{"ً":{"ٌ":7603,"ٍ":"الجواهر المضية لمجدد الدعوة النجدية","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: الجواهر المضية لمجدد الدعوة النجدية (ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية)\nالمؤلف: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (ت ١٢٠٦ هـ)\nالناشر: مطبعة المنار بمصر ١٣٤٩ هـ الطبعة الأولى\nثم صَوّرتها دار العاصمة بالرياض السعودية وطَبعتْها طبعة ثانية عام ١٤٠٩ هـ مع تصويب الأخطاء الملحقة بمجلدات الطبعة الأولى\nالنشرة: الثالثة لدار العاصمة ١٤١٢ هـ\nعدد الصفحات: ٤٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":152,"ٕ":1,"ٖ":1770154055,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"رسالة في المسائل الخمس الواجب معرفتها","level":1,"page":8},{"title":"رسالة في النفاق بقسميه وصفات المنافقين","level":1,"page":12},{"title":"رسالة في كلمة لا إله إلا الله","level":1,"page":15},{"title":"رسالة أخرى في الشهادتين","level":1,"page":24},{"title":"رسالة في كلمة التوحيد","level":1,"page":33},{"title":"رسالة أخرى في كلمة التوحيد وكونها تنفي أربعا وتثبت أربعا","level":1,"page":35},{"title":"مذاكرة الشيخ محمد ﵀ مع أهل بلد حرملة في كلمة التوحيد، والجمع بين التوحيد والشرك","level":1,"page":37},{"title":"رسالة أخرى في كلمة التوحيد","level":1,"page":39},{"title":"رسالة في حقيقة الإسلام من الكتاب والسنة ومن خالفهما من أدعياء العلم والعرفان","level":1,"page":44}],"ٛ":{"1,2":1,"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,11":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,12":11,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":36,"1,36":38,"1,37":40,"1,38":41,"1,39":42,"1,40":43,"1,41":44,"1,42":45,"1,43":46,"1,44":47,"1,45":48,"1,46":49},"ٜ":{"1":[2,46]},"ٝ":["1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,11","1,9","1,10","1,11","1,12","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,34","1,35","1,35","1,36","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46"],"ٞ":{"1":[1],"8":[2],"12":[3],"15":[4],"24":[5],"33":[6],"35":[7],"37":[8],"39":[9],"44":[10]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\n...\nكتاب الجواهر المضية\nلمجدد الدعوة النجدية، شيخ الإسلام، علم الهداة الأعلام\nالشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى\nوفيه بيان عقيدته وما دعا إليه، وبضع رسائل له، في بيان حقيقة التوحيد وكلمته والشرك الجلي والخفي والنفاق الاعتقادي والعملي.\nعقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى\nتوحيد الألوهية وما طرأ عليه من الشرك بدعاء غير الله\nبسم الله الرحمن الرحيم\nمن محمد بن عبد الوهاب إلى من يصل إليه من المسلمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\nوبعد: أخبركم أني، ولله الحمد، عقيدتي وديني الذي أدين الله به: مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة، لكني بَيَّنْتُ للناس إخلاصَ الدين ونهيتهم عن دعوة الأنبياء والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يعبد الله به من: الذبح والنذر والتوكل والسجود، وغير ذلك مما هو حق الله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسَل، وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة. وأنا صاحب منصب في قريتي، مسموع الكلمة، فأنكر هذا بعض الرؤساء؛ لكونه خالف عادة نشؤوا عليها.\nوأيضا ألزمتُ مَن تحت يدي بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وغير ذلك من فرائض الله. ونهيتهم عن الربا وشرب المسكر وأنواع من المنكرات، فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا وعيبه؛ لكونه مُسْتَحْسَنًا عند العوام؛ فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما آمُرُ به من التوحيد، وما نهيتهم عنه من الشرك، ولَبَّسُوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه الناس، وكبرتْ الفتنة جدا، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله، فنقول:\nالتوحيد نوعان توحيد الربوبية، وهو أن الله سبحانه- متفرد بالخلق والتدبير عن الملائكة والأنبياء وغيرهم، وهذا حق لا بد منه؛ لكن لا يُدْخِلُ الرجلَ في الإسلام، بل أكثر الناس مقرّون به، قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١. وإن الذي يدخل\n_________\n١ سورة يونس آية: ٣١.","vol":"1","page":2},{"text":"الرجلَ في الإسلام هو: توحيد الإلهية، وهو: أن لا يعبد إلا الله، لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا. وذلك أن النبي ﷺ بُعِثَ والجاهلية يعبدون أشياء مع الله: فمنهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يدعو عيسى، ومنهم من يدعو الملائكة؛ فنهاهم عن هذا، وأخبرهم أن الله أرسله لِيُوَحَّدَ؛ ولا يُدْعَى أحدٌ لا الملائكة ولا الأنبياء، فمن اتبعه ووحد الله: فهو الذي شهد أن لا إله إلا الله، ومن عصاه ودعا عيسى أو الملائكة واستنصرهم، والتجأ إليهم فهو الذي جحد لا إله إلا الله مع إقراره أنه لا يخلق ولا يرزق إلا هو.\nوهذه جملة لها بسطٌ طويلٌ، ولكن الحاصل أن هذا مجمع عليه بين العلماء، فلما جرى في هذه الأمة ما أخبر به نبيها ﷺ حيث قال: \"لتتبعن سَنَن من كان قبلكم حذو القُذَّة بالقُذَّة، حتى لو دخلوا جُحْر ضَبٍّ لدخلتموه\"١، وكان من قبلهم كما ذكر الله عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٢ وصار ناس من الضالين يدعون أناسا من الصالحين في الشدة والرخاء مثل عبد القادر الجيلاني، وأحمد البدوي، وعدي بن مسافر، وأمثالهم من أهل العبادة والصلاح، صاح عليهم أهل العلم من جميع الطوائف أعني على الداعين.\nوأما الصالحون الذين يكرهون ذلك فحاشاهم، وبَيَّنَ أهل العلم في أمثال هذا أنه هو الشرك الأكبر وعبادة الأصنام، فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لِيُعْبَدَ وحدَهُ، ولا يدعى معه إله آخر.\nوالذين يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل: الشمس والقمر والصالحين، والتماثيل المصورة على صورهم لم يكونوا يعتقدون أنها تُنْزِلُ المطرَ أو تُنْبِتُ النباتَ، وإنما كانوا يعبدون الملائكة والصالحين، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. فبعث الله الرسل وأنزل الكتب تَنْهَى عن أن يُدْعَى أحدٌ من دونه، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة.\nواعلم أن المشركين في زماننا قد زادوا على الكفار في زمن النبي ﷺ\n_________\n١ البخاري: الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٣٢٠)، وابن ماجه: الفتن (٣٩٩٤)، وأحمد (٢/٥١١) .\n٢ سورة التوبة آية: ٣١.","vol":"1","page":3},{"text":"بأنهم يدعون الملائكة والأولياء والصالحين، ويريدون شفاعتهم والتقرب إليهم، وإلا فهم مقرون بأن الأمر لله، فهم لا يدعونهم إلا في الرخاء، فإذا جاءت الشدائد أخلصوا لله. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ١ الآية.\nدعوة الرسل إلى توحيد الألوهية\nواعلم أن التوحيد هو: إفراد الله سبحانه- بالعبادة، وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده. فأولهم نوح -﵇- أرسله الله إلى قومه؛ لما غَلَوْا في الصالحين: وَدًّا وسوَاع ويَغوث ويعوق ونسرا. وآخرهم محمد ﷺ وهو الذي كسَّر صورَ هؤلاء الصالحين، أرسله الله إلى أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون، ويذكرون الله كثيرا، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله تعالى يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل: الملائكة وعيسى ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين.\nفبعث الله محمدا ﷺ يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محضُ حق الله تعالى لا يصلح منه شيء لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل، فضلا عن غيرهما، وإلا فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يخلق ولا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، وأن جميع السماوات السبع ومن فيهن، والأرضين السبع ومن فيهن كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره.\nفإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يشهدون بهذا، فاقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ\n_________\n١ سورة الإسراء آية: ٦٧.\n٢ سورة يونس آية: ٣١.","vol":"1","page":4},{"text":"شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ١.\nوغير ذلك من الآيات الدالات على تحقق أنهم يقرون بهذا كله، وأنه لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ. وعرفت٢ أن التوحيد الذي جحدوه، وهو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد، كما كانوا يدعون الله -﷾- ليلا ونهارا خوفا وطمعا. ثم منهم من يدعو الملائكة والأنبياء والصالحين لأجل صلاحهم وقربهم من الله ﷿ ليشفعوا لهم، ويدعو رجلا صالحا مثل اللات، أو نبيا مثل عيسى، وعرفت أن رسول الله ﷺ قاتلهم على ذلك، ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ ٤ الآية.\nوعرفت أن رسول الله ﷺ قاتلهم ليكون الدين كله لله، والدعاء كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادات كلها لله، وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يُدْخِلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة والأنبياء والأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب لله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم، عرفت٥ حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون.\nوهذا التوحيد هو معنى قولك: لا إله إلا الله، فإن الإله عندهم هو الذي يُقْصَد لأجل هذه الأمور سواء كان ملكا أو نبيا، أو وليا أو شجرة، أو قبرا أو جنيا، لم يريدوا أن الإله هو: الخالق الرازق المدبر، فإنهم يقرون أن ذلك لله\n_________\n١ سورة المؤمنون آية:٨٤: ٨٩.\n٢ قوله وعرفت- لم يتقدمه ما يصح عطفه عليه ولعل أصل الكلام: فإذا عرفت أن التوحيد إلخ وإلا كان هنالك شرط عطف هذا عليه، وسقط من الناسخ كان يكون: إذا عرفت ذلك.\n٣ سورة الجن آية: ١٨.\n٤ سورة الرعد آية: ١٤.\n٥ هذه الجملة جواب الشرط المذكور.","vol":"1","page":5},{"text":"وحده، كما قدمت لك، وإنما يعنون بالإله: ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد.\nفأتاهم النبي ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي: لا إله إلا الله. والمراد من هذه الكلمة: معناها لا مجرد لفظها، والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو: إفراد الله بالتعلق، والكفر بما يُعْبَد من دونه والبراءة منه، فإنه لما قال لهم قولوا: لا إله إلا الله، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ١.\nفإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك؛ فالعجب ممن يدعي الإسلام، وهو لا يعرف من معنى هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب بشيء من المعاني، والحاذق منهم يظن أن معناها: لا يخلق ولا يرزق، ولا يحيي ولا يميت، ولا يدبر الأمر إلا الله. فلا خير في رجل، جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله.\nالشرك بدعاء الصالحين وغيرهم هو شرك عباد الأصنام\nفإذا عرفت ما قلت لك معرفة قلب، وعرفت الشرك بالله الذي قال فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ﴾ ٢ الآية، وعرفت دين الله الذي بعث به الرسل من أولهم إلى آخرهم الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه، وعرفت ما أصبح غالب الناس اليوم فيه من الجهل بهذا، أفادك فائدتين:\nالأولى: الفرح بفضل الله ورحمته، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ٣. وأفادك أيضا الخوف العظيم، فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل، وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله كما ظن المشركون، خصوصا إن ألهمك الله ما قص عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم أنهم أتوه قائلين: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ٤، فحينئذ يعظم خوفك وحرصك على ما يخلصك من هذا وأمثاله. واعلم أن الله سبحانه- من حكمته لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي\n_________\n١ سورة ص آية: ٥.\n٢ سورة النساء آية: ٤٨.\n٣ سورة يونس آية: ٥٨.\n٤ سورة الأعراف آية: ١٣٨.","vol":"1","page":6},{"text":"بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ ١.\nوقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة، وكتب وحجج كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ٢.\nفإذا عرفتَ ذلك، وعرفتَ أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه، أهل فصاحة وعلم وحجج كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٣ الآية. فالواجب عليك أن تعلم مِن دين الله ما يصير لك سلاحا تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومُقَدَّمهم لربك ﷿: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ ٤ ولكن إن أقبلت على الله، وأصغيت إلى حجج الله وبيناته، فلا تخف ولا تحزن: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ ٥. والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء هؤلاء المشركين، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٦؛ فجنده هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان.\nوإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح، وقد مَنَّ الله علينا بكتابه الذي جعله تِبْيَانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويُبَيِّنُ بطلانها كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ٧. قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة.\nبيان من كفرهم إمام الوهابية ومن قاتلهم\nوالحاصل: أن كل ما ذكر عنا من الأسباب غير دعوة الناس إلى التوحيد والنهي عن الشرك، فكله من البهتان، وما أعجب ما جرى من الرؤساء المخالفين!  فإني لما بينتُ لهم كلام الله، وما ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿ولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ٨ الآية، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٩، وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١٠، وما ذكر الله من إقرار الكفار في قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ\n_________\n١ سورة الأنعام آية: ١١٢.\n٢ سورة غافر آية: ٨٣.\n٣ سورة الأعراف آية: ٨٦.\n٤ سورة الأعراف آية: ١٦.\n٥ سورة النساء آية: ٧٦.\n٦ سورة الصافات آية: ١٧٣.\n٧ سورة الفرقان آية: ٣٣.\n٨ سورة الإسراء آية: ٥٧.\n٩ سورة يونس آية: ١٨.\n١٠ سورة الزمر آية: ٣.","vol":"1","page":7},{"text":"وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ ١ الآية.\nوغير ذلك، قالوا: لا يجوز العمل لنا ولا لمثلنا بكلام الله ولا بكلام الرسول، ولا بكلام المتقدمين، ولا نطيع إلا ما ذكره المتأخرون.\nولما قلت لهم: أنا أخاصم الحنفي بكلام المتأخرين من الحنفية، والمالكي والشافعي والحنبلي؛ كُلٌّ أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم الذين يعتمدون عليهم، فلما أبوا ذلك نقلت كلام العلماء من كل مذهب لأهله. وذكرتُ كل ما قالوا بعدما صُرِّحَتْ الدعوةُ عند القبور والنذر لها، فعرفوا ذلك وتحققوه؛ فلم يزدهم إلا نفورا.\nوأما التكفير: فإني أكفر مَنْ عرف دين الرسول، ثم بعد ما عرفه سَبَّهُ ونَهَى الناس عنه، وعادى مَنْ فعله، فهذا هو الذي أُكَفِّرُهُ، وأكثر الأمة -ولله الحمد- ليسوا كذلك.\nوأما القتال: فلم نقاتل أحدا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة، وهم الذين أَتَوْنَا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا، ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة، وجزاء سيئة سيئة مثلها. وكذلك مَنْ جَاهَرَ بسَبِّ دين الرسول بعد ما عرفه.\nفإن تبين لكم أن هذا هو الحق الذي لا ريب فيه؛ وأن الواجب إشاعته في الناس، وتعليمه النساء والرجال، فرحم الله من أدى الواجب عليه، وتاب إلى الله، وأقر على نفسه، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ونسأل الله أن يهدينا وإياكم لما يحب ويرضى. والله أعلم.\n_________\n١ سورة يونس آية: ٣١.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>رسالة في المسائل الخمس الواجب معرفتها</span>\n...\nرسالته في المسائل الخمس الواجبة معرفتها\nالإنذار عن الشرك بالله\nوله أيضا - قدس الله روحه، ونور ضريحه- ما نصه:\nالواجب عليك أن تعرف خمس مسائل:\n(الأولى): أن الله لما أرسل محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق، كان أول كلمة أرسله الله بها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ١، ومعنى قوله: ﴿فَأَنْذِرْ﴾: الإنذار عن الشرك بالله. وكانوا يجعلونه دينا يتقربون به إلى الله تعالى مع أنهم يفعلون من الظلم والفواحش ما لا يحصى، ويعلمون أنه معصية.\nفمن فهم فهما جيدا أن الله أمره بالإنذار عن دينهم الذي يتقربون به إلى الله قبل الإنذار عن الزنى ونكاح الأمهات والأخوات، وعرف الشرك الذي يفعلونه، رأى العجب العجاب، خصوصا إن عرف أن شركهم دون شرك كثير من الناس اليوم لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ٢.\nالتوحيد هو إخلاص الدين لله تعالى\n(الثانية): أنه لما أنذرهم عن الشرك، أمرهم بالتوحيد الذي هو إخلاص الدين لله تعالى، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ٣، يعني: عظمه بالإخلاص. وليس المراد تكبير الأذان وغيره؛ فإنه لم يشرع إلا في المدينة.\nفإذا عرف الإنسان أن ترك الشرك لا ينفع إلا إذا لبس ثوب الإخلاص، وفهم الإخلاص فهما جيدا، وعرف ما عليه كثير من الناس من ظنهم أن الإخلاص وترك دعوة الصالحين نقص لهم، كما قال النصارى: إن محمدا يشتم عيسى، لما ذكر أنه عبد الله ورسوله ليس يعبد مع الله تعالى، فمن فهم هذا عرف غربة الإسلام، خصوصا إن أحضر بقلبه ما فعل الذين يَدَّعُونَ\n_________\n١ سورة المدثر آية:١: ٣.\n٢ سورة الزمر آية: ٨.\n٣ سورة المدثر آية: ٣.","vol":"1","page":9},{"text":"أنهم من العلماء؛ من معاداة هذه المسألة وتكفيرهم مَن دَانَ بها وجاهدهم مع عُبَّاد قُبة أبي طالب وأمثالها، وقبة الكواز وأمثالها، وفتواهم لهم بحل دمائنا وأموالنا؛ لتركنا ما هم عليه. ويقولون لهم: إنهم ينكرون دينكم.\nفلا تعرف هذه والتي قبلها إلا بإحضارك في ذهنك ما علمت أنهم فعلوا مع أهل هذه المسألة، وما فعلوا مع المشركين؛ فحينئذ تعرف أن دين الإسلام ليس مجرد المعرفة: فإن إبليس وفرعون يعرفونه، وكذلك اليهود يعرفونه كما يعرفون آباءهم، وإنما الإسلام هو: العمل بذلك والحب والبغض، وترك موالاة الآباء والأبناء في هذا.\nالرسول ﵇ جاء ليصدق ويتبع\n(الثالثة): أن تُحْضِر بقلبك أن الله سبحانه- لم يرسل الرسول إلا لِيُصَدَّقَ وَيُتَّبَعَ، ولم يرسله لِيُكَذَّبَ وَيُعْصَى. فإذا تأملتَ إقرار من يدعي أنه من العلماء بالتوحيد وأنه دين الله ورسوله، لكن من دخل فيه فهو من الخوارج الذين تحل دماؤهم وأموالهم، ومن أبغضه وسَبَّهَ وَصَدَّ الناسَ عنه فهو الذي على الحق، وكذلك إقرارهم بالشرك وقولهم: ليس عندنا قبة نعبدها، بل جهادهم الجهاد المعروف مع أهل القباب، وأن من فارقهم حل ماله ودمه، فإذا عرف الإنسان هذه المسألة الثالثة كما ينبغي، وعرف أنه اجتمع في قلبه، ولو يوما واحدا أن قلبه قَبِلَ كلامهم: أن التوحيد دينُ الله ورسوله، ولكن لا بد من بغضه وعداوته، وأن ما عليه أهل القباب هو الشرك، ولكن هم السواد الأعظم، وهم على الحق، ولا يقول: إنهم يفعلون الشرك، فاجتماع هذه الأضداد في القلب مع أنها أبلغ من الجنون؛ فهي من أعظم قدرة الله تعالى وهي من أعظم ما يعرفك بالله وبنفسك، ومن عرف نفسه وعرف ربه، ثم أمره. فكيف إذا علمت أن هذين الضدين اجتمعا في قلب صالح وحيوان وأمثالهما أكثر من عشرين سنة.\nالشرك يحبط العمل ولو لأجل الإسلام\n(الرابعة): أنك تعلم أن الله أنزل على رسوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١، مع أنهم راودوه\n_________\n١ سورة الزمر آية: ٦٥.","vol":"1","page":10},{"text":"على قول كلمة أو فعل مرة واحدة، ووعدوه أن ذلك يقودهم إلى الإسلام.\nإذا عرفت أن أعظم أهل الإخلاص وأكثرهم حسنات، لو قال كلمة الشرك مع كراهيته لها ليقود غيره بها إلى الإسلام حبط عمله وصار من الخاسرين؛ فكيف بمن أظهر أنه منهم، وتكلم بمائة كلمة؛ لأجل تجارة، أو لأجل أن يحج؛ لما مَنَعُوا الموحدين من الحج كما منعوا النبي ﷺ وأصحابه حتى فتح الله مكة؟\nفمن فهم هذا فهما جيدا، انفتح له معرفة قدر التوحيد عند الله ﷿ وقدر الشرك. ولكن إن عرفت هذه بعد أربع سنين فَنِعِمَّى لك، أعني: المعرفة التامة كما تعرف أن قطرة من البول تنقض الوضوء الكامل إذا خرجت ولو بغير اختياره.\nالإيمان بما جاء به الرسول ﵇ كله\n(الخامسة): أن الرسول ﷺ فرض الإيمان بما جاء به كله لا تفريق فيه، فمن آمن ببعضٍ وكفر ببعض، فهو كافر حقا، بل لا بد من الإيمان بالكتاب كله. فإذا عرفت أن من الناس من يصلي ويصوم، ويترك كثيرا من المحرمات؛ لكن لا يُوَرِّثُونَ المرأةَ، ويزعمون أن ذلك هو الذي ينبغي اتباعه، بل لو ورثها أحد عندهم وخالف عادتهم لأنكرت قلوبهم ذلك.\nأو ينكر عدة المرأة في بيت زوجها مع علمه بقول الله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ١، ويزعم أن تركها في بيت زوجها لا يصلح، وأن إخراجها منه هو الذي ينبغي فعله، أو أنكر التحية بالسلام مع معرفته أن الله شرعها حبا لتحية الجاهلية لما ألفها، فهذا يكفر؛ لأنه آمن ببعض، وكفر ببعض، بخلاف مَن فعل المعصية أو ترك الفرض مثل فعل الزنى وترك بر الوالدين مع اعترافه أنه مخطيء وأن أمر الله هو الصواب٢.\nواعلم أني مثلتُ لك بهذه الثلاث؛ لتحذو عليها؛ فإن عند الناس من هذا\n_________\n١ سورة الطلاق آية: ١.\n٢ يعني أن الكفر في: استقباح شرع الله، وتفضيل العادات المحرمة عليه؛ لا مجرد فعل المحرم مع اعتقاد فاعله أنه مذنب وأن فعله قبيح.","vol":"1","page":11},{"text":"كثير يخالف ما حد الله في القرآن، وصار المعروف عندهم ما ألفوه عند أهلهم، ولو يفعل أحدٌ ما ذكر الله ويترك العادة لأنكروا عليه وَاسْتَسْفَهُوهُ، بخلاف مَن يفعل أو يترك مع اعترافه بالخطأ، وإيمانه بما ذكر الله.\nواعلم أن هذه المسألة الخامسة من أشد ما على الناس خطرا في وقتنا بسبب غربة الإسلام، والله أعلم.