{"ً":{"ٌ":7600,"ٍ":"السنة النبوية وحي - شيخة بنت مفرج","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم الحديث/السنة النبوية وحي من الله - المفرج","files":["01-01_2.pdf"]},"ّ":"الكتاب: السنة النبوية وحي من الله محفوظة كالقران الكريم\nالمؤلف: شيخة بنت مفرج المفرج\nالناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة\nعدد الصفحات: ٥٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2024,"ٕ":10,"ٖ":1770155796,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"تمهيد","level":1,"page":3},{"title":"الفصل الأول: إثبات أن السنة وحي من الله","level":1,"page":13},{"title":"المبحث الأول: ما ورد في القران الكريم","level":2,"page":13},{"title":"المبحث الثاني: ما جاء في السنة النبوية وأقوال الصحابة ومن بعدهم","level":2,"page":15},{"title":"الفصل الثاني: كيف حفظت السنة؟؟","level":1,"page":18},{"title":"المبحث الأول: جهود الصحابة في حفظ السنة في النبي ﷺ","level":2,"page":18},{"title":"مدخل","level":3,"page":18},{"title":"أ - مجالس النبي ﷺ العلمية","level":3,"page":22},{"title":"ب - كيف كان الصحابة يتلقون الحديث عن النبي ﷺ","level":3,"page":26},{"title":"ج - أثر النساء في نشر الحديث","level":3,"page":29},{"title":"د - أمهات المؤمنين يبلغن الحديث عن رسول الله ﷺ","level":3,"page":31},{"title":"هـ - البعوث والوفود وأثرها في انتشار الحديث النبوي","level":3,"page":33},{"title":"و- حجة الوداع وأثرها في نشر الحديث","level":3,"page":38},{"title":"المنحث الثاني: جهود الصحابة والتابعين في حفظ السنة بعد وفاة النبي ﷺ","level":2,"page":39},{"title":"مدخل","level":3,"page":39},{"title":"منهج الصحابة والتابعين في المحافظة على السنة","level":3,"page":40},{"title":"المبحث الثالث: جهود أتباع التابعين في حفظ السنة","level":2,"page":47},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":53},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":54}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":30,"1,30":32,"1,31":34,"1,32":35,"1,33":36,"1,34":37,"1,35":38,"1,36":39,"1,37":41,"1,38":42,"1,39":43,"1,40":44,"1,41":45,"1,42":46,"1,43":47,"1,44":48,"1,45":49,"1,46":50,"1,47":51,"1,48":52,"1,49":53,"1,50":54,"1,51":55,"1,52":56,"1,53":57,"1,54":58},"ٜ":{"1":[1,54]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,28","1,29","1,29","1,30","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"13":[3,4],"15":[5],"18":[6,7,8],"22":[9],"26":[10],"29":[11],"31":[12],"33":[13],"38":[14],"39":[15,16],"40":[17],"47":[18],"53":[19],"54":[20]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ال<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة:</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد.\nفإن من أفضل العلوم بعد كتاب الله سنة رسول الله ﷺ، إذ السنة رديفة القرآن وهي جلاؤه وبيانه، فهي المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديهِ ولا من خلفهِ.\nولقد وكل الله إلى رسوله تبيان هذا الكتاب بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] والرسول ﷺ في بيانه للقرآن الكريم لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] .\nولما كان للسنة النبوية هذه المكانة العظمى، عرف السلف الصالح للسنة قدرها فرعوها حق رعايتها، وحفظوها في الصدور وأودعوها سويداء القلوب، ودونوها في المصنفات والكتب، وحكموها في شؤونهم.\nوفي هذه الوريقات بعض بيان لأمور تتعلق بهذا النبع الصافي، والمورد العذب أجملتهُ في تمهيد وفصلين: -","vol":"1","page":1},{"text":"التمهيد: معنى السنة في اللغة والشرع.\nالفصل الأول: إثبات أن السنة وحي من الله.\nوتحته مبحثان:-\nالمبحث الأول: بما ورد في كتاب الله.\nالمبحث الثاني: بما جاء في السنة والآثار.\nالفصل الثاني: كيف حفظت السنة؟\nوتحته ثلاثة مباحث:-\nالمبحث الأول: جهود الصحابة في حفظ السنة في عهد النبي ﷺ.\nالمبحث الثاني: جهود الصحابة والتابعين في حفظ السنة بعد وفاة النبي ﷺ.\nالمبحث الثالث: جهود أتباع التابعين في حفظ السنة.\nوالله أسأل أن يوفقنا لخدمة العلم والدين، وأن ينفعنا بما علمنا وأن يحفظ شرعه القويم - كما وعد - إلى قيام الساعة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تمهيد:</span>\nتعريف السنة لغةً واصطلاحًا\nأ - السنة لغةً:\nالسنة: الطريقة، كذا في القاموس (١)، ولسان العرب (٢) .\nوقال صاحب اللسان نقلًا عن شمر: «السنة في الأصل سنة الطريق، وهو طريق سنه أوائل الناس فصار مسلكًا لمن بعدهم» .\nإذًا فالسنة في اللغة: الطريقة محمودة ً كانت أو مذمومة، ومنه قوله ﷺ \"من سَنَّ سُنَّةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سَنَّ سُنَّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة\" (٣)، ومنه حديث \"لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا ًبشبر وذراعًا بذراع\" (٤) .\n_________\n(١) القاموس المحيط مادة: سنن ص ١٥٥٨.\n(٢) لسان العرب مادة: سنن ٣/٢١٢٤.\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٤/٢٠٥٩، كتاب العلم باب من سن سنة حسنة أو سيئة ح١٥، (١٠١٧) .\n(٤) أخرجه البخاري كما في الفتح ٦/٤٩٥، وكتاب أحاديث الأنبياء باب ذكر بني إسرائيل ح٣٤٥٦، وأخرجه مسلم ٤/٢٠٥٤ كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى ح ٦ (٢٦٦٩) .","vol":"1","page":3},{"text":"كلمة السنة واستعمالاتها في القرآن الكريم:\n١) قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء:٢٦]\nقال ابن كثير (١) في معنى الآية: يعني طرائقهم الحميدة واتباع شرائعه التي يحبها ويرضاها.\n٢) وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾\n[الأنفال:٣٨]\nقال ابن كثير: «أي قد مضت سنتنا في الأولين.....» (٢)\n٣) وقال تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء:٧٧]\nقال ابن كثير: «سنة من قد أرسلنا - الآية: أي هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا وآذوهم..» (٣)\n٤) وقال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾\n[الفتح:٢٣]\nوقال ابن كثير: «أي هذه سنة الله وعادته في خلقه» (٤)\nويستخلص من النصوص القرآنية أن الكلمة قد استعملت في القرآن الكريم بمعنى الطريقة والعادة.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير ٢: ٢٣٣ سورة النساء.\n(٢) تفسير ابن كثير ٣: ٥٩٦ سورة الأنفال.\n(٣) تفسير ابن كثير ٥: ٩٨٢ سورة الإسراء.\n(٤) تفسير ابن كثير ٧: ٣٢٣ سورة الفتح.","vol":"1","page":4},{"text":"كلمة السنة وبعض استعمالاتها في كلام الرسول ﷺ:\n١) روى عطاء بن يسار عن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"لتتبِعُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم شبرا ًبشبر وذراعًا بذراع\". (١)\nقال ابن حجر في شرحه: لتتبعن «سنن» بفتح المهملة أي طريق. (٢)\n٢) قال «حميد بن أبي حميد الطويل: أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: فجاء رسول الله ﷺ، فقال \"أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني\" (٣)\nقال ابن حجر: \"فمن رغب عن سنتي فليس مني\"، المراد بالسنة الطريقة، لا التي تقابل الفرض.....» . (٤)\n٣) قال ابن بريدة: «حدثني عبد الله المزني ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"صلوا قبل صلاة المغرب - قال في الثالثة - لمن شاء، كراهية أن يتخذها الناس سنة\" (٥)\nقال ابن حجر: ومعنى قوله: سنة أي شريعة وطريقة لازمة. (٦)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ٦/٤٩٥ كتاب أحاديث الأنبياء، باب ذكر بني إسرائيل ح ٣٤٥٦.\n(٢) فتح الباري ٦: ٤٩٨.\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ٩/١٠٤، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، ح ٥٠٦٣، وأخرجه مسلم ٢/١٠٢٠ كتاب النكاح، باب استحباب النكاح،ح ٥ (١٤٠١)\n(٤) فتح الباري ٩: ١٠٥.\n(٥) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ٣/٦٠، كتاب التهجد، باب الصلاة قبل المغرب، ح ١١٨٣.\n(٦) فتح الباري ٣: ٦٠.","vol":"1","page":5},{"text":"٤) قال جرير بن عبد الله ﵁: \"جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله ﷺ وعليهم الصوف، فرأى سوء حالهم، قد أصابتهم حاجة، فحث الناس على الصدقة، فأبطؤوا عنه،حتى رؤي ذلك في وجهه، قال: ثم إن رجلا من الأنصار جاء بصرة من ورق، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه، فقال رسول الله ﷺ: من سَنَّ في الإسلام سنة حسنة، فعل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سَنَّ في الإسلام سنةً سيئة فعل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء\" (١) .