{"ً":{"ٌ":756,"ٍ":"المنهج التأصيلي لدراسة التفسير التحليلي","َ":5,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: المنهج التأصيلي لدراسة التفسير التحليلي\nالمؤلف: عرفة بن طنطاوي\nعدد الصفحات: ٣١٠\n[كتاب إلكتروني بترقيم الشاملة]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3169,"ٕ":4,"ٖ":1780758735,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"الفصل الأول • التفسير والتأويل","level":1,"page":3},{"title":"المبحث الأول: مفهوم التفسير","level":2,"page":3},{"title":"المطلب الأول: مفهوم التفسير لغة","level":3,"page":3},{"title":"المطلب الثاني: بيان مفهوم التفسير اصطلاحا","level":3,"page":5},{"title":"١. تعريف أبي حيان في مقدمة تفسيره بقوله","level":4,"page":5},{"title":"٢. وعرفه الزركشي بقوله","level":4,"page":6},{"title":"٣. وقد ذكر السيوطي فى إتقانه عدة تعريفات كثيرة للتفسير","level":4,"page":6},{"title":"٤. ومن أبين ما قيل في تعريفه كذلك","level":4,"page":7},{"title":"٥. وقيل هو: \"العلم الذي يبحث فيه المفسر عن كيفية النطق بألفاظ القرآن الكريم","level":4,"page":7},{"title":"المبحث الثاني: مفهوم التأويل","level":2,"page":8},{"title":"المطلب الأول: مفهوم التأويل لغة","level":3,"page":8},{"title":"المطلب الثاني: مفهوم التأويل اصطلاحا","level":3,"page":8},{"title":"المطلب الثالث: بيان معاني التأويل في القرآن إجمالا","level":3,"page":8},{"title":"المعنى الأول: التفسير والمرجع وما يؤول إليه الكلام","level":4,"page":8},{"title":"المعنى الثاني: عاقبة الشيء؛ يقال: \"آل الأمر إلى كذ\"","level":4,"page":8},{"title":"المعنى الثالث: الحقيقة التي يصير إليها الشيء ويرجع","level":4,"page":9},{"title":"المعنى الرابع: العلة الغائية والحكمة المطلوبة بالفعل","level":4,"page":9},{"title":"المبحث الثالث: أنواع التأويل","level":2,"page":10},{"title":"المطلب الأول: بيان النوع الأول وهو التأويل الصحيح الذي يحمد طالبه","level":3,"page":10},{"title":"المطلب الثاني: بيان النوع الثاني وهو التأويل الفاسد الذي يذم طالبه","level":3,"page":11},{"title":"المبحث الرابع: ما يتعلق بالتأويل من جهة: \"ضوابطه وشروطه\"، ومن جهة: \"حكمه ومعناه\"","level":2,"page":12},{"title":"المطلب الأول: أهم شروط وضوابط التأويل الصحيح عند المتأخرين","level":3,"page":12},{"title":"المطلب الثاني: حكم التأويل بمعناه الحادث عند المتأخرين","level":3,"page":13},{"title":"المبحث الخامس: بيان الفرق بين التفسير والتأويل","level":2,"page":14},{"title":"المطلب الأول: بيان اختلاف العلماء في بيان الفرق بين التفسير والتأويل، وفي تحديد النسبة بينهما","level":3,"page":14},{"title":"المطلب الثاني: بيان القول الراجح من أقوال العلماء في بيان معنى التفسير والتأويل","level":3,"page":16},{"title":"المطلب الثالث: الخلاصة التي توصلت لها الدراسة في مبحث الفرق بين التفسير والتأويل","level":3,"page":17},{"title":"الفصل الثاني • التعريف بالمنهج التأصيلي لدراسة التفسير التحليلي","level":1,"page":18},{"title":"المبحث الأول: التعريف بالمنهج التأصيلي لدراسة التفسير التحليلي من جهة ألفاظه التي تتكون من خمس كلمات","level":2,"page":18},{"title":"المطلب الأول: مفهوم ومدلول كلمة المنهج في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":18},{"title":"أ- بيان مفهوم ومدلول كلمة \"منهج\" في اللغة","level":4,"page":18},{"title":"ب- مفهوم ومدلول كلمة \"منهج\" في الاصطلاح","level":4,"page":19},{"title":"المنهج في الاصطلاح","level":5,"page":19},{"title":"المطلب الثاني: مفهوم ومدلول كلمة التأصيلي في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":22},{"title":"أ- مفهوم ومدلول كلمة \"التأصيلي\" في اللغة","level":4,"page":22},{"title":"ب- مفهوم ومدلول كلمة \"التأصيلي\" في الاصطلاح","level":4,"page":23},{"title":"المطلب الثالث: مفهوم ومدلول كلمة \"دراسة\" في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":24},{"title":"أ- مفهوم ومدلول كلمة \"دراسة\" في اللغة","level":4,"page":24},{"title":"ب- مفهوم ومدلول كلمة \"دراسة\" في الاصطلاح","level":4,"page":25},{"title":"الدراسة مأخوذة من الدرس","level":5,"page":25},{"title":"وقد خص بعضهم المدارسة بالقراءة والتعهد.","level":5,"page":26},{"title":"ومدارسة التفسير هنا","level":5,"page":26},{"title":"المطلب الرابع: مفهوم ومدلول كلمة \"تحليلي\" في اللغة والاصطلاح، وبيان مفهوم التفسير التحليلي","level":3,"page":26},{"title":"أ- مفهوم كلمة \"تحليلي\" في اللغة","level":4,"page":26},{"title":"ب- مفهوم كلمة \"تحليلي\" في الاصطلاح","level":4,"page":27},{"title":"ج- مفهوم التفسير التحليلي في الاصطلاح","level":4,"page":28},{"title":"المبحث الثاني: علاقة التفسير التحليلي بأنواع التفسير الأخرى","level":2,"page":30},{"title":"المطلب الأول: علاقة التفسير التحليلي بالتفسير الموضوعي","level":3,"page":30},{"title":"التفسير التحليلي","level":4,"page":30},{"title":"والتفسير الموضوعي","level":4,"page":31},{"title":"المطلب الثاني: علاقة التفسير التحليلي بالتفسير الإجمالي والفرق بينهما","level":3,"page":31},{"title":"المطلب الثالث: علاقة التفسير التحليلي بالتفسير المقارن","level":3,"page":34},{"title":"المبحث الثالث: مكانة التفسير التحليلي","level":2,"page":36},{"title":"المطلب الأول: نشأته وتطوره حتى العصر الحاضر","level":3,"page":36},{"title":"أولا: تفسيره ومكانته","level":4,"page":38},{"title":"ثانيا: منهجه في التفسير","level":4,"page":40},{"title":"منهجه في تناول التفسير بالأسلوب التحليلي","level":5,"page":41},{"title":"ثالثا: زمن تأليفه","level":4,"page":42},{"title":"رابعا: مقصده من تأليفه","level":4,"page":42},{"title":"إن تأويل جميع القرآن على أوجه ثلاثة","level":5,"page":43},{"title":"وكان منهجه في التفسير وفق الأصول التالية","level":5,"page":44},{"title":"الأصل الأول: اعتماده على التفسير بالمأثور","level":6,"page":44},{"title":"الأصل الثاني: تحذيره من تفسير القرآن بالرأي المجرد","level":6,"page":44},{"title":"الأصل الثالث: عنايته بالأسانيد","level":6,"page":44},{"title":"الأصل الرابع: عنايته بالقراءات","level":6,"page":44},{"title":"وعنايته بالقراءات تعني الدقة والتحري لا التوسع والاستفاضة","level":7,"page":45},{"title":"القول في أصحاب الاختيار","level":7,"page":46},{"title":"الأصل الخامس: عنايته باللغة وعلومها","level":6,"page":47},{"title":"الأصل السادس: عنايته باستيعاب تفسيره لمعاني القرآن","level":6,"page":47},{"title":"الأصل السابع: عنايته بالأحكام الفقهية","level":6,"page":47},{"title":"الأصل الثامن: عمله بالإجماع وأخذه في الاعتبار","level":6,"page":48},{"title":"الأصل التاسع: عنايته بعقيدة أهل السنة والجماعة","level":6,"page":51},{"title":"وسلم- صحيحة ولا سقيمة، فهم في الظلمات يخبطون، وفي العمياء يترددون، نعوذ بالله من الحيرة والضلالة\". الأصل العاشر: موقفه من الإسرائيليات","level":6,"page":52},{"title":"الأصل الحادي عشر: دقته وأمانته العلمية","level":6,"page":53},{"title":"الأصل الثاني عشر: علو همته","level":6,"page":57},{"title":"خامسا: ثناء العلماء عليه","level":4,"page":57},{"title":"١ - الخطيب البغدادي","level":5,"page":58},{"title":"٢ - شيخ الإسلام ابن تيمية","level":5,"page":58},{"title":"٣ - قال الذهبي","level":5,"page":59},{"title":"٤ - قال ابن كثير","level":5,"page":59},{"title":"٥ - قال ابن القيم","level":5,"page":59},{"title":"٦ - قال أبو حامد الإسفراييني","level":5,"page":59},{"title":"٧ - قال ابن خزيمة","level":5,"page":60},{"title":"٨ - وقد أكد الحافظ بن حجر، ﵀","level":5,"page":60},{"title":"٩ - قال أبو محمد الفرغاني","level":5,"page":60},{"title":"١٠ - قال ابن عطية الأندلسي، ﵀","level":5,"page":60},{"title":"١١ - قال النووي","level":5,"page":60},{"title":"١٢ - قال السيوطي","level":5,"page":60},{"title":"١٣ - ومن المعاصرين العلامة الفقيه عبد الله ابن حميد (ت: ١٤٠٢ هـ)","level":5,"page":61},{"title":"١٤ - ومن المعاصرين كذلك الدكتور محمد حسين الذهبي، ﵀","level":5,"page":61},{"title":"المطلب الثاني: أهمية التفسير التحليلي، وبيان أسلوبه وأبرز وأهم مزاياه","level":3,"page":62},{"title":"أهم مزايا التفسير التحليلي","level":4,"page":62},{"title":"المطلب الثالث: خطوات مدارسته، وطريقة تناوله، من خلال سور القرآن وآياته","level":3,"page":64},{"title":"أهم طرق وخطوات التفسير التحليلي","level":4,"page":64},{"title":"المطلب الرابع: ذكر مصادره، وجملة من أهم المصنفات التي صنفت فيه","level":3,"page":65},{"title":"أهم المصنفات في التفسير التحليلي","level":4,"page":65},{"title":"الفئة الأولى: وهي الفئة الأكثر توسعا، من جهة الحجم مثل","level":5,"page":65},{"title":"الفئة الثانية: فئة أقل توسعا من جهة الحجم من سابقتها، مثل","level":5,"page":66},{"title":"الفئة الثالثة: فئة متوسطة الحجم وهي أقل من سابقتها، مثل","level":5,"page":66},{"title":"الفصل الثالث • طريقة تناول التفسير التحليلي ودراسته","level":1,"page":68},{"title":"المبحث الأول: التعريف بالسورة الكريمة","level":2,"page":69},{"title":"المطلب الأول: اسم السورة الكريمة وسر تسميتها","level":3,"page":70},{"title":"أولا: اسم السورة الكريمة: (سورة لقمان)","level":4,"page":70},{"title":"ثانيا: سر تسميتها","level":4,"page":70},{"title":"المطلب الثاني: نزولها وعدد آياتها وكلماتها وحروفها","level":3,"page":71},{"title":"أولا: ترتيبها في المصحف الشريف","level":4,"page":71},{"title":"ثانيا: عدد آياتها","level":4,"page":71},{"title":"الخلاف في عدد آيات سورة لقمان","level":5,"page":72},{"title":"القول الأول: ثلاث وثلاثون آية","level":6,"page":72},{"title":"القول الثاني: أربع وثلاثون آية","level":6,"page":72},{"title":"القول الراجح في عد آي السورة الكريمة","level":5,"page":73},{"title":"رؤوس الآي في السورة الكريمة","level":5,"page":73},{"title":"قاعدة رؤوس الآي (الفواصل) في السورة الكريمة","level":5,"page":75},{"title":"نظائر سورة لقمان في العدد","level":5,"page":75},{"title":"ثالثا: مواضع النسخ في السورة الكريمة","level":4,"page":75},{"title":"الموضع الأول: قوله تعالى: ﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾ [لقمان: ١٤]","level":5,"page":75},{"title":"الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿ومن كفر فلا يحزنك كفره﴾ [لقمان: ٢٣]","level":5,"page":76},{"title":"رابعا: ترتيبها بين السور المفتتحة بحروف الهجاء المقطعة","level":4,"page":76},{"title":"جاءت الحروف المقطعة في فاتحة تسع وعشرين سورة وتسمى فواتح السور، وهي","level":5,"page":76},{"title":"وجاءت على النحو التالي","level":5,"page":77},{"title":"وتأتي هذه الأحرف آية، وجزءا من آية، وآيتين: على مثال النحو التالي","level":5,"page":79},{"title":"وتصنف الحروف المقطعة على أساس المباني إلى","level":5,"page":79},{"title":"ومن الأحرف المقطعة ما تكرر في فواتح السور فجاء على النحو التالي","level":5,"page":80},{"title":"طريقة قراءة الحروف المقطعة","level":5,"page":81},{"title":"خامسا: أقوال العلماء في الحروف المقطعة في بداية السور","level":4,"page":81},{"title":"أقوال أهل العلم في الحروف المقطعة","level":5,"page":82},{"title":"سادسا: عدد كلماتها","level":4,"page":85},{"title":"سابعا: عدد حروفها","level":4,"page":85},{"title":"ثامنا: ترتيبها في النزول","level":4,"page":85},{"title":"تاسعا: مكية السورة أو مدنيتها","level":4,"page":87},{"title":"بيان من نص على أنها مكية","level":5,"page":87},{"title":"القول الراجح مكية السورة أو مدنيتها","level":5,"page":88},{"title":"عاشرا: بيان ما ورد في أسباب نزولها","level":4,"page":89},{"title":"الحادي عشر: بيان ما ورد في نزول آياتها","level":4,"page":90},{"title":"المطلب الثالث: الجوانب البلاغية في السورة الكريمة","level":3,"page":97},{"title":"ولقد أبان عن هذه الأهمية أهل اللغة أنفسهم","level":4,"page":98},{"title":"وقفات مع أهم الأوجه البلاغية في السورة الكريمة","level":4,"page":100},{"title":"تنبيه من الأهمية بمكان عن المجاز في القرآن","level":4,"page":103},{"title":"أولا: المقصود من المجاز في اللغة","level":5,"page":103},{"title":"ثانيا: متى كانت بداية تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز؟","level":5,"page":104},{"title":"ثالثا: هل في القرآن مجاز؟","level":5,"page":105},{"title":"رابعا: مقاصد القائلين بالمجاز","level":5,"page":106},{"title":"خامسا: المحققون من أئمة أهل السنة على منع القول المجاز","level":5,"page":107},{"title":"المطلب الرابع: موضوع السورة الكريمة","level":3,"page":110},{"title":"أولا: مقصود السورة الكريمة","level":4,"page":110},{"title":"ثانيا: تقسيم آيات السورة الكريمة موضوعيا","level":4,"page":111},{"title":"تتكون آيات السورة الكريمة من ثلاث مجموعات","level":5,"page":111},{"title":"المجموعة الأولى: عبارة عن إحدى عشرة آية (١١)","level":6,"page":111},{"title":"المجموعة الثانية: عبارة عن ثمان آيات (٨)","level":6,"page":112},{"title":"ويلاحظ على هذه القصة","level":7,"page":112},{"title":"وإذا تأملنا وصايا لقمان التي جاءت بها هذه المجموعة من الآيات","level":7,"page":112},{"title":"المجموعة الثالثة: عبارة عن (١٥) خمس عشرة آية","level":6,"page":113},{"title":"وهي خاتمة آيات السورة الكريمة وفيها","level":7,"page":113},{"title":"ثالثا: أبرز موضوعات السورة الكريمة ومجمل ما حوته من الموضوعات","level":4,"page":114},{"title":"المطلب الخامس: المناسبات في السورة الكريمة","level":3,"page":116},{"title":"مناسبتها بما بعدها (السجدة)","level":4,"page":118},{"title":"المبحث الثاني: التعريف بشخصية لقمان الحكيم ﵇","level":2,"page":121},{"title":"المطلب الأول: نسبه ونشأته، ويشمل ما يلي","level":3,"page":122},{"title":"أولا: اسمه ونسبه","level":4,"page":122},{"title":"أ- اسمه: (لقمان)","level":5,"page":122},{"title":"ب- نسبه","level":5,"page":123},{"title":"اسم أبيه","level":6,"page":123},{"title":"القول الأول: (باعوراء)","level":7,"page":123},{"title":"القول الثاني: (باعورا)","level":7,"page":124},{"title":"القول الرابع: (باعور)","level":7,"page":125},{"title":"القول الخامس: (ناعور)","level":7,"page":125},{"title":"القول السادس: (عنقاء)","level":7,"page":125},{"title":"القول السابع: (عنقا)","level":7,"page":126},{"title":"القول الثامن: (ثاران)","level":7,"page":126},{"title":"من فوائد ذكر اسمه ونسبه","level":5,"page":128},{"title":"ثانيا: نشأته","level":4,"page":128},{"title":"عمره والزمن الذي عاش فيه","level":5,"page":129},{"title":"ثالثا: موطنه","level":4,"page":130},{"title":"رابعا: مهنته","level":4,"page":133},{"title":"خامسا: صفاته الخلقية والخلقية","level":4,"page":134},{"title":"صفاته الخلقية","level":5,"page":134},{"title":"صفاته الخلقية","level":5,"page":136},{"title":"الأول: ما جاء موافقا لشريعتنا","level":6,"page":138},{"title":"الثاني: ما جاء مخالفا لشريعتنا","level":6,"page":139},{"title":"الثالث: ما جاء مسكوتا عنه في شرعنا","level":6,"page":139},{"title":"المطلب الثاني: التحقيق في أمر نبوته إثباتا ونفيا","level":3,"page":140},{"title":"القول الأول: أن لقمان كان عبدا حكيما ولم يكن نبيا","level":4,"page":140},{"title":"فتاوى بعض المجامع العلمية","level":5,"page":146},{"title":"أ- اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية","level":6,"page":146},{"title":"ب-دار الإفتاء المصرية","level":6,"page":146},{"title":"القول الثاني: القول بنبوة لقمان","level":4,"page":149},{"title":"المبحث الثالث: المنهج التربوي كما تصوره موعظة لقمان الحكيم ﵇","level":2,"page":155},{"title":"المطلب الأول: الجانب العقدي","level":3,"page":156},{"title":"أولا: مفهوم العقيدة","level":4,"page":156},{"title":"أ- مفهوم العقيدة لغة","level":5,"page":156},{"title":"ب- مفهوم العقيدة اصطلاحا","level":5,"page":157},{"title":"ج- تعريف العقيدة الإسلامية","level":5,"page":157},{"title":"ثانيا: بيان العلة من تقديم لقمان النهي عن الشرك في موعظته لولده","level":4,"page":158},{"title":"العلة الأول","level":5,"page":158},{"title":"العلة الثانية","level":5,"page":158},{"title":"ثالثا: بيان معنى الطاغوت","level":4,"page":159},{"title":"رابعا: بيان أن الدعوة إلى التوحيد هو نهج جميع النبيين والمرسلين","level":4,"page":162},{"title":"خامسا: أن تربية الناشئة على عقيدة التوحيد صمام أمان لهم","level":4,"page":165},{"title":"سادسا: بيان أهمية واجب المربين والمعلمين والقائمين على التعليم تجاه هذا الجانب العظيم","level":4,"page":166},{"title":"سابعا: بيان مواعظ لقمان في الجانب العقدي","level":4,"page":167},{"title":"الوصية الأولى من وصايا لقمان لابنه في الجانب العقدي (التحذير من الشرك)","level":5,"page":167},{"title":"الجانب الأول: بيان معنى الشرك لغة وشرعا","level":6,"page":167},{"title":"أ- معنى الشرك لغة","level":7,"page":167},{"title":"ب- معنى الشرك شرعا","level":7,"page":167},{"title":"الجانب الثاني: إيضاح مفهوم الشرك الأكبر وبيان حقيقته في كلام علماء الأمة","level":6,"page":168},{"title":"الجانب الثالث: بيان لأول وصايا لقمان في ضوء كلام أهل التفسير","level":6,"page":169},{"title":"هل كان ابن لقمان كافرا؟","level":7,"page":174},{"title":"القول الراجح في القول بكفر ابن لقمان","level":7,"page":175},{"title":"مخاطبة لقمان ولده بالحكمة (يا بني)","level":7,"page":177},{"title":"في معنى مخاطبة لقمان ولده بلفظ البنوة [يا بني]","level":7,"page":177},{"title":"الجانب الرابع: بيان أنواع الشرك","level":6,"page":179},{"title":"الأول: الشرك الأكبر","level":7,"page":179},{"title":"الثاني: الشرك الأصغر","level":7,"page":180},{"title":"الجانب العقدي الخامس: بيان عواقب الشرك الأكبر وما يترتب عليه من أحكام","level":6,"page":181},{"title":"١ - الشرك محبط لجميع الأعمال بالكلية","level":7,"page":181},{"title":"٢ - والكافر متى لقي ربه مشركا كافرا فليس له مطمع ولا أمل في أن تناله المغفرة أبدا، وهذا مما يدل على خطورة الشرك وخطورة الوقوع فيه والتلبس به","level":7,"page":181},{"title":"٣ - أن صاحبه محرم عليه الجنة وهو مخلد في النار","level":7,"page":182},{"title":"٤ - والشرك يبيح دم المشرك وماله","level":7,"page":182},{"title":"٥ - والمشرك تحرم مناكحته","level":7,"page":184},{"title":"٦ - والمشرك يحرم أكل ذبيحته","level":7,"page":185},{"title":"٧ - من مات مشركا فإنه لا يرث ولا يورث بل إن ماله يفيء إلى بيت مال المسلمين","level":7,"page":185},{"title":"٨ - من مات مشركا فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يستغفر له ولا يترحم عليه، ولا يقبر في مقابر المسلمين","level":7,"page":185},{"title":"٩ - المشرك يحرم نعمتي الأمن والاهتداء","level":7,"page":186},{"title":"١٠ - والمشرك المتلبس بالشرك ظن بربه ظن السوء","level":7,"page":186},{"title":"١١ - والشرك يفسد العقول، فالمشركون من أفسد الناس عقولا","level":7,"page":187},{"title":"الوصية الثانية من وصايا لقمان لابنه في الجانب العقدي: مراقبة الله تعالى","level":5,"page":187},{"title":"أولا: مفهوم مراقبة الله تعالى لغة وشرعا","level":6,"page":187},{"title":"أ- مفهوم المراقبة لغة","level":7,"page":187},{"title":"ب- مفهوم المراقبة شرعا","level":7,"page":188},{"title":"ثانيا: بيان لأهم معاني المراقبة الواردة في الآية الكريمة في ضوء كلام أهل التفسير","level":6,"page":188},{"title":"ثالثا: بيان لأهم الجوانب التربوية المستفادة من الآية الكريمة","level":6,"page":193},{"title":"رابعا: بيان لأهم ثمار المراقبة","level":6,"page":195},{"title":"١ - المراقبة تحقق للعبد معية الله وتأييده.","level":7,"page":195},{"title":"٢ - والمراقبة ترقي العبد لدرجة الإحسان","level":7,"page":196},{"title":"٣ - والمراقبة تثمر أفضل الأعمال لأن مقامها مقام جليل","level":7,"page":196},{"title":"٤ - والمراقبة من أسباب حفظ الله لعبده","level":7,"page":196},{"title":"٥ - وبالمراقبة يتحقق للعبد رضوان الله قال تعالى: ﴿(٦) وإنه على ذلك لشهيد (٧) وإنه﴾","level":7,"page":196},{"title":"المطلب الثاني: الجانب التعبدي","level":3,"page":197},{"title":"أولا: الأمر ببر الوالدين","level":4,"page":198},{"title":"أولا: الأمر ببر الوالدين","level":4,"page":198},{"title":"بيان معنى بر الوالدين لغة واصطلاحا","level":5,"page":198},{"title":"في ضوء تلك الوصية العظيمة نبين ما يلي","level":5,"page":199},{"title":"مفهوم البر","level":6,"page":199},{"title":"الأنبياء وبر الوالدين","level":6,"page":211},{"title":"وختام الحديث عن بر الوالدين ببيان مكانته من الدين","level":7,"page":212},{"title":"أولا: بر الوالدين من أعظم الحقوق وأجلها","level":8,"page":212},{"title":"ثانيا: بر الوالدين من أسباب دخول الجنة","level":8,"page":213},{"title":"ثالثا: بر الوالدين من أحب الأعمال إلى الله","level":8,"page":213},{"title":"رابعا: بر الوالدين من أسباب إجابة الدعاء","level":8,"page":214},{"title":"خامسا: بر الوالدين مقدم على الجهاد","level":8,"page":214},{"title":"سابعا: بر الوالدين سبب في رضا الرب سبحانه","level":8,"page":215},{"title":"ثامنا: بر الوالدين من أسباب سعة الرزق والبركة في العمر","level":8,"page":215},{"title":"تاسعا: بر الوالدين لا ينقطع بموتهما","level":8,"page":215},{"title":"ثانيا: الأمر بإقام الصلاة","level":4,"page":216},{"title":"مكانة الصلاة في الإسلام","level":5,"page":216},{"title":"كيفية تربية الأبناء على أداء الصلاة وأمرهم بها","level":5,"page":224},{"title":"أثر صلاة النوافل في البيت","level":5,"page":225},{"title":"متى يؤمر الصبي بالصلاة","level":5,"page":225},{"title":"وفيما يلي بيان لأهم الثمار التي يجنيها العبد من الصلاة","level":5,"page":230},{"title":"أولا: الصلاة حاجز بين العبد والمعاصي","level":6,"page":230},{"title":"ثانيا: الصلاة من أعظم الخصال المكفرة للذنوب","level":6,"page":230},{"title":"ثالثا: الصلاة نور للعبد","level":6,"page":231},{"title":"رابعا: الصلاة خير ما يتحصن به العبد","level":6,"page":231},{"title":"ثالثا: الأمر بالإنابة ولزوم الجماعة واتباع سبيل المؤمنين","level":4,"page":232},{"title":"أولا: تعريف الإنابة","level":5,"page":233},{"title":"أ - الإنابة لغة","level":6,"page":233},{"title":"ب - الإنابة شرعا","level":6,"page":234},{"title":"ثانيا: بيان أهل التفسير حول آية لقمان","level":5,"page":234},{"title":"ثالثا: وجوب لزوم الجماعة واتباع سبيل المؤمنين","level":5,"page":236},{"title":"رابعا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والترغيب في الصبر على ذلك","level":5,"page":238},{"title":"أولا: مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":6,"page":238},{"title":"أ- المعروف في اللغة","level":7,"page":238},{"title":"ب- المعروف في الاصطلاح","level":7,"page":239},{"title":"ج- المنكر لغة","level":7,"page":239},{"title":"د- والمنكر في الاصطلاح","level":7,"page":239},{"title":"أولا: تربية الأبناء وشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":6,"page":240},{"title":"ثانيا: بيان مكانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الدين","level":6,"page":241},{"title":"ثالثا: بيان مكانة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وعلو شأن أهل هذه الشعيرة","level":6,"page":242},{"title":"رابعا: أخص صفات الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر","level":6,"page":244},{"title":"١. عالما بما يأمر به، عالما بما ينهى عنه","level":7,"page":244},{"title":"٢. أن يكون مؤتمرا بما يأمر به، منتهيا عما ينهى عنه","level":7,"page":244},{"title":"٣. أن يكون الآمر والناهي صبورا","level":7,"page":245},{"title":"٤. ولا بد أن يكون رفيقا فيما يأمر به رفيقا فيما ينهى عنه","level":7,"page":246},{"title":"المطلب الثالث: الجانب الأخلاقي","level":3,"page":248},{"title":"أولا: بيان مفهوم الأخلاق","level":4,"page":248},{"title":"أ- مفهوم الأخلاق لغة","level":5,"page":248},{"title":"ب-مفهوم الأخلاق اصطلاحا","level":5,"page":248},{"title":"ثانيا: مكانة الأخلاق في الإسلام","level":4,"page":248},{"title":"ثالثا: الجانب الأخلاقي في وصايا لقمان","level":4,"page":250},{"title":"١ - التحذير من الكبر والتعالي","level":5,"page":250},{"title":"٢ - الأمر بالوقار وترك الخيلاء","level":5,"page":253},{"title":"٣ - الأمر بالقصد في المشي تواضعا","level":5,"page":264},{"title":"٤ - الأمر بخفض الصوت والاعتدال في ذلك","level":5,"page":270},{"title":"المطلب الرابع: طبيعة العلاقة بين الجوانب الثلاثة","level":3,"page":282},{"title":"تمهيد","level":4,"page":282},{"title":"فقه الأولويات في منهج لقمان التربوي","level":5,"page":282},{"title":"الارتباط الوثيق بين الجانب الأخلاقي والجانب التعبدي","level":4,"page":284},{"title":"ومن تلك العبادات أركان الإسلام الأربعة","level":5,"page":284},{"title":"أولا: فريضة الصلاة وعلاقتها بالجانب العقدي والأخلاقي","level":6,"page":284},{"title":"ثانيا: فريضة الصيام وعلاقتها بالعقيدة والأخلاق وكذلك الشأن في فرضية الصيام ومشروعيته","level":6,"page":288},{"title":"ثالثا: فريضة الزكاة وعلاقتها بالعقيدة والأخلاق","level":6,"page":292},{"title":"مقاصد الزكاة وعلاقتها بالأخلاق والعقيدة","level":7,"page":292},{"title":"١ - تزكية النفس وتطهيرها من داء الشح والبخل","level":8,"page":292},{"title":"٢ - الزكاة مطهرة للعبد من الذنوب وتزكية له ولماله","level":8,"page":293},{"title":"٣ - الزكاة تربية للمؤمن على التراحم وخلق شعور الجسد الواحد ومبدأ التكافل الاجتماعي","level":8,"page":293},{"title":"٤ - تطهير المجتمع من الآفات الاجتماعية الحسية والمعنوية","level":8,"page":294},{"title":"رابعا: فريضة الحج وعلاقتها بالعقيدة والأخلاق","level":6,"page":294},{"title":"العلاقة بين جوانب العقيدة والعبادة والأخلاق في شعيرة الحج","level":7,"page":294},{"title":"الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، يقول الله تعالى","level":8,"page":294},{"title":"١ - الأخلاق مع الله تعالى","level":9,"page":295},{"title":"٢ - الأخلاق مع الرسول -ﷺ-","level":9,"page":295},{"title":"٣ - الأخلاق مع الناس","level":9,"page":296},{"title":"البر في الحج يطلق على معان عدة","level":8,"page":297},{"title":"خاتمة هذا المبحث الهام","level":1,"page":304},{"title":"١ - أبرز النتائج","level":2,"page":304},{"title":"أولا: عظم شأن التوحيد","level":3,"page":305},{"title":"ثانيا: مكانة بر الوالدين من الدين","level":3,"page":305},{"title":"ثالثا: وجوب بر الوالدين ولو كانا مشركين","level":3,"page":305},{"title":"رابعا: وجوب اتباع سبيل المؤمنين","level":3,"page":306},{"title":"خامسا: وجوب تعظيم الله تعالى","level":3,"page":306},{"title":"سادسا: بيان مكانة الصلاة من الدين","level":3,"page":306},{"title":"سابعا: وجوب الدعوة إلى الله وتحمل المشاق في سبيلها","level":3,"page":306},{"title":"ثامنا: ذم الكبر ووجوب الحذر منه","level":3,"page":307},{"title":"تاسعا: وجوب تواضع العبد لله","level":3,"page":307},{"title":"عاشرا: ذم علو الصوت لغير حاجة","level":3,"page":307},{"title":"٢ - أهم التوصيات","level":2,"page":307}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,193":193,"1,194":194,"1,195":195,"1,196":196,"1,197":197,"1,198":198,"1,199":199,"1,200":200,"1,201":201,"1,202":202,"1,203":203,"1,204":204,"1,205":205,"1,206":206,"1,207":207,"1,208":208,"1,209":209,"1,210":210,"1,211":211,"1,212":212,"1,213":213,"1,214":214,"1,215":215,"1,216":216,"1,217":217,"1,218":218,"1,219":219,"1,220":220,"1,221":221,"1,222":222,"1,223":223,"1,224":224,"1,225":225,"1,226":226,"1,227":227,"1,228":228,"1,229":229,"1,230":230,"1,231":231,"1,232":232,"1,233":233,"1,234":234,"1,235":235,"1,236":236,"1,237":237,"1,238":238,"1,239":239,"1,240":240,"1,241":241,"1,242":242,"1,243":243,"1,244":244,"1,245":245,"1,246":246,"1,247":247,"1,248":248,"1,249":249,"1,250":250,"1,251":251,"1,252":252,"1,253":253,"1,254":254,"1,255":255,"1,256":256,"1,257":257,"1,258":258,"1,259":259,"1,260":260,"1,261":261,"1,262":262,"1,263":263,"1,264":264,"1,265":265,"1,266":266,"1,267":267,"1,268":268,"1,269":269,"1,270":270,"1,271":271,"1,272":272,"1,273":273,"1,274":274,"1,275":275,"1,276":276,"1,277":277,"1,278":278,"1,279":279,"1,280":280,"1,281":281,"1,282":282,"1,283":283,"1,284":284,"1,285":285,"1,286":286,"1,287":287,"1,288":288,"1,289":289,"1,290":290,"1,291":291,"1,292":292,"1,293":293,"1,294":294,"1,295":295,"1,296":296,"1,297":297,"1,298":298,"1,299":299,"1,300":300,"1,301":301,"1,302":302,"1,303":303,"1,304":304,"1,305":305,"1,306":306,"1,307":307,"1,308":308,"1,309":309,"1,310":310},"ٜ":{"1":[1,310]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310"],"ٞ":{"3":[1,2,3],"5":[4,5],"6":[6,7],"7":[8,9],"8":[10,11,12,13,14,15],"9":[16,17],"10":[18,19],"11":[20],"12":[21,22],"13":[23],"14":[24,25],"16":[26],"17":[27],"18":[28,29,30,31],"19":[32,33],"22":[34,35],"23":[36],"24":[37,38],"25":[39,40],"26":[41,42,43,44],"27":[45],"28":[46],"30":[47,48,49],"31":[50,51],"34":[52],"36":[53,54],"38":[55],"40":[56],"41":[57],"42":[58,59],"43":[60],"44":[61,62,63,64,65],"45":[66],"46":[67],"47":[68,69,70],"48":[71],"51":[72],"52":[73],"53":[74],"57":[75,76],"58":[77,78],"59":[79,80,81,82],"60":[83,84,85,86,87,88],"61":[89,90],"62":[91,92],"64":[93,94],"65":[95,96,97],"66":[98,99],"68":[100],"69":[101],"70":[102,103,104],"71":[105,106,107],"72":[108,109,110],"73":[111,112],"75":[113,114,115,116],"76":[117,118,119],"77":[120],"79":[121,122],"80":[123],"81":[124,125],"82":[126],"85":[127,128,129],"87":[130,131],"88":[132],"89":[133],"90":[134],"97":[135],"98":[136],"100":[137],"103":[138,139],"104":[140],"105":[141],"106":[142],"107":[143],"110":[144,145],"111":[146,147,148],"112":[149,150,151],"113":[152,153],"114":[154],"116":[155],"118":[156],"121":[157],"122":[158,159,160],"123":[161,162,163],"124":[164],"125":[165,166,167],"126":[168,169],"128":[170,171],"129":[172],"130":[173],"133":[174],"134":[175,176],"136":[177],"138":[178],"139":[179,180],"140":[181,182],"146":[183,184,185],"149":[186],"155":[187],"156":[188,189,190],"157":[191,192],"158":[193,194,195],"159":[196],"162":[197],"165":[198],"166":[199],"167":[200,201,202,203,204],"168":[205],"169":[206],"174":[207],"175":[208],"177":[209,210],"179":[211,212],"180":[213],"181":[214,215,216],"182":[217,218],"184":[219],"185":[220,221,222],"186":[223,224],"187":[225,226,227,228],"188":[229,230],"193":[231],"195":[232,233],"196":[234,235,236,237],"197":[238],"198":[239,240,241],"199":[242,243],"211":[244],"212":[245,246],"213":[247,248],"214":[249,250],"215":[251,252,253],"216":[254,255],"224":[256],"225":[257,258],"230":[259,260,261],"231":[262,263],"232":[264],"233":[265,266],"234":[267,268],"236":[269],"238":[270,271,272],"239":[273,274,275],"240":[276],"241":[277],"242":[278],"244":[279,280,281],"245":[282],"246":[283],"248":[284,285,286,287,288],"250":[289,290],"253":[291],"264":[292],"270":[293],"282":[294,295,296],"284":[297,298,299],"288":[300],"292":[301,302,303],"293":[304,305],"294":[306,307,308,309],"295":[310,311],"296":[312],"297":[313],"304":[314,315],"305":[316,317,318],"306":[319,320,321,322],"307":[323,324,325,326]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nدراسات جامعية\nلمرحلتي\nالماجستير والدكتوراة\n\nالمنهج التأصيلي\nلدراسة التفسير التحليلي\n\nمن صريف قلم الدكتور\nعرفة بن طنطاوي","vol":"1","page":1},{"text":"الحمدُ لله الذي أنزلَ كتابَه المجيدَ على أحسنِ أسلوب، وبهرَ بحسنِ أساليبِه وبلاغةِ تركيبِه القلوب، نزَّله آياتٍ بيِّناتٍ، وفصَّله سورًا وآياتٍ، ورتَّبَه بحكمتِه البالغةِ أحسنَ ترتيب، نظَمَه أعظمَ نظامٍ بأفصحِ لفظٍ وأبلغِ تركيبٍ، وصلَّى الله على من أُنزل إليه لينذرَ به وذكرى، ونزله على قلبهِ الشَّريفِ فنفى عنه الحرجَ وشرحَ له صدرًا، وعلى آله وصحبِه مهاجرةً ونصرًا (^١).\n_________\n(^١) أسرار ترتيب القرآن، جلال الدين السيوطي (ت: ٩١١ هـ)، تحقيق: عبدالقادر أحمد عطا، ص ٣٧، دار الفضيلة، القاهرة.","vol":"1","page":2},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-1> الفصل الأول •\nالتفسير والتأويل</span>\n<span data-type='title' id=toc-2>المبحث الأول: مفهوم التفسير</span>\nوفيه مطلبان:\n\n<span data-type='title' id=toc-3>المطلب الأول: مفهوم التفسير لغةً</span>\nالتفسير في اللغة: اسمٌ، وجمعه؛ تفسيرات، وتفاسير، ويراد به: الشرح والبيان، وتفسير القرآن الكريم: توضيح معانيه، وبيان وجوه البلاغة والإعجاز فيه، وشرح في آياته؛ من أسباب النزول، والعقائد، والأحكام والحكم (^١).\nفمن تأمل معاني التفسير وجدها مادة تدور حول الكشف، والإيضاح، والبيان للشيء.\nوحول توضيح مادته يقول ابن فارس (^٢): \" (فَسَرَ) الفاء، والسين، والراء كلمة واحدة تدلُّ على بيانِ شيءٍ وإيضاحِه\" (^٣).\nويقول ابن منظور (^٤): \" (فسر) الفَسْرُ: البيان، فَسَر الشيءَ يفسِرُه بالكَسر وتَفْسُرُه بالضم فَسْرًا وفَسَّرَهُ: أَبانه. وقوله ﷿:\n_________\n(^١) عن قاموس معاني \"الجامع\". معجم مقاييس اللغة المؤلف: أحمد بن فارس، الناشر: دار الفكر عام النشر: ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م، الجزء (٤)، الصفحة (٥٠٤)\n(^٢) هو أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن حبيب الرازي، ولد في قرية كرسفة، منطقة رستاق الزهراء، كان أحد أئمة اللغة الأعلام نزيل همذان، كان من الرحالة في طلب العلم، توفى سنة خمس وتسعين وثلاثمائة للهجرة بالري ودفن بها، يُنظر: سير أعلام النبلاء، شمس الدين أبو عبدالله محمد بن أحمد الذهبي ١٧/ ١٠٣، تحقيق: مجموعة بإشراف شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، (بدون).\n(^٣) معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس ٤/ ٤٠٢، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، ١٣٩٩ هـ.\n(^٤) هو محمد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري الأفريقي ثم المصري أبو الفضل يعرف بابن منظور، ولد سنة ثلاثين وستمائة، بمصر وقيل في طرابلس، خدم في ديوان الآثار بالقاهرة ثم ولي القضاء في طرابلس ثم رجع إلى مصر ومات فيها سنة إحدى عشرة =","vol":"1","page":3},{"text":"﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣]، ولم يَرِد هذا اللفظ في القرآن الكريم إلا في هذه الآية فقط\" (^١)؛ والفَسْرُ: كشف المُغَطّى، والتَّفْسير كَشف المُراد عن اللفظ المُشْكل، والتأْويل: ردّ أَحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهرواسْتَفْسَرْتُه كذا أَي سأَلته أَن يُفَسِّره لي.\nوالفَسْر: نظر الطبيب إلى الماء، وكذلك التَّفْسِرةُ؛ قال الجوهري: وأَظنه مولَّدًا، وقيل: التَّفْسِرةُ البول الذي يُسْتَدَلُّ به على المرض وينظر فيه الأطباء يستدلون بلونه على علة العليل، وهو اسم كالتَّنْهِيَةِ، وكل شيء يعرف به تفسير الشيء ومعناه، فهو تَفْسِرَتُه (^٢).\nويقول السيوطي: \"إنه مقلوب السَّفر، تقول: أسفَر الصبح، إذا أضاء، وقيل: مأخوذ من التَّفْسِرة؛ وهي اسم لما يَعرف به الطبيبُ المرضَ\" (^٣).\nوقد سبق بيان ابن منظور له آنفًا، وأما معنى قول السيوطي (مقلوب) أي: مقلوب الجذر. ومن يرى أنّه مقلوب الجذر عن «السفر» كذلك يقول: سفرت المرأة سفورًا، إذا ألقت خمارها عن وجهها فهي سافرة (^٤)، وتقول: أسفر الصبح إذا أضاء (^٥).\nومما عُرِّف به كذلك أنه: \"الاستبانة، والكشف، والعبارة عن الشيء بلفظ أسهل وأيسر من لفظ الأصل\" (^٦).\nومما سبق يتبين أنّ المعاني اللغوية للتفسير متقاربة المعنى وأن اختلاف تناول اللغويون للأصل الاشتقاقي الذي انبثقت منه لفظة: \"تفسير\"، هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد،\n_________\n=وسبعمائة وترك من مختصراته بخطه خمسمائة مجلد، يُنظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لابن حجر، أبي الفضل أحمد بن علي العسقلاني ٢/ ١٠٧، مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد، الهند، ١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م، ط ٢، تحقيق: محمد عبد المعيد ضان.\n(^١) المدخل إلى التفسير الموضوعي (١٣)؛ د. عبدالستار فتح الله سعيد، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، الطبعة الثانية، ١٤١١ هـ، ١٩٩١ م.\n(^٢) يُنظر: لسان العرب لابن منظور: (٥/ ٥٥).\n(^٣) الإتقان في علوم القرآن (٦/ ٢٢٦١)؛ جلال الدين السيوطي، مركز الدراسات القرآنية، طبعة مجمع الملك فهد، السعودية، ط ١\n(^٤) البرهان في علوم القرآن ٢: ١٤٧.\n(^٥) الإتقان في علوم القرآن ٤: ١٦٧.\n(^٦) لسان العرب لابن منظور ١١/ ١٢٨.","vol":"1","page":4},{"text":"وذلك لتقارب المعنى واتحاد دلالة المادتين، أعني مادة \"فسر\"، ومادة \"سفر\" وأن مادتيها تدوران حول الكشف \"للمغلق\" والمستور، والإيضاح \"للمبهم\"، والبيان \"لما خفي\"؛ «فالدلالة فيه واحدة في اللغة، تعني كشف المغلق، وتيسر البيان، والإظهار من الخفي إلى الجلي» (^١) ..\nومن هنا يتبين أنه: يستوي أن يكون التفسير مشتقًا من «الفسر» أو من «السفر» فدلالة المادتين واحدة في النهاية وهي الكشف عن شيء مختبئ (^٢)، وهو في اللغة: اسم، وجمعه؛ تفسيرات، وتفاسير، ويراد به: الشرح والبيان، وتفسير القرآن الكريم: توضيح معانيه، وبيان وجوه البلاغة، والإعجاز فيه، وشرح في آياته؛ من أسباب النزول، والعقائد، والأحكام والحكم (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-4>المطلب الثاني: بيان مفهوم التفسير اصطلاحًا</span>\nأما معنى التفسير اصطلاحًا، فقد اختلفت عبارات العلماء في ذلك، ومن أشهرها:\n\n<span data-type='title' id=toc-5>١. تعريف أبي حيان في مقدمة تفسيره بقوله:</span>\n\"التفسير: وهو: علم يُبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التى تحمل عليها حالة التركيب، وتتمات لذلك\". ثم شرحه بقوله: \"فقولنا: (علم) هو جنس يشمل سائر العلوم، وقولنا: (يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن) هذا هو علم القراءات، وقولنا: (ومدلولاتها) أي مدلولات تلك الألفاظ، وهذا هو علم اللغة، وقولنا: (وأحكامها الإفرادية والتركيبية) هذا يشمل علم التصريف، وعلم الإعراب، وعلم البيان، وعلم البديع، وقولنا: (ومعانيها التى تحمل عليها حالة التركيب)\n_________\n(^١) دراسات قرآنية ٢: ١٥ - ١٦.\n(^٢) مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن: ٢٢٥.\n(^٣) يُنظر: تعريف ومعنى التفسير في معجم المعاني الجامع.","vol":"1","page":5},{"text":"يشمل ما دلالته بالحقيقة وما دلالته بالمجاز، وقولنا: (وتتمات لذلك) هو معرفة النسخ، وسبب النزول، وقصة توضح ما انبهم فى القرآن، ونحو ذلك\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-6>٢. وعرّفه الزركشي بقوله:</span>\n\"علم يعرف به فهم كتاب الله تعالى، المنزل على نبيه محمد -ﷺ-، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-7>٣. وقد ذكر السيوطي فى إتقانه عدة تعريفات كثيرة للتفسير</span>، واعتبر في كتابه «التحبير في علم التفسير» تعريف أبى حيان أحسن تعريف (^٣).\nولعل خير ما يجمع تلك التعاريف كلها، ذلك الذى ذكره الزرقاني فى مناهله، حيث يقول: \"والتفسير فى الاصطلاح: علم يبحث فيه عن القرآن الكريم، من حيث دلالته على مراد الله تعالى، بقدر الطاقة البشرية\" (^٤).\nوهذا التعريف -على الرغم من إيجاز عبارته- تعريف جامع مانع، يناسب المطلوب من الصياغة في مثل هذا المقام.\nثم شرح الزرقاني تعريفه هذا شرحًا وافيًا، ثم بيّن لنا سبب تسمية هذا العلم بذلك الاسم، ووجه اختصاصه بها دون بقية العلوم، فقال: \"وسمي علم التفسير لما فيه من الكشف والتبيين، واختص بهذا الاسم دون بقية العلوم -مع أنها كلها مشتملة على الكشف والتبيين-\n_________\n(^١) البحر المحيط: ١/ ١٣، ١٤ باختصار يسير.\n(^٢) البرهان: ٢/ ١٠٤، ١٠٥، ط./ دار المعرفة.\n(^٣) التحبير ٣٦، ط./ دار المنار.\n(^٤) مناهل العرفان: ٢/ ٣، ط./ الفنية المتحدة بالقاهرة.","vol":"1","page":6},{"text":"لأنه لجلالة قدره، واحتياجه إلى زيادة الاستعداد، وقصده إلى تبيين مراد الله من كلامه، كان كأنه هو التفسير وحده، دون ما عداه\" (^١) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-8>٤. ومن أبين ما قيل في تعريفه كذلك:</span> أنه علم: \"استخراج المعاني المحتبسة والمستورة تحت الألفاظ، والكشف عن مدلولاتها ومقاصدها، وفق مجموعة من القواعد والضوابط التي تراعى عند الإجراء\" (^٣).\n<span data-type='title' id=toc-9>٥. وقيل هو: \"العلم الذي يبحث فيه المفسر عن كيفية النّطق بألفاظ القرآن الكريم</span>، ومدلولات هذه الألفاظ، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حال التركيب، وغير ذلك كمعرفة النسخ، وسبب النزول، وما به من توضيح المقام كالقصة والمثل\" (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق: ٢/ ١٠.\n(^٢) يُنظر: الموسوعة القرآنية المتخصصة المؤلف: مجموعة من الأساتذة والعلماء المتخصصين: (١/ ٢٤١ - ٢٤٢)، الناشر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، مصر عام النشر: ١٤٢٣ هـ.\n(^٣) أساسيات علم التفسير، إعداد: مركز المعارف للتأليف والتحقيق، الناشر: دار المعارف الإسلامية الثقافية، الطبعة الأولى: ٢٠١٧ م، الصفحة (١٦)\n(^٤) موسوعة التفسير قبل عهد التدوين المؤلف: محمد عمر الحاجي الناشر: دار المكتبي، دمشق الطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ، ٢٠٠٧ م، الصفحة (١٦١).","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>المبحث الثاني: مفهوم التأويل</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-11>المطلب الأول: مفهوم التأويل لغًة</span>\nالتأويل لغة: \"مصدر أوّل يؤوّل، وأوّل فعّل -بتشديد أوسطه- ثلاثيه آل يؤول أولا\"، قال أهل اللغة: الأوْل الرجوع، وهذا تفسير تقريبي، وأغلب ما تستعمل في الرجوع الذي فيه معنى الصيرورة، ومن أمثلة اللغويين: \"طبخ الشراب؛ فآل إلى قدر كذاو كذا\". ولذلك وضع بعض النحاة \"آل\" في الأفعال التي تجيء بمعنى \"صار\"، وتعمل عملها. و\" آل\" قريب من معنى \"حال\"، أي: تحول من حال إلى حال.\nوالتأويل مأخوذ من هذا، فهو أن يجعل الكلام يؤول إلى معنى لم يكن ظاهرًا منه، فآل الكلام إلى أن حمل على ذلك المعنى بعد أن كان غير ظاهر فيه (^١).\nومما قيل في ذلك أنه: \"مأخوذ من الأَوْل، وهو الرجوع، قال ابن منظور: الأول: الرجوع، آل الشيء يؤول أوْلًا، ومآلًا: رجع، وقال أبو عبيد: التأويل: (المرجع والمصير) \" (^٢).\nوقيل: إن التأويل مأخوذ من الإيالة، وهي السياسة، قال الزبيدي: \"آل الملك رعيته يؤول إِيَالًا: ساسهم وأحسن رعايتهم، وآل المال: أصلحه وساسه\" (^٣).\nوعلى ذلك: فإن قلنا: إن التأويل مأخوذ من الأول، وهو الرجوع، فلأن فيه إرجاع الآية إلى ما تحتمله من المعاني، وإن قلنا: إنه مأخوذ من الإيالة وهي السياسة، فلأن المؤول يسوس الكلام، ويضعه في معناه اللائق به.\n\n<span data-type='title' id=toc-12>المطلب الثاني: مفهوم التأويل اصطلاحًا</span>\nأما التأويل واستعمالاته في الاصطلاح، فإنه يطلق على معان عدة:\nمن أهمها وأبرزها ما يأتي:\n١. يطلق على التفسير، وهو الإيضاح والتبيين، فيكون التفسير والتأويل بمعنى واحد، وهذا ما جرى عليه ابن جرير الطبري في تفسيره، حينما يقول: القول فى تأويل قوله تعالى كذا وكذا، وبقوله: اختلف أهل التأويل فى هذه الآية.\n٢. ويطلق على حقيقة الشيء ذاته، ونفس المراد بالكلام، فإذا قيل: غربت الشمس، فتأويل هذا هو نفس غروبها، وهذا، في نظر ابن تيمية ﵀ (^٤)، هو لغة القرآن التي نزل بها.\n٣. ويطلق على صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلي معنى آخر مرجوح، وهو بهذا الإطلاق نوعان: صحيح، وفاسد.\n\n<span data-type='title' id=toc-13>المطلب الثالث: بيان معاني التأويل في القرآن إجمالًا</span>\nفالتأويل لفظ مجمل يحتاج إلى تفسير وبيان؛ وله أربعة معان في كتاب الله تعالى على التفصيل التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-14>المعنى الأول: التفسير والمرجع وما يؤول إليه الكلام</span>؛ يقول الجوهري (ت ٣٩٣ هـ): التأويل: تفسير ما يَؤُولُ إليه الشيء، أي: تفسيره ومرجعه\" (^٥).\n<span data-type='title' id=toc-15>المعنى الثاني: عاقبة الشيء؛ يقال: \"آل الأمر إلى كذ</span>\" إذا صار إليه ورجع (^٦)؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، يقول ابن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ): يعني: وأحمد مَوْئلا ومغبّة، وأجمل عاقبة\" (^٧).\n_________\n(^١) يُنظر: رسالة في حقيقة التأويل لعبد الرحمن بن يحيى بن علي بن محمد المعلمي العتمي اليماني (المتوفى: ١٣٨٦ هـ) المحقق: جرير بن العربي أبي مالك الجزائري الناشر: دار اطلس الخضراء للنشر والتوزيع، الرياض الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م-عدد الأجزاء: ١ (١/ ٤١)، بتصرف واختصار.\n(^٢) لسان العرب (أول) ط./ دار المعارف.\n(^٣) تاج العروس للزبيدي (أول) ط./ الكويت.\n(^٤) كما يقول الدكتور محمد حسين الذهبي فى: التفسير والمفسرون: ١/ ٢٠، طبعة المدني.\n(^٥) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية: (٤/ ١٦٢٧).\n(^٦) يُنظر: تفسير الطبري: (٦/ ٢٠٥).\n(^٧) تفسير الطبري، مرجع سابق: (٨/ ٥٠٦).","vol":"1","page":8},{"text":"وبنحو قول الطبري يقول الشوكاني: (ت: ١٢٥٥ هـ) أحسن تأويلًا: أي أحسن عاقبة من آل إذا رجع وعليه يكون المعنى: أحسن مرجعًا ومآلًا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-16>المعنى الثالث: الحقيقةُ التي يصيرُ إليها الشيء ويرجع</span>، حقيقة الشيء المخبر عنه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، قال ابن زيد: \"يوم يأتي حقيقته؛ وقرأ قول الله تعالى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، قال: هذا تحقيقها\"، يقول: \"ما آلت إليه رؤياي التي كنت رأيتها\"، أي: تحقيق رؤياي (^٢).\nوقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، أي: تحقيقه ووقوعُه، أي: يوم القيامة، قاله ابن عباس ﵄ (^٣): والمعني بذلك والذي يعود عليه الضمير: هو يوم القيامة.\n\n<span data-type='title' id=toc-17>المعنى الرابع: العلة الغائية والحكمة المطلوبة بالفعل</span>؛ ومنه قوله تعالى فيما قصه علينا من قصة الخضر مع موسى ﵉: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] (^٤).\nقال الطبري: يقول: بما يؤول إليه عاقبة أفعالي التي فعلتها، فلم تستطع على تَرك المسألة عنها، وعن النكير على فيها صبرًا، والله أعلم (^٥).\nوقال البغوي (ت ٣١٧ هـ): تأويل الشيء مآله أي قال له: إني أخبرك لم فعلت ما فعلت (^٦).\nإذًا فالتأويل: \"رجوع الشيء إلى مآله\" (^٧). وهي معان متقاربة في لفظها ومعناها.\n_________\n(^١) فتح القدير للشوكاني: (١/ ٨٢٤)، تفسير-فتح القدير: الجامع بين فني الرواية والدراية، الشوكاني: محمد بن على بن محمد الشوكاني، دار المعرفة، سنة النشر: ١٤٢٣ هـ -٢٠٠٤ م، عدد الأجزاء: جزء واحد.\n(^٢) تفسير الطبري-مرجع سابق: (١٦/ ٢٧١).\n(^٣) تفسير ابن كثير: (٣/ ٤٢٦)، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير بن زرع القرشي، طبعة: دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، ط ٥، ١٤١٧ هـ\n(^٤) ينظر: الصواعق المرسلة: (١/ ١٧٧).\n(^٥) تفسير الطبري - مرجع سابق: (١٨/ ٨١). ويُنظر كذلك: موقع مركز سلف للبحوث والدارسات، مقال رقم: (١٧٣) بتصرف غير يسير من الباحث.\n(^٦) تفسير البغوي - مرجع سابق: (١٠/ ٤٠٦)\n(^٧) فتح القدير للشوكاني - مرجع سابق: (١/ ٨٧١).","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-18>المبحث الثالث: أنواع التأويل</span>\nوفيه مطلبان:\n\n<span data-type='title' id=toc-19>المطلب الأول: بيان النوع الأول وهو التأويل الصحيح الذي يُحمَدُ طَالِبُهُ</span>\nهذا التأويل من شأن صاحبه محاولة معرفة مراد الله تعالى دون أن يكون له هوى أو غرض آخر؛ ولذلك فهو يهتم بالقرائن والضوابط والأدلة؛ فإذا حتم ذلك التأويل وكان المعنى لا يستقيم بغير ذلك مال إليه؛ وإلا فهو لا يؤول ما لا يقبل التأويل ولا يقول بالمجاز في المواضع التي لا تحتمل المجاز، ولا يصرف المعنى عن ظاهره إذا كانت الدلائل تشير إلى أن المعنى الظاهر هو المقصود، وإذا كان المؤول يتغلغل وراء الظواهر والألفاظ مستخرجًا منها المعاني الحسان والدقائق الفريدة فهذا وجه مطلوب لا يهتدي إليه إلا من آتاه الله بصيرة ثاقبة وعقلًا لماحًا وطبعًا صحيحًا وفهمًا عاليًا وإدراكًا متميزًا، ولذلك دعا رسول الله ﷺ لابن العباس، ﵄، وهو حبر الأمة بقوله: \"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل\" (^١) (^٢).\nومن صوره \"البحث عن تفسير الأسماء والصفات ومعرفة معانيها على الوجه الذي تعرفه العرب من كلامها، فنحن نعرف معاني ما أخبرنا الله به من معاني أسمائه وصفاته سبحانه، كما نعلم معاني ما أخبرنا الله به من نعيم القبر وعذابه، وقيام الساعة، والبعث\n_________\n(^١) قوله ﷺ: \"اللهمَّ فقِّههُ في الدِّين\". بهذا اللفظ فقط، ففي صحيحي البخاري ١/ ٤١ رقم ١٤٣، ومسلم ٤/ ١٩٢٧ رقم ٢٤٧٧ أما الحديث بطوله: (اللهمَّ فقِّههُ في الدِّين وعلمه التأويل) فهو في مسند الإمام أحمد ٤/ ٢٢٥ رقم ٢٣٩٧، ٥/ ٦٥ رقم ٢٨٧٩، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ٢٥٨٩.\n(^٢) مشكلات التأويل، مقال عن موقع أهل التفسير/ لجمال الدين عبد العزيز، بتاريخ، ٨/ ٣/ ١٤٣٠ هـ.","vol":"1","page":10},{"text":"والنشور، والموقف وأهواله، والحساب والجزاء والميزان، والجنة ونعيمها، والنار وأهوالها\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-20>المطلب الثاني: بيان النوع الثاني وهو التأويل الفاسد الذي يُذَمُّ طَالِبُهُ</span>\n\"التأويل الفاسد بخلاف التأويل الصحيح، إذ يكون فيه لي أعناق النصوص حتى توافق غرض المستدل بها، وهنا يلوح للمستدل معنى ما كان ليلوح له لولا الغرض والهوى، أو قد لا يكون للمستدل غرض أو هوى، ولكنه يخطئ في إدراك المعنى لأمر توهمه ولم تنهض الأدلة أبدًا لإثباته أو تعضيده؛ ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: \" أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس\" (^٢) (^٣) ويكون التأويل الفاسد في كل ما ورد في عقيدة لم يُكَلَّف العبادُ بحقائقها وتفاصيلها، ولكن أُمِروا باعتقادها إجمالًا.\nومن أمثلته: \"البحث عن حقيقة ما أخبرنا الله به من الغيوب التي لا يستطيع العباد بعقولهم المجردة إدراك حقيقتها، فالله أخبرنا بنعيم القبر وعذابه في عالم البرزخ، كما أخبرنا بالبعث والنشور، والحشر وأهواله، والجنة وأنهارها وثمارها وأطيارها وحورها، والنار وسمومها وحميمها وغسلينها، ونحن لا ندري حقيقة ما أخبرنا الله عنه، قال تعالى نافيًا علم العباد بحقيقة ما أخبر الله به من نعيم أهل الجنة: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]، وفي الحديث القدسي: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» (^٤).\nوصفات الباري غيب لا نعرف حقيقتها، فالكلام عن الصفات فرع عن الكلام عن الذات، وحقيقة الذات غير معروفة لنا، فكذلك صفاته ﵎\" (^٥).\n_________\n(^١) يُنظر: التأويل، خطورته وآثاره، عمر بن سليمان الأشقر العتيبي المتوفى (١٤٣٣ هـ): الناشر: دار النفائس للنشر والتوزيع، الأردن، الطبعة الأولى: ١٤١٢ هـ:، (١/ ١٨ - ٢٠)\n(^٢) نقل ذلك عنه شيخ الإسلام في القواعد النورانية، (ص: ٣٦٤)، ومجموع الفتاوى (٣/ ٦٣).\n(^٣) مشكلات التأويل، مرجع سابق، نفس الموضع.\n(^٤) رواه البخاري (٣٠٧٢) ومسلم (٢٨٢٤) وعنده: (بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ).\n(^٥) يُنظر: التأويل خطورته وآثاره، مرجع سابق (١/ ١٨ - ٢٠).","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type='title' id=toc-21>المبحث الرابع: ما يتعلق بالتأويل من جهة:\n\"ضوابطه وشروطه\"، ومن جهة: \"حكمه ومعناه</span>\"\nوفيه مطلبان:\n\n<span data-type='title' id=toc-22>المطلب الأول: أهم شروط وضوابط التأويل الصحيح عند المتأخرين</span>\nأهل التأويل الفاسد لهم في تأويلهم مقصدان إما أنهم يقصدون بتأويلهم إبطال معنى شرعي صحيح، وهذا النوع هو أكثر ما يتطرقون إليه، وإما أنهم يقصدون بتأويلهم إبطال لفظ شرعي صريح، ولذلك وضع أهل العلم شروطًا للتأويل الصحيح، ومن أبرز ما ذكروا في هذا الشأن ما يلي:\n١. أن يكون اللفظ المرادُ تأويله يحتمله المعنى المؤول لغة أو شرعًا؛ فلا يصح على هذا تأويلات الباطنية التي لا مستند لها في اللغة أو الشرع، بل ولا العقل.\n٢. أن يكون السياق محتملًا، مثل لفظ (النظر) فهو يَحْتَمل معانيَ في اللغة، ولكنه إذا عدِّي بـ: (إلى) لا يحتمل إلا الرؤية.\n٣. أن يقوم الدليل على أن المراد هو المعنى المؤول.\n٤. أن يسلم دليل التأويل من معارض أقوى؛ فإذا اختل شرط من الشروط فهو تأويل فاسد.\nمثال للتأويل الصحيح: قال الله ﷿: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، فقد ثبت عن ابن عباس ﵄ \"أن النسيان هنا هو الترك\" (^١) وقد دل على هذا التأويل تصريحًا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، وقوله سبحانه: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] (^٢).\n_________\n(^١) يُنظر الدر المنثور للسيوطي (٧/ ٤٣١).\n(^٢) يُنظر: إرشاد الفحول للشوكاني ص ١٧٧، والتوضيحات الأثرية على متن الرسالة التدمرية للشيخ فخر الدين المحيسي ص ١٨٥.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type='title' id=toc-23>المطلب الثاني: حكم التأويل بمعناه الحادث عند المتأخرين</span>\n١. قد يكون صحيحًا إذا اجتمعت فيه الشروط كما مرَّ.\n٢. قد يكون خطأ كتأويلات بعض العلماء الذين أخطأوا في تأويل بعض نصوص الصفات.\n٣. قد يكون بدعة كتأويلات الأشاعرة، والمعتزلة.\n٤. قد يكون كفرًا كتأويلات الباطنية (^١).\n\"وبالجملة فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة ويطابقها هو التأويل الصحيح، والتأويل الذي يخالف ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة هو التأويل الفاسد، ولا فرق بين باب الخبر والأمر في ذلك، وكل تأويل وافق ما جاء به الرسول فهو المقبول وما خالفه فهو المردود\" (^٢).\n_________\n(^١) التأويل: مفهومه - معانيه - أمثلة عليه، محمد بن إبراهيم الحمد، عن موقع ملتقى أهل التفسير، بتاريخ، ١٨/ ١٠/ ١٤٢٦ هـ.\n(^٢) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة لابن القيم، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ) المحقق: علي بن محمد الدخيل (١/ ١٧٨).","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type='title' id=toc-24>المبحث الخامس: بيان الفَرْق بين التفسير والتأويل</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-25>المطلب الأول: بيان اختلاف العلماء في بيان الفَرْق بين التفسير والتأويل، وفي تحديد النسبة بينهما</span>\n١. قال أبو عُبَيدة بن المثنى النحوي (^١)، وطائفة: هما بمعنًى واحد، وعليه فهُما مترادفان، وهذا هو الشائعُ عند المتقدِّمين من علماء التفسير، كالإمام ابن جرير وغيره (^٢).\n٢. قال الراغب الأصفهاني: التفسيرُ أعمُّ من التأويل، وأكثرُ استعماله في الألْفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجُمَل، وأكثر ما يُستعمَل في الكتب الإلهية، والتفسير يُستعمل فيها وفي غيرها (^٣)، فالتفسير إمَّا أن يُستعمل في غريب الألفاظ كالبَحِيرة والسائبة والوَصِيلة والحَام، أو في تبيين المراد وشرْحه؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وإمَّا في كلام مضمَّن بقِصَّة لا يمكن تصوُّرُه إلا بمعرفتها؛ نحوَ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧].\nوأمَّا التأويل: فإنَّه يُستعمَل مَرَّةً عامًّا، ومرةً خاصًّا، نحو (الكفر) المستعمَل تارةً في الجحود المطلَق، وتارةً في جحود الباري خاصَّة، و(الإيمان) المستعمل في التصديق المطلَق تارة، وفي تصديق دِين الحقِّ تارة، وإمَّا في لفظ مُشْتَرك بين معانٍ مختلفة، ونحو لفظ (وجد) المستعمل في الجد والوجد والوجود (^٤).\n٣. قول السيوطي في الإتقان: قيل إن التفسير: هو ما وقع مبينا في كتاب الله تعالى، أو معينا عليه في صحيح السنة لأن معناه قد ظهر واتضح. والتأويل: هو ما استنبطه العلماء، ولذا قال بعضهم التفسير هو ما يتعلق بالرواية والتأويل هو ما يتعلق بالدراية \" (^٥).\n_________\n(^١) أبو عُبَيدة: هو معْمَر بن المثنى النحوي العلامة، يقال: إنَّه وُلِد سنة ١١٠ هـ، توفي سنة ٢١٣ هـ، تاريخ بغداد: (١٣/ ٢٥٢).\n(^٢) مجاز القرآن (١/ ٨٦)، تحقيق: سزكين، ط: الخانجي، الإتقان في علوم القرآن: (٤/ ١٦٧).\n(^٣) الإتقان في علوم القرآن) ٤/ ١٦٧ (.\n(^٤) البرهان (٢/ ١٤٩)، والتفسير المفسرون (١/ ٢٠).\n(^٥) يُنظر: الإتقان للسيوطي: (٢/ ١٧٣ - ١٧٤).","vol":"1","page":14},{"text":"٤. وقال قوم: التفسير بيان وضْع اللفظ؛ إما حقيقةً وإما مجازًا، كتفسير (الصراط) بالطريق و(الصيب) بالمطر، والتأويل تفسير باطن اللفظ، مأخوذٌ من الأَوْل، وهو الرجوع لعاقبة الأمر، فالتأويل إخبارٌ عن حقيقة المراد، والتفسير إخبارٌ عن دليل المراد؛ لأنَّ اللفظ يكشِف عن المراد، والكاشف دليل، مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤]، تفسيره: أنَّه من الرَّصْد، يقال: رصدته؛ أي: رقبته، والمرصاد: مِفْعال منه، وتأويله التحذير مِن التهاون بأمر الله والغَفْلة، والاستعداد للعَرْض عليه، وقواطع الأدلَّة تقتضي بيانَ المراد منه على خِلاف وضْع اللفظ في اللغة (^١)، وعلى هذا فالنِّسبة بينهما التباين.\n٥. وقال قوم: التأويل: صرْف الآية إلى معنًى محتمل موافِق لِمَا قبلها وما بعدها، غير مخالف للكتاب والسُّنة من طريق الاستنباط، فقد رُخِّص فيه لأهل العلم، والتفسير: هو الكلام في أسباب نزول الآية وشأنِها وقصتها، فلا يجوز إلا بالسماع بعدَ ثبوته من طريق النقْل (^٢)، وعليه فالنسبة بينهما التباين أيضًا.\n٦. وقال قوم: التفسير يتعلق بالرِّواية، والتأويل يتعلَّق بالدِّراية (^٣)، والنسبة بينهما التباين أيضًا\n٧. وقال قوم: ما وقع مبيَّنًا في كتاب الله، ومعيَّنًا في صحيح السنة، سُمِّي تفسيرًا؛ لأنَّ معناه قد وضح وظهر، وليس لأحد أن يتعرَّض إليه باجتهاد ولا غيره؛ بل يحمله على المعنى الذي ورَد لا يتعدَّاه، والتأويل: ما استنبطه العلماءُ العاملون لمعانِي الخطاب، الماهرون في آلاتِ العلوم (^٤).\n٨. وقال قوم: التفسير: هو بيان المعاني التي تُستفاد من وضْع العبارة، والتأويل: هو بيانُ المعاني التي تُستفاد بطريق الإشارة، فالنِّسبة بينهما التباين، وهذا هو المشهورُ عندَ المتأخرين، وقد نبَّه إليه الألوسي في مقدِّمة تفسيره (^٥).\n_________\n(^١) الإتقان في علوم القرآن (٤/ ١٦٨)، التفسير والمفسرون (١٠/ ٢٠).\n(^٢) مقدمة تفسير البغوي (١/ ٤٦)، البرهان في علوم القرآن (٢/ ١٥٠)، الإتقان: (٤/ ١٦٩).\n(^٣) الإتقان للسيوطي: (٤/ ١٩٦).\n(^٤) الإتقان: (٤/ ١٦٨، ١٦٩).\n(^٥) روح المعاني (١/ ٦)، التفسير والمفسرون: (١/ ٢١).","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type='title' id=toc-26>المطلب الثاني: بيان القول الراجح من أقوال العلماء في بيان معنى التفسير والتأويل</span>\nولعلَّ أظهر الأقوال وأولاها بالقَبول: هو أنَّ التفسير: ما كان راجعًا إلى الرِّواية، والتأويل: ما كان راجعًا إلى الدِّراية؛ وذلك لأنَّ التفسير معناه الكشْف والبيان، والكشْف عن مراد الله تعالى لا يُجْزَم به إلا إذا وردَ عن رسول الله ﷺ أو عن بعضِ أصحابه الذين شَهِدوا نزولَ الوحي، وعلموا ما أحاط به من حوادثَ ووقائع، وخالطوا رسولَ الله ﷺ ورجعوا إليه فيما أشكل عليهم من معاني القرآن الكريم.\nوأما التأويل: فملحوظٌ فيه ترجيح أحدِ محتملات اللفظ بالدليل، والترجيح يَعتمِد على الاجتهاد، ويُتوصَّل إليه بمعرفة مفردات الألفاظ ومدلولاتها في لُغة العرب، واستعمالها بحسب السِّياق، ومعرفة الأساليب العربية، واستنباط المعاني من كلِّ ذلك (^١).\nقال أبو نصر القُشَيري (^٢) قال الزَّركشي (^٣): ويُعتبَر في التفسير الاتباع والسَّماع، وإنما الاستنباط فيما يَتعلَّق بالتأويل.\nقال الزَّركشي: وكأنَّ السبب في اصطلاح كثير على التفرِقة بين التفسير والتأويل التمييزُ بين المنقول والمستنبَط؛ ليحمل على الاعتماد في المنقول، وعلى النظر في المستنبط، تجويزًا له وازديادًا، وهذا من الفروع في الدِّين (^٤).\n_________\n(^١) التفسير والمفسرون: (١/ ٢٢).\n(^٢) هو: الإمام المفسِّر أبو نصر عبد الرحيم بن شيخ الصوفية أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري النيسابوري النحوي المتكلم، مات سنة ٥٢٤ هـ، سير أعلام النبلاء: (١٩/ ٤٢٤).\n(^٣) البرهان في علوم القرآن (٢/ ١٦٥)، دار الكتب العلمية.\n(^٤) الإتقان في علوم القرآن (٣/ ١٦٧)، والبرهان (٢/ ١٧٢)، والتفسير والمفسرون: (١/ ٢٢).","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>المطلب الثالث: الخلاصة التي توصلت لها الدراسة في مبحث الفرق بين التفسير والتأويل</span>\nأولًا: فإنَّ التأويل أعمُّ من التفسير؛ وذلك لأنَّ كلمة التأويل وردت في القرآن الكريم بأكثر من معنى، في حين أنَّ الله تبارك تعالى لم يذكرْ كلمةَ التفسير ومشتقاتها إلا مرَّةً واحدة فقط في القرآن كله في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣].\nثانيًا: إذا ذُكِر أحد اللفظين منفردًا قُصِد به المعنى الشامل للفظين معًا إذا اجتمع اللفظان معًا.\nثالثًا: إذا اجتمع اللفظان معًا \"التفسير والتأويل\" في شيء يخصُّ القرآن الكريم، كان المراد -والله أعلم - بالتفسير بيانَ المعاني التي تُستفاد من وضْع العبارة، وبالتأويل بيانَ المعاني التي تُستفادُ بطريق الإشارة، والله تعالى أعلم (^١).\nوبهذا ينتهي الفصل الأول والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) يُنظر: الفرق بين التفسير والتأويل، د. هاني البشبيشي، تاريخ الإضافة: ٤/ ٤/ ٢٠١٣ ميلادي - ٢٣/ ٥/ ١٤٣٤ هجري، عن موقع الألوكة، بتصرف يسير.","vol":"1","page":17},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-28> الفصل الثاني •\nالتعريف بالمنهج التأصيلي لدراسة التفسير التحليلي</span>\n<span data-type='title' id=toc-29>المبحث الأول: التعريف بالمنهج التأصيلي لدراسة التفسير التحليلي من جهة ألفاظه التي تتكون من خمس كلمات</span>\nأ- المنهج\nب- التاصيلي\nج- لدراسة\nد- التفسير (^١)\nهـ- التحليلي\nولا بد أولًا: من التعرف على مفهوم هذه الكلمات ومدلولاتها في اللغة والاصطلاح، وذلك على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-30>المطلب الأول: مفهوم ومدلول كلمة المنهج في اللغة والاصطلاح</span>\n<span data-type='title' id=toc-31>أ- بيان مفهوم ومدلول كلمة \"منهج\" في اللغة:</span>\nقال الرّاغب في المفردات: \"النَّهْجُ: الطريقُ الوَاضِحُ، ونَهَجَ الأمْرُ وأَنْهَجَ: وَضَحَ، ومَنْهَجُ الطَّرِيقِ ومِنْهَاجُهُ، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ الآية [المائدة: ٤٨] \" (^٢).\nقال أبو جعفر النحاس في معاني القرآن: والصراط في اللغة المنهاج الواضح (^٣).\nوالمنهاج: الطريق الواضح البيِّنُ المستقيم، وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]؛ أي: ثبتنا على المنهاج الواضح.\n_________\n(^١) وقد سبق تعريفه في الفصل الأول.\n(^٢) المفردات للرّاغب الأصفهانيُّ (ص: ٨٢٥)\n(^٣) معاني القرآن للنحاس (٣/ ٣٥٩)","vol":"1","page":18},{"text":"وهو كما قال الزبيدي في تاج العروس (ت: ١٢٠٥ هـ) (^١): السراط بالكسر: السبيل الواضح، وبه فسر قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، أي ثبتنا على المنهاج الواضح كما قاله الأزهري.\nوكما قال ابن منظور في لسان العرب: الصراط، والسراط، والزراط، الطريق، قال الشاعر:\nأَكُرُّ على الحَرورِيِّنَ مُهْري … وأَحْمِلُهُمْ على وَضَحِ الصِراطِ (^٢)\nقال شيخ المفسرين الإمام الطبريّ في تفسير قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ الآية [المائدة: ٤٨]: \"وأما (المنهاج)، فإنّ أصله: الطريقُ البيِّنُ الواضح، … ثم يُستعمل في كل شيءٍ كان بيِّنًا واضحًا سهلًا\" (^٣).\nوختامًا: فإن المنهج والمنهاج في اللغة لفظان مشتقان من النهج، الذي هو الطريق الواضح البيِّنُ.\nويمكننا في ضوء ما سلف أن نعرف المنهج في اللغة تعريفًا جامعًا مانعًا بأنه:\nهو الطريق الواضح البين، وهو الصراط المستقيم، وهو السبيل السوي الّذي لا يتيه ولا يضل ولا ينحرف عنه سالكُه، بل يصلُ إلى غايته من ورائه مباشرةً، من غير التواءٍ ولا تعرُّج ولا انحراف ولا انجراف ولا اعوجاج.\n\n<span data-type='title' id=toc-32>ب- مفهوم ومدلول كلمة \"منهج\" في الاصطلاح</span>\n<span data-type='title' id=toc-33>المنهج في الاصطلاح:</span>\nهو: الطريقة التي ينهجها الفرد حتى يصل إلى هدف معين (^٤).\n_________\n(^١) تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي (١٩/ ٣٤٥)، تاج العروس من جواهر القاموس-المؤلف: محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (المتوفى: ١٢٠٥ هـ - تحقيق: مجموعة من المحققين-الناشر: دار الهداية. (د. ط)\n(^٢) لسان العرب لا بن منظور (٢/ ٤٣٠)\n(^٣) تفسير الطبريّ (١٠/ ٣٨٤).\n(^٤) محاضرات في العلوم التربوية والسلوكية: مجموعة مؤلفين (ص: ٩٢).","vol":"1","page":19},{"text":"أو هو: خطوات منظمة يتبعها الباحث في معالجة الموضوعات التي يقوم بدراستها إلى أن يصل إلى نتيجة معينة (^١).\nبالنظر إلى التعريفين السابقين، نجد أن التعريف الأول فيه دَوْر، حيث عرف المنهج بما يُنهج، فإذا أردنا شرح التعريف درنا لنعرف (ينهجها) بالمنهج، وهو عيب في التعريف.\nوالتعريف الثاني اقتصر على منهج البحث العلمي.\nلذلك وانطلاقًا من قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، يمكن تعريف المنهج والمنهاج بأنه: الوسيلة والبرنامج الذي يُوصَل من خلال اتباعه إلى هدف ما (^٢).\nورود كلمة \"منهاج \" في القرآن الكريم:\nقد وردت كلمة المنهج في كتاب الله تعالى مرة واحدة، وذلك في قوله سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ الآية [المائدة: ٤٨].\nقال الطاهر بن عاشور، ﵀، في التحرير والتنوير: وقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ الآية [المائدة: ٤٨]، كالتعليل للنهي، أي إذا كانت أهواؤهم في متابعة شريعتهم أو عوائدهم، فدعهم وما اعتادوه وتمسكوا بشرعكم، والشرعة والشريعة: الماء الكثير من نهر أو واد، يقال: شريعة الفرات، وسميت الديانة شريعة على التشبيه، لأن فيها شفاء النفوس وطهارتها، والعرب تشبه بالماء وأحواله كثيرًا (^٣).\nوإذا كان الماء وما ينبت من أثره من النبات هو من أس مقومات حياة أبدان البشر، فكذلك جعل الله تعالى الشرعة والمنهاج أس حياة قلوبهم، وبهجة أرواح نفوسهم، وإذا كان الله قد\n_________\n(^١) مناهج البحث العلمي: عمار بوحوش، ومحمد محمود الذنيبات (ص: ١٣)، الناشر: ديوان المطبوعات الجامعية-مدينة النشر: الجزائر العاصمة: سنة النشر: ٢٠٠٠ م\n(^٢) يُنظر: الطريق ونظائرها في القرآن الكريم دراسة تفسيرية بيانية (ص: ٢٤ - ٢٥) -إعداد: الدكتور زكريا إبراهيم الزميلي، الأستاذ مازن رشاد الحلو- الجامعة الإسلامية - غزة- كلية أصول الدين-١٤٢٨ هـ - بحث غير منشور. بتصرف غير يسير من الباحث.\n(^٣) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٦/ ٢٢٣)، بتصرف.","vol":"1","page":20},{"text":"جعل لكل منا شرعة ومنهاجًا، فقد قال سبحانه في موضع آخر من كتابه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ﴾ الآية [الشورى: ١٣].\nقال الشوكاني، ﵀، في فتح القدير: الخطاب في قوله: شرع لكم من الدين لأمة محمد -ﷺ-، أي: بيّن وأوضح لكم من الدين ما وصّى به نوحًا من التوحيد ودين الإسلام وأصول الشرائع التي لم يختلف فيها الرسل وتوافقت عليها الكتب (^١).\nورود كلمة \" منهاج \" في السنة المطهرة:\nوقد وردت لفظة \"منهاج\" في السنة المطهرة، منها ما ثبت عند أحمد المسند من حديث ينتهي سنده إلى حذيفة بن اليمان -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيًّا، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ سَكَتَ» (^٢).\nوعرفه شيخنا الفقيه العلامة ابن عثيمين، ﵀، بقوله: المنهج هو الطريق البين الواضح الذي يسير عليه المرء في عمله الديني والدنيوي (^٣).\nوفي ختام التعريف الاصطلاحي للمنهج، يمكننا التوصل لتعريف شرعي جامع مانع له أيضًا فنقول:\nالمنهج شرعًا هو: الطريق الواضح، والسبيل البين، والصراط المستقيم، وهو شرع الله ودينه الذي بينه الله في كتابه، وشرعه على لسان رسوله -ﷺ-، من العقائد والعبادات والأخلاق\n_________\n(^١) فتح القدير للشوكاني (١/ ١٣٢٦).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٢٧٣)، والألباني في مشكاة المصابيح (٥٣٠٦) بإسناد حسن.\n(^٣) يُنظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين: (٢٧/ ٣٤٠، وما بعدها).","vol":"1","page":21},{"text":"والمعاملات، وأمر عباده أن يتمسكوا ويعتصموا به ويسيروا وفق ما حثهم عليه ورغبهم فيه، وما نهاهم وزجرهم عنه وحذرهم منه، ويكون ذلك بإتمارهم بأمره، وانتهائهم عن نهيه، ويكون ذلك أيضًا خوفًا وطمعًا، رغبًا ورهبًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-34>المطلب الثاني: مفهوم ومدلول كلمة التأصيلي في اللغة والاصطلاح</span>\n<span data-type='title' id=toc-35>أ- مفهوم ومدلول كلمة \"التأصيلي\" في اللغة</span>\nتَأْصِيلٌ- مصدر: أَصَّلَ: تَأْصِيلُ الشَّيْءِ: جَعْلُهُ ذَا أَصْلٍ ثَابِتٍ. تَأْصِيلُ النَّسَبِ: تَبْيَانُ أَصْلِهِ وَأَصَالَتِهِ (^١).\nوأَصَّلَ تَأْصِيلًا: أَصَّلَهُ: جعل له أصلًا ثابتًا. أَصَّلَهُ: بين أصله أو أصالته (^٢). وتأصَّلَ يتأصَّل، تأصُّلًا، فهو مُتأصِّل. تأصَّل الشَّيءُ: مُطاوع أصَّلَ: صار ذا أصل ثابت، ترسَّخ وتعمَّق (^٣).\nوالأصل: ما يبنى عليه الشيء، أو ما يتوقف عليه (^٤)، وأصل الشيء أساسه الذي يقوم عليه (^٥)، وهو ما يبتني عليه غيره (^٦). فأَصْلُ كُلِّ شَيْءٍ مَا يَسْتَنِدُ وُجُودُ ذَلِكَ الشَّيْءِ إلَيْهِ، فَالْأَبُ أَصْلٌ لِلْوَلَدِ، وَالنَّهْرُ أَصْلٌ لِلْجَدْوَلِ وَالْجَمْعُ: أُصُولٌ (^٧).\nوقيل: الأصل أسفل الشيء والذي يعتمد عليه سواء كان ماديًا أو معنويًا (^٨).\n_________\n(^١) عجم: الغني-عبدالغني أبو العزم-صدر: ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠١ م.\n(^٢) معجم الرائد -جبران مسعود- صدر: ١٣٨٤ هـ/ ١٩٦٥ م\n(^٣) يُنظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، التأصيل الفقهي، جذر (أصل)، (فقه)\n(^٤) الصحاح: مادة (أصل).\n(^٥) المعجم الوسيط: مادة (أصل).\n(^٦) التعريفات: مادة (أصل).\n(^٧) المصباح المنير: (١/ ١٦).\n(^٨) يُنظر: لسان العرب: (١١/ ١٦)، المصباح المنير: (١/ ١٦)، القاموس المحيط: (ص ١٢٤٢) ٠","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type='title' id=toc-36>ب- مفهوم ومدلول كلمة \"التأصيلي\" في الاصطلاح</span>\nوالتأصيل اصطلاحًا: إرجاع المعارف إلى أصلها؛ الوجود والوحي (^١).\nوالتأصيلُ: هو إرجاعُ القواعد إلى أصول شرعيّة يعتمدُ عليها، وتطمئنُّ النفس إليها.\nيقول أبو الحسن المَرْدَاوي الدمشقي (ت: ٨٨٥ هـ):\nوَالْقَاعِدَة: هِيَ الْأَمر الْكُلِّي الَّتِي يَنطبقُ على جزئيّات كَثِيرَة؛ تُفهَمُ أَحْكَامهَا مِنْهَا (^٢).\nوهذا ما سبقه شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّةَ، ﵀، إلى تقعيده وتقريره حيث يقول:\nلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْإِنْسَانِ أُصُولٌ كُلِّيَّةٌ تُرَدُّ إلَيْهَا الْجُزْئِيَّاتُ؛ لِيَتَكَلَّمَ بِعِلْمِ وَعَدْلٍ (^٣). ثُمَّ يَعْرِفُ الْجُزْئِيَّاتِ كَيْفَ وَقَعَتْ؟، وَإِلَّا: فَيَبْقَى فِي كَذِبٍ وَجَهْلٍ فِي الْجُزْئِيَّاتِ، وَجَهْلٍ وَظُلْمٍ فِي الْكُلِّيَّاتِ، فَيَتَوَلَّدُ فَسَادٌ عَظِيمٌ (^٤).\nوقال الزركشي: \". . . . . والحكيم إذا أراد التعليم لا بد أن يجمع بين بيانين: إجمالي تتشوَّف إليه النفس، وتفصيلي تسكن إليه. والحاصل أن من عرف قواعد التفسير انفتح له من المعاني القرآنية ما يجل عن الوصف، وصار بيده آلة يتمكن بها من الاستنباط والفهم مع ملكة ظاهرة تصيره ذا ذوق واختيار في الأقوال المختلفة في التفسير\" (^٥).\nوأصول وقواعد التأصيل في دراسة التفسير تحتاج إلى الرجوع للأسس والقواعد الأصلية التي ينبغي الرجوع اليها، وهي القواعد والأصول والضوابط التي يهتدي بها لفهم هذا العلم الجليل، واستنباط معاني القرآن الكريم، وفهم مقاصده ومراميه.\n_________\n(^١) وهو تعريف: الدكتور طه جابر العلواني، يُنظر: مجلة التأصيل العدد الأول، ص ٥٤.\n(^٢) التحبير شرح التحرير، للمَرْدَاوي: (١/ ١٢٥).\n(^٣) الأصل أن يُقال: \"عن علم\"، بدلُا من: \"بعلم\"، ولعله وقع سهوًا من النساخ، وذلك لدقة ألفاظ شيخ الإسلام، وتحريه المعروف في انتقاء الألفاظ والكلمات. الباحث.\n(^٤) مجموع الفتاوى، لشيخُ الإسلام ابنُ تيميَّةَ﵀-: (١٩/ ٢٠٣).\n(^٥) المنثور في القواعد: (١/ ٦٥).","vol":"1","page":23},{"text":"وهي هنا عبارة عن محاولة تأصيلية لإبراز أسس وقواعد أحد أنواع التفسير، ألا وهو \"التفسير التحليلي\"، التي ينبغي الرجوع إليها عند دراسته.\n\n<span data-type='title' id=toc-37>المطلب الثالث: مفهوم ومدلول كلمة \"دراسة\" في اللغة والاصطلاح</span>\n<span data-type='title' id=toc-38>أ- مفهوم ومدلول كلمة \"دراسة\" في اللغة</span>\nوالدراسة: من دَرَسَ، يَدْرُسُ، دَرَسَ الشيء بمعنى طَحَنَهُ وجَزَّءَهُ، دَرَسَ الحبَ طَحَنَهُ، دَرَسَ الدرس جَزَّءَهُ وَسَهَلَ وَيَسَّرَ تعلمه على أجزاء، فيقال دَرَسَ الكتاب، يدرسه دراسة، بمعنى قراءة وأقبل عليه، ليحفظه ويفهمه (^١)، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩].\nومنها:\n* دَرَسَ الكتابَ ونحوه، كرّر قراءته ليحفظه ويفهمه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦]، أي: وما كنا نفهم ما يقولون، وقال تعالى: ﴿إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا﴾ [الأعراف: ١٦٩] (^٢)، ودرسوا ما فيه أي: قرأوا ما فيه.\n* دَرَّسَ الكتاب ونحوه، قام بتدريسه، أقرأه وأفهمه للطَّلبة، قال تعالى: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] (^٣)، أي: تتعلمون.\n* وَدَرَسَ الْكِتَابَ يَدْرُسُهُ دَرْسًا وَدِرَاسَةً وَدَارَسَهُ، مِنْ ذَلِكَ، كَأَنَّهُ عَانَدَهُ حَتَّى انْقَادَ لِحِفْظِهِ.\n_________\n(^١) مجمع اللغة العربية - المعجم الوسيط: (ج ١، ص ٢٨١).\n(^٢) المعجم: عربي عامة، مادة: درس، بتصرف يسير.\n(^٣) المرجع السابق نفسه، بتصرف يسير.","vol":"1","page":24},{"text":"وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، ﵄، فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ [الأنعام: ١٠٥]؛ قَالَ: مَعْنَاهُ وَكَذَلِكَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَا لِكَيْ يَقُولُوا إِنَّكَ دَرَسْتَ أَيْ تَعَلَّمَتْ أَيْ هَذَا الَّذِي جِئْتَ بِهِ عُلِّمْتَ.\nوَدَرَسْتُ الْكِتَابَ أَدْرُسُهُ دَرْسًا أَيْ ذَلَّلْتُهُ بِكَثْرَةِ الْقِرَاءَةِ حَتَّى خَفَّ حِفْظُهُ عَلَيَّ، مِنْ ذَلِكَ؛ قَاْلَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:\nوَفِي الْحِلْمِ إِدْهَانٌ وَفِي الْعَفْوِ دُرْسَةٌ وَفِي الصِّدْقِ مَنْجَاةٌ مِنَ الشَّرِّ فَاصْدُقِ.\nوَالْمُدَارِسُ: الَّذِي قَرَأَ الْكُتُبَ وَدَرَسَهَا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-39>ب- مفهوم ومدلول كلمة \"دراسة\" في الاصطلاح</span>\n<span data-type='title' id=toc-40>الدراسة مأخوذة من الدرس:</span>\n* والدَّرْس هو: فترة محددة من الوقت ومنظمة يقصد فيه ممارسة التدريس والتعليم.\n* الدَّرْس هو: المقدار من العلم يُدْرَس في وقت ما، جمع دُروس وأَدْراس (^٢).\n* والمدرسة: مكان الدرس والتعليم ويقال: هو من مدرسة فلان: على رأيه ومذهبه (^٣).\n* والتدارُس: على وزن (تفاعُل)، ومن معاني هذا الوزن المشاركة بين اثنين فأكثر، فيكون كلّ منهما فاعلًا في اللفظ مفعولًا في المعنى (^٤).\n* والمدارسة: من المفاعلة: ودارستُ الكُتُبَ وتَدَارَسْتُها، أي: دَارَسْتُها، وأصلُ الدِرَاسةِ الرياضة والتَّعَهُدُ للشيء (^٥).\n_________\n(^١) معجم لسان العرب، لابن منظور: \"حرف الدال\"، معنى كلمة درس.\n(^٢) المعجم الوسيط: (١/ ٢٨).\n(^٣) مجمع اللغة العربية - المعجم الوسيط: (١/ ٢٨٢)\n(^٤) يُنظر: شذا العرف في فنّ الصرف، الحملاوي: (ص: ٣٤).\n(^٥) لسان العرب مادة: (درس)، (٥/ ٤٢٢).","vol":"1","page":25},{"text":"والمُفَاعَلَة هنا: تتضمن معني المبادلة والمقابلة والمدارسة بين جانبين، وهي مُفَاعَلَة - يعني من طرفين- أو بين طرفين.\n\n*<span data-type='title' id=toc-41> وقد خصَّ بعضهم المدارسة بالقراءة والتعهّد </span>(^١).\nومن هنا يمكن أن نعرف أن المدارسة أو الدراسة اصطلاحًا هي:\nمدراسة العلم ومذاكرته وتدريسه، وتعلمه وتعليمه، وتعهده بتفهمه وتفهيمه، وحفظه وتحفيظه، وترويض النفس على رعايته بكل سبيل ممكن، للقيام بأمره وإصلاح شأنه، واستقطاع وقت خاص لذلك، مع تكراره والمداومة عليه بقدر الاستطاعة.\n\n*<span data-type='title' id=toc-42> ومدارسة التفسير هنا:</span>\nشمولها لجميع ما يتعلق بالقرآن من تعلُّمه وتعليمه، وتفسيره، واستكشاف هداياته ودقائق معانيه، وتزكية النفس به (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-43>المطلب الرابع: مفهوم ومدلول كلمة \"تحليلي\" في اللغة والاصطلاح، وبيان مفهوم التفسير التحليلي</span>\n<span data-type='title' id=toc-44>أ- مفهوم كلمة \"تحليلي\" في اللغة</span>\n* التحليل لغةً: حلّل الشيء: أرجعه إلى عناصره أي جزّأه، وحلّل الشيء: درسه وكشف خباياه (^٣).\n* تَحليل: (اسم)\n* الجمع: تحليلات وتحاليلُ.\n* تَحْليل الجملة: بيان أجزائها ووظيفة كل منها (^٤).\n_________\n(^١) يُنظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي: (٥/ ٤٠٨).\n(^٢) يُنظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، الملا علي القاري، ١/ ٢٨٧؛ وتحفة الأحوذي، صفي الرحمن المباركفوري، ٨/ ٢١٦.\n(^٣) لسان العرب، لابن منظور: (١٩٩٤).\n(^٤) المعجم الوسيط-مجمع اللغة العربية بالقاهرة-صدر: ١٣٧٩ هـ/ ١٩٦٠ م، تعريف ومعنى تحليل في معجم المعاني الجامع.","vol":"1","page":26},{"text":"* قَدَّمَ تَحْلِيلًا جَيِّدًا لِلْمَوْضُوعِ: تَفْسِيرًا وَشَرْحًا لَهُ (^١).\n* حَلَّلَ العقدة: حلها، وحَلَّلَ الشيء: رجعّه إلى عناصره، يقال: حلل الدم وحلل البول، ويقال حلل نفسية فلان: درسها لكشف خباياها (^٢).\n* (حل): أصل الحل: حل العقدة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: ٢٧]، وحللت: نزلت، أصله من حل الأحمال عند النزول، ثم جرد استعماله للنزول، فقيل: حل حلولًا، وأحله غيره، قال ﷿: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١]، ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨]، ويقال: حل الدين: وجب أداؤه (^٣).\n* (حل): الحاء واللام له فروع كثيرة ومسائلُ، وأصلها كلُّها عندي فَتْح الشيء، لا يشذُّ عنه شيء، يقال: حلَلْتُ العُقدةَ أحُلُّها حَلاًّ، ويقول العرب: \"يا عاقِدُ اذكُرْ حَلاًّ\"، والحلال: ضِدُّ الحرام، وهو من الأصل الذي ذكرناهُ، كأنه من حَلَلْتُ الشيء، إذا أبحْتَه وأوسعته لأمرٍ فيه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-45>ب- مفهوم كلمة \"تحليلي\" في الاصطلاح</span>\nالتحليل في الاصطلاح: هو ارجاع الجملة الى عناصرها وبيان أجزائها المكونة لها، ووظيفة كل منها، والتعرف على أنواع العلاقات بين مفرداتها، مع بقاء الكلمات نفسها في الجمل أو الجمل الأخرى (^٥).\nفالتحليلي: \"نسبة إلى التحليل، والمراد تفكيك الكلام على الآية لفظةً لفظة، والكلام على ما فيها من معان وإعراب وأحكام وغيرها، ثم الانتقال إلى ما بعدها وهكذا ..، -وهو- أي أن يعمد المفسر\n_________\n(^١) معجم: الغني-عبدالغني أبو العزم- صدر: ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠١ م\n(^٢) المعجم الوسيط: (١/ ١٩٣).\n(^٣) يُنظر: المجمل: (١/ ٢١٧)؛ والبصائر: (٢/ ٤٩٣).\n(^٤) مقايس اللغة، لابن فارس: (٢/ ٢٠).\n(^٥) مقدمة لتحليل النص القرآني: (١ - ٨)","vol":"1","page":27},{"text":"إلى تفسير الآيات حسب ترتيبها في السورة، ويذكر ما فيها من معاني وأقوال وإعراب وبلاغة وأحكام وغيرها مما يعتني به المفسر\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-46>ج- مفهوم التفسير التحليلي في الاصطلاح</span>\nأما التفسير من الناحية اللغوية: فقد مر معنا في الفصل الأول بيان شاف وكاف لتعريف التفسير في اللغة والاصطلاح، وهنا نتعرض للتعريف الاصطلاحي للتفسير التحليلي بعينه.\nوالتفسير التحليلي:\n\"هو الذي يتتبع فيه المفسر آيات القرآن-من أوله إلى آخره- يقف عند كل كلمة ولفظة فيفسرها ويقف عند كل آية فيحللها من جميع الوجوه: فيذكر ما يتعلق بالمعاني اللغوية والجوانب الإعرابية ويبين معاني الجمل والتراكيب ويذكر ما ورد في أسباب النزول وإن وردت آثار وأقوال عن السلف في تفسير الآية ذكرها.\nويعتبر هذا النوع من التفسير السمة البارزة والنوع المهيمن على أغلب التفاسير إلى زماننا، فأشهر التفاسير كلها من هذا النوع، فتفسير ابن جرير وابن كثير والمحرر الوجيز لابن عطية وجامع الأحكام للقرطبي وأحكام القرآن لابن العربي وغيرها كلها من هذا القبيل، وكل من يؤلف في التفسير فإنه غالبًا ينهج الأسلوب التحليلي\" (^٢).\nوبشيء من الإيضاح والتفصيل يُجَلِّى الباحث الأمر فيقول:\n_________\n(^١) مشكلة المصطلحات في الدراسات القرآنية، التفسير الموضوعي وإخوانه أنموذجًا، د. مساعد الطيار، عن ملتقى أهل للتفسير، بتاريخ: ٨/ ٥/ ١٤٢٧ هـ.\n(^٢) وللاستزادة يُنظر: أقسام التفسير- ناصر عبد الغفور- مقال عن- ملتقى أهل للتفسير، بتاريخ: ١٣/ ٤/ ١٤٣٩ هـ.","vol":"1","page":28},{"text":"لما علمنا أن التحليل مأخوذ من الحل، وأن الحل من أبرز معانيه كما مر معنا: نقض وتفكيك التعقيد، والمعني في بحثنا هنا: أن المفسر يتعرض لتفسير الآيات بطريقة تحليلية ينقض ويفك بها تعقيد المبهم من معاني الآيات، فيحلل ما فيها من غموض الألفاظ والجمل، ويوضح ويُجَلِّي المطلوب المراد منها.\nويشرح ويحلل، مقسِّمًا للآيات إلى وحدات موضوعية واضحة العناوين شارحًا للمعنى العام للآيات، معتنيًا ببيان اللغويات من الإعراب والنواحي البلاغية من تركيب النظم وبلاغته وأوجه إعجازه، مبينًا لغريبها، معربًا لمشكلها، مبينًا لمجملها، مجليًا لمعانيها، متطرقًا لأسباب نزولها.\nمبينًا لأقوال المفسرين في الآية، مرجحًا بينها، متعرضًا للمسائل الفقهية ذاكرًا أهم ما في الآيات من أحكام، مبينًا لأقوال العلماء فيها، بلا إفراط ولا تفريط، متعرضًا للقراءات الواردة في الآيات موجهًا لها ومبينًا أثرها على دلالة المعنى الوارد في الآيات، مهتمًا بالمناسبات الظاهرة بين الآيات والسور، كل ذلك حسب ترتيب الآيات في السورة متسلسلًا مع النظم القرآني والسير معه آية آية، وسورة سورة، حسب الترتيب المصحفي، سواء تناول تفسير جملة من الآيات المتتابعات، أو تناول تفسير سورة كاملة بعينها، أو تناول تفسير القرآن الكريم بأكمله.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type='title' id=toc-47>المبحث الثاني: علاقة التفسير التحليلي بأنواع التفسير الأخرى</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-48>المطلب الأول: علاقة التفسير التحليلي بالتفسير الموضوعي</span>\n<span data-type='title' id=toc-49>التفسير التحليلي:</span> منهج من مناهج أو أسلوب من أساليب علم التفسير إلى جانب التفسير الموضوعي والتفسير الإجمالي والتفسير المقارن؛ فالتفسير التحليلي هو التزام المفسر تسلسل النظم القرآني والسير معه سورة سورة وآية آية، وهو النمط الذي سلكه سائر المفسرين القدامى إلا القليل النادر (^١)؛ وهذه الطريقة في التفسير لا يستغني عنها الباحث في التفسير الإجمالي أو الموضوعي أو المقارن لأن التفسير التحليلي ينصب على معرفة دلالة الكلمة اللغوية ودلالتها الشرعية، والتعرف على الرابط بين الكلمات في الجملة وبين الجمل في الآية وبين الآيات في السورة، وكذلك التعرف على القراءات وأثرها على دلالة الآية، ووجوه الإعراب ودورها في الأساليب البيانية وإعجاز القرآن الكريم، وغيرها من الوجوه التي تساعد على إخلاء المعنى وتوضيح المراد (^٢)، فهو إذن التفسير الذي يعنى بالدقة والعمق في استعمال العلوم التي يحتاج إليها المفسّر وخصوصا اللغوية والبلاغية (^٣) بحيث يسير المفسر في هذا البيان مع آيات السورة آية آية، شارحًا مفرداتها، وموجهًا إعرابها، وموضحًا معانى جملها، وما تهدف إليه تراكيبها من أسرار وأحكام، ومبينًا أوجه المناسبات بين الآيات والسور، مستعينًا في ذلك بالآيات القرآنية الأخرى ذات الصلة، وبأسباب النزول، وبالأحاديث النبوية، وبما صح\n_________\n(^١) اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر؛ المؤلف: أ. د. فهد بن عبد الرحمن بن سليمان الرومي: (٨٦٢/ ٣)؛ الناشر: إدارة البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد في المملكة العربية السعودية؛ الطبعة الأولى (١٤٠٧ هـ/ ١٩٨٦ م).\n(^٢) مباحث في التفسير الموضوعي؛ المؤلف: مصطفى مسلم: (ص: ٥٢ - ٥٣)؛ الناشر: دار القلم؛ الطبعة الرابعة (١٤٢٦ هـ/ ٢٠٠٥ م).\n(^٣) علوم القرآن الكريم؛ المؤلف: نور الدين محمد عتر الحلبي؛ الناشر: مطبعة الصباح - دمشق؛ الطبعة الأولى (١٤١٤ هـ/ ١٩٩٣ م)؛ الصفحة: ٩٦.","vol":"1","page":30},{"text":"عن الصحابة والتابعين، وبغير ذلك من العلوم التي تعينه على فهم النص القرآني وتوضيحه للقراء، مازجًا ذلك بما يستنبطه عقله، وتمليه عليه نزعته (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-50>والتفسير الموضوعي:</span> منهج من مناهج أو أسلوب من أساليب علم التفسير كالأنواع الأخرى سالفة الذكر آنفًا- كذلك.\nوإذا كان التفسير التحليلي يأخذ كل آية أو مجموعة آيات على حدة (^٢)، فيذكر ما يتعلق بها من الناحية اللغوية والعقائدية والفقهية إلى جانب ما يتعلق بها من ناحية مباحث علوم القرآن الأخرى، فإن التفسير الموضوعي هو إفراد الآيات القرآنية التي تعالج موضوعًا واحدًا وهدفًا واحدًا، بالدراسة والتفصيل، بعد ضم بعضها إلى بعض، مهما تنوعت ألفاظها، وتعددت مواطنها - دراسة متكاملة (^٣).\nفالتفسير الموضوعي إذًا يقوم بتناول أحد مواضيع القرآن مستقلة بالبحث والدراسة: كدراسة: اليوم الآخر في القرآن، بر الوالدين في القرآن، الصدق في القرآن، الملائكة في القرآن وغير ذلك من مواضيع القرآن. وللتفسير الموضوعي أنماط ثلاثة: التفسير الموضوعي للكلمة واللفظة القرآنية، وللسورة القرآنية بأكملها، وللموضوع القرآني كذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-51>المطلب الثاني: علاقة التفسير التحليلي بالتفسير الإجمالي والفرق بينهما</span>\nالتفسير الإجمالي منهج من مناهج تفسير القرآن الكريم؛ أي أنه أسلوب من أساليب التفسير ووسيلة من وسائله ومركبًا من مراكبه، إلى جانب الأساليب الأخرى المعروفة؛ التفسير التحليلي، والتفسير الموضوعي، والتفسير المقارن.\n_________\n(^١) الموسوعة القرآنية المتخصصة؛ المؤلف: مجموعة من الأساتذة والعلماء المتخصصين: (ص: ٢٧٨)؛ الناشر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، مصر؛ عام النشر: ١٤٢٣ هـ/ ٢٠٠٢ م.\n(^٢) الرومي مرجع سابق: (٨٦٢/ ٣).\n(^٣) التفسير الموضوعي للقرآن الكريم ونماذج منه، لأحمد بن عبد الله الزهراني: (ص: ١١)؛ الناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.","vol":"1","page":31},{"text":"يقوم التفسير الإجمالي على التزام تسلسل النص القرآني - سائرًا مع الآيات حسب ترتيبها في المصحف الشريف - والتعامل مع السورة كوحدات يتناولها المفسر ببيان معانيها إجمالًا مع إبراز مقاصدها ومراميها دون أن يؤدي البيان إلى الخروج عن سياق النص القرآني (^١) مما يعني أن المفسر لا يدخل في التفاصيل الدقيقة والمباحث المتخصصة، وإنما يهتم ببيان المعنى العام باختصار.\nمن الآليات التي يتم توظيفها في التفسير الإجمالي والتي تمنع المفسر من الخروج عن السياق: الحفاظ على لفظ أو أكثر في العبارة التي تبين الآية أو مجموعة من الآيات بيانًا إجماليًا.\nوفي هذا الصدد يقول الدكتور أحمد الكومي (ت: ١٤١١ هـ)، ﵀:\n\"إذ ينطق بعبارته التى صاغها من ألفاظه يأتي- بين الفينة والفينة- بلفظ من ألفاظ القرآن، حتى يشعر السامع أنه لم يكن بعيدًا في تعبيره عن سياق القرآن، ولا مجانبًا لمجموع ألفاظه، وحتى يحقق التفسير من جانب آخر، ويكون رابطًا نفسه بنظم القرآن من جانب آخر، ويكون في الموضع الذى يجانب فيه لفظ القرآن آتيًا بلفظ أوضح عند السامعين، وأيسر في الفهم عند المخاطبين\" (^٢).\nأما عن طريقة تناول التفسير التحليلي بإيجاز:\nفالمفسر يعمد فيها إلى تناول تفسير الآيات بأسلوب تحليلي يبين فيه أسباب نزول الآيات، ويحلل المفردات فيبين ما فيها من غريب، ويعرب مشكلها، ويبرز ما فيها من نواح بلاغية، ويبين مجملها، ويذكر ما فيها من قراءات ويعزوها ويوجهها.\n_________\n(^١) الرومي مرجع سابق: (٨٦٢/ ٣).\n(^٢) الموسوعة القرآنية المتخصصة؛ المؤلف: مجموعة من الأساتذة والعلماء المتخصصين: (ص: ٢٧٨)؛ الناشر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، مصر؛ عام النشر: ١٤٢٣ هـ/ ٢٠٠٢ م. ويُنظر: التفسير الإجمالي، الموسوعة الحرة.","vol":"1","page":32},{"text":"وأغلب كتب التفسير على هذا النمط.\nوأما طريقة تناول التفسير الإجمالي:\nفالمفسر يعمد فيها إلى تناول تفسير الآيات بأسلوب إجمالي مختصر، فيتناول بيان المعنى العام للآيات دون التعرض لتحليل الآيات وبيان ما فيها من أسباب نزول، ولا أوجه إعرابية أو بلاغية، كما أنه لا يتعرض للقراءات الواردة في الآيات، ولكنه يجلي المعنى العام للآيات فحسب، بحيث يقف القارئ على معنى عام للآيات يستطيع معه فهم معانيها، وإدراك مقاصدها ومراميها.\nالفرق بين التفسير التحليلي والإجمالي:\nوبالتأمل يمكن لنا أن نجمل الفرق بين التفسير التحليلي والتفسير الإجمالي فيما يلي:\n١. التفسير التحليلي يبحث ما اشتملت عليه الألفاظ والمعاني جميعًا.\n٢. وأنه يبين كذلك أهم الجوانب الإعرابية التي تبرز وتوضح وتجلي معاني الآيات وما اشتملت عليه.\n٣. كما أنه يشتمل على البحث عن الإعجاز والبلاغة ويجلي المناحي البلاغية التي تبرز أوجه إعجاز القرآن وتبين عظم آياته وتزيد الآيات وضوحًا وبيانًا.\n٤. كما أنه يُجلي أسباب نزول الآيات ويبين ويوضح المناسبة التي من أجلها سيقت الآيات.\n٥. كما أنه يعتني ببيان فقه الآيات واستنباط الأحكام الفقهية منها وما تدل عليه.\nوهذا كله لا يوجد في التفسير الإجمالي لأنه تفسير مختصر يشير إلى ما تدل عليه الآيات من المعنى العام باقتضاب واختصار، وقد يُشار إلى بعضه أحيانًا وباختصار شديد للغاية (^١).\n_________\n(^١) يُنظر: المدخل الموسوعي لدراسة التفسير الموضوعي، للدكتور عرفة بن طنطاوي: (ص: ٧٥).","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type='title' id=toc-52>المطلب الثالث: علاقة التفسير التحليلي بالتفسير المقارن</span>\nالتفسير المقارن منهج من مناهج تفسير القرآن الكريم؛ أي أنه أسلوب من أساليب التفسير ووسيلة من وسائله ومركبًا من مراكبه، إلى جانب الأساليب الأخرى المتعارف عليها عند علماء التفسير: التفسير التحليلي والتفسير الموضوعي والتفسير الإجمالي (^١).\nوالتفسير المقارن هو بيان الآيات القرآنية من خلال إيراد ما ذهب إليه المفسرون في النص المتناول، آية أو وحدة من الآيات المترابطة فيما بينها، ثم إعمال الموازنة بين آرائهم واستعراض استدلالاتهم للنظر فيها، وبناء عليه ينتقد ويرد المفسر القول المرجوح مبينًا تعليله بإيراد الأدلة عليه ثم الاستدلال للراجح بعد بيانه (^٢).\nفالمفسر في التفسير المقارن يبين الآيات القرآنية مستعرضًا لما كتبه المفسرون في آية واحدة أو لعدد من الآيات المترابطة والمتتابعة، ويعقد مقارنة بين أقوالهم، وطريقة تناولهم لها، مرجحًا لما يراه منها راجحًا، وناقضًا لما يرى أنه يستحق النقض، مع بيان ما استدل به ترجيحًا ونقضًا.\nبيان أوجه الترابط بين التفسير المقارن والتفسير التحليلي:\nونؤكد على أن طريقة التفسير المقارن أكثر من يتبعها من يشتغل بالتفسير التحليلي، فتجده بعد أن يستعرض الأقوال الواردة في الآية الواحدة يقارن بينها ثم يرجح ما يراه ويتوصل إلى علمه ما يراه راجحًا، والمقارنة بين الآيات بعضها بعضًا ويحتاج لطول صبر، وغزارة علم وسعة اطلاع، وحسن باع بالتفسير وعلومه، بل ولسائر العلوم كذلك، وممن برز في ذلك الطبري في تفسيره والذي حوى ألوانًا أخر من ألوان التفسير، وتفسير الألوسي وحاشية الخفاجي وحاشية زاده على البيضاوي، وغيرهم ممن يذكر أقوال المفسرين في الآية الواحدة أو عدة آيات مترابطة\n_________\n(^١) الرومي، مرجع سابق: (٨٦٢/ ٣).\n(^٢) مجلة البيان؛ الصادرة عن المنتدى الإسلامي؛ العدد ٦٤ (ص: ٧).","vol":"1","page":34},{"text":"فيستعرضها جميعًا ويوازن بين أقوال المفسرين ويعرض استدلالاتهم ويتأمل في أدلتهم وما ذهبوا إليه ويرجح بعضها على بعض.\nوبصورة أخرى:\nهو عبارة عن بيان الآيات القرآنية على وجه المقارنة بما كتبه جمع من المفسرين، وكيفيته أن يعمد المفسر إلى جملة من الآيات القرآنية في مكان واحد، أو في موضع واحد، ويستطلع آراء المفسرين سواء أكانت من السلف أو الخلف، وسواء أكان تفسيرًا بالمنقول أو بالمعقول، ويوازن بين الاتجاهات المختلفة، والمشارب المتنوعة فيما سلكه كل منهم في تفسيره. فيرى من كان منهم متأثرا بالخلاف المذهبي، ومن كان منهم قاصدًا تأييد فرقة من الفرق (^١).\n_________\n(^١) يُنظر: المدخل الموسوعي لدراسة التفسير الموضوعي، للدكتور/ عرفة بن طنطاوي: (ص: ٧٥).","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type='title' id=toc-53>المبحث الثالث: مكانة التفسير التحليلي</span>\nوفيه أربعة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-54>المطلب الأول: نشأته وتطوره حتى العصر الحاضر</span>\nأولًا: لا بد وأن يُعلم: أن مسمى \"التفسير التحليلي\"، مسمى حادث، ومصطلح معاصر، غير أنه يُعد التفسير الأم الذي يندرج تحته كل أنواع التفسير، وقد تناول المفسرون مصنفاتهم وتواليفهم بطريقة التفسير التحليلي منذ نشأته وحتى وقتنا المعاصر، وهذا مما يدلل على أنه وإن كان مصطلحه معاصر غير أنه هو التفسير الرئيس الذي سار عليه أئمة التفسير وسادة التأويل والتحبير منذ بداية عصر التصنيف في التفسير إلى وقتنا الحاضر، وهذا مما يدلُّ على أنه ليس ببدع من القول - كذلك.\nثانيًا: لا بد أن يُعلم كذلك أن نشأة التفسير التحليلي إنما ترجع لظهور أسلوبه واستعماله في التفسير، ومن هنا ينبغي أن يُقال: أن نشأته كانت متزامنة مع تاريخ ظهوره واستعماله.\nثالثًا: لا بد أن يُعلم: أن ابن ماجه: أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه الربعي القزويني (ت: ٢٣٧ هـ) صاحب السنن، قد قيل إنه يُعد أول من فسر القرآن وفق الترتيب المصحفي، ولكن تفسيره يُعد من التفاسير المفقودة، ولذا يصبح أول تفسير وصل إلينا كاملًا، وقد فُسِّرَ القرآنُ فيه وفق الترتيب المصحفي، وتناول مصنفه تفسيره بأسلوب\"التفسير التحليلي\"، هو تفسير الإمام الطبري شيخ المفسرين.\nوفي نحو ذلك يقول الدكتور الذهبي، ﵀:\nففي أواخر عهد الأمويين بداية عهد العباسيين وضع التفسير لكل آية من القرآن الكريم على حسب ترتيب المصحف وتم ذلك على أيدي طائفة من العلماء منهم: ابن ماجه، وابن جرير الطبري، وغيرهم، ومن بعد هؤلاء اختصرت الأسانيد.","vol":"1","page":36},{"text":"ثم يقول: ولا نستطيع أن نُعيِّن بالضبط المفسر الأول الذي فسر القرآن الكريم آيةً آيةً ودوّنه على التتابع وحسب ترتيب المصحف، لكن كانوا طائفة لا نستطيع التحديد بالضبط من هو أول من دوّنه منهم؟ وهم: ابن جرير الطبري وابن ماجه وابن حبان والحاكم (^١).\nرابعًا: لا بد أن يُعلم: أنه من الأهمية بمكان دراسة هذا الأسلوب الرئيس من أساليب التفسير والعناية به وإلقاء الضوء عليه ومعرفة نشأته وتطوره حتى العصر الحاضر، ومعرفة أهميته، وبيان أسلوبه وأبرز وأهم مزاياه، وبيان خطوات مدارسته، وطريقة تناوله، من خلال سور القرآن وآياته، ثم ذكر مصادره، وجملة من أهم المصنفات التي صُنِفَت فيه.\nخامسًا: لا بد أن يُعلم: أنه لما كان التفسير التحليلي هو التفسير \"الأم\" و\"الرئيس\" فإنه يصعب حصر تلك التفاسير لكثرتها.\nولكن سيكتفي الباحث هنا بأمرين:\nالأمر الأول: التعريف بأول ما صنف من هذه التفاسير، وبيان مكانته، وبيان مكانة مؤلفه العلمية ومنهجه في التفسير، وبيان عقيدته، ثم ثناء العلماء عليه وعلى مصنفه.\nالأمر الثاني: ذكر جملة من أبرز كتب التفسير التي سلك مصنفوها أسلوب \"التفسير التحليلي\" في مصنفاتهم، وذلك في آخر المطلب الرابع والأخير من هذا المبحث، بإذن الله تعالى.\nأول تفسير تحليلي وصلنا كاملًا\nوإذا تأملنا في أول تفسير وصلنا كاملًا، تناوله مصنفه بأسلوب \"التفسير التحليلي\"، نجده تفسير الطّبريّ، وتفسيره هو التفسير الموسوم بـ: \"جامع البيان عن تأويل آي القرآن\".\n_________\n(^١) يُنظر: التفسير والمفسرون: (١/ ١٤٠، وما بعدها).","vol":"1","page":37},{"text":"والإمام الطّبريّ شيخ المفسرين هو: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطّبريّ (ت: ٣١٠ هـ) (^١).\nوتفسير الطّبريّ: يُعد عند العلماء قديمًا وحديثًا أوثق وأقدم ما دُوّن في التفسير.\nوسيلقي الباحث الضوء على المُؤَلَّف والمُؤَلِّف فيما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-55>أولًا: تفسيره ومكانته</span>\nيعتبر تفسير الطبري: أقدم التفاسير وأشهرها، فقد نَوَّه به العلماء قديمًا وحديثًا؛ لما اجتمع فيه من تفسير بالمأثور وحسن الاستنباط وسعة الثقافة والمقدرة على الترجيح، فهو أوّل التفاسير بالاعتبار (^٢).\nوتفسير الطبري: يعُد من أوائل كتب التفسير التي اعتمد عليها جلّ من جاء بعده من المفسرين، فقد حوى تفسيره أغلب الآثار الواردة في التفسير منذ عصر حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، ﵄، إلى النصف الأول من القرن الثالث الهجري، ولما تميز به تفسيره من كل جوانب التفسير، من حيث تناول تفسير آياته بأحسن طرق التفسير، فيفسر القرآن بالقرآن، ثم بالمأثور من الأحاديث الواردة التي تدل على المعنى المراد من الآيات، ثم بأقوال الصحابة والتابعين، ثم بلغة العرب، مع عنايته بأسباب النزول والقراءات مع ذكر المسائل الفقهية، واستنباط الأحكام منها، والترجيح بينها، مع سلوكه والتزامه بمعتقد أهل السنة والجماعة.\nوفي نحو ذلك يقول الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ)، ﵀، في \"التَّفْسِير البَسِيْط\":\n_________\n(^١) الطبري هو: محمد بن جرير الطبري: وهو محمد بن جرير بن يزيد كثير الآملي الطبري، ولد بآمل طبرستان سنة أربع وعشرين ومائتين للهجرة (٢٢٤ هـ) وتوفي سنة عشر وثلاثمائة للهجرة (٣١٠ هـ)، يُنظر: الداوودي: الحافظ شمس الدين محمد علي بن أحمد: طبقات المفسرين: دار الكتب العلمية بيروت - لبنان ط ١، ١٤٠٣ هـ/ ١٩٨٣ م ج ٢ ص ١١٤.\n(^٢) صبحي الصالح: مباحث في علوم القرآن، دار العلم للملايين بيروت ط ٦ تشرين الأول ١٩٦٩ م ص ٢٩٨.","vol":"1","page":38},{"text":"يعتبر تفسير ابن جرير من أقوم التفاسير وأشهرها، كما يعتبر المرجع الأول عند المفسِّرين الذين عنوا بالتفسير النقلي، وإن كان في الوقت نفسه يُعتبر مرجعًا غير قليل الأهمية من مراجع التفسير العقلي، نظرًا لما فيه من الاستنباط، وتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، ترجيحًا يعتمد على النظر العقلي، والبحث الحر الدقيق.\nثم يقول ﵀:\nولو أننا تتبعنا ما قاله العلماء في تفسير ابن جرير، لوجدنا أن الباحثين في الشرق والغرب قد أجمعوا الحكم على عظيم قيمته، واتفقوا على أنه مرجع لا غِنَى عنه لطالب التفسير.\nهذا ونستطيع أن نقول إن تفسير ابن جرير هو التفسير الذي له الأوَّلية بين كتب التفسير، أوَّلية زمنية، وأوَّلية من ناحية الفن والصناعة.\nأما أوَّليته الزمنية: فلأنه أقدم كتاب في التفسير وصل إلينا، وما سبقه من المحاولات التفسيرية ذهبت بمرور الزمن، ولم يصل إلينا شيء منها، اللَّهم إلا ما وصل إلينا منها في ثنايا ذلك الكتاب الخالد الذي نحن بصدد الحديث عنه.\nوأما أوَّليته من ناحية الفن والصناعة: فذلك أمر يرجع إلى ما يمتاز به هذا الكتاب من الطريقة البديعة التي سلكها فيه مؤلفه، حتى أخرجه للناس كتابًا له قيمته ومكانته (^١).\nوتفسير الطبري يقع في ثلاثين جزءًا من الحجم الكبير، وقد طبع طبعته الأولى في المطبعة الأميرية في بولاق بمصر، وبهامشه تفسير النيسابوري سنة ١٢٣٥ هـ/ ١٨١٩ م، وطبع طبعته الثانية بمطبعة دار المعارف بمصر سنة ١٣٧٤ هـ/ ١٩٥٤ م، بتحقيق الأستاذ المحقّق محمود محمد شاكر وتعليقه، ومراجعة الأستاذ أحمد محمد شاكر (^٢).\n_________\n(^١) التفسير البسيط للواحدي: (١/ ١٥٦ - ١٥٩) بتصرف يسير.\n(^٢) دراسات وبحوث في الفكر الاسلامي المعاصر، دار قتيبة للطباعة والنشر والتوزيع بيروت ط ١، ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م، (١/ ١٤٥) بتصرف يسير.","vol":"1","page":39},{"text":"كما طبع بمؤسسة الرسالة طبعته الأولى: عام ١٤٢٠ هـ/ ٢٠٠٠ م، وهي بتحقيق آل شاكر، كما صدرت له طبعة قشيبة عن دار عالم الكتب، بالرياض، ١٤٣٤ هـ، بتحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، ثم توالت طباعته تباعًا تكرارًا ومرارًا لحاجة المسلمين إليه فسار في مشارق الأرض ومغاربها مسير الشمس والقمر، وقد قدر الله تعالى لتفسير الطبري الانتشار والشهرة وذياع الصيت بين أهل العلم وطلابه، حتى أصبح المرجع الأول والرئيس عند أهل التفسير بالمنقول والمعقول على حدٍ سواء؛ لما تميّز به تفسيره من صحة المنقول وسلامة المعقول، مصحوبا بسلامة الاستنباط وصحة الترجيح ونقده الصائب للآثار، مع سلامة المعتقد، والسير على نهج أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، والإيمان، والقدر، ومسائل الصحابة، ﵃، وغير ذلك.\nوقد كان يعتبر مفقودًا من عهد قريب، حتى وجدت في حيازة الأمير حمود بن الأمير عبد الرشيد من أمراء نجد، نسخة مخطوطة كاملة من هذا الكتاب، طبع عليها الكتاب من زمن بعيد (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-56>ثانيًا: منهجه في التفسير</span>\nويعتبر تفسير الطبري أقدم التفاسير وأشهرها، فقد نَوَّه به العلماء قديمًا وحديثًا، لما اجتمع فيه من تفسير بأحسن طرق التفسير وحسن الاستنباط وسعة الثقافة والمقدرة على الترجيح، فهو أولى التفاسير بالاعتبار (^٢).\nوقد حدّد الطبري في مقدمة تفسيره منهجه الذي اعتمده في تأويل آي القرآن، فجمع تفسيره بين الرواية والدراية.\n_________\n(^١) زهير جولد: المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن الكريم، تعريب على حسن عبد القادر دار العلوم ١٩٤٤ م ج ١ ص ٨٦.\n(^٢) صبحي الصالح: مباحث في علوم القرآن، دار العلم للملايين بيروت ط ٦ تشرين الأول ١٩٦٩ م ص ٢٩٨. بتصرف يسير.","vol":"1","page":40},{"text":"ثم شرع بتفصيل منهجه في أصول التفسير مع ذكر الأدلة الشرعية واللغوية، وضرب الأمثلة العملية من القرآن الكريم والسنة وكلام العرب واللغة والشِّعر (^١).\nولقد التزم الطبري أحسن طرق التفسير؛ من تفسير القرآن بالقرآن، وتفسيره بالسُّنة المبينة للقرآن والثابتة عن رسول الله -ﷺ-، ثم يُتبع ذلك بما ورد عن الصحابة ﵃، وعن التابعين.\nوقد التزم الطبري في تفسيره أن يقتصر على ما هو مروي عن الصحابة والتابعين، لكنه لا يلبث في كل آية أن يتخطى ذلك إلى اختياره منها، وترجيح بعضها على بعض بشواهد من كلام العرب (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-57>منهجه في تناول التفسير بالأسلوب التحليلي</span>\nوتفسير الطبري ذو منهج خاص، يذكر فيه الآية أو الآيات من القرآن، ثم يعقبها بذكر أشهر الأقوال التي أثرت عن الصحابة والتابعين في تفسيرها، ثم يورد بعد ذلك رواياتٍ أخرى متفاوتة الدرجة في الثقة والقوة في الآية كلِّها أو بعض أجزائها، بناءً على خلافٍ في القراءة، أو اختلافٍ في التأويل، ثم يعقب كل ذلك بالترجيح بين الروايات، واختيار أولاها بالتقدمة، وأحقها بالإيثار، ثم ينتقل إلى آية أخرى، فينهج نفس النهج عارضًا ثم ناقدًا ثم مرجحًا؛ وهو إذ ينقد أو يرجح، يرد النقد أو الترجيح إلى مقاييس تاريخية من حال رجال السند في القوة والضعف، أو إلى مقاييس علمية وفنية: من الاحتكام إلى اللغة التي نزل فيها الكتاب، نصوصها وأقوال شعرائها، ومن نقد القراءة وتوثيقها أو تضعيفها، ومن رجوع إلى ما تقرَّر بين العلماء من أصول العقائد،\n_________\n(^١) محمد الزحيلي: الإمام الطبري: (ص: ١٢٠).\n(^٢) التحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور: (١/ ٣٢ - ٣٣).","vol":"1","page":41},{"text":"أو أصول الأحكام أو غيرهما من ضروب المعارف التي أحاط بها ابن جرير، وجمع فيها مادة لم تجتمع لكثير من غيره من كبار علماء عصره (^١).\nولذا ترى الطبري يضع قواعد وأصول للتفسير والتأويل، ويحذِّر من تناول التفسير بالرأي المجرد، ويورد من الأدلة الدالة على تحريمه، وهذا هو منهجه الذي سلكه في تفسيره، كما سيأتي ذكر كلامه هذا بطوله حين الكلام عن منهجه في التفسير.\nوقد أثار المنهج الذي اعتمده الطبري في تفسيره خلافًا بين العلماء في تصنيفه بين المفسرين بالمأثور أم بالمعقول، وحاول بعضهم التدليل على أنّ تفسير الطبري إنّما هو في الحقيقة جمع بين الاثنين، وأنه لا تناقض بينهما (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-58>ثالثًا: زمن تأليفه</span>\nوكان الطبري يحدّث نفسه منذ صباه بكتابة هذا التفسير، وقد رُوي أنه كان يستخير الله تعالى قبل أن يشرع في كتابته بثلاثة أعوام (^٣) ثم ظل يمليه مدة سبع سنين من عام (٢٨٣ هـ) وحتى عام (٢٩٠ هـ)، ثمَّ قُرئ عليه سنة (٣٠٦ هـ).\n\n<span data-type='title' id=toc-59>رابعًا: مقصده من تأليفه</span>\nولقد أوضح الطبري أن مقصوده من تفسير القرآن الكريم هو تبيين الوجوه المحتملة للآيات (^٤)، واستقصاء هذه الوجوه فقال (^٥): \"إذ كان الذي قصدنا له في كتابنا هذا البيان عن وجوه تأويل آي القرآن دون وجوه قراءتها\".\n_________\n(^١) يُنظر: كلمة (الناشر) أ. محمد محمود الحلبي: الطبعة الثالثة، تفسير الطبري: (١/ ٤).\n(^٢) الدريني فتحي: دراسات وبحوث في الفكر الإسلامي المعاصر ج ١ ص ١٤٥.\n(^٣) ياقوت الحموي: معجم الأدباء (إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب) جـ ٦، صـ ٢٤٥٣،\n(^٤) محمد بن جرير الطبري ومنهجه في تفسير القرآن الكريم وكتابة التاريخ، الدكتور عباس توفيق، صـ ٦٢\n(^٥) تفسير الطبري، تفسير سورة الفاتحة، الآية: ٤","vol":"1","page":42},{"text":"وذكر أن تأويل القرآن له ثلاثة أوجه، فقال (^١):\n\n<span data-type='title' id=toc-60>إن تأويل جميع القرآن على أوجه ثلاثة:</span>\nأحدها: لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو الذي استأثر الله بعلمه، وحجب علمه عن جميع خلقه، وهو أوقات ما كان من آجال الأمور الحادثة، التي أخبر الله في كتابه أنها كائنة، مثل: وقت قيام الساعة، ووقت نزول عيسى بن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، والنفخ في الصور، وما أشبه ذلك.\nوالوجه الثاني: ما خص الله بعلم تأويله نبيه -ﷺ- دون سائر أمته، وهو ما فيه حاجة العباد إلى علم تأويله (^٢)، فلا سبيل لهم إلى علم ذلك إلا ببيان الرسول ﷺ لهم تأويله.\nوالثالث منها: ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وذلك علم تأويل عربيته وإعرابه، لا يوصل إلى علم ذلك إلا من قِبَلِهِم.\nوكان منهجه في استقصاء الوجوه المحتملة للآيات يعتمد على التفسير بالمأثور بالأساس، ثم القراءات فاهتم بالقراءات القرآنية، وكان له اعتناء بعرض وجوه اللغة، فضلًا عن آرائه الفقهية واجتهاداته التي أودعها في التفسير (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الطبري جـ ١، فصل: الأخبار عمن كان من قدماء المفسرين محمودًا علمه بالتفسير ومن كان منهم مذموما علمه به، صـ ٩٣، ٩٢.\n(^٢) هكذا وردت: \"وهو ما فيه مما بعباده إلى علم تأويله الحاجة\"ـ وتم تعديلها لينتظم المعنى. الباحث.\n(^٣) عبد الله بن عبد المحسن التركي: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج ١، ص ٥٠: ٥٦، مقدمة التحقيق.","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type='title' id=toc-61>وكان منهجه في التفسير وفق الأصول التالية:</span>\n<span data-type='title' id=toc-62>الأصل الأول: اعتماده على التفسير بالمأثور</span>\nوهو التفسير بالأحاديث الثابتة عن النبي -ﷺ-، أو أقوال الصحابة أو التابعين في تفسير معاني الآيات؛ وقد كان يُنكر بشدة على من يفسر القرآن بمجرد الرأي فحسب، ولكنه يُرجِّح أو يصوب أو يوجِّه قولًا لدليل معتبر لديه.\n\n<span data-type='title' id=toc-63>الأصل الثاني: تحذيره من تفسير القرآن بالرأي المجرد</span>\nفيقول: \"أن ما كان من تأويل آي القرآن الذي لا يدرك علمه إلا بنص بيان رسول الله -ﷺ- أو بنصبه الدلالة عليه؛ فغير جائز لأحد القيل فيه برأيه، بل القائل في ذلك برأيه -وإن أصاب الحق فيه- فمخطئ فيما كان من فعله، بقيله فيه برأيه؛ لأن إصابته ليست إصابة موقن أنه محق، وإنما هو إصابة خارص وظان. والقائل في دين الله بالظن، قائل على الله ما لم يعلم. وقد حرم الله جل ثناؤه ذلك في كتابه على عباده، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، فالقائل في تأويل كتاب الله، الذي لا يدرك علمه إلا ببيان رسول الله ﷺ، الذي جعل الله إليه بيانه، قائل بما لا يعلم وإن وافق قيله ذلك في تأويله، ما أراد الله به من معناه؛ لأن القائل فيه بغير علم، قائل على الله ما لا علم له به\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-64>الأصل الثالث: عنايته بالأسانيد</span>\nيقف على الأسانيد، فقد اشتمل كتابه على عدد كبير من الأحاديث والآثار المسندة، منها الصحيح ومنها الضعيف، فتراه لا يقبل أي رواية إلا بعد تأمل، وقد أشار جلال الدين السيوطي في (الإتقان) إلى مواضع الأحاديث والآثار الضعيفة في التفسير (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-65>الأصل الرابع: عنايته بالقراءات</span>\nكانت عناية الطبري بالقراءات بالغة الأهميّة عكست عمق اطّلاعه في هذا الفنّ من العلوم، ولا يخفى ما لاختلاف وجوه القراءات المشهورة من أثر في توجيه معاني آيات القرآن الكريم (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الطبري جـ ١، فصل: الأخبار في النهي عن تأويل القرآن بالرأي، ص ٧٨، ٧٩.\n(^٢) لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير، الدكتور محمد لطفي الصباغ، ص ٢٧٥\n(^٣) الدريني فتحي: دراسات وبحوث في الفكر الإسلامي المعاصر ج ١ ص ٢١٩ - ٢٢٠.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type='title' id=toc-66>وعنايته بالقراءات تعني الدقة والتحري لا التوسع والاستفاضة:</span>\nومن ذلك بيان اعتذاره عن نفسه سبب عدم الاستفاضة في مناقشة قراءة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، التي قرأ بها عاصم والكسائي ويعقوب وخلف بالألف مدًا ﴿مَالِكِ﴾ بألف فيقرؤونها هكذا: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، بينما قرأ الباقون من القراء العشرة بغير ألف قصرًا ﴿مَلِكِ﴾ بغير ألف: ﴿مَلِكِ يوم الدين﴾.\nويجلي هذا المعنى فيقول ﵀:\n\"وقد استقصينا حكاية الرواية عمن روي عنه في ذلك قراءة في كتاب القراءات، وأخبرنا بالذي نختار من القراءة فيه، والعلة الموجبة صحة ما اخترنا من القراءة فيه، فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع؛ إذ كان الذي قصدْنا له في كتابنا هذا البيان عن وجوه تأويل آي القرآن دون وجوه قراءتها\" (^١).\nومع ذلك فتراه يعتني بالقراءة المتواترة الثابتة، ويرفض القراءات الشاذة ويردها، ويوجه القراءات التي يراها نحويًا وتفسيريًا، مرجحًا لها ليجلي بها معاني مبهمة أو يزيد بها معنى آخر غير المعنى الذي في القراءات الأخرى، وأحيانًا يذكر القراءات الواردة في الآية دون ترجيح بينها.\nوما اتُهِمَ به الطبريُ من رد قراءة متواترة فهو أمر مستبعد من مثله كإمام علم، ولاسيما وأن عبارة التواتر ربما لا تجد استعمالًا لها عنده، بقدر ما يستعمل الألفاظ التي تدل على استفاضة القراءة وشيوعها واشتهارها ونحو ذلك؛ فالقراءة المشتهرة عنده لا يمكن له ردها ولا الطعن فيها، إلا إذا ثبت عنده شذوذها.\n_________\n(^١) تفسير الطبري: (١/ ١٥٠).","vol":"1","page":45},{"text":"ومما يشهد لإمامته في القراءات ما ذكره ياقوت الحموي في (مجمع الأدباء) حيث يصف مؤلفًا للطبري في القراءات فيقول: \"رأيته في ثماني عشرة مجلدة إلا أنه كان بخطوط كبار، ذكر فيه جميع القراءات من المشهور، والشواذ، وعلل ذلك، وشرحه، واختار منها قراءة لم يخرج بها عن المشهور\" (^١).\nوتأمل قول الحموي: \"لم يخرج بها عن المشهور\" يتبين بجلاء ما ذُكِرُ آنفًا.\nثم لنتأمل كذلك وصف أبي عمرو الداني في (الأرجوزة المنبهة) حيث يقول ﵀:\n\n<span data-type='title' id=toc-67>القول في أصحاب الاختيار</span>\nوأهل الاختيار للحروف … والميز للسقيم والمعروف\nجماعة كلهم إمام … مقدم أولهم سلام\nوهو الذي يعرف بالطويل … إمام كل فاضل جليل\nأقرأ باختياره الأناما … ولم يزل مقدما إماما\nفذكر الأئمة إلى أن ختم بالطبري فقال:\nوالطبري صاحب التفسير … له اختيار ليس بالشهير\nوهو في جامعه مذكور … وعند كل صحبه مشهور\nفهؤلاء أهل الاختيار … لأحرف القرءان في الأقطار (^٢)\n_________\n(^١) معجم الأدباء: (١٨/ ٤٥ (.\n(^٢) الأرجوزة المنبهة: (ص: ١٥٩).","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type='title' id=toc-68>الأصل الخامس: عنايته باللغة وعلومها</span>\nعنايته باللغة وعلومها: كان يحتكم كثيرًا في تفسيره عند الترجيح والاختيار إلى المعروف من كلام العرب، ويعتمد على أشعارهم، ويرجع إلى مذاهبهم النحوية واللغوية، حيث قال في تفسيره أن من أوجه تأويل القرآن ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن.\nوهذا مما أكد عليه في مستهل مقدمة تفسيره حيث يقول:\n\"وهذا القرآن نزل بلغة العرب، فواجب لمن أراد أن يعلم تأويله أن يكون بأشعارهم عالمًا وللغتهم مدركًا ولأسرار كلامهم متقنًا\" (^١).\nوذلك لأن اللغة من علوم الآلة المعينة على فهم المقصود من كلامه سبحانه؛ ولذا فقد اعتمد الطبري اللغة وعلومها وضروبها من أسس منهجه في تفسير القرآن.\n\n<span data-type='title' id=toc-69>الأصل السادس: عنايته باستيعاب تفسيره لمعاني القرآن</span>\nحيث يقول في مقدمة تفسيره:\nونحن في شرح تأويله، وبيان ما فيه من معانيه مُنشِئُون -إن شاء الله ذلك- كتابًا مستوعِبًا لكلّ ما بالناس إليه الحاجة من علمه جامعًا … ومخبرون في كلّ ذلك بما انتهى إلينا من اتفاق الحُجّة فيما اتفقت عليه منهُ، واختلافها فيما اختلفت فيه منهُ، ومُبيِّنو عِلَل كلّ مذهب من مذاهبهم، ومُوَضِّحو الصحيح لدينا من ذلك، بأوجز ما أمكن من الإيجاز في ذلك (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-70>الأصل السابع: عنايته بالأحكام الفقهية</span>\nالاهتمام بالأحكام الفقهية: كان الطبري صاحب مذهب فقهي، فكان يتعرض لآيات الأحكام ويناقشها ويعالجها، ثم يختار من الأحكام الفقهية ما يراه الأقوى دليلًا.\n_________\n(^١) تفسير الطبري: (مج ٧/ ج/ ١٢ ص: ٢٥).\n(^٢) مقدمة تفسير الطبري، (١/ ٧).","vol":"1","page":47},{"text":"وكان مذهبه الفقهي مذهبًا متبَعًا تفقَّه به كثير من أصحابه ومن جاء بعدهم، حفظه في كتبه الفقهية خاصة كتابه \"اللطيف\"، وقد عد ابن النديم له أصحابًا وتلامذةً في باب جعله خاصًّا بهم في فهرسته، وكان من أشهرهم المعافى بن زكريا بن طرار (٣٩٠ هـ).\nوكتبه كلُّها شاهدة بهذا، خصوصًا ما ألفه في الفقه خاصة مثلَ كتابه اختلاف الفقهاءالمسمى\n\"اختلاف علماء الأمصار\"، وكتاب \"لطيف القول في أحكام الشرائع\"، وكتاب \"بسيط القول\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-71>الأصل الثامن: عمله بالإجماع وأخذه في الاعتبار</span>\nلا شك أن الأصول التي لا تجوز مخالفتها ثلاثة، ألا وهي: الكتاب والسنة الثابتة الصحيحة، والإجماع اليقيني، ولا شك كذلك في أن الإجماع اليقيني حجة قطعية.\nوالإجماع الصريح حجة متى حصل، وهو قطعي الدلالة لكنه بعد عصر الصحابة نادر الوجود، ومنه المعلوم من الدين بالضرورة (^٢).\nوقد قال الله تعالى في ذلك: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].\nومن خالفه -أي الإجماع- بعد علمه به، أو قيام الحجة عليه بذلك: فقد استحق الوعيد المذكور في الآية (^٣).\nوالإجماع القطعي: هو إجماع السلف المحكي عن أصحاب النبي -ﷺ﵃؛ لأن الاختلاف كثر بعد عصرهم وانتشر.\n_________\n(^١) التبصير في معالم الدين: (٤٦) ت. الشبل.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٧٠). العقيدة الواسطية، التنبيهات السنية: (ص: ٣٢٥).\n(^٣) مراتب الإجماع لابن حزم: (ص: ٧.)","vol":"1","page":48},{"text":"قال القاضي أبو يعلى ﵀: \"والإجماع حجة مقطوع عليها، يجب المصير إليها، وتحرم مخالفته، ولا يجوز أن تجتمع الأمة على الخطأ\" (^١).\nوفي نحو ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"فالإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمدون عليه في العلم والدين، والإجماع الذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح؛ إذ بعدهم كثر الخلاف وانتشرت الأمة\" (^٢).\nويقرر ﵀ أيضًا ذلك فيقول: \"فدين المسلمين مبني على اتباع كتاب الله وسنة نبيه وما اتفقت عليه الأمة، فهذه الثلاثة أصول معصومة\" (^٣).\nولذا إذا قال الصحابي عن شيء أو أي أمر ما: \"كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله -ﷺ- \"، كان ذلك له حكم المرفوع، ولا يُعد أبدًا حكاية للإجماع، كما أنه لا يُعد دليلًا، لأن الدليل قد تحقق بقول النبي ﷺ، أو فعله أو تقريره.\nولذا قال الآمدي ﵀: \"وإجماع الموجودين في زمن الوحي، ليس بحجة في زمن الوحي، بالإجماع، وإنما يكون حجة بعد النبي -ﷺ- \" (^٤).\nوالإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم والسنة النبويّة المطهّرة، لذلك حظي بمنزلة هامّة في تفسيره -الطبري-، فكثيرًا ما يستند إليه ويجعله سلطانًا كبيرا في اختيار الأقوال وترجيحها (^٥).\nفكان الطبري: يقدر له قدره، ويعطيه اعتبارًا كبيرًا فيعمل به ويرتضيه مستند إلى حجيته.\n_________\n(^١) العُدة في أصول الفقه (٤/ ١٠٥٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية: (١٣/ ١٥٧).\n(^٣) مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية: (٢٠/ ١٦٤).\n(^٤) الإحكام للآمدي: (١/ ١٠٩).\n(^٥) الذهبي محمد حسين: التفسير والمفسرون ج ١ ص ٢١٣.","vol":"1","page":49},{"text":"مخالفة الطبري غيره من العلماء في طريقة تناوله للإجماع:\n\"ومن الناحية الفقهية فالطبري مجتهد لكنه سَلَك طريقةَ خالف غيره فيها بالنسبة للإجماع، فلا يعتبر خلاف الرجل والرجلين، وينقل الإجماع ولو خالف في ذلك رجل أو رجلين، وهذه الطريقة تؤخذ عليه لأن الإجماع لا بد أن يكون من جميع أهل العلم المعتبرين في الإجماع وقد يكون الحق مع هذا الواحد المخالف\" (^١).\nولذا قد يحكي الإجماع فيقول مثلًا: أجمع أهل الحجة من أهل التأويل، مع أن المسألة قد تجد فيها قولًا لمخالف معتبر.\nوفي نحو ذلك يقول ﵀: \"وما انفرد به من كان جائزًا عليه السهو والغلط، فغير جائز الاعتراض به على الحجة\" (^٢).\nفهو لا يعتد بمخالفة رجل أو رجلين في حكاية الإجماع، بل قد يعتبره شذوذًا، وقد وافق الطبري على ذلك بعض الفقهاء كـ \"أحمد بن على الرازي الجصاص الحنفي (ت: ٣٧٠ هـ) \" وهو خلاف ما عليه جمهور العلماء.\nولذا تراه ﵀ يقرر ذلك معتذرًا بأن: \"الحفاظ الثقات إذا تتابعوا على نقل شيء بصفة، فخالفهم واحد منفرد ليس له حفظهم كانت الجماعة الأثبات أحقَّ بصحة ما نقلوا من الفرد الذي ليس له حفظهم\" (^٣).\nوإن كان الطبري يُعد من أكثر المفسرين حكاية للإجماع، ومع ذلك فقد قل الانتفاع بهذا الإجماع، وذلك لما سبق ذكره من بيان عدم اعتداده بمخالفة الرجل والرجلين.\n_________\n(^١) يُنظر: القول المفيد على كتاب التوحيد: لابن عثيمين: (١/ ٤٣١).\n(^٢) تفسير الطبري: (١٦/ ٤)\n(^٣) تفسير الطبري: (٩/ ٥٦٦).","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type='title' id=toc-72>الأصل التاسع: عنايته بعقيدة أهل السنة والجماعة</span>\nتعرض الطبري في تفسيره لكثير من مسائل العقيدة، والرد على كل من خالف فيها ما عليه أهل السنة والجماعة.\nومن أمثلة ذلك ما يلي:\n١ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، قال: بمعنى: أنه مشاهدهم بعلمه، وهو على عرشه (^١).\n٢ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]، قال: وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه: ﴿جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته، وخلقهن سبع سماوات.\nوكان يذهب في جل مذاهبه إلى ما عليه الجماعة من السلف وطريق أهل العلم المتمسكين بالسنن، شديدًا عليه مخالفتهم، ماضيًا على منهاجهم، لا تأخذه في ذلك ولا في شيء لومة لائم، وكان يذهب إلى مخالفة أهل الاعتزال في جميع ما خالفوا فيه الجماعة من القول بالقدر وخلق القرآن وإبطال رؤية الله في القيامة، وفي قولهم بتخليد أهل الكبائر في النار وإبطال شفاعة رسول الله -ﷺ-، وفي قولهم إن استطاعة الإنسان قبل فعله (^٢).\n٣ - عند تفسيره قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، قال: \"والصواب من القول في ذلك عندنا، ما تضافرت عليه الأخبار عن رسول الله -ﷺ- أنّه قال: سترون ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس ليس\n_________\n(^١) تفسير الطبري، تفسير سورة المجادلة، الآية ٧.\n(^٢) ياقوت الحموي: معجم الأدباء (إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب) جـ ٦، صـ ٢٤٦٢","vol":"1","page":51},{"text":"دونها سحاب، فالمؤمنون يرونه والكافرون عنه يومئذ محجوبون\" (^١)، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا﴾ [المطففين: ١٥] (^٢).\nقال: \". . . . معنى ذلك تنظر إلى خالقها، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله -ﷺ- \" (^٣).\n\nثم يتعقب المعتزلة منكرًا ومشددًا عليهم إنكارهم رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وبيان خطئهم الجلل في تأويل قول الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، حيث يقول: \". . . ليعلم الناظر في كتابنا هذا أنهم لا يرجعون -أي المعتزلة- من قولهم إلا إلى ما لبَّس عليهم الشيطان مما يَسْهُل على أهل الحق البيان عن فساده، وأنهم لا يرجعون في قولهم إلى آية من التنزيل محكمة، ولا رواية عن رسول الله -صلى الله عليه<span data-type='title' id=toc-73> وسلم- صحيحة ولا سقيمة، فهم في الظلمات يخبطون، وفي العمياء يترددون، نعوذ بالله من الحيرة والضلالة\" (^٤).\nالأصل العاشر: موقفه من الإسرائيليات</span>\nموقفه من الإسرائيليات: يسوق في تفسيره أخبارًا من القصص الإسرائيلي، وكان يتعقَّبها أحيانًا بالنقد والتمحيص.\nوقال محمود محمد شاكر عن ذلك:\nولما رأيت أن كثيرًا من العلماء كان يعيب على الطبري أنه حشد كثيرًا من الرواية عن السالفين الذين قرأوا الكتب وذكروا في معاني القرآن ما ذكروا من الروايات عن أهل الكتابين السابقين - التوراة والإنجيل - أحببت أن أكشف عن طريقة الطبري في الاستدلال بهذه الروايات رواية رواية، وأبين عند كل رواية مقالة الطبري في إسنادها، وأنه إسناد لا تقوم به\n_________\n(^١) البخاري: كتاب الآذان باب ١٢٩، تفسير سورة المائدة باب ٨، كتاب التوحيد باب ٢٤، وكذلك مسلم كتاب الإيمان ٢٩٩ - ٣٠٠ - ٣٠٢، وأبو داود السنّة ١٩.\n(^٢) تفسير الطبري: مج ٥ ج ٧ ص ٣٠٣.\n(^٣) تفسير الطبري: مج ١٤ ج ٢٩ ص ١٩٤\n(^٤) تفسير الطبري، (٩/ ٤٦٣).","vol":"1","page":52},{"text":"الحجة في دين الله ولا في تفسير كتابه، وإن استدلاله بها كان يقوم مقام الاستدلال بالشعر القديم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-74>الأصل الحادي عشر: دقته وأمانته العلمية</span>\nومما يدلل على دقته وأمانته العلمية في تفسيره، ما يحتويه تفسيره من الروايات المسندة، فتفسيره فيه: (٣٨٣٩٧) ثمانية وثلاثون ألفًا وثلاثمائة وسبع وتسعون رواية في التفسير؛ أي: ما يُقارب أربعين ألف رواية، يرويها ابن جرير كلها بأسانيده إلى النبي -ﷺ-، أو إلى الصحابة، أو إلى التابعين وأتباعهم.\nوهذه خمسة نقولات ننقلها للقرَّاء الكِرام من تفسير الطبري، وسيندهش كلُّ مَنْ يقرؤها من شدة تحرِّيه في ألفاظ الروايات حتى في الكلمة الواحدة؛ بل وفي الحرف الواحد.\nقال الطبري، ﵀:\n١ - قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، يقول تعالى ذكره: وما اختلفتم أيها الناس فيه من شيء فتنازعتم بينكم، ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، يقول: فإن الله هو الذي يقضي بينكم، ويفصل فيه الحكم كما حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن (هو الزعفراني)، قال: حدثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، قال ابن عمرو في حديثه: \"فهو يحكم فيه\"، وقال الحارث: \"فالله يحكم فيه\" (^٢)؛ فتأمَّل كيف ميَّز ابن جرير لفظ شيخيه: محمد بن عمرو والحارث، مع أن المعنى واحدٌ!\n٢ - وقال ﵀ أيضًا: حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس، ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]، قال: ما وعدوا\n_________\n(^١) مقدمة محمود شاكر من تفسير الطبري، ١: ١٦ - ١٧، وتعليقه في ١: ٤٥٣ - ٤٥٤\n(^٢) تفسير الطبري: (٢٠/ ٤٧٣).","vol":"1","page":53},{"text":"فيه من خير أو شر، حدثنا أبو كريب، ومحمد بن بشار، قالا: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس مثله، إلا أن أبا كريب قال في حديثه: \"من خير وشر\" (^١)؛\nفتأمَّل كيف بيَّن ابن جرير أن شيخه أبا كريب؛ وهو محمد بن العلاء الهمداني قال: \"من خير وشر\"، أما شيخاه سفيان بن وكيع، ومحمد بن بشار، فقالا: \"من خير أو شر\"، فبيَّن الفرق في روايتهم في حرف واحد!\n٣ - وقال ﵀ أيضًا: حدثني إسحاق بن شاهين، وإسماعيل بن موسى، قالا: حدثنا خالد بن عبدالله، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ويلٌ للأعقاب من النار» (^٢)، وقال إسماعيل في حديثه: (ويل للعراقيب من النار) (^٣) (^٤).\n٤ - وقال ﵀ أيضًا: حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدَّثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سألت الحسن (هو البصري) عن قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، قال: \"هي فاتحة الكتاب، ثم سُئل عنها، وأنا أسمع، فقرأها حتى أتى على آخرها، فقال: \"تُثنى في كل قراءة\" أو قال: \"في كل صلاة\"، الشك من أبي جعفر (^٥).\nأتدرون من هو أبو جعفر الذي شك في كلمة قراءة أو صلاة؟؟\nإنه الإمام ابن جرير نفسه، فهو الذي شك في الرواية، هل قال شيخه يعقوب بن إبراهيم: تثنى في كل قراءة أو قال: في كل صلاة؟! فبيَّن ابن جرير تلك الكلمة التي شكَّ فيها، ولم يجرؤ على كتابة الرِّواية بأحد اللفظين دون أن يُبيِّن أنه يشكُّ في كلمة منها!\n_________\n(^١) تفسير الطبري: (١٢/ ٥٩١).\n(^٢) رواه البخاري (حديث رقم/ ٦٠)، ورواه مسلم (رقم/ ٢٤١).\n(^٣) صحيح مسلم/ كتاب الطهارة، حديث: (٢٤٢).\n(^٤) تفسير الطبري: (٨/ ٢٠٢).\n(^٥) تفسير الطبري: (١/ ١٠٧)","vol":"1","page":54},{"text":"٥ - وقال ﵀ أيضًا: حدَّثني أبو كريب، قال: حدثنا الأشجعي، وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال أبو كريب في حديثه عن الأشجعي: \"لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا الأسماء\"، وقال ابن بشار في حديثه عن مؤمل، قال: \"ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء\" (^١).\nقال المناوي في \"فيض القدير\" في شرح قول ابن عباس:\nوأما المسميات فبينها من التفاوت ما لا يعلمه البشر، فمطاعم الجنة ومناكحها وسائر أحوالها إنما يشارك نظائرها الدنيوية في بعض الصفات والاعتبارات، وتُسمَّى بأسمائها على منهج الاستعارة والتمثيل، ولا يُشاركها في تمام حقيقتها (^٢).\nفقول ابن عباس هذا كتبه ابن جرير عن اثنين من مشايخه، هما: أبو كريب، ومحمد بن بشار، وكل شيخ منهما يرويه عن شيخ عن سفيان الثوري عن الأعمش، فمدار الحديث على سليمان الأعمش، فبيَّن ابن جرير لفظ كل شيخ، وهذا التفريق يدل على شدة تحرِّي ابن جرير في رواياته، ولو جمعنا طرق هذه الرواية لرأينا الرواة يروون هذا القول عن ابن عباس بألفاظ مُتقاربة والمعنى واحد، وسأقتصر هنا على ذكر ثلاث طرق لهذه الرواية:\n١ - قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو معاوية؛ وهو محمد بن خازم، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: \"ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء\" (^٣).\n٢ - قال البيهقي في كتابه \"البعث والنشور\": أخبرنا أبو طاهر الفقيه، حدثنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص الزاهد، حدثنا إبراهيم بن عبدالله بن عمر بن بكر بن الحارث الكوفي العبسي،\n_________\n(^١) تفسير الطبري: (١/ ٤١٦)\n(^٢) تفسير الطبري: (٥/ ٣٧٣)\n(^٣) تفسير ابن أبي حاتم: (٢٦٠)","vol":"1","page":55},{"text":"أنبأنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: \"ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء\" (^١).\n٣ - قال أبو نعيم الأصبهاني في كتابه \"صفة الجنة\": حدثنا أبو محمد بن حيان، حدثنا أبو يحيى الرازي، حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو معاوية، ووكيع، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: \"ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء\" (^٢).\nواعلم أن ابن جرير ﵀ كتب تلك الروايات وغيرها حين كان يطلب العلم في دفاتر، ثم حين ألف كتابه التفسير كتبها في مواضعها المناسبة لها على الآيات، وقد ذكر ابن جرير في أكثر من موضع ما يدل على هذا، ومن ذلك قوله: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبدالرزاق الصنعاني، عن الثوري، عن هلال بن خباب، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿مَشِيدٍ (٤٥)﴾ [الحج: ٤٥]، قال: \"مُجصَّص\" هكذا هو في كتابي: عن سعيد بن جبير (^٣).\nفقد استغرب ابن جرير من هذه الرواية، وبيَّن أنه رآها هكذا في كتابه عن سعيد بن جبير، مع أنها في تفسير عبدالرزاق الصنعاني عن عكرمة؛ وليس عن سعيد بن جبير، ففي تفسير عبدالرزاق الصنعاني: قال عبدالرزاق: أخبرنا الثوري، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، ﴿مَشِيدٍ (٤٥)﴾، قال: \"المجصّص\" (^٤).\nوقد روى ابن جرير هذه الرواية عن عكرمة على الصواب من غير طريق عبدالرزاق، فقال ابن جرير في تفسيره: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عباد بن العوام، عن هلال بن\n_________\n(^١) البعث والنشور للبيهقي: (٣٣٢)\n(^٢) صفة الجنة لأبي نعيم الأصبهاني: (١٢٤)\n(^٣) تفسير الطبري: (١٦/ ٥٩٣)\n(^٤) تفسير عبدالرزاق الصنعاني: (٢/ ٤٠٩) رقم (١٩٤١).","vol":"1","page":56},{"text":"خباب، عن عكرمة: ﴿مَشِيدٍ (٤٥)﴾، قال: \"المجصص\"، قال عكرمة: \"والجص بالمدينة يُسمَّى المشيد\" (^١).\nفرحم الله الإمام محمد بن جرير الطبري، وجزاه الله عن المسلمين خير الجزاء، فقد حفظ لنا في كتابه التفسير آلاف الروايات المسندة في تفسير القرآن الكريم من أوَّلِه إلى آخره (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-75>الأصل الثاني عشر: علو همته</span>\nونسوق أبرز ما روي في علو همته:\nروي عن الخطيب البغدادي أنه قال:\nسمعت عليّ بن عبيد الله اللغوي يحكي: أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة (^٣).\nويُروى أن الطبري لما أراد أن يُملي تفسيره قال لأصحابه:\nأتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة. ثم قال: تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوًا مما ذكره في التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنّا لله ماتت الهمم، فاختصره في نحو مما اختصر التفسير (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-76>خامسًا: ثناء العلماء عليه</span>\nلقد تبوَّأ تفسير الإمام الطبري أسمى مكانةٍ؛ حتى لُقب بشيخ المفسرين، وأصبح تفسيره أكثر التفاسير ذيوعًا وانتشارًا.\n_________\n(^١) تفسير الطبري: (١٦/ ٥٩٢)\n(^٢) دقة الإمام محمد بن جرير الطبري وأمانته العلمية في تفسيره، محمد بن علي بن جميل المطري، عن موقع الألوكة، بتاريخ: ١/ ٤/ ١٤٤٠ هـ.\n(^٣) سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي، الطبقة السابعة عشر، محمد بن جرير، جـ ١٤، صـ ٢٦٧: ٢٨٢\n(^٤) تاريخ بغداد وذيوله، للخطيب البغدادي، طبعة المكتبة العلمية، جـ ٢، صـ ١٦١","vol":"1","page":57},{"text":"ونعرض هنا بعض ثناء العلماء على شيخ المفسرين، والتي من أبرزها ما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-77>١ - الخطيب البغدادي</span>\nومِن أجمع ما ذُكِرَ في حسن الثناء على الطبري وسعة علمه ما جادت به قريحة الخطيب في \"تاريخه\"، حيث يقول:\nمحمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب، كان أحدَ أئمة العلماء، يُحكَمُ بقوله، ويُرجَعُ إلى رأيه؛ لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره؛ فكان حافظًا للكتاب، عارفًا بالقراءات، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسُّنة وطرقها، صحيحِها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين، عارفًا بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في أخبار الأمم وتاريخهم، وله كتاب التفسير لم يُصنَّف مثله، وكتاب سمَّاه تهذيب الآثار لم أرَ سواه في معناه، لكنه لم يُتمَّه، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، واختيار من أقاويل الفقهاء، وتفرد بمسائل حُفِظت عنه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-78>٢ - شيخ الإسلام ابن تيمية:</span>\nيَعدُّ شيخُ الإسلام ابن تيمية الإمامَ الطبري من كبار المجتهدين في الإسلام وأواخرهم، وقد ذكر ذلك في مواضع عدة من مصنفاته (^٢).\nوقد أشاد بعقيدته في محض بيانه لقاعدة الاسم والمسمى من مجموع الفتاوى حيث يقول:\n\". . . كما ذكره أبو جعفر الطبري في الجزء الذي سماه \"صريح السنة\" ذكر مذهب أهل السنة في القرآن والرؤية، والإيمان والقدر والصحابة وغير ذلك. وذكر أن مسألة اللفظ ليس لأحد من المتقدمين فيها كلام؛ كما قال لم نجد فيها كلامًا عن صحابي مضى ولا عن تابعي قفا\n_________\n(^١) يُنظر: تاريخ بغداد: (٢/ ١٦٢)، تاريخ دمشق: (٢/ ١٦٢)، معجم الأدباء (١٨/ ٩٠)، وفيات الأعيان: (٤/ ١٩١)، تذكرت الحفاظ: (٢٠/ ٧١٢).\n(^٢) يُنظر على سبيل المثال: منهاج السنة النبوية، في نقض كلام الشيعة والقدرية: (٢/ ٤٧٢، ١٠٧) و(٦/ ٥٣) و(٧/ ٤٢٨، ١٣، ٢٨٦).","vol":"1","page":58},{"text":"إلا عمن في كلامه الشفاء والغناء، ومن يقوم لدينا مقام الأئمة الأولى أبو عبد الله أحمد بن حنبل فإنه كان يقول: اللفظية جهمية. ويقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. وذكر أن القول في الاسم والمسمى من الحماقات المبتدعة التي لا يعرف فيها قول لأحد من الأئمة .... \" ا. هـ (^١).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا: \"وأما التفاسير التي في أيدي الناس فأصحها تفسير محمد بن جرير الطبري، فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة وليس فيه بدعة ولا ينقل عن المتهمين كمقاتل بن بكير والكلبي\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-79>٣ - قال الذهبي:</span> الإمام الجليل المفسر أبو جعفر صاحب التصانيف الباهرة من كبار أئمة الإسلام المعتمدين (^٣). وقال أيضًا: وله كتاب التفسير، لم يصنف أحد مثله (^٤).\n<span data-type='title' id=toc-80>٤ - قال ابن كثير:</span> بل كان أحد أئمة الإسلام علمًا وعملًا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ (^٥).\n<span data-type='title' id=toc-81>٥ - قال ابن القيم:</span> قول الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري الإمام في الفقه والتفسير والحديث والتاريخ واللغة والنحو والقرآن قال في كتاب صريح السنة ونقل كلامه وعده من جملة السلف الذي يرجع لأقوالهم في مسائل الاعتقاد (^٦).\n<span data-type='title' id=toc-82>٦ - قال أبو حامد الإسفراييني:</span> لو سافر رجل إلى الصِّين حتى يحصل على كتاب تفسير محمَّد بن جرير لم يكن ذلك كثيرًا (^٧).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٦/ ١٨\n(^٢) مجموع الفتاوى ج ١٣ ص ٣٨٥\n(^٣) ميزان الاعتدال: (٣/ ٤٩٨).\n(^٤) سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي، الطبقة السابعة عشر، محمد بن جرير، جـ ١٤، صـ ٢٦٧: ٢٨٢\n(^٥) البداية والنهاية: (١١/ ١٤٥، ١٤٦)\n(^٦) اجتماع الجيوش الإسلامية: (ص: ١٩٤)\n(^٧) معجم الأدباء: (١٨/ ٤٢)","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type='title' id=toc-83>٧ - قال ابن خزيمة:</span> نظرت فيه -تفسير الطبري- من أوله إلى آخره، وما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير (^١).\n<span data-type='title' id=toc-84>٨ - وقد أكد الحافظ بن حجر، ﵀</span>، كلام ابن خزيمة في \"لسان الميزان\" فقال: أن ابن خزيمة استعار تفسير ابن جرير ممن كتبه عن الطبري فردّه بعد سنين ثم قال: نظرتُ فيه من أوله إلى آخره؛ فما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير (^٢).\n<span data-type='title' id=toc-85>٩ - قال أبو محمد الفرغاني:</span> تم من كتب محمد بن جرير كتاب التفسير؛ الذي لو ادعى عالم أن يصنف منه عشرة كتب، كل كتاب منها يحتوي على علم مفرد مستقصى لفعل (^٣).\n<span data-type='title' id=toc-86>١٠ - قال ابن عطية الأندلسي، ﵀:</span> ثم إنّ محمد بن جرير الطبري، ﵀، جمَع على الناس أشتات التفسير، وقرَّب البعيد، وشفَى في الإسناد (^٤).\n<span data-type='title' id=toc-87>١١ - قال النووي:</span> وله كتاب التاريخ المشهور وكتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله (^٥). وقال أيضًا حين ترجم له في \"تهذيب الأسماء واللغات\": أجمعت الأمة على أنه لم يُصنَّف مثل تفسير الطبري (^٦).\n<span data-type='title' id=toc-88>١٢ - قال السيوطي:</span> وكتابه -يعني تفسير محمد بن جرير- أجلُّ التفاسير وأعظمها، فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والإعراب، والاستنباط فهو يفوق بذلك على تفاسير الأقدمين.\n_________\n(^١) الذهبي، مرجع سابق: جـ ١٤، صـ ٢٦٧: ٢٨٢.\n(^٢) لسان الميزان، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: عبد الفتاح أبي غدة، (٧/ ٢٥). ط. دار البشائر الإسلامية.\n(^٣) الذهبي، مرجع سابق: جـ ١٤، صـ ٢٦٧: ٢٨٢.\n(^٤) تفسير ابن عطية، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: (١/ ٤٢).\n(^٥) تهذيب الأسماء واللغات، لأبي زكريا محي الدين بن شرف النووي، الجزء الأول من القسم الأول، دار الكتب العلمية (بيروت)، صـ ٧٨\n(^٦) النووي: تهذيب الأسماء ١/ ٧٨.","vol":"1","page":60},{"text":"وقال أيضًا: فإن قلت فأي التفاسير ترشد إليه وتأمر الناظر أن يعول عليه؟ قلت: تفسير الإمام أبي جعفر بن جرير الطبري الذي أجمع العلماء المعتبرون على أنه لم يؤلف في التفسير مثله (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-89>١٣ - ومن المعاصرين العلامة الفقيه عبد الله ابن حميد (ت: ١٤٠٢ هـ)</span>.\nلئلا أطيلَ بذكر ثنائه من أقوال العلماء -وهو كثير جدًّا- أختم بما قدَّمه بترجمته الشيخ الفقيه عبد الله بن حميد لكتابه (تهذيب الآثار) حيث قال ﵀: \" … فكان من أثر ذلك تأليفُ المؤلَّفات الضخمة العديدة التي حوت على تراث نبيِّنا محمد ﷺ، من هؤلاء الجهابذة الأفذاذ الإمام أبو جعفر محمدُ بن جريرٍ الطبريُّ، فقد أجمع المسلمون على إمامته وجلالة قدره وسَعَة علمه، وألف في ذلك المؤلفات الكثيرة النافعة التي أثنى عليها أئمة العلماء، وذكروها ومؤلِّفَها بما هو أهل …، والإمام ابن جرير أشهر من أن يُذكَر وأَعرَفُ من أن يُنكَر، (ثم شرع في نبذة يسيرة مختصرة عن حياته، ومما قال فيها): … ما زال العلماء في زمانه وبعده يُثْنون عليه ويذكرون فضله وعلمه وزهده وتُقَاه، فقد كان ﵀ عالمًا بتفسير القرآن، والحلال والحرام، وعالمًا بأخبار الناس وأيامهم، وهو من فضلاء الصالحين المتقين، شهد له أهل العلم بالفضل والتقَى؛ فقد كان إمامًا في التفسير والحديث والجرح والتعديل، وعالمًا بالأحكام وأصولها، وله أقوال واختيارات جيدة انفرد بها \" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-90>١٤ - ومن المعاصرين كذلك الدكتور محمد حسين الذهبي، ﵀</span>، حيث يصف كتابه قائلًا: بأنّه التفسير الذي له الأولويّة بين كتب التفسير، أولويّة زمنيّة وأولويّة من ناحية الفنّ\n_________\n(^١) الإتقان للسيوطي، النوع الثمانون في طبقات المفسرين: (٢/ ٤٧٦).\n(^٢) ثناء العلماء على الإمام الطبري- مقال لعلي الشبل-عن موقع الألوكة، بتاريخ: ١١/ ١/ ١٤٣٦ هـ.، ويُنظر: تحبير التحبير في تيسير مبادئ علم التفسير وتعليم المتعلمين طرق ومناهج المفسرين، للدكتور/ عرفة بن طنطاوي: (٢٠١ - ٢٠٧).","vol":"1","page":61},{"text":"والصناعة (^١). ثم يقول أيضًا مقررًا مؤكدًا على مكانته وتقدمه: اعتبر الطبري أبا للتفسير كما أعتبر أبا للتاريخ الإسلامي (^٢).\nوختامًا:\nفإن تمكن الطبري من التفسير وعلومه، واتقانه في صناعة تفسيره وتقدمه على كل ما صنف في التفسير زمانًا واتقانًا ومنهجًا وطريقة وأسلوبًا وعقيدة، جعله في مقدمة التفاسير التي اعتمد عليها أغلب المفسرين الذين أتوا بعده، حتى لُقِّبَ بشيخ المفسرين، وإمام المفسرين.\n\n<span data-type='title' id=toc-91>المطلب الثاني: أهمية التفسير التحليلي، وبيان أسلوبه وأبرز وأهم مزاياه</span>\n<span data-type='title' id=toc-92>أهم مزايا التفسير التحليلي:</span>\nأولًا: يُعد التفسير التحليلي من أقدم أساليب التفسير التي سلكها المصنفون قديمًا، كابن جرير الطبري، والرازي، والقرطبي وغيرهم من القدامى، والذي يتتبع فيه المفسر الآيات حسب ترتيبها المصحفي لا النزولي، ويتناول فيه المفسر تفسير آيات متتابعة، ثم يعمد إلى تفسير السورة بأكملها ثم ينتقل إلى تفسير القرآن الكريم كله متبعًا نفس المنهج.\nثانيًا: يعمد فيه المفسر إلى تفسير الآيات الكريمة تفسير تحليليًا، مستخدمًا له أكثر من غيره، مبرهنًا لأهمية اتباعه كمنهج وأسلوب من أهم المناهج والأساليب المتبعة في التفسير.\nثالثًا: يعمد فيه المفسر إلى بيان ما يتعلق بالآيات من معاني الألفاظ، مبينًا لأسباب نزولها، مبرزًا لأوجه البلاغة الواردة فيها، مستعينًا بما ورد فيها من قراءات، وموجهًا لها لإبراز المعاني وزيادة إيضاح مرامي وهدايات الآيات، مبينًا لأهم ما ورد فيها من أحكام.\nرابعًا: يُعد منهج التفسير التحليلي من المناهج التي لا يُقيد فيها المفسر باستخدام أسلوب فيه إسهاب وإطناب، أو أسلوب فيه إيجاز واختصار، ما دام المفسر قد اتبع الأسلوب المنهجي\n_________\n(^١) الذهبي، محمد حسين: التفسير والمفسرون ج ١ ص ٢٠٩.\n(^٢) الذهبي، محمد حسين: التفسير والمفسرون دار إحياء التراث العربي لبنان ط ٢، ١٣٩٦ هـ/ ١٩٧٦ م، ج ١ ص ٢٠٦","vol":"1","page":62},{"text":"والأسس والقواعد التي اعتمدها أئمة التفسير وسادات التحبير والتأويل في هذا الصدد، على أن يتجنب التطويل الممل، والإيجاز المختصر المخل، ولذا ترى ممن صنف في هذا\nالمنهج التحليلي مَن أطال فترى تفسيره قد حوى مجلدات كبار طوال، ومنهم مَن توسط فصنف في تفسيره في مجلدات معدودة، ومنهم مَن اختصره في مجلد واحد، وسيأتي معنا بعد قليل بيان لبعض المصنفات في تلك الأقسام جميعًا.\nوفي ذلك يقول الدكتور محمد حسين الذهبي، ﵀:\nثم إنَّا نجد متقدمى المفسِّرين قد توسَّعوا فى التفسير إلى حد كبير، جعل مَن جاء بعدهم من المفسِّرين لا يلقون عنتًا، ولا يجدون مشقة فى محاولتهم لفهم كتاب الله، وتدوين ما دوَّنوا من كتب فى التفسير، فمنهم مَن أخذ كلام غيره وزاد عليه، ومنهم مَن اختصر، ومنهم مَن علَّق الحواشى وتتبع كلام من سبقه، تارة بالكشف عن المراد، وأخرى بالتفنيد والاعتراض (^١).\nخامسًا: أغلب من نحى هذا المنحى من المفسرين قد اعتمد أسلوب السابقين كشيخ المفسرين الإمام محمد بن جرير الطبري، كما اعتمد كثير منهم طريقته في استخدام أحسن أساليب التفسير، ألا وهي تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بصحيح السنة، واعتماد أقوال السلف من الصحابة والتابعين، وما دلت عليه لغة العرب.\nسادسًا: لا بد للمفسر الذي يتناول التفسير التحليلي على وجه الخصوص أن يتمكن من علوم المفسر عمومًا، ومن تلك العلوم خصوصًا، ألا وهي: معرفة أصول الدين عمومًا، ومعرفة الفقه وأصوله، ومعرفة اللغة وعلومها، ومعرفة علم أسباب النزول، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، ومعرفة علم القراءات، وسائر علوم القرآن كذلك.\n_________\n(^١) التفسير والمفسرون، للدكتور/ محمد حسين الذهبي، (١/ ١١٠)، مكتبة وهبة، ٢٠٠٠ م.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-93>المطلب الثالث: خطوات مدارسته، وطريقة تناوله، من خلال سور القرآن وآياته</span>\n<span data-type='title' id=toc-94>أهم طرق وخطوات التفسير التحليلي:</span>\nأولًا: يقوم المفسر في التفسير التحليلي بتقسيم الآيات المزمع تفسيرها إلى وحدات موضوعيّة ذات عناوين واضحة جلية.\nثانيًا: يتناول بيان معاني الآيات إجماليًا مع العناية بالجوانب اللغوية والبلاغية وتجلية معانيها.\nثالثًا: العناية ببيان أسباب النزول والاستعانة بها على تجلية معاني الآيات؛ لأن معرفة أسباب النزول معين على تثبيت معاني الآيات في الذهن وفهمها فهمًا صحيحًا، وذلك أن العلم بالسبب يُورث العلم بالمسبَّب.\nوفي ذلك يقول الواحدي: لا يمكن تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها (^١).\nرابعًا: تفسير الآيات التي يتعرض لها المفسر تفسيرًا تحليليًا بعد أن بيّنها إجماليًا؛ فالمفسر يبين الآيات وما يصل إليه أو يقصد من مراد الله تعالى فى كتابه بأتم بيان يحتمل المعنى، ولا يأباه اللفظ من كل ما يوضح المراد من مقاصد القرآن، أو ما يتوقف عليه فهمه أكمل فهم، وأن يخدم المقصد تفصيلًا وتفريعًا، مع إقامة الحجة على ذلك إن كان به خفاء (^٢).\nخامسًا: يتعرض المفسر لاستنباط الأحكام الواردة في الآيات، ويبينها ويجليها ويبين الحكمة من ورودها في سياق تلك الآيات.\nسادسًا: العناية باجتناب الأحاديث الضعيفة والموضوعة والإسرائيليات التي طفحت بها بعض كتب التفسير.\nسابعًا: يتباين المفسرون في طريقة تناولهم للتفسير التحليلي حسب مناهجهم ومشاربهم، فمن غلب عليه الجانب الفقهي يهتم به اهتمامًا حتى يكاد أن يخرجه عن مسمى التفسير إلى\n_________\n(^١) أسباب النزول، للواحدي: (ص: ٦).\n(^٢) خالد عبد الرحمن العك، أصول التفسير وقواعده، دار النفائس، ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦ م: (ص: ٦٦).","vol":"1","page":64},{"text":"مسمى الفقه، وقد يكون مع ذلك متعصبًا لمذهبه، ومنهم من يعتني بالجانب اللغوي ويبالغ فيه وكأنك تقرأ كتابًا لسيبويه، ومنهم من يعتني بالجانب البلاغي وكأنك تطالع كتاب بلاغة لا كتاب تفسير، ومنهم من اعتنى بإبراز أقوال السلف وآثارهم، ومنهم من غلب على تفسيره الجانب الوعظي والأسلوب الدعوي،\nومنهم من اعتنى ببيان منهجه العقدي بحيث تطالع من أول وهلة منهجه العقدي بارزًا وواضحًا جليًا، ومنهم من اعتنى بالجوانب التاريخية وزاد فيها وبرز الجانب القصصي على الجانب التفسيري، وهذه هي أهم الجوانب التي ظهرت على أكثر المصنفات في التفسير التحليلي.\n\n<span data-type='title' id=toc-95>المطلب الرابع: ذكر مصادره، وجملة من أهم المصنفات التي صُنِّفَت فيه</span>\n<span data-type='title' id=toc-96>أهم المصنفات في التفسير التحليلي:</span>\nالمصنفات في التفسير التحليلي كثيرة، وهي مختلفة في حجمها كبرًا وصغرًا، ومن الممكن تقسيم أبرزها إلى ثلاث فئات على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-97>الفئة الأولى: وهي الفئة الأكثر توسعًا، من جهة الحجم مثل:</span>\n١. جامع البيان في تأويل آي القرآن، للإمام محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الشهير بالإمام أبو جعفر الطبري (ت: ٣١٠ هـ).\n٢. مفاتيح الغيب، لمحمد بن عمر بن الحسن الملقب بفخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ)، وهو مندرج تحت التفسير بالرأي المحمود كذلك.\n٣. الجامع لأحكام القرآن، لمحمد بن أحمد بن أبي بكر شمس الدين القرطبي (ت: ٦٧١ هـ).\n٤. البحر المحيط في التفسير، لأبي حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ).","vol":"1","page":65},{"text":"٥. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، لبرهان الدين البقاعي، وهو إبراهيم بن عمر بن حسن بن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ)، وهو مندرج تحت التفسير الإشاري كذلك.\n٦. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، لشهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (ت: ١٢٧٠ هـ)، وبعض أهل العلم ألحقه بالتفسير الإشاري كذلك.\n٧. التحرير والتنوير، \"تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد\"، لمحمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ).\n\n<span data-type='title' id=toc-98>الفئة الثانية: فئة أقل توسعًا من جهة الحجم من سابقتها، مثل:</span>\n١. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية (ت: ٥١٠ هـ).\n٢. تفسير القرآن العظيم، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير (ت: ٧٧٤ هـ).\n٣. إرشاد العقل السليم لمزايا الكتاب الكريم، لأبي السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت: ٩٨٢ هـ).\n٤. محاسن التأويل، لمحمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (ت: ١٣٣٢ هـ)\n\n<span data-type='title' id=toc-99>الفئة الثالثة: فئة متوسطة الحجم وهي أقل من سابقتها، مثل:</span>\n١. تفسير الكشاف، للزمخشري، أبي القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ)، وأيضًا هو مصنف ضمن كتب التفسير بالرأي المذموم.\n٢. أنوار التنزيل وأسرار التأويل، لناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ).\n٣. مدارك التنزيل وحقائق التأويل، لأبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين النسفي (ت: ٧١٠ هـ).","vol":"1","page":66},{"text":"٤. التسهيل لعلوم التنزيل، لمحمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، ابن جزي الكلبي الغرناطي (ت: ٧٤١ هـ).\nوهذه التفاسير كلها مندرجة تحت التفسير التحليلي، وهي مختلفة المشارب والمدارس والمناهج والاتجاهات والطرائق والعقائد أيضًا، وهي كذلك مختلفة كثرة وقلة، وقد يندرج بعضها تحت أكثر من قسم من أقسام التفسير، وهي كذلك قد يغلب بعضُها بعضًا في بعض الجوانب، وذلك لمسلك مؤلفها وما غلب عليه من العلم، كتفسير القرطبي غلب عليه الجانب الفقهي، وكذلك تفسير البحر المحيط غلب عليه الجانب اللغوي وكأنك تقرأ كتاب نحو مثلًا، وكذلك تفسير الزمخشري غلب عليه الصناعة اللغوية والبلاغية خاصة والتي كان إمامًا بارزًا فيها، كما كان إمامًا في الاعتزال والذي طغى على تفسيره كذلك (^١).\nوبهذا ينتهي الفصل الثاني والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) المدخل الموسوعي للتفسير الموضوعي، الدكتور عرفة بن طنطاوي مرجع سابق: (ص ٦٣ - ٦٥).","vol":"1","page":67},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-100> الفصل الثالث •\nطريقة تناول التفسير التحليلي ودراسته</span>\nمن خلال سور القرآن وآياته\nآيات وصايا لقمان لابنه كما وردت في سورة لقمان\nالآيات من ١٢ إلى ١٩ أنموذجًا ومثالًا تطبيقيًا\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: التعريف بالسورة الكريمة، وفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: اسم السورة وسر تسميتها.\nالمطلب الثاني: نزولها وعدد آياتها وكلماتها وحروفها.\nالمطلب الثالث: الجوانب البلاغية في السورة الكريمة.\nالمطلب الرابع: موضوع السورة الكريمة.\nالمطلب الخامس: المناسبات في السورة الكريمة.\nالمبحث الثاني: التعريف بشخصية لقمان الحكيم ﵇، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: نسبه ونشأته.\nالمطلب الثاني: التحقيق في أمر نبوته إثباتًا ونفيًا.\nالمبحث الثالث: المنهج التربوي كما تصوره موعظة لقمان الحكيم، وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: الجانب العقدي.\nالمطلب الثاني: الجانب التعبدي.\nالمطلب الثالث: الجانب الأخلاقي.\nالمطلب الرابع: طبيعة العلاقة بين هذه الجوانب.\nثم، خاتمة هذا المبحث، وأبرز النتائج، وأهم التوصيات.","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type='title' id=toc-101>المبحث الأول: التعريف بالسورة الكريمة</span>\nوفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: اسم السورة الكريمة وسرّ تسميتها.\nالمطلب الثاني: نزولها وعدد آياتها وكلماتها وحروفها.\nالمطلب الثالث: الجوانب البلاغية في السورة الكريمة.\nالمطلب الرابع: موضوع السورة الكريمة.\nالمطلب الخامس: المناسبات في السورة الكريمة.","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type='title' id=toc-102>المطلب الأول: اسم السورة الكريمة وسرّ تسميتها</span>\n<span data-type='title' id=toc-103>أولًا: اسم السورة الكريمة: (سورة لقمان)</span>\nقالَ: إنها سورة لقمان كلٌّ من: عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت ٢١١ هـ) (^١)، وأبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت ٢٢٠ هـ) (^٢)، وأَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت ٣٠٣ هـ) (^٣)، وعَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت ٣٥٢ هـ) (^٤)، ولا يُعلم أيّ خلاف في تسميتها بسورة لقمان.\n\n<span data-type='title' id=toc-104>ثانيًا: سر تسميتها</span>\nيقول ابن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ): «سمّيت هذه السّورة الكريمة \"سورة لقمان\"، بإضافتها إلى لقمان ﵇؛ لأنّ فيها ذكر لقمان وحكمته وجملًا من حكمته التي أدّب بها ابنه وليس لها اسمٌ غير هذا الاسم، وبهذا الاسم عرفت بين القرّاء والمفسّرين، ولم أقف على تصريحٍ به فيما يُروى عن رسول اللّه -ﷺ- بسندٍ مقبولٍ» (^٥).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق (٢/ ١٠٥).\n(^٢) تفسير الثوري (٢٣٨).\n(^٣) السنن الكبرى للنسائي (١٠/ ٢١٢).\n(^٤) تفسير مجاهد (٥٠٣).\n(^٥) مُحَمَّد الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ (ت ١٣٩٣ هـ) التحرير والتنوير (٢١/ ١٣٧)، الدار التونسية للنشر والتوزيع (١٩٨٤ م).","vol":"1","page":70},{"text":"ويقول الصابوني (ت: ١٤٤٣ هـ): «سميت هذه السورة (سورة لقمان) بهذا الاسم لاشتمالها على موعظة لقمان ﵇ التي تضمنت فضيلة الحكمة وسر معرفة الله وصفاته وذم الشرك، والأمر بمكارم الأخلاق، والنهي عن القبائح والمنكرات، وما تضمنته من الوصايا الثمينة» (^١).\nويقول شحاتة: «سميت بسورة لقمان لورود موعظة لقمان ﵇ فيها، وكان من الحكماء الأقدمين» (^٢).\nويقول الباحث: إن تسمية السورة الكريمة بسورة لقمان جاء تمشيًا مع القاعدة المتبعة عند أئمة التفسير بتسمية السورة بأبرز ما ورد فيها، ذلك مع مراعاة اعتبار الخلاف المشهور عند أئمة التفسير في كون أسماء السور توقيفية أو اجتهادية كلها أو بعضها، أو كون بعضها اجتهاديًّا من الصحابة أنفسهم ﵃ أجمعين.\n\n<span data-type='title' id=toc-105>المطلب الثاني: نزولها وعدد آياتها وكلماتها وحروفها</span>\nويندرج تحت هذا المطلب ما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-106>أولًا: ترتيبها في المصحف الشريف:</span>\nسورة لقمان هي السورة الحادية والثلاثون [٣١] من بين سور المصحف الشريف توسطت بين سورتي الروم والسجدة على الترتيب المصحفي.\n\n<span data-type='title' id=toc-107>ثانيًا: عدد آياتها:</span>\nأربع وثلاثون آية [٣٤] في عد أهل الشام، والبصرة، والكوفة (^٣) (^٤)، [٣٣] وهي ثلاث وثلاثون\n_________\n(^١) الصابوني: محمد علي، صفوة التفاسير. دار الصابوني، الطبعة: التاسعة (جـ ٣) (ص ٤٨٦).\n(^٢) شحاته: عبد الله محمود، أهداف كل سورة ومقاصدها في القرآن الكريم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط ٢ (١٩٨١ م).\n(^٣) وهم من أصحاب القراءات المتواترة، فالمكي ابن كثير، والمدنيان نافع وأبو جعفر، والكوفيون عاصم وحمزة والكسائي، والشامي ابن عامر، والبصري أبو عمرو ويعقوب، والبغدادي خلف).\n(^٤) محمد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر والتوزيع، تونس، (جـ ٢١، ١٩٨٤، ص ١٣٨).","vol":"1","page":71},{"text":"في المكي والمدني (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-108>الخلاف في عدد آيات سورة لقمان:</span>\nقَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ (ت: ٤٤٤ هـ): «وهي ثلاثون وثلاث آيات في عدد المدنيين والمكي، وأربع في عدد الباقين» (^٢).\nوبنحو قول أبي عمرو الداني قال جمع غفير من أهل العدد (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-109>القول الأول: ثلاث وثلاثون آية:</span>\nوهذا القول اختاره كذلك جمع من أهل العدد، فمنهم من اختاره كقول منفرد كـ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاس (ت: ٣٣٨ هـ) في \"معاني القرآن\"، قَالَ: «آياتها ٣٣ آية» (^٤)، ومنهم من اختاره في عد المكي والمدني جميعًا، ومنهم من اختاره في عد أحدهما (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-110>القول الثاني: أربع وثلاثون آية:</span>\nوقد اختار هذا القول منفردًا جمع من أهل العدد:\nكـ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّعْلَبيُّ (ت: ٤٢٧ هـ): في \"الكشف والبيان\" قال: «أربع وثلاثون آية» (^٦)، كما وافقه على هذا القول جمع من أهل العدد (^٧).\nومنهم من اختاره وعده عند الكوفي والبصري والشامي كما مر معنا آنفًا.\n_________\n(^١) أبو حيان الأندلسي: البحر المحيط (٧/ ١٨٣)، الألوسي: روح المعاني (٣/ ٦٤).\n(^٢) البيان (٢٠٦).\n(^٣) يُنظر: الكشاف (٥/ ٥)، منار الهدى (٣٠٢)، فنون الأفنان (٢٧٨ - ٣٢٧)، جمال القراء (١/ ٢١١ - ٢١٢)، أنوار التنزيل (٤/ ٢١٢)، القول الوجيز (٢٦٠)، التحرير والتنوير (٢١/ ١٣٨).\n(^٤) معاني القرآن (٥/ ٢٧٥).\n(^٥) يُنظر: البيان (٢٠٦)، فنون الأفنان (٢٧٨ - ٣٢٧)، جمال القراء (١/ ٢١١ - ٢١٢)، منار الهدى (٣٠٢)، القول الوجيز (٢٦٠)، التحرير والتنوير (٢١/ ١٣٨)\n(^٦) الكشف والبيان (٧/ ٣٠٩).\n(^٧) الوسيط (٣/ ٤٤٠)، علل الوقوف (٢/ ٨٠٤)، التسهيل (٢/ ١٣٧)، عمدة القاري (١٩/ ١٥٩)، لباب النقول (١٨٤)، إرشاد الساري (٧/ ٢٨٨)، فتح القدير (٤/ ٣٠٧)، إمداد القاري (٣/ ٢٠٧).","vol":"1","page":72},{"text":"مواضع اختلاف العدد في السورة الكريمة:\nقَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ (ت: ٤٤٤ هـ): «اختلافها آيتان: ﴿الم﴾ عدها الكوفي، ولم يعدها الباقون، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ عدها البصري والشامي ولم يعدها الباقون» (^١).\nوبذلك قال جمع من أهل العدد، منهم:\nأبو الفَرَجِ بنِ الجَوْزِيِّ (ت: ٥٩٧ هـ) (^٢)، عَلَمُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ (ت: ٦٤٣ هـ) (^٣)، أبو عيد رِضْوانُ المُخَلِّلاتِيُّ (ت: ١٣١١ هـ) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-111>القول الراجح في عد آي السورة الكريمة:</span>\nومن خلال ما مضى بيانه يتبين لنا أن القول الراجح هو القول الثاني، أي: أن عدد آياتها أربع وثلاثون آية شامي وبصري وكوفي وعليه الأكثرون، والله تعالى أعلى وأعلم (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-112>رؤوس الآي في السورة الكريمة:</span>\nقَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ (ت: ٤٤٤ هـ): «ورؤوس الآي هي:\n١. ﴿الم﴾ [لقمان: ١].\n٢. ﴿الْحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢].\n٣. ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣].\n٤. ﴿يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٤].\n٥. ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان: ٥].\n_________\n(^١) البيان (٢٠٦).\n(^٢) فنون الأفنان (٢٧٨ - ٣٢٧).\n(^٣) جمال القراء (١/ ٢١١ - ٢١٢).\n(^٤) القول الوجيز (٢٦٠).\n(^٥) والقراءات المتواترة كلها ثابتة عن النبي ﷺ، ويلزم من قرأ بإحداها أن يعرف مواضع رؤوس الآي فيما يقرأ، والله أعلم.","vol":"1","page":73},{"text":"٦. ﴿مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦].\n٧. ﴿أَلِيمٍ﴾ [لقمان: ٧].\n٨. ﴿النَّعِيمِ﴾ [لقمان: ٨].\n٩. ﴿الْحَكِيمُ﴾ [لقمان: ٩].\n١٠. ﴿كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠].\n١١. ﴿مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١١].\n١٢. ﴿حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢].\n١٣. ﴿عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].\n١٤. ﴿الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤].\n١٥. ﴿تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥].\n١٦. ﴿خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦].\n١٧. ﴿الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧].\n١٨. ﴿فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨].\n١٩. ﴿الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩].\n٢٠. ﴿مُنِيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠].\n٢١. ﴿السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١].\n٢٢. ﴿الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ٢٢].\n٢٣. ﴿الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣].\n٢٤. ﴿غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤].","vol":"1","page":74},{"text":"٢٥. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥].\n٢٦. ﴿الْحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦].\n٢٧. ﴿حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧].\n٢٨. ﴿بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨].\n٢٩. ﴿خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩].\n٣٠. ﴿الْكَبِيرُ﴾ [لقمان: ٣٠].\n٣١. ﴿شَكُورٍ﴾ [لقمان: ٣١].\n٣٢. ﴿كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢].\n٣٣. ﴿الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣].\n٣٤. ﴿خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-113>قاعدة رؤوس الآي (الفواصل) في السورة الكريمة:</span>\nقَالَ رِضْوانُ بنُ مُحَمَّدٍ المُخَلِّلاتِيُّ (ت: ١٣١١ هـ):\n«وقاعدة فواصلها: نظم در» (^٢). نحو: «يوقنون، وغليظ، وكريم، والحميد، ومنير» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-114>نظائر سورة لقمان في العدد:</span>\nقَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ (ت: ٤٤٤ هـ): «ونظيرتها في البصري والشامي الأحقاف ولا نظير لها في غيرهما» (^٤)، وكذلك هو قول أبي عيد رِضْوان المُخَلِّلاتِيُّ (ت: ١٣١١ هـ) (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-115>ثالثًا: مواضع النسخ في السورة الكريمة</span>\n<span data-type='title' id=toc-116>الموضع الأول: قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]</span>.\nقَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: ٤٣٧): «سورة لقمان (مكية). ذكر بعض العلماء أن قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] منسوخٌ بقول النبي -ﷺ-: «لا تقولوا: ما شاء الله وشئت، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شئت» (^٦)، يريد نسخ الجمع بين الشّكرين بالواو، فيستوي الشكران، ولكن يكون بـ «ثم» فيتقدّم الشّكر لله كالمشيئة» (^٧).\nقالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت: ٦٤٣ هـ): «سورة لقمان: ليس فيها نسخ، وزعم قوم أن قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، منسوخ بقوله -ﷺ-: «لا تقل: ما شاء الله وشئت، ولكن قل: ما شاء الله ثم شئت» (^٨) أي: نسخ الجمع بين الشكرين بالواو فيستوي الشكران، ولكن يكون بـ «ثم» فتقدم الشكر لله كالمشيئة، فعلى هذا لا يجوز أن تتلى هذه الآية، وهذا خلف من القول.\nوقالوا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان: ٢٣] الآية. نسخ معناها بالسيف (^٩)، وليس كما قالوا، وقد تقدم الجواب» (^١٠) الآية. [لقمان: ٢٣].\nوالحقيقة أن شكر الله هو شكر يليق بذاته العلية وذلك بطاعته وامتثال أمره واجتناب نهيه\n_________\n(^١) البيان (٢٠٦).\n(^٢) يعني: أن آخر حرف الفاصلة لا يخرج عن حروف هذه الجملة: «نظم در» (في هذه السورة). الباحث.\n(^٣) القول الوجيز (٢٦٠).\n(^٤) البيان (٢٠٦).\n(^٥) القول الوجيز (٢٦٠).\n(^٦) الألباني، السلسلة الصحيحة (٢٦٦/ ١) إسناده حسن.\n(^٧) الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه (٣٧٩).\n(^٨) (سبق تخريجه آنفًا.\n(^٩) أي: بآية السيف، وما يطلق عليه آية السيف هي الآية الخامسة من سورة التوبة وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]. قال ابن كثير ﵀: «وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ هِيَ آيَةُ السَّيْفِ» انتهى. من تفسير ابن كثير (٤/ ٩٩).\n(^١٠) جمال القراء (١/ ٣٤٨).","vol":"1","page":75},{"text":"سبحانه تعظيمًا وإجلالًا وتكبيرًا، وشكر الوالدين إنما هو شكر يليق بهما كذلك من برهما والإحسان إليهما رحمة بهما وإشفاقًا وتوقيرًا، فشكر الله تعالى مغاير لشكر الوالدين، ولكن جاء الاقتران بينهما بيانًا لعظم حق الوالدين، وقد تكرر ذلك في غير ما موضع من كتاب الله تعالى.\nوالحق ما قاله السخاوي: وهذا خلف من القول.\n\n<span data-type='title' id=toc-117>الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان: ٢٣]</span>.\nقَالَ أَبو مُحَمَّدُ بْنُ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيُّ (ت: ٤٥٦ هـ): «سورة لقمان، وجميعها محكم غير آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان: ٢٣]» (^١).\nقَالَ هِبَةُ اللهِ بنُ سَلامَةَ بنِ نَصْرٍ المُقْرِي (ت: ٤١٠ هـ): «سورة لقمان نزلت بمكّة وفيها من المنسوخ آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان: ٢٣]، نسخ معناها لا لفظها بآية السّيف والباقي محكم» (^٢).\nقَالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الجَوْزِيِّ (ت: ٥٩٧ هـ): «باب: ذكر ما ادّعي عليه النّسخ في سورة لقمان قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان: ٢٣]، ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ هذا منسوخٌ بآية السّيف، وقال بعضهم: نسخ معناها لا لفظها بآية السّيف، وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنّها إنّما تضمّنت التّسلية له عن الحزن، وذلك لا ينافي القتال» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-118>رابعًا: ترتيبها بين السور المفتتحة بحروف الهجاء المقطعة:</span>\nوالسور المفتتحة بحروف الهجاء المقطعة في القرآن الكريم على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-119>جاءت الحروف المقطعة في فاتحة تسع وعشرين سورة وتسمى فواتح السور، وهي:</span>\n١ - ﴿الم (١)﴾: البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة.\n_________\n(^١) الناسخ والمنسوخ لابن حزم (٥٠).\n(^٢) الناسخ والمنسوخ لابن سلامة (١٤٣).\n(^٣) نواسخ القرآن (٤٢٦).","vol":"1","page":76},{"text":"٢ - ﴿المص (١)﴾: الأعراف.\n٣ - ﴿الر (١)﴾: يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر.\n٤ - ﴿المر (١)﴾: الرعد.\n٥ - ﴿كهيعص (١)﴾: مريم.\n٦ - ﴿طه (١)﴾: طه.\n٧ - ﴿طسم (١)﴾: الشعراء، القصص.\n٨ - ﴿طس (١)﴾: النمل.\n٩ - ﴿يس (١)﴾: يس.\n١٠ - ﴿ص (١)﴾: ص.\n١١ - ﴿حم (١)﴾: غافر، فصلت، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف.\n١٢ - ﴿حم (١) عسق (٢)﴾: الشورى.\n١٣ - ﴿ق (١)﴾: ق.\n١٤ - ﴿ن (١)﴾: القلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-120>وجاءت على النحو التالي:</span>\n١ - ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ١ - ٢].\n٢ - ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)﴾ [آل عمران: ١ - ٣].\n٣ - ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [الأعراف: ١ - ٢].","vol":"1","page":77},{"text":"٤ - ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [يونس: ١].\n٥ - ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١].\n٦ - ﴿الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ [يوسف: ١ - ٢].\n٧ - ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١)﴾ [الرعد: ١].\n٨ - ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١].\n٩ - ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١)﴾ [الحجر: ١].\n١٠ - ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢)﴾ [مريم: ١ - ٢].\n١١ - ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ [طه: ١ - ٢].\n١٢ - ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ [الشعراء: ١ - ٢].\n١٣ - ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١)﴾ [النمل: ١].\n١٤ - ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ [القصص: ١ - ٢].\n١٥ - ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾ [العنكبوت: ١ - ٢].\n١٦ - ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ [الروم: ١ - ٢].\n١٧ - ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [لقمان: ١ - ٢].\n١٨ - ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [السجدة: ١ - ٢].\n١٩ - ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [يس: ١ - ٢].\n٢٠ - ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ [ص: ١].","vol":"1","page":78},{"text":"٢١ - ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)﴾ [غافر: ١ - ٢].\n٢٢ - ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ [فصلت: ١ - ٢].\n٢٣ - ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ [الشورى: ١ - ٢].\n٢٤ - ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ [الزخرف: ١ - ٢].\n٢٥ - ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ [الدخان: ١ - ٢].\n٢٦ - ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [الجاثية: ١ - ٢].\n٢٧ - ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [الأحقاف: ١ - ٢].\n٢٨ - ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ [ق: ١].\n٢٩ - ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ [القلم: ١].\n\n<span data-type='title' id=toc-121>وتأتي هذه الأحرف آية، وجزءًا من آية، وآيتين: على مثال النحو التالي:</span>\n١ - مثال الأحرف في آية:\n﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ١ - ٢].\n٢ - مثال الأحرف في جزء من آية:\n﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [يونس: ١].\n٣ - مثال الأحرف في آيتين:\n﴿حم (١) عسق (٢)﴾ [الشورى: ١ - ٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-122>وتصنف الحروف المقطعة على أساس المباني إلى:</span>\n* ثلاث سور افتتحت بحرف واحد: ص، ق، ن.","vol":"1","page":79},{"text":"* وعشر سور افتتحت بحرفين: طه، طس، يس، حم.\n* واثنتا عشرة سورة افتتحت بثلاثة: أحرف: الم، الر، طسم.\n* وسورتان اثنتان افتتحتا بأربعة أحرف: المص، المر.\n* وسورتان اثنتان افتتحتا بخمسة أحرف: كهيعص، (حم عسق).\n\n<span data-type='title' id=toc-123>ومن الأحرف المقطعة ما تكرر في فواتح السور فجاء على النحو التالي:</span>\n١ - ما افتتحت به سورة واحدة: المص، المر، كهيعص، طه، طس، يس، ص، (حم عسق)، ق، ن.\n٢ - ما افتتحت به سورتان: طسم.\n٣ - ما افتتحت به خمس سور: الر.\n٤ - ما افتتحت به ست سور: الم، حم (^١).\nوسورة لقمان هي السابعة عشر (١٧) من بين السور التسع والعشرين (٢٩) التي افتتحت بحروف الهجاء المقطعة في كتاب الله، افتتحت بقوله سبحانه: ﴿الم (١)﴾ [لقمان: ١].\nسبقتها ست عشرة سورة (١٦)، وتلتها اثنتا عشرة سورة (١٢)، وهي من المفتتح بثلاثة أحرف، وهي السور الأكثر عددًا بين السور التي افتتحت بهذه الحروف.\n_________\n(^١) ومنهم من جمع الحروف المقطعة في قوله:\n١ - صراط علي حق نمسكه.\n٢ - صح طريقك مع السنة.\n٣ - طرقَ سَمْعَكَ النصيحةُ.\n٤ - سر حصين قطع كلامه.\n٥ - صن سرًّا يقطعك حمله.\n٦ - نص حكيم قاطع له سر.\nوهذه هي أشهر الكلمات المعروفة والتي ألفت من تلك الحروف.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-124>طريقة قراءة الحروف المقطعة:</span>\nلا تُقرأ هذه الحروف كالأسماء مثل باقي الكلمات، بل تُقرأ واحدة واحدة بصورة متقطعة، ومن أجل ذلك سميت بالحروف المقطعة.\nفننطق (الم) بهذه الكيفية: (ألفْ لامْ ميمْ)، وننطق (طسم) بهذه الكيفية: (طا سينْ ميمْ)، وهكذا بالنسبة للبقية، مع ملاحظة تسكين الأواخر باستمرار، وفي هذا سر من أسرار وجوب أخذ القرآن بالتلقي والمشافهة.\n\n<span data-type='title' id=toc-125>خامسًا: أقوال العلماء في الحروف المقطعة في بداية السور</span>\nويتبين بالدراسة: أنه من المناسبة بمكان، الكلام عن الحروف المقطعة المفتتح بها أوائل بعض السور بإيجاز، لأن موضوع البحث متعلق بسورة لقمان وهي من السور المفتتحة ببعض تلك الحروف.\nوقبل ذكر أقوال العلماء في الأحرف المقطعة لا بد من ذكر بعض الأمور:\nالأمر الأول: أنه لم يثبت عن الرسول -ﷺ- حديث صحيح مرفوع في معنى هذه الأحرف (^١)، ومن ثَمَّ فإن القول في تفسيرها لا سند له من الكتاب أو السنة الصحيحة بالنص.\nالأمر الثاني: أن افتتاح الكلام بالأحرف الهجائية المقطعة أسلوب لم يكن معروفًا عند العرب ولم يألفوه من قبل، وإنما كان أسلوبًا جديدًا؛ ولذا فلن نجد لها شاهدًا من كلام العرب فيما أعلم.\nالأمر الثالث: أنه إذا لم يكن تفسير هذه الأحرف قد ورد في الكتاب ولا في السنة، وليس له شاهد في لغة العرب؛ فإن الأقوال فيها مَحْضُ تخرصاتٍ، لا يصح أبدًا أن يجزم أحد بمعناها، كما قال الشوكاني رحمه الله تعالى: «اعلم أن من تكلم في بيان معاني هذه الحروف جازمًا بأن ذلك هو ما أراده الله تعالى فقد غلط أقبح الغلط، وركب في فهمه ودعواه أعظم الشطط، فإنه إن كان تفسيره لها بما فسرها به راجعًا إلى لغة العرب وعلومها فهو كذب بحت، فإن العرب لم\n_________\n(^١) في حدود علم الباحث.","vol":"1","page":81},{"text":"يتكلموا بشيء من ذلك، وإذا سمعه السامع منهم كان معدودًا عنده من الرطانة ..» (^١).\nومع هذا فإن من أقوال المفسرين لها ما هو معقول وقريب ولا عيب فيه إلا عدم الدليل، ومنها ما يفقد الدليل مع البعد والغرابة، والشطط والتكلف (^٢).\nوهذه الأمور من الأهمية بمكان، فكان لا بد من التنبيه عليها قبل ذكر أقوال العلماء فيها مقتضبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-126>أقوال أهل العلم في الحروف المقطعة:</span>\nولقد اختلف العلماء اختلافًا كبيرًا في الحروف المقطعة التي جاءت في أوائل بعض السور، حيث يرى بعضهم أن علمها عند الله، ويرى بعضهم أن فيها وجهًا من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، وذكر بعضهم أنها قَسَمٌ، كما جاء عن الأخفش الأوسط الذي علل كونها قسمًا بقوله: إنما أقسم الله بهذه الحروف لشرفها وفضلها، لأنها مباني كتبه المنزلة، ومبادئ أسمائه الحسنى وصفاته العليا وأصول كلام العرب، بها يتعارفون ويذكرون الله تعالى ويوحدونه (^٣).\nورغم تعدد أقوال المفسرين في تفسير هذه الحروف المفتتح بها أوائل السور؛ إلا أن هناك محلًّا متفقًا عليه بين أهل العلم في هذه الحروف، وهو أن أهل الإسلام أجمعوا على أن لهذه الحروف معنى، وأنها ذُكِرت لحكمة.\n_________\n(^١) الشوكاني، فتح القدير (١/ ٣٠).\n(^٢) د/ فهد بن عبد الرحمن الرومي- وجوه التحدي والإعجاز في الحروف المقطعة في أوائل السور مجلة البحوث الإسلامية-العدد الخمسون (من ذي الحجة إلى صفر)، (إصدارها كل ثلاثة أشهر) (١٤١٧ - ١٤١٨ هـ) - (ص ١٤٧ - ١٤٨) بتصرف يسير.\n(^٣) السيوطي: الإتقان (٢/ ١١).\nوللاستزادة، ينظر: البغوي: معالم التنزيل (١/ ٤٤)، ابن قتيبة: تأويل مشكل القرآن (٢٣١)، الرازي: مفاتيح الغيب أو (التفسير الكبير) (٢/ ٧)، البيضاوي: أنوار التنزيل وأسرار التأويل (١/ ١٣)، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن (١١/ ١٦٦)، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم.","vol":"1","page":82},{"text":"يقرر هذا ويوضحه ثلاثة أمور:\nالأمر الأول: أن الله أمرنا بتدبر كتابه وتفهمه دون استثناء، فدخلت الحروف المقطعة في هذا الأمر، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ [المؤمنون: ٦٨].\nالأمر الثاني: أن الله تعالى قد تحدى عباده من الإنس والجن بأن يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن، وأقصر سورة ثلاث آيات، وقراء الكوفة يعدون الحروف المقطعة آية في كل سورة، و﴿حم (١) عسق (٢)﴾ [الشورى: ١ - ٢] آيتان.\nفلو أتوا بآيتين مكونتين من حروف مقطعة، ثم أتوا بآية من موضع آخر لأدوا ما تحداهم الله به، فلو لم يكن لها معنى لقالوا: كيف يتحدانا بكلام لا نفهمه؟ (^١).\nالأمر الثالث: أن الله تعالى حكيم، وهذا كلامه، فهو كلام حكيم، نزل من لدن حكيم حميد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]، فإذا كان هذا القرآن تنزيلًا من حكيم حميد، كيف يوجد في كلامه ما لا معنى له، ولم يُذْكَر لحكمة؟، قال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١].\nقال العلامة السعدي: «وأما الحروف المقطعة في أوائل السور فالأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها من غير مستند شرعي، مع الجزم بأن الله تعالى لم ينزلها عبثًا، بل لحكمة لا نعلمها» (^٢). اهـ.\n_________\n(^١) ينظر: مفاتيح الغيب (٢/ ٢٥١).\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي (ص ٤٠)، ط مؤسسة الرسالة - بيروت - (١٤٢١ هـ ٢٠٠٠ م). وينظر: د/ محمد حسن أبو النجا- تفسير الحروف المقطعة في أوائل السور وسبب اختصاص كل سورة بالحروف التي افتتحت بها (ص ١١) وما بعدها بحث غير منشور، موقع الألوكة، (٢٩/ ٧/ ١٤٣٣ هـ -/ ٦/ ٢٠١٢ - م)، بتصرف يسير.","vol":"1","page":83},{"text":"والحروف المقطعة ليست هي موضوع البحث هنا فلا يناسبها الاستطراد والإطالة في البحث كما تبين لنا آنفًا.\nوممن أجمل أقوال العلماء في المسألة (الزركشي)، فقال: اختلف الناس في الحروف المقطعة في أوائل السور، وأنها على قولين:\nأحدهما: أن هذا علم مستور، وسر محجوب استأثر الله به.\nالقول الثاني: أن المراد منها معلوم، وذكروا فيه ما يزيد على عشرين وجهًا؛ منها البعيد ومنها القريب (^١).\nوقد تعددت أقوال المفسرين في تفسير هذه الحروف حتى وصل بها الحافظ ابن حجر ﵀ إلى ثلاثين قولًا (^٢).\nولهذا رُوِي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: «في كل كتاب سر، وسر الله في القرآن أوائل السور» (^٣).\nورُوِي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «إن لكل كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي» (^٤).\nوقال الشعبي: «إنها من المتشابه، نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله تعالى».\nوقال الفخر الرازي: «وقد أنكر المتكلمون هذا القول وقالوا: لا يجوز أن يرد في كتاب الله ما\n_________\n(^١) ينظر: تفصيل هذا والعشرين وجهًا في البرهان (١/ ١٧٣ - ١٧٧).\n(^٢) ينظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٨/ ٥٥٤)، ط دار المعرفة -بيروت-، بتحقيق: محب الدين الخطيب.\n(^٣) لم أجد هذا الأثر عن أبي بكر مسندًا، ولكن ذكره أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي في زاد المسير في علم التفسير (١/ ٢٠)، ط المكتب الإسلامي -بيروت- الثانية (١٤٠٤ هـ)، والرازي في مفاتيح الغيب (٢/ ٢٤٩)، وأبو حيان في البحر المحيط (١/ ١٥٧)، وأبو السعود محمد بن محمد العمادي في إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الحكيم (١/ ٢١)، ط دار إحياء التراث- بيروت.\n(^٤) ينظر: مفاتيح الغيب (٢/ ٢٤٩)، والجامع لأحكام القرآن (١/ ١٥٤)، وإرشاد العقل السليم (١/ ٢١).","vol":"1","page":84},{"text":"لا يفهمه الخلق، لأن الله تعالى أمر بتدبره والاستنباط منه، وذلك لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه» (^١).\nومن خلال المدارسة والبحث تبين أن أشهر وأظهر ما ورد في الحروف المقطعة قولان:\nالأول: أنها مما استأثر الله تعالى بعلمه.\nوالثاني: أنها للإعجاز والتحدي، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-127>سادسًا: عدد كلماتها:</span>\nعدد كلمات سورة لقمان:\nخمسمائة وثمان وأربعون كلمة (٥٤٨) وعليه أغلب أهل العدد (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-128>سابعًا: عدد حروفها:</span>\nعدد حروف سورة لقمان:\nألفان ومائة وعشرة أحرف (٢١١٠)، ولا خلاف بين العادين أن حروفها (٢١١٠) حرفًا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-129>ثامنًا: ترتيبها في النزول:</span>\nهي السورة السابعة والخمسون في ترتيب النزول (٥٧)، نزلت بعد سورة الصافات، وقبل سورة سبأ، وهي من المثاني (^٤).\n_________\n(^١) د. صبحى الصالح: مباحث في علوم القرآن (ص ٢٣٦).\n(^٢) يُنظر: الكشف والبيان (٧/ ٣٠٩)، البيان (٢٠٦)، لباب التأويل (٣/ ٣٩٦)، غرائب القرآن (٥/ ٤٢١)، عمدة القاري (١٩/ ١٥٩)، اللباب (١٥/ ٤٣٥)، تفسير الخطيب الشربيني (٣/ ١٧٩)، منار الهدى (٣٠٢)، القول الوجيز (٢٦٠)، مراح لبيد (٢/ ٢٣٥).\n(^٣) يُنظر: الكشف والبيان (٧/ ٣٠٩)، البيان (٢٠٦)، لباب التأويل (٣/ ٣٩٦)، غرائب القرآن (٥/ ٤٢١)، تنوير المقباس (١/ ٣٤٤)، عمدة القاري (١٩/ ١٥٩)، اللباب (١٥/ ٤٣٥)، تفسير الخطيب الشربيني (٣/ ١٧٩)، منار الهدى (٣٠٢)، القول الوجيز (٢٦٠).\n(^٤) معنى الطوال والمثاني والمفصَّل والمِئِين، قال رسول الله -ﷺ-: «أعطيتُ مكان التوراة السبعَ، وأعطيتُ مكان الزبور المِئِين، وأعطيتُ مكان الإنجيل المثاني، وفضِّلت بالمفصَّل». حديث حسن: رواه الطبراني في الكبير (٨٠٠٣) (٨/ ٢٥٨)، (١٨٦) (٢٢/ ٧٥)، (١٨٧) (٢٢/ ٧٦)، وفي مسند الشاميين (٢٧٣٤) (٤/ ٦٢، ٦٣)، وأحمد (١٧٠٢٣) (٤/ ١٠٧)، والطيالسي في مسنده (١٠١٢) (١/ ١٣٦)، وصححه الألباني في كل من: صحيح الجامع (١٠٥٩)، وفي صحيح الترغيب والترهيب (١٤٥٧)، وفي السلسلة الصحيحة (١٤٨)، من حديث واثلة بن الأسقع الليثي أبي فسيلة﵁-،. فهذا الحديث يبيِّن أن هذه الأقسام ليست مستحدثة وأن هذا التقسيم مأخوذ عن النبي -ﷺ-. ينظر: أسرار ترتيب القرآن للسيوطي (١/ ٧٢).\nفأما السبع، فهي السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة؛ لأنهم كانوا يعدون الأنفال وبراءة سورة واحدة.\nوأما المِئُون: فهي السور التي يقترب عدد آياتها من المائة أو تزيد.\nوأما المثاني: فهي ما ولي المِئِين، وقد تسمَّى سور القرآن كلها مثاني؛ ومنه قوله تعالى: ﴿مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، ﴿سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧]. =","vol":"1","page":85},{"text":"بيان لبعض ما ورد في ترتيب نزولها:\nقالَ مَحْمُودُ بْنُ عُمَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ): «نزلت بعد الصافات» (^١).\nقالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بْنِ جُزَيءٍ الكَلْبِيُّ (ت: ٧٤١ هـ): «نزلت بعد الصافات» (^٢).\nقَالَ رِضْوانُ بنُ مُحَمَّدٍ المُخَلِّلاتِيُّ (ت: ١٣١١ هـ): «ونزلت بعد سورة (والصافات)، ونزلت بعدها سورة سبأ» (^٣).\nقالَ مُحَمَّد الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ (ت: ١٣٩٣ هـ): «وهذه السّورة هي السّابعة والخمسون في تعداد نزول السّور، نزلت بعد سورة الصّافّات وقبل سورة سبأٍ» (^٤).\n_________\n= وإنما سمي القرآن كله مثاني؛ لأن الأنباء والقصص تثنى فيه، ويقال: إن المثاني في قوله تعالى: ﴿سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧]؛ هي آيات سورة الحمد، سماها مثاني؛ لأنها تثنى في كل ركعة.\nوقال الفراء: «المثاني هي السور التي آيُها أقل من مائة آية؛ لأنها تثنى؛ أي: تكرر أكثر مما تثنى الطوال والمؤون».\nوأما المفصل، فهو لفظ يطلق على السور بَدْءًا من «سورة ق» إلى آخر المصحف.\nوقيل: إن أوله سورة الحجرات، وسمي بالمفصل لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة، وقيل: لقلة المنسوخ منه؛ ولهذا يسمى المحكم أيضًا، كما روى البخاري عن سعيد بن جبير ﵀ قال: «إن الذي تدعونه المفصل هو المحكم» صحيح البخاري (٤٧٤٨) (٤/ ١٩٢٢).\nوالمفصل ثلاثة أقسام: طوال وأوساط، وقصار.\nفطواله: من أول الحجرات إلى سورة البروج.\nوأوساطه: من سورة الطارق إلى سورة البينة\nوقصاره: من سورة إذا زلزلت إلى آخر القرآن.\nينظر: البرهان للزركشي (١/ ٢٤٤)، ومناهل العرفان للزرقاني (١/ ٢٤٣، ٢٤٤).\nوهناك ما يسمى بسور (آل حاميم)، وهي السور التي تبدأ بـ ﴿حم﴾، والله أعلم.\n(^١) الكشاف (٥/ ٥).\n(^٢) التسهيل (٢/ ١٣٧).\n(^٣) القول الوجيز (٢٦٠).\n(^٤) التحرير والتنوير (٢١/ ١٣٨).","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type='title' id=toc-130>تاسعًا: مكية السورة أو مدنيتها:</span>\nوهي سورة مكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-131>بيان من نص على أنها مكية:</span>\nقال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: ٢٠٠ هـ): «وهي مكّيّةٌ كلّها» (^١).\nوعلى ذلك عموم أئمة التفسير. (^٢)\nوحُكي عن بعضهم خلافٌ يسير في ذلك:\nقَالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الجَوْزِيِّ (ت: ٥٩٧ هـ): «وهي مكية في قول الأكثرين وروي عن عطاء أنه قال: هي مكية سوى آيتين منها نزلتا بالمدينة وهما قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] والتي بعدها، (لقمان: ٢٧، ٢٨)، وروي عن الحسن أنه قال: إلا آية نزلت بالمدينة وهي قوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [لقمان: ٤]؛ لأن الصلاة والزكاة مدنيتان» (^٣).\nقال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: ٨٥٥ هـ): «وهي مكّيّة وفيها اختلاف في آيتين قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧]، فذكر السّديّ أنّها نزلت بالمدينة، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، نزلت في رجل من محارب بالمدينة، وقال ابن النّقيب:\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٦٦٩).\n(^٢) يُنظر: معاني القرآن (٥/ ٢٧٥)، الناسخ والمنسوخ لابن سلامة (١٤٣)، الكشف والبيان (٧/ ٣٠٩)، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه (٣٧٩)، البيان (٢٠٦)، الوسيط (٣/ ٤٤٠)، معالم التنزيل (٦/ ٢٥٩)، علل الوقوف (٢/ ٨٠٤)، تفسير القرآن العظيم (٦/ ٣٣٠)، الدر المنثور (١١/ ٦١٤)، القول الوجيز (٢٦٠).\n(^٣) زاد المسير (٦/ ٣١٤).","vol":"1","page":87},{"text":"قال ابن عبّاس ﵄: «هي مكّيّة إلّا ثلاث آيات نزلن بالمدينة»، وعن الحسن: إلَّا آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [النّمل: ٣، لقمان: ٤]؛ لأن الصّلاة والزّكاة مدنيتان» (^١).\nقال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلَّانيُّ (ت: ٩٢٣ هـ): «مكية، قيل: إلا آية ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [لقمان: ٤]؛ لأن وجوبهما بالمدينة لا ينافي شرعيتهما بمكة» (^٢).\nوهذا كلام له وجاهته من القسطلاني.\nقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيُّ (ت: ١٢٥٠ هـ): «وهي مكّيّةٌ إلّا ثلاث آياتٍ، وهي قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] الآية، إلى الآيات الثّلاث، قاله ابن عبّاسٍ ﵄ فيما أخرجه النّحّاس عنه.\nوأخرج ابن الضّريس، وابن مردويه، والبيهقيّ في «الدّلائل» عنه أنّها مكّيّةٌ ولم يستثن، وحكى القرطبيّ عن قتادة أنّها مكّيّةٌ إلّا آيتين» (^٣).\nقالَ مُحَمَّد الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ (ت: ١٣٩٣ هـ): «وروى البيهقيّ في «دلائل النّبوّة» عن ابن عبّاس ﵄: أنزلت سورة لقمان بمكّة. وهي مكّيّةٌ كلّها عند ابن عبّاسٍ ﵄ في أشهر قوليه، وعليه إطلاق جمهور المفسّرين» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-132>القول الراجح مكية السورة أو مدنيتها:</span>\nوختام هذا الأمر ما ذكره ابن عاشور هو ما تميل إليه النفس، وهو ما عليه جمهور المفسّرين، أنها سورة مكية.\n_________\n(^١) عمدة القاري (١٩/ ١٥٩).\n(^٢) إرشاد الساري (٧/ ٢٨٨).\n(^٣) فتح القدير (٤/ ٣٠٧).\n(^٤) التحرير والتنوير (٢١/ ١٣٧)","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type='title' id=toc-133>عاشرًا: بيان ما ورد في أسباب نزولها:</span>\nقال أبو حيّان: «سبب نزول هذه السّورة أنّ قريشًا سألوا رسول الله -ﷺ- عن موعظة لقمان مع ابنه، أي: سألوه سؤال تعنّتٍ واختبارٍ. وهذا الّذي ذكره أبو حيّان يؤيّده تصدير السّورة بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]» (^١).\nقالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت: ٦٤٣ هـ): «وقيل: إن النبي -ﷺ- لما قدم المدينة أتاه اليهود فقالوا: يا محمد، بلغنا أنك تقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] أفعنيتنا أم عنيت قومك؟ فقال -ﷺ-: «عنيت الجميع»، فقالوا: يا محمد، أما تعلم أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى ﵇، وخلفها موسى فينا، وفي التوراة أنباء كل شيء؟! فقال -ﷺ-: «التوراة وما فيها من الأنباء قليل في علم الله تعالى». فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] إلى آخر الآيات الثلاث، وباقيها مكي» (^٢).\nقال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: ٨٥٥ هـ): «وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، نزلت في رجل من محارب بالمدينة» (^٣).\nويرى الباحث: أنه ليس ثَمَّ مانع من تعدد أسباب النزول والنازل واحد.\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (٢١/ ١٣٧ - ١٣٨).\n(^٢) جمال القراء (١/ ١٥)، ولم يقف الباحث على سند ثابت يصح نسبته إلى النبي ﷺ فيما ذكره السخاوي في سبب نزول الآية إلا ما تكرر ذكره من المفسرين في سبب نزولها على نحو ما ذكر السخاوي، ولذا ذكرها الباحث بصيغة التمريض.\n(^٣) عمدة القاري (١٩/ ١٥٩).","vol":"1","page":89},{"text":"«فتعدد الأسباب والنازل واحد: قد يحدث في عصر الوحي ما يكون سببًا لنزول آية أو أكثر، وهذا السبب نفسه قد يتكرر في أكثر من مكان أو زمان أو من أكثر من شخص أو ظرف، ويستدعي ذلك نزول الوحي بجواب له، وتسمى هذه الحالة تعدد الأسباب والنازل واحد، ومثاله سورة الإخلاص نزلت مرتين: إحداهما بمكة جوابًا للمشركين من أهلها، والأخرى بالمدينة جوابًا «فتعدد الأسباب والنازل واحد: قد يحدث في عصر الوحي ما يكون سببًا لنزول آية أو أكثر، وهذا السبب نفسه قد يتكرر في أكثر من مكان أو زمان أو من أكثر من شخص أو ظرف، ويستدعي ذلك نزول الوحي بجواب له، وتسمى هذه الحالة تعدد الأسباب والنازل واحد، ومثاله سورة الإخلاص نزلت مرتين: إحداهما بمكة جوابًا للمشركين من أهلها، والأخرى بالمدينة جوابًا لأهل الكتاب من أهلها» (^١).\nويقول الزركشي: «ونزول الشيء أكثر من مرة قد يكون تعظيمًا لشأنه وتذكيرًا به عند حدوث سببه خوف نسيانه» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-134>الحادي عشر: بيان ما ورد في نزول آياتها:</span>\n* ما ورد في نزول قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦]:\nقالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الوَاحِدِيُّ (ت: ٤٦٨ هـ): «قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الآية.\nقال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث، وذلك أنه كان يخرج تاجرًا إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم فيرويها ويحدث بها قريشًا ويقول لهم: إن محمدًا يحدثكم بحديث عاد وثمود وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن، فنزلت فيه هذه الآية. وقال مجاهد: نزلت في شراء القيان والمغنيات.\n_________\n(^١) وينظر: داود العطار، موجز علوم القرآن (ص ١٣٤).\n(^٢) بدر الدين الزركشي، البرهان (جـ ١) (ص ٢٩).","vol":"1","page":90},{"text":"وفي مثل هذا نزلت هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] إلى آخر الآية. وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله تعالى عليه شيطانين أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربان بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت.\nوقال ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية في رجل اشترى جارية تغنيه ليلًا ونهارًا» (^١).\nقالَ جَلَالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: ٩١١ هـ):\nأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]، قال: نزلت في رجل من قريش اشترى جارية مغنية.\nوأخرج جويبر عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت في النضر بن الحارث؛ اشترى قينة وكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته، فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه، هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه، فنزلت» (^٢).\n* ما ورد في نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]:\nقَالَ مُقْبِلُ بنُ هَادِي الوَادِعِيُّ (ت: ١٤٢٣ هـ): «قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] الآية، حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة، قال: وحدثني بشر، قال: حدثنا محمد، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قال أصحاب رسول الله -ﷺ-: أيُّنا لم يظلم نفسه؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (^٣).\n_________\n(^١) أسباب النزول (٣٦٢ - ٣٦٣).\n(^٢) لباب النقول (٢٠٢).\n(^٣) البخاري (٩٥١) وأخرجه البخاري أيضًا في كتاب التفسير (٩/ ٣٦٣)، وأخرجه الطيالسي (٢/ ١).","vol":"1","page":91},{"text":"تنبيه:\nقال الحافظ في الفتح (^١): «اقتضت رواية شعبة هذه أن هذا السؤال سبب نزول الآية الأخرى التي في لقمان، لكن رواه البخاري ومسلم من طريق أخرى عن الأعمش وهو سليمان المذكور في حديث الباب ففي رواية جرير عنه- فقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: «ليس بذلك، ألا تسمعون إلى قول لقمان»، وفي رواية وكيع عنه فقال: «ليس كما تظنون» وفي رواية عيسى بن يونس «إنما هو الشرك ألم تسمعوا إلى ما قال لقمان؟» وظاهر هذا أن الآية التي في لقمان كانت معلومة ولذلك نبههم عليها. ويحتمل أن يكون نزولها وقع في الحال فتلاها عليهم ثم نبههم فتلتئم الروايتان» (^٢). اهـ.\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ٩٥).\n(^٢) أسباب النزول (٣٦٣).","vol":"1","page":92},{"text":"* ما ورد في نزول قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥]:\nقالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الوَاحِدِيُّ (ت: ٤٦٨ هـ): «قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي﴾ [لقمان: ١٥] الآية. نزلت في سعد بن أبي وقاص ﵁ على ما ذكرناه في سورة العنكبوت» (^١).\nقالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الوَاحِدِيُّ (ت: ٤٦٨ هـ): «قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] الآية. نزلت في أبي بكر ﵁، قال عطاء عن ابن عباس ﵄: يريد أبا بكر وذلك أنه حين أسلم أتاه عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعثمان وطلحة والزبير ﵃ أجمعين فقالوا لأبي بكر ﵁: آمنت وصدقت محمدًا؟ فقال أبو بكر ﵁: نعم، فأتوا رسول الله -ﷺ- فآمنوا وصدقوا فأنزل الله تعالى يقول لسعد: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] يعني: أبا بكر ﵁» (^٢).\n* ما ورد في نزول قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩)﴾ [لقمان: ٢٧ - ٢٩]:\nقَالَ أبو عمرو عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ (ت: ٤٤٤ هـ): «مكية، قال ابن عباس ﵄: إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة. وقال عطاء: إلا آيتين وذلك أن النبي -ﷺ- لما هاجر\n_________\n(^١) أسباب النزول (٣٦٣).\n(^٢) أسباب النزول (٣٦٣).","vol":"1","page":93},{"text":"إلى المدينة أتته أحبار اليهود فقالوا: يا محمد، بلغنا أنك تقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] تعنينا أم قومك؟ قال: «كُلًّا قد عنيت». قالوا: وإنك تتلو أنا قد أوتينا التوراة وفيها بيان كل شيء، فقال: «هنّ في عِلم الله قليل»؛ فأنزل الله جل وعز: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] إلى آخر الآيتين» (^١).\nقالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الوَاحِدِيُّ (ت: ٤٦٨ هـ): «قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ الآية.\nقال المفسرون: سألت اليهود رسول الله -ﷺ- عن الروح، فأنزل الله بمكة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، فلما هاجر رسول الله -ﷺ- إلى المدينة أتاه أحبار اليهود فقالوا: يا محمد، بلغنا عنك أنك تقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أفتعنينا أم قومك؟ فقال: «كُلًّا قد عنيت»، قالوا: لست تتلو فيما جاءك أنَّا قد أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء؟ فقال رسول الله -ﷺ-: «هي في علم الله سبحانه قليل وقد آتاكم الله تعالى ما إن عملتم به انتفعتم به»، فقالوا: يا محمد، كيف تزعم هذا وأنت تقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] فكيف يجتمع هذا؛ علم قليل وخير كثير؟؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] الآية» (^٢).\nقالَ جَلَالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: ٩١١ هـ): «قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧]، أخرج ابن جرير عن عكرمة قال: سأل أهل الكتاب رسول الله -ﷺ- عن الروح، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] فقالوا:\n_________\n(^١) البيان (٢٠٦).\n(^٢) أسباب النزول (٣٦٣ - ٣٦٤).","vol":"1","page":94},{"text":"تزعم أنَّا لم نؤت من العلم إلا قليلًا، وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا؟ فنزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] الآية.\nوأخرج ابن إسحاق عن عطاء بن يسار قال: نزلت بمكة ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] فلما هاجر إلى المدينة أتاه أحبار اليهود فقالوا: ألم يبلغنا عنك أنك تقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]، إيانا تريد أم قومك؟ فقال: «كُلًّا عنيت»، قالوا: فإنك تتلو أنَّا قد أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء؟ فقال رسول الله -ﷺ-: «هي في علم الله قليل»، فأنزل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧]. وأخرجه بهذا اللفظ ابن أبي حاتم من طريق سعيد أو عكرمة عن ابن عباس ﵄. وأخرج أبو الشيخ في كتاب العظمة وابن جرير عن قتادة قال: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفذ؛ فنزل: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان: ٢٧] الآية» (^١).\nقَالَ رِضْوانُ بنُ مُحَمَّدٍ المُخَلِّلاتِيُّ (ت: ١٣١١ هـ): «مكية، وعن ابن عباس ﵄: غير ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة؛ وذلك أنه لما قدم النبي -ﷺ- المدينة أتته أحبار اليهود فقالوا: يا محمد، بلغنا آية ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] أفينا أو [عَنَيْتَ] قومَك؟ فقال: «عنيت الجميع»، فقالوا: يا محمد، أما تعلم أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى فينا ومعنا؟ فقال النبي -ﷺ- لليهود: «التوراة وما فيها من الأنباء قليل في علم الله تعالى»؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان: ٢٧] .. إلى تمام الآيات الثلاث» (^٢).\n* ما ورد في نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]:\n_________\n(^١) لباب النقول (٢٠٢ - ٢٠٣).\n(^٢) القول الوجيز (٢٦٠).","vol":"1","page":95},{"text":"قالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الوَاحِدِيُّ (ت: ٤٦٨ هـ): «قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآية.\nنزلت في الحارث بن عمرو بن حارثة بن محارب بن حفصة، من أهل البادية، أتى النبي -ﷺ- فسأله عن الساعة ووقتها، وقال: إن أرضنا أجدبت فمتى ينزل الغيث؟ وتركت امرأتي حبلى فماذا تلد؟ وقد علمت بأي أرض ولدت فبأي أرض أموت؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nأخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد المؤذن قال: أخبرنا محمد بن حمدون ابن الفضل، قال: أخبرنا أحمد بن الحسن الحافظ، قال: أخبرنا حمدان السلمي، قال: حدثنا النضر بن محمد، قال: حدثنا عكرمة، قال: حدثنا إياس بن سلمة، قال: حدثني أبي أنه كان مع النبي -ﷺ- إذ جاء رجل بفرس له يقودها عقوق ومعها مهرة له يتبعها فقال له: من أنت؟ قال: «أنا نبي الله»، قال: ومن نبي الله؟ قال: «رسول الله»، قال: متى تقوم الساعة؟ قال رسول الله -ﷺ-: «غيب ولا يعلم الغيب إلا الله»، قال: متى تمطر السماء؟ قال: «غيب ولا يعلم الغيب إلا الله»، قال: ما في بطن فرسي هذه؟ قال: «غيب ولا يعلم الغيب إلا الله»، فقال: أرني سيفك فأعطاه النبي -ﷺ- سيفه فهزه الرجل ثم رده إليه فقال له النبي -ﷺ-: «أما إنك لم تكن لتستطيع الذي أردت»، قال: وقد كان الرجل قد قال: اذهب إليه فأسأله عن هذه الخصال ثم اضرب عنقه.\nأخبرنا أبو عبد الله بن أبي إسحاق قال: أخبرنا أبو عمرو محمد بن جعفر بن مطر، قال: أخبرنا محمد بن عثمان بن أبي سويد، قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا سفيان الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى، لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم","vol":"1","page":96},{"text":"الساعة إلا الله» (^١) (^٢).\nقالَ جَلَالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: ٩١١ هـ): «قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: جاء رجل من أهل البادية فقال: إن امرأتي حبلى فأخبرني بما تلد؟ وبلدنا مجدبة فأخبرني متى ينزل الغيث؟ وقد علمت متى ولدت، فأخبرني متى أموت؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-135>المطلب الثالث: الجوانب البلاغية في السورة الكريمة</span>\nمما يجب تأكيده لدى الباحثين أهمية اللغة في فهم مراد كلام الله تعالىإعرابًا وتصريفًا وبلاغًة -بيانًا وبديعًا ومعانيَ- وأنها تُعد مفتاح فهم الأصلين العظيمين؛ الكتاب والسنة، فهي من أهم وأَجَلِّ الوسائل الموصلة إلى أسرارهما، وفهم دقائقهما.\nوفي هذا المبحث محاولة -بإيجاز- بيان أهمية اللغة وبيان مكانتها في هذا الجانب العظيم، ثم التعريج على أهم وأبرز الدلالات البلاغية التي يفهم منها أهم الأوجه الإعجازية التي تدل عليها آيات السورة الكريمة.\nوإن مما يدلُّ على أهميةِ اللغة في فهمِ كتاب الله تعالى: حرصُ أولي العلم في العصورِ الأولى المتقدمة على التأليفِ والتصنيف في هذا الجانب العظيم، ألا وهو إعراب القرآن ومعانيه، بل إنَّ بعض هذه المصنفات منها ما يُسمى بـ «معاني القرآن»؛ ككتاب الفراء، والزجاج، والأخفش، مما يبين ويوضح جليًّا أهميةَ إعراب القرآن في فهم معانيه والدلالة على مقاصده ومراميه، والدليل\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٣٧٩) من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٢) وينظر: أسباب النزول (٣٦٤ - ٣٦٥).\n(^٣) لباب النقول (٢٠٣).","vol":"1","page":97},{"text":"على ذلك ما نص عليه الكثير من المشتغلين بعلم التفسير حين عَدُّوا إعراب القرآن علمًا من فروعِ علمِ التفسير.\nقال الشاطبي ﵀: «وعلى النَّاظرِ في الشريعةِ والمتكلم فيها أصولًا وفروعًا أمران؛ أحدهما: ألا يتكلَّمَ في شيء من ذلك حتى يكون عربيًّا أو كالعربي؛ في كونِه عارفًا باللِّسان العربي، بالغًا فيه مبلغ العرب».\nقال الشَّافعي ﵀: «فمن جهل هذا من لسانها -وبلسانها نزل الكتاب، وجاءت السنة- فتكلَّفَ القول في علمِها، تكلف ما يجهل بعضه، ومن تكلف ما جهل وما لم تثبتْ معرفتُه، كانت موافقته للصواب -إن وافقه- غيرَ محمودة، والله أعلم، وكان بخطئه غيرَ معذور؛ إذ نطق فيما لا يحيطُ علمه بالفرقِ بين الخطأ والصواب فيها» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-136>ولقد أبان عن هذه الأهميةِ أهلُ اللغة أنفسهم:</span>\nيقول الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي: «وذلك أنهم لا يجدون علمًا من العلومِ الإسلامية فقهها وكلامها (^٢)، وعلمي تفسيرها وأخبارها، إلا وافتقاره إلى العربية بيِّن لا يُدفع، ومكشوفٌ لا يتقنَّع، ويَرَوْن الكلامَ في معظم أبواب أصول الفقه ومسائلها مبنيًّا على علمِ الإعراب» (^٣).\nوما ذكره الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي صحيحٌ؛ وذلك لتوقُّفِ معرفة دلالات الأدلة اللفظية من الكتابِ والسنة، وأقوالِ أهلِ العقد والحل من الأمة على معرفة موضوعاتها لغة: من جهة الحقيقة والمجاز، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والحذف والإضمار، والمنطوق والمفهوم، والاقتضاء والإشارة، والتنبيه والإيماء، وغير ذلك مما لا يعرفُ في غيرِ علم العربية (^٤).\n_________\n(^١) الاعتصام (جـ ١) (ص ٥٠٣).\n(^٢) وهو من أهل الكلام.\n(^٣) المفصل؛ للزمخشري (ص ٣).\n(^٤) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٨٢٧).","vol":"1","page":98},{"text":"وقال الحسن البصري ﵀: «أهلكتهم العُجْمَةُ؛ يتأولونه على غيرِ تأويله» (^١).\nوقال شيخُ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: «لا بُدَّ في تفسيرِ القرآن والحديث من أن يُعرَف ما يدلُّ على مرادِ الله ورسوله من الألفاظ، وكيف يُفهَم كلامُه؟ فمعرفةُ العربيةِ التي خُوطبنا بها ممَّا يُعين على أن نفقه مرادَ اللهِ ورسولِه بكلامِه، وكذلك معرفة دلالة الألفاظِ على المعاني؛ فإنَّ عامَّة ضلالِ أهل البدع كان بهذا السبب، فإنَّهم صاروا يحملون كلامَ اللهِ ورسولِه على ما يَدَّعون أنَّه دالٌّ عليه، ولا يكون الأمر كذلك» (^٢).\nوقال أبو حيان في معرضِ ثنائه على سيبويه ﵀: «فجدير لمن تاقت نفسُه إلى علمِ التفسير، وترقَّتْ إلى التحريرِ والتحبير، أن يعتكفَ على كتابِ سيبويه؛ فهو في هذا الفنِّ المعوَّل عليه، والمستند في حلِّ المشكلات إليه» (^٣).\nوقال الزركشي ﵀: «واعلم أنَّه ليس لغيرِ العالم بحقائقِ اللغة وموضوعاتها تفسير شيء من كلامِ الله، ولا يكفي في حقِّه تعلم اليسير منها؛ فقد يكونُ اللَّفظُ مشتركًا وهو يعلم أحدَ المعنيين والمراد المعنى الآخر» (^٤).\nولهذا السبب يقول مالك ﵀: «لا أُوتَى برجلٍ غير عالم بلغةِ العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالًا» (^٥).\n«ولهذا أيضًا نجد التفاسيرَ مشحونةً بالرِّواياتِ عن سيبويه والأخفش والكسائي والفراء وغيرهم، فالاستظهارُ لبعضِ معاني القرآن الكريم وأسرارِه نابعٌ من الاستعانةِ بأقاويلهم،\n_________\n(^١) خلق أفعال العباد للبخاري (جـ ١) (ص ١٣٠ - ١٢٥)، وربيع الأبرار (جـ ١) (ص ٣٢١).\n(^٢) الإيمان (ص ١١١).\n(^٣) البحر المحيط (١٣).\n(^٤) البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٩٥).\n(^٥) الإتقان في علوم القرآن (٤/ ٢٠٩).","vol":"1","page":99},{"text":"والتشبث بأهدابِ فسْرهم وتأويلهم؛ كما قال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي في المفصَّل» (^١).\nوروى أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائلِ القرآن عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: لأن أعرب آيةً أحب إليَّ من أن أحفظَ آية (^٢).\nوذلك لأنَّ فهمَ الإعراب يعينُ على فهمِ المعنى، والقرآن نزل للتدبرِ والعمل. فمن هذا يتبين أهمية الحاجة لبيان أهم الجوانب اللغوية في السورة الكريمة.\nوقد عرض الباحث لإعراب السورة كاملة، ولكن حذرًا من خشية التطويل الممل اكتفى ببيان أهم الأوجه البلاغية في السورة الكريمة ولعل ما في الإشارة ما يغني عن العبارة.\n\n<span data-type='title' id=toc-137>وقفات مع أهم الأوجه البلاغية في السورة الكريمة:</span>\nتضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البلاغة والبيان والبديع نوجزها فيما يلي:\n١ - وضع المصدر للمبالغة: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣].\n٢ - الإِشارة بالبعيد: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ [لقمان: ٢] عن القريب: (هذه) لبيان علو الرتبة ورفعة القدر والشأن.\n٣ - الإِطناب بتكرار الضمير واسم الإِشارة: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [لقمان: ٤ - ٥] لزيادة الثناء عليهم والتكريم لهم، كما أن الجملة تفيد الحصر أي: هم المفلحون لا غيرهم.\n٤ - الاستعارة التصريحية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] شبّه حالهم بحال من يشتري سلعة وهو خاسر فيها، واستعار لفظ يشتري لمعنى يستبدل بطريق الاستعارة التصريحية.\n_________\n(^١) المفصل (ص ٣).\n(^٢) الإشراف في منازل الأشراف (جـ ١) (ص ٤٧٠ - ٤٦٩).","vol":"1","page":100},{"text":"٥ - التشبيه المرسل المجمل: ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ [لقمان: ٧] ذكرت أداة التشبيه وحذف الشبه فهو تشبيه «مرسل مجمل».\n٦ - أسلوب التهكم: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: ٧] لأن البشارة إنما تكون في الخير، واستعمالها في الشر سخرية وتهكم.\n٧ - الالتفات من الغيبة إِلى التكلم: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [لقمان: ١٠] بعد قوله: (خلق، وألقى، وَبَثَّ). وكلها بضمير الغائب، ثم التفت فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾ [لقمان: ١٠] لشأن الرحمن، وتوفيةً لمقام الامتنان، وهذا من المحسنات البديعية.\n٨ - إِطلاق المصدر على اسم المفعول مبالغة: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] أي: مخلوقة.\n٩ - الاستفهام للتوبيخ والتبكيت: ﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١] «\n١٠ - وضع الظاهر موضع الضمير لزيادة التوبيخ، وللتسجيل عليهم بغاية الظلم والجهل: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١١]، وكان الأصل أن يقال: بل هم في ضلالٍ مبين.\n١١ - مراعاة الفواصل في الحرف الأخير مثل: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦] ويسمى هذا النوع في علم البديع «سجعًا» وأفضله ما تساوت فقره، وكان سليمًا من التكلف، خاليًا من التكرار، وهو كثير في القرآن الكريم في نهاية الآيات الكريمة.\n١٢ - الطباق بين: ﴿يَشْكُرْ﴾ [لقمان: ١٢]، و﴿كَفَرَ﴾ [لقمان: ١٢].\n١٣ - صيغة المبالغة: ﴿غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢] وكذلك: ﴿لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] و﴿فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]؛ لأن فعيلًا وفعولًا من صيغ المبالغة ومعناه كثير الحمد وكثير الفخر.\n١٤ - ذكر الخاص بعد العام: ﴿بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ [لقمان: ١٤] وذلك لزيادة العناية والاهتمام بالخاص.\n١٥ - تقديم ما حقه التأخير لإِفادة الحصر مثل: ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] و﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾","vol":"1","page":101},{"text":"[لقمان: ١٥]، أي: لا إِلى غيري.\n١٦ - التمثيل: ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ [لقمان: ١٦] مثَّل ذلك لسعة علم الله وإِحاطته بجميع الأشياء صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها فإِنه تعالى يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة.\n١٧ - التتميم: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ [لقمان: ١٦] تَمم خفاءها في نفسها بخفاء مكانها وهذا من البديع.\n١٨ - المقابلة: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [لقمان: ١٧]، ثم قال: ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان: ١٧] فقابل بين اللفظين.\n١٩ - الاستعارة التمثيلية: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩] شبَّه الرافعين أصواتهم بالحمير، وأصواتهم بالنهيق، ولم يذكر أداة التشبيه بل أخرجه مخرج الاستعارة للمبالغة في الذم، والتنفير عن رفع الصوت.\n٢٠ - الطباق بين قوله: ﴿ظَاهِرَةً﴾، ﴿وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] وكذلك بين لفظ: (الحق، والباطل).\n٢١ - الإِنكار والتوبيخ مع الحذف: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ﴾ [لقمان: ٢١] أي: أيتبعونهم ولو كان الشيطان الخ.\n٢٢ - المجاز المرسل: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ﴾ [لقمان: ٢٢] أطلق الجزء وأراد الكل ففيه مجاز مرسل.\n٢٣ - التشبيه التمثيلي: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢] شبه من تمسك بالإِسلام بمن أراد أن يرقى إِلى شاهق جبل فتمسك بأوثق عروة، وحذف أداة التشبيه للمبالغة.\n٢٤ - المقابلة بين: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [لقمان: ٢٢] وبين: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا","vol":"1","page":102},{"text":"يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان: ٢٣] الآية.\n٢٥ - الاستعارة: ﴿عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] استعار الغلظ للشدة لأنه إِنما يكون للإجرام فاستعير للمعنى.\n٢٦ - مثال آخر لتقديم ما حقه التأخير لإِفادة الحصر: ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ٢٢] أي: إليه لا إلى غيره.\n٢٧ - صيغ المبالغة في التالي: ﴿صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان: ٣١]، و: ﴿خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢]، و: ﴿عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]، و: ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨]، كما أنَّ فيها توافق الفواصل وهو من المحسنات البديعية ويسمى بالسجع (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-138>تنبيه من الأهمية بمكان عن المجاز في القرآن:</span>\n<span data-type='title' id=toc-139>أولًا: المقصود من المجاز في اللغة:</span>\nهو التجاوز والتعدّي، وجزت الطريق، وجاز الموضع جوازًا ومجازًا: سار فيه وسلكه، وجاوزت الموضع بمعنى جزته، والمجاز والمجازة الموضع (^٢).\nفالمجاز: \"مفعل من جاز الشيء يجوزه إذا تعداه، وإذا عدل باللفظ عما توجبه أصل اللغة، وصف بأنه مجاز على معنى أنهم جازوا به موضعه الأصلي، أو جاز هو مكان الذي وضع به أولا\" (^٣).\n_________\n(^١) صفوة التفاسير. محمد علي الصابوني، دار الصابوني للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة: الأولى (١٤١٧ هـ- ١٩٩٧ م)، (ص ٤٤٩) وما بعدها.\nويُنظر: عناية الإسلام بتربية الأبناء كما بينها سورة لقمان، دراسة تحليلية موضوعية (رسالة ماجستير) للدكتور عرفة بن طنطاوي: (٢/ ٧ - ٥٧).\n(^٢) لسان العرب، لابن منظور: مادة: جاز.\n(^٣) أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني: (ص: ٣٦٥).","vol":"1","page":103},{"text":"والمجاز في الاصطلاح هو: \"اللفظ المستعمَل في غير ما وُضع له أصلًا لعلاقة بينهما مع وجود قرينة صارفة عن إرادة المعنى الأصلي\" (^١).\nيقول الباحث: وإنما يسمَّى المجاز مجازًا لأنَّه قد تُجُوِّزَ به عن أصل الوضع توسُّعًا في استعماله، فاللفظ قد استعمل في غير الأصل الذي وُضع له، وكان السبب في هذا الاستعمال وجود قرينة صرفته عن المعنى الأصلي إلى المعنى المجازي.\nو\"يسمى مجازًا؛ لأن أهل اللغة يجاوزون به عن أصل الوضع توسعًا منهم، كتسمية الرجل الشجاع أسدًا، والبليد حمارًا\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-140>ثانيًا: متى كانت بداية تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز</span>؟\nإن القول بالمجاز الذي هو قسيم الحقيقة قول محدث، وإنما وقع حدوثه بعد القرون المفضلة، وكان منشؤه من جهة المعتزلة ورأسهم إبراهيم بن سيّار بن هانئ النظّام البصري: (ت: ٢٣١ هـ).\nوقيل: \"لعل أول من عُرِفَ عنه القولُ بالمجاز هو الجاحظ كما يشير إلى ذلك الشريف الرضى العلوي الموسوي الرافضي (ت: ٤٠٦ هـ) (^٣) في كتابه: \"تلخيص البيان في مجازات القرآن\" (^٤).\n_________\n(^١) يُنظر: إرشاد الفحول، للشوكاني:) ص: ٢١).\n(^٢) البحر المحيط، (٢/ ٣٦٩) بتصرف.\n(^٣) محمد بن الحسين بن موسى الشريف الرضى، أبو الحسن. شاعر بغداد. رافضي جلد، يُنظر: ميزان الاعتدال - للذهبي: ج ٣ ص ٥٣٣. ونقيب العلويين العلامة الشريف الرضي محمد بن الحسين الموسوي الشاعر، يُنظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: ج ١٧ ص ٢٤٦\n(^٤) تلخيص البيان في مجازات القرآن، للشريف الرضي: تحقيق محمد عبد الغني حسن ١١، ط دار إحياء الكتب العربية القاهرة ١٩٥٥ م.","vol":"1","page":104},{"text":"وللجمع بين قول الباحث القائل بأن \"النظّام\" هو منشأ القول بالمجاز وبين قول الشريف الرضي الرافضي القائل بأن \"الجاحظ\" هو منشأ القول بالمجاز، ذلك بأن الجاحظ تلمذ للنظّام فلعله نقله عنه وبذلك يلتئم قول الشريف الرضي مع قول الباحث.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀: \" … فإن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز إنما اشتهر في المائة الرابعة وظهرت أوائله في المائة الثالثة وما علمته موجودًا في المائة الثانية\" (^١).\nويقول ﵀ أيضًا: \" .... وإنما هذا اصطلاح حادث والغالب أنه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين … \" (^٢).\nوقال ابن القيم ﵀: وإذا علم أن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز ليس تقسيمًا شرعيًا ولا عقليًا ولا لغويًا فهو اصطلاح محض وهو اصطلاح حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة بالنص وكان منشؤه من جهة المعتزلة والجهمية ومن سلك طريقهم من المتكلمين (^٣).\nوكلام ابن القيم، وكلام شيخه - شيخ الإسلام- كأنما خرج من مشكاة واحدة.\n\n<span data-type='title' id=toc-141>ثالثًا: هل في القرآن مجاز</span>؟\nلقد اختلف العلماء هل في القران مجاز؟\nوفي مسألة وقوع المجاز في القرآن الكريم خلافٌ مشهور، والأصل أن الكلام باق على حقيقته، ولا يُصرف عن الحقيقة إلى المجاز إلا بقرينة صارفة، وعليه فإن الأصل في ألفاظ الكتاب والسنة حملها على حقائقها.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية: (٧/ ٨٩).\n(^٢) الإيمان، لابن تيمية: (ص: ٧٣).\n(^٣) مختص الصواعق المرسلة، لابن القيم: (٢/ ٥).","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type='title' id=toc-142>رابعًا: مقاصد القائلين بالمجاز</span>\nوأهل المجاز قصدوا به التوصل إلى تأويل نصوص آيات الصفات، خلافًا لما عليه أهل السنة من إثبات ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل، ونفي ما نفاه الله تعالى عن نفسه ونفاه عنه رسول الله ﷺ مع اعتقاد ثبوت كمال ضده لله تعالى.\n\"وبهذا الباطل توصل المعطلون إلى نفي صفات الكمال والجلال الثابتة لله تعالى في كتابه وسنة نبيه ﷺ، بدعوى أنها مجاز، كقولهم في (استوى): استولى، وقس على ذلك غيره من نفيهم للصفات عن طريق المجاز\" (^١).\n\"ولهذا نقول للذين حرفوا آيات الصفات وأحاديثها: ليس عندكم قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي. فإذا قالوا: اليد بمعنى القوة. قلنا: لماذا؟ قالوا: لأن هناك ما يمنع إرادة المعنى الحقيقي- وهو عندهم -: العقل، ما يمكن أن يكون له يد يلزم أن يكون جسمًا، وأن يكون مماثلا للمخلوقات، وهذا ممتنع. ولذلك صار ارتكاب المجاز ركيزة يرتكز عليها المعطلة ومشوا على هذا\" (^٢).\nوأهل السنة على: \"التوقف في الألفاظ المجملة التي لم يرد إثباتها ولا نفيها، أما معناها؛ فَيُسْتفصل عنه، فإن أريد به باطل يُنَزَّه الله عنه؛ رُدَّ، وإن أريد به حق لا يمتنع على الله؛ قُبِلَ، مع بيان ما يدلُّ على المعنى الصواب من الألفاظ الشرعية، والدعوة إلى استعماله مكان هذا اللفظ المجمل الحادث\" (^٣).\n_________\n(^١) مذكرة في أصول الفقه، للشنقيطي: (ص: ٦٩).\n(^٢) شرح دروس البلاغة، لابن عثيمين: (ص: ١٠٨).\n(^٣) التدمرية: (ص: ٦٥)، مجموع الفتاوى: (٥/ ٢٩٩ و٦/ ٣٦).","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type='title' id=toc-143>خامسًا: المحققون من أئمة أهل السنة على منع القول المجاز</span>\nوإن كان القول بوجود المجاز في القرآن محل خلاف عند أهل العلم، إلا أن الصواب هو: ما عليه المحققون من أئمة أهل السنة، وهو أنه: \"لا مجاز في القرآن\".\nوقد بالغ أيضًا في منع المجاز أبو العباس بن تيمية، وتلميذه ابن القيم، بل أوضحَا منعه في اللغة أصلًا، وبه قال أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، وأبو علي الفارسي، كما عزاه لهما ابن السبكي في \"جمع الجوامع\" (^١).\nكما قال بذلك جمع من علماء العصر المحققين، منهم: العلامة الإمام ابن باز، والعلامة الفقيه ابن عثيمين، والعلامة المحدث الألباني، ويسوق الباحث جملة من أقوال أهل العلم المحققين الذين أصابوا الحق في القول بمنع المجاز، على النحو التالي:\nقال ابن القيم ﵀: \"فصل في كسر الطاغوت الثالث الذي وضعته الجهمية لتعطيل حقائق الأسماء والصفات وهو طاغوت المجاز \".\nوقال ﵀ أيضًا: \" … وأهل اللغة لم يصرح أحد منهم بأن العرب قسمت لغاتها إلى حقيقة ومجاز ولا قال أحد من العرب قط: هذا اللفظ حقيقة ومجاز، ولا وجد في كلام من نقل لغتهم عنهم مشافهة ولا بواسطة ذلك، ولهذا لا يوجد في كلام الخليل وسيبويه والفراء وأبي عمرو بن العلاء والأصمعي وأمثالهم، كما لا يوجد ذلك في كلام رجل واحد من الصحابة ولا من التابعين ولا تابع التابعين ولا في كلام أحد من الأئمة الأربعة \" (^٢).\nونلاحظ تشديد ابن القيم في المجاز حتى سماه \"طاغوتًا\"، وذلك لأنه يُتحاكم إليه ويُعول عليه في تأويل صفات الرب جل في علاه عند المعطلة والمؤولة.\nقال الإمام أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (ت: ٤٦٣ هـ): \"وحمل كلام الله تعالى وكلام نبيه على الحقيقة أولى بذوي الدين والحق\"، وقال: \"ومن حق\n_________\n(^١) يُنظر: المصادر المثبتة على هامش النصِّ المحقَّق من كتاب \"الإشارة\": (ص ١٦٠).\n(^٢) مختصر الصواعق المرسلة: (ص: ٢٧١).","vol":"1","page":107},{"text":"الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل الى اتباع ما أنزل الينا من ربنا إلا على ذلك وإنما يوجه كلام الله﷿- الى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، والله ﷿ لم يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين (^١).\nوقال العلامة الفقيه محمد الأمين الشنقيطي ﵀ (ت: ١٣٩٣ هـ) في \"منع جواز المجاز\": \"وأوضح دليل على منعه في القرآن: إجماع القائلين بالمجاز على أنَّ كلَّ مجاز يجوز نفيه ويكون نافيه صادقًا في نفس الأمر، فتقول لمن قال: رأيت أسدًا يرمي ليس هو بأسد، وإنما هو رجلٌ شجاع، فيلزم على القول بأنَّ في القرآن مجازًا أنَّ في القرآن ما يجوز نفيه، ولا شكَّ أنه لا يجوز نفي شيء من القرآن، وهذا اللزوم اليقيني الواقع بين القول بالمجاز في القرآن وبين جواز نفي بعض القرآن قد شوهدت في الخارج صحَّتُه، وأنه ذريعة إلى نفي كثير من صفات الكمال والجلال الثابتة لله تعالى في القرآن العظيم\" (^٢).\nوهو من أحسن ما جادت به قريحة العلامة الشنقيطي ذاك البحر الخضم والأصولي، العالم باللغة وضروبها وأفانينها.\nقال سماحة شيخنا العلامة الإمام ابن باز ﵀ (ت: ١٤٢٠ هـ): الصحيح الذي عليه المحققون أنه ليس في القرآن مجاز على الحد الذي يعرفه أصحاب فن البلاغة. وكل ما فيه فهو حقيقة في محله، ومعنى قول بعض المفسرين أن هذا الحرف زائد يعني من جهة قواعد الإعراب وليس زائدا من جهة المعنى، بل له معناه المعروف عند المتخاطبين باللغة العربية؛ لأن القرآن الكريم نزل بلغتهم كقوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: ١١] يفيد المبالغة في نفي\n_________\n(^١) التمهيد: (٥/ ١٦).\n(^٢) منع جواز المجاز، للشنقيطي (ص ٨).","vol":"1","page":108},{"text":"المثل، وهو أبلغ من قولك: (ليس مثله شيء)، وهكذا قوله سبحانه: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا) [يوسف: ٨٢] فإن المراد بذلك سكان القرية وأصحاب العير، وعادة العرب تطلق القرية على أهلها والعير على أصحابها، وذلك من سعة اللغة العربية وكثرة تصرفها في الكلام، وليس من باب المجاز المعروف في اصطلاح أهل البلاغة ولكن ذلك من مجاز اللغة أي مما يجوز فيها ولا يمتنع، فهو مصدر ميمي كـ \"المقام\" و\"المقال\" وهكذا قوله سبحانه: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) [البقرة: ٩٣] يعني حبه، وأطلق ذلك لأن هذا اللفظ يفيد المعنى عند أهل اللغة المتخاطبين بها، وهو من باب الإيجاز والاختصار لظهور المعنى. والله ولي التوفيق (^١).\nوهذا تقرير من سماحة الإمام ابن باز ﵀ بأن المحققين من أهل العلم على أنه: \"ليس في القرآن مجاز\".\nقال شيخنا العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني ﵀ (ت: ١٤٢٠ هـ): … قد اتفقوا على أن الأصل في الكلام أن يحمل على الحقيقة وأنه لا يجوز الخروج عنها إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة أو لقرينة عقلية أو عرفية أو لفظية كما هو مفصل في محله ومع ذلك فإنك تراهم-أهل التأويل- يخالفون هذا الأصل الذي أصلوه لأتفه الأسباب وأبعد الأمور عن منطق الإنسان المؤمن بكلام الله وحديث نبيه حقًا (^٢).\nقال شيخنا الفقيه العلامة ابن عثيمين ﵀ (ت: ١٤٢١ هـ): الواجب في نصوص الكتاب والسنة إبقاء دلالتها على ظاهرها من غير تغيير لأن الله أنزل القران بلسان عربي مبين والنبيﷺ- يتكلم باللسان العربي فوجب إبقاء دلالة كلام الله وكلام رسوله ﷺ على ما هي عليه في ذلك اللسان ولأن تغييرها عن ظاهرها قول على الله بلا علم وهو حرام (^٣).\nولعل في هذا الإيجاز بيان كاف وشاف بلا تفريط ولا إجحاف.\n_________\n(^١) مجلة الدعوة العدد ١٠١٦ الاثنين ٦ ربيع الأول سنة ١٤٠٦ هـ، مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز: (٤/ ٣٨٢).\n(^٢) مختصر العلو للذهبي: (ص: ٢٠ - ٢١)، تحقيق الألباني، المكتب الإسلامي، ط. ١٤ - ١ هـ.\n(^٣) شرح لمعة الاعتقاد، لابن عثيمين: (ص: ٢٠).","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type='title' id=toc-144>المطلب الرابع: موضوع السورة الكريمة</span>\nوفيه بيان ما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-145>أولًا: مقصود السورة الكريمة:</span>\n«إن مقصود السورة هو إثبات الحكمة للكتاب، اللازم منه حكمة منزله سبحانه في أقواله وأفعاله، وموعظة لقمان - المسمى به السورة - دليل واضح على ذلك» (^١).