{"ً":{"ٌ":7616,"ٍ":"الدعوة إلى التمسك بالقرآن الكريم وأثره في حياة المسلم","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: الدعوة إلى التمسك بالقرآن الكريم وأثره في حياة المسلم\nالمؤلف: د. عبد الرحيم بن محمد المغذوي\nالناشر: *\nعدد الصفحات: ٧٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":927,"ٕ":4,"ٖ":1770155358,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الدعوة إلى التمسك بالقرآن الكريم وأثره في حياة المسلم","level":1,"page":6}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70},"ٜ":{"1":[1,70]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70"],"ٞ":{"1":[1],"6":[2]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ال<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nإن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢) .\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء:١)\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب:٧٠-٧١) .\nأما بعد:\nفإن أي دعوة تشرف بما تدعو إليه، وتزكو بما تحث الناس عليه، ولا ريب أن الدعوة إلى التمسك بالقرآن الكريم، هي أسمى المقاصد، وأنبل الفوائد، لأنها تتعلق بكتاب الله تعالى، وكفى بذلك شرفًا ومقصدًا.\nأ - أهمية الموضوع، وأسباب الدراسة:\nالمسلم مطالب دائمًا وأبدًا بالتمسك بكتاب الله تعالى حق التمسك وتطبيق ذلك في حياته الخاصة والعامة، وظهور آثار ذلك التمسك في سلوكه وتصرفاته","vol":"1","page":1},{"text":"ولكن الملاحظ - وبخاصة في عصرناالحاضر - انصراف كثير من فئام المسلمين عن التمسك بكتاب ربهم ﵎، وإن أظهروا حبهم وتقديسهم له، إلا أن الواقع المعاش يغاير ذلك ومن هنا كان الاختلال الواضح، في حياة المسلمين أفرادًا ومجتمعات، الأمر الذي أوقع الوهن في حياة الأمة على مختلف الأصعدة الدينية والدنيوية.\nولا ريب أن المتأمل في كتاب الله تعالى يجد الدعوة الصريحة الواضحة للتمسك بالقرآن الكريم، والآثار العظيمة التي سوف يجنيها الفرد والمجتمع من ذلك.\nومن هنا كان الدافع للكتابة في هذا الموضوع الدعوي القرآني الهام، وكذا لعدم وجود مؤلف خاص في هذا الموضوع - على حد علمي - وإنما هنالك إشارات وذكر متناثر في بطون الكتب، فأحببت أن أجمع شتات الموضوع، وأبرز معالمه، وأوضح مقاصده ليكون دعوة خيّرة للناس لعلهم يتقون.\nكما أرجو من الله تعالى أن أكون قد وفقت وأنا أقدم هذا البحث المتواضع للندوة المباركة بإذن الله تعالى (ندوة عناية المملكة السعودية بالقرآن الكريم وعلومه) والتي يعقدها مشكورًا مأجورًا مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة في الفترة ٤/٦/١٤٢١هـ إلى ٧/٦/١٤٢١هـ.\nب - تساؤلات البحث:\nيهدف البحث إلى الإجابة عن التساؤلات الكبرى التالية:\nأولًا: ماالمقصود بالقرآن الكريم، وماأهمية التمسك به؟.\nثانيًا: ما مظاهر التمسك بالقرآن الكريم؟.","vol":"1","page":2},{"text":"ثالثًا: ما فضائل التمسك بالقرآن الكريم؟.\nرابعًا: ما آثار التمسك بالقرآن الكريم في حياة المسلمين الخاصة والعامة؟.\nج - منهج البحث والخطوات البحثية:\nاستخدم الباحث منهج البحث الوصفي، وكذا منهج البحث التحليلي التأملي، للخروج بفوائد علمية هامة دقيقة.\nكما اتبع الباحث الخطوات البحثية المختصرة التالية:\n١- عزو الآيات القرآنية إلى مواضعها من المصحف.\n٢- تخريج الأحاديث من مظانها، وإيراد حكم العلماء عليها.\n٣- توثيق الآثار والأقوال بإرجاعها إلى مصادرها.\n٤- التأصيل العلمي للموضوعات البحثية، والخلوص إلى نتائج محددة.","vol":"1","page":3},{"text":"د - خطة البحث بالتفصيل:\n- المقدمة: وتضمنت الحديث عن أهمية الموضوع، وبواعث دراسته، وتساؤلات البحث الكبرى، ومنهج البحث والخطوات البحثية، والخطة بالتفصيل.\n- الفصل الأول: الدَّعوة إلى التمسّك بالقرآن الكريم.\nويتضمن أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: التعريف بالقرآن الكريم، وأسمائه، وخصائصه.\nالمبحث الثاني: أهمية الدعوة إلى التمسك بالقرآن الكريم.\nالمبحث الثالث: مظاهر التمسك بالقرآن الكريم.\nالمبحث الرابع: فضائل التمسك بالقرآن الكريم.\n- الفصل الثاني: آثار التمسّك بالقرآن الكريم في حياة المسلمين.\nويتضمن ستة مباحث:\nالمبحث الأول: الأثر الإيماني والتعبدي.\nالمبحث الثاني: الأثر الدعوي والإصلاحي.\nالمبحث الثالث: الأثر الخلقي والمسلكي.\nالمبحث الرابع: الأثر العلمي والفكري.\nالمبحث الخامس: الأثر الإنساني والحضاري.\nالمبحث السادس: الأثر الأمني الشامل.\n- الخاتمة: وفيها خلاصة البحث، ونتائجه، والتوصيات.\n- الفهارس.","vol":"1","page":4},{"text":"هـ - ثناء الباحث على الله تعالى بما هو أهل له.\nاللهم لك الحمد كله، والشكر كله فأنت أهل الثناء والحمد، والعزة والمجد، والميسر لكل قصد.\nاللهم لك الحمد أن جعلتنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، اللهم فأدم علينا نعمتك، وارزقنا شكرها على الوجه الذي ترضاه عنا يارب العالمين.\nاللهم نوِّر بالقرآن العظيم قلوبنا، وافتح به أبصارنا، واشرح به صدورنا، واكلأ به حياتنا، وأنر به دروبنا، واحفظنا به من أمامنا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومن فوقنا ومن تحتنا، وما أنت أعلم به منا.\n﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٨٦) .","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الدعوة إلى التمسك بالقرآن الكريم وأثره في حياة المسلم</span>\n...\nالفصل الأول الدَّعوة إلى التمسّك بالقرآن الكريم\nويتضمّن أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: التعريف بالقرآن الكريم، وأسمائه، وخصائصه.\nالمبحث الثاني: أهمية الدعوة إلى التمسك بالقرآن الكريم.\nالمبحث الثالث: مظاهر التمسك بالقرآن الكريم.\nالمبحث الرابع: فضائل التمسك بالقرآن الكريم.","vol":"1","page":6},{"text":"المبحث الأول: التعريف بالقرآن الكريم، وأسمائه، وخصائصه.\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: التعريف بالقرآن الكريم لغةً.\nاختلفت آراء أهل اللغة حول أصل كلمة (القرآن) وتعددت، ويمكن لنا حصرها في اتجاهين رئيسين:\n- الاتجاه الأول: وهو الذي يذهب إلى أن القرآن اسم لكتاب الله تعالى، وأنه غير مشتق من أي مادة سواء من (قرأ) أو من غيرها. وذلك لأنه علم على كتاب الله تعالى مثل التوراة والإنجيل. وعلى هذا فالقرآن غير مهموز.\n- الاتجاه الثاني: وهو الذي يذهب إلى أن لفظ (القرآن) مشتق، واختلف أصحاب هذا الاتجاه على أربعة أقوال:\n١- أن القرآن مصدر لقرأت كالرجحان والغفران، سمي به الكتاب المقروء من باب تسمية المفعول بالمصدر. وبه قال اللحياني وآخرون.\n٢- وقال قوم منهم الأشعري: هو مشتق من قرنت الشيء بالشيء: إذا ضممت أحدهما إلى الآخر.\n٣- وقال الفراء: هو مشتق من القرائن، لأن الآيات منه يصدق بعضها بعضًا، ويشابه بعضها بعضًا وهي قرائن. وعلى القولين بلا همز أيضًا ونونه أصلية.\n٤- وقال آخرون منهم الزجاج: هو وصف على فعلان مشتق من القرء بمعنى الجمع، ومنه قرأت الماء في الحوض أي جمعته.\nقال أبو عبيدة: وسمي بذلك لأنه جمع السور بعضها إلى بعض.","vol":"1","page":7},{"text":"وقال الراغب: لا يقال لكل جمع قرآن ولا لجمع كل كلام قرآن، وإنما سمي قرآنًا لكونه جمع ثمرات الكتب السالفة المنزلة. وقيل: لأنه جمع أنواع العلوم كلها.\nثم قال الحافظ السيوطي بعد أن ساق تلك الأقوال: والمختار عندي في هذه المسألة ما نص عليه الشافعي (١) .\nويذهب الشيخ الزرقاني إلى خلاف ذلك ويؤكد أن القرآن مشتق فيقول: (أما لفظ القرآن فهو: في اللغة مصدر مرادف للقراءة، ومنه قوله تعالى ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (القيامة: ١٧-١٨) . ثم نقل من هذا المعنى المصدري وجعل اسمًا للكلام المعجز المنزل على النبي ﷺ من باب إطلاق المصدر على مفعوله، ذلك ما نختاره استنادًا إلى موارد اللغة، وقوانين الاشتقاق، وإليه ذهب اللحياني وجماعة. أما القول: بأنه وصف من القَرء بمعنى: الجمع، أو أنه مشتق من القرائن، أو أنه مشتق من قرنت الشيء بالشيء، أو أنه مرتجل أي موضوع من أول الأمر عَلَمًا على الكلام المعجز المنزل غير مهموز ولا مجرد من أل، فكل أولئك لا يظهر له وجه وجيه، ولا يخلو توجيه بعضه من كلفة، ولا من بُعد عن قواعد الاشتقاق وموارد اللغة. وعلى الرأي المختار: فلفظ قرآن مهموز، وإذا حذف همزه، فإنما ذلك للتخفيف، وإذا دخلته \"أل\" بعد التسمية فإنما هي للمح الأصل لا للتعريف) (٢) .\n_________\n(١) انظر تلك الأقوال في كتاب: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ١/٦٧-٦٨، وانظر: مدخل إلى علوم القرآن والتفسير، د. فاروق حمادة ص ١٥-١٦، والكلمات الإسلامية في الحقل القرآني، د. عبد العال سالم مكرم ص ١٢٦-١٢٧.\n(٢) انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن، للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني ١/١٤.","vol":"1","page":8},{"text":"والرأي الذي أميل إليه في أصل كلمة قرآن لغةً: أن القرآن اسم لكتاب الله تعالى، وأنه غير مشتق وهو ما ذهب إليه الإمام الشافعي وابن كثير وغيرهما.\nالمطلب الثاني: التعريف بالقرآن الكريم اصطلاحًا.\nالقرآن الكريم كلام الله تعالى، أنزله على رسوله ﷺ ليكون للعالمين نذيرًا، وحوى من العقائد والشرائع والمعارف والعلوم والآداب والأخلاق ما يجلّ الوصف عن ذكره، وتضمّن بين طيّاته الإخبار عن الأوّلين والآخرين، وما كان وما سيكون. ورسم للإنسان منهجًا واضحًا، وطريقًا سليمًا، وصراطًا مستقيمًا يسير عليه، ويهتدي به، ويدعو إليه.\nكما اشتمل القرآن العظيم على الأمن والإيمان والطمأنينة والتوحيد، وانشراح الصدور، وهدوء الضمائر، وراحة البال.\nكما تميز كتاب الله تعالى بالاعجاز، وتحدي الخلق أجمعين أن يأتوا بمثله أو بأقل سورة فيه. كما أنه متعبد بتلاوته، ومحفوظ إلى يوم القيامة.\nوهنا نتساءل: من الذي يستطيع أن يعطي تعريفًا لهذا الكتاب الكريم الذي حوى كل تلك الأمور - وغيرها كثير؟ -. ومن الذي يقدر على تحديده في تعريف من تعاريف البشر التي اصطلحوا على وجود حدود ومعالم لها؟ أو أنها جامعة ومانعة؟ الحقيقة أنه من خلال تعاريف العلماء قديمًا وحديثًا للقرآن الكريم، ومن خلال محاولات الكُتّاب والمؤلفين في هذا الصدد نجد أنها كلها لا تعدو توصيفًا للقرآن الكريم، دون إعطاء تعريف دقيق محدَّد له، فنجد بعض التعاريف تركز على شيء واحد وتهتم به، مثل كونه كلام الله","vol":"1","page":9},{"text":"تعالى، أو أنه معجز، أو اشتماله على الأمور والمسائل العظيمة التي تهم المسلم في حياته ومآله وغير ذلك.\nوالحقيقة أن ذلك راجع إلى عدم إحاطة أولئك العلماء والمؤلفين لمضامين القرآن العظيم، وعلومه وأحكامه، وفضائله وفوائده، وأنّى لهم ذلك.