\n٥) روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: \"أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه\" (٢)\n٦) قال سالم \"كان عبد الله بن عمر ﵄ يفتي بالذي أنزل الله ﷿ من الرخصة بالتمتع وسن رسول الله ﷺ فيه: فيقول ناس لابن عمر: كيف تخالف أباك؟ وقد نهى عن ذلك، فيقول لهم عبد الله: ويلكم ألا تتقون الله. إن كان عمر نهى عن ذلك فيبتغي فيه الخير، يلتمس به تمام العمرة، فلم تحرمون ذلك؟ وقد أحلَّه الله وعمل به\n_________\n(١) أخرجه مسلم ٤/٢٠٥٩،كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة ح ١٥ (١٠١٧) .\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ١٢/٢١٠ كتاب الديات، باب من طلب دم امرئ بغير حق،ح ٦٨٨٢.","vol":"1","page":6},{"text":"رسول الله ﷺ. أفرسول الله - ﷺ - أحق أن تتبعوا سنته أم سنة عمر؟ \" (١)\nفي ضوء هذه النصوص يمكن القول بأن النبي ﷺ استعمل كلمة «السنة» بمعناها اللغوي أي الطريقة.\nونجد في دواوين السنة عشرات النصوص وردت فيها كلمة السنة وهي في معناها لا تخرج عن الطريقة والسيرة المتبعة.\nقال ابن الأثير في النهاية: قد تكرر في الحديث ذكر «السنة» وما تصرف منها.\nوالأصل فيها الطريقة والسيرة، وإذا أطلقت في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي ﷺ ونهى عنه وندب إليه قولا وفعلا، مما لم ينطق به الكتاب العزيز ولهذا يقال في أدلة الشرع: الكتاب، والسنة، أي: القرآن والحديث. (٢)\nكلمة السنة في دواوين العرب:\n١- قال خالد بن عتبة الهذلي:\nفلا تجزعن من سنة أنت سرتها ... وأول راض سنة من يسيرها\nفإن التي فينا زعمت ومثلها ... لفيك، ولكني أراك تجورها\n٢- وقال لبيد (أحد أصحاب المعلقات):\nمن معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها\n_________\n(١) أخرجه أحمد بن حنبل في المسند ٢: ٩٥ مسند عبد الله بن عمر، قال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند ح٥٧٠٠: إسناده صحيح.\n(٢) النهاية ٢: ٤٠٩، مادة (سنن) .","vol":"1","page":7},{"text":"٣- وقال حسان بن ثابت:\nإن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بينوا سنة للناس تتبع\n٤- وقال الفرزدق:\nفجاء بسنة العمرين فيها ... شفاء للصدور من السقام\nفي ضوء النصوص السابقة، يمكننا أن نقول: أن كلمة السنة استعملها الشعراء في الجاهلية والإسلام بمعناها اللغوي، أي الطريقة المتبعة سواء كانت حسنة أو قبيحة.\nخلاصة القول:\nلقد استعمل الجاهليون كلمة السنة في قصائدهم بمعنى الطريقة\nواستعملت في القرآن بمعنى الطريقة والعادة، والمعنى كما رأينا راجع إلى الأول. واستعملها الرسول - ﷺ - في هذا المعنى كما رأينا في حديث ابن عمر.\nونقلت الكلمة من عمومها هذا إلى المعنى الاصطلاحي الآتي ذكره عند المسلمين وأضيف إليها (أل التعريف) أي طريق رسول الله ﷺ وشريعته. وليس معنى هذا أن معناها اللغوي قد بطل أو انعدم، بل بقي استعمالها ولكن في نطاق ضيق (١) .\n_________\n(١) تم جمع مادة المعنى اللغوي بتصرف من كتاب: دراسات في الحديث النبوي للأعظمي، وكتاب: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للسباعي.","vol":"1","page":8},{"text":"ب- السنة اصطلاحًا:\nيختلف معنى السنة في اصطلاح أهل الشرع حسب اختلاف فنونهم وأغراضهم، فهي عند الأصوليين غيرها عند المحدثين والفقهاء. ولذلك نرى مدلول معناها من خلال أبحاثهم.\n(١) فعلماء الحديث إنما بحثوا عن رسول الله ﷺ الإمام الهادي، الذي أخبر عنه أنه أسوة لنا وقدوة، فنقلوا كل ما يتصل به من سيرة، وخلق، وشمائل، وأخبار، وأقوال، وأفعال، سواء أثبت ذلك حكما شرعيا أم لا.\nإذًا السنة في اصطلاح المحدثين هي:\nكل ما أُثر عن النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خَلْقية أو خُلُقية، أو سيرة سواء أكان ذلك قبل البعثة كتحنثه في غار حراء، أم بعدها. والسنة بهذا المعنى مرادفة للحديث النبوي.\n(٢) وعلماء الأصول إنما بحثوا عن رسول الله ﷺ المشرع الذي يضع القواعد للمجتهدين من بعده، ويبين للناس دستور الحياة، ولذلك عنوا بأقواله، وأفعاله، وتقريراته التي تثبت الأحكام وتقررها.\nإذًا السنة في اصطلاح الأصوليين هي:\nما نقل عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير.\nفمثال القول:\nما تحدث به النبي ﷺ في مختلف المناسبات مما يتعلق بتشريع الأحكام","vol":"1","page":9},{"text":"كقوله ﵊ \"إنما الأعمال بالنيات\" (١) . وقوله: \"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا\" (٢) .\nومثال الفعل:\nما نقله الصحابة من أفعال النبي ﷺ في شؤون العبادة وغيرها، كأداء الصلوات، ومناسك الحج، وآداب الصيام، وقضائه بالشاهد واليمين.\nومثال التقرير:\nما أقره الرسول ﷺ من أفعال صدرت عن بعض أصحابه بسكوت منه مع دلالة الرضا، أو بإظهار استحسان وتأييد.\nفمن الأول، إقراره ﵊ لاجتهاد الصحابة في أمر صلاة العصر في غزوة بني قريظة حين قال لهم \"لا يُصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة\" (٣) فقد فهم بعضهم هذا النهي على حقيقته فأخرها إلى ما بعد المغرب، وفهمه بعضهم على أن المقصود حث\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح١/٩، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، ح١ وأخرجه مسلم ٣/١٥١٥، كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ \"إنما الأعمال بالنية\".... الخ، ح ١٥٥ (١٩٠٧) .\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ٤/٣٢٨، كتاب البيوع باب البيعان بالخيار مالم يتفرقا،ح ٢١١٠، وأخرجه مسلم ٣/١١٦٤، كتاب البيوع، باب الصدق في البيع والبيان، ح ٤٧ (١٥٣٢) .\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ٧/٤٠٧، وكتاب المغازي، باب مرجع النبي صلى الله عليه وسلممن الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته إياهم، ح ٤١١٩، وأخرجه مسلم ٣/١٣٩١، كتاب الجهاد والسير، باب المبادرة بالغزو....إلخ ح ٦٩ (١٧٧٠) .","vol":"1","page":10},{"text":"الصحابة على الإسراع فصلاها في وقتها، وبلغ النبي ما فعل الفريقان فأقرهما ولم ينكر عليهما.\nومن الثاني: ما روي أن خالد بن الوليد ﵁ أكل ضبًا قُدِّم إلى النبي ﷺ دون أن يأكله، فقال له بعض الصحابة: أوَيحرم أكله يا رسول الله؟ فقال: \"لا، ولكنه ليس في أرض قومي فأجدني أعافه\" (١) .\nوقد تطلق السنة عندهم على ما دل عليه دليل شرعي، سواء كان ذلك في الكتاب العزيز، أو عن النبي ﷺ، أو اجتهد فيه الصحابة، كجمع المصحف وحمل الناس على القراءة بحرف واحد، وتدوين الدواوين، ويقابل ذلك «البدعة» ومنه قوله ﷺ: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي\" (٢) .\n(٣) وعلماء الفقه إنما بحثوا عن رسول الله ﷺ، الذي تدل أفعاله على حكم شرعي، وهم يبحثون عن حكم الشرع في أفعال العباد وجوبا، أو حرمة، أو إباحة، أو غير ذلك. إذًا فالسنة في اصطلاح الفقهاء: هي ما ثبت عن النبي ﷺ من غير افتراض ولا وجوب، وتقابل الواجب وغيره من الأحكام الخمسة، وقد تطلق عندهم على ما يقابل البدعة، ومنه قولهم: طلاق السنة كذا، وطلاق البدعة كذا.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ٩/٦٦٣، كتاب الذبائح والصيد، باب الضب، ح ٥٥٣٧ وأخرجه مسلم ٣/١٥٤٣، كتاب الصيد والذبائح، باب إباحة الضب، ح ٤٣ (١٩٤٥) .\n(٢) أخرجه أبو داود ٥/١٣ كتاب السنة، باب في لزوم السنة،ح ٤٦٠٧ والترمذي ٥/٤٤ كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة، واجتناب البِدع، ح ٢٦٧٦.","vol":"1","page":11},{"text":"ومرد هذا الاختلاف في الاصطلاح إلى اختلافهم في الأغراض التي يُعنى بها كل فئة من أهل العلم.\nفعلماء الحديث إنما بحثوا عن رسول الله ﷺ الإمام الهادي الذي أخبر الله عنه أنه أسوة لنا وقدوة، فنقلوا كل ما يتصل به من سيرة وخلق وشمائل وأخبار وأقوال وأفعال، سواء أثبت ذلك حكمًا شرعيًا أم لا.\nوعلماء الأصول إنما بحثوا عن رسول الله الذي يضع القواعد للمجتهدين من بعده، ويبين للناس دستور الحياة، فعنوا بأقواله وأفعاله وتقريراته التي تثبت الأحكام وتقررها.\nوعلماء الفقه إنما بحثوا عن رسول الله ﷺ الذي لاتخرج أفعاله عن الدلالة على حكم شرعي، وهم يبحثون عن حكم الشرع على أفعال العباد وجوبًا أو حرمةً أو إباحةً أو غير ذلك.\nونحن هنا نريد بالسنة ما عناه الأصوليون، لأنها - بتعريفهم - هي التي يبحث عن حجيتها ومكانتها في التشريع (١) .\n_________\n(١) مادة التعريف الشرعي للسنة أخذت بتصرف من كتاب: السنة قبل التدوين للخطيب، وكتاب السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للسباعي.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الفصل الأول: إثبات أن السنة وحي من الله</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>المبحث الأول: ما ورد في القرآن الكريم</span>\nالسنة النبوية: هي ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، وهي أحد قسمي الوحي الإلهي الذي نزل به جبريل الأمين على النبي الكريم ﷺ، والقسم الثاني من الوحي هو القرآن الكريم، فالسنة النبوية من الوحي، بذلك نطق الكتاب العزيز ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤]\nفكل ما ينطق به رسول الله ﷺ من قرآن أو سنة هو من وحي رب العالمين، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] .