\nفالمتأمل في سورة لقمان يجد أن مقصودها وموضوعها الرئيس الذي تدور حوله هو الحكمة ولذا فقد تكرر لفظ الحكمة فيها على النحو التالي:\nأ- وصف الله كتابه بأنه حكيم في صدر السورة، فقال تعالى: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [لقمان: ١ - ٢]. وجاء التعبير عن الآيات باسم الإشارة -تلك- للدلالة على ارتفاع مكانتها في بلاغتها ومعناها.\nب- وصف الله سبحانه نفسه بالحكمة وأنه الحكيم ﵎، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾ [لقمان: ٨ - ٩]، فهو الحكيم في أقواله وأفعاله وأقداره التي يجريها على العباد وله الحكمة البالغة سبحانه وبحمده.\nج- وصف الله عبدًا من عباده وهبه وآتاه الحكمة فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]. ثم جاء بعد ذلك ذكر وصايا لقمان لابنه، ومن تدبر وتفهم هذه الوصايا تبين له حكمته ورجاحة عقله. وحق للمرء أن يغبط الحكيم على عقله، قال -ﷺ-: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (١٥/ ١٤٠).\n(^٢) حديث (رقم: ٧٤٨٨) في صحيح الجامع -الألباني- وأصل الحديث رواه البخاري (١٤٠٩).","vol":"1","page":110},{"text":"«والحكمة لا شك أنها من أَجَلِّ الفوائد التربوية المستنبطة من مقصود السورة الكريمة» (^١).\n«ووصفُ الكتاب بالحكمة في هذه السورة الكريمة: (الكتاب الحكيم) مناسبٌ لموضوع السورة الكريمة؛ لأن موضوع الحكمة قد تكرر فيها: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] فناسب أن يختار هذا الوصف من أوصاف الكتاب المجيد، على الطريقة التي جرت في القرآن في التنسيق بين الألفاظ والمواضيع» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-146>ثانيًا: تقسيم آيات السورة الكريمة موضوعيًّا:</span> (^٣)\n<span data-type='title' id=toc-147>تتكون آيات السورة الكريمة من ثلاث مجموعات:</span>\n<span data-type='title' id=toc-148>المجموعة الأولى:\nعبارة عن إحدى عشرة آية (١١):</span>\nالآيات: من الآية الأولى (١) وحتى نهاية الآية الحادية عشرة (١١)، وفيها:\nوصف القرآن الكريم: بأنه حكيم، وأنه هدى ورحمة.\nوحديث عن المهتدين المحسنين، وموقفهم من هذا القرآن، وما أعد الله تعالى لهم، وحديث عن الضالين المضلين الكافرين، وموقفهم من هذا القرآن، وما أعد الله تعالى لهم.\nوحديث عن مظاهر من حكمة الله تعالى، الذي أنزل هذا القرآن، وقدرته وإنعامه، يدلل على أنه الله تعالى وحده. واجب العبادة، وأما غيره. فلا يستحقها.\nوفي ذلك: تأكيد لضرورة اتباع كتابه، والتحقق بشروط هذا الاتباع، من: إحسان، وصلاة، وزكاة، ويقين باليوم الآخر.\n_________\n(^١) بتصرف - بحث غير منشور، نجلاء السبيل، الوقفات التربوية من سورة لقمان (٣ - ٢ - ٢٠١١ م).\n(^٢) صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني -مرجع سابق- (ص ٤٩) بتصرف.\n(^٣) النعيمي، سعيد حوى، الأساس في تفسير القرآن، تفسير سورة لقمان (٤٣٤٥/ ٨)، (د ت) بتصرف يسير.","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type='title' id=toc-149>المجموعة الثانية:\nعبارة عن ثمانِ آيات (٨):</span>\nالآيات: من الآية الثانية عشرة (١٢) وحتى نهاية الآية التاسعة عشرة (١٩)، وفيها:\nموعظة لقمان ﵇، وذكر وصاياه لابنه، وهي نموذج تربوي متكامل الأركان.\n\n<span data-type='title' id=toc-150>ويلاحظ على هذه القصة:</span>\nأ - أنها جاءت في سياق الكلام عن القرآن، ووصفه بالحكمة، وبأنه هدى ورحمة للمحسنين.\nب - أنها إشارة على أنه ليس بدعًا أن ينزل الله هذا القرآن، حيث إن من سنته تعالى أن يختار من يشاء من عباده فيؤتيه الحكمة.\nجـ- وإشارة إلى أن من أخذ القرآن الحكيم فإنه يؤتى الحكمة، كما أوتي لقمان ﵇.\nد - أن إيتاء الحكمة: يقتضي شكرًا؛ ولذلك فعلينا أن نقابل إنعام الله علينا بإنزال القرآن. بالشكر له سبحانه.\nهـ- أنها برهان على حكمة القرآن، وحكمة مُنَزِّلِهِ سبحانه حيث يختار لنا الحكمة، كما أن أوامره ونواهيه، وأخباره كلها، هي التي يوصي بها الحكماء.\n\n<span data-type='title' id=toc-151>وإذا تأملنا وصايا لقمان التي جاءت بها هذه المجموعة من الآيات:</span>\nفإننا نلاحظ عليها أيضًا ما يلي:\nأ - أنها نموذج على الحكمة وأسلوبها\nومن أَجَلِّ صور الحكمة في وصايا لقمان: النهي عن الشرك، الذي من لوازم نبذه وتركه وجحده، تحقيق العبودية لله بتحقيق كمال التوحيد الذي هو حق الله على جميع العبيد. اهـ.\nب - أنها أوامر ونواهٍ تعلم الإحسان\nحيث إن إدخال الوصية بالوالدين، والأمر باتباع سبيل المؤمنين بين هذه الأوامر والنواهي","vol":"1","page":112},{"text":"يؤكد هذا المعنى.\nكما أنه للعبادة، والعشرة مع الوالدين بالمعروف والإحسان إليهما، والتعامل مع أهل الإيمان، والمراقبة، والأمر بإقام الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحث على الصبر، والتواضع، وترك تصعير الخد، وترك المشي المرح، والقصد في المشي، وغض الصوت في الكلام.\nلكل ذلك، وكلها آداب متضمنة للإحسان وهي مظهر من مظاهره، هذا مع ما احتوته وتضمنته من هدايات ودلالات إيمانية وعقدية وأخلاقية واجتماعية.\n\n<span data-type='title' id=toc-152>المجموعة الثالثة:\nعبارة عن (١٥) خمس عشرة آية:</span>\nالآيات: من الآية العشرين (٢٠)، وحتى نهاية الآية الرابعة والثلاثين (٣٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-153>وهي خاتمة آيات السورة الكريمة وفيها:</span>\nبيان لضرورة الاهتداء بكتاب الله تعالى من خلال لفت نظر العباد إلى نعم الله تعالى، التي تقتضي منهم الشكر له سبحانه وأن مظهر هذا الشكر يقتضي الإيمان بكتاب الله تعالى، واتباعه.\nوتختم المجموعة -وكذلك السورة الكريمة- بالدعوة إلى تقوى الله تعالى وخشيته، وعدم الاغترار بالدنيا وزينتها، والشيطان وفتنته، وتقرير أن الله وحده سبحانه، هو الذي يعلم مفاتح الغيب.\nوهذا يقتضي الإيمان بالله، واللجوء إليه، وإسلام الوجه له، والعمل بشرعه، واتباع هدى نبيه محمد -ﷺ-.","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-154>ثالثًا: أبرز موضوعات السورة الكريمة ومجمل ما حوته من الموضوعات:</span>\nهو ما يلي (^١):\n١. القرآن الكريم هداية ورحمة للمؤمنين.\n٢. قصص من ضل عن سبيل الله بغير علم، واتخذ آيات الله هزوًا.\n٣. وصف العالم العلوي، والعالم السفلي، وما فيهما من العجائب الدالة على وحدانية الله سبحانه وقدرته.\n٤. قصص لقمان وإيتاؤه الحكمة، وشكره لربه على ذلك، ثم نصائحه لابنه.\n٥. بيان عظم شأن التوحيد وخطورة الشرك.\n٦. الأمر بالإحسان للوالدين وطاعتهما في المعروف.\n٧. النعي على المشركين في ركونهم إلى التقليد إذا دعوا إلى النظر في الكون وعبادة الخلق له سبحانه.\n٨. لا نجاة للإنسان إلا بالإخبات لله سبحانه وعمل الصالحات.\n٩. تسلية الرسول -ﷺ- عن عدم إيمان المشركين.\n١٠. تعجيب رسوله -ﷺ- من المشركين بأنهم يقرون بأن الله هو الخالق لكل شيء، ثم هم يعبدون معه غيره ممن هو مخلوق مثلهم.\n١١. نِعَم الله ومخلوقاته لا حصر لها.\n١٢. الأمر بالنظر إلى الكون وعجائبه لنسترشد بذلك إلى وحدانية الخالق لها سبحانه.\n١٣. توبيخ وتبكيت وتقريع المشركين بأنهم في الشدائد يدعون الله وحده، وفي الرخاء يشركون معه سواه.\n١٤. الأمر بالخوف من عقاب الله يوم لا يجزي والد عن ولده ولا مولود عن والده شيئًا.\n١٥. مفاتيح الغيب الخمسة التي استأثر الله بعلمها\n_________\n(^١) تفسير المراغي، تفسير سورة لقمان (٢١/ ١٠٠١) بتصرف.","vol":"1","page":114},{"text":"١٦. إحاطة علمه تعالى بجميع الكائنات ظاهرها وباطنها (^١).\nوختامًا: فإن سورة لقمان كما تبين معنا تعالج موضوع العقيدة بالتركيز على أصولها الثلاثة: (الوحدانية، والنبوة، والبعث والنشور).\n١ - فقد ابتدأت الآيات بذكر القرآن الكريم الذي جعله الله تعالى هدى وشفاء ورحمة للمحسنين، وذكرت حال السعداء الذين اهتدوا بالقرآن الكريم وحال الأشقياء الذين أعرضوا عنه، كما بينت قدرة الله العظيمة على خلق السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، من قوله تعالى: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾ [لقمان: ١ - ٣] إلى قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١١].\n٢ - واشتملت على مواعظ لقمان الحكيم ووصاياه لابنه، وقد ذكره تعالى بأحسن الذكر وهو يوصي ولده ويمنحه أفضل ما يعرف من الحكمة والدعوة للرشاد والتحذير من الشرك، من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢] إلى قوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩].\n٣ - وختمت السورة ببيان نعم الله تعالى ودلائل قدرته في الكون محذرة المشركين من ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون، مخبرة عن جلال الله وعظمته وكبريائه وجلاله وأسمائه الحسنى وصفاته العلا وعلمه بمفاتيح الغيب، من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان: ٢٠] إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] (^٢).\n_________\n(^١) وينظر: د/ عبد الحي الفرماوي- المفاتيح الدعوية لسور القرآن الكريم -مفاتيح سورة لقمان- بحث غير منشور (ص ١١ - ١٣) بتصرف يسير (موقع هدى الإسلام).\n(^٢) موقع المصحف الإلكتروني- بتصرف يسير.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type='title' id=toc-155>المطلب الخامس: المناسبات في السورة الكريمة</span>\nمناسبة السورة بما قبلها (الروم) (^١)\n١ - لمّا أكمل الله تعالى ما أراد من نفي الشك عن القرآن، وإثبات أنه هدى للمتقين، وذلك من أول سورة، بعد الفاتحة، وهي سورة البقرة، واستدل على ذلك فيما تبعها من السور، حتى آخر «براءة» التي هي سورة غزو الروم .. !!\nولمّا أكمل سبحانه كذلك - ما أراد من إثبات حكمته تعالى، وذلك من أول سورة «يونس» واستدل على ذلك فيما تبعها من السور إلى أن ختم سورة «الروم».!!\nفقد ابتدأ -من هنا- دورًا جديدًا على وجه أضخم من الأول، إذ وصفه من أول هذه التالية للروم، وهي لقمان، بما وصفه به في التالية لغزو الروم، وهي يونس، وذلك الوصف هو الحكمة، وزاد أنه: هدى، وهداية للمحسنين، فهؤلاء أصحاب النهايات، والمتقون هم أصحاب البدايات.\n٢ - أنه تعالى قال فيما قبل: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨]، وقد أشار إلى ذلك في مفتتح هذه السورة.\n٣ - أنه تعالى قال في آخر ما قبلها: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ [الروم: ٥٨]، وقال هنا: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [لقمان: ٧].\n٤ - المؤاخاة بينهما في الافتتاح بـ ﴿الم﴾ [لقمان: ١].\n٥ - لما قال تعالى في الروم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ ..﴾ [الروم: ٥٦]، قال هنا: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ [لقمان: ٣ - ٤]، وهذا: هو عين يقينهم بالآخرة! كما أنهم المحسنون، الموصوفون بما ذكر.\n٦ - وأيضًا ففي كلتا السورتين: جملة من الآيات، وابتداء الخلق.\n_________\n(^١) البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور - مرجع سابق- (١٥/ ١٤١).","vol":"1","page":116},{"text":"٧ - وذكر في الروم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾ [الروم: ١٥]، وقد فسر ذلك بالسماع في الجنة، وذكر هنا ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]، وقد فسر بالغناء وآلات الملاهي، وشتان بين هذا وذاك! (^١).\n٨ - في الروم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، وهنا: يقول تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، وكلاهما: يفيد سهولة البعث.\n٩ - في الروم قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٣]، وقال هنا: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢]، فقد ذكر سبحانه في كلٍّ من الآيتين قسمًا لم يذكره في الآية الأخرى.\n١٠ - في الروم ذكر مغلوبية الروم وغلبتهم، المبنيتين على المحاربة بين ملكين عظيمين من ملوك الدنيا. تحاربا عليها، وخرج كل منهما بذلك عن مقتضى الحكمة، حيث أن الحكيم لا يحارب على دنيا دنية، لا تعدل عند الله جناح بعوضة، وذكر في هذه السورة - بالمقابل - قصة عبد مملوك - مقدمة على كثير من الأقوال - حكيم زاهد في الدنيا، غير مكترث بها، ولا ملتفت إليها، أوصى ابنه بما يأبى المحاربة، ويقتضي الصبر والمسالمة، وبين الأمرين من التقابل ما لا يخفى (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: القرطبي -الجامع لأحكام القرآن- «تفسير سورة لقمان».\n(^٢) الفرماوي -مرجع سابق- (ص ٥، ٨).","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type='title' id=toc-156>مناسبتها بما بعدها (السجدة)</span>\nقال السيوطي (^١): «أقول: وجه اتصالها بما قبلها أنها شرحت مفاتح الغيب الخمسة التي\n_________\n(^١) السيوطي هو: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين الخضيري السيوطي، جلال الدين: إمام حافظ مؤرخ أديب. (٨٤٩ - ٩١١ هـ) له نحو (٦٠٠) مصنف، من أشهرها: الإتقان في علوم القرآن، لباب النقول في أسباب النزول، تفسير الجلالين وغيرهم، ينظر: الزركلي، الأعلام (٣/ ٣٠٢). والسيوطي أشعري متأصل في أشعريته وكتبه مشحونة بتأويل صفات الرب جل في علاه، كالإتقان وتفسير الجلالين وغيرها، هذا مع ماله من شطحات في التصوف والغلو في الأولياء وغير ذلك من المخالفات والموقف الصواب من السيوطي وغيره من العلماء، هو التنبيه والتحذير-إن أخطأ-مع التزام أدب الرد والتحذير، وما من أحد من الناس إلا ويؤخذ من قوله ويرد إلا المعصوم -ﷺ- وإجلال أولي العلم لا يعني الأخذ بكل ما يصدر عنهم دون تمحيص وتبين، فالحق يُقبل والباطل يرد على صاحبه كائنًا من كان مع لزوم الأدب وبهذا يُعطى ويُؤتى كل ذي فضل فضله بلا إفراط ولا تفريط.\nومما يجدر الإشارة إليه والتنبيه عليه أنه لا ينبغي أن يُخلط بين إجلال أولي العلم وتوقيرهم وبين قبول كل ما يصدر عنهم حقًّا كان أم باطلًا. فاستفادة طالب العلم المتبصر الحاذق في العقيدة من مصنفات السيوطي لا بأس بها، لما حوته وضمته من علوم شتى نافعة، فهو عالم متبحر في علوم شتى وله مصنفات كثيرة لا يستغني عنها طالب علم، أما في جانب العقيدة فيجب الحذر كل الحذر من أشعريته، فهو مع أشعريته عنده من العلم ما يُنتفع به، ولو هُجرت كتبه وكتب مَن هم مثله لهجر وترك علم جمّ ولهجر ميراث علمي كبير، الأمة في حاجة إليه، والقول الوسط في ذلك أنه يُنتفع بعلمه وعلم أمثاله مع التحذير من الجانب العقدي الذي كانوا عليه. والذي ينبغي التوجيه إليه هو أن يستفاد من كتب هؤلاء العلماء في جانب الفقه والأصول والتفسير وما شابه ذلك، أما في الجانب العقدي فيرجع إلى أئمة أهل السنة والجماعة الذين عُرِفوا باتباع السلف عقيدة ومنهاجًا. …\nومنهج أهل السنة منهج وسطي لا إفراط فيه ولا تفريط ولا غلو ولا تنطع، وإليك أيها القارئ الكريم كلام بعض أهل العلم وفتاواهم في هذا الجانب.\nسؤال وجه إلى الإمام العلامة شيخنا ابن باز ﵀ بشأن تفسير الجلالين فقال: «تفسير مفيد وفيه بعض الأخطاء في الصفات … لكنه مفيد وقلّ كتاب إلَّا وقد يكون فيه بعض الأخطاء». اهـ. (نور على الدرب شريط: ٨٠٠)\nوسئل العلامة شيخنا صالح الفوزان حفظه الله: ما رأيكم في «تفسير الجلالين»؟ فأجاب: «تفسير الجلالين» تفسير مختصر ألفه الحافظان: الحافظ المحلي والحافظ السيوطي، وكل منهما يلقب بجلال الدين، لذلك سمي بالجلالين، أي: تفسير جلال الدين المحلي، وتفسير جلال الدين السيوطي؛ لأن جلال الدين المحلي توفي قبل إكماله فأكمله السيوطي. وهو تفسير مختصر جدًّا يسهل على طالب العلم أو المبتدئ قراءته أو حفظه، لكن من المعلوم أن كلا المُفسّرين على عقيدة الأشاعرة وهما يؤولان آيات الصفات كما هو مذهب الأشاعرة، ومن هذه الناحية يجب الحذر في الاعتماد على تفسيرهما في آيات الصفات «. اهـ. «المنتقى من الفتاوى».\nوقال شيخنا العلَّامة محمد بن صالح بن عثيمين ﵀: «تفسير الجلالين لطالب العلم جيد؛ لأنه في الحقيقة زبدة، وكما تعلم أنه يتمشى في مسألة الصفات على مذهب الأشاعرة، فلا يوثق به بل يرد قوله في ذلك، لكن في غير ذلك جيد جدًّا من حيث=","vol":"1","page":118},{"text":"ذكرت في خاتمة لقمان فقوله هنا: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾\n_________\n=سبكه للقرآن، وتنبيهه في كلمات وجيزة على أمور تخفى على من يطالعه من أهل العلم!، فإذا اجتمع الفتوحات الإلهية وهو ما يعرف بحاشية الجمل مع الجلالين كان طيبًا» اهـ، لقاء الباب المفتوح، شريط رقم: (٣٢).\nوقال العلَّامة المحدث مقبل الوادعي ﵀: «تفسير الجلالين مؤلفه مضطرب مرة يفسر «استوى» بمعنى: استولى ومرة بما جاء عن السلف وفيه من الاعتزال»، نبذة يسيرة من حياة أحد أعلام الجزيرة. لأبي همام البيضاني.\nوختامًا إجابة اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية عن سؤال بهذا لصدد:\nالسؤال:\nما موقع تتبع عورات العلماء من الشرع، بدعوى التحذير من زلاتهم، ولفت نظر الناس إليها؟ مع العلم أن هذا العمل يقوم به طلبة العلم، ويحذرون العوام من الناس، وممن يحذرونهم من علماء أجلاء أحيانًا، كالسيوطي (بدعوى أنه أشعري) وغيره كثير.\nالجواب:\n«العلماء ليسوا معصومين من الخطأ كما في الحديث: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد» أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد، برقم ٦٨٠٥، ولا ينقص ذلك من قدرهم ما دام قصدهم التوصل إلى الحق، ولا تجوز الوقيعة في أعراضهم من أجل ذلك، وبيان الحق والتنبيه على الخطأ واجب، مع احترام العلماء ومعرفة قدرهم. إلا ما كان مبتدعًا أو مخالفًا في العقيدة، فإنه يحذر منه إن كان حيًّا، ومن كتبه التي فيها أخطاء؛ لئلا يتأثر بذلك الجهال، لا سيما إذا كان داعية ضلال؛ لأن هذا من بيان الحق والنصيحة للخلق، وليس الهدف منه النيل من الأشخاص، والعلماء الكبار-مثل السيوطي وغيره- ينبه على أخطائهم، ويستفاد من علمهم، ولهم فضائل تغطي على ما عندهم من أخطاء، لكن الخطأ لا يقبل منهم ولا من غيرهم».\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\nاللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: بكر أبو زيد (عضو)، عبد العزيز آل الشيخ (عضو)، صالح الفوزان (عضو)، عبد الله بن غديان (عضو)، عبد العزيز بن عبد الله بن باز (الرئيس)، فتاوى اللجنة الدائمة: (١٢/ ٩٨).\nوقد تطرقت بعض الدراسات المعاصرة إلى عقيدته منها رسالة الدكتور سعيد إبراهيم مرعي خليفة، جامعة أم القرى، كلية أصول الدعوة وأصول الدين، قسم العقيدة، وهي أطروحة مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه، وهي بعنوان «جلال الدين السيوطي وآراؤه الاعتقادية عرض نقد على ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة»، وقد أشرف عليها الدكتور محمود محمد مزروعة، سنة (١٤٢٠ هـ). وكذلك رسالة للباحث طلعت جبر المجدلاوي، الجامعة الإسلامية بغزة، كلية أصول الدين، قسم العقيدة الإسلامية والمذاهب المعاصرة، وهي أطروحة مقدمة لنيل شهادة الماجستير، وهي بعنوان: «مواقف الإمام السيوطي من الإلهيات والنبوات دراسة ونقدًا»، وأشرف عليها الدكتور جابر زايد السميري (١٤٢٣ هـ).\nولعل في هذا كفاية، والحمد لله رب العالمين. الباحث.","vol":"1","page":119},{"text":"[السجدة: ٥]، شرح لقوله هناك: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، ولذلك عقب هنا بقوله: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة: ٦]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧]، شرح لقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤]، قوله: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٧]، شرح لقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤]، وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥]، و﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] شرح لقوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، وقوله: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠] إلى قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١]، شرح لقوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]» (^١) (^٢).\n_________\n(^١) السيوطي: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين (ت: ٩١١ هـ) أسرار ترتيب القرآن -دار الفضيلة للنشر والتوزيع- (ص ١٢٣).\n(^٢) يُنظر: عناية الإسلام بتربية الأبناء كما بينها سورة لقمان، دراسة تحليلية موضوعية (رسالة ماجستير) للدكتور عرفة بن طنطاوي: (٢/ ٦٦ - ٧٢).","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type='title' id=toc-157>المبحث الثاني: التعريف بشخصية لقمان الحكيم ﵇</span>\nوإذ يتعرض الباحث للتعريف بشخصية لقمان الحكيم ﵇ في هذا المبحث، يعرج فيه على أمرين هامين من خلال مطلبين جليلين:\nالمطلب الأول: نسبه ونشأته.\nالمطلب الثاني: التحقيق في أمر نبوته إثباتًا ونفيًا.","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type='title' id=toc-158>المطلب الأول: نسبه ونشأته، ويشمل ما يلي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-159>أولًا: اسمه ونسبه</span>\n<span data-type='title' id=toc-160>أ- اسمه: (لقمان)</span>\n- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلانِيُّ (ت: ٩٢٣ هـ): «ولقمان اسم أعجمي» (^١).\n- قال الألوسي (ت: ١٢٧٠ هـ): «ولقمان اسم أعجمي لا عربي مشتق من اللقم» (^٢).\n- قال الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ): «ولقمان اسم مادته عربية مشتقة من اللقم، والأظهر أن العرب عربوه بلفظ قريب من لغتهم، ولقمان ممنوع من الصرف لزيادة الألف والنون لا للعجمة» (^٣).\n- قال أبو حيان (ت: ٧٤٥ هـ): «وعليه: فإن كان لقمان اسم علم، كان أعجميًّا ومنع من الصرف للعجمة والعلمية، وإن كان عربيًّا منع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون ويكون مشتقًا من اللقم» (^٤).\n- قال الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ): «اخْتُلِفَ فِي لُقْمَانَ هَلْ هُوَ عَجَمِيٌّ أَمْ عَرَبِيٌّ؟ مُشْتَقٌّ مِنَ\n_________\n(^١) إرشاد الساري في شرح أحاديث البخاري (٧/ ٢٨٨).\n(^٢) روح المعاني (٧/ ١٨٢).\n(^٣) التحرير والتنوير (٢١/ ٩٧).\n(^٤) البحر المحيط (٧/ ١٨٢).","vol":"1","page":122},{"text":"اللُّقَمِ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَجَمِيٌّ؛ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ وَالْعُجْمَةِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَرَبِيٌّ؛ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ وَلِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ» (^١).\n- قال صافي (^٢) (ت: ١٣٧٦ هـ): «(لقمان) قيل: هو اسم علم أعجميّ، وقيل: هو عربيّ منع من التنوين للعلميّة وزيادة ألف ونون، والأول أظهر» (^٣).\nيقول الباحث: والذي يظهر أن لقمان: اسم أعجمي لا عربي، فهو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وربما كان من مشترك الأسماء في اللغات السامية الأصل، واستخدمه العرب بعد ذلك، واستخدام العرب للاسم، أو رده للمصدر لا يقلبه ولا ينقله من عجمته إلى العربية، بل يبقى على عجمته، والله أعلى وأعلم بالصواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-161>ب- نسبه</span>\nلقد اختُلف في نسب لقمان خاصة لأبيه وجده على أقوال عديدة، توضحها الدراسة وتبينها مع عزو كل قول لقائله فيما يلي: على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-162>اسم أبيه:</span> ورد على ثمانية أقوال.\n<span data-type='title' id=toc-163>القول الأول: (بَاعُورَاء)</span>\n١ - قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): «هو لقمان بن بَاعُورَاء بن ناحور بن تارح، وهو آزر أبو إبراهيم، كذا نسبه محمد بن إسحاق، وقال وهب: كان ابن أخت أيوب، وقال مقاتل: ذُكِرَ أنه كان ابن خالة أيوب، وقيل: كان من أولاد آزر» (^٤).\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ١١٤٢).\n(^٢) محمود بن عبد الرحيم صافي (ت: ١٣٧٦ هـ). من أعلام مدينة حمص السورية، وهو مؤلف أول كتاب كامل مفصّل في إعراب القرآن وصرفه وبيانه؛ ويعرف باسم: «الجدول في إعراب القرآن، وصرفه، وبيانه» بعد أن أنفق فيه خلاصة عمره، ويُذكر أنه سلّم الكتاب للناشر، ثم توفي بعدها بساعة واحدة، وطُبع الكتاب بعد وفاته. وينظر: الشاملة.\n(^٣) الجدول في إعراب القرآن الكريم، محمود بن عبد الرحيم صافي، إعراب سورة لقمان (٢٢/ ٧٧).\n(^٤) تفسير القرطبي (١٤/ ٢٥٩).","vol":"1","page":123},{"text":"٢ - قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ): «هو لقمان بن بَاعُورَاء من أولاد آزر ابن أخت أيوب أو خالته» (^١).\n٣ - قال الخازن (ت: ٧٤١ هـ): «هو لقمان بن بَاعُورَاء بن ناحور بن تارخ، وهو آزر، وقيل: كان ابن أخت أيوب، وقيل: كان ابن خالته» (^٢).\n٤ - قال أبو السعود (ت: ٩٨٢ هـ): «وهو لقمان بن بَاعُورَاء من أولاد آزر ابن أخت أيوب، أو خالته» (^٣).\n٥ - قال الألوسي (١٢٧٠ هـ): «وهو على ما قيل: ابن بَاعُورَاء قال وهب: وكان ابن أخت أيوب، وقال مقاتل: كان ابن خالته، وقيل: كان من أولاد آزر» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-164>القول الثاني: (بَاعُورَا)</span>\n١ - قال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ): «هو لقمان بن بَاعُورَا ابن أخت أيوب، أو ابن خالته، وقيل: كان من أولاد آزر» (^٥).\n٢ - قال النسفي (ت: ٧١٠ هـ): «وهو لقمان بن بَاعُورَا، ابن أخت أيوب أو ابن خالته، وقيل: كان من أولاد آزر وعاش ألف سنة وأدرك داود ﵇» (^٦).\n٣ - قال أبو حيان (ت: ٧٤٥ هـ): «هو لقمان بن بَاعُورَا. قال وهب: ابن أخت أيوب ﵇ وقال مقاتل: ابن خالته. وقيل: كان من أولاد آزر، وعاش ألف سنة، وأدرك داود عليه\n_________\n(^١) البيضاوي (٤/ ٢١٤).\n(^٢) تفسير الخازن (٤/ ٢١٣).\n(^٣) أبو السعود (٧/ ٧١).\n(^٤) الألوسي (٢١/ ٨٣).\n(^٥) تفسير الزمخشري (٣/ ٢٣١).\n(^٦) النسفي (٢/ ٧١٤).","vol":"1","page":124},{"text":"السلام» (^١).\n٤ - قال الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ): «وَهُوَ لُقْمَانُ بْنُ بَاعُورَا بْنِ نَاحُورَ بْنِ تَارِخْ، وَهُوَ آزَرُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ» (^٢).\nالقول الثالث: (عاعورا)\n- قال إسماعيل حقي (^٣) (ت: ١١٢٧ هـ): «قال ابن اسحاق صاحب المغازي: هو لقمان بن عاعورا بن تارخ، وهو آزر أبو إبراهيم الخليل» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-165>القول الرابع: (باعور)</span>\n- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: ٨٥٥ هـ): «هو لقمان بن باعور ابن ناخر بن تارخ وهو آزر أبو إبراهيم ﵊» (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-166>القول الخامس: (ناعور)</span>\n- قال البغوي (ت: ٥١٦ هـ): «قال محمد بن إسحاق: هو لقمان بن ناعور ابن تارخ وهو آزر، وقال وهب: كان ابن أخت أيوب، وقال مقاتل: كان ابن خالة أيوب» (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-167>القول السادس: (عنقاء)</span>\n١ - قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): «وقيل: هو لقمان بن عنقاء بن سرون، وكان نوبيًّا من أهل\n_________\n(^١) أبو حيان (٧/ ١٨٦).\n(^٢) فتح القدير (٤/ ٢٣٧).\n(^٣) إسماعيل حقي بن مصطفى البروسوي الإسطنبولي الحنفي الخلوتي، المولى أبو الفداء، متصوف مفسر، تركي مستعرب ولد في آيدوس وسكن القسطنطينية وانتقل إلى بروسة، وكان من أتباع (الطريقة الخلوتية) فنُفِيَ إلى تكفور طاغ، وأوذي، وعاد إلى بروسة فمات فيها، له كتب عربية وتركية منها: روح البيان في تفسير القرآن، الرسالة الخليلية في التصوف، الفروقات، وهو معجم في موضوعات مختلفة، توفي عام (١١٢٧ هـ) الموافق لعام (١٧١٥ م). يُنظر: الموسوعة الحرة.\n(^٤) إسماعيل حقي البروسوي، روح البيان في تفسير القرآن (٣/ ٤٨).\n(^٥) عمدة القاري (١٩/ ١١١ - ١١٢).\n(^٦) تفسير البغوي (٦/ ٢٧٨).","vol":"1","page":125},{"text":"أيلة (^١)، ذكره السهيلي» (^٢).\n٢ - قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): «هو لقمان بن عنقاء بن سدون» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-168>القول السابع: (عَنْقَا)</span>\n- قال الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ): «وَقِيلَ: هُوَ لُقْمَانُ بْنُ عَنْقَا بْنِ مَرْوَانَ، وَكَانَ نُوبِيًّا مِنْ أَهْلِ أَيْلَةَ ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-169>القول الثامن: (ثاران)</span>\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): «وحكى ابن جرير والقتيبي أنه: لقمان بن ثاران» (^٥).\nويتلخص من الأقوال سالفة الذكر ما يلي:\n١ - اتفقت المصادر قاطبة على اسم لقمان بناءً على ورود اسمه في القرآن الكريم، وذلك بورود سورة تحمل اسمه، وذكر فيها مرتين في آيتين متتاليتين (١٢ - ١٣) من السورة الكريمة.\n٢ - اختلفت المصادر في اسم أبيه على ثمانية أقوال:\nالأول- باعوراء، وعليه أكثر المصادر.\nالثاني- باعورا، ويلي القول الأول كثرة.\nالثالث- عاعورا.\nالرابع- باعور.\nالخامس- ناعور.\n_________\n(^١) أيلة: مدينة تقع على خليج العقبة (جنوب الأردن)، (والتي عرفت بعد ذلك باسم «أم الرشراش» تحت ولاية الحكم المصري ثم احتلها اليهود الصهاينة في حرب (١٩٥٦ م)، وبدلوا اسمها إلى إيلات، وبها الآن ميناء إيلات المشهور والمعروف بهذا الاسم) ..... وينظر: الموسوعة الحرة- بتصرف.\n(^٢) تفسير القرطبي (١٤/ ٢٥٩).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٤٤)، والبداية والنهاية (٢/ ٢٩).\n(^٤) فتح القدير (٤/ ٢٣٧).\n(^٥) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٣).","vol":"1","page":126},{"text":"السادس- عنقاء.\nالسابع- عنقا.\nالثامن- ثاران.\n٣ - كما اختلفت المصادر في اسم جده على ستة أقوال:\nالأول- ناحور، وعليه أكثر المصادر.\nالثاني- ناخر.\nالثالث- تارخ.\nالرابع- مروان.\nالخامس- سرون.\nالسادس- سدون.\n٤ - كما اتفقت أغلب المصادر على أن لقمان من ذرية آزر، وآزر هو: أبو إبراهيم الخليل ﵊، وقيل: ابن أخت أيوب، وقيل: ابن خالته.\nومما لا مجال للشك فيه، أن في اسمه أبيه تصحيفًا (^١) بينًا وواضحًا، وذلك للتقارب والتشابه الوارد فيه مع اختلاف وتنوع مصادره، وتباعد العهد بينها زمنيًّا، بل بالتأمل في المصدر الواحد تجد تصحيفًا وتحريفًا جليًّا، وبالرجوع لعدة طبعات للمصدر الواحد يتبين التصحيف جليًّا دون أدنى شك، وبالنظر والتأمل في المصادر الخمسة الأولى المتتالية نجد التشابه والتقارب واضحًا وجليًّا، وبالنظر كذلك في المصدرين السادس والسابع يتضح ما ذكر الباحث وما بينه جليًّا دون أدنى ريب أوشك، لذا فقد جمع أصحاب كل قول ورتب أقوالهم ترتيبًا زمنيًّا بحسب تاريخ الوفاة لصاحب كل مصدر منها، ذلك ليتأمل المتبصر حقيقة ما ذهب إليه الباحث من وجود تصحيفٍ\n_________\n(^١) التصحيف: «هو تحويل الكلمة عن الهيئة المتعارفة إلى غيرها» انتهى. فتح المغيث (٣/ ٧). وهذا من أحسن التعاريف وأشملها لجميع الصور التي يذكرها العلماء في التصحيف.","vol":"1","page":127},{"text":"في اسم أبيه، وكذلك ما يبدو في اسم جده من تصحيف، والمتأمل في المصدرين الأول والثاني، وكذلك في المصدر الرابع وما بعده من اسم جده يتضح له ذلك تمامًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-170>من فوائد ذكر اسمه ونسبه</span>\nوقد يكون في ذكر اسمه ونسبه فوائد من أجلها نفي تلك الدعاوي الباطلة الزائفة التي لا تمت للقمان بصلة أو نسب لا من قريب ولا من بعيد، والتي من أبرزها دعوى أن لقمان هو نبي الله داوود ﵇، فيكون من إثر ذلك أن ابن لقمان الذي يعظه هو سليمان بن داوود ﵉، وأغرب منها كذلك دعوى أن لقمان هو سقراط.\nوعمومًا- فإن المعنِيَّ بالبحث هو لقمان نفسه وما آتاه الله تعالى من الحكمة، وما يجنيه أهل الإيمان عمومًا والمربون خصوصًا من مواعظه وما حوته من عبر ودروس\nتربوية وإيمانية في تصحيح وتوجيه وترسيخ الأسس والمفاهيم العقدية والتعبدية والأخلاقية والاجتماعية والتربوية، على وجه من الكمال والتمام، لم لا، وهذا الكتاب كما وصفه ربنا العظيم: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-171>ثانيًا: نشأته</span>\nوتشمل:\n* عمره والزمن الذي عاش فيه.\n* موطنه.\n* مهنه التي امتهنها.\n* أوصافه (صفاته الخِلقية والخُلقية).","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type='title' id=toc-172>عمره والزمن الذي عاش فيه:</span>\n- قال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ): «إن لقمان عاش ألف سنة وأدرك داود ﵇ وأخذ عنه العلم، وكان يفتي قبل مبعثه، فلما بُعث قطع الفتوى فقيل له عن ذلك فقال: ألا أكتفي إذا كفيت» (^١).\n- وقال الألوسي (١٢٧٠ هـ): «وقيل كان قاضيًا في بني إسرائيل، ونقل ذلك عن الواقدي إلا أنه قال: وكان زمانه بين زمان عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وقال عكرمة والشعبي: والأكثرون على أنه كان في زمن داود ﵇» (^٢).\n- قال البيضاوي (٦٨٥ هـ): «وعاش حتى أدرك داود ﵊ وأخذ منه (^٣) العلم وكان يفتي قبل مبعثه» (^٤).\nومما سلف ذكره يتضح ويتبين ويتأكد أن زمن لقمان كان قبل مبعث داود ﵇، ثم عاصره زمن نبوته، ويُستدلُ على ذلك بتوقفه عن الفتوى لما بُعِثَ داودُ ﵇ بقوله: «ألا أكتفي إذا كفيت»، وهذا القول عليه الأكثرون كما حكاه عن عكرمة والشعبي، وفيه شبه اتفاق بين المصادر التي طالعها الباحث خلال بحثه، وأن القول بأن زمانه بين زمان عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام قول مرجوح، تفرد به قلة ولا يعول عليه، والله أعلى وأعلم وأَجَلُّ.\n_________\n(^١) الكشاف (٣/ ٢١١)، وكذلك تفسير القرطبي (١٤/ ٥٩)، وكذلك فتح القدير (١/ ١١٤٢)، وكذلك أبو السعود (٧/ ٧١)، وكذلك النسفي (٢/ ٧١٤).\n(^٢) تفسير الألوسي (٢١/ ٨٢ - ٨٣)، وكذلك فتح القدير (١/ ١١٤٢)، وكذلك أبو حيان (٧/ ١٨٦).\n(^٣) والصواب أن يقال: أخذ عنه العلم، بدلًا من-أخذ منه-ولعله وقع تحريفًا وخطأ. (الباحث).\n(^٤) البيضاوي (٤/ ٢١٤).","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type='title' id=toc-173>ثالثًا: موطنه</span>\n- قال الطبري (ت: ٣١٠ هـ): «قال مجاهد: كان لقمان (عبدًا حبشيًّا) (^١) غليظ الشفتين مصفح القدمين» (^٢).\n- وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): «وكذلك نقل قتادة عن عبد الله بن الزبير ﵁: قلت لجابر بن عبد الله ﵁: ما انتهى إليكم في شأن لقمان؟ قال: كان قصيرًا أفطس الأنف من (النوبة)» (^٣).\n- قال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ): «رُوي عن سعيد بن المسيب قال: ولقمان الحكيم كان أسود (نوبيًّا) ذا مشافر» (^٤).\n- وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) -أيضًا: «ورُوي كذلك عن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان من (سودان مصر)» (^٥).\n- وقال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ): «قال الأوزاعي: حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله فقال له سعيد: لا تحزن من أجل أنك أسود فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال، ومهجع مولى عمر، ولقمان الحكيم كان أسود (نوبيًّا) ذا مشافر» (^٦).\n- وقال الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ): «قيل: هو من بلاد النوبة، وقيل: من\n_________\n(^١) حبشيًّا: نسبة إلى الحبشة وهي اليوم (إثيوبيا) رسميًّا: جمهورية إثيوبيا الفدرالية الديموقراطية، دولة غير ساحلية تقع في القرن الإفريقي وعاصمتها أديس أبابا (الزهرة الجديدة) وهي ثاني أكبر دول إفريقيا من حيث عدد السكان والعاشرة من حيث المساحة، يحدها من جهة الشرق كل من: جيبوتي والصومال، ومن الشمال دولة إيريتريا، ومن الشمال الغربي السودان، ومن ناحية الغرب جنوب السودان، ومن الجنوب الغربي كينيا، وينظر: الموسوعة الحرة.\n(^٢) تفسير الطبري (١٨/ ٦٧).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٤٣).\n(^٤) الزمخشري الكشاف (٣/ ٢١١).\n(^٥) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٤٣).\n(^٦) الزمخشري الكشاف (٣/ ٢١١)، والقرطبي الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ٦٠)، وابن كثير البداية والنهاية (٢/ ١٢٤).","vol":"1","page":130},{"text":"(الحبشة)» (^١).\n- وقال أبو حيان (ت: ٧٤٥ هـ): «قال الفراء وغيره: كان (حبشيًّا)» (^٢).\n- وقال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ): «فَأَمَّا صِفَتُهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ (عَبْدًا حَبَشِيًّا)».\n- قال السيوطي (ت: ٩١١ هـ): «وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في «الزهد»، وابن أبي الدنيا في كتاب «المملوكين»، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كان لقمان (عبدًا حبشيًّا) نجارًا» (^٣).\n- وقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): «وقال خالد الربعي: كان لقمان (عبدًا حبشيًّا) نجارًا» (^٤).\n- وقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) أيضًا: «وكان (نوبيًّا) من أهل أيلة; ذكره السهيلي» (^٥).\nولعل ابن المسيب يعني بسودان مصر: (النوبة) (^٦) بدليل رواية الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي التي هي\n_________\n(^١) الطاهر بن عاشور (٢٢/ ١٤٩).\n(^٢) البحر المحيط (٧/ ١٨٦).\n(^٣) السيوطي (١١/ ٦٢٥).\n(^٤) القرطبي: الجامع أحكام القرآن (١٤/ ١٦ - ٦٠)، وينظر: أحمد بن حنبل: كتاب الزهد (ص ٤٩).\n(^٥) القرطبي (٥٦/ ١٤).\n(^٦) النوبة: تطلق على الجزء الجنوبي من بلاد مصر، وهي جيل من السودان واحدها نوبيّ، وبلاد النوبة من ذلك الجيل (المعجم الوسيط ص ٩٦١).\nالنوبيون: أهل النوبة، قبائل تسكن منطقة تمتد على ضفتي نهر النيل أقصى شمال السودان وأقصى جنوب مصر.\nوينظر: الموسوعة الحرة، نقلًا عن تاريخ بلاد النوبة.\nواللغة النوبية: هي لغة نيلية صحراوية تنتمي إلى عائلة اللغات الأفريقية الآسيوية واللغات البربرية التي يتحدثها أهل المغرب وسيوة في مصر ويتحدثها سكان جنوب مصر ومناطق شمال وغرب (شمال دارفور جبال الميدوب) السودان القريبة من مصر، وكان معظم الناطقين بها يسكنون في حوض وادي النيل والممتد من جنوب مصر إلى شمال السودان. وعدد الناطقين بها حوالي (١١) مليون نسمة. موزعين بين السودان ومصر، بين القرن الثامن والقرن الخامس عشر الميلادي، كان النوبيون وكذا الأقباط يكتبون لغتهم بالأبجدية اليونانية القديمة وقام النوبيون بإضافة حروف نوبية خالصة لما استعصى رسمه من حروف منطوقة بالنوبية ولم يجدوا المقابل لها في اليونانية.\nوينظر: اللغة النوبية كيف نكتبها؟، محمد مختار خليل كبارة، مركز الدراسات النوبية والتوثيق، القاهرة، ١٩٩٧ م.\nاقرأ باللغة النوبية (Nobîn nog gery)،  محمد متولي بدر. معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية، جامعة الخرطوم.","vol":"1","page":131},{"text":"من رواية الأوزاعي: عن عبد الرحمن بن حرملة عن ابن المسيب فإنها مفسرة ومبينة لرواية ابن كثير عن ابن المسيب أن لقمان كان من (سودان مصر)، وقوله: ثلاثة من (السودان): بلال، ومهجع مولى عمر، ثم أعقبها ولقمان الحكيم كان أسود (نوبيًّا).\nوبذلك يمكن الجمع بين قولي ابن المسيب رحمه الله تعالى: بأنه يعني بسودان مصر (النوبة)، والله أعلى وأعلم وأَجَلُّ.\nبما سبق بيانه من أقوال في موطنه يجتمع لدينا عدة روايات تنسبه لأربعة مواطن، وهي:\n١ - الحبشة.\n٢ - النوبة.\n٣ - سودان مصر.\n٤ - السودان (^١).\nولقد تعددت الروايات الواردة في ذكر موطنه، وأنه من النوبة، وأنه من (سودان مصر)، وأنه كان (حبشيًّا) وعليه الأكثرون، وأنه من (السودان)، فتعدد هذه الروايات لا إشكال فيه أيضًا، فإن المتأمل في صفات لقمان الخِلقية يجد أنها متناسقة ومتطابقة مع الصفات الخِلقية لسكان هذه البقاع المتجاورة والمتلاصقة من الشمال الشرقي للقارة الإفريقية، والتي تجمع أقصى شمال السودان، وهي منطقة (وادي حلفا) وما جاورها، وأقصى جنوب مصر وهي منطقة (النوبة)، ولعله كان له تنقل بين هذه البقاع، والتي تجمعها طبيعة جغرافية وسكانية واحدة، من جهة اللغة والعادات الاجتماعية والأعراف والنشاط السكاني، والروايات التي تذكر أنه من أيلة مع قلتها وندرتها لا تقاس بنسبته إليها مع نسبته إلى القارة الإفريقية، ولعل عمره الطويل كان له تأثير في انتقاله من مكان إلى مكان ومن مهنة إلى مهنة، والله أعلى وأعلم.\n_________\n(^١) ويُقال: أن بلاد السودان في كلام القدماء يراد به بلاد جنوب الصحراء الكبرى لا دولة السودان التي اختصت بهذا الاسم دون غيرها، وإنما خصها بهذا الاسم الإنجليز منذ أقل من (١٢٠) سنة فقط، والله أعلم.","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type='title' id=toc-174>رابعًا: مهنته</span>\n- قال الألوسي (١٢٧٠ هـ): «اختلف فيما كان يعانيه من الأشغال، فقال خالد بن الربيع: كان (نجارًا) بالراء، وفي معاني الزجاج: كان (نجادًا) بالدال، وهي على وزن كتان، كذا هو بخط جماعة من الأئمّة، وهو: من يعالج الفرش والوسائد ويخيطها، وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، وابن المنذر، عن ابن المسيب أنه كان (خياطًا)، وهو أعلم من النجاد» (^١).\n- وقال البغوي (ت: ٥١٦ هـ): «وقال سعيد بن المسيب: كان (خياطًا)، وقيل: كان راعي غنم، فروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم بالحكمة، ألست فلانًا الراعي؟ فبم بلغت ما بلغت؟ قال: بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني» (^٢).\n- وقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): «كان (يحتطب) لمولاه حزمة حطب، وقال لرجل ينظر إليه إن كنت تراني غليظ الشفتين فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق، وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض» (^٣).\n- وقال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ): «وَفِي صِنَاعَتِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:\nأحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَ (خَيَّاطًا)، قَالَهُ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ.\nوَالثَّانِي: (رَاعِيًا)، قَالَهُ: ابْنُ زَيْدٍ.\nوَالثَّالِثُ: (نَجَّارًا)، قَالَهُ: خَالِدٌ الرَّبْعِيُّ» (^٤).\n- وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): «أنه كان (قاضيًا). في زمن داود ﵇» (^٥).\n- وقال الطبري (ت: ٣١٠ هـ): «وقال مجاهد: إنه كان (قاضيًا) على بني إسرائيل» (^٦).\nومما سبق من الروايات يتبين أنه: عَمِلَ وامتهن مهنًا كثيرة ومتعددة، ومختلفة وهي:\n١) نجارًا.\n٢) نجادًا.\n٣) خياطًا.\n٤) راعيًا للغنم.\n٥) حطابًا لمولاه قبل أن يُعتَق من الرق.\n٦) قاضيًا على بني إسرائيل.\nولا تعارض في أنه امتهن كل هذه الأشغال والمهن، فبعضها متقارب ويمكن الجمع بينها كالنجاد والخياط، وكذلك يمكن الجمع بين مهنتي الرعي وجمع الحطب، وقد يكون تنقل بين هذه الحرف وتلك المهن، من حرفة إلى حرفة ومن مهنة إلى مهنة، لم لا وقد عُمِّر ألف سنة، فما الذي يمنع من تنقله بين هذه الأشغال وتلك المهن والحرف في هذا العمر الطويل والأمد المديد البعيد، والذي يندر مع طوله وتنقله من مكان إلى آخر- الثبات على مهنة أو صنعة أو حرفة واحدة، ولربما خُتم له بالاشتغال بالقضاء بعد أن امتن الله عليه وآتاه الحكمة وظهرت عليه آثارها، والله أعلى وأعلم بالصواب.\n_________\n(^١) تفسير الألوسي (٢١/ ٨٣).\n(^٢) تفسير البغوي (٢/ ٢١٥).\n(^٣) تفسير القرطبي (١٤/ ٢١٥).\n(^٤) ابن الجوزي (٦/ ٣١٨).\n(^٥) ابن كثير البداية والنهاية (٢/ ١٢٣).\n(^٦) تفسير الطبري (١٨/ ٦٧)، وكذلك فتح القدير (١/ ١١٤٢)، وينظر: مسند أحمد (٣/ ٢٧٠).","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type='title' id=toc-175>خامسًا: صفاته الخِلقية والخُلقية</span>\nأبين أوصافه (صفاته الخِلقية والخُلقية):\n\n<span data-type='title' id=toc-176>صفاته الخِلقية:</span>\nأما عن صفاته الخِلقية فقد وردت أقوال متعددة متقاربة، وروايات متشابهة، وردت في جمع من المصادر، ومن أهمها ما يلي:\n- قال الطبري (ت: ٣١٠ هـ): «حدثني نصر بن عبد الرحمن وابن حميد قالا: حدثنا حكام عن سعيد الزبيدي عن مجاهد قال: كان لقمان عبدًا حبشيًّا غليظ الشفتين، مصفح القدمين قاضيًا على بني إسرائيل» (^١).\n- وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): «قال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد ابن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر، ذا مشافر» (^٢).\n- وقال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ): «قال الأوزاعي: حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله فقال له سعيد: لا تحزن من أجل أنك أسود فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال، ومهجع مولى عمر، ولقمان الحكيم كان أسود نوبيًّا ذا مشافر» (^٣).\n- وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): «أخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير قال: قلت لجابر بن عبد الله ما انتهى إليكم من شأن لقمان؟ قال: كان قصيرًا أفطس من النوبة» (^٤).\n- وقال أبو حيان (ت: ٧٤٥ هـ): «قال ابن عباس، وابن المسيب، ومجاهد: كان نوبيًّا مشقق الرجلين ذا مشافر، وقال الفراء وغيره: كان حبشيًّا مجدوع الأنف ذا مشفر» (^٥).\n- وقالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: ٣١٠ هـ): «وقال مجاهد: كان عبدًا أسود عظيم الشفتين ومشقق القدمين» (^٦).\n- وقال ابن الجوزي: «فَأَمَّا صِفَتُهُ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا.\n- وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّب: كَانَ لُقْمَانُ أَسْوَدَ مَنْ سُودَانِ مِصْر.\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٨/ ٦٧).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٤٣).\n(^٣) الزمخشري الكشاف (٣/ ٢١١) وينظر: القرطبي الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ٦٠)، وابن كثير: البداية والنهاية (٢/ ١٢٤).\n(^٤) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٤٣).\n(^٥) البحر المحيط (٧/ ١٨٦).\n(^٦) جامع البيان (١٨/ ٥٤٥ - ٥٤٩)، وكذلك البغوي (٦/ ٢٨٧).","vol":"1","page":134},{"text":"- وَقَالَ مُجَاهِد: كَانَ غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ مشَقَّقَ الْقَدَمَيْنِ، وَكَانَ قَاضِيًا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ» (^١).\n- وقال السيوطي (ت: ٩١١ هـ): «وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في «الزهد»، وابن أبي الدنيا في كتاب «المملوكين»، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدًا حبشيًّا نجارًا» (^٢).\n- وقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): «وقال خالد الربعي: كان لقمان عبدًا حبشيًّا نجارًا».\nومما سبق ذكره من الروايات السابقة يتضح ويتبين لنا أنَّ من أهم وأبين وأظهر ما وُصِفَ به لقمان الحكيم ﵇ من الصفات الخِلقية، أنه:\n١ - عبد حبشي أسود.\n٢ - قصير القامة.\n٣ - أفطس ومجدوع الأنف.\n٤ - غليظ وعظيم الشفتين.\n٥ - وقد وصف بأنه ذو مشافر وأنه ذو مشفر.\n٦ - وأنه مصفح ومشقق القدمين.\nولا يُشَكُ في صحة نسب تلك الصفات الخِلقية إلى لقمان مجتمعة، ومما يؤكد ذلك، أنها متناسقة ومتقاربة ومتجانسة، بل أغلبها وأعمها متطابق تمامًا كما هو الحال بين رواية الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي مع إحدى روايتي ابن كثير، وليس ثَمَّ مانع من اجتماعها في إنسان يمكن وصفه بتلك الصفات الخِلقية مجتمعة.\nومما يزيد الأمر تأكيدًا، الاتفاق على تلك الصفات الخِلقية، مع اختلاف مصادرها وتنوعها وتباعدها زمانيًّا، والله ولي التوفيق، وهو سبحانه أعلم بالصواب.\n_________\n(^١) ابن الجوزي ٦/ ٣١٨).\n(^٢) السيوطي (١١/ ٦٢٥).","vol":"1","page":135},{"text":"ولا شك أن المعني هو الصفات (الخُلُقية) التي بها علو شأن المؤمن وسموه ورقيه لأعالي درجات الكمال البشري، وبها عزه وكرامته عند خالقه ومولاه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، والتي حبا الله لقمان أحسنها وأكملها وأشملها وأطيبها وأنماها وأزكاها وأعلاها. وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إنَّ الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-177>صفاته الخُلقية:</span>\nوأما عن أهم صفاته الخُلُقية فإنه: كان عبدًا صالحًا، ومربيًّا حكيمًا، جليل القدر، عظيم النفع، ومن أظهر ما يدل على ذلك ما وهبه الله وحباه من محاسن الصفات، وما أجراه على لسانه وما أنطقه به من الحكمة، وما تكلم به من المواعظ الجليلة في تربية ابنه على منهج متكامل الأركان تام البنيان، شامل لخيري المعاش والمعاد، شامل لبناء المسلم بناءً صحيحًا، عقديًّا وإيمانيًّا وأخلاقيًّا واجتماعيًّا وتربويًّا.\nولعظم قدر تلك الوصايا التربوية والأبوية الجليلة، خلدها المولى جل في علاه وأصبحت مُسطرة في كتابه المجيد، وأكرم قائلها بإعلاء ذكره في العالمين وشرفه بالذكر في كتابه العزيز بورود سورة في خاتم كتبه على خاتم رسله، ضمن شريعته الغراء الخاتمة، يذكر فيها وتحمل اسمه، لتُصبِح مواعظه الحكيمة والجليلة والبليغة نبراسًا يضيء الطريق للأجيال المؤمنة، ويؤصل لهم معالم الهدى وسبل الرشاد، ويوضح لهم الطريق المستقيم، والسبيل القويم الموصل لرضوان الله في الدنيا، وجنته يوم التناد، إنها سورة كريمة تحمل اسمه، وتتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يتلوها أهل الإيمان زُرافات، وَوُحدانًا، يتلونها في صلواتهم وهم في محاريبهم وقوفًا بين يدي ربهم، يتلونها في خلواتهم وجلواتهم، نعم، لقد خلد الله تعالى فيها فصوص حكمه البليغة، ومنهجه الأبوي التربوي الأصيل، والذي يُعدُّ منهاجًا تربويًّا متكاملًا\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٥٦٤).","vol":"1","page":136},{"text":"شاملًا لكل جوانب العملية التربوية، التي تبين واجب المربي، وتوضح بجلاء تام الأهداف التربوية التي يسعى الأب الشفيق لغرسها في نفس فلذة كبده وثمرة فؤاده، والأسلوب التربوي التعليمي بالحكمة والموعظة الحسنة، مع روعة البيان، وتناسق العبارات والألفاظ، مراعيًا التدرج فيها ببيان وتقديم الأهم فالمهم، كل ذلك بالخطاب الحسن، والتحبب إليه بالأسلوب الجميل (يا بني) وتكراره بين الموعظة والأخرى، لكسر الحواجز النفسية وتهيئتها لتلقي الموعظة وقبولها، ولتجديد عقد وشيجة المحبة، ولبيان أن الدافع لتلك المواعظ هو واجب الأبوة، المصحوب والمقرون بالشفقة، التي تزينها أَجَلُّ معاني الحب والحنو والعطف، وما يحمله الوالد لولده من حب الخير له، والحرص على إيصال معاني الكمال إليه بمنهجه التربوي الكامل والشامل المؤدي لأسباب الرقي في مدارج تحقيق أعلى مراتب العبودية، الموصل إلى رضوان رب العالمين وإلى سعادة الدارين.\nولقد اكتفى الباحث بالثابت من صفات لقمان وهي ما آتاه الله من (الحكمة)، وتعرض لأسلوبه التربوي في موعظته لابنه، الدال على حكمته ورجاحة عقله وسعة علمه ومكنون فهمه وعلو همته وأمانته وصدقه وشفقته في نصحه وغير ذلك مما يدخل ضمنًا ويستنبط إدراكًا وفهمًا من صفاته وكريم أخلاقه المستوحاة من فحوى خطابه ونصحه ووعظه لولده، مكتفيًا بذلك عن كثير مما لم يثبت من الصفات المنسوبة إليه، وكذلك ما سبق ذكره من نسبه وموطنه ومهنته وصفاته الخِلقية، وكونه حرًّا أو عبدًا، كل ذلك لم يثبت ثبوتًا قطعيًّا بل أكثره وأغلبه من أخبار بني إسرائيل، وإن كانت الدراسة تعرضت له بشيء من البيان، ولا طائلة كبيرة من وراء ذكره، إذ لو كان ثَمَّ نفع أو فائدة من ذكره، لبينه الله أوضح بيان كما بين موعظته وجلاها للناظرين وجعلها باقية نافعة للمربين والدعاة وسائر الهداة المصلحين.\nوفي نحو ذلك يقول أبو حيان: «وَهَذَا الِاضْطِرَابُ فِي كَوْنِهِ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَفِي جِنْسِهِ، وَفِيمَا كَانَ يُعَانِيهِ، يُوجِبُ أَنْ لَا يُكْتَبَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُنْقَلَ، لَكِنِ الْمُفَسِّرُونَ مُولَعُونَ بِنَقْلِ","vol":"1","page":137},{"text":"الْمُضْطَرِبَاتِ حَشْوًا وَتَكْثِيرًا، وَالصَّوَابُ تَرْكُه» (^١).\nوموقف أهل السنة من رواية الإسرائيليات معروف ومشتهر على ألسنة العلماء ومبسوط في كتبهم وأكتفي بقول العلامة الشنقيطي:\n«ومن المعلوم أن ما يروى عن بني إسرائيل من الأخبار المعروفة بالإسرائيليات له ثلاث حالات في واحدة منها يجب تصديقه وهي ما إذا دل الكتاب أو السنة الثابتة على صدقه، وفي واحدة يجب تكذيبه وهي إذا ما دل القرآن والسنة على كذبه، وفي الثالثة لا يجوز التكذيب ولا التصديق … وهي ما إذا لم يثبت في كتابٍ ولا سنَّة صدقه ولا كذبه» (^٢).\nوهو ما يعبر عنه العلماء بتقسيم الإسرائيليات إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: موافق لشريعتنا.\nالثاني: مخالف لشريعتنا.\nالثالث: مسكوت عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-178>الأول: ما جاء موافقًا لشريعتنا:</span>\nفأما «ما جاء موافقا لما في شرعنا، فهذا تجوز روايته، وعليه تُحمل الآيات الدالة على إباحة الرجوع إلى أهل الكتاب، وعليه أيضا يُحمل قوله ﵊: «حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (^٣) إذ المعنى: حدِّثوا عنهم بما تعلمون صدقه» (^٤).\nوفي معنى حديث عبد الله بن عمرو سالف الذكر يقول العظيم آبادي:\nقال الخطابي: «ليس معناه إباحة الكذب في أخبار بني إسرائيل ورفع الحرج عمن نقل عنهم\n_________\n(^١) أبو حيان (٧/ ١٨٦).\n(^٢) أضواء البيان (٤/ ٢٠٣، ٢٠٤).\n(^٣) صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب أحاديث الأنبياء: باب ما ذكر عن بني إسرائيل (٦/ ٥٧٢)، برقم (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁.\n(^٤) الإسرائيليات والموضوعات في التفسير والحديث - د. محمد حسين الذهبي، (ص ٤٩).","vol":"1","page":138},{"text":"الكذب، لكن معناه الرخصة في الحديث عنهم على معنى البلاغ؛ وإن لم يتحقق صحة ذلك بنقل الإسناد؛ وذلك لأنه أمر قد تعذر في أخبارهم؛ لبعد المسافة وطول المدة ووقوع الفترة بين زماني النبوة. وفيه دليل على أن الحديث لا يجوز عن النبي -ﷺ- إلا بنقل الإسناد والتثبت فيه» (^١). اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-179>الثاني: ما جاء مخالفًا لشريعتنا:</span>\nوأما «ما جاء مخالِفًا لما في شرعنا، أو كان لا يُصدِّقه العقل، فلا تجوز روايته؛ لأن إباحة الله للرجوع إلى أهل الكتاب، وإباحة الرسول -ﷺ- للحديث عنهم، لا تتناول ما كان كذبًا، إذ لا يعقل أن يبيح الله ولا رسوله -ﷺ- رواية المكذوب أبدًا» (^٢).\n- قال الحافظ ابن كثير ﵀: «وما شهد له شرعنا منها بالبطلان فذاك مردود لا يجوز حكايته، إلا على سبيل الإنكار والإبطال» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-180>الثالث: ما جاء مسكوتًا عنه في شرعنا:</span>\nوأما «ما سكت عنه شرعنا، ولم يكن فيه ما يشهد لصدقه ولا لكذبه، وكان محتملًا، فحكمه أن نتوقف في قبوله فلا نصدقه ولا نكذبه»، وعلى هذا يحمل قول النبي -ﷺ-: «لا تُصدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكذِّبوهم» (^٤)، أما روايته فجائزة على أنها مجرد حكاية لما عندهم، لأنها تدخل في عموم الإباحة المفهومة من قوله ﵊: «حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (^٥)، (^٦).\nقال الحافظ ابن كثير: هذا «محمول على الإسرائيليات المسكوت عنها عندنا، فليس عندنا\n_________\n(^١) العظيم آبادي، عون المعبود (٦/ ٤٨٨) طبعة دار الحديث/ القاهرة.\n(^٢) الإسرائيليات والموضوعات في التفسير والحديث - د. محمد حسين الذهبي، (ص ٤٩).\n(^٣) ابن كثير (١/ ٧) البداية والنهاية.\n(^٤) البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة البقرة، باب: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا (٤/ ٤٢١٥) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٥) صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب أحاديث الأنبياء: باب ما ذكر عن بني إسرائيل (٦/ ٥٧٢) برقم: ٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.\n(^٦) الإسرائيليات الذهبي، (ص ٤٩).","vol":"1","page":139},{"text":"ما يُصدِّقها ولا ما يُكذِّبها، فيجوز روايتها للاعتبار» (^١)، (^٢).\nيقول الحافظ ابن حجر: «لا حرج؛ أي: لا ضيق عليكم في الحديث عنهم؛ لأنه كان قد تقدم منه -ﷺ- الزجر عن الأخذ عنهم والنظر في كتبهم، ثم حصل التوسع في ذلك، وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد الدينية خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار .... (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-181>المطلب الثاني: التحقيق في أمر نبوته إثباتًا ونفيًا</span>\nوهل كان لقمان نبيًّا أو عبدًا حكيمًا لم تثبت له نبوّة؟ على قولين:\n\n<span data-type='title' id=toc-182>القول الأول: أن لقمان كان عبدًا حكيمًا ولم يكن نبيًّا</span>\nقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): «اختلف السلف في لقمان ﵇: هل كان نبيًّا، أو عبدًا صالحًا من غير نبوة؟ على قولين، الأكثرون على الثاني».\nثم قال: «ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيًّا» (^٤).\nوقال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ): «والجمهورُ على أنَّه حكيمٌ ولم يكن نبيًّا» (^٥).\nوقال البغوي (ت: ٥١٦ هـ): «قال تعالى: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] يعني: العقل والعلم والعمل به والإصابة في الأمور».\nواتفق العلماء على أنه كان حكيمًا، ولم يكن نبيًّا، إلا عكرمة فإنه قال: كان لقمان نبيًّا. وتفرد\n_________\n(^١) البداية والنهاية لابن كثير (١/ ٦ - ٧).\n(^٢) وينظر: رمضان الغنام، مقال بعنوان: (الإسرائيليات والمسألة العقدية) موقع طريق الإسلام، بتارخ ٣٢٣/ ١/ ١٤٣٦ هـ.\n(^٣) فتح الباري (٥٧٥/ ٦) طبعة دار الريان، الطبعة: الأولى. ورقم الحديث (٣٤٦١) بترقيم الفتح.\n(^٤) تفسير ابن كثير (٦/ ٣٣٤).\n(^٥) البيضاوي (٤/ ٢١٤)، وكذلك النسفي (٢/ ٧١٤)، وكذلك القسطلاني (إرشاد الساري في شرح أحاديث البخاري) (٧/ ٢٨٨)، وكذلك أبو السعود (٧/ ٧١).","vol":"1","page":140},{"text":"بهذا القول (^١).\nوقال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ): «وأكثر الأقاويل أنه كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا، ونُقِلَ عن ابن عباس﵄- قوله: لقمان لم يكن نبيًّا ولا ملكًا ولكن كان راعيًا أسود، فرزقه الله العتق، ورضي قوله ووصيته، فقص أمره في القرآن لتمسكوا بوصيته» (^٢).\nوقالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: ٣١٠ هـ): «القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]، يقول تعالى ذكره: ولقد آتينا لقمان الفقه في الدّين، والعقل، والإصابة في القول.\nوبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.\nبيان ممن قال بذلك:\nحدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قوله: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]، قال: الفقه والعقل والإصابة في القول من غير نبوّةٍ» (^٣).\n- حدّثنا بشر، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]، أي: الفقه في الإسلام. قال قتادة: ولم يكن نبيًّا، ولم يوح إليه.\n- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا يونس، عن مجاهدٍ، في قوله: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]، قال: الحكمة: الصّواب.\n- حدّثنا ابن المثنّى، حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهدٍ، أنّه قال: كان لقمان رجلًا صالحًا، ولم يكن نبيًّا.\n- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: ﴿الْحِكْمَةَ﴾\n_________\n(^١) تفسير البغوي (٦/ ٢٨٧).\n(^٢) الزمخشري (٥/ ١١).\n(^٣) وبمثله قال الهمذاني بسنده عن مجاهد: وينظر: أيضًا تفسير مجاهد (٥٠٤).","vol":"1","page":141},{"text":"[لقمان: ١٢]، قال: القرآن (^١).\n- قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الحكمة: الأمانة (^٢).\nوقال البقاعي: «قال تعالى: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]، ولقد آتينا بما لنا من العظمة والحكمة -لقمان- وهو عبد من عبيدنا -الحكمة- وهو العلم المؤيد بالعمل، والعمل المحكم بالعلم» (^٣).\nوقال الفخر الرازي (ت: ٦٠٦ هـ): «وَقَوْلُهُ: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]:\nالحكمة: عِبَارَةٌ عَنْ تَوْفِيقِ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ، فَكُلُّ مَنْ أُوتِيَ تَوْفِيقَ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ فَقَدْ أُوتِيَ الْحِكْمَةَ» (^٤).\nوقال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: ٨٥٥ هـ): «وقال سعيد بن المسيب: كان من سودان مصر ذا مشافر، أعطاه الله الحكمة ومنعه النّبوّة» (^٥).\nوقال ابن قتيبة (^٦) (ت: ٢٧٦ هـ): «لم يكن نبيًّا في قول أكثر النّاس وكان رجلًا صالحًا» (^٧).\nوقال الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ): «وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هُوَ نَبِيٌّ أَمْ رَجُلٌ صَالِحٌ؟\nفَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ» (^٨).\n_________\n(^١) وتعريف مجاهد للحكمة بأنها القرآن لا يعني ذلك أن لقمان قد أُتيَ القرآن، ولكن نقل ابن جرير تعريف مجاهد للحكمة، يعني به تعريف مجاهد لها على العموم. الباحث.\n(^٢) جامع البيان (١٨/ ٥٤٥ - ٥٤٩).\n(^٣) نظم الدرر (١٥/ ١٥٦).\n(^٤) التفسير الكبير (الفخر الرازي) (ص ١٢٨).\n(^٥) عمدة القاري (١٩/ ١١١).\n(^٦) ابن قتيبة: (ت: ٢٧٦ هـ) - العلامة الكبير، ذو الفنون أبو محمد، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وقيل: المروزي، أديب فقيه محدث مؤرخ عربي. صاحب التصانيف، له العديد من المصنفات أشهرها عيون الأخبار، وأدب الكاتب وغيرها. نزل بغداد، وصنف وجمع، وبعد صيته، قال أبو بكر الخطيب: كان ثقة ديِّنًا فاضلًا.\nسير أعلام النبلاء. بتصرف (٣/ ٢٩٧ - ٢٩٨).\n(^٧) عمدة القاري (١٩/ ١١١).\n(^٨) فتح القدير (١/ ١١٤٢).","vol":"1","page":142},{"text":"وقال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ): «قال تعالى: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] فِيهَا قَوْلَانِ:\nأَحَدُهُمَا: الْفَهْمُ وَالْعَقْلُ، قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ.\nوَالثَّانِي: النُّبُوَّةُ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي نُبُوَّتِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ.\nالقول الأول: أَنَّهُ كَانَ حَكِيمًا وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ.\nوَالقول الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا، قَالَهُ الشَّعْبِيُّ، وَعِكْرِمَةُ، وَالسُّدِّيُّ. هَكَذَا حَكَاهُ عَنْهُمُ الْوَاحِدِيُّ، وَلَا يُعْرَفُ، إِلَّا أَنَّ هَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ عِكْرِمَةُ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ» (^١).\nوقال ابن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ): «وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ، هَلْ كَانَ لُقْمَانُ نَبِيًّا، أَوْ عَبْدًا صَالِحًا؟ وَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ عَنْهُ إِلَّا أَنَّهُ آتَاهُ الْحِكْمَةَ» (^٢).\nويقول ﵀ في موضع آخر:\nوهذا يدل على ما ذكرنا في تفسير الحكمة أنها العلم بالأحكام، وحكمها ومناسباتها (^٣).\nويقول رحمه الله تعالى أيضًا:\nفقد يكون الإنسان عالمًا ولا يكون حكيمًا، وأما الحكمة فهي مستلزمة للعلم بل وللعمل؛ ولهذا فُسِّرت الحكمة بالعلم النافع، والعمل الصالح (^٤).\nوقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): «وقال سعيد بن المسيب: أعطاه الله تعالى الحكمة ومنعه النبوة؛ وعلى هذا جمهور أهل التأويل أنه كان وليًّا ولم يكن نبيًّا. وقال بنبوته عكرمة والشعبي؛ وعلى هذا تكون الحكمة النبوة.\nوالصواب أنه كان رجلًا حكيمًا بحكمة الله -تعالى- وهي الصواب في المعتقدات والفقه في\n_________\n(^١) ابن الجوزي (٦/ ٣١٨).\n(^٢) تفسير ابن سعدي (١/ ٦٤٨).\n(^٣) تفسير ابن سعدي (١/ ٦٤٩).\n(^٤) تفسير ابن سعدي (١/ ٦٤٨).","vol":"1","page":143},{"text":"الدين والعقل» (^١).\nوقال القاسمي (ت: ١٣٣٢ هـ): «على قول الجمهور: أنه حكيم»، و«على قول: عكرمة أنه نبي» (^٢).\nوقال أبو حيان (ت: ٧٤٥ هـ): «والأكثرون على أنه لم يكن نبيًّا» (^٣).\nوقال الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ): «وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي أَنَّ لُقْمَانَ الْمَذْكُورَ فِي الْقُرْآنِ كَانَ حَكِيمًا أَوْ (نَبِيئًا) (^٤). فَالْجُمْهُورُ قَالُوا: كَانَ حَكِيمًا صَالِحًا. وَيَظْهَرُ مِنَ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي قِصَّتِهِ هَذِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْتَنَّ عَلَيْهِ بِوَحْيٍ وَلَا بِكَلَامِ الْمَلَائِكَةِ. وَالِاقْتِصَارُ عَلَى أَنَّهُ أُوتِيَ الْحِكْمَةَ يُومِئُ إِلَى أَنَّهُ أُلْهِمَ الْحِكْمَةَ وَنَطَقَ بِهَا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا ذُكِرَ تَعْلِيمُهُ لِابْنِهِ قَالَ تَعَالَى وَهُوَ يَعِظُهُ وَذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأَنَّهُ تَعْلِيمٌ لَا تَبْلِيغَ تَشْرِيعٍ» (^٥).\nوابن عاشور وضع الأمور في نصابها، فبعد أن بَيَّنَ اختلاف السلف في نبوته وذكر رأى الجمهور مرجحًا له، أتى بما يثبت ويؤيد ترجيحه لرأي الجمهور بعدم نبوة لقمان، فقال: لِأَنَّهُ لَمْ يُمْتَنَّ عَلَيْهِ بِوَحْيٍ وَلَا بِكَلَامِ الْمَلَائِكَةِ، وقال: قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ [لقمان: ١٣] وَذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأَنَّهُ تَعْلِيمٌ لَا تَبْلِيغَ تَشْرِيعٍ، فيكون بذلك قد أتى بحجة دامغة تدلل على ما ذهب إليه، والحمد لله رب العالمين.\nوقال صديق حسن خان القِنَّوجِي: (ت: ١٣٠٧ هـ)\nاختلفوا هل هو نبي أم رجل صالح؟\nذهب أكثر أهل العلم على أنه ليس بنبي، ولم يقل بنبوته إلا عكرمة فقط مع أن الراوي لذلك\n_________\n(^١) القرطبي (١٤/ ٥٦).\n(^٢) القاسمي (١٣/ ٤٧٩٦).\n(^٣) أبو حيان (٧/ ١٨٦).\n(^٤) نَبِيئًا، بقراءة نافع المدني، وبها يقرأ أهل المغرب العربي.\n(^٥) الطاهر بن عاشور (٢٢/ ١٤٩).","vol":"1","page":144},{"text":"عنه جابر الجعفي وهو ضعيف جدًا (^١).\nقال شيخنا الفقيه العلامة ابن عثيمين ﵀: (ت: ١٤٢١ هـ)\nالصحيح أنه ليس بنبي، وأن الله تعالى آتاه الحكمة، وهي موافقة الصواب مع العلم. وقولنا مع العلم بالتبيان، وإلا فلا صواب إلا بعلم (^٢). والصواب أنه ليس من الأنبياء، وإنما هو رجل آتاه الله الحكمة، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا (^٣).\nوقال الشيخُ العلامة عبد الرحمن البراك: (م)\nالمشهورُ عندَ أهلِ العلمِ أنَّه وليٌّ وعبدٌ صالحٌ، وليسَ في القصَّة ما يدلُّ على النُّبوَّةِ، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢]، والحكمةُ تُطلَقُ على النُّبوَّةِ وعلى ما دونها مِن العلمِ، ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] (^٤).\nوقال مصنفو التفسير الميسر (^٥):\nولقد أعطينا عبدًا صالحًا من عبادنا (وهو لقمان) الحكمة، وهي الفقه في الدين وسلامة العقل والإصابة في القول (^٦).\n_________\n(^١) فتح البيان في مقاصد القرآن، للقنوجي،: (٥/ ٢٩٦).\n(^٢) لعل الصواب أن يقال: عن علم، لأن الصواب ناشئ عن العلم وليس به، ولعله تصحيف لأنه منقول عن شريط مسجل، أو أنه سبق لسان من شيخنا الفقيه رحمه الله تعالى. الباحث.\n(^٣) فتاوى: نور على الدرب: شريط رقم: (٤٠)، تصنيف موضوعي: القرآن وعلومه\n(^٤) فتوى رقم: (٤٢٣٨) عن موقعه الرسمي بتاريخ: ١٩/ ٣/ ١٤٤٠ هـ\n(^٥) التفسير الميسر أعده نحبة من العلماء، بإشراف وطباعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية، الطبعة الثانية، مزيدة ومنقحة، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م\n(^٦) التفسير الميسر، تفسير سورة لقمان: (٤١٢).","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type='title' id=toc-183>فتاوى بعض المجامع العلمية:</span>\n<span data-type='title' id=toc-184>أ- اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية:</span>\nسئلت اللجنة: هل لقمان نبي أم رجل من الصالحين؟\nفأجابت: لقمان عبد صالح آتاه الله الحكمة وليس نبيًا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ١٢]. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (^١).\nاللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-185>ب-دار الإفتاء المصرية:</span>\nالمتفق عليه أن الله آتاه الحكمة وسجل وصيته فى القرآن إشادة بها وتقريرًا لها، وجمهور العلماء على أنه كان وليًا ولم يكن نبيًا، وقال بنبوته عكرمة والشعبي لأنها هى الحكمة التى آتاها الله إياه، ولكن الصواب كما ذكره القرطبي فى تفسيره: أنه رجل حكيم بحكمة الله تعالى (^٣). ومهما يكن من شئ فلا يضرنا الجهل بذلك، والمهم هو الاقتداء بسيرته والأخذ بحكمته (^٤).\nيقول الباحث:\nوبعد بيان القول الأول القاضي (بنفي النبوة عن لقمان)، يجتمع لدينا روايات كثيرة وأقوال عديدة من أقوال أئمة التفسير، وقد نقلوا أقوال المفسرين من التابعين وغيرهم، ومفادها ومختصرها كالتالي:\nقال ابن كثير: «عبدًا صالحًا من غير نبوة»، وقال أيضًا: «لم يكن نبيًّا» (جمهور السلف).\nوقال البيضاوي: «ولم يكن نبيًّا» (الجمهور)، ووافقه كل من النسفي، والقسطلاني، وأبو السعود.\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة الدائمة، السؤال الثالث من الفتوى رقم (١٨٠٢٤ (، (٢/ ٤٤٦).\n(^٢) بكر أبو زيد (عضو) - عبد العزيز آل الشيخ (عضو) - صالح الفوزان (عضو) - عبد الله بن غديان (عضو) - … الرئيس: عبد العزيز بن عبد الله بن باز.\n(^٣) يُنظر: تفسير القرطبي: (١٤/ ٥٩).\n(^٤) يُنظر: مصدر الفتوى: موقع دار الإفتاء المصرية، رقم الفتوى: ٩٢١١، عنوان الفتوى: هل لقمان نبى أم ولى، القسم التابعة له: الإيمان بالرسل، اسم المفتي: دار الإفتاء المصرية","vol":"1","page":146},{"text":"قال البغوي: (الحكمة): يعني: العقل .. الخ، ولم يكن نبيًّا: (واتفق العلماء) إلا عكرمة تفرد بهذا القول.\nوقال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي: «عن ابن عباس (لم يكن نبيًّا)، ولا ملكًا»، (أكثر الأقاويل).\nوقالَ الطَّبَرِيُّ: (الحكمة): الفقه في الدّين .. الخ، ورد عن مجاهدٍ قال: رجلًا صالحًا، ولم يكن نبيًّا\nو(الحكمة)، ورد عنه فيها عدة أقوال:\n* الفقه في الدين الخ .. من غير نبوّةٍ.\n* الصواب.\n* القرآن.\n* الأمانة (^١).\nوعن قتادة: (الحكمة): الفقه في الإسلام، ولم يكن نبيًّا، ولم يوح إليه.\nوقال البقاعي: (الحكمة): العلم المؤيد بالعمل .. الخ.\nوقال الفخر الرازي: (الْحِكْمَةَ): توْفِيقُ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ .. الخ.\nوقال العَيْنِيُّ: عن ابن المسيب قال: أعطاه الله الحكمة ومنعه النّبوّة.\nوقال ابن قتيبة: لم يكن نبيًّا.\nوقال الشوكاني: ذَهَبَ (أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ) إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ. - وقال ابن الجوزي: (الحكمة): الْفَهْمُ وَالْعَقْلُ، قَالَهُ: (الْأَكْثَرُونَ).\nوَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وقال ابن سعدي: وَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ عَنْهُ إِلَّا أَنَّهُ آتَاهُ الْحِكْمَةَ.\nوقال القرطبي: (الحكمة)، الصواب في المعتقدات .. الخ.\n_________\n(^١) وينظر: تفسير مجاهد (٥٠٤)، وكذلك جامع البيان (١٨/ ٥٤٥ - ٥٤٩).","vol":"1","page":147},{"text":"وقال عن ابن المسيب: منعه النبوة، وعلى هذا (جمهور أهل التأويل) أنه كان وليًّا ولم يكن نبيًّا.\nوقال القاسمي: «على قول الجمهور: أنه حكيم».\nوقال أبو حيان: لم يكن نبيًّا (الأكثرون).\nوقال الطاهر بن عاشور: كَانَ حَكِيمًا صَالِحًا (الْجُمْهُورُ).\nوقبل بيان القول الثاني وما ورد فيه من روايات، يجدر التنبيه إلى أن البيان السابق من أئمة التفسير بأن لقمان أوتي الحكمة ومنع النبوة، فيه: إجماع من (الجمهور) نقله أهل التفسير، ونُقِلَ (اتفاقُ أهلِ العلمِ) على ذلك، ويكفي أنه اختيار الحبر (ابن عباس) - ﵄-.\nوقال القنوجي: ذَهَبَ (أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ) إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ. إلا عكرمة فقط مع أن الراوي لذلك عنه جابر الجعفي وهو ضعيف جدًا.\nقال العلامة ابن عثيمين: الصحيح (أنه ليس بنبي)، وأن الله تعالى آتاه الحكمة.\nقال العلامة البراك: المشهورُ عندَ أهلِ العلمِ (أنَّه وليٌّ وعبدٌ صالحٌ)، وليسَ في القصَّة ما يدلُّ على النُّبوَّةِ.\nقالت اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية: (لقمان عبدٌ صالح آتاه الله الحكمة وليس نبيًا).\n* قالت دار الإفتاء المصرية: (وجمهور العلماء) على أنه كان وليًا ولم يكن نبيًا.\nولقد وردت ألفاظ متقاربة جدًّا ومتشابهة وشبه متطابقة ومتوافقة، نبينها مقتضبة ومختصرة جدًّا، ليتضح الإجماع ويتبين للمتأمل بصورة جلية وواضحة أكثر لا تدع للتردد أو للشك مجالًا، على النحو التالي:\n* (رأي الجمهور) قال به: ابن كثير، والبيضاوي، والقرطبي، وابن عاشور، والقاسمي.\n* (أكثر الأقاويل) قاله: الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي.","vol":"1","page":148},{"text":"* (الأكثرون) قاله: أبو حيان، وابن كثير، وابن الجوزي.\n* (اتفق العلماء) قاله: البغوي.\n* (قال أهل التأويل) قاله: الطبري.\n* (قول أكثر الناس) قاله: ابن قتيبة.\n* (أكثر أهل العلم) قاله: الشوكاني، والقنوجي\n* (الصحيح) قاله: العثيمين\n* (المشهور عندَ أهلِ العلمِ) قاله: البراك\n* (وجمهور العلماء) قالته: دار الإفتاء المصرية.\n\n<span data-type='title' id=toc-186>القول الثاني: القول بنبوة لقمان:</span>\n- قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: ٣١٠ هـ) -بعد أن رجّح عدم نبوة لقمان-: «وقال آخرون: كان نبيًّا».\nثم قال: «حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثني أبي، عن إسرائيل، عن جابرٍ، عن عكرمة، قال: كان لقمان نبيًّا» (^١).\n- وقال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: ٨٥٥ هـ): «وعند الحوتي عن عكرمة: كان نبيًّا، وهو قد تفرد بهذا القول» (^٢).\n- وقال الألوسي (١٢٧٠ هـ): «وقال عكرمة والشعبي: كان نبيًّا والأكثرون على أنه كان في زمن داود ﵇ ولم يكن نبيًّا» (^٣).\n- وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) -بعد أن ساق جملة من الآثار التي تنفي نبوة لقمان- قال\n_________\n(^١) جامع البيان (١٨/ ٥٤٨).\n(^٢) عمدة القاري (١٩/ ١١٢).\n(^٣) تفسير الألوسي (٢١/ ٨٢ - ٨٣).","vol":"1","page":149},{"text":"مؤكدًا: «فهذه الآثار منها ما هو مصرح فيه بنفي كونه نبيًّا، ومنها ما هو مشعر بذلك؛ لأن كونه عبدًا قد مسَّه الرق ينافي كونه نبيًّا; لأن الرسل كانت تبعث في أحساب قومها; ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيًّا، وإنما يُنقلُ كونه نبيًّا عن عكرمة -إن صح السند إليه- فإنه رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث وكيع عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة فقال: كان لقمان نبيًّا، وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي، وهو ضعيف، والله أعلم» (^١).\n- قال الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ): «حَكَى الْوَاحِدِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ وَالسُّدِّيِّ وَالشَّعْبِيِّ أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا، وَقِيلَ: لَمْ يَقُلْ بِنُبُوَّتِهِ إِلَّا عِكْرِمَةُ فَقَطْ، مَعَ أَنَّ الرَّاوِيَ لِذَلِكَ عَنْهُ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا» (^٢).\n- وقال البغوي (ت: ٥١٦ هـ): «واتفق العلماء على أنه كان حكيمًا، ولم يكن نبيًّا، إلا عكرمة فإنه قال: كان لقمان نبيًّا، وتفرد بهذا القول» (^٣).\n- قال الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ): «واتفق العلماء على أنه كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا إلا عكرمة فإنه قال: كان لقمان نبيًّا، وتفرد بهذا القول» (^٤).\nيوضح الباحث أن القول بنبوة لقمان مداره على قول عكرمة من رواية جابر بن يزيد الجعفي، كما سبق بيانه، ثم يتضح أكثر ببيان الأقوال سالفة الذكر -مختصرة-، وهي خمسة أقوال، وهي شبه متوافقة ومتطابقة، على النحو التالي:\n١ - ابن جرير يقول: عن جابر، عن عكرمة، قال: (كان لقمان نبيًّا).