\nيقول الشيخ مناع القطان ﵀: (والقرآن الكريم يتعذر تحديده بالتعاريف المنطقية ذات الأجناس والفصول والخواص. بحيث يكون تعريفه حدًا حقيقيًا، والحد الحقيقي له هو استحضاره معهودًا في الذهن أو مشاهدًا في الحس كأن تشير إليه مكتوبًا في المصحف أو مقروءًا باللسان، فتقول هو ما بين هاتين الدفتين، أو تقول: هو (بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين ... إلى قوله: من الجنة والناس) (١) .\nويقول الدكتور محمد عبد الله دراز يرحمه الله: (أما ما ذكره العلماء من تعريفه بالأجناس والفصول كما تُعرف الحقائق الكلية فإنما أرادوا به تقريب معناه وتمييزه عن بعض ما عداه مما قد يشاركه في الاسم ولو توهمًا، ذلك أن سائر كتب الله تعالى والأحاديث القدسية وبعض الأحاديث النبوية تشارك القرآن في كونها وحيًا إلهيًا فربما ظن ظان أنها تشاركه في اسم القرآن أيضًا، فأرادوا بيان اختصاص الاسم به ببيان صفاته التي امتاز بها عن تلك الأنواع) (٢) .\nومن التعاريف التي ذكرها العلماء والكتاب للقرآن الكريم ما يلي:\nأ - قيل هو: اسم للمتلوّ المحفوظ المرسوم في المصاحف (٣) .\n_________\n(١) مباحث في علوم القرآن، للشيخ مناع القطان ص ٢٠-٢١، وأصل التعريف الذي أورده للدكتور محمد عبد الله دراز يرحمه الله في كتابه النبأ ص ١٤.\n(٢) النبأ العظيم، للدكتور محمد عبد الله دراز ص ١٤.\n(٣) إعجاز القرآن للباقلاني ١/٢٠ على حاشية الاتقان للسيوطي.","vol":"1","page":10},{"text":"ب - وقيل هو: اسم لما بين الدفتين من كلام الله (١) .\nج - وقيل هو: الكلام المنزّل على الرسول، المكتوب في المصاحف، المنقول إلينا نقلًا متواترًا (٢) .\nد - وقيل في تعريفه هو: اللفظ المنزّل على النبي ﷺ من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس (٣) .\nهـ - وقيل في تعريفه هو: كلام الله المنزّل على خاتم الأنبياء والمرسلين، بوساطة الأمين جبريل ﵇، المكتوب في المصاحف، المحفوظ في الصدور، المنقول إلينا بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، المختتم بسورة الناس) (٤) .\nووقيل أيضًا في تعريفه هو: كلام الله المعجز والموحى به على خاتم الأنبياء والمرسلين، والذي أُحكمت آياته ثم فُصلت من لدن حكيم خبير\nللتعبد بتلاوتها والعمل بمقتضاها في جميع جوانب الحياة، في كل زمان ومكان (٥) .\nز - وقيل أيضًا في تعريفه هو: القرآن هو كلام الله المعجز، ووحيه المنزّل على نبيه محمد بن عبد الله ﷺ، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه بالتواتر، المتعبد بتلاوته (٦) .\nح - وقيل في تعريف القرآن هو: المنزّل على الرسول، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه نقلًا متواترًا بلا شبهة (٧) .\n_________\n(١) التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) للفخر الرازي ٥/٩٢.\n(٢) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، لمحمد علي الشوكاني ١/٨٥.\n(٣) مناهل العرفان في علوم القرآن، للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني ١/١٩.\n(٤) التعبير الفني في القرآن، د. بكري شيخ أمين ص ١١.\n(٥) نور من القرآن، د. محمد الحسين أبو سم ص ١١.\n(٦) لمحات في علوم القرآن، لمحمد الصباغ ص ٦.\n(٧) التعريفات للجرجاني ص ١٧٤.","vol":"1","page":11},{"text":"ط - وقيل أيضًا في تعريف القرآن الكريم هو: كلام الله المعجز المنزّل على رسوله محمد ﷺ بالوحي المنقول إلينا بالتواتر (١) .\nوالمتأمل في التعاريف السابقة يجد أنها إما مسهبة أو مقصرة أو متوسطة في توصيف القرآن وتعريفه، ومهما قال القائلون إلا أنهم لن يبلغوا المراد الكامل للقرآن الكريم، والمعنى الشامل لكتاب الله تعالى.\nقال تعالى مخبرًا عن كتابه العظيم: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء: ١٩٢-١٩٥) .\nوقال تعالى أيضًا في كتابه الكريم: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم:١)\nوقال تعالى أيضًا في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: ٥٧) .\nومن خلال ما سبق يمكن أن أذكر تعريفًا أو قُل توصيفًا للقرآن الكريم فأقول هو: (كلام الله تعالى المعجز، الموحى به إلى محمد ﷺ، لينذر به الخلق أجمعين، ويدعوهم إلى توحيد رب العالمين، والمكتوب بين دفتي المصحف، والمنقول إلينا بالتواتر، والمتعبد بتلاوته، والمحفوظ إلى آخر الدهر، والمشتمل على خيري الدنيا والآخرة) (٢) .\n_________\n(١) معجم لغة الفقهاء، د. محمد قلعجي وزميله ص ٣٥٩.\n(٢) (القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية) اللجنة العلمية..","vol":"1","page":12},{"text":"المطلب الثالث: أسماء القرآن الكريم وأوصافه.\nإن تعدد الأسماء دليل على عظم المسمى، وإيماء إلى شرفه وعلوّه ورفعته.\nولا ريب أن القرآن الكريم هو أعظم وأشرف كتاب، ولذا تعددت أسماؤه وأوصافه، وكلها مستفادة من القرآن ذاته.\nومن تلك الأسماء والأوصاف العديدة ما يلي (١):\nأ - القرآن. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: ٩) .\nب - الفرقان. قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: ١) .\nج - الذكر. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) .\nد - الكتاب. قال تعالى: ﴿ألم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: ١-٢) .\nهـ – التنزيل. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء: ١٩٢) .\nوالنور. قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (المائدة: ١٥) .\nز - الروح. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ (الشورى:٥٢) .\n_________\n(١) انظر: كتاب الإتقان في علو م القرآن، للحافظ السيوطي ١/٦٧.","vol":"1","page":13},{"text":"وغير ذلك من الأسماء والأوصاف التي ذكرها الله ﷾ للقرآن الكريم، تعظيمًا لكتابه، وتقديسًا له، وتخليدًا لذكره، ولفت انتباه الناس إلى أهميته وفضله وهيمنته على الكتب كلها.\nولكن الملاحظ أنه غلب من أسمائه: القرآن والكتاب.\nيقول الدكتور محمد عبد الله دراز يرحمه الله (١) «روعي في تسميته قرآنًا كونه متلوًا بالألسن، كما روعي في تسميته كتابًا كونه مدونًا بالأقلام،\nفكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه. وفي تسميته بهذين\nالاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد،\nأعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعًا، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلًا بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول مرة،\nولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر. وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمة المحمدية اقتداءً بنبيها ﷺ بقي القرآن محفوظًا في حرز حريز، إنجازًا لوعد الله الذي تكفل بحفظه، حيث يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) .\nالمطلب الرابع: خصائص القرآن الكريم.\nيتفرد القرآن العظيم بجملة من الخصائص، والفرائد التي تميزه عن غيره من الكتب السماوية السابقة، كما ترفعه عن غيره من كتب أهل الأرض،\n_________\n(١) النبأ العظيم، د. محمد عبد الله دراز ص ١٢-١٣.","vol":"1","page":14},{"text":"وهذه الخصائص والفرائد والمزايا عديدة ومتنوعة، ولا يمكن حصرها في صفحات محدودة، ولكن يمكن لنا الاشارة إلى أهم تلك الخصائص، والمتمثلة فيما يلي:\n١- أنه من عند الله:\nكما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة:٨٩) .\nوقال تعالى أيضًا: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ (النساء: ٨٢) .\n٢- أنه كلام الله تعالى:\nوهذه من أخص خصائص كتاب الله تعالى كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: ٦) .\n٣- نزوله منجمًا:\nوالمقصود بذلك نزول القرآن الكريم مفرقًا في مدة ثلاث وعشرين سنة (١) .\n_________\n(١) انظر: لمحات في علوم القرآن، لمحمد الصباغ ص ٣٢.","vol":"1","page":15},{"text":"أما الكتب السماوية السابقة فكانت تنزل دفعة واحدة (١) . ومن هنا كان تعجب المشركين من عدم نزول القرآن الكريم مرة واحدة، وهو ما حكاه الله تعالى بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (الفرقان: ٣٢) .\n٤- حفظ الله تعالى له:\nوهذه الخاصية تعني تكفل الله تعالى بحفظ كتابه من انتحال المبطلين، وادعاء المدعين، وتخرّص المكذبين وعدم ضياعه على توالي الدهور والليالي والأيام. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) .\nيقول الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: قرّر تعالى أنه هو الذي أنزل القرآن الكريم، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل (٢) .\n٥- هيمنته على الكتب السابقة:\nوالمقصود بذلك: إتيان القرآن على ما في الكتب السماوية السابقة، وشهادته عليها، واحتواؤه لفضائلها ومزاياها، وزيادته على ذلك.\nقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (المائدة: ٤٨) .\nيقول الحافظ ابن الجوزي في معنى الآية: وأصل كلمة مهيمن مؤيمن، وترد على أربعة أنحاء:\nأ - مؤتمنًا على ما قبله من الكتب.\nب - وشاهدًا عليها.\n_________\n(١) انظر: كتاب المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، لأبي شامة المقدسي ص١٣.\n(٢) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير ٢/٥٤٧.","vol":"1","page":16},{"text":"ج - والمصدق على ما أخبر عنها.\nد - والرقيب والحافظ عليها (١) .\n٦- ختمه للكتب السابقة:\nوالمقصود بذلك أن القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية نزولًا،\nفلا كتاب بعده إلى قيام الساعة، وفي هذا دليل على خصوصيته، وأهمية العناية والاهتمام به. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣) .\n٧- إعجازه:\nيمتاز القرآن العظيم بأنه كتاب معجز في كل شيء، وقد تحدى الله تعالى به العرب، وهم أهل اللغة، وأرباب البيان فعجزوا عن الإتيان بمثله أو بأقل سورة منه، مع قدرتهم على نظم الكلام وتذوقهم له، وانفرادهم من بين الأمم بخاصية القول، وعذوبته، وجماله، وتقديرهم له، وهذا واضح في شعرهم، ونثرهم. قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: ٨٨) .\n٨- يسره للناس:\nمن الخصائص العظيمة للقرآن الكريم أنه ميسر لكل من يطلع عليه، يطلب وجه الحق والخير والصواب، وهذا التيسير القرآني يشمل عدة جوانب منه: كقرائته، وحفظه، واستذكاره، وتدبره، وتأمله، ومعرفة علومه، ومعانيه\n_________\n(١) زاد المسير في علم التفسير، لابن الجوزي ٢/٣٧١.","vol":"1","page":17},{"text":"، وفقهه. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (القمر: ١٧) .\n٩- شموله للخلق أجمعين:\nإن من فرائد القرآن العظيم أنه كتاب لجميع الخلق، وذلك بعكس الكتب السماوية الأخرى التي كانت خاصة لأناس معينين. أما القرآن الحكيم فهو دعوة الله للناس أجمعين، وحجته على الخلق، ورسالته لجميع البشر.\nقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: ١٥٨) . وقال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (القلم: ٥٢) .\n١٠- تضمّنه لخيري الدنيا والآخرة:\nإن المتأمل في كتاب الله تعالى يجد أنَّه قد اشتمل على ما ينفع الإنسان في\nدنياه، وآخرته، فما من خيرٍ إلا ودلّه عليه، وما من شرٍّ إلا وحذَّره منه.\nقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: ٣٨) .","vol":"1","page":18},{"text":"المبحث الثاني: أهمية الدعوة إلى التمسّك بالقرآن الكريم.\nأرسل الله تعالى نبيه المصطفى، ورسوله المجتبى محمدا ﷺ، بخاتمة الرسائل، وآخر الدعوات، وأنزل معه الكتاب الكريم ليكون للعالمين نذيرًا،\nوهاديًا ودليلًا، وسراجًا منيرًا. وأمر الله ﵎ الناس بالتمسك بكتابه الكريم وحفظه، والعناية به، وعدم تفريطه، أو التهاون فيه. قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الزخرف: ٤٣) .\nيقول ابن جرير الطبري في تفسيره للآية الكريمة:\n«يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد ﷺ: فتمسّك يا محمد بما يأمرك به هذا القرآن الذي أوحاه إليك ربك، ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ومنهاج سديد، وذلك هو دين الله الذي أمر به، وهو الإسلام (١») .\nوقال الحافظ ابن كثير في تفسيره لهذه الآية الكريمة:\n«أي: خذ بالقرآن المنزل على قلبك فإنه هو الحق وما يهدي إليه هو الحق المفضي إلى صراط الله المستقيم، الموصل إلى جنات النعيم، والخير الدائم المقيم» (٢) .\nويقول الفخر الرازي في تفسيره لهذه الآية الكريمة:\n﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾: بأن تعتقد أنه حق، وبأن تعمل بموجبه، فإنه الصراط المستقيم الذي لا يميل عنه إلا ضال في الدين (٣) .\n_________\n(١) تفسير الطبري ١١/١٩١.\n(٢) تفسير ابن كثير ٤/١٢٨.\n(٣) التفسير الكبير للفخر الرازي ٩/٦٣٤.","vol":"1","page":19},{"text":"وقال القاسمي في تفسيره للآية الكريمة:\n﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يعني: دين الله الذي أمر به وهو الإسلام، فإنه كامل الاستقامة من كل وجه. قال الشهاب: هذا تسلية له ﷺ وأمر لأمته أوله، بالدوام على التمسك (١) .\nومن مجموع أقوال المفسرين للآية الكريمة، يمكن لنا الخلوص بالهدايات التالية:\n١- أهمية الاعتقاد الصحيح في دين الإسلام، وذلك يقتضي بأن تكون العقيدة الحقة بعيدة كل البعد عن الباطل والشرك والبدع.\n٢- أهمية التمسك بالقرآن الكريم، الذي هو وحي الله تعالى، ورسالته العظيمة، ودعوته الباقية للناس أجمعين.\n٣- أن التمسك بالقرآن العظيم يوصل بإذن الله تعالى إلى جنات النعيم، والخير الدائم المقيم.\n٤- أهمية العمل بالقرآن الكريم، وتطبيقه في واقع الحياة المعاش فإن ذلك من أعظم الأدلة، وأوثق البراهين على صدق دعوى التمسك به.\n٥- أن القرآن الكريم كامل الاستقامة من كل وجه، خال من العيوب، صافٍ من الكدورات، فاستحق بذلك التمسك والعمل والإيمان به.\n٦- وضوح المنهج الذي دعا به النبي ﷺ، لأنه منهج يسير على ضوء وتعاليم القرآن الكريم.\n٧- وفي الآية كذلك خطورة عدم التمسك بالقرآن الكريم، أو الميل عنه، وعدم الوثوق بعراه، وأن ذلك دلالة على الشقاء والعياذ بالله.\n_________\n(١) تفسير القاسمي ٨/٣٩٢.","vol":"1","page":20},{"text":"ويقول تعالى آمرًا نبيّه ﷺ بالدعوة إلى ما أمره به وأنزله عليه وهو القرآن الكريم، وعدم اتباع الأهواء المضلة: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ الشورى: ١٥) . في هذه الآية الكريمة أمرٌ من الله تعالى لنبيه ﷺ بالدعوة كما أمره وبينها له في كتابه الكريم، والاستقامة على ذلك، وعدم اتباع الأهواء المنحرفة والضالة.\nومن جملة ما أمره الله تعالى به: الإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام السابقين له، وكذلك أمره تعالى بالعدل بين الناس.\nكما أمر الله تعالى نبيَّه ﷺ أن ينبّه الناس إلى مسألة هامة ضل فيها كثير من البشر ألا وهي مسألة توحيد الله تعالى فهو سبحانه الإله والرب الذي لا شريك له، ولا ند له، ولا كفو له. ثم أمر الله تعالى نبيَّه ﷺ أن يقول للناس بأن لكل قوم عملهم، وأنه تعالى سوف يجمع الناس ويجازيهم على أعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.\nيقول الحافظ ابن كثير موضحًا تلك المعاني ومركزًا إياها في نقاط محددة:\nاشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات كل منها منفصلة عن التي قبلها، حكم برأسها، قالوا: ولا نظير لها سوى آية الكرسي، فإنها أيضًا عشر فصول كهذه. وقوله: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ أي فللذي أوحينا إليك","vol":"1","page":21},{"text":"من الدين الذي وَصَّينا به جميع المرسلين قبلك أصحاب الشرائع الكبار المتبعة كأولي العزم وغيرهم فادع الناس إليه. وقوله ﷿ ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، أي: واستقم أنت ومن اتبعك على عبادة الله تعالى كما أمركم الله ﷿. وقوله تعالى ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ يعني: المشركين فيما اختلقوه وكذّبوه وافتروه من عبادة الأوثان. وقوله جل وعلا: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ أي: صدقت بجيمع الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء لا نفرق بين أحد منهم. وقوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أي: في الحكم كما أمرني الله. وقوله: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ أي: هو المعبود لا إله غيره فنحن نقرّ بذلك اختيارًا وأنتم وإن لم تفعلوه اختيارًا فله يسجد من في العالمين طوعًا وإجبارًا. وقوله ﴿لنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ أي: نحن برآء منكم.. وقوله: ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ قال مجاهد: أي لا خصومة، قال السُّدِّي: وذلك قبل نزول آية السيف، وهذا متجه لأن هذه الآية مكية وآية السيف بعد الهجرة. وقوله ﷿: ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ أي: يوم القيامة.. وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمآب يوم الحساب. ا. هـ (١) .\nويتضح لنا من خلال تفسير الآية الكريمة:\nالأمر بالتمسّك بالقرآن العظيم، والاستقامة عليه، والدعوة إليه، والحذر مما يضاد ذلك كله، وهذا في الحقيقة راجع إلى أن: (القرآن الكريم هـوكتاب الدعوة الإسلامية الشاملة للعقيدة والشريعة، والذي اشتمل على بيان العقيدة في صفائها، وعلى وضع أسس التشريع في مختلف الجوانب التي تمس حياة العباد) (٢) .\n_________\n(١) تفسير ابن كثير ٤/١٠٩.\n(٢) انظر: هذا القرآن، لعبد الحي العمراني ص ٣٢.","vol":"1","page":22},{"text":"وكذلك اشتمل القرآن العظيم على الحقائق الكاملة التي حارت الإنسانية واختلفت فيها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (النمل: ٧٦) .\nوكذلك اشتمل كتاب الله تعالى على إيضاح المنهج القويم الذي ينبغي أن يسير عليه المؤمن في حياته دون عوج أو اضطراب كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: ٤٨) .\nكذلك تضمن كتاب الله تعالى الإخبار عن أحوال الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وما جاءوا به، وأمروا ونهوا عنه، كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء:١٦٥) .\nوتضمن كتاب الله تعالى أيضًا الوعد والوعيد، والجزاء الحاصل على الأعمال في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. كما قال تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥) .","vol":"1","page":23},{"text":"المبحث الثالث: مظاهر التمسّك بالقرآن الكريم.\nإن دعوى التمسك بالقرآن العظيم تحتاج إلى براهين تدلّ عليها، وإلى مظاهر تؤكدّها وترشد إليها.\nفمن مظاهر التمسك بالقرآن الكريم ما يلي:\nأولًا: الإيمان به:\nومقتضى هذا الاعتقاد الجازم الذي لا يخالطه شك ولا يمازجه ريب أن القرآن الكريم كلام الله تعالى، ووحيه إلى نبيّه محمد ﷺ، لدعوة الخلق أجمعين. كما قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام:١٩) .\nكما أن من لوازم الإيمان بالقرآن الكريم الإيمان الجازم بكل ما جاء فيه، واعتقاد أنه الحق والصواب، كما قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الحج: ٥٤) .\nيقول البيضاوي في تفسير هذه الآية:\n﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أن القرآن هو الحق النازل من عند الله ...، ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ بالقرآن أو بالله، ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ بالانقياد والخشية، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيما أشكل ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو نظر صحيح يوصلهم إلى ما هو الحق فيه (١) .\n_________\n(١) تفسير البيضاوي ٢/٩٣.","vol":"1","page":24},{"text":"كما أن من مقتضيات الإيمان بالقرآن الكريم: الإيمان بمتشابهه. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران: ٧) .\nيقول الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية:\n«يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أمّ الكتاب، أي: بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أُخرى فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن رَدَّ ما اشتبه إلى الواضح منه وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عكس انعكس» (١) .\nثانيًا: العمل به:\nومقتضى العمل بالقرآن، تنفيذ كل ما جاء في القرآن الكريم وذلك بتحليل حلاله، وتحريم حرامه، والالتزام الكامل بما دل عليه، وأرشد إليه، وعدم تجاوز ذلك أو مخالفته أو الزيادة عليه،لأن هذا من الكذب على الله تعالى. قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النحل: ١١٦-١١٧) .\nثالثًا: قراءته وتدبره:\nومعنى ذلك المداومة على قراءة القرآن الكريم، وعدم هجره، مع تدبر معانيه، وتأمل مراميه، والعلم بعقائده، ومعرفة أحكامه، وشرائعه. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (الفرقان:٣٠) .\n_________\n(١) تفسير ابن كثير ١/٣٤٤.","vol":"1","page":25},{"text":"يقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة:\nكان المشركون إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره حتى\nلا يسمعونه، فهذا من هجرانه، وترك الإيمان به وترك تصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره من هجرانه (١) .\nوقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ (النساء:٨٢) .\nوقال سبحانه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد:٢٤) .\nيقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في إيضاح المقصود بهذه الآية الكريمة:\nأي: فهلا يتدبر هؤلاء المعرضون لكتاب الله، ويتأملونه حق التأمل، فإنهم لو تدبروه، لدلهم على كل خير، ولحذرهم من كل شر، ولملأ قلوبهم من الإيمان، وأفئدتهم من الإيقان، ولأوصلهم إلى المطالب العالية والمواهب الغالية، ولبين لهم الطريق الموصلة إلى الله، وإلى جنته ومكملاتها ومفسداتها، والطريق الموصلة إلى العذاب، وبأي شيء يحذر، ولعرَّفهم بربهم، وأسمائه وصفاته، وإحسانه، ولشوقهم إلى الثواب الجزيل، ورهبهم من العقاب الوبيل. وقوله تعالى ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ أي: قد أغلق على ما فيها من الإعراض والغفلة، والاعتراض، وأقفلت، فلا يدخلها خير أبدًا (٢) .\n_________\n(١) تفسير ابن كثير ٣/٣١٧.\n(٢) تفسير ابن سعدي ٧/٨٠.","vol":"1","page":26},{"text":"رابعًا: حفظه:\nوالمقصود بذلك: حفظ القرآن في الصدور والسطور من الضياع أو الزيادة أو النقص أو الإهمال.\nولا ريب أن حفظ القرآن من أفضل الأعمال وأجلها وأزكاها، وهو مظهر عظيم من مظاهر التمسك بالقرآن الكريم، ودليل على العناية والاهتمام به.\nوحفظ القرآن الكريم يتطلَّب من المسلم الإخلاص لله تعالى، وتصحيح النية، وحسن التوجه والقصد، وطلب العون من الله تعالى، مع تفريغ القلب من الشواغل، وبذل الأسباب واتخاذ المسببات المعينة على الحفظ.\nولا ريب أن الله تعالى قد تكفل بحفظ كتابه الكريم بقوله سبحانه:\n﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) .\nيقول الخازن في تفسير هذه الآية الكريمة ما ملخصه:\n﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ يعني القرآن أنزلناه عليك يا محمد، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ الضمير في (له) يرجع إلى الذكر، يعني: وإنا للذكر الذي أنزلناه على محمد لحافظون، يعني: من الزيادة فيه، والنقص منه، والتغيير والتبديل والتحريف، فالقرآن العظيم محفوظ من هذه الأشياء كلها لا يقدر أحد من جميع الخلق من الجن والإنس أن يزيد فيه، أو ينقص منه حرفًا واحدًا أو كلمة واحدةً، وهذا مختص بالقرآن العظيم بخلاف سائر الكتب المنزلة فإنه قد دخل على بعضها التحريف، والتبديل والزيادة والنقصان، ولما تولى الله ﷿","vol":"1","page":27},{"text":"حفظ هذا الكتاب بقي مصونًا على الأبد محروسًا من الزيادة والنقصان ...، وقيض الله له العلماء الراسخين يحفظونه، ويذبون عنه إلى آخر الدهر (١) .\nولا ريب أن من الوسائل المفيدة لحفظ القرآن في الصدور انتشار حلقات تحفيظ القرآن الكريم في المساجد، وتربية الناشئة على ذلك، وتنشئتهم عليه منذ الصغر.\nومن وسائل حفظه كذلك إنشاء المدارس، والأقسام، والكليات التي تعنى بالقرآن الكريم وعلومه، والدراسات المتعلقة به مثل: كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، التي تقوم بدور هام وعظيم في تخريج الحفاظ العالمين، وكذا تعنى بالدراسات المتعلقة بالقرآن الكريم كعلوم القراءات والتفسير.\nأما طرق حفظ القرآن الكريم في السطور فإن وسائل الطباعة الحديثة، والتقنية العلمية المتطورة قد ساهمت في ذلك.\nومن الشواهد العظيمة للعناية بحفظ القرآن الكريم هو ما قامت به المملكة العربية السعودية من إنشاء (مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف)\nالذي وضع لبناته الأولى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود حفظه الله في ١٦ محرم ١٤٠٣هـ بالمدينة المنورة، وبدأ الإنتاج الفعلي في ٦ صفر ١٤٠٥هـ (٢) . ويقوم المجمع بطبع ملايين النسخ من المصحف الشريف طباعة صحيحة مراجعة خالية من أي عيب والحمد لله، ثم توزع في الداخل والخارج، وقد استفاد المسلمون في أقطار الأرض كافة من هذه الخدمة العظيمة، أجزل الله المثوبة لأولياء الأمور ووفقهم لخدمة كتابه العزيز.\n_________\n(١) انظر: تفسير الخازن ٣/٤٩٦-٤٩٧.\n(٢) انظر: الأنشطة الدعوية في المملكة العربية السعودية، د. صالح بن غانم السدلان ص ٢٥٤-٢٥٥.","vol":"1","page":28},{"text":"خامسًا: احترامه وتوقيره، والخشوع والإنصات عند سماع القرآن الكريم.\nإن من المظاهر الدالة على التمسك بالقرآن العظيم، احترامه وتوقيره\nوعدم إهانته بأي حال من الأحوال معنويًا أو قوليًا أو ماديًا، والإنصات عند سماع ذكر الله تعالى يتلى والخشوع واستجماع القلب والعقل بالتفكير والتدبر والخشوع الكامل له. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف:٢٠٤) .\nيقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية:\nلما ذكر الله تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة، أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظامًا له، واحترامًا (١) .\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀:\n«هذا الأمر عام في كل من سمع كتاب الله يتلى، فإنه مأمور بالاستماع له والإنصات. والفرق بين الاستماع والإنصات، أن الإنصات في الظاهر بترك التحدث أو الاشتغال بما يشغل عن استماعه.\nوأما الاستماع له فهو أن يلقي سمعه، ويحضر قلبه، ويتدبر ما يستمع. فإن من لازم على هذين الأمرين، حين يتلى كتاب الله، فإنه ينال خيرًا كثيرًا، وعلمًا غزيرًا، وإيمانًا مستمرًا متجددًا، وهدى متزايدًا، وبصيرة في دينه. ولهذا رتب الله حصول الرحمة عليهما. فدلَّ ذلك على أن من تلي عليه الكتاب، فلم يستمع له ولم ينصت، أنه محروم الحظ من الرحمة قد فاته خير كثير\n_________\n(١) تفسير ابن كثير ٢/٢٨٠.","vol":"1","page":29},{"text":"ومن أوكد ما يؤمر مستمع القرآن أنه يستمع له وينصت في الصلاة الجهرية إذا قرأ إمامه فإنه مأمور بالإنصات» (١) .\nسادسًا: الدعوة إليه:\nإن من عظيم مظاهر التمسك بالقرآن الكريم الدعوة إليه، وإلى ما تضمنه من العقائد والشرائع والأحكام والآداب والأخلاق وإلى ما حث النظر إليه، والتفكر فيه، وكذا إلى إخباره عن المغيبات وإلى ما كان وإلى ما سيكون، وإلى كل خير تضمّنه كتاب الله تعالى.\nفالقرآن العظيم هو الكتاب الوحيد المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من أي وجه من الوجوه كما قال تعالى عنه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: ٤٢) .\nيقول الحافظ ابن كثير في تفسيره للآية:\n«أي: ليس للبطلان إليه سبيل لأنه منزل من رب العالمين ولهذا قال ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ أي: حكيم في أقواله وأفعاله حميد بمعنى محمود، أي: في جميع ما يأمر به وينهى عنه الجميع، محمودة عواقبه وغاياته» (٢) .\nوقال السيد محمود الألوسي في إيضاح آخر للآية الكريمة:\n«هذه - صفة أخرى لكتاب، وما بين يديه وما خلفه كناية عن جميع الجهات، كالصباح والمساء كناية عن الزمان كله، أي لا يتطرق إليه الباطل من جميع جهاته، وفيه تمثيل لتشبيهه بشخص حمي من جميع جهاته فلا يمكن أعداؤه الوصول إليه لأنه في حصن حصين من حماية الحق المبين، وجوز أن\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن سعدي ٣/١٣٨.\n(٢) تفسير ابن كثير ٤/١٠٢.","vol":"1","page":30},{"text":"يكون المعنى لا يأتيه الباطل من جهة ما أخبر به من الأخبار الماضية والأمور الآتية.\nوقيل: الباطل بمعنى المبطل.. أو هو مصدر كالعافية بمعنى مبطل أيضًا، وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ أي: محمود على ما أسدى من النعم التي منها تنزيل الكتاب، وحمده سبحانه: بلسان الحال متحقق من كل مُنْعَم عليه، وبلسان المقال متحقق ممن وفق لذلك، خبر مبتدأ محذوف، أو صفة أخرى لكتاب، مفيدة لفخامته الإضافية كما أن الصفتين السابقتين مفيدتان لفخامته الذاتية» (١) .\nوالمتحصل من كلام المفسرين - رحمهم الله تعالى - في معنى الآية الكريمة:\nأن الله تعالى: حافظ كتابه الكريم من تطرق الباطل إليه بأي وجه من الوجوه في أي وقت من الأوقات وبأي شيء من الأشياء الباطلة الحسية أو المعنوية، فهو كتاب مصون، محفوظ مكلوء بالعناية والرعاية الإلهية لأنه تنزيل من الله تعالى الحكيم في كل أفعاله، الحميد في كل أموره وشؤونه.\nولا ريب أن هذا الكتاب المحفوظ المصون هو كتاب الدعوة ومن حقوقه على كل مسلم أن يدعو الناس إليه وبه. كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل:١٢٥) .\nومما فسرت به الحكمة هنا: القرآن الكريم (٢) .\n_________\n(١) روح المعاني، للألوسي ١٢/٣٧٨-٣٧٩.\n(٢) انظر: زاد المسير لابن الجوزي ٤/٥٠٦.","vol":"1","page":31},{"text":"وقد دعا ﷺ إلى كتاب الله تعالى، وإلى ما أنزل إليه فيه وأعظمه التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، وأجمعت الأمة وسلفها الصالح، وخيارها ودعاتها الأبرار على هذا النهج.\nسابعًا: الالتزام بمنهجه:\nإن قضية الالتزام بالمنهج مهمة جدًا في أي أمر من الأمور، بل وفي حياة الأمم والشعوب. قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة:٤٨) .\nيقول الحافظ ابن كثير في تفسيره للآية الكريمة:\nقال ابن عباس: شرعة: سبيلًا، ومنهاجًا: سنة. وبه قال مجاهد وعكرمة والحسن البصري وقتادة والضحاك والسدي وأبو إسحاق السبيعي - ثم قال ابن كثير ﵀ - فإن الشرعة وهي: الشريعة أيضًا هي: ما يبتدأ فيه إلى الشيء، ومنه يقال: شرع في كذا أي ابتدأ فيه، وكذا الشريعة وهي ما يشرع فيها إلى الماء.. أما المنهاج، فهو: الطريق الواضح السهل، والسنن الطرائق.\nثم ذكر ابن كثير ﵀ وجهًا آخر في تفسير الآية فقال: وقيل المخاطب بهذه الآية هذه الأمة، ومعناه لكل جعلنا القرآن منكم أيتها الأمة شرعة ومنهاجًا أي هو لكم كلكم تقتدون به، وحذف الضمير المنصوب في قوله ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ أي: جعلناه يعني القرآن شرعة ومنهاجًا، أي: سبيلًا إلى المقاصد الصحيحة، وسنةً، أي: طريقًا ومسلكًا واضحًا بينًا.\nثم يرجح ابن كثير ﵀ بين القولين بقوله: والصحيح القول الأول (١) .\nوقال الفخر الرازي في تفسيره للآية الكريمة ملخصًا أقوال العلماء:\n_________\n(١) تفسير ابن كثير ٢/٦٦.","vol":"1","page":32},{"text":"قال بعضهم: الشرعة والمنهاج عبارتان عن معنى واحد، والتكرير للتأكيد، والمراد بهما الدين.\nوقال آخرون: بينهما فرق، فالشرعة عبارة عن مطلق الشريعة، والطريقة عبارة عن مكارم الشريعة، وهي المراد بالمنهاج، فالشريعة أول، والطريقة آخر.\nوقال المبرّد: الشريعة ابتداء الطريقة، والطريقة المنهاج المستمر (١) .\nوالحاصل أنه ينبغي على المسلم الالتزام بالمنهج القرآني في عقيدته وعبادته ومعاملته وأخلاقه وسائر شؤونه وتصرفاته، وذلك لأنه النهج الأمثل والأعلم والأحكم والأسلم.\nوالمتأمل في منهج القرآن الكريم يجد الخير كل الخير، والسعادة الأبدية، والفضائل التي بحث عنها البشر فأعجزتهم، والكمالات التي تسمو بالإنسانية إلى مراتب عالية رفيعة، ناهيك عن العقيدة العظيمة، والشريعة الكاملة السوية. قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (الجاثية: ١٨-١٩-٢٠) .