{"ً":{"ٌ":7611,"ٍ":"السنة النبوية وحي - خليل خاطر","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم الحديث/السنة النبوية وحي - خاطر","files":["01-01_1.pdf"]},"ّ":"الكتاب: السنة النبوية وحي\nالمؤلف: خليل بن إبراهيم ملا خاطر\nالناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف\nعدد الصفحات: ٨٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2025,"ٕ":10,"ٖ":1770155796,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الفصل الأول: بين النبوة والوحي","level":1,"page":8},{"title":"مدخل","level":2,"page":8},{"title":"أولا: تعريف الوحي","level":2,"page":9},{"title":"ثانيا: أنواع الوحي","level":2,"page":11},{"title":"ثالثا: ثبوت النبوة بالوحي","level":2,"page":14},{"title":"رابعا: ليس كل الوحي مكتوبا","level":2,"page":17},{"title":"الفصل الثاني: الأدلة من القرآن الكريم","level":1,"page":21},{"title":"الأول: أدلة عامة","level":2,"page":21},{"title":"الثاني: أدلة جزئية","level":2,"page":29},{"title":"الفصل الثالث: الأدلة من السنة النبوية","level":1,"page":35},{"title":"أولا: عناوين الأحاديث","level":2,"page":35},{"title":"ثانيا: ذكر بعض الأمثلة من الحديث على وحي السنة النبوية","level":2,"page":39},{"title":"الفصل الرابع: الأدلة من دلائل النبوة","level":1,"page":47},{"title":"الغيب لله ﷾","level":2,"page":47},{"title":"إطلاع الله تعالى بعض خلقه على غيبة","level":2,"page":49},{"title":"بعض الأحاديث التي تدل على اطلاعه ﷺ على الغيوب","level":2,"page":51},{"title":"الفصل الخامس: الأدلة من الإعجاز العلمي في السنة النبوية","level":1,"page":62},{"title":"مدخل","level":2,"page":62},{"title":"ليس من كل الماء يكون الولد","level":2,"page":63},{"title":"إثبات ماء الرجل وماء المرأة","level":2,"page":64},{"title":"استقرار النطفة الأمشاج في الرحم","level":2,"page":67},{"title":"اختراق الأسوار لتصوير الجنين، وحصول التشوه الخلقي فيه","level":2,"page":69},{"title":"الكتابة على جبهة الجنين","level":2,"page":73},{"title":"في جسم الإنسان (٣٦٠) مفصلا","level":2,"page":74},{"title":"الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة","level":2,"page":76},{"title":"الحجر الصحي","level":2,"page":79},{"title":"النهي عن اقتناء الكلاب، وإباحة اقتناء القطط","level":2,"page":81},{"title":"الذباب يحمل الجراثيم ومبيداتها","level":2,"page":83},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":85},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":87}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,9":8,"1,10":10,"1,11":12,"1,12":13,"1,13":15,"1,14":16,"1,15":18,"1,16":19,"1,17":20,"1,19":21,"1,20":22,"1,21":23,"1,22":24,"1,23":25,"1,24":26,"1,25":27,"1,26":28,"1,27":29,"1,28":30,"1,29":31,"1,30":32,"1,31":33,"1,32":34,"1,33":35,"1,34":36,"1,35":37,"1,36":38,"1,37":40,"1,38":41,"1,39":42,"1,40":43,"1,41":44,"1,42":45,"1,43":46,"1,45":47,"1,46":48,"1,47":50,"1,48":52,"1,49":53,"1,50":54,"1,51":55,"1,52":56,"1,53":57,"1,54":58,"1,55":59,"1,56":60,"1,57":61,"1,59":62,"1,60":63,"1,61":65,"1,62":66,"1,63":68,"1,64":70,"1,65":71,"1,66":72,"1,67":73,"1,68":75,"1,69":77,"1,70":78,"1,71":80,"1,72":81,"1,73":82,"1,74":84,"1,75":85,"1,76":86,"1,77":87,"1,78":88,"1,79":89,"1,80":90},"ٜ":{"1":[1,80]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,9","1,9","1,10","1,10","1,11","1,12","1,12","1,13","1,14","1,14","1,15","1,16","1,17","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,45","1,46","1,46","1,47","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,59","1,60","1,60","1,61","1,62","1,62","1,63","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,67","1,68","1,68","1,69","1,70","1,70","1,71","1,72","1,73","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80"],"ٞ":{"1":[1],"8":[2,3],"9":[4],"11":[5],"14":[6],"17":[7],"21":[8,9],"29":[10],"35":[11,12],"39":[13],"47":[14,15],"49":[16],"51":[17],"62":[18,19],"63":[20],"64":[21],"67":[22],"69":[23],"73":[24],"74":[25],"76":[26],"79":[27],"81":[28],"83":[29],"85":[30],"87":[31]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ال<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nاللهم لا علمَ لنا إلا ما علَّمتَنا، إنك أنت العليم الحكيم.\nاللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتَنا، وزدنا علمًا.\nاللهم لا سهل إلا ما جعلتَه سهلًا، وأنت تجعلُ الحَزْنَ إذا شئتَ سهلًا، فيسِّر لنا أمورَنا، واختم لنا بالسعادة، إنك على كل شيء قدير.\nأما بعد:\nفقد جعل الله تعالى معجزةَ النبي المصطفى الكريم ﷺ الوحيَ، ذلك أن الله تعالى أعطى كلَّ نبيٍّ من أنبيائه ﵈ آيةً يُعرف بها، وتدل على نبوته، وصدقه، ولكن كل تلك الآيات أو المعجزات كانت وقتيَّةً، زال أثرها بزوال وقتها، وبموت من حضرها، وقد أَعطى الله تعالى نبيَّه المصطفى الكريم ﷺ من تلكم المعجزات والخوارق ... الشيءَ الكثير، فهو أكثر واحد فيهم أُعطي، ولكن معجزتَه ﷺ التي بقيت بعده، واستمر عطاؤها إلى زماننا، وستبقى إلى قيام الساعة: هي الوحي.\nولهذا طلب الله تعالى منه ﷺ أن ينذر به.\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٤٥]\nوعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: \" ما مِن","vol":"1","page":1},{"text":"الأنبياء نبي إلا أُعطي مِن الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أُتيتُه وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكونَ أكثرَهم تابعًا يوم القيامة \" متفق عليه (١) .\nوقال ﷺ - كما في حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله تعالى عنه-: \"ألا إني أُعطيتُ القرآنَ ومثلَه معه، ... \" رواه أحمد وأبو داود والطحاوي والآجري والدارقطني والبغوي وابن حبان في آخرين (٢) . ورواه آخرون بلفظ قريب.\nومن خلال الآية الكريمة والحديثين الشريفين يتضح أن رسول الله ﷺ (قد أعطاه الله جل شأنه وحيين، هما: وحي القرآن الكريم، ووحي السنة النبوية الشريفة. لكن القرآن الكريم: وحيٌّ متلُوٌّ معجِزٌ متعبَّدٌ بتلاوته، ... وأما السنة النبوية: فهي وحيٌ غيرُ متلُوٍّ ولا معجز ولا متعبَّد بتلاوته، ... إلخ الفوارق (٣) .\nوالقرآنُ الكريمُ خاتمةُ الكتب، وهو وحي من الله تعالى، لأنه كلامه جل شأنه؛ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد تكفَّل الله سبحانه\n_________\n(١) صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن: باب كيف نزل الوحي، وفي غيرهما. وصحيح مسلم: كتاب الإيمان: باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد (إلى جميع الناس، رقم (٢٣٩)\n(٢) مسند أحمد (٤: ١٣٠- ١٣١) وسنن أبي داود: كتاب السنة: باب في لزوم السنة، رقم (٤٦٠٤) وسنن الدارقطني (٤: ٢٨٧) وصحيح ابن حبان (١: ١٨٩ رقم ١٢) وشرح معاني الآثار (٤: ٢٠٩) والشريعة (١: ٤١٥-٤١٦) وشرح السنة (١: ٢٠١) والمعجم الكبير (٢٠: ٢٨٣) ومسند الشاميين (٢: ١٣٧) (٣: ١٠٣) والتمهيد (١: ١٤٩- ١٥٠) وذم الكلام (٢: ١٣٤ - ١٣٥) والسنن الكبرى للبيهقي (٩: ٣٣٢) ودلائل النبوة (٦: ٥٤٩) والفقيه والمتفقه (١: ٨٩) .\n(٣) انظر: (السنة النبوية وحي) و(نشأة علوم الحديث) حيث ذكرت أنواع الوحي وأقسامه ومظاهره، والفرق بين نوعَي الوحي؛ وحي القرآن، ووحي السنة.","vol":"1","page":2},{"text":"وتعالى بذلك. والنبيُّ المصطفى الكريمُ ﷺ هو رسول الله ﷺ (- والرسولُ من مرسِله، لأنه يبلِّغ عنه ما يريد - والرسالةُ قد تكون مختومةً ليس له إلا تبليغها بعبارتها ولفظها، وقد تكون شفاهًا يبلغها بعبارته، لأنه مؤتمن. لذا فما كان من القسم الأول فهو: وحيُ القرآن، وما كان من القسم الثاني فهو: وحيُ السنة. والله تعالى أعلم.\nوهذا ما دلت عليه الآياتُ القرآنيةُ الكريمةُ، والأحاديثُ النبويةُ الشريفةُ، ودلائلُ النبوة، واتفقت كلمةُ العلماء رحمهم الله تعالى عليه. وهو أن ما نطق به رسول الله ﷺ: هو وحيٌ - لكنه غيرُ مَتْلُوٍّ ولا مُعجِز - أوحاه الله ﷾ إليه.\nقال الإمام الزهري رحمه الله تعالى (١) - وقد سئل عن الوحي -: «الوحيُ ما يُوحي الله إلى نبي من الأنبياء، فيثبتُه في قلبه، فيتكلم به، ويكتبه، وهو كلام الله، ومنه ما لا يتكلم به، ولا يكتبه لأحد، ولا يأمر بكتابته، لكنه يحدِّث به الناسَ حديثًا، ويبين لهم أن الله أمره أن يبيِّنه للناس، ويبلغهم إياه» .اهـ.\nوقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى (٢): ما فرض رسول الله ﷺ (شيئًا قط إلا بوحي، فمن الوحي ما يُتلى، ومنه ما يكون وحيًا إلى رسول الله ﷺ؛ فيستن به - ثم ذكر حديثَ المطلب بن حنطب ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"ما تركتُ شيئًا مما أمركم الله به: إلا وقد أمرتُكم به، ولا شيئًا مما نهاكم عنه: إلا وقد نهيتُكم عنه، وإن الروحَ الأمينَ قد أَلقى في رُوعي أنه لن تموتَ نفسٌ حتى تستوفي رزقَها، فأجملوا في الطلب\".\nقال الإمام الشافعي: وقد قيل: ما لم يُتْلَ قرآنًا، إنما ألقاه جبريل في رُوعه\n_________\n(١) انظر: الإتقان (١: ٤٤) .\n(٢) الأم (٧:٢٧١) وجماع العلم بحاشية الأم (٧:٢٥١) وانظر الرسالة (٨٨ - ١٠٥) .","vol":"1","page":3},{"text":"- ﷺ - بأمر الله، فكان وحيًا إليه.\nوقيل: جعل الله إليه لما شهد له به من أنه يهدي إلى صراط مستقيم، أن يسن.\nوأيهما كان؛ فقد ألزمهما الله تعالى خلقَه، ولم يجعل لهم الخِيَرَةَ من أمرهم، فيما سَنَّ لهم، وفرض عليهم اتباع سنته. اهـ.\nوقال رحمه الله تعالى - في موطن آخر (١) في تعليقه على حديث اللعان، فيما نَقل عمَّن سبقه -: فأَمْرُ الله تعالى إياه وجهان:\nأحدهما: وحيٌ ينزل، فيُتلى على الناس.\nالثاني: رسالةٌ تأتيه عن الله تعالى، بأن افعل كذا فيفعله، ... اهـ\nوقال الإمامُ ابنُ حزم الظاهريُّ رحمه الله تعالى (٢): لما بيَّنّا أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع؛ نظرنا فيه فوجدنا فيه إيجابَ طاعة ما أمرنا به رسول الله ﷺ (ووجدناه ﷿ يقول فيه واصفًا لرسوله ﷺ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣– ٤] فصح لنا أن الوحيَ ينقسم من الله ﷿ إلى رسوله ﷺ إلى قسمين:\nأحدهما: وحيٌ متلُوٌّ، مؤَلَّفٌ تأليفًا، معجزُ النظام، وهو القرآن.\nوالثاني: وحيٌ مرويٌّ، منقولٌ غيرُ مؤلَّفٍ، ولا معجز النظام، ولا متلُوٍّ، لكنه مقروء، وهو الخبرُ عن رسول الله ﷺ، وهو المبيِّنُ عن الله ﷿ مرادَه منا، قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] .\n_________\n(١) انظر الأم (٥: ١١٣ - ١١٤) وانظر: مناهل العرفان (١: ٥٠) .\n(٢) الإحكام في أصول الأحكام (١: ٩٦ - ٩٨) .","vol":"1","page":4},{"text":"ثم قال: والقرآن والخبرُ الصحيح بعضُهما مضافٌ إلى بعض، وهما شيءٌ واحد في أنهما من عند الله تعالى، وحكمهما حكمٌ واحد، ... ثم قال: أخبر تعالى - كما قدمنا - أن كلامَ نبيِّه ﷺ كلَّه وحيٌ، والوحيُ بلا خلاف ذِكْرٌ، والذكرُ محفوظٌ بنص القرآن، ... إلخ\nونقل الإمام السيوطي رحمه الله تعالى عن الإمام الجويني رحمه الله تعالى قال: كلام الله المنزل قسمان:\nقسم: قال الله لجبريل: قل للنبي الذي أنت مرسَلٌ إليه: إن الله تعالى يقول: (افعل كذا وكذا، وأمر بكذا) ففهم جبريل ما قاله ربُّه، ثم نزل على ذلك النبي، وقال له ما قاله ربُّه، ولم تكن تلك العبارةُ تلكَ العبارة.\nكما يقول الملِكُ لمن يثق به: قل لفلانٍ يقول الملِك: اجتهد في الخدمة، واجمع جندَك للقتال، فإن قال الرسول: يقول الملِك: لا تتهاون في خدمتي، ولاتترك الجند تتفرق، وحُثَّهم على المقاتَلة؛ لا يُنسب إلى كذب ولا تقصير في أداء الرسالة.\nوقسم آخر: قال الله تعالى لجبريل ﵇: اقرأ على النبي هذا الكتاب، فنزل جبريلُ بكلمةٍ من الله تعالى، من غير تغيير، كما يكتب الملِك كتابًا، يسلمه إلى أمين، ويقول: اقرأه على فلان، فهو لا يُغَيِّرُ منه كلمةً ولا حرفًا. اهـ\nقال الإمامُ السيوطي رحمه الله تعالى (١) - في تعليقه على هذا القول -: القرآن هو القسم الثاني، والقسم الأول هو السنة. كما ورد أن جبريل ﵇ كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن، ومن هنا جاز روايةُ الحديث\n_________\n(١) الإتقان (١: ٤٤) .","vol":"1","page":5},{"text":"بالمعنى، لأن جبريل أدّاه بالمعنى، ولم تجز القراءة بالمعنى، لأن جبريل أدّاه باللفظ، ولم يُبح له إيحاءَه بالمعنى.\nوالسر في ذلك: أن المقصودَ منه التعبدُ بلفظه، والإعجازُ به، فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه، ... والتخفيفُ على الأمة، إذ جعل المنزَّلَ إليهم على قسمين؛ قسم: يروُونه بلفظه الموحَى به، وقسم: يروونه بالمعنى، ولو جعل كلُّه مما يُروى باللفظ لَشَقَّ، أو بالمعنى لم يؤمن التبديل والتحريف، فتأمل. اهـ\nقلت: لكن لم أر من ذكر أن جبريل ﵇ كان ينقل نصَّ الحديث إلى رسول الله ﷺ بالمعنى، ويتصرف في العبارة، إلا أن يقال: فُهم أنه أُبيح له، مقارنةً بلفظ القرآن، وعدم تغيير حرف منه، والله تعالى أعلم.\nوقد بدأت عنايتي بهذا الموضوع (السنة النبوية وحي) عندما كتبتُ (الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وأثره في الحديث وعلومه) إذ بينت فيه أن السنة النبوية وحي. كما يراها الإمامُ الشافعي رحمه الله تعالى.\nوالأدلة على أن السنة وحي هي أربعة مصادر:\nأولًا: من القرآن الكريم، ثانيًا من السنة النبوية الشريفة، ثالثًا من دلائل النبوة، رابعًا: الإعجاز العلمي.\nوقد جعلت هذا المختصر على شاكلة الأصل، من خمسة فصول:\nأما الفصل الأول فيحوي: بين النبوة والوحي، وفيه تعريف الوحي، وأنواعه، والنبوة تثبت بالوحي لا بنزول الكتاب، وليس كل الوحي مكتوبًا.\nويحوي الفصل الثاني: الأدلة من القرآن الكريم.","vol":"1","page":6},{"text":"ويحوي الفصل الثالث: الأدلة من السنة النبوية.\nويحوي الفصل الرابع: الأدلة من دلائل النبوة.\nويحوي الفصل الخامس: الأدلة من الإعجاز العلمي.\nوفي الخاتمة: نتائج البحث والتوصيات.\nأسأله تعالى أن يجعل هذا البحث وغيره خالصًا لوجهه الكريم، ويجعله ذخيرة مدخرة ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، ويرزقني فيه الصدقَ في القول، والإخلاصَ في العمل، ويسدد قلمي، ويحفظني فيما بقي من عمري في ديني وصحتي وعقلي وذريتي، إنه نعم المولى ونعم النصير.\nوصلى الله وسلَّم على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الفصل الأول: بين النبوة والوحي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>مدخل</span>\n...\nالفصل الأول: بين النبوة والوحي\nإن الحديث عن الاستدلال على أن السنة النبوية وحي لا بد أن يسبقه أمور: تعريف الوحي، وبيان أنواعه، وهل يشترط نزولُ كتاب على من اختاره الله تعالى للنبوة، أو يُكتفى بوجود الوحي؟ لأنه لو كان يُشترط وجودُ كتابٍ حتى تثبت نبوة من اختاره الله تعالى؛ لَما بقي إلا القليل من العدد الكبير من الأنبياء والرسل ﵈، لأنه من الثابت عدم وجود الكتب عند الكثيرين منهم، كما لا بد من معرفة أن ليس كل ما ينزل على الأنبياء ﵈ من وحيٍ هو مكتوب، بل قد يكون غير مكتوب، وهذا ما سنراه إن شاء الله تعالى في هذا الفصل.\nوالخلاصة أن الكلام في هذا الفصل سيكون في أربعة أمور:\nأولًا: في تعريف الوحي.\nثانيًا: في أنواع الوحي.\nثالثًا: النبوة تثبت بالوحي لا بنزول الكتاب.\nرابعًا: ليس كل الوحي مكتوبًا. والله تعالى هو الموفق والمعين.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>أولًا - تعريف الوحي:</span>\nالوحي لغةً: يطلق على: الإشارة، ِ والكتابةِ، والرسالةِ، والإلهامِ، والكلامِ الخفيِّ، والسرعة، وكل ما ألقيتَهُ إلى غيرك.\nومن هذا يقال للوحي: هو الإعلامُ الخفيُّ السريعُ (١) .\nوقد ورد الوحيُ بالمعنى اللغوي في عدد من الآيات القرآنية.\n_________\n(١) انظر: الزاهر (٢: ٣٥٣) والصحاح (٢٥١٩ وما بعد) ومعجم مقاييس اللغة (٦: ٩٣) والقاموس المحيط (٤: ٣٩٩) والمغرب (٢: ٣٤٤-٣٤٥) ولسان العرب (١٥: ٣٧٩وما بعد) .","vol":"1","page":9},{"text":"كقولِه تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [سورة القصص: ٧]\nوقولِه تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [سورة النحل: ٦٨]\nوقولِه جل شأنه: ﴿شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [سورة الأنعام: ١١٢]\nوقولِه تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [سورة مريم: ١١]\nوقولِه تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ [سورة المائدة:١١١]\nوقولِه ﷿: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ ِ [سورة فصلت:١٢]\nوقولِه تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا، وَقَالَ الْأِنْسَانُ مَا لَهَا، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا، بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [سورة الزلزلة: ١– ٥]\nوأما تعريفُه في الشرع: فهو الإعلامُ بالشرع. وذلك بأن يُعلم الله تعالى من اصطفاه من عباده كلَّ ما أراد اطلاعَه عليه؛ من حُكمٍ شرعي وغيرِه، ويكونُ في خفاءٍ، غيرِ معتادٍ للبشر، وهذا باعتبار مصدرِه.\nوقد يُطلق ويرادُ به اسمُ المفعول منه، وهو المُوحى به؛ وهو كلامُ الله ﷿ المنزَّلُ على نبيه الكريم سيدنا محمدٍ ﷺ.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>ثانيًا - أنواع الوحي:</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]","vol":"1","page":10},{"text":"لقد حصرها الله تعالى في ثلاثِ حالات، وهي ترجع إلى حالتين:\nالأولى: بغير واسطة، وتشمل الحالتين الأولى والثانية.\nوالثانية: بواسطة، وتشمل الحالة الثالثة.\nوالحالات الثلاث هي:\n١- قوله تعالى: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ فيكون بغير واسطةٍ، وله حالتان:\n- يكون في اليقظةِ؛ كالإلهامِ، والتكلمِ ليلةَ المعراج مع النبي المصطفى الكريم ﷺ بدون واسطة، ...\n- يكون في المنام؛ كما في قصة إبراهيم ﵇، وكما في قصة دخول النبي ﷺ مكة، ... إلخ.\n٢- قوله تعالى: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وذلك بأن يكلمَ الله تعالى نبيَّه من وراء حجاب، كما حصل لموسى ﵇.\n٣ - قوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ فيوحي ذلك الرسولُ الملَكُ إلى المرسَلِ إليه من البشر، بإذن الله تعالى ما يشاءُ الله تعالى، وله صور متعددة:\nأ - أن يظهر بصورته الحقيقية الملكية، كما حصل لرسول الله ﷺ، إذ رأى جبريلَ ﵇ مرتين، كما حكى القرآن الكريم في سورة النجم. (١)\nب - أن يظهرَ جبريلُ ﵇ بصورةِ إنسانٍ، ويراه الناسُ، وقد ظهر في صورة دِحية الكلبي رضي الله تعالى عنه مرارًا، كما ظهر في صورة أعرابي، كما في حديث سؤاله عن «الإيمان، والإسلام، والإحسان» وهو المعروف بحديث جبريل ﵇.\n_________\n(١) انظر الآيات البينات لما في الإسراء والمعراج من الخوارق والمكرمات، فقد أوضحت ذلك، وذكرت النصوص فيه.","vol":"1","page":11},{"text":"ج- أن ينفث في الرُّوع، وذلك بأن ينفث روحُ القدس في رُوع النبيِّ المصطفى الكريم ﷺ.\nد- أن يهبط على النبي المصطفى الكريم ﷺ خفية - وهذا هو الغالب -، بحيث لا يراه الناسُ الحاضرون، ولكن يظهر أثرُه من التغيير والانفعال الذي يصيب النبيَّ المصطفى الكريمَ ﷺ، والاستغراق التام، ... وتصببِ العرق في اليوم الشديد البرد. وله مقدمةٌ تُنبِّه النبيَّ الكريمَ ﷺ بقدومه، شبَّهها ﷺ بصلصلة الجرس، ويسمعها الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم كدوي النحل.\nوالقرآن الكريم نزل كلُّه بواسطةِ جبريل ﵇، إلا ما ورد في أواخر سورة البقرة (١) .\n_________\n(١) انظر: الإتقان (١: ٤٤ - ٤٥) ومناهل العرفان (١: ٤٨ - ٥١) .","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>ثالثًا - ثبوت النبوة بالوحي:</span>\nإن نزول الوحي على من اصطفاه الله تعالى من البشر؛ بما يريدُه تعالى، وبما يدلُّه عليه، وينزله عليه من أحكام تشريعية، وأخبارٍ بمغيبات، ودلائل، وحججٍ، ... كلُّ ذلك يدل على أن هذا المصطفى من الخلق إنما هو نبي، أُعلم بذلك من قِبَل الله تعالى، وهو كافٍ في الدلالة على نبوته واصطفائه من قِبَلِ ربه ﷿.\nفإذا نزل عليه أمرٌ من الله جل شأنه بتبليغ ما أنزل عليه، فهو رسولٌ، فحصل من هذا: أن كلَّ رسولٍ نبيٌّ، ولا عكس.\nوقد يكون النبيُّ المختارُ متعبَّدًا على شريعةِ من سبقه من الأنبياء والرسل","vol":"1","page":12},{"text":"على نبينا وعليهم الصلاة والسلام. كما قد يكون في الوقت الواحد أكثرُ من نبيٍّ، ولو في القرية الواحدة، ... كما قد يكون أكثر من رسول أيضًا.\nولا يشترطُ وجودُ كتابٍ منزل من قبل الله تعالى حتى يعتبر ذلك المصطفى بالوحي رسولًا أو نبيًا، إنما العبرةُ بوجود الوحي، لأنه من المجمع عليه أن الكتب والصحف إنما نزلت على بعض الأنبياء والرسل ﵈، أما أغلب الأنبياء والرسل ﵈ فليس عندهم كتب ولا صحف، إنما ينزل عليهم الوحي بما يريده الله ﷿. ولو كان يُشترط وجودُ الكتاب لصحة النبوة أو الرسالةِ لأُلغِيت نبوةُ كثيرين ورسالتهُم من الرسل والأنبياء ﵈، لعدم وجود ذلك عندهم.\nكما لو كان وجودُ الكتاب شرطًا لصحة نبوة كل نبي، لوجب وجودُ الكتب عندهم جميعًا، وهذا خلاف الواقع المجمع عليه، وهو وجودُ بعض الكتب عند بعض الأنبياء والرسل على نبينا وعليهم الصلاة والسلام.\nلكن المجمع عليه: هو وجودُ الوحي عند جميعهم ﵈.\nكما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء:١٦٣]\nفيلاحظ قوله تعالى: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إذ ذكر نوحًا ﵇ لأنه أولُ رسولٍ أُرسل إلى البشرية، ثم ذكر ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ليكون شاملًا مستغرِقًا جميعَ الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة السلام من بعد نوح ﵇.","vol":"1","page":13},{"text":"وقال الله جل شأنه عن سيد البشر عليه وآله الصلاة والسلام: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠]\nفالعبرة إذًا: بوجود الوحي، وبه قامت الحجةُ على الناس كلهم، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>رابعًا - ليس كل الوحي مكتوبًا:</span>\nوالأمر الآخر المقرر، بالنسبة للأنبياء والرسل على نبينا وعليهم الصلاة والسلام الذين ينزل عليهم الوحي، فإنه لا يُشترط أن يكون ذلك الوحيُ مكتوبًا، سواء ممن لم يسبق لهم كتابٌ منزل، كما هو الحال في أغلب الأنبياء والرسل ﵈، أو حتى الذين نزلت عليهم كتبٌ وصحفٌ؛ كموسى وعيسى وداود ... على نبينا وعليهم الصلاة السلام، فإنه لا يشترط أن يكون جميعُ الوَحْي المنزَّل إليهم مكتوبًا في الكتب أو الصحف المنزلةِ عليهم. وقد عرفنا هذا مما ذكره الله تعالى في القرآن الكريم.\nولما كانت الشواهدُ في القرآن الكريم كثيرةً جدًا فإني أقتصر على ذكر شاهدين فقط: ليكونا مثالًا لما قررتُه هنا، ومن أراد الزيادة، فليرجع إلى ما كتبته في غير هذا المكان (١) .\nالمثال الأول:\nقال الله ﵎ بعد ما ذكر ما كان بين نوح ﵇ وبين قومه -: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ، وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا\n_________\n(١) انظر: شبهات حول السنة ودحضها، والسنة النبوية وحي - الفصل الرابع من الباب الأول.","vol":"1","page":14},{"text":"تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ، قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ثم يقول الله ﵎ في خاتمة الآيات لنبيه المصطفى الكريم سيدنا محمد ﷺ: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٣٦ – ٤٩]\nهذا الخطاب من الله تعالى لنوح ﵇ بعدم إيمان قومه، وأمره ﷿ له ﵇ بصناعة السفينة، وعدم مخاطبته جل وعز في الكفار بعد عقوبتهم، ثم هذه المحاورة بين الله تعالى ونوح ﵇ بشأن ولد نوح، وما كان منه، ثم الأمر منه تعالى لنوح بالهبوط من السفينة إلى اليابسة: هل هذا موجودٌ في كتابٍ مكتوبٍ عند نوح ﵇ يقرؤه ويتلوه، أو هو خطاب مباشِرٌ، كلّمه الله جلت قدرته به مباشرةً، وليس ثمة كتاب يقرؤه؟\nوالجواب: لا يمكن أن يكون هذا مكتوبًا في كتاب، إذ لو كان مكتوبًا عنده في كتاب لأُمر بالرجوع إليه مباشرة، ولما احتيج إلى هذه المحاورة والمخاطبة، ثم إن سياق القصة يتضح منه عدم وجوده عنده من قبل، كما هو واضح، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":15},{"text":"المثال الثاني:\nما كان بين موسى ﵇ وبني إسرائيل، في قصة البقرة.\nقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ، قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ، قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ، قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ، قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ، وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٦٧- ٧٣] .\nففي هذه الآيات: أمرانِ وأربعةُ أقوالٍ لله تعالى، فلو كانت هذه الأقوال في التوراة، لما اضطر موسى ﵇ إلى الأسئلة عن البقرة وأجوبتها، بل لأمرهم بالرجوع إلى التوراة، أو لقرأها عليهم، وأمرهم بالعمل بها، وكل ذلك غير موجود، إنما هو سؤالٌ وجوابٌ عن حادثةٍ وقعت.","vol":"1","page":16},{"text":"يضاف إلى هذا: أن التوراة نزلت جملةً واحدةً، وليس فيها إلا ما هو مسطور، وأما ما يقع بعدها من حوادث فتحتاج إلى جوابٍ جديدٍ. وهذا الخطاب هو وحيٌ غير مسطور ولا متلوٍّ.\nفإذا جاز هذا لموسى وغيره من الأنبياء السابقين على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، فنبينا المصطفى الكريم ﷺ من باب أولى وأولى، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الفصل الثاني: الأدلة من القرآن الكريم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>الأول: أدلة عامة</span>\n...\nالفصل الثاني\nالأدلة من القرآن الكريم\nإن الأدلة من القرآن الكريم على أن السنة النبوية وحي نوعان:\nالأول: أدلة عامة.\nوالثاني: أدلة جزئية، وسأذكر من كل نوع بعضَ الأدلة على قدر هذا المختصر، ومن أراد الزيادة فليرجع إلى كتاب (السنة النبوية وحي) فقد ذكرت سبعين دليلًا على التفصيل.\nأما النوع الأول: وهو الأدلة العامة، ففيها نصوص كثيرة، أقتصر على بعضها للتدليل، ومن أراد الزيادة فلينظر في الأصل.\n١- قال الله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:١- ٥]\nفقوله جل وعز: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ لفظة عامة؛ تشمل جميع ما يلفظه ﷺ، لأنها سياق النفي، وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ حصر ذلك بالوحي، لأن معناه - والعلم عند الله تعالى - ما هو إلا وحي يوحى إليه.\nوإذا كان كلُّ ما يقولُه ﷺ: إنما هو وحيٌ يُوحى إليه به، دل على أن السنة النبوية هي وحي. والله تعالى أعلم.\nولا يصح حمل هذا اللفظ الكريم على غير رسول الله ﷺ، بدلالة سياق الآية الكريمة ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ وهو ما عبَّر عنه تعالى بذلك في عدَّة آيات، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَاصَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] والآيات التي تليها. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":19},{"text":"٢- قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] في أربع آيات كريمات، تكرَّرَ فيها عطفُ الحكمة على الكتاب (١) .\nفالحكمة المعطوفة على الكتاب - هي السنة النبوية - وهي وحي منزل من عند الله تعالى بدلالة الآيات التاليات.\nقال الله جل شأنه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِه﴾ [البقرة: ٢٣١]\nوقال الله ﷿: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]\nفقول الله ﷾: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ و﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ يدل على أن «الحكمة» منزَّلةٌ من عند الله ﷿، كما هو الحال في الكتاب الكريم، لأنها معطوفةٌ عليه، ومقرونةٌ به، وكلاهما منزَّل.\nولا يصح أن يقال: إن «الحكمة» هنا هي «الكتاب» بدلالة قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤]\nفالكتابُ هو آيات الله ﷿ - في هذه الآية الكريمة - عُطفت عليها الحكمةُ، فدل اللفظ على التغاير، لكن كلاهما - أي الكتاب والحكمة-\n_________\n(١) انظر: سورة البقرة (١٥١) وسورة آل عمران (١٦٤) وسورة الجمعة (٢) .","vol":"1","page":20},{"text":"منزَّلان متلوان، ولا يكون ذلك إلا للوحي. وإن كان تلاوةُ الكتاب الكريم غيرَ تلاوة الحكمة. والله تعالى أعلم.\nقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى (١): ذَكَر الله الكتابَ - وهو القرآن - وذكر الحكمةَ، فسمعتُ مَن أرضى مِن أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمةُ سنةُ رسول الله ﷺ.\nوهذا يشبه ما قال، والله تعالى أعلم.\nلأن القرآن ذُكِر، وأُتبعته الحكمةُ، وذَكَر الله مَنَّه على خَلْقه: بتعليمهم الكتابَ والحكمةَ، فلم يَجُز - والله أعلم - أن يُقال الحكمة ههنا: إلا سنة رسول الله ﷺ.اهـ\nوما قاله الإمام الشافعي رحمه الله تعالى - ونقله عمن رضي من أهل العلم بالقرآن - ليس مذهبَه فحسب، بل هو مذهبُ عامة السلف والمفسرين (٢)، كما بينت هذا في غير هذا الموضع. والله تعالى أعلم.\n٣- لقد تكفل الله تعالى بجمع القرآن الكريم في صدر رسول الله ﷺ، كما تكفل جل شأنه ببيانه، فقال ﷿ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [سورة القيامة: ١٦ – ١٩]\nكان رسول الله ﷺ يُحرِّك لسانه أثناء قراءة جبريل ﵇ في نزوله بالوحي عليه ﷺ، مخافةَ أن ينفلت منه، ولا يحفظه، فنُهي ﷺ عن ذلك، وأُخبر أن الله ﷿ هو المتكفل بحفظه في صدره ﷺ، وجريانه على لسانه بعد\n_________\n(١) الرسالة (٧٨ - ٧٩) وانظر جماع العلم - بحاشية الأم - (٧: ٢٥١) .\n(٢) انظر: الإمام الشافعي وأثره في الحديث وعلومه، حيث بينت هناك أنه مذهب السلف وعامة المفسرين.","vol":"1","page":21},{"text":"ذلك، كما أنه تعالى هو المتكفِّل بتفهيم تلك الآيات ومناسباتها له ﷺ، ويوضِّح ذلك:\nعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: \"كان رسول الله ﷺ يُعالج من التنزيل شدَّة، وكان مما يُحرِّك شفتيه\".