٧٧.\n(٢) انظر كتاب منزلة السنة في الإسلام وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن للألباني ص ٥-٦.","vol":"1","page":27},{"text":"أمرنا به رسول الله ﷺ، ووجدناه ﷿ يقول فيه واصفًا لرسوله ﷺ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]، فصحَّ لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله ﷿ إلى رسوله ﷺ على قسمين:\nأحدهما: وحي متلو، مؤلف تأليفًا معجز النظام، وهو القرآن.\nوالثاني: وحي مروي، منقول غير مؤلف ولا معجز النظام، ولا متلو، لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله ﷺ، وهو المبين عن الله ﷿ مراده منا. قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا القسم الثاني، كما أوجب طاعة القسم الأول الذي هو القرآن ولا فرق\" (١) .\n_________\n(١) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ١/١٠٨.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المطلب الثاني: السنة وحي نزل بها جبريل ﵇ على الرسول ﷺ:</span>\nوقد ثبت إنزال جبريل ﵇ بالسنة على الرسول ﷺ، كما كان ينزل عليه بالقرآن الكريم. فقد وردت بعض الآثار تنص على ذلك، فقد نقل الدارمي أثرًا عن مُحَمَّد بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ حَسَّانَ قال: \"كان جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ\" (١) . وروى أبوبكر محمد بن عثمان بن حازم الهمداني، بسنده عن أبي إسحاق إسماعيل بن سعيد الكسائي الفقيه، قال: المذهب في ذلك: يجب على الناس أن يتبعوا القرآن ولا يخالفوه؛ فإن احتج محتج بأن في السنن ما يخالف التنزيل قيل لهم: إن رسول الله ﷺ قال: \"إلا إني أوتيت الكتاب ومثله معه\" (٢)، فكل سنة ثبتت عن رسول الله ﷺ لا يجوز لقائل أن يقول: إنها خلاف التنزيل؛ لأن السنة تفسير للتنزيل، والسنة كان ينزل بها جبريل، ويعلمها رسول الله ﷺ، فكان لا يقول قولًا يخالف التنزيل إلا ما نسخ من قوله بالتنزيل، فمعنى التنزيل: ما قال رسول الله ﷺ إذا كان ذلك بإسناد ثبت عنه\" (٣) .\n_________\n(١) سنن الدارمي ١/١٤٥، المقدمة، باب السنة قاضية على الكتاب، وفي إسناده محمد بن كثير المصيصي وهو ضعيف، لكن تابعه روح بن عبادة وعيسى بن يونس، فهذا الإسناد صحيح غير أنه مرسل.\n(٢) رواه الإمام أحمد في مسنده، ٢٨/٤١٠-٤١١، برقم ١٧١٧٤، ورواه أبو داود في سننه، ٥/١٠-١٢، كتاب السنة، بَاب فِي لُزُومِ السُّنَّةِ، الحديث رقم ٤٦٠٤.\n(٣) في كتابه الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، ص ٢٦.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المبحث الثاني: مكانة السنة من القرآن:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>المطلب الأول: مكانة السنة من القرآن من حيث الاحتجاج بها، وتكفل الله بحفظها:</span>\nبيّن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، منزلة القرآن الكريم، والسنة النبوية، من حيث ثبوتهما، مبينًا ما امتاز به القرآن على السنة، دون أن يكون في ذلك طعن في السنة، أو في الاحتجاج بها، وَبَيَّنَ أن الله قد تكفل بحفظ معاني القرآن، وحفظ السنة؛ بما أقامه لحفظهما من العلماء الجهابذة النقاد؛ فقال: \"ولما كان القرآن متميزًا بنفسه-لما خصه الله من الإعجاز الذي باين به كلام الناس قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، وكان منقولًا بالتواتر؛ لم يطمع أحد في تغيير شيء من ألفاظه وحروفه؛ ولكن طمع الشيطان أن يدخل التحريف والتبديل في معانيه بالتغيير والتأويل، وطمع أن يدخل الأحاديث من النقص والازدياد ما يضل به بعض العباد\" (١) . ثم بَيَّنَ أن ذلك لم يضرَّ القرآن ولا السنة، بحفظ الله لهما؛ فقال: \"فأقام الله الجهابذة النقاد، أهل الهدى والسداد، فدحروا حزب الشيطان، وفرقوا بين الحق والبهتان، وانْتَدَبُوا لحفظ السنة ومعاني القرآن من الزيادة والنقصان\" (٢) .\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ١/٧.\n(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ١/٧.","vol":"1","page":30},{"text":"ومن خلال هذا البيان نعلم أن القرآن والسنة في منزلة واحدة؛ من حيث حفظهما عن التبديل أو التحريف لمعانيهما؛ ومن ثَمّ فإن منزلتهما ومكانتهما في مرتبة واحدة؛ من حيث إن كلًا منهما يحتج به؛ لأنه وحي.\nقال عجاج الخطيب:\"السنة من حيث وجوب العمل بها، ومن حيث إنها وحي: هي بمنزلة القرآن الكريم. وإنما تلي القرآن بالمرتبة من حيث الاعتبار؛ لأنه مقطوع به جملة وتفصيلًا، والسنة مقطوع بها على الجملة لا على التفصيل؛ ولأنه هو الأصل، وهي الفرع؛ لأنها شارحة ومبينة له، ولا شك في أن الأصل مقدم على الفرع، والبيان مؤخر عن المبين. وقد دل على ذلك حديث معاذ بن جبل حين بعثه الرسول ﷺ قاضيًا إلى اليمن\" (١) .\n_________\n(١) أصول الحديث علومه ومصطلحه ص ٣٦-٣٧. والحديث ضعيف، فيه علل ثلاث: ١-أنه مرسل عن معاذ، ٢-جهالة أصحاب معاذ، ٣- جهالة الحارث بن عمرو. انظر كتاب: سلسلة الأحاديث الضعيفة برقم ٨٨١، ٢/٢٧٣-٢٨٦، وذكر محقق مسند أحمد العلتين الأخيرتين انظر المسند ٣٦/٣٣٣، الحاشية رقم ٢. وبيَّن الألباني في كتابه: منزلة السنة في الإسلام وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن ص ١٦ أن معنى حديث معاذ صحيح في التفريق بين الرأي والنص، وخطأ في التفريق بين السنة والقرآن؛ فما وجد في القرآن يبحث عنه أيضًا في السنة.","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>المطلب الثاني: مكانة السنة من القرآن من حيث ثبوتها وعدّها المصدر الثاني للتشريع:</span>\nفصَّل الإمام الشاطبي في المسألة أتم تفصيل فقال: \"رتبة السنة التأخر عن الكتاب في الاعتبار. والدليل على ذلك أمور:\nأحدها: أن الكتاب مقطوع به، والسنة مظنونة. والقطع فيها إنما","vol":"1","page":31},{"text":"يصح في الجملة لا في التفصيل، بخلاف الكتاب فإنه مقطوع به في الجملة والتفصيل. والمقطوع به مقدَّم على المظنون. فلزم من ذلك تقديم الكتاب على السنة.