\nثامنًا: التخلق بأخلاقه:\nإن من مظاهر التمسك بكتاب الله تعال التخلق بالأخلاق العالية التي حث عليها، والمسالك الرفيعة التي أمر بها، والصفات النبيلة التي ندب إليها.\n_________\n(١) التفسير الكبير، للفخر الرازي ٤/٣٧٣.","vol":"1","page":33},{"text":"وكتاب الله تعالى كله خير، وفضل، وخلق كريم لمن أراد التخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه. وكا ن ﷺ صاحب الخُلق الكامل، وقد أثنى ربه ﵎ عليه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤) .\nوكانت جميع أخلاقه ﷺ مستمدة من القرآن الكريم، فعندما سئلت\nأم المؤمنين عائشة ﵂ عن خُلقه ﷺ قالت: فإن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن (١) .\n_________\n(١) صحيح مسلم ١/٥١٣ كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل (رقم ٧٤٦) .","vol":"1","page":34},{"text":"المبحث الرابع: فضائل التمسّك بالقرآن الكريم.\nإن للتمسّك بالقرآن الكريم فضائل عديدة، ومزايا كثيرة تجل عن الوصف، وما ذاك إلا لأن كتاب الله تعالى كله فضائل وخيرات ومكارم في الدنيا والآخرة.\nفمن فضائله العديدة ما يلي:\nأولًا: حصول السعادة الدائمة، لمن آمن بكتاب الله تعالى، واعتقد صحة ما فيه، وعمل به في حياته.\nقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (هود: ١٠٥-١٠٦-١٠٧-١٠٨) .\nثانيًا: الفوز بالرضا الكامل من الله تعالى، لمن تمسك بكتابه، والتزمه، وسلك مسلك الصالحين وخشى ربه.\nقال تعالى: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (البينة: ٧-٨.) .","vol":"1","page":35},{"text":"ثالثًا: الهداية للتي هي أقوم، والبشارة للمؤمنين، المتبعين لهدي القرآن، المستمسكين به. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: ٩) .\nيقول الشيخ ابن سعدي في تفسيره للآية الكريمة:\nيخبر تعالى عن شرف القرآن وجلالته، وأنه ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾\nأي: أعدل وأعلى، من العقائد، والأعمال، والأخلاق. فمن اهتدى بما يدعو إليه القرآن، كان أكمل الناس، وأقومهم، وأهداهم في جميع الأمور ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ من الواجبات والسنن ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ أعده الله لهم في دار كرامته، لا يعلم وصفه إلا هو -﷾ - (١) .\nرابعًا: كونه شفاء وعافية ورحمة وهدى للمؤمنين. إن التمسك بكتاب الله تعالى حق التمسك يمد المؤمن بالشفاء والعافية وكذلك بالرحمة في الدنيا والآخرة.\nولا ريب أن القرآن الكريم طب القلوب والأبدان، ففيه دواء بإذن الله تعالى، وفيه شفاء وعافية لمن أخلص النيّة، وأحسن القصد، وأعظم الثقة بالله تعالى وبكتابه الكريم.\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: ٥٧) .\n_________\n(١) تفسير ابن سعدي ٤/٢٦٤.","vol":"1","page":36},{"text":"ففي هذه الآية الكريمة يلفت الله تعالى أنظار الناس إلى أنه: قد جاءتكم موعظة من ربكم تذكركم عقاب الله وتخوفكم وعيده، وهي القرآن وما اشتمل عليه من الآيات والعظات لإصلاح أخلاقكم وأعمالكم، وفيه دواء لما في القلوب من الجهل والشرك وسائر الأمراض، ورشد لمن اتبعه من الخلق فينجيه من الهلاك، جعله ﷾ نعمة ورحمة للمؤمنين، وخصهم بذلك؛ لأنهم المنتفعون بالإيمان، وأما الكافرون فهو عليهم عمى (١) .\nوقال تعالى في موضع آخر من كتابه الكريم مؤكدًا شفاء كتابه الكريم لأمراض الناس وعللهم: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (الإسراء: ٨٢) .\nيقول الحافظ ابن كثير ﵀ في إيضاح المقصود بهذه الآية الكريمة:\n«يقول تعالى مخبرًا عن كتابه.. إنه شفاء ورحمة للمؤمنين أي: يذهب ما في القلوب من أمراض من شك ونفاق وشرك وزيغ وميل، فالقرآن يشفي من ذلك كله، وهو أيضًا رحمة يحصل فيها الإيمان، والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به، وصدقه، واتبعه، فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة، وأما الكافر الظالم نفسه بذلك فلا يزيده سماعه القرآن إلا بعدًا وكفرًا، والآفة من الكافر لا من القرآن (٢») .\nوأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها (٣) .\n_________\n(١) التفسير الميسر ص٢١٥.\n(٢) تفسير ابن كثير ٣/٥٩.\n(٣) صحيح البخاري ٣/٣٤٤ كتاب فضائل القرآن، باب فضل المعوذات (رقم ٥٠١٦) .","vol":"1","page":37},{"text":"وعن عائشة ﵂: أن النبي صلى الله عليهوسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قل أعوذ برب الناس﴾ ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات (١) .خامسًا: حصول الأجر العظيم على قراءة القرآن الكريم.\nإن قراءة القرآن الكريم، والمداومة عليها، مطلوبة من كل مسلم ومسلمة كما قال تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (المزمل: ٢٠) .\nولا ريب أن المؤمن القارئ لكتاب الله تعالى سوف يحصل على الأجر العظيم والخير العميم، وله فضل على من سواه من الناس. فعن أنس بن مالك ﵁ عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: مثل الذي يقرأ القرآن كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة طعمها طيب ولا ريح فيها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن، كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن، كمثل الحنظلة طعمها مر، ولا ريح لها (٢) .\nومما قاله الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث: «وفي الحديث فضيلة حاملي القرآن، وضرب المثل للتقريب للفهم، وأن المقصود من تلاوة القرآن العمل بما دَلَّ عليه (٣») .\n_________\n(١) صحيح البخاري ٣/٣٤٤ كتاب فضائل القرآن، باب فضل المعوذات (رقم ٥٠١٧) .\n(٢) رواه البخاري في صحيحه ٣/٣٤٥ كتاب فضائل القرآن، باب فضل القرآن على سائر الكلام (رقم ٥٠٢٠) .\n(٣) فتح الباري، لابن حجر ٨/٦٨٥.","vol":"1","page":38},{"text":"ومن أنواع الأجر الذي يتحصل عليه قارئ القرآن أن له بكل حرف حسنة والحسنة بعشر أمثالها، وهذا فضل وخير ولطف من الله تعالى بهذه الأمة، التي هي خير الأمم.\nفعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه (١) .\nيقول الحافظ المباركفوري في تعليقه على المقصود بالحرف الوارد في الحديث: والحرف يطلق على حرف الهجاء، والمعاني، والجملة المفيدة، والكلمة المختلفة في قراءتها، وعلى مطلق الكلمة (٢) .\nوأما الأجر المتحصل لقارئ القرآن يوم القيامة فهو عظيم وجزيل.\nفعن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتِّل كما كنت ترتّل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٣) .\nومن فضائل قارئ القرآن الكريم التي ينفرد ويتميزّ بها عن الناس أنه مرافق للملائكة الكرام البررة.\n_________\n(١) سنن الترمذي ٥/١٧٦ كتاب فضائل القرآن، باب: ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن ما له من الأجر (رقم ٢٩١٠)، وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر: صحيح سنن الترمذي ٣/٩ (رقم ٢٣٢٧) .\n(٢) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، للإمام المباركفوري ٨/١٨٢.\n(٣) سنن الترمذي ٥/١٧٧ كتاب فضائل القرآن، باب ١٨ (رقم ٢٩١٤)، وقال الشيخ الألباني: حسن صحيح. انظر: صحيح سنن الترمذي ٣/١٠ (رقم ٢٣٢٩) .","vol":"1","page":39},{"text":"فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران (١) .\nيقول الإمام النووي ﵀ في شرحه للحديث. «السفرة، جمع سافر ككاتب، وكتبة، والسافر: الرسول، والسفرة: الرسل، لأنهم يسفرون إلى الناس برسالات الله وقيل السفرة الكتبة، والبررة المطيعون من البر وهو الطاعة، والماهر: الحاذق الكامل الحفظ الذي لا يتوقف ولا يشق عليه القراءة بجودة حفظه واتقانه. قال القاضي: يحتمل أن يكون معنى كونه مع الملائكة أنه له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقًا للملائكة السفرة ولاتصافه بصفتهم من حمل كتاب الله تعالى. قال: ويحتمل أن يراد أنه عامل بعملهم، وسالك مسلكهم، وأما الذي يتتعتع فيه فهو الذي يتردد في تلاوته لضعف حفظه فله أجران، أجر بالقراءة وأجر بتتعتعه في تلاوته ومشقته. قال القاضي وغيره من العلماء: وليس معناه الذي يتتعتع عليه له من الأجر أكثر من الماهر به، بل الماهر أفضل وأكثر أجرًا لأنه مع السفرة، وله أجور كثيرة، ولم يذكر هذه المنزلة لغيره وكيف يلحق به من لم يعتن بكتاب الله تعالى وحفظه واتقانه وكثرة تلاوته وروايته كاعتنائه حتى مهر فيه والله أعلم (٢») .\nسادسًا: خيرية من تعلَّم القرآن وعلمه.\n_________\n(١) رواه مسلم في صحيحه ١/٥٤٩-٥٥٠ كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل الماهر بالقرآن والذي يتتعتع فيه (رقم ٧٩٨)، ورواه الترمذي في سننه ٥/١٧١ كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل قارئ القرآن (رقم ٢٩٠٤)، وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر: صحيح سنن الترمذي ٣/٩ (رقم ٢٣٢٥) .\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ٦/٨٤-٨٥.","vol":"1","page":40},{"text":"إن في تعلّم القرآن الكريم وتعليمه خيرا كثيرا، وفضلا جزيلا وذلك لما يعود على العالم والمتعلم من الأجر والمثوبة.\nفعن عثمان بن عفان ﵁ عن النبي ﷺ قال: خيركم من تعلم القرآن وعلمه. ورواية أخرى: إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه (١) .\nيقول الحافظ ابن حجر ﵀ في شرحه للحديث. «يحتمل أن يكون المراد بالخيرية من جهة حصول التعليم بعد العلم، والذي يعلم غيره يحصل له النفع المتعدي بخلاف من يعمل فقط، بل من أشرف العمل تعليم الغير، فمعلم غيره يستلزم أن يكون تعلمه، وتعليمه لغيره عمل وتحصيل نفع متعد، ولا يقال لو كان المعنى حول النفع المتعدي لاشترك كل من علم غيره علمًا ما في ذلك، لأنا نقول القرآن أشرف العلوم فيكون مَنْ تعَلَّمه وعلمه لغيره أشرف ممن تعلم غير القرآن وإن علمه فيثبت المدعي. ولا شك أن الجامع بين تعلّم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدي ولهذا كان أفضل، وهو من جملة من عني ﷾ بقوله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: ٣٣) والدعاء إلى الله يقع بأمور شتى من جملتها تعليم القرآن وهو أشرف الجميع ... إلى أن قال الحافظ ابن حجر ﵀:\nويحتمل أن تكون الخيرية وإن أطلقت لكنها مقيدة بناس مخصوصين خوطبوا بذلك كان اللائق بحالهم ذلك، أو المراد خير المتعلمين من يعلم غيره لا من\n_________\n(١) رواه البخاري في صحيحه ٣/٣٤٦-٣٤٧ كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه (رقم ٥٠٢٧-٥٠٢٨) .","vol":"1","page":41},{"text":"يقتصر على نفسه، أو المراد مراعاة الحيثية لأن القرآن خير الكلام فمتعلمه خير من متعلم غيره بالنسبة إلى خيرية القرآن، وكيفما كان فهو مخصوص بمن علم وتعلم بحيث يكون قد علم ما يجب عليه عينًا (١) .