{"ً":{"ٌ":755,"ٍ":"معالم التوحيد في فاتحة الكتاب","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/mtawftha/mtawftha.pdf"]},"ّ":"الكتاب: معالم التوحيد في فاتحة الكتاب\nالمؤلف: أبو عبد الرحمن عرفة بن طنطاوي\nأصل الكتاب: رسالة دكتوراه للمؤلف، في التفسير وعلوم القرآن\nالناشر: دار المأثور - دار الأمل\nالطبعة: الثانية، ١٤٤١ هـ - ٢٠٢٠ م\nعدد الصفحات: ٤٩٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3169,"ٕ":3,"ٖ":1780758734,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"ديباجة الكتاب","level":1,"page":6},{"title":"خطوات البحث","level":2,"page":8},{"title":"أولا-أهمية الموضوع وأسباب اختياره","level":3,"page":8},{"title":"ثانيا-أهداف البحث","level":3,"page":8},{"title":"ثالثا-الدراسات السابقة","level":3,"page":9},{"title":"رابعا- منهج البحث","level":3,"page":10},{"title":"مخلص البحث","level":2,"page":13},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":14},{"title":"الفصل الأول (فصل تمهيدي-مختصر) بين يدي موضوع السورة الرئيس- (التوحيد) (مفهومه ومعناه-حقائقه وفضائله- دلائله ونواقضه)","level":1,"page":16},{"title":"المبحث الأول مفهوم التوحيد","level":2,"page":17},{"title":"١ - التوحيد لغة","level":3,"page":18},{"title":"٢ - التوحيد اصطلاحا","level":3,"page":18},{"title":"المبحث الثاني بيان معنى كلمة التوحيد وشروطها","level":2,"page":21},{"title":"كلمة التوحيد فهي","level":3,"page":22},{"title":"شروط كلمة التوحيد","level":3,"page":23},{"title":"بيان معنى الطاغوت","level":3,"page":32},{"title":"١ - الطاغوت لغة","level":4,"page":32},{"title":"٢ - الطاغوت اصطلاحا","level":4,"page":32},{"title":"المبحث الثالث بيان حقيقة التوحيد وفضائله وعظيم مكانته","level":2,"page":35},{"title":"١ - حقيقة التوحيد","level":3,"page":36},{"title":"٢ - فضل التوحيد","level":3,"page":37},{"title":"٣ - مكانة وعظم قدر التوحيد","level":3,"page":38},{"title":"أ- التوحيد سبب عزة المؤمن","level":4,"page":38},{"title":"ب- التوحيد سبب الفلاح","level":4,"page":39},{"title":"ج-التوحيد سبب انشراح الصدر","level":4,"page":40},{"title":"د-وتحقيق التوحيد سبب دفع العقوبات","level":4,"page":40},{"title":"المبحث الرابع بعض الدلائل على أن القرآن الكريم كله في التوحيد","level":2,"page":43},{"title":"المبحث الخامس بيان ما يناقض التوحيد وهو: (الشرك) وما يترتب عليه من أحكام","level":2,"page":48},{"title":"مما يستدل به على هذه القاعدة من كتاب الله","level":3,"page":49},{"title":"مفهوم الشرك في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":50},{"title":"١ - مفهوم الشرك لغة","level":4,"page":50},{"title":"٢ - مفهوم الشرك في الاصطلاح","level":4,"page":51},{"title":"٣ - الفرق بين الشرك والكفر","level":4,"page":51},{"title":"٤ - أنواع الشرك","level":4,"page":53},{"title":"تعريف الشرك الأصغر","level":5,"page":53},{"title":"الشرك الخفي","level":5,"page":54},{"title":"تعريف الشرك الخفي","level":6,"page":54},{"title":"بيان مفهوم حقيقة الشرك الأكبر","level":5,"page":55},{"title":"الفصل الثاني بين يدي السورة الكريمة","level":1,"page":64},{"title":"المبحث الأول الاستعاذة والبسملة والتأمين وما يتعلق بها من أحكام","level":2,"page":65},{"title":"١ - مفهوم ومعنى الاستعاذة","level":3,"page":66},{"title":"معنى الاستعاذة لغة","level":4,"page":66},{"title":"معنى الاستعاذة اصطلاحا","level":4,"page":66},{"title":"الشيطان اصطلاحا","level":4,"page":68},{"title":"من ثمار الاستعاذة","level":4,"page":69},{"title":"٢ - بيان ومفهوم معنى البسملة","level":3,"page":71},{"title":"٣ - هل البسملة آية من الفاتحة","level":3,"page":75},{"title":"أولا: مذهب الحنفية","level":4,"page":77},{"title":"ثانيا: مذهب المالكية","level":4,"page":77},{"title":"ثالثا مذهب الشافعية","level":4,"page":77},{"title":"رابعا: مذهب الحنابلة","level":4,"page":78},{"title":"ختاما","level":4,"page":81},{"title":"ويلخص الباحث ما توصل إليه فيما يلي","level":4,"page":81},{"title":"الجهر بالبسملة","level":4,"page":82},{"title":"٤ - التأمين بعد الفاتحة","level":3,"page":85},{"title":"مفهوم التأمين","level":4,"page":85},{"title":"التأمين لغة","level":5,"page":85},{"title":"معنى التأمين","level":4,"page":85},{"title":"المراد بموافقة الملائكة في التأمين","level":4,"page":87},{"title":"على أقوال عدة","level":5,"page":87},{"title":"الرأي المختار","level":5,"page":88},{"title":"وهذا ما اختاره جمع من المحققين، منهم","level":5,"page":88},{"title":"المبحث الثاني أسماء السورة الكريمة","level":2,"page":91},{"title":"١ - اسمها: سورة الفاتحة.","level":3,"page":92},{"title":"٢ - معنى الفاتحة","level":3,"page":92},{"title":"٣ - أسماء السورة الكريمة","level":3,"page":92},{"title":"بعض الأدلة الصحيحة والصريحة في بعض أسماء السورة الكريمة","level":4,"page":95},{"title":"١ - تسميتها بالسبع المثاني والقرآن العظيم.","level":5,"page":95},{"title":"٢ - أم القرآن.","level":5,"page":96},{"title":"٣ - فاتحة الكتاب.","level":5,"page":96},{"title":"المبحث الثالث عدد آياتها وكلماتها وحروفها","level":2,"page":98},{"title":"١ - عدد آياتها","level":3,"page":99},{"title":"دلالة الكتاب","level":4,"page":99},{"title":"دلالة السنة","level":4,"page":100},{"title":"الإجماع","level":4,"page":101},{"title":"إجماع أهل العدد","level":4,"page":102},{"title":"نظائر سورة الفاتحة في عدد آياتها","level":4,"page":102},{"title":"رؤوس الآي في السورة الكريمة","level":4,"page":103},{"title":"قاعدة رؤوس الآي (الفواصل)","level":4,"page":103},{"title":"٢ - عدد كلماتها","level":3,"page":104},{"title":"نظيرتها في عدد الكلمات","level":4,"page":105},{"title":"٣ - عدد حروفها","level":3,"page":105},{"title":"المبحث الرابع أبرز موضوعات السورة الكريمة","level":2,"page":106},{"title":"محور مواضيع السورة","level":3,"page":107},{"title":"أولا: موضوع أسس قضايا العقيدة والتوحيد","level":4,"page":107},{"title":"ثانيا: إثبات الوعد والوعيد","level":4,"page":110},{"title":"ثالثا: حصر استحقاق العبادة لله وحده، وحصر الاستعانة به دون سواه","level":4,"page":110},{"title":"رابعا: سؤال الله تعالى الهدايتين، هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والإلهام والرشاد، وسؤال الثبات على الدين القويم","level":4,"page":110},{"title":"خامسا: ومن أبرز مواضيعها طلب الثبات على الصراط المستقيم والنهج الصالح","level":4,"page":110},{"title":"سادسا: ذكر طرف من قصص الأمم الغابرة وأخبارها وذكر مصيرها","level":4,"page":111},{"title":"المبحث الخامس بيان المعنى الإجمالي للسورة الكريمة","level":2,"page":114},{"title":"اللام في لفظ الجلالة لها معنيان","level":3,"page":116},{"title":"وربوبية الله تعالى لخلقه على ضربين","level":3,"page":119},{"title":"الصراط في المفهوم اللغوي","level":3,"page":126},{"title":"وإنما الهداية: هدايتان مستقلتان، ولا تتم سعادة البشرية إلا بتحقيق الهدايتين جميعا","level":3,"page":128},{"title":"والحاصل من جراء ذلك كله أن السبل المذكورة ثلاثة سبل","level":3,"page":132},{"title":"الكلام حول قول آمين بعد انتهاء السورة","level":3,"page":133},{"title":"المبحث السادس بيان بعض ما ورد في زمن وسبب نزولها","level":2,"page":137},{"title":"أولا: أقوال العلماء في زمن نزولها","level":3,"page":138},{"title":"والحاصل من هذا أن في زمن نزولها أربعة أقوال","level":4,"page":138},{"title":"ثانيا: ترتيب نزولها","level":3,"page":141},{"title":"ثالثا: ظروف نزولها","level":3,"page":142},{"title":"رابعا: سبب نزولها","level":3,"page":142},{"title":"المبحث السابع بيان بعض ما ورد في فضائلها وخصائصها","level":2,"page":144},{"title":"أولا: الفاتحة هي أعظم سور القرآن.","level":3,"page":146},{"title":"ثانيا: الفاتحة أفضل القرآن.","level":3,"page":147},{"title":"ثالثا: الفاتحة لها خصائص ليست لغيرها.","level":3,"page":147},{"title":"ومن عظم شأنها أنها","level":4,"page":148},{"title":"رابعا: ومن دلالات هذا الحديث على خصائص فاتحة الكتاب.","level":3,"page":149},{"title":"الفصل الثالث المناسبات في السورة الكريمة","level":1,"page":151},{"title":"المبحث الأول مناسبة افتتاح القرآن الكريم بسورة الفاتحة","level":2,"page":152},{"title":"توطئة","level":3,"page":153},{"title":"ومن الأهمية بمكان بيان مفهوم علم المناسبات في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":155},{"title":"المناسبة في اللغة: المقاربة والمشاكلة","level":4,"page":155},{"title":"ومن فوائد وثمار معرفة علم المناسبات أنه","level":4,"page":155},{"title":"ومن المناسبة بمكان ذكر بيان موجز لأهم المصنفات في علم المناسبات","level":4,"page":156},{"title":"فمن أبرزها وأشهرها ما يلي","level":5,"page":156},{"title":"ومن العلماء المادحين المؤيدين","level":5,"page":157},{"title":"القول الراجح في المسألة","level":5,"page":159},{"title":"ولعل في هذا الإيجاز المختصر ما يغني بالإشارة عن العبارة لأهل البحث والنظر","level":4,"page":160},{"title":"المبحث الثاني مناسبة سورة الفاتحة مع تاليتها","level":2,"page":162},{"title":"أوجه المناسبة بين السورتين","level":3,"page":163},{"title":"أولا: المناسبة بينهما في مطلع السورتين","level":4,"page":163},{"title":"أما توجيه القراءة الأولى","level":5,"page":164},{"title":"وأما توجيه القراءة الثانية","level":5,"page":164},{"title":"ثانيا: التناسب العام بين محتوى السورتين الكريمتين","level":4,"page":168},{"title":"المبحث الثالث مناسبة آيات سورة الفاتحة مع بعضها البعض","level":2,"page":171},{"title":"أولا: المناسبة في مطلع السورة","level":3,"page":172},{"title":"ومما يؤيد ما ذكره الباحث آنفا قول الطاهر بن عاشور","level":4,"page":172},{"title":"ثانيا: مناسبة قوله: ﴿الرحمن الرحيم﴾ بالآية السابقة لها","level":3,"page":173},{"title":"ثالثا: مناسبة قوله: ﴿مالك يوم الدين (٤)﴾ بالآية السابقة","level":3,"page":173},{"title":"رابعا: مناسبة قوله: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين (٥)﴾ بالآية السابقة","level":3,"page":174},{"title":"خامسا: مناسبة قوله: ﴿اهدنا الصراط المستقيم (٦)﴾. بالآية السابقة","level":3,"page":177},{"title":"سادسا: مناسبة قوله: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (٧)﴾ بالآية السابقة","level":3,"page":178},{"title":"المبحث الرابع علاقة السورة الكريمة بالسور المفتتحة بالحمد لله","level":2,"page":180},{"title":"أولا: ترتيب السور المفتتحة بالحمد لله على ضوء ترتيبها في المصحف الشريف على النحو التالي","level":3,"page":181},{"title":"ثانيا: بيان بعض أوجه المناسبة بين السور المفتتحة بالحمد","level":3,"page":182},{"title":"أبرز أوجه التناسب بين السور المفتتحة بالحمد كلها","level":4,"page":182},{"title":"ثالثا: العلاقة الخاصة بين الفاتحة وبين كل سورة من تلك السور المفتتحة بالحمد","level":4,"page":184},{"title":"١ - سورة الأنعام","level":5,"page":184},{"title":"٢ - سورة الكهف","level":5,"page":187},{"title":"٣ - سورة سبأ","level":5,"page":190},{"title":"٤ - سورة فاطر","level":5,"page":191},{"title":"الفصل الرابع معالم التوحيد كما وردت في السورة الكريمة","level":1,"page":194},{"title":"المبحث الأول المحور الرئيس في السورة الكريمة (تقرير العبودية لله تعالى)","level":2,"page":195},{"title":"أولا: مفهوم العبودية","level":3,"page":196},{"title":"أ-العبودية في اللغة","level":4,"page":196},{"title":"ب-مفهوم العبودية في الشرع","level":4,"page":197},{"title":"ثانيا: بيان أقسام العبودية","level":3,"page":198},{"title":"العبودية: عبوديتان","level":4,"page":198},{"title":"ثالثا: بيان حقيقة العبودية","level":3,"page":202},{"title":"رابعا: تقرير عبودية لله تعالى في السورة الكريمة","level":3,"page":204},{"title":"المبحث الثاني التوحيد وعلاقته بمحور السورة الكريمة","level":2,"page":206},{"title":"المبحث الثالث تقرير التوحيد بأنواعه الثلاثة كما ورد في السورة الكريمة","level":2,"page":210},{"title":"أولا بيان أقسام التوحيد","level":3,"page":211},{"title":"القسم الأول: توحيد الربوبية","level":4,"page":213},{"title":"أنواع ربوبية الله على خلقه","level":5,"page":214},{"title":"من دلائل ومشاهد الربوبية","level":5,"page":214},{"title":"١ - دلالة الفطرة","level":6,"page":214},{"title":"٢ - دلالة التفكر في الأنفس","level":6,"page":215},{"title":"٣ - دلالة التأمل والتفكر في الآفاق والمخلوقات","level":6,"page":216},{"title":"ومن دلائل ومشاهد ربوبية الله تعالى في القرآن","level":5,"page":219},{"title":"ويتلخص مما سلف ذكره في توحيد الربوبية ما يلي","level":5,"page":222},{"title":"وأهم ما يثمره تحقيق توحيد الربوبية ما يلي","level":5,"page":222},{"title":"القسم الثاني: توحيد الألوهية","level":4,"page":223},{"title":"تعريفه","level":5,"page":223},{"title":"ويستفاد مما سبق بيانه عن توحيد الألوهية ما يلي","level":5,"page":224},{"title":"القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات","level":4,"page":225},{"title":"أولا: تعريفه","level":5,"page":225},{"title":"ثانيا: منهج أهل السنة والجماعة وطريقتهم في الأسماء والصفات","level":5,"page":226},{"title":"١ - التعريف بأهل السنة والجماعة","level":6,"page":226},{"title":"٢ - أهل السنة والجماعة وسبب تسميتهم بذلك","level":6,"page":227},{"title":"٣ - منهج أهل السنة والجماعة وطريقتهم في الأسماء والصفات","level":6,"page":228},{"title":"بيان معنى الإلحاد","level":6,"page":230},{"title":"الأدلة على صحة مذهب السلف","level":6,"page":230},{"title":"١ - أن طريقة السلف دل عليها الكتاب والسنة","level":7,"page":230},{"title":"٢ - العقل","level":7,"page":231},{"title":"٣ - الفطرة","level":7,"page":231},{"title":"٤ - مطابقتها للكتاب والسنة","level":7,"page":231},{"title":"٥ - أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين هم ورثة الأنبياء والمرسلين","level":7,"page":231},{"title":"٦ - أن صفوة أولياء الله تعالى الذين لهم لسان صدق من سلف الأمة وخلفها","level":7,"page":232},{"title":"٧ - تناقض علماء الكلام وحيرتهم واضطرابهم","level":7,"page":232},{"title":"٨ - رجوع كثير من أئمة الكلام إلى الحق وإلى مذهب السلف","level":7,"page":232},{"title":"بيان أسماء الله وصفاته","level":6,"page":235},{"title":"١ - العلم بأسماء الله وصفاته هو الطريق إلى معرفة الله","level":7,"page":235},{"title":"٢ - أن معرفة الله تدعو إلى محبته وخشيته وخوفه ورجائه وإخلاص العمل له","level":7,"page":235},{"title":"٣ - تزكية النفوس وإقامتها على منهج العبودية للواحد الأحد","level":7,"page":235},{"title":"٤ - الانزجار عن المعاصي","level":7,"page":236},{"title":"٥ - أن النفوس طلعة، تتطلع وتتشوق إلى ما في أيدي الآخرين","level":7,"page":236},{"title":"٦ - أن العبد يقع في المعصية، فتضيق عليه الأرض بما رحبت","level":7,"page":236},{"title":"٧ - ومنها أن العبد تتناوشه المصائب، والمكاره","level":7,"page":236},{"title":"٨ - ويقارع الأشرار، وأعداء دين الله من الكفار والفجار","level":7,"page":236},{"title":"٩ - وتصيبه الأمراض، وربما استعصت وعز علاجها","level":7,"page":236},{"title":"١٠ - أن العلم به تعالى أصل الأشياء كلها","level":7,"page":236},{"title":"١١ - أن من انفتح له هذا الباب باب الأسماء والصفات انفتح له باب التوحيد الخالص","level":7,"page":237},{"title":"١٢ - زيادة الإيمان","level":7,"page":237},{"title":"١٣ - أن من أحصى تسعة وتسعين اسما من أسماء الله دخل الجنة","level":7,"page":237},{"title":"ثالثا: تقرير التوحيد بأنواعه الثلاثة كما ورد في السورة الكريمة","level":5,"page":237},{"title":"١ - تقرير التوحيد في السورة جملة","level":6,"page":237},{"title":"٢ - تقرير التوحيد في السورة تفصيلا","level":6,"page":240},{"title":"ما هو الصراط المستقيم؟","level":6,"page":248},{"title":"المبحث الرابع أبرز الموضوعات التي تناولتها السورة الكريمة ودلالتها على قضية التوحيد","level":2,"page":253},{"title":"١ - الحمد مفهومه ومكانته ودلالته على التوحيد","level":3,"page":254},{"title":"أولا: مفهوم الحمد","level":4,"page":254},{"title":"ثانيا: مكانته ودلالته على التوحيد","level":4,"page":256},{"title":"٢ - صفات الله تعالى كما وردت في السورة الكريمة (الرحمن-الرحيم-رب العالمين-مالك يوم الدين) ودلالتها على التوحيد","level":3,"page":265},{"title":"٣ - مفهوم الإيمان باليوم الآخر (يوم الدين) ودلالته على التوحيد","level":3,"page":268},{"title":"أولا: التعريف باليوم الآخر","level":4,"page":268},{"title":"ثانيا: مفهوم الإيمان باليوم الآخر ومعناه وأدلة وجوبه","level":4,"page":268},{"title":"ثالثا: ومما يستدل به أيضا على وجوب الإيمان باليوم الآخر إضافة لما سبق ذكره","level":4,"page":271},{"title":"رابعا-بعض أسماء يوم القيامة","level":4,"page":275},{"title":"وفيما يلي أشهر تلك الأسماء مع تعريف مختصر بكل اسم","level":5,"page":276},{"title":"١ - الطامة","level":6,"page":276},{"title":"٢ - الساعة","level":6,"page":276},{"title":"٣ - يوم البعث","level":6,"page":277},{"title":"٤ - يوم الدين","level":6,"page":277},{"title":"٥ - القارعة","level":6,"page":277},{"title":"٦ - يوم الخروج","level":6,"page":277},{"title":"٧ - يوم الفصل","level":6,"page":278},{"title":"٨ - الصاخة","level":6,"page":278},{"title":"خامسا: دلالة الإيمان باليوم الآخر على التوحيد","level":4,"page":278},{"title":"٤ - أصل الدين مبني على أصلين عظيمين (العبودية-والاستعانة)","level":3,"page":282},{"title":"أولا: العبودية","level":4,"page":282},{"title":"في ضوء بيان أهل العلم وأئمة التفسير ﵏ حول آية الذاريات يتبين","level":5,"page":284},{"title":"ثانيا: عبودية البشر","level":4,"page":286},{"title":"أ-عبودية الأنبياء والمرسلين","level":5,"page":286},{"title":"ب-عبودية أولي العزم من الرسل -﵈- بأعيانهم","level":5,"page":288},{"title":"ج-عبودية عموم المرسلين","level":5,"page":289},{"title":"د- عبودية عموم البشر","level":5,"page":290},{"title":"هـ-عبودية الملائكة","level":5,"page":291},{"title":"التعريف بالملائكة","level":6,"page":291},{"title":"الملائكة لغة","level":7,"page":292},{"title":"الملائكة اصطلاحا","level":7,"page":292},{"title":"أعداد الملائكة","level":6,"page":294},{"title":"مهام ووظائف الملائكة","level":6,"page":294},{"title":"١ - حملة العرش ومن حوله ولهم مهام عظيمة","level":7,"page":295},{"title":"٢ - ومنهم جبريل -﵇-","level":7,"page":295},{"title":"ميكائيل -﵇-","level":7,"page":297},{"title":"إسرافيل -﵇-","level":7,"page":298},{"title":"ملك الموت -﵇-","level":7,"page":300},{"title":"و-عبودية الجن","level":5,"page":304},{"title":"الجن لغة","level":6,"page":304},{"title":"الجن اصطلاحا","level":6,"page":305},{"title":"ز-عبودية الكائنات","level":5,"page":314},{"title":"تسبيح الكائنات","level":6,"page":318},{"title":"تسبيح الرعد","level":6,"page":319},{"title":"عبودية وتسبيح بعض الكائنات","level":6,"page":320},{"title":"من مشاهد عبودية الطير في القرآن","level":6,"page":321},{"title":"مشاهد من عبودية وتسبيح النمل","level":6,"page":321},{"title":"والنمل أمة معظمة للعلم داعية لأهله","level":6,"page":322},{"title":"ومن مشاهد عبودية الجمادات كذلك، عبودية الحجارة والجبال","level":6,"page":322},{"title":"ومن مشاهد عبودية الطعام وتسبيحه","level":6,"page":326},{"title":"ثالثا: عبودية الاستعانة","level":4,"page":327},{"title":"أولا: بيان مفهوم الاستعانة في اللغة والاصطلاح","level":5,"page":328},{"title":"١ - الاستعانة لغة","level":6,"page":328},{"title":"٢ - واصطلاحا","level":6,"page":328},{"title":"ثانيا: بيان أقسام الاستعانة","level":5,"page":329},{"title":"ثالثا: بيان سبب تقديم العبادة على الاستعانة","level":5,"page":330},{"title":"رابعا: بيان أقسام الناس في العبادة والاستعانة","level":5,"page":331},{"title":"خامسا: بيان منزلة الاستعانة من الدين","level":5,"page":334},{"title":"سادسا: ثمرات الاستعانة بالله","level":5,"page":338},{"title":"٥ - اشتمال السورة على أعظم المطالب. (طلب الهداية للصراط المستقيم ودلاته على التوحيد)","level":3,"page":341},{"title":"أولا: مفهوم الهداية","level":4,"page":341},{"title":"١ - الهداية لغة","level":5,"page":341},{"title":"٢ - الهداية اصطلاحا","level":5,"page":342},{"title":"ثانيا: بيان أنواع الهداية","level":4,"page":344},{"title":"ثالثا: بيان أن مطلب الهداية هو أعظم وأجل المطالب","level":4,"page":345},{"title":"رابعا: بيان أسباب الهداية ودلالتها على التوحيد","level":4,"page":349},{"title":"خامسا: بيان طريق الهداية","level":4,"page":351},{"title":"سادسا: طلب الهداية للصراط المستقيم ودلالته على التوحيد","level":4,"page":353},{"title":"٦ - أبرز صفات الطوائف الثلاث المذكورة في السورة الكريمة (المنعم عليهم-المغضوب عليهم- الضالين)","level":3,"page":359},{"title":"أولا: التعريف بالطوائف الثلاث إجمالا","level":4,"page":359},{"title":"ثانيا: التعريف بالطوائف الثلاث تفصيلا","level":4,"page":363},{"title":"الطائفة الأولى: المنعم عليهم","level":5,"page":363},{"title":"أولا: التعريف بهم","level":6,"page":363},{"title":"ثانيا: أخص صفاتهم إجمالا","level":6,"page":364},{"title":"ثالثا: أخص صفاتهم تفصيلا","level":6,"page":365},{"title":"١ - العلم","level":7,"page":365},{"title":"٢ - العمل","level":7,"page":365},{"title":"٣ - الهداية والاستقامة","level":7,"page":365},{"title":"٤ - الثبات على الدين","level":7,"page":366},{"title":"٥ - فوزهم بمحبة الله واصطفائه ورضاه","level":7,"page":369},{"title":"٦ - القدوة","level":7,"page":369},{"title":"٧ - أنهم قلة في الناس","level":7,"page":370},{"title":"الطائفة الثانية: المغضوب عليهم","level":5,"page":371},{"title":"أولا: من هم المغضوب عليهم؟","level":6,"page":371},{"title":"ثانيا: التعريف باليهود واليهودية","level":6,"page":372},{"title":"١ - اليهود لغة","level":7,"page":372},{"title":"٢ - اليهود اصطلاحا","level":7,"page":373},{"title":"ثالثا: أخص صفاتهم","level":6,"page":375},{"title":"١ - أول صفاتهم: الكفر بالله مع الإباء","level":7,"page":376},{"title":"٢ - تطاولهم على ذات الله تعالى جل في علاه","level":7,"page":377},{"title":"أ-قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء","level":8,"page":377},{"title":"ب-وقالوا: يد الله مغلولة","level":8,"page":377},{"title":"ج- ونسبوا الولد له ﷾","level":8,"page":378},{"title":"٣ - طلبوا تعنتا كتابا من السماء، وطلبوا رؤية الله جهرة","level":7,"page":378},{"title":"٤ - تحريفهم لكلام الله","level":7,"page":378},{"title":"٥ - واليهود أشد الخلق عداوة لأهل الحق","level":7,"page":380},{"title":"٦ - واليهود أمة عناد وتعنت","level":7,"page":380},{"title":"أ-قصة تعنتهم مع موسى في قصة بقرة بني إسرائيل وهي معروفة مشهورة","level":8,"page":380},{"title":"ب-تعنتهم وتضجرهم وتسخطهم على نعم الله","level":8,"page":381},{"title":"٧ - ومن أجلى صفاتهم: الجبن عند اللقاء والهلع المصحوب بحب الدنيا وطول البقاء فيها","level":7,"page":381},{"title":"٨ - ومن أخص وأخس صفاتهم نقض العهود والمواثيق والغدر والخيانة وقسوة القلوب","level":7,"page":383},{"title":"٩ - قتلهم الأنبياء.","level":7,"page":386},{"title":"١٠ - وقتلهم كذلك للمصلحين والدعاة إلى الله.","level":7,"page":386},{"title":"١١ - اتباعهم السحر واستعانتهم بالشياطين.","level":7,"page":386},{"title":"١٢ - إيقادهم للحروب وإفسادهم في الأرض.","level":7,"page":387},{"title":"١٣ - أكلهم أموال الناس سحتا وباطلا مع تعاطيهم الربا وهم سادة البشر في ذلك.","level":7,"page":387},{"title":"١٤ - إفسادهم في الأرض.","level":7,"page":388},{"title":"١٥ - استخدامهم الحيل والمخادعة مع الله.","level":7,"page":388},{"title":"١٦ - نزعتهم العنصرية المصحوبة بالأنانية واحتقار الخلق.","level":7,"page":389},{"title":"١٧ - نقضهم العهود.","level":7,"page":389},{"title":"١٨ - مخالفتهم بين القول والعمل.","level":7,"page":389},{"title":"١٩ - تكذيبهم المرسلين.","level":7,"page":389},{"title":"٢٠ - سلوكهم سبل الغواية.","level":7,"page":389},{"title":"٢١ - عتوهم وعنادهم واستكبارهم.","level":7,"page":390},{"title":"الطائفة الثالثة: الضالون","level":5,"page":392},{"title":"أولا: من هم الضالون؟","level":6,"page":392},{"title":"ثانيا: التعريف بالنصرانية والنصارى","level":6,"page":393},{"title":"١ - النصرانية لغة","level":7,"page":393},{"title":"٢ - واصطلاحا","level":7,"page":394},{"title":"ثالثا: أصل النصرانية.","level":6,"page":394},{"title":"رابعا: أخص صفات النصارى.","level":6,"page":396},{"title":"١ - الكفر بالله تعالى","level":7,"page":396},{"title":"٢ - الضلال من أخص صفاتهم","level":7,"page":397},{"title":"٣ - الغلو والجهل بالحق.","level":7,"page":397},{"title":"٤ - الكبر والغرور.","level":7,"page":398},{"title":"٥ - هم أشقاء اليهود في الاستخفاف بالرسل -﵈-.","level":7,"page":398},{"title":"٦ - ومن خصائهم تقديس الصليب واتخاذه شعارا لدينهم المحرف","level":7,"page":400},{"title":"خامسا: كثرة ورود لفظ النصارى في القرآن الكريم.","level":6,"page":401},{"title":"سادسا: أبرز الصفات المشتركة بين اليهود والنصارى.","level":6,"page":403},{"title":"١ - اشتراكهما في نسبة الولد لله.","level":7,"page":403},{"title":"٢ - إشتراكهما في جحد كون القرآن كلام الله المنزل على عبده ورسوله محمد -ﷺ-.","level":7,"page":403},{"title":"٣ - إشتراكهما في جحد وإنكار نبوة محمد -ﷺ-.","level":7,"page":403},{"title":"٤ - إشتراكهما في تحريف كتبهم المنزلة.","level":7,"page":403},{"title":"٥ - إشتراكهما في الغرور والكبر.","level":7,"page":403},{"title":"٦ - إشتراكهما في الحقد الدفين على هداية عباد الله المؤمنين.","level":7,"page":404},{"title":"سابعا: تنبيه وتحذير المنعم عليهم من سلوك سبيل اليهود والنصارى","level":6,"page":404},{"title":"ثامنا: نداء عام لليهود والنصارى","level":6,"page":405},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":407},{"title":"أولا: أبرز النتائج","level":2,"page":408},{"title":"أبرز النتائج من خلال الفصل الأول","level":3,"page":408},{"title":"فبتحقيق التوحيد","level":4,"page":409},{"title":"أبرز النتائج من خلال الفصل الثاني","level":3,"page":412},{"title":"أبرز النتائج من خلال الفصل الثالث","level":3,"page":414},{"title":"أبرز النتائج من خلال الفصل الرابع","level":3,"page":415},{"title":"ثانيا: بيان لأهم توصيات الدراسة","level":2,"page":417},{"title":"وختاما","level":2,"page":419},{"title":"الفهارس","level":1,"page":422},{"title":"أولا-فهرس: أهم المصادر والمراجع","level":2,"page":423},{"title":"(أ)","level":3,"page":423},{"title":"(ب)","level":3,"page":426},{"title":"(ت)","level":3,"page":428},{"title":"(ج)","level":3,"page":433},{"title":"(ح)","level":3,"page":435},{"title":"(خ)","level":3,"page":435},{"title":"(د)","level":3,"page":436},{"title":"(ر)","level":3,"page":437},{"title":"(ز)","level":3,"page":437},{"title":"(س)","level":3,"page":437},{"title":"(ش)","level":3,"page":438},{"title":"(ص)","level":3,"page":439},{"title":"(ط)","level":3,"page":441},{"title":"(ع)","level":3,"page":442},{"title":"(غ)","level":3,"page":443},{"title":"(ف)","level":3,"page":443},{"title":"(ق)","level":3,"page":444},{"title":"(ك)","level":3,"page":445},{"title":"(ل)","level":3,"page":445},{"title":"(م)","level":3,"page":446},{"title":"(ل)","level":3,"page":451},{"title":"(ن)","level":3,"page":452},{"title":"(هـ)","level":3,"page":452}],"ٛ":{"1,1":1,"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,19":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,25":21,"1,27":22,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,41":35,"1,43":36,"1,44":37,"1,45":38,"1,46":39,"1,47":40,"1,48":41,"1,49":42,"1,51":43,"1,53":44,"1,54":45,"1,55":46,"1,56":47,"1,57":48,"1,59":49,"1,60":50,"1,61":51,"1,62":52,"1,63":53,"1,64":54,"1,65":55,"1,66":56,"1,67":57,"1,68":58,"1,69":59,"1,70":60,"1,71":61,"1,72":62,"1,73":63,"1,75":64,"1,77":65,"1,79":66,"1,80":67,"1,81":68,"1,82":69,"1,83":70,"1,84":71,"1,85":72,"1,86":73,"1,87":74,"1,88":75,"1,89":76,"1,90":77,"1,91":78,"1,92":79,"1,93":80,"1,94":81,"1,95":82,"1,96":83,"1,97":84,"1,98":85,"1,99":86,"1,100":87,"1,101":88,"1,102":89,"1,103":90,"1,105":91,"1,107":92,"1,108":93,"1,109":94,"1,110":95,"1,111":96,"1,112":97,"1,113":98,"1,115":99,"1,116":100,"1,117":101,"1,118":102,"1,119":103,"1,120":104,"1,121":105,"1,123":106,"1,125":107,"1,126":108,"1,127":109,"1,128":110,"1,129":111,"1,130":112,"1,131":113,"1,133":114,"1,135":115,"1,136":116,"1,137":117,"1,138":118,"1,139":119,"1,140":120,"1,141":121,"1,142":122,"1,143":123,"1,144":124,"1,145":125,"1,146":126,"1,147":127,"1,148":128,"1,149":129,"1,150":130,"1,151":131,"1,152":132,"1,153":133,"1,154":134,"1,155":135,"1,156":136,"1,157":137,"1,159":138,"1,160":139,"1,161":140,"1,162":141,"1,163":142,"1,164":143,"1,165":144,"1,167":145,"1,168":146,"1,169":147,"1,170":148,"1,171":149,"1,172":150,"1,173":151,"1,175":152,"1,177":153,"1,178":154,"1,179":155,"1,180":156,"1,181":157,"1,182":158,"1,183":159,"1,184":160,"1,185":161,"1,187":162,"1,189":163,"1,190":164,"1,191":165,"1,192":166,"1,193":167,"1,194":168,"1,195":169,"1,196":170,"1,197":171,"1,199":172,"1,200":173,"1,201":174,"1,202":175,"1,203":176,"1,204":177,"1,205":178,"1,206":179,"1,207":180,"1,209":181,"1,210":182,"1,211":183,"1,212":184,"1,213":185,"1,214":186,"1,215":187,"1,216":188,"1,217":189,"1,218":190,"1,219":191,"1,220":192,"1,221":193,"1,223":194,"1,225":195,"1,227":196,"1,228":197,"1,229":198,"1,230":199,"1,231":200,"1,232":201,"1,233":202,"1,234":203,"1,235":204,"1,236":205,"1,237":206,"1,239":207,"1,240":208,"1,241":209,"1,243":210,"1,245":211,"1,246":212,"1,247":213,"1,248":214,"1,249":215,"1,250":216,"1,251":217,"1,252":218,"1,253":219,"1,254":220,"1,255":221,"1,256":222,"1,257":223,"1,258":224,"1,259":225,"1,260":226,"1,261":227,"1,262":228,"1,263":229,"1,264":230,"1,265":231,"1,266":232,"1,267":233,"1,268":234,"1,269":235,"1,270":236,"1,271":237,"1,272":238,"1,273":239,"1,274":240,"1,275":241,"1,276":242,"1,277":243,"1,278":244,"1,279":245,"1,280":246,"1,281":247,"1,282":248,"1,283":249,"1,284":250,"1,285":251,"1,286":252,"1,287":253,"1,289":254,"1,290":255,"1,291":256,"1,292":257,"1,293":258,"1,294":259,"1,295":260,"1,296":261,"1,297":262,"1,298":263,"1,299":264,"1,300":265,"1,301":266,"1,302":267,"1,303":268,"1,304":269,"1,305":270,"1,306":271,"1,307":272,"1,308":273,"1,309":274,"1,310":275,"1,311":276,"1,312":277,"1,313":278,"1,314":279,"1,315":280,"1,316":281,"1,317":282,"1,318":283,"1,319":284,"1,320":285,"1,321":286,"1,322":287,"1,323":288,"1,324":289,"1,325":290,"1,326":291,"1,327":292,"1,328":293,"1,329":294,"1,330":295,"1,331":296,"1,332":297,"1,333":298,"1,334":299,"1,335":300,"1,336":301,"1,337":302,"1,338":303,"1,339":304,"1,340":305,"1,341":306,"1,342":307,"1,343":308,"1,344":309,"1,345":310,"1,346":311,"1,347":312,"1,348":313,"1,349":314,"1,350":315,"1,351":316,"1,352":317,"1,353":318,"1,354":319,"1,355":320,"1,356":321,"1,357":322,"1,358":323,"1,359":324,"1,360":325,"1,361":326,"1,362":327,"1,363":328,"1,364":329,"1,365":330,"1,366":331,"1,367":332,"1,368":333,"1,369":334,"1,370":335,"1,371":336,"1,372":337,"1,373":338,"1,374":339,"1,375":340,"1,376":341,"1,377":342,"1,378":343,"1,379":344,"1,380":345,"1,381":346,"1,382":347,"1,383":348,"1,384":349,"1,385":350,"1,386":351,"1,387":352,"1,388":353,"1,389":354,"1,390":355,"1,391":356,"1,392":357,"1,393":358,"1,394":359,"1,395":360,"1,396":361,"1,397":362,"1,398":363,"1,399":364,"1,400":365,"1,401":366,"1,402":367,"1,403":368,"1,404":369,"1,405":370,"1,406":371,"1,407":372,"1,408":373,"1,409":374,"1,410":375,"1,411":376,"1,412":377,"1,413":378,"1,414":379,"1,415":380,"1,416":381,"1,417":382,"1,418":383,"1,419":384,"1,420":385,"1,421":386,"1,422":387,"1,423":388,"1,424":389,"1,425":390,"1,426":391,"1,427":392,"1,428":393,"1,429":394,"1,430":395,"1,431":396,"1,432":397,"1,433":398,"1,434":399,"1,435":400,"1,436":401,"1,437":402,"1,438":403,"1,439":404,"1,440":405,"1,441":406,"1,443":407,"1,445":408,"1,446":409,"1,447":410,"1,448":411,"1,449":412,"1,450":413,"1,451":414,"1,452":415,"1,453":416,"1,454":417,"1,455":418,"1,456":419,"1,457":420,"1,458":421,"1,459":422,"1,461":423,"1,462":424,"1,463":425,"1,464":426,"1,465":427,"1,466":428,"1,467":429,"1,468":430,"1,469":431,"1,470":432,"1,471":433,"1,472":434,"1,473":435,"1,474":436,"1,475":437,"1,476":438,"1,477":439,"1,478":440,"1,479":441,"1,480":442,"1,481":443,"1,482":444,"1,483":445,"1,484":446,"1,485":447,"1,486":448,"1,487":449,"1,488":450,"1,489":451,"1,490":452},"ٜ":{"1":[1,490]},"ٝ":["1,1","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,19","1,21","1,22","1,23","1,25","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,41","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,51","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,75","1,77","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,105","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,123","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,133","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,175","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,187","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,223","1,225","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,239","1,240","1,241","1,243","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,443","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490"],"ٞ":{"6":[1],"8":[2,3,4],"9":[5],"10":[6],"13":[7],"14":[8],"16":[9],"17":[10],"18":[11,12],"21":[13],"22":[14],"23":[15],"32":[16,17,18],"35":[19],"36":[20],"37":[21],"38":[22,23],"39":[24],"40":[25,26],"43":[27],"48":[28],"49":[29],"50":[30,31],"51":[32,33],"53":[34,35],"54":[36,37],"55":[38],"64":[39],"65":[40],"66":[41,42,43],"68":[44],"69":[45],"71":[46],"75":[47],"77":[48,49,50],"78":[51],"81":[52,53],"82":[54],"85":[55,56,57,58],"87":[59,60],"88":[61,62],"91":[63],"92":[64,65,66],"95":[67,68],"96":[69,70],"98":[71],"99":[72,73],"100":[74],"101":[75],"102":[76,77],"103":[78,79],"104":[80],"105":[81,82],"106":[83],"107":[84,85],"110":[86,87,88,89],"111":[90],"114":[91],"116":[92],"119":[93],"126":[94],"128":[95],"132":[96],"133":[97],"137":[98],"138":[99,100],"141":[101],"142":[102,103],"144":[104],"146":[105],"147":[106,107],"148":[108],"149":[109],"151":[110],"152":[111],"153":[112],"155":[113,114,115],"156":[116,117],"157":[118],"159":[119],"160":[120],"162":[121],"163":[122,123],"164":[124,125],"168":[126],"171":[127],"172":[128,129],"173":[130,131],"174":[132],"177":[133],"178":[134],"180":[135],"181":[136],"182":[137,138],"184":[139,140],"187":[141],"190":[142],"191":[143],"194":[144],"195":[145],"196":[146,147],"197":[148],"198":[149,150],"202":[151],"204":[152],"206":[153],"210":[154],"211":[155],"213":[156],"214":[157,158,159],"215":[160],"216":[161],"219":[162],"222":[163,164],"223":[165,166],"224":[167],"225":[168,169],"226":[170,171],"227":[172],"228":[173],"230":[174,175,176],"231":[177,178,179,180],"232":[181,182,183],"235":[184,185,186,187],"236":[188,189,190,191,192,193,194],"237":[195,196,197,198,199],"240":[200],"248":[201],"253":[202],"254":[203,204],"256":[205],"265":[206],"268":[207,208,209],"271":[210],"275":[211],"276":[212,213,214],"277":[215,216,217,218],"278":[219,220,221],"282":[222,223],"284":[224],"286":[225,226],"288":[227],"289":[228],"290":[229],"291":[230,231],"292":[232,233],"294":[234,235],"295":[236,237],"297":[238],"298":[239],"300":[240],"304":[241,242],"305":[243],"314":[244],"318":[245],"319":[246],"320":[247],"321":[248,249],"322":[250,251],"326":[252],"327":[253],"328":[254,255,256],"329":[257],"330":[258],"331":[259],"334":[260],"338":[261],"341":[262,263,264],"342":[265],"344":[266],"345":[267],"349":[268],"351":[269],"353":[270],"359":[271,272],"363":[273,274,275],"364":[276],"365":[277,278,279,280],"366":[281],"369":[282,283],"370":[284],"371":[285,286],"372":[287,288],"373":[289],"375":[290],"376":[291],"377":[292,293,294],"378":[295,296,297],"380":[298,299,300],"381":[301,302],"383":[303],"386":[304,305,306],"387":[307,308],"388":[309,310],"389":[311,312,313,314,315],"390":[316],"392":[317,318],"393":[319,320],"394":[321,322],"396":[323,324],"397":[325,326],"398":[327,328],"400":[329],"401":[330],"403":[331,332,333,334,335,336],"404":[337,338],"405":[339],"407":[340],"408":[341,342],"409":[343],"412":[344],"414":[345],"415":[346],"417":[347],"419":[348],"422":[349],"423":[350,351],"426":[352],"428":[353],"433":[354],"435":[355,356],"436":[357],"437":[358,359,360],"438":[361],"439":[362],"441":[363],"442":[364],"443":[365,366],"444":[367],"445":[368,369],"446":[370],"451":[371],"452":[372,373]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"سلسلة الرسائل العلمية (١٢)\n\nمعالم التوحيد\nفي\nفاتحة الكتاب\nدراسة تحليلية موضوعية\n\nتأليف الدكتور:\nعرفة بن طنطاوي\nأستاذ التفسير وعلوم القرآن للدراسات العليا\nبالجامعة الإسلامية والمعهد العالي للأئمة والخطباء بمنيسوتا","vol":"1","page":1},{"text":"بحوث ورسائل علمية جامعية (١)\nالموسوعة البحثية التأصلية في\nالدراسات القرآنية\n\nمعالم التوحيد\nفي\nفاتحة الكتاب\n\n(رسالة دكتوراه)\nدراسة تحليلية موضوعية\n\nتأليف الدكتور/ عرفة بن طنطاوي\nأستاذ التفسير وعلوم القرآن للدراسات العليا\nبالجامعة الإسلامية والمعهد العالي للأئمة والخطباء بمنيسوتا\n\nدار المأثور … دار الأمل","vol":"1","page":3},{"text":"أصل الكتاب\nرسالة نال بها الباحث درجة\nالعالِمية (الدكتوراه)\nفي التفسير وعلوم القرآن\nبدرجة\nامتياز مع مرتبة الشرف الأولى","vol":"1","page":4},{"text":"تنبيه\nهذا كتاب مفيد قد حوى دُررَا … فيه معالم عن توحيد الله خُذ خبرَا\nيا مَن يوحد الله فاحظ به … حتى تكون بِذَا القرآن مُدَّكِرَا","vol":"1","page":5},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>ديباجة الكتاب</span>\nإنَّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران].\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء].\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].\nأما بعد (^١):\nفإنَّ شرف العلم من شرف المعلوم، وشرف كل علم بشرف متعلقه، وعلم التفسيرِ متعلق بأشرف كتاب ألا وهو كتاب الله تعالى، ولذا يُعَدُّ علمُ التفسيرِ من أجلّ العلوم بل ومن أشرفها وأبركها وأعلاها قدرًا وأزكاها، وأعظمها أثرًا ونفعًا، والبشرية عمومًا والأمة خصوصًا أكثر احتياجًا له على مرِّ العصور والأزمان؛ وذلك لمسيس الحاجة\n_________\n(^١) هذه هي خطبة الحاجة التي كان النبي -ﷺ- يعلمها أصحابه -﵃-، وهي في الابتداء عامة، في خطبة النكاح، وغيرها، وهي مروية عن: ابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وابن عباس، وغيرهم -﵃-.\nأخرجها: أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وغيرهم. ولقد اخترت رواية عن ابن مسعود عند أحمد (٣٧٢٠ و٤١١٥)، وأبو داود (٢١١٨)، والنسائي في المجتبى (٣٢٧٧)، والطيالسي في المسند (٣٣٦)، وأبو يعلى في المسند (٥٢٣٣)، والحاكم في المستدرك (٢٧٤٤).\nوتنظر مخرَّجة، تخريجًا علميًّا متقنًا، في جزء حديثي، باسم: «خطبة الحاجة» لفضيلة محدث الأمة: محمد ناصر الدين الألباني -﵀-.","vol":"1","page":7},{"text":"لفهم معاني آي التنزيل، وإيضاح غريب ومبهم القرآن، وبيان مقاصده وأحكامه، وبيان دلائل هداياته، والجواب عن تساؤلاته، وبيان مجمل معاني آياته.\nوأهل العلم بتفسير القرآن نالوا شرفًا مرومًا، وعلوَّ قدرٍ وشأنٍ، ورفعةَ مكانةٍ، وسموَّ رتبةٍ.\nإذْ جعلَهم اللهُ مرجعًا للعباد في الدلالة على إيضاح المراد من كلامه ﷾، وأيُّ شرف يعدل هذا الشرف؟\nولا شك أن هذا من أعظم الدوافع وأعظم المطالب الداعية للتنافس في بذل العمر النفيس والوقت الغالي العزيز لنيل أعظم المراتب وأشرف الأماني، وهذا مما يعين على البذل والتضحية في التنقيب والبحث في علم التفسير بعلو همة وإقبالِ نفسٍ لتحقيق تلك الرتب العالية، والفوز بالمكانة الرفيعة السامية، ونيل تلك المآرب الشريفة الغالية.\nهذا مع ما يمنُّ الله به على مَن اشتغل بهذا العلم الشريف من التعلق بكتاب ربه وعمارة وقته وحياته به، وينزل الله عليه من السكينة والطمأنينة وشآبيب الرحمة، مع ما يورثه من انشراحٍ لصدره وطمأنينة لنفسه وتزكية لفؤاده وصلاح في معاشه، مع ما أعده له من جزيل عطائه وثوابه في معاده، هذا مع ما يعود نفعه لعباده ببيان وإيضاح معاني تأويل كتابه والكشف عن أسرار تنزيله وبيان معاني آياته.\nقال سبحانه في شأن كتابه:\n﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].\nتلك هي الدوافع الداعية لخوض البحث والتنقيب عن معاني القرآن العظيم عمومًا، وبيان فضائل فاتحته خصوصًا، وإيضاح معانيها وتعلقها بأشرف وأعظم وأجل قضية ينبغي أن تبذل من أجلها الهمم العوالي والمهج الغوالي، ألا وهي قضية التوحيد","vol":"1","page":8},{"text":"الذي هو حق الله على العبيد، فهي أعظم سورة في كتاب الله، وهي أم القرآن وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، ما أُنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها.\nوقد قال الله تعالى في شأنها:\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر].\nوقَالَ رَسُولُه اللَّهِ -ﷺ- عنها: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الفُرْقَانِ مِثْلُهَا، وَإِنَّهَا سَبْعٌ مِنَ المَثَانِي وَالقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-2>خطوات البحث:</span>\n<span data-type='title' id=toc-3>أولًا-أهمية الموضوع وأسباب اختياره:</span>\n١ - بيان مكانة القرآن الكريم وعلو قدره عمومًا، وبيان مكانة وفضل وقدر أفضل سورة فيه، ألا وهي سورة الفاتحة خصوصًا.\n٢ - بيان عظمة ما اشتملت عليه السورة الكريمة من تقرير أعظم وأجل قضية ألا وهي قضية التوحيد.\n٣ - بيان المقاصد العامة للسورة الكريمة وشموليتها، وإيضاح ما قررته من قضايا كلية (عقدية وتعبدية وسلوكية).\n\n<span data-type='title' id=toc-4>ثانيًا-أهداف البحث:</span>\n١ - بيان أن المحور الرئيس في السورة الكريمة هو تقرير عبودية الخلق للخالق جل في علاه.\n٢ - إن من أهم أهداف البحث بيان عظم قدر التوحيد وعلو شأنه.\n_________\n(^١) البخاري (٤٧٠٤) مختصرًا، والترمذي في السنن (٢٨٧٥) واللفظ له.","vol":"1","page":9},{"text":"٣ - إيضاح وإبراز العلاقة الوطيدة بين السورة الكريمة وبين التوحيد بأنواعه الثلاثة.\n٤ - ومن أهم أهداف البحث إبراز الجوانب العظيمة التي حوتها السورة الكريمة.\n٥ - ومن الأهداف الجليلة للبحث لفت انتباه أنظار المسلمين عمومًا والباحثين والدارسين خصوصًا لعظم شأن السورة وما حوته وتضمنته من قضايا ومباحث، وأن مجال البحث في شأن فاتحة الكتاب ما يزال بابه مفتوحًا لم يوصد، وذلك لعظم شأن كتاب الله ولعظم قدر فاتحته وما حوته وتضمنته من قضايا، ماتزال تحتاج لبحث وتنقيب وإبراز لتلك الجوانب العظيمة التي تدل على عظمة الله، وعظمة كلامه الذي لا منتهى لفضله ولا حصر لقدره وعلو شأنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5>ثالثًا-الدراسات السابقة:</span>\nلعظم شأن فاتحة الكتاب في صدور أهل الإيمان كثُر التصنيفُ والتأليفُ فيما يخص السورة الكريمة، سواء من عموم المصنفين والمؤلفين، أو من عموم الباحثين والدارسين كذلك، ومما قُدِّم من أطروحات وبحوث ودراسات علمية، كلٌّ يتناولها من جانب من الجوانب، فباحث يتناولها من جانب التفسير الموضوعي، وباحث يتناولها من الجانب اللغوي، وباحث يتناولها من جانب الإعجاز البلاغي، وباحث يتناولها من جانب الترابط النصي والوحدة الموضوعية إلى غير ذلك من الموضوعات، ومن ذلك:\n١. موضوعات قرآنية في ضوء سورة الفاتحة دراسة موضوعية لعماد يعقوب حمتو.\n٢. دلالات سورة الفاتحة التربوية في ضوء التفسير القيم د. حمدان عبد الله الصوفي الجامعة الإسلامية بغزة كلية التربية - قسم أصول التربية.\n٣. سورة الفاتحة في ضوء عبادة الدعاء تفسير موضوعي - كريم امصنصف - مدينة مكناس، شمال شرق المملكة المغربية.","vol":"1","page":10},{"text":"٤. التفسير التحليلي للقرآن الكريم: تفسير سورة الفاتحة نموذجًا (٣٥٠) صفحة لـ ناصر الكسواني عن: دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع (٢٠١١).\nوالحقيقة أن ما كُتِب في السورة الكريمة وصُنِّف يصعُب إحصاؤه، إلا أنه في حدود البحث الضيق لم تقف الدراسة على بحث دراسي أو أُطرُوحة علمية تعالج موضوع بحثنا بدراسة تحليلية موضوعية مستقلة بتناول قضية التوحيد وعلاقتها بفاتحة الكتاب.\nولعظم وقدر أفضل سورة في كتاب الله، ولمكانة أجل قضية تعالجها السورة الكريمة ويدور عليها محورها الرئيس، ألا وهو موضوع (قضية التوحيد)، كان هذا البحث الموسوم بـ (معالم التوحيد في ضوء فاتحة الكتاب).\n\n<span data-type='title' id=toc-6>رابعًا- منهج البحث:</span>\n١ - يعتمد منهج البحث على الجمع بين جانبين ونوعين عظيمين جليلين من جوانب التفسير ألا وهما جانبا التفسير التحليلي الموضوعي.\n٢ - تقديم فصل تمهيدي مهم بين يدي البحث يتعلق ببيان عظم مكانة التوحيد:\n(مفهومه ومعناه -حقائقه وفضائله- دلائله ونواقضه)؛ لأنه الموضوع الرئيس الذي تتعلق به السورة الكريمة.\n٣ - الحديث عن السورة الكريمة وبيان ما يتعلق بها وما تدعو الحاجة لبيانه، وذكر أهم ما ثبت لها من أسماء، وبيان عدد آياتها وكلماتها وحروفها.\n٤ - بيان أبرز موضوعات السورة الكريمة ثم بيان معناها الإجمالي.\n٥ - بيان بعض ما ورد في زمن وسبب نزولها، ثم بيان بعض ما ورد في فضائلها وخصائصها.\n٦ - بيان أهم المناسبات في السورة الكريمة.\n٧ - بيان معالم التوحيد كما وردت في السورة الكريمة ودراستها دراسة موضوعية تحليلية.","vol":"1","page":11},{"text":"٨ - الاستشهاد بالآيات القرآنية، مع عزو كل ما استُدِلَّ به من آيات إلى اسم السورة ورقم الآية.\n٩ - الاستدلال بما ثبت من الأحاديث النبوية الشريفة المتعلقة بموضوع البحث، لأن السنة المطهرة مفسرة للقرآن، مبينة لمجمله، ومقيدة لمطلقه، ومخصصة لعمومه، ومفصلة لأحكامه، وموضحة لمشكله.\n١٠ - الاستدلال بكلام أئمة التفسير مع تقديمه على كلام غيرهم من أهل العلم، وذلك لتعلق البحث بالتفسير، مع تقديم التفسير بالمأثور على غيره، إلا ما دعت إليه الحاجة.\n١١ - إظهار شخصية الباحث بإبداء الرأي فيما ينقل من نصوص والتعليق عليها والترجيح إن اُحْتِيجَ لذلك.\n١٢ - العناية التامة بتخريج الأحاديث النبوية الشريفة وعزوها إلى مصادرها الأصلية من غير تطويل ممل ولا تقصير مخل، مع الالتزام بقواعد التخريج والحكم عليها والاكتفاء بالثابت منها ومجانبة الضعيف والموضوع حسب القدرة والطاقة والمستطاع، عدا ما ثبت في الصحيحين، فإنه لا يُحكم عليه، لتلقي الأمة لهما بالقبول.\n١٣ - العناية بآثار الصحابة -﵃- وأقوال أهل العلم حسب القدرة والطاقة والإمكان وعزوها لمصادرها.\n١٤ - العناية بتراجم الأعلام غير المشاهير، والبلدان غير المعروفة.\n١٥ - إعداد مجموعة الفهارس العلمية على ما هو متبع في البحوث والدراسات على النحو التالي:\nأولًا- فهرس الآيات القرآنية بحسب ترتيبها في المصحف الشريف.\nثانيًا- فهرس الأحاديث النبوية الشريفة، مرتبة ترتيبًا هجائيًّا (ألف بائي)","vol":"1","page":12},{"text":"ثالثًا- فهرس الأعلام المترجم لهم، معتمدًا على ما اشتهر به العلم من اسم، أو لقب، أو كنية، مرتبة ترتيبًا هجائيًّا (ألف بائي).\nرابعًا- تراجم البلدان غير المشهورة إن وجد، مرتبة ترتيبًا هجائيًّا (ألف بائي)\nخامسًا- ثبت لأهم المصادر والمراجع، مرتبة ترتيبًا هجائيًّا (ألف بائي).\nسادسًا- فهرس الموضوعات.\nوختامًا:\nنسأل الله صدقًا في النية، وصلاحًا في الطوية، وإخلاصًا يُراد به رب البرية، والحمد لله رب العالمين.\nما دعوة أنفع يا صاحبي … من دعوة الغائب للغائب\nناشدتك الرحمن يا ناظرًا … أن تسأل الغفران للكاتب\nأبو عبد الرحمن\nعرفة بن طنطاوي\narafatantawy@hotmil.com","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7>مخلص البحث</span>\nسيقسم هذا البحث بإذن الله تعالى إلى مقدمة، وأربعة فصول، ويندرج تحت كل فصل عدة مباحث، وخاتمة، ومجموعة من الفهارس.\nأما المقدمة فتشمل ما يلي:\n١ - أهمية الموضوع وأسباب اختياره.\n٢ - أهداف البحث.\n٣ - منهج البحث.\n٤ - الدراسات السابقة.\nتليها خطة البحث:\nوتشتمل على أربعة فصول، ويندرج تحت كل فصل عدة مباحث ثم الخاتمة وفيها:\n١ - أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة.\n٢ - بيان لأهم توصيات الدراسة.\n٣ - ويليها مجموعة الفهارس العلمية.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8>خطة البحث</span>\nالمقدمة وتشمل على:\n- خطوات خطة البحث.\n- مُلَخص البحث.\nالفصل الأول: بين يدي موضوع السورة الرئيس وفيه مباحث:\nالمبحث الأول: مفهوم التوحيد.\nالمبحث الثاني: بيان معنى كلمة التوحيد وشروطها.\nالمبحث الثالث: بيان حقيقة التوحيد.\nالمبحث الرابع: بعض الدلائل على أن القرآن الكريم كله في التوحيد.\nالمبحث الخامس: بيان ما يناقض التوحيد.\nالفصل الثاني: وفيه مباحث:\nالمبحث الأول: الاستعاذة والبسملة والتأمين وما يتعلق بها من أحكام.\nالمبحث الثاني: أسماء السورة الكريمة.\nالمبحث الثالث: عدد آياتها وكلماتها وحروفها.\nالمبحث الرابع: أبرز موضوعات السورة الكريمة.\nالمبحث الخامس: بيان المعنى الإجمالي للسورة.\nالمبحث السادس: بيان بعض ما ورد في زمن وسبب نزولها.\nالمبحث السابع: بيان بعض ما ورد في فضائلها وخصائصها.\nالفصل الثالث: المناسبات في السورة الكريمة، وفيه مباحث:\nالمبحث الأول: مناسبة افتتاح القرآن الكريم بسور الفاتحة.","vol":"1","page":15},{"text":"المبحث الثاني: مناسبة سورة الفاتحة مع تاليتها.\nالمبحث الثالث: مناسبة آيات سورة الفاتحة مع بعضها البعض.\nالمبحث الرابع: علاقة السورة الكريمة بالسور المفتتحة بالحمد لله.\nالفصل الرابع: معالم التوحيد كما وردت في السورة الكريمة، وفيه مباحث:\nالمبحث الأول: المحور الرئيس في السورة الكريمة (تقرير العبودية لله تعالى).\nالمبحث الثاني: التوحيد وعلاقته بمحور السورة الكريمة.\nالمبحث الثالث: تقرير التوحيد بأنواعه الثلاثة كما ورد في السورة الكريمة.\nالمبحث الرابع: أبرز الموضوعات التي تناولتها السورة الكريمة ودلالتها على قضية التوحيد.\nخاتمة البحث:\nأولًا: أبرز النتائج.\nالختام.\nمجموعة الفهارس العلمية:\nأولًا- فهرس: أهم المصادر والمراجع.\nثانيًا- فهرس الآيات.\nثالثًا- فهرس الأحاديث والآثار.\nرابعًا- فهرس الأعلام المترجم لهم.\nخامسًا- فهرس الموضوعات.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>الفصل الأول\n(فصل تمهيدي-مختصر)\nبين يدي موضوع السورة الرئيس- (التوحيد)\n(مفهومه ومعناه-حقائقه وفضائله- دلائله ونواقضه)</span>\nويشتمل على خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: مفهوم التوحيد.\nالمبحث الثاني: بيان معنى كلمة التوحيد وشروطها.\nالمبحث الثالث: بيان حقيقة التوحيد.\nالمبحث الرابع: بعض الدلائل على أن القرآن الكريم كله في التوحيد.\nالمبحث الخامس: بيان ما يناقض التوحيد.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>المبحث الأول\nمفهوم التوحيد</span>","vol":"1","page":19},{"text":"المبحث الأول:\nمفهوم التوحيد\n\n<span data-type='title' id=toc-11>١ - التوحيد لغة:</span>\n«التوحيد أصل مادته (وحد) وتدور هذه المادة على الانفراد والاختصاص» (^١).\nويقول ابن فارس (^٢): «الواو والحاء والدال: أصل واحد يدل على الانفراد» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-12>٢ - التوحيد اصطلاحًا:</span>\nقال السفاريني -﵀-: التوحيد هو: «إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتًا وصفاتٍ وأفعالًا» (^٤).\nوعرفه العلَّامة الفقيه شيخنا ابن عثيمين (^٥) -﵀- بقوله: «التوحيد هو إفراد الله\n_________\n(^١) تهذيب اللغة للأزهري (٤/ ٣٨٤٤ - ٣٨٤٨)، والصحاح للجوهري (٢/ ٥٤٧)، والقاموس المحيط للفيروز آبادي، (٤١٤)، ومعجم مقاييس اللغة، (ص: ١٠٨٤).\n(^٢) ابن فارس وهو أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي (٣٢٩ - ٣٩٥ هـ/ ٩٤٠ - ١٠٠٤ م) (إمام لغة وأدب. أصله من قزوين، وأقام مدة في همذان، ثم انتقل إلى الري فتوفي فيها وإليها نسبته. من مؤلفاته معجم اللغة، وينظر (ص: ١٣) من: سير أعلام النبلاء.\n(^٣) معجم مقاييس اللغة (ص: ١٠٨٤).\n(^٤) لوامع الأنوار البهية (١/ ٥٧)\n(^٥) العلَّامة شيخنا محمد بن صالح العثيمين التميمي (١٣٤٧ هـ- ١٤٢١ هـ) قال عنه شيخ الإسلام الألباني: «خلت الأرض من عالم، وأصبحت لا أعرف منهم إلا أفرادًا قليلين، أخص بالذكر منهم: العلَّامة عبد العزيز بن باز، والعلَّامة محمد بن صالح بن عثيمين. تأثر بابن تيمية، محمد بن عبد الوهاب، ابن سعدي، ابن باز. وينطر، كتاب شرح ثلاثة الأصول لفضيلة الشيخ العلَّامة محمد بن صالح العثيمين إعداد فهد بن ناصر بن ابراهيم السليمان، ومجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد صالح العثيمين -المجلد الثاني- باب الكفر ورسائل الشيخ محمد صالح العثيمين -المجلد الثاني- باب الكفر والتكفير- والموسوعة الحرة.","vol":"1","page":21},{"text":"بالعبادة» أي: أن تعبد الله وحده لا تشرك به شيئًا، لا تشرك به نبيًّا مرسلًا، ولا ملكًا مقربًا ولا رئيسًا ولا ملكًا ولا أحدًا من الخلق، بل تفرده وحده بالعبادة محبة وتعظيمًا، ورغبة ورهبة، وهناك تعريف أعم للتوحيد وهو: «إفراد الله ﷾ بما يختص به» (^١).\nوعرفه العلَّامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي (^٢) -﵀- بقوله: «التوحيد يطلق شرعًا على تفرد الله بالربوبية والإلهية، وكمال الأسماء والصفات» (^٣).\nقال محمد طاهر الفَتَّنِي (^٤) -﵀-: «توحيد الله تعالى: الإقرار بوحدانيته، واتصافه بالمحامد، وتنزيهه عن النقائص، وطرد الإشراك به عبادة واستعانة وذبحًا ونذرًا\n_________\n(^١) شرح ثلاثة الأصول (١/ ٣٩).\n(^٢) عبد الرزاق عفيفي: عبد الرزاق بن عفيفي بن عطية بن عبد البر العفيفي الربيعي من قبيلة بني ربيعة إحدى القبائل المعروفة في نجد، ولد في سنشور، وهي قرية تابعة لمحافظة المنوفية في مصر، سنة (١٣٢٥ هـ (، تلقى تعليمه العالي في الجامع الأزهر، وتخرج فيه (سنة ١٣٥١ هـ)، حاصلًا على الشهادة العالمية، ثم درس في شعبة الفقه وأصوله طلبًا للتخصص.\nقال فيه العلَّامة الألباني: «التقيته غير مرة في مواسم الحج، وكنت أستمع -أحيانًا- إلى إجاباته العلمية على استفتاءات الحجاج المتنوعة، محكمة، تدل على فقه دقيق، واتباع ظاهر لمنهج السلف «.\nكانت وفاته صبيحة يوم الخميس لخمسة أيام بقين من ربيع الأول سنة خمس عشرة وأربعمائة وألف من الهجرة، ودفن في الرياض بعد صلاة الجمعة. ينطر: الشيخ العلَّامة عبد الرزاق عفيفي: حياته العلمية وجهوده الدعوية وآثاره الحميدة.\n(^٣) مذكرة التوحيد (١/ ٣ (.\n(^٤) الفَتَّنِي-جمال الدين، محمد طاهر بن علي الصديقي الهندي الفَتَّنِي الكجراتي (٩١٠ - ٩٨٦ هـ) عالم بالحديث ورجاله. كان يلقب بملك المحدثين. نسبته إلى فَتَّن (من بلاد كجرات بالهند) ومولده ووفاته فيها. دعا إلى مناوأة البواهير (طائفة تتسمى بالإسلام ودخلتها بدع القرامطة). وكانوا قومه، أنكر عليهم بدعتهم، فانفردوا به فقتلوه. من كتبه (مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار)، و(تذكرة الموضوعات) و(المغني في أسماء رجال).","vol":"1","page":22},{"text":"وحلفًا» (^١).\nقال أبو جعفر الطحاوي -﵀- معرفًا التوحيد: «نقول في توحيد الله -معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره» (^٢).\nقال ابن جرير الطبري -﵀- في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ … إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء]: «يقول تعالى ذكره: وما أرسلنا يا محمد من قبلك من رسول إلى أمة من الأمم إلا نوحي إليه أنه لا معبود في السماوات والأرض، تصلح العبادة له سواي ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ يقول: فأخلصوا لي العبادة، وأفردوا لي الألوهية» (^٣).\nقال ابن كثير -﵀-: «قال تعالى مخبرًا أنه الأحد الصمد، الذي لا إله غيره، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ … إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن].\nفالأول خَبَرٌ عن التوحيد، ومعناه معنى الطلب، أي: وحدوا الإلهية له، وأخلصوها لديه، وتوكلوا عليه» (^٤).\nوقال ابن كثير -أيضًا- في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ … لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾ [يوسف: ٣٨]:\n«هذا التوحيد - وهو: الإقرار بأنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له» (^٥).\n_________\n(^١) جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، (ص: ٨٧ - ٩٢).\n(^٢) متن الطحاوية بتعليق الألباني (ص: ٣٤).\n(^٣) جامع البيان للطبري (١٨/ ٤٢٧).\n(^٤) تفسير القرآن العظيم (٨/ ١٣٨).\n(^٥) المرجع السابق (٤/ ٣٨٩).","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-13>المبحث الثاني\nبيان معنى كلمة التوحيد وشروطها</span>","vol":"1","page":25},{"text":"المبحث الثاني:\nبيان معنى كلمة التوحيد وشروطها\n\nأما<span data-type='title' id=toc-14> كلمة التوحيد فهي </span>قول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ».\nومعناها: لا معبود بحق إلا الله، وهي متضمنة لنفيٍ وإثباتٍ.\nفأما النفي ففي شقها الأول وهو قول: «لَا إِلَهَ»، فهي تنفي بذلك جميع ما يعبد من دون الله.\nوأما الإثبات ففي شقها الثاني وهو قول: «إِلَّا اللَّهُ» فهي تثبت بذلك العبودية بأنواعها كلها -الظاهرة منها والباطنة- لله وحده لا شريك له، لا شريك له في عبادته، كما أنه لا شريك له في ملكه وربوبيته، وبذلك تتحقق البراءة من كل ما يعبد من دون الله من الأنداد. كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج].\nوكَلِمَةَ التَّوْحِيدِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، هِيَ كَلِمَاتٌ لَا تَتِمُّ النِّسْبَةُ الْمَقْصُودَةُ فِيهَا مِنْ حَصْرِ الْإِلَهِيَّةِ فِي الله إِلَّا بِمَجْمُوعِهَا» (^١).\nوكلمة التوحيد أعظم شهادة، من أعظم شاهد وهو الله تعالى وأعظم مشهودٍ وهو القسط به ومشهود عليه وهو كلمة التوحيد؛ كما قال تعالى:\n﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران].\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط في التفسير (٣/ ١٩٤).","vol":"1","page":27},{"text":"قال ابن سعدي (^١) -﵀-: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» تَأكيدٌ لتفرُّدِه بالألوهيَّةِ، وتقريرٌ لتوحيدِه، وأنَّه لا يستحقُّ العبادةَ غيرُه» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-15>شروط كلمة التوحيد:</span>\nلقد اجتمع لكلمة التوحيد من الثمار العديدة والفضائل والخصائص ما يعجز المقام عن حصره، إلا أنَّ قائلها لا تنفعه تلك الفضائل بمجرد النطق باللسان، ولا ينتفع بها إلا من عمل بمقتضاها وحقق شروطها وأتى بلوازمها، وعلم مدلولها نفيًا وإثباتًا، واعتقد ذلك اعتقادًا جازمًا لا يعتريه ريب أو شك، وقرن مع الاعتقاد الجازم بها، العمل بمقتضاها.\nفأما مَن قالها وعمل بها ظاهرًا من غير اعتقاد جازم نابعًا من القلب، فذاك المنافق، وأما من تلفظ بها وعمل بنقيضها ولم يحقق لوازمها من الإشراك بالله في عبادته، فذاك المشرك الكافر، كالذي يتلفظ بها وهو يصرف شيئًا من أنواع العبادات الظاهرة أو الباطنة ويتوجه به لغير الله تعالى المستحق للعبادة وحده لا شريك له؛ كالذبح لأرباب القبور أو الجن أو غيرها من المخلوقين والنذر لغيره سبحانه، ودعاء الأموات والاستغاثة بهم وطالب قضاء الحوائج منهم والتوكل عليهم والإنابة والفزع إليهم ودعائهم من دون الله، ورجائهم وخوفهم ومحبتهم من دون الله ونحو ذلك من العبادات التي لا تصرف إلا لله تعالى، فمن صرف شيئًا من تلك العبادة أو غيرها مما\n_________\n(^١) هو الشيخ العلَّامة أبوعبد الله عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي، ولد في القصيم في (١٣٠٧ هـ)، اشتغل بالعلم على يد علماء بلده، ولما بلغ من العمر ثلاثًا وعشرين سنة جلس للتدريس، توفي سنة (١٣٧٦ هـ) في القصيم، بالمملكة العربية السعودية، وللاستزادة، ينظر: مصادر هذه الترجمة في:\n١ - مشاهير علماء نجد وغيرهم للشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ (ص ٢٥٦).\n٢ - ابن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة، رسالة ماجستير إعداد د/ عبد الرزاق بن … عبد المحسن العباد (من ص ١٣ إلى ٦١).\n(^٢) ابن سعدي) ١٢٨).","vol":"1","page":28},{"text":"لا يصلح صرفه إلا له سبحانه، فهو مشرك كافر بالله تعالى، ولا ينفعه التلفظ بكلمة التوحيد حتى يصرف العبادات كلها لله ويعمل بلوازمها ومقتضياتها ويخلص الدين كله لله.\nولقد نبه الشيخ حافظ الحكمي -﵀- في كتابه الماتع معارج القبول على ذلك فقال -﵀-: «ليس المراد من ذلك عدَّ ألفاظها وحفظها فكم من عاميٍّ اجتمعت فيه والتزمها ولو قيل له اعُددها لم يحسن ذلك، وكم حافظٍ لألفاظها يجري فيها كالسهم وتراه يقع كثيرًا فيما يناقضها، والتوفيق بيد الله» (^١) ا. هـ.\nوقيل للحسن البصري (^٢) -﵀-: «إن ناسًا يقولون: من قال: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دخل الجنة؛ فقال: «من قال لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فأدَّى حقها وفرضها دخل الجنة» (^٣)\nوقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس مفتاح الجنة لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟\nقال: «بلى؛ ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، إن أتيت بمفتاح له أسنان فُتح لك، وإلا لم يُفتح لك».\nيشير بالأسنان إلى شروط لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (^٤).\nوحيث إن الانتفاع بهذه الكلمة العظيمة الطيبة لا يتم لمخلوق إلا إذا تحققت فيه شروط سبعة، وهذه الشروط أخذها العلماء المحققون بالتتبع والاستقراء للأدلة من الكتاب والسنة، فوجدوا أن تلك الكلمة قُيِدت في الكتاب والسنة بقيود عظيمة الشأن جليلة القدر، وأن هذه الكلمة لا تنفع قائلها إلا إذا استوفى تلك الشروط مجتمعة\n_________\n(^١) معارج القبول (١/ ٣٧٧).\n(^٢) الحسن البصري (٢١ - ١١٠ هـ)، هو: الحسن بن يسار البصري، تابعي، ولد بالمدينة، رأى بعض الصحابة، وسمع من قليل منهم، شهد له أنس بن مالك وغيره. وكان إمام أهل البصرة، نقل عنه أنه قال بقول القدرية، وينقل أنه رجع عن ذلك، [تهذيب التهذيب (٢/ ٢٤٢ - ٢٧١)؛ والأعلام للزركلي (٢/ ٢٤٢)؛ و(الحسن البصري) لإحسان عباس].\n(^٣) حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني (٨/ ٩٥).\n(^٤) التاريخ الكبير للبخاري (١/ ٥٩)، والحلية لأبي نعيم الأصبهاني (٤/ ٦٦).","vol":"1","page":29},{"text":"وهذه الشروط هي: العلم، اليقين، القبول، الانقياد، الصدق، الإخلاص، المحبة.\nوقد جمعها العلَّامة حافظ حكمي -﵀- فقال:\nوبشروط سبعة قد قيدت … وفي نصوص الوحي حقًّا وردت\nفإنه لم ينتفع قائلها … بالنطق إلا حيث يستكملها\nالعلم واليقين والقبول … والانقياد فادر ما أقول\nوالصدق والإخلاص والمحبة … وفقك الله لما أحبه (^١)\nالشرط الأول: العلم بمعناها المراد منها-نفيًا وإثباتًا-ويكون ذلك نطقًا باللسان وعملًا بما تقتضيه تلك الكلمة العظيمة بالجوارح والأركان.\nولا يتحقق ذلك إلا بنفي جميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة عن كل من سوى الله وإثباتها لله وحده لا شريك له تعالى في فاتحة كتابه المجيد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾.\nفكلمة ﴿إِيَّاكَ﴾ في الجملتين مفعول به حقه التأخير، لكنها تقدمت فعلي ﴿نَعْبُدُ﴾ و﴿نَسْتَعِينُ﴾ لتفيد الحصر والاختصاص، وتقديم المعمول في اللغة كما هو معلوم يفيد الحصر والاختصاص، فتحصر العبادة لله ولا يختص به سواه سبحانه، وكذلك الاستعانة، فيكون المعنى: لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك.\nومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ [البقرة].\nومثله أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾ [البقرة].\nوقال الله -﵎-: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد].\nقال الطبري -﵀-: «يقول-تعالى ذكره- لنبيه محمد -ﷺ-: فاعلم يا محمد، أنه لا\n_________\n(^١) معارج القبول (١/ ٣٢).","vol":"1","page":30},{"text":"معبود تنبغي أو تصلح له الألوهة، ويجوز لك وللخلق عبادته؛ إلا الله الذي هو خالق الخلق، ومالك كل شيء، يدين له بالربوبية كل ما دونه» (^١).\nوكما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [الزخرف].\nوقال الطبري أيضًا في قوله ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦] قال: «كلمة الإخلاص» (^٢).\nوعَنْ عُثْمَانَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ -ﷺ-: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلاَّ الله دَخَلَ الْجَنَّةَ» (^٣).\nقال القرطبي -﵀- في قوله -ﷺ-: «وَهُوَ يَعْلَمُ»: «حقيقة العلم هي وضوح أمرٍ ما وانكشافه على غايته، بحيث لا يبقى له بعد ذلك غاية في الوضوح» (^٤).\nالشرط الثاني: اليقين المنافي للشك.\nودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات].\nقال الطبري: «يقول -تعالى ذكره- للأعراب الذين قالوا آمنا ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبهم: إنما المؤمنون أيها القوم الذين صدقوا الله ورسوله، ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾، يقول: ثم لم يشكوا في وحدانية الله، ولا في نبوة نبيه -ﷺ-» (^٥).\nوعن أبي هريرة -﵁-، قال رسول الله -ﷺ-: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى اللهَ بها عبدٌ غير شاكٍّ فيهما إلا دخل الجنة» (^٦).\n_________\n(^١) التفسير (٢٢/ ١٧٤).\n(^٢) التفسير (٢١/ ٦٥٤).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٦) واللفظ له.\n(^٤) ينظر: المفهم، باب من لقي الله تعالى عالمًا به دخل الجنة، حديث) ٢١).\n(^٥) التفسير (٢٢/ ٣١٨).\n(^٦) أخرجه مسلم (٢٧).","vol":"1","page":31},{"text":"الشرط الثالث: القبول لما تقتضيه كلمة التوحيد بقلبه ولسانه، غير مستكبر عنها.\nقال تعالى في وصف حال المجرمين إذا دُعوا إلى هذه الكلمة الطيبة: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا … إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ [الصافات: ٣٥].\nقال الطبري -﵀-: «يقول -تعالى ذكره-: وإن هؤلاء المشركين بالله الذين وصف صفتهم في هذه الآيات كانوا في الدنيا إذا قيل لهم: قولوا: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾. يقول: يتعظمون عن قيل ذلك ويتكبرون، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل» (^١).\nقال البغوي -﵀- في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾: «يتكبرون عن كلمة التوحيد، ويمتنعون منها» (^٢).\nوالأمر كما ذكر الطبري شيخ المفسرين وكما بين البغوي، في تعاظم المشركين وتكبرهم وامتناعهم عن قولها والنطق بها، هو عدم القبول لهذه الكلمة كما تبين معنا في الشرط الثالث المذكور آنفًا.\nالشرط الرابع: الانقياد والاستسلام المنافي للترك لما دلت عليه كلمة التوحيد ويكون ذلك ظاهرًا وباطنًا.\nفينقاد لما دلت عليه، ويعبد الله وحده لا شريك له، ويؤمن بشريعته ويعمل بها ويعتقد أنها الحق، ولعل الفرق بينه وبين القبول: أن الانقياد هو الاتباع بالأفعال والقبول إظهار صحة معنى ذلك بالقول ويلزم منهما جميعًا الاتباع ولكن الانقياد هو الاستسلام والإذعان وعدم الترك لشيء (^٣) من شروط لا إله إلا الله.\nقال الله -﵎-: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ\n_________\n(^١) الطبري (٢١/ ٣٤).\n(^٢) البغوي (٧/ ٣٩).\n(^٣) ينظر: (الشهادتان معناهما وما تستلزمه كل منهما) للعلامة الدكتور عبد الله بن جبرين، (ص ٨١)، وتحفة الإخوان للإمام العلَّامة ابن باز، (ص ٢٦). (بتصرف).","vol":"1","page":32},{"text":"الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لقمان].\nقال القرطبي -﵀-: «قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾. أي: يخلص عبادته وقصده إلى الله تعالى» (^١).\nقال البغوي -﵀-: «قوله تعالى: ﴿اللَّهِ﴾ يعني: لله، أي: يخلص دينه لله، ويفوض أمره إلى الله» (^٢).\nوكلام القرطبي والبغوي إنما عنيا به وقصدا الانقياد والاستسلام.\nوقال أبو جعفر النحَّاس -﵀-: «قوله جل وعز: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا … إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ [الصافات] أي: عن توحيد الله -﷿-» (^٣).\nالشرط الخامس: الصدق المنافي للكذب المانع من النفاق فمن نطقها بلسانه وأنكر حقيقتها ومدلولها بجنانه فإنها لا تنفعه ولا تنجيه، بل هو في جملة وتعداد المنافقين، الذين ذكرهم الله في كتابه فقال سبحانه في وصفهم: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١].\nفرد الله دعواهم تلك وأبطل زعمهم الكاذب بقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون].\nقال الطبري -﵀-: «﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، إنما كذب ضميرهم لأنهم أضمروا النفاق، فكما لم يقبل إيمانهم، وقد أظهروه، فكذلك جعلهم كاذبين، لأنهم أضمروا غير ما أظهروا» (^٤).\nوقال سبحانه أيضًا في وصفهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي): ١٤/ ٧٠).\n(^٢) البغوي (٦/ ١٨٢).\n(^٣) معاني القرآن الكريم لأبي جعفر النحاس (٦ ص ٢٣).\n(^٤) التفسير (٩/ ٣٩٠).","vol":"1","page":33},{"text":"بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة].\nوقال جل في علاه في وصفهم أيضًا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ [البقرة].\nومن الحجج والبينات الصريحة على اشتراط التصديق بالجنان مع الإقرار باللسان ومن اشتراط الصدق في الشهادة ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك -﵁- قال: قال -ﷺ-: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه؛ إلا حرمه على النار» (^١).\nهذا جزاء من قالها صدقًا من قلبه، وبمفهوم المخالفة أن من قالها كاذبًا غير صادقٍ في قوله، لا يدخل الجنة، بل هو من أهل النار.\nالشرط السادس: الإخلاص المنافي للشرك، وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك والنفاق والرياء والسمعة.\nفيخلص العبد لربه جميع عباداته القولية والفعلية، وإذا صرف شيئًا منها لغير الله، لأي مخلوق كائنًا من كان، لملك مقرب أو لنبي مرسل، أو لولي من الأولياء، أو لجني، أو لوثن، أو لأي أحد من دون الله تعالى فقد أشرك بالله تعالى وانتفى عنه الاخلاص.\nكما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: الآيتان: ٢ - ٣].\nوقال سبحانه: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣].\nوقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].\nومن السنة ما ثبت في الصحيحين وفي مسند أحمد من حديث مَحْمُودُ بْنُ رَبِيعٍ (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٨)، ومسلم (٣٢).\n(^٢) محمود بن الربيع بن سراقة بن عمرو أدرك النبي -ﷺ- وعقل منه مجة مجها في وجهه من بئر في دارهم، وهو يومئذ ابن أربع سنين. وحدث عن: أبي أيوب الأنصاري، وعتبان بن=","vol":"1","page":34},{"text":"عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ في قصة مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ -﵃- قال: قال -ﷺ-: «فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (^١).\nوفي لفظ: «لن يوافي عبد يوم القيامة يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله إلا حرم الله عليه النار» (^٢).\nوفي لفظ: «ألا تقولوه (^٣): يقول لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله؟ قال: بلى، قال: فإنه لا يوافي عبد يوم القيامة به إلا حرم الله عليه النار» (^٤).\nوثبت عند البخاري من حديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه» (^٥).\nالشرط السابع: المحبة لكلمة التوحيد ولما اقتضته ودلّت عليه، محبة منافية للبغضاء والكره.\nفمن شروط صحة تحقيق كلمة التوحيد، محبتها ومحبة لوازمها ومحبة ما اقتضته وأوجبته ومحبة أهلها، وبغض أعدائها وبغض ما ينافيها من الشرك بالله تعالى بكل صوره؛ ومن لوازم محبة كلمة التوحيد أيضًا، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله.\nقال ابن القيم -﵀-: «فالله تعالى إنما خلق الخلق لعبادته الجامعة لكمال محبته،\n_________\n=مالك، وعبادة بن الصامت، وغيرهم، وروى عنه من الصحابة أنس بن مالك. وقال يحيى بن معين: «له صحبة». سير أعلام النبلاء (٣/ ٥٢٠).\n(^١) البخاري (٥٠٨٦)، ومسلم (٣٣).\n(^٢) البخاري (٦٠٥٩)، ومسلم (٣٣).\n(^٣) كذا في رواية الكشميهني، وفي رواية المستملي والسرخسي: «لا تقولوه» بصيغة النهي. البخاري (٦٥٣٩).\n(^٤) البخاري (٦٠٥٩)، ومسلم (٣٣).\n(^٥) البخاري (٩٩). وللاستزادة، ينظر: مقال (أدلة شروط لا إله إلا الله من كلام أئمة الإسلام) -موقع ملتقى أهل الحديث.","vol":"1","page":35},{"text":"مع الخضوع له والانقياد لأمره» (^١).\nوأن تكون محبته لله محبة ذاتية منفردة لا يشرك في محبته سواه جل في علاه، لأنه لا يُحبُ لذاته إلا الله تعالى، ويحب ما أحب اللهُ ورسولهُ، ويبغض ما أبغض اللهُ ورسولهُ، وأما كل ما سوى الله من المخلوقين فمحبته لما فيه من خير، ولا يُحِب مع الله أحدًا وإنما يُحب في الله ولله؛ ولهذا قال -ﷺ-: «مَنْ أحبَّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» (^٢).\nقال العلَّامة حافظ الحكمي -﵀-: «وعلامة حب العبد ربه تقديم محابه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله ومعاداة من عاداه، واتباع رسوله -ﷺ- واقتفاء أثره وقبول هداه» (^٣).\nكما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].\nقال الشوكاني (^٤) -﵀-: «هؤلاء الكفار لم يقتصروا على مجرد عبادة الأنداد، بل أحبوها حبًّا عظيمًا وأفرطوا في ذلك إفراطا بالغًا، حتى صار حبهم لهذه الأوثان ونحوها متمكنًا في صدورهم كتمكن حب المؤمنين لله سبحانه» (^٥).\nوقال -ﷺ-: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٩٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٦٨١) من حديث أبي أمامة صُدَيّ بن عجلان. وصححه الألباني في صحيح وضعيف السنن (٤٦٨١).\n(^٣) معارج القبول (٢/ ٤٢٠).\n(^٤) محمد بن علي بن محمد الشوكاني، الملقب ببدر الدين الشوكاني، أحد أبرز علماء أهل السنة والجماعة وفقهائها، ومن كبار علماء اليمن ولد في اليمن (١١٧٣ هـ) ونشأ بصنعاء، وولي قضائها ومات حاكمًا بها (سنة ١٢٥٠ هـ).\n(^٥) فتح القدير (١/ ١٠٨).","vol":"1","page":36},{"text":"أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» (^١).\nوزاد بعض أهل العلم شرطًا ثامنًا وهو: (الكفر بالطاغوت).\n\n<span data-type='title' id=toc-16>بيان معنى الطاغوت:</span>\n<span data-type='title' id=toc-17>١ - الطاغوت لغة:</span>\nقال ابن منظور -﵀-: «الطاغوتُ: ما عُبِدَ من دون الله -﷿-، وكلُّ رأْسٍ في الضلالِ طاغوتٌ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-18>٢ - الطاغوت اصطلاحًا:</span>\nقال الإمام ابن القيم (^٣) -﵀-: «والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع» (^٤).\nوقال شيخنا العلَّامة الفقيه ابن عثيمين -﵀-: «وأجمع ما قيل في تعريف الطاغوت: هو ما ذكره ابن القيم -﵀- بأنه: «ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع» (^٥) (^٦).\nوالكفر بالطاغوت هو: الكفر بكل ما يعبد من دون الله، وهي زيادة تفصيلية، وذلك لأنها تدخل ضمنًا في الشروط السبعة السالفة الذكر والبيان.\n_________\n(^١) البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣).\n(^٢) لسان العرب (٨/ ٤٤٤).\n(^٣) ابن القيم (٦٩١ - ٧٥١ هـ)، هو: محمد بن أبي بكر بن سعد الزرعي. شمس الدين من أهل دمشق. من كبار الفقهاء. تتلمذ على ابن تيمية وانتصر له ولم يخرج عن شيء من أقواله، وقد سجن معه بدمشق. من تصانيفه (الطرق الحكمية)؛ و(مفتاح دار السعادة)؛ و(الفروسية)؛ و(مدارج السالكين)، [الأعلام ٦/ ٢٨١؛ والدار الكامنة (٣/ ٤٠٠)؛ وجلاء العينين (ص ٢٠)].\n(^٤) إعلام الموقعين (١/ ٥٠).\n(^٥) القول المفيد (١/ ١٠).\n(^٦) وينظر: معالم تربية الولدان في ضوء وصايا سورة لقمان، (ص: ٤٩١) وما بعدها، رسالة ماجستير تحت الطبع، الجامعة الإسلامية العالمية -القاهرة- للباحث: عرفة بن طنطاوي.","vol":"1","page":37},{"text":"وأمَّا من جعل الكُفر بالطاغوت شرطًا ثامنًا، فقد نظم فيها أيضًا (في هذه الشروط الثمانية) بيتان وهما:\nعِلْمٌ يَقِينٌ وَإِخْلَاصٌ وَصِدْقُكَ مَعَ … مَحَبَّةٍ وَاِنْقِيَادٍ وَالقَبُولِ لَهَا\nوَزِيدَ ثَمِنُهَا الكُفِرَانُ مِنْكَ بِمَا … سِوَى الإِلَهِ مِنَ الأَوْثَانِ قَدْ أُلِهَ (^١)\nوقد ثبت في صحيح مسلم عن طارق بن أشيم الأشجعي -﵁- عن النبي ﵊ أنه قال: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله» (^٢).\nوفي لفظ آخر عند أحمد في المسند: «من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه» (^٣).\nفلابد مع النطق بكلمة التوحيد الإتيان بجميع لوازمها، ومن أهم لوازمها الكفر بالطاغوت (وهو الكفر بكل ما عُبِدَ من دون الله).\nكما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦].\nولهذا قال ابن القيم -﵀- في نونيته:\nشرط المحبة أن توافق من … تحب على محبته بلا عصيان\nفإذا ادعيت له المحبة مع خلا … فك ما يحب فأنت ذو بهتان\nأتحب أعداء الحبيب وتدعي … حبًّا له ما ذاك في إمكان\nوكذا تعادي جاهدًا أحبابه … أين المحبة يا أخا الشيطان\n_________\n(^١) بعد بحث مضنٍ لم يقف الباحث على ناظم البيتين، إلا أن البعض ينسبهما للشيخ سليمان بن سحمان، ولم يقف الباحث على شيء يثبت ذلك.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٣).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٥٨٧٥)، وابن حبان (١٧١).","vol":"1","page":38},{"text":"ليس العبادة غير توحيد المحبة … مع خضوع القلب والأركان\nوالحب نفس وفاقه فيما يحبه … وبغض ما لا يرتضي بجنان (^١)\n_________\n(^١) القصيدة النونية لابن القيم مع شرح محمد خليل الهراس (٢/ ١٣٤).","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>المبحث الثالث\nبيان حقيقة التوحيد\nوفضائله وعظيم مكانته</span>","vol":"1","page":41},{"text":"المبحث الثالث:\nبيان حقيقة التوحيد وفضائله وعظيم مكانته\n\n<span data-type='title' id=toc-20>١ - حقيقة التوحيد:</span>\nإنَّ التَّوحيد هو لب دعوة المرُّسلين، وبه أُرسلت جميعُ الرسلِ، وأُنزلت به جميعُ الكتب، وشُرعت كلُ الشرائعِ، وهو خلاصة الرِّسالات السماوية كلها، وعليه أُسِّست الملَّة الحنيفية، ومن أجله نصبت القبلة، ومن أجله سُلت سيوفٌ في سبيل الله فأهرقت دماءٌ وقطعت أشلاء وأزهقت أنفس ورملت نساء وثكلت أمهات ويتم أطفال، ومن أجله قامت سوق الآخرة ففريق في الجنة وفريق في السعير.\nوإن حقيقة التوحيد هي عبادة الله -﷿- وترك عبادة ما سواه سبحانه، ولهذا خلق الله تعالى الخلق، وأمرهم بذلك، تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].\nوتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات]، ومعنى يعبدون أي: يوحدون.\nقال الطبري -﵀-: «حدثني علي قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس -﵁- قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إلا ليقروا بالعبودة طوعًا وكرهًا» (^١).\nوقال ابن سعدي -﵀- في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: «هذه الغاية، التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، وذلك متوقف على معرفة الله تعالى، فإن تمام العبادة، متوقف على المعرفة\n_________\n(^١) التفسير (٢٢/ ٤٤٥).","vol":"1","page":43},{"text":"بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة بربه، كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم «(^١).\nفحقيقة التوحيد إذًا:\nكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ، فَلَا يُدْعَى إلاَّ هُوَ، وَلَا يُخْشَى إِلاَّ هُوَ، وَلَا يُتَّقَى إِلاَّ هُوَ، وَلَا يُتَوَكَّلَ إِلاَّ عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونَ الدِّينُ إِلاَّ لَهُ لَا لأَحَدٍ مِنَ الخَلْقِ، وَأَلاَّ نَتَّخِذَ المَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا، فَكَيْفَ بِالأَئِمَّةِ وَالشُّيُوخِ وَالعُلَمَاءِ وَالمُلُوكِ وَغَيْرِهِم؟!» (^٢).\nوالتوحيد: هو أصل دعوة النبيين والمرسلين أجمعين.\nقال الله تعالى في حقهم: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\nقال الطبري -﵀-: «يقول تعالى ذكره: ولقد بعثنا أيها الناس في كل أمة سلفت قبلكم رسولًا كما بعثنا فيكم بأن اعبدوا الله وحده لا شريك له، وأفردوا له الطاعة، وأخلصوا له العبادة» (^٣).\nوقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ … إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء].\n\n<span data-type='title' id=toc-21>٢ - فضل التوحيد:</span>\nوكلمة التوحيد: «هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي قَامَتْ بِهَا الْأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ، وَفَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَعَلَيْهَا أُسِّسَتِ الْمِلَّةُ وَنُصِبَتِ الْقِبْلَةُ، وَجُرِّدَتْ سُيُوفُ الْجِهَادِ، وَهِيَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ، وَهِيَ الْكَلِمَةُ الْعَاصِمَةُ لِلدَّمِ وَالْمَالِ وَالذُّرِّيَّةِ\n_________\n(^١) تيسير كلام الرحمن في تفسير كلام المنان (٨/ ١٧١٨).\n(^٢) منهاج السّنّة النّبويّة (٣/ ٤٩٠).\n(^٣) التفسير) ٩/ ٦٥٦).","vol":"1","page":44},{"text":"فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَالْمُنْجِيَةُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَهِيَ الْمَنْشُورُ الَّذِي لَا يُدْخَلُ الْجَنَّةُ إِلَّا بِهِ، وَالْحَبْلُ الَّذِي لَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ مَنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِسَبَبِهِ، وَهِيَ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ، وَمِفْتَاحُ دَارِ السَّلَامِ، وَبِهَا انْقَسَمَ النَّاسُ إِلَى شَقِيٍّ وَسَعِيدٍ، وَمَقْبُولٍ وَطَرِيدٍ، وَبِهَا انْفَصَلَتْ دَارُ الْكُفْرِ مِنْ دَارِ الْإِيمَانِ، وَتَمَيَّزَتْ دَارُ النَّعِيمِ مِنْ دَارِ الشَّقَاءِ وَالْهَوَانِ، وَهِيَ الْعَمُودُ الْحَامِلُ لِلْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ، وَمَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ.\nوَرُوحُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَسِرُّهَا: إِفْرَادُ الرَّبِّ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ، وَتَبَارَكَ اسْمُهُ، وَتَعَالَى جَدُّهُ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ- بِالْمَحَبَّةِ وَالْإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَتَوَابِعِ ذَلِكَ: مِنَ التَّوَكُّلِ وَالْإِنَابَةِ وَالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، فَلَا يُحَبُّ سِوَاهُ، وَكُلُّ مَا كَانَ يُحَبُّ غَيْرَهُ فَإِنَّمَا يُحَبُّ تَبَعًا لِمَحَبَّتِهِ، وَكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى زِيَادَةِ مَحَبَّتِهِ، وَلَا يُخَافُ سِوَاهُ، وَلَا يُرْجَى سِوَاهُ، وَلَا يُتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْهِ، وَلَا يُرْغَبُ إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا يُرْهَبُ إِلَّا مِنْهُ، وَلَا يُحْلَفُ إِلَّا بِاسْمِهِ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَّا لَهُ، وَلَا يُتَابُ إِلَّا إِلَيْه، وَلَا يُطَاعُ إِلَّا أَمْرُهُ، وَلَا يُتَحَسَّبُ إِلَّا بِهِ، وَلَا يُسْتَغَاثُ فِي الشَّدَائِدِ إِلَّا بِهِ، وَلَا يُلْتَجَأُ إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا يُسْجَدُ إِلَّا لَهُ، وَلَا يُذْبَحُ إِلَّا لَهُ وَبِاسْمِهِ، وَيَجْتَمِعُ ذَلِكَ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ: أَنْ لَا يُعْبَدَ إِلَّا إِيَّاهُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-22>٣ - مكانة وعظم قدر التوحيد:</span>\n<span data-type='title' id=toc-23>أ- التوحيد سبب عزة المؤمن:</span>\n«والتوحيد الخالص هو الذي يرفع نفوس معتقديه ويخلِّصُها من رقِّ الأغيار ويفك إرادتهم من أسر الرؤساء الروحانيين كما يسمون، وشيوخ الطرق الباطلة والدجل، والضلال والتعلقات بالأحياء والأموات» (^٢).\nولمكانة التوحيد وعِظم قدره ولترسيخ تلك العزة فإن النبي -ﷺ- وهو في مرض الموت يودع الدنيا يوصي أمته بصيانة بالتوحيد وحماية جنابه بالتحذير من التشبه\n_________\n(^١) ابن القيم: الداء والدواء (ص ٤٥٦ - ٤٥٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٤/ ١٣).","vol":"1","page":45},{"text":"باليهود والنصارى باتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد فيقول -ﷺ-: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». تقول عائشة -﵂-: «يُحَذِّرُ مثل الذي صنعوا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-24>ب- التوحيد سبب الفلاح:</span>\nفعند أحمد المسند، من طريق شيبان عن أشعث بن أبي الشعثاء، قال: حدثني شيخ من بني مالك ابن كنانة، قال: رأيت رسول الله -ﷺ- بسوق ذي المجاز (^٢) يتخللها يقول: «يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا» (^٣).\nفعلق النبي -ﷺ- الفلاح على قول لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، ولا يتحقق ذلك بمجرد النطق بها باللسان، إذ لابد من العمل بلوازمها وما دلت عليه من نفي العبادة عن كل معبود سوى الله تعالى وإثباتها وصرفها لله سبحانه وحده لا شريك له.\n«وقد تواتر عنه -ﷺ- أنَّه أوَّل ما دعا الخلق إلى أن يقولوا: لا إله إلاَّ الله» (^٤).\nوَعنْ عُثْمَانَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ -ﷺ-: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلاَّ الله دَخَلَ الْجَنَّةَ» (^٥).\nوعن أبي هريرة -﵁- في حديث طويل، أن النبي -ﷺ- بعثه بنعليه فقال: «مَن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة» (^٦).\nفاشترط في دخول الجنة لمن قالها أن يكون قلبه مستيقنًا بها غير شاك فيها، فإذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٩٠)، ومسلم (٥٢٩)، من حديث عائشة -﵂-.\n(^٢) ذو المجاز: هو أحد أسواق العرب الأدبية في الجاهلية. وهو من أهم الاسواق التي كان يلتقي فيها قوافل التجار. ويقع في شرق مكة المكرمة ويبعد عنها مسافة ٢١ كم. وللاستزادة ينظر: الموسوعة الحرة.\n(^٣) سنده صحيح: أخرجه أحمد (١٦٦٠٣)، وينظر: إرواء الغليل (٨٣٤).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٥٤).\n(^٥) أخرجه مسلم (٢٦).\n(^٦) أخرجه مسلم (٣١).","vol":"1","page":46},{"text":"انتفى هذا الشرط وهو: كونه (مستيقنًا بها قلبه) انتفى ذاك المشروط وهو: (فبشره بالجنة).\n\n<span data-type='title' id=toc-25>ج-التوحيد سبب انشراح الصدر:</span>\n«فأعظم أسباب شرح الصدر: التوحيد، وعلى حسب كماله، وقوته، وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه.\nقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢].\nوقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].\nفالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر، والشرك والضّلال من أعظم أسباب ضيق الصّدر وانحراجِه» انتهى (^١).\n«وليس للقلوب سرور ولذة تامة إلا في محبة الله -تعالى-، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تتم محبة الله إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله، وهي ملة إبراهيم الخليل -﵊» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-26>د-وتحقيق التوحيد سبب دفع العقوبات:</span>\nفمن حقق التوحيد دُفِعَت عنه العقوبات وسلم في الدارين من الشرور والآفات، أما في الدنيا فيُعْصِمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وأما في الآخرة ينجو من النار دار البوار، ويسكن الجنة دار الأبرار جزاء من وحد الله: (في الدنيا).\nثبت في الصحيح عن طارق بن أشيم الأشجعي -﵁- عَنْ النبي -ﷺ- أنه قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاّ الله، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ. وَحِسَابُهُ عَلَى الله -﷿-» (^٣).\n_________\n(^١) زاد المعاد (٢/ ٤١).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٨ - ٣٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٣).","vol":"1","page":47},{"text":"وجزاء من وحد الله: (عند الموت).\nفمن حقق التوحيد وعاش عليه ختم له بخاتمة السعادة.\n«فالتَّوحيد مفتاحُ دعوة الرُّسل، وهو أوَّل ما يُدْخَلُ به في الإسلام، وآخر ما يُخْرَجُ به من الدُّنيا، قال النَّبيُّ -ﷺ-: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ» (^١).\nفهو أوَّل واجبٍ وآخرُ واجبٍ، فالتَّوحيد أوَّل الأمرِ وآخرُه».\nوجزاء من وحد الله في الآخرة: «النجاة من النار دار البوار».\nثبت في الصحيحين من حديث عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الْأَنْصارِيَّ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «فإن اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» (^٢).\nومما يدلل على ذلك أيضًا ما ثبت عند البخاري من حديث أنس بن مالك -﵁- قال: كان غلامٌ يهوديٌّ يخدم النَّبيَّ -ﷺ-، فمرض، فأتاه النَّبيُّ -ﷺ- يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: «أَسْلِم»، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أَطِعْ أبا القاسم -ﷺ-؛ فأسلمَ.\nفخرج النَّبيُّ -ﷺ- وهو يقول: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» (^٣).\nوكذلك جزاء مَن وحَّدَ الله في الآخرة: الفوز بالجنة.\nعن أبي موسى الأشعريّ أنّ رسول الله -ﷺ- قال: «أَبْشِرُوا وَبَشِّرُوا مَنْ وَرَاءَكُمْ، أَنَّهُ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ صَادِقًا بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (^٤).\nوختامًا فإن التوحيد سبب النجاة من الخلود في النار، فقد تواترت الأحاديث عن النبي -ﷺ- أن الموحدين يخرجون من النار خلافًا للخوارج والمعتزلة.\n_________\n(^١) مدارج السَّالكين (٣/ ٤٤٣) (بتصرف)، والحديث أخرجه أبو داود (٣١١٦) من حديث مُعَاذِ ابْنِ جَبَلٍ، وصحَّحه الألباني -﵀- إرواء الغليل (٣/ ١٤٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٧)، ومسلم (٣٣).\n(^٣) البخاري (١٢٩٠).\n(^٤) أحمد (١٩٥٩٧) وقال محققه: حديث صحيح.","vol":"1","page":48},{"text":"وفي ذلك يقول شيخ الإسلام -﵀-: «فقد تواترت الأحاديث عن النبي -ﷺ- في أنه يخرج أقوام من النار بعد ما دخلوها وأن النبي -ﷺ- يشفع في أقوام دخلوا النار، وهذه الأحاديث حجة على الطائفتين: «الوعيدية» الذين يقولون: من دخلها من أهل التوحيد لم يخرج منها، وعلى «المرجئة» الواقفة الذين يقولون: لا ندري هل يدخل من أهل التوحيد النار أحد أم لا؟» (^١) ا. هـ.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٤٨٦).","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>المبحث الرابع\nبعض الدلائل على أن\nالقرآن الكريم كله في التوحيد</span>","vol":"1","page":51},{"text":"المبحث الرابع:\nبعض الدلائل على أن القرآن الكريم كله في التوحيد\nفإن من رحمته -﷾- أنه كلما عظُمت حاجة خلقه لأمر ما، تعددت وجوه الحصول عليه والسبل المؤدية إليه، ولنتأمل حاجة البشرية لغذائها، يسر الله حصوله بأشكال وسبل شتى، ولنتأمل حاجة الخلق للماء أشد من حاجتهم إلى الغذاء كانت طرق الوصول إليه والحصول عليه أسهل وأيسر مما يدل على سعة رحمة الخالق بخلقه، ولنمعن التأمل في حاجة البشرية عما لا غنى لهم عنه للحظة أو للحظات ألا وهو الهواء، كان سبيل الوصول إليه لا يحتاج لبذل مال أو جهد أو علم أو طاقة بل هو ميسور لكل كائن حي بلا كلفة ولا نفقة ولا مشقة، ولاريب أن حاجة البشرية لمعرفة حقيقة التوحيد وهدايتهم إليه أعظم من حاجتهم لطعام وغذاء لقوام بدن، أو لماء لارتوائه، أو حتى لهواء يتنفسه وبه حياته، أو لأي أمر به قوام حياة أبدانهم وأجسامهم، لم لا وحياتهم الحقيقية وسعادتهم الأبدية ونجاتهم من مقت الله وسخطه وغضبه وأليم عقابه، والنجاة من عذابه وناره والفوز برضوانه وجنته، كل ذلك منوط بتحقيق التوحيد الذي هو حق الله على جميع العبيد، تحقيق التوحيد الذي به مادة الحياة الحقيقية -حياة القلوب وحياة الأرواح-، وعليه مدار السعادة والنجاة في الدنيا والأخرة.\nولما كانت حاجة البشرية إلى دلالة معرفة الله بتوحيد في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته أعظمَ وأجل، كان إنزاله لخاتم كتبه على خاتم رسله كله في التوحيد، وكان تسهيل فهمه وتقريب معانيه والإعانة على تحقيقه ميسور لكل مهتد غير معاند ولا صاد عن سبيل الله وسبيل هدايته، وحول تلك المفاهيم.","vol":"1","page":53},{"text":"يوضح الإمام ابن القيم -﵀- الأمر فيقول: «كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه، فإن القرآن إمَّا خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله فهو التوحيد العلمي الخبري، وإمَّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع كل ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإمَّا أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإمَّا خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده، وإمَّا خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم» (^١).\nقال الإمام ابن أبي العز الحنفي (^٢) -﵀- في شرحه للعقيدة الطحاوية: «وهذا مما يبرهن على أن القرآن كله في التوحيد وفيما يترتب عليه من جزاء ونعيم لأهله، ومثله أيضًا في نقيضه ألا وهو الشرك» (^٣).\nوما ذكره الإمام ابن القيم -﵀- من أن: «كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه».\nيدلل على شمولية القرآن للتوحيد من جهة، ويدلل على عظم شأن التوحيد من جهة أخرى، وعلى عظم حاجة البشرية للاهتداء بالتوحيد والاعتصام به والاستمساك بعروته الوثقى التي لا انفصام لها، وما ذاك إلا لأهميته ومسيس حاجة البشرية لتحقيقه، ولتسعد به في أولاها وأخراها.\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٣/ ٤٥٠).\n(^٢) ابن أبي العز (٧٣١ - ٧٩٢ هـ (صَدرُ الدين أبو الحسن عليُّ بن علاءِ الدين الدمشقي الصالحيَّ الحنفي. ولد ونشأ في دمشق في كنف أسرة معظمهم قد تولى القضاء في الشام. توفي ودفن في دمشق. الموسوعة الحرة، وللاستزادة: ينظر: الأعلام للزركلي.