{"ً":{"ٌ":7613,"ٍ":"الخلاف بين العلماء","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: الخلاف بين العلماء\nالمؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (ت ١٤٢١هـ)\nالناشر: دار الوطن للنشر\nالطبعة: ١٤٢٣هـ\nعدد الصفحات: ٣٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":57,"ٕ":11,"ٖ":1770153779,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"السبب الأول: أن يكون الدليل لم يبلغ هذا المخالف الذي أخطأ في حكمه","level":1,"page":8},{"title":"السبب الثاني: أن يكون الحديث قد بلغ الرجل ولكنه لم يثق بناقله","level":1,"page":11},{"title":"السبب الثالث: أن يكون الحديث قد بلغه ولكنه نسيه","level":1,"page":13},{"title":"السبب الرابع: أن يكون بلغه وفهم منه خلاف المراد","level":1,"page":16},{"title":"السبب الخامس: أن يكون قد بلغه الحديث لكنه منسوخ ولم يعلم بالناسخ","level":1,"page":20},{"title":"السبب السادس: أن يعتقد أنه معارض بما هو أقوى منه من نص أو إجماع","level":1,"page":22},{"title":"السبب السابع: أن يأخذ العالم بحديث ضعيف أو يستدل استدلالا ضعيفا","level":1,"page":25}],"ٛ":{"1,3":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,24":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37},"ٜ":{"1":[3,39]},"ٝ":["1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39"],"ٞ":{"1":[1],"8":[2],"11":[3],"13":[4],"16":[5],"20":[6],"22":[7],"25":[8]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\n...\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلِّم تسليمًا.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ٢.\n_________\n١ سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.\n٢ سورة النساء، الآية: ١.","vol":"1","page":3},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ١، أما بعد:\nفإنه قد يثير هذا الموضوع التساؤل لدى الكثيرين، وقد يسأل البعض: لماذا هذا الموضوع وهذا العنوان الذي قد يكون غيره من مسائل الدين أهم منه؟ ولكن هذا العنوان وخاصة في وقتنا الحاضر يشغل بالَ كثيرٍ من الناس، لا أقول من العامة بل حتى من طلبة العلم، وذلك أنها كثرت في وسائل الإعلام نشر الأحكام وبثّها بين الأنام، وأصبح الخلاف بين قول فلان وفلان مصدر تشويش، بل تشكيك عند كثير من الناس، لاسيما من العامة الذين لا يعرفون مصادر الخلاف، لهذا رأيت - وبالله أستعين - أن أتحدث في هذا الأمر\n_________\n١ سورة الأحزاب، الآيتان: ٧٠، ٧١.","vol":"1","page":4},{"text":"الذي له في نظري شأن كبير عند المسلمين.\nإن من نعمة الله ﵎ على هذه الأُمَّة أن الخلاف بينها لم يكن في أصول دينها ومصادره الأصيلة، وإنما كان الخلاف في أشياء لا تمس وحدة المسلمين الحقيقية وهو أمر لابد أن يكون.. وقد أجملت العناصر التي أريد أن أتحدث عنها بما يأتي:\nأولًا: من المعلوم عند جميع المسلمين مما فهموه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق، وهذا يتضمن أن يكون رسول الله ﷺ قد بيَّن هذا الدين بيانًا شافيًا كافيًا، لا يحتاج بعده إلى بيان، لأن الهدى بمعناه ينافي الضلالة بكل معانيها، ودين الحق بمعناه ينافي كل دين باطل لا يرتضيه الله ﷿، ورسول الله بُعِثَ بالهدى ودين الحق، وكان الناس في عهده صلوات الله وسلامه عليه يرجعون عند التنازع إليه فيحكم بينهم ويبيِّن لهم الحق","vol":"1","page":5},{"text":"سواء فيما يختلفون فيه من كلام الله، أو فيما يختلفون فيه من أحكام الله التي لم ينزل حكمها، ثم بعد ذلك ينزل القرآن مبيِّنًا لها، وما أكثر ما نقرأ في القرآن قوله: يسألونك عن كذا، فيجيب الله تعالى نبيّه بالجواب الشافي ويأمره أن يبلغه إلى الناس. قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ١.