\nوفي رواية:\"كان رسولُ الله ﷺ إذا نزل جبريلُ ﵇ عليه بالوحي، وكان مما يُحرك به لسانه وشفتيه، فيشتدّ عليه، وكان يعرف منه، فأنزل الله الآية التي في ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قال: علينا أن نجمعه في صدرك، وقرآنه (فتقرأه) ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قال: فإذا أنزلناه فاستمع ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ علينا أن نبيِّنه بلسانك (وفي رواية أخرى: أن نبيِّنه على لسانك) قال: فكان (رسول الله ﷺ بعد ذلك) إذا أتاه جبريل أطرق. فإذا ذهب جبريل قرأه النبي ﷺ كما وعده الله\". متفق عليه (١) .\nفقولُه في الحديث (علينا أن نبيِّنه على لسانك - أو بلسانك -) هو بيان مجملات الوحي، وتوضيح مشكلاته، وبيان معانيه وأحكامه، ... والله تعالى أعلم، بحيث يُجري الله تعالى ذلك على لسان نبيه ومصطفاه ﷺ بعد قذف ذلك في قلبه. والله تعالى أعلم.\nوقولُه ﷾: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ تَكَفُّلٌ من الله ﷿ ببيان القرآن الكريم؛ الذي يُشكل على الناس في معانيه، ومجمله، وأحكامه، ...\nوهذا البيان الذي تكفَّل الله تعالى به: إما أن يكون قرآنًا لاحقًا؛ ينزله في كتابه مثل القرآن النازل، أو لا.\n_________\n(١) صحيح البخاري: كتاب الوحي: باب (٤) حدثنا موسى بن إسماعيل، وكتاب التفسير: سورة القيامة: باب؟ ««؟ وباب؟ ««؟ وفي غيرها. وصحيح مسلم: كتاب الصلاة: باب الاستماع للقراءة، رقم (١٤٧- ١٤٨)","vol":"1","page":22},{"text":"- فإن كان قرآنًا افتقر هو الآخر إلى بيان آخر أيضًا، وهكذا يحتاج القرآن إلى قرآن تالٍ ليبيِّنه، ... ويكون التسلسل.\nيضاف إلى ذلك أيضًا أن مجملَ القرآن، ومعانيه، وأحكامَه، ... موجودةٌ في القرآن الكريم، وقد بيَّنها النبي المصطفى الكريم ﷺ،كما سيأتي ذكرُ بعضه بعد قليل، إن شاء الله تعالى.\n- وإن كان البيان علاوةً على القرآن الكريم - وهو الحقُّ - كان منزَّلًا أيضًا، باعتبار قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ حيث تكفَّل به، وكان هذا البيانُ المنزَّلُ غيرَ الذي نقرؤه، وهو وحيٌ أيضًا باعتبار الالتزام الذي التزم الله ﷾ به في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ولا شك أن هذا البيان هو السنة؛ الموحى بها إلى النبي المصطفى الكريم ﷺ، والله تعالى أعلم.\nومن هنا يتضح كيف أن الله جل شأنه قد وكَلَ هذا البيانَ إلى رسوله المصطفى الكريم ﷺ، حيث قال جل شأنه ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]\nبل حصر الله ﷾ مهمَّةَ رسوله الكريم ﷺ في ذلك، فقال جل شأنه ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]\nفهذا البيانُ المُلتَزَمُ به مِن قِبل الله ﷿، والمعهودُ به إلى النبي المصطفى الكريم ﷺ هو من الوحي المنزَّل، باعتبار الالتزام، والعهد به إلى النبي المصطفى الكريم ﷺ، وبه بانت السنة النبوية أنها وحي أيضًا، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":23},{"text":"٤ - بيان الأحكام الشرعية.\nإن أغلب الآيات القرآنية الكريمة في أحكام العبادات والمعاملات، ... إلخ جاءت مجملةً، أو مطلقةً، أو عامةً، وجاءت السنةُ النبويةُ الشريفة مبيِّنةً، أو مقيِّدةً، أو موضِّحةً، أو مخصِّصةً، ... أو جاءت بأحكام زائدة.\nففي العبادات مثلًا:\nجاءت آيةٌ في التيمم ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء:٤٣، والمائدة:٦] وأخرى في الوضوء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] لكن لم يرد فيهما الاستجمار والاستنجاء، وغَسلُ النجاسة، وكيفية الغسل، ولم يوضِّح الماء، ومقداره في الوضوء، كما لم يأت كثير من الأحكام في آية الوضوء، كغسل اليدين في ابتداء الوضوء، والمضمضة والاستنشاق، والمبالغة فيهما، والاستنثار، والسواك، ومسح الأذنين، والتثليث في ذلك، ... إلخ\nوفي الصلاة: جاءت الآية مجملة ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ فجاءت السنة النبوية الشريفة لتبيِّن أوقاتها، وعددَ ركعات كل صلاة، وكيفيتها، وماذا يقال في القيام، وفي الركوع، وفي السجود، وما يجوز فيها، وما لا يجوز، وما يشترط لها، وما يبطلها، ... وجاءت بالأذان والإقامة وألفاظهما،.. والصلاة النافلة؛ المقيدة وغيرها، ... والجمع بين الصلوات في السفر والحضر، والقصر في السفر من غير خوف، ... إلخ","vol":"1","page":24},{"text":"وفي الزكاة: جاءت الآية مجملة ﴿وءاتوا الزكاة﴾ فجاءت السنة النبوية الشريفة لتحدِّد الأموال التي تخرج فيها الزكاة؛ من النقدين، والأنعام، والخارج من الأرض، وأحكامَ الركاز، وتحديد الحول، والنصاب، ومقدار الزكاة؛ ففي الإبل: في خمس شاة، ... وفي الغنم: في الأربعين شاة، ... وفي البقر: في الثلاثين تبيع أو تبيعة، ... وفي الفضة: في كل مائتي درهم، ... وفي الذهب: في العشرين مثقال، وكلاهما ربع العشر.\nوفي المزروعات: فقد جاءت الآية مجملةً ﴿وءاتوا حقه يوم حصاده﴾ لكن ما هي المزروعات التي تزكّى، وما هو المقدار، وما هو النصاب، وما حكم ما كان يُسقى بغرب أو سانية، وما كان يُسقى من السماء، ... كل ذلك جاء في السنة النبوية الشريفة. ثم جاءت السنة النبوية الشريفة لتبيِّن ما لا تجب فيه الزكاة من هذه الأموال، ... وهكذا.\nوفي الصيام: جاءت الآيةُ فيه مبينةً وجوبَ الصوم، ثم إباحة الرفث والطعام والشراب ليلة الصيام (١) لكن ما حكم من أكل أو شرب، ... ناسيًا، وما هي المفطرات في الصيام، والمباشرة والقُبلة للصائم، ثم صيام الأيام التي يسن صيامها؛ كالاثنين والخميس، ونصف الشهر، وستٍّ من شوال، ... وأيهما الأفضل في السفر؛ الصوم أو الفطر،. إلخ\nوفي الحج: حيث جاءت الآية عامة ومجملة، لكن من الذي رتبه بالصورة التي نعرفها، كتعيين المواقيت الزمانية والمكانية، ومواقيت الآفاقيين ومن دونهم والمقيم في مكة، ... والمبيت في منى ليلة التاسع، وبدء الوقوف بعرفة وإنتهائه، ومكان الوقوف فيه، والمبيت في مزدلفة، وجمع الجِمار، ورمي الجمرات،\n_________\n(١) انظر: مع رسول الله (في رمضان. فقد ذكرت مراحل الصوم، وكيف مر.","vol":"1","page":25},{"text":"والمبيت في منى ليالي أيام التشريق، ... وما مبطلات الحج، وما يلزم فيه الدم، وما لا، ... إلخ كل ذلك جاءت به السنة النبوية الشريفة.\nومثل ذلك في المعاملات وغيرها كثير.\nفهل عيَّن النبي المصطفى الكريم ﷺ ذلك من عند نفسه، أو هو الوحي الذي لم نطَّلع عليه؟ وكيف يكون من عند نفسه - حاشاه بأبي هو وأمي - والله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ لكنه البيان الذي وَكَل الله تعالى إليه، وأوحاه له فنطق به، حيث يقول الله جل شأنه: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ بعد أن تكفَّل الله تعالى بالبيان ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ وقد أخبرنا تعالى بأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى إنما هو الوحي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فهو ﷺ يَتَّبع ما يوحيه الله تعالى إليه في كل أموره، كما أخبرنا الله جل شأنه عنه ﷺ ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ ثم ما كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك من عند نفسه، ولو فعل ﷺ لما أقرَّه الله تعالى، ولذكر الله تعالى ذلك لنا في كتابه الكريم، ولكان ﷺ متقوِّلًا على ربه - حاشاه بأبي هو وأمي - فلما أقره الله تعالى - بل وَكَلَ ذلك البيان إليه؛ دلَّ على أن ما فعله ﷺ من البيان إنما هو بأمر الله ﷿ الذي أوحاه إليه، وأنه ﷺ إنما اتبع ما يوحى إليه، وإن كان قد خفي علينا كثيرٌ من ذلك، لأن بعضًا منه قد صرح ﷺ بتعليم جبريل ﵇ له، كما ذكرته في الأصل، والله تعالى أعلم.\nوالنصوص في هذا النوع كثيرة، إنما ذكرت ما يناسب هذا المختصر، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الثاني: أدلة جزئية</span>\n...\nومن النوع الثاني: وهو ما جاء في جزئيات خاصة؛ فأقتصر على بعض النماذج أيضًا.\n١- قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣]\nفقوله تعالى: ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أخبره بما كانت أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها - التي أَسَرَّ إليها النبيُّ المصطفى الكريمُ ﷺ - قد أفشت الحديثَ الذي أسرَّه إليها. فهل هذا الإظهارُ موجودٌ في القرآن الكريم؟ لا، إنما كان بينَ اللهِ تعالى وبين نبيه الكريم ﷺ، حيث أطلعه على ما فعلَتْ أمُّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها، وبدلالة آخر الآية ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ والإنباء وحي كما هو معلوم.\nوإذا كان الإظهارُ من الله جل شأنه لنبيه المصطفى الكريم ﷺ - والإنباء وحي، وهو غيرُ مكتوب، ولا موجود في القرآن - دل على أنَّ من الوحي ما هو ليس بمكتوب، وأن ما أخبر به رسول الله ﷺ إنما هو بإيحاء الله تعالى له، وإنبائه إياه، وأن السنةَ النبوية وحيٌ، لأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى، إنما يتبع ما يوحى إليه، ولاسيما أن مثلَ هذا الأمر الذي كان من أم المؤمنين ﵅ جميعًا أمرٌ مخفي؛ لا يعلمه إلا الله تعالى. والله تعالى أعلم.\n٢ - لقد نفى الله تعالى عن الخلق جميعًا علمَ الغيب، وحصر تعالى ذلك به ﷾، فهو له تعالى لا يملكه أحد، وقد جاء ذلك في عدد من الآيات القرآنية الكريمة.","vol":"1","page":27},{"text":"قال الله ﷿: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ [يونس:٢٠]\nوقال ﷾: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]\nلكن الله تعالى استثنى من ذلك من يُطلعه تعالى من رسله ﵈ - سواء من الملائكة، أو من البشر - على غيبه.\nفقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا، لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٦ – ٢٨]\nفإذا اختار الله تعالى ذلك الرسولَ، وأطلعه على غيبه خصه تعالى بمزيد عناية، إذ يجعل تعالى بين يديه حفظةً يحفظونه، ويساوقونه على ما معه من الوحي، ويحرسونه من شياطين الإنس والجن.\nوإطلاعُ الله تعالى رسولَه المصطفى الكريم ﷺ على بعض ما عنده تعالى من الغيب قد ظهر جليًّا من الأحاديث الكثيرة التي تحدَّثت عما علمه ﷺ من الغيوب؛ التي لا يمكن أن تكون إلا بوحي، سواء من ذكر الغيبِ السحيقِ في القدم، أم من الغيبِ البعيدِ القادم، وقد توسعت في بيان ذلك في: (أشراط الساعة) وأقتصر على أربعة أحاديث عامة.\nفعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: \"قام فينا النبيُّ ﷺ مقامًا، فأخبرنا عن بدء الخلق، حتى دخل أهلُ الجنة منازلهم، وأهلُ النار النارَ\". رواه البخاري (١) .\n_________\n(١) صحيح البخاري: كتاب بدء الخلق: باب قوله تعالى: ﴿وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيدوه﴾ .","vol":"1","page":28},{"text":"وعن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما قال: \"قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا، ما ترك شيئًا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدَّث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيتُه، فأراه، فأذكره، كما يذكر الرجلُ وجهَ الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه\". متفق عليه، واللفظ لمسلم (١) .\nوقوله: (ما ترك شيئًا، ...) أي لم يترك أمرًا مهمًّا ذا بال؛ يحتاجون إلى معرفته إلا أخبرهم ﷺ به، والله تعالى أعلم.\nوعن عَمْرو بنِ أخطب الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال: \"صلّى بنا رسول الله ﷺ الفجرَ، وصعد المنبرَ، فخطبنا حتى حضرت الظهرُ، فنزل فصلّى، ثم صعد المنبرَ، فخطبنا حتى حضرت العصرُ، ثم نزل فصلّى، ثم صعد المنبرَ، فخطبنا حتى غربت الشمسُ، فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن، فأعلمُنا أحفظنا\". رواه مسلم (٢) .\nوعن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: \"أخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا قد سألتُه عنه، إلا أني لم أسأله: ما يُخرج أهلَ المدينة من المدينة؟ \". رواه مسلم (٣) .\nوكثير مما قاله ﷺ وأخبر به أصحابَه رضي الله تعالى عنهم قد وقع وفق ما قال، وكلُّ ذلك لا يمكن أن يكون من قدرة البشر، إنما هو من وحي الله تعالى لرسوله الكريم ﷺ، خاصة وأنه ﷺ قد تكلم على الماضي السحيق\n_________\n(١) صحيح البخاري: كتاب القدر: باب (وكان أمر الله قدرًا مقدوراُ) وصحيح مسلم: كتاب الفتن: باب إخبار النبي (فيما يكون إلى قيام الساعة، رقم (٢٣)\n(٢) صحيح مسلم: في الكتاب والباب السابقين، رقم (٢٥)\n(٣) صحيح مسلم: في الكتاب والباب السابقين، رقم (٢٤)","vol":"1","page":29},{"text":"- وهو بدء الخليقة - والقادم البعيد - وهو حتى يدخل أهل الجنة منازلهَم، وأهلُ النار منازلهم - كما ذكر ما بين هذين الزمنين من حوادث وأخبار مهمة، ... ووقائع،.. وكل ذلك داخل في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولًٍ﴾ ولاسيما أن المصطفى الكريم ﷺ - بأبي هو وأمي - أُمِّيٌّ؛ لم ولن يقرأ، ولم يكتب، ولا يكون ذلك له، ولم يَطَّلع على كتب الأقدمين (١) إنما هو مِن أنباء الغيب الذي يوحيه الله تعالى إليه، ولهذا تكرر قوله ﷿: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران:٤٤، ويوسف ١٠٨]\nفإذا أضيف إلى ذلك قولُه تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] ومع هذا لم يُذكر من أشراط الساعة في القرآن شيء، إنما جاء بيانُها مفصَّلةً في السنة النبوية الشريفة، علمنا أن ما قاله ﷺ ليس من عنده، لأن ذلك كلَّه من الغيب، وإنما هو الوحي غيرُ المتلو، وهو السنة. وقد توسعت في بيان ذلك في (أشراط الساعة) والله تعالى أعلم.\n٣- لما خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى بدر لتلقي عيرَ قريش، وخرجت قريش لمنع عيرها ولملاقاة النبي المصطفى الكريم ﷺ وأصحابه رضي الله تعالى عنهم - وذلك كله بتقدير الله تعالى ليقضي أمرًا كان مفعولًا - وعده الله تعالى إحدى الطائفتين؛ العير أو النفير، فلما سلمت العيرُ، وتعين النفيرُ: صار رسول الله ﷺ يسأل ربَّه ﷿ قبل بدء المعركة بيوم تنفيذَ ما\n_________\n(١) انظر: أُمِّيَّة النبي المصطفى ﷺ والرد على منكِريها، فقد توسعت في بيان ذلك، وذكرت عشرات الأدلة على أُمِّيَّته ﷺ.","vol":"1","page":30},{"text":"وعده تعالى به، حتى سقط رداؤه عن كتفيه من شدة إلحاحه في الدعاء، فخرج رسول الله ﷺ من الخيمة وهو يثب في الدرع، وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾\nثم أراهم ﷺ مصارع القوم قبل بدء المعركة بيوم، وهو يقول لهم: \"هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله\" فما زاول واحد من الذين عينهم ﷺ مكانَه بالأمس.\nقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧]\nعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألفٌ، وأصحابُه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبيُّ الله ﷺ القِبلةَ، ثم مدَّ يديه، فجعل يهتف بربه: \"اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، ... \" إلى آخر الحديث، وفيه سقوط ردائه ﷺ، والتزامُ أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه له، وقولُه: يا نبيَّ الله، وفي بعض الروايات: كفاك مناشدتُك ربَّك، فإنه سينجز لك ما وعدك\". رواه مسلم (١) .\nوعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن رسول الله ﷺ قال - وهو في قبةٍ يومَ بدر -: \"اللهم أنشدك عهدَك ووعدَك، ... \" ثم ذكر بنحوه، وفيه زيادةُ خروجه وهو يثب ﷺ في الدرع، وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ .رواه البخاري (٢) .\n_________\n(١) صحيح مسلم: كتاب الجهاد: باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، رقم (٥٨)\n(٢) صحيح البخاري: كتاب التفسير: سورة اقتربت الساعة، ...: باب قوله تعالى: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ . وفي غيرهما.","vol":"1","page":31},{"text":"وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ كان يُرينا مصارعَ أهل بدرٍ بالأمس. يقول: \"هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله\" قال عمر رضي الله تعالى عنه: فوالذي بعثه بالحق ما أخطؤوا الحدودَ التي حدَّ رسول الله ﷺ، ... رواه مسلم (١) .\nزاد أنس رضي الله تعالى عنه في روايته: \"ويضع يدَه على الأرض، ههنا وههنا. قال: فما ماط أحدُهم عن موضع يدِ رسول الله ﷺ\". رواه مسلم (٢)\nومن الآية والأحاديث السابقة يتضح ما يلي:\nأ - كون هذا الوعد من الله تعالى كان قبل المعركة، لأن سورة الأنفال نزلت بعدها، وأن الوعد جاء بصيغة المضارع ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ وكذا رغبة المسلمين ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ مما يدل على أن ذلك كله كان قبل بدء المعركة.\nب - إخباره ﷺ الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن الله تعالى وعده إحدى الطائفتين، وذلك قبل بدء المعركة، وقبل نزول هذه الآية.\nج - مناشدته ﷺ ربه تعالى إنجاز ما وعده وتعهَّد به، وذلك قبل بدئها.\nد - تحديده ﷺ مصارع القوم قبل قتلهم، مع تحديد مكان مصارعهم،\nهـ- - سؤاله ﷺ قتلى مشركي قريش وهم في القليب: هل وجدوا ما وعدهم الله تعالى ورسوله ﷺ؟ فإنه ﷺ وجد ما وعده الله تعالى حقًّا. كما في أحاديث ابن عمر وأبي طلحة عند البخاري، وعمر وأنس رضي الله تعالى عنهم عند مسلم (٣) .\nوكل ذلك لا يمكن أن يكون بالاجتهاد، إنما هو وحيٌ من الله تعالى، ولم يرد في القرآن الكريم، مما يدل على أن السنة النبوية وحي، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) صحيح مسلم: كتاب الجنة: باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، رقم (٧٦)\n(٢) صحيح مسلم: كتاب الجهاد: باب غزوة بدر، رقم (٨٣)\n(٣) صحيح البخاري: كتاب الجنائز: باب ما جاء في عذاب القبر، وكتاب المغازي: باب قتل أبي جهل. وصحيح مسلم: كتاب الجنة: باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، رقم (٧٦ - ٧٧)","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الفصل الثالث: الأدلة من السنة النبوية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>أولًا: عناوين الأحاديث</span>\n...\nالفصل الثالث\nالأدلة من السنة النبوية\nإن الأدلةَ من السنة النبوية الشريفة على أن السنةَ النبويةَ وحيٌ كثيرةٌ جدًا يصعب حصرها أو ذكرها، وقد قسمتها - بعد البحث- إلى مجموعات، واقتصرت على مائة عنوان، وتحت كل عنوان يندرج مجموعة من الأحاديث، تزيد أو تنقص، فقد تصل إلى المئات، وقد تنقص إلى الآحاد، لذا فإني أذكر هنا بعض العناوين، ثم أقتصر على ذكر بعض ما جاء في بعضها من الأحاديث، على قدر هذا المختصر.\nوعند ذكري للعنوان لا أعنيه بمفرده، بل يندرج تحته كلُّ مشتقاته في اللغة (١) ثم أقتصر على ذكر بعض الأمثلة مما هو من مشتقاته، والله تعالى هو الموفق والمعين.\nأولًا: عناوين الأحاديث:\nكل ما جاء بلفظ الوحي، وما جاء بلفظ الأمر، وما جاء بلفظ الإعطاء، وما جاء بلفظ الوعد، وما جاء بلفظ الحل، وما جاء بلفظ الإباحة، وما جاء بلفظ التطييب، وما جاء بلفظ الإذن، وما جاء بلفظ الترخيص، وما جاء بلفظ النهي، وما جاء بلفظ الإبدال، وما جاء بلفظ التفضيل، وما جاء بلفظ الرؤية، وما جاء بلفظ الإتيان، وما جاء بلفظ التحريم، وما جاء بلفظ البِشارة، وما جاء بلفظ الإيتاء، وما جاء بلفظ التخيير، وما جاء بلفظ النصر،\n_________\n(١) مثال ذلك: (كل ما جاء بلفظ الوحي) فإنه يدخل تحته كلُّ مشتقاته؛ مثل: أُوحي إليَّ، فجاء الوحي، أوحى الله إليه، أَوحى إليَّ، يُوحى إليه، وحي، ... ومثل (كل ما جاء بلفظ الأمر) فإنه يدخل تحته كلُّ مشتقاته، مثل: أُمِرتُ بكذا، أَمرني ربي، أَمر ربي، إن ربك يأمرك، ... وهكذا يقال في كل العناوين.","vol":"1","page":33},{"text":"وما جاء بلفظ الاشتراط، وما جاء بلفظ الانتداب، وما جاء بلفظ التجاوز، وما جاء بلفظ النفث في الرُّوع، وما جاء بلفظ البعثة، وما جاء بلفظ الجعل، وما جاء بلفظ الاستئذان، وما جاء بلفظ الإخبار، وما جاء بلفظ العَجَب، وما جاء بلفظ الإبدال، وما جاء بلفظ الكفالة، وما جاء بلفظ الضمان، وما جاء بلفظ القَسَم على بعض الأمور، وما جاء بلفظ التصديق، وما جاء بلفظ العذر، وما جاء بلفظ الكتابة، وما جاء بلفظ الوجوب، وما جاء بلفظ الدخول في الجنة أو النار، وما جاء بلفظ السؤال، وما جاء بلفظ القضاء، وما جاء بلفظ العرض، وما جاء بلفظ التوكيل، وما جاء بلفظ القسْم، وما جاء بلفظ الإمداد، وما جاء بلفظ الإحداث، وما جاء بلفظ الرضا، ... إلخ.\nوما جاء مِن إخبار رسول الله ﷺ عن الله تعالى وأوصافه وأسمائه وأفعاله، وإخباره ﷺ عن نفسه الشريفة، وما خصه الله تعالى به وفضله، وإخباره ﷺ عن فضل الصلاة والسلام عليه، وبيان عقوبة تارك الصلاة عليه، وإخباره ﷺ من بيان مسارعة الله تعالى في رضاه ﷺ، وإخباره ﷺ عن القرآن الكريم ونزوله وترتيبه وحروفه وثواب قراءته، وعن الأحاديث القدسية، وإخباره ﷺ عن الملائكة الكرام عمومًا، وعن جبريل ﵇ وتعليمه له ونزوله عليه ومصاحبته له، ... إلخ، وإخباره ﷺ عن الجنة ونعيمها ودرجاتها وكيفيتها وأبوابها ومن يدخلها، ... وعن النار ودركاتها وأوديتها ونارها وعذابها وقوتها وأهلها وأحوالهم ومَن يدخلها ومَن يخرج منها، ... وعن الأنبياء السابقين عليه وعليهم الصلاة والسلام وأحوالهم وأوصافهم وما حصل معهم، ... وعن الأمم السابقة وما حصل فيها، وما ورد مِن بعض أفرادها، ... وعن أهل بيته ﷺ وأحوالهم وما سيكون لهم، وعن الزيادة عن الأربع في أزواجه رضي الله تعالى عنهن، وعن أصحابه رضي الله تعالى عنهم ووفياتهم، وما سيحصل لهم،","vol":"1","page":34},{"text":"أو لبعضهم بعده ﷺ، وعن قرنه وفضل أهله ومدة بقائهم، وإخباره ﷺ عن المدينة النبوية وحرمها وأهلها ومكانتها وأحوالها وصفاتها وما يكون فيها، وعن مكة المكرمة وحرمها ومكانتها وأحوالها وأهلها، وعن الغيوب المستقبلة، والأمور البعيدة القادمة، وعن الفتن والملاحم، والحروب الحاصلة بين الأمم، أو بين المسلمين أنفسهم، وإخباره ﷺ عن الشهداء ومكانتهم وأحوالهم وأنواعهم، وعن أشراط الساعة بنوعيها الكبرى والصغرى وما ظهر منها وما لم يظهر، وإخباره ﷺ عن الكائنات في زمانه؛ فوقعت كما أخبر، سواء كان حصولها في زمانه أو بعده ... إلخ\nوما جاء مِن إخباره ﷺ عن الفضائل في الأعمال والأقوال؛ كالذكر والدعاء والأيام والأمكنة والأزمنة والأفراد، وإخباره ﷺ عن الهجرة وفضلها، وعن أمته ﷺ وفضلها ومكانتها وأجرها وانتشارها ومُلكها، ... وأنها لا تجتمع على ضلالة، ووجود الطائفة المنصورة فيها على الدوام، وعن المساجد الثلاثة وفضلها، وعن بدء الخلق، وعمن سيكونون تحت العرش يوم القيامة من أصناف المؤمنين، وعن أحوال القبر والبرزخ، ... وعن الجن والشياطين وأحوالهم، وعن العالَم المادي والمعنوي من الشمس والقمر، والزمان، ... إلخ\nوما جاء مِن إخباره ﷺ عن الإيمان وأركانه، ... والإسلام وتشريعاته، والإحسان وأحواله، ... وعن عرض الأعمال على الله تعالى، وتشريعه ﷺ للأحكام في الحلال والحرام؛ سواء في النكاح أو المطعومات أو المشروبات أو اللباس، ... إلخ، وبيانه ﷺ للعبادات المختلفة، والزائدة؛ في الحضر والسفر، والأمن والخوف، وإخباره ﷺ عن خَلق الإنسان، والأمور الطبية، والأدوية والعلاجات، ... مما لا مدخل للبشر فيه، وعن المؤمنين وصفاتهم وأحوالهم وشوقهم وحنينهم، وعن المنافقين وأحوالهم وصفاتهم وأنواعهم، وعن أول ما","vol":"1","page":35},{"text":"يُقضى به بين الناس يومَ القيامة، وعن يوم القيامة وأحوالها وشدتها، وما فيها من الحوض والكوثر والصراط، ... وعن عَرض الجنة والنار عليه ﷺ، وما رأى فيهما، وعن أول من يُدعى إلى الجنة، وأول من يدخلها، وما شعار المؤمنين يومئذ يوم العرض، وإخباره ﷺ عن الرَّحِم ومكانتها، وعن أحوال بعض الناس، وعن الرحمة وأقسامها، وعن بعض الحيوانات ما يُقتل منها وما لا يُقتل، وعن الجمادات والتفريق بينها، والتفريق بين قِطَع الأرض والمدن والبلاد، وبيان الثواب والأجر على الأعمال؛ من صلاة وصيام ووضوء وحج وقتلِ حيوانٍ معينٍ، ... ومن الأذكار، وإخباره ﷺ عن العقوبات على من فرَّط في الطاعات، وعلى إطلاع الله تعالى له عما يفعله أو يقوله المشركون أو المنافقون، وعن مكايد اليهود وغدرهم، وعن عطف لفظ الرسول ﷺ على لفظ الجلالة في حصول أمر معين، وأنه ﷺ أُوتي القرآن ومثله معه، ... إلخ\nوهناك غيرها كثير، لأن كل حديث شريف يمكن أن يندرج تحت عنوان أو أكثر، لكن ما ذكرته يكفي للدلالة، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>ثانيًا: ذكر بعض الأمثلة من الحديث على وحي السنة النبوية:</span>\nسوف أقتصر على ذكر بعض الفقرات، كما سأقتصر على ذكر حديث واحد أو اثنين في كل فقرة، إلا ما ورد في الفقرة الأولى فإني سأذكر ستة أحاديث فيها إن شاء الله تعالى، وجميع ما أذكره فهو مما ورد في الصحيحين أو أحدهما، ومن أراد معرفةَ ما في هذه الفقرات السابقة من الأحاديث فلينظر في الأصل (السنة النبوية وحي) مع التنبيه على أني لا أذكر كل مشتقات الكلمة، إنما أذكر واحدة أو اثنتين، والله تعالى هو الهادي إلى سواء السبيل.","vol":"1","page":36},{"text":"أ - كل ما ورد بلفظ الوحي:\n١- عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، قالت: خسفت الشمسُ على عهد رسول الله ﷺ (، فدخلتُ على عائشة وهي تصلي، فقلت: ما شأن الناس يصلون؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقلتُ: آية؟ فأشارت برأسها أي نعم، فأطال رسولُ الله ﷺ (القيامَ جدًاّ، حتى تجلاني الغَشْيُ، ... قالت: فانصرف رسولُ الله ﷺ، وقد تجلَّت الشمسُ، فخطب رسولُ الله ﷺ (الناسَ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: \" أما بعد، ما من شيء لم أكن رأيته إلا قد رأيته في مقامي هذا، حتى الجنة والنار، وإنه قد أُوحي إليَّ أنكم تفتنون في القبور، قريبًا - أو مثل - فتنة المسيح الدجال، ... \" الحديث بطوله، متفق عليه (١) .\n٢- عن عياض بن حِمارٍ ﵁ قال: قام فينا رسولُ الله ﷺ (ذات يوم خطيبًا، فقال: \" ... وإن الله أَوْحى إليَّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يَبْغي أحدٌ على أحد\" الحديث، رواه مسلم (٢) .\n٣- وعن يعلى بن أمية ﵁ قال لعمر ﵁: أرني النبيَّ ﷺ (حين يُوحى إليه، قال: فبينما النبيُّ ﷺ (بالجعرانة - ومعه نفر من أصحابه - جاءه رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، كيف ترى في رجلٍ أَحْرم بعُمْرَةٍ، وهو متضمِّخٌ بطيبٍ؟ فسكت النبيُّ ﷺ (ساعة، فجاءه الوحي، فأشار عمرُ ﵁ إلى يَعْلى، فجاء يَعْلى- وعلى رسولِ الله ﷺ (ثوبٌ قد أُظِل به\n_________\n(١) صحيح البخاري: كتاب العلم: باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس، وفي غيرهما. وصحيح مسلم: كتاب الكسوف: باب ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، رقم (١١) .\n(٢) صحيح مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها: باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، رقم (٦٤) .","vol":"1","page":37},{"text":"- فأَدخل رأسَه، فإذا رسولُ الله ﷺ (محمرُّ الوجهِ، وهو يغطُّ، ثم سُرِّيَ عنه، فقال: \" أين الذي سأل عن العمرة؟ \" فأُتي برجل، فقال: \"اغسل الطِّيبَ الذي بك ثلاثَ مرات، وانزع عنك الجُبَّةَ، واصنع في عمرتك كما تصنعُ في حجتك\" متفق عليه، واللفظ للبخاري (١) .\n٤- وعن عائشة ﵂ قالت: \" ما غرتُ على امرأةٍ لرسول الله ﷺ (كما غرتُ على خديجةَ، لكثرة ذِكرِ رسولِ الله ﷺ (إياها، وثنائِه عليها، وقد أُوحي إلى رسول الله ﷺ أن يبشرها ببيت لها في الجنة، من قصب - زاد في رواية -: \"لا صخبَ فيه ولا نصب\". متفق عليه، واللفظ للبخاري (٢) .\n٥- عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خرجتْ سودةُ بعدما ضُرب عليها الحجابُ، لتقضي حاجتَها، وكانت امراةً جسيمةً، تَفْرَعُ النساءَ جسمًا، ولا تَخفى على من يعرفها، فرآها عمرُ بن الخطاب، فقال: يا سودة، والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، قالت: فانكفأتْ راجعةً، ورسولُ الله ﷺ في بيتي، وإنه ليتعشى، وفي يده عَرْقٌ، فدخلَتْ، فقالت: يا رسول الله إني خرجتُ، فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأَوْحى الله إليه، ثم رُفِعَ عنه، وإن العَرْقَ في يده ما وضعه، فقال: \"إنه قد أُذِن لكُنَّ أن تَخرجنَ لحاجتِكُن\" متفق عليه (٣) .\n_________\n(١) صحيح البخاري: كتاب الحج: باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب، وفي غيرهما. وصحيح مسلم: كتاب الحج: باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح، ... رقم (٦ - ١٠) .\n(٢) صحيح البخاري: كتاب النكاح: باب غيرة النساء ووجدهن. وصحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة: باب فضائل خديجة أم المؤمنين ﵂، رقم (٧٣ - ٧٦) .\n(٣) صحيح البخاري: كتاب التفسير: سورة الأحزاب: باب قوله: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام ...﴾، وفي غيرهما. وصحيح مسلم: كتاب السلام: باب جواز جعل الإذن رفع حجاب أو نحوه من العلامات، رقم (١٧) .","vol":"1","page":38},{"text":"٦- وعن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ جلس ذات يوم على المنبر، وجلسنا حوله، فقال: \"إنَّ مما أخافُ عليكم من بعدي، ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها\" فقال رجل: يا رسول الله، أوَ يأتي الخيرُ بالشرِّ؟ فسكت النبيُّ ﷺ، فقيل له: ما شأنُك تكلم النبيَّ ﷺ ولا يكلمك؟ فرأينا أنه ينزل عليه - وفي رواية للبخاري: يوحى إليه، وسكت الناسُ كأن على رؤوسهم الطير - قال: فمسح عنه الرحضاء،فقال: \" أين السائل - وكأنه حمدَه - فقال: إنه لا يأتي الخيرُ بالشر ... \" الحديث، متفق عليه (١) .\nب - كل ما ورد بلفظ الأمر:\nفعن عبد الله بن عُمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: \"أُمرتُ أن أُقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاةَ، ويؤتوا الزكاةَ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءَهم وأموالَهم، إلا بحق الإسلام، وحسابُهم على الله\". متفق عليه (٢) .\nوعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ: \"أُمرتُ أن أسجدَ على سبعةِ أعظم؛ على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكْفتَ الثيابَ والشَّعَرَ\". متفق عليه (٣) .\n_________\n(١) صحيح البخاري: كتاب الزكاة: باب الصدقة على اليتامى. وصحيح مسلم: كتاب الزكاة: باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، رقم (١٢١ - ١٢٣) .