\n(^٣) شرح الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٨٥).","vol":"1","page":54},{"text":"يقول ابن سعدي -﵀-: «ومن كليات القرآن أنه يدعو إلى توحيد الله ومعرفته، بذكر أسماء الله، وأوصافه، وأفعاله الدالة على تفرُّده بالوحدانية، وأوصاف الكمال، وإلى أنه الحقُّ، وعبادته هي الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، ويبين نقص كل ما عُبِد من دون الله من جميع الوجوه» (^١).\nوما ذكره ابن أبي العز الحنفي وابن سعدي رحمهما الله تعالى يوافق كلام الإمام ابن القيم -﵀-، مما يؤكد لدينا أن القرآن كله مشتمل على التوحيد.\nقال الشيخ العلَّامة بكر بن عبد الله أبو زيد (^٢) -﵀-: فالقرآن العظيم، كله في التوحيد، وحقوقه، وجزائه، وفي شأن الشرك، وأهله، وجزائهم.\nويُنظر إلى أول سورة في كتاب الله تعالى: سورة الفاتحة): فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾) توحيد في الألوهية، و﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) توحيد في الربوبية)، و﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ (توحيد في الأسماء والصفات)، و﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ توحيد في الملك؛ لأنه من شأن الرب المعبود، الذي هذه صفته؛ أن يكون مالكًا ليوم الدين وهو يوم الجزاء والحساب.\nو﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ توحيد في الثناء والقصد، وهذا التوحيد يدفع مرض الرياء، و﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ توحيد في المسألة والطلب، وهذا التوحيد يدفع مرض العجب والكبرياء، وعلى هذه الآية مدار دعوة جميع الرسل والأنبياء.\nو﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ توحيد في الطريق الموصل إلى الله وهو الذي شرعه سبحانه ونصبه لعباده، وهو طريق أهل التوحيد، وهم المذكورون في قوله بعده:\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن (٥/ ٤٩١).\n(^٢) بكر بن عبد الله بن محمد بن أبوزيد، أحد كبار العلماء المعاصرين في المملكة العربية السعودية. تولى عضوية المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، وعضوية مجلس القضاء السعودي، وعضوية هيئة كبار العلماء السعودية واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. ولد عام ١٣٦٥) هـ) في مدينة الدوادمي- توفي سنة (١٤٢٩ هـ (بمدينة الرياض. الموسوعة الحرة.","vol":"1","page":55},{"text":"﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فلا يكون رفيقك في الطريق إلا موحد، وهذا التوحيد في الطريق يدفع أمراض الجهل والضلال والأهواء.\nوقوله سبحانه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ تحذير من طريق الذين فارقوا التوحيد.\nويُنظر في آخر سورة من كتاب الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس] (توحيد) و﴿مَلِكِ النَّاسِ (٢)﴾ [الناس] (توحيد) ﴿إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس] (توحيد).\nوهذا إشعار بأن ما بين اللوحتين من آيات القرآن، وسوره، كله لغاية واحدة:) توحيد العبد لله لا غير) بما شرع الله على لسان رسول الله -ﷺ-.\nوهذا مقتضى الشهادتين في الإسلام: ألَّا يُعبد إلا الله، وألَّا يعبد الله إلا بما شرع، وعليها تدور رحى التشريع …) (^١) انتهى.\nوختامًا:\nفإن من تأمل كتاب الله من فاتحته إلى خاتمه اتضح له ذلك عيانًا بأن القرآن كله في التوحيد.\nولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) تصحيح الدعاء (ص: ٢٣٠، ٢٣١).","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type='title' id=toc-28>المبحث الخامس\nبيان ما يناقض التوحيد وهو:\n(الشرك)\nوما يترتب عليه من أحكام</span>","vol":"1","page":57},{"text":"المبحث الخامس\nبيان ما يناقض التوحيد وهو: (الشرك) وما يترتب عليه من أحكام\nمن الأهمية بمكان فهم مصطلح التعريف بالشرك، وذلك لفهم ما يترتب عليه من مسائل وأحكام وفهم ما يتفرع عن ذلك، ولا شك أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وهذه قاعدة فقهية مشهورة وأولوا العلم على العمل بمقتضاها، وهي قاعدة فقهية مقررة عند الفقهاء وغيرهم من العلماء.\nومفهوم هذه القاعدة أنه قبل الحكم على أمر ما، لا بدَّ من معرفته المعرفة التامة والإحاطة به الإحاطة التامة، وتصوره تصورًا دقيقًا تامًا كذلك، حتى يكون الحكمُ على ذلك الشيء مطابقًا لواقعه.\nقال شيخنا العلَّامة ابن عثيمين -﵀-: «ومن القواعد المعروفة المقررة عند أهل العلم: الحكمُ على الشيء فرعٌ عن تصوره؛ فلا تحكمْ على شيءٍ إلا بعد أن تتصوره تصوُّرًا تامًّا؛ حتى يكون الحكمُ مطابقًا للواقع، وإلا حصل خللٌ كبيرٌ جدًّا» (^١).\n\nو<span data-type='title' id=toc-29>مما يستدل به على هذه القاعدة من كتاب الله:</span>\nقول الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨)﴾ [الكهف].\nقال ابن سعدي -﵀- فيما يستنبط من فوائد هذه الآية الكريمة: «ومنها: الأمر بالتأنِّي والتثبُّت، وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء حتى يعرفَ ما يُراد منه، وما هو المقصود» (^٢).\n_________\n(^١) رح الأصول من علم الأصول (ص: ٦٠٤).\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن لابن سعدي (ص: ٤٨٤).","vol":"1","page":59},{"text":"وفي نحو ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- (^١): «ومعرفة حدود الأسماء واجبة لأنه بها تقوم مصلحة بني آدم في النطق الذي جعله الله رحمة لهم لاسيما حدود ما أنزل الله في كتبه من الأسماء كالخمر والربا، فهذه الحدود هي الفاصلة المميزة بين ما يدخل في المسمى ويتناوله ذلك الاسم وما دل عليه من الصفات، وبين ما ليس كذلك» (^٢) ا. هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-30>مفهوم الشرك في اللغة والاصطلاح:</span>\n<span data-type='title' id=toc-31>١ - مفهوم الشرك لغة:</span>\nقال ابن فارس: «الشين والراء والكاف أصلان، أحدهما يدلّ على مقارنة وخلافِ انفرادٍ، والآخر يدلّ على امتداد واستقامة.\nفالأول: الشركة، وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، يقال: شاركت فلانًا في الشيء إذا صرت شريكَه، وأشركت فلانًا إذا جعلته شريكًا لك» (^٣).\nوقال الجوهري: «الشريك يجمع على شركاء وأشراك، وشاركت فلانًا صرت شريكه، واشتركنا وتشاركنا في كذا، وشركته في البيع والميراث أشركه شركة، والاسم: الشرك» (^٤).\nوقال أيضًا: «والشرك أيضًا الكفر، وقد أشرك فلان بالله فهو مشرك ومشركيّ» (^٥).\n_________\n(^١) ابن تيمِيَّة: (٦٦١ - ٧٢٨ هـ)، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي. شيخ الإسلام في زمانه وأبرز علمائه. ولد بحرَّان بتركيا، ورحل إلى دمشق مع أسرته هربًا من غزو التتار. وتلقى العلم على والده وعلى مشايخ دمشق، آلت إليه الإمامة في العلم والعمل سنة (٧٢٠ هـ). ينظر: تذكرة الحفاظ، الإمام الذهبي (٤/ ١٤٩٦ - ١٤٩٨). ذيل العبر، الإمام الذهبي، (ص ٨٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٩/ ٥٩).\n(^٣) مقاييس اللغة:) ٣/ ٢٦٥).\n(^٤) الصحاح (٤/ ١٥٩٣ - ١٥٩٤).\n(^٥) الصحاح (٤/ ١٥٩٣ - ١٥٩٤).","vol":"1","page":60},{"text":"وقال الفيروز آبادي: «الشِّرك والِشُّركة بكسرهما وضم الثاني بمعنى، وقد اشتركا وتشاركا وشارك أحدهما الآخر، والشِّرك بالكسر وكأمير: المشارك، والجمع أشراك وشركاء» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-32>٢ - مفهوم الشرك في الاصطلاح:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «أصل الشرك أن تعدل بالله تعالى مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده، فإنه لم يعدل بالله أحد من المخلوقات في جميع الأمور، فمن عبد غيره أو توكل عليه فهو مشرك» (^٢).\nويقول ابن سعدي -﵀-: «حقيقة الشرك أن يُعْبَد المخلوقُ كما يُعْبَد اللهُ، أو يعظَّم كما يعظَّم اللهُ، أو يصرَف له نوع من خصائص الربوبية والإلهية» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-33>٣ - الفرق بين الشرك والكفر:</span>\n١ - أما من جهة اللغة فإن الشرك يكون بمعنى المقارنة، أي: أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما عن الآخر. أما الكفر فهو بمعنى الستر والتغطية، فيكون الكفر بمعنى جحد الحق وستره.\nقال ابن فارس: «الكاف والفاء والراء أصل صحيح يدل على معنى واحد، وهو الستر والتغطية»، إلى أن قال: «والكفر ضد الإيمان، سُمّي لأنه تغطية الحق، وكذلك كفران النعمة جحودها وسترها» (^٤).\nوأما من حيث الاستعمال الشرعي فقد يطلقان ويكونا بمعنى واحد، كما في قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ\n_________\n(^١) القاموس المحيط) ٢/ ١٢٥١).\n(^٢) الاستقامة (١/ ٣٤٤).\n(^٣) تيسيرالكريم الرحمن لابن سعدي (٤٩٩/ ٢).\n(^٤) مقاييس اللغة لابن فارس (٥/ ١٩١).","vol":"1","page":61},{"text":"بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)﴾ [الكهف].\nوإذا أطلق أحدهما دخل الآخر في معناه.\nكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون].\nوقد يفرق بينهما، قال النووي (^١) -﵀-: «الشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد وهو الكفر بالله تعالى، وقد يفرق بينهما فيخص الشرك بعبادة الأوثان وغيرها من\n_________\n(^١) النووي: (٦٣١ - ٦٧٦ هـ): هو يحيى بن شرف بن مري بن حسن، النووي (أو النواوي) أبو زكريا، محيي الدين. من أهل نوى من قرى حوران جنوبي دمشق. علَّامة في الفقه الشافعي والحديث واللغة. من تصانيفه (المجموع شرح المهذب) و(روضة الطالبين)؛ و(المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج) [طبقات الشافعية للسبكي (٥/ ١٦٥)؛ والأعلام للزركلي (٩٩/ ١٨٥)؛ والنجوم الزاهرة (٧/ ٢٧٨)].\nعقيدته ومنهجه: النووي -﵀-: (له أغلاط في الصفات سلك فيها مسلك المؤولين وأخطأ في ذلك فلا يقتدى به في ذلك؛ بل الواجب التمسك بقول أهل السنة وهو إثبات الأسماء والصفات الواردة في الكتاب العزيز ....) اللجنة الدائمة فتوى برقم (٤٢٦٤) (٣/ ٢٢١) عن النووي -﵀-: النووي ليس أشعريًّا صرفًا على أصولهم كلها؛ بل قد خالفهم في أصول كثيرة؛ منها:\n١ - دفاعه عن عقيدة السلف في أفعال العباد.\n٢ - إثبات رؤية الله يوم القيامة.\n٣ - دفاعه عن عقيدة السلف في حقيقة الإيمان وزيادته ونقصانه.\n٤ - كلامه عن حكم مرتكب الكبيرة.\n٥ - وكلامه في النبوات.\n٦ - أول واجب على المكلف رد فيه على الأشاعرة (المجموع ١/ ٢٤ - ٢٥) ينظر: ترجمة الحافظ ابن حجر أيضًا فيها زيادة بيان وإيضاح (الباحث).","vol":"1","page":62},{"text":"المخلوقات مع اعترافهم بالله تعالى ككفار قريش، فيكون الكفر أعم من الشرك» (^١) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-34>٤ - أنواع الشرك:</span>\nوالشرك نوعان:\nالأول: شرك أكبر.\nالثاني: شرك أصغر.\nقال الإمام ابن القيم -﵀-: «أما الشرك فهو نوعان: أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله نِدًّا يحبه كما يحب الله» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-35>تعريف الشرك الأصغر:</span>\nقال ابن سعدي -﵀-: «هو جميع الأقوال والأفعال التي يُتوسلُ بها إلى الشرك كالغلو في المخلوق الذي لا يبلغ رتبة العبادة، كالحلف بغير الله ويسير الرياء ونحو ذلك» (^٤).\nوقال الشيخ عبد العزيز السلمان (^٥) -﵀-: «هو كلّ وسيلة وذريعة يتطرّق بها إلى الشرك الأكبر» (^٦).\n_________\n(^١) شرح صحيح مسلم (٢/ ٧١)، وينظر: حاشية ابن قاسم على كتاب التوحيد (٣٠٢).\n(^٢) وكل كفرٍ شرك، وكل شرك كفر، وهو الذي عليه جماهير أهل العلم. أفاده القاسمي في محاسن التأويل، وانتصر له الألباني واحتجَّ بقصة أصحاب الجنتين في سورة الكهف في بحث نفيس في عشرة شرائط له (تسجيلية)\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ٣٦٨).\n(^٤) القول السديد (١٥).\n(^٥) الشيخ العلَّامة عبد العزيز بن محمد السلمان -هو العالم العلَّامة المفسر الأصولي الفقيه الفرضي الورع الزاهد الشيخ عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن بن سلمان ولد في القصيم -بالمملكة عام (١٣٣٧ هـ)، توفي عام (١٤٢٢ هـ). نقلًا عن الموسوعة الحرة- بتصرف يسير.\n(^٦) الكواشف الجلية (٣٢١).","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-36>الشرك الخفي:</span>\nأما الشرك الخفي فلا يعد قسمًا ثالثًا مستقلًا وفي هذا الصدد يقول سماحة شيخنا الإمام ابن باز (^١) -﵀-: «وهناك شرك يقال له: الشرك الخفي …».\nوالصواب: أن هذا ليس قسمًا ثالثًا، بل هو من الشرك الأصغر، وهو قد يكون خفيًّا لأنه يقوم بالقلوب كما في هذا الحديث، وكالذي يقرأ ويرائي، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يرائي، أو يجاهد يرائي أو نحو ذلك … وقد يكون خفيًّا وهو من الشرك الأكبر كاعتقاد المنافقين فإنهم يراؤون بأعمالهم الظاهرة وكفرهم خفي لم يظهروه … وبما ذكرنا يعلم أن الشرك الخفي لا يخرج عن النوعين السابقين: شرك أكبر وشرك أصغر» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-37>تعريف الشرك الخفي:</span>\nوتعريفه: هو الوارد في حديث أبي سعيد الخدري -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح الدجال عندي؟».\nقال: قلنا: بلى، قال: «الشرك الخفي؛ أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل» (^٣). يعني: الرياء.\n_________\n(^١) ابن باز: (١٣٣٠ - ١٤٢٠ هـ)، هو أبو عبد الله، عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد آل باز. عالم وفقيه الأمة، والرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد منذ عام (١٣٩٥ هـ)، ثم أصبح مفتيًا عامًا للمملكة العربية السعودية. وُلد بالرياض، ومن مؤلفاته المطبوعة: نقد القومية العربية؛ رسالة في نكاح الشِّغار؛ الجواب المفيد في حكم التصوير؛ رسالة في التبرُّج والحجاب؛ الشيخ محمد بن عبد الوهاب (دعوته وسيرته)؛ ثلاث رسائل في الصلاة. حاز جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام (١٤٠٢ هـ). نقلا عن: الموسوعة العربية العالمية.\n(^٢) مجموع فتاوى العلَّامة عبد العزيز بن باز -﵀- (١/ ٤٦).\n(^٣) أخرجه أحمد (٣/ ٣٠)، وابن ماجه (٤٢٠٤)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٣٣٤)، وصححه الحاكم (٤/ ٣٢٩)، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٠).","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type='title' id=toc-38>بيان مفهوم حقيقة الشرك الأكبر:</span>\nأما الشرك الأكبر: هو أن يجعل الإنسان للّه ندًّا في ربوبيته، أو ألوهيته، أو أسمائه وصفاته.\nوقد جمع هذه الأنواع الثلاثة كلها حديث من جوامع كلمه -ﷺ- عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: سألت رسول الله -ﷺ- أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني بحليلة جارك» (^١).\nوكما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء].\nيقول السمعاني (^٢) -﵀-: «الإشراك هو الجمع بين الشيئين في معنى فالإشراك بالله تعالى هو أن يجمع مع الله غير الله فيما لا يجوز إلا لله» (^٣).\nقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣].\nيقول القرطبي -﵀-: «أصل الشرك المحرم اعتقاد شريك لله تعالى في إلهيته، وهو الشرك الأعظم وهو شرك الجاهلية» (^٤).\nيعرف المقريزي الشرك الأكبر بنحو من تعريف القرطبي فيقول: «فمن أحب غير الله تعالى وخافه ورجاه وذل له كما يحب الله ويخافه ويرجوه فهذا هو الشرك الذي لا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (٨٦).\n(^٢) السمعاني: الإمام الحافظ الكبير الأوحد الثقة، مُحدِّث خراسان، أبو سعد عبد الكريم بن الإمام الحافظ الناقد أبي بكر محمد بن العلَّامة مفتي خراسان أبي المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار، التميمي السمعاني الخراساني المروزي، صاحب المصنفات الكثيرة. ولد بمرو سنة ست وخمسمائة. سير أعلام النبلاء (٢٥٦/ ٢٠)\n(^٣) تفسير السمعاني (١٢١/ ٢).\n(^٤) المفهم (٦/ ٦١٥).","vol":"1","page":65},{"text":"يغفره الله» (^١) ا. هـ.\nفالخوف والرجاء والذل والحب والخوف كلها من أعمال العباد، وتوحيد الألوهية إنما هو: توحيد الله بأفعال العباد.\nويؤكد ابن كثير تعريفه للشرك بنفس المعنى بعبارة مختصرة فيقول: «الشرك الأعظم [أن] (^٢) يُعبَد مع الله غيره» (^٣).\nكما قال تعالى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا … لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٦ - ٩٨].\nويقول سبحانه: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام].\nيتبين مما سبق من تعريف أهل العلم للشرك، أن الشرك في عبادة الله هو الشرك الأكبر والأعظم الذي لا يغفره الله أبدًا لمن مات مشركًا.\nوإذا أردنا أن نتأمل حقيقة الخطب الجلل المترتب على الشرك الأكبر، فلنتدبر دعاء خليل الرحمن -﵇- وتضرعه وإلحاحه على ربه أن يباعده ويجافيه عن الشرك هو وبنيه، ولقد بوَّب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه «التوحيد» ما يدل على ذلك فقال في الباب الرابع: باب الخوف من الشرك، وذكر هذه الآية:\n﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ [إبراهيم].\nوإبراهيم -﵇- خليل الرحمن ومن هو في قدره ومكانته ودرجته ورتبته، إنه كان أمة، وكان قدوة، اختصه الله تعالى بهذا الوصف، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾ [النحل].\n_________\n(^١) تجريد التوحيد (ص: ١٠).\n(^٢) أضاف الباحث (أن) بين المعكوفين حتى يستقيم الكلام.\n(^٣) تفسير ابن كثير (٢/ ٥١٢).","vol":"1","page":66},{"text":"وكما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل].\nخامسًا: بيان عواقب الشرك الأكبر وما يترتب عليه من أحكام.\nلما كان الشرك الأكبر أظلم الظلم ويترتب على المتلبس به أحكام شرعية عظيمة الخطب، وذلك حفظًا لضرورة الدين، وصيانة لجناب التوحيد، وتحذيرًا للعباد من عواقبه الوخيمة وما يترتب عليه من شر محض في الدنيا، وخلود أبدى سرمدي في النار يوم التناد، كان بيان أهم تلك الأحكام واجب البيان، ومن أهمها وأبينها وأجلها ما يلي:\n١ - الشرك محبط لجميع الأعمال بالكلية قال تعالى لنبيه -ﷺ-: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر].\nوقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام].\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة].\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة].\nوقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧)﴾ [التوبة].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥].\nوالآيات في هذا الشأن أكثر من أن تحصى ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.\n٢ - والكافر متى لقي ربه مشركًا كافرًا فليس له مطمع ولا أمل في أن تناله المغفرة أبدًا، وهذا مما يدل على خطورة الشرك وخطورة الوقوع فيه والتلبس به.","vol":"1","page":67},{"text":"فمن مات على الشرك فلا يدخل تحت الوعد بالمغفرة المترتب على مشيئة أرحم الراحمين والتي يدخل تحتها أصحاب سائر الكبائر والموبقات والذين ماتوا دون توبة، جل في علاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء].\nوسبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٤٨].\nوبمفهوم المخالفة إن لم ينتهوا عن الكفر فلن يغفر لهم ما قد سلف.\nوتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩].\n٣ - أن صاحبه محرم عليه الجنة وهو مخلد في النار.\nفالشرك الأكبر يوجب لصاحبه الخلود في النار، خلودًا دائمًا أي: على وجه التأبيد، ويحرم عليه الجنة ابتداءً وانتهاءً والعياذ بالله، ودلائل التنزيل في الكتاب العزيز والسنة المطهرة على ذلك كثيرة معلومة ومتوافرة، بل هي من الأحكام القطعية الدلالة المعلومة من دين الإسلام بالضرورة، ومن ذلك:\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة].\nوعن جابر بن عبد الله -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار» (^١).\n٤ - والشرك يبيح دم المشرك وماله.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٣٨)، ومسلم (٩٢)، واللفظ لمسلم.","vol":"1","page":68},{"text":"وهذا حكم من أحكام الشريعة الثابتة بدلالة الكتاب والسنة مع مراعاة ضوابطه ولوازمه الشرعية، في ضوء أحكام الشريعة الغراء.\nيُقال ذلك حتى لا يغتر أحد من السفهاء حدثاء الأسنان سفهاء العقول والأحلام ويتجرأ على إراقة الدماء وسفكها واستحلالها بنفسه بسوء فهمٍ للنصوص أو محاولة لي عنقها تبعًا للهوى واتباعًا للشيطان وحزبه، فإن مما عُلِمَ من دين الله بالضرورة: أن إقامة الحدود أمر منوط بالسلطان.\nقال تعالي: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة].\nوقال -ﷺ-: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلَّا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (^١).\nولقد اتفق أهل العلم على أن إقامة الحد أمر مختص بالسلطان أو نائبه.\nوما عليه أهل السنة: أن إقامة الحدود حق للإمام لا غير، ولا يجوز لأحد كائنًا من كان أن ينازعه فيه.\nقال الإمام أحمد بن حنبل -﵀-: «وقسْمة الفيء، وإقامة الحدود؛ إلى الأئمة ماضٍ، ليس لأحد أن يطعن عليهم، ولا ينازعهم». اهـ (^٢).\nيقول القرطبي -﵀-: «لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر الذين فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعًا أن يجتمعوا على القصاص\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٠).\n(^٢) من أصول السنة لأحمد بن حنبل رواية عبدوس بن مالك العطار (٣٠) وينظر: عند اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٦٠).","vol":"1","page":69},{"text":"فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود (^١).\nويقول ابن رشدالحفيد (^٢) -﵀-: وأما من يقيم هذا الحد-أي: جلد شارب الخمر- فاتفقوا على أن الإمام يقيمه وكذلك الأمر في سائر الحدود (^٣).\nومن حجج هؤلاء عدم وجود محاكم شرعية تقيم الحدود.\nوفي ذلك يقول سماحة شيخنا الإمام ابن باز -﵀-: جوابًا عن سؤال فيمن يُجافي المستأمنين، فذكر أنهم يحالون للمحكمة الشرعية، فسئل عما لو لم تكن هناك محاكم شرعية؟\nفقال -﵀-: «إذا لم توجد محاكم شرعية؛ فالنصيحة فقط، النصيحة لولاة الأمور، وتوجيههم للخير، والتعاون معهم، حتى يُحَكِّموا شرع الله، أما أن الآمر والناهي يمد يده، أو يقتل أو يضرب؛ فلا يجوز، لكن يتعاون مع ولاة الأمور بالتي هي أحسن، حتى يحكموا شرع الله في عباد الله، وإلا فواجبه النصح، وواجبه التوجيه إلى الخير، وواجبه إنكار المنكر بالتي هي أحسن، هذا هو واجبه، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ولأن إنكاره باليد بالقتل أو الضرب؛ يترتب عليه شر أكثر، وفساد أعظم بلا شك ولا ريب، لكل من سَبَرَ هذه الأمور وعرفها» (^٤). اهـ.\n_________\n(^١) القرطبي (٢/ ٢٤٥، ٢٦٤).\n(^٢) ابن رشد الحفيد: (ت ٥٩٥ هـ). محمد بن أحمد بن محمد بن رشد، ويلقب بالحفيد تميزًا له عن جده أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد الذي يميز بالجد، فقيه مالكي، فيلسوف، طبيب من قرطبة. ولد سة (٥٢٠ هـ). عني بكلام أرسطو وترجمته إلى العربية وزاد عليه زيادات كثيرة، اتهم بالزندقة والإلحاد فنفي إلى مراكش وأحرقت بعض كتبه، ومات بمراكش سنة (٥٩٥ هـ) ودفن بقرطبة. من تصانيفه: فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، وتهافت التهافت، في الرد على كتاب تهافت الفلاسفة للغزالي وبداية المجتهد ونهاية المقتصد. ينظر: ترجمته في (تاريخ قضاة الأندلس (١/ ١١١)؛ الديباج المذهب (١/ ٢٨٤ (.\n(^٣) بداية المجتهد (٢/ ٢٣٣).\n(^٤) نقلًا عن (فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة) (ص ٦٧ - ٦٨) لمحمد بن حسين بن سعيد.","vol":"1","page":70},{"text":"والواقع الأليم الذي تعيشه الأمة الآن خير شاهد على ذلك، فإن فئة من الشباب، حدثاء أسنانُهم سفهاء عقُولُهم، نصبوا أنفسهم ولاة أمر على العباد، ومنحوا أنفسهم صلاحية ومهام السلطان أو صلاحية الإمامة العظمى في المسلمين، فكل جماعة لها قوة وشكيمة في بقعة من الأرض تعطي لنفسها تلك الصلاحيات، وتقيم الحدود على أن لها الولاية الشرعية والإمامة العظمى، وأنها مخولة بإقامة الحدود والتعزيرات، فحصل من جراء ذلك مفاسد عظيمة مشهودة للعيان.\n٥ - والمشرك تحرم مناكحته.\nيقول تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ الآية: [البقرة: ٢٢١].\nويقول تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠].\nقال ابن كثير -﵀-: «تحريم من الله -﷿- على عباده المؤمنين نكاح المشركات، والاستمرار معهن» (^١). ا. هـ\n٦ - والمشرك يحرم أكل ذبيحته.\nيقول تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢١]. ويستثنى من ذلك أهل الكتاب، فحرائر نسائهم إن كن عفيفات طاهرات غير محاربات، وذبائحهم، حلال لأهل ملتنا.\nيقول سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية [المائدة: ٥].\n٧ - من مات مشركًا فإنه لا يرث ولا يورث بل إن ماله يفيء إلى بيت مال المسلمين، لحديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (^٢).\n_________\n(^١) ابن كثير (٨/ ٩٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٤).","vol":"1","page":71},{"text":"٨ - من مات مشركًا فلا يغسَّل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يستغفر له، ولا يترحم عليه، ولا يقبر في مقابر المسلمين، قال سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا … عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ … فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة: ١١٣ - ١١٤]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ [التوبة].\n٩ - المشرك يُحرم نعمتي الأمن والاهتداء، ويقرر هذه الحقيقة قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام].\nوالظلم هنا هو الشرك كما مر معنا في آية لقمان، وبمفهوم المخالفة فالذين خالطوا إيمانهم بشرك ليس لهم الأمن وليسوا بمهتدين.\nوقوله سبحانه: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٥١].\nقال ابن القيم -﵀-: «والمقصود أن الشرك لما كان أظلم الظلم وأقبح القبائح وأنكر المنكرات كان أبغض الأشياء إلى الله وأكرهها له وأشدها مقتًا لديه، ورتّب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حَرَمِه، وحرّم ذبائحهم ومناكحتهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداءً له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم وأن يتخذوهم عبيدًا، وهذا لأن الشرك هضم لحقّ الربوبية، وتنقيص لعظمة الألوهية» (^١).\n١ - والمشرك المتلبّس بالشرك ظن بربّه ظن السوء كما قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (١/ ٩٩).","vol":"1","page":72},{"text":"اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح].\nقال ابن القيم -﵀-: «فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك، فإنهم ظنّوا به ظنّ السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظنّ لوحّدوه حقّ توحيده» (^١).\nوقال أيضًا: «فالشرك ملزوم لتنقّص الربّ سبحانه، والتنقّص لازم له ضرورة، شاء المشرِك أم أبى، ولهذا اقتضى حمدُه سبحانه وكمال ربوبيته ألا يغفره، وأن يخلّدَ صاحبَه في العذاب الأليم ويجعله أشقى البرية، فلا تجد مشركًا إلا وهو متنقّص لله سبحانه» (^٢).\n١١ - والشرك يفسد العقول، فالمشركون من أفسد الناس عقولًا، وقد قال الله فيهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ … كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ … نَعْقِلُ مَا كُنَّا … فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ … (١٠)﴾ [الملك].\nتأَمّل في نبات الأَرض وانظر … إلى آثار ما صَنع المليكُ\nعيونٌ من لُجَينٍ فاتراتٌ … على أَحداقها ذهبٌ سَبِيك\nعلى قُضُب الزَّبَرْجَدِ شاهدات … بأَنَّ الله ليس له شريكُ» (^٣)، (^٤) ا. هـ.\nوبذلك ينتهي الفصل الأول- والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) المرجع السابق (١/ ٩٩).\n(^٢) إغاثة اللهفان (١/ ١٠١).\n(^٣) الأبيات لأبي نواس، وينظر: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز (١/ ٩٤٣).\n(^٤) وينظر: عرفة بن طنطاوي، عناية الإسلام بتربية الأبناء كما بينتها سورة لقمان، (ص: ٥٣١) وما بعدها، رسالة ماجستير تحت الطبع، الجامعة الإسلامية العالمية -القاهرة-.","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type='title' id=toc-39>الفصل الثاني\nبين يدي السورة الكريمة</span>\nويشتمل على سبعة مباحث:\nالمبحث الأول: الاستعاذة والبسملة والتأمين وما يتعلق بها من أحكام.\nالمبحث الثاني: أسماء السورة الكريمة.\nالمبحث الثالث: عدد آياتها وكلماتها وحروفها.\nالمبحث الرابع: أبرز موضوعات السورة الكريمة.\nالمبحث الخامس: بيان المعنى الإجمالي للسورة.\nالمبحث السادس: بيان بعض ما ورد في زمن وسبب نزولها.\nالمبحث السابع: بيان بعض ما ورد في فضائلها وخصائصها.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type='title' id=toc-40>المبحث الأول\nالاستعاذة والبسملة والتأمين\nوما يتعلق بها من أحكام</span>","vol":"1","page":77},{"text":"المبحث الأول:\nالاستعاذة والبسملة والتأمين وما يتعلق بها من أحكام\nويشتمل على ما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-41>١ - مفهوم ومعنى الاستعاذة</span>\nالاستعاذة هي قولك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.\nقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل].\n\n<span data-type='title' id=toc-42>معنى الاستعاذة لغة:</span>\nقال القرطبي -﵀-: «الاستعاذة في كلام العرب: الاستجارة والتحيز إلى الشيء على معنى الامتناع به من المكروه، يقال عذت بفلان واستعذت به؛ أي: لجأت إليه، وهي عياذي، أي: ملجئي» (^١).\nفمعناها إذًا: «الالتجاء والاعتصام والتحصُّن».\n\n<span data-type='title' id=toc-43>معنى الاستعاذة اصطلاحًا:</span>\nولفظ يحصل به الالتجاء إلى الله تعالى، والاعتصام والتحصن به من الشيطان الرجيم، وهي ليست من القرآن بالإجماع، ولفظها لفظ الخبر، ومعناه الإنشاء، أي: اللهم أعذني من الشيطان الرجيم (^٢).\nوقال ملَّا علي القاري -﵀- (^٣): «يعني: اللهم احفظني من وسوسته وإغوائه\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٤/ ١).\n(^٢) الإضاءة في أصول القراءة للشيخ علي محمد الضباع، (ص ٦).\n(^٣) هو العلَّامة علي بن سلطان محمد الهروي المكي الحنفي، المشهور بالقاري. وُلد في هراه=","vol":"1","page":79},{"text":"وخطواته وخطراته وتسويله وإضلاله، فإنه السبب في الضلالة والباعث على الغواية والجهالة» (^١) ا. هـ.\nالاستعاذة لا تكون إلَّا بالله تعالى. قال ابن تيمية -﵀- تعالى: «الاستعاذة لا تكون إلا بالله في مثل قول النبي -ﷺ- «أعوذ بوجهك» (^٢) و«أعوذ بكلمات الله التامات» (^٣) و«أعوذ برضاك من سخطك» (^٤) ونحو ذلك وهذا أمر متقرر عند العلماء» (^٥) ا. هـ.\nمعنى الشيطان لغة: الشيطان مشتق من (شَطَنَ)؛ بمعنى: بَعُد عن الحقِّ، فهو من: شَطَنَه يَشْطُنُه شَطْنًا: إذا خالفه عن وجهته ونيَّته، وشَطَّت الدار: بَعُدَت، والشاطن: الخبيث، وتشيطن الرجل: إذا صار كالشيطان وفعل فعله، ومنه الشيطنة: التي هي مرتبة كلية عامَّة لمظاهر الاسم المضل، وعلى هذا الاشتقاق تكون كلمة شيطان على وزن (فيعال)، والنون فيه أصلية (^٦).\nقال ابن كثير -﵀-: «والشيطان معناه في لغة العرب مشتق من شطن إذا بعد، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل خير» (^٧).\n_________\n=سنة (٩٣٠ هـ)، وبدأ بطلب العلم فيها، ثم رحل إلى مكة، واستكمل فيها وأخذ عن عددٍ من علمائها كابنِ حجر الهتمي (ت: ٩٧٣ هـ)، يوسف الأماسي (ت: ١٠٠٠ هـ)، تُوفي -﵀- سنة (١٠١٤ هـ). ينظر: عقود الجوهر (١/ ٢٦٤ - ٢٦٦)، والإمام علي القاري (ص ٩٦ - ١١٤). هدية العارفين (١/ ٧٥١ - ٧٥٣). عقود الجوهر (١/ ٢٦٦ - ٢٧٣).\n(^١) مرقاة المفاتيح (٢/ ٤٤٨) وينظر: عون المعبود (٢/ ١٣١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٦٢٨).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٧٠٨).\n(^٤) أخرجه مسلم (٤٨٦).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٢٧٣)، أبو داود (٨٧٩)، أحمد) ٦/ ٥٨).\n(^٦) ينظر قاموس: العين -الفراهيدي (٦/ ٢٣٦)، وأساس البلاغة، (ص ٣٢٩)، القاموس المحيط (١/ ٨٧٠).\n(^٧) تفسير ابن كثير (١١٥/ ١).","vol":"1","page":80},{"text":"والشيطان هو إبليس: وإبليس مشتقٌّ من أَبلَس الرجل: إذا انقطع ولم تكن له حجَّة، وأَبلَس الرجل: قُطِع به، وأبلس أيضًا: سكَتَ، وأبلس مِن رحمة الله: يئس، والإبلاس: الحزن المعترض من شدَّة البأس، وقد استخدم العربُ هذه المعاني فقالوا: ناقة مِبلاس: إذا كانت لا تَرغو من الخوف، وفلان أبلس: إذا سكَت من شدَّة الخوف (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-44>الشيطان اصطلاحًا:</span>\nيُطلق الشيطان من ناحية الاصطلاح على: كلِّ متمرِّد من الجنِّ والإنس والدواب (^٢).\nأمَّا إبليس: فهو علَمٌ على مَخلوق خلَقه الله -﷿- من النَّار، وجعله في عداد الملائكة، وقام بعمله ما شاء الله أن يقوم، ثمَّ نازع ربَّه الكبرياء والعظمة، فاستكبر عن طاعته، وعصى ربَّه، فطرده من رحمته ومن وظيفته، فهبط إلى الأرض، وأصبحت الشيطنة صفة له (^٣).\nفاسم إبليس: هو علَمٌ على هذا المخلوق المتمرِّد العاتي المتجبر الفاسق عن أمر ربه، الذي خلقه الله من نار، والشيطان وصفٌ له ولمن تمرد وعتا وتجبر وفسق من ذريته.\nقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ [الكهف].\nوهو علم مفرد، ويجمع على أباليس وأبالسة، وهو للجن كآدم للإنس.\n_________\n(^١) ينظر: مقاييس اللغة (١/ ٢٩٩، ٣٠٠)، والمفردات -الراغب الأصفهاني، (ص ٦٠)، وينظر: التبيان في تفسير غريب القرآن (١/ ٧٦).\n(^٢) ينظر: المفردات، الأصفهاني، (ص ٢٦١)، روح المعاني -الألوسي (١/ ١٥٧)، وقد نسب الألوسي هذا التعريف لابن عباس -﵄-.\n(^٣) ينظر: جامع البيان -الطبري (١/ ٢٢٦)، والمفردات -الأصفهاني، (ص ٦٠).","vol":"1","page":81},{"text":"وهو العدو اللدود الذي حذر الله عباده من عداوته، وأمرهم باتخاذه عدوًّا سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر].\n\n<span data-type='title' id=toc-45>من ثمار الاستعاذة:</span>\n١ - ومن ثمار الاستعاذة: التبرؤ من الحول والقوة فيه معنى من معاني تحقيق العبودية، فحينما يستعيذ العبد بالله من الشيطان الرجيم فهو بذلك يعلن فقره وذله لخالقه، ويبرأ من حوله وقوته ويلجأ إلى من بيده ملكوت كل شيء، سائلًا ربه أن يعيذه من شر عدوه.\nوفي نحو ذلك يقول البجيرمي -﵀- (^١): «ومن لطائف الاستعاذة أن قوله: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم إقرار من العبد بالعجز والضعف، واعتراف من العبد بقدرة الباري -﷿- وأنه الغني القادر على رفع جميع المضرات والآفات، واعتراف العبد أيضًا بأن الشيطان عدوّ مبين. ففي الاستعاذة التجاء إلى الله تعالى القادر على دفع وسوسة الشيطان الغويّ الفاجر وأنه لا يقدر على دفعه عن العبد إلا الله تعالى» (^٢) ا. هـ.\n٢ - ومن ثمار الاستعاذة: حضور القلب وخشوع الجوارح وحصول أثر القرآن والانتفاع بمواعظه وزواجره ونواهيه لأن عدوه قد خنس بسبب الاستعاذة منه، فالاستعاذة منه من أعظم أسباب زجره ودحره.\n٣ - ومن ثمار الاستعاذة: حضور الملائكة لاستماع القرآن، فإذا اندحر الشيطان بالاستعاذة حضرت الملائكة لتستمع لآي القرآن، وهي تحب الاستماع للقرآن؛ لأنها\n_________\n(^١) سليمان البُجَيْرَمِيّ (١١٣١ - ١٢٢١ هـ) سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي، فقيه مصري. ولد في بجيرم (من قرى الغربية بمصر) وتوفي بالقرب منها تعلم في الأزهر، ودرس، وكف بصره. له: (التجريد -ط)، وهو حاشية على شرح المنهج في فقه الشافعية، و(تحفة الحبيب -ط) حاشية على شرح الخطيب، المسمى بالإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع. نقلًا عن: الأعلام للزركلي.\n(^٢) تحفة الحبيب (١/ ٨٩٣) إعانة الطالبين (١/ ٢٠).","vol":"1","page":82},{"text":"ما أعطيت خاصية التلاوة، فلذلك تحب الاستماع إليه؛ ولأن الملائكة والشياطين لا يجتمعان. مثال لما ثبت في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-: «وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ» (^١).\nكما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ … مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء].\nقال ابن جرير الطبري -﵀-: «يقول: إن ما تقرأ به في صلاة الفجر من القرآن كان مشهودًا، يشهده فيما ذكر ملائكة الليل وملائكة النهار، وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت الآثار عن رسول الله -ﷺ-» (^٢).\nوقال القرطبي -﵀-: «وعبر عنها بالقرآن خاصة دون غيرها من الصلوات؛ لأن القرآن هو أعظمها، إذ قراءتها طويلة مجهور بها حسبما هو مشهور مسطور» (^٣) ا. هـ.\n٤ - ومن ثمار الاستعاذة: تعظيم قدر القرآن في نفس المؤمن التالي له، فالاستعاذة فيها معنى تطهير المحل التالي لكلامه سبحانه، ولذا استحب التسوك عند التلاوة.\nوحول هذا المعنى يقول ابن كثير -﵀-: «وَمِنْ لَطَائِفِ الِاسْتِعَاذَةِ: أَنَّهَا طَهَارَةٌ لِلْفَمِ مِمَّا كَانَ يَتَعَاطَاهُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَتَطْيِيبٌ لَهُ وَتَهَيُّؤٌ لِتِلَاوَةِ كَلَامِ اللَّهِ وَهِيَ اسْتِعَانَةٌ بِاللَّهِ وَاعْتِرَافٌ لَهُ بِالْقُدْرَةِ وَلِلْعَبْدِ بِالضَّعْفِ وَالْعَجْزِ عَنْ مُقَاوَمَةِ هَذَا الْعَدُوِّ الْمُبِينِ الْبَاطِنِيِّ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهِ وَدَفْعِهِ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي خَلَقَهُ، وَلَا يَقْبَلُ مُصَانَعَةً، وَلَا يُدَارَى بِالْإِحْسَانِ، بِخِلَافِ الْعَدُوِّ مِنْ نَوْعِ الْإِنْسَانِ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ» (^٤).\nولعل في هذا كفاية والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٧٧)، ومسلم (٦٤٩) من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-.\n(^٢) انتهى من جامع البيان (١٧/ ٥٢٠).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (٠/ ٣٠٤).\n(^٤) تفسير ابن كثير (١/ ٢٩).","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type='title' id=toc-46>٢ - بيان ومفهوم معنى البسملة</span>\nالبسملة: اسم.\nولفظة (بسملة): مصدرها بسمل.\nوبسملَ فِعل: أي: يبسمل، بَسْمَلَةً، فهو مُبسمِل، فالبسملة اسم بُنيَ من فعل، وهو من بسمل الشخص إذا قال: بسم الله، كقولهم: حوقل إِذا قال: لا حول ولا قوَّة إِلا بالله، وحمدل إِذا قال: الحمد لله (^١).\nوهي من الكلام المنحوت المجموع من كلمتين (^٢).\nوالعرب تفعل هذا إِذا كثر استعمالهم للكلمتين ضموا بعض حروف إِحداهما إِلى بعض حروف الأُخرى منه (^٣).\nوالبسملة هي قول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\nوالاسم: كلمة يستدل بها على مُسَمًّى بذاته وعينه، يعرف به، ويتميّز به عن غيره.\nولفظ الجلالة: ﴿اللَّهِ﴾ اسم علم على الذات الإلهية لربّ العزة والجلال ﵎ وهو غني عن تعريف خلقه جل في علاه.\nوالإله هو المألوه الذي تألهه القلوب وتحبه وتخضع له، وتعبده خوفًا وطمعًا، وتدعوه رغبًا ورهبًا، وتعظمه تذللًا وتزلفًا، وتتوكل عليه وتنطرح بين يديه افتقارًا واضطرارًا إليه ﷾.\n﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ أي: أبدأ وأستهل بسم الله تعالى، وهي بركة واستعانة.\n_________\n(^١) ينظر: لسان العرب لابن منظور (٢/ ٤٠٢).\n(^٢) ينظر: تاج العروس للزبيدي مادة (عبد).\n(^٣) لسان العرب لابن منظور (١١/ ٧٠١).","vol":"1","page":84},{"text":"والجار والمجرور -على التعظيم والإجلال- في ﴿بِسْمِ﴾ متعلق بفعل مقدر، تقديره: «أبدأ».\nومعناها: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ وحده أقرأ كلامه وأتلوه متبركًا.\nأي: أبتدأ قراءتي حال كوني متبركًا ومستعينًا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\nوهي مشروعة ومستحبة في أحوال شتى منها على سبيل البيان لا الحصر:\nعند الوضوء، وعند المأكل والمشرب، وعند الوقاع، وعند الخروج من البيت والولوج فيه، وعند غلق الأبواب، وعند النوم، وعند التخلي، وعند الصيد، وعند الذبح، وعند التألم والتوجع يرقي بها نفسه، وفي أذكار طرفي النهار، وعند السفر وعند ركوب الدابة وعند تعثرها، وعند ركوب البحر، وعند قتال العدو، وعند المكاتبات كما فعل النبي -ﷺ- عند مكاتبة الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وعند لحد المسلم في قبره، وفي غيرها من المواضع التي لا يسع المجال لذكرها بل ولا لحصرها.\nقال الجصاص (^١) -﵀-: «وَالأَحْكَامُ الَّتِي يَتَضَمَّنُهَا قَوْلُهُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الأَمْرُ بِاسْتِفْتَاحِ الأُمُورِ لِلتَّبَرُّكِ بِذَلِكَ، وَالتَّعْظِيمُ لِلَّهِ -﷿- بِهِ، وَذِكْرُهَا عَلَى الذَّبِيحَةِ شِعَارٌ وَعَلَمٌ مِنْ أَعْلامِ الدِّينِ وَطَرْدِ الشَّيْطَانِ؛ وَفِيهِ إظْهَارُ مُخَالَفَةِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَفْتَتِحُونَ أُمُورَهُمْ بِذِكْرِ الأَصْنَامِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْمَخْلُوقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَهُوَ مَفْزَعٌ لِلْخَائِفِ، وَدَلالَةٌ مِنْ قَائِلِهِ عَلَى انْقِطَاعِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلُجُوئِهِ إلَيْه، وَأُنْسٌ لِلسَّامِعِ، وَإِقْرَارٌ بِالأُلُوهِيَّةِ، وَاعْتِرَافٌ بِالنِّعْمَةِ، وَاسْتِعَانَةٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَعِيَاذَةٌ بِهِ، وَفِيهِ اسْمَانِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَخْصُوصَةِ بِهِ لا يُسَمَّى بِهِمَا غَيْرُهُ، وَهُمَا اللَّهُ وَالرَّحْمَنُ» (^٢).\n_________\n(^١) أبو بكر الجصاص، (٣٠٥ - ٣٧٠ هـ): الجصاص الحنفي هو: أبو بكر أحمد بن علي الرازي المشهور بالجصاص، ولد في مدينة الري، ثم رحل إلى بغداد، كان إمام الحنفية في وقته، واستقر التدريس له ببغداد، وانتهت الرحلة إليه، وله تصانيف كثيرة. ينظر ترجمته في: مقدمة كتابه (أحكام القرآن) (ص ٤، ٥)، والفوائد البهية في تراجم الحنفية للكنوي (ص ٢٧، ٢٨).\n(^٢) بتصرف يسير أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٩).","vol":"1","page":85},{"text":"و﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان كريمان عظيمان من أسماء الله تعالى الحسنى، يدلان على اتصاف الله تعالى بالرحمة الواسعة، و﴿الرَّحْمَنِ﴾ دال على صفة ذاتية، و… ﴿الرَّحِيمِ﴾ دال على صفة فعلية.\nو﴿الرَّحْمَنِ﴾ وصفٌ بالرحمة، و﴿الرَّحِيمِ﴾ هو الذي يرحم بتلك الرحمة، سبحانه: ﴿… كَتَبَ … رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ … وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا … هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة]، والرحمن من الأسماء الخاصة به جل في علاه والتي لا يجوز ولا يصح أن يوصف بها سواه ﷾، تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠].\nو﴿الرَّحْمَنِ﴾ على وزن فعلان، وهو يدل على الشمول والسعة والامتلاء، وهو اسم من أسماء الله تعالى الحسنى مشتق من الرحمة، وهي رحمة عامة لجميع الخلق.\nومما يدل على ذلك ذكر الله للاستواء باسم ﴿الرَّحْمَنِ﴾ ليعم الرحمن جميع خلقه برحمته الواسعة الشاملة، فكما أن عرشه يعم جميع خلقه فكذلك رحمته.\nكما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].\n﴿الرَّحْمَنِ﴾ على وزن فعيل، اسم من أسماء الله الحسنى، الواصلة لخلقه، وقد تكون أخص بالمؤمنين في الآخرة.\nقال ابن القيم -﵀-: «الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم، فكان الأول للوصف والثاني للفعل فالأول دال على أن الرحمة صفته، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته، وإذ ا أردت فهم هذا فتأمل قوله ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب] وقوله ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة] ولم يجئ قط (رحمن بهم) فعلم أن رحمن هو الموصوف بالرحمة، ورحيم هو الراحم برحمته» (^١) ا. هـ.\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (١/ ٢٤).","vol":"1","page":86},{"text":"وكلام ابن القيم -﵀- وكلام غيره من أهل العلم يؤكد أن ﴿الرَّحِيمِ﴾ رحمة خاصة يرحم الله بها من شاء من عباده المؤمنين وهذا ما دلت عليه الآية: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب]. وقد تكون أخص بالمؤمنين في الآخرة كما مرَّ معنا آنفًا، ويؤيد ذلك أيضًا القرطبي (^١).\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١/ ١٠٥).","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type='title' id=toc-47>٣ - هل البسملة آية من الفاتحة</span>\nلقد أجمع المسلمون على أن القرآن الكريم محفوظ من التحريف والتبديل ومن الزيادة أو النقصان، كما أجمعوا على أن كل من زعم أن كتاب الله تعالى زيد فيه ما ليس منه، أو أنقص منه ما أنزل الله فيه فقد كفر.\nيقول الله -﷿-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحِجر].\nوزيادة للإيضاح نسوق أقوال أئمة التفسير في معنى الآية الكريمة من سورة الحجر.\nيقول الطبري -﵀-: «يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ وهو القرآن، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ قال: وإنا للقرآن لحافظون من أن يزاد فيه باطل ما، ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل» (^١).\nويقول البغوي -﵀-: «﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾، يعني: القرآن، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أي: نحفظ القرآن من الشياطين يزيدوا فيه، أو ينقصوا منه، أو يبدلوا.\nقال الله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] والباطل: هو إبليس، لا يقدر أن يزيد فيه ما ليس منه ولا أن ينقص منه ما هو منه» (^٢).\nويقول القرطبي -﵀-: «﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ من أن يزاد فيه أو ينقص منه» (^٣).\nويقول الشنقيطي (^٤) -﵀-: «بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي نزَّل القرآن\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٧/ ٦٩).\n(^٢) تفسير البغوي (٤/ ٣٧٠).\n(^٣) تفسير القرطبي (١٠/ ٧).\n(^٤) الشيخ المحقق الأصولي المفسر- محمد الأمين الشنقيطي، (١٣٢٥ - ١٣٩٣ هـ)، هو محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي المدني، ولد بموريتانيا، اجتهد في طلب العلم فأصبح من علماء موريتانيا، وتولى القضاء في بلده. وكان من أوائل المدرسين في=","vol":"1","page":88},{"text":"العظيم، وأنه حافظ له من أن يزاد فيه أو ينقص أو يتغير منه شيء أو يبدل» (^١).\nويقول القاضي عياض -﵀- (^٢): «وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض، المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين، مما جمعه الدفتان من أول ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة] إلى آخر ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس] أنه كلام الله، ووحيه المنزَّل على نبيه محمد -ﷺ-، وأن جميع ما فيه حق، وأن من نقص منه حرفًا قاصدًا لذلك، أو بدَّله بحرف آخر مكانه، أو زاد فيه حرفًا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع عليه، وأُجمع على أنه ليس من القرآن، عامدًا لكل هذا: أنه كافر» انتهى (^٣).\nوأما اختلاف أهل العلم حول قرآنية البسملة فلا يشمله هذا الحكم، لأن أئمة القراءات لم يختلفوا في قراءتها في أوائل السور، والصحابة الكرام -﵃- مجمعون على إثبات البسملة في أوائل السور عدا براءة، وذلك في المصاحف العثمانية الذي كتبها الخليفة الراشد عثمان بن عفان -﵁- وبعث به إلى الأمصار\nويقول الشوكاني في ذلك: «واعلم أن الأمة أجمعت أنه لا يكفر من أثبتها، ولا من نفاها؛ لاختلاف العلماء فيها، بخلاف ما لو نفى حرفًا مُجمعًا عليه، أو أثبت ما لم يقل به أحد: فإنه يكفر بالإجماع.\nولا خلاف أنها آية في أثناء سورة «النمل»، ولا خلاف في إثباتها خطًّا في أوائل\n_________\n=الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية عين عضوًا في مجلس التأسيس لرابطة العالم الإسلامي، وعضوًا في هيئة كبار العلماء بالسعودية. توفي ودفن بمكة. ينظر الموسوعة الحرة، وعلماء نجد للبسام (٦/ ١٧٤).\n(^١) أضواء البيان للشنقيطي (٩/ ٤١).\n(^٢) الإمام العلَّامة الحافظ الأوحد، شيخ الإسلام القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض المالكي، ينظر: سير أعلام النبلاء (ص: ٢١٣) وما بعدها.\n(^٣) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ٣٠٤، ٣٠٥).","vol":"1","page":89},{"text":"السور في المصحف، إلا في أول سورة التوبة» (^١).\nولقد أجمع المسلمون على أن البسملة جزء آية من سورة النمل وذلك في قول الله سبحانه: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾ [النمل ٣٠]، وأجمعوا أيضًا على أنه لا خلاف بأنها ليست آيةً بين سورتي الأنفال والتوبة، لأن براءة نزلت بالسيف ولا يتناسب معها البسملة، والبسملة مشتملة على معنى الرحمة، واختلفوا فيما دون ذلك على مذاهب مختلفة وأقوال متباينة.\n\n<span data-type='title' id=toc-48>أولًا: مذهب الحنفية:</span>\nالمختار عند علماء الحنفية أنها آية تامة مستقلة أنزلت للفصل بين السور، فهي من القرآن وليست من الفاتحة ولا من غيرها (^٢).\nوسئل محمد بن الحسن عنها فقال: «ما بين الدفتين كلام الله تعالى» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-49>ثانيًا: مذهب المالكية:</span>\nالبسملة ليست من القرآن في غير سورة النمل (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-50>ثالثًا مذهب الشافعية </span>(^٥):\nالبسملة آية كاملة في أول الفاتحة بلا خلاف في المذهب الشافعي، أما في باقي السور عدا براءة ففي المذهب ثلاثة أقوال:\nالأول: أنها آية كاملة في أول كل سورة.\nالثاني: أنها بعض آية في أول كل سورة.\n_________\n(^١) نيل الأوطار (٢/ ٢١٥ (.\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٧)، حاشية الشهاب (١/ ٢٩).\n(^٣) حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (١/ ٢٩).\n(^٤) مواهب الجليل (٥٤٤/ ١)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٦)، الجامع لأحكام القرآن (١/ ٩٣).\n(^٥) المجموع- للنووي (٣/ ٢٨٩).","vol":"1","page":90},{"text":"الثالث: أنها ليست بقرآن في أوائل السور عدا الفاتحة.\nوقد ذكر النووي أن الراجح في المذهب هو الأول (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-51>رابعًا: مذهب الحنابلة:</span>\nقال ابن قدامة: «واختلفت الرواية عن أحمد هل هي آية من الفاتحة يجب قراءتها في الصلاة أو لا؟ فعنه أنها من الفاتحة وذهب إليه أبو عبد الله ابن بطة وأبو حفص، وروي عن أحمد أنها ليست من الفاتحة ولا آية من غيرها، ولا يجب قراءتها في الصلاة، وهي المنصورة عند أصحابه».\nقال ابن قدامة: «واختلف عن أحمد فيها -أي: في هذه الرواية- فقيل عنه: هي آية مفردة كانت تنزل بين سورتين فصلًا بين السور.\nوعنه: هي آية من سورة النمل (^٢). أي: النمل فقط وليست آية من غيرها».\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقًا على هذه الرواية عن أحمد: «ويحكى هذا رواية عن أحمد ولا يصح عنه وإن كان قولًا في مذهبه» (^٣).\nولقد انتصر شيخ الإسلام -﵀- للقول بقرآنية البسملة، حيث إنها أثبتت في أول كل سورة وهي ليست من السورة، ثم قال -﵀- تعالى: «وهذا أعدل الأقوال» (^٤).\nوفي تفصيل ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «والصواب أن البسملة آية من كتاب الله، حيث كتبها الصحابة في المصحف، إذ لم يكتبوا فيه إلا القرآن، وجردوه عما ليس منه، كالتخميس والتعشير وأسماء السور؛ ولكن مع ذلك لا يقال هي من السورة التي بعدها، كما أنها ليست من السورة التي قبلها، بل هي كما كتبت آية، أنزلها\n_________\n(^١) المرجع السابق (٣/ ٢٨٩).\n(^٢) المغني (١/ ٢٨٥).\n(^٣) الفتاوى الكبرى (٢/ ١٨٢).\n(^٤) المرجع السابق (٢/ ١٨٢) بتصرف يسير.","vol":"1","page":91},{"text":"الله في أول كل سورة، وهذا أعدل الأقوال الثلاثة في هذه المسألة.\nوسواء قيل بالقطع في النفي أو الإثبات، فذلك لا يمنع كونها من موارد الاجتهاد التي لا تكفير ولا تفسيق فيها للنافي ولا للمثبت، بل قد يقال ما قاله طائفة من العلماء: إن كل واحد من القولين حق، وأنها آية من القرآن في بعض القراءات، وهي قراءة الذين يفصلون بها بين السورتين، وليست آية في بعض القراءات، وهي قراءة الذين يصلون ولا يفصلون بها بين السورتين» (^١).\nولقد جعل بعض أهل العلماء الاختلاف في قرآنية البسملة، كاختلاف أئمة القراءات في بعض الكلمات والحروف، فقد يَثبُتُ بعضُها في قراءة أو رواية، وقد لا يَثبُتُ في غيرها.\nوفي نحو ذلك أيضًا يقول رشيد رضا: «وأقول الآن: أجمع المسلمون على أن البسملة من القرآن وأنها جزء آية من سورة النمل. واختلفوا في مكانها من سائر السور، فذهب إلى أنها آية من كل سورة؛ علماء السلف من أهل مكة- فقهائهم وقرائهم- ومنهم ابن كثير، وأهل الكوفة ومنهم عاصم والكسائي من القراء، وبعض الصحابة والتابعين من أهل المدينة، والشافعي في الجديد وأتباعه، والثوري وأحمد في أحد قوليه، ومن المروي عنهم ذلك من علماء الصحابة: علي وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة، ومن علماء التابعين سعيد بن جبير، وعطاء، والزهري، وابن المبارك، وأقوى حججهم في ذلك إجماع الصحابة ومن بعدهم على إثباتها في المصحف أول كل سورة سوى سورة براءة (التوبة) مع الأمر بتجريد القرآن عن كل ما ليس منه، ولذلك لم يكتبوا (آمين) في آخر الفاتحة، وأحاديث منها ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-:\n«أنزلت علي آنفًا سورة» فقرأ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ\n_________\n(^١) انتهى بتصرف يسير جدًّا وللتوسع ينظر: مجموع الفتاوى): ١٣/ ٣٨٩).","vol":"1","page":92},{"text":"وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر] (^١) وروى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس: أن رسول الله -ﷺ- كان لا يعرف فصل السورة (^٢) -وفي رواية انقضاء السورة- حتى ينزل عليه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» (^٣) (^٤).\nويقول العلَّامة الشنقيطي -﵀-: «اختلف العلماء في البسملة، هل هي آية من أول كل سورة؟ أو من الفاتحة فقط؟ أو ليست آية مطلقًا؟ أما قوله في سورة النمل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾: فهي آية من القرآن إجماعًا.\nوأما سورة «براءة»: فليست البسملة آية منها اجماعًا، واختُلف فيما سوى هذا، فذكر بعض أهل الأصول أن البسملة ليست من القرآن، وقال قوم: هي منه في الفاتحة فقط، وقيل: هي آية من أول كل سورة، وهو مذهب الشافعي -﵀-.\nومِن أحسن ما قيل في ذلك -الجمع بين الأقوال-: بأن البسملة في بعض القراءات -كقراءة ابن كثير- آية من القرآن، وفي بعض القراءات: ليست آية، ولا غرابة في هذا.\nفقوله في سورة «الحديد» ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾ [الحديد] لفظة (هُوَ) من القرآن في قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وليست من القرآن في قراءة نافع، وابن عامر؛ لأنهما قرءا (فإن الله الغني الحميد)، وبعض المصاحف فيه لفظة (هُوَ)، وبعضها ليست فيه.\nوقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [البقرة]، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] الآية، فالواو من قوله: ﴿وَقَالُوا﴾ في هذه الآية من القرآن على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٩٦٤)، ومسلم (٤٠٠).\n(^٢) أخرجه الحاكم (٨٤٥) بلفظ: كان النبي -ﷺ- لا يعلم ختم السورة حتى تنزل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nقلت: رواته ثقات سوى سلم بن الفضل فمحله الصدق الذهبي في السير (١٦: ٢٧).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (٢٦١٧) بإسناد صحيح ظاهر الإرسال.\n(^٤) تفسير المنار (١/ ٣٤).","vol":"1","page":93},{"text":"قراءة السبعة غير ابن عامر، وهي في قراءة ابن عامر ليست من القرآن لأنه قرأ ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ بغير واو، وهي محذوفة في مصحف أهل الشام، وقس على هذا.\nوبه تعرف أنه لا إشكال في كون البسملة آية في بعض الحروف دون بعض، وبذلك تتفق أقوال العلماء» (^١) انتهى.\n\nو<span data-type='title' id=toc-52>ختامًا:</span>\nفلم يتعرض الباحث لبسط أدلة الفريقين، أي: القائلين بقرآنية البسملة، والقائلين بعدم قرآنيتها (أعني: في الفاتحة على وجه الخصوص)؛ لأنها معروفة ومبسوطة في مواضعها، ولعل ما ذُكِرَ آنفًا فيه الغنية والكفاية ولاسيما في قولي شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ رشيد رضا، وما خُتِمَ به البحثُ من قول العلَّامة الفقيه الأصولي المفسر محمد الأمين الشنقيطي.\n\n<span data-type='title' id=toc-53>ويلخص الباحث ما توصل إليه فيما يلي:</span>\n١ - الخلاف في قرآنية البسملة في الفاتحة خلاف له قدره من حيث قوة أدلة الفريقين.\n٢ - لم يرتفع الخلاف -لدى الباحث- في قرآنية البسملة في الفاتحة خاصة-نفيًا أو إثباتًا- وذلك لاعتبار أدلة الفريقين.\n٣ - أن القول بأن الصحابة -﵃- أثبتوا البسملة في المصحف في أوائل السور عدا «براءة»، مع إجماعهم على تجريده المصحف عن كل ما ليس بقرآن، فيه دلالة قوية إن لم تكن قاطعة على قرآنية البسملة، وأنها آية مستقلة، قول قوي جدًّا له وجهته وصوابه، وقد قال به جمع من العلماء، كما مرَّ معنا.\n٤ - لا يكفر من أثبت البسملة ولا من نفاها، وسواء قيل بالقطع في النفي أو الإثبات، فذلك لا يمنع كونها من موارد الاجتهاد التي لا تكفير ولا تفسيق فيها للنافي\n_________\n(^١) مذكرة في أصول الفقه (ص ٦٦، ٦٧).","vol":"1","page":94},{"text":"ولا للمثبت لاختلاف العلماء في ذلك اختلافًا كبيرًا وواسعًا، وهو اختيار شيخ الإسلام وغيره من أهل العلم، وقد حكى الشوكاني إجماع الأمة على أنه لا يكفر. بخلاف ما لو نفى حرفًا مُجمعًا عليه.\n٥ - ومن الأقوال التي لها وجاهتها وقوتها جمعًا بين الأقوال: إن البسملة في بعض القراءات -كقراءة ابن كثير- آية من القرآن، وفي بعض القراءات: ليست آية، ولا غرابة في هذا، وهو اختيار العلَّامة الشنقيطي، وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى قول طائفة من العلماء بهذا القول.\n\n<span data-type='title' id=toc-54>الجهر بالبسملة:</span>\nأما عدم الجهر بقراءة البسملة فهو السنة، -يعني: في الصلاة-وهو القول والاختيار الموافق للأحاديث الثابتة الصحيحة، فالحق والصواب هو الإسرار وعدم الجهر بها؛ تأسيًا بالنبي -ﷺ- وعملًا بفعله وفعل خلفائه الثلاثة من بعده -﵃-، وذلك لِمَ ثبت عنه -ﷺ- أنه كان لا يجهر بالبسملة، وقد ثبت في ذلك أحاديث كُثر صحيحة منها: ما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك -﵁-.\nففي صحيح البخاري من حديث أنس -﵁-: «أن النبي -ﷺ- وأبا بكر وعمر -﵄- كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين» (^١)، وفي صحيح مسلم من حديث عن أنس -﵁- أيضًا- قال: «صليت مع رسول الله -ﷺ- وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» (^٢).\nوكذلك هو قول أهل العلم قديمًا وحديثًا\nقال الإمام ابن عبد البر -﵀- (^٣): «وكان إبراهيم النخعي -﵀- ....................\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧١٠).\n(^٢) رواه مسلم (٣٩٩).\n(^٣) الإمام العلَّامة، حافظ المغرب، شيخ الإسلام أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد=","vol":"1","page":95},{"text":"يقول (^١): «الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بدعة» (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أنه ليس في الجهر بها حديث صريح، ولم يروِ أهل السنن المشهورة كأبي داود والترمذي والنسائي شيئًا من ذلك، وإنما يوجد الجهر بها صريحًا في أحاديث موضوعة يرويها الثعلبي والماوردي وأمثالهما في التفسير، أو في بعض كتب الفقهاء الذين لا يميزون بين الموضوع وغيره، بل يحتجون بمثل حديث الحميراء» (^٣) (^٤).\nوقال -﵀- أيضًا: «والموضوعات في كتب التفسير كثيرة مثل الأحاديث الكثيرة الصريحة في الجهر بالبسملة» (^٥).\nوقال الألباني -﵀- (^٦): «والحق أنه ليس في الجهر بالبسملة حديث صريح صحيح،\n_________\n=البر بن عاصم النمري الأندلسي، القرطبي، المالكي، صاحب التصانيف الفائقة. [سير أعلام النبلاء (١٥٤) وما بعدها.\n(^١) الحافظ، فقيه العراق، أبو عمران، إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن ذهل بن سعد بن مالك بن [النخع] النخعي (٤٧ هـ -٩٦ هـ) تابعي وفقيه وقارئ كوفي، وأحد رواة الحديث النبوي، وهو ابن أخي علقمة بن قيس النخعي، وأمه هي مليكة بنت يزيد النخعية أخت الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد النخعي وهم من كبار تابعي أهل الكوفة. وقد أدرك عددًا من أصحاب النبي -ﷺ-. سير أعلام النبلاء (٢١٣).\n(^٢) الاستذكار (١/ ٤٥٨)\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤١٥)، والفتاوى الكبرى (٢/ ١٦٦).\n(^٤) قال ابن القيم -﵀-: «وكل حديث فيه «يا حميراء» أو ذكر الحميراء فهو كذب مختلق مثل: يا حميراء، لا تأكلي الطين فإنه يورث كذا وكذا، وحديث: خذوا شطر دينكم عن الحميراء» ا. هـ المنار المنيف (ص: ٦١) ونقله العجلوني في كشف الخفاء (١/ ٤٥٠).\nقال الذهبي -﵀-: «وقد قيل: إن كل حديث فيه يا حميراء لم يصح» ا. هـ سير أعلام النبلاء (٢/ ١٦٧). وينظر آثارًا أخرى في: السنن الصغرى للبيهقي (١/ ١٥٧) والسنن الكبرى (١/ ٧) مصباح الزجاجة (٣/ ٨١) الكامل (٢/ ٥٩) المجروحين (٢/ ٢٩).\n(^٥) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢/ ٣٠٣).\n(^٦) محدِّث العَصر الإمام العلَّامة: محمد ناصر الدين بن نوح نجاتي الأشقودري الألباني=","vol":"1","page":96},{"text":"بل صح عنه -ﷺ- الإسرار بها من حديث أنس، وقد وقفت له على عشرة طرق ذكرتها في تخريج كتابي صفة صلاة النبي -ﷺ-» (^١).\nوسُئل الإمام العلَّامة الشيخ ابن باز -﵀-: ما حكم الجهر بالبسملة في الصلاة عند قراءة الفاتحة، وغيرها من السور؟\nفأجاب: «اختلف العلماء في ذلك، فبعضهم استحب الجهر بها، وبعضهم كره ذلك وأحب الإسرار بها، وهذا هو الأرجح والأفضل لما ثبت في الحديث الصحيح عن أنس -﵁- قال: «صليت خلف رسول الله -ﷺ-، وخلف أبي بكر وعمر؛ وكانوا لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾» (^٢).\nوجاء في معناه عدة أحاديث، وورد في بعض الأحاديث ما يدل على استحباب الجهر بها؛ ولكنها أحاديث ضعيفة، ولا نعلم في الجهر بالبسملة حديثًا صحيحًا صريحًا يدل على ذلك (^٣).\nولعل في هذا كفاية، والحمد لله رب العالمين.\n_________\n=الساعاتي، أبو عبد الرحمن. (١٣٣٣ هـ ١٤٢٠ هـ). من علماء الحديث البارزين المتفردين في علم الجرح والتعديل، والشيخ الألباني حجة في مصطلح الحديث وقال عنه العلماء المحدثون: إنه أعاد عصر ابن حجر العسقلاني، والحافظ ابن كثير، وغيرهم من علماء الجرح والتعديل.\nمولده ونشأته: ولد في مدينة أشقودرة عاصمة دولة ألبانيا، وهاجر بصحبة والده إلى دمشق الشام للإقامة الدائمة فيها ينظر:\n١ - حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه؛ محمد بن إبراهيم الشيباني.\n٢ - محمد ناصر الدين الألباني: محدِّث العصر، وناصر السنَّة؛ إبراهيم محمد العلي.\n(^١) تمام المنة للألباني (١٦٩)\n(^٢) البخاري (٧١٠)، ومسلم (٣٩٩).\n(^٣) مجموع فتاوى ابن باز (١١/ ١١٩).","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-55>٤ - التأمين بعد الفاتحة</span>\n<span data-type='title' id=toc-56>مفهوم التأمين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-57>التأمين لغة </span>(^١):\nمصدر أمَّن بالتشديد يؤمّن، والمراد به قول: آمين.\nويُشرعُ ذلك عند ختم قراءة فاتحة الكتاب للقارئ والمستمع جميعًا على حدٍّ سواء، سواء كان ذلك في الصلاة أو خارجها، أما في الصلاة فيُسنّ ذلك للإمام والمأموم والمنفرد جميعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-58>معنى التأمين:</span>\nو«آمين»: كلمة دعاء بمعنى «اللهمّ استجب»، وليست من القرآن بإجماع أهل العلم، ولذلك لم يكتبها الصحابة -﵃- في المصاحف.\nوقد ذكر العلماء لمعنى كلمة (آمين) معان عدة، أشهرها وأقواها وأصوبها: «اللهمّ استجب»، وهو ما عليه جمهور أهل العلم.\nقال الحافظ -﵀- في الفتح: «معناه: الله استجب عند الجمهور. وقيل: غير ذلك مما يرجع جميعه إلى هذا المعنى» (^٢).\nوعامة أهل العلم على ذلك القرطبي: «معنى آمين عند أكثر أهل العلم: اللهم استجب لنا. وُضِع موضع الدعاء» (^٣).\nوقد نقل الحافظ ابن عبد البر الإجماع على ذلك فقال -﵀-: «ومعنى آمين عند\n_________\n(^١) ينظر لمعنى كلمة آمين: لسان العرب (١٣/ ٢٦، ٢٧)، الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٢٨)، المغني (٢/ ١٦٣)، المجموع (٣/ ٣٧٠).\n(^٢) فتح الباري (٢/ ٢٦٢).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٢٨).","vol":"1","page":98},{"text":"العلماء: اللهم استجب لنا دعاءنا». وهو خارج عن قول القارئ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ فهذا هو الدعاء الذي يقع عليه التأمين) (^١).\nوقد ورد في التأمين عدة أحاديث صحاح ثابتة عن النبي -ﷺ-، وآثار عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان ﵃ أجمعين.\nومن فضائل التأمين: أنه سبب لمغفرة الذنوب، إذا وافق تأمين العبد تأمين الملائكة لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال:\n«إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ فقولوا: آمين. فإنه من وافق قولُهُ قولَ الملائكة، غُفِر له ما تقدم من ذنبه» (^٢).\nوعن أبي هريرة -﵁- أيضًا أن النبي -ﷺ- قال: «إذا أمَّن الإمام، فأمِّنوا. فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غُفِر له ما تقدم من ذنبه» قال ابن شهاب: وكان رسول الله -ﷺ- يقول: آمين (^٣).\nقال القرطبي -﵀-: «قال علماؤنا - رحمة الله عليهم-: فترتبت المغفرة للذنب على مقدمات أربع تضمنها هذا الحديث:\nالأولى: تأمين الإمام.\nالثانية: تأمين مَن خلفه.\nالثالثة: تأمين الملائكة.\nالرابعة: موافقة التأمين» (^٤).\n_________\n(^١) التمهيد (٧/ ٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٣)، ومع فتح الباري (٧٨٢)، ومسلم نحوه (٤/ ١٢٩، و٤/ ١٢٨) وليس فيه موضع الشاهد.\n(^٣) أخرجه البخاري (١١١)، ومسلم (٤/ ١٢٨).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٢٧. وينظرأحكام القرآن للجصاص (١/ ٦).","vol":"1","page":99},{"text":"التأمين من خصائص هذه الأمة ولذلك حسدتها يهود على ذلك فعن عائشة أم المؤمنين -﵂- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «ما حسدتكم اليهود على شيء، ما حسدتم على السلام، والتأمين» (^١).\nوعنها -﵂- أيضًا أن رسول الله قال -ﷺ-: «إنهم - أي: اليهود - لا يحسدوننا على شيء كما يحسدونا على يوم الجمعة، التي هدانا الله لها وضلّوا عنها. وعلى القِبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها. وعلى قولنا خلف الإمام: آمين» (^٢).\nقال القرطبي -﵀-: «قال علماؤنا -رحمة الله عليهم- إنما حسدنا أهل الكتاب، لأن أوّلها، حمد لله وثناء عليه، ثم خضوع له واستكانة، ثم دعاء لنا بالهداية إلى الصراط المستقيم، ثم الدعاء عليهم، مع قولنا: آمين» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-59>المراد بموافقة الملائكة في التأمين</span>\nاختلف العلماء وإلى هذا القول ذُهِبَ: في المراد بموافقة الملائكة في التأمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-60>على أقوال عدّة:</span>\n١ - فقيل: الموافقة في الإجابة.\n٢ - وقيل: الموافقة في الزمن.\n٣ - وقيل: الموافقة في الصفة، من إخلاص الدعاء.\n٤ - وقيل: الحث على الدعاء للمؤمنين والمؤمنات في الصلاة.\nوحكى الأقوال الثلاثة الأُول، القرطبي (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٨٥٦)، وابن خزيمة (١٥٨٥)، والبيهقي (٢/ ٥٦). وأورده الألباني في صحيح الترغيب (٥١٥) ورمز له بالصحة.\n(^٢) أحمد (٦/ ١٣٤، ١٣٥). وأصل الحديث في الصحيحين، إلا موضع الشاهد منه. البخاري (٢٩٣٥)، ومسلم في السلام، وفي البر والصلة.\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٣١).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٢٧).","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type='title' id=toc-61>الرأي المختار:</span>\nالذي يظهر -والله أعلم-: أن المراد بالموافقة هنا: الموافقة في الزمان. بأن يكون تأمين كُلٍّ من: الإمام، والمأموم، والملائكة في وقت واحد.\n\n<span data-type='title' id=toc-62>وهذا ما اختاره جمع من المحققين، منهم:</span>\n١ - النووي -﵀-، وأقرّه الشوكاني -﵀- إذ قال: «والمراد بالموافقة: الموافقة في وقت التأمين، فيؤمّن مع تأمينهم. قاله النووي. قال ابن المنير: الحكمة في إثبات الموافقة في القول والزمان: أن يكون المأموم على يقظة للإتيان بالوظيفة في محلها» (^١).\n٢ - وابن دقيق العيد -﵀- (^٢) إذ قال: «وموافقة الإمام لتأمين الملائكة، ظاهره الموافقة في الزمان. ويقويه، الحديث الآخر: «إذا قال أحدكم: آمين. وقالت الملائكة في السماء: آمين فوافقت إحداهما الأخرى». . . الحديث (^٣).\nوقد يحتمل أن تكون الموافقة راجعة إلى صفة التأمين. أي: يكون تأمين المصلي، كصفة تأمين الملائكة في الإخلاص، أو غيره من الصفات الممدوحة. والأول، أظهر» (^٤).\n٣ - وابن حجر -﵀- (^٥) إذ ذهب إلى أن المراد بذلك الموافقة في القول، وفي الزمان.\n_________\n(^١) نيل الأوطار (٢/ ٢٤٥).\n(^٢) محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري القوصي، أبو الفتح تقي الدين، ابن دقيق العيد (٦٢٥ هـ، ت ٧٠٢ هـ) محدِّث وفقيه مصري، لُقِّب بمجدد المائة السابعة. نقلًا عن المعرفة.\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٤٩)، من حديث أبي هريرة -﵁-.\n(^٤) شرح عمدة الأحكام (١/ ٢٠٨).\n(^٥) ابن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ)، هو: أحمد بن علي بن محمد، شهاب الدين، أبو الفضل الكناني العسقلاني، المصري المولد والمنشأ والوفاة، الشهير بابن حجر -نسبة إلى (آل حجر) قوم يسكنون بلاد الجريد وأرضهم قابس في تونس- من كبار الشافعية، كان محدثًا فقيهًا مؤرخًا، انتهى إليه معرفة الرجال واستحضارهم، ومعرفة العالي والنازل، وعلل الأحاديث=","vol":"1","page":101},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=وغير ذلك. تفقه بالبلقيني والبرماوي والعز بن جماعة.، ارتحل إلى بلاد الشام وغيرها، درَّس في عدة أماكن وولي مشيخة البيبرسية ونظرها والإفتاء بدار العدل، والخطابة بجامع الأزهر، وتولى القضاء، زادت تصانيفه على مائة وخمسين مصنفًا، من تصانيفه: فتح الباري شرح صحيح البخاري والدراية في منتخب تخريج أحاديث الهداية، وتلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير. وينظر: الضوء اللامع (٢/ ٣٦)؛ والبدر الطالع (١/ ٨٧)؛ وشذرات الذهب (٧/ ٢٧٠)؛ ومعجم المؤلفين (٢/ ٢٠).\nيقول الباحث: وابن حجر -﵀- مع جلالة قدره في علم الحديث إلا أنه كثيرًا ما يتأول -ولا سيما في فتح الباري- صفات الرب جل في علاه مقررًا عقيدة الأشاعرة متجنبًا لمنهج السلف في إثبات الأسماء والصفات على حقيقتها على وجه يليق بذاته سبحانه بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل.\nموقف علمائنا من الحافظين، ابن حجر، والنووي، رحمهما الله.\nأهل السنَّة والجماعة منصفون في الحكم على الآخرين، لا يرفعون الناس فوق ما يستحقون، ولا ينقصون قدرهم، ومن الإنصاف بيان خطأ المخطئ من أهل العلم والفضل، والتأول له، والترحم عليه، كما أن من الإنصاف التحذير من خطئه؛ لئلا يغتر أحد بمكانته فيقلده فيما أخطأ فيه، وقد علَّق علماؤنا على أخطائهم، وبخاصة في باب صفات الله تعالى، وبينوها، وردوا عليهما، مع الترحم عليهما، والثناء بما يستحقانه، والدعاء لهما، والوصية بالاستفادة من كتبهما.\n١ - فلما سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية: ما هو موقفنا من العلماء الذين أوَّلوا الصفات، مثل: ابن حجر، والنووي، وابن الجوزي، وغيرهم؟\nفأجابوا: «إنهم في نظرنا من كبار علماء المسلمين الذين نفع الله الأمة بعلمهم، فرحمهم الله رحمة واسعة، وجزاهم عنا خير الجزاء، وأنهم من أهل السنة فيما وافقوا فيه الصحابة -﵃- وأئمة السلف في القرون الثلاثة التي شهد لها النبي -ﷺ- بالخير، وأنهم أخطأوا فيما تأولوه من نصوص الصفات وخالفوا فيه سلف الأمة وأئمة السنة ﵏». فتاوى اللجنة الدائمة (٣/ ٢٤١).\n٢ - ولما سئل شيخنا محمد بن صالح العثيمين -﵀- قال: «هناك علماء مشهودٌ لهم بالخير، لا ينتسبون إلى طائفة معينة مِن أهل البدع، لكن في كلامهم شيءٌ من كلام أهل البدع؛ مثل: ابن حجر العسقلاني، والنووي رحمهما الله، فهذان الرجلان بالذات ما أعلم اليوم أن أحدًا قدَّم للإسلام في باب أحاديث الرسول مثل ما قدَّماه، غفر الله للنووي ولابن حجر العسقلاني، ولمن=","vol":"1","page":102},{"text":"واستدل لذلك بما جاء في رواية يونس، عن ابن شهاب عند مسلم، وابن عيينة عن ابن شهاب عند البخاري في الدعوات: «فإن الملائكة تؤمّن» قبل قوله: «فمن وافق» خلافًا لمن قال: المراد الموافقة في الإخلاص (^١)، (^٢).\nولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.\n_________\n= كان على شاكلتهما ممن نفع الله بهم الإسلام والمسلمين». لقاءات الباب المفتوح (٤٣/ السؤال رقم ٩).\n٣ - ولما سئل معالي الشيخ صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء -حفظه الله-:\nقال: «من كان عنده أخطاء اجتهادية تأوَّل فيها غيره، كابن حجر، والنووي، وما قد يقع منهما من تأويل بعض الصفات: لا يُحكم عليه بأنه مبتدع، ولكن يُقال: هذا الذي حصل منهما خطأ، ويرجى لهما المغفرة بما قدماه من خدمة عظيمة لسنَّة رسول الله -ﷺ-، فهما إمامان جليلان، موثوقان عند أهل العلم» انتهى. المنتقى من فتاوى الفوزان (٢/ ٢١١، ٢١٢).\n٤ - وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني محدث العصر، -﵀-: «مثل النووي، وابن حجر العسقلاني، وأمثالهما، من الظلم أن يقال عنهم: إنهم من أهل البدع، أنا أعرف أنهما من «الأشاعرة»، لكنهما ما قصدا مخالفة الكتاب والسنَّة». انتهى من (شريط رقم ٦٦٦) «من هو الكافر ومن هو المبتدع».\nوينظر: عرفة بن طنطاوي-عناية الإسلام بتربية الأبناء بتربية الأبناء كما بينتها سورة لقمان-رسالة ماجستير تحت الطبع-الجامعة الإسلامية العالمية- القاهرة.\n(^١) فتح الباري (٢/ ٢٦٥).\n(^٢) ينظر: التأمين عقب الفاتحة في الصلاة (حكمه وصفته). د/ عبد الله بن إبراهيم الزاحم، بحث من مجلة الجامعة الإسلامية: العدد (١٢٥).","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type='title' id=toc-63>المبحث الثاني\nأسماء السورة الكريمة</span>","vol":"1","page":105},{"text":"المبحث الثاني:\nأسماء السورة الكريمة\n\n<span data-type='title' id=toc-64>١ - اسمها: سورة الفاتحة</span>.\nجرى تسمية السور بما يناسب أهم مواضيعها، أو باسم أبرز ما ذكر فيها، كالفاتحة لأنها فاتحة القرآن، وإن كان أصل التسمية لا يعلل، ولكن قضى الله بحكمته الكمال والتمام لكلامه سبحانه من كل وجه.\nيقول أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنُ الجَوْزِيِّ -﵀-: «فمن أسمائها: الفاتحة؛ لأنه يستفتح الكتاب بها تلاوة وكتابة» (^١).\nويقول ابن كثير -﵀-: «يقال لها: الفاتحة، أي: فاتحة الكتاب خطًّا، وبها تفتح القراءة في الصلاة، ويقال لها أيضًا: أم الكتاب عند الجمهور» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-65>٢ - معنى الفاتحة:</span>\nيقول الشوكاني -﵀-: «معنى الفاتحة في الأصل أول ما من شأنه أن يفتتح به، ثم أطلقت على أول كل شيء كالكلام، والتاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية، فسميت هذه السورة فاتحة الكتاب لكونه افتتح بها، إذ هي أول ما يكتبه الكاتب من المصحف، وأول ما يتلوه التالي من الكتاب العزيز، وإن لم تكن أول ما نزل من القرآن.\nوقد اشتهرت هذه السورة الشريفة بهذا الاسم في أيام النبوة» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-66>٣ - أسماء السورة الكريمة:</span>\nقد ثبت أن النبي -ﷺ- سَمَّى بعض سور القرآن الكريم، كالفاتحة، والبقرة، وآل\n_________\n(^١) زاد المسير (١/ ١٠).\n(^٢) ابن كثير:) ١/ ١٠١).\n(^٣) فتح القدير (١/ ١٣).","vol":"1","page":107},{"text":"عمران، والكهف.\nواختلف أهل العلم، هل أسماء سور القرآن الكريم كلها ثابت بتوقيف من النبي -ﷺ-، أم أن بعضها ثبت باجتهاد من الصحابة -﵃-؟\nفذهب أكثر أهل العلم إلى أن أسماء سور القرآن كلها ثابتة بتوقيف من النبي -ﷺ-.\nقال الإمام ابن جرير الطبري -﵀-: «لِسوَر القرآن أسماءٌ سمّاها بها رسول الله -ﷺ-» (^١). انتهى.\nوقد ذهب بعض العلماء إلى أن بعض أسماء سور القرآن الكريم كان بتسمية النبي -ﷺ- لها، وبعضها كان باجتهاد من الصحابة أنفسهم -﵃-، وهذا هو القول الصحيح المتلائم مع عموم الأدلة.\nيقول الطاهر بن عاشور -﵀- (^٢): «إنه لم يثبت في السنة الصحيحة والمأثورة من أسمائها إلا فاتحة الكتاب، أو أم القرآن، أو أم الكتاب» (^٣).\n_________\n(^١) جامع البيان (١/ ١٠٠).\n(^٢) محمد الطَّاهر بن محمد بن محمد الطَّاهر بن عاشور، ولد في مدينة تونس سنة (١٢٩٦) هـ، أحد أهم العلماء الذين عرفتهم تونس في القرن العشرين. وقد توفي في (١٣٩٣ هـ).\nأما عقيدته: فالطاهر ابن عاشور كان في مسائل الاعتقاد وعلم الكلام على مذهب الأشاعرة من حيث الأصل، ويظهر اعتقاد العلَّامة ابن عاشور واضحًا في موقفه من نصوص الصفات، فهو إما أن يؤولها، وإما أن يفوضها، وينظر: في ذلك تفسيره للإتيان (٢/ ٢٨٤) والاستواء (١٦/ ١٨٧)، واليدين (٢٣/ ٣٠٢).\nينظر:\n* كتاب: شيخ الجامع الأعظم محمد الطاهر بن عاشور تأليف: بلقاسم الغالي.\n* كتاب: محمد الطاهر بن عاشور علَّامة الفقه وأصوله، والتفسير وعلومه. تأليف: خالد الطباع.\n* مقدمة كتاب: مقاصد الشريعة لابن عاشور تحقيق: محمد الطاهر الميساوي.\n* كتاب: التقريب لتفسير التحرير والتنوير تأليف: محمد بن إبراهيم الحمد.\n(^٣) التحرير والتنوير (١/ ١٣٢).","vol":"1","page":108},{"text":"وقد ورد في أجوبة «فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء» بالمملكة العربية السعودية جوابًا عن هذا السؤال، ونصه: لا نعلم نصًّا عن رسول الله -ﷺ- يدل على تسمية السور جميعها، ولكن ورد في بعض الأحاديث الصحيحة تسمية بعضها من النبي -ﷺ-، كالبقرة، وآل عمران، أما بقية السور فالأظهر أن تسميتها وقعت من الصحابة -﵃-» انتهى (^١).\nوفي نحو ذلك يقول الزركشي -﵀-: «ينبغي البحث عن تعداد الأسامي: هل هو توقيفي، أو بما يظهر من المناسبات؟\nفإن كان الثاني فلن يعدم الفَطِنُ أن يستخرج من كل سورة معاني كثيرة تقتضي اشتقاق أسمائها، وهو بعيد» (^٢) انتهى.\nوهذا تصريح من صاحب البرهان بعدم توقيف أسماء السورة قاطبة، وأن اشتقاق أسماء السور يمكن استخراجه من معانيها، وكذلك بأبرز ما ورد فيها.\nيقول ابن كثير: لهذه السورة عِدَّةُ أسماء تدلُّ على فضلِها وشرفِها، واشتمالها على المقاصدِ الأصليَّة والأصول المُهِمَّة، فهي: الفاتحةُ لأنها تفتتح بها القراءة، وافتتحت الصحابة بها كتابة المصحف الإمام (^٣).\nقالَ الحُسَيْنُ بنُ مَسْعُودٍ البَغَوِيُّ: «سمّيت فاتحة الكتاب؛ لأنّ اللّه بها افتتح القرآن.\nوسمّيت أمّ القرآن وأمّ الكتاب؛ لأنّها أصل القرآن منها بدئ القرآن وأمّ الشّيء: أصله، ويقال لمكّة: أمّ القرى؛ لأنّها أصل البلاد دحيت الأرض من تحتها، وقيل: لأنّها مقدّمةٌ وإمامٌ لما يتلوها من السّور يبدأ بكتابتها في المصحف وبقراءتها في\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (٤/ ١٦).\n(^٢) البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٧٠).\n(^٣) تفسير ابن كثير (١/ ١٠٢).","vol":"1","page":109},{"text":"الصّلاة، والسّبع المثاني؛ لأنّها سبع آياتٍ باتّفاق العلماء.\nوسمّيت مثاني لأنّها تثنّى في الصّلاة، فتقرأ في كلّ ركعةٍ، وقال مجاهدٌ: سمّيت مثاني لأنّ اللّه تعالى استثناها لهذه الأمّة فذخرها لهم» (^١).\nيقول الفخر الرازي -﵀-: «اعلم أن هذه السورة لها أسماء كثيرة، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى:\nفالأول: «فاتحة الكتاب» سميت بذلك الاسم لأنه يفتتح بها في المصاحف والتعليم، والقراءة في الصلاة، وقيل سميت بذلك لأن الحمد فاتحة كل كلام على ما سيأتي تقريره، وقيل: لأنها أول سورة نزلت من السماء.\nوالثاني: «سورة الحمد» والسبب فيه أن أولها لفظ الحمد.\nوالثالث: «أم القرآن»» (^٢).\nوفي نحو قول الرازي يقول ابن عاشور: «لم يثبت في السنة الصحيحة من أسمائها إلا فاتحة الكتاب، أو السبع المثاني، أو أم القرآن، أو أم الكتاب» (^٣).\n\nونسوق<span data-type='title' id=toc-67> بعض الأدلة الصحيحة والصريحة في بعض أسماء السورة الكريمة</span>.\n<span data-type='title' id=toc-68>١ - تسميتها بالسبع المثاني والقرآن العظيم</span>.\nعن أبي سعيد بن المعلَّى، قال: كنتُ أصلِّي في المسجد، فدعاني رسول الله -ﷺ- فلم أُجِبْه، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي، فقال: «ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]»، ثم قال لي: «لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد»، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت\n_________\n(^١) معالم التنزيل (١/ ٤٩).\n(^٢) التفسير الكبير: الفخر الرازي (١/ ١٤٥).\n(^٣) التحرير والتنوير (١/ ١٣٢).","vol":"1","page":110},{"text":"له: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن، قال: «الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه» (^١).\nويقول في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «قال الله -تعالى- في أمِّ القرآن والسبع المثاني والقرآن العظيم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، وهذه السورة هي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وهي الشافية، وهي الواجبة في الصلوات، لا صلاة إلا بها، وهي الكافية تكفي من غيرها، ولا يكفي غيرها عنها» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-69>٢ - أمّ القرآن</span>.\nثبت في صحيح البخاري عن عطاء أنه سمع أبا هريرة -﵁- يقول: «في كل صلاة يُقرأ؛ فما أسمعنا رسولُ الله -ﷺ- أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أمِّ القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير» (^٣).\nفسماها أمَّ القرآن.\n\n<span data-type='title' id=toc-70>٣ - فاتحة الكتاب</span>.\nروى البخاري بسنده وغيره عن عبادة بن الصامت -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤٧٤).\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى (١٤/ ٥، ٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٣٨).\n(^٤) أخرجه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤) عن الزهري به.\nوفي بعض الطرق زيادة: «فصاعدًا»:\nأخرج تلك الزيادة مسلم (٣٤٩)، وأبو داود (٨٢٢)، والنسائي في الكبرى (٩١١)، وفي المجتبى (٩٨٥)، من طريق معمر وحده عن الزهري.\nقال البخاري: وقال معمر، عن الزهري: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب فصاعدًا» وعامة=","vol":"1","page":111},{"text":"وهناك مسميات كثيرة لفاتحة الكتاب هي للأوصاف أقرب منها للأسماء.\nولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.\n_________\n=الثقات لم يتابع معمرًا في قوله: «فصاعدًا»، مع أنه قد أثبت فاتحة الكتاب وقوله: «فصاعدًا» غير معروف ما أردته حرفًا أو أكثر من ذلك؟ إلا أن يكون كقوله: «لا تقطع اليد إلا في ربع دينارفصاعدًا» فقد تقطع اليد في دينار وفي أكثر من دينار. ويقال: إن عبد الرحمن بن إسحاق تابع معمرًا، وأن عبد الرحمن ربما روى عن الزهري، ثم أدخل بينه وبين الزهري غيره، ولا نعلم أن هذا من صحيح حديثه أم لا. القراءة خلف الإمام للبخاري (ص: ٣).\nوقال ابن حبان: وقوله: «فصاعدًا» تفرد به معمر عن الزهري دون أصحاب الصحيح (٥/ ٨٧).\nقلت: فهي ضعيفة، والله أعلم.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type='title' id=toc-71>المبحث الثالث\nعدد آياتها وكلماتها وحروفها</span>","vol":"1","page":113},{"text":"المبحث الثالث:\nعدد آياتها وكلماتها وحروفها\n\n<span data-type='title' id=toc-72>١ - عدد آياتها:</span>\nفاتحة الكتاب تعداد آياتها سبع آيات، وذلك بإجماع القرَّاء والمفسّرين وأهل العدد، وقد دلَّ على ذلك<span data-type='title' id=toc-73> دلالة الكتاب </span>والسنة والإجماع.\nفأما دلالة الكتاب:\nفقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧].\nيقول ابن جرير الطبري -﵀- بعد سياقه لأقوال أهل التأويل في الآية الكريمة-: «وقال آخرون: عنى بذلك: سبع آيات، وقالوا: هن آيات فاتحة الكتاب؛ لأنهن سبع آيات، وهم أيضًا مختلفون في معنى المثاني، فقال بعضهم: إنما سمين مثاني لأنهن يثنين في كل ركعة من الصلاة» (^١).\nولاريب أن أصحاب هذا القول قد أصابوا، لأن قولهم قد ثبت تأويله وتفسيره في الحديث الثابت الصحيح، والسنة مبينة ومفسرة لمجمل القرآن كما سيأتي في بيان دلالة السنة.\nويقول ابن كثير -﵀- بعد أن ساق القول الأول في الآية الكريمة:\n«والقول الثاني: أنها الفاتحة، وهي سبع آيات. روي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس ﵃ أجمعين.\nقال ابن عباس -﵁-: والبسملة هي الآية السابعة، وقد خصكم الله بها. وبه\n_________\n(^١) جامع البيان (١٧/ ١٣٣).","vol":"1","page":115},{"text":"قال النخعي، وعبد الله بن عبيد بن عمير، وابن أبي مليكة، وشهر بن حوشب (^١)، والحسن البصري، ومجاهد.\nوقال قتادة: ذكر لنا أنهن فاتحة الكتاب، وأنهن يثنين في كل قراءة. وفي رواية: في كل ركعة مكتوبة أو تطوع.\nواختاره ابن جرير، واحتج بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد قدمناها في فضائل سورة «الفاتحة» في أول التفسير، ولله الحمد» (^٢).\nوعن علي أبي طالب -﵁- قال: «السبع المثاني: فاتحة الكتاب» (^٣).\nوحسبك باختيار حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وكذلك باختيار على بن طالب -﵃-.\n\nولاريب أن أصحاب هذا القول قد أصابوا، لأن قولهم قد ثبت تأويله وتفسيره في الحديث الثابت الصحيح، والسنة مبينة ومفسرة لمجمل القرآن كما سيأتي في بيان<span data-type='title' id=toc-74> دلالة السنة</span>.\nوأما دلالة السنة:\nفقد ثبت عن النبي -ﷺ- أنه فسرها بسورة الفاتحة؛ وذلك لما ثبت وصح عند البخاري من حديث سعيد بن المعلَّى -﵁- أن النبي -ﷺ- فسرها له بقوله: «الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه» (^٤). فيكون بذلك العدد المذكور في الآية مُنصَرَفه إلى عدد آيات السورة الكريمة.\n_________\n(^١) شهر بن حوشب أبو سعيد الأشعري الشامي. كان من كبار علماء التابعين، حدَّث عن مولاته أسماء، وعن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس. وشهر تُكلِّم فيه كثيرًا.\nقال الألباني -﵀-: «وشهر ضعيف»، وقال عنه: «يهم». [أحكام الجنائز ١ - ٢٢٥].\nوقال -﵀-: «وهو سيء الحفظ لا سيما وقد خالف جميع الثقات فيه …» (الإرواء ٤ - ١٤٣).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٤٧).\n(^٣) جامع البيان للطبري (١٧/ ١٣٣).\n(^٤) أخرجه البخاري وقد سبق تخريجه قبل قليل.","vol":"1","page":116},{"text":"وأمَّا<span data-type='title' id=toc-75> الإجماع:</span>\nفقد حكاه خلق كثير من العلماء لا حصر لهم.\nوننقل بعض أقوال من حكى الإجماع.\nقَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ -﵀- (^١): «وهي سبع آيات في جميع العدد» (^٢).\nقالَ مَحْمُودُ بْنُ عُمَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ -﵀-: «وهي سبع آيات بالاتفاق» (^٣).\nقالَ أبو الفَرَجِ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَلِيٍّ ابنُ الجَوْزِيِّ -﵀-: «فاتحة الكتاب: سبع آيات بلا خلاف في جملتها» (^٤).\nقالَ عَلَمُ الدِّينِ عليِّ بنِ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ -﵀-: «فاتحة الكتاب: هي سبع باتفاق» (^٥).\nقالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ -﵀-: «وأجمع الناس على أنّ عدد آي سورة الحمد سبع آيات، (و) ما ورد من خلاف ضعيف في ذلك» (^٦).\nقالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بْنِ جُزَيٍّ الكَلْبِيُّ -﵀- (^٧): «ولا خلاف أن الفاتحة سبع آيات،\n_________\n(^١) أبو عمرو الداني (المتوفي في شوال ٤٤٤ هـ) المعروف في زمانه بـ ابن الصيرفي عالم قراءات ومُحدّث ومُفسّر أندلسي. وله عدد من المؤلفات منها: جامع البيان في السبع، والتيسير في القراءات السبع، والاقتصاد في السبع، وإيجاز البيان في قراءة ورش، والتلخيص في قراءة ورش، والمقنع، والمحتوى في القراءات الشواذ، وطبقات القراء، والأرجوزة في أصول الديانة، والاهتدا في الوقف والابتداء، والعدد، والتمهيد في حرف نافع، واللامات، والراءات لورش، والفتن الكائنة، والهمزتين، والياءات، والإمالة لابن العلاء. نقلًا عن الموسوعة الحرة، وينظر: سير أعلام النبلاء: الطبقة الرابعة والعشرون-أبو عمرو الداني.\n(^٢) البيان (١٣٩).\n(^٣) الكشاف (١/ ٩٩).\n(^٤) فنون الأفنان (٢٧٨ - ٣٢٧).\n(^٥) جمال القراء (١/ ١٩٠).\n(^٦) المحرر الوجيز (١/ ٩٥).\n(^٧) ابن جزيٍّ الكلبي (٦٩٣ - ٧٤١ هـ) محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، ابن جزيٍّ الكلبي، أبو=","vol":"1","page":117},{"text":"إلّا أنّ الشافعي يعدّ البسملة آية منها، والمالكيّ يسقطها ويعدّ ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آية» (^١).\nقَالَ رِضْوانُ بنُ مُحَمَّدٍ المُخَلِّلاتِيُّ -﵀-: «وعدد آياتها سبع متفقة الإجمال» (^٢).\nقالَ مُحَمَّد الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ -﵀-: «وهي سبع آياتٍ باتّفاق القرّاء والمفسّرين» (^٣)، (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-76>إجماع أهل العدد:</span>\nقال البقاعي -﵀- (^٥): «وأما عدد آي الفاتحة: فهي سبع عند جميع أهل العدد، وهم خمسة: مدني، ومكي، وكوفي، وبصري، وشامي» (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-77>نظائر سورة الفاتحة في عدد آياتها:</span>\nونظيرتها في عدد آيها في المكي والشامي سورة الناس وفي الكوفي والبصري سورة أرأيت ولا نظير لها في المدنيين (^٧).\n_________\n=القاسم، فقيه من العلماء بالأصول واللغة. من أهل غرناطة. من كتبه: القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية -ط، تقريب الوصول إلى علم الأصول، الفوائد العامة في لحن العامة، التسهيل لعلوم التنزيل-ط تفسير، الأنوار السنية في الألفاظ السنية -ط، وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم، البارع في قراءة نافع، نقلًا عن: الأعلام للزركلي.\n(^١) التسهيل (١/ ٦٣).\n(^٢) القول الوجيز (١٦١).\n(^٣) التحرير والتنوير (١/ ١٣٦).\n(^٤) وللاستزادة: ينظر: موقع جمهرة العلوم.\n(^٥) البقاعي، برهان الدين (٨٠٩ - ٨٨٥ هـ) أبو الحسن، برهان الدين إبراهيم بن عمر بن حسن الرُّبَاط بن علي بن أبي بكر البقاعي، مؤرخ أديب. أصله من البقاع في سورية، وسكن دمشق ورحل إلى بيت المقدس والقاهرة، وتوفي بدمشق له: (عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأقران -خ)، و(عنوان العنوان -خ) مختصر عنوان الزمان، و(أسواق الأشواق -خ) وغيرها، نقلًا عن الأعلام للزركلي.\n(^٦) مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور-للبقاعي (١/ ١٦٩).\n(^٧) البيان (١٣٩)، القول الوجيز (١٦١).","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type='title' id=toc-78>رؤوس الآي في السورة الكريمة:</span>\nقَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ -﵀-: «ورؤوس الآي: ﴿الْعَالَمِينَ﴾، ﴿الرَّحِيمِ﴾، ﴿الدِّينِ﴾، ﴿نَسْتَعِينُ﴾، ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾، ﴿عَلَيْهِمْ﴾، ﴿الضَّالِّينَ﴾» (^١).\nقالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ -﵀-: «وأجمع الناس على أنّ عدد آي سورة الحمد سبع آيات: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ آية، ﴿الرَّحِيمِ﴾ آية، ﴿الدِّينِ﴾ آية، ﴿نَسْتَعِينُ﴾ آية، ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ آية، ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آية، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ آية.\nوقد ذكرنا في تفسير ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ما ورد من خلاف ضعيف في ذلك» (^٢).\nوكذلك هو اختيار سماحة الإمام الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀- تعالى حيث يقول سماحته: «إنها -أي: البسملة- ليست من الفاتحة، وإنما أول الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذه الآية الأولى، الثانية ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ الثالثة، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ الرابعة، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ هي الخامسة، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هذه هي السادسة، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ هي السابعة» (^٣).\nوبذكر أبي عمرو الداني عثمان بن سعيد لرؤوس الآي في السورة الكريمة بدءًا بـ ﴿الْعَالَمِينَ﴾، وكذلك ذكر ابن عطية الأندلسي عد آيات السورة السبع بدءًا بـ ﴿الْعَالَمِينَ﴾، وكذلك أيضًا قول الإمام ابن باز -﵀- يتضح عدم إثباتهم للبسملة، فلم يعدوها آية في الفاتحة، وبهذا تتوافق تلك الأقوال مع اختيار شيخ الإسلام: «أنها آية مستقلة»، وهو أقرب الأقوال.\n\n<span data-type='title' id=toc-79>قاعدة رؤوس الآي (الفواصل):</span>\nقَالَ رِضْوانُ بنُ مُحَمَّدٍ المُخَلِّلاتِيُّ -﵀-: «وقاعدة فواصلها (نم (نحو:\n_________\n(^١) البيان (١٣٩).\n(^٢) المحرر الوجيز (١/ ٩٥).\n(^٣) ينظر: الموقع الرسمي لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز.","vol":"1","page":119},{"text":"﴿الْعَالَمِينَ﴾، و﴿الرَّحِيمِ﴾» (^١).\nومعنى قوله: (نم) إشارة إلى أن آخر حرف في نهاية كل فاصلة في السورة الكريمة محصور في هذين الحرفين (ن، م) ولا يخرج عنهما أبدًا، وذكر لذلك مثالين هما: ﴿الْعَالَمِينَ﴾، و﴿الرَّحِيمِ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-80>٢ - عدد كلماتها:</span>\nوفي عدد كلمات السورة الكريمة خلاف مشهور، وسبب الخلاف الأظهر أنه بسبب كون البسملة آية في الفاتحة، لمن أثبتها، وكونها ليست آية لمن نفاها.\nالقول الأول: عدد كلماتها خمس وعشرون كلمة.\nواختاره جمع من أهل العلم منهم: أبو عمرو الدَّانِيُّ (^٢)، والنيسابوريُّ (^٣)، والإمام ابْنِ كَثِيرٍ في تفسيره. (^٤)، ورِضْوانُ بنُ مُحَمَّدٍ المُخَلِّلاتِيُّ (^٥).\nالقول الثاني: عدد كلماتها سبع وعشرون كلمة.\nوممن اختار هذا القول: عليُّ بنُ محمدٍ الخازنُ، صاحب التفسير (^٦).\nالقول الثالث: عدد كلماتها تسع وعشرون كلمة.\nوممن اختار هذا القول: عمرُ بنُ عليِّ بنِ عادلٍ الدمشقيُّ الحنبليُّ. (^٧)، ومحمدُ بنُ عمرَ الجاويُّ (^٨).\n_________\n(^١) القول الوجيز (١٦١).\n(^٢) البيان (١٣٩).\n(^٣) غرائب القرآن (١/ ٥٩).\n(^٤) تفسير القرآن العظيم (١/ ١٠٢ (.\n(^٥) القول الوجيز (١٦١).\n(^٦) لباب التأويل (١/ ١٥).\n(^٧) اللباب (١/ ١٥٩ (.\n(^٨) مراح لبيد (١/ ٧ (.","vol":"1","page":120},{"text":"وإن قولي ابن عادل الدمشقي والجاوي، الأظهر: أنه مع إثبات البسملة آية في الفاتحة.\nوأما القول الأول الأظهر: أنهم يعدون البسملة، تمشيًا مع القول بأن البسملة آية مستقلة في كتاب الله وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية كما مرَّ معنا آنفًا.\nوالقول الثالث هو المشهور، لكن الترجيح في عدد كلماتها متعلق بالترجيح بكون البسملة آية في الفاتحة نفيًا أو إثباتًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-81>نظيرتها في عدد الكلمات:</span>\nقَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ: «وكلمها خمس وعشرون كلمة ككلم أرأيت» (^١) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-82>٣ - عدد حروفها:</span>\nوقد اختلف في عدد حروفها اختلافًا واسعًا على ستة أقوالٍ، وكل قول قال به أقوام (^٣)، ولم يعرج الباحث على الخوض في التفصيل في عدد حروفها، إذا المعول عليه عدد الآيات والكلمات؛ لأنه متعلق بموضوع قرآنية البسملة، ولاسيما في كونها آية في الفاتحة نفيًا كان ذلك أو إثباتًا.\nولعل في ذلك من الكفاية والمعتبر مايكفي لوضوح الحق لأهل البحث والنظر.\nوالحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) يعني بـ (أرأيت): سورة الماعون.\n(^٢) (البيان: ١٣٩).\n(^٣) وللاستزادة ينظر: موقع جمهرة العلوم.","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type='title' id=toc-83>المبحث الرابع\nأبرز موضوعات السورة الكريمة</span>","vol":"1","page":123},{"text":"المبحث الرابع:\nأبرز موضوعات السورة الكريمة\nسميت السورة بسورة الفاتحة لافتتاح القرآن بها فهي أول سورة فيه، وهي مشتملة على جميع معاني القرآن الكريم ومقاصده، فهي كالمقدمة للقرآن كله، فقد احتوت مواضيعها الدين كله.\n\n<span data-type='title' id=toc-84>محور مواضيع السورة:</span>\nيَدُورُ مِحْوَرُ السُّورَةِ حَوْلَ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ، وَالعَقِيدَةِ، وَالعِبَادَةِ، وَالتَّشْرِيعِ، وَالاعْتِقَادِ باليَوْمِ الآخِرِ، وَالإِيمَانِ بِصِفَاتِ الَّلهِ الحُسْنَى، وَإِفْرَادِهِ بالعِبَادَةِ وَالاسْتِعَانَةِ وَالدُّعَاءِ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ جَلَّ وَعَلَا بطَلَبِ الهداية إلى الدِّينِ الحَقِّ وَالصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ بالثْبِاتِ عَلَى الإِيمَانِ وَنَهْجِ سَبِيلِ الصَّالِحِينَ، وَتَجَنُّبِ طَرِيقِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ، وَالإِخْبَارِ عَنْ قِصَصِ الأُمَمِ السَّابِقِة، وَالاطِّلَاعِ عَلَى مَعَارِجِ السُّعَدَاءِ وَمَنَازِلِ الأَشْقِيَاءِ، وَالتَّعَبُّدِ بأَمْرِ الَّلهِ سُبْحَانَهُ وَنَهْيِهِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-85>أولًا: موضوع أسس قضايا العقيدة والتوحيد:</span>\nفقد حوت السورة بين ثنايا آياتها قضايا العقيدة، العقيدة في الله تعالى، وفي أسمائه وصفاته، وفي اليوم الآخر، والتعريف بالمعبودِ المستحق للعبادة وحده دون سواه ﵎.\nفقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ فيه بيان استحقاق المولى -﷿-\n_________\n(^١) مقال لـ: عبد الأثري: موقع صيد الفوائد، مع تصرف يسير. وبعد بحث مضنٍ لم يقف الباحث له على عزوٍ ولم يجد له مصدرًا، ولكن يُستشعر أن فيه نَفَس ابن القيم وأسلوبه في الكتابة ولا سيما في نهايته، والله أعلم.","vol":"1","page":125},{"text":"الحمد والثناء والتمجيد الذي هو أهله جل في علاه، مع التذكير بوجوب شكره وحمده على نعمه وآلائه، والإقرار له بالربوبية، وفي الإقرار بذلك كله تنزيه لله عن كل نقص، فكما أنه سبحانه اتصف بالكمال المطلق، فالنقائص كلها في حقه محاله.\nوقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾، فيه الثناء على الله بوصفه جل في علاه بالرحمة العامة ﴿الرَّحْمَنِ﴾، والرحمة الخاصة ﴿الرَّحِيمِ﴾.\nوالسورة الكريمة كلها في التوحيد من أولها وحتى آخر، وكل آية فيها تدل على التوحيد، ولقد ورد في السورة التوحيد بأنواعه الثلاثة الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، فقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ متضمن لتوحيد الألوهية، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾. ففي كل ذلك دلالة على توحيد الألوهية.\nوتوحيد الألوهية هو: توحيد الله بأفعال العباد، والتي منها: الحمد والعبادة والدعاء والاستعانة.\n«وهو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة؛ الظاهرة، والباطنة، قولًا، وعملًا، ونفي العبادة عن كل من سوى الله تعالى كائنًا من كان» (^١).\nوقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ متضمن لتوحيد الربوبية.\nوتوحيد الربوبية: هو توحيد الله تعالى بأفعاله ﷾:\nوهو: «الإقرار بأنَّ الله ﷾ هو ربّ كل شيءٍ ومليكه، وأنّ الله ﵎ هو الخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، والنافع، والضار (^٢)، والمتفرّد\n_________\n(^١) معارج القبول شرح سلم الأصول (١/ ٣١).\n(^٢) لم يثبت بدليل صحيح أن الضار من أسماء الله تعالى وإنما ورد ذلك في الحديث المشهور الذي فيه تعداد الأسماء الحسنى، وهو حديث ضعيف، رواه الترمذي وغيره. والمقرر عند أهل العلم أن أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية، أي: لا يثبت منها شيء إلا بالدليل. فإذا لم يثبت=","vol":"1","page":126},{"text":"بإجابة دعاء المضطرين، والإقرار أيضًا بأنّ الأمر كلّه لله، وأنّه بيده الخير كلّه، وأنّ الله هو القادر على ما يشاء، وليس له في ذلك أي شريك، أو نظير» (^١) (^٢).\nوقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ متضمن لتوحيد الأسماء والصفات.\nوتوحيد الأسماء والصفات هو: إثبات جميع صفات الكمال لله تعالى التي أثبتها الله تعالى لنفسه في محكم كتابه، وأثبتها له رسوله -ﷺ- في صحيح سنته، على الحقيقة، على وجه يليق بذات الله ﵎. من غير تحريف ولا تأويل ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تشبيه تمثيل.\nوهذه عقيدة الفرقة الناجية والطائفة المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات.\nقال ابن عبد البر -﵀-: «أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة» (^٣).\nوبذلك يتبين أن محور السورة الأساسي وموضوعها الرئيس: هو التوحيد.\n_________\n=الاسم، وكان معناه صحيحًا فإنه يجوز الإخبار به عن الله تعالى، فيقال: الله هو الضار النافع، لأن باب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات، لكن لا يعبّد بهذا الاسم، فلا يقال: عبد الضار، أو عبد النافع؛ لأنه لم يثبت اسمًا لله تعالى. وللاستزادة: ينظر: موقع الإسلام سؤال وجواب.\n(^١) تيسير العزيز الحميد (ص ٣٣).\n(^٢) سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (١٢٠٠ هـ-١٢٣٣ هـ) من آل الشيخ، فقيه سلفي من أهل نجد من حفدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. كان بارعًا في التفسير والحديث والفقه، وشى به بعض المنافقين إلى إبراهيم باشا بن محمد علي بعد دخوله الدرعية واستيلائه عليها فأحضره إبراهيم، وأظهر بين يديه آلات اللهو والمنكر إغاظة له، ثم أخرجه إلى المقبرة وأمر العساكر أن يطلقوا عليه الرصاص جميعًا فمزقوا جسمه -﵀-.\n(^٣) التمهيد (٧/ ١٤٥).","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type='title' id=toc-86>ثانيًا: إثبات الوعد والوعيد:</span>\nوأما الوعد والوعيد: ففي قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، والذي يلزم منه الإقرار بيوم البعث والحساب والجزاء والعقاب، وفيه أيضًا معنى تمجيد الله وتعظيمه.\n\n<span data-type='title' id=toc-87>ثالثًا: حصر استحقاق العبادة لله وحده، وحصر الاستعانة به دون سواه</span>.\nفقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، إقرار بألوهيته ﷾ واستحقاقه العبادة دون سواه، والعبادة ثمرة التوحيد، والتوحيد لا يُسمَّى توحيدًا إلا مع العبادة، ولا تتحقق العبادة لله تعالى إلا بالبراءة من الشرك وأهله، فيشمل قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ معنى البراءة من الشرك وأهله ضمنًا.\nوالعبادة الصحيحة من شأنها أن ترسخ العقيدة في القلوب وتثبتها في النفوس.\nوقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ إقرار لله تعالى بالافتقار والخضوع والذل، وذلك مشهد عظيم من مشاهد العبودية لله الواحد الأحد، مع ما فيه من بيان العجز والتبرؤ من الحول والطول والقوة وتخصيص الله تعالى بالاستعانة والعون والمدد دون سواه، وقوله: (نعبد، نستعين) فيه إفراد لله -﷿- بالعبادة والدعاء والاستعانة.\nوما سبق ذكره كان كمقدمة أولى: عن بيان عظمة من نسأله -وهو الرب-جل في علاه- والتقرب إليه بصنوف العبودية المشتملة على حمده والثناء عليه وتمجيده جل في علاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-88>رابعًا: سؤال الله تعالى الهدايتين، هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والإلهام والرشاد، وسؤال الثبات على الدين القويم:</span> وذلك في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ والتذلل إلى الله تعالى بطلب الهداية إلى الطريق المستقيم وبيان ضعف العبد السائل وذله لربه وإظهار افتقاره إليه كان كمقدمة ثانية.\n<span data-type='title' id=toc-89>خامسًا: ومن أبرز مواضيعها طلب الثبات على الصراط المستقيم والنهج الصالح</span>","vol":"1","page":128},{"text":"القويم مع الذين أنعم الله عليهم بالثبات عليه، وذلك في قوله سبحانه: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، والمنعم عليهم هم الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء].\nوفي قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بيان شرف الصحبة الصالحة ومكانتها وفضلها.\n\n<span data-type='title' id=toc-90>سادسًا: ذكر طرفٍ من قصص الأمم الغابرة وأخبارها وذكر مصيرها:</span> وذلك في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾، وفيه بيان انقسام الخليقة لأقسام ثلاثة، منعم عليهم وهم أهل السعادة، ومغضوب عليهم، وضالون، وهما أهلا الشقاء والغواية.\nوفيه التحذير من مسالك أهل الغواية والضلال لئلا يحشروا مع سالكي سبلهم.\nوكانت الخاتمة: في بيان الطريق المستقيم المؤدي إلى سعادة الدارين لمن سلكه وثبت عليه، وفي تقسيم الخليقة إلى ثلاثة أقسام، بحسب العلم والعمل كما مرَّ معنا آنفًا.\nومن هنا يتضح: أن آيات الفاتحة قد أجملت الأصول التي جاءت مفصلة في القرآن كله، ويتضح من ذلك الحكمة في تنزيلها في أول ما نزل من القرآن، وهي أول سور القرآن ترتيبًا لا تنزيلًا.\nومن هنا أيضًا: يجدر بنا أن نفهم لماذا تسمى الفاتحة بـ «أم الكتاب» وبـ «أم القرآن».\nوفي نحو ذلك يقول البقاعي -﵀-: «إن سورة الفاتحة جامعة لجميع ما في القرآن، فالآيات الثلاث الأُول شاملة لكل معنى تضمنته الأسماء الحسنى والصفات العلى، فكل ما في القرآن من ذلك فهو مفصل من جوامعها، والآيات الثلاث الأُخر من قوله: ﴿اهْدِنَا﴾ شاملة لكل ما يحيط بأمر الخلق في الوصول إلى الله، والتحيز إلى رحمته،","vol":"1","page":129},{"text":"والانقطاع دون ذلك، فكل ما في القرآن فمن تفصيل جوامع هذه، وكل ما يكون وصلة بين ما ظاهره من الخلق ومبدؤه وقيامه من الحق فمفصل من آية ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾».\nوذكر ابن القيم -﵀-: «أن السورة اشتملت على الرد على جميع طوائف أهل البدع والضلال، كما بينت منازل السائرين، ومقامات العارفين، وبيان أنه لا يقوم غير هذه السورة مقامها، ولا يسد مسدها، ولذلك لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل مثلها».\nوقال ابن سعدي -﵀-: «وهذه السورة على إيجازها احتوت على ما لم تحتوِ عليه سورة من سور القرآن، فقد تضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، يؤخذ من قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وتوحيد الألوهية، وهو إفراد الله بالعبادة، يؤخذ من لفظ (الجلالة): اللَّه، ومن قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.\nوتوحيد الأسماء والصفات، وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى، التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله -ﷺ- من غير تعطيل، ولا تمثيل، ولا تشبيه، وقد دل على ذلك لفظ الحمد. وإثبات الجزاء على الأعمال في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، وأن الجزاء يكون بالعدل، وتضمنت إخلاص الدين لله تعالى، عبادة واستعانة في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾. وتضمنت إثبات النبوة في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾؛ لأن ذلك ممتنع بدون الرسالة. وتضمنت إثبات القدر، وأن العبد فاعل حقيقة. وتضمنت الرد على جميع أهل البدع والضلال في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾» (^١).\nوأيضًا وصف الله بالرحمة العامة والرحمة الخاصة في اسمي الرحمن، الرحيم دلالة على إثبات توحيد الأسماء والصفات كما هو معلوم وظاهر لا يخفى.\nوبهذا يتبين أن السور الكريمة قد حوت أهم مقاصد القرآن الكريم إجمالًا، ثم جاء ذلك مفصلًا في سائر سور القرآن الكريم كلها.\n_________\n(^١) مقاصد سورة الفاتحة، موقع إسلام ويب، موقع المقالات/ بتاريخ (٢٠/ ١١/ ٢٠١٢ م).","vol":"1","page":130},{"text":"فقد اشتملت الفاتحة على أصول الدين وفروعه، عقيدة وعبادة وافتقارًا إلى الله بطلب الهداية والدلالة إلى الصراط المستقيم، والثبات عليه، وفيه معنى طلب الهدايتين، ولا يتم ذلك إلا بشرع ودين، ولا يتم شرع ودين إلا بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وفيها أخبار وقصص الأمم الغابرة، وبينت طريق السعداء وطريق الأشقياء.\nولقد وصف الله تعالى سورة الفاتحة بأنها: «سبعًا من المثاني»، والمثاني هي التي تكرر فيها المواعظ والعبر، وموضوعاتها متكرر في القرآن كله.\nولقد وصفها سبحانه بأنها: «القرآن العظيم» لعظم ما حوته في طيات آياتها من موضوعات، والقرآن العظيم معطوف على السبع المثاني من عطف العام على الخاص.\nوسميت بـ «أم القرآن» لاشتمالها على معاني القرآن كله، من حمد لله تعالى وثناء عليه بما سمى ووصف به ذاته المقدسة من أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وبيان أوامره ونواهيه وثوابه وعقاب المترتب على وعده ووعيده، ذلك لأن موضوعات القرآن كله مرجعها ومردها إلى موضوعاتها، لأن محتوياتها مشتملة على أنواع مقاصد القرآن الكريم كله.\nوالفاتحة سورة محكمة، وكذلك آياتها وموضوعاتها محكمة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧].\nوأما عموم سور القرآن فمنها المحكم ومنها المتشابه، فإذا رُدَّ المحكم للمتشابه صار القرآن كله محكمًا، ونعني بذلك فاتحة الكتاب التي حوت كل معاني القرآن.\nولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type='title' id=toc-91>المبحث الخامس\nبيان المعنى الإجمالي للسورة الكريمة</span>","vol":"1","page":133},{"text":"المبحث الخامس:\nبيان المعنى الإجمالي للسورة الكريمة\nلقد «اشتملت هذه السورة الكريمة وهي سبع آيات، على حمد اللّه وتمجيده والثّناء عليه، بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدّين، وعلى إرشاده عبيده إلى سؤاله والتّضرّع إليه، والتّبرّؤ من حولهم وقوّتهم، وإلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهيّة ﵎، وتنزيهه أن يكون له شريكٌ أو نظيرٌ أو مماثلٌ، وإلى سؤالهم إيّاه الهداية إلى الصّراط المستقيم، وهو الدّين القويم، وتثبيتهم عليه حتّى يفضي بهم ذلك إلى جواز الصّراط الحسّيّ يوم القيامة، المفضي بهم إلى جنّات النّعيم في جوار النّبيّين، والصّدّيقين، والشّهداء، والصّالحين.\nواشتملت على التّرغيب في الأعمال الصّالحة، ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتّحذير من مسالك الباطل؛ لئلّا يُحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم والضّالّون (^١).\nولقد افتتح الرب جل في علاه الله هذه السورة، التي افتتح بها كتابه-بحمده سبحانه- فقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾.\nحمد الله نفسه العلية قبل أن يحمده حامد، فهو سبحانه المستحق للمحامد كلها.\nو﴿الْحَمْدُ﴾: مبتدأ مرفوع.\nوقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ جار ومجرور [على التعظيم والإجلال والتبجيل لرب العزة والجلال] (^٢).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (١/ ١٤٣ - ١٤٤).\n(^٢) ما بين المعكوفين من إضافة الباحث تأدبًا مع الرب العظيم وذاته العلية ﷾.","vol":"1","page":135},{"text":"والجار والمجرور متعلق بمحذوف، خبر المبتدأ، تقديره: ثابت أو واجب (^١) (^٢).\nويفهم من هذا وجوب لزوم الحمد دائمًا لله تعالى.\n\nو<span data-type='title' id=toc-92>اللام في لفظ الجلالة لها معنيان:</span>\nالمعنى الأول: الاختصاص، فيكون المعنى على ذلك أن الله تعالى مختص بجميع المحامد وحده ﷾.\nوالمعنى الثاني: الاستحقاق، فيكون المعنى: أن الله تعالى مستحق لجميع المحامد التي تليق بروبيته للعالمين، وتربيته لخلقه بنعمه وإحسانه وإنعامه وإفضاله.\nوقد أشار لمثله هذا المعنى أو قريب منه بعض أهل التفسير، منهم العلَّامة ابن عثيمين -﵀- في تفسيره للفاتحة.\nو«﴿الْحَمْدُ﴾ وصفُ المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم؛ الكمال الذاتي والوصفي والفعلي؛ فهو كامل في ذاته وصفاته وأفعاله؛ ولا بد من قَيْد، وهو «المحبة والتعظيم»؛ قال أهل العلم: «لأن مجرَّد وصفه بالكمال بدون محبة ولا تعظيم، لا يُسمَّى حمدًا؛ وإنما يُسمَّى مدحًا» (^٣) اهـ.\nو﴿الْحَمْدُ﴾ يكون بالثناء على رب العزة بجميع صفات الجلال والكمال، والثناء عليه ﷾ بأفعاله الكريمة والتي مدارها بين فضله ﷾ وعدله، فالله ﷾ له الحمد الكامل التام من جميع الوجوه.\n«والحمد ضد الذَّمِّ، والحمد خبر بمحاسن المحمود مقرون بمحبته، والذَّمُّ خبر بمساوئ المذموم مقرون ببغضه، فلا يكون حمد لمحمود إلا مع محبته، ولا يكون\n_________\n(^١) الجدول في إعراب القرآن (١/ ٢٣).\n(^٢) محمود بن عبد الرحيم صافي- (١٣٧٦ م). من أعلام مدينة (حمص) السورية، وهو مؤلف أول كتاب كامل مفصّل في إعراب القرآن وصرفه وبيانه؛ ويُعرف باسم (الجدول في إعراب القرآن، وصرفه، وبيانه، وكانت وفاته سنة (١٩٨٥ م).\n(^٣) ينظر: تفسير العلَّامة محمد بن صالح العثيمين (٢/ ٥٠).","vol":"1","page":136},{"text":"ذم لمذموم إلا مع بُغضه، وهو -سبحانه- له الحمد في الأولى والآخرة.\nوأول ما نطق به آدم: الحمد لله رب العالمين، وأول ما سمع من ربه: يرحمك ربك، وآخر دعوى أهل الجنة: أن الحمد لله رب العالمين، وأول مَن يدعى إلى الجنة الحمَّادون، ونبينا محمد -ﷺ- صاحب لواء الحمد، آدم فمن دونه تحت لوائه، وهو صاحب المقام المحمود الذي يَغبِطه به الأولون والآخرون؛ فلا تكون عبادة إلا بحب المعبود، ولا يكون حمد إلا بحب المحمود، وهو -سبحانه- المعبود المحمود» (^١)؛ اهـ.\nوالألف واللام في ﴿الْحَمْدُ﴾ للاستغراق، ليعم جميع المحامد، ولتكون كلها لله وحده لا شريك له، وفي ذلك إيذانًا لعباده أن يحمدوه على إنعامه وإفضاله ويشكروه على جزيل نعمه وآلائه، فيكون حمد العباد لخالقهم باللِّسان والجنان والأركان، فيكون نطقًا وإقرارًا وثناءً على الله المنعم المتفضل باللسان، وتصديقًا واعترافًا بالنعم بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، وفيه حثّ لهم على تعبيد نعمه له سبحانه واستعمالها فيما يقربه لديه ويرضيه، فلا يستعينوا بنعمه على معصيته، فيكون ذلك منهم جحودًا لها ونكرانًا وكفرانًا.\n«فيجب على كلِّ مكلَّف أن يَعتقد أنَّ الحمد على الإطلاق إنَّما هو لله، وأنَّ الألف واللام للاستغراق لا للعَهد، فهو الذي يستحقُّ جميعَ المحامد بأسرِها، فنحمده على كلِّ نعمة وعلى كلِّ حالٍ بمحامده كلِّها، ما عُلِم منها وما لم يُعلم …، ثمَّ يجب عليه أن يسعى في خصال الحمد؛ وهي التخلُّق بالأخلاق الحميدة والأفعالِ الجميلة». اهـ (^٢).\nوالرب العظيم الغني عن خلقه أجمعين، يحب من عباده أن يحمدوه، فلما حمد الله ذاته العلية فإنه تعالى يحب ذلك أيضًا من عباده، ويدل على ذلك ما ثبت صريحًا من حديث الأسود بن سريعٍ (^٣) -﵁- قال: قلتُ: يا رسُول الله، ألا أنشدُك محامِد\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٥/ ٤٠٥).\n(^٢) الأسنى في شرح الأسماء الحسنى (١/ ١٩٠)\n(^٣) الأسود بن سريع التميمي، صحابي وفارس وشاعر، عاش في البصرة، وشهد مع الرسول -ﷺ- في أربع من غزواته. أسد الغابة (١/ ٢٢٩) -أًسد الغابة في معرفة الصحابة.","vol":"1","page":137},{"text":"حمدتُ بها ربِّي ﵎، قال: «أما إن ربك -﷿- يحب أن يُحمد». زاد في رواية: «ولم يستزده على ذلك» (^١).\nيقول ابن المبرد الحنبلي (^٢):\nاحمد لربِّك في أُمُورك كُلِّها … وافزع إليه في الصعاب يحُلُّها\nواقرع بكفِّ الذُّلِّ بابَ عطائه … مَن في الوُجُود سوى الإله يبُلُّها\nوقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، العالمين جمع عالم، والعالم جمعٌ لا مفرد له من لفظه، وكل ما سوى الرب ﷾ عالم، وكل منا واحدٌ من هذا العالم.\nو(الرَّبُّ) هو المالك والصاحب والمتصرف في ملكه، المدبر لشؤون خلقه من الخلق والرزق وتدبير جميع أمورهم وإصلاح شأنهم ورعايتهم، فلفظ الربّ يطلق على تلك المعاني جميعًا.\nوكلمة الرب: إذا أطلقت فإنها تكون علمًا على الذات الإلهية، ولا يجوز ولا يصلح إطلاقها أبدًا إلا على الرب العظيم جل في علاه، ولكن يجوز إطلاقها على غيره سبحانه من خلقه بشرط أن تكون مقيدة بالإضافة تقول: رب الدابة، ورب البيت، ونحو ذلك، ومنه قول عبد المطلب بن هاشم جد النبي -ﷺ- في خبره مع أبرهة\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٧٧٤٥)، وأحمد (٣/ ٤٣٠)، والطبراني في الكبير (٨٢٠)، والحاكم (٣/ ٦١٤) والزيادة له وقال: صحيح الإسناد! ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٣١٧٩).\n(^٢) ابن المِبْرَد (يوسف بن حسن)، (٨٤٠ - ٩٠٩ هـ) يوسف بن حسن بن أحمد بن حسن بن عبد الهادي الصالحي، جمال الدين، ابن المبرد، علَّامة متفنن، من فقهاء الحنابلة، من أهل الصالحية، بدمشق ينظر ترجمته في: شذرات الذهب (٨/ ٤٢)، والضوء اللامع. والمبرد هذا يعرف أيضا: بابن عبد الهادي وهو غير ابن عبد الهادي الجماعيلي الصالحي، وهو غير المبرد (النحوي، اللغوي) (ت ٢٨٦ هـ)، محمد بن يزيد بن عبد الأكبرأبو العباس، ولد سنة (٢١٠ هـ)، شيخ أهل النحو وحافظ علم العربية. ينظر ترجمته في: تاريخ بغداد (٣/ ٣٨٠)، تاريخ دمشق (٥٦/ ٢٤٦)، سير أعلام النبلاء) ١٣/ ٥٧٦).","vol":"1","page":138},{"text":"الحبشي لما ساق الإبل وأراد هدم الكعبة المشرفة: «أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه» (^١) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-93>وربوبية الله تعالى لخلقه على ضربين:</span>\nالضرب الأول: الربوبية العامة بخلقه أجمعين، فهو الذي خلقهم ورزقهم ودبر شؤونهم، وأنعم عليهم بكل النعم وملك أمرهم، ودبر لهم شؤون معاشهم، وهذه ربوبية عامة تشمل كل خلقه مؤمنهم وكافرهم برّهم وفاجرهم.\nوالضرب الثاني: ربوبية خاصة لعباده المتقين، يربيهم ربهم بالإنعام عليهم بهدايتهم سبل السلام، ويوفقهم لذلك، ويدفع ويمنع عنهم ما يصرفهم عن الهداية،\n_________\n(^١) السيوطي: الدرر المنتثرة (١٢٢)، والأسرار المرفوعة ملَّا علي قاري (٢٩٧).\n(^٢) السيوطي هو: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين الخضيري السيوطي، جلال الدين: إمام حافظ مؤرخ أديب. (٨٤٩ - ٩١١ هـ) له نحو (٦٠٠) مصنف، من أشهرها: الإتقان في علوم القرآن، لباب النقول في أسباب النزول، تفسير الجلالين وغيرهم، ينظر: الزركلي، الأعلام، (٣/ ٣٠٢). بيان موجز لعقيدة السيوطي: جاء في فتاوى اللجنة الدائمة): ١٢/ ٩٨ («والعلماء الكبار- مثل السيوطي وغيره- ينبه على أخطائهم، ويستفاد من علمهم، ولهم فضائل تغطي على ما عندهم من أخطاء، لكن الخطأ لا يقبل منهم ولا من غيرهم».\nوقال الشيخ محمد بن إبراهيم -﵀- في نقده لقول السيوطي في الإتقان: (إن جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ وجاء به إلى محمد: («هذه المقالة اغترَّ بها الكثير من الجهلة وراجت عليهم، والسيوطي -﵀- مع طول باعه وسعة اطلاعه وكثرة مؤلفاته؛ ليس ممن يعتمد عليه في مثل هذه الأصول العظيمة، وهذه (المقالة) مبنّية على أصل فاسد وهو القول بخلق القرآن، وهذه هي مقالة الجهمية والمعتزلة ومن نحى نحوهم، ويلزم هذه المقالة من الكفر والإلحاد الزندقة وإنكار الرسالة ووصف الله بالخرس وتشبيهه بآلهة المشركين الأصنام التي لا تنطق وغير ذلك من المحاذير الكفرية ما يعرفه أهل العلم»] مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم -﵀- (١: ٢١٤ - ٢٣٩).\nوقد تطرقت بعض الدراسات المعاصرة إلى عقيدته منها رسالة للدكتور سعيد إبراهيم مرعي خليفة، وهي بعنوان: جلال الدين السيوطي وآراؤه الاعتقادية عرض نقد على ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة، وكذلك رسالة للباحث طلعت جبر المجدلاوي وهي بعنوان: مواقف الإمام السيوطي من الإلهيات والنبوات دراسة ونقدًا.","vol":"1","page":139},{"text":"ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويعصمهم من الضلالة والغواية بعد الرشاد والهداية.\nويربيهم بصلاح شأنهم كله ورعايتهم وتسديدهم ونصرتهم وتوفيقهم في كل شؤونهم.\nوربوبية الله تعالى تشمل المعنيين جميعًا.\nو﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ هو الخالق لجميع العوالم، ما علمنا منها وما لم نعلم، وهو ربّها الذي يدبَّر جميع أمرها قاطبة، فيسوق إليها أرزاقها وأقواتها، وهو المالك لجميع أمرها، المتصرف وحده في جميع شؤونها، فلا يملك أحد من تلك العوالم لنفسه نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وكل تلك العوالم كلها لا غنى لها عن فضله ورحمته طرفة عين ولا أدنى من ذلك، فكلهم فقراء إليه وإلى فضله ورحمته فقرًا دائمًا، فكل ما هم فيه من نعم وفضل، فمن واسع جوده وكريم عطائه وواسع رحمته وإحسانه، وكل ما صرف عنهم من البلاء والشقاء والضنك فهومن تصريفه لشؤون خلقه بتدبيره ورحمته، ففقر جميع تلك العوالم لرب العالمين فقر دائم لا ينقطع، وهو مع ذلك سبحانه القيوم على شؤون تلك العالمين غني عنهم أجمعين، قائم بنفسه لا حاجة له لأحد من خلقه، كل ذلك يدعو المؤمن في إعمال فكره وقلبه وعقله في ربوبية رب العالمين وعظمته، ويقدره حق قدره بأن يعبده سبحانه حق عبادته، وألا يصرف شيئًا من تلك العبادة لأحد سواه، لا لنبي مرسل ولا لملك مقرب، وألا يجعل معه ألهًا آخر، ربنا مخاطبًا جميع الناس في أول نداء في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة].\nفأمرهم ربهم جميعًا بعبادته، ممتنًّا عليهم بربوبيته بقوله سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.\nوقوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هما اسمان عظيمان لله تعالى وصف بهما ذاته العلية.","vol":"1","page":140},{"text":"واسم ﴿الرَّحْمَنِ﴾: يدل على صفة ذاتية لله تعالى، وهو سبحانه رحمن موصوف بتلك الصفة العظيمة الخاصة به سبحانه دون سواه من خلقه.\nواسم ﴿الرَّحِيمِ﴾: يدل على صفة فعلية للرب جل في علاه، وهي صفة فعلية مبناها على خصوص رحمته التي يرحم بها من يشاء من خلقه، وهي أخص بعباده المؤمنين تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب].\nوهما اسمان مشتقان من الرحمة، والرحمن اسم ووصف لا يُسمَّى ولا يوصف بهما غير الله تعالى أبدًا، واسم الرحمن فيه مبالغة أشد من اسم الرحيم؛ لأن الرحمن متعلق برحمته سبحانه العامة التي تشمل عموم خلقه مؤمنهم وكافرهم برّهم وفاجرهم، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه] فذكر صفة استوائه على العرش مقرونة باسمه الرحمن ليعم بتلك الرحمة العامة عموم خلقه من مؤمن وكافر وبرّ وفاجر، فكما أنهم عمهم عرشه، فتعمهم كذلك رحمته.\nأما الرحيم، فهذه رحمة خاصة بالمؤمنين قال ربنا: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب] وقد نص على ذلك جمع من أهل التفسير، وهو كذلك مأثور عن بعض السلف، وذكر الاسمين الكريمين ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بعد قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، فيه تنبيه أن تلك الربوبية مبناها على الرحمة.\nومما سبق يتبين أن اسما: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان ثابتان لله على الحقيقة لا المجاز، وقد دل عليهما النقل والعقل والحس، فلا يُلتفت لمن أنكر تلك الصفة العظيمة وأولها إلى الإفضال والإحسان والإنعام وإرادة الله تعالى ذلك بخلقه، فالحمد لله على نعمة الهداية للحق، ونعوذ بالله من الغواية بعد الهداية.\nوقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾.\nوالمراد بيوم الدين هنا يوم الحساب والجزاء على الأعمال، ففيه معنى الإقرار","vol":"1","page":141},{"text":"بإثبات المعَاد، وإثبات الجزاء والثواب والعقاب على الأعمال.\nوإنما سُمِّي بيوم الدين: لأن الخلائق يحاسبون ويدانون بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرٌ، قال ربنا: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة].\nوالمالك مَن له كمال الملك وتمامه، فهو سبحانه مَلِكٌ مالكٌ، أي: مَلِكٌ له مُلْكٌ، و(مالك) و(ملك)، قراءتان متواترتان (^١).\nومن كان كذلك فإن له الأمر والنهى والثواب والعقاب، وهو سبحانه المتفرِّد بالحُكْم والفصْل والقضاء بين العباد في هذا اليوم العظيم، وفي يوم الدين يظهر ذلك عيانًا للخلائق أجمعين، فكل مُلك للمخلوقين قد زال، واستوى المالك والمملوك، أما مالك الملك الأعظم، فلا يبقى سواه.\nقال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ [غافر]، ومَن ملك يوم الدين ذلك الملك الأكبر الباقي الدائم، فلا شك أنه يملك ما دونه، فهو سبحانه مالك الدنيا والآخرة، والإيمان باليوم الآخر هو أحد أركان الإيمان الستة كما هو معلوم من دين الله بالضرورة.\n«وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين وذلك عام في الدنيا وفي الآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يَدَّعِي أحد هناك شيئًا ولا يتكلم أحد إلَّا بإذنه، قال تعالى: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ [النبأ].\nوقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥] (^٢).\n_________\n(^١) (مالك): قرأها عاصم والكسائي من السبعة، وكذا يعقوب وخلف العاشر من العشرة.\n(ملك): هي قراءة: نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة من السبعة، وأبو جعفر من العشرة.\n(^٢) تفسير ابن كثير (١/ ١٣٤).","vol":"1","page":142},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك، وتقديم المعمول في ﴿إِيَّاكَ﴾ على فعلي (نعبد ونستعين)، يفيد الحصر والاختصاص، كما هو معلوم في اللغة، فيكون المعنى: لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك، وتكررت كلمة إياك لتفيد الاهتمام والتعظيم للرب جل في علاه. ومثله قول الله تعالى: كقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ الآية [البقرة]، وقوله سبحاته: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾ الآية [البقرة].\nوإياك نعبد تنفي الشرك بأنواعه، وإياك نستعين تنفي الاغترار بالحول والقوة، وتثبت الافتقار الكامل التام لله والمذلة.\nوالآية متضمنة لتوحيد العبادة بأنواعها كلها، وأمثلة ذلك في كتاب الله كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة].\n«والعبادة: اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة» (^١).\nوالعبادة لها عمودان وركيزتان لا تقوم إلا بهما وهما: كمال الذل وكمال المحبة.\nو«العبادة المأمور بها تتضمّن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له … ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله» (^٢).\nو«لفظ العبودية يتضمن كمال الذل وكمال الحب، فإنهم يقولون: قلب متيَّم إذا\n_________\n(^١) العبودية (ص ٣٣ - ٣٥).\n(^٢) المرجع السابق (ص ٣٣ - ٣٥).","vol":"1","page":143},{"text":"كان متعبدًا للمحبوب والمتيم المتعبد، وتيَّم الله عبده» (^١).\nقال ابن القيم -﵀-:\nوعبادة الرحمن غاية حبّه … مع ذل عابده هما قطبان\nوعليهما فلك العبادة دائر … ما دار حتى قامت القطبان\nومداره بالأمر أمر رسوله … لا بالهوى والنفس والشيطان (^٢)\n«والناس في هذا على درجات متفاوتةٍ، لا يحصي طرقها إلا الله، فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم وأقربهم إلى الله وأقواهم وأهداهم أتمهم عبودية لله من هذا الوجه» (^٣).\nولقوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ شبيهان في السنة المطهرة من كلام المعصوم -ﷺ- الذي لا ينطق عن الهوى.\nالأول: في قوله -ﷺ- في خطبة الحاجة: «إنَّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره» (^٤).\nوالثاني: في قوله -ﷺ- في حديث ابن عباس -﵁- المشهور: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» (^٥).\nولا سعادة للبشرية ولا طمأنينة ولا راحة ولا نجاة لها من الآفات والمهلكات إلا بتحقيق العبودية الكاملة التامة لرب البرية.\nوإنما قدم العبادة وأخر الاستعانة مع دخولها في العبادة ضمنًا، لتأكيد أمر الاستعانة، ولبيان مكانتها وقدرها ولضرورة حاجة العبادة إليها، وأنه لا توفيق ولا\n_________\n(^١) العبودية (ص ١٥٢).\n(^٢) الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية (ص ٣٢).\n(^٣) العبودية (ص ١٣٣ - ١٣٤).\n(^٤) سبق تخريجها في المقدمة.\n(^٥) أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (٢٨٠٢)، وأبو يعلى (٢٥٥٦)، والطبراني (١٢٨٢٠) (١٢٩٨٩)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٤١٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٧٤).","vol":"1","page":144},{"text":"هداية للعبد إلا بعون الله وتوفيقه تسديده.\n«وقدَّم العبادة على الاستعانة، من باب تقديم العام على الخاص، واهتمامًا بتقديم حقه تعالى على حق عبده» (^١).\nيقول ابن القيم -﵀-: «ثم إن القلب يعرض له مرضان عظيمان، إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولا بد، وهما الرياء، والكبر، فدواء الرياء بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ودواء الكبر بـ ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.\nوكثيرًا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه (^٢).\nيقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تدفع الرياء، و﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تدفع الكبرياء.\nفإذا عوفي من مرض الرياء بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ومن مرض الكبرياء والعجب بـ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ ومن مرض الضلال والجهل بـ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ عوفي من أمراضه وأسقامه، ورفل في أثواب العافية، وتمت عليه النعمة، وكان من المنعم عليهم غير المغضوب عليهم وهم أهل فساد القصد، الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه والضالين وهم أهل فساد العلم، الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه.\n_________\n(^١) تفسير ابن سعدي (١/ ٣١).\n(^٢) فائدة: حول معنى: «قدس الله روحه»، أي: طهرها، وهو بمعنى طلب المغفرة، هذا الدعاء مُستقى من اسم الله (القدوس) ومعناه أي: المبارك الطاهر الذي تعالى عن كل دنس، وقيل: تقدسه الملائكة الكرام وهو سبحانه الممدوح بالفضائل والمحاسن.\nوفي ذلك يقول ابن القيم في نونيته:\nهذا ومن أوصافه القدوس ذو الـ ـتنزيه بالتعظيم للرحمن\nوهو ها هنا بمعنى الدعاء، والمعنى المقصود هنا: هو الدعاء بالتطهير من الذنوب والخطايا. وينظر: اللسان، والنهاية، مادة (قدس) .. ففيها ذِكرُ هذا المعنى .. وعلى هذا فمعنى عبارة: قدس الله روحه: هو الدعاء كما تبين المعنى آنفًا. فلا يُمنع الدعاء بذلك.\nوختامًا: فإنه لا شك أبدًا في أن الدعاء الذي ليس في محظور شرعي لا يمنع بتاتًا، وإن كان الدعاء للميت بعموم الثابت من الأدعية أفضل وأكمل وأسلم.","vol":"1","page":145},{"text":"وحق لسورة تشتمل على هذين الشفاءين أن يُسْتشْفَى بها من كل مرض، ولهذا لما اشتملت على هذا الشفاء الذي هو أعظم الشفاءين، كان حصول الشفاء الأدنى بها أولى، فلا شيء أشفى للقلوب التي عقلت عن الله وكلامه، وفهمت عنه فهما خاصًّا، اختصها به من معنى هذه السورة (^١).\nوقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-94>الصراط في المفهوم اللغوي:</span> هو الطريق السهل (^٢). والسبيل الواضح (^٣).\nوالصراط هنا: هو الإسلام، والهداية إليه هي التمسك والاعتصام به، فما أوضحه وما أسهله.\nوالهداية إلى الصراط: هي معرفة دين الإسلام. وتعلمه والعمل به، وجحد كل دين سواه.\nومما يؤكد أن الصراط هو الإسلام ما ثبت في مسند أحمد من حديث النَّواس بن سمعان مرفوعًا في وَصف الصراط بأنه هو الإسلام، قوله -ﷺ- مفسرًا له: «والصِّراطُ: الإسلامُ، والسُّوران: حُدُودُ الله، والأبوابُ المُفتَّحةُ: محارمُ الله، وذلك الدَّاعي على رأس الصِّراط: كتابُ الله، والدَّاعي من فوق الصِّراط: واعظُ الله في قلب كُلِّ مُسلمٍ» (^٤).\nولقد «أجمعَت الأمَّةُ من أهل التأويل جميعًا على أنَّ الصراطَ المستقيمَ هو: الطريقُ الواضحُ الذي لا اعوجاج فيه، وكذلك ذلك في لغة جميع العرب» (^٥).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٧٨)، بتصرف يسير.\n(^٢) والطريق عمومًا لا يقتضي السهولة؛ ينظر: الفروق اللغوية للعسكري (١/ ٢٩٨).\nوقال في القاموس المحيط (ص ٦٧٥): «الصِّراطُ -بالكسر-: الطريقُ، وجِسْرٌ مَمْدُودٌ على متْنِ جَهَنَّمَ».\n(^٣) لسان العرب (/ ٣١٣).\n(^٤) أخرجه الحاكم (٢٤٥)، والنسائي في الكبرى (١١١٦٩)، والترمذي (٢٨٥٩) وأحمد (١٧٩٠٩) وهو في صحيح الجامع (٣٨٨٧).\n(^٥) تفسير الطبري (١/ ١٧٠).","vol":"1","page":146},{"text":"إذًا فـ «[الصراط] (^١) المستقيم الذي ليس فيه عوج، قال الله -تعالى- لنبيه -ﷺ-: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣]؛ فالرسول -ﷺ- بعثه الله ليهديَ إلى صراط مستقيم، وهكذا الرسل جميعًا، كلهم بعثوا ليهدوا إلى الصراط المستقيم يعني: يدعون الناس إلى الصراط المستقيم وهو توحيد الله وطاعة أوامره وترك نواهيه والوقوف عند حدوده، هذا صراط الله المستقيم» (^٢).\n«والذي هو أَولى بتأويل هذه الآية عندي - أعني: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ -: أنْ يكونَ معنيًّا به: وَفِّقنا للثَّبات على ما ارتضيتَه [كما] (^٣) وَفَّقتَ له مَنْ أنعمتَ عليه من عبادِك من قولٍ وعملٍ، وذلك هو الصِّراط المستقيم؛ لأن من وُفِّقَ لِما وُفِّقَ له مَن أَنعم اللهُ عليه من النبيِّين والصدِّيقين والشهداء، فقد وُفِّقَ للإسلام وتصديقِ الرسلِ والتمسُّكِ بالكتاب والعملِ بما أمر الله به، والانزجارِ عمَّا زَجره عنه، واتِّباعِ منهج النبيِّ -ﷺ- ومنهاجِ أبي بكر وعمر وعثمان وعليٍّ وكلِّ عبدٍ لله صالحٍ، وكلُّ ذلك من الصراط المستقيم، وقد اختلفتْ تراجمةُ القرآن في المعنيِّ بالصراط المستقيم، يشمل معانيَ جميعِهم في ذلك ما اخترنا مِنَ التأويل فيه (^٤).\n«وذكر الصراط المستقيم مُفردًا مُعرَّفًا تعريفين:\nتعريفًا باللام، وتعريفًا بالإضافة، وذلك يُفيد تعيُّنَه واختصاصه، وأنه صراطٌ واحدٌ، وأمَّا طُرُقُ أهلِ الغضب والضلال، فإنه سبحانه يجمعها ويُفردها، كقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، فوَحَّدَ لفظَ الصراط وسبيله، وجمع السُّبُلَ المخالفة له (^٥).\n_________\n(^١) أضاف الباحث كلمة (الصراط) لاستقامة المعنى.\n(^٢) مجموع فتاوى العلَّامة عبد العزيز بن باز -﵀- (٢٤/ ١٦٨).\n(^٣) زاد الباحث كلمة (كما) ليستقيم الكلام.\n(^٤) (ينظر: تفسير الطبري (١/ ١٧١).\n(^٥) مدارج السالكين (١/ ٣٧).","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type='title' id=toc-95>وإنما الهداية: هدايتان مستقلتان، ولا تتم سعادة البشرية إلا بتحقيق الهدايتين جميعًا:</span>\nأما الهداية الأولى: فهي هداية دلالة وإرشاد إلى الصراط المستقيم، ولا تكون هذه الهداية إلا بمعرفة الحق وطريق الرشاد، ولا يتم ذلك إلا بالعلم، ولا يتم العلم إلا بالوحي المتضمن لإرسال الرسل وإنزال الكتب.\nأما الهداية الثانية: فهي هداية التوفيق والرشاد واتباع الحق والتمسك والاعتصام به، وتلك الهداية لا يملكها إلا الله، لا يملكها ملك مقرب ولا نبي مرسل.\nفبالهداية الأولى: وهي هداية الدلالة والإرشاد يُعرف الحقُ من الباطل، والتوحيدُ من الشرك، والسنةُ من البدعة، والخيرُ من الشر، والهدى من الضلالة والعمى والغواية.\nوبالهداية الثانية: وهي هداية التوفيق والإلهام والرشاد يُتبع الدينُ الحق الذي أُرسلت به الرسلُ وأُنزلت به الكتبُ ويُتمسك به، ويُنبذ ويُجحد ويُترك كلُ دين سواه.\nومما ينبغي أن يُعلم أن الهدايتين متلازمتين لا تنفك واحدة عن الأخرى، ولضرورة حاجةِ العبدِ للهدايتين أُمِرَ العبدُ أن يقف بين يدي ربه في صلاته ضارعًا خاشعًا متذللًا مستكينًا سائلًا لأعظم مطلوب وأجل مرغوب، ألا وهو هداية علام الغيوب فيدعوه قائلًا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، وهو في ذلك يسأل ربه سؤال اضطرار إلى هدايته التي لا غنى له عنها طرفة عين أو أقل من ذلك أبدًا، ويسأل ربه سؤال مذلة، ويسأله سؤال حاجة وفاقة، ويسأله الهدايتين جميعًا، ويسأله سلوك الصراط والسير والثبات عليه حتى الممات.\nولا شك أن مطلب الهداية أعز مطلب فهو مبنى على رحمة الله وتوفيقه وفضله وإحسانه.\nومن رحمة النبي -ﷺ- بأمته فإنه يصف لهم حال السائرين على الصراط، تحذيرًا لهم، فيقول -ﷺ-: «وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فتقومانِ جَنَبتَي الصِّراطِ يمينًا وشمالًا، فيمرُّ","vol":"1","page":148},{"text":"أوَّلُكُم كالبرقِ»، قال: قُلتُ: بأبي أنتَ وأمِّي، أيُّ شيءٍ كمرِّ البرقِ؟ قالَ: «ألم تَروا إلى البرقِ كيفَ يمرُّ ويرجعُ في طَرفةِ عينٍ؟ ثمَّ كمرِّ الرِّيحِ، ثمَّ كمرِّ الطَّيرِ، وشدِّ الرِّجالِ، تَجري بِهِم أعمالُهُم، ونبيُّكم قائمٌ على الصِّراطِ، يقولُ: ربِّ سلِّم سلِّم، حتَّى تَعجِزَ أعمالُ العبادِ، حتَّى يجيءَ الرَّجلُ فلا يَستَطيعُ السَّيرَ إلا زَحفًا»، قالَ: «وفي حافتيِ الصِّراطِ كَلاليبُ مُعلَّقةٌ مَأمورةٌ بأخذِ من أُمِرَتْ بِهِ؛ فمَخدوشٌ ناجٍ، ومَكْدوسٌ في النَّارِ» (^١). …\nفـ «تفكَّر الآن فيما يحل بك من الفزع بفؤادك إذا رأيت الصراط ودقَّتَه، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته، ثم قرَع سمعَك شهيق النار وتغيُّظُها، وقد كُلِّفت أن تمشي على الصراط، مع ضعف حالك، واضطراب قلبك، وتزلزل قدمك، وثقل ظهرك بالأوزار المانعة لك من المشي على بساط الأرض، فضلًا عن حدة الصراط، فكيف بك إذا وضعت عليه إحدى رجليك، فأحسست بحدَّته، واضطررت إلى أن ترفع قدمك الثانية، والخلائق بين يديك يزِلُّون ويتعثرون، وتتناولهم زبانية النار بالخطاطيف والكَلاليب، وأنت تنظر إليهم كيف ينكسون إلى جهة النار رؤوسهم وتعلو أرجلهم، فيا له من منظر ما أفظعَه، ومرتقًى ما أصعبَه، ومجال ما أضيقَه فاللهم سلِّم سلم (^٢).\nوقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ «يتضمَّن بيان أن العبد لا سبيلَ له إلى سعادته إلا باستقامته على الصراط المستقيم، وأنه لا سبيل له إلى الاستقامة إلا بهداية ربه له، كما أنه لا سبيل له إلى عبادته إلا بمعونته، ولا سبيل له إلى الاستقامة على الصراط إلا بهدايته» (^٣).\nو«على قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤).\n(^٢) التذكرة للقرطبي (٧٥٥).\n(^٣) ينظر: الفوائد؛ لابن قيم الجوزية (ص: ١٩) بتصرف يسير.","vol":"1","page":149},{"text":"يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط؛ فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالطيف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الركاب، ومنهم من يسعى سعيًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المخدوش المسلَّم، ومنهم المكردس (^١).\nفعلى العبد الناصح لنفسه، المكرم لها، الحريص على فكاك رقبته من النار، أنْ يجد في طلب الهدايتين جميعًا، هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والإلهام والرشاد، وعليه أن يبذل عمره كله في هذا المطلب العظيم، وأن يبذل دونه الهمم العوالي والمهج الغوالي، ذلك لأنه أعز مطلوب، وأجَل مرغوب، وأن يلح على الله في سؤال الهداية، وقد أمر الله عباده بذلك.\nكما ثبت ذلك في أشرف حديث لأهل الشام عند مسلم من حديث أبي إدريس الخولاني عن أبي ذرٍّ مرفوعًا، وهو حديثُ قدسيُّ: «يا عِبَادِي، كلُّكم ضالٌّ إلا مَن هَديتُه، فاسْتَهدُوني أَهدِكُم» (^٢).\n- والسورة قد «جمعت بين التوسل إلى الله تعالى بالحمد والثناء على الله تعالى وتمجيده، والتوسل إليه بعبوديته وتوحيده، ثم جاء سؤال أهم المطالب وأنجح الرغائب وهو الهداية بعد الوسيلتين، فالداعي به حقيق بالإجابة» (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.\nفقَوْلُهُ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.\n«أَيْ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ، قَالَ عِكْرِمَةُ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ -﵈-، وَقِيلَ: هُمْ كُلُّ مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ مِنَ\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ١٦).\n(^٢) رواه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر الغفاري.\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ٢٤).","vol":"1","page":150},{"text":"النَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النِّسَاءِ: ٦٩]» (^١).\nفالمنعم عليهم إذًا: هم الذين قال الله تعالى عنهم في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء].\n«وفيه الإشارةُ إلى الاقتداء بالسلف الصالح» (^٢) (^٣).\nوقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. «أي: غير الذين غَضِبت عليهم، وهم اليهود. ﴿وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾؛ أي: ولا الذين ضلُّوا، وهم النصارى، فكأن المسلمين سألوا الله -تعالى- أن يهديَهم طريق الذين أنعم عليهم، ولم يغضب عليهم كما غضب على اليهود، ولم يضلوا عن الحق كما ضلَّت النصارى» (^٤).\nوقال الضحاك، وابن جريج، عن ابن عباس ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: هم اليهود، ولا ﴿الضَّالِّينَ (٧)﴾ هم النصارى، وكذلك قال الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد، وقال ابن أبي حاتم: ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافًا.\nوشاهد ما قاله هؤلاء الأئمة من أن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون، قوله تعالى في خطابه مع بني إسرائيل في سورة البقرة: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ [البقرة]، وقال في المائدة: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ\n_________\n(^١) تفسير البغوي (١/ ٥٤).\n(^٢) فتح البيان في مقاصد القرآن:) ١/ ٥٢) أبو الطيب محمد صديق خان.\n(^٣) وهو الشيخ محمد صديق بن حسن بن علي بن لطف الله القِنَّوجِي البخاري الحسيني ولد عام ١٢٤٨ هـ ببلدة (بانس بريلي). نقلًا عن الموسوعة الحرة.\n(^٤) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي (٢/ ١).","vol":"1","page":151},{"text":"مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ [المائدة]، وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة] (^١).\nوفي المسند وسنن الترمذي من حديث عدي بن حاتم -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-96>والحاصل من جراء ذلك كله أن السبل المذكورة ثلاثة سبل:</span>\nالأول: سبيل المنعم عليهم.\nالثاني: سبيل المغضوب عليهم.\nالثالث: سبيل الضالين.\nويتبين من ذلك أيضًا:\nأن أهل السبيل الأول هم الذين قال الله فيه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ويدخل ضمنًا معهم المؤمنون المهتدون الذين أنعم الله تعالى عليهم بطاعته وعبادته.\nوأن أهل السبيل الثاني هم: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وهم اليهود، وكل من سلك سبيلهم ممن عرف الحق ولم يتبعه ولم يعمل به.\nوأن أهل السبيل الثالث هم: ﴿الضَّالِّينَ (٧)﴾ وهم النصارى، ومن سلك سبيلهم ممن عبد الله على جهالة وضلالة، لذا فكل من عرف الحق من علمائنا ولم يعمل به ففيه شبه من اليهود، وكل من عبد الله على ضلالة من عبادنا ففيه شبه من النصارى.\nولما كان اليهود أمة عناد خُصوا بما يناسبهم ألا وهو الغضب، ولما كانت النصارى أمة جهل خُصوا أيضًا بما يناسبهم ألا وهو الضلال.\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (١/ ١٤٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٤١٣)، ومسلم (١٠١٦).","vol":"1","page":152},{"text":"ولذلكـ «فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم؛ ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى، لأن من علم وترك استحق الغضب، بخلاف من لم يعلم.\nوالنصارى لما كانوا قاصدين شيئًا لكنهم لا يهتدون إلى طريقه، لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه، وهو اتباع الرسول الحق، ضلوا، وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود: الغضب، قال الله فيهم: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] وأخص أوصاف النصارى: الضلال، قال سبحانه فيهم: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٧]، وبهذا جاءت الأحاديث والآثار. وذلك واضح بين» (^١).\nوَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة: «كَانُوا يَقُولُونَ: مَنْ فَسَدَ مِنْ عُلَمَائِنَا فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ الْيَهُودِ، وَمَنْ فَسَدَ مِنْ عُبَّادِنَا فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ النَّصَارَى. وَكَانَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ يَقُولُ: احْذَرُوا فِتْنَةَ الْعَالِمِ الْفَاجِرِ وَالْعَابِدِ الْجَاهِلِ فَإِنَّ فِتْنَتَهُمَا فِتْنَةٌ لِكُلِّ مَفْتُونٍ.\nفَمَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ أَشْبَهَ الْيَهُودَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤].\nوَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِغَيْرِ عِلْمٍ بَلْ بِالْغُلُوِّ وَالشِّرْكِ أَشْبَهَ النَّصَارَى الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة] فَالْأَوَّلُ مِنْ الْغَاوِينَ وَالثَّانِي مِنْ الضَّالِّينَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-97>الكلام حول قول آمين بعد انتهاء السورة:</span>\nو«يستحبّ لمن قرأ الفاتحة أن يقول بعدها: آمين (مثل: يس)، ويقال: أمين.\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (١/ ١٤١ (.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٩٨).","vol":"1","page":153},{"text":"بالقصر أيضًا (مثل: يمين)، ومعناه: اللّهمّ استجب» (^١).\nو(آمين): اسم فعل أمر بمعنى: اللّهمّ استجب. فمن قالها بعد الدعاء فكأنه دعا بما أمَّن عليه، فإن كان هو الداعي فيكون قد دعا مرتين.\nو«التَّأْمِينُ قَائِمٌ مَقَامَ التَّلْخِيصِ بَعْدَ الْبَسْطِ، فَالدَّاعِي فَصَّلَ الْمَقَاصِدَ بِقَوْلِهِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ إِلَى آخِرِهِ، وَالْمُؤَمِّنُ أَتَى بِكَلِمَةٍ تَشْمَلُ الْجَمِيعَ، فَإِنْ قَالَهَا الْإِمَامُ فَكَأَنَّهُ دَعَا مَرَّتَيْنِ: مُفَصِّلًا ثُمَّ مُجْمِلًا» (^٢).\nو«اتفق العلماء على أنه يسن للمنفرد والمأموم أن يقول: آمين، فالمنفرد يؤمِّن بعد قراءته للفاتحة، والمأموم يؤمن بعد قراءة الإمام» (^٣).\nوالإمام كذلك يجهر بالتأمين لما دلت عليه السنة الثابتة الصحيحة عن النبي -ﷺ- أنه قال: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا»، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «آمِينَ» (^٤) (^٥).\nومن البدع الظاهرة التي سرت في كثير من بلدان المسلمين، وانتشرت يبن العامة انتشار النار في الهشيم: قراءة الفاتحة في مواطن شتى، مثل أن تُقرأ عند عقد صفقات تجارية من بيع أو شراء، أو عند عقود الأنكحة، أو عند التعزية في وفاة ميت، وفي غير ذلك من المواطن، معتقدين حدوث البركة في تلك المواطن بسبب تلك القراءة، ولا شك أن القرآن كتاب مبارك حيثما تُلي وحيثما قُرِئ، ولا يُشكُّ في ذلك أبدًا، لكن هذه المواطن وأمثالها لم يرد فيها قراءة للفاتحة أبدًا، لا عن النبي -ﷺ- ولا عن خلفائه\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (١/ ١٤٤ - ١٤٧).\n(^٢) فتح الباري (٢/ ٣٠٧).\n(^٣) ينظر: الموسوعة الفقهية) ١/ ١١ - ١٢).\n(^٤) البخاري (٧٣٨)، ومسلم) ٦١٨).\n(^٥) وقد بُسط البحثُ في التأمين بعد الفاتحة في ثنايا المبحث الأول من الفصل الثاني، ولذا ذُكِرَ هنا مقتضبًا.","vol":"1","page":154},{"text":"الأربعة، ولا عن أحد من أصحابه ﵃ أجمعين، ولا عن أحد من الأئمة الأربعة، ولا عن أيّ أحد من القرون الثلاثة المفضلة، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.\nو«أهل السنة والجماعة يقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة: هو بدعة؛ لأنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها» (^١) انتهى.\nولو كان هذا الأمر مشروعًا لبينه النبي -ﷺ- لأمته وهو مأمور بالبلاغ عن الله -﷿- تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧].\nوهنا «يقول تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا -ﷺ- باسم الرسالة، وآمرًا له بإبلاغ جميع ما أرسله الله به، وقد امتثل صلوات الله وسلامه عليه ذلك، وقام به أتم القيام» (^٢).\nيقول فضيلة شيخنا العلَّامة صالح الفوزان (^٣): «والعبادات التي تمارس الآن ولا دليل عليها كثيرة جدًّا، منها: طلب قراءة الفاتحة في المناسبات وبعد الدعاء وللأموات …» (^٤) انتهى.\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٧/ ٢٧٨، ٢٧٩)\n(^٢) تفسير ابن كثير (٣/ ١٥١)\n(^٣) هو فضيلة الشيخ الدكتور العلَّامة: صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان. ولد (١٣٥٤ هـ (، وعضو هيئة كبار العلماء، وعضو المجمع الفقهي بمكة المكرمة التابع للرابطة، وعضو لجنة الإشراف على الدعاة في الحج، إلى جانب عمله عضوًا في اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وإمام وخطيب ومدرس في جامع الأمير متعب بن عبد العزيز آل سعود في الملز. ينظر: الموسوعة الحرة.\n(^٤) البدعة أنواعها وأحكامها (١٥/ ١٤) من مجموعة مؤلفات الفوزان.","vol":"1","page":155},{"text":"و«قراءة الفاتحة عند التعزية بدعة، فما كان الرسول -ﷺ- يعزي بقراءة الفاتحة أبدًا، ولا غيرها من القرآن» (^١).\nفينبغي للمسلم أن يحرص على اتباع هدي النبي -ﷺ- وهدي أصحابه واجتناب البدع عملًا بعموم قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].\nولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (١٣/ ١٢٨٣).","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type='title' id=toc-98>المبحث السادس\nبيان بعض ما ورد في زمن وسبب نزولها</span>","vol":"1","page":157},{"text":"المبحث السادس:\nبيان بعض ما ورد في زمن وسبب نزولها\n\n<span data-type='title' id=toc-99>أولًا: أقوال العلماء في زمن نزولها </span>(^١):\nأكثر العلماء على أنها سورة مكية (^٢).\nوقيل: إنها سورة مدنية (^٣).\nوقيل: إن نصفها نزل بمكة ونصفها الآخر بالمدينة (^٤).\nوقيل: إنها نزلت مرتين: مرة بمكة حين فرضت الصلاة، ومرة بالمدينة حين حُوِّلت القبلة فصارت مكية مدنية (^٥) (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-100>والحاصل من هذا أن في زمن نزولها أربعة أقوال:</span>\nالأول: أنها مكية.\n_________\n(^١) ينظر: أسباب النزول للواحدي (١/ ١٢)\n(^٢) معالم التنزيل للبغوي (١/ ٤٩)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ١٠١)، التحرير والتنوير لابن عاشور (١/ ١٣٥ - ١٣٦).\n(^٣) تفرد بهذا القول مجاهد بن جبر، ونُسب للزهري ولا يصح (ذكره الحافظ في الفتح (٨/ ١٥٩)، وعلى ذلك أكثر أهل التفسير. ينظر: مصنف ابن أبي شيبة (١٠/ ٥٢٢ (، البيان لأبي عمرو الداني: ١٣٢ - ١٣٣)، الدر المنثور للسيوطي (١/ ٧).\n(^٤) وهو غريب جدًّا، نقله القرطبيّ عن أبي الليث السّمرقنديّ، وقد نُقِدَ بذلك فيما أعلم، ينظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ١٠١).\n(^٥) ينظر: معالم التنزيل للبغوي (١/ ٤٩)، الكشاف للزمخشري (١/ ٩٩) والبرهان في علوم القرآن للزركشي (١/ ٢٧).\n(^٦) قال الفيروز آبادي -﵀- بعد ما ذكر القرآن المكي والمدني-: فهذه جملة ما نزل بالمدينة. ولم نذكر الفاتحة لأَنَّه مختلَف فيها: قيل: أُنزلت بمكة، وقيل: بالمدينة؛ وقيل: بكلٍّ مرة. بصائر ذوي التمييز (١/ ٩٩).","vol":"1","page":159},{"text":"الثاني: أنها مدنية.\nالثالث: أنه نزل نصفها بمكة، ونزل نصفها الآخر بالمدنية.\nالرابع: أنها نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة.\nولا شك في صحة القول الأول، بأنها مكية، وهذا ما عليه الأكثرون، ومما يدلل على ذلك: أنه «قد صح أنها مكية لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧]، وهو مكي بالنص» (^١). وقد سبق بيان ذلك في ثنايا البحث.\nو«سورة الحجر مكية بلا اختلاف، ولم يكن الله ليمتن على رسوله -ﷺ- بإيتائه فاتحة الكتاب وهو بمكة ثم ينزلها بالمدينة، ولا يسعنا القول بأن رسول الله -ﷺ- قام بمكة بضع عشرة سنة يصلي بلا فاتحة الكتاب هذا مما لا تقبله العقول» (^٢).\nوقد وافق قولُ الواحدي قولَ البيضاوي في الاستدلال على مكية السورة بآية الحجر، وزاد عليه استدلالًا واستنباطًا مقنعًا؛ ألا وهو استحالة أن تفرض الصلاة بمكة وتقام دون أن يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وقد حقق بعض العلماء هذا القول بذلك الطاهر بن عاشور كما سياتي معنا بعد قليل عند الكلام على ترتيب نزولها.\nو«تنبيهٌ يُستنبطُ من تفسير السّبع المثاني بالفاتحة، أنّ الفاتحة مكّيّةٌ، وهو قول الجمهور خلافًا لمجاهدٍ، ووجه الدّلالة أنّه سبحانه امتنّ على رسوله بها وسورة الحجر مكّيّةٌ اتّفاقًا، فيدلّ على تقديم نزول الفاتحة عليها، قال الحسين بن الفضل: هذه هفوةٌ من مجاهدٍ؛ لأنّ العلماء على خلاف قوله، وأغرب بعض المتأخّرين فنسب القول بذلك لأبي هريرة والزّهريّ وعطاء بن يسارٍ» (^٣).\nومما نُظم وقيل في ذلك: قولُ أبي الحسن بن الحصار في كتابه الناسخ والمنسوخ:\n«المدني باتفاق عشرون سورة والمختلف فيها اثنتا عشر سورة وما عدا ذلك مكي باتفاق».\n_________\n(^١) أنوار التنزيل للبيضاوي (/ ٢٥١).\n(^٢) أسباب النزول للواحدي (١٧ - ١٧).\n(^٣) فتح الباري للحافظ ابن حجر (٨/ ١٥٩).","vol":"1","page":160},{"text":"ثم نَظَمَ قائلًا:\nيا سائلي عن كتاب الله مجتهدًا … وعن ترتب ما يُتلى من السور\nوكيف جاء بها المختار من مضر … صلى الإله على المختار من مضر\nوما تقدم منها قبل هجرته … وما تأخر في بدوٍ وفي حضر\nليعلم النسخ والتخصيص مجتهد … يؤيد الحكم بالتاريخ والنظر\nتعارض النقل في أمِّ الكتاب وقد … تُؤُوِلت الحجر تنبيها لمعتبر\nأم القرآن وفي أم القرى نزلت … ما كان للخمس قبل الحمد من أثر (^١)\nوالشاهد منها من قول الناظم: «تعارض النقل»\nأي: تعارضت الأقوال: يعني: أقوال أهل العلم في الفاتحة، أي: في كونها مكية أو مدنية، ومما يدل على مكيتها ما جاء في سورة الحجر من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر].\nومن المعلوم أن سورة الحجر مكية باتفاق، وقد امتنّ الله تعالى على رسوله -ﷺ- فيها بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ﴾ الآية، فدل على تقدم نزول الفاتحة على سورة الحجر، إذ كيف يحصل الامتنان عليه من الله بما لم ينزل بعد، وبقريب من هذا المعنى أشار غير واحد من أهل التفسير (^٢).\nوأخيرًا فإن «الحجر مكية بإجماع. ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة. وما حفظ أنه كان في الإسلام قط صلاة بغير ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ يدل على هذا قوله -﵇-: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (^٣) وهذا خبر عن الحكم، لا عن الابتداء، والله أعلم» (^٤).\n_________\n(^١) وللاستزادة ينظر: الإتقان للسيوطي (١/ ٤٤).\n(^٢) الإتقان (١/ ٦٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤).\n(^٤) تفسير القرطبي (١/ ١٥٤).","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type='title' id=toc-101>ثانيًا: ترتيب نزولها:</span>\nقال ابن عباس -﵁-: «نزلت بمكة بعد ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ … (١)﴾ [المدثر]» (^١)، «ونزلت بعدها ﴿تَبَّتْ يَدَا﴾ [المسد: ١]» (^٢).\nوقال ابن كثير: إنّها أوّل سورةٍ نزلت، والصّحيح أنّه نزل قبلها ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] وسورة المدّثّر ثمّ الفاتحة (^٣).\nوقيل: نزل قبلها أيضًا ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١]، وسورة المزّمّل، وقال بعضهم: هي أوّل سورةٍ نزلت كاملةً أي: غير منجّمةٍ، بخلاف سورة القلم، وقد حقّق بعض العلماء أنّها نزلت عند فرض الصّلاة فقرأ المسلمون بها في الصّلاة عند فرضها، وقد عدّت في روايةٍ عن جابر بن زيدٍ السّورة الخامسة في ترتيب نزول السّور (^٤).\nويتأكد مما سلف نزولها بمكة جملة واحدة غير منجمة، وأنها نزلت في جملة أوائل ما نزل من القرآن بعد المدثر وهو اختيار الحبر ابن عباس -﵁-.\nومما نُظم وقيل في ذلك (^٥):\nقول جعيجع:\nنظمتُ ترتيبَ تنزيلِ القُرَانِ كما … عند الحَبَنَّكةِ الميدانِ قدْ سُطرا (^٦)\nاقرأ بنونٍ ولا تزَّمل الدُّثُرا … والحمد لله تبَّ الشرْك وانكَدرا\nفهو يرتب نزول سور القرآن كما رتبها الميداني، فبدأ بـ (اقرأ، ثم نون والقلم، ثم المزمل، ثم المدثر، ثم الحمد وهي الفاتحة، ثم تبت يدا)، وهذا ما عليه الأكثرون.\n_________\n(^١) جمال القراء للسخاوي (١/ ١١).\n(^٢) القول الوجيز للمخللاتي (١٦١).\n(^٣) التفسير (١٤/ ١٧٦).\n(^٤) التحرير والتنوير لابن عاشور (١/ ١٣٥ - ١٣٦).\n(^٥) ينظر: منظومة نظم الدرر في ترتيب نزول السور، ليزيد عبد الرحمن جعيجع، موقع الألوكة، وهي منظومة طويلة بيَّن فيها ترتيب سور القرآن.\n(^٦) يعني بذلك: ترتيب عبد الرحمن حبنكة الميداني لنزول سور القرآن، وهو ترتيب قويّ، بلغنا أن الأزهر أقره واعتمده.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type='title' id=toc-102>ثالثًا: ظروف نزولها:</span>\n«في بداية نزول الوحي حيث لم يكن النبي -ﷺ- قد تلقَّى كثيرًا من القرآن جاءه جبريل -﵇- بفاتحة الكتاب، في جوٍ بدأ فيه المشركون يتوجسون خيفة من هذا الجديد الذي لم يألفوه، جاءه بالسورة الكريمة لتكون النبراس الأوفى والمنهج الأكمل رغم إيجازها وقصرها، حيث طالت كافة مجالات القرآن العظيم، واشتملت على شتى مقاصده، فتناولت أصول الدين وفروعه، ولزوم الإِيمان بأسماء الله تعالى وصفاته، وبشرت بالتوحيد الذي لا يكون إلا بإفراده جل شأنه بالعبادة من دعاء واستعانة وتوكل، والتوجه إِليه جلَّ وعلا بطلب الهداية إِلى الدين القويم، وانتهاج المنهج الكريم الذي سار عليه ركب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، إضافة إلى لزوم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وقضائه وقدره والاعتقاد باليوم الآخر، وقد أنارت السورة الكريمة سبيل النجاة بالتضرع إِليه سبحانه بالتثبيت على الإِيمان ونهج صراط الصالحين، وتجنب طريق المغضوب عليهم والضالين، وبذلك احتوت قصص الأمم السابقة، وتضمنت الأخبار اللاحقة؛ فنوهت بمدارج السعداء، وحذرت من مدارك الأشقياء، وحصرت مصدر التعبد والتشريع في رب السماوات والأرض وحده سبحانه، فكانت إيذانًا من الله تعالى لرسوله ﵊ بإقامة منهج التوحيد حياة وسلوكًا ودعوة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-103>رابعًا: سبب نزولها:</span>\nلا شك أنَّ معرفة أسباب النزول مما يعين على فهم مراد الله من الآية أو السورة، وبعض السور أو الآيات لا يمكن التوصل لحقيقة معناها وما سيقت من أجله إلا بعد معرفة سبب نزولها والواقعة التي سيقت وأنزلت من أجلها أو بسببها، وكذلك فإن معرفة سبب النزول مما يعين على معرفة وفهم وبيان حكم التشريع الإلهي أيضًا.\nوليس كل آية أو سورة في كتاب الله لها سبب نزول، بل إن منها ما يكون له سبب،\n_________\n(^١) هدايات سورة الفاتحة- د. أحمد ولد محمد ذو النورين -مجلة البيان- (١٢/ ٩/ ٢٠١٠ م)، بتصرفٍ يسيرٍ جدًّا.","vol":"1","page":163},{"text":"ومنها ما يكون ليس له سبب؛ لأن نزول القرآن إما ابتدائي ليس له سبب، وإما سببيّ.\nوغالب سور القرآن وعمومها ابتدائي ليس له سبب معروف ومذكور، فمنها ما ينزل هداية ابتداءً دون سبب؛ لأنه كتاب هداية للبشرية جمعاء، ومنها ما ينزل للتشريع وبيان الأحكام أو للاعتبار والاتعاظ ككثير من القصص، أو لبيان الناسخ والمنسوخ، أو لذكر الوعد والوعيد، أو قد يرد السؤال فتنزل الآيات بالجواب الشافي الكافي، أو لحادثة قد تقع فتحتاج إلى تفصيل وبيان وإيضاح، أوقد يقع فعل يحتاج إلى بيان معرفة حكمه الشرعي.\nوسورة الفاتحة لم يقف الباحث على سبب نزول لها، إلا ما أورده بعض أئمة التفسير بسند منقطع فـ «من طريق أبي ميسرة (أحد كبار التابعين) أن: رسول الله كان إذا برز سمع مناديًا ينادي: يا محمد، فإذا سمع الصوت انطلق هاربًا فقال له: ورقة بن نوفل إذا سمعت النداء فاثبت حتى تسمع ما يقول لك، فلما برز سمع النداء فقال: «لبيك، قال: قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله»، ثم قل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ … حتى فرغ من فاتحة الكتاب.\nقلت: وهو مرسل ورجاله ثقات؛ فإن ثبت حُمِل على أن ذلك كان بعد قصة غار حراء، ولعله كان بعد فترة الوحي والعلم عند الله تعالى» (^١) (^٢).\nولم يقف الباحث على سبب صحيح ثابت يحسن الاستدلال به في سبب نزول السورة الكريمة.\nوقد يقف الباحث على الحكمة من عدم وجود سبب لنزول سورة من السور، وقد لا يقف.\nومنها سورة الفاتحة، فلم يقف الباحث خلال بحثه القاصر على الحكمة من عدم وجود سبب ظاهر لنزولها.\nولعل في هذا كفاية والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) العجاب في بيان الأسباب للحافظ ابن حجر (١/ ٢٢٣). والحديث مرسل ورجاله ثقات.\n(^٢) وينظر أيضًا: الكشف والبيان للثعلبي، أسباب النزول للواحدي (١٧).","vol":"1","page":164},{"text":"<span data-type='title' id=toc-104>المبحث السابع\nبيان بعض ما ورد في\nفضائلها وخصائصها</span>","vol":"1","page":165},{"text":"المبحث السابع:\nبيان بعض ما ورد في فضائلها وخصائصها\nلقد صنف أئمة الإسلام في فضائل القرآن مؤلفات ومصنفات كُثُر، وكان السبق في التصنيف في هذا الميدان للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام الهروي -﵀-، حيث صنف كتابًا أسماه: (فضائل القرآن ومعالمه وآدابه)، وجُلّ المصنفاتِ في هذا الباب من بعده تستقي من معين كتابه وتنهل من بحر علمه الزاخر، فهو بمثابة الكتاب الأم في بابه، ولقد اعتنى فيه مصنفه برواية الأحاديث والآثار بسنده، ولكن الكتاب جمع الصحيح وغير الصحيح، ولأهمية الكتاب من الناحية العلمية والتصنيف فقد لاقى قبولًا واسعًا فمؤلفه إمام وعلم من أعلام الأمة، وكذلك لقي الكتاب العناية بالتحقيق والتدقيق من بعض الباحثين المعاصرين (^١).\nوممن صنف في هذا الباب أيضًا محمد بن عبد الواحد بن إبراهيم الغافقي الأندلسي -﵀- (ت-٦١٩ هـ)، فقد صنف كتابه (لمحات الأنوار ونفحات الأزهار وري الظمآن لمعرفة ما ورد من الآثار في ثواب قارئ القرآن)، ومصنفه هذا من أفضل وأنفع وأجمع ما صنف في بابه، ولقد اعتنى به مصنفه فجمعه من سبعين كتابًا كما بين ذلك في مقدمته، ولمكانة الكتاب وأهميته فقد لاقى عناية من بعض الباحثين فقام بتحقيقه (^٢).\n_________\n(^١) كتحقيق مروان العطية وزملائه ونشرته دار ابن كثير بدمشق، وتحقيق أحمد بن عبدالواحد الخياطي في رسالته للماجستير ونشرته وزارة الأوقاف المغربية في جزأين. وهذا الكتاب لا يستغنى عنه بغيره لإمامة مؤلفه.\n(^٢) حققه الدكتور رفعت فوزي عبدالمطلب بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، ونشرته دار البشائر الإسلامية في ثلاثة مجلدات.","vol":"1","page":167},{"text":"وهذا الباب لاقى عناية فائقة فكتب فيه الأولون والآخرون مصنفات عدة، منها ما هو محفوظ ومنها ما هو مفقود، ومما حفظ فيما كُتِبَ في ذلك ما كتبه ابن أبي شيبة صاحب المصنف، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن كثير، وأبو الفضل … عبد الرحمن بن أحمد الرازي المقرئ، والإمام الآجري صاحب كتاب الشريعة، وابن الضريس، والنووي، ومن المتأخرين خلق كثير منهم محمد بن رزق بن طرهوني، كذلك الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ومما حُفِظَ أيضًا ويُفاد منه في هذا الباب الموسوعات الحاسوبية (الإلكترونية) كموسوعة علوم القرآن، فقد حوت قرابة ثمان وعشرين مصنفًا من مصنفات أمهات كتب علوم القرآن.\nولفاتحة الكتاب المكانة العظمى فيما كُتب وصنف في هذا الباب، فقد اعتنى الأئمة ببيان فضائل السورة الكريمة وذكر ما ورد فيها من أحاديث وآثار، ومن البديهي أن يرد فيها ما هو صحيح ثابت وما هو دون ذلك كما مرَّ معنا ذكر ذلك آنفًا، فكان من الباحث الاكتفاء بذكر ما ثبت وصح من الأحاديث والآثار الثابتة والواردة في فضل سورة الفاتحة، وهي كثيرة مما يدل على عظيم قدر السورة وجليل شأنها وعلو منزلتها، ونسوق بعض ما ورد وثبت في فضلها وخصائصها على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-105>أولًا: الفاتحة هي أعظم سور القرآن</span>.\nلا شك أن القرآن كله هو كلام الله ﷾، والله تعالى له الحكمة البالغة في اصطفاء وتفضيل بعض آياته وسوره على بعض لما حوته من الفضائل والحكم، وسورة الفاتحة حازت السبق الأكبر في هذا التفضيل بين سور القرآن حتى أضحت أعظم سورة في كتاب الله.\nفقد ثبت عند البخاري وغيره من حديث أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى -﵁- قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: «أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:","vol":"1","page":168},{"text":"٢٤]؟»، ثُمَّ قَالَ لِي: «لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ»، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَقُلْ لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ» (^١).\n«فهذا الحديث نص في أن الفاتحة هي السبع المثاني والقرآن العظيم، وهي المقصودة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر] (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-106>ثانيًا: الفاتحة أفضل القرآن</span>.\nلما ثبت من حديث أنس -﵁- قال: «كان النبي -ﷺ- في مسيرٍ، فنزل، فمشى رجلُ من أصحابه إلى جانبه، فالتفت إليه، فقال: «ألا أخبركَ بأفضلِ القرآنِ؟» قال: فتلا عليه الحمد لله رب العالمين» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-107>ثالثًا: الفاتحة لها خصائص ليست لغيرها</span>.\nومما يجلي ويوضح ما خُصت به الفاتحةُ وفُضِلَت به على سور القرآن الكريم ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ -﵁- قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «هَذَا بَابٌ مِنْ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلا أُعْطِيتَهُ» (^٤).\nومن هذا الحديث يتجلى ويتضح عظم شأنها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤٧٤).\n(^٢) مدراج السالكين (١/ ٥٢).\n(^٣) أخرجه ابن حبان (٧٧٤)، والضياء المقدسي في المختارة (١٧١٨)، والحاكم (٢٠٦٣) وصححه، والنسائي في الكبرى (٧٩٥٧)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح، وصححه الألباني في صحيح الموارد (١٤٣١).\n(^٤) أخرجه مسلم (٨٠٦).","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type='title' id=toc-108>ومن عظم شأنها أنها:</span>\n١ - يُفتح لنزولها بابٌ من السماء لم يُفتح من قبل.\n٢ - وينزل ملكٌ خصيصًا ولأول مرة ليبشر النبيَ -ﷺ- بها، وما أعظمها من بشارة «أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا»، حتى يبشر بها أمته.\n٣ - فَضَّلَ اللهُ بها نبيهَ محمدًا -ﷺ- دون سائر المرسلين، وإنما أمته تابعة له، «لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ».\n٤ - كما فُتِحَ الحديثُ عنها بالبشرى خُتِمَ كذلك بالبشرى بقوله: «لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلا أُعْطِيتَهُ».\nوقد اختلف العلماء في معنى قوله: «إِلا أُعْطِيتَهُ» - فحمله بعضهم على أن المراد ما ورد فيها من الدعاء، وحمله آخرون على الثواب، ولا يمنع من اجتماع الفضلين جميعًا.\nقال السندي في حاشيته على سنن النسائي: «أي: مما فيه من الدعاء إلا أعطيته، أي: أعطيت مقتضاه». اهـ.\nوقال المُلَّا علي القاري في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: «أي: أعطيت ما اشتملت عليه تلك الجملة من المسألة كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ وكقوله: - ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]- ونظائر ذلك، وفي غير المسألة فيما هو حمد وثناء أعطيت ثوابه». اهـ.\nوقال ابن عَلَّان الصديقيّ الأشعريّ المكيّ (^١) في كتابه دليل الفالحين شرح رياض\n_________\n(^١) ابن عَلَّان (٩٩٦ - ١٠٥٧ هـ) هو محمد علي بن محمد عَلَّان بن إبراهيم البكريّ الصديقيّ الشافعيّ، من أهل مكة، وهو مُفسِّر ومحدِّث، وله مصنفات ورسائل كثيرة، ولعل أشهر آثاره: ضياء السبيل في التفسير، ودليل الفالحين لطرق رياض الصالحين في الحديث، وقد شرح فيه كتاب رياض الصالحين، وينظر: الأعلام للزركلي خير الدين.\nوهو أشعري جلد، وهناك دراسة تحت مسمى «المسائل العقدية في كتاب دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين لمؤلفه ابن عَلَّان الصديقيّ (ت ١٠٥٧ هـ) -عرض ونقد- سامي عوض الذيابي-رسالة ماجستير- جامعة الملك سعود- (١٤٣٨ هـ).","vol":"1","page":170},{"text":"الصالحين: «والمراد ثوابه الأعظم من ثواب نظيره في غير هذين، أو المراد بالحرف معناه اللغوي وهو الطرف، وكنَّى به كل جملة مستقلة بنفسها: أي: أعطيت ما تضمنته إن كانت دعائية -كـ ﴿اهْدِنَا﴾ - و﴿غُفْرَانَكَ﴾ -الآيتين، وثوابهما إن لم يتضمن ذلك كالمشتملة على الثناء والتمجيد» (^١). اهـ.\nوقول مُلَّا علي القاري -﵀- هو أجمع الأقوال، وقريب منه قول ابن عَلَّان، ومما يُرجح ذلك الحديث القدسي المشهور: «قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» وختم الحديث بقوله: «قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (^٢).\nوالسورة «جمعت بين التوسل إلى الله تعالى بالحمد والثناء على الله تعالى وتمجيده، والتوسل إليه بعبوديته وتوحيده، ثم جاء سؤال أهم المطالب وأنجح الرغائب وهو الهداية بعد الوسيلتين، فالداعي به حقيق بالإجابة» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-109>رابعًا: ومن دلالات هذا الحديث على خصائص فاتحة الكتاب</span>.\nأن الصلاة لا تصح بدونها، لقول أبي هريرة -﵁- في صدر الحديث: مَنْ صَلَّى صَلاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ ثَلاثًا غَيْرُ تَمَامٍ (^٤)، فَقِيلَ لأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ، فَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ، ثم ذكر الحديث بتمامه.\nإذ من المعلوم أن قراءة الفاتحة ركن من الصلاة، لا تصح بدونها، لما ثبت أيضًا في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (^٥).٢).\n_________\n(^١) ينظر: موقع إسلام ويب، بتاريخ: (١٩ ذو الحجة ١٤٣١ هـ).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٩٥).\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ٢٤).\n(^٤) أخرجه مسلم (٣٩٥).\n(^٥) أخرجه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤).","vol":"1","page":171},{"text":"ومن خصائصها كذلك أنها: «قد تضمنت جميع معاني الكتب المنزلة» (^١).\nومن خصائصها كذلك أنها: متضمنة لأنفع الدعاء.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «تأملت أنفع الدعاء، فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾» (^٢) انتهى.\n«ومَن ساعده التوفيق وأُعِينَ بنور البصيرة حتى وقف على أسرار هذه السورة وما اشتملت عليه من التوحيد، ومعرفة الذات والأسماء والصفات والأفعال، وإثبات الشرع والقدر والمعاد، وتجريد توحيد الربوبية والإلهية، وكمال التوكل والتفويض إلى مَن له الأمر كله وله الحمد كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله، والافتقار إليه في طلب الهداية التي هي أصل سعادة الدارين، وعلم ارتباط معانيها بجلب مصالحهما ودفع مفاسدهما، وأن العاقبة المطلقة التامة والنعمة الكاملة منوطة بها موقوفة على التحقق بها؛ أغنته عن كثير من الأدوية والرقى، واستفتح بها من الخير أبوابه، ودفع بها من الشر أسبابه» (^٣) انتهى.\nوفضائل وخصائص السورة الكريمة أكثر من أن تُحصى، وما ذُكِر غيضٌ من فيضٍ، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.\nوما ثبت من فضائل عظيمة وخصائص جليلة لفاتحة الكتاب مما يدفع المؤمن ويرغبه ويحثه على العناية بالقرآن الكريم وتدبره ومدارسته عمومًا، وبسورة الفاتحة خصوصًا.\nولعل في هذا كفاية، والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٧٤).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٧٨).\n(^٣) زاد المعاد (٤/ ٣١٨).","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type='title' id=toc-110>الفصل الثالث\nالمناسبات\nفي السورة الكريمة</span>\nويشتمل على أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: مناسبة افتتاح القرآن الكريم بسور الفاتحة.\nالمبحث الثاني: مناسبة سورة الفاتحة مع تاليتها.\nالمبحث الثالث: مناسبة آيات سورة الفاتحة مع بعضها البعض.\nالمبحث الرابع: علاقة السورة الكريمة بالسور المفتتحة بالحمد لله.","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type='title' id=toc-111>المبحث الأول\nمناسبة افتتاح القرآن الكريم\nبسورة الفاتحة</span>","vol":"1","page":175},{"text":"المبحث الأول:\nمناسبة افتتاح القرآن الكريم بسورة الفاتحة\n\n<span data-type='title' id=toc-112>توطئة:</span>\nالقرآن الكريم: «هو كلام الله تعالى المنزل على نبينا محمد -ﷺ- المكتوب في المصاحف المنقول إلينا نقلًا متواترًا المتعبد بتلاوته المتحدى بأقصر سورة منه» (^١).\nوالقرآن: «كلام الله منه بدا، بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدَّقه المؤمنون على ذلك حقًّا، وأيقنوا أنه كلام الله -تعالى- بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر» (^٢).\nوهو: المعجز بلفظه، فآياته فاقت الغاية دقة وإحكامًا، وتجلت عيانًا وضوحًا وبيانًا، سبحانه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود]، فهي: «محكمة في لفظها، مفصلة في معناها، فهو كامل صورة ومعنى» (^٣).\nفآياته كلها محكمة في سردها، دقيقة في سبكها، متينة في أسلوبها، مترابطة في ارتباط واتصال معانيها، فهي ككلمة واحدة متسعة في معانيها، منتظمة في مبانيها، وهي متماسكة مترابطة آخذ بعضها برقاب بعض، كأنها سبيكة واحدة، وعقد فريد متماسك متناظم على أكمل وأتم الوجوه، يسير إعجازها سريان الماء المتدفق في نهر جار.\nوهي مع ذلك كله: فهي «محكمة متقنة لا نقص فيها ولا نقض لها كالبناء المحكم» (^٤).\n_________\n(^١) تاريخ القرآن الكريم-رابطة العالم الإسلامي-سلسلة دعوة الحق-السنة الثانية- (١٤٠٢ هـ).\n(^٢) الطحاوية (١/ ١٧٢).\n(^٣) ابن كثير (٤/ ٣٠٣).\n(^٤) فتح القدير (١/ ٦٤٧).","vol":"1","page":177},{"text":"والقرآن قد «جعلت آياته محكمة النظم والتأليف، واضحة المعاني بليغة الدلالة والتأثير، فهي كالحصن المنيع، والقصر المشيد الرفيع، في إحكام البناء، وما يقصد به من الحفظ والإيواء مع حسن الرواء، فهي لظهور دلالتها على معانيها ووضوحها لا تقبل شكًّا ولا تأويلًا، ولا تحتمل تغييرًا ولا تبديلًا» (^١).\nأحكمت آياته: فـ «نظمت نظمًا رصينًا محكمًا، لا يقع في نقض ولا خلل، كالبناء المحكم المرصف» (^٢)، ربنا ﵎: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨].\nفـ «لا اختلال فيه بوجه من الوجوه» (^٣).\nفقد أحكمها أحكم الحاكمين، وفصَّلها العليم الخبير.\nولمَّا نزل القرآنُ أعجزَ أربابَ الفصاحةِ وملوكَ البلاغة والبيان من صناديد قريش، فأذعنوا لسلطانه وأبهرهم بيانه، وشهدوا لإعجازه وفصاحته وبلاغته، والحق ما شهدت به الأعداء، ومن عاند منهم وجحد لم يستطع أن يطعن فيه ولو بكلمة واحدة، ولكن رموا مَن بلَّغه عن الملك الوهاب -ﷺ- بالبهتان والسباب وقالوا: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ … (٤)﴾ [ص].\nبل تخطى حاجز الإقرار بالإعجاز وحسن البيان من الإنس إلى الجان، فلما سمعوه قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١)﴾ [الجن].\nكانت هذه التوطئة كمقدمة لبيان عظمة القرآن في إعجازه وبلاغته، وعلم المناسبات لا شك مما يدل على إعجاز القرآن الكريم من كل الوجوه.\nو«علم المناسبات علم عظيم أُودعت فيه أكثر لطائف القرآن وروائعه، وهو أمر معقول إذا عرض على العقول تلقته بالقبول.\n_________\n(^١) تفسير المنار لرشيد رضا (١٢/ ٤).\n(^٢) الكشاف للزمخشري (٣/ ١٨١).\n(^٣) تفسير الألوسي (٢٣/ ٢٦٢).","vol":"1","page":178},{"text":"وهو: علم شريف تحزر به العقول، ويعرف به قدر القائل فيما يقول» (^١).\n«ومَن تأمل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه فهو أيضًا بسبب ترتيبه ونظم آياته» (^٢).\nومما سبق إيضاحه وبيانه يتبين أن نظم آيات القرآن يعجز الخلق أجمعين عن الإتيان بمثله، فدل ذلك على أن ترتيب آيات القرآن أمر توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-113>ومن الأهمية بمكان بيان مفهوم علم المناسبات في اللغة والاصطلاح</span>.\nأولًا:<span data-type='title' id=toc-114> المناسبة في اللغة: المقاربة والمشاكلة </span>(^٣).\n- واصطلاحًا: هي علم تعرف منه علل ترتيب أجزاء القرآن (^٤).\nوبمعرفة علم المناسبات يتضح ويتبين إعجاز القرآن واتساق آياته وتناسقها على وجه من الكمال والجمال والجلال، وهذا مما يظهر إعجازه وبلاغته على صفة تشهد أنه كلام الله المعجز بلفظه المتحدى به، فلو كان كلام بشر لاختلت معانيه ولاضطربت مبانيه، ولوجدوا فيه من الاختلاف ما يمكنهم معه من الطعن فيه.\nوفي نحو ذلك يقول الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء].\n\n<span data-type='title' id=toc-115>ومن فوائد وثمار معرفة علم المناسبات أنه:</span>\n١ - يعين على إبراز أوجه الصلة والتناسب بين السور والآيات ومعرفة علاقة الآية أو السورة بسابقتها ولاحقتها، وهذا مما يقرب فهم معاني القرآن وبيان مقاصده ووضوح مراميه، لمفسره أولًا، ومِن ثَمَّ لقارئه ومتدبره وتاليه.\n٢ - ويعين أيضًا على إدراك الحكمة من التشريع والترابط بين أحكام الشريعة في\n_________\n(^١) البرهان (ص: ٣٥).\n(^٢) والكلام للقاضي أبي بكر بن العربي المالكي في حديثه عن سورة البقرة: وينظر: (نظم الدرر: ١/ ٩، والإتقان (٢/ ١٣٨).\n(^٣) الإتقان للسيوطي (٢/ ١٣٩).\n(^٤) نظم الدرر للبقاعي (١/ ٦).","vol":"1","page":179},{"text":"الأمر والنهى والتحليل والتحريم والثواب والعقاب وغير ذلك من الأحكام.\n٣ - ومن فوائده:\nأنه لما كان ترتيب بلاغة القرآن وحسن نظم أسلوبه وروعة خطابه وحسن نظامه ما أعجز الإنس والجان أن يأتوا بمثله، والعرب مهما أوتوا من بلاغة وروعة بيان وإحكام في فصاحة ومهما أوتوا من ذكاء وفطنة، فإن إعجاز بيان القرآن فوق ما حباهم الله من الفصاحة والبيان، فدل ذلك على أن هذا ليس بكلام البشر، ودل على إثبات نبوة ورسالة من بلغه للبشر عن رب البشر -ﷺ-، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء].\nوفي نحو ماسبق يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «مَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ وَتَدَبَّرَ مَا قَبْلَ الْآيَةِ وَمَا بَعْدَهَا وَعَرَفَ مَقْصُودَ الْقُرْآنِ تَبَيَّنَ لَهُ الْمُرَادُ وَعَرَفَ الْهُدَى وَالرِّسَالَةَ وَعَرَفَ السَّدَادَ مِنْ الِانْحِرَافِ وَالِاعْوِجَاجِ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-116>ومن المناسبة بمكان ذكر بيان موجز لأهم المصنفات في علم المناسبات:</span>\n<span data-type='title' id=toc-117>فمن أبرزها وأشهرها ما يلي:</span>\n١ - «البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن» لأبي جعفر بن الزبير الأندلسي (ت ٨٠٧ هـ).\n٢ - «نظم الدرر في تناسب الآيات والسور» لبرهان الدين البقاعي وهو أوسع كتاب في بابه وبلغ كتابه اثنين وعشرين مجلدًا.\n٣ - «تناسق الدرر في تناسب السور» لجلال الدين السيوطي (ت: ٩١١ هـ)، وله أيضًا: «مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع».\n٤ - «جواهر البيان في تناسب سور القرآن» لعبد الله الغُمَاري وهناك مؤلفات كُثُر ضمن مصنفوها علمَ المناسبات كتبَهم دون أن يفردوها بتصنيف مستقل، وهناك أيضًا كتابات لبعض المتأخرين لكنهم عيال على المتقدمين فيما كتبوا.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٩٤/ ١٥)","vol":"1","page":180},{"text":"وعلم المناسبات منهم مَن مدحه مدحًا مطلقًا، ومنهم مَن ذمَّ وعاب من دخل فيه متكلفًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-118>ومن العلماء المادحين المؤيدين:</span>\nأبو بكر النيسابوري -﵀-، وهو من أبرز من اعتنى بعلم المناسبات، وبرهان الدين البقاعي، والفخر الرازي، والزركشي صاحب البرهان، والسيوطي صاحب الإتقان، وفي صدد ذلك يقول الفخر الرازي: «أكثر لطائف القرآن مودعه في الترتيبات، والروابط» (^١)، ويقول أيضًا: «علم المناسبات علم عظيم أُودِعَت فيه أكثر لطائف القرآن وروائعه» (^٢).\nويقول بدر الدين الزركشي: «من محاسن الكلام أن يرتبط بعضه ببعض، لئلا يكون منقطعًا، وهو مبني على أن ترتيب السور توفيقي، وإذا اعتبرت افتتاح كل سورة وجدته في غاية المناسبة؛ لما خُتمت به السورُ قبلها، ثم هو قد يخفى تارة، ويظهر أخرى» (^٣).\nوفي صدد ذلك يقول الغُماري الحسني:\nعلمُ التناسب للسور … علمٌ جليلٌ ذو خطر\nقد قلّ فيه الكاتبون … كما قدْ عزَّ المُستطر (^٤)\nعرض آراء العلماء المعارضين لعلم المناسبات ومناقشتها:\nوالمعارضون له وإن كانوا قلة إلا أن رأيهم محل أخذ ورد ونظر لمن أعمل فكره واعتبر وادَّكر.\nفقد ذكر الزركشي -﵀- في: (البرهان) تحفُّظ عز الدين عبد السلام على القول\n_________\n(^١) السيوطي: الإتقان (٢/ ١٠٨)، الزركشي: البرهان (١/ ٣٦، ٢/ ٥٢٣).\n(^٢) الزركشي: البرهان (١/ ٣٥).\n(^٣) نفس المرجع السابق (١/ ٣٥) وبعدها.\n(^٤) الغماري: جواهر البيان (٢ (.","vol":"1","page":181},{"text":"بالمناسبات في القرآن فقال: «وقال عز الدين بن عبد السلام -﵀-: المناسبة علم حسن، ولكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر، ومن ربط فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك يصان عنه حسن الحديث فضلًا عن أحسنه؛ فإن القرآن نزل في نَيِّف وعشرين سنة في أحكام مختلفة ولأسباب مختلفة، وما كان كذلك لا يأتي ربط بعضه ببعض» (^١).\nوالعز بن عبد السلام إنما أنكر التزام ذلك في كل موضع.\nكما نُقل عن أبي حيان الأندلسي صاحب البحر المحيط كلامٌ شبيه بكلام عز الدين عبد السلام» (^٢).\nومنهم أيضًا أبو الحسن الحرالي المغربي (٦٣٧ هـ)، والغزنوي، والشوكاني وهو أكثرهم رفضًا ومنعًا للتكلف والتزام المناسبة في كل موضع؛ فعند تفسيره لقوله -تعالى-: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ [البقرة].\nقال: «اعلم أن كثيرًا من المفسرين جاؤوا بعلم متكلف، وخاضوا في بحر لم يكلفوا سباحته، واستغرقوا أوقاتهم في فن لا يعود عليهم بفائدة، بل أوقعوا أنفسهم في التكلم بمحض الرأي المنهي عنه في الأمور المتعلقة بكتاب الله سبحانه، وذلك أنهم أرادوا أن يذكروا المناسبة بين الآيات القرآنية المسرودة على هذا الترتيب الموجود في المصاحف جاؤوا بتكليفات وتعسفات يتبرأ منها الإنصاف، ويتنزه عنها كلام البلغاء فضلًا عن كلام الرب سبحانه، حتى أفردوا ذلك بالتصنيف، وجعلوه المقصد الأهم من التأليف، كما فعله البقاعي في تفسيره» (^٣).\n_________\n(^١) الزركشي: البرهان ١/ ٣٧، السيوطي: الإتقان (٢/ ١٠٨ و١٣٨)، السيوطي: أسرار ترتيب القرآن ٣٠.\n(^٢) الدكتور مصطفى مسلم: مباحث في التفسير الموضوعي (٦٢). ١٠ معدد الأجزاء.\n(^٣) فتح القدير (١/ ٧٢ - ٧٣).","vol":"1","page":182},{"text":"والشوكاني نفسه قد ترجم للبقاعي في كتابه (البدر الطالع).\nفقال عنه: «إنه من الأئمة المتقنين المتبحرين في جميع المعارف»، ومدحه ووصفه بأنه «من أوعية العلم المفرطين في الذكاء الجامعين بين علميّ المعقول والمنقول.\nومدح مُؤلفه الموسوم بـ (نظم الدرر) بقوله: «ومن أمعن النظر في كتاب له في التفسير الذي جعله في المناسبة بين الآي والسور علم أنه من أوعية العلم المفرطين في الذكاء الجامعين بين علميّ المعقول والمنقول، وكثيرًا ما يشكل عليّ شيء في الكتاب العزيز وأرجع إلى مطولات التفسير ومختصراتها فلا أجد ما يشفي غليلي، وأرجع إلى هذا الكتاب فأجد ما يفيد» (^١).\n«ولما كان هذا العلم دقيق المسالك خفي المدارك احتاج الباحث فيه إلى استفراغ الجهد بغية الاستقصاء اللغوي لدلالات الكلمات القرآنية، والإحاطة بأسباب النزول والقراءات، والتوسع في أفانين علوم النحو والمعاني والبيان والبديع مع حسٍّ مرهف، ونفس شفافة، والتقاط سريع، وألمعية وافرة، ولَمَّاحية عالية وسلامة في القصد؛ ليدرك سر اللُّحمة بين لطائف الآيات القرآنية ومراد الله -تعالى- من ترتيب كلامه على هذه الصفة، فتبدو له أوجه المناسبات في النَّظْم الحكيم» (^٢).\n«وهكذا تتجلى أهمية المناسبات القرآنية في أنه علم مُعِين على جعل أجزاء الكلام وقد أخذ بعضها بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط بينها، ويصير تآلفها كحال البناء المحكم، المتلائم الأجزاء» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-119>القول الراجح في المسألة:</span>\nومن الإنصاف الأخذ برأي أهل الإنصاف، فرأيهم فيه التوسط وعدم الإجحاف\n_________\n(^١) الشوكاني: البدر الطالع (١/ ٢٠ - ٢٢. ٢).\n(^٢) د. مصطفى مسلم: مباحث في تفسير الموضوعي، (٦٥ - ٦٦) بتصرف.\n(^٣) الزركشي: البرهان، (١/ ٣٦)، السيوطي: الإتقان (٢/ ١٠٨).","vol":"1","page":183},{"text":"والانجراف والانعطاف، وهم الأكثرون، وكثير من القائلين بالمنع إنما منعوا التعسف والتكلف في كل موضوع، والقائلون بالمنع مطلقًا قلّة قليلة جدًّا، ولله الحمد.\nوالأخذ بعلم المناسبة كلما ظهرت أماراتها لمن كان أهلًا لذلك وتوافرت فيه شروط الأهلية هو القول الوسط العدل، ذلك أن علم المناسبات علم له ضوابطه وأصوله وقواعده، فليس لكل أحد أن يخوض فيه بغير علم ولا ضوابط فلابد أن يكون عالمًا بالتفسير وعلومه، مُطلعًا على علم أسباب النزول، وملمًا بأقوال أهل التأويل، عالمًا بالقراءة المتواترة وتوجيهها، وعالمًا كذلك بعلوم لغة التنزيل نحوها وتصريف أفعالها، عالمًا ببلاغتها -بيانًا وبديعًا ومعانيَ-، ولديه دراية بدلالة الألفاظ اللغوية والبيانية، ولديه عناية ودراية بعلوم الآلة كلها، وأن يكون معتدلًا في الفهم والإدراك لئلا يتعسف ويتكلف في إيجاد المناسبات بلا مناسبات، وذلك ليكون أهلًا للنظر في كلام رب البشر.\n\n<span data-type='title' id=toc-120>ولعل في هذا الإيجاز المختصر ما يغني بالإشارة عن العبارة لأهل البحث والنظر</span>.\nمناسبة افتتاح القرآن الكريم بسورة الفاتحة.\nلفاتحة الكتاب مكانتها المميزة في القرآن الكريم، فلذا افتتح الله بها كتابه، فهي (أمّ القرآن) وهي (أمّ الكتاب) وهي (السبع المثاني)، ولها غير ذلك من الأسماء التي سُمِّيت بها، التي تدلل على بيان قدرها ومكانتها بين سور القرآن الكريم، ولقد حوت آياتها السبع مقاصد القرآن الكريم وكلياته، فلمكانتها وقدرها وما اشتملت عليه ناسب افتتاح القرآن الكريم بها.\n«وافتتح الله سبحانه كتابه بهذه السورة؛ لأنَّها جمَعتْ مقاصد القرآن، ولأنَّ فيها إجمالَ ما يحويه القرآن مفصلًا؛ فجميع القرآن تفصيل لِمَا أجملتْه، وفي ذلك براعة استهلال؛ لأنَّها تنزل من سور القرآن منزلَ دِيباجة الخطبة أو الكتاب» (^١).\n_________\n(^١) وينظر: تناسق الدرر في تناسب السور للسيوطي (ص: ٥١: ٤٩)، البرهان في تناسب سور القرآن لابن الزبير الغرناطي (ص: ١٨٧) تفسير ابن عاشور (ص: ١/ ١٣٥).","vol":"1","page":184},{"text":"لذا فهي كالمقدمة بين يدي سور القرآن الكريم لاشتمالها على جميع مقاصده وأغراضه ومواضيعه، فهي أجملت ما فُصِّلَ فيه، فناسب أن تتقدم سورَهَ جميعًا، وناسب أن يأتي بعدها سور القرآن متتابعة لتفصل ما أُجمِلَ في فاتحته.\n«قال العلماء: إنما افتتح سبحانه كتابه بهذه السورة؛ لأنها جمعت جميع مقاصد القرآن فناسب الافتتاح بها، لأنها تصير كبراعة الاستهلال وهي الإتيان أول الكلام بما يدل على المقصود على وجه الإجمال. وكالعنوان، والمراد بالعنوان نوع من أنواع البديع يسمى بذلك.\nقال ابن أبي الأصبع في بدائع القرآن: «العنوان أن يأخذ المتكلم في غرض فيأتي لقصد تكميله وتأكيده بأمثلة في ألفاظ تكون عنوانًا لأخبار متقدمة وقصص سالفة، ومنه نوع عظيم جدًّا وهو عنوان العلوم بأن يذكر في الكلام ألفاظ تكون مفاتيح العلوم ومداخل لها.\nوالفاتحة لكونها جامعة لجميع مقاصد القرآن، وفيها الإشارة إلى جميع الأخبار المتقدمة من بدء الخلق والأمم السالفة من اليهود والنصارى وغيرهم، وفيها الإشارة إلى مفاتيح العلوم ومداخلها.\nفلما جمعت الفاتحة هذه كانت جديرة بأن تكون عنوان القرآن بالتقرير الذي ذكره ابن أبي الأصبع» (^١).\nولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) الحاوي للفتاوي للسيوطي (ص: ٣٥١ - ٣٥٢). بتصرف غير يسير من الباحث.","vol":"1","page":185},{"text":"<span data-type='title' id=toc-121>المبحث الثاني\nمناسبة سورة الفاتحة مع تاليتها</span>","vol":"1","page":187},{"text":"المبحث الثاني:\nمناسبة سورة الفاتحة مع تاليتها\n\n<span data-type='title' id=toc-122>أوجه المناسبة بين السورتين</span>.\n<span data-type='title' id=toc-123>أولًا: المناسبة بينهما في مطلع السورتين</span>.\n١ - لما قال سبحانه في مطلع سورة الفاتحة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ وهو وصفٌ لله تعالى بأنه مالك ليوم الجزاء، وهو الذي يملك الحكم والفصل والقضاء بين عباده في هذا اليوم، لا ينازعه فيه أحد من خلقه لأن مُلكَ ملوكِ الدنيا وأملاكهم كله قد زال ولم يبق إلا مُلك ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وفي هذا تقرير للميعاد والجزاء والحساب.\nفناسب أن يقول في مطلع سورة البقرة: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾، وكأنه وصفٌ لاستجابتهم له سبحانه أنهم بالآخرة مؤمنون وموقنون ومصدقون، وفي هذا إقرار للميعاد والجزاء والحساب، فلما كان في الفاتحة تقرير، ناسب أن يكون في البقرة إقرار.\n«وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئًا، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، كما قال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ [النبأ]، وكما قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨)﴾ [طه]، وقال: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾ [هود]» (^١).\nوكلمة: ﴿مَالِكِ﴾ فيها قراءتان متواترتان.\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (١/ ١٣٤).","vol":"1","page":189},{"text":"أما القراءة الأولى: ﴿مَالِكِ﴾ فقد «قُرئت: بإثبات الألف بعد الميم ﴿مَالِكِ﴾، وهي قراءة عاصم والكسائي ويعقوب وخلف العاشر.\nأما القراءة الثانية: ﴿مَالِكِ﴾ فقد-قُرئت: بحذف الألف ﴿مُلْكِ﴾، وهي قراءة الباقين من العشرة؛ وهم: أبو جعفر، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-124>أما توجيه القراءة الأولى:</span>\nفكلمة: ﴿مَالِكِ﴾، بالألف اسم فاعل من ملك ملكًا بكسر الميم؛ أي: مالك مجيء يوم الدين، والمالك: هو المتصرف في الأعيان المملوكة كيف شاء، وقد أجمع القراء على إثبات الألف في قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وكلمة ﴿مَالِكِ﴾ فيها محذوفة الألف رسمًا كما في الفاتحة.\nو﴿مَالِكِ﴾ -بالألف- أمدح من ﴿مَالِكِ﴾ وأعم (^٢)؛ حيث تقول: هو مالك الجن والإنس والطير والدواب، ولا تضيف (مَلِكًا) إلى هذه الأصناف.\nكما أن زيادة المبنى -كما في ﴿مَالِكِ﴾ بالألف- تدل على زيادة المعنى.\n\n<span data-type='title' id=toc-125>وأما توجيه القراءة الثانية:</span>\nفكلمة ﴿مَالِكِ﴾ على وزن فَقِه صفة مشبهة؛ أي: قاضي يوم الدين (^٣) والْمَلِكُ هو\n_________\n(^١) ينظر: النشر (١/ ٢٧١)، والإتحاف (١/ ٣٦٣).\n(^٢) وأسماء الله وصفاته كلها حسنى وهي صفات كمال وجمال وجلال كلها، قال ربنا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال ربنا: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [لقمان: ١١٠].\n(^٣) هذا من باب الإخبار عن الله ﷿، وباب الإخبار عن الله تعالى أوسع من باب الأسماء.\nوقد قال ابن القيم -﵀-: الفعل أوسع من الاسم، ولهذا أَطلق الله على نفسه أفعالًا لم يتسمَّ منها بأسماء الفاعل، كأراد وشاء وأحدث، ولم يُسمَّ بـ «المريد» و«الشائي» و«المُحدث» كما لم يسمِّ نفسه بـ «الصانع» و«الفاعل» و«المتقن» وغير ذلك من الأسماء التي أطلق على نفسه، =","vol":"1","page":190},{"text":"المتصرف بالأمر والنهي في المأمورين من المُلك بضم الميم.\nو﴿مَالِكِ﴾ -بالألف- أبلغ من ﴿مَالِكِ﴾؛ لأن كلّ مَلِك مالك، وليس العكس، كما أن القراء أجمعوا على حذف الألف منه في مواضع، نحو: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣]، ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٦]، ﴿مَلِكِ النَّاسِ (٢)﴾ [الناس]» (^١).\nويتبين ويتضح من قراءة ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ بالقصر: أن (ملك) لفظة مشتقة من الملك، والملك بمعنى أنه: ذو سلطان وذو قوة وذو حكم وغلبة وتدبير وقهر.\nوأما قراءة: ﴿مَالِكِ﴾ بالمد، والتي هي مشتقة من الملك، تدل على: ملك الأعيان كلها كما تدل على القدرة في التصرف في تلك الأعيان.\nويتبين ويتضح من معنى القراءتين مجموعتين كما مرَّ معنا آنفًا، أن الله تعالى مالك لهذا اليوم ملكًا تامًّا له كمال ملكه، وله التصرف فيه، لا ينازعه في ذلك أحد من خلقه، وهو بمعنى إخلاص المُلك له سبحانه وحده يوم الدين.\nومع أن الله تعالى لا يوجد من ينازعه ملكه يومئذ فضلًا عن أن يكون هناك مدعٍ لذلك، وذلك لأنه قد زال ملكُ كلِ ملكٍ في الدنيا، أما الملك في الدنيا، فقد كان يطلق على بعض البشر مجازًا، لأنه ملك محدود وموقوت وزائل لا محال، وإنما كان هذا الملك في الدنيا لبعض الخلق ابتلاء من الله تعالى لهم.\n٢ - ولما قال تعالى في الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، ناسب في البقرة أن\n_________\n=فباب الأفعال أوسع من باب الأسماء.\nوقد أخطأ خطأً كبيرًا من اشتق له من كل فعل اسمًا وبلغ بأسمائه زيادة على الألف فسمَّاه «الماكر، والمخادع، والفاتن، والكائد» ونحو ذلك.\nوكذلك باب الإخبار عنه بالاسم أوسع من تسميته به فإنَّه يُخبر عنه بأنه «شيء، وموجود، ومذكور، ومعلوم، ومراد، ولا يسمَّى بذلك» انتهى من مدارج السالكين) ٣/ ٤١٥).\n(^١) ينظر: صفحات في علوم القراءات د. أبو طاهر عبد القيوم السندي (١/ ٣١١ - ٣١٤). بتصرف يسير جدًّا.","vol":"1","page":191},{"text":"يأتي بأول الأوامر فيها فقال سبحانه: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، وهو تفصيل لما أُجمِلَ في الفاتحة وتأكيد له.\nوقد وردت الأحكام التعبدية مفصلة في ثنايا سورة البقرة، فما أُجمِلَ في الفاتحة منها فُصِلَ في البقرة.\nفالبقرة قد ورد فيها تفاصيل المسائل التشريعية من العبادات والمعاملات والحدود وما يتعلق بالأسرة من أحكام النكاح والطلاق والمواريث وسائر العلاقات الأسرية والاجتماعية وغيرها من أصول وضروب العبادات التفصيلية ودقائق المعاملات التأصيلية، فالفاتحة كالأصول والبقرة كتفريع الفروع على الأصول، فناسب أن تأتي الفروع موضحة ومفصلة ومبينة لما أُجمِل في الأصول.\n٣ - ولما أرشد الله تعالى عباده في سورة الفاتحة إلى أن يسألوه أعظم المطالب وأعز الرغائب ألا وهو مطلب الهداية إلى الصراط المستقيم، بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة] استجاب لهم ربهم فقال في مطلع سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة]، وهو إبانة لهم عن الصراط المستقيم، فكأنهم لما طلبوا الهداية إلى الصراط المستقيم جاءهم الجواب ذلك الصراط الذي سألتم وطلبتم الهداية إليه هو ذلك الكتاب الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت].\nوفي أحد أوجه التفسير أن الصراط المستقيم هو القرآن الكريم، وقد قيل: إنه مروي عن بعض الصحابة -﵃-.\nقال ابن مسعود -﵁-: «﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾: هو القرآن».\nوقيل: إنه مروي عن علي -﵁- مرفوعًا: «الصراط المستقيم كتاب الله» (^١).\n_________\n(^١) الدر المنثور للسيوطي (١/ ٣٩)، وعزاه السيوطي لوكيع وعبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر وابن الأنباري، والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن مسعود -﵁-. قال الحاكم بعده: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. =","vol":"1","page":192},{"text":"ولا شك أن القرآن الكريم موضح لمعالم الصراط ومبين لمناراته، وموجه لحدوده، ومرشد لسبل السعادة والفلاح المؤدية للفوز والنجاح في الدارين، ولما كانت حاجة العباد إلى الهداية إلى الصراط المستقيم حاجة من أشد الحاجات، وضرورتُهم إلى معرفته والدلالة عليه والعلم والعمل والتحقق به ضرورة من أشدّ الضرورات وأعظمها مطلبًا وأرجاها نفعًا وأعظمها مثوبة وأجرًا وأحمدها عاقبة؛ ناسب أن يرد الترغيب في الإلحاح في طلبه في مطلع فاتحة الكتاب مجملًا، ثم ناسب أن يرد جواب العباد لما فيه الدلالة على هذا الصراط في أطول سور القرآن- مفصلًا وموضحًا ومبينًا، ولا شك أن هذا إن دل على شيء، فإنما يدل على كمال ربوبية الله تعالى، وأن ربوبيته ﷾ مبناها على رحمته ورأفته بعباده وإرادة الخير لهم ودلالتهم عليه وإيصاله إليهم، ولا خير أعظم من الهداية والدلالة عليها والإرشاد إليها، ومن ثَمَّ التوفيق والإلهام لها.