\nوقد كان سلف الأمة الصالح يتعاهدون القرآن الكريم علمًا وتعلّمًا وتعليمًا، وكانت لهم في ذلك عناية ورعاية خاصة، ومن آثارهم الدالة على ذلك.\nعن ابن مسعود ﵁ قال: إن كل مؤدب يحب أن يؤتى أدبه، وإن أدب الله ﵎ القرآن (٢) .\nوعن الأعمش قال: مر أعرابي بعبد الله بن مسعود ﵁ وهو يقرئ قومًا القرآن، أو قال: وعنده قوم يتعلمون القرآن، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقال ابن مسعود: يقتسمون ميراث محمد ﷺ (٣) .\nوعن عمرو بن قيس السكوني قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص﵄ - يقول: عليكم بالقرآن، فتعلموه وعلموه أبناءكم، فإنكم عنه تسألون، وبه تجزون وكفى به واعظًا لمن عقل (٤) .\nومن آثار السلف الصالح الدالة على حث الناس على تعلَّم القرآن وتعليمه ومن ثم حصول الأجر والخير والمثوبة.\nقول كعب: عليكم بالقرآن، فإنه فهم العقل ونور الحكمة، وينابيع العلم، وأحدث الكتب بالرحمن عهدًا، وقال في التوراة: يا محمد، إني منزل عليك توراة حديثة، تفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صُمًا، وقلوبًا غُلفًا (٥) .\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٨/٦٩٤.\n(٢) فضائل القرآن ومعالمه وآدابه، لأبي عبيد القاسم بن سلام ١/٢٤١، وانظر الأثر في سنن الدارمي ٢/٨٩١.\n(٣) فضائل القرآن ومعالمه وآدابه، لأبي عبيد القاسم بن سلام ١/٢٤١.\n(٤) المصدر السابق ١/٢٤٣.\n(٥) سنن الدارمي ٢/٨٩١.","vol":"1","page":42},{"text":"وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: إن هذا القرآن كان لكم أجرًا، وكائن لكم ذكرًا، وكائن بكم نورًا، وكائن عليكم وزرًا، اتبعوا هذا القرآن، ولا يتبعنكم القرآن، فإنه من يتبع القرآن يهبط في رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن يزُخُّ في قفاه، فيقذفه في جهنم (١) .\n_________\n(١) سنن الدارمي ٢/٨٩٢، ومعنى يزخ: يدفع.","vol":"1","page":43},{"text":"الفصل الثاني آثار التمسّك بالقرآن الكريم في حياة المسلمين\nويتضمن ستة مباحث:\nالمبحث الأول: الأثر الإيماني والتعبدي.\nالمبحث الثاني: الأثر الدعوي والإصلاحي.\nالمبحث الثالث: الأثر الخلقي والمسلكي.\nالمبحث الرابع: الأثر العلمي والفكري.\nالمبحث الخامس: الأثر الإنساني والحضاري.\nالمبحث السادس: الأثر الأمني الشامل.","vol":"1","page":44},{"text":"المبحث الأول: الأثر الإيماني والتعبدي.\nللقرآن الكريم آثاره العظيمة في المجتمع المسلم، ولعل أعظم ذلك الأثر الإيماني والأثر التعبدي.\nوالمتأمل في أحوال الجاهلية وما كانت عليه من شرك، وظلم، وفساد في المعتقد، وعكوف على الأصنام والأوثان والأحجار، يدرك مدى ما كان عليه أولئك الناس من ضلال مبين.\nوهو ما ذكره الله تعالى في معرض امتنانه على هذه الأمة بقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: ٢) .\nوالإيمان الذي نعنيه هو: الاعتقاد بالجنان، والنطق باللسان والعمل بالجوارح والأركان (١) .\nوهو كما يقول الإمام ابن القيم الجوزية ﵀: هو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول ﷺ علمًا، والتصديق به عقدًا، والإقرار به نطقًا، والانقياد له محبةً وخضوعًا، والعمل به باطنًا وظاهرًا، وتنفيذه والدعوة إليه بحسب الإمكان، وكما له في الحب في الله، والبغض في الله، والعطاء لله، والمنع لله، وأن يكون الله وحده إلهه ومعبوده، والطريق إليه تجريد متابعةرسول ﷺ ظاهرًا وباطنًا، وتغميض عين القلب عن الالتفات إلى سوى الله ورسوله (٢) .\n_________\n(١) انظر: الإيمان، للإمام ابن تيمية ص ١٦٢، وشرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز ص ٣٣١، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني ١/٤٢٦.\n(٢) الفوائد، للإمام ابن القيم ص ١٤٠.","vol":"1","page":45},{"text":"وقد أكد الله تعالى الإيمان وبين أهميته ولوازمه في كتابه الكريم فقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (البقرة: ١٧٧) .\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات:١٥) .\nوفي حديث جبريل - المشهور - الذي يرويه عمر بن الخطاب ﵁، وسؤاله له للنبي ﷺ عن الإيمان بقوله: \" فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت ... \" الحديث (١) .\nومعلوم النقلة الإيمانية العظيمة التي أحدثها القرآن الكريم في نفوس المسلمين، فانقاد الناس لتوحيد رب العالمين، وانغرست في قلوبهم معاني الخير للناس أجمعين.\nكذلك أثمر الإيمان في نفوس الناس التقوى والإخبات لله تعالى والخوف والخشية منه ومراقبته تعالى في السر والعلن، فكان لذلك الأمر نتائجه العظيمة في صلاح الناس واستقامة أحوالهم.\nوأما الأثر التعبدي الذي أحدثه القرآن الكريم في المجتمع المسلم فهو بلا شك أثر عظيم وكبير وذو فوائد جَمَّة عديدة.\n_________\n(١) صحيح مسلم ١/٣٦ كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله ﷾ وبيان الدليل على التبرّي ممن لا يؤمن بالقدر، وإغلاظ القول في حقه (رقم ١) .","vol":"1","page":46},{"text":"والعبادة التي نعنيها ليست قاصرة على نوع محدد من العبادات بل هي شاملة لكل ما يطلق عليه اسم العبادة.\nوهي كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: اسم جامع لكل ما يحبّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة (١) .\nوالعبادة تستغرق جميع احوال المسلم وتصرفاته، فكل قصد وقول وعمل يريد به المسلم طاعة الله تعالى فهو عبادة، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٢-١٦٣) .\nوالعبادة المطلوبة شرعًا هي التي تكون خالصة لله تعالى، صالحة، بعيدة عن الشرك، مقتفية أثر النبي ﷺ وملتزمة بمنهجه. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (الزمر:٢- ٣)، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: ١١٠) .\n_________\n(١) العبودية، للإمام ابن تيمية ص٣٨.","vol":"1","page":47},{"text":"المبحث الثاني: الأثر الدَّعوي والإصلاحي.\nإن من آثار القرآن العظيمة في المجتمع: أثره في دعوة الناس إلى الله تعالى، وإصلاحهم في مختلف المجالات الاجتماعية والحياتية. والدعوة إلى الله تعالى\nلا تقتصر على أمر معين بل ينتظم فيها كل ما يهم المسلم في دينه ودنياه، وبمعنى آخر: تعدُّ الدعوة صياغة جديدة لحياة المسلم، مبناها على التوحيد الخالص لله تعالى، والالتزام بشرعه، والتمسك بأمره والابتعاد عن نهيه.\nومن هنا كانت النقلة النوعية العظيمة في حياة المجتمعات الإنسانية حينما ابتدأت الدعوة الإسلامية وظهرت وانتشرت. فدخل الناس في دين الله أفواجًا، واستقامت حياتهم على الحق والخير والهدى والصلاح.\nقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم: ١)، ودعوة الناس وإصلاحهم وإرشادهم هي وظيفة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ (النحل: ٣٦) .\nوالداعية الموفق هو الذي يدعو إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة وبعيد كل البعد عن الإساءة أو الغلظة، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: ١٢٥) .\nكما أن الدعوة ينبغي أن تسير على المنهج الإيماني القويم، والسبيل النبوي الكريم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: ١٠٨) .","vol":"1","page":48},{"text":"والداعية إلى الله تعالى ينبغي أن يكون واضحًا كالكتاب المقروء\nوأن لا يخالف قوله فعله، وأن يسلك بالناس المسالك الصالحة الحميدة،\nكما قال تعالى واصفًا حال شعيب ﵇ مع قومه: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: ٨٨) .\nولا ريب أن الأثر الدعوي والإصلاحي الذي أحدثه القرآن الكريم في المجتمع المسلم أثر عظيم وكبير، ليس فقط في داخل الأمة الإسلامية، بل وتأثرت به المجتمعات الإنسانية الأخرى. وأصبحت تلك المجتمعات تنظر إلى المسلمين نظرة الإعزاز والتقدير، وتتمنى أن تصل إلى ما وصل إليه المسلمون في حياتهم وشؤونهم الخاصة والعامة.","vol":"1","page":49},{"text":"المبحث الثالث: الأثر الخلقي والمسلكي.\nللخلق والمسلك الحسن أهمية كبرى في حياة أي مجتمع من المجتمعات. وقد أوضح كتاب الله تعالى الأخلاق والمسالك الحميدة التي ينبغي أن يكون عليها المسلم، سواء في ألفاظه، أو أعماله، أو تصرفاته، أو طباعه، أو معاملته مع الآخرين.\nولا ريب أن حالة المجتمعات قبل الإسلام حالة يرثى لها في التدني الخلقي، والانحراف المسلكي، والانحطاط الإجتماعي، وهو ما يوضحه قول جعفر بن أبي طالب؟ للنجاشي ملك الحبشة حينما سأله عن الدين الذي من أجله فارقوا قومهم وأهليهم. فقال له جعفر: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويّ مِنَّا الضّعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده، ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرَّحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام.. (١) .\nوالحقيقة أن أخلاق القرآن العالية، ومسالكه الرفيعة تجل عن الوصف، فما من خلق كريم إلا ودل القرآن عليه، وما من مسلك جميل إلا وأرشد القرآن إليه.\nومن هنا كانت المنظومة الإجتماعية القوية التي أرسى دعائمها القرآن الكريم، وأحاطها بسياج من الخلق والأدب الرفيع، والتعامل الذي لا يوجد له مثيل.\n_________\n(١) سيرة النبي صلى اللله عليه وسلم، لابن هشام ١/٣٥٨.","vol":"1","page":50},{"text":"ومن الأمثلة القرآنية على الأخلاق والمسالك الفردية والجماعية، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: ٦)، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ (الحجرات: ١١-١٢) .\nوقال تعالى معددًا بعض أوصاف المؤمنين الصادقين وأخلاقهم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (المؤمنون: ١-٩) .\nوقال تعالى مبينًا آداب الاستئذان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (النور: ٢٧-٢٨) .","vol":"1","page":51},{"text":"وقال تعالى منبهًا على ما يجب أن يتصف به المؤمنون والمؤمنات من أخلاق ومسالك عالية رفيعة: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور:٣٠-٣١) .\nومن الأخلاق القرآنية العظيمة الخاصة بالمؤمنين، قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا. إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا. وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا. وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا. وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا","vol":"1","page":52},{"text":"وقال تعالى منبهًا على ما يجب أن يتصف به المؤمنون والمؤمنات من أخلاق ومسالك عالية رفيعة: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور:٣٠-٣١) .