\nوالثاني: أن السنة: إما بيان للكتاب، أو زيادة على ذلك. فإن كان بيانًا فهو ثان على المبين في الاعتبار، إذ يلزم من سقوط المبين سقوط البيان، ولا يلزم من سقوط البيان سقوط المبين، وما شأنه هذا فهو أولى في التقدم، وإن لم يكن بيانًا فلا يعتبر إلا بعد أن لا يوجد في الكتاب؛ وذلك دليل على تقدُّم اعتبار الكتاب.\nوالثالث: ما دلَّ على ذلك من الأخبار والآثار، كحديث معاذ: \"بم تحكم قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ... \" الحديث\" (١) . كما نقل الشاطبي عن عمر بن الخطاب: أنه قال: \"سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالأحاديث؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله\" (٢) .\nوقد وضح هذا الأمر مصطفى السباعي حيث قال: \"ولا شك في أن أحاديث الآحاد، بما حف بها من ظنون في طريق ثبوتها، يجعلها في المرتبة الثانية بعد القرآن من حيث الثبوت، وأما من حيث الاجتهاد وفهم النصوص؛ فلابد من الرجوع إلى السنة قبل تنفيذ نصوص القرآن؛ لاحتمال تخصيص السنة لها أو تقييدها، أو غير ذلك من وجوه الشرح والبيان التي ثبتت للسنة؛ فهي من هذه الناحية متساوية مع القرآن، من حيث مقابلة نصوصها\n_________\n(١) الموافقات ٤/٧. وتقدم تخريج الحديث والحكم عليه.\n(٢) الموافقات ٤/١٧.","vol":"1","page":32},{"text":"بنصوصه، والتوفيق بينهما، والجمع حين يظهر شيء من التعارض، وهذا لا ينازع فيه أحد ممن يقول بحجية السنة\" (١) .\n_________\n(١) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص ٣٧٩.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>هل السنة مقدمة على الكتاب عند التعارض</span>؟\nعندما تكون السنة مبينة لمجمل القرآن، أو مقيدة لمطلقه، أو مخصصة لعمومه، فهل يعني ذلك أن السنة مقدمة على الكتاب؟\nوأجيب عن ذلك: بأن السنة في هذه الحالات تبين مراد الله في كتابه، ولا يعني ذلك تقديمها على الكتاب واطراحه (٢) .\nوكذلك فإن الأصوليين اختلفوا في تقديم الكتاب أو السنة عند التعارض.\n\"واختلافهم هذا يدل على أن السنة ليست متأخرة عن الكتاب، إذ لو كانت متأخرة لما اختلفوا. وكذلك فإن هذا الاختلاف لا يعني أيضًا تقديم السنة، بل مرد ذلك إلى أنه يجب العمل بها، وعند الاجتهاد وفهم النصوص يجب الرجوع إليها، وهي من هذا الجانب في مرتبة الكتاب؛ من حيث مقابلة نصوصها بنصوصه، والتوفيق بينهما، والجمع حين يظهر شيء من التعارض\" (٣) .\n_________\n(٢) انظر الموافقات للشاطبي ٤/١٠، وكتاب أصول مذهب الإمام أحمد ص ٢١٢.\n(٣) كتاب أصول مذهب الإمام أحمد ص ٢١٢-٢١٣.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>الفصل الثالث: مكانة السنة النبوية في التشريع الإسلامي من حيث الاحتجاج والعمل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>مدخل</span>\n...\nالفصل الثالث: مكانة السنة النبوية في التشريع الإسلامي من حيث الاحتجاج والعمل\nفي هذا الفصل سأتحدث عن مبحثين: الأول: عن مكانة السنة النبوية في التشريع الإسلامي من حيث الاحتجاج بها، وهذا الموضوع هو الأساس في هذا البحث، وهو موضوع مهم في هذا الدين الإسلامي؛ لأنه ينبني عليه","vol":"1","page":33},{"text":"اعتماد السنة عند المسلمين، ومن ثم وجوب العمل بها، وتطبيقها في حياتهم، وهذا هو المبحث الثاني؛ إذ هو ثمرة للمبحث الأول، ونتيجة وهدف له؛ إذ به يتحقق امتثال الناس لهذا الدين العظيم، وتنفيذهم لأوامره؛ باتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المبحث الأول: مكانة السنة النبوية في التشريع الإسلامي من حيث الاحتجاج بها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>المطلب الأول: معنى حجية السنة ودليل ذلك:</span>\nمعنى حجية السنة: \"أنها دليل على حكم الله، يفيدنا العلم أو الظن به، ويظهره ويكشفه لنا. فإذا علمنا أو ظننا الحكم بواسطته: وجب علينا امتثاله والعمل به. فلذلك قالوا: معنى حجية السنة: وجوب العمل بمقتضاها. فالمعنى الحقيقي للحجية، هو: الإظهار والكشف والدلالة؛ ويلزم هذا وجوب العمل بالمدلول: حيث إنه حكم الله \" (١) . فكل ما يأمر به الرسول ﷺ، إنما هو بأمر الله له؛ حيث إنه لا ينطق عن الهوى، بل هو مبلغ لما أوحاه الله إليه، سواءً كان ذلك الموحى إليه قرآنًا أو سنة. قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣، ٤] . وكما جاء في حديث الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيِّ (﵁) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"أَلا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، ألا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، لا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، ألا لا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الأَهْلِيِّ ولا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ ألا وَلا لُقَطَةٌ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ إِلا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُمْ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُمْ فَلَهُمْ أَنْ يُعْقِبُوهُمْ بِمِثْلِ\n_________\n(١) انظر حجية السنة لعبد الغني عبد الخالق ص ٢٤٣. وسيأتي مزيد لمسألة وجوب العمل بالسنة، في المبحث الثاني من الفصل الثالث.","vol":"1","page":35},{"text":"قِرَاهُمْ\" (١) . وروى أبو داود عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِيِّ قَالَ: نَزَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ خَيْبَرَ وَمَعَهُ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَكَانَ صَاحِبُ خَيْبَرَ رَجُلا مَارِدًا مُنْكَرًا فَأَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَلَكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا حُمُرَنَا، وَتَأْكُلُوا ثَمَرَنَا، وَتَضْرِبُوا نِسَاءَنَا؟ فَغَضِبَ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ وَقَالَ: \"يَا بْنَ عَوْفٍ، ارْكَبْ فَرَسَكَ ثُمَّ نَادِ: أَلا إِنَّ الْجَنَّةَ لا تَحِلُّ إِلا لِمُؤْمِنٍ وَأَن اجْتَمِعُوا لِلصَّلاةِ. قَالَ فَاجْتَمَعُوا\" ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: \"أَيَحْسَ بُ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ قَدْ يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلا مَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ، ألا وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ وَعَظْتُ وَأَمَرْتُ وَنَهَيْتُ عَنْ أَشْيَاءَ إِنَّهَا لَمِثْلُ الْقُرْآنِ أَوْ أَكْثَرُ، وَإِنَّ اللَّهَ ﷿ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا بِإِذْنٍ ولا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ ولا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ إِذَا أَعْطَوْكُمْ الَّذِي عَلَيْهِمْ\" (٢) .\nفهذا الحديث يبين فيه النبي ﷺ أنه أوحي إليه القرآن الكريم، وأوتي مثله معه وهو السنة النبوية، فهي وحي مثل القرآن الكريم؛ حيث إنها من الله ﷿، وأنه يجب العمل بهما.\n_________\n(١) رواه الإمام أحمد في مسنده، ٢٨/٤١٠-٤١١، برقم ١٧١٧٤، ورواه أبو داود في سننه، ٥/١٠-١٢، كتاب السنة، بَاب فِي لُزُومِ السُّنَّةِ، الحديث رقم ٤٦٠٤، وروى الجزء الأول منه الترمذي، ٤/١٤٤، في كتاب العلم، بَاب مَا نُهِيَ عَنْهُ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ، الحديث رقم ٢٨٠٠، وابن ماجه، ١/٦، كتاب المقدمة، بَاب تَعْظِيمِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ عَارَضَهُ، الحديث رقم ١٢، والدارمي، ١/١٤٤، كتاب المقدمة، بَاب السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ.\nوهو صحيح، انظر: صحيح سنن أبي داود (٣/١١٧-١١٨) ح٤٦٠٤، وصحيح سنن ابن ماجه برقم١٢.\n(٢) رواه أبو داود في سننه، ٣/٤٣٦، كتاب الخراج والإمارة والفيء، بَاب فِي تَعْشِيرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا اخْتَلَفُوا بِالتِّجَارَاتِ، الحديث رقم ٣٠٥٠، وإسناده ضعيف، انظر ضعيف سنن أبي داود/٢٤٥ برقم ٣٠٥٠، والمشكاة (١/٥٨) برقم ١٦٤ ج٣.","vol":"1","page":36},{"text":"وقد عنون الخطيب البغدادي في كتابه \"الكفاية\" بقوله: \"باب ما جاء في التسوية بين كتاب الله تعالى وحكم سنة رسول الله ﷺ في وجوب العمل ولزوم التكليف\" (١) .\n\"وصحة الاستدلال بحديث يروى عن رسول الله ﷺ، على عقيدة دينية أو حكم شرعي، يتوقف على أمرين:\nالأول: ثبوت أن السنة - من حيث صدورها عن النبي ﷺ حجة وأصل من أصول التشريع\" (٢) . وهذه المسألة لم يخالف فيها أحد من العلماء في الجملة؛ بحيث ينكرها كلها فلا يحتج بشيء منها (٣) .\n\"الثاني: ثبوت أن هذا الحديث قد صدر عن رسول الله ﷺ بطريق من طرق الرواية المعتمدة\" (٤) .\nوإذا ثبتت السنة عن النبي ﷺ؛ فإن اتباعها واجب على كل مسلم؛ وبهذا جاء القرآن الكريم، يأمرنا باتباع كل ما جاء به الرسول ﷺ؛ حيث يقول ﷾: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] .\n_________\n(١) ص ٢٣. ثم ذكر تحته حديث المقدام المذكور آنفًا من طرق مختلفة.\n(٢) حجية السنة لعبد الغني عبد الخالق ص ٢٤٥.\n(٣) انظر: حجية السنة لعبد الغني عبد الخالق ص ٢٤٨.\n(٤) حجية السنة لعبد الغني عبد الخالق ص ٢٤٥.","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المطلب الثاني: حجية السنة عند علماء المسلمين، والأدلة على ذلك</span>\nوحجية السنة متفق عليها عند المسلمين. قال الشوكاني: \"اعلم أنه قد اتفق من يعتد به من أهل العلم أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في تحليل الحلال، وتحريم الحرام\" (١) . ثم قال: \"والحاصل أن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية لا يخالف في ذلك إلا مَنْ لا حَظَّ له في دين الإسلام\" (٢) .\nأدلة حجية السنة:\nوهناك أدلة كثيرة على حجية السنة سأذكر بعضًا منها:\n١- دليل العصمة: وهي أن الله تعالى عصم نبيه مِنْ تَعَمُّدِ ما يُخِلُّ بالتبليغ إجماعًا بدلالة المعجزة، ومن السهو والغلط فيه على الصحيح. والذاهبون إلى تجويز ذلك عليه يجمعون على اشتراط التنبيه فورًا من الله تعالى، وعدم التقرير عليه (٣) .\nوقد أجمعت الأمة على عصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (٤) .\n_________\n(١) إرشاد الفحول ص ٣٣.\n(٢) المصدر نفسه.\n(٣) انظر حجية السنة لعبد الغني عبد الخالق ص ٢٧٩.\n(٤) انظر الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/١٥٦-١٥٧، وإرشاد الفحول ص ٣٣-٣٤.","vol":"1","page":38},{"text":"وقد أثبت الله لرسوله العصمة في كتابه الكريم حيث قال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] . قال القرطبي: \"دلت الآية على رد قول من قال: إن النبي ﷺ كتم شيئًا من أمر الدين تقية، وعلى بطلانه، وهم الرافضة، ودلت على أنه ﷺ لم يسرَّ إلى أحد شيئًا من أمر الدين؛ لأن المعنى بلغ جميع ما أنزل إليك ظاهرًا، ولولا هذا ما كان في قوله ﷿: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ .\nفائدة ... وقال ابن عباس: \"المعنى: بَلِّغ جميع ما أنزل إليك من ربك، وإن كتمت شيئًا فما بلغت رسالته\" (١)\nكما قال عن قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ إن في ذلك دليلًا على نبوته؛ لأن الله ﷿ أخبر أنه معصوم، ومن ضمن سبحانه له العصمة فلا يجوز أن يكون قد ترك شيئًا مما أمره الله به\" (٢) .\n٢- أن الله -﷾- كما عصم رسوله أن يخطئ، عصم حديثه أن يحرف عليه شيء؛ فتكفل الله تعالى بحفظ هذا الدين كتابًا وسنةً، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] . والذكر في الآية يشمل القرآن والسنة؛ وقد استدل ابن حزم بهذه الآية، وبقوله تعالى: ﴿قُلْ\n_________\n(١) تفسير القرطبي ٦/٢٤٢.\n(٢) تفسير القرطبي ٦/٢٤٣.","vol":"1","page":39},{"text":"إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء:٤٥]، فأخبر تعالى أن كلام نبيه ﷺ كله وحي، والوحي بلا خلاف ذكر، والذكر محفوظ بنص القرآن؛ فصح بذلك أن كلامه ﷺ كله محفوظ بحفظ الله ﷿ مضمون لنا أن لايضيع منه شيء، فهو منقول إلينا كله فلله الحجة أبدًا\" (١) .\nوقال ابن القيم: \"إن كل ما حكم به رسول الله ﷺ، فهو مما أنزل الله، وهو ذكر من الله، أنزله على رسوله ﷺ، وقد تكفل سبحانه بحفظه؛ فلو جاز على حكمه الكذب والغلط والسهو من الرواة، ولم يقم دليل على غلطه وسهو ناقله لسقط حكم ضمان الله وكفالته لحفظه، وهذا من أعظم الباطل\" (٢) . وهذا هو مذهب أهل الحديث، \"وقد قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث الموضوعة؟ فقال: تعيش لها الجهابذة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] \" (٣) . وقد نقل مثل ذلك عن الإمام عبد الرحمن بن مهدي. وقال ابن الوزير: \"وهذا يقتضي أن شريعة رسول الله ﷺ لا تزال محفوظة، وسنته لا تبرح محروسة\" (٤) .\n٣- لقد هيأ الله ﷾ لهذه الأمة الإسناد لحفظ الدين، منذ عهد الصحابة، فقد روى مسلم في مقدمة صحيحه، بسنده عن مجاهد، قال: جاء\n_________\n(١) الإحكام في أصول الأحكام ١/١١٠.\n(٢) مختصر الصواعق ص ٤٠٠.\n(٣) تدريب الراوي ١/٢٨٢.\n(٤) الروض الباسم ١/٣٢-٣٣.","vol":"1","page":40},{"text":"بُشير العدوي إلى ابن عباس. فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله ﷺ، قال رسول الله ﷺ، فجعل ابن عباس ﵁ لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه. فقال: يا ابن عباس! ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ﷺ، ولا تسمع. فقال ابن عباس -﵁-\": إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا. فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف\" (١) .\nوهكذا حفظ الله الدين منذ عهده الأول، إلى أن تقوم الساعة؛ فهيأ ﷾ الإسناد؛ فكشف به العلماء السابقون وضع الزنادقة وغيرهم للأحاديث المكذوبة، في فترة كتابة الأحاديث، وما زال العلماء يكتشفون كذب المستشرقين وأذنابهم من المسلمين وغيرهم، بواسطة الأسانيد؛ فإن المستشرقين ما فتئوا يطعنون حتى في أصح الأحاديث عندنا كصحيحي البخاري ومسلم وغيرهما، وذلك بالطعن في أسانيد كتب الحديث، ويقولون إن هذه الأسانيد كُتبت في وقت متأخر، حيث كتبت في زمن كتابة الحديث بعد قرن من وفاة الرسول ﷺ - حسب زعمهم- وبذلك كتبت عشوائيًا، وهنا وجدنا في هذه الأسانيد ردًا على زعمهم وباطلهم، كما كانت ردًا على أسلافهم من الزنادقة الذين وضعوا أحاديث مكذوبة في العهود المبكرة.\nوقد قمت بكتابة بحث في الذب عن مصادر الإمام البخاري المكتوبة، باستخدام الأسانيد؛ حيث أفدت من الأسانيد فائدتين: الفائدة الأولى: وهي التي استخدمها السلف لكشف زيف كذب المبطلين؛ وذلك من خلال معرفة رجال السند؛ لتمييز الثقات من غيرهم.\n_________\n(١) صحيح مسلم ١/١٣.","vol":"1","page":41},{"text":"والفائدة الثانية للأسانيد: هي: أن رجال السند يعدون مصادر مكتوبة لكل كتاب من كتب الحديث المسندة؛ وذلك أن علماء الحديث كان لديهم صحف وأجزاء حديثية مكتوبة مشتملة على أحاديثهم؛ يبرهن على ذلك، أن طرق تحمل الحديث - أي سماعه - عددها ثمانية، هي: السماع، والعرض على الشيخ، والإجازة، والمناولة، والكتابة، والإعلام، والوصية، والوجادة. وهذه الطرق الثمانية يعتمد سبعة منها على الكتابة فقط، والطريقة الأولى يمكن أن تعتمد على المشافهة أو على الكتابة؛ ولذلك كان بحثي في رسالة الماجستير يعتمد على هذه الفائدة في إبطال زيف المستشرقين الذين اتهموا أهل الحديث بأنهم زيفوا الأسانيد، وذلك بتتبع رجال السند لكل حديث، ثم بتتبع الكتب التي ألفها رجال السند، ومقارنة الحديث الذي روي عن طريقهم بكتبهم المطبوعة أو المخطوطة. ولا يخلو سند من أكثر من راو له كتاب مطبوع أو مخطوط. أما الرواة الذين ذكرت لهم صحف أو أجزاء حديثية فكثيرون (١)، حسب ما تذكر عنهم كتب التراجم؛ ولكن كثيرًا من صحفهم وأجزائهم الحديثية مفقودة (٢) . ولكن ما يوجد من المطبوعات (٣) فضلًا عن\n_________\n(١) فقد وصل عدد الرواة الذين وردت لهم أحاديث أو صحف أو أجزاء أو كتب حديثية، ١٠٧ راوٍ، من ضمن الرواة الذين روى لهم البخاري في كتاب الوضوء من صحيحه، البالغ عددهم فيه ٢٣٨راويًا. وعدد تلك المرويات المنسوبة لهم يزيد على ٣٣٧ ما بين كتاب أو نسخة أو صحيفة أو رسالة أو جزء حديثي. انظر رسالتي للماجستير والتي هي بعنوان (المصادر المكتوبة للبخاري في صحيحه \"كتاب الوضوء\")، ص ٤١٨. وانظر أيضًا آثار الرواة الذين لهم مصادر مكتوبة في كتاب الوضوء، فتصل آثارهم إلى (٤٢٩) أثرًا. انظر الفصل الثاني ص ٨٧-٣٦٥.