\nفأنزل الله القرآن الكريم وحيًا يتلى إلى قيام الساعة محفوظًا من التبديل والتغيير فكان دليلًا قائمًا وبرهانًا ساطعًا على إثبات نبوة محمد ﷺ إلى يوم الدين وكان خير حافظ للشريعة المحمدية من عبث العابثين وتحريف الغالين وانتحال المبطلين وكان وما يزال نورًا ساطعًا وضياءً للمتقين قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٦] .\nوقد أمر الله بطاعة الرسول، وجعل طاعته طاعة لله تعالى واتباعه سببًا في محبة الله وغفران الذنوب ونفى الإيمان عمن لم يرض بقضائه ﷺ، ومما ورد فيه من الوعيد الشديد لمن خالف رسوله قال تعالى:","vol":"1","page":13},{"text":"﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ [المائدة:٩٢] وقال عز من قائل:\n﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧] .\nوقال جل شأنه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] .\nوقوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦]\nوقوله جل شأنه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] (١) .\n_________\n(١) أصول الفقه الإسلامي لزكي الدين شعبان ص ٦٤ – ٦٥.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الثاني: ما جاء في السنة النبوية وأقوال الصحابة ومن بعدهم</span>\nجاءت السنة بذلك: قال رسول الله ﷺ \"ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا وإنَّ ما حَرَّم رسول الله ﷺ كما حرَّمَ الله\" (١) .\nوعن حسان بن عطية أنه قال:\"كان جبريل ﵇ ينزل على رسول الله ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن\" (٢) .\nوعن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ: \"آتاني الله القرآن ومن الحكمة مثليه\" (٣)\nوالوحي ينقسم إلى متلو وغير متلو، فالوحي المتلو هو القرآن الكريم ومن الوحي غير المتلو السنة النبوية لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى\n_________\n(١) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه (أخرجه أبو داود ٥/١٠، كتاب السنة باب لزوم السنة، ح ٤٦٠٤ وأخرجه الترمذي ٥/٣٨، كتاب العلم، باب ما نهي عنه أن يقال عن حديث النبي صلى الله عليه وسلمح ٢٦٦٤ وقال حديث حسن غريب، وأخرجه ابن ماجه ١/٦، المقدمة باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلموالتغليظ على من عارضه ح ١٢) عن المقداد بن معد يكرب، وحسنه الترمذي وصححه الحاكم.\n(٢) أخرجه أبو داود في مراسيله ص ٣٦١، باب في البدع، ح ٥٣٦،وقال محققه شعيب الأرناؤوط: رجاله ثقات رجال الشيخين، غير أنّه مرسل.\n(٣) أخرجه أبو داود في مراسيله ص ٣٥٩ باب البدع، ح ٥٣٤، وقال محققه شعيب الأرناؤوط رجاله ثقات إلا شيخ أبي داود صدوق، غير أنّه مرسل.","vol":"1","page":15},{"text":"،إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] إلى غير ذلك من الأدلة، غير أن السنة النبوية تفارق القرآن الكريم بأمور كثيرة أهمها:\n١- أنها نزلت بالمعنى ولفظها من النبي ﷺ ومن هنا جاز روايتها بالمعنى للخبير بمقاصدها العارف بمعانيها وألفاظها عند من يرى ذلك من العلماء.\n٢– أنها ليست معجزة بألفاظها.\n٣– ولا متعبدًا بتلاوتها.\nوقد يشكل على أن السنة بأقسامها: أقوالها وأفعالها وتقريراتها من الوحي ما قرره العلماء من جواز الاجتهاد له ﷺ وأنه اجتهد في كثير من الوقائع في الحروب وغيرها، فَجعْلُ السنة موحى بها من الله سبحانه يعارض ما قرره جمهور العلماء فضلًا عن أنه يسلبه ﷺ خصائصه ومزاياه من الفهم الثاقب والرأي الصائب. والجواب عن ذلك أنه ﷺ وإن اجتهد في كثير من المواطن التي لم ينزل عليه فيها وحي بمقتضى ما فطر عليه من العقل السليم والنظر السديد إلا أَنَّ الله سبحانه لايتركه وشأنه، ولكن يقره إذا أصاب وينبهه إن أخطأ.\nومن هنا كان اجتهاده ﷺ إذا أقره الله عليه وحيًا حكمًا فلا تعارض بين أن السنة وحي من الله وأن ذلك لا يسلبه ﷺ شيئًا من خصائصه ومزاياه بل يؤكدها ويقررها (١) .\n_________\n(١) كتاب الحديث والمحدثون ص ١١ وما بعدها بتصرف.","vol":"1","page":16},{"text":"وإننا لنلمس آثار رحمة الله تعالى وحكمته في أن جعل الوحي قسمين: قسمًا: لا تجوز روايته بالمعنى بل لابد فيه من التزام الألفاظ المنزلة وهو القرآن الكريم، وقسمًا: تجوز روايته بالمعنى لمن يستطيع ذلك وهو السنة النبوية المطهرة، وفي ذلك صون الشريعة والتخفيف عن الأمة ولو كان الوحي كله من قبيل القرآن الكريم في التزام أدائه بلفظه لشق الأمر وعظم الخطب ولما استطاع الناس أن يقوموا بحمل هذه الأمانة الإلهية.\nولو كان الوحي كله من قبيل السنة في جواز الرواية بالمعنى لكان فيه مجال للريب ومثار للشك ومغمز للطاعنين ومنفذ للملحدين، إذ يقولون لا نأمن أخطاء الرواة في أداء الشريعة ولا نثق بقول نقلة العقائد والأحكام والآداب، ولكِنَّ الله جلت حكمته صان الشريعة بالقرآن ورفع الإصر عن الأمة بتجويز رواية السنة في الحدود السابقة؛ لئلا يكون للناس على الله حجة (١) .\n_________\n(١) كتاب الحديث والمحدثون ص ١٩ وما بعدها (بتصرف) .","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الفصل الثاني: كيف حفظت السنة</span>؟؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>المبحث الأول: جهود الصحابة في حفظ السنة في النبي ﷺ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>مدخل</span>\n...\nالفصل الثاني: كيف حفظت السنة؟؟\nالمبحث الأول: جهود الصحابة في حفظ السنة في عهد النبي ﷺ\nكان من رحمة الله بالإنسانية جمعاء أن بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. وهذا الرسول هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب أشرف الناس نسبًا وأكرم قريش أصلًا.\nبدأ رسول الله ﷺ الدعوة إلى الله سرًّا حتى لا يفجأ القوم بها وهم غارقون في جهلهم هائمون في غيهم.فتبعه منهم نفر قلائل لا يتجاوزون أصابع اليد، ثم جهر بالدعوة إلى الله ﷿ فدخل في الدين من علية القوم كثير، دخلوا الإسلام على بينة من أمره واستمعوا إلى كتاب الله وسنة نبيهم فخالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، ولاسيما وهم متعطشون إلى ما ينقذهم من ظلمات الشرك ويهديهم إلى سبل السلام فصادف الإسلام قلوبًا مستعدة ونفوسًا متلهفة متهيأة فتمكن منها كل التمكن وجرى الإيمان فيهم مجرى الدم في عروقهم.\nذلك أنهم عرفوا من الرسول ﷺ أن هذا الدين هو منبع سعادتهم ومعقد عزهم وسبب نهضتهم فعقدوا عليه خناصرهم وأحبوا رسول الله حبًا يعلو على حب الآباء والأبناء وانكبوا على ما جاءهم به من القرآن يحفظونه وعلى ما حدثهم به من بيان للكتاب","vol":"1","page":18},{"text":"أو تشريع للأحكام فجمعوه في صدورهم وطبقوه على جميع أحوالهم، ثم كانت الهجرة إلى المدينة فانفسح المجال لاستماع القرآن وحضور مجالس النبي ﷺ.\nعلم أصحاب رسول الله ﷺ للسنة مكانها من الدين وأنها الركن الثاني في بنائه القويم بعد الكتاب العزيز كما علموا وصية الله تعالى باتباعها وتحذيره الشديد من مخالفتها، وأن من فَرَّطَ في أمرها أو تهاون بشأنها فهو محروم، ومن حفظها وعمل بها فهو سعيد مشكور.\nولم يخف عليهم أن القرآن العزيز رفع من شأن العلم والعلماء وحط من شأن الجهل والجهلاء فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] وقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] وحث على التفقه في الدين وتبليغه إلى الناس فقال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢] .\nكما لم يخف عليهم الوعيد الشديد على كتمان العلم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩] .\nوكما جاءت الآيات القرآنية حاثة لهم على تعلم الدين وأحكامه ودرسه ونشره كذلك جاءت الأحاديث النبوية محببة إليهم حمل العلم والتفقه في الدين محذرةً لهم من كتمانه حاضةً على تبليغه إلى الناس فقال","vol":"1","page":19},{"text":"ﷺ: \"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين\" (١) \"الدنيا ملعونة. ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالمًا ومتعلمًا\" (٢) .\n\"نضر الله امرأً سمع منا شيئًا فَبَلَّغهُ كما سمعهُ فَرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامع\" (٣) \"من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة\" (٤) \"من سُئل عن علمٍ فكتمه جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار\" (٥) والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة شهيرة.\nملكت هذه الآيات والأحاديث على الصحابة مشاعرهم وأخذت عليهم ألبابهم وأفعمت قلوبهم حبًا لله ورسوله ﷺ وألهبت نفوسهم نشاطًا نحو العلم والعمل فلم يدخروا وسعًا في حفظ الأحكام والسنن، وضحوا في سبيل ذلك بأموالهم وأنفسهم. وإلى جانب هذه الحمية الدينية استعداد فطري ونشاط طبيعي هو استعداد الحافظة ونشاط الذاكرة وسرعة الخاطر وقوة الذكاء وكمال العبقرية، فالصحابة\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ١/١٦٤، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ح ٧١، وأخرجه مسلم ٢/٧١٨، كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة ح ٩٨ (١٠٣٧) .