\nومن الأخلاق القرآنية العظيمة الخاصة بالمؤمنين، قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا. إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا. وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا. وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا. وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ (الفرقان: ٦٣-٧٦) .","vol":"1","page":53},{"text":"المبحث الرابع: الأثر العلمي والفكري.\nأول ما نزل على قلب رسول الله ﷺ، قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: ١-٥) .\nومنذ نزول تلك الآيات المباركات طويت صفحات، وابتدأت صفحات في تاريخ الإنسانية جمعاء. طويت صفحات الجهل والخرافة والوهم والتخلف العلمي والعقلي والفكري، وابتدأت صفحات من نور العلم والمعرفة والعقل والفكر الصحيح.\nولا ريب أن المتأمل في أحوال المجتمعات البشرية قبل الإسلام وما بعده يدرك صحة هذا القول.\nوكتاب الله تعالى قد تضمّن الإشارة إلى أهمية العلم، وتميز العالم، والهدف من التفكير الصحيح.\nقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: ١١) .\nوقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: ١١٤) .\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٢٨) .\nوقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر:٩) .\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: ١٩٠-١٩١) .","vol":"1","page":54},{"text":"وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ (سبأ: ٤٦) .\nوقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ (الروم: ٨) .\nكما تضمّن كتاب الله تعالى الإشارة إلى بعض الحقائق العلمية التي سيقت مساق الهداية، كقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ الحجر:٢٢) .\nوقد أثبت العلم الحديث أن من وسائل تلقيح النبات الرياح لأنها تنقل الملقحات من عضو التذكير النباتي إلى عضو التأنيث النباتي (١) .\nومن الآيات التي فيها إشارة علمية كذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: ١٢٥) .\nوتشير هذه الآية الكريمة إلى ظاهرة نقصان الأوكسجين في طبقات الجو العليا، فيتأثر الجسم نتيجة ذلك، وقد أثبت العلم الحديث أنه كلما ارتفعنا في الجو قَلَّ الضغط الجوي، وبالتالي الضغط الجوي للأوكسجين.\nويعد عنصر الأوكسجين أهم عناصر الهواء المستنشق الذي يتركب من الآتي: ٢٠.٩٥ % غاز أوكسجين.\n٧٨.٠٩ % غاز نيتروجين.\n٠٠.٠٣ % غاز ثاني أوكسيد الكربون.\n_________\n(١) انظر: مباحث في علوم القرآن، لمناع القطان ص ٢٧٢.","vol":"1","page":55},{"text":"الباقي: غازات غير هامة لوظائف الجسم.\nوأما ظاهرة (الحرج) الواردة في الآية الكريمة فهو الذي يمثله الارتفاع الحرج الذي يهبط فيه الضغط إلى ٨٧مم/زئبق والبالغ ٥٠.٠٠٠ قدم وهنا حتى استنشاق الأوكسجين الصافي ١٠٠ % لا يفي بتاتًا بحاجة الجسم من الأوكسجين.\nويقسم العلماء مراحل أعراض ظاهرة نقص الأوكسجين إلى أربعة مراحل تتعلق بالضغط الجوي ومستوى الارتفاع، ونسبة تركيز الأوكسجين في الدم وهي:\n١- مرحلة عدم التغيير (من مستوى سطح البحر إلى الارتفاع ١٠.٠٠٠ قدم) وفي هذه المرحلة لا توجد أعراض لنقص الأوكسجين، ولا تتأثر الرؤية بالنهار.\n٢- مرحلة التكافؤ (الفسيولوجي) (من ارتفاع ١٠.٠٠٠ قدم إلى ١٦.٠٠٠ قدم) وتعمل أجهزة التكافؤ (الفسيولوجي) في هذه المرحلة على عدم ظهور أعراض نقص الأوكسجين إلا إذا طالت مدة التعرض لهذا النقص، أو قام الفرد بمجهود جسماني في هذه الظروف فتبدأ عملية التنفس في الازدياد عددًا وعمقًا، ويزيد النبض، وضغط الدم، وكذلك سرعة الدورة الدموية.\n٣- مرحلة الاختلال (الفسيولوجي) (من ارتفاع ١٦.٠٠٠ قدم إلى ٢٥.٠٠٠ قدم) وفي هذه المرحلة لا تفي أجهزة التكافؤ (الفسيولوجي) بالمطلوب، ولا تستطيع توريد الكمية الكافية من الأوكسجين للأنسجة، وهنا يبدأ ظهور الأعراض. وفي هذه المرحلة نجد تفسيرًا واضحًا لضيق الصدر الذي يشعر به الإنسان عندما يصعد إلى هذه الارتفاعات، كما يحدث عند الطيارين وغيرهم.","vol":"1","page":56},{"text":"٤- المرحلة الحرجة من ارتفاع (٢٥٠٠٠ قدم فأعلى) وفي هذه المرحلة يفقد الإنسان الوعي تمامًا بسبب فشل الجهاز العصبي. وهذه الحقائق العلمية الواردة في الآية الكريمة لم يصل إليها العلماء إلا بعد اجتهادات وأبحاث دامت عشرات السنين (١) .\nولا ريب أن كتاب الله تعالى قد تضمّن العديد من الآيات الكريمة التي أشارت إلى حقائق وركائز علمية في هذا الكون، بشكل محكم (وإن سوق القرآن الكريم لهذه الحقائق وبهذه السعة والشمول، وبهذه الدقة المتناهية يحمل كل صاحب عقل منصف إلى القول بأن هذا تنزيل من العزيز الحكيم الذي أحاط بكل شيء علمًا (٢) .\nومن هنا ندرك مدى قوة النهضة العلمية والفكرية التي أحدثها القرآن الكريم في حياة المسلمين، وفي مختلف مجالات العلم والمعرفة والفكر (٣) .\n_________\n(١) انظر: تأملات في الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، د. صلاح الدين المغربي وآخرين ص ١٤-١٩ بتصرف يسير.\n(٢) مباحث في إعجاز القرآن، د. مصطفى مسلم ص ٢١٩.\n(٣) انظر: حول ذلك في كتاب: الإيمان بالله وأثره في الحياة، د. عبد المجيد عمر النجار ص ١٨٥-١٩١.","vol":"1","page":57},{"text":"المبحث الخامس: الأثر الإنساني والحضاري.\nإن من آثار القرآن العظيم في المجتمع المسلم تقرير مفهوم الإنسان وأصله ومبدئه وحقيقته، وحقوقه وواجباته، وكيف يبني حضارته على وجه هذه الأرض وماضوابطها.\nولا شك أن للقرآن العظيم منهجه المتميز في ذلك، وله وسائله وأساليبه وطرقه في تقرير تلك الحقائق والأمور.\nوبنظرة إلى حالة العرب، بل وإلى المجتمعات الإنسانية قبل نزول القرآن الكريم تتضح مدى ما كانت تعانيه من إهدار لكرامة الإنسان، ووأد له، ومصادرة لحقوقه، بل وجعله من ضمن المتاع الذي يورث. ولا يبعد عن ذلك ما تعانيه البشرية اليوم في كثير من مجتمعاتها - التي لم تهتد بكتاب الله تعالى - من انحراف في فهم الوجود الإنساني، ومن تضييع لكرامته ونتيجة لذلك حاولت تلك الأمم أن تقرّر شيئًا من حقوق الإنسان فاجتمعت وأصدرت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر في عام ١٩٤٨م (١) .\nوالتساؤل: هل كان لذلك القانون أثر في حفظ الكرامة الإنسانية في العالم المعاصر اليوم؟ وهل كفل للإنسانية المعذبة الحياة اللائقة بها؟ بل هل كفل لها أدنى متطلبات الإنسان؟ .\nوالجواب عن ذلك: أن الحالة السيئة التي تعيشها الإنسانية اليوم وفي ظل تلك القوانين والأعراف تنبئ عن حالها، وإن الواقع المشاهد المحسوس يغني عن كثير من الكلام.\n_________\n(١) العلاقة الإنسانية في القرآن الكريم، حمزة إبراهيم فودة ص ١٤.","vol":"1","page":58},{"text":"أما كتاب الله تعالى فله الأثر العظيم البالغ في تقرير حقوق الإنسان وهو\nما طبقه المسلمون واقعًا في تاريخهم وحاضرهم لا ادعاءً.\nيقول الله تعالى مبينًا أولًا حقيقة الوجود الإنساني: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (الحجر: ٢٨-٢٩) .\nوفي مجال بيان التكريم الإلهي لهذا الإنسان يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: ٧٠) .\nوفي مجال مسؤولية الإنسان عن نفسه وعمله يقول تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: ٣٨-٣٩) .\nوقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (النجم: ٣٩) .\nوفي مجال المساواة الحقيقية بين البشر يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: ١٣) .\nوقال تعالى في مجال العدل بين الناس: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: ٥٨) .\nوقوله سبحانه: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٨) .\nإلى غير ذلك من الحقوق الإنسانية التي أقرها القرآن الكريم للإنسان والتي عجزت النظم الوضعية عن مجاراتها أو الإتيان بمثلها.\nكما قرر القرآن الكريم أن الحضارة الإنسانية ينبغي أن تؤسس على تقوى، وهدى من الله تعالى، وأن تكون وفق منهج الله تعالى ومراده لا للمباهاة أو المراءاة أو البطر والأشر.\nقال تعالى حكاية عن هود ﵇ مع قومه وتذكيره لهم: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (الشعراء: ١٢٨-١٣١) .\nوخلاصة القول: أن القرآن العظيم قد رسم للإنسانية منهجًا واضحًا في حياتها، وبين لها كل ما يهمها، وما ينبغي أن تسير عليه وتبني عليه علاقاتها وحضارتها فكان منهجًا متميزًا أثمر عن كل خير وفضل للإنسانية جمعاء.","vol":"1","page":59},{"text":"المبحث السادس: الأثر الأمني الشامل.\nيعيش الإنسان على هذه الأرض ويتقلب في مناكبها، ويسعى بين جنباتها، وقد يعرض له ما يخيفه ويحذر منه، ونتيجةً لذلك أصبح الأمن مطلبًا ضروريًا للإنسان في حياته.\nوالمتأمل في كتاب الله تعالى يجد أن القرآن الكريم قد كفل للإنسان أمنه وطمأنينته في حياته الدنيا، وفي حياته الأخرى.\nوالأمن الذي نادى به القرآن الكريم شامل وكامل في حياة الإنسان،\n(ولا يتوفر الأمن بمجرد ضمانه لحياة الإنسان فحسب، بل هو يحتاج إلى الأمن على عقيدته التي يؤمن بها، وعلى هويته الفكرية والثقافية، وعلى موارد حياته الاقتصادية والمادية) (١) .\nيقول تعالى ممتنًا على قريش بما هيأه لها من الأمن دون سائر القبائل، وليكون ذلك داعيًا لها إلى عبادة الله تعالى وتوحيده: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (قريش: ٣-٤) .\nوقال تعالى مبينًا أن الأمن الحقيقي يكون لمن آمن به ووحده ولم يخلط إيمانه بشرك، وأن غير ذلك من الأمن تبع له، ويتضح ذلك في معرض قصة إبراهيم ﵇ مع قومه: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ\n_________\n(١) انظر: الأمن في حياة الناس وأهميته في الإسلام، د. عبد الله التركي ص ٨.","vol":"1","page":60},{"text":"آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام:٨٠-٨٢) .\nويبين القرآن العظيم أن الأمن الحقيقي والدائم هو ما يكون يوم القيامة من دخول المؤمنين الجنة كما في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ (الحجر:٤٦) .\nأما في هذه الحياة الدنيا فإن الإنسان يتقلّب بين أمن وخوف، ولكن في الحقيقة لا أمن ولا طمأنينة له إلا بالاعتصام بكتاب الله الكريم، والإيمان به وعبادته سبحانه دون شريك له كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:٥٥) .\nوقال تعالى منبهًا على خصوصية لبيته الحرام وهي خاصية الأمن دون سواه من البيوت: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (البقرة: ١٢٥) .\nكما بين تعالى أنَّ من دخل بيته الكريم فهو آمن، كما قال تعالى:\n﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (آل عمران: ٩٧) .\nوبعد أن بين الله تعالى أسباب الأمن الحقيقية في كتابه الكريم حذّر من مغبّة اخترامها، والاعتداء على حقوق الله تعالى، وحقوق الناس، وأن ذلك مدعاة للخراب والخوف والدمار، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (النحل:١١٢) .