\n(٢) صحيح البخاري: كتاب الإيمان: باب ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ . وفي غيرهما. وصحيح مسلم: كتاب الإيمان: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ... رقم (٣٦)\nورواه مسلم من حديث عمر وأبي هريرة وجابر رضي الله تعالى عنهم أيضًا.\n(٣) صحيح البخاري: كتاب الأذان: باب السجود على الأنف، وفي غيرهما. وصحيح مسلم: كتاب الصلاة: باب أعضاء السجود، ... رقم (٢٢٧ - ٢٣١)","vol":"1","page":39},{"text":"ج - كل ما جاء بلفظ الوعد:\nفعن عائشة ﵂ قالت: خَسفت الشمسُ، فقام النبي ﷺ، فقرأ سورةً طويلةً، ... الحديث بطوله في صلاة الخسوف، وفيه ثم قال: \" ... لقد رأيتُ في مقامي هذا كلَّ ما وُعِدتُه حتى لقد رأيتُني أُريد أن آخذ قطفًا من الجنة حين رأيتموني جعلتُ أتقدَّم، ... \". الحديث بطوله، متفق عليه (١) .\nوعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع عُمر بين مكة والمدينة، ... ثم أنشأ يحدِّثُنا عن أهل بدر، فقال: إن رسول الله ﷺ كان يرينا مصارع أهل بدرٍ بالأمس، يقول: \"هذا مصرعُ فلان غدًا إن شاء الله\". قال: فقال عمر ﵁: فوالذي بعثه بالحق ما أخطؤوا الحدودَ التي حدَّ رسول الله ﷺ قال: فجُعلوا في بئر؛ بعضهم على بعض، فانطلق رسول الله ﷺ حتى انتهى إليهم، فقال: \"يا فلان بنَ فلان، ويا فلان بنَ فلان، هل وجدتم ما وعدكم الله ورسولُه حقًّا؟ فإني قد وجدتُ ما وعدني الله حقًّا\". رواه مسلم (٢) .\nوقد روياه من غير حديثه أيضًا بنحوه.\nد - كل ما جاء بلفظ الإعطاء:\nفعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: \"أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهنَّ أحدٌ من الأنبياء قبلي: كان كلُّ نبيٍّ يُبعث إلى قومه خاصة، وبُعثتُ إلى الناس عامة، وأُحِلَّتْ لي الغنائم، ولم تحلَّ لأحد قبلي، وجُعِلَتْ لي الأرضُ طهورًا ومسجدًا، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونُصرتُ بالرعب بين يدَيَّ مسيرةَ شهر، وأُعطيتُ الشفاعة\". متفق عليه (٣) .\n_________\n(١) صحيح البخاري: كتاب العمل في الصلاة: باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة. وصحيح مسلم: كتاب الكسوف: باب صلاة الكسوف، رقم (٣) .\n(٢) صحيح مسلم: كتاب الجنة: باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه، ... رقم (٧٦) .\n(٣) صحيح البخاري: كتاب التيمم: الباب الأول. وصحيح مسلم: كتاب المساجد، رقم (٣) .","vol":"1","page":40},{"text":"ففي هذا الحديث خمس منح: أُعطيتُ، بُعثتُ، أُحلِّتْ، جُعلَتْ، نُصرتُ.\nوعن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ خرج يومًا فصلّى على أهل أُحُدٍ صلاتَه على الميت، ثم انصرف إلى المنبر، فقال: \"إني فَرَطٌ لكم، وأنا شهيدٌ عليكم، وإني - والله - لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أُعطيتُ مفاتيحَ خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض، ... \" متفق عليه (١) .\nهـ- كل ما جاء بلفظ الإذن:\nفعن أبي شُريح رضي الله تعالى عنه - في خطابه لعَمْرو بن سعيد - وهو يُجهِّز الجيشَ لغزو مكة أيام ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن مكة حرَّمها الله، ولم يُحرِّمها الناسُ، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يَسفك بها دمًا، ولا يعضدَ بها شجرةً، فإن أحدٌ ترخَّص لقتال رسول الله ﷺ فيها، فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أَذن لي فيها ساعةً من نهار، ثم عادت حُرمتُها اليوم كحُرمتِها بالأمس، ... \" متفق عليه (٢) .\nوكل ماجاء بلفظ الترخيص:\nفعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: رَخَّص رسول الله ﷺ في أمرٍ، فتنزَّه عنه ناسٌ من الناس، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فغضب، حتى بان الغضبُ في وجهه، ثم قال: \"ما بال أقوام يرغبون عمّا رُخِّص لي فيه، فوالله لأنا أعلمهم بالله وأشدُّهم له خشية\" رواه مسلم (٣) .\n_________\n(١) صحيح البخاري: كتاب الجنائز: باب الصلاة على الشهيد، وفي غيرهما. وصحيح مسلم: كتاب الفضائل: باب إثبات حوض نبينا (وصفاته، رقم (٣٠، ٣١) .\n(٢) صحيح البخاري: كتاب العلم: باب ليبلغ العلمَ الشاهدُ الغائبَ، وفي غيرهما. وصحيح مسلم: كتاب الحج: باب تحريم مكة وصيدها، ... رقم (٤٤٦) .\n(٣) صحيح مسلم: كتاب الفضائل: باب علمه (بالله تعالى وشدة خشيته، رقم (١٢٨) .","vol":"1","page":41},{"text":"ز- كل ما جاء بلفظ النهي:\nفعن ابن عباس ﵄ قال: كشف رسول الله ﷺ السِّتارةَ، والناسُ صفوفٌ خلف أبي بكر، فقال: \"أيها الناس، إنه لم يبق من مبشِّرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة؛ يراها المسلم أو تُرى له، ألا وإني نُهيتُ أن أقرأ القرآنَ راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوعُ فعظِّموا فيه الربَّ ﷿، وأما السجودُ فاجتهدوا في الدعاء، فقمنٌ أن يُستجاب لكم\" رواه مسلم (١) .\nح - كل ما جاء بلفظ التخيير:\nفعن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال: \"عبدٌ خيَّره الله بين أن يُؤتيَه زهرةَ الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده\" فبكى أبو بكر، وبكى، فقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. قال: فكان رسولُ الله ﷺ هو المخيَّرَ، وكان أبو بكر أعلمَنا به. متفق عليه (٢) .\nط - كل ما جاء بلفظ التفضيل:\nفعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال: \"فُضِّلتُ على الأنبياء بستٍّ؛ أُعطيتُ جوامعَ الكَلِم، ونُصرتُ بالرعب، وأُحلِّتْ لي الغنائمُ، وجُعلت لي الأرضُ طُهورًا ومسجدًا، وأُرسلتُ إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيّون\" رواه مسلم (٣) .\n_________\n(١) صحيح مسلم: كتاب الصلاة: باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، رقم (٢٠٧، ٢٠٨، ٢١٤) .\n(٢) صحيح البخاري: كتاب مناقب الأنصار: باب هجرة النبي (وأصحابه إلى المدينة، وفي غيرهما. وصحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة: باب فضائل أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، رقم (٢) .\n(٣) صحيح مسلم: كتاب المساجد، رقم (٥) وروى البخاري بعضَه.","vol":"1","page":42},{"text":"وعن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: \"فُضِّلنا على الناس بثلاث؛ جُعلت صفوفُنا كصفوف الملائكة، وجُعلت تربتُها طُهورًا إذا لم نجد الماءَ\" وذكر خصلة أخرى. رواه مسلم (١) .\nي - كل ما جاء بلفظ الرؤية:\nفعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ - في قصة صلاة الكسوف -وفيه قوله ﷺ: \"ما من شيء لم أكن أُريتُه إلا رأيتُه في مقامي هذا، حتى الجنةَ والنارَ، فأُوحيَ إليَّ أنكم تُفتنون في قبوركم مثلَ - أو قريبًا - من فتنة المسيح الدجال، ... \" الحديث، متفق عليه (٢) .\nوعن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قال: أشرف رسول الله ﷺ على أُطم من آطام المدينة، فقال: \"هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقعَ الفتن (تقع) خلال بيوتكم كمواقع القطر\" متفق عليه (٣) .\nإلى غير ذلك من الأحاديث النبوية الشريفة، لكني اقتصرت على بعض ما ورد تحت هذه العناوين.\n_________\n(١) صحيح مسلم: كتاب المساجد، رقم (٤) .\n(٢) صحيح البخاري: كتاب العلم: باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس، وفي غيرهما. وصحيح مسلم: كتاب الكسوف: باب ما عرض على النبي (في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، رقم (١١) .\n(٣) صحيح البخاري: كتاب فضائل المدينة: باب آطام المدينة، وفي غيرهما. وصحيح مسلم: كتاب الفتن: باب نزول الفتن كمواقع القطر، رقم (٩) .","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الفصل الرابع: الأدلة من دلائل النبوة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>الغيب لله ﷾</span>\n...\nالفصل الرابع\nالأدلة من دلائل النبوة\nوالمقصود بدلائل النبوة: المعجزات والخوارق التي يجريها الله تعالى على يد رسوله الكريم ﷺ، ولا يمكن أن تقع من بشر بصفته البشرية، وليس للاجتهاد فيها مجال، وإنما صَدَرَت من مشكاةِ النبوة، لتدل على صدقه في دعواه للنبوة.\nلكن لا أريد المعجزات والخوارق الدالة على صدقه ﷺ في دعوى النبوة، فتلك لها بحث مستقل، وإن كانت تتداخل مع ما نحن فيه، إنما أريد بالدلائل هنا: الأحاديث التي قالها رسولُ الله ﷺ، وهي من علم الغيب، سواء كانت عن الغيوب القديمة الموغلة في القدم، أو الغيوب المستقبلة الموغلة في المستقبل، والتي تدل على أن ما صدر عنه لم يصدر بالاجتهاد ولا من واقع البشرية، لأن ذلك لا يمكن الاطلاع عليه، إنما يصدر عن وحي أوحاه الله ﷿ إلى رسوله الكريم ﷺ.\nوأول من تكلم في علامات النبوة الإمامُ البخاري رحمه الله تعالى، حيث عقد بابين في صحيحه، سماهما (علامات النبوة في الإسلام) و(بقية أحاديث علامات النبوة في الإسلام) ... ثم تلاه عدد من العلماء فأفردوها في كتب مستقلة؛ كأبي داود، وابن قتيبة، وابن أبي الدنيا وأبي الشيخ، في آخرين، ومن أوسع من تكلم في الدلائل: الحافظ أبو نُعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى - لكن الذي وصلنا مختصره - ثم الحافظُ البيهقي رحمه الله تعالى، وهو أوسعها، ثم تلاهم آخرون، ومن أواخر من تكلم فيها ابن كثير رحمه الله تعالى، حيث","vol":"1","page":45},{"text":"اعتمد على الإمام البيهقي، ولخَّص ما كتبه السابقون، ثم الحافظ السيوطي في كتابه «الخصائص الكبرى» (١)، ... وغيرهم كثير رحمهم الله تعالى (٢) .\nوقبل البحث في الدلائل أحب أن أجيب عن إشكال قد يقع في ذهن القارئ، وهو طالما أن الغيب لله تعالى فهل تتعارض تلك النصوص معه؟\nالغيب لله ﷾:\nلقد أخبرنا الله تعالى أن الغيب له جل شأنه، وأنه تعالى استأثر به، وأنه لا أحد من الخلق يعلم الغيب.\nقال الله ﷿: ﴿فَقُلْ إِنَّمَاالْغَيْبُ لِلّهِ﴾ [يونس:٢٠]\nوقال جل شأنه: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]\nبل أخبر تعالى أن نبيَّه المصطفى ﷺ - وهو أفضل خلقه وأكرمهم عليه - لا يعلم الغيب. فقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام:٥٠] في آيات متعددة.\n_________\n(١) الخصائص غير الدلائل كما أن الدلائل غير الشمائل ... .\n(٢) انظر كشف الظنون (٧٦٠)","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>إطلاع الله تعالى بعض خلقه على غيبه:</span>\nلقد أخبرنا الله تعالى اختصاصه بالغيب، إلا أن يُطلع بعضَ خلقه عليه، تكرمًا ومنحةً، فإذا أطلعهم عليه علموه، فهم لا يعلمون إلا ما أطلعهم عليه.\nفقال جل شأنه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ","vol":"1","page":46},{"text":"ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٦ – ٢٧]\nفقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ صريح بذلك.\nلذا كان رسول الله ﷺ مما أكرمه الله تعالى بإطلاعه على المغيبات السابقة واللاحقة، ولهذا كثرت الأحاديث عنه ﷺ في إخباره عن تلكم الغيوب.\nوقبل الخوض في بيان الدلائل أذكر بعض الأحاديث الإجمالية، التي تنص على إخباره ﷺ عن الغيوب البعيدة جدًّا - ماضيًا ومستقبلًا وما بينهما.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>بعض الأحاديث التي تدل على اطلاعه ﷺ على الغيوب:</span>\nفعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: \"قام فينا النبيُّ ﷺ مقامًا، فأخبرنا عن بدء الخلق؛ حتى دخل أهلُ الجنة منازلَهم، وأهلُ النار منازلَهم، حفظ ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه\". رواه البخاري (١) .\nأي أخبرهم ﷺ منذ بدء الخليقة حتى نهاية العالَم.\nوعن حُذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما قال: \"قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا، ما ترك شيئًا يكونُ في مقامه ذلك إلى قيام الساعة، إلا حدَّث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علِمَه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيءُ قد نسيتُه، فأراه، فأذكُرُه، كما يذكرُ الرجلُ وجهَ الرجلِ إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه\". متفق عليه، واللفظ لمسلم (٢) .\nفقوله رضي الله تعالى عنه: (ما ترك شيئًا) أي لم يترك شيئًا ذا بال مهم، يحتاجون إلى معرفته: إلا أخبرهم ﷺ به.\n_________\n(١) صحيح البخاري: كتاب بدء الخلق: باب قوله تعالى: ﴿وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده﴾ .\n(٢) صحيح البخاري: كتاب القَدَر: باب: ﴿وكان أمر الله قدرًا مقدورًا﴾، وصحيح مسلم: كتاب الفتن: باب إخبار النبي (فيما يكون إلى قيام الساعة، رقم (٢٣) .","vol":"1","page":47},{"text":"وعنه رضي الله تعالى عنه قال: \"أخبرني رسولُ الله ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيءٌ إلا قد سألتُه، إلا أَني لم أسأله ما يُخرج أهلَ المدينة من المدينة\". رواه مسلم (١) .\nوعن عَمْرو بن أَخطب رضي الله تعالى عنه قال: \"صلى بنا رسولُ الله ﷺ الفجرَ، وصعد المنبرَ، فخطبنا حتى حضرت الظهرُ، فنزل فصلى، ثم صعد المنبرَ، فخطبنا حتى حضرتِ العصرُ، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبرَ، فخطبنا حتى غربت الشمسُ، فأخبَرَنا بما كان، وبما هو كائن، فأعلمُنا أحفظُنا\". رواه مسلم (٢) .\nفهذا فيه كسابقه (فأخبرنا بما كان - أي فيما مضى - وبما هو كائن - في المستقبل) . والله تعالى أعلم.\nففي هذه النصوص الكريمة - وغيرها مما لم أذكره - دلالةٌ على أنه ﷺ أخبرهم عن الماضي السحيق، بدء الخلق، وعن المستقبل البعيد، بعد دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ولا يمكن أن يكون رسول الله ﷺ قد قال ذلك اجتهادًا من واقع البشرية؛ إذ ليس في ذلك مسرح، إنما هو الوحي الذي آتاه الله تعالى، لأنه لا ينطق عن الهوى، وإنما يتبع ما يُوحى إليه.\nودلائل النبوة كثيرة، والحمد لله، وهي متنوعة، لكني سأقتصر هنا على ذِكرِ ما يخص بحثنا هذا - وهي أربعة أنواع - كما سأقتصر على بعض ما ورد في الصحيحين - أو أحدهما - فقط، والله تعالى المعين.\n_________\n(١) صحيح مسلم: في الكتاب والباب السابقين، رقم (٢٤) .\n(٢) صحيح مسلم: في الكتاب والباب السابقين، رقم (٢٥) .","vol":"1","page":48},{"text":"أولًا - إخباره ﷺ بالغيوب الماضية:\nوبالنظر فيما ورد عنه ﷺ من الأحاديث النبوية الشريفة التي تتحدث عن الغيوب الماضية نجدها قسمين\nالأول: تتحدث عن الأنبياء السابقين على نبينا وعليهم الصلاة والسلام.\nالثاني: تتحدث عما حصل في الأمم الماضية، مما لم يرد ذكره في القرآن الكريم، ولا يُعرف في كتاب، وهذا كثيرٌ جدًا أيضًا.