{"ً":{"ٌ":7618,"ٍ":"الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/الذكر الجماعي بين الإتباع والإبتداع - الخميس - ط الهدي والفضيلة","files":["62597.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع\nالمؤلف: محمد بن عبد الرحمن الخميس\nالناشر: دار الهدي النبوي، مصر / المنصورة، ودار الففضيلة، الرياض، المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٥هـ/٢٠٠٤م\nعدد الصفحات: ١٢٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":28,"ٕ":1,"ٖ":1770153692,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"تمهيد","level":1,"page":5},{"title":"المبحث الأول: تعريف الذكر الجماعي","level":1,"page":8},{"title":"المبحث الثاني: نشأة الذكر الجماعي","level":1,"page":10},{"title":"المبحث الثالث: حجج الموزين للذكر الجماعي وأدلتهم","level":1,"page":16},{"title":"المبحث الرابع: حجج المانعين من الذكر الجماعي وأدلتهم","level":1,"page":26},{"title":"المبحث الخامس: حكم الذكر الجماعي","level":1,"page":41},{"title":"المبحث السادس: مفاسد الذكر الجماعي","level":1,"page":50},{"title":"فتاوى أهل العلم وكلامهم حول الذكر الجماعي","level":1,"page":53},{"title":"فتاوى الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين ــ رحمهما الله تعالى ــ حول الذكر الجماعي.","level":2,"page":53},{"title":"كلام الشيخ حمود التويجري في كتابه (إنكار التكبير الجماعي وغيره)","level":2,"page":72},{"title":"كلام الشيخ علي محفوظ الحنفي من كتابه الإبداع في مضار الابتداع حول الذكر الجماعي","level":2,"page":90},{"title":"بيان ما هو الذكر الشرعي","level":2,"page":100},{"title":"الشبه التي يتمسك بها الذين يحرفون الذكر وردها","level":2,"page":105},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":113}],"ٛ":{"1,3":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,11":6,"1,12":7,"1,10":8,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,24":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,40":38,"1,41":39,"1,42":40,"1,43":41,"1,44":42,"1,45":43,"1,46":44,"1,47":45,"1,48":46,"1,49":47,"1,50":48,"1,51":49,"1,52":50,"1,53":51,"1,54":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,79":72,"1,80":73,"1,81":74,"1,82":75,"1,83":76,"1,84":77,"1,85":78,"1,86":79,"1,87":80,"1,88":81,"1,89":82,"1,90":83,"1,91":84,"1,92":85,"1,93":86,"1,94":87,"1,95":88,"1,96":89,"1,99":90,"1,100":91,"1,101":92,"1,102":93,"1,103":94,"1,104":95,"1,105":96,"1,106":97,"1,107":98,"1,108":99,"1,109":100,"1,110":101,"1,111":102,"1,112":103,"1,113":104,"1,114":106,"1,115":107,"1,116":108,"1,117":109,"1,118":110,"1,119":111,"1,120":112,"1,121":113,"1,122":114,"1,123":115,"1,124":116,"1,125":117},"ٜ":{"1":[3,125]},"ٝ":["1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,11","1,12","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125"],"ٞ":{"1":[1],"5":[2],"8":[3],"10":[4],"16":[5],"26":[6],"41":[7],"50":[8],"53":[9,10],"72":[11],"90":[12],"100":[13],"105":[14],"113":[15]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nال<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار (١) .\n_________\n١- هذه خطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يستفتح بها خطبه، رواها الإمام أحمد في المسند (١/٣٩٢ – ٢٩٣)، وأبو داود (٢١١٨)، والترمذي (١١٠٥)، وابن ماجة (١٨٩٢)، وأخرج بعضها الإمام مسلم في صحيحه (٨٦٧) و(٨٦٨)، وللشيخ الألباني رسالة مطبوعة في إثبات صحتها عن النبي ﷺ وقد صححها كذلك في صحيح أبي داود (٨٦٠)، وصحيح ابن ماجة (١٥٣٥)، وتخريج مشكاة المصابيح (٢١٤٩) .","vol":"1","page":3},{"text":"وبعد:\nفقد انتشرت بين الناس بدع كثيرة في دين الله تعالى، واستبدلوها بسنن النبي ﷺ، حتى كادت معالم السنة تندثر، وأصبح الباطل حقا، والحق باطلا. وأضحت البدعة سنة، والسنة بدعة.\nومن صور العبادات التي انتشرت بين عامة المسلمين، ظاهرة الذكر الجماعي، في المساجد والبيوت، والمنتديات، وغيرها، وذلك في كثير من البلدان الإسلامية، حتى عمت بها البلوى.\nكما يوجد في بعض البلاد الإسلامية من يعتقد أن الدعاء بعد الصلوات المفروضة بشكل جماعي من مستحبات الصلاة. وهم يعتبرونها مثل الراتبة (١) والتي تصلى بعد الفريضة، أو أكثر منها، ويحرصون عليها أشد الحرص، ويواظبون عليها. فإذا لم يدع لهم الإمام بعد الصلاة ولم يجتمع معهم على الذكر بصورة جماعية، رأوا أن صلاتهم ناقصة، وأساءوا الظن به، واتهموه بأنواع من التهم، ولما كان الذكر عبادة لله تعالى، والعبادات توقيفية لا مجال للابتداع فيها، أو للاستحسان. من أجل هذا كان لا بد من بيان حكم هذا العمل،\n_________\n١- انظر: تحفة الأحوذي في شرح جامع الترمذي (١/٢٤٦) .","vol":"1","page":4},{"text":"والكلام عليه، وذلك كما سيأتي إن شاء الله في مباحث هذا الكتاب.\nولما كان بيان (السنة) والذب عنها، ورد البدعة من أوجب الواجبات على العلماء، وطلبة العلم، والدعاة إلى الله تعالى. ولما كانت ظاهرة الذكر الجماعي مما عمّت به البلوى. وشاع بين العامة في كثير من البلدان، واختلف فيه الناس بين مانع منه، ومجوز له. وقد بحثت عمن ألّف في هذا الموضوع خصوصا، بحيث يستوعبه من جميع جوانبه، ويبين السنة فيه – لكني لم أقف على كتاب في هذا الموضوع. لذلك رأيت مستعينا بالله تعالى أن يكون موضوع هذا البحث هو بيان مدى مشروعية الذكر الجماعي، هل يجوز أم لا؟ وقد جمعت أقوال المانعين منه وأدلتهم، والمجيزين له وأدلتهم، في محاولة لاستيعاب هذا الموضوع، والوقوف على مدى مشروعية هذا الفعل. وأسميت هذا البحث \"الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع\".\nخطة البحث:\nاشتمل البحث على: خطبة الحاجة، ومقدمة، وتمهيد، وستة مباحث، وخاتمة.\nفأما المقدمة: فهي في أسباب اختيار الموضوع، مع بيان خطة البحث. وكذلك التنبيه على اعتقاد بعض العامة في بعض البلدان وجوب الذكر الجماعي بعد الصلاة وغيرها، وذلك كمدخل للبحث.\nوأما التمهيد: فهو حول بيان منزلة الذكر كعبادة عظيمة، وتوضيح أن العبادات توقيفية لا مجال فيها للرأي ولا للاستحسان.","vol":"1","page":5},{"text":"وأما المبحث الأول: فهو في تعريف الذكر الجماعي.\nوالمبحث الثاني: حول نشأة بدعة الذكر الجماعي.\nوالمبحث الثالث: حجج المجوزين للذكر الجماعي وأدلتهم.\nوالمبحث الرابع: حجج المانعين من الذكر الجماعي وأدلتهم.\nوالمبحث الخامس: في حكم الذكر الجماعي.\nوالمبحث السادس: حول مفاسد الذكر الجماعي.\nوالخاتمة: في بيان خلاصة البحث ونتائجه.\nوالله أسأل أن يرزقنا الإخلاص والتوفيق، والسداد، وأن يجنبنا الخطأ والزلل والزيغ، وأن يتقبل منا هذا العمل. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nبقلم:\nد. محمد بن عبد الرحمن الخميس","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تمهيد</span>\nمشروعية الذكر ووجوب الاتباع في العبادة\nمن المعلوم أن الذكر من أفضل العبادات، وهو مأمور به شرعا كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤١، ٤٢] .\nفالمسلم مطالب بذكر الله تعالى في كل وقت، بقلبه، وبلسانه، وبجوارحه، وهذا الذكر من أعظم مظاهر وبراهين التعلق بالله تعالى، ولا سيما أذكار ما بعد الصّلاة، وطرفي النهار، والأذكار عند العوارض والأسباب، فإن الذكر عبادة ترفع درجات صاحبها عند الله، وينال بها الأجر العظيم دون مشقة أو تعب وجهد.\nلكن ينبغي للمسلم أن يكون في ذكره لله تعالى ملتزما بحدود الشريعة ونصوصها، وهدي النبي ﷺ، وصحابته وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وذلك لأن الاتباع شرط لصحة العمل، وقبوله عند الله تعالى، كما قال ﷺ: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" (١) أي باطل مردود على صاحبه.\nومما هو معلوم أن العبادات – ومنها الذكر- كلها توقيفيّة، أي: لا\n_________\n١- أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) من حديث عائشة.","vol":"1","page":7},{"text":"مجال فيها للاجتهاد، بل لا بد من لزوم سنة النبي ﷺ وشريعته فيها، لأنها شرع من عند الله تعالى، فلا يجوز التقرب إلى الله بتشريع شيء لم يشرعه الله تعالى، وإلا كان هذا اعتداء على حق الله تعالى في التشريع، ومنازعة لله تعالى في حكمه، وقد قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] .\nقال السعدي في تفسير هذه الآية: \" ... ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ من الشرك والبدع وتحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله ونحو ذلك، مما اقتضته أهواؤهم، من أن الدين لا يكون إلا ما شرعه الله تعالى، ليدين به العباد، ويتقربوا به إليه. فالأصل: الحجر على كل أحد أن يشرع شيئا ما جاء عن الله تعالى ولا عن رسوله ... \" اهـ. (١)\nفلا ينبغي، بل ولا يجوز التقرب إلى الله تعالى إلا بما شرع، وبما بين على لسان رسوله ﷺ. ومن هنا كان لزاما على المسلم أن يلزم السنة في كل عباداته، وألاّ يحيد عنها قيد أنملة، وإلا أحبط عمله وأبطله إذا كان مخالفا هدي رسول الله صلى الله وسلم في العمل.\nولهذا فإن المسلم ينبغي له ألا يحدث في ذكره لله شيئا مخالفا لما كان عليه رسول الله ﷺ هو وأصحابه، وإلا كان مبتدعا في الدين،\n_________\n١- انظر: تفسير السعدي المسمى (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن) (٦/ ٦٠٩)، ط مؤسسة السعيدية بالرياض.","vol":"1","page":11},{"text":"محدثا في العبادة ما ليس منها.\nومهما استحسن الإنسان بعقله شيئا في العبادة، فإنه – أي الاستحسان- ليس دليلا على مشروعية تلك العبادة، بل إن هذا الاستحسان قد يكون مصادما لحكم الله تعالى، فلا ينبغي أبدا أن يتعبد لله تعالى إلى بما شرع الله على لسان رسوله ﷺ.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>المبحث الأول: تعريف الذكر الجماعي</span>\nالذكر الجماعي يتركب من كلمتين، وإليك بيان معنى كل منهما:\nأولا: (الذّكر): بالكسر: الشيء الذي يجري على اللسان (١)، وتارة يقصد به الحفظ للشيء.\nقال الراغب في المفردات: \"الذكر: تارة يقال ويراد به: هيئة للنفس بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة، وهو كالحفظ إلا أن الحفظ يقال اعتبارا باحترازه، والذكر يقال اعتبارا باستحضاره. وتارة يقال لحضور الشيء القلب أو القول. ولذلك قيل منهما ضربان: ذكر عن نسيان. وذكر لا عن نسيان، بل عن إدامة الحفظ\" (٢) .\nوأما معنى الذكر في الشرع فهو كل قول سيق للثناء والدعاء. أي ما تعبّدنا الشارع بلفظ منّا يتعلق بتعظيم الله، والثناء عليه، بأسمائه وصفاته، وتمجيده وتوحيده، وشكره وتعظيمه، أو بتلاوة كتابه، أو بمسألته ودعائه. (٣)\nثانيا: معنى (الجماعي): هو ما ينطق به المجتمعون للذكر بصوت\n_________\n١- القاموس المحيط (٥٠٧)، لسان العرب لابن منظور (٥/ ٤٨) .\n٢- مفردات الراغب (٣٢٨) .\n٣- انظر: الموسوعة الفقهية (٢١/ ٢٢٠)، والفتوحات الربانية (١/ ١٨) .","vol":"1","page":10},{"text":"واحد، يوافق فيه بعضهم بعضًا (١) .\nوالمقصود بكلامنا وقولنا: الذكر الجماعي هو ما يفعله بعض الناس من الاجتماع أدبار الصلوات المكتوبة، أو في غيرها من الأوقات والأحوال ليرددوا بصوت جماعي أذكارًا وأدعية وأورادا وراء شخص معين، أو دون قائد، لكنهم يأتون بهذه الأذكار في صيغة جماعية ومن صوت واحد، فهذا هو المقصود من وراء هذا البحث.\n_________\n١- الموسوعة الفقهية (٢١/ ٢٥٢) .","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>المبحث الثاني: نشأة الذكر الجماعي</span>\nكان مبتدأ نشأة الذكر الجماعي وظهوره في زمن الصحابة - ﵃- كما سيأتي ذلك مفصلًا في المبحث الرابع إن شاء الله، وقد أنكر الصحابة هذه البدعة لما ظهرت وقد قلّ انتشار هذه الظاهرة، وخبت بسبب إنكار السلف لها. ثم لمّا كان زمن المأمون، أمر بنشر تلك الظاهرة. فقد كتب إلى إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد يأمره أن يأمر الناس بالتكبير بعد الصلوات الخمس. فقد ذكر الطبري في تاريخه في أحداث عام ٢١٦ هـ ما نصّه: \"وفيها كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بأخذ الجند بالتكبير إذا صلوا، فبدؤوا بذلك في مسجد المدينة، والرصافة، يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان، من هذه السنة\" (١) وجاء في تاريخ ابن كثير: \"وفيها كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد، يأمره أن يأمر الناس بالتكبير عقب الصلوات الخمس\" (٢) .\nفكان هذا مبتدأ عودة ظاهرة الذكر الجماعي وبقوة، بسبب مناصرة السلطان لها. ومن المعلوم أن السلطان إذا ناصر أمرا، أو قولا ما، ونشره بالقوة بين الناس، فلابد\n_________\n١- تاريخ الأمم والملوك (١٠/ ٢٨١) .\n٢- البداية والنهاية (١٠/ ٢٨٢) .","vol":"1","page":12},{"text":"أن ينتشر ويذيع، إذ إن الناس على دين ملوكهم.\nواستمرت هذه الظاهرة منتشرةً بين الرافضة والصوفية ومن تأثر بهم (١) .\nهذا وقد جمعوا بين أمرين، هما: الذكر الجماعي، والذكر بالاسم المفرد.\nوقد اختلف في جواز الذكر بالاسم المفرد، فذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا بد من الذكر في جملة لأنها هي المفيدة، ولا يصح الاسم المفرد، مظهرا أو مضمرا، لأنه ليس بكلام تام ولا جملة مفيدة. ولم ينقل ذلك عن أحد من السلف.\nومن صور هذا الذكر كذلك أن يزيدوا ياءً في (لا إله إلا الله) بعد همزة لا إله. ويزيدون ألفًا بعد الهاء في كلمة (إله) فتصبح (لا إيلاها) . ويزيدون ياءً بعد همزة إلا وبعد (إلا) يزيدون ألفا فتصبح (إيلا الله) وكل ذلك حرام بالإجماع في جميع الأوقات (٢) .\nوكذلك يلحن بعضهم في (لا إله إلا الله)، فيمد الألف زيادة على قدر الحاجة، ويختلس كسرة الهمزة المقصورة بعدها ولا يحققها أصلا، ويفتح هاء له فتحة خفيفة كالاختلاس، ولا يفصل بين الهاء وبين إلا الله (٣) .\n_________\n١- دراسات في الأهواء (ص ٢٨٢) .\n٢- انظر: الإبداع في مضمار الابتداع (٣١٧) .\n٣- الإبداع في مضمار الابتداع (٣١٦) .","vol":"1","page":13},{"text":"وكذلك من صوره أنهم يذكرون بالحَلْقِ، أي يحاولون إخراج الحروف من الحلق، وهذا يلزمهم بفتح أشداقهم، والتقعر في الكلام، والتكلف في النطق، ومعلوم أن مورد الذكر اللسان والحلق والشفتان لأنها هي التي تجمع مخارج الحروف (١) .\nوقد تعددت صور ذلك. فمنهم من يجتمعون في بيت من البيوت، أو مسجد من المساجد فيذكرون الله بذكر معين، وبصوت واحد: كأن يقولوا: لا إله إلا الله. مائة مرة (٢) . قال الشقيري: \"والاستغفار جماعة على صوت واحد بعد التسليم من الصلاة بدعة. والسنة استغفار كل واحد في نفسه ثلاثا، وقولهم بعد الاستغفار: يا أرحم الراحمين جماعة بدعة، وليس هذا محل هذا الذكر\" (٣) .\nومن صور الذكر الجماعي مما هو موجود عند جماعة من الناس:\n١- الاستغفار عقب الصلاة، والإتيان بالأوراد الواردة أو غيرها بصوت واحد مرتفع (٤) . قال الأوزاعي: \"حمل الشافعي – ﵁- أحاديث الجهر على من يريد التعليم\" (٥) .\n٢ – أو أن يدعو الإمام دبر الصلاة جهرا رافعا يديه، ويؤمن المأمومون ن على دعائه وبصوت واحد (٦) .\n_________\n١- الإبداع في مضمار الابتداع (٣١٧) .\n٢- السنن والمبتدعات (٦٠)، وعلم أصول البدع (١٥١) .\n٣- السنن والمبتدعات (٦٠)\n٤- انظر: علم أصول البدع (١٥١)\n٥- إصلاح المساجد (ص ١١١)\n٦- مسك الختام في الذكر والدعاء بعد السلام (١٢٣) .","vol":"1","page":14},{"text":"٣ – ومنه أن يجتمع الناس في مكان ما – مسجد أو غيره- ويدعون الله، وبصوت واحد إلى غروب الشمس ويجعلون الاجتماع لهذا الذكر شرطا للطريقة (١) .\nوقد قال التيجاني: \"من الأوراد اللازمة للطريقة ذكر الهيللة بعد صلاة العصر يوم الجمعة مع الجماعة، وإن كان له إخوان في البلد فلا بد من جمعهم وذكرهم جماعة. وهذا شرط في الطريقة\" (٢) .\nوقال: الرباطي: \"وترك الاجتماع من غير عذر شرعي يعرض في الوقت ممنوع عندنا في الطريقة، ويعد تهاونا، ولا يخفى وخامة مرتع التهاون\" (٣) .\nوقد أفتى العلماء ببطلان الذكر الجماعي، فقد جاء في بعض الأسئلة الواردة إلى هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ما نصه:\nقال السائل: لنا جماعة هم أصحاب الطريقة التيجانية يجتمعون كل يوم جمعة ويوم الاثنين ويذكرون الله بهذا الذكر (لا إله إلا الله)، ويقولون في النهاية (الله الله....) بصوت عال. فما حكم فعلهم هذا؟\nالجواب: (بعد بيان ضلال هذه الطريقة) . والاجتماع على الذكر بصوت جماعي لا أصل له في الشرع، وهكذا الاجتماع بقول: (الله\n_________\n١- الحوادث والبدع (١٢٦) .\n٢- تقديس الأشخاص (١/ ٣٣٦) .\n٣- تقديس الأشخاص (١/ ٣٣٦) .","vol":"1","page":15},{"text":"الله ...) أو: (هو هو ...) والاجتماع بصوت واحد هذا لا أصل له، بل هو من البدع المحدثة (١) .\n٤ – ومن صور الذكر الجماعي الموجودة أن يجتمع الناس في مسجد وقد وقع البلاء في بلد فيدعون الله بصوت واحد لرفعه.\n٥ – ومن هذه الصور كذلك ما يحصل عند بعض الناس في أعمال الحج من الطواف والسعي وغيرها، حيث إن بعضهم يؤجرون من يدعو لهم، ويرددون وراءه أدعية معينة لكل شوط، بدون أن يكون لكل واحد الفرصة للدعاء فيما يتعلق بحاجته الخاصة التي يريدها. وقد يكون بعض هؤلاء المرددين لصوت الداعي لا يعرفون معنى ما يدعو به الداعي: إما لكونهم لا يعرفون اللغة العربية. أو للأخطاء التي تحصل من الداعي، وتحريفه للكلام. ومع هذا يحاكونه في دعائه، وهذه الأدعية إنما صارت بدعة من وجهين:\nالأول: تخصيص كل شوط بدعاء خاص، مع عدم ورود ذلك. قال الشيخ عبد العزيز بن باز –﵀-: \"وأما ما أحدثه بعض الناس: من تخصيص كل شوط من الطواف أو السعي بأذكار مخصوصة، أو أدعية مخصوصة فلا أصل له، بل مهما تيسر من الذكر والدعاء كافي\" (٢) .\nالثاني: الهيئة الجماعية، مع رفع الصوت، وحكاية ألفاظ بدون\n_________\n١- البدع وما لا أصل له ص (٤٢٥) .\n٢- التحقيق والإيضاح لكثير من مناسك الحج والعمرة (٣٥) .","vol":"1","page":16},{"text":"تدبر واستحضار معنى.\n٦- ومن صور الذكر الجماعي كذلك ما يقع عند الزيارة للقبر النبوي، أو قبور الشهداء، أو البقيع، أو غير ذلك من ترديد الزائرين صوت المزورين، قال الشيخ الألباني –﵀- عند تعداده لبدع الزيارة في المدينة النبوية: \"تلقين من يعرفون بالمزورين جماعات الحجاج بعض الأذكار والأوراد عند الحجرة، أو بعيدا عنها بالأصوات المرتفعة، وإعادة هؤلاء ما لقنوا بأصوات أشد منها\" () .\n٧ – ومن هذه الصور كذلك اجتماع الناس في المساجد وأماكن الصلوات – ولاسيما في العيدين- ليرددوا التكبير جماعة خلف من يتولى التكبير في مكبر الصوت، ويرددون جماعة بصوت واحد، فهذا كذلك من البدع.\n_________\n١- مناسك الحج والعمرة في الكتاب والسنة وآثار السلف للألباني (٦٣) رقم (١٦٦) .","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الثالث: حجج الموزين للذكر الجماعي وأدلتهم</span>\n...