\n﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢.\n﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ\n_________\n١ سورة المائدة، الآية: ٤.\n٢ سورة البقرة، الآية: ٢١٩.","vol":"1","page":6},{"text":"مُؤْمِنِينَ﴾ ١.\n﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢.\n﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٣. إلى غير ذلك من\n_________\n١ سورة الأنفال، الآية: ١.\n٢ سورة البقرة، الآية: ١٨٩.\n٣ سورة البقرة، الآية: ٢١٧.","vol":"1","page":7},{"text":"الآيات.\nولكن بعد وفاة الرسول ﷺ اختلفت الأُمَّة في أحكام الشريعة التي لا تقضي على أصول الشريعة وأصول مصادرها.\nولكنه اختلاف سنبيِّن إن شاء الله بعض أسبابه. ونحن جميعًا نعلم علم اليقين أنه لا يوجد أحد من ذوي العلم الموثوق بعلمهم وأمانتهم ودينهم يخالف ما دلَّ عليه كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ عن عمد وقصد؛ لأن من اتَّصفوا بالعلم والديانة فلابد أن يكون رائدهم الحق، ومَن كان رائده الحق فإن الله سييسِّره له. واستمعوا إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ١. ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ ٢.\n_________\n١ سورة القمر، الآية: ١٧.\n٢ سورة الليل، الآيات: ٥- ٧.","vol":"1","page":8},{"text":"ولكن مثل هؤلاء الأئمة يمكن أن يحدث منهم الخطأ في أحكام الله ﵎، لا في الأصول التي أشرنا إليها من قبل، وهذا الخطأ أمر لابدَّ أن يكون؛ لأن الإنسان كما وصفه الله تعالى بقوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ١.\nالإنسان ضعيف في علمه وإدراكه، وهو ضعيف في إحاطته وشموله، ولذلك لابدَّ أن يقع الخطأ منه في بعض الأمور، ونحن نجمل ما أردنا أن نتكلم عليه من أسباب الخطأ من أهل العلم في الأسباب الآتية السبعة، مع أنها في الحقيقة أسباب كثيرة، وبحر لا ساحل له، والإنسان البصير بأقوال أهل العلم يعرف أسباب الخلاف المنتشرة، نجملها بما يأتي:\n_________\n١ سورة النساء، الآية: ٢٨.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>السبب الأول: أن يكون الدليل لم يبلغ هذا المخالف الذي أخطأ في حكمه</span>.\nوهذا السبب ليس خاصًّا فيمن بعد الصحابة، بل يكون في الصحابة ومَن بعدهم. ونضرب مثالين وَقَعَا للصحابة من هذا النوع.\nالأول: فإننا علمنا بما ثبت في صحيح البخاري وغيره حينما سافر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ إلى الشام، وفي أثناء الطريق ذُكر له أن فيها وباء وهو الطاعون، فوقف وجعل يستشير الصحابة ﵃، فاستشار المهاجرين والأنصار واختلفوا في ذلك على رأيين.. وكان الأرجح القول بالرجوع، وفي أثناء هذه المداولة والمشاورة جاء عبد الرحمن بن عوف، وكان غائبًا في حاجة له، فقال: إن عندي من ذلك عِلمًا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه، وإن وقع وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارًا","vol":"1","page":10},{"text":"منه\" ١ فكان هذا الحكم خافيًا على كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، حتى جاء عبد الرحمن فأخبرهم بهذا الحديث.\nمثال آخر: كان علي بن أبي طالب ﵁ وعبد الله بن عباس ﵄ يريان أن الحامل إذا مات عنها زوجها تعتدّ بأطول الأجلين، من أربعة أشهر وعشر ... أو وضع الحمل، فإذا وضعت الحمل قبل أربعة أشهر وعشر لم تنقض العدة عندهما وبقيت حتى تنقضي أربعة أشهر وعشر، وإذا انقضت أربعة أشهر وعشر من قبل أن تضع الحمل بقيت في عدتها حتى تضع الحمل، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ٢.