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>رسالة في النفاق بقسميه وصفات المنافقين</span>\nالنفاق الأكبر والأصغر\nقال -أسكنه الله الفردوس الأعلى-:\nاعلم -رحمك الله- أن الله تعالى منذ بعث محمدا ﷺ وأعزَّهُ بالهجرة والنصر صار الناس ثلاثة أقسام: قسم مؤمنون، وهم الذين آمنوا به ظاهرا وباطنا، وقسم كفار: وهم الذين أظهروا الكفر به، وقسم منافقون: وهم الذين آمنوا به ظاهرا لا باطنا. ولهذا افتتح الله سورة البقرة بأربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وثلاث عشرة في صفة المنافقين.\nوكل واحد من: الإيمان، والكفر، والنفاق، له دعائم وشُعَب كما دل عليه الكتاب والسنة، وكما فسره علي بن أبي طالب ﵁ في الحديث المأثور عنه. فمن النفاق ما هو: نفاق أكبر، ويكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله بن أبي وغيره، مثل أن يُظْهِر تكذيب الرسول، أو جحود بعض ما جاء به، أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المَسَرَّة بانخفاض دينه، أو المَسَاءة بظهور دينه، ونحو ذلك مما لا يكون صاحبه إلا عدوا لله ورسوله، وهذا القدر موجود في زمن الرسول ﷺ.\nوما زال بعده أكثر من عهده؛ لكون موجبات الإيمان على عهده أقوى، فإذا كانت مع قوتها، والنفاق موجود فوجوده فيما دون ذلك أولى به، وهذا ضرب النفاق الأكبر، والعياذ بالله.","vol":"1","page":12},{"text":"وأما النفاق الأصغر: فهو نفاق الأعمال ونحوها، مثل أن يكذب إذا حدَّث، ويُخلف إذا وعد، أو يخون إذا ائتُمِنَ، للحديث المشهور عنه ﷺ قال: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمِنَ خان، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم\"١.\nصفات المنافقين\nومن هذا الباب: الإعراض عن الجهاد، فإنه من خصال المنافقين لقوله ﷺ: \"من مات ولم يَغْزُ، ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق\"٢ رواه مسلم.\nوقد أنزل الله سورة براءة التي تُسَمَّى الفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين كما قاله ابن عباس ﵁- قال: \"هي الفاضحة، ما زالت تنْزل (ومنهم، ومنهم) حتى ظنوا أن لا يبقى أحد إلا ذُكِرَ فيها\"، وعن المقداد بن الأسود قال: هي سورة البَحُوث؛ لأنها بحثَتْ عن سرائر المنافقين. وقال قتادة: هي المثيرة؛ لأنها أثارت مخازي المنافقين.\nوهذه السورة نزلت في آخر مغازي رسول الله ﷺ يوم غزوة تبوك، وقد أعز الله الإسلام وأظهره؛ فكشف فيها عن أحوال المنافقين، ووصفهم فيها بالجبن والبخل. فأما الجبن فهو: ترك الجهاد، وأما البخل فهو: عن النفقة في سبيل الله.\nوقال تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ ٣ الآية. وقال: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ٤ الآية.\nفأما وصفهم فيها بالجبن والفزع فقد قال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ ٥ يلجؤون إليه مثل المعاقل والحصون ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ يغورون فيها كما يغور الماء، ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ وهو الذي يتكلف الدخول إليه ولو بكُلْفَة ومشقة، ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾ عن الجهاد ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ ٦ أي: يسرعون إسراعا لا يردهم شيء؛ كالفرس الجَمُوح الذي إذا حمل لم يرده اللجام. وقد قال تعالى:\n﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ\n_________\n١ البخاري: الإيمان (٣٣)، ومسلم: الإيمان (٥٩)، والترمذي: الإيمان (٢٦٣١)، والنسائي: الإيمان وشرائعه (٥٠٢١)، وأحمد (٢/٣٥٧،٢/٣٩٧،٢/٥٣٦) .\n٢ مسلم: الإمارة (١٩١٠)، والنسائي: الجهاد (٣٠٩٧)، وأبو داود: الجهاد (٢٥٠٢) .\n٣ سورة آل عمران آية: ١٨٠.","vol":"1","page":13},{"text":"وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ١. فحصر المؤمنين فيمن آمن وجاهد. وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ٢ الآيتين. فهذا إخبار من الله أن المؤمن لا يستأذن في ترك الجهاد، وإنما يستأذن الذين لا يؤمنون بالله، فكيف بالتارك من غير استئذان؟\nوقال في وصفهم بالشح: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾ ٣ إلى قوله: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ ٤؛ فإذا كان هذا ذَمُّ الله - ﵎- لمن أنفق وهو كاره، فكيف بمن ترك النفقة رأسا؟\nوقد أخبر أن المنافقين لما قربوا من المدينة؛ تارة يقولون للمؤمنين: هذا الذي جرى علينا بشؤمكم، فأنتم الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين، وقاتلتم عليه وخالفتموهم. وتارة يقولون: أنتم الذين أشرتم علينا بالمقام هنا، وإلا لو كنا قد سافرنا، ما أصابنا هذا.\nوتارة يقولون: أنتم مع قلتكم وضعفكم تريدون أن تكسروا العدو، وقد غركم دينكم. وتارة يقولون: أنتم مجانين لا عقل لكم تريدون أن تهلكوا أنفسكم وتهلكوا الناس معكم. وتارة يقولون أنواعا من الكلام المؤذي، فأخبر الله عنهم بقوله ﷿: ﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلًا﴾ ٥، فوصفهم -﵎- بثلاثة أوصاف:\nالأول: أنهم -لخوفهم- يحسبون الأحزاب لم ينصرفوا عن البلد، وهذا حال الجبان الذي في قلبه مرض، فإن قلبه يبادر إلى تصديق الخبر المخوف، وتكذيب خبر الأمن.\nالوصف الثاني: أن الأحزاب إذا جاؤوا تَمَنَوْا أن لا يكونوا بينكم؛ بل في البادية بين الأعراب يسألون عن أنبائكم: أيش خبر المدينة؟ وأيش خبر الناس؟.\nالوصف الثالث: أن الأحزاب إذا أتوا، وهم فيكم لم يقاتلوا إلا قليلا. وهذه الصفات الثلاث منطبقة على كثير من الناس.\n_________\n١ سورة الحجرات آية: ١٥.\n٢ سورة التوبة آية: ٤٤.\n٣ سورة التوبة آية: ٥٤.\n٤ سورة التوبة آية: ٥٤.\n٥ سورة الأحزاب آية: ٢٠.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>رسالة في كلمة لا إله إلا الله</span>\nحقيقة معنى لا إله إلا الله\nرسالة في كلمة لا إله إلا الله بين فيها حقيقة التوحيد ومعناه، وكونه لا يُنَجِّي من النار سواه.\nوله في معنى لا إله إلا الله ما نصه:\nقال -رحمه الله تعالى-: هذه كلمات في بيان شهادة أن لا إله إلا الله، وبيان التوحيد الذي هو: حق الله على العبيد، وهو أفرض من الصلاة والزكاة وصوم رمضان، فرحم الله امرأ نصح نفسه وعرف أن وراءه جنة ونارا، وأن الله ﷿ جعل لكل منهما أعمالا. فإن سأل عن ذلك وجد رأس أعمال أهل الجنة: توحيد الله تعالى.\nفمن أتى به يوم القيامة فهو من أهل الجنة قطعا، ولو كان عليه من الذنوب مثل الجبال، ورأس أعمال أهل النار: الشرك بالله. فمن مات على ذلك، فلو أتى يوم القيامة بعبادة الله الليل والنهار والصدقة والإحسان؛ فهو من أهل النار قطعا، كالنصارى الذين يبني أحدهم صومعة في البرية؛ ويزهد في الدنيا ويتعبد الليل والنهار، لكنه خلط ذلك بالشرك بالله؛ تَعَالى اللهُ عن ذلك.\nقال الله ﷿: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ ١. وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ ٢ الآية.\nفرحم الله امرأ تنبه لهذا الأمر العظيم، قبل أن يعض الظالم على يديه ويقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا!\nنسأل الله أن يهدينا، وإخواننا المسلمين إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، وأن يجنبنا طريق المغضوب عليهم، وهم: العلماء الذين علموا ولم يعملوا، وطريق الضالين وهم: العباد الجهال فما أعظم هذا الدعاء! وما أحوج مَن دعا به أن يُخلص قلبه في كل ركعة\n_________\n١ سورة الفرقان آية: ٢٣.\n٢ سورة إبراهيم آية: ١٨.","vol":"1","page":15},{"text":"إذا قرأ بها بين يدي الله -تعالى- أن يهديه وأن ينجيه؛ فإن الله قد ذكر أنه يستجيب هذا الدعاء الذي في الفاتحة؛ إذا دعا به الإنسان من قلب حاضر.\n(فنقول): لا إله إلا الله هي: العروة الوثقى، وهي كلمة التقوى، وهي الحنيفية ملة إبراهيم، وهي التي جعلها الله ﷿ كلمة باقية في عقبه، وهي التي خلقت لأجلها المخلوقات، وبها قامت الأرض والسماوات، ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢، والمراد معنى هذه الكلمة، وأما التلفظ باللسان مع الجهل بمعناها فلا ينفع، فإن المنافقين يقولونها، وهم تحتَ الكفارِ في الدرك الأسفل من النار.\n(فاعلم) أن معنى هذه الكلمة نفيُ الإلهية عما سوى الله -﵎- وإثباتها كلها لله وحده لا شريك له، ليس فيها حق لغيره لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ ٥ الآية.\nفإذا قيل: لا خالق إلا الله؛ فهذا معروف، لا يشاركه في ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل. وإذا قيل: لا يرزق إلا الله فكذلك. فإذا قيل: لا إله إلا الله فكذلك. فتفكر رحمك الله! واسأل عن معنى لا إله إلا الله، كما تسأل عن معنى الخالق والرازق. فاعلم أن الإله هو المعبود؛ هذا هو تفسير هذه اللفظة بإجماع أهل العلم، فمن عبد شيئا فقد اتخذه إلها من دون الله، وجميع ذلك باطل، إلا إله واحد وهو الله وحده ﵎ علوا كبيرا.\nالعبادة وأنواعها\nوالعبادة أنواع كثيرة لكني أُمَثُّلُهَا بأنواع كثيرة لا تُنْكَر: من ذلك السجود:\n_________\n١ سورة الذاريات آية: ٥٦.\n٢ سورة النحل آية: ٣٦.\n٣ سورة مريم آية:٩٣، ٩٥.\n٤ سورة النبأ آية: ٣٨.\n٥ سورة النحل آية: ١١١.","vol":"1","page":16},{"text":"فلا يجوز لعبد أن يضع وجهه على الأرض ساجدا إلا لله وحده لا شريك له، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل ولا لِوَلِيٍّ. ومن ذلك الذبح: فلا يجوز لأحد أن يذبح إلا لله وحده، كما قرن الله بينهما في القرآن في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾ ١ والنسك هو: الذبح، وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٢؛ فتفطن لهذا.\nواعلم أن مَن ذبح لغير الله من جني أو قبر، فهو كما لو سجد له. وقد لعنه رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح قال: \"لعن الله من ذبح لغير الله\" ٣.\nومن أنواع العبادة: الدعاء: كما كان المؤمنون يدعون الله ليلا ونهارا في الشدة والرخاء وحده، لا يشك أحد أن هذا من أنواع العبادة٤.\nفتفكر -رحمك الله- أنه فيما حَدَثَ في الناس اليوم من دعاء غير الله في الشدة والرخاء: هذا يريد سفرا فيأتي عند قبر أو غيره، فيدخل عليه بماله على من يَنْهَبه. وهذا تلحقه الشدة في البر أو البحر فيستغيث بعبد القادر أو السمان أو بنبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء، أن ينجيه من هذه الشدة.\nفيقال لهذا الجاهل: إن كنت تعرف أن الإله هو: المعبود، وتعرف أن الدعاء من العبادة؛ فكيف تدعو مخلوقا ميتا عاجزا وتترك الحي القيوم، الرؤوف الرحيم القدير؟ فيقول هذا المشرك: إن الأمر بيد الله، ولكن هذا العبد الصالح يشفع لي عند الله وتنفعني شفاعته وجاهه، ويظن أن ذلك يسلمه من الشرك.\n_________\n١ سورة الأنعام آية: ١٦٢.\n٢ سورة الكوثر آية: ٢.\n٣ مسلم: الأضاحي (١٩٧٨)، والنسائي: الضحايا (٤٤٢٢)، وأحمد (١/١٠٨،١/١١٨،١/١٥٢) .\n٤ وهو أعلى الأنواع، وأدلها على الإيمان الصحيح والتوحيد الخالص، فالسجود إنما كان عبادة بحكم الشرع، وقد كان عادة في التحية من قبل، ومنه سجود يعقوب وأولاده لولده يوسف ﵈. وأما الدعاء فهو: ركن العبادة الأعظم بمقتضى الفطرة، وفي دين الله على ألسنة جميع الأمم، ولذلك قال (ص): \"الدعاء هو العبادة\" رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم من حديث النعمان بن بشير وأبو يعلى من حديث البراء؛ وفي معناه: \"الدعاء مخ العبادة\" رواه الترمذي من حديث أنس.","vol":"1","page":17},{"text":"يدبر الأمر، وإنما أرادوا ما أردت من الشفاعة عند الله، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١. وقوله ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢. وإلا فهم يعترفون بأن الله هو الخالق الرازق النافع الضار كما أخبر عنهم بقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٣.