\nالمبحث الثالث: حجج المجوزين للذكر الجماعي وأدلتهم\nاحتج المجيزون للذكر الجماعي بحجج (١)، نوجزها فيما يلي:\nأولا: النصوص الشرعية الواردة في الثناء على أهل الذكر بصيغة الجمع بما يدل على استحباب الاجتماع على ذكر الله، منها ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة –﵁- عن النبي ﷺ قال: \"إن لله تعالى ملائكة سيارة، فضلًا يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر، قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم، حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا، وصعدوا إلى السماء. قال: فيسألهم الله ﷿ وهو أعلم بهم: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادك في الأرض، يسبحونك، ويكبرونك، ويهللونك، ويحمدونك، ويسألونك ... \" وفي نهاية الحديث يقول الله: \" ... قد غفر لهم فأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم ما استجاروا ... \" (٢) .\nفيرى المجيزون للذكر الجماعي أن هذا الحديث يدل على فضل\n_________\n١- انظر: حجج من أجاز الذكر الجماعي في كتاب (نتيجة الفكر في الجهر بالذكر) للسيوطي (٢/ ٢٣- ٢٩)، مطبوع ضمن الحاوي للفتاوى كتاب صفة صلاة النبي ﷺ لحسين السقاف (٢٤٤- ٢٥٧) .\n٢- البخاري (٦٤٠٨) ومسلم (٢٦٨٩) عن أبي هريرة.","vol":"1","page":18},{"text":"الاجتماع للذكر، والجهر به من أهل الذكر جميعا، لأنه قال: \"يذكرونك، ويسبحونك، ويهللونك، ويمجدونك\" بصيغة الجمع، ثم استدلوا بقول الحافظ ابن حجر في شرحه على صحيح البخاري حيث قال: \"والمراد بمجالس الذكر هي المجالس التي تشتمل على ذكر الله بأنواع الذكر الواردة من تسبيح وتكبير وغيرها، وعلى تلاوة كتاب الله ﷾، وعلى الدعاء بخيري الدنيا والآخرة، وفي دخول الحديث النبوي ومدارسة العلم الشرعي ومذاكرته والاجتماع على صلاة النافلة في هذه المجالس نظر ... والأشبه اختصاص ذلك بمجالس التسبيح والتكبير ونحوها والتلاوة فحسب، وإن كانت قراءة الحديث ومدارسته، والمناظرة فيه، من جملة ما يدخل تحت مسمى ذكر الله تعالى\" (١) . ومن هذه الأحاديث كذلك ما أخرجه أحمد من طريق: إسماعيل بن عياش، عن راشد بن داود، عن يعلى بن شداد، قال: حدثني أبي شداد بن أوس، وعبادة بن الصامت حاضر يصدِّقه، قال: كنا عن النبي ﷺ فقال: \"هل فيكم غريب\" يعني أهل الكتاب، فقلنا: لا يا رسول الله، فأمر بغلق الباب، وقال: \"ارفعوا أيديكم وقولوا لا إله إلا الله\" فرفعنا أيدينا ساعة، ثم وضع رسول الله ﷺ يده، ثم قال: \"الحمد لله، بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني عليها الجنة، وإنك لا تخلف الميعاد، ثم قال: أبشروا فإن الله ﷿ قد غفر لكم\" (٢) .\n_________\n١- فتح الباري (١١/ ٢١٢) .\n٢- رواه أحمد في المسند (٤/ ١٢٤)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢٩٠ ح٧١٦٣) .","vol":"1","page":19},{"text":"قلت: الحديث ضعيف. فيه إسماعيل بن عياش. وهو مدلس. ولم يصرح بالسماع، ومدار هذا الحديث على راشد بن داود، قال ابن معين: \"ليس به بأس، ثقة\"، وقال دحيم: \"هو ثقة عندي\"، بينما ضعفّه الإمام البخاري -﵀- فقال: \"فيه نظر\"، وهذا جرح شديد عنده، بمعنى أن متهم أو غير ثقة. كما أشار إلى ذلك الحافظ الذهبي (١)، وقال الدارقطني: \"ضعيف لا يعتبر به\"، فاتفق مع البخاري في تضعيفه، وهو الظاهر من حاله، فإن الحكم بالجرح زيادة علم عن الحكم بالتعديل، فإذا صدر من إمام عالم متمكن غير متشدد كان مقبولًا من غير شك، هذا من جهة.\nومن ناحية أخرى، فلو فرضنا جدلًا صحة هذا الحديث فليس فيه دلالة على جواز الذكر الجماعي، فهو صريح الدلالة على أن ذلك كان للبيعة - أو لتجديد البيعة- وليس لمجرد الذكر، لا سيما وقد أمرهم النبي ﷺ برفع الأيدي، فهذا للمبايعة، ولا يشترط – بل ولا يستحب- في الذكر.\nثانيا: الأحاديث الكثيرة الواردة في فضل مجالس الذكر، والتي منها:\n١- ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول تعالى: أنا عند ظن عبدي بي. وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير\n_________\n١- انظر الموقظة للذهبي (ص ٨٣) .","vol":"1","page":20},{"text":"منهم....\" (١) الحديث. والشاهد في قوله: \"وإن ذكرني في ملأ\" فدل على جواز الذكر الجماعي (٢) .\n٢ – ما جاء في صحيح مسلم عن معاوية أن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه فقال: \"ما أجلسكم؟ \" قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومن به علينا. فقال: \"آلله ما أجلسكم إلا هذا\". قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك. فقال: \"أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكن أتاني جبريل فأخبرني أن الله ﷿ يباهي بكم الملائكة\" (٣) .\n٣ – ما رواه أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: \"لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس – أحبّ إليّ من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس – أحبّ إلي من أعتق أربعة\" (٤) . وغير ذلك من الأحاديث التي ورد فيها فضل مجالس الذكر وفضل الاجتماع عليه.\nواستدلوا كذلك ببعض الأحاديث التي ورد فيها ذكر الدعاء الجماعي، وهي أقرب ما يمكن أن يستدل به في هذا الموضوع؛ لو\n_________\n٢- البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٥٧) عن أبي هريرة.\n١- ما جاء في البدع (ص٤٨ رقم ٢٥) .\n٢- مسلم (٢٧٠١) عن معاوية.\n٣- أخرجه أبو داود (٣٦٦٧) وهو في صحيح أبي داود (٣١١٤) .","vol":"1","page":21},{"text":"سلمت من الطعن، وهاهي بين يديك، مع ما قال الأئمة المعتمدون في علم الجرح والتعديل في رواتها وأسانيدها.\nالحديث الأول: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ رفع يديه بعد ما سلم وهو مستقبل القبلة، فقال: \"اللهم خلّص الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، وضعفة المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة ويهتدون سبيلا، من أيدي الكفار\". أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١)، وابن جرير في تفسيره (٢) . وفي سنده علي بن زيد بن جدعان، قال ابن حجر في التقريب: \"ضعيف\" (٣)، ونقل الذهبي في السير (٤) تضعيفه عن أحمد بن حنبل والبخاري والفلاس والعجلي، وغيرهم. انتهى. ومع الضعف الذي في علي بن زيد، فليس فيه دليل على الدعاء الجماعي، وهذه الرواية مخالفة لما جاء في الصحيحين، وهو أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة يقول: \"اللهم انج عياش ... \" (٥) الحديث. أي يقول هذا الدعاء في قنوت الفجر، قبل الخروج من الصلاة.\nالحديث الثاني: عن محمد بن أبي يحيى السلّمي قال: رأيت عبد الله بن الزبير ورأى رجلا رافعا يديه بدعوات قبل أن يفرغ من\n_________\n١- تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ١٠٤٨) .\n٢- تفسير ابن جرير (٤/ ٤٣٨ ح١٢٠٨١) .\n٣- تقريب التهذيب (٤٠١)\n٤- سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٠٦) .\n٥- البخاري (٢/ ٢٢٥، ٢٢٦)، ومسلم (ح٣٩٢) في الصلاة، وأبو داود (ح ٨٣٦)، والنسائي (٢/ ٢٣٣) .","vol":"1","page":22},{"text":"صلاته، فلما فرغ منها قال: إن رسول ﷺ لم يكن يرفع يديه حتى يفرغ من صلاته. رواه الطبراني في الكبير (١) وسنده ضعيف لضعف فضيل بن سليمان. فقد قال عنه ابن معين: ليس بثقة. وفي رواية: ليس هو بشيء، ولا يكتب حديثه. وقال صالح جزرة: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ليس بالقوي. وقال النسائي: ليس بالقوي. وذكر أبو داود أنه استعار كتابًا من موسى بن عقبة فلم يرده. وكان عبد الصمد بن مهدي لا يحدث عنه. وقال أبو ذرعة: لين الحديث، روى عنه علي ابن المديني وكان من المتشددين ومع ضعف فضيل، ففي القلب شيء من رواية محمد بن أبي يحيى عن ابن الزبير، فلا أظن أدركه، لأن وفاة ابن الزبير كانت سنة (٧٣هـ) ووفاة محمد كانت سنة (١٤٤هـ) (٢) . ومعنى الحديث أنه ﷺ ما كان يرفع يديه حتى يفرغ من الصلاة وهو غير رافع يديه للدعاء، أو أنه كان يرفع بعد الفراغ من الصلاة للدعاء؛ ولكن ليس فيه أنه كان يجهر بالدعاء ويجهر المأمومون بالتأمين. وعليه، فليس فيه دليل للدعاء الجماعي، وإنما هو دليل للدعاء منفردا.\nالحديث الثالث: عن أنس –﵁- عن النبي ﷺ قال: \"ما من عبد يبسط كفيه في دبر كل صلاة ثم يقول: اللهم إلهي وإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب وإله جبريل وميكائيل وإسرافيل، أسألك أن\n_________\n١- المعجم الكبير (قطعة من جزء ١٣ رقم ٣٢٤) من طريق فضيل بن سليمان بن محمد بن أبي يحيى، وسنده ضعيف.\n٢- انظر: تهذيب الكمال وحاشيته (٢٣/ ٢٧٤، ٢٧٥) .","vol":"1","page":23},{"text":"تستجيب دعوتي فإني مضطر، وتعصمني في ديني فإني مبتلى، وتنالني برحمتك فإني مذنب، وتنفي عني الفقر فإني متمسكن. إلا كان حقا على الله ألا يرد يديه خائبتين» . رواه ابن السني في عمل اليوم الليلة (١)؛ والحديث فيه عبد العزيز بن عبد الرحمن وخصيف. أما عبد العزيز فقد ضعفه جمع من الأئمة، وأما خصيف فقد قال الحافظ ابن حجر فيه: صدوق سيء الحفظ، خلط بآخره، ورمي بالإرجاء. انتهى (٢) . وإضافة إلى هذا الضعف الذي في هذا الحديث، فليس فيه دلالة على المطلوب، بل هو كالحديثين السابقين.\nالحديث الرابع: عن الأسود العامري، عن أبيه قال: صليت مع رسول الله الفجر، فلما سلم، انحرف ورفع يديه ودعا. قال العلامة المباركفوري (٣): الحديث رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، كذا ذكر بعض الأعلام هذا الحديث بغير سند، وعزاه إلى المصنف. ولم أقف على سنده. والله تعالى أعلم. أهو صحيح أو ضعيف؟. انتهى من التحفة. والحديث أخرجه ابن أبي شيبة (٤)، وابن حزم في المحلى (٥) . وليس فيه: (ورفع يديه ودعا)، وإنما هو هكذا: حدثنا هشيم قال: نا يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد الأسود العامري، عن أبيه قال: صليت مع\n_________\n١- عمل اليوم والليلة لابن السني (ص ٥٣) .\n٢- تقريب التهذيب (١٩٣) .\n٣- تحفة الأحوذي شرح الجامع للترمذي (١/ ٢٤٦) .\n٤- مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٣٣٧) .\n٥- المحلى لابن حزم (٤/ ٢٦١) .","vol":"1","page":24},{"text":"رسول الله الفجر، فلما سلم انحرف. ولفظ ابن حزم: فلما صلى انحرف. فإذن ليس في الحديث: رفع يديه ودعا. ولو سلمنا بثبوت هذه الجملة فإنها لا تكفي للوفاء بالاستدلال المقصود؛ لأنها ليس فيها الجهر بالدعاء من الإمام، ولا تأمين المأمومين جهرا.\nالحديث الخامس: عن الفضل بن عباس –﵄- قال: قال رسول الله ﷺ: \"الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين وتخشع وتضرع وتمسكن، ثم تقنع يديك – يقول: ترفعهما إلى ربك مستقبلا ببطونهما وجهك، وتقول: يا رب يا رب- ومن لم يفعل ذلك فهو كذا وكذا\" (١) . رواه أحمد والترمذي. وفي رواية للترمذي: فهو خداج. قال الترمذي (٢): سمعت محمد بن إسماعيل –يعني البخاري- يقول: روى شعبة هذا الحديث عن عبدربه بن سعيد، فأخطأ في مواضع. انتهى.\nوالحديث ضعيف. فيه عبد الله بن نافع بن العمياء، وقال الحافظ في تقريب التهذيب: مجهول (٣) . وحتى ولو فرضنا صحة الحديث، فليس فيه دليل للدعاء الجماعي، وإنما هو دليل للدعاء منفردا كما هو واضح في سياقه وألفاظه.\nثانيا: ومن أدلتهم أيضا بعض الآثار التي جاءت عن بعض السلف،\n_________\n١- جامع الترمذي بشرح تحفة الأحوذي (١/ ٢٩٩)؛ ومسند أحمد (٣/ ٢٢٩- ٢٣٠) .\n٢- جامع الترمذي بشرح تحفة الأحوذي (١/ ٢٩٩) .\n٣- تقريب التهذيب (١/ ٣١٧/ ٣٧٥٧) .","vol":"1","page":25},{"text":"فمنها:\n١- ما جاء عن عمر –﵁- من أنه كان يكبر في قبته في منى فيسمعه أهل المساجد، فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق، حتى ترتج منى تكبيرا (١) .\n٢- أن ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ ورضي الله عنها، كانت تكبر يوم النحر، وكن النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد (٢) .\nرابعا: ومن أدلتهم أيضا المصالح المترتبة على الذكر الجماعي لأنه فيه -كما يرون- مصالح كثيرة، منها:\n١- أن فيه تعاونا على البر والتقوى، وقد أمر الله بذلك في قوله: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة ٢] .\n٢- أن الاجتماع للذكر والدعاء أقرب إلى الإجابة.\n٣- أن عامة الناس لا علم لهم باللسان العربي، وربما لحنوا في دعائهم، واللحن سبب لعدم الإجابة، والاجتماع على الذكر والدعاء\n_________\n١- أخرجه البخاري تعليقا مجزوما به (الفتح ٢/ ٥٣٤)، وابن المندر في الأوسط (٤/ ٢٩٩/ رقم ٢١٩٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٣١٢) . قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٥٣٥): (وصله سعيد بن منصور من رواية عبيد بن عمير، ووصله أبو عبيد من وجه آخر بلفظ التعليق، ومن طريقه البيهقي) وذكر ابن حجر نفس الكلام في تغليق التعليق (٢/ ٣٧٩) .\n٢- أخرجه البخاري تعليقا مجزوما به (الفتح ٢/ ٥٣٤) . قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٥٣٥): (وقد وصل هذا الأثر أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب العيدين) .","vol":"1","page":26},{"text":"بصوت واحد يجنبهم ذلك (١) .\nخامسا: ومما يستدلون به أن هذا العمل عليه أكثر الناس، والغالبية هي الجماعة والنبي ﷺ أوصى بلزوم الجماعة في غير ما حديث (٢) .\nسادسا: أن الذكر على هذه الهيئة وسيلة، والغاية منها عبادة الله، والقاعدة تقول: إن الوسائل لها حكم الغايات والمقاصد (٣)، وعبادة الله أمر مطلوب، وعليه فيكون الذكر الجماعي أمرا مطلوبا (٤) .\nوأما جوابهم على أدلة المانعين من الذكر الجماعي، فإنهم يرون أن الآثار الواردة عن الصحابة في المنع من الذكر الجماعي، والإنكار على فاعليه، يرون أنها آثار معارضة بالأحاديث الكثيرة الثابتة المتقدمة، وهذه الأحاديث مقدمة على تلك الآثار عند التعارض. قال السيوطي: هذا الأثر عن ابن مسعود (٥) يحتاج إلى بيان سنده. ومن أخرجه من الأئمة الحفاظ في كتبهم؟ وعلى تقدير ثبوته فهو معارض بالأحاديث الكثيرة الثابتة المتقدمة وهي مقدمة عليه عند التعارض (٦) .\n_________\n١- وهذه المصالح التي زعموها ذكرها الشاطبي في الاعتصام (١/ ٤٦١) وما بعدها.\n٢- المرجع السابق (١/ ٤٦٠) .\n٣- القواعد والأصول الجامعة (ص٢٥) .\n٤- هذه من الحجج التي احتج بها بعض الناس في إثبات كثير من المحدثات. انظر: علم أصول البدع ص ٢٤٦.\n٥- يعني الأثر الذي رواه الدارمي، والذي فيه إنكار الذكر الجماعي. وكذلك وردت آثار أخرى عنه ذكر فيها إنكاره الذكر الجماعي كما في البدع لابن وضاح.\n٦- الحاوي للفتاوى (٢/ ١٣٢) .","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>المبحث الرابع: حجج المانعين من الذكر الجماعي وأدلتهم</span>\nاستدل المانعون من الذكر الجماعي بأدلة. منها:\nأولا: أن الذكر الجماعي لم يأمر به النبي ﷺ، ولا حث الناس عليه، ولو أمر به أو حث عليه لنقل ذلك عنه ﵊. وكذلك لم ينقل عنه الاجتماع للدعاء بعد الصلاة مع أصحابه.\nقال الشاطبي:\"الدعاء بهيئة الاجتماع دائما لم يكن من فعل النبي ﷺ\" (١)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"لم ينقل أحد أن النبي ﷺ كان إذا صلى بالناس يدعو بعد الخروج من الصلاة هو والمأمون جميعا، لا في الفجر، ولا في العصر، ولا في غيرهما من الصلوات، بل قد ثبت عنه أنه كان يستقبل أصحابه، ويذكر الله ويعلمهم ذكر الله عقيب الخروج من الصلاة\" (٢)\nثانيا: فعل السلف من أصحاب النبي ﷺ والتابعين لهم بإحسان، فإنهم قد أنكروا على من فعل هذه البدعة، كما سيأتي ذلك في النصوص الآتية عن عمر وابن مسعود وخباب –﵃- ولو\n_________\n١- الاعتصام (١/ ٢١٩) .\n٢- الفتاوى الكبرى (٢/ ٤٦٧) .","vol":"1","page":28},{"text":"لم يكونوا يعدون هذا العمل شيئا مخالفا للسنة ما أنكروا على فاعله، ولا اشتدوا في الإنكار عليه، فممّن أنكر من الصحابة هذا العمل:\n١- عمر بن الخطاب﵁- فقد روى ابن وضاح بسنده إلى أبي عثمان النهدي قال: \"كتب عامل لعمر بن الخطاب﵁- إليه: أن هاهنا قوما يجتمعون، فيدعون للمسلمين وللأمير. فكتب إليه عمر: أقبل وأقبل بهم معك. فأقبل. فقال عمر للبواب: أعدّ سوطا، فلما دخلوا على عمر، أقبل على أميرهم ضربًا بالسوط. فقلت: يا أمير المؤمنين إننا لسنا أولئك الذي يعني، أولئك قوم يأتون من قبل المشرق\" (١) .\n٢- وممن أنكر من الصحابة كذلك الاجتماع للذكر: عبد الله ابن مسعود - ﵁- وذلك في الكوفة. فعن أبي البختري قال: أخبر رجل ابن مسعود - ﵁- أن قوما يجلسون في المسجد بعد المغرب، فيهم رجل يقول: كبروا لله كذا، وسبحوا الله كذا وكذا، واحمدوه كذا وكذا، واحمدوه كذا وكذا. قال عبد الله: فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني، فأخبرني بمجلسهم. فلما جلسوا، أتاه الرجل، فأخبره. فجاء عبد الله بن مسعود، فقال: والذي لا إله غيره، لقد جئتم ببدعة ظلما أو قد فضلتم أصحاب محمد علما. فقال عمرو ابن عتبة: نستغفر الله. فقال: \"عليكم الطريق فالزموه، ولئن أخذتم\n_________\n١- ما جاء في البدع لا بن وضاح (٥٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٨/ ٥٥٨) . وسنده حسن.","vol":"1","page":29},{"text":"يمينا وشمالا لتضلن ضلالا بعيدا (١) \"\n٣- وممن أنكر عليهم من الصحابة: خباب بن الأرت، فقد روى ابن وضاح بسند صحيح عن عبد الله بن أبي هذيل العنزي عن عبد الله ابن الخباب قال: \"بينما نحن في المسجد، ونحن جلوس مع قوم نقرأ السجدة ونبكي. فأرسل إليّ أبي. فوجدته قد احتجز معه هراوة له. فأقبل عليّ. فقلت: يا أبت! مالي مالي؟! قال: ألم أرك جالسا مع العمالقة (٢)؟ ثم قال: هذا قرن خارج الآن\" (٣)، كما أنكر عامة التابعين رحمهم الله تعالى كذلك هذه البدع ومن جملة ذلك: كراهية الإمام مالك الاجتماع لختم القرآن في ليلة من ليالي رمضان. وكراهيته الدعاء عقب الفراغ من قراءة القرآن بصورة جماعية (٤) .\nوقد نقل الشاطبي في فتاواه كراهية مالك الاجتماع لقراءة الحزب،\n_________\n١- الدارمي (١/ ٦٨- ٦٩) بإسناد جيد، وابن وضاح في البدع (ص٨-١٠، ١١، ١٢، ١٣) من عدة طرق عن ابن مسعود. وابن الجوزي في تلبيس إبليس (ص ١٦- ١٧)، وأورده السيوطي في الأمر بالاتباع (ص٨٣- ٨٤) قال محقق كتاب (الأمر بالاتباع) للسيوطي: \"والأثر صحيح بمجموع طرقه\".\n٢- العمالقة الجبابرة الذين كانوا بالشام من بقية قوم عاد. ويقال لمن خدع الناس ويخلبهم: عملاق، والعملقة: التعمق في الكلام. فشبه القصاص بهم لما في بعضهم من الكبر والاستطالة على الناس. أو بالذين يخدعونهم بكلامهم وهو أشبه. قاله ابن الأثير في النهاية (٣/ ٣٠١) .\n٣- ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص ٣٢ رقم ٣٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٥٥٩) .\n٤- كتاب الحوادث والبدع للطرطوشي ص ٦٢، ٦٣ – ٦٨.","vol":"1","page":30},{"text":"وقوله: إنه شيء أُحدث، وإن السلف كانوا أرغب للخير، فلو كان خيرا لسبقونا إليه (١) .\nفهذه النقول، التي أوردناها في هذا الباب، كلها توضح أن السلف –﵃- كانوا لا يرون مشروعية الاجتماع للذكر بالصورة التي أحدثنا الخلف. ولله در السلف! ما كان خير إلا سبقوا إليه، ولا كانت بدعة منكرة إلا كانوا أبعد الناس عنها، محذرين منها. فما من إنسان يخالف هديهم إلا كان تاركا لسبل الخير، معرضا عنها، مقتحما أبواب الضلال.\nفلو كان الذكر الجماعي مشروعا أو مستحبا لفعله السلف، ولو فعلوه لنقل عنهم، ولورد إلينا. فلما لم ينقل ذلك عنهم، بل نقل عنهم ما يخالف من الإنكار على فاعله، كما حدث من ابن عمر، وابن مسعود، وغيرهما. دل ذلك على أن هذا العمل غير مشروع أصلًا.