\n_________\n١ أخرجه البخاري، كتاب الطب ٥٧٢٩، ومسلم، كتاب السلام ٢٢١٩.\n٢ سورة الطلاق، الآية: ٤.","vol":"1","page":11},{"text":"ويقول: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ١. وبين الآيتين عموم وخصوص وجهي، وطريق الجمع بين ما بينهما عموم وخصوص وجهي، أن يؤخذ بالصورة التي تجمعهما، ولا طريق إلى ذلك إلا ما سلكه علي وابن عباس ﵄، ولكن السُّنَّة فوق ذلك. فقد ثبت عن رسول الله ﷺ في حديث سبيعة الأسلمية أنها نفست بعد موت زوجها بليال فأذن لها رسول الله أن تتزوج٢، ومعنى ذلك أننا نأخذ بآية سورة الطلاق التي تسمَّى سورة النساء الصغرى، وهي عموم قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ٣.. وأنا أعلم علم اليقين أن هذا الحديث لو بلغ عليًّا وابن عباس لأخذا به قطعًا، ولم يذهبا إلى رأيهما.\n_________\n١سورة البقرة، الآية: ٢٣٤.\n٢ أخرجه البخاري، كتاب الطلاق ٥٣١٨- ٥٣٢٠، ومسلم، كتاب الطلاق ١٤٨٤.\n٣ سورة الطلاق، الآية: ٤.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>السبب الثاني: أن يكون الحديث قد بلغ الرجل ولكنه لم يثق بناقله</span>\nورأى أنه مخالف لما هو أقوى منه، فأخذ بما يراه أقوى منه، ونحن نضرب مثلًا أيضًا، ليس فيمن بعد الصحابة، ولكن في الصحابة أنفسهم. فاطمة بنت قيس ﵂ طلَّقها زوجها آخر ثلاث تطليقات، فأرسل إليها وكيله بشعير نفقة لها مدة العدة، ولكنها سخطت الشعير وأبت أن تأخذه، فارتفعا إلى النبي ﷺ فأخبرها النبي: أنه لا نفقة لها ولا سكنى١، وذلك لأنه أبانها، والمبانة ليس لها نفقة ولا سكنى على زوجها إلا أن تكون حاملًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ\n_________\n١ أخرجه مسلم، كتاب الطلاق ١٤٨٠.","vol":"1","page":13},{"text":"حَمْلَهُنَّ﴾ ١.\nعمر ﵁ ناهيك عنه فضلًا وعلمًا - خفيت عليه هذه السُّنَّة، فرأى أن لها النفقة والسكنى، وردَّ حديث فاطمة باحتمال أنها قد نسيت، فقال: أنترك قول ربنا لقول امرأة لا ندري أذكرت أم نسيت؟ وهذا معناه أن أمير المؤمنين عمر ﵁ لم يطمئن إلى هذا الدليل، وهذا كما يقع لعمر ومن دونه من الصحابة ومن دونهم من التابعين، يقع أيضًا لمَن بعدهم من أتباع التابعين، وهكذا إلى يومنا هذا بل إلى يوم القيامة، أن يكون الإنسان غير واثق من صحة الدليل. وكم رأينا من أقوال لأهل العلم فيها أحاديث يرى بعض أهل العلم أنها صحيحة فيأخذون بها، ويراها الآخرون ضعيفة، فلا يأخذون بها، نظرًا لعدم الوثوق بنقلها عن رسول الله ﷺ.\n_________\n١ سورة الطلاق، الآية: ٦.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>السبب الثالث: أن يكون الحديث قد بلغه ولكنه نسيه</span>\nوجلَّ من لا ينسى، كم من إنسان ينسى حديثًا، بل قد ينسى آية، رسول الله ﷺ صلَّى ذات يوم في أصحابه فأسقط آية نسيانًا، وكان معه أُبي بن كعب ﵁، فلمَّا انصرف من صلاته قال: \"هلا كنت ذَكَّرتنيها\" ١ وهو الذي ينزل عليه الوحي، وقد قال له ربه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ ٢.\nومن هذا - أي مما يكون الحديث قد بلغ الإنسان ولكنه نسيه - قصة عمر بن الخطاب مع عمار بن ياسر ﵄ حينما أرسلهما رسول الله ﷺ في حاجة، فأجنبا جميعًا عمار وعمر. أما عمار فاجتهد\n_________\n١ أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة ٩٠٧.