\n٤ - و«أوائل هذه السورة مناسبة لأواخر سورة البقرة، لأن الله تعالى لما ذكر أن الحامدين طلبوا الهدى، قال: قد أعطيتكم ما طلبتم: هذا الكتاب هدى لكم فاتبعوه، وقد اهتديتم إلى الصراط المستقيم المطلوب المسؤول، ثم إنه ذكر في أوائل هذه السورة الطوائف الثلاث الذين ذكرهم في الفاتحة: فذكر الذين على هدى من ربهم، وهم المنعم عليهم، والذين اشتروا الضلالة بالهدى، وهم الضالون، والذين باؤوا بغضب من الله، وهم المغضوب عليهم» (^١).\nلذا لما كانت الفاتحة مشتملة على مطلب الهداية لصراط المنعم عليهم، ذكر الله بعدها صراطين آخرين وهما صراط المغضوب عليهم وهم اليهود ومَن شابههم،\n_________\n= وقد جاء مرفوعًا عن على بن أبي طالب عن النبي -ﷺ- قال: «الصراط المستقيم كتاب الله» تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣٠) رقم (٣٢).\nقال ابن كثير: «وقد رُوي عن عليٍّ وهو أشبه، والله أعلم»: تفسير ابن كثير (١/ ٤٢). ولعل كونه موقوفًا أصح.\n(^١) أسرار ترتيب القرآن للسيوطي (١/ ٢).","vol":"1","page":193},{"text":"وصراط الضالين وهم النصارى ومَن شابههم فقال ربنا: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾، ناسب أن تُفتتح سورةُ البقرة بما يدل على طريق الهداية لصراط المنعم عليهم ألا وهو: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة] والمتقون وصفٌ من أوصاف المنعم عليهم أهل الصراط المستقيم، وهو كما وصفه الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، ففيه دلالة واضحة وتأكيد على أنهم لما طلبوا الهداية دُلُّوا على هذا الكتاب المجيد الذي يهدي لأقوم طريق، وأوضح سبيل، ألا وهو الصراط المستقيم.\nثم تلا سبيل المنعم عليهم في سورة البقرة سبيل المغضوب عليهم وهم اليهود، وسبيل الضالين وهم النصارى كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا … سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [البقرة] والآية شملت أهل الصراطين من المغضوب عليهم والضالين، ذلك لأن أهل الصراطين المغضوب عليهم والضالين يشملهم وصف الكفر.\nومن هنا يتبين أوجه المناسبة بين خاتمة سورة الفاتحة مع مفتتح سورة البقرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-126>ثانيًا: التناسب العام بين محتوى السورتين الكريمتين</span>.\n١ - إن من أوجه التناسب بين السورة وتاليتها علاقته الإجمال والتفصيل، فما أُجمل في الأولى يرد مفصلًا في تاليتها، وقد سبق آنفًا الإشارة لشيء من البيان الموجز بشأن هذا الجانب وصدده.\nهذا ولقد «افتَتح الله سبحانه كتابه بهذه السورة؛ لأنَّها جمَعتْ مقاصد القرآن، ولأنَّ فيها إجمالَ ما يحويه القرآن مفصلًا؛ فجميع القرآن تفصيل لِمَا أجملتْه، وفي ذلك براعة استهلال؛ لأنَّها تنزل من سور القرآن منزلَ دِيباجة الخطبة أوالكتاب» (^١).\n٢ - هذا وعلى العموم، فإن سورة الفاتحة قد حوت معاني القرآن العظيم كله،\n_________\n(^١) ينظر: البرهان في تناسب سور القرآن للبقاعي (ص: ١٨٧)، تناسق الدرر في تناسب السور للسيوطي (ص: ٤٩ - ٥١٠).","vol":"1","page":194},{"text":"واشتملت على مقاصده الأساسية، فقد أُجمِلَ فيها الدينُ كله أصوله وفروعه، عقيدة وعبادة، وشريعة ومنهاجًا، كما أنها حوت قضايا الإيمان بالله واليوم الآخر مجملة، والإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، ووجوب إفراده الله تعالى بالعبودية والاستعانة إجمالًا، وإفراده تعالى-كذلك- بالسؤال والدعاء والتوجه إليه سبحانه بطلب الهداية إلى الصراط المستقيم، وسؤاله الثبات عليه، وسلوك سبيل المنعم عليهم واتباع نهجهم، وتجنب سبيل المغضوب عليهم وسبيل الضالين، وفيها الإخبار عن قصص الأمم الغابرة، والاطلاع على معارج ومنازل أهل السعادة، ومنازل ومدارك أهل الشقاء، وفيها التعبد لله بالاستجابة له سبحانه في فعل المأمور وترك المحظور، وغير ذلك مما حوته السورة من مقاصد وأهداف مجملةً.\nأما سورة البقرة فهي أطول سور القرآن قاطبة، وهي من السور المدنية التي تعنى بجانب التشريع وتفاصيله، شأنها في ذلك شأن السور المدنية، التي تفصل الأحكام التشريعية وتبينها، عقائد كانت أم عبادات، معاملات كانت أم أخلاق وسلوكيات.\nفهي تبين وتفصل الأحكام التشريعية والأحكام العملية في العبادات والمعاملات كأحكام الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وكذلك تبين الحدود والفرائض والأحكام التي تنظّم حياة الفرد والجماعة، وهذا ما أُجمِلَ في الفاتحة وفُصِل ها هنا في البقرة.\n٣ - قد ورد في الفاتحة التحذير من سلوك سبيل المغضوب عليهم وسلوك سبيل الضالين إجمالًا، فناسب ذلك أن يرد في البقرة ذكر ذلك تفصيلًا.\nفجاء في البقرة بيان كفر وشرك وضلال أهل الكتاب وفضحهم وبيان صريح كفرهم، فاليهود والنصارى نسبوا لله تعالى الولد صراحة، وقال بعضهم عن المسيح -﵇-: إنه نفسه هو الله، وقال البعض منهم: هو ابن الله، وقال البعض الآخر منهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. قال ربنا ﵎: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. تعالى الله عما يقولوا الظالمون علوّا كبيرًا.","vol":"1","page":195},{"text":"٤ - وكذلك لما أُجمِلَ في الفاتحة التحذيرُ من سلوك صرط المغضوب عليهم وهم اليهود وكل من عرف الحق ولم يعمل به، ولا شك في أن المنافقين يشملهم هذا الوصف.\nفقد ناسب أن يأت هنا في البقرة مفصلًا ذكر المنافقين وبيان أحوالهم وكشف عوارهم وفسادهم وإفسادهم في المجتمع المسلم، وبيان ضلالهم وإظهار فضائحهم والكشف عن خبثهم وكشف خبيئة نفوسهم الدنيئة وإظهار سوء طباعهم وخوارهم وجبنهم وأنهم لا ولاء لهم للدين أبدًا، وأنهم لاهم لهم إلا الكيد للإسلام وأهله وقد ضموا لذلك حبهم للعرض الزائل والمتاع الفاني من الحياة الدنيا.\nولعل في ذلك الاختصار إيضاح، يغني عن التطويل وزيادة الإفصاح.","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type='title' id=toc-127>المبحث الثالث\nمناسبة آيات سورة الفاتحة\nمع بعضها البعض</span>","vol":"1","page":197},{"text":"المبحث الثالث:\nمناسبة آيات سورة الفاتحة مع بعضها البعض\n\n<span data-type='title' id=toc-128>أولًا: المناسبة في مطلع السورة</span>.\n«لمَّا أثبت بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أنه المستحق لجميع المحامد لا لشيء غير ذاته الحائز لجميع الكمالات أشار (^١) إلى أنه يستحقه أيضًا من حيث كونه ربًّا مالكًا منعمًا فقال: ﴿رَبِّ﴾، وأشار بقوله: ﴿الْعَالَمِينَ (٢)﴾ إلى ابتداء الخلق تنبيهًا على الاستدلالات بالمصنوع على الصانع (^٢) وبالبداءة على الإعادة كما ابتدأ التوراة بذلك» (^٣).\nفلما كان حمده ﵎ مستغرقًا جميع النعم ناسب أن يأتي بعد حمده وصفه بالربوبية العامة التي عمّ بها جميع خلقه بنعمه الظاهرة والباطنة، مبينًا سبحانه استحقاقه جل في علاه وصف ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-129>ومما يؤيد ما ذكره الباحث آنفًا قول الطاهر بن عاشور:</span>\n«وهو وصف لاسم الجلالة (^٤)، فإنه بعد أن أسند الحمد إلى اسم ذاته -تعالى-\n_________\n(^١) وعبارة: (أشار) تدخل في باب الأفعال، وباب الأفعال أوسع من باب الأسماء.\n(^٢) و(الصانع) ليس من أسماء الله تعالى ولا من صفاته، وإنما هذا من باب الإخبار، وهذا الباب أوسع من باب الأسماء والصفات وهذا قول عموم أهل العلم، فأسماء الله تعالى وصفاته الحسنى توقيفية، فلا يُسمَّ الربُ تعالى ولا يُوصفُ إلا بما ثبت لذاته العلية من الأسماء والصفات في الكتاب العزيز والسنة الصحيحة.\n(^٣) نظم الدرر للبقاعي (١/ ١٧).\n(^٤) وقول ابن عاشور: «وهو وصف لاسم الجلالة»، يعني بذلك: وصف الرب جل في علاه أنه: (رب العالمين).","vol":"1","page":199},{"text":"تنبيهًا على الاستحقاق الذي عقب بالوصف وهو الرب ليكون الوصف متعلقًا به أيضًا؛ لأن وصف المتعلق متعلق أيضًا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-130>ثانيًا: مناسبة قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بالآية السابقة لها </span>وهي قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾.\n«ولما كانت مرتبة الربوبية لا تستجمع الصلاح إلا بالرحمة أتبع ذلك بصفتي ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ترغيبًا في لزوم حمده، وهي تتضمن تثنية تفصيل ما شمله الحمد أصلًا» (^٢).\nوالبقاعي يعني بذلك: أن ربوبيته ﵎ مبنية على الرحمة، فلذلك جاءت صفتي ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بعد وصفه سبحانه ذاته العلية بأنه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، ليتبين ويتأكد أن تلك الربوبية مبناها على الرحمة التي هي من أخص صفات الرب الكريم ﷾.\n\n<span data-type='title' id=toc-131>ثالثًا: مناسبة قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ بالآية السابقة </span>وهي قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\n«ولما كان الرب المنعوت بالرحمة قد لا يكون مالكًا وكانت الربوبية لا تتم إلا بالمِلك المفيد للعزة المقرون بالهيبة المثمرة للبطش والقهر المنتج لنفوذ الأمر أتبع ذلك بقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ ترهيبًا من سطوات مجده» (^٣).\nفدل كونه ﷾ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ على كمال وتمام ربوبيته جل في علاه، فلا تتم الربوبية إلا بكمال الملك وتمامه، فجاءت مناسبتها تأكيًدا على عموم وشمولية وكمال ربوبيته جل في علاه.\n_________\n(^١) التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور (ص: ١٦٦).\n(^٢) نظم الدرر للبقاعي (١/ ١٧).\n(^٣) المرجع السابق (١/ ٢٩).","vol":"1","page":200},{"text":"ومن ذلك يتبين أنه ﷾ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ فإذا تحقق ملكه سبحانه ليوم الدين وهو اليوم الأعظم الذي يجمع الله فيه الأوليين والآخرين ليجازيهم بأعمالهم، فلا شك في ثبوت ملكه لما هو دونه من ملك الدنيا وما فيها وما عليها، ومن كمال ملكه لهما وتمامه أنه مدبر الأمر وله التصرف الكامل فيهما لا ينازعه فيهما أحد من خلقه، وبقوله سبحانه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ يتضح أن كل مُلكٍ في الدنيا ينسب لأحد من خلقه إنما هو ملك زائل لا محالة، قال ربنا: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ [غافر].\n«و﴿يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ في الظاهر هو يوم ظهور انفراد الحق بإمضاء المجازاة حيث تسقط دعوى المدعين، وهو من أول يوم الحشر إلى الخلود فالأبد» (^١).\n«فهو تعالى بمقتضى ذلك كله ملِك يوم الدين ومالكه مطلقًا في الدنيا والآخرة، وإلى الملك أنهى الحق تعالى تنزل أمره العلي لأن به رجع الأمر عودًا على بدء بالجزاء العائد على آثار ما جبلوا عليه من الأوصاف تظهر عليهم من الأفعال كما قال تعالى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩] و﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا … يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]، و[الأحقاف: ١٤]، و[الواقعة: ٢٤] وبه تم انتهاء الشرف العلي وهو المجد الذي عبر عنه قوله تعالى: «مجدني عبدي» (^٢)» (^٣).\n«ولما لم يكن فرق هنا في الدلالة على الملك بين قراءة «مَلِك» وقراءة «مالك» جاءت الرواية بهما، وذلك لأن المالك إذا أضيف إلى اليوم أفاد اختصاصه بجميع ما فيه من جوهرة وعرض، فلا يكون لأحد معه أمر ولا معنى للمَلِك سوى هذا» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-132>رابعًا: مناسبة قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ بالآية السابقة </span>وهي قوله: ﴿مَالِكِ\n_________\n(^١) المرجع السابق (١/ ٣٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٩٥).\n(^٣) نظم الدرر للبقاعي (١/ ٣١).\n(^٤) المرجع السابق (١/ ٣٢).","vol":"1","page":201},{"text":"يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾.\nلما تحقق وتبين أنه سبحانه وحده (مالك الدين) ناسب ألا يُعبد إلا إياه ولا يستعان إلا به، وفي هذا بيان لاستحقاقه سبحانه الإفراد بالعبودية والاستعانة.\nوفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب بكلمة (إياك).\n«وقدمت العبادة على الاستعانة لأن الاستعانة ثمرتها، وإعادة (إياك) مع الفعل الثاني تفيد أنَّ كلًّا من العبادة والاستعانة مقصود بالذات» (^١).\nوكلمة (إيَّاكَ) في الجملتين مفعول به حقه التأخير، لكنها تقدمت فعلي (نعبد) و(نستعين) لتفيد الحصر والاختصاص، وتقديم المعمول في اللغة كما هو معلوم يفيد الحصر والاختصاص، فتحصر العبادة لله ولا يختص به سواه سبحانه، وكذلك الاستعانة، فيكون المعنى: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك.\nومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ الآية [البقرة].\nومثله أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾ الآية [البقرة].\nوقد سبق ذكر ذلك سابقًا في ثنايا البحث (^٢).\n«فلما استجمع الأمر استحقاقًا وتحبيبًا وترغيبًا وترهيبًا كان من شأن كل ذي لبّ الإقبال إليه وقصر الهمم عليه فقال عادلًا عن أسلوب الغيبة إلى الخطاب لهذا، مقدمًا للوسيلة على طلب الحاجة، لأنه أجدر بالإجابة (إياك) أي: يا من هذه الصفات صفاته! (نعبد) إرشادًا لهم إلى ذلك؛ ومعنى (نعبد) كما قال الحرالي (^٣):\n_________\n(^١) إعراب القرآن الكريم (ص: ٣١).\n(^٢) في المبحث الثاني: بيان معنى كلمة التوحيد وشروطها (ص: ٤٤).\n(^٣) الحَرَالِّيُّ (٠٠٠ - ٦٣٨ هـ) هو العلَّامة المتفنن أبو الحسن علي بن أحمد بن حسن التجيبي الأندلسي. ولد بمراكش، وأخذ النحو عن ابن خروف، ولقي العلماء، وجال في البلاد، ولهج بالعقليات، وسكن حماة، وعمل تفسيرًا عجيبًا ملأه باحتمالات لا يحتمله الخطاب العربي أصلًا، وتكلم في علم الحروف والأعداد، وزعم أنه استخرج منه وقت خروج الدجال ووقت=","vol":"1","page":202},{"text":"«تبلغ الغاية في أنحاء التذلل، وأعقبه بقوله مكررًا للضمير حثًّا على المبالغة في طلب العون ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ إشارة إلى أن عبادته لا تتهيأ إلا بمعونته وإلى أن ملاك الهداية بيده: فانظر كيف ابتدأ سبحانه بالذات، ثم دل عليه بالأفعال، ثم رقي إلى الصفات، ثم رجع إلى الذات إيماء إلى أنه الأول والآخر المحيط، فلما حصل الوصول إلى شعبة من علم الفعال والصفات علم الاستحقاق للإفراد بالعبادة فعلم العجز عن الوفاء بالحق فطلب الإعانة» (^١).\nولا شك في أن كلام البقاعي آنفًا كلامٌ بديعٌ يتبين من ثناياه عظم مكانة مناسبات الآية مع تاليتها وسابقتها، وجمال الترابط النصي في كتاب الله وما يظهر ويتجلى من معاني عظيمة تزيد المعنى وضوحًا وتجلى عيانًا عظم كلام الله ﵎ لأولي الألباب.\nقال الحرالي: «وهذه الآيات أي: هذه وما بعدها مما جاء كلام الله فيه جاريًا على لسان خلقه فإن القرآن كله كلام الله لكن منه ما هو كلام الله عن نفسه ومنه ما هو كلام الله عما كان يجب أن ينطق على اختلاف. . . ألسنتهم وأحوالهم وترقي درجاتهم ورتب تفاضلهم مما لا يمكنهم البلوغ إلى كنهه لقصورهم وعجزهم فتولى الله الوكيل على كل شيء الإنباء عنهم بما كان يجب عليهم مما لا يبلغ إليه وُسع خلقه وجعل تلاوتهم لما أنبأ به على ألسنتهم نازلًا لهم منزلة أن لو كان ذلك النطق ظاهرًا منهم لطفًا بهم وإتمامًا للنعمة عليهم، لأنه تعالى لو وكلهم في ذلك إلى أنفسهم لم يأتوا بشيء تصلح به أحوالهم في دينهم ودنياهم، ولذلك لا يستطيعون شكر هذه\n_________\n=طلوع الشمس من مغربها، وصنف في المنطق، وفي شرح الأسماء الحسنى، فمن شاء فلينظر: في تآليفه فإن فيها العظائم. سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٤٧). ينظر: التكملة (٢/ ٦٨٧) سبك المقال لفك العقال (ص: ٢٩) خ. م. م. رقم (١٠٥)، وعنوان الدراية (ص: ١٤٤ وما بعدها) وجمهرة أنساب العرب لابن حزم (ص: ٤٠٤).\n(^١) نظم الدرر للبقاعي (١/ ٣١ - ٣٣).","vol":"1","page":203},{"text":"النعمة إلا أن يتولى هو تعالى بما يلقنهم من كلامه مما يكون أداء لحق فضله عليهم بذلك، وإذا كانوا لا يستطيعون الإنباء عن أنفسهم بما يجب عليهم من حق ربهم فكيف بما يكون نبأ عن تحميد الله وتمجيده، فإذًا ليس لهم وصلة إلا تلاوة كلامه العلي بفهم كان ذلك أو بغير فهم» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-133>خامسًا: مناسبة قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾.\nبالآية السابقة </span>وهي قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾.\nلمَّا أفرد العبادُ ربّهم بالعبودية وأذعنوا له، ولجأوا إليه وأفردوه سبحانه-كذلك-بالاستعانة احتاجوا إلى سبيل واضح وطريق قويم يهتدوا إليه ويسيروا عليه في تحقيق هذه العبودية وتلك الاستعانة، فناسب أن يدلهم ربُهم على طلب وسؤال الهداية والدلالة على هذا الطريق ليلهمهم التوفيق إليه ويعينهم على الثبات عليه فناسب أن يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ وبذلك تتحقق لهم الهدايتين جميعًا: هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والإلهام. ولا شك في أن سؤال الله الهدايتين جميعًا هو استعانة به سبحانه لتحقيق عبودية الاستقامة على الصراط، ومن هنا يتبين المناسبة بين الآيتين.\nوفي نحو ذلك قال ابن القيم -﵀-: «لما كان سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم أجل المطالب، ونيله أشرف المواهب، علَّم الله عباده كيفية سؤاله، وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه وتمجيده، ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم: توسل إليه بأسمائه وصفاته، وتوسل إليه بعبوديته، وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء» (^٢).\nوكلام ابن القيم -﵀- آنفًا إنما يقصد به أوجه التناسب في سورة الفاتحة.\n«وفي الآية ندب إلى اعتقاد العجز واستشعار الافتقار والاعتصام بحوله وقوته،\n_________\n(^١) المرجع السابق (١٣٤ - ٣٥).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٤٨).","vol":"1","page":204},{"text":"فاقتضى ذلك توجيه الرغبات إليه بالسؤال فقال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ تلقينًا لأهل لطفه وتنبيهًا على محل السلوك الذي لا وصول بدونه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-134>سادسًا: مناسبة قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ بالآية السابقة </span>وهي قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾.\n«ولما طلب أشرف طريق سأل أحسن رفيق فقال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ولما كانت النعمة قد تخص الدنيوية عينها واستعاذ من أولئك الذين شاهدهم في التيه سائرين وعن القصد عائرين جائرين أو حائرين فقال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾» (^٢).\nوهو يعني بالجائرين كل من عرف الحق ولم يعمل به كاليهود؛ لأنهم عرفوا الحق ولم يعملوا به فهم جائرون على أنفسهم ظالمون لها بعدم اتباعهم للحق والعمل به بعد أن علموه، وعنى بالحائرين كل من عبد الله على جهالة وضلالة كالنصارى الذين عبد الله على جهالة وضلالة فهم حائرون في وصفهم لعيسى المسيح -﵇- وأمه الصديقة تائهون عن عبودية الله وتوحيده، قال تعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٧٧].\nيقول أبو زهرة (^٣): «وإنَّه لينطبق عليهم بلا ريب وصف الضّالين؛ لأنَّهم عند تخلِّيهم عن مبادئ المسيح أضلَّهم بولس وأشباهه، فضلّوا، ثمَّ أضلّوا غيرهم من\n_________\n(^١) نظم الدرر للبقاعي (١/ ٣٧).\n(^٢) المرجع السابق (١/ ٤٥).\n(^٣) زهرة التفاسير لمحمد أبي زهرة، تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾ [الأعراف].\n• محمد أحمد مصطفى أحمد المعروف بأبي زهرة (١٣١٥ هـ، ١٣٩٤ هـ) عالم ومفكر وباحث وكاتب مصري من كبار علماء الشريعة الإسلامية والقانون في القرن العشرين (، ينظر: الأعلام، للزِّركليّ (٦/ ٢٥).","vol":"1","page":205},{"text":"بعدهم، وكفروا بما جاء به المسيح، وضلّوا ضلالًا بعيدًا، وكفروا، ولا يزالون يتيهون في أوهامهم، كما توهَّموا وأوهموا فيما سمّوه رؤية العذراء، وكذبوا وافتروا، وحاولوا الإضلال كثيرًا. ومع انطباق الضَّلال والتَّضليل عليهم، أولى بهم ثمَّ أولى أن يكونوا ممَّن غضب اللهُ تعالى عليهم، فغضب الله تعالى يحيط بهم من كل جانب؛ ولذلك نرى أن يدخلوا فيمن غضب الله تعالى عليه، ويصح أن نقول: إن فيهم الأمرين» (^١).\nولعل فيما مضى بيان كافٍ لانقص فيه ولا إجحاف.\nوالحمد لله لرب العالمين.\n_________\n(^١) زهرة التفاسير. (١/ ٧٠ - ٧١).","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type='title' id=toc-135>المبحث الرابع\nعلاقة السورة الكريمة بالسور\nالمفتتحة بالحمد لله</span>","vol":"1","page":207},{"text":"المبحث الرابع:\nعلاقة السورة الكريمة بالسور المفتتحة بالحمد لله\n\n<span data-type='title' id=toc-136>أولًا: ترتيب السور المفتتحة بالحمد لله على ضوء ترتيبها في المصحف الشريف على النحو التالي:</span>\n١ - سورة الفاتحة.\n٢ - سورة الأنعام.\n٣ - سورة الكهف.\n٤ - سورة فاطر.\n٥ - سورة سبأ.\nوهي متباعدة غير متجاورة في ترتيبها في المصحف وهي سور كلها مكية النزول.\nوقد «فُصِلَ بين سورة (أمّ الكتاب) وسورة (الأنعام) بأربع سور، وبين سورة (الأنعام) وسورة (الكهف) بإحدى عشرة سورة، وبين سورة (الكهف) وسورة (سبأ) بخمسَ عشرة سورة، ولم يكن بين سورة (سبأ) وسورة (فاطر) فاصل، فليس لنا إلًّا أن نعمد إلى السعي إلى تدبر واستبصار شيء» (^١).\nيعني: [من التناسب بينها وبين بعضها البعض عامة وبينها وبين فاتحة الكتاب خاصة] (^٢) وأسلافنا الأماجد كان منهم سعْيٌ إلى ذلك.\n_________\n(^١) العزفُ على أنوار الذِّكر-معالم الطريق إلى فقه المعنى القرآنيّ في سياق السورة- محمود توفيق محمد سعد (١/ ٥٧). (غير مطبوع)\nمع الاعتراض على مسمى الكتاب بلفظة: (العزف) حتى وإن كان المؤلف لا يقصد ذلك إلا إنه لا يعذر بوصف كلام الرحمن ووسمه بما يُوصف ويُوسم به غناءُ الشيطان.\n(^٢) ما بين المعكوفين إضافة من الباحث ليستقيم المعنى.","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type='title' id=toc-137>ثانيًا: بيان بعض أوجه المناسبة بين السور المفتتحة بالحمد</span>.\n<span data-type='title' id=toc-138>أبرز أوجه التناسب بين السور المفتتحة بالحمد كلِّها:</span>\nإن المتأمل في السورة المفتتحةٌ بالحمدِ يتضح ويتبين له عيانًا اقتران ذكر حمد الله تعالى في مطالع تلك السور الخمس بذكر نعمه ﵎ المستوجبة لحمده سبحانه، سواء كانت تلك النعم ظاهرة أم باطنة، عاجلة أم آجله، نِعَم الحياة الدنيا وما يتعلق بها من مقومات وأسس متمثلة في نعم الله على عباد التي بها صلاح معاشهم ولا غنى لهم عنها البتة، وَنِعَمَهُ العظيمة المتمثلة في بَعث الرسلِ والدلالة على ما بُعِثوا به بإنزال الكتبِ والهداية لشرعته التي شرعها على ألسنتهم، ثم نِعَم ذكر البعثِ والجزاءِ على الأعمال وبيان ما يترتب عليها من الثواب والعقاب، فيطمئن بذلك أهل الإيمان إلى موعود ربهم بالجنة والنعيم المقيم لديه سبحانه فيزدادوا طاعة لربهم وإقبالًا وثباتًا، وينزجر بذلك أهل الكفر والظلم والطغيان والعصيان فينزجروا ويرتدعوا ويعودوا إلى ربهم تائبين منيبين إليه ومستغفرين.\nيقول السعد التفتازاني في مفتتح شرحه التلويح في أصول الفقه: (^١) «الحمد يكون على النعمة وغيرها، فالله تعالى يستحق الحمد،\nأولًا: بكمال ذاته وعظمة صفاته.\nوثانيًا: بجميل نعمائه وجزيل آلائه.\nونعمة الله -﷾- على كثرتها ترجع إلى إيجاد وإبقاء أولًا، وإيجاد وإبقاء ثانيًا ....\n_________\n(^١) سعد الدين التفتازاني (٧٢٢ هـ -٧٩٢ هـ)، عالم وفقيه متكلم، وأصولي نحوي.\nهو سعد أبو سعيد مسعود بن عمر بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن الغازي التفتازاني السمرقندي الحنفي. ولد بقرية تفتازان من مدينة نسا في خراسان في أسرة عريقة في العلم حيث كان أبوه عالمًا وقاضيًا، وكذا كان جده ووالد جده من العلماء. وينظر: الدرر الكامنة (٤/ ٣٥٠)، عجائب المقدور (٤٦٧)، الدليل الشافي على المنهل الصافي (٢/ ٧٣٤).","vol":"1","page":210},{"text":"(وقد) أشير في الفاتحة إلى جميع النعم، وفي (الأنعام) إلى الإيجاد وفى (الكهف) إلى الإبقاء أولًا، وفى (سبأ) إلى الإيجاد وفى (الملائكة) (^١) إلى الإبقاء ثانيًا، وهذا الذي قاله السعد فيه إجمال» (^٢).\nوالتفتازاني بقوله آنفًا يُجمل ويشيرُ إلى أن ما يُحمد عليه اللهُ يكون بسبب النعم وبسبب غيرها.\nمُشِيرًا ومفصلًا القول في أن استحقاق اللهِ للحمد يكون لسببين\nالأول: لكمال ذاته وصفاته ﷾.\nفهو سبحانه تعالى مستحق للحمد لكمال ذاته العلية، ولما اتصف به من صفات الجلال والكمال التي وصف بها نفسه ﵎.\nوالثاني: لما أولاه لعباده من النعم ثانيًا.\nوأن إحسان الله لعباده وإنعامه عليهم بسوابغ النعم الظاهرة والباطنة كل ذلك موُجبٌ لحمده ﵎.\nثم أشار إلى أن نعم الله مع كثرتها فإن مرجعها كلها إلى إيجاد وإبقاء أولًا، وإيجاد وإبقاء ثانيًا، وقد بين أن ذلك الإيجاد والإبقاء بأقسامهما كلها قد أشير إليه في السور المفتتحة بالحمد، ولا شك أن ذلك من أوثق أوجه التناسب بينها جميًعا.\nوكان: «القرطبيّ (^٣) قد سبق «السعد» بإشارة عجلى إلى ذلك: قال في مفتتح تأويل سورة (الأنعام): «… فإن قيل: فقد افتتح غيرها بالحمد لله، فكان الاجتزاء بواحدة يغني عن سائره»، فيقال: لأنّ لكلّ واحدة منه معنى في موضعه لا يؤدي عنه غيره من أجل عقده بالنعم المختلفة، وأيضًا فلما فيه من الحجة في هذا الموضع على الذين هم\n_________\n(^١) يعني بها: سورة فاطر، وإنما سماها سورة الملائكة لذكر الملائكة في مطلعها.\n(^٢) السعد التفتازاني: التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه لصدر الشريعة الحنفي (١/ ٤).\n(^٣) أبو عبد الله محمد بن أحمد الخزرجي الأندلسي القرطبيّ المصري المتوفي بصعيد مصر سنة (٦٧١ هـ).","vol":"1","page":211},{"text":"بربهم يعدلون»، فانظر في قوله: (من أجل عقده بالنعم المختلفة) فإنه هادٍ بإشارته إلى ما جاء «السعد» فمنحه بعضًا من البيان» (^١).\nوقول القرطبيّ آنفًا يشير إلى أنه إن كانت السور الخمس كلها مفتتحة بالحمد، فكان مفتتح سورة واحدة يُغني عن الافتتاح في بقيتها بالحمد، فأشار أن لكل حمد في مفتتح كل سورة من تلك السور معنى خاص لا يقوم مقامه غيره لأن الحمد في مطلع كل سورة من تلك السور إنما أنزل ووُضِعَ وعُقِدَ لأجل نعمة مختلفة عن باقي المواضع في السور الآخرى، وإن كان كله يسمى حمدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-139>ثالثًا: العلاقة الخاصة بين الفاتحة وبين كل سورة من تلك السور المفتتحة بالحمد</span>.\n<span data-type='title' id=toc-140>١ - سورة الأنعام:</span>\nيعمد البقاعي في (نظم الدرر) إلى تفصيله مبينًا احتواء سورة (أمّ الكتاب) على مقتضيات الحمد على كمال الذات وعلى جميع نعم الإيجاد والإبقاء.\nفالحمد على كمال الذات قوله -﷾-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١] أي: (أنه المستحق لجميع المحامد لا لشيء غير ذاته الحائز لجميع الكمالات) أما الإيجاد الأول في قوله -﷾-: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام] فإنَّ الإخراج من العدم إلى الوجود أعظم تربية.\nوأما الإبقاء الأول في قوله -﷾-: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ أي: المنعم بجلائل النعم ودقائقها التي بها البقاء.\nوأما الإيجاد الثاني في قوله -﷾-: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ وهو ظاهر (أي: لا يكون مالكًا لهذا اليوم إلا إذا أوْجَدَ الخلق مرة ثانية كمثل ما أوجدهم في الأول).\n_________\n(^١) العزفُ على أنوار الذِّكر (١/ ٥٨).","vol":"1","page":212},{"text":"وأما الإبقاء الثاني في قوله -﷾-: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إلى آخرها، فإن منافع ذلك تعود إلى الآخرة.\nوأما سورة الأنعام فالحمد فيها على نعمة الإيجاد الأول: ولذلك ذكر فعل الخلق في مطلعها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾ [الأنعام].\nثم انتشر الحديث عن الخلق والإيجاد فى آياتها:\nفي الآيات التالية: (١٤ - ٣٨ - ٧٣ - ٧٩ - ٩٤ - ٩٥ - ٩٧ - ٩٨ - ٩٩ - ١٠٠ - ١٠١ - ١٠٢ - ١٣٦ - ١٤١ - ١٦٤ - ١٠١) (^١) (^٢)\nوكلام البقاعي هنا موافق لكلام التفتازاني من جهة أسباب استحقاق الرب جل في علاه للمحامد كلها.\nو«سورة الأنعام المكية عنيت بحمد الله -﷾- على نعمة الإيجاد الأول الناظر إلى قوله -﷾- في سورة الفاتحة ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، وقد نظرت في مواقع كلمة ربّ في السياق القرآني، فرأيت أنه يَعظم وقوعها في الآيات المكية، وقد جاءت في سورة (الأنعام) أكثر من خمسين مرة ..\nولو أنَّا جمعنا معجم كلمات سورة (الأنعام) وتبصرنا المفردات المتعلقة بالخلق والإيجاد الأول لتبين لنا غلبة معنى الإيجاد الأول على هذه السورة المكية المقررة معنى التوحيد الذي هو أساس الدين الذي ارتضاه الله -﷿- لعباده.\nوفى خاتمة السورة -أيضًا- تناغٍ وتآخٍ (^٣) مع مطلَعِها المُعْلِنَ حمد الله على نعمة\n_________\n(^١) العزف على أنوار الذكر (١/ ١٥٩)، وينظر: مصاعد النظر للبقاعي (٢/ ١١٩).\n(^٢) تم الإشارة للآيات بذكر أرقامها اختصارًا وليسهل للقارئ الكريم الرجوع إليها.\n(^٣) ومعنى تناغ: «تَنَاغِي العَاشِقَيْنِ»: تَنَاجِيهِمَا، مُلاطَفَةُ أحَدِهِما الآخَرَ. المعجم الغني (تَنَاغٍ) عبد الغني أبو العزم. ولعله يقصد الترابط والتآخي بين خاتمة السورة ومطلعها.","vol":"1","page":213},{"text":"الإيجاد الأول: كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ … شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾ [الأنعام].\nوكما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ … فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ [الأنعام].\nفقد ختم السورة بما به ابتدأها فإن قوله -﷾-: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ … فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ [الأنعام] هو من مَعْدِنِ قوله -﷿-: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾ [الأنعام].\nوقوله -ﷻ-: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾ [الأنعام].\nوقوله -﷿-: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ … فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾ [الأنعام].\nهما من معنى قوله -﷾-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ … وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام].\nفدلَّ هذا كُلُّه على أن سورة (الأنعام) تتكفل بتفصيل (^١) نعمة الإيجاد الأول لجميع العالمين من السماوات والأرض وما بينهما وما فيها من آدمي وغيره المشار إليه في (الفاتحة) برب العالمين، كما تقدم.\nفالتحميد في الأنعام فرد من أفراد تحميد (الفاتحة) تحقيقًا لكونها أمًّا» (^٢).\nوبهذا يتبين العلاقة والتناسب بين السورتين.\n«ومنزل سورة الأنعام من السور المكية منزل سورة (البقرة) من السور المدنية.\n_________\n(^١) الأولى أن يُقال: متضمنة تفصيلًا لنعمة الإيجاد، وذلك تحاشيًا عن التوسع في وصف سور القرآن بأوصاف قد لا تتوافق مع كون القرآن كلام الله تعالى، الذي هو منزل غير مخلوق.\n(^٢) العزف على أنوار الذكر (١٦١ - ١٦٤). وينظر: نظم الدرر للبقاعي (٢/ ٥٧٩ - ٥٨٠).","vol":"1","page":214},{"text":"(فـ) سورة الأنعام نزلت مبيّنَةً لقواعد العقائد وأصول الدين … فغيرها من السور المكية المتأخر عنها نزولا مبنيٌّ عليها، وسورة البقرة قررت قواعد التقوى المبنية على قواعد سورة الإنعام، فغير سورة (البقرة) من السور المدنية مبنيٌ عليها» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-141>٢ - سورة الكهف</span>\n(وأما سورة الكهف) فإنَّ الحمد فيها كان على كمال ذاته ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وعلى نعمة الإبقاء الأول: أي: الإبقاء في الأرض بنعمة الهداية وذلك الإبقاء إنَّما يكون بالكتاب المنزل وبالنبيّ المرسل -ﷺ-، ولذلك استفتح السورة بهذين قائلًا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ [الكهف: ١ - ٥].\nفنصَّ على إنزال الكتاب على عبده مقدمًا قوله: ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ تشريفًا للرسول -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا- وتباينًا لمنزلته، وأنّه أنزل عليه الكتاب هداية للناس إلى الحق استبقاء لهم في الأرض دون إهلاك، ولم يجعل لكتابه عوجًا، فهو المستقيم الذي لا عيب فيه مما يجعل أسباب البقاء متينة، فهو الهادي إلى كلِّ حقٍّ وخير، وهو الكتاب القيم المهيمن على غيره والمقيم له ولكل من استمسك به. وغير خفِيّ أن نظام العالم وبقاء النوع الإنساني يكون بالنبيّ والكتاب» (^٢). وقد نصّ عليهما في مفتتح السورة.\nوقد كثر الحديث عن أسباب البقاء الأول في الحياة الدنيا، فذكر قصة أهل الكهف الذين كتب الله -﷾- لهم البقاء والعصمة من الهلاك بالفتنة في دينهم كما انتظم بهم أمر من اطلع عليه من أهل زمانهم الذين كانوا على غير هُدى من الله\n_________\n(^١) ينظر: الموافقات للشاطبي (٣/ ٤٠٦ - ٤٠٧).\n(^٢) المرجع السابق (٤/ ٤٤٢).","vol":"1","page":215},{"text":"-﷿- فأسلموا لما عرفوا من أمرهم: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ [الكهف].\nوجاء الأمر بتلاوة ما أوحى فيه الهدى والحفظ: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾ [الكهف].\nمع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجه والأمر بالصبر ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف].\nففي ذلك تعاون على البر والتقوى الذين هما من أسباب البقاء الأول وذكر قصة صاحب الجنتين وصاحبه وما أحاط بصاحب الجنتين من فنائهما لعدم إيمانه واستمساكه بالهدى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾ [الكهف].\nوذكر من قصة العبد الصالح (الخضر) مع موسى -﵉- أحوال من حفظوا من الفناء والهلاك كحال أصحاب السفينة وحال الأبوين الصالحين بقتل غلامهما الطاغي الكافر استبقاء لهم على الإيمان والصلاح، وحال الغلامين اليتيمين ابني الرجل الصالح، وبناء الجدار استبقاء لكنزهما.\nوهذه الحلقة من قصة «موسى -﵇-» لم تذكر في غير سورة الكهف على الرغم من ذكر قصته في مواطن كثيرة من سور القرآن الكريم (^١).\nإذا ما تأملت الأحداث الثلاثة التي كانت من العبد الصالح (الخضر)، وما كان من شأن موسى -﵉- في الاستفهام عمَّا كان من العبد الصالح (الخضر) -﵇-، وتأملت حال موسى -﵇- من قبل؛ لرأيت أنه قد كان موسى -﵇- حال، وهو رضيع، كمثل\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير: أول سورة الكهف، وأسباب النزول للواحدي (ص: ١٩٧) (١٣٨٨).","vol":"1","page":216},{"text":"حال خرق السفينة، ألا ترى أنّ أمه -﵂- قد ألقت به في اليم لينجو؟ أتكون بمنطق العقل البشري نجاة في إلقاء وليد في اليم؟ أتلحظ شيئًا من الإشارة إلى معنى ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾ [الكهف].\nوكان منه قتل القبطيّ كمثل ما كان من العبد الصالح (الخضر) قتل الغلام الكافر.\nوكان من موسى -﵇- سقي الغنم للفتاتين دون أجر، وهو الذي كان في افتقار إلى ذلك، وهذا كمثل ما كان من العبد الصالح (الخضر) من بناء الجدار في قرية استطعما أهلها، فأبوا أن يضيفوهما.\nوهي قد نسقت في السورة كمثل ما نسقت نظائرها وقوعًا في حياة «موسى -﵇-»: الأول فالأول.\nتأمل هذا التقارب، وما فيه من لطائف الإشارات، ووجه البيان عنه في سورة الحمد على نعمة الإبقاء الأول، ومنزلة الفقه عن الله -﷿- وأثره في تحقيق كمال البقاء الأول».\nوذكر من قصَّة ذي القرنين ما انتظم به من حال جميع أهل الأرض بما أقامه من الردم الحاجز بينهم وبين يأجوج ومأجوج فحفظ لهم البقاء الأول\nويشير الباحث: «إلى أن هذا فيه من التناسب الشيء البين الواضح الذي لا تكلف فيه ولا تعسف ولا إعمال للنص وتوجيهه على غير وجهته، والحمد لله».\n﴿… فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)﴾ الآية [الكهف].\nهذا القصص مشير إلى أسباب البقاء الأول، ولم يذكر في غير هذه السورة وهو لم يذكر معها قصة (الروح) وجعلها في سورة (الإسراء) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء]، على الرغم من أنَّ سؤال الكافرين كان عن الثلاثة: أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فجاء حديثه عن الروح في (الإسراء) لأنَّه به أليق وأنسب، وذكر قصة الكهف وذي القرنين هنا لما فيهما من دلالة على نعمة الإبقاء الأول بالهداية إلى الحق والصراط المستقيم.","vol":"1","page":217},{"text":"وقد ختم السُّورة بما هو دالٌّ على ذلك -أيضًا- فكان متناغمًا متآخيًا مع ما استفتحت به إذ يقول -﷾-: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-142>٣ - سورة سبأ</span>\n(وأما سورة سبأ) فإنَّ الحمد فيها كان على كمال ذاته -ﷻ- (الحمد لله) وعلى نعمة الإيجاد الثاني بالبعث من القبور ويوم القيامة ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾ [سبأ]، فقد جاء قوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ دون ذكر الأول، بينما جاء في سورة «القصص»: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ [القصص].\nولم يرد ما جاء في سورة «سبأ» من اختصاص الآخرة بالذكر في أي سورة أخرى.\nوذكر علمه بما يلج في الأرض وما يخرج وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهذا العلم الدقيق المحيط يستلزم القدرة على البعث وقد ذكر في السورة ما يدل على التبديل والبعث في مواطن عديدة ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)﴾ [سبأ] ويبين -﷾- التعجيب من حال الذين كفروا في انكارهم الإيجاد الثاني ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ\n_________\n(^١) وفيما يتعلق بأوجه المناسبة في سورة الكهف فينظر: العزف على أوتار الذكر (١/ ٦٤) وما بعدها- بتصرفٍ يسيرٍ جدًّا.","vol":"1","page":218},{"text":"السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾ [سبأ].\nفمقصود السورة تقرير أمر الآخرة البعث والإيجاد الثاني للحساب «ولقصّة «سبَأٍ» التي سميت بها السورة مناسبة كبيرة لهذا المقصد لما فيها من الآيات الشهودية المشهودة لاسيما عند العرب على قدرته -﷾- على الإيجاد والإعدام للذات والصفات، والتحويل لما يريد من الأحوال، والتصرّف بالحكمةِ في الإعطاءِ والمنعِ ابتداءً وجزاءً لمن شكر أو كفر (^١).\nفآيات السورة كما ترى يشيع فيها الحديث عن البعث والإيجاد الثاني وما فيه من حشر وحساب وعقاب فظهر أنَّ سياق الكلام إلى إثبات الحشر والرد على منكري الساعة ولا سيما في الآيات التالية: (١٦ - ٢١ - ٣٠ - ٣١ - ٥ - ٢٨ - ٤٠ - ٤٢ - ٤٦) (^٢).\nوقد ازداد جلاء بما ختمها به من قوله -ﷻ- ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾ [سبأ] (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-143>٤ - سورة فاطر</span>\n(وأما سورة فاطر) فإنَّ تسْتَهِلُّها بقوله -﷾-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [فاطر] دالٌ دَلالة بيّنة على نعمة الإبقاء الثاني يوم القيامة فقوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ يتجلى ظهوره لنا أعظم ما يتجلى في الجنة؛ لأنَّه لا شيء يعدل ما في الجنة من تجدد الخلق، فإنَّه لا يُأكل منها شيءٌ إلا عاد كما كان في الحال، ولا يراد شيء إلا وجد في أسرع وقت، فهي دار الإبداع والاختراع بالحقيقة، وكذا النار ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ\n_________\n(^١) مصاعد النظر للبقاعي (٢/ ٣٧٧).\n(^٢) تم الإشارة للآيات بذكر أرقامها اختصارًا وليسهل للقارئ الكريم الرجوع إليها.\n(^٣) العزف على أنوار الذكر (١/ ١٧١: ١٦٩). بتصرف يسير.","vol":"1","page":219},{"text":"جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]».\nفكانت جديرة باسم (فاطر) الدّال على كمال تحققه في الدّار الآخرة دار البقاء الثاني.\nومن أعظم ما يتجلى فيه معنى قوله -﷾-: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ … الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر] (هو: أي: المعنى) (أن) الدار الآخرة: دار البقاء الأخير (^١)، (^٢).\nوقد توالت في السورة الآيات الدَّالة على ذلك الإبقاء الثاني، كما هو في الآيات: (٧ - ١٢ - ١٠ - ٢١ - ٢٩ - ٣٢) (^٣)\nثم ختمَ السورةَ بما هو جِدُّ جليٌّ في نعمة الإبقاء الثاني بإثابة الطائع ومعاقبة العاصي: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ [فاطر].\nيعلم الطائع، فيُثيبُه بطاعته ثوابًا لا ينقطع أبدًا، ويعلم العاصي، فيجازيه بعصيانه ما يستحق.\nبهذا تبين لنا كيف أنَّ كلَّ سورة منها قد اختصت بغير ما اختصت به الأخرى من مقتضِيات الحَمْدِ، وكيف أنّها رتبت ترتيبًا مُحْكَمًا، فكانت (أمُّ الكتاب) جامعة للمحامد وكانت الأنعام.\nللإيجاد الأول الذي يسبق الإبقاء الأوَّل الذي كانت له (الكهف) وكان الإيجاد الثاني بسورة (سبأ) وكانت آخر السور الخمس (فاطر) للنعمة العظمى والأخيرة (الإبقاء الثاني).\nوبهذا يتبين لك عظيم دلالة الاستهلال على المقاصد المتصاعدة في السياق\n_________\n(^١) نظم الدرر لبقاعي (٦/ ١٩٩).\n(^٢) وضمير الغائب المذكور (هو) يعود على: المعنى لا على الدار الآخرة، لئلا يُتوهم ذلك.\n(^٣) تم الإشارة للآيات بذكر أرقامها اختصارًا وليسهل للقارئ الكريم الرجوع إليها.","vol":"1","page":220},{"text":"القرآنيّ، فلا يكون بِمَلْكِ أحد من العالمين أن يقدم سورة على أخرى ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ [النساء] (^١).\nويُختمُ المبحثُ ببيان أبين أوجه التناسب بين السور المفتتحة بالحمد بأوجز عبارة وأسهل إشارة كما ذكر ذلك السيوطي في الاتقان:\nنقلًا من عن تَفْسِيرِ الْخُوَيِّيِّ (^٢).\nيقول: «ابْتُدِئَتِ الْفَاتِحَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ فَوَصَفَ بِأَنَّهُ مَالِكُ جَمِيعِ الْمَخْلُوقِينَ .. وَفِي الْأَنْعَامِ وَالْكَهْفِ وَسَبَأٍ وَفَاطِرٍ لَمْ يُوصَفْ بِذَلِكَ؛ بَلْ بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ صِفَاتِهِ، وَهُوَ خلق السموات وَالْأَرْضِ وَالظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ فِي الْأَنْعَامِ، وَإِنْزَالِ الْكِتَابِ فِي الْكَهْفِ، وَمِلْكِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الْأَرْضِ فِي سَبَأٍ، وَخَلْقِهِمَا فِي فَاطِرٍ .. لِأَنَّ الْفَاتِحَةَ أُمُّ الْقُرْآنِ وَمَطْلَعُهُ فَنَاسَبَ الْإِتْيَانَ فِيهَا بِأَبْلَغِ الصِّفَاتِ وَأَعَمِّهَا وَأَشْمَلِهَا». (^٣).\nولعل في هذا كفاية لطالب سلوك طريق معرفة الحق ومريد الدلالة على سبل الهداية.\n_________\n(^١) العزف على أوتار الذكر (١/ ١٧١). وما بعدها.\n(^٢) الخُوَيِّي (٥٨٣ - ٦٣٧ هـ) - شمس الدين أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر الخويي الشافعي.\nقرأ العقليات على فخر الدين الرازي، والجدل على الطاوسي، وسمع من المؤيد الطوسي، وكان من أذكياء المتكلمين، وأعيان الحكماء والأطباء، ذا دينٍ وتعبد، وله مصنف في النحو، وآخر في الأصول، وآخر فيه رموز فلسفية من إقليم أذربيجان. وولي قضاء دمشق فحمد.\nسير أعلام النبلاء للذهبي (٢٣/ ٦٤ - ٦٥).\n١ - البخاري (٦٢٠٥، ٦٢٠٦).\n٢ - ومسلم (٢١٤٣)، والترمذي (٢٨٣٧)، وأبو داود (٤٩٦١)، وأحمد (٢/ ٢٤٤، ٢/ ٣١٥).\n(^٣) الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٢٣١).","vol":"1","page":221},{"text":"<span data-type='title' id=toc-144>الفصل الرابع\nمعالم التوحيد\nكما وردت في السورة الكريمة</span>\nويشتمل على أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: المحور الرئيس في السورة الكريمة (تقرير العبودية لله تعالى).\nالمبحث الثاني: التوحيد وعلاقته بمحور السورة الكريمة.\nالمبحث الثالث: تقرير التوحيد بأنواعه الثلاثة كما ورد في السورة الكريمة.\nالمبحث الرابع: أبرز الموضوعات التي تناولتها السورة الكريمة.","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type='title' id=toc-145>المبحث الأول\nالمحور الرئيس في السورة الكريمة\n(تقرير العبودية لله تعالى)</span>","vol":"1","page":225},{"text":"المبحث الأول:\nالمحور الرئيس في السورة الكريمة (تقرير العبودية لله تعالى)\n\n<span data-type='title' id=toc-146>أولًا: مفهوم العبودية:</span>\n<span data-type='title' id=toc-147>أ-العبودية في اللغة:</span>\nالعبودية: مصدر عبد يعبد عبادةً ومعبدًا ومعبدةً، فهو عبدٌ، أي: ذلّ وخضع.\nقال الخليل: «أما عَبد يعبد عبادة، فلا يقال إلا لمن يعبد الله تعالى، يقال منه: عبد يعبد عبادة وعبودة وعبودية ومعبدًا، وتعبد يتعبد تعبدًا، فالمتعبد: المنفرد بالعبادة» (^١).\nويجلي ابن منظور مفهوم العبودية في اللغة فيقول: «أصل العبودية الخضوع والتذلل … وعَبَدَ اللهَ تألّه له … والتعبّد التنسك، والعبادة: الطاعة» (^٢).\nوقال الفراء: «معنى العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع، ومنه طريق معبد إذا كان مذللًا بكثرة الوطء» (^٣).\nوقيل: «عبادة الله: طاعته بفعل المأمور وترك المحذور» (^٤).\nوقال ابن الأنباري (^٥): «فلان عابد وهو الخاضع لربه المستسلم المنقاد لأمره» (^٦).\n_________\n(^١) العين (٢/ ٤٨).\n(^٢) لسان العرب (٥/ ٢٧٧٦)، مادة: (ع ب د).\n(^٣) لسان العرب (٥/ ٢٧٧٨)، مادة: (ع ب د).\n(^٤) ابن تيمية العبودية (٥).\n(^٥) هو الإمام الحافظ اللغوي ذو الفنون محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن بن بيان ابن سماعة بن فروة بن قطة بن دعامة أبو بكر الأنباري. (٢٧١ هـ - ٣٢٨ هـ) المقرئ النحوي. نقلًا عن: الموسوعة الحرة.\n(^٦) لسان العرب (٥/ ٢٧٧٨)، مادة: (ع ب د).","vol":"1","page":227},{"text":"وقال الزبيدي: «أصل العبودية الذل والخضوع، وقال آخرون: العبودية الرضا بما يفعل الرب، والعبادة فعل ما يرضى به الرب» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-148>ب-مفهوم العبودية في الشرع:</span>\nوالعبودية مشتقة من العبادة، وقد عرّفها ابن تيمية بقوله: «هِيَ اسْم جَامع لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الْأَقْوَال والأعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة» (^٢)، وقيل: «وَهِيَ اسْمٌ يَجْمَعُ كَمَالَ الْحُبِّ لِلَّهِ وَنِهَايَتَهُ وَكَمَالَ الذُّلِّ لِلَّهِ وَنِهَايَتَهُ» (^٣).\nولا شك أن تعريف ابن تيمية -﵀- تعريف جامع مانع، وهو أفضل مَن عرف معنى العبودية وكتابه: (العبودية) شاهد عيان على ذلك، وقد عرض فيها حقيقة العبودية في الإسلام بشموليتها وكمالها وتمامها، وهو من أنفع وأمتع ما كُتِبَ في بابه تحقيقًا وتدقيقًا وسبكًا وحبكًا للأسلوب وعرضًا للمادة العلمية، لم لا وهو إمام جهبذ وعالم نحرير ما جادت لنا بمثله الأرحام من ذاك الزمان.\nوقال ابن القيم -﵀-: «العبودية اسم جامع لمراتب أربع: من قول اللسان والقلب، وعمل القلب والجوارح.\nفقول القلب هو اعتقاد ما أخبر الله سبحانه به عن نفسه وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته على لسان رسله -﵈-.\nوقول اللسان الإخبار عن قول القلب بما فيه من الاعتقاد والدعوة إليه والذّب عنه، وتبيين بطلان البدع المخالفة والقيام بذكره وتبليغ أوامره.\nوعمل القلب كالمحبة له والتوكل عليه والإنابة إليه والخوف منه والرجاء له وإخلاص الدين له والصبر على أوامره وعن نواهيه وعلى أقداره والمعاداة فيه والخضوع والذل له وغير ذلك من أعمال القلب.\n_________\n(^١) تاج العروس (٢/ ٤٠٩).\n(^٢) العبودية لابن تيمية (ص: ٤٤).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٠/ ١٩).","vol":"1","page":228},{"text":"وأعمال الجوارح كالصلاة والحج والجهاد وغيرها» (^١).\nويُعرِّفها المناوي -﵀- بقوله: «العبادة فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيمًا لربه. وقيل: هي الأفعال الواقعة على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد لبعض، ولذلك اختصت بالرب، وهي أخص من العبودية التي تعني مطلق التذلل» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-149>ثانيًا: بيان أقسام العبودية</span>\n<span data-type='title' id=toc-150>العبودية: عبوديتان:</span>\nالأولى: عبودية غلبة وقهر وملك:\nوهي عبودية كل من في السماوات والأرض مؤمنهم وكافرهم، برّهم وفاجرهم، قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥]، كما تسمى أيضًا بالعبودية العامة.\nيقول شيخ المفسرين ابن جرير الطبري -﵀-: «ما جميع من في السماوات من الملائكة، وفي الأرض من البشر والإنس، يقول: إلا يأتي ربه يوم القيامة عبدًا له، ذليلًا خاضعًا، مُقِرًّا له بالعبودية، لا نسب بينه وبينه (^٣).\nويقول الإمام البغوي -﵀-: ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ﴾ أي: إلا آتيه يوم القيامة (عبدًا) ذليلًا خاضًعا يعني: أن الخلق كلهم عبيده (^٤).\nويقرر أبو السعود ما قرراه، أعني: شيخَ المفسرين، والإمامَ البغوي بقوله: «أي: ما\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ١٠٠).\n(^٢) التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (٢٣٤).\n(^٣) تفسير الطبري: القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ [مريم] (١٨/ ٢٦١).\n(^٤) تفسيرالبغوي: تفسير: قوله تعالى ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ [مريم] (٥/ ٥٢٧).","vol":"1","page":229},{"text":"منهم أحد من الملائكة والثقلين ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ إلا وهو مملوك له، وهو مملوك له، يأوي إليه بالعبودية والانقياد» (^١).\nوفي صدد ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «المخلوقون كلُّهم عبادُ الله: الأبرار منهم والفجَّار، والمؤمنون والكفَّار، وأهل الجنَّة وأهل النار؛ إذ هو ربُّهم كلهم ومليكُهم، لا يخرجون عن مشيئتِه وقدرته … فهو سبحانه ربُّ العالمين وخالقُهم ورازقُهم، ومُحييهم ومميتُهم … سواء اعترَفوا بذلك أو أنْكروه، وسواء علِموا ذلك أو جهلوه.\nلكنَّ أهلَ الإيمان منهم عرَفوا ذلك وآمَنوا به؛ بخلافِ مَن كان جاهلًا بذلك؛ أو جاحدًا له مستكبرًا على ربِّه …» (^٢).\nوفي صدد بيان هذه العبودية أيضًا يقول سبحانه: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [آل عمران].\nويقول سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾ [البقرة].\nقال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري في تفسير قول الله تعالى: «وأولى معاني القنوت في قوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ الطاعة والإقرار لله -﷿- بالعبودية بشهادة أجسامهم بما فيها من آثار الصنعة، والدلالة على وحدانية الله -﷿-، وأن الله تعالى ذكره بارئها وخالقها، وذلك أن الله جل ثناؤه أكذب الذين زعموا أن لله ولدًا بقوله: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٦] ملكًا وخلقًا، ثم أخبر عن جميع ما في السماوات والأرض أنها مقرة بدلالتها على ربها وخالقها، وأن الله تعالى بارئها وصانعها، وإن\n_________\n(^١) تفسير أبي السعود: تفسير قوله تعالى ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم]، (٥/ ٢٨٣).\n(^٢) العبودية لابن تيمية: ينظر (ص: ٥٠ - ٥١)، وينظر: أيضًا (ص: ١٠٤).","vol":"1","page":230},{"text":"جحد ذلك بعضهم فألسنتهم مذعنة له بالطاعة بشهادتها له بآثار الصنعة التي فيها بذلك، وأن المسيح أحدهم، فأنَّى يكون لله ولدًا وهذه صفته؟!» (^١).\nويقول الله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «فذكر إسلام الكائنات طوعًا وكرهًا؛ لأن المخلوقات جميعها متعبّدةٌ له التعبد العام، سواءٌ أقر المقر بذلك أو أنكره، وهم مدينون له مُدبّرون، فهم مسلمون له طوعًا وكرهًا، ليس لأحد من المخلوقات خروجٌ عما شاءه وقدّره وقضاه، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو رب العالمين ومليكهم، يُصرّفهم كيف يشاء، وهو خالقهم كلّهم، وبارئهم ومُصورهم، كل ما سواه فهو مربوب مصنوعٌ مفطورٌ، فقيرٌ محتاجٌ معبَّد مقهورٌ، وهو سبحانه الواحد القهار الخالق البارئ المصوّر» (^٢).\nويقرر ابن القيم -﵀- أن: «العبودية نوعان: عامة وخاصة».\nثم يقول -﵀-: «وأما النوع الثاني: فعبودية الطاعة والمحبة واتباع الأوامر، كما قال تعالى: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾ [الزخرف]، وكما قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨، ١٧]، وقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان].\nفالخلق كلهم عبيد ربوبيته، وأهل طاعته وولايته هم عبيد ألوهيته» (^٣).\nوأهل هذه العبودية: أقبلوا على ربهم وخالقهم ورازقهم طائعين منقادين لعبوديته سبحانه، مطيعين لأوامره بمحض إرادتهم واختيارهم، فهي عبودية محبة وانقياد وطاعة وذل وخضوع، وقد نسبهم الله إليه نسب تكريم وتشريف فقال في حقهم:\n_________\n(^١) جامع البيان (١/ ٥٠٧ - ٥٠٨).\n(^٢) العبودية (ص ١٤٥).\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ١٠٥).","vol":"1","page":231},{"text":"﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، وهذه العبودية خاصة بالمؤمنين الذين يطيعون الله تعالى باختيارهم وإرادتهم لا يشاركهم فيها أحد من الكفار الذين خرجوا عن شرعه وتمردوا على أوامره ونواهيه. فنالوا بذلك عز الدنيا وشرفها وكرامة الآخرة وفضلها وأجرها.\nوالخلق في هذه العبودية ترى بينهم بونًا شاسعًا، وهم متفاوتون فيها تفاوتًا كبيرًا وعظيمًا؛ فكلما كان العبد محبًّا لربه متبعًا لأوامره، منتهيًا عن نواهيه، منقادًا لشرعه، خاضعًا لسلطانه، كان تحقيقه لعبودية ربه أجل وأعظم وأكمل.\nوأعظم الناس تحقيقًا لمقام العبودية هم صفوة خلقه وأمنائه على وحيه وسفرائه بينه وبين عباده من النبين والمرسلين، وأعبدهم لله أجمعين هو سيدهم وإمامهم وأفضلهم وخاتمهم نبينا محمد -ﷺ-، ولذا خُص بالذكر بوصف العبودية مجردة في كتاب الله في أشرف المقامات وأعلاها وأزكاها، سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف] وهذا في مقام الوحي وهو من أشرف المقامات وأعظمها وأجلها، وفي مقام الدعوة إلى الله قال سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا … يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾ [الجن: ١٩].\nوفي مقام الإسراء قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] ولا شك أن مقام الإسراء مقام تشريف كذلك.\nفالشرف المروم لمن استكمل تحقيق العبودية، ولا يكون تحقيقها إلا مع كمال الذل والخضوع\nوالافتقار لله الواحد القهار، والعبودية المتعلقة بربوبية الله هي العبودية العامة التي تشمل جميع الخلائق مؤمنهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم.\nفإذا علم العبد أن له ربًّا وخالقًا ورازقًا ومدبرًا لكل شؤونه، وأنه فقير إليه -عرف تلك العبودية العامة المتعلقة بربوبيته سبحانه، وَقد يعبده مَعَ ذَلِك وَقد يعبد غيره من الأصنام والأوثان، وإن لم يقرّ بها فهو داخل تحتها شاء أم أبى، لأنها شاملة له قهرًا وغلبة.","vol":"1","page":232},{"text":"والعبودية العامة التي هي عبودية القهر والغلبة، لا تكفي للدخول في الإسلام، فقد أقر بها كفار قريش ومع ذلك قاتلهم النبي -ﷺ- واستحل دماءهم وأموالهم وسبى ذريتهم ونساءهم، ذلك لأنهم لم يقروا بالعبودية الخاصة، وهي عبودية الألوهية التي توجب تحقيق التوحيد وصرف العبادة كلها لله، ربنا في ذلك: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٣٢ - ١٦٣].\nفهم قد أقروا بربوبيته سبحانه وأقروا أنه تعالى هو الخالق قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لُقْمَان: ٢٥]، فهذا إقرار صريح بربوبيتهم لربهم، ومع ذلك لم ينفعهم إقرارهم بالربوبية لعدم تحقيق توحيد الألوهية، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف]. لأنهم مع ذلك يعْبدُونَ الاصنام والأوثان، ولم يصرفوا العبادة للإله الواحد الملك الديان.\nأما العبودية المتعلقة بألوهيته سبحانه فهي العبودية الخاصة المتعلقة بعبادته سبحانه وتأليهه وتوحيده وإخلاص الوجه له وقصده وحده بالعبادة دون ما سواه، خوفُا وطمعًا، رغبًا ورهبًا.\nوالخلاصة: أنَّ جميعَ المخلوقات عبيدٌ مقهورون لربوبيته تبارك تعالى، أما أهل طاعته وأهل كرامته فهم عبيد ألوهيته تعالى، الخاضعون المتذللون لربهم، خضوع تذللٍ، وعبوديةَ اختيارٍ، لا عبودية قهرٍ وغلبة، وتلك هي العبودية الخاصة.\n\n<span data-type='title' id=toc-151>ثالثًا: بيان حقيقة العبودية:</span>\nأما حقيقة العبودية: فهي الغاية العظمى التي خلق الله من أجلها الخلق كما بين ذلك في محكم كتابه، فقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات].\nقال ابن جرير الطبري -﵀-: «اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ فقال بعضهم: معنى ذلك: وما خلقت السعداء من الجن","vol":"1","page":233},{"text":"والإنس إلا لعبادتي، والأشقياء منهم لمعصيتي.\nأي: خلقهم لأجل أن يعبدونه سبحانه فمن عبده أكرمه، ومن ترك عبادته أهانه» (^١).\nوحَصَرَ ﷾ الحِكمة من خلقهم في قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ليتبين ويتأكد لهم أن الحِكمة من خلقهم هي: عبادته ﷾، وخلق كل شيء لرعايتهم ورعاية مصالحهم ومصالح معاشهم، وسَخَّر لهم كل ما في السموات والأرض ليستعينوا بها على عبادته وطاعته ﷾.\nومعنى ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾؛ أي: يوحدونني، فيفردونني بالعبادة، ولا يعبدوا سواي، والعبادة لا تُسمَّى عبادة إلا مع التوحيد ولا تصح ولا تقبل إلا به، فهو قوامها وأسها وأساسها المتين الذي لا قوام لها ولا ووجود إلا به، فهو كالطهارة للصلاة لا تصح ولا تقبل إلا بها فهي شرط صحة، كما أن التوحيد شرط صحة في صحة العبادة وقبولها.\nوتحقيق العبودية لرب البرية هي المهمة العظيمة التي من أجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وقام سوق الآخرة ففريق في الجنة، وفريق في السعير، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ … إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء]، وقال لرسوله -ﷺ-: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر]، واليقين هنا هو: الموت.\nوقال ابن القيم -﵀-: «والمحبة مع الخضوع هي العبودية التي خلق الخلق لأجلها، فإنها غاية الحب بغاية الذل، ولا يصلح ذلك إلا له سبحانه، والإشراك به في هذا هو الشرك الذي لا يغفره الله ولا يقبل لصاحبه عملًا» (^٢).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢٢/ ٤٤٥).\n(^٢) الفوائد (ص: ١٨٣).","vol":"1","page":234},{"text":"وقال ابن القيم في نونيته:\nوعبادة الرحمن غاية حبه … مع ذل عابده هما قطبان\nوعليهما فلك العبادة دائر … ما دار حتى قامت القطبان (^١)\nوأخيرًا: فإن العبودية الحقة لا تتحقق إلا بتحقيق أصلين عظيمين:\nالأصل الأول: إفراده الله تعالى بالعبادة ونبذ عبادة كل ما سواه، وهذا هو مقتضى شهادة ألا إله إلا الله.\nالأصل الثاني: ألا يُعبد اللهُ إلا بما شرع، وهذا هو مقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله.\nفمن حقق هذين الأصلين العظيمين بكمالهما وتمامهما، فقد حقق العبودية الحقة التي ينال به العبدُ سعادةَ الدارين.\n\n<span data-type='title' id=toc-152>رابعًا: تقرير عبودية لله تعالى في السورة الكريمة:</span>\nإن المتأمل في السورة الكريمة يتجلى له محور السورة الرئيس ألا وهو قضية التوحيد وتقرير العبودية التي خلق الله من أجلها الجن والإنس، فلم يخلقهم عبثًا ولم يتركهم سدى، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون].\nوفي قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ يتجلى بوضوح تقرير العبودية في السورة الكريمة، ومن هنا يتبين أن بيان تقرير العبودية لله هو المحور الرئيس في السورة الكريمة.\nوفي نحو ذلك يقرر الفخر الرازي -﵀- فيقول: «والمقصود من كل القرآن تقرير أمور أربعة: الإلهيات، والمعاد، والنبوات، وإثبات القضاء والقدر لله تعالى، فقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ يدل على الإلهيات، وقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ يدل على المعاد، وقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ يدل على نفي الجبر والقدر، وعلى إثبات أن الكل بقضاء الله وقدره، وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ\n_________\n(^١) الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية (ص: ٣٢).","vol":"1","page":235},{"text":"عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ يدل أيضًا على إثبات قضاء الله وقدره وعلى النبوات، فلما كان المقصد الأعظم من القرآن هذه المطالب الأربعة، وكانت هذه السورة مشتملة عليها - لقبت بأم القرآن» (^١).\nوفيما ذكره الفخر الرازي وقرره إنما هو تقرير لكل أنواع العبودية في السورة الكريمة، فاشتمال السورة على حمده تعالى وتمجيده بأسمائه وصفاته والثناء عليه والإقرار باليوم الآخر وإثبات البعث والجزاء، وتنزيه الله عن كل نقص ووصفه تعالى بكل كمال يليق بذاته المقدسة، وحصر العبادة والاستعانة فيه وحده، وطلب الهداية إلى صراطه المستقيم، والإلحاح عليه بالثبات على هذا الصراط، صراط المنعم عليهم، وطلب البعد عن طريق أهل الغواية والزيغ ممن غضب عليه وأضلهم، كل ذلك يؤكد ويبرهن ويوضح تقرير السورة الكريمة للعبودية بمعناها الشامل والكامل، وآيات السورة مقررة لأنواع التوحيد الثلاثة كما مر معنا في ثنايا البحث، وكما سيأتي تفصيل ذلك في موضعه بإذن الله تعالى.\nومما يبرهن ويؤكد تقرير الفاتحة للعبودية حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تعالى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ قَالَ اللَّهُ تعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ قَالَ اللَّهُ تعالى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (^٢).\nولعل في هذا كفاية، والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) التفسير الكبير للفخر الرازي (ص: ١٤٥).\n(^٢) مسلم (٣٩٥).","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type='title' id=toc-153>المبحث الثاني\nالتوحيد وعلاقته بمحور\nالسورة الكريمة</span>","vol":"1","page":237},{"text":"المبحث الثاني:\nالتوحيد وعلاقته بمحور السورة الكريمة\nأولًا: قد مرَّ معنا تكرارًا ومرارًا في ثنايا البحث أن التوحيد هو محور السورة الرئيس، ومن هنا يتبين: أن العلاقة بين التوحيد ومحور السورة الكريمة هي علاقة تلازم كتلازم الروح للجسد، فالتوحيد هوالمحور الرئيس في السورة الكريمة؛ يتمثل في كل آيات من آياتها.\nثانيًا: افتتاح السورة بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، فيه تعظيم وإجلال وإقرار لله بالربوبية في قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والله ﷾ يحب الحمد ويحب أن يحمده عباده، وقد مرَّ معنا في ثنايا البحث حديث الأسود بن سريع -﵁- قال: كنت شاعرًا، فأتيت النبي -ﷺ- فقلت: يا رسول الله، إني مدحت ربي بمحامد، قال: «أما إن ربك يحب الحمد» (^١)، وحمد العبد ربه إقرار منه لله بالألوهية التي هي توحيد الله بأفعال العباد، وهذا هو عين التوحيد.\nثالثًا: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ يتضمن الثناء على الله تعالى بأسمائه الحسنى وفي ذلك تلازم بين توحيد الأسماء والصفات ومحور السورة الرئيس.\nرابعًا: قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ فيه التمجيد لله تعالى، المقترن بالإيمان باليوم الآخر، المتضمن للبعث بعد الموت والحساب والجزاء على الأعمال.\nخامسًا: قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ فيه إذعان لله واستسلام وانقياد له سبحانه بالتوحيد، وصرف العبادة كلها لله، فحصر العبادة في الله تعالى فيه إقرار بالعبودية له سبحانه وحده ونبذ عبادة كل ما سواه، وكذلك حصر الاستعانة بالله\n_________\n(^١) أحمد) ١٥٦٢٤)، وصححه أحمد شاكر في مقدمته لعمدة التفسير (١/ ٦٢).","vol":"1","page":239},{"text":"وحده فيه معنى الذل والخضوع والافتقار الكامل والتام لمالك يوم الدين، وقد علمنا أن تقديم المعمول يفيد الحصر والاختصاص، وقد أفاد هنا حصر واختصاص العبادة والاستعانة فيمن ينبغي ألا تصرف العبادة كلها: عبادة، ولا استعانة إلا له وحده لا شريك له، مع ما فيه من تعظيم الله بتقديم حقه في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وتأخير حظ نفسه في: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، وهذا كله هو عين توحيد الألوهية.\nسادسًا: قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ متضمن لافتقار العبد لربه في جلب المنافع والتي من أعظمها معرفة الصراط المستقيم المتضمن لهداية الدلالة والإرشاد، وهذه الهداية لابد لها من دلالة وواسطة في البيان والبلاغ عن الله، فكانت نعمة إرسال الرسل، والرسل مبلغين عن الله وهم أمناء الله على وحيه، فلابد للرسل من رسالة، فكانت الرسالة متضمنة لنعمة إنزال الكتب، وطلب الهداية لهذا الصراط كما هو متضمن لهداية الدلالة والإرشاد، فهو كذلك متضمن لهداية التوفيق والإلهام والرشاد، وبذلك تتم نعمة الهدايتين جميعًا وهذا هو عين التوحيد الملازم لمحور السورة الكريمة.\nسابعًا: قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، بعد أن علم الله العبد طلب الهداية إلى صراطه المستقيم وطريقه القويم، ناسب أن يدله على هذا الصراط ليسلكه، ثم ناسب أن يبين له عظم وقدر السالكين لهذا الصراط لينال شرف الصحبة وعلو القدر والمكانة، والمنعم عليهم هم الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، لمَّا أطاعوا الله والرسول -ﷺ- كانوا من أهل الصراط، ولمَّا كانوا من أهل الصراط استحقوا نيل شرف الصحبة ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾.\nولذلك قال ابن عباس -﵁-: «صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك، من ملائكتك، وأنبيائك، والصديقين، والشهداء، والصالحين؛ وذلك نظير ما قال ربنا","vol":"1","page":240},{"text":"تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [النساء: ٦٩]» (^١).\nوالنبي -ﷺ- في مرض موته يسلي نفسه ويعزيها بشرف تلك الصحبة التي هو منها، وهو أعلاهم شرفًا ومكانة ورتبة وقدرًا.\nفقد روى البخاري بسنده عن عائشة -﵂- قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «ما من نبي يمرض إلا خيّر بين الدنيا والآخرة». وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بُحّة شديدة فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]، فعلمت أنه خُيّر» (^٢).\n«﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ممن تقدم وصفهم ونعتهم، وهم أهل الهداية والاستقامة والطاعة لله ورسله، وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره» (^٣).\nثامنًا: قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ فيه بيان أن صراط المنعم عليهم «غير صراط المغضوب عليهم، [وهم] الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق، وأكد الكلام بـ «لا» ليدل على أنَّ ثّمَّ مسلكين فاسدين، وهما طريقتا اليهود والنصارى» (^٤).\nوبهذا كله يتبين العلاقة الوطيدة بين التوحيد وبين محور السورة الكريمة.\nولعل في هذا كفاية، والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (١/ ١٤٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٥٨٦).\n(^٣) تفسير ابن كثير (١/ ١٤٠).\n(^٤) ابن كثير: المرجع السابق.","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type='title' id=toc-154>المبحث الثالث\nتقرير التوحيد بأنواعه الثلاثة\nكما ورد في السورة الكريمة</span>","vol":"1","page":243},{"text":"المبحث الثالث:\nتقرير التوحيد بأنواعه الثلاثة كما ورد في السورة الكريمة\nومن الأهمية بمكان بيان تلك الأقسام الثلاثة بشيء من البيان لتتبين العلاقة بين أنواع التوحيد وبين السورة من جهة، وليتضح تقرير التوحيد بأنواعه في ثنايا آيات السورة الكريمة كلها من جهة أخرى.\n\n<span data-type='title' id=toc-155>أولًا بيان أقسام التوحيد:</span>\nينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: وهي:\n١ - توحيد الربوبية.\n٢ - توحيد الألوهية.\n٣ - توحيد الأسماء والصفات.\nإن تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام وإن لم يكن منصوصًا عليه بذلك، إلا أن نصوصه في الكتاب والسنة لا تخرج عن هذه الأقسام الثلاثة، وأولوا العلم إنما علموا ذلك وفهموه بالتتبع والاستقراء والنظر في نصوص الوحيين.\n«وقد جاء هذا التقسيم في عبارات المتقدمين من أئمة الحديث والأثر، فجاء عند أبي جعفر الطبري في تفسيره وفي غيره من كتبه، وفي كلام ابن بطة، وفي كلام ابن منده، وفي كلام ابن عبد البر، وغيرهم من أهل العلم من أهل الحديث والأثر، خلافًا لمن زعم من المبتدعة أنَّ هذا التقسيم أحدثه ابن تيمية، فهذا التقسيم قديم يعرفه من طالع كتب أهل العلم التي ذكرنا» (^١).\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية: الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ.","vol":"1","page":245},{"text":"وإليك نبذة من أقوال أهل العلم: في بيان تقسيمهم التوحيد، إلى ثلاثة أقسام:\n١ - قال الإمام أبو حنيفة -﵀-: «والله يُدعى من الأعلى لا من الأسفل؛ لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء» (^١).\nفقوله: «يدعى من الأعلى لا من الأسفل» فيه إثبات صفة العلو، وهو من توحيد الأسماء والصفات …\nوقوله: «من وصف الربوبية» فيه إثبات توحيد الربوبية.\nوقوله: «والألوهية» فيه إثبات توحيد الألوهية (^٢).\n٢ - قال الطحاوي الحنفي -﵀-: «نقول في توحيد الله، معتقدين بتوفيق الله، إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره» (^٣). فقوله: «إن الله واحد لا شريك له» شامل لأقسام التوحيد الثلاثة.\nوقوله: «ولا شيء مثله» توحيد الأسماء والصفات.\nوقوله: «ولا شيء يعجزه» هذا من توحيد الربوبية.\nوقوله: «ولا إله غيره» إشارة إلى توحيد الألوهية والعبادة» (^٤).\n٣ - قال ابن بطة العُكْبُري (^٥) -﵀-: «أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء:\nأحدها: أن يعتقد العبد ربانيته (^٦)، ليكون بذلك مباينًا من أهل التعطيل الذين لا\n_________\n(^١) الشرح الميسر على الفقهين الأبسط والأكبر لمحمد الخميس (ص ١٣٥) (متن فقه الأبسط).\n(^٢) القول السديد للبدر (ص: ٤٢)، وأصول الدين عند الإمام أبي حنيفة للخميس (ص: ٢٠٨).\n(^٣) العقيدة الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز (١/ ٢١) وبعدها.\n(^٤) القول السديد للبدر (٤٢ - ٤٣)، وأصول الدين عند الإمام أبي حنيفة لمحمد الخميس (ص: ٢٠٨).\n(^٥) هو أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن حمدان ابن بطة العُكْبري شيخ العراق، فقيه، محدث، ولد سنة (٣٠٤ هـ) وتوفي سنة (٣٨٧ هـ) من مؤلفاته: الإبانة في أصول الديانة. سير أعلام النبلاء للذهبي (١٦/ ٥٢٩) (٣٨٩)، وشذرات الذهب لابن العماد (٤/ ٤٦٣) حوادث سنة (٣٨٧ (.\n(^٦) في النسخة المطبوعة (آنيته) وقد نقل شيخنا الأستاذ الدكتور عبد الرزاق البدر من النسخة الخطية (ربانيته)؛ فالتصحيح من كتاب القول السديد لعبد الرزاق البدر (ص: ٣٢).","vol":"1","page":246},{"text":"يثبتون صانعًا.\nوالثاني: أن يعتقد وحدانيته؛ ليكون مباينًا بذلك من أهل الشرك الذين أقروا بالصانع، وأشركوا معه في العبادة غيره.\nوالثالث: أن يعتقده موصوفًا بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفًا بها من العلم، والقدرة، والحكمة، وسائر ما وصف به نفسه في كتابه» (^١).\n٤ - قال ابن أبي العز الحنفي -﵀-: «التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع:\nأحدها: الكلام في الصفات.\nالثاني توحيد الربوبية: وهو بيان أن الله خالق كل شيء.\nالثالث توحيد الإلهية: وهو استحقاق أن يُعبد وحده لا يُشرك له» (^٢).\n٥ - قال الجرجاني الحنفي -﵀-: التوحيد ثلاثة أشياء: معرفة الله تعالى بالربوبية، والإقرار بالوحدانية، ونفي الأنداد عنه جملة» (^٣).\nفهذه جملة من أقوال العلماء حيث قسموا التوحيد إلى ثلاثة أنواع، وذلك باعتبار تعلقه بالرب -﷿-، وذلك بالاستقراء في أدلة الشرع» (^٤)، ولذا كان هذا البيان ردًا على من زعم أن هذا التقسيم تقسيم محدث لم يكن عليه عمل المسلمين من قبل.\n\n<span data-type='title' id=toc-156>القسم الأول: توحيد الربوبية</span>.\nوهو توحيد الله بأفعاله ﷾، ومعناه: إفراد الله تعالى بأفعاله من الخلق والملك والتدبير والرزق والإحياء والإماتة وجلب النفع ودفع الضر وغير ذلك، فيعتقد المؤمن أن الله تعالى لا شريك له في ربوبيته.\nوهذا يعني الإقرار بأنَّ الله ﷾ هو ربّ كل شيءٍ وخالقه ومليكه، وأنّه\n_________\n(^١) الإبانة لابن بطة (٢/ ١٧٢ - ١٧٣).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (١/ ٢٣).\n(^٣) التعريفات للجرجاني (ص: ٩٩).\n(^٤) ينظر: منتدى السعادتين- منيب المدني. بتاريخ (١٩/ ١٢/ ٢٠١٣ هـ).","vol":"1","page":247},{"text":"﷾ هو الخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، وأنّه سبحانه له الخلق والأمر، وأن أمر عباده كلّه له تبارك اسمه، وأنّ الخير كلّه بيديه، وأنه على كل شيء قدير، وأنه ليس له في ربوبيته ندّ ولا شريك ولا شبيه ولا نظير.\n\n<span data-type='title' id=toc-157>أنواع ربوبية الله على خلقه:</span>\nربوبية الله على خلقه على نوعين:\n«الربوبية العامة: وهي لجميع الناس؛ بَرِّهم وفاجرِهم مؤمنِهم وكافرِهم؛ وهي خلقه للمخلوقين، ورزقُهم، وهدايتهم، لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا.\nالربوبية الخاصة: وهي تربيته لأوليائه المؤمنين، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكملهم، ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه، ولعل هذا المعنى هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب؛ فإن مطالبهم كلَّها داخلةٌ تحت ربوبيته الخاصة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-158>من دلائل ومشاهد الربوبية:</span>\n<span data-type='title' id=toc-159>١ - دلالة الفطرة:</span> فإن الله جبل المخلوق على الإقرار بخالقه وفاطره، والاعتراف بربوبيته بدافع الفطرة، ذلك بأن الله تحبب إلى خلقه بنعمه، فهو خالقهم وموجدتهم من العدم وممتعهم بالنعم ودافع عنهم البلاء والنقم، والنفس جبلت على حبّ من أحسن إليها، ومن هنا كان الإقرار بالربوبية جبلي فطري إلا عند من انطمست فطرهم كالدهرين والملحدين من الشيوعيين والبوذيين وسائر المعاندين.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «ولما كان الإقرار بالصانع فطريًّا كَمَا قَالَ -ﷺ-: «كل مولود يولد على الفطرة» (^٢)؛ فإن الفطرة تتضمن الإقرار بالله، والإنابة إليه، وهو معنى لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي يُعْرَفُ ويُعْبَدُ» (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للشيخ ابن سعدي (١/ ٢٨٨).\n(^٢) البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨).\n(^٣) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/ ٦).","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-160>٢ - دلالة التفكر في الأنفس:</span> إن من أعظم وأجل الدلالات على ربوبية الله تعالى: تلك النفس المخلوقة التي بين حنبي الإنسان، وصاحب الفطرة السوية والعقل السليم حينما يعملهما في التأمل في خلقته وإيجاده من عدم، ويتأمل مراحل خلقه وتكوينه يستدل بهما على ربوبية الخالق البارئ المصور ﷾، قال ربنا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤].\nيقول الطاهر ابن عاشور -﵀-: «وهذا شروع في الاستدلال على انفراد الله تعالى بالخلق وبعظيم القدرة التي لا يشاركه فيها غيره، وعلى أن الإنسان مربوب لله تعالى وحده، والاعتبار بما في خلق الإنسان وغيره من دلائل القدرة ومن عظيم النعمة.\nفالمقصود منه إبطال الشرك، لأن ذلك الأصل الأصيل في ضلال المعرضين عن الدعوة المحمدية» (^١).\nويقول العلَّامة محمد الأمين الشنقيطي -﵀-: «بيَّن -جل وعلا -في هذه الآية الكريمة، أطوار خلقه الإنسان ونقله له، من حال إلى حال، ليدل خلقه بذلك على كمال قدرته واستحقاقه للعبادة وحده جل وعلا» (^٢).\nوقال سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧)﴾ [الشمس] أي: «عدل خلقها وسوى أعضاءها» (^٣).\nو«أنشأها وأبدعها مستعدة لكمالها؛ وذلك بتعديل أعضائها وقواها الظاهرة والباطنة» (^٤).\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (١٩/ ٢٢).\n(^٢) أضواء البيان (٥/ ٣٢٢).\n(^٣) البغوي (٨/ ٤٣٨).\n(^٤) روح المعاني للألوسي (٣٠/ ١٤٣).","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type='title' id=toc-161>٣ - دلالة التأمل والتفكر في الآفاق والمخلوقات:</span>\nقال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ [فصلت].\n«والله جل وعلا قد بين من غرائب صنعه وعجائبه في نواحي سماواته وأرضه» (^١).\n«فلو تأمل الإنسان الآفاق وما أودع الله فيها من الغرائب والعجائب لأدرك أن هناك خالقًا لهذه الأكوان، وأنه عليم حكيم» (^٢).\nومن جملة معاني قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣].\n«الآيات التي في السماء وفي الأرض، وما يحدثه الله تعالى من الحوادث العظيمة، الدالة للمستبصر على الحق، ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] مما اشتملت عليه أبدانهم، من بديع آيات الله وعجائب صنعته، وباهر قدرته، وفي حلول العقوبات والمثلات في المكذبين، ونصر المؤمنين، حتى يتبين لهم من تلك الآيات بيانًا لا يقبل الشك أنه الحق وما اشتمل عليه حق.\nوقد فعل تعالى، فإنه أرى عباده من الآيات، ما به تبين لهم أنه الحق، ولكن الله هو الموفق للإيمان من شاء، والخاذل لمن يشاء» (^٣).\nومن جملة دلائل خلقه سبحان في الأفاق ما يراه الإنسان بصفة مستديمة ومستمرة كتلك الآيات الباهرة والمخلوقات العظيمة الدالة على ربوبية الله تعالى، ومنها آياته في الخلق بعض مخلوقاته، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم]، وكما في قوله سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ\n_________\n(^١) أضواء البيان (٦/ ٣٧٦).\n(^٢) ينظر: الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة (٧١ - ٧٢) للشيخ … عبد الرزاق العباد، والإيمان بالله للكاتب (ص ١٤ - ٥٩/ ط ١).\n(^٣) ابن سعدي (٧/ ١٥٨١).","vol":"1","page":250},{"text":"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢)﴾ [الروم]، وذلك «لما بيّن دلائل الأنفس، ذكر دلائل الآفاق، وأظهرها خلق السماوات والأرض» (^١) ومنها أيضًا: الآيات الكونية الباهرة والمعجزات الخارقة للعادة في بعض مخلوقات الله المخلوقة على غير عموم خلقه سبحانه، والدالة على ربوبية الله وقدرته وعظمته وتفرده بالخلق، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: خلق آدم من تراب بلا أب ولا أم، قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران].\nومنها: خلق زوجه حواء من ضلعه الأيسر قال تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦].\nثم تكاثر هذه البشرية من نسلهما، وبثّ منهما البشرية جمعاء، ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا … وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١].\nقال ابن كثير -﵀-: «يقول تعالى آمرًا خلقه بتقواه، وهي عبادته وحده لا شريك له، ومُنَبّهًا لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة، وهي آدم، -﵇- ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وهي حواء -﵍-، خلقت من ضِلعه الأيسر من خلفه وهو نائم، فاستيقظ فرآها فأعجبته، فأنس إليها وأنست إليه، وروى ابن أبي حاتم حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا وكيع، عن أبي هلال، عن قتادة، عن ابن عباس قال: خُلقَت المرأة من الرجل» (^٢). انتهى.\nودلالة ذلك من السنة ما ثبت في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي\n_________\n(^١) التفسير الكبير، تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢)﴾ [الروم] (ص: ٩٨).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٠٦ (.","vol":"1","page":251},{"text":"الضِّلعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ» (^١).\nوهذا من كمال قدرته وعظمته سبحانه ومطلق مشيئته؛ ليعلم الإنسان أصل خلقته، ومبدأ منشئه، فيعلم عظمة ربه وقدرته على خلقه، وأيضًا ليعلم فقره التام لربه مع غناه عنه سبحانه ويعلم ضعفه وانعدام حيلته، فيستسلم لعظمته ويخضع لجبروته وسلطانه وينقاد لأمره ولا يتمرد على خالقه وسيده ومولاه.\nوقال ابن القيم -﵀-: «… ليرى عباده أنه خالق أصناف الحيوان كلها كما يشاء وفي أي لون شاء، فمنها المتشابه الخلقة المتناسب الأعضاء، ومنها المختلف التركيب والشكل والصورة، كما يرى عباده قدرته التامة في خلقه لنوع الإنسان على الأقسام الأربعة الدالة على أنه مخلوق بقدرته ومشيئته، تابع لها، فمنه ما خلق من غير أب ولا أم، وهو أبو النوع الإنساني، ومنه ما خلق من ذكر بلا أنثى، وهي أمهم التي خلقت من ضلع آدم، ومنه ما خلق من أنثى بلا ذكر، وهو المسيح ابن مريم، ومنه ما خلق من ذكر وأنثى وهو سائر النوع الإنساني، فيرى عباده آياته ويتعرف إليهم بآلائه وقدرته وأنه إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون» (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «خلق سائر الخلق من ذكر وأنثى، وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح؛ فإنَّ حواء خلقت من ضلع آدم، وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم، وخلق آدم أعجب من هذا وهذا، وهو أصل خلق حواء» (^٣) انتهى.\nوقد قال الله تعالى في خبر عيسى وأمه قولًا مختصرًا فصلًا: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾ [المؤمنون].\n_________\n(^١) البخاري (٣٣٣١) ومسلم (١٤٦٨).\n(^٢) مفتاح دار السعادة (١/ ٢٤٢).\n(^٣) الجواب الصحيح (٤/ ٥٤).","vol":"1","page":252},{"text":"وقال العلَّامة الفقيه محمد الأمين الشنقيطي -﵀-: «مِن حكم خلقه عيسى من امرأة بغير زوج ليجعل ذلك آية للناس، أي: علامة دالة على كمال قدرته وأنه يخلق ما يشاء كيف يشاء، إن شاء خلقه من أنثى بدون ذكر كما فعل بعيسى، وإن شاء خلقه من ذكر بدون أنثى كما فعل بحواء، كما نص على ذلك بقوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١]، أي: خلق من تلك النفس التي هي آدم زوجها حواء، وإن شاء خلقه بدون الذكر والأنثى معًا كما فعل بآدم، وإن شاء خلقه من ذكر وأنثى، كما فعل بسائربني آدم» (^١) انتهى.\nومن تلك الدلائل العظيمة أيضًا الدالة على ربوبيته سبحانه: خبر العزير وموته مائة عام ثم بعثه، قال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾ [البقرة].\nوخبر بقرة بني إسرائيل وإحياء القاتل بضربه ببعضها، وقصة أصحاب الكهف ومكثهم ولبثهم في الكهف نائمين ثلاثة مائة سنين وازدادوا تسعًا، لم يتغيروا ولم تتآكل أجسادهم، ومثل هذا في القرآن كثير، ولعل في الإشارة ما يغني عن العبارة.\n\n<span data-type='title' id=toc-162>ومن دلائل ومشاهد ربوبية الله تعالى في القرآن:</span>\n١ - أن له الخلق والأمر: قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر] فهذه «الأشياء كلها موكولة إليه، فهو القائم بحفظها» (^٢) وقال سبحانه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف].\n٢ - ومن تلك الدلائل أيضًا: أنه سبحانه المتفرد بالخلق والرزق والملك وتدبير\n_________\n(^١) أضواء البيان (٤/ ٢٥٩).\n(^٢) البغوي (٧/ ١٣١).","vol":"1","page":253},{"text":"وتصريف شؤون الخلق، ولا شريك له في شيء من ذلك أبدًا، فهو الذي تفرّد في ربوبيته خلقًا، وإيجادًا، ورزقًا وتصريفًا وتدبيرًا، وهذه الأفعال كلها من لوازم ربوبيته جل في علاه، قال سبحانه في شأن الخلق: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ [لقمان]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف]، والله هو الخالق لهذه المخلوقات العظيمة فهو: «يخبر تعالى بأنه خلق هذا العالم: سماواته وأرضه، وما بين ذلك في ستة أيام» (^١) وهو «سيدكم ومصلح أموركم، أيها الناس، وهو المعبود الذي له العبادة من كل شيء» (^٢) وهو: «المنفرد بقدرة الإيجاد، فهو الذي يجب أن يعبد» (^٣) فالله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وهو الذي خلق الشمس والقمر والنجوم، وكل هذه المخلوقات مسخرات بأمره سبحانه، وهو خالقها وباريها، فالآية الكريمة تدل على أفعال الله تعالى، حيث خلق السماوات والأرض، وله وحده الخلق والأمر، وهذه الصفات كلها تدل على الربوبية، وهذه الأفعال أيضًا من لوازم ربوبية الله على خلقه.\nويقول تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس] وكل هذه الأفعال دالة على تفرده سبحانه بالربوبية، وتفرده بتدبير وتصريف شؤون خلقه جميعًا.\nودلائل الربوبية وشواهدها أكثر من أن تحصى في كتاب الله تعالى.\n_________\n(^١) ابن كثير (٣/ ٤٢٧).\n(^٢) الطبري (١٢/ ٤٨٣)، بتصرف يسير ليستقيم الكلام مع النص.\n(^٣) القرطبي (٧/ ١٩٨).","vol":"1","page":254},{"text":"و«توحيد الربوبية حق، وأمره عظيم، ولا يصح إيمان العبد إذا لم يؤمن به، ولكن هذا النوع من أنواع التوحيد ليس هو الغايةَ التي جاءت بها الرسل، وأنزلت من أجلها الكتب، وليس الغايةَ التي من جاء بها فقد جاء بالتوحيد وكماله؛ ذلك أن الله أمر بعبادته التي هي كمال النفوس وصلاحها وغايتها، ولم يقتصد على مجرد الإقرار به كما هو غاية الطريقة الكلامية» (^١).\nولقد أقر الكفار بربوبية الله تعالى على زمن النبي -ﷺ-، ومع إقرارهم هذا قاتلهم -ﷺ- واستحل دماءهم وأموالهم وسبى ذريتهم ونساءهم، ولم يدخلهم في الإسلام، وهذا الإقرار أيضًا لن ينجيهم من عذاب الله في الآخرة، لأنهم صرفوا العبادة لغيره سبحانه ولم يقروا بألوهيته جل في علاه، فمن أقر بالربوبية دون تحقيق توحيد الألوهية لم يكن مسلمًا موحدًا، ولا يَحْرم دمه ولا ماله حتى يقرَّ لله بالألوهية، ويصرف له العبادة وحده دون سواه.\nإذًا فلابد مع الإقرار بالربوبية تحقيق التوحيد الكامل بالإقرار بالألوهية، قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩].\nوفي ذكر الله تعالى لإقرار الكفار بربوبيته سبحانه حكم عظيمة من أجلها وأعظمها إقامة الحجة ووضوح المحجة على نصب ربوبيته، وأنه سبحانه خالقهم ورازقهم، فلا يستحق العبادة سواه جل في علاه، إذًا كيف يقرون له بالربوبية، ولا يقرون له بالألوهية والعبودية؟ فإن الخالق المدبر لهذا الكون المتصرف في كل شؤون خلقه وملكوته ألا يستحق العبادة؟، فكيف يقرون لله بالربوبية، ثم يعبدون سواه؟!.\n_________\n(^١) ينظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٢).","vol":"1","page":255},{"text":"<span data-type='title' id=toc-163>ويتلخص مما سلف ذكره في توحيد الربوبية ما يلي:</span>\n١ - توحيد الربوبية: هو توحيد الله بأفعاله سبحانه.\n٢ - توحيد الربوبية توحيد فطري مجبول في النفوس ومركوز فيها بدافع الخلقة والفطرة والجبلة.\n٣ - أكثر الخلق مقرون لله بالربوبية.\n٤ - الإقرار لله بالربوبية لا يكفي للدخول في الإسلام، فقد أقر به إبليس، وأقر به المشركون فلم ينفعهم لأنهم لم يقروا بتوحيد العبادة للهِ وحده لا شريك له.\n٥ - الخصومة بين الرسل وأممهم كانت في الألوهية.\n٦ - للربوبية دلائل في خلق الله شاهدة على عظمته في خلقه يُستدل بها على ربوبيته لا يُنكرها إلا كل مكابر معاند جاحد.\n\n<span data-type='title' id=toc-164>وأهم ما يثمره تحقيق توحيد الربوبية ما يلي:</span>\n١ - الاستدلال بالمخلوقات على خالقها يبعث في النفس اليقين بوجود خالق للكون، بخلاف منكر الربوبية فهو في حيرة وشك وتردد دائمًا، هل للكون إله خالق أم لا؟\n٢ - الإيمان بالربوبية يبعث في النفس اطمئنانًا وسكينة.\n٣ - الإيمان بالربوبية يبعث الثقة في خالق الكون ومدبر شؤونه، وهذه الثقة تثبت عجز المخلوق وافتقاره التام لخالقه سبحانه.\n٤ - الإيمان بالربوبية يؤدي إلى تعظيم الخالق جل في علاه.\n٥ - الإيمان بالربوبية يؤدي إلى الإقرار بالألوهية.\nوختامًا فإنَّ «للإيمان بالربوبية آثارًا عظيمة، وثمرات كثيرة، فإذا أيقن العبد أن له ربًّا خالقًا هو الله -﵎- وأن هذا الرب هو رب كلِّ شيءٍ ومليكه، مصرف الأمور، وأنه هو القاهر فوق عباده، وأنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات","vol":"1","page":256},{"text":"والأرض-أَنِسَت رُوحُه بالله، واطمأنت نفسه بذكره، ولم تزلزله الأعاصير والفتن، وتوجه إلى ربه بالدعاء، والالتجاء، والاستعاذة، وكان دائمًا خائفًا من تقصيره، وذنبه؛ لأنه يعلم قدرة ربه عليه، ووقوعه تحت قهره وسلطانه، فتحصل له بذلك التقوى، والتقوى رأس الأمر، بل هي غاية الوجود الإنساني» (^١).\nولهذا قال -ﷺ-: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-165>القسم الثاني: توحيد الألوهية</span>.\n<span data-type='title' id=toc-166>تعريفه:</span> يقول حافظ الحكمي -﵀-: «هو: إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة؛ الظاهرة، والباطنة، قولًا، وعملًا، ونفي العبادة عن كل مَن سوى الله تعالى كائنًا من كان».\nويقول في سلَّم الوصول أيضًا:\nهذا وثاني نوعي التوحيد … إفرادُ ربِّ العرش عن نَدِيدٍ\nأن تعبد الله إلهًا واحدًا … معترفًا بحقه لا جاحد (^٣)\nويتضح من ذلك: أن توحيد الألوهية يعني: إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة التي شرعها لعباده وأمرهم بها، من صلاة وزكاة وصيام وحج ودعاء ونذر ونحر ورغبة ورهبة وخوف ورجاء وخشية وتذلل وخشوع وخضوع واستعانة واستغاثة وتوكل، إلى غير ذلك من أنواع العبادة، وهو توحيد الله تعالى بأفعال عباده التي أمرهم بها، فتصرف جميع أنواع تلك العبادة وغيرها لله وحده لا شريك له.\nولقد أرسل الله جميع الرسل لتحقيقه، وهو أكثر ما يعالجونه مع أقوامهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وهذا النوع من أنواع التوحيد هو الذي وقعت فيه الخصومة بين الرسل وأممهم لإنكارهم\n_________\n(^١) ينظر: منهج جديد لدراسة التوحيد للشيخ عبد الرحمن عبدالخالق (ص ٨٢).\n(^٢) مسلم (٣٤).\n(^٣) معارج القبول شرح سلّم الأصول (١/ ٣١).","vol":"1","page":257},{"text":"له، كما بيّن الله ذلك في كتابه فقال ﷾: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص].\nفتوحيد الألوهية: هو إفراد الله تعالى بالعبادة كلها فلا يعبد غيره، ولا يُدعى ولا يُسأل سواه، ولا يُستغاث ولا يُستعان إلا به سبحانه، ولا يُنذر ولا يُذبح ولا يُنحر إلا له، ولا يُتوكل إلا عليه ولا يُخشى إلا إياه، ولا يُصرف أيّ شيء من أنواع العبادة إلا له، قال ربنا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] وقال سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر] وإنما يقع الشرك في الألوهية بأن يُتخذ مع الله إله آخر يُعبد من دونه ويُتقرب إليه بالعبادة كما يُعبد اللهُ تعالى ويُتقرب إليه كذلك بالعبادة.\n\n<span data-type='title' id=toc-167>ويُستفاد مما سبق بيانه عن توحيد الألوهية ما يلي:</span>\n١ - أنه الغاية الكبرى التي خلق الله من أجلها الخلق.\n٢ - أنه النعمة العظمى والمنة الكبرى التي امتن الله بهداية عباده إليها.\n٣ - أنه الغاية العظمى من إرسال الرسل وإنزال الكتب.\n٤ - أن من أجل حماية جنابه؛ شرع الجهاد في سبيل الله تعالى.\n٥ - أنَّ تحقيقه سبب حصول كمال الاهتداء وتمام الأمن في الدارين، قال ربنا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام].\n٦ - أن تحقيقه من أعظم أسباب دفع النقم والعقوبات، ومن أسباب تفريج الكروبات، وحلول الخيرات، وسبب رغد العيش وحلول البركات وتنزل الرحمات.\n٧ - تحقيق التوحيد سبب حصول العزة والكرامة للمؤمن، فمن حقق كمال التوحيد تولاه الله وفرغ قلبه لمحبته ولسانه لذكره وشغله بما خُلق له وكفاه شر التزلف للخلق والتعلق بهم ورزقه حقيقة التوكل عليه والإنابة إليه.\n٨ - أن تحقيقه سبب الفوز برحمة الله وحلول رضوانه على العبد، وسبب نيل شفاعة النبي -ﷺ- يوم القيامة.","vol":"1","page":258},{"text":"٩ - أنَّ تحقيق التوحيد من أعظم أسباب الاستخلاف في الأرض والتمكين للدين وتحقيق النصر على الأعداء.\n١٠ - أنَّ تحقيق كمال التوحيد في قلب المؤمن من أعظم أسباب نجاته من النار وعدم دخولها أصلًا، لما ثبت الصحيحين من حديث عتبان بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (^١).\n١١ - أنه سبب خروج عصاة الموحدين من النار وعدم خلودهم فيها؛ لأنهم مع ذنوبهم معهم أصل التوحيد، وإنما الخلود في النار لأهل الكفر والشرك الأكبر.\nوكل ما سبق ذكره له شواهد متعددة من الكتاب والسنة، فمن حقق التوحيد حصلت له هذه الفضائل والمكرمات والمنح والأعطيات والهبات الإلهية كلها، والعكس بالعكس لمن فرط في تحقيق التوحيد.\n\n<span data-type='title' id=toc-168>القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات</span>.\n<span data-type='title' id=toc-169>أولًا: تعريفه:</span>\nيقول ابن سعدي -﵀-: «توحيد الأسماء والصفات: وهو اعتقاد انفراد الرب -ﷻ- بالكمال المطلق من جميع الوجوه بنعوت العظمة، والجلال، والجمال التي لا يشاركه فيها مشارك بوجه من الوجوه.\nوذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله -ﷺ- من جميع الأسماء، والصفات، ومعانيها، وأحكامها الواردة في الكتاب والسنة على الوجه اللائق بعظمته وجلاله، من غير نفي لشيء منها، ولا تعطيل، ولا تحريف، ولا تمثيل. ونفي ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله من النقائص والعيوب ومن كل ما ينافي كماله.» (^٢)\nوهو: «الإيمان بما وصف الله به نفسَه في كتابه، أو وَصَفَه به رسوله من الأسماء\n_________\n(^١) البخاري (٧٧)، ومسلم (٣٣).\n(^٢) القول السديد في مقاصد التوحيد (٣/ ١٠).","vol":"1","page":259},{"text":"الحسنى والصفات العلى، وإمرارها كما جاءت على الوجه اللائق به -﷾» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-170>ثانيًا: منهج أهل السنة والجماعة وطريقتهم في الأسماء والصفات</span>.\nمن الأهمية بمكان التعريف بأهل السنة والجماعة:\n\n<span data-type='title' id=toc-171>١ - التعريف بأهل السنة والجماعة:</span>\nأهل السنة هم الذين اتبعوا سنة النبي محمد -ﷺ- وهديه- في كل ما جاء به وأمر، وصدقوه في كل ما أخبر، واجتنبوا ما عنه نهى وزجر، وعبدوا الله بما شرع، كل ذلك، سواء كان في أمور العقائد، أو أمور الشرائع، أو في العبادات والمعاملات والأخلاق وغيرها.\nوهم سلف هذه الأمة من الصحابة -﵃- والتابعين لهم وتابعيهم بإحسان، وهؤلاء هم الذين استقاموا على الاتباع وجانبوا الابتداع، وكل من سلك سبيلهم واتبع طريقهم بإيمان وإحسان إلى يوم الدين في أيّ مكان وزمان، وهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، هم أهل السنة والجماعة، وهم الذين اجتمعوا على الدين الحق الصحيح، والدليل الواضح الصريح من كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد -ﷺ-. (^٢)\nيقول شيخنا العلَّامة ابن عثيمين -﵀-: «أهل السنة والجماعة هم الذين تمسكوا بالسنة، واجتمعوا عليها، ولم يلتفتوا إلى سواها، لا في الأمور العلمية العقدية، ولا في الأمور العملية الحُكمية؛ ولهذا سموا أهل السنة؛ لأنهم متمسكون بها، وسموا أهل الجماعة؛ لأنهم مجتمعون عليها.\nوإذا تأملت أحوال أهل البدعة وجدتهم مختلفين فيما هم عليه من المنهاج\n_________\n(^١) ينظر: أعلام السنة المنشورة لحافظ الحكمي. (ص ٥٦ - ١٢).\n(^٢) نقلًا عن: أهل السنة والجماعة-خصائص -وفضائل -وأحكام- عرفة بن طنطاوي-تحت الطبع.","vol":"1","page":260},{"text":"العقدي أو العملي، مما يدل على أنهم بعيدون عن السنة بقدر ما أحدثوا من البدعة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-172>٢ - أهل السنة والجماعة وسبب تسميتهم بذلك</span>.\nسُمُّوا بذلك لانتسابهم لسنة النبي -ﷺ- واجتماعهم على الأخذ بها ظاهرًا وباطنًا، في القول والعمل والاعتقاد، فهم اجتمعوا على الحق الثابت بالكتاب والسنة، ولم يتفرقوا في الدين، واتبعوا ما أجمع عليه سلف الأمة (^٢).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وكون التسمية بأهل السنة والجماعة حادثة، لا يعني أن مذهب أهل السنة والجماعة حادث، بل مذهب أهل السنة هو ما كان عليه الرسول -ﷺ- وصحابته من بعده» (^٣).\nوقال العلَّامة يحيى العمراني اليماني -﵀- (^٤): «قال ابن عباس -﵁- في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، أما الذين ابيضت وجوههم قال: أهل السنة والجماعة، وأما الذين اسودت وجوههم قال: هم أهل البدع والضلالة» (^٥).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ورسائل شيخنا محمد صالح العثيمين المجلد الاول -باب أهل السنة والجماعة.\n(^٢) ينظر: شرح العقيدة الواسطية للشيخ صالح الفوزان (ص: ١٠)، وفتح رب البرية بتلخيص الحموية للشيخنا محمد بن صالح العثيمين (ص: ١٠).\n(^٣) منهاج السنة (٢/ ٤٨٢). نقلًا عن: أهل السنة والجماعة-خصائص وفضائل وأحكام-عرفة ابن طنطاوي-تحت الطبع.\n(^٤) يَحْيَى، أَبُوْ الخَيْرِ العِمْرَانِيُّ اليَمَانِيُّ، شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ بِبِلَادِ اليَمَنِ، (٤٨٩ - ٥٥٨ هـ)، إمام في الفقه وفروعه وأصوله، ومشارك في غيره من الفنون أصولًا وفروعًا، ربما ما عُرف إلا بعد أن طُبع كتابه البيان، وقد كان إمامًا في السنة على منهج السلف الصالح، وقد ألف في الرد على المعتزلة، كتاب الانتصار في الرد على القدرية الأشرار. ينظر: الأعلام للزركلي -طبقات الشافعية.\n(^٥) يعني: يوم القيامة، حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة، قاله ابن عباس -﵄-، تفسير ابن كثير (٢/ ٩٢).","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type='title' id=toc-173>٣ - منهج أهل السنة والجماعة وطريقتهم في الأسماء والصفات:</span>\nيعتمد هذا النوع من أنواع التوحيد عند أهل السنة والجماعة على أربعة قواعد لا يتحقق كماله وتمامه إلا بها.\nالقاعدة الأول: تعظيم وتنزيه الخالق عن مشابهة المخلوق، وعن جميع النقائص كلها.\nونفي تلك النقائص التي نفاها الله عن نفسه في كتابه، ونفاها عنه رسوله -ﷺ- فيما ثبت من سنته الصحيحة، مع إثبات كمال ضد هذه النقائص تنزيهًا وتعظيمًا وإجلالًا لله تعالى.\nالقاعدة الثانية: الإيمان بكل ما ورد وثبت في الكتاب والسنة من أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وإثباتها لله تعالى على الحقيقة على وجه يليق بذات الله تعالى، بلا تأويل ولا تعطيل ولا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل، قال ربنا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى].\nوهذا نفي، متضمن إثباتَ الكمالات كلها لله تعالى، فأهل السنة والجماعة ينفون مماثلة الخالق للمخلوق، مع إثبات الكمال المطلق لله تعالى.\nالقاعدة الثالثة: قطع الطمع عن إدراك كيفية صفات الرب جل في علاه.\nالقاعدة الرابعة: التوقف فيما لم يرد فيه إثبات أو نفي:\nفمنهج أهل السنة والجماعة فيه: «التوقف: وذلك فيما لم يرد إثباته أو نفيه مما تنازع الناس فيه كالجسم -مثلًا-، والحيّز، والجهة ونحو ذلك، فطريقتهم فيه التوقف في لفظه فلا يثبتونه ولا ينفونه، لعدم ورود النص بذلك.\nأما معناه فيستفصلون عنه، فإن أُريد به معنى باطل يُنَزَّهُ الله عنه رَدَّوه، وإن أُريد به معنىً حقٌّ لا يمتنع على الله قبلوه، مثل الجهة: إن كانوا يقصدون بها أن اللهَ في السماء، فهذا صحيح، وإن كانوا يقصدون أن الله تحويه السماءُ، فهذا باطلٌ» (^١).