\nثالثا: النصوص العامة التي فيها المنع من الابتداع في الدين، كحديث عائشة –﵂- مرفوعا: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" (٢) . ومعلوم أن الذكر الجماعي لم يأمر به النبي ﷺ ولم يدل عليه، فلو شرعه النبي ﷺ لأمر به وحث الناس عليه، ولشاع ذلك عنه ﷺ بينهم مع قيام المقتضي.\nرابعا: أن في القول باستحباب الذكر الجماعي استدراكا على شريعة\n_________\n١- فتاوى الشاطبي ص (٢٠٦ – ٢٠٨) .\n٢- أخرجه: البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) عن عائشة.","vol":"1","page":31},{"text":"النبي ﷺ بحيث إن المبتدعين له شرعوا أحكاما لم يشرعها النبي ﷺ، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: من الآية٢١] فلما لم يشرع النبي ﷺ لأمته هذا العمل، دل ذلك على بدعيته.\nخامسا: ومن أدلة المانعين من الذكر الجماعي: أن في هذا الذكر بصوت واحد تشبها بالنصاري الذين يجتمعون في كنائسهم لداء التراتيل والأناشيد الدينية بصوت واحد. هذا مع كثرة النصوص الشرعية التي وردت في النهي عن التشبه بأهل الكتاب، والأمر بمخالفتهم.\nسادسا: ومن أدلة المانعين من الذكر الجماعي: أن فيه مفاسد عديدة تقطع بعدم جوازه، لا سيما وأنها تربو على ما له من منافع زعمها المجيزون له، فمن هذه المفاسد:\n١- التشويش على المصلين والتالين للقرآن مع ورود النهي عن هذا التشويش، ومنها على سبيل المثال قوله ﷺ: \"ألا إن كلكم مناج ربه. فلا يؤذين بعضكم بعضا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة\" (١) .\n٢- الخروج عن السمت والوقار الذين يجب على المتسلم المحافظة عليهما.\n٣- أن اعتياد الذكر الجماعي قد يدفع بعض الجهال والعامة إلى\n_________\n١- أخرجه أبو داود (١٣٣٢) وصححه الألباني في صحيح أبي داود ١١٨٣)، وفي صحيح الجامع الصغير (٢٦٣٩)، ونسبه لأحمد والحاكم والبيهقي وابن خزيمة.","vol":"1","page":32},{"text":"الانقطاع عن ذكر الله إذا لم يجدوا من يجتمع معهم لترديد الذكر جماعة كما اعتادوا.\n٤- أنه قد يحصل من بعض الذاكرين أحيانا تقطيع الآيات حتى يتمكن قصار النَفَس من الترديد مع طوال النفس. فهذه أظهر أدلة المانعين من الذكر الجماعي. وقد سقتها – على وجه التفصيل- في حدود ما وقفت عليه، مع تحري الأمانة فيما نقلت.\nوأما أدلة المجيزين للذكر الجماعي فقد أجاب المانعون عنها بما يلي:\nأولا: الجواب على الدليل الأول: وهو احتجاجهم بالنصوص الواردة في مدح الذاكرين بصيغة الجمع، وادعاؤهم أن هذا يقتضي اجتماعهم على الذكر بشكل جماعي، وللجواب على هؤلاء يقال:\nإن الحث على الذكر بصيغة الجمع ومدح الذاكرين بصيغة الجمع لا يقتضي الدلالة على استحباب أو جواز الذكر الجماعي، ولا يلزم منه ذلك. بل غاية ما في هذه النصوص الدلالة على استحباب الذكر لجيمع المسلمين، والحث عليه، وسواء كان على وجه الانفراد، أو الاجتماع، ظاهرا، أو خفيا.\nثانيا: الجواب على الدليل الثاني: وهو استدلالهم بعموم الأحاديث الدالة على فضل الاجتماع على ذكر الله ومجالس الذكر.\nفالجواب على هذا الدليل من وجهين:\nالوجه الأول: أن ذكر الله ليس مقصورا على التسبيحات والدعوات، وما يقال باللسان، بل إن ذكر الله ﷾ يشمل","vol":"1","page":33},{"text":"كل قول وفعل يرضي الله تعالى ومنه مجالس العلم والفقه، والقرآن، ولذلك فإن ما ورد في فضل مجالس الذكر ليس المقصود منها فقط ما ذكروه، بل وغير ذلك.\nويدل على ذلك ما ورد في كتاب الحلية لأبي نعيم الأصبهاني، بسنده إلى أبي هزان قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول: من جلس مجلس ذكر كفر الله عنه بذلك المجلس عشرة مجالس من مجالس الباطل. قال أبو هزان: قلت لعطاء: ما مجلس الذكر؟ قال: مجلس الحلال والحرام، وكيف تصلى، وكيف تصوم، وكيف تنكح، وكيف تطلق وتبيع وتشتري (١) .\nوقال الحافظ ابن حجر: \"والمراد بالذكر: الإتيان بالألفاظ التي ورد الترغيب في قولها والإكثار منها، مثل الباقيات الصالحاتوهي: \"سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر\"، ونحو ذلك. والدعاء بخيري الدنيا والآخرة. ويطلق ذكر الله أيضا، ويراد به: المواظبة على العمل بما أوجبه، أو ندب إليه: كتلاوة القرآن، وقراءة الحديث، ومدارسة العلم، والتنفل بالصلاة\" (٢)\nقال العلامة المباركفوري (٣): \"المراد بالذكر - هنا- الإتيان بالألفاظ التي ورد الترغيب في قولها، والإكثار منها، مثلا الباقيات\n_________\n١- الحلية (٣/ ٣١٣) .\n٢- الفتح (١١/ ٢٥٠) .\n٣- تحفة الأحوذي (٩/٣١٤) .","vol":"1","page":34},{"text":"الصالحات، وهي: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وما يلتحق بها من الحوقلة، والبسملة، والحسبلة، والاستغفار، ونحو ذلك، والدعاء بخيري الدنيا والآخرة. ويطلق ذكر الله أيضا ويراد به المواظبة على العمل بما أوجبه، أو ندب إليه، كتلاوة القرآن، وقراءة الحديث، ومدراسة العلم، والتنفل بالصلاة\".\nفإن قال قائل من هؤلاء: إن الذكر بالألفاظ الواردة نوع من أنواع الذكر اللساني يشمله أحاديث فضل مجالس الذكر فدل ذلك على استحباب الاجتماع لأجل هذا الذكر اللساني.\nفالرد عليه بالوجه الثاني: أن هذه الأحاديث لم تدل على الذكر الجماعي واستحبابه، وإنما هي دالة على استحباب الاجتماع على ذكر الله. وهناك فرق كبير بين هذا وذاك.\nفالاجتماع على ذكر الله مستحب مندوب إليه بمقتضى الأحاديث الواردة في فضله، ولكن على الوجه المشروع الذي فهمه الصحابة وعملوا به، فقد كانوا يجتمعون للذكر كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: \"كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم يقرأ، والناس يستمعون. وكان عمر يقول لأبي موسى: ذكرنا ربنا. فيقرأ وهم ويستمعون لقراءته\" (١) .\nوقال الطرطوشي: \"هذه الآثار (٢) تقتضي جواز الاجتماع لقراءة\n_________\n١- مجموع الفتاوى (١١/ ٥٢٣) .\n٢- أي التي تدل على فضل مجالس الذكر والاجتماع عليه.","vol":"1","page":35},{"text":"القرآن الكريم على معنى الدرس له والتعليم والمذاكرة، وذلك يكون بأن يقرأ المتعلم على المعلم، أو يقرأ المعلم على المتعلم، أو يتساويا في العلم، فيقرأ أحدهما على الآخر على وجه المذاكرة والمدارسة هكذا يكون التعليم والتعلم، دون القراءة معا.\nوجملة الأمر أن هذه الآثار عامة في قراءة الجماعة معا على مذهب الإدارة، وفي قراءة الجماعة على المقرئ.... ومعلوم من لسان العرب أنهم لو رأوا جماعة قد اجتمعوا لقراءة القرآن على أستاذهم. ورجل واحد يقرأ القرآن، لجاز أن يقولوا: هؤلاء جماعة يدرسون العلم، ويقرؤون العلم والحديث. وإن كان القارئ واحدا (١) .\nثالثا: وأما الآثار التي استدلوا بها عن عمر -﵁-، وميمونة – ﵂-. فيجاب عنها من ثلاثة وجوه:\nالأول: أنها غير صريحة في التكبير الجماعي بالشكل الذي يدعو إليه من يقولون بمشروعية الذكر الجماعي، بل غاية ما فيها أن الناس تأسّوا بعمر –﵁- فكبروا مثله وبأصوات مرتفعة، وبسبب تداخل واختلاط الأصوات مع كثرة الحجيج فقد ارتجت منى بالتكبير. ولا يفهم منه أن عمر –﵁- كان يكبر ثم يسكت حتى يردوا خلفه بصوت رجل واحد. وإلا فإن أئمة المذاهب المتبوعة لم ينقل عنهم الإقرار للذكر والتسبيح والتكبير بصوت واحد فلو فهموا منه ما فهمه\n_________\n١- الحوادث والبدع ص ١٦٦.","vol":"1","page":36},{"text":"دعاة الذكر الجماعي لقالو به. ولكنهم فهموا هذه الآثار –والله أعلم- على ما سبق ذكره في أول هذا الوجه.\nوأما أثر ميمونة فيقال فيه ما قيل في أثر عمر. وليس فيه إلا تكبير النسوة مع الرجال في المسجد.\nالثاني: أن عمر –﵁- قد ثبت عنه أنه عاقب من اجتمعوا للدعاء والذكر وغيره كما في الأثر الذي رواه ابن وضاح. وقد سبق إيراده في بيان حجج المانعين من الذكر الجماعي وأدلتهم.\nالثالث: أن مثل هذا التكبير من عمر والترديد من الناس لم ينقل في غير أيام منى، ووقت الحج. ولو جاز تعميم الحكم، والقول بجواز الذكر الجماعي في المساجد والبيوت، وبعد الصلوات وفي الأوقات المختلفة، لكان في هذا مخالفة واضحة للآثار السابقة عن عمر، وابن مسعود، وخباب، وغيرهم ﵃ جميعا.\nرابعا: وأما الأمر الرابع الذي استدلوا به: وهو دعواهم أن للذكر الجماعي مصالح عديدة، فيجاب عنه بما يأتي (١): ١- قولهم إن فيه تعاونا على البر والتقوى باطل، يرده فعل النبي ﷺ. فإن النبي ﷺ هو الذي أنزل عليه ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وكذلك فعل ﵇، ولو كان الاجتماع للدعاء والذكر بعد الصلاة جهرا لمن شهد الصلاة، وفي غير ذلك من الأوقات. لو كان هذا\n_________\n١- انظر: الاعتصام للشاطبي (١/ ٤٦١) .","vol":"1","page":37},{"text":"كله من باب التعاون على البر والتقوى لكان أول سابق إليه هو النبي ﵇، ولفاز بالسبق إليه أصحابه رضوان الله عليهم، ومن المعلوم أنهم لم ينقل عنهم ذلك قطعا، وكذب من ادعى عليهم شيئا من ذلك.\n٢- وأما قولهم إن الذكر الجماعي أقرب للإجابة. فيجاب عليهم بأن هذه العلة كانت موجودة في زمانه ﵇، بل هو ﷺ أعظم من تجاب دعوته ولا شك في ذلك، فهو ﵇ كان أحق بأن يفعل ذلك ويدعوا مع أصحابه –جماعة- خمس مرات في اليوم والليلة. لكن رغم ذلك لم ينقل عنه أنه فعل ذلك. وبالتالي يصبح من الواجب الحكم على هذا الفعل بأنه بدعة بناء على ما ثبت من فعله ﵊، وبناء على الأدلة الكثيرة في بيان وجوب طاعته، والاهتداء بهديه، والاقتداء بسنته.\n٣- وأما قولهم إن الذكر الجماعي أبعد عن اللحن في الدعاء والذكر ولا سيما للعوام، فيجاب عليهم بما يلي:\nأ- أنه ليس من شروط صحة الدعاء عدم اللحن فيه، بل يشترط الإخلاص وصدق التوجه ومتابعة النبي ﷺ في ذلك.\nوقد كان الصحابة متوافرين بعد انشار الفتوحات، وظهور العجمة في الألسنة بعد أن كثر العجم الداخلون في الإسلام، وشاع بين الناس اللحن في الكلام، ومع ذلك لم ينقل عن الصحابة شيء من هذا الذكر الجماعي.","vol":"1","page":38},{"text":"ب- أن هذا اللحن الذي زعموه، والموجود في الدعاء، يوجد أيضا من هؤلاء العوام في قراءة القرآن، وفي الصلاة، وفي غيرها من شعائر الدين، وكان الجدير بهؤلاء أن يعلموهم بعد الصلوات تلك الأحكام، لأنها أمور واجب تعلمها على المسلم، أما الدعاء فهو أمر مستحب.\nرابعا: قولهم إن هذا عمل الناس، وعليه الجماعة، وقد اجتمع عليه أكثر الناس.\nفيجاب عليهم بأن هذا احتجاج بالناس على الشرع، وهذا باطل. بل يحتج بالشرع وبالدليل على الناس، وعلى الرجال، وأما اتباع عامة الناس وأغلبهم في أمور الدين فهذا باب ضلال، وقد ذمه الله ﷿ في كتابه فقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: الآية١١٦] . ولسنا متعبّدين بطاعة الناس واتباعهم، بل بطاعة النبي ﷺ واتباعه.\nوقدجاء عن أبي علي بن شاذان بسند يرفعه إلى أبي عبد الله بن إسحاق الجعفري قال: \"كان عبد الله بن الحسن – يعني ابن الحسن بن علي بن أبي طالب يكثر الجلوس إلى ربيعة فتذاكروا يوما. فقال رجل كان في المجلس: ليس العمل على هذا (أي أن عمل العوام يخالف ذلك) . فقال عبد الله: أرأيت إن كثر الجهال حتى يكونوا هم الحكام، أفهم الحجة على السنة؟ فقال ربيعة: أشهد أن هذا كلام أبناء","vol":"1","page":39},{"text":"الأنبياء\" (١) فبيّن عبد الله بن الحسن أن كثرة الجهال والمبتدعين، وتسلطهم على الناس، ونشرهم لبدعتهم، ليس حجة على السنة وعلى الشرع، ولا ينبغي ولا يجوز أن يعارض شرع الله، وسنة الرسول ﷺ بفعل أحد من الناس، كائنا من كان.\nخامسا: دعواهم أن الذكر الجماعي وسيلة لها حكم غايتها، وغاية الذكر الجماعي عبادة الله.\nفيجاب عليهم بما يلي:\n١- أن هذه القاعدة ليست قاعدة مطردة على الدوام، بل إن لها موارد مقصورة عليها. فهذه القاعدة مقصورة على ما ورد في الشرع سواء كان وسيلة أم غاية. ومما يدل على ذلك أن الشيء قد يكون مباحا، بل واجبا، ومع ذلك تكون وسيلته مكروهة أو محرمة. كمن يتوصل إلى تحصيل ماء الوضوء عن طريق الغصب أو السرقة.\n٢- يدلك على هذا كذلك فعل السلف الصالح، فإنهم –﵃- كانوا يتحرون في أمور العبادات كلها تحريا شديدا من غير التفات إلى الفرق بين ما يسمى \"وسائل\" و\"غايات\" (٢) .\nسادسا: وأما قولهم: إن الآثار المانعة للذكر الجماعي تعارض الأحاديث الكثيرة التي تثبت مشروعية الذكر الجماعي (كذا زعموا) . فتقدَّم الأحاديث عليها.\n_________\n١- الاعتصام (١/٤٦٠) .\n٢- علم أصول البدع ٢٤٦.","vol":"1","page":40},{"text":"فيجاب عليهم بأنه لا تعارض بين هذه الآثار وتلك الأحاديث كما سبق، بل إن تلك الأحاديث ينبغي أن تفهم وتفسر في ضوء فهم السلف الصالح لها، وهذه الآثار الواردة عن السلف تفسر جانبا من هذه الأحاديث، كما سبق وأن ذكرناه.\nوأما ما رد به السيوطي أثر ابن مسعود بأنه لا يعرف له سند، فمردود بأنه أثر صحيح بمجموع طرقه رواه الدارمي في سننه، وابن وضاح في البدع (١) . والعجب أن الإمام السيوطي –﵀- ذكر هذ في كتابه «الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع» (٢) .\nوأما قول الدكتور الزحيلي (٣): \"فلا يصح القول بتبديع الدعاء الجماعي بعد الصلاة....\"الخ.\nفيقال: قوله: \"لا يصح\". هذه كلمة شرعية، وإطلاق لحكم شرعي، وهذا يقتضي عدم الجواز. فمن أين أتى بهذا الحكم؟ ومن سبقه بهذا من أهل العلم المعتبرين؟ ولا دليل عليه لا من كتاب ولا من سنة.\nثم قوله: \"وجرى العمل بين المتأخرين بالاجتماع على الدعاء\" (٤) اهـ\n_________\n١- ما جاء في البدع (ص ٤٠٠ وما بعدها) رقم (٩، ١٧، ١٨، ١٩، ٢٠، ٢٣) .\n٢- الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع (ص٨٣) .\n٣- البدع المنكرة (ص ٤٧) .\n٤- المصدر السابق (ص ٤٧- ٤٨) .","vol":"1","page":41},{"text":"فيقال له: ومتى كان اجتماع الناس على عمل ما قاضيًا على شرع الله ﷿؟ فالحجة إنما هي في النصوص، وفي عمل الرسول ﷺ، والصحابة الكرام، لا في عمل المتأخرين.\nثم قوله في إنكار ابن مسعود على المجتمعين على الذكر: \"والواقع أن هذا الإنكار ليس بسبب اجتماعهم على الذكر. وإنما لشذوذهم وادعائهم أنهم أشد اجتهادا في الدين من غيرهم\" (١) اهـ.\nفيقال له: ما دليلك على هذا الكلام؟! وكل من روى هذه الواقعة فهم منها إنكار ابن مسعود للذكر الجماعي، ومثله إنكار خباب بن الأرت على ولده، وهل كان هناك شذوذ عند هؤلاء المذكورين غير اجتماعهم على الذكر الجماعي؟ إذ لا يمكن أن يقال إن شذوذهم كان بسبب أنهم يذكرون الله كثيرا.\nومن هنا يتبين لك استدلال المجيزين للذكر الجماعي بالأدلة التي استدلوا بها بأنها لا تنهض لهم بما أرادوا، وأن الحجة قائمة عليهم بحمد الله تعالى. وكذلك يتبين لك قوة أدلة المانعين من الذكر الجماعي.\n_________\n١- المصدر السابق (ص ٤٨ – ٤٩)","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المبحث الخامس: حكم الذكر الجماعي</span>\nسبق ذكر موقف السلف من الذكر الجماعي، وأنهم يعدون محدثا في الدين لم يفعله النبي ﷺ ولا الصحابة –﵃-، ولا من بعدهم. وكذلك الدعاء جماعة، سواء بعد الفريضة أو غيرها فهم يعدونه بدعة، إلا ما ورد به الدليل، وقد تعددت النقول عنهم في ذلك، وقد تقدم ذكر بعضها، ودرج على منوالهم فقهاء الإسلام على اختلاف مذاهبهم، فمن ذلك:\n١- ذكر الإمام علاء الدين الكاساني الحنفي في كتابه (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع) (١)، عن أبي حنيفة – رحمه الله تعالى-: أن رفع الصوت بالتكبير بدعة في الأصل، لأنه ذكر. السنة في الأذكار المخافتة؛ لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] وقوله ﷺ: \"خير الدعاء الخفي \" (٢) . ولذا فإنه أقرب إلى التضرع والأدب، وأبعد عن الرياء فلا يترك هذا الأصل إلا عند قيام الدليل\n_________\n١ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ١٩٦) .\n٢ - أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣/ ٤٤)، وأبو يعلى في مسنده (٢/ ٨١) (٧٣١)، وابن حبان في صحيحه (٣/٩١) (٨٠٩)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/٨١)، وقال: (رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن لبيب، قد وثقه ابن حبان ... وضعفه ابن معين وبقية رجاله رجال الصحيح) .","vol":"1","page":43},{"text":"المخصص. انتهى.\nوقال العلامة المباركفوري في (تحفة الأحوذي) (١): اعلم أن الحنفية في هذا الزمان، يواظبون على رفع الأيدي في الدعاء بعد كل مكتوبة مواظبة الواجب، فكأنهم يرونه واجبا، ولذلك ينكرون على من سلم من الصلاة المكتوبة وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم قام ولم يدع ولم يرفع يديه. وصنيعهم هذا مخالف لقول إمامهم الإمام أبي حنيفة، وأيضا مخالف لما في كتبهم المعتمدة\". انتهى.\n٢- ومما يتعلق بمذهب مالك –﵀- في الذكر الجماعي ما جاء في كتاب (الدر الثمين) للشيخ محمد بن أحمد ميارة المالكي (٢): كره وجماعة من العلماء لأئمة المساجد والجماعات الدعاء عقيب الصلوات المكتوبة جهرا للحاضرين. ونقل الإمام الشاطبي في كتابه العظيم (الاعتصام) (٣) قصة رجل من عظماء الدولة ذوي الوجاهة فيها موصوف بالشدة والقوة، وقد نزل إلى جوار ابن مجاهد. وكان ابن مجاهد لا يدعو في أخريات الصلوات، تصميما في ذلك على المذهب - مذهب مالك- لأن ذلك مكروه فيه. فكأن ذلك الرجل كره من ابن مجاهد ترك الدعاء، وأمره أن يدعو فأبى. فلما كان في بعض الليالي\n_________\n١ - تحفة الأحوذي شرح الجامع للترمذي (١/ ٢٤٦) .\n٢ - الدر الثمين والمورد المعين، للشيخ محمد بن أحمد ميارة المالكي (ص ١٧٣، ٢١٢) .\n٣ - الاعتصام، للشاطبي (٢/ ٢٧٥)، بتصرف.","vol":"1","page":44},{"text":"قال ذلك الرجل: \"فإذا كان غدوة غد أضرب عنقه بهذا السيف. فخاف الناس على ابن مجاهد، فقال لهم وهو يبتسم: لا تخافوا، هو الذي تضرب عنقه في غدوة غد بحول الله. فلما كان من الصبح وصل إلى دار الرجل جماعة من أهل المسجد فضربوا عنقه. انتهى.\n٣- وأما مذهب الشافعي –﵀-، فقد قال الإمام الشافعي –رحمه الله تعالى- في (الأم) (١): وأختار للإمام والمأموم أن يذكرا الله بعد الانصراف من الصلاة، ويخفيان الذكر إلا أن يكون إماما يجب أن يتعلم منه فيجهر حتى يرى أنه قد تُعُلِّم منه ثم يُسرُّ، فإن الله ﷿ يقول: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الاسراء: ١١٠] . يعني – والله تعالى أعلم- الدعاء، ولا تجهر: ترفع. ولا تخافت: حتى لا تسمع نفسك. انتهى.\nوقال الإمام النووي في المجموع (٢): اتفق الشافعي والأصحاب – رحمهم الله تعالى- على أنه يستحب ذكر الله تعالى بعد السلام، ويستحب ذلك للإمام والمأموم والمنفرد والرجل والمرأة والمسافر وغيره ... وأما ما اعتاده الناس أو كثير منهم من تخصيص دعاء الإمام بصلاتي الصبح والعصر، فلا أصل له. انتهى. قلت: ولقائل أن يقول: نفيه للتخصيص في هذين الوقتين يدل على جواز الدعاء في جميع الصلوات، ويبطل هذا الزعم قول النووي نفسه في\n_________\n١ - الأم، للشافعي (١/ ١١) .\n٢ - المجموع للنووي (٣/ ٤٦٥- ٤٦٩) .","vol":"1","page":45},{"text":"(التحقيق) (١): يندب الذكر والدعاء عقيب كل صلاة ويسر به، فإذا كان إماما يريد أن يعلمهم جهر، فإذا تعلموا أسر. انتهى.\n٤- وأما ما يتعلق بمذهب الحنابلة، فقد قال ابن قدامة في (المغني) (٢): \"ويستحب ذكر الله تعالى والدعاء عقيب صلاته، ويستحب من ذلك ما ورد به الأثر، وذكر جملة من الأحاديث، فيها شيء من الأذكار التي كان ﷺ يقولها في دبر كل صلاة مكتوبة. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- (٣) عن الدعاء بعد الصلاة، فذكر بعض ما نقل عنه ﷺ من الأذكار بعد المكتوبة، ثم قال: وأما دعاء الإمام والمأمومين جميعا عقيب الصلاة فلم ينقل هذا أحد عن النبي ﷺ. انتهى.\nقلت: وفيما يختص بدعاء الإنسان منفردا من غير جماعة فإنه إذا كان إماما أو مأموما أو منفردا فليس ثم مانع يمنعه من الدعاء إذا بدأ بالأذكار المسنونة والتسابيح المشروعة في أعقاب الصلوات، وقد دل على ذلك كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم ﷺ وهدي السلف الصالح –﵃-. أما الدليل من الكتاب العزيز، فقول الله تعالى ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح٧-٨] .\nوقد ورد في الكلام على هاتين الآيتين، في إحدى الروايتين: فإذا\n_________\n١ - كتاب التحقيق للنووي (٢١٩) . كما في كتاب مسك الختام (١٣٧- ١٤١) .\n٢ - المغني لابن قدامة (٢/ ٢٥١) .\n٣- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٢/٥١٥) .\n_________\n١ - الأم، للشافعي (١/ ١١) .\n٢ - المجموع للنووي (٣/ ٤٦٥- ٤٦٩) .","vol":"1","page":46},{"text":"فرغت من صلاتك، فانصب إلى ربك في الدعاء وسله حاجتك. نقل هذا ابن جرير الطبري (١) في تفسيره، وابن أبي حاتم (٢)، والسمعاني (٣)، والقرطبي (٤)، وابن الجوزي (٥)، وابن كثير (٦)، والشوكاني (٧)، والسعدي، وغيرهم من المفسرين.\nقال السعدي –﵀- وفي تفسير هاتين الآتين: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ أي إذا تفرغت من أشغالك، ولم يبق في قلبك ما يعوقه فاجتهد في العبادة والدعاء. ﴿وَإِلَى رَبِّكَ﴾ وحده ﴿فَارْغَبْ﴾ أي أعظم الرغبة في إجابة دعائك، وقبول دعواتك، ولا تكن ممن إذا فرغوا لعبوا وأعرضوا عن ربهم وعن ذكره، فتكون من الخاسرين. وقد قيل: إن معنى هذا: فإذا فرغت من الصلاة، وأكملتها فانصب في الدعاء. ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ في سؤال مطالبك. واستدل من قال هذا القول على مشروعية الدعاء عقب الصلوات المكتوبات. والله أعلم\" (٨) انتهى.\n_________\n١ - تفسير الطبري (١٢/ ٦٢٨- ٦٢٩) .\n٢ - تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٤٦) .\n٣- تفسير السمعاني (٦/ ٢٥٢)، ط دار الوطن.\n٤- تفسير القرطبي (٢٠/ ٧٤)، ط دار الكتب العلمية.\n٥- تفسير ابن الجوزي (٩/ ١٦٦)، ط دار المكتب الإسلامي.\n٦- تفسير ابن كثير (٤/ ٤٩٧)، ط دار الكتب العلمية.\n٧- تفسير الشوكاني (٥/ ٤٦٢)، ط دار الوفاء.\n٨- تيسير الكريم الرحمن (٨٥٩)، ط مؤسسة الرسالة.","vol":"1","page":47},{"text":"وأما من السنة، فعن أبي أمامة قال: قيل يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: \"جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات\". رواه الترمذي (١) وقال: هذا حديث حسن.\nوقد جاءت بذلك فتاوى العلماء قديما وحديثا.\nفمن القديم ما ذكره ابن مفلح قال: قال مهنا سألت أبا عبد الله عن الرجل يجلس إلى القوم، فيدعو هذا، ويدعو هذا، ويقولون له: ادع أنت. فقال: لا أدري ما هذا؟! أي: أنه استنكره.\nوقال الفضيل بن مهران: سألت يحيى بن معين وأحمد بن حنبل قلت: إن عندنا قوما يجتمعون، فيدعون، ويقرأون القرآن، ويذكرون الله تعالى، فما ترى فيهم؟\nقال: فأما يحيى بن معين فقال: يقرأ في مصحف، ويدعو بعد الصلاة، ويذكر الله في نفسه، قلت: فأخ لي يفعل ذلك. قال: انهه، قلت: لا يقبل، قال: عظه. لت لا يقبل. أهجره؟ قال: نعم. ثم أتيت أحمد فحكيت له نحو هذا الكلام فقال لي أحمد أيضا: يقرأ في المصحف ويذكر الله في نفسه ويطلب حديث رسول الله. قلت: فأنهاه؟ قال: نعم. قلت فإن لم يقبل؟ قال: بلى إن شاء الله، فإن هذا محدث، الاجتماع والذي تصف (٢) .\nوقال الإمام الشاطبي في بيان البدع الإضافية ما نصه: \"كالجهر\n_________\n١- الترمذي (٥/ ٥٢٦/ ح٣٤٩٩)، وأبو داود (٢/ ٢٥) .\n٢- الآداب الشرعية (٢/ ٢٥) .","vol":"1","page":48},{"text":"والاجتماع في الذكر بين متصوفة الزمان. فإن بينه وبين الذكر المشروع بونا بعيدا إذ هما كالمتضادين عادة\" (١) .\nوقال ابن الحاج: \"ينبغي أن ينهى الذاكرون جماعة في المسجد قبل الصلاة، أو بعدها، أو في غيرهما من الأوقات. لأنه مما يشوش بها\" (٢) .\nوقال الزركشي: \"السنة في سائر الأذكار الإسرار إلا التلبية\" (٣) .\nجاء في (الدرر السنية): \"فأما دعاء الإمام والمأمومين، ورفع أيديهم جميعا بعد الصلاة، فلم نر للفقهاء فيه كلاما موثوقا به. قال الشيخ تقي الدين: \"ولم ينقل أنه ﷺ كان هو والمأمومون يدعون بعد السلام. بل يذكرون الله كما جاء في الأحاديث\" (٤)\nوجاء في فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا ما يلي: \"ختام الصلاة جهارا في المساجد بالاجتماع، ورفع الصوت، من البدع التي أحدثها الناس، فإذا التزموا فيها من الأذكار ما ورد في السنة، كانت من البدع الإضافية\" (٥) . وقال في موضع آخر: \"إنه ليس من السنة أن يجلس الناس بعد الصلاة بقراءة شيء من الأذكار، والأدعية المأثورة، ولا غير المأثورة برفع الصوت وهيئة الاجتماع ... وأن الاجتماع في ذلك\n_________\n١- الاعتصام (٤/٣١٨) .\n٢- إصلاح المساجد للقاسمي (ص١١١) .\n٣- إصلاح المساجد للقاسمي (ص١١١) .\n٤- الدرر السنية (٤/ ٣٥٦) .\n٥- (٤/ ٣٥٨) .","vol":"1","page":49},{"text":"والاشتراك فيه ورفع الصوت بدعة\" (١) .\nوجاء في الفتاوى الإسلامية للشيخ ابن عثيمين: \"الدعاء الجماعي بعد سلام الإمام بصوت واحد لا نعلم له أصلا على مشروعيته\" (٢) .\nوقال الشيخ صالح الفوزان: \"البدع التي أحدثت في مجال العبادات في هذا الزمان كثيرة، لأن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع شيء منها إلا بدليل. وما لم يدل عليه دليل فهو بدعة ... ثم ذكر بعض البدع. وقال: ومنها الذكر الجماعي بعد الصلاة لأن المشروع أن كل شخص يقول الذكر الوارد منفردا\" (٣) .\nفأصل الدعاء عقب الصلوات بهيئة الاجتماع بدعة، وإنما يباح منه ما كان لعارض، قال الإمام الشاطبي –﵀-: \"لو فرضنا أن الدعاء بهيئة الاجتماع وقع من أئمة المساجد في بعض الأوقات: للأمر يحدث عن قحط أو خوف من ملم لكان جائزا ... وإذا لم يقع ذلك على وجه يخاف منه مشروعية الانضمام، ولا كونه سنة تقام في الجماعات، ويعلن به في المساجد كما دعا رسول الله دعاء الاستسقاء بهيئة الاجتماع وهو يخطب\" (٤) .\nوإنما كان هذا الدعاء بعد الصلوات بهيئة الاجتماع بدعة، مع ثبوت\n_________\n١- (٤/ ٣٥٩) .\n٢ - (٤/ ٣١٨) .\n٣ - الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد (ص ٣٨٩) .\n٤ - الاعتصام للشاطبي (٢/٢٣) .","vol":"1","page":50},{"text":"مشروعية الدعاء مطلقا، وورود بعض الأحاديث بمشروعية الدعاء بعد الصلوات خاصة، وذلك لما قارنه من هذه الهيئة الجماعية، ثم الالتزام بها في كل الصلوات حتى تصير شعيرة من شعائر الصلاة. فإن وقع أحيانا فيجوز إذا كان من غير تعمد مسبق، فقد روي عن الإمام أحمد –﵀- أنه أجاز الدعاء للإخوان إذا اجتمعوا بدون تعمد مسبق، وبدون الإكثار من ذلك حتى لا يصير عادة تتكرر (١)، وقال شيخ الإسلام: \"الاجتماع على القراءة والذكر والدعاء حسن مستحب إذا لم تتخذ ذلك عادة راتبة كالاجتماعات المشروعة، ولا اقترن به بدعة منكرة\" (٢)، وقال: \"أما إذا كان دائما بعد كل صلاة فهو بدعة، لأنه لم ينقل ذلك عن النبي ﷺ والصحابة والسلف الصالح\" (٣) .\n_________\n١- الاقتضاء (٣٠٤) .\n٢- الاقتضاء (٣٠٤) .\n٣ - الفتاوى الكبرى المصرية: (١/ ١١٨)، مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٩٢)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢٠٣)","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المبحث السادس: مفاسد الذكر الجماعي</span>\nسبق الإشارة إلى بعض مفاسد الذكر الجماعي باختصار ضمن المبحث الرابع. ونظرا لأهمية هذه المسألة فقد أفردتها بهذا المبحث المستقل. فأقول - مستعينا بالله- إن من مفاسد الذكر الجماعي:\nالأولى: مخالفة هدي النبي ﷺ وأصحابه – ﵃-، فإنهم لم ينقل عنهم شيء من ذلك. ولا شك أن ما خالف هدي النبي ﷺ وهدي أصحابه الكرام –﵃-، فهو بدعة ضلالة. ولو كان خيرا لفعله ﷺ، ولتبعه في ذلك الصحابة الكرام، ولنقل ذلك عنهم ولا شك. فلما لم ينقل ذلك عنهم دل على أنهم لم يفعلوه. وما لم يكن دينا في زمانهم فليس بدين اليوم.\nالثانية: الخروج عن السمت والوقار، فإن الذكر الجماعي قد يتسبب في التمايل، ثم الرقص، ونحو ذلك، وهذا لا يجوز بحال، بل هو مناف للوقار الواجب عند ذكر الله تعالى، وحال أهل الطرق الصوفية معروف في هذا الباب.\nالثالثة: التشويش على المصلين، والتالين للقرآن، وذلك إذا كان الذكر الجماعي في المساجد. ولا شك أن المجيزين له يعدون المساجد أعظم الأماكن التي يتم الالتقاء فيها للذكر الجماعي.","vol":"1","page":52},{"text":"الرابعة: أنه قد يحصل من الذاكرين تقطيع في الآيات، أو إخلال بها وبأحكام تلاوتها، أو بأذكار مما يجتمع عليها، كما لو أن أحدهم قد انقطع نَفَسه ثم أراد إكمال الآية فوجد الجماعة قد سبقوه، فيضطر لترك ما فاته واللحاق بالجماعة فيما يقرأون. أو أن يكون بعض القارئين مخلا بالأحكام فيضطر المجيد للأحكام إلى مجاراتهم حتى لا يحصل نشاز وتعارض، ونحو ذلك.\nالخامسة: أن في الذكر الجماعي تشبها بالنصارى الذين يجتمعون في كنائسهم لأداء التراتيل والأناشيد الدينية جماعة وبصوت واحد. وهذا التشبه بأهل الكتاب مع ورود النهي الشديد عن موافقتهم في دينهم دليل واضح على عدم جواز الذكر الجماعي.\nالسادسة: أن فتح باب الذكر الجماعي قد يؤدي إلى أن تتبع كل طائفة شيخا معينا يجارونه فيما يذكر، وفيما يقول، ولو أدى ذلك إلى ظهور أذكار مبتدعة، ويزداد التباعد بين أرباب هذه الطرق يوما بعد يوم؛ لأن السنة تجمع، والبدعة تفرق.\nالسابعة: أن اعتياد الذكر الجماعي قد يؤدي ببعض الجهال والعامة إلى الانقطاع عن ذكر الله إذا لم يجد من يشاركه، وذلك لاعتياده الذكر الجماعي دون غيره.\nولا شك أن للذكر الجماعي مفاسد أخرى، وفيما ذكرت كفاية، ولله الحمد.","vol":"1","page":53},{"text":"الخاتمة\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:\nفمن خلال هذا البحث، وما ورد من فيه، يتبين لنا أن الذكر الجماعي ليس له أصل في دين الله تعالى، إذا لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة الكرام أنهم يذكرون الله جماعة، ولم يفعله السلف الصالح –﵃-، بل أنكروا على من فعل ذلك، ولم تنتشر هذه البدعة إلا بقوة السلطان، وذلك على يد المأمون بن هارون الرشيد، لما أمر به ودعا إليه، ثم اعتاده الناس، وشاع بينهم حتى أصبح عندهم كالفريضة.\nوقد احتج أصحاب هذه البدعة بنصوص عامة لا تسعفهم صراحة عند الاستدلال بها. وقد استدلوا كذلك بمصالح - ادعوها- للذكر الجماعي، وقد سقنا – والحمد لله- الجواب عن حجتهم، بل وذكرنا بعضا من مفاسد هذه البدعة في مبحث مستقل خلال هذا البحث، وبينا بعضا من أضرارها على صاحبها، وعلى غيره.\nوأسأل الله أن أكون قد وفقت في إخراج هذا البحث، وما كان فيه من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني، والله ورسوله منه براء، وأسأل الله القبول، والحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>فتاوى أهل العلم وكلامهم حول الذكر الجماعي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>فتاوى الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين ــ رحمهما الله تعالى ــ حول الذكر الجماعي</span>.\n...\nفتاوى أهل العلم وكلامهم حول الذكر الجماعي\nالتلبية الجماعية\nقال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين:\nبعض الحجاج يلبون بصوت جماعي، فيتقدم واحد منهم أو يكون في الوسط أو في الخلف ويلبي ثم يتبعونه بصوت واحد، وهذا لم يرد عن الصحابة –﵃-، بل قال أنس بن مالك: كنا مع النبي ﷺ - يعني في حجة الوداع- فمنا المكبّر، ومنا المهلّل، ومنا الملبِّي، وهذا هو المشروع للمسلمين؛ أن يلبي كل واحد بنفسه، وألا يكون له تعلق بغيره.\n(فقه العبادات ص ٣٤٣)\nسؤال: ما حكم التلبية الجماعية للحجاج؟\nجواب: هؤلاء أيضا عملهم لا أصل له في السنة، وهو بدعة ينبغي على طالب العلم أن يبين لهم هذا، وأنه ليس من هدي النبي ﷺ، وأما الالتزام بين الحجر الأسود وبين الكعبة، فهذا قد ورد عن الصحابة ﵃ فعله، ولا بأس به، ولكن مع المزاحمة والضيق كما يشاهد اليوم، لا ينبغي للإنسان أن يفعل ما يتأذى به أو يؤذي به غيره، في أمر ليس من الواجبات.\n(دليل الأخطاء التي يقع فيها الحاج والمعتمر ص ٤٣) (الشيخ ابن عثيمين)","vol":"1","page":57},{"text":"الدعاء الجماعي في الطواف\nسؤال: هناك بعض الأخطاء التي تقع في الطواف ما هي هذه الأخطاء..؟\nجواب: ١- كثير من الحجاج يلتزم أدعية خاصة في الطواف يقرؤها من مناسك، وقد يكون مجموعات منهم يتلقونها من قارئ يلقنهم إياها ويرددونها بصوت جماعي، وهذا خطأ من ناحيتين:\nالأولى: أنه التزام دعاء لم يرد التزامه في هذا الموطن لأنه لم يرد عن النبي ﷺ في الطواف دعاء خاص.\nالثاني: أن الدعاء الجماعي بدعة وفيه تشويش على الطائفين، والمشروع أن يدعو كل شخص لنفسه وبدون رفع صوته.\n٢- بعض الحجاج يقبّل الركن اليماني، وهذا خطأ لأن الركن اليماني يسلم باليد فقط ولا يقبّل، وإنما الحجر الأسود، فالحجر الأسود يستلم ويقبّل إن أمكن أو يشار من الزحمة إليه والركن اليماني يسلم ولا يقبل ولا يشار إليه عند الزحمة، وبقية الأركان لا تسلم ولا تقبّل.\n(الفتاوى فضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ٢/ ٣٠)","vol":"1","page":58},{"text":"الاجتماع على الذكر بصوت جماعي وقول: \"لا إله إلا الله أو هو هو\"\nسؤل: لنا جماعة هم أصحاب الطريقة التيجانية يجتمعون كل يوم جمعة ويوم الاثنين ويذكرون الله بهذا الذكر: لا إله إلا الله، ويقولون في النهاية: الله، الله بصوت عال فما حكم عملهم هذا؟\nجواب: هذه العقيدة التيجانية من العقائد المبتدعة والطرق المنكرة، وفيها منكرات كثيرة، وبدع كثيرة، ومحرمات شركية يجب تركها، ولا يؤخذ منها إلا ما وافق الشرع المطهر الذي جاء به نبينا محمد ﵊.\nوالاجتماع على الذكر بصوت جماعي لا أصل له في الشرع، وهكذا الاجتماع بقول: الله. الله، أو: هو. هو، إنما الذكر الشرعي أن يقول: لا إله إلا الله فهذا هو الذكر الشرعي، أو سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أستغفر الله، اللهم اغفر لي أما الاجتماع بصوت واحد: لا إله إلا الله أو: الله. الله، أو: هو. هو؛ فهذا لا أصل له، بل هو من البدع المحدثة.\nفالواجب على المسلمين ترك البدع، لأن الرسول ﵊ يقول: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" (١) يعني فهو مردود ويقول: \"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد\" (٢)\n_________\n١ - البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) .\n٢ - مسلم (١٧١٨) (١٨) .","vol":"1","page":59},{"text":"ويقول أيضا علي٧هـ الصلاة والسلام: \"وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة\" (١) وكان يخطب في الجمعة ﷺ فيقول: \"أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة\" (٢) .\nفالواجب المسلمين أن يحذروا البدع كلها سواء كانت تيجانية أو غيرها، وأن يلتزموا بما شرعه الله على لسان نبيه ورسوله محمد ﵊، هذا هو الواجب على المسلمين، كما قال الله ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣)، وقال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٤)، وقال ﷿: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٦) .\nفالواجب على أهل الإسلام من الرجال والنساء طاعة الله ورسوله والحذر من البدع في الدين، بل الله كفانا ﷾، وأتم لنا\n_________\n١ - مسند الإمام أحمد ٤/ ١٢٦، وأبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢)، وصحيح الجامع (٢٥٤٦) .\n٢ - مسلم (٨٦٧) .\n٣ - سورة الحشر، الآية: [٧]\n٤ - سورة النساء، الآية: [٥٩]\n٥ - سورة الشورى، الآية: [١٠]\n٦ - سورة النور، الآية: [٥٦]","vol":"1","page":60},{"text":"النعمة وأكمل لنا الدين، كما قال ﷿: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ (١) . فالإسلام الذي رضيه الله وأكمله لنا علينا أن نلتزم به وأن نستقيم عليه وأن نحافظ عليه، وألا نحدث في الدين ما لم يأذن به الله ونسأل الله للجميع الهداية.\n(فتاوى نور على الدرب ١/ ٣٥٨) (الشيخ ابن باز)\nالاجتماع لقراءة ورد الصباح والمساء\nسؤال: إذا خرج بعض الإخوان لرحلة أو لعمرة أو نحوهما، يأمرون أحدهم أو بعضهم يوميا صباحا ومساء بقراءة ورد الصباح والمساء الوارد عن الرسول ﷺ وبقية الجماعة يستمعون إليه فما حكم ذلك؟\nجواب: كان لرسول الله ﷺ أذكار وأدعية يذكر الله ويدعوه بها، صباحًا ومساءً في نفسه، وسمعها منه أصحابه وتعلموها، وذكروا الله ودعوه بها صباحا ومساء، كلٌ منهم في نفسه منفردًا، اقتداء برسول الله ﷺ ولم ينقل عنه ﷺ ولا عن أصحابه ﵃ – فيما نعلم- أنهم كانوا يقولون تلك الأذكار والأدعية مجتمعين، ويقرؤونها، جميعا أو يقرؤها بعضهم ويستمع الآخرون، فينبغي للمسلم أن يهتدي بهدي\n_________\n١- المائدة، الآية: [٣] .","vol":"1","page":61},{"text":"الرسول ﷺ وأصحابه –﵃- في ذكره ودعائه وكيفية ذلك وفي سائر ما شرعه ﵊ فإن الخير في اتباعه، والشر كل الشر في مخالفته، والاجتماع لذلك واتخاذه طريقة وعادة من البدع المحدثة وقد قال ﷺ: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" (١)، وقال ﷺ: \"إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة\" (٢) .\n(فتاوى إسلامية ٤/ ٥١٠) (اللجنة الدائمة)\nالأذكار أو الصلاة على النبي ﵇ جماعة عقب الصلاة\nسؤال: نجد الناس في بعض المساجد في أيام رمضان بين كل ركعتين من صلاة التراويح تجدهم بصوت عال وجماعي يصلون على النبي وعلى الخلفاء الراشدين وأمهات المؤمنين والعشرة المبشرين بالجنة وذلك بترتيب محدد يعرفونه هم فما حكم ذلك؟\nجواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ... وبعد:\n_________\n١- البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) .\n٢- مسند الإمام أحمد ٤/ ١٢٦، وأبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢) وصحيح الجامع (٢٥٤٦) .","vol":"1","page":62},{"text":"الأذكار أو الصلاة على النبي ﷺ جماعة عقب الصلاة فريضة أو نافلة أو بين ركعات التراويح بدعة محدثة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" (١) .\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\n(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، السؤال الرابع من الفتوى رقم ٦٢٦٠) .\nذكر الله جماعة في الخطبة\nسؤال: لقد رأينا إماما بمدينة البليدة يقول للمسلمين وهو على المنبر وحدوا الله فتنطلق أصوات المسلمين بالتهليل والتكبير، فهل من حق الإمام أن يقول لهم ذلك؟ وهل من حقهم أن يهللوا؟ وما معنى الحديث القائل: إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت نرجو الإجابة والسلام عليكم ورحمة الله.\nجواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ... وبعد.