\nومن الوسائل العظيمة التي شرعها القرآن الكريم كي يعم الأمن وتقوم الحياة على منهاج آمن صحيح: الحدود الشرعية، وتنفيذ أحكام الله تعالى بين الناس، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٧٩) .","vol":"1","page":61},{"text":"ولا ريب أن تشريعات القرآن العظيمة قد كفلت الأمن والسعادة للإنسان في حياته الدنيا وحياته الآخرة، فكان التميّز القرآني المجيد على غيره من النظم والقوانين الوضعية، والتي باتت ترنو إلى شيء من آثار القرآن الكريم وتشريعاته العالية الرفيعة.","vol":"1","page":62},{"text":"الخاتمة\nاستعرضنا في الصفحات السابقة موضوع (الدعوة إلى التمسّك بالقرآن الكريم وأثره في حياة المسلمين)، وقد تكلمنا في عدة نقاط: كالتعريف بالقرآن الكريم، وأسمائه، وخصائصه، وأهمية الدعوة إلى التمسك بالقرآن الكريم، ومظاهر التمسك بالقرآن الكريم، وفضائل ذلك، ثم تحدثنا عن آثار التمسك بالقرآن الكريم في حياة المسلمين، وهي بلا شك عديدة ولكن ركزنا الحديث في الأثر الإيماني والتعبدي، والأثر الدعوي والإصلاحي، والأثر الخلقي والمسلكي، والأثر العلمي والفكري، والأثر الإنساني والحضاري، والأثر الأمني الشامل.\nوحقيقة الأمر، فإن آثار القرآن العظيمة أكبر وأجل من أن تحصى لأنها آثار ذات جوانب عديدة، ومتعلقات كثيرة.\nوالذي أود التركيز عليه والتنبيه إليه هو: ما ينبغي لكل مسلم ومسلمة من التمسك بكتاب الله تعالى والعناية به وعدم هجره، والامتثال لأمره، والاجتناب عن نهيه.\nكما أود أن أوصي نفسي وإخواني الدعاة بضرورة الاهتمام بكتاب الله تعالى، وجعله منطلق الدعوة، ورائدها، ومحور ارتكازها واعتمادها.\nوإذا كان لي من اقتراح فإنني أود اقتراح الأمور الآتية:\nأولًا: تكثيف الدراسات القرآنية في مراحل التعليم المختلفة حتى الدراسات العليا.\nثانيًا: الاهتمام بعلوم القرآن الكريم والدراسات المتعلقة بذلك.\nثالثًا: بيان أحكام القرآن الكريم ومزاياه وفضائله ونشره على الناس.\nرابعًا: إطلاع العالم غير الإسلامي على جوانب من كتاب الله ودعوتهم للإيمان به.\nخامسًا: إنشاء المراكز القرآنية المتخصصة في العالم الإسلامي، وعقد الندوات المفيدة.\nوالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":63},{"text":"فهارس المصادر والمراجع\nأولًا: القرآن الكريم.\nثانيًا:\n١- الإتقان في علوم القرآن، للحافظ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، ط ٤\n(مكتبة مصطفى الحلبي، القاهرة، ١٣٩٧ هـ) .\n٢- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، للإمام محمد علي الشوكاني، تحقيق: أحمد عزّو عناية، ط ١ (دار الكتاب العربي، بيروت ١٤١٩هـ) .\n٣- إعجاز القرآن، للقاضي أبي بكر الباقلاني، على حاشية الإتقان للسيوطي، ط ٤ (مكتبة مصطفى الحلبي، القاهرة، ١٣٩٧ هـ) .\n٤- الأمن في حياة الناس وأهميته في الإسلام، د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، (من مطبوعات وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الرياض ١٤١٧هـ) .\n٥- الأنشطة الدعوية في المملكة العربية السعودية، د. صالح بن غانم السدلان، ط ٢ (دار بلنسية، الرياض ١٤٢٠هـ) .\n٦- الإيمان، للإمام ابن تيمية، ط ٣ (المكتب الإسلامي، بيروت ١٤٠١هـ) .\n٧- الإيمان بالله وأثره في الحياة، د. عبد المجيد عمر النجار، ط ١، (دار الغرب الإسلامي، بيروت ١٩٩٧م) .","vol":"1","page":64},{"text":"٨- تأملات في الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، د. صلاح الدين المغربي وآخرين، ط ١ (دار المجتمع للنشر والتوزيع، جدة، ١٤١٤هـ) .\n٩- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، للحافظ محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري (دار الكتب العلمية، بيروت) .\n١٠- التعبير الفني في القرآن، د. بكري شيخ أمين، ط ٣ (دار الشروق، بيروت، ١٣٩٩هـ) .\n١١- التعريفات، للشريف علي بن محمد الجرجاني، ط ١ (دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٣هـ) .\n١٢- تفسير ابن سعدي (المسمى: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) للشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (نشر مركز صالح بن صالح الثقافي، عنيزة، ١٤٠٧هـ) .\n١٣- تفسير البيضاوي (المسمى: أنوار التنزيل وأسرار التأويل) للقاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي، ط ١ (دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٨هـ) .\n١٤- تفسير الخازن (المسمى: لباب التأويل في معاني التنزيل) للإمام علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي الشهير بالخازن، ط ١، (دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٥هـ) .\n١٥- تفسير الطبري (المسمى: جامع البيان في تأويل القرآن) لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ط ١ (دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٢هـ) .","vol":"1","page":65},{"text":"١٦- تفسير القاسمي (المسمى: محاسن التأويل) للإمام محمد جمال الدين القاسمي، ضبط وتصحيح محمد باسل عيون السود، ط ١ (دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٨هـ) .\n١٧- تفسير القرآن العظيم، للحافظ ابن كثير، (دار المعرفة، بيروت، ١٤٠٢هـ) .\n١٨- التفسير الكبير (المسمى: مفاتيح الغيب)، للإمام الرازي، ط ١، (دار الإحياء التراث العربي،بيروت، ١٤١٥هـ) .\n١٩- التفسير الميسّر، إعداد نخبة من العلماء، بإشراف د. عبد الله بن عبد المحسن التركي (إصدار مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية، ١٤١٩هـ) .\n٢٠- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للسيد محمود الألوسي البغدادي، ضبط وتصحيح علي عبد الباري عطية، ط ١ (دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٥هـ) .\n٢١- زاد المسير في علم التفسير، للحافظ ابن الجوزي، ط ٣ (المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٤هـ) .\n٢٢- سنن الترمذي، لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، بتحقيق أحمد محمد شاكر وآخرين، ط ٢ (مكتبة مصطفى الحلبي، القاهرة ١٣٩٨هـ) .\n٢٣- سنن الدارمي، للإمام أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، تحقيق وتعليق د. مصطفى ديب البغا، ط ٣ (دار القلم، دمشق، ١٤١٧هـ) .","vol":"1","page":66},{"text":"٢٤- سيرة النبي؟، لأبي محمد عبد الملك بن هشام، بتعليق الشيخ محيي الدين عبد الحميد (توزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض) .\n٢٥- شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي، تحقيق جماعة من العلماء، وتخريج الشيخ محمد ناصر الدين الألباني / ط ٨ (المكتب الإسلامي، بيروت ١٤٠٤هـ) .\n٢٦- شرح النووي على صحيح مسلم، للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، ط ٢ (دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٣٩٢هـ) .\n٢٧- صحيح البخاري (المسمى: الجامع الصحيح المسند من حديث رسول\nالله ﷺ وسننه وأيامه) لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، بشرح محب الدين الخطيب، وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، ونشر ومراجعة قصي محب الدين الخطيب، ط١ (المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة، ١٤٠٠هـ) .\n٢٨- صحيح سنن الترمذي، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ط ١ (المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٨هـ) .\n٢٩- صحيح مسلم، للإمام مسلم بن الحجاج القشيري، تحقيق وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي (مطبعة دار إحياء الكتب العربية، القاهرة) .\n٣٠- العبودية، للإمام ابن تيمية، ط ٦ (المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٣هـ) .","vol":"1","page":67},{"text":"٣١- العلاقة الإنسانية في القرآن الكريم، حمزة إبراهيم فودة، ط ١ (مطبوعات نادي مكة الثقافي الأدبي، ١٤٠٣هـ) .\n٣٢- فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للحافظ ابن حجر العسقلاني، بتصحيح محب الدين الخطيب، ط ١ (دار الريَّان، القاهرة، ١٤٠٧هـ) .\n٣٣- فضائل القرآن ومعالمه وآدابه، لأبي عبيد القاسم بن سلام، دراسة وتحقيق أحمد بن عبد الواحد الخياطي (مطبعة فضالة، المحمدية، المغرب، ١٤١٥هـ) .\n٣٤- الفوائد، للإمام ابن القيم الجوزية، تخريج وحواشي أحمد راتب عرموش، ط ٦ (دار النفائس، بيروت، ١٤٠٥هـ) .\n٣٥- الكلمات الإسلامية في الحقل القرآني، د. عبد العال سالم مكرم، ط ١\n(مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٧هـ) .\n٣٦- لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير، لمحمد الصباغ (المكتب الإسلامي، بيروت، ١٣٩٤هـ) .\n٣٧- لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية، للشيخ محمدالسفاريني الحنبلي، ط ٣ (المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤١١هـ) .\n٣٨- مباحث في إعجاز القرآن، د. مصطفى مسلم، ط ١ (دار المنارة جدة، ١٤٠٨هـ) .","vol":"1","page":68},{"text":"٣٩- مباحث في علوم القرآن، للشيخ مناع القطان، ط ٨ (مكتبة المعارف، الرياض، ١٤٠١هـ) .\n٤٠- معجم لغة الفقهاء، د. محمد قلعجي وزميله، ط ٢ (دار النفائس، بيروت، ١٤٠٨هـ) .\n٤١- مدخل إلى علوم القرآن وتفسيره، د. فاروق حمادة، ط ١ (مكتبة المعارف، الرباط - المغرب، ١٣٩٩هـ) .\n٤٢- المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، لشهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة المقدسي، بتحقيق طيارآقولاج. (دار صادر، بيروت، ١٣٩٥هـ) .\n٤٣- مناهل العرفان في علوم القرآن، للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني،\n(دار الفكر، بيروت، بدون) .\n٤٤- النبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله دراز، ط ٢ (دار القلم، الكويت، ١٣٩٠هـ) .\n٤٥- نور من القرآن في طريق الدعوة والدعاة، د. محمد الحسين أبو سم،\n(سلسلة دعوة الحق، السنة ٨، العدد ٨٨، ١٤٠٩هـ، إصدار رابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة) .\n٤٦- هذا القرآن، لعبد الحي العمراني (مطابع فضالة المحمدية-المغرب، ١٤٠٣هـ) .","vol":"1","page":69},{"text":"الدعوة إلى التمسك بالقرآن الكريم\nوأثره في حياة المسلمين\nإعداد\nد/ عبد الرحيم محمد المغذوي\nالأستاذ المشارك بقسم الدعوة - كلية الدعوة وأصول الدين\nالجامعة الإسلامية - المدينة المنورة\nبحث مقدم لندوة عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه\nتحت رعاية وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد\nمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية\nفي الفترة من ٤/٦/١٤٢١هـ وإلى ٧/٦/١٤٢١هـ","vol":"1","page":70}]}