\n٢ - وابن كثير يقول: إنما يُنقلُ (كونه نبيًّا) عن عكرمة -إن صح السند إليه-، عن جابر، وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي، وهو ضعيف.\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٦/ ٣٣٥).\n(^٢) فتح القدير (١/ ١١٤٢).\n(^٣) البغوي (٦/ ٢٨٧).\n(^٤) الثعلبي (١١/ ٣٧).","vol":"1","page":150},{"text":"٣ - والعيني يقول: (عن عكرمة) كان نبيًّا، وهو قد (تفرد بهذا القول).\n٤ - الألوسي يقول: وقال عكرمة والشعبي: كان نبيًّا.\n٥ - الشوكاني يقول بعد أن نفى قول السدي والشعبي: وَقِيلَ: لَمْ يَقُلْ بِنُبُوَّتِهِ إِلَّا عِكْرِمَةُ فَقَطْ، مَعَ أَنَّ الرَّاوِيَ لِذَلِكَ عَنْهُ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا.\nليتضح لنا بذلك وبصورة واضحة جلية أمران جليلان:\nالأمر الأول: أن القول بنبوة لقمان مداره على قول عكرمة من رواية جابر بن يزيد الجعفي.\nالأمر الثاني: بيان حال جابر الجعفي وهو: (ضَعِيفٌ جِدًّا).\nمن هنا لزم الأمر بيان أقوال علماء الجرح والتعديل في جابر الجعفي، ليتبين لنا صحة قول أهل التفسير فيما ما سبق بيانه من ضعفه.\nأقوال علماء الجرح والتعديل في جابر بن يزيد الجعفي (^١):\n- قال الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ): «جابر بن يزيد الجعفي (ضعفه الجمهور)، ووصفه الثوري والعجلي وابن سعد (بالتدليس)». اهـ.\n- وقال الحافظ أيضًا: «وقال ابن سعد: وكان (يدلس)، وكان (ضعيفًا) في روايته» (^٢).\n- وقال الحافظ (في التقريب) أيضًا: «ضعيف رافضي» (^٣).\n- وقال ابن حبان (ت: ٣٥٤ هـ): «كان (سبئيًّا) من أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان يقول: إن عليًّا ﵁ يرجع إلى الدنيا».\n_________\n(^١) هو: جابر بن يزيد بن الحارث أبو عبد الله الجعفي الكوفي من الخامسة، مات سنة سبع وعشرين ومائة.\nينظر: ترجمته في: الطبقات الكبرى (٦/ ٣٤٥)، والتاريخ الكبير (٢/ ٢١٠)، والضعفاء والمتروكين (ص ٢٨)، وضعفاء العقيلي (١/ ١٩١)، والجرح والتعديل (٢/ ٤٩٧)، والمجروحين (١/ ٢٠٨)، والكامل (٢/ ١١٣ - ١٢٠)، وتهذيب الكمال (١/ ٤٣٠)، وميزان الاعتدال (١/ ٣٧٩)، والكاشف (١/ ٢٨٨)، وتهذيب التهذيب (٢/ ٤٦)، وتقريب التهذيب (١٣٧).\n(^٢) ابن حجر، تهذيب التهذيب (٦/ ٣٧ - ٤٩).\n(^٣) من الخامسة (ت: ١٢٧ هـ) وقيل: (ت: ١٣٢ هـ) وينظر: الحافظ ابن حجر العسقلاني، طبقات المدلسين، (ص ٥٣) تحقيق الدكتور/ عاصم بن عبد الله القريوتي، مكتبة المنار، الزرقاء، الأردن، الطبعة: الأولى (١٤٠٥ هـ).","vol":"1","page":151},{"text":"- وقال جرير بن عبد الحميد (ت ١٨٨ هـ): «لا أستحل أن أحدث عن جابر الجعفي، وقال: هو (كذاب) يؤمن بالرجعة».\n- وقال زائدة: «رافضي يشتم أصحاب رسول الله -ﷺ-» (^١).\n- وقال محمد بن عثمان الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ) في نظم (أسماء المدلسين):\nخذ المدلسين يا ذا الفكر … جابر الجعفي ثم الزهري (^٢).\n- وقال محمود المقدسي في نظم (أسماء المدلسين):\nوالقارئ الأعمش والزهري … وابن جريج جابر الجعفي (^٣).\n- وذكره الشيخ حماد الأنصاري (ت: ١٤١٨ هـ)، في (التدليس والمدلسون) (^٤).\n- قال الشيخ مقبل بن هادى الوادعي (ت: ١٤٢٣ هـ): جوابًا عن سؤال وُجِّهَ إليه: السؤال- قالوا: إن الرافضة لا يكتب عنهم ولا كرامة، فكيف بجابر الجعفي، وكان يؤمن بالرجعة؟\nالجواب: جابر بن يزيد الجعفي وثقه بعضهم، وهو يعتبر رافضيًّا، وقد كذبه أبو حنيفة فقال: ما رأيت أكذب منه، وكذبه غير أبي حنيفة، فجابر بن يزيد الجعفي ومن جرى مجراه لا يحتاج إليه، وقد ذكر الحافظ الذهبي-رحمه الله تعالى- في «الميزان» في ترجمة أبان بن تغلب ذكر: أن الشيعي إذا كان صدوق اللسان فإنه يؤخذ عنه، وأما الرافضة -الذين يسبون أبا بكر وعمر- قال: فلا يحتاج إليهم، قال: على أنني لا أعرف من هذا النوع أحدًا يحتاج إليه، بل الكذب شعارهم والتقية دثارهم، أو بهذا المعنى.\nفالرافضة ليس هناك أحد منهم يُحتَاجُ إليه، حتى قال الأعمش: ما كنا نسميهم إلا الكذابين.\n_________\n(^١) الضعفاء الكبير للعقيلي (١/ ١٩٦)، والمجروحين لابن حبان (١٢٠٨)، وميزان الاعتدال للذهبي (١/ ٣٧٩).\n(^٢) ينظر: أبو نصر عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي- طبقات الشافعية الكبرى (٥/ ٢١٨).\nوينظر: القريوتي -مرجع سابق- (ص ٦٩).\n(^٣) وينظر: القريوتي - مرجع سابق- (ص ٧٠).\n(^٤) مجلة الجامعة الإسلامية- العدد الرابع سنة (١٣٨٩ هـ) (ص ٤٩).","vol":"1","page":152},{"text":"وذكر نحو هذا شريك بن عبد الله النخعي، فلعل من روى لجابر يقصد أنه يعتبر بحديثه، فعلى كلٍّ فروايته لا تصلح في الشواهد والمتابعات (^١).\nوبعد هذا البيان الشافي الكافي، فقد تأكد وتبين جليًّا بحمد الله وتوفيقه صحة قول ابن كثير والشوكاني في تضعيف جابر بن يزيد الجعفي، فلله الحمد أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا.\nالقول الراجح:\nومما يظهر جليًّا بعد النظر والتأمل في قولي الفريقين (القائلين بنبوته، والمانعين لها):\nأن موطن الخلاف في نبوة لقمان إثباتًا ونفيًا، هو أن القائلين بنبوته وهم قلة، قد أولوا الحكمة بالنبوة، والقائلين بأنه: عبدٌ حكيمٌ أُوتي الحكمة ومُنِعَ النبوة وهم الأكثرون، تأولوا الحكمة بمعناها ومفهومها ومدلولها اللغوي والشرعي:\nفمفهومها ومدلولها اللغوي هو: وضع الشيء في موضعه.\n- قال أبو إسماعيل الهروي (ت: ٤٨١ هـ): «الحِكْمَة: اسم لإحكام وضع الشيء في موضعه» (^٢).\n- وقال ابن القيِّم (ت: ٧٥١ هـ): «الحِكْمَة: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي» (^٣).\nومفهومها ومدلولها الشرعي: ما تأولوه وبينوه من أقوال: بأن الحكمة هي: الفقه في الدين، والعقل، والأمانة، والقرآن، والعلم المقرون بالعمل الصالح، وغير ذلك.\nمن هنا كان إلقاء الضوء على كلام أهل التفسير في مفهوم ومدلول الحكمة في ضوء الآية\n_________\n(^١) الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، المقترح في أجوبة أسئلة المصطلح، دار الآثار للنشر والتوزيع، صنعاء (طبعة ٣، ١٤٢٥ هـ -٢٠٠٤ م)، إجابة عن أسئلة فضيلة الشيخ أبي الحسن المأربي مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى- السؤال رقم (٤٨) (ص ٥٣).\n(^٢) منازل السائرين (ص ٧٨).\n(^٣) مدارج السالكين (٢/ ٤٤٩).","vol":"1","page":153},{"text":"الكريمة، مع التوسع في إلقاء الضوء على رأي القائلين بنفي ومنع النبوة عن لقمان ﵇، من الأهمية بمكان، لأن عليه الأكثرين.\nومن المعلوم أن النبوة موهوبة وليست مكتسبة، ولذا لا تثبت النبوة لأحد بأدلة ظنية الدلالة، بل لا بد من ثبوتها بأدلة قطعية الدلالة، وذلك لعظم شأنها وجليل قدرها، وهذا في حدود البحث الضيق والاطلاع القاصر من تلك الدراسة لم يثبته أحد.\nوالذي يطمئن إليه القلب، وتميل إليه النفس بعد هذا البحث وذاك البيان، هو القول: بأن لقمان أوتي الحكمة، ومنع النبوة، هو القول الراجح والصحيح، وهو ما عليه جمهور السلف وأكثر أئمة التفسير، وأن القول بنبوة لقمان قول مرجوح، لم يقم عليه دليل قاطع، ولا برهان ساطع.\nهذا ولله الأمر من قبل ومن بعد وهو أعلى وأعلم بالصواب.","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type='title' id=toc-187>المبحث الثالث: المنهج التربوي كما تصوره موعظة لقمان الحكيم ﵇</span>\nوإذ نحن بصدد أنموذج لتناول دراسة التفسير التحليلي دراسة \"تحليلية موضوعية\" لآيات مختارة من القرآن الكريم، ألا وهي الآيات من ١٢ إلى ١٩ من سورة لقمان، فيتم هنا تناول تلك الدراسة في هذا المبحث مقسمة ومرتبة ترتيبًا أولويًا من حيث أهميتها وأوليتها وأولويتها من الناحية التعليمية والتربوية في ضوء موعظة لقمان الحكيم لولده ومقسمة على أربعة مطالب على النحو التالي:\nالمطلب الأول: الجانب العقدي.\nالمطلب الثاني: الجانب التعبدي.\nالمطلب الثالث: الجانب الأخلاقي.\nالمطلب الرابع: طبيعة العلاقة بين هذه الجوانب.","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type='title' id=toc-188>المطلب الأول: الجانب العقدي</span>\nويندرج تحته مباحث عدة على نحو ما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-189>أولًا: مفهوم العقيدة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-190>أ- مفهوم العقيدة لغة:</span>\nالعقيدة في اللغة: من العقد؛ وهو الربط، والإبرام، والإحكام، والتوثق، والشد بقوة، والتماسك، والمراصة، والإثبات؛ ومنه اليقين والجزم. والعقد نقيض الحل، ويقال: عقده يعقده عقدًا، ومنه عقدة اليمين والنكاح. قال الله تعالى: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].\nوالعقيدة: الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده.\nوالعقيدة في الدين: ما يقصد به الاعتقاد دون العمل؛ كعقيدة وجود الله وبعث الرسل. والجمع: عقائد وخلاصة ما عقد الإنسان عليه قلبه جازمًا به؛ فهو عقيدة، سواء كان حقًّا، أم باطلًا (^١).\n_________\n(^١) الوجيز في عقيدة السلف الصالح. لعبد الحميد الأثري (ص ٢٩).","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type='title' id=toc-191>ب- مفهوم العقيدة اصطلاحًا:</span>\nوالعقيدة في الاصطلاح: هي الأمور التي يجب أن يصدق بها القلب، وتطمئن إليها النفس؛ حتى تكون يقينًا ثابتًا لا يمازجها ريب، ولا يخالطها شك.\nأي: الإيمان الجازم الذي لا يتطرق إليه شك لدى معتقده، ويجب أن يكون مطابقًا للواقع، لا يقبل شكًّا ولا ظنًّا؛ فإن لم يصل العلم إلى درجة اليقين الجازم لا يسمى عقيدة.\nوسمي عقيدة: لأن الإنسان يعقد عليه قلبه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-192>ج- تعريف العقيدة الإسلامية:</span>\nالعقيدة الإسلامية: هي الإيمان الجازم بربوبية الله تعالى وألوهيته وأسمائه وصفاته، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وسائر ما ثبت من أمور الغيب، وأصول الدين، وما أجمع عليه السلف الصالح، والتسليم التام لله تعالى في الأمر، والحكم، والطاعة، والاتباع لرسوله ﷺ.\nوالعقيدة الإسلامية: إذا أطلقت فهي عقيدة أهل السنة والجماعة؛ لأنها هي الإسلام الذي ارتضاه الله دينًا لعباده، وهي عقيدة القرون الثلاثة المفضلة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان (^٢).\nولا شك أن الشرك هو أشد الظلم وأعظمه، وأكبر الكبائر، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات على الإطلاق كما وصفه الله تعالى في وصية لقمان بقوله: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].\n_________\n(^١) الوجيز في عقيدة السلف، مرجع سابق (ص ٣٠).\n(^٢) المرجع السابق نفسه.","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type='title' id=toc-193>ثانيًا: بيان العلة من تقديم لقمان النهي عن الشرك في موعظته لولده:</span>\nوفي بدء لقمان موعظته لولده بالنهي عن الشرك قبل الأمر بالتوحيد، علل جليلة من أهمها وأعظمها وأبينها ما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-194>العلة الأول:</span>\nأراد لقمان أن يبين لولده أولًا ثم للمربين وسائر المصلحين ثانيًا أن التوحيد لا يسمى توحيدًا ولا يتحقق إلا باجتناب الشرك أولًا، فنبذ الشرك والتخلي عنه والبراءة منه ومن أهله شرط صحة في قبول جميع الأعمال ومنها وأولها التوحيد الذي هو حق الله على جميع العبيد، كما قال سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].\nقال الحافظ ابن كثير في هذه الآية: «وهذا يوم القيامة، حين يحاسب الله العباد على ما عملوه من خير وشر، فأخبر أنه لا يتحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال -التي ظنوا أنها منجاة لهم- شيء؛ وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي، إما الإخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع الله. فكل عمل لا يكون خالصًا وعلى الشريعة المرضية، فهو باطل. فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معًا، فتكون أبعد من القبول حينئذ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-195>العلة الثانية:</span>\nأراد لقمان بيان وجوب تقديم التصفية على التربية والتخلية على التحلية، وهذه قاعدة عظيمة من قواعد التربية، فإذا أردنا أن نربي أبناءنا على التوحيد الخالص فلا بد أولًا من تصفية العقائد الشركية والكفرية وأمرهم بنبذها والبراءة منها ومن أهلها، ومن ثَمَّ نأمرهم بتحقيق التوحيد وإخلاص الوجه لله سبحانه، ومن أراد أن يزينهم بزينة الإيمان لا بد أولًا أن يخليهم من نواقضه ويجنبهم إياها ويبغضهم فيها ويداوم على تحذيرهم منها ويزجرهم عنها، ومن أراد أن يحليهم ويجملهم بالفضائل ومكارم الأخلاق ومحاسن الصفات وجميل الفعال فلا بد أولًا أن\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٦/ ١٠٦).","vol":"1","page":158},{"text":"ينهاهم عن الرذائل ويجنبهم سيئ الفعال ورديء الأخلاق، وهذا ما فعله هذا العبد الحكيم لقمان مع ولده.\nولقمان ﵇ هنا يوجه المربين والدعاة والمصلحين من بعده إلى خطر الشرك وعظم شأن التوحيد، وأن تصحيح المعتقد مقدم على كل أمر ذي بال في العملية التربوية، سواء كان في الجانب التعبدي، أو الجانب الأخلاقي، أو الجانب الدعوي، أو الجانب الاجتماعي، أو في غير ذلك من الجوانب التربوية والإصلاحية، وأن صلاح هذه الجوانب وإرساء قواعدها التربوية في نفوس الناشئة متوقف على سلامة وصحة المعتقد المتمثل في نبذ الشرك وتحقيق التوحيد كما تبين معنا ذلك آنفًا.\nولذا كان من حكمة لقمان ﵇ أن بدأ موعظته لابنه بالنهي عن الشرك والتحذير منه قبل الأمر ببقية الفضائل من بر الوالدين وطاعتهما في المعروف ومراقبة الله وخشيته وبقية الفضائل الواردة في موعظته، وهذه هي قاعدة التخلية قبل التحلية، أو التصفية قبل التربية كما مر معنا وإنما تكرر ذلك الأمر لأهميته ومكانته.\nقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. فالاستمساك بالعروة الوثقى لا يتحقق إلا بالكفر بالطاغوت أولًا، وهو نبذ كل ما يعبد من دون الله ﵎ والبراءة منه ومن أهله.\n\n<span data-type='title' id=toc-196>ثالثًا: بيان معنى الطاغوت:</span>\nقال ابن منظور: «الطاغوتُ: ما عُبِدَ من دون الله تعالى، وكلُّ رأْسٍ في الضلالِ طاغوتٌ ..» (^١).\nوقال الإمام ابن القيم: «والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع» (^٢).\n_________\n(^١) لسان العرب (٨/ ٤٤٤).\n(^٢) إعلام الموقعين (١/ ٥٠).","vol":"1","page":159},{"text":"وقال شيخنا الفقيه العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى: «وأجمع ما قيل في تعريف الطاغوت: هو ما ذكره ابن القيم بأنه: ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع» (^١).\nويقول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: «والطاغوت: عام في كل ما عبد من دون الله، فكل ما عُبد من دون الله، ورضي بالعبادة، من معبود، أو متبوع، أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله، فهو طاغوت» (^٢).\nوقال ابن الجوزي: «فأما الطاغوت: فهو اسم مأخوذ من الطغيان وهو مجاوزة الحد» (^٣).\nوقال الألوسي: «والطاغوت: يطلق على كل باطل من معبود وغيره» (^٤).\nوقال الإمام المحقق سليمان بن عبد الله (^٥)، رحمهما الله، في شرحه على «كتاب التوحيد» «الطاغوت مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد» (^٦). اهـ.\nقال الإمام عبد الله بن عبدالرحمن أبو بطين: «اسم الطاغوت يشمل: كل معبود من دون الله، وكل رأس في الضلالة يدعو إلى الباطل ويحسنه، ويشمل أيضًا: كل ما نصبه الناس بينهم بأحكام الجاهلية المضادة لحكم الله ورسوله، ويشمل أيضًا: الكاهن والساحر وسدنة الأوثان» (^٧). اهـ.\n_________\n(^١) القول المفيد (١/ ١٠).\n(^٢) الدرر السنية (١/ ١٦١).\n(^٣) زاد المسير (٢/ ١٢٥).\n(^٤) روح المعاني (٥/ ٥٥).\n(^٥) سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (١٢٠٠ هـ-١٢٣٣ هـ/ ١٨١٨ م).\nمن آل الشيخ، فقيه سلفي من أهل نجد من حفدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. ولد بالدرعية عام ١٢٠٠ هـ. كان بارعًا في التفسير والحديث والفقه، وشى به بعض المنافقين إلى إبراهيم باشا بن محمد علي بعد دخوله الدرعية واستيلائه عليها فأحضره إبراهيم، وأظهر بين يديه آلات اللهو والمنكر إغاظة له، ثم أخرجه إلى المقبرة وأمر العساكر أن يطلقوا عليه الرصاص جميعًا فمزقوا جسمه -رحمه الله تعالى- وكان ذلك عام (١٢٣٣ هـ/ ١٨١٨ م). وينظر: - الشاملة.\n(^٦) تيسير العزيز الحميد (٣٤).\n(^٧) مجموعة التوحيد (٥٠٠).","vol":"1","page":160},{"text":"وقال العلامة الفقيه شيخنا ابن عثيمين رحمه الله تعالى: «الطاغوت هو: كل ما خالف حكم الله تعالى ورسوله -ﷺ-، لأن ما خالف حكم الله ورسوله -ﷺ- فهو طغيان واعتداء على حكم من له الحكم، وإليه يرجع الأمر كله وهو الله. قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] (^١). اهـ.\nومن خلاصة ما سلف يتبين أن الشرك بالله هو أعظم الظلم وأن الكافرين كما وسمهم الله بقوله سبحانه: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤].\nومن هنا يتضح لدينا ويتبين لنا أن الكفر هو الظلم والكافر هو الظالم، لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والكافر وَضَعَ العبوديةَ في غير موضعها وصَرَفَها للأنداد، فالكفار يؤمنون بالجبت والطاغوت ويكفرون بالله تعالى، والكافر عَبَدَ المخلوق وهجر عبادة الخالق سبحانه.\nوفي ضوء ما مضى يتأكد لنا أن من أهم الواجبات المتحتمات، ومن أعظم وأَجَلِّ المهمات؛ أن يعرف العبد معنى الشرك وخطره وأقسامه حتى يتم توحيده، ويسلم له إسلامه، ويصح إيمانه.\nفإذا كان الشرك كما وُصِفَ، فإنه من الواجبات المتحتمات ومن أهم المهمات التي يتعين على المسلمين عمومًا والمربين والمصلحين والدعاة خصوصًا التعرف عليه وعلى أقسامه وأضراره ومفاسده وما يترتب على الوقوع والولوج فيه والتلبس به من أحكام ومفاسد ومخاطر وسوء عاقبة في الدارين، ومن ثم توجيه الناشئة وتعليمهم مخاطره ومساوئه وما يترتب على الوقوع فيه من سوء العاقبة وسوء المصير في دار السعير، ثم تنفيرهم منه وتبغيضهم فيه، وأمرهم وحثهم على نبذه وهجرانه وأهله والبراءة منه ومن أهله، فهذه هي التخلية والتصفية، ثم تليها التحلية والتربية على التوحيد الخالص وتوجيه الناشئة وتعليمهم العقيدة الإسلامية الصافية الخالصة الصحيحة الخالية من شوائب الشرك والبدع والمحدثات، وأمرهم بوجوب لزوم\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين (١/ ٣٩).","vol":"1","page":161},{"text":"تحقيق التوحيد قولًا وعملًا، ظاهرًا وباطنًا، وصرف العبادة كلها لله تعالى، ولأن العبادة لا تسمى عبادة ولا تصح إلا مع التوحيد، وذلك حتى يتم توحيدهم، ويسلم لهم إسلامهم، ويصح إيمانهم وانقيادهم وعبوديتهم لله الواحد القهار.\nوإن العناية بتعليم عقيدة التوحيد الخالص لعموم الخلق ودعوتهم إليها ولا سيما الناشئة منهم، هو نهج النبيين والمرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين، ومن بَعدهم وعلى نهجهم في كل زمان سار الأئمة الأعلام من العلماء ورثة الأنبياء والسادة المصلحين الحنفاء والمربين النجباء، فكانوا يبتدرون الناس بالدعوة إلى توحيد الله وإفراده سبحانه بالعبودية وترك عبادة ما سواه وإصلاح العقائد، ثم بعد ذلك يعلمونهم ويأمرونهم ببقية شرائع دين الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-197>رابعًا: بيان أن الدعوة إلى التوحيد هو نهج جميع النبيين والمرسلين:</span>\nولقد بَيَّنَ الله في كتابه أن رسالة النبيين والمرسلين جميعًا هي دعوة الخلق إلى توحيده وعبادته وإخلاص العمل له وحده سبحانه ونبذ عبادة ما سواه. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\nفجميع النبيين المرسلين ﵈ بُعِثوا بهذه المهمة العظيمة والرسالة الجليلة، من لدن نوح ﵇ وهو أول الرسل وحتى خاتمهم نبينا محمد -ﷺ-.\nقال الله تعالى عن نوح ﵇: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وكذلك قال هود وصالح وشعيب وإبراهيم ﵈ أجمعين، ومن محاسن دعوة الأنبياء والمرسلين ﵈ في هذا المضمار، عنايتهم بعقائد أبنائهم تربيةً وتعليمًا وتوجيهًا ودعوةً:\nفهذا نوح ﵇ أول رسل الله لأهل الأرض يهتف في فلذة كبده وثمرة فؤاده محذرًا له","vol":"1","page":162},{"text":"من الكفر وعاقبته ومن الكافرين ومغبة صحبتهم ومعيتهم: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود: ٤٢].\nوهذا خليل الرحمن يوصي بنيه، وكذلك من بعده ولده يعقوب ﵉: قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، والخليل ﵇ تتابعه ذريته من بعده على نهج التوحيد ونبذ الشرك، فهذه وصية يعقوب ﵇ لبنيه وهو في إدبار من الدنيا وإقبال من الآخرة، قال تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣].\nوهذا يوسف الصديق ﵇ يعلنها مدويةً بين جنبتي السجن، مخاطبًا رفقاء السجن داعيًا إياهم إلى نبذ الشرك وتحقيق التوحيد، معلنًا لهم بذلك نهجه الذي تربى عليه ونهج آبائه النبيين من قبله، قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ [يوسف: ٣٨ - ٤٠].\n- وهذا خاتم النبيين والمرسلين ﵊ يبين عظم شأن التوحيد معلنًا بذلك للبشرية قاطبة إلى قيام الساعة أنه لا مساومة في أصل الدين وأساس الملة، وأن سيوف أهل الإسلام وعسكر الإيمان ما سُلت في وجوه جحافل الشرك وعسكر الشيطان فأهريقت دماء، وقطعت أجسام وصارت أشلاءَ، وأزهقت أرواحٌ ويُتِّمَ أطفالٌ، ورُمِّلَتْ نساءٌ، إلا حماية لجناب التوحيد وتحقيقًا لعبودية الواحد الأحد، وإعلاءً ورفعة لكلمة التوحيد التي هي أساس الملة","vol":"1","page":163},{"text":"وأس الدين، فيقول -ﷺ-: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (^١).\nويوجه الأمة لحمل هذه الراية -راية التوحيد-، فيؤهل أصحابه الكرام ﵃ لحمل هذه الرسالة الخالدة -رسالة التوحيد- وتبليغها للخلق، لتقوم الأمة بهذه المهمة الجسيمة والعظيمة تأسيًا به -ﷺ- وبصحبه الكرام من بعده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.\n* عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄-، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا بَعَثَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَاب، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» (^٢).\nولقد اعتنى النبي -ﷺ- بترسيخ العقيدة في نفوس الناشئة خاصة، فها هو صلوات الله عليه وسلامه يوصي ابن عباس، ﵄، فيقول له: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢)، وهو في السلسلة الصحيحة للألباني (١/ ٧٦٦).\n(^٢) البخاري (٧٣٧٢)، ومسلم (١٩/ ٢٩).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (٢٨٠٢ - الرسالة)، وأبو يعلى (٢٥٥٦)، والطبراني (١٢٨٢٠) (١٢٩٨٩)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٤١٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٧٤)، والضياء في المختارة (٣٣٨٣) و(٣٣٨٦): من طريق قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس، قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا: فذكره وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».","vol":"1","page":164},{"text":"ولا شك أن في ذلك تعليمًا للأمة بأسرها ودعوة للاقتداء به والتأسي بتربيته وتعليمه -ﷺ-، والمعني بذلك أولًا هم العلماء والمربون من الدعاة وسائر الهداة المصلحين.\nوفي عظيم فضل ومكانة نبذ الشرك وتحقيق التوحيد ما ورد في الحديث القدسي قال الله ﵎: «يا بن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا بن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة» (^١).\nوفيما سبق من نصوص التنزيل دلالة واضحة على عظم شأن عقيدة التوحيد والعمل بها والدعوة إليها وتعليمها للناشئة وتربيتهم وتنشئتهم عليها وأنها نهج جميع النبيين المرسلين عليهم الصلاة والسلام.\nومما لاريب فيه أن البدء بتعليم العقيدة التي هي أساس الملة وأسّ الدين، وغرسها في نفوس الناشئة منذ نعومة أظفارهم من أوجب الواجبات وأهم المهمات المتحتمات كما أسلفنا، وإن تعليم باقي الواجبات يأتي تبعًا لأساس الملة وأصل الدين، كما أنه يجب تقديمها على كل الواجبات كما بدأ لقمان في موعظته وتعليمه ولده.\n\n<span data-type='title' id=toc-198>خامسًا: أن تربية الناشئة على عقيدة التوحيد صمام أمان لهم:</span>\nفالاهتمام بتعليم الناشئة عقيدة التوحيد الخالص وتربيتهم على هذا المعتقد وتنشئتهم عليه هو من أعظم وأَجَلِّ أسباب حفظهم من الأفكار المنحرفة والعقائد الدخيلة، وأقرب لقبولها لموافقتها لفطرة الله التي فطرهم وجبلهم وصبغهم عليها، وإذا تربى الناشئة على عقيدة الفرقة الناجية والطائفة المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة، كان ذلك من أَجَلِّ وأعظم أسباب حفظهم من أمراض الشهوات وعلل ومزالق الشبهات ومن سبل الانحراف والانجراف\n_________\n(^١) صحيح الترمذي للألباني (ح ٣٥٤٠)، وفي (السلسلة الصحيحة (١٢٧.","vol":"1","page":165},{"text":"بكل صوره، وسلموا من الآفات الشركية والبدعية والفكرية والسلوكية والأخلاقية، لأن أهل السنة والجماعة وسطٌ بين الفرق الغالية والجافية، فكما أن أهل الإسلام فيهم الوسطية بين أهل الملل والشرائع، فكذلك أهل السنة والجماعة بين الفرق والطوائف المنسوبة للإسلام كما قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي: عدولًا خيارًا، ولا شك أن الواقع يشهد لذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-199>سادسًا: بيان أهمية واجب المربين والمعلمين والقائمين على التعليم تجاه هذا الجانب العظيم:</span>\nفعلى المربين والدعاة والمصلحين والقائمين على مناهج التعليم في بلاد الإسلام فهم هذا الجانب العظيم فهمًا صحيحًا، وأن يولوه ما يستحق من العناية وما يجب عليهم تجاه الناشئة وتعليمهم عقيدة التوحيد الخالص، ووضع مناهج عقدية متلائمة مع مراحلهم العمرية تدريجيًّا منذ مراحل عمرهم الأولى، وذلك في ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي متوافرة وبكثرة ولله الحمد، وذلك قبل أن تصل إلى فطرتهم يد الردى فتغير وتبدل ما جبلوا وما فطروا عليه من معالم التوحيد الخالص.\nيقول ابن القيم: «فإذا كان وقت نطقهم فليلقنوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، وليكن أول ما يقرع مسامعهم معرفة الله سبحانه وتوحيده، وأنه سبحانه فوق عرشه ينظر إليهم ويسمع كلامهم، وهو معهم أينما كانوا» (^١).\nأول وصايا لقمان لابنه:\nبعد هذا البيان يتبين لنا أن لقمان ﵇ لما ابتدر ابنه بتصحيح المعتقد وتأسيس الملة بهدم الشرك وبيان معالم التوحيد، لم يأت ببدع من القول؛ بل وافق بحكمته التي آتاه الله نهج النبيين والمرسلين ﵊ وسائر عباد الله المصلحين.\nفكان في طليعة موعظته ووصاياه لابنه بأن حذره من الشرك ونهاه عنه، فالنهي عن الشرك\n_________\n(^١) تحفة المودود (ص ٢٣١).","vol":"1","page":166},{"text":"متضمن لتحقيق التوحيد، كما أسلفنا وبينا، قال ربنا ﵎: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦].\nوالتوحيد هو أول واجب على المكلفين، وبالتالي يكون أول واجب على المربين والدعاة والمصلحين، هو غرس عقيدة التوحيد في نفوس الناشئة وهو أول ما ابتدأ به لقمان مع ولده.\n\n<span data-type='title' id=toc-200>سابعًا: بيان مواعظ لقمان في الجانب العقدي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-201>الوصية الأولى من وصايا لقمان لابنه في الجانب العقدي (التحذير من الشرك)</span>\nقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]. وفي ضوء بيان وصية لقمان السابقة نعرج على جوانب مهمة إيضاحًا لتلك الوصية العظيمة:\n\n<span data-type='title' id=toc-202>الجانب الأول: بيان معنى الشرك لغة وشرعًا:</span>\n<span data-type='title' id=toc-203>أ- معنى الشرك لغة:</span>\nقال ابن فارس: «الشين والراء والكاف أصلان، أحدهما يدلّ على مقارنة وخلافِ انفرادٍ، والآخر يدلّ على امتداد واستقامة. ومادة الشرك لها أصلان:\nالأصل الأول: الشركة، وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، يقال: شاركت فلانًا في الشيء إذا صرت شريكَه، وأشركت فلانًا إذا جعلته شريكًا لك.\nوأما الأصل الآخر: فالشرك لَقَمُ الطريق، وهو شراكه أيضًا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-204>ب- معنى الشرك شرعًا:</span>\nقال ابن سعدي: «حقيقة الشرك أن يُعْبَدَ المخلوقُ كما يُعْبَدُ اللهُ، أو يعظَّم كما يعظَّم الله، أو يُصْرَفَ له نوع من خصائص الربوبية والإلهية» (^٢).\n_________\n(^١) مقاييس اللغة (٣/ ٢٦٥) مادة (شرك (.\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن (٢/ ٤٩٩).","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type='title' id=toc-205>الجانب الثاني: إيضاح مفهوم الشرك الأكبر وبيان حقيقته في كلام علماء الأمة:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأصل الشرك أن تعدل بالله تعالى مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده، فإنه لم يعدل أحد بالله شيئًا من المخلوقات في جميع الأمور، فمن عبد غيره أو توكل عليه فهو مشرك به» (^١). اهـ.\nقال ابن القيم: «.. فالشرك تشبيه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية، فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف والرجاء، والتوكل عليه وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق .. ومن خصائص الإلهية: الكمال المطلق، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة من جميع الوجوه كلها له وحده، التعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكل والاستعانة، وغاية الذل مع غاية الحب .. فمن جعل شيئًا من ذلك لغيره تعالى فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا ند له وذلك أقبح التشبيه وأبطله، ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره» (^٢). اهـ.\nفمن سوَّى بين الخالق والمخلوق فيما هو من خصائص الرب فهو مشرك.\nقال ابن سعدي: «فإنَّ حدَّ الشرك الأكبر وتفسيره الذي يجمع أنواعه وأفراده (أن يصرِفَ العبدُ نوعًا أو فردًا من أفراد العبادة لغير الله) فكلُّ اعتقادٍ أو قولٍ أو عمل ثبت أنَّه مأمورٌ به من الشَّارع فصرفُه لله وحده توحيدٌ وإيمانٌ وإخلاصٌ، وصرفُه لغيره شركٌ وكفرٌ. فعليك بهذا الضَّابط للشِّرك الأكبر الَّذي لا يشذُّ عنه شيءٌ» (^٣). اهـ.\nقال الإمام الصنعاني: «فإفراد الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله له\n_________\n(^١) الاستقامة (١/ ٣٤٤).\n(^٢) الجواب الكافي (ص ١٥٢ - ١٥٣).\n(^٣) القول السَّديد في مقاصد التَّوحيد (ص ٥٤).","vol":"1","page":168},{"text":"والنداء في الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده، والاستعانة بالله وحده واللجوء إلى الله والنذر والنحر له تعالى، وجميع أنواع العبادات، ومن فعل ذلك لمخلوق حي أو ميت أو جماد أو غيره، فهذا شرك في العبادة» (^١). اهـ.\nوقال العلامة الإمام عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين: «فمن صرف لغير الله شيئًا من أنواع العبادة، فقد عبد ذلك الغير واتخذه إلهًا، وأشركه مع الله في خالص حقه، وإن فرَّ من تسمية فعله ذلك تألهًا وعبادة وشركًا، ومعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها.\nفالشرك إنما حرم لقبحه في نفسه، وكونه متضمنًا مسبة للرب، وتنقصه وتشبيهه بالمخلوقين، فلا تزول هذه المفاسد بتغيير اسمه، كتسميته توسلًا، وتشفعًا، وتعظيمًا للصالحين، وتوقيرًا لهم ونحو ذلك، فالمشرك مشرك شاء أم أبى» (^٢). اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-206>الجانب الثالث: بيان لأول وصايا لقمان في ضوء كلام أهل التفسير:</span>\nيقول ابن عاشور: «ابْتَدَأَ لُقْمَانُ مَوْعِظَةَ ابْنِهِ بِطَلَبِ إِقْلَاعِهِ عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ لِأَنَّ النَّفْسَ الْمُعَرَّضَةَ لِلتَّزْكِيَةِ وَالْكَمَالِ يَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ تَخْلِيَتُهَا عَنْ مَبَادِئِ الْفَسَادِ وَالضَّلَالِ، فَإِنَّ إِصْلَاحَ الِاعْتِقَادِ أَصْلٌ لِإِصْلَاحِ الْعَمَلِ» (^٣). اهـ.\nوكأن ابن عاشور يريد أن يؤكد قاعدة التخلية قبل التحلية والتصفية قبل التربية وقد مرَّ بنا ذلك منذ قليل.\nويقول ابن عاشور: «وفَائِدَةُ ذِكْرِ الْحَالِ بِقَوْلِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ هَذَا كَانَ لِتَلَبُّسِ ابْنِهِ بِالْإِشْرَاكِ، وَقَدْ قَالَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ ابْنَ لُقْمَانَ كَانَ مُشْرِكًا فَلَمْ يَزَلْ لُقْمَانُ يَعِظُهُ حَتَّى آمَنَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، فَإِنَّ الْوَعْظَ زَجْرٌ مُقْتَرِنٌ بِتَخْوِيفٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ\n_________\n(^١) تطهير الاعتقاد (ص ٨).\n(^٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩).\n(^٣) التحرير والتنوير (٢٢/ ١٥٥).","vol":"1","page":169},{"text":"فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]، وَيُعْرَفُ الْمَزْجُورُ عَنْهُ بِمُتَعَلِّقِ فِعْلِ الْمَوْعِظَةِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الزَّجْرَ هُنَا عَنِ الْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ. وَلَعَلَّ ابْنَ لُقْمَانَ كَانَ يَدِينُ بِدِينِ قَوْمِهِ مِنَ السُّودَانِ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى لُقْمَانَ بِالْحِكْمَةِ وَالتَّوْحِيدِ أَبَى ابْنُهُ مُتَابَعَتَهُ فَأَخَذَ يَعِظُهُ حَتَّى دَانَ بِالتَّوْحِيدِ، وَأَصْلُ النَّهْيِ عَنِ الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ حِينَ التَّلَبُّسِ بِالشَّيْءِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَوْ عِنْدَ مُقَارَبَةِ التَّلَبُّسِ بِهِ، وَالْأَصْلُ أَنْ لَا يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ مُنْتَفٍ عَنِ الْمَنْهِيِّ» (^١). اهـ.\nقال ابن سعدي: «﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان: ١٣]، أَوْ قَالَ لَهُ قَوْلًا بِهِ يَعِظُهُ وَالْوَعْظُ: الْأَمْرُ، وَالنَّهْيُ، الْمَقْرُونُ بِالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، فَأَمَرَهُ بِالْإِخْلَاصِ، وَنَهَاهُ عَنِ الشِّرْكِ، وَبَيَّنَ لَهُ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. وَوَجْهُ كَوْنِهِ عَظِيمًا، أَنَّهُ لَا أَفْظَعَ وَأَبْشَعَ مِمَّنْ سَوَّى الْمَخْلُوقَ مِنْ تُرَابٍ، بِمَالِكِ الرِّقَابِ، وَسَوَّى الَّذِي لَا يَمْلِكُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْئًا، بِمَالكِ الْأَمْرِ كُلِّهِ، وَسَوَّى النَّاقِصَ الْفَقِيرَ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، بِالرَّبِّ الْكَامِلِ الْغَنِيِّ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، وَسَوَّى مَنْ لَمْ يَنْعَمْ بِمِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنَ النِّعَمِ بِالَّذِي مَا بِالْخَلْقِ مِنْ نِعْمَةٍ فِي دِينِهِمْ، وَدُنْيَاهُمْ وَأخْرَاهُمْ، وَقُلُوبِهِمْ، وَأَبْدَانِهِمْ، إِلَّا مِنْهُ، وَلَا يَصْرِفُ السُّوءَ إِلَّا هُوَ، فَهَلْ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا الظُّلْمِ شَيْءٌ؟! وَهَلْ أَعْظَمُ ظُلْمًا مِمَّنْ خَلَقَهُ اللَّهُ لِعِبَادَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، فَذَهَبَ بِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ، فَجَعَلَهَا فِي أَخَسِّ الْمَرَاتِبِ جَعَلَهَا عَابِدَةً لِمَنْ لَا يُسَوِّي شَيْئًا، فَظَلَمَ نَفْسَهُ ظُلْمًا كَبِيرًا» (^٢). اهـ.\nيقول عبد الكريم الخطيب (^٣): «وقد حذر لقمان ابنه من الشرك، لأنه ليس هناك ذنب أعظم\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (٢٢/ ١٥٥).\n(^٢) ابن سعدي (٦/ ١٣٥١).\n(^٣) عبد الكريم محمود يونس الخطيب. باحث معروف، ومفسر، ولد في السابع عشر من مارس (مايو) (١٣٢٨ هـ) (١٩١٠ م)، في قرية «الصوامعة غرب» التابعة لمركز طهطا بمديرية جرجا، محافظة سوهاج من صعيد مصر. تعلّم في كتّاب القرية، فحفظ القرآن الكريم، ثم التحق بالمدرسة الأولية بالقرية، ثم بمدرسة المعلمين بسوهاج في عام (١٩٢٥ م)، وتخرّج فيها سنة (١٩٢٨ م)، ليعمل مدرسًا بالمدارس الأولية في منطقته. توفي في صفر سنة (١٤٠٦ هـ، عام ١٩٨٥ م).\nأهم المراجع:\n١ - إتمام الأعلام، د/ نزار أباظة ومحمد رياض المالح، دار صادر -ط ٢ - بيروت، (٢٠٠٣ م).\n٢ - تتمة الأعلام للزركلي، محمد خير رمضان يوسف، دار ابن حزم (م ١/ ٣١٧).\n٣ - المستدرك على تتمة الأعلام للزركلي (١٩٧: ٣).","vol":"1","page":170},{"text":"وأقبح منه، وليس هناك بعده ظلم أشد منه، فالشرك أعظم خطر يتهدد الإنسان ويجعله في مهب الريح عند غضب الله تعالى، والشرك ظلم عظيم، أمّا أنه ظلم فلأن فيه وضع الشيء في غير موضعه، وأما أنه «عظيم» فلما فيه من التسوية بين المنعم الحقيقي الله سبحانه، وبين من لا نعمة له ولا عبادة وهي الأصنام والأوثان» (^١). اهـ.\nويتابع ابن عاشور فيقول: «وَجُمْلَةُ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْهُ وَتَهْوِيلٌ لِأَمْرِهِ، فَإِنَّهُ ظُلْمٌ لِحُقُوقِ الْخَالِقِ (^٢)، وَظُلْمُ الْمَرْءِ لِنَفْسِهِ إِذْ يَضَعُ نَفْسَهُ فِي حَضِيضِ الْعُبُودِيَّةِ لِأَخَسِّ الْجَمَادَاتِ، وَظُلْمٌ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ الْحَقِّ إِذْ يَبْعَثُ عَلَى اضْطِهَادِهِمْ وَأَذَاهُمْ، وَظُلْمٌ لِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ بِقَلْبِهَا وَإِفْسَادِ تَعَلُّقِهَا.\nوَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِ لُقْمَانَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ، وَدَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»\n_________\n(^١) التفسير القرآني (١٥/ ٥٦٥) بتصرف.\n(^٢) يقول الباحث: الصواب: أن يُقال ظلم فيما بين العبد وبين الله تعالى: لأن الظلم إنما يقع من القوي على الضعيف، وهذا النقص والضعف محال في حق من له الكمال المطلق سبحانه، قال تعالى في حق بني إسرائيل: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧].\nيقول الألوسي: «ظلم الإنسان للّه تعالى لا يمكن وقوعه البتة» انتهى. روح المعاني (١/ ٢٦٥).\nويقول ابن عباس﵁- في قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ [البقرة: ٥٧] قال: «نحن أعز من أن نُظلم» انتهى. تفسير ابن أبي حاتم (١/ ١١٦).\nويقول ابن القيم: «فَمَا ظَلَمَ الْعَبْدُ رَبَّهُ، وَلَكِنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، وَمَا ظَلَمَهُ رَبُّهُ، وَلَكِنْ هُوَ الَّذِي ظَلَمَ نَفْسَهُ» انتهى. الجواب الكافي (ص ٧١).\nوفي الحديث: «الدَّوَاوِينُ ثَلَاثَةٌ: فَدِيوَانٌ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا، وَدِيوَانٌ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا، وَدِيوَانٌ لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا. فَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَغْفِرُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا، فَالْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ تعالى، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا قَطُّ، فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ. وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا، فَمَظَالِمُ الْعِبَادِ بَيْنَهُمُ، الْقِصَاصُ لَا مَحَالَةَ». رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (٤/ ٦١٩)، وفي سنده=","vol":"1","page":171},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَقَالُوا: أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (^١). اهـ.\nقال الشوكاني:» وَمَعْنَى وَهُوَ يَعِظُهُ يُخَاطِبُهُ بِالْمَوَاعِظِ الَّتِي تُرَغِّبُهُ فِي التَّوْحِيدِ وَتَصُدُّهُ عَنِ الشِّرْكِ ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِكَسْرِ الْيَاءِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ بِإِسْكَانِهَا. وَقَرَأَ حَفْصٌ بِفَتْحِهَا، وَنَهْيُهُ عَنِ الشِّرْكِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا، وَجُمْلَةُ: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ تَعْلِيلٌ لِمَا قَبْلَهَا، وَبَدَأَ فِي وَعْظِهِ بِنَهْيِهِ عَنِ الشِّرْكِ؛ لِأَنَّهُ أَهَمُّ مِنْ غَيْرِهِ» (^٢). اهـ.\nقال أبو حيان: «ولأن لقمان كان رجلًا حكيمًا ابتدأ بابنه، وخصه بذلك أولًا لأنه أقرب الناس إليه، وأحبهم إلى قلبه، وآثرهم عنده، قيل: إن ابنه وامرأته كانا كافرين، فما زال يعظهما حتى أسلما» (^٣). اهـ\nقال الألوسي: «﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان: ١٣] قِيلَ: كَانَ ابْنُهُ كَافِرًا وَلِذَا نَهَاهُ عَنِ الشِّرْكِ، فَلَمْ يَزَلْ يَعِظهُ حَتَّى أَسْلَمَ، وَكَذَا قِيلَ فِي امْرَأَتِهِ وَقِيلَ: كَانَ مُسْلِمًا، وَالنَّهْيُ عَنِ الشِّرْكِ تَحْذِيرٌ لَهُ عَنْ صُدُورِهِ مِنْهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.\n﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وَالظَّاهِر أَنَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ لُقْمَانَ، وَيَقْتَضِيهِ كَلَامُ مسْلِمٍ فِي «صَحِيحِهِ»، وَالْكَلَامُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، أَوِ الِانْتِهَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، وَقِيلَ: هُوَ خَبرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى\n_________\n=ضعف، وله شاهد من حديث أنس عند أبي داود الطيالسي (٣/ ٥٧٩)، وقد حسنه به الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (١٩٢٧).\n(^١) التحرير والتنوير (٢٢/ ١٥٥)، يُنظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٢٠٧). والحديث أخرجه البخاري في \"كتاب الإيمان\" \"باب ظلم دون ظلم\" حديث (٣٢)، وأخرجه مسلم حديث (١٢٤)، وأخرجه الترمذي في: كتاب التفسير \"باب ومن سورة الأنعام\" حديث (٣٠٦٧).\n(^٢) فتح القدير (١/ ١١٤٢).\n(^٣) البحر المحيط (٧/ ١٨٣).","vol":"1","page":172},{"text":"شَأْنُهُ مُنْقَطِعٌ عَنْ كَلَامِ لُقْمَانَ مُتَّصِلٌ بِهِ فِي تَأْكِيدِ الْمَعْنَى، وَكَوْنُ الشِّرْكِ ظُلْمًا لِمَا فِيهِ مِنْ وَضْعِ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَكَوْنُهُ عَظِيمًا لِمَا فِيهِ مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَنْ لَا نِعْمَةَ إِلَّا مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَمَنْ لَا نِعْمَةَ لَهُ» (^١). اهـ.\nقال الماوردي: «﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] يَعْنِي: عِنْدَ اللَّهِ، وَسَمَّاهُ ظُلْمًا لِأَنَّهُ قَدْ ظَلَمَ بِهِ نَفْسَهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِابْنِهِ وَكَانَ مُشْرِكًا» (^٢). اهـ.\nقال البيضاوي: «﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان: ١٣] قِيلَ: كَانَ كَافِرًا فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَسْلَمَ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]؛ لِأَنَّهُ تَسْوِيَةٌ بَيْنَ مَنْ لَا نِعْمَةَ إِلَّا مِنْهُ وَمَنْ لَا نِعْمَةَ مِنْهُ» (^٣). اهـ.\nقال ابن عطية الأندلسي: «وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ لُقْمَانَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مُنْقَطِعًا مِنْ كَلَامِ لُقْمَانَ، مُتَّصِلًا بِهِ فِي تَأْكِيدِ الْمَعْنَى، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْحَدِيثُ الْمَأْثُورُ: أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] أَشْفَقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالُوا: «أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، فَسَكَنَ إِشْفَاقُهُمْ» (^٤). اهـ.\nيقول الإمام ابن القيم: «فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله؛ حيث جعل له من خلقه ندًا، وذلك غاية الظلم منه، وإن كان المشرك في الواقع لم يظلم ربه، وإنما ظلم نفسه» (^٥). اهـ.\n- وعن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: سألت رسول الله -ﷺ- أيُّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك» (^٦).\n_________\n(^١) تفسير الألوسي (٢١/ ٨٥).\n(^٢) تفسير الماوردي (٤/ ٣٣٤).\n(^٣) تفسير البيضاوي: (٤/ ٢١٤).\n(^٤) ابن عطية (٧/ ٤٦).\n(^٥) ابن قيم الجوزية، الجواب الكافي، مكتبة الرياض الحديثة (١/ ٨٣) (ط ١٤٠١ هـ).\n(^٦) البخاري (٦٠٠١).","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type='title' id=toc-207>هل كان ابن لقمان كافرًا</span>؟\nوالقول بأن ابن لقمان كان كافرًا قال به أكثر أهل التفسير ونقل ابن عاشور أنه قول الجمهور -يعني: جمهور المفسرين- ثم علل ترجيحه بقوله: «وَأَصْلُ النَّهْيِ عَنِ الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ حِينَ التَّلَبُّسِ بِالشَّيْءِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَوْ عِنْدَ مُقَارَبَةِ التَّلَبُّسِ بِهِ، وَالْأَصْلُ أَنْ لَا يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ مُنْتَفٍ عَنِ الْمَنْهِيّ». اهـ.\nوكذلك قيل: في امرأة لقمان بأنها كانت كافرة، فما زال بهما لقمان حتى أسلما، وهذا القول: -أي: في امرأة لقمان- قال به جمع من أهل التفسير، منهم على سبيل المثال لا الحصر، القرطبي والزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي والألوسي وغيرهم، وهذا القول ليس فيه أي إشارة في موعظة لقمان لا من قريب ولا من بعيد، مما يدل على غرابته أيضًا.\nيقول القرطبي: «وذكر القشيري أن ابنه وامرأته كانا كافرين فما زال يعظهما حتى أسلما» (^١).\nويقول الألوسي: «قيل: كان ابنه كافرًا ولذا نهاه عن الشرك، فلم يزل يعظه حتى أسلم، وكذا قيل في امرأته» (^٢).\nومن القواعد المقررة عند أهل السنة أنه: «من دخل الإسلام بيقين لم يخرج منه إلا بيقين» نص عليها غير واحد من أهل العلم منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية حيث يقول: «وليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين، وإن أخطا وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين: لم يَزُلْ ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة» (^٣).\nوالاستدلال بكلام شيخ الإسلام على مانحن بصدده لا يتطابق من كل وجه، ولكن من جهة قاعدة: «ومن ثبت إسلامه بيقين: لم يَزُلْ ذلك عنه بالشك».\n_________\n(^١) القرطبي (١٤/ ٥٩).\n(^٢) الألوسي (٢١/ ٨٥).\n(^٣) مجموع فتاوى ابن تيمية (١٢/ ٤٦٦).","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type='title' id=toc-208>القول الراجح في القول بكفر ابن لقمان</span>\nوالحقيقة أنه يصعب الجزم بذلك، أي: بـ «القول بأن ابن لقمان كان كافرًا»، لأن دلالة القول به ظنية مأخوذة من فحوى موعظة لقمان لولده فحسب، وليس ثَمَّ دلالة قطعية تثبت دعوى كفر ابن لقمان حين وعظه تلك الموعظة، والكفر شأنه عظيم، وخطره وخَطبهُ أليم، وسوء عاقبته وخيمة، فلا يثبت إلا بدلالة قطعية الثبوت.\nفالتوقف في ذلك أسلم، والقول بأنه لم يكن كافرًا قال به غير واحد من أئمة التفسير وهو أسلم وأحوط وأقرب للصواب، والله أعلم.\nوإنما كان تحذير لقمان ولده من الشرك من باب الحرص على بقاء فطرته على التوحيد الخالص الذي جُبِلت وفُطِرت وخُلِقت عليه الخليقةُ، وليس من باب أنه متلبس بالشرك كما قال سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠].\nوحتى لا تلوث فطرته النقية السوية بلوثة الشرك ودرن الكفر، فالوصية من باب درهم وقاية خير من قنطار علاج، لا من باب كونه كان كافرًا، ولقمان قرن تحذير ولده من الشرك بعلته المقترنة به وحكمته اللازمة له كما بَيَّنَ ربنا ذلك بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وكذلك فعل في كل وصاياه الواردة في السورة الكريمة، وفي هذا دلالة بينة على حكمة لقمان في وعظه وتعليمه وتربيته لولده.\nولا شك أن ذلك أدعى إلى قبول الولد نصح أبيه ووعظه وتعليمه والاستجابة الذاتية له.\nولا يخفى على كل مُرَبٍّ حكيم، أن التحذير من الشر قبل وقوعه من أنفع وأنجع الأساليب التربوية، إذ التربية بالتحذير من الشرك والأمر باجتنابه والبعد عنه قبل وقوعه أيسر من النهي عنه بعد التلبس به والوقوع والولوج فيه، إذ إنه قد لا يسلم من تلبس بالشرك أن تقتلع جذوره بالكلية، فقد تبقى بعض آثاره ورواسبه عالقة في النفس، وقد يشق عودتها للفطرة الأولى بيضاء نقية كما خلقها الله أول مرة، ولا شك أن الواقع يشهد لذلك.","vol":"1","page":175},{"text":"وما حديث ذات أنواط عنا ببعيد فعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ (^١) -وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ- ولِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، ويَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، قَالَ: فَمَرَرْنَا بِالسِّدْرَةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» (^٢).\nقال الشوكاني ولم يكن من قصدهم أن يعبدوا تلك الشجرة أو يطلبوا منها ما يطلبه القبوريون من أهل القبور، فأخبرهم ﷺ أنّ ذلك بمنزلة الشرك الصريح، وأنه بمنزلة طلب آلهةٍ غير الله تعالى (^٣). والذي يبدو جليًّا لنا أنَّ الصحابة ﵃ أجمعين إنَّما كان طلبهم بأن يجعل النبي -ﷺ- لهم ذاتَ أنواط كما أن للمشركين ذاتَ أنواط، وهذا يشبه سؤالَ بني إسرائيل لموسى ﵇ بقولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، لا أنه هو الشرك بذاته؛ ذلك لأنَّ التشابه في وجهٍ أو فردٍ لا يلزم التشابه بينهما من كلِّ وجهٍ وفردٍ، وقد عذرهم النبي -ﷺ- ذلك لأنهم كانوا حديثي عهد بكفر. ا هـ.\nوالمنتقل من الباطل الذي اعتاده، لا يأمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة لأن الصحابة\n_________\n(^١) غزوة حنين، وتسمى: غزوة أوطاس، موضعان بين مكة والطائف، فسميت الغزوة باسم مكانها، زاد المعاد: ابن القيم: محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي ثم الدمشقي، مؤسسة الرسالة: (١٤١٨ هـ/ ١٩٩٨ م)، عدد الأجزاء: خمسة أجزاء.\nوحنين: هو واد إلى جانب ذي المجاز قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا من جهة عرفات، هذا ما اعتمده الحافظ في الفتح وغيره، رشيد رضا، تفسير المنار (١٠/ ٢١٧).\nيقول الباحث: وحنين اليوم لا تعرف بهذا الاسم بل تعرف بالشرائع العليا، وهي منطقة قبيل مكة بقليل، وهي دون المواقيت، وأصبحت عامرة بالسكان والمنشآت.\n(^٢) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الفتن، باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم: (٢١٨٠)، وقال: «حسن صحيح»، وأحمد في مسنده (٢١٣٩٠)، وصححه الألباني في جلباب المرأة المسلمة (٢٠٢).\nصححه في رياض الجنة برقم (٧٦).\n(^٣) الدر النضيد للشوكاني (٩).","vol":"1","page":176},{"text":"الذين طلبوا ذلك لم يكن مضى على إسلامهم إلا أيام معدودة لأنهم أسلموا يوم فتح مكة ثم خرج بهم النبي -ﷺ- إلى غزوة حنين فوقعت تلك الوقعة وهم في طريقهم إلى حنين (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-209>مخاطبة لقمان ولده بالحكمة (يا بني):</span>\nقال ابن كثير: «وهو يوصي ولده الذي هو أَشْفَقُ الناسِ عليه وأحبهم إليه، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف؛ ولهذا أوصاه أولًا بأن يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا، ثم قال محذرًا له: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (^٢).\nقال الألوسي: «﴿يَابَنِي﴾ تصغير إشفاق ومحبة لا تصغير تحقير» (^٣).\nقال البقاعي: «﴿يَابَنِي﴾ خَاطَبَهُ بأحب ما يُخَاطَب به، مع إظهار الترحم والتحنن والشفقة، ليكون ذلك أدعى لقبول النصح» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-210>في معنى مخاطبة لقمان ولده بلفظ البنوة [يَا بُنَيَّ]:</span>\nلقد افتتح لقمان وصاياه التربوية والإيمانية بكلمة عظيمة تَرِقُّ الأفئدةُ بسماعها، وتَرتاح النُّفوس السوية بندائها، وهي كلمة استِعطافية تتلطِّف بها الأجواء الحوارية بين الأب وفلذة كبده وثمرة فؤاده، فتَلتقِطها أُذُنه صاغيةً لها وتَشق طريقها مسرعة إلى سويداء قَلبِه، فيُحسُّها في خلجات نفسه دفئًا وحنانًا وحبًّا، وراحة وسعادةً وطمأنينةً، فتنعقد بها أواصِر من الأُلفة وروابط من المحبة، وتتصل بها حِبال من المودِّة بين الابن وأبيه، إنها كلمة (يَا بُنَيّ)، والتي تفتح للبر والسمع والانقياد والطاعة والقبول لما يلقى على مسامعه أمرًا حتمي القبول، لازم الانصياع، ومِن التذمر والتسخط والتبرم أمرًا مستبعد الوقوع.\n_________\n(^١) ينظر: فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد (١٤٧).\n(^٢) ابن كثير (٦٣٣٦).\n(^٣) الألوسي (٢١/ ٨٥).\n(^٤) البقاعي (٦/ ١٦٢).","vol":"1","page":177},{"text":"وهذا الأسلوب الأبوي غاية في التلطف والتودد، مع ما فيه من بيان لما يحمله قلب الأب من معاني الحنان والمحبة والرحمة والمودة والشفقة لأحب الخلق إلى قلبه، وإنما خاطبه بألطف العبارات، بالاستِعطاف والرحمة والرأفة، وبأرق الألفاظ لتصبح الموعظة والنصيحة والوصية أدعى للقبول، وأجدى للنفع وأوقع في النفس.\nوفي ذلك جذب لفؤاد ولده وفلذة كبده وترغيب وحث وتحفيز له على الاستجابة، واستمالة لفتح مسامع قلبه لتلقف ما يلقيه والده من مواعظ ونصائح بنفس راضية مطمئنة، وهي نصيحة صادقة خالصة من حظوظ النفس خالية من كل تهمة مبرأة من كل عيب ومن كل شائبة، لأنها صادرة من أب شفيق رحيم ودود حريص على صلاح ولده، فهي نصيحة خالصة صافية لا غش فيها إذ يعود نفعها أولًا على نور عينيه وفلذة كبده وثمرة فؤاده، ولا شك في تأثير تلك الموعظة في نفس الابن، وأنها وقعت بأسلوب مؤثر وفعال، وأثمرت في نفس ابنه دافعًا ذاتيًا يحمل الابن على الإذعان والانقياد لموعظة أبيه والامتثال لأمره، ولا شك أن ذلك كله راجع بعد توفيق الله لما حباه الله لهذا المربي الحكيم من الحكمة التي زكاه به ومدحه بها في كتابه الكريم، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢].\nيقول ابن رجب الحنبلي: «المواعظ سياط تضرب القلوب فتؤثر في القلوب كتأثير السياط في البدن، والضرب لا يؤثر بعد انقضائه كتأثير في حال وجوده؛ لكن يبقى أثر التأليم بحسب قوته وضعفه - فكلما قوي الضرب كانت مدة بقاء الألم أكثر» (^١).\nقال البقاعي: «وَلَمَّا كَانَ أَصْلُ تَوْفِيَةِ حَقِّ الْحَقِّ تَصْحِيحَ الِاعْتِقَادِ وَإِصْلَاحَ الْعَمَلِ، وَكَانَ الْأَوَّلُ أَهَمَّ، قَدَّمَهُ فَقَالَ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ﴾ [لقمان: ١٣]، أَيْ: [لَا] تُوقِعِ الشِّرْكَ لَا جَلْيًّا وَلَا خَفِيًّا، زَادَ ذَلِكَ بِإِبْرَازِ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ الْمُوجِبِ لِاسْتِحْضَارِ جَمِيعِ صفاتِ الْجَلَالِ، تَحْقِيقًا لِمَزِيدِ\n_________\n(^١) لطائف المعارف (١٧).","vol":"1","page":178},{"text":"الْإِشْفَاقِ. فَقَال: بِاللَّهِ، أَيِ: الْمَلِكِ الْأَعْظَمِ الَّذِي لَا كُفُؤَ لَهُ، ثُمَّ عَلَّلَ هَذَا النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ﴾ [لقمان: ١٣] أَيْ: بِنَوْعَيْهِ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، أَيْ: فَهُوَ ضِدُّ الْحِكْمَةِ؛ لِأَنَّهُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، فَظُلْمهُ ظَاهِرٌ مِنْ جِهَاتٍ عَدِيدَةٍ جِدًّا، أَظْهَرُهَا أَنَّهُ تَسْوِيَةُ الْمَمْلُوكِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مِنْ ذَاتِهِ إِلَّا الْعَدَمُ نِعْمَةً مِنْهُ أَصْلًا بِالْمَالِكِ الَّذِي لَهُ وُجُوبُ الْوُجُودِ، فَلَا خَيْرَ وَلَا نِعْمَةَ إِلَّا مِنْهُ، وَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ وَكُلِّ سَامِعٍ عَلَى أَنَّ هَذِهِ وَصِيَّةٌ لَا يُعْدَلُ عَنْهَا، لِأَنَّهَا مِنْ أَبٍ حَكِيمٍ لِابْنٍ مَحْنُوٍّ عَلَيْهِ مَحْبُوبٍ، وَأَنَّ آبَاءَهُمْ لَوْ كَانُوا حُكَمَاءَ مَا فَعَلُوا إِلَّا ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مَا عَلَيْهِ مَدَارُ النِّعَمِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ، وَهوَ الْأَمْنُ وَالْهِدَايَةُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ فَإِنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ تِلْكَ الْآيَةُ كَمَا فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ فَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّهُ لَيْسَ بِذَاكَ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (^١).\nوقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ الظاهر أنه من كلام لقمان، لأنه حكيم أتى بالموعظة وعللها، شأنها كشأن مواعظه كلها، وأن سياق موعظة لقمان سياق متصل لم ينقطع كما بين ابن عاشور وغيره، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-211>الجانب الرابع: بيان أنواع الشرك:</span>\nوالشرك ثلاثة أنواع:\n\n<span data-type='title' id=toc-212>الأول: الشرك الأكبر</span>\nوهو مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائصه تعالى، وهو ثلاثة أنواع، يتعلق كل نوع بأنواع التوحيد الثلاثة:\n١ - الشرك في الربوبية.\n٢ - الشرك في توحيد الأسماء والصفات.\n٣ - الشرك في توحيد الألوهية.\n_________\n(^١) نظم الدرر للبقاعي (٦/ ١٦٢) بتصرف يسير.، والحديث أحرجه البخاري برقم (٤٤٩٨)، يُنظر فتح الباري بشرح صحيح البخاري (٨/ ٣٧٢).","vol":"1","page":179},{"text":"قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: «فاعلم أن الشرك ينقسم ثلاثة أقسام بالنسبة إلى أنواع التوحيد، وكل منها قد يكون أكبر وأصغر مطلقًا، وقد يكون أكبر بالنسبة إلى ما هو أصغر منه، ويكون أصغر بالنسبة إلى ما هو أكبر منه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-213>الثاني: الشرك الأصغر</span>\nتعريفه:\nقال ابن سعدي: «هو جميع الأقوال والأفعال التي يتوسّل بها إلى الشرك كالغلو في المخلوق الذي لا يبلغ رتبة العبادة، كالحلف بغير الله ويسير الرياء ونحو ذلك» (^٢).\nوقال الشيخ عبد العزيز السلمان: «هو كلّ وسيلة وذريعة يتطرّق بها إلى الشرك الأكبر» (^٣).\nالثالث: الشرك الخفي\nتعريفه:\nعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله -ﷺ- قال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح الدجال عندي؟» قال: قلنا: بلى، قال: «الشرك الخفي؛ أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل» (^٤).\nوالشرك الخفي قد يكون أكبر، كما يكون أصغر كذلك، وذلك حسب البواعث الداعية عليه، وبحسب الاسترسال معه والمضي فيه.\nوإن المعني في بحثنا هو الشرك الأكبر لخطره وما يترتب عليه من أحكام وأمور عظام، وهو المقصود من موعظة لقمان لولده؛ لأنه مخرج من الملة، وإنْ كان النهي عامًّا يشمل الشرك بنوعيه الأصغر والأكبر.\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (ص ٤٣).\n(^٢) القول السديد (١٥).\n(^٣) الكواشف الجلية (٣٢١).\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣٠)، وابن ماجه في الزهد، باب: الرياء بالسمعة (٤٢٠٤)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٣٣٤)، وصححه الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٢٩)، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٠).","vol":"1","page":180},{"text":"وإذا أردنا أن نتأمل حقيقة الخطب الجلل المترتب على الشرك الأكبر، فلنتدبر دعاء خليل الرحمن ﵇ وتضرعه وإلحاحه على ربه أن يباعده ويجافيه عن الشرك هو وبنيه، ولقد بوَّب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه التوحيد ما يدل على ذلك فقال في الباب الرابع: باب الخوف من الشرك، وذكر هذه الآية، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦].\nوإبراهيم ﵇ خليل الرحمن ومن هو في مكانته ودرجته ورتبته، إنه كان أمة، وكان قدوة لهذه الأمة، وقد جعل الله قدوة للأنام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾ [النحل: ١٢٠]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-214>الجانب العقدي الخامس: بيان عواقب الشرك الأكبر وما يترتب عليه من أحكام:</span>\nلما كان الشرك الأكبر أظلم الظلم ويترتب على المتلبس به أحكام شرعية عظيمة الخطب، وذلك حفظًا لضرورة الدين، وصيانة لجناب التوحيد، وتحذيرًا للعباد من عواقبه الوخيمة، ولا سيما الناشئة، وما يترتب عليه من شر محض في الدنيا، وخلود أبدي سرمدي في النار يوم التناد، كان بيان أهم تلك الأحكام واجب البيان، ومن أهمها وأبينها وأَجَلِّهَا ما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-215>١ - الشرك محبط لجميع الأعمال بالكلية</span>\nقال تعالى لنبيه -ﷺ-: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر: ٦٥].\nوقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٨].\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥].\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧].\nوقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥].\nوالآيات في هذا الشأن أكثر من أن تحصى ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.\n\n<span data-type='title' id=toc-216>٢ - والكافر متى لَقِيَ ربه مشركًا كافرًا فليس له مطمع ولا أمل في أن تناله المغفرة أبدًا، وهذا مما يدل على خطورة الشرك وخطورة الوقوع فيه والتلبس به:</span>\nفمن مات على الشرك فلا يدخل تحت الوعد بالمغفرة المترتب على مشيئة أرحم الراحمين والتي يدخل تحتها أصحاب سائر الكبائر والموبقات والذين ماتوا دون توبة، كما قال جل في علاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨].","vol":"1","page":181},{"text":"وكما قال سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].\nوبمفهوم المخالفة إن لم ينتهوا عن الكفر فلن يغفر لهم ما قد سلف.\nوكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-217>٣ - أن صاحبه محرم عليه الجنة وهو مخلد في النار:</span>\nفالشرك الأكبر يوجب لصاحبه الخلود في النار، خلودًا أبديًّا أي: على وجه التأبيد، ويحرم عليه الجنة ابتداءً وانتهاءً والعياذ بالله، ودلائل التنزيل في الكتاب العزيز والسنة المطهرة على ذلك كثيرة معلومة ومتوافرة، بل هي من الأحكام القطعية الدلالة المعلومة من دين الإسلام بالضرورة، ومن ذلك:\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢].\nوعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله -ﷺ- قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-218>٤ - والشرك يبيح دم المشرك وماله:</span>\nوهذا حكم من أحكام الشريعة الثابتة بدلالة الكتاب والسنة مع مراعاة ضوابطه ولوازمه الشرعية، في ضوء أحكام الشريعة الغراء.\nيُقال ذلك حتى لا يغتر أحد من السفهاء حدثاء الأسنان سفهاء العقول والأحلام ويتجرأ\n_________\n(^١) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات مشركًا دخل النار (١/ ٩٤) (برقم: ٩٣).","vol":"1","page":182},{"text":"على إراقة الدماء وسفكها واستحلالها بنفسه بسوء فهمٍ للنصوص أو محاولة لَيِّ عنقها تبعًا للهوى واتباعًا للشيطان وحزبه، فإن مما عُلِمَ من دين الله بالضرورة أن إقامة الحدود أمر منوط بالسلطان.\nقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: ٥].\nوقال -ﷺ-: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» (^١).\nولقد اتفق أهل العلم على أن إقامة الحد أمر مختص بالسلطان أو نائبه.\nوما عليه أهل السنة: أن إقامة الحدود حق للإمام لا غير، ولا يجوز لأحد كائنًا من كان أن ينازعه فيه.\nقال الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى: «وقسْمة الفيء، وإقامة الحدود؛ إلى الأئمة ماضٍ، ليس لأحد أن يطعن عليهم، ولا ينازعهم» (^٢). اهـ.\nيقول القرطبي: «لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر الذين فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعًا أن يجتمعوا على القصاص فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود» (^٣).\n_________\n(^١) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، (١/ ١٤) (برقم ٢٥)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، (١/ ٥٣) (برقم ٢٠).\n(^٢) من «أصول السنة» لأحمد بن حنبل رواية عبدوس بن مالك العطار (ص ٦٦) (برقم: ٣٠) وينظره: عند اللالكائي في (٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٦٠).\n(^٣) القرطبي (٢/ ٢٤٥، ٢٦٤).","vol":"1","page":183},{"text":"ويقول ابن رشد: «وأما من يقيم هذا الحد -أي: جلد شارب الخمر- فاتفقوا على أن الإمام يقيمه وكذلك الأمر في سائر الحدود» (^١).\nومن حجج هؤلاء عدم وجود محاكم شرعية تقيم الحدود.\nوفي ذلك يقول سماحة شيخنا الإمام عبدالعزيز بن باز -رحمه الله تعالى- جوابًا عن سؤال فيمن يُجافي المستأمنين، فذكر أنهم يحالون للمحكمة الشرعية، فسئل عما لو لم تكن هناك محاكم شرعية؟\nفقال رحمه الله تعالى: «إذا لم توجد محاكم شرعية؛ فالنصيحة فقط، النصيحة لولاة الأمور، وتوجيههم للخير، والتعاون معهم، حتى يُحَكِّموا شرع الله، أما أن الآمر والناهي يمد يده، أو يقتل أو يضرب؛ فلا يجوز، لكن يتعاون مع ولاة الأمور بالتي هي أحسن، حتى يحكموا شرع الله في عباد الله، وإلا فواجبه النصح، وواجبه التوجيه إلى الخير، وواجبه إنكار المنكر بالتي هي أحسن، هذا هو واجبه، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ولأن إنكاره باليد بالقتل أو الضرب؛ يترتب عليه شر أكثر، وفساد أعظم بلا شك ولا ريب، لكل من سَبَرَ هذه الأمور وعرفها» (^٢). اهـ.\nوالواقع الأليم الذي تعيشه الأمة الآن خير شاهد على ذلك، فإن فئة من الشباب، حدثاء أسنانُهم سفهاء عقُولُهم، نصبوا أنفسهم ولاة أمر على العباد، ومنحوا أنفسهم صلاحية ومهام السلطان أو صلاحية الإمامة العظمى في المسلمين، فكل جماعة لها قوة وشكيمة في بقعة من الأرض تعطي لنفسها تلك الصلاحيات، وتقيم الحدود على أن لها الولاية الشرعية والإمامة العظمى، وأنها مخولة بإقامة الحدود والتعزيرات، فحصل من جراء ذلك مفاسد عظيمة مشهودة للعيان.\n\n<span data-type='title' id=toc-219>٥ - والمشرك تحرم مناكحته:</span>\nيقول تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] الآية. ويقول تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. قال ابن كثير: «تحريم من الله تعالى على عباده المؤمنين نكاح المشركات، والاستمرار معهن» (^٣). اهـ.\n_________\n(^١) بداية المجتهد (٢/ ٢٣٣).\n(^٢) نقلًا عن «فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة» (ص ٦٧ - ٦٨).\n(^٣) ابن كثير (٨/ ٩٤).","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type='title' id=toc-220>٦ - والمشرك يحرم أكل ذبيحته:</span>\nيقول تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] الآية. ويستثنى من ذلك أهل الكتاب، فحرائر نسائهم إن كن عفيفات طاهرات غير محاربات، وذبائحهم، حلال لأهل ملتنا، يقول سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-221>٧ - من مات مشركًا فإنه لا يرث ولا يورث بل إن ماله يفيء إلى بيت مال المسلمين:</span>\nلحديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-222>٨ - من مات مشركًا فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يستغفر له ولا يترحم عليه، ولا يقبر في مقابر المسلمين:</span>\nقال سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ\n_________\n(^١) متفق عليه: رواه البخاري في الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم (برقم: ٦٧٦٤)، ومسلم في الفرائض، باب أول الكتاب (برقم: ١٦١٤).","vol":"1","page":185},{"text":"فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة: ١١٣ - ١١٤].\nوقال سبحانه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ [التوبة: ٨٤].\n\n<span data-type='title' id=toc-223>٩ - المشرك يُحرم نعمتي الأمن والاهتداء:</span>\nويقرر هذه الحقيقة قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. والظلم هنا هو الشرك كما مرّ معنا في آية لقمان، وبمفهوم المخالفة فالذين خالطوا إيمانهم بشرك ليس لهم الأمن وليسوا بمهتدين.\nوقوله سبحانه: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٥١].\nقال ابن القيم: «والمقصود أن الشرك لما كان أظلم الظلم وأقبح القبائح وأنكر المنكرات كان أبغض الأشياء إلى الله وأكرهها له وأشدها مقتًا لديه، ورتّب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حَرَمِه، وحرّم ذبائحهم ومناكحتهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداءً له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم وأن يتخذوهم عبيدًا، وهذا لأن الشرك هضم لحقّ الربوبية، وتنقيص لعظمة الألوهية» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-224>١٠ - والمشرك المتلبّس بالشرك ظن بربّه ظن السوء:</span>\nقال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦].\nقال ابن القيم: «فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك، فإنهم\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (١/ ٩٩).","vol":"1","page":186},{"text":"ظنّوا به ظنّ السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظنّ لوحّدوه حقّ توحيده» (^١).\nوقال أيضًا: «فالشرك ملزوم لتنقّص الربّ سبحانه، والتنقّص لازم له ضرورة، شاء المشرِك أم أبى، ولهذا اقتضى حمدُه سبحانه وكمال ربوبيته أن لا يغفره، وأن يخلّدَ صاحبَه في العذاب الأليم ويجعله أشقى البرية، فلا تجد مشركًا إلا وهو متنقّص لله سبحانه» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-225>١١ - والشرك يفسد العقول، فالمشركون من أفسد الناس عقولًا:</span>\nوقد قال الله فيهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠].\nتأَمّل في نبات الأَرض وانظر … إِلى آثار ما صَنع المليكُ\nعيونٌ من لُجَينٍ فاتراتٌ … على أَحداقها ذهبٌ سَبِيك\nعلى قُضُب الزَّبَرْجَدِ شاهدات … بأَنَّ الله ليس له شريكُ» (^٣). اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-226>الوصية الثانية من وصايا لقمان لابنه في الجانب العقدي: مراقبة الله تعالى</span>\nقال تعالى: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦]. ويندرج تحتها مباحث؛ منها:\n\n<span data-type='title' id=toc-227>أولًا: مفهوم مراقبة الله تعالى لغة وشرعًا:</span>\n<span data-type='title' id=toc-228>أ- مفهوم المراقبة لغة:</span>\nمصدر مأخوذ من راقب يراقب مراقبة، وتدل على الانتصاب لمراعاة الشيء. والرقيب: الحافظ. وراقب الله في أمره: أي: خافه (^٤).\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (١/ ٩٩).\n(^٢) إغاثة اللهفان (١/ ١٠١).\n(^٣) الأبيات لأبي نواس، وينظر: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز (١/ ٩٤٣).\n(^٤) ينظر: مقاييس اللغة (مادة: رقب ٢/ ٤٧)، ولسان العرب (مادة: رقب ٥/ ٢٧٩ - ٢٨٠).","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type='title' id=toc-229>ب- مفهوم المراقبة شرعًا:</span>\nقال ابن القيم: «المراقبة دوام علم العبد، وتيقّنه باطلاع الحق سبحانه على ظاهره وباطنه» (^١).\nوقال القاسمي: «المراقبة هي ملاحظة الرقيب، وانصراف الهم إليه» (^٢).\nوقال المحاسبي: «المراقبة دوام علم القلب بعلم الله تعالى في السكون والحركة علمًا لازمًا مقترنًا بصفاء اليقين» (^٣).\nوسئل الحارث المحاسِبي أيضًا عن المراقبة فقال: «علم القلب بقرب الله تعالى» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-230>ثانيًا: بيان لأهم معاني المراقبة الواردة في الآية الكريمة في ضوء كلام أهل التفسير:</span>\nقال ابن كثير: «هَذِهِ وَصَايَا نَافِعَةٌ قَدْ حَكَاهَا اللَّهُ تَعَالَى (^٥) عَنْ لُقْمَانَ الْحَكِيم، لِيَمْتَثِلَهَا النَّاسُ\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٦٧).\n(^٢) موعظة المؤمنين (٤٥١).\n(^٣) الوصايا (٣١٣).\n(^٤) إحياء علوم الدين للغزالي (٤/ ٢٩٧).\n(^٥) ...... عبارة: (حكى الله) هذه العبارات التي يعبر بها بعض المفسرين أو الفقهاء أو غيرهم كثيرًا، وهي في كلام المتحدثين في دروسهم أكثر منها في مؤلفات المفسرين، لقدرة المؤلف على التصرف واختيار العبارات، بخلاف المتحدث فإنه يضطر في مواقف كثيرة إلى التعبير بعبارة موهمة أو يسبق لسانه أو يعتاد على عبارة قد تكون متضمنةً لأمر غير مشروع أو مشكوك في صحته أو نحو ذلك، وقَلَّ مَن يَسلَمُ مِن ذلك إلا من رحم الله.\nرأي ابن عطية الأندلسي:\nولذلك اعتذر ابن عطية في مقدمة تفسيره، وذكر أنه قد يرد في تفسيره بعض العبارات التي اعتاد المفسرون على تكرارها مثل قولهم: حكى الله عن فلان كذا، ونحو هذه العبارة مما هو قريب منها. وخَرَّجها على أن جوازها يرتبط بالقصد منها، وليس المقصود منها نسبة هذه الصفات لله، وإنما نسبتها للآيات القرآنية. وقد ذكرها بقوله: «بابٌ في الألفاظ التي يقتضي الإيجازُ استعمالها في تفسير كتاب الله تعالى» فذكر أن الباعث على استخدامها طلب الإيجاز والاختصار من المؤلف. ثم قال تحت هذا العنوان: «اعلم أَنَّ القصد إلى إِيْجازِ العبارةِ قد يسوقُ المتكلِّمَ في التفسير إلى أَنْ يقولَ: خاطبَ اللهُ بهذه الآيةِ المؤمنين، وشَرَّفَ اللهُ بالذكرِ الرجلَ المؤمنَ من آل فرعونِ، وحكى اللهُ تعالى عن أُمِّ موسى أَنَّها قالت قُصِّيهِ، ووَقَّفَ اللهُ ذريةَ آدم على ربوبيتهِ بقولهِ: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ونحو هذا من إِسنادِ أفعالٍ إلى الله تعالى لم يأتِ إسنادُها بتوقيفٍ من الشَّرعِ. =","vol":"1","page":188},{"text":"وَيَقْتَدُوا بِهَا، فَقَالَ: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦]، أَيْ: إِنَّ الْمَظْلَمَةَ أَوِ الْخَطِيئَةَ لَوْ كَانَتْ مِثْقَالَ حَبَّةٍ [مِنْ] خَرْدَلٍ.\nوَقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: أَحْضَرَهَا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ، وَجَازَى عَلَيْهَا إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ.\nكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. وَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الذَّرَّةُ مُحَصَّنَةً مُحَجَّبَةً فِي دَاخِلِ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ، أَوْ غَائِبَةٍ ذَاهِبَةٍ\n_________\n= وقد استعملَ هذه الطريقةَ المفسرونَ والمُحدِّثونَ والفقهاءُ واستعملها أبو المعالي في الإرشادِ، وذكر بعضُ الأصوليينَ أَنَّهُ لا يَجوزُ أَن يُقالَ: حكى اللهُ، ولا مَا جَرى مَجراهُ». ثم قال ﵀: «وأَنا أَتَحفَّظُ منهُ في هذا التعليقِ جَهْدِي، لكنيِّ قَدَّمْتُ هذا البابَ لِمَا عَسى أَنْ أَقَعَ فيه نادرًا واعتذارًا عمَّا وَقَعَ فيه المُفسِّرونَ من ذلك». ينظر: المحرر الوجيز (طبعة قطر) (١/ ٦٣ - ٦٧).\nوقال ابن عباد في رسائله الكبرى: «وقد رأيت في مواضع من كتبكم شيئًا أردت أن أنبهكم عليه، وهو أنكم تقولون فيها: حكى الله عن فلان، وحكى عن فلان كذا، وقد يقع مثل هذا في كلام الأئمة، وهذا عندي ليس بصواب من القول؛ لأن كلام الله تعالى صفة من صفاته، وصفاته تعالى قديمة، فإذا سمعنا الله تعالى يقول كلامًا عن موسى﵇- مثلًا وعن فرعون، أو أمة من الأمم، فلا يقال: حكى عنهم كذا؛ لأن الحكاية تؤذن بتأخرها عن المَحكي، وإنما يقال في مثل هذا: أخبر الله تعالى، أو أنبأ، أو كلام معناه هذا مما لا يفهم من مقتضاه تقدم ولا تأخر». ينظر: حاشية محقق المحرر الوجيز (طبعة قطر) (١/ ٦٣) … وينظر: ملتقى أهل التفسير … بتاريخ. ١١/ ٤/ ١٤٢٦ هـ.\n* يقول الباحث:\nوالأسلم الذي لا شك فيه- استخدام الألفاظ الصحيحة- كالألفاظ الواردة في القرآن نحو قال الله، وكذلك الألفاظ الواردة بمعنى الإخبار والقصص فيقال: أخبر الله، وأنبأ الله، وقص الله، وذكر الله، ونحو ذلك، أو الألفاظ المستقاة من صفات الرب جل في علاه، وكذلك استخدام ما درج عليه السلف من ألفاظ (أعني: القرون الثلاثة) المزكاة على لسان من أنزل عليه القرآن ﵊.\n* ويقول الباحث معتذرًا للإمام ابن كثير:\nولعل ابن كثير وجد لنفسه مندوحة وسعة وحجة في استخدام عبارة (حكى الله) ومثلها من الألفاظ، لاستخدام واستعمال مَن سبقه لها، أو على أن باب الإخبار عن الله تعالى أوسع من باب الصفات، وقد أشار إلى هذا المعنى غير واحد من أئمة أهل العلم المعتبرين كشيخ الإسلام ابن تيمية: في مجموع الفتاوى (٦٠/ ١٤٢)، وتلميذه الإمام ابن القيم في بدائع الفوائد (١/ ١٦١).