\nأولا: إذا كان قصد الخطيب من قوله للحاضرين: وحدوا الله أن يرشدهم إلى ما يجب من توحيد الله في ربوبيته وإلهيته وفي أسمائه وصفاته ليعتقدوا ذلك لا ليجيبوه بتلك الأصوات المرتفعة بالتهليل\n_________\n١- البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) .","vol":"1","page":63},{"text":"والتكبير ولكنهم فهموا منه خلاف ما أراد فأجابوه قولا بهذه الأصوات فلا حرج عليه. أما هم فقد أخطأوا في فهمهم ورفع أصواتهم وعليه أن ينصحهم ويرشدهم إلى ما أراد حتى لا يعودوا إلى مثل ذلك مرة أخرى. وإن كان قصده أن يجيبوه في الحال بالتهليل والتكبير مع رفع الأصوات بذلك فهو مخطئ مبتدع وهم مخطئون مبتدعون. لأن ذلك لم يعهد من النبي ﷺ في خطبه ولا من الخلفاء الراشدين في خطبهم ولا ممن كانوا يستمعون لهم إنما كان يسأل الخطيب بعض من في المسجد عن أمر يتعلق به كما كان من النبي ﷺ مع سليك لم دخل المسجد والنبي ﷺ يخطب فجلس ولم يصل تحية المسجد فأمره النبي ﷺ أن يقوم فيصلي ركعتين. وكما كان منه مع أعرابي اشتكى القحط وطلب من النبي ﷺ أن يسأل الله تعالى أن ينزل المطر، فدعا رسول الله ﷺ ربه فنزل الغيث واستمر حتى طلب منه في خطبة الجمعة التي بعدها أن يمسكه فدعا النبي ﷺ ربه أن يجعله حيث ينتفع به ولا يضر. وكما كان من عمر مع عثمان لم يبكر إلى الجمعة يوما قال عمر: أية ساعة هذه، فقال عثمان والله لم أزد على أن توضأت فقال عمر: والوضوء أيضا رضي الله عن الجميع، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" (١)، وقال: \"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد\" (٢)\nثانيا: الحديث الذي ذكرت رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن\n_________\n١- البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) .\n٢ - مسلم (١٧١٨) .","vol":"1","page":64},{"text":"ومعناه: إذا تكلمت مع جليسك والإمام يخطب خطبة الجمعة ولو بنصيحة وأمر بمعروف ونهي عن منكر وكقولك اسكت واستمع للخطبة فقد أسأت، وارتكبت ما لا ينبغي، والذي ينبغي في ذلك أن يوجه الكلام على الخطيب لينصح من يراد نصحه ليكف عن الشر ويقبل على الخير وذلك حتى لا يتتابع الحاضرون بالمسجد وقت الخطبة في اللغط واللغو من الكلام ولا ما نع من أن يشير إلى المسيء إشارة يفهم منها الكف عن الإساءة.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\n(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، السؤال الثاني من الفتوى رقم ٣٢٤٦)\nذكر الله مع التمايل يمينا وشمالا\nسؤال: ما حكم الإسلام فيمن يذكرون وهم يتمايلون يمينا وشمالا في حالة قفز وفي جماعة وفي صوت عال؟\nجواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه ... وبعد:\nلا يجوز لأنه بهذه الكيفية بدعة محدثة وقد قال النبي ﷺ: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" (١) .\n_________\n١ - البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) .","vol":"1","page":65},{"text":"سؤال: هل كان النبي ﷺ يقرأ الفاتحة بعد الدعاء؟\nجواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه ... وبعد: لم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ الفاتحة بعد الدعاء فيما نعلم، فقراءتها بعد الدعاء بدعة.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\n(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. السؤال الثامن من الفتوى رقم ٥٨٨١)\nقراءة الفاتحة والصلوات الإبراهيمية جماعة\nسؤال: نحن جماعة من العماء المسلمين المهاجرين بفرنسا اجتمعنا على تقوى الله واتباع سنة حبيبه محمد ﷺ وفقنا بمشيئة الله سبحانه على الحصول على قاعة نؤدي فيها الصلوات الخمس يوميا وقد اخترنا لنا إماما أعانه الله على حمل هذا العبء الثقيل الملقى على أعتقه، وبالإضافة إلى الصلوات الخمس التي تقام يوميا هناك دروس في الوعظ والإرشاد من حين لآخر ومشكلتنا الحالية أن هذه الجماعة قد بدأت تتفكك شيئا ما والسبب في ذلك هو أننا بعد الانتهاء من الصلاة بعد السلام مباشرة كل واحد منا يسبح الله ٣٣ مرة ويحمد الله ٣٣ مرة ويكبر الله كذلك، وذلك مصداق واتباع لحديث سيد الخلق وحبيب الخلق محمد ﷺ كما رواه أبو هريرة في الحديث الشريف: \"جاء الفقراء إلى رسول الله ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما","vol":"1","page":66},{"text":"نصوم ولهم فضل أمول يحجون بها ويعتمرون ويتصدقون فقال: \"ألا أحدثكم بحديث إن أخذتم به أدركتم من سبقكم ولم يدرككم أحد بعدكم وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيهم إلا من عمل مثله تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين..\" (١) الخ. الحديث وهذه الصيغة الواردة في الحديث الشريف يأتي بها كل مصل سرا وبعدها نقرأ جماعة فاتحة الكتاب والصلوات الإبراهيمية ونختم بسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. فقام من بيننا إخوة قالوا: إنا براء منكم إنكم بقراءتكم هذا جماعة ابتدعتم بدعة يبقى عليكم وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم الدين، أفتنا في أمرنا هل قراءة الفاتحة والصلوات الإبراهيمية والآيات الأخيرة من الصافات ١٨٠، ١٨١، ١٨٢ جماعة سنة حسنة أم بدعة ابتدعناها، وليس هذا كل ما في الأمر بل هؤلاء الإخوة أصبحوا لا يحضرون معنا الصلاة قائلين لن نصلي معكم حتى تقلعوا عن هذه البدعة لا بد لنا من فتوى تكون حسما للخلاف القائم حاليا بين هؤلاء الإخوة فإن كنا على غير هدي فإننا نقلع عن هذا حتما ونستغفر الله على ما سلف، وإن كنا على بينة نطلب الله أن يلهم هؤلاء الإخوة رشدهم وكفى ما بالمسلمين من خلافات مزقت وحدتهم وفرقت شملهم؟\nجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه ... وبعد:\n_________\n١ - البخاري (٨٣٤) (٦٣٢٩)، ومسلم (٥٩٥) .","vol":"1","page":67},{"text":"ما ذكرتم من أنكم تقرءون جماعة فاتحة الكتاب والصلوات الإبراهيمية وتختمون بسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين لا يجوز فعله بل هو بدعة لعدم وروده عن المصطفى ﷺ.\nأما الإخوة الذين تركوا الصلاة معكم من أجل البدعة المذكورة فما كان ينبغي منهم ذلك بل الواجب عليهم أن يصلوا معكم أداء للواجب مع النصيحة بالمعروف أصلح الله حال الجميع.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\n(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فتوى رقم ٦٩١٧)\nالاستغفار جماعة بعد الصلوات\nسؤال: لنا مسجد نصلي فيه وعندما ينتهي الجماعة من الصلاة يقولون بصوت جماعي: استغفر الله العظيم وأتوب إليه.. هل هذا وارد عن النبي ﷺ؟\nجواب: أما الاستغفار فهو ثابت عن النبي ﷺ أنه إذا سلم استغفر الله ثلاثا قبل أن ينصرف إلى أصحابه وأما الهيئة التي ذكرها السائل بأن يؤدى الاستغفار بأصوات جماعية فهذا بدعة. لم يكن من هدي النبي ﷺ بل كان يستغفر لنفسه غير مرتبط بالآخرين ومن غير صوت جماعي والصحابة كانوا يستغفرون فرادى بغير صوت جماعي وكذا من","vol":"1","page":68},{"text":"بعدهم من القرون المفضلة.\nفالاستغفار في حد ذاته سنة بعد السلام لكن الإتيان به بصوت جماعي هذا هو البدعة فيجب تركه والابتعاد عنه.\n(نور على الدرب فتاوى فضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ١/ ٢٣)\nترديد الأذكار بعد الصلاة جماعة\nسؤال: الأذكار بعد الصلاة هل تردد بشكل جماعي من قبل المصلين؟ وهل وراء الإمام أو من يساعده وهو عندنا المؤذن الذي يؤذن للصلاة والإقامة؟ هل من المسنون أن يقول وبصوت عال بعد الصلاة: جلّ ربنا الكريم. جل ربنا العظيم سبحانك يا عظيم \"سبحان الله\": يعني قولوا سبحان الله ثلاثا وثلاثين مرة. ثم يقول: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا يا ربنا دائما نشكرك شكرا كثيرا \"الحمد لله\" يعني قولوا: الحمد لله ثلاثا وثلاثين مرة. ثم يقول: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله جلّ شأنه \"الله أكبر\" يعني قولوا: الله أكبر أربعا وثلاثين مرة ثم يقول بعدها: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير؟ هل من السنة أن يصوت والمصلون يستمعون إليه ثم يسبحون ويحمدون ويكبرون؟ أو السنة أن يستغفر المصلي ربه ثلاثا فيقول ثلاث مرات أستغفر الله. أستغفر الله. أستغفر الله العظيم، ثم يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. ثم يقول: اللهم","vol":"1","page":69},{"text":"أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ثم يسبح الله ويحمده ويكبره ثلاثا وثلاثين مرة بشكل منفرد؟ هل تجري هذه الأذكار بشكل أم أن الإمام يأمر بها واحدة واحدة؟\nجواب: هذه الصفات التي ذكرها السائل في كون الإمام يقول: سبحان الجليل العظيم وما أشبه هذه بدعة لم ترد عن النبي ﷺ: وإنما الوارد أن كل إنسان يستغفر الله ويذكر لنفسه. لكن السنة الجهر بالذكر بعد السلام من الصلاة: فقد ثبت عن ابن عباس – ﵄- أنه قال: كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي ﷺ. وأنه كان يعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعهم، وهذا دليل على أن السنة الجهر بالذكر بعد الصلاة خلافا لما كان عليه أكثر الناس اليوم من الإسرار به، وبعضهم يجهر بالتهليلات دون التسبيح والتحميد والتكبير، ولا أعلم لهذا أصلا من السنة في التفريق بين هذا وهذا. وإنما السنة الجهر، وقول بعض الناس: إن الرسول ﷺ جهر بالذكر بعد الصلاة من أجل أن يعلمه الناس، هذا قول فيه نظر؛ وذلك لأن التعليم من النبي ﵊ قد حصل بالقول كما قال للفقراء من المهاجرين: \"تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثين وثلاثين\" (١) . ثم إننا نقول: هب أن المقصود بذلك التعليم. فالتعليم كما يون في صل الدعاء. أو في أصل الذكر يكون أيضا بصفته، فالرسول ﷺ علم هذا الذكر أصله وصفته وهو الجهر، كون الرسول\n_________\n١- البخاري (٨٤٣) (٦٣٢٩) ومسلم (٥٩٥) .","vol":"1","page":70},{"text":"عليه الصلاة والسام يداوم على ذلك يدل على أنه سنة، ولو كان من أجل التعليم فقط لكان النبي ﵊ يقتصر على أن يعلم الناس ثم يقول للناس هذا الذكر سرّا؛ فالمهم أن القول الراجح في هذه المسألة أنه يسن الذكر ورفع الصوت به.\n(كتاب سؤال وجواب من برنامج نور على الدرب ١/ ١٤) (الشيخ ابن عثيمين)\nالدعاء جماعة بعد الصلاة مع رفع الصوت والتأمين\nسؤال: نرى في بعض المناطق أن الإمام يرفع يديه بعد الصلوات المكتوبة والمأمومون كذلك ... يدعو الإمام ويؤمن المأمومون على دعائه فأرجو إثباته أو نفيه بالدلائل؟\nجواب: العبادات مبنية على التوقيف فلا يجوز أن يقال إن هذه العبادة مشروعة من جهة أصلها أو عددها أو هيأتها أو مكانها إلا بدليل شرعي يدل على ذلك ولا نعلم سنة في ذلك عن النبي ﷺ لا من قوله ولا من فعله ولا من تقريره والخير كله باتباع هديه ﷺ وهديه ﷺ في هذا الباب ثابت بالأدلة الدالة على ما كان يفعله ﷺ بعد السلام وقد جرى خلفاؤه وصحابته من بعده ومن بعدهم التابعون لهم بإحسان، ومن أحدث خلاف هدي الرسول ﷺ فهو مردود عليه قال ﷺ: \"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد\" (١) فالإمام الذي يدعو بعد السلام ويؤمن المأمومون على دعائه والكل رافع يديه يطالب بالدليل المثبت\n_________\n١- مسلم (١٧١٨) (١٨) .","vol":"1","page":71},{"text":"لعمله وإلا فهو مردود عليه.\n(فتاوى إسلامية ٤/ ١٧٩) (اللجنة الدائمة)\nالدعاء الجماعي بعد الصلاة بصوت واحد\nقالت اللجنة الدائمة\nالدعاء الجماعي بعد سلام الإمام بصوت واحد لا نعلم له أصلا يدل على مشروعيته وقد صدرت فتوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في ذلك، هذا نصها: \"ليس الدعاء بعد الفرائض بسنة إذا كان ذلك برفع الأيدي سواء كان من الإمام وحده أو المأموم وحده أو منهما جميعا، بل ذلك بدعة لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ، ولا عن أصحابه ﵃، أما الدعاء بدون ذلك فلا بأس به لورود بعض الأحاديث بذلك\".\nوبالله التوفيق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.\n(فتاوى إسلامية ١/ ٣١٨) (اللجنة الدائمة)\nقراءة القرآن جماعة بصوت واحد\nسؤال: من عادتنا نحن المغاربة نقرأ القرآن جماعة صباحا ومساءً بعد صلاة الصبح والمغرب فهنا من يقول إنها بدعة.\nجواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله","vol":"1","page":72},{"text":"وصحبه ... وبعد:\nالتزام قراءة القرآن جماعة بصوت واحد بعد كل من صلاة الصبح والمغرب أو غيرهما بدعة. وكذا التزام الدعاء جماعة بعد الصلاة، أما إذا قرأ كل واحد لنفسه أو تدارسوا القرآن جميعا كلما فرغ واحد قرأ الآخر واستمعوا له فهذا من أفضل القرب، لقول النبي ﷺ: \"ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده\" (١) .\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\n(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السؤال الثالث من الفتوى رقم ٤٩٩٤)\nسؤال: ما حكم قراءة القرآن جماعة بصوت واحد وخاصة يوم الجمعة قبل دخول الإمام؟\nجواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه ... وبعد:\nلا يجوز ذلك وتخصيصه بيوم الجمعة قبل دخول الإمام بدعة محدثة.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\n(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السؤال الحادي عشر من الفتوى رقم ٦٣٦٤)\n_________\n١- مسلم (٢٦٩٩) .","vol":"1","page":73},{"text":"الدعاء جماعة عند القبر والتأمين\nسؤال: ما حكم دعاء الجماعة عند القبر بأن يدعو أحدهم ويؤمن الجميع؟\nجواب: ليس هذا من سنة الرسول ﵊ ولا من سنة الخلفاء الراشدين، وإنما كان الرسول ﵊ يرشدهم إلى أن يستغفروا للميت ويسألوا له التثبيت كلٌّ بنفسه وليس جماعة.\n(فتاوى التعزية ص ٤٠) (الشيخ ابن عثيمين)\nرفع الصوت بالتهليل الجماعي أثناء الخروج بالجنازة\nسؤال: ما حكم رفع الصوت بالتهليل الجماعي أثناء الخروج بالجنازة والمشي بها إلى المقبرة؟\nجواب: هدي الرسول ﷺ إذا تبع الجنازة أن لا يسمع له صوت بالتهليل أو القراءة أو نحو ذلك ولم يأمر بالتهليل الجماعي – فيما نعلم- بل قد روي عنه ﷺ أنه \"نهى أن يتبع الميت بصوت أو نار\" (١) رواه أبو داود.\nوقال قيس بن عباد وهو من أكابر التابعين من أصحاب علي بن أبي طالب - ﵁-: كانوا يستحبون خفض الصوت عند الجنائز\n_________\n١- أبو داود (٣١٧١) وضعيف سنن أبي داود (٦٩٦) .","vol":"1","page":74},{"text":"وعند الذكر وعند القتال.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀-: لا يستحب رفع الصوت مع الجنازة لا بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك هذا مذهب الأئمة الأربعة وهو المأثور عن السلف من الصحابة والتابعين ولا أعلم فيه مخالفا. وقال أيضا: وقد اتفق أهل العلم بالحديث والآثار أن هذا لم يكن على عهد القرون المفضلة. وبذلك يتضح لك أن رفع الصوت بالتهليل الجماعي مع الجنائز بدعة منكرة وهكذا ما شابه ذلك من قولهم وحدوه أو اذكروا الله أو قراءة بعض القصائد كالبردة.\n(فتاوى إسلامية ٢/ ٤٩) (اللجنة الدائمة)","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>كلام الشيخ حمود التويجري في كتابه (إنكار التكبير الجماعي وغيره)</span>\n...\nكلام الشيخ حمود التويجري في كتاب (إنكار التكبير الجماعي وغيره)\nقال الشيخ حمود: صليت في المسجد الحرام صلاة عيد الفطر في سنة ١٣٧٧ فسمعت من في أعلى زمزم ومن في أعلى المقام الحنفي يتجاوبون بالتكبير والتهليل والتحميد والصلاة على رسول الله ﷺ بأصوات عالية ملحنة يخرجونها مخرجا واحدا على نحو ما يفعله أهل الغناء. وكذلك كانوا يفعلون في أعلى زمزم في سنة ١٣٧٨هـ بعد ما هدم المقام الحنفي. وأخبرني بعض الحجاج أنهم كانوا يفعلون مثل ذلك في عيد الأضحى. وقد رأيت بعض الحاضرين يطربون لهذه الأصوات كما يطرب المفتونون بالغناء للغناء. وفعلهم هذا من الاستهزاء بذكر الله تعالى ومن البدع التي يجب إنكارها. وقد أنكر ابن مسعود وأبو موسى الأشعري – ﵂- ما هو دون ذلك وعده ابن مسعود – ﵁- من البدع فروى الطبراني في الكبير عن عمرو بن سلمة قال كنا قعودا على باب ابن مسعود – ﵁- بين المغرب والعشاء فأتى أبو موسى – ﵁- فقال اخرج إلينا أبا عبد الرحمن فخرج ابن مسعود -﵁- فقال أبا موسى ما جاء بك هذه الساعة قال لا والله إلا أني رأيت أمرا ذعرني وإنه لخير ولقد ذعرني وإنه لخير قوم جلوس في المسجد ورجل يقول سبحوا كذا وكذا احمدوا كذا وكذا قال فانطلق عبد الله وانطلقنا معهم حتى أتاهم فقال ما أسرع ما ضللتم وأصحاب رسول الله ﷺ أحياء وأزواجه ثواب وثيابه وأبنيته لم تغير احصوا سيئاتكم فأنا أضمن على الله أن يحصي حسناتكم. وروى الدارمي عن عمرو بن يحيى قال سمعت أبي يحدث عن أبيه قال كنا","vol":"1","page":79},{"text":"نجلس على باب عبد الله بن مسعود – ﵁- قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد فجاءنا أبو موسى الأشعري –﵁- فقال أحرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا لا فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعا فقال له أبو موسى يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفا أمرا نكرته ولم أر والحمد لله إلا خيرا قال فما هو؟ فقال إن عشت فستراه قال رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول كبروا مائة فيكبرون مائة فيقول هللوا مائة فيهللون مائة ويقول سبحوا مائة فيسبحون مائة قال فماذا قلت لهم قال ما قلت لهم شيئا انتظار رأيك أو انتظار أمرك قال أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء، ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح قال فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون وهذه ثيابه لم تبل وآنيته لم تكسر والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ أو مفتحوا باب ضلالة؟ قالوا والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير قال كم من مريد للخير لن يصيبه. وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد الزهد والطبراني وأبو نعيم في الحلية وأبو الفرج ابن الجوزي واللفظ له عن أبي البختري قال أخبر رجل عبد الله بن مسعود –﵁- أن قوما يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول","vol":"1","page":80},{"text":"كبروا الله كذا وكذا، وسبحوا الله كذا وكذا، واحمدوا الله كذا وكذا، قال عبد الله فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني فأخبرني بمجلسهم فجلس فلما سمع ما يقولون قام فأتى ابن مسعود –﵁- فجاء وكان رجلا حديدا فقال أنا عبد الله بن مسعود والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماء أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علما. عليكم بالطريق فألزموه ولئن أخذتم يمينا وشمالا لتضلن ضلالا بعيدا. وفي رواية الطبراني فأمرهم أن يتفرقوا. وروى محمد بن وضاح أن عبد الله بن مسعود -﵁- حدث أن ناسا يسبحون بالحصى في المسجد فأتاهم وقد كوم كل رجل منهم كومة من حصى فلم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد وهو يقول لقد أحدثتم بدعة ظلماء أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علما.\nإذا علم هذا فصنيع المتجاوبين بالتكبير يوم العيد مما لا ريب أنه من المنكرات وأنه أعظم مما أنكره ابن مسعود وأبو موسى -﵄- وأولى بأن ينكر على فاعليه ويمنعوا منه. وبيان ذلك من وجوه:\nأحدها: في فعل المتجاوبين بالتكبير من التطريب به واجتماع الجماعة على إخراجه بأصوات عالية متطابقة كأنها من تطابقها صوت احد على نحو ما يفعله المغنون. وهذا المسلك مما ينبغي تنزيه ذكر الله وإجلاله عنه.