\n_________\n(^١) رسائل الحمد في العقيدة (٤/ ٧).","vol":"1","page":262},{"text":"وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].\nوتلك القواعد: هي التي تبيّن وتبرز وتميِّز عقيدةَ أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، عن عقيدة أهل التأويل والتعطيل والتشبية والتمثيل والتكيف وعن سائر عقائد كل الفرق المبتدعة التي ضلت وزلت في هذا الباب العظيم، ألا وهو توحيد أسماء وصفات الرب جل في علاه.\nوإن في سلوك منهج أهل السنة والجماعة واعتقاد طريقتهم والإيمان بها في باب الأسماء والصفات السلامة من الوعيد، الوارد في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف].\nيقول الطبري -﵀-: «وكان إلحادهم في أسماء الله، أنهم عدلوا بها عما هي عليه، فسموا بها آلهتهم وأوثانهم، وزادوا فيها ونقصوا منها، فسموا بعضها «اللات» اشتقاقًا منهم لها من اسم الله الذي هو «الله»، وسموا بعضها «العزى» اشتقاقًا لها من اسم الله الذي هو العزيز» (^١).\nوقال البغوي -﵀-: «هم المشركون عدلوا بأسماء الله تعالى عما هي عليه، فسموا بها أوثانهم فزادوا ونقصوا، فاشتقوا اللات من «الله» والعزى من «العزيز»، ومناة من «المنان»، هذا قول ابن عباس ومجاهد.\nوروي عن ابن عباس -﵁-: يلحدون في أسمائه أي يكذبون، وقال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله تسميته بما لم يسم به، ولم ينطق به كتاب الله (^٢) ولا سنة رسول الله -ﷺ-» (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٣/ ٢٨٢)\n(^٢) الأولى والأصوب العدول عن مثل هذه العبارة (ينطق به القرآن) ونحوها؛ لأنها من صفات المخلوق، والقرآن كلام الله منزل غير مخلوق.\n(^٣) تفسير البغوي (٠٣/ ٣٠٦)","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type='title' id=toc-174>بيان معنى الإلحاد:</span>\nو«الإلحاد: الميل وترك القصد، يقال: لحد الرجل في الدين وألحد: إذا مال، ومنه اللحد في القبر؛ لأنه في ناحية، وقرئ «يلحدون» وهما لغتان، والإلحاد في أسمائه -سبحانه يكون على ثلاثة أوجه: إما بالتغيير كما فعله المشركون فإنهم أخذوا اسم اللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان، أو بالزيادة عليها بأن يخترعوا أسماء من عندهم لم يأذن الله بها، أو بالنقصان منها بأن يدعوه ببعضها دون بعض ومعنى» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-175>الأدلة على صحة مذهب السلف </span>(^٢):\nطريقة السلف الصالح أهل السنة والجماعة هي الطريقة الواجبة في أسماء الله وصفاته، وهي الأسلم والأعلم والأحكم، وليس هناك طريقة أخرى صحيحة في هذا الباب، باب الأسماء والصفات إلا طريقتهم في إثباتها وإمرارها كما جاءت، وقد دل على ذلك أدلة كثيرة منها:\n\n<span data-type='title' id=toc-176>١ - أن طريقة السلف دل عليها الكتاب والسنة:</span> فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف]، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى]، وقوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].\nفالآية الأولى: دلت على وجوب الإثبات من غير تحريف، ولا تعطيل؛ لأنهما من الإلحاد في أسمائه -﷿-.\nوالآية الثانية: دلت على وجوب نفي التمثيل، والآية الثالثة: دلت على وجوب نفي الكيفية، وعلى وجوب التوقف فيما لم يرد إثباته ولا نفيه.\n_________\n(^١) فتح القدير، للشوكاني (١/ ٥١٥).\n(^٢) ينظر: منهاج السنة (٢/ ٥٦١)، وفتح ربِّ البرية، (ص ١٩ - ٢٤)، والأسماء والصفات في معتقد أهل السنة والجماعة (ص ٢١٣ - ٢٢١)، ودعوة التوحيد للشيخ محمد خليل هراس (ص ١٩ - ٢٤).","vol":"1","page":264},{"text":"أما من السنة فالأدلة كثيرة منها: قوله -ﷺ-: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-177>٢ - العقل:</span> فالعقل يدل على صحة مذهب السلف، ووجه دلالته: أن تفصيل القول فيما يجب، ويجوز، ويمتنع على الله لا يُدْرَك إلا بالسمع -الكتاب والسنة -فوجب اتباع السمع في ذلك، وذلك بإثبات ما أثبته، ونفي ما نفاه، والسكوت عما سكت عنه.\n<span data-type='title' id=toc-178>٣ - الفطرة:</span> أما دلالة الفطرة على صحة مذهب السلف فلأنَّ النفوس السليمة مجبولة ومفطورة على محبة الله وتعظيمه وعبادته، وهل تحب وتعظم وتعبد إلا من عرفت أنه متصف بصفات الكمال، منزه عن صفات النقص؟\n<span data-type='title' id=toc-179>٤ - مطابقتها للكتاب والسنة:</span> فمن تتبع طريقة السلف بعلم وعدل وجدها مطابقة لما في الكتاب والسنة جملة وتفصيلًا؛ ذلك لأن الله أنزل الكتاب ليدّبر الناس آياته، ويعملوا بها إن كانت أحكامًا، ويصدقوا بها إن كانت أخبارًا.\n<span data-type='title' id=toc-180>٥ - أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين هم ورثة الأنبياء والمرسلين:</span> فقد تلقوا علومهم من ينبوع الرسالة الإلهية؛ فالقرآن نزل بلغة الصحابة -﵃-، وفي عصرهم، وهم أقرب الناس إلى معين النبوة الصافي، وهم أصفاهم قريحةً، وأقلهم تكلفًا، كيف وقد زكاهم الله في محكم تنزيله، وأثنى عليهم، وعلى التابعين لهم بإحسان قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ … خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة].\nوقد تهدد رب العزة الذين يتبعون غير سبيلهم بالعذاب الأليم فقال -﷿-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء].\n_________\n(^١) مسلم (٢٧١٣).","vol":"1","page":265},{"text":"ولا ريب أن سبيل المؤمنين هو سبيل الصحابة من المهاجرين والأنصار ومن اتبعهم بإحسان.\nفإذا كان الأمر كذلك فمن المحال أن يكون خير الناس، وأفضل القرون قد قصروا في هذا الباب بزيادة أو نقصان.\n\n<span data-type='title' id=toc-181>٦ - أن صفوة أولياء الله تعالى الذين لهم لسان صدق من سلف الأمة وخلفها </span>هم على مذهب أهل السنة والجماعة، أهل الإثبات للأسماء والصفات، وهم أبعد الناس عن مذاهب أهل الإلحاد. (^١)\n<span data-type='title' id=toc-182>٧ - تناقض علماء الكلام وحيرتهم واضطرابهم:</span> فهذا مما يدل على صحة مذهب السلف؛ فلو كان مذهب الخلف حقًّا لما تناقضوا، ولما اضطربوا، ولما تحيروا وحيروا.\n<span data-type='title' id=toc-183>٨ - رجوع كثير من أئمة الكلام إلى الحق وإلى مذهب السلف:</span> فهناك من أرباب علم الكلام الذين بلغوا الغاية فيه رجعوا إلى مذهب السلف، وتبرؤا من علم الكلام، وأعلنوا توبتهم منه، فهذا الرازي أحد أئمة أكابر علم الكلام ينوح على نفسه، ويبكي عليها، ويقول:\nنهايةُ إقدامِ العقولِ عقالُ … وأكثر سعي العالمين ضلال\nوأرواحنا في وحشةٍ من جسومنا … وغاية دنيانا أذًى ووبال\nولم نَسْتَفِدْ من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالُوا\nوكم قد رأينا من رجال ودولة … فبادوا جميعًا مسرعين وزالوا\nوكم من جبال قد علا شرفاتِها … رجالٌ فزالوا والجبال جبال\nوقال ابن الصلاح: «أخبرني القطب الطوغائي مرتين أنه سمع فخر الدين الرازي يقول: يا ليتني لم أشتغل بعلم الكلام، وبكى».\n_________\n(^١) ينظر: درء تعارض العقل لابن تيمية (٥/ ٧).","vol":"1","page":266},{"text":"وقد اعترف أكثر المتكلمين بالوقوع بالحيرة، والأمور المشكلة المتعارضة فقال ابن أبي الحديد وهو من كبراء المعتزلة بعد عظيم توغله في علم الكلام:\nفإذا الذي استكثرت منه هو الـ. . . … . . . . . ـجاني على عظائم المحن\nفظللت في تيه بلا عَلَم … وغرقت في بحر بلا سفن\nومن الذين خاضوا في علم الكلام ورجعوا إلى منهج السلف أبو المعالي الجويني، والخسرو شاهي، وأبو حامد الغزالي (^١) (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٧٢ - ٧٥)، و(٥/ ١٠ - ١١)، ودرء تعارض العقل والنقل (١/ ١٥٩ - ١٦٢)، وكتاب الصفدية لابن تيمية (١/ ٢٩٢ - ٢٩٥)، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (ص ٢٠٨ - ٢١٠)، والتحف في مذاهب السلف للشوكاني (ص ٣٤ - ٤٤).\n(^٢) الغزالي (٤٥٠ - ٥٠٥ هـ)، هو: محمد بن محمد بن محمد أبو حامد الغزَّاليّ بتشديد الزاي. نسبته إلى الغزَّال (بالتشديد) وكان أبوه غزالًا، أو هو بتخفيف الزاي نسبة إلى (غزالة) قرية من قرى طوس. فقيه شافعي أصولي، متكلم، متصوف. رحل إلى بغداد، فالحجاز، فالشام، فمصر وعاد إلى طوس. من مصنفاته (البسيط)؛ و(الوسيط)؛ و(الوجيز)؛ و(الخلاصة) وكلها في الفقه؛ و(تهافت الفلاسفة)؛ و(إحياء علوم الدين). [طبقات الشافعية (٤/ ١٠١ - ١٨٠)؛ والأعلام للزركلي (٧/ ٢٤٧)؛ والوافي بالوفيات (١/ ٢٧٧)]\nمنهجه وعقيدته:\nأ. قال الذهبي -﵀-: «وأدخله سَيَلانُ ذهنهِ في مضايقِ الكلام، ومزالِّق الأقدام» ا. هــ. سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٢٣).\nب. وقال أبو بكر بن العربي -﵀-: «شيخُنا أبو حامد: بَلَعَ الفلاسفةَ، وأراد أن يتقيَّأهم فما استطاع» ا. هــ. السير (١٩/ ٣٢٧).\nج. وقال الذهبي أيضًا: «وقد ألّف الرجل في ذمِّ الفلاسفةِ كتابَ «التهافت»، وكَشَفَ عوارَهم، ووافقهم في مواضعَ ظنًّا منه أن ذلك حقٌّ أو موافقٌ للملَّةِ، ولم يكن له علمٌ بالآثار، ولا خبرةٌ بالسنَّةِ النبويَّةِ القاضيةِ على العقلِ، وحُبِّبَ إليه إدمانُ النظرِ في كتابِ (رسائل إخوان الصفا)، وهو داءٌ عضالٌ، وجَربٌ مردٍ، وسمٌّ قتَّال، ولولا أنَّ أبا حامد مِن كبار الأذكياء، وخيار المخلصين لتلِف …» ا. هـ. السير (١٩/ ٣٢٨). وللاستزادة، ينظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٢٣)، مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٥١ - ٥٥٢)، الكشف عن حقيقة الصوفية (ص ٨٥٠)، =","vol":"1","page":267},{"text":"ومن المتأخرين الذين خاضوا في علم الكلام ولم يرجعوا منه بفائدة، بل وقعوا في الحيرة الإمام الشوكاني فإنه حدَّث عن نفسه فقال: «ها أنا أخبرك عن نفسي، وأوضح لك ما وقعت فيه أمس؛ فإني في أيام الطلب وعنفوان الشباب شغلت بهذا العلم الذي سمّوه تارة علم الكلام، وتارة علم التوحيد، وتارة علم أصول الدين، وأكببت على مؤلفات الطوائف المختلفة منهم، ورُمْت الرجوع بفائدة، والعود بعائدة، فلم أظفر بغير الخيبة والحيرة، وكان ذلك من الأسباب التي حبّبت إليَّ مذهب السلف على أني كنت قبل ذلك عليه، ولكن أردت أن أزداد منه بصيرة وبه شغفًا، وقلت عند ذلك في تلك المذاهب:\nوغاية ما حصّلته من مباحثي … ومن نظري من بعد طول التأمل\nهو الوقف ما بين الطريقين … حيرة فما علم من لم يلق غير التحير\nعلى أنني قد خضت منه غماره … وما قنعت نفسي بغير التبحر (^١)\nوبهذا يتبين لنا صحة مذهب السلف في باب الأسماء والصفات.\nثمرات الإيمان بتوحيد الأسماء والصفات: (^٢)\n_________\n=إحياء علوم الدين في ميزان العلماء والمؤرخين لعلي الحلبي.\nقلت: ويقولون: إنَّه خُتم له بخيرٍ، فترك التصوفَ والفلسفةَ، ومات و«صحيح البخاري» على صدره ! فكان ماذا؟ وهل كان هذا الإمامُ غافلًا عن البخاري، لكنَّ فضلَ اللهِ على خلقه عظيمٌ، ورحمتُه وسعتْ كلَّ شيءٍ، فنسأل الله له الرحمة، لكن هذا لا يلزم منه مدحه، والثناء عليه، وتلقيبه بـ «حجة الإسلام»!! ويجب ترك ما في كتبه مِن انحرافٍ وضلالٍ.\n(^١) التحف في مذاهب السلف (ص ٣٧ - ٣٨). ينظر: رسائل الشيح الحمد في العقيدة (٤/ ١).\n(^٢) ينظر: كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله وصفاته على الاتفاق والتفرد لابن منده، (٢/ ١٨ - ١٩)، والتفسير القيم لابن القيم (ص ٢٤ - ٣٧)، ومفتاح دار السعادة لابن القيم ٢/ ٩٠٩١، والصواعق المنزلة على الطائفة الجهمية والمعطلة لابن القيم، (١/ ٥٩ - ٦٢)، وطريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم (ص ٨٢ - ٨٥)، والأسماء والصفات في معتقد أهل السنة والجماعة، د. عمر الأشقر (ص ١٨ - ٣٩)، والشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في=","vol":"1","page":268},{"text":"العلم بأسماء الله وصفاته، وتدبرها، وفهمها على مراد الله أهم العلوم وأشرفها،\nكما مرَّ؛ لما يثمره من الثمرات العظيمة النافعة المفيدة.\n\nولقد اعتنى علماء الإسلام قديمًا وحديثًا في<span data-type='title' id=toc-184> بيان أسماء الله وصفاته</span>، وشرحها، وإيضاحها، وبيان ثمرات الإيمان بها، فمن الثمرات التي تحصل من جراء الإيمان بها ما يلي:\n<span data-type='title' id=toc-185>١ - العلم بأسماء الله وصفاته هو الطريق إلى معرفة الله</span>.\nفالله خلق الخلق ليعرفوه، ويعبدوه، وهذه هي الغاية المطلوبة منهم؛ فالاشتغال بذلك خُلق له العبد، وإهماله وتركه وتضيعه والتفريط فيه يترتب عليه من الخسارة بقدر تفريطه وإهماله وتضيعه لتك الأمانة العظيمة، وقبيح بعبد لم تزل نِعَمُ الله عليه متواترة أن يكون جاهلًا بربه، معرضًا عن معرفته.\nوإذا شاء العباد أن يعرفوا ربهم فليس لهم سبيل إلى ذلك إلا التعرف عليه من خلال النصوص الواصفةِ له، المصرِّحةِ بأفعاله وأسمائه، كما في آية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وسورة الصمد، وغيرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-186>٢ - أن معرفة الله تدعو إلى محبته وخشيته وخوفه ورجائه وإخلاص العمل له:</span> وهذا هو عين سعادة العبد، ولا سبيل إلى معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه وصفاته والتفقه بمعانيها، وأحكامها، ومقتضياتها.\n<span data-type='title' id=toc-187>٣ - تزكية النفوس وإقامتها على منهج العبودية للواحد الأحد:</span> وهذه الثمرة من أجل الثمرات التي تحصل بمعرفة أسماء الله وصفاته، فالشريعة المنزلة من عند الله تهدف إلى إصلاح الإنسان، وطريقُ الصلاح هو إقامة العباد على منهج العبودية لله وحده لا شريك له، والعلمُ بأسماء الله وصفاته، يعصم بإذن الله من الزلل، ويفتح للعباد أبواب الأمل، ويثبت الإيمان، ويعين على الصبر، فإذا عرف العبد ربه بأسمائه\n_________\n=توضيح العقيدة للشيخ عبد الرزاق العباد (ص ١٠٠ - ١٠١)، والنهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى للشيخ محمد الحمود، وينظر: كذلك: رسائل الشيخ الحمد في العقيدة (٤/ ٣ - وما بعدها).","vol":"1","page":269},{"text":"وصفاته، واستحضر معانيها أثّر ذلك فيه أيما تأثير، وامتلأ قلبه بأجل المعارف والألطاف.\n\n<span data-type='title' id=toc-188>٤ - الانزجار عن المعاصي:</span> ذلك أن النفوس قد تهفو إلى مقارفة المعاصي، فتذكر أن الله يبصرها، فتستحضر هذا المقام وتذكر وقوفها بين يديه، فتنزجر وترعوي، وتجانب المعصية.\n<span data-type='title' id=toc-189>٥ - أن النفوس طُلعَة، تتطلع وتتشوق إلى ما في أيدي الآخرين</span>، وربما وقع فيها شيء من الاعتراض أو الحسد، فعندما تتذكر أن الله من أسمائه-الحكيم-، والحكيم: هو الذي يضع الشيء في موضعه عندئذٍ تكف عن حسدها، وتنقدع عن شهواتها، وتنفطم عن غيّها.\n<span data-type='title' id=toc-190>٦ - أن العبد يقع في المعصية، فتضيق عليه الأرض بما رَحُبت</span>، ويأتيه الشيطان؛ ليجعله يسيء ظنه بربه، فيتذكر أن من أسماء الله-الرحيم-، والتواب، والغفور، فلا يتمادى في خطيئته، بل ينزع عنها، ويتوب إلى ربه، ويستغفره فيجده غفورًا توابًا رحيمًا\n<span data-type='title' id=toc-191>٧ - ومنها أن العبد تتناوشه المصائب، والمكاره</span>، فيلجأ إلى الله، فيذهب عنه الجزع والهلع، وتنفتح له أبواب الأمل.\n<span data-type='title' id=toc-192>٨ - ويقارع الأشرار، وأعداء دين الله من الكفار والفجار</span>، فيجدُّون في عداوته، وأذيته، ومنع الرزق عنه، وقصم عمره، فيعلم أن الأرزاق والأعمار بيد الله وحده، وذلك يُثمر له الشجاعة، وعبودية التوكل على الله ظاهرًا وباطنًا.\n<span data-type='title' id=toc-193>٩ - وتصيبه الأمراض، وربما استعصت وعزَّ علاجها</span>، وربما استبد به الألم، ودب اليأس إلى قلبه، وذهب به كل مذهب، حينئذٍ يتذكر أن الله هو الشافي، فيرفع يديه إليه ويسأله الشفاء، فتنفتح له أبواب الأمل، وربما شفاه الله من مرضه، أو صرف عنه ما هو أعظم، أو عوضه عن ذلك صبرًا وثباتًا ويقينًا هو عند العبد أفضل من الشفاء.\n<span data-type='title' id=toc-194>١٠ - أن العلم به تعالى أصل الأشياء كلها:</span> حتى إن العارف به حقيقة المعرفة","vol":"1","page":270},{"text":"يستدل بما علم من صفاته وأفعاله على ما يفعله ويشرعه من الأحكام؛ لأنه لا يفعل إلا ما هو مقتضى أسمائه وصفاته؛ فأفعاله دائرة بين العدل، والفضل، والرحمة، والحكمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-195>١١ - أن من انفتح له هذا الباب باب الأسماء والصفات انفتح له باب التوحيد الخالص</span>، الذي لا يحصل إلا للكُمّل من الموحدين.\n<span data-type='title' id=toc-196>١٢ - زيادة الإيمان:</span> فالعلم بأسماء الله وصفاته من أعظم أسباب زيادة الإيمان، وذلك لما يورثه في قلوب العابدين من المحبة، والإنابة، والإخبات، والتقديس، والتعظيم للباري جل وعلا ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد].\n<span data-type='title' id=toc-197>١٣ - أنَّ مَن أحصى تسعة وتسعين اسمًا من أسماء الله دخل الجنة</span>، قال -ﷺ-: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة» (^١).\nكان هذا البيان لأقسام التوحيد من الأهمية بمكان لكون البحث متعلق بتك القضية الأم-قضية التوحيد-، وليكون البحث كامل الأركان تام البنيان، وكذلك زُيِلت آياتهُ بأقول أئمة التفسير لكون البحث متعلق بسورة من سورة القرآن الكريم، فلا يخرج عن كونه بحثًا في التفسير.\nولعل في هذا كفاية والحمد لله رب العالمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-198>ثالثًا: تقرير التوحيد بأنواعه الثلاثة كما ورد في السورة الكريمة</span>.\n<span data-type='title' id=toc-199>١ - تقرير التوحيد في السورة جملة</span>.\nإن المتأمل في ثنايا آيات السورة الكريمة يتضح له عيانًا موضوعها الرئيس ألا وهو تقرير التوحيد بأنواعه وأقسامه الثلاثة، وهو الهدف من سياق تلك السورة الكريمة، التي يتبين فيها استحقاق الله تعالى للمحامد كلها، ووصفه تعالى بصفات الجلال والكمال التي تقرر توحيد الأسماء والصفات، والإقرار له بعموم الربوبية، والاعتراف بعظمته وسعة ملكه، إقرار ذل وخضوع واعتراف له سبحانه بالملك التام، بملكه\n_________\n(^١) البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧).","vol":"1","page":271},{"text":"الأعظم ليوم الدين -يوم الجزاء والحساب-، ثم تقرير العبودية-عبادة واستعانة-وحصرها وقصرها على مستحقها وحده دون ما سواه وهو الله جل في علاه، ثم بيان افتقار آخر ألا وهو طلب الهداية للصراط، هداية دلالة وإرشاد، وهداية توفيق وإلهام ورشاد، ثم طلب مرافقة وصحبة المنعم عليهم ممن امتن الله عليهم بكمال الهداية للصراط، وتجنب طريق كل من تنكب الصراط ممن عرف الحق ولم يتبعه ولم يعمل به كاليهود ومن شابههم، وممن عبد الله على جهالة وضلالة كالنصارى ومن شابههم، وهذا كله إقرار لله تعالى بالألوهية.\nوتحقيق التوحيد ولزوم العبودية هي المهمة التي من أجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، «أي: بأن اعبدوا الله ووحدوه ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، أي: اتركوا كل معبود دون الله كالشيطان والكاهن والصنم، وكل من دعا إلى الضلال» (^١).\nوتحقيق التوحيد ولزوم العبودية هي الغاية العظمى من خلق الخلق، قال ربنا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]، أي: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليذعنوا لي بالعبودة، ومع ذلك فهو سبحانه في غنى تام عنهم، ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾، أي: ما أريد ممن خلقت من الجن والإنس من رزق يرزقونه خلقي، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾، أي: وما أريد منهم من قوت أن يقوتوهم، ومن طعام أن يطعموهم» (^٢).\nيقول ابن سعدي -﵀- في تفسيره: «فهذه السورة على ايجازها قد تضمنت ما لم تحتوِ عليه سورة من سور القرآن، فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية يؤخذ من قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، وتوحيد الإلهية: وهو إفراد الله بالعبادة يؤخذ\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٠/ ٩٤).\n(^٢) تفسير الطبري (١٢/ ٤٤٥).","vol":"1","page":272},{"text":"من لفظ: ﴿اللَّهُ﴾، ومن قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وتوحيد الأسماء والصفات وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه، وقد دل على ذلك لفظ: ﴿الْحَمْدُ﴾ كما تقدم» (^١).\nويقرر ذلك الشيخ حماد الأنصاري -﵀- فيقول: «وهذه السورة -سورة الفاتحة- هي من جملة السور الّتي أفردت للتوحيد، والسور الّتي أفردت للتوحيد أربعة في القرآن الكريم، سورة الفاتحة، وسورة الكافرون، وسورة قل هو الله أحد، وسورة الفلق (^٢)، كلّ واحدة منها انتظمت التوحيد الّذي يخصّها، مثلًا سورة الفاتحة انتظمت التوحيد كلّه، وسورة الكافرون اشتملت على توحيد الألوهيّة أي: العبادة، وسورة قل هو الله أحد اشتملت على توحيد الأسماء والصفات، وسورة الفلق اشتملت على توحيد الربوبيّة.\nوهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أهمّيّة التوحيد، لأنّ الله -﷿- أنزل في هذا التوحيد في كلّ نوع منه سورة كاملة، وهذا لم يكن في الأحكام أبدًا ولا في الفروع الله -﷿- ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات] قوله: ليعبدون: هو التوحيد، وأوّل أمر في كتاب الله هو الأمر بالعبادة كما في سورة البقرة ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، ومن ثمّ عرفنا أنّ إنزال اللهِ -﷿- لنا سورًا أربعة كلّ واحدة اشتملت على التوحيد، هذا فيه إشارة إلى أهمّيّة التوحيد، وأنّه السرّ في خلق الجنّ والإنس.\nوجاءت في مقدّمة هذه السور -سورة الفاتحة- الّتي افتتح بها القرآن العظيم لماذا؟\n_________\n(^١) تفسير ابن سعدي (١/ ٣٤).\n(^٢) والحقيقة أن سورة الناس كذلك كلها في أنواع التوحيد الثلاثة، وهذا ظاهر عيانًا في كل آياتها، فقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس] هذا توحيد الربوبية. ﴿مَلِكِ النَّاسِ (٢)﴾ [الناس] هذا توحيد الأسماء والصفات. ﴿إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس] هذا توحيد الألوهية.\nوقد وضح قصده أن المعني من قوله أنّ الله -﷿- أنزل في هذا التوحيد في كلّ نوع منه سورة كاملة، أي: خاصة بنوع واحد من أنواع التوحيد.","vol":"1","page":273},{"text":"لأنّ هذه السورة اشتملت على القرآن كلّه، لا توجد آية في القرآن إلّا ومضمونها موجود في هذه السورة، عرف ذلك من عرفه وجهله من جهله، وذلك لأنّ هذه السورة اشتملت على ثلاثة أشياء هي القرآن كلّه:\nالأوّل: التوحيد الّذي هو الأساس.\nالثاني: الترغيب أو الوعد.\nوالثالث: الترهيب أو الوعيد اللذان هما فرع من الأساس.\nتضمّنت هذه الأمور الثلاثة مع ما سيذكر بعد من تصنيف الناس بحسب هذه الأمور.\nوجرت سنّة الله -﷿- في كتابه الحكيم الجمع بين الترغيب والترهيب بعدما يشرح لنا هذا التوحيد.\nولمّا ذكر الله -﷿- أقسام التوحيد بجميع أنواعها أتبع ذلك بالترغيب في هذا التوحيد والترهيب من مخالفة هذا التوحيد، ثمّ صنّف الناس بحسب عملهم، أو بحسب اتّصالهم بهذا التوحيد.\nهذه الأمور الثلاثة إذا قرأنا القرآن من سورة البقرة إلى آخر سورة الناس لا نجد آية واحدة خرجت عنها» (^١) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-200>٢ - تقرير التوحيد في السورة تفصيلًا</span>.\nيقول ابن القيم رحمه الله تعالى: «وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، يتضمن الأصل الأول، وهو معرفة الرب تعالى ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله.\n_________\n(^١) تفسير سورة الفاتحة وبيان ما تضمّنته من أنواع التوحيد (ص ١٨ - ١٩)، ضمن سلسلة (الرسائل الأنصاريّة رسائل في العقيدة) لحمّاد الأنصاريّ.\n(^٢) هو: الشيخ حماد بن محمد الأنصاري الخزرجي السعدي -نسبة إلى سعد بن عبادة الصحابي الجليل-، بأفريقيا. -ولد سنة (١٣٤٣ هـ) - ببلدة يقال لها: (تاد مكة) في مالي وقد توفي (١٤١٨ هـ)، وصُلّيَ عليه في المسجد النبوي الشريف.","vol":"1","page":274},{"text":"والأسماء المذكورة في هذه السورة هي أصول الأسماء الحسنى، وهي اسم الله والرب والرحمن.\nفاسم الله متضمن لصفات الألوهية، واسم الرب متضمن الربوبية، واسم الرحمن متضمن لصفات الإحسان والجود والبر، ومعاني أسمائه تدور على هذا.\nوقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، يتضمن معرفة الطريق الموصلة إليه، وأنها ليست إلا عبادته وحده بما يحبه ويرضاه واستعانته على عبادته.\nوقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، يتضمن بيان أن العبد لا سبيل له إلى سعادته إلا باستقامته على الصراط المستقيم، وأنه لا سبيل له إلى الاستقامة إلا بهداية ربه له، كما لا سبيل له إلى عبادته بمعونته، فلا سبيل له إلى الاستقامة على الصراط إلا بهدايته.\nوقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾، يتضمن بيان طرفي الانحراف عن الصراط المستقيم، وأن الانحراف إلى أحد الطرفين انحراف إلى الضلال الذي هو فساد العلم والاعتقاد، والانحراف إلى الطرف الآخر انحراف إلى الغضب الذي سببه فساد القصد والعمل.\nفأول السورة رحمة، وأوسطها هداية، وآخرها نعمة.\nوحظ العبد من النعمة على قدر حظه من الهداية، وحظه منها على قدر حظه من الرحمة، فعاد الأمر كله إلى نعمته ورحمته.\nوالنعمة والرحمة من لوازم ربوبيته، فـ (الرب) لا يكون إلا رحيمًا منعمًا، وذلك من موجبات إلهيته فهو الإله الحق، وإن جحده الجاحدون، وعدل به المشركون.\nفمن تحقق بمعاني الفاتحة علمًا ومعرفة وعملًا وحالًا فقد فاز من كماله بأوفر نصيب، وصارت عبوديته عبودية الخاصة الذين ارتفعت درجتهم عن عوام المتعبدين. والله المستعان ..» (^١).\nوفي ضوء بيان ابن القيم -﵀- تعالى لأقسام التوحيد في كتاب الفوائد يتضح ذلك\n_________\n(^١) الفوائد لابن القيم (ص/ ٢٩ - ٣١).","vol":"1","page":275},{"text":"الترابط بين أقسام التوحيد وبين آيات السورة الكريمة المتضمنة لتك الأقسام الثلاثة جميعًا، ومن هنا يتبين أن الفاتحة أمّ الكتاب هي عين التوحيد.\nفقوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ مشتمل على أنواع التوحيد الثلاثة، فإقرار العبد باستحقاق الله تعالى للمحامد كلها عبادة يتقرب العبد بها لربه جل في علاه، وهذا الإقرار متضمن للألوهية، وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فاسم الـ ﴿رَبِّ﴾ فيه إقرار لله بالربوبية.\n«والعالَمون جمع عالَم، والعالم: جمع لا واحد له من لفظه» (^١)، وهو كل مخلوق سوى الله تعالى، ونحن عالم: (أي: خلق) من تلك العوالم، وكل واحد منا مخلوق من تلك المخلوقات، والمخلوقات لابد لها من خالق، فدل ذلك ضمنًا على الإقرار بتفرده تعالى بالخلق ووصفه سبحانه بالخالق، والإقرار له سبحانه باسم الخالق جل في علاه متضمن لتوحيد الأسماء والصفات، لأن الأسماء تشتق منها الصفات.\nوهذا كله يدل على «أنّ جميع المحامد لله بألوهيّته وإنعامه على خلقه بما أنعم به عليهم من النعم التي لا كِفاء لها في الدين والدنيا، والعاجل والآجل» (^٢).\nوقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ فيه وصف لله تعالى بالرحمة العامة والرحمة الخاصة، وهما اسمان دالان على أن الله تعالى موصوف بالرحمة العامة الواسعة التي شملت كل مخلوق، وعمت كل حي، وخص منها أولياءه المتقين وعباده المؤمنين، فعموم الخلق تشمله رحمته العامة سبحانه، وخواص الخلق تشمله رحمته الخاصة.\nوالآية فيها اثبات اسمي: الرحمن، والرحيم، لله ﵎، وهما متضمنان لتوحيد الأسماء والصفات ودالان عليه.\nوقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، أي: مالك يوم البعث والجزاء وتقريره أنه لا بد من\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١/ ١٤٣).\n(^٢) المرجع السابق (١/ ١٣٥).","vol":"1","page":276},{"text":"الفرق بين المحسن والمسيء، والمطيع والعاصي، والموافق والمخالف، وذلك لا يظهر إلا في يوم الجزاء» (^١)، فهو: «مالك أمور العالمين كلها في يوم الدين» (^٢)، وهو سبحانه «دانهم كما دانوا» (^٣)، وهذا إقرار لله بالملك التام يوم الدين، و﴿يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ «من أول يوم الحشر إلى الخلود فالأبد» (^٤)، وهو اليوم الذي: «يدين الله العباد بأعمالهم» (^٥)، ومن تلك المعاني السابقة لمعنى قوله: ﴿يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ يتضح ويتبين إقرار العبادة بالإيمان باليوم الآخر الذي هو أحد أركان الإيمان الستة كما هو معلوم من دين الله بالضرورة، وهذا الإقرار متضمن لتوحيد الألوهية. وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، «قدم المفعول وهو إياك، وكرر؛ للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة. والدين يرجع كله إلى هذين المعنيين» (^٦).\nو﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، «إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك» (^٧)، أي: «نوحدك ونطيعك خاضعين. والعبادة: الطاعة مع التذلل والخضوع، وسمي العبد عبدًا لذلته وانقياده، يقال: طريق معبد، أي: مذلل.\n﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، نطلب منك المعونة على عبادتك وعلى جميع أمورنا» (^٨).\nوالعبادة: هي التي تجمع معنى الطاعة والخضوع والتذلل والخوف، والاستعانة\n_________\n(^١) التفسير الكبير للفخر الرازي، الفصل الرابع (١٢٩).\n(^٢) تفسير القاسمي (٢/ ٩).\n(^٣) التفسير الكبير المسمى بالبحر المحيط لابن حيان الأندلسي، (١/ ٢١).\n(^٤) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، لبرهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي (١/ ٣١).\n(^٥) الدر المنثور، لجلال الدين السيوطي، (١/ ٧٢).\n(^٦) تفسير ابن كثير (١/ ١٣٥).\n(^٧) جامع البيان للطبري (١/ ١٦١).\n(^٨) تفسير البغوي (١/ ٥٤).","vol":"1","page":277},{"text":"المطلقة: هي التي تجمع معاني الافتقار والتبرؤ من الحول والقوة وإظهار الضعف، وحصر ذلك كله في ذات الله تعالى بتقديم المعمول المفيد للحصر والقصر كما تقدم، وهما أي: (العبادة والاستعانة) من أفعال العباد، الذي هو الإقرار لله تعالى بالألوهية.\nيقول الشنقيطي -﵀-: والمعنى أن: «لا نطلب العون إلا منك وحدك، لأن الأمر كله بيدك وحدك لا يملك أحد منه معك مثقال ذرة.\nوإتيانه بقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ بعد قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل إلا على من يستحق العبادة لأن غيره ليس بيده الأمر» (^١)، وكلام الشنقيطي يؤكد أيضًا تقرير الألوهية.\nويقول ابن رجب الحنبلي -﵀- (^٢): «وهذه الكلمة قد قيل: إنها تجمع سر الكتب المنزلة من السماء كلها؛ لأن الخلق إنما خلقوا ليؤمروا بالعبادة، كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات] وإنما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب لذلك، فالعبادة حق الله على عباده، ولا قدرة للعباد عليها بدون إعانة الله لهم، فلذلك كانت هذه الكلمة بين الله وبين عبده، لأن العبادة حق الله على عبده.\nوالإعانة من الله فضل من الله على عبده» (^٣).\nوقال الشوكاني -﵀-: «والمعنى: نخصُّك بالعبادة، ونخصك بالاستعانة، لا نعبد\n_________\n(^١) أضواء البيان للشنقيطي (١/ ٨).\n(^٢) ابن رجب (٧٣٦ - ٨٩٥ هـ)، هو: عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، أبو الفرج، ولد ببغداد، وتوفي بدمشق من علماء الحنابلة؛ كان محدثًا حافظًا فقيهًا أصوليًّا ومؤرخًا، أتقن فن الحديث وصار أعرف أهل عصره بالعلل، وتتبع الطرق. من تصانيفه: (تقرير القواعد وتحرير الفوائد) المشهور بقواعد ابن رجب في الفقه، و(جامع العلوم والحكم) وهو شرح الأربعين النووية، و(شرح سنن الترمذي) ومعه (شرح العلل) آخر أبوابه، و(ذيل طبقات الحنابلة).\n[الدرر الكامنة ٢/ ٢٢١؛ وشذرات الذهب (٣/ ٣٣٩)؛ ومعجم المؤلفين (٥/ ١١٨)].\n(^٣) تفسير ابن رجب الحنبلي (١/ ١٧٠).","vol":"1","page":278},{"text":"غيرك، ولا نستعينه، والعبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل.\nثم قال: وقدِّمت العبادة على الاستعانة؛ لكون الأُولَى وسيلة إلى الثانية، وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المطالب، وإطلاق الاستعانة لقصد التعميم» (^١).\n«فالأول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تبرؤ من الشرك، والثاني: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله -﷿-» (^٢)، وهذا هو عينه توحيد الألوهية.\nوختامًا:\nفإن «هذه السورة على ايجازها قد تضمنت ما لم تحتوِ عليه سورة من سور القرآن، فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية يؤخذ من قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، وتوحيد الالهية وهو إفراد الله بالعبادة يؤخذ من لفظ: «الله»، ومن قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وتوحيد الأسماء والصفات وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله -ﷺ- من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه، وقد دل على ذلك لفظ ﴿الْحَمْدُ﴾، كما تقدم» (^٣).\nوبهذا يتبين ويتأكد ويتضح تقرير السورة الكريمة لتوحيد الألوهية.\nوقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، و﴿اهْدِنَا﴾ فعل أمر جاء في صيغت الطلب والدعاء، ويقع هكذا إذا كان من الأدنى إلى الأعلى.\nو﴿اهْدِنَا﴾، «رغبة لأنها من المربوب إلى الرب، وهكذا صيغة الأمر كلها، فإذا كانت من الأعلى فهي أمر» (^٤) ومعنى ﴿اهْدِنَا﴾ أي: دُلَّنا وأرشدنا إليه، ويكون بمعنى عرفنا» (^٥).\n_________\n(^١) تفسير فتح القدير لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني (١/ ١٠).\n(^٢) تفسير ابن كثير (١/ ١٣٥).\n(^٣) تفسير ابن سعدي (١/ ٣٤).\n(^٤) الوجيز: لابنِ عَطِيَّةَ -عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت: ٥٤٦) هـ، (١/ ٨٤ - ٨٨).\n(^٥) معاني القرآن: للأَخْفَشُ-الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: ٢١٥ هـ)، (١/ ١١).","vol":"1","page":279},{"text":"ويكون أيضًا بمعنى: «ثبّتنا على الهدى» (^١).\nوببيان معنى ﴿اهْدِنَا﴾ يتبين أن المقصود هنا سؤال الهدايتين جميعًا كما مرَّ بنا في بداية هذا المبحث، هداية العلم النافع، وهي هداية الدلالة والإرشاد، وهداية العمل الصالح، وهي هداية التوفيق والإلهام، ولا تتم الهداية إلى الصراط المستقيم إلا بتحقيق الهدايتين جميعًا، فمن لمن لم يعرف الصراط ولم يستدل عليه فكيف يهتدي إليه، وهذا يقتضي الجمع بين الهدايتين، ليجمع السالك لهذا الصراط بين العلم النافع والعمل الصالح، وبذلك يتحقق له كمال الهدايتين جميعًا.\nولقد جاءت هذه الآية الكريمة بعد تقديم حمد الله تعالى والثناء عليه وتمجيده سبحانه، وهي متضمنة لمعنى الدعاء والمسألة والتوسّل إليه بتوحيده -عبادة واستعانة-وحصرهما لله وحده، وهذا الحصر يفيد نبذ عبادة كل ما سواه سبحانه وإخلاص العبادة له والاستعانة به جل في علاه، وتلك الاستعانة متضمنة لإظهار الذل والافتقار لله والبراءة من حول العبد وقوته.\nوكان ذلك كله مقدمة بين يدي أعظم المطالب وأجل الرواغب ألا وهو: مطلب الهداية إلى الصراط المستقيم، وقد ثبت عند مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تعالى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، قَالَ اللَّهُ تعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾، قَالَ اللَّهُ تعالى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ:\n_________\n(^١) معاني القرآن: للزَّجَّاجُ-إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: ٣١١ هـ)، (١/ ٤٩).","vol":"1","page":280},{"text":"﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (^١)، ومن هذا كله أيضًا يتضح اشتمال مطلب الهداية على تقرير ألوهيته ﵎.\nو﴿الصِّرَاطَ﴾ هو: «الطريق، المنهاج الواضح» (^٢)، (^٣)، «وقال بعض المفسرين: هو كتاب الله -﷿-. وقال آخرون: هو الإسلام» (^٤).\nوالصراط المستقيم، قيل: هو «كتاب الله» (^٥).\nقال ابن عطية الأندلسي -﵀-: «والمستقيم الذي لا عوج فيه ولا انحراف، والمراد أنه استقام على الحق وإلى غاية الفلاح، ودخول الجنة» (^٦).\nقال سماحة شيخنا الإمام ابن باز -﵀-: «والمستقيم الذي ليس فيه عوج، قال الله -تعالى- لنبيه -ﷺ-: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣]؛ فالرسول -ﷺ- بعثه الله ليهديَ إلى صراط مستقيم، وهكذا الرسل جميعًا، كلهم بعثوا ليهدوا إلى الصراط المستقيم يعني: يدعون الناس إلى الصراط المستقيم وهو توحيد الله وطاعة أوامره وترك نواهيه والوقوف عند حدوده، هذا صراط الله المستقيم» (^٧)، وما ذكره الإمام ابن باز فيه بيان شاف كاف في تأكيد تقرير الألوهية كذلك.\nويؤكد كذلك ابن سعدي ما سبق بيانه من تقرير الألوهية ببيان معنى الهداية وسعة ودلالة مفهومها فيقول رحمه الله تعالى: «أي: دُلَّنا وأرشدنا، ووفِّقنا للصراط\n_________\n(^١) مسلم (٣٩٥).\n(^٢) مجاز القرآن، (١/ ٢٤ - ٢٥).\n(^٣) معاني القرآن (١/ ٤٩).\n(^٤) غريب القرآن وتفسيره (ص: ٦١).\n(^٥) معاني القرآن للنحاس (١/ ٦٦ - ٦٨).\n(^٦) المحرر الوجيز (١/ ٨٤ - ٨٨).\n(^٧) مجموع فتاوى العلَّامة عبد العزيز بن باز -﵀- مصدر الكتاب: موقع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء (٢٤/ ١٦٨).","vol":"1","page":281},{"text":"المستقيم، وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله، وإلى جنته، وهو معرفة الحق والعمل به، فاهدنا إلى الصراط، واهدنا في الصراط؛ فالهداية إلى الصراط: لزوم دين الإسلام، وترك ما سواه من الأديان، والهداية في الصراط، تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علمًا وعملًا؛ فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد؛ ولهذا وجب على الإنسان أن يدعوَ الله به في كل ركعة من صلاته؛ لضرورته إلى ذلك» (^١)، وبيان ابن سعدي مع ما حواه من تقرير الآية للألوهية، ففيه مع ذلك بيان جامع لأقوال المفسرين في المعاني الواردة في تفسير معنى الصراط.\nوالاستقامة: «كلمة آخذة بمجامع الدين كله، وهي بالعهد، وهي تتعلق بالأقوال، والأفعال، والأحوال، والنيات» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-201>ما هو الصراط المستقيم</span>؟\nالصراط المستقيم هو: دين الله، هو توحيد الله والإخلاص له، وطاعة أوامره وترك نواهيه، هذا هو الصراط المستقيم، وهو عبادة الله، وهو الإسلام والإيمان والهدى، وهو الصراط المستقيم، وهو العبادة التي أنت مخلوق لها ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات]، هذه العبادة هي الصراط المستقيم إن الدين عند الله الإسلام.\nوالإسلام هو الصراط المستقيم، وهو الإيمان بالله ورسوله، وتوحيد الله، وطاعته وترك معصيته، هذا هو الصراط المستقيم: أن تعبد الله وحده دون كل ما سواه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (^٣) وطلب الهداية هنا بقوله: ﴿اهْدِنَا﴾، من الدعاء، والدعاء إما دعاء عبادة، وإما دعاء مسألة، ومطلب الهداية هنا من دعاء المسألة، التي هي من أعمال العباد المستلزم توحيد الألوهية، ومن هنا يتبين ويتضح تقرير الآية الكريمة لتوحيد الألوهية.\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبدالرحمن بن ناصر السعدي (ص/ ٣٩).\n(^٢) الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى (١/ ١٠٨).\n(^٣) مقال بعنون: (ما هو الصراط المستقيم؟)، عن الموقع الرسمي: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز.","vol":"1","page":282},{"text":"وقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.\nقال ابن كثير -﵀-: «﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، هم المذكورون في سورة النساء؛ حيث قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء]» (^١).\nويختصر مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ القول في بيان المنعم عليهم فيقول (^٢): المنعم عليهم هم: «النبيون ومن أسلم معهم» (^٣)، ولا شك أن هذا قول جامع أُخِذَ مفهومهُ وفحواه من آيات سورة النساء: [٦٩، ٧٠] و﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، أي: «طريق من أنعمت عليهم» (^٤).\nوقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.\n«و﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: اليهود، والضالون النصارى» (^٥)، وعليه جمهور المفسرين.\nوقد أخرج الترمذي في سننه وروى بسنده قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، وَبُنْدَارٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «اليَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، وَالنَّصَارَى ضُلَّالٌ» فَذَكَرَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ (^٦).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (١/ ١٤٠)\n(^٢) العلَّامة المقرئ، أبو محمد، مكي بن أبي طالب حموش بن محمد بن مختار، القيسي القيرواني، ثم القرطبي، صاحب التصانيف، ولد بالقيروان سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وكان من أوعية العلم مع الدين والسكينة والفهم، ينظر: سيير أعلام النبلاء (١٧/ ٥١٩).\n(^٣) العمدة في غريب القرآن (ص: ٦٨).\n(^٤) تفسير ابن كثير (١/ ٣١)، قاله به عن ابن عبّاسٍ -﵄-: وهو مروي عن ابن أبي حاتم … عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرّازيّ (ت: ٣٢٧ هـ).\n(^٥) غريب القرآن وتفسيره (ص: ٦٢).\n(^٦) سنن الترمذي (٢٩٥٤)، وقد حكم الشيخ الألباني على: قول عدي بن حاتم: أتيت … =","vol":"1","page":283},{"text":"وأقوال أئمة السلف متضافرة على: أنَّ سبب غضب الله على اليهود أنَّهم لم يعملوا بعلمهم، ذلك لأنهم خير من عرف الحق وخالفه وكتمه وأنكره وجحده، وكذلك لأنهم قوم بهتان ووزر وكذب وغدر وخيانة وكبر وحقد وحسد وشقاق وعناد ونفاق، وهم قتلة الأنبياء وأهل معادات الأولياء، وهم أسباب إثارة الفتن والقلاقل والحروب بين الشعوب، وهم أكلة الربا وأكلة أمْوال النَّاس بالباطل؛ وأنَّهم لا يتناهَون عن منكر فعلوه، وهم أهل الحيل والمكر والخديعة والغش، وهم نقضة العُهُود والمواثيق؛ وهم خير من يحرف الكلم عن مواضعه، وهم قوم قساة القلوب غلاظ الأكباد منزوعو الرحمة، وهم أجبن الخلق وأخسهم وأرذلهم وأحرصهم على حياة، والمتأمل في واقع البشرية الآن يرى أن كل شر وفساد وبلية وراءها اليهود، من بث الشر ونشر الفساد بكل صوره؛ ومخططاتهم العالمية في تفشي المنكرات ونشر الإباحية وإشاعة الفاحشة وتجارة الرَّذيلة، ومحاربة الشعوب بالمخدرات والمسكرات لا تخفى، ولذا يسيطرون على وسائل الإعلام المختلفة لنشر الفساد بكل صوره وأشكاله، ولحبهم الدنيا ولحبهم البقاء فيها يسيطرون على منابع المال ومصادره ومصارفه ويتحكمون في الاقتصاد العالمي، وكذلك رسالتهم العالمية في نشر الكفر والإلحاد وتحريف الأديان كما حرفوا دينهم، ومحاولاتهم البائسة اليائسة تشويه الصورة الناصعة للإسلام والمسلِمين ومجدهم التليد وتاريخهم المجيد لا تخفى، ونشر الشبهات حول دينهم ليفسدوا عقائدهم، وتشكيكهم في ثوابت دينهم وأصوله، والطعن في الدين بكل خديعة ودسيسة يستطيعونها فهم أهل للإفساد في الأرْض كما وصفهم ربنا في محكم كتابه بقوله سبحانه: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ [المائدة] فلذلك استحقوا الغضب والوصف به.\nوأما النصارى: فقد أضلهم الله لأنّهم عبدوا الله على جهالة، واتبعوا أهواءهم\n_________\n=الحديث) حسن، وقول عدي بن حاتم، عن النبي -ﷺ- قال: «اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضلال» فذكر الحديث بطوله. صحيح. تخريج الطحاوية (٨١١).","vol":"1","page":284},{"text":"وتركوا شرع ربهم وابتدعوا في دينهم، وأضاعوا العلم الذي آتاهم الله ولم يرفعوا به رأسًا، ونصبوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا وآلهة من دون الله يتبعونهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، وذلك هو اتّخاذهم إياهم أربابًا من دون الله؛ وقد غلوا بذلك في دينهم غلوًّا عظيمًا، وضلّوا بذلك ضلالًا مبينًا، ونسبوا لله ﷾ الولد، وقالوا بالتثليث، وحرفوا ما أنزل الله إليهم، ولذلك وغيره استحقوا الوصف بالضلال، والجزاء لليهود والنصارى من جنس العمل، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف].\nوخلاصة «القول في ذلك أن أفاعيل اليهود من اعتدائهم، وتعنتهم، وكفرهم مع رؤيتهم الآيات، وقتلهم الأنبياء، أمور توجب الغضب في عرفنا، فسمى تعالى ما أحل بهم غضبًا، والنصارى لم يقع لهم شيء من ذلك، إنما ضلوا من أول كفرهم دون أن يقع منهم ما يوجب غضبًا خاصًا بأفاعيلهم، بل هو الذي يعم كلَ كافرٍ وإن اجتهد، فلهذا تقررت العبارة عن الطائفتين بما ذكر» (^١).\nوختامًا فهذه درة من درر ابن القيم، تُساقُ ليُختم بها هذا المبحثُ الهام لتكون كالطابع عليه، يقول -﵀-: «على قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط؛ فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالطيف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الركاب، ومنهم من يسعى سعيًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المخدوش المسلَّم، ومنهم المكردس في النار» (^٢).\nوإن دعاء العبد بالهداية لطريق وسبيل المنعم عليهم يتضمن محبتهم ومحبة الطريق الذي سلكوه، وهذه المحبة مبنية على موالاتهم، وإن دعاءه ربه أن يجنبه طريق المغضوب عليهم والضالين يتضمن بغضهم وكراهيتهم وبغض وكراهية سبيلهم، وهذا البغض وتلك الكراهية مبنيان على البراءة منهم ومن سبيلهم، والولاء والبراء أوثق\n_________\n(^١) المحرر الوجيز (١: ٨٨ - ٩٠).\n(^٢) مدارج السالكين (١٦: ١).","vol":"1","page":285},{"text":"عرى الإيمان وهي أعمال قلبية تظهر مقتضياتها على جوارح العبد وعلى أعماله الظاهرة، والولاء والبراء من لوازم التوحيد ومقتضياته، ولا يتم للعبد توحيد وإيمان إلا بتحقيقه، لذا يجب وجوبًا حتميًّا لازمًا على كل مسلم أن يتعلمه ويعمل به لينال حقيقة الإيمان ويتحقق له التوحيد الكامل التام الخالص الذي ينجو به من سخط الله وغضبه وأليم عقابه، وهو من أعظم وأهم الواجبات الدينية واللوازم الشرعية، وهو من أعظم وأجل مطالب التوحيد ومقتضياته ولوازمه التي لا تنفك عنه بحال من الأحوال.\nوفي موالاة المنعم عليهم يقول ربنا ﵎: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٦].\nويقول سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة] وفي النهي عن موالاة المغضوب عليه والضالين ووجوب البراءة منهم يقول ربنا ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وأما في السنة المطهرة فقد جُمِعَ الولاءُ والبراءُ جميعًا في حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -﵁- عند أحمد في المسند عن النَّبِيِّ -ﷺ-، قال: «إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الْإِيمَانِ: أَنْ تُحِبَّ فِي اللهِ، وَتُبْغِضَ فِي اللهِ» (^١). والولاء والبراء من أعمال العبد المتضمنة لتوحيد الألوهية، وبذلك يظهر جليًّا تقرير الآية الخاتمة لسورة الفاتحة للتوحيد.\nوبذكر كل ما سلف يتضح ويتبين مدى التلازم بين آيات السورة الكريمة وبين التوحيد، وأن السورة كلها في التوحيد، وأن آياتها الكريمة سيقت للدلالة على تقرير التوحيد بأقسامه الثلاثة: ربوبية، وألوهية، وأسماء وصفات.\nولعل فيما مضى كفاية ومعتبر لأهل البحث والنظر.\nوالحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) مسند أحمد (١٨٥٢٤) وحسنه الألباني في: صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٣٠).","vol":"1","page":286},{"text":"<span data-type='title' id=toc-202>المبحث الرابع\nأبرز الموضوعات التي تناولتها السورة الكريمة ودلالتها على قضية التوحيد</span>","vol":"1","page":287},{"text":"المبحث الرابع:\nأبرز الموضوعات التي تناولتها السورة الكريمة ودلالتها على قضية التوحيد\n\nويشتمل على:\n\n<span data-type='title' id=toc-203>١ - الحمد\nمفهومه ومكانته ودلالته على التوحيد</span>\n<span data-type='title' id=toc-204>أولًا: مفهوم الحمد:</span>\nأ- الحمد في اللغة: الثناء، يقال: حمد الشيء، إذا أثنى عليه.\nب- الحمد في الاصطلاح: هو الثناء باللسان والقلب على الجميل الاختياري (^١) (^٢).\nوالجميل الاختياري: هو الثناء على المُنعم، بسبب كونه مُنعِمًا على الحامد أو غيره.\nوالحمد لله: هو الثناء على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل. فله الحمد الكامل بجميع الوجوه (^٣).\nقال الطبري -﵀-: «ومعنى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الشكر خالصًا لله جل ثناؤه، دون سائر ما يُعبد من دونه ....» (^٤).\n_________\n(^١) والحمد الاختياري أي: الذي يحصل بقصد العبد وإرادته، والأصل في معنى الحمد أنه وصفٌ للمحمود بجميع صفات الكمال والجمال والجلال مقرونًا بالمحبة والتعظيم والتبجيل والإجلال.\n(^٢) ينظر: البدائع (١/ ١٩)، فتح القدير (١/ ١٩).\n(^٣) ينظر: تفسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (١/ ٢٧).\n(^٤) تفسير الطبري (١/ ١٣٨).","vol":"1","page":289},{"text":"يقول الشيخ خليل هراس (^١) نقلًا عن ابن القيم: «إن الحمد إخبار عن محاسن المحمود، مع محبته وتعظيمه، فلابد فيه من اقتران الإرادة بالخير، بخلاف المدح، فإنه إخبار مجرد عن المحبة والتعظيم ولذلك يكون المدح أوسع تناولًا؛ لأنه يكون للحى والميت وللجمادات أيضا» ا. هـ. (^٢)\nويقول ابن سعدي -﵀-: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هو: الثناء على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، فله الحمد الكامل، بجميع الوجوه. ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ الرب: هو المربي جميع العالمين -وهم مَن سوى الله- بخلقه إياهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه عليهم النعم العظيمة، التي لو فقدوها، لم يمكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة، فمنه تعالى» (^٣).\nقال القرطبيُّ -﵀-: «فيجب على كلِّ مكلَّف أن يَعتقد أنَّ الحمد على الإطلاق إنَّما هو لله، وأنَّ الألف واللام للاستغراق لا للعَهد، فهو الذي يستحقُّ جميعَ المحامد بأسرِها، فنحمده على كلِّ نعمة وعلى كلِّ حالٍ بمحامده كلِّها، ما عُلِم منها وما لم يُعلم …، ثمَّ يجب عليه أن يسعى في خصال الحمد؛ وهي التخلُّق بالأخلاق الحميدة والأفعالِ الجميلة» (^٤). اهـ.\nوجملة القول:\nأن الحمد يعني: الثناء ظاهرًا وباطنًا، ظاهرًا باللسان وباطنًا بالقلب، وحمد الله\n_________\n(^١) هو العالم الأزهري الدكتور محمد خليل حسن هراس. ولد بقرية الشين التابعة لمركز قطور بمحافظة الغربية في مصر سنة (١٣٣٤ هـ، ١٩١٦ م).\nأحد أبرز دعاة وعلماء الأزهر، وجمعية أنصار السنة المحمدية من أشد الناس في التصدي للصوفية ومنكري السنة، توفي في شهر سبتمبر سنة ١٩٧٥ م عن عمر يناهز الستين. نقلًا عن: الموسوعة الحرة، (ويكيبيديا).\n(^٢) شرح العقيدة الواسطية لهراس (صـ ١٦) ط دار بن رجب وينظر: بدائع الفوائد لابن القيم.\n(^٣) ابن سعدي (١/ ٣٢).\n(^٤) الأسنى في شرح الأسماء الحسنى (م ١ ص ١٩٠).","vol":"1","page":290},{"text":"تعالى هو: الثناء عليه سبحانه بجميع أوصاف الكمال والجمال والجلال، وحمده على جميع نعمه الظاهرة والباطنة، فهو سبحانه المستحق للمحامد كلها فهو المتفضل بالنعم كلها، فله الحمد على ربوبيته إذ خلقنا ورزقنا وكفانا وأوانا وأطعمنا وسقانا، وله الحمد على ألوهيته هدانا فرضينا به ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد -ﷺ- نبيًّا ورسولًا، فلولا هدايته لنا سبحانه ما اهتدينا ولا صلينا ولا زكينا، قال ربنا: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ … صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات] والمعنى: «بل الله يمن عليكم أيها القوم، أن وفقكم للإيمان به وبرسوله إن كنتم صادقين في قولكم، فإن الله هو الذي منَّ عليكم بأن هداكم له، فلا تمنوا على بإسلامكم» (^١). وهو سبحانه الذي أنزل علينا خير كتبه وأرسل إلينا خير رسله، وهدانا لخير الملل وجعلنا من خير الأمم، وما من نعمة حلت بنا إلا من خيره وفضله، وما من بلاء دُفِعَ عنا إلا برحمته، وهو الذي فتح أبواب رحمته لعباده ليسألوه فيجيبهم ويعطيهم، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد ظاهرًا وباطنًا، حمدَا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل].\n\n<span data-type='title' id=toc-205>ثانيًا: مكانته ودلالته على التوحيد</span>.\n١ - لعظم شأن الحمد افتتح الله كتابه بأفضل سورة فيه، وسماها بسورة الحمد، وافتتحها أيضًا بالحمد، فقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، والحمد يدلل على توحيد الله، والسورة الكريمة كلها في التوحيد وقد مرَّ بيان ذلك في كل ثنايا البحث.\n٢ - ولعظم شأن الحمد ودلالته على التوحيد كذلك، فقد حمد الله نفسه العلية في غير ما موضع من كتابه ليحمده عباده، فقد جاءَت كلمة الحمد مقترنة بلفظ الجلالة في مُفتتح خمس سور من القرآن الكريم، وهي سور: الفاتحة، الأنعام، الكهف، سبأ، فاطر، كما وردت ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ في مواضع ستة في ثنايا سور القرآن\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢٢/ ٣٢٠)، بتصرف يسير.","vol":"1","page":291},{"text":"الكريم وآياته على النحو التالي:\n١ - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة].\n٢ - ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام].\n٣ - ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس].\n٤ - ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات].\n٥ - ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر].\nكما وردت كلمة الحمد مقرونة بلفظ الجلالة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ في مواضع شتى من كتاب الله أكثر من أن تحصى.\n٣ - ولعظم مكانة الحمد ودلالته على التوحيد أيضًا فإن الله يحب من عباده أن يحمدوه.\nفقد ثبت عند النسائي، وأحمد وغيرهما من حديث الأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا أُنْشِدُكَ مَحَامِدَ حَمِدْتُ بِهَا رَبِّي ﵎، قَالَ: «أَمَا إِنَّ رَبَّكَ -﷿- يُحِبُّ الْحَمْدَ» (^١).\n٤ - ولعظم ذلك أيضًا افتتح الله خلقه بالحمد، فقال الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ … وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام].\n٥ - ولعظم شأنه كذلك ألهمه أبا البشر أول ما خلقه.\nفقد ثبت عند الترمذي وغيره وحسنه الألباني من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّه، فَحَمِدَ اللَّهَ بِإِذْنِهِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَا آدَمُ، اذْهَبْ إِلَى أُولَئِكَ الْمَلائِكَةِ، إِلَى مَلإٍ مِنْهُمْ\n_________\n(^١) الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (١٤٤٧)، والحاكم في مستدركه (٦٦٣٨) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. خرجه الألباني في الصحيحة (٣١٧٩).","vol":"1","page":292},{"text":"جُلُوسٍ، فَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، قَالُوا: وَعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ بَنِيكَ بَيْنَهُمْ» (^١)، الحديث.\n٦ - ولعظمه كذلك أيضًا ألهمه صفوته من خلقه وأكرمهم عليه وتعبدهم به وهم رسله وأنبياءه.\nفهذا أول رسل الله إلى خلقه نوح -﵇- بعد أن أتم الله عليه نعمة صناعة الفلك لينجو فيها هو ومن آمن معه من قومه، أمره الله بحمده فقال له: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨)﴾ [المؤمنون].\nوهذا خليل الرحمن إبراهيم -﵇- بعد أن أتم الله عليه نعمه يلهمه الله حَمدَهُ فيقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾ [إبراهيم].\nوها هو نبي الله داود وولده سليمان -﵉- يخبر الله عن حمدهما له على آلائه ونعمه فيقول: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾ [النمل].\nوها هو أكرم خلق الله وأحبهم إليه يأمره ربه بحمده والثناء عليه فيقول له: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء]، والحمد هنا في آية الإسراء مقترن بالتوحيد، والأنبياء هم أعبد الخلق للخالق وأعظمهم تحقيقًا للتوحيد.\nوألهمه كذلك ملائكته الكرام وتعبدهم به فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر].\n_________\n(^١) النسائي في الكبرى (٩٩٧٥)، والترمذي (٣٠٧٦)، وابن حبان (٦١٦٤)، والحاكم (٢١٤) وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٣٣٦٨)، والوادعي، في الصحيح المسند (١٤٢٥) وقال: صحيح على شرط مسلم.","vol":"1","page":293},{"text":"ومعنى ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: أي: «يصلّون لربّهم بحمده وشكره» (^١).\nوألهمه كذلك سمواته وأرضه وكل مخلوقاته كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء] فقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أي: «وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله، ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي: لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس؛ لأنها بخلاف لغتكم وهذا عام في الحيوانات والنبات والجماد، وهذا أشهر القولين كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود -﵁- أنه قال: «كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل» (^٢)، (^٣)\nوألهمه كذلك الرعد فكما قال تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣].\nأي: «ملتبسًا بحمده، وليس هذا بمستبعد، ولا مانع من أن ينطقه الله بذلك» (^٤).\nوافتتح يوم القيامة بالحمد وختمه به كذلك، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾ [الإسراء] ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي: «باستحقاقه الحمد على الإحياء» (^٥).\n«فيقومون يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، فيوم القيامة يوم يبدأ بالحمد ويختم به» (^٦).\n_________\n(^١) جامع البيان (٢٠/ ٢٨٣).\n(^٢) البخاري (٣٣٦٨).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٥/ ٨٠).\n(^٤) فتح القدير للشوكاني (١/ ٧٢٥).\n(^٥) تفسر القرطبي (١٠/ ٣٧٦).\n(^٦) تفسر القرطبي (١٠/ ٢٤٨).","vol":"1","page":294},{"text":"ذلك: لأنه سبحانه المحمود على كل حال، ولأنه -سُبحانه- هو المُستحق للمحامد كلها والثناء الكامل والمدح التام، لما يتصِّف به من صفات الكمال والجمال والجلال، فألهم ملائكته كذلك تسبيحه وحمده وهم حول العرش، وكذلك ألهمه خلقه أجمعين لما فصل في القضاء بينهم يم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر].\nوقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: «يصلون حول عرش الله شكرًا له» (^١)، وهذا في حق الملائكة.\n«وخُتمت خاتمةُ القضاء بينهم بالشكر للذي ابتدأ خلقهم الذي له الألوهية، وملك جميع ما في السماوات والأرض من الخلق، من ملك وجن وإنس، وغير ذلك من أصناف الخلق» (^٢).\nوذكر الإمام ابن كثير كلامًا بديعًا جمع فيه القول الفصل في تأويل آية الزمر، حيث يقول -﵀-: «لما ذكر تعالى حكمه في أهل الجنة والنار، وأنه نزل كلًّا في المحل الذي يليق به ويصلح له وهو العادل في ذلك الذي لا يجور - أخبر عن ملائكته أنهم محدقون من حول عرشه المجيد، يسبحون بحمد ربهم، ويمجدونه ويعظمونه ويقدسونه وينزهونه عن النقائص والجور، وقد فصل القضية، وقضى الأمر، وحكم بالعدل؛ ولهذا قال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الزمر] أي: بين الخلائق ﴿بِالْحَقِّ﴾.\nثم قال: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر] أي: ونطق الكون أجمعه -ناطقه وبهيمه- لله رب العالمين، بالحمد في حكمه وعدله؛ ولهذا لم يسند القول إلى قائل بل أطلقه، فدل على أن جميع المخلوقات شهدت له بالحمد.\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢١/ ٣٤٤).\n(^٢) المرجع السابق (٢١/ ٣٤٥).","vol":"1","page":295},{"text":"قال قتادة: «افتتح الخلق بالحمد في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] واختتم بالحمد في قوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾» (^١).\nوفي ضوء بيان أئمة التفسير ﵏ أجمعين يتبين تقرير مكانة حمد الله تعالى ودلالته على توحيد الخلائق قاطبة لبارئها جل في علاه.\nقال ابن المبرد الحنبلي -﵀-: «كلُّ أمرٍ لا يُبدأ فيه باسم الله ويُختمُ بحمد الله، فهو فاسدُ الوضع، رديءُ الصُّنع، لا خير فيه ولا فائدة، ولا بركة فيه ولا عائدة، فمن تأمَّل الأحاديثَ النبويَّة والكتاب والسُّنَّة، وجد ذلك في كلِّ أمر من الأُمور الدنيويَّة؛ من الأكل والشُّرب والوطء واللُّبس وغير ذلك، وكذلك الأمور الأُخرويَّة، قال الله -﷿-: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس]، وقال -﷿-: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر]، وقال: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤]، فأهلُ الجنَّة طُبعُوا على ذِكر الله في ابتداء كُلِّ فعلٍ في الجنَّة، وحَمْدِ الله على تمامه، وقلتُ:\nاحمد لربِّك في أُمُورك كُلِّها … وافزع إليه في الصِّعاب يحُلُّها\nواقرع بكفِّ الذُّلِّ بابَ عطائه … مَن في الوُجُود سوى الإله يبُلُّها\nوإذا الشَّدائدُ أقبلَت فانزل بِهِ … واعلم يقينًا ما سواه يفُلُّها». اهـ (^٢)\nأما ما ورد في السنة المطهرة عن مكانة حمد الله تعالى وفضائله ودلالته على توحيد الله تعالى، فيعجز المقام عن حصره وذكره، ولأن البحث متعلق بالتفسير فيُكتفى بالإشارة دون العبارة عن بعض فضائله، لئلا يطول المقام، وكذلك لأن البحث موضوعي، تم الإشارة لبعض فضائله فحسب في السنة المطهرة.\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٨/ ١٢٥).\n(^٢) ينظر: رسالته: النجاة بحمد الله، وهي فيما يُظنُ ما تزال مخطوطة.","vol":"1","page":296},{"text":"١ - فالحمد لله أحب الكلام إلى الله تعالى (^١).\n٢ - والحمد لله خير مما طلعت عليه الشمس أي: خير من الدنيا وما فيها (^٢).\n٣ - وحمد الله خفيف على اللسان ثقيل في الميزان حبيب إلى الرحمن (^٣).\n٤ - وكلمة الحمد لله لعظم شأنها تملأ الميزان، وتملأ ما بين السماء والأرض (^٤).\n٥ - والحمد من أسباب مغفرة الذنوب (^٥).\n٦ - والملائكة يبتدرون رفع كلمة الحمد لله إلى الرحمن لعظم شأنها وجليل قدرها. (^٦)\n٧ - والحمادون من عباد الله يباهي بهم ربهم ملائكته في الملأ الأعلى (^٧).\nويُختمُ الكلامُ بنفيسة للإمام ابن القيم -﵀- حيث يقول: «فالعبد لو استنفدَ أنفاسَه كلَّها في حمد ربِّه على نِعمةٍ من نِعَمه، كان ما يجب عليه من الحمد عليها فوق ذلك وأضعافَ أضعافِه».\nويقول -﵀- أيضًا: «وبالجملة، فكلُّ صفة عليا واسم حسَن وثناء جميل، وكلُّ حمد ومدح، وتسبيح وتنزيه، وتقديس وجلال وإكرام -فهو لله -﷿- على أكمل الوجوه وأتمِّها وأدومها، وجميع ما يُوصف به ويُذكر به ويُخبَر عنه به فهو حمدٌ له وثَناء وتسبيح وتَقديس، فسبحانه وبحمده لا يُحصِي أحدٌ من خلقه ثناءً عليه؛ بل هو\n_________\n(^١) وينظر: إلى ما رواه مسلم (٣٩٨٥)، والترمذي (٢٧٦٣)، وأبو داود (٣٤٤٧)، وابن ماجه (٣٧٢٠).\n(^٢) ينظر: إلى ما رواه مسلم (٤٨٦١)، والترمذي (٣٥٣١).\n(^٣) وينظر: إلى ما رواه البخاري (٦٤٠٦)، ومسلم (٤٨٥٧) وقد ختم الإمام البخاريُّ -﵀- صحيحَه بحديث: «كَلمتان خفيفتان على اللِّسان» الحديث.\n(^٤) وينظر إلى: ما رواه مسلم (٣٢٨)، والترمذي (٣٤٣٩)، وابن ماجه (٢٧٦).\n(^٥) وينظر إلى: ما رواه أحمد (٦١٩١)، والترمذي (٣٣٨٢) وحسنه، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.\n(^٦) وينظر إلى: ما رواه مسلم (٩٤٣)، والنسائي (٨٩١)، وأبو داود (٦٥٠)، وأحمد (١٢٥١٩).\n(^٧) وينظر إلى: ما رواه مسلم (٤٨٦٩)، والنسائي (٥٣٣١)، والترمذي (٣٣٠١).","vol":"1","page":297},{"text":"كما أَثنى على نفسه، وفوق ما يُثني به عليه خَلقُه، فله الحمد أولًا وآخرًا حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يَنبغي لكرم وجهه وعزِّ جلاله، ورفيعِ مجده وعلوّ جدّه» اهـ (^١).\nوختامًا:\nفقوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فيه إقرار لله بالألوهية، وإقرار العبد استحقاق الرب للحمد، إقرار عبودية وتأله، ونسبة الحمد ﴿لِلَّهِ﴾ كذلك أيضًا.\nوقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ متضمن لإقرار العبد بتوحيد الربوبية؛ ربنا: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف].\nولأن الآية تضمنت إثبات ربوبية الله لجميع العالمين-وهم كل ما سوى الله، كما مرّ معنا في طيات البحث مرارًا.\n«والرب: السيد والمالك والثابت والمعبود والمصلح، وزاد بعضهم بمعنى الصاحب» (^٢).\nقال ابن عباس -﵁-: «الحمد لله: «هو الشكر لله، والاستخذاء لله، والإقرار بنعمته وهدايته وابتدائه، وغير ذلك. .» (^٣).\nوقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ «روي عن قتادة أنه قال: معناه الحمد لله، الذي لم يجعلنا من المغضوب عليهم ولا الضالين» (^٤).\nو﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ «إله الخلق كله: السماوات كلهن ومن فيهن: والأرضون كلهن ومَن فيهن ومَن بينهن مما يُعلم ومما لا يُعلم» (^٥).\n«فدل قوله رب العالمين على انفراده بالخلق والتدبير، والنعم، وكمال غناه،\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٣٥)، وطريق الهجرتين (ص ١٣١).\n(^٢) التفسير الكبير (١/ ١٩)\n(^٣) تفسير الطبري (١/ ١٣٥).\n(^٤) بحر العلوم للسمرقندي (١/ ١٦)\n(^٥) فتح القدير للشوكاني (١/ ١٧).","vol":"1","page":298},{"text":"وتمام فقر العالمين إليه، بكل وجه واعتبار» (^١).\nو«الرب يكون بمعنى المالك، فالله تعالى مالك العالمين ومربيهم ولا يقال للمخلوق هو الرب معرفًا، إنما يقال: رب كذا مضافًا؛ لأن الألف واللام للتعميم وهو لا يملك الكل» (^٢).\nفدل ذلك كله على الإقرار بالربوبية لخالق الخلق أجمعين، وهو المحمود على كل حال، فله الحمد على ربوبيته وتدبيره لشؤون خلقه، فكل أوقات العبد تستوجب لله حمدًا منذ انتباهه من نومه وحتى منامه، وهو متقلب بين ذلك كله في نعم ربه وآلائه التي لا تُعد ولا تُحصى، أمده ربُهُ بمطعمه ومشربه ومأواه، وأعانه على شؤون حياته كلها من الحركة والنشاط والسعي في مصالح معاشه، وهذه النعم يشترك فيها خلق الله أجمعين، وكذلك هداه لدينه ويسر له عبادته وأعانه على ذكره وشكره وحسن عبادته، وهذه النعمة الكبرى والمنة العظمى نعمة التربية الربانية الخاصة بعباد الله المؤمنين.\nوفيما مضى بيان شاف كاف لمكانة حمد الله تعالى ودلالته على التوحيد.\nولعل في ذلك كفاية والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) تفسير ابن سعدي (١/ ٣١).\n(^٢) تفسير البغوي (١/ ٥٣).","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type='title' id=toc-206>٢ - صفات الله تعالى كما وردت في السورة الكريمة\n(الرحمن-الرحيم-رب العالمين-مالك يوم الدين)\nودلالتها على التوحيد</span>\nالرحمن والرحيم اسمان من أسماء الله تعالى، دالان على اتصافه سبحانه بالرحمة، واسم الرحمن يدل على سعة رحمته ﵎ الواصلة لعموم خلقه-مؤمنهم وكافرهم -برِّهم وفاجرهم-، واسم الرحيم يدل على رحمته الخاصة بعباده المؤمنين وعلى هذا جماهير من أهل العلم.\nوفي هذه الدلالة يقول ابن القيم: الرحمن «فإن رحمته تمنعُ إهمالَ عباده، وعدم تعريفهم ما ينالون به غايةَ كمالِهم؛ فمن أعطى اسم «الرحمن» حقه عَرَف أنه متضمِّن لإرسال الرسل، وإنزال الكتب، أعظمَ من تضمنه إنزال الغيث، وإنبات الكلأ، وإخراج الحَبّ؛ فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح، لكن المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظَّ البهائم والدواب، وأدرك منه أولو الألباب أمرًا وراء ذلك» (^١).\nهذا ومع كونهما متعلقان بتوحيد الأسماء والصفات إلا أنهما متضمنان لربوبية الله وإيصال رحمته العامة لعموم خلقه ورحمته الخاصة لعباده المؤمنين، وعلى هذا ففيهما الدلالة الكاملة التامة لتوحيدي الأسماء والصفات والربوبية جميعًا، ومن هذه الدلالة كان تقسم بعض أهل العلم ومنهم ابن القيم -﵀- إلى تقسيم التوحيد إلى قسمين اثنين فقط، وجعلوا توحيد الربوبية والأسماء والصفات قسمًا واحدًا، لدلالة الأسماء والصفات على ربوبية الله تعالى.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير القرآن الكريم. لابن القيم (ص: ١٢)، وهذا التفسير ليس مَن جمع ابن القيم نفسه -﵀-؛ وإنما أُخِذَ من مجموع مؤلفاته.","vol":"1","page":300},{"text":"وفي هذه الدلالة أيضًا يقول ابن سعدي: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ «اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حيّ، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله.\nفهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومَن عداهم لهم نصيب منها» (^١).\nويؤكد الشنقيطي -﵀- هذه الدلالة أيضًا فيقول: «هما وصفان لله تعالى واسمان من أسمائه الحسنى، مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والرحمن أشدُّ مبالغة من الرحيم؛ لأن الرحمن هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة، والرحيم ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة، وعلى هذا أكثر العلماء»؛ اهـ (^٢).\nواسم ﴿الرَّحْمَنِ﴾ علم على الذات الإلهية لا يُتسمَّى به غيره سبحانه، وهو «اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه، تَسمَّى به ﵎» (^٣).\nوكذلك اسم الـ (رب) فإنه دال على الربوبية العامة لعموم الخلق، والربوبية الخاصة لعباد الله المؤمنين يربيهم ربهم بالإيمان والعمل الصالح، وفي هذا أيضًا الدلالة على توحيد الربوبية كما لا يخفى، هذا مع كون اسم الرب علم على الذات الإلهية وهو اسم من أسمائه الحسنى.\nوكذلك ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ فإنه دال على وصف الله بالملك التام يوم القيامة الذي يعنى أنه ملكَ الحكمَ وفصلَ القضاءِ بين الخلائق يوم الحساب، متفرِّدًا بذلك ﷾.\nومما يدلل على ذلك كله جملة: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تعالى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ قَالَ اللَّهُ تعالى: «حَمِدَنِي عَبْدِي» وَإِذَا\n_________\n(^١) تفسير ابن سعدي (١/ ٣٢).\n(^٢) أضواء البيان للشنقيطي (١/ ٦).\n(^٣) تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٢٥).","vol":"1","page":301},{"text":"قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ اللَّهُ تعالى: «أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي» وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ قَالَ: «مَجَّدَنِي عَبْدِي» وَقَالَ مَرَّةً: «فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي» فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ قَالَ: «هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ قَالَ: «هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (^١).\nوالحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) مسلم (٣٩٥).","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type='title' id=toc-207>٣ - مفهوم الإيمان باليوم الآخر\n(يوم الدين) ودلالته على التوحيد</span>\n<span data-type='title' id=toc-208>أولًا: التعريف باليوم الآخر:</span>\n«اليوم الآخر: هو يوم القيامة وسُمِّي ذلك اليوم باليوم الآخر لأنه اليوم الذي لا يوم بعده» (^١) «والقيامة: أصلها ما يكون من الإنسان من القيام دفعة واحدة، أدخل فيها الهاء تنبيهًا على وقوعها دفعة. وقيل: أصله مصدر قام الخلق من قبورهم قيامة» (^٢).\nومما قيل في تعريفه بصورة إجمالية: «هو الإيمان بكل ما أخبر به الله -﷾في كتابه، وأخبر به رسوله -ﷺ- مما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه، والبعث والحشر والصحف والحساب والميزان، والحوض والصراط والشفاعة والجنة والنار، وما أعد الله تعالى لأهلهما جميعًا» (^٣).\nوسُمِّي يوم القيامة باليوم الآخر؛ لأنه لا يوم بعده، وكذلك لأنه متأخر عن دار الدنيا؛ وكذلك لأنه آخر الأزمنة الموقوتة؛ فلا يوم بعده ولا زمان.\nولا يتحقَّق الإيمان باليوم الآخر إلا بالتصديق الجازم والاعتقاد الصادق بوقوعه ومَجِيئه والعمل بما يقتضيه الإيمان به جملة وتفصيلًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-209>ثانيًا: مفهوم الإيمان باليوم الآخر ومعناه وأدلة وجوبه</span>.\nالإيمان باليوم الآخر هو أحد أركان الإيمان الستة، والتي لا يكمل إيمان العبد ولا يصح إلا به، وقد ورد الإيمانُ باليوم الآخر مقترنًا بالإيمان بالله تعالى في مواضع شتى\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان للطبري (١/ ١١٧).\n(^٢) ينظر: لسان العرب لابن منظور (١١/ ٣٦٢)، مادة: (ق وم)، والكليات للكفوي (٥/ ١١٩)، ومفردات ألفاظ القرآن للراغب (٦٩١)، والتوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (٥٩٦).\n(^٣) الإيمان، د. نعيم محمد ياسين (ص: ١٩).","vol":"1","page":303},{"text":"من كتاب الله تعالى، لأنه مَن لا يؤمن باليوم الأخر إيمانًا جازمًا لا يكون مؤمنًا بالله تعالى؛ لأن من مقتضيات الإيمان بالله الانقياد والتصديق والإذعان والتسليم له سبحانه في جميع ما أمر به سبحانه وأمر به رسوله -ﷺ- وأخبر به عن ربه ﵎.\nوقد تواردت النصوص الخاصة بذكره بكثرة في الوحيين -في آي التنزيل وفي سنة سيد المرسلين -ﷺ-، تعظيمًا لشأنه وتهويلًا لأمره كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [البقرة].\nومن الدلائل الواضحات أيضًا على وجوب الإيمان باليوم الآخر وأنه من أركان الإيمان وكفر من جحده: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء].\nوكذلك ورد الإيمان باليوم الآخر مقترنًا بالإيمان بالله تعالى في السنة المطهرة في مواضع شتى منها على سبيل المثال لا الحصر ما ثبت في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ يَمْشِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَلِقَائِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخِرِ» (^١)، وكذلك ما ثبت عند مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (^٢).\nوإن الكفار المنكرين للبعث بعد الموت الجاحدين لثبوته كيف يعملون لهذا اليوم\n_________\n(^١) البخاري (٥٠)، ومسلم (٩).\n(^٢) البخاري (٥١٨٥)، ومسلم (٤٧).","vol":"1","page":304},{"text":"وهم جاحدون منكرون لثبوته أصلًا؟!، فلا يعمل لهذا اليوم ويعدّ له عدته إلا مَن آمن به واستقر في قلبه ثبوته ووقوعه.\nوفي مثل هذا ورد قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ [الجاثية].\nوالمعنى: «وقال هؤلاء المشركون الذين تقدم خبره عنهم: ما حياة إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها لا حياة سواها تكذيبًا منهم بالبعث بعد الممات» (^١).\nو«هذا إنكار منهم للآخرة وتكذيب للبعث وإبطال للجزاء» (^٢).\nكما قال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ [الأنعام].\nوقد أخبر الله ﷾ عن اليوم الآخر وأقام الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة على وقوعه، ورد على المعاندين والجاحدين والمنكرين له في عموم سور القرآن الكريم ولا سميا في السور المكية التي تقرر عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر.\nوانكار الآخرة والبعث بعد الموت كفر بواح محبط للعمل مخرج من الملة موجب للخلود في النار أبد الآبدين.\nلأنه أمر قد عُلِمَ من دين الله بالضرورة، وقد أجمعت الأمة على أن من جحده وأنكره كفر الكفر الأكبر المخرج من الملة، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا … بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾ [الأعراف]، ومعنى ﴿وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أي: «كذبوا بالبعث وما يعقبه، وقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا نلهو ونلعب، وما نحن بمبعوثين، وحسبوا أن الإنسان يترك سدى، ونزلوا به عن مكانته التي خلقه الله تعالى عليها» (^٣).\n_________\n(^١) الطبري (٢٢/ ٧٨).\n(^٢) القرطبي (١٦/ ١٦٠)، تفسير الماوردي (١٥/ ٢٦٦).\n(^٣) زهرة التفسير-محمد أبو زهر، تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا … بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا … يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾ [الأعراف].","vol":"1","page":305},{"text":"والآخرة: «هي الكَرة الثانية، سميت آخرة لتأخرها عن الدنيا،) حبطت أعمالهم) أي: بطلت، فلم تعقب نفعًا، والمراد جزاء أعمالهم» (^١)، وقد سَألت عائشةُ -﵂- النبيَ -ﷺ-، قالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: «لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ» (^٢).\nوكما قال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١)﴾ [الأنعام].\nيبين ابن كثير -﵀- معنى الآية فيقول: «يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ خَسَارَةِ مَنْ كَذَّبَ بِلِقَاءِ اللَّهِ وَعَنْ خَيْبَتِهِ إِذَا جَاءَتْهُ السَّاعَةُ بَغْتَةً، وَعَنْ نَدَامَتِهِ عَلَى مَا فَرَّطَ مِنَ الْعَمَلِ، وَمَا أَسْلَفَ مِنْ قَبِيحِ» (^٣).\nويضيف القرطبي -﵀- موضحًا معنى الآية ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ فيقول: «قيل: بالبعث بعد الموت وبالجزاء» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-210>ثالثًا: ومما يُستدل به أيضًا على وجوب الإيمان باليوم الآخر إضافة لما سبق ذكره</span>.\n١ - أنه تقرر ثبوت وقوع يوم القيامة بعموم أدلة الكتاب والسنة ولا شك في ذلك أبدًا، وقد مرّ معنا آنفًا سياق بعض الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب الإيمان باليوم الآخر وأنه أحد أركان الإيمان الستة وتبين حكم منكره وجاحده والعياذ بالله.\nوإن العقل السوي لا يتصور انتهاء الحياة الدنيا بموت الخلائق دون إثابة للطائعين ومحاسبة ومعاقبة المتمردين العاتين عن أمر رب العالمين، ودون القصاص فيما وقع بين العباد من مظالم في دار الفناء ورد المظالم لأهلها، وإلا لكان خلق\n_________\n(^١) تفسير القاسمي (٧/ ٢٨٥٦).\n(^٢) مسلم (٢١٤).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٣/ ٢٥٠).\n(^٤) تفسير القرطبي (٦/ ٣٢١).","vol":"1","page":306},{"text":"الخلق عبثًا وحاشا لله ذلك وتعالى ربنا العلي العظيم عما يقول ويعتقد الظالمون علوًّا كبيرًا.\nكما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦].\n﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ «أي: بغير حكمة، حتى أنكرتم البعث، ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ أي: للجزاء: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ أي: تعاظم عما تصفون؛ لأنه: ﴿اللَّهُ الْمَلِكُ﴾ أي: المتصرف وحده، الذي قصد بالخلق معرفته وعبادته، والذي لا يترك الجزاء بل يحق الحق» (^١) ويبطل الباطل، قال سبحانه: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ [الأنفال].\nولقد أقسم الله على وقوعه ردًّا على المعاندين المنكرين لوقوعه والجاحدين لثبوته، قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن].\n٢ - ومن حكمته البالغة ﷾ أن جعل دار الدنيا دار عمل لا دار جزاء، وجعل الآخرة دار حساب ومجازاة على الأعمال، يحاسب فيها الخلائق، فيجازي كل مخلوق بما قدمت يداه، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.\nقال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١)﴾ [إبراهيم]، أي: «ليجزي الله كل نفس مجرمة، ما كسبت، أو كل نفس من مجرمة ومطيعة، لأنه إذا عاقب المجرمين لإجرامهم عُلِمَ أنه يثيب المطيعين لطاعتهم» (^٢).\nوقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم].\n_________\n(^١) تفسير القاسمي (١٢/ ٤٤٢٢).\n(^٢) تفسير الزمخشري (٣/ ٣٩٤).","vol":"1","page":307},{"text":"أي: «ليجزي الذين عصوه من خلقه، فأساؤوا بمعصيتهم إياه، فيثيبهم بها النار، ﴿بِالْحُسْنَى﴾ يقول: وليجزي الذين أطاعوه فأحسنوا بطاعتهم إياه في الدنيا بالحسنى وهي الجنة فيثيبهم بها» (^١).\n٣ - وقد ثبت عيانًا للخلق قاطبة قدرة الله العظيم على خلقهم جميعًا من نفس واحدة، ثم مراحل وأطوار، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج]، فالذي خلق أول مرة ليس بعاجز عن إعادته كما أنشأه أول مرة على غير مثال سابق، بل الإعادة أهون عليه، وهو سبحانه لا يعجزه شيء، قال تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس] والمعنى: «يا أيها الناس، إن كنتم في شك من قدرتنا على بعثكم من قبوركم بعد مماتكم وبلاكم استعظامًا منكم لذلك، فإن في ابتدائنا خلق أبيكم آدم -ﷺ- من تراب ثم إنشائنا لكم من نطفة آدم، ثم تصريفنا أحوالًا حالًا بعد حال من نطفة إلى علقة، ثم من علقة إلى مضغة، لكم معتبرًا ومتعظًا تعتبرون به، فتعلمون أن من قدر على ذلك فغير متعذر عليه إعادتكم بعد فنائكم كما كنتم أحياء قبل الفناء» (^٢).\nوهذا «كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان إنكارهم البعث بعد ما شاهدوا في أنفسهم ما يوجب التصديق به» (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢٢/ ٥٣٢).\n(^٢) الطبري (١٨/ ٥٦٨).\n(^٣) روح المعاني للألوسي (٢٣/ ٥٤).","vol":"1","page":308},{"text":"«وجملة: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ مستأنفة مسوقة لبيان إقامة الحجة على من أنكر البعث وللتعجيب من جهله، فإن مشاهدة خلقهم في أنفسهم على هذه الصفة من البداية إلى النهاية مستلزمة للاعتراف بقدرة القادر الحكيم على ما هو دون ذلك من بعث الأجسام وردها كما كانت» (^١).\n٤ - وقد دلل على الإقرار والإيمان بالله واليوم الآخر العقل السليم والفطر السوية، وقد أودع الله في تلك الفطرة السوية القدرة على الإيمان بالغيب الذي أخبر به سبحانه في كتابه وأخبره به رسوله -ﷺ- في سنته الصحيحة الثابتة عنه.\nكما صرحت به جميع الكتب السماوية المنزلة، وأخبر به جميع النبيين والمرسلين.\nوخلاصة الأمر:\nأن الإيمان باليوم الآخر هو اعتقاد انتهاء هذه الدار -دار الدنيا-، وانتهاء ما فيها، ويدخل في ذلك ضمنًا: الإيمان بأشراط الساعة وأماراتها الصغرى والكبرى التي تكون قبل وقوعها، والتصديق بالموت وما بعده من نعيم القبر وعذابه، والإيمان بالبعث والنشور بعد الموت، والحساب والصراط والميزان، وأخذ صحائف الأعمال، والحوض والشفاعة، والثواب والعقاب وما في موقف القيامة من الأهوال والشدائد والأفزاع العظيمة والجنة والنار، وبكل ما تضمنه الإيمان باليوم الآخر ووُصِفَ لنا جملة وتفصيلًا.\nوالتصديق الجازم بأن الله سبحانه يبعث الخلائق يوم القيامة من قبورهم، لمحاسبتهم ومجازتهم على أعمالهم، إلى أن يدخل المؤمنون الأبرار الجنة ويستقرون في منازلهم ودرجاتهم التي أعد الله تكريمًا لهم، ويدخل الفجار أهل النار دار البوار ويستقرون في دركاتها التي أعدها الله لهم جزاءً على أعمالهم.\nوالإيمان باليوم الآخر، إيمان بالغيب؛ لأنه غيب لم يره أحد، وإنما عُلِمَ بالوحي، فسبيله التصديق الجازم بكل ما ورد في الكتاب والسنة عن اليوم الآخر جملة وتفصيلًا.\n_________\n(^١) فتح القدير للشوكاني (١/ ١٢٣٤).","vol":"1","page":309},{"text":"كما قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة].\nولقد أخفى الله علم وُقُوعِها عن الخلق، فلا يعلم أحد من الخلق وقت وقوعها لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ [الأعراف].\nوختامًا:\nفإن دلالة الكتاب والسنة على وجوب الإيمان باليوم الآخر وما ورد فيه جملة وتفصيلًا أكثر من تحصى لكثرة ما ورد في تقرير وجوب الإيمان به، وقد كثُرت نصوص الوحيين في ذكر اليوم الآخر وأطواره ومراحله، كما تضافرت تلك الأدلة في الرد على منكري البعث ووقوع الجزاء والحساب بأدلة قامعة لكل معاند، رادعة لكل جاحد، زاجرة لكل مكابر، كما بيّنت أدلة الوحيين زيف وافتراء حججهم الواهية وردتها بأدلة لا تدع مجالًا للشك أبدًا، كما مرّ بيانه تكرارًا ومرارًا.\n«والفطرة السليمة تدل عليه وتهدي إليه، ولا صحة لما يزعمه الضالون من أن العقول تنفي وقوع البعث والنشور، فإن العقول لا تمنع وقوعه، والأنبياء لا يأتون بما تحيل العقول وقوعه، وإن جاؤوا بما يحير العقول، ولذلك قال علماؤنا: الشرائع تأتي بمحارات العقول، لا بمحالات العقول» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-211>رابعًا-بعض أسماء يوم القيامة:</span>\nإن الأسماء إذا كثرت وتعددت فإنما يدل ذلك على شرف المُسمَّى، ولليوم الآخر أسماء كثيرة جدًّا.\nولقد «سمى الله ذلك اليوم الذي يحل فيه الدمار بهذا العالم، ثم يعقبه فيه البعث والنشور للجزاء والحساب بأسماء كثيرة، وقد اعتنى جمع من أهل العلم بذكر هذه\n_________\n(^١) القيامة الكبرى. د. عمر الأشقر (ص: ٧٣).","vol":"1","page":310},{"text":"الأسماء، وقد عدها الغزالي والقرطبي فبلغت خمسين اسمًا كما يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني» (^١).\nوقد أورد القرطبي أسماء القيامة في (التذكرة) واستقى بيان معانيها من ابن العربي المالكي من كتاب له أسماه (سراج المريدين)، والقرطبي أضاف إليها بعض البيان والتوضيح والتفسير.\n«وقد عدَّها بعضهم من غير تفسير، منهم ابن نجاح في كتابه (سبيل الخيرات)، وأبو حامد الغزالي في (الإحياء)، وابن قتيبة في (عيون الأخبار)» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-212>وفيما يلي أشهر تلك الأسماء مع تعريف مختصر بكل اسم:</span>\n<span data-type='title' id=toc-213>١ - الطَّامَّةُ:</span> كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤)﴾ [النازعات].\nقال الطبري -﵀-: «وقوله ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤)﴾ [النازعات]، يقول تعالى ذكره: فإذا جاءت التي تطم على كلّ هائلة من الأمور، فتغمر ما سواها بعظيم هولها، وقيل: إنها اسم من أسماء يوم القيامة» (^٣).\nقال البغوي -﵀-: «وَسُمِّيَتِ الْقِيَامَةُ طَامَّةً لِأَنَّهَا تَطُمُّ عَلَى كُلِّ هَائِلَةٍ مِنَ الْأُمُورِ، فَتَعْلُو فَوْقَهَا وَتَغْمُرُ مَا سِوَاهَا، وَ«الطَّامَّةُ» عِنْدَ الْعَرَبِ: الدَّاهِيَةُ الَّتِي لَا تُسْتَطَاعُ» (^٤).\nوقال الشوكاني -﵀-: «أي: الداهية العظمى التي تطمّ على سائر الطامات» (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-214>٢ - الساعة:</span> قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحجر]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه].\nقال القرطبي -﵀-: «والساعة كلمة يعبّر بها في العربية عن جزء من الزمان غير\n_________\n(^١) فتح الباري (١١/ ٣٩٦).\n(^٢) التذكرة للقرطبي (٢٣٣).\n(^٣) تفسير الطبري (٢٢/ ٢١١).\n(^٤) تفسير البغوي (٩/ ٣٣٠).\n(^٥) فتح القدير للشوكاني (١/ ١٥٨٤).","vol":"1","page":311},{"text":"محدود، وفي العُرْف على جزء من أربعة وعشرين جزءًا من يوم وليلة اللذَيْن هما أصل الأزمنة وحقيقة الإطلاق فيها أن الساعة بالألف واللام عبارة في الحقيقة عن الوقت الذي أنت فيه، وهو المُسمَّى بالآن، وسُمّيت به يوم القيامة إما لقربها فإن كل آتٍ قريب، وإما أن تكون سُمّيت بها تنبيهًا على ما فيها من الكائنات العظام التي تصهر الجلود، وقيل: إنما سُمّيت بالساعة لأنها تأتي بغتة في ساعة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-215>٣ - يوم البعث:</span> قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦].\nقال ابن منظور -﵀-: «البعث: الإحياء من الله تعالى للموتى، وبعث الموتى نشرهم ليوم البعث» (^٢).\nوالمعنى المقصود: «إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث الذي أنكرتموه «(^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-216>٤ - يوم الدين:</span> كما قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، ويوم الدين هو يوم القيامة، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين] يقومون للجزاء والحساب ليدانوا بأعمالهم.\n<span data-type='title' id=toc-217>٥ - القارعة:</span> قال الله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣)﴾ [القارعة: ١ - ٣]، وكما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤)﴾ [الحاقة].\nقال القرطبي -﵀-: «سُمّيت بذلك لأنها تقرع القلوب بأهوالها، يقال: قد أصابتهم قوارع الدهر، أي: أهواله وشدائده» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-218>٦ - يوم الخروج:</span> كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)﴾\n_________\n(^١) التذكرة (١/ ٣٣٠).\n(^٢) لسان العرب (١/ ٢٣٠).\n(^٣) تفسير النسفي (٢/ ٧٠٨).\n(^٤) التذكرة (١/ ٣٣٢).","vol":"1","page":312},{"text":"[ق]، وكما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾ [المعارج].\n«سُمِّي بذلك لأن العباد يخرجون فيه من قبورهم عندما ينفخ في الصور» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-219>٧ - يوم الفصل:</span> كما قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ [المرسلات]، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧)﴾ [النبأ].\n«سُمِّي بذلك لأن الله يفصل فيه بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون وفيما كانوا فيه يختصمون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥)﴾ [السجدة]» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-220>٨ - الصاخة:</span> كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣)﴾ [عبس].\nقال القرطبي -﵀-: «قال عكرمة: الصاخة: النفخة الأولى، والطامة الثانية؛ قال الطبري: أحسبه من صخّ فلانٌ فلانًا إذا أصمه، قال ابن العربي: الصاخة التي تورث الصمم وإنها المسمعة، وهذا من بديع الفصاحة» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-221>خامسًا: دلالة الإيمان باليوم الآخر على التوحيد</span>.\nإن دلالات الإيمان باليوم الآخر على التوحيد كثيرة ومتعددة الجوانب، ذلك لأنه منبثق من العقيدة الصحيحة والتوحيد الخالص لله تعالى.\nومن أهم تلك الدلالات ما يلي:\n١ - أن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان الستة التي لا يصح ولا يكمل الإيمان إلا بها مجتمعة.\n٢ - وأنه قرين الإيمان بالله تعالى، وقد مرّ معنا في طيات البحث نصوص الوحيين الدالة على اقترانهما.\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٣١)\n(^٢) تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٤٦).\n(^٣) التذكرة للقرطبي (١/ ٣٤٧) ينظر: اليوم الآخر للأشقر (٨٧).","vol":"1","page":313},{"text":"٣ - ومن أوضح تلك الدلالات أيضًا: أن من جحده وأنكره فقد كفر وخرج من الملة، والكفر والخروج من الملة نقيض التوحيد والإيمان.\n٤ - ومنها أن الإيمان باليوم الآخر قرين العمل الصالح والدافع إليه والمرغب فيه، كما ثبت ذلك في النصوص الكثيرة، والعمل الصالح هو توحيد الله بأفعال العباد، وهذه الدلالة هي من أهم وأوثق الدلالات على التوحيد.\nومن جملة ما ورد في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]. أي: «المصدق بوحدانية الله، المخلص له العبادة، الذي يصدق ببعث الله الموتى أحياء من قبورهم يوم القيامة» (^١).\nوآية براءة شبيهة الدلالة على التوحيد بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة]، فقُرِنَ هنا بين العمل الصالح الذي هو عمارة البيت الحرام ورفع قواعده، وبين الإسلام الذي هو: الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك.\nومنها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)﴾ [الأنعام: ٩٢]، والأمثلة على ذلك في كتاب الله تعالى أكثر من أن تحصى ومُثيلاتُها في السنة المطهرة كذلك، ومنها على سبيل المثال لا الحصر وقد مرّ معنا آنفًا ما ثبت عند مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (^٢)، فالخصال الحميدة والأعمال الصالحة التي ورد الحث عليها والترغيب فيها في الحديث، إنما جاء الترغيب فيها مقترنًا بالإيمان باليوم الآخر لأنه قرين العمل الصالح والدافع إليه والمرغب فيه كما أسلفنا.\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٤/ ١٦٨).\n(^٢) مسلم (٦٨٤٧).","vol":"1","page":314},{"text":"وإنما تتحقق الرغبة والطمع في فعل تلك الخصال الحميدة وغيرها من الطاعات إذا تحقق الإيمان باليوم الآخر، ليصبح هو الدافع والمحرك على الإقبال على تلك الطاعات، كما يكون الدافع أيضًا على عدم اقتراف الذنوب والسيئات الخوف والرهبة من فعل المحرمات والموبقات، هو الوعيد المترتب على من فعلها من عذاب ونكال وجحيم في الدار الآخرة، قال ربنا في سورة السجدة: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾ [السجدة].\nفيورث ذلك كله صلاح قلوب العباد وصلاح أحوالهم والفوز بسعادة الدارين، ولما في الغفلة ونسيان ذلك اليوم العظيم ونسيان ثوابه وعقابه والغفلة عما أعده الله من كرامات للطائعين، وما أعده من عقوبات جزاءً للعصاة وسائر المتمردين عن طاعة رب العالمين.\nفالعاقل الناصح لنفسه الحريص على فكاك رقبته من النار لا يغفل عن هذا المشهد والموقف العظيم بين يدي جبار السماوات والأرض، فإنه من أشد ما يمنعه من المعاصي ويجافي بينه وبينها، ويباعد بينه وبينها كما يباعد بين المشرق والمغرب،\nفمن أعظم ما يمنعه من ذلك كله خوفه من ربه -﷿-، وخوفه من وقوفه بين يديه، وتيقنه بوقوع ذلك اليوم وأنه كائن لا محال ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ﴾ [المعارج: ٤].\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -﵁-: «هذا يوم القيامة، جعله الله تعالى على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة» (^١).\nويجلي هذا الأمر الإمام ابن القيم -﵀- فيقول: «فإن قلت: كيف يجتمع التصديق الجازم الذي لا شك فيه بالمعاد والجنة والنار ويتخلف العمل؟ وهل في الطباع البشرية أن يعلم العبد أنه مطلوب غدًا إلى بين يدي بعض الملوك ليعاقبه أشد عقوبة، أو يكرمه أتم كرامة، ويبيت ساهيًا غافلًا! ولا يتذكر موقفه بين يدي الملك، ولا يستعد له، ولايأخذ له أهبته؟!» (^٢).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢٣/ ٦٠٢).\n(^٢) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي أو الداء والدواء (ص: ٩١).","vol":"1","page":315},{"text":"٥ - ومن تلك الدلالات أيضًا: تصديق العبد باليوم الآخر وما يقع فيه من أهوال عظام وجزاء على الأعمال دليل على تصديقه بالوعد والوعيد وتصديق الرسل وما أخبروا به عن ربهم من وقوع اليوم الآخر، والإيمان بالرسالات السماوية كلها، وإثبات صفات الرب جل في علاه، وكل هذا من دلالات الإيمان باليوم الآخر على التوحيد.\nولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":316},{"text":"<span data-type='title' id=toc-222>٤ - أصل الدين مبني على أصلين عظيمين\n(العبودية-والاستعانة)</span>\nقد سبق في المبحث الأول من هذا الفصل-أعني: (الفصلَ الرابع) بيان: -\n١ - التعريف بالعبودية ومفهومها في اللغة والاصطلاح.\n٢ - ثم بيان قسميها بشيء من الإيجاز.\n٣ - ثم التعريج على بيان حقيقتها.\n٤ - ثم بيان تقرير العبودية لله في السورة الكريمة.\nوالمقصود من بيانه في هذا المبحث أن أصل الدين مبنى على (العبودية-والاستعانة).\n\n<span data-type='title' id=toc-223>أولًا: العبودية</span>، في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وبيان أن تحقيق العبودية هي الغاية من خلق القلق.\nوالله تعالى قد خلق المكلفين من الثقلين لمهمة عظيمة وغاية جليلة، ألا وهي عبادته جل في علاه، خلقهم ليعبدوا وهو غني عنهم غنى تام، وهم فقراء إليه سبحانه فقرًا تامًّا.\nكما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات] «أي: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس -﵁-: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ «أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعًا أو كرهًا»، وهذا اختيار ابن جرير.\nوقال ابن جُرَيْج: «إلا ليعرفون».\nوقال الربيع بن أنس: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: «إلا للعبادة» (^١).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٧/ ٤٢٥)","vol":"1","page":317},{"text":"وقال القرطبي -﵀-: «أي: ليذلوا ويخضعوا لي» (^١).\n«قال علي بن أبي طالب -﵁-: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: إلا لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي، يؤيده قوله -﷿-: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: ٣١].\nوقال مجاهد: «إلا ليعرفوني».\nوهذا أحسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرفوا وجوده وتوحيده، و«قيل: معناه إلا ليخضعوا إليّ ويتذللوا، ومعنى العبادة في اللغة: التذلل والانقياد، فكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله، متذلل لمشيئته لا يملك أحد لنفسه خروجًا عما خلق عليه.\nوقيل: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إلا ليوحدوني، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، بيانه قوله -﷿-: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] (^٢).\nقال القرطبي: «أي: ليذلوا ويخضعوا لي» (^٣).\nقال النووي: «وهذا تصريح بأنهم خلقوا للعبادة، فحق عليهم الاعتناء بما خلقوا له والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة فإنها دار نفاد لا محل إخلاد، ومركب عبور لا منزل حبور» (^٤).\nوأهل العبودية الحقة موقنون بذلك.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «إن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته والإخلاص له» (^٥).\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٥٦).\n(^٢) تفسير البغوي (٧/ ٣٨١).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن: (١٧/ ٥٦).\n(^٤) رياض الصالحين للنووي بتخريج الألباني (ص: ٣٧).\n(^٥) العبودية (ص ٨٠).","vol":"1","page":318},{"text":"وقال الإمام ابن القيم -﵀-: «وبنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على أربع قواعد: التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان والقلب، وعمل القلب والجوارح، فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الأربع. كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات]». (^١)\n\nو<span data-type='title' id=toc-224>في ضوء بيان أهل العلم وأئمة التفسير ﵏ حول آية الذاريات يتبين:</span>\n١ - أن الحكمة والغاية المحمودة التي خلق الله تعالى الخلق من أجلها هي العبادة.\nقال ابن سعدي -﵀-: «هذه الغاية التي خلق الله الجن والإنس لها وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته المتضمنة لمعرفته ومحبته والإنابة إليه والإقبال عليه والإعراض عما سواه، وكلما ازداد العبد معرفة بربه كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله تعالى المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم» (^٢).\n٢ - وأن الله خلقهم وهو غني عنهم مع فقرهم إلى خالقهم.\nكما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ … الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر].\nيقول الفخر الرازي -﵀-: «فلا يأمركم بالعبادة لاحتياجه إليكم، وإنما هو لإشفاقه عليكم» (^٣).