{"ً":{"ٌ":7599,"ٍ":"السنة النبوية وحي - آيت سعيد","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم الحديث/السنة النبوية وحي من الله - سعيد","files":["01-01_4.pdf"]},"ّ":"الكتاب: السنة النبوية وحي من الله محفوظة كالقرآن الكريم\nالمؤلف: الحسين بن محمد آيت سعيد\nالناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة\nعدد الصفحات: ٧٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2023,"ٕ":10,"ٖ":1770155796,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"تمهيد","level":1,"page":7},{"title":"المبحث الأول: في عصمة الأنبياء","level":1,"page":11},{"title":"المبحث الثاني: في اجتهاد الأنبياء ﵈","level":1,"page":21},{"title":"المبحث الثالث: بسط أدلة القول بأن السنة وحي كالقرآن","level":1,"page":43},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":66},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":68}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74},"ٜ":{"1":[1,74]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74"],"ٞ":{"1":[1],"7":[2],"11":[3],"21":[4],"43":[5],"66":[6],"68":[7]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة:</span>\nإن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وبشيرا ونذيرا للبرية أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه النجَبة، الصدور المحببَّة، والفطَنة النبَغة، معادنِ الصدق واليقين، وموائل الصبر والمثابرة والجهاد ومتانة الدين، الذين فاؤوا للحق فاستظلوا بظلاله، وفاء إليهم الحق فارتفعت بهم رايتُه، ورفرفت فوق هامِهم شارتُه ونَضارتُه، به خرجوا من العدم إلى الوجود، وبهم انصدعت آيه وبراهينه من جديد، فرضي الله عنهم من صفوة جديرة بالتقدير، وعُصبة جلّت عن إحصاء مكامن عزها بالاستقصاء والتنقير.\nبيضُ الوجوه كريمة أحسابهم ... شُمُّ الأُنوف من الطراز الأَول\nأمابعد: فإن السنة النبوية - شرفها الله تعالى - تعرضت ولا تزال لموجة عارمة من التشكيك بها تارة، أو إنكارها بالكلية تارة أخرى، أو الطعن في تدوينها، أو حصرها في دائرة ضيقة، يستأنس بها ولا يعتمد عليها، ولا تنشئ أحكاما، ولا يحتج بها في العقائد، ولا في الحدود، إلى غير ذلك من تضليلات وآراء لا حصرلها، يجمعها كلها، النظرُ إلى السنة بمنظار لم يعهده السلف المتقدمون، وغالبُ هذه الشُّبَه منقولة عن المستشرقين، والمستغربين من أبناء جلدتنا الذين يقلدونهم في كل شيء، إذ","vol":"1","page":1},{"text":"تتلمذوا لهم، وكانوا واسطة في نقل مفترياتهم إلى العالم الإسلامي، ولئن كانت هذه الشبه ليست بجديدة من المستشرقين -لأن المعتزلة والشيعة قد سبقوهم إلى كثير منها- إنَّ ما يجمع بين حديثها وتليدها، هو توهين السنة في النفوس، وإزاحةُ تعظيمها، وقدسيتها، وعدّها أمرا عاديا لايستوجب الاعتناء.\nوقد قام جهابذة النقاد، بزَيْفِ دعاوى المعتزلة ومن لف لفهم، ونفي شبههم، بأدلة دامغة للباطل، معزِّزة للحق، فعظُمت بذلك السنة في النفوس، وكثر طالبوها، والمولوعون بها، وانتشرت علومها، وعم منهجها، حتى نبغت نابغة من المعتزلة الجدد، الذين استقوا آراءهم الدحضة عن السنة ورواتها، من أفكار المتقدمين، من شتى الفرق المنحرفة عن منهج أهل السنة، وأفكار المتأخرين المتسترة وراء التجديد في مناهج دراسة السنة النبوية وتمحيصها، التي هي إعدام لها في الحقيقة، وتعطيل لها عن العمل، ومحاولة إبعادها نهائيا عن واقع الأمة بأساليب ملتوية، مشتملة على نفاق لا يخفى لحْنُه على ذوي الألباب.\nهذا، وإن مدار هذا البحث على مصطلحين مشهورين، وهما السنة والوحي، ولابد من تعريفهما وضبط مفهومهما قبل الشروع في أحكامهما.","vol":"1","page":2},{"text":"تعريف السنة:\nأ - السنة لغة: تعني الطريقة، والسيرة المعتادة للإنسان، سواء كانت حسنة أو قبيحة، قال لبيد:\nمن معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها\nوسنَنُ الطريق، نهجه، قال شمر:\"وهو طريق سنه أوائل الناس فصار مسلكا لمن بعدهم\" (١) وقال ﵊ – في النوعين معا – من حديث جرير بن عبد الله ﵁: \"من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء \" (٢) .\nوقال ابن فارس: \" السين والنون، أصل واحد مطرد، وهو جريان الشيء واطراده في سهولة\" (٣) . وسَنَّ الشيء ابتدأه، وسار عليه من بعده، فأصبح له سنة وعادة.\nفتلخص من هذا أن السنة تعني الطريقة التي يداوم عليها الإنسان، حتى أصبحت عادة له، وسيرة يعرف بها.\nب - واصطلاحا: عرَّفها المحدثون بقولهم:\" ما أُثر عن النبي ﷺ من قول، وفعل، وتقرير، وصفة خِلقية وخُلقية، وهَمٍّ وإشارة، يقظة ومناما، قبل النبوة وبعدها\" (٤) .\n_________\n(١) انظر لسان العرب - ١٣/٢٢٦.\n(٢) أخرجه مسلم في العلم – ٤/٢٠٥٩/٢٠٦٠.\n(٣) المقاييس – ٣/٦٠.\n(٤) انظر توجيه النظر – ٢/٣/ وتوضيح الأفكار – ١/٣.","vol":"1","page":3},{"text":"ج - أقسام السنة: تنقسم السنة إلى الأقسام الثلاثة المذكورة في التعريف:\nأ – السنة القولية: وهي إخبار النبي ﷺ بأمر من الأمور في مختلف الأغراض الدينية والدنيوية.\nب - السنة الفعلية: وهي أن يفعل النبي ﷺ أمرا من الأمور، فينقل إلينا أصحابه كيفية ذلك الفعل، كوضوئه، وصلاته بهم، وحجه، وما إلى ذلك\nج - السنة التقريرية: وهي أن يقر النبي ﷺ قولا أوفعلا وقع أمامه، أو بلغه ولم ينكره، بل سكت عنه، أو أظهر استحسانه، فكل ذلك يدل على أن ذلك الفعل سنة، ممدوح فاعله، لأنه لو كان منكرا لأنكره، إذ لا يقر أحدا على باطل.\nوالسنة في هذه الأقسام، وحي من الله تعالى لنبيه بكيفية من كيفيات الوحي الآتية.\nب - تعريف الوحي:\nأ - الوحي لغة، مأخوذ من وحى وأوحى إليه، إذا كلمه بما يخفيه عن غيره، ويطلق على الإشارة السريعة، سواء كانت بإشارة، أو رمز، أو تعريض، ومدارُ هذه المادة على الخفاء والسرعة.\nواصطلاحا: \"هو الإخبار السريع الخفي الموجه لخاص من الناس \".\nب - أقسام الوحي: ينقسم الوحي إلى ستة أقسام:\nأولها وأعلاها، وحي الله ﷿ لمن اختاره من خلقه من أنبيائه مباشرة بلا واسطة كما كلم موسى وفرض عليه ما شاء، وكلم محمدا ﷺ ليلة الإسراء بما شاء من أحكام.","vol":"1","page":4},{"text":"وثانيها: الوحي بواسطة الملك، وهذا هو الغالب.\nوثالثها: الإلهام الفطري للإنسان، كإلهام الله أم موسى أن تلقيه في اليم إذا خافت عليه، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] .\nهذا على مذهب من جعله وحي إلهام، وأما من جعله وحيا حقيقيا -كابن حز م- فيرجع إلى القسم الثاني\nورابعها: الإلهام الغريزي للحيوان، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨] أي ألهمها ذلك، وجعله غريزة لها.\nوخامسها: الإشارة الرمزية المعبِّرة، كقوله تعالى في قصة زكرياء:\n﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّا﴾ [مريم: ١١] .\nوسادسها: تزيين الشيطان ووسوسته، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١]، أي: يوسوسون لهم بذلك، ويزينونه لهم.\nج – كيفيات الوحي للأنبياء والرسل ﵈.\nإيصال الوحي للموحى إليه، يدور على كيفيات خمس.\nإحداها: أن يأتي الملك النبي ﷺ في مثل صلصلة الجرس، وهو أشد حالات الوحي وأشقها.\nوثانيتها: أن يأتيه الملك في صورة رجل، فيكلمه بالوحي، فيعي عنه ما يقول وهاتان الكيفيتان مذكورتان في حديث عائشة في الصحيح.","vol":"1","page":5},{"text":"وثالثتها: أن يأتيه الملك في النوم، فيوحي إليه ما شاء الله، كما في قصة إبراهيم مع ابنه إسماعيل الذبيح، وكقوله ﷺ من حديث معاذ: \" أتاني ربي، فقال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى ... الحديث (١) .\nورابعتها: أن ينفث الملك في رُوعه ما يريد من الوحي، فيتيقنه، وهذا النوع قد ورد في حديث ابن مسعود:\" أن النبي ﷺ قال: \"إن روح القدس، قد نفث في رُوعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب \" (٢) والنفث، هو النفخ، وإلقاء الشيء فيستقر\nوخامستها: التكليم المباشر من الله تعالى لنبي من أنبيائه، وقد تقدم (٣) .\nوالسنة النبوية يقع إيحاؤها بهذه الكيفيات كلها، فتارة يوحى إليه بها مباشرة، وتارة بواسطة ملك، وتارة في النوم، وتارة بالنفث في الروع.\nهذا، وسأرتب هذا البحث بعد هذه المقدمة على تمهيد، وثلاثة مباحث وخاتمة:\nالمبحث الأول: عصمة الأنبياء ﵈.\nالمبحث الثاني: اجتهاد الأنبياء ﵈.\nالمبحث الثالث: بسط أدلة القول بأن السنة وحي كالقرآن.\nخاتمة في نتائج البحث المستخلصة منه.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ص ٥/٣٦٨/ وأحمد – ٥/ ٢٥٣ / من حديث معاذ، وقال الترمذي حسن صحيح، وسأل عنه البخاري، فصححه، وله شاهد من حديث ابن عباس عند الترمذي، وأحمد –١/٣٦٨/ وفي إسناده مقال، لكنه يقوى بهذا.\n(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك – ٢/ ٤/ وله شواهد عديدة يصح بها.\n(٣) انظر هذه الأقسام في الإتقان للسيوطي /١/٩٨/٩٩.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تمهيد:</span>\nإن البيان بلحنه وخطابه، وإشارته ودلالته، وحفزه - وبلاغته، وتأثيره في النفوس، وإذكاءِ روح اليقظة فيها وتحميسها على الإقدام أو الإحجام عن شيء مّا، دون أن يمارس عليها ذلك بقوة السلطان، ولا ببريق السيوف ولا يفتقر في وجوده إلى الاستدلال، لأنه أمر وجداني يحس به المرء من نفسه، ولا يطيق درأه، والوجدانياتُ اضطراريات، فمن يبحث عن دليل وجودها فهو معاكس للفطرة، منكر لأمر يجده من نفسه، ويشعر به من داخلته.\nوليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل\nوالبيانُ له صولة على النفوس، ويدخل إليها من منحنياتها العديدة بغير استئذان، ويفعل بها ما يفعله السحر بالمسحور، ولذا مدَحه النبي ﷺ وذمَّه، لاعتبارين مختلفين، وقصدين متغايرين: مدحه بقوله في حديث ابن عمر: \" إن من البيان لسحرا\" (١) وذمه بقوله من حديث أم سلمة: \" إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أبلغُ بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها\" (٢) .\nوعقل الفقهاء عن رسول الهدى أنه مدح البيان، إذا كان لقصد صحيح، وذمَّه إذا كان لغرض فاسد، وذاك يدل على أنه ليس بمذموم ولا ممدوح\n_________\n(١) أخرجه البخاري في النكاح - الفتح - ٩/١٠٩/ وفي الطب ١٠/ ٢٤٧ عن ابن عمر قال: قدم رجلان من المشرق فخطبا، فعجب الناس لبيانهما، فقال رسول الله ﷺ: \" إن من البيان لسحرا \".\nوفي لفظ في الموطأ - ٢/ ٩٨٦ / \" إن بعض البيان لسحر\".\n(٢) سيأتي تخريجه وتفصيله في ص – ٣٦.","vol":"1","page":7},{"text":"لذاته، وإنمَّا لمِاَ يلحقه من الأغراض، ونقل الحافظ في الفتح عن الخطابي أنه قال: \" البيان اثنان: أحدهما ما تقع به الإبانة عن المراد بأي وجه كان، والآخر ما دخلته الصنعة بحيث يروق للسامعين، ويستميل قلوبهم، وهو الذي يشبه بالسحر إذا خلَب القلب، وغلب على النفس، حتى يحوِّل الشيءَ عن حقيقته، ويصرفَه عن جهته، فيلوحَ للناظر في معرض غيره، وهذا إذا صَرف إلى الحق يمدح، وإذا صَرف إلى الباطل يذم، قال: فعلى هذا، فالذي يشبه بالسحر منه هو المذموم \" ا؟.\nقال الحافظ:\" وقد حمل بعضهم الحديث على المدح، والحث على تحسين الكلام، وتحبير الألفاظ ... وحمله بعضهم على الذم لمن تصنع في الكلام، وتكلفه لتحسينه، وصرَف الشيء عن ظاهره، فشُبِّه بالسحر الذي هو تخييل لغير حقيقة\" (١) . وقال صعصعة بن صوحان عن هذا الحديث:\" صدق رسول الله ﷺ الرجل يكون عليه الحق، وهو ألحنُ بالحجة من صاحب الحق، فيسحرُ الناس ببيانه، فيذهبُ بالحق \" (٢) .\nقال الحافظ: \"وحمل الحديث على هذا صحيح، لكن لا يمنع حملَه على المعنى الآخر إذا كان في تزيين الحق، وبهذا جزم ابن العربي وغيره من فضلاء المالكية، وقال ابن بطال: أحسن ما يقال في هذا، أن هذا الحديث ليس ذما للبيان كله ولا مدحا، لقوله: \" من البيان \" فأَتى بلفظة \" مِنْ \" التي للتبعيض،\n_________\n(١) الفتح ١٠/ ٢٤٨.\n(٢) الفتح ٩/١٠٩ – وانظر مقالة صعصعة بن صوحان في أبي داود – في الأدب – حديث – ٥٠١٢.","vol":"1","page":8},{"text":"وكيف يُذَم البيان وقد امتن الله به على عباده حيث قال: ﴿خَلَقَ الْأِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن٣-٤] (١) .\nقلت: وهو كلام صحيح، فالبيان فيه المذموم والممدوح كما تقدم، ولفظ الحديث في الموطأ دال على هذا التقسيم.\nوإذا كان البيان بهذه المنزلة، فلا ريب أنه بمنزلة عظيمة، فبه يبلَّغ الوحي الإلهي إلى الناس، وبطلاوته ينساب إلى أفئدتهم، وعلى قوة أثره يعوَّل في تفنيد الشبهات، وقمع الشهوات، وفَتِّ المأْفُوكات وإزاحةِ اللبس عن الآي البينات.\nومن الاهتبال بالبيان وإحلاله منزلة عالية، أسمى الله تعالى كتابه بيانا في قوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٨] وأسمى نبيه مبينا في قوله:\n﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] وقد أُوتي ﷺ من البيان والفصاحة ذروتهما، وله فيهما أفنانٌ ومذاهبُ، لا ترتقي مصاقِعُ البلغاء إلى عليائها، ولا تطمح أن تتبوأ أعاليها، وحسبها أن تُطرِق لبيانه، وأن تتسمع لبلاغته، وأن تتلمس توجيهها، وإثارةَ غرائبها، وإدراك معانيها.\nإنه في بيانه لَإمام ... حارَ في درْك غوره البلغاء\n_________\n(١) الفتح ١٠/٢٤٨.","vol":"1","page":9},{"text":"وهذا يستدعي حقيقة هامة، أغفلها كثير ممن يتعاملون مع الوحيَيْن قديما وحديثا، وهي أن من لم يتمكن من ناصية الأدب واللغة العربية، فلن يكون فهمه في عمومه سليما لهذين الوحيين، لأنهما في قمة سامقة من جوامع كلم البلاغة، فالتعامل معهما يستوجب استعدادا خاصا.