\nالثاني: ما في ذلك من التشويش على من في مسجد الحرام من التالين للقرآن والذاكرين لله تعالى بالتكبير والتهليل والتسبيح والتحميد وغير ذلك من أنواع الذكر والدعاء فتلتبس القراءة على القارئ والذكر","vol":"1","page":81},{"text":"على الذاكر والدعاء على الداعي. وقد نهى النبي ﷺ عن الجهر بالقرآن إذا حصل من الجهر به تشويش على الغير كما في الموطأ (١) عن أبي حازم التمار عن البياضي أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن. وروى أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه عن أبي سعيد الخدري (٢) -﵁- قال: اعتكف رسول الله -ﷺ- في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: \"ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة\" قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه وقال ابن عبد البر – رحمه الله تعالى- حديث البياضي وأبي سعيد ثابتان صحيحان انتهى. وفي المسند (٣) من حديث عبد الله بن عمر –﵁- أن النبي ﷺ اعتكف وخطب الناس فقال أما إن أحدكم إذا قام في الصلاة فإنه يناجي ربه فليعلم أحدكم ما يناجي ربه ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة في الصلاة. وإذا كان المصلي منفردا ومثله التالي للقرآن في غير صلاة منهيا عن الجهر الذي يحصل منه تشويش على من حوله من المصلين والتالين فنهي المتجاوبين\n_________\n١- رواه الإمام مالك في الموطأ رقم (١٧٦) . ١/ ٨٠.\n٢- رواه أبو داود رقم (١٣٣١) ٢/ ٣٨، والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الصحيحين ولم يخرجاه رقم (١١٦٩) ١/٤٥٤، قال الألباني: صححه في صحيح الجامع رقم (١٩٥١) .\n٣- رواه الإمام أحمد رقم (٤٩٢٨) ٢/ ٣٦.","vol":"1","page":82},{"text":"بالتكبير أولى لأن صنيعهم هذا من المحدثات مع ما في ذلك من التشويش على التالين والذاكرين والداعين (٣) ١.\nالوجه الثالث: ما في فعلهم من مخالفة ما أمر الله به من خفض الصوت بالذكر والدعاء وارتكاب ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ من رفع الصوت بذلك قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ . قال مجاهد ابن جريج: أمر أن يذكروه في الصدور وبالتضرع إليه في الدعاء والاستكانة دون رفع الصوت والصياح بالدعاء. وقال تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ . قالت عائشة –﵂- أنزل ذلك في الدعاء رواه البخاري. قال المروذي سمعت أبا عبد الله –يعني أحمد بن حنبل- يقول ينبغي أن يسر دعاءه لقوله: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ قال هذا في الدعاء. قال وسمعت أبا عبد الله يقول وكانوا يكرهون أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء. وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ . وقد فسر الاعتداء بأمور منها: رفع الصوت في الدعاء قال ابن جريج من الاعتداء رفع الصوت والنداء بالدعاء والصياح حكاه عنه البغوي في تفسيره. وإذا كان رفع الصوت بالدعاء من الاعتداء فالتطريب به وتشبيهه بالغناء أولى بأن يكون من الاعتداء الذي لا يحب الله فاعله. والتهليل والتسبيح والتحميد من أنواع الدعاء المأمور بخفض\n_________\n١- رواه مالك في الموطأ: رقم (٥٠٠) ١/ ٢١٤ و٤٢٢.","vol":"1","page":83},{"text":"الصوت به وهي أفضل أنواع الدعاء كما () في الموطأ عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله ﷺ قال \"أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له\". وفي جامع الترمذي (١) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده –﵁- أن النبي ﷺ قال: \"خير الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير\" قال الترمذي: حسن غريب ورواه الإمام أحمد في مسنده ولفظه قال: \"كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ يوم عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير\" (٢) وروى الترمذي وابن ماجه والحاكم في مستدركه عن جابر بن عبد الله -﵄- قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله\" قال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه (٣) . وروى ابن حبان والحاكم\n_________\n١- رواه الترمذي رقم (٣٥٨٥) ٥/ ٥٧٢ قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. حسنه الألباني في صحيح الترمذي رقم (٣٥٨٥) ٤٧١ باب في دعاء يوم عرفة.\n٢- رواه أحمد في مسنده رقم (٦٩٦١) ٢/ ٢١٠) .\n٣- رواه الترمذي رقم (٣٣٨٢) ٥/ ٤٦٢، قال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلاَّ من حديث موسى بن إبراهيم بن ماجه رقم (٣٨٠٠) ٢/١٢٤٩، والحاكم وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه رقم (١٨٥٢) ١/٦٨١، قال الألباني: حسن، الترغيب رقم (١٥٢٦)، والترمذي رقم (٣٣٨٣) ٣/ ٣٨٩.","vol":"1","page":84},{"text":"أيضا عن أبي سعيد الخدري –﵁- عن رسول الله ﷺ قال: \"قال موسى ﵇ يا رب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به قال يا موسى قل لا إله إلا الله. وذكر تمام الحديث\". قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه (١) وقد قال الله تعالى مخبرا عن أهل الجنة: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ . وفي المسند وجامع الترمذي ومستدرك الحاكم عن سعد بن أبي وقاص –﵁- قال: قال رسول الله عليه وسلم: \"دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له\" قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه (٢) . وفي جامع الترمذي أيضا عن أبي هريرة –﵁- أن النبي ﷺ كان إذا أهمه الأمر رفع رأسه إلى السماء فقال سبحان الله العظيم (٣) . وفي مستدرك الحاكم عن\n_________\n١- رواه ابن حبان رقم (٦٢١٨) ١٤/ ١٠٢، والحاكم وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه رقم ١٩٣٦) ١/ ٧١٠.\n٢- ورواه أحمد رقم (١٤٦٢) ١/ ٧١٠، والترمذي رقم (٣٥٠٥) ٥/ ٥٢٩، والحاكم وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه رقم (١٨٦٣) (١٨٦٣) ١/٦٨٤ و٦٨٥.\n٣- رواه الترمذي رقم (٣٤٣٦) ٥/ ٤٩٥ قال حديث حسن غريب، قال الألباني: ضعيف باب ما جاء ما يقال عند الكرب رقم (٣٤٣٦) ص ٣٧٤.","vol":"1","page":85},{"text":"سلمة بن الأكوع ﵁ قال: ما سمعت رسول الله ﷺ يستفتح دعاء إلا استفتحه بسبحان ربي العلي الأعلى الوهاب. قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه (١) . وفي الصحيحين والمسند وجامع الترمذي عن ابن عباس –﵄- أن نبي الله ﷺ كان يدعو بهذه الدعوات عند الكرب لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السموات والأرض رب العرش الكريم (٢) رواه ابن ماجه ولفظه كان يقول عند الكرب لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش الكريم (٣) . وفي المسند أيضا عن علي بن أبي طالب –﵁- قال: علمني رسول الله ﷺ إذا نزل بي كرب أن أقول لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله وتبارك الله رب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين (٤) . والغرض من إيراد هذه الأحاديث بيان أن التهليل والتسبيح والتحميد من أنواع الدعاء الذي أمر الله ﵎ أن يكون بتضرع وخفية وأخبر أنه لا يحب المعتدين أي في الدعاء ولا في غيره.\n_________\n١- رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد، ولم يخرجاه رقم (١٨٣٥) ١/ ١٧٦.\n٢- متفق عليه: رواه البخاري رقم (٥٩٨٥) ٥/ ٣٣٦، (٦٩٩٠) ٦/ ٢٧٠١، (٦٩٩٤) ٦/ ٢٧٠٢، ومسلم رقم (٢٧٣٠) ٤/٢٠٩٢ و٢٠٩٣.\n٣- رواه ابن ماجه رقم (٣٨٨٣) ٢/ ١٢٧٨، وقال الألباني صحيح، باب الدعاء عند الكرب رقم (٣١٤٧) ٣/٢٦٩.\n٤- رواه أحمد رقم (٧٠١) ٢/ ١٠٩، وقال الأرناؤوط حديث صحيح.","vol":"1","page":86},{"text":"قال ابن القيم –رحمه الله تعالى-: \"ومن العدوان أن يدعوه غير متضرع قال وفي قوله: إنه لا يحب المعتدين عقب قوله ادعوا ربك تضرعا وخفية دليل على أن من لم يدعه تضرعا وخفية فهو من المعتدين الذين لا يحبهم فقسمت الآية الناس إلى قسمين داع لله تضرعا وخفية ومعتد بترك ذلك\". انتهى.\nولا يخفى على من في قلبه أدنى حياة ما في فعل المطربين بالأذكار يوم العيد من منافاة التضرع والخفية بل ومنافاة الخوف من الله تعالى فإنهم لو خافوه لمنعهم خوفه من مخالفة أمره وارتكاب نهيه والاستهزاء بذكره وإيقافه بأفعال تشبه أفعال المغنين. فهم إذًا من المعتدين. والله لا يجب المعتدين. وقد تقدم ما ذكره الإمام أحمد –رحمه الله تعالى- عن السلف أنهم كانوا يكرهون أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء. وروى الخلال بإسناد صحيح عن قتادة عن سعيد بن المسيب إنه قال أحدث الناس الصوت عند الدعاء. وعن سعيد بن أبي عروبة أن مجالد بن سعيد سمع قوما يعجون في دعائهم فمشى إليه فقال أيها القوم إن كنتم أصبتم فضلا على من كان قبلكم لقد ضللتم قال فجعلوا يتسللون رجلا رجلا حتى تركوا بغيتهم التي كانوا فيها. العج رفع الصوت بالدعاء وغيره. وروى الخلال أيضا بإسناده عن ابن شوذب عن أبي التياح قال: قلت للحسن أمامنا يقص فيجتمع الرجال والنساء فيرفعون أصواتهم بالدعاء فقال الحسن إن رفع الصوت بالدعاء لبدعة وإن اجتماع الرجال والنساء لبدعة ... وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أنكر رفع الصوت بالذكر ونهى عن","vol":"1","page":87},{"text":"ذلك كما في الصحيحين وغيرهما من حديث خالد الحذاء عن أبي عثمان النهدي عن أبي موسى الأشعري –﵁- قال كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة فجلنا لا نصعد شرفا ولا نعلو شرفا ولا نهبط في واد إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير قال فدنا منا رسول الله ﷺ فقال أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنكم تدعون سميعًا بصيرا. هذا لفظ البخاري. وفي رواية لهما عن عاصم الأحول عن أبي عثمان عن أبي موسى – ﵁- قال لما غزا رسول الله ﷺ خيبر أو قال لما توجه رسول الله ﷺ ارشرفوا على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله فقال رسول الله ﷺ اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنكم تدعون سميعًا قريبا وهو معكم. هذا لفظ البخاري (١) . وإذا كان النبي ﷺ قد أنكر على الذين رفعوا أصواتهم بالتكبير والتهليل وهم في الفضاء فالإنكار على المتجاوبين بذلك بالأصوات العالية في المسجد الحرام أولى لأنهم قد ضموا إلى رفع الأصوات به بدعة وهي اجتماع الجماعة على إيقاعه بأصوات متطابقة كما يفعله المغنون. وضموا إلى ذلك أيضا تطريبا وتشويشا على الحاضرين وكل من هذه الأفعال غير جائز. وفي الصحيحين وسنن أبي داود وابن ماجه عن عائشة –﵂- قالت: قال رسول الله ﷺ \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" (٢) . وفي رواية لأحمد\n_________\n١- متفق عليه رواه البخاري رقم (١٨٣٠) ٣/ ١٠٩١، ومسلم رقم (١٧٠٤) ٤/ ٢٠٧٧.\n٢- متفق عليه رواه البخاري رقم (٢٥٥٠) ٢/ ٩٥٩، ومسلم رقم (١٧١٨) ٣/١٣٤٣.","vol":"1","page":88},{"text":"ومسلم والبخاري تعليقًا مجزومًا به \"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد\"- أي مردود- (١) . ومن الأعمال المردودة بلا ريب صنيع المتجاوبين بالتكبير بالأصوات العالية المتطابقة لأنه لم يكن من أمر رسول الله ﷺ ولا من عمل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وليس هو من عمل التابعين وتابعيهم بإحسان وإنما هو من محدثات الأمور التي حذر منها رسول الله ﷺ أمته كما في المسند والسنن من حديث العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله عليه وسلم قال: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة\". قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضا ابن حبان والحاكم وقال ليس له علة ووافقه الذهبي في تلخيصه (٢) . قال ابن الحاج المالكي في المدخل قد مضت السنة أن كل واحد يكبر لنفسه ولا يمشي على صوت غيره فإن ذلك من البدع إذ أنه لم ينقل أن النبي ﷺ فعله ولا أحد من الخلفاء الراشدين بعده وفيه خرق حرمة المسجد والمصلي برفع الأصوات والتشويش على من به من العابدين والتالين والذاكرين. وقال أيضا\n_________\n١- رواه أحمد رقم (٢٥١٧١) ٦/ ١٤٦، (٢٥٥١١) ٦/ ١٨٠، (٢٦٢٣٤) ٦/ ٢٥٦، ومسلم رقم (١٧١٨) ٣/ ١٣٤٣، والبخاري تعليقا مجزوما به ٦/ ٢٦٧٥.\n٢- ورواه أحمد وغيره ٤/١٢٦، وقال الترمذي حديث حسن صحيح رقم (٢٦٧٦) ٥/٤٤، وصححه ابن حبان، صحيح ابن حبان ١/ ١٧٩، والحاكم رقم (٣٢٩) ١/ ١٧٤، وقال الألباني: صحيح صحيح الترمذي رقم (٢٦٧٦) ٣/ ٦٩، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع.","vol":"1","page":89},{"text":"والسنة الماضية أن يكبر عند خروجه إلى المصلى وأن يجهر بالتكبير فيسمع نفسه ومن يليه والزيادة على ذلك من البدع إذ أنه لم يرد عن النبي ﷺ إلا ما ذكر ورفع الصوت بذلك يخرج عن حد السمت والوقار ولا فرق في ذلك بين الإمام والمؤذن والمأموم فإن التكبير مشروع في حقهم أجمعين بخلاف المشي على صوت واحد فإنه بدعة لأن المشروع أن يكبر كل إنسان. لنفسه ولا يمشي على صوت غيره انتهى.\nفإن احتج أحد من المبتدعين الذين أشرنا إليهم أو احتج لهم غيرهم بأن عمر –﵁- كان يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيرا. وأن ابن عمر وأبا هريرة –﵄- كانا يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.\nفالجواب: أن يقال أن سماع أهل المسجد لعمر –﵁- لا يدل على أنه كان يرفع صوته بالتكبير رفعا منكرا كما يفعله المتجاوبون في المسجد الحرام وإنما كان –﵁- جهير الصوت وكانت قبته إلى جانب المسجد فكان إذا كبر وهو فيها سمعه أهل المسجد فتنبهوا من غفلتهم وكبروا وكذلك أهل الأسواق وإذا سمعوا تكبير من في المسجد تنبهوا من غفلتهم وكبروا. ومثل ذلك فعل ابن عمر وأبي هريرة –﵄- فإنهما كانا إذا مرا في السوق كبرا فتنبه أهل السوق من غفلتهم وكبروا بتكبيرهما. ولم يذكر عن عمر وابنه وأبي هريرة –﵃- أنهم كانوا يبالغون في رفع أصواتهم بالتكبير وحاشهم أن يخالفوا قول النبي ﷺ اربعوا على أنفسكم فإنكم لا","vol":"1","page":90},{"text":"تدعون أصم ولا غائبا. وأيضا فإن عمر وابنه وأبا هريرة –﵃- كان كل منهم يكبر على حدته وكذلك كل من سمعهم فإن كلا منهم يكبر على حدته ولم يكن في فعلهم تلحين وتطريب ولا اجتمع اثنان منهم فضلا عن الجماعة على التجاوب به وإخراجه بأصوات عالية متطابقة كما يفعله المغنون وكما يفعله المتجاوبون في المسجد الحرام. فعمر وابنه وأبو هريرة – ﵃- كانوا على طريقة حسنة بخلاف المتجاوبين في المسجد الحرام فإنهم على طريقة مبتدعة وكل بدعة ضلالة. وأيضا ففعل عمر وابنه أبي هريرة –﵃- ليس فيه تشويش على الناس وتخليط عليهم وإنما فيه إيقاظ الغافلين منهم وبعث هممهم على ذكر الله تعالى. وهذا بخلاف فعل المتجاوبين في المسجد الحرام فإنهم كانوا يشوشون على الحاضرين غاية التشويش فتلتبس القراءة على القارئين والذكر على الذاكرين والدعاء على الداعين في حال تجاوب أولئك. وقد نهى النبي ﷺ عن مثل هذا كما تقدم في حديث البياضي وأبي سعيد وابن عمر –﵃-. وقد ذكر كثير من الفقهاء أنه يستحب الجهر بالتكبير في العيدين وأيام العشر. ومرادهم بالجهر ضد الإسرار لا رفع الأصوات المنكرة به فإن ذلك لا يجوز لما ذكرنا من حديث أبي موسى –﵁-. وقد تقدم قول ابن الحاج المالكي أن الزيادة على إسماع نفسه ومن يليه بدعة. وإذا ضم إلى رفع الأصوات به التلحين والتطريب والتشويش على الغير وتشبيه ذكر الله بالغناء فذلك زيادة منكر إلى منكر. فالواجب على ولاة الأمور أن يأخذوا على أيدي أولئك الجهال ويمنعوهم من التجاوب","vol":"1","page":91},{"text":"بذكر الله تعالى ورفع الأصوات المنكرة به ويأمروهم أن يفعلوا كفعل غيرهم ممن في المسجد الحرام فكل رجل منهم يكبر الله ويحمده ويهلله ويسبحه على حدته بصوت غير رفيع يشوش على الناس والاستخفاف بشأن الأذان مما لا يخفى على من في قلبه حياة. وتسمية أهلها بالمستهزئين بذكر الله تعالى أولى من تسميتهم بالمؤذنين. والواجب على ولاة الأمور أن يفعلوا مع المطربين بالأذان ونحوهم من المبتدعين فيه مثل ما روي عن النبي ﷺ: أنه فعله مع سلفهم في هذه البدعة وما فعله الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أيضا ففي سنن الدارقطني عن ابن عباس رضي الله عن ابن عباس رضي الله عليه عنهما قال: كان لرسول الله ﷺ مؤذن يطرب فقال رسول الله ﷺ إن الأذان سمع سهل فإن كان أذانك سهلا سمحا وإلا فلا تؤذن (١) . وذكر البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما به ووصله ابن أبي شيبة أن مؤذنا أذن فطرب في أذانه فقال له عمر بن عبد العزيز: أذن أذانا سمحا وإلا فاعتزلنا (٢) وإذا كان النبي ﷺ قد أنكر على المطرب في الآذان فالإنكار على الذين يجعلونه شبيها بالغناء والأصوات الموسيقائية أولى وأحرى. وكذلك الذين يمططونه ويتنطعون فيه. ويتعين على ولاة الأمور أيضا منع الجماعات الذين يقفون للدعاء تحت باب الكعبة وما حوله فيضيقون على الطائفين في\n_________\n١- رواه الدارقطني رقم (١٨٥٨) المجلد الأول، الجزء الثاني ص ٧٣ دار الكتب العلمية.\n٢- رواه البخاري تعليقا مجزوما به (باب رفع الصوت بالنداء) الفتح ٢/ ٥٣٠ دار أبي حيان، ووصله ابن أبي شيبة رقم (٢٣٧٥) ١/٢٠٧.","vol":"1","page":92},{"text":"أضيق في المطاف ويضطرونهم إلى التزاحم فيما بينهم وبين مقام إبراهيم ووقوفهم للدعاء في هذا المكان لم يكن عليه أمر النبي ﷺ ولا عمل أصحابه والتابعين لهم بإحسان وإنما هو من محدثات المطوفين وتزيينهم للهمج الرعاع. وفي وقوفهم هناك مفسدة أخرى وهو اجتماع الرجال والنساء ومضاغطة بعضهم بعضا وهذا مما لاينبغي إقراره. وقد تقدم قول الحسن البصري –رحمه الله تعالى- أن اجتماع الرجال والنساء بدعة. ومما لا ينبغي إقراره أيضا مضاغطة النساء للرجال الأجانب عند الحجر الأسود والركن اليماني. وقد أنكرت عائشة –﵂- على من فعلت ذلك أشد الإنكار، قال الإمام الشافعي –رحمه الله تعالى- في مسنده أخبرنا سعيد بن سالم عن عمر بن سعيد بن أبي حسين عن منبوذ بن أبي سليمان عن أمه أنها كانت عند عائشة زوج النبي ﷺ أم المؤمنين – ﵂- فدخلت عليها مولاة لها فقالت لها يا أم المؤمنين طفت البيت سبعا واستلمت الركن مرتين أو ثلاثا فقالت لها عائشة –﵂- لا آجرك الله لا آجرك الله تدافعين الرجال ألا كبرت ومررت. رواه البخاري في صحيحه (١) .\nعن عطاء قال كانت عائشة –﵂- تطوف حجر (٢) من الرجال لا تخالطهم فقالت امرأة انطلقي نستلم يا أم المؤمنين، قالت: انطلقي عنك رأيت. وإذا كانت عائشة –﵂- قد أنكرت\n_________\n١- أي ناحية هي بفتح الحاء وسكون الميم.\n٢- رواه البخاري [٣٦٤٣]، البيهقي رقم (٩٠٥٠) ٥/ ٨١، مسند الشافعي ١/ ١٢٨.","vol":"1","page":93},{"text":"على مولاتها مزاحمة الرجال على الركن فكيف لو رأت ما يفعله كثير من النساء في زماننا من مضاغطة الرجال الأجانب عند الركنين مع كشفهن لما يحرم عليهن كشفه عند الرجال الأجانب فترتكب إحداهن محظورين أو أكثر من أجل استلام أو تقبيل الحجر الأسود فهؤلاء أولى بالإنكار والمنع. وليس الاستلام والتقبيل جائزا لهن والحالة هذه وإنما يجوز لهن إذا تسترن غاية التستر ولم يزاحمن الرجال. قال النووي. في شرح المهذب قال أصحابنا لا يستحب للنساء تقبيل الحجر ولا استلامه إلا عند خاو المطاف في الليل أو غيره لما فيه من ضررهن وضرر الرجال بهن. وقال أيضا وأما الدنو من البيت فمتفق على استحبابه – إلى أن قال – قال أصحابنا وهذا الذي ذكرناه من استحباب القرب هو في حق الرجل أما المرأة فيستحب لها أن لا تدنو في حال طواف الرجال بل تكون في حاشية المطاف بحيث لا تخالط الرجال ويستحب ما أن تطوف في الليل فإنه أصون لها ولغيرها من الملامسة والفتنة فإن كان المطاف خاليا من الرجال استحب لها القرب كالرجل انتهى. ويتعين على ولاة الأمور أيضا تغيير جميع المنكرات الظاهرة كالغناء وآلات الملاهي وشرب المسكرات؟؟؟ وبيعها والتمثيل باللحى وتصوير ذوات الأرواح وبيع الصور والجرائد والمجلات المصورة ومزاحمة النساء للرجال في مطاف مع إمكان طوافهن على حدة وتبرجهن وسفورهن بين الرجال الأجانب وتشبههن بنساء الأفرنج في اللباس وغير ذلك فإني قد رأيت في مكة شرفها الله تعالى كثيرا من البنات المراهقات فمن دونهن لابسات يوم العيد لباس بنات الإفرنج وما رأيت أحدا ينكر ذلك","vol":"1","page":94},{"text":"فالله المستعان. وليعلم ولاة الأمور أنه مسؤولون يوم القيامة عما هو منوط بهم ومتعين عليهم من تغيير المنكرات الظاهرة وتطهير البلاد الإسلامية منها كما في الصحيحين وعند الإمام أحمد والسنن إلا ابن ماجه عن عبد الله ابن عمر - ﵄- أن رسول الله ﷺ قال: \"ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. وقد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (١) قال ابن عباس –﵄- في تفسير هذه الآية أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم فيعمهم الله بالعذاب. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى وهذا تفسير حسن جدا. وفي المسند والسنن عن قيس بن أبي حازم قال: قام أبو بكر الصديق - ﵁ – فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ...﴾ إلى آخر الآية وإنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول أن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه أوشك الله أن يعمهم بعقابه قال الترمذي هذا حديث صحيح\n_________\n١- متفق عليه: البخاري رقم (١٧١٩) ٦/ ٢٦١١، ومسلم رقم (١٨٢٩) باب الإمارة ٣/ ١٠٥٩.","vol":"1","page":95},{"text":"وصححه أيضا ابن حبان (١) . وفي المسند أيضا من حديث عدي بن عميرة الكندي –﵁- قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله تعالى لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرون فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة\" (٢)، وفي الموطأ عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه سمع عمر بن عبد العزيز –رحمه الله تعالى- يقول كان يقال أن الله ﵎ لا يعذب العامة بذنب الخاصة ولكن إذا عمل المنكر جهارا استحقوا العقوبة كلهم.\n_________\n١- رواه أحمد وغيره رقم (١) ١/ ٢ وقال الترمذي حديث حسن صحيح رقم (٣٠٥٧) ١/ ٥٤٠. وقال الألباني: صحيح، الترمذي رقم (٣٠٥٧) ٣/ ٣٣٣.\n٢- رواه الإمام أحمد ٤/ ١٩٢.","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>كلام الشيخ علي محفوظ الحنفي من كتابه الإبداع في مضار الابتداع حول الذكر الجماعي</span>\n...\nكلام الشيخ علي محفوظ الحنفي من كتاب الإبداع في مضار الابتداع حول الذكر الجماعي\nرفع الصوت بالذكر\nقال الشيخ علي محفوظ: ومن البدع المكروهة رفع الصوت بالذكر في المسجد كما يقع من أرباب الطرق الذين ينصبون حلقات الذكر (المحرف) وكذا رفع الصوت بالقرآن فيه إذ المطلوب في القراءة والذكر السر لحديث (السر بالقرآن كالسر بالصدقة) رواه غير واحد، ولقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (١) أي اذكره سرا تذللا وخوفا منه تعالى، (و) فوق السر (دون الجهر) أي قصدا بينهما (بالغدو والآصال) أول النهار وآخره (ولا تكن من الغافلين) عن ذكر الله تعالى. وفسر الاعتداء في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢) بالجهر بالدعاء. ومما جاء في الحض على ترك الجهر بالذكر والدعاء قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ (٣) أي وإن تجهر بذكر الله من دعاء وغيره فاعلم أنه غني عن جهرك لأنه تعالى يعلم ما أسررته للغير وأخفى منه وهو ما لم تبح به لأحد. وقد صح عن ابن مسعود –﵁- أنه سمع قوما\n_________\n١- سورة الأعراف، ٢٠٥.\n٢- سورة الأعراف، ٥٥.\n٣ – سورة طه، ٧","vol":"1","page":99},{"text":"اجتمعوا في مسجد يهللون ويصلون على النبي ﷺ جهرا فذهب إليهم وقال ما عهدنا ذلك على عهده ﷺ وما أراكم إلا مبتدعين فما زال يذكر ذلك حتى أخرجهم من المسجد.\n(ومن هذا) ظهر لك حال ما ابتدع الناس من قراءة العشر جهرا قبل الشروع في الصلاة خصوصا العصر، وكذلك الجهر بختم الصلاة المعروف فإن كل ذلك على هذه الكيفية المعروفة من البدع المكروهة – من حيث أنه جعل شعارا للصلاة جماعة في وقتها، ووضع الشعائر من اختصاصات الشارع وليس لغيره أن يحدث شيئا من الشعائر من عند نفسه وسيأتي هذا في بدع العبادات.\nالجهر بالذكر: ومن البدع السيئة الجهر بالذكر أو بقراءة القرآن أو البردة أو دلائل الخيرات ونحو ذلك، وكل هذا مكروه للإجماع على أن السنة في تشييع الجنازة السكوت وجمع الفكر للتأمل في الموت وأحواله وعليها عمل السلف –رضوان الله عليهم- ولا يقال إنه بدعة مستحسنة لأن محل استحسان البدعة إذا لم تكن مصادرة لفعل المصطفى ﷺ فضلا عن كون الاستحسان لا يكون إلا من أهل الحل والعقد الذين لا يقدمون على ذلك إلا بعد إذن النبي – ﵊- لهم صريحا كما نص عليه الإمام الشعراني وغيره من المحققين وأين هم؟\nفالصواب عدم رفع الصوت بشيء وترك كل ما خالف سنة النبي ﷺ اتباعا لفعل الرسول ﷺ وأصحابه والسلف الصالح إذ الخير كله في اتباعه وكل الشر في الابتداع قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿قُلْ إِنْ","vol":"1","page":100},{"text":"كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١) فقد جعل العلامة على محبة العبد لمولاه اتباع الرسول ﷺ. أخرج ابن أبي حاتم أن الحسن البصري –﵁- قال: كان قوم يزعمون أنهم يحبون الله فأراد الله أن يجعل لقولهم تصديقا من عمل فأنزل هذه الآية.\nفمن ادعى محبة الله تعالى ولم يتبع هدي الرسول ﷺ فهو كذاب وكتاب الله تعالى يكذبه. وقال تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٢) وسبيل المؤمنين هو الكتاب والسنة، وقال ﷺ: \"ليس منا من عمل بسنة غيرنا\" (٣) وقال ﷺ \" إن الله تعالى يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة\" (٤)، روه الطبراني في الكبير عن زيد بن أرقم –﵁- وكان رسول الله ﷺ يكره أن تتبع الجنازة بنياحة أو مجمرة أو راية (ولكراهة النبي ﷺ لرفع الصوت مع الجنازة ولو بذكر وقراءة القرآن شنعت الصحابة –﵃- على من رفع صوته بقوله استغفروا للميت حيث قالوا لا غفر الله لك، مع أنه لفظ قليل دال على طلب الدعاء من الحاضرين للميت المحتاج إليه. فما بالك باللغط الواقع الآن) .\nوقال في المدخل ما ملخصه: العجب من أهل الميت يأتون بجماعة\n_________\n١- سورة آل عمران ٣١\n٢- سورة النساء، ١١٥\n٣- رواه البخاري [٤٩١١] .\n٤- رواه البخاري [٦٣٥١] .","vol":"1","page":101},{"text":"يسمونهم بالفقراء يذكرون أمام الجنازة وهو من الحدث في الدين ومخالف لسنة سيد المرسلين وأصحابه والسلف الصالح يجب منعه على من له قدرة مع الزجر والأدب ويزيد بعضهم زعقات النساء من خلفهم وكشف الوجوه واللطم على الخدود وما أشبه ذلك، وكله ضد ما كانت عليه جنائز السلف لأن جنائزهم كانت على التزام الأدب والسكون والخشوع حتى أن صاحب المصيبة كان لا يعرف من بينهم لكثرة حزن الجميع وما أخذهم من القلق والانزعاج بسبب الفكر فيما هم إليه صائرون، وعليه قادمون. حتى لقد كان بعضهم يريد أن يلقى صاحبه لضرورات تقع له عنده فيلقاه في الجنازة فلا يزيد على السلام الشرعي شيئا كما قال الحسن البصري –﵁-: \"ميت غد يشيع ميت اليوم\" وانظر إلى قول ابن مسعود – ﵁- لمن قال في الجنازة استغفروا لأخيكم يعني الميت فقال له لا غفر الله لك. فإذا كان هذا حالهم في تحفظهم من رفع الصوت بمثل هذا اللفظ. فما بالك بما يفعله غالب أهل هذا الزمان من رفع الأصوات بنحو ما تقدم اهـ.\nوقال الإمام النووي –رحمه الله تعالى-: الصواب ما كان عليه السلف من السكوت في حال السير مع الجنازة فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غيرهما لأنه أسكن للخاطر وأجمع للفكر فيما يتعلق بالجنازة وهو مطلوب في هذا الحال، هذا هو الحق ولا تغتر بكثرة من يخالفه (فقد قال) الفضيل بن عياض –﵁- ألزم طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة","vol":"1","page":102},{"text":"الهالكين. وقد روينا في سنن البيهقي ما يقتضي ما قلته (وأما) ما يفعله الجهلة من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن موضعه فحرام بإجماع العلماء، وقد أوضحت قبحه وغلظ تحريمه وفسق من تمكن من إنكاره فلم ينكره في كتاب آداب القراءة انتهى ونحوه لشيخ الإسلام في الروض.\nوقال الرملي في شرح المنهاج: ويكره ارتفاع الأصوات في سير الجنازة لما رواه البيهقي أن الصحابة –﵃ – كرهوا رفع الصوت عند الجنائز والقتال والذكر، وكره جماعة قول المنادي مع الجنازة استغفروا الله له فقد سمع ابن عمر رجلا يقول ذلك فقال لا غفر الله لك، والصواب كما في المجموع ما كان عليه السلف من السكوت في حال السير فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غيرهما بل يشتغل بالتفكير في الموت وما بعده وفناء الدنيا وأن هذا آخرها وما يفعله جهلة القراء من القراءة بالتمطييط وإخراج الكلام عن موضعه فحرام يجب إنكاره انتهى ومثل هذا للعلامة ابن حجر في شرح المنهاج.\nقال في الفتاوى الهندية ما ملخصه: وعلى متبعي الجنازة الصمت ويكره لهم تحريما رفع الصوت بالذكر وقراءة القرآن فإن أراد أن يذكر الله يذكره في نفسه انتهى ومثله في سائر كتب السادة الحنفية.\nوقال في دليل الطالب وشرحه للسادة الحنبلية: ويكره رفع الصوت والصيحة معها وعند رفعها يعني الجنازة ولو بالذكر والقرآن ويسن لمتبعها أن يكون متخشعا متفكرا في مآله ومتعظا بالموت وبما يصير","vol":"1","page":103},{"text":"إليه الميت وقول القائل مع الجنازة استغفروا الله ونحوه بدعة عند الإمام أحمد وكرهه وحرمه أبو حفص (ويحرم) ويكره أن يتبعها مع منكر وهو عاجز عن إزالته.\nوجملة القول أن السنة في اتباع الجنائز الصمت والتفكر والاعتبار وبهذا كان عمل الصحابة فمن بعدهم، وأن ابتاعهم سنة، ومخالفتهم بدعة، وقد قال الإمام مالك –﵁-: \" لن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها\".\nالذكر المحرف: ومن بدعهم المحرمة أنهم خرجوا عن الذكر الشرعي إلى ذكر محرف يخالف الكتاب والسنة والإجماع على ما سيأتي بيانه، ويقولون وجدنا أشياخنا هكذا يذكرون بحضرة العلماء وهم ساكتون – فإن الذكر الذي لا يوافق قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٢) وقوله ﷺ: \"أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله\" (٣) وغير ذلك من الآيات والأحاديث الصحيحة حرام بإجماع الأمة ومرود على فاعله (كيف لا) وقد قال ﷺ: \"أصحاب البدع كلاب النار\" (٤) وعن عائشة –﵂- قالت قال رسول الله ﷺ: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" (٥) متفق عليه وفي رواية لمسلم \"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد\" (٦) وهؤلاء قد أحدثوا في الدين ما ليس منه وتعبدوا بما لم يرد عن\n_________\n١- سورة محمد ١٩\n٢- سورة آل عمران ٢.\n٣- سبق تخريجه\n٤- ضعفه الألباني في الضعيفة رقم ٢٧٩٢.\n٥- سبق تخريجه.\n٦- سبق تخريجه.","vol":"1","page":104},{"text":"النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا عن صالح المؤمنين – ولا ريب أن تحريف أسماء الله تعالى من أقبح البدع المحرمة إذ فيه إخراجها عن حقيقتها الواردة عن رسول الله ﷺ فهو من الإلحاد المحرم بالإجماع. فقد قال الفخر الرازي وغيره من أكابر المفسرين عند قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) إن من جملة الإلحاد أن تسميه تعالى بما لم يسم به نفسه كالسخي وأبي المكارم لعدم وروده وإن دل على كمال فما بالك بالألفاظ التي شاع سماعها من غالب أرباب الطرق اليوم المشتملة على الفظاظة والكيفيات المنكرة فهم يتقربون إلى الله تعالى بالسيئات فهي أحرى باسم الإلحاد والضلال. وقال العارف الصاوي في حاشيته على الجلالين: \"ويطلق الإلحاد على التسمية بما لم يرد وهو بهذا المعنى حرام لأن أسماءه توقيفية فيجوز أن يقال يا جواد لا أن يقال يا سخي. ويقال يا عالم دون عاقل. وحكيم دون طبيب وهكذا. فمن خرج في ذكره عن الكتاب والسنة فقد أهلك نفسه ومن تبعه اهـ\".\nوأما قولهم وجدنا أشياخنا هكذا يذكرون بحضرة العلماء فهو لا يصدر إلا من جاهل لجواز أن هؤلاء الأشياخ جاهلون بأمر دينهم - أو أكابر استغرقوا في حب خالقهم حتى خرجوا بذلك عن حد التكليف – وعلى كلا الاحتمالين لا يصح الاقتداء بهم لأنه حينئذ لا يصلحون\n_________\n١- سورة الأعراف، ١٨٠","vol":"1","page":105},{"text":"للوراثة ولا يورث عن الأشياخ إلا ما يكون منهم حالة الصحو موافقا للشريعة والعارفون منهم لا يخرجون في أحوالهم عنها قيد شعرة ما داموا في صحوهم وقد تبرأوا ممن يخرج في حركاته وسكناته عن الكتاب والسنة.\nكيف لا يتبرأون وقد تبرأ من ذلك الأئمة المجتهدون الذين وقفوا على حقيقة الأمور فعن أبي حنيفة – رحمه الله تعالى- أنه كان يقول: \"إياكم والقول في دين الله تعالى بالرأي وعليكم بالسنة فمن خرج عنها ضل – وكان يقول لا ينبغي لأحد أن يقول حتى يعلم أن شريعة رسول الله ﷺ تقبله وقد تبرأ ممن يخرج عن الكتاب والسنة\". (وعن) الإمام الشافعي –رحمه الله تعالى- أنه كان يقول: \"إذا رأيتم كلامي يخالف كلام رسول الله ﷺ فاعملوا بكلام رسول الله ﷺ واضربوا بكلامي الحائط، وكان يقول كل شيء خالف أمر رسول الله ﷺ سقط ولا يقوم معه رأي ولا قياس، فإن الله تعالى قطع العذر بقوله ﷺ فليس لأحد معه أمر ولا نهي (وروي) عن الإمام أحمد بن حنبل –﵀- أنه كان إذا سئل عن مسألة يقول أو لأحدكم كلام مع رسول الله ﷺ، وكما صح عن الثلاثة صح عن الإمام مالك –﵀-، روى ابن عبد البر أن ابن عيسى قال سمعت مالكا ابن أنس يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه.\nوقال أبو يزيد البسطامي –﵀- لو نظرتم إلى رجل أعطى من","vol":"1","page":106},{"text":"الكرامات حتى يرتقي في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة –وقال سيد الطائفة الجنيد علمنا هذا (يعني التصوف) مقيد بالكتاب والسنة- وقال الإمام الكبير أبو الحسن النوري قرين الجنيد من رأيته يدعي مع الله تعالى حالة تخرجه عن حد العلم الشرعي فلا تقربن منه فإنه مبتدع لأن من لم تشهد الشريعة لأفعاله وأقواله فهو مبتدع وإن جرت عليه أحوال خارقة العادة لأن ذلك من جملة المكر به. وقال أبو القاسم النصر أباذي الصوفي الكبير: أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع. وسئل أبو علي الحسن بن علي الجوزجاني كيف الطريق إلى الله فقال الطرق إلى الله كثيرة وأوضح الطرق وأبعدها عن الشبه اتباع السنة قولا وفعلا وعزما وعقدا ونية لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوه تَهْتَدُوا﴾ (١) فقيل له كيف الطريق إلى السنة فقال مجانبة البدع وابتاع ما أجمع عليه الصدر الأول من علماء الإسلام والتباعد عن مجالس الكلام وأهله ولزوم طريقة الاقتداء، وبذلك أمر النبي ﷺ بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢) إلى غير ذلك مما هو مأثور عند أكابر الصوفية مما يدل على أنهم بنوا طريقهم على أصوات ثلاث – الاقتداء بالنبي – صلوات الله وسلامه عليه- في أخلاقه وأفعاله، وأكل الحلال، وإخلاص النية في جميع الأعمال، وأنهم مجمعون على\n_________\n١- سورة النور، ٥٤\n٢- سورة النحل ١٢٣","vol":"1","page":107},{"text":"تعظيم الشريعة مقيمون على متابعة السنة غير مخلين بشيء من آداب الدين، متفقون على أن من خالف الكتاب والسنة وبنى أمره على غيرهما مفتر كذاب هلك في نفسه وأهلك من اغتر به ممن ركن إلى أباطيله.\nفتبين بهذا أن قول المحرفين للذكر هكذا وجدنا أشياخنا يذكرون لا يصح أن يكون دليلا على الشريعة بل ينادى عليهم بالسفه وعدم الروية ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ (١) وأما قولهم بحضرة العلماء وهم ساكتون فهو باطل أيضا لجواز أن يكون سكوت العلماء عن هؤلاء الجهلة لظنهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يفيد عندهم بل ذلك هو الظن في هداة الأمة الذين هم ورثة الأنبياء، ويجوز أن من حضرهم كان ممن تسموا باسم العلماء وليسو منهم - وجملة القول حجتهم داحضة. وكما يحرم الذكر بما لم يوافق الكتاب والسنة أو الإجماع يحرم سماعه لأن للسامع حكم المسموع كما أن للناظر حكم المنظور – والساكت على الجريمة شريك الجاني ولذا كان السامع للغيبة في الإثم كالناطق بها نسأله تعالى السلامة.\n_________\n١- سورة البقرة، ١٧٠","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>بيان ما هو الذكر الشرعي</span>\nوأما الذكر الذي يحبه الله ورسوله وأصفياء الأمة ويؤجر عليه فاعله فهو ما ورد به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وضبطه الأئمة الذين يعول عليهم، فقد قال سيدي محمد المنير خليفة الإمام الحنفي في تحفة السالكين: وليحذر من اللحن في لا إله إلا الله لأنها من القرآن فيمد اللام على قدر الحاجة، ويحقق الهمزة المقصورة بعدها ولا يمدها أصلا، ويفتح هاء إله فتحة خفيفة، ولا يفصل بين الهاء وبين إلا الله، وإياك أن تتهاون في تحقيق همزة إله، فإنك إن لم تحققها قلبت ياء، وكذلك همزة إلا، وتسكن آخر لفظ الجلالة - ثم قال وحترز عن تمطيط الذكر والعجلة الشديدة لأنها تخرج الذكر عن حده، فالميزان أن لا يخروجوه عن حده الشرعي انتهى ونحوه للعلامة السنوسي والعلامة السجاعي وأبي البركات الدردير والإمام الشعراني وغيره من السادة الأكابر وشنعوا جميعا على من حرف الذكر عن الطريقة الشرعية وحكموا بأنه لا ثواب له بل واقع في الخسران والضلال البعيد.\nقال المحقق اأمير في نتائج الفكر – واعلم أن جميع كلمة التوحيد مرققة، فلا يفخم منها إلا لفظ الجلالة فقط، ومخارج حروفها قد انحصرت في أربعة اللام والألف والهمزة والهاء، فمخرج اللام من طرف اللسان، ويوضع في أصل الثنايا العليا، ومخرج الألف من اصل الجوف خارجة من محض النفس، ومخرج الهمزة والهاء كلاهما من","vol":"1","page":109},{"text":"الحلق، غير أن الهمزة أشد من الهاء وأيبس – ونهى العلماء عن السكوت على لا إله لما فيه من إيهام التعطيل بل يصله بالاستثناء والاثبات بقوله إلا الله بسرعة.\nثم قال وليحذر مما يقع لبعضهم من تفخيم أداة النفي، وربما مال بألفها إلى جهة الشفتين فتصير كالواو، أو لجهة وسط اللسان وما فوقه فتصير كالياء، أو يبدل همزة إله ياء، أو يشبع الهمزة فتتولد منها ياء، أو يزيد في ألف إله على المد الطبيعي، أو يسكت هنا سكتة لطيفة، أو يشبع همزة إلا فتتولد منها ياء. أو يثبت ألفها فإنه لحن، بل يجب خذف الألف الأخيرة لالتقاء الساكنين، وهؤلاء الجهلة يثبتونها ويمدونها ويتفننون في مدها وبعضهم يمد هاء إله ويولد من إشباعها ألفا، وبعضهم يثبت همزة الله ويمدها فتصير كالاستفهام، وكل ذلك مخالف لما نطق به رسول الله صلى الله عيه وسلم، وأمر به، وتارة يزعمون أنهم (انجذبوا) فيأكلون بعض حروف هذه الكلمة ويحرفونها، وربما لا تسمع منهم إلا أصواتا ساذجة أو شيئا يشبه نهيق الحمار أو هدير الطائر.