\n(٢) انظر ترجمة كل راوٍ من رواة كتاب الوضوء من رسالة الماجستير السابق ذكرها. ص ٨٧-٣٦٥.\n(٣) روى البخاري لستة من الرواة الذين وجدت لهم كتب مطبوعة ٧٨٣ حديثًا بالمكرر. انظر تفصيلها في الرسالة المذكورة ص ٤١٠-٤١٣.","vol":"1","page":42},{"text":"المخطوطات كافٍ في رد تلك الشبه. وقد قمت بهذه الدراسة في رسالة الماجستير بدراسة كتاب الوضوء من صحيح البخاري. ورددت من خلالها على بعض المستشرقين، ومن تأثر بهم من المسلمين أمثال: فؤاد سزكين، وأحمد أمين، وأبي رية.\n٤- الإيمان بالرسول ﷺ؛ فمقتضى الإيمان بالرسول ﷺ، الإيمان بكل ما جاء به. قال الإمام الشافعي ﵀: \"بيان فرض الله في كتابه اتباع سنة نبيه\" ثم قال: \"وضع الله رسوله من دينه وفرضه وكتابه الموضع الذي أبان جل ثناؤه أنه جعله علمًا لدينه، بما افترض من طاعته، وحرم من معصيته، وأبان من فضيلته، بما قرن من الإيمان برسوله مع الإيمان به ... قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور:٦٢] . فجعل كمال ابتداء الإيمان الذي ما سواه تبع له: الإيمان بالله ثم برسوله\" فلو آمن عبد به ولم يؤمن برسوله: لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبدًا، حتى يؤمن برسوله معه\" (١) .\nوقال ابن القيم: \"فإذا جُعِلَ من لوازم الإيمان: أنهم لا يذهبون مذهبًا إذا كانوا معه إلا باستئذانه. فأولى أن يكون من لوازمه: ألا يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي، إلا بعد استئذانه. وإذنه يُعرف بدلالة ما جاء به على أنه إذن فيه\" (٢) .\n٥- أن القرآن الكريم بيَّن أن وظيفة الرسول ﷺ أن يعلم الناس الكتاب\n_________\n(١) الرسالة ٧٣-٧٥.\n(٢) إعلام الموقعين ١/٥١-٥٢.","vol":"1","page":43},{"text":"والسنة؛ حيث قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤] .\nقال الإمام الشافعي: \"فذكر الله الكتاب، وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة: سنة رسول الله. وهذا يشبه ما قال، والله أعلم\" (١) .\nوقال الله ﷾: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٤]، قال غير واحد من العلماء: منهم يحيى بن أبي كثير، وقتادة، والشافعي وغيرهم: الحكمة: هي السنة؛ لأن الله ﷾ أمر أزواج نبيه أن يذكرن ما يتلى في بيوتهن من الكتاب والحكمة. والكتاب: القرآن، وما سوى ذلك مما كان الرسول ﷺ يتلوه: هو السنة\" (٢) .\nومن وظائف التعليم: بيان معاني القرآن الكريم بالقول والعمل والتقرير: قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤] .\n٦- أننا أُمرنا عند الاختلاف بالتحاكم إلى سنة رسول الله ﷺ، قال\n_________\n(١) الرسالة ص ٧٨.\n(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ١/٦.","vol":"1","page":44},{"text":"تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، قال ابن كثير - في تفسير هذه الآية: \"أي مهما اختلفتم فيه من الأمور، وهذا عام في جميع الأشياء، ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، أي: هو الحاكم فيه بكتابه وسنة نبيه ﷺ، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] \" (١)، وقال ابن حزم معلقًا على قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]: \"فوجدنا الله تعالى يردُّنا إلى كلام نبيه ﷺ ...، فلم يسع مسلمًا يقر بالتوحيد، أن يرجع عند التنازع إلى غير القرآن، والخبر على رسول الله ﷺ، ولا أن يأبى عما وجد فيهما، فإن فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه فهو فاسق، وأما من فعله مستحلًا للخروج عن أمرهما، وموجبًا لطاعة أحد دونهما، فهو كافر، لا شك عندنا في ذلك\" (٢) . ولذلك أوجب الله -تعالى- على المؤمنين أن ينفذوا أمر الله وأمر رسوله ﷺ، ولا يحق لهم أن يختاروا بين تنفيذ أمر الله ورسوله، وعدمِ التنفيذ، وحكم الله تعالى على من يعص الله ورسوله في أي حكم يأمرانه به بالضلال المبين، قال تعالى:\n﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦] .\n_________\n(١) تفسير ابن كثير ٧/١٨٢.\n(٢) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ١/١١٠.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المبحث الثاني: مكانة السنة النبوية في التشريع الإسلامي من حيث العمل بها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>المطلب الأول: السنة كالقرآن من حيث وجوب العمل بها:</span>\nالواجب على المسلمين جميعًا ألا يفرقوا بين القرآن والسنة، من حيث وجوب الأخذ بهما كليهما، وإقامة التشريع عليهما معًا، فإن هذا هو الضمان لهم أن لا يميلوا يمينًا ويسارًا، وأن لا يرجعوا القهقرى ضلالًا، كما أفصح عن هذا رسول الله ﷺ، في الحديث الذي رواه الحاكم بسنده عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ خطب الناس في حجة الوداع، فقال: \"قد يئس الشيطان بأن يعبد بأرضكم، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروا، يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا: كتاب الله وسنة نبيه ... \".\nثم قال الحاكم بعد روايته لهذا الحديث: \"قد احتج البخاري بأحاديث عكرمة، واحتج مسلم بأبي أويس، وسائر رواته متفق عليهم، وهذا الحديث لخطبة النبي ﷺ متفق على إخراجه في الصحيح: \"يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم مسؤولون عني فما أنتم قائلون\" (١) . ووافقه الذهبي في تلخيصه على ذلك الحكم؛ وقال: \"له أصل في الصحيح\" (٢) . والحديث الذي ذكره الحاكم، وأشار الذهبي إلى أن أصله\n_________\n(١) المستدرك على الصحيحين في الحديث ١/٩٣.