\nوما وقع فيه جميعُ الفرق المنحرفة عن فهم السلف المتقدمين: من تأويلات فاسدة، وآراء عليلة، مرَدُّ أغلبها إلى عُجْمتهم، وعدم إدراكهم مراد المتكلم من كلامه، فحملوا كلام الله ورسوله على ما لا يرضاه أحدهم لنفسه في كلامه، فضلوا بذلك وأضلوا. ولو كانوا عربا أقحاحا، أو استمدوا العربية تعلما من معادنها، لما وقعوا فيما وقعوا فيه من غرائب المحامل.\nوكان العرب الخُلَّص من الأئمة أمثال مالك والشافعي، وأحمد، وأضرابهم، سلِيمِي الفهم، دقيقي التعليل، دراكين لمقاصد النصوص ومعانيها المرادة منها، فعلى أفهامهم يعوَّل وعلىما قعَّدوه يعتمَد في التفريع والتأصيل، وبه يستهدَى في التأويل والتنزيل.","vol":"1","page":10},{"text":"السنة النبوية وحي من الله، محفوظة كالقرآن\nالأستاذ الدكتور: الحسين آيت سعيد\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المبحث الأول: في عصمة الأنبياء</span>\nأ - إن عصمة الأنبياء، من القضايا الخطيرة في الدين، والمسائلِ الأساسية فيه، التي لا يصح شيء منه إلا بصحتها وإثباتها بآياتها وبراهينها، ذلك أن التصديق بالوحي كلِّه أنه من عند الله، وأن الآتي به أرسله الله، يتوقف على ثبوت عصمته في كل ما يقول ويفعل ويبلغ عن الله تعالى.\nوهذه القضية من قضايا العقيدة، فهي بذلك من أصول الدين لا من فروعه التي يجوز فيها الخلاف، ولذلك ينبغي أن تبحث في كتب العقائد. وقد أكثر من تشقيق الكلام عليها وتفصيله، المتكلمون المحكِّمون لعقولهم، حتى قالوا ما تقشعر منه الجلود، وتنفر منه الطباع السليمة، واستفاضوا في تفاصيل لا يترتب عليها أي عمل، ولا يتعلق بها أي مقصود، وأكثروا من تجويزات عقلية -لا وجود لها إلا في أذهانهم- في هذا الموضوع الواقعي، فجرَّهم ذلك الترفُ الفكري إلى أن جوزوا على الأنبياء ما لا يجوز، وصرحوا بما يتحاشى كل مسلم أن يصرح به، وجرَّؤُوا السفهاء ممن لا عقل لهم، أو لادين لهم -من العلمانيين والمستشرقين والمستعربين- على منصب النبوة بهذه الأقوال السمجة، كما فعل ابن الراوندي الملحد في كتاب الزمرد (١) .\nومن هذه الافتراضات، ما ذهب إليه الباقلاني وارتضاه الآمدي أن النبي ﷺ لا تجب عصمته من الكذب غلطا ونسيانا (٢) .\nومنها أنه ذهب بعض الكرامية إلى تجويز الكذب عليهم في التبليغ (٣) .\n_________\n(١) انظر الانتصار، والرد على ابن الراوندي الملحد للخياط - ٣٢\n(٢) حجية السنة ١٠٠.\n(٣) الفصل في الأهواء والملل والنحل–٤/٢.","vol":"1","page":11},{"text":"ومنها أن بعض الخوارج، جوزت الكفر على الأنبياء قبل البعثة، حكاه صاحب \"المواقف\" وزعم هو أنه لم يقم دليل سمعي على امتناع صدور الكبائر منهم قبل النبوة (١) .\nب - ما العصمة؟\nالعصمة لغة المنع والحفظ والوقاية، قال ابن فارس:\" العين والصاد والميم، أصل واحد صحيح، يدل على إمساك ومنع وملازمة، والمعنى في ذلك كله معنى واحد، من ذلك العصمة، أن يعصم الله تعالى عبده من سوء يقع به، واعتصم العبد بالله إذا امتنع، واستعصم: التجأ\" (٢) . وفي اللسان:\" عصمه يعصمه عصما منعه، يقال: عصمته فانعصم، واعتصمت بالله، إذا امتنعت بلطفه من المعصية، وعصمه الطعامُ منعه من الجوع، واعتصم به واستعصم، امتنع وأَبىَ ...\" (٣) .\nوهذه المادة تكررت في القرآن الكريم مرارا بصيغ مختلفة، تؤول لمعنى الحفظ والمنع.\nقال تعالى حاكيا عن ابن نوح: ﴿قَالَ سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣] . وقال: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب:١٧] وقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] .\n_________\n(١) المواقف في علم الكلام ٣/٢٠٤.\n(٢) المقاييس – ٤/٣٣١.\n(٣) لسان العرب - ٢١/٤٠٣/٤٠٤.","vol":"1","page":12},{"text":"والعصمة شرعا: قد اختلف المتكلمون في تعريفها اختلافا كثيرا أدى إلى تناقضهم وافتراضهم أمورًا لا وجود لها إلا في أذهانهم، وكل منهم ينطلق في النظر للعصمة من منحاه العقدي (١) . وأقربُ التعاريف للصواب، هو قول ابن النجار \" إن العصمة صرف دواعي المعصية عن المعصية، بما يلهم الله المعصوم من ترغيب وترهيب\" (٢) .\nج - من أي شيء عُصِمَ الأنبياء ﵈؟\nاتفق أهل الإسلام على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قد عُصِموا من كل ما يخل بالتبليغ، كالشك، والجهل بالأحكام المنزلة عليهم، وكتمان الوحي، والكذب، والوسواس، وأن يقولوا ما ليس بحق، والتقصير في البلاغ، وتسليط الشيطان وتلبيسه عليهم، وتسليط الإنس أيضا عليهم بالإيذاء المُخِل بالرسالة. وبالجملة فهم معصومون من جميع الكبائر، والإجماعُ على هذا حكاه غير واحد.\nقال ابن النجار: \" فالإجماع منعقد على عصمتهم من تعمد الكذب في الأحكام وغيرها، لأن المعجزة قد دلت على صدقهم فيها، فلو جاز كذبهم فيها، لبطلت دلالة المعجزة، ولا يقع ما يخل بصدقهم لا غلطا ولا سهوا عند الأكثر \" (٣) . وقال ابن بَرْهان:\" فإن الأمة أجمعت على أن الأنبياء معصومون عن الكبائر \" (٤) .\n_________\n(١) انظر محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين للرازي ص ٣١٧والشفا لعياض ص٦٠٦ والإرشاد للجويني ٢٩٨.\n(٢) شرح الكوكب المنير – ٢/١٦٧.\n(٣) شرح الكوكب المنير – / ٢ /١٦٩.\n(٤) الوصول إلى الأصول – ٣٥٨.","vol":"1","page":13},{"text":"وقال الزركشي:\" والكلام في العصمة يرجع إلى أمور: أحدها في الاعتقاد، ولاخلاف بين الأمة في وجوب عصمتهم عما يناقض مدلول المعجزة، وهو الجهل بالله تعالى، والكفر به. وثانيها: أمر التبليغ، وقد اتفقوا على استحالة الكذب والخطأ فيه. وثالثها في الأحكام والفتوى، والإجماعُ على عصمتهم فيها، ولو في حال الغضب، بل يُستَدل بشدة غضبه ﷺ على تحريم ذلك الشيء. ورابعها في أفعالهم وسيرهم، فأما الكبائر فحكَى القاضي إجماع المسلمين أيضا على عصمتهم فيها، ويلحق بها ما يُزْرِي بمناصبهم، كرذائل الأخلاق والدناءات، وإنما اختلفوا في الطريق، هل هو الشرع أو العقل \" ... (١) .\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\" فإن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر، هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر الآمدي أن هذا قولُ أكثر الأشعرية، وهو قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل هو لم يُنقَل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم، إلا ما يوافق هذا القول... \" (٢) .\nد -هل هم معصومون من الصغائر؟\nهذه المسألة فيها خلاف بين النظار في موضعين: أحدهما هل تتصور منهم الصغائر، والثاني هل وقعت منهم؟. فأما تصورها منهم، فقد منعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني، وإمام الحرمين (٣) .\n_________\n(١) البحر المحيط ٤/١٧٠.\n(٢) الفتاوى - ٤/ ٣١٩\n(٣) البحر المحيط - ٤/ ١٤٠ / والإرشاد ـ٢٩٨.","vol":"1","page":14},{"text":"وأما وقوعها منهم، فقد قال به ابن السمعاني، ونقل ابن القشيري وإمام الحرمين عن الأكثرين عدم الوقوع، ورجحه الزركشي في البحر المحيط، وهو مذهب أبي بكر بن مجاهد، وابن فورك، ونقل عياض وقوعها منهم عن أبي جعفر الطبري وغيره من الفقهاء (١) . هكذا نقل الزركشي وعياض عن هؤلاء، ونقل عنهم ابن حزم خلاف هذا الإطلاق بقوله:\"وذهبت طائفة إلى أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يجوز عليهم كبيرة من الكبائر أصلا، ويجوز عليهم الصغائر بالعمد، وهو قول ابن فورك الأشعري، وذهب جميع أهل الإسلام من أهل السنة، والمعتزلة، والنجارية، والخوارج، والشيعة، إلى أنه لا يجوز البتة أن يقع من نبي أصلا معصية بعمد، لا صغيرة ولا كبيرة، وهو قول ابن مجاهد الأشعري شيخ ابن فورك، والباقلاني المذكورين، وهذا القول الذي ندين الله تعالى به، ولا يحل لأحد أن يدين بسواه \" (٢) .\nفهذا النص يفيد أنهم قيدوا عدم الوقوع بالعمد، وما نقله الزركشي عنهم مطلق، يحتمل التقييد وعدمه، وأقوالُ أصحاب المقالات، يقع فيها مثل هذا الاضطراب، فقد يُنقَل عن شخص واحد كالأشعري مثلا شيءٌ وضده، وذلك راجع إما لأقوال له في المسألة، أو خطأ في النقل، ولاسيما أن هذه المقالات، تنقل بلا أَزمَّة الأسانيد، التي يمكن تقويمها من خلالها.\nوكيفما كان، فما قاله ابن حزم ومن معه، فهو الصواب الذي يجب اعتقاده من أن الصغائر لا تصدر منهم عمدا، فإذا وقعت منهم، فتكون سهوا، أو خطأ.\n_________\n(١) المصدر نفسه ٤ / ١٤٠/ والشفا للقاضي عياض ص ٦٢٨.\n(٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل /٤ / ٢ /.","vol":"1","page":15},{"text":"وسبب الخلاف في وقوعها منهم أو عدم وقوعها، اختلافهم في تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر، فذهب أبو إسحاق الاسفراييني إلى أن الذنوب كلها شيء واحد، لأنها مخالفة أمرالآمر، وتبعه الجويني بقوله:\" المرضي عندنا أن كل ذنب كبيرة، إذ لاتراعى أقدار الذنوب حتى تضاف إلى المعصي بها\" (١) ثم في فصلِ عصمة الأنبياء، ذكَر ما يدل على أنه يقر بالتقسيم (٢) .\nوالجويني كثير الاضطراب في تقرير أصول المعتقد، فهو أحيانا يجمع بين الشيء ونقيضه. وقال ابن تيمية: \" لم يذكر الله عن نبي من الأنبياء ذنبًا إلا ذكر توبته منه، ولهذا كان الناس في عصمة الأنبياء على قولين: إما أن يقولوا بالعصمة من فعلها، وإما أن يقولوا بالعصمة من الإقرار عليها، لا سيما فيما يتعلق بتبليغ الرسالة، فإن الأمة متفقة على أن ذلك معصوم أن يقر فيه على خطأ، لأن ذلك يناقض مقصود الرسالة، ومدلول المعجزة. ...والمقصود هنا أن الله لم يذكر في كتابه عن نبي من الأنبياء ذنبا إلا ذكر توبته منه ... واعلم أن المنحرفين في مسألة العصمة، على طرفي نقيض، كلاهما مخالف لكتاب الله من بعض الوجوه، قومٌ أفرطوا في دعوى امتناع الذنوب، حتى صرفوا نصوص القرآن المخبرة بما وقع منهم من التوبة من الذنوب، ومغفرةِ الله لهم، ورفْعِ درجاتهم بذلك، وقوم أفرطوا في أن ذكروا عنهم ما دل القرآن على براءتهم منه، وأضافوا إليهم ذنوبًا وعيوبا نزههم الله عنها، وهؤلاء مخالفون للقرآن،\n_________\n(١) الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد -٣٢٨.\n(٢) انظر ص ٢٢٨.","vol":"1","page":16},{"text":"وهؤلاء مخالفون للقرآن، ومن اتبع القرآن على ما هو عليه من غير تحريف، كان من الأمة الوسَط، مهتديا إلى الصراط المستقيم (١) .\nوقال:\" والكلام في هذا المقام مبني على أصل، وهو أن الأنبياء - صلوات الله عليهم - معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه وفي تبليغ رسالته باتفاق الأمة، ولهذا وجب الإيمان بكل ماأُوتُوه ... وهذه العصمةُ الثابتة للأنبياء، هي التي يحصل بها مقصود النبوة والرسالة ... والعصمةُ فيما يبلغون عن الله ثابتة، فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين، ولكن هل يَصْدر ما يستدركه الله، فيَنسخ ما يُلقِي الشيطانُ، ويُحكِم الله آياته، فهذا فيه قولان، والمأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك .... وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة، فللناس فيه نزاع، هل هو ثابت بالعقل أو بالسمع، ومتنازعون في العصمة من الكبائر والصغائر أو من بعضها، أم هل العصمة إنما هي في الإقرار عليها لا في فعلها؟ أم لا يجب القول إلا في التبليغ فقط ... والقولُ الذي عليه جماهير الناس - وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف - إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقا ... وحججُ القائلين بالعصمة إذا حُرِّرت إنما تدل على هذا القول، وحجج النفاة لا تدل على وقوع ذنب أُقر عليه الأنبياء، فإن القائلين بالعصمة، احتجوا بأن التأسي بهم مشروع فيما أُقروا عليه دون مانهوا عنه، ورجعوا عنه ... وكذلك ما احتجوا به من أن الذنوب تنافي الكمال، أو أنها ممن عظُمت عليه النعمة أقبح، أو أنها توجب التنفير... فهذا إنما يكون مع البقاء على ذلك وعدم الرجوع، وإلا فالتوبة\n_________\n(١) الفتاوى -١٥/١٤٧/١٤٨/١٥٠/ وانظر أيضا -٥١/٥٢/ ٥٣.","vol":"1","page":17},{"text":"النصوح التي يقبلها الله، يرفع بها صاحبها إلى أعظمَ مما كان عليه، كما قال بعض السلف: كان داودُ ﵇ بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة.\nوقال آخر: لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إلى الله، لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه ... وفي الكتاب والسنة الصحيحة، والكتب التي قبل القرآن مما يوافق هذا القول، ما يتعذر إحصاؤه.\nوالرادّون لذلك، تأولوا ذلك بمثل تأويلات الجهمية، والقدرية، والدهرية، لنصوص الأسماء والصفات ونصوص القدر ونصوص المعاد، وهي من جنس تأويلات القرامطة الباطنية التي يُعلَم بالاضطرار أنها باطلة، وأنها من باب تحريف الكلم عن مواضعه، وهؤلاء يقصد أحدهم تعظيمَ الأنبياء فيقع في تكذيبهم، ويريد الإيمان بهم، فيقع في الكفر بهم\" (١) .\nوهذا المذهب الذي يرى الذنوب كلها في مرتبة واحدة باطل، لأن النصوص متواترة عن النبي ﷺ في تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر، والقرآن الكريم قد صرح بذلك بلا لبس، قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] ومعنى الآية أن اجتناب الكبائر والبعدَ عنها، يكون سببا في تكفير ما اقترف من السيئات، وهي الصغائر، فلو كانت الكبائر هي السيئات، لكان معنى الآية: إن تجتنبوا الكبائر نكفر عنكم الكبائر، وهذا معنى باطل، لأن مالم يفعل لا يتصور فيه التكفير، وإنما التكفير ينصب على ما فعل من الصغائر التي لا يخلو منها بشر.