\nفليتدبر اللبيب العاقل الناصح لنفسه الذي يعرف أن بعد الموت جنة ونارا، هذا الموضع، ويعرف الشرك بالله الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٤ الآية. وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ٥. فما بعد هذا البيان بيان! إذا كان الله ﷿ قد حكى عن الكفار أنهم يقرون أنه هو الخالق الرازق، والمحيي المميت الذي يدبر الأمر، وإنما أرادوا من الذين يعتقدون فيهم التقرب والشفاعة عند الله -تعالى-.\n(فكم من) آية في القرآن ذكر الله فيها هذا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ ٦ - إلى قوله- ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٧. وكقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٨ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٩، وغير ذلك من الآيات التي أخبر الله بها عنهم أنهم أقروا بهذا لله وحده، وأنهم ما أرادوا من الذين يعتقدون فيهم إلا الشفاعة، لا غير ذلك.\nالشرك بعبادة الأصنام كالشرك بعبادة الأنبياء والصالحين\nفإن احتج بعض المشركين أن أولئك يعتقدون في أصنام من حجارة وخشب، ونحن نعتقد في الصالحين. قيل له: والكفار أيضا منهم من يعتقد في الصالحين مثل:\n_________\n١ سورة يونس آية: ١٨.\n٢ سورة الزمر آية: ٣.\n٣ سورة يونس آية: ٣١.\n٤ سورة النساء آية: ٤٨.\n٥ سورة المائدة آية: ٧٢.\n٦ سورة المؤمنون آية: ٨٤.\n٧ سورة المؤمنون آية: ٨٩.\n٨ سورة العنكبوت آية: ٦١.\n٩ سورة العنكبوت آية: ٦٣.","vol":"1","page":18},{"text":"الملائكة وعيسى بن مريم. وفي الأولياء مثل: العزير واللات، وناس من الجن. وقد ذكر الله ﷿ في كتابه ما يدل على هذا، فقال في الذين يعتقدون في الملائكة ليشفعوا لهم: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُون َ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ ١. وقال: ﴿لا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٢.\nوقال فيمن اعتقد في عيسى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ ٣. وقال: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٤؛ فإذا كان عيسى بن مريم -وهو من أفضل الرسل- قيل فيه هذا، فكيف بعبد القادر أو غيره؛ إذ يقال فيه: إنه يملك ضرا أو نفعا؟.\nوقال في حق الأولياء: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ٥. قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الملائكة وعزيرا والمسيح فقال الله: هؤلاء عبيدي كما أنتم عبيدي، يرجون رحمتي كما ترجون أنتم رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي.\nفرحم الله امرأ تفكر في هذه الآية العظيمة، وفيما نزلت فيه، وتفكر أن الذين اعتقدوا فيهم إنما أرادوا التقرب إلى الله والشفاعة عنده بهم، وهذا كله يدور على كلمتين:\nالأولى: أن تعرف أن الكفار يعرفون أن الله -سبحانه- هو الخالق الرازق الذي يدبر الأمر وحده، وإنما أرادوا التقرب بهؤلاء إلى الله -تعالى-.\nوالثانية: أن تعرف أن منهم أُنَاسًا يعتقدون في أناس من الأنبياء والصالحين مثل: عيسى والعزير والأولياء، فصاروا هم والذين يعتقدون في الأصنام من الحجر والشجر واحدا، فلما جاءهم رسول الله ﷺ لم يفرق بين الذين يعتقدون في الأوثان من الخشب والحجر، والذين يعتقدون في الأنبياء والصالحين؛\n_________\n١سورة سبأ آية: ٤٠.\n٢ سورة الأنبياء آية: ٢٨.\n٣ سورة النساء آية: ١٧١.\n٤ سورة المائدة آية: ٧٦.\n٥ سورة الإسراء آية: ٥٦.","vol":"1","page":19},{"text":"إذا تبين هذا لك عرفت دين الله.\nولو قال المشرك بعد ذلك: هذا بَيِّنٌ نعرفه في أول الأمر ولا نخاف منه.\nعناية القرآن بمحو الشرك من القلوب والبراءة من أهله\nقيل: إن كان أصحاب رسول الله ﷺ لم يعرفوا هذا إلا بعد التعلم، ومن أنواع الشرك أشياء ما عرفوها إلا بعد سنين، فإن عرفت هذا بلا تعلم فأنت أعلم منهم، بل الأنبياء لم يعرفوا هذا إلا بعد أن علَّمَهم الله تعالى، قال الله تعالى لأعلم الخلق محمد ﷺ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٢.\nفإذا كان هذا حال نبينا، وحال الخليل إبراهيم -﵇- إذ يوصي بها أولاده وهم أنبياء. قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٤؛ فإذا كان هذا الأمر لا يخاف على المسلمين منه، فما بال الخليل يخاف على نفسه وعلى بنيه، وهم أنبياء؛ حيث قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ ٥. ما بال العليم الحكيم لما أنزل كتابه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور جعله في هذا الأمر، وأكثر الكلام فيه وبَيَّنَه، وضرب فيه الأمثال، وحَذَّرَ منه وأبدى وأعاد؟ فإذا كان الناس يفهمونه بلا تعلم، ولا يخاف عليهم منه، فما بال رب العالمين جعل أكثر كتابه فيه؟ فسبحان من طَبَعَ على قلب من شاء من خلقه، فأصمهم وأعمى أبصارهم!\nوأنت يا مَنْ مَنَّ الله عليه بالإسلام، وعرف معنى: لا إله إلا الله، لا تظن أنك إذا قلت: هذا هو الحق وتارك ما سواه٦، لكن لا أتعرض لهم ولا أقول فيهم شيئا، لا تظن أنك غير عاصٍ ربك، بل لا بد من بغضهم وبغض من يحبهم، ومسبتهم\n_________\n١ سورة محمد آية: ١٩.\n٢ سورة الزمر آية: ٦٥.\n٣ سورة البقرة آية: ١٣٢.\n٤ سورة لقمان آية: ١٣.\n٥ سورة إبراهيم آية: ٣٥.\n٦ كذا في الأصل ويظهر أنه سقط من هنا شيء.","vol":"1","page":20},{"text":"ومعاداتهم، كما قال أبوك إبراهيم والذين معه لقومهم: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٢ الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٣.\nولو قال رجل: أنا أتبع النبي ﷺ وهو على الحق، لكن لا أتعرض للات والعزى، ولا أتعرض لأبي جهل وأمثاله، ما عليَّ منهم؟ لم يصح إسلامه.\nوأما مجادلة بعض المشركين بأن هؤلاء الطواغيت ما أمروا الناس بهذا ولا رضوا به، فهذا لا يقوله إلا مشرك مكابر، فإن هؤلاء ما أكلوا أموال الناس بالباطل ولا ترأسوا عليهم، ولا قربوا ما قربوا إلا بهذا، وإذا رأوا رجلا موحدا منكرا لهذا الشرك سبوه وآذوه، وإذا رأوا مشركا كافرا تابعا للشيطان قربوه وأحبوه وزوجوه بناتهم وعَدُّوا ذلك شرفًا.\nوهذا القائل يعلم أن قوله ذلك كذب، فإنه لو يحضر عندهم ويسمع بعض المشركين يقول: جاءتني شدة فجئت الشيخ فلان أو السيد فلان فنذرت له فخلصني، لم يجز أن يقول هذا القائل: لا يضر ولا ينفع إلا الله، بل لو قال هذا وأشاعه في الناس لأبغضه الطواغيت، بل لو قدروا على قتله لقتلوه. وبالجملة لا يقول هذا إلا مشرك مكابر، وإلا فدَعْوَاهم هذه وتخويفهم الناس، وذكرهم السوالف الكفرية التي اشتهرت عن آبائهم مشهور، لا ينكره من عرف حالهم كما قال تعالى: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ ٤.\nالعبرة فيما ذكر الله عن المشركين إذا مسهم الضر\nولنختم الكتاب بذكر آية من كتاب الله فيها عبرة لمن اعتبر. قال تعالى في حق الكفار: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ٥، فذكر عن الكفار أنهم إذا جاءتهم الشدة تركوا غيره، وأخلصوا له الدين، وأهل زماننا إذا جاءتهم الشدة والضر التجؤوا إلى غير الله -﷾- عن ذلك. فرحم الله مَن تفكر في هذه الآية وغيرها من الآيات.\n_________\n١ سورة الممتحنة آية: ٤.\n٢ سورة البقرة آية: ٢٥٦.\n٣ سورة النحل آية: ٣٦.\n٤ سورة التوبة آية: ١٧.\n٥ سورة الإسراء آية: ٦٧.","vol":"1","page":21},{"text":"وأما مَنْ مَنَّ الله عليه بالمعرفة، فليحمد الله تعالى. وإن أشكل عليه شيء، فليسأل أهل العلم عما قال الله ورسوله ولا يبادر بالإنكار؛ لأنه إن رَدَّ: رَدَّ على الله. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ ١.\nالباطل لا يصير حقا بعظمة قائله وجلالته\nاعلم -رحمك الله- أن أشياء من أنواع الشرك الأكبر وقع فيها بعض المصنفين -على جهالة- لم يُفْطَن لها؛ من ذلك قوله في البردة:\nيا أكرم الخلق مالي من ألوذ به\nسواك عند حلول الحادث العمم\nوفي الهمزية من جنس هذا وغيره أشياء كثيرة، وهذا من الدعاء الذي هو العبادة التي لا تصلح إلا لله وحده، وإن جادلك بعض المشركين بجلالة هذا القائل وعلمه وصلاحه، وقال بجهله: كيف هذا؟ فقل له: أعلم منه وأجل أصحاب موسى الذين اختارهم الله وفضلهم على العالمين، وقد قالوا: ﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ٢؛ فإذا خفي هذا على بني إسرائيل مع جلالتهم وفضلهم، فما ظنك بغيرهم ٣. وقل لهذا الجاهل:\n_________\n١ سورة السجدة آية: ٢٢.\n٢ سورة الأعراف آية: ١٣٨.\n٣ فيه أن بني إسرائيل الذين قالوا هذا القول: لم يكونوا أصحاب جلالة وفضل ولا علم بالدين، ولا كانت التوراة نزلت عليهم، وإنما كانوا مشركين أنقذهم موسى ﵇- من ظلم فرعون وقومه؛ ليتخذ منهم شعبا يعبد الله وحده ويقيم دينه، وقد أجابهم موسى -﵇- بقوله: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، وقد اتخذوا العجل بعد ذلك وعبدوه. وفي القرآن، وكذا في التوراة من ذم قوم موسى وتمردهم وعنتهم وإيذائهم له في عهد التشريع العجب العجاب، وأما تفضيل بني إسرائيل على العالمين في زمانهم، فالمراد به جملتهم بما كان فيهم من الأنبياء والصالحين من قبل موسى إلى عهد عيسى -﵈- (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) .","vol":"1","page":22},{"text":"أصلح من الجميع وأعلم أصحاب محمد١ لما مروا بشجرة فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فحلف رسول الله ﷺ أن هذا كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ٢.\nففي هذا عبرتان عظيمتان:\n(الأولى): أن النبي ﷺ صرح أن من اعتقد في شجرة أو تبرك بها أنه متخذها إلها، وإلا فأصحاب رسول الله ﷺ يعرفون أنها لا تخلق ولا ترزق، وإنما ظنوا أن النبي ﷺ إذا أمرهم بالتبرك بها صار فيها بركة.\n(والعبرة الثانية): أن الشرك قد يقع ممن هو أعلم الناس وأصلحهم وهو لا يدري، كما قال رسول الله ﷺ \"الشرك أخفى من دبيب النمل\" ٣ بخلاف قول الجاهل: هذا بَيِّنٌ نعرفه.\nفإذا أشكل عليك من هذا شيء، وأردت بيانه من كلام أهل العلم، وإنكار جنس الشرك الذي حرمه الله فهو موجود، وابحث عن كلام العلماء في هذا، إن أردت من الحنابلة، وإن أردت من غيرهم. والله أعلم.\n_________\n١كان ينبغي أن يقال بعض أصحاب محمد - ﷺ - من أهل مكة، فإن الذين قالوا هذا ليسوا أعلمهم كالخلفاء والعبادلة مثلا، وإنما هم الطلقاء الذين كانوا حديثي عهد بالشرك، بل كان بعضهم لا يزال على شركه كما ظهر في غزوة حنين فتنبه. وكتبه محمد رشيد.\n٢سورة الأعراف آية: ١٣٨.\n٣أحمد (٤/٤٠٣) .","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>رسالة أخرى في الشهادتين </span>وبعثة محمّد – ﷺ - ودلائل رسالته\nمعنى كون أهل السنة لا يكفرون أهل القبلة\nقال -صب الله عليه من شآبيب بره ورحمته ووالى-:\nهذه كلمات في معرفة شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وقد غلط أهل زماننا فيها، وأثبتوا لفظها دون معانيها، وقد يأتون بأدلة على ذلك تلتبس على الجاهل المسكين، ومن ليس له معرفة في الدين، وذلك يُفْضِي إلى أعظم المهالك.\nفمن ذلك قوله ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا قالوها؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم\" ١ الحديث. وكذا قوله ﷺ لما سئل عن شفاعته: من أحق بها يوم القيامة؟ قال: \"من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه\" ٢. وقوله ﷺ: \"من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة\" ٣. وكذلك حديث عتبان بن مالك: \"فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله\" ٤.