\n٣ - وأن العبادة هي: الخضوع والذل والانقياد.\n٤ - وأن عبودية القهر والغلبة تشمل كل الخلق مؤمنهم وكافر.\nقال القرطبي -﵀-: «قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا﴾ [المائدة: ٧٢] أمر بالعبادة له، والعبادة هنا\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ١٠٠).\n(^٢) تفسير الكريم الرحمن (٧/ ١٨١).\n(^٣) (التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب-للفخر الرازي-تفسير سورة فاطر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ … الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر] (ص: ٢٣).","vol":"1","page":319},{"text":"عبارة عن توحيده والتزام شرائع دينه، وأصل العبادة الخضوع والتذلل، يقال: طريق معبّدة إذا كانت موطوءة بالأقدام … والعبادة الطاعة، والتعبد التنسّك» (^١).\n٥ - وأن العبادة التي هي التوحيد، هي عبودية الاختيار، التي لا يُوفق لها إلا من اصطفاه الله تعالى من عباده المؤمنين.\n٦ - وأن التكليف بالعبودية لا ينفك عن العبد أبدًا حتى الممات.\nوقال الله تعالى لنبيه -ﷺ-: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر]، واليقين هو الموت.\nقال الإمام ابن القيم -﵀-: «قال الله تعالى لرسوله -ﷺ-: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر]، وقال أهل النار: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ [المدثر]، وفي الصحيح في قصة عثمان بن مظعون -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه» (^٢) أي: الموت وما فيه، فلا ينفك العبد من العبودية ما دام في دار التكليف، ومن زعم أنه يصل إلى مقام يسقط عنه فيه التعبد فهو زنديق كافر بالله ورسوله، وإنما وصل لمقام الكفر بالله والانسلاخ من دينه، بل كلما تمكن العبد في منازل العبودية كانت عبوديته أعظم، والواجب عليه منها أكبر وأكثر من الواجب على من دونه، ولهذا كان الواجب على رسول الله -ﷺ- بل على جميع الرسل أعظم من الواجب على أممهم، والواجب على أولي العزم أعظم من الواجب على من دونهم، والواجب على أولي العلم أعظم من الواجب على من دونهم، وكل أحد بحسب مرتبته» (^٣).\nوكلام ابن القيم حول معنى اليقين يبين حقيقة العبودية التي لا تنفك عن العبد أبدًا، ومن يسموا أنفسهم بأهل الوجد من المتصوفة ونحوهم، يدّعي رؤوسهم أنهم من شدة عبادتهم قد رُفِعَ عنهم التكليفُ.\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٢٢٥ - ٢٢٦).\n(^٢) وأصل الحديث رواه البخاري (١٢٤٣).\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ١٠٣ - ١٠٤).","vol":"1","page":320},{"text":"ثم عرج -﵀- على مقام العبودية وأن العبد كلما تمكن في منازل العبودية كانت عبوديته أعظم، وكلما ارتفع قدر العبد علمًا ومنزلة ومكانة، كانت عبوديته أعظم وآكد، كعبودية المرسلين وعبودية أولي العزم منهم، وعبودية ورثة الأنبياء من العلماء الربانيين.\n٧ - وأن المؤمن يعبد الله في الشدة والرخاء، وأما الكافر فلا يعبد الله إلا في الشدائد، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت].\n٨ - أن العبودية مع كون مضمونها الذل والخضوع والافتقار فهي متضمنة لأعلى مقامات العبد، فهي المنزلة الرفيعة السامية العالية التي ارتضاها الله لأشرف خلقه -ﷺ-، وارتضاها هو -ﷺ- لنفسه حيث يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-225>ثانيًا: عبودية البشر</span>.\n<span data-type='title' id=toc-226>أ-عبودية الأنبياء والمرسلين:</span>\nوأعظمها وأجلها وأعلاها قدرًا عبودية النبي محمد -ﷺ-:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «حقق الله له نعت العبودية في أرفع مقاماته حيث قال ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، وكما قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم]، وكما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا … يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾ [الجن]، ولهذا يشرع في التشهد وفى سائر الخطب المشروعة كخطب الجمع والأعياد وخطب الحاجات عند النكاح وغيره أن نقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله» (^٢).\nهذا ولقد وُصِفَ النبيُ -ﷺ- في كتاب الله بالعبودية في أشرف المقامات وأعلاها\n_________\n(^١) البخاري (٣٤٤٥) من حديث عمر بن الخطاب -﵁-.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ٦٦).","vol":"1","page":321},{"text":"وأزكاها، كما مرّ آنفًا بيان شيخ الإسلام لبعضها، ونعيد بيان تلك المقامات بشيء من الإيضاح، قال سبحانه في مقام الوحي: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم]، وقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف]، وقال أيضًا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١]، والوحي من أعلى المقامات وأشرفها.\nوقال في مقام الدعوة إلى الله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا … يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾ [الجن] والدعوة التي هي إبلاغ الحق للخلق بأمر الخالق، شرف لا يدانيه شرف.\nوقال في مقام ولايته وكفايته له أيضًا: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦].\nقال ابن سعدي -﵀-: «أي: أليس من كرمه وجوده، وعنايته بعبده، الذي قام بعبوديته، وامتثل أمره واجتنب نهيه، خصوصًا أكمل الخلق عبودية لربه، وهو محمد -ﷺ-، فإن الله تعالى سيكفيه في أمر دينه ودنياه، ويدفع عنه من ناوأه بسوء» (^١).\nوقال تعالى في مقام التحدي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣].\nوقال سبحانه في مقام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء]، وهو مقام تشريفي خُص به أشرفُ الخلق -ﷺ- من بين العالمين.\nقال القرطبي -﵀-: «قال العلماء: لو كان للنبي -ﷺ- اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية.\nقال القشيري -﵀-: لما رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية، ألزمه اسم العبودية تواضعًا للأمة» (^٢).\nويؤكد الشنقيطي بيان ما ذكره القرطبي حول آية الإسراء فيقول -﵀-: «والتعبير\n_________\n(^١) تفسير ابن سعدي (ص: ٧٢٥).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٠٥).","vol":"1","page":322},{"text":"بلفظ العبد في هذا المقام العظيم يدل دلالة واضحة على أن مقام العبودية هو أشرف صفات المخلوقين وأعظمها وأجلها إذ لو كان هناك وصف أعظم منه لعبر به في هذا المقام العظيم الذي اخترق العبد فيه السبع الطباق ورأى من آيات ربه الكبرى» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-227>ب-عبودية أولي العزم من الرسل -﵈- بأعيانهم:</span>\nقال الله تعالى لنبيه محمد -ﷺ-: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥] (^٢).\nوقال الله في حق أول رسله لأهل الأرض وهو نوح -﵇-: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩)﴾ [القمر]، فشرفه بعبوديته له سبحانه.\n_________\n(^١) أضواء البيان (٣/ ٨).\n(^٢) أولو العزم أي: أصحاب القوة في الدين والثبات عليه، والعزم في تبليغ دين الله لعباده والصبر عل ذلك، ولا نعلم نصًّا صريحًا بتسميتهم بأولي العزم إلا ما دلل عليه بعض المفسرين حول الآيات التي ذُكِرُوا فيها، والله أعلم.\nوقد ورد أثر عن أبي العالية الرياحي قال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا … صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] نوح وهود وإبراهيم أمر رسول الله -ﷺ- أن يصبر كما صبر هؤلاء فكانوا ثلاثة، ورسول الله -ﷺ- رابعهم. أخرجه البيقي في سننه (١٧٧٣٣)، وشعب الإيمان له (٩٢٥٦)، والسيوطي في الدر المنثور (٧/ ٤٥٤). والأثر ضعيف فيه، أبو جعفر الرازي، وأحمد بن عبد الجبار العطاردي، وهما ضعيفان.\nوالمشهور عند أهل التفسير أنهم خمسة وهم: الذين ذكرهم الله في سورة الأحزاب في قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾ [الأحزاب] وذكرهم أيضًا في الشورى في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ [الشورى: ١٣] وبعض المفسرين يرى أن الرسل كلهم أولو عزم وأن (مِن) في قوله تعالى: ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] بيانية وليست تبعيضية، ومنهم من يرى غير ذلك.","vol":"1","page":323},{"text":"وقال في وصف عبوديته وإيمانه: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١)﴾ [الصافات]، وقال في وصف عبوديته وشكره: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ [الإسراء]، وقال في حقه وحق لوط واصفًا عبوديتهما وصلاحهما -﵉-:\n﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾ [التحريم].\nوفي وصف أبي الأنبياء وخليل الرحمن كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١)﴾ [الصافات: ٨١]، وقال في وصفه أيضًا ووصف بعض النبيين من ذريته: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨)﴾ [ص].\nوقال في وصف كليمه موسى بن عمران ووصف أخيه هارون: ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾ [الصافات].\nوقال في وصف بيان أول ما نطق به عيسى ابن مريم -﵇- في المهد أنه: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠]، وقال عنه أيضًا: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٧٢].\nوقال في حقه أيضًا: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الزخرف].\n«فجعل غايته العبودية لا الإلهية كما يقول أعداؤه النصارى» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-228>ج-عبودية عموم المرسلين:</span>\nوالعبودية كذلك هي أعظم وأجل وصف لخيرة الله من خلقه الذين اصطفاهم الله لرسالاته وليكونوا سفراءه بينه وبين خلقه، وهم رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام.\nقال -﷿-: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا … لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾ [الصافات]، فنسب عبوديتهم له\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ١٠٢ - ١٠٣).","vol":"1","page":324},{"text":"سبحانه وهذا نسب تشريف وتكريم لهم ﵈ أجمعين.\nوقال تعالى في وصفهم أيضًا: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، وقال سبحانه عنهم أيضًا: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: ٢]، وقال سبحانه مزكيًا عبادتهم له سبحانه أيضًا: ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ [الأنبياء].\nومما ورد في ذكر عبودية بعض الأنبياء ﵈ أجمعين بأعيانهم:\nقال تعالى في وصف عبده داود: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧)﴾ [ص].\nوقال في وصف عبده سليمان: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)﴾ [ص].\nوقال في وصف عبده أيوب: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ [ص: ٤١].\nفهذا أجل وصف يُوصف به النبيون والمرسلون ﵈ جمعين.\n\n<span data-type='title' id=toc-229>د- عبودية عموم البشر:</span>\nتقدم معنا بيان أعلى الخلق رتبة في العبودية وهي رتبة النبيين والمرسلين، وأن أعلاهم رتبة أولي العزم منهم، ثم تلي هذه الرتبة رتبة أنصار النبيين والمرسلين على دينهم الذين يأخذون بهديهم ويزودون عن دين ربهم، وأفضل هؤلاء قاطبة أصحاب خير الخلق -ﷺ-، فهم -﵃- خير أصحاب لخير نبي.\nيقول ابن مسعود -﵁-: «إنَّ اللهَ نظرَ في قلوبِ العبادِ فوجدَ قلبَ محمدٍ -ﷺ- خيرَ قلوبِ العبادِ فاصطفاهُ لنفسِهِ فابتعثهُ برسالتِهِ.\nثم نظرَ في قلوبِ العبادِ بعدَ قلبِ محمدٍ فوجدَ أصحابه خيرَ قلوبِ العبادِ فجعلهم وُزَرَاءَ نبيِّهِ يُقاتلونَ على دِينِهِ فما رأى المسلمونَ حسنًا فهوَ عندَ اللهِ حَسَنٌ، وما رَأَوا سيِّئًا فهو عندَ اللهِ سيِّئٌ» (^١).\nوالتفاضل بين الصحابة -﵃- معلوم لا يخفى ولقد استقرّ قول أهل السنة\n_________\n(^١) أحمد (٣٦٧٠)، والطيالسي (٢٤٣) قال أحمد شاكر: إسناده صحيح، وهو موقوف على ابن مسعود -﵁-.","vol":"1","page":325},{"text":"والجماعة في التفضيل بين أصحاب النبي -ﷺ-، على أنهم في الفضيلة كترتيبهم في الخلافة: فأفضلهم: أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين، ومما يدل على ذلك، ما ثبت عند البخاري من حديث ابن عمر -﵄-، قال: «كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله -ﷺ-، فنُخيَّر أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان - -﵃-» (^١)، ثم يأتي بعدهم باقي العشرة المبشرين بالجنة، ثم يليهم في الفضل عموم السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ثم أهل بدر، فأهل بيعة الرضوان، ثم عموم الصحابة -﵃- جميعًا.\nثم تليهم في رتبة العبودية لرب البرية، رتبة حواريي الأنبياء وأصحابهم، ثم تليهم رتبةَ، رتبةُ المنعمِ عليهم المذكور شأنُهم في سورة النساء بعد النبيين عليهم الصلاة والسلام أجمعين في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩]، وإن كان من سبق ذكرهم يدخل في جملة تعداد المنعم عليهم، وهذا محض فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، ثم يليهم رتبة في العبودية، رتبة عموم الخلق كل بحسب تحقيق عبوديته لخالقه ظاهرًا وباطنًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-230>هـ-عبودية الملائكة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-231>التعريف بالملائكة:</span>\nعالم الملائكة عالم كريم، وهو غير عالم الإنس وغير عالم الجن، وهو عالم كله طهر وصفاء ونقاء، لأنهم لم تغرس فيهم الشهوة الحيوانية ولم تركب فيهم المعصية الآدمية، وهم كرام على ربهم، وهم يعبدون الله كما أمرهم وجبلهم، وهم كما\n_________\n(^١) البخاري (٣٦٥٥) وهذا الحديث وإن كان من كلام ابن عمر -﵄- لكنه في حكم المرفوع إلى النبي -ﷺ-؛ لأنه حكاية لما كانوا يقولون في زمن النبي -ﷺ- دون إنكار من النبي -ﷺ- عليهم.\nوقد جاء التصريح بإقرار النبي -ﷺ- لذلك، وأنه كان يبلغه هذا التفضيل فلا ينكره، كما في السنة لابن أبي عاصم (١٢٢٧)، والسنة للخلال (٥٧٧ (. وكذلك جاء التصريح بإقرار أصحاب النبي -ﷺ- لذلك في حياته -ﷺ-، كما في مسند الإمام أحمد (٤٦٢٦).","vol":"1","page":326},{"text":"وصفهم الله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم].\n\n<span data-type='title' id=toc-232>الملائكة لغة:</span>\n«والملك أصله: أَلكَ، والمألكة، والمألكُ: الرسالة. ومنه اشتق الملائك؛ لأنهم رسل الله.\nوقيل: اشتق من (لَ أك) والملأكة: الرسالة، وألكني إلى فلان؛ أي: بلغه عني، والملأك: الملك؛ لأنه يبلغ عن الله تعالى.\nوقيل: الملك من الملك. قال: والمتولي من الملائكة شيئًا من السياسات يقال له: مَلَك، ومن البشر مَلِك» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-233>الملائكة اصطلاحًا:</span>\n«خلق من خلق الله تعالى، خلقهم الله -﷿- من نور، مربوبون مسخرون، عباد مكرمون، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم]، لا يوصوفون بالذكورة ولا بالأنوثة، لا يأكلون ولا يشربون، ولا يملون ولا يتعبون ولا يتناكحون ولا يعلم عددهم إلا الله» (^٢).\nوقد نقل السيوطي عن الفخر الرازي: «أن العلماء اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون» (^٣).\nوعلاقتهم بالله ﷾، هي علاقة عبودية وخضوع وذل وطاعة مطلقة غير مشوبة بمعصية أبدًا.\nوالإيمان بالملائكة هو أحد أركان الإيمان الستة التي لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن بها.\n_________\n(^١) ينظر: بصائر ذوي التمييز، للفيروز آبادي (٤/ ٥٢٤ (.\n(^٢) لوامع الأنوار البهية (١/ ٤٤٧)، أعلام السنة المنشورة (ص: ٧٨)، الإيمان -محمد نعيم ياسين (ص: ٣٢)، عالم الملائكة الأبرار- عمر سليمان الأشقر (ص: ١٣).\n(^٣) الحبائك في أخبار الملائك (ص: ٢٦٤).","vol":"1","page":327},{"text":"فيؤمن العبد بوجودهم، ويعتقد ذلك اعتقاد جازمًا وأنهم قد خُلِقوا من نور، وأنهم قائمون بمهامهم التي أمرهم ربهم وتعبدهم بها، ويؤمن بما ثبت لهم من صفات وخصال وأعمال في الكتاب والسنة كذلك، بغير زيادة ولا نقصان ولا تحريف ولا تبديل، والعبد غير مكلف بالتنقيب والبحث عما لم يؤمر به ولم يُحِط به علمًا عن عالم غيبي أُمِرَ بالإيمان به جملة، وأمر بالإيمان بهم وبأسمائهم وبوصفهم وأعمالهم وبكل ما ورد عنهم عن طريق الوحي المبين تفصيلًا-وكفى- فلا دخل للعبد فيما استأثر الله سبحانه بعلمه عنهم ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه.\nكما قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥].\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ يَمْشِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَلِقَائِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخِرِ» (^١).\nوفي حديث جبريل المشهور عند مسلم: قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، قَالَ: صَدَقْتَ … الحديث (^٢).\nومن لم يؤمن بوجودهم ولم يقرّ ويعترف بهم فهو كافر بالله تعالى بإجماع المسلمين، كما قال سبحانه في محكم كتابه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء].\nوقال سبحانه أيضًا: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة].\n_________\n(^١) البخاري (٥٠)، ومسلم (٩).\n(^٢) مسلم (٨).","vol":"1","page":328},{"text":"مكانتهم وخلقتهم:\nوهم ليسوا على مقدار واحد في المقام والمكانة والشرف والقدر عند ربهم تعالى عنهم: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ [الصافات].\nوسيأتي معنا بيان ذلك بإذن الله.\nوهم متفاوتون كذلك في الخلقة أيضًا، فمنهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة أجنحة قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [فاطر].\nومنهم من هو فوق ذلك كما ثبت أن لجبريل ستمائة جناح، كما سيأتي بإذن الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-234>أعداد الملائكة:</span>\nوأعدادهم لا يحصيها خلق أبدًا، فهم جم غفير لا يحصيهم إلا خالقهم قال ﷾: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا … هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، وفي صحيح مسلم عن عبد الله أن رسول الله -ﷺ- قال: «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» (^١).\nفيكون بذلك مجموع من يجرون جهنم من الملائكة يوم القيامة هو حاصل ضرب سبعين ألف في سبعين ألف، أي: أربعة مليارات وتسعمائة مليون ملك من الملائكة الكرام.\nويكفي في ذلك دخول سبعين ألف ملك للبيت المعمور كل يوم يصلون فيه ولا يعودون، كما سيأتي بيان ذلك في موضعه بإذن الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-235>مهام ووظائف الملائكة:</span>\nوالملائكة مع كمال عبوديتهم لله، فإنهم مكلفون أيضًا بتدبير شؤون الخلق بأمر من الله تعالى وتنفيذ ما قدره الله تعالى بعدله وحكمته وإرادته جل في علاه.\nومن أعمالهم أيضًا الدعاء للمؤمنين والاستغفار لهم وإعانتهم على طاعة الله\n_________\n(^١) مسلم (٢٨٤٢).","vol":"1","page":329},{"text":"وحثهم على الخير ودفع الأذى والشر عنهم ونصرتهم وتأييدهم وتثبيتهم.\nوقد ورد في الكتاب والسنة الكثير من أعمالهم ومهامهم التي وكلها الله إليهم.\nومن التكاليف والمهام الأعمال التي تقوم بها الملائكة ما يختص بعالم الغيب، مما أخبرنا الله عنه ومن ذلك:\n\n<span data-type='title' id=toc-236>١ - حملة العرش ومَن حوله ولهم مهام عظيمة:</span>\nقال تعالى مبينًا مهمتهم: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ [الحاقة].\nوكما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: ٧].\nومما ورد في عِظَمِ خلقتهم:\nما ثبت عند أبي داود وصححه الألباني -﵀- من حديث جابر بن عبد الله -﵃- أن رسول الله -ﷺ- قال: «أُذن لي أن أُحدِّث عن ملك من ملائكة الله، من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» (^١).\nومما ورد في عظم خلقتهم أيضًا وعبوديتهم لله تعالى ما ثبت عند الطبراني في معجمه الأوسط وصححه الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الجامع الصغير من حديث أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش، رجلاه في الأرض السفلى، وعلى قرنه العرش، وبين شحمة أذنيه وعاتقه خفقان الطير سبعمائة عام، يقول ذلك الملك: سبحانك حيث كنت» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-237>٢ - ومنهم جبريل -﵇</span>-:\nوهو من أشرف الملائكة الكرام، ذلك لأنه وُكِلَ بأشرف المهام وأعظمها وأجلها، ألا وهي النزول بالوحي من عند الله على رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام أجمعين، والوحي به حياة القلوب.\nقال ربنا: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ\n_________\n(^١) أبو داود (٤٧٢٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داوود (٩٣٥٣).\n(^٢) المعجم الأوسط (٦٥٠٣)، وهو في صحيح الجامع الصغير للألباني (٨٥٣).","vol":"1","page":330},{"text":"(١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] والروح الأمين هو جبريل -﵇-.\nوهو كذلك من أقرب المقربين من رب العزة جل في علاه: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١].\nوهو مع وصفه بالأمين فهو القوي كذلك، كما وصفه الله بقوله سبحانه: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦)﴾ [النجم: ٥ - ٦] ولقد رأى النبيُّ -ﷺ- جبريلَ على صورته الحقيقية التي خلقه الله تعالى عليها مرتين، أما الرؤية الأولى: فقد وقعت في الأرض في بداية نزول الوحي، وتتابع الوحي بعدها فنزلت بعدها سورة المدثر.\nويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله -﵃- ا قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ -أي: انقطاع- الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: «فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَئِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ -إلى- وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥]» (^١).\nوهذه الرؤية هي التي ذكرها الله ﷾ بقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ [التكوير].\nقال الحافظ ابن كثير -﵀-: «يعني: ولقد رأى محمدٌ جبريلَ الذي يأتيه بالرسالة عن الله -﷿- على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح، ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ أي: البين، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء (موضع بمكة)، وهي المذكورة في قوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم: ٥ - ١٠]، كما تقدم تفسيرُ ذلك وتقريره، والدليلُ أن المرادَ بذلك جبريل -﵇-. والظاهر-والله أعلم- أن هذه السورة -يعني: سورة التكوير- نزلت قبل ليلة الإسراء؛ لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية،\n_________\n(^١) البخاري (٤)، ومسلم (١٦١).","vol":"1","page":331},{"text":"وهي الأولى.\nوأما الثانية: وهي المذكورة في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ [النجم: ١٣ - ١٦]، فتلك إنما ذكرت في سورة «النجم»، وقد نزلت بعد سورة الإسراء» (^١) انتهى.\nقال ابن مسعود -﵁- في تفسير هذه الآية: «رأى جبريلَ له ستمائة جناح» (^٢).\nوهذا ما قرره العلماء.\nو«الذي تقرره الأدلة الصريحة أن النبي -ﷺ- رأى جبريل -﵇- على صورته التي خلقه الله عليها مرتين اثنتين فقط، وقد عد السيوطي -﵀- هذا الأمر من خصائص النبي -ﷺ-» (^٣).\nقال النووي -﵀-: «وهكذا قاله أيضا أكثر العلماء، قال الواحدي: قال أكثر العلماء: المراد رأى جبريل في صورته التي خلقه الله تعالى عليها» انتهى. (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-238>ميكائيل -﵇</span>-:\nميكائيل: وهو الملك الموكل بالقطر وإنزال الأمطار التي بها خِصْبُ الأرض وحياتها وبها ينبت النبات وتحيا المخلوقات، إنسها وبهيمها.\nوقد وكل الله لميكائيل أعوانًا من الملائكة يقومون بتصريف الرياح وتوجيه السحب وصرفها حيث يشاء الله تعالى. وهو ثاني ملك بعد جبريل جرى في الفضل والمكانة، ولذا نُصَ على اسمه صراحة في كتاب الله تعالى؛ (هو وجبريل) -﵉-.\nوهو في تعداد أشراف الملائكة المقربين، وقد تعددت رؤيةُ رسولِ الله -ﷺ- لميكائيلَ.\n_________\n(^١) تفسر ابن كثير (٨/ ٣٣٩).\n(^٢) البخاري (٣٢٣٢)، ومسلم (١٧٤).\n(^٣) الخصائص الكبرى (١/ ١٩٧).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٣/ ٧).","vol":"1","page":332},{"text":"وذلك لما رُوِي من حديث ابن عمر -﵄- قال: «قال رسول الله -ﷺ- لجبريل -﵇-: ما لي لم أر ميكائيل ضاحكًا قط؟ قال ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-239>إسرافيل -﵇</span>-:\nوإسرافيل -﵇- هو: الملك الموكل بالنفخ في الصُّوُرِ، والصور هو (القَرْن)، وقد دل على ذلك حديث عبد الله بن عمرو -﵄- عند أبي داوود والترمذي وأحمد وصححه الألباني، قال: سُئِل النبي -ﷺ- عن الصُّور؟ فقال: «قرنٌ ينفخ فيه» (^٢).\nوهو في تعداد أشراف الملائكة المقربين، ولم يرد اسمه بنصٍّ صريح في القرآن الكريم بل ورد اسمه على لسان المعصوم -ﷺ-.\nأما حجم خلق إسرافيل -﵇- وعدد أجنحته فلا يعلم الباحثُ نصًّا صحيحًا صريحًا في هذا الصدد ولكن عندما يُتصورُ حجمُ الصُّورِ (البوق)، يُعلم تخيل حجمه -﵇- وعظيم خلقته، وهذه أمور كلها غيبية لادخل في تصور العقل لها وما يملك المؤمن إلا الإيمان بها كسائر الغيبات.\nوإسرافيل -﵇- لشرفه ومكانته عند ربه قد شهد بدرًا مع جبريل وميكائيل، عن على بن أبي طالب -﵁- قال: قال لي النبيُّ -ﷺ- ولأبي بكرٍ يومَ بدرٍ: «مع أحدِكُما جبريلُ، ومع الآخر ميكائيلُ؛ وإسرافيلُ ملكٌ عظيمٌ يشهدُ القتال، أو قال: يشهدُ الصفَّ» قاله: لعليٍّ، ولأبي بكر (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة (٤٤٥٤) والحديث: أخرجه أحمد (٣/ ٢٢٤) عن إسماعيل بن عياش، عن عمارة بن غزية الأنصاري: أنه سمع حميد بن عبيد مولى بني المعلى يقول: سمعت ثابتًا البناني يحدث عن أنس بن مالك، عن رسول الله -ﷺ- أنه قال لجبريل -﵇-: «ما لي لم أر ميكائيل ضاحكًا قط؟» قال: فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان: الأولى: جهالة حميد هذا؛ قال في التعجيل: لا يُدرى من هو؟.\nثم وجد له الشيخ -﵀- طريقا أخرى وشاهدًا، فخرجه في الصحيحة (٢٥١١ (.\n(^٢) أبو داود (٤٧٤٢)، والترمذي (٢٤٣٠)، والنسائي في الكبرى (١١٢٥٠)، وابن حبان (٧٣١٢) ووصححه الألباني في الصحيحة (٣/ ١٥٤).\n(^٣) ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/ ١٦/ ١٢٠٠٢)، وأحمد (١/ ١٤٧)، وأبو يعلى (١/ ٢٨٣ - =","vol":"1","page":333},{"text":"وأشراف الملائكة هم من شهدوا غزوة بدر، ففي صحيح البخاري عن رفاعة بن رافع بن مالك الأنصاري الخزرجي (^١): أن جبريل جاء للنبي -ﷺ- فقال: «ما تعدّون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين، -أو كلمة نحوها-، قال: وكذلك مَن شهد بدرًا من الملائكة» (^٢).\nوقد بلغ من ذله وعبوديته لربه وتعظيمه لأمره أنه منذ أن وِكِلَت إليه هذه المهمة العظيمة الجليلة لم يفتأ ينظر إلى عرش ربه ينتظر متى يؤمر بالنفخ في الصور حال صدور أمر ربه جل في علاه، فقد ثبت عند الحاكم وصححه الألباني -﵀- تعالى من حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إن طَرْفَ صاحبِ الصُّور مُذْ وكِّل به مستعدٌّ ينظرُ نحو العرش مخافةَ أن يُؤمَر قبل أن يرتدَّ إليه طَرْفُه، كأن عينيه كوكبانِ دُرِّيَّانِ» (^٣).\nوقد وقع خلاف بين العلماء في النفخ في الصور، هل هو نفختان، أم ثلاث نفخات؟ والراجح أنهما نفختان اثنتان، أما النفخة الأولى فهي نفخة (الصَعْق)، وأما النفخة الثانية فهي نفخة (البعث).\nكما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ\n_________\n=٢٨٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٥٧٤ - ٥٧٥)، والحاكم (٣/ ٦٨) وقال: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي، وأقره الحافظ في الفتح (٧/ ٣١٣). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٨٥): «رجاله رجال الصحيح»، وقال أحمد شاكر في المسند: «إسناده صحيح»، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣٢٤١).\n(^١) رفاعة بن رافع بن مالك (ت: ٤١ هـ (، صحابي من بني زريق من الخزرج، شهد بيعة العقبة الثانية، والمشاهد كلها مع النبي محمد. كما شهد وقعتي الجمل وصفين مع علي بن أبي طالب، وتوفي في أول خلافة معاوية بن أبي سفيان. وينظر: الإصابة في تمييز الصحابة -رفاعة بن رافع، عن موقع الموسوعة الحرة (ويكيبيديا).\n(^٢) البخاري (٣٩٩٢).\n(^٣) النسائي في الكبرى (١١٠١٦)، والحاكم (٨٧٧٣). قال الحافظ في الفتح (١١/ ٣٦٨): سنده حسن، وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٧٨).","vol":"1","page":334},{"text":"إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر].\nويقول شيخنا الإمام ابن باز -﵀-: «الصور قرن عظيم، ينفخ فيه إسرافيل النفخة الأولى للموت والفزع، والنفخة الثانية للبعث والنشور. هاتان النفختان جاء بهما القرآن الكريم. إحداهما يقال لها: نفخة الصعق، ويقال لها: نفخة الفزع، وبها يموت الناس، والثانية نفخة البعث، وقال جماعة من العلماء: إنها ثلاث: نفخة الفزع، وقد يفزع الناس فقط، ثم تأتي بعدها نفخة الموت، ثم نفخة البعث والنشور. والمحفوظ نفختان فقط، كما دل عليهما كتاب الله العظيم» (^١) انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-240>ملك الموت -﵇</span>-:\nكما قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [السجدة].\nقال ابن كثير -﵀-: «الظَّاهِر مِنْ هَذِهِ الْآيَة أَنَّ مَلَك الْمَوْت شَخْص مُعَيَّن مِنْ الْمَلَائِكَة كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَر» (^٢).\nوهو الذي «يتوفى أرواح جميع الخلائق» (^٣).\nوملك الموت له أعوان من الملائكة تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ [الأنعام].\nومن مشاهد العبودية هنا قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ أي: لا يقصرون في قبض روح أحدكم طاعة لله وإنفاذًا لأمره جل في علاه.\nقال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري: «إنْ قال قائل: أو ليس الذي يقبض الأرواح ملك الموت، فكيف قيل: (توفته رسلنا)، و«الرسل» جملة، وهو واحد؟\nقيل: جائز أن يكون الله تعالى ذكره أعان ملك الموت بأعوان من عنده، فيتولون\n_________\n(^١) فتاوى نور على الدرب (٤/ ٣٢٧).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٦/ ٣٦٠ - ٣٦١).\n(^٣) القرطبي (١٤/ ٨٧).","vol":"1","page":335},{"text":"ذلك بأمر ملك الموت فيكون «التوفي» مضافًا إلى ملك الموت، كما يضاف قتلُ من قتله أعوانُ السلطان، وجلدُ من جلدوه بأمر السلطان، إلى السلطان، وإن لم يكن السلطان باشر ذلك بنفسه، ولا وليه بيده» (^١).\nوقال القرطبي -﵀-: «والتوفي تارة يُضاف إلى ملك الموت، كما قال: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ وتارة إلى الملائكة لأنهم يتولون ذلك، كما في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ [الأنعام]، وتارة إلى الله وهو المتوفي على الحقيقة، كما قال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]» (^٢)، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]، وكما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨].\nقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -﵀-: «فتحصل أن إسناد التوفي إلى ملك الموت في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [السجدة]، لأنه هو المأمور بقبض الأرواح. وأن إسناده للملائكة في قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [محمد: ٢٧]، ونحوها من الآيات لأن لملك الموت أعوانا يعملون بأمره.\nوأن إسناده إلى الله في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، لأن كل شيء كائنا ما كان لا يكون إلا بقضاء الله وقدره والعلم عند الله» (^٣).\nولم يثبت في ذلك حديث صحيح تسميته ملك الموت -﵇- بـ «عزرائيل» كما هو مشهور عند الكثير من عموم الخلق قديمًا وحديثًا.\nقال ابن كثير -﵀-: «وأما ملك الموت فليس بمصرح باسمه في القرآن، ولا في الأحاديث الصحاح، وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل» (^٤).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١١/ ٤١٠).\n(^٢) تفسير القرطبي (٧/ ٧).\n(^٣) أضواء البيان للشنقيطي (٦/ ٥٠٤).\n(^٤) البداية والنهاية لابن كثير (١/ ٤٢).","vol":"1","page":336},{"text":"وقال المناوي -﵀-: بعد أن ذكر أن ملك الموت اشتهر أن اسمه عزرائيل، قال: «ولم أقف على تسميته بذلك في الخبر» (^١).\nوقال الشيخ بكر أبو زيد -﵀-: «عزرائيل: خلاصة كلام أهل العلم في هذا: أنه لا يصح في تسمية ملك الموت بعزرائيل -ولا غيره- حديث، والله أعلم» (^٢).\nوالمشهور عند أهل التحقيق أن شيوع هذا الاسم من الإسرائيليات، والآثار الواردة في هذا الصدد لم يقف الباحث لها على شيء ثابت يصلح الاحتجاج به.\nومن الملائكة الكرام أيضًا رضوان خازن الجنة وأعونه، ومالك خازن النار وأعوانه، وزبانية جهنم وهم تسعة عشر ملكًا، وهناك الحفظة، والكرام الكاتبون، ومنهم الموكلون بسؤال القبر وفتنته، وهما منكر ونكير، ومنهم الموكل بالجبال، ومنهم القرين الذي يحث المؤمن على الخير ويدعوه إليه ويؤزه عليه أزًا، ومنهم من يشهدون جنائز المتقين من عباد الله كما شيع سبعون ألف ملك جنازة سعد بن معاذ -﵁-، ومنهم ملائكة سيارة يلتمسون حلق الذِّكر ومجالس العلم، ومنهم من يتعاقبون على العباد في أوقات الصلوات وغيرها، ومنهم من يكتب أسماء المصلين يوم الجمعة في المساجد، ومنهم من لهم أعمال غير ذلك، وغيرهم كثير مما لا يحصيهم غير خالقهم ﷾.\nوبعد هذا البيان الوارد في شأن الملائكة الكرام من وصفٍ لخلقتهم ومكانتهم وشرفهم وقدرهم عن ربهم وما وِكِلَ إليهم من مهام عظام وأعمال كبيرة جسام، فهم مع ذلك كله مربوبون مسخرون لخالقهم مطيعون غير خارجين عن أمره وعن طاعته وعبادته، فهم مفطورون على العبادة، ومجبولون عليها، والعبودية وصفٌ لازم لهم، وهم من أشرف الخلق وأكرمهم على ربهم ﷾، وقد وُصِفُوا في كتاب الله\n_________\n(^١) فيض القدير (٣/ ٣٢).\n(^٢) معجم المناهي اللفظية (ص: ٣٩٠).","vol":"1","page":337},{"text":"بأشرف وصف سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [الأنبياء].\nوقال الله تعالى في وصف طاعتهم المطلقة له سبحانه بأنهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].\nوقال في وصف عبادتهم وذكرهم له سبحانه: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء].\nوقال سبحانه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٥].\nووُصِفُوا بأنهم يخافونه سبحانه من فوقهم؛ ربنا: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل]، وَوُصِفَت خشيتُهم له سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء] ووُصِفَ ذُلُهم وخُضُوعُهم وصنوفُ عباداتهم لله في قوله سبحانه ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ … (٢٠٦)﴾ [الأعراف]، وقد ثبت عند البخاري من حديث أبي هريرة -﵁-: أن النبي -ﷺ- قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنها سلسلة على صفوان، فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير» (^١).\nومن مشاهدة عبوديتهم وصلاتهم يوميًّا في الملأ الأعلى ودخولهم البيت المعمورة للصلاة فيه ما ثبت في الصحيحين مِنْ حديث مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ -﵄-، في حديث المعراج الطويل أن الملائكة كل يومٍ تدخلُ البيتَ المعمور في السماوات العلا تُصلِّي لله تعالى فيه، وفيه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «فَرُفِعَ لِي البَيْتُ المَعْمُورُ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ، فَقَالَ: هَذَا البَيْتُ المَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ» (^٢).\n_________\n(^١) البخاري): ٤٨٠٠).\n(^٢) البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٢).","vol":"1","page":338},{"text":"ومن مشاهدة عبوديتهم كذلك: مَن حاله منهم القيام الدائم لله، ومَن حاله منهم السجود الدائم لله ﵎، يبين ذلك ما ثبت عندي الطبراني في الكبير وصححه الألباني -﵀- في السلسلة الصحيحة من حديث حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ -﵁- قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِي أَصْحَابِهِ إِذْ قَالَ لَهُمْ: «تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟» قَالُوا: مَا نَسْمَعُ مِنْ شَيْءٍ.\nقَالَ: «إِنِّي لَأَسْمَعُ أَطِيطَ السَّمَاءِ، وَمَا تُلَامُ أَنْ تَئِطَّ، وَمَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ» (^١).\nوما ثبت كذلك عند الحاكم والترمذي وابن ماجه وغيرهم، وحسنه الألباني -﵀- تعالى في صحيح الجامع منْ حديث أَبِي ذَرٍّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ» (^٢). فسبحان من سجدت له الأملاك كلها.\n\n<span data-type='title' id=toc-241>و-عبودية الجن</span>.\nالجن عالم مستقل غير عالم الإنس وعالم الملائكة، وبينهم وبين الإنس قدر مشترك عقلًا وإدراكًا وحسًّا وتكليفًا وتمييزًا بين الحق والباطل وبين الخير والشر، وإن كانوا يخالفون الإنس في بعض الأمور.\nوسموا جنًّا لاجتنانهم، أي: استتارهم عن العيون.\n\n<span data-type='title' id=toc-242>الجن لغة:</span>\nقال ابن عقيل: «إنما سمّي الجن جنًّا لاجتنانهم واستتارهم عن العيون، ومنه سمي الجنين جنينًا، وسمّي المجنّ مجنًّا لستره للمقاتل في الحرب» (^٣).\n_________\n(^١) البزار (٣٢٠٨) وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٥٠٦).\n(^٢) الحاكم (٣٩٠٥)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٤٨١).\nقال ابن الأثير: الأَطِيط صَوْتُ الْأَقْتَابِ. وأَطِيطُ الْإِبِلِ: أصْوَاتُها وحَنِينُها. أَيْ: أَنَّ كَثْرَةَ ما فيها من الملائكة قد أثقلها حَتَّى أَطَّتْ. النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٥٤).\n(^٣) آكام المرجان في أحكام الجان (ص ٧).","vol":"1","page":339},{"text":"«وأصل الجن: ستر الشيء، تقول جنه الليل، وجن عليه فجنه ستره، يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ [الأنعام: ٧٧]، أي: ستر عليه وأظلم، والجنان: القلب لكونه مستورًا.\nوالجنين: الولد ما دام في بطن أمه، فهي تفيد معنى الاستتار والاختفاء» (^١).\n\nو<span data-type='title' id=toc-243>الجن اصطلاحًا:</span>\n«إن الجن عالم من العوالم الغيبية التي نصدق بوجودها ونؤمن بأن هذا العالم يستحيل علينا تعريفه بعيدًا عن الوحي، وأي محاولة لتعريف هذا العالم خارج دائرة الوحي تعتبر ضربًا من العبث لا دليل تقوم عليه، وقد حاول بعض الباحثين والمفسرين تعريف عالم الجن بالاستعانة بالوحي، منهم: محمد فريد وجدي يقول:\n«الجن نوع من الأرواح العاقلة المريدة على نحو ما عليه روح الإنسان ولكنهم مجردون من المادة، ليس لنا علم بهذا النوع من الأرواح إلا ما هدانا إليه القرآن العظيم من أنهم عالم قائم بذاته وأنهم قبائل وأن منهم المسلم ومنهم الكافر» (^٢).\nويقول محمود حجازي: «الجن عالم غير عالمنا مستتر لا يُرى، الله أعلم بحقيقته ولا نعرف عنه إلا ما أخبرنا به الحق أو رسوله -ﷺ- في خبره الصحيح فهو مخلوق من نار ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الحجر].\nوقد يبعَث لهم الرسل كما نص القرآن الكريم: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]. وهم كالبشر سواء بسواء يثاب مؤمنهم ويعاقب كافرهم» (^٣).\nويقول الألوسي: «واحده جنّيّ، كروم ورومي، وهم أجسام عاقلة تغلب عليها النارية كما يشهد له قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ [الرحمن].\n_________\n(^١) ينظر: مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني (ص ٢٠٣ - ٢٠٤).\n(^٢) دائرة معارف القرن العشرين (٣/ ١٨٥).\n(^٣) التفسير الواضح (٣/ ٢٩، ١١٠).","vol":"1","page":340},{"text":"وقيل الهوائية، قابلة جميعها أو صنف منها للتشكل بالأشكال المختلفة، من شأنها الخفاء وقد ترى بصور غير صورها الأصلية، بل وبصورها الأصلية التي خلقت عليها كالملائكة -﵈-، وهذا للأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ومن شاء الله تعالى من خواص عباده -﷿-، ولها قوة على الأعمال الشاقة ولا مانع عقلًا أن تكون بعض الأجسام اللطيفة النارية مخالفة لسائر أنواع الجسم اللطيف في الماهية ولها قبول لإفاضة الحياة والقدرة على أفعال عجيبة» (^١).\nوقد خلقهم الله من نار السموم قال تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الحجر]، ﴿وَالْجَانَّ﴾ «هو إبليس خُلِقَ قبل آدم و﴿نَارِ السَّمُومِ﴾ «الحارَّة التي تقتل «(^٢).\nوقال سبحانه في سورة الرحمن: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ [الرحمن].\nو﴿الْجَانَّ﴾ أبو الجن. وقيل: هو إبليس. والمارج: اللهب الصافي الذي لا دخان فيه. وقيل: المختلط بسواد النار، من مرج الشيء إذا اضطرب واختلط» (^٣).\nو«الشيطان أصل الجن، كما أنّ آدم أصل الإنس» (^٤).\nومما يدلل على أصل خلقتهم من السنة ما ثبت عند مسلم من حديث عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «خلقتْ الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» (^٥).\nوإذا أردنا الخروج بتعريف جامعٍ مانعٍ فلابد من تتبع واستقراء تام لنصوص الوحيين لمعرفة ماهية عالم الجن وطبائع هذا العالم الغيبي، ومعرفة صفاتهم الخِلقِة والخُلقية، وقدراتهم الخارقة لعادات البشر وطبيعة تكوينهم من نار وحقيقة أجسامهم\n_________\n(^١) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني (٢٩/ ١٠٢).\n(^٢) الطبري (١٧/ ١٠٠).\n(^٣) الكشاف للزمخشري (٦/ ٨).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٣٥، ٣٤٦).\n(^٥) مسلم (٢٩٩٦).","vol":"1","page":341},{"text":"وتشكلهم وما أبيح لهم من طعام وشراب، وتناكحهم وتناسلهم وتكليفهم، وحياتهم وموتهم وحشرهم ونشرهم، وإثابتهم وعقوبتهم، وعلاقتهم بالبشر، الجائز منها والممنوع، والممكن منها والمحال. ونصوص الوحيين ولاسيما السنة فيها تفصل لكثير من الحقائق والأخبار والقصص والوقائع والأحكام المتعلقة بالجن، فلعل الله أن يقيض لها باحثًا لبيبًا يتتبع نصوص الوحيين فيخرج منها ما ذكرنا آنفًا من كل ما يتعلق بالجن فيخرج لنا تعريفًا اصطلاحيًا جامعًا مانعًا شاملًا لكل وصف لهم.\nولقد دلت نصوص الوحيين على وجودهم حقيقة، وأنهم خُلِقوا لعبادة الله وحده لا شريك له كالإنس تمامًا، وعلى أنهم مكلفون بالإيمان بالله تعالى وبشرائعه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات].\nوأن النبي -ﷺ- بُعِثَ إليهم كما بُعِثَ إلى الإنس، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا … رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ … (١٠٧)﴾ [الأنبياء].\nوكما قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ … يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٠].\n«﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ أي: في الدنيا، ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ أي: بالأمر والنهي ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ﴾ يخوفونكم: ﴿لِقَاءَ … يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ وهو يوم الحشر الذي قد عاينوا فيه أفانين الأهوال ﴿قَالُوا﴾: يعني الجن والإنس: ﴿شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ أي: أقررنا بإتيان الرسل وإنذارهم، وبتكذيب دعوتهم» (^١) ولا شك أن إقرار المؤمنين منهم هو عين العبودية.\nلأنه إقرار بأن رسل الله قد أبلغت رسالات ربها وأوضحت السبيل وأنذرت، وأما إقرار الكفار-فهو إقرار اعتراف بعد إقامة الحجة عليهم، فهو إقرار عبودية قهر وغلبة-، لا إقرار عبودية انقياد وخضوع وذل وإذعان.\n_________\n(^١) تفسير القاسمي (٦/ ١٣٠).","vol":"1","page":342},{"text":"وأن منهم المؤمن والكافر والبر والفاجر قال الله ﷿ عنهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجنّ: ١٤ - ١٥].\n«وَ﴿الْمُسْلِمُونَ﴾ الذين قد خضعوا لله بالطاعة، وَ﴿الْقَاسِطُونَ﴾ الجائرون عن الإسلام وقصد السبيل» (^١).\nوقد ثبت عند مسلم منْ حديث أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ -﵁-: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» (^٢).\nوهم مع إسلامهم متفاوتون في صلاحهم، قال تعالى في السورة نفسها: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١)﴾ [الجن].\nو﴿الصَّالِحُونَ﴾ هم: «الموصوفون بصلاح الحال في شأن أنفسهم وفي معاملتهم مع غيرهم المائلون إلى الخير والصلاح، حسبما تقتضيه الفطرة السليمة لا إلى الشر والفساد كما هو مقتضى النفوس الشريرة. ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: قوم دون ذلك وهم المقتصدون» (^٣).\nو﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ أي: «فرقًا مختلفة أهواؤنا.\nوقال أبو عبيدة: واحد الطرائق: طريقة، وواحد القدد: قدة، أي: ضروبًا وأجناسًا ومللًا. وقال الحسن، والسدي: الجن مثلكم، فمنهم قدرية، ومرجئة، ورافضة» (^٤).\nوكذلك منهم اليهودي والنصراني وغيرها من الملل والنحل فهم طرائق قددًا كما ذُكِرَ لنا.\n_________\n(^١) تفسير ابن جرير الطبري (٢٣/ ٦٦١).\n(^٢) مسلم (٢٢٣٦). ينظر: (الأربعين المدنية).\n(^٣) تفسير أبي السعود (٩/ ٥٤)، بتصرف واختصار يسير جدًّا.\n(^٤) زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (٨/ ٣٦٧).","vol":"1","page":343},{"text":"وقد سُئِلَ شيْخُ الإسلام ابن تيميةـ -﵀-: عن الجانِّ المؤمنين: هل هم مخاطبون بفروع الإسلام كالصوم والصلاة، وغير ذلك من العبادات، أوهم مخاطبون بنفس التصديق لا غير؟\nفأجَاب -﵀- بقوله: «لا ريب أنهم مأمورون بأعمال زائدة على التصديق، ومنهيون عن أعمال غير التكذيب، فهم مأمورون بالأصول والفروع بحسبهم، فإنهم ليسوا مماثلي الإنس في الحد والحقيقة، فلا يكون ما أمروا به ونهوا عنه مساويًا لما على الإنس في الحد، لكنهم مشاركون الإنسَ في جنس التكليف بالأمر والنهي، والتحليل والتحريم. وهذا ما لم أعلم فيه نزاعًا بين المسلمين» (^١).\nوقد جاء في خبر إسلام أوائلهم في صدر بعثة النبي -ﷺ- ما ثبت عند البخاري من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ -﵁- قَالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ فَرَجَعَتْ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا مَا لَكُمْ فَقَالُوا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ قَالُوا: مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلا شَيْءٌ حَدَثَ فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَهُوَ بِنَخْلَةَ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاةَ الْفَجْرِ فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ فَقَالُوا: هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ وَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ -ﷺ-: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ» (^٢).\nوهم محاسبون يوم القيامة ومكلفون، ومخاطبون بما جاء في القرآن الكريم، ومن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٣٣).\n(^٢) البخاري (٧٣١).","vol":"1","page":344},{"text":"أطاع الله منهم دخل الجنة، ومن عصاه سبحانه دخل النار، -﷿-: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨)﴾ [الصافات].\nقال مجاهد: «أنها ستحضر للحساب» (^١).\nأي: «ستحضر أمر الله وثوابه وعقابه» (^٢).\nويقول ابن سعدي -﵀-: «أي: جعل هؤلاء المشركون بين اللّه وبين الجنة نسبًا، حيث زعموا أن الملائكة بنات اللّه، وأن أمهاتهم سروات الجن، والحال أن الجِنَّة قد علمت أنهم محضرون بين يدي اللّه، ليجازيهم عبادًا أذلاء، فلو كان بينهم وبينه نسب لم يكونوا كذلك» (^٣).\nوقد عقد الإمام البخاري -﵀- في كتاب بدء الخلق من صحيحه الجامع بابًا أسماه: «باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم».\nوأن مصير مؤمنيهم وموحديهم الجنة، وأن مثوى كافريهم وعصاتهم النار.\nوالدليل على أن مؤمني الجن يدخلون الجنة: قول الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾ [الرحمن].\nفالخطاب في صدر سورة الرحمن للثقلين جميعًا، وما يزال الخطاب هنا متصلًا بهما أيضًا؛ والدليل على أن كفارهم وعصاتهم يدخلون النار قوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩].\nوقوله سبحانه في خطاب إبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾ [ص].\nوفي هذا دلالة على أنهم مكلفون ومحاسبون، لأن التكليف يترتب عليه ثواب\n_________\n(^١) جامع البيان للطبري (٢١/ ١٢٢).\n(^٢) تفسير ابن عطية (٧: ٣١٥).\n(^٣) تفسير ابن سعدي (ص/ ٧٠٨).","vol":"1","page":345},{"text":"وعقاب، والثواب والعقاب مترتبان على الاستجابة لله وعدمها، فمن استجاب أُثِيبَ ومن لم يستجب عُوقِبَ.\nوقد عقد الشبلي بابًا قال فيه: «باب في أن الجن مكلفون بإجماع أهل النظر».\nنقل فيه عن أبي عمر بن عبد البر: أن الجن عند الجماعة مكلفون مخاطبون لقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ [الرحمن]. وقال الرازي في تفسيره: «أطبق الكل على أن الجن كلهم مكلفون» (^١).\nورسولنا محمد -ﷺ- مرسل إلى الجنّ والإنس.\nيقول ابن تيمية -﵀-: «وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين، وسائر طوائف المسلمين: أهل السنة والجماعة، وغيرهم.\nيدل على ذلك تحدي القرآن الجن والإنس ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء]. وقد سارع فريق من الجن إلى الإيمان عندما استمعوا القرآن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ [الجن: ١ - ٢]» (^٢).\n«يقول تعالى آمرًا رسوله -ﷺ- أن يخبر قومه: أن الجن استمعوا القرآن فآمنوا به وصدقوه وانقادوا له» (^٣).\nفـ «فيه إثبات سماع الجن للقرآن وإعجابهم به، وهدايتهم بهديه، وإيمانهم بالله» (^٤).\nوفي استماع الجن للقرآن وإيمانه به ووصفه بأحسن الأوصاف إقرار منهم بالعبودية لله تعالى.\n_________\n(^١) غرائب وعجائب الجن للشبلي (ص ٤٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٩/ ٩).\n(^٣) ابن كثير (٨/ ٢٣٨).\n(^٤) أضواء البيان للشنقيطي (٣/ ٨١٧).","vol":"1","page":346},{"text":"﴿قُرْآنًا عَجَبًا﴾ أي: «بديعًا؛ مباينًا لسائر الكتب في حسن نظمه» (^١).\nوفي هذا كله دلالة على فصاحته وبلاغته وحسن مواعظه، وهذا مما لا شك كان له أبلغ الأثر في هداية الجن وسماعهم وإصغائهم لكلام ربهم جل في علاه.\n«وهؤلاء الذين استمعوا القرآن وآمنوا هم المذكورون في سورة الأحقاف:\nفي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣١].\nهم: «من أهل نصيبين، فلما حضروا القرآن ورسول الله -ﷺ- يقرأ، قال بعضهم لبعض: أنصتوا لنستمع القرآن، وجعلهم رسلًا إلى قومهم» (^٢).\n«ووفود الجن تلقوا العلم من النبي -ﷺ-، وتلك كانت بداية معرفة الجنّ برسالة محمد -ﷺ-، استمعوا لقراءَة القرآن بدون علم الرسول -ﷺ-، فآمن فريق منهم، وانطلقوا دعاة هداة.\nثمّ جاءَت وفود الجنّ بعد ذلك تتلقى العلم من الرسول -ﷺ-، وأعطاهم الرسول -ﷺ- من وقته، وعلمهم مما علمه الله، وقرأ عليهم القرآن، وبلغهم خبر السماء .... وكان ذلك في مكة قبل الهجرة.\nروى مسلم في صحيحه عن عامر، قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله -ﷺ- ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلتُ: هل شهد أحدٌ منكم مع رسول الله -ﷺ- ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنّا كنّا مع رسول الله -ﷺ- ذات ليلة، ففقدناهُ، فالتمسناهُ في الأودية والشعابِ، فقلنا: استطير أو اغتيل، قال فبتنا بشرِّ ليلةٍ بات بها قومٌ، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول\n_________\n(^١) تفسير النسفي (٣/ ٥٤٨).\n(^٢) الطبري (٢٢/ ١٣٥ - ١٤٠).","vol":"1","page":347},{"text":"الله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشرِّ ليلةٍ بات بها قومٌ. فقال: «أتاني داعي الجنّ، فذهبتُ معه، فقرأتُ عليهم القرآن». قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: «لكم كلُّ عظمٍ ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم؛ أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرةٍ علفٌ لدوابّكم».\nفقال رسول الله -ﷺ-: «فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعامُ إخوانكم» (^١).\nقال القرطبي -﵀- في تفسير سورة الرحمن: «هذه السورة و«الأحقاف» و«قل أوحي» دليل على أن الجن مخاطَبون مكلَّفون مأمورون منهيون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم، لا فرق بيننا وبينهم في شيء من ذلك» (^٢).\nقال ابن القيم -﵀-: «وبالجملة: فهذا أمر معلوم باضطرار من دين الإسلام، وهو يستلزم تكليف الجن بشرائع، ووجوب اتباعهم لهم، فأما شريعتنا: فأجمع المسلمون على أن محمَّدًا -ﷺ- بُعث إلى الجن والإنس، وأنه يجب على الجن طاعته كما يجب على الإنس» (^٣).\nوقال -﵀- أيضًا: «الصواب الذي عليه جمهور أهل الإسلام: أنهم مأمورون منهيون مكلفون بالشريعة الإسلامية، وأدلة القرآن والسنَّة على ذلك أكثر من أن تُحصر» (^٤).\nوقال نجم الدين الطوفي -﵀-: «والدليل على تكليف الجن بالفروع: الإجماع على أن النبي -ﷺ- أُرسِلَ بالقرآن الكريم إلى الجن والإنس، فجميع أوامره ونواهيه متوجهة إلى الجنسين، وهي مشتملة على الأصول والفروع، نحو ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾\n_________\n(^١) مسلم (٤٥٠).\n(^٢) تفسير القرطبي (١٧/ ١٦٩).\n(^٣) طريق الهجرتين (ص ٦١٦، ٦١٧).\n(^٤) طريق الهجرتين (ص: ٦١٩).","vol":"1","page":348},{"text":"[الحديد: ٧]، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقد تضمن هذا الدليل على أن كفار الإنس مخاطبون بها، وكذلك كفار الجن؛ لتوجه القرآن بجميع ما فيه إلى مؤمني الجنسين وكفارهم» (^١).\nومما يدل على أنَّ الجنّ كانوا مؤمنين ببعثة الرسل السابقين أيضًا، قوله سبحانه: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾ [الأحقاف: ٣٠].\nوهذا كله مما يدلل على عبوديتهم لله ﷾. والحمد لله رب العالمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-244>ز-عبودية الكائنات:</span>\nإنَّ الله ﵎ له الأسماء الحسنى والصفات العلى، ومن أسمائه الحسنى ﴿الْغَنِيُّ﴾ فهو غنيٌّ غنًى تامًّا عن جميع خلقه، وهم فقراء إليه سبحانه فقرًا تامًّا، قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر].\n«بيّن جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه غني عن خلقه، وأن خلقه مفتقرون إليه، أي: فهو يأمرهم وينهاهم لا لينتفع بطاعتهم، ولا ليدفع الضرّ بمعصيتهم، بل النفع في ذلك كله لهم، وهو جل وعلا الغني لذاته الغنى المطلق» (^٢).\nوالكون كله خاضع لعبودية الله الواحد القهار لا ينفك أحدُ من خلقه عن عبوديته قهرًا وغلبة.\nوالكون بأسره خاشع خاضع لكبريائه وعظمته، إذ هو مشغولٌ بخضوعه وذله لربِّه، ولذا ترى الكون كله معظمًا له ساجدًا خاشعًا مسبحًا منزهًا لربه جل في علاه.\nومع ذلك كله ترى جحود الإنسان هذا المخلوق الضعيف، بل هو من أضعفُ المخلوقات وأفقرها إلى ربها، تراه معرضًا عمن لا غنى له عن فضله ورحمته طرفة\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للصرصري (١/ ٢١٨، ٢١٩ (.\n(^٢) أضواء البيان (٦/ ٢٧٦).","vol":"1","page":349},{"text":"عين ولا أصغر من ذلك، معرضًا بذلك نفسه الضعيفة لسخط جبار السماوات والأرض ومقته وغضبه وعذابه وأليم عقابه.\nومن شواهد غنى الرب عن خلقه وفقرهم التام إليه جل في علاه قوله سبحانه في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي. يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ؛ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا» (^١).\nومع فقر الإنسان ترى الكون من حوله كله قد دانَ لله تسبيحًا وتعظيمًا وإجلالًا، أرضه وسمائه، وحشه وطيره، كل الكائنات تُصلِّي لله وتخضع، وله تسجُد ولعظمته تذل وتخشع قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].\n«أي: يخضع خضوعًا مطلقًا كل من في السماوات والأرض؛ طوعًا أو كرهًا.\nوالسجود طوعًا هو بإرادة العبادة من العقلاء المختارين؛ والسجود كرهًا؛ أي: بحكم الخضوع المطلق لإرادة المنشئ للكون الواحد القهار» (^٢).\n«وهذه آية إعلام بتسليم المخلوقات جميعها لله تعالى وخضوعها» (^٣).\nيوضح شيخ الإسلام مفهوم سجود الكائنات فيقول -﵀-: «وَالسُّجُودُ مَقْصُودُهُ الْخُضُوعُ، وَسُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ سُجُودًا يُنَاسِبُهَا وَيَتَضَمَّنُ الْخُضُوعَ لِلرَّبِّ» (^٤).\n_________\n(^١) مسلم (٢٥٧٧).\n(^٢) زهرة التفسير (٩/ ٤٩٦٠).\n(^٣) تفسير ابن عطية (٦/ ٢٢٦).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١/ ٤٥).","vol":"1","page":350},{"text":"ويقول -﵀-: «ومعلوم أن سجود كل شيء بحسبه، ليس سجود هذه المخلوقات وضع جباهها على الأرض» (^١).\nوالسجود من أعظم مشاهد كمال خضوع وذل هذه المخلوقات وانقيادها لخالقها وبارئها سبحانه وذلها لربوبيته وعظيم سلطانه.\nويوضح البقاعي معنى السجود أيضًا فيقول -﵀-: «يسجد له أي: يخضع منقادًا لأمره مسخرًا لما يريد منه تسخير من هو في غاية الاجتهاد في العبادة والإخلاص فيها» (^٢).\nوالحقيقة الثابتة كما قرر أئمة التفسير كابن جرير الطبري وابن كثير وغيرهما من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم: أن الكائنات تسجد سجودًا حقيقيًّا علمها ربها إياه وهو يعلمه منها على وجه يليق بها ويناسبها، والبقاعي أول السجود هنا إلى الخضوع نافيًا سجودها مؤولًا له ببعض معانيه وهو الخضوع، والبقاعي مع جلالة قدره له تأويلات لصفات الرب جل في علاه نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر نفيه للحرف والصوت في كلام الرب جل في علاه وقد أجمع السلف على أن الله تعالى تكلم بحرف وصوت.\nفقال في نظم الدرر: «والذي سمعه موسى -﵇- عند أهل السنة من الأشاعرة هو الصفة الأزلية من غير صوت ولا حرف، ولا بعد في ذلك كما لا بعد في رؤية ذاته سبحانه وهي ليست بجسم ولا عرض لا جوهر، و﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]» (^٣).\n_________\n(^١) المرجع السابق (٢١/ ٢٨٤).\n(^٢) نظم الدرر للبقاعي (١٣: ٢٦).\n(^٣) نظم الدرر للبقاعي (٨/ ٧٧). وكثير من المتكلمين يعدون أهل السنة هم: الأشاعرة والماتريدية، ولذا يقول البقاعي: (والذي سمعه موسى -﵇- عند أهل السنة من الأشاعرة). وأهل السنة يقولون: إن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، ويعتقدون أن القرآن كلام الله، وأن الله تعالى تكلم به بحرف وصوت وسمعه جبريل، وأما الأشاعرة فقولهم في القرآن: إن ما بين الدفتين مخلوق؛ لأنه عندهم عبارة عن كلام الله تعالى؛ لأن الله لا يتكلم بحرف ولا صوت، فينفوا الحرف والصوت، وقد خالفوا أهل السنة في أمور شتى مبسوطة في مظانها فلتراجع.","vol":"1","page":351},{"text":"ويقول الإمام ابن القيم -﵀-: «وهو سجود الذل والقهر والخضوع فكل أحد خاضع لربوبيته ذليل لعزته مقهور تحت سلطانه تعالى» (^١).\nوسجود الكائنات كلها سجود ذل وخضوع وخوف من خالقها وبارئها سبحانه، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠].\nحتى الشمس تسجد تحت العرش خاضعة لسلطان خالقها، قال سبحانه: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ … الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٣٨ - ٤٠].\nثبت عند البخاري من حديث أَبِي ذَر الغفاريّ -﵁- قال: كنتُ معَ النبيِّ -ﷺ- في المسجدِ عِندَ غُروبِ الشمسِ، فقال: «يا أبا ذَرٍّ، أتَدري أينَ تغرُبُ الشمسُ»، قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: «فإنها تَذهَبُ حتى تَسجُدَ تحتَ العرشِ، فذلك قولُه تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ … الْعَلِيمِ (٣٨)﴾» (^٢).\nوثبت في الصحيحين من حديث أَبِي ذَر الغفاريّ -﵁- أيضًا قَالَ: سأَلتُ النبيَّ -ﷺ- عن قولِه: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]، قال: «مُستقَرُّها تحت العرش» (^٣).\n«وَقد أنكر قومٌ سُجُود الشَّمْس وَهُوَ صَحِيح مُمكن. وَلَا مَانع من قدرَة الله تَعَالَى أَن يمكَّن كل شَيْء من الْحَيَوَان والجمادات أَنْ يسْجد لَهُ» (^٤).\nفالله تعالى قد أثبت سجود الكائنات وبين سبحانه صفة سجود بعضها وهو بفيء\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ١٠٧).\n(^٢) البخاري (٣١٩٩)، ومسلم (١٥٩).\n(^٣) ينظر التخريج السابق.\n(^٤) عمدة القاري (١٥/ ١١٩).","vol":"1","page":352},{"text":"ظلالها ذات اليمين والشمال ولا يتبادر للذهن إلى أنه يلزم أن يكون سجودها مثل سجود البشر على سبعة أعظم، وإذا كان الله قد أثبت لها السجود وجب الأخذ به وعدم الحيد عنه وتأويله عن ظاهره، إذا أن الكائنات لها السجود اللائق بها على الوجه الذي جبلها الله عليه وأراده منها.\n\n<span data-type='title' id=toc-245>تسبيح الكائنات:</span>\nقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١)﴾ [النور].\nيقول الإمام ابن كثير -﵀-: «يخبر الله تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه الذي خضع له كل شيء ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها؛ جماداتها وحيواناتها ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة فأخبر أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال أي: بكرًة وعشيًّا فإنه ساجد لله تعالى.\nقال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله -﷿-» (^١).\nوالكون كله يوحد الله ويسبحه ويمجده قال ﷾: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء]، «وَهَذَا عَامٌّ فِي الْحَيَوَانَاتِ وَالنَّبَاتِ وَالْجَمَادِ» (^٢).\nوتسبيحها تسبيح حقيقي فطرها وجبلها عليها خالقها لا يعلمُ كيفيته وصفته إلا هو سبحانه، -﷿-: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء].\nومما ورد في هذا الصدد ما أخرج ابن السني في عمل اليوم والليلة وغيره وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة من حديث عمرو بن عبسة -﵁- قال رسول -ﷺ-: «ما تَسْتَقِلُّ الشمسُ فيبقَى شيئٌ من خلق الله إِلَّا سَبَّح الله بحمدِه، إلَّا مَا كان من الشياطين،\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٧٥).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٥/ ٧٩).","vol":"1","page":353},{"text":"وأغبياء بني آدم» (^١).\nومما يُروى أن ما يصيب بعض المخلوقات من العجماوات والأشجار وغيرها بسبب ما ضيعت من تسبيح الله وتقديسه وتنزيهه وذكره جل في علاه، وفي ذلك إشارة إلى أن الله قد جعل لها إدراكًا خاصًّا علمها إياه بارؤها ﷾.\nفعن ميمون بن مهران -﵀- قال: «أُتي أبو بكر الصديق -﵁- بغراب وافر الجناحين، فجعل ينشر جناحه ويقول: ما صيد من صيد ولا عضدت من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح» (^٢).\nو«لقد تضاءلت لعظمته المخلوقات العظيمة وصغرت لدى كبريائه السماوات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن، وافتقر إليه العالم العلوي والسفلي فقرًا ذاتيًّا لا ينفك عن أحد منهم في وقت من الأوقات» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-246>تسبيح الرعد:</span>\nوالرعد يُسبِّح بحمده سبحانه، قال تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣].\nأي: «ويعظم الله الرعد ويمجد، فيثني عليه بصفاته، وينزهه مما أضاف إليه أهل الشرك به ومما وصفوه به من اتخاذ الصاحبة والولد، تعالى ربنا وتقدس» (^٤).\n_________\n(^١) ابن السني في عمل اليوم والليلة (١٤٦) وعنه الديلمي (٤/ ٤٦ (وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١١١) وحسنه الألباني سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٢٢٤).\n(^٢) ذكره إسحاق بن راهويه في تفسيره. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣٤٤٤١)، وأحمد في الزهد (٥٦٧)، وأبو الشيخ في العظمة (٥/ ١٧٣٧) بسند ليس بذاك عن ميمون بن مهران، وميمون بن مهران من الوسطى من التابعين وهو ثقة يرسل، ولم يدرك أبا بكر.\nوروي مرفوعًا من حديث أبي هريرة، وحكم عليه الألباني بالوضع في ضعيف الجامع (٥٠٨٩).\n(^٣) تفسير ابن سعدي (١/ ٤٥٨)، بتصرف.\n(^٤) الطبري (١٦/ ٣٩١).","vol":"1","page":354},{"text":"<span data-type='title' id=toc-247>عبودية وتسبيح بعض الكائنات:</span>\nوالنباتُ يُسبِّح الله ويوحده جلَّ في علاه، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ [الرحمن].\nفالنجم مَا لا سَاق له من النَّبَات، وَالشَّجر مَا كان له سَاق، وَكلهَا سَاجِدَة لله مسبحة بِحَمْدِهِ على وجه يليق بها، وهي خاضعة لأمره ﷾.\nوكذلك كل ما في السماوات والأرض: كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج: ١٨].\nيقول الطبري: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد -ﷺ-: ألم تر يا محمد بقلبك، فتعلم أن الله يسجد له من في السماوات من الملائكة، ومن في الأرض من الخلق من الجن وغيرهم، والشمس والقمر والنجوم في السماء، والجبال، والشجر، والدواب في الأرض، وسجود ذلك ظلاله حين تطلع عليه الشمس، وحين تزول، إذا تحول ظل كل شيء فهو سجوده» (^١).\nوكما قال تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩)﴾ [ص: ١٨ - ١٩].\nيقول الشنقيطي: «وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ تَسْبِيحَ الْجِبَالِ وَالطَّيْرِ مَعَ دَاوُدَ الْمَذْكُورَ تَسْبِيحٌ حَقِيقِيٌّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ -جَلَّ وَعَلَا- يَجْعَلُ لَهَا إِدْرَاكَاتٍ تُسَبِّحُ بِهَا، يَعْلَمُهَا هُوَ -جَلَّ وَعَلَا -وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُهَا.\nوَالْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ نُصُوصَ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا الْمُتَبَادِرِ مِنْهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ.\nوَالتَّسْبِيحُ فِي اللُّغَةِ: الْإِبْعَادُ عَنِ السُّوءِ، وَفِي اصْطِلَاحِ الشَّرْعِ: تَنْزِيهُ اللَّهِ -جَلَّ وَعَلَا- عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ» (^٢).\n_________\n(^١) الطبري (١٨/ ٥٨٦).\n(^٢) أضواء البيان (٤/ ٢٣٢)، بتصرف.","vol":"1","page":355},{"text":"<span data-type='title' id=toc-248>من مشاهد عبودية الطير في القرآن:</span>\nومن مشاهد عبودية الطير لله وتنزيهه عن الند والشريك ما ذُكِرَ الله لنا من خبر هدهد سليمان من تعظيمه لله وتهويله لأمر الشرك في الألوهية من ملكة سبأ وقومها وإنكاره ونفوره وأنفته من عبادتهم وسجودهم للشمس من دون الله تعالى.\nوفي ذلك يقول تعالى: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾ [النمل: ٢٢ - ٢٦].\nولا ريب أن هذا شرك واضح بين، ولذا ساء الهدهد وهاله ما رأى من سجودهم للشمس فأنف بفطرته وجبلته من عبادتهم تلك، فتمعر وجهه في ذات الله، وقد تسبب بذلك في هداية أمة بأسرها للإسلام ونجاتهم من الشرك الموجب الخلود في النيران.\n\n<span data-type='title' id=toc-249>مشاهد من عبودية وتسبيح النمل:</span>\nالنمل أمة من الأمم الخاضعة لسلطان بارئها الخاضعة لكبريائه وعظمته المسبحة بحمده المنزهة والمقدسة لذاته، ومن مشاهد عبوديتها وتسبيحها ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، فقد ثبت عند البخاري من حديث أَبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ، فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ» (^١).\nوفي لفظ مسلم منْ حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أيضًا، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أنه قال: «أَنَّ نَمْلَةً قَرَصَتيْ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: أَفِي أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَهْلَكْتَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ؟» (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (٣٠١٩)، ومسلم (٢٢٤١).\n(^٢) مسلم (٢٢٤١).","vol":"1","page":356},{"text":"<span data-type='title' id=toc-250>والنمل أمة معظمة للعلم داعية لأهله:</span>\nومن دلائل عبودية النمل لله تعالى الدعاء لمعلم الناس الخير الذي يدل المخلوق على الخالق جل في علاه.\nفقد ثبت عند الطبراني والترمذي وصححه الألباني من حديث أَبِى أُمَامَةَ الْبَاهِلِيّ -﵁- قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ في جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ» (^١).\nأي: «يستغفرون لهم، وذكر النَّملة والحوت بعد ذكر الثَّقلين والملائكة تتميمٌ لجميع أنواع الحيوان على طريقة الرَّحمان الرَّحيم، وخصَّ النَّملة والحوت بالذِّكر للدلالة على إنزال المطر وحصول الخير والخصب ببركتهم، كما قال: بهم تنصرون وبهم ترزقون، حتَّى أن الحوت الَّذي لا يفتقر إلى العلماء اِفْتقار غيره لكونه في جوف الماء يعيش أبدًا ببركتهم، وأمَّا إلهام الحيوانات الاسْتغفار له، فقيل: لأنَّها خُلقت لمصالح العباد ومنافعهم، والعُلماء هم المبيِّنون ما يحلُّ منها وما يحرم، ويُوصون بالإحسان إليها، ودفع الضُّر عنها، حتَّى بإحسان القِتلة، والنَّهي عَنِ المُثلة، فاسْتغفارهم لهُ شكرٌ لذلك النّعمة (^٢)، وذلك في حقِّ البشر آكد لأنَّ اِحتياجهم إلى العلم أشدٌّ وعود فوائده عليهم أتمٌّ.» (^٣) اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-251>ومن مشاهد عبودية الجمادات كذلك، عبودية الحجارة والجبال:</span>\nوالحجارة تهبِطُ من علوِّها خشيةً لله وتعظيمًا، خضوعًا له وإجلالًا، مقترنًا ذلك كله بالتسبيح والتقديس لخالقها مع ذل وانكسار لله يعتريها قال -﷿-: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا\n_________\n(^١) الترمذي (٢٦٨٥). وقال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء (١/ ١٨): قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وفى نسخة غَرِيب، وقال الألباني: صحيح في صحيح الجامع. (١٨٣٨).\n(^٢) الأصل أن يُقال: لتلك النعمة لكونها (مؤنث) وحتى ينتظم الكلام. ولعله تصحيف من الكتبة أو النسّاخين.\n(^٣) فيض القدير للمناوي (٤/ ٤٣٢ - ٤٣٣)، بتصرف.","vol":"1","page":357},{"text":"يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤].\n«ومذهب أهل السنة والجماعة أن لله تعالى علمًا في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقل، لا يقف عليه غيره، فلها صلاة وتسبيح وخشية، قال جلَّ ذكره: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وقال: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [الحج: ١٨] الآية، فيجب على المؤمن الإيمان به ويكل علمه إلى الله ﷾» (^١).\nتصدع الجبال إجلالًا لكلام الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١].\nيقول شيخ المفسرين الإمام الطبري -﵀-: «يقول -جل ثناؤه-: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ -وهو حجر- لرأيته يا محمد خاشعًا يقول: متذللًا متصدعًا من خشية الله على قساوته، حذرًا من ألا يؤدي حق الله المفترض عليه في تعظيم القرآن، وقد أنزل على ابن آدم وهو بحقه مستخف، وعنه عما فيه من العبر والذكر معرض، كأن لم يسمعها، كأن في أذنيه وقرًا».\nثم يقول -﵀-: أي: «لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدع وخشع من ثقله، ومن خشية الله، فأمر الله -﷿- الناس إذا أنزل عليهم القرآن، أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع.\nيعذر الله الجبل الأصم، ولم يعذر شقي ابن آدم، هل رأيتم أحدًا قط تصدعت جوانحه من خشية الله» (^٢).\n«فإن هذا القرآن لو أنزله على جبل لرأيته خاشعًا متصدعا من خشية الله أي: لكمال تأثيره في القلوب، فإن مواعظ القرآن أعظم المواعظ على الإطلاق» (^٣).\n_________\n(^١) تفسير البغوي (١/ ١١٢).\n(^٢) الطبري (٢٣٣/ ٣٠١).\n(^٣) تفسير ابن سعدي (١/ ٨٥٤).","vol":"1","page":358},{"text":"والشركُ بالله ظلم عظيم وجرم كبير، فهذه المخلوقات الكبار وتلك الكائنات العظام تكاد تتشقق وتنفطر وتخر هدًا لعظم الشرك وهوله وفظاعته وجرمه، إجلالًا لله وغيرة على توحيده وألوهيته جل في علاه، قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ [مريم].\nأي: «من أجل هذه الدعوى القبيحة تكاد هذه المخلوقات أن يكون منها ما ذكر» (^١).\n«وذلك لغيرتها على المقام الرباني الأحدي أن ينسب له ما ينزه عنه ويشعر بحاجته ووجود كفء له وفنائه. وذلك لأن الولادة إنما تكون من الحي الذي له مزاج فهو مركب ونهايته إلى انحلال وفناء، وهو سبحانه تنزه عن ذلك» (^٢).\nو«يَكَادُ يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ سَمَاعِهِنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ مِنْ فَجَرَةِ بَنِي آدَمَ، إِعْظَامًا لِلرَّبِّ وَإِجْلَالًا؛ لِأَنَّهُنَّ مَخْلُوقَاتٌ وَمُؤَسَّسَاتٌ عَلَى تَوْحِيدِهِ» (^٣).\nوكما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ … حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر].\n«فإن قيل: فما معنى ذكر الحلم ها هنا؟ قيل: لأن السماوات والأرض همّت بما همّت به من عقوبة الكفار فأمسكهما الله تعالى عن الزوال بحلمه وغفرانه أن يعاجلهم بالعقوبة» (^٤).\nفـ «في الآية إشعار بأن السماوات والأرض تهم وتستأذن بالزوال لعظم ما يأتي به العباد فيمسكها بحلمه ومغفرته» (^٥).\n_________\n(^١) المرجع السابق (٥/ ١٠١٦).\n(^٢) تفسير القاسمي (١١/ ٤١٦٥).\n(^٣) ابن كثير (٥/ ٢٢٦).\n(^٤) تفسير البغوي (٦/ ٤٢٧).\n(^٥) عدة الصابرين (ص: ٢٧٨).","vol":"1","page":359},{"text":"فرحمته جل في علاه سبقت غضبه، وهذا من كمال حكمته ولطفه بخلقه، قال ربنا جل في علاه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)﴾ [النحل].\nفـ «لَوْلَا أَنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وَمَغْفِرَتَهُ سَبَقَتْ عُقُوبَتَهُ، لَزُلْزِلَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ مِنْ مَعَاصِي الْعِبَادِ» (^١).\nوقال جل شأنه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ … ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب].\n«قال بعض أهل العلم: ركب الله -﷿- فيهن العقل والفهم حين عرض الأمانة عليهن حتى عقلن الخطاب» (^٢).\nوالسماءُ والأرضُ امتثلتا أمر الله وخضعتا لسلطانه وانقادتا واستجابتا له سبحانه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا … قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾ [فصلت].\n«أَيِ: اسْتَجِيبَا لِأَمْرِي، وَانْفَعِلَا لِفِعْلِي طَائِعَتَيْنِ أَوْ مُكْرَهَتَيْنِ.\nوعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلسَّمَوَاتِ: أَطْلِعِي شَمْسِي وَقَمَرِي وَنُجُومِي. وَقَالَ لِلْأَرْضِ: شَقِّقِي أَنْهَارَكِ، وَأَخْرِجِي ثِمَارَكِ.\nفَقَالَتَا: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ -﵀-.\nوَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَوْ أَبَيَا عَلَيْهِ أَمْرَهُ، لَعَذَّبَهُمَا عَذَابًا يَجِدَانِ أَلَمَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ» (^٣).\n_________\n(^١) الداء والدواء (ص: ٨٨).\n(^٢) تفسير البغوي (٦/ ٣٨١).\n(^٣) ابن كثير (٧/ ١٦٧).","vol":"1","page":360},{"text":"«أي: انقادا لأمري، طائعتين أو مكرهتين، فلا بد من نفوذه، ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ليس لنا إرادة تخالف إرادتك» (^١).\nومن مشاهد عبودية الحجر والشجر أيضًا ذكر الله تعالى، فالحجر والشجر يذكران الله تعالى ويجيبان دعوته بالتلبية مع مَن يلبي من عباد الله حاجًّا كان أو معتمرًا ويدل على ذلك ما ثبت عند الترمذي وصححه الألباني منْ حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ، أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا» (^٢).\nومن مشاهد عبودية الحجر والشجر كذلك موالاة المجاهدين من عباد الله المؤمنين وحثهم على قتل اليهود.\nويدل على ذلك ما ثبت عند الإمام مسلم في صحيحه منْ حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-252>ومن مشاهد عبودية الطعام وتسبيحه:</span>\nالطعام يقدس الله تعالى ويسبحه، فقد ثبت عند البخاري منْ حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود -﵁- قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ الآيَاتِ بَرَكَةً، وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي سَفَرٍ فَقَلَّ الْمَاءُ فَقَالَ: «اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ». فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: «حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ المُبَارَكِ، وَالبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ»، فَلَقَدْ\n_________\n(^١) ابن سعدي (٧٤٥).\n(^٢) الترمذي (٨٢٨) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١٠٠٥).\n(^٣) مسلم (٢٩٢٢).","vol":"1","page":361},{"text":"رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهْوَ يُؤْكَلُ» (^١).\nوبعد هذا البيان يتضح للمتأمل عبودية المخلوقات كلها لربها جل في علاه، العوالم كلها علويها وسفليها، الجن والإنس والملائكة، والسموات العلا وما فيها وما حوته من كواكب وأجرام وشمس وقمر ونجوم وأفلاك وغيرها مما لا يعلمه إلا الله، والأرض وما فيها من جبال وأنهار وبحار وقفار وجنات ونبات وحيوان ووحش وطير ودواب وهوام وجمادات وغيرها من مخلوقات الله ما علمنا منها وما لم نعلم، الكل أقر بعبوديته لله وسبح بحمده وأقر بربوبيته وألوهيته فوحده وقدسه وخضع لكبريائه وعظمته وسجد له وخشع وعبده سبحانه خوفًا وطمعًا رغبًا ورهبًا.\nوحقيقٌ ببني آدم أن يكونوا في طليعة هذه الكائنات التي خضعت لعبودية الله، فالإنسان من أفقر المخلوقات لبارئها وهو مع ذلك من أكثرها تمردًا وعصيانًا وجحودًا وإنكارًا لربه ولنعمه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ [العاديات].\n«أَيْ: طُبِعَ الْإِنْسَانُ عَلَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -﵁-: ﴿لَكَنُودٌ﴾: لَكَفُورٌ جَحُودٍ لِنِعَمِ اللَّهِ.\nوَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَن، وَقَالَ: يَذْكُرُ الْمَصَائِبَ وَيَنْسَى النِّعَمَ» (^٢).\nفـ «مَنْ أَرَادَ السَّعَادَةَ الْأَبَدِيَّةَ، فَلْيَلْزَمْ عَتَبَةَ الْعُبُودِيَّةِ. فَأَسْعَدُ الْخَلْقِ: أَعْظَمُهُمْ عُبُودِيَّةً لِلَّهِ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-253>ثالثا [*]: عبودية الاستعانة</span>، في قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾.\nلايزال الحديث متصلًا عن أبرز الموضوعات التي تناولتها السورة الكريمة، والكلام لا يزال متصلًا عن الموضع الرابع ألا وهو: أن أصل الدين مبنيٌّ على أصلين\n_________\n(^١) البخاري (٣٥٧٩).\n(^٢) تفسير القرطبي (٢٠/ ١٤٣).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١/ ٣٩).\n\n[*] تعليق الشاملة: بالمطبوع «ثانيا»","vol":"1","page":362},{"text":"عظيمين ألا وهما: (العبودية-والاستعانة)، وقد انتهى الكلام عن العبودية بالتفصيل، والآن يُشَرعُ الكلامُ عن الاستعانة وبيان مفهومها وحقيقتها وأقسامها وأقسام الناس فيها، وبيان منزلتها من الدين، وبيان ثمرتها بشيء من التفصيل كذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-254>أولًا: بيان مفهوم الاستعانة في اللغة والاصطلاح:</span>\n<span data-type='title' id=toc-255>١ - الاستعانة لغة:</span> مصدر استعان وهو من العون بمعنى المعاونة والمظاهرة على الشّيء، يقال: فلان عوني أي: معيني وقد أعنته، والاستعانة طلب العون، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، والعون الظّهير على الأمر، الواحد والاثنان والجمع والمؤنّث فيه سواء، وقد حكي في تكسيره أعوان، والعرب تقول: إذا جاءت السّنةُ جاء معها أعوانُها، يعنون بالسّنة: الجدب، وبالأعوان: الجراد والذّئاب والأمراض.\nوتقول: أعنته إعانة واستعنته واستعنت به فأعانني وتعاونوا عليّ واعتونوا: أعان بعضهم بعضًا، وتعاونًّا: أعان بعضنا بعضًا، والمعونة: الإعانة، ورجل معوان حسن المعونة، وكثير المعونة للنّاس وكلّ شيء أعانك فهو عون لك كالصّوم عون على العبادة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-256>٢ - واصطلاحًا:</span>\nقال ابن تيميّة -﵀-: «الاستعانة: طلب العون من اللّه، ويطلب من المخلوق ما يقدر عليه من الأمور» (^٢).\nويقول ابن سعدي -﵀-: «والاستعانة هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع، ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك» (^٣).\n_________\n(^١) لسان العرب لابن منظور (٥/ ٣١٧٩ - ٣١٨٠)، وينظر: الصحاح للجوهري) ٦/ ٢١٦٨ - ٢١٦٩ (.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٠٣).\n(^٣) تفسير ابن سعدي (ص: ٣٩).","vol":"1","page":363},{"text":"وهي: «عِبَادَةٌ، بَلْ أَجَلُّ الْعِبَادَاتِ، وَهِي تَجْمَعُ أَصْلَيْنِ: الثِّقَةَ بِاللهِ. وَالاعْتِمَادَ عَلَيهِ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-257>ثانيًا: بيان أقسام الاستعانة</span>\nوالاستعانة على ضربين.\nاستعانة إيمانية واستعانة شركية.\nقال ابن تيميّة -﵀-: «إنّ العبد مجبول على أن يقصد شيئًا ويريده ويستعين بشيء ويعتمد عليه في تحصيل مراده، وهذا المستعان به على قسمين وهما:\nالقسم الأوّل: ما يستعان به لنفسه فيكون هو الغاية الّذي يعتمد عليه العبد ويتوكّل عليه، ويعتضد به، ليس عنده فوقه غاية في الاستعانة.\nوالقسم الثاّني: ما يكون تبعًا لغيره بمنزلة الأعضاء مع القلب، والمال مع المالك، والآلات مع الصّانع.\nوالنّاظر في أحوال الخلق يجد أنّ النّفس لا بدّ لها من شيء تثق به وتعتمد عليه في نيل مطلوبها هو مستعانها سواء أكان ذلك هو اللّه أم غيره وإذا كان المستعان غير اللّه فقد يكون عامًّا، وهو الكفر كمن عبد غير اللّه مطلقًا، أو سأل غير اللّه مطلقًا.\nوقد يكون خاصًّا في المسلمين ممّن غلب عليهم حبّ المال أو حبّ شخص أو حبّ الرّياسة أو غير ذلك بحيث يعتمد عليها ويستعين بها، وما أكثر ما تستلزم العبادة الاستعانة، وصلاح العبد في عبادة اللّه واستعانته به، ومضرّته وهلاكه وفساده في عبادة غير اللّه والاستعانة بما سِواه، وتوحيد اللّه وإخلاص الدّين له في عبادته واستعانته في القرآن كثير جدًّا؛ بل هو قلب الإيمان، وأوّل الإسلام وآخره، وهذا هو دين الإسلام العامّ الّذي بُعِثَ به جميعُ الرّسلِ، فلا يصرف لغير اللّه شيءٌ من أنواع العبادة والاستعانة، إذ إنّ أنواع العبادة متعلّقة كلّها بألوهيّته، والاستعانة متعلّقة بربوبيّته، واللّه ربّ العالمين لا إله إلّا هو، ولا ربّ لنا غيره، لا ملك ولا نبيّ ولا غيره» (^٢).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ١٦١).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ٧٤٣٤) بتصرف يسير، وتفسير الطبري (١/ ٢٩٨).","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type='title' id=toc-258>ثالثًا: بيان سبب تقديم العبادة على الاستعانة</span>.\nلماذا قدم العبادة على الاستعانة؟\nبعض أسرار تقديم العبادة على الاستعانة في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾.\nقال ابن القيم -﵀-: «وَتَقْدِيمُ (الْعِبَادَةِ) عَلَى (الِاسْتِعَانَةِ) فِي الْفَاتِحَةِ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الْغَايَاتِ عَلَى الْوَسَائِلِ، إِذِ الْعِبَادَةُ غَايَةُ الْعِبَادِ الَّتِي خُلِقُوا لَهَا، وَالِاسْتِعَانَةُ وَسِيلَةٌ إِلَيْهَا، وَلِأَنَّ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. مُتَعَلِّقٌ بِأُلُوهِيَّتِهِ وَاسْمِهِ اللَّهِ.\n﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾. مُتَعَلِّقٌ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَاسْمِهِ الرَّبِّ، فَقَدَّمَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ عَلَى: (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) كَمَا قَدَّمَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى الرَّبِّ فِي أَوَّلِ الْسُورَةِ، وَلِأَنَّ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ قَسْمُ الرَّبِّ فَكَانَ مِنَ الشَّطْرِ الْأَوَّلِ، الَّذِي هُوَ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، لِكَوْنِهِ أَوْلَى بِهِ، وَ(إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قَسْمُ الْعَبْدِ، فَكَانَ مِنَ الشَّطْرِ الَّذِي لَهُ، وَهُوَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.\nوَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ الْمُطْلَقَةَ تَتَضَمَّنُ الِاسْتِعَانَةُ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، فَكُلُّ عَابِدٍ لِلَّهِ عُبُودِيَّةً تَامَّةً مُسْتَعِينٌ بِهِ وَلَا يَنْعَكِسُ، لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَغْرَاضِ وَالشَّهَوَاتِ قَدْ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى شَهَوَاتِهِ، فَكَانَتِ الْعِبَادَةُ أَكْمَلَ وَأَتَمَّ، وَلِهَذَا كَانَتْ قَسْمَ الرَّبِّ.\nوَلِأَنَّ الِاسْتِعَانَةَ جُزْءٌ مِنِ الْعِبَادَةِ مِنْ غَيْرٍ عَكْسٍ، وَلِأَنَّ الِاسْتِعَانَةَ طَلَبٌ مِنْهُ، وَالْعِبَادَةَ طَلَبٌ لَهُ، وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ مُخْلِصٍ، وَالِاسْتِعَانَةَ تَكُونُ مِنْ مُخْلِصٍ وَمِنْ غَيْرِ مُخْلِص، وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ حَقُّهُ الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَيْكَ، وَالِاسْتِعَانَةُ طَلَبُ الْعَوْنِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَهُوَ بَيَانُ صَدَقَتِهِ الَّتِي تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْكَ، وَأَدَاءُ حَقِّهِ أَهَمُّ مِنَ التَّعَرُّضِ لِصَدَقَتِهِ.\nوَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ شُكْرُ نِعْمَتِهِ عَلَيْكَ، وَاللَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَشْكُرَ، وَالْإِعَانَةُ فِعْلُهُ بِكَ وَتَوْفِيقُهُ لَكَ، فَإِذَا الْتَزَمْتَ عُبُودِيَّتَهُ، وَدَخَلْتَ تَحْتَ رِقِّهَا أَعَانَكَ عَلَيْهَا، فَكَانَ الْتِزَامُهَا وَالدُّخُولُ","vol":"1","page":365},{"text":"تَحْتَ رِقِّهَا سَبَبًا لِنَيْلِ الْإِعَانَةِ، وَكُلَّمَا كَانَ الْعَبْدُ أَتَمَّ عُبُودِيَّةً كَانَتِ الْإِعَانَةُ مِنَ اللَّهِ لَهُ أَعْظَمَ» (^١).\n«وقُدِّمت العبادةُ على الاستعانة؛ لكون الأُولَى وسيلة إلى الثانية، وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المطالب، وإطلاق الاستعانة لقصد التعميم» (^٢).\nوالعبودية حق الرب جل في علاه، والاستعانة حظ العبد الفقير إلى خالقه وسيده ومولاه، وحق السيد مقدم على حظوظ عبيده.\n\n<span data-type='title' id=toc-259>رابعًا: بيان أقسام الناس في العبادة والاستعانة:</span>\nإن الخلق في هذا الباب متفاوتون ومتباينون، والمتأمل في ذلك يرى بينهم بونًا شاسعًا.\nالقسم الأول:\nفأعلاهم منزلة وأعظمهم عبودية واستعانة أهل التقوى والإيمان، الذين قد جمع لهم الله خيري تحقيق العبودية وكمال الذل والافتقار إليه والبراءة من الحول والقوة بلزوم الاستعانة به سبحانه، وهؤلاء هم المقسطون الذين وحدوا الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وهم المُنعَمُ عليهم من عباد الله الموصوفون في سورة النساء في قوله سيحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء].\nوالقسم الثاني:\nوأدناهم وأخسهم وأحطهم منزلة خلق لا عبودية لهم ولا استعانة، وهؤلاء إنما كانوا كذلك لأنهم قد فات عليهم تحقيق جانبي العبودية والاستعانة وهما أصلا الشرع وقوام الدين، فقد استغنوا عن خالقهم بأنفسهم، وقد تُلجؤهم الشدائدُ لسؤال\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ١٦٢).\n(^٢) فتح القدير للشوكاني (١/ ١٠).","vol":"1","page":366},{"text":"خالِقِهم ودعائه مخلصين له الدين في ذلك الله عنهم: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت].\nقال الطبري -﵀-: «يقول تعالى ذكره: فإذا ركب هؤلاء المشركون السفينة في البحر، فخافوا الغرق والهلاك فيه ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢]، يقول: أخلصوا لله عند الشدة التي نزلت بهم التوحيدَ، وأفردوا له الطاعة، وأذعنوا له بالعبودة، ولم يستغيثوا بآلهتهم وأندادهم ولكن بالله الذي خلقهم. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، يقول: فلما خلّصهم مما كانوا فيه وسلّمهم فصاروا إلى البر إذا هم يجعلون مع الله شريكًا في عبادتهم، ويدعون الآلهة والأوثان معه أربابًا» (^١).\nالقسم الثالث:\nوخلق لهم عبودية ولكنهم نقص حظهم وقسطهم ونصيبهم من الاستعانة، وفات عليهم تحقيق كمال الإيمان بالقدر فضعف لديهم جانب الاستعانة والصبر على الأوامر والنواهي على الأقدار كونًا وشرعًا، فلم يسعفهم ضعفُ الاستعانةِ على كمال الاستجابة لله ولشرعه، وقد تكون لهم معافاة وقوة بقدر تحقيقهم الصبر على الطاعة وعلى لزوم السنة ومجانبة الهوى.\nالقسم الرابع:\nوخلق لهم حظ من العبودية والاستعانة، ولكن منشأ ذلك حظوظ النفس ومشتهياتها، وهم كمن يعبد الله على حرف تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج].\nقال ابن سعدي -﵀-: «أي: ومن الناس من هو ضعيف الإيمان، لم يدخل الإيمان قلبه، ولم تخالطه بشاشته، بل دخل فيه، إما خوفًا، وإما عادة على وجه لا يثبت عند\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٠/ ١٥٩).","vol":"1","page":367},{"text":"المحن، ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ أي: إن استمر رزقه رغدًا، ولم يحصل له من المكاره شيء، اطمأن بذلك الخير، لا بإيمانه».\nفهذا، ربما أن الله يعافيه، ولا يقيض له من الفتن ما ينصرف به عن دينه، ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ من حصول مكروه، أو زوال محبوب انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ أي: ارتد عن دينه، ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ أما في الدنيا، فإنه لا يحصل له بالردة ما أمله الذي جعل الردة رأسًا لماله، وعوضًا عما يظن إدراكه، فخاب سعيه، ولم يحصل له إلا ما قسم له، وأما الآخرة، فظاهر، حُرِمَ الجنة التي عرضها السماوات والأرض، واستحق النار، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج] أي: الواضح البين» (^١).\nوللإمام ابن القيم في مدارج السالكين تقسيمٌ بديعٌ للناس في العبادة والاستعانة، نتعرض له بشيء من الإشارة والإيجاز والتصرف اليسير، حيث يبين -﵀-:\nأن الناس في هذين الأصلين وهما العبادة والاستعانة أربعة أقسام -أيضًا-:\nالقسم الأول: خلق لهم عبادة واستعانة:\nوسيأتي بيانه بإذن الله لأن موضوع البحث العبادة والاستعانة.\nالقسم الثاني: خلق لا عبادة لهم ولا استعانة:\nوهم المعرضون عن عبادته والاستعانة به، فلا عبادة لهم ولا استعانة، بل إن سأله أحدهم واستعان به فعلى حظوظه وشهواته، لا على مرضاة ربه وحقوقه.\nالقسم الثالث: خلق لهم عبادة بلا استعانة، وهؤلاء نوعان:\nأحدهما: القدرية القائلون بأنه قد فُعِلَ بالعبد جميع مقدوره من الألطاف، وأنه لم يبق في مقدوره إعانة له على الفعل.\nوثانيهما: من لهم عبادات وأوراد، ولكن حظهم ناقص من التوكل والاستعانة، لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر.\n_________\n(^١) تفسير ابن سعدي (٥/ ١٠٩٣).","vol":"1","page":368},{"text":"القسم الرابع: خلقٌ لهم استعانة بلا عبادة.\nكمن شهد تفرد الله بالنفع والضر، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولم يدر مع ما يحبه ويرضاه، فتوكل عليه، واستعان به على حظوظه وشهواته وأغراضه.\nوالمعني معنا هنا في بحثنا هو القسم الأول، لذا سيُذكرُ بشيء من التفصيل اليسير عن الإمام الهمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- كما أسلفنا، وكما هو في المدارج.\nالقسم الأول: خلق لهم عبادة واستعانة\nأجلها وأفضلها: أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، فعبادة الله غاية مرادهم، وطلبهم منه أن يعينهم عليها، ويوفقهم للقيام بها، ولهذا كان من أفضل ما يسأل الرب ﵎ الإعانة على مرضاته، وهو الذي علمه النبي -ﷺ- لحبه معاذ بن جبل -﵁-، فقال: «يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (^١).\nفأنفع الدعاء طلب العون على مرضاته، وأفضل المواهب إسعافه بهذا المطلوب، وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضاده، وعلى تكميله وتيسير أسبابه، فتأملها.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-: «تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾» (^٢).\nو«الدِّينُ كُلُّهُ يَرْجِعُ إِلَى هاذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَسِرُّ الْخَلْقِ وَالْكُتُبِ وَالشَّرَائِعِ وَالثَّوابِ وَالْعقابِ يَرْجِعُ إِلَى هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ، وَعَلَيهِمَا مَدَارَ الْعُبُودِيَّةِ وَالتَّوْحِيدِ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-260>خامسًا: بيان منزلة الاستعانة من الدين:</span>\nقال ابن القيم -﵀-: «الاستعانة تجمع أصلين: الثقة بالله، والاعتماد عليه، فإن\n_________\n(^١) أبو داود (١٥٢٢) وصححه الألباني.\n(^٢) مدارج السالكين (ص: ١٠١ - وما بعدها)، بتصرف.\n(^٣) المرجع السابق (١/ ١٥٩).","vol":"1","page":369},{"text":"العبد قد يثق بالواحد من الناس وهو مع ذلك لا يعتمد عليه لاستغنائه عنه، وقد يعتمد عليه -مع عدم ثقته به- لحاجته إليه، ولعدم من يقوم مقامه فيحتاج إلى اعتماده عليه، مع أنه غير واثق به، ومثل الاستعانة التوكل إذ هو أيضًا يلتئم من هذين الأصلين (الثقة والاعتماد) وهذان الأصلان وهما: التوكل (الاستعانة) من ناحية والعبادة من ناحية أخرى قد اقترنا في القرآن الكريم في مواضع عديدة منها:\n١ - قوله سبحانه في الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾.\n٢ - وقوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ … فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣].\n٣ - وقول الله تعالى عن شعيب: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود].\n٤ - وقوله سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)﴾ [الرعد].\n٥ - وقوله -عز من قائل- في وصف دعاء المؤمنين ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)﴾ [الممتحنة].\n٦ - وقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ [المزمل: ٨ - ٩].\nفهذه ستة مواضع جمع فيها القرآن الكريم بين الأصلين وهما:\n﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ أي: بين العبادة والاستعانة أو ما في معناها وهو التوكل» (^١).\nقال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله تعالى-: «وأما الاستعانة بالله -﷿- دون غيره من الخلق، فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله -﷿-، فمن أعانه الله، فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى قول: (لا حول ولا قوة إلا بالله) فإن المعنى لا تحول\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٩٧).","vol":"1","page":370},{"text":"للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا بالله، وهذه كلمة عظيمة وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلها في الدنيا وعند الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله -﷿-، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه.\nوفي الحديث الصحيح عن النبي -ﷺ- قال: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز» (^١).\n«ومن ترك الاستعانة بالله، واستعان بغيره، وكله الله إلى من استعان به فصار مخذولًا.\nكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: لا تستعن بغير الله، فيكلك الله إليه.\nومن كلام بعض السلف: يا رب، عجبت لمن يعرفك كيف يرجو غيرك؟! وعجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك؟!» (^٢).\nويُستفاد من كلام ابن رجب -﵀-: أن افتقار العبد وذله لربه واستعانته به استعانة مضطر، إذ لا غنى للعبد عن ربه في جلب النفع ودفع الضر، وهذا الافتقار والذل والاضطرار هو عين العبودية وأسها المتين وهو توحيد الله الذي لا يقبل من خلقه دينًا سواه.\nومما يُعين على تحقيق الاستعانة بالله تعالى أن يعلم العبد مكانة الاستعانة من الدين فهي بمثابة نصف الدين، فنصفه عبودية ونصفه الآخر استعانة، وهذا مصداق قوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، وأمثلة هذا كثير في كتاب الله كما ساق ابن القيم -﵀- ستة مواضع من القرآن الكريم.\nيقول الإمام ابن القيم -﵀-: التَّوَكُّلُ نِصْفُ الدِّينِ، وَالنِّصْفُ الثَّانِي الْإِنَابَةُ، فَإِنَّ\n_________\n(^١) مسلم (٢٦٦٤) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٨٢).","vol":"1","page":371},{"text":"الدِّينَ اسْتِعَانَةٌ وَعِبَادَةٌ، فَالتَّوَكُّلُ هُوَ الِاسْتِعَانَةُ، وَالْإِنَابَةُ هِيَ الْعِبَادَةُ.\nومنزلته: أوسع المنازل وأجمعها، ولا تزال معمورة بالنازلين، لسعة متعلق التوكل، وكثرة حوائج العاملين، وعموم التوكل، ووقوعه من المؤمنين والكفار والأبرار والفجار والطير والوحش والبهائم، فأهل السماوات والأرض -المكلفون وغيرهم- في مقام التوكل وإن تباين متعلق توكلهم.\nفأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في حصول ما عليه في الإيمان، ونصرة دينه، وإعلاء كلمته، وجهاد أعدائه، وفي محابه، وتنفيذ أوامره.\nودون هؤلاء مَن يتوكل عليه في استقامته في نفسه، وحفظ حاله مع الله، فارغًا عن الناس.\nودون هؤلاء من يتوكل عليه في معلوم يناله منه من رزق، أو عافية، أو نصر على عدو، أو زوجة، أو ولد ونحو ذلك.\nودون هؤلاء من يتوكل عليه في حصول الإثم والفواحش؛ فإن أصحاب هذه المطالب لا ينالونها غالبًا إلا باستعانتهم بالله، وتوكلهم عليه، بل قد يكون توكلهم أقوى من توكل كثير من أصحاب الطاعات، ولهذا يلقون أنفسهم في المتالف والمهالك معتمدين على الله أن يسلمهم، ويظفرهم بمطالبهم.\nفأفضل التوكل: التوكل في الواجب؛ أعني: واجب الحق، وواجب الخلق، وواجب النفس.\nوأوسعه وأنفعه: التوكل في التأثير في الخارج في مصلحة دينية، أو في دفع مفسدة دينية، وهو توكل الأنبياء في إقامة دين الله، ودفع فساد المفسدين في الأرض، وهذا توكل ورثتهم.\nثم الناس بعدُ في التوكل على حسب هممهم ومقاصدهم؛ فمن متوكل على الله في حصول الْمُلك، ومن متوكل في حصول رغيف.\nومن صَدَقَ توكلُهُ على الله في حصول شيء ناله، فإن كان محبوبًا له مرضيًّا كانت","vol":"1","page":372},{"text":"له فيه العاقبة المحمودة، وإن كان مسخوطًا مبغوضًا كان ما حصل له بتوكله مضرة عليه، وإن كان مباحًا حصلت له مصلحة التوكل دون مصلحة ما توكل فيه إن لم يستعن به على طاعاته، والله أعلم.