\n٢ سورة الأعلى، الآيتان: ٦، ٧.","vol":"1","page":15},{"text":"ورأى أن طهارة التراب كطهارة الماء، فتمرغ في الصعيد كما تمرغ الدابة، لأجل أن يشمل بدنه التراب، كما كان يجب أن يشمله الماء وصلَّى، أما عمر ﵁ فلم يصل.. ثم أتيا إلى رسول الله ﷺ فأرشدهما إلى الصواب، وقال لعمار: \"إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا\" - وضرب بيديه الأرض مرة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه. وكان عمار ﵁ يحدث بهذا الحديث في خلافة عمر، وفيما قبل ذلك، ولكن عمر دعاه ذات يوم وقال له: ما هذا الحديث الذي تحدث به؟ فأخبره وقال: أما تذكر حينما بعثنا رسول الله في حاجة فأجنبنا، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمرغت في الصعيد، فقال النبي ﷺ: \"إنما كان يكفيك أن تقول كذا وكذا\". ولكن عمر لم يذكر ذلك وقال: اتق الله يا عمار، فقال له عمار: إن شئت بما جعل الله عليَّ","vol":"1","page":16},{"text":"من طاعتك أن لا أُحدِّث به فعلت، فقال له عمر: نوليك ما توليت١ - يعني فحدِّث به الناس - فعمر نسي أن يكون النبي ﷺ جعل التيمم في حال الجنابة كما هو في حال الحدث الأصغر، وقد تابع عمر على ذلك عبد الله بن مسعود ﵁، وحصل بينه وبين أبي موسى ﵄ مناظرة في هذا الأمر، فأورد عليه قول عمار لعمر، فقال ابن مسعود: ألم تر أن عمر لم يقنع بقول عمار، فقال أبو موسى: دعنا من قول عمار، ما تقول في هذه الآية؟ - يعني آية المائدة - فلم يقل ابن مسعود شيئًا، ولكن لا شك أن الصواب مع الجماعة الذين يقولون أن الجُنُب يتيمم، كما أن المحدث حدثًا أصغر يتيمم، والمقصود أن الإنسان قد ينسى فيخفى عليه الحكم الشرعي، فيقول قولًا يكون به معذورًا لكن مَن علِم الدليل فليس بمعذور. هذان سببان.\n_________\n١ أخرجه البخاري، كتاب التيمم ٣٣٨، ٣٤٥، ٣٤٦، ومسلم، كتاب الحيض ٣٦٨.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>السبب الرابع: أن يكون بلغه وفهم منه خلاف المراد</span>.\nفنضرب لذلك مثالين، الأول من الكتاب، والثاني من السُّنَّة:\n١ـ من القرآن، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ...﴾ ١ اختلف العلماء ﵏ في معنى ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ففهم بعضٌ منهم أن المراد مطلق اللمس، وفهم آخرون: أن المراد به اللمس المثير للشهوة. وفهم آخرون أن المراد به الجِماع، وهذا الرأي رأي ابن عباس رضي\n_________\n١ سورة النساء، الآية: ٤٣. وأيضا سورة المائدة، الآية: ٦.","vol":"1","page":18},{"text":"الله عنهما.\nوإذا تأمَّلت الآية وجدت أن الصواب مع مَن يرى أنه الجِماع، لأن الله ﵎ ذَكَرَ نوعين في طهارة الماء، طهارة الحدث الأصغر والأكبر. ففي الأصغر قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ١. أما الأكبر فقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ...﴾ ٢ الآية. وكان مقتضى البلاغة والبيان أن يُذكر أيضًا موجبا الطهارتين في طهارة التيمم، فقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ إشارة إلى موجب طهارة الحدث الأصغر.. وقوله: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إشارة إلى موجب طهارة الحدث الأكبر.. ولو جعلنا الملامسة هنا بمعنى اللمس، لكان في الآية ذِكْر\n_________\n١ سورة المائدة، الآية: ٦.\n٢ سورة المائدة، الآية: ٦.","vol":"1","page":19},{"text":"موجبين من موجبات طهارة الحدث الأصغر. وليس فيها ذكر لشيء من موجبات طهارة الحدث الأكبر، وهذا خلاف ما تقتضيه بلاغة القرآن، فالذين فهموا من الآية أن المراد به مطلق اللمس قالوا: إذا مسَّ إنسان ذكرٌ بشرةَ الأنثى انتقض وضوؤه، أو إذا مسها لشهوة انتقض، ولغير شهوة لا ينتقض، والصواب عدم الانتقاض في الحالين، وقد روي أن رسول الله ﷺ قبَّل إحدى نسائه، ثم ذهب إلى الصلاة ولم يتوضأ١، وقد جاء من طرق يقوي بعضها بعضًا.