\n(٢) أخرجه ابن ماجه ٢/١٣٧٧، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، ح ٤١١٢، وحسنه الألباني كما في صحيح سنن ابن ماجه ٢/٣٩٥، ح ٣٣٢٠.\n(٣) أخرجه الترمذي ٥/ ٣٤، كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، ح ٢٦٥٧، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(٤) أخرجه مسلم ٤/ ٢٠٧٤، كتاب الذكر، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر ح ٣٨ (٢٦٩٩) .\n(٥) أخرجه أحمد بن حنبل في المسند ٢/ ٢٩٦ و٤٩٥، مسند أبى هريرة، وقال أحمد شاكر - في تحقيقه للمسند ١٤/٥، ح ٧٥٦١ -: إسناده صحيح.","vol":"1","page":20},{"text":"عرب خلص أكثرهم أميون لا يقرؤون ولا يكتبون فكل اعتمادهم على ملكتهم في الحفظ وقوة شأنهم فيه، واعتبر ذلك بحالهم في الجاهلية فقد حفظوا أنسابهم ومناقبهم وأشعارهم وخطبهم وكثيرًا ما كانت تقع بينهم المفاخرة بالأنساب والأحساب فلا يسعفهم غير اللسان يثيرون به ما حفظوه من أخبارهم وأخبار خصومهم مما يرفع من شأنهم ويحط من شأن أعدائهم، فكان كل امرئٍ منهم على مقدار حفظه وقوة وعيه ترجمان قبيلته يرفع من قدرها ويتحدث عن مفاخرها وأحسابها والقوم من ورائه كأنهم سجل مليء بالحوادث والأخبار وكتاب شحن بالتواريخ والآثار، ساعدهم حبهم للتفاخر بالأحساب والأنساب والتنابز بالمثالب والألقاب مع ما رسخ فيهم من عصبية قبلية على إجادة الحفظ والضبط ونشاط في الذاكرة لم يتوافر في أمة من الأمم.\nوكأن الله تعالت قدرته هيأ هذه الأمة العربية على هذا الاستعداد الهائل إرهاصًا لنبوة محمد ﷺ فكانت هذه الصدور الحافظة مهدا لآي الذكر الحكيم، وكانت هذه القلوب الواعية أوعية لحديث النبي الكريم فاندفع هؤلاء الصحابة الأجلاء إلى تلقي حديث رسول الله بِنَهَم عظيم وشوق كبير، وأظهر الله بهم دينه على الدين كله، وكان أمر الله قدرًا مقدورا.\nنعم تظاهر هذان العاملان ... العامل الروحي والعامل الفطري فأتى القوم بمالم تأت به أمة من يوم أن بعث الله تعالى رسله إلى الخلق فحفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم واتخذوا شريعته نبراسًا في أمر معاشهم ومعادهم وبلغوها إلى الناس على وجهها غضةً طريةً.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>أ - مجالس النبي ﷺ العلمية:</span>\nلم يكن للنبي ﷺ مدرسة مشيدة ولا معهد للتعليم يجلس فيه إلى أصحابه، بل كانت مجالسه العلمية كيفما اتفق فهو في الجيش معلم وواعظ يلهب القلوب بوعظه ويحمس الجنود بقوله وهو في السفر مرشد وهاد وهو في البيت يعلم أهله، وهو في المسجد مدرس وخطيب وقاض ومفت، وهو في الطريق يستوقفه أضعف الناس ليسأله عن أمر دينه فيقف، وهو على كل أحواله مرشد وناصح ومعلم، إلا أنه كثيرًا ما يعقد لأصحابه المجالس العلمية بالمسجد حيث يجتمعون فيه في أغلب الأوقات لأداء فريضة الصلاة فكان يتخولهم بالموعظة والدرس تلو الدرس حتى لا يملوا ويسأموا، فعن ابن مسعود ﵁ أنه قال \"كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا\" (١) . وفي هذه المجالس كان ﷺ يفيض على أصحابه من الكلم الطيب والعلم النافع والهدى الرشيد ما يشرح صدورهم ويفعم قلوبهم، وكانوا يحضرون أولادهم مجالس الرسول ﷺ لسماع حديثه والتأدب بآدابه وكان ﵇ كثيرًا ما يستفتى فيفتي، أو يسأل فيجيب، أو تقع أمامه الحادثة فيكشف عن حكم الله فيها، أو تنزل عليه الآية من القرآن فيفصح عن مراد الله منها، أو يقع من بعض الصحابة عمل لم يكن يعرف حكمه فيسكت إيذانًا منه بأنه جائز في الدين.\n_________\n(١) أخرجه البخاري كما في الفتح ١/١٦٢، كتاب العلم، باب ما كان النبيصلى الله عليه وسلميتخولهم بالموعظة ... إلخ، وأخرجه مسلم ٤/٢١٧٢ كتاب صفات المنافقين، باب الاقتصاد في الموعظة ح ٨٢ (٢٨٢١) .","vol":"1","page":22},{"text":"ولاتظن أن رسول الله ﷺ كان ملكًا محجوبًا عن رعيته أو سلطانًا مترفعًا عن الاختلاط بأفراد أمته، بل كان على عكس ذلك متقلبًا بين ظهرانيهم يبلغ رسالة ربه ويعود مرضاهم ويشيع موتاهم ويفصل في قضاياهم ويفض منازعاتهم ويقضي على اختلافاتهم وهم في كل ذلك مقبلون عليه بآذان صاغية وقلوب واعية.\nهذا ولم يكن الصحابة ﵃ في حضور مجالسه العلمية سواء، بل كان منهم من يلازمه ولا يتخلف عنه في الحضر ولا في السفر كما كان من أبى بكر وأبى هريرة ﵄. وكان منهم من يتخلف عنه في بعض الأوقات لقضاء مصالحه المعيشية كزراعة أو تجارة أو نحوها أو الخروج في سرية إلى غير ذلك، ومع ذلك فكانوا حريصين على ما فاتهم من دروس النبي ﷺ فإذا ما حضروا سألوا واستفسروا.\nوكان من الصحابة من يشتد به الحرص على حديث رسول ﷺ فيتناوب حضور مجالسه مع جار له يحضر هذا يوما وهذا يوما ثم يخبر كل منهما صاحبه عما سمعه في يومه فعن عمر بن الخطاب ﵁ \"أنه كان هو وجارٌ له من الأنصار يتناوبان مجالس رسول الله ﷺ ويخبر كل منهما صاحبه بما رآه أو سمعه\" (١)، أما من بعدت عليهم الشُّقة فكانوا إذا نزلت بهم نازلة وأشكل عليهم حلها، فإنهم يضربون أكباد الإبل إلى مدينة رسول الله ﷺ ليقفوا على حكم الله فيما عرض لهم من الحوادث وربما مكثوا في أسفارهم الأيام والليالي ذوات العدد.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ١/١٨٥، كتاب العلم باب التناوب في العلم ح ٨٩.","vol":"1","page":23},{"text":"فعن عقبة بن الحارث أنه أخبرته امرأة بأنها أرضعته هو وزوجه فركب من فوره - وكان بمكة - قاصدًا المدينة حتى بلغ رسول الله ﷺ فسأله عن حكم الله فيمن يتزوج امرأة لا يعلم أنها أخته من الرضاع ثم أخبرته بذلك من أرضعتهما فقال له النبي ﷺ: \"كيف وقد قيل\" (١) ففارق زوجته لوقته.\nعلم النبي ﷺ أن أصحابه سيخلفونه من بعده وسيقع على كاهلهم أمر الإرشاد والتعليم فأتى في دروسه التعليمية بأمور كان لها أكبر الأثر في توجيه الصحابة وتعليمهم كيف يضطلعون بمهمة التعليم فيما بعد، ولنذكر لك أمثلة من هديه التعليمي الذي كان منارًا اهتدى به أصحابه ﵃.\nكان من هديه التعليمي ﵇ أنه إذا سئل عما لا يعلم يسكت منتظرا الوحي من الله بذلك، وكان من هديه ﷺ أنه إذا قال كلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه وكان من هديه ﵇ أنه ربما طرح المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم وليشحذ أذهانهم للفهم، وكان إذا سئل عن مسألة فأجاب عنها فإنه قد يفيض في مسائل أخرى لها مناسبة بالمقام أو صلة بالجواب فيستطرد بها ليفيد السائل والحاضرين علما جديدًا.\nوكان يتخولهم بالموعظة كراهة الملل حتى إن أصحاب ابن مسعود\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ١/١٨٤، كتاب العلم، باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله، ح ٨٨.","vol":"1","page":24},{"text":"طلبوا منه أن يحدثهم كل يوم فأبى وقال إنما نتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا كراهة السآمة علينا. وكان ﷺ يخص بعض أصحابه بالعلم دون بعض مخافة ألا يفهموا فيفتنوا. إلى غير ذلك من الأمثلة التي إذا تتبعناها في حديث رسول الله ﷺ اطلعنا منه على\nخطة حكيمة في توجيه الصحابة حتى كانوا أساتذة في التعليم أمناء على أحكام الدين.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>ب - كيف كان الصحابة يتلقون الحديث عن النبي ﷺ</span>؟\nلم يكن في أصحاب رسول الله ﷺ من يحسن الكتابة إلا نفر قليل فقد كانت الأمية غالبة عليهم فكان اعتمادهم في تلقي الحديث عنه ﷺ على استعدادهم في الحفظ على ما سبق آنفا كما أنهم نهوا عن كتابة الحديث في بدء الأمر خوف اختلاطه بالقرآن الكريم، وكان الصحابة يتلقون الحديث عن النبي ﷺ إما بطريق المشافهة وإما بطريق المشاهدة لأفعاله وتقريراته وإما بطريق السماع ممن سمع منه ﷺ أو شاهد أفعاله وتقريراته لأنهم لم يكونوا جميعا يحضرون مجالسه ﷺ بل كان منهم من يتخلف لبعض حاجاته. هذا ولما كان عدد الحاضرين للسماع من حضرة النبي ﷺ يختلف قلة وكثرة اختلف لذلك المروي عنه، فبعضه بلغ درجة التواتر وهو ما نقله عنه ﷺ جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب وهذا نوعان:-\nمتواتر لفظًا وهو قليل من الأحاديث كحديث \"من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار\" (١) ومتواتر معنى وهو كثير ومن ذلك الأحاديث الواردة في أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والبيوع والنكاح والغزوات مما لم يختلف فيه فرقة من فرق الإسلام، وبعضه لم يبلغ درجة التواتر وهو الذي يسميه العلماء «خبر الآحاد» .\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ١/٣٠٢،كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلمح ١١٠، وأخرجه مسلم ١/١٠، المقدمة، باب تغليظ الكذب على الرسول ﷺ ح ٣و٤.","vol":"1","page":26},{"text":"كان الصحابة يحفظون الأحاديث عن ظهر قلب ويبلغونها للناس بطريق المشافهة إلا ما كان من بعض أفراد قلائل كعبد الله بن عمرو بن العاص فقد أذن له النبي ﷺ في كتابة الحديث عنه.\nفعن عبد الله بن عمرو هذا أنه قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ﷺ، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: \"اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق\" (١) .