\n* وما ذكره الباحث:\nعملًا بالأكمل والأحسن والأتم، وسدًّا لذريعة التوسع في هذا الباب، ولا سيما في زمن فشا فيه الجهل، وعمّت فيه البلوى، وانتشرت فيه البدع والمحدثات، وعمّ فيه البعد عن مصادر التلقي المستقاة من مشكاة الوحي، والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وهو أعلى وأعلم بالصواب.","vol":"1","page":189},{"text":"فِي أَرْجَاءِ السَّمَاوَاتِ أَوِ الْأَرْضِ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِهَا; لِأَنَّهُ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ؛ وَلِهَذَا قَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: لِطَيْفُ الْعِلْمِ، فَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ الْأَشْيَاءُ وَإِنْ دَقَّتْ وَلَطُفَتْ وَتَضَاءَلَتْ (خَبِيرٌ) بِدَبِيبِ النَّمْلِ فِي اللَّيْلِ الْبَهِيمِ» (^١).\nوقال الطبري: «وَعَنَى بِقَوْلِهِ: (مِثْقَالَ حَبَّةٍ): زِنَةَ حَبَّةٍ. فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: إِنَّ الْأَمْرَ إِنْ تَكُ زِنَةُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ عَمِلْتَهُ، فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ، أَوْ فِي السَّمَوَاتِ، أَوْ فِي الْأَرْضِ، يَأْتِ بِهَا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُوَفِّيَكَ جَزَاءَهُ، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.\nقَوْلِهِ: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: جَبَلٍ. ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦] قَالَ: يَعْلَمُهَا اللَّهُ. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: لَطِيفٌ بِاسْتِخْرَاجِهَا، خَبِيرٌ بِمُسْتَقَرِّهَا» (^٢).\nوقال أبو حيان: «﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦] يوم القيامة، فيحاسب عليها.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ [لقمان: ١٦] (يتوصل علمه إلى كل خفي) ﴿خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦]: (عالم بكنهه)» (^٣).\nوقال الرازي: «﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا﴾ [لقمان: ١٦]: أي: الحسنة والسيئة إن كانت في الصغر مثل حبة خردل، وتكون مع ذلك الصغر في موضع حريز كالصخرة لا تخفى على الله.\nفَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ [لقمان: ١٦] إِشَارَةٌ إِلَى الصِّغَرِ، وَقَوْلُهُ: [لقمان: ١٦] إِشَارَةٌ إِلَى الْحِجَابِ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [لقمان: ١٦] إِشَارَةٌ إِلَى الْبُعْدِ فَإِنَّهَا أَبْعَدُ الْأَبْعَادِ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان: ١٦] إِشَارَةٌ إِلَى الظُّلُمَاتِ فَإِنَّ جَوْفَ الْأَرْضِ أَظْلَمُ الْأَمَاكِنِ. وَقَوْلهُ:\n_________\n(^١) ابن كثير (٦/ ٣٣٨).\n(^٢) الطبري (٢٠/ ١٤٢).\n(^٣) أبو حيان (٧/ ١٨٨).","vol":"1","page":190},{"text":"﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦] أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: يَعْلَمُهَا اللَّهُ; لِأَنَّ مَنْ يَظْهَرُ لَهُ الشَّيْءُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِهِ لِغَيْرِهِ يَكُونُ حَالُهُ فِي الْعِلْمِ دُونَ حَالِ مَنْ يَظْهَرُ لَهُ الشَّيْءَ، وَيُظْهِرُهُ لِغَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: يُظْهِرُهَا اللَّهُ لِلإِشْهَادِ. وَقَوْلهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ [لقمان: ١٦] (أَيْ: نَافِذُ الْقُدْرَةِ)، ﴿خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: عَالِمٌ بِبَوَاطِنِ الْأُمُورِ» (^١).\nوقال ابن عطية: «وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ لُقْمَانَ إِنَّمَا قَصَدَ بِهِ إِعْلَامَ ابْنِهِ بِقَدْرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى» (^٢).\nوقال ابن سعدي: «﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ [لقمان: ١٦] الَّتِي هِيَ أَصْغَرُ الْأَشْيَاءِ وَأَحْقَرُهَا، ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: فِي وَسَطِهَا ﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان: ١٦] فِي أَيِّ جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِهِمَا ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦] لِسِعَةِ عِلْمِهِ، وَتَمَامِ خِبْرَتِهِ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: لَطِيفٌ فِي عِلْمِهِ وَخِبْرَتِهِ، حَتَّى اطَّلَعَ عَلَى الْبَوَاطِنِ وَالْأَسْرَارِ، وَخَفَايَا الْقِفَارِ وَالْبِحَارِ.\nوَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْحَثُّ عَلَى مُرَاقَبَةِ اللَّهِ، وَالْعَمَلُ بِطَاعَتِهِ، مَهْمَا أَمْكَنَ، وَالتَّرْهِيبُ مِنْ عَمَلِ الْقَبِيحِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ» (^٣).\nوقال ابن الجوزي: «وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦] ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.\nأَحَدُهَا: يَعْلَمُهَا اللَّهُ، قَالَهُ أَبُو مَالِكٍ.\nوَالثَّانِي: يُظْهِرُهَا، قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.\nوَالثَّالِثُ: يَأْتِ بِهَا اللَّهُ فِي الْآخِرَةِ لِلْجَزَاءِ عَلَيْهَا. (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ) قَالَ الزَّجَّاجُ: لَطِيفٌ بِاسْتِخْرَاجِهَا (خَبِيرٌ) بِمَكَانِهَا.\n_________\n(^١) الفخر الرازي (٢١/ ١٣٠).\n(^٢) ابن عطية (٧/ ٢١).\n(^٣) ابن سعدي (٦/ ١٣٥٢).","vol":"1","page":191},{"text":"وَهَذَا مَثَلٌ لِأَعْمَالِ الْعِبَادِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْتِي بِأَعْمَالِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]» (^١).\nوقال القاسمي: «﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: إِنَّ الْخَصْلَةَ مِنَ الْإِسَاءَةِ أَوِ الْإِحْسَانِ، إِنْ تَكُ مَثَلًا فِي الصِّغَرِ كَحَبَّةِ الْخَرْدَلِ: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: فَتَكُنْ مَعَ كَوْنِهَا فِي أَقْصَى غَايَاتِ الصِّغَرِ، فِي أَخْفَى مَكَانٍ وَأَحْرَزِهِ، كَجَوْفِ الصَّخْرَةِ، أَوْ حَيْثُ كَانَتْ فِي الْعِلْمِ الْعُلْوِيِّ أَوِ السُّفْلِيِّ: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: يُحْضِرُهَا وَيُحَاسِبُ عَلَيْهَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: يَنْفُذُ عِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ: ﴿خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] أَيْ: يَعْلَمُ كُنْهَ الْأَشْيَاءِ، فَلَا يَعْسُرُ عَلَيْهِ. وَالْآيَةُ هَذِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]» (^٢).\nوقال الشوكاني: «وَقِيلَ: إِنَّ الضَّمِيرَ فِي ﴿إِنَّهَا﴾ رَاجِعٌ إِلَى الْخَصْلَةِ مِنَ الْإِسَاءَةِ وَالْإِحْسَانِ أَيْ: إِنَّ الْخَصْلَةَ مِنَ الْإِسَاءَةِ وَالْإِحْسَانِ ﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ إِلَخْ، ثُمَّ زَادَ فِي بَيَانِ خَفَاءِ الْحَبَّةِ مَعَ خِفَّتِهَا فَقَالَ: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ فَإِنَّ كَوْنَهَا فِي الصَّخْرَةِ قَدْ صَارَتْ فِي أَخْفَى مَكَانٍ وَأَحْرَزِهِ ﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ: أَوْ حَيْثُ كَانَتْ مِنْ بِقَاعِ السَّمَاوَاتِ أَوْ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ أَيْ: يُحْضِرُهَا وَيُحَاسِبُ فَاعِلَهَا عَلَيْهَا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، بَلْ يَصِلُ عِلْمُهُ إِلَى كُلِّ خَفِيٍّ ﴿خَبِيرٌ﴾ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ» (^٣).\nوقال الرازي: «وَلَمَّا نَهَى لُقْمَانُ ابْنَهُ عَنِ الشِّرْكِ، نَبَّهَهُ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَأَخَّرَ\n_________\n(^١) ابن الجوزي (٦/ ٣٢٢).\n(^٢) القاسمي (١٣/ ٤٨٠١).\n(^٣) الشوكاني فتح القدير (١/ ١١٤٣).","vol":"1","page":192},{"text":"عَنْ مَقْدُورِهِ شَيْءٌ؛ فَقَالَ: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ الآية» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-231>ثالثًا: بيان لأهم الجوانب التربوية المستفادة من الآية الكريمة:</span>\nقال تعالى: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان: ١٦].\nبعد إلقاء الضوء على بيان أهم ما ورد في الآية السابقة من معان في كلام أهل التفسير نلقي الضوء على أهم الجوانب التربوية المستفادة من الآية الكريمة:\n١ - فإن من جليل وصية لقمان لابنه ووعظه له، أن حثه على مراقبة الله تعالى في سره وجهره، وأعلمه بسعة علمه تعالى واطلاعه على خلقه، وأنه سبحانه قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، وأن المظلمة والخطيئة مهما بالغ العبد في إخفائها فإن الله تعالى يَعْلَمُهَا، ويُظْهِرُهَا، ويَأْتِي بِهَا يوم القيامة للحساب فيُوَفِّيَه جَزَاءَها.\n٢ - وفي الآية الكريمة توجيه للمربين لسلوك مسلك لقمان في تربية الناشئة على مراقبة الله واستحضار سعة علمه واطلاعه على أحوال وأعمال عباده وإن دقت وخفيت على عموم خلقه، يقول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤].\nويقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾ [آل عمران: ٥]، ولأن الله تعالى ما ذكر مواعظ لقمان لابنه في كتابه إلا لتكون نبراسًا يُحتذى، ومثالًا تربويًّا يُتأسى به، ومنهاجًا للتربية الإيمانية الصالحة التي تُحقق الطمأنينة، وتُنال بها سعادةُ الدارين، وهذه الوصايا وتلك القواعد التربوية ليست لولد لقمان فحسب، بل هي مثال وأنموذج تربوي متكامل الأركان تام البنيان موجه لجميع الأجيال المسلمة المتعاقبة على مرّ الأزمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.\n_________\n(^١) الرازي (٧/ ١٨٧).","vol":"1","page":193},{"text":"٣ - وفيها دعوة إلى غرس تعظيم الله وإجلاله سبحانه وخشيته في قلوب الخلق جميًعا ولا سيما في قلوب الناشئة، وبث روح المراقبة له سبحانه سرًّا وجهرًا في تلك النفوس، وهو ما قصده لقمان في موعظته لولده، فبمراقبته تعالى يكون صلاح أمر الدنيا والدين، وبمراقبته تصلح حياة الخلق معه سبحانه ومع عباده، وتصلح ذواتهم، وبمراقبته تكبح النفس جماحها وجماح شهواتها وهواها، وبمراقبته تسارع الأنفس لأداء الأمانات لأهلها والواجبات لمستحقيها.\nوبمراقبته يُبرُ الآباءُ، وتُوصلُ الأرحامُ، وتُصانُ الأعراضُ، وتُحقنُ الدماءُ ويستتب الأمن ويتحقق كمال عبودية رب الأرض والسماء.\nوإذا فُقِدت المراقبةُ ضل الإنسانُ الطريقَ، وضل عن سواء الصراط وضيع الأمانة، وإذا فُقِدت المراقبةُ، انتُهكت الحرماتُ، وسُفكت الدماءُ ونُهِبت الأموالُ، وضُيعت فرائضُ اللهِ تعالى وضاعت كذلك سائر حقوق عباده.\nقال ابن القيم: «فمن راقب الله تعالى في سره حفظه الله في سره وعلانيته» (^١).\nوقال مسروق بن الأجدع: «من راقب الله في خطرات قلبه؛ عصمه الله في حركات جوارحه» (^٢).\nوما تغيرت كثير من الأنفس وظهرت الخيانات وعم كثير من الفساد والبليات وحل البلاء في كثير من المجتمعات، إلا يوم أن عُدِمت مراقبةُ الله في نفوس الكثير من الخليقة والبريات.\nفالمراقبة إذن من أعظم أسباب الإعانة على هجران المعاصي والمنكرات.\nقال ابن الجوزي: «فقلوب الجهال تستشعر البُعْد؛ ولذلك تقع منهم المعاصي، إذ لو تحققت مراقبتهم للحاضر الناظر لكفوا الأكُفَّ عن الخطايا، والمتيقظون علموا قربه فحضرتهم\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٩٦).\n(^٢) ينظر: صفة الصفوة (٤/ ١٢٩).","vol":"1","page":194},{"text":"المراقبة، وكفتهم عن الانبساط» (^١).\n٤ - والتربية على مراقبة الله تعالى واستشعار عظمته والخوف منه سبحانه تعد من أهم مقومات التربية الإيمانية العملية للناشئة، وأسس ودعائم تعبيدهم لربهم وخالقهم سبحانه، ومن أهم أسباب زيادة إيمانهم وتحقيق الطمأنينة في نفوسهم، ومن أهم السبل المعينة على استقامتهم وسلوكهم الصراط المستقيم وثباتهم عليه.\nقال ابن القيم: «فإن الإحسان إذا باشر القلب منعه من المعاصي، فإن من عَبَدَ اللهَ كأنه يراه لم يكن ذلك إلا لاستيلاء ذِكره ومحبته وخوفه ورجائه على قلبه، بحيث يصير كأنه يشاهده، وذلك يحول بينه وبين إرادة المعصية، فضلًا عن مواقعتها» (^٢).\nولذا كان من حكمة لقمان أن سعى لغرس روح المراقبة في نفس ولده وبث مكانة عظمة قدرة الله تعالى وسعة علمه واطلاعه سبحانه على أفعال عباده في مكنون نفس فلذة كبده وثمرة فؤاده، وذلك لأن المراقبة من أفضل الطاعات وأعلاها وأشملها وأزكاها.\nقال ابن عطاء: «أفضل الطاعات مراقبة الحق على دوام الأوقات» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-232>رابعًا: بيان لأهم ثمار المراقبة:</span>\nولمراقبة الله ثمار يانعة وقطوف دانية فمن أبرزها وأجلها:\n\n<span data-type='title' id=toc-233>١ - المراقبة تُحقِّقُ للعبد معية الله وتأييده</span>.\nقال تعالى: ﴿(١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨].\nقال ابن كثير: «أي: معهم بتأييده ونصره ومعونته، وهذه معية خاصة» (^٤).\n_________\n(^١) صيد الخاطر (٢٣٦).\n(^٢) الجواب الكافي (٧٠).\n(^٣) ينظر: إحياء علوم الدين (٤/ ٣٩٧).\n(^٤) تفسير ابن كثير (٧٥٣).","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type='title' id=toc-234>٢ - والمراقبة تُرَقي العبدَ لدرجة الإحسان</span>.\nوالإحسان كما وصفه النبي -ﷺ- في حديث جبريل المشهور: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (^١).\nقال ابن منظور: «من راقب الله أحسن عمله» (^٢).\nوقال القصري: «إذا عرف العبد مقام الإحسان، سارع إلى طاعته قدر وُسعِهِ، فهذا حال المحب الذي يعبد الله كأنه يراه» (^٣).\nوقال ابن المبارك لرجل: «راقب الله تعالى»؛ فسأله عن تفسيرها، فقال: «كن أبدًا كأنك ترى الله تعالى» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-235>٣ - والمراقبة تثمر أفضل الأعمال لأن مقامها مقام جليل</span>.\nقال ابن القيم: «والمراقبة تثمر عمارة الوقت، وحفظ الأيام، والحياء، والخشية، والإنابة» (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-236>٤ - والمراقبة من أسباب حفظ الله لعبده</span>.\nقال ابن القيم أيضًا: «وأرباب الطريق مجمعون على أن مراقبة الله تعالى في الخواطر سبب لحفظها في حركات الظواهر، فمن راقب الله في سره حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته» (^٦).\nوقيل لبعضهم: متى يهش الراعي غنمه بعصاه عن مراتع الهَلَكة؟ فقال: إذا علم أنَّ عليه رقيبًا (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-237>٥ - وبالمراقبة يتحقق للعبد رضوان الله قال تعالى: ﴿(٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ﴾</span> [الزلزلة: ٨].\nقال أهل العلم: «ذلك لمن راقب ربه تعالى، وحاسب نفسه وتزود لمعاده» (^٨).\n_________\n(^١) البخاري (٥٠)، ومسلم (١٠).\n(^٢) لسان العرب (١٣/ ١١٥).\n(^٣) ينظر: شعب الإيمان (٢/ ٣٧١ - ٣٧٢) بتصرّف.\n(^٤) ينظر: إحياء علوم الدين (٤/ ٢٩٧).\n(^٥) مدارج السالكين (٢/ ٢٨).\n(^٦) مدارج السالكين (٢/ ٦٦).\n(^٧) إحياء علوم الدين للغزالي (٤/ ٣٩٦).\n(^٨) ينظر: إحياء علوم الدين (٤/ ٣٩٨).","vol":"1","page":196},{"text":"تابع المبحث الثالث\nالمنهج التربوي كما تصوره موعظة لقمان الحكيم ﵇\n\n<span data-type='title' id=toc-238>المطلب الثاني: الجانب التعبدي</span>\nويشتمل على الوصايا التالية:\nأولًا - الأمر ببر الوالدين.\nثانيًا - الأمر بإقام الصلاة.\nثالثًا - الأمر بلزوم الجماعة واتباع سبيل المؤمنين.\nرابعًا - الترغيب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ذلك.","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type='title' id=toc-239><span data-type='title' id=toc-240>أولًا: الأمر ببر الوالدين:</span></span>\n<span data-type='title' id=toc-241>بيان معنى بر الوالدين لغة واصطلاحًا:</span>\nالبر لغة: البرُّ: الخير والفضل، يقال: بَرَّ الرجلُ، يَبَرُّ بِرًّا، وِزان: عَلِمَ يعلم علمًا، فهو بَرٌّ، وبَارٌّ: أي: صادقٌ أو تقيٌّ، وهو خلاف الفاجر، وجمع البر: أبرار، وجمع البار: بررة، مثل: كافرٌ وكفرةٌ. وبَرِرْتُ والدي، أبَرُّهُ، بِرًّا: أحسنت الطاعة إليه، ورفقت به، وتحرَّيتُ محابّه، وتوقَّيتُ مكارهه (^١).\nوالبِرُّ: ضد العقوق (^٢).\nقال ابن الأثير: «البِرُّ بالكسر الإحسان، ومنه الحديث في بر الوالدين، وهو في حقهما وحق الأقربين من الأهل ضد العقوق: وهو الإساءة إليهم والتضييع لحقهم» (^٣).\nوالبر: اسم جامع للخير وأصله الطاعة (^٤).\n_________\n(^١) المصباح المنير، لأحمد بن محمد الفيومي (١/ ٤٣).\n(^٢) مختار الصحاح للرازي (ص ١٩).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (١/ ١١٦).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (١/ ١١٦).","vol":"1","page":198},{"text":"وبر الوالدين اصطلاحًا هو:\nالإحسان إليهما (بالقلب، والقول، والفعل تقربًا لله تعالى) (^١).\nقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ [لقمان: ١٤ - ١٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-242>في ضوء تلك الوصية العظيمة نبين ما يلي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-243>مفهوم البر:</span>\nالبر: كلمة جامعة لخيري الدارين، وأما برُّ الوالدين فيُعنى به الإحسان إليهما والتعطف عليهما والتودد لهما والرفق بهما والرعاية لأحوالهما خاصة عن الكبر، وأداء حقوقهما، وطاعتهما في كل معروف وبرٍّ بنفس راضية مطمئنة.\nوالبر: ضده العقوق وهو الإساءة إليهما والتفريط في حقوقهما الواجبة لهما. ويكون بر الوالدين: بحسن معاشرتهما بالمعروف وإنزالهما منزلتهما اللائقة بهما وبإكرامهما وبإظهار البشر والبشاشة لهما، وخفض الجناح والتذلل لهما تواضعًا ورحمة بهما واعترافًا بفضلهما وتوفية لحقهما وعدم إظهار أدنى التأفف منهما، وبصلتهما وصلة أهل ودهما، والإنفاق عليهما بكرم وسخاء نفس، من غير طمع مرغوب ولا عوض مطلوب.\nوبعد وصية لقمان لولده بتأسيس المعتقد بالنهي عن الشرك المتضمن تحقيق التوحيد تأتي آيتا الوصية ببر الوالدين من الله تعالى تعترض ما بقي من وصاياه لولده لتؤكدا الوصية الأولى بالنهي عن الإشراك به سبحانه من جهة، ومن جهة أخرى لتبيِّنا أن الوصية بالوالدين من الله تعالى ابتداءً، فيها دلالة على شرف تلك الوصية وعلو شأنها وجلالة قدرها وعظم مكانتها عند ربنا جل في علاه.\n_________\n(^١) سعيد بن وهف القحطاني «بر الوالدين مفهوم وفضائل وآداب وأحكام في ضوء الكتاب والسنة»، مطبعة سفير الرياض، الناشر: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، أكتوبر ٢٠١٢ م.","vol":"1","page":199},{"text":"يقول ابن عطية: «هَاتَانِ الْآيَتَانِ اعْتِرَاضٌ أَثْنَاءَ وَصِيَّةِ لُقْمَانَ، وَوَجَّهَ الطَّبَرِيُّ ذَلِكَ بِأَنَّهَا مِنْ مَعْنَى كَلَامِ لُقْمَانَ، وَمِمَّا قَصَدَهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الآيَتَيْنِ (^١) فِي شَأْنِ سَعْدِ ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁حَسَبَ مَا ذَكَرَهُ بَعْدُ- يُضْعِفُ أَنْ تَكُونَ مِمَّا قالَهُ لُقْمَانُ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُشْبَهُ أَنَّهُ اعْتِرَاضٌ أَثْنَاءَ المَوْعِظَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُفْسِدٍ لِلْأَوَّلِ مِنْهَا وَلَا لِلْآخَرِ، وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ عَادَ إِلَى الْمَوْعِظَةِ عَلَى تَقْدِيرِ إِضْمَارِ: «وَقَالَ أَيْضًا لُقْمَانُ»، ثُمَّ اخْتَصَرَ ذَلِكَ لِدَلَالَةِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ» (^٢).\nويقول الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي: «هُوَ كَلَامٌ اعْتُرِضَ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطْرَادِ؛ تَأْكِيدًا لِمَا في وَصِيَّةِ لُقْمَانَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ» (^٣).\nويؤكد نفس الأمر أبو السعود فيقول: «﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان: ١٤]، كلام مستأنف اعترض به على نهج الاستطراد في أثناء وصية لقمان تأكيدًا لما فيها من النهي عن الشرك» (^٤).\nوكذلك يقول الشوكاني: «﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان: ١٤] هَذِهِ الْوَصِيَّةُ بِالْوَالِدَيْنِ وَمَا بَعْدَهَا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ [لقمان: ١٥] اعْتِرَاضٌ بَيْنَ كَلَامِ لُقْمَانَ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ لِمَا قَبْلَهَا مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ» (^٥).\nويقول الألوسي أيضًا: «﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان: ١٤] إلخ، كلام مستأنف اعترض\n_________\n(^١) يعني: آية لقمان هذه ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ [لقمان: ١٥]، وآية العنكبوت ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨].\n(^٢) ابن عطية (٧/ ٤٧).\n(^٣) الزمخشري (٥/ ١٢).\n(^٤) أبو السعود (٧/ ٧٢).\n(^٥) الشوكاني فتح القدير (١/ ١١٤٢).","vol":"1","page":200},{"text":"به على نهج الاستطراد في أثناء وصية لقمان تأكيدًا لما فيه من النهي عن الإشراك، فهو من كلام الله تعالى لم يقله سبحانه للقمان» (^١).\nوهذه الآية مما كثر الإشكال فيه حتى وقع فيها خلاف واسع عند جمع من أئمة التفسير ﵏ جميعًا وهل هي من كلام الله تعالى، أم هي من وصايا لقمان لولده؟\nالقول الراجح في قوله سبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان: ١٤]\nوبعد التطواف والتأمل والنظر في قرابة عشرين مؤلفًا في التفسير تبين للباحث أن الأقرب أنها من كلام الله ﵎، فقد وردت معترضة بين وصايا لقمان لابنه، وعليه الأكثرون، فمن تأمل الوصية بالوالدين هنا يتحقق لديه ويتبين له أنها جاءت معترضة بين ثنايا وصايا ومواعظ لقمان لابنه؛ فقد توسطت النداء بقوله: ﴿يَا بُنَيَّ﴾ جاء قبلها قوله: ﴿يَا بُنَيَّ لا تشرك بالله﴾ [لقمان: ١٣] وجاء بعدها قوله: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ [لقمان: ١٦]، إلى آخر الآيات - والتي هي من كلام لقمان ﵇.\nومما رجح ذلك لدى الباحث أيضًا آية العنكبوت ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٨].\nفهي وآيتا لقمان نزلتا في سعد بن أبي وقاص ﵁، وقد سبق معنا في طيات البحث تعدد النازل والسبب واحد، وقد سبق معنا آنفًا قول كل من: ابن عطية الأندلسي، والزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي، وأبي السعود، والشوكاني، والألوسي.\nوالختام بقول القرطبي حيث يقول: «وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ نَزَلَتَا فِي شَأْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، كَمَا تَقَدَّمَ فِي (الْعَنْكَبُوتِ)، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْمُفَسِّرِينَ» (^٢). اهـ. والله أعلم.\nوفي بيان المعنى العام لتلك الوصية يقول ابن سعدي: «وَلَمَّا أَمَرَ بِالْقِيَامِ بِحَقِّهِ، بِتَرْكِ الشِّرْكِ\n_________\n(^١) الألوسي (٢١/ ٨٦).\n(^٢) القرطبي (١٤/ ٦٠).","vol":"1","page":201},{"text":"الَّذِي مِنْ لَوَازِمِهِ الْقِيَامُ بِالتَّوْحِيدِ، أَمَرَ بِالْقِيَامِ بِحَقِّ الْوَالِدَيْنِ فَقَالَ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾ [العنكبوت: ٨] أَيْ: عَهِدْنَا إِلَيْهِ، وَجَعَلْنَاهُ وَصِيَّةً عِنْدَهُ، سَنَسْأَلُهُ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا، وَهَلْ حَفِظَهَا أَمْ لَا؟ فَوَصَّيْنَاهُ بِوَالِدَيْهِ وَقُلْنَا لَهُ: ﴿اشْكُرْ لِي﴾ [لقمان: ١٤] بِالْقِيَامِ بِعُبُودِيَّتِي، وَأَدَاءِ حُقُوقِي، وَأَنْ لَا تَسْتَعِينَ بِنِعَمِي عَلَى مَعْصِيَتِي، ﴿وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا بِالْقَوْلِ اللَّيِّنِ، وَالْكَلَامِ اللَّطِيفِ، وَالْفِعْلِ الْجَمِيلِ، وَالتَّوَاضُعِ لَهُمَا، وَإِكْرَامِهِمَا وَإِجْلَالِهِمَا، وَالْقِيَامِ بِمَؤُونَتِهِمَا وَاجْتِنَابِ الْإِسَاءَةِ إِلَيْهِمَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، فَوَصَّيْنَاهُ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ، وَأَخْبَرْنَاهُ أَنْ ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ [لقمان: ١٤] أَيْ: سَتَرْجِعُ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِلَى مَنْ وَصَّاكَ، وَكَلَّفَكَ بِهَذِهِ الْحُقُوقِ، فَيَسْأَلُكَ هَلْ قُمْتَ بِهَا؟ فَيُثِيبُكَ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ، أَمْ ضَيَّعْتَهَا؟ فَيُعَاقِبُكَ الْعِقَابَ الْوَبِيلَ» (^١).\nفالله ﵎ يوصي الإنسان بوالديه عمومًا، ترغيبًا له في برّهما والإحسان إليهما، كما قال الماوردي:» ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان: ١٤] يعني: برًّا وتحننًا عليهما» (^٢).\nويبين له حال أمِّه خصوصًا وقت حملها له، وأنها حملته وهي تعاني من الشدة والضعف والجهد وآلام الحمل وقت تكوينه من نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظامًا، ثم تكوينه تام الخلقة كامل البنيان.\nويوضح الرازي معنى الوهن فيقول: «يَعْنِي: ضَعْفَ الْحَمْلِ، وَضَعْفَ الطَّلْقِ، وَضَعْفَ النِّفَاسِ، وَقِيلَ: ﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤]، نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً، إِلَى آخِرِ النَّشْأَةِ» (^٣).\nوهذا ما يؤكده القرطبي فيقول: «﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] أَيْ: حَمَلَتْهُ فِي بَطْنِهَا وَهِيَ تَزْدَادُ كُلَّ يَوْمٍ ضَعْفًا عَلَى ضَعْفٍ، وَقِيلَ: الْمَرْأَةُ ضَعِيفَةُ الْخِلْقَةِ ثُمَّ يُضْعِفُهَا الْحَمْلُ» (^٤).\n_________\n(^١) ابن سعدي (٦/ ١٣٥٠).\n(^٢) الماوردي (٤/ ٣٣٤).\n(^٣) الرازي (٧/ ١٨٧).\n(^٤) القرطبي (١٤/ ٦٠).","vol":"1","page":202},{"text":"ويوضح الإمام الطبري معنى الوهن هنا فيقول: ضَعْفًا عَلَى ضَعْفٍ، وَشِدَّةً عَلَى شِدَّةٍ.\nويقول ابْنِ عَبَّاسٍ: شِدَّةً بَعْدَ شِدَّةٍ، وَخَلْقًا بَعْدَ خَلْقٍ.\nويقول الضَّحَّاكُ: ﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤]: يَقُولُ: ضَعْفًا عَلَى ضَعْفٍ.\nوَكذلك قَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ (^١).\nويقول قَتَادَةُ: «﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] أَيْ: جَهْدًا عَلَى جَهْدٍ».\nويقول مُجَاهِدٌ: «﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] قَالَ: وَهْنُ الْوَلَدِ عَلَى وَهْنِ الْوَالِدَةِ وَضَعْفِهَا» (^٢).\nكل ذلك وهو يتغذى من دمها وتذهب بذلك قوتها مع ما تعانيه من الحمل والوحم وآلام الطلق والوضع والنفاس وغير ذلك، ليكون هذا البيان دافعًا لبرها والإحسان إليها من كل الوجوه جزاء ما عانت وتحملت في حملها ووضعها وإرضاعها وفطامها وسهرها وتعبها وخدمتها آناء الليل وأطراف النهار.\nيقول ابن سعدي: «ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ فِي الْأُمِّ، فَقَالَ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] أَيْ: مَشَقَّةً عَلَى مَشَقَّةٍ، فَلَا تَزَالُ تُلَاقِي الْمَشَاقَّ، مِنْ حِينِ يَكُونُ نُطْفَةً، مِنَ الْوَحَمِ، وَالْمَرَضِ، وَالضَّعْفِ، وَالثِّقَلِ، وَتَغَيُّرِ الْحَالِ، ثُمَّ وَجَعِ الْوِلَادَةِ، ذَلِكَ الْوَجَعِ الشَّدِيدِ، ثُمَّ «فِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ» وَهُوَ مُلَازِمٌ لِحَضَانَةِ أُمِّهِ وَكَفَالَتِهَا وَرِضَاعِهَا، أَفَمَا يَحْسُنُ بِمَنْ تَحَمَّلَ عَلَى وَلَدِهِ هَذِهِ الشَّدَائِدَ، مَعَ شِدَّةِ الْحُبِّ، أَنْ يُؤَكِّدَ عَلَى وَلَدِهِ، وَيُوصِيَ إِلَيْهِ بِتَمَامِ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ؟!» (^٣).\nيقول ابن كثير: «وَإِنَّمَا يَذْكُرُ تَعَالَى تَرْبِيَةَ الْوَالِدَةِ وَتَعَبَهَا وَمَشَقَّتَهَا فِي سَهَرِهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، لِيُذَكِّرَ الْوَلَدَ بِإِحْسَانِهَا الْمُتَقَدِّمِ إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾\n_________\n(^١) ينظر: ابن كثير (٦/ ٣٣٧).\n(^٢) الطبري (٢٠/ ١٣٧ - ١٣٨).\n(^٣) ابن سعدي (٦/ ١٣٥٠).","vol":"1","page":203},{"text":"[الإسراء: ٢٤]؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] أَيْ: فَإِنِّي سَأَجْزِيكَ عَلَى ذَلِكَ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ» (^١).\nولا شك أن ضعفها ومعاناتها الحمل وآلامه تتتابع وتتزايد كما وضح ذلك الألوسي بقوله: «فَالْمُرَادُ تَضْعُفُ ضَعْفًا مُتَزَايِدًا بِازْدِيَادِ ثِقَلِ الْحَمْلِ إِلَى مُدَّةِ الطَّلْقِ، وَقِيلَ: ضَعْفًا مُتَتَابِعًا وَهُوَ ضَعْفُ الْحَمْلِ، وَضَعْفُ الطَّلْقِ، وَضَعْفُ النِّفَاسِ» (^٢).\nويؤكد نفس المعنى ابن عاشور فيقول: «والوهن وهو الضعف وقلة الطاقة على تحمل شيء، فإن حمل المرأة يقارنه التعب من ثقل الجنين في البطن، والضعف من انعكاس دمها إلى تغذية الجنين، ولا يزال ذلك الضعف يتزايد بامتداد زمن الحمل فلا جرم أنه وهن على وهن، وجملة ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] في موضع التعليل للوصاية بالوالدين قصدًا لتأكيد تلك الوصاية لأن تعليل الحكم يفيده تأكيدًا، ولأن في مضمون هذه الجملة ما يثير الباعث في نفس الولد على أن يبر بأمه ويستتبع البر بأبيه» (^٣).\nويوضح الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي فيقول: «والْمَعْنَى: أَنَّهَا تَضْعُفُ ضَعْفًا فَوْقَ ضَعْفٍ، أَيْ: يَتَزَايَدُ ضَعْفُهَا وَيَتَضَاعَفُ» (^٤).\nويقول ابن عطية: «وَ﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] مَعْنَاهُ: ضَعْفًا عَلَى ضَعْفٍ، وَقِيلَ: إِشَارَةٌ إِلَى مَشَقَّةِ الْحَمْلِ وَمَشَقَّةِ الْوِلَادَةِ بَعْدَهُ، وَقِيلَ: إِشَارَةٌ إِلَى ضَعْفِ الْوَلَدِ وَضَعْفِ الْأُمِّ مَعَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ أَشَارَ إِلَى تَدَرُّجِ حَالِهَا فِي زِيَادَةِ الضَّعْفِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ ضَعْفَيْنِ، بَلْ كَأَنَّهُ قَالَ: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَالضَّعْفُ يَتَزَيَّدُ بَعْدَ الضَّعْفِ إِلَى أَنْ يَنْقَضِيَ أَمَدُهُ» (^٥).\n_________\n(^١) ابن كثير (٦/ ٣٣٦).\n(^٢) الألوسي (٢١/ ٨٦).\n(^٣) ابن عاشور (٢٢/ ١٥٧ - ١٥٨) بتصرف يسير.\n(^٤) الزمخشري (٥/ ١٢).\n(^٥) ابن عطية (٧/ ٤٧).","vol":"1","page":204},{"text":"ويقول ابن الجوزي: «وَالْمَعْنَى: لَزِمَهَا بِحَمْلِهَا إِيَّاهُ أَنْ تَضْعُفَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ» (^١).\nوقوله سبحانه: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]: لا شك أن الأم عانت عامين كاملين معاناة شديدة لتتم له الرضاع إحسانًا إليه حال ضعفه يتغذى من لبنها لتتم له القوة ويشتد بذلك عوده ويقوى صلبه، وهي تعاني بذلك الضعف والوهن والجهد أشده، وفي ذلك تذكير للإنسان بعظيم حقها وجليل قدرها.\nيقول ابن كثير: «وَقَوْلُهُ: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] أَيْ: تَرْبِيَتُهُ وَإِرْضَاعُهُ بَعْدَ وَضْعِهِ فِي عَامَيْنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وَمِنْ هَا هُنَا اسْتَنْبَطَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] «(^٢).\nمن هنا يتبين لنا لماذا أكَّد النبي -ﷺ- للسَّائل حق الأم ثلاثًا، وأنها أحقّ النَّاس وأولاهم بحسن الصُّحبة، فعن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله، مَنْ أحقُّ النَّاس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك»، قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: «أمك»، قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: «أمك»، قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: «ثُمَّ أبوك» (^٣).\nذلك لِمَا ذاقت هذه الأم الشَّفيقة البرّة الرَّفيقة الرحيمة من أنواع الآلام مدة الحمل، وقاست ما قاست من الشَّدائد وقت المخاض والوضع، ثُمَّ أضعفت قوتها بالرَّضاع حولين كاملين، وحملت تارة في البطن، وأخرى على الصَّدر، وثالثة على اليدين، وباتت عند مرض الطِّفل ساهرة، جائعة، حزينة، باكية، متألمة، لا تزال تفتأ تسأل لابنها الشِّفاء والتَّمتُّع بطول العُمُر في\n_________\n(^١) ابن الجوزي (٦/ ٣١٩).\n(^٢) ابن كثير (٦/ ٣٣٧).\n(^٣) أخرجه البخاريّ في كتاب الأدب، باب مَنْ أحقّ النَّاس بحسن الصُّحبة (من الفتح). (٥٥٢٤)، كتاب الأدب: باب من أحق الناس بحسن صحابتي.","vol":"1","page":205},{"text":"هناء وصفاء، الشَّيء الذي جعل الرَّسول الكريم -ﷺ- لا يُقدِّم عليها أحدًا في البرّ والخير والإحسان، وأكَّد أنَّها أحقّ النَّاس بحسن الصُّحبة على النَّاس جميعًا بما فيهم الأب.\nكما أوضح -ﷺ- أنَّه ليس هناك أحد أحقّ بالعطف، والحنان، والرَّحمة، والإحسان، من الأب العطوف الرَّحيم، الذي ينفق من نفائس أمواله في تربية ابنه، وإرشاده لِمَا ينفعه في دينه ودنياه، فكان أحقّ النَّاس بحسن الصُّحبة على النَّاس جميعًا بعد الأُم.\nوأكَّد تعالى الوصية بهما في حال الكِبر، حين حاجتهما إلى الإكرام والإحسان، وبذل النَّفس والمال في سبيل مصلحتهما، والسَّعي الجاد في كسب رضاهما، ولذا نجد رسول الله -ﷺ- يقول: «رغم أنف مَنْ أدرك والديه عند الكِبر أحدهما أو كليهما فلم يدخلاه الجنَّة» (^١).\nومعنى الحديث أنَّه ذلّ، وقيل: كره وخزي، والرّغام أصله لصق الأنف بالرّغام، وهو تراب مختلط برمل، والرّغم هو كل ما أصاب الأنف مما يؤذيه.\nويستفاد من هذا الحديث الحثّ على برّ الوالدين وعظيم ثوابه، وأنَّ برّهما عند ضعفهما وكبرهما (خاصة) بالخدمة أو بالنَّفقة أو غيره سبب لدخول الجنَّة، فمَنْ قصَّر في ذلك؛ فاته دخول الجنَّة، (يعني ابتداءً) وأرغم الله أنفه، ويؤيِّد هذا الحديث، قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣] (^٢).\nقال القرطبي: «وهذا دعاء مؤكد على من قصَّر في بر أبويه، ويحتمل وجهين:\nأحدهما: أن يكون معناه: صرعه الله لأنفه فأهلكه، وهذا إنما يكون في حق من لم يقم بما يجب عليه من برهما.\nوثانيهما: أن يكون معناه: أذله الله؛ لأن من ألصق أنفه، الذي هو أشرف أعضاء الوجه،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب البرّ والصِّلة، باب رغم أنف مَنْ أدرك أبويه أو أحدهما عند الكبر فلم يدخل الجنَّة (برقم: ٢٥٥١) (٤/ ١٩٧٨).\n(^٢) بر الوالدين في ضوء السنة النبوية الشريفة (ص ٧٥) د/ سعاد سليمان إدريس الخندقاويّ -عن مجلة جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية- الصادرة عن جامعة أم درمان الإسلامية -العدد الخامس عشر (١٤٢٨ هـ) - بتصرف.","vol":"1","page":206},{"text":"بالتراب، الذي هو موطئ الأقدام وأخس الأشياء، فقد انتهى من الذُّل إلى الغاية القصوى وهذا يصلح أن يدعى به على من فرَّط في متأكدات المندوبات، ويصلح لمن فرط في الواجبات، وهو الظاهر، وتخصيصه عند الكبر بالذكر -وإن كان برهما واجبًا على كل حال- إنما كان ذلك لشدة حاجتهما إليه؛ ولضعفهما عن القيام بكثير من مصالحهما، فيبادر الولد اغتنام فرصة برهما؛ لئلا تفوته بموتهما فيندم على ذلك» (^١).\nوقوله سبحانه: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]: يأمر الله تعالى بعد ذلك بشكره سبحانه ويقرنه بشكر الوالدين، وفي ذلك توكيد بعد توكيد لبيان مكانة وقدر الوالدين واعترافًا وإقرارًا بحقهما ووجوب برهما والإحسان إليهما.\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «ثَلَاثُ آيَاتٍ نَزَلَتْ مَقْرُونَةً بِثَلَاثِ آيَاتٍ لَا يُقْبَلُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا بِغَيْرِ قَرِينَتِهَا:\nأَوَّلُهَا: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فَمَنْ صَلَّى وَلَمْ يُؤَدِّ الزَّكَاةَ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ الصَّلَاةُ.\nوَالثَّانِي: قَوْله تَعَالَى: ﴿اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، فَمَنْ شَكَرَ اللَّهَ وَلَمْ يَشْكُرْ وَالِدَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ.\nوَالثَّالِثُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، فَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَلَمْ يُطِعْ الرَّسُولَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ» (^٢).\n_________\n(^١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٦/ ٥١٨).\n(^٢) غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب، للسفاريني، مؤسسة قرطبة، ط ٢، (١٤١٤ هـ/ ١٩٩٣ م) (ص ٣٩٢).","vol":"1","page":207},{"text":"وفي بيان معنى الشكر يقول القاسمي: «الشُّكْرُ مَبْنِيٌّ عَلَى خَمْسِ قَوَاعِدَ:\nالأول: خُضُوعُ الشَّاكِرِ لِلْمَشْكُورِ.\nالثاني: حُبُّهُ لَهُ.\nالثالث: اعْتِرَافُهُ بِنِعْمَتِهِ.\nالرابع: الثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِهَا.\nالخامس: أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَهَا فِيمَا يَكْرَهُ.\nهَذِهِ الْخَمْسَةُ هِيَ أَسَاسُ الشُّكْرِ، وَبِنَاؤُهُ عَلَيْهَا، فَإِنَّ عُدِمَ مِنْهَا وَاحِدَةٌ، اخْتَلَّتْ قَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الشُّكْرِ، وَكُل مَنْ تَكَلَّمَ فِي الشُّكْرِ، فَإِنَّ كَلَامَهُ إِلَيْهَا يَرْجِعُ وَعَلَيْهَا يَدُورُ. انْتَهَى.\nثُمَّ فَسَّرَ الْوَصِيَّةَ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَه: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ أَيْ: بِأَنْ تَعْرِفَ نِعْمَةَ الْإِحْسَانِ، وَتُقَدِّرَهُ قَدْرَهُ» (^١).\nويجلي إمام المفسرين الطبري المعنى فيقول: «وَقَوْلُهُ: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] يَقُولُ: وَعَهِدْنَا إِلَيْهِ أَنِ اشْكُرْ لِي عَلَى نِعَمِي عَلَيْكَ، وَلِوَالِدَيْكَ تَرْبِيَتَهُمَا إِيَّاكَ، وَعِلَاجَهُمَا فِيكَ مَا عَالَجَا مِنَ الْمَشَقَّةِ حَتَّى اسْتَحْكَمَت قُوَاكَ. وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] يَقُولُ: إِلَى اللَّهِ مَصِيرُك -أَيُّهَا الْإِنْسَانُ- وَهُوَ سَائِلُكَ عَمَّا كَانَ مَنْ شُكْرِكَ لَهُ عَلَى نِعَمِهِ عَلَيْكَ، وَعَمَّا كَانَ مِنْ شُكْرِكَ لِوَالِدَيْكَ، وَبِرِّكَ بِهِمَا عَلَى مَا لَقِيَا مِنْكَ مِنَ الْعَنَاءِ وَالْمَشَقَّةِ فِي حَالِ طُفُولِيَّتِكَ وَصِبَاكَ، وَمَا اصْطَنَعَا إِلَيْكَ فِي بِرِّهِمَا بِكَ، وَتَحْنُّنِهِمَا عَلَيْكَ» (^٢).\nويوضح الماوردي كيفية الشكر هنا فيقول: «وشكر الله بالحمد والطاعة وشكر الوالدين بالبر والصلة» (^٣).\nويقول سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة: «مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَقَدْ شَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَمَنْ دَعَا لِوَالِدَيْهِ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ فَقَدْ شَكَرَهُمَا» (^٤).\nويبين القرطبي على ما يكون الشكر فيقول: «وَالْمَعْنَى: قُلْنَا لَهُ: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ.\n_________\n(^١) القاسمي (١٣/ ٤٧٩٨).\n(^٢) الطبري (٢٠/ ١٣٨).\n(^٣) الماوردي (٤/ ٣٣٦).\n(^٤) القرطبي (١٤/ ٦١).","vol":"1","page":208},{"text":"قِيلَ: الشُّكْرُ لِلَّهِ عَلَى نِعْمَةِ الْإِيمَانِ، وَلِلْوَالِدَيْنِ عَلَى نِعْمَةِ التَّرْبِيَةِ» (^١).\nويقول ابن الجوزي: «الْمَعْنَى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ، أَيْ: وَصَّيْنَاهُ بِشُكْرِنَا وَشُكْرِ وَالِدَيْهِ» (^٢).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] الآية: ولعظم بر الوالدين ولمكانته من الدين أمر الله ببرهما حتى ولو كانا كافرين، بل ولو جاهداك على أن تشرك بالله وبذلا وسعهما في ذلك، فلا يسقط برهما والإحسان إليهما ومصاحبتهما بالمعروف بل هو باق مع عدم إجابتهما وطاعتهما في المعصية.\nيقول ابن كثير: «وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٥]. أَيْ: إِنْ حَرَصَا عَلَيْكَ كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى أَنْ تُتَابِعَهُمَا عَلَى دِينِهِمَا، فَلَا تَقْبَلْ مِنْهُمَا ذَلِكَ، وَلَا يَمْنَعَنَّكَ ذَلِكَ مِنْ أَنْ تُصَاحِبَهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا، أَيْ: مُحْسِنًا إِلَيْهِمَا» (^٣).\nويبين القرطبي فيقول: «وَالْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى صِلَةِ الْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ بِمَا أَمْكَنَ مِنَ الْمَالِ إِنْ كَانَا فَقِيرَيْنِ، وَإِلَانَةِ الْقَوْلِ وَالدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ بِرِفْقٍ وَقَدْ قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لِلنَّبِيِّ ﵊ وَقَدْ قَدِمَتْ عَلَيْهَا خَالَتُهَا. وَقِيلَ: أُمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». وَرَاغِبَةٌ قِيلَ مَعْنَاهُ: عَنِ الْإِسْلَامِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهَا رَاغِبَةٌ فِي الصِّلَةِ، وَمَا كَانَتْ لِتَقْدُمَ عَلَى أَسْمَاءَ لَوْلَا حَاجَتُهَا. وَوَالِدَةُ أَسْمَاءَ هِيَ قُتَيْلَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ أَسَدٍ. وَأُمُّ عَائِشَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ هِيَ أُمُّ رُومَانَ قَدِيمَةُ الْإِسْلَامِ» (^٤).\n_________\n(^١) المرجع السابق، القرطبي (١٤/ ٦١).\n(^٢) ابن الجوزي (٦/ ٣١٩).\n(^٣) ابن كثير (٧/ ٣٣٦).\n(^٤) القرطبي (١٤/ ٦٠).","vol":"1","page":209},{"text":"وأصل الحديث في «الصحيحين»: تقول أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله -ﷺ- فاستفتيت رسول الله -ﷺ- قلت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة، أفأصلها؟ قال: «نعم: صِلي أمك» (^١).\nويوضح ابن سعدي فيقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ [لقمان: ١٥] أي: اجتهد والداك ﴿عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٥] ولا تظن أن هذا داخل في الإحسان إليهما، لأن حق الله مقدم على حق كل أحد، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولم يقل: وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فعقهما، بل قال: فلا تطعهما أي: في الشرك، وأما برهما، فاستمر عليه، ولهذا قال: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] أي: صحبة إحسان إليهما بالمعروف، وأما اتباعهما وهما بحالة الكفر والمعاصي، فلا تتبعهما» (^٢).\nسبب نزول آية ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ [لقمان: ١٥]:\nقال الطبري: «قَالَ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ: نَزَلَتْ فِيَّ ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] قَالَ: لَمَّا أَسْلَمْتُ، حَلَفَتْ أُمِّي لَا تَأْكُلُ طَعَامًا وَلَا تَشْرَبُ شَرَابًا. قَالَ: فَنَاشَدْتُهَا أَوَّلَ يَوْمٍ، فَأَبَتْ وَصَبَرَتْ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي نَاشَدْتُهَا، فَأَبَتْ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ نَاشَدْتُهَا فَأَبَتْ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَوْ كَانَتْ لَكِ مِائَةُ نَفْسٍ لَخَرَجَتْ قَبْلَ أَنْ أَدَعَ دِينِي هَذَا، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ، وَعَرَفَتْ أَنِّي لَسْتُ فَاعِلًا أَكَلَتْ» (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (٥٩٧٩)، ومسلم (١٠٠٣).\n(^٢) ابن سعدي (٦/ ١٣٥٢).\n(^٣) الطبري (٢٠/ ١٣٩) «وأمه هي: حمنة بنت أبي سفيان بن أمية».","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type='title' id=toc-244>الأنبياء وبر الوالدين:</span>\nإن بر الوالدين من العبادات العظيمة التي حثت ورغبت فيها كل الشرائع السماوية، وهو مع ذلك أمر عظيم يسعى في تحقيقه ويطمع ويرغب فيه كل صاحب فطرة نقية ونفس سوية، كما أنه من أخص أوصاف النبيين ﵈، ومن خصال عباد الله الصالحين، وهو دليل ظاهر على وفاء صاحبه وصدق إيمانه، وهو من محاسن ديننا الحنيف، ذلك لأن فيه اعترافًا بفضل الوالدين والسعي في رد بعض الجميل لهما على إحسانهما، ودليل على كمال الدين ومحاسنه وشموليته، بخلاف قوانين البشر وشريعة الغاب التي لا تعرف للوالدين حقًّا ولا تقر لهم معروفًا ولا تعرف لها فضلًا.\nولقد أثنى الله على بر الأنبياء لوالديهم وبَيَّنَ أنه من أخص أوصافهم، وذكر بعضًا منها في كتابه المجيد لتتأسى بهم البرية، كما قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].\n- فهذا نوح ﵇، أول رسل الله لأهل الأرض يدعو ربه قائلًا: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: ٢٨].\n- ولما زجر آزرُ ابنَه إبراهيمَ ﵇، وهدده بالرجم وقال له: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)﴾ [مريم: ٤٦]، كان جوابه ﵇: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]. وكان من دعائه ﵇ أيضًا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤١].\n- وإسماعيل ﵇ لما أخبره الخليل إبراهيم برؤياه قائلًا: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢] كان الجواب بأدب جم وخلق عظيم: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] ضاربًا بذلك أروع الأمثلة في بر الوالدين تسليمًا وانقيادًا وانصياعًا للأمر واستجابة وإعانة على تنفيذ أمر الله تعالى.\n- ويوسف الصديق ﵇ يبرهن على بره بوالديه بفعله قبل قوله بإجلاله وإكرامه","vol":"1","page":211},{"text":"لوالديه وإنزالهما أكرم المنازل كما قال سبحانه: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠].\n- وكان من دعاء سليمان ﵇: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ [النمل: ١٩].\n- وقد مدح الله تعالى يحيى ﵇ بقوله: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤)﴾ [مريم: ١٤].\n- ولما تكلم عيسى بن مريم ﵇ في المهد أعلن موقفه من بره بأمه وعزمه عليه فقال: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)﴾ [مريم: ٣٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-245>وختام الحديث عن بر الوالدين ببيان مكانته من الدين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-246>أولًا: بر الوالدين من أعظم الحقوق وأَجَلِّهَا:</span>\nلقد قرن الله تعالى حق الوالدين مع أعظم الحقوق، وهو حق عبوديته وتوحيده سبحانه، في كتابه الكريم في أربعة مواضع:\nالموضع الأول: في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣].\nالموضع الثاني: في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].\nالموضع الثالث: في سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: ١٥١].\nالموضع الرابع: في سورة الإسراء في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].\nكما قرن شكر الوالدين مع شكره سبحانه بعد الوصية بهما هنا في سورة لقمان فقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ [لقمان: ١٤]. فبدأ الله في هذه الآيات بالأمر بتوحيده سبحانه الذي هو أعظم مأمور به، واستحقاقه سبحانه للعبودية، ثم عطف على ذلك الأمر بالإحسان إلى الوالدين، وفي هذا إظهار لعظم حقهما وبيانًا لفضلهما وقدرهما، كما أن فيه حثًّا على برهما وطاعتهما وامتثال أمريهما.","vol":"1","page":212},{"text":"فما أعظم هذا الشرع الحنيف وأَجَلَّهُ حيث عَظَّم قدر الوالدين ورفع من مكانتهما وبَيَّنَ حقهما وجلَّى فضليهما وألزم برهما وحض على طاعتهما في المعروف.\n\n<span data-type='title' id=toc-247>ثانيًا: بر الوالدين من أسباب دخول الجنة:</span>\n- فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: «رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف» قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة» (^١).\nقال ابن عمر ﵄ لرجل: «أَحَيٌّ والداك؟» قال الرجل: عندي أمي، قال ابن عمر: «فو الله لو ألنت لها الكلام وأطعمتها الطعام لتدخلنَّ الجنة ما اجتنبت الكبائر» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-248>ثالثًا: بر الوالدين من أحب الأعمال إلى الله:</span>\nعن شُعبة قال: أخبرني الوليد بن عيزار قال: سمعتُ أبا عمر الشَّيبانيّ يقول: أخبرنا صاحب هذه الدَّار، وأومأ بيده إلى دار عبد الله قال: سألتُ النَّبيّ -ﷺ- عن أحب الأعمال إلى الله تعالى: قال: «الصَّلاة على وقتها»، قال: ثُمَّ أي؟ قال: «برّ الوالدين»، قال: ثُمَّ أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» قال: «حدّثني بهنَّ، ولو استزدته لزادني» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب البرّ والصِّلة: باب رغم أنف مَنْ أدرك أبويه أو أحدهما عند الكبر فلم يدخل الجنَّة (برقم: ٢٥٥١) (٤/ ١٩٧٨).\n(^٢) الأدب المفرد، للبخاري (برقم: ٨)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (١/ ٣٥)، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٨٩٨).\n(^٣) أخرجه البخاريّ في كتاب الصَّلاة، باب: فضل الصَّلاة لوقتها (١/ ١٢٦) بلفظه، ومسلم في كتاب الإيمان، باب: بيان كون الإيمان بالله أفضل الأعمال (برقم ١٢٧٠) (١/ ٨٩).","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type='title' id=toc-249>رابعًا: بر الوالدين من أسباب إجابة الدعاء:</span>\nعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعتُ رسول الله -ﷺ- يقول: «يأتي عليكم أُويسُ بن عامرٍ مع أمدادِ أهل اليمن من مُرَادٍ، ثم مِن قرنٍ، كان به برصٌ، فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدةٌ هو بها بَرّ لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-250>خامسًا: بر الوالدين مقدّم على الجهاد:</span>\n- عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: جاء رجل إلى نبي الله -ﷺ- يستأذنه في الجهاد، فقال: «أحيٌّ والداك؟» قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد» (^٢).\n- عن طلحة بن معاوية السلم ﵁ قال: أتيت النبي -ﷺ- فقلت: يا رسول الله، إني أريد الجهاد في سبيل الله. قال: «أمك حية؟» قلت: نعم، قال النبي -ﷺ-: «الزم رجلها فثم الجنة!» (^٣).\nوَقد تقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ أن بِرَّ الْوَالِدَيْنِ مقدم عَلَى الْجِهَادِ؛ لأِنَّ بِرَّهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهِ، وَلَا يَنُوبُ عَنْهُ فِيهِ غَيْرُهُ. فَقَدْ قَال رَجُلٌ لاِبْنِ عَبَّاسٍ - ﵄-: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَغْزُوَ الرُّومَ، وَإِنَّ أَبَوَيَّ مَنَعَانِي. فَقَال: «أَطِعْ أَبَوَيْكَ، فَإِنَّ الرُّومَ سَتَجِدُ مَنْ يَغْزُوهَا غَيْرَكَ» (^٤).\nسادسًا: وجوب بر الوالدين وإن كانا مشركين:\nفعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله -ﷺ- فاستفتيت رسول -ﷺ- قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلُ أمي؟ قال: «نعم صِلِي أمك» (^٥). وقد مر معنا الحديث بطوله.\nفبر الوالدين الكافرين والإحسان إليهما رغَّب فيه الشارع اعترافًا بحقهما ووفاءً لما قدماه.\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٥٤٢) كتاب فضائل الصحابة: باب فضائل أويس القرني.\n(^٢) متفق عليه، أخرجه مسلم في كتاب البرّ والصِّلة: باب برّ الوالدين وأنَّهما أحقّ به، (برقم: ٢٥٤٩) (٤/ ١٩٧٤).\n(^٣) صحيح الترغيب للألباني (٢٤٨٣).\n(^٤) المهذب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ٢٣٠). هذا إلا إذا تعين الجهاد وأعلن الإمام النفير (الباحث).\n(^٥) رواه البخاري (٢/ ٩٢٤) (برقم: ٢٤٧٧)، ومسلم (٢/ ٦٩٦) (برقم: ١٠٠٣). وَوَالِدَةُ أَسْمَاءَ هِيَ قُتَيْلَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ أَسَدٍ. وَأُمُّ عَائِشَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ هِيَ أُمُّ رُومَانَ قَدِيمَةُ الْإِسْلَامِ.","vol":"1","page":214},{"text":"مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥].\nفيجب على الأبناء بر الوالدين والإحسان إليهما وطاعتهما طاعة تامة في المعروف أما إذا أمرا بمعصية فإنه لا طاعة لبشر في معصية الله تعالى كما قال -ﷺ-: «لا طاعة لبشر في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف» (^١).\nفلا يمنع كفرهما من برهما والإحسان إليهما تقربًا لله تعالى ورحمة بهما وأداءً لحقهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-251>سابعًا: بر الوالدين سبب في رضا الرب سبحانه:</span>\n- قال رسول الله -ﷺ-: «رضا الله في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد» (^٢).\n- وجاء رجل إلى النبي -ﷺ- فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبوي يبكيان فقال: «ارجع عليهما؛ فأضحكهما كما أبكيتهما» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-252>ثامنًا: بر الوالدين من أسباب سعة الرزق والبركة في العمر:</span>\nومن ثمار بر الوالدين البركة في العمر والسعة في الرزق:\n- فعن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «من سرَّه أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَه» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-253>تاسعًا: بر الوالدين لا ينقطع بموتهما:</span>\nلبركة برّ الوالدين ومكانته فإنه لا ينقطع بموتهما، وهذا من سعة رحمة الله بعباده ليتم لهم بر والديهم أحياءً وأمواتًا ويداوموا عليه ويلزموه، والله تعالى حثّ الأبناء ورغبهم وأمرهم بالإقرار والاعتراف بحق الوالدين وإحسانهما فأمرهم بالترحم عليهما مذكرًا لهم بتربيتهم والإحسان لهم صغارًا فقال سبحانه: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤].\n_________\n(^١) البخاري (١٣/ ٢٠٣)، ومسلم (٦/ ١٥)، وأبو داود (٢٦٢٥)، والنسائي (٢ (١٨٧)، والطيالسي (١٠٩)، وأحمد (١/ ٩٤).\n(^٢) صحيح الترغيب للألباني (٢٥٠١).\n(^٣) صحيح أبي داود للألباني (٢٥٢٨).\n(^٤) رواه البخاري في كتاب الأدب، في باب: من بسط له في رزقه بصلة الرحم (جـ ٥) (٥٦٣٩).","vol":"1","page":215},{"text":"- وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (^١).\n- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إن الرجل لترفع درجته في الجنة فيقول: يا رب، أَنَّى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك» (^٢).\nومن مشاهد البر بعد موت الوالدين أن يبر الابن أهل ودّ والديه وأن يحسن إليهم ويكرمهم، فعن عبد الله بن عمر ﵄، أن النبي -ﷺ- قال: «أبر البر أن يصل الرجل ود أبيه» (^٣).\nأسأل الله أن يرزقنا برّ آبائنا وأن يرحمهم كما ربونا صغارًا. والحمد لله رب العالمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-254>ثانيًا: الأمر بإقام الصلاة</span>\n<span data-type='title' id=toc-255>مكانة الصلاة في الإسلام:</span>\nلقد عظَّم الله تعالى شأنَ الصلاة، ورفع قدرها وذِكرَها، وأعلى مكانتَها في شريعتنا الغراء، فهي أعظم وأهم وآكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي من معالم الدين العظمى وشرائعه الكبرى.\nوقد شرعها الله على أكمل الهيئات وأتمها وأحسنها، وقد حوت الصلاة أنواعًا من العبادات وصنوفًا من الأذكار، من تلاوة للقرآن، وما تضمنته من حمد وثناء وتمجيد وتسبيح وتنزيه وإخلاص وتقديس وإخبات وإنابة وإجلالٍ للرب تعالى، واستغاثة به جل في علاه، وإفراده سبحانه بالعبادة والاستعانة التي هي أعلى درجات منازل إياك نعبد وإياك نستعين، كما حوت مشاهد عظيمة من الذل والانكسار والإخبات بين يدي جبار السموات والأرض، وتكبير يُنبئ عن طرح كل ما سوى الله من قلب العبد، وتعظيم لله تعالى واستصغار لكل ما دون سبحانه\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب الوصية (١٦٣١)، والنسائي في كتاب الوصايا - باب فضل الصدقة على الميت (جـ ٤) (٦٤٧٨)، وأبو داود في كتاب الوصايا (٢٨٨٠)، والترمذي في كتاب الأحكام (١٣٧٦).\n(^٢) الألباني، صحيح الجامع (١٦١٧).\n(^٣) رواه مسلم في كتاب الأدب والصلة: باب فضل صلة أصدقاء الأب والأم ونحوهما (جـ ١٦) (٦٤٦١).","vol":"1","page":216},{"text":"من المخلوقين، مع ما جمعته وحوته من وقوف وانتصاب لا حركة، فيه مذلة لله، وركوع كله خضوع وخشوع لله، وسجود في ذلِ وانكسار بين يدي الله، ودعاء وابتهال وتبتل لله، وهي رأس العبادات البدنية، وهي أول ما يحاسب به العبد من عمله يوم القيامة، وهي حد فاصل بين الإسلام والكفر، كما قال ابن سعدي: «حَثَّهُ (لقمان) عَلَيْهَا، وَخَصَّهَا لِأَنَّهَا أَكْبَرُ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ» (^١).\nولعظم مكانتها وجليل قدرها فرضها الله على رسوله -ﷺ- ليلة المعراج في السموات العلى بلا واسطة؛ بخلاف سائر الشرائع السماوية؛ وأنه لم تخل منها شريعة من شرائع الله السماوية.\nفدل ذلك على تأكد فرضيتها وعظم مكانتها وجليل قدرها عند الله سبحانه.\nوالصلوات الخمس مفروضة بدلالة الكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].\nوأما السنة: فقد جعَل النبي -ﷺ- إقامتها رُكنًا من أركان الإسلام، ودعامة من دعائمه العظام.\n- فعن ابن عمر ﵄ أن النبي -ﷺ- قال: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان» (^٢).\nوأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على فرضيَّتها ووجوب أدائها في اليوم والليلة خمس مرات، وأنها رُكن من أركان الإسلام، ولَم يخالف في ذلك أحدٌ من المسلمين، بل ذلك مما عُلِم من دين الله بالضرورة، وهي حدٌّ فاصل بين الإسلام والكفر، ومن جحد فرضيتها فهو كافر مرتد عن دين الله تعالى، يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل ردة، وذلك بإجماع الأمة.\nولعظم شأنها فإنها أول ما يُسأل عنه العبدُ يوم القيامة فعن عبد الله بن قرط ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: «أول ما يُحاسب به العبدُ يومَ القيامةِ الصلاةُ، فإنْ صلحتْ، صلح سائرُ عمله،\n_________\n(^١) ابن سعدي (٢٢/ ١٣٥٢).\n(^٢) صحيح البخاري (١/ ٢٠) (رقم: ٨)، وصحيح مسلم (١/ ٤٥) (رقم: ١٦).","vol":"1","page":217},{"text":"وإن فسَدَتْ، فَسَدَ سائِرُ عمله» (^١).\nولعظم مكانتها من الدين كانت من آخر وصايا النبي -ﷺ- لأمته عند موته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى، فهي كوصية مودع يقول -ﷺ-: «الصلاةَ. الصلاةَ. وما ملكتْ أيمانُكم» (^٢).\nقوله: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [لقمان: ١٧]:\nوالمقصود بإقامة الصلاة: أداؤها خالصة لله، بشروطها، وأركانها، وواجباتها، ومستحبَّاتها، على الوجه المشروع عملًا بقول النبي -ﷺ-: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (^٣).\nقال القاسمي: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [لقمان: ١٧]: «أَيْ: بِحُدُودِهَا وَفُرُوضِهَا وَأَوْقَاتِهَا، لِتَكْمِيلِ نَفْسِكَ بِعِبَادَةِ رَبِّكَ» (^٤).\nويقول ابن عاشور: «انْتَقَلَ (لقمان) مِنْ تَعْلِيمِهِ أُصُولَ الْعَقِيدَةِ إِلَى تَعْلِيمِهِ أُصولَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَابْتَدَأَهَا بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَالصَّلَاةُ عِمَادُ الْأَعْمَالِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الِاعْتِرَافِ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَطَلَبِ الِاهْتِدَاءِ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ إِدَامَتُهَا وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى أَدَائِهَا فِي أَوْقَاتِهَا» (^٥).\nويقول البقاعي: «وَلَمَّا نَبَّهَهُ عَلَى إِحَاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحَانَهُ وَإِقَامَتِهِ لِلْحِسَابِ، أَمَرَهُ مِمَّا يَدَّخِرُهُ لِذَلِكَ تَوَسُّلًا إِلَيْهِ، وَتَخَضُّعًا لَدَيْهِ، وَهُوَ رَأْسُ مَا يَصْلُحُ بِهِ الْعَمَلُ وَيُصَحِّحُ التَّوْحِيدَ وَيُصَدِّقُهُ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، مُكَرِّرًا لِلْمُنَادَاةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَنْبِيهًا عَلَى فَرْطِ النَّصِيحَةِ لِفَرْطِ الشَّفَقَةِ (أَقِمِ الصَّلاةَ) أَيْ: بِجَمِيعِ حُدُودِهَا وَشُرُوطِهَا وَلَا تَغْفُلْ عَنْهَا، سَعْيًا فِي نَجَاةِ نَفْسِكَ وَتَصْفِيَةِ سِرِّكَ، فَإِنَّ إِقَامَتَهَا -وَهِيَ الْإِتْيَانُ بِهَا عَلَى النَّحْوِ الْمَرْضِيِّ-؛ مَانِعَةٌ مِنَ الْخَلَلِ فِي الْعَمَلِ ﴿إِنَّ\n_________\n(^١) رواه الطبراني في الأوسط (٢/ ٢٤٠) (برقم: ١٨٥٩)، وصححه الألباني في الصحيحة (برقم: ١٣٥٨).\n(^٢) سنن ابن ماجه (٢/ ٩٠٠) (برقم: ٢٦٩٧)، وأحمد (٢٥٩٤٤).\n(^٣) أخرجه البخاري وغيره من حديث مالك بن الحويرث - ﵁- (٢١٣).\n(^٤) القاسمي (١٣/ ٤٨٠١).\n(^٥) ابن عاشور (٢٢/ ١٦٥) بتصرف.","vol":"1","page":218},{"text":"الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] «(^١).\nويقول البغوي: «﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ يعني: الصلوات الخمس بمواقيتها وحدودها «(^٢).\nويقول ابن عباس ﵄: «إقامة الصلاة: إتمامُ الركوع والسجود، والتلاوة، والخشوع، والإقبال عليها فيها».\nويقول قتادة: «إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها ووضوئها، وركوعها وسجودها».\nويقول مقاتل بن حيَّان: «إقامتها: المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطُّهور بها، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهُّد والصلاة على النبي -ﷺ-؛ فهذا إقامتها» (^٣).\nوينبغي أن يُعلم الأبناءُ عظم جزاء من أحسن الوضوء والصلاة، ترغيبًا لهم في أداء الطهارة والصلاة وإتمامهما على الوجه المشروع، بمثل حديث عثمان ﵁، عن النبي -ﷺ- أنه قال: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها؛ إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله» (^٤).\n- وبمثل حديث أبي أيوب ﵁، عن النبي -ﷺ- أنه قال: «من توضأ كما أُمِرَ وصلى كما أُمِرَ غُفِرَ له ما قدم من عمل» (^٥).\nليصبح هذا الترغيب من الحوافز الدافعة للأبناء على إتمام الطهارة وإحسان الصلاة طاعة لله وطمعًا في ثوابه.\n_________\n(^١) البقاعي (١٥/ ١٧٤).\n(^٢) معالم التنزيل للبغوي- الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع (١/ ٨٨).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم (١/ ٧٨) لابن كثير.\n(^٤) رواه مسلم (١/ طهارة/ ٢٠٦/ جـ ٧)، وأحمد في مسنده (٥/ ٢٦٠) بنحوه، ورواه البيهقي في سننه (٢/ ٢٩٠).\n(^٥) رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦١٧٢).","vol":"1","page":219},{"text":"وقد بَيَّنَ الله سبحانه في كتابه أن فلاحَ المؤمنين متعلق بخشوعهم في صلاتهم، فقال تعالى:\n﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] ولا شك أن الخشوع روح الصلاة.\nيقول ابن القَيِّم: «فمَن فاتَه خشوع الصلاة، لَم يكن من أهل الفلاح، ويستحيل حصولُ الخشوع مع العَجَلة والنقر قطعًا، بل لا يحصل الخشوع قطُّ إلاَّ مع الطمأنينة، وكلَّما زادَ طمأنينة ازدادَ خشوعًا، وكلَّما قلَّ خشوعه، اشتدَّتْ عَجَلته؛ حتى تصيرَ حركة يَدَيه بمنزلة العبث الذي لا يَصحبه خشوع ولا إقبال على العبوديَّة، ولا معرفة حقيقة العبودية.\n- والله سبحانه قد قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].\n- وقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [لقمان: ٤].\n- وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [هود: ١١٤].\n- وقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣].\n- وقال: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ [الحج: ٣٥].\n- وفي أخص دعاء إبراهيم ﵇ قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ [إبراهيم: ٤٠].\n- وقال لموسى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤].\nفلن تكاد تجد ذِكْرَ الصلاة في موضع من التنزيل إلاَّ مقرونًا بإقامتها، فالمصلون في الناس قليل، ومُقيم الصلاة منهم أقلُّ القليل!» (^١).\nهذا وصف المصلين في زمن ابن القيم فكيف به إذا رأى صلاة أهل زماننا إلا من رحم الله؟! ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣].\n_________\n(^١) الصلاة وأحكام تاركها (ص ١٤٠) بتصرف يسير.","vol":"1","page":220},{"text":"يقول الزهري رحمه الله تعالى: «دخلتُ على أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه بدمشقَ وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: لا أعرفُ شيئًا مما أدركتُ على عهدِ رسول الله إلَّا هذه الصلاة، وهذه الصلاةُ قد ضُيِّعت» (^١).\nوأثر أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يوضح عناية السلف بشأن الصلاة وبإقامتها كما أمر الله تعالى وكما علم رسوله -ﷺ-.\nيقول ابن عباس ﵄: «ليس لك من صلاتك إلاَّ ما عَقَلت منها» (^٢).\nوإن مما يندرج ضمنًا تحت معنى إقام الصلاة، أن تُؤدَى في أوقاتها كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣].\nوقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨].\nيقول القرطبي: «قوله تعالى: (حَافِظُوا) خطاب لجمع الأمة، والآية أمر بالمحافظة على إقامة الصلوات في أوقاتها بجميع شروطها. والمحافظة هي المداومة على الشيء والمواظبة عليه» (^٣).\nويقول الطبري: «يعني تعالى ذكره بذلك: واظبوا على الصلوات المكتوبات في أوقاتهن، وتعاهدوهن والزَمُوهن، وعلى الصلاة الوسطى منهنّ» (^٤).\nوإن مما يندرج ضمنًا تحت معنى إقام الصلاة أيضًا تأديتها في جماعة قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [البقرة: ٤٣].\nوقوله سبحانه: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: صلوا مع المصلين، ففيه الأمر بالجماعة للصلاة ووجوبها (^٥).\n_________\n(^١) صحيح البخاري: كتاب مواقيت الصلاة (٥٣٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٣١).\n(^٣) القرطبي (٣/ ٢٠٨).\n(^٤) الطبري (٥/ ١٦٧).\n(^٥) ابن سعدي (١/ ٥٠).","vol":"1","page":221},{"text":"ولنتأمل جميعًا في عظم الأجر وجزيل الثواب المترتب على المحافظة والمواظبة على صلاة الجماعة:\n- عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من صلى لله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق» (^١).\n- ويقول ﵊: «سبعة يُظلّهم الله في ظلِّه يومَ لا ظلّ إلا ظلُّه»، وذكر منهم: «ورجلٌ قلبُه معلَّق بالمساجد» (^٢).\nقال النووي: «أي: شديد الحب لها، والملازمة للجماعة فيها، وليس معناه دوام القعود في المسجد» (^٣).\n- قال الحافظ في الفتح: «ظاهره أنه من التعليق كأنه شبه بالشيء المعلق في المسجد كالقنديل مثلًا إشارة إلى طول الملازمة بقلبه، وإن كان جسده خارجًا عنه، ويدل عليه رواية الجوزقي: كأنما قلبه في المسجد» (^٤).\nقال المناوي: «قلبه معلق بالمساجد من شدة حبه إياها، لَمَّا آثر طاعة الله وغلب عليه حبُّه، صار قلبه ملتفتًا إلى المسجد، لا يُحِب البَرَاح عنه؛ لِمَا وجد فيه من رَوْح القُربة، وحلاوة الخدمة، فآوى إلى الله مؤثِرًا فأظله» (^٥).\nقال ابن حجر: «إدراك التكبيرة الأولى سنة مؤكدة، وكان السلف إذا فاتتهم عزوا أنفسهم ثلاثة أيام، وإذا فاتتهم الجماعة عزوا أنفسهم سبعة أيام» (^٦).\n_________\n(^١) سنن الترمذي الجامع الصحيح -أبواب الطهارة عن رسول الله -ﷺ- أبواب الصلاة عن رسول الله -ﷺ- باب في فضل التكبيرة الأولى حديث (٢٣٠)، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي حديث (رقم: ٢٤).\n(^٢) صحيح البخاري: كتاب الأذان (٦٦٠)، صحيح مسلم: كتاب الزكاة (١٠٣١).\n(^٣) صحيح مسلم بشرح النووي (٨/ ١٢٢).\n(^٤) فتح الباري (٢/ ١٨٤).\n(^٥) فيض القدير (٤ - ٨٩).\n(^٦) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: (جـ ٤) (ص ١٠٢).","vol":"1","page":222},{"text":"- وعن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ -ﷺ-: قال: «والّذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثمّ آمر بالصّلاة فيؤذّن لها، ثمّ آمر رجلًا، فيؤمّ النّاس، ثمّ أخالف إلى رجال فأحرّق عليهم بيوتهم، والّذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنّه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء» (^١).\nولو لم تكن الجماعة واجبة لما همّ النبي -ﷺ- بالتحريق.\nومن سمع الأذان فلا عذر له في التخلف عن الجماعة.\n- فعن ابن أم مكتوم ﵁ قال: جئت رسول الله فقلت: يا رسول الله، أنا ضرير شاسع الدار ولي قائد لا يلائمني، فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: «أتسمع النداء؟» قلت: نعم. قال: «ما أجد لك رخصة» (^٢).\n- وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر» (^٣).\nوإن من خير ما يختم به بيان حال خير القرون مع صلاة الجماعة:\nفعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم -ﷺ- سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما\n_________\n(^١) صحيح البخاري: كتاب الأذان -أبواب صلاة الجماعة والإمامة- باب: وجوب صلاة الجماعة حديث (٦٢٦).\n(^٢) سنن أبي داود -كتاب الصلاة- باب: في التشديد في ترك الجماعة، حديث (٤٧٠) وقال الألباني: «حسن صحيح»، ينظر: صحيح سنن أبي داود حديث (رقم: ٥٥٢).\n(^٣) المستدرك على الصحيحين للحاكم -ومن كتاب الإمامة- أما حديث عبد الرحمن بن مهدي - حديث (٨٤١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع حديث (رقم ٦٣٠٠).","vol":"1","page":223},{"text":"يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-256>كيفية تربية الأبناء على أداء الصلاة وأمرهم بها:</span>\nإن من أعظم وأجل وسائل تربية الأبناء وتعويدهم على إقام الصلاة وأدائها على الوجه المشروع هو ضرورة وجود القدوة العملية الصالحة المتمثلة في الوالدين وحرصهما على أداء الصلاة في أوقاتها على الوجه المشروع كذلك.\nوقد مرّ معنا في طيات البحث أن التربية بالقدوة من أعظم وسائل التربية.\nقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢].\nقال ابن سعدي: «أي: حثّ أهلك على الصلاة، وأزعجهم إليها من فرض ونفل.\nوالأمر بالشيء: أمر بجميع ما لا يتم إلا به، فيكون أمرًا بتعليمهم، ما يصلح الصلاة ويفسدها ويكملها» (^٢).\nوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ ..﴾ [التحريم: ٦].\nقال ابن كثير: «أي: مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، ولا تدعوهم هملًا فتأكلهم النار يوم القيامة» (^٣).\n- ويقول -ﷺ-: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه -كتاب المساجد ومواضع الصلاة- باب: صلاة الجماعة من سنن الهدى - حديث (١٠٨١).\n(^٢) ابن سعدي (ص ٥١٧).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٥/ ٢٤٠).\n(^٤) البخاري (٨٥٣)، ومسلم (١٨٢٩).","vol":"1","page":224},{"text":"<span data-type='title' id=toc-257>أثر صلاة النوافل في البيت:</span>\nلقد رغَّب النبي -ﷺ- في أداء النوافل في البيت لما يترتب على أدائها فيه من المصالح والمنافع العظيمة، ولا شك أن من أهم تلك المنافع والمصالح مشاهدة الأبناء لتك الصلاة ومحاكاة الآباء ومحاولة تقليدهم، لأنها مرحلة إعداد وتهيئة نفسية وتعويد غير مباشر.\nإعدادًا وتمهيدًا لمرحلة الأمر بالصلاة، وفي هذا غرس لمحبة الصلاة في نفوسهم وترغيبهم فيها بالقدوة الحسنة من غير أمر مباشر بها، فإذا ما حان وقت أمرهم بها إذا هم قد تهيأوا لها واستعدوا لأدائها ورغبوا فيها طواعية، ومن ثَمَّ أداؤها على الوجه المشروع والأكمل والأتم عند مرحلة التكليف الشرعي.\nوفي مثل ذلك يقول -ﷺ-: «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا» (^١).\nولا شك أن من أعظم هذا الخير وأنفعه رؤية الأبناء صلاة الآباء ومن ثَمَّ التأسي والاقتداء بهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-258>متى يُؤمرُ الصَّبِيُّ بالصلاة:</span>\n- يقول -ﷺ-: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» (^٢).\nقال الرافعي: «قال الأئمة: يجب على الآباء والأمهات تعليم أولادهم الطهارة والصلاة والشرائع بعد سبع سنين وضربهم على تركها بعد عشر سنين».\nقال الشافعي في المختصر: «وعلى الآباء والأمهات أن يؤدبوا أولادهم ويعلموهم الطهارة والصلاة ويضربوهم على ذلك إذا عقلوا» قال أصحابنا: ويأمره الولي بحضور الصلوات في\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٣٩٨٦)، ومسلم (٧٧٨).\n(^٢) صححه الألباني في إرواء الغليل (١/ ٢٦٦، رقم ٢٤٧) وينظر: الموسوعة الكويتية (١٢/ ٢٤).","vol":"1","page":225},{"text":"الجماعة وبالسواك وسائر الوظائف الدينية» (^١).\nويؤدب الصبي بالأمر بأداء الفرائض والنهي عن المنكرات بالقول ثم التعنيف ثم بالضرب إن لم تُجْدِ الطرق المذكورة قبله، ولا يضرب الصبي لترك الصلاة إلا إذا بلغ عشر سنين؛ للحديث السابق: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع» (^٢).\nقال ابن قدامة: «هَذَا الْأَمْرُ وَالتَّأْدِيبُ الْمَشْرُوعُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ لِتَمْرِينِهِ عَلَى الصَّلَاةِ كَيْ يَأْلَفَهَا وَيَعْتَادَهَا وَلَا يَتْرُكَهَا عِنْدَ الْبُلُوغِ» (^٣) انتهى.\nومما ينبغي لفت النظر إليه أيضًا أن تأديب الصبي لا يكون على ترك الصلاة بالكلية فحسب، وإنما يكون أيضًا على التهاون في إتمام شروط صحتها وأركانها وواجباتها، فقد يصلي ولكن يتهاون في إتمام الطهارة لها، أو يصلي متعمدًا ترك الطهارة بالكلية، أو يتعمد تأخيرها عن وقتها، أو يؤديها بسرعة مخلة لصحتها، أو لا يتم ركوعها أو سجودها، أو يؤديها على أي صفة لا تصح معها الصلاة، فيجب تعليمه وتوجيهه ومتابعته وتشجيعه وترغيبه في الإحسان والإتمام، وتذكيره وتخويفه بما ورد في السنة المطهرة بمثل حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: «إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي سِتِّينَ سَنَةً، ومَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ، لَعَلَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ، وَلَا يُتِمُّ السُّجُودَ، وَيُتِمُّ السُّجُودَ، وَلَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ» (^٤).\n- وبمثل حديث أبي قتادة ﵁، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: «لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا»، أَوْ قَالَ: «لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» (^٥).\n_________\n(^١) النووي، المجموع شرح المهذب، كتاب الصلاة (ص ١٣).\n(^٢) صححه الألباني في إرواء الغليل (١/ ٢٦٦) (رقم: ٢٤٧) وينظر: الموسوعة الكويتية (١٢/ ٢٤).\n(^٣) المغني (١/ ٣٥٧).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٢٨٨)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (برقم: ١٨٩٥)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ٣٤٧)، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة (٦/ ٨١) (برقم: ٢٥٣٥).\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند (٣٧/ ٣١٩) (برقم: ٢٢٦٤٢) واللفظ له، وابن خزيمة (١/ ٣٣٢) (برقم: ٦٦٣)، والحاكم (١/ ٢٢٩)، وابن حبان في صحيحه (برقم: ١٨٨٨)، والبيهقي، والطبراني (برقم: ٢٣٤٧)، وصححه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ٣٤٥)، وصححه محققو مسند الإمام أحمد (٣٧/ ٣١٩).","vol":"1","page":226},{"text":"فإن أصر بعد تكرار الترغيب والتوجيه بالحسنى، أُدّب واستُعمِلَ معه أسلوب الترهيب حتى يصل إلى الضرب بضوابطه الشرعية إلى أن يستجيب ويؤدي الصلاة على الوجه المشروع.\nوقال السبكي: «يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَأْمُرَ الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ وَيَضْرِبَهُ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ. ولَا نُنْكِرُ وُجُوبَ الْأَمْرِ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَالضَّرْبَ عَلَى مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَنَحْنُ نَضْرِبُ الْبَهِيمَةَ لِلتَّأْدِيبِ فَكَيْفَ الصَّبِيُّ؟ وَذَلِكَ لِمَصْلَحَتِهِ وَأَنْ يَعْتَادَها قَبْلَ بُلُوغِهِ» (^١).\n- ويقول معالي الشيخ الفوزان: «الضّرب وسيلة من وسائل التربية، فللمعلِّم أن يضرب، وللمؤدِّب أن يضرب، ولولّي الأمر أن يضرب تأديبًا وتعزيرًا، وللزوج أن يضرب زوجته على النشوز لكن يكون بحدود، لا يكون ضربًا مبرحًا يشقّ الجلْد أو يكسرُ العظم، وإنّما يكون بقدر الحاجة» (^٢).