\nوكثير من المتوكلين يكون مغبونًا في توكله، وقد توكل حقيقة التوكل، وهو مغبون؛ كمن صرف توكله إلى حاجة جزئية استفرغ فيها قوة توكله، ويُمكنه نيلها بأيسر شيء، وتفريغ قلبه للتوكل في زيادة الإيمان والعلم ونصرة الدين والتأثير في العالم خيرًا، فهذا توكل العاجز القاصر الهمة، كما يصرف بعضهم همته وتوكله ودعاءه إلى وجع يمكن مداواته بأدنى شيء، أو جوع يمكن زواله بنصف رغيف، أو نصف درهم، ويدع صرفه إلى نصرة الدين، وقمع المبتدعين، وزيادة الإيمان، ومصالح المسلمين، والله أعلم» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-261>سادسًا: ثمرات الاستعانة بالله:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «فإذا حصل الاستعانة بالله واستهداؤه ودعاؤه والافتقار إليه أو سلوك الطريق الذي أمر بسلوكها هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)﴾ [النور]» (^٢).\nوبتحقيق الاستعانة يحصل كمال الاهتداء\nكما بين ذلك شيخ الإسلام في قوله: «وحقيقة الأمر أن العبد مفتقر إلى ما يسأله من العلم والهدى، فبذكر الله والافتقار إليه يهديه الله ويدلّه كما قال: «يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم» (^٣).\nوكما كان النبي -ﷺ- يقول: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٥٢١).\n(^٢) الصفدية (١/ ٢٠٥ (.\n(^٣) مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر -﵁-.","vol":"1","page":373},{"text":"والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (^١) (^٢).\nوقال ابن القيم -﵀-: «وإذا عظم المطلوب وأعوزك الرفيق الناصح العليم فارحل بهمتك من بين الأموات وعليك بمعلِّم إبراهيم» (^٣).\nوبقدر تحقيق العبودية والاستعانة يتحقق للعبد السلامة من الآفات المهلكات.\nقال ابن القيم -﵀-: «كثيرًا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تدفع الرياء ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ تدفع الكبر» (^٤).\n«فلا نجاة من مصايد الشيطان ومكايده إلا بدوام الاستعانة بالله، والتعرض لأسباب مرضاته» (^٥).\nوقد «رُوِيَ عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ماذا تصنع إذا سول لك الشيطان الخطايا؟ قال أجاهده، قال هذا يطول، أرأيت إن مررت بغنم فنبحك كلبها، ومنعك من العبور ماذا تصنع؟ قال: أكابده وأرده جهدي قال: هذا يطول عليك، لكن استعن بصاحب الغنم يكفه عنك، إذا أردت التخلص من الشيطان ووسوسته، فاستعن بخالقه يكفه عنك ويحميك» (^٦).\nهذا مثل ضربه ابن الجوزي لتقريب المعنى وتصويره في الذهن، والله تعالى له الْكَمَال الْمُطْلَق الكامل التام مِنْ كُلّ الوَجْوه، قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾ [النحل].\nوعلى قدر استعانة العبد بربه وصدقه في توكله عليه واضطراره والانقياد لأمره\n_________\n(^١) مسلم (٧٧٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٩).\n(^٣) مفتاح دار السعادة (١/ ٣٢).\n(^٤) مدارج السالكين (١/ ٥٤).\n(^٥) إغاثة اللهفان - لابن القيم (١/ ٥).\n(^٦) تلبيس إبليس (٤٨).","vol":"1","page":374},{"text":"والرضا بمقدوره يتحقق له المطلوب، وينال من ربه كل محبوب ومرغوب.\nولقد تم البسط في مبحث العبودية والاستعانة لأسباب من أهمها وأبينها ما يلي:\nأولًا: لعظم ومكانة وقدر العبودية والاستعانة من الدين.\nثانيًا: لأن مدار البحث حول التوحيد ومعالمه في السورة الكريمة، فهو بمثابة المبحث الأم والرئيس الذي تدور في فلكه مباحث تلك الرسالة جمعاء.\nثالثًا: كون العبودية والاستعانة هما أصلا التوحيد وعماده وأساسه المتين، فكان لابد في ذلك من بيان شاف كاف يحسن للناظر فيه أن يقف على معنى تامٍّ شافٍ يقضي فيه وطره الصالح، وقد ارتوى من معينه وارتشف من رحيقه المختوم وكان ختامه مسكًا، ليتحقق له بعد ذلك التنافس الذي ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون في تحقيق العبودية الكاملة التامة، عبادة واستعانة، ذلًّا وافتقارًا، خضوعًا وإنابة وانكسارًا.\nرابعًا: كَثُرَ النقلُ في هذا المبحث الهام عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الهمام ابن القيم الإمام -رحمهما الله تعالى-، لكونهما طبيبي هذا الباب، وقد عنيا بقضية التوحيد وأولاها الاهتمام الأكبر والحظ الأوفر فيما صنفاه وكتباه وورثاه الأمةَ، فجاءت كلماتهما كالبلسم الشافي والعلاج الناجع للأدواء المستعصية والأمراض المزمنة، وقد حوى كلامهما بيانًا لكل جوابٍ كافٍ لأي مسترشد عن دواء شاف، فقد بينا عضال الداء وأرشدا لصالح الدواء، فمن تعاطى الدواء عُوفي من الداء، وسلك درب المتقين وارتقى في مدارج السالكين وحقق العبودية والإيمان وتقلب في نعيم منازل إياك نعبد وإياك نستعين.\nهذا ولعل المتأمل فيما مضى أن يبصر القولَ الواضحَ المبين، الداعي إلى سلوك السبيل المستبين، ليحط بعده رحاله في مدارج السالكين، ويرتقي في منازل إياك نعبد وإياك نستعين.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":375},{"text":"<span data-type='title' id=toc-262>٥ - اشتمال السورة على أعظم المطالب.\n(طلب الهداية للصراط المستقيم ودلاته على التوحيد)</span>\nكما قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-263>أولًا: مفهوم الهداية</span>.\n<span data-type='title' id=toc-264>١ - الهداية لغة:</span>\nقال الراغب -﵀- في المفردات: «الهداية: دلالة بلطف» (^١).\nفإن قيل: كيف جعلت الهداية دلالة بلطف وقد قال تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ [الصافات]؟ قيل: استعمال اللّفظ في ذلك على سبيل التّهكّم مبالغة في المعنى كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ [التوبة: ٣٤].\nوقال الجوهريّ -﵀-: الهدى: الرّشاد والدّلالة؛ يؤنّث ويذكّر، يقال: هداه اللّه للدّين هدًى، والهدى في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [السجدة: ٢٦] أي: لم يبيّن لهم، والهداء مصدر قولك: هديت المرأة إلى زوجها هداء وقد هديت إليه، ويقال: هدى هدي فلان أي: سار سيرته، وفي الحديث: «وَاهْتَدُوا بِهَدْيِ عَمَّارٍ» (^٢)، أي: سيروا سيرته.\nوالتّهادي أن يهدي بعضهم إلى بعض، وفي الحديث: «تهادوا تحابّوا» (^٣).\nوقال ابن منظور -﵀-: «هو من هداه يهديه هدًى وهديًا وهداية وهدية. والهدى: ضدّ\n_________\n(^١) المفردات في غريب القرآن: مادة: هدى (ص: ٥٣٨).\n(^٢) ابن حبان (٦٩٠٢)، وهوفي السلسلة الصحيحة (١٢٣٣) للألباني، والحديث مروي عن جمع من الصحابة -﵃- منهم: عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر.\n(^٣) الترمذي (٢١٣٠)، والبخاري في الأدب المفرد (٥٩٤)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٠٠٤).","vol":"1","page":376},{"text":"الضّلال وهو الرّشاد والبيان، لازم ومتعدّ، يقال: هداه اللّه الطّريق وهي لغة الحجاز. ولغة غيرهم يتعدّى بالحرف فيقال: هداه إلى الطّريق وللطّريق أي: بيّنه له وعرّفه به.\nوهداه اللّه إلى الإيمان وللإيمان أي: أرشده إليه.\nوهُدِيَ هَدْيَ فلانٍ سار سيرته، وهدى فلانًا تقدّمه. وهدى الشّيء تهدية وهو لا يهدّي إلّا أن يُهدى: أي: لا يقدر أن ينتقل عن مكانه إلّا أن ينقلوه.\nومعنى لا يهدّي: لا يهتدي. والهدى: مؤنّث ويذكّر، يقال: هو على الهدى، وسل اللّه الهدى: أي: الدّلالة على الرّشاد. والهدى: النّهار أيضًا» (^١).\nوقال الجرجانيّ: «الهداية الدّلالة على ما يوصّل إلى المطلوب» (^٢).\nوقيل: «هي سلوك طريق يوصّل إلى المطلوب. والملاحظ هنا أنّه أضاف قيد «التّوصيل إلى المطلوب» وحذف قيد «كونها بلطف» وقد جمع المناويّ بين كلّ من الرّاغب والجرجانيّ فقال: الهداية: دلالة بلطف إلى ما يوصّل إلى المطلوب». (^٣)\nولا شك أن في شمولية تعريف المناوي لتعريفي الراغب والجرجاني جميعًا أوضح في دلالة معنى الهداية لغة وأبين في الوصف، و«الدلالة بلطف» تدل على هداية الدلالة والإرشاد، و«الوصول إلى المطلوب» فيها إشارة إلى الهدف المنشود من معرفة الصراط، وهذا متضمن لهداية الإرشاد أيضًا، ومن ثم السير عليه والثبات عليه، وهو متضمن لدلالة التوفيق والإلهام.\n\n<span data-type='title' id=toc-265>٢ - الهداية اصطلاحًا:</span>\nقال أبو البقاء الكفويّ -﵀-: «الهداية هي الدّلالة على طريق من شأنه الإيصال (إلى المطلوب) سواء حصل الوصول بالفعل في وقت الاهتداء أو لم يحصل» (^٤).\n_________\n(^١) مقاييس اللغة لابن فارس (٦/ ٢٤ - ٤٣)، والمفردات للراغب (ص: ٥٤٠).\n(^٢) التعريفات للجرجاني (٢٧٧).\n(^٣) التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (ص: ٣٤٣).\n(^٤) معجم الكليات للكفوي (ص: ٩٥٢).","vol":"1","page":377},{"text":"وتعريف أبي البقاء الكفوي، هو للتعريف اللغوي أقرب منه للتعريف الاصطلاحي، وقد يشملهما جميعًا.\nوقال البغويّ -﵀-: «اهدنا: أرشدنا، وقال عليّ وأبيّ بن كعب -﵄-: ثبّتنا» (^١).\nوتعريف البغوي شمل الهدايتين جميعًا.\nوقال ابن كثير -﵀-: «الهداية: الإرشاد والتّوفيق، وقد تعدّى الهداية بنفسها كما في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، فتضمّن معنى ألهمنا أو وفّقنا أو ارزقنا أو أعطنا. و﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ [البلد] أي: بيّنّا له الخير والشّرّ. وقد تعدّى بـ (إلى) كما في قوله تعالى: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)﴾ [النحل]، وذلك بمعنى الإرشاد والدّلالة. وقد تعدّى باللّام كقول أهل الجنّة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣] أي: وفّقنا وجعلنا له أهلًا» (^٢).\nوقال ابن القيّم -﵀-: «الهداية: هي البيان والدّلالة، ثمّ التّوفيق والإلهام، وهو بعد البيان والدّلالة.\nولا سبيل إلى البيان والدّلالة إلّا من جهة الرّسل، فإذا حصل البيان والدّلالة والتّعريف، ترتّب عليه هداية التّوفيق» (^٣).\nوتعريف كلٍّ من ابن كثير، وابن القيم -رحمهما الله تعالى- قد بينا فيه نوعي الهداية، هداية الدّلالة والإرشاد، وهداية التّوفيق والإلهام، وقد تم بيان الهدايتين ومعنيهما في أكثر من موضوع في ثنايا البحث، وكذلك سبق التعريف بالصراط: لغة وشرعًا (^٤).\n_________\n(^١) معالم التنزيل للبغوي (١/ ٤١).\n(^٢) تفسير ابن كثير (١/ ٢٩). وينظر: عمدة التفسير (ص: ٨٠).\n(^٣) بدائع التفسير (١/ ١١٦).\n(^٤) منها: ما جاء في المبحث الخامس من الفصل الثاني الموسوم: بـ (المعنى الإجمالي للسورة الكريمة، عند معنى قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾.","vol":"1","page":378},{"text":"<span data-type='title' id=toc-266>ثانيًا: بيان أنواع الهداية</span>.\nولا بأس هنا بذكر بعض معاني الهداية وتقسيمها بمعنى أشمل وأوسع وأكمل وأدل كما ذكر ذلك صاحب بصائر ذوي التميز.\nيقول الفيروز آبادي -﵀-: «وهداية الله تعالى للإنسان على أربعة أضرب.\nالأوّل: الهداية الّتي عمّ بها كلّ مكلّف من العقل والفطنة والمعارف الضّروريّة، بل عمّ بها كلّ شيء حسب احتماله، قال تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه].\nالثّاني: الهداية الّتي جعلت للنّاس بدعائه إيّاهم على ألسنة الأنبياء وإنزال القرآن ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣].\nالثّالث: التّوفيق الّذي يختصّ به من اهتدى، وهو المعنيّ بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١].\nالرّابع: الهداية في الآخرة إلى الجنّة، وهو المعنيّ بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣].\nوهذه الهدايات الأربع مترتّبة. فإنّ من لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثّانية، بل لا يصحّ تكليفه. ومن لم تحصل له الثّانية لا تحصل له الثّالثة والرّابعة.\nوالإنسان لا يقدر أن يهدي أحدًا إلّا بالدّعاء وتعريف الطّرق دون سائر الهدايات، وإلى الأوّل أشار بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى]، وبقوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ [الرعد] أي: راع، وإلى سائر الهدايات أشار بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]. وكلّ هداية ذكر الله تعالى أنّه منع الكافرين والظّالمين فهي الهداية الثّالثة، الّتي هي التّوفيق الّذي يختصّ به المهتدون.\nوالرّابعة الّتي هي الثّواب في الآخرة، وإدخال الجنّة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦] إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ","vol":"1","page":379},{"text":"الظَّالِمِينَ (٥)﴾ [الجمعة]» (^١).\nوبهذا التعريف الشامل لضروب الهداية وأقسامها ومعانيها للفيروزآبادي، يُختم مبحثُ التعريف بالهداية بمعنييها اللغوي والاصطلاحي.\n\n<span data-type='title' id=toc-267>ثالثًا: بيان أن مطلب الهداية هو أعظم وأجل المطالب:</span>\nوالدعاء في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ هو أعظم وأجل وأعز المطالب، وقد قدم العبد بين يديه حمدًا لربه وثناءً عليه وتمجيًدا وتعظيمًا وذلًّا وخضوعًا، مقرًا له بالربوبية والألوهية مثنيًا عليه سبحانه بأسمائه وصفاته.\nوفي ذلك يقول ابن القيم -﵀-: «وَلَمَّا كَانَ سُؤَالُ اللَّهِ الْهِدَايَةَ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ أَجَلَّ الْمَطَالِبِ، وَنَيْلُهُ أَشْرَفَ الْمَوَاهِبِ: عَلَّمَ اللَّهُ عِبَادَهُ كَيْفِيَّةَ سُؤَالِهِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْهِ حَمْدَهُ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ، وَتَمْجِيدَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ عُبُودِيَّتَهُمْ وَتَوْحِيدَهُمْ، فَهَاتَانِ وَسِيلَتَانِ إِلَى مَطْلُوبِهِمْ، تَوَسُّلٌ إِلَيْهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَتَوَسُّلٌ إِلَيْهِ بِعُبُودِيَّتِهِ، وَهَاتَانِ الْوَسِيلَتَانِ لَا يَكَادُ يُرَدُّ مَعَهُمَا الدُّعَاءُ» (^٢).\nثم يقول -﵀-: «وَقَدْ جَمَعَتِ الْفَاتِحَةُ الْوَسِيلَتَيْنِ، وَهُمَا التَّوَسُّلُ بِالْحَمْدِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَتَمْجِيدِهِ، وَالتَّوَسُّلُ إِلَيْهِ بِعُبُودِيَّتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، ثُمَّ جَاءَ سُؤَالُ أَهَمِّ الْمَطَالِبِ، وَأَنْجَحِ الرَّغَائِبِ وَهُوَ الْهِدَايَةُ بَعْدَ الْوَسِيلَتَيْنِ، فَالدَّاعِي بِهِ حَقِيقٌ بِالْإِجَابَةِ» (^٣).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: و«أَنْفَعُ الدُّعَاءِ وَأَعْظَمُهُ وَأَحْكَمُهُ: دُعَاءَ الْفَاتِحَةِ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ فَإِنَّهُ إذَا هَدَاهُ هَذَا الصِّرَاطَ: أَعَانَهُ عَلَى طَاعَتِهِ وَتَرْكِ مَعْصِيَتِهِ. فَلَمْ يُصِبْهُ شَرٌّ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ» (^٤).\n_________\n(^١) بصائر ذوي التمييز (٥/ ٣١٣ - ٤١٣). وينظر: نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (٩/ ٥٦٧).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٤٧).\n(^٣) المرجع السابق (١/ ٤٨).\n(^٤) مجموع الفتاوي (: ٣٢٠/ ١٤).","vol":"1","page":380},{"text":"وهو: «دُعَاءٌ وَرَغْبَةٌ مِنَ الْمَرْبُوبِ إِلَى الرَّبِّ، وَالْمَعْنَى: دُلَّنَا عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَأَرْشِدْنَا إِلَيْهِ، وَأَرِنَا طَرِيقَ هِدَايَتِكَ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى أُنْسِكَ وَقُرْبِكَ» (^١).\n«وَذَكَرَ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ مُفْرَدًا مُعَرَّفًا تَعْرِيفَيْنِ: تَعْرِيفًا بِاللَّامِ، وَتَعْرِيفًا بِالْإِضَافَةِ، وَذَلِكَ يُفِيدُ تَعَيُّنَهُ وَاخْتِصَاصَهُ، وَأَنَّهُ صِرَاطٌ وَاحِدٌ، وَأَمَّا طُرُقُ أَهْلِ الْغَضَبِ وَالضَّلَالِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَجْمَعُهَا وَيُفْرِدُهَا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] فَوَحَّدَ لَفْظَ الصِّرَاطِ وَسَبِيلِهِ، وَجَمَعَ السُّبُلَ الْمُخَالِفَةَ لَهُ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ -﵁-: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَطًّا، وَقَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ»، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، وَقَالَ: «هَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ»، ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام]. (^٢) وَهَذَا لِأَنَّ الطَّرِيقَ الْمُوَّصِلَ إِلَى اللَّهِ وَاحِدٌ، وَهُوَ مَا بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، لَا يَصِلُ إِلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَلَوْ أَتَى النَّاسُ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ، وَاسْتَفْتَحُوا مِنْ كُلِّ بَابٍ، فَالطُّرُقُ عَلَيْهِمْ مَسْدُودَةٌ، وَالْأَبْوَابُ عَلَيْهِمْ مُغَلَّقَةٌ إِلَّا مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ الْوَاحِدِ، فَإِنَّهُ مُتَّصِلٌ بِاللَّهِ، مُوَصِّلٌ إِلَى اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)﴾ [الحجر]، قَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ صِرَاطٌ إِلَيَّ مُسْتَقِيمٌ» (^٣).\nو«المقصود أنَّ طريق الحقِّ واحدٌ: إذْ مردَّه إلى الله الملك الحقِّ، وطُرق الباطل مُتشعِّبة مُتعدِّدة، فإنَّها لا ترجع إلى شيءٍ موجود، ولا غاية لها يوصَّل إليها، بل هي\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١/ ١٤٧)\n(^٢) الترمذي (٢٤٥٤)، والحاكم (٢/ ٣١٨)، وابن حبان (٦)، والبزار (٥/ ٢٥١).\nوصححه الألباني تخريج مشكاة المصابيح (١٦٥)، وقال الوادعي في الصحيح المسند (٨٤٨): حسن.\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ٣٧).","vol":"1","page":381},{"text":"بمنزلة بُنيَّات الطَّريق، وطريقُ الحقِّ بمنزلة الطَّريق الموصَّل إلى المقصود، فهي وإنْ تنوَّعت فأصلها طريقٌ واحدٌ» (^١).\n«فَبِهَذَا الطَّرِيقِ الْمُجْمَلِ-الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم- يُعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا خَالَفَهُ فَبَاطِلٌ، وَهُوَ\nمِنْ صِرَاطِ الْأُمَّتَيْنِ: الْأُمَّةِ الْغَضَبِيَّةِ، وَأُمَّةِ أَهْلِ الضَّلَالِ، أي: اليهود والنصارى» (^٢).\nومن فوائد الآية: «بَيَان أَن العَبْد لَا سَبِيل لَهُ إِلَى سعادته إِلَّا باستقامته على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَأَنه لَا سَبِيل لَهُ إِلَى الاسْتقَامَة إِلَّا بهداية ربه لَهُ كَمَا لَا سَبِيل لَهُ إِلَى عِبَادَته بمعونته فَلَا سَبِيل لَهُ إِلَى الاسْتقَامَة على الصِّرَاط إِلَّا بهدايته.\nفأول السورة رحمة، وأوسطها هداية، وآخرها نعمة .. وحظ العبد من النعمة على قدر حظه من الهداية، وحظه منها على قدر حظه من الرحمة» (^٣).\nوالعباد مفتقرون مضطرون لهداية ربهم لهم، وقد امتن عليهم خالُقُهم وأكرمهم بالوقوف بين يديه لأداء الصلوات المفروضة.\nفي أعظم مشهد من مشاهد العبودية بعد أن تطهروا باطنًا وظاهرًا وقصدوا أطهر البقاع وهي المساجد، واستقبلوا أشرف وجهة وهي القبلة، قاصدين بقلوبهم ووجوههم وأبدانهم أشرف مكان وهو البيت العتيق في مكة المكرمة وهي خير البقاع، واقفين في مشهد الذل والخضوع والخشوع والاخبات، مفتتحين صلاتهم بالتكبير والتعظيم والإجلال لربهم، مستهلين فاتحة كتابه المجيد بالحمد والثناء والتمجيد، مقرين لخالقهم بالعبودية والتوحيد، كل ذلك تقدُمَة وزلفى ليسألوا ربهم أعظم مسألة وأجل مطلوب ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، وحق لهم ذلك، فبتحقيق مطلبهم تُنال السعادةُ الأبديةُ التي تهوى إليها نفوس أهل الإيمان، وتشتاق وتطلع إليها قلوب أهل العرفان لينالوا من ربهم الرحمة والرضوان، يقول ربنا الكريم المنان: ﴿﵃\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (١/ ١٢٧).\n(^٢) المرجع السابق (١/ ٨١).\n(^٣) الفوائد لابن القيم (ص: ١٩).","vol":"1","page":382},{"text":"وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة]، ولينالوا العتق من النيران ويفوزوا بسكنى الجنان، كما قال ربنا الرحمن: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥].\nوفي نحو ذلك يقول النبي -ﷺ- فيما يرويه عن ربه ﵎: «يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَنْ هَدَيْته، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ» (^١).\nولهذا الحديث منزلة عظيمة:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «هذا الحديث شريف القدر، عظيم المنزلة؛ ولهذا كان الإمام أحمد يقول: هو أشرف حديث لأهل الشام، وكان أبو إدريس الخولاني إذا حدَّث به جثا على ركبتيه» (^٢).\nقال الفشني -﵀-: «هو حديث عظيم ربانيّ، مشتمل على فوائد عظيمة في أصول الدين وفروعه، وآدابه، ولطائف القلوب» (^٣) والـ «ضال» هو التائه عن السبيل السوي والطريق المستقيم، والضلالة تكون في العلم، وتكون في العمل، وتكون فيهما معًا «إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ» أي: للعلم النافع والعمل الصالح، ومنعت عنه أسباب الضلالة والغواية كلها، (فاستهدوني)؛ أي: اطلبوا مني لا من غيري، وألحوا عليَّ في طلب الهداية، (أهدِكم) أي: أدلكم على سبل السلام وطرق الرشاد والنجاة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.\nو(أهدِكم) هو جواب الأمر السابق، وهو مشابه لقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، فقوله: ﴿ادْعُونِي﴾ الأمر، وجوابه قوله: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.\nيقول ابن رجب -﵀- في تعليقه على حديث أبي ذر -﵁-: «وهذا يقتضي أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله -تعالى- في جلب مصالحهم، ودفع مضارهم في أمور دينهم ودنياهم، وأن العباد لا يملكون لأنفسهم شيئًا من ذلك كله، وأن من لم يتفضل الله عليه\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٢٥٧٧)، من حديث أبي ذر الغفاري -﵁-.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٥٦).\n(^٣) المجالس السنية (١٥٢)، والأذكار للنووي (٥١٧).","vol":"1","page":383},{"text":"بالهدى والرزق، فإنّه يحرمهما في الدنيا، ومن لم يتفضل الله عليه بمغفرة ذنوبه، أوبقته خطاياه في الآخرة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-268>رابعًا: بيان أسباب الهداية ودلالتها على التوحيد</span>.\nومن دلائل طلب الهداية على التوحيد أن فتح الله لعباده أبواب الهداية وهيأ لهم أسبابها، فما كان منها من الله فهو من دلائل ربوبيته، وما كان منها من العبد من تحقيق أسباب الهداية من الإيمان والأعمال الصالحة فهو من دلائل ألوهيته.\nوللهداية والثبات عليها أسباب كثيرة، من أهمها وأبينها ما يلي:\n١ - تحقيق التوحيد المنافي للشرك بالله تعالى، قال ربنا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام].\nفهذا وعدٌ من الله تعالى بالهداية لأهل التوحيد، وأهل التوحيد هم «الذين صدقوا الله وأخلصوا له العبادة، ولم يخلطوا عبادتهم إياه وتصديقهم له بظلم يعني: بشرك ولم يشركوا في عبادته شيئًا، ثم جعلوا عبادتهم لله خالصة» (^٢).\nوعَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -﵁- قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: «لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ ﴿لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ بِشِرْكٍ، أَوَ لَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ … لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾» [لقمان] (^٣).\nوقال سبحانه مبينًا أن الإقرار له بالتوحيد هو سبب الهداية إلى الصراط المستقيم: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ … مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٧ - ٣٨).\n(^٢) الطبري (١١/ ٤٩٣).\n(^٣) البخاري (٣٢)، ومسلم (١٢٤).","vol":"1","page":384},{"text":"وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [يس ٦٠ - ٦١]، وقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾ [آل عمران] أي: «عبادة الله وتوحيده» (^١).\n٢ - تحقيق الإيمان عقيدة وقولًا وعملًا: كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)﴾ [يونس].\n«هذا إخبار عن حال السعداء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وامتثلوا ما أمروا به، فعملوا الصالحات، بأنه سيهديهم بإيمانه، ويحتمل أن تكون «الباء» هاهنا سببية فتقديره: بسبب إيمانهم» (^٢).\n٣ - تحقيق المتابعة للسنة المنافي للبدعة، ويتمثل ذلك في الاهتداء بهدي النبي -ﷺ-، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].\nقال الإمام أحمد -﵀-: «إذا لم نقرّ بما جاء عن النبي -ﷺ- رددنا على الله أمره، قال الله -﷿-: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾» (^٣).\nوقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، أي: «فيما يأمركم وينهاكم -ترشدوا وتصيبوا الحق في أموركم» (^٤).\n٤ - إجلال الله تعالى بتعظيم أوامره وامتثالها، وترك نواهيه واجتنابها.\nكما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ [النساء ٦٦ - ٦٨].\n_________\n(^١) فتح القدير للشوكاني (١/ ١٢٣٠).\n(^٢) ابن كثير (٤/ ٢٥٠).\n(^٣) الإبانة لابن بطة (٣/ ٥٩).\n(^٤) الطبري (١٩/ ٢٠٧).","vol":"1","page":385},{"text":"أي: «ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به وتركوا ما يُنهون عنه لكان خيرًا لهم أي: من مخالفة الأمر وارتكاب النهي، ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾: أي: «وأشد تصديقًا» (^١)، ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا، ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾: يعني: الجنة، ولهديناهم صراطًا مستقيمًا أي: في الدنيا والآخرة» (^٢).\n٥ - لزوم طاعة الله وأداء فرائضه.\nقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة] وعسى تفيد الرجاء، وهي من الله الكريم المنان واجبة الوقوع.\n\n<span data-type='title' id=toc-269>خامسًا: بيان طريق الهداية</span>\nوالهداية إنما تكون للإسلام والسنة:\nوحقيقة الهداية إنما تكون هداية للإسلام، هداية للاعتصام بالكتاب والسنة والتمسك بهما وفهمهما بفهم السلف الصالح من الصحابة -﵃- والتابعين وتابعي التابعين، عقيدة ومنهاجًا وشريعة وأخلاقًا، علمًا وفهمًا وعملًا، وهو طريق الفرقة الناجية والطائفة المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة.\nوالهداية لهذا السبيل، هي الهداية لسبيل النجاة والتي لا يوفق لها إلا من أحبه الله واصطفاه واجتباه من عباده الأخيار الأطهار.\nقال قتادة: «ما أدري أيُّ النعمتين عليّ أعظم إذ أخرجني من الشرك إلى الإسلام، أو عصمني في الإسلام أن يكون لي فيه هوًى؟!» (^٣).\nوعن مجاهد قال: «ما أدري أيُّ النعمتين عليّ أعظم، أن هداني للإسلام، أو عافاني\n_________\n(^١) قاله السدي.\n(^٢) ابن كثير (٢/ ٣٥٥).\n(^٣) الطبقات لابن سعد (٧/ ١١٣)، شرح أصول الاعتقاد (ص: ٣٣٠).","vol":"1","page":386},{"text":"الله من الأهواء؟!» (^١).\nولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «شعار أهل البدع ترك انتحال اتباع السلف» (^٢).\nوالعبد مفتقر إلى الهداية في كل حين وآن مهما علا شأن عبوديته واستقامته.\nوفي هذا الصدد يقول ابن القيم: «ولذلك اشتدت حاجة العبد، بل ضرورته إلى أن يسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم، فليس العبد أحوج إلى شيء منه إلى هذه الدعوة، وليس شيء أنفع له منها. فإن الصراط المستقيم يتضمن علومًا وإرادات وأعمالًا وتروكًا ظاهرة وباطنة تجري عليه كل وقت، فتفاصيل الصراط المستقيم قد يعلمها العبد وقد لا يعلمها، وقد يكون ما لا يعلمه أكثر مما يعلمه، وما يعلمه قد يقدر عليه وقد لا يقدر عليه، وهو من الصراط المستقيم وإن عجز عنه .. وما يقدر عليه قد لا تريده (أي: نفسه) كسلًا وتهاونًا، أو لقيام مانع وغير ذلك .. وما تريده قد يفعله وقد لا يفعله .. وما يفعله قد يقوم بشروط الإخلاص وقد لا يقوم .. وما يقوم فيه بشروط الإخلاص قد يقوم فيه بكمال المتابعة وقد لا يقوم .. وما يقوم فيه بالمتابعة قد يثبت عليه وقد يصرف قلبه عنه .. وهذا كله واقع سارٍ في الخلق، فمستقلٌ ومستكثر» (^٣).\nو«الحاجة إلى الهدى أعظم من الحاجة إلى النصر والرزق، بل لا نسبة بينهما؛ لأنه إذا هُدِيَ كان من المتقين ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، وكان ممن ينصر الله ورسوله، ومن نصر الله نصره الله، وكان من جند الله، وهم الغالبون؛ ولهذا كان هذا الدعاء هو المفروض» (^٤).\n«وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار،\n_________\n(^١) مقدمة سنن الدارمي (١/ ٩٢)، وأصول السنة لابن أبي زمنين (ص: ٢٣٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ١٥٥).\n(^٣) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (٢/ ١٤٥ - ١٤٦).\n(^٤) الجامع لكلام ابن تيمية في التفسير جمع وتحقيق (إياد القيسي) (١/ ١١٦).","vol":"1","page":387},{"text":"يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط، فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالطّرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشدّ الركاب، ومنهم من يسعى سعيًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المخدوش المسلّم، ومنهم المكردس في النار (^١).\nفلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا، حذو القذّة بالقذة جزاء وفاقًا ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾» [النمل]» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-270>سادسًا: طلب الهداية للصراط المستقيم ودلالته على التوحيد:</span>\nكما قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾.\nفـ «الصراط المستقيم، هو الطريق الذي نصبه الله لعباده على ألسنة رسله وجعله موصلًا لعباده إليه ولا طريق لهم سواه وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسله بالطاعة وهو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله … وهذا هو الهدى ودين الحق وهو معرفة الحق والعمل به وهو معرفة ما بعث الله به رسله والقيام به» (^٣).\nولقد دلت الآية الكريمة على دعاء شأنه كبير وجليل، والدعاء عمومًا شأنه عند الله عظيم، وأجره كبير، وثواب جزيل، وإن من أجل مقاصده إظهار الافتقار والتبرؤ من الحول والقوة والحيلة، وإظهار ضعف العبد وذلته لربه واستكانته، وبيان اضطراره في سؤاله وحاجته، قال ربنا: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل].\n_________\n(^١) يشير -﵀- إلى أحاديث المرور على الصراط، ومنها: حديث أبي سعيد الخدري -﵁-، أخرجه البخاري (٢٢)، ومسلم (١٨٣).\n(^٢) بدائع التفسير (١/ ٣٥).\n(^٣) بدائع الفوائد لابن القيم (٢/ ٤٠).","vol":"1","page":388},{"text":"أي: «من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه» (^١). ومنزلة ومقام الدعاء من أعلى مقامات ومنازل العبودية، ومن أجلِّ وأزكى العبادات؛ لما فيه من إظهار أعظم معاني العبودية والذلة لله تعالى والرغبة في كرمه وواسع جوده وفضله، والطمع في رحمته والابتهال إليه بالعبودية والاستعانة والتضرع إليه بالسؤال، وهو مع ذلك كله عبادة من أجل وأعظم العبادات وطاعة من أفضل الطاعات وقربى من أزكى القربات.\nكما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة].\nومن مقاصده الجليلة أيضًا: وجوب تقديم الحمد لله تعالى بكل أنواع المحامد، والثناء عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وتمجيده بكل مجد وتعظيم ووصف حسن وثناء جميل بين يدي الدعاء، وهذا أيضًا مقصد من مقاصد العبودية ومن مقاصد توحيد الله بأسمائه وصفاته ودلالته عليه، يقول ربنا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا … يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف].\nوالأسماء الحسنى: هي الأسماء التي بلغت في غاية في الحسن، ومعنى ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾: أي: فاسألوه بها وتوسلوا بها إليه، وسواء كان ذلك دعاء عبادة أو دعاء مسألة، ووجه ذلك أن يتوسل العبد إلى الله بأسمائه وصفاته بما يقتضي المقام، فيقول مثلًا: يا رحمن ارحمني، ويا رزاق ارزقني، ويا كريم أكرمني، ويا تواب تب علي، ونحو ذلك.\nوفي الآية: «أمر بإخلاص العبادة لله، ومجانبة المشركين والملحدين.\nقال مقاتل وغيره من المفسرين: نزلت الآية في رجل من المسلمين، كان يقول في صلاته: يا رحمن يا رحيم، فقال رجل من مشركي مكة أليس يزعم محمدٌ وأصحابهُ\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٦/ ٢٠٤).","vol":"1","page":389},{"text":"أنهم يعبدون ربًّا واحدًا، فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟ فأنزل الله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ﴾» (^١).\nوكذلك فإن من أعظم الدلائل على التوحيد الدعاء، ففيه أعظم مظاهر الذل والافتقار إلى الله تعالى، وبه تتحقق عبودية العبد لربه ويتحقق له نفي الشرك والاستكبار، يقول ربنا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر].\nأي: «اعْبُدُونِي وَأَخْلِصُوا لِي الْعِبَادَةَ دُونَ مَنْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِي مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، أُجِبْ دُعَاءَكُمْ فَأَعْفُو عَنْكُمْ وَأَرْحَمُكُمْ» (^٢).\nومن هنا يتبين أن دعاءَ العبدِ ربه وسؤاله والتوجه إليه سبحانه وترك سؤال غيره من المخلوقين؛ يدل على توحيد العبد ربه وإفراده بالألوهية وقد دل على ذلك أيضًا حديث النُّعمان بن بَشِير -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: «إن الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر]» (^٣).\nومما سبق يتبين دلالة الدعاء على التوحيد ومنه طلب الهداية إلى الصراط المستقيم:\n١ - وإن طلب الهداية للصراط من أعظم دلائل التوحيد التي يجب أن يُفرِدَ العبدُ بها ربَهُ ويُلح عليه في سؤاله ودعائه، فهو يجلي ضعف العبد وصدق لجوئه إلى خالقه وتعلّقه بربه واضطراره إلى هداه، إذ ليس له من يجيبه ويهديه سواه، وهذا من أعظم الدلائل على تعلق طلب الهداية بالتوحيد.\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٧/ ٢٩١).\n(^٢) تفسير الطبري (٢١/ ٤٠٧).\n(^٣) أبو داود (١٤٧٩)، والترمذي (٢٩٦٩)، والنسائي في الكبرى (١١٤٠٠)، وابن حبان (٨٩٠). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١٣٢٩).","vol":"1","page":390},{"text":"٢ - ومن دلائل طلب الهداية على التوحيد كذلك.\nسؤال العبد ربه الهداية في كل صلاة فرضًا كانت أم نفلًا، وذلك في كل ركعة من ركعات الصلاة، بل وفي غير الصلاة أيضًا، كل ذلك لا يدل على التوحيد فحسب، بل يدل على كماله وتمامه وتقلب العبد في تلك المنازل العالية آناء الليل وأطراف النهار، وفي كل أحواله وأطواره.\n٣ - ومن دلالة طلب الهداية على التوحيد استجابة العبد لأمر ربه في طلبها ليل نهار بل في الثبات عليها وعدم الحيد عنها وعن طريقها وسبيلها تعالى في وصف دعاء المؤمنين الراسخين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران].\nأي: «لا تَمِلها عن الحق والهدى كما أزغت قلوب الذين في قلوبهم زيغ» (^١).\n٤ - ومن دلائل طلب الهداية على التوحيد.\nأن العبد مفتقر إلى ربه في كل أحواله فهو لا حول ولا قوة له إلا بمعونة ربه وتوفيقه، فلا يملك هذا العبد الفقير الضعيف لنفسه نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، فأمره ربهُ تعالى أن يسأله في كل وقت وحين أن يهديه صراطه المستقيم ويثبته عليه ويبصره به ويستديمه على الثبات عليه ويزيده ثباتًا وهداية ويزيده من ذلك كله وألا يزيغه عنه أبدًا.\n٥ - ومن دلائل طلب الهداية على التوحيد.\nأن الاستمرار في طلب الهداية إشارة إلى فقر العبد الدائم الذي لا ينفك عنه بحال من الأحوال ما دام في دار التكليف، قال ربنا: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر].\nوهذه الآية الكريمة إنما وردت في ختام سورة الحجر، خاتمة لجمع من وصايا\n_________\n(^١) تفسير البغوي (٢/ ١٢).","vol":"1","page":391},{"text":"كريمة أوصى الله تعالى بها نبيه -ﷺ-، ومن تلك الوصايا أن يعبد ربه حتى يأتيه اليقين.\n«واليقين هو الموت: وهو مروي عن جمع من السلف منهم: سالم بن عبد الله بن عمر، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم» (^١).\nوفيها الأمر بالإقامة على العِبادة إلى الممات\nوقال الحسن البصري -﵀-: «يا قوم، المداومةَ المداومةَ، فإن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلًا دون الموت» (^٢).\nفلم يجعل الله في الآية الكريمة منتهى للعبودية دون الموت، لم يجعل لها حدًّا محدودًا ولا زمنًا موقوتًا، ولم يحدها كذلك بمكان ولا بكم محدود من العمل، والواجب في حق العبد القيام بحق العبودية ما دام حيًّا، قال الله في حق عيسى بن مريم: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾ [مريم]. أي: مدة دوامي حيًّا.\nفليس للعبد حد في العبادة إذا وصل إليها توقف عنها واكتفى بها، وإنما جعلت العبادة والتكليف بها واجبة عليه حتى الموت، إذ ليس لعمل المؤمن منتهى دون الموت.\nولقد امتثل النبي -ﷺ- أمر ربه وعبده حتى أتاه اليقين، وداوم على عبوديته في كل أحواله وكان إذا عمل عملًا أثبته ودوام عليه، كما وصفت عائشة -﵂- عمله -ﷺ- فقالت: «كان عمله ديمة» (^٣).\nوالديمة في كلام العرب تطلق على المطر إذا استمر نزوله فترة طويلة» (^٤).\nووفي رواية عند مسلم -أيضًا- من حديث عَائِشَةَ -﵂-، أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَصِيرٌ، وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُصَلِّي فِيهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ،\n_________\n(^١) تفسير أضواء البيان للشنقيطي (٢/ ٣٢٤).\n(^٢) المحجة في سير الدلجة (ص ٧١).\n(^٣) البخاري (١٩٨٧)، ومسلم (٧٨٣).\n(^٤) فتح الباري (١١/ ٣٠٥).","vol":"1","page":392},{"text":"وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، فَثَابُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّ». وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ -ﷺ- إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا أَثْبَتُوهُ» (^١).\n٦ - ومن دلائل طلب الهداية على التوحيد.\nأنَّ الهدايةَ إليه متعلقةٌ بمشيئة الله تعالى، وهذا مما يفيد وجوب توحيد العبد ربه وتعلُّقَه به وحده، ورجاءه وسؤالَه الهداية إلى صراطه المستقيم، وعدم الالتفات لأحد من خلقه، لأن الهداية بيده تعالى لا بيد أحد سواه، فتوكل العبد على ربه رجاء هدايته من أعظم الدلائل على تعلق طلب الهداية بالتوحيد.\nكما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [البقرة].\nفمشيئة الهداية مردها ومرجعها إلى الله وحده الذي يُوجِبُ على العبد تعلقه في طلبها بربه ولا يتعلق بأحد سواه، تعالى في عموم مشيئته: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير]؛ أي: فمشيئته في خلقه نافذةٌ، لا مرد لها ولا يمكن أنْ تُعارَض من مخلوق، أو تُمانَع من عبد.\nولعل في هذا البيان كفاية لمن أراد الهداية وتحقيق تلك الغاية.\nوالحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) البخاري (٧٣٠)، ومسلم (٧٣٨).","vol":"1","page":393},{"text":"<span data-type='title' id=toc-271>٦ - أبرز صفات الطوائف الثلاث المذكورة في السورة الكريمة\n(المنعم عليهم-المغضوب عليهم- الضالين)</span>\nكما قال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.\nورد في الآية الكريمة ثلاث طوائف:\nالطائفة الأولى: المنعم عليهم.\nالطائفة الثانية: المغضوب عليهم.\nالطائفة الثالثة: الضالون.\n\n<span data-type='title' id=toc-272>أولًا: التعريف بالطوائف الثلاث إجمالًا</span>.\nيعرف الفخر الرازي الطوائف الثلاث فيقول: «دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفِينَ ثَلَاثُ فِرَقٍ: أَهْلُ الطَّاعَةِ، وَإِلَيْهِمُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وَأَهْلُ الْمَعْصِيَةِ، وَإِلَيْهِمُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وَأَهْلُ الْجَهْلِ فِي دِينِ اللَّهِ وَالْكُفْرِ، وَإِلَيْهِمُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾» (^١).\nويُجَلي شيخ الإسلام ابن تيمية أوصافهم فيقول -﵀-: «وَالْمُسْلِمُونَ جَمَعُوا بَيْنَ الْعِلْمِ النَّافِعِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، بَيْنَ الزَّكَا وَالذَّكَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، فَالْهُدَى يَتَضَمَّنُ الْعِلْمَ النَّافِعَ، وَدِينُ الْحَقِّ يَتَضَمَّنُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَالظُّهُورُ يَكُونُ بِالْعِلْمِ وَاللِّسَانِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ حَقٌّ وَهُدًى، وَيَكُونُ بِالْيَدِ وَالسِّلَاحِ لِيَكُونَ مَنْصُورًا مُؤَيَّدًا، وَاللَّهُ أَظْهَرُهُ هَذَا الظُّهُورَ فَهُمْ أَهْلُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، صِرَاطِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ\n_________\n(^١) فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ): مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (ص ٢٢٣).","vol":"1","page":394},{"text":"أُولَئِكَ رَفِيقًا، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَلَا يَعْمَلُونَ بِهِ، كَالْيَهُودِ، وَلَا الضَّالِّينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ وَيَعْبُدُونَ وَيَزْهَدُونَ بِلَا عِلْمٍ كَالنَّصَارَى» (^١).\nويقول ابن القيم -﵀-: لقد «انْقَسَمَ النَّاسُ بِحَسَبِ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِهِ إِلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْحَقِّ، وَإِمَّا جَاهِلًا بِهِ، وَالْعَالِمُ بِالْحَقِّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَامِلًا بِمُوجَبِهِ أَوْ مُخَالِفًا لَهُ، فَهَذِهِ أَقْسَامُ الْمُكَلَّفِينَ لَا يَخْرُجُونَ عَنْهَا الْبَتَّةَ، فَالْعَالِمُ بِالْحَقِّ الْعَامِلُ بِهِ هُوَ الْمُنْعَمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي زَكَّى نَفْسَهُ بِالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَهُوَ الْمُفْلِحُ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ [الشمس] وَالْعَالِمُ بِهِ الْمُتَّبِعُ هَوَاهُ هُوَ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِ، وَالْجَاهِلُ بِالْحَقِّ هُوَ الضَّالُّ، وَالْمَغْضُوبُ عَلَيْهِ ضَالٌّ عَنْ هِدَايَةِ الْعَمَلِ، وَالضَّالُّ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ لِضَلَالِهِ عَنِ الْعِلْمِ الْمُوجِبِ لِلْعَمَلِ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا ضَالٌّ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ تَارِكَ الْعَمَلِ بِالْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِهِ أَوْلَى بِوَصْفِ الْغَضَبِ وَأَحَقُّ بِهِ» (^٢).\nويعرف ابن سعدي -﵀- الطوائف الثلاث فيقول: «﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.\n﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بالنِّعمة التّامَّة المُتَّصِلة بالسَّعادة الأبدية، وهُم الأنبياء والصِّديقون والشُّهداء والصّالحون، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وهُم الذين عرفوا الحق وتركوه، كاليهود ونحوهم، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ الذين ضلّوا عن الحق، كالنَّصارى ونحوهم» (^٣).\nويوضح ابن عاشور -﵀- المراد بكل طائفة من الطوائف الثلاث فيقول: «﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ليس مرادًا به فريق معين، و﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: جنس للْفِرَق الَّتِي تَعَمّدت ذَلِك، واستخفت بالدِّيانة عَن عَمْد أَو تَأْوِيل بعيد جدًّا، و﴿الضَّالِّينَ (٧)﴾: جنس للْفِرَق الَّتِي أَخْطَأت الدَّين عَن سوء فهم وَقلة إصغاء، وكلا الْفَرِيقَيْنِ مَذْمُوم، لأنَّنا مأمورون\n_________\n(^١) الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح (ص ١٠٢ - ١٠٣).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٣١ - ٣٧).\n(^٣) تفسير ابن سعدي (ص ١٢).","vol":"1","page":395},{"text":"بِاتِّبَاع سَبِيل الْحق وَصرف الْجهد إِلَى إِصَابَته، وَالْيَهُود من الْفَرِيق الأول، وَالنَّصَارَى من الْفَرِيق الثَّانِي، وَمَا ورد فِي الْأَثر مِمَّا ظَاهره تَفْسِير ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ باليهود، و﴿الضَّالِّينَ (٧)﴾ بالنصارى، فَهُوَ إِشَارَة إِلَى أَنَّ فِي الْآيَة تعريضًا بِهَذَيْن الْفَرِيقَيْنِ اللَّذين حق عَلَيْهِمَا هَذَانِ الوصفان، لِأَنَّ كلا مِنْهُمَا صَار عَلَمًا فِيمَا أُرِيد التَّعْرِيض بِهِ فِيهِ» (^١).\nويقول: دروزة (^٢): «يتبادر لنا -والله أعلم- أنَّ جملة ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ في أولى سور القرآن، قد تضمَّنت التَّنبيه على أنَّ صُنُوف النّاس عند الله ثلاثة، صنف أنعم الله عليه فاهتدى وسار على طريقه المستقيم. وصنف انحرف عن هذا الطريق عن عِلْم ومَكْرٍ واستكبار، فاستحق غضب الله. وصِنْف انحرف عن هذا الطريق ضلالًا بغير علم وبيِّنة، ثمَّ ظلَّ مُنحرفًا دون أن يهتدي بما أنزل الله على رُسُله، فلزمته صِفة الضلالة والتصنيف رائع جليل شامل».\nوبالتأمل في تعريف كلام أهل التفسير للطوائف الثلاث فيما سبق يتبين ما يلي:\n١ - عرف الفخر الرازي الطوائف الثلاث بالتعريف الضمني لهم وهم كل من\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (ص: ٧٤٨).\n(^٢) محمد عزة بن عبد الهادي دروزة (١٨٨٧ - ١٩٨٤ م) مفكر وكاتب ومناضل قومي عربي ولد في نابلس وتوفي في دمشق، وإضافة إلى نضاله السياسي، كان أديبًا ومؤرخًا وصحفيًّا ومترجمًا ومفسرًا للقرآن. وهوأحد مؤسسي الفكر القومي العربي. وتفسيره الموسوم بـ (التفسير الحديث)، رتب فيه سور القرآن الكريم على ترتيب النزول لا على ترتيب سورة القرآن في المصحف. وللاطلاع على دراسات متوسعة في تفسيره ينظر:\n١ - جهود محمد عزة دروزة في تفسيره المسمى (التفسير الحديث). لمحسن عبد الرحمن أحمد. (رسالة القرآن، العدد الثامن/ ٢٠٨).\n٢ - محمد عزة دروزة وتفسير القرآن الكريم، دكتور فريد مصطفى سليمان.\n٣ - التفسير الحديث للأستاذ محمد عزة دروزة. عبد الحكيم محمد أنيس. (الصفار، الجامع للرسائل (ص ٢٧) (١٤).","vol":"1","page":396},{"text":"شملهم الوصف المذكور لكل طائفة، ولم يمثل لكل طائفة بمثال.\n٢ - وجاء تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية أشمل وأوضح وأدق حيث بين صفات كل طائفة وأعقب ذلك ببيان مثال لكل وصف، ومثل لهم بطائفة يشملها هذا الوصف، فذكر أن أهل الصراط المستقيم هم المُنعم عليهم وهم المذكورون في آية سورة النساء، ثم ضرب مثلًا للمغضوب عليهم باليهود، ثم مثالًا للضالين بالنصارى.\n٣ - وابن القيم فحوى تقسيمه وبيانه لم يخرج عن كلام شيخه، وكأنه خرج من مشكاة واحدة.\n٤ - أما تعريف ابن سعدي فهو مستقى من تعريف شيخ الإسلام إلا أنه أورده مقتضبًا.\n٥ - وأما تعريف الطاهر بن عاشور فجاء بنحو تعريف شيخ الإسلام ومن تابعه، غير أنه عمم وصف الطائفة الأولى وبين أنه لم يُرد به أحدٌ بعينه.\n٦ - وأما تعريف دروزة فقرر فيه أن الطوائف ثلاث وبين بعض أوصافهم ولم يحدد مثالًا لأي طائفة منها مكتفيًا بالتعريف العام.\nوفي ضوء ما سبق يتبين أن تعريف شيخ الإسلام ومن تابعه كتلميذه القيم- ابن القيم- هو أجمع تعريف وأشمله وأوضحه وأدقه لأنه وإن كان هناك أدلة واضحة على تحديد أهل كل وصف، فإن ما أُجمِل وصفهُ في الفاتحة، فُصِلَ في غيرها، ومثال ذلك المنعم عليهم، أُجمِلَ وصفهُم في الفاتحة، وفُصِلَ في آية سورة النساء، وما أُجمِلَ في وصف المغضوب عليهم ووصف الضالين، وُضِح وفُصِلَ في الحديث الثابت الصحيح بأنهم اليهود والنصارى، وهذا الوصف للطائفتين، وأما الضالون فهم النصارى، وهذا وصف لهم قبل بعثة النبي -ﷺ-، وأما بعد بعثته -ﷺ- وبلوغهم رسالة الإسلام الخالدة فقد قامت عليهم الحجة الدامغة وأصابتهم لعنة الله تعالى كاليهود تمامًا، فغضب الله عليهم ولعنهم، وبنحو هذا أشار ابن القيم بقوله:\n«وَلَكِنَّ تَارِكَ الْعَمَلِ بِالْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِهِ أَوْلَى بِوَصْفِ الْغَضَبِ وَأَحَقُّ بِهِ». يعني","vol":"1","page":397},{"text":"بذلك: النصارى، وقد مرَّ معنا قولُهُ آنفًا.\nفالنصارى عبدوا الله على جهالة، فلما طلعت عليهم شمس الرسالة وسطع ضوؤها وأشرقت الأرض بنور البعثة بعد ظلام جاهليتها، وقامت الحجة، ووضحت المحجة، وبلغهم نور العلم، استحقوا بعد ذلك صفة الغضب كاليهود إضافة إلى وصف الضلالة، قال من لا ينطق عن الهوى -ﷺ-: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» تقول عائشة: «يُحذِّر مثل الذي صنعوا» (^١).\nواليهود مغضوب عليه وضالون، والنصارى ضالون ومغضوب عليهم، وهذا الوصف يشمل كل من اتصف بصفاتهم كما سيأتي في وصف كل طائفة في مبحث مستقل، وتبقى القاعدة: (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) كما هو معلوم، ولذا جاء تعريف شيخ الإسلام ومن تبعه هو التعريف الشامل الكامل الذي أحاط بكل وصف يشمل الطوائف الثلاث، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-273>ثانيًا: التعريف بالطوائف الثلاث تفصيلًا:</span>\n<span data-type='title' id=toc-274>الطائفة الأولى: المنعم عليهم</span>.\n<span data-type='title' id=toc-275>أولًا: التعريف بهم</span>.\nكما قال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، أي: من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهذا الوصف يشمل ضمنًا كل من علم الحق وعمل به من عباد الله المؤمنين المهتدين الذين أنعم الله تعالى عليهم بطاعته وأكرمهم بعبادته (^٢).\n«والمنعم عليهم هم المذكورون في سورة النساء؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء]».\n_________\n(^١) البخاري (٤٣٥)، ومسلم (٥٢٩).\n(^٢) سبق التعريف بالطوائف الثلاث في المبحث الخامس من الفصل الثاني الموسوم بـ (المعنى الإجمالي للسورة الكريمة).","vol":"1","page":398},{"text":"وعلى هذا أكثر أهل التفسير (^١).\nوهؤلاء هم الذين أنعم الله عليهم فأكرمهم واصطفاهم واجتباهم، فذاقوا النعيم مرتين؛ نعيم الدارين، أما نعيم الدنيا: فهم منعمون فيها بهدايته وعبادته وطاعته، وأما نعيم الآخرة: فهم منعمون في البرزخ وفي دار القرار بالنجاة من النيران، وسكنى الجنان، وجوار الكريم المنان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ … لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار ١٣ - ١٤].\n«ولا تحسب أن قوله تعالى: «في هذه الآيةمقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط بل في دورهم الثلاثة كذلك -أعني: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار- فهؤلاء في نعيم، وهؤلاء في جحيم، وهل النعيم إلا نعيم القلب؟ وهل العذاب إلا عذاب القلب؟ وأيُّ عذاب أشد من الخوف والهم والحزن، وضيق الصدر، وإعراضه عن الله والدار الآخرة، وتعلقه بغير الله، وانقطاعه عن الله، بكل وادٍ منه شعبة؟ وكل شيء تعلق به وأحبه من دون الله فإنه يسومه سوء العذاب» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-276>ثانيًا: أخص صفاتهم إجمالًا</span>.\nيقول في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «أهل الصِّرَاط الْمُسْتَقيم، الَّذين عرفُوا الْحق واتَّبعوه، فَلم يَكُونُوا من المغضوب عَلَيْهِم، وَلَا الضَّالّين، فأخلصوا دينهم لله، وَأَسْلمُوا وُجُوههم لله، وأنابوا إِلَى رَبهم، وأحبّوه، ورجوه، وخافوه، وسألوه، وَرَغبُوا إِلَيْهِ، وفوَّضوا أُمُورهم إِلَيْهِ، وتوكَّلوا عَلَيْهِ، وأطاعوا رُسُله، وعزَّروهم، ووقَّروهم، وأحبّوهم، ووالوهم، واتَّبعوهم، واقتفوا آثَارهم، واهتدوا بمنارهم. وَذَلِكَ هُوَ دين الْإِسْلَام الَّذِي بعث اللهُ بِهِ الْأَوَّلين والآخرين من الرُّسُل، وَهُوَ الدَّين الَّذِي لَا يقبل اللهُ من أحدٍ دينًا إِلَّا إِيَّاه، وَهُوَ حَقِيقَة الْعِبَادَة لرب الْعَالمين» (^٣).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم) ١/ ١٤٠ (.\n(^٢) الداء والدواء لابن القيم (١/ ٧٧).\n(^٣) العبودية (ص: ١٤٩، ١٥١).","vol":"1","page":399},{"text":"فنسأل الله الْعَظِيم، أن يُكمِّله لنا ويتمه علينا، وأَن يُثبِّتنا عَلَيْهِ ويُميتنا عَلَيْهِ، وَسَائِر إِخْوَاننَا الْمُسلمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-277>ثالثًا: أخص صفاتهم تفصيلًا</span>.\n<span data-type='title' id=toc-278>١ - العلم</span>.\nودلالة ذلك: أنهم منعم عليهم بالعلم الذي عرفوا به الصراط، واستدلوا بعلمهم عليه، وهذه هي دلالة الإرشاد.\nوهي التي قال الله فيها: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى].\nقال قتادة والسدي ومقاتل: «وإنك لتدعو إلى الإسلام، فهو الصراط المستقيم» (^١).\nوالدعوة إلى الإسلام هي الدلالة عليه والإرشاد إلى سلوكه واتباعه والتمسك به والسير عليه، شرعة ومنهاجًا، عقيدة وسلوكًا وأخلاقًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-279>٢ - العمل</span>.\nفهم بعد أن عرفوا الصراط المستقيم بالعلم، سلكوه وصاروا عليه بالعمل وانقادوا اليه، فهم أهل علم، وأهل عمل بالحق، وهذه هي هداية التوفيق والإلهام.\nكما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة]، وكما قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾ [الكهف].\n\n<span data-type='title' id=toc-280>٣ - الهداية والاستقامة</span>.\nوقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ وتحديد هذا الصراط بأنه: صراط الذين أنعم الله عليهم، فيه دلالة على أنهم مهتدون مستقيمون بإنعام الله عليهم بذلك، ويدلل على\n_________\n(^١) تفسير فتح القدير للشوكاني (١/ ١٣٣٣).","vol":"1","page":400},{"text":"ذلك أيضًا ذكر المغضوب عليهم والضالين بعدهم، فجاء ذكر المنعم عليهم مقابل ذكر المغضوب عليهم والضالين، فدل ذلك على أن هؤلاء غير هؤلاء وهؤلاء، وأن صراط هؤلاء غير صراط هؤلاء وهؤلاء، وقد أمر الله عباده أن يدعوه ويسألوه الهداية لصراط المهتدين الذين أنعم الله عليهم بالهداية، ليكون مهتدين مثلهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-281>٤ - الثبات على الدين</span>.\nفما مدح الله سبيلهم إلا لثباتهم على الصراط، إذ لو أنهم تنكبوه، لما مدح الله سبيلهم، ولما أمر الله عباده أن يسلكوه ويتبعوا طريقهم.\nقال البغوي: «وقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ، قَالَ عِكْرِمَةُ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ -﵈-، وَقِيلَ: هُمْ كُلُّ مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النِّسَاءِ: ٦٩]» (^١). وقال تعالى مخاطبًا نبيهَ محمدًا -ﷺ-: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود].\nيقول الطبري -﵀-: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد -ﷺ- فاستقم أنت، يا محمد، على أمر ربك، والدين الذي ابتعثك به، والدعاء إليه، كما أمرك ربك، ومن رجع معك إلى طاعة الله والعمل بما أمره به ربه من بعد كفره، ولا تعدوا أمره إلى ما نهاكم عنه، إن ربكم بما تعملون من الأعمال كلِّها -طاعتها ومعصيتها- ذو علم بها، لا يخفى عليه منها شيء، وهو لجميعها مبصرٌ، فاتقوا الله، أيها الناس، أن يطَّلع عليكم\nربكم وأنتم عاملون بخلاف أمره، فإنه ذو علم بما تعلمون، وهو لكم بالمرصاد» (^٢).\nويقول ابن كثير -﵀-: «يأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على\n_________\n(^١) معالم التنزيل للبغوي (١/ ٢٣).\n(^٢) تفسير الطبري (١٥/ ٤٩٩).","vol":"1","page":401},{"text":"الاستقامة، وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد ونهى عن الطغيان: وهو البغي، فإنه مَصرَعة حتى ولو كان على مشرك، وأعلمَ تعالى أنه بصير بأعمال العباد، لا يغفل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء» (^١).\nفالله تعالى قد «أمر نبيه محمدًا -ﷺ-، ومن معه من المؤمنين، أن يستقيموا كما أُمِرُوا، فيسلكوا ما شرعه الله من الشرائع، ويعتقدوا ما أخبر الله به من العقائد الصحيحة، ولا يزيغوا عن ذلك يمنة ولا يسرة، ويدوموا على ذلك، ولا يطغوا بأن يتجاوزوا ما حده الله لهم من الاستقامة» (^٢).\nوفي حديث أبي عمرو، وقيل: أبي عمرة سفيان بن عبد الله الثقفي -﵁- قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك. وفي حديث أبي أسامة: غيرك. قال: «قل: آمنتُ بالله، فاستقم» (^٣).\nوقد ثبت في الصحيحين من حديث الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -﵁-، عَنْ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» (^٤)،\nوفي رواية لمسلم: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ» (^٥).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «هذا الحديث حديث ثابت متواتر من جهة استفاضة ثبوته عند الأئمة، ومخرج في الصحيحين من غير وجه وفي غيرهما.\nوهذا الحديث فيه تقرير لكون الأمة سيدخلها افتراق واختلاف في مسائل أصول الدين، ولهذا وصف ﵊ هذه الطائفة بأنها الفرقة الناجية المنصورة\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٥٤).\n(^٢) تفسير ابن سعدي (ص: ٣٩٠).\n(^٣) مسلم (٣٨).\n(^٤) البخاري (٣٦٤٠)، ومسلم (١٩٢١).\n(^٥) الصحيح (١٩٢١).","vol":"1","page":402},{"text":"إلى قيام الساعة، وأنهم على أمر الله ورسوله -ﷺ-» (^١).\nوهذا الحديث من الأحاديث التي قد اشتهرت واستفاضت شهرتُها، فقد رُوِيَ عن جمع غفير من الصحابة -﵃-، قيل: رواه ما يقارب من نيف وعشرين صحابيًّا -﵃- أجمعين، والحديث فيه بشارة عظيمة لهذه الأمة المباركة ببقائها ببقاء تلك الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة، وهي باقية على الحق وثابتة عليه لا تغير ولا تبدل إلى أن يأتي أمر الله وهم على ذلك، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم فهم ثابتون على الحق ثبوت الجبال الراسيات.\nقال النووي -﵀-: «وأما هذه الطائفة فقال البخاري: هم أهل العلم».\nوقال أحمد بن حنبل -﵀-: «إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم».\nوقال القاضي عياض -﵀-: «إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث».\nوقال أيضًا: «ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون ومنهم فقهاء ومنهم محدثون ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض …» (^٢).\nوإنما كَثُرَ سياقُ كلامِ أئمةِ التفسيرِ وغيرهم في بيان معنى الاستقامة الوارد في آية سورة (هود) هنا، لعظم شأن الثبات على الدين من جهة، ولعظم شأن التأسي والاقتداء بمن ثبتوا على الصراط ولم يتنكبوا سبيله من جهة أخرى.\nقال عبد الله بن مسعود -﵁-: «من كان منكم مستنًّا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد، كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه -ﷺ- وإقامة دينه، فاعرفوا لهم\n_________\n(^١) من شرح حديث الافتراق لشيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ٣١).\n(^٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٣/ ٦٧).","vol":"1","page":403},{"text":"حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم».\nفأخبر عنهم بكمال برِّ القلوب، مع كمال عمق العلم، وهذا قليل في المتأخرين» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-282>٥ - فوزهم بمحبة الله واصطفائه ورضاه</span>.\nفلولا محبته سبحانه واصطفائه لهم ورضاه عنهم، ما أنعم عليهم بالهداية إلى صراطه المستقيم، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة].\n«ومعنى الكلام: رضي الله عن جميعهم لما أطاعوه، وأجابوا نبيه إلى ما دعاهم إليه من أمره ونهيه، ورضي عنه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، لما أجزل لهم من الثواب على طاعتهم إياه، وإيمانهم به وبنبيه -ﷺ-» (^٢).\nولا شك في أن المذكورين في الآية الكريمة هم من المنعم عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-283>٦ - القدوة</span>.\nإن صراط المنعم عليهم واضح بين لمن أنار الله بصيرته، وسالكوا هذا الصراط\n_________\n(^١) عزاه شيخ الاسلام في مجموع الفتاوى لابن مسعود -﵁- (٤/ ١٣٨).\nوعزاه أبو نُعَيم في الحلية لعبد الله بن عمر -﵄- بدلًا عن ابن مسعود، ولا يمنع هذا ولا ذاك لكون الصحابة -﵃- تلقوا من مشكاة واحدة، وهي مشكاة النبوة.\nوكذا أخرجه الحافظ ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (قاله الشيخ شعيب في تحقيق شرح الطحاوية) (ص: ٥٤٦)، وكذا عزاه أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات (٤/ ٧٨) لابن مسعود.\nوعمومًا هو مروي بسند منقطع من طريق قتادة بن دعامة السدوسي، وحكم عليه الألباني بالانقطاع في تخريج مشكاة المصابيح (١٩١).\nوذكره هنا: إنما هو من باب أنه صحيح المعنى ولا يعارض نصًّا من نصوص الشريعة فيما يعلم الباحث، وكذلك كثرة رواياته مع الضعف والانقطاع توحي أن للأثر أصل، والله أعلى وأعلم.\n(^٢) تفسير الطبري (١٤/ ٤٣٩).","vol":"1","page":404},{"text":"من الخلق في حاجة لقدوات يتأسون بهم ويهتدون بهديهم، والمنعم عليهم إذ لو لم يكونوا قدوة يُؤتسى ويُقتدى بهم لما أمر الله عباده أن يدعوه ويسألوه الهداية لهذا الصراط الذي سلكوه -صراط الذين أنعم الله عليهم-.\nقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة] أي: «قَادَةً فِي الْخَيْرِ يُقْتَدَى بِهِمْ» (^١).\nيقول ابن القيم -﵀-: «سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: بالصبر واليقين تُنالُ الإمامةُ في الدين. ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-284>٧ - أنهم قلة في الناس</span>.\nووجه الدلالة على ذلك أنهم طائفة واحدة مهتدية مقابلة طائفتين، طائفة مغضوب عليها وطائفة ضالة، والله تعالى في كتابه يقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ [الأنعام].\nأي: «فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن دين الله» (^٣).\nوذلك «لأن الأكثر في غالب الأمر يتبعون هواهم» (^٤).\nوفي حديث الافتراق سالف الذكر يقول -ﷺ-: «لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ» (^٥)، فقوله: «طَائِفَةٌ» فيه دلالة على قلتهم، والوصف في الحديث وإن كان خاصًّا بطائفة من الأمة وهم أهل السنة والجماعة، فلا شك أنهم المنعم عليهم في زمانهم، وهذا وصف عام لأهل الحق في كل زمان ومكان.\n_________\n(^١) تفسير البغوي (٦/ ٣١٠).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٢٤٢).\n(^٣) الطبري (١٢/ ٦٤).\n(^٤) الكشاف (٢/ ١٦٥).\n(^٥) البخاري (٧٣١١) ومسلم (١٥٦).","vol":"1","page":405},{"text":"<span data-type='title' id=toc-285>الطائفة الثانية: المغضوب عليهم</span>.\n<span data-type='title' id=toc-286>أولًا: من هم المغضوب عليهم</span>؟\n«الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ هُمُ الْيَهُودُ، لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ اللَّهِ فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، يَعْنِي: الْيَهُودَ» (^١).\nومعنى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: «أَيْ: غير الذين غضبتَ عليهم، وهم اليهود» (^٢).\nو«قَالَ جَمَاهِيرُ مِنْ عُلَمَاءِ التَّفْسِير: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ الْيَهُودُ» (^٣).\nبل «وقد أجمع المفسرون أنه أراد به اليهود» (^٤).\nذلك لأن «المغضوب عليهم كاليهود، عرفوا الحق فلم يتبعوه» (^٥).\nو﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ «اليهود، ومن اقتدى بهم من هذه الأُمَّة، ممن علم ولم يعمل بعلمه» (^٦).\nفالمعنى أنهم: «العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم» (^٧).\nو«هم-الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنه» (^٨).\n_________\n(^١) الاعتصام. للشاطبي (ص: ٢٤٢، ١٧)\n(^٢) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (ص: ٨٩).\n(^٣) أضواء البيان (١/ ٩).\n(^٤) بحر العلوم (ص: ١٩)، بتصرفٍ يسيرٍ جدًّا.\n(^٥) تقريب التَّدمرية (ص ١٣٧، ١٣٨ (.\n(^٦) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (صـ ٢٨٧).\n(^٧) تفسير آيات من القرآن الكريم لمحمد بن عبد الوهاب، جمعه الإمام محمد بن سعود (ص ١٨).\n(^٨) ابن كثير (١/ ١٤١).","vol":"1","page":406},{"text":"وقد ثبت عند الترمذي وغيره من حديث عدي بن حاتم -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون» (^١).\nيتبين مما سبق بيانه أن المغضوب عليهم اليهود وكل من شابههم.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: كان السلف، سفيان بن عيينة وغيره، يقولون: «من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-287>ثانيًا: التعريف باليهود واليهودية</span>.\n<span data-type='title' id=toc-288>١ - اليهود لغة:</span>\nيقول ابن منظور في لسان العرب مادة [هـ ود]: «الهود: التَّوْبَةُ، هادَ يَهُودُ هوْدًا وتَهَوَّد: تابَ: ورجع إِلى الحق، فهو هائدٌ.\nوقومٌ هُودٌ: مِثْلُ حائِكٍ وحُوكٍ وبازِلٍ وبُزْلٍ؛ قال أَعرابي: إِنِّي امرُؤٌ مِنْ مَدْحِهِ هائِد، وفي التنزيل العزيز: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].؛ أَي: تُبْنا إِليك، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وإِبراهيم النخعي.\nقال ابن سيده: عدّاه بإِلى لأَن فيه معنى رجعنا، وقيل: معناه تبنا إِليك ورجعنا وقَرُبْنا من المغفرة؛ وكذلك قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]؛ وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة: ٦٢]؛\nقال: المُتَهَوِّد المُتَقَرِّبُ.\nقال شمر: المُتَهَوِّدُ المُتَوَصِّلُ بِهَوادةٍ إِليه؛ قاله ابن الأَعرابي.\nوالتَّهَوُّدُ: التوبةُ والعمل الصالح.\nوالهَوادَةُ: الحُرْمَةُ والسبب.\n_________\n(^١) البخاري (١٤١٣)، ومسلم (١٠١٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣١٢)، الاقتضاء): ١/ ٦٧ (.","vol":"1","page":407},{"text":"ابن الأعرابي: هادَ: إِذا رجَع من خير إِلى شرّ أَو من شرّ إِلى خير، وهادَ إِذا عقل.\nويَهُودُ: اسم للقبيلة؛ قال: أُولئِكَ أَوْلى مِنْ يَهُودَ بِمِدْحةٍ، إِذا أَنتَ يَوْمًا قُلْتَها لم تُؤنَّب، وقيل: إِنما اسم هذه القبيلة يَهُوذ فعرب بقلب الذال دالًا؛ قال ابن سيده: وليس هذا بقويّ.\nوقالوا اليهود فأَدخلوا الأَلف واللام فيها على إِرادة النسب يريدون اليهوديين.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]؛ معناه دخلوا في اليهودية» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-289>٢ - اليهود اصطلاحًا:</span>\nمأحوذ من اليهودية، واليهودية: هي ديانة العبرانيين المنحدرين من إبراهيم -﵇- والمعروفين بالأسباط من بني إسرائيل الذين أرسل الله إليهم موسى -﵇- مؤيدًا بالتوراة؛ ليكون لهم نبيًّا.\n«أما تسمية اليهودية بهذا الاسم «نسبة إلى اليهود وهم أتباعها وسموا يهودًا، نسبة إلى (يهوذا) ابن يعقوب الذي ينتمي إليه بنو إسرائيل الذين بعث فيهم موسى -﵇- فقلبت العرب الذال دالًا.\nوقيل: نسبة إلى الهَودْ وهو التوبة والرجوع، وذلك نسبة إلى قول موسى -﵇- لربه: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي: تبنا ورجعنا إليك يا ربنا.\nوكان اليهود أيام موسى -﵇-، إنما يعرفون بـ (بني إسرائيل) ثم أطلق عليهم (يهود) فيما بعد.\nونلحظ في القرآن الكريم أنه أحيانًا يسموا بـ (بني إسرائيل)، وإسرائيل هو لقب\nيعقوب بن اسحاق بن إبراهيم -﵈- وبنو إسرائيل هم ذريته» (^٢).\n_________\n(^١) لسان العرب لابن منظور. مادة: (هـ. و. د).\n(^٢) الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة، ناصر القفاري، وناصر بن عبد الكريم العقل (ص ١٨ - ١٩). بتصرف يسير.","vol":"1","page":408},{"text":"«واليهودية ديانة يبدو أنها منسوبة إلى يهود الشعب، وهذه بدورها قد اختلف في أصلها، وقد تكون نسبة إلى يهوذا أحد أبناء يعقوب، وعممت على الشعب على سبيل التغليب» (^١).\nواليهودية: مصطلح حادث يطلق على الديانة الباطلة المحرفة عن الدين الحق الذي جاء به موسى -﵇-.\nولعل هذا هو التعريف الصحيح لليهودية، ومن خلاله يتبين الخلل في بعض التعريفات التي تقول: إنها الدين الذي جاء به موسى -﵇-. أو: إنها دين موسى -﵇-.\nوهذا خطأ؛ إذ موسى -﵇- لم يجئ باليهودية، وإنما جاء بالإسلام -بمفهومه العام- الذي يعني الاستسلام لله وحده؛ فهو دين جميع الأنبياء من لدن نوح إلى محمد -﵈-.\nقال الله -﷿- عن إبراهيم -﵇-: ﴿مَا كَانَ … إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ … حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ [آل عمران].\nوقال -﵎- عن موسى -﵇-: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ … مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ [يونس].\nوقال عن عيسى -﵇-: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)﴾ [آل عمران].\nفهذا هو الإسلام العام الذي جاء به جميع الأنبياء.\nأما الإسلام الخاص فهو: شريعة القرآن التي جاء بها محمد -ﷺ- (^٢).\nوهذا الإسلام الخاص يشترك مع كافة الشرائع بالتوحيد والأصول، ويختلف في تفصيل بعض الشرائع.\nومن خلال ما مضى يتبين أن اليهودية ديانة باطلة محرفة عن الدين الحق الذي جاء به موسى -﵇- (^٣).\n_________\n(^١) الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي.\n(^٢) التدمرية لابن تيمية (١٧٥ - ١٩٦).\n(^٣) رسالة في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد (٦٢/ ٦٣).","vol":"1","page":409},{"text":"<span data-type='title' id=toc-290>ثالثًا: أخص صفاتهم</span>.\nاليهود هم شرُّ الخلق، وهم شرُّ من أقلتهم الغبراء وأظلتهم الزرقاء، فهم شرُّ من مشى على الأرض وهم شرُّ مَن سار تحت أديم السماء.\nفهم أهل الغدر والخيانة ونقض العهود والمواثيق، وهم مع شدة جبنهم فهم قتلة الأنبياء، وهم أكلة الربا والسحت والرشوة وكل مال حرام، وهم أهل الفساد والإفساد في الأرض، وهم أهل الغل والحقد والغدر والخيانة، والحسد والبغضاء والضغينة وكل الصفات الدنيئة والرذيلة، وهم أهل القتل والنهب والسلب والتشريد والإجرام كله، وهم أهل الرذائل والفواحش كلها، وأهل تسعيرها ونشرها وبثها وإشاعتها بين الخلق في كل زمان ومكان وبكل وسيلة ممكنة.\nوإن المتأمل في حال اليهود وفساد دينهم وسوء أخلاقهم ودناءة طباعهم عبر تاريخهم الأسود يدرك تمام الإدراك لماذا غضب الله عليهم ولعنهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت الله في بعض وصفهم: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا … يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا … يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ [المائدة].\n﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ «أي: من اليهود ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ أي: يحرصون، ويبادرون المعاصي المتعلقة في حق الخالق والعدوان على المخلوقين» (^١).\nولكثرة غدرهم وخسة طباعهم ودناءة أخلاقهم وفحش وسوء فعالهم ولسواد تاريخهم فإنه من الصعب حصر صفاتهم في مقال أو بحث ولعل في ذكر أخص وأخس صفاتهم وأبرز فعالهم يكون فيه غنية، فلعل أن يكون في الإشارة ما يغني عن العبارة.\n_________\n(^١) تفسير ابن سعدي (٢/ ٤٣٢).","vol":"1","page":410},{"text":"<span data-type='title' id=toc-291>١ - أول صفاتهم: الكفر بالله مع الإباء</span>.\nكما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].\nوعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لعنة الله على اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (^١).\nوقد سخطوا على النبي -ﷺ- وعلى المؤمنين حتى يدعوا دينهم مرتدين عنه ويدخلوا في دينهم، وهذا الوصف متعلق باليهود في كل زمان ومكان.\nكما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠].\nيعني: تتبع دينهم يا محمد وتصلِّي إلى قبلتهم التي يصلون إليها وهي بيت المقدس، وقد نزلت الآية كما هو معلوم في تحويل القبلة.\nوالمعنى الظاهر للآية الكريمة: أنهم -أي: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى- لن يرضوا عنكم حتى ترتدوا عن دينكم وتتبعوهم على دينهم وملتهم العوجاء وتتركوا الحنيفية السمحاء.\nيعني و«ليس غرضهم يا محمد بما يقترحون من الآيات أن يؤمنوا، بل لو أتيتهم بكل ما يسألون لم يرضوا عنك …» (^٢).\nذلك: «لأنهم يريدون أن يكونوا متبوعين على الإطلاق.\nوفيه مبالغة في الإقناط من إسلامهم، وتنبيه على أنه لا يرضيهم إلا ما لا يجوز وقوعه منه﵊» (^٣).\nوقال تعالى عنهم: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] وقال سبحانه: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩].\n_________\n(^١) البخاري (٤٣٥)، ومسلم (٥٢٩).\n(^٢) تفسير القرطبي (٢/ ٣٤٥).\n(^٣) تفسير القاسمي (٢/ ٢٤١).","vol":"1","page":411},{"text":"وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران].\nقال ابن كثير -﵀-: «وقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] إخبار من الله تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد -ﷺ-، الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمدٍ -ﷺ-، فمن لقي الله بعد بعثة محمد -ﷺ- بدين على غير شريعته، فليس بمتقبل. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾، وقال في هذه الآية مخبرًا بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-292>٢ - تطاولهم على ذات الله تعالى جلَّ في علاه</span>.\nفقد سبُّوا الرب العظيم ﷾ بأقبح السبِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-293>أ-قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء</span>.\nفنسبوا الفقر للغني الحميد ونسبوا الغنى لأنفسهم وقتلوا أنبياءه.\nكما قال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ [آل عمران].\n\n<span data-type='title' id=toc-294>ب-وقالوا: يد الله مغلولة</span>.\nكما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ [المائدة].\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير) ١/ ٥٣١).","vol":"1","page":412},{"text":"<span data-type='title' id=toc-295>ج- ونسبوا الولد له ﷾</span>.\nقال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، ودلالة الآية على كفرهم الصريح ظاهرة واضحة.\nقال تعالى معظمًا ومقدسًا ومنزهًا ذاته العلية عن كل نقص وعيب: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)﴾ [الإسراء].\nفـ «هذا تنزيه من الله -تعالى ذكره- نفسه عما وصفه به المشركون» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-296>٣ - طلبوا تعنتًا كتابًا من السماء، وطلبوا رؤية الله جهرة</span>.\nفقد سألوا النبي -ﷺ- أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، كما سألوا قبل ذلك موسى أن يريهم اللهَ جهرة عيانًا بيانًا، كفرًا وإلحادًا، عنادًا وتحديًا.\nكما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾ [النساء: ١٥٣ - ١٥٤].\nقال محمد بن كعب القرظي، والسدي، وقتادة: «سأل اليهودُ رسولَ الله -ﷺ- أن ينزل عليهم كتابًا من السماء كما نزلت التوراةُ على موسى مكتوبة.\nوقال ابن جريج: سألوه أن ينزل عليهم صحفًا من الله مكتوبة إلى فلان وفلان وفلان، بتصديقه فيما جاءهم به.\nوهذا إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر والإلحاد» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-297>٤ - تحريفهم لكلام الله</span>.\nومن أبرز صفاتهم تحريف كلام الله تعالى وتغيره وتبديله كما وصفهم الله مخاطبًا عباده المؤمنين بقوله سبحانه: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [البقرة].\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٧/ ٤٥٥).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٤٤٧).","vol":"1","page":413},{"text":"فصناعة الكذب والبهتان وقول الزور وامتهان الإرجاف والتزييف والتبديل والتغير والتحريف شغلهم ودأبهم، فهم أهل الأباطيل كلها والكذب وقول الزور والبهتان والسماع له، وهم أئمة التزييف والتحريف للحقائق والثوابت، وحتى وحي الله لم يسلم من زورهم وبهتانهم وافترائهم وتحريفهم وتزييفهم وتغيرهم وتبديلهم، وتحريفهم للتوراة التي هي من كلام الله أكبر شاهد عيان على ذلك.\nوكلام الله هنا هو: التوراة التي أنزلها الله على نبيه موسى -﵇-.\nكما ذكر ذلك أهل التفسير ولا يُعلم في ذلك مخالف، ونُقِلَ ذلك عن غير واحد، منهم السدي قال: «هي التوراة، حرفوها» (^١).\n«فالذين يحرفونه والذين يكتمونه، هم العلماء منهم» (^٢).\nوقال سبحانه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦].\n«(والكلم) «جماع كلمة»، و﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ أي: «يبدلون معناها ويغيرونها عن تأويله.\nوكان مجاهد يقول: عنى بالكلم «التوراة» (^٣).\nوكما قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة].\nقيل سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه الإمام البخاري -﵀- في خلق أفعال العباد عن ابن عباس -﵁- ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قال: نزلت في أهل الكتاب» (^٤).\n_________\n(^١) المرجع السابق (٢/ ٢٤٦).\n(^٢) تفسير الطبري (٢/ ٣٤٦).\n(^٣) المرجع السابق (٨/ ٤٣٢).\n(^٤) خلق أفعال العباد (ص: ٥٤)، قال العلَّامة أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي -﵀- في الصحيح المسند من أسباب النزول ص (١٧) الحديث رجاله رجال الصحيح إلا عبد الرحمن ابن علقمة وقد وثقه النسائي وابن حبان والعجلي، وقال ابن شاهين: قال ابن مهدي: كان من الأثبات الثقات ا. هـ. تهذيب التهذيب.","vol":"1","page":414},{"text":"<span data-type='title' id=toc-298>٥ - واليهود أشد الخلق عداوة لأهل الحق</span>.\nقال الله ﵎: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾ [المائدة].\nأي: «لتجدن يا محمد، أشدَّ الناس عداوةً للذين صدَّقوك واتبعوك وصدّقوا بما جئتهم به من أهل الإسلام؛ اليهودَ والذين أشركوا» (^١).\nو«ما ذاك إلا لأن كفر اليهود عناد وجحود، ومباهتة للحق، وغَمْط للناس، وتَنَقص بحملة العلم، ولهذا قتلوا كثيرًا من الأنبياء، حتى هموا بقتل رسول الله -ﷺ- غير مرة، وسحروه، وألَّبوا عليه أشباههم من المشركين -عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة-» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-299>٦ - واليهود أمة عناد وتعنت</span>.\nومما يُذكر في ذلك على سبيل المثال لا الحصر.\n\n<span data-type='title' id=toc-300>أ-قصة تعنتهم مع موسى في قصة بقرة بني إسرائيل وهي معروفة مشهورة</span>، وقد قال الله تعالى في خبرهم مع موسى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾ [البقرة]، وقد واصلوا العناد والتعنت إلى أن خُتِمَ ووُصِفَ هذا التعنتُ والعنادُ بقول ربنا: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة].\n«أي: قاربوا أن يدَعُوا ذبحها، ويتركوا فرض الله عليهم في ذلك.\nعن ابن عباس -﵁- قال: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، يقول: كادوا لا يفعلون، ولم يكن الذي أرادوا، لأنهم أرادوا أن لا يذبحوها: وكل شيء في القرآن «كاد» أو «كادوا» أو «لو»، فإنه لا يكون. وهو مثل قوله: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ٢٠]» (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٠/ ٤٩٨).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٣/ ١٦٦).\n(^٣) تفسير الطبري (٢/ ٢١٩).","vol":"1","page":415},{"text":"وكاد من أفعال المقاربة، والمعنى أنهم أوشكوا على ألا يذبحوها تعنتًا وصدًّا عن سبيل الله واستعلاءً على أمره جل في علاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-301>ب-تعنتهم وتضجرهم وتسخطهم على نعم الله</span>.\nكما أخبر الله -﵎- بذلك فقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾ [البقرة].\nقال الشوكاني -﵀-: «قوله: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ تضجر منهم بما صاروا فيه من النعمة والرزق الطيب والعيش المستلذ، ونزوع إلى ما ألفوه قبل ذلك من خشونة العيش».\nوقال الحسن البصري -﵁-: إنهم كانوا أهل كراث وأبصال وأعداس فنزعوا إلى عكرهم، أي: أصلهم عكر السوء، واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم فقالوا: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ والمراد بالطعام الواحد هو المنّ والسلوى، وهما وإن كانا طعامين لكن لما كانوا يأكلون أحدهما بالآخر جعلوهما طعامًا واحدًا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-302>٧ - ومن أجلى صفاتهم: الجبن عند اللقاء والهلع المصحوب بحب الدنيا وطول البقاء فيها</span>.\nاليهود أجبن الخلق قاطبة، وحقيقة جبنهم معروفة عبر تاريخهم الأسود قديمًا وحديثًا، فقد كانوا يتحصنون في الحصون والقلاعة المنيعة العالية وقت القتال والمعارك جبنًا وخوفًا وهلعًا من المواجهة مع المسلمين، والمتأمل في العصر الحاضر يجدهم كذلك، فقد أنشأوا ما يسمى بالمستوطنات والقرى العسكرية\n_________\n(^١) تفسير فتح القدير (١/ ٦٢).","vol":"1","page":416},{"text":"المحصنة والجدار الفاصل العازل، وقد بنوا الحصون المنيعة (^١) كحصون أجدادهم في خيبر، مثل حصن جدهم كعب بن الأشرف زعيم يهود بني النضير بالمدينة، والذي كان يحرض على قتال النبي الكريم -ﷺ- وينشد في ذلك أشعاره، ويندب من قُتِلَ من المشركين يوم بدر، فلما عاد إلى المدينة، جعل يشبب بنساء المسلمين، ويهجو رسول الله -ﷺ- وصحبه الكرام بأشعاره، والذي قتله وتشرف بقتله هو: محمد ابن مسلمة في مفرزة من الصحابة الكرام -﵃- بأمر رسول الله -ﷺ-، وكذلك حصن مرحب اليهودي الذي قتله على بن أبي طالب -﵁-، وكحصن سلام بن مشكم، وغيرها من الحصون والقلاع المنيعة في خيبر وغيرها، والتي إن دلت على كثرتها وتمنعها فإنما تدل على جبنهم وخوارهم وهلعهم وحرصهم الشديد على طول البقاء، وهذا مشاهد الآن كيف يفرون من الحجارة وبين أيديهم أعتى وأقوى الأسلحة المدمرة والفتاكة، وصدق من قال: «السلاح بضاربه، لا بحده فقط، فمتى كان السلاح سلاحًا تامًّا لا آفة به، والساعد ساعد قوي، والمانع مفقود؛ حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير» (^٢).\nوقد قال الله تعالى في ذلك: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤)﴾ [الحشر].\n«﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا﴾ يعني: اليهود، ﴿إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ أي: بالحيطان والدور يظنون أنها تمنعهم منكم، ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ أي: من خلف حيطان يستترون بها لجبنهم ورهبتهم» (^٣).\n_________\n(^١) كحصن (خط برليف). ولقد عكف اليهود منذ احتلالهم سيناء بعد حرب (٦٧)؛ على بناء سلسلة من التحصينات الدفاعية على طول الساحل الشرقي لقناة السويس، لتأمين الضفة الشرقية للقناة ومنع عبور أيّ قوات مصرية إليها. وعُرِفَت تلك السلسلة الدفاعية باسم خط بارليف.\n(^٢) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (١/ ٢٦).\n(^٣) تفسير القرطبي (١٨/ ٣٣).","vol":"1","page":417},{"text":"وقال الله تعالى مبينًا جبنهم وخوارهم عن اللقاء: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢)﴾ [المائدة]، إلى أن قال الله عنهم: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة].\nوهذا استهزاء مشين وقول غاية في القبح.\nوفي وصف حبهم الدنيا وطول البقاء فيها يقول تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [البقرة].\n﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ (وَلَتَجِدَنَّهُمْ) بإجماع أهل التفسير الضمير يعود على اليهود.\n«والمعنى: ولتجدن اليهود في حال دعائهم إلى تمني الموت أحرص الناس على حياة، وأحرص من الذين أشركوا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-303>٨ - ومن أخص وأخس صفاتهم نقض العهود والمواثيق والغدر والخيانة وقسوة القلوب</span>.\nكما قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣].\n«﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ أي: فبنقضهم، و«ما» صلة، ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾.\nقال قتادة -﵀-: نقضوه من وجوه لأنهم كذبوا الرسل الذين جاءوا بعد موسى وقتلوا أنبياء الله ونبذوا كتابه وضيعوا فرائضه ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾.\nقال عطاء -﵀-: أبعدناهم من رحمتنا.\nوقال الحسن ومقاتل: عذبناهم بالمسخ، ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ قرأ حمزة والكسائي قَسِيَّةً بتشديد الياء من غير ألف، وهما لغتان مثل الذاكية والذكية.\n_________\n(^١) زاد المسير في علم التفسير: (١/ ١١٧).","vol":"1","page":418},{"text":"وقال ابن عباس -﵁-: قاسية أي: يابسة. وقيل: غليظة لا تلين، وقيل معناه: إن قلوبهم ليست بخالصة للإيمان بل إيمانهم مشوب بالكفر والنفاق، ومنه الدراهم القاسية وهي الردية المغشوشة» (^١).\nوالتاريخ الأسود أكبر شاهد عيان على نقضهم العهود والمواثيق عبر الدهور والأزمان؛ فقد نقضوا العهد مع خير الخلق -ﷺ- وحاوَلوا قتْلَه مرّات، وفي ختام تلك المحاولات وضعهم السُّمَّ في شَّاة وتقديمها له ليأكلها.\nولقد سأل رسول -ﷺ- اليهود: «هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟» فقالوا: «نعم». فقال: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟» فقالوا: «أردنا إن كنتَ كذابًا نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرك» (^٢).\nولما سأل النبيُ المرأةَ اليهوديةَ قالت: «أردتُ لأقتلك». قال: «ما كان الله ليسلطك على ذاك» (^٣).\nقال النووي في شرح مسلم: «وقوله -ﷺ-: «ما كان الله ليسلطك على ذاك» أو قال: «عليَّ»، فيه بيان عصمته -ﷺ- من الناس كلهم، قال الله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. وهي معجزة لرسول الله -ﷺ- في سلامته من السمِّ المهلك لغيره» (^٤).\nفأكل منها فداه أبي أمّي، فلم يضرّه شيء منها، ولقد أخبر -ﷺ- تلك المرأة التي وضعت له السم أن الله حفظه وسلمه من القتل. وهكذا ردّ الله كيد يهود وحفظ وعصم نبيّه محمدًا -ﷺ- ورد كيدهم في نحورهم لم ينالوا من نبيه -ﷺ- شرًّا ولا أذى، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة].\n_________\n(^١) تفسير البغوي (٣/ ٣٢).\n(^٢) البخاري (٣١٦٩) من حديث أبي هريرة -﵁-.\n(^٣) البخاري (٢٦١٧)، ومسلم (٢١٩٠).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٧٩).","vol":"1","page":419},{"text":"قال ابن كثير -﵀-: «ومِن عصمة الله -﷿- لرسوله -ﷺ-: حفْظُه له من أهل مكة، وصناديدها، وحسَّادها، ومُعَانديها، ومترفيها، مع شدة العداوة، والبِغْضة، ونصب المحاربة له ليلًا، ونهارًا، بما يخلقه الله تعالى من الأسباب العظيمة بقَدَره وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب، إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله -ﷺ-، لا شرعيَّة، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر، هابوه، واحترموه، فلما مات أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرًا، ثم قيض الله -﷿- له الأنصار، فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحول إلى دارهم -وهي المدينة-، فلما صار إليها حَمَوه من الأحمر والأسود، فكلما همَّ أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء: كاده الله، ورد كيده عليه، لما كاده اليهود بالسحر: حماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سم اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر: أعلمه الله به، وحماه الله منه؛ ولهذا أشباه كثيرة جدًّا يطول ذِكْرها» (^١).\nوقال شيخنا ابن باز -﵀-: «أما ما يصيب الرسل من أنواع البلاء: فإنه لم يُعصم منه ﵊، بل أصابه شيء من ذلك، فقد جُرح يوم أحد، وكُسرت البيضة على رأسه، ودخلت في وجنتيه بعض حلقات المغفر، وسقط في بعض الحفر التي كانت هناك، وقد ضيقوا عليه في مكة تضييقًا شديدًا، فقد أصابه شيء مما أصاب من قبله من الرسل، ومما كتبه الله عليه، ورفع الله به درجاته، وأعلى به مقامه، وضاعف به حسناته، ولكن الله عصمه منهم فلم يستطيعوا قتله، ولا منعه من تبليغ الرسالة، ولم يحولوا بينه وبين ما يجب عليه من البلاغ، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة -ﷺ-» (^٢).\nو«ليس في الآية ما ينافي الحراسة، كما أن إعلام الله نصر دينه وإظهاره، ما يمنع الأمر بالقتال، وإعداد العدد» (^٣).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير) ٣/ ١٥٤).\n(^٢) فتاوى الشيخ ابن باز (١٥٠: ٨).\n(^٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٦/ ٢٨٠).","vol":"1","page":420},{"text":"«وعلى هذا فالمراد: العصمة من الفتنة، والإِضلال أو إزهاق الروح، والله أعلم» (^١).\nومن الأدلة والبراهين والشواهد الواضحات الجليات على عصمة الله لنبيه محمد -ﷺ- وحفظه من أن يقتل حتى يبلغ رسالة ربه سبحانه ما رواه الشيخان عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -﵄- قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، قَال: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْوَادِي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ رَجُلًا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ فَأَخَذَ السَّيْفَ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي فَلَمْ أَشْعُرْ إِلا وَالسَّيْفُ صَلْتًا فِي يَدِهِ، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ، قَالَ: فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ»، ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (^٢).\n«ففيه بيان توكل النبي -ﷺ- على الله، وعصمة الله تعالى له من الناس، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-304>٩ - قتلهم الأنبياء</span>.\nلم يقتل أنبياء الله إلا اليهود فهم الذين قتلوا زكريا ويحيى -﵉-.\nقال تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)﴾ [المائدة].\n\n<span data-type='title' id=toc-305>١٠ - وقتلهم كذلك للمصلحين والدعاة إلى الله</span>.\nقال تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١].\n\n<span data-type='title' id=toc-306>١١ - اتباعهم السحر واستعانتهم بالشياطين</span>.\n_________\n(^١) فتح الباري (٦/ ٨٢).\n(^٢) البخاري (٢٩١٠)، ومسلم (٨٤٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم) ١٥/ ٤٤).","vol":"1","page":421},{"text":"قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ …﴾ [البقرة: ١٠٢].\nقال الطبري: «يعني بقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ الفريق من أحبار اليهود وعلمائها، الذين وصفهم الله -جل ثناؤه- بأنهم نبذوا كتابه الذي أنزله على موسى، وراء ظهورهم، تجاهلًا منهم وكفرًا بما هم به عالمون، كأنهم لا يعلمون.\nفأخبر عنهم أنهم رفضوا كتابه الذي يعلمون أنه منزل من عنده على نبيه -ﷺ-، ونقضوا عهده الذي أخذه عليهم في العمل بما فيه، وآثروا السحر الذي تلته الشياطين في ملك سليمان بن داود فاتبعوه، وذلك هو الخسار والضلال المبين» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-307>١٢ - إيقادهم للحروب وإفسادهم في الأرض</span>.\nقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٦٤].\n«أولئك أعداء الله اليهود، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله، فلن تلقى اليهود ببلد إلا وجدتهم من أذل أهله، «و» لقد جاء الإسلام حين جاء، وهم تحت أيدي المجوس أبغض خلقه إليه» (^٢).\nفهم «يجتهدون في الكيد للإسلام وأهله، ويسعون لإثارة الفتن بين المسلمين» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-308>١٣ - أكلهم أموال الناس سحتًا وباطلًا مع تعاطيهم الربا وهم سادة البشر في ذلك</span>.\nكما قال تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾ [المائدة].\nومن ذلك قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢/ ٤٠٥).\n(^٢) المرجع السابق (١٠/ ٤٦١).\n(^٣) صفوة التفاسير (١ ص ٣٥٣).","vol":"1","page":422},{"text":"لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ [التوبة].\nوقوله سبحانه: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾ [النساء].\n\n<span data-type='title' id=toc-309>١٤ - إفسادهم في الأرض</span>.\nقال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾ [الإسراء].\n\n<span data-type='title' id=toc-310>١٥ - استخدامهم الحيل والمخادعة مع الله</span>.\nوفي قصة أصحاب السبت يقول تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا … يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف].\nومن صور ذلك التحايل صيدهم للحيتان يوم السبت وهو محرم عليهم العمل فيه، فقد احتالوا على ذلك بأن نصبوا شباكهم لها قبل يوم السبت ليجمعوها في اليوم الذي يليه.\nوكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ [البقرة] «أي: تعمدوا العدوان «منكم في السبت» بأن استحلوه وتحيلوا على اصطياد الحيتان فيه» (^١).\nومن مشاهد حيلهم وتلاعبهم واستهانتهم بأوامر الله جل في علاه، وصف النبي -ﷺ- لبعض حيلهم بقوله: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها» (^٢).\n_________\n(^١) تفسير القاسمي (٢/ ١٥١).\n(^٢) البخاري (٢٢٢٣)، ومسلم (١٥٨٢).","vol":"1","page":423},{"text":"<span data-type='title' id=toc-311>١٦ - نزعتهم العنصرية المصحوبة بالأنانية واحتقار الخلق</span>.\nفهم شعب الله المختار كما يظنون، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-312>١٧ - نقضهم العهود</span>.\nقال سبحانه: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)﴾ [البقرة] فإنهم «ليس في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه، يعاهدون اليوم وينقضون غدًا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-313>١٨ - مخالفتهم بين القول والعمل</span>.\nكما قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة].\n«يعني: تتلون التوراة، وفيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول العمل» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-314>١٩ - تكذيبهم المرسلين</span>.\nكما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾ [آل عمران].\nوعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لو آمن بي عشرة من اليهود ما بقي على ظهرها يهودي إلا أسلم» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-315>٢٠ - سلوكهم سبل الغواية</span>.\nكما قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي حاتم (١/ ١٠٠).\n(^٢) تفسير القاسمي (٢/ ١١٨).\n(^٣) البخاري (٣٩٤١)، ومسلم (٢٧٩٣).","vol":"1","page":424},{"text":"ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ [الأعراف].\nوعن أنس بن مالك -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة» (^١) (^٢).\nوعند أحمد في المسند عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- أيضًا-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مِنْ يَهُودِيَّةِ أَصْبَهَانَ، مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ الْيَهُودِ، عَلَيْهِمْ السيجان (^٣)» (^٤).\nففيه دلالة على غوايتهم وسلوكهم سبلها.\nيقول ابن كثير -﵀-: «يكون بدء ظهوره من أصبهان، من حارة يقال لها: اليهودية» (^٥) (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-316>٢١ - عتوهم وعنادهم واستكبارهم</span>.\n_________\n(^١) مسلم (٢٩٤٤) من حديث أنس بن مالك -﵁-.\n(^٢) والطيالسة: جمع طيلسان كساء غليظ مخطط.\n(^٣) (السيجان): جمع ساج. قال الجوهري: «(الساج): الطيلسان الأخضر، والجمع سيجان». وقال ابن منظور في لسان العرب: «(الساج): الطيلسان الضخم الغليظ، وقيل: هو الطيلسان المقور، ينسج كذلك، وقيل: هو طيلسان أخضر». وقال ابن الأعرابي: «(السيجان): الطيالسة السود، واحدها ساج». انتهى. (٢/ ٣٠٣)\n(^٤) رواه أحمد (٢١/ ٥٥) وحسنه محققو المسند، وأخرجه أبو يعلى في مسنده (٦/ ٣١٧ رقم: ٣٦٣٩)؛ وكذا الطبراني في الأوسط (٤٩٣٠)، وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٣٣٨): رواه أحمد وأبو يعلى من رواية محمّد بن مصعب القرقساني عن الأوزاعي، وروايته عنه جيّدة، وقد وثّقه أحمد وغيره، وضعّفه جماعة، وبقية رجالهما رجال الصحيح، ورواه الطبراني في الأوسط كذلك. كذا قال، وقال صالح جزرة: عامة أحاديثه عن الأوزاعي مقلوبة، ولخص الحافظ القول فيه، فقال في التقريب: صدوق كثير الغلط. وينظر: الميزان (٦/ ٣٣٨) التهذيب.\n(^٥) البداية والنهاية لابن كثير (ص: ٥٩).\n(^٦) واليهود الآن لهم تواجد كبير في إيران وأعدادهم وأموالهم في تزايد، وصور العلاقة الحميمة بين اليهود والرافضة ولاسيما الإيرانيين منهم معروفة ومشهودة، وحجم التبادل الكامل دبلوماسيًّا وتجاريًا وصناعيًّا بينهما وصل إلى ذروته، فنسأل الله العلي القدير أن يهيئ لليهود وحميرهم الرافضة يدًا حاصدة مستأصلة لشأفتهم، والله غالب على أمره.","vol":"1","page":425},{"text":"كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ … وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾ [البقرة].\n«ينعت، ﵎، بني إسرائيل بالعتو والعناد والمخالفة، والاستكبار على الأنبياء، وأنهم إنما يتبعون أهواءهم، فذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب وهو التوراة فحرفوها وبدلوها، وخالفوا أوامرها وأولوها.\nوأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته» (^١).\nوعن أنس بن مالك -﵁- أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأةُ فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فقال رسول الله -ﷺ-: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ».\nفبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريدُ هذا الرجل أن يدعَ من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه» (^٢).\nومن هذا العتو والعناد والاستكبار يرون أنهم فوق النبي -ﷺ- وأصحابه الكرام -﵃-.\nوفي الختام:\nفهذا غيض من فيض عن جانب من جوانب أخلاق اليهود وبيان لبعض أوصافهم في كتاب ربنا وفي سنة نبينًا -ﷺ-، والملاحظ أن كثيرًا من الآيات التي بين الله تعالى فيها وصف أخلاقهم وسيء فعالهم وخسة طباعهم إنما وردت بصيغة المضارع غالبًا، والمضارع يفيد الاستمرار كما هو معلوم، وذلك والله أعلم يفيد أن تلك الأخلاق الدنية مستمرة معهم عبر الأجيال تلو الأجيال، والواقع المرير الذي تعيشه الأمة المسلمة في صراعها الدائم مع اليهود يشهد لذلك، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٢/ ٣٢٢).\n(^٢) مسلم (٣٠٢).","vol":"1","page":426},{"text":"<span data-type='title' id=toc-317>الطائفة الثالثة: الضالون</span>.\n<span data-type='title' id=toc-318>أولًا: من هم الضالون</span>؟\nالضَّالُّونَ «هُمُ النَّصَارَى، لِأَنَّهُمْ ضَلُّوا فِي الْحُجَّةِ فِي عِيسَى -﵇-، وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-» (^١).