\nهذا ولاختلاف الصحابة في معرفة الكتابة وعدم معرفتها وكثرة حضورهم مجالسه ﷺ وقلة حضورهم اختلفوا في تحمل الحديث وأدائه قلة وكثرة فكان منهم المقل ومنهم المكثر.\nهذا أبو هريرة ﵁ يقول: \"ما من أصحاب رسول الله ﷺ أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فانه كان يكتب ولا أكتب\"٢)\nوكما اختلف الصحابة في صفة الأخذ عن رسول الله ﷺ وفي كثرة المروي وقلته لأسباب أشرنا إليها كذلك اختلفوا في فقه الحديث حسب اختلافهم في الفهم والاستعداد الفطري فلم يكونوا سواء في معرفة الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمفسر\n_________\n(١) أخرجه أبو داود ٤/٦٠، كتاب العلم، باب في كتابة العلم، ح ٣٦٤٦ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٦٩٥، ح ٣٠٩٩.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه مع ١/٢٠٦، كتاب العلم، باب كتابة العلم ح ١١٣.","vol":"1","page":27},{"text":"ونحو ذلك إلا أنهم كانوا كثيرا ما يرجعون إلى الرسول ﷺ عند ما يقع الاختلاف بينهم فيُصدر حكمه الفصل وقَضاءَه العدل.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>جـ - أثر النساء في نشر الحديث:</span>\nلم تكن مجالسه ﷺ قاصرة على الرجال بل كان كثير من النساء يحضرن المسجد أيضا ويستمعن إلى حديثه الشريف وفي الاجتماعات العامة كالاجتماع بصلاة العيد كن يخرجن جميعا إلى المصلى لاستماع الموعظة النبوية وكان النبي ﷺ بعد أن يلقي خطبة العيد في الصفوف الأمامية للرجال ينتقل إلى صفوف النساء يتحدث إليهن ويعلمهن إلا أن المجالس النبوية بوجه عام كانت الغلبة فيها للرجال دون النساء لذلك جاء وفد النساء إلى رسول الله ﷺ وطلبن إليه أن يجعل لهن يومًا يعلمهن فيه فكان النبي ﷺ يجيبهن إلى ذلك، على أن هذه الدروس كلها من عامة وخاصة لم تكن قائمة بحوائج النساء الدينية فكثيرا ما كانت تتجدد لهن شؤون ولاسيما وهن حديثات عهد بالإسلام فكانت المرأة تقصد رسول الله ﷺ فيما يعرض لها من أمر دينها ولا تستحيي أن تسأله لعلمها أنه لا حياء في التعلم وربما قدمت بين يدي سؤالها قولها \"يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق\" ثم تذكر حاجتها فتقول مثلا (هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت) وكثيرا ما يكون ذلك في نساء الأنصار حتى امتدحتهن عائشة زوج النبي ﷺ بقولها \"نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين\" (١)، أما من\n_________\n(١) أخرجه البخاري ١/ ٢٢٨، كتاب العلم، باب الحياء في العلم ح ١٣٠.","vol":"1","page":28},{"text":"كان يغلب عليها الحياء منهن فكان لها من أمهات المؤمنين أعظم وسيط لدى رسول الله ﷺ يستوضح لها عن جواب سؤالها.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>د - أمهات المؤمنين يبلغن الحديث عن رسول الله ﷺ:</span>\nولاننس ما لزوجاته ﷺ من فضل كبير في تبليغ أحكام الدين ونشر السنن بين نساء المؤمنين ولاسيما ما كان من عائشة ﵂ التي كانت على مقدار عظيم من الذكاء والفهم، فقد كانت تسأله ﷺ وتناقشه في بعض المسائل التي قد تخفى عليها وتستوضح عن كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.\nفعن ابن أبي مُلَيْكة أن عائشة زوج النبي ﷺ كانت لا تسمع شيئًا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وأن النبي ﷺ قال \"من حوسب عذب، قالت عائشة أو ليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨]، قالت فقال: إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب يهلك\" (١) .\nولعل من الحكم التي لأجلها أباح الله للرسول ﷺ الزواج بأكثر من أربع قيام هؤلاء الزوجات بالتبليغ عنه ﷺ وبخاصة في الأمور التي لا توجد منه ﷺ بين أصحابه أو يستحيي من فعلها بينهم ولا يمكن الاطلاع عليها لأحد غير أمهات المؤمنين ﵅ لذلك نجد أصحاب رسول الله ﷺ من بعده إذا اختلفوا في شيء من الأحكام\n_________\n(١) أخرجه البخاري ١/١٩٦، كتاب العلم، باب من سمع شيئًا فراجع حتى يعرفه، ح ١٠٣ وأخرجه مسلم ٤/٢٢٠٤، كتاب الجند، باب إثبات الحساب، ح ٧٩ (٢٨٧٦) .","vol":"1","page":29},{"text":"كالغسل والحيض والجماع ونحوها يلجؤون إلى أمهات المؤمنين ويرجعون إلى أقوالهن عن رسول الله ﷺ وبذلك يزول ما بينهم من خلاف.\nهذا ولا ريب في أن نساءه ﷺ كن على جانب عظيم من العلم فقد أمرهن الله تعالى بالاستقرار في بيوتهن ومُدَارسة القرآن والسنة في قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] إلى أن قال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]\nلذا كان لأمهات المؤمنين أثر فعال في نشر السنة، ولولاهن لضاعت أحاديث وأحكام ما كنا لنطلع عليها من غيرهن ولاسيما الأفعال التي تقع بين النبي ﷺ وأزواجه مما لا يمكن لأحد الاطلاع عليها والوقوف على أحكامها.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>هـ- البعوث والوفود وأثرها في انتشار:\nالحديث النبوي</span>\n١- بعوثه ﷺ وأثرها في نشر الحديث:-\nبدأت الدعوة المحمدية سرًا واستمرت على ذلك ثلاث سنوات، ثم أمر الله نبيه بأن يجهر بها بعد أن تكونت نواة صالحة من المسلمين، فما كان من قريش إلا أن ناصبوه العداء واستمر الأمر على ذلك حينًا من الزمن حتى دخل في الإسلام كثير من أهل المدينة فأمر الله نبيه بالهجرة إليها فانتقل إليها مع أصحابه وأصبحت المدينة من ذلك الوقت مهبط الوحي وقاعدة الإسلام. غزا منها النبي ﷺ أعداء الدين وحدث","vol":"1","page":30},{"text":"بها أكثر حديثه، إلا أن القتال كان حائلًا دون دخول كثير من القبائل في الإسلام كما كان مانعًا من وصول الدعوة إلى أطراف الجزيرة، فما أن وقع صلح الحديبية بين النبي ﷺ وأهل مكة حتى أمن الناس بعضهم بعضا، وجالس بعضهم بعضا وتحدثوا في شأن هذا الدين الجديد، وفي ظل هذه الهدنة المباركة دخل كثير من العرب في الإسلام وبعث النبي ﷺ بعوثه إلى القبائل المسلمة لتعليمهم السنن والأحكام، فبعث منهم إلى اليمن وإلى البحرين وإلى حضرموت وإلى عمان وغير ذلك من بلاد العرب.\nكانت هذه البعوث رسل رحمة وهداية للناس بما حملوه إليهم من القرآن والسنة اللذين هما حياة النفوس والأرواح كما كانت هذه البعوث عاملًا مهمًا في نشر حديث النبي ﷺ بين المسلمين في أنحاء الجزيرة، وقد كان النبي ﷺ يتخير لهذه المهمة من كان على جانب عظيم في العلم بالقرآن والسنن وكان يزودهم بحديثه الشريف وإرشاده الحكيم ويعلمهم كيف يدعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، انظر إلى قوله لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: \"إنك تأتي قومًا أهل كتاب فقل لهم إن الله فرض عليكم في اليوم والليلة خمس صلوات فإن هم أطاعوك فقل: إن الله فرض عليكم في السنة صوم شهر رمضان، فإن هم أطاعوك فقل: إن الله فرض عليكم حج البيت من استطاع إليه سبيلا، فإن أطاعوك فقل: إن الله فرض عليكم في أموالكم صدقة تؤخذ من أغنيائكم فترد في فقرائكم\" (١) إلخ، وبطبيعة الحال كان المبعوث يبين أحكام كل ذلك بما سمعه من حديث\n_________\n(١) أخرجه مسلم ١/٥٠، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام ح ٢٩ (١٩) .","vol":"1","page":31},{"text":"النبي ﷺ، وبسبب هذا الهدي النبوي آتت هذه البعوث ثمرتها الطيبة في نشر الحديث الشريف بين ربوع المسلمين.\n٢- وفود القبائل إليه ﷺ وأثر ذلك في نشر الحديث:-\nلما تم لرسول الله ﷺ هذه الانتصارات الباهرة والفتوح المتكاثرة وفرغ من غزوة تبوك جاءته الوفود من أطراف الجزيرة العربية تضرب إليه أكباد الإبل يحفزها الشوق إلى لقاء هذا النبي الأمين ليأخذوا الدين من منبعه الأول، فقد عرفت هذه القبائل أنه لا طاقة لها بحرب محمد ﷺ بعد أن انضوت قريش تحت لواء الإسلام، وقريش هي في نظرهم لها لواء الإمامة والسيادة فدخلت هذه القبائل في الدين أفواجًا ووفدوا على رسول الله ﷺ زرافات ووحدانًا مصداقًا لقوله تعالى:\n﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١–٣] .\nجاءت الوفود تترى إلى رسول الله كما جاءته الكتب والرسل من الملوك تخبره بإسلامهم ومفارقتهم للشرك وأهله وكلما جاء وفد أكرمهم ﷺ وأرشدهم وعرفهم أمر دينهم، وبشرهم إِنْ هم أطاعوه وحذرهم إن هم عصوه، وأفهمهم بما لهم وما عليهم، وكان قدوم الوفود سنة تسع من الهجرة، حتى سميت هذه السنة بسنة الوفود، ولم تكن هذه الوفود تأتي لنيل عطاء وإن كان النبي ﷺ يكرمهم ويعطيهم من مال الله الذي آتاه، بل يأتون إليه فيسألون عن أحكام الإسلام، أصوله وفروعه وكان النبي ﷺ يتحدث إليهم في كل ذلك ويجيبهم عن أسئلتهم ويخطب فيهم ويرشدهم ويعلمهم ويوصيهم بتقوى الله والسمع والطاعة.