\nوهذه الأحاديث الصحيحة إذا رآها هذا الجاهل أو بعضها أو سمعها من غيره طابت نفسه، وقرتْ عينه، واستنقذه المساعد على ذلك، وليس الأمر كما يظنه هذا الجاهل المشرك. فلو أنه دعا غير الله أو ذبح له، أو حلف به، أو نذر له: لم ير ذلك شركا، ولا محرما، ولا مكروها؛ فإذا أنكر عليه أحدٌ بعضَ ما ينافي التوحيد لله، والعمل بما أمر الله اشمأز ونفر وعارض بقوله: قال رسول الله، وقال رسول الله، وهذا لم يدر حقيقة الحال.\nفلو كان الأمر كما قال؛ لما قال الصديق - ﵁- في أهل الردة: والله لو منعوني عناقا- أو قال عقالا- كانوا يؤدونه إلى رسول الله -ﷺ- لقاتلتهم عليه. أفيظن هذا الجاهل أنهم لم يقولوا لا إله إلا الله؟ وما يصنع هذا الجاهل بقول رسول الله ﷺ في الخوارج: \"أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم، فإنهم شر قتيل\n_________\n١ البخاري: الجهاد والسير (٢٩٤٦)، ومسلم: الإيمان (٢١)، والترمذي: الإيمان (٢٦٠٦)، والنسائي: الجهاد (٣٠٩٠،٣٠٩٥) وتحريم الدم (٣٩٧١،٣٩٧٢،٣٩٧٤،٣٩٧٦،٣٩٧٧،٣٩٧٨)، وأبو داود: الجهاد (٢٦٤٠)، وابن ماجه: الفتن (٣٩٢٧،٣٩٢٨)، وأحمد (١/١١،٢/٣٧٧،٢/٤٢٣،٢/٥٠٢،٢/٥٢٨،٣/٣٠٠،٣/٣٣٢،٣/٣٣٩،٣/٣٩٤) .\n٢ البخاري: العلم (٩٩)، وأحمد (٢/٣٧٣) .\n٣ أبو داود: الجنائز (٣١١٦)، وأحمد (٥/٢٣٣،٥/٢٤٧) .\n٤ البخاري: الصلاة (٤٢٥) والأطعمة (٥٤٠١)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٣٣) .","vol":"1","page":24},{"text":"تحت أديم السماء \"١؟\nأفيظن هذا الجاهل أن الخوارج الذين قال فيهم رسول الله ﷺ هذا، أنهم لم يقولوا لا إله إلا الله؟ وقال ﷺ: \"في هذه الأمة- ولم يقل منها- قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم\" ٢ ٣.\nوكذلك أهل حلقة الذكر؛ لما رآهم أبو موسى في المسجد في كل حلقة رجل يقول: سَبِّحُوا مائة، هَلِّلُوا مائة. الحديث؛ فلما أنكر عليهم عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله ﷺ قالوا: والله ما أردنا إلا الخير. قال: كم من مريد للخير لم يصبه٤ إن رسول الله ﷺ حدثنا: \"أن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم\" ٥ أو قال: \"تراقيهم\" ٦. وأيم الله لا أدري أن يكون أكثرهم إلا منكم، قال عمرو بن سلمة: فما كان إلا قليل حتى رأوا أولئك يطاعنون أصحاب رسول الله ﷺ يوم النهروان مع الخوارج.\nأفيظن هذا الجاهل المشرك أنهم يتركون ذلك؛ لكونهم يسبحون ويهللون ويكبرون؟ وكذلك المنافقون على عصر رسول الله ﷺ يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم؛ ويصلون مع رسول الله ﷺ الصلوات الخمس ويحجون معه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ٧.\nأفيظن هذا الجاهل أنهم لم يقولوا: لا إله إلا الله؟ وكذلك قاتل النفس بغير حق يقتل؛ أفيظن هذا الجاهل أنه لم يقل: لا إله إلا الله؟ وأنه لم يقلها خالصا من قلبه؟ فسبحان من طبع على قلب من شاء من عباده، وأخفى عليه الصواب، وأسلكه مسلك البهائم والدواب: ﴿أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ ٨، حتى قال هؤلاء الجهلة ممن ينتسب\n_________\n١ البخاري: استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم (٦٩٣٠)، ومسلم: الزكاة (١٠٦٦)، والنسائي: تحريم الدم (٤١٠٢)، وأبو داود: السنة (٤٧٦٧)، وأحمد (١/٨١،١/١٣١) .\n٢ البخاري: المناقب (٣٦١٠)، ومسلم: الزكاة (١٠٦٤)، وأحمد (٣/٣٣،٣/٦٠،٣/٦٥) .\n٣ فيه أن الخليفة الرابع -﵁- قاتلهم ببغيهم، ولم يحكم بكفرهم، وكانوا متأولين، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في عدة مواضع.\n٤ أنكر ابن مسعود (رض) ذلك على قائله؛ لأنه بدعة كما بينه الشاطبي في الاعتصام وغيره.\n٥ البخاري: المناقب (٣٦١٠)، ومسلم: الزكاة (١٠٦٤)، والنسائي: الزكاة (٢٥٧٨) وتحريم الدم (٤١٠١)، وأبو داود: السنة (٤٧٦٤)، وأحمد (٣/٤،٣/٣٣،٣/٦٠،٣/٦٨،٣/٧٣) .\n٦ البخاري: استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم (٦٩٣٤)، ومسلم: الزكاة (١٠٦٨) .\n٧ - سورة النساء آية: ١٤٥.\n٨ - سورة الأعراف آية: ١٧٩.","vol":"1","page":25},{"text":"إلى العلم والفقه: قبلتنا مَنْ أَمّها لا يكفر١.\nفلا إله إلا الله: نَفْيُ وإثباتُ الإلهية كلها لله، فمن قصد شيئا من قبر أو شجر أو نجم أو ملك مقرب أو نبي مرسل؛ لجلب نفع وكشف ضر فقد اتخذه إلها من دون الله، فَكَذَّبَ بلا إله إلا الله؛ يستتاب؛ فإن تاب وإلا قتل.\nالشرك بعبادة غير الله للتبرك\nفإن قال هذا المشرك: لم أقصد إلا التبرك، وإني لأعلم أن الله هو الذي ينفع ويضر. فقل له: إن بني إسرائيل ما أرادوا إلا ما أردتَ، كما أخبر الله عنهم، أنهم لما جاوزوا البحر أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا: ﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، فأجابهم بقوله: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ٢ الآيتين.\nوحديث أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ \"الله أكبر إنها السنن٣. قلتم والذي نفسي بيده كما قال بنو إسرائيل لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، لتركبن سنن من كان قبلكم\".\nوقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى﴾ ٤، وفي الصحيح عن ابن عباس وغيره أنه رجل صالح كان يلت السويق للحاج، فمات فعكفوا على قبره. فيرجع هذا المشرك ويقول: هذا الشجر والحجر، وأنا أعتقد في أناس\n_________\n١ يعني الشيخ -﵀- أن هؤلاء الجهلة لم يفهموا قول أهل السنة: أنهم لا يكفرون أحدا من أهل القبلة، وأنهم يعنون به عدم التكفير بالذنب لا بالشرك، والكفر الذي لا يحتمل التأويل. والتأويل الذي يمنع تكفير الشخص المُعَيَّن: إنما يمنعه ما دام محتملا فإذا قامت عليه الحجة، وذهب احتمال التأويل ظهر أنه مُرتد ليس له عذر.\n٢ سورة الأعراف آية: ١٣٨.\n٣ الضمير هنا ضمير القصة والشأن، والسنن: سنن الله في الأمم، وهي قواعد الاجتماع والأحوال التي يستن فيها بعض الناس بما كان عليه غيرهم.\n٤ سورة النجم آية: ١٩.","vol":"1","page":26},{"text":"صالحين أنبياء وأولياء، أريد منهم الشفاعة عند الله، كما يشفع ذو الحاجة عند الملوك، وأريد منهم القربة إلى الله، فقل له: هذا مذهب الكفار بعينه، كما أخبر سبحانه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١ وقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢.\nوقد ذكر أناسا يعبدون المسيح وعزيرا، فقال الله: هؤلاء عبيدي يرجون رحمتي كما ترجون، ويخافون عذابي كما تخافون، وأنزل الله -سبحانه-: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ ٣ الآيتين، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ٤ الآيتين.\nوالقرآن، بل والكتب السماوية من أولها إلى آخرها مصرحة ببطلان هذا الشرك وكفر أهله، وأنهم أعداء الله ورسوله، وأنهم أولياء الشيطان، وأنه سبحانه لا يغفر لهم ولا يقبل عملهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ ٦. وقال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٧. قال ابن مسعود وابن عباس: لا تجعلوا له أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله.\nوقال رجل للنبي ﷺ ما شاء الله وشئت فقال: \"أجعلتني لله ندا؟ قل: ما شاء لله وحده\". وقال ﷺ لأصحابه: \"أخوف ما أخاف عليكم: الشرك الأصغر. فسئل عنه فقال: الرياء\" ٨.\nلم يتخلص من عبادة الأوثان إلا أتباع ملة إبراهيم ﵇\nوبالجملة، فأكثر أهل الأرض مفتونون بعبادة الأصنام والأوثان، ولم يتخلص من ذلك إلا الحنفاء: أتباع ملة إبراهيم -﵇-، وعبادتها في الأرض من قبل قوم نوح، كما ذكر الله، وهي كلها، ووقوفها وسدانتها وحجابتها، والكتب المصنفة في شرائع عبادتها طبقت الأرض، قال إمام الحنفاء: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ ٩، كما قص الله ذلك عنهم في القرآن وأنجى الرسل وأتباعهم من الموحدين. وكفى في معرفة كثرتهم، وأنهم أكثر أهل الأرض ما صح عن النبي ﷺ أن\n_________\n١ سورة الزمر آية: ٣.\n٢ سورة يونس آية: ١٨.\n٣ سورة الإسراء آية: ٥٦.\n٤ سورة سبأ آية: ٤٠.\n٥ سورة النساء آية: ٤٨.\n٦ سورة الفرقان آية: ٢٣.\n٧ سورة البقرة آية: ٢٢.\n٨ أحمد (٥/٤٢٨) .\n٩ سورة إبراهيم آية: ٣٥.","vol":"1","page":27},{"text":"بَعْثَ النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، قال الله تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا﴾ ١. وقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٢. وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٣.\nدلائل نبوة نبينا ﵇\nولما أراد سبحانه إظهار توحيده، وإكمال دينه، وأن تكون كلمته هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، بعث محمدا خاتم النبيين، وحبيب رب العالمين، وما زال في كل جيل مشهورا، وفي توراة موسى وإنجيل عيسى مذكورا، إلى أن أخرج الله تلك الدرة، بين بني كنانة وبني زهرة، فأرسله على حين فَتْرَةٍ من الرسل، وهداه إلى أقوم السُّبُل، فكان له ﷺ من الآيات الدالة على نبوته قبل مبعثه ما يعجز أهل عصرها.\nفمن ذلك قوله ﷺ: \"أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني أنه خرج منها نور أضاءت له بُصْرَى من أرض الشام\" ٤. وولد ﷺ ليلة الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول عام الفيل، وانشق إيوان كسرى ليلةَ مولده حتى سمع انشقاقه وسقط أربعة عشر شرفة٥ وهو باق إلى اليوم آية من آيات الله، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك، وغاضت بحيرة ساوة، وكانت بحيرة عظيمة في مملكة العراق عراق العجم وهمدان تسير فيها السفن، وهي أكثر من ستة فراسخ، فأصبحت ليلة مولده يابسة ناشفة، كأن لم يكن بها ماء، واستمرت على ذلك حتى بني مكانها مدينة ساوة وهي باقية إلى اليوم، وأرسلت الشهب على الشياطين كما أخبر الله بقوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ ٦ الآية.\nوأنبته الله نباتا حَسَنًا، وكان أفضل قومه مروءة وأحسنهم خلقا، وأعزهم جوارا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا حتى سماه قومه: \"الأمين\" لما جعل الله فيه من الأحوال الصالحة والخصال المرضية؛ ووصل بُصْرَى من أرض الشام مرتين فرآه بحيرا الراهب فعرفه، وأخبر\n_________\n١ سورة الإسراء آية: ٨٩.\n٢ سورة الأنعام آية: ١١٦.\n٣ سورة يوسف آية: ١٠٣.\n٤ أحمد (٤/١٢٧) .\n٥ كذا في الأصل: ولا بد أن يكون صوابه: أربع عشرة شرفة منه أو من شرفاته.\n٦ سورة الجن آية: ٩.","vol":"1","page":28},{"text":"عمه أنه رسول الله، ونصحه أن يرده، فرده مع بعض غلمانه، وقال لعمه: احتفظ به فلم نجد قدما أشبه بالقدم الذي بالمقام١ من قدمه. واستمرت كفالة أبي طالب له كما هو مشهور، وَبُغِّضَ إليه الأوثان ودين قومه فلم يكن شيء أبغض إليه من ذلك.\nوالدليل على أنه رسول الله ﷺ من العقل والنقل: فأما النقل فواضح.\nوأما العقل فنبه عليه القرآن: من ذلك: أن ترك الله خلقَه بلا أمر ولا نهي لا يناسب في حق الله، ونَبَّهَ عليه في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢ ومنه أن قول الرجل: إني رسول الله؛ إما أن يكون خير الناس وإما أن يكون شرهم وأكذبهم.\nوالتمييز بين ذلك سهل يعرف بأمور كثيرة، ونبه على ذلك بقوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ٣ الآيات. ومنه شهادة الله بقوله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ ٤. ومنها شهادة أهل الكتاب بما في كتبهم كما في هذه الآية.