\n٢ـ من السُّنَّة: لمَّا رجع رسول الله ﷺ من غزوة الأحزاب، ووضع عدَّة الحرب جاءه جبريل فقال له: إنا لم نضع السلاح فاخرج إلى بني قريظة، فأمر رسول الله ﷺ أصحابه بالخروج وقال: \"لا يصلينَّ أحدٌ العصر\n_________\n١ أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة ١٧٨، ١٧٩، والترمذي، كتاب الطهارة ٨٦، وابن ماجة، كتاب الطهارة ٥٠٢، ٥٠٣.","vol":"1","page":20},{"text":"إلا في بني قريظة\" الحديث، فقد اختلف الصحابة في فهمه. فمنهم مَن فهم أن مراد الرسول المبادرة إلى الخروج حتى لا يأتي وقت العصر إلا وهم في بني قريظة، فلمَّا حان وقت العصر وهم في الطريق صلوها ولم يؤخروها إلى أن يخرج وقتها.\nومنهم مَن فهم: أن مراد رسول الله ألا يصلوا إلا إذا وصلوا بني قريظة فأخَّروها حتى وصلوا بني قريظة فأخرجوها عن وقتها١.\nولا ريب أن الصواب مع الذين صلوا الصلاة في وقتها؛ لأن النصوص في وجوب الصلاة في وقتها محكمة، وهذا نصٌ مشتبه. وطريق العلم أن يحمل المتشابه على المحكم.. إذن من أسباب الخلاف أن يفهم من الدليل خلاف مراد الله ورسوله، وذلك هو السبب الرابع.\n_________\n١ أخرجه البخاري، كتاب الخوف ٩٤٦، ومسلم، كتاب الجهاد والسير ١٧٧٠ وفيه: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>السبب الخامس: أن يكون قد بلغه الحديث لكنه منسوخ ولم يعلم بالناسخ</span>\nفيكون الحديث صحيحًا والمراد منه مفهومًا ولكنه منسوخ، والعالم لا يعلم بنسخه، فحينئذٍ له العذر لأن الأصل عدم النسخ حتى يعلم بالناسخ.\nومن هذا رأى ابن مسعود ﵁.. ماذا يصنع الإنسان بيديه إذا ركع؟ كان في أول الإسلام يشرع للمصلي التطبيق بين يديه ويضعهما بين ركبتيه، هذا هو المشروع في أول الإسلام، ثم نُسخ ذلك، وصار المشروع أن يضع يديه على ركبتيه. وثبت في صحيح البخاري وغيره النسخ١، وكان ابن مسعود\n_________\n١ صحيح البخاري، كتاب الأذان ٧٩٠.","vol":"1","page":22},{"text":"﵁ لم يعلم بالنسخ، فكان يطبق يديه، فصلَّى إلى جانبه علقمة والأسود، فوضعا يديهما على ركبتيهما، ولكنه ﵁ نهاهما عن ذلك وأمرهما بالتطبيق١.. لماذا؟ لأنه لم يعلم بالنسخ، والإنسان لا يكلف إلا وسع نفسه.. قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ٢.\n_________\n١ صحيح مسلم، كتاب المساجد ٥٣٤.\n٢ سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>السبب السادس: أن يعتقد أنه معارض بما هو أقوى منه من نص أو إجماع</span>\nبمعنى أنه يصل الدليل إلى المستدل، ولكنه يرى أنه معارض بما هو أقوى منه من نص أو إجماع، وهذا كثير في خلاف الأئمة. وما أكثر ما نسمع من ينقل الإجماع، ولكنه عند التأمل لا يكون إجماعًا.\nومن أغرب ما نقل في الإجماع أن بعضهم قال: أجمعوا على قبول شهادة العبد. وآخرون قالوا: أجمعوا على أنها لا تقبل شهادة العبد. هذا من غرائب النقل، لأن بعض الناس إذا كان من حوله اتفقوا على رأي، ظنَّ أن لا مخالف لهم، لاعتقاده أن ذلك مقتضى النصوص، فيجتمع في ذهنه دليلان النص والإجماع، وربما يراه مقتضى القياس الصحيح، والنظر الصحيح فيحكم أنه لا خلاف، وأنه لا مخالف لهذا النص القائم عنده مع القياس الصحيح عنده، والأمر قد كان بالعكس.\nويمكن أن نمثل لذلك برأي ابن عباس ﵄ في رِبا الفضل..","vol":"1","page":24},{"text":"ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إنما الربا في النسيئة\" ١، وثبت عنه في حديث عبادة بن الصامت وغيره: أن الربا يكون في النسيئة وفي الزيادة٢.\nوأجمع العلماء بعد ابن عباس على أن الربا قسمان: ربا فضل، وربا نسيئة. أما ابن عباس فإنه أبى إلا أن يكون الربا في النسيئة فقط. مثاله لو بعت صاعًا من القمح بصاعين يدًا بيد، فإنه عند ابن عباس لا بأس به، لأنه يرى أن الربا في النسيئة فقط.