\n«وقد أجمع المفسرون أن الضالين أراد به النصارى» (^٢).\nو«قَالَ جَمَاهِيرُ مِنْ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ: و﴿الضَّالُّونَ (٩٠)﴾ [آل عمران] النَّصَارَى» (^٣).\n«قال الضحاك، وابن جريج، عن ابن عباس -﵁-: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ اليهود ﴿وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ هم النصارى.\nوكذلك قال الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد، وقال ابن أبي حاتم: ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافًا.\nوشاهد ما قاله هؤلاء الأئمة من أن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون، للحديث المتقدم (^٤).\nوقوله تعالى عن بني إسرائيل في سورة البقرة: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ [البقرة: ٩٠]، وقال في المائدة: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ [المائدة]، وقال تعالى في المائدة-أيضًا-: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا\n_________\n(^١) الاعْتِصَام للشاطبي (ص ٢٤٢).\n(^٢) بحر العلوم للسمرقندي (ص ١٩).\n(^٣) أضواء البيان (١/ ٩).\n(^٤) تقدم الكلام عليه.","vol":"1","page":427},{"text":"يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩]» (^١).\nوالضالون «هم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق» (^٢).\nو﴿الضَّالُّونَ (٩٠)﴾ [آل عمران] «كالنَّصارى، عبدوا الله بغير علم» (^٣).\nو﴿الضَّالُّونَ (٩٠)﴾ [آل عمران] «هم: النَّصارى الذين يعبدون الله على غير عِلْم، بل بالبدع والمحدثات والخرافات من النصارى وكل من اقتدى بهم» (^٤).\nويُختم التعريفُ بالضالين بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في بيان سبب ضلالهم حيث يقول: «أضلّ الشَّيْطَان النَّصَارَى وأشباههم، فأشركوا بِاللَّه وعصوا الرَّسُول، فـ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١] فَجعلُوا يرغبون إِلَيْهِم، ويتوكَّلون عَلَيْهِم، يَسْأَلُونَهُمْ مَعَ معصيتهم لأمرهم ومخالفتهم لسنَّتهم» (^٥).\nولا شك في أن كل من عبد الله على ضلالة من عُبَّادِنا ومن غيرهم ممن تشبه بالنصارى في هذا الوصف؛ يدخل ضمنًا في طائفة الضالين.\n\n<span data-type='title' id=toc-319>ثانيًا: التعريف بالنصرانية والنصارى:</span>\n<span data-type='title' id=toc-320>١ - النصرانية لغة:</span> «قيل: إنها نسبة إلى الناصرة، وهي قرية المسيح -﵇-، وتسمى هذه القرية ناصرة ونصورية، والنسبة إلى الديانة نصرانية، وجمعه نصارى «(^٦).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (١/ ١٤٣).\n(^٢) المرجع السابق (١/ ١٤١).\n(^٣) تقريب التَّدمرية، (ص: ١٣٧، ١٣٨).\n(^٤) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، الجزء الأول (ص: ٢٨٧).\n(^٥) العبودية (ص: ١٤٩ - ١٥١).\n(^٦) ينظر: النصرانية، نشأتها التاريخية وأصول عقائدها، لعرفان فتاح (ص: ١٤) ودراسات في الأديان اليهودية والنصرانية، لسعود الخلف (ص: ١٦٣).","vol":"1","page":428},{"text":"<span data-type='title' id=toc-321>٢ - واصطلاحًا:</span> «هي دين النصارى، الذين يزعمون أنهم يتبعون المسيح عيسى -﵇-، وكتابهم الإنجيل.\nأما النصارى: فقد أطلق على أتباع الديانة النصرانية في القرآن الكريم، نصارى، وأهل الكتاب، وأهل الإنجيل، وهم يسمون أنفسهم بالمسيحيين نسبة إلى المسيح -﵇-، ويسمون ديانتهم المسيحية.\nوأما المسيحية: فلم ترد التسمية بالمسيحية في القرآن الكريم ولافي السنة النبوية، كما أن المسيح حسب الإنجيل لم يسم أصحابه وأتباعه بالمسيحيين وهي تسمية لا توافق واقع النصارى لتحريفهم دين المسيح -﵇-.\nفالحق والصواب أن يطلق عليهم نصارى، أو أهل الكتاب؛ لأن في نسبتهم للمسيح -﵇- خطأ ظاهر، إذ يلزم من ذلك عزو ذلك الكفر والانحراف إلى المسيح -﵇-، وهو منه برئ «(^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-322>ثالثًا: أصل النصرانية</span>.\nوأما أصل النصرانية فهو امتداد لليهودية لأن بني إسرائيل حرفوا دينهم وكتابهم -التوراة- الذي أنزله الله على موسى -﵇-، فبدلوه وحرفوه وغيروه فأرسل الله إليهم عيسى ابن مريم -﵇- ليردهم إلى التوحيد الخالص ويعيدهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونبذ عبادة الأحبار وترك عبادة الأنداد، وليحل لهم بعض الطيبات التي حرمت عليهم بصدهم عن سبيل الله كثيرًا، ويبشرهم بنبوة خاتم النبيين والمرسلين محمد -ﷺ-، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].\nوقد وقع التحريف والتبديل والتغير في النصرانية وتعددت الأناجيل وتحول النصارى من جراء هذا التحريف عن التوحيد إلى الشرك في عبادة الله تعالى المتمثل في عقيدة التثليث، وقد نُسخت شريعةُ النصرانيةُ بعد التحريف والتبديل والتغير،\n_________\n(^١) ينظر: هداية الحيارى. لابن القيم ص (٦٧).","vol":"1","page":429},{"text":"نُسِخَت برسالة خاتمة، وشريعة باقية هي: شريعة الإسلام، وختمت الكتبُ السماويةُ بالكتاب الخالد الباقي المحفوظ بحفظ الله وهو -القرآن الكريم-، قال ربنا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر] والمعنى: «وإنا للقرآن لحافظون من أن يزاد فيه باطل ما، ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه» (^١).\nوهذا الكتاب-القرآن الكريم-كتاب شاهد على الكتب السابقة التي أنزلها الله تعالى، وأمينًا وحاكمًا ومؤتمنًا ومصدقًا عليها، أي: على ما كان قبله من الكتب التي أنزلها الله على رسله الكرام ﵊ أجمعين.\nكما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ … فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ [المائدة].\n«وأما قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ أي: على جنس الكتاب الإلهي، فمعناه أنه رقيب عليها وشهيد، بما بينه من حقيقة حالها في أصل إنزالها، وما كان مِنْ شأن مَنْ خُوطِبُوا بها، من نسيان حظ عظيم منها وإضاعته، وتحريف كثير مما بقي منها وتأويله، والإعراض عن الحكم والعمل بها، فهو يحكم عليها؛ لأنه جاء بعدها» (^٢).\nوخُتِمَ النبيون بخير الخلق وحبيب الحق محمد -ﷺ-، قال ربنا: ﴿مَا كَانَ … مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب]، ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ «وذلك لأن النبي الذي يكون بعده نبي إن ترك شيئًا من النصيحة والبيان يستدركه من يأتي بعده، وأما من لا نبي بعده يكون أشفق على أمته وأهدى لهم\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٧/ ٦٩).\n(^٢) تفسير المنار (٦/ ٣٣٩).","vol":"1","page":430},{"text":"وأجدى، إذ هو كوالد لولده الذي ليس له غيره من أحد» (^١).\nفأصبحت شريعة النصارى المحرفة المبدلة باطلة لا تقبل عند الله، ورسالة الإسلام وشريعته الباقية هي الدين الذي لا يقبل الله دينًا سواه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران].\n\n<span data-type='title' id=toc-323>رابعًا: أخص صفات النصارى</span>.\n<span data-type='title' id=toc-324>١ - الكفر بالله تعالى</span>\nكما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧].\n«هذا حكم من الله تعالى بتكفير فرق النصارى من الملكية، واليعقوبية، والنسطورية، ممن قال منهم: بأن المسيح هو الله -تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس-» (^٢).\nوكلام ابن كثير -﵀- بتحديد بعض فرق النصارى لا يعني حصر الكفر فيهم دون غيرهم من الفرق، بل الحكم بتكفيرهم حكم عام يشمل كل من نسب الألوهية للمسيح -﵇-، فهو وصف عام يشمل كل نصراني قال بألوهية المسيح -﵇-، كما شمل هذا الحكم أيضًا كل من قال ببنوة المسيح وجعله ابنًا لله تعالى.\nومن دلائل كفرهم الصريح-أيضًا- مما ورد في كتاب الله، قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾ [المائدة].\nقال ابن كثير رحمه الله تعالى: «والصحيح: أنها أنزلت في النصارى خاصة، قاله مجاهد وغير واحد.\n_________\n(^١) التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب (١٢/ ٣٥٧).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٢/ ١١١).","vol":"1","page":431},{"text":"ثم اختلفوا في ذلك فقيل: المراد بذلك كفارهم في قولهم بالأقانيم الثلاثة، وهو أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.\nوقال السُّدِّي وغيره: نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة بهذا الاعتبار، قال السدي: وهي كقوله تعالى في آخر السورة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ [المائدة: ١١٦]» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-325>٢ - الضلال من أخص صفاتهم</span>.\nوقد صف الله تعالى النصارى بالضلال فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة].\nوأما عن سبب ذلك: فقد قال الطبري في تفسيره:\n«وكل حائد عن قصد السبيل وسالك غير المنهج القويم فضَالٌ عند العرب لإضلاله وجه الطريق، فلذلك سمى الله جل ذكره النصارى ضلالًا لخطئهم في الحق منهج السبيل، وأخذهم من الدين في غير الطريق المستقيم، فإن قال قائل: أوليس ذلك أيضًا من صفة اليهود؟ قيل: بلى، فإن قال: كيف خص النصارى بهذه الصفة، وخص اليهود بما وصفهم به من أنهم مغضوب عليهم؟ قيل: إن كلا الفريقين ضلال مغضوب عليهم، غير أن الله جل ثناؤه وسم كل فريق منهم من صفته لعباده بما يعرفونه به إذا ذكره لهم، أو أخبرهم عنه، ولم يسم واحدًا من الفريقين إلا بما هو له صفة على حقيقته، وإن كان له من صفات الذم زيادات عليه» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-326>٣ - الغلو والجهل بالحق</span>.\nإن الجاهل بالحق: هو أحق الخلق بوصف الضلال، ومن هنا وُصِفَت النصارى\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٣/ ١٥٨).\n(^٢) تفسير الطبري (١/ ١٩٥).","vol":"1","page":432},{"text":"بالضلال، كما قال أحكم الحاكمين ﷾: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة].\n«وقوله سبحانه: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: رؤساء الضلالة من فريقي اليهود والنصارى، والخطاب للذين في عصر النبي -ﷺ- نهوا عن اتباع أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ يعني: من اتبعهم على أهوائهم ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ عن قصد الطريق، أي: بالإضلال، فالضلال الأول من الضلالة، والثاني بإضلال من اتبعهم» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-327>٤ - الكبر والغرور</span>.\nكما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥].\nوقال: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]\nومعنى ذلك: «أن اليهود قالوا: لن يدخل الجنة إلا مَن كان يهوديًّا ولا دين إلا دين اليهودية.\nوقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيًّا ولا دين إلا دين النصرانية» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-328>٥ - هم أشقاء اليهود في الاستخفاف بالرُّسل -﵈</span>-.\nفالاستخفاف برُسل الله الكرام -﵈- وبما أُرسلوا به وعدم مراعاة حرمتهم وحرمة ما أُرسِلُوا بها من شرائع وأحكام من عند الله تعالى هو شأنهم كأشقائهم اليهود، فإذا لم يوافقهم ولم يُلائم أهواءهم ما جاءت به رسلهم، فريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون.\nكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ\n_________\n(^١) تفسير البغوي (٣/ ٨٤).\n(^٢) تفسير البغوي (١/ ١٣٧).","vol":"1","page":433},{"text":"وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾ [البقرة]. ومعنى قوله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ﴾ أي: «بما لا يوافق ما تهوونه استكبرتم عن إجابته، احتقارًا للرسل واستبعادًا للرسالة» (^١).\nفإذا كانت هذه أخلاقهم مع رسلهم الذين أُرسِلوا إليهم وهم منهم ومن عشيرتهم، فأخلاقهم مع رسل الله الذين ليسوا من عشيرتهم ومن بني جلدتهم لا شك أنها ستكون أسوأ حالًا وأضل سبيلًا.\nفهذا النبي الذي بُعِثَ في الأُمِّيِّين -ﷺ- كادوا له ولدينه ورسالته ودعوته أشد الكيد وأغلظه وأغيظه.\nفلا يُسْتَغْرَب من مثلهم عدم مراعاة حُرُمات الله ولزوم حدوده مع غيرهم من المسلمين، ولا يُتَعجب من عدم تعظيمهم لما أَوْجَبَ الله تعظيمه وحفظه وعدم تعدي حدوده من حقوق المسلمين في دمائهم وأموالهم وأعراضهم ومقدساتهم. بل إن الاستخفاف بها حاصل وقائم، وإن تعمُّدَ إهانتها وانتهاك حُرمَتها هو شغلهم الشاغل، بل إن من أجل مساعيهم في الكيد للإسلام وأهله السعي بكل وسيلة ممكنة لتشكيك المسلمين في دينهم وعقيدتهم الراسخة! ومن مكائدهم في ذلك تعمد إلقاء الشُّبَه على المسلمين والطعن في الإسلام والطعن في القرآن وفي النبي -ﷺ- لمحاولة زعزعتهم عن دينهم وارتدادهم عنه، ومن محاولاتهم البائسة في ذلك ادعاء البعض منهم الإسلام وادعاء الدخول فيه، ثم الردة عنه بعد ذلك؛ يرتدُّون عن الإسلام الذي دخلوه ظاهرًا، مدعين بذلك أنهم لم يجدوا أن هذا الدين هو الدين الحق الذي يجب أن يدين الخلق به لربهم، فوجب على أهله التراجع عنه وخلعه من ربقتهم.\nكما قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)﴾ [آل عمران].\nوالآية وإن قيل: إنها نزلت في بعض اليهود؛ إلا أن العبرة بعموم اللفظ وهو هنا\n_________\n(^١) تفسير فتح القدير للشوكاني (١/ ٧٥).","vol":"1","page":434},{"text":"﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، لا بخصوص السبب كما هو معلوم، وأيضًا قد عمم ذلك بعض أهل التفسير، وواقعهم في كل زمان ومكان يشهد لذلك.\nقال الفخر الرازي -﵀-: «إن اليهود والنصارى استخرجوا حيلة في تشكيك ضعفة المسلمين في صحة الإسلام، وهو أن يظهروا تصديق ما ينزل على محمد -ﷺ- من الشرائع في بعض الأوقات، ثم يظهروا بعد ذلك تكذيبه، فإن الناس متى شاهدوا هذا التكذيب، قالوا: هذا التكذيب ليس لأجل الحسد والعناد، وإلا لما آمنوا به في أول الأمر، وإذا لم يكن هذا التكذيب لأجل الحسد والعناد وجب أن يكون ذلك لأجل أنهم أهل الكتاب، وقد تفكروا في أمره واستقصوا في البحث عن دلائل نبوته فلاح لهم بعد التأمل التام والبحث الوافي أنه كذاب، فيصير هذا الطريق شبهة لضعفة المسلمين في صحة نبوته، وقيل: تواطأ اثنا عشر رجلًا من أحبار يهود خيبر على هذا الطريق» (^١).\nوهذا القول هو أحد قولي الفخر الرازي في الآية الكريمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-329>٦ - ومن خصائهم تقديس الصليب واتخاذه شعارًا لدينهم المحرف</span>.\nفقلما تجد نصرانيًّا في العالم إلا وهو مُعَلِّق للصليب في رقبته أو موسومًا به في جسده كما تُوسم البهائمُ، أوليس الصليب عندهم وفي اعتقادهم هو أداة التعذيب التي صُلِبَ وعُذّبَ ومات عليها المسيح عليه؟ فلماذا يُقدس النصارى الصليبَ ويتخذونه شعارًا لهم؟ فهل يُعقل أن يُخلِد عاقلٌ أداةً صُلِبَ وعُذِبَ وقُتِل عليها أعز عزيز لديه؟ ولا يوجد لدى النصارى دليل على حمل الصليب فضلًا عن تقديسه وتعظيمه وإجلاله وإكباره (^٢).\n_________\n(^١) تفسير الفخر الرازي (٤/ ٢٥٤).\n(^٢) والصليب، في المسيحية (النصرانية)، هو المكان الذي تقابلت فيه محبة الله مع عدله.\nويسوع المسيح هو حمل الله الذي ينزع خطية العالم (يوحنا ١: ٢٩). هكذا يعتقدون كما هو في إنجيل يوحنا. وتهتم الكنيسة المسيحية (النصرانية)، بالصليب اهتماما عظيمًا، فالصليب=","vol":"1","page":435},{"text":"ولا يُصلب عندهم إلا من أذنب ذنبًا عظيمًا ولا مفرّ ولا مهرب من إعدامه وقتله لأن هذا الذنب لا يستحق بسببه الحياة، والكثير من النصارى الذين شرح الله صدورهم للإسلام وقذف في قلوبهم الإيمان وأنار بصائرهم بالتوحيد الخالص، لا تملك الكنيسة إلا أن تُغريه بالمال وتحقق مطالبه فإن أصر فلا مصير له إلا الصلب، لأن الصلب عقوبة من ارتكب ذنبًا لا يُغتَفر، وكان المصلوب قديمًا يعدونه عندهم ملعونًا، فهو ملعون عند الله وملعون عند البشر.\nكما أنه لا يُعلم لدى الباحث تحديدًا مؤكدًا -متى صار الصليب شعارًا مقدسًا لهم-، حيث لا يُعلم لدى المتقدمين من النصارى ذكرٌ لذلك، ولا من الذي دعا إلى حمله على التحقيق، وإنما هو أمر استحسنوه ودرجوا عليه في زمن متأخر حتى صار من شعائرهم الظاهرة المميزة والخاصة بهم (^١).\nولا شك في أن أصل النصارى الذين بُعِث فيهم عيسى ابن مريم -﵇- هم من بني إسرائيل، فهم امتدادٌ لليهود.\nوقد عَرَفَ اليهودُ عقوبةَ إعدامِ المذنبِ قديمًا عندهم، فيقوموا بتعليقه على خشبة (وهو الصلب بعينه)، وقد ذُكِرَ ذلك في العهد القديم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-330>خامسًا: كثرة ورود لفظ النصارى في القرآن الكريم</span>.\n_________\n=هو موضع الحب الإلهي للبشرية جمعاء برأي الكنيسة، حيث أظهر الله قمة محبته للناس فبذل ابنه الوحيد لكيلا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية (يوحنا ٣: ١٦). تفسير القس أنطونيوس فكري.\n(^١) وقد قيل: إن ذلك وقع في القرن الرابع، حينما اعتنق الامبراطور الوثني قسطنطين النصرانية الزائفة التي كان قد تفشّى بها الارتداد، وروّج الصليب رمزًا لها.\n(^٢) ولقد سجل لنا العهد القديم ذلك وذكر هذا الفكر قائلًا: «وَإِذَا كَانَ عَلى إِنْسَانٍ خَطِيَّةٌ حَقُّهَا المَوْتُ فَقُتِل وَعَلقْتَهُ عَلى خَشَبَةٍ فَلا تَبِتْ جُثَّتُهُ عَلى الخَشَبَةِ بَل تَدْفِنُهُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ لأَنَّ المُعَلقَ مَلعُونٌ مِنَ اللهِ». تفسير سفر التثنية (٢١: ٢٢ - ٢٣) -شرح الكتاب المقدس- القس أنطونيوس فكري: العهد القديم.","vol":"1","page":436},{"text":"وذلك لفضحهم وللتحذير من كفرهم وشرهم وسيء فعالهم.\nهذا مع كثرة مخاطبتهم بالخطاب العام: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٤]، و﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٠] وإنما كثر ذكرهم في القرآن؛ لبيان كفرهم وشركهم وتكذيبهم، وبيان ضلالهم وجهلهم وغرورهم وكبرههم، وقولهم في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا، وحنقهم وحقدهم على الإسلام وأهله، وعلى نبي الهدى -ﷺ-، ولقد كثر ذكرهم-أيضًا- إظهارًا لفسادهم وتحذيرًا من شرهم وغلوهم، وتحذيرًا على ما هم عليه من سوء المعتقد وفساد الدين والعقل والأخلاق.\nوقد ورود لفظ النصارى في كتاب الله تعالى مُعَرّفًا ومُنَكّرًا قرابة خمس عشرة مرة، وردت كلها في سورة البقرة والمائدة، عدا واحدة وردت في سورة آل عمران، وأخرى وردت في سورة التوبة، وأُخرى في سورة الحج، وفي جملة هذه الآيات المباركات ورد ذكر النصارى مقترنًا بذكر اليهود، وقد ورد هذا الاقتران إما على سبيل الإخبار عنهما، وأما على سبيل الذم وأما على سبيل المدح لبعضهم لما اتبعوا الحق، أما الآية التي وردت في مدح بعض النصارى الذين عرفوا الحق وشهدوا به، فهي قول الله تعالى في سورة المائدة: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾ [المائدة].\n«قيل: إن هذه الآية والتي بعدها نزلت في نفرٍ قدموا على رسول الله -ﷺ- من نصارى الحبشة، فلما سمعوا القرآن أسلموا واتبعوا رسول الله -ﷺ-.\nوقيل: إنها نزلت في النجاشي ملك الحبشة وأصحاب له أسلموا معه» (^١).\nوأما عن بعض ما ورد في القرآن من الاقتران بين الطائفتين-اليهود والنصارى- فمنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠]، وقوله\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٠/ ٤٩٩).","vol":"1","page":437},{"text":"سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨]، وقوله سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ﴾ [التوبة: ٣٠].\nوفي هذا الاقتران دلالة واضحة على القاسم المشترك بينهما، ألا وهو الشرك والكفر بالله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-331>سادسًا: أبرز الصفات المشتركة بين اليهود والنصارى</span>.\nومما سبق يُستَدَلُ على وجود صفات كثيرة مشتركة بينهما ومن أهمها وأبزها ما يلي.\n\n<span data-type='title' id=toc-332>١ - اشتراكهما في نسبة الولد لله</span>.\nيقول الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٠].\nفهم مستويان في شركهما وكفرهما في نسبة الولد لله تعالى، وهذا من أعظم الظلم والكفرعياذًا بالله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-333>٢ - إشتراكهما في جحد كون القرآن كلام الله المنزل على عبده ورسوله محمد -ﷺ</span>-.\n<span data-type='title' id=toc-334>٣ - إشتراكهما في جحد وإنكار نبوة محمد -ﷺ</span>-.\nأما اليهود فيجحدون نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وأما النصارى فيجحدون نبوة محمد -ﷺ-.\n\n<span data-type='title' id=toc-335>٤ - إشتراكهما في تحريف كتبهم المنزلة</span>.\n<span data-type='title' id=toc-336>٥ - إشتراكهما في الغرور والكبر</span>.\nكما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨].","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type='title' id=toc-337>٦ - إشتراكهما في الحقد الدفين على هداية عباد الله المؤمنين</span>.\nكما قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩].\nوكما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠].\nوكما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥].\nوفي العموم وإن كان الكفر كله ملة واحدة إلا أن بعض الكفر والشر أشد من بعضه.\nفاليهود أشد كفرًا وعنادًا وأعظم خبثًا وضلالًا وفسادًا من النصارى، وذلك لأن مصائبهم وجرائمهم وفضائحهم العظيمة أكثر مما عند النصارى، وإن كانوا في أصل الكفر والشرك سواء بسواء، ومما خُصَ به اليهودُ واستحقوا به وصف الغضب كونهم قد فسدوا وانحرفوا عن علم فوصفوا ونعتوا بالمغضوب عليهم، والنصارى فسدوا وانحرفوا عن جهالة فوصفوا بالضالين.\nوقد قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢]، والنصارى مع كفرهم وشركهم وضلالهم فإنهم لا شك دون ذلك.\nولا تكاد سورة من سور القرآن الطوال تخلو من بيان كفر وشرك اليهود والنصارى، ومن التحذير من شرهم وسيء فعالهم وذكر مساويهم وفساد عقائدهم ودناءة أخلاقهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-338>سابعًا: تنبيه وتحذير المنعم عليهم من سلوك سبيل اليهود والنصارى</span>.\nفـ «قد أمرنا الله ﷾ أن نسأله في صلاتنا أن يهدينا صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، ولهذا كان النصارى أخص بالضلال لأنهم أمة جهل، واليهود أخص بالغضب لأنهم أمة عناد، وهذه الأمة هم المنعم عليهم، ولهذا قال سفيان بن عيينة: من فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى، ومن فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، لأنَّ النصارى عبدوا بغير علم واليهود عرفوا","vol":"1","page":439},{"text":"الحق وعدلوا عنه» (^١).\n«فلهذا تجد أكثر المنحرفين من أهل الكلام، من المعتزلة ونحوهم -فيه شبه من اليهود، حتى أن علماء اليهود يقرءون كتب شيوخ المعتزلة، ويستحسنون طريقتهم، وكذا شيوخ المعتزلة يميلون إلى اليهود ويرجحونهم على النصارى.\nوأكثر المنحرفين من العباد، من المتصوفة ونحوهم -فيهم شبه من النصارى، ولهذا يميلون إلى نوع من الرهبانية والحلول والاتحاد ونحو ذلك. وشيوخ هؤلاء يذمون الكلام وأهله، وشيوخ أولئك يعيبون طريقة هؤلاء ويصنفون في ذم السماع والوجد وكثير من الزهد والعبادة التي أحدثها هؤلاء» (^٢).\nوعن سفيان -﵀- قال: «لا تجد مبتدعًا إلا وجدته ذليلًا، ألم تسمع إلى قول الله -﷿-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: ١٥٢]» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-339>ثامنًا: نداء عام لليهود والنصارى:</span>\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ [المائدة].\nقال ابن كثير -﵀-: «يقول تعالى: قل يا محمد: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: من الدين ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ أي: حتى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء، وتعملوا بما فيها، ومما فيها الإيمان بمحمد، والأمر باتباعه -ﷺ-، والإيمان بمبعثه، والاقتداء بشريعته» (^٤).\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (١/ ٢٤).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٨٠١).\n(^٣) الدر المنثور (٦/ ٦٩٥).\n(^٤) تفسير القرآن العظيم (٢/ ١٢٨).","vol":"1","page":440},{"text":"وكما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [آل عمران].\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار» (^١).\nوهذا الحديث يدلل على أن جميع الرسالات السابقة لرسالة النبي محمد -ﷺ- قد نُسِخَت برسالته، فوجب على كل من بلغته رسالتُه، الإيمانَ والتصديقَ بها واتباعها، يهوديًّا بلغته كان أو نصرانيًّا أو غيرهما من أهل ملل الشرك والكفر قاطبة.\nقال النووي -﵀-: «وأما الحديث ففيه نسخ الملل كلها برسالة نبينا -ﷺ-».\nوقوله -ﷺ-: «لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ» أي: ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة، فكلهم يجب عليه الدخول في طاعته، وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهًا على من سواهما؛ وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابًا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى» (^٢).\nومما يدلل عليه الحديث أيضًا: أن رسالة النبي -ﷺ- رسالة عامة لجميع الناس إلى قيام الساعة، وهذا من خصائص دعوته ورسالته -ﷺ-، يقول سبحانه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا … رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ … (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، والأدلة على عموم رسالته -ﷺ- في نصوص الكتاب والسنة كثيرة ومعلومة.\nولعل فيما مضى كفاية والحمد لله بداية ونهاية.\n_________\n(^١) مسلم (١٥٣).\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١/ ٢٧٩).","vol":"1","page":441},{"text":"<span data-type='title' id=toc-340>الخاتمة</span>\nوفيها ما يلي:\nأولًا: أبرز النتائج\nثانيًا: بيان لأهم توصيات الدراسة\nفبعد هذا التطواف بين ثنايا كلمات وسطور ومباحث وفصول هذا البحث ومن خلال تلك الدراسة المتواضعة جدًّا توصلت تلك الدراسة بحمد الله وإعانته وامتنانه وتوفيقه وفضله لنتائج وتوصيات جمَّة مما أفاء اللهُ تعالى وامتنَّ به على جامعها، ومن أجلها، وأميزها، وأبينها.","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type='title' id=toc-341>أولًا: أبرز النتائج:</span>\n<span data-type='title' id=toc-342>أبرز النتائج من خلال الفصل الأول</span>\nبيانُ عظمِ مكانةِ وقدرِ التوحيدِ\nتبين من خلال الدراسة في هذا الفصل:\nأ-أن التوحيد هو أول وأعظم وآكد واجب لله تعالى على جميع العبيد، ومقصده من أعظم المقاصد وغاية تحقيقه من أجلّ وأعظم وأنبل وأرفع وأسمى الغايات، والإقرار له سبحانه بالوحدانية وإفراده تعالى بالعبودية في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته والاستسلام له سبحانه بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك بكل صوره وأشكاله صغيره وكبيره، دقيقه وجليله، قليله وكثيره، والبراءة منه ومن أهله لهو من أوجب الواجبات المتحتمات على جميع المكلفين من البريات إنسهم وجنهم على حدٍّ سواء، وتحقيق التوحيد وإفراد الله بالعبادة هي الغاية الكبرى والمهمة العظمى التي خلق الله تعالى من أجلها الثقلين وأوجدهم لها كما بين سبحانه في محكم آياته بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات]، وهي الغاية العظمي التي كذلك من أجلها أرسل ﷾ الرسل وأنزل الكتب وشرع الشرائع.\nقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ … إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء].\nب-كما تبين أن مكانة التوحيد من الدين كمكانة الروح من الجسد، فالروح إذا فارقت الجسد فلا حياة فيه ولا مكان له إلا التراب، وكذلك التوحيد إذا لم يحققه","vol":"1","page":445},{"text":"العبد ولم يوحد خالقه في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وقع في الشرك وتلبس به وخلع ربقة الإسلام من عنقه وأصبح لا قيمة له ولا مكان له إلا النار خالدًا فيها أبدًا والعياذ بالله.\n\n<span data-type='title' id=toc-343>فبتحقيق التوحيد</span>\n١ - يحيا المؤمن الحياة الحقيقية الطيبة، حياة الأمن والاطمئنان، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام] فهم لم يلبسوا إيمانهم بظلم أي: بشرك، فتوحيدهم خالص لم تشوبه أيّ شائبة شرك، لا صغيرة ولا كبيرة، لا دقيقة ولا جليلة، فأهل التوحيد لهم الأمن الكامل والتام في الدنيا والآخرة، وقال ربنا جل في علاه -أيضًا-: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل].\n٢ - وبتحقيق التوحيد-كذلك-يحيا المؤمن الحياة الحقيقية مستضيئًا بنور الإيمان قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ … مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ … مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ … زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا … يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام]، وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].\n٣ - وبتحقيق التوحيد-كذلك-ينجز اللهُ لعباده المؤمنين الوعدَ بالعزة والنصر والتمكين، يقول ربنا العظيم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥].\n٤ - وتحقيق التوحيد سبب لمغفرة الذنوب كما هو عليه أهل السنة والجماعة، ومن قال بقولهم من أهل الفرق فإنما هو تابع لهم في ذلك، ذلك لأن أهل السنة يقولون بأن التوحيد -يعني: الخالص- يكفر ما معه من الذنوب، وقد تُكفر الذنوبُ كذلك بتوبةٍ مقبولةٍ، أو بحسناتٍ ماحيةٍ، أو بابتلاءٍ من همٍّ أو غمٍّ أو فقرٍ أو مرضٍ أو نحو ذلك من الابتلاءات، وقد تُكفر بسكراتِ الموتِ وأهوالِ القبرِ وشدتهِ وأهوالِ","vol":"1","page":446},{"text":"القيامةِ والفزعِ الأكبرِ ومن شدائِدِها وكروبِها، أو بشفاعةِ الشافعين، أو غيرها من أسبابِ المغفرةِ والتي من أوسعها وأفضلها وأجلها وأعظمها وأرجاها رحمة أرحم الراحمين، هذا مع ما معه من أصل تحقيق التوحيد، خلافًا لما عليه الخوارج والمعتزلة الذين يرون أن الذنوب لا تغفر إلا بتوبة (^١).\n٥ - وتحقيق التوحيد سبب لثبات المؤمن، قال ربنا: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وإن كانت الآية نزلت في عذاب القبر إلا أنها تعم كل المواطن، عند الموت وفي القبر وفي عرصات القيامة، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\n٦ - وبتحقيق التوحيد يفوز المؤمن الموحد بالجنة وينجو من الخلود في النار مهما بلغت ذنوبه، أي: ما دامت ذنوبه دون الشرك لعموم الأدلة الواردة في ذلك.\n٧ - والشرك في الإسلام كالحدث إذا طرأ على الطهارة أفسدها ونقضها، فكذلك الشرك إذا طرأ على العمل ودخل عليه أحبطه ونقض الدين بالكلية وأبطله.\n٨ - وجوب الحذر من الشرك بكل صوره وأشكاله لعظم جرمه وخطره وما يترتب عليه من عظائم ومخاطر وطوام كبرى من أعظمها وأفظعها وأشدها:\nأ- الردة عن الإسلام لمن تلبس بشرك أكبر عياذًا بالله تعالى من ذلك.\nب- حبوط العمل بالكلية عياذًا بالله تعالى من ذلك أيضًا.\nج- وعدم دخوله تحت مشيئة الله في الوعد بالمغفرة الموعود بها لأهل الكبائر وذلك لمن مات على الشرك الأكبر دون توبةٍ عياذًا بالله تعالى من ذلك أيضًا.\nد- الخلود في نار جهنم أبد الآبدين لمن مات على ذلك والعياذ بالله تعالى من ذلك أيضًا.\n_________\n(^١) أوجب جميع المعتزلة والخوارج عقاب صاحب الكبيرة إذا مات بلا توبة، ولم يجوزوا أن يعفو الله عنه، لوجهين: الأول: أنه تعالى أوعد بالعقاب على الكبائر وأخبر به، أي: بالعقاب عليها، فلو لم يعاقب على الكبيرة وعفا لزم الخلف في وعيده والكذب في خبره، وإنه محال. المواقف للشريف الجرجاني (٨/ ٣٠٣)، وينظر: مقالات الاِسلاميين للأشعري (١/ ٢٧٠).","vol":"1","page":447},{"text":"هـ- وجوب تعلم التوحيد وجوبًا عينيًا وما يتعلق به من مفاهيم وفضائل وأحكام وأقسام، وكذلك تعلم ما ينقضه ويبطله وهو الشرك وما يتعلق به من أحكام دنيوية وأخروية، وذلك للحذر منه وتجنبه والتجافي عنه.","vol":"1","page":448},{"text":"<span data-type='title' id=toc-344>أبرز النتائج من خلال الفصل الثاني</span>\nمن أبرز نتائج هذا الفصل ما يلي:\n١ - أن الفاتحة أم الكتاب هي أفضل سورة في القرآن.\nولذا فإنه على إيجازها لا يقوم مقامها غيرها ولا يسد مسدها سواها؛ لأنها قد احتوت على ما لم تحتوِ عليه أيٍّ من سور القرآن؛ وهي وإن كانت قليلة المباني فإنها عظيمة المعاني، ولذلك لم ينزل في الكتب السابقة مثلها، وأن لها أسماء كثيرة وذلك لشرفها وفضلها وعلو قدرها، وقد أوردت الدراسة أبرز ما ثبت لها من أسماء وفضائل ومقاصد.\n٢ - أن الاستعاذة تُشْرَعُ عند التلاوة وهي ليست آية من القرآن إجماعًا.\n٣ - أن البسملة آية في أول كل سورة لأن كل ما بين دفتي المصحف قرآنٌ، وذلك بإجماع الصحابة -﵃- ومن بعدهم، وهم جميعًا على إثباتها في المصحف أول كل سورة عدا سورة براءة، لأنها نزلت بالسيف ولا يتناسب معها البسملة، مع الأمر بتجريد القرآن من كل ما ليس منه، ومن ثم لم يكتبوا (آمين) في آخر الفاتحة، كما أنها جزء آية مستقلة من سورة النمل.\n٤ - لم يرتفع الخلاف لدى الباحث في قرآنية البسملة في الفاتحة خاصة-نفيًّا أو إثباتًا-من خلال تلك الدراسة، وذلك لأنه خلافٌ معتبرٌ له قدره من حيث قوة أدلة الفريقين.\n٥ - عدم تكفير أو تفسيق من نفى قرآنية البسملة في الفاتحة خاصة لكون الخلاف في إثباتها معتبرًا، بخلاف ما لو أنكر شيئًا من القرآن مجمعًا عليه ولو حرفًا واحدًا أو أثبت فيه ما ليس منه ولم يقل به أحدٌ، فقد كفر إجماعًا.","vol":"1","page":449},{"text":"٦ - جعل بعض أهل العلماء الاختلاف في قرآنية البسملة، كاختلاف أئمة القراءات في بعض الكلمات والحروف، فقد يَثبُتُ بعضُها في قراءة أو رواية، وقد لا يَثبُتُ في غيره، وهذا قول معتبرٌ له قوته وتوجهه.\n٧ - أن البسملة يُسَرُّ بها في الصلاة.\n٨ - وأن التأمين يُجهرُ به ويُشرعُ ذلك عند ختم قراءة الفاتحة وهو ليس بآية منها.\n٩ - أن عدد آيات الفاتحة سبع آيات وذلك إجماعًا، وإنما وقع الخلاف في الآية التي تكون بها سبعًا.\n١٠ - أن في عدد كلمات الفاتحة خلافٌ مشهور.\n١١ - أن أبرز موضوعات السورة هي: العقيدة وبيان التوحيد بأقسامه الثلاثة، وبيان مكانة العبادة والاستعانة والهداية، وإثبات النبوة والرسالة والبعث بعد الموت والجزاء، وأحوال وأخبار الأمم السابقة وبيان منازل السعداء والأشقياء.\n١٢ - أنه في ضوء بحث «المعنى الإجمالي للسورة الكريمة» تبين أن ما فُصِّلَ في القرآن أُجْمِلَ فيها لذا سميت «أم القرآن»، وأن فضائلها أكثر من أن تحصى.\n١٣ - أن تلك الدراسة لم تقف على سبب نزول للسورة ثابت صحيح، وأما ورد في سبب نزولها فسنده منقطع، ويتضح من جراء ذلك أنها نزلت للهداية ابتداءً كالكثير من سور القرآن الكريم، وأنها نزلت بمكة جملة واحدة، وأنها سورة محكمة لا ناسخ فيها ولا منسوخ.","vol":"1","page":450},{"text":"<span data-type='title' id=toc-345>أبرز النتائج من خلال الفصل الثالث</span>\n١ - أن علم المناسبات علمٌ معتبرٌ شرعًا له أسسه وقواعده، ومتى ظهرت المناسبة والموضوع واُلتُزِمَت فيه الشروطُ والضوابطُ المعتبرةُ بلا إفراطٍ ولا تفريطٍ فلا مانع من القول والأخذ به.\n٢ - وأنه علم يعين على إبراز أوجه الصلة والتناسب بين السور والآيات ويقرب فهم معاني القرآن وبيان مقاصده ومراميه، لمفسره وقارئه ومتدبره وتاليه.\n٣ - ويعين أيضًا-على إدراك الحكمة من التشريع والترابط بين أحكام الشريعة في كل جوانبها.\n٤ - أن سورة الفاتحة لمَّا حوت آياتُها السبع مقاصدَ القرآنِ الكريم وكلياته مع ما اشتملت عليه ومع مالها من المكانة والقدر ناسب افتتاح القرآن الكريم بها.\n٥ - تبين من خلال تلك الدراسة أن هناك أوجه من التناسب بين سورة الفاتحة وتاليتها وهي سورة البقرة.\n٦ - ومن خلال تلك الدراسة-أيضًا-تبين الترابط النصي بين آيات السورة الكريمة وكأنها منظومة واحدة في الوحدة الموضوعية ولاسيما في عرض قضية التوحيد وعلاقتها بمحور السورة الكريمة.\n٧ - ومن خلال تلك الدراسة-أيضًا- تبين العلاقة الوطيدة بين سورة الفاتحة وهي من السور المفتتحة بالحمد وبين مثيلاته من السور المفتتحة بالحمد كذلك.","vol":"1","page":451},{"text":"<span data-type='title' id=toc-346>أبرز النتائج من خلال الفصل الرابع</span>\nهذا الفصل هو المبحث الرئيس في السورة الكريمة وقد تناول التفسيرَ الموضوعي للسورة وتناول-كذلك- بيان مواضيعها الرئيسية ثم عرج عليها بشيء من التحليل والبيان للقضايا الفرعية وعلاقتها بالمحور الرئيس للسورة الكريمة ألا وهو تقرير العبودية بشموليتها وكمالها لله تعالى.\nومن أبرز النتائج في هذا الفصل مايلي:\nأ- أن تقرير العبودية هو الموضوع الرئيس الذي يتمحور حوله موضوع السورة الكريمة، وقد تقرر التوحيد في السورة بأنواعه الثلاثة وبيان استحقاق إفراد الرب جل في علاه بالتوحيد.\nب- وتقرر من الدراسة أن المواضيع التي تناولتها السورة الكريمة هي:\n١ - (الحمد) وقد تبين معناه ودلالته على التوحيد واستحقاق الرب جل في علاه له.\n٢ - وصفات الله تعالى الواردة في ثنايا آياتها وهي: (الرحمن-الرحيم-رب العالمين-مالك يوم الدين) ودلالتها كذلك على التوحيد.\n٣ - وتبين من خلا الدراسة مفهوم الإيمان باليوم الآخر (يوم الدين) وبيان مكانته من الدين وحقيقته وبعض أوصافه وخطره، ودلالته-كذلك-على التوحيد.\n٤ - (العبودية-والاستعانة) وهما قطبا الدين ولبا دعوة المرسلين وبيان مكانتيهما من الدين.\n٥ - طلب الهداية للصراط المستقيم، وتبين من خلال تلك الدراسة نوعي الهداية وأنهما من أعظم وأجل المطالب وأعزها، ثم دللت الدراسة على علاقة ذلك المطلب بموضوع السورة الرئيس ألا وهو التوحيد.","vol":"1","page":452},{"text":"٦ - أبرز صفات الطوائف الثلاث المذكورة في السورة الكريمة (المنعم عليهم-المغضوب عليهم-الضالين).\nوقد خُتمت تلك الدراسةُ ببيان هذا المبحث الهام الذي تبين منه ثمرة موضوع هذا البحث وثمرة مُتَعَلَّقِهِ (^١) ألا وهو التوحيد، وبينت مآل طائفة مَنْ أنعم الله عليهم بتحقيق التوحيد ولزوم الصراط من موحدي ومؤمني كل أمة، وبيان مصير الطائفتين اللتين تنكبتا الصراط وهما: الْأُمَّةِ الْغَضَبِيَّةِ، وَأُمَّةِ أَهْلِ الضَّلَالِ، أي: اليهود والنصارى ومَن سار على نهجهم واقتفى آثارهم واعتقد اعتقادهم وعمل بعملهم إلى يوم الدين.\nوالحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) باسم المفعول.","vol":"1","page":453},{"text":"<span data-type='title' id=toc-347>ثانيًا: بيان لأهم توصيات الدراسة</span>\n١ - توصى تلك الدراسة بالعناية بكتاب الله تعالى تعلمًا وتعليمًا، وتدبرًا ومدارسة ولاسيما فيما يتعلق بتفسيره وتأويله، كما توصي كذلك بتحكيمه والتحاكم إليه، والتداوي به من كل العلل حسيها ومعنويها، واتخاذه شرعةً ومنهاجًا لكل جوانب الحياة لتسعد به البشرية كما سعد به الرعيل الأول من صدر هذه الأمة.\n٢ - كما توصي الدراسة بالعناية بمدارسة فاتحة الكتاب خصوصًا، لأن ما فُصِّلَ في القرآن أُجْمِلَ فيها، كما توصي-كذلك- باستخراج ما بها من علوم والاستفادة من مقاصدها ومراميها وما اشتملت عليه وحوته من موضوعات.\nوالتي من أجلها وأجمعها وأبينها ما يلي:\nأ- التوحيد ووجوب تحقيقه ولزومه مع تجنب كل نواقضه المفضية إلى الشرك بالله تعالى، وبذلك يتحقق للعبد كمال العبودية وينال سعادة الدارين.\nب- حمد الله تعالى وتمجيده وإجلاله وتعظيمه بالثناء عليه سبحانه بما هو أهله وبما له من أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العلى.\nجـ- تذكر المعاد، وهو يوم الدين، وإعداد العدة لهذا اليوم العظيم الذي يُدان فيه الأولون والآخرون بما قدمت أيديهم، يوم يقوم الناس لرب العالمين.\nد- إخلاص الدين لله تعالى وحسن القصد في إفراده تعالى بالألوهية (عبادة، واستعانة) تضرعًا إليه سبحانه وافتقارًا، وذلًا له سبحانه ولكبريائه وعظمته وخضوعًا، وتبرؤًا من كل حولٍ وقوةٍ، وتنزيهًا لله ﷾ عن الشريك والشبيه والند والنظير والمثيل.\nهـ - الإلحاح على الله في طلب الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو دين الله القويم المتضمن للعلم النافع والعمل الصالح، وسؤاله سبحانه الثبات عليه حتى يفضي بهم","vol":"1","page":454},{"text":"ذلك إلى جواز الصراط الحسي المنصوب على متن جهنم يوم القيامة، المؤدي إلى موعود الله والمفضي بهم إلى النعيم المقيم في جنات النعيم بجوار الرب الكريم.\nو- الحرص على الأعمال الصالحة والوصية والترغيب في الإكثار من الباقيات الصالحات والحرص على صحبة الصالحين ليكون العبد بذلك يوم القيامة في صحبة المنعم عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.\nز- التحذير من مسالك سبل أهل الغواية ممن غضب الله عليهم كاليهود، وممن أضلهم كالنصارى، وكل من سار على نهجهم واقتفى آثارهم واتبع سبيلهم، لئلا يُحْشَر في زمرتهم.\nوأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":455},{"text":"<span data-type='title' id=toc-348>وختامًا</span>\nفإن الباحث في ختام بحثه يحمد ربَه الكريمَ الرحمن ذا الجود والإفضال والإكرام والإنعام على ما أنعم به وأولى على عبده الضعيف الفقير، ويسر له من جمعٍ لكلام أولى العلم من أئمة التفسير وسادات التأويل والتحبير، فجمع من نفائس استنباطهم وتأويلهم وعلمهم الغزير، وكأنه يَسمع صريرَ أقلامهم كما يُسمعُ خريرُ الماءِ العذبِ النمير في يوم مطير، ولكأنه يشم من مدادهم أقلامهم أطيب مسك وأحسن عنبر وأزكى رحيق وعبير، ولكأنه يلمس من ثنايا تأويلهم وفسرهم ملمسًا لينًا طيبًا كملمس الناعم من الحرير، وقد أفاد من تأويلهم وفسرهم كما يُفادُ من ثمر النخل بعد التأبير، بداية من شيخ المفسرين الإمام ابن جرير، ومرورًا بالحافظ ابن كثير، وحتى الشوكاني صاحب فتح القدير، وغيرهم من أهل العلم وأئمة التأويل والتفسير، وختامًا بالشنقيطي صاحب أضواء البيان ذاك العالم النحرير، فرحم الله علماءَ الأمةِ قاطبةً وكلَ أئمةِ التفسير ويُخصُ منهم كلُ عالمٍ عَلَمٍ حَبرٍ وإمامٍ نحرير سار على السنة والجماعة وأثبت لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله -ﷺ- البشير النذير من الأسماء الحسنى والصفات العلى بلا تأويل، ولا تشبيه ولا تمثيل، ولا تعطيل ولا تكييف، ولا تبديل ولا تغيير، قال ربنا الحكيم الخبير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ … شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى].\nوكان بحث الفاتحة خاص بالتوحيد الذي هو حق الله في رقاب جميع العبيد، والذي به حبل النجاة لمن حققه وعمل واستمسك به في يوم الوعيد، فصاحبه يَنال الأمن في الدنيا والآخرة فقولُهُ سليمٌ سديد، وعَمَلُهُ كذلك صالحٌ رشيد، والذي يطمع أن ينجو به من النار والعذاب الشديد، ويسلك به أعالي الجنان وقد حُرِمَ منها كُلُّ جبار كَفَّارٍ عنيد، يوم يأمر الجبار سبحانه زبانية جهنم فيقول لهم: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ","vol":"1","page":456},{"text":"كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤)﴾ [ق] وقد وعد سبحانه بملئها فيقول لها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ [ق].\nوالباحث قد بذل ما يملك من الجهد والأوقات لإتمام بحثه على وجه يرجو به رضا رب البريات، وينال به رحمته في الدنيا ويوم الحسرة والفوات، فلم يبخل ببذل اللحظات والساعات في تحرير بحثه ولَمِّ شمل كلماته وجمعها بعد شتات، والبحث في القرآن عمومًا وفي الفاتحة خصوصًا يحتاج لبذل جهود وأعمار وأوقات، ومع ذلك لا يمكن لأحدٍ أن ينال كل وطره ومأربه ومطلبه منها لعظم مقاصد ومرامي آياتها وما شملته من العلوم وما حوته من العبر والعظات، ولما حوت بين ثنايا آياتها من التناسق النصي والوحدة الموضوعية المتضمنة لتوحيد وعبودية رب البريات.\nوالنقص وصف بشري يعتري عموم الخلق قاطبة وإن ادعوا الكمالات، إلا رسل الله وأنبيائه، وأكملهم من ختمت به النبوات وببعثته الرسل وجميع الكتب والرسالات، عليهم من الله جميعًا أفضل الصلوات وأطيب التسليمات والتبريكات، والبحث ما يزال يحتاج لجهود وعقول وقلوب أصحاب الهمم العالية والنفوس الزاكية الراغبة فيما عند رب الأرض والسماوات من الفضل والرفعة والمكانة وعلو الدرجات.\nوأخيرًا فهذه دعوة لجميع الباحثين والباحثات للتنافس في قربى لله من أعز وأنفس القربات لتقديم البحوث العلمية والأطروحات في بيان معاني ومرامي ومقاصد فاتحة الكتاب طمعًا في الفوز غدًا بأعالي المنازل في غرفات الجنات.\nولقد صَدَقَ القاضي الفاضل عبد الرَّحيم بن عليّ البيسانيّ لما قال:\n«إنِّي رأيتُ أنَّه لا يكتُبُ إنسانٌ كتابًا في يومِه؛ إلاَّ قالَ في غَدِهِ: لو غُيِّرَ هذا لكان أحسنَ، ولو زِيدَ كذا لكان يُستَحسَنُ، ولو قُدِّمَ هذا لكان أفضلَ، ولو تُرِكَ هذا لكان أجملَ. هذا مِنْ أعظَمِ العِبَرِ، وهو دليلٌ علَى استيلاءِ النَّقصِ علَى جُملةِ البَشَرِ» (^١).\n_________\n(^١) كان الأُستاذ أحمد فريد الرِّفاعي (ت ١٣٧٦ هـ) هو الَّذي شهَّر هذه الكلمةَ؛ حيث وضعها أوَّلَ كلِّ جزء من أجزاء مُعجم الأدباء لياقوت الحمويّ، وغيره من الكُتب، وتداولَها النَّاس عنه منسوبةً إلى العماد الأصفهانيّ!! والصَّواب نسبتُها للقاضي الفاضل، بعثَ بها إلى العماد؛ كما في=","vol":"1","page":457},{"text":"ومسك الختام مع كلمات معبرات وحروف مؤثرات انطلقت من قلب وعقل إمام عالم علم، وحبر همام ناصح للبريات، ما يزال قدوة للأنام، على مرّ الأيام والسنوات، ألا وهو ابن القيم رحمه الله تعالى حيث يقول ويسطر هذه الكلمات:\n«فيا أيها الناظر فيه، لك غنمه، وعلى مؤلفه غرمه، ولك صفوه، وعليه كدره، وهذه بضاعته المزجاة تعرض عليك، وبنات أفكاره تُزفّ إليك، فإن صادفت كفئًا كريمًا، لم تعدم منه إمساكًا بمعروف، أو تسريحًا بإحسان، وإن كان غيره، فالله المستعان، وعليه التكلان، وقد رضي من مهرها بدعوة خالصة إن وافقت قبولًا وإحسانًا، وبرد جميل إن كان حظها احتقارًا، واستهجانًا، والمنصف يهب خطأ المخطئ لإصابته، وسيئاته لحسناته؛ فهذه سنة الله في عباده جزاءً وثوابًا، ومن ذا الذى يكون قوله كله سديدًا وعمله كله صوابًا؟ وهل ذلك إلا المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، ونطقه وحي يوحى؟.\nفما صح عنه فهو نقل مُصَدَّقٌ عن قائل معصوم، وما جاء عن غيره فثبوت الأمرين فيه معدوم، فإن صح النقل لم يكن القائل معصومًا، وإن لم يصح لم يكن وصوله إليه معلومًا» (^١).\nهذا وآخر دعوانا أن الحمد لله الذي وحده علا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ … وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٥ - ٨]، وصلى الله وسلم وبارك على النبي المصطفى والرسول المجتبى، وعلى آله وصحبه أولي العلم والحلم والنُّهى، أولي البرِّ والإحسان والصبر والتُّقى، وسلم اللهم تسليمًا كثيرًا كثيرًا ليس له عدد ولا منتهى.\nالباحث الدكتور/ عرفة بن طنطاوي\narafatantawy@hotmail.com\n_________\n=  أوَّل شرح الإحياء للزَّبيديّ (١/ ٣)، والإعلام بأعلام بيت الله الحرام لقطب الدِّين محمد بن أحمد النهر والي الحنفيّ (ت ٩٨٨ هـ) نقلًا عن كتاب إعلام العابد في حكم تكرار الجماعة في المسجد الواحد، للشيخ/ مشهور بن حسن بن سلمان: (ص ٧)، دار المنار-الخرج، (ط ٢).\n(^١) تضمين من آخر مقدمة ابن القيم لكتابه روضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص: ٢٨).","vol":"1","page":458},{"text":"<span data-type='title' id=toc-349>الفهارس</span>\nمرتبة ترتيبًا أبجديًّا\nالفهارس العامة\nوتشتمل على الفهارس الآتية:\nأولًا: فهرس: أهم المصادر والمراجع.\nثانيًا: فهرس الآيات.\nثالثًا: فهرس الأحاديث والآثار.\nرابعًا: فهرس الأعلام المترجم لهم.\nخامسًا: فهرس الموضوعات.","vol":"1","page":459},{"text":"<span data-type='title' id=toc-350>أولًا-فهرس: أهم المصادر والمراجع</span>\nترتيب (ألف بائي)\n-القرآن الكريم -طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف- المدينة النبوية.\n\n<span data-type='title' id=toc-351>(أ)</span>\n١ - أحكام القرآن، المالكي: ابن العربي، القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الإشبيلي، راجع أصوله وخرج أحاديثه وعلَّق عليه: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، الطبعة: الثالثة، ١٤٢٤ هـ -٢٠٠٣ م، عدد الأجزاء: أربعة أجزاء.\n٢ - أحكام القرآن، الجصاص: أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي، تحقيق: عبد السلام محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية بيروت -لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ-١٩٩٤ م، عدد الأجزاء: ٣.\n٣ - إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرعي ثم الدمشقي، دار الجيل، بيروت، ١٩٧٣ هـ، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد.\n٤ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، الألباني: محمد ناصر الدين، إشراف: زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الثانية ١٤٠٥ هـ -١٩٨٥ م، عدد الأجزاء: ٩ (٨ ومجلد للفهارس).\n٥ - الاستقامة، ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني، تحقيق: محمد رشاد سالم، مكتبة السنة، الطبعة: الثانية، ١٤٠٩ هـ.\n٦ - من مصايد الشيطان، ابن القيم: الإمام محمد بن أبي بكر، تحقيق: محمد حامد","vol":"1","page":461},{"text":"الفقي -دار المعرفة-الطبعة الثانية، ١٣٩٥ هـ.\n٧ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، الشنقيطي: محمد الأمين بن محمد بن المختار الجكني، دار الفكر، سنة النشر: ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٥ م، عدد الأجزاء: تسعة أجزاء.\n٨ - أسد الغابة في معرفة الصحابة -المؤلف: أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد ابن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد، المعروف بابن الاثير (المتوفى: ٦٣٠ هـ) المحقق: علي محمد معوض -عادل أحمد عبد الموجود الناشر: دار الكتب العلمية الطبعة: الأولى سنة النشر: ١٤١٥ هـ -١٩٩٤ م عدد الأجزاء: ٨ (٧ ومجلد فهارس).\n٩ - أسرار ترتيب القرآن السيوطي، جلال الدين-عبد الرحمن بن أبي بكر، دار الفضيلة للنشر والتوزيع، ١٤٢٢ هـ ٢٠٠٢ م، عدد الأجزاء ١.\n١٠ - أسباب النزول، الواحدي: علي بن أحمد الواحدي النيسابوري أبو الحسن، ط-العلمية، تحقيق: كمال بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، ١٤١١ هـ -١٩٩١ م، ط ١، عدد الأجزاء: ١.\n١١ - أهل السنة والجماعة-خصائص -وفضائل -وأحكام-عرفة بن طنطاوي-تحت الطبع.\n١٢ - أسماء الله وصفاته في معتقد أهل السنة والجماعة؛ المؤلف: عمر سليمان الأشقر؛ حالة الفهرسة: مفهرس فهرسة كاملة؛ الناشر: دار النفائس -عمان؛ سنة النشر: ١٤١٤ هـ-١٩٩٤ م.\n١٣ - أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة (الكتاب نشر -أيضًا-بعنوان: (٢٠٠ سؤال وجواب في العقيدة الاسلامية) المؤلف: حافظ بن أحمد بن علي الحكمي (المتوفى: (١٣٧٧ هـ) تحقيق: حازم القاضي الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد -المملكة العربية","vol":"1","page":462},{"text":"السعودية الطبعة: الثانية، ١٤٢٢ هـ.\n١٤ - آكام المرجان في غرائب الأخبار وأحكام الجان؛ المؤلف: محمد بن … عبد الله الشبلي بدر الدين أبو عبد الله؛ المحقق: أحمد عبد السلام؛ الناشر: دار الكتب العلمية؛ عدد المجلدات: ١؛ عدد الصفحات: ٢٣٤.\n١٥ - الأذكار المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: ٦٧٦ هـ) تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط -﵀- الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت -لبنان طبعة جديدة منقحة، ١٤١٤ هـ -١٩٩٤ م.\n١٦ - الإبانة لابن بطة -فضائل الصحابة-المؤلف: ابن بطة: الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية. المؤلف: أبوعبدالله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري الحنبلي-المتوفى: ٣٨٧ هـ-تحقيق: حمد بن عبد المحسن التويجري-الناشر: دار الراية للنشر والتوزيع: سنة النشر: ٢٠٠٥ هـ-عدد الأجزاء: ٢.\n١٧ - أصول السنة، ومعه رياض الجنة بتخريج أصول السنة المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي) المتوفى: ٣٩٩ هـ) تحقيق وتخريج وتعليق: عبد الله بن محمد عبد الرحيم بن حسين البخاري الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة النبوية -المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ-عدد الأجزاء: ١.\n١٨ - الاعتصام، الشاطبي: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، المتوفى: ٧٩٠ هـ) تحقيق: سليم بن عيد الهلالي، الناشر: دار ابن عفان، السعودية الطبعة: الأولى، ١٤١٢ هـ -١٩٩٢ م، عدد الأجزاء: ٢.\nصالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان: ١٩ - إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، الجزء الأول.\n٢٠ - إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان -محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي بن قيم الجوزية أبو عبد الله الناشر: دار المعرفة -بيروت (-الطبعة الثانية، (١٣٩٥ هـ","vol":"1","page":463},{"text":"-١٩٧٥ م-تحقيق: محمد حامد الفقي عدد الأجزاء: ٢.\n٢١ - الإضاءة في بيان أصول القراءة تأليف: علي محمد الضباع الناشر: المكتبة الأزهرية للتراث الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ. المصدر: موقع (التيسير) للقراءات القرآنية والمتون العلمية.\n٢٢ - الاستذكار المؤلف: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: ٤٦٣ هـ) تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي معوض الناشر: دار الكتب العلمية -بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ ٢٠٠٠ م-عدد الأجزاء: ٩.\n٢٣ - الإتقان في علوم القرآن، السيوطي-جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، -دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، ط ٣، ١٤١٥ هـ\n٢٤ - الأعلام-الزركلي خير الدين - (٢٠٠٢ م) ج ٦ (الطبعة الخامسة عشر). بيروت: دار العلم للملايين.\n٢٥ - والأسماء والصفات د. عمر الأشقر (ص ٢١٠ - ٢٢٢). أسماء الله وصفاته في معتقد أهل السنة والجماعة؛ المؤلف: عمر سليمان الأشقر، الناشر: دار النفائس -عمان؛ سنة النشر: ١٤١٤ هـ-١٩٩٤ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-352>(ب)</span>\n٢٦ - البحر المحيط في التفسير، أبو حيان: محمد بن يوسف بن علي بن يوسف ابن حيان أثير الدين الأندلسي، تحقيق: صدقي محمد جميل الناشر: دار الفكر - بيروت -الطبعة ١٤٢٠ هـ.\n٢٧ - بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، الفيروز آبادي: محمد بن يعقوب، تحقيق محمد علي النجار، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية -لجنة إحياء التراث الإسلامي-القاهرة، ١٤١٦ هـ، ط ٣.\n٢٨ - بدائع الفوائد المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن","vol":"1","page":464},{"text":"قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ) الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان-عدد الأجزاء: ٤.\n٢٩ - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع-المؤلف: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى: ١٢٥٠ هـ) الناشر: دار المعرفة -بيروت-عدد الأجزاء: ٢.\n٣٠ - البرهان فى تناسب سور القرآن المؤلف: أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي، أبو جعفر (المتوفى: ٧٠٨ هـ) تحقيق: محمد شعباني-دار النشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب-عام النشر: ١٤١٠ هـ -١٩٩٠ م-عدد الأجزاء: ١.\n٣١ - بحر العلوم-السمرقندي-أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي الفقيه الحنفي-دار الفكر-بيروت تحقيق: د. محمود مطرجي: عدد الأجزاء: ٣\n٣٢ - البداية والنهاية: أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثالثة، سنة ١٤٠٧ هـ.\n٣٣ - بداية المجتهد ونهاية المقتصد-المؤلف: أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الشهير بابن رشد الحفيد (المتوفى: ٥٩٥ هـ) الناشر: دار الحديث -القاهرة الطبعة: بدون طبعة تاريخ النشر: ١٤٢٥ هـ -٢٠٠٤ م عدد الأجزاء: ٤.\n٣٤ - البرهان في علوم القرآن، الزركشي: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله ابن بهادر، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة: الأولى، ١٣٧٦ هـ -١٩٥٧ م، دار إحياء الكتب العربية-عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، ثم صوَّرته دار المعرفة، بيروت، لبنان -وبنفس ترقيم الصفحات، عدد الأجزاء: ٤.","vol":"1","page":465},{"text":"<span data-type='title' id=toc-353>(ت)</span>\n٣٥ - تفسير الطبري-جامع البيان عن تأويل آي القرآن الطبري، محمد بن جرير، دار الهجرة، ط ١.\n٣٦ - تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير بن زرع القرشي، طبعة: دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، ط ٥، ١٤١٧ هـ.\n٣٧ - تفسير القرطبي-الجامع لأحكام القرآن، محمد بن أحمد القرطبي، دار الفكر، بيروت-لبنان ١٩٩٨ م، تحقيق ومراجعة صدقي جميل، وعرفات العشا.\n٣٨ - تفسير السعدي-تيسير كلام الرحمن في تفسير كلام المنان، السعدي: … عبد الرحمن بن ناصر، تحقيق، سعد بن ناصر الصميل، دار ابن الجوزي، ١٤٢٢ هـ، ط ١، عدد الأجزاء: ٤.\n٣٩ - تفسير أبي السعود-إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم-المؤلف: أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (المتوفى: ٩٨٢ هـ) الناشر: دار إحياء التراث العربي -بيروت.\n٤٠ - التفسير القيم للإمام ابن القيم (ت: الفقي)؛ المؤلف: ابن القيم؛ المحقق: محمد حامد الفقي؛ عدد المجلدات: ١.\n٤١ - تفسير النسفي (مدارك التنزيل وحقائق التأويل) المؤلف: أبو البركات … عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين النسفي (المتوفى: ٧١٠ هـ) حققه وخرج أحاديثه: يوسف علي بديوي راجعه وقدم له: محيي الدين ديب مستو الناشر: دار الكلم الطيب، بيروت الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ -١٩٩٨ م عدد الأجزاء: ٣.\n٤٢ - تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية-الجامع لكلام الإمام ابن تيمية في التفسير","vol":"1","page":466},{"text":"تأليف: شيخ الإسلام بن تيمية جمع وتحقيق وتعليق إياد بن عبد اللطيف القيسي الناشر: دار ابن الجوزي - الدمام سنة الطبع ط ١ - ١٤٣٢ هـ عدد الأجزاء: ٧.\nالإمام-محمد بن عبد الوهاب النجدي (ت ١٢٠٦ هـ) ٤٣ - تفسير آيات من القرآن الكريم، جامعة: الإمام محمد بن سعود بالرياض.\n٤٤ - تفسير البحر المحيط- (أبو حيان) محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، تحقيق: صدقي محمد جميل، الناشر: دار الفكر، بيروت، الطبعة: ١٤٢٠ هـ.\n٤٥ - تفسير البغوي-معالم التنزيل: البغوي: محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن الفراء، تحقيق وتخريج: محمد عبد الله النمر -عثمان جمعة ضميرية -سليمان مسلم الحرش. الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع الطبعة: الرابعة، ١٤١٧ هـ.\n٤٦ - تفسير السمعاني-تفسير القرآن المؤلف: أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: ٤٨٩ هـ) المحقق: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم الناشر: دار الوطن، الرياض -السعودية الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ-١٩٩٧ م.\n٤٧ - تفسيرأضواء البيان للشنقيطي: -أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، الشنقيطي: محمد الأمين بن محمد بن المختار الجكني، دار الفكر، سنة النشر: ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٥ م، عدد الأجزاء: تسعة أجزاء.\n٤٨ - تفسير ابن الجوزي-زاد المسير في علم التفسير المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: ٥٩٧ هـ) المحقق: عبد الرزاق المهدي الناشر: دار الكتاب العربي -بيروت الطبعة: الأولى -١٤٢٢ هـ.","vol":"1","page":467},{"text":"٤٩ - تفسير ابن عاشور-التحرير والتنوير (تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد) المؤلف: محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى: ١٣٩٣ هـ) الناشر: الدار التونسية للنشر-تونس سنة النشر: ١٩٨٤ هـ عدد الأجزاء: ٣٠) والجزء رقم ٨ في قسمين (.\n٥٠ - تفسير ابن عطية-المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز المؤلف: أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي (المتوفى: ٥٤٢ هـ) المحقق: عبد السلام عبد الشافي محمد الناشر: دار الكتب العلمية -بيروت الطبعة: الأولى -١٤٢٢ هـ.\n٥١ - تفسير الواحدي-الوجيز في تفسير الكتاب العزيز المؤلف: أبو الحسن علي ابن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (المتوفى: ٤٦٨ هـ) تحقيق: صفوان عدنان داوودي دار النشر: دار القلم، الدار الشامية -دمشق، بيروت الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ عدد الأجزاء: ١.\n٥٢ - تفسير الزمخشري-الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل المؤلف: أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (المتوفى: ٥٣٨ هـ) الناشر: دار الكتاب العربي -بيروت الطبعة: الثالثة -١٤٠٧ هـ عدد الأجزاء: ٤.\n٥٣ - تفسير البيضاوي-أنوار التنزيل وأسرار التأويل المؤلف: ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي (المتوفى: ٦٨٥ هـ) المحقق: محمد عبد الرحمن المرعشلي الناشر: دار إحياء التراث العربي -بيروت الطبعة: الأولى -١٤١٨ هـ.\n٥٤ - تفسير الألوسي-روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المؤلف: شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (المتوفى: ١٢٧٠ هـ) المحقق: علي عبد الباري عطية الناشر: دار الكتب العلمية -بيروت الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ عدد الأجزاء: ١٦ (١٥ ومجلد فهارس).","vol":"1","page":468},{"text":"٥٥ - تفسير السيوطي-الدر المنثور في التفسير بالمأثور، السيوطي: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ -١٩٨٣ م.\n٥٦ - تفسير السمرقندي-المسمى بحر العلوم-أبو الليث نصر بن محمد ابن إبراهيم السمرقندي الفقيه الحنفي-دار الفكر-بيروت تحقيق: د. محمود مطرجي: عدد الأجزاء: ٣.\n٥٧ - التفسير الواضح: ط: الرابعة ١٩٦٨ م.\n٥٨ - صفوة التفاسير، الصابوني-محمد علي -، دار الصابوني للطباعة والنشر-القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ -١٩٩٧ م، عدد الأجزاء: ١.\n٥٩ - تفسير القاسمي-محاسن التأويل المؤلف: محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (المتوفى: ١٣٣٢ هـ) المحقق: محمد باسل عيون السود الناشر: دار الكتب العلميه -بيروت الطبعة: الأولى -١٤١٨ هـ عدد المجلدات: ١٧؛ رقم الطبعة: ١.\n٦٠ - تفسير: إصحاح ٣ من إنجيل يوحنا للقس أنطونيوس فكري: (يو ٣: ١٦).\n٦١ - تفسير سفر التثنية-شرح الكتاب المقدس -العهد القديم -القس أنطونيوس فكري: التثنية ٢١ - تفسير سفر التثنية-العهد القديم: (تثنية ٢١: ٢٢ - ٢٣).\n٦٢ - التأمين عقب الفاتحة في الصلاة (حكمه وصفته) ٠ د/ عبد الله بن إبراهيم الزاحم، بحث من مجلة الجامعة الإسلامية: العدد (١٢٥).\n٦٣ - تاريخ القرآن الكريم-رابطة العالم الإسلامي-سلسلة دعوة الحق-السنة الثانية-١٤٠٢ هـ.\n٦٤ - التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه لصدر الشريعة الحنفي: ط: محمد على صبيح: القاهرة-السعد التفتازاني- (د. ت)\n٦٥ - التبيان في تفسير غريب القرآن -شهاب الدين أحمد بن محمد الهائم","vol":"1","page":469},{"text":"المصري -دار الصحابة للطباعة ط ١، ١٩٩٢ م.\n٦٦ - التعريفات-المؤلف: علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني (المتوفى: ٨١٦ هـ) المحقق: ضبطه وصححه جماعة من العلماء بإشراف الناشر: دار الكتب العلمية بيروت -لبنان-الطبعة: الأولى ١٤٠٣ هـ -١٩٨٣ م-عدد الأجزاء: ١.\n٦٧ - التحف في مذاهب السلف محمد بن علي الشوكاني، قدم لها وضبط نصها وعلق عليها سليم بن عيد الهلالي وعلي بن حسن الحلبي، دار ابن الجوزي، السعودية، ط ٢، ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٧ م، ٧٨ صفحة.\n٦٨ - التوحيد ومعرفة أسماء الله -﷿- وصفاته على الإتفاق والتفرد (ت: الفقيهي)؛ المؤلف: محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده أبو عبد الله، الناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة -مكتبة العلوم والحكم؛ سنة النشر: ١٤٠٩ هـ-١٩٨٩ م، عدد المجلدات: ٣؛ رقم الطبعة: ١.\n٦٩ - تمام المنة في التعليق على فقه السنة المؤلف: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: ١٤٢٠ هـ) الناشر: دار الراية الطبعة: الخامسة عدد الأجزاء: ١.\n٧٠ - التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ط. المنهاج)؛ المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي؛ المحقق: الصادق بن محمد بن إبراهيم؛ حالة الفهرسة: مفهرس فهرسة كاملة؛ الناشر: دار المنهاج؛ سنة النشر: ١٤٢٥؛ عدد المجلدات: ٣؛ رقم الطبعة: ١؛ عدد الصفحات: ١٥٣٩.\n٧١ - تلبيس إبليس المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: ٥٩٧ هـ) الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان الطبعة: الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠١ م عدد الأجزاء: ١.","vol":"1","page":470},{"text":"٧٢ - تقريب التَّدمرية، دار ابن الجوزي بالسعودية، الطبعة الأولى - محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: ١٤٢١ هـ).\n٧٣ - تهذيب اللغة المؤلف: محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور (المتوفى ٣٧٠ هـ) المحقق: محمد عوض مرعب-الناشر: دار إحياء التراث العربي -بيروت الطبعة: الأولى، ٢٠٠١ م عدد الأجزاء ٨.\n٧٤ - التاريخ الكبير المؤلف: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله (المتوفى: ٢٥٦ هـ) الطبعة: دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد -الدكن-طبع تحت مراقبة: محمد عبد المعيد خان عدد الأجزاء: ٨.\n٧٥ - تاج العروس من جواهر القاموس المؤلف: محمّد بن محمّد بن … عبد الرزّاق الحسيني، الملقّب بمرتضى الزَّبيدي (المتوفى: ١٢٠٥ هـ) عدد الأجزاء: ٢٠ الناشر: دار الفكر -بيروت الطبعة: الأولى/ ١٤١٤ هـ.\n٧٦ - تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين القلموني الحسيني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٠ م، عدد الأجزاء: ١٢ جزءًا.\n٧٧ - تيسير العزيز الحميد (الطبعة السابعة)، بيروت: المكتب الإسلامي. -سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م).\n٧٨ - تناسق الدرر في تناسب السور الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد سابق الدين خضر الخضيري الأسيوطي، المشهور باسم جلال الدين السيوطي، (القاهرة ٨٤٩ هـ/ ١٤٤٥ م-القاهرة ٩١١ هـ/ ١٥٠٥ م) -مخطوط-المكتبة الأزهرية.\n\n<span data-type='title' id=toc-354>(ج)</span>\n٧٩ - جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، المؤلف: أبو عبد الله شمس الدين بن محمد بن أشرف بن قيصر الأفغاني (المتوفى: ١٤٢٠ هـ)، الناشر: دار","vol":"1","page":471},{"text":"الصميعي، الطبعة: الأولى -١٤١٦ هـ -١٩٩٦ م.\n٨٠ - الجواب الكافي، ابن قيم الجوزية: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز بن مكي زيد الدين الزُّرعي ثم الدمشقي، مكتبة الرياض الحديثة، ط: ١٤٠١ هـ.\n٨١ - الجامع الصحيح - (سنن الترمذي)، الترمذي: محمد بن عيسى بن سورة، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار الكتب العلمية، (د. ت).\n٨٢ - الحاوي للفتاوي: جلال الدين السيوطي: واسمه عبد الرحمن بن الكمال بن محمد الخضيري السيوطي دار الفكر للطباعة والنشر، سنة النشر: (١٤٢٤ هـ -٢٠٠٤ م) -عدد الأجزاء: جزءان.\n٨٣ - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ) تحقيق: علي بن حسن -عبد العزيز بن إبراهيم -حمدان بن محمد الناشر: دار العاصمة، السعودية الطبعة: الثانية، ١٤١٩ هـ/ ١٩٩٩ م عدد الأجزاء: ٦.\n٨٤ - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم، ابن رجب: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد، المعروف بـ (ابن رجب) الحنبلي، تحقيق: الدكتور محمد الأحمدي أبو النور، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية، ١٤٢٤ هـ -٢٠٠٤ م، عدد المجلدات: ٣ (في ترقيم مسلسل واحد).\n٨٥ - الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه مع فوائد نحوية هامة-دار الرشيد ومؤسسة الإيمان-المؤلف: محمود صافي الناشر: دار الرشيد - مؤسسة الإيمان رقم الطبعة: ٣ - ١٤١٦ هـ ١٩٩٥ م-طبعة مزيدة بإشراف اللجنة العامة بدار الرشيد عدد المجلدات: ١٦","vol":"1","page":472},{"text":"٨٦ - جمال القراء وكمال الإقراء، السخاوي: علي بن محمد بن عبد الصمد الهمداني المصري الشافعي أبو الحسن علم الدين، دراسة وتحقيق: عبد الحق عبد الدايم سيف القاضي، أصل الكتاب رسالة دكتوراه بإشراف: د/ محمد سالم المحيسن، مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ -١٩٩٩ م، عدد الأجزاء: ٢.\n\n<span data-type='title' id=toc-355>(ح)</span>\n٨٧ - الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى المؤلف: د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني أصل الكتاب: رسالة ماجستير، من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد -المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ عدد الصفحات: ٦١٣ عدد الأجزاء: ١.\n٨٨ - الحبائك في أخبار الملائك المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ) تحقيق: أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت -لبنان الطبعة: الأولى، ١٤٠٥ هـ -١٩٨٥ م عدد الأجزاء: ١.\n٨٩ - حلية الأولياء، الأصبهاني: الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد اللّه، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الخامسة، سنة ١٤٠٧ هـ.\n٩٠ - حَاشِيةُ الشِّهَابِ عَلَى تفْسيرِ البَيضَاوِي، الْمُسَمَّاة: عِنَايةُ القاضي وكِفَايةُ الرَّاضِى عَلَى تفْسيرِ البَيضَاوي-المؤلف: شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر الخفاجي المصري الحنفي (المتوفى: ١٠٦٩ هـ) دار النشر: دار صادر -بيروت عدد الأجزاء: ٨.\n\n<span data-type='title' id=toc-356>(خ)</span>\n٩١ - الخصائص الكبرى أو كفاية الطالب اللبيب في خصائص الحبيب؛ المؤلف:","vol":"1","page":473},{"text":"عبد الرحمن أبي بكر السيوطي جلال الدين؛ المحقق: محمد خليل هراس؛ حالة الفهرسة: غير مفهرس؛ الناشر: دار الكتب الحديثة؛ عدد المجلدات: ٣.\n٩٢ - خلق أفعال العباد، البخاري: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، دار المعارف السعودية-الرياض، عدد الأجزاء: ١.\n\n<span data-type='title' id=toc-357>(د)</span>\n٩٣ - الداء والدواء-المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية) ٦٩١ - ٧٥١ هـ) حققه: محمد أجمل الإصلاحي-خرج أحاديثه: زائد بن أحمد النشيري-الناشر: دار عالم الفوائد -مكة المكرمة الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ-عدد الأجزاء: ١.\n٩٤ - درء تعارض العقل والنقل المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن … عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ) تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية الطبعة: الثانية، ١٤١١ هـ -١٩٩١ م عدد الأجزاء: ١٠.\n٩٥ - دائرة معارف القرن العشرين؛ المؤلف: محمد فريد وجدي-الناشر: تصوير دار المعرفة؛ سنة النشر: ١٩٧١؛ عدد المجلدات: ١٠.\n٩٦ - دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية؛ المؤلف: سعود بن عبد العزيز الخلف-الناشر: أضواء السلف؛ سنة النشر: ١٤١٨ - ١٩٩٧؛ عدد المجلدات: ١.\n٩٧ - الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ) تحقيق: الدكتور محمد بن لطفي الصباغ الناشر: عمادة شؤون المكتبات -جامعة الملك سعود، الرياض عدد الأجزاء: ١.","vol":"1","page":474},{"text":"<span data-type='title' id=toc-358>(ر)</span>\n٩٩ - روائع التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن رجب الحنبلي؛ المؤلف: ابن رجب الحنبلي -طارق عوض الله بن محمد أبو معاذ-الناشر: دار العاصمة؛ سنة النشر: ١٤٢٢ هـ ٢٠٠١ م، عدد المجلدات: ٢؛ رقم الطبعة: ١؛ عدد الصفحات: ١٥٧٠.\n١٠٠ - رياض الصالحين للنووي، طبعة المكتب الإسلامي-الطبعة الأولى-١٤١٢ هـ-بتخريج الألباني.\n\n<span data-type='title' id=toc-359>(ز)</span>\n١٠١ - زاد المعاد في هدي خير العباد-المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ) الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت-مكتبة المنار الإسلامية، الكويت الطبعة: السابعة والعشرون، ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٤ م-عدد الأجزاء: ٥.\n٩٩ - زهرة التفسير-محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة (المتوفى: ١٣٩٤ هـ) -دار النشر: دار الفكر العربي-عدد الأجزاء: ١٠.\n\n<span data-type='title' id=toc-360>(س)</span>\n١٠٢ - سنن أبي داود (مطبوع مع عون المعبود)، سليمان بن الأشعث السيجستاني، دار الكتب العلمية، ط ١، (د. ت).\n١٠٣ - سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي، ط، ١ سنة ١٤١٨ هـ -١٩٩٧ م -دار.\n١٠٤ - سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع-الرياض، الطبعة الأولى، سنة النشر: ١٤١٥ هـ، عدد الأجزاء: ٦ عام النشر: جـ ١ - ٤: ١٤١٥ هـ -١٩٩٥ م جـ ٦: ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م جـ ٧: ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م.","vol":"1","page":475},{"text":"١٠٥ - رسائل في العقيدة؛ المؤلف: حماد بن محمد الأنصاري أبو عبد اللطيف؛ حالة الفهرسة: مفهرس فهرسة كاملة؛ الناشر: مكتبة الفرقان؛ عدد المجلدات: ١؛ عدد الصفحات: ٢٥٧.\n١٠٦ - سير أعلام النبلاء: الذهبي: شمس الدين محمد بن أحمد (ت ٧٤٨ هـ)، مؤسسة الرسالة، بيروت، سنة ١٤٠٩ هـ.\n١٠٧ - سنن ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الكتب العلمية.\n١٠٨ - السنن الكبرى، النسائي: أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، حققه وخرج أحاديثه: حسن عبد المنعم شلبي، أشرف عليه، شعيب الأرناؤوط، قدم له: عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة - بيروت-الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ -٢٠٠١ م.\n١٠٩ سنن البيهقي (السنن الكبرى)، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، دار الفكر، (د. ت).\n\n<span data-type='title' id=toc-361>(ش)</span>\n١١٠ - شرح ثلاثة الأصول، المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: ١٤٢١ هـ)، الناشر: دار الثريا للنشر الطبعة: الطبعة الرابعة ١٤٢٤ هـ -٢٠٠٤ م، الجزء: ١ الصفحة: ٣٩.\n١١١ - الشيخ العلَّامة عبد الرزاق عفيفي: حياته العلمية وجهوده الدعوية وآثاره الحميدة. محمد أحمد سيد أحمد، طبع الرياض -السعودية، ١٤١٨ هـ، منشورات المكتب الإسلامي.\n١١٢ - شرح القصيدة النونية المسماة «الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية -الناظم: شمس الدين ابن قيم الجوزية - (المتوفى: ٧٥١ هـ) -تأليف-الدكتور محمد خليل هراس- (المتوفى: ١٣٩٥ هـ) -عدد المجلدات:","vol":"1","page":476},{"text":"٢ - الناشر: دار الكتب العلمية -بيروت-ط ٢ - ١٤١٥ هـ.\n١١٣ - شرح مختصر الروضة المؤلف: سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، أبو الربيع، نجم الدين (المتوفى: ٧١٦ هـ) المحقق: عبد الله بن عبد المحسن التركي الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، ١٤٠٧ هـ/ ١٩٨٧ م عدد الأجزاء: ٣.\n١١٤ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة؛ المؤلف: هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري اللالكائي أبو القاسم؛ المحقق: نشأت بن كمال المصري؛ حالة الفهرسة: غير مفهرس؛ سنة النشر: ١٤٢٢ هـ ٢٠٠١ م-عدد المجلدات: ٢؛ عدد الصفحات.\n١١٥ - شرح النووي على مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٢ هـ.\n١١٦ - الشفا بتعريف حقوق المصطفى -مذيلًا بالحاشية المسماة مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء المؤلف: أبو الفضل القاضي عياض بن موسى اليحصبي (المتوفى: ٥٤٤ هـ) الحاشية: أحمد بن محمد بن محمد الشمني (المتوفى: ٨٧٣ هـ) الناشر: دار الفكر الطباعة والنشر والتوزيع عام النشر: ١٤٠٩ هـ -١٩٨٨ م عدد الأجزاء: ٢\n١١٧ - شرح الأربعين النووية في الأحاديث الصحيحة النبوية، ابن دقيق العيد: تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري، مؤسسة الريان، الطبعة: السادسة ١٤٢٤ هـ -٢٠٠٣ م، عدد الأجزاء: ١.\n\n<span data-type='title' id=toc-362>(ص)</span>\n١١٨ - صحيح البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، ضبطه ورقمه مصطفى ديب البغا-ط ٣ - دار ابن كثير-دمشق-بيروت-١٤٠٧ هـ\n١١٩ - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، ابن حبان: محمد بن حبان بن أحمد بن","vol":"1","page":477},{"text":"حبان التميمي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة -بيروت\nالطبعة: الثانية، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م، عدد الأجزاء: ١٨.\n١٢٠ - صحيح ابن خزيمة، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأول ى ١٣٩٣ هـ.\n١٢١ - صفحات في علوم القراءات. المؤلف: د. أبو طاهر عبد القيوم عبد الغفور السندي الناشر: المكتبة الأمدادية الطبعة: الأولى-١٤١٥ هـ عدد الأجزاء: ١.\n١٢٢ - الصفدية المؤلف: تقي الدين أبو العَباس أحمد بن عبد الحليم بن … عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ) المحقق: محمد رشاد سالم الناشر: مكتبة ابن تيمية، مصر الطبعة: الثانية، ١٤٠٦ هـ عدد الأجزاء: ٢ في مجلد واحد.\n١٢٣ - الصحيح المسند من أسباب النزول، مقبل بن هادي الوادعي دار ابن حزم، الطبعة: الثانية، ١٤١٥ هـ.\n١٢٤ - الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية-المؤلف: أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي (المتوفى: ٣٩٣ هـ) تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار-الناشر: دار العلم للملايين - بيروت الطبعة: الرابعة ١٤٠٧ هـ -١٩٨٧ م-عدد الأجزاء ٦.\n١٢٥ - صحيح سنن ابن ماجه، محمد ناصر الدين الألباني، مكتب التربية العربي لدول الخليج الطبعة الثالثة، ١٤٠٨ هـ، توزيع المكتب الإسلامي.\n١٢٦ - الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ط. العاصمة)؛ المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية أبو عبد الله؛ المحقق: علي بن محمد الدخيل الله؛ لناشر: دار العاصمة؛ سنة النشر: ١٤٠٨؛ عدد المجلدات: ٤؛ رقم الطبعة: ١؛ عدد الصفحات: ١٧٢١.\n١٢٧ - الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، مقبل بن هادي الوادعي-","vol":"1","page":478},{"text":"الناشر: مكتبة دار القدس - صنعاء - الطبعة: الأولى - سنة الطبع: ١٤١١ هـ\n١٢٨ - صحيح سنن أبي داود، محمد ناصر الدين الألباني، مكتب التربية العربي لدول الخليج، ١٤٠٩ هـ، ط ١، توزيع المكتب الإسلامي.\n١٢٩ - صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري، محمد ناصر الدين الألباني، دار الصديق، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n١٣٠ - صحيح الترغيب والترهيب للمنذري، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ.\n١٣١ - صحيح سنن الترمذي محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي-بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n١٣٢ - صحيح الجامع الصغير وزياداته، الألباني: أبوعبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري، الناشر: المكتب الإسلامي، عدد الأجزاء: ٢.\n\n<span data-type='title' id=toc-363>(ط)</span>\n١٣٣ - الطحاوية-شرح العقيدة الطحاوية المؤلف: صدر الدين محمد بن علاء الدين عليّ بن محمد بن أبي العز الحنفي، الأذرعي الصالحي الدمشقي (المتوفى: ٧٩٢ هـ) تحقيق: جماعة من العلماء، تخريج: ناصر الدين) الطبعة: الطبعة المصرية الأولى، ١٤٢٦ هـ -٢٠٠٥ م-عدد الأجزاء: ١. وهو مذيل بحواشي وتعليقات الشيخ الألباني -﵀-.\n١٣٤ - طريق الهجرتين وباب السعادتين (ط. مجمع الفقه)؛ المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية أبو عبد الله؛ المحقق: محمد أجمل الإصلاحي -زائد بن أحمد النشيري؛ الناشر: مجمع الفقه الإسلامي بجدة؛ سنة النشر: ١٤٢٩ هـ؛ عدد المجلدات: ٢؛ رقم الطبعة: ١؛ عدد الصفحات: ١٢٠٨.","vol":"1","page":479},{"text":"١٣٥ - (الطبقات الكبرى) (طبقات ابن سعد) (ط. الخانجي)؛ المؤلف: محمد بن سعد بن منيع الزهري؛ المحقق: علي محمد عمر؛ حالة الفهرسة: مفهرس على العناوين الرئيسية؛ الناشر: مكتبة الخانجي؛ سنة النشر: ١٤٢١ هـ-٢٠٠١ م. عدد المجلدات: ١١؛ رقم الطبعة: ١.\n\n<span data-type='title' id=toc-364>(ع)</span>\n١٣٦ - عناية الإسلام بتربية الأبناء كما بينتها سورة لقمان، عرفة بن طنطاوي، رسالة ماجستير تحت الطبع، الجامعة الإسلامية العالمية-القاهرة-\n١٣٧ العبودية، ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني، تحقيق: محمد زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي -بيروت، ط ٧، ١٤٢٦ هـ -٢٠٠٥ م.\n١٣٨ - -العجاب في بيان الأسباب- المؤلف: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد ابن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: ٨٥٢ هـ) المحقق: عبد الحكيم محمد الأنيس-الناشر: دار ابن الجوزي-عدد الأجزاء: ٢\n١٣٩ - العزفُ على أنوار الذِّكر-معالم الطريق إلى فقه المعنى القرآنيّ في سياق السورة-محمود توفيق محمد سعد: أستاذ البلاغة والنقد ورئيس القسم في كلية اللغة العربية جامعة الأزهر-شبين الكوم-١٤٢٤ هـ. (١/ ٥٧). - (غير مطبوع).\n١٤٠ - العمدة في غريب القرآن لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة ٧٤٥ هـ -١٠٤٦ م، حققه د/ يوسف عبد الرحمن مرعشلي -ط مؤسسة الرسالة بيروت ١٤٠٤ هـ -١٩٨٤ م.\n١٤١ - الملائكة الأبرار المؤلف: عمر بن سليمان بن عبد الله الأشقر العتيبي الناشر: مكتبة الفلاح، الكويت الطبعة: الثالثة، ١٤٠٣ هـ -١٩٨٣ م عدد الأجزاء: ١.","vol":"1","page":480},{"text":"١٤٢ - عمدة القاري شرح صحيح البخاري المؤلف: أبو محمد محمود بن أحمد ابن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابى الحنفى بدر الدين العيني (المتوفى: ٨٥٥ هـ) الناشر: دار إحياء التراث العربي -بيروت عدد الأجزاء: ٢٥.\n١٤٣ - عون المعبود شرح سنن أبي داود، لمحمد شمس الحق العظيم آبادي، طبعة، دار الحديث، القاهرة، ١٤١٥ هـ-١٩٩٥ م، ط ١.\n\n<span data-type='title' id=toc-365>(غ)</span>\n١٤٤ - غريب القرآن وتفسيره، اليزيدي، أبو عبد الرحمن عبد الله بن يحيى بن المبارك، تحقيق: محمد سليم الحاج، الطبعة الأولى، (بيروت: عالم الكتب ١٩٨٥ م).\n١٤٥ - غريب القرآن المؤلف: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (المتوفى: ٢٧٦ هـ) المحقق: أحمد صقر الناشر: دار الكتب العلمية (لعلها مصورة عن الطبعة المصرية) السنة: ١٣٩٨ هـ -١٩٧٨ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-366>(ف)</span>\n١٤٦ - فتح القدير: الجامع بين فني الرواية والدراية، الشوكاني: محمد بن علي ابن محمد الشوكاني، دار المعرفة، سنة النشر: ١٤٢٣ هـ -٢٠٠٤ م، عدد الأجزاء: جزء واحد.\n١٤٧ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر: الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني -راجعه: قصي محب الدين الخطيب -دار الريان، القاهرة -الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n١٤٨ - الفوائد، ابن القيم: محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرعي ثم الدمشقي، بيروت، دار الكتب العلمية-١٣٩٣ هـ، ط ٢.\n١٤٩ - فتحُ البيان في مقاصد القرآن المؤلف-أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي (المتوفى: ١٣٠٧ هـ)","vol":"1","page":481},{"text":"عني بطبعهِ وقدّم له وراجعه خادم العلم عَبد الله بن إبراهيم الأنصَاري-الناشر-المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر، صَيدَا بَيروت-عام النشر: ١٤١٢ هـ-عدد الأجزاء: ١٥ - .\n١٥٠ - فتح رب البرية بتلخيص الحموية المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: ١٤٢١ هـ) الناشر: دار الوطن للنشر، الرياض عدد الأجزاء: ١.\n١٥١ - فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة، وتبرئة دعوة وأتباع محمد بن عبد الوهاب من تهمة التطرف والإرهاب المؤلف: محمد بن حسين بن سعيد ابن هادي بن عبد الرحمن بن محمد بن حسن بن سفران القحطاني الناشر: دار الأوفياء للطبع والنشر -الرياض عدد الأجزاء: ١.\n١٥٢ - فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء-بالمملكة العربية السعودية، جمع وترتيب: أحمد بن عبد الرزاق الدويش، دار المؤيد للنشر والتوزيع-الرياض، ١٤٢٤ هـ، ط ٢، عدد المجلدات: ٢٣.\n١٥٣ - فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، تحقيق: محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، الطبعة: السابعة، ١٣٧٧ هـ-١٩٥٧ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-367>(ق)</span>\n١٥٤ - القاموس المحيط، الفيروز آبادي: مجد الدين محمد بن يعقوب، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٧ م، ط ١.\n١٥٥ - القصيدة النونية لابن القيم مع شرح محمد خليل الهراس، ٢/ ١٣٤ شرح القصيدة النونية المسماة «الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية -الناظم: شمس الدين ابن قيم الجوزية - (المتوفى: ٧٥١ هـ) -تأليف-الدكتور محمد خليل هراس.","vol":"1","page":482},{"text":"- (المتوفى: ١٣٩٥ هـ) -عدد المجلدات: ٢ - الناشر: دار الكتب العلمية -بيروت-ط ٢ - ١٤١٥ هـ.\n١٥٦ - القول السديد شرح كتاب التوحيد-المؤلف: أبو عبد الله، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي (المتوفى: ١٣٧٦ هـ) الناشر: وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد -المملكة العربية السعودية-الطبعة: الثانية، ١٤٢١ هـ-عدد الصفحات: ٢٢٣ عدد الأجزاء: ١.\n١٥٧ - القيامة الكبرى؛ المؤلف: عمر سليمان الأشقر؛ حالة الفهرسة: مفهرس فهرسة كاملة؛ الناشر: دار النفائس؛ سنة النشر: ١٤١٥ هـ-١٩٩٥ م-عدد المجلدات: ١؛ رقم الطبعة: ٦؛ عدد الصفحات: ٢٨٨.\n١٥٨ - القول الوجيز في فواصل الكتاب العزيز على ناظمة الزهر للإمام الشاطبي، شرح العلَّامة المخللاتي على ناظمة الزهر، رضوان بن محمد بن سليمان أبو عيد المخللاتي، تحقيق: عبد الرزاق بن علي بن إبراهيم موسى، مطابع الرشيد، ١٤١٢ هـ-١٩٩٢ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-368>(ك)</span>\n١٥٩ - الكواشف الجلية عن معاني الواسطية؛ المؤلف: عبد العزيز المحمد السلمان؛ حالة الفهرسة: غير مفهرس؛ الناشر: رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد؛ سنة النشر: ١٤٠٢ هـ-١٩٨٢ م، عدد المجلدات: ١؛ رقم الطبعة: ١١؛ عدد الصفحات: ٨٠٩١.\n\n<span data-type='title' id=toc-369>(ل)</span>\n١٦٠ - الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية المؤلف: أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، أبو البقاء الحنفي (المتوفى: ١٠٩٤ هـ) المحقق: عدنان درويش -محمد المصري الناشر: مؤسسة الرسالة -بيروت","vol":"1","page":483},{"text":"سنة النشر: عدد الأجزاء: ١.\n١٦١ - لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية المؤلف: شمس الدين، أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي (المتوفى: ١١٨٨ هـ) الناشر: مؤسسة الخافقين ومكتبتها -دمشق الطبعة: الثانية -١٤٠٢ هـ -١٩٨٢ م عدد الأجزاء: ٢.\n١٦٢ - لسان العرب المؤلف: محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعي الإفريقي (المتوفى: ٧١١ هـ) الناشر: دار صادر - بيروت الطبعة: الثالثة -١٤١٤ هـ-عدد الأجزاء.\n١٦٣ - اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل: أبو حفص سراج الدين عمر بن عليِّ بن عادل الحنبليُّ الدمشقيُّ النعمانيُّ، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، والشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلمية -بيروت -لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ -١٩٩٨ م، عدد الأجزاء: ٢٠.\n\n<span data-type='title' id=toc-370>(م)</span>\n١٦٤ - معجم مقاييس اللغة، ابن فارس: أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، ١٣٩٩ هـ -١٩٧٩ م، عدد الأجزاء: ٦.\n١٦٥ - متن الطحاوية بتعليق الألباني: نقلًا عن موسوعة العقيدة-شرح العقيدة الطحاوية-المؤلف: صدر الدين محمد بن علاء الدين عليّ بن محمد بن أبي العز الحنفي، الأذرعي الصالحي الدمشقي (المتوفى: ٧٩٢ هـ) تحقيق: جماعة من العلماء، تخريج: ناصر الدين الألباني-الناشر: دار السلام للطباعة والنشر التوزيع والترجمة (عن مطبوعة المكتب الإسلامي) الطبعة: الطبعة المصرية الأولى، ١٤٢٦ هـ -٢٠٠٥ م-عدد الأجزاء: ١ - ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي وتعليقات الشيخ الألباني -﵀-.","vol":"1","page":484},{"text":"١٦٦ - معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول-المؤلف: حافظ بن أحمد بن علي الحكمي (المتوفى: ١٣٧٧ هـ) المحقق: عمر بن محمود أبو عمر-الناشر: دار ابن القيم - الدمام-الطبعة: الأولى، ١٤١٠ هـ -١٩٩٠ م-عدد الأجزاء ٣.\n١٦٧ - المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج-المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: ٦٧٦ هـ) الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت-الطبعة: الثانية، ١٣٩٢ عدد الأجزاء): ١٨ (في ٩ مجلدات.\n١٦٨ - معاني القرآن-المؤلف: أبو جعفر النحاس أحمد بن محمد (المتوفى: ٣٣٨ هـ) المحقق: محمد علي الصابوني-الناشر: جامعة أم القرى -مكة المكرمة-الطبعة: الأولى، ١٤٠٩.\n١٦٩ - مدارج السالكين: الإمام ابن قيم الجوزية -تحقيق: محمد حامد الفقي -دار المعرفة، بيروت -الطبعة الثانية، ١٣٥٩ هـ.\n١٧٠ - منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، ابن تيمية: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، تحقيق: محمد رشاد سالم، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ -١٩٨٦ م.\n١٧١ - مجموع الفتاوى، ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، دار الوفاء، ١٤٢٦ هـ، ط ٣.\n١٧٢ - مجموع فتاوى العلَّامة عبد العزيز عبد باز -﵀- المؤلف: عبد العزيز بن عبد الله بن باز (المتوفى: ١٤٢٠ هـ) أشرف على جمعه وطبعه: محمد بن سعد الشويعر-عدد الأجزاء ثلاثون جزءًا.\n١٧٣ - المجموع شرح المهذب، النووي: أبو زكريا يحيى بن شرف محيي الدين، تحقيق: محمد نجيب المطيعي، طبع ونشر مكتبة الإرشاد، (د. ت) عدد","vol":"1","page":485},{"text":"المجلدات: ٢٣.\n١٧٤ - مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين -المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: ١٤٢١ هـ) جمع وترتيب: فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان-الناشر: دار الوطن -دار الثري-الطبعة الأخيرة -١٤١٣ هـ-عدد الأجزاء: ٢٦.\n١٧٥ - مباحث في التفسير الموضوعي-المؤلف: مصطفى مسلم-الناشر: دار القلم-الطبعة: الرابعة ١٤٢٦ هـ -٢٠٠٥ معدد الأجزاء: ١.\n١٧٦ مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (ط. مجمع الفقه)؛ المؤلف: ابن قيم الجوزية؛ المحقق: عبد الرحمن بن حسن بن قائد؛ حالة الفهرسة: مفهرس فهرسة كاملة؛ الناشر: مجمع الفقه الإسلامي -جدة؛ سنة النشر: ١٤٣٢؛ عدد المجلدات: ٣؛ رقم الطبعة: ١.\n١٧٧ - مذكرة التوحيد المؤلف: عبد الرزاق عفيفي (المتوفى: ١٤١٥ هـ) الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد -المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ الجزء: ١ الصفحة: ٣.\n١٧٨ - معاني القرآن للأخفش، الأخفش: أبو الحسن المجاشعي بالولاء، البلخي ثم البصري، المعروف بالأخفش الأوسط، تحقيق: د-هدى محمود قراعة\nمكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٤١١ هـ -١٩٩٠ م، عدد الأجزاء: ٢ - .\n١٧٩ - معاني القرآن وإعرابه، الزجاج: إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق، تحقيق: عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب-بيروت، الطبعة: الأولى ١٤٠٨ هـ -١٩٨٨ م، عدد الأجزاء: ٥.\n١٨٠ - مجاز القرآن المؤلف: أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي البصري (المتوفى: ٢٠٩ هـ) المحقق: محمد فؤاد سزگين الناشر: مكتبة الخانجى -القاهرة","vol":"1","page":486},{"text":"الطبعة: ١٣٨١ هـ.\n١٨١ - معجم المناهي اللفظية وفوائد في الألفاظ؛ المؤلف: بكر أبو زيد؛ حالة الفهرسة: غير مفهرس؛ الناشر: دار العاصمة؛ سنة النشر: ١٤١٧ - ١٩٩٦؛ عدد المجلدات: ١؛ رقم الطبعة: ٣؛ عدد الصفحات: ٧٨٠.\n١٨٢ - المجالس السنية في الكلام عن الاربعين النوويه-هامشه: السبعيات في مواعظ البريات اسم المؤلف: احمد ابن حجازي الفشني-هامشه: أبو نصر محمد بن عبد الرحمن الهمذاني التصنيف: طبعه مصر سنه ١٨٦٩ م.\n١٨٣ - المحجة في سير الدلجة: (ص ٧١)، ابن رجب، دار البشائر الاسلامية ط ٣ - ١٤٠٩ هـ.\n١٨٤ - المفهم لما أشكل من كتاب تلخيص مسلم؛ المؤلف: أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي؛ المحقق: محي الدين ديب مستو -أحمد محمد السيد -يوسف علي بديوي -محمود إبراهيم بزال؛ حالة الفهرسة: مفهرس على العناوين الرئيسية؛ سنة النشر: ١٤١٧ هـ-١٩٩٦ م-عدد المجلدات: ٧؛ رقم الطبعة: ١.\n١٨٥ - معجم مقاييس اللغة المؤلف: أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: ٣٩٥ هـ) المحقق: عبد السلام محمد هارون الناشر: دار الفكر عام النشر: ١٣٩٩ هـ -١٩٧٩ م. عدد الأجزاء ٦.\n١٨٦ - المسند، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، تحقيق شعيب الأرناؤوط--عادل مرشد، وآخرين إشراف: د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ -٢٠٠١ م.\n١٨٧ - المستدرك على الصحيحين المؤلف: أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع (المتوفى: ٤٠٥ هـ) تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا","vol":"1","page":487},{"text":"الناشر: دار الكتب العلمية -بيروت الطبعة: الأولى، ١٤١١ هـ ١٩٩٠ م-عدد الأجزاء: ٤.\n١٨٨ - المصنف المؤلف: أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني (المتوفى: ٢١١ هـ) المحقق: حبيب الرحمن الأعظمي الناشر: المجلس العلمي-الهند يطلب من: المكتب الإسلامي -بيروت الطبعة: الثانية، ١٤٠٣ عدد الأجزاء: ١١.\n١٨٩ - مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور؛ المؤلف: إبراهيم بن عمر البقاعي الشافعي برهان الدين أبو الحسن؛ المحقق: عبد السميع محمد أحمد حسنين؛ حالة الفهرسة: غير مفهرس؛ الناشر: مكتبة المعارف؛ سنة النشر: ١٤٠٨ هـ م-عدد المجلدات: ٣؛ رقم الطبعة: ١.\n١٩٠ - الموسوعة الفقهية الكويتية صادر عن: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية -الكويت عدد الأجزاء: ٤٥ جزءًا الطبعة: (من ١٤٠٤ - ١٤٢٧ هـ).\n١٩١ - منار الهدى في بيان الوقف والإبتدا، ومعه المقصد لتلخيص ما في المرشد في الوقف والابتداء (ط الحلبي)؛ المؤلف: أحمد بن محمد … عبد الكريم الأشموني -زكريا الأنصاري أبو يحي-الناشر: مصطفى البابي الحلبي؛ سنة النشر: ١٣٩٣ هـ ١٩٧٣ م-عدد المجلدات: ١.\n١٩٢ - الموافقات المؤلف: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (المتوفى: ٧٩٠ هـ) المحقق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان الناشر: دار ابن عفان الطبعة: الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٧ م عدد الأجزاء: ٧.\n١٩٣ - مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد، الجاوي: محمد بن عمر نووي، تحقيق محمد أمين الصناوي، دار الكتب العلمية -بيروت، الطبعة: الأولى -١٤١٧ هـ عدد الأجزاء: ٤.","vol":"1","page":488},{"text":"١٩٤ - ميزان الاعتدال: الإمام الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد ابن عثمان بن قَايْماز، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأُولى، سنة ١٣٨٢ هـ.\n١٩٥ - المحيط في اللّغة، الصّاحب كافي الكفاة إسماعيل بن عباد، حققه: الشيخ محمد حسن آل ياسين، بيروت، ١٤١٤ هـ/ ١٩٩٤ م.\n١٩٦ - المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، - تحقيق: صفوان عدنان الداودي، ط ١، دار القلم، الدار الشامية - دمشق بيروت- ١٤١٢ هـ.\n١٩٧ - موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم، إعداد مجموعة من المتخصصين، صالح بن عبد الله بن حميد، وعبد الرحمن بن محمد بن ملوح، وآخرين، دار الوسيلة، جدة، ١٤١٨ هـ.\n١٩٨ - المعجم الأوسط، الطبراني: أبو القاسم: سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الشامي، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين - القاهرة، عدد الأجزاء: ١٠.\n١٩٩ - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، المُلَّا علي القاري: علي بن (سلطان) محمد، أبو الحسن نور الدين المُلَّا الهروي، دار الفكر، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ -٢٠٠٢ م، عدد الأجزاء: ٩.\n\n<span data-type='title' id=toc-371>(ل)</span>\n٢٠٠ - لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية المؤلف: شمس الدين، أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي (المتوفى: ١١٨٨ هـ) الناشر: مؤسسة الخافقين ومكتبتها - دمشق الطبعة: الثانية -١٤٠٢ هـ -١٩٨٢ م-عدد الأجزاء.\n٢٠١ - لسان العرب المؤلف: محمد بن مكرم بن علي، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعي الإفريقي (المتوفى: ٧١١ هـ) الناشر: دار صادر","vol":"1","page":489},{"text":"- بيروت-لطبعة: الثالثة -١٤١٤ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-372>(ن)</span>\n٢٠٢ - نيل الأوطار المؤلف: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى: ١٢٥٠ هـ) تحقيق: عصام الدين الصبابطي-الناشر: دار الحديث، مصر الطبعة: الأولى، ١٤١٣ هـ -١٩٩٣ م-عدد الأجزاء: ٨.\n٢٠٣ - نظم الدرر في تناسب الآيات والسور: البقاعي، برهان الدين: أبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي، دار الكتاب الإسلامي-القاهرة، ط ١٤٠٣ هـ-١٩٩٢ م، عدد المجلدات (٢٢) مجلدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-373>(هـ)</span>\n٢٠٤ - هدايات سورة الفاتحة-الكاتب: د. أحمد ولد محمد ذو النورين -مجلة البيان -التاريخ (١٢/ ٩/ ٢٠١٠ م).\n٢٠٥ - هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى (ط. مجمع الفقه)؛ المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية أبو عبد الله؛ المحقق: عثمان جمعة ضميرية؛ حالة الفهرسة: مفهرس فهرسة كاملة؛ الناشر: مجمع الفقه الإسلامي بجدة؛ سنة النشر: ١٤٢٩؛ عدد المجلدات: ١؛ رقم الطبعة: ١.","vol":"1","page":490}]}