\nومنها - وهي أعظم الآيات العقلية-: هذا القرآن الذي تحداهم بسورة من مثله، ونحن إن لم نعلم وجه ذلك من جهة العربية فنحن نعلمه من معرفتنا بشدة عداوة أهل الأرض له، علمائهم وفصحائهم، وتكريره هذا واستعجازهم به، ولم يتعرضوا لذلك على شدة حرصهم على تكذيبه، وإدخال الشبهة على الناس.\nومنها: تمام ما ذكرنا، وهو إخباره سبحانه- أنه لا يقدر أحد أن يأتي بسورة مثله إلى يوم القيامة، فكان كما ذكر، مع كثرة أعدائه في كل عصر، وما أُعْطُوا من الفصاحة والكمال والعلوم.\nومنها: نصرُهُ مَنْ اتَّبَعَهُ، ولو كانوا أضعف الناس.\nومنها: خذلان من عاداه وعقوبته في الدنيا، ولو كانوا أكثر الناس وأقواهم.\nومنها: أنه رجل أمي لا يخط ولا يقرأ الخط، ولا أخذ عن العلماء، ولا ادعى\n_________\n١ مقام إبراهيم، يعني أنه -ﷺ- أشبه الناس بإبراهيم.\n٢ سورة الأنعام آية: ٩١.\n٣ سورة الشعراء آية: ٢٢١.\n٤ سورة الرعد آية: ٤٣.","vol":"1","page":29},{"text":"ذلك أحد من أعدائه مع كثرة كذبهم وبهتانهم، ومع هذا أتى بالعلم الذي في الكتب الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ١.\nالدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك\nوقال -رحمه الله تعالى-: ولما بلغ أربعين سنة، بعثه الله بشيرا ونذيرا ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ ٢ ولما أتى قومه بلا إله إلا الله قالت قريش: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ٣. قال الترمذي: حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة وزيد بن مروان وغيرهم قالوا: قام رسول الله ﷺ ثلاث سنين مُسْتَخْفِيًا، ثم أعلن في الرابعة، فدعا عشر سنين يوافي الموسم كل عام فيقول: \"أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، وتملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم، فإذا متم كنتم ملوكا في الجنة\" ٤. وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئٌ كذابٌ، فيردون عليه أقبح الرد.\nولما أمره الله بالهجرة، هاجر وأظهر الله دينه على الدين كله، وقاتل جميع المشركين؛ ولم يميز بين مَن اعتقد في نبي ولا ولي ولا شجر ولا حجر، وما زال يعلم الناس التوحيد، ويقمع من دعاة الشرك كل شيطان مريد، حتى أزال الله الجهل والجهال، وبان للناس من التوحيد ساطعُ الجمالِ.\nوعن أنس قال: قال أناس: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. فقال ﷺ: \"يا أيها الناس أنا محمدٌ عبدُ الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منْزلتي التي أنزلني الله ﷿\" ٥.\nوعن عبد الله بن الشخير قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي ﷺ فقلت: أنت سيدنا. فقال: \"السيد الله\" ٦. وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تُطْرُونِي كما أَطْرَتْ النصارى المسيحَ ابن مريم؛ إنما أنا عبد الله ورسوله\" ٧. وما زال ﷺ مُعَلِّمًا لأصحابه هذا التوحيد، َومُحَذِّرًا من الشرك، حتى أتاهم مرة وهم يتذاكرون الدجال فقال: \"ألا أخبركم بما هو أخوف\n_________\n١ سورة العنكبوت آية: ٤٨.\n٢ سورة الأحزاب آية: ٤٦.\n٣ سورة ص آية: ٥.\n٤ أحمد (٣/٤٩٢) .\n٥ أحمد (٣/٢٤٩) .\n٦ أبو داود: الأدب (٤٨٠٦) .\n٧ البخاري: أحاديث الأنبياء (٣٤٤٥)، وأحمد (١/٢٣،١/٢٤،١/٤٧،١/٥٥) .","vol":"1","page":30},{"text":"ما أخاف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الشرك الخفي: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لِمَا يَرَى مِن نظر رجل)، وحتى قال: (لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حُلِفَ له بالله فَلْيَرْضَ، ومن لم يرض فليس من الله في شيء\" ١ وحتى قال: \"لا يقول أحدكم: ما شاء الله وشاء فلان\" ٢ وحتى قال: \"لا تقولوا: لولا الله وفلان\" وحتى قال: \"لا يقول: أحدكم عبدي وأمتي\" ٣ وحتى قال: \"من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر\" ٤.\nوحذرهم من الشرك بالله في الأقوال والأعمال، حتى قال: \"إنما أنا بشر، يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم الثقلين: كتاب الله فيه الهدى والنور، ومن تركه كان على الردى\" ٥، وحتى قال: \"خير الحديث: كتاب الله، وخير الهدي هَدْيُ محمد، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار\" ٦ وحتى أنه لم يترك النهي عند الموت والتحذير لنا من هذا الشرك حتى قال: \"اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضبُ الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" ٧. وحتى قال: \"دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب\" الحديث. وحتى حذرهم عن الكفر بنعمة الله، قيل: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته من آبائي، وقال بعضهم: هو كقوله: الريح طيبة والملاح حاذق، ونحو ذلك.\nالصلاة والزكاة من حق الإسلام يقاتل تاركهما\nولما ذكر شيخ الإسلام تقي الدين الأحاديث: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله\" ٨، وكذلك حديث ابن عمر في الصحيحين: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة\" ٩. وقال: \"إن الصلاة من حقها، والزكاة من حقها\"، كما قال الصِّدِّيق لعمر، ووافقه عمر وسائرهم على ذلك. ويكون ذلك أنه قال: قد شرع في العصمة وإلا بطل. وقد قال النبي ﷺ كل واحد من الحديثين في وقت ليعلم المسلمون أن الكافر إذا قالها جَبَّ الكفر عنه، ثم صار القتال مجردا إلى الشهادتين؛\n_________\n١ ابن ماجه: الكفارات (٢١٠١) .\n٢ أبو داود: الأدب (٤٩٨٠)، وأحمد (٥/٣٨٤،٥/٣٩٨) .\n٣ البخاري: العتق (٢٥٥٢)، ومسلم: الألفاظ من الأدب وغيرها (٢٢٤٩)، وأبو داود: الأدب (٤٩٧٥)، وأحمد (٢/٣١٦،٢/٤٢٣،٢/٤٦٣،٢/٤٨٤،٢/٤٩١،٢/٥٠٨) .\n٤ الترمذي: النذور والأيمان (١٥٣٥)، وأبو داود: الأيمان والنذور (٣٢٥١)، وأحمد (٢/٧٦،٢/١٢٥) .\n٥ مسلم: فضائل الصحابة (٢٤٠٨) .\n٦ مسلم: الجمعة (٨٦٧)، والنسائي: صلاة العيدين (١٥٧٨)، وابن ماجه: المقدمة (٤٥)، وأحمد (٣/٣٧١)، والدارمي: المقدمة (٢٠٦) .\n٧ مالك: النداء للصلاة (٤١٦) .\n٨ البخاري: الإيمان (٢٥)، ومسلم: الإيمان (٢٢) .\n٩ البخاري: الإيمان (٢٥)، ومسلم: الإيمان (٢٢) .","vol":"1","page":31},{"text":"ليعلم أن تمام العصمة يحصل بذلك لئلا يقع شبهة؛ وأما مجرد الإقرار فلا يعصمهم على الدوام١ كما وقعت لبعض الصحابة حتى جلاها الصديق ﵁ ووافقوه.\nوقال ابن القيم في شرح المنازل٢: شهادة أن لا إله إلا الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. هذا هو التوحيد الذي نفى الشرك الأعظم، وعليه نصبت القبلة، وبه حقنت الدماء والأموال، وانفصلت دار الإيمان من دار الكفر، وصحت به الملة للعامة، وإن لم يقوموا بحسن الاستدلال بعد أن يسلموا من الشبهة والحيرة والريبة بصدق شهادة صححها قبول القلب، وهذا توحيد العامة، الذي يصح بالشواهد، وهي إرسال الرسل الصنائع٣، ويجب بالسمع، ويوجد بِتَبْصِيرِ الحق، وينمو على مشاهدة الشواهد٤. والحمد لله رب العالمين.\n_________\n١. الإقرار بالشهادتين هو المدخل في الإسلام، والعنوان على ترك الكفر السابق، فهما كافيتان في العصمة من القتل في أثناء القتال؛ وأما الاعتداد بإسلام قائليها بعد ذلك: فلا بد فيه من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ لقوله تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) وقال بعدها: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) .\n٢ هذه العبارة التي نقلها هنا هي عبارة كتاب المنازل لا شارحه ابن القيم.\n٣ عبارة المنازل: وهي \"أي الشواهد\" الرسالة والصنائع. قال ابن القيم: ومقصوده أن الشواهد نوعان آيات متلوة وهي الرسالة، وآيات مرئية وهي الصنائع.\n٤ هذه آخر عبارة المنازل.","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>رسالة في كلمة التوحيد</span>\nمعرفة شهادة أن لا إله إلا الله\nوله أيضا - قدس الله روحه ونور ضريحه- ما نصه:\nاعلم -رحمك الله- أن فرض معرفة شهادة أن لا إله إلا الله قبل فرض الصلاة والصوم، فيجب على العبد أن يبحث عن معنى ذلك أعظم من وجوب بحثه عن الصلاة والصوم، وتحريم الشرك والإيمان بالطاغوت أعظم من تحريم نكاح الأمهات والجدات. فأعظم مراتب الإيمان بالله: شهادة أن لا إله إلا الله.\nومعنى ذلك أن يشهد العبد أن الإلهية كلها لله؛ ليس منها شيء لنبي ولا لملك ولا لولي؛ بل هي حق لله على عباده والإلهية هي التي تسمى في زماننا السر. والإله في كلام العرب هو الذي يسمى في زماننا الشيخ والسيد الذي يُدْعَى ويستغاث به؛ فإذا عرف الإنسان أن هذا الذي يعتقده كثيرون في السمان١٢، وأمثاله أو في قبر بعض الصحابة، هو العبادة التي لا تصلح إلا لله، وأن من اعتقد في نبي من الأنبياء٣ فقد كفر، وجعله مع الله إلها آخر، فهذا لم يكن قد شهد أن لا إله إلا الله.\nومعنى الكفر بالطاغوت: أن تَبْرَأَ من كل ما يعتقد فيه غير الله من جني أو إنسي، أو شجر أو حجر، أو غير ذلك، وتشهد عليه بالكفر والضلال وتبغضه، ولو كان أباك وأخاك.\nفأما من قال: أنا لا أعبد إلا الله، وأنا لا أتعرض السادة والقباب على القبور.\n_________\n١ السمان: شيخ كان أهل نجد يعتقدون ولايته فيدعونه في الشدائد.\n٢ السمان: شيخ كان أهل نجد يعتقدون ولايته فيدعونه في الشدائد.\n٣ أي أنه يُدْعَى ويُسْتَغَاث به فيدعوه لكشف الضر وجلب النفع، سواء اعتقد المعتقد أنه يفعل ما يدعي له بنفسه أو بتأثيره عند الله -تعالى-، فإن اعتقاد هذا التأثير في إرادة الله وفعله: عين الإشراك في حصول المقصود، فهو من الشرك.","vol":"1","page":33},{"text":"وأمثال ذلك، فهذا كاذب في قول: لا إله إلا الله، ولم يؤمن بالله، ولم يكفر بالطاغوت.\nوهذا كلام يسير، يحتاج إلى بحث طويل واجتهاد في معرفة دين الإسلام، ومعرفة ما أرسل الله به رسوله ﷺ، والبحث عما قال العلماء في قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ١، ويجتهد في تعلم ما عَلَّمَ اللهُ رسولَه، وما علَّمه الرسول لأمته من التوحيد. ومن أعرض عن هذا فطبع الله على قلبه، وآثر الدنيا على الدين، لم يعذره الله بالجهالة، والله أعلم.\n_________\n١ سورة البقرة آية: ٢٥٦.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>رسالة أخرى في كلمة التوحيد وكونها تنفي أربعا وتثبت أربعا</span>\n...\nرسالة أخرى في كلمة التوحيد\nكلمة التوحيد تنفي أربعا وتثبت أربعا\nقال -رحمه الله تعالى-:\nاعلم -رحمك الله- أن معنى لا إله إلا الله: نَفْيٌ وإثباتٌ، تنفى أربعة أنواع؛ وتثبت أربعة أنواع، تنفي: الآلهة، والطواغيت، والأنداد، والأرباب.\nفالآلهة: ما قصدته بشيء من جلب خير أو دفع ضر، فأنت مُتَّخِذُهُ إِلَهًا. والطواغيت: مَنْ عُبِدَ وهو راضٍ أو رُشِّحَ للعبادة، مثل السمان أو تاج، أو أبي حديدة. والأنداد: ما جذبك عن دين الإسلام من أهل، أو مسكن أو عشيرة، أو مال فهو نِدٌّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ١.\nوالأرباب: من أفتاك بمخالفة الحق وأطعته؛ مِصْدَاقًا لقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢.\nوتثبت أربعة أنواع: القصد: وهو كونك ما تقصد إلا الله. والتعظيم والمحبة؛ لقوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ٣ والخوف والرجاء؛ لقوله تعالى:\n﴿وَإِنْ\n_________\n١ سورة البقرة آية: ١٦٥.\n٢ سورة التوبة آية: ٣١.\n٣ سورة البقرة آية: ١٦٥.","vol":"1","page":34},{"text":"يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ١.