\nوإذا بعت مثلًا مثقالًا من الذهب بمثقالين من الذهب يدًا بيد فعنده أنه ليس ربا. لكن إذا أخَّرت القبض، فأعطيتني المثقال ولم أعطك البدل إلا بعد\n_________\n١ أخرجه البخاري بلفظ لا ربا إلا في النسيئة كتاب البيوع ٢١٧٨، ٢١٧٩، ومسلم، كتاب المساقاة ١٥٩٦، وابن ماجة، كتاب التجارات ٢٢٥٧.\n٢ صحيح مسلم، كتاب المساقاة ١٥٨٧.","vol":"1","page":25},{"text":"التفرق فهو ربا.. لأن ابن عباس ﵄ يرى أن هذا الحصر مانع من وقوع الربا في غيره، ومعلوم أن (إنما) تفيد الحصر فيدل على أن ما سواه ليس بربا، لكن الحقيقة أن ما دلَّ عليه حديث عبادة يدل على أن الفضل من الربا لقول الرسول ﷺ: \"مَن زاد أو استزاد فقد أربى\" ١.\nإذًا ما موقفنا نحن من الحديث الذي استدلَّ به ابن عباس؟ موقفنا أن نحمله على وجه يمكن أن يتفق مع الحديث الآخر الدال على أن الربا يكون أيضًا في الفضل، بأن نقول: إنما الربا الشديد الذي يعمد إليه أهل الجاهلية والذي وَرَدَ فيه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ٢. إنما هو ربا النسيئة، أما ربا الفضل فإنه ليس الربا الشديد العظيم، ولهذا ذهب ابن القيّم في كتابه \"إعلام الموقعين\" إلى أن تحريم ربا الفضل من باب تحريم الوسائل، وليس من باب تحريم المقاصد.\n_________\n١ أخرجه مسلم، كتاب المساقاة ١٥٨٨.\n٢ سورة آل عمران، الآية: ١٣٠.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>السبب السابع: أن يأخذ العالم بحديث ضعيف أو يستدل استدلالًا ضعيفًا</span>\nوهذا كثير جدًا، فمن أمثلته: أي أمثلة الاستدلال بالحديث الضعيف: ما ذهب إليه بعض العلماء من استحباب صلاة التسبيح، وهو أن يصلي الإنسان ركعتين، يقرأ فيهما بالفاتحة، ويُسَبِّح خمس عشرة تسبيحة، وكذلك في الركوع والسجود إلى آخر صفتها التي لم أضبطها، لأنني لا أعتقدها من حيث الشرع. ويرى آخرون أن صلاة التسبيح بدعة مكروهة، وأن حديثها لم يصح، وممن يرى ذلك الإمام أحمد ﵀ وقال: إنها لا تصح عن النبي ﷺ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن حديثها كذب على رسول الله، وفي الحقيقة مَن تأمَّلها وجد أن فيها","vol":"1","page":27},{"text":"شذوذًا حتى بالنسبة للشرع، إذ إن العبادة إما أن تكون نافعة للقلب، ولابد لصلاح القلب منها فتكون مشروعة في كل وقت وفي كل مكان، وإما أن لا تكون نافعة فلا تكون مشروعة، وهذه في الحديث الذي جاء عنها يصليها الإنسان كل يوم أو كل أسبوع أو كل شهر أو في العمر مرة، وهذا لا نظير له في الشرع، فدل على شذوذها سندًا ومتنًا، وأن مَن قال إنها كذب، كشيخ الإسلام فإنه مصيب، ولذا قال شيخ الإسلام: إنه لم يستحبها أحد من الأئمة.\nوإنما مثَّلت بها لأن السؤال عنها كثير من الرجال والنساء، فأخشى أن تكون هذه البدعة أمرًا مشروعًا، وإنما أقول بدعة، أقولها ولو كانت ثقيلة على بعض الناس لأننا نعتقد أن كل مَن دان لله سبحانه مما ليس في كتاب الله أو سُنَّة رسوله فإنه بدعة.\nكذلك أيضًا مَن يأخذ بدليل ضعيف من حيث","vol":"1","page":28},{"text":"الاستدلال. الدليل قوي لكنه من حيث الاستدلال به ضعيف، مثل ما أخذ بعض العلماء من حديث: \"ذكاة الجنين ذكاة أمه\" ١.. فالمعروف عند أهل العلم من معنى الحديث أن أمّ الجنين إذا ذكيت فإن ذكاتها ذكاة له - أي لا يحتاج إلى ذكاة إذا أُخرج منها بعد الذبح، لأنه قد مات ولا فائدة من تذكيته بعد موته.\nومن العلماء مَن فهم أن المراد به - أي بالحديث - أن ذكاة الجنين كذكاة أمه، تكون بقطع الودجين وإنهار الدم - ولكن هذا بعيد والذي يبعده أنه لا يحصل إنهار الدم بعد الموت.