\nوإن من يقرأ السيرة النبوية يجد أن وفودًا كثيرة جدًا أقبلت عليه ﷺ","vol":"1","page":32},{"text":"حتى كأنه لم تبق قبيلة من قبائل العرب إلا قدم منها وفد على رسول الله ﷺ ولقد عرف الصحابة ﵃ تلك الوفود وفدًا وفدا وحفظوا ما حدثهم به النبي ﷺ من حديث وما خطبهم من خطب وما بثه فيهم من مواعظ ونصائح وأحكام وسنن حتى إنك لتجد كتب الحديث والسير والمغازي مملوءة بذكر هذه الوفود وما كان لها من أثر عظيم في نشر الدين والسنن سواء ما كان من هذه الوفود في سنة تسع وما كان قبلها. وهاك بعض الوفود التي أقبلت عليه ﷺ:-\n١- وفد بني سعد بن بكر- وكان وافدهم إلى النبي ﷺ هو ضمام بن ثعلبة وفد على رسول الله سنة تسع من الهجرة ولما قدم المدينة وجد النبي ﷺ جالسًا بين أصحابه ولا يعرفه، فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فأشاروا إلى النبي ﷺ فدنا منه وقال: \"إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، قال: سل عما بدا لك، فقال: يا محمد جاءنا رسولك فذكر لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق، فقال أنشدك برب من قبلك وبرب من بعدك، قال: اللهم نعم، أنشدك بالله آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟، قال اللهم نعم، قال: وأنشدك بالله آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟، قال: اللهم نعم، قال: وأنشدك بالله آلله أمرك أن تأخد هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي ﷺ اللهم نعم، فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة\" (١) ثم رجع ضمام إلى قومه فأسلموا جميعًا.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ١/ ١٤٨، كتاب العلم، باب ما جاء في العلم، ح ٦٣.","vol":"1","page":33},{"text":"٢- وفد عبد القيس - لما قدموا على النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام وبيننا وبينك هذا الحي من مضر فمرنا بأمر فصل نُخبر به من وراءنا وندخل به الجنة وسألوه عن الأشربة فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أنَّ لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تعطوا من المَغنم الخمس، ونهاهم عن أربع عن الحنتم والدباء والنقير والمزفت، وقال احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم\" (١) .\nمن هذا ترى أن الوفود كانت تقدم على رسول الله ﷺ لتنهل من معين العلم ولتتفقه في دين الله وتقف على أحكام الإسلام، ثم يرجعوا إلى أوطانهم يعلمون من وراءهم من قبائلهم وعشائرهم، فهذه الوفود إلى جانب البعوث التي كان يرسلها النبي ﷺ إلى القبائل والملوك كان لها أكبر الأثر في نشر السنة النبوية في أنحاء الجزيرة العربية.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ١/١٨٣، كتاب العلم، باب تحريض النبي ﷺ وفد عبد القيس....إلخ ح ٨٧.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>وحجة الوداع وأثرها في نشر الحديث:</span>\nهذا ولما استتب لرسول الله ﷺ الأمر في الجزيرة قصد حج بيت الله الحرام وقد حج معه من المسلمين أكثر من مئة ألف فألقى فيهم النبي ﷺ خطبة عظيمة جمع فيها أحكامًا غزيرة وسننًا كثيرة ووضع من آثار الجاهلية ما أبطله الإسلام، ولكثرة الناس في ذلك اليوم اتخذ ربيعة بن أمية بن خلف مُبلغًا عنه، وافتتح هذه الخطبة بعد حمد الله بقوله \"أيها الناس اسمعوا قولي فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا\" (١) وهي خطبة طويلة بين للناس فيها مناسك الحج وكأنه ﵇ كان يشعر بدنو أجله فلم يترك شيئًالم يكن بينه للناس إلا بينه وأظهره، فكانت هذه الخطبة الحافلة في هذا الجمع الحاشد من أكبر العوامل في ذيوع السنن الكثيرة بين قبائل العرب وعشائرهم وهي كمنهاج ختامي للدعوة الإسلامية عامة ولحديث رسول الله ﷺ خاصة وقد نزل في هذا الوقت قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] .\n_________\n(١) هذا القول بلفظه لم أجده فيما بين يدي من الكتب، ولكن خطبة حجة الوداع المشهورة من حديث جابر أخرجها مسلم ٢/٨٨٦، كتاب الحج، باب حجة النبيصلى الله عليه وسلم، ح ١٤٧ (١٢١٨) .","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>المنحث الثاني: جهود الصحابة والتابعين في حفظ السنة بعد وفاة النبي ﷺ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>مدخل</span>\n...\nالمبحث الثاني: جهود الصحابة والتابعين في حفظ السنة بعد وفاة النبي ﷺ\nكان مصدر التشريع في عهد الرسول ﵊ كتاب الله وسنة رسوله، ينزل الوحي فيبلغه النبي الكريم إلى الناس كافة، ويبين مقاصده، ثم يطبق أحكامه، فكان الرسول ﷺ المرجع الأعلى في جميع أمور الأمة، في القضاء والفتوى، والتنظيم المالي والسياسي والعسكري، ويعالج الأمور على مرأى من أصحابه ﵃.\nثم ما لبث أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، وانقطع الوحي ولم يبق أمام الأمة إلا القرآن الكريم والسنة الشريفة، مصداقًا لقوله ﷺ: \"تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي\" (١) .\nوتمسك الصحابة والتابعون بسنته ﵊ استجابة لأوامر الله ﷿ وطاعة لرسوله ﵊.\n_________\n(١) أخرجه مالك في الموطأ ٢/٨٩٩، كتاب القدر، باب النهي عن القول بالقدر، ح ٣ وصححه الألباني كما في السلسلة الصحيحة ٤/٣٥٥، ح ١٧٦١.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>منهج الصحابة والتابعين في المحافظة على السنة:</span>\nرأينا حرص الصحابة والتابعين على التمسك بالسنة المطهرة، وحسن اقتدائهم بالرسول ﷺ وتتبعهم آثاره، ووقوفهم عند أحكامه ﵊ متى ثبتت عندهم، وقد نهج الصحابة والتابعون","vol":"1","page":36},{"text":"سبيلًا قويمًا للمحافظة على الحديث النبوي، ويتضح هذا المنهج من احتياطهم في رواية الحديث، وفي تثبتهم في قبول الأخبار، هذا إلى جانب ما عرضناه من تمسكهم بالسنة وحضهم الناس على الاقتداء بالرسول ﷺ.\n١ – احتياط الصحابة والتابعين في رواية الحديث:\nاحتاط الصحابة في رواية الحديث عن الرسول ﷺ خشية الوقوع في الخطأ، وخوفًا من أن يتسرب إلى السنة بعض التحريف، وهي المصدر الأول بعد القرآن الكريم، ولهذا اتبعوا كل سبيل يحفظ على الحديث نوره، فحملهم ورعهم وتقواهم على الاعتدال في الرواية عن الرسول ﷺ، حتى إن بعضهم آثر الإقلال منها خوفا من الوقوع في الخطأ والزّلل لا زهدًا فيه، واشتهر من بين الصحابة عمر بن الخطاب﵁- بشدة إنكاره على من يكثر الحديث.\nوالتزم الصحابة هذا المنهج، فلم يرووا الأحاديث إلا حين الحاجة، وكانوا حين يروونها يتحرون الدقة في أدائها، وكثيرًا ما كان يقول بعضهم بعد رواية الحديث (نحو هذا، أو كما قال،أو شبيها بذلك) (١)\nونرى من الصحابة من تأخذه الرعدة، ويقشعر جلده، ويتغير لونه حين يروي شيئًا عن الرسول ﷺ، ورعًا واحتراما لحديثه ﵊.\n_________\n(١) كما في سنن ابن ماجه ١/١١، المقدمة باب التوقي في الحديث عن رسول الله ﷺ، ح ٢٣ و٢٤.","vol":"1","page":37},{"text":"من هذا ما رواه عمرو بن ميمون قال: ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه قال: فما سمعته بشيءٍ قط قال: (قال رسول الله ﷺ) فلما كان ذات عشية قال: \" قال رسول الله ﷺ، قال: فنكس، قال: فنظرت إليه، فهو قائم محللة أزرار قميصه، قد اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريبًا من ذلك أو شبيهًا بذلك\" (١)\nولم ينهج الصحابة هذا السبيل لقلة ما لديهم من الحديث، بل فعلوا ذلك كله حرصًا على السنة وصيانة لها، واحتياطًا للدين ورعاية لمصلحة المسلمين، لا زهدًا في الحديث النبوي ولا تعطيلًا له.\nوقد ثبت عن الصحابة جميعًا تمسكهم بالحديث الشريف واجلالهم إياه، وأخذهم به، وقد تواتر خبر اجتهاد الصحابة إذا وقعت لهم حادثة شرعية من حلال أو حرام، وفزعهم إلى كتاب الله تعالى، فان وجدوا فيه ما يريدون تمكسوا به، وأجروا (حكم الحادثة) على مقتضاه، وإن لم يجدوا ما يطلبون فزعوا إلى (السنة)، فإن روي لهم خبر أخذوا به ونزلوا على حكمه، وإن لم يجدوا الخبر فزعوا إلى الاجتهاد بالرأي.\nوطريقة أبي بكر وعمر في الحكم مشهورة: كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله تعالى نظر في سنة رسول الله ﷺ فإن\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه ١/١٠، المقدمة، باب التوقي في الحديث عن رسول الله ﷺ، ح ٢٣ وقال المحقق وفي الزوائد: إسناده صحيح، احتج الشيخان بجميع رواته.","vol":"1","page":38},{"text":"وجد فيها ما يقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى فيه بقضاء، فربما قام إليه القوم فيقولون..... قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد سنة سنها النبي ﷺ جمع رؤساء الناس فاستشارهم (١) وكان عمر ﵁ يفعل ذلك.\nورأى الصحابة في منهج عمر ﵁ حفظ السنة، وحمل الناس على التثبت بما يسمعون، والتروي فيما يؤدون، فالتزموه من غير إفراط ولا تفريط، ولم يكثروا من الرواية مخافة رفع التدبر والتفقه، فالتزموا الاعتدال فيها.\nثم إن كثرة الرواية مظنة الوقوع في الخطأ، وبخاصة أنه ورد النهي عن التحديث بكل ما يسمعه المرء، فقد روى أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع\" (٢)، وسار التابعون وأتباعهم على منهج الصحابة، فاحتاطوا في رواية الحديث، وعابوا الإكثار منها مخافة أن يرتفع تدبر الحديث وفهمه، قال محمد بن المنكدر: (الذي يحدث الناس إنما يدخل بين الله وبين عباده فلينظر بما يدخل) (٣)\n٢– تثبّت الصحابة والتابعين في قبول الحديث\nأمر الإسلام بالتثبت في قبول الأخبار، ونهى عن الكذب، وأمر بقول الحق، نزل بهذا الوحي الأمين، ونطق به الرسول الكريم، وعمل\n_________\n(١) إعلام الموقعين لابن قيم الجوزيه ١/٦٢.