\n_________\n(١) الفتاوى - ١٠/٢٨٩ -٢٩٠/ إلى - ٢٩٥.","vol":"1","page":18},{"text":"وأحاديثُ النبي ﷺ في انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر، أكثر من أن تحصى، منهاقوله من حديث أبي بكرة: \" ألا أنبئكم بأكبر الكبائر\" فكررها ثلاثا (١) ويقابل هذا الغلو في نفي التقسيم غلو آخر، يرى أصحابه أنه ﷺ لاتقع منه صغائر لا عمدا ولاسهوا، وقد نقل هذا المذهبَ إمامُ الحرمين وابن القشيري عن الأكثرين (٢) وردوا عشرات النصوص المتواترة الدالة على ذلك في الكتاب والسنة، من مثل قوله تعالى:\n﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ [الفتح:٢] وقوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر:٥٥] .\nوقوله ﷺ من حديث \" إنه ليغان على قلبي، وإني أستغفر الله سبعين مرة \" (٣) وحملوا ذلك كله على ما قبل النبوة، أو ترك الأَوْلى، أو فعلوا ذلك بتأويل. وهذا التمحل يؤدي إليه اعتقاد هؤلاء أن القول بأنه ﷺ تصدر عنه بعض الصغائر سهوا، يَغُضُّ من مقامه، وليس الأمر كذلك، بل الصواب أنها قد تصدر عنه صغائر سهوا أو خطأ، فينبَّه عليها ويتوب منها، فتكون منزلته عند الله ﷿ بعد التوبة أرقى منها قبل التوبة، وهو بذلك ينزقى من كمال إلى أكمل.\nهـ - هل السهو يجوز عليهم؟\nقال ابن حزم: \" إنه يقع من الأنبياء السهو من غير قصد، ويقع منهم أيضا قصد الشيء يريدون به وجه الله تعالى والتقرب به منه، فيوافق خلاف\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الأدب - ١٠ /٤١٩ ومسلم في الإيمان / ١ / ٩١.\n(٢) البرهان - ٤ / ١٧٠.\n(٣) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء - ٤ /٢٠٧٥ - من حديث الأغر المزني.","vol":"1","page":19},{"text":"مراد الله تعالى، إلا أنه تعالى لا يقرهم على شيء من هذين الوجهين أصلا، بل ينبههم على ذلك ولا يداثر (١) وقوعه منهم، ويظهر عزوجل ذلك لعباده ويبين لهم، كمافعل نبيُّه في سلامه من اثنتين، وقيامه من اثنتين، وربما عاتبهم على ذلك بالكلام كما فعل مع نبيه ﵇ في أمر زينب أم المؤمنين، وطلاق زيد لها - ﵄ - وفي قصة ابن أم مكتوم ﵁ \" (٢) .\nوينبغي تقييد السهو منهم - كما ذهب إليه أكثر الفقهاء والمتكلمين - بالأفعال دون الأقوال، لأن الأدلة إنما جاءت في سهوهم في الأفعال، دون الأقوال، وقد حكى العلامة القاضي عياض الإجماع على امتناع السهو فيها (٣) . وهذا هو الصواب الذي لا محيد عنه.\n_________\n(١) أي: لا يغفل.\n(٢) الفصل ٤/٢.\n(٣) الشفا ص ٦٧٥.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>المبحث الثاني: في اجتهاد الأنبياء ﵈</span>\nهذه المسألة هي التي سيبنى عليها جواب عنوان هذا الموضوع، وهو: هل السنة كلها وحي، أو فيها اجتهاد؟\nوفي الموضوع قضايا متفق عليها، وقضايا مختلف فيها.\nفأما المتفق عليه، فقد أجمعوا على جواز التعبد بالاجتهاد عقلا للأنبياء ﵈ كغيرهم من المجتهدين، وهذا الإجماع حكاه ابن فورك، والأستاذ أبو منصور (١) . وأجمعوا أيضا على جواز التعبد بالاجتهاد للأنبياء فيما يؤول إلى الأمور الدنيوية ومصالحها، وتدبير أمور الحروب، وما يحفظ بيضة الأمة وكيانها، وهذا الإجماعُ حكاه الزركشي (٢) ونقله ابن النجار عن ابن مفلح (٣) .\nوأما المختلف فيه، فقد اختلفوا في اجتهاد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الأمور الشرعية على أربعة مذاهب:\nالأول: ذهبت الظاهرية وأكثر الأشاعرة والمعتزلة، إلى أنه لا يجوز لنبينا ولا لغيره من الأنبياء الاجتهاد في الشرعيات مطلقا، وقال القاضي أبو يعلى: إنه ظاهر كلام أحمد في رواية ابنه عبد الله (٤) .\n_________\n(١) انظر إرشاد الفحول – ٢٥٥.\n(٢) البحر المحيط – ٦/٢١٤.\n(٣) شرح الكوكب المنير – ٤/٤٧٤.\n(٤) المصدر نفسه.","vol":"1","page":21},{"text":"الثاني: ذهب الجمهور - من الشافعية والمالكية والحنابلة، والحنفية - بشرط انتظار الوحي واليأسِ من نزوله عندهم – وبعضِ الأشاعرة، والقاضي عبد الجبار، وأبي الحسين البصري من المعتزلة، واختاره ابن الحاجب، والغزالي، والبيضاوي، وابن السبكي - إلى جواز ذلك لنبينا ﷺ وغيره من الأنبياء، ووقع منه ﷺ، وإذا اجتهد فهل يصيب دائما ولا يخطئ، أو يصيب ويخطئ كغيره من المجتهدين؟ فكل من قال بعصمته مطلقًا فإنه يصيب عنده دائما، وهو مذهب أبي جعفر السجستاني أيضا حكاه بقوله:\" الله تعالى يصرفه عن الخطأ، ويهديه إلى الصواب \" (١) .\nالثالث: المنع مطلقا، وحُكي هذا المذهب عن أبي علي الجبائي، وابنه أبي هاشم (٢) . وإذا جاز للنبي ﷺ وغيره من الأنبياء الاجتهاد في الأحكام الشرعية، فهل وقع ذلك منهم؟ لأنه ليس كل ما جاز يقع، هذه المسألة قد ذهب أكثر المتكلمين، وبعض الشافعية إلى عدم الوقوع، وهو مذهب باطل بالأدلة الدامغة التي ستأتي.\nالرابع: التوقف، وقد ذهب إليه قوم، واختاره الباقلاني، وزعم الصيرفي أنه مذهب الشافعي، لأنه حكى الأقوال، ولم يختر شيئا منها (٣) .\nقلت: قد نقل الرازي عن الشافعي قوله: \"لا يجوز أن يكون في أحكام الرسول ﷺ ما صدر عن الاجتهاد، وهو قول أبي يوسف (٤) .\n_________\n(١) الغنية في الأصول - ١٤٥.\n(٢) شرح الكوكب المنير -٤/٤٧٦.\n(٣) إرشاد الفحول - ٢٥٦.\n(٤) المحصول- ٦ /٧.","vol":"1","page":22},{"text":"وهذا فيه تصريح الشافعي بالمطلوب. ويعارضه ما نقله الواحدي في الوسيط من أَن مذهب الشافعي الجواز وهو الصواب (١) .\nأدلة هذه المذاهب\nأـ أدلة المذهب الأول\nاستدل المذهب الأول المخصص للاجتهاد بالأمور الدنيوية بالكتاب والسنة والمعقول:\nأ - فأما الكتاب فقد استدل بمايلي:\n(١) قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] . ووجه الدلالة من الآية أن الله تعالى حصر ما ينطق به النبي ﷺ في أنه وحْيٌ يوحى إليه، فلو كان يجتهد في الأحكام، لما صح هذا الحصر، ولكان بعض ما ينطق به، وحيا وبعضه اجتهادا، فلما حصر نطقَه في أحد القسمين، دل ذلك على نفي الثاني عنه، وهذا الحصر وقع، بـ\"إِنْ\" و\"إِلاَّ\" الدالتين على قصر الموصوف على الصفة.\nقال ابن حزم: \"لما بينا أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع، نظرنا فيه، فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسول الله ﷺ ووجدناه ﷿ يقول فيه -واصفا لرسوله ﷺ-:\" وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى\" فصح لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله ﷿ إلى رسوله ﷺ على قسمين: أحدهما وحي متلوٌّ مؤلف تأليفا معجز النظام وهو القرآن.\n_________\n(١) انظر حاشية البناني على جمع الجوامع /٢ / ٣٨٦.","vol":"1","page":23},{"text":"والثاني وحي مروي منقول غير مؤلف ولا معجز ولا متلو، لكنه، مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله ﷺ، وهو المبين عن الله عزوجل مراده منا، قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا القسم الثاني كما أوجب طاعة القسم الأول الذي هو القرآن ولا فرق .... والقرآن والخبر الصحيح، بعضُها مضاف إلى بعض، وهما شيء واحد في أنهما من عند الله تعالى، وحكمهُما حكم واحد في وجوب الطاعة لهما .... ونحن إذ أطعنا أمر نبينا ﷺ، لِعِلْمنا أنه كله من عند الله ﷿، وأنه لا يقول من تلقاء نفسه شيئا \" (١) .\nوبهذا قال بعض المفسرين، قال القرطبي:\" وفيها أيضا دلالة على أن السنة، كالوحي المنزل في العمل.. (٢) وقال الرازي\" هو\" ضميرُ معلومٍ أو ضميرُ مذكورٍ، نقول: فيه وجهان: أشهرهما أنه ضمير معلوم، وهو القرآن، كأنه يقول: ما القرآن إلا وحي ...والوجه الثاني أنه عائد إلى مذكور ضمنًا وهو قول النبي ﷺ وكلامُه، وذلك لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ في ضمنه النطق وهو كلام وقول، فكأنه تعالى يقول: وما كلامه – وهو نطْقُه – إلا وحي (٣) .\nوقال الشنقيطي:\" هذه الآية تدل بظاهرها على أن النبي ﷺ لا يجتهد في شيء، وقد جاءت آيات أخر تدل على أنه ربما اجتهد في\n_________\n(١) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم - ١/٩٦/٩٧/٩٨/٩٤.\n(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - ١٧/٨٥.\n(٣) مفاتيح الغيب - ٢٨/٢٨٢.","vol":"1","page":24},{"text":"بعض الأمور .... والجواب عن هذا من وجهين: الأول هو الذي اقتصر عليه ابن جرير، وصدر به ابن الحاجب في مختصره الأصولي، أن معنى قوله تعالى:\" وما ينطق عن الهوى \" أي في كل ما يبلغه عن الله \" إن هو \" أي كلُّ ما يبلغه عن الله \"إلا وحي\" من الله، لأنه لا يقول على الله شيئا إلا بوحي منه، فالآية رد على الكفار حيث قالوا: إن النبي ﷺ افترى هذا القرآن كما قال ابن الحاجب. والوجه الثاني أنه إن اجتهد، فإنه إنما يجتهد بوحي من الله، يأذن له به في ذلك الاجتهاد، وعليه فاجتهاده بوحي فلا منافاة\" (١) .\nوقال ابن كثير:\" وما ينطق عن الهوى \" أي ما يقول قولا عن هوى وغرض \" إن هو إلا وحي يوحى \" أي إنما يقول ما أُمر به، يبلغه إلى الناس كاملا موفرا، من غير زيادة ولا نقصان \" (٢) .\n(٢) قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] . ووجه الدلالة من الآية أن الله تعالى تكفل بحفظ الذكر الذي أنزله، والذكْرُ يشمل الكتاب والسنة، فكلاهما منزل من عند الله بنص الآية، وكلاهما محفوظ، كما هو مدرك بالمشاهدة والعيان. قال ابن حزم:\" وضمان الله تعالى، قد صح في حفظ كل ما قاله رسول الله ﷺ \" (٣) .\n(٣) قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء:٤٥] ووجه الدلالة من الآية أن الله تعالى حصر نِذاَرة النبي ﷺ لقومه\n_________\n(١) دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، –١٨٦.\n(٢) تفسير القرآن العظيم – ٧/٤١٨.\n(٣) النبذ في أصول الفقه –٨٦-٨٧.","vol":"1","page":25},{"text":"فيما أوحى إليه، ونذارتُه لهم كانت بالقرآن والسنة يقينا، فدل ذلك على أن السنة وحي كالقرآن.\nقال ابن حزم -معلقا على هاتين الآيتين-:\" فأخبر تعالى كما قدمنا، أن كلام نبيه ﷺ كله وحي، والوحي كله محفوظ بحفظ الله عزّوجل، مضمون لنا أنه لا يضيع منه شيء؛ إذ ما حفظ الله تعالى بلا خلاف ذكْر، والذكر محفوظ بنص القرآن، فصح بذلك أن كلامه ﷺ كله محفوظ بحفظ الله عزّوجل، مضمون لنا أنه لا يضيع منه شيء؛ إذ ما حفظ الله تعالى فهو باليقين لا سبيل إلى أن يضيع منه شيء، فهو منقول إلينا كله، فلله الحجة علينا أبدا \" ... (١) .\n(٤) قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٨-١٩] . ووجه الدلالة من الآيتين، أن الله تعالى أمر نبيه باتباع قراءة جبريل، والإنصاتِ لها، ثم بعدها تكفل الله له أن يبين له معاني ما قرأ وسمع. والبيانُ إنما وقع بالسنة، فدل ذلك على أن السنة من عند الله، كالقرآن سواء، لأن الله تعالى أضاف البيان لنفسه، فأفاد ذلك أن الرسول ﷺ إنما يتلقاه منه.\nقال ابن حزم:\" فأخبر تعالى أن بيان القرآن عليه ﷿، وإذا كان عليه، فبيانه من عنده تعالى، والوحي كله - متلوُّه وغير متلوه - فهو من عند الله ﷿ \" (٢) .\n(٥) قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] . قال ابن حزم:\" فصح بهذه الآية صحة ضرورية، أن\n_________\n(١) الإحكام في أصول الأحكام - ١/٩٨.\n(٢) المصدر نفسه - ١/٨٢.","vol":"1","page":26},{"text":"القرآن والحديث الصحيح متفقان، هما شيء واحد، لا تعارض بينهما ولا اختلاف، يوفق الله تعالى لفهم ذلك من شاء من عباده، ويحرمه من شاء، لا إله إلا هو ... وصح بما ذكرنا بطلانُ قول من ضرب القرآن بعضه ببعض، أو ضرب الحديث الصحيح بعضه ببعض، كضرب القرآن والحديث بعضهما ببعض ...ونحن إنما أطعنا أمر نبينا ﵇، لعلمنا أنه كله من عند الله، وأنه لا يقول من تلقاء نفسه شيئا ...\" (١) .\n(٦) قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤] ووجه الدلالة من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه ﷺ أنه أنزل إليه الذكر ليبينه للناس، والذكْرُ هو الكتاب والسنة، فكل منهما ذكر، ووظيفته ﷺ بيان الذكر النازل من عند الله، فصح بهذا التعميم، أن السنة من عند الله كالقرآن، وأنه يوحى إليه ﷺ بها كما يوحى إليه بالقرآن، ومن خص الآية بالقرآن وحده، فليس عنده دليل يجب التسليم له، وتقوم الحجة به على التخصيص، والأصل هو العموم، والتخصيص استثناء، ومدَّعِي الاستثناء، عليه الدليل.\nقال ابن حزم:\" بل فيها بيان جلي، ونص ظاهر أنه أنزل تعالى عليه الذكر ليبينه للناس، والبيان هو بالكلام، فإذا تلاه النبي ﷺ فقد بينه، ثم إن كان مجملا لا يفهم معناه من لفظه، بيَّنَه حينئذ بوحي يوحى إليه، إما متلو أو غير متلو ...\" (٢) .\n_________\n(١) الإحكام -١-٩٤/١٠٠.\n(٢) المصدر نفسه - ١/٨٢.","vol":"1","page":27},{"text":"(٧) قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥] . قال ابن حزم: \" فلو أنه ﷺ شرَّع شيئا لم يوح إليه به، لكان مبدلا للدين من تلقاء نفسه، وكل من أجاز هذا، فقد كفر وخرج عن الإسلام، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان \" (١) .\n(٨) قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة:٤٤-٤٥] . ووجه الدلالة أن الله تعالى نفى عن نبيه ﷺ أن يتقول عليه شيئا لم يُوحَ به إليه، ولا أن ينسب إليه شيئا لم يأذن له فيه، والاجتهاد في الأحكام الشرعية مظنة الزلل، لأن الخطأ فيها وارد، فإذا نُفِي الزلل، نفي سببه الذي هو الاجتهاد، ونفْيُ الملزوم يستدعي نفي اللازم بالضرورة، لأن اللازم لا يوجد بدون ملزومه، والزللُ لازم الاجتهاد، فنفيه نفي لاجتهاده ﵇.