\nفمن عرف هذا، قطع العلاقة مع غير الله. ولا تكبر عليه جَهَامة الباطل، كما أخبر الله عن إبراهيم -على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام- بتكسيره الأصنام وَتَبَرِّيهِ من قومه؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ ٢ الآية.\n_________\n١ سورة يونس آية: ١٠٧.\n٢ سورة الممتحنة آية: ٤.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>مذاكرة الشيخ محمد ﵀ مع أهل بلد حرملة في كلمة التوحيد، والجمع بين التوحيد والشرك</span>\n...\nمذاكرة الشيخ محمد مع أهل بلد حريملة في كلمة التوحيد والجمع بين التّوحيد والشّرك\nقال لهم: لا إله إلا الله قد سألنا عنها كل من جاءنا منكم من مطوع١ وغيره، ولا لقينا عندهم إلا أنها لفظة ما لها معنى، ومعناها: لفظها، ومن قالها فهو مسلم، وقد يقولون لها معنى لكن معناها لا شريك له في ملكه.\nونحن نقول: لا إله إلا الله ليست باللسان فقط؛ لا بد للمسلم إذا لفظ بها أن يعرف معناها بقلبه، وهي التي جاءت لها الرسل وإلا الملك ما جاءت الرسل له. وأنا أُبَيِّنُ لكم إن شاء الله- مسألة التوحيد، ومسألة الشرك.\nتعرفون المشهد فيه قبة؛ والذي صلى الظهر من الرجال، قام وتقبل القبر، وولى الكعبة قفاه وركع لِعَلِيٍّ ركعتين: صلاته لله توحيد، وصلاته لِعَلِيٍّ شركٌ، أأنتم فهمتم؟ قالوا: فهمنا، صار هذا مشركا صلى لله، وصلى لغيره.\nولله سبحانه- حق على عبده في البدن والمال. والصلاة زكاة البدن، والزكاة في المال حق له تعالى فإذا زكيت لله وخرجت بشيء تُفَرِّقُهُ عند القبة؛ فزكاتك لله توحيد، وزكاتك للمخلوق شرك.\n_________\n١ المطوع: هو الذي يُعَلِّمُ العامة ويفقههم، وهو دون العالم.","vol":"1","page":35},{"text":"كذلك سفك الدم إن ذُبِحَتْ لله توحيد، وإن ذبحت لغيره صار شركا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾ ١ والنسك: سفك الدم ٢.\nكذلك التوكل من أنواع العبادة، إن توكلت على الله صار توحيدا، وإن توكلت على صاحب القبة صار شركا. قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ٣.\nوأكبر من ذلك كله: الدعاء، تفهمون أنه يُذْكَرُ ٤ أن الدعاء مخ العبادة؟ قالوا: نعم، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ٥ أنتم تفهمون أن هنا من يدعو الله ويدعو الزبير، ويدعو الله ويدعو عبد القادر، الذي يدعو الله وحده مخلصٌ، وإن دعا غيره صار مشركا. فهمتم هذا؟ قالوا: فهمنا.\nقال الشيخ: هذا إن فهمتموه: فهذا الذي بيننا وبين الناس، فإن قالوا: هؤلاء يعبدون أصناما يدعونهم يريدون منهم، ونحن عبيد مذنبون وهم صالحون ونبغي بجاههم، فقل لهم: عيسى نبي الله - ﵇- وأمه صالحة، والعزير صالح، والملائكة كذلك، والذين يدعونهم أخبر الله عنهم أنهم ما أرادوا منهم ما أرادوا بجاههم إلا قربة وشفاعة، واقرأ عليه الآيات في الملائكة في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ﴾ ٦ الآية، وفي الأنبياء قوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ٧ الآية، وفي الصالحين: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ ٨ الآية، ولم يفرق بينهم النبي ﷺ.\n_________\n١ سورة الأنعام آية: ١٦٢.\n٢ أي: لأجل القربة كالأضحية، وفدية الإحرام، ومثلها النذر لله وحده.\n٣ سورة هود آية: ١٢٣.\n٤ أي يذكر في الحديث عن النبي (ص) .\n٥ سورة الجن آية: ١٨.\n٦ سورة سبأ آية: ٤٠.\n٧ سورة النساء آية: ١٧١.\n٨ سورة الإسراء آية: ٥٦.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>رسالة أخرى في كلمة التوحيد</span>\nكلمة التوحيد الفارِقة بين الكفر والإسلام\nوله أيضا -رحمه الله تعالى-:\nاعلم -أرشدك الله- أن الله خلقك لعبادته، وأوجب عليك طاعته، ومن أفرض عبادته عليك: معرفة لا إله إلا الله علما وقولا وعملا، والجامع لذلك قوله تعالى:","vol":"1","page":36},{"text":"﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ٢.\nفاعلم أن وصية الله لعباده: هي كلمة التوحيد الفارِقة بين الكفر والإسلام، فعند ذلك افترق الناس سواء جهلا أو بغيا أو عنادا. والجامع لذلك: اجتماع الأمة على وفق قول الله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ٣، وقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ ٤ الآية.\nفالواجب على كل أحد إذا عرف التوحيد، وأقر به أن يحبه بقلبه، وبنصره بيده ولسانه، وينصر من نصره ووالاه وإذا عرف الشرك وأقر به أن يبغضه بقلبه، ويخذله بلسانه، ويخذل من نصره ووالاه باليد واللسان والقلب هذه حقيقة الأمرين، فعند ذلك يدخل في سلك من قال الله فيهم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٥. فنقول: لا خلاف بين الأمة أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب الذي هو العلم، واللسان الذي هو القول، والعمل الذي هو تنفيذ الأوامر والنواهي، فإنْ أخَلَّ بشيء من هذا، لم يكن الرجل مسلما، فإن أقر بالتوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس، وإن عمل بالتوحيد ظاهرا، وهو لا يعتقده باطنا فهو منافق خالص، وهو شر من الكافر، والله أعلم.\nتوحيد الألوهية هو الفارق بين الكافر والمسلم\nقال -﵀-: وهو نوعان: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية: أما توحيد الربوبية فيقر به الكافر والمسلم، وأما توحيد الألوهية فهو الفارق بين الكفر والإسلام. فينبغي لكل مسلم أن يميز بين هذا وهذا، ويعرف أن الكفار لا ينكرون أن الله الخالق الرازق المدبر، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٦ الآية.\n﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ\n_________\n١ سورة آل عمران آية: ١٠٣.\n٢ سورة الشورى آية: ١٣.\n٣ سورة الشورى آية: ١٣.\n٤ سورة يوسف آية: ١٠٨.\n٥ سورة آل عمران آية: ١٠٣.\n٦ سورة يونس آية: ٣١.","vol":"1","page":37},{"text":"مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١ الآية.\nفإذا ثبت لك أن الكفار يقرون بذلك عرفت أن قولك، لا يخلق ولا يرزق إلا الله، ولا يدبر الأمر إلا الله، لا يُصَيِّرُكُ مسلمًا حتى تقول: لا إله إلا الله مع العمل بمعناها. فهذه الأسماء كُلٌّ منها له معنًى يخصه.\nأما قولك: الخالق؛ فمعناه الذي أوجد جميع مخلوقاته بعد عدمها. وأما قولك: الرازق؛ فمعناه أنه لما أوجد الخلق أجرى عليهم أرزاقهم. وأما المدبر: فهو الذي تنْزل الملائكة من السماء إلى الأرض بتدبيره، وتصعد إلى السماء بتدبيره، ويسير السحاب بتدبيره، وتصرف الرياح بتدبيره، وكذا جميع خلقه، هو الذي يدبرهم على ما يريد. فهذه الأسماء تتعلق بتوحيد الربوبية الذي يقر به الكفار.\nوأما توحيد الألوهية فهو قولك: لا إله إلا الله، وتعرف معناها كما عرفت معنى الأسماء المتعلقة بالربوبية، فقولك: لا إله إلا الله نَفْيٌ وإثباتٌ: فتنفي الألوهية كلها عن غير الله، وتثبتها لله وحده، فمعنى الإله في زماننا: الشيخ والسيد الذي يقال فيهم سر ممن يعتقد فيهم أنهم يجلبون منفعة أو يدفعون مضرة.\nفمن اعتقد في هؤلاء أو غيرهم؛ نبيا كان أو غيره هذا الاعتقاد فقد اتخذه إلها من دون الله، فإن بني إسرائيل لما اعتقدوا في عيسى ابن مريم وأمه سَمَّاهم لله إلهين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ ٢.\nففي هذا دليل على أن مَن اعتقد في مخلوق جَلْبَ منفعةٍ أو دفعَ مضرةٍ فقد اتخذه إلها، فإذا كان الاعتقاد في الأنبياء هذه حاله فما دونهم أولى.\n_________\n١ سورة العنكبوت آية: ٦١.\n٢ سورة المائدة آية: ١١٦.","vol":"1","page":38},{"text":"وأيضا فإن من تبرك بحجر أو شجر، أو مسح على قبر أو قبة يتبرك بهم، فقد اتخذهم آلهة١.\nوالدليل على ذلك أن الصحابة لما قالوا للنبي ﷺ: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، يريدون بذلك التبرك، قال: \"الله أكبر إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ \" ٢.\nفوصف قول الصحابة في ذات أنواط بقول بني إسرائيل وسماه إلها٣.\nففي هذا دليلٌ على أن مَن فعل مِن ذلك شيئا مما ذكرناه: فقد اتخذه إلها.\nالإله الذي لا تصلح العبادة إلا له هو الله وحده\nوالإله هو: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، وهو الله وحده، فمن نذر لغير الله أو ذبح له فقد عبده، وكذلك من دعا غير الله، قال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٤، وفي الحديث:\n_________\n١ كذا في الأصل بضمير العقلاء. ويعني بالتبرك المنافي للتوحيد: ما فشا في العوام من اعتقاد أن هذه الأشياء المُتَبَرَك بها تنفع فتشفي من المرض وبرد البلاء وغير ذلك، بخلاف التبرك المَرْوِي عن بعض الصحابة بآثار النبي – ﷺ - وبدم حجامته ونخامته، وتبرك الشافعي بقميص الإمام أحمد الذي روي بالسند كما في طبقات السبكي، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: إن هذه الرواية غيرُ ثابتة، وعلى تقدير ثبوتها يراد بها وبأمثالها ذكرى الحب كالمعهود من عشاق الحسان.\n٢ سورة الأعراف آية: ١٣٨: ١٤٠.\n٣ إن الذين قالوا للنبي (ص) ما ذُكِرَ كانوا حديثي عهد بالشرك، فظنوا أن ما يجعله لهم النبي – ﷺ - من ذلك يكون مشروعا لا ينافي الإسلام. وأما بنو إسرائيل الذين طلبوا من موسى جعل الآلهة لهم فكانوا جاهلين بحقيقة التوحيد بما تَرَبَوْا عليه من شرك الفراعنة كما تقدم في حاشية سابقة.\n٤ سورة يونس آية: ١٠٦.","vol":"1","page":39},{"text":"\"إن الدعاء مخ العبادة\" ١، وكذلك من جعل بينه وبين الله واسطةٌ، وزعم أنها تقربه إلى الله فقد عبده.\nوقد ذكر الله ذلك عن الكفار؛ فقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٣. وكذلك ذَكَرَ عن الذين جعلوا الملائكة وسائط فقال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ ٤.\nفذكر سبحانه أن الملائكة نَزَّهُوهُ عن ذلك، وأنهم تبرؤوا من هؤلاء، وأن عبادتهم كانت للشياطين الذين يأمرونهم بذلك. وذكر سبحانه عن الذين جعلوا الصالحين وسائط، فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ٥. وذكر سبحانه أنهم لا يملكون كشف الضر عن أحد ولا عن أنفسهم، وأنهم لا يُحَوِّلُونَهُ عن أحد، وأنهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، ويرجون رحمته ويخافون عذابه.\nفهذا يثبت لك معنى لا إله إلا الله؛ فإذا عرفت حال المعتقدين في عيسى بن مريم والمعتقدين في الملائكة، والمعتقدين في الصالحين، وحالهم معهم أنهم لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا فضلا عن غيرهم عرفتَ أن مَن اعتقد فيمن دونهم فهو أضل سبيلا، فحينئذ يثبت لك معنى لا إله إلا الله، والله أعلم.\n_________\n١ الترمذي: الدعوات (٣٣٧١) .\n٢ سورة يونس آية: ١٨.\n٣ سورة الزمر آية: ٣.\n٤ سورة سبأ آية:٤٠: ٤١.\n٥ سورة الإسراء آية:٥٦، ٦٦.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>رسالة في حقيقة الإسلام من الكتاب والسّنة ومن خالفهما من أدعياء العلم والعرفان</span>\nقال -رحمه الله تعالى-:\nاعلم -وفقنا الله وإياك للإيمان بالله ورسله- أن الله سبحانه قال في كتابه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا﴾ ١. فتأمل هذا الكلام، وأن الله أمر بقتلهم وحصرهم والقعود لهم كل مرصد إلى أن يتوبوا من الشرك ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.\nوأيضا فقد قال ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى\"٢ فهذا كلام رسوله.