\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ١/١٠، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع.\n(٣) الكفاية للخطيب البغدادي ص ١٦٨.","vol":"1","page":39},{"text":"بذلك الصحابة أجمعون، وسار على ذلك المتقدمون والمتأخرون، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] وقال عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا،،يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١]، وقال: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام:١٥٢] ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠] .\nوقال ﷺ: \"من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار\" (١) وقال: \"إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار\" (٢) .\nهكذا أُمر المسلمون بالصدق في كل شيء، وبالأمانة والعدل وبتحري الحق واجتناب الباطل، ولهذا فقد احتاط رجال الحديث ونقاده في قبول الحديث، وتثبتوا وتأكدوا من الأخبار التي يرويها المسلمون، وقد نهج هذا السبيل الصحابة والتابعون، ومن جاء بعدهم، وحاولوا التثبت بكل وسيلة تضمن لهم صحة المروي وضبط ناقله، بطلب الحديث من راو آخر، وجمع طرقه تارة، وبالرجوع إلى أئمة هذا الشأن تارة أخرى.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ١/٢٠٠، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي ﷺ، ح ١٠٧.\n(٢) أخرجه مسلم ١/١٠، المقدمة، باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلمح ٤.","vol":"1","page":40},{"text":"وحق للأمة الإسلامية أن تتثبت في حديث رسول الله ﷺ وتستوثق له - وهو المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم، فكما احتاط الصحابة والتابعون وأهل العلم من بعدهم في رواية الحديث، احتاطوا وتثبتوا في قبول الأخبار عن رسول الله ﷺ، وأمثلة تثبت الصحابة والتابعين ومن خلفهم أكثر من أن تحصى، وسنكتفي بذكر مثال عليها:\nروى الإمام البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي، فرجعت فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله ﷺ \"إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع\". فقال: والله لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحد سمعه من النبي ﷺ؟ فقال أبيّ بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم فكنت أصغر القوم فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي ﷺ قال ذلك فقال عمر لأبي موسى: أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ (١) .\nولم يكن التابعون وأتباعهم أقل اهتماما من الصحابة بالاحتياط لقبول الحديث فكانوا يتثبتون من الراوي بكل وسيلة تطمئن إليها قلوبهم وإن من يتتبع تاريخ الرواة، وكيفية تحملهم الحديث الشريف؛ ليدرك تماما جهود التابعين وأتباعهم، تلك الجهود التي بذلوها لنقل السنة إلى خَلَفهم، وهذا مثال يدل على ذلك:\n١ - عن عبادة بن سعيد التجيبي أن عقبة بن نافع الفهري أوصى بنيه فقال: (يا بني لا تقبلوا الحديث عن رسول الله ﷺ إلا من ثقة) .\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ١١/٢٦، كتاب الاستئذان، باب الاستئذان ثلاثًا، ح ٦٢٤٥.","vol":"1","page":41},{"text":"ويؤكد ذلك قول كثير من العلماء كعبد الله بن عون (١٥٠هـ) وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر (المتوفى نحو سنة ١٥٣هـ) وشعبة بن الحجاج (٨٢-١٦٠هـ)، وسفيان الثوري (٩٧-١٦١هـ) وغيرهم قالوا: (خذوا العلم من المشهورين)، و(لا يؤخذ هذا العلم إلا عمن شهد له بالطلب) (١) .\n_________\n(١) يراجع كتاب أصول الحديث لمحمد عجاج الخطيب ص ١٨٠ وما بعدها بتصرف.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المبحث الثالث: جهود أتباع التابعين في حفظ السنة</span>\nبعد أن أدى الصحابة والتابعون ما في وسعهم لحفظ السنة آتى هذا الجهد ُثماره يانعة في عهد أتباع التابعين الذين ساروا على خطى من سبقهم وذلك بأمرين:-\nالأول: ما خرج للناس من مدونات حديثية مختلفة على يدي أبناء النصف الأول من القرن الثاني الهجري، وقد ظهرت تلك المصنفات والكتب في أوقات متقاربة، وفي مناطق مختلفة من الدولة الإسلامية، فبعد أن كان أهل الحديث يجمعون الأحاديث المختلفة في الصحف والكراريس، أصبحوا يرتبون الأحاديث على الأبواب، وكانت هذه المصنفات تشتمل على السنن وما يتعلق بها، وكان بعضها يسمى مصنفا وبعضها يسمى جامعا أو مجموعا وغير ذلك.\nوقد اختلف في أول من صنف وبوب، فقيل عبد الملك بن عبد العزيز ابن جريج البصري (١٥٠هـ) بمكة، ومالك بن أنس (٩٣-١٧٩هـ) أو محمد بن إسحاق (... -١٥١هـ) بالمدينة المنورة، وصنف بها محمد ابن عبد الرحمن بن أبي ذئب (٨٠-١٥٨هـ) موطأ أكبر من موطأ مالك، والربيع بن صبيح (... -١٦٠هـ) أو سعيد بن أبي عروبة (... -١٥٦هـ) أو حماد بن سلمة (... -١٦٧هـ) بالبصرة، وسفيان الثوري (٩٧-١٦١هـ) بالكوفة، وخالد بن جميل العبد، ومعمر","vol":"1","page":43},{"text":"ابن راشد (٥٩-١٥٣هـ) باليمن (١)، والإمام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (٨٨–١٥٧هـ) بالشام، وعبد الله بن المبارك (١١٨-١٨١هـ) بخرا سان، وهشيم بن بشير (١٠٤-١٨٣هـ) بواسط (٢)، وجرير بن عبد الحميد (١١٠-١٨٨هـ) بالري، وعبد الله بن وهب (١٢٥-١٩٧هـ) بمصر (٣)، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم، وقد كان معظم هذه المصنفات، والمجاميع يضم الحديث الشريف وفتاوى الصحابة والتابعين، كما يتجلى لنا بعض هذا في موطأ الإمام مالك بن أنس (٤) .\nثم رأى بعضهم أن تفرد أحاديث النبي ﷺ في مؤلفات خاصة، فألفت المسانيد، وهي كتب تضم أحاديث رسول الله ﷺ بأسانيدها خالية من فتاوى الصحابة والتابعين تجمع فيها أحاديث كل صحابي ولو كانت في مواضيع مختلفة – تحت اسم مسند فلان ومسند فلان وهكذا.\nوأول من ألف المسانيد أبو داود سليمان بن الجارود الطيالسي (٣٣ -٢٠٤هـ) (٥) . وتبعه بعض من عاصره من أتباع التابعين وأتباعهم، فصنف أسد بن موسى الأموي (... -٢١٢هـ) وهو أول من صنف المسند بمصر، وعبيد الله بن موسى العبسي (... -٢١٣هـ) وقال ابن\n_________\n(١) تدريب الراوي للسيوطي ١/٨٩.\n(٢) تاريخ بغداد ١٤/٨٥.\n(٣) تدريب الراوي للسيوطي ١/٨٩.\n(٤) الرسالة المستطرفة للكتاني ص ٦-٧.\n(٥) الرسالة المستطرفة للكتاني ص ٦١.","vol":"1","page":44},{"text":"عدي: هو أول من صنف المسند بالكوفة، ونعيم بن حماد الخزاعي المصري (... -٢٢٨هـ) واقتفى الأئمة آثارهم كأحمد بن حنبل (١٦٤ -٢٤١هـ) وإسحاق بن راهويه (١٦١-٢٣٨هـ) وعثمان بن أبي شيبة (١٥٦-٢٣٩هـ) وغيرهم (١) . ويعُدّ مسند الإمام أحمد بن حنبل – وهو من أتباع التابعين – أوفى تلك المسانيد وأوسعها.\nجمع هؤلاء الحديث ودونوه بأسانيده. واجتنبوا الأحاديث الموضوعة وذكروا طرقا كثيرة لكل حديث، يتمكن بها جهابذة هذا العلم وصيارفته من معرفة الصحيح من الضعيف، والقوي من المعلول، مما لا يتيسر لكل طالب علم فرأى بعض الأئمة أن يصنفوا في الحديث الصحيح فقط، فصنفوا كتبهم على الأبواب واقتصروا فيها على الحديث الصحيح. ظهرت الكتب الستة في هذا العصر، عصر أتباع أتباع التابعين، وكان أول من صنف ذلك الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (١٩٤-٢٥٦هـ)، ثم الإمام مسلم بن الحجاج القشيري (٢٠٤-٢٦١هـ)، وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (٢٠٢-٢٧٥هـ)، وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (... -٢٧٩هـ) وأحمد بن شعيب النسائي (٢١٥-٣٠٣هـ) . ثم ابن ماجه وهو عبد الله بن محمد بن يزيد بن عبد الله بن ماجه القزويني (٢٠٧-٢٧٣هـ)، وقد خدمت هذه الكتب بالشرح والتهذيب والاختصار والاستخراج عليها من قبل العلماء الذين جاؤوا بعدهم (٢) .\n_________\n(١) الرسالة المستطرفة للكتاني ص ٦١ – ٦٣.\n(٢) جمعت مادة المبحثين الثاني والثالث من كتاب أصول الحديث وعلومه ومصطلحه للدكتور محمد عجاج الخطيب من ص ٧٩ إلى ص ١٨٥ بتصرف شديد وإضافات.","vol":"1","page":45},{"text":"الثاني: علم الرجال أو ما يسمى بالجرح والتعديل وقد ظهر هذا العلم في عصر الصحابة والتابعين ولكن اشتدت الحاجة إليه في عصر أتباع التابعين، حيث كان التابعون وأتباعهم وأهل العلم من بعدهم يبينون أحوال الرواة وينقدونهم ويعدلونهم حسبة لله، لا تأخذهم خشية أحد ولا تتملكهم عاطفة، فليس أحد من نقاد الحديث ورجاله يحابي في حديث رسول الله ﷺ أباه ولا أخاه ولا ولده، وقد قصد الجميع خدمة الشريعة الإسلامية وحفظ مصادرها، فصدقوا القول وأخلصوا النية.\nفهذا شعبة بن الحجاج (٨٢-١٦٠هـ) يُسأل عن حديث حكيم ابن جبير فيقول (أخاف النار) (١) وكان شديدًا على الكذابين، ولهذا قال الإمام الشافعي: (لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق) (٢) .\nوقد كان أئمة الحديث يدققون في حكمهم على الرواة، يعرفون كل محدث ما له وما عليه\nقال الإمام الشعبي: (والله لو أصبت تسعًا وتسعين مرة وأخطأت مرة لعدو علي تلك الواحدة) (٣)\nوقال يحيى بن سعيد القطان: (سألت سفيان الثوري وشعبة ومالكًا وابن عيينةَ عن الرجل يكون ثبتًا في الحديث، فيأتيني الرجل فيسألني عنه، قالوا أخبر عنه أنه ليس بثبت) (٤)\n_________\n(١) الجرح والتعديل ١/١٤٠.