\n١- الأحاديث التي تتحدث عن الأنبياء السابقين على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، وهي نوعان:\nأ- ما جاء عن الأنبياء ﵈ مع تعيينهم بأسمائهم. والأحاديث في ذلك كثيرة، لكني أقتصر على ما في الصحيحين أو أحدهما، فمن ذلك:\nبيان خَلق آدم ﵇ وطوله، وسلامه ﵇ على الملائكة وردّهم عليه، ومحاجة آدم وموسى ﵉، وطواف إبليس به عند خَلقه، وإنذار نوح ﵇ أمتَه الدجال، ووصيته لبنيه، واختتان إبراهيم ﵇ وهو ابنُ ثمانين سنة، وتعويذه إسماعيل وإسحق ﵈، وما حصل له ولزوجه في مصر، وأن إسماعيل ﵇ كان راميًا، وما حصل له في مكة، وأن يوسف ﵇ هو الكريم ابنُ الكريم ابنِ الكريم ابن الكريم ﵈، واغتسال أيوب ﵇ عاريًا، ونزول رجل الجراد من ذهب عليه، وحثوه في ثوبه، ومرور يونس ﵇ في ثنية هَرْشى (١) على ناقة حمراء يلبي، وخُلق موسى ﵇، وما كان بينه وبين بني إسرائيل، وأذيته من قِبَلهم، واغتساله منفردًا، وسؤاله عن أدنى أهل الجنة،\n_________\n(١) ثنية قرب الجُحْفة.","vol":"1","page":49},{"text":"وما حصل له مع ملَك الموت، وتخفيفِ القرآن على داود ﵇، وصلاته وقيامه بالليل، وبيان غَيرتِه، وأكلِه من عمل يده، وقضاءِ سليمان ﵇ بين المرأتين، وطوافه على تسعين امرأة، وأن زكريا ﵇ كان نجارًا، وعن قَوام عيسى ﵇، وأن الشيطان نخس في الحجاب ولم ينخس فيه، وما حصل له مع السارق، ... إلخ\nب - ما جاء عن الأنبياء ﵈ من غير تسمية لواحد منهم:\nوهذا كثير أيضًا، لكني سأقتصر على ذكر بعض ما ورد في الصحيحين أو أحدهما، فمن ذلك:\nإخباره ﷺ أن لكل نبيٍّ حواريين، وإعطاء كل نبيٍّ آية على مثلها آمن البشر، وأن لكل نبيٍّ بطانتين، وأن كلَّ واحد منهم رعى الغنم، وتخيير كل نبيٍّ عند المرض بين الدنيا والآخرة، وأنهم تنام أعيُنُهم ولا تنام قلوبُهم، وأن لكل واحد منهم دعوة مستجابة قد تنجَّزها في حياته، وأن الله تعالى إذا أراد رحمةَ أمة قبض نبيَّها قبلها ليكون لها فرطًا، وأنهم أخوة لعلاّت، وأن كلَّ واحد منهم بُعث إلى قومه خاصة إلا النبي المصطفى الكريم ﷺ، وأن كل واحد منهم حذّر أمتَه من الدجال، وأن منهم من لم يصدِّقه من أمته إلا رجلٌ واحد، وأن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ، وأن الشمسَ حُبست لنبيٍّ من الأنبياء، وأن الله تعالى عاتب نبيًّا حرَّقَ قريةَ النمل لقرص واحدة منها له، وأن واحدًا منهم كان يخط، وأنه لم يُعط أحد منهم سورةَ الفاتحة وخواتيم سورة البقرة، وأن هلاك الأمم السابقة باختلافهم على أنبيائهم وكثرة أسئلتهم، وما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، ... إلخ","vol":"1","page":50},{"text":"٢ - وهو الإخبار عن الأمم السابقة:\nإن الأحاديث التي وردت عن النبي المصطفى الكريم ﷺ وهي تتحدث عن الأمم السابقة كثيرة جدًّا، لكني أذكر هنا بعضَ ما ورد في الصحيحين أو أحدهما فقط، ومن ذلك ما يلي:\nتقدير المقادير قبل خلق السموات والأرض، جعل الرحمة مائة قسم، وإنزال قسم منها إلى الأرض لتتراحم به الخلائق، وخلق الملائكة من نور، وجعل الأرواح جنودًا مجندةً، واصطفاء كنانة مِن ولد إسماعيل ﵇، وأن عَمرَو بنَ لُحَيٍّ أولُ من سيَّب السائبة، وأن المسجدَ الأقصى بُني بعد المسجد الحرام بأربعين سنة، وأن الوزغَ كان ينفخ النار على إبراهيم ﵇ ليؤجِّجها، وأن هلاك عادٍ بالدَّبور، ولولا ادخار بني إسرائيل اللحمَ لم يخنز، وأن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء، وأن بني إسرائيل دخلوا على أستاههم مخالفين أمر الله تعالى، ولِم سُمِّي الخضر بهذا الاسم، وقصة موسى والخضر ﵉، وأن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا، وبيان عدد الذين تكلَّموا في المهد مع بيان أسمائهم وقصصهم، وقصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام، وقصة الذي كان به جرح فانتحر، وقصة الأقرع والأبرص والأعمى، وقصة أصحاب الغار الثلاثة، وقصة البغِيِّ التي سقت الكلبَ فغفر لها، وقصة الرجل الذي سقى الكلب فشكر الله تعالى له فغفر له، ودخول المرأة النار بسبب هرة حبستها ولم تطعمها حتى ماتت، وتجاوز الله تعالى عمن كان يتجاوز عن المعسرين، وقصة الزارع الذي سمع الصوت من السحاب، وقصة الذي استقرض مالًا فلم يجد مركبًا يوصل المال إلى صاحبه فأرسله في خشبة، وصفة عاقر الناقة، وحال الذي لم يعمل خيرًا قط، وقصة","vol":"1","page":51},{"text":"الذي قتل تسعة وتسعين، وكلام البقرة والذئب، وقصة الذي خسف الله تعالى به الأرض، وقصة الذي ابتاع أرضًا فوجد فيها كنزًا، وشكر الله تعالى لمن نحّى غصن شوك عن الطريق، وقصة السارق من بني إسرائيل، ووجود المحَدَّثين في الأمم السابقة، وقصة إرسال الطاعون رجسًا على بني إسرائيل، وتحريم الشحم عليهم واحتيالهم في أكله، ... إلخ\nثانيًا - إخباره ﷺ عن الكائنات المستقبلة في حياته فوقعت طبق ما أخبر به، سواء في حياته أو بعد وفاته، لكن في زمن أصحابه، وهو نوعان:\nالنوع الأول: ذكره القرآنُ الكريم، أو أشار إليه، وهو كثير (١) . وهذا النوع لن أتعرض إليه، ولن أذكر منه شيئًا.\nالنوع الثاني: ما ورد من الأحاديث النبوية الشريفة مما لم يرد ذكرُه في القرآن الكريم، أو يشر إليه، وهو كثير جدًا أيضًا، لكني سأقتصر على ذكر بعض ما ورد في الصحيحين أو أحدهما فقط، على سبيل الإشارة، وإن كان في غيرهما حديثٌ صحيح كثير، فمن ذلك:\nإخباره ﷺ عن الهجرةِ من مكة إلى المدينة، وإخباره ﷺ عن إتمام هذا الدِّين وظهورِه، وإخباره ﷺ عن الخصائص التي خصَّه الله تعالى بها، وعن استشهاد بعض أصحابه رضي الله تعالى عنهم (كعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير ...) وإخباره ﷺ عن قَتْلهِ ﷺ لأُميَّةَ بنِ خلف، وقتل أُبي بن خلف، وعن مصارع صناديدِ قريش في بدر؛ مع تحديد أماكنهم، وعن الخلفاء بعده، وعن البلوى التي ستصيب عثمان رضي الله تعالى عنه، وعن الذراع المسمومةِ، وعن الرجل يومَ خيبر أنه من أهل النار، وعن الأنصارِ أنهم يَقلِّون، وأنهم\n_________\n(١) انظر: الشمائل لابن كثير (٣٥٠ - ٣٥٧) .","vol":"1","page":52},{"text":"سيجدون أثرةً بعده، وعن فتح اليمن والشام والعراق ومدائن كسرى ومصر، وعن هلاك كسرى وقيصر، وإنفاق كنوزهما في سبيل الله تعالى، وعن فتح الحيرة، وخروجِ الظعينة منها، وعن إفاضة المال حتى لا يوجد من يقبله، وعن استشهاد أمراء غزوة مؤتة ﵃، وعن استشهاد أهل بئر معونة، وعن موت النجاشي وإخباره وقع في الأيام التي ماتوا فيها، وعن تقدُّمِ وفاته ﷺ قبل أمته، والإشارة إلى وفاته ﷺ في المدينة، وأنه ﷺ فرطٌ لهم، وعن المبشَّرين من أهل الجنة، وبمن يموتُ على الإسلام، وأنه ﷺ إذا قال لأحد أصحابه عند الحرب: يرحمه الله، فإنه سيقتل شهيدًا، ...\nوإخباره ﷺ حال من غلَّ شملة يوم خيبر، وأنها تشتعل عليه نارًا، وأن الأرض لن تقبل الذي ارتد، وعن فتح مكة، ودخولها، وأن قريشًا لن تغزوهم، وعن عدم دخول أحد ممن شهد بدرًا وبيْعة الرضوان النارَ، وأن جابرًا ﵁ سيحصل لهم الأنماط، وعن انتقال أهل المدينة إلى الشام واليمن والعراق، وأن دون الفتنة باب (وهو عمر رضي الله تعالى عنه) فإذا انكسر لن يُغلق، وأنه ﵁ من المُحَدَّثين، وإخباره ﷺ عن المُخْدَج (١) عند قتال الخوارج، وعن الفتن في المدينة، وأن عمّارًا رضي الله تعالى عنه تقتله الفئة الباغية، وأن عبدَ الله بنَ سلام ﵁ لن يقتل بل يموت، وعن فتح خيبر على يد الذي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ﷺ، وعن خطاب حاطب بن بلتعة ﵁ لأهل مكة بمسير النبي المصطفى الكريم ﷺ إليهم، وعن المنافق يوم حنين وعن شيعته التي ستكون، وعن سبب هبوب الريح الشديدة عند عودتهم من تبوك، وعن المنافقين يوم الثنية في تبوك،\n_________\n(١) مُخْدَج اليد: ناقصها.","vol":"1","page":53},{"text":"وعمن تخلف في المدينة لعذر يوم سيرهم إلى تبوك، وعن قدوم وفد عبد القيس، وقصة الذي ضُرب في رجله منهم، وعن قدوم وفد أهل اليمن، وإخباره ﷺ أبا هريرة ﵁ بوصول غلامه يوم هجرته، وإخباره ﷺ عن الآيات الست بين يدي الساعة وأولها موته ﷺ، وعن غزو فئام من الناس، والإشارة إلى خلافة أبي بكر الصديق ﵁، وشهادة عكاشة بن محصن، وثابت بن قيس ﵄، وعن استدارة الزمان، وعن تمادي الناس حتى يسألوا عن الله جل شأنه، وإخباره ﷺ عن سيادة الحسن بن عليٍّ ﵄، وعن الغزو في البحر وكون أم حرام ﵂ معهم، وعن قتال الترك، وانخرام قرنه ﷺ بعد مائة عام، وأن فاطمة ﵂ أول أهله لحوقًا به، وأن زينب أو سودة أول نسائه ﵅ لحوقًا به، وعن ولادة ولده إبراهيم وأن له مرضعًا تتم رضاعَه في الجنة، وعن بدء فتح ردم يأجوج ومأجوج، وعمن قيل إنه مات أنه انتحر، وعن اليهودي ورقص قلوصه به وهو متوجه إلى الشام، وإخباره ﷺ للصحابة رضي الله تعالى عنهم يوم حجة الوداع: لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا، ... إلخ\nثالثًا - إخباره ﷺ عن الغيوب المستقبلة:\nإن الأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًّا، لكني سأقتصر على ذكر بعض ما ورد في الصحيحين أو أحدهما للاختصار لا لإهمال غيرهما - معاذ الله - وإلا فإن في غير الصحيحين أحاديث صحيحة كثيرة أيضًا، ولاسيما أنهما لم يستوعبا كلَّ الصحيح، وقد ذكرت تلك الأحاديث في الأصل، لأن القصد هو الإشارة والتنبيه، والله تعالى هو الموفق والمعين، فمن ذلك:\nإخباره ﷺ عن الفتن والملاحم، وعن الخوارج، وخوارج آخر الزمان،","vol":"1","page":54},{"text":"وإخباره ﷺ عن القتال بين الطائفتين الكبيرتين من المسلمين، وعن غزوِ القسطنطينية، وعن قتالِ التركِ، وعن فِتَنِ أغيلمةٍ من قريش، وعن الدجاجلة والكذَّابين، وعن القرون المفضَّلة، وعن أشراط الساعة، وعن النار التي ستخرج من أرض الحجاز، وعن وجود الشر بعد الخير في هذه الأمة، وعن الجلادِين، والنساءِ الكاسيات العاريات، وعن بلوغ مُلْك أمته ﷺ، وعن استخلاف أمته فيها، وعن منع العراق الشام ومصر أرزاقهم، وعن نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، وعن كسره للصليب، وعن الخلفاء الاثني عشر، وعن طاعون عمواس، وعن أويس القَرَني - رحمه الله تعالى -، وعن معركة الجمل، وصفّين، وعن مروق مارقة عند اختلافٍ بين طائفتين من المسلمين، وعن خروج أهل المدينة منها إلى الشام واليمن والعراق، وعن عين تبوك والجنان فيها، ... إلخ.\nوإخباره ﷺ عن الطائفة المنصورة، وعن اتباع هذه الأمة للأمم السابقة، وعن حصول الردة - والعياذ بالله تعالى - في آخر الزمان قبيل قيام الساعة، حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة، وعن الشر الكائن بعد هذا الخير، وعن الهرج في آخر الزمان، وأنه إذا وُضع السيف في هذه الأمة فلن يُرفع إلى قيام الساعة، وعن الأقوام الذين بأيديهم مثل أذناب الإبل، وعن عدم مبالاة الناس بم يأخذون المال من حلٍّ أو حرام، وعن تمني محبيه رؤيتَه ﷺ، وعمن يتبعون المتشابه، وعمن يُحدِّثون بما لم يكن، والإشارة إلى الكذّابَين؛ الأسود العنسي ومُسيلمة الكذاب، وأن في ثقيف كذّابًا ومبيرًا، وأنه لا يُقتل بعد الفتح قرشيٌّ صبرًا، وأنه ﷺ لا يخشى على أمته الفقر، ولكن التنافس في الدنيا، وعن قتال اليهود، وأنه لو كان العلم بالثريّا لناله رجال من فارس،","vol":"1","page":55},{"text":"وعن غزو الهند وفارس والترك، ... وعن يأس الشيطان أن يُعبد في جزيرة العرب، ... إلخ\nرابعًا- إجابته ﷺ عن مسائل فكانت وفق الواقع، وأن هذه الإجابات لا تكون من عِلْم البشر.\nكجوابه ﷺ لعبد الله بن سلام قبل إسلامه عن ثلاثٍ لا يعلمهن إلا نبيٌ، وهي عن الروح، وعن أقوام ذهبوا في الدهر فلا يدرى ما صنعوا، وعن رجل طوّاف في الأرض بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وجوابه ﷺ حَبْر يهود عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي؛ عن خَلْق الوَلَد وكيف ينزع الولد إلى أبيه وإلى أمه، وعن أول طعامٍ يأكله أهلُ الجنة، وعن أولِ أشراط الساعة، وجوابه ﷺ حبرَ يهودٍ عن أين يكون الناس يومَ تُبَدَّل الأرضُ غير الأرض والسموات، ومن أول الناس إجازةً، وما تحفتهم حين يدخلون الجنة، وما غذاؤهم على إثره، وما شرابهم عليه، ومن أين يكون الولد، وجوابه ﷺ لليهودي عن أن الولد يكون من الرجل والمرأة، وبيانه ﷺ له عن ماء الرجل وماء المرأة، وعن السواد الذي في القمر، وجوابه ﷺ لعصابة من اليهود عن أربع خلال؛ عن الطعام الذي حرَّمه إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، وعن ماء الرجل وماء المرأة، وكيف يكون الولد ذكرًا، وكيف يكون أنثى، وكيف يكون النبي المصطفى الكريم ﷺ في النوم، ومن وليّه ﷺ من الملائكة، وجوابه ﷺ لليهوديين عن الآيات التي أعطاها الله تعالى لموسى ﵇، وإخباره ﷺ اليهود عما في التوراة من أمر الرجم في الزاني المحصن، وإخباره ﷺ لليهود عن وصفه في التوراة، وتصديق الغلام اليهودي له، وإخباره ﷺ السائل اليهودي عن النجوم التي رآها يوسف ﵇ ساجدةً له، وإخباره ﷺ","vol":"1","page":56},{"text":"أصحابه ﵃ عما في نفوسهم قبل أن يسألوه؛ كإخباره ﷺ وابصة الأسدي ﵁ عن البر والإثم قبل أن يسأله، وإخباره ﷺ الرجلَ الثقفيَّ عن صلاة الليل وركوعه وسجوده وصيامه وغسله من جنابة، وإخباره ﷺ للأنصاري ﵁ عن خروجه من بيته إلى البيت العتيق ووقوفه بعرفة وحلقه رأسه وطوافه بالبيت ورميه الجمار، ... إلخ. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>الفصل الخامس: الأدلة من الإعجاز العلمي في السنة النبوية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>مدخل</span>\n...\nالفصل الخامس\nالأدلة من الإعجاز العلمي في السنة النبوية\nوأعني بالإعجاز العلمي ما اصطُلِحَ عليه مؤخرًا مما جاء في القرآن الكريم أو في السنة النبوية الشريفة مما له علاقة بالعلوم الكونية والعصرية، فجاء العلمُ الحديثُ كاشفًا لما كان قد جاء فيهما صراحةً أو إشارة.\nلكن المقصود هنا الإعجاز العلمي في السنة النبوية، لأنها مجال البحث.\nوإذا كان الشيخ طنطاوي جوهري _رحمه الله تعالى- قد جعل تفسيره: (الجواهر) شاملا - حسب ما يراه - للآياتِ الكونية في القرآن الكريم، وما تقوم به هيئاتٌ متخصصةٌ من بحثٍ في (الإعجاز العلمي في القرآن الكريم) فإن كثيرًا من الأحاديث النبوية ما زالت تنتظر دورَها في البحث العلمي أيضًا.\nهذا، وقد جمعت الهيئة التأسيسية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، التابعة لرابطة العالم الإسلام ١٧٤٤ حديثًا مما يدخل في العلوم الكونية والطبية ونحوها وإن كان قد فاتها الكثير؛ لاقتصارها على الكتب التسعة فقط.\nوأذكر هنا عددًا من الأحاديث النبوية الشريفة، التي جاء العلمُ الحديث مقرِّرًا لما تضمنته. لكن أقتصر على الأمر العلمي، وبشكل مختصر جدًّا، ولن أتعرض لما حوته تلك الأحاديث الشريفة من الأمور الشرعية، لأن القصد هو التنبيه على الأمور العلمية.","vol":"1","page":59},{"text":"١-<span data-type=\"title\" id=toc-20> ليس من كل الماء يكون الولد:</span>\nعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن العزل فقال: \"ما مِن كلِّ الماء يكون الولد، إذا أراد الله خَلْقَ شيءٍ لم يمنعه شيءٌ\" رواه مسلم (١) .\nفي هذا الحديث الشريف ثلاثة أمور علمية محضة، سبق بها الاكتشافات الحديثة، وهي:\nأ -ليس الخلق يكون من جميع الماء - خلافًا لما كان يُعتقد إلى عهد قريب في الغرب، مع تقلبهم في ذلك - علمًا بأن الرجل يقذف في المرة الواحدة ما يقرب من نصف مليار نطفة، لكن لا يصل إلى البويضة إلا أقل من خمسمائة، وقد يصل العشرات فقط، ولكن الذي يلقحها حُوَيْن واحد (نطفة) .\nب - أن السقط قد يقع مبكِّرًا قبل التخلق.\nج - أن الحمل قد يقع بإذن الله تعالى مع تناول الأم موانع الحمل، وهذا واضح من لفظ الحديث \"إذا أراد الله خَلْقَ شيء لم يمنعه شيء\" والنصوص كثيرة في الدلالة على ذلك.\nوهذا هو المشاهد الآن، حيث وقع حَملُ كثير من النساء، وهن يأخذن موانع الحمل.\n_________\n(١) صحيح مسلم: كتاب النكاح: باب حكم العزل، رقم (١٣٣) .","vol":"1","page":60},{"text":"٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-21> إثبات ماء الرجل وماء المرأة:</span>\nفعن ثوبان رضي الله تعالى عنه - في قصة سؤال الحبر اليهودي لرسول الله ﷺ بعض الأسئلة، وفيه: قال الحبر: جئتُ أسألك عن الولد؟ فقال ﷺ:\n_________\n(١) صحيح مسلم: كتاب النكاح: باب حكم العزل، رقم (١٣٣) .","vol":"1","page":60},{"text":"\"ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا؛ فعلا منيُّ الرجل منيَّ المرأة أذكرا (أي كان الولد ذكرًا) بإذن الله، وإذا علا منيُّ المرأة منيَّ الرجل آنثا (أي كان الولد أنثى) بإذن الله\" قال اليهودي: صدقتَ وإنك لنبيٌّ، ثم انصرف فذهب.\nفقال رسول الله ﷺ: \"لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه وما لي علمٌ بشيء منه، حتى أتاني الله به\" رواه مسلم (١) .\nوقد ورد نحو ذلك من حديث عائشة وأنس وأم سلمة ﵃ (٢)\nففي هذه الأحاديث الشريفة - وغيرها - أمور علمية، لم تُعرف إلا في هذا القرن، أو قبله بقليل، ومنها:\nأ - إثبات ماءٍ للرجل، وآخر للمرأة، وهذا لم يُعرف إلا مؤخرًا، حيث كانوا يتصورون أن الجنين يُخلق من ماء الرجل لا غير، وبخاصة بعد اكتشاف (لوفنهوك) وتلميذه (هام) النطفة، وكانوا يصورون النطفة على أنها إنسان صغير جدًّا، ينمو في الرحم، حتى يبلغ حجمَه المعروف، دون طروِّ أيِّ تغيير عليه في تركيبه وشكله. واستمر الأمر حتى بعد اكتشاف البويضة، ولم يحسم الأمر إلا في القرن الماضي، حيث اكتشف أهمية النطفة والحُوَيْن في عملية تخلق الجنين (٣) .\nب - التفريق بين ماء الرجل وماء المرأة، والذي لم يعرف إلا مؤخَّرًا،\n_________\n(١) صحيح مسلم: كتاب الحيض: باب صفة مني الرجل والمرأة وأن الولد مخلوق من مائهما، رقم (٣٤) .\n(٢) انظر: صحيح البخاري: كتاب العلم: باب الحياء في العلم، وكتاب الأنبياء: باب ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾ .وكتاب مناقب الأنصار: باب (٥١) حدثنا حامد بن عمر. وصحيح مسلم: كتاب الحيض: باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها، رقم (٣٠ - ٣٣) .\n(٣) انظر: الطب النبوي والعلم الحديث (٣: ٣٢٨) وعلم الأجنة في القرآن والسنة (٢١) .","vol":"1","page":61},{"text":"لأن منشأ مائها يكون بانسكاب السائل الجريبي، الذي يأتي مع البويضة من المبيض، ويكون لونه أصفر رقيقًا.\nج - الجنين لا يكون إلا بعد معاشرة الرجل للمرأة جنسيًّا، فهو مخلوق منهما، خلافًا لما كان سائدًا حتى القرن التاسع عشر المسيحي.\nد - تعيين جنس الجنين لا يكون إلا بغلبة أحد الماءين، خلافًا لما كان سائدًا حتى القرن التاسع عشر المسيحي - كما ذكرت - ذلك أنهم كانوا يرون أن ما يطرأ على الجنين إنما هو مجرد نمو في الحجم والوزن والشكل، وأنه من ماء الرجل فقط، أو من ماء المرأة فقط - بعد اكتشاف البويضة - ولكنهم اكتشفوا مؤخرًا أنه من الرجل والمرأة معًا، كما نصت عليه هذه الأحاديث.\nهـ - تحديد الشبه، ونظام التوارث الخَلْقي، بين الولد وأعمامه، وبين الولد وأخواله، وقد سبق الإسلامُ العلمَ الحديثَ بأكثر من ألف عام في ذلك.\nوكل ذلك بأمر الله تعالى وإذنه، وليس بمجرد اللقاء بين الزوجين، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":62},{"text":"٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-22> استقرار النطفة الأمشاج في الرحم:</span>\nعن حذيفة بن أَسيد رضي الله تعالى عنه يبلغ به النبيَّ ﷺ قال: \"يدخل الملَكُ على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين - أو خمسة وأربعين - ليلةً، فيقول: يا رب، أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ فيُكتبان، فيقول: يا ربِّ، أذكرٌ أم أنثى؟ فيُكتبان، ويُكتبُ عملُه وأثره وأجلُه، ورزقُه، ثم تطوى الصحف، فلا يزداد فيها ولا ينقص\" رواه مسلم (١) .\n_________\n(١) صحيح مسلم: كتاب القدر: باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه، ... رقم (٢)","vol":"1","page":62},{"text":"ففي هذا الحديث الشريف برواياته إشارة إلى خمس حقائق علمية، هي:\nأ -كون النطفة لا تكون في الرحم قبل استقرارها فيه.\nب-كون النطفة تكون متحركةً قبل استقرارها في الرحم.\nج-استقرار النطفة في الرحم، لكن لم يُحدِّد الحديث مدة الحركة قبل الاستقرار.\nد-التخلق المخفي يكون بعد مضي أربعين ليلة - أو خمس وأربعين - من استقرار النطفة في جدار الرحم.\nوأعني بالتخلق المخفي: وضع خارطة للجنين، وهي أشبه بوضع مخطط للبيت، ثم يتم تنفيذه فيما بعد. والله تعالى أعلم.\nهـ-الإشارة إلى منع دخول أي شيء على النطفة قبل هذه المدة، وهذا هو الواقع حيث إن الرحم يقفل - تقريبًا - بما يكون فيه من موانع-بعد نزول البويضة وانغراسها في جدار الرحم. كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nوقد جاء العلم الحديث ليقرر هذه الحقائق العلمية كلها، والتي لم تُعرف إلا مؤخَّرًا (١) .\n_________\n(١) انظر: الطب النبوي والعلم الحديث، ومع الطب في القرآن الكريم، ودورة الأرحام، وخلق الإنسان بين الطب والقرآن.","vol":"1","page":63},{"text":"٤-<span data-type=\"title\" id=toc-23> اختراق الأسوار لتصوير الجنين، وحصول التشوه الخِلقي فيه:</span>\nعن حذيفة بن أَسيد الغفاريِّ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ بأُذنَيَّ هاتين يقول: \"إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلةً، ثم يتصوَّر عليها الملَكُ، فيقول: يا ربّ أذكرٌ أو أنثى؟ فيجعله الله ذكرًا أو أنثى. ثم يقول:\n_________\n(١) انظر: الطب النبوي والعلم الحديث، ومع الطب في القرآن الكريم، ودورة الأرحام، وخلق الإنسان بين الطب والقرآن.","vol":"1","page":63},{"text":"ياربِّ أسويٌّ أو غيرُ سويٍّ؟ فيجعله الله سويًّا أو غيرَ سويٍّ. ثم يقول: يا ربِّ ما رزقه؟ ما أجله؟ ما خُلُقُه؟ ثم يجعله شقيًّا أو سعيدًا\" رواه مسلم (١)\nفي هذا الحديث الشريف عدة أمور علمية دقيقة، لم تُعرف إلا في هذا العصر، أقتصر على ذكر بعضها.\nأولًا - قوله ﷺ: \"ثم يتصوَّر عليها الملَك\" التصوُّر: هو النزول من الأعلى، يقال: تصوَّر الدار، وتسوَّر الجدار، أي نزل من أعلاه (٢) .\nإن البويضةَ بعد تلقيحها في الثلث الأعلى من القناة الرحمية (فالوب) تنتقل منها إلى أعلى الرحم، فتغرس الخلايا المغذيةُ المحيطةُ بها استطالاتِها في مخاطية الرحم، وهي مرحلة العلوق، ثم تبدأ هذه الخلية بالانقسام والتخلق، فتصير علقة، ثم مضغة، ثم يتكوّن الغشاء المشيمي، الذي يتكون من ثلاث طبقات (٣) فإذا أضيف إلى هذه الأغشية جدارُ المشيمة وجدارُ الرحم: صارت بمنزلة الجدر المحيطة بالنطفة، والأسوار القوية المنيعة الحامية لها بإذن الله تعالى، التي تمنع من وصول أي شيء إلى النطفة.\nيضاف إلى ذلك أيضًا: أن الغدةَ النخاميةَ بإصدارها الأوامر لحدوث:\nأ - ما يحيط بالنطفة من الأغشية السابقة التي تمنع وصول أي شيء إليها، وتكون جدرانها قوية صلبة.\nب - ما يحيط بالنطفة من دماء سميكة وسوائل تمنع وصول أي حيوان أو غيره إليها أيضًا.\n_________\n(١) صحيح مسلم: في الكتاب والباب السابقين، رقم (٤) .\n(٢) الذي تفيده كتب اللغة أن التصوّر بمعنى السقوط، من قولهم: ضربته ضربة فتصوّر منها، أي: سقط. انظر النهاية لابن الأثير: ٣/٦٠، والقاموس، والتاج (صور) .\n(٣) انظر: الوجيز في علم الأجنة وخلق الإنسان (٢٠١ - وما بعد) وعامة كتب الأجنة.","vol":"1","page":64},{"text":"ج - إن عنق الرحم يكون - في أثناء نزول البويضة من مبيضها - واسعًا، ليسمح بولوج ملايين النطف من المهبل إلى القناة، فإذا لقحت وانتقلت إلى الرحم وعلقت بجداره؛ فإن عنق الرحم يضيق جدًّا، بحيث لا يسمح بدخول إلا النادر من النطف.\nد - إن السائل الجريبي الذي يكون عند مرحلة الإخصاب كثيرًا ورقيقًا جدًّا؛ ليسهل انتقال النطف إلى القناة الرحمية بسهولة؛ فإنه بعد العلوق يصبح سميكًا جدًّا جدًّا، بحيث لا يسمح بدخول النطف، فيكون كالسدّادة التي تمنع دخول أي شيء، وإن كان العنق ليس مغلقًا حقيقة، بل هو متضيق جدًّا جدًّا، كما أخبرني الأستاذ الدكتور جمال مرسي، أستاذ واستشاري أمراض النساء والولادة.\nلذا فإن الملَكَ يتسوَّر هذه الجدران، ويتجاوز هذه الأسوار السميكة المانعة الحارسة - التي جعلها الله تعالى حفاظًا على هذا الجنين الذي لا يملك ما يدافع به عن نفسه - ليصوِّر الجنين، ويخلق الله تعالى على يديه ما يشاء.\nثانيًا - في هذا الحديث دلالة على أن التشوه الخِلقي لا يكون قبل الأربعين من التلقيح - التي هي فترة تنامي الجنين - وإنما يكون بعدها، وذلك في الفترة التي يكتب فيها الملَك جنس الجنين وعمرَه ورزقَه وخُلقَه، ... إلخ\nقال الدكتور محمود ناظم نسيمي رحمه الله تعالى (١): لقد اكتشف أن هناك أوقاتًا خاصة من تنامي الجنين تكون فيها التشوهات محرَّضةً بعوامل خارجية، وأن هناك فترات خاصة - محددة بدقة - بالنسبة للتشوهات النوعية المختلفة:\n_________\n(١) الطب النبوي والعلم الحديث (٣: ٣٤٤) وأخذه عن النشأة الأولى.","vol":"1","page":65},{"text":"ففي الدور المبكر - من التكاثر الخلوي - يصعب أن تثير أيُّ عوامل حدوثَ التشوهات، وإذا ما قدِّر وأصيبت المضغةُ بعامل ماسخ لها، فربما تهلك. أما إذا نجت من أثر ذلك العامل، فإنها تتنامى مخلوقًا سويًّا باستبدال الخلايا المتأذية.\nوكذلك في المراحل المتأخرة من التنامي؛ إذ يصعب أيضًا، ويندر أن تنشأ تشوهات، لأن العمليات المؤدية لنشأة الأعضاء تكون قد قطعت شوطًا بعيدًا، وكادت أن تستكمل تمامًا.\nوبالنسبة للبشر: يفترض أن الفترة الحرجةَ أو الحسّاسة تمتد من الأسبوع الرابع للحمل وحتى الأسبوع السابع، وإن كانت التشوهات ممكنةَ الحدوث حتى في الشهر الثالث، ولكن بنسبة أقل بكثير.\nفمصير الجنين - من حيث السواء، أو التشوه - يتحدد في الأسبوع السابع من التنامي بشكل عام.\nقلت: إن حصل التشوه قبل الأربعين فله حالتان: إما أن تُستبدل بالخلايا التي شوِّهت أخرى سليمة، ويزول التشوه بإذن الله تعالى، وإما أن يسقط الجنين، إذا كان التشوه كاملا. وأما في المراحل المتأخرة من الحمل فيندر وقوع التشوه، لأن الجنين قد اكتملت صورته وأعضاؤه، وإن كان التشوه ممكنًا كما هو الحال في الإنسان بعد ولادته وكبره.\nإنما يتحدد مصير الجنين في فترة سؤال الملك، فإن كان الله تعالى قد قدَّر أن يكون مشوَّهًا كتبه الملك وكان كذلك، وبقي حتى يخرج إلى الدنيا وهو كذلك، وإن قدَّر تعالى أنه سليم كتبه الملك كذلك، وبقي كذلك حتى يخرج إلى الدنيا وهو كذلك، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":66},{"text":"٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-24> الكتابة على جبهة الجنين:</span>\nعن عبد الله بن عُمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أراد الله أن يخلق نَسمةً قال ملَكُ الأرحام - مُعرِضًا - أي ربِّ أذكرٌ أم أنثى؟ فيقول، فيقضي الله أمرَه، ثم يقول: أي ربِّ أشقيٌّ أم سعيد؟ فيقضي الله أمرَه، ثم يَكتبُ بين عينيه ما هو لاقٍ، حتى النكبةَ يُنْكَبُها\" رواه عبد الرزاق وابن حبان وأبو يعلى والبزار والآجري وابن أبي عاصم في آخرين (١) وإسناد أغلبهم صحيح، وروى الشيخان نحوه من حديث أنس رضي الله تعالى عنه.\nفجاء العلم الحديث ليكشف لنا هذه الحقيقةَ العلميةَ المذهلة، التي نص عليها الحديث، ولكن لم تُعرف إلا في العصر الحديث.\nقال علماء الأجنة: إذا بلغ الجنينُ أربعةَ أشهر يُكتب على جبهته؛ حتى كأن وجهه وجه فيلسوف، إنها شعيرات مرسومة بمهارة فائقة.\nوالغريب أنه ليس ثمة اثنان على وجه الأرض تتشابه فيهم هذه الكتابة، حتى لو كانا توءمين، ثم تختفي تلك الكتابة تحت طبقة دهنية كثيفة، تغطي جلد الجنين، وتُخفي عن أعين المتلصصين تلك الكتابة الفذة الرائعة (٢) .\n_________\n(١) مصنف عبد الرزاق (١١: ١١٢) وصحيح ابن حبان (١٤: ٥٤) ومسند أبي يعلى (١٠: ١٥٤ - ١٥٥) وكشف الأستار (٣: ٢٣) والشريعة (٢: ٧٨٢ - ٧٨٣) والسنة (١: ١٤٨- ١٤٩ من طرق) ومجمع الزوائد (٧: ١٩٣) .\n(٢) انظر: خلق الإنسان بين الطب والقرآن.","vol":"1","page":67},{"text":"٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-25> في جسم الإنسان (٣٦٠) مفصلًا:</span>\nعن السيدة عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: \"إنه خُلق كلُّ إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مَفصِلٍ، ... \" الحديث، رواه مسلم (١) وقد ورد من حديث غيرها، كما ذكرته في الكتابين المذكورين.\n_________\n(١) صحيح مسلم: كتاب الزكاة: باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، رقم (٥٤) .","vol":"1","page":67},{"text":"وأذكرها هنا على الإجمال وهي:\nمجموع مفاصل الأطراف العلوية (٦٤) مفصلًا، ومفاصل الأطراف السفلية (٦٢) مفصلًا، ومفاصل العمود الفقري (٧٦) مفصلًا، ومفاصل القفص الصدري (٦٦) مفصلًا، ومفاصل الجمجمة (٨٦) مفصلًا، ومفاصل الحنجرة (٦) مفاصل، فيكون مجموع ما في جسم الإنسان =\n٦٤ + ٦٢ + ٧٦ + ٦٦ + ٨٦ + ٦ = ٣٦٠ مفصلًا.\nوصلى الله وسلَّم على النبي المصطفى الكريم، وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"1","page":68},{"text":"٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-26> الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة:</span>\nفعن السيدة عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بت أبي حُبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أُستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاةَ؟ فقال رسول الله ﷺ: \"لا، إنما ذلك عِرقٌ، وليس بحيضٍ، فإذا أقبلت حيضتُك فدعي الصلاةَ، وإذا أدبرت (فإذا ذهب قدرها) فاغسلي عنك الدم (فاغتسلي) ثم صلي\" متفق عليه (١) .\nوقد ورد عندهما عن أم حبيبة رضي الله تعالى عنها أيضًا.\nفقد فرَّق رسول الله ﷺ في هذه الأحاديث الشريفة بين دم الحيض ودم الاستحاضة - مع أنهم ما كانوا يفعلون ذلك - وهذا ما بينه العلمُ الحديث.\nفالدمان يختلفان من حيث المنشأ واللون والرائحة والمدة والفترة بين الدمين والنظام، ... إلخ.\n_________\n(١) صحيح البخاري: كتاب الوضوء: باب غسل الدم، وفي غيرهما. وصحيح مسلم: كتاب الحيض: باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، رقم (٦٢ - ٦٣) .","vol":"1","page":68},{"text":"أما الحيض فيمتاز بالأمور التالية:\n- إن دم الحيض ينتج عن تساقط الغشاء المبطن للرحم المتموت، ويتوقف هذا الدم عندما يكتمل ترمم الغشاء المبطن الجديد للرحم، استعدادًا للدورة الشهرية الجديدة التالية.\n- لون دم الحيض أحمر غامق لا يتخثّر، وقد تُرى فيه قطع صغيرة داكنة في الأيام الأولى للحيض، وهي بطانة الرحم المتموتة.\n- هذا الدم يكون غزيرًا في الأيام الأولى، ويخف تدريجيًّا، ويميل لونه للبني والاصفرار قبل أن ينقطع.\n- ترافقه - غالبًا - آلام العادة الشهرية في الأيام الأولى، وبعض النساء يُمَيِّزنه من رائحته الخاصة.\n- وعندما يكون غزيرًا جدًّا - بشكل نزيف - فإنه يَميل إلى الأحمر القاني (بسبب ضخامةٍ أو تليُّفٍ في الرحم) وهذه حالة مرضية عندها يترافق بوجود خثرات دمٍ صغيرة أو كبيرة حسب الشدة.\n- إن مدة الحيض عادة تكون (من ٥ - ٧ أيام) لكنها قد تقل إلى يومين، أو تزيد إلى (٨) أيام، وقد تزيد أكثر، وتعتمد مدةُ الحيض على طول فترة ترمم الغشاء المبطن للرحم زيادةً أو نقصانًا.\n- تكون الدورة الشهرية عند (١٥؟) من النساء (من ٢٨- ٣٠) يومًا.