\n(٢) المستدرك على الصحيحين في الحديث ١/٩٣.","vol":"1","page":46},{"text":"في الصحيح، رواه مسلم من حديث طويل (١)، ورواه مالك في الموطأ بلاغًا، ولكن يشهد له حديث الحاكم السابق، ولفظ مالك: \"تركت فيكم أمرين؛ لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض\" (٢) .\nكما روى الحاكم أثرًا عن أبي بن كعب أنه لما وقع الناس في أمر عثمان ﵁ سئل أبي بن كعب: ما المخرج من هذا الأمر؟ قال: \"كتاب الله وسنة نبيه، ما استبان لكم فاعملوا به، وما أشكل عليكم فكِلُوه إلى عالمه\" (٣) .\nوبعد أن سقت الأدلة التي تبين حجية السنة، في الفصل الثالث، يتضح لنا ثمرة ذلك الفصل، ونتيجته التي تترتب عليه؛ ألا وهي: أن السنة يجب العمل بها، ولم يختلف العلماء في هذه النتيجة. وقد لخص مصطفى السباعي خلاصة أقوال العلماء في ذلك فقال: \"والسنة إما متواترة أو آحاد، وقد اتفق العلماء على أن المتواتر يفيد العلم والعمل معًا، وهو عندهم حجة لا نزاع فيها، إلا عمن ينكر السنة.... وأما خبر الآحاد فالجمهور على أنها حجة يجب العمل بها، وإن أفادت الظن.... وذهب قوم، منهم الإمام أحمد، والحارث بن أسد المحاسبي، والحسين بن علي الكرابيسي، وأبو سليمان الخطابي، وروي عن مالك: أنه قطعي موجب للعلم والعمل معًا. ولكل من الفريقين أدلة بسطت في كتب الأصول، والمهم أنهم جميعًا متفقون على حجية أخبار الآحاد،\n_________\n(١) رواه مسلم في صحيحه ٢/٨٨٦-٨٩٢، في كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ، الحديث رقم ١٢١٨.\n(٢) الموطأ ٢/٨٩٩، كتاب القدر، باب النهي عن القول في القدر، الحديث رقم ٣.\n(٣) المستدرك ٣/٣٠٣.","vol":"1","page":47},{"text":"ووجوب العمل بها\" (١) . كما بَيَّن أنه لم يخالف في حجية السنة إلا أصحاب المذاهب المنحرفة كالرافضة، والمعتزلة (٢) .\n_________\n(١) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص ١٦٧.\n(٢) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص ١٦٧-١٦٨.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المطلب الثاني: الأدلة على وجوب العمل بالسنة:</span>\nومن الأدلة التي تبين وجوب العمل بالسنة ما يأتي:\n١- أن الله ﷾ أوجب اتباع رسوله ﷺ في جميع ما يصدر عنه، وأمر بالتأسي به في ذلك، وجعل اتباعه لازم لمحبة الله ﷿ قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] . روى القاضي عياض في \"الشفا\"، عن الحسن البصري: أن أقوامًا قالوا: يارسول الله: إنا نحب الله؛ فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآية\" (٣) . وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١] . قال محمد بن علي الترمذي: \"الأسوة في الرسول: الاقتداء به، والاتباع لسنته، وترك مخالفته في قول أوفعل\" (٤) . قال القاضي عياض: \"وقال غير واحد من المفسرين بمعناه\" (٥) .\n_________\n(٣) انظر الشفا ٢/٩.\n(٤) انظر المصدر السابق.\n(٥) انظر المصدر السابق.","vol":"1","page":48},{"text":"٢- أمر الله تعالى عباده المؤمنين بطاعة رسوله الطاعة المطلقة: فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩] روى القاضي عياض عن عطاء (١)، وابن عبد البر والبيهقي -في المدخل- عن ميمون بن مهران (٢): \"أن الرد إلى الله هو: الرجوع إلى كتابه. والرد إلى الرسول هو: الرجوع إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته\".\nوقال ابن حجر-معلقًا على الآية السابقة-: \"والنكتة في إعادة العامل في الرسول دون أولي الأمر- مع أن المطاع في الحقيقة هو: الله تعالى، -: كون الذي يعرف به ما يقع به التكليف، هما: القرآن والسنة، فكأن التقدير: أطيعوا الله فيما نص عليكم القرآن، وأطيعوا الرسول فيما بين لكم: من القرآن؛ وما ينصه عليكم: من السنة. أو المعنى أطيعوا الله فيما يأمركم به: من الوحي المتعبد بتلاوته، وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به من الوحي الذي ليس بقرآن\" (٣) .\n٣- أن الله -﷾- كلَّف نبيه ﷺ باتباع ما يوحى إليه متلوًا أو غير متلو، وبتبليغ جميع ما أنزل عليه.\n_________\n(١) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١/٧٦٥) ح١٤١٣. وانظر حجية السنة ص ٢٩٨.\n(٢) جامع بيان العلم وفضله (١/٧٦٦) ح١٤١٤. وانظر: حجية السنة ص٢٩٨.\n(٣) فتح الباري ١٣/١١١.","vol":"1","page":49},{"text":"قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب:١، ٢]، وإذا كان الرسول ﷺ يجب عليه اتباع ما يوحى إليه؛ فكذلك يجب على المؤمنين به اتباعه (١) .\n_________\n(١) انظر حجية السنة ص ٣٠٥، وأصول الحديث علومه ومصطلحه ص ٤١.","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>الخاتمة:</span>\nوتشتمل على أهم النتائج والتوصيات\nفي هذا البحث حول السنة النبوية نستطيع أن نخرج بالنتائج التالية:\n١- أن السنة النبوية مثل القرآن الكريم في التشريع والتحليل والتحريم.\n٢- السنة النبوية يحتج بها مثل القرآن الكريم؛ فهي مساوية له من حيث إنها وحي منزل على الرسول ﷺ مثل القرآن الكريم؛ ومن ثم فيجب العمل بالسنة مثل القرآن تمامًا.\n٣- علاقة السنة النبوية بالقرآن الكريم، كعلاقة الشهادة للرسول ﷺ برسالته، بعلاقة الشهادة لله ﷿ بتوحيده، في الشهادتين؛ حيث تسمى الأولى: توحيد الله ﷿ في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته. وتسمى الثانية: توحيد الاتباع للرسول ﷺ.\n٤- أن السنة النبوية تعد في المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم:\nأ-من حيث ثبوتها: حيث ثبت بعضها بالسند المتواتر، وثبت معظمها بالآحاد، بينما القرآن الكريم ثبت كله بالسند المتواتر.\nب- القرآن الكريم لفظه ومعناه من الله ﷿، بينما السنة معناها من الله تعالى ولفظها من الرسول ﷺ.