\nثم قال نعم المأخوذ عن حسه الغائب عن نفسه كل ما جرى على لسانه لا لوم عليه فيه، وإنما كلامنا في هؤلاء الذين يتعمدون ذلك وهم لم يخرجوا عن حدث التكليف وتطرأ لهم مواجيد نفسانية يتخليونها وأرادت رحمانية (كلا) والله ما كل واجد بمحمود. إلا إذا ورد على طريق الشرع المحدود. وبخسوا أنفسهم في نطقهم بهذه الكلمة التي توضع في بطاقة صغيرة يوم القيامة في الميزان فترجح على سجلات","vol":"1","page":110},{"text":"كثيرة من السيئات، كل سجل منها مد البصر كما في الحديث، فيا ليت شعري كيف توزن لهم، بل يخشى من تقطيع أسماء الله تعالى وتحريف أذكاره أنهم يذكرونها وهي تلعنهم اهـ.\nوفي خزانة الأسرار الكبرى ما نصه: وكذا بعض أهل الذكر يزيدون حروفا كثيرةفي كلمة التوحيد كأنهم يقولون بزيادة الياء بعد همزة لا إله، ويزيادة الألف بعد هاء إله مثالهما (لا إيلاها) وبزيادة الياء بعد همزة إلا وبعد إلا بزيادة الألف مثالهما (ايلاالله) وكلها حرام بالإجماع في جميع الأوقات، فهم يذكرون الله تعالى ويعبدونه بالسيئات. فيصيرون من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا اهـ. وضبط باقي الأسماء لا يخفى على من رجع إلى كلام القوم فلا نطيل به (فيجب) على كل ذاكر سواء كان (رفاعيا أو أحمديا، أو بيوميا، أو حفناويا، أو شاذليا، أو بكريا، أو عفيفيا، أو برهاميا) أو غير ذلك من الطرق أن لا يخرج عما ورد عن رسول الله ﷺ ووضحه أئمة المسلمين وإلا فلا يلومن إلا نفسه.\nومن بدعهم أنهم يذكرون بالحلق، ومعلوم أن مورد الذكر اللسان والحلق والشفتان، وبالحلق فقط صوت ساذج، وبالقلب فقط ليس أيضا بذكر بالكسر بل ذكر بالضم وليس الكلام فيه.\nوقد اختلف في جواز الذكر بالاسم المفرد، فذهب كثير منهم إلى أنه لا بد في الذكر من الجملة لأنها هي المفيدة، ولا يصح بالاسم المفرد مظهرا أو مضمرا لأنه ليس بكلام تام ولا جملة مفيدة، ولا يتعلق به","vol":"1","page":111},{"text":"إيمان ولا فكر، ولا أمر ولا نهي، ولم يذكر ذلك أحد من السلف، ولا شرع ذلك رسول الله، والشريعة إنما ورد به بها من الأذكار ما يفيد بنفسه فقد ورد (أفضل الأذكار لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) .\nورأى آخرون من العلماء أن الذكر كما يكون بالجملة يكون بالاسم المفرد، قال العلامة البناني في شرحه على صلاة ابن مشيش: اعلم أن ذكر الاسم المفرد المعظم مجردا على التركيب بجملة وهو قول (الله الله) مما تداولته السادات الصوفية. واستعملوه بينهم إلى أن قال: وفي الصحيح (لا تقوم الساعة حتى لا يبقى من يقول (الله الله) وهو شاهد في الجملة بذكر هذا الاسم وحده، لا سيما على رواية النصب، ولا نزاع في جواز التلفظ بالاسم الكريم وحده، فأي مانع أن يكرره الإنسان مرات كثيرة، وكونه لم ينقل عن السلف لا يقتضي منعه ولا كراهته، وكم أشياء لم تكن في عهد السلف مع أنها جائزة إلى أن قال: فلا ينبغي التوقف في ذلك، ولا التشغيب بإنكاره وقال الشيخ أبو العباس المرسي –﵀-: ليكن ذكرك الله فإن هذا الاسم سلطان الأسماء وله بساط وثمرة فبساطه العلم وثمرته النور وليس النور المقصودا لذاته بل لما يقع به من الكشف والعيان فينبغي الإكثار من ذكره واختياره على سائر الأذكار لتضمنه لجميع ما في لا إله إلا الله من العقائد والعلوم والآداب والحقوق فإنه يأتي في (الله) وفي (هو) ما لا يأتي في غيرهما من الأذكار اهـ. وقال الشيخ زورق: ولهذا اختاره المشايخ ورجحوه","vol":"1","page":112},{"text":"على سائر الأذكار وجعلوا له خلوات ووصلوا به إلى أعلى المقامات والولايات وإن كان فيهم من اختار في الابتداء لا إله إلا الله وفي الانتهاء الله الله. وقال ابن حجر في الفتاوى الحديثية: ذكر لا إله إلا الله أفضل من ذكر الجلالة مطلقا بلسان أهل الظاهر. وأما أهل الباطن فالحال عندهم يختلف باختلاف حال السالك فمن هو في ابتداء أمره ومقاساة شهود الأغيار وعدم انفكاكه عن التعلق بها يحتاج إلى النفي والاثبات حتى يستولي عليه سلطان الذكر فإذا استولى عليه فالأولى له لزوم الإثبات أعني (الله الله) وبهذا يتبين أن الذكر بالاسم المفرد لا مانع منه شرعا. إذ لم يرد نهي عنه من الشارع يفيد كراهته أو تحريمه.","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الشبه التي يتمسك بها الذين يحرفون الذكر وردها</span>\nقالوا يجوز الذكر بجميع الأسماء. بايل. ولاها. ونسبوا ذلك للفقيه ابن حجر- رحمه الله تعالى- لورود الشرع بذلك لأن أي اسم الرحمن ولاها اسم المحبوب. والجواب أن نسبة هذا لابن حجر فرية مافيها مرية، وكيف يقول مؤمن بصحة هذه النسبة له ﵀، وهو قد ألف كتابه المسمى: بكف الرعاع عن محرمات اللهووالسماع: قصد به الرد على هؤلاء الجهلة الكذابين، وشنع عليهم في نسبتهم القول بجواز الرقص للعلامة العز بن عبد السلام.\nثم يقال لهم إن أردتم جميع الأسماء الواردة في الشرع كما يدل عليه التعليل بقولكم لورود الشرع إلى آخره. ورد أن الشرع لم يثبت إطلاق ايل ولاها عليه تعالى لابطريق صحيح ولاغيره، فقولهم لأن","vol":"1","page":113},{"text":"ايل اسم الرحمن ولاها اسم المحبوب ممنوع، ومن أين لهم ذلك ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة:١١١) (على) أن كون لاها اسم لايسوغ إطلاقه على الله ﷾، إلا على قول ضعيف، وهو جواز إطلاق مادل على كمال ولم يوهم نقصا (نعم) قيل إن ايل في نحو جبرائيل بمعنى عبد، وهو غير صحيح كما قال أبو على السوسي هذا لايصح لوجهين: أحدهما أنه لايعرف من أسماء الله ايل: الثاني أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجرورا.\nوإن أرادوا جميع الأسماء مطلقا فالذي عليه المحققون أن أسماء الله تعالى توقيفية، فلا يجوز إطلاق اسم أو صفة عليه تعالى إلا إذا كان واردا في القرآن أو الاحاديث الصحيحة.\nوالمراد بالاسم مادل على الذات إما وحدها كلفظ الجلالة. وإما مع الصفة كالرحمن العالم والقادر، وبالصفة مادل على معنى زائد على الذات فقط كلفظ القدرة والعلم – هذا مختار جمهور أهل السنة للاحتياط، واحتراز عما يوهم باطلا لعظم الخطر في ذلك.\nسلمنا أنهما من الأسماء على ما فيه لكنه مخصوص بذكرهما مفردين بأن يقال يا ايل ويا لاها. ولا واقعين في كلمة التوحيد (كلا ايلاها إلا الله) فإن الواقع فيها محدود قطعا، ولا يقول مسلم بأن ايل ولاها الواقعين اسمان من أسماء الله تعالى لما يلزم عليه من الكفر بنفي وجود ايل وهو الله تعالى على زعمه، والتناقض في الكلمة المشرفة التي هي أفضل الكلام ومفتاح الاسلام، وغير ذلك من المفاسد بل","vol":"1","page":114},{"text":"يخشى على فاعلها الكفر كما ذكره العلامة الأخضري والعلامة الأمير والعارف الدردير وغيرهم من المحققين حيث قالوا: يحرم تقطيع أسماء الله تعالى بل ربما يخشى على من حرفها وقطعها الكفر والعياذ بالله تعالى وبينوا التحريف والتقطيع كما سبق.\nوقالوا أيضا يجوز الذكر بهو وها وهي، الجواب أنها دعوى لا دليل عليها فإن ها وهي من الضمائر المؤنثة فلا يجوز الذكر بها إذ لم ترد لا في كتاب ولا سنة وما وقع في كتب المخذولين لا يلتفت إليه.\nويجوز الذكر بهو لأنه من أسماء الله المضمرة وقد ورد كتابًا وسنةً وقالوا يجوز الذكر بلفظ (أه) لما ورد أنه الاسم الأعظم. ونقول لهم لم يثبت من طريق صحيح أنه اسم من أسمائه تعالى، وقد علمت أن أسماءه تعالى توقيفية. فلا يجوز الذكر به - وما قيل في بعض الحواشي من أنه الاسم الأعظم لا سند له، وما يروى من أن النبي صلوات الله وسلامه عليه زار مريضا كان يئن، وأن أصحابه ﵊ نهوه عن الأنين، وأنه ﵊ قال لهم: \"دعوه فإنه يذكر اسما من أسمائه تعالى\" لم يرد في حديث صحيح ولا حسن كما قرره الثقات – وقد أفتى المرحوم الشيخ محمد أبو الفضل شيخ الجامع الأزهر في هذه المسألة فقال –رحمة الله عليه - ما نصه أن هذا اللفظ المسئول عنه (أه) بفتح الهمزة وسكون الهاء ليس من الكلمات العربية في شيء، بل هو لفظ مهمل لا معنى له مطلقا، وإن كان بالمد فهو إنما يدل في اللغة العربية على التوجع، وليس من أسماء","vol":"1","page":115},{"text":"الذوات فضلا عن أن يكون اسما من أسماء الله الحسنى التي أمرنا أن ندعوه بها إلى أن قال -﵀-: ولا يجوز لنا التعبد بشيء لم يرد الشرع بجواز التعبد به، وفي الصحيحين عن عائشة –﵂-، عن النبي ﷺ أنه قال: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" الخ ما قرره رحمة الله عليه.\nوقالوا يجوز الذكر بحرف واحد كما ورد في أوائل السور ككاف وهاء وياء وعين وص – ويجوز الذكر بأسماء الله طرا.\nونقول لهم هذا اختراع وابتداع إذ لم يرد عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من السلف الصالح أنهم ذكروا بحرف واحد وهم القدوة لنا في سائر أنواع العبادات خصوصا ذكرالله الذي هو أكبر- وقولهم كما ورد في أوائل السور تمثيل أو تنظير غير صحيح، إذ لم يرد في كتاب ولا سنة أن هذه الحروف أسماء لله تعالى- غاية ما في الباب أن بعض العلماء وهو قول مغضوض عنه، ثم على تسليمه لا يكون المقتطع من الاسم اسما فلا يكون التكلم بالمقتطع ذكرا لاسم الله تعالى- ونعوذ بالله من سوء التأويل. والجراءة على ذكر الجليل، والأعجب من هذا جعله دليلا على ما ادعاه أو تمثيلا لما افتراه.\nويجوز الذكر بجميع أسماء الله تعالى المأخوذة من السنة ولو من غير شيخ عارف لكن به أكمل وأرجى لقطع العلائق الشيطانية، ولتجلي الأنوار الملكوتية- وليس عندنا لله أسماء ثابتة عن غير رسول الله ﷺ وأتباعه الآخذين عنه. إذ لا طريق إلى الله إلا تعالى ومعرفة","vol":"1","page":116},{"text":"أسمائه إلا هو، وغيره طريق الشيطان.\nوقالوا: يجوز الرقص حالة الذكر بدليل فعل الحبشة في المسجد بين يدي رسول الله ﷺ ولم ينكر عليهم، وكان رقصهم بالوثبات والوجد ففي الصحيحين عن عائشة –﵂- أنها قالت: \"لقد رأيت رسول الله ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون بالحراب والدرق في المسجد حتى أكون أنا التي أسأمه\" وكان ذلك يوم عيد الفطر.\nونقول لهم هذا قول باطل مناقض لقواعد الشرع الشريف لقوله ﷺ: \"شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار\" (١) وقائله كأنه ممن يحرفون الكلم عن مواضعه- والاستدلال بفعل الحبشة في المسجد بحضرته ﷺ استدلال باطل لأن ذلك كان تمايلا بالحراب للتدريب على استعمال السلاح كما شرعت المسابقة، وكما أبيح التبختر في الحرب وإن كان ممنوعا في غيره كما قال ﵊: \"إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن\" (٢) وأين هذا من الرقص الذي هو هز المعاطف والأكمام. الذي لا يفعله إلا الفساق من العوام (قال في المدخل) وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلا جسد له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل، وحاشا\n_________\n١- سبق تخريجه\n٢- سيرة ابن هشام، ج٣، ص١٢٨١","vol":"1","page":117},{"text":"لله أن يقول هذا القول الشنيع حجة المسلمين وإمام العاملين الإمام ابن حجر أمطر الله على جدثه صبيب الرحمة والرضوان انتهى.\nونقل القرطبي عن الإمام الطرسوسي أنه سئل عن قوم في مكان يقرؤون شيئا من القرآن ثم ينشد لهم منشد شيئًا من الشعر فيرقصون ويطربون ويضربون بالدف والشبابة هل الحضور معهم حلال أو لا؟\nفأجاب مذهب السادة الصوفية أن هذا بطالة وضلالة. وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ. وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حوله ويتواجدون وهو - أي الرقص- دين الكفار وعباد العجل. وإنما كان مجلس النبي ﷺ مع أصحابه كأنما على رؤسهم الطير من الوقار (فينبغي) للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا أن يعينهم على باطلهم هذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم من أئمة المسلمين اهـ.\nوقال الإمام الكبير ابن قدامة جوابا عن مثل هذا السؤال: إن فاعل هذا مخطئ ساقط المروءة –والدائم على هذا الفعل مردود الشهادة في الشرع غير مقبول القول، فإن هذا معصية ولعب ذمه الله تعالى ورسوله، وكرهه أهل العلم وسموه بدعة، ونهوا عن فعله، ولا يتقرب إلى الله تعالى بمعاصيه، ولا يطاع بارتكاب مناهيه، ومن وسيلته إلى الله سبحانه معصية كان حظه الطرد والإبعاد، ومن اتخذ اللهو واللعب","vol":"1","page":118},{"text":"دينا كان كمن سعى في الأرض بالفساد، ومن طلب الوصول إلى الله سبحانه من غير طريق رسول الله - ﷺ- وسنته فهو بعيد عن الوصول إلى المراد اهـ.\nوتمسكوا أيضا بحكايات كثيرة عن المشايخ ذكرها الإمام القشيري وغيره زاعمين أن هؤلاء المشايخ عرفت فضائلهم وصحت كراماتهم فأطباقهم على حضور مجلس السماع والغناء وتواجدهم وركضهم ورقصهم دليل على إباحة ذلك.\nونقول لهم إننا لا ننفي جوازه إلا عند وجود تثن وتكسر فمن أي؟ إن أولئك المشايخ تثنوا أو تكسروا (سلمنا) أنه فعلوا ذلك فمن أين؟ إنهم لم يحصل لهم وجد أخرجهم عن حالة الاختيار إلى حالة الاضطرار (على أنا) لا نسلم تلك الحكايات عن أولئك فلعلها مما أدخله أهل الزندقة على أهل الإسلام كما كذبوا على رسول الله ﷺ بم لا يحصى (سلمنا صحتها) وأنهم فعلوها اختيارا فالحجة فيما جاء عنه ﷺ وعن الأئمة بعده، وقد بينا أن ذلك لم يكن طريقهم ولا سبيلهم، وأن ذلك مما أحدث بعدهم، فقد تناوله قوله ﷺ: \" وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة\" وظهور الكرامات لا يدل على العصمة، بل على قرب من ظهرت عليه ي حال ظهورها عليه - مع وجواز تلبسه بعد ذلك بكبيرة يتوب الله عليه منها (ومن ثم) قيل للجنيد سيد الطائفة أيعصى الولي فقال: وكان أمر الله قدرا مقدورا- وقال ابن عبد السلام: أخطأ من زعم أن الولاية تنافي ارتكاب الصغائر- ففعلهم لذلك على فرض أنه","vol":"1","page":119},{"text":"باختيارهم وفيه تثن أو تكسر يكون صغيرة وهي لا تنافي الولاية- وما أحسن ما قاله الأستاذ الكبير إمام العارفين أبو علي الروذباري لما سئل عمن يسمع الملاهي ويقول هي حلال لأنني قد وصلت إلى درجة لا يؤثر في اختلاف الأحوال فقال –﵀-: نعم قد وصل لكن إلى سقر.\nومن قبائحهم التصفيق حالة الذكر فإنه خفة ورعونة مشابهة لرعونة الإناث لا يفعله إلا أرعن أو متصنع جاهل، يدل على جهالة فاعله ...\nإن الشريعة لم ترد به لا في كتاب ولا سنة ولا فعل ذلك أحد من الأنبياء ولا معتبر من أتباع الأنبياء، وإنما يفعله السفهاء الذين التبست عليهم الحقائق بالأهواء – وقد حرم بعض العلماء التصفيق على الرجال لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم (إنما التصفيق للنساء) .","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>مصادر ومراجع</span>\n...\nفهرس المصادر\n(١) إصلاح المساجد، للقاسمي. ط المكتب الإسلامي، بيروت.\n(٢) اقتضاء الصراط المستقيم، لابن تيمية. ط بيروت، ت: محمد حامد الفقي، وطبعة أخرى تحقيق: د. ناصر العقل.\n(٣) الآداب الشرعية، لابن مفلح. ط بيروت.\n(٤) الإبداع في مضار الابتداع، لعلي محفوظ. ط دار الاعتصام بمصر.\n(٥) الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، لصالح الفوزان. ط دار العاصمة، الرياض.\n(٦) الاعتصام، للشاطبي. ط بيروت.\n(٧) الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع، للسيوطي. ط دار ابن القيم، الدمام، وطبعة أخرى مصرية.\n(٨) الأم. للشافعي. ط دار الشروق، بيروت.\n(٩) الأوسط. لابن المنذر. ط دار طيبة، الرياض.\n(١٠) بدائع الصنائع، للكاساني. ط دار الكتاب العربي، بيروت.\n(١١) البداية والنهاية، لابن كثير. ط مكتبة المعارف، بيروت.\n(١٢) البدع المنكرة، د. وهبة الزحيلي. ط دمشق.\n(١٣) تاريخ الأمم والملوك، للطبري. دار سويدان، بيروت.","vol":"1","page":121},{"text":"(١٤) تحفة الأحوذي، للمباركفوري. ط دار الكتاب العربي.\n(١٥) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير. ط دار الفكر.\n(١٦) تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي لمحمد أحمد لوح. ط دار الهجرة بالدمام.\n(١٧) تقريب التهذيب، لابن حجر. ط دار الرشيد، وط دار المعرفة.\n(١٨) تيسير الكريم المنان. السعدي. ط السعيدية، وط الرسالة.\n(١٩) التحقيق والإيضاح لكثير من مناسك الحج والعمرة، لعبد العزيز بن باز. ط الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية، الرياض.\n(٢٠) الجامع الصحيح (سنن الترمذي) . ط دار الكتب العلمية.\n(٢١) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم. ط دار الكتب العلمية.\n(٢٢) حلية الأولياء، لأبي نعيم الأصبهاني. ط دار الكتب العلمية.\n(٢٣) الحاوي للفتاوى، للسيوطي. ط المكتب الإسلامي.\n(٢٤) الحوادث والبدع. ط دار الراية بالرياض.\n(٢٥) دراسات في الأهواء. د. ناصر العقل، ط دار الوطن.\n(٢٦) الدر الثمين والمورد المعين، لمحمد بن أحمد ميارة المالكي.\n(٢٧) الدرر السنية. جمع ابن قاسم، ط بيروت.\n(٢٨) سير أعلام النبلاء، للذهبي. ط مؤسسة الرسالة.\n(٢٩) السنن، لا بن ماجه. ط دار الفكر العربي.\n(٣٠) السنن، لأبي داود. ط دار الكتاب العربي، وط دار الحديث، سوريا.","vol":"1","page":122},{"text":"(٣١) السنن، للدارمي. ط بيروت.\n(٣٢) السنن، والمبتدعات للقشيري. ط القاهرة.\n(٣٣) السنن الكبرى. البيهقي. ط دار المعرفة، بيروت.\n(٣٤) صحيح البخاري، للبخاري. ط مصطفى البغا.\n(٣٥) صحيح سنن ابن ماجه. الألباني. ط مكتب التربية العربي.\n(٣٦) صحيح سنن أبي داود. الألباني. ط مكتب التربية العربي.\n(٣٧) صحيح مسلم، لمسلم بن الحجاج. ط الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية، الرياض.\n(٣٨) علم أصول البدع. علي عبد الحميد، ط دار الراية، الرياض.\n(٣٩) عمل اليوم والليلة، لابن السني. ت: أبي محمد السلفي، ط دار المعرفة، بيروت.\n(٤٠) عون المعبود، لشمس الحق العظيم الآبادي. ط مكتبة ابن تيمية، القاهرة.\n(٤١) فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا. ط بيروت.\n(٤٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني. ط السلفية، وط الريان.\n(٤٣) الفتاوى الإسلامية، لابن عثيمين. ط دار الوطن.\n(٤٤) الفتوى الكبرى المصرية، لابن تيمية. ط دار المعرفة.\n(٤٥) الفتوحات الربانية. لابن علان، ط دار إحياء التراث، بيروت.\n(٤٦) القاموس المحيط، للفيروز آبادي. ط مؤسسة الرسالة، بيروت.","vol":"1","page":123},{"text":"(٤٧) القواعد والأصول الجامعة، للسعدي. ط بيروت.\n(٤٨) كتاب التحقيق، للنووي، ط بيروت.\n(٤٩) كتاب الضعفاء والمتروكين، للنسائي. ط مؤسسة الكتب الثقافية، وط دار القلم.\n(٥٠) الكتاب المصنف، لابن أبي شيبة. ط الدار السلفية، الهند، وط بيروت.\n(٥١) لسان العرب، لابن منظور. ط المؤسسة المصرية العامة للتأليف. وط دار صادر.\n(٥٢) لسان الميزان، لابن حجر. ط مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.\n(٥٣) اللؤلؤ والمرجان. ط دار الحديث، القاهرة.\n(٥٤) ما جاء في البدع، لابن وضاح. تحقيق: البدر، ط دار الصميعي، وط دار الكتب العلمية.\n(٥٥) مجموع فتاوى شيخ الإسلام، لابن تيمية. ط مؤسسة الرسالة.\n(٥٦) مسك الختام في الذكر والدعاء بعد السلام. لأحمد بن سعيد الأنبالي، دار ابن حزم، بيروت.\n(٥٧) مناسك الحج والعمرة، للألباني. ط بيروت.\n(٥٨) ميزان الاعتدال، للذهبي. ط دار المعرفة، بيروت.\n(٥٩) المجموع، للنووي. ط مكتبة ابن تيمية.\n(٦٠) المحلى لابن حزم. ط دار الآفاق الجديدة.","vol":"1","page":124},{"text":"(٦١) المسند، للإمام أحمد بن حنبل. ط المكتب الإسلامي.\n(٦٢) المغني، لابن قدامة. ط دار هجر بمصر.\n(٦٣) المفردات، للراغب. ط دار المعرفة، بيروت، طبعة أخرى.\n(٦٤) الموسوعة الفقهية. ط وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويت.","vol":"1","page":125}]}