\n- تعدُّ الدورة طبيعيةً إذا كانت المدة بين الحيضتين (من٢١- ٣٥) يومًا.\nأما دم الاستحاضة فيمتاز بما يلي:\n- يختلف لونه عن دم الحيض، يكون لونه مائلًا إلى الاحمرار القاني.","vol":"1","page":69},{"text":"- أنه ناتج عن تمزق الأوعية الدموية - فهو دم عِرْق - (لحمية، ورم، تسمُّك في بطانة الرحم)\n- وغالبًا إذا كان غزيرًا ترافقه خثرات دموية.\n- قد يشبه دمَ الحيض عند زيادة مدة الحيض عن (٨ - ١٠) أيام، في حالات اضطراب الدورة الشهرية.\n- ليس له طبيعة منتظمة مثل الدورة الشهرية، فقد يحدث خارج الدورة، وقد يلي حدوث الدورة مباشرة.\n- ليس له مدة ثابتة، فقد تطول مدته إلى أشهر بل أكثر، وقد تقل.\n- لا ترافقه آلام كآلام الدورة الشهرية، والله تعالى أعلم (١) .\n_________\n(١) هذا ما كتبه لي عدد من الاستشاريين في أمراض النساء والولادة. منهم الدكتور عبد الرحمن أحمدو. جزاهم الله تعالى خيرًا.","vol":"1","page":70},{"text":"٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-27> الحجر الصحي:</span>\nعن أسامةَ بن زيد ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارًا منه\" متفق عليه (١) .\nسئل الدكتور (جون لارسن) من قِبل هيئة الإعجاز العلمي (٢): إذا كنتَ حاكمًا على مدينة، وأُصيبت تلك المدينة بمرض وبائي خطير؛ أو ما يُسمى بالطاعون؛ فماذا تفعل يا دكتور؟\n_________\n(١) صحيح البخاري: كتاب الطب: باب ما يذكر في الطاعون. وصحيح مسلم: كتاب السلام: باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها، رقم (٩٢ - ٩٧) .\nوقد روياه من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، في الكتابين والبابين السابقين. كما ورد عن عدد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.\n(٢) مجلة الإعجاز العلمي (العدد الرابع) .","vol":"1","page":70},{"text":"قال: سآتي بالجنود، وأضرب حصارًا على المدينة؛ لمنع الدخول إليها، والخروج منها.\nقيل له: أمّا أن تمنع الدخول فقد علمناه، ولكن لماذا تمنع الخروج منها؟\nقال: لأن الدراسات في الفترة المتأخرة كشفت لنا أنه عندما يكون الطاعون منتشرًا في مدينة من المدن، أو منطقة من المناطق؛ فإن عدد الذين تظهر عليهم أعراض المرض تتراوح نسبتهم (ما بين ١٠ - ٣٠ %)\nقيل له: والباقون من سكان المدينة ما بالهم؟\nقال: هؤلاء الباقون يحملون الجرثومة في أجسادهم، لكن جهاز المناعة عندهم يتغلب على الجراثيم، فتبقى في الجسم، ولكنها لا تضره، فإذا بقي هذا الصحيح في البلدة التي فيها الطاعون فلا خوف عليه، لأنه ملقَّحٌ، ولأن عنده مقاومة من جهاز المناعة تدفع عنه المرض.\nأما لو خرج من هذه المدينة - أو البلدة - فإنه يخرج حاملًا لهذه الجرثومة، فينقل ذلك المرض إلى مدينة جديدة، وقد ينشأ عن ذلك هلاك الملايين من البشر، بسبب خروج هذا المصاب ...\nقيل: إلى متى يستمر هذا الحصار المضروب على هذه المدينة؟\nقال: إلى وقت يسير، حتى يتغير سلوك الجرثومة، بإضافة خصيصة وراثية جديدة، حتى تذهب فيها خصيصة العدوى التي تنتشر، وتنقل المرض إلى الآخرين. اهـ.","vol":"1","page":71},{"text":"٩-<span data-type=\"title\" id=toc-28> النهي عن اقتناء الكلاب، وإباحة اقتناء القطط:</span>\nلقد نهى رسول الله ﷺ عن اقتناء الكلاب، وبيَّن أن من اقتناها نقص من أجره كل يوم قيراطان، وأمر بقتلها، وأوجب غسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات إحداهن بالتراب، ... وكل ذلك في الصحيحين (١) .\nوهناك أحاديث أخرى ذكرتها في الكتابين المذكورين.\nبينما أباح ﷺ اقتناء القطط فقال ﷺ: \"إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات\" رواه كثيرون، وصحَّحه مالك والبخاري والترمذي وابن خزيمة والحاكم وابن حبان والعقيلي والدارقطني والبيهقي والنووي (٢) .\nففي هذه الأحاديث النهي عن اقتناء الكلب - مع شدة الحاجة إليه في ذلك الوقت ولاسيما في البادية - وإباحة اقتناء القط، مع أنهما من فصيلتين\n_________\n(١) صحيح البخاري: كتاب الوضوء: باب إذا شرب الكلب في إناء أحدكم، وكتاب بدء الخلق: باب إذا ولغ الكلب في شراب أحدكم، وكتاب الذبائح والصيد: باب من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد أو ماشية. وصحيح مسلم: كتاب الطهارة: باب حكم ولوغ الكلب، رقم (٨٩- ٩٢) وكتاب المساقاة: باب الأمر بقتل الكلاب وبيان نسخه، رقم (٤٤، ٥٠ - ٥٦) وانظر الكتابين المذكورين لبيان الأحاديث الأخرى.\n(٢) الموطأ كتاب الطهارة: باب الطهور للوضوء (١: ٢٢ - ٢٣) والأم (١: ٦- ٧) (٧: ١٧٨) والمسند رقم (١٠) ومصنف ابن أبي شيبة (١: ٣٢، ٣١) ومصنف عبد الرزاق (١: ١٠، ١٠١) ومسند الحميدي (١: ٢٠٥ - ٢٠٦) ومسند أحمد (٥: ٢٩٦، ٣٠٣، ٣٠٩) وسنن أبي داود: كتاب الطهارة: باب سؤر الهرة، رقم (٧٥) وسنن الترمذي: كتاب الطهارة: باب ما جاء في سؤر الهرة، رقم (٩٢) وسنن النسائي: كتابي الطهارة والمياه: باب سؤر الهرة (١: ٥٥، ١٧٨) والسنن الكبرى (١: ٧٦) وسنن ابن ماجه: كتاب الطهارة: باب الوضوء بسؤر الهرة والرخصة في ذلك، رقم (٣٦٧) وسنن الدارمي (١: ١٥٣) وشرح معاني الآثار (١: ١٨، ١٩) والمنتقى لابن الجارود (٣٠ رقم ٦٠) وسنن الدارقطني (١: ٧٠) والسنن الكبرى (١: ٢٤٥) وشرح السنة (٢: ٦٩) والمستدرك (١: ١٦٠) وأقره الذهبي، وصحيح ابن خزيمة (١: ٥٥) وصحيح ابن حبان (٤: ١١٤- ١١٥) وانظر المجموع (١: ٢١٥، ١٦٦، ٢١٦) ونصب الراية (١: ١٣٦ - ١٣٧) والتلخيص الحبير (١: ٤١ - ٤٢)","vol":"1","page":72},{"text":"متقاربتين، ولا أطيل الكلام في بيان خطورة اقتناء الكلب، بل أقتصر على قول واحد من كبار علماء الغرب، وهو (الدكتور جون لارسن) (١) وهو كبير أطباء المستشفى الرسمي في (كوبنهاجن) حيث قال جوابًا عن سؤال حول الكلب والقط، فقال:\nيحمل الكلب الكثير من الأمراض المعدية، فهو يحمل ما يقارب خمسين مرضًا طفيليًّا، وكثير منها في لعابه.\nويعد القط من أطهر الحيوانات من الناحية الطبية، فهو لا يحمل من الجراثيم والميكروبات إلا ما يسبب مرضًا واحدًا فقط، إنه مرض إذا أصيب به شخص أصيب بالعمى، يوجد هذا المرض في براز القط، فإذا أكل حيوان آخرُ هذا البرازَ انتقل هذا المرضُ إلى جسم هذا الحيوان، وعندما يذبح هذا الحيوان ويؤكل لحمُه؛ ينتقل المرض بدوره إلى الإنسان فيصاب به. اهـ\nقلت: لهذا نهى النبي المصطفى الكريم ﷺ عن أكلِ لحم الجلاَّلَة، وشُربِ لبنِها. ثم سبحان من ألهم القط بدفن برازه، حتى لا يأكله حيوان آخر، فكأنه يرفع التبعة عن نفسه بدفنه. فسبحان الملهم المدبِّر.\n_________\n(١) انظر: مجلة الإعجاز العلمي (العدد الرابع) .","vol":"1","page":73},{"text":"١٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-29> الذباب يحمل الجراثيم ومبيداتها:</span>\nعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء، وفي الآخر داء\" رواه البخاري (١) .\nوقد ورد نحو هذا الحديث عن عدد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.\n_________\n(١) صحيح البخاري: كتاب الطب: باب إذا وقع الذباب في الإناء، وفي غيرهما.","vol":"1","page":73},{"text":"أقول: إن هذا الحديث يشير إلى معجزتين كريمتين:\nأولاهما: إثباته أن الذباب يحمل عنصر المرض وهو الداء، وقد ظهرت هذه بشكل متيقن، ويعلمها كثير من الناس.\nثانيهما: أن الذباب يحمل عنصر الشفاء، وهو الدواء، وقد ظهرت هذه بشكل واضح وجلي أيضًا.\nوقد أُجريت تجاربُ كثيرةٌ في جامعة الملك عبد العزيز بجدة. وذكرتها في الكتاب المذكور، كما ذكرتُ تقاريرَ أخرى من غيرها:\nوخلاصة البحث فيها: أن الذباب إذا أُغمس في اللبَنِ أو الطعامِ أو الشراب، ... فإن الجراثيم التي تسقطُ منه في الإناء، ... لا تقف عند حدها، بل تبدأ تتناقص حتى تنتهي، بينما إذا وقف الذبابُ ثم طار، فإن الجراثيمَ التي تسقط منه - وتخالط الماءَ أو الشرابَ - تبدأ بالزيادة، وهكذا، ولو كان الأمر عاديًا لكان الأمر على العكس، وفي انغماس الذبابِ تكون الجراثيمُ الساقطةُ أكثرَ بكثير منها في حال وقوفه ثم طيرانه (١) . والله تعالى أعلم.\nوصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.\n_________\n(١) انظر: الإصابة في صحة حديث الذبابة (١٣٥- ١٨٦) من الطبعة الأولى.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>الخاتمة</span>\nإن الذي ذكرته في هذه الرسالة يدلُّ دلالةً صريحةً واضحة على أن السنةَ النبويةَ الشريفةَ ليست من واقع البشر؛ إنما هي وحيٌ أوحاه الله تعالى إلى النبي المصطفى الكريم ﷺ.\n- فالقرآن الكريم بآياته المتعددة دلَّ على أن ما ينطق به رسول الله ﷺ هو وحي، لأنه لا قدرة للإنسان على القول بما يخفى عليه.\n- كما أن النصوص الكريمةَ الكثيرة من السنة النبوية تدل على أن ما قاله ﷺ ونطق به ليس من اجتهاد البشر، فهو فوق قدرتهم، ولا مسرح لهم فيه\n- كما أن الدلائل النبوية الشريفة - سواء ما أخبر به ﷺ عن الماضي السحيق، أو الغيب المستقبلي البعيد، أو ما نطق به مما هو متعلق بالموجودات في زمانه ﷺ وتحقق بعد عصره ﷺ، ... كل ذلك يدل على أن ما نطق به ليس من اجتهاد البشر، ولا للعقل فيه مسرح، إنما هو الوحي الرباني.\n- فإذا أضيف إلى ذلك العدد الكبير من الأحاديث التي قالها ﷺ قبل أكثر من ألف عام وهي تتحقق في هذا الزمان، مما يدل على أن ما قاله ونطق به ﷺ ليس من اجتهاد البشر، ولا للعقل فيه مسرح. إنما هو الوحي الرباني.","vol":"1","page":75},{"text":"ومن هنا يتضح أن السنة النبوية وحي، وهذا مما امتاز به ﷺ عن سائر الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام، مع اختلاف الوحيين، فهو وحي غير متلو ولا متعبد بتلاوته، بخلاف وحي القرآن الكريم، وهذا ما أعطيه ﷺ.\nقال رسول الله ﷺ - كما في حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله تعالى عنه -: \"ألا إني أُعطيتُ القرآنَ ومثله معه\" رواه أحمد وأبو داود وغيرهما (١) .\nلذا يلزم العناية بهذا الموضوع بشكل أوسع.\n_________\n(١) مسند أحمد (٤: ١٣٠- ١٣١) وسنن أبي داود: كتاب السنة: باب في لزوم السنة، رقم (٤٦٠٤) وسنن الدارقطني (٤: ٢٨٧) وصحيح ابن حبان (١: ١٠٧) وشرح معاني الآثار (٤: ٢٠٩) والشريعة (١: ٤١٥- ٤١٦) وشرح السنة (١: ٢٠١) والتمهيد (١: ١٤٩- ١٥٠) وذم الكلام (٢: ١٣٤- ١٣٥) والسنن الكبرى (٩: ٣٣٢) ودلائل النبوة (٦: ٥٤٩) والمعجم الكبير (٢٠: ٢٨٣) ومسند الشاميين (٢: ١٣٧) .","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>مصادر ومراجع</span>\n...\nمصادر الرسالة\n١ – الآيات البينات لما في الإسراء والمعراج من الخوارق والمكرمات للدكتور خليل ملا خاطر.\n٢ - الإتقان في علوم القرآن، للحافظ السيوطي، بيروت.\n٣ - الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم. بيروت.\n٤ - الإصابة في صحة حديث الذبابة، خليل إبراهيم ملا خاطر. دار القبلة.\n٥ - الإمام الشافعي وأثره في الحديث وعلومه، خليل إبراهيم ملا خاطر.\n٦ - الأم، للإمام الشافعي. ط كتاب الشعب، مصر.\n٧ - أمية النبي المصطفى الكريم ﷺ، خليل إبراهيم ملا خاطر (تحت الطبع) .\n٨ - التلخيص الحبير، للحافظ ابن حجر. نشر السيد عبد الله يماني.\n٩ - التمهيد، للحافظ ابن عبد البر. نشر وزارة الأوقاف بالمغرب.\n١٠ - جماع العلم، للإمام الشافعي. بحاشية كتاب الأم.\n١١ - خلق الإنسان بين الطب والقرآن، د محمد علي البار، جدة.\n١٢ - دلائل النبوة، للإمام البيهقي. ت الدكتور عبد المعطي قلعجي.\n١٣ - دو إسلام، للدكتور غلام جيلاني برق (بالأوردو) باكستان.\n١٤ - دورة الأرحام، للدكتور محمد علي البار، جدة.\n١٥ - ذم الكلام وأهله، للحافظ الهروي، ت عبد الله الأنصاري.\n١٦ - الرسالة، للإمام الشافعي، ت الشيخ أحمد شاكر، القاهرة.","vol":"1","page":77},{"text":"١٧ - الزاهر، لابن الأنباري، ت الدكتور حاتم الضامن.\n١٨ - السنة، لابن أبي عاصم، ت الدكتور باسم الجوابرة.\n١٩ - السنة النبوية وحي، خليل إبراهيم ملا خاطر (تحت الطبع) .\n٢٠ - سنن الترمذي، ت الشيخ أحمد شاكر وآخرين، بيروت.\n٢١ - سنن الدارمي، نشر السيد عبد الله هاشم اليماني. المدينة المنورة.\n٢٢ - سنن أبي داود، ت الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد.\n٢٣ - سنن الدارقطني، نشر السيد عبد الله هاشم اليماني. المدينة المنورة.\n٢٤ - السنن الكبرى، للإمام البيهقي. ط دائرة المعارف العثمانية، الهند.\n٢٥ - السنن الكبرى، للنسائي. ت، د عبد الغفار، وسيد، بيروت.\n٢٦ - سنن ابن ماجه، ت الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة.\n٢٧ - سنن النسائي، بحاشيتي السيوطي والسندي.\n٢٨ - شبهات حول السنة ودحضها، خليل إبراهيم ملا خاطر. دار القبلة.\n٢٩ - شرح السنة، للإمام البغوي. نشر المكتب الإسلامي، بيروت.\n٣٠ - شرح معاني الآثار، للإمام الطحاوي. ت محمد زهري النجار.\n٣١ - الشريعة، للإمام الآجري. ت الدكتور عبد الله الدميجي.\n٣٢ - الصحاح، للجوهري. ت الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار.\n٣٣ - صحيح البخاري. طبعة اسطنبول، وبشرح الفتح.\n٣٤ - صحيح ابن حبان، ت الشيخ شعيب أرنؤوط، مؤسسة الرسالة.\n٣٥ - صحيح ابن خزيمة، ت، د مصطفى الأعظمي. المكتب الإسلامي.\n٣٦ - صحيح مسلم. ت الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة.","vol":"1","page":78},{"text":"٣٧ - الطب النبوي والعلم الحديث، د محمود ناظم نسيمي، الشركة المتحدة\n٣٨- علم الأجنة في القرآن والسنة، هيئة الإعجاز العلمي، مكة المكرمة.\n٣٩ - القاموس المحيط، للفيروز ابادي. مطبعة السعادة، مصر.\n٤٠ - كشف الأستار بزوائد البزار، ت الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي.\n٤١ - لسان العرب، لابن منظور. دار صادر ودار بيروت.\n٤٢ - مجلة الإعجاز العلمي (العدد الرابع) .\n٤٣- مجمع الزوائد، للحافظ الهيثمي، دار الكتاب، بيروت.\n٤٤- المجموع، للإمام النووي. ت محمد نجيب المطيعي. مصر.\n٤٥- مختصر المستدرك، للحافظ الذهبي، بحاشية المستدرك.\n٤٦ - مسند أحمد، للإمام أحمد بن حنبل. تصوير المكتب الإسلامي.\n٤٧ - مسند الحميدي، ت الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، باكستان\n٤٨ - مسند الإمام الشافعي، ط بيروت، وهو تحت الطبع بتحقيقي.\n٤٩ - مسند الشاميين، للإمام الطبراني. ت الشيخ حمدي السلفي.\n٥٠ - مسند أبي يعلى، ت الأستاذ حسين الأسد، دمشق.\n٥١- مصنف ابن أبي شيبة، نشر الدار السلفية، الهند.\n٥٢- مصنف عبد الرزاق، ت الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي. بيروت\n٥٣ - مع رسول الله ﷺ في رمضان، خليل إبراهيم ملا خاطر (تحت الطبع) .\n٥٤ - مع الطب في القرآن الكريم، د عبد الحميد دياب، ود أحمد قرقوز.\n٥٥ - المعجم الكبير، للإمام الطبراني. ت الشيخ حمدي السلفي، بغداد.","vol":"1","page":79},{"text":"٥٦ - معجم مقاييس اللغة، لابن فارس، ت الأستاذ عبد السلام هارون.\n٥٧ - المغرب، للإمام المطرزي. ت محمود فاخوري، حلب.\n٥٨- مناهل العرفان، للعلامة الزرقاني. ط القاهرة.\n٥٩ - المنتقى، لابن الجارود، نشر السيد عبد الله هاشم اليماني، المدينة المنورة\n٦٠ - الموطأ للإمام مالك، ت محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة.\n٦١ - نشأة علوم الحديث، خليل إبراهيم ملا خاطر (تحت الطبع) .\n٦٢ - نصب الراية، للإمام الزيلعي. ط القاهرة.\n٦٣- الوجيز في علم الأجنة القرآني، د محمد علي البار، جدة.","vol":"1","page":80}]}