\nورسول الله ﷺ يقول: \"ما أنهر الدم وذكر اسم الله\n_________\n١ أخرجه أبو داود، كتاب الأضاحي ٢٨٢٨ والترمذي، كتاب الصيد ١٤٧٦ وصححه، وابن ماجة، كتاب الذبائح ٣١٩٩.","vol":"1","page":29},{"text":"عليه فكُل\" ١. ومن المعلوم أنه لا يمكن إنهار الدم بعد الموت.\nهذه الأسباب التي أحببت أن أنبه عليها مع أنها كثيرة، وبحر لا ساحل له.. ولكن بعد هذا كله ما موقفنا؟\nوما قلته في أول الموضوع: أن الناس بسبب وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية واختلاف العلماء أو اختلاف المتكلمين في هذه الوسائل صاروا يتشككون ويقولون مَن نتبع؟.\nتكاثرت الظباء على خراش ... فما يدري خراش ما يصيد\n_________\n١ أخرجه البخاري، كتاب الذبائح ٥٤٩٨، ومسلم، كتاب الأضاحي ١٩٦٨، وأبو داود، كتاب الأضاحي ٢٨٢٧، والنسائي، كتاب الضحايا ٤٤٠٣، ٤٤٠٤، وابن ماجة، كتاب الذبائح ٣١٧٨.","vol":"1","page":30},{"text":"وحينئذٍ نقول: موقفنا من هذا الخلاف، وأعني به خلاف العلماء الذين نعلم أنهم موثوقون علمًا وديانة، لا مَن هم محسوبون على العلم وليسوا من أهله، لأننا لا نعتبر هؤلاء علماء، ولا نعتبر أقوالهم مما يحفظ من أقوال أهل العلم.. ولكننا نعني به العلماء المعروفين بالنصح للأمة والإسلام والعلم، موقفنا من هؤلاء يكون على وجهين:\n١ـ كيف خالف هؤلاء الأئمة لما يقتضيه كتاب الله وسنة رسوله؟ وهذا يمكن أن يعرف الجواب عنه بما ذكرنا من أسباب الخلاف، وبما لم نذكره، وهو كثير يظهر لطالب العلم حتى وإن لم يكن متبحِّرًا في العلم.\n٢ـ ما موقفنا من اتباعهم؟ ومن نتبع من هؤلاء العلماء؟ أيتبع الإنسان إمامًا لا يخرج عن قوله، ولو كان الصواب مع غيره كعادة المتعصبين للمذاهب، أم يتبع ما ترجَّح عنده من دليل ولو كان مخالفًا لِمَا ينتسب","vol":"1","page":31},{"text":"إليه من هؤلاء الأئمة؟\nالجواب هو الثاني، فالواجب على مَن علِم بالدليل أن يتبع الدليل ولو خالف مَن خالف من الأئمة. إذا لم يخالف إجماع الأمة، ومن اعتقد أن أحدًا غير رسول الله ﷺ يجب أن يؤخذ بقوله فعلًا وتركًا بكل حال وزمان، فقد شهد لغير الرسول بخصائص الرسالة، لأنه لا يمكن أحد أن يكون هذا حكم قوله إلا رسول الله ﷺ، ولا أحد إلا يؤخذ من قوله ويُترَك سوى رسول الله ﷺ.\nولكن يبقى الأمر فيه نظر، لأننا لا نزال في دوامة مَن الذي يستطيع أن يستنبط الأحكام من الأدلة؟ هذه مشكلة، لأن كل واحد صار يقول: أنا صاحبها. وهذا في الحقيقة ليس بجيد، نعم من حيث الهدف والأصل هو جيد؛ أن يكون رائد الإنسان كتاب الله وسُنَّة رسوله، لكن كوننا نفتح الباب لكل مَن عرف أن ينطق","vol":"1","page":32},{"text":"بالدليل، وإن لم يعرف معناه وفحواه، فنقول: أنت مجتهد تقول ما شئت، هذا يحصل فيه فساد الشريعة وفساد الخلق والمجتمع. والناس ينقسمون في هذا الباب إلى ثلاثة أقسام:\n١ـ عالِم رزقه الله عِلمًا وفهمًا.\n٢ـ طالب علم عنده من العلم، لكن لم يبلغ درجة ذلك المتبحِّر.\n٣ـ عامي لا يدري شيئًا.\nأما الأول: فإن له الحق أن يجتهد وأن يقول، بل يجب عليه أن يقول ما كان مقتضى الدليل عنده مهما خالفه مَن خالفه من الناس، لأنه مأمور بذلك. قال تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ١ وهذا من أهل الاستنباط الذين يعرفون ما يدل عليه كلام الله\n_________\n١ سورة النساء، الآية: ٨٣.","vol":"1","page":33},{"text":"وكلام رسوله.\nأما الثاني: الذي رزقه الله علمًا ولكنه لم يبلغ درجة الأول، فلا حرج عليه إذا أخذ بالعموميات والإطلاقات وبما بلغه، ولكن يجب عليه أن يكون محترزًا في ذلك، وألا يقصِّر عن سؤال مَن هو أعلى منه من أهل العلم؛ لأنه قد يخطأ، وقد لا يصل علمه إلى شيء خصَّص ما كان عامًّا، أو قيَّد ما كان مطلقًا، أو نَسَخَ ما يراه محكمًا. وهو لا يدري بذلك.