\nج-القرآن الكريم خصه الله بالإعجاز، وتحدى العرب أن يأتوا بمثله أو بشيء منه، بخلاف السنة.\n٥- وأخيرًا أوصي أن تُعَدَّ ندوة مستقلة حول خدمة السنة النبوية بالحاسب الآلي على غرار موسوعة الحديث الشريف للكتب التسعة الذي أصدرته شركة حرف لتقنية المعلومات؛ بحيث تشمل كتب السنة كلها؛ وذلك لما في تلك الموسوعة من خدمات جليلة، مثل تشجير الأسانيد، والجرح والتعديل وغيرهما.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>مصادر ومراجع</span>\n...\nمصادر البحث:\n١. الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في القرن الثالث الهجري، عبد المجيد محمود عبد المجيد، نشر مكتبة الخانجي، ١٣٩٩هـ/١٩٧٩م.\n٢. إثبات القياس في الشريعة الإسلامية والرد على منكريه، عبد القادر شيبة الحمد، مطابع الرشيد، المدينة المنورة، ط١، ١٣٩٩هـ/١٩٧٩م.\n٣. الإحكام في أصول الأحكام، لأبي محمد علي بن أحمد بن حزم، (ت٤٥٦هـ)، دار الحديث، القاهرة، ط ١، ١٤٠٤هـ.\n٤. الإحكام في أصول الأحكام، لسيف الدين أبي الحسن علي بن أبي علي الآمدي (ت٦٣١هـ) .\n٥. إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني (ت١٢٥٥هـ)، دار الفكر، بيروت، ط١.\n٦. أسباب اختلاف الفقهاء، عبد الله عبد المحسن التركي، مكتبة الرياض، الرياض، ط٣، ١٣٩٧هـ/١٩٧٧م.\n٧. أصول الحديث علومه ومصطلحه، محمد عجاج الخطيب، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ط ٤، ١٤٠١هـ/١٩٨١م.\n٨. أصول مذهب الإمام أحمد دراسة أصولية مقارنة، عبد الله عبد المحسن التركي، مكتبة الرياض، الرياض، ط٢، ١٣٩٧هـ/١٩٧٧م.\nإعلام الموقعين عن رب العالمين، لمحمد بن أبي بكر المعروف بابن","vol":"1","page":52},{"text":"قيم الجوزية (ت٧٥١هـ)، راجعه وقدم له طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت، لبنان، ١٩٧٣م.\n١٠. البرهان في أصول الفقه، لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني (ت٤٧٨هـ)، تحقيق عبد العظيم الديب، دار الأنصار، القاهرة، ط٢، ١٤٠٠هـ.\n١١. تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت٩١١هـ)، ط ٢، بتحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، نشر المكتبة العلمية، المدينة المنورة، ١٣٩٢هـ/١٩٧٢م.\n١٢. تفسير القرآن العظيم، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير (ت٧٧٤هـ) بتحقيق عبد العزيز غنيم، ومحمد أحمد عاشور، ومحمد إبراهيم البنا، كتاب الشعب، القاهرة،١٣٩٠هـ/١٩٧١م.\n١٣. التعريف بالقرآن والحديث، لمحمد الزفزاف، ط١.\n١٤. توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته، رفعت فوزي عبد المطلب، نشر مكتبة الخانجي، مصر، ط١، ١٤٠٠هـ/١٩٨١م.\n١٥. الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، دار القلم، القاهرة، ط٣، ١٣٨٦هـ/١٩٦٦م.\n١٦. الجرح والتعديل، لأبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (٣٢٧هـ)، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، الهند، ط١.","vol":"1","page":53},{"text":"١٧. حجية السنة، لعبد الغني عبد الخالق، دار القرآن الكريم، بيروت، لبنان، ط١، ١٤٠٧هـ/١٩٨٦م.\n١٨. الحدود في الأصول، لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي الأندلسي (ت٤٧٤هـ)، تحقيق نزيه حماد، طبع ونشر مؤسسة الزعبي، لبنان، بيروت، ط١، ١٣٩٢هـ/١٩٧٣م.\n١٩. الحديث والمحدثون أو عناية الأمة الإسلامية بالسنة النبوية، لمحمد محمد أبو زهو، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ١٤٠٤هـ/١٩٨٤م.\n٢٠. الرسالة، للإمام محمد بن إدريس الشافعي (٢٠٤هـ)، بتحقيق وشرح أحمد محمد شاكر، ١٣٠٩هـ.\n٢١. الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم، لمحمد بن إبراهيم الوزير (ت٨٤٠هـ)، دار المعرفة، بيروت، ١٣٩٩هـ/١٩٧٩م.\n٢٢. روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، لعبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (ت ٦٢٠هـ)، المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة، ط٤، ١٣٩١هـ.\n٢٣. سلسلة الأحاديث الضعيفة وأثرها السيّئ في الأمة، لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط١، ١٣٩٩؟.\n٢٤. السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، لمصطفى السباعي، المكتب الإسلامي، بيروت، دمشق، ط٤، ١٤٠٥هـ/١٩٨٥م.\n٢٥. سنن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي (٢٧٥هـ)، إعداد وتعليق عزت عبيد الدعاس، نشر وتوزيع محمد علي السيد، حمص، ط١، ١٣٨٨هـ/١٩٦٩م.","vol":"1","page":54},{"text":"٢٦. سنن ابن ماجه، لأبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني ابن ماجه (٢٧٥هـ)، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، ١٣٩٥هـ/١٩٧٥م.\n٢٧. سنن الترمذي مع تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، لأبي العلي محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري (١٣٥٣هـ)، ضبطه وراجع أصوله وصححه: عبد الرحمن محمد عثمان، مطبعة المعرفة، قام بنشره: محمد عبد المحسن الكتبي، ط٢، ١٣٨٥هـ/١٩٦٥م.\n٢٨. سنن الدارمي، لأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدارمي (ت٢٥٥هـ)، بعناية محمد أحمد دهمان، دار الكتب العلمية، نشر دار إحياء السنة النبوية، بيروت، التاريخ بدون.\n٢٩. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين من بعدهم، لأبي القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري اللالكائي (ت٤١٨هـ)، بتحقيق أحمد سعد حمدان، نشر دار طيبة، الرياض، ١٤٠٢؟.\n٣٠. شرح العقيدة الواسطية، لأبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني (ت ٧٢٨هـ)، لمحمد خليل هراس، طبع في مؤسسة مكة للطباعة والإعلام، ط٤.