\nقال ابن حزم:\" إن من ظن أن الاجتهاد يجوز لهم في شرع شريعة لم يوح إليهم فيها، فهو كفر عظيم، ويكفي من إبطال ذلك أمره تعالى نبيه ﵇ أن يقول:\" إن أتبع إلا ما يوحى إلي \" ... (٢) .\nب - وأما السنة النبوية، فقد استدلوا منها بمايلي:\n(١) حديث أبي هريرة – ﵁ – قال: سئل النبي ﷺ عن الحمر فقال: \" ما أُنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الفاذة\n_________\n(١) المصدر نفسه - ٥/١٣٧.\n(٢) الإحكام - ٥/١٣٢.","vol":"1","page":28},{"text":"الجامعة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧-٨] (١) .\nووجه الدلالة من الحديث أنه ﷺ سئل عن حكم الحمر، فأجاب بأنه لم ينزل عليه فيها شيء، فلو كان يجوز له الاجتهاد لاجتهد في حكمها، وأجاب السائل بما أداه إليه اجتهاده، فلما لم يجتهد في النازلة مع وجود الداعي، وأحال السائلَ على عموم الآية، دل ذلك على أن كل ما يقوله، إنما يقوله بوحي.\n(٢) حديث جابر قال:\" جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدَعْ لهما مالا، ولا تنكحان إلا ولهما مال، فقال النبي ﷺ: \" يقضي الله في ذلك \" فنزلت آية الميراث فبعث رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: \" أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك \" (٢) .\nج - وأما الأدلة العقلية، فقد استدلوا بمايلي:\n_________\n(١) لا يجوز الاجتهاد للنبي ﷺ لعدم حاجته إليه، لأن الوحي ينزل عليه، فيستطيع في كل نازلة أن يعلم حكم الله فيها بالنص،\n(١) أخرجه البخاري في الجهاد - الفتح - ٦/٧٥ والمساقاة - ٥/٥٦ والمناقب - ٦/٧٣٢ والتفسير -٨/٥٩٨، ومسلم في الزكاة - ٢/٦٨١/٦٨٢.\n(٢) أخرجه الترمذي في الفرائض -٤ /٤١٤ وأبو داود - ٢٨٩١ - وابن ماجه - ٢٧٢٠ / كلهم من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر، وصححه الترمذي، وإسناده حسن.","vol":"1","page":29},{"text":"والاجتهادُ إنما يكون لضرورة، كفقدان النص أو إشكاله، والنبي ﷺ لا تتصور فيه هذه الضرورة، وإذا انتفى السبب انتفى المسبب.\n(٢) لو كان في الأحكام المتلقاة عنه ﷺ ما يجوز أن يكون ناشئا عن الاجتهاد، لجاز أن لا يجعل أصلا لغيره، ولجاز لغيره من المجتهدين أن يخالفه فيه، وأن لا يكفَّر بذلك، لأن ذلك كله من لوازم الاجتهاد، وإذا بطل اللازم بطل الملزوم بالضرورة. والمراد باللازم، أن لا يجعل ما اجتهد فيه النبي ﷺ أصلا، وأن يخالف فيه، وأن لا يكفر من خالفه في اجتهاده، وهذه كلها لوازم باطلة، فمخالفته ﷺ محرمة، ويكفر متعمدها، وما تُلقُي عنه من الأحكام هو أصل، فإذا كانت كذلك، بطل أن تكون ناشئة عن اجتهاد، وصح أنه لا يفعل ولا يقول شيئا إلا بوحي، وهو المطلوب.\n(٣) الاجتهاد لا يدل على الحكم إلا بالظن الغالب عند المجتهد، والنبي ﷺ قادر على أن يعلم الحكم بالوحي القاطع، والقادر على تحصيل اليقين لا يجوز له المصير إلى الظن.\n(٤) لو كان ﷺ متعبَّدا بالاجتهاد لأظهر ذلك، ولما توقف في مسائل عديدة سئل عنها فانتظر الوحي، لمِاَ في توقفه من ترك ما وجب عليه من الاجتهاد، واللازم باطل، فكذلك الملزوم.\n(٥) الأمور الشرعية، مبنية على المصالح التي لا علم للخلق بها، فلو حكم فيها النبي ﷺ بالاجتهاد، لكان غير عالم بالأصلح فيها، ولأدى ذلك إلى الاختلاف فيها، وهذا باطل، وما بني عليه أيضا باطل.","vol":"1","page":30},{"text":"(٦) النبي ﷺ ليس له أن يخبر بما لا يعلم صدقه، فكذلك ليس له أن يحكم بما لا يعلم صوابه (١) .\nب - أدلة المذهب الثاني\nواستدل الفريق الثاني بالكتاب والسنة والاعتبار.\nأ - فأما الكتاب فقد استدلوا منه بمايلي:\n(١) قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] ووجه الدلالة من الآية، أن الاعتبار هو العبور من أمر واقع إلى أمر يشبهه في ملامحه وصفاته، وهذا معنى القياس، والنبي ﷺ داخل في عموم الأمر به كسائر أمته، ولا دليل على تخصيصه من هذا العموم، وهو ﷺ من أجَلِّ المعتبِرين، وأعظم المتفكرين في آيات الله، فكان أولى بتعبده بالاجتهاد والقياس. حُكي عن ثعلب قال: \"الاعتبار في اللغة هو رد حكم الشيء إلى نظيره، ومنه يسمى الأصل الذي يرد إليه النظائر عبرة..\" (٢) .\n(٢) وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] ووجه الدلالة من الآية أن النبي ﷺ من جملة المأمورين بتعقل الأمثال المضروبة، والأمثالُ عبارة عن أقيسة، يشبه فيها ما سيقع للمكذبين للنبي ﷺ، بما وقع للمكذبين للأنبياء قبله، لأن العلة واحدة، وهي التكذيب. وتعقُّلُ ذلك،\n_________\n(١) انظر الإحكام في أصول الأحكام للآمدي - ٣/٢٠٧/ والمحصول /٦/١١/١٢/١٣.\n(٢) أصول السرخسي - ٢ / ١٢٥.","vol":"1","page":31},{"text":"وإدراكه، وتدبره، هو الاجتهاد، والنبي ﷺ فيه كغيره، وهكذا جميع الأمثلة المضروبة في القرآن، فهي على هذه الشاكلة.\n(٣) قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣] . ووجه الدلالة من الآية أن النبي ﷺ أَذِنَ لمن استأذنه في التخلف عن الجهاد لعذر، وكان المنافقون يعتذرون له بأعذار كاذبة، فعاتبه القرآن على إذنه لهم في التخلف دون استبانة من كان صادقا منهم في عذره، ممن انتحل عذرا غير حقيقي، وقد اجتهد النبي ﷺ في الإذن لهم، فجاء القرآن يصوب خلاف ما فعل، وذلك دليل الاجتهاد في المسألة، وهو المطلوب. قال الأصفهاني:\" أما وجه التمسك بالآية، فإنه عاتب الرسول ﷺ في الآية على الإذن، فلو كان بالوحي لما عاتبه، وإذا لم يكن بالوحي تعين أن يكون بالاجتهاد\" (١) .\n(٤) قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٧] .\nووجه الدلالة من الآية أن النبي ﷺ أطلق أسرى بدر، بعضَهم بالمن عليه بلا فداء، وبعضهم بالفداء، اجتهادا منه، فنزل القرآن يبين له أن قتلهم هو الصواب. وقصةُ ذلك بتفصيل رواها ابن عباس -﵄- قال:\" فلما أَسروا الأسارى، قال رسول الله صلى الله\n_________\n(١) بيان المختصر - ٣ / ٢٩٤.","vol":"1","page":32},{"text":"عليه وسلم لأبي بكر وعمر: \"ما ترون في هؤلاء الأسارى\" فقال أبو بكر: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة، أَرى أن تأخذ منهم فدية، فتكونَ لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ: \"ما ترى يا ابن الخطاب\" قلت: لا وَاللهِ يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكِّنَّا فنضربَ أعناقهم، فتمكنَ عليا من عَقيل فيضربَ عنقه، وتمكِّنيِّ من فلان -نسيبا لعمر- فأضربَ عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوِيَ رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهْوَ ما قلت، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدَيْن يبكيان، قلت يا رسول الله، أخبرني عن أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله ﷺ: \"أبكي للذي عَرَض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عُرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة\" -شجرة قريبة من النبي ﷺ- وأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال:٦٩] فأحل الله الغنيمة لهم\" (١) .\nووجه الدلالة من الحديث أن النبي ﷺ استشار أصحابه في الأسرى فأشار كل بما يرى، فاجتهد في الاختيار من آرائهم، فأخذ برأي أبي بكر، فنزل القرآن يصوب ما رآه عمر، واستشارتُه ﷺ أصحابَه، دليل على أن المسألة ليس عنده فيها وحي، فلو كان فيها وحي، ما\n_________\n(١) أخرجه مسلم في الجهاد - ٣/١٣٨٥/ حديث ١٧٦٣.","vol":"1","page":33},{"text":"احتاج لاستشارتهم، فلم يبق إلا استخراج الحكم بالاستشارة، وهي نوع من أنواع الاجتهاد.\nقال ابن بطة: \" والدليل على أن سنته وأوامره قد كان فيها بغير وحي، وأنها كانت بآرائه واختياره، أنه قد عوتب على بعضها، ولو أُمر بها لما عوتب عليها، من ذلك حكمه في أسارى بدر، وأخذه الفدية، وإذنه في غزوة تبوك للمخلفين بالعذر، حتى تخلف من لا عذر له، ومنه قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] فلو كان وحيا لم يشاور فيه\" ... (١) .\n(٥) قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤] .\nووجه الدلالة من الآية أن النبي ﷺ اجتهد في صلاته على عبد الله بن أُبي المنافق، بناء على ظاهره، وإرضاءً لابنه عبد الله الصحابي التقي النقي، فنزل القرآن بنقض هذا الاجتهاد، وبيانِ أن عدم الصلاة على المنافقين هو الجادة، لكفرهم بالله ورسوله.\nوسبب نزول هذه الآية، أن عمر -﵁- قال: لما توفي عبد الله بن أُبي، جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله ﷺ، فسأله أن يعطيه قميصه يكفِّن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إنما\n_________\n(١) المسودة لآل تيمية - ٤٥٢.","vol":"1","page":34},{"text":"خيرني الله فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة:٨٠] وسأزيده على السبعين، قال: إنه منافق، قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ فأنزل الله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤] (١) .\nب - وأما من السنة فقد استدلوا بمايلي:\n(١) حديث أم سلمة أن النبي ﷺ قال: \" إنكم تختصمون إِليَّ، ولعل بعضكم ألحنُ بحجته من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار، فلا يأخذها \" (٢) .\nووجه الدلالة من الحديث أنه ﷺ قد يحكم باجتهاده لأحد الخصمين في نازلة، فيكون حكمه مخالفا للحقيقة في الباطن، لذا أَمر من حَكم له بما ليس له حقيقة ألا يأخذه، لأن حكمه لا يحلُّه له، فلو كان قد حَكم بالوحي، لكان حكمه صوابا ظاهرا وباطنا، فلما حذَّر المحكوم له، العالمَ في باطن الأمر أنه أخذ بحكمه ما ليس له، دل ذلك على اجتهاده في الأحكام، وهو المطلوب.\nقال الحافظ: \" وفيه أنه ﷺ كان يقضي بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه شيء، وخالف في ذلك قوم، وهذا الحديث من أصرح ما يحتج به عليهم.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في التفسير - الفتح -٨/١٨٤.\n(٢) أخرجه البخاري في الشهادات -٥/٣٤٠- وفي الحيل -١٢/٣٥٥/ وفي الأحكام - ١٣/١٦٨/١٨٤ ومسلم في الأقضية -٣/١٣٣٧.","vol":"1","page":35},{"text":"وفيه أنه ربما أداه اجتهاده إلى أمر فيحكم به، ويكون في الباطن بخلاف ذلك، لكن مثل ذلك لو وقع، لم يقَرَّ عليه ﷺ لثبوت عصمته\" (١) .\n(٢) حديث عمر أنه قال:\" يا رسول الله، صنعتُ اليوم أمرا عظيما، قبَّلتُ وأنا صائم، فقال له رسول الله ﷺ: \" أرأيتَ لو تمضمضت بماء وأنت صائم \"؟ فقلت: لا بأس بذلك. فقال له رسول الله ﷺ: \" فصُمْ \" (٢) . ووجه الدلالة من الحديث أن النبي ﷺ شبَّه القبلة بالمضمضة في أن كلا منهما مقدِّمة للفطر ولا يفطران، فكما أن المضمضة وسيلة للشرب وليست شربا، فكذلك القبلة وسيلة للوطء وليست وطئا، والوطءُ والشرب هما المفطران لا مقدماتهما. فهذا قياس من النبي ﷺ للقبلة على المضمضة، وهو دليل على أن النبي ﷺ كان يجتهد ويقيس، فلو كان عنده نص في المسألة لما جاز له القياس، لأنه لا معنى له مع وجود النص، فثبت المطلوب.\n(٣) حديث ابن عباس في خطبة النبي ﷺ يوم فتح مكة قال: \"حرم الله مكة، فلم تحل لأحد قبلي ولا لأحد بعدي، أحلت لي ساعة من نهار، لا يختلَى خلاها ولا يعضد شجرها، ولا ينفَّر صيدها، ولا تُلتقط لقطتها إلا لمعرِّف \" فقال العباس﵁ – إلا الإذخر لصاغتنا وقبورنا، فقال \" إلا الإذخر \" (٣) .\n_________\n(١) الفتح - ١٣/١٨٦.\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده - ١ / ٢١ بسند صحيح.\n(٣) أخرجه البخاري في الجنائز -٣/ ٢٥٣ وفي جزاء الصيد - ٤/٥٦ ومسلم في الحج - ٢/٩٨٧.","vol":"1","page":36},{"text":"ووجه الدلالة من الحديث أن العباس لما بين للنبي مصلحة الإذخر استثناه، فلو كان وحيا ما تأخر استثناؤه، ولساقه مع ما قبله مساقا واحدا، فلما استثناه بعدَ ما روجع فيه، دل ذلك على اجتهاده فيه لمصلحته الراجحة.\nقال الحافظ:\" واختلفوا هل كان قوله ﷺ: \" إلا الإذخر\" باجتهاد أو وحي؟ وقيل: كان الله فوض له الحكم في هذه المسألة مطلقا. وقيل: أُوحي إليه قبل ذلك أنه إن طَلب أحد استثناء شيء من ذلك فأجب سؤاله.\nوقال الطبري: \" ساغ للعباس أن يستثني الإذخر، لأنه احتمل عنده أن يكون المراد بتحريم مكة تحريمَ القتال دون ما ذكر من تحريم الاختلاء، فإنه من تحريم الرسول باجتهاده، فساغ له أن يسأله استثناء الإذخر \". وهذا مبني على أن الرسول كان له أن يجتهد في الأحكام، وليس ما قاله بلازم، بل في تقريره ﷺ للعباس على ذلك، دليل على جواز تخصيص العام......\nقال ابن المنير: \" والحق أن سؤال العباس، كان على معنى الضراعة، وترخيصَ النبي ﷺ كان تبليغًا عن الله، إما بطريق الإلهام أو بطريق الوحي، ومن ادعى أن نزول الوحي يحتاج إلى أمَدٍ متسع فقد وهم \" (١) .\n(٤) حديث أم سلمة قالت: جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث بينهما قد درست، ليس بينهما بينة، فقال رسول الله ﷺ: \" إني إنما أقضي بينكما برأيي فيما لم ينزل علي\n_________\n(١) الفتح - ٤/٥٩/٦٠.","vol":"1","page":37},{"text":"فيه، فمن قضيت له لقضية أراها فقطَع بها قطعة ظلما، فإنما يقطع بها قطعة من نار \" (١) . ووجه الدلالة من الحديث، نصه ﷺ على أنه يقضي باجتهاده فيما لم ينزل عليه فيه وحي، وهو المطلوب.\n(٥) حديث جابر في أمره ﷺ أصحابه الذين ليس معهم هدي في حجة الوداع أن يتمتعوا.\nوفيه قوله: \" لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي\" (٢) .