\n(٢) تذكرة الحفاظ ١/١٩٣.\n(٣) تذكرة الحفاظ ١/٨٢.\n(٤) ضعفاء العقيلي ١/١٤.","vol":"1","page":46},{"text":"وقد أكد العلماء ضرورة بيان أحوال الرواة، وأنه ليس في هذا غيبة، بل في ذلك حفظ السنة، وصيانتها عن الدخيل، وبيان الصحيح من الضعيف، والمقبول من المردود، قال ابن المبارك: (المعلى بن هلال هو، إلا أنه إذا جاء الحديث يكذب، فقال له بعض الصوفية: يا أبا عبد الرحمن، تغتاب؟ فقال: اسكت، إذا لم نبين، كيف يعرف الحق من الباطل؟) (١)\nوقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: (جاء أبو تراب النخشبي إلى أبي فجعل أبي يقول: فلان ضعيف، فلان ثقة، فقال أبو تراب: يا شيخ، لا تغتب العلماء، فالتفت أبي إليه، فقال له: ويحك ... هذا نصيحة وليس هذا غيبة) (٢)\nوكانت غاية العلماء في كل هذا بيان الحق بكل أمانة وإخلاص، وكانوا يرون الأمانة في الذهب والفضة أيسر\nمن الأمانة في الحديث، فكانوا أمناء في كل هذا ولولا ضرورة التثبت والبحث ما خاضوا هذا الميدان الخطير، وما قاسوا المكاره والصعاب.\nوقيل ليحيىبن سعيد القطان: (أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءَك عند الله؟ قال: لأن يكون هؤلاء خصمائي أحب إليَّ من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ، يقول: لم حدثت عني حديثًا ترى أنه كذب؟) (٣)\n_________\n(١) الكفاية للخطيب البغدادي ص ٤٥.\n(٢) الكفاية للخطيب البغدادي ص ٤٥.\n(٣) تدريب الراوي ٢/٣٦٩.","vol":"1","page":47},{"text":"وهكذا قام هؤلاء العلماء بهذه الجهود المباركة لما فيها من نصح للمسلمين، وحفظ لسنة رسول الله ﷺ وإقامة لقواعد الدين استجابة لقول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ – ٧١]\nفجزى الله هؤلاء الرجال الأفذاذ خير الجزاء على ما قدموه من جهود جبارة لخدمة هذا الدين وجعلها في موازين أعمالهم.. آمين.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>الخاتمة:</span>\nالحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده.\nفإنه في ختام هذه الوريقات يطيب لي أن أخرج بهذه الخلاصة التي أرجو أن تنفع من قرأها.\n*أن المعنى اللغوي للسنة يقود للمعنى الاصطلاحي وبينهما رابط قوي ألا وهو الطريق والمنهج المسلوك، على ما ورد من اختلافات طفيفة في التعريف الشرعي بين المحدثين والفقهاء والأصوليين، فكل يعرف بما يخدم علمه لكنها كلها تصب في قالب واحد.\n*أن الله كما أوحى لنبيه محمد ﷺ بالقرآن فقد أوحى له بالسنة لأنه وصفه بأنه لا ينطق عن الهوى ولأن ما ينطق به شرع يتعبد به والله هو الشارع سبحانه.\n*أن الله كما حفظ كتابه، فقد قيض لسنة نبيه من يحفظها من الصحابة الأبرار ومن جاء بعدهم ممن حمل همَّ هذا الدين حتى تبقى شرعًا يُعمل به إلى أن تقوم الساعة.\nوما كان في هذا البحث من صواب فمن الله، وما كان فيه من تقصير فمن نفسي المقصرة ومن الشيطان.\nوالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>مصادر ومراجع</span>\n...\nالمصادر والمراجع\n١) القرآن الكريم.\n٢) أصول الحديث علومه ومصطلحه للدكتور محمد عجاج الخطيب، الطبعة الرابعة - دار الفكر – بيروت لبنان ١٤٠١هـ – ١٩٨١ م.\n٣) أصول الفقه الإسلامي لزكي الدين شعبان، الطبعة الثالثة – دار العلم – بيروت لبنان ١٣٩٤ هـ - ١٩٧٤ م.\n٤) إعلام الموقعين عن رب العالمين لشمس الدين أبي عبد الله محمد ابن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، توزيع دار الباز، مكة المكرمة.\n٥) تاريخ بغداد للحافظ أبي بكر بن أحمد بن علي الخطيب البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت لبنان.\n٦) تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي للحافظ السيوطي، حققه عبد الوهاب عبد اللطيف، الطبعة الثانية – دار الكتب الحديثة – مصر ١٣٨٥هـ - ١٩٦٦م.\n٧) تفسير ابن كثير - تفسير القرآن العظيم - للحافظ ابن كثير، تحقيق عبد العزيز غنيم ومحمد عاشور ومحمد البنا - طبعة الشعب - القاهرة.\n٨) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي، الطبعة الأولى – مطبعة دار المعارف – الهند.","vol":"1","page":50},{"text":"٩) الحديث والمحدثون أو عناية الأمة الإسلامية بالسنة النبوية لمحمد أبو زهو - طبع ونشر الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - الرياض - المملكة العربية السعودية - الطبعة الثانية - ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م.\n١٠) دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، تأليف الدكتور - محمد مصطفى الأعظمي - طبعة المكتب الإسلامي - بيروت - دمشق - ١٤٠٠هـ -١٩٨٠م.\n١١) الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة للعلامة محمد بن جعفر الكتاني، الطبعة الرابعة - دار البشائر الإسلامية – بيروت - لبنان ١٤٠٦هـ – ١٩٨٦م.\n١٢) سلسلة الأحاديث الصحيحة لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثانية – الدار السلفية – الكويت ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م.\n١٣) السنة قبل التدوين للدكتور محمد عجاج الخطيب، الطبعة الثالثة- دار الفكر– بيروت - لبنا ن ١٤٠٠هـ - ١٩٨٠م.\n١٤) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للدكتور مصطفى السباعي، الطبعة الرابعة للمكتب الإسلامي - بيروت - دمشق - ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م.\n١٥) سنن ابن ماجه للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة المكتبة العلمية، بيروت- لبنان.\n١٦) سنن أبي داود للإمام الحافظ أبي داود (سليمان بن الأشعث","vol":"1","page":51},{"text":"السجستاني الأزدي)، إعداد وتعليق عزت عبيد الدعاس وعادل السيد، الطبعة الأولى - دار الحديث - حمص - سورية.\n١٧) سنن الترمذي لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة، تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر، طبعة دار إحياء التراث العربي - بيروت – لبنان.\n١٨) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري للإمام ابن حجر العسقلاني، تصحيح وتحقيق ومقابلة سماحة العلامة الجليل الشيخ عبد العزيز بن باز، طبعة دار الفكر، رقمه محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وأشرف على طبعه محب الدين الخطيب.\n١٩) صحيح سنن ابن ماجه، تأليف محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى - المكتب الإسلامي – بيروت - لبنان - ١٤٠٧هـ -١٩٨٦م.\n٢٠) صحيح سنن أبي داود، صحح أحاديثه محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى -المكتب الإسلامي - بيروت - لبنان ١٤٠٩هـ - ١٩٨٩م.\n٢١) صحيح مسلم لمسلم بن حجاج النيسابوري، اعتنى به محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة المكتبة الإسلامية، استانبول - تركيا.\n٢٢) الضعفاء الكبير لأبي جعفر العقيلي، تحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي، الطبعة الأولى – دار الكتب العلمية – بيروت - لبنان ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م، توزيع دار الباز.","vol":"1","page":52},{"text":"٢٣) القاموس المحيط للعلامة اللغوي مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادي، تحقيق مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة الطبعة الثانية - بيروت - لبنان - ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م.\n٢٤) الكفاية في علم الرواية للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن علي ابن ثابت المعروف بالخطيب البغدادي.\n٢٥) لسان العرب لابن منظور - طبعة دار المعارف - تحقيق عبد الله علي الكبير ومحمد أحمد حسب الله، وهاشم محمد الشاذلي.\n٢٦) المراسيل تصنيف أبي داود، حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه شعيب الأرناؤوط، الطبعة الأولى، مؤسسة الرسالة – بيروت لبنان – ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م.\n٢٧) المسند للإمام أحمد بن حنبل، شرحه ووضع فهارسه أحمد شاكر، الطبعة الثانية - دار المعارف بمصر - ١٣٩١هـ -١٩٧١م.\n٢٨) المسند للإمام أحمد بن حنبل، وبهامشه منتخب كنز الكمال في سنن الأقوال والأفعال، طبعة المكتب الإسلامي.\n٢٩) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، وضعه محمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة دار الكتب المصرية - القاهرة - ١٣٦٤هـ.\n٣٠) موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف إعداد خادم السنة المطهرة أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الفكر - بيروت - لبنان - ١٤١٤هـ - ١٩٩٤م.","vol":"1","page":53},{"text":"٣١) الموطأ للإمام مالك بن أنس، صححه ورقمه وخرج أحاديثه وعلق عليه محمد فؤاد عبد الباقي – دار إحياء الكتب العربية.\n٣٢) النهاية في غريب الحديث والأثر للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري بن الأثير، تحقيق محمود محمد الطناحي، طاهر أحمد الزاوي - دار إحياء الكتب العربية.","vol":"1","page":54}]}