\nوقد أجمع العلماء عليه من كل مذهب، وخالف ذلك من هؤلاء الجهال الذين يسمون العلماء فقالوا: من قال لا إله إلا الله فهو المسلم، حرام الدم والمال. وقد بَيَّنَ النبي ﷺ الإسلام في حديث جبريل لما سأله عن الإسلام فقال: \"الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا\" ٣.\nفهذا تفسير رسول الله ﷺ، وهؤلاء يقولون: البدو إسلام؛ لأنهم يقولون لا إله إلا الله، فمن سمع كلامهم وسمع كلام رسول الله ﷺ، فلا بد له من أحد أمرين: إما أن يصدق الله ورسوله ويتبرأ منهم ويكذبهم، وإما أن يصدقهم ويكذب الله ورسوله؛ فنعوذ بالله من ذلك، والله أعلم.\nفتأمل أصول الدين:\n(الأولى): أن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب لبيان الحق من الباطل.\n(الثانية): بيان ما اختلف فيه الناس أن الواجب عليهم اتباع\n_________\n١ سورة التوبة آية: ٥.\n٢ البخاري: الإيمان (٢٥)، ومسلم: الإيمان (٢٢) .\n٣ مسلم: الإيمان (٨)، والترمذي: الإيمان (٢٦١٠)، والنسائي: الإيمان وشرائعه (٤٩٩٠)، وأبو داود: السنة (٤٦٩٥)، وابن ماجه: المقدمة (٦٣)، وأحمد (١/٢٧،١/٥١،٢/١٠٧) .","vol":"1","page":41},{"text":"ما أنزل إليهم من ربهم.\n(الثالثة): أن مَن لم يرفع به رأسا فهو منافق جاهل.\n(الرابعة): رد ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة.\n(الخامسة): أن من اتَّبَعَ الهدى الذي جاءت به الرسل من عند الله لا يضل ولا يشقى.\n(السادسة): أن من أعرض عن ذلك حُشِرَ أعمى ضالا شقيا مُبْعَدًا.\n(السابعة): أن الذين في قلوبهم مرض يتبعون ما تشابه منه.\nتكفير المسلم بالشرك بالله وموالاة المشركين على المؤمنين\n(قال الشيخ محمد -رحمه الله تعالى-:\nإذا شهد الإنسان أن هذا دين الله ورسوله؛ كيف لا يَكْفُرُ مَن أنكره، وَقَتَلَ مَنْ آمَنَ به وحَبَسَهُمْ؟ كيف لا يَكْفُرُ مَنْ أتَى المشركين يحثهم على لزوم دينهم، ويُزَيِّنه لهم، ويحثّهم على معاداة الموحدين وأخذ أموالهم؟ كيف لا يكفر؛ ويشهد أن هذا الذي يحث عليه أن الرسول ﷺ أنكره، ونهى عنه وسماه الشرك بالله؟ وهذا الذي يبغضه ويبغض أهله ويأمر المشركين بقتلهم هو دين الله ورسوله.\nواعلم أن الأدلة على تكفير المسلم الصالح إذا أشرك بالله، أو صار مع المشركين على الموحدين ولم يشرك: أكثر من أن تُحْصَر من كلام الله، وكلام رسوله، وكلام العلماء.\nوأنا أذكر لك آية من كلام الله؛ أجمع أهل العلم على تفسيرها، وأنها في المسلمين، وأن الرجل إذا قال ذلك فهو كافر في أيّ زمان كان. قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ﴾ ١ الآية.\nوفيها ذكر أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فإذا كان العلماء ذكروا أنها نزلت في الصحابة؛ لما فتنهم أهل مكة، وذكروا أن الصحابي إذا تكلم بكلام الشرك بلسانه مع بغضه لذلك وعداوة أهله لكن خوفا منهم، فهو كافر بعد إيمانه؛ فكيف بالمؤمن في زماننا إذا تكلم بالبصرة أو الإحساء أو مكة أو غير ذلك، خوفا منهم لكن قبل الإكراه؟ إذا كان هذا يكفر، فكيف بمن كان معهم وسكن معهم، وصار من جملتهم؟ فكيف بمن أعانهم على الشرك وزينه لهم؟ فكيف بمن أمرهم\n_________\n١ سورة النحل آية: ١٠٦.","vol":"1","page":42},{"text":"بقتل الموحدين وحثهم على لزوم دينهم؟\nفأنتم -وفقكم الله- تأملوا هذه الآية، وتأملوا مَنْ نزلت فيه، وأجمع العلماء على تفسيرها، وتأملوا ما جرى بيننا وبين أعداء الله، نطلبهم دائما للرجوع إلى كتبهم التي بأيديهم في مسألة التكفير والقتال، فلا يجاوبوننا إلا بالشكوى عند الشيوخ وأمثالهم. ونسأل الله أن يوفقكم لدينه القيم، ويرزقكم الثبات عليه، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nذبيحة المرتد وما يكفر به المسلم وحكمه\nوسئل عن ذبيحة المرتد، وتكفير من يعمل بفرائض الإسلام إلخ.\nفأجاب: قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ١ الآية. وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ٢ الآيات، لا اختلاف في حكمهن بين أحد عرف كتاب الله. ولكن الكلام في حكم الذابح هل هو مسلم فيدخل حكمه في حكم الآية؛ إذا ذبح وسمى الله عليها؛ فلو ترك التسمية نسيانا حلت ذبيحته، وكانت من الطيبات، بخلاف من ترك التسمية عمدا فلا تحل ذبيحته. وكذلك أهل الكتاب أعني: اليهود والنصارى، ذبيحتُهم ومناكحتُهم حلالٌ؛ لقوله تعالى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ ٣ الآية.\nوأما المرتد فلا تحل ذبيحته؛ وإن قال فيها: بسم الله؛ لأن المانع لذلك ارتداده عن دين الإسلام، لا ترك التسمية؛ لأن المرتد شر عند الله من اليهود والنصارى من وجوه:\n(أحدها): أن ذبيحته من الخبائث.\n(الثانية): أنها لا تحل مناكحته بخلاف أهل الكتاب.\n(الثالثة): أنه لا يُقَرُّ في بلد المسلمين لا بجزية ولا بغيرها.\n(الرابعة): أن حكمه يضرب عنقه بالسيف؛ لقوله ﷺ: \"من بدل دينه فاقتلوه\" ٤، بخلاف أهل الكتاب.\nفإذا تقرر هذا عندك: فاعرف أن الكلام في تحريم ذبيحة المرتد، لا في أن الله أمر بأكل ما سمي الله عليه، ولا تحليل طعام أهل الكتاب.\nتكفير من يعمل بفرائض الإسلام\nوقولكم: لِمَ تُكفِّرُون مَن يعمل بفرائض الإسلام الخمس؟ فقد كان في زمن\n_________\n١ سورة المائدة آية: ٤.\n٢ سورة الأنعام آية: ١١٨.\n٣ سورة المائدة آية: ٥.\n٤ البخاري: الجهاد والسير (٣٠١٧) واستتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم (٦٩٢٢)، والنسائي: تحريم الدم (٤٠٥٩)، وأبو داود: الحدود (٤٣٥١)، وابن ماجه: الحدود (٢٥٣٥)، وأحمد (١/٢١٧،١/٢٨٢،١/٣٢٢) .","vol":"1","page":43},{"text":"الرسول ﷺ مَن انتسب إلى الإسلام ثم مَرَقَ من الدين١ كما في الحديث الصحيح: أن رسول الله ﷺ بعث البراء بن عازب معه الراية إلى رجل تزوج امرأة أبيه؛ ليقتله ويأخذ ماله، وقد انتسب إلى الإسلام وعمل به.\nومثل قتال الصديق والصحابة -﵃- مانعي الزكاة وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم وتسميتهم مرتدين بعد ما عملوا بشرائع الإسلام.\nومثل اجتماع التابعين على قتل الجعد بن درهم وهو مشتهر بالعلم والدين إلى غير ذلك، وقد جرى وقائع لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى، ومثل بني عُبَيْدٍ الذين ملكوا مصر والشام وغيرها مع تظاهرهم بالإسلام، وصلاة الجمعة والجماعة، ونصب القضاة والمفتين. لما أظهروا من الأقوال والأفعال ما أظهروا: لم يتوقف أحد من أهل العلم والدين عن قتالهم مع ادعائهم الملة، ومع قولهم: لا إله إلا الله، أو لأجل إظهار شيء من أركان الإسلام إلا ما سمعنا منكم.\nفما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب وهو (باب حكم المرتد) وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، حتى ذكروا فيه أنواعا كثيرة كل نوع منها يُكَفِّر الإنسان، ويحل دمه وماله، حتى ذكروا أشياء يسيرة مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المَزْح واللعب، والذين قال الله فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ ٢ الآية.\nأسمعت! الله كفَّرَهم بكلمة مع كونهم في زمن النبي ﷺ يجاهدون معه، ويصلون، ويزكون، ويصومون، ويحجون، ويوحدون الله سبحانه. وكذلك الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ ٣ الآية، قالوا كلمة على وجه المزح واللعب٤، فصرح\n_________\n١ كذا في الأصل وقد سقط منه الخبر أي كذلك يحكم بكفره ويقتل.\n٢ سورة التوبة آية: ٧٤.\n٣ سورة التوبة آية: ٦٥.\n٤ تلك الكلمة تتضمن تكذيب النبي ﷺ- أو الشك في نبوته، قيل: هي قول بعضهم: إن كان ما يقول محمد حقا فهم شر من الحمير، وقيل: هي استهزاؤهم بقتاله للروم، وعلى كل حال قد ثبت بالآية أن الذي يصلي ويصوم ويجاهد قد يُحْكَم بكفره بكلمة استهزاء بالدين أو بالرسول ﷺ-.","vol":"1","page":44},{"text":"الله أنهم كفروا بعد إيمانهم، وهم مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك؛ فتأمل - أرشدك الله- من انتسب إلى الإسلام مرق من الإسلام؛ لما أظهر خلاف ذلك، فكيف بما هو أظهر من ذلك؟ فإذا كان على عهد النبي ﷺ وخلفائه مَن انتسب إلى الإسلام مَن مرق منه، مع عبادته العظيمة، حتى أمر النبي ﷺ بقتالهم، فعلم أن المُنْتَسِب إلى الإسلام في هذه الأزمان قد يمرق من الإسلام.\nالإسلام لا يصلح إلا بمعاداة أهل الشرك\nوقولكم: هل يعلمون للنبي ﷺ دينا إلا الإسلام الذي جاء به جبرئيل؟ فمعلوم أن رسول الله ﷺ قام يدعو الناس إلى التوحيد سنين عديدة، قبل أن يدعوهم إلى أركان الإسلام.\nومعلوم أن التوحيد الذي جاء به جبرئيل أعظم فريضة، وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج، فكيف إذا جحد الإنسان شيئا من أركان الإسلام كفر، ولو عمل بكل ما جاء بها الرسول ﷺ، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل من نوح إلى محمد لا يكفر؛ لأنه يقول: لا إله إلا الله؛ أو لأنه يفعل كذا وكذا؟ فما الذي فَرَّقَ بين رسول الله ﷺ وبين قريش؟ هل هو عند الملك والرياسة والتطاول؟ أو عند لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ فتفرقوا عند ذلك وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ١.\nأتظن أن قريشا لو يعلمون أن هذا الكلام مجرد قول بلا عمل، وأنهم يقولون لا إله إلا الله، وينشؤون على دينهم، ولا يضرهم، وأن النبي ﷺ يرضى منهم بذلك وأنه ما يحاربهم ولا يكفرهم ولا يقاتلهم؟ أتراهم يتركون التلفظ بلا إله إلا الله كما هو اعتقادكم، أَوَ دِينُ الإسلام لفظُ لا إله إلا الله؟ وأن من قالها فهو المسلم، وتؤثرون عليها حديث جبرئيل، وحديث: بني الإسلام على خمسة أركان، وحديث أمرت أن أقاتل الناس. وحديث أسامة. وحديث من صلى صلاتنا.\nوحديث أنه كان إذا أغار على القرية؛ إن سمع أذانا كَفَّ عنها، وإلا أغار عليها، ولكن الأمر كما قال عمر ﵁-: \"إنها لا تنقض عُرَى الإسلام عروة عروة حتى ينشأ في الإسلام\n_________\n١ سورة ص آية: ٥.","vol":"1","page":45},{"text":"من لا يعرف الجاهلية\". فذلك أنه إذا لم يعرف من الشرك ما عابه القرآن وما ذمه وقع فيه وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية أو فوقه أو دونه أو شر منه، فَتُنْقَضُ بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرا والمنكر معروفا، والبدعة سنة والسنة بدعة، ويكفَّر الرجل بمَحْضِ الإيمان وتَجْرِيد التوحيد، وَيُبَدَّعُ بمتابعة الرسول، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nفإن كان سؤالك مُسْتَرْشِدًا فاسأل عن قول الله في إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ ١. قال: وما نجا من شر هذا الشرك الأكبر إلا مَن جَرَّدَ التوحيد لله، وعادَى المشركين في الله وتقرب بِمَقْتِهِمْ إلى الله.\nفتأمل أن الإسلام لا يصح إلا بمعاداة أهل الشرك، وإن لم يعادهم فهو منهم ولو لم يفعله، واسأل عن معنى قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ٢ إلى قوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ٣، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ٤ إلى قوله: ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ٥ الآيات.\nوقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٦ الآيات، وما أشبه ذلك. واسأل عن سبب نزول الآية، وما معناها، وإن كان غير ذلك، فلا تأس على الهالكين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\n(انتهت رسائل الشيخ محمد عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-) .\n_________\n١ سورة إبراهيم آية: ٣٥.\n٢ سورة المائدة آية: ٧٨.\n٣ سورة المائدة آية: ٨١.\n٤ سورة الممتحنة آية: ١.\n٥ سورة الممتحنة آية: ٤.\n٦ سورة المجادلة آية: ٢٢.","vol":"1","page":46}]}