\nووجه الدلالة من الحديث أن النبي ﷺ ساق الهدي باجتهاده وأحرم مقرنا، فتبين له بعد ذلك أن الإحرام بالتمتع أفضل، فأمر به أصحابه، وتمنى لو كان محرما بعمرة. فلو كان إحرامه بوحي لمَاَ استقام قوله: \" لو استقبلت من أمري ما استدبرت \" ولَمَا ندم على ما فعل، ولمَاَ تمنى عمرة بدل حج وعمرة مقترنين.\n(٦) عن أبي هريرة قال: جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، شاطِرْنا (٣) تمْر المدينة، وإلا ملأناها عليك خيلا ورجالا، فقال: حتى أستأمَر السُّعُود، فبعث إلى سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وسعد بن الربيع، وسعد بن خيثمة، وسعد بن مسعود، فقال: قد علمْتُ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في الأقضية - ٣/٣٠٢ وأحمد - ٦/٣٢٠/ والدارقطني -٤/٢٣٨.\nكلهم من طرق عن أسامة بن زيد الليثي، عن عبد الله بن رافع، عنها به.\nوإسناده ضعيف، ومتنه منكر بهذا اللفظ. وأسامة بن زيد مختلف فيه، وثقه بعضهم، وضعفه بعضهم، وضعفُه في هذا الحديث بين، لأنه ساقه بسياق لم يعهد لغيره، والحديث معروف وقد تقدم بغير هذه الزيادة.\n(٢) أخرجه مسلم في الحج - ٢/٨٨٤/ وعند البخاري نحوه عن عائشة.\n(٣) أي أعطنا شطره، أي نصْفَه مقابل الجلاء، وفى لفظ: ناصفنا.","vol":"1","page":38},{"text":"أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وأن الحارث قد سألكم تشاطروه تمر المدينة، فإن أردتم أن تدفعوه عامكم هذا.\nفقالوا: يا رسول الله، أوحي من السماء - فالتسليم لأمرالله – أوعن رأيك وهواك؟ فرأينا تبع لهواك ورأيك، فإن كنتَ إنما تريد الإبقاء علينا، فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء، ما ينالون منا تمرة إلا شراء أو قِرى، لا واللهِ ما أَعْطَينا الدنية من أنفسنا في الجاهلية، فكيف وقد جاء بالإسلام، فقال رسول الله ﷺ:\" هوذا، تسمعون ما يقولون؟ \" قالوا: غدرت يا محمد ... الحديث (١) .\nووجه الدلالة من الحديث أنه ﷺ استشار أصحابه فيما سئل من مناصفة الكفار تمر المدينة، فلو كان أوحي إليه بشيء في ذلك، لمَاَ احتاج لاستشارتهم، ثم إن المستشارين من أصحابه استفسروه عما اقترح هل هو بوحي فيسلمون له، أو برأي، فرأيُه رأيهم. وذلك يدل على أنهم يفرقون بين ما كان وحيا -فيطيعونه فيه- واجتهادا فيبدون فيه اجتهادا آخر قد يخالف اجتهاده. وسؤالُهم ذلك يدل على أنه تقرر عندهم أنه ﵇ يجتهد، فلو لم يتقرر ذلك عندهم لما كان للسؤال فائدة.\n(٧) عن رافع قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وهم يأبُرون النخل، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه، قال: \"لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا، فتركوه، فنفَضت (٢) أو فنقصت - قال: فذكروا ذلك له، فقال: \" إنما\n_________\n(١) أخرجه البزار - كشف الأستار - ٢/٣٣١-٣٣٢/ والطبراني في الكبير- كما في المجمع /٦/١٣٢/ وقال: \" ورجال البزار والطبراني فيهما محمد بن عمرو، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات \"اهـ\n(٢) أي سقطت","vol":"1","page":39},{"text":"أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي، فإنما أنا بشر\".\nوفي لفظ \" طلحة بن عبيد الله:\" إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله ﷿ \".\nوفي لفظ عائشة: \" لو لم تفعلوا لصلُح \" قال: فخرج شِيصا (١) فمر بهم فقال: \"مالنخلكم \"؟ قالوا: قلت كذا وكذا، قال:\" أنتم أعلم بأمر دنياكم\" (٢) .\nووجه الدلالة من الحديث جلي، وهو نصٌّ في أنه ﷺ يجتهد ويخطئ في اجتهاده، لكنه ينبه على ذلك كما سبق.\nقال الشاطبي: فإن الحديث إما وحي من الله صِرْف، وإما اجتهاد من الرسول ﵊ معتبرٌ بوحي صحيح من كتاب أو سنة. وعلى كلا التقديرين، لا يمكن فيه التناقضُ مع كتاب الله، لأنه ﵇، ما ينطق عن الهوى، وإذا فُرِّع على القول بجواز الخطأ في حقه فلا يقر عليه البتة، فلا بد من الرجوع إلى الصواب \" (٣) .\nوقال الشيرازي: \"يجوز الخطأ على رسول الله ﷺ في اجتهاده إلا أنه لا يقر عليه، بل ينبه عليه (٤) .\n_________\n(١) هو البسر الرديء.\n(٢) أخرجه مسلم في الفضائل - ٤/١٨٣٥/١٨٣٦.\n(٣) الموافقات للشاطبي - ٤/٢١.\n(٤) التبصرة في أصول الفقه - ٥٢٤.","vol":"1","page":40},{"text":"ج - وأما الاعتبار، فقد استدلوا بأنه ﷺ ليس كغيره من المجتهدين فهو معصوم في اجتهاده، فلا يلزم منه ما يلزم في اجتهاد غيره من المحاذير، فافترقا.\nما سبب الخلاف في هذه المسألة؟\nوسبب الخلاف في اجتهاده ﵇ من عدمه، هو أن كل فريق نزع إلى أصل وتمسك به، واعتبره أقوى من الأصل الذي يتمسك به مخالفُه.\nفأما الفريق الذي نفى اجتهاد الأنبياء في النوازل والقضايا، فقد بنوا ذلك على أصل، وهو أن الاجتهاد الذي هو استعمال الرأي للوصول إلى حكم، إنما يكون حينما تعوز النصوص في الموضوع وتفقد، فهو إذن ضرورة يُلجَأ إليها، ولا ريب أن الأنبياء، ليسوا كغيرهم في هذه الضرورة، فجبريل يأتيهم بما يشفي في كل ما عَنَّ لهم، فهُمْ بالوحي مستغنون عن الاجتهاد، وما يتلقونه وحيا، مقطوع به مجزوم بحكمه، وقضايا الاجتهاد مظنونة، فمن العبث أن يَترك نبي من الأنبياء عينَ اليقين، ويلجأ إلى تخمين وظنون.\nوهذا الفريق قد أول بعض النصوص الدالة على اجتهاد النبي ﷺ لتنسجم مع مقوله، وأبطل دلالة بعضها على المطلوب، ونفى ثبوت بعضها.\nوأما الفريق الثاني القائل باجتهاد الأنبياء اجتهادا مطلقا وخاصة نبينا ﷺ مطلقا، فإنهم بنوا مذهبهم على أصلين:\nأحدهما أن الاجتهاد واستعمال الرأي والتدبر في المآلات، من خواص الإنسان التي ميَّزه الله بها عن غيره، وهو من الكمالات الإنسانية التي يشرف بها المرء، فإذا كانت كمالا، فالنبي ﷺ أولى بكل كمال، فهو","vol":"1","page":41},{"text":"سيد المجتهدين، وإمام المستنبطين، فكيف يُستثنى من هذه الفضيلة العامة في الجنس البشري، وتمُنح لمن دونه بدون دليل واضح يدل على الاستثناء؟\nوثانيهما مراعاة النصوص الدالة على اجتهاده ﷺ بالفعل، وهي في جملتها صريحة وصحيحة، فلا معدل عن القول بها، وتنزيلها منازلها: بالجمع بينها وبين النصوص التي يُفهم منها أنه لا يجتهد، فإذا سُلِك فيها كلِّها مسلكُ الجمع، فإنها لا تتضارب ولا تتناقض، لأنها من منبع واحد.\nوأما الفريق القائل بأنه يجتهد في الدنيويات دون الدينيات، فقد رام بذلك الجمع بين الأدلة، ولكن ذلك لم يطرد له من وجهين: أحدهما ثبوت أنه ﷺ قد اجتهد في الأمور الدينية، وثانيهما عدم وضوح الفرق في الأحكام بين ما هو ديني وما هو دنيوي، فالأحكام الشرعية تتناول هذا وهذا، والرسول ﷺ بإذن ربه، يشرع هنا وهناك.\nوأما الفريق المتوقف في القضية، فشبهَتُه هي تكافؤ الأدلة من الجانبين عنده، وصعوبةُ الترجيح، وهذا ليس بشيء، لأن النظر بإمعان في تلك الأدلة، يدل على ما هو الصواب من أنه ﷺ يجتهد، ولكن الفرق بينه وبين غيره من المجتهدين، أنه مسدَّد ومصيب في اجتهاده، ابتداءً، أو مآلا.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الثالث: بسط أدلة القول بأن السنة وحي كالقرآن</span>\nلا يعرف نبي غير محمد صلى الله علية وسلم أحيطت سيرته وسنته باعتناء كبير، وأحصيت إحصاء دقيقا، ودونت بأدق التدوين، وقد هيأ الله ﷿ لحفظ السنة عوامل كثيرة، داخلة في أقدار الله تعالى التي أوجدها لحفظ ذكره وحفظ بيان الذكر. ذلك أن المسألة معقولة ومرتبطة، ووجه تعليقها أن القرآن الكريم مرتبط بشخص النبي ﷺ من جهة تلقيه عن الله تعالى وإبلاغه للأمة كما تلقاه، لفظا ومعنى، وجهة تفويض الله تعالى له أن يبين للناس مراده منه.\nمن هاتين الجهتين، نشأت علاقة ارتباط بين القرآن والسنة، أشبه بعلاقة القرابة التي لا يمكن فصلها أو فصمها، فمن حاول الاستدلال بالقرآن بمعزل عن السنة، أو الاستدلال بالسنة بمعزل عن القرآن، كمن حاول التفريق بين أغصان الشجرة وأصلها، وبين القريب وقريبه، وكلُّ محاولة للاستغناء بأحدهما عن الآخر، فإنما هو ضربة لازب، وسير في عماية، وخروج عن النهج المستقيم، ذلك أن السنة صنو القرآن وقرينته في الاستدلال والاحتجاج، والله تعالى تكفل بحفظهما معا في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] والذكر يشملهما معا، والعوامل التاريخية الواقعية دالة على ذلك، وأهمها أربعة:\n(١) الحفظ في الصدور: فقد كان الصحابة –رضوان الله عليهم- يتلقون منه ﷺ سنته فيعونها ويحفظونها في صدورهم، كما كانوا","vol":"1","page":43},{"text":"يحفظون القرآن، إلا أنهم في حفظها يتفاوتون، فمنهم من يحفظها بلفظها ومعناها فيؤديها كذلك، ومنهم من يحفظها بالمعنى، فيؤدي معناها بألفاظه هو، ومنهم من يزاوج بينهما، ويجمعهم جميعًا همٌّ واحد، ضعوه نصب أعينهم عند الأداء، وهو أن كل ماشك فيه، أولم يتحققه المتلقي، أو خاف أن يكون قد سها فيه، فإنه يسقطه، ولا يضيفه للنبي ﷺ ولا يرويه، وبهذا طمأنت الأمة إلى أن كل ما وصلنا عنهم بطريقة مقبولة، مما أسندوه للمعصوم ﷺ فهو حق، وصدق، لأنهم لا يستجيزون أن يقولوا عليه مالم يقل، لعلمهم بالوعيد الشديد الوارد في ذلك.\n(٢) المذاكرة: فقد كانوا يذاكرون الحديث، ويراجعون محفوظهم منه، وينشرونه بينهم، فكان الحاضر يخبر الغائب، والذاكر ينبه الناسي، فانتشرت السنة بينهم بالمذاكرة، وعم أريجها بينهم بالتطبيق، ووصلوا في حرصهم على حفظ السنة وتلقيها من مشكاة النبوة، أنهم كانوا يتناوبون على مجالسها، مخافة أن يفوتهم شيء منها، ومنهم من نذر نفسه للحضور في كل المجالس حتى لا يفوته شيء، كما كان من أبي هريرة وغيره.\n(٣) الكتابة: فقد كان جماعة من الصحابة يكتبون ما سمعوا من رسول لله ﷺ من الأحاديث في صحائف لهم، وأورثوها من بعدهم، وكانت هذه الصحف ذائعة منتشرة في زمانهم، خلافا لما يأفكه المستشرقون الذين يزعمون أن شيئا من السنة لم يدون في عهده ﷺ، وهذه الصحف التي وصلت إلينا بأدق الموازين العلمية، تفضحهم.\n(٤) الرحلة في طلب الحديث: وهذه قد أبدعها المسلمون، فلم يكن في أمة من الأمم غير المسلمين، الاغتراب في جمع أقوال أنبيائهم، وتصنيفها،","vol":"1","page":44},{"text":"ومقارنتها وسماعها مرارا، فقد كان الرجل منهم يرحل في حديث واحد مسيرة شهر، وكان يرحل في لقاء شيخ واحد من خراسان إلى حدود الصين، ولم يبق بلد فيه من يُسمِع الحديث لم يُرْحَل إليه، فأسفرت هذه الرحلة عن تقعيد موازين دقيقة حفظ الله بها السنة من الضياع، تحقيقا لوعد الله في كتابه، وإكراما لهذه الأمة ونبيها، وهذه بعض تلك الموازين.\nأ – إحصاء حديث أهل بلد، وشيوخه، وتلامذتهم، حتى أحصوا منهم من روى حرفا واحدًا، ونتج عن هذا أنه لا يستطيع أي كاذب أن يدخل في حديث أهل ذلك البلد ماليس منه، فإذا أدخله عُرف أنه ليس منه.\nب – رواية الحديث الواحد من أوجه كثيرة، عن شيوخ عديدين، قد يصلون أحيانا إلى مائة شيخ، وقد يُعَدون بالعشرات، ونتج عن ذلك، مقارنة المتون، ومعرفة ما زيد فيها مما نقص منها، وما شذ مما لم يشذ، فاطمأنت الأئمة بعد هذه المقارنة إلى سلامة المتون من الأوهام، والتحريف، والتصحيف، والإدراج، وما إلى ذلك، وكل لفظة شكوا فيها، فإنهم يحيطونها بالريبة، ويكتبونها لينصوا على أنها لا أصل لها، أو مشكوك فيها، أو محتملة.\nج – تصنيف الرواة على طبقات، فمنهم الحافظ الناقد الجهبذ، ومنهم الصدوق المتوسط، ومنهم من ليس كذلك، فقدموا في الاحتجاج أحاديث الحفاظ الثقات، وأتبعوها بأحاديث الصدوقين المتوسطين، ونظروا في أحاديث من ليس كذلك، فإن وافقت ما عند الصنفين، فهي مقبولة، وإن خالفت، كتبوها ليعرف أنها غير معمول بها، أو متوقف فيها.","vol":"1","page":45},{"text":"د – التدقيق في سير حَملة الحديث عن قرب، واختبار عدالتهم وضبطهم ومدى موافقتهم أو مخالفتهم، فعرفوا بذلك كل واحد على حقيقته، ونزلوه منزلته، بلا شطط، ولا تقصير.\nوبذلك وضعوا سدا منيعا بين الكَذَبة والدس في السنة النبوية، فإذا جاء أحد بحديث يرويه عن الكوفيين مثلا، نظروا هل هو من حديثهم أو ليس كذلك، وهل كان معروفا بالرواية متصدرا لها، أو كان مغمورا، أو متساهلا، فإن استوفى شروط القبول قبلوه وإلا رفضوه. وهكذا حُرِست السنة وضبطت بأسانيدها ومتونها، حتى دخلت في مصنفات، وخلدت في مؤلفات، عرف مصنفوها بثقتهم وسعة علمهم، وكثرة مرويهم، وضبطهم وإتقانهم، فاستراح الناس من خوف الدس المتعمد وغير المتعمد، فأصبح من يروي شيئا ليس في الدواوين المعروفة، ولا تناقله أهل العلم، ولا عمل به بينهم، لا يؤبه له ولا لروايته.\nوهذه الجهود الضخمة المبذولة في حفظ السنة، هي معجزة لنبينا ﷺ وكرامة لأمته، ومفخرة لها، وقد تمخضت أيضا لأول مرة في تاريخ البشرية عن ابتكار علم توثيق الأخبار وتمحيصها، المسمى: \" علم الجرح والتعديل وعلم العلل \" وقد ابتدعه المسلمون للحفاظ على السنة النبوية، وقلدهم من سواهم من أصحاب العلوم الأخرى في ذلك.\nوهذا العلم مفخرة للحديث والمحدثين خاصة، وللمسلمين عامة، فكان بحق هؤلاء نقَدة المعرفة، وخدَمة الحقيقة، حتى قال سفيان الثوري: \" الملائكة حراس السماء، وأصحاب الحديث حراس الأرض \" (١) .\n_________\n(١) شرف أصحاب الحديث – ٤٤.","vol":"1","page":46},{"text":"وقال يزيد بن زريع: \" لكل دين فرسان، وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد \" (١) .\nفإن قيل: كيف نوفق بين كون السنة النبوية وحيا، وماثبت قطعًا من اجتهاده صلى الله علية وسلم في بعض القضايا الدينية والدنيوية؟.\nفالجواب أن اجتهاده ﷺ في بعض القضايا، لا يتنافى مع القول بأن السنة وحي؛ ذلك أن اجتهاده ﷺ في الأمور الشرعية، يكون ابتداء بوحي، بمعنى أن الله تعالى يأمره بالاجتهاد فيما لم يوحَ إليه فيه، ثم في النهاية يؤول اجتهاده إلى الوحي، بمعنى أنه إن أصاب في اجتهاده مراد الله، فإن الوحي يقره، وإقرارُ الوحي وحي، وإن أخطأ في اجتهاده، فإن الوحي ينبهه على الخطأ، ويرشده إلى الصواب فيرجع إليه، ويصبح مانبهه عليه الوحيُ هو التشريع له ولأمته.