\nقال شيخنا العلامة الفقيه ابن عثيمين ﵀: «وكذلك قوله: «اضربوهم عليها لعشر» الأمر للوجوب، لكن يقيد بما إذا كان الضرب نافعًا؛ لأنه أحيانًا تضرب الصبي ولكن ما ينتفع بالضرب، ما يزداد إلا صياحًا وعويلًا ولا يستفيد، ثم إن المراد بالضرب الضرب غير المبرح، الضرب السهل الذي يحصل به الإصلاح ولا يحصل به الضرر» (^٣).\nويقول ﵀ أيضًا: «أمر النبي -ﷺ- أن نأمر أولادنا بالصلاة لسبع سنين، وأن نضربهم عليها لعشر سنين، مع أنهم لم يُكلفوا بعد، من أجل أن يتمرنوا على فعل الطاعة ويألفوها، حتى تسهل عليهم بعد الكبر، وتكون محبوبة لديهم، كذلك الأمور التي ليست بالمحمودة، لا ينبغي أن يعود الصغار عليها وإن كانوا غير مكلفين؛ وذلك لأنهم يألفونها عند الكبر ويستسيغونها» (^٤).\nويقول سماحة شيخينا الإمام العلامة ابن باز ﵀: «والعناية بأهل البيت، لا تغفل عنهم يا عبد الله، عليك أن تجتهد في صلاحهم، وأن تأمر بنيك وبناتك بالصلاة لسبع، وتضربهم عليها لعشر،\n_________\n(^١) فتاوى السبكي (١/ ٣٧٩) بتصرف\n(^٢) إغاثة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (٢٨٢ - ٢٨٤) بتصرف.\n(^٣) لقاءات الباب المفتوح (جـ ٩٥) لابن عثيمين.\n(^٤) فتاوى نور على الدرب (١١/ ٣٨٦).","vol":"1","page":227},{"text":"ضربًا خفيفًا يعينهم على طاعة الله، ويعودهم أداء الصلاة في وقتها، حتى يستقيموا على دين الله ويعرفوا الحق، كما صحت بذلك السنة عن رسول الله -ﷺ-» (^١).\nوالخلاصة:\nأن أول خطوات تربية الأبناء وتعويدهم على أداء الصلاة، أداء الآباء النوافل والسنن الرواتب في البيت ليطالعها الصغار ويحاكوها، ثم تعليمهم فقه الطهارة والصلاة وما يتعلق بهما من آداب وأحكام شرعية بحسب مداركهم مع أمرهم بها وترغيبهم وتحبيبهم فيها وتدريبهم عليها وذلك في سن سبع سنين، ويكون ذلك بالقدوة من الوالدين أولًا، ثم اصطحاب الأولاد لصلاة الجماعة في المسجد، مع المتابعة والصبر على ذلك، وكذلك حرص الأم على أمر بناتها بالصلاة وتأديتهن لها معها في البيت ليتعودنها ويألفنها، مع الوعظ والنصح والتذكير بأهمية الصلاة ومكانتها وفضلها، وبيان أنها أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وأنه لا يتم دين المسلم إلا بالمحافظة والمواظبة عليها.\nومن الأهمية بمكان أن يعلم الأبناء حكم ترك الصلاة وأن تركها كفر وهذا مما يزيدهم حرصًا عليها ورغبة فيها كما أخبر النبي -ﷺ- أمته فقال محذرًا ومبينًا لهم بقوله -ﷺ-: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقَد كفر» (^٢).\nوبقوله -ﷺ- أيضًا: «بين الرجل والكفر -أو الشرك- تركُ الصلاة» (^٣).\nذلك كله مع إدامة الدعاء لهم اقتداءً وتأسيًا بخليل الرحمن ﵇ حيث يقول في دعائه: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٤٠]، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن باز (٦/ ٤٦) بتصرف.\n(^٢) مسند أحمد (٥/ ٣٤٦) عن بريدة ا، وأخرجه أيضًا الترمذي في الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة (٢٦٢١)، والنسائي في الصلاة، باب: الحكم في تارك الصلاة (٤٦٣)، وابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء فيمن ترك الصلاة (١٠٧٩)، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح غريب»، وصححه ابن حبان (١٤٥٤)، والحاكم (١١)، وهو في صحيح الترغيب (٥٦٤).\n(^٣) صحيح مسلم: كتاب الإيمان (٨٢) عن جابر بن عبد الله -﵄- نحوه.","vol":"1","page":228},{"text":"والله تعالى لم يشرع لعباده إلا كل ما فيه صلاح معاشهم ومعادهم؛ وإنَّ من أهم شرائعه -الصلاة- فهي محققة لمصالح العباد في المعاش والمعاد.\nقال العز بن عبد السلام: «التكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد في دنياهم وأخراهم» (^١).\nوللصلاة ثمار ومنافع عظيمة كما قال ابن القيم: «اعلم أنه لا ريبَ أن الصلاةَ قرَّة عُيون المحبِّين، ولذَّة أرواح الموحِّدين، وبستان العابدين ولذَّة نفوس الخاشعين، ومحكُّ أحوال الصادقين، وميزان أحوال السالكين، وهي رحمةُ الله المهداة إلى عباده المؤمنين هداهم إليها، وعرَّفهم بها، وأهداها إليهم على يدِ رسوله الصادق الأمين -ﷺ-، رحمةً بهم، وإكرامًا لهم؛ لينالوا بها شرفَ كرامته، والفوز بقربه، لا لحاجةٍ منه إليهم، بل منَّة منه وتفضُّلًا عليهم، وتعبَّد بها قلوبَهم وجوارحهم جميعًا، وجعل حظَّ القلب العارف منها أكملَ الحظَّين وأعظمَهما؛ وهو إقباله على ربِّه سبحانه وفرحه وتلذُّذه بقربه، وتنعُّمه بحبه، وابتهاجه بالقيام بين يديه، وانصرافه حال القيام له بالعبودية عن الالتفات إلى غير معبوده، وتكميله حقوق عبوديته ظاهرًا وباطنًا حتى تقع على الوجه الذي يرضاه ربُّه سبحانه» (^٢).\nويقول نصر بن محمد السمرقندي: «واعلم أن مثلَ الصلاة كمثلِ مَلِكٍ اتَّخذ عرسًا، فاتَّخذ وليمةً وهيَّأ فيها ألوانًا من الأطعمة والأشربة، لكل لون لذة، وفي كل لون منفعة؛ فكذلك الصلاة دعاهم الربُّ إليها، وهيَّأ لهم فيها أفعالًا مختلفة، وأذكارًا، فتعبَّدهم بها ليلذَّهم بكل لونٍ من العبودية؛ فالأفعال كالأطعمة، والأذكار كالأشربة» (^٣).\n_________\n(^١) انتهى من «قواعد الأحكام» (٢/ ٧٣).\n(^٢) أسرار الصلاة، لابن القيم (ص ٥٥ - ٥٦).\n(^٣) تنبيه الغافلين للسمرقندي (ص ١٤٧).","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type='title' id=toc-259>وفيما يلي بيان لأهم الثمار التي يجنيها العبد من الصلاة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-260>أولًا: الصلاة حاجز بين العبد والمعاصي</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].\nعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لا تنفعُ الصلاة إلا مَن أطاعها»، ثم قرأ عبد الله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] (^١).\nقال ابن سعدي: «والصلاة على هذا الوجْه: تَنهى صاحبها عن كلِّ خُلقٍ رذيل، وتحثُّه على كلِّ خُلق جميل؛ لِمَا تؤْثِره في نفسه من زيادة الإيمان، ونور القلب وسروره، ورغْبته التامَّة في الخير» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-261>ثانيًا: الصلاة من أعظم الخصال المكفرة للذنوب</span>\nفهي كَفَّارةٌ للخطايا والذنوب، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤].\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه. قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا» (^٣).\n- وعن أبي أيوب ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: «إن كل صلاة تحط ما بين يديها من خطيئة» (^٤).\n- عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَثَل الصلوات الخمس كمَثَل نَهر جارٍ غمر على بابِ أحدكم يغتسل منه كلَّ يومٍ خمسَ مرَّاتٍ» قال: قال الحسن: «وما يبقي ذلك من الدرن» (^٥).\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة (١٣/ ٢٩٨).\n(^٢) بهجة قلوب الأبرار وقُرَّة عيون الأخيار في شرْح جوامع الأخبار (ص ١٦٨).\n(^٣) رواه البخاري (٢/ حـ ٥٢٨)، ورواه مسلم (١/ المساجد/ ٤٦٢/ حـ ٢٨٣)، ورواه الترمذي (٥/ حـ ٢٨٦٨)، والنسائي (١/ حـ ٤٦١)، وأحمد في مسنده (٢/ ٣٧٩).\n(^٤) رواه أحمد، والطبراني في الكبير، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢١٤٤).\n(^٥) صحيح مسلم (برقم: ٦٦٨).","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-262>ثالثًا: الصلاة نور للعبد</span>\n- عن أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: «الطهور شطرُ الإيمان، والحمد لله تملأ الميزانَ، وسبحان الله والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السموات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حُجة لك أو عليك، كلُّ الناس يغدو فبائعٌ نفسَه فمعتِقُها، أو مُوبقُها» (^١).\n- وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال -ﷺ-: «بشِّر المشَّائين في الظُّلَم إلى المساجد بالنورِ التامِّ يوم القيامة» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-263>رابعًا: الصلاة خير ما يتحصن به العبد</span>\n- عن جُنْدُب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَن صلَّى صلاةَ الصبح، فهو في ذمَّة الله، فلا يطلبنَّكم الله من ذمَّتِه بشيءٍ؛ فإنه مَن يطلبه من ذمته بشيءٍ يُدرِكه، ثم يكبُّه على وجهه في نار جهنم» (^٣).\nخامسًا: من حافظ على الصلاة فجزاؤه الجنة\n- عن عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ ﵁ قال: سمعت رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يقول: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ الله على الْعِبَادِ فَمَنْ جاء بِهِنَّ لم يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شيئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ؛ كان له عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ» (^٤).\nفإن منافع الصلاة وآثارها الحميدة عظيمة وكثيرة وجليلة وأكثر من أن يحصيها مقال، فبين الباحث أَجَلَّهَا، اختصارًا وخوفًا من الإطالة، ولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٠٣/ ١) (برقم: ٢٢٣).\n(^٢) سنن ابن ماجه (برقم: ٧٧٣)، وصححه الألباني.\n(^٣) رواه مسلم (برقم: ٦٥٧).\n(^٤) المسند (جـ ٥) (ص ٣١٥) (برقم: ٢٢٧٤٥)، وسنن النسائي (جـ ١ ص ٢٣٠) (برقم: ٤٦١)، وأبو داود (جـ ٢ ص ٦٢) (برقم: ١٤٢٠)، وصححه ابن حبان (جـ ٥) (ص ٢٣) (برقم ١٧٣٢)، والألباني في صحيح الجامع (٥٥٥٤) وغيره.","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type='title' id=toc-264>ثالثًا: الأمر بالإنابة ولزوم الجماعة واتباع سبيل المؤمنين</span>\nويحتوي على ما يلي:\nأولًا: تعريف الإنابة.\nثانيًا: بيان أهل التفسير حول آية لقمان.\nثالثًا: وجوب لزوم الجماعة واتباع سبيل المؤمنين.","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-265>أولًا: تعريف الإنابة</span>\n<span data-type='title' id=toc-266>أ - الإنابة لغة:</span>\nتدور مادة: (ن وب) حول الرجوع.\n- يقول ابن فارس: «النون والواو والباء» كلمة واحدة تدل على اعتياد مكان ورجوعٍ إليه» (^١).\nتقول: أناب فلان إلى الشيء، رجع إليه مرة بعد أخرى، وإلى الله تاب ورجع (^٢).\nوقال الراغب: «الإنابة إلى الله تعالى: الرجوع إليه بالتوبة وإخلاص العمل» (^٣).\nوفي التنزيل العزيز: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم: ٣١]، أي: راجعين إلى ما أمر به، غير خارجين عن شيء من أمره، وقوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤] أي: توبوا إليه وارجعوا.\nوقال ابن الأثير: «يقال: أناب ينيب إنابة فهو منيب، إذا أقبل ورجع، وفي حديث الدعاء «وإليك أنبت» (^٤) (^٥).\n_________\n(^١) مقاييس اللغة (٥/ ٣٦٧).\n(^٢) المعجم الوسيط (٢/ ٩٦١).\n(^٣) المفردات: (نوب) (٥٢٩).\n(^٤) البخاري، أبواب التهجد، باب التهجد بالليل، برقم ١١٢٠، ويُنظر: الأرقام: ٦٣١٧، و٧٣٨٥، و٧٤٤٢، و٧٤٩٩، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، برقم ٢٧١٩، وبنحوه برقم: ٧٦٩.\n(^٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٢٣).","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type='title' id=toc-267>ب - الإنابة شرعًا:</span>\nإخراج القلب من ظلمات الشبهات، وقيل: الإنابة الرجوع من الكل إلى من له الكل، وقيل: الإنابة الرجوع من الغفلة إلى الذكر، ومن الوحشة إلى الأُنْس.\nوقال أبو البقاء الكفوي: «الإنابة: الرجوع عن كل شيء إلى الله تعالى» (^١).\nويقول ابن القيم: «الإنابة: الإسراع إلى مرضاة الله، مع الرجوع إليه في كل وقت، وإخلاص العمل له» (^٢).\nويقول ابن القيم أيضًا: «قال صاحب المنازل: الإنابة في اللغة: الرجوع، وهي ههنا الرجوع إلى الحق وهي ثلاثة أشياء: الرجوع إلى الحق إصلاحًا كما رجع إليه اعتذارًا، والرجوع إليه وفاءً كما رجع إليه عهدًا، والرجوع إليه حالًا كما رجعت إليه إجابة، لما كان التائب قد رجع إلى الله بالاعتذار والإقلاع عن معصيته كان من تتمة ذلك: رجوعه إليه بالاجتهاد والنصح في طاعته» (^٣).\nقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥].\nبعد أن تجلى لنا معنى الإنابة لغة وشرعًا، نتحول إلى بيان أهل التفسير لدلالة الآية الكريمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-268>ثانيًا: بيان أهل التفسير حول آية لقمان</span>\nيقول الطبري: «وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] يَقُولُ: وَاسْلُكْ طَرِيقَ مَنْ تَابَ مِنْ شِرْكِهِ، وَرَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَاتَّبَعَ مُحَمَّدًا -ﷺ-.\n_________\n(^١) الكليات (٣٠٨).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٤٦٧) بتصرف (٢١).\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ٤٣٤ - ٤٣٥).","vol":"1","page":234},{"text":"- قال قَتَادَةَ: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] أَيْ: مَنْ أَقْبَلَ إِلَيَّ.\nوَقَوْله: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ [لقمان: ١٥] فَإِنَّ إِلَيَّ مَصِيرَكُمْ وَمَعَادَكُمْ بَعْدَ مَمَاتِكُمْ، فَأُخْبِرُكُمْ بِجَمِيعِ مَا كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَعْمَلُونَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، ثُمَّ أُجَازِيكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ، الْمُحْسِنُ مِنْكُمْ بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيءُ بِإِسَاءَتِهِ» (^١).\nيقول الإمام البغوي: «﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] أي: دين من أقبل إلى طاعتي، وهو النبي -ﷺ- وأصحابه» (^٢).\nويقول أبو حيان:» ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] أَيْ: رَجَعَ إِلَى اللَّهِ، وَهُوَ سَبِيلُ الرَّسُولِ -ﷺ-» (^٣).\nويقول السيوطي: «﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] قَالَ: مَنْ أَقْبَلَ إِلَيَّ.\nوأخرج ابن المنذر، عن ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] قَالَ: «مُحَمَّدٍ -ﷺ-» (^٤).\nويقول ابن عاشور: «واتباع سبيل من أناب هو الاقتداء بسيرة المنيبين لله، أي: الراجعين إليه» (^٥).\nولقد جاءت تلك الوصية بالإنابة بعد تمام ما سبقها من الوصية بنبذ الشرك والوصية بالوالدين وعدم طاعتهما في معصية الله ولا سيما في الشرك لتدلل على أن تلك الوصايا توجب إخلاص العمل لله، وأن الوصية بالإنابة تدلل على إيجاب اتباع منهج الرسول -ﷺ- ومنهج أصحابه الكرام ﵃ ومنهج من سلك سبيلهم من سائر المنيبين.\n_________\n(^١) الطبري (٢٠/ ١٤٠).\n(^٢) معالم التنزيل (٦/ ٢٨٨).\n(^٣) البحر المحيط (٧/ ١٨٧).\n(^٤) الدر المنثور (١١/ ٦٤٩).\n(^٥) التحرير والتنوير (١٦٢).","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type='title' id=toc-269>ثالثًا: وجوب لزوم الجماعة واتباع سبيل المؤمنين</span>\nوفي قوله تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] دلالة على الأمر بوجوب لزوم جماعة المسلمين وعدم شق عصا الطاعة بالخروج عن تلك الجماعة، ومن ثَمَّ لزوم تربية الأبناء على منهج الفرقة الناجية والطائفة المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] وَالْأُمَّةُ مُنِيبَةٌ إلَى اللَّهِ فَيَجِبُ اتِّبَاعُ سَبِيلِهَا» (^١).\nيقول ابن القيم: «قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] وكل من الصحابة منيب إلى الله فيجب اتباع سبيله وأقواله واعتقاداته من أكبر سبيله، والدليل على أنهم منيبون إلى الله تعالى أن الله قد هداهم وقد قال: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣]» (^٢).\nوقد رضي الله عن الصحابة وعن الذين اتبعوهم بإحسان.\nقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].\n- ذكر ابن جرير الطبري بأسانيده عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، قال: «الجماعة» (^٣).\nوفي بيان مفهوم الجماعة يقول ابن كثير في تفسيره: «أهل السنة والجماعة المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه» (^٤).\nوسموا بالطائفة المنصورة:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٩/ ١٧٧ - ١٧٨).\n(^٢) إعلام الموقعين (٤/ ١٢٠).\n(^٣) الطبري (٧/ ٧١).\n(^٤) ابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، دار الفكر، بيروت، (١٤٠١ هـ) (٣/ ٤٣٤).","vol":"1","page":236},{"text":"وهو مأخوذ من وصف النبي -ﷺ- لهم بذلك في أحاديث عدة، منها: ما رواه معاوية بن أبي سفيان ﵁، أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرُّهم من خذلهم، أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» (^١).\nفكل من تمسك بالأصول الثابتة في الكتاب والسنة والإجماع وسار على نهج السلف الصالح عقيدة ومنهاجًا وشريعة فهو من أهل السنة والجماعة كائنًا من كان.\nقال الإمام الشافعي: «من قال بما تقول به جماعة المسلمين؛ فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم، التي أُمِرَ بلزومها» (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع، كان من أهل السنة والجماعة» (^٣).\nومن أبرز مسميات أهل السنة الصحيحة التي أطلقت عليها:\n١ - أهل السنة والجماعة.\n٢ - السلف الصالح.\n٣ - الفرقة الناجية.\n٤ - أهل الحديث والسنة.\n٥ - أهل الأثر.\n٦ - الطائفة المنصورة.\n_________\n(^١) مسلم في صحيحه (٣/ ١٥٢٤) (برقم: ١٠٣٧).\n(^٢) الشافعي: أبو عبد الله محمد بن إدريس، الرسالة، تحقيق: أحمد محمد شاكر، القاهرة، (١٣٥٨ هـ/ ١٩٣٩ م) (ص ٤٧٥).\n(^٣) ابن تيمية، مجموع الفتاوى (٣/ ٣٤٦).","vol":"1","page":237},{"text":"وختامًا:\nفإن مما يجب أن تُربَى عليه الأجيالُ المسلمة، وتُنشأ عليه الناشئة، هو منهج أهل السنة والجماعة، واتباع منهج السلف الصالح عقيدة ومنهاجًا، شريعة وأخلاقًا، ولا شك أن الوصية باتباع سبيل المنيبين في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] ضمن عموم وصايا لقمان التربوية فيه دلالة على وجوب العناية بهذا المنهج الأصيل ووضعه في أوليات مناهج التربية السديدة للأجيال المسلمة على مرّ العصور والأزمان.\nوفي هذا كفاية. والحمد لله رب العالمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-270>رابعًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والترغيب في الصبر على ذلك</span>\nقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-271>أولًا: مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>\n<span data-type='title' id=toc-272>أ- المعروف في اللغة:</span>\n- قال ابن منظور: «المعروف: الجود، وقيل: اسم لما تبذله وتسديه.\n- قال الزجاج: المعروف ما يستحسن من الأفعال» (^١).\nوالمعروف مأخوذ من المعرفة، وهي في أصل اللغة العربية: اسم لما يعرفه القلب ويطمئن إليه، وتسكن إليه النفس، قال الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، والمعروف ضد المنكر، والعرف ضد النكر، والعارِفُ والعَروفُ الصبور، ويطلق المعروف على الوجه لأن الإنسان يعرف به، كما يطلق على الجود وقيل: هو اسم ما تبذله وتسديه (^٢).\n_________\n(^١) لسان العرب (جـ ٤) (ص ٢٨٩٩ - ٢٩٠٠).\n(^٢) الجوهري، الصحاح (٤/ ١٤٠١)، وابن منظور، لسان العرب (٩/ ٢٣٦ - ٢٤٣)، والفيروز آبادي، القاموس المحيط (٣/ ١٧٣)، وإبراهيم أنيس ورفاقه، المعجم الوسيط (ص ٥٩٥).","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type='title' id=toc-273>ب- المعروف في الاصطلاح:</span>\nاسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-274>ج- المنكر لغة:</span>\nاسم لما تنكره النفوس وتشمئز منه ولا تعرفه، والمنكر من الأمر: خلاف المعروف.\nقال تعالى: ﴿﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٩]، أي: أقبح الأصوات (^٢).\nالمنكر: هو واحد المَناَكِر، وهو النكر، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤]، والنَكِير والإنْكارُ: تغيير المنكر، والإنكارُ: الجحود، والتناكرُ: التجاهل (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-275>د- والمنكر في الاصطلاح:</span>\nكل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه (^٤).\nوشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهمة من أَجَلِّ وأعظم وأهم المهمات، وعبادة وطاعة من أفضل الطاعات، وقربى من أعظم وأعز القربات، وبالقيام بها ينال العبد رضا الله، ويتجافى عن شديد سخطه وأليم عقابه سبحانه. اهـ.\nوالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعتبر الوثاق المتين الذي تتماسك به عرى الدين، وتحفظ به حرمات المسلمين، وتظهر أعلام الشريعة، وتفشو أحكام الإسلام، وبارتفاع سهمه يعلو أهل الحق والإيمان، ويندحر أهل الباطل والفجور، ويورث القوة والعزة في المؤمنين، ويذل أهل المعاصي والأهواء، وترغم أنوف المنافقين (^٥).\nوبهذه الفريضة تقام الملة والشريعة ويحفظ الدين ويعلو الحق وينتشر العدل ويرفع الجور والظلم بين العباد فتزول كل عوامل الشّرّ والفساد وتثبّت كل معاني الخير والصّلاح في\n_________\n(^١) ابن منظور، لسان العرب (٩/ ٢٤٠).\n(^٢) لسان العرب (جـ ٦) (من ٤٥٣٩).\n(^٣) الجوهري، الصحاح (٢/ ٨٣٧)، وابن منظور، لسان العرب (٥/ ٢٣٢ - ٢٣٤).\n(^٤) ابن منظور، لسان العرب (٥/ ٢٣٣).\n(^٥) ينظر: شعاع من المحراب (١/ ٥٧) د/ سليمان بن حمد العودة.","vol":"1","page":239},{"text":"الأمّة، ويبعث الإحساس بمعنى الإخوة والتكامل بين المؤمنين فيُشد ظهر المؤمنين وتقوى عزائمهم وتُرغم أنوف المنافقين وتضعف معنوياتهم ويُمَّكن لهذه الأمة في الأرض وتنتصر على أعدائها ويُدفع عنها العقوبات وتنجو من عذاب الله وينتفع الخلق وتقام الحجة عليهم وتستنزل الرحمة من الله تعالى وتصلح حياة الأمة بجميع جوانبها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-276>أولًا: تربية الأبناء وشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>\nإن تربية الأبناء لا بد أن تكون كاملة الأركان شاملة كل جوانب التربية، وهذا ما عناه لقمان في موعظته لولده، فبعد أن أسس فيه أعظم الجوانب ألا وهو جانب التوحيد وهو حق الخالق سبحانه وهو أعظم الحقوق، جاءت الوصية بأعظم الحقوق بعد حق الله ألا وهي الوصية بالوالدين، ثم جاءت بعد ذلك الوصية بمراقبة الله حتى يعظم الله في قلبه وتتحقق خشيته والخوف منه سبحانه، ثم تلتها الوصية ببيان سعة علمه سبحانه واطلاعه على خلقه ليكتمل البنيان، وبعد ذلك تهيأ لأن يعبد الله حق عبادته فجاء الأمر بالصلاة، ثم ينتقل لقمان في موعظته لابنه من عبوديته للخالق بإقام الصلاة إلى عبوديته سبحانه مع الخلق، فيوصيه بمخالطتهم ودعوتهم والصبر على ما يناله من أذى بسبب ذلك في ذات الله سبحانه، والسعيِ إلى التأثير في نفوسهم، بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ودعوتهم إلى الله تعالى؛ وتلك الرسالة العظيمة من عزائم الأمور وهي من المهام العظيمة التي أُنيطت بالرسل الكرام ﵈، الذين خالطوا الناس وصبروا على الأذى في ذات الله ومن أجل إبلاغ الحق للخلق، فلم يعكفوا على عبادة ربهم متبتلين في صوامعهم، ولم يعيشوا في عزلة عن مجتمعاتهم، مخلفين وراءهم أعظم مهمة وأَجَلَّ رسالة، فلهم فيهم أسوة حسنة، بلاغًا وصبرًا واحتسابًا.\nوبعد أن صلحت نفسه واكتملت بالفضائل تهيأت لأن تصلح غيرها وأن يكون الابن داعيًا\n_________\n(^١) حكمة الشارع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قُدم لندوة تقوية الإيمان وزيادته (الدورة السابعة) المنعقدة بجامعة الإيمان بتاريخ ٦ - ٨/ جماد أولى/ ١٤٣١ هـ، الموافق ٢٠ - ٢٢/ إبريل/ ٢٠١٠ م. (ص ٢٨).","vol":"1","page":240},{"text":"إلى الله آمرًا بالمعروف مؤتمرًا به وناهيًا عن المنكر منتهيًا عنه، فجاءت الوصية به.\nويؤكد هذا المعنى الرازي فيقول: «﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان: ١٧] أي: إذا كملت أنت في نفسك بعبادة الله فكمل غيرك، فإن شغل الأنبياء وورثتهم من العلماء هو أن يكملوا أنفسهم ويكملوا غيرهم» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-277>ثانيًا: بيان مكانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الدين</span>\nإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة من أوجب فرائض الدين، وشعيرة من أعظم شعائره، ولذا ضمه لقمان ضمن وصاياه الخالدة لولده.\nوإن مما حازت به هذه الأمة الخيرية بين الأمم قيامها بهذه الشعيرة العظيمة، ولعظم مكانتها فقد قرنها الله بالإيمان به سبحانه، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].\nيقول رشيد رضا: «فعلم أنَّ خيرية الأمة وفضلها على غيرها تكون بهذه الأمور: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والإيمان بالله تعالى» (^٢).\nويقول القرطبي: «هذه الآية مدح لأمة محمد -ﷺ- لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ويظل هذا معها ما أقاموا ذلك، فإذا تركوا ذلك التغيير زال عنهم اسم المدح، ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سببًا لهلاكهم؛ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو شرط الخيرية» (^٣).\nويقول ابن كثير: «فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح، كما قال قتادة: بلغنا أن عمر بن الخطاب ﵁ في حجة حجها، رأى من الناس سرعة، فقرأ هذه الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ثم قال: من سره أن\n_________\n(^١) الرازي (١٣١).\n(^٢) تفسير المنار (٤/ ٤٧).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (جـ ٤) (ص ١٧٣).","vol":"1","page":241},{"text":"يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله فيها» (^١).\nولما كانت خيرية هذه الأمة منوطة بالقيام بهذا الواجب الشرعي فقد أوجب الله عليهم نشر هذا الخير وبذله للغير ودعوة الناس إليه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بهذا الواجب العظيم على أتم وجه حتى تحافظ الأمة على هذا الفضل الذي حباها الله إياه (^٢).\nوالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيه مصالح عظيمة لا تخفى، ومن أَجَلِّهَا، حصول الفلاح لأهل هذه الشعيرة العظيمة، مع كونهم قائمين بأمر الله وأمر رسوله -ﷺ-.\nكما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].\nيقول الشوكاني: «في الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوبه ثابت في الكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-278>ثالثًا: بيان مكانة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وعلو شأن أهل هذه الشعيرة</span>\nقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].\nقال ابن سعدي: «وهذا إرشاد من الله للمؤمنين أن يكون منهم جماعة متصدية للدعوة إلى سبيله، وإرشاد الخلق إلى دينه … وهذه الطائفة المستعدة للدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هم خواص المؤمنين؛ ولهذا قال تعالى عنهم: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٢/ ١٠٣).\n(^٢) حكمة الشارع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -مرجع سابق- (ص ١٣) بتصرف يسير.\n(^٣) فتح القدير (١/ ٣٦٨).","vol":"1","page":242},{"text":"[لقمان: ٥] الفائزون بالمطلوب، الناجون من المرهوب» (^١).\nولقد وصف سبحانه أهل النفاق في كتابه بأنهم: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧].\nفمن اتصف بتلك الصفات شمله وصف النفاق والفسق والعياذ بالله.\nبينما وصف سبحانه أهل الإيمان في كتابه بأنهم: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١].\nقال ابن كثير: «أي: سيرحم الله من اتصف بهذه الصفات» (^٢).\nفمن قام بحق هذه الشعيرة واتصف بتلك الصفات شمله الكريم برحمته.\nوالجزاء من جنس العمل ولا يظلم ربك أحدًا.\nقال القرطبي: «فجعل -تعالى- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقًا بين المؤمنين والمنافقين؛ فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (^٣).\nفلما عظموا أمره وأمر دينه وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، جعلهم الله أهلًا للتمكين في الأرض، فكيف لا يعلو شأنُهم وتعلو منزلتُهم ومكانتُهم وقد قاموا بهذا الواجب العظيم؟! كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١].\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (١٤٢).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٤/ ١٧٥).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (٤/ ٤٩).","vol":"1","page":243},{"text":"<span data-type='title' id=toc-279>رابعًا: أخص صفات الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر</span>\nوالقائم بهذه الشعيرة العظيمة لا بد أن يكون:\n\n<span data-type='title' id=toc-280>١. عالمًا بما يأمر به، عالمًا بما ينهى عنه</span>\nولزامًا «على من يقوم بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون عالمًا بما يأمر به وعالمًا بما ينهى عنه» (^١).\nوفي ذلك يقول ابن سعدي: «﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان: ١٧] وذلك يستلزم العلم بالمعروف ليأمر به، والعلم بالمنكر لينهى عنه، والأمر بما لا يتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا به، من الرفق، والصبر» (^٢).\nولا شك في أن لقمان قصد هذا المعنى، بدلالة تقديم الوصية بالتوحيد والوصية بالوالدين وغيرها على هذه الشعيرة العظيمة كما هو ظاهر من السياق، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-281>٢. أن يكون مؤتمرًا بما يأمر به، منتهيًا عما ينهى عنه</span>\nولقد ذ م -سبحانه- مَن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وخالف فعلُهُ قولَهُ، وفي نحو ذلك يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣]. ويقول سبحانه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]. وقال سبحانه عن شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].\nقال القرطبي في تفسيره لهذه الآية: «أي: لست أنهاكم عن شيء وأرتكبه، كما لا أترك ما أمرتكم به» (^٣).\n_________\n(^١) مختصر منهاج القاصدين (ص ١٦٤).\n(^٢) ابن سعدي (٦/ ١٣٥٣).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (جـ ٩) (ص ٨٩).","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type='title' id=toc-282>٣. أن يكون الآمر والناهي صبورًا</span>\nلأن الأمر والنهي مظنة عاقبته الابتلاء، فجات وصية لقمان الحكيم لولده بالصبر عقب وصيته بالأمر والنهي فقال له: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧].\nقال الطبري: «﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧] يقول: واصبر على ما أصابك من الناس في ذات الله، إذا أنت أمرتهم بالمعروف، ونهيتهم عن المنكر، ولا يصدّنك عن ذلك ما نالك منهم ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] يقول: إن ذلك مما أمر الله به من الأمور عزمًا منه» (^١). ويؤكد نفس المعنى تأخير التواصي بالصبر عن التواصي بالحق في سورة العصر، والله أعلم.\nويقول ابن كثير: «﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧]، علم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، لا بد أن يناله من الناس أذى، فأمره بالصبر. وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] أي: إن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور» (^٢).\nويقول ابن سعدي: «ولما علم أنه لا بد أن يبتلى إذا أمر ونهى وأن في الأمر والنهي مشقة على النفوس، أمره بالصبر على ذلك؛ فقال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ﴾ [لقمان: ١٧] الذي وعظ به لقمان ابنه ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] أي: من الأمور التي يعزم عليها، ويهتم بها، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم» (^٣). كما وصى الله بذلك رسوله -ﷺ- بقوله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠].\nويبيِّن شيخ الإسلام ابن تيمية جملة من الصفات التي يجب أن يتصف بها القائم بهذه الشعيرة وأن يتحقق بها ويصطحبها فيقول: «لا بد من العلم والرفق والصبر، فالعلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده» (^٤).\n_________\n(^١) الطبري (٢٠/ ١٤٣).\n(^٢) ابن كثير (٦/ ٣٣٩).\n(^٣) ابن سعدي (٦/ ١٣٥٣).\n(^٤) مجموع فتاوى ابن تيمية (جـ ٢٨) (من ص ١٣٤ إلى ص ١٣٧).","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type='title' id=toc-283>٤. ولا بد أن يكون رفيقًا فيما يأمر به رفيقًا فيما ينهى عنه</span>\nوفي نحو ذلك جاءت وصيته تعالى لموسى وهارون ﵉ فقال لهما: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤].\nهذا مع ما جمع فرعون من صنوف الشرّ كله: من ادعاء الألوهية والربوبية، والعلو في الأرض، والصد عن سبيل الله، والتكبر والتجبر، والفساد والإفساد فيها، وسفك الدماء، وقتل الأبرياء، واستحياء النساء.\nوقال الله تعالى أيضًا مخاطبًا نبيه -ﷺ-: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، فامتثل النبي -ﷺ- أمر ربه، ثم أوصى -ﷺ- أمته بذلك فقال -ﷺ-: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه» (^١)، ولا شك أن لنا فيه -ﷺ- الأسوة الحسنة.\nويؤكد سفيان الثوري أيضًا على جملة من خصال القائم بتلك الشعيرة العظيمة فيقول: «لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث خصال: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى» (^٢).\nولا ريب أن استعمال تلك الخصال له العواقب الحميدة والآثار الطيبة على الداعي والمدعو والدعوة نفسها على حدٍّ سواء.\nويقول سبحانه ممتنًا على نبيه -ﷺ- أيضًا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].\nهذا كله مع وجوب التحلي بالإخلاص وحسن القصد، ولم يفرد الباحث الكلام عن الإخلاص مع أهميته ومكانته، لأنه شرط صحة في قبول جميع الأعمال.\n_________\n(^١) مسلم (٢٥٣٩).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (جـ ٣) (ص ٩٦٣). (٥٩)","vol":"1","page":246},{"text":"قال ابن القيم: «لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس، إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت، فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص، فأقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأْس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص» (^١).\nأعظم مأمور به وأعظم منهي عنه:\nوأَعْظَمُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ التَّوْحيِدُ، وَهُوَ: إِفْرَادُ اللهِ بِالْعِبَادَةِ، وَأَعْظَمُ مَا نَهَى عَنْهُ الشِّرْكُ، وَهُوَ: دَعْوَةُ غَيْرِهِ مَعَهُ، والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] (^٢).\nويقول سعيد بن جبير: في قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [لقمان: ١٧] «يعني: التوحيد، ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان: ١٧] يعني: الشرك» (^٣).\nومما ورد في دعاء عمر بن عبد العزيز عند موته قوله: «اللهم إني أطعتك في أحب الأشياء إليك وهو التوحيد، ولم أعصك في أبغض الأشياء إليك وهو الكفر، فاغفر لي ما بينهما» (^٤).\nوالقيام بهذه الشعيرة العظيمة يترتب عليه فعل الخير العميم، والنفع العظيم للأمة أفرادًا وجماعات، وتتحقق للأمة خيريتها الموعودة، وينال أهلها الفلاح، ويتحقق لهم كمال الإيمان وعلو الدرجات، وإجابة الدعوات، كما يتحقق لها كمال التأسي بالنبيين والمرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين، الذين قاموا بهذا الواجب العظيم، وتسلم من الوعيد والعقاب المترتب على إهمال هذا الجانب العظيم، وتتربى الأجيال المسلمة على تعظيم الشريعة بالقيام بحق هذه الشعيرة.\n_________\n(^١) الفوائد (١/ ١٤٩).\n(^٢) وينظر: ثلاثة الأصول (ص ٤٢).\n(^٣) الدر المنثور للسيوطي (١١/ ٦٥١).\n(^٤) ابن الجوزي، سيرة عمر بن عبد العزيز (ص ٢٤٢).","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type='title' id=toc-284>المطلب الثالث: الجانب الأخلاقي</span>\nويشتمل على:\n١ - التحذير من الكبر والتعالي.\n٢ - الأمر بالوقار وترك الخيلاء.\n٣ - الأمر بالقصد في المشي تواضعًا.\n٤ - الأمر بخفض الصوت والاعتدال في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-285>أولًا: بيان مفهوم الأخلاق</span>\n<span data-type='title' id=toc-286>أ- مفهوم الأخلاق لغةً:</span>\nقال الفيروز آبادي: «الخُلُق: بالضمِّ، وبضمتين: السجية والطَّبع، والمروءة والدين» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-287>ب-مفهوم الأخلاق اصطلاحًا:</span>\n- قال الماوردي: «هي غرائز كامنة تظهر بالاختيار، وتقهر بالاضطرار» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-288>ثانيًا: مكانة الأخلاق في الإسلام</span>\nلقد عُنيَت شريعة الإسلام بالجانب الأخلاقي وأولته عناية كبرى، ولقد تبوأت الأخلاق مكانة سامية ورفيعة في كتاب الله، وكان حامل مشعل الهداية -ﷺ- من أكمل الناس أخلاقًا، ولقد تمثل أخلاق القرآن، كما أخبرت أمُّ المؤمنين عائشة رض الله عنها أنَّ سعد بن هشام: سألها عن خُلق النَّبيّ -ﷺ- فوصفت خُلُقَه بوصف جامع، فقالتْ: «أليس تقرأ القرآن؟! قال: بلى، قالت: «فإنَّ خلقَ نبيِّ الله كان القُرآن» (^٣).\nقال ابن كثير: «صار امتثال القرآن أمرًا ونهيًا سَجِيَّة له وخُلُقًا تطبَّعَهُ، وترك طبعه الجِبِلِّي،\n_________\n(^١) القاموس المحيط، الفيروز آبادي (ص ٧٩٣) دار الفكر- بيروت.\n(^٢) تسهيل النظر وتعجيل الظفر (ص ٥).\n(^٣) أخرجه مسلم (برقم: ٧٤٦)، وأحمد في المسند (٦/ ٥٤، ٩١، ١١١، ١٦٣، ١٨٨، ٢١٦)، وأبو داود (برقم: ١٣٤٢)، وابن ماجه (برقم: ٢٣٣٣)، والنسائي (٣/ ١٩٩).","vol":"1","page":248},{"text":"فمهما أمرَه القرآن فعله، ومهْما نهاه عنه تركه» (^١). وحسبنا في ذلك ثناء ربه عليه في محكم كتابه بقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].\nولقد بلغ من عِظَم مكانة الأخلاق في الإسلام أن النبي -ﷺ- كأنَّه حصر حقيقة بعثته، والغاية المهمة من رسالته ودعوته، في تقويم الأخلاق وإتمام مكارمها وإكمال محاسنها.\nوكأني بمكارم الأخلاق صرحًا شامخ البنيان مكتمل الأركان شيده النبيون والمرسلون ﵈، وَبُعِثَ النبيُّ -ﷺ- ليتم هذا الصرح، فيكتمل بنيانه المرصوص ببعثته -ﷺ-.\nيقول -ﷺ- فيما رواه أبو هريرة -رض الله عنه-: «إنما بعثت لأتمم مكارم -في رواية: أبي صالح- الأخلاق» (^٢).\nقال المناوي: ««إنما بُعِثت» أي: أُرسلت «لأتمم» أي: لأكمل «الأخلاق» بعد ما كانت ناقصة، وأجمعها بعد ما كانت متفرقة» (^٣).\nولذلك حرص الإسلام على غرس تلك الأخلاق ومكارمها وفضائلها في نفوس أتباعه، وحثهم على التمسك بها ورغبهم فيها.\nولقد كانت بعثته -ﷺ- من أجل تزكية تلك النفوس وتطهيرها وتعليمها، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]. وكما قال سبحانه أيضًا: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)﴾ [البقرة: ١٥١].\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (جـ ٤) (ص ٤٠٣).\n(^٢) إنما بعثت لأتمم مكارم (وفي رواية صالح) الأخلاق).\nقال الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٧٥): رواه البخاري في الأدب المفرد (رقم: ٢٧٣)، وابن سعد في الطبقات (١/ ١٩٢)، والحاكم (٢/ ٦١٣)، وأحمد (٢/ ٣١٨)، وابن عساكر تاريخ دمشق (٦/ ٢٦٧/ ١) من طريق ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا. وهذا إسناد حسن.\nوقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي، وابن عجلان إنما أخرج له مسلم مقرونًا بغيره.\nوله شاهد: أخرجه ابن وهب في الجامع (ص ٧٥)، أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم مرفوعًا به.\nوهذا مرسل حسن الإسناد، فالحديث صحيح. وقد رواه مالك في الموطأ (٨/ ٩٠٤/ ٢) بلاغًا.\nوقال ابن عبد البر: هو حديث صحيح متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره.\nوقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي، وابن عجلان إنما أخرج له مسلم مقرونًا بغيره، وهذا إسناد حسن.\n(^٣) فيض القدير بشرح الجامع الصغير (٢/ ٧١٠).","vol":"1","page":249},{"text":"وإن المتأمل في القرآن المجيد والمتدبر لآياته يجد أن العناية بالجانب الأخلاقي ظهر جليًّا واضحًا بين ثنايا آياته، كما يجد قواعد هذا الجانب وأسسه والتوجيه إلى سجاياه ومحامده في كل أوامره ونواهيه وقصصه وأخباره ظاهرة وجلية أيضًا، ومن جملة هذه الأخلاق الفاضلة ما جاء في وصف وصايا لقمان للجانب الأخلاقي لولده وهو يعظه، وهو موضوع بحثنا هنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-289>ثالثًا: الجانب الأخلاقي في وصايا لقمان</span>\nقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٨ - ١٩].\nالوصية الأولى من وصايا لقمان لابنه في الجانب الأخلاقي\n\n<span data-type='title' id=toc-290>١ - التحذير من الكبر والتعالي</span>\nقوله سبحانه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: ١٨]، هذه هي الوصية الأولى من وصايا لقمان لابنه في الجانب الأخلاقي، فبعد تأسيس الجانب العقدي والجانب التعبدي جاءت الوصية بالجانب الأخلاقي كالحلية لتلك الجوانب جميعًا.\nفبعد تلك الوصايا جميعًا يأمر لقمان ابنه بالتواضع وينهاه عن صفة الكبر والتعالي على الناس، فكيف يدعوهم وهو متكبر عليهم، فالكبر مذموم على كل حال ومن كل أحد، فكيف بمن يدعو ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فمن يفعل ذلك لا يجد قبولًا لدعوته عند الناس، ولا أثرًا لتعليمه في نفوسهم، ولا ثمرة مرجوة ولا صدى فعالًا لأمره ونهيه، وقد سبق في موعظة لقمان قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧]؛ لأن هذا الأمر من مهام النبيين","vol":"1","page":250},{"text":"والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين، فالتعبير بـ (عزم الأمور) فيه معنى التشبه بأولي العزم، ولا شك أن التشبه بالكرام فلاح.\nيقول البقاعي في ذلك: «الْمَطْلُوبُ فِي الْأَمْر والنهي اللينُ لا الْفَظَاظَةُ وَالْغِلْظَةُ الْحَامِلَانِ عَلَى النُّفُور» (^١).\nوالكبر كما يقول الغزالي هو: «استعظام النفس، ورؤية قدرها فوق قدر الغير» (^٢). ومِن علامات الكِبْر والتعالي على الناس: تصْعِيرُ الخدِّ احتقارًا وتنقصًا لهم.\nويجلي الطبري هذا المعنى فيقول: «وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَلَا تُعْرِضْ بِوَجْهِكَ عَمَّنْ كَلَّمْتَهُ تَكَبُّرًا وَاسْتِحْقَارًا لِمَنْ تُكَلِّمُهُ، وَأَصْلُ (الصُّعْرِ) دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فِي أَعْنَاقِهَا أَوْ رُؤوسِهَا حَتَّى تَلْفِتَ أَعْنَاقَهَا عَنْ رُؤوسِهَا، فَيُشَبَّهُ بِهِ الرَّجُلُ الْمُتَكَبِّرُ عَلَى النَّاسِ (^٣).\nوتصعير الوجه: فيه معنى الصدود والإعراض، كما يقول مجاهد: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ [لقمان: ١٨] قَالَ: الصُّدُودُ وَالْإِعْرَاضُ بِالْوَجْهِ عَنِ النَّاسِ» (^٤). ولقمان يعلم ولده أدب التعامل مع الناس فينهاه عن احتقارهم وازدرائهم والإعراض عنهم، لأنه واحد منهم، فمن السفه أن يستخف بهم ويترفع عنهم بالإعراض ولَيِّ العنق تكبرًا وصدودًا.\nوجاء في البُخاريِّ: «لا تُصعِّر: الإعراض بالوجه» (^٥). والإعراض بالوجه ليس من مكارم الأخلاق. فدفعًا لكل المفاسد الأخلاقية من الكبر والتعالي، نهى لقمان ولده عن مخاطبة الناس وهو معرض ويؤكد هذ المعنى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فيقول: «﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: ١٨] لَا تَكَلَّمْ وَأَنْتَ مُعْرِضٌ». وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَيَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، وَأَبِي الْجَوْزَاءِ، وَسَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَابْنِ يَزِيدَ، وَغَيْرِهِمْ (^٦).\nوقد يكون الإعراض سببه الحقد والضغينة فيحمله على الكبر والتعالي، كما قال مُجَاهِدٌ: «﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: ١٨] قَالَ: الرَّجُلُ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ الْحِنَةَ، فَيَرَاهُ فَيُعْرِضُ عَنْهُ» (^٧).\nولا شك أن نهي لقمان ولده عن الإعراض عن الناس، دفعًا للتكبر وحثًّا له على التمسك بمحاسن الأخلاق والتواضع للخلق بالإقبال عليهم بوجه طليق، وجانب لين، ووجه منبسط، وفي هذا المعنى يَقُولُ الضَّحَّاكُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: ١٨] يَقُولُ: لَا تُعْرِضْ عَنِ النَّاسِ، يَقُولُ: أَقْبِلْ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِكَ وَحُسْنِ خُلُقِكَ (^٨).\n_________\n(^١) نظم الدرر (١٥/ ١٧٧).\n(^٢) إحياء علوم الدين (جـ ٣) (ص ٤٠).\n(^٣) الطبري (٢٠/ ١٤٤).\n(^٤) الطبري (٢٠/ ١٤٥)\n(^٥) صحيح البخاري (٢: ٤٦٦).\n(^٦) ابن كثير (٦/ ٣٣٩).\n(^٧) الطبري (٢٠/ ١٤٥).\n(^٨) الطبري (٢٠/ ١٤٥).","vol":"1","page":251},{"text":"ويؤكد ابن كثير نفس المعنى فيقول أيضًا: «وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: ١٨] يَقُولُ: لَا تُعْرِضْ بِوَجْهِكَ عَنِ النَّاسِ إِذَا كَلَّمْتَهُمْ أَوْ كَلَّمُوكَ، احْتِقَارًا مِنْكَ لَهُمْ، وَاسْتِكْبَارًا عَلَيْهِمْ وَلَكِنْ أَلِنْ جَانِبَكَ، وَابْسُطْ وَجْهَكَ.\nوتصعير الوجه عن الناس مع ما فيه من معنى التكبر، هو الحامل والداعي إلى احتقار الناس وازدرائهم، وهذا المعنى يجليه قول ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي قَوْلِه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: ١٨] يَقُولُ: لَا تَتَكَبَّرْ فَتَحْقِرَ عِبَادَ اللَّهِ، وَتُعْرِضَ عَنْهُمْ بِوَجْهِكَ إِذَا كَلَّمُوكَ» (^١).\nوفي ختام معنى الآية يورد القرطبي كلامًا نفيسًا فيقول: «﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: ١٨] مَعْنَى الْآيَةِ: وَلَا تُمِلْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ كِبْرًا عَلَيْهِمْ وَإِعْجَابًا وَاحْتِقَارًا لَهُمْ. وَهَذَا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ تَلْوِيَ شِدْقَكَ إِذَا ذُكِرَ الرَّجُلُ عِنْدَكَ كَأَنَّكَ تَحْتَقِرُهُ; فَالْمَعْنَى: أَقْبِلْ عَلَيْهِمْ مُتَوَاضِعًا مُؤْنِسًا مُسْتَأْنِسًا، وَإِذَا حَدَّثَكَ أَصْغَرُهُمْ فَأَصْغِ إِلَيْهِ حَتَّى يُكْمِلَ حَدِيثَهُ، وَكَذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَفْعَل» (^٢).\n_________\n(^١) ابن كثير (٦/ ٣٣٩).\n(^٢) القرطبي (١٤/ ٦٦).","vol":"1","page":252},{"text":"ويبين النَّبِيُّ -ﷺ- مصير المتكبر والمتعالي على الناس فيقول: «لا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرِيَاءَ» (^١).\nولماذا لا يدخل المتكبر الجنة؟ لانتفاء حقيقة الذل والخضوع والانكسار لله عنه، وهذه هي أعظم وأَجَلُّ مشاهد العبودية الحقة لله تعالى، وفي مثل ذلك يقول ابن تيمية: الكبر ينافي حقيقة العبوديَّة، كما ثبت في «الصَّحيح»: عن النَّبي -ﷺ- أنَّه قال: «يقول الله: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذَّبته» (^٢). فالعظمة والكبرياء من خصائص الرُّبوبيَّة، والكبرياء أعلى من العظمة؛ ولهذا جعلها بمنزلة الرِّداء، كما جعل العظمة بمنزلة الإزار (^٣).\nالوصية الثانية من وصايا لقمان لابنه في الجانب الأخلاقي:\n\n<span data-type='title' id=toc-291>٢ - الأمر بالوقار وترك الخيلاء</span>\nقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: ١٨].\nقال الراغب: «المشي: الانتقال من مكان إلى مكان بإرادة» (^٤).\nيعاود لقمان الوصية لولده بالبعد عن صفة أخرى من صفات التكبُّر والخيلاء ألا وهي المشْي في الأرض مرَحًا وخُيَلاءً وإعجابًا بالنفس.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١/ ٩٣) (رقم: ٩١)، وأبو داود (٤/ ٥٩) (رقم: ٤٠٩١)، والترمذي (٤/ ٣٦٠)، (رقم: ١٩٩٨) وقال: «حسن صحيح»، وابن ماجه (١/ ٢٢) (رقم: ٥٩)،\nوأخرجه أيضًا: البزار (٤/ ٣٢٣) (رقم: ١٥١٢)، وأبو يعلى (٨/ ٤٧٦) (رقم: ٥٠٦٥)، والشاشي (٢/ ٣٠٩) (رقم: ٨٨٩)، وابن حبان (١/ ٤٦٠) (رقم: ٢٢٤)، والطبراني (١٠/ ٧٥) (رقم: ١٠٠٠٠)، وابن منده في الإيمان (٢/ ٦١١) (رقم: ٥٤٢).\n(^٢) مسلم (٤٧٥٩).\n(^٣) العبودية (٩٩).\n(^٤) مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني (٢/ ٣٧٧).","vol":"1","page":253},{"text":"والمشي في الأرض مرحًا هو: المشي بشدة وطءٍ على الأرض ولا شك أن هذه الشدة فيها مقصود الكبر، وقد مضى معنا بيان معنى المشي أنه بإرادة. والماشي في الأرض مرحًا هو الماشي في تخايل وتكبر، يطأ الأرض بشدة متعمدًا الكبر وقاصدًا له بإرادته، وذلك ليترفع ببدنه علوًّا واستطالة على الخلق، وغرورًا وإعجابًا بالنفس، وتكبرًا عليهم وازدراءً لهم، ولاريب أن كل ذلك من عمل الشيطان، ولقد حثنا ديننا الحنيف على التواضع وأمرنا بالخضوع لله رب العالمين، لأن هذا الرب العظيم حرّم على عباده الكبر، والتعاظم والتعالي والاستعلاء في الأرض، وفي ذلك يقول -ﷺ-: «إنَّ الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يبغي أحدٌ على أحدٍ» (^١).\nوالتواضع لعباد الله يكون عبودية لله وتزلفًا وتقربًا لديه سبحانه، ولذلك كان من صفات عباد الرحمن أنهم: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣].\nقال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي: «هونًا: حال أو صفة للمشي بمعنى: هينين، أو مشيًا هينًا، والهون: الرفق واللين، والمعنى: أنهم يمشون بسكينة ووقار وتواضع» (^٢).\nوفي وصف أهل الإيمان أنهم: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤].\nقال ابن كثير: «وقوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: ١٨] أي: جذلًا متكبرًا جبارًا عنيدًا، لا تفعل ذلك يبغضك الله» (^٣).\nقال القرطبي: «﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: ١٨] أَيْ: مُتَبَخْتِرًا مُتَكَبِّرًا، وَهُوَ النَّشَاطُ وَالْمَشْيُ فَرَحًا فِي غَيْرِ شُغْلٍ وَفِي غَيْرِ حَاجَةٍ. وَأَهْلُ هَذَا الْخُلُقِ مُلَازِمُونَ لِلْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ؛ فَالْمَرِحُ مُخْتَالٌ\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٨٦٥) من حديث عياض بن حمار ﵁.\n(^٢) تفسير الكشاف (٣/ ٢٨٣).\n(^٣) ابن كثير (٦/ ٣٣٩).","vol":"1","page":254},{"text":"فِي مِشْيَتِهِ» (^١).\n﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: ١٨]. قال ابن سعدي: «أي: بطرًا، فخرًا بالنعم، ناسيًا المنعم معجبًا بنفسك» (^٢). ولقمان كأنه أراد أن يلفت نظر ولده إلى أن الأرض التي تمشي عليها من ترابها قد خُلِقْتَ، ومصيرك إليها، فعلامَ يكون المشي مرحًا والتطاول عليها.\nويعبر البقاعي عن هذا المعنى فيقول: «ولما كان في أسلوب التواضع وذم الكبر، ذكره بأن أصله تراب، وهو لا يقدر أن يعدوه فقال: (في الأرض)، وأوقع المصدر موقع الحال أو العلة فقال: (مرحًا) أي: اختيالًا وتبخترًا، أي: لا تكن منك هذه الحقيقة؛ لأن ذلك مشي أشر وبطر وتكبر، فهو جدير بأن يظلم صاحبه ويفحش ويبغي، بل امش هونًا فإن ذلك يفضي بك إلى التواضع، فتصل إلى كل خير، فترفق بك الأرض إذا صرت فيها حقيقة بالكون في بطنها» (^٣).\nويقول الشوكاني: ويقول الشوكاني: «﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: ١٨] أَيْ: خُيَلَاءَ وَفَرَحًا، وَالْمَعْنَى النَّهْيُ عَنِ التَّكَبُّرِ وَالتَّجَبُّرِ، وَالْمُخْتَالُ يَمْرَحُ فِي مَشْيِهِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ» (^٤).\nومثله قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣].\nيقول ابن كثير: «هذه صفات عباد الله المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. أي: بسكينة ووقار من غير جبريَّة ولا استكبار، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧]» (^٥).\nلقد تضمنت هذه الآية (آية الإسراء) النهي عن مشية المرح والتكبر، لما اتصف فاعلها\n_________\n(^١) القرطبي (١٤/ ٦٦).\n(^٢) ابن سعدي (٦/ ١٣٥٣).\n(^٣) نظم الدرر (١٥/ ١٧٧).\n(^٤) الشوكاني فتح القدير (١/ ١١٤٣).\n(^٥) ابن كثير (٦/ ١٢١/ ١٢٢).","vol":"1","page":255},{"text":"بالتطاول والتعالي، ودك للأرض تطاولًا واستعلاء على الخلق، وهذه المشية يبغضها الله ويمقت صاحبها؛ لأنها مشية المتجبرين والمتكبرين والمتعالين الذين يحتقرون الناس.\nيبين ذلك ويوضحه قول القرطبي: «﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: ١٨] هذا نهي عن الخيلاء وأمر بالتواضع. والمرح: شدة الفرح، وقيل: التكبر في المشي، وقيل: تجاوز الإنسان قدره، وقال قتادة: هو الخيلاء في المشي، وقيل: هو البطر والأشر، وقيل: هو النشاط، وهذه الأقوال متقاربة» (^١)\nوما ذكره القرطبي حول معنى المرح، معانيه متقاربة ومتشابهة، وقد تجتمع كلها في آن واحد، فالمَرِح في مشيه- يمشي في زهو وخيلاء تصحبه حالة من البطر والأشر في قوة ونشاط، قاصدًا بذلك التكبر والتعالي على الناس.\nويقول الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي: «لن تجعل فيها خرقًا بدوسك لها وشدة وطأتك بتطاولك، وهو تهكم بالمختال» (^٢). والمشي مرحًا يندرج تحته كل محرم يؤدي إليه.\nوفي ذلك يقول العلامة الشنقيطي: «واستدل بعض أهل العلم بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: ١٨] على منع الرقص وتعاطيه؛ لأن فاعله ممن يمشي مرحًا» (^٣).\nوبنحو من ذلك يقول الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي أيضًا: «ولا يضربون بأقدامهم، ولا يخفقون بنعالهم أشرًا وبطرًا» (^٤).\nولا شك أن متعاطي الرقص يفعل ذلك، ولعل كلام الشنقيطي مُستقى من فحوى كلام الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي، وذلك لأمرين:\nأولًا: لتقدم الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي زمانًا.\nثانيًا: لتشابه المعنيين إن لم يتفقا على وصف من يتعاطى الرقص.\n_________\n(^١) القرطبي (١٠/ ٢٣٥).\n(^٢) الكشاف (٢/ ٦٤١).\n(^٣) أضواء البيان (٣/ ١٥٧).\n(^٤) الكشاف (٣/ ٢٨٣).","vol":"1","page":256},{"text":"ويُختَمُ الكلامُ عن المشي في الأرض مرحًا بنفيسة من نفائس ابن عاشور حيث يقول:\nوموقع قوله: (في الأرض) بعد (لا تمش) مع أن المشي لا يكون إلا في الأرض هو الإيماء إلى أن المشي في مكان يمشي فيه الناس كلهم قويهم وضعيفهم، ففي ذلك موعظة للماشي مرحًا أنه مساوٍ لسائر الناس (^١).\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ [لقمان: ١٨].\nإن من كمال تربية لقمان وتمام موعظته أن سعى لتوجيه ولده لخلق التواضع ونبذ أخلاق المتكبرين وصفات المتعالين، من الفخر والخيلاء والإعجاب بالنفس ومدحها وذم الآخرين، وبيان بغض الله لأهلها وذمهم وذم فعالهم، وذلك لصيانته عن هذه الأخلاق الذميمة وتلك الصفات القبيحة، حفظًا لديانته وصيانة لمروءته.\nوفي ذلك يقول ابن كثير: «﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: مختال معجب في نفسه، فخور: أي على غيره» (^٢).\nوالمختال هو: من يمشي مشية البطر الأشر المتكبر المترفع على الناس عمومًا وعلى أقرانه خصوصًا. والفخور هو: الذي يذكر مناقبه ومآثره ومآثر آبائه وأجداده ومناقبهم ومحامدهم متطاولًا بذلك على سامعيه ومتفاخرًا عليهم تباهيًا بنفسه وتعظيمًا لذاته.\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-، أَوْ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ -ﷺ-: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ؛ إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (^٣).\nويقول مجاهد في ذلك: «﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ [لقمان: ١٨] قَالَ: مُتَكَبِّرٍ. وَقَوْلُهُ:\n_________\n(^١) ابن عاشور (٢٢/ ١٦٧).\n(^٢) ابن كثير (٣/ ٣٣٩).\n(^٣) رواه البخاري (٣٢٩٧)، ومسلم (٢٠٨٨).","vol":"1","page":257},{"text":"﴿فَخُورٍ (١٨)﴾ قَالَ: يُعَدِّدُ مَا أَعْطَى اللَّهَ، وَهُوَ لَا يَشْكُرُ اللَّهَ» (^١).\nوالمختال: هو المتكبر كما سلف وقد يكون اختياله بفعله، وقد يكون أيضًا بقوله وبالعكس.\nوفي ذلك يقول ابن سعدي:» إن الله لا يحب كل (مختال) بقوله (فخور) في نفسه وهيئته وتعاظمه» (^٢).\nولقد حذر لقمان ولده من الكبر وأخلاق المتكبرين، وإنما يصدر هذا من قلب أبٍ شفيق حريص على وقاية فلذة كبده وثمرة فؤاده من غضب الله وأليم عقابه، ويدلل هذا أيضًا على حكمة لقمان، وفي مثل هذا المعنى جاء تحذير النبي الكريم -ﷺ- لأمته فيقول: «من تعظّم في نفسه أو اختال في مِشْيته لقي اللهَ وهو عليه غضبان» (^٣).\n- وقال مجاهد في قوله تعالى ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣)﴾ [القيامة: ٣٣] «أي: يتبختر» (^٤).\nوقد أجاد من قال:\nوَلَا تَمْشِ فَوْق الْأَرْض إِلَّا تَوَاضُعًا … فَكَمْ تَحْتهَا قَوْم هُمُو مِنْك أَرْفَع\nوَإِنْ كُنْت فِي عِزّ وَحِرْز وَمَنْعَة … فَكَمْ مَاتَ مِنْ قَوْم هُمُو مِنْك أَمْنَع (^٥).\nوإنما أعقب لقمان تحذيره لولده من الكبر بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ [لقمان: ١٨]، مبينًا له سبب نهيه عن الكبر ومحذرًا له من مغبته وسوء عاقبته.\nوفي ذلك يقول الشوكاني: «وَجُمْلَةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ.\nوَالْفَخُورُ: هُوَ الَّذِي يَفْتَخِرُ عَلَى النَّاسِ بِمَا لَهُ مِنَ الْمَالِ أَوِ الشَّرَفِ أَوِ الْقُوَّةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ\n_________\n(^١) الطبري (٢٠/ ١٤٥).\n(^٢) ابن سعدي (٦/ ١٣٥٣).\n(^٣) المسند (٥٩٩٥)، والأدب المفرد (٥٤٩)، وشُعَب الإيمان (٨١٦٧)، وصححه الحاكم في المستدرك (١/ ٦٠)، وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٩٨): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وبنحوه قال الحافظ المُنْذري في الترغيب والترهيب (٤٣٠٢) في باب الترغيب في التواضع، والترهيب من الكِبْر والعُجب والافتخار، وقد أورد فيه (٤٤) حديثًا، منها هذا الحديث.\n(^٤) إحياء علوم الدين (جـ ٣) (ص ٣٤٠).\n(^٥) روضة العقلاء (ص ٦١).","vol":"1","page":258},{"text":"مِنْهُ التَّحَدُّثُ بِنِعَمِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١]» (^١).\nوقد قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾ [النحل: ٢٣].\nويوضح الألوسي معنى الفخور فيقول: «والفخور: من الفخر، وهو المباهاة في الأشياء الخارجة عن الإنسان كالمال والجاه» (^٢).\nوختامًا:\nفإن الكبر من الأمور المعضلات المهلكات وهو داء شديد، ووبال هائل عظيم، وبه هلك من هلك من خواص الأنام فضلًا عن غيرهم من العوام، وهو حاجب لصاحبه عن قبول الحق والوصول لأخلاق المؤمنين الكرام، إذ فيه إباء مانع من التواضع، وقبول الحق والإذعان له.\nوأما حقيقة الكبر:\nفهي تأتي من باب رؤية النفس والإعجاب بها، والحقد على ذوي النعم وحسدهم على نعم الله عليهم، وكذلك ازدراء الناس وتنقصهم واحتقارهم، ورد الحق وإن كان جليًّا.\nوأما أسباب الكبر:\nفتدخل على الإنسان غالبًا من باب: العلم وحب الاستعلاء بسبب تحصيله والظهور على الأقران، أو العبادة وحب المدح من أجلها، أو المكانة الاجتماعية وما يتبعها من مال أو جاه أو سلطان أو منصب أو نسب وحسب أو أيّ قوة حسّية أو معنوية، وقد يكون الكبر ناتجًا أيضًا عن الشعور بالنقص.\nأضرار الكبر:\nوللكبر أضرار على العبد بالغة كما تبين معنا سابقًا، فوجب بيان تلك الأضرار والمساوئ بشيء من التفصيل والإيضاح.\n_________\n(^١) الشوكاني فتح القدير (١/ ١١٤٣).\n(^٢) الألوسي (١١/ ٨٩).","vol":"1","page":259},{"text":"إن الكبر:\n١ - من أعظم أسباب حلول سخط الله ونقمته وغضبه على من تلبس به لأنه منازع للرب أخص صفاته سبحانه.\n٢ - يعامل صاحبه يوم القيامة بنقيض قصده فيحشر يوم القيامة أمثال الذر ذليلًا إلى النار.\n٣ - من أعظم الأسباب المؤدية إلى ردّ الحق وعدم قبوله.\n٤ - من أعظم الأسباب المؤدية إلى وقوع الشحناء والبغضاء بين الناس، وبالتالي هو من أسباب نفور الناس من صاحبه وبغضهم ومعاداتهم له.\nوأما معالجة الكبر فتكون:\nأولًا: بمعرفة عظمة الخالق سبحانه، وأن الكبرياء من أخص صفاته، وأن الكبرياء والعظمة لا تليق إلا به سبحانه\nفالْكِبْرُ وَالْكِبْرِيَاءُ: من الصفات الذاتية الخبرية اللازمة الثابتة بالكتاب والسنة لله ﵎ وحده دون ما سواه من خلقه (^١).\nقالَ تعالى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣].\nوالكبرياء لا يكون إلا له جل في علاه كما قال سبحانه: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٧].\n- عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا\n_________\n(^١) الصفات الخبرية، هي الصفات الثابتة لله تعالى بالخبر كالوجه واليدين والساق ونحوها، فإن العقل لا سبيل له إلى إثباتها، ومذهب أهل السنة والجماعة في هذه الصفات وغيرها من صفات الرب العظيم جل في علاه، مشهور ومعروف، وهو أنهم يثبتون ما أثبته الله لنفسه في كتابه، وما أثبته له رسوله -ﷺ- في سنته الصحيحة على الحقيقة، بلا تأويل ولا تعطيل، ولا تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف، ويمرونها كما جاءت مع اعتقاد تنزه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين كما أخبر جل في علاه عن نفسه في كتابه بقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ [الشورى: ١١].","vol":"1","page":260},{"text":"فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ» (^١).\nوهذا كافٍ لنزع الكبر من النفس لمن كان له أدنى بصيرة.\nقال ابن القيم: «فكلما شمخت نفسُه: ذَكَر عظمة الرب تعالى، وتفرده بذلك، وغضبه الشديد على من نازعه ذلك، فتواضعت إليه نفسه، وانكسر لعظمة الله قلبه، واطمأن لهيبته، وأخْبت لسلطانه، فهذا غاية التواضع، وهو يستلزم الأول من غير عكس. (أي: يستلزم التواضع لأمر الله ونهيه، وقد يتواضع لأمر الله ونهيه من لم يتواضع لعظمته).\nوالمتواضع حقيقة: من رزق الأمرين، والله المستعان» (^٢).\nثانيًا: بتذكر الإنسان أصله وضعفه ومصيره\nفمعرفة الإنسان أصل خلقته ومصيره، مما يعينه ويحمله على ترك الكبر، فأوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو بين ذلك يحمل بين جنبتيه العذرة، وبمثل هذا قَالَ عَلِيٌّ﵁-، وَقَالَ بَعْضُهُم: «مَا بَالُ مَنْ أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وَآخِرَهُ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ، وَهُوَ بَيْنَ ذَلِكَ وِعَاءٌ لِقَذَرِهِ أَنْ يَفْخَرَ» (^٣).\nيقول الأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: «عَجَبًا لابْنِ آدَمَ يَتَكَبَّرُ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ مَجْرَى الْبَوْلِ مَرَّتَيْنِ» (^٤).\nويقول سعد بن أبي وقَّاص ﵁ لابنه: «يا بني، إيَّاك والكبر، وليكن فيما تستعين به على تركه: علمك بالذي منه كنت، والذي إليه تصير، وكيف الكبر مع النُّطفة التي منها خُلِقْتَ،\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٤٤٤)، ومسلم (١٨٠).\n(^٢) الروح (٢٣٣).\n(^٣) شعب الإيمان للبيهقي، السابع والخمسون من شعب الإيمان وهو … (فصل في التواضع وترك الزهو والصلف والخيلاء) (برقم: ٧٧٢٧).\n(^٤) التواضع والخمول لابن أبي الدنيا، بَابٌ فِي الْكِبْرِ (٢٠٣)، وإحياء علوم الدين (٣/ ٣٣٨٩).","vol":"1","page":261},{"text":"والرحم التي منها قُذِفْتَ، والغذاء الذي به غُذِّيتَ» (^١).\nفمن كان هذا منشأه وتلك أطواره وأحواله فمن أين يداخله الكبر والتعالي على الخلق، فلا يليق بالمخلوق الضعيف الفقير من كل وجه وفي كل حال إلى الله الغني الحميد من كل وجه وفي كل حال، إلا الذل والخضوع والتواضع لله ثم لعباده.\nثالثًا: التأمل في عاقبة المتكبرين\nويتأمل مصير المتكبرين وأولهم إبليس، والنمرود بن كنعان، ثم فرعون وهامان وقارون، مرورًا بأبي جهل بن هشام، وأُبي بن خلف، ومن سار على دربهم من سائر المتكبرين والعتاة المتجبرين، وما آلوا إليه وما عوقبوا به في العاجلة، مع ما ينتظرهم من سوء المصير والمآل في الآخرة، ومعرفة بغض الله للمتكبرين، وأن الكبر يوجب لصاحبه النار؛ لأنه منازعة الرب أخص صفاته سبحانه، كما أسلفنا.\nأما مصير هؤلاء المتكبرين ومآلهم يوم القيامة فقد أخبرنا الله عنه في مواضع كثيرة من كتابه محذرًا من سلوك مسلكهم وسوء مصيرهم، ومنها قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر: ٧٦].\nقال ابنُ كثيرٍ: «أَيْ: بِئْسَ الْمَقِيل وَالْمَقَام وَالْمَكَان مِنْ دَار هَوَان لِمَنْ كَانَ مُتَكَبِّرًا عَنْ آيَات اللَّه وَاتِّبَاع رُسُله، وَهُمْ يَدْخُلُونَ جَهَنَّم مِنْ يَوْم مَمَاتهمْ بِأَرْوَاحِهِمْ وَيَنَال أَجْسَادهمْ فِي قُبُورهَا مِنْ حَرّهَا وَسَمُومهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة سَلَكَتْ أَرْوَاحهمْ فِي أَجْسَادهمْ وَخَلَدَتْ فِي نَار جَهَنَّم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦]. وكَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]». اهـ.\n_________\n(^١) العقد الفريد، لابن عبد ربه (٢/ ١٩٧).","vol":"1","page":262},{"text":"وقال ابنُ كثيرٍ أيضًا: «أَيْ: فَبِئْسَ الْمَصِير وَبِئْسَ الْمَقِيل لَكُمْ، بِسَبَبِ تَكَبُّرِكُمْ فِي الدُّنْيَا وَإِبَائِكُمْ عَنْ اِتِّبَاع الْحَقّ، فَهُوَ الَّذِي صَيَّرَكُمْ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ فَبِئْسَ الْحَال وَبِئْسَ الْمَآل» (^١). اهـ.\nوكذلك حذر رسوله -ﷺ- أمته من سلوك مسلكهم واتباع سبيلهم، كما ورد في حديث عَمْرو بْن شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ النَّبِيِّ -ﷺ- أنه قَالَ: «يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ، يَغْشَاهُمْ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الْخَبَالِ» (^٢).\nرابعًا: التعرف على هدي وشمائل سيد المتواضعين -ﷺ-، والسعي للتخلق بأخلاقه\nوكذلك التعرف على صفات سائر المتواضعين من صالح المؤمنين، والتخلق بأخلاقهم، ومعرفة ثواب المتواضعين في العاجل والآجل، والتأسي بفعالهم، وهذا كله مما يعين على التواضع والبعد عن التكبر والتعالي على الناس.\nخامسًا: العلم بالله سبحانه وبأمره ونهيه وثوابه وعقابه، له أبلغ الأثر في صلاح حال العبد واستقامته\nوكذلك الحرص على التفقه في الدين عمومًا، مع محاسبة النفس، ومجالسة أهل الفضل والعلم والعقل والدين، كل ذلك من العوامل المعينة على نبذ الكبر والإعراض عنه، والتخلق بأخلاق المؤمنين والكملة من عباد الله الصالحين.\n_________\n(^١) ابن كثير (٧/ ١٥٨) بتصرف يسير.\n(^٢) الترمذي (٢٤١٦)، وأحمد (٦٣٩٠)، وهو في صحيح الأدب المفرد (جـ ١) (٢١٩).","vol":"1","page":263},{"text":"الوصية الثالثة من وصايا لقمان لابنه في الجانب الأخلاقي\n\n<span data-type='title' id=toc-292>٣ - الأمر بالقصد في المشي تواضعًا</span>\nقوله سبحانه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩].\nتمهيد:\nإن نعمة المشي من نعم الله على خلقه، وقد قسم سبحانه هذه النعمة بين خلقه كما قسم بينهم أرزاقهم وجميع آلائه بينهم، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥] كالحيات والزواحف، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ [النور: ٤٥] كسائر البشر، ﴿وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥] كالبهائم وغيرها من المخلوقات، وهكذا سبحانه ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [النور: ٤٥]، ويعطي كل مخلوق ما يناسبه ويهديه إلى ما يلائمه، فهذا خلقه، فسبحانه قد أحسن وأحكم كل شيء خلقه حكمة وعلمًا، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥)﴾ [النور: ٤٥].\nقال القرطبي: «المشي على البطن للحيات والحوت، ونحوه من الدود وغيره، وعلى الرجلين للإنسان والطير إذا مشى، والأربع لسائر الحيوان» (^١).\nفالإنسان خُلِقَ في أحسن تقويم، وقد جعل الله مشيه على رجلين يمشي مشيًا سويًّا، ولم يجعل مشيه على بطنه كالثعابين، ولم يجعل مشيه على أربع كالبهائم وسائر العجماوات، أفبعد هذا التكريم يليق بعاقل أن يتخايل ويتمايل ويتبختر ويتعالى في مشيته ويتكبر على عباده.\nوإن كان المشي من نعم الله تعالى على خلقه؛ فهو كذلك آية عظيمة من آياته الكبرى الباهرة التي تدل على قدرته في عظم تدبير شؤون خلقه كل بما يناسبه فسبحانه: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه: ٥٠]. ومن دلائل قدرته سبحانه أنه يحشر الكفار يوم القيامة على وجوههم كما قال سبحانه: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧].\nقال ابن سعدي: «يحشرهم الله على وجوههم - خزيًاـ عميًا وبكمًا، لا يبصرون ولا ينطقون» (^٢) انتهى.\nومما يدل على ذلك أيضًا من السنة ما ورد في باب قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٢/ ٢٩٢).\n(^٢) ابن سعدي (ص ٤٦٧).","vol":"1","page":264},{"text":"جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾ [الفرقان: ٣٤].\nفعن أنس بن مالك﵁- أن رجلًا قال: يا نبي الله، يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة! قال: «أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة»؟! قال قتادة: بلى وعزة ربنا (^١).\nيقول ابن حجر: «قوله: قال قتادة: (بلى وعزة ربنا) هو موصول بالسند المذكور، والحكمة في حشر الكافر على وجهه أنه عوقب على عدم السجود لله في الدنيا بأن يسحب على وجهه في القيامة إظهارًا لهوانه بحيث صار وجهه مكان يده ورجله في التوقي عن المؤذيات» (^٢).\nوالمتتبع لآي الذكر الحكيم والمتأمل في كلمة المشي وما اشتقت منه يجدها ذكرت في نيف وعشرين موضعًا في كتاب الله تعالى، وفي هذا دلالة على العناية بالمشي، لأنه آية من آياته سبحانه الدالة على قدرته وعظمته.\nولقمان هنا يعاود المواعظ التربوية لولده ملازمًا لقاعدة التخلية قبل التحلية، والتصفية قبل التربية، فأراد أن يخلي قلب ابنه ويصفيه من الرذائل أولًا، فنهاه عن الإعراض عن الناس وتصعير خده إليهم تكبرًا، والمشي في الأرض مرحًا مختالًا فخورًا متعاليًا، ثم أراد هنا أن يجمله ويحليه بالفضائل ثانيًا، فأمره بالمشي متواضعًا، ووجهه إلى ما ينبغي أن يكون عليه حال مشيه من التوسط والاعتدال وسلوك مسلك عباد الرحمن.\nفحينما يَنْهَى المربي عن الخلق الرذيل الممنوع، فلا بد من تقديم الخلق البديل المشروع، وهذا ما فعله لقمان الحكيم ﵇.\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه - في كتاب الرقاق: باب كيف الحشر (برقم: ٤٧٦٠) وهو في كتاب تفسير القرآن، تفسر سورة الفرقان (برقم: ٤٤٨٢٩) (ص ٣٤٩) البخاري أيضًا.\n(^٢) فتح الباري، حديث (رقم: ٩٧٥٠) (ص ٣٩٠).","vol":"1","page":265},{"text":"وفي هذا يقول أبو حيان: «ولما نهاه عن الخلق الذميم، أمره بالخلق الكريم» (^١).\nويبين ابن كثير معنى القصد فيقول: «وقَوْلُه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩]، أَيِ: امْشِ مَشْيًا مُقْتَصِدًا لَيْسَ بِالْبَطِيءِ الْمُتَثَبِّطِ، وَلَا بِالسَّرِيعِ الْمُفْرِطِ، بَلْ عَدْلًا وَسَطًا بَيْنَ بَيْنَ» (^٢).\nويؤكد الشوكاني نفس المعنى فيقول: «وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ أَيْ: تَوَسَّطْ فِيهِ، وَالْقَصْدُ مَا بَيْنَ الْإِسْرَاعِ وَالْبُطْءِ، يُقَالُ: قَصَدَ فُلَانٌ فِي مِشْيَتِهِ: إِذَا مَشَى مُسْتَوِيًا لَا يَدِبُّ دَبِيبَ الْمُتَمَاوِتِينَ وَلَا يَثِبُ وُثُوبَ الشَّيَاطِينِ، فَلَا بدَّ أَنْ يُحْمَلَ الْقَصْدُ هُنَا عَلَى مَا جَاوَزَ الْحَدَّ فِي السُّرْعَةِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: مَعْنَاهُ لَا تَخْتَلْ فِي مِشْيَتِكَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: امْشِ بِالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] «(^٣).\nفبعد أن علَّم لقمان ابنه خلق التعامل مع الخلق، بانبساط نفسٍ وبشاشة وجهٍ ورحابة صدرٍ وإقبالِ ذاتٍ مصحوبٍ بإصغاءٍ إلى من يحدثه؛ يعقبه بتوجيهه ووعظه وإرشاده لحسن الأدب مع نفسه في مشيه متواضعًا مصطحبًا السكينة والوقار، وهذا من أظهر الأخلاق وأحسنها مع الناس ومع النفس على حدٍّ سواء.\nويقول البغوي: «﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩] أَيْ: لِيَكُنْ مَشْيُكَ قَصْدًا لَا تَخَيُّلًا وَلَا إِسْرَاعًا. وَقَالَ عَطَاءٌ: امْشِ بِالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] «(^٤).\nويقول الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي: «واعدل فيه حتى يكون مشيًا بين مشيين: لا تدب دبيب المتماوتين، وتثب وثيب الشطار» (^٥).\n_________\n(^١) أبو حيان (٧/ ١٨٩).\n(^٢) ابن كثير (٦/ ٣٤٠).\n(^٣) فتح القدير (١/ ١١٤٣).\n(^٤) البغوي (٦/ ٢٩٠).\n(^٥) تفسير الكشاف (٣/ ٣٨٣).","vol":"1","page":266},{"text":"ويقول ابن سعدي: «أي: امش متواضعًا مستكينًا، لا مشي البطر والتكبر، ولا مشي التماوت» (^١).\nوأما حقيقة التواضع: فتتمثل في الإذعان للحق وعدم رده وقبوله من أي مخلوق كائنًا من كان، وتتمثل في خفض الجناح للمؤمنين تواضعًا لهم، وأداء الحقوق لأهلها بلا امتنان ولا تفضل.\nيقول الجنيد بن محمد: «التواضع هو: خفض الجناح ولين الجانب» (^٢).\nوأما حقيقة الكبر: فتتمثل في بطر الحق ورده وعدم قبوله، ورؤية النفس ومحاولة رفعها وإعلائها بالكبر وإنزالها منزلة غير منزلتها، تعظيمًا وإكبارًا وإجلالًا لها، وغمط الناس واستصغارهم وازدرائهم تحقيرًا لهم.\nوفي الحديث: «الكبر: بطر الحقِّ وغمط النَّاس» (^٣).\nيقول ابن القيم: «فسَّر النَّبي -ﷺ- الكِبْر بضده فقال: «الكِبْر بطر الحق، وغمص الناس» (^٤).\nفبطر الحق: رده، وجحده، والدفع في صدره، كدفع الصائل.\nوغمص الناس: احتقارهم، وازدراؤهم، ومتى احتقرهم وازدراهم: دفع حقوقهم وجحدها واستهان بها» (^٥).\nوحول الأسباب التي يتحقق بها التواضع يقول الإمام ابن القيم:\nالتواضع يتولد من العلم بالله سبحانه، ومعرفة أسمائه وصفاته، ونعوت جلاله، وتعظيمه، ومحبته وإجلاله، ومن معرفته بنفسه وتفاصيلها، وعيوب عملها وآفاتها، فيتولد من بين ذلك كله\n_________\n(^١) ابن سعدي (٦/ ١٣٥٣).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٣٢٩).\n(^٣) مسلم (٩١) من حديث ابن مسعود ا.\n(^٤) وكلمة: (غمص) رواية في الحديث، وهي بمعنى غمط، ينظر: مشارق الأنوار (٢/ ١٣٥).\n(^٥) مدارج السالكين (٢/ ٢١٨).","vol":"1","page":267},{"text":"خلق هو (التواضع)، وهو انكسار القلب لله، وخفض جناح الذل والرحمة بعباده، فلا يرى له على أحدٍ فضلًا، ولا يرى له عند أحدٍ حقًّا، بل يرى الفضل للناس عليه، والحقوق لهم قِبَلَه، وهذا خلُق إنما يعطيه الله تعالى من يحبُّه، ويكرمه، ويقربه (^١).\nوأخيرًا: لعل هذا يكون هاديًا لكل مسترشد لا يريد علوًا في الأرض ولا فسادًا، كما قال سبحانه: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. قال ابن جُرَيْج: «﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٨٣]: تعظمًا وتجبرًا، ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣]: عملًا بالمعاصي» (^٢).\nويُخْتَمُ الكلامُ ببيان بعض هدي النبي -ﷺ- في المشي ليكون نبراسًا يضيء الطريق لكل مسترشد راغبٍ في التأسي به والاقتداء بهديه والاستنان بسنته -ﷺ- فـ: «عن أنس بن مالك ﵁ قال: «كان رسول الله -ﷺ- أزهر اللون، كأن عرقه اللؤلؤ، إذا مشى تكفأ ..» (^٣).\nومعنى تكفأ يوضحه قول عليٍّ ﵁ حيث يقول: «كان النبي -ﷺ- إذا مشى تكفأ تكفُّؤًا كأنما ينحط من صبب» أَي: في موضع مُنْحدر (^٤).\nقال الملا على القاري:\nالْمَعْنَى: يَمْشِي مَشْيًا قَوِيًّا سَرِيعًا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الصَّبَبُ الْحُدُورُ، وَهُوَ مَا يَنْحَدِرُ مِنَ الْأَرْضِ، يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي مَشْيًا قَوِيًّا يَرْفَعُ رِجْلَيْهِ مِنَ الْأَرْضِ رَفْعًا بَائِنًا. (^٥)\nوروى البغوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا مَشَى، مَشَى مَشْيًا\n_________\n(^١) الروح (٢٣٣).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٦/ ٢٥٨).\n(^٣) أخرجه مسلم (برقم: ٢٣٣٠).\n(^٤) البخاري في تاريخه (١/ ٧، ٨)، والترمذي (٣٦٣٧)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح».\n(^٥) مرقاة المفاتيح (٩/ ٣٧٠٤).","vol":"1","page":268},{"text":"مُجْتَمِعًا، يُعْرَفُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَشْيِ عَاجِزٍ وَلا كَسْلانَ. (^١)\nقال المناوي: ومع سرعة مشيه: كان على غاية من الهَوْن والتأني وعدم العجلة، فكان يمشي على هينته، ويقطع ما يُقطع بالجهد؛ بغير جهد (^٢).\nقال ابن القيم: «..... وهي مشية أولي العزم والهمة والشجاعة، وهي أعدل المشيات، وأروحها للأعضاء، وأبعدها من مشية الهوج والمهانة والتماوت، فإن الماشي إما أن يتماوت في مشيه ويمشي قطعة واحدة كأنه خشبة محمولة، وهي مشية مذمومة قبيحة، وإما أن يمشي بانزعاج واضطراب مشي الجمل الأهوج، وهي مشية مذمومة أيضًا، وهي دالة على خفة عقل صاحبها، ولا سيما إن كان يكثر الالتفات حال مشيه يمينًا وشمالًا، وإما أن يمشي هونًا، وهي مشية عباد الرحمن، كما وصفهم بها في كتابه فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣].\nقال غير واحد من السلف: بسكينة ووقار، من غير تكبر ولا تماوت، وهي مشية رسول الله -ﷺ- فإنه مع هذه المشية كان كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تُطوى له حتى كان الماشي معه يجهد نفسه، ورسول الله -ﷺ- غير مكترث، وهذا يدل على أمرين: أن مشيته لم تكن مشية تماوت ولا مهانة، بل مشية أعدل المشيات» (^٣).\n_________\n(^١) شرح السنة للبغوي (١٢/ ٣٢٠)، وحسنه الألباني في \" الصحيحة \" (٢١٤٠).\n(^٢) فيض القدير للمناوي (٥/ ٢٤٨).\n(^٣) زاد المعاد (١/ ١٦٠). وقد ورد في ذلك حديث ضعيف، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: \" مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِي مِشْيَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ، إِنَّا لَنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا؛ وَإِنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ\".، رواه أحمد (٨٥٨٨)، وهو عند الترمذي برقم (٣٦٤٨)، وإسناده ضعيف، ضعفه الألباني في \"ضعيف الترمذي\"، وضعفه في مختصر الشمائل (١٠٠)، وضعفه كذلك فى الضعيفة (٤٢١٣). من طريق رشدين بن سعد.","vol":"1","page":269},{"text":"الوصية الرابعة من وصايا لقمان لابنه في الجانب الأخلاقي\n\n<span data-type='title' id=toc-293>٤ - الأمر بخفض الصوت والاعتدال في ذلك</span>\nقال تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩].\nيعرف ابن عاشور الغض فيقول: «والغض: نقص قوة استعمال الشيء. يقال: غض بصره، إذا خفض نظره فلم يحدق … فغض الصوت: جعله دون الجهر» (^١).\nويعرفه أبو حيان فيقول: «والغض من الصوت: التنقيص من رفعه وجهارته، والغض: ردّ طموح الشيء، كالصوت والنظر والزمام.\nوكانت العرب تفتخر بجهارة الصوت، وتمدح به في الجاهلية» (^٢).\nوإن علو الصوت والصخب ليس من صفات أهل الإيمان، إلا ما كان لعبادة مأمور بها شرعًا كالنداء للصلاة، أو رفع الصوت بالتلبية، أو لمصلحة شرعية راجحة لا تتحقق إلا بذلك، أو لحاجة عارضة لا بد له منها ولا غنى له عنها.\nيقول النيسابوري: «قال العلماء: إن النهي لا يتناول رفع الصوت الذي ليس باختيار المكلف .. ولا الذي نيط به صلاح في حرب أو جدال معاند أو إرهاب عدوّ.\nففي الحديث أنه -ﷺ- قال للعباس بن عبد المطلب ﵁ لما انهزم الناس يوم حنين: «اصرخ بالناس»، وكان العباس أجهر الناس صوتًا» (^٣).\n_________\n(^١) ابن عاشور (٢١/ ١١١).\n(^٢) أبو حيان (٧/ ١٨٩).\n(^٣) تفسير النيسابوري (جـ ٧) (ص ٣٨)، وينظر: تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس (١/ ٥٥٨) تأليف: حسين بن محمد بن الحسن الديار بكري المالكي، نزيل مكة، المتوفى بها (٩٦٦ هـ - ١٥٥٨ م)، الناشر: دار صادر -بيروت الطبعة: - عدد الأجزا: ٢، نوفمبر (٢٠١٠ م). بتصرف يسير.\nوهذا الحديث: رواياته مبسوطة في كتب التفسير والسير والمغازي، ولم أقف له على تخريج له يشفي الغليل إلا قول ابن حجر: «لم أجده»، الكافي الشاف في تحرير أحاديث الكشاف (١٥٥) (رقم: ٩، ١٠) لابن حجر، وينظر: (ص ٧١٥) من كتاب تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري، تأليف: جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي (المتوفى: ٧٦٢ هـ)، تحقيق: عبد الله بن عبد الرحمن السعد، الناشر: دار ابن خزيمة -الرياض- الطبعة الأولى (١٤١٤ هـ)، عدد الأجزاء: (٤).\n* يوضح الباحث ويقول:\nلقد وجدت في أغلب الروايات (يوم أحد) بدلًا من (يوم حنين)، ومن المعلوم أن العباس لم يشهد أحدًا أصلًا، لأنه لم يكن قد أسلم بعد، وقد اخُتلِف في زمن إسلامه، والراجح -والله أعلم- أنه عام خيبر في السنة السابعة للهجرة، وإنما كانت غزوة حنين في السنة الثامنة للهجرة، وهذا مما يدلل على وهن هذا الحديث واضطراب رواياته المذكورة في كتب التفسير والسير والمغازي، والله أعلم.","vol":"1","page":270},{"text":"وإن مخاطبة الناس بصوت منخفض ومعتدل يتحقق به المرغوب ويُنالُ به المطلوب، وفي نحو ذلك، يقول أبو حيان: «وغض الصوت أوفر للمتكلم، وأبسط لنفس السامع وفهمه» (^١).\nومع ذلك فهو يدل على رجاحة العقل والثقة بالنفس مع الدلالة على كمال الأخلاق وحسن الأدب الذي يرقى بصاحبه إلى مدارج أهل الفضل الذين بلغوا الدَّرَجَاتُ الْعُلَا من الكمال البشري، ويجد من الناس الاطمئنان إليه، والإقبال على حديثه، والإنصات إليه، والإصغاء له وتصديقه، والثقة فيما يروي من كلام وأخبار وغير ذلك، ذلك لأن الكلمة الطيبة الهادئة لها مكانتها في النفوس وتُبَلِّغُ صاحبها ما أراد من الخير ما لا تبلغه بعلو الصوت المصحوب بالصخب والرعونة وأذى السامع، هذا مع ما يقع في قلوبهم من محبته وإجلاله وتقديره وتبجيله وقبول ما يدعو إليه.\nولذا رتب لقمان الحكيم مواعظه لولده فجاءت منتظمة كعقد فريد منتظم ومتتابع كحبات من لؤلؤ صافٍ من النضارة والبهاء والصفاء والجمال والكمال والتمام مبتدئًا بالأهم فالمهم، فجاءت تلك الموعظة مناسبة بعد الموعظة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nولهذا كان على كل لبيب عاقل ناصح لنفسه أن يربأ بها عن علو الصوت لغير حاجة مرعية يرجو من ورائها أي مصلحة شرعية.\nلذا يقول ابن زيد: «لو كان رفع الصوت هو خيرًا ما جعله للحمير» (^٢).\nوقال ابن سعدي: «فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة، لما اختص بذلك الحمار،\n_________\n(^١) أبو حيان (٨/ ١٨٧).\n(^٢) الطبري (جـ ٢٠) (ص ١٤٧).","vol":"1","page":271},{"text":"الذي قد علمت خسته وبلادته» (^١).\nوعلو الصوت غالبًا ما يكون عند الخصومات، فالصوت المرتفع هنا من غير حاجة حجته داحضة واهية ومرفوضة، فالصخب وعلو الصوت لا يثبتان حقًا، والحجج الواضحات لا يثبتها صوت مرتفع فليس كل من علا صوته محقًّا، فالحق حق في نفسه، فالمحق من يثبت حقه بالحجة الدامغة والبرهان الساطع والدليل الواضح، وكذلك خفض الصوت لا يضيع حقًّا، ونفوس البشر بجبلتها تميل إلى الصوت المعتدل في هدوئه واتزانه وانضباطه، مع أن رفع صوت المتكلم فيه دلالة على عدم إجلال وتقدير المُخَاطَب، فكيف إذا كان علو الصوت مقرونًا بكلام خارج عن مدارج الأدب، أو عند مخاصمة لا يُتمسكُ فيها بمكارم الأخلاق ومحامد الصفات، أو في بيت من بيوت الله تعالى لا تُرَاعَى حرمتُهُ ولا مكانتُهُ، أو بحضور من لهم مكانة سامية كالوالدين أو أهل العلم والفضل ومن في نحو مكانتهم، أو عند النوازل والمصائب التي يجب فيها التصبر وعدم التسخط على أقدار الله في خلقه؟! فلا شك في كون الخطب أعظمَ وأَجَلَّ.\nيقول القرطبي: «في الآية دليل على تعريف قبح رفع الصوت في المخاطبة والملاحاة، بقبح أصوات الحمير، لأنها عالية» (^٢).\nيقول الألوسي: «وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَضِّ مِنَ الصَّوْتِ الْغَضُّ مِنْهُ عِنْدَ التَّكَلُّمِ وَالْمُحَاوَرَةِ، وَقِيلَ: الْغَضُّ مِنَ الصَّوْتِ مُطْلَقًا فَيَشْمَلُ الْغَضَّ مِنْهُ عِنْدَ الْعُطَاسِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ عِنْدَهُ إِنْ أَمْكَنَهُ عَدَمُ الرَّفْعِ، ثمَّ إِنَّ الْغَضَّ مَمْدُوحٌ إِنْ لَمْ يَدْعُ دَاعٍ شَرْعِيٌّ إِلَى خِلَافِهِ» (^٣).\nوالظاهر أن الأمر بِغَضِّ الصوت يشمل كل صوت؛ لأن الأصل فيه أن يُحمَل على العموم ما لم يأتِ مخصص يخصصه، ولا شك أن هذا أجمع وأشمل، فهو أكمل في الأدب وأعم في\n_________\n(^١) تفسير السعدي (جـ ١) (ص ٦٤٨).\n(^٢) تفسير القرطبي (جـ ١٤) (ص ٧٢).\n(^٣) الألوسي (٢١/ ٩١).","vol":"1","page":272},{"text":"حصول تمام الأخلاق وكمالها التي سعى لقمان لغرسها في فؤاد فلذة كبده وثمرة فؤاده.\nوكذلك إن كان علو الصوت من النساء كان الأمر أعظم.\nوفي ذلك يقول الحطاب الرُّعيني المالكي في مواهب الجليل: «رفع الصوت في حق النساء مكروه مع الاستغناء عنه لما فيه من الفتنة وترك الحياء، وإنما تُسْمِعُ المرأة نفسها» (^١).\nويبين ابن جماعة الكناني آداب الكلام والمتكلِّم فيقول: «ولا يسرد الكلام سردًا، بل يرتله، ويرتبه، ويتمهل فيه؛ ليفكر فيه هو وسامعه».\nوما ذكره ابن جماعة آنفًا مما يعين على خفض الصوت وإفهام السامع إذ يمتنع على من تأدب بتلك الآداب في المخاطبة والمحادثة أن يعلو صوته على محدثيه وسامعيه؛ لأن مادة الغضب قد تصاغرت وذهبت وانحدرت أمام تلك الأخلاق الفاضلة السامية والآداب الكريمة العالية.\nوقال ابن جماعة أيضًا: «ألَّا يرفع صوته زائدًا على قدر الحاجة، ولا يخفضه خفضًا لا يحصل معه كمال الفائدة».\nوقال أيضًا: «والأولى ألَّا يجاوز صوته مجلسه، ولا يقصر عن سماع الحاضرين؛ فإن حضر فيهم ثقيل السمع فلا بأس بعلو صوته بقدر ما يسمعه، إذ رفع الصوت أكثر مما يحتاج إليه السامع، ففي ذلك رعونة وإيذاء» (^٢).\nويؤيده كلام ابن كثير حيث يقول: «وَقَوْلُهُ: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩] أَيْ: لَا تُبَالِغْ فِي\n_________\n(^١) مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، تأليف: شمس الدين أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: (٩٥٤ هـ). الناشر: دار الفكر- الطبعة: الثالثة (١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م) عدد الأجزاء: (٦)، (جـ ٣) (ص ٣٢٥).\n(^٢) تَذْكِرَةُ السَّامِعِ والمُتَكَلِّم في أَدَب العَالِم والمُتَعَلِّم (ص ٦٤) وما بعدها.\nتأليف: بدر الدين أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعد الله ابن جماعة الكناني، المتوفى سنة (٧٣٣ هـ) - عدد الأجزاء: (١)، مكتبة مشكاة الإسلامية، وينظر: أيضًا: مع المعلمين (جـ ١) (ص ٨٩).","vol":"1","page":273},{"text":"الْكَلَامِ، وَلَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]» (^١).\nويقول البغوي: «﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩] انْقُصْ مِنْ صَوْتِكَ. وَقَالَ مُقَاتِل: اخْفِضْ صَوْتَكَ ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ [لقمان: ١٩] أَقْبَحَ الْأَصْوَاتِ ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩] أَوَّلُهُ زَفِيرٌ وَآخِرُهُ شَهِيقٌ، وَهُمَا صَوْتُ أَهْلِ النَّارِ» (^٢). ولذا يصف الله عذابهم في النار فيقول سبحانه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦)﴾ [هود: ١٠٦].\nمن حكمة لقمان تعليل الأمر والنهي:\nومن حكمة لقمان الإتيان بالعلة بعد الموعظة، وهذا أدعى لحصول الاقتناع بها ولقبولها والانقياد لها، فلما أمره باجتناب الشرك أتى بعلته الموجبة لاجتنابه فقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]، وكذلك جاء عقب الوصية بالوالدين التعليل ببيان السبب الموجب لبرهما ولا سيما الأم، فقال: ﴿.. حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ..﴾ [لقمان: ١٤]، ثم جاء بعده الأمر بشكره سبحانه وشكرهما، وبعد أن جاء الأمر باتباع سبيل المؤمنين جاء بيان العلة والسبب في قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ [لقمان: ١٥] من الخير والشر صغيرًا كان أم كبيرًا، ولما نهاه عن الكبر قائلًا: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: ١٨] علل سبب التحذير منه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ [لقمان: ١٨]، وهنا لما أمره بغض الصوت وخفضه ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩] علل الأمر بقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٩]، ولا شك أن لقمان سلك مسك الحكمة في التربية والموعظة باستخدام أسلوب وتوجيه تربوي مثيل، أتى فيه بعلل قوية، وحجج دامغات، وبراهين ساطعات\n_________\n(^١) ابن كثير (٦/ ٣٤٠).\n(^٢) البغوي (٦/ ٢٩٠).","vol":"1","page":274},{"text":"واضحات وأسلوب مقنع مخاطبًا للعقل، يرغبه في التجاوب وامتثال الأمر، واستَخدَمَ أسلوب الإقناع، الذي يعد من أرقى أساليب التربية وأنفعها وأكثرها تأثيرًا في النفس، وبه تُجنى الثمار المرجوة من جراء تلك المواعظ، وتتحقق الغايات والأهداف التربوية التي يأمل المربي أن يجد أثرها فيمن يعلمه ويعظه ويربيه.\nفما أحوج المربين اليوم لسلوك هذا المسلك الحكيم الرشيد، واستخدام هذا الأسلوب التربوي السديد.\nوحول هذا المعنى يقول الشوكاني: «﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩] أَيِ: انْقُصْ مِنْهُ وَاخْفِضْهُ وَلَا تَتَكَلَّفْ رَفْعَهُ، فَإِنَّ الْجَهْرَ بِأَكْثَرَ مِنَ الْحَاجَةِ يُؤْذِي السَّامِعَ، وَجُمْلَةُ ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٩] تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِالْغَضِّ مِنَ الصَّوْتِ أَيْ: أَوْحَشُهَا وَأَقْبَحُهَا» (^١).\nويعاضده قول ابن عاشور: «وجملة ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٩] تعليل علل به الأمر بالغض من صوته باعتبارها متضمنة تشبيهًا بليغًا، أي: لأن صوت الحمير أنكر الأصوات. ورفع الصوت في الكلام يشبه نهيق الحمير فله حظ من النكارة» (^٢).\nولا شك أن التوسط في رفع الصوت وخفضه هو المعني، ليتحقق المقصود من إسماع المُخَاطَب، ففي رفعه إيذاء للسامع، وفي خفضه عن الحد المعقول والمطلوب فيه نوع تكلف من المُتَكلِّم وعدم إسماع وإفهام للمُخَاطَب.\nوفي ذلك يقول البقاعي: «ولما كان رفع الصوت فوق العادة منكرًا كما كان خفضه دونها تماوتًا أو دلالًا وتكبرًا، وكان قد أشار إلى النهي عن هذا، فأفهم أن الطرفين مذمومان» (^٣).\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ١١٤٣).\n(^٢) ابن عاشور (٢٢/ ١٦٩).\n(^٣) نظم الدرر للبقاعي (جـ ٦/ ص ٣٥٢).","vol":"1","page":275},{"text":"ورفع الصوت مع ما فيه من الرعونة والأذى للسامع، فهو منكر تنفر منه النفوس السوية والفطرة والطباع السليمة.\nويبين القرطبي الضرر المترتب على التكلف في رفع الصوت عن حده ممثلًا ومستشهدًا بأثر عمر ﵁، فيقول: و«قوله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩] أي انقص منه، أي: لا تتكلف رفع الصوت، وخذ منه ما تحتاج إليه، فإن الجهر بأكثر من الحاجة تكلف يؤذي. والمراد بذلك كله التواضع، وقد قال عمر لمؤذن تكلف رفع الأذان بأكثر من طاقته: لقد خشيت أن ينشق مريطاؤك، والمؤذن هو أبو محذورة (^١) سمرة بن معير الجمحي.\n(والمريطاء) بميم مضمومة، ثم راء مفتوحة، ثم ياء مثناة من تحت ساكنة، ثم طاء مهملة بالمد والقصر: (ما بين السرة إلى العانة)» (^٢).\nويؤيده أبو حيان فيقول: «ورفع الصوت يؤذي السامع ويقرع الصماخ بقوة، وربما يخرج الغشاء الذي هو داخل الأذن» (^٣).\nوبنحو قولهما يقول الشوكاني: «﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩] أَيِ: انْقُصْ مِنْهُ وَاخْفِضْهُ وَلَا تَتَكَلَّفْ رَفْعَهُ، فَإِنَّ الْجَهْرَ بِأَكْثَرَ مِنَ الْحَاجَةِ يُؤْذِي السَّامِعَ» (^٤).\n_________\n(^١) أبو محذورة: سمرة، وقيل: أوس بن معير الجمحي، أبو محذورة: المؤذن، أمه من خزاعة، اشتهر بلقبه، واختلفوا في اسمه واسم أبيه. أسلم بعد حنين، وكان الأذان قبله دعوة للناس إلى الصلاة، على غير قاعدة.\nوسمع في الجعرانة صوتًا غير منسجم يقلده هزؤًا به، واستحسن رسول الله ﷺ صوته ودعاه إلى الإسلام فأسلم، قال: وألقى عليَّ التأذين هو بنفسه فقال: «قل: الله أكبر الله أكبر».\nولمّا تعلّم الأذان جعله مؤذنه الخاص وطلب أن يكون مؤذن مكة، فكان، وظل الأذان في بنيه وبني أخيه مدة، ورويت عنه أحاديث، توفي سنة (٥٩ هـ).\nينظر ترجمته في: الاستيعاب (٢/ ٦٢)، والإصابة (٣/ ٣٩٧)، والأعلام للزركلي (٢/ ٣١).\n(^٢) تفسير القرطبي (جـ ١٤) (ص ٧١) بتصرف يسير، (٣/ ١٢١)، وينظر: المجموع شرح المهذب، للنووي، باب: الأذان، كتاب الصلاة.\n(^٣) أبو حيان (٧/ ١٨٩).\n(^٤) الشوكاني فتح القدير (١/ ١١٤٣).","vol":"1","page":276},{"text":"ومما سبق يتبين أن مفهوم غض الصوت عند أئمة التفسير هو: خفضه وانقاصه وتقليله عن الحد الزائد عما يألفه أهل الطباع السليمة والفطر السوية، وعدم الجهر به والتكلف في رفعه عن المألوف، ولا يرُفع إلا عند الحاجة وبالقدر الذي لا يؤذي السامعَ ولا يُنَفِّرُ الجليسَ، ولا يَخرُجُ عن مجلسه ومحيطه الذي هو فيه. وأن خفض الصوت دلالة على أدب صاحبه وحسن خلقه مع من يخاطبه. وحول هذا المعنى يقول ابن سعدي: «﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩] أدبًا مع الناس ومع الله» (^١).\nوهذا ما عناه لقمان وقصده في موعظته لولده، أراد له التحلي بتمام الأدب مع الله تعالى أولًا ثم بمكارم الأخلاق مع عباده ثانيًا، ليختم له مواعظه بتلك الحلية التي يتزين بها في تعامله مع الناس، وإن حقيقة التأدب مع المخلوق إنما هو تأدب مع الخالق سبحانه.\nوهذا هو خلق النبي -ﷺ-: فعن عبد الله الجدلي قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله -ﷺ- فقالت: «لم يكن فاحشًا، ولا متفحشًا، ولا صخابًا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح» (^٢).\nقال المباركفوري: «قوله: (ولا صخابًا) أي: صيّاحًا» (^٣).\nيقول السيوطي: «فعلى الإنسان ألَّا يبالغ في الجهر إلا لغرض صحيح، ومنه الأذان والإنذار من العدو، لأن رفع الصوت في مواطن القتال يفت في أعضاد العدو. والرسول -ﷺ- كان يعجبه أن يكون الرجل خافض الصوت، ويكره أن يكون جهير الصوت، والمبالغة في الجهر تشوه الوجه، وتذهب بهاؤه، وتركه أوفر للمتكلم، وأبسط لنفس السامع وفهمه» (^٤).\n_________\n(^١) ابن سعدي (٦/ ١٣٥٣).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٠١٦)، وصححه الألباني في الشمائل (٢٩٨).\n(^٣) تحفة الأحوذي (جـ ٥) (ص ٢٦٨).\n(^٤) الدر المنثور (جـ ٨) (ص ٢٧٤).","vol":"1","page":277},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٩] عن الضحاك: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ قال: إن أقبح الأصوات ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾.\nعن قتادة قال: «﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٩] أي: أقبح الأصوات لصوت الحمير، أوله زفير، وآخره شهيق، أمره بالاقتصاد في صوته» (^١).\n- قال ابن كثير: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٩].\nقالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: إِنَّ أَقْبَحَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ، أَيْ: غَايَةُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ أَنَّهُ يُشَبَّهُ بِالْحَمِيرِ فِي عُلُوِّهِ وَرَفْعِهِ، وَمَعَ هَذَا هُوَ بَغِيضٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.\nوَهَذَا التَّشْبِيهُ فِي هَذَا بِالْحَمِيرِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ وَذَمَّهُ غَايَةَ الذَّمِّ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَال: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» (^٢).\nوَقَالَ النَّسَائِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: «حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-[أَنَّهُ] قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحَمِيرِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا» (^٣).\nقال القرطبي: «وهذه الآية أدب من الله -تعالى- بترك الصياح في وجوه الناس تهاونًا بهم، أو بترك الصياح جملة، وكانت العرب تفخر بجهارة الصوت الجهير وغير ذلك، فمن كان منهم أشد صوتًا كان أعزّ، ومن كان أخفض كان أذل. فنهى الله تعالى عن هذه الخلق الجاهلية بقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٩]» (^٤).\n_________\n(^١) الطبري (٢٠: ١٤٧).\n(^٢) البخاري (٢٦٢٢) كتاب الهبة، وينظر: ابن كثير (٦/ ٣٤٠).\n(^٣) وَقَدْ أَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ سِوَى ابْنِ مَاجَهْ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ بِهِ، وَفِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ: «بِاللَّيْلِ»، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. ابن كثير (٦/ ٣٤٠).\nوهو في الصحيحين، البخاري (٣٣٠٣)، ومسلم (٢٧٢٩) من رواية أبي هريرة ا.\n(^٤) القرطبي (١٤/ ٦٧) بتصرف.","vol":"1","page":278},{"text":"وقول القرطبي آنفًا مبني على اعتماده واستدلاله على أن قوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٩] من كلام الله تعالى ابتداءً وليس من قول لقمان، وهذا محل نظر وتأمل، لأن كلام لقمان متصل، ويؤيد ذلك قول كل من الشوكاني وابن عاشور إن قوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٩] تعليل علل به الأمر بالغض من صوته، فالأمر بغض الصوت من كلام لقمان، وتعليله بالأمر بالغض بقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ من كلام لقمان أيضًا، ويؤيد ذلك أيضًا ما ذهب إليه أبو حيان بقوله: «والظاهر أن قوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ من كلام لقمان لابنه، تنفيرًا له عن رفع الصوت، ومماثلة الحمير في ذلك» (^١). وكذلك هو قول الألوسي (^٢). وكذلك هو قول القاسمي، كما سيأتي (^٣).\nيقول الباحث: ولم يرد استنباط واضح يبين ويدلل على ما ذهب إليه القرطبي وغيره من أئمة التفسير، إلَّا لو ثبت في سبب نزول الآية ما قرره القرطبي وغيره بسند صريح، أو حديث ثابت صحيح. وإن معرفة سبب نزول آيةٍ ما متوقف على نقل صحيح لسبب نزولها، ولا يجوز أي قول فيه إلا برواية وتصريح بسماع ممن شاهد وعاين التنزيل ووقف على أسبابه، ألا وهم أصحاب النبي -ﷺ-، وهذا مما لا مجال فيه لاجتهاد، وحكمه حكم المرفوع إلى النبيّ -ﷺ- لأن مثله لا يُقالُ فيه بالرأي، وكذلك إن رويت أسباب النزول عمن تلقوا عن الصحابة ﵃ وهم أئمة التابعين، كطاوس بن كيسان اليماني، وسَعِيْدِ بْنِ جبير، ومُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ المَكِّيُّ، وعِكْرِمَةَ القُرَشِيِّ مولى ابن عباس، وأَبِي العَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ، ومُحَمَّدِ بنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ المَدَنِيِّ، وعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح القرشي المكي، والضَّحَّاك بْن مُزَاحِم، وغيرهم ممن أخذوا التفسير عن الصحابة الكرام ي، والذين انتشروا في الأمصار يعلمون الناس آي التنزيل وتأويل القرآن الحكيم.\n_________\n(^١) البحر المحيط (٧/ ١٨٩).\n(^٢) الألوسي (١٥/ ٤٤٦).\n(^٣) القاسمي (١٣/ ٤٨٠٢).","vol":"1","page":279},{"text":"وفي هذا الصدد يقول الواحدي: «ولا يحل القول فِي أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقف عَلَى الأسباب، وبحث عن العلم وجدَّ فِي الطِّلب.\nوَقَد ورد الشرع بالوعيد للجاهل ذي العِثار فِي هذا العِلْم بالنار» (^١).\nويقول الشيخ مُقبلُ بنُ هادي الوادِعيُّ: «فالعلماء يعتمدون في معرفة سبب النزول على صحة الرواية عن رسول الله ﷺ أو عن الصحابي؛ فإن إخبار الصحابي عن مثل هذا له حكم الرفع» (^٢) انتهى.\nقال ابن عاشور: «ورفع الصوت في الكلام يشبه نهيق الحمير فله حظ من النكارة، لأن صوت الحمير أنكر الأصوات» (^٣).\nيقول القاسمي: «﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩] أَيِ: انْقُصْ مِنْ رَفْعِهِ، وَأَقْصِرْ، فَإِنَّهُ يُقَبَّحُ بِالرَّفْعِ حَتَّى يُنْكِرَهُ النَّاسُ، إِنْكَارَهُمْ عَلَى صَوْتِ الْحَمِيرِ، كَمَا قَالَ: إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ مُعَلِّلًا لِلْأَمْرِ عَلَى أَبْلَغِ وَجْهٍ وَآكَدِهِ وَ(أَنْكَرَ) بِمَعْنَى أَوْحَشَ، مِنْ قَوْلِكَ: (شَيْءٌ نُكُرٌ)؛ إِذَا أَنْكَرَتْهُ النُّفُوسُ وَاسْتَوْحَشَتْ مِنْهُ وَنَفَرَتْ» (^٤).\nومما سبق يتبين أن علو الصوت لغير حاجة مع ما فيه من الضرر والأذى، فيه تشبه بصوت الحمير الذي فيه من النكارة والغاية في القبح والشر وأنه أبغض الأصوات وأوحشها، وهذا أسلوب غاية في التنفير والزجر لكل من تسول له نفسه في أن يعلو صوته ويؤذي سامعيه ومُخَاطَبيه، وهذا ما أراده لقمان لينزجر ولده وتتأفف نفسه الأبية بأن يكون فيها شبه من أخس المخلوقات وأوضعها.\n_________\n(^١) أسباب النزول (٥ - ٦).\n(^٢) الصحيح المسند في أسباب النزول (١٥).\n(^٣) ابن عاشور (٢٢/ ١٦٩).\n(^٤) القاسمي (١٣/ ٤٨٠٢).","vol":"1","page":280},{"text":"فرفع الصوت وعلوه فيما لا طائلة من ورائه لأنه يشبه نهيق الحمير التي لا تفعل ذلك إلا إذا رأت الشياطين، فلا يليق بإنسان قد أكرمه الله بالعقل وخلقه في أحسن تقويم، وسواه وعدله، وفي أي صورة ما شاء ركبه، وجعل له عينين، ولسانًا وشفتين، ودله على الطريق القويم، وهداه إلى صراطه المستقيم، فأنعم عليه بنعمة الإسلام وأكرمه وزينه بزينة الإيمان، أن ينزل لدرجة العجماوات التي لا تعقل، فيتشبه بأبلدها وأدناها وأخسها، ألا وهو الحمار الذي لا يعقل شيئًا ولا يهتدي سبيلًا، وإنما كان الزجر على علو الصوت في تشبيهه بصوت الحمار ليتبين عظم نكارة صوته وقبحه وشناعة فعله حتى أصبح من أشبه الخلق بأبلد المخلوقات حسًّا وأدناهم وأحطهم وأخسهم منزلة، ألا وهو الحمار، والحمار في نفسه لا يلام على علو صوته ونهيقه بقوة وشدة ونكارة، إنما اللوم والتوبيخ على من تشبه به من بني آدم فخرج عن جبلته وفطرته وأبى لنفسه أن ينزلها مكانتها ويصون لها كرامتها، فتشبه بمن لا يليق بمثله أن يتشبه بمثله.\nفعلى هذا المنهج الذي ربَّى لقمان عليه ولده يجب على المربين أن يربوا الناشئة ويلزموهم هذه الخلال الصالحة الحميدة، والخصال الطيبة الرشيدة، وأن يحثوهم على التمسك بمكارم الأخلاق وجليل الصفات التي حثَّ عليها ديننا الحنيف وشريعتنا الغراء التي أمرت بالفضائل ورغبت فيها، ونهت عن الرذائل وزجرت عنها.\nومن أهمها: التواضع وخفض الجناح للمؤمنين، والإقبال على الناس بوجه طلق بشوش، والإنصات لمن يخاطبهم ويحدثهم، وعدم الإعراض عنهم تعاليًا وتكبرًا، والمشي في الأرض بأدب المتواضعين متشبهين بعباد الرحمن في مشيهم على الأرض هونًا تواضعًا لله غير متكبرين على عباده سبحانه، ومخاطبة الناس بأدب جمّ وخلق كريم مصحوب بصوت منخفض يتحقق معه المطلوب ويُنالُ به المرغوب، مع تجنب علو الصوت لما فيه من الأذى والرعونة مع ما يسببه من وقوع البغضاء في قلوب الناس، علاوة على ما فيه من التشبه بأوضع المخلوقات","vol":"1","page":281},{"text":"وأخس الكائنات وأبلد الحيوانات.\nوبالانتهاء من بيان الجانب الأخلاقي في ضوء وصايا لقمان يكتمل المنهج التربوي المتكامل الذي قدمه لقمان لابنه وهو يعظه تلك الموعظة البليغة التي أصبحت نورًا يتلألأ وريحانة تهتز، ليضيء بهذه الموعظة الطريق للمربين والقائمين على مناهج التربية والتعليم والدعوة والإصلاح والتوجيه والإرشاد على مرّ الأجيال والأزمان وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا شك أن هذا من محض فضل الله على هذا العبد الكريم على ربه، الذي آتاه الحكمة وعلمه مما يشاء كما قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-294>المطلب الرابع: طبيعة العلاقة بين الجوانب الثلاثة</span>\n(العقدي والتعبدي والأخلاقي)\n\n<span data-type='title' id=toc-295>تمهيد</span>\n<span data-type='title' id=toc-296>فقه الأولويات في منهج لقمان التربوي</span>\nإن من أهم مهام المربي مراعاة فقه الأولويات في منهجه التربوي. وإذا تغيب فقه حسن الاهتمام بترتيب الأولويات عند المربي كانت نتائج عمله غير مرضية وربما كانت لها نتائج عكسية. وإن من حكمة لقمان أنه راعى فقه حسن الاهتمام بترتيب الأولويات في منهجه التربوي، حيث ابتدأه أولًا بالجانب العقدي الذي هو أصل العلاقة مع الخالق سبحانه، ويمثل القاعدة الأساسية الأولى للعملية التربوية الإيمانية الاعتقادية المتكاملة، وبصلاح العقيدة يصلح شأن العبادات والأخلاق والمعاملات وكافة جوانب التربية.","vol":"1","page":282},{"text":"وفي ذلك يقول البقاعي: «ولما كان أصل توفية حق الحق تصحيح الاعتقاد وإصلاح العمل، وكان الأول أهم، قدمه فقال: لا تشرك أي: [لا] توقع الشرك لا جليًّا ولا خفيًّا» (^١).\nثم إنه ثنَّى بالجانب التعبدي الذي به صلاح شأن العبد مع نفسه، وثلث بالجانب الأخلاقي الذي يمثل صلاح شأن العبد في تعامله مع الناس كافة.\nطبيعة العلاقة بين هذه الجوانب\nيقوم بنيان الدين وصرحه المتين على العقيدة أولًا التي هي بمثابة حجر الأساس في بناء صرح هذا الدين العظيم، وعلى هذا الأساس المتين تقوم أركان بنيان العملية التربوية بجميع جوانبها التعبدية والأخلاقية والسلوكية.\nوإذا هيمنت تلك العقيدة على نفس المؤمن وسكنت فؤاده، سمت نفسه، وتوجهت نحو الخير وتحلت بكل فضيلة، وتخلت عن كل رذيلة، وأثمرت كل خلق حميد.\nذلك لأن تلك العقيدة بينها وبين جوانب وأركان العملية التربوية صلة وثيقة، لأن العقيدة هي الدافع الذاتي الذي يدفع المؤمن ويقوده نحو الفضائل كلها، وأن رسوخ العقيدة في قلبه يحثه ويؤزه على الخير أزًّا، فيؤدي الفرائض التعبدية بنفس راضية مصحوبة بانشراح صدره وطمأنينة نفسه، ويدفعه لاكتساب مكارم الأخلاق، وإلى حسن معاملة الخلق بالمعروف، وإن في التخلي عن تلك العقيدة أيضًا الدافع الذاتي لهدم الجانب التعبدي والأخلاقي معًا، لأن هذه الجوانب فقدت قاعدة الأساس التي تقوم وترتكز عليها، ألا وهي قاعدة العقيدة الصحيحة والإيمان الراسخ، ولذا كانت أول وصايا لقمان في موعظته لولده بترسيخ العقيدة والنهي عن الشرك المتضمن تحقيق التوحيد؛ لأنه هو الأساس الذي يحمل فوق هامته العالية جميع الجوانب التعبدية والأخلاقية، فإذا انهدم الأساس سقط ما كان يحمله فوق هامته.\n_________\n(^١) نظم الدرر للبقاعي (١٥/ ١٦٢).","vol":"1","page":283},{"text":"ولعظم شأن العقيدة فإنها تؤثر في جميع جوانب العملية التربوية إيجابًا وسلبًا وذلك لمكانة هذه العقيدة من الدين.\nوفي ذلك يقول ابن القيم: «التَّوحيد ألطف شيء، وأنزهه، وأنظفه، وأصفاه، فأدنى شيءٍ يخدشه، ويدنّسه، ويؤثّر فيه، فهو كأبيض ثوب يكون يؤثّر فيه أدنى أثر، وكالمرآة الصَّافية جدًّا أدنى شيءٍ يُؤثر فيها، ولهذا تشوشه: اللَّحظة، واللَّفظة، والشَّهوة الخفيَّة، فإنْ بادر صاحبه وقلعَ ذلك الأثر بضدِّه؛ وإلَّا اِسْتحكم وصارَ طبعًا يتعسّر عليه قلعه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-297>الارتباط الوثيق بين الجانب الأخلاقي والجانب التعبدي</span>\nإن ارتباط الجانب الأخلاقي بالجانب التعبدي في كتاب الله ارتباط وثيق والرابط بينهما هو ذلك الرباط الوثيق والأساس المكين المتمثل في عقيدة الإسلام الصحيحة والصافية.\nوإن المتأمل في العلاقة بين العبادات والأخلاق يجد بينها رباطًا وثيقًا، ويظهر ذلك جليًّا في مقاصدها وأهدافها وغاياتها، فالمتأمل فيها يجد أن جميع تلك الجوانب تعبدية كانت أم أخلاقية إنما هي وسائل لتحقيق غايات عظيمة ومقاصد وأهداف جليلة، من أَجَلِّهَا تحقيق العبودية وامتثال مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات.\n\n<span data-type='title' id=toc-298>ومن تلك العبادات أركان الإسلام الأربعة:</span> الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج؛ يجدها كلها وسائل لتحقيق غايات عظيمة، وهي من الأمثلة الحية الشاهدة على الترابط بين العبادة والأخلاق في شريعة الله ﵎.\n<span data-type='title' id=toc-299>أولًا: فريضة الصلاة وعلاقتها بالجانب العقدي والأخلاقي:</span>\nفالصلاة صلة بين المخلوق الفقير والخالق الغني، وصلاة الجماعة صلة بين المسلم وإخوانه المؤمنين، وفي إقامتها والمواظبة على أدائها تواصل بين الأجيال المؤمنة على مرّ العصور والأزمان، وفي جميع الأمصار وإن تباعدت الأبدان فرابط العبودية لرب واحد وروح معاني الأخوة الإيمانية تجمع أهل الإيمان، ولها تواصل وامتداد عبر الزمان والمكان،\n_________\n(^١) الفوائد (١٩٥، ١٩٦).","vol":"1","page":284},{"text":"والتواصل الروحي بين أهل الإيمان في كل عصر ومصر. وهي من أعظم العبادات في الإسلام وأحد أركانه العظام، وهي وسيلة عظيمة، من أعظم غاياتها ومقاصدها أن ينتهي الإنسان عن الفحشاء والمنكر، فإذا لم ينته المصلي عن مقصود الصلاة فقد قصرت به تلك الوسيلة العظيمة عن بلوغ مقصودها وغاياتها ألا وهو الانتهاء عن الفحشاء والمنكر.\nقال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥].\nيقول ابن سعدي: «وجه كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، أن العبد المقيم لها، المتمم لأركانها وشروطها وخشوعها، يستنير قلبه، ويتطهر فؤاده، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته في الخير، وتقل أو تعدم رغبته في الشر، فبالضرورة مداومتها والمحافظة عليها على هذا الوجه تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهذا من أعظم مقاصدها وثمراتها» (^١) انتهى.\nويقول ابن عاشور: «فكانت الصلاة بمجموعها كالواعظ الناهي عن الفحشاء والمنكر، فإن الله تعالى قال: ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ولم يقل تصد وتحول ونحو ذلك مما يقتضي صرف المصلي عن الفحشاء والمنكر. ثم الناس في الانتهاء متفاوتون، وهذا المعنى من النهي عن الفحشاء والمنكر هو من حكمة جعل الصلوات موزعة على أوقات من النهار والليل، ليتجدد التذكير وتتعاقب المواعظ، وبمقدار تكرر ذلك تزداد خواطر التقوى في النفوس، وتتباعد النفس من العصيان حتى تصير التقوى ملكة. ووراء ذلك خاصية إلهية جعلها الله في الصلاة، يكون بها تيسير الانتهاء عن الفحشاء والمنكر» (^٢).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «نَفْسُ فِعْلِ الطَّاعَاتِ يَتَضَمَّنُ تَرْكَ الْمَعَاصِي، وَنَفْسُ تَرْكِ الْمَعَاصِي يَتَضَمَّنُ فِعْلَ الطَّاعَاتِ وَلِهَذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، فَالصَّلَاةُ\n_________\n(^١) ابن سعدي (٦٣٢).\n(^٢) ابن عاشور (٢٠/ ١٧٨ - ١٧٩).","vol":"1","page":285},{"text":"تَضَمَّنَتْ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: نَهْيُهَا عَنِ الذُّنُوبِ، والثَّانِي: تَضَمُّنُهَا ذِكْرُ اللَّهِ» (^١) انتهى.\nويقول ابن كثير: «يَعْنِي: أَنَّ الصَّلَاةَ تَشْتَمِلُ عَلَى شَيْئَيْنِ: عَلَى تَرْكِ الْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ، أيْ: إِنَّ مُوَاظَبَتَهَا تَحْمِلُ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ» (^٢).\nويقول البقاعي: «أقم الصلاة: أي: بجميع حدودها وشروطها ولا تغفل عنها، سعيًا في نجاة نفسك وتصفية سرك، فإن إقامتها -وهي الإتيان بها على النحو المرضي- مانعة من الخلل في العمل ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ لأنها الإقبال على مَنْ وَحَّدْتَهُ فاعتقدت أنه الفاعل وحده وأعرضت عن كل ما سواه» (^٣).\n- ويقول ابن تيمية: قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] «بَيَانٌ لِمَا تَتَضَمَّنُهُ مِنْ دَفْعِ الْمَفَاسِدِ وَالْمَضَارِّ» (^٤).\nويقول معالي الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: «للصلاة الصحيحة تأثير في سلوك العبد وأعماله الأخرى، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. فالذي يصلي بحضور قلبه وخشوع واستحضار لعظمة الله؛ هذا يخرج بصلاة مفيدة نافعة، تنهاه عن الفحشاء والمنكر، ويحصل بها على الفلاح. أما الذي يصلي صلاة صورية؛ من غير حضور قلب، ومن غير خشوع، قلبه في واد وجسمه في واد آخر؛ فهذا لا يحصل من صلاته على طائل» (^٥) انتهى.\nوعلى هذا فإن كان الإنسان مُقْتَصِدًا في العبادة لكنه حسن الخلق مع الناس، خَيْرٌ له مِنْ أن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٧٥٣).\n(^٢) ابن كثير (٦/ ٢٨٠ - ٢٨٢).\n(^٣) نظم الدرر (١٥/ ١٧٤).\n(^٤) انتهى من مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٩٢ - ١٩٣).\n(^٥) المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان (٣/ ٥٣، ٥٤)، وينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (٢٦/ ٨٦).","vol":"1","page":286},{"text":"يكون قَانِتًا عابدًا مسيئًا لعباد الله.\n- فعن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلَانَةَ -يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا- غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟ قَالَ: «هِيَ فِي النَّارِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ -يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا- وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنْ الْأَقِطِ وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟ قَالَ: «هِيَ فِي الْجَنَّةِ» (^١).\n«بِالْأَثْوَارِ مِنْ الْأَقِطِ» أي: بقطع منه جمع ثور بالمثلثة وهو قطعة من الأقط ذكره الجوهري (^٢).\nوفي ذلك ومثله يقول ابن مسعود ﵁: «لَا تَنْفَعُ الصَّلَاةُ إِلَّا مَنْ أَطَاعَهَا» ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللهِ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] (^٣).\nفَإن الصلاة الصحيحة أثمرت الكف والانتهاء عن رذائل الأخلاق ومنكراتها، والصلاة ثمرة من ثمار صحة المعتقد، لأن العقيدة هي الدافع لأداء الصلاة، وأنه لا صلاة تامة إلا بأخلاق حميدة، ولهذا تصبح مكارم الأخلاق ثمرة من ثمار العقيدة، وهذا كله يدل على التلازم بين جوانب التربية جميعًا، عقيدة وعبادة وأخلاقًا سلوكًا.\nفإذا لم يكن ثَمَّ عقيدة صحيحة تدفع لأداء العبادة على الوجه المشروع وتحث عليها وتُقَوِّمُ بها الأخلاق وتُصلح ما اختل منها وما أعتل، فلا عبادة ومن ثَمَّ فلا أخلاق، وهذا مما يؤيد ويعاضد من أوجه الترابط والتواثق والتلازم بين تلك الجوانب جميعًا.\nوقد مرَّ معنا كثيرًا في طيات البحث الكلام عن مكارم الأخلاق، وأنها غاية من أعظم الغايات التي بُعث النَّبِيُّ -ﷺ- لتحسينها وإتمامها وإكمالها.\nوحينما يعبر النبي -ﷺ- عن المقصد من مبعثه وبيان الغاية منه بأداة تفيد الحصر وهي كلمة\n_________\n(^١) رواه أحمد في المسند (٢/ ٤٤٠)، وصححه المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ٣٢١)، والألباني في السلسلة الصحيحة (رقم: ١٩٠).\n(^٢) وينظر: مرقاة المصابيح شرح مشكاة المصابيح، للهروي، كتاب الآداب: كتاب الشفقة والرحمة على الخلق (ص ٣١٢٧).\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة (١٣/ ٢٩٨).","vol":"1","page":287},{"text":"«إنما»، ذلك ليثبت للبشرية قاطبة أن الشريعة السمحة التي بعث بها إنما شرعت لإصلاح هذا الجانب العظيم ولإكماله وإتمامه وتحسينه.\n\n<span data-type='title' id=toc-300>ثانيًا: فريضة الصيام وعلاقتها بالعقيدة والأخلاق وكذلك الشأن في فرضية الصيام ومشروعيته:</span>\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].\nوالصيام من أعظم الوسائل لتحقيق التقوى التي بها جماع الخير كله- وهي الجامع لأمر الاستجابة لله بفعل المأمور وترك المحذور، والصيام الذي يثمر التقوى يقيم سياجًا قويًّا وحصنًا منيعًا بين المؤمن وبين محارم الله تبارك تعالى.\nيقول ابن كثير: «لِمَا فِيهِ مِنْ زَكَاةِ النَّفْسِ وَطَهَارَتِهَا وَتَنْقِيَتِهَا مِنَ الْأَخْلَاطِ الرَّدِيئَةِ وَالْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ» (^١).\nوالصِّيام سرٌّ خفي بين العبد وربِّه لا يطَّلع عليه إلا هو سبحانه.\nومن حقائق الصوم ترك ما جبلت عليه النفوس وألفته الطباع من حظوظ النَّفس ومشتهياتها لله تعالى، مع قدرة العبد على ذلك.\nوهذا دليل على تمام صدق العبد وكمال إخلاصه لله تعالى، وذلك لعلمه باطلاع ربه عليه ومراقبته له في خلواته وجلواته، فأطاع الله تعالى واستجاب لداعي الإيمان رغبة فيما عند الله من جزيل الثواب، ورهبة فيما عنده من أليم العقاب، ذلك لأن الصِّيام من العبادات الَّتي تسمو بنفس المسلم إلى مرتبة الإيمان ثم ترتقي به إلى درجة الإحسان التي هي أعلى مراتب الدين.\nيقول ابن عاشور: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]: «بيان لحكمة الصيام وما لأجله شرع» (^٢).\n_________\n(^١) ابن كثير (١/ ٤٩٧).\n(^٢) ابن عاشور (٢/ ١٥٧).","vol":"1","page":288},{"text":"والصيام يقوي إرادة المؤمن ويقرب قلبه من بارئه سبحانه، ويقوي صلته بربه جل في علاه، ويشحذ من عزيمته ويحث على التراحم والود وحسن الصلة بين الصائم وإخوانه المؤمنين، كل ذلك لما له من آثار طيِّبة تربوية وإيمانية وأخلاقية وسلوكية على الفرد المسلم والجماعة المسلمة على حدٍّ سواء مع ما فيه من الترغيب في مجاهدة النفس وكبح لجماحها عن شهواتها، وتزكية لها من أدرانها، وتصفية لها وتنقية لما علق بها من شوائب، مع ما يرغب فيه من الحثّ على اكتساب الفضائل، واجتناب الغوائل والرذائل، ولذا كان من ثمار الصيام وأثره على النفس ما يجده المؤمن من رقة في قلبه وصلاحٍ في نفسه وتهذيبٍ لسمعه وبصره ومنطقه ولفظه وفعله، وتربية نفسه على مراقبة الله وخشيته في علانيته وسره، والمداومة على محاسبة نفسه، وتهذيبٍ لجميع جوارحه، لم لا؟ فالصَّوم مدرسة لتهذيب الأخلاق وتقوية لإرادة المؤمن وتهيئته للتضحية والبذل والسخاء والعطاء لله تعالى، وهو من أعظم أسباب انشراح الصدور، وطمأنينة القلوب، وهدوء النفوس.\nويقول رشيد رضا: «هذا تعليل لكتابة الصيام ببيان فائدته الكبرى وحكمته العليا» (^١).\nيقول ابن القيم: «المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية؛ لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تركِّز به ما فيه حياتها الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها، ويذكِّر بحال الأكباد الجائعة من المساكين، وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وتُحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يفيدها في معاشها ومعادها، ويسكن كل عضو منها، وكل قوة عن جماحه، وتلجم بلجامه، فهو لجام المتقين، وَجُنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين. وهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها؛ إيثارًا لمحبة الله ومرضاته. وله تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحمايتها من التخليط الجالب لها المواد الفاسدة،\n_________\n(^١) تفسير المنار (٢/ ١١٧).","vol":"1","page":289},{"text":"التي إذا استولت عليها أفسدتها» (^١).\nويقول الشوكاني: «قيل: تتقون المعاصي بسبب هذه العبادة، لأنها تكسر الشهوة وتضعف دواعي المعاصي» (^٢).\nويقول النبي -ﷺ- في الحديث المتفق عليه: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: «قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به. والصيام جُنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائم. والذي نفس محمد بيده لخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه» (^٣).\n«والصِّيام جُنَّة»: أي: (وقاية) يتوقَّى العبد به الآثام ويستتر به من النَّار، فإن العبد إذا كفَّ نفسه عن الذنوب والآثام والشَّهوات المحرمة في الدُّنيا كان ذلك سترًا له من نار جهنم في الآخرة. ففي الصومِ وقايةٌ من المأثم، لأنه يُعوِّد المسلم على خلق العفة والطهارة والمراقبة والخشية، ويحجبه عن هواجس النفس وثورات الشهوات المحرمة المستعرة، وهو أيضًا وقايةٌ لها من كل داء.\nويقول الألوسي: «أي: كي تحذروا المعاصي، فإن الصوم يعقم الشهوة التي هي أمها، أو يكسرها. فقد أخرج البخاري ومسلم في «صحيحيهما» عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر\n_________\n(^١) زاد المعاد (١/ ٢١١).\n(^٢) الشوكاني فتح القدير (١/ ١١٧).\n(^٣) صحيح البخاري (٢/ ٦٧٣) (برقم: ١٨٠٥)، وصحيح مسلم (٢/ ٨٠٦) (برقم: ١١٥١).","vol":"1","page":290},{"text":"وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» (^١).\nولقد بين النبي -ﷺ- أن الغاية العظمى التي يجنيها المؤمن من الصيام هي الخلق الحسن، الذي هو أعظم ثمار الصيام الصحيح، فمن لم يصم صومًا صحيحًا فمن أين يجني تلك الثمار؟ وفي ذلك يقول النبي -ﷺ-: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (^٢).\nوالصوم يقوّم النفس ويصلحها ويهذبها وينقيها من الشوائب والأخلاقيات الرديئة وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].\nقال البغوي: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]: «يعني بالصوم لأن الصوم وصلة إلى التقوى لما فيه من قهر النفس وكسر الشهوات» (^٣).\nفالصوم يكسو النفس المؤمنة لباس التقوى، ويتميز الصوم من بين سائر العبادات بأن فيه قمعًا لغرائز الصائم عن الاسترسال في شهواتها، التي هي أصل البلاء على النفس والبدن والروح على حدٍّ سواء، ففيه فطامٌ لها عن ملذاتها ومحبوباتها ومشتهياتها ومألوفاتها، والصوم مؤدب ومهذب وكابح تربوي وإيماني وأخلاقي لتلك الشهوات، لأنه يصرف وساوس الشَّيطان وكيده وتدبيره عن العبد، وهو مهذب لتلك النفس وحاد لسلطانها.\nوإن في التقرُّب إلى الله بترك الحلال الطيب المباح حال الصَّيام خير معين للعبد على ترك الخبيث الحرام في غير الصيام، وهذا من دلائل أوجه التلازم بين جوانب التربية قاطبة في هذا\n_________\n(^١) الألوسي (٢/ ١٨٣)، والحديث أخرجه البخاري (٣/ ٤١٢)، ومسلم (٤/ ١٢٨) والنسائي (١/ ٣١٢ - ٣١٣) والترمذي (١/ ٢٠١)، وكذا الدارمي (٢/ ١٣٢)، وابن الجارود (٦٧٢)، والبيهقي (٧/ ٧٧)، وأحمد (١/ ٤٢٤، ٤٢٥، ٤٣٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ١/ ٧).\n(^٢) البخاري (١٩٠٣) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣) البغوي (١/ ١٩٦).","vol":"1","page":291},{"text":"الجانب العظيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-301>ثالثًا: فريضة الزكاة وعلاقتها بالعقيدة والأخلاق:</span>\n<span data-type='title' id=toc-302>مقاصد الزكاة وعلاقتها بالأخلاق والعقيدة:</span>\nوإن الله تعالى لا يشرع لعباده إلا ما فيه صلاح شأنهم كله في معاشهم ومعادهم، وما فيه تحقيق للغايات والمقاصد الحسنة التي تتحقق معها مصالحهم الدينية والدنيوية، ومن هذه الوسائل العظيمة الزكاة التي هي أحد أركان الإسلام العظام.\nومن الثمار الطيبة التي تُجنَى من جراء إيتاء الزكاة جملة من الروابط الأخلاقية التي تدل على التلازم بينها وبين تلك الشعيرة العظيمة، والتي من أبرزها ما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-303>١ - تزكية النفس وتطهيرها من داء الشح والبخل:</span>\nإن حب المال غريزة تحمل الإنسان على حب المال وكنزه وإمساكه عن الإنفاق والبذل، فأوجب الشرع المطهر أداء الزكاة تطهيرًا للنفس، وإزالة حب المال منها ببذله تقربًا وطاعة لله تعالى.\nوإنما شرعت الزكاة وفرضت تزكية لتلك النفس وتربية لها على التخلق بخلق الجود والكرم وترك الشح والبخل؛ لأن النفس جبلت على الشح والبخل ومحبة المال وكنزه وإمساكه إلا من رحم الله، فتتعود بإيتاء الزكاة الأخلاق الطيبة من الكرم والجود وسخاء النفس وسماحتها، وتتريض على أداء الأمانات لأهلها وإيصال الحقوق لأصحابها، وهذه غايات حميدة وأخلاق كريمة ومقاصد جليلة أرادها الشارع الحكيم تربية للمؤمن وتزكية لنفسه وتنقية لها من البطر وتطهيرًا لها من دنس الأثرَة والأنانية وحب الذات واستئثارها بالمال وسد أبواب الشيطان عليها الذي يأمرها بالشح والبخل خوفًا من الفقر والعيلة، وإذا تطهرت النفس من أدرانها صلحت وخرجت من وصف الشح والبخل إلى وصف الجود والكرم والإحسان.","vol":"1","page":292},{"text":"<span data-type='title' id=toc-304>٢ - الزكاة مطهرة للعبد من الذنوب وتزكية له ولماله:</span>\nقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].\nيقول الطبري: «يقول -تعالى ذكره- لنبيه -ﷺ-: يا محمد، خذ من أموال هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم فتابوا منها ﴿صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ من دنس ذنوبهم ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ يقول: وتنميهم وترفعهم عن خسيس منازل أهل النفاق بها إلى منازل أهل الإخلاص» (^١).\nويقول ابن سعدي: «وفيها أن العبد لا يمكنه أن يتطهر ويتزكى حتى يخرج زكاة ماله، وأنه لا يكفرها شيء سوى أدائها؛ لأن الزكاة والتطهير متوقف على إخراجها» (^٢).\nوالمسلم إذا تطهر من شح نفسه وبخلها، وألف إنفاق المال وبذله لله، وإيصاله لمستحقيه، قوي قلبه وزكت نفسه، وارتقى من وحل البخل والشح، وسلك مسلك المفلحين كما قال ربنا: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٥ - ١٦].\nوالشحُّ من كسب النفس الأمارة بالسوء؛ ولذا نُسِبَ إليها كما قال ربنا: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [التغابن: ١٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-305>٣ - الزكاة تربية للمؤمن على التراحم وَخُلُقِ شعور الجسد الواحد ومبدأ التكافل الاجتماعي:</span>\nإن روابط الأخوة الإيمانية والألفة والمحبة ثمرة من ثمار أداء الزكاة ودفعها لمستحقيها؛ لأن النفوس مجبولة على محبة ومودة من يحسن إليها، وبذلك التكافل الاجتماعي يعيش المسلم في مجتمع أخوي يسوده الحب والود والوئام.\nوبذلك تشيع روح المحبة والترابط بين أفراد المجتمع وتذوب الفوارق الاجتماعية، ويصبح أفراد المجتمع المسلم كالجسد الواحد، وهذه الأخلاق الحميدة من مقاصد الشريعة في الزكاة.\n_________\n(^١) الطبري (١٤/ ٤٥٤).\n(^٢) ابن سعدي (٣/ ٢٣٩).","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type='title' id=toc-306>٤ - تطهير المجتمع من الآفات الاجتماعية الحسية والمعنوية:</span>\nولا شك أن أداء الزكاة لمستحقيها فيه وأد وحسم لمادة الحقد والحسد والكراهية والضغينة والبغضاء، واقتلاع جذور تلك الأمراض من النفوس وإبعاد لها، وفي أدائها أيضًا الحد من الجريمة ومن أسباب التعدي على أموال الأغنياء بالسرقة، والنهب وغير ذلك، والحد أيضًا من سفك الدماء وجريمة القتل التي تنجم غالبًا عن السطو على أموال ذوي اليسار من الناس بسبب التطلع لما في أيديهم والطمع فيه.\nومما سبق يتبين العلاقة بين الزكاة وبين الأخلاق وتقويمها، ومع هذا فإنها عبادة وركن من أركان الإسلام يؤديها المسلم طواعية لله تعالى معتقدًا فرضيتها متعبدًا لله بوجوب أدائها لمستحقيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-307>رابعًا: فريضة الحج وعلاقتها بالعقيدة والأخلاق:</span>\n<span data-type='title' id=toc-308>العلاقة بين جوانب العقيدة والعبادة والأخلاق في شعيرة الحج:</span>\n<span data-type='title' id=toc-309>الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، يقول الله تعالى:</span>\n﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. ويقول سبحانه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].\nإن من أهم مقاصد الشريعة العظيمة في الحج، تربية النفس على الأخلاق العالية بكل معانيها وصورها، ففيه-الحج- معاني التربية على خلق إخلاص العمل لله تعالى وتجريده سبحانه بالقصد دون ما سواه من المخلوقين، وكذلك خلق التجرد في الاتباع وتجنب الابتداع في الدين، وتجريد النبي -ﷺ- بهذا المقصد العظيم، وفيه معاني التربية على خلق التقوى والمراقبة له سبحانه وحده لا شريك له، وفيه معاني التربية على مكارم الأخلاق وجميل الصفات مع الناس، وترويضها على محاسن الطباع، والترقي بها في مدارج أهل التقى والصلاح، والحج فيه معاني","vol":"1","page":294},{"text":"التربية على الترفع عن الشهوات المباحة لتتروض النفس على الترفع عن الشهوات المحرمة، وفيه معاني التربية على حسن التعامل مع الناس وتحمل الأذى منهم، والصبر على ذلك كله ابتغاء مرضات الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-310>١ - الأخلاق مع الله تعالى:</span>\nقال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nقال ابن سعدي: «بإخلاصهما لله تعالى» (^١).\nوهذا الخلق -أعني: الإخلاص- متعلق بتعلق القلب بالله وتجريد العمل له سبحانه، وهذا من أعلى مقامات الأخلاق في التعامل مع الله تعالى.\nوالنبي -ﷺ- يحج متواضعًا لله ويدعوه أن يجنبه الرياء. فعن أنس ﵁ قال: حَجَّ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى رَحْلِ قَطِيفَةٍ مَا يَسُرُّنِي أَنَّهَا لِي بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ، ثم قال: «اللَّهُمَّ حَجَّةً لَا رِيَاءَ فِيهَا وَلَا سُمْعَةَ» (^٢). ومن هذا الحديث نستنبط خلقين كريمين متلازمين مع عبادة الحج ألا وهما: خلق التواضع لله، وخلق إخلاص العمل له تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-311>٢ - الأخلاق مع الرسول -ﷺ</span>-:\nأخرج الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في «صحيحه» من حديث جابر ﵁ قال: رأيت النبي -ﷺ- يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: «لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» (^٣). ولا شك أن هذا الحديث أصل في الاتباع، وهذا الجانب الخلقي العظيم هو من أَجَلِّ أخلاق المؤمن مع النبي الكريم -ﷺ- في تعظيم شريعته، واتباع سنته، والتمسك بطريقته بلزوم الاتباع واجتناب الابتداع.\n_________\n(^١) ابن سعدي (١/ ١٤٦).\n(^٢) صحيح لغيره (١٢٢) صحيح الترغيب والترهيب، الألباني.\n(^٣) رواه مسلم في صحيحه (برقم: ١٢٩٧).","vol":"1","page":295},{"text":"يقول أبو إسحاق الرقي: «علامة محبة الله: إيثار طاعته، ومتابعة رسوله -ﷺ-» (^١).\nويقول ابن أبي العز: «والعبادات مبناها على السنة والاتباع، لا على الهوى والابتداع» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-312>٣ - الأخلاق مع الناس:</span>\nومن الأخلاق المتلازمة مع فريضة الحج، الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل ذلك حسب القدرة والطاقة، وحسن الخلق مع الناس والتعامل معهم بإحسان؛ ويَتمثل ذلك ويَتأكد أكثر في مشاهد الزحام الشديد في المناسك ومشاعر الحج وما ينبغي أن يكون ملازمًا للمسلم من خلق التراحم والإيثار والشفقة والحلم وانضباط للنفس وكبح لجماحها عن كل شرّ مع كتم الغيظ والعفو عن المسيء من الناس وترك المراء والجدال بالباطل، والتباعد والتجافي عن سيئ الأخلاق ورديئها، والصبر على الأذى في ذات الله، مع تحمل المشاق والصعاب في إتمام النسك على الوجه المشروع دون إيذاء لأحد، وخدمة الحجيج ولا سيما الضعفاء وذوي الحاجة منهم، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام، وطيب الكلام، والدفع بالتي هي أحسن، مع بذل المعروف عمومًا لكل أحد، مع كمال وتمام حبس الجوارح وكفها عن كل مكروه، ولا سيما جارحتي اللسان والبصر خاصة مع كثرة الاختلاط الذي يحتاج للصبر عن معصية الله، ولا سيما وقت التزاحم والتدافع واجتماع الحجيج.\nوهذه الآداب الشرعية وغيرها، هي جملة من الأخلاق الحميدة المقصودة في الشرع من هذه الشعيرة العظيمة، والتي ينبغي أن يتحلى بها المؤمن في حجه.\n- والإحسان للعباد من بِرِّ الحج، لما ثبت من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ -ﷺ-: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قال: «إيمانٌ بالله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «جهاد في سبيل الله»، قيل:\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٤٨٧).\n(^٢) شرح الطحاوية (٣٧)، وينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٤/ ١٧٠).","vol":"1","page":296},{"text":"ثم ماذا؟ قال: «حج مبرورٌ» (^١).\nوفي معنى الحج المبرور يقول القرطبي: «فقيل: الذي لا يخالطه شيء من المأثم، وقيل: المتقبَّل، وقيل: الذي لا رياء فيه ولا سُمْعَة» (^٢).\nويقول البغوي: «الحج المبرور قيل: هو الذي لا يخالطه شيء من المأثم، والبيع المبرور: الذي لا خيانة فيه ولا شبهة» (^٣).\nوالبر عمومًا: هو حُسن الخُلق.\n\nو<span data-type='title' id=toc-313>البر في الحج يُطلق على معانٍ عدة:</span>\n- منها: الإحسان إلى عموم الناس\n- ومنها: فعل الطاعات وسائر القربات\n- ومنها: ألا يأتي فيه معصيةَ اللهِ تعالى، ولا يعقبه بمعصية.\nولا شك أن ترك المأثم من أَجَلِّ الأخلاق وأرفعها؛ لأن الحج فيه تربية للنفس على تهذيب الأخلاق وتعويدها وترويضها على تحمل الأذى والمكاره وبذل الندى والمعروف والإحسان إلى الخلق مع الصبر على ذلك كله ابتغاء رضوان الله تعالى، وتعلم الشجاعة ونزع الضعف والكسل والدعة والإحجام عن أداء الواجبات من تلك النفس، وتنمية أخلاق الصابرين فيها، وغرس خلق الإيثار والبذل والكرم والجود والعطاء والسخاء وحب الخير للغير؛ ولذلك يقول -ﷺ-: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (^٤).\n_________\n(^١) البخاري (١٤٢٢).\n(^٢) المفهم (١١/ ١٥).\n(^٣) شرح السنة (٧/ ٦).\n(^٤) البخاري (١٥٢١)، ومسلم (١٣٥٠) من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ.","vol":"1","page":297},{"text":"والخلاصة:\nأن العبادات عمومًا لها دور بارز في إصلاح النفس وتوجيهها إلى مكارم الأخلاق، وتزكيتها من كل شائبة، وقد سبق معنا بيان ذلك، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وذلك لِمَا تجدده من معاني الإيمان؛ لأنها تجدد الصلة بالله في أوقات متفرقة ومتجددة يوميًّا في طرفي النهار ووسطه وآخره، والزكاة في طياتها معاني تزكية النفس من البخل والشح والأنانية وحب الذات، مع ما تجلبه للعبد من تطهير لماله ونماء له بإخلاف الله عليه، وما يجعل سبحانه من البركة للعبد في ماله ونفسه، وكذلك الصيام فرضه الله تزكية لعباده وتربية لهم على الخشية والمراقبة والكف عن الشهوات لتتحقق لهم مرتبة التقوى، وكذلك شعيرة الحج وما يترتب عليها من تحصيل المراتب العالية من جليل وجميل الصفات، وتحقيق معاني الأخوة الإيمانية، وما يترتب من جراء ذلك من تزكية للنفس وتربية لها على البذل والتضحية في ذات الله وابتغاء مرضاته، فالعبادات في الإسلام عمومًا بينها وبين تزكية النفس وتربيتها على مكارم الأخلاق ترابط وتلازم لا ينفكان أبدًا، ولذا عقد ابن القيم في «مدارج السالكين» فصلًا بعنوان: (الدين كله خلق)، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين (^١).\nفالعقيدة الصحيحة تدفع المؤمن لأداء العبادات على الوجه المطلوب تقربًا لله تعالى، والعبادة الصحيحة هي التي تترك أثرًا وانطباعًا على سلوك المؤمن وأخلاقه، وهذا تلازم وترابط لا ينفك أبدًا بين تلك الجوانب جميعًا.\nوأخيرًا:\nفهذا بيان لتأكيد التلازم والترابط بين تلك الجوانب جميعًا مصحوبًا بأمثلة من كتاب الله تعالى.\nوإن المتأمل في كتاب الله خاصة في القرآن المكي يجد ذلك واضحًا جليًّا، وأشير فقط لمواضع من كتاب الله ليتأمل من أراد الاستزادة.\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٣٠٧).","vol":"1","page":298},{"text":"المثال الأول:\nيقول الله تعالى في سورة البقرة، الآية (١٧٧): ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾.\nيتبين في الآية السابقة من سورة البقرة -وهي مدنية- التلازم والترابط بين جوانب العقيدة والعبادة والأخلاق، ففي الآية الكريمة نرى تلازمًا وترابطًا بين جملة من الأخلاق وهي إنفاق المال على حبه وإيتائه لمستحقيه، وبين جملة من العبادات المحضة كالصلاة والزكاة، والوفاء بالعهد والصبر وهما من مكارم الأخلاق، وجعل كل ما سبق من العبادات والأخلاق الحسنة والأخلاق الكريمة من علامات الإيمان وخصاله الدالة عليه.\nالمثال الثاني:\nصدر سورة المؤمنون -وهي مكية- الآيات من ١ إلى ٩، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)﴾ [المؤمنون: ١ - ٩].\nفالمتأمل في تلك الآيات يجد الترابط والتلازم بين الإيمان والعبادة والأخلاق، فالآيات افتتحت بالصلاة وختمت بها مع ما تضمنته بين الافتتاح والخاتمة من وصف الإيمان وفلاح أهله وبيان لبعض العبادات كالزكاة، ثم بيان لجملة من أخلاق أهل الإيمان، وفي ذلك برهان ساطع على التلازم والترابط بين تلك الجوانب جميعًا.","vol":"1","page":299},{"text":"المثال الثالث:\nفي سورة المعارج -وهي مكية- الآيات: من ٢ إلى ٣٤، قال تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨) إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤)﴾ [المعارج: ١ - ٣٤].\nيجد المتأمل تلازمًا بين تلك الجوانب جميعًا، فجاء التلازم بين فريضتي الصلاة والزكاة والإيمان في ثلاث آيات متتابعات ثم تلتها عقب ذلك جملة من مكارم الأخلاق، ثم ختم الأمر بالمحافظة على الصلاة، ولا ريب أن في ذلك أوضح الدلالات على التلازم والترابط بين تلك الجوانب جميعًا.\nالمثال الرابع:\nفي سورة الفرقان -وهي مكية- في محض الكلام عن صفات عباد الرحمن، الآيات: من ٦٣ إلى ٦٨، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا","vol":"1","page":300},{"text":"يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٨].\nيجد المتأمل هذا التلازم جليًّا للعيان، ففي الآية الأولى ذكر أخص صفتين من صفات عباد الرحمن، وهما صفتا التواضع وحسن مخاطبة الجاهلين، وهذا في الجانب الأخلاقي، ثم ثنى بوصف تهجدهم في الليل، وهذا في الجانب التعبدي، ثم ثلث بوصف شفقتهم وخوفهم من عذاب الله، وهذا جانب إيماني عقدي، فجمع بين الإيمان والإقرار باليوم الآخر والخوف من عذاب الله، وكلاهما جانب عقدي، ثم بتتابع الآيات يتجلى الأمر كذلك جليًّا ليؤكد الترابط والتلازم بين تلك الجوانب جميعًا.\nالمثال الخامس والأخير:\nفي سورة لقمان -وهي مكية- الآيات: من ١٢ إلى ١٩ - وهي موضوع بحثنا- قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٢ - ١٩].\nففي مطلع الآيات ورد الأمر بنبذ الشرك، وهو أمر عقدي، وتعقبه بالأمر ببر الوالدين وهو أمر خلقي، ثم الأمر باتباع سبيل المؤمنين وهو أمر تعبدي، ثم تلاه بيان سعة علم الله واطلاعه على خلقه وهو أمر عقدي، ثم تلاه الأمر بإقام الصلاة وهو أمر تعبدي، ثم تلاه الأمر بشعيرة","vol":"1","page":301},{"text":"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ذلك وهو أمر تعبدي، ثم الأمر بالتواضع والنهي عن التكبر، ثم الأمر بخفض الصوت وهذا كله في الجانب الخلقي، ويتبين مما سلف وضوح الترابط والتلازم بين تلك الجوانب جميعًا.\nومثال ذلك من السنة حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ» (^١).\nفجمع الحديث بين تلك الجوانب جميعًا.\nومما لا شك فيه أن من أشد المعضلات التي تعاني منها المجتمعات المسلمة اليوم أن في جنبات بعض أبنائها المنتسبين لهذا الدين العظيم، وجود انفصام بين العلم والعمل، وبين العبادة وبين تحقيق جَني ثمارِها اليانعة وآثارها الطيبة المرجو قطافها من أثر تلك العبادة والتي من أعظمها وأَجَلِّها الجانب الخلقي، حيث أصبحت تأدية العبادة عند البعض أشبه بعبادات شكلية ظاهرة، مع أن البواطن لا يطلع عليها إلا علام الغيوب، لكن هذه العبادات لها آثار حميدة وغايات طيبة يجب أن تتجلى وتظهر على صاحبها في حركاته وسكناته، ومن أهمها وأَجَلِّهَا حسن الخلق.\nإذًا فهناك خلل وانفصام واضح وكبير بين أداء تلك الشعائر التعبدية، وبين السعي الحثيث لتحقيق غاياتها ومقاصدها وأهدافها.\nولعل السبب الرئيس لهذا السلوك البعد والتخلي عن منهج التربية الإيمانية المتكاملة التي يتجلى فيها جانب الترابط والتلازم والتعاضد بين جوانب التربية جميعًا، عقيدة وعبادة وسلوكًا وأخلاقًا، فلو أن المؤمن استقام على أمر الله تعالى ولم يخالف قوُلُه فِعلَهُ، وحقق الغايات\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان: باب أمور الإيمان (١/ ١١) (رقم: ٩)، ومسلم، كتاب الإيمان: باب شعب الإيمان (١/ ٦٣) (رقم: ٣٥)، واللفظ لمسلم.","vol":"1","page":302},{"text":"والمقاصد التي من أجلها شُرعت تلك العبادات؛ لأصلح الله أحوال البلاد والعباد، وتم بذلك درء الكثير من الآفات والأضرار الاجتماعية الناجمة عن الانفصام بين العقيدة والعبادة والسلوك الأخلاقي العملي، والتي أفسدت على كثير من الناس أحوالهم ونكدت عليهم صفو حياتهم ومعيشتهم.\nوفي مثل ذلك يقول ربنا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤].\nفالإسلام بنيان مرصوص تام كامل لا يتجزأ، تراه مترابطًا في كل جوانبه «العقدية والتعبدية والأخلاقية».\nوفي نحو هذا الصدد يقول أبو حامد الغزالي: «الأخلاق السيئة هي السموم القاتلة، والمهلكات الدامغة، والمخازي الفاضحة، والرذائل الواضحة، والخبائث المبعدة عن جوار رب العالمين، المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين، وهي الأبواب المفتوحة إلى نار الله تعالى الموقدة التي تطلع على الأفئدة» (^١).\nولهذا كانت موعظة لقمان الحكيم لابنه منهاجًا تربويًّا متكامل الأركان تام البنيان شمل جميع جوانب التربية الإيمانية عقيدة وعبادة وأخلاقًا.\nوختامًا:\nفما أحوج الأب والمربي والداعي وكل من تصدر للتربية والتعليم والدعوة والإصلاح والتوجيه والإرشاد أن يتأمل تلك الوصايا الجامعة النافعة والصادرة من مرب حكيم، لتربية الأجيال تربية صالحة في ضوء هذا المنهج التربوي المتكامل الأركان التام البنيان.\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٣/ ٤٩).","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type='title' id=toc-314>خاتمة هذا المبحث الهام</span>\nوفيها:\n\n<span data-type='title' id=toc-315>١ - أبرز النتائج</span>.\n٢ - أهم التوصيات.\n١ - أبرز النتائج\nلقد دعا الله عباده لتدبر كتابه ليهتدوا بهداياته، فقال سبحانه في وصف كتابه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]، ومن تدبر وتأمل كتابَ الله تيقن أنه كتاب هداية، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرج به الناس من الظلمات إلى النور، قال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].\nفالقرآن كتاب هداية يَسْتَقي منه العبادُ سبلَ الهدى والرشاد، ويهتدون به لأقوم الطرق والشرائع وأعدلها، وأوضح السبل وأسداها وأصوبها، وهي سبل النبيين والمرسلين ﵈، فمن اهتدى بهداية القرآن؛ كان من أكمل الناس وأقومهم سبيلًا، وأهداهم وأحسنهم طريقًا، وأعدلهم حكمًا، وأصوبهم وأرشدهم رأيًا في جميع شأنه كله.\nوالمسلمون في أَمَسِّ الحاجة للعودة لهذا المنهل العذب الذي يجب عليهم أن ينهلوا من معينه الصافي مصادر التربية والتوجيه والإصلاح في كل زمان ومكان، ولا سيما في زمن تشعبت بهم فيه السبل وكثرت فيه موارد التربية وتنوعت فيه مصادر التلقي، والله من رحمته بعباده لم يتركهم سدى ولم يدعهم هملًا ولا حيارى تائهين، بل دلهم على ما فيه عزهم وصلاحهم وفلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، فإن أخذوا بهدايات كتاب ربهم فقد اهتدوا للتي هي أقوم، وسلكوا بهداياته سبل السلام، وأخرجهم به ربهم من الظلمات إلى النور بإذنه وهداهم إلى صراطه المستقيم، صراط الله العزيز الحميد.","vol":"1","page":304},{"text":"وإن أقوم طرق التربية الإيمانية المتكاملة هي التي تُسْتَقَى من هذا الكتاب المبارك، ومما ورد من تلك المناهج في كتاب الله تعالى، منهج لقمان التربوي المتكامل في ضوء موعظته ووصاياه لابنه، وقد مرّ معنا بيان هذا المنهج الحكيم الذي حاز تزكية الرب ﵎ وثناءه على المربي الحكيم، ومنهجه القويم، وخلد ذكره في كتابه ليكون عبرة لكل معتبر، ومنهجًا أصيلًا وموردًا عذبًا زلالًا لكل وارد ظمآن، ليرتوي من معين هذا المنهج المبارك، وسبيلًا رشيدًا لكل حيران يبحث عن سبيل النجاة وسلوك طريق الهدى الرشاد.\nوالباحث بعد أن نهل من هذا المورد العذب الزلال توصل بحمد الله لنتائج جمة يبرز أهمها فيما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-316>أولًا: عظم شأن التوحيد:</span>\nوأنه أول واجب على العبيد، ولذا بدأ لقمان بالأمر بنبذ الشرك المتضمن تحقيق التوحيد الذي هو أعظم حق من حقوق الله في رقاب جميع العبيد، فيجب العناية بهذا الجانب لعظم شأنه ولما يترتب عليه من حسن العاقبة في العاجل والآجل.\n\n<span data-type='title' id=toc-317>ثانيًا: مكانة بر الوالدين من الدين:</span>\nإن مجيء الوصية بحق الوالدين في غير ما موضع من كتاب الله مقترنة بأعظم الحقوق وأَجَلِّهَا ألا وهو حق الله في توحيده وإفراده بالعبودية، فيه دلالة قاطعة على عظم حقهما ووجوب برهما والإحسان إليهما، ثم الوصية بالأم خاصة فيه إشارة ودلالة على مكانتها وفضلها وعظيم قدرها وحقها ووجوب برها والعناية بها عناية خاصة، وإن برّ الوالدين من أوجب الواجبات المتحتمات في جميع الأحوال والأوقات.\n\n<span data-type='title' id=toc-318>ثالثًا: وجوب برِّ الوالدين ولو كانا مشركين:</span>\nإن طاعة الله وطاعة رسوله -ﷺ- طاعة مطلقة، وطاعة سائر المخلوقين طاعة مقيدة بالمعروف -ومنها طاعة الوالدين- لا تكون كذلك إلا في المعروف، أما إنْ أمرا بالشرك وما دونه من","vol":"1","page":305},{"text":"المعاصي فلا سمع لهما هنا ولا طاعة، هذا مع وجوب برهما وشكرهما بعد شكر الله تعالى والإحسان إليهما من كل الوجوه ولو كانا كافرين.\n\n<span data-type='title' id=toc-319>رابعًا: وجوب اتباع سبيل المؤمنين:</span>\nبيان عظم شأن الوصية بلزوم الجماعة المسلمة، ووجوب اتباع سبيل المؤمنين المنيبين، ولزوم طريق السلف عقيدة وشريعة وأخلاقًا ومنهاجًا، وعدم شق عصا الطاعة بالخروج عن الجماعة المسلمة، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.\n\n<span data-type='title' id=toc-320>خامسًا: وجوب تعظيم الله تعالى:</span>\nوجوب تعظيم الله وإجلاله، لعظمته وسعة علمه واطلاعه على خلقه وإحاطة علمه وقدرته بجميع مخلوقاته. وهذا لا يتأتى لأحد إلا إذا صلح قلبه وأصبح ممتلئًا بمحبة الله وخشيته ومداومة مراقبته وذكره، والخوف منه ومن قربان محارمه، وغشيان معاصيه، والقرب مما يسخطه ويمقته سبحانه، وهذه أَجَلُّ علامات يقظة القلب وعلامات تعظيم الله وإجلاله سبحانه جل في علاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-321>سادسًا: بيان مكانة الصلاة من الدين:</span>\nإن الصلاة من أعظم أركان الدين بعد الشهادتين، وأنها من أعظم وأَجَلِّ وسائل التربية الإيمانية العملية، ومن أهم وسائل الثبات على الحق ذلك لما لها من عظيم الأثر في تقويم الأخلاق وتحقيق الخشية لله وإدامة المراقبة له سبحانه.\n\n<span data-type='title' id=toc-322>سابعًا: وجوب الدعوة إلى الله وتحمل المشاق في سبيلها:</span>\nالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيلة من أهم وسائل الإصلاح للفرد والجماعة، وهي بمثابة الحصن الحصين والدرع الواقي للمجتمع المسلم، وأن القيام بهذه الشعيرة من أوجب الواجبات وأهم المهمات، وأن تركها له أسوأ العواقب الوخيمة، وبسبب إهمالها تحل النكبات وتتنزل العقوبات، وأن القائم بهذه الشعيرة لا بد له من مواجهة المجتمع فلا بد له من الصبر","vol":"1","page":306},{"text":"على إبلاغ الحق، والصبر على الأذى الذي قد يقع له من بعض الخلق.\n\n<span data-type='title' id=toc-323>ثامنًا: ذم الكبر ووجوب الحذر منه:</span>\nالكبر من الصفات الذميمة والخصال الذميمة التي يجب أن يترفع عنها المؤمن، وهي من أعظم أسباب حلول سخط الله ونقمته ومقته وغضبه على المتلبس بها، وصاحبها متوعد بأشد العقوبة في الآخرة، لأنه منازع الرب العظيم أخص صفاته، هذا مع ما يقع من بغض العباد له، والنفور منه ومن معاشرته ومخالطته.\n\n<span data-type='title' id=toc-324>تاسعًا: وجوب تواضع العبد لله:</span>\nالتواضع من أخص صفات المؤمنين، ومن هدي عباد الله المخبتين، ودلهم، وسمتهم. والتواضع يدلل على رجاحة العقل وحسن الخلق والاعتزاز بالدين، فيجب على المؤمن الحرص على التخلق بهذا الخلق العظيم، تواضعًا وتذللًا لله وإخباتًا وإنابة إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-325>عاشرًا: ذم علو الصوت لغير حاجة:</span>\nالتأدب مع الناس مطلب شرعي عزيز المنال، وإن خفض الصوت مع المُخَاطَب دلالة على حسن الأدب معه، مع ما يزين صاحبه بالسكينة والوقار، وإن علو الصوت يوقع بصاحبه المذمة والتشبه بأخس المخلوقات، فالترفع عنه واجب من أهم الواجبات.\n\n<span data-type='title' id=toc-326>٢ - أهم التوصيات</span>\nيوصي الباحث بما يلي:\nأولًا: بالاعتصام بحبل الله المتين، والتمسك بكتاب الله المبين، والأخذ بهداياته، وكذلك بالتمسك بالسنة المطهرة، فهي مفسرة لمجمل القرآن، ومبينة وموضحة لهداياته، وفهم هذين الأصلين العظيمين- الكتاب والسنة- بفهم السلف الصالح.\nثانيًا: بالاستفادة من وصايا لقمان خصوصًا لأنها من النماذج التربوية الفريدة والمتكاملة، ولا سيما في مناهج إعداد المعلمين والدعاة، ومناهج الدراسات الشرعية، وسائر المؤسسات","vol":"1","page":307},{"text":"التعليمية والدعوية والتربوية والإصلاحية، ومن ثَمَّ تصبح من المقررات الدراسية في محافل التعليم النظامية والرسمية، والغاية من ذلك هو إخراج جيل مسلم صالح مرتبط بهدايات القرآن، مستضيء بنوره، مهيأ للاستخلاف في الأرض.\nثالثًا: بالعناية بالتربية الكاملة وإصلاح مناهج التربية والتعليم في جميع مراحلها وروافدها، وتأسيسها على ضوء مبادئ الدين الحنيف، وأصول الشريعة الغراء، من جميع جوانبها -عقيدة وشريعة ومنهاجًا- عبادة وسلوكًا وأخلاقًا- والعناية بالناشئة والأخذ بنواصيهم نحو سبل الرشاد، ودلالتهم على الخير وحثهم على التمسك بالفضائل والترفع عن الرذائل ومهاوي الردى.\nرابعًا: بالعناية بدور روافد التربية- البيت، والمدرسة، والمسجد، والإعلام- ووجوب أداء كل منها ما يجب عليه تجاه الناشئة على أتم الوجوه وأكملها وأحسنها، كما يوصي بضرورة الترابط بين واجبات تلك الروافد مجتمعة، وعدم التناقض بينها ليخرج للأمة جيل صالح متزن متكامل الشخصية صحيح البناء، ليس لديه انفصام في فهم الدين والعمل به.\nخامسًا: كما يوصي كذلك بضرورة وجود القدوة الصالحة ذات المقومات التربوية المتكاملة والمتمثلة في المربي الصالح، من الآباء والمربين والدعاة والمعلمين وسائر المصلحين، والعناية البالغة بهذا الجانب المهم لما لها من عظيم الأثر في نفوس الناشئة.\nوأخيرًا:\nفإن الباحث قد بذل ما في وسعه لإكمال هذا البحث وإتمامه، على وجه يرجو به حسنه وكماله، لتبرأ به الذمة، راجيًا نفعه لعموم الأمة، ولم يألُ في ذلك جهدًا، وبذل له من عمره زمنًا ووقتًا، فلم يبخل ببذل وقت نفيس، ولا التضحية بزمن غالٍ عزيز، والكمال لدى عموم البشر مطلب بعيد المنال، شبيه بالمحال، لأن الإنسان محل للخطأ والنسيان. والبحث ما يزال يحتاج لتنقيب، ولجهد كل باحث لبيب، فلعل الله ييسر له من يزيد الحق وضوحًا، ويكون بذلك للأمة أمينًا نصوحًا، ويقرب تلك المعاني، لطالب الحق، من كل قاصٍ أو دان.\nولعل في هذا كفاية لمن أراد الانطلاق والبداية لتحقيق تلك الغاية.","vol":"1","page":308},{"text":"ولقد صَدَقَ القاضي الفاضل عبد الرَّحيم بن عليّ البيسانيّ لما قال: «إنِّي رأيتُ أنَّه لا يكتُبُ إنسانٌ كتابًا في يومِه؛ إلَّا قالَ في غَدِهِ: لو غُيِّرَ هذا لكان أحسنَ، ولو زِيدَ كذا لكان يُستَحسَنُ، ولو قُدِّمَ هذا لكان أفضلَ، ولو تُرِكَ هذا لكان أجملَ. هذا مِنْ أعظَمِ العِبَرِ، وهو دليلٌ علَى استيلاءِ النَّقصِ علَى جُملةِ البَشَرِ» (^١).\nومسك الختام بكلام نفيس لإمام ناصح ليس عنده تدليس.\nفهذه كلمات معبرات وحروف مؤثرات، انطلقت من قلب وعقل عالم إمام وحبر همام، كان وما يزال قدوة للأنام، على مرّ الدهور والأعوام؛ ألا وهو ابن القيم -رحمه الله تعالى- حيث يقول: «فيا أيها الناظر فيه، لك غنمه، وعلى مؤلفه غرمه، ولك صفوه وعليه كدره وهذه بضاعته المزجاة تعرض عليك وبنات أفكاره تُزفّ إليك، فإن صادفت كفئًا كريمًا، لم تعدم منه إمساكًا بمعروف، أو تسريحًا بإحسان، وإن كان غيره، فالله المستعان، وعليه التكلان، وقد رضي من مهرها بدعوة خالصة إن وافقت قبولًا وإحسانًا، وبرد جميل إن كان حظها احتقارًا، واستهجانًا، والمنصف يهب خطأ المخطئ لإصابته، وسيئاته لحسناته؛ فهذه سنة الله في عباده جزاءً وثوابًا، ومن ذا الذي يكون قوله كله سديدًا وعمله كله صوابًا؟ وهل ذلك إلا المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، ونطقه وحي يوحى؟ فما صح عنه فهو نقل مُصَدَّقٌ عن قائل معصوم، وما جاء عن غيره فثبوت الأمرين فيه معدوم، فإن صح النقل لم يكن القائل معصومًا، وإن لم يصح لم يكن وصوله إليه معلومًا» (^٢).\nولعل فيما مضى معتبرًا لأهل البحث والنظر، والباحث لا يزعم أنه أتى بجديد، ولكن-حسبه- قول ربنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق: ٣٧].\n_________\n(^١) كان الأُستاذ أحمد فريد الرِّفاعي (ت ١٣٧٦ هـ) هو الَّذي شهَّر هذه الكلمةَ؛ حيث وضعها أوَّلَ كلِّ جزء من أجزاء مُعجم الأدباء، لياقوت الحمويّ، وغيره من الكُتب، وتداولَها النَّاس عنه منسوبةً إلى العماد الأصفهانيّ!! والصَّواب نسبتُها للقاضي الفاضل، بعثَ بها إلى العماد؛ كما في أوَّل شرح الإحياء، للزَّبيديّ (١/ ٣)، والإعلام بأعلام بيت الله الحرام، لقطب الدِّين محمد بن أحمد النهر والي الحنفيّ (ت ٩٨٨ هـ)\nنقلًا عن كتاب: «إعلام العابد في حكم تكرار الجماعة في المسجد الواحد»، للشيخ/ مشهور بن حسن بن سلمان: (ص ٧) دار المنار- الخرج (ط ٢).\n(^٢) تضمين من آخر مقدمة ابن القيم لكتابه: روضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص ٢٨).","vol":"1","page":309},{"text":"وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين\n\nأملاه\nالفقير إلى عفو ربه الباري\nالباحث\nأبو عبد الرحمن عرفة بن طنطاوي\narafatantawy@hotmil.com","vol":"1","page":310}]}