\n٣١. الشفا بتعريف حقوق المصطفى، لأبي الفضل عياض اليحصبي (ت٥٤٤هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٣٢. الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، لإسماعيل بن حماد الجوهري (ت٣٩٣هـ)، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، ط٢، ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م.","vol":"1","page":55},{"text":"٣٣. صحيح البخاري مع فتح الباري، للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت٢٥٦هـ)، بتصحيح الشيخ عبد العزيز بن باز لبعض أجزائه، وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، وإخراج محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة، ١٣٨٠هـ.\n٣٤. صحيح مسلم، لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (٢٦١هـ)، بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، ودار إحياء الكتب العربية، بيروت، ط١، ١٣٧٤هـ/١٩٥٥م.\n٣٥. صحيح مسلم بشرح النووي، لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي (ت٦٧٦هـ)، دار الفكر.\n٣٦. صريح السنة، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت٣١٠هـ)، بتحقيق بدر بن يوسف المعتوق، نشر دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، ط١، ١٤٠٥هـ/١٩٨٥م.\n٣٧ فتح الباري بشرح صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، لشهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ)، بتصحيح الشيخ عبد العزيز بن باز لبعض أجزائه، وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، وإخراج محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة، ١٣٨٠هـ.\n٣٨. القاموس المحيط لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي (ت٨١٧هـ)، دار الجيل، بيروت.\n٣٩. قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، محمد جمال الدين القاسمي (ت١٣٣٢هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط١، ١٣٩٩هـ/ ١٩٧٩م.","vol":"1","page":56},{"text":"٤٠. كتاب الجرح والتعديل، لأبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت٣٢٧هـ)، طبع مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد، الدكن الهند، ط١.\n٤١. كتاب الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، لأبي بكر محمد ابن موسى بن عثمان بن حازم الهمذاني (ت ٥٨٤هـ)، بتعليق وتصحيح راتب حاكمي، مطبعة الأندلس، حمص، ط١، ١٣٨٦هـ/١٩٦٦م.\n٤٢. الكفاية في علم الرواية، لأبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت٤٦٣هـ)، بتحقيق أحمد عمر هاشم، دار الكتاب العربي، بيروت، ط١، ١٤٠٥هـ/١٩٨٥م.\n٤٣. لسان العرب، لأبي الفضل محمد بن مكرم بن منظور (ت٧١١هـ)، بتحقيق عبد الله علي الكبير، ومحمد أحمد حسب الله، وهاشم محمد الشاذلي، دار المعارف.\n٤٤. مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة وموقف الحركات الإسلامية المعاصرة منها، ناصر بن عبد الكريم العقل، نشر دار الوطن، ط١.\n٤٥. مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، لأبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني (ت٧٢٨هـ)، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم وساعده ابنه محمد، طبع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ١٤١٦هـ/١٩٩٥م.","vol":"1","page":57},{"text":"٤٦. المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، للحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي (ت ٣٦٠هـ)، بتحقيق محمد عجاج الخطيب، دار الفكر، بيروت، لبنان، ط٣، ١٤٠٤هـ.\n٤٧. مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لمحمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت٧٥١هـ)، اختصره محمد بن الموصلي، الرياض: توزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.\n٤٨. المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، بيروت، مكتبة القدس، بغداد، ط٨، ١٤٠٥هـ/١٩٨٥م.\n٤٩. مسند الإمام أحمد بن حنبل، للإمام أحمد بن حنبل، بتحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرين، توزيع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط٢، ١٤٢٠هـ/١٩٩٩م.\n٥٠. المستدرك على الصحيحين في الحديث، لأبي عبد الله محمد بن عبد الله المعروف بالحاكم النيسابوري (ت٤٠٥هـ)، دار الكتب العلمية.\n٥١. المستصفى من علم الأصول، لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي (ت٥٠٥هـ)، دراسة وتحقيق حمزة بن زهير حافظ، شركة المدينة للطباعة والنشر، جدة، ١٤١٣هـ.\n٥٢. المفردات في غريب القرآن، لأبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني (ت٥٠٢هـ)، تحقيق وضبط محمد خليل عيتاني، دار المعرفة، لبنان، بيروت، ط ٢، ١٤٢٠هـ/١٩٩٩م.","vol":"1","page":58},{"text":"٥٣. مفهوم أهل السنة والجماعة عند أهل السنة والجماعة، ناصر ابن عبد الكريم العقل، نشر دار الوطن.\n٥٤. مناهل العرفان في علوم القرآن، لمحمد عبد العظيم الزرقاني، دارالفكر، ط٣.\n٥٥. الموافقات في أصول الشريعة، لأبي إسحاق الشاطبي إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي (ت٧٩٠هـ)، بشرح عبد الله دراز، نشر المكتبة التجارية الكبرى، مصر.\n٥٦. منزلة السنة في الإسلام وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن، محمد ناصر الدين الألباني.\nالرسائل العلمية:\n٥٧.المصادر المكتوبة للبخاري في صحيحه \"كتاب الوضوء\"، محمد عبد الله أبوبكر باجعمان، رسالة ماجستير، ١٤٠٩هـ/١٩٨٩م.","vol":"1","page":59}]}