\nوعليه، فما اجتهد فيه ﷺ لا يخرج عن دائرة الوحي بهذا الاعتبار، فهو إما إقرار، وإما نقل إلى ما هو صواب بعد الاجتهاد. وأما في الأمور الدنيوية فقد ينبهه الوحي، وقد ينبهه غيره من الناس على الصواب فيرجع إليه، فيكون بذلك ﷺ معصوما في اجتهاده حالا أومآلا، بالإقرار، ومآلًا بالنقل إلى ما هو صواب، وهذا من خصائصه التي لايشاركه فيها غيره من المجتهدين، فغيرُه فيما اجتهد فيه، قد يكون مخطئا ويستمر على خطئه ولاينبه له، ويتوارث عنه ذلك، وقد يكون مصيبا ولا يَتيقن أنه مصيب، بخلافه ﷺ فإنه فيما اجتهد فيه وأُقر عليه، فهو على يقين أنه على بينة وحق من ربه، ويجب على الأمة أن تتأسى به في\n_________\n(١) المصدر نفسه.","vol":"1","page":47},{"text":"اجتهاده ذلك، وأن تجعله سنة متبعة، وأما ما وقع فيه الخطأ من اجتهاده صلى الله عليه سلم فإنه لايقر عليه ولايستمر فيه على الخطأ، ولايتوارث، بل يُنبَّه على الصواب فينقل إليه، ويترك الخطأ، ويصبح ما انتقل إليه بوحي، تشريعا له ولأمته، دون ماسبقه من الاجتهاد، ولهذا لا يجوز لأحد أن يأخذ باجتهاده ﷺ الذي نبه الوحي فيه للخطأ. هذا فحوى كلام الشافعي من خلال نصوص الرسالة التي سيأتي بعضها. وهناك من جمع بوجه آخر كابن حزم وغيره فقال: القضايا التي اجتهد فيها ﷺ هي قضايا دنيوية، ولاغضاضة عليه إن أخطأ فيها، إذ لاعلاقة لها بالتشريع، والتشريع كله وحي. وهذا الوجه لا يخفى ما يرد عليه من اعتراضات، والصواب ماتقدم مما ذهب إليه الشافعي وغيره.\nوزيادةً على ماتقدم من الأدلة الوارده في المذهب الأول الذي لا يرى اجتهاده ﷺ في الشرعيات، فإننا سنضيف أدلة وأقوالا أُخَر تثبت أن السنة وحي كالقرآن.\nوهذا المذهب قد تبناه جلة من الأئمة المتقدمين والمتأخرين، منهم سعد ابن معاذ -﵁-، وحسان بن عطية، والشافعي، والبخاري، وابن حزم، وغيرهم ﵏. ويُستدل لهذا المذهب -زيادة على ماتقدم- بالكتاب، والسنة، والآثار فأما الكتاب فقوله تعالى:\n(١) ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيما﴾ [النساء: ١١٣] .","vol":"1","page":48},{"text":"(١) وقوله ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [البقرة:٢٣١] . ووجه الدلالة من الآيتين أن الله تعالى نص على أنه أنزل على رسوله الكتاب والحكمة، فدل ذلك على أن السنة تنزل عليه كما ينزل عليه القرآن، بنص الآيتين، والحكمةُ لا يختلف أهل العلم حيثما وردت في القرآن، أنها سنة رسول الله ﷺ. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤] . قال الشافعي –﵁-: \" فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة فسمعتُ من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله، وهذا يشبه ما قال، لأن القرآن ذكر، وأُتْبِعَتْهُ الحكمة، وذكر الله منَّه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز –والله أعلم- أن يقال: الحكمة ههنا إلا سنةُ رسول الله، وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله، وأن الله افترض طاعة رسوله، وحتَّم على الناس اتباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقول فرْضٌ إلا لكتاب الله ثم سنةِ رسوله، لما وصفنا من أن الله جعل الإيمان برسوله مقرنا بالإيمان به\" ... كل ماسن رسول الله ﷺ مما ليس فيه كتاب - وفيما كتبنا في كتابنا هذا - منْ ذِكْرِ ما منَّ الله به على العباد، من تعلم الكتاب والحكمة، دليل على أن الحكمة سنة رسول الله ﷺ ... \" (١) وبهذا قال عامة المفسرين.\n_________\n(١) الرسالة -٢٣ -٧٨.","vol":"1","page":49},{"text":"قال ابن جرير في قوله تعالى ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء:١١٨] يعني: وأنزل عليك مع الكتاب الحكمةَ، وهي ما كان في الكتاب مجملا ذكره من حلال وحرام، وأمره ونهيه وأحكامه، ووعده ووعيده\" (١) .\nوقال ابن كثير: \" وما أنزل عليه من الكتاب، وهو القرآن، والحكمة، وهي السنة\" (٢) .\nوقال القرطبي: \" والحكمة القضاء بالوحي \" (٣) .\nوقال ابن جرير في قوله تعالى ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾: \"وهي السنن التي علمكموها رسول الله ﷺ\". (٤)\nوقال ابن كثير: \" الحكمة أي السنة \" (٥)\nوقال القرطبي: \" هي السنة المبينة على لسان رسول الله ﷺ مراد الله فيما لم ينص عليه في الكتاب \" (٦)\nوقال ابن جرير في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾: [الأحزاب:٣٤] \"ويعني بالحكمة ما أوحي إلى رسول الله\n_________\n(١) جامع البيان، المجلد ٤/ج – ٥/٢٧٥.\n(٢) تفسير القرآن العظيم – ٢/٣٦٤.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن – ٥/٣٢٨.\n(٤) جامع البيان / ٢ / ٤٨٣.\n(٥) تفسير القرآن العظيم.\n(٦) الجامع لأحكام القرآن – ٣ / ١٧٥.","vol":"1","page":50},{"text":"ﷺ من أحكام دين الله، ولم ينزل به القرآن، وذلك السنة \" ثم ساق هذا المعنى بسنده عن قتادة (١) .\nوقال ابن كثير: \"اعملن بما ينزل الله على رسوله في بيوتكن من الكتاب والسنة، قاله قتادة وغير واحد \" (٢)\nوقال القرطبي: \" فأمر الله ﷾ أن يخبرن بما ينزل من القرآن في بيوتهن ومايَرَيْنَ من أفعال النبي ﵊ ويسمَعْنَ من أقواله حتى يبلِّغْن ذلك إلى الناس، فيعملوا ويقتدوا \" (٣) .\nوقال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:١٢٩]: \"الحكمة: السنة\" قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل وأبو مالك، وغيرهم\" (٤) .\nوقال القرطبي: \" الحكمة السنة، وبيان الشرائع \" (٥) .\nوقال ابن حزم: \"والآيات، ما أنزل الله تعالى من القرآن، والحكمةُ ما أوحى من السنة\" (٦) .\nوقال ابن عبد البر: \" يريد القرآن والسنة \" (٧)\n_________\n(١) جامع البيان – المجلد – ١٢/ج٢٢.\n(٢) تفسير القرآن العظيم – ١٢/٤١.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن – ١٤/١٨٤.\n(٤) تفسير القرآن العظيم – ٢/٢٦٩.\n(٥) الجامع لأحكام القرآن – ٢/١٣٠.\n(٦) النبذ في أصول الفقه الظاهري ص ٩٠ (٥) .\n(٧) جامع بيان العلم – ٩/٧٨٩.","vol":"1","page":51},{"text":"والحاصل أن أقوال المفسرين متفقة على أن الحكمة هي السنة، والآيتان الأُوليان صريحتان في أنها تنزل عليه كما ينزل عليه القرآن.\n(١) وقولُه تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء:١٠٥] .\nووجه الدلالة أن الله تعالى بين لرسوله أنه أنزل عليه الكتاب ليحكم بما أعلمه الله وذلك دليل على أنه لا يحكم إلا بما أعلمه به وأوحاه إليه، وقد استدل البخاري -﵀- بهذه الآية لذلك كما سبق، ورأى أن قوله تعالى ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ أي بما أوحاه إليك، وذهب غيره إلى أن معنى \"بما أراك الله\" من الرأي الذي هو نوع من أنواع الاجتهاد \"، وقد استدل بها أبو يوسف على أنه ﷺ كان متعبدا بالاجتهاد.\nقال القرطبي: \"بما أراك الله\" معناه على قوانين الشرع، إما بوحي ونص، أو بنظر جار على سَنن الوحي، وهذا أصل في القياس، وهو يدل على أن النبي ﷺ إذا رأى شيئا أصاب، لأن الله تعالى أراه ذلك، وقد ضَمِنَ الله تعالى لأنبيائه العصمة، فأَما أحدنا إذا رأى شيئا يظنه، فلا قطع فيما رآه \" (١) .\nوقال الشيرازي: \" ولم يفرق بين ما أراه بالنص أو بالاجتهاد \" (٢) قلت: وفي هذا المعنى قول عمر على المنبر: \" يا أيها الناس، إن الرأي إنما كان من رسول الله صلى الله عليه سلم مصيبا، لأن الله كان يريه، وإنما هو منا الظن\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن – ٥/٣٧٦.\n(٢) التبصرة في أصول الفقة – ٥٢١.","vol":"1","page":52},{"text":"والتكلف \" (١) . قال الأصفهاني: \" ووجه الاستدلال بها –كما قرره أبو علي الفارسي- أن الإراءة إمَّا من الرأي الذي هو الاجتهاد، أو من الرؤية بمعنى الإبصار، أو بمعنى العلم، لا جائزٌ أن يكون من الرؤية بمعنى الإبصار، لأن المراد بـ\"ما\" في قوله تعالى ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ هو الأحكام، وهي لا تكون مبصَرة، ولا جائزٌ أن يكون من الرؤية بمعنى العلم، وإلا لوجب ذكر المفعول الثالث لوجود ذكر المفعول الثاني، وهو الضمير الراجع إلى الموصول ... فتعين أن يكون بمعنى الرأي \" (٢)\nقلت: والصواب أن تكون الإراءة بمعنى العلم، والمفعول الثالث محذوف ولا يجب ذكره –كما زعم أبو علي- للعلم به، والمعنى: \"بما أراكه الله حكما\" فـ \"حكما\" هو المفعول الثالث، وحُذف لدلالة \"لتحكم\" عليه، والسياقُ يدل على هذا الذي رجحه البخاري، لأنه إذا أنزل الله عليه الكتاب ليحكم به، فهو يحكم بما أعلمه الله به فيه، فهو لا يحتاج للرأي، مع وجود الحكم في الكتاب، وما ذهب إليه أبو علي مرجوح.\nهذا وقد حمله القرطبي إما على العلم، أو الرأي المسدد بقوله: \"وقال الداودي:\" لأن المراد بقوله: \"بما أراك الله\" ليس محصورا في المنصوص، بل فيه إذن في القول بالرأي\" (٣) .\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في الأقضية، حديث ٣٥٨٦ بسند صحيح.\n(٢) بيان المختصر، شرح مختصر ابن الحاجب – ٣/٢٩٥.\n(٣) فتح الباري – ١٣/٣٠٤.","vol":"1","page":53},{"text":"وأما السنة فقد استُدل لهذا القول بأحاديث:\n(١) حديث المقدام بن معد يكرب أن النبي ﷺ قال: \"ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، لا يوشك رجل شبعان على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لُقَطَةُ معاهَد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم، فعليهم أن يَقروه، فإن لم يقروه، فله أن يُعقِبهم بمثل قراه\" (١) . وفي لفظ لهذا الحديث زيادة: \" ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه سلم مثلُ ما حرم الله\" (٢)\nووجه الدلالة من الحديث أنه ﷺ نص على أنه أُتي مثلَ القرآن، ولم يكن ذلك إلا السنة، وتعبيرُه بالإيتاء، يدل على أنها تنزل عليه كما ينزل عليه القرآن، ثم إن المثلية المذكورة تحتمل أنها مثله في القرآنية، أو مثله في الاحتجاج بها، أو مثله في تنزيلها عليه، والوجه الأول باطل\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في العلم – ٤/٢٠٠/ واللفظ له، وأحمد – ٤/١١٣/ والطحاوي في المعاني – ٤/٢٠٩/ والآجري في الشريعة – ص ٥١/ كلهم من طريق عبد الرحمان بن أبي عوف، عن المقدام مرفوعا، وإسناده صحيح.\n(٢) الزيادة أخرجها الترمذي - ٥/٣٨/. وابن ماجه - ١/٦/ والطبراني في الكبير - ٢/٢٧٤/ والطحاوي في المعاني – ٤/٢٠٩/ والدرامي – ١/١٤٤/ والحاكم ١/١٠٩/ كلهم من طريق معاوية بن صالح، عن الحسن بن جابر اللخمي، عن المقدام مرفوعا، وليس عند هؤلاء جميعا جملة: \"ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه\" ولا \"ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي \" إلخ. وصححه الحاكم، وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. وليس كذلك، لأن الحسن بن جابر مجهول، لم يوثقه إلا ابن حبان، ومقتضى تصحيح الحاكم وتحسين الترمذي له، أنه عندهما مقبول، لكن له شاهد من حديث العرباض بن سارية، عند ابن ماجه حديث – ٣٠٥٠ – وفي سنده أشعت بن شعبة المصيصي، وثقه ابن حبان، وأبو داود إن صح عنه وقال أبو زرعة: \"لين\" ومثله يصلح في الشواهد، وبه ترتقي هذه الزيادة لدرجة الحسن بغيره. وتصلح للاحتجاج بها على المطلوب.","vol":"1","page":54},{"text":"بالإجماع، فلم يبق إلا الثاني والثالث، وهما المطلوب.\nوأما الزياده المذكورة، فوجه الدلالة منها، أنه ﷺ سوَّى بين ما يحرمه هو وما يحرمه الله تعالى، وذلك لا يكون منه إلا بوحي، لأنه لو كان اجتهادا منه، لما صحت هذه التسوية شرعا ولا واقعا، ولما قطَع رسول الله ﷺ بهذه التسوية، لأن أحكام الاجتهاد لا قطع فيها، فلما جزم بالتسوية بين ما يحرمه هو وما يحرمه الله ﷿، علمنا أن ذلك كان منه بوحي لا برأي.\n(٢) حديث أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: \"مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير........ الحديث١. ووجه الدلالة منه أن الله بعثه بالهدى والعلم، وهما يشملان الكتاب والسنة، واستعمال لفظة \"بعث\" تدل على أن ذلك ليس برأي ولا قياس.\n(٣) حديث يعلى بن أمية أن رجلا أتى النبي ﷺ وهو بالجِعِرّانة، وعليه جبة، وعليه أثر خَلوق، فقال كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ فأَنزل الله على النبي ﷺ فستر بثوب، ووددت أني قد رأيت رسول الله ﷺ وقد أنزل عليه الوحي، فقال عمر: تعال، أيسرك أن تنظر إلى رسول الله ﷺ وقد أنزل الله عليه الوحي؟ قلت: نعم، فرفع طرف الثوب فنظرت إليه، له غطيط كغطيط البَكر، فلما سُري عنه قال: \"أين السائل عن العمرة، اخلع عنك الجبة، واغسل أثر\n_________\n١ البخاري في العلم، باب فضل من علم وعلم – الفتح – ١/٢١١/ ومسلم- ٢/٨٣٦/ حديث ١١٨٠.","vol":"1","page":55},{"text":"الخلوق عنك، وأنق الصفرة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك \" ١ ووجه الدلاله أنه لم يُجِب السائل عن سؤاله إلا بعد ما جاءه الوحي بالجواب.\nقال الزركشي: \" وهو دليل قطعي على أن السنة كانت تنزل عليه كما ينزل القرآن \" (٢)\nقال الحافظ: \" لم أقف في شيء من الروايات على بيان المنزل حينئذ من القرآن، وقد استدل به جماعة من العلماء على أن من الوحي مالا يتلى، لكن وقع عند الطبراني في الأوسط من طريق أخرى أن المنزل حينئذ قوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] ووجه الدلالة منه على المطلوب، عموم الأمر بالإتمام، فإنه يتناول الهيئات والصفات، والله أعلم\".