\nأما الثالث: وهو مَن ليس عنده علم، فهذا يجب عليه أن يسأل أهل العلم لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١، وفي آية أخرى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ ٢. فوظيفة هذا أن يسأل، ولكن مَن يسأل؟ في البلد علماء\n_________\n١ سورة الأنبياء، الآية: ٧. وأيضا سورة النحل، الآية: ٤٣.\n٢ سورة النحل، الآيتان: ٤٣، ٤٤.","vol":"1","page":34},{"text":"كثيرون، وكلٌّ يقول: إنه عالم، أو كلٌّ يقال عنه: إنه عالم، فمن الذي يسأل؟ هل نقول: يجب عليك أن تتحرى مَن هو أقرب إلى الصواب فتسأله ثم تأخذ بقوله، أو نقول: اسأل مَن شئت ممَّن تراه من أهل العلم، والمفضول قد يوفَّق للعلم في مسألة معيَّنة، ولا يوفَّق مَن هو أفضل منه وأعلم - اختلف في هذا أهل العلم؟\nفمنهم مَن يرى: أنه يجب على العامي أن يسأل مَن يراه أوثق في علمه من علماء بلده، لأنه كما أن الإنسان الذي أصيب بمرض في جسمه فإنه يطلب لمرضه مَن يراه أقوى معرفة في أمور الطب فكذلك هنا؛ لأن العلم دواء القلوب، فكما أنك تختار لمرضك مَن تراه أقوى فكذلك هنا يجب أن تختار مَن تراه أقوى علمًا إذ لا فرق.\nومنهم مَن يرى: أن ذلك ليس بواجب؛ لأن مَن هو","vol":"1","page":35},{"text":"أقوى عِلمًا قد لا يكون أعلم في كل مسألة بعينها، ويرشح هذا القول أن الناس في عهد الصحابة ﵃ كانوا يسألون المفضول مع وجود الفاضل.\nوالذي أرى في هذه المسألة أنه يسأل مَن يراه أفضل في دينه وعلمه لا على سبيل الوجوب، لأن من هو أفضل قد يخطأ في هذه المسألة المعينة، ومن هو مفضول قد يصيب فيها الصواب، فهو على سبيل الأولوية، والأرجح: أن يسأل من هو أقرب إلى الصواب لعلمه وورعه ودينه.\nوأخيرًا أنصح نفسي أولًا وإخواني المسلمين، ولاسيما طلبة العلم إذا نزلت بإنسان نازلة من مسائل العلم ألا يتعجَّل ويتسرَّع حتى يتثبَّت ويعلم فيقول لئلا يقول على الله بلا علم.\nفإن الإنسان المفتي واسطة بين الناس وبين الله، يبلِّغ شريعة الله كما ثبت عن رسول الله ﷺ: \"العلماء","vol":"1","page":36},{"text":"ورثة الأنبياء\" ١.\nوأخبر النبي ﷺ: \"أن القضاة ثلاثة: قاض واحد في الجنة وهو مَن عَلِمَ الحق فحكم به\" ٢. كذلك أيضًا من المهم إذا نزلت فيك نازلة أن تشد قلبك إلى الله وتفتقر إليه أن يفهمك ويعلِّمك لاسيما في الأمور العظام الكبيرة التي تخفى على كثير من الناس.\nوقد ذكر لي بعض مشائخنا أنه ينبغي لمَن سئل عن مسألة أن يُكْثِر من الاستغفار، مستنبطًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٣، لأن الإكثار من\n_________\n١ ذكره البخاري في ترجمة باب ١٠ من كتاب العلم، وأخرجه أبو داود، كتاب العلم ٣٦٤١، وابن ماجة، المقدمة ٢٢٣.\n٢ أخرجه أبو داود، كتاب الأقضية ٣٥٧٣، وابن ماجة، كتاب الأحكام ٢٣١٥.\n٣ سورة النساء، الآيتان: ١٠٥، ١٠٦.","vol":"1","page":37},{"text":"الاستغفار يوجب زوال أثر الذنوب التي هي سبب في نسيان العلم والجهل كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ ١،\nوقد ذُكِرَ عن الشافعي أنه قال:\nشكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي\nوقال اعلم بأن العلم نور ... ونور الله لا يؤتاه عاصي\nفلا جرم حينئذٍ أن يكون الاستغفار سببًا لفتح الله على المرء.\nوأسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد، وأن يثبِّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وألا يزيغ\n_________\n١ سورة المائدة، الآية: ١٣.","vol":"1","page":38},{"text":"قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهَّاب.\nوالحمد لله رب العالمين أولًا وأخيرًا ...\nوصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\n* * *","vol":"1","page":39}]}