\nقلت: ولا تظهر دلالة الآية على ما سأل عنه السائل من نزع جبته، وغسل أثر الخلوق عنه، إلا بالتأويل المذكور، لو صحت الرواية بذلك، لكن رواية الطبراني في الأوسط ضعيفة (٣) فيصحّ الاستدلال بالحديث على أن الموحى به له ﷺ في هذه القضية، هو السنة لا القرآن.\n(٤) حديث خولة بنت ثعلبة في مظاهرة أوس بن الصامت منها، وهو شيخ كبير قالت: جئت رسول الله ﷺ وجلست بين يديه،\n_________\n(١) أخرجه البخاري في العمرة – الفتح – ٣/٧١٨.\n(٢) البحر المحيط /٦/٢١٦.\n(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط – ٢/٤٨٥/ حديث – ١٨٣٦/ وقال: \"لم يرو هذا الحديث عن أبي الزبير إلا إبراهيم، ولم يدخل أبو الزبير بين عطاء وصفوان أحدا، ورواه مجاهد عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه \"قلت: وتابعه همام عند البخاري ومسلم، فرواه عن عطاء عن صفوان عن أبيه، كما تابعهما ابن جريح، وعمرو بن دينار، وقيس، ورباح بن أبي معروف ورواياتهم عند مسلم.","vol":"1","page":56},{"text":"فذكرت له ما لقيت منه، وجعلت أشكو ما ألقى من سوء خلقه، قالت: فجعل رسول الله ﷺ يقول: \" يا خويلة، ابن عمك شيخ كبير، فاتقي الله فيه \" قالت: فوالله ما برحت حتى نزل فيّ، فتغشى رسولَ الله ﷺ ما كان يتغشاه، ثم سري عنه فقال لي: \" ياخويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك، ثم قرأ علي ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة:١] ... \" الحديث (١)\nووجه الدلالة من هذه القصة أن النبي ﷺ توقف في الجواب عنها، فلم يجب فيها لا برأي ولا قياس، حتى نزل عليه الوحي بحكمها، فدل على أنه لا يقول شيئا، ولا يفعله إلا بوحي.\n(٥) حديث عبد الله بن عمرو، قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ﷺ، ورسولُ الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ \"فأومأ بإصبعه إلى فيه\" فقال:\n_________\n(١) أخرجه أحمد – ٦/٤١٠/٤١١/ وأبو داود في الطلاق – ٢/٢٦٦/ من طريق محمد بن إسحاق، عن معمر بن عبد الله بن حنظلة، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عنها به.\nوإسناده فيه ضعف، معمر بن عبد الله مجهول الحال، لم يوثقه إلا ابن حبان، لكنه لم ينفرد به فقد روي مرسلا، عن محمد بن كعب القرظي وأبي العالية عند الطبراني، كما في الفتح.\nوروي من حديث ابن عباس عند ابن جرير في تفسيره. وفيه أبو حمزة الثمالي –واسمه ثابت بن صفية- وهو ضعيف، وجاء من حديث عائشة بسند صحيح مختصرا عند البخاري في التوحيد – ١٣/٣٨٤/ وعن أنس، عند ابن مردويه – كما في الفتح – ١٣/٣٨٦.","vol":"1","page":57},{"text":"\" اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق \" ١ ووجه الدلالة أن النبي ﷺ وصف ما يتكلم به في حال الغضب والرضا بأنه حق، فدل ذلك على أن ما يقوله، كان بوحي، سواء كان كتابا أو سنة، لأن الحق وقع منَكَّرا في سياق النفي، فيفيد العموم.\n(٦) حديث جبير بن مطعم أن رجلا قال: يا رسول الله، أي البلدان أحب إلى الله وأي البلدان أبغض إلى الله؟ قال: \"لا أدري حتى أسأل جبريل\" فأتاه فأخبره جبريل أن أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق٢، وفي لفظ: قال جبريل: \" لا أدري حتى أسأل رب العزة \".\n(٧) حديث جابر أنه كان مريضا، فعاده النبي ﷺ وأبو بكر، فتوضأ رسول الله ﷺ فصب عليه من وَضوئه، فأفاق من إغمائه، فقال: يا رسول الله: كيف أقضي في مالي؟ قال: فما أجابني بشيء\n_________\n(١) أخرجه أحمد – ٢/١٦٢/١٩٢/ وأبو داود – ٣/٣١٨/ والدارمي – ١/١٢٥/ والحاكم – ١/١٠٥/١٠٦/ من طريق يحي بن سعيد القطان، عن عبيد الله بن الأخنس، حدثنا الوليد بن عبد الله، عن يوسف بن ماهك عنه به مرفوعا، وإسناده صحيح، والوليد بن عبد الله، هو ابن أبي مغيث.\n(٢) أخرجه البزار – ٨/٣٥٢/ وأحمد – ٤/٨١/ وأبو يعلى – ١٣/٤٠٠/ والحاكم – ١/٨٩/٩٠/٢/٧/. من طريق زهير بن محمد التميمي، عن ابن عقيل، عن محمد بن جبير بن مطعم به. وأخرجه الطبراني في الكبير – ٢/١٢٨/ والحاكم من طريق قيس بن الربيع عن ابن عقيل به وقال \"الحاكم\": صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد رواه قيس بن الربيع، وعمرو بن ثابت عن عبد الله بن محمد بن عقيل، وله شاهد صحيح \"فذكره عن ابن عمر. وقال الذهبي: زهير ذو مناكير، هذا منها، وابن عقيل فيه لين ... \". قلت: استقر رأي المحدثين –كالبخاري وأضرابه- على تحسين حديث ابن عقيل، ومناكيرُ زهير إنما هي فيما رواه عنه أهل الشام، وهنا قد روى عنه أبو عامر العقدي، وأبو حذيفة: موسى بن مسعود، وأبو عامر بصري، قال البخاري: ما روى عنه أهل الشام، فإنه مناكير وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح \" قلت: وهذا من صحيح حديثه، وليس منكرا كما زعم الذهبي، ويدلك على صحته أنه روي من غير طريقه كما ذكر الحاكم، وله شواهد يصح بها، انظرها في مجمع الزوائد – ٢/٦/.","vol":"1","page":58},{"text":"حتى نزلت آية المواريث\"١ ووجه الدلالة أنه لم يجبه حتى جاء الوحي بجوابه، فدل على أنه لا يجيب إلا بوحي، فلو كان يجتهد في الأحكام لاجتهد في جواب هذا السؤال، مع قيام الداعي، والحاجة الملحة، فلما انتظر الوحي، أفاد ذلك أنه لا يقول إلا بوحي، وهو المطلوب.\n(٨) حديث أبي هريرة أن امرأة قالت: يا رسول الله، ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه، تعلمنا مما علمك الله، فقال: اجتمعْن في يوم كذا، في مكان كذا وكذا، فاجتمعْن فأتاهن رسول الله ﷺ فعلمهن مما علمه الله ... ٢ ووجه الدلالة إقرار النبي ﷺ المرأة على قولها: \"تعلمنا مما علمك الله\" وذلك يدل على أن علمه علْمُ تعليمٍ وتلقٍ، لا علمُ اجتهادٍ وقياس.\n(٩) حديث المطلب بن حَنْطَب أن النبي ﷺ قال: \"ماتركت شيئا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئا مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه، ألا وإن الروح الأمين قد ألقى في رُوعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فأجملوا في الطلب\" ٣ ووجه الدلالة أن النبي ﷺ بيَّن أنه لا يأمر ولا ينهى إلا بما أمر به الله ونهى عنه، وأنه يتلقى وحي الإلهام كما يتلقى وحي الإرسال، وكلاهما حق، وذلك يفيد أن السنة وحي، لأن بعض ما حرّمه الله لا يوجد إلا في السنة لا في القرآن، وقد استدل الشافعي في الرسالة بهذا الحديث لهذا المعنى.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الاعتصام – الفتح – ١٣/٣٠٣.\n(٢) المصدر نفسه...... ٣٠٥/٣٠٦.\n(٣) أخرجه الشافعي في الرسالة ص ٨٧/٩٣/ وقد استفاض الشيخ شاكر في تخريجه وتحقيقه بما لا مزيد عليه.","vol":"1","page":59},{"text":"(١٠) حديث ابن مسعود قال: بينا أنا مع رسول الله ﷺ في حرث وهو متكئ على عسيب – إذ مر اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقال: \" ما رَابَكُم إليه \" وقال بعضهم: لا يستقبلكم بشيء تكرهونه، فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك النبي ﷺ فلم يرد عليهم شيئا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] ١. ووجهُ الدلالة أنه ﷺ توقف فلم يرد حتى جاءه الوحى بالجواب.\nفدل ذلك على أنه يُوحى إليه في كلّ شؤونه.\n(١١) حديث سهل بن سعد في قذف عُوَيمر العجلاني امرأته عند النبي ﷺ وقوله ﷺ: \" قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها \" وفي رواية ابن عمر: \" فسكت عنه النبي ﷺ، فلما كان بعد ذلك أتاه \"وفي لفظ ابن مسعود: قال النبي ﷺ: \" اللهم افتح، وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان \" وفي رواية ابن عباس \" اللهم بين \" ٢ ووجه الدلالة من هذه الألفاظ أنه ﷺ توقف عن حكم اللعان حتى نزل عليه الوحي به، فدل ذلك على أنه لا يجتهد، فلو كان يجتهد لأجاب السائل ولما انتظر الوحي.\nقال الشافعي: \" وفيه دلالة على أن رسول الله ﷺ حين وردت عليه هذه المسألة، -وكانت حكمًا- وقف عن جوابها، حتى أتاه من الله ﷿ الحكم فيها، فقال لعويمر \" قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك \"\n_________\n(١) أخرجه البخاري في التفسير – الفتح – ٨/٢٥٣/ ومسلم في المنافقين - /٤/٢١٥٢.\n(٢) البخاري في الطلاق –الفتح- ٩/٣٥٥/ باب اللعان ومن طلق بعد اللعان.","vol":"1","page":60},{"text":"فلاعَن بينهما أمر الله تعالى في اللعان ثم فرق بينهما، وألحق الولد بالمرأة، ونفاه عن الأب ... فكانت هذه أحكاما وجبت باللعان ليست باللعان بعينه، فالقول فيها واحد من قولين: أحدهما أني سمعت من أَرضى دينه وعقله وعلمه يقول: إنه لم يقض فيها ولا غيرِها إلا بما أمر الله ﵎، وقال: فأمر الله إياه وجهان: وحي ينزله فيتلَى على الناس، والثاني رسالة تأتيه عن الله تعالى بأن افعل كذا فيفعله ... \" (١)\nوأما الآثار فقد استدلوا بما يلي:\n(١) قال سعد بن معاذ: \" ما سمعت من رسول الله ﷺ حديثا قط إلا علمت أنه حق من الله، ولا كنت في صلاة قط فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها، ولا كنت في جنازة قط فحدثت نفسي بغير ما تقول ويقال لها، حتى أنصرف عنها \" قال سعيد بن المسيب: هذه الخصال، ما كنت أحسبها إلا في نبي (٢)\n(٢) وقال حسان بن عطية: \" كان جبريل ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما ينزل بالقرآن، يعلمه إياها كما يعلمه القرآن \" (٣)\n(٣) وقال الشافعي: \" وما سن رسول الله فيما ليس لله فيه حكم، فبحكم الله سنه ... . فلم أعلم من أهل العلم مخالفا في أن سنن النبي ﷺ من ثلاثة وجوه: -فاجتمعوا منها على وجهين، والوجهان\n_________\n(١) الأم – ٥/١٣٦.\n(٢) جامع بيان العلم وفضله – ٢/١١٩٨.\n(٣) أخرجه الدارمي – ١/١٤٥/ واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد – ١/٨١/ وابن بطة في الإبانة – ١/٢٥٥ من طريقين عن الأوزاعي عنه به، وسنده صحيح، وعزاه الحافظ في الفتح – ١٣/٣٠٥/ للبيهقي بسند صحيح.","vol":"1","page":61},{"text":"يجتمعان ويتفرعان- أحدهما ما أنزل الله فيه نص كتاب، فبين رسولُ الله مثلَ ما نص الكتابُ، والآخر مما أنزل الله فيه جملةَ كتاب: فبين عن الله معنى ما أراد، وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما، والوجه الثالث: ما سن رسول الله فيما ليس فيه نص كتاب، فمنهم من قال: جعل الله له بما افترض من طاعته، وسبق في علمه من توفيقه لرضاه أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب. ومنهم من قال: لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في كتاب ... ومنهم من قال: بل جاءته به رسالة الله، فأُثبِتت سنته بفرض الله. ومنهم من قال أُلقي في رُوعه كل ماسن، سنتُه، الحكمةُ الذي أُلقي في روعه عن الله، فكان ما أُلقي في روعه سنتَه. قال الشافعي: فكان مما ألقى في روعه سنته، وهي الحكمة التي ذكر الله، وما أنزل به عليه كتاب، فهو كتاب الله، وكلٌّ جاءه من نعم الله كما أراد الله، وكما جاءته النعم تجمعها النعمة وتتفرق بأنها في أمور بعضها غير بعض...... وأي هذا كان، فقد بين الله أنه فرض فيه طاعة رسوله، ولم يجعل لأحد من خلقه عذرا بخلاف أمر عرفه من أمر رسول الله ﷺ، وأنْ قد جعل الله بالناس كلهم الحاجة إليه في دينهم، وأقام عليهم حجته بما دلهم عليه من سنن رسول الله معاني ما أراد الله بفرائضه في كتابه، ليَعلم من عَرف منها ما وصفنا، أن سنته ﷺ كانت سنة مبينة عن الله معنى ما أراد من مفروضه فيما فيه كتاب يتلونه، وفيما ليس فيه نص كتاب، أخرى – فهي كذلك أين كانت، لا يختلف حكم الله ثم حكم رسوله، بل هو لازم بكل حال\" (١) .\nوقال: \" إن الله ﷿ وضع نبيه ﷺ من كتابه ودينه بالموضع الذي أبان في كتابه، فالفرض على الخلق أن يكونوا عالمين بأنه\n_________\n(١) الرسالة ص –٨٨-٩١-٩٢-٩٣-١٠٣-١٠٤-١٠٥.","vol":"1","page":62},{"text":"لايقول فيما أنزل الله عليه إلابما أنزل عليه، وأنه لايخالف كتاب الله، وأنه بين عن الله ﷿ معنى ما أراد الله \"١. وهذا كلام ناصر السنة، وقد نقلناه بطوله، لتنصيصه على أن السنة وحي كالقرآن، سواء كانت وحيَ إرسال، أو إلهام، أوسداد وتوفيق.\n(٤) قال البخاري: \" باب ما كان النبي ﷺ يُسأل مما لم يُنزل عليه الوحي، فيقول: لا أدري، أو لم يجب حتى ينزل عليه الوحي، ولم يقل برأي ولا قياس، لقوله تعالى: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء:١٠٥] وقال ابن مسعود: سئل عن الروح فسكت حتى نزلت الآية. ثم بعد هذه الترجمة، ساق حديث جابر أنه سأله كيف يقضي في ماله فما أجابه حتى نزلت آية المواريث. ثم بوب بعده بقوله: \" باب تعليم النبي ﷺ أمته من الرجال والنساء مما علمه الله، ليس برأي ولا تمثيل \" ٢ وساق بعده حديث أبي سعيد في تعليمه النساء مما علمه الله، قال الحافظ: \" والمراد بالوحي، أعم من المتعبد بتلاوته ومن غيره \". وهاتان الترجمتان من البخاري ﵀، صريحتان في أنه يرى أن السنة وحي كالقرآن، وأن النبي ﷺ لا يقول برأي ولا قياس.\n(٥) وقال ابن حزم: \" إن من ظن أن الاجتهاد يجوز لهم في شرع شريعة لم يوح إليهم فيها فهو كفر عظيم ... ولا سبيل إلى اجتهاد النبي ﷺ في شرع الشرائع، والأوامرُ عنده واردة متيقنة لا إشكال فيها \"٣.\n(٦) وقال السرخسي: \" ولا يدخل في ذلك الأَخبار، فإنه لا اختلاف\n_________\n(١) كتاب جماع العلم – ضمن الأم – ٧/٣٠٣.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الاعتصام – ١٣/٣٠٣ – ٣٠٥.\n(٣) الإحكام في أصول الأحكام - /٩٤.","vol":"1","page":63},{"text":"فيها في الأصل، لأنه كلام رسول الله ﷺ، وقد بينا أنه قال ذلك عن وحي، وقد علمنا بالنص أنه لا اختلاف فيما هو من عند الله، قال تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] وإنما الاختلاف في الأخبار من جهة الرواة، والحجة هو الخبر لا الراوي\" (١) .\n(٧) وقال القاضي عياض: \" لأن أصل الشريعة التي تعبدنا بها، إنما هي متلقاة من جهة نبينا - صلوات الله عليه وسلامه - إما فيما بلغه من كلام ربه، وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ... ثم بعد ذلك ما أَخبر به من وحي الله إليه، وأوامره ونواهيه ... وغير ذلك من سنته، وسائر سيره، وجملة أقواله وأفعاله، وإقراره \" (٢) .\n(٨) وقال ابن تيمية: \" لأن الله قد ضمن حفظ الذكر الذي أنزله على رسوله، ولم يضمن حفظ ما يؤثر عن غيره، لأن ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، هو هدى الله الذي جاء من عند الله، وبه يعرف سبيله، وهو حجته على عباده، فلو وقع فيه ضلال لم يبيَّن، لسقطت حجة الله في ذلك، وذهب هداه، وعمت سبيله، إذ ليس بعد هذا النبي نبي آخر ينتظَر ليبين للناس ما اختلفوا فيه ... \" (٣) .\n(٩) وقال ابن جُزَي الغرناطي: \" فأما قوله ﷺ فيحتج به كما يحتج بالقرآن، لأنه لا ينطق عن الهوى \" (٤)\n(١٠) وقال ابن القيم في أقسام بيان السنة: \" الخامس ما سئل عنه\n_________\n(١) أصول السرخسي – ٢/١٢٣.\n(٢) الإلماع في أصول الرواية وتقييد السماع ص – ٦-٧.\n(٣) الفتاوى – ٤/١٦٨/١٦٩.\n(٤) تقريب الوصول إلى علم الأصول – ص ١٦١.","vol":"1","page":64},{"text":"بالوحي، وإن لم يكن قرآنا، كما سئل عن رجل أحرم في جبته...... ولا فرق بين ما يبلغه عنه من كلامه المتلو، من وحيه الذي هو نظير كلامه، في وجوب الاتباع، ومخالفةُ هذا كمخالفة هذا \"١\n(١١) وقال الزركشي: \" صرح الشافعي في الرسالة بأن السنة منزلة كالقرآن \"٢\n(١٢) وقال الشيخ محمد علي السنوسي: \" اعلم أن النبي ﷺ هو المعبر عن القرآن، الدال على معانيه بما علمه الله، فكانت أقواله، وأفعاله، وتقريراته، كلها وحيا\"٣\n(١٣) وقال الشيخ محمد لطفي الصباغ: \" فسنة رسول الله ﷺ وحي أوحاه الله تعالى إلى نبيه وأمينه على خلقه، وهي مع كتاب الله العزيز أساس الدين الإسلامي، وهما متلازمان تلازم شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله٤.\nوهذه نماذج من أقوال العلماء في هذه المسألة من شتى المذاهب لاعلى سبيل الحصر وإنما على سبيل التمثيل.\nهذا وإن رأى غيرنا احتمالا في بعض النصوص، فليعلم أن جزْمنا بَنَيناه على مجموع النصوص لا على أفرادها، ومراعاةُ ذلك من الأمور المهمة كما أشار إلى ذلك الشاطبي في موافقاته٥.\nوصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\n_________\n(١) إعلام الموقعين – ٢/٣١٥/٣١٤.\n(٢) البحر المحيط – ٦/٢١٧.\n(٣) إيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن – ص ٦/٧.\n(٤) حجية السنة – ص ٤-.\n(٥) الموافقات ١/ ٣٥-٣٦ المقدمة الثالثة.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الخاتمة</span>\n...\nخاتمة في نتائج هذا البحث:\nيمكن استخلاص نتائج مهمة مما تقدم من الأدلة ومناقشتها على النحو الآتي،\nبالنسبة للأنبياء فهم معصومون من الكبائر، ومن كل ما يخل بالتبليغ بالإجماع، وتقع منهم بعض الصغائر سهوا وغلطا، ولكنهم لا يقرون عليها، بل ينبهون على الصواب فيها فيرجعون إليه، فيكونون بذلك معصومين مآلا.\nوبالنسبة لاجتهاد الأنبياء، فالصواب أنهم يجتهدون اجتهادا مطلقا بأمر الله تعالى وبإذنه لهم في ذلك، واجتهادُهم يكون بوحي من الله، فإذا صدر منهم ما هو خلاف الأولى في اجتهادهم، فإن الله تعالى يسددهم ويهديهم، فيرجعون إلى الصواب فيما أخطؤوا فيه، وذلك لا يتنافى مع عصمتهم، لأنها إما أن تكون حالية أو مآلية، خلافا لمن استشكل الجمع بين الاجتهاد والعصمة، ولا إشكال في ذلك كما تقدم، لأن اجتهادهم لا يكون إلا بوحي.\nالسنة النبوية المقبولة، كلها وحي من الله تعالى لرسوله ﷺ، بأي وجه من أوجه الوحي السابق ذكرها. وهذا هو الراجح القوي في مسألة السنة النبوية، لأن أدلته متواترة في هذا المعنى، وصريحة في دلالتها على ذلك، فلا يؤثر فيها آحاد المسائل والجزئيات التي لا تنشئ أصلا يخالفها، ولا كليا يعارضها، وإنما هي استثناءات، تحتمل التأويل والحمل على موافقة الأدلة الصريحة، أكثر من احتمالها ما يضاد ذلك الصريح، لأن الكليات لا تنخرم بانخرام جزئي أو أجزاء منها، لاحتمال أن يكون لذلك الجزئي","vol":"1","page":66},{"text":"كلي آخر يشمله، أو لاحتماله وجها صحيحا يرد به إلى كيله الصريح. وإذا أخذت أقسام الوحي المذكورة في الاعتبار –كما ذكر الشافعي وغيره- فإن الإشكال يزول من أساسه، فيصبح بذلك أن السنة المقبولة وحي، ويترتب على ذلك تعظيمها والبحث عنها، والعمل بها. أسأل الله ﷿ بأسمائه وصفاته وبمحبة نبيه ﷺ أن يوقفنا للعمل بها، والائتساء بصاحبها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>مصادر ومراجع</span>\n...\nالمصادر والمراجع\n- الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، لأبي عبد الله\nعبيد الله بن محمد بن بطة، العكبري، ت، رضا بن نعسان، دار الراية، ط، الثانية ١٤١٥؟.\n- الإحسان، بترتيب صحيح ابن حبان، لابن بلبان، دار الفكر، ط، الأولى ١٤٠٧؟.\n- الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: ت، الشيخ شاكر، دار الآفاق، ط، الاولى ١٤٠٠؟.\n- الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي: علي بن أبي علي، ط، محمد صبيح، القاهرة ١٣٨٧؟.\n- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، للشوكاني: محمد بن علي، دار الفكر، بلا تاريخ.\n- الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، لإمام الحرمين: عبد الملك الجويني، ت، أسعد تميم، مؤسسة الكتب الثقافية، ط الأولى ١٤٠٥؟.\n- أصول السرخسي: أبي بكر محمد بن أحمد: مكتبة المعارف، ت، أبو الوفاء الأفغاني نشر لجنة إحياء المعارف النعمانية، حيدر آباد، الهند.\n- الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع، للقاضي عياض، ت، السيد أحمد صقر، ط الثالثة، دار التراث، القاهرة.\n- الأم للشافعي، دار الفكر، ط، الثانية ١٤٠٣؟.\n- إيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن، للسيد محمد بن علي السنوسي، دار القلم، ط، الأولى ١٤٠٦؟.","vol":"1","page":68},{"text":"- البحر الزخار – المعروف بمسند البزار، للحافظ أبي بكر، أحمد بن عمرو ابن عبد الخالق ت، د، محفوظ الرحمان زين الله، مكتبة العلوم والحكم، المدينة النبوية، ط الأولى ١٤٠٩هـ.\n- البحر المحيط في أصول الفقة للزركشي: محمد بن بهادر، تحرير الشيخ عبد القادر العاني، مراجعة د. عمر سليمان الأشقر.\n- البرهان في أصول الفقه للجويني: ت، عبد العظيم الديب، دار الوفاء، ط، الثالثة ١٤١٢هـ.\n- بيان المختصر، شرح مختصر ابن الحاجب، لشمس الدين محمود بن عبد الرحمان الأصفهاني، ت د، محمد مظهر بقا، منشورات جامعة أم القرى - ط – الأولى ١٤٠٦هـ.\n- التبصرة في أصول الفقه، للشيرازي: إبراهيم بن علي، ت، هيتو، دار الفكر ١٤٠٣هـ.\n- تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ت، عبد العزيز غنيم ومحمد عاشور، ومحمد البنا.\n- تقريب الوصول إلى علم الأصول لابن جزي: ت، فركوس، دار الأقصى، ط، الأولى ١٤١٠هـ.\n- تلخيص المستدرك، بهامش المستدرك، دار الفكر ١٣٩٨هـ.\n- تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر، العسقلاني، دار الفكر، ط، الأولى ١٤٠٤هـ.\n- جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، دار الفكر ١٤٠٨هـ.","vol":"1","page":69},{"text":"- جامع بيان العلم وفضله، لأبي عمر، يوسف بن عبد البر، ت، أبي الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، ط الأولى ١٤١٤هـ.\n- الجامع الصحيح للإمام البخاري مع شرحه فتح الباري، ط الثالثة المكتبة السلفية.\n- الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله القرطبي: محمد بن أحمد، دار الفكر.\n- جامع العلم، للإمام الشافعي، ضمن كتاب الأم، دار الفكر.\n- جمع الجوامع للسبكي: تاج الدين عبد الوهاب، مع شرح المحلي وحاشية البناني، ط البابي الحلبي.\n- حجية السنة، د عبد الغني عبد الخالق: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط، الأولى ١٤٠٧هـ.\n- حجية السنة للدكتور محمد لطفي الصباغ، جمعية الحديث، عمان، ط، الأولى ١٤١٤هـ.\n- دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب، للشنقيطي: الشيخ محمد الأمين، مطبوع في آخر أضواء البيان.\n- دلائل النبوة للبيهقي: أحمد بن الحسين، ت، قلعجي، دار الكتب العلمية، ط، الأولى ١٤٠٥هـ.\n- رسالة في وصل البلاغات الأربع في الموطأ – لابن الصلاح، دار الطباعة الحديثة، الدار البيضاء.\n- الرسالة للإمام الشافعي، ت، الشيخ أحمد شاكر – دار الفكر -١٣٩٩هـ.\n- سنن ابن ماجه، لأبي عبد الله محمد بن يزيد القرشي، تعليق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر.","vol":"1","page":70},{"text":"- سنن أبي داود، للحافظ سليمان بن الأشعث، تعليق محمد فؤاد، دار الفكر.\n- سنن الترمذي لأبي عيسى محمد بن عيسى، ت، شاكر، دار إحياء التراث.\n- سنن الدارقطني: علي بن عمر، تصحيح الشيخ عبد الله هاشم يماني، دار المحاسن ١٣٨٦هـ\n- سنن الدارمي، للإمام الكبير: عبد الله بن عبد الرحمان، دارالفكر.\n- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، لأبي القاسم، هبة الله بن المحسن الطبري اللالكائي، ت، أحمد سعد حمدان، دار طيبة الرياض، ط، الأولى ١٤٠٩هـ.\n- شرح الكوكب المنير في أصول الفقه، لابن النجار الحنبلي: محمد بن أحمد، ت، د، محمد زحيلي، ود، نزيه حماد، دار الفكر ١٤٠٠هـ.\n- شرح معاني الآثار للطحاوي: أحمد بن محمد، دار الكتب العلمية، ط، الأولى ١٣٩٩هـ.\n- الشريعة للآجري: أبي بكر محمد بن الحسن، ت، محمد حامد الفقي الناشر، حديث أكادمي باكستان ط، الأولى ١٤٠٣هـ.\n- الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض، ت، عبد علي كوشك، ط الأولى١٤٢٠هـ، دار الفيحاء بيروت.\n- صحيح الإمام أبي الحسين: مسلم بن الحجاج، تعليق محمد فؤاد، دار الفكر، ط، الثانية ١٣٩٨هـ.\n- الغنية في الأصول، للسجستاني: منصور بن إسحاق، ت، محمد صدقي مطابع الذهبية الرياض، ط، الأولى١٤١٠هـ.","vol":"1","page":71},{"text":"- الفتاوى لابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، جمع وترتيب، عبد الرحمان بن محمد بن قاسم، مكتبة المعارف، الرباط، المغرب، بلا تاريخ.\n- فتح الباري، شرح صحيح البخاري، للحافظ ابن حجر العسقلاني، تعليق الشيخ عبد العزيز بن باز، المكتبة السلفية، ط، الثالثة ١٤٠٧هـ\n- فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، للشوكاني محمد بن علي، دار الفكر ١٤٠٣هـ.\n- الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم دار المعرفة ١٤٠٦هـ.\n- الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل للزمخشري: محمد بن عمر، دار الكتاب العربي، تصحيح مصطفى حسين أحمد، ط، الثالثة ١٤٠٧هـ.\n- كشف الأسرار، للنسفي عبد الله بن أحمد، دار الكتب العلمية، ط، الأولى ١٤٠٦هـ.\n- لسان العرب لابن منظور: محمد بن مكرم، دار الفكر، ط، الأولى١٤١٠هـ.\n- مجمع الزوائد، ومنبع الفوائد، للحافظ نور الدين الهيثمي، دار الكتاب العربي، ط، الثانية ١٤٠٢هـ.\n- محاسن التأويل للشيخ محمد بن جمال الدين القاسمي، دار الفكر، ط، الثانية ١٣٩٨هـ.\n- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية، ت، المجلس العلمي بفاس، ط فضالة المغرب.\n- محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، من العلماء، والحكماء والمتكليمن، للفخر الرازي، دار الكتاب العربي، مراجعة عبد الرؤوف سعد، ط، الأولى ١٤٠٤هـ.","vol":"1","page":72},{"text":"- المحصول في علم أصول الفقه للفخر الرازي ت، طه جابر العلواني، مؤسسة الرسالة، ط /٢/١٤١٢هـ.\n- المستدرك على الصحيحين للإمام الحافظ أبي عبد الله الحاكم –دار الفكر ١٣٩٨هـ.\n- مسند الإمام أحمد بن حنبل، دار الفكر، ط، الثانية ١٣٩٨هـ.\n- مسند الإمام أحمد بن حنبل، ت، حمزة أحمد زين، دار الحديث القاهرة – ط، الأولى ١٤١٦هـ.\n- المسودة في أصول الفقه، لآل تيمية، تقديم محيي الدين عبد الحميد، مطبعة المدني.\n- معالم التنزيل في التفسير والتأويل لأبي محمد، الحسين بن مسعود البغوي، دار الفكر ١٤٠٥هـ.\n- المعجم الأوسط، للحافظ أحمد بن سليمان الطبراني ت، محمود الطحان، مكتبة المعارف، ط، الأولى ١٤٠٦هـ.\n- المعجم الكبير له، الشيخ عبد المجيد السلفي، وزارة الأوقاف العراقية، ط، الثانية.\n- معجم مقاييس اللغة، لأبي الحسين أحمد بن فارس، دار الفكر ١٣٩٩هـ.\n- مفاتيح الغيب للفخر الرازي محمد بن عمر، دار الفكر، ط، الثالثة ١٤٠٥هـ.\n- الموافقات للشاطبي، تعليق الشيخ دراز، دار المعرفة.\n- المواقف في علم الكلام لعضد الدين الإيجي، عالم الكتب.\n- الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد، للخياط، تقديم محمد حجازي، مطبعة المدني القاهرة ١٩٨٨م.","vol":"1","page":73},{"text":"- النبذ في أصول الفقه الظاهري، لابن حزم: علي بن أحمد القرطبي، ت، محمد صبحي حسن حلاق، دار ابن حزم، ط، الأولى ١٤١٣هـ\n- الوصول إلى الأصول، لابن برهان أحمد بن علي